Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — الأحزاب 33:14 – الأحزاب 33:25

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. الأحزاب 33:14
  2. الأحزاب 33:15
  3. الأحزاب 33:16
  4. الأحزاب 33:17
  5. الأحزاب 33:18
  6. الأحزاب 33:19
  7. الأحزاب 33:20
  8. الأحزاب 33:21
  9. الأحزاب 33:22
  10. الأحزاب 33:23
  11. الأحزاب 33:24
  12. الأحزاب 33:25

الأحزاب 33:14

﴿قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ [الأحزاب: ١٣]، ﴿وَإِذْ قَالَتْ﴾ هذه معطوفة على ما سبق، ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾ يعني: واذكر هذه القولة المنكَرَة، ﴿إِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ الطائفة: الجماعة من الناس، و﴿مِنْهُمْ﴾ الضمير يعود على المنافقين كما قال المؤلف: (﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ أي: من المنافقين). ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ﴾ يثرب يقول: هي أرض المدينة، وقيل: هي المدينة نفسها، فأهل العلم بالتاريخ اختلفوا هل يثرب اسم للمكان والمنطقة التي فيها المدينة، أو أن يثرب هي نفس المدينة؟ وظاهر الحديث أن يثرب هي المدينة. وقوله: (﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ﴾: هي أرض المدينة، ولم تُصْرَف للعَلَمِيَّة ووزن الفعل)، يعني: ممنوعة من الصرف لهاتين العِلَّتَيْن العلمية ووزن الفعل، ويدل على أنها ممنوعة من الصرف أنها جُرَّت بالفتحة؛ لأنه مضاف إليها، وحق المضاف إليه أن يكون مجرورًا، وهنا الكلمة مفتوحة؛ لأنها تُجَرّ بالفتحة كسائر الأسماء التي لا تنصرف. وقول المؤلف: (للعَلَمِيَّة ووزن الفعل)؛ لأن يثرب التي هي اسم على وزن يثرب الذي هو فعل، ولها علة أخرى غير وزن الفعل، وهي التأنيث، العَلَمِيَّة والتأنيث؛ لأنها اسم لبقعة، وكأن المؤلف رحمه الله قال: (للعلمية ووزن الفعل) ليشير إلى أن هذه الكلمة (يثرب) مأخوذة من التثريب، وهو اللوم والتوبيخ، وما أشبه ذلك من الكلمات التي فيها عَتْب، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى، يَقُولُونَ: يَثْرِبُ، وَهِيَ الْمَدِينَةُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٧١)، ومسلم (١٣٨٢ / ٤٨٨) عن أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وهذا دليل على أن الرسول عليه الصلاة والسلام كَرِهَ أن تسمى يثرب، وهو أحد القولين في المسألة. وأما الحديث الذي رُوِيَ: «مَنْ قَالَ لِلْمَدِينَةِ: يَثْرِبُ، فَلْيَسْتَغْفِرِ اللهَ»[[أخرجه أبو يعلى في مسنده (١٦٨٨) عن البراء بن عازب رضي الله عنه. ]]، فهو ضعيف، لكن يكفي عنه هذا الحديث الذي في الصحيحين، «يَقُولُونَ: يَثْرِبُ، وَهِيَ الْمَدِينَةُ، تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٧١)، ومسلم (١٣٨٢ / ٤٨٨)، عن أبي هريرة رضي الله عنه. ]]. الحاصل أن قوله: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ﴾ كأن المؤلف رحمه الله اختار أن يقول أنه لم يؤخَذ من فعل لهذا السبب. (﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾ بضم الميم وفتحها، أي: لا إقامة ولا مكانة)، (مُقام) بضم الميم وفتحها، أيش معنى كلام المؤلف؟ هي قراءتان ﴿لَا مُقَامَ﴾ و﴿لَا مَقَامَ﴾ قال: (لا إقامة ولا مكانة)؛ (لا إقامة) تفسير للضم ﴿مُقَامَ﴾؛ لأنه من الرباعي، والرباعي يقال في مصدره الميمي: (مُقام)، و﴿مَقام﴾ : لا مكانة، على أنها اسم مكان، واسم المكان بفتح الميم، المعنى: لا موضع للإقامة، على كونها اسم مكان، أو لا إقامة لكم، لماذا يقولون: لا مُقَام لكم؟ لأنهم يريدون الفرار، ولا يريدون البقاء مع النبي ﷺ في القتال؛ إذ إنهم منافقون، والمنافق ليس صبورًا على القتال، بل لا يريد القتال، ولو ظهر الأمر في يده لقاتل مَن؟ المسلمين. وفي قوله: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ﴾ إشارة واضحة إلى القومية والعصبية؛ لأنه دعاهم باسم الوطن، ما قال: يا إخوتنا، ولا قال: يا أيها المسلمون، إنما قال: يا أهل يثرب؛ لأنه ليس عنده دين يقاتل من أجله، وإنما هو قوميّ يريد الحمية فقط. ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾، إلى أين؟ يقول المؤلف: (إلى منازلكم من المدينة، وكانوا خرجوا مع النبي ﷺ إلى سلع -جبل خارج المدينة- للقتال). وقوله: ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾ حسب ما يُعْرَف في اللغة العربية إنه نفي عامّ؛ لأن (لا) النافية للجنس تفيد العموم، يعني: ما فيها أي مقام على أي حال من الأحوال فارجعوا، ومثل هذا التعبير إذا قيل لقوم ليس في قلوبهم إيمان لا يُبْقِي منهم أحدًا، لا بد أن يرجعوا. ثم قال الله عز وجل بناء على هذا الأمر وأنه لا مقام لهم، قال: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾، هؤلاء أهون من الأولين؛ لأن الأولين دَعَوْا إلى الفرار بدون استئذان، قالوا: ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾، أما هؤلاء فإنهم يستأذنون النبي ﷺ، ولكن استئذانهم للرسول عليه الصلاة والسلام ليس كاستئذان المؤمنين الذين إذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه، لكنهم يستأذنون خداعًا وتمويهًا، ولهذا يقول: ﴿يَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾، أي: من المنافقين، النبي ﷺ إلى الرجوع ﴿يَقُولُونَ﴾. ﴿يَسْتَأْذِنُ﴾ بمعنى: يطلب الإذن؛ لأن استفعل تأتي كثيرًا بمعنى: طلب الشيء، ومنه: اسْتَغْفَرَ؛ طلب المغفرة، واستعتب؛ طلب العتب والعظة. وقوله: ﴿يَقُولُونَ﴾ الجملة إما أنها حال من ﴿فَرِيقٌ﴾، يعني: حال كونهم يقولون، وإما أن تكون عطف بيان أو بدلًا من قوله: ﴿يَسْتَأْذِنُ﴾، وكلاهما له وجه؛ أما على قولنا: إنها حال، فلأن النكرة هنا وُصِفَت، والنكرة إذا وُصِفَت تخصصت، فجاز وقوع الحال منها، أليس هذا؟ وأما على قولنا بأنها بدل أو عطف بيان فعلى حد قول ابن مالك رحمه الله، ماذا قال؟ وَيُبْدَلُ الْفِعْلُ مِنَ الْفِعْلِ كَمَنْ ∗∗∗ يَصِلْ إِلَيْنَا يَسْتَعِنْ بِنَا يُعَنْ إذن يجوز فيها وجهان؛ أن تكون بدلًا من قوله: ﴿يَسْتَأْذِنُ﴾، وأن تكون عطف بيان مثل البدل، وأن تكون حالًا من فاعل ﴿يَسْتَأْذِنُ﴾. ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ قال: (غير حصينة يُخْشَى عليها)، يقولون للرسول عليه الصلاة والسلام في مبرر الاستئذان: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ ونخشى عليها من العدو، والعورة هنا يعني غيرة حصينة؛ لأن الحصن يحميها ويسترها، كما يستر الثوب عورة الرجل، فهذا معنى قولهم: إنها عورة، يعني: مكشوفة لا يمكن أن نأمن من هجوم العدو عليها. وفي قراءة لكنها غير سبعية (عَوِرَةٌ) بكسر الواو، أي: معيبة. قال الله تعالى مبطلًا دعواهم: (﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ﴾: ما ﴿يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ )، هنا ينبغي الوقوف على قوله: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾؛ لأنك لو وصلت لأَوْهَم أن قوله: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ من قول المنافقين، فيكون في ذلك تناقض وفساد للمعنى، فتقف ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾، ثم تستأنف القراءة وتقول: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾. وقوله: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ أحب أن نسمع إعرابها من واحد منكم يا نحاة البصرة. * طالب: (...). * الشيخ: مبنية على الكسر؟ * الطالب: (...). * الشيخ: على السكون. * الطالب: الفتح. * الشيخ: الفتح؟ صح. * طالب: (...). * الشيخ: زائد إعرابًا. * الطالب: (...). * الشيخ: لو قال قائل: مَن الذي يقول: إنها حجازية؛ لأن النص ليس بظاهر على الخبر، أفلا يجوز أن تكون ﴿بِعَوْرَةٍ﴾ خبر المبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل؟ فبماذا نجيبه؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ما الدليل؟ نريد شاهدًا من القرآن يؤيد قولك. * الطالب: (...). * الشيخ: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ فنصب، فدلّ ذلك على أن القرآن نزل بمقتضى لغة الحجازيين. قال الله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾، ﴿إِنْ﴾ قال المؤلف: ما، (ما) هذه أيش معناها؟ * الطالب: (...). * الشيخ: تفسير لـ﴿إِنْ﴾؟ إذن (إن) هنا أيش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: نافية؛ لأنها فُسِّرَت بـ(ما)، و(ما) نافية، ويدل لذلك إتيان ﴿إِلَّا﴾ بعدها، ولَّا لا؟ ﴿إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾، فهذا دليل على أنها نافية، و(إن) تأتي نافية كما هنا، وتأتي شرطية، ويش مثاله؟ ﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾ [الأنفال ١٩]، وتأتي مخففة من الثقيلة، مثل؟ * الطالب: (...). * الشيخ: هذه (أَنْ). * الطالب: (...). * الشيخ: لا، هذه شرطية. * الطالب: (...). * الشيخ: (أنْ). * الطالب: (...). * الشيخ: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه ٦٣] هذه مخففة من الثقيلة، هذه ثلاث، وتأتي زائدة؟ * الطالب: (...). * الشيخ: هذه (أنْ)، ما يخالف، لو ما فيه غير القرآن، ائتوا لنا بشيء من كلام العرب ولّا من غير القرآن. * الطالب: (...). * الشيخ: .... مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ وَلَا صَرِيفٌ وَلَكِنْ أَنْتُمُ الْخَزَفُ هذه زائدة، أو لا؟ يعني: ما إن أنتم، أي: ما أنتم، ما الذي يُعَيِّن هذه المعاني؟ الذي يُعَيِّنُه السياق، وهذا باتفاق العلماء، أي: أن وجود الألفاظ المشتركة التي تتعين بالسياق ثابت في اللغة العربية. لكنهم اختلفوا في مسألة الحقيقة والمجاز؛ فمنهم من أثبت ذلك، ومنهم من نفى، وقالوا: إن المجاز والحقيقة كالاشتراك في المعنى، والاشتراك أنتم تقولون به، وهذا هو القول الراجح كما سبق عدة مرات بأن الصحيح أنه لا مجاز في اللغة العربية. يقول: ﴿إِنْ يُرِيدُونَ﴾ هذا كلام الله عز وجل، ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾، يعني: ما ﴿يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾، وهذه الجملة كما تشاهدون جملة حصرية، يعني: تفيد الحصر، أي أن هؤلاء ما لهم إرادة أبدًا سوى الفرار من القتال، فالبيوت مُحَصَّنَة، ولا يُخْشَى عليها أكثر مما يُخْشَى على المدينة، وليس لهم أي عذر إلا عذرًا واحدًا، وهو الفرار من القتال؛ لأنهم لا يريدون مواجهة العدو، بل هم العدو، كما قال الله عنهم. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا﴾ [الأحزاب ١٤]، ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ﴾، ﴿لَوْ﴾ هذه شرطية، وفعل الشرط فيها ﴿دُخِلَتْ﴾، وجواب الشرط ﴿لَآتَوْهَا﴾. ﴿لَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ الفاعل فَسَّرَه المؤلف بالمدينة، يعني: لو دُخِلَت المدينة عليهم من أقطارها، وتفسيره إياها بالمدينة يؤيده قوله في أول الآية: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾، وفَسَّرَه بعضهم بالبيوت، أي: ولو دُخِلَتْ عليهم البيوت من أقطارها. ويؤيد هذا التفسير قولهم: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾، لكن يرجِّح الأول؛ أنها المدينة، قوله: ﴿مِنْ أَقْطَارِهَا﴾؛ لأن الغالب أن كلمة ﴿مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ ما تأتي للبيوت؛ لأن البيوت صغيرة، فجهاتها لا يُطْلَق عليها قطر، وإنما الأقطار إنما تكون للشيء الكبير. ولهذا قال: (﴿مِنْ أَقْطَارِهَا﴾، أي: نواحيها)، يعني لو دَخَلَ العدو المدينة من نواحيها كلها، أو من أي ناحية منها، (﴿ثُمَّ سُئِلُوا﴾ أي: سألهم الداخلون ﴿الْفِتْنَةَ﴾، ﴿لَآتَوْهَا﴾ بالمد والقصر، أي: أَعْطَوْهَا وفعلوها). ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾ الفاعل مَن؟ نائب الفاعل المنافقون، لكن مَن السائل الفاعل في المعنى الداخل للمدينة من أقطارها، لو سألهم هذا الداخل الفتنة، الفتنة يقول المؤلف: (الشرك)، والدليل على أن الفتنة بمعنى الشرك قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة ١٩٣]، أي: لا يكون شرك. وقال الإمام أحمد رحمه الله في قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور ٦٣]، قال: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشِّرْك، هؤلاء لو دُخِلَت عليهم المدينة لم يكن عندهم إخلاص في الإسلام وبقاء عليه، بمجرد ما يسألهم الداخلون الكفرَ يوافقون عليه؛ لأنهم قوم لا يريدون إلا الدنيا فقط، يريدون أن يعيشوا في الدنيا ولو عيشة الحمار، أما أن يعيشوا عيشة المؤمنين فإنهم لا يريدون هذا، ولذلك يقول: ﴿لَوْ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾، (...). قصر، و(آتوها) هذا المد، والفرق بينهما أن (أتى) بمعنى: جاء، و(آتى) بمعنى: أعطى، وتفسير القراءتين أو مجموع التفسير يدل على أنهم يُعْطُون ما سُئِلُوا، ويأتون إليه بانقياد، يعني أتى الشيء يعني: جاءهم باختياره، وآتاه بمعنى أعطاه ولو عن كُرْه، ولكن مع ذلك هؤلاء قوم يُعْطُون ما سُئِلُوا أيش؟ عن اختيار، ولهذا في القراءة الثانية ﴿لَأَتَوْهَا﴾ لجاؤوها. فصار هؤلاء القوم الذين يَعْتَذِرُون، أو الذين يستأذنون النبي ﷺ بحجة أن بيوتهم عورة، صار الأمر خلاف ما قالوا؛ لأن الله أَخْبَرَ عنهم، وهو سبحانه وتعالى أعلم بما في قلوبهم، وهذا من اطِّلَاع الله تعالى على ما في القلوب، أخبر عن أمر مستقبل لم يقع يصدر ممن؟ من قوم لا نعلم نحن ما في قلوبهم، ولكن الله يعلم، والله عز وجل يعلم ماذا يحدث من عبده لو حصل لهم ما يحصل به هذا القصد. بل إنه سبحانه وتعالى يعلم أبلغ من ذلك، قال عن الذين يقولون: إنهم لو رُدُّوا إلى الدنيا لعملوا صالحًا، قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام ٢٨]؛ لأنه سبحانه وتعالى يعلم ما في قلب الإنسان، قال: ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾، ﴿لَأَتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾ ، تلبثوا بمعنى: تَرَيَّثُوا، يعني: لا يتريثون في إعطاء الفتنة وقبولها إلا يسيرًا. قوله: ﴿إِلَّا يَسِيرًا﴾ قيل: إن هذا بمعنى إلا عدمًا؛ لأن اليسير والقليل قد يراد به العدم. وقال بعضهم: ﴿إِلَّا يَسِيرًا﴾ أي: إلا قليلًا على وجه الحقيقة، وهذا الزمن اليسير هو ما بين السؤال والجواب، يعني: ما بين أن يُسْأَلُوا ثم يُجِيبُوا، هذه المسافة من المدة طويلة ولَّا لا؟ قصيرة جدًّا، هي كالمسافة التي بين قول القائل: بعتك هذا الشيء، فيقول المشتري: قبلت، يعني أنهم -والعياذ بالله- لا يتلبثون ولا يتريثون أبدًا، بل يقبلون فورًا، ليس بين قبولهم وسؤال الفتنة إلا ما بين مُدَّتَيِ السؤال والجواب. وفي الحقيقة أن هذه المدة القصيرة كالعدم، ولهذا فُسِّرَ قوله: ﴿إِلَّا يَسِيرًا﴾ يعني: إلا عدمًا. ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ [الأحزاب ١٥]، ﴿وَلَقَدْ كَانُوا﴾ الجملة هذه مُؤَكَّدَة بكم من مؤكد؟ * الطالب: (...). * الشيخ: الواو ما هي مؤكدة. * الطالب: (...). * الشيخ: باللام وقد، أيش بعد؟ نحن قلنا: ثلاثة. * الطالب: (...). * الشيخ: قسم مُقَدَّر، كلما جاء مثل هذا التعبير في القرآن فإنه مُؤَكَّد بالمؤكدات الثلاثة، يعني: والله لقد كانوا عاهدوا الله من قبل، القَسَم تقدَّم لنا أن الله تعالى يُقْسِم عن الشيء لا في جانب الإنكار، ولكن في جانب الأهمية، وقد يقسم عليه في جانب الإنكار مثل: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن ٧]. هنا أَكَّدَ الله تعالى هذا العهد منهم أنهم عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار، وهذا العهد بينهم وبين الرسول عليه الصلاة والسلام، والمعاهدة مع الرسول ﷺ معاهدة مع الله، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح ١٠]، فهم عاهَدُوا الرسول عليه الصلاة والسلام ألَّا يَفِرُّوا ولا يُوَلُّون الأدبار، ولكنهم نقضوا العهد؛ لأن نقض العهد والخيانة والكذب من خصال مَن؟ مِن خصال المنافقين، تلك سجية فيهم، نسأل الله العافية. ﴿عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ﴾، ما محل قوله: ﴿لَا يُوَلُّونَ﴾ من الإعراب؟ قال بعضهم: إنه لا محل لها من الإعراب؛ لأنها جواب لقوله: (عاهد)، وقال بعضهم: إنها بيان للمعاهدة، يعني: إن المعاهدة اللي وقعت أنهم لا يُوَلُّون الأدبار. كلمة ﴿لَا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ﴾ تحتاج إلى مفعولين؛ المفعول الأول الأدبار، والمفعول الثاني محذوف، والتقدير: لا يولون عَدُوَّهم أدبارَهم، تولية الدُّبُر معناه: الانصراف والانحراف، فبدلًا من أن تكون وجوههم نحو العدو تكون أدبارهم نحو العدو، فهم أقسموا بالأول وعاهدوا أنهم لا يولون الأدبار عند ملاقاة الأعداء، ولكنهم نقضوا العهد، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ قال المؤلف: (﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ عن الوفاء به). فعلى هذا تكون المسؤولية ما هي عن العهد نفسه، بل عن الوفاء به، فالعهد مسؤول، يعني مسؤول عن الوفاء به، والسؤال عن الوفاء به سؤال عن وقوعه أيضًا، فيقال –مثلًا-: أليس بيني وبينك عهد؟ ألم تنقض العهد؟ فيكون السؤال عن نفس العهد وعن الوفاء به، هذه المسؤولية متى تكون؟ في الدنيا أو في الآخرة؟ أما المسؤولية التي بين الإنسان وبين ربه فإنها في الآخرة، وأما المسؤولية التي تكون بينه وبين الناس فهي في الدنيا يطالَب بالوفاء بالعهد، ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾. ثم قال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ [الأحزاب ١٦]، ﴿لَنْ﴾ تفيد ثلاثة أشياء، يذكرها لنا الأخ. * طالب: (...). * الشيخ: النفي، والنصب. * الطالب: (...). * الشيخ: أيش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا. * الطالب: (...). * الشيخ: والاستقبال، يعني أن الفعل المضارع محتمل لأن يكون للحال أو للاستقبال، فإذا دخلت عليه (لن) تَعَيَّنَ أن يكون للاستقبال، وهل (لن) للنفي المؤبَّد؟ يعني تستلزم وتقتضي النفي المؤبد؟ ولَّا تكون للتأبيد ولغير التأبيد؟ * الطالب: (...). * الشيخ: دائمًا لغير التأبيد؟ * الطالب: (...). * الشيخ: وتكون للتأبيد؟ * الطالب: (...). * الشيخ: يعني تكون لهذا ولهذا؟ هات مثالًا على التأبيد؟ * طالب: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة ٢٤]؟ * الشيخ: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾، والآية اللي معنا للتأبيد، ﴿لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾، وتأتي لغير التأبيد؟ * الطالب: (...). * الشيخ: الظاهر أنها للتأبيد هنا، أو ربما يضرونهم بأكثر من الأذى، أيش تقولون في هذه الآية، هل هي للتأبيد ولَّا لغير التأبيد؟ ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ [آل عمران ١١١] هل إنهم قد يَضُرُّون المؤمنين بغير الأذى، أو لا يضرونهم إلا أذى؟ * طالب: (...). * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة ٩٥] هذه للتأبيد؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ما هو قد يتمنون الموت؟ في عذاب النار يتمنون الموت. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، في الدنيا ما يتمنون الموت، ولكن حتى في الدنيا مؤكَّدة بقوله: أبدًا، الصحيح أن (لن) لا تقتضي التأبيد، كما قال ابن مالك: وَمَنْ رَأَى النَّفْيَ بِلَنْ مُؤَبَّدَا ∗∗∗ فَقَوْلَهُ ارْدُدْ وَسِوَاهُ فَاعْضُدَا ما يمكن أن تأتي للتأبيد أبدًا، يعنى معناه لا تستلزم التأبيد، وإلا قد تفيده، ولهذا قال أهل السنة: إن قول الله تعالى لموسى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ لا يستلزم أنه لا يرى الله لا في الدنيا ولا في الآخرة، وأما المعتزلة ومُنْكِرُو رؤية الله سبحانه وتعالى فإنهم يقولون: (لَنْ) تفيد التأبيد، فتدل على أن الله لا يُرَى أبدًا، إي نعم. ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ يعني: فإن لم تَفِرُّوا من الموت أو القتل نفعكم الفرار؟ هذا القيد لبيان الواقع؛ لأنه لا فرار إلا إذا فَرُّوا، فهو لا ينفعهم أي شيء من الموت أو القتل. قال: ﴿وَإِذًا﴾ يعني: لو فُرِضَ أنكم فررتم من الموت أو القتل، (﴿وَإِذًا﴾ إن فررتم ﴿لَا تُمَتَّعُونَ﴾ فِي الدنيا بعد فراركم، ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ بقية آجالكم). يعني: على فَرْض أنكم فررتم من الموت أو من القتل، فهل ستبقون في الحياة؟ لا، ما يبقون، إن فَرُّوا لا يُمَتَّعُون إلا قليلًا، وهو بقية آجالهم، هذا على تقدير فرارهم، وحينئذ ما الفائدة من أن يَدَعَ الإنسان القتال المفروض عليه ويُوَلِّي الدُّبُر لأمر قد ينفعه وقد لا ينفعه، قد يموت في حال التولي، وقد يبقى ويُعَمَّر، لكن لو بقي وعُمِّرَ سيبقى أبدًا؟ لا، لا يُمَتَّع إلا قليلًا، مهما طال الأمد به فإنه قليل، ولهذا الدنيا كلها بالنسبة للآخرة ليست بشيء، قال الله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى١٦ ١٧]. وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن موضع سَوْط الإنسان في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها، فمتاع الدنيا في الحقيقة ليس بشيء بالنسبة لوقت الآخرة، ولهذا قال: ﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. ثم هناك شيء آخر لو قُتِلُوا في سبيل الله فإنهم قُتِلُوا ولكنهم أحياء، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة ١٥٤]، هذا القول باللسان نُهِينَا عنه، وحتى الظن بالقلب نُهِينَا عنه، ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران ١٦٩]. فلا يجوز القول ولا الحسبان بأن مَن قُتِلَ في سبيل يكون ميتًا، بل هو ميت البدن، لكنه حَيّ الروح حياة برزخية، وليست كحياة الدنيا، ولو كانت كحياة الدنيا ما جاز أن يُدْفَن هؤلاء؛ لأننا لو دَفَنَّاهم وهم أحياء حياة دنيوية لكنا قد قتلناهم وأهلكناهم، وبهذا نعرف ضلال مَن قالوا: إنهم أحياء يَسْأَلُون لك إذا سألتهم أن يدعوا الله لك، ويجيبونك، ويتوصَّلُون بهذا الشيء إلى الإشراك بهم، وبالأنبياء، وبمن يدعونهم أولياء. * طالب: (...). * الشيخ: لأجل تعميم الأحوال، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة ٨]، أو يقال أيضًا: هؤلاء الذين جاؤوا للقتال قد يموتون بدون قتل. * الطالب: (...). * الشيخ: خاص بالشهداء ومَن هو أفضل منهم، هذا هو الظاهر، ويحتمل أن يكون هذا خاصًّا بالشهداء؛ لأن الشهداء تعرَّضُوا للموت ابتغاء وجه الله، وبعض أهل العلم يقول: إذا ثبت هذا للشهداء في الحياة البرزخية، فلمن هو أفضل منهم أثبت، مثل الصديقين والأنبياء. ولكن عندي أن فيه احتمالًا بأن هذا خاص بالشهداء، وذلك لأن الشهيد ليس كغيره، الشهيد عَرَّض نفسه للموت، وباع نفسه، فيجازَى بأن يكون حيًّا، لكن المشهور أنّ مَن هو أعلى من الشهداء له ذلك الحكم، والأنبياء لهم خصيصة أخرى أيضًا ما هي بغيرهم، وهي أن الأرض لا تأكل أجسادهم. * طالب: (...). * الشيخ: ما يحصل لهم هذا (...)، هم عَرَّضُوا أنفسهم لكنهم ما قُتِلُوا. * الطالب: (...). * الشيخ: ما نجزم بهذا الشيء، والمسألة فيها كما قلت، رأي أكثر أهل العلم الذين اطلعت عليهم أنهم يقولون: إن مَن كان أعلى منهم مرتبة فهو أولى منهم بذلك. (...) ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة ٨٨]، ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء ٤٦]، ومثل هذا التعبير ذَكَرَ المفسرون أنه يراد به العدم، يعني: لا يؤمنون أبدًا. ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾، انتهينا من التي قبلها؟ * في هذه الآية الكريمة: بيان إرجاف المنافقين بالمؤمنين، والإرجاف هو أن يذكر الإنسان ما يكون به الخوف والقلق، هذا الإرجاف، وفيه في باب القتال مُرْجِف ومُخَذِّل، والفرق بينهما أن الْمُرْجِف مَن يُخَوِّف، والْمُخَذِّل مَن يُقَلِّل الرغبة في الخير، هذا الفرق بينهما، فالمرجف يُرْهِبهم، وأما الْمُخَذِّل فهو يثبط عزيمتهم، يقول: مال هي مآل؟ أيش الفائدة وأيش كذا وكذا؟ فبينهما فرق، هؤلاء مُرْجِفُون ولَّا مُخَذِّلُون ؟ مُرْجِفُون، ما فيه مقام هنا؛ لأنه خطر عليكم، ولهذا قالوا: ﴿فَارْجِعُوا﴾، فيستفاد منه أن المنافقين من شأنهم الإرجاف بالمؤمنين. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الاعتزاز بالوطن من صفات المنافقين؛ لقول لقولهم: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ﴾، وقصدهم بذلك إِحْمَاءُ حَمِيَّتهم الوطنية، وأما الحديث الذي يُرْوَى: «حُبُّ الْوَطَنِ مِنَ الْإِيمَانِ»[[انظر كشف الخفاء (١ / ٣٩٨). ]] فإنه كذب على الرسول عليه الصلاة والسلام، ما هو صحيح. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز تسمية المدينة بيثرب، هكذا استدل به بعضهم. * الطالب: (...). * الشيخ: ما يستفاد؟ وجه قول هذا القائل: إن الله تعالى حكاه عنهم وأقَرَّه، ولكن بعض أهل العلم قال: لا يدل على ذلك، بل إنما يدل على العكس، وأما تسميتها بيثرب إنما يكون من المنافقين؛ لأن الله تعالى يحكي الكفر عن الكافرين، يحكي كل ما يقوله هؤلاء الكفار من المنافقين وغيرهم، وهل ما حكاه عنهم من الكفر إقرار له؟ لا. إذن يستفاد من الآية أن تسمية المدينة بيثرب من شأن المنافقين، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يَقُولُونَ: يَثْرِبُ، وَهِيَ الْمَدِينَةُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٧١)، ومسلم (١٣٨٢ / ٤٨٨) عن أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وهذا واضح بأن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يَرْتَضِ هذه التسمية. * ويتفرع على هذا الفائدة: بيان ما كان عليه من أولئك المؤرِّخِين، لا نقول: العرب، نقول: الإسلاميين الذين هم إمَّعَة، جاء المستشرقون فكانوا يتحدثون عن الرسول عليه الصلاة والسلام باسم محمد فقط، قالوا: محمد، كما قال الكفار في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، ويتحدثون عن المدينة بأنها يثرب، فجاء هؤلاء المساكين يُقَلِّدُون أولئك المستشرقين، فصاروا يُعَبِّرُون عن الرسول بكلمة محمد، ويعبرون عن المدينة بكلمة يثرب، وكأن هذا هو الفخر والرقي. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أولئك الْمُرْجِفِين لم يقتصروا على الإرجاف، بل ضَلَّلُوا الناس بقولهم: ﴿فَارْجِعُوا﴾. * ويتفرع على هذا: أن كل مَن دعا إلى الرجوع عن الحق ففيه شبه بمن؟ بالمنافقين؛ لقوله: ﴿فَارْجِعُوا﴾، هؤلاء أَرْجَفُوا أولًا، ثم دَعَوْا إلى الترك، ﴿فَارْجِعُوا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾ إلى آخره: بيان مَكْر المنافقين، حيث جاؤوا يستأذنون الرسول ﷺ تمويهًا، وإلا ليس في نيتهم البقاء، لكن يُمَوِّهُون، ﴿يَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾، ففيه دليل على تمويه المنافق، وإظهار حاله بحال المؤمن المنقاد الذي لا ينصرف إلا بعد الاستئذان، مع أن الاستئذان في مثل هذا الأمر، أو في مثل هذا الحال من شأن مَن؟ الاستئذان بالحق من شأن المؤمنين، أو لا؟ كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور ٦٢]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من شأن المنافقين الكذب؛ لقوله: ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾، وهم كاذبون. * ومن فوائدها: بيان إحاطة علم الله تعالى بما في القلوب؛ لقوله: ﴿إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾، أما قوله: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾، فهذا قد يُعْلَم؛ لأنه ظاهر أن البيوت حصينة، ولا عليها من العدو، لكن ﴿إِنْ يُرِيدُونَ﴾، الإرادة في القلب لا يعلمها إلا الله عز وجل، أو صاحبها، أو مَن أطلعه الله تعالى عليها. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب تكذيب الناطق بالباطل، شوف الآن هل يصح التعبير بكلمة وجوب، أو نقول: مشروعية؟ هو إن نظرنا إلى أن الباطل يجب إبطاله قلنا: يجب، لكن الكلام على هل يؤخذ من الآية؟ الآية فيها مشروعية ذلك، إبطال قول الناطق بالباطل؛ لأن الله تعالى أبطله في قوله: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾. ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا﴾ إلى آخره. * يستفاد من الآية الكريمة: أن المنافقين أشد الناس ذعرًا؛ لقوله: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ﴾، ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا﴾؛ لأن عندهم ذعرًا من هؤلاء الذين دخلوا من أقطارها. * ويستفاد من الآية أيضًا: قرب المنافقين من الكفر والشرك؛ لقوله: ﴿سُئِلُوا﴾ ﴿لَآتَوْهَا﴾ مُبَادِرِين، ما يتلبثون ويقولون: ننظر في الأمر، لا. وهل يستفاد من هذه الآية أنه لا حكم للإكراه، وأن الإنسان إذا كَفَرَ مُكْرَهًا فإنه يترتب على كفره حكم الكافر، ولَّا لا؟ أقول: هل يستفاد من الآية أنه لا حكم للإكراه، وأن مَن كفر مُكْرَهًا فعليه الإثم؟ ما يستفاد، لماذا؟ لأنه هؤلاء سُئِلُوا ما أُكْرِهُوا، بمجرد السؤال وافقوا، فليس فيه معارضة لقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ [النحل ١٠٦] لا يعارض هذه الآية. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن المنافق حياته حياة مادية، يريد أن يعيش سواء كان كافرًا أو غير كافر. وجهه من الآية: لأن هؤلاء إذا سُئِلُوا الفتنة أَتَوْها، إذن فإيمانهم ليس إيمانًا حقيقيًّا، وإلا المؤمن الحقيقي لو سُئِلَ الشرك ما أشرك. ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ [الأحزاب ١٥]. * يستفاد من الآية الكريمة: أن المنافقين أصحاب غدر وخيانة؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ﴾، وهم الآن يحاولون الإدبار، لكنهم يُمَوِّهُون بسؤال النبي ﷺ واستئذانه. * إذن يتفرع على هذه الفائدة: أن كل مَن نقض العهد ففيه شبه من المنافقين، واليهود أيضًا، ولهذا« جاء الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ»، » وَمِنْهَا: «إِذَا عَاهَدَ غَدَرَ»[[أخرجه أحمد (٦٨٧٩) عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما. ]]. * يتفرع على ذلك: أنه إذا كان الغدر من صفات المنافقين فالواجب على المؤمن البعد عنه، لو لم يكن من الغدر إلا أنه من صفات المنافقين لكان ذلك كافيًا في وجوب البعد والحذر منه. * ومن فوائد الآية الكريمة: استهانة المنافق بحق الله عز وجل؛ لقوله: ﴿عَاهَدُوا اللَّهَ﴾، يعني: نَقْضُ العهد مع الإنسان مثلك قد يكون أهون، لكن نقض العهد مع الله عز وجل أشد وأعظم. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم تولية الأدبار عند ملاقاة العدو. وجه ذلك أن الله تعالى ذَكَرَ هذا عن المنافقين تحذيرًا منه، وقد دَلَّت الآية الكريمة في سورة الأنفال على أنه من كبائر الذنوب؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال١٥ ١٦]، وجاء في الأحاديث في عَدِّ ذلك من الموبقات، يعني: المهلكات؛ لأنه من الكبائر. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الحساب؛ لقوله: ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾، فكل ما بينك وبين الله عز وجل من الحقوق فإنك مسؤول عنه يوم القيامة، قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ [الأعراف٦ ٧]. ثم قال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. * في الآية هذه: دليل على أنه لا فرار من قدر الله؛ لقوله: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾. قوله: ﴿مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ متعلِّق بـ﴿فَرَرْتُمْ﴾ وإلا بـ﴿الْفِرَارُ﴾؟ هذه جملة معترضة في الواقع ما من الفوائد، ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ متعلقة بـ﴿فَرَرْتُمْ﴾ وإلا بـ﴿الْفِرَارُ﴾؟ قل لن ينفعكم الفرار من الموت أو القتل إن فررتم، وتكون الجملة الشرطية ﴿إِنْ فَرَرْتُمْ﴾ جملة معترضة، وهذا أوضح في المعنى. * يستفاد منها: أنه لا فرار من قدر الله. هل يستفاد من الآية الكريمة إبطال الأسباب؟ يعني الإنسان لو رأى نارًا تلتهم الشجر مُقْبِلَة عنه هل يهرب ولَّا لا؟ يهرب، إذن يهرب وربما ينجو، هي غير هذه، لكن ما هو الْمَخْلَص؟ يعني لو قال قائل: هذه الآية تنفي العمل بالسبب؟ فالجواب على ذلك أن نقول: إذا كان العمل بالسبب مُبْطِلًا لحكم شرعي فإنه لا يجوز، كهذه الآية، أو كهذه الحال، فإبطال الأسباب القدرية بانتهاك الأحكام الشرعية هذا لا يجوز، يعني كون أن الإنسان يترك الحكم الشرعي الواجب خوفًا من آثاره جائز له؟ ليس بجائز. لكن سبب حقيقي مأذون فيه شرعًا يُفْعَل ولَّا لا؟ إذا كان سببًا حقيقيًّا مأذونًا فيه شرعًا فلتفعله، ما نقول للرجل: إذا رأيت النار مقبلة عليك قِف لا تَفِر لا ينفعك الفرار، هذا ما هو صحيح، بل نقول: في هذه الحال فرّ؛ لأن هذا سبب مباح مأذون فيه شرعي، وسبب حقيقي، لكن نبغي نجعل الأسباب مُعَطِّلة للأحكام الشرعية هذا لا يجوز. * ويستفاد من الآية الكريمة: بيان نفوذ حكم الله عز وجل الشرعي والقدري؛ أما القدري فلا إرادة لك فيه، وأما الشرعي فلك فيه إرادة، ولهذا نقول بالنسبة للشرعي: وجوب تنفيذ حكم الله الشرعي؛ لأن الله تعالى عاب هؤلاء الفارِّين لكون فرارهم يتضمن إسقاط حكم شرعي، إي نعم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن البقاء في الدنيا وإن طال فهو قليل؛ لقوله: ﴿وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، وقد قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء ٧٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: توبيخ هؤلاء الذين فَرُّوا للإبقاء على حياتهم، يؤخَذ من أمر الله نبيَّه أن يقول لهم: ﴿لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾، وهذا لا شك أنه على سبيل التوبيخ لهم، ولهذا قال: ﴿وَإِذًا﴾، يعني: لو فررتم ونجوتم من هذه الحادثة ما تنجون من الموت، ﴿لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، نعم من جبن المنافقين أنهم أهل جبن وذل وخوف ورعب. وهذا أيضًا يترتب عليه مشكلة، وهي أن الخوف من الموت أمر طبيعي، قال الله تعالى عن موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [القصص ٣٣]، وهذه فيها إشكال. * طالب: (...). * الشيخ: كلمة (...) يقول: ويش الفرق بين إنه يقول: هذا غير هذا، ما يكفي. * الطالب: (...). * الشيخ: وجه المعارضة أنه خاف من القتل، وهؤلاء خافوا من القتل، القتل -كما أشرنا إليه قبل قليل- الخوف من القتل الذي يستلزم إبطال حكم شرعي هذا ما يجوز، أما هذا خافَ من القتل؛ لأنه تسبب له وهو ممكن أن يُقْتَل، ولَّا لا؟ موسى، إي نعم، ممكن أن يُقْتَل؛ لأنه فعل ما يستلزم القتل عند هؤلاء. (...) فنقول: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ [الأحزاب ١٧]. قال المؤلف في معنى ﴿يَعْصِمُكُمْ﴾: (يجيركم)، ولكن الصواب أن المراد بها: يمنعكم؛ لأن العصمة هي المنع، ومنه المعصوم، يعني: الممنوع من الخطأ، فالصواب أن ﴿يَعْصِمُكُمْ﴾ أي: يمنعكم من الله. وقوله: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي﴾، هذا إعراب ﴿مَنْ ذَا الَّذِي﴾ مَن يعربها لنا؟ * طالب: (...). * الشيخ: هو مستتر وجوبًا، وإن ابتُدِئَ بالياء فمستتر جوازًا، وإن افتُتِح بالتاء فعلى حسب الحال؛ قد يكون وجوبًا مثل: تشكر أنت، وقد يكون جوازًا مثل: تشكر هي، ﴿ذَا﴾ الآن اختلف الرجلان في إعرابها؛ أحدهما قال: إنها اسم إشارة، والثاني قال: إنها ملغاة، أيهما الصواب؟ الصواب أنها ملغاة؛ لأنها إذا جاء بعدها اسم موصول فإنها تكون ملغاة، مثل: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ﴾ [البقرة ٢٥٥]، ومثل: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ﴾. وقوله: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ﴾ الاستفهام هنا يراد به النفي، يعني: لا أحد يعصمكم، وإذا جاء النفي بصيغة الاستفهام فإنه أبلغ من النفي المجرد؛ لأنه يكون نفيًا مُشْرَبًا بالتحدي، كأنه يقول: أَخْبِرُونِي أيعصمكم أحد من الله إن أراد بكم سوءًا، عرفتم؟ هذه قاعدة في كل ما يكون فيه الاستفهام بمعنى النفي، أن نقول: عُدِلَ عن النفي المحض إلى الاستفهام؛ ليكون مُشْرَبًا معنى التحدي. ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: يمنعكم منه، ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا﴾، أيش الجواب؟ لا أحد، يقول: (﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا﴾: هلاكًا أو هزيمة)؛ (هلاكًا) إذا لم يكن هناك قتال، أو كان قتال فقُتِلْتُم، (أو هزيمة) إذا غُلِبْتُم وبقيتم، وكل ذلك سوء، لكنه سوء بالنسبة للمكلَّف، أما بالنسبة لفعل الله عز وجل فإنه خير؛ لأنه لحكمة. ﴿أَوْ أَرَادَ﴾ قال المؤلف: (أو يصيبكم بسوء إن أراد الله بكم رحمة)، المؤلف رحمه الله قَدَّر هذه الجملة؛ لأنه رحمه الله ذكي جدًّا، قال: (أو يصيبكم بسوء)، (يصيبكم) معطوفة على (يعصمكم)، يعني: أو مَن ذا الذي يصيبكم بسوء إن أراد الله بكم رحمة خيرًا، والجواب أيضًا كالسابق: لا أحد، وإنما قَدَّرَ المؤلف: أو يصيبكم بسوء، على خلاف ظاهر السياق؛ لأن الرحمة لا تُعَدّ مصيبة حتى تحتاج إلى العصمة، فإنه إذا أراد الله بالإنسان رحمة ما يقال: مَن ذا الذي يعصمه منها، ليش؟ لأن الرحمة مطلوبة، لا يتطلب الإنسان فيها أحدًا يعصمه منها، فلهذا قَدَّرَ قوله: (أو يصيبكم بسوء) يعني: لا يصيبكم أحد بسوء إن أراد الله بكم رحمة. ولكن الصحيح أنه لا حاجة إلى هذا التقدير، إذا جعلنا العصمة بمعنى المنع، فالمعنى: مَن الذي يمنعكم من الله إن أراد بكم سوءًا، ومن الذي يمنعكم من رحمته إن أراد بكم رحمة، فالفرار لا يمنعكم من السوء الذي أراده الله بكم، والبقاء لا يجلب لكم الرحمة التي أراد الله بكم، فالكل بيد الله عز وجل، لا ينفعكم الفرار ولا البقاء. وقوله: ﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ قال المؤلف: (خيرًا)، وإذا كنا فَسَّرْنَا الأول بالهلاك والهزيمة فالمراد بالخير هنا النصر والبقاء. قال الله تعالى: (﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: غيره، ﴿وَلِيًّا﴾ ينفعهم، ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ يدفع الضر عنهم). ﴿لَا يَجِدُونَ لَهُمْ﴾ أي: هؤلاء الذين فَرُّوا من القتال لن يجدوا أحدًا ينفعهم أو يجلب لهم الخير، أو يدفع عنهم الضرر، ﴿لَا يَجِدُونَ﴾ ﴿وَلِيًّا﴾، والولي هو مَن يتولى أمرك ويعتني بك، فهؤلاء لا يجدون أحدًا سوى الله. وقوله: ﴿وَلِيًّا﴾ يعني: بالولاية العامة؛ لأن ولاية الله سبحانه وتعالى تنقسم إلى قسمين: ولاية عامة تشمل كل أحد، وولاية خاصة للمؤمنين فقط، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة ٢٥٧]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد ١١]. أما بمعنى العامّ فمثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام ٦٢]، فإن هذه الولاية العامة؛ لأن الله تعالى وَلِيّ على كل أحد في المعنى العامّ الذي هو التدبير والملك والسلطان. وقوله: ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾.. .. ﴿مِنْ نَصِيرٍ﴾ [الحج ٧١]: هو الذي ينصرك عند ملاقاة الأعداء فيمنعك منهم، فهؤلاء ليس لهم أحد يتولاهم بِجَلْب الخير لهم، ولا ينصرهم بدفع الضرر عنهم؛ لأن الأمر كله لله. ثم قال تعالى: (﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ﴾ [الأحزاب ١٨]: المثبطين ﴿مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ ) [الأحزاب: ١٨]، ﴿قَدْ﴾ هنا للتحقيق، والأصل أنها إذا دخلت على المضارع تكون لأيش؟ للتحقيق ﴿قَدْ يَعْلَمُ﴾، والأصل أنها إذا دخلت على المضارع تكون للتقليل، كما يقال: قد يجود البخيل، لكن هنا للتحقيق؛ لأن علم الله عز وجل مُحَقَّق، وليس للتقليل، وإنما جاءت ﴿قَدْ يَعْلَمُ﴾ دون (قد علم)؛ ليفيد أن علم الله عز وجل مستمر بهم من ذلك الوقت إلى يوم القيامة؛ فإن الله تعالى عالم بهم وبأحوالهم وتقلباتهم. وقوله: ﴿الْمُعَوِّقِينَ﴾ قال المؤلف: (الْمُثَبِّطِين)؛ لأن الْمُثَبِّط يُعَوِّق الإنسان الْمُثَبَّط، أي: يَحُول دونه ودون مراده، وهو ما يسمى عند الفقهاء بأيش؟ بالْمُخَذِّل، الفقهاء يقولون في باب الجهاد: يجب على الإمام أن يَمْنَع الْمُخَذِّل والْمُرْجِف، فالمخذِّل الذي يُثَبِّط العزائم، يقول: ما له داعٍ الجهاد، وليس عندنا استعداد، وما أشبه ذلك، والْمُرْجِف هو الذي يُرْهِب من الأعداء ويُخَوِّف منهم، يقول: أعداؤكم كثيرون، وأسلحتهم قوية، وما أشبه ذلك. * طالب: (...). * الشيخ: الْمُعَوِّق يعني؟ ما فيه مانع، هذا التعبير بالمعنى. * الطالب: (...). * الشيخ: ماه في شك أنه أحسن، لكن لأجل التفصيل؛ لأن الْمُعَوِّق قد لا يفهمه كل أحد. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، هنا المعوّق يختص بالمثبِّط، ﴿الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾. * طالب: (...). * الشيخ: لا. * الطالب: (...). * الشيخ: لعلك تريد أن (هل) تأتي للتحقيق، هذا صحيح. يقول تعالى: ﴿الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾، الخطاب لمن؟ للنبي عليه الصلاة والسلام والصحابة، فهذا موجود في الصحابة مَن يُعَوِّق. (﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ﴾: تعالوا ﴿إِلَيْنَا﴾ ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ﴾: القتال، ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ رياءً وسمعة). ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾، ﴿الْقَائِلِينَ﴾ معطوف على ﴿الْمُعَوِّقِينَ﴾، يعني: ويعلم القائلين لإخوانهم: هَلُمَّ إلينا، وهذا غير التعويق؛ لأن المعوِّق هو الذي يعرف الشيء الذي يُعَوِّق الإنسان، لكن لا يدعوه، ولكن هؤلاء يقولون لإخوانهم، فهو أبلغ من التعويق. وقوله: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾ هذه غير المعوِّقين، فليس عطف صفة، ولكنه عطف ذات، والأصل في التعاطف أن يكون لتغير الذوات، وقد يكون لتغير الصفات، وقد يكون لتغير؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا ، ما أسرع ما تنسون، العطف للتغاير؛ إما في الذات أو في الصفات. * الطالب: (...). * الشيخ: لا. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، أو اللفظ يا إخواني، كل يوم يَقْرَع أسماعكم: ................... ∗∗∗ أَلْفَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمَيْنَا هذا ما هو تغيُّر معنى، المعنى واحد، لكن تغير لفظ. وقوله: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾، هذا في المنافقين، وسُمُّوا إخوانهم في النسب، وليسوا إخوانهم في الدين، اللهم إلا أن يُرَادَ الأخوة الظاهرة، فإن هؤلاء يتظاهرون بأنهم مؤمنون. ﴿هَلُمَّ﴾: تعالوا إلينا، ﴿هَلُمَّ﴾ هل هي فعل أمر، أو اسم فعل أمر؟ اسم فعل أمر، نعم؛ لأنه ليس كل ما دَلَّ على الطلب فهو فعل أمر، المصدر قد يدل على الطلب كما لو قلت: ضربًا زيدًا، لكن ما دلَّ على الطلب بذاته، يعني بغير أداة خارجية فإما أن يَقْبَل علامة فعل الأمر أو لا، فإن قَبِلَها فهو فعل أمر، وإن لم يَقْبَل فهو اسم فعل أمر، أو قد يكون مصدرًا نائبًا عن الأمر، عرفتم؟ وقولنا: بغير أداة خارجية، احترازًا من المضارع المقرون بلام الأمر، المضارع المقرون بلام الأمر يدل على الأمر، لكن لا بذاته، بل بأداة أخرى خارجية، وهي اللام؛ لام الأمر. ﴿هَلُمَّ﴾ هنا اسم فعل أمر؛ لأن عيسى نقول له: هلم إلينا، هلم إلى الدرس، وأحمد وعيسى جميعًا نقول لهما: هلم إلينا، جميعًا، ونضم إليهما الأخ، ونقول: هلم إلى الدرس، ما تَغَيَّر، مفرد مثنى وجمع، ولم يتغير، ولَّا لا؟ أمّا لو كنا نخاطب واحدًا فنقول: هلم إلينا، ونخاطب اثنين فنقول: هَلُمَّا إلينا، ونخاطب ثلاثة فنقول: هَلُمُّوا إلينا، لكان فعل أمر، ولهذا نقول: قم، وقومَا، وقوموا، فهي إذن اسم فعل أمر تخاطب بها الواحد والاثنين والجماعة ولا تتغير، هذا على لغة أهل الحجاز. أما بنو تميم فإنها عندهم فعل أمر، ولهذا يقولون للواحد: هلم إلينا، وللاثنين: هَلُمَّا إلينا، وللجماعة: هَلُمُّوا إلينا، فهي فعل أمر. هنا يدلنا على أنها اسم فعل أمر؛ لأنها لو كانت فعل أمر لقال: هَلُمُّوا إلينا، يعني: تعالوا، هذا بالنسبة لغيرهم، يَدْعُون غيرهم إلى ترك القتال: تعالوا، هم.. قال: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، ﴿لَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ﴾ يعني: القتال، ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾، والقليل هنا قد يكون المراد به العدم، وقد يكون المراد به الشيء اليسير، القِلَّة، ويمكن أن يراد به العدم بالنسبة لقوم، والقلة بالنسبة لآخرين من المنافقين؛ لأن من المنافقين مَن لا يحضر القتال أصلًا، ومنهم مَن يحضر قليلًا للرياء والسمعة. ومعلوم أن مَن يلاحظ الرياء والسمعة فإنه إذا كان في محل يجد الرياء والسمعة حضر، وإذا كان في محل لا يجد رياء ولا سمعة لم يحضر. ما الفرق بين الرياء والسمعة؟ الرياء يعود إلى الأفعال، والسمعة يعود إلى الأقوال؛ لأن الأفعال تُرَى، والأقوال تُسْمَع، ولهذا جاء في الحديث: «مَنْ رَاءَى رَاءَى اللهُ بِهِ، وَمَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٦ / ٤٧) من حديث عن ابن عباس رضي الله عنهما، ولفظه: «من سَمَّع سَمَّع الله به، ومن راءى راءى الله به».]]، فإذا تكلم شخص بِذِكْر ورفع صوته ليُسْمَع فيُثْنَى عليه به، فبماذا نصف فعله؟ سمعة، وإذا قام يصلي ليراه الناس فهو رياء. وقد يطلق الرياء عليهما جميعًا، لكن عندما يجتمعان يكون الرياء يتعلق بالأفعال والسمعة بالأقوال، يقول: (رياءً وسمعة). (﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب ١٩] بالمعاونة، جمع شحيح، وهو حال من ضميرِ ﴿يَأْتُونَ﴾ )، ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾، أشحة هذه جمع شحيح، والشحيح هو المانع مع الحرص، والبخيل هو المانع بدون حرص، فإذا كان الإنسان مَنُوعًا جَمُوعًا، يعني مع الحرص، يسمى ذلك شحيحًا، وإذا كان بخيلًا لكنه ليس ذلك الرجل الذي يكون حريصًا على جمع المال –مثلًا- فإنه يسمى بخيلًا، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام مُحَذِّرًا من الشح: «اتَّقُوا الشُّحَّ فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٨ / ٥٦) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، ولفظه: «...واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم». ]]. يقول: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾، ما الذي نصبها؟ * طالب: حال. * الشيخ: حال منين؟ نُصِبَت على الحال من فاعل ﴿يَأْتُونَ﴾، يعني: لا يأتون إلا قليلًا، ومع ذلك يأتون أشحةً عليكم، يعني: وهم أَشِحَّاء عليكم لا يريدون أن تَصِلُوا إلى خير، بل يحبون أن يمنعوا كل خير عنكم. ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ [الأحزاب ١٩]، ﴿جَاءَ الْخَوْفُ﴾ الخوف ليست ذاتًا تأتي، لكنه معنى يأتي، والمجيء يكون للمعاني ويكون للذوات، فتقول: جاءه المرض، وتقول: جاء زيد، المجيء هنا أُسْنِدَ إلى معنى، جاء الخوف ممن؟ هو عامّ، إذا جاء الخوف، سواء كان من الأعداء الذين حضروا إلى المدينة، أو الخوف من الرسول عليه الصلاة والسلام فيما يَطَّلِع على أحوالهم، يخافون من أن يفضحهم الله تعالى بأفعالهم، أو يسلِّط عليهم رسوله. يقول: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾، الخطاب هنا هل هو للرسول ﷺ، أو لكل مَن يتوجه إليه الخطاب؟ يحتمل أن يكون للرسول عليه الصلاة والسلام، وهو الأقرب، ويحتمل أن يكون لكل مَن يوجه إليه الخطاب. وقوله: ﴿رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾، الرؤية هنا بصرية، وعلى هذا فلا تنصب إلا مفعولًا واحدًا وهو الهاء، ويكون جملة ﴿يَنْظُرُونَ﴾ حالًا من الهاء، رأيتهم حال كونهم ينظرون إليك، ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾؛ لأن الخائف غالبًا يركز على مَن؟ على جهة الخوف، سواء كان شخصًا أو أشخاصًا، ينظر إلى الجهة التي هي مصدر الخوف، وتدور عينه على غير نظر سليم، يعني كأنها تدور بغير اختيارها من شدة الخوف، ثم شَبَّهَ حالهم بعد أن شَبَّه أبصارهم، قال: ﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾، قال المؤلف: ( كنظر أو كدوران). فإن كانت ﴿كَالَّذِي﴾ عائدة على ﴿يَنْظُرُونَ﴾ قَدَّرْنا: نظر، وإن كانت عائدة على ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ قَدَّرْنَا: كدوران، ولكن الذي يناسب القرآن الأول؛ نظر، كما قال تعالى في سورة القتال: ﴿يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [محمد ٢٠]، وربما نقول: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ ليس عائدًا على النظر، وإنما هو عائد على حالهم، يعني: كالإنسان الْمَغْشِيّ عليه من الموت لا يستطيعون أن يتكلموا؛ لأن أرياقهم يبست، ودماءهم غارت بسبب الخوف، إذا جاء الخوف فإنها تتغير أبصارهم، وتتغير أحوالهم أيضًا، كالذي يُغْشَى عليه من الموت، والذي يُغْشَى عليه من الموت لا شك أنه يصفر وجهه، وأنه لا يدري ما يفعل، ولا يستطيع أن ينطق في الغالب، ﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾، ﴿مِنَ الْمَوْتِ﴾ قال المؤلف: من سكراته، (أي: سكراته)، ﴿يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾، ﴿مِنَ﴾ هنا للسببية، وهل تأتي (مِن) للسببية؟ الجواب: نعم، تأتي في مواضع كثيرة، والأصل فيها أنها للابتداء، حتى زعم بعض النحويين أنها في كل مكان تكون للابتداء، حتى فيما إذا كانت سببية قال: لأنها لابتداء السبب، لكن الصحيح ما ذهب إليه ابن مالك وغيره من النحويين أنها تأتي لمعانٍ كثيرة، قال: بَعِّضْ وَبَيِّنْ وَابْتَدِئْ فِي الْأَمْكِنَه ∗∗∗ فِي (مِنْ) وَقَدْ تَأْتِي لِبَدْءِ الْأَزْمِنَه؎وَزِيدَ فِي نَفْــيٍ وَشِبْهِهِفَجَـــــــــــــــــــــرّ ∗∗∗ نَكِرَةً كَمَــــا لِبَاغٍ مِـــــــــــــنْمَــــــــــــــفَرّ قال: (﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾ وحِيزَت الغنائم، ﴿سَلَقُوكُمْ﴾: آذَوْكُم أو ضربوكم، ﴿بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ أي: الغنيمة يطلبونها، ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ حقيقةً، ﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ ). ﴿إِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾ صار هؤلاء الذين كانوا حين الخوف كالمغشيّ عليه من الموت صاروا ينطقون بطلاقة، ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ يعني: أصابوكم بشدة، ﴿بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ أي: شديدة قوية، والمراد بالألسنة هنا الكلام؛ لأن الكلام يُعَبَّر عنه باللسان، المعنى أنهم يجادِلُون ويناظرون، ويقولون: نحن معكم، نحن نساعد، نحن خرجنا، وما أشبه ذلك، كما قال الله تعالى في سورة النساء: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ [النساء ١٤١]، وأَبْدَوْا وأعادوا في غَلَبَتِهم للمسلمين؛ لأنه لا شك أن الإنسان قد يغلب خصمه بالكلام، كما قال الله تعالى في قصة داود: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص ٢٣]: غلبني، والإنسان اللَّسِن الذي عنده بيان وعنده فصاحة قد يغلب ولو كان على باطل، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ بِنَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٨٠)، ومسلم (١٧١٣ / ٤) من حديث أم سلمة رضي الله عنها. ]]، وإن كان على باطل، فالإنسان قد يغلب ببيانه الحقَّ، ولهذا كما تعلمون جاء في الحديث الصحيح: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا»[[أخرجه البخاري (٥٧٦٧) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. ]]. هؤلاء المنافقون الذين في حال الخوف على الصورة التي صَوَّرَها الله عز وجل، ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾، لكن إذا ذهب الخوف واطمأنوا ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾، يعني: أصابوكم بشدة بهذه الألسنة الحِدَاد، ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾، هذه حال من الواو في قوله: ﴿سَلَقُوكُمْ﴾. ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾، ما المراد بالخير هنا؟ يقول المؤلف: الغنائم التي أصابها المسلمون بانتصارهم، قال: ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ حقيقة، ولو آمنوا ما فعلوا هذا الفعل، ما كانوا يخافون من البعث، ولا كانوا يَدَّعُون ما لا يستحقون فيما إذا انتهت المعركة. ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ أيش معنى أحبطها؟ يعني: أبطلها حتى لا ينتفعوا بها. (﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾ الإحباطُ ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ بإرادته)، نعم هو يسير على الله عز وجل؛ لأنه سبحانه وتعالى لا يخشى من أحد، كما قال تعالى في قوم صالح: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ [الشمس ١٤، ١٥]، ما يخاف سبحانه وتعالى من عاقبتها، بخلاف غيره، بخلاف المخلوق، المخلوق قد يُنَكِّل بشخص ويعاقبه، لكنه يخشى من عاقبته، يخشى من قبيلته، يخشى من الغدر به، وما أشبه ذلك، أما الرب عز وجل فإنّ كل أمر يسير عليه، ولا يخاف من أحد حين ينتقم منه. (...) لها معنيان، تارة تكون بمعنى احْضُر، وتارة تكون بمعنى أَحْضِرْ، في هذه الآية بمعنى (...). هذا مبتدأ الفوائد؟ متأكدون؟ قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ﴾ [الأحزاب ١٧] إلى آخره. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: نفاذ حكم الله، أن حكم الله نافذ في الخلق، لا يمنعه أحد. وجه ذلك: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ﴾، والاستفهام هنا -كما سبق- بمعنى النفي. * ومن فوائدها: إثبات الإرادة لله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا﴾. * ومن فوائدها: الرد على بعض طوائف القَدَرِيَّة الذين يقولون: إن الله لا يريد السوء، يريد الخير، لكن لا يريد السوء؛ لقوله: ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا﴾. وفي الآية إشكال، وهو أن ظاهرها أن الله يريد السوء، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» »[[أخرجه مسلم (٧٧١ / ٢٠١) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه. ]]، فما هو الجواب؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: هذا سوء بالنسبة للمخلوق، أما بالنسبة للخالق (...). * الشيخ: نعم، نقول: السوء بالنسبة للمفعولات، أما بالنسبة لفعل الله نفسه الذي هو فِعْلُه فليس بسوءٍ، المرض –مثلًا- سوء بالنسبة للعبد، يسوؤه ولا يَسُرُّه، لكنه بالنسبة لتقدير الله له خير وحكمة، كما أشرنا إلى هذا كثيرًا. إذن فنقول في الجواب على هذا الإشكال: إن السوء عائدٌ إلى المفعول لا إلى الفعل الذي هو تقدير الله، ونظير ذلك لو أن أبًا شفيقًا رحيمًا أُصِيبَ ولده بداء، فكواه بالحديدة الْمُحْمَاة على النار لكان هذا لا شك يسوء الولد؛ لأنه يؤلمه ويوجعه، لكنه إساءة إليه ولَّا لا؟ لا، هو بالنسبة لفعل الأب ليس إساءة، بل هو خير، وإن كان يؤلم الولد. * طالب: شيخ، هل يؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧]؟ * الشيخ: لا، بل من قبيل أن هذا.. هذا منفصل عن هذا. * الطالب: (...) يكون الخطاب بالنسبة لحال المخاطب. * الشيخ: لا، بل ما هو (...) حقيقة الأمر، فإن السوء ليس إلى الله، يعني معناه أن أفعال الله ليست هي نفسها السوء، السوء يكون في المفعولات فقط . * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل لا مانع لما أعطى ولما مُعْطِيَ لما منع؛ لقوله: ﴿ِإنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾، فلا أحد يمنع ما أعطاه الله، ولا أحد يعطي ما منعه الله، وعلى هذا قوله عليه الصلاة والسلام: «اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣ / ١٣٧) من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه. ]]. * ومن فوائدها: أن فيها حثًّا على تعلق الإنسان بالله سبحانه وتعالى دون غيره؛ لقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾، فإذا كان الأمر كله بيد الله فإن الإنسان يتعلق بربه دون غيره. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أولئك الكفار لن يجدوا أحدًا ينصرهم أو يتولاهم دون الله؛ لقوله: ﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾، فيترتب على ذلك قَطْع كل عُلْقَة تكون بين المشركين وبين أصنامهم، وأن أصنامهم لا تنفعهم مهما كان الأمر. ولكنه يَرِدُ على هذا إشكال، وهو أن هؤلاء الذين يدعون الأصنام قد يحصل لهم ما دَعَوْا به هذه الأصنام، فكيف نقول: إنها لا تنفعهم؟ فالجواب أن هذا قد يقع ابتلاءً وامتحانًا من الله عز وجل، ونحن نعلم أن هذا لم يحصل بهذه الأصنام، أو بدعاء هذه الأصنام، وإنما حصل عنده، وما حصل عند الشيء ليس كالذي حصل بالشيء، واضح؟ فإن قلت: نحن لا نقبل منك هذا؛ أنه حصل لا بدعائهم، ما دام الرجل دَعَا ثم حصل مراده، كيف تقول: إنه من أمر خارج ليس من دعائهم؟ فما هو الجواب؟ * طالب: مُقَدَّر. * الشيخ: ما يخالف، ما.. نعلم يكون مُقَدَّرًا، هذا رجل دعا هذا القبر وحصل ما أراد. * طالب: ما يعرف أن هذا الدعاء عند القبر مُحَرَّم شرعًا؟ * الشيخ: لا، دعا القبر لا عند القبر، دعا صاحب القبر. * الطالب: محرَّم شرعًا ولا يحصل منه هذا. * الشيخ: هو يقول لك: حصل، قال: يا سيدي يا مولاي يا فلان يا فلان أنا فقير أرجو أن تعطيني مالًا، في اليوم نفسه مات قريبُه الذي خلَّف ملايين، ولا يعصبه إلا هو، حصل. * الطالب: من تقدير الله. * الشيخ: أنت تقول: من تقدير الله، وهو يقول: هذا من الولي. * الطالب: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم ٤٤]. * الشيخ: يقول: مين قال لكم: إنه استدراج. * الطالب: من باب البلوى. * الشيخ: إي نعم، هو ابتلاء يا إخواني، ولكن (...). * طالب: (...) يعتبر فتنة لهؤلاء. * الشيخ: هو فتنة وامتحان، وإحنا قلنا له: هذه فتنة، ودعاؤك لم تُحَصِّل منه شيئًا، لكن هذا حصل عند دعائك لا بدعائك، فقال: تبًّا لكم، ما تعرفون قَدْر الأولياء، وأنا دعوت وحصل لي مرادي. * الطالب: تجيئه مرة واحدة ما تيجيئه .. * الشيخ: يقول: ما لي حاجة، وربما نتحداه ونقول: ادع مرة أخرى، فيأتي القدر موافقًا (...). * الطالب: كل هذا ليس بيده لا حول ولا قوة، لو كان لَمَنَعَ الموت عن نفسه. * الشيخ: كل هذه عللٌ عليلة، يا إخواني، إحنا قلنا لكم: الله عز وجل قَطَعَ كل تعلق بغيره، ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف ٥]، إحنا نعلم بالآية الكريمة أن هذا ما يستجيب لك إلى يوم القيامة، وقال: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر ١٤]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ٢٢ ٢٣]، هذه آيات واضحة جدًّا أنه ما يمكن يستجيب، إذا لم يمكن أن يستجيب له فنعلم علم اليقين أن هذا الذي حصل ليس بدعاء هذا الولي؛ لأن الله نفى أن يستجيب له. * طالب: هو بعينه. * الشيخ: عنده في وقت الدعاء فقط، وليس بالدعاء، فعند الشيء يعني أنه قريب منه، وهذا مَرَّ علينا أظن مذهب مَن؟ * طالب: الأشاعرة. * الشيخ: الأشاعرة، يقولون: إن الأسباب لا تُؤَثِّر بنفسها، وإنما يحصل التأثير عندها لا بها، إي نعم، فلما ضربت الزجاجة بالحجر وانكسرت قالوا: ما انكسر هذا من ارتطام الزجاجة بالحجر، حصل عنده، عند ارتطامها به ولكن ليس به، على كل حال ما هذا .. ثم قال تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾ [الأحزاب ١٨] إلى آخره. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: إحاطة علم الله سبحانه وتعالى بكل شيء؛ لأن هذه مسألة جزئية من العالم، قول هؤلاء: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ وتعويقهم فَرْد من أفراد العالم، جزء بسيط لا يُنْسَب إلى العالم، ومع ذلك يعلمه الله، والعالِم بالدقيق عالِم بالجليل من باب أولى، نعم، ففيها اثبات إحاطة علم الله بكل شيء جملة وتفصيلًا. * ومن فوائدها: ثبوت علم الله في المستقبل؛ لأنها جاءت بصيغة المضارع. * ومنها: التهديد والتحذير من التعويق عن القتال. وجهه؟ * طالب: ﴿قَدْ يَعْلَمُ﴾. * الشيخ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ﴾، وهذا من أجل تهديدهم حتى لا يفعلوا ذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: تعاون المنافقين بعضهم مع بعض؛ لقوله: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾، وإذا كان كذلك فإن ﴿الْقَائِلِينَ﴾ تكون عطفًا على ﴿الْمُعَوِّقِينَ﴾ من باب عطف الصفات، وذكرنا في التفسير أنها محتملة أن تكون عطف الصفات أو عطف الذوات، فإن كانت عطف الصفات صار الْمُعَوِّقُون هم القائلين، وإن كان عطف ذوات صاروا قسمين؛ مُعَوِّق وقائل، فالْمُعَوِّق قد يدعو ويقول: ارْمِ، اترك، وقد لا يدعو، ولكن على كل حال هي في المنافقين؛ لأن آخر الآية يُبْطِل الاحتمال الذي ذكرناه أمس بأن تكون في أحد من المؤمنين. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن أولئك المعوِّقين لغيرهم هم بأنفسهم جبناء؛ لقوله: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، فهم جبناء ومُخَذِّلُون مُرْجِفُون. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن كل إنسان يصاحب غيرَه ويمتزج به؛ لقوله: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾، فإن هذه أخوة في الشر والنفاق، وليست في الإيمان. ثم قال تعالى: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ [الأحزاب ١٩] إلى آخره. * في هذه الآية: دليل على بُخْل المنافقين بما ينفع المؤمنين، وأنهم لا يأتونهم إلا عن كراهية كالشحيح في بذل المال؛ لقوله: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾. * ومنها: جبن المنافقين، وأنهم في غاية الجبن؛ لقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾، إلى آخره. وبهذا نعرف أنهم أحق الناس بما وصفوا به النبي ﷺ وأصحابه، حيث قالوا: ما رأينا مثل قُرَّائِنَا هؤلاء أرغب بطونًا ولا أكذب أَلْسُنًا ولا أجبن عند اللقاء. فنقول: إن هذه الأوصاف أنتم أحق الناس بها. * ومن فوائد الآية الكريمة: شدة فزع المنافقين عند الخوف؛ لأن تصويرهم بهذه الصورة يدل على الفزع العظيم الذي ينالهم عند الخوف. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: شدة محبة المنافقين للحياة؛ لأنهم إنما بلغوا هذا المبلغ بالخوف حرصًا على الحياة وخوفًا من الموت بالقتال. * ومن فوائد الآية الكريمة: قوة تصوير القرآن للأحوال الواقعة؛ لأن هذه الصورة التي ذكر الله صورة مدهشة، تجعل الإنسان يتخيل شدة فزعهم كأنها رأي عين. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن للموت سكرات؛ لقوله: ﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾، وهذا بالنسبة للموت العادي، أما الموت المباغِت قد لا يكون فيه سكرات، قد يموت الإنسان بغتة، كالذي يحصل بالحوادث وسكتات القلوب وما أشبهها. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الجبناء المنافقين إذا ذهب الخوف على أنهم حين الخوف كالأموات، أو كالذي يغشى عليه من الموت، إذا ذهب صاروا أبطال الكلام، وأمراء الفصاحة والتسلط؛ لقوله: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ﴾، تو ما يجيء كلامهمن إذا راح الخوف بدؤوا يتكلمون. * ومن فوائدها: شدة المنافقين على المؤمنين، وأنهم عليهم أشداء غلاظ؛ لقوله: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾. * ومن فوائدها: أن المنافقين كما قال الشاعر: أَسَدٌ عَلَيَّ وَفِي الْحُرُوبِ نَعَامَةٌ ∗∗∗ ........................ على المؤمنين أسود، بالباطل طبعًا ما هو بالحق، وعند الكفار نعام، تعرفون النعامة مِن جُبْنِها إذا رأت الصيَّاد قالت: هذا بيقتلني، ولكن أدخل رأسي بالتراب علشان ما أشوفه، إي نعم. * ومن فوائد الآية الكريمة: عِلْم الله سبحانه وتعالى بما في القلوب، ﴿أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾؛ لأن الظاهر لنا أنهم مؤمنون، لكنهم في الواقع غير مؤمنين. * ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من هذه الصفات التي يتصف بها المنافق حتى وإن كان الإنسان مؤمنًا، لماذا؟ لأنها صفات غير المؤمنين؛ لقوله: ﴿أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾، والمؤمن مَنْهِيٌّ عن الاتصاف بصفات غير المؤمنين. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكُفْر مُحْبِط للعمل، سواء كان ظاهرًا أم باطنًا؛ لقوله: ﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾. وفي الجملة من هذه الآية إشكال؛ لأن الإحباط فَرْع عن قيام الشيء، وهم منافقون أعمالهم باطلة من الأصل، فكيف نجيب عن هذا؟ الجواب أن يقال: إن الإحباط نوعان: إحباط ما تم، وإحباط ما لم يتم، فإحباط ما تَمّ ظاهر، إذا تَمّ الشيء فأُلْغِي، وإحباط ما لم يتم أن يكون من الأصل حابطًا، ومنه قول بعض الفقهاء: إذا لم يُكَبِّر تكبيرة الإحرام بطلت صلاته، فنحن نقول هنا: ما صَلَّى حتى تبطل، لكن هذا بطلان ما لم يَتِمّ ولم يكن. أو جواب ثانٍ؛ أن نقول: أحبط الله أعمالهم، إن أعمالهم ظاهرها الصحة، أو لا؟ لأنها من قوم يَدَّعُون الإسلام، ويفعلونها على ظاهر الشرع، لكنها في الواقع باطلة لعدم الأساس. * ومن فوائد الآية الكريمة: أهمية الإخلاص لله عز وجل؛ لقوله: ﴿أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ﴾، فجعل الإحباط فرعًا عن عدم الإيمان، وهذا يدل على أن الركيزة الأصلية للأعمال هي الإيمان. هل يؤخذ من الآية الكريمة أن الأعمال تزداد قوة بقوة الإيمان وفضلًا؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: كيف ذلك؟ لأنه لما حَبِط العمل لعدم الإيمان دَلَّ هذا على أنه يقوى بقوة الإيمان، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الصحابة: «لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١ / ٢٢٢) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. ]]، ما هو العمل واحد الآن، لكن العامل مختلف، فرقٌ بين مَن يعمل بإيمان راسخ قوي كأنما يشاهد الثواب له بعينه، وبين شخص ليس على هذه الحال. فإذن تفاضُل الأعمال يكون مبنيًّا على تفاضل ما في القلوب، «ويُذْكَر عن الحسن البصري رحمه الله أنه قال: والله ما سبقهم أبو بكر بكثرة صيام ولا صلاة، ولكنه سبقهم بما وَقَرَ في قلبه رضي الله عنه»[[أخرجه الحكيم الترمذي (٣ / ٥٥) عن أبي بكر بن عبد الله المزني.]] من الإيمان العظيم الراسخ. ولا يقال: إن هذا فتح باب للعصاة الذي إذا قال له قائل: اتق الله اترك المعصية، اتق الله أَقِم الواجب، قال: التقوى هاهنا، ثم ضرب على صدره ضربة ينخرق، التقوى هاهنا، ماذا نقول له؟ نقول: التقوى هاهنا صحيح، لكن هذه كلمة حق أريد بها باطل، ونقول له: لو اتقى ما هاهنا لاتقى ما هاهنا؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما. ]]، لو صلح ما هاهنا لصلح الظاهر. فالحاصل أن هذه الآية واضحة، الدليل فيها دليل واضح على أن الأعمال تتفاضل بحسب ما في القلوب من الإيمان ولَّا لا؟ وأتيت لكم بشاهد من الحديث، وهو قوله عليه الصلاة والسلام في الصحابة: «لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١ / ٢٢٢) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]]، مُدَّ أحدهم من الذهب، ولَّا مُدَّ أحدهم من الطعام؟ يحتمل. بعضهم يقول: مُدَّ أحدهم من الطعام؛ لأنه هو اللي جرت العادة أن يُكَالَ، يعني لو أنفق أحدكم مثل أُحُدٍ ذهبًا ما بلغ مُدَّ واحد منهم من التمر؛ لأنه هو الذي يكال عادة. وبعضهم يقول: ما بلغ مُدَّ أحدهم من الذهب؛ لأن التفاضل بين الطعام والذهب بعيد، لكن التفاضل بين الذهب القليل والذهب الكثير. (...)

الأحزاب 33:15

﴿قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ [الأحزاب: ١٣]، ﴿وَإِذْ قَالَتْ﴾ هذه معطوفة على ما سبق، ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾ يعني: واذكر هذه القولة المنكَرَة، ﴿إِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ الطائفة: الجماعة من الناس، و﴿مِنْهُمْ﴾ الضمير يعود على المنافقين كما قال المؤلف: (﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ أي: من المنافقين). ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ﴾ يثرب يقول: هي أرض المدينة، وقيل: هي المدينة نفسها، فأهل العلم بالتاريخ اختلفوا هل يثرب اسم للمكان والمنطقة التي فيها المدينة، أو أن يثرب هي نفس المدينة؟ وظاهر الحديث أن يثرب هي المدينة. وقوله: (﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ﴾: هي أرض المدينة، ولم تُصْرَف للعَلَمِيَّة ووزن الفعل)، يعني: ممنوعة من الصرف لهاتين العِلَّتَيْن العلمية ووزن الفعل، ويدل على أنها ممنوعة من الصرف أنها جُرَّت بالفتحة؛ لأنه مضاف إليها، وحق المضاف إليه أن يكون مجرورًا، وهنا الكلمة مفتوحة؛ لأنها تُجَرّ بالفتحة كسائر الأسماء التي لا تنصرف. وقول المؤلف: (للعَلَمِيَّة ووزن الفعل)؛ لأن يثرب التي هي اسم على وزن يثرب الذي هو فعل، ولها علة أخرى غير وزن الفعل، وهي التأنيث، العَلَمِيَّة والتأنيث؛ لأنها اسم لبقعة، وكأن المؤلف رحمه الله قال: (للعلمية ووزن الفعل) ليشير إلى أن هذه الكلمة (يثرب) مأخوذة من التثريب، وهو اللوم والتوبيخ، وما أشبه ذلك من الكلمات التي فيها عَتْب، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى، يَقُولُونَ: يَثْرِبُ، وَهِيَ الْمَدِينَةُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٧١)، ومسلم (١٣٨٢ / ٤٨٨) عن أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وهذا دليل على أن الرسول عليه الصلاة والسلام كَرِهَ أن تسمى يثرب، وهو أحد القولين في المسألة. وأما الحديث الذي رُوِيَ: «مَنْ قَالَ لِلْمَدِينَةِ: يَثْرِبُ، فَلْيَسْتَغْفِرِ اللهَ»[[أخرجه أبو يعلى في مسنده (١٦٨٨) عن البراء بن عازب رضي الله عنه. ]]، فهو ضعيف، لكن يكفي عنه هذا الحديث الذي في الصحيحين، «يَقُولُونَ: يَثْرِبُ، وَهِيَ الْمَدِينَةُ، تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٧١)، ومسلم (١٣٨٢ / ٤٨٨)، عن أبي هريرة رضي الله عنه. ]]. الحاصل أن قوله: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ﴾ كأن المؤلف رحمه الله اختار أن يقول أنه لم يؤخَذ من فعل لهذا السبب. (﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾ بضم الميم وفتحها، أي: لا إقامة ولا مكانة)، (مُقام) بضم الميم وفتحها، أيش معنى كلام المؤلف؟ هي قراءتان ﴿لَا مُقَامَ﴾ و﴿لَا مَقَامَ﴾ قال: (لا إقامة ولا مكانة)؛ (لا إقامة) تفسير للضم ﴿مُقَامَ﴾؛ لأنه من الرباعي، والرباعي يقال في مصدره الميمي: (مُقام)، و﴿مَقام﴾ : لا مكانة، على أنها اسم مكان، واسم المكان بفتح الميم، المعنى: لا موضع للإقامة، على كونها اسم مكان، أو لا إقامة لكم، لماذا يقولون: لا مُقَام لكم؟ لأنهم يريدون الفرار، ولا يريدون البقاء مع النبي ﷺ في القتال؛ إذ إنهم منافقون، والمنافق ليس صبورًا على القتال، بل لا يريد القتال، ولو ظهر الأمر في يده لقاتل مَن؟ المسلمين. وفي قوله: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ﴾ إشارة واضحة إلى القومية والعصبية؛ لأنه دعاهم باسم الوطن، ما قال: يا إخوتنا، ولا قال: يا أيها المسلمون، إنما قال: يا أهل يثرب؛ لأنه ليس عنده دين يقاتل من أجله، وإنما هو قوميّ يريد الحمية فقط. ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾، إلى أين؟ يقول المؤلف: (إلى منازلكم من المدينة، وكانوا خرجوا مع النبي ﷺ إلى سلع -جبل خارج المدينة- للقتال). وقوله: ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾ حسب ما يُعْرَف في اللغة العربية إنه نفي عامّ؛ لأن (لا) النافية للجنس تفيد العموم، يعني: ما فيها أي مقام على أي حال من الأحوال فارجعوا، ومثل هذا التعبير إذا قيل لقوم ليس في قلوبهم إيمان لا يُبْقِي منهم أحدًا، لا بد أن يرجعوا. ثم قال الله عز وجل بناء على هذا الأمر وأنه لا مقام لهم، قال: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾، هؤلاء أهون من الأولين؛ لأن الأولين دَعَوْا إلى الفرار بدون استئذان، قالوا: ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾، أما هؤلاء فإنهم يستأذنون النبي ﷺ، ولكن استئذانهم للرسول عليه الصلاة والسلام ليس كاستئذان المؤمنين الذين إذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه، لكنهم يستأذنون خداعًا وتمويهًا، ولهذا يقول: ﴿يَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾، أي: من المنافقين، النبي ﷺ إلى الرجوع ﴿يَقُولُونَ﴾. ﴿يَسْتَأْذِنُ﴾ بمعنى: يطلب الإذن؛ لأن استفعل تأتي كثيرًا بمعنى: طلب الشيء، ومنه: اسْتَغْفَرَ؛ طلب المغفرة، واستعتب؛ طلب العتب والعظة. وقوله: ﴿يَقُولُونَ﴾ الجملة إما أنها حال من ﴿فَرِيقٌ﴾، يعني: حال كونهم يقولون، وإما أن تكون عطف بيان أو بدلًا من قوله: ﴿يَسْتَأْذِنُ﴾، وكلاهما له وجه؛ أما على قولنا: إنها حال، فلأن النكرة هنا وُصِفَت، والنكرة إذا وُصِفَت تخصصت، فجاز وقوع الحال منها، أليس هذا؟ وأما على قولنا بأنها بدل أو عطف بيان فعلى حد قول ابن مالك رحمه الله، ماذا قال؟ وَيُبْدَلُ الْفِعْلُ مِنَ الْفِعْلِ كَمَنْ ∗∗∗ يَصِلْ إِلَيْنَا يَسْتَعِنْ بِنَا يُعَنْ إذن يجوز فيها وجهان؛ أن تكون بدلًا من قوله: ﴿يَسْتَأْذِنُ﴾، وأن تكون عطف بيان مثل البدل، وأن تكون حالًا من فاعل ﴿يَسْتَأْذِنُ﴾. ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ قال: (غير حصينة يُخْشَى عليها)، يقولون للرسول عليه الصلاة والسلام في مبرر الاستئذان: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ ونخشى عليها من العدو، والعورة هنا يعني غيرة حصينة؛ لأن الحصن يحميها ويسترها، كما يستر الثوب عورة الرجل، فهذا معنى قولهم: إنها عورة، يعني: مكشوفة لا يمكن أن نأمن من هجوم العدو عليها. وفي قراءة لكنها غير سبعية (عَوِرَةٌ) بكسر الواو، أي: معيبة. قال الله تعالى مبطلًا دعواهم: (﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ﴾: ما ﴿يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ )، هنا ينبغي الوقوف على قوله: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾؛ لأنك لو وصلت لأَوْهَم أن قوله: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ من قول المنافقين، فيكون في ذلك تناقض وفساد للمعنى، فتقف ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾، ثم تستأنف القراءة وتقول: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾. وقوله: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ أحب أن نسمع إعرابها من واحد منكم يا نحاة البصرة. * طالب: (...). * الشيخ: مبنية على الكسر؟ * الطالب: (...). * الشيخ: على السكون. * الطالب: الفتح. * الشيخ: الفتح؟ صح. * طالب: (...). * الشيخ: زائد إعرابًا. * الطالب: (...). * الشيخ: لو قال قائل: مَن الذي يقول: إنها حجازية؛ لأن النص ليس بظاهر على الخبر، أفلا يجوز أن تكون ﴿بِعَوْرَةٍ﴾ خبر المبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل؟ فبماذا نجيبه؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ما الدليل؟ نريد شاهدًا من القرآن يؤيد قولك. * الطالب: (...). * الشيخ: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ فنصب، فدلّ ذلك على أن القرآن نزل بمقتضى لغة الحجازيين. قال الله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾، ﴿إِنْ﴾ قال المؤلف: ما، (ما) هذه أيش معناها؟ * الطالب: (...). * الشيخ: تفسير لـ﴿إِنْ﴾؟ إذن (إن) هنا أيش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: نافية؛ لأنها فُسِّرَت بـ(ما)، و(ما) نافية، ويدل لذلك إتيان ﴿إِلَّا﴾ بعدها، ولَّا لا؟ ﴿إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾، فهذا دليل على أنها نافية، و(إن) تأتي نافية كما هنا، وتأتي شرطية، ويش مثاله؟ ﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾ [الأنفال ١٩]، وتأتي مخففة من الثقيلة، مثل؟ * الطالب: (...). * الشيخ: هذه (أَنْ). * الطالب: (...). * الشيخ: لا، هذه شرطية. * الطالب: (...). * الشيخ: (أنْ). * الطالب: (...). * الشيخ: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه ٦٣] هذه مخففة من الثقيلة، هذه ثلاث، وتأتي زائدة؟ * الطالب: (...). * الشيخ: هذه (أنْ)، ما يخالف، لو ما فيه غير القرآن، ائتوا لنا بشيء من كلام العرب ولّا من غير القرآن. * الطالب: (...). * الشيخ: .... مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ وَلَا صَرِيفٌ وَلَكِنْ أَنْتُمُ الْخَزَفُ هذه زائدة، أو لا؟ يعني: ما إن أنتم، أي: ما أنتم، ما الذي يُعَيِّن هذه المعاني؟ الذي يُعَيِّنُه السياق، وهذا باتفاق العلماء، أي: أن وجود الألفاظ المشتركة التي تتعين بالسياق ثابت في اللغة العربية. لكنهم اختلفوا في مسألة الحقيقة والمجاز؛ فمنهم من أثبت ذلك، ومنهم من نفى، وقالوا: إن المجاز والحقيقة كالاشتراك في المعنى، والاشتراك أنتم تقولون به، وهذا هو القول الراجح كما سبق عدة مرات بأن الصحيح أنه لا مجاز في اللغة العربية. يقول: ﴿إِنْ يُرِيدُونَ﴾ هذا كلام الله عز وجل، ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾، يعني: ما ﴿يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾، وهذه الجملة كما تشاهدون جملة حصرية، يعني: تفيد الحصر، أي أن هؤلاء ما لهم إرادة أبدًا سوى الفرار من القتال، فالبيوت مُحَصَّنَة، ولا يُخْشَى عليها أكثر مما يُخْشَى على المدينة، وليس لهم أي عذر إلا عذرًا واحدًا، وهو الفرار من القتال؛ لأنهم لا يريدون مواجهة العدو، بل هم العدو، كما قال الله عنهم. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا﴾ [الأحزاب ١٤]، ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ﴾، ﴿لَوْ﴾ هذه شرطية، وفعل الشرط فيها ﴿دُخِلَتْ﴾، وجواب الشرط ﴿لَآتَوْهَا﴾. ﴿لَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ الفاعل فَسَّرَه المؤلف بالمدينة، يعني: لو دُخِلَت المدينة عليهم من أقطارها، وتفسيره إياها بالمدينة يؤيده قوله في أول الآية: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾، وفَسَّرَه بعضهم بالبيوت، أي: ولو دُخِلَتْ عليهم البيوت من أقطارها. ويؤيد هذا التفسير قولهم: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾، لكن يرجِّح الأول؛ أنها المدينة، قوله: ﴿مِنْ أَقْطَارِهَا﴾؛ لأن الغالب أن كلمة ﴿مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ ما تأتي للبيوت؛ لأن البيوت صغيرة، فجهاتها لا يُطْلَق عليها قطر، وإنما الأقطار إنما تكون للشيء الكبير. ولهذا قال: (﴿مِنْ أَقْطَارِهَا﴾، أي: نواحيها)، يعني لو دَخَلَ العدو المدينة من نواحيها كلها، أو من أي ناحية منها، (﴿ثُمَّ سُئِلُوا﴾ أي: سألهم الداخلون ﴿الْفِتْنَةَ﴾، ﴿لَآتَوْهَا﴾ بالمد والقصر، أي: أَعْطَوْهَا وفعلوها). ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾ الفاعل مَن؟ نائب الفاعل المنافقون، لكن مَن السائل الفاعل في المعنى الداخل للمدينة من أقطارها، لو سألهم هذا الداخل الفتنة، الفتنة يقول المؤلف: (الشرك)، والدليل على أن الفتنة بمعنى الشرك قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة ١٩٣]، أي: لا يكون شرك. وقال الإمام أحمد رحمه الله في قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور ٦٣]، قال: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشِّرْك، هؤلاء لو دُخِلَت عليهم المدينة لم يكن عندهم إخلاص في الإسلام وبقاء عليه، بمجرد ما يسألهم الداخلون الكفرَ يوافقون عليه؛ لأنهم قوم لا يريدون إلا الدنيا فقط، يريدون أن يعيشوا في الدنيا ولو عيشة الحمار، أما أن يعيشوا عيشة المؤمنين فإنهم لا يريدون هذا، ولذلك يقول: ﴿لَوْ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾، (...). قصر، و(آتوها) هذا المد، والفرق بينهما أن (أتى) بمعنى: جاء، و(آتى) بمعنى: أعطى، وتفسير القراءتين أو مجموع التفسير يدل على أنهم يُعْطُون ما سُئِلُوا، ويأتون إليه بانقياد، يعني أتى الشيء يعني: جاءهم باختياره، وآتاه بمعنى أعطاه ولو عن كُرْه، ولكن مع ذلك هؤلاء قوم يُعْطُون ما سُئِلُوا أيش؟ عن اختيار، ولهذا في القراءة الثانية ﴿لَأَتَوْهَا﴾ لجاؤوها. فصار هؤلاء القوم الذين يَعْتَذِرُون، أو الذين يستأذنون النبي ﷺ بحجة أن بيوتهم عورة، صار الأمر خلاف ما قالوا؛ لأن الله أَخْبَرَ عنهم، وهو سبحانه وتعالى أعلم بما في قلوبهم، وهذا من اطِّلَاع الله تعالى على ما في القلوب، أخبر عن أمر مستقبل لم يقع يصدر ممن؟ من قوم لا نعلم نحن ما في قلوبهم، ولكن الله يعلم، والله عز وجل يعلم ماذا يحدث من عبده لو حصل لهم ما يحصل به هذا القصد. بل إنه سبحانه وتعالى يعلم أبلغ من ذلك، قال عن الذين يقولون: إنهم لو رُدُّوا إلى الدنيا لعملوا صالحًا، قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام ٢٨]؛ لأنه سبحانه وتعالى يعلم ما في قلب الإنسان، قال: ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾، ﴿لَأَتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾ ، تلبثوا بمعنى: تَرَيَّثُوا، يعني: لا يتريثون في إعطاء الفتنة وقبولها إلا يسيرًا. قوله: ﴿إِلَّا يَسِيرًا﴾ قيل: إن هذا بمعنى إلا عدمًا؛ لأن اليسير والقليل قد يراد به العدم. وقال بعضهم: ﴿إِلَّا يَسِيرًا﴾ أي: إلا قليلًا على وجه الحقيقة، وهذا الزمن اليسير هو ما بين السؤال والجواب، يعني: ما بين أن يُسْأَلُوا ثم يُجِيبُوا، هذه المسافة من المدة طويلة ولَّا لا؟ قصيرة جدًّا، هي كالمسافة التي بين قول القائل: بعتك هذا الشيء، فيقول المشتري: قبلت، يعني أنهم -والعياذ بالله- لا يتلبثون ولا يتريثون أبدًا، بل يقبلون فورًا، ليس بين قبولهم وسؤال الفتنة إلا ما بين مُدَّتَيِ السؤال والجواب. وفي الحقيقة أن هذه المدة القصيرة كالعدم، ولهذا فُسِّرَ قوله: ﴿إِلَّا يَسِيرًا﴾ يعني: إلا عدمًا. ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ [الأحزاب ١٥]، ﴿وَلَقَدْ كَانُوا﴾ الجملة هذه مُؤَكَّدَة بكم من مؤكد؟ * الطالب: (...). * الشيخ: الواو ما هي مؤكدة. * الطالب: (...). * الشيخ: باللام وقد، أيش بعد؟ نحن قلنا: ثلاثة. * الطالب: (...). * الشيخ: قسم مُقَدَّر، كلما جاء مثل هذا التعبير في القرآن فإنه مُؤَكَّد بالمؤكدات الثلاثة، يعني: والله لقد كانوا عاهدوا الله من قبل، القَسَم تقدَّم لنا أن الله تعالى يُقْسِم عن الشيء لا في جانب الإنكار، ولكن في جانب الأهمية، وقد يقسم عليه في جانب الإنكار مثل: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن ٧]. هنا أَكَّدَ الله تعالى هذا العهد منهم أنهم عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار، وهذا العهد بينهم وبين الرسول عليه الصلاة والسلام، والمعاهدة مع الرسول ﷺ معاهدة مع الله، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح ١٠]، فهم عاهَدُوا الرسول عليه الصلاة والسلام ألَّا يَفِرُّوا ولا يُوَلُّون الأدبار، ولكنهم نقضوا العهد؛ لأن نقض العهد والخيانة والكذب من خصال مَن؟ مِن خصال المنافقين، تلك سجية فيهم، نسأل الله العافية. ﴿عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ﴾، ما محل قوله: ﴿لَا يُوَلُّونَ﴾ من الإعراب؟ قال بعضهم: إنه لا محل لها من الإعراب؛ لأنها جواب لقوله: (عاهد)، وقال بعضهم: إنها بيان للمعاهدة، يعني: إن المعاهدة اللي وقعت أنهم لا يُوَلُّون الأدبار. كلمة ﴿لَا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ﴾ تحتاج إلى مفعولين؛ المفعول الأول الأدبار، والمفعول الثاني محذوف، والتقدير: لا يولون عَدُوَّهم أدبارَهم، تولية الدُّبُر معناه: الانصراف والانحراف، فبدلًا من أن تكون وجوههم نحو العدو تكون أدبارهم نحو العدو، فهم أقسموا بالأول وعاهدوا أنهم لا يولون الأدبار عند ملاقاة الأعداء، ولكنهم نقضوا العهد، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ قال المؤلف: (﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ عن الوفاء به). فعلى هذا تكون المسؤولية ما هي عن العهد نفسه، بل عن الوفاء به، فالعهد مسؤول، يعني مسؤول عن الوفاء به، والسؤال عن الوفاء به سؤال عن وقوعه أيضًا، فيقال –مثلًا-: أليس بيني وبينك عهد؟ ألم تنقض العهد؟ فيكون السؤال عن نفس العهد وعن الوفاء به، هذه المسؤولية متى تكون؟ في الدنيا أو في الآخرة؟ أما المسؤولية التي بين الإنسان وبين ربه فإنها في الآخرة، وأما المسؤولية التي تكون بينه وبين الناس فهي في الدنيا يطالَب بالوفاء بالعهد، ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾. ثم قال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ [الأحزاب ١٦]، ﴿لَنْ﴾ تفيد ثلاثة أشياء، يذكرها لنا الأخ. * طالب: (...). * الشيخ: النفي، والنصب. * الطالب: (...). * الشيخ: أيش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا. * الطالب: (...). * الشيخ: والاستقبال، يعني أن الفعل المضارع محتمل لأن يكون للحال أو للاستقبال، فإذا دخلت عليه (لن) تَعَيَّنَ أن يكون للاستقبال، وهل (لن) للنفي المؤبَّد؟ يعني تستلزم وتقتضي النفي المؤبد؟ ولَّا تكون للتأبيد ولغير التأبيد؟ * الطالب: (...). * الشيخ: دائمًا لغير التأبيد؟ * الطالب: (...). * الشيخ: وتكون للتأبيد؟ * الطالب: (...). * الشيخ: يعني تكون لهذا ولهذا؟ هات مثالًا على التأبيد؟ * طالب: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة ٢٤]؟ * الشيخ: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾، والآية اللي معنا للتأبيد، ﴿لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾، وتأتي لغير التأبيد؟ * الطالب: (...). * الشيخ: الظاهر أنها للتأبيد هنا، أو ربما يضرونهم بأكثر من الأذى، أيش تقولون في هذه الآية، هل هي للتأبيد ولَّا لغير التأبيد؟ ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ [آل عمران ١١١] هل إنهم قد يَضُرُّون المؤمنين بغير الأذى، أو لا يضرونهم إلا أذى؟ * طالب: (...). * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة ٩٥] هذه للتأبيد؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ما هو قد يتمنون الموت؟ في عذاب النار يتمنون الموت. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، في الدنيا ما يتمنون الموت، ولكن حتى في الدنيا مؤكَّدة بقوله: أبدًا، الصحيح أن (لن) لا تقتضي التأبيد، كما قال ابن مالك: وَمَنْ رَأَى النَّفْيَ بِلَنْ مُؤَبَّدَا ∗∗∗ فَقَوْلَهُ ارْدُدْ وَسِوَاهُ فَاعْضُدَا ما يمكن أن تأتي للتأبيد أبدًا، يعنى معناه لا تستلزم التأبيد، وإلا قد تفيده، ولهذا قال أهل السنة: إن قول الله تعالى لموسى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ لا يستلزم أنه لا يرى الله لا في الدنيا ولا في الآخرة، وأما المعتزلة ومُنْكِرُو رؤية الله سبحانه وتعالى فإنهم يقولون: (لَنْ) تفيد التأبيد، فتدل على أن الله لا يُرَى أبدًا، إي نعم. ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ يعني: فإن لم تَفِرُّوا من الموت أو القتل نفعكم الفرار؟ هذا القيد لبيان الواقع؛ لأنه لا فرار إلا إذا فَرُّوا، فهو لا ينفعهم أي شيء من الموت أو القتل. قال: ﴿وَإِذًا﴾ يعني: لو فُرِضَ أنكم فررتم من الموت أو القتل، (﴿وَإِذًا﴾ إن فررتم ﴿لَا تُمَتَّعُونَ﴾ فِي الدنيا بعد فراركم، ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ بقية آجالكم). يعني: على فَرْض أنكم فررتم من الموت أو من القتل، فهل ستبقون في الحياة؟ لا، ما يبقون، إن فَرُّوا لا يُمَتَّعُون إلا قليلًا، وهو بقية آجالهم، هذا على تقدير فرارهم، وحينئذ ما الفائدة من أن يَدَعَ الإنسان القتال المفروض عليه ويُوَلِّي الدُّبُر لأمر قد ينفعه وقد لا ينفعه، قد يموت في حال التولي، وقد يبقى ويُعَمَّر، لكن لو بقي وعُمِّرَ سيبقى أبدًا؟ لا، لا يُمَتَّع إلا قليلًا، مهما طال الأمد به فإنه قليل، ولهذا الدنيا كلها بالنسبة للآخرة ليست بشيء، قال الله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى١٦ ١٧]. وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن موضع سَوْط الإنسان في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها، فمتاع الدنيا في الحقيقة ليس بشيء بالنسبة لوقت الآخرة، ولهذا قال: ﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. ثم هناك شيء آخر لو قُتِلُوا في سبيل الله فإنهم قُتِلُوا ولكنهم أحياء، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة ١٥٤]، هذا القول باللسان نُهِينَا عنه، وحتى الظن بالقلب نُهِينَا عنه، ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران ١٦٩]. فلا يجوز القول ولا الحسبان بأن مَن قُتِلَ في سبيل يكون ميتًا، بل هو ميت البدن، لكنه حَيّ الروح حياة برزخية، وليست كحياة الدنيا، ولو كانت كحياة الدنيا ما جاز أن يُدْفَن هؤلاء؛ لأننا لو دَفَنَّاهم وهم أحياء حياة دنيوية لكنا قد قتلناهم وأهلكناهم، وبهذا نعرف ضلال مَن قالوا: إنهم أحياء يَسْأَلُون لك إذا سألتهم أن يدعوا الله لك، ويجيبونك، ويتوصَّلُون بهذا الشيء إلى الإشراك بهم، وبالأنبياء، وبمن يدعونهم أولياء. * طالب: (...). * الشيخ: لأجل تعميم الأحوال، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة ٨]، أو يقال أيضًا: هؤلاء الذين جاؤوا للقتال قد يموتون بدون قتل. * الطالب: (...). * الشيخ: خاص بالشهداء ومَن هو أفضل منهم، هذا هو الظاهر، ويحتمل أن يكون هذا خاصًّا بالشهداء؛ لأن الشهداء تعرَّضُوا للموت ابتغاء وجه الله، وبعض أهل العلم يقول: إذا ثبت هذا للشهداء في الحياة البرزخية، فلمن هو أفضل منهم أثبت، مثل الصديقين والأنبياء. ولكن عندي أن فيه احتمالًا بأن هذا خاص بالشهداء، وذلك لأن الشهيد ليس كغيره، الشهيد عَرَّض نفسه للموت، وباع نفسه، فيجازَى بأن يكون حيًّا، لكن المشهور أنّ مَن هو أعلى من الشهداء له ذلك الحكم، والأنبياء لهم خصيصة أخرى أيضًا ما هي بغيرهم، وهي أن الأرض لا تأكل أجسادهم. * طالب: (...). * الشيخ: ما يحصل لهم هذا (...)، هم عَرَّضُوا أنفسهم لكنهم ما قُتِلُوا. * الطالب: (...). * الشيخ: ما نجزم بهذا الشيء، والمسألة فيها كما قلت، رأي أكثر أهل العلم الذين اطلعت عليهم أنهم يقولون: إن مَن كان أعلى منهم مرتبة فهو أولى منهم بذلك. (...) ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة ٨٨]، ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء ٤٦]، ومثل هذا التعبير ذَكَرَ المفسرون أنه يراد به العدم، يعني: لا يؤمنون أبدًا. ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾، انتهينا من التي قبلها؟ * في هذه الآية الكريمة: بيان إرجاف المنافقين بالمؤمنين، والإرجاف هو أن يذكر الإنسان ما يكون به الخوف والقلق، هذا الإرجاف، وفيه في باب القتال مُرْجِف ومُخَذِّل، والفرق بينهما أن الْمُرْجِف مَن يُخَوِّف، والْمُخَذِّل مَن يُقَلِّل الرغبة في الخير، هذا الفرق بينهما، فالمرجف يُرْهِبهم، وأما الْمُخَذِّل فهو يثبط عزيمتهم، يقول: مال هي مآل؟ أيش الفائدة وأيش كذا وكذا؟ فبينهما فرق، هؤلاء مُرْجِفُون ولَّا مُخَذِّلُون ؟ مُرْجِفُون، ما فيه مقام هنا؛ لأنه خطر عليكم، ولهذا قالوا: ﴿فَارْجِعُوا﴾، فيستفاد منه أن المنافقين من شأنهم الإرجاف بالمؤمنين. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الاعتزاز بالوطن من صفات المنافقين؛ لقول لقولهم: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ﴾، وقصدهم بذلك إِحْمَاءُ حَمِيَّتهم الوطنية، وأما الحديث الذي يُرْوَى: «حُبُّ الْوَطَنِ مِنَ الْإِيمَانِ»[[انظر كشف الخفاء (١ / ٣٩٨). ]] فإنه كذب على الرسول عليه الصلاة والسلام، ما هو صحيح. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز تسمية المدينة بيثرب، هكذا استدل به بعضهم. * الطالب: (...). * الشيخ: ما يستفاد؟ وجه قول هذا القائل: إن الله تعالى حكاه عنهم وأقَرَّه، ولكن بعض أهل العلم قال: لا يدل على ذلك، بل إنما يدل على العكس، وأما تسميتها بيثرب إنما يكون من المنافقين؛ لأن الله تعالى يحكي الكفر عن الكافرين، يحكي كل ما يقوله هؤلاء الكفار من المنافقين وغيرهم، وهل ما حكاه عنهم من الكفر إقرار له؟ لا. إذن يستفاد من الآية أن تسمية المدينة بيثرب من شأن المنافقين، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يَقُولُونَ: يَثْرِبُ، وَهِيَ الْمَدِينَةُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٧١)، ومسلم (١٣٨٢ / ٤٨٨) عن أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وهذا واضح بأن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يَرْتَضِ هذه التسمية. * ويتفرع على هذا الفائدة: بيان ما كان عليه من أولئك المؤرِّخِين، لا نقول: العرب، نقول: الإسلاميين الذين هم إمَّعَة، جاء المستشرقون فكانوا يتحدثون عن الرسول عليه الصلاة والسلام باسم محمد فقط، قالوا: محمد، كما قال الكفار في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، ويتحدثون عن المدينة بأنها يثرب، فجاء هؤلاء المساكين يُقَلِّدُون أولئك المستشرقين، فصاروا يُعَبِّرُون عن الرسول بكلمة محمد، ويعبرون عن المدينة بكلمة يثرب، وكأن هذا هو الفخر والرقي. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أولئك الْمُرْجِفِين لم يقتصروا على الإرجاف، بل ضَلَّلُوا الناس بقولهم: ﴿فَارْجِعُوا﴾. * ويتفرع على هذا: أن كل مَن دعا إلى الرجوع عن الحق ففيه شبه بمن؟ بالمنافقين؛ لقوله: ﴿فَارْجِعُوا﴾، هؤلاء أَرْجَفُوا أولًا، ثم دَعَوْا إلى الترك، ﴿فَارْجِعُوا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾ إلى آخره: بيان مَكْر المنافقين، حيث جاؤوا يستأذنون الرسول ﷺ تمويهًا، وإلا ليس في نيتهم البقاء، لكن يُمَوِّهُون، ﴿يَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾، ففيه دليل على تمويه المنافق، وإظهار حاله بحال المؤمن المنقاد الذي لا ينصرف إلا بعد الاستئذان، مع أن الاستئذان في مثل هذا الأمر، أو في مثل هذا الحال من شأن مَن؟ الاستئذان بالحق من شأن المؤمنين، أو لا؟ كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور ٦٢]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من شأن المنافقين الكذب؛ لقوله: ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾، وهم كاذبون. * ومن فوائدها: بيان إحاطة علم الله تعالى بما في القلوب؛ لقوله: ﴿إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾، أما قوله: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾، فهذا قد يُعْلَم؛ لأنه ظاهر أن البيوت حصينة، ولا عليها من العدو، لكن ﴿إِنْ يُرِيدُونَ﴾، الإرادة في القلب لا يعلمها إلا الله عز وجل، أو صاحبها، أو مَن أطلعه الله تعالى عليها. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب تكذيب الناطق بالباطل، شوف الآن هل يصح التعبير بكلمة وجوب، أو نقول: مشروعية؟ هو إن نظرنا إلى أن الباطل يجب إبطاله قلنا: يجب، لكن الكلام على هل يؤخذ من الآية؟ الآية فيها مشروعية ذلك، إبطال قول الناطق بالباطل؛ لأن الله تعالى أبطله في قوله: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾. ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا﴾ إلى آخره. * يستفاد من الآية الكريمة: أن المنافقين أشد الناس ذعرًا؛ لقوله: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ﴾، ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا﴾؛ لأن عندهم ذعرًا من هؤلاء الذين دخلوا من أقطارها. * ويستفاد من الآية أيضًا: قرب المنافقين من الكفر والشرك؛ لقوله: ﴿سُئِلُوا﴾ ﴿لَآتَوْهَا﴾ مُبَادِرِين، ما يتلبثون ويقولون: ننظر في الأمر، لا. وهل يستفاد من هذه الآية أنه لا حكم للإكراه، وأن الإنسان إذا كَفَرَ مُكْرَهًا فإنه يترتب على كفره حكم الكافر، ولَّا لا؟ أقول: هل يستفاد من الآية أنه لا حكم للإكراه، وأن مَن كفر مُكْرَهًا فعليه الإثم؟ ما يستفاد، لماذا؟ لأنه هؤلاء سُئِلُوا ما أُكْرِهُوا، بمجرد السؤال وافقوا، فليس فيه معارضة لقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ [النحل ١٠٦] لا يعارض هذه الآية. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن المنافق حياته حياة مادية، يريد أن يعيش سواء كان كافرًا أو غير كافر. وجهه من الآية: لأن هؤلاء إذا سُئِلُوا الفتنة أَتَوْها، إذن فإيمانهم ليس إيمانًا حقيقيًّا، وإلا المؤمن الحقيقي لو سُئِلَ الشرك ما أشرك. ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ [الأحزاب ١٥]. * يستفاد من الآية الكريمة: أن المنافقين أصحاب غدر وخيانة؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ﴾، وهم الآن يحاولون الإدبار، لكنهم يُمَوِّهُون بسؤال النبي ﷺ واستئذانه. * إذن يتفرع على هذه الفائدة: أن كل مَن نقض العهد ففيه شبه من المنافقين، واليهود أيضًا، ولهذا« جاء الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ»، » وَمِنْهَا: «إِذَا عَاهَدَ غَدَرَ»[[أخرجه أحمد (٦٨٧٩) عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما. ]]. * يتفرع على ذلك: أنه إذا كان الغدر من صفات المنافقين فالواجب على المؤمن البعد عنه، لو لم يكن من الغدر إلا أنه من صفات المنافقين لكان ذلك كافيًا في وجوب البعد والحذر منه. * ومن فوائد الآية الكريمة: استهانة المنافق بحق الله عز وجل؛ لقوله: ﴿عَاهَدُوا اللَّهَ﴾، يعني: نَقْضُ العهد مع الإنسان مثلك قد يكون أهون، لكن نقض العهد مع الله عز وجل أشد وأعظم. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم تولية الأدبار عند ملاقاة العدو. وجه ذلك أن الله تعالى ذَكَرَ هذا عن المنافقين تحذيرًا منه، وقد دَلَّت الآية الكريمة في سورة الأنفال على أنه من كبائر الذنوب؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال١٥ ١٦]، وجاء في الأحاديث في عَدِّ ذلك من الموبقات، يعني: المهلكات؛ لأنه من الكبائر. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الحساب؛ لقوله: ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾، فكل ما بينك وبين الله عز وجل من الحقوق فإنك مسؤول عنه يوم القيامة، قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ [الأعراف٦ ٧]. ثم قال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. * في الآية هذه: دليل على أنه لا فرار من قدر الله؛ لقوله: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾. قوله: ﴿مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ متعلِّق بـ﴿فَرَرْتُمْ﴾ وإلا بـ﴿الْفِرَارُ﴾؟ هذه جملة معترضة في الواقع ما من الفوائد، ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ متعلقة بـ﴿فَرَرْتُمْ﴾ وإلا بـ﴿الْفِرَارُ﴾؟ قل لن ينفعكم الفرار من الموت أو القتل إن فررتم، وتكون الجملة الشرطية ﴿إِنْ فَرَرْتُمْ﴾ جملة معترضة، وهذا أوضح في المعنى. * يستفاد منها: أنه لا فرار من قدر الله. هل يستفاد من الآية الكريمة إبطال الأسباب؟ يعني الإنسان لو رأى نارًا تلتهم الشجر مُقْبِلَة عنه هل يهرب ولَّا لا؟ يهرب، إذن يهرب وربما ينجو، هي غير هذه، لكن ما هو الْمَخْلَص؟ يعني لو قال قائل: هذه الآية تنفي العمل بالسبب؟ فالجواب على ذلك أن نقول: إذا كان العمل بالسبب مُبْطِلًا لحكم شرعي فإنه لا يجوز، كهذه الآية، أو كهذه الحال، فإبطال الأسباب القدرية بانتهاك الأحكام الشرعية هذا لا يجوز، يعني كون أن الإنسان يترك الحكم الشرعي الواجب خوفًا من آثاره جائز له؟ ليس بجائز. لكن سبب حقيقي مأذون فيه شرعًا يُفْعَل ولَّا لا؟ إذا كان سببًا حقيقيًّا مأذونًا فيه شرعًا فلتفعله، ما نقول للرجل: إذا رأيت النار مقبلة عليك قِف لا تَفِر لا ينفعك الفرار، هذا ما هو صحيح، بل نقول: في هذه الحال فرّ؛ لأن هذا سبب مباح مأذون فيه شرعي، وسبب حقيقي، لكن نبغي نجعل الأسباب مُعَطِّلة للأحكام الشرعية هذا لا يجوز. * ويستفاد من الآية الكريمة: بيان نفوذ حكم الله عز وجل الشرعي والقدري؛ أما القدري فلا إرادة لك فيه، وأما الشرعي فلك فيه إرادة، ولهذا نقول بالنسبة للشرعي: وجوب تنفيذ حكم الله الشرعي؛ لأن الله تعالى عاب هؤلاء الفارِّين لكون فرارهم يتضمن إسقاط حكم شرعي، إي نعم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن البقاء في الدنيا وإن طال فهو قليل؛ لقوله: ﴿وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، وقد قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء ٧٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: توبيخ هؤلاء الذين فَرُّوا للإبقاء على حياتهم، يؤخَذ من أمر الله نبيَّه أن يقول لهم: ﴿لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾، وهذا لا شك أنه على سبيل التوبيخ لهم، ولهذا قال: ﴿وَإِذًا﴾، يعني: لو فررتم ونجوتم من هذه الحادثة ما تنجون من الموت، ﴿لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، نعم من جبن المنافقين أنهم أهل جبن وذل وخوف ورعب. وهذا أيضًا يترتب عليه مشكلة، وهي أن الخوف من الموت أمر طبيعي، قال الله تعالى عن موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [القصص ٣٣]، وهذه فيها إشكال. * طالب: (...). * الشيخ: كلمة (...) يقول: ويش الفرق بين إنه يقول: هذا غير هذا، ما يكفي. * الطالب: (...). * الشيخ: وجه المعارضة أنه خاف من القتل، وهؤلاء خافوا من القتل، القتل -كما أشرنا إليه قبل قليل- الخوف من القتل الذي يستلزم إبطال حكم شرعي هذا ما يجوز، أما هذا خافَ من القتل؛ لأنه تسبب له وهو ممكن أن يُقْتَل، ولَّا لا؟ موسى، إي نعم، ممكن أن يُقْتَل؛ لأنه فعل ما يستلزم القتل عند هؤلاء. (...) فنقول: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ [الأحزاب ١٧]. قال المؤلف في معنى ﴿يَعْصِمُكُمْ﴾: (يجيركم)، ولكن الصواب أن المراد بها: يمنعكم؛ لأن العصمة هي المنع، ومنه المعصوم، يعني: الممنوع من الخطأ، فالصواب أن ﴿يَعْصِمُكُمْ﴾ أي: يمنعكم من الله. وقوله: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي﴾، هذا إعراب ﴿مَنْ ذَا الَّذِي﴾ مَن يعربها لنا؟ * طالب: (...). * الشيخ: هو مستتر وجوبًا، وإن ابتُدِئَ بالياء فمستتر جوازًا، وإن افتُتِح بالتاء فعلى حسب الحال؛ قد يكون وجوبًا مثل: تشكر أنت، وقد يكون جوازًا مثل: تشكر هي، ﴿ذَا﴾ الآن اختلف الرجلان في إعرابها؛ أحدهما قال: إنها اسم إشارة، والثاني قال: إنها ملغاة، أيهما الصواب؟ الصواب أنها ملغاة؛ لأنها إذا جاء بعدها اسم موصول فإنها تكون ملغاة، مثل: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ﴾ [البقرة ٢٥٥]، ومثل: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ﴾. وقوله: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ﴾ الاستفهام هنا يراد به النفي، يعني: لا أحد يعصمكم، وإذا جاء النفي بصيغة الاستفهام فإنه أبلغ من النفي المجرد؛ لأنه يكون نفيًا مُشْرَبًا بالتحدي، كأنه يقول: أَخْبِرُونِي أيعصمكم أحد من الله إن أراد بكم سوءًا، عرفتم؟ هذه قاعدة في كل ما يكون فيه الاستفهام بمعنى النفي، أن نقول: عُدِلَ عن النفي المحض إلى الاستفهام؛ ليكون مُشْرَبًا معنى التحدي. ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: يمنعكم منه، ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا﴾، أيش الجواب؟ لا أحد، يقول: (﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا﴾: هلاكًا أو هزيمة)؛ (هلاكًا) إذا لم يكن هناك قتال، أو كان قتال فقُتِلْتُم، (أو هزيمة) إذا غُلِبْتُم وبقيتم، وكل ذلك سوء، لكنه سوء بالنسبة للمكلَّف، أما بالنسبة لفعل الله عز وجل فإنه خير؛ لأنه لحكمة. ﴿أَوْ أَرَادَ﴾ قال المؤلف: (أو يصيبكم بسوء إن أراد الله بكم رحمة)، المؤلف رحمه الله قَدَّر هذه الجملة؛ لأنه رحمه الله ذكي جدًّا، قال: (أو يصيبكم بسوء)، (يصيبكم) معطوفة على (يعصمكم)، يعني: أو مَن ذا الذي يصيبكم بسوء إن أراد الله بكم رحمة خيرًا، والجواب أيضًا كالسابق: لا أحد، وإنما قَدَّرَ المؤلف: أو يصيبكم بسوء، على خلاف ظاهر السياق؛ لأن الرحمة لا تُعَدّ مصيبة حتى تحتاج إلى العصمة، فإنه إذا أراد الله بالإنسان رحمة ما يقال: مَن ذا الذي يعصمه منها، ليش؟ لأن الرحمة مطلوبة، لا يتطلب الإنسان فيها أحدًا يعصمه منها، فلهذا قَدَّرَ قوله: (أو يصيبكم بسوء) يعني: لا يصيبكم أحد بسوء إن أراد الله بكم رحمة. ولكن الصحيح أنه لا حاجة إلى هذا التقدير، إذا جعلنا العصمة بمعنى المنع، فالمعنى: مَن الذي يمنعكم من الله إن أراد بكم سوءًا، ومن الذي يمنعكم من رحمته إن أراد بكم رحمة، فالفرار لا يمنعكم من السوء الذي أراده الله بكم، والبقاء لا يجلب لكم الرحمة التي أراد الله بكم، فالكل بيد الله عز وجل، لا ينفعكم الفرار ولا البقاء. وقوله: ﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ قال المؤلف: (خيرًا)، وإذا كنا فَسَّرْنَا الأول بالهلاك والهزيمة فالمراد بالخير هنا النصر والبقاء. قال الله تعالى: (﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: غيره، ﴿وَلِيًّا﴾ ينفعهم، ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ يدفع الضر عنهم). ﴿لَا يَجِدُونَ لَهُمْ﴾ أي: هؤلاء الذين فَرُّوا من القتال لن يجدوا أحدًا ينفعهم أو يجلب لهم الخير، أو يدفع عنهم الضرر، ﴿لَا يَجِدُونَ﴾ ﴿وَلِيًّا﴾، والولي هو مَن يتولى أمرك ويعتني بك، فهؤلاء لا يجدون أحدًا سوى الله. وقوله: ﴿وَلِيًّا﴾ يعني: بالولاية العامة؛ لأن ولاية الله سبحانه وتعالى تنقسم إلى قسمين: ولاية عامة تشمل كل أحد، وولاية خاصة للمؤمنين فقط، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة ٢٥٧]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد ١١]. أما بمعنى العامّ فمثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام ٦٢]، فإن هذه الولاية العامة؛ لأن الله تعالى وَلِيّ على كل أحد في المعنى العامّ الذي هو التدبير والملك والسلطان. وقوله: ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾.. .. ﴿مِنْ نَصِيرٍ﴾ [الحج ٧١]: هو الذي ينصرك عند ملاقاة الأعداء فيمنعك منهم، فهؤلاء ليس لهم أحد يتولاهم بِجَلْب الخير لهم، ولا ينصرهم بدفع الضرر عنهم؛ لأن الأمر كله لله. ثم قال تعالى: (﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ﴾ [الأحزاب ١٨]: المثبطين ﴿مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ ) [الأحزاب: ١٨]، ﴿قَدْ﴾ هنا للتحقيق، والأصل أنها إذا دخلت على المضارع تكون لأيش؟ للتحقيق ﴿قَدْ يَعْلَمُ﴾، والأصل أنها إذا دخلت على المضارع تكون للتقليل، كما يقال: قد يجود البخيل، لكن هنا للتحقيق؛ لأن علم الله عز وجل مُحَقَّق، وليس للتقليل، وإنما جاءت ﴿قَدْ يَعْلَمُ﴾ دون (قد علم)؛ ليفيد أن علم الله عز وجل مستمر بهم من ذلك الوقت إلى يوم القيامة؛ فإن الله تعالى عالم بهم وبأحوالهم وتقلباتهم. وقوله: ﴿الْمُعَوِّقِينَ﴾ قال المؤلف: (الْمُثَبِّطِين)؛ لأن الْمُثَبِّط يُعَوِّق الإنسان الْمُثَبَّط، أي: يَحُول دونه ودون مراده، وهو ما يسمى عند الفقهاء بأيش؟ بالْمُخَذِّل، الفقهاء يقولون في باب الجهاد: يجب على الإمام أن يَمْنَع الْمُخَذِّل والْمُرْجِف، فالمخذِّل الذي يُثَبِّط العزائم، يقول: ما له داعٍ الجهاد، وليس عندنا استعداد، وما أشبه ذلك، والْمُرْجِف هو الذي يُرْهِب من الأعداء ويُخَوِّف منهم، يقول: أعداؤكم كثيرون، وأسلحتهم قوية، وما أشبه ذلك. * طالب: (...). * الشيخ: الْمُعَوِّق يعني؟ ما فيه مانع، هذا التعبير بالمعنى. * الطالب: (...). * الشيخ: ماه في شك أنه أحسن، لكن لأجل التفصيل؛ لأن الْمُعَوِّق قد لا يفهمه كل أحد. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، هنا المعوّق يختص بالمثبِّط، ﴿الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾. * طالب: (...). * الشيخ: لا. * الطالب: (...). * الشيخ: لعلك تريد أن (هل) تأتي للتحقيق، هذا صحيح. يقول تعالى: ﴿الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾، الخطاب لمن؟ للنبي عليه الصلاة والسلام والصحابة، فهذا موجود في الصحابة مَن يُعَوِّق. (﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ﴾: تعالوا ﴿إِلَيْنَا﴾ ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ﴾: القتال، ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ رياءً وسمعة). ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾، ﴿الْقَائِلِينَ﴾ معطوف على ﴿الْمُعَوِّقِينَ﴾، يعني: ويعلم القائلين لإخوانهم: هَلُمَّ إلينا، وهذا غير التعويق؛ لأن المعوِّق هو الذي يعرف الشيء الذي يُعَوِّق الإنسان، لكن لا يدعوه، ولكن هؤلاء يقولون لإخوانهم، فهو أبلغ من التعويق. وقوله: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾ هذه غير المعوِّقين، فليس عطف صفة، ولكنه عطف ذات، والأصل في التعاطف أن يكون لتغير الذوات، وقد يكون لتغير الصفات، وقد يكون لتغير؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا ، ما أسرع ما تنسون، العطف للتغاير؛ إما في الذات أو في الصفات. * الطالب: (...). * الشيخ: لا. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، أو اللفظ يا إخواني، كل يوم يَقْرَع أسماعكم: ................... ∗∗∗ أَلْفَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمَيْنَا هذا ما هو تغيُّر معنى، المعنى واحد، لكن تغير لفظ. وقوله: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾، هذا في المنافقين، وسُمُّوا إخوانهم في النسب، وليسوا إخوانهم في الدين، اللهم إلا أن يُرَادَ الأخوة الظاهرة، فإن هؤلاء يتظاهرون بأنهم مؤمنون. ﴿هَلُمَّ﴾: تعالوا إلينا، ﴿هَلُمَّ﴾ هل هي فعل أمر، أو اسم فعل أمر؟ اسم فعل أمر، نعم؛ لأنه ليس كل ما دَلَّ على الطلب فهو فعل أمر، المصدر قد يدل على الطلب كما لو قلت: ضربًا زيدًا، لكن ما دلَّ على الطلب بذاته، يعني بغير أداة خارجية فإما أن يَقْبَل علامة فعل الأمر أو لا، فإن قَبِلَها فهو فعل أمر، وإن لم يَقْبَل فهو اسم فعل أمر، أو قد يكون مصدرًا نائبًا عن الأمر، عرفتم؟ وقولنا: بغير أداة خارجية، احترازًا من المضارع المقرون بلام الأمر، المضارع المقرون بلام الأمر يدل على الأمر، لكن لا بذاته، بل بأداة أخرى خارجية، وهي اللام؛ لام الأمر. ﴿هَلُمَّ﴾ هنا اسم فعل أمر؛ لأن عيسى نقول له: هلم إلينا، هلم إلى الدرس، وأحمد وعيسى جميعًا نقول لهما: هلم إلينا، جميعًا، ونضم إليهما الأخ، ونقول: هلم إلى الدرس، ما تَغَيَّر، مفرد مثنى وجمع، ولم يتغير، ولَّا لا؟ أمّا لو كنا نخاطب واحدًا فنقول: هلم إلينا، ونخاطب اثنين فنقول: هَلُمَّا إلينا، ونخاطب ثلاثة فنقول: هَلُمُّوا إلينا، لكان فعل أمر، ولهذا نقول: قم، وقومَا، وقوموا، فهي إذن اسم فعل أمر تخاطب بها الواحد والاثنين والجماعة ولا تتغير، هذا على لغة أهل الحجاز. أما بنو تميم فإنها عندهم فعل أمر، ولهذا يقولون للواحد: هلم إلينا، وللاثنين: هَلُمَّا إلينا، وللجماعة: هَلُمُّوا إلينا، فهي فعل أمر. هنا يدلنا على أنها اسم فعل أمر؛ لأنها لو كانت فعل أمر لقال: هَلُمُّوا إلينا، يعني: تعالوا، هذا بالنسبة لغيرهم، يَدْعُون غيرهم إلى ترك القتال: تعالوا، هم.. قال: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، ﴿لَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ﴾ يعني: القتال، ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾، والقليل هنا قد يكون المراد به العدم، وقد يكون المراد به الشيء اليسير، القِلَّة، ويمكن أن يراد به العدم بالنسبة لقوم، والقلة بالنسبة لآخرين من المنافقين؛ لأن من المنافقين مَن لا يحضر القتال أصلًا، ومنهم مَن يحضر قليلًا للرياء والسمعة. ومعلوم أن مَن يلاحظ الرياء والسمعة فإنه إذا كان في محل يجد الرياء والسمعة حضر، وإذا كان في محل لا يجد رياء ولا سمعة لم يحضر. ما الفرق بين الرياء والسمعة؟ الرياء يعود إلى الأفعال، والسمعة يعود إلى الأقوال؛ لأن الأفعال تُرَى، والأقوال تُسْمَع، ولهذا جاء في الحديث: «مَنْ رَاءَى رَاءَى اللهُ بِهِ، وَمَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٦ / ٤٧) من حديث عن ابن عباس رضي الله عنهما، ولفظه: «من سَمَّع سَمَّع الله به، ومن راءى راءى الله به».]]، فإذا تكلم شخص بِذِكْر ورفع صوته ليُسْمَع فيُثْنَى عليه به، فبماذا نصف فعله؟ سمعة، وإذا قام يصلي ليراه الناس فهو رياء. وقد يطلق الرياء عليهما جميعًا، لكن عندما يجتمعان يكون الرياء يتعلق بالأفعال والسمعة بالأقوال، يقول: (رياءً وسمعة). (﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب ١٩] بالمعاونة، جمع شحيح، وهو حال من ضميرِ ﴿يَأْتُونَ﴾ )، ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾، أشحة هذه جمع شحيح، والشحيح هو المانع مع الحرص، والبخيل هو المانع بدون حرص، فإذا كان الإنسان مَنُوعًا جَمُوعًا، يعني مع الحرص، يسمى ذلك شحيحًا، وإذا كان بخيلًا لكنه ليس ذلك الرجل الذي يكون حريصًا على جمع المال –مثلًا- فإنه يسمى بخيلًا، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام مُحَذِّرًا من الشح: «اتَّقُوا الشُّحَّ فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٨ / ٥٦) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، ولفظه: «...واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم». ]]. يقول: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾، ما الذي نصبها؟ * طالب: حال. * الشيخ: حال منين؟ نُصِبَت على الحال من فاعل ﴿يَأْتُونَ﴾، يعني: لا يأتون إلا قليلًا، ومع ذلك يأتون أشحةً عليكم، يعني: وهم أَشِحَّاء عليكم لا يريدون أن تَصِلُوا إلى خير، بل يحبون أن يمنعوا كل خير عنكم. ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ [الأحزاب ١٩]، ﴿جَاءَ الْخَوْفُ﴾ الخوف ليست ذاتًا تأتي، لكنه معنى يأتي، والمجيء يكون للمعاني ويكون للذوات، فتقول: جاءه المرض، وتقول: جاء زيد، المجيء هنا أُسْنِدَ إلى معنى، جاء الخوف ممن؟ هو عامّ، إذا جاء الخوف، سواء كان من الأعداء الذين حضروا إلى المدينة، أو الخوف من الرسول عليه الصلاة والسلام فيما يَطَّلِع على أحوالهم، يخافون من أن يفضحهم الله تعالى بأفعالهم، أو يسلِّط عليهم رسوله. يقول: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾، الخطاب هنا هل هو للرسول ﷺ، أو لكل مَن يتوجه إليه الخطاب؟ يحتمل أن يكون للرسول عليه الصلاة والسلام، وهو الأقرب، ويحتمل أن يكون لكل مَن يوجه إليه الخطاب. وقوله: ﴿رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾، الرؤية هنا بصرية، وعلى هذا فلا تنصب إلا مفعولًا واحدًا وهو الهاء، ويكون جملة ﴿يَنْظُرُونَ﴾ حالًا من الهاء، رأيتهم حال كونهم ينظرون إليك، ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾؛ لأن الخائف غالبًا يركز على مَن؟ على جهة الخوف، سواء كان شخصًا أو أشخاصًا، ينظر إلى الجهة التي هي مصدر الخوف، وتدور عينه على غير نظر سليم، يعني كأنها تدور بغير اختيارها من شدة الخوف، ثم شَبَّهَ حالهم بعد أن شَبَّه أبصارهم، قال: ﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾، قال المؤلف: ( كنظر أو كدوران). فإن كانت ﴿كَالَّذِي﴾ عائدة على ﴿يَنْظُرُونَ﴾ قَدَّرْنا: نظر، وإن كانت عائدة على ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ قَدَّرْنَا: كدوران، ولكن الذي يناسب القرآن الأول؛ نظر، كما قال تعالى في سورة القتال: ﴿يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [محمد ٢٠]، وربما نقول: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ ليس عائدًا على النظر، وإنما هو عائد على حالهم، يعني: كالإنسان الْمَغْشِيّ عليه من الموت لا يستطيعون أن يتكلموا؛ لأن أرياقهم يبست، ودماءهم غارت بسبب الخوف، إذا جاء الخوف فإنها تتغير أبصارهم، وتتغير أحوالهم أيضًا، كالذي يُغْشَى عليه من الموت، والذي يُغْشَى عليه من الموت لا شك أنه يصفر وجهه، وأنه لا يدري ما يفعل، ولا يستطيع أن ينطق في الغالب، ﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾، ﴿مِنَ الْمَوْتِ﴾ قال المؤلف: من سكراته، (أي: سكراته)، ﴿يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾، ﴿مِنَ﴾ هنا للسببية، وهل تأتي (مِن) للسببية؟ الجواب: نعم، تأتي في مواضع كثيرة، والأصل فيها أنها للابتداء، حتى زعم بعض النحويين أنها في كل مكان تكون للابتداء، حتى فيما إذا كانت سببية قال: لأنها لابتداء السبب، لكن الصحيح ما ذهب إليه ابن مالك وغيره من النحويين أنها تأتي لمعانٍ كثيرة، قال: بَعِّضْ وَبَيِّنْ وَابْتَدِئْ فِي الْأَمْكِنَه ∗∗∗ فِي (مِنْ) وَقَدْ تَأْتِي لِبَدْءِ الْأَزْمِنَه؎وَزِيدَ فِي نَفْــيٍ وَشِبْهِهِفَجَـــــــــــــــــــــرّ ∗∗∗ نَكِرَةً كَمَــــا لِبَاغٍ مِـــــــــــــنْمَــــــــــــــفَرّ قال: (﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾ وحِيزَت الغنائم، ﴿سَلَقُوكُمْ﴾: آذَوْكُم أو ضربوكم، ﴿بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ أي: الغنيمة يطلبونها، ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ حقيقةً، ﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ ). ﴿إِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾ صار هؤلاء الذين كانوا حين الخوف كالمغشيّ عليه من الموت صاروا ينطقون بطلاقة، ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ يعني: أصابوكم بشدة، ﴿بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ أي: شديدة قوية، والمراد بالألسنة هنا الكلام؛ لأن الكلام يُعَبَّر عنه باللسان، المعنى أنهم يجادِلُون ويناظرون، ويقولون: نحن معكم، نحن نساعد، نحن خرجنا، وما أشبه ذلك، كما قال الله تعالى في سورة النساء: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ [النساء ١٤١]، وأَبْدَوْا وأعادوا في غَلَبَتِهم للمسلمين؛ لأنه لا شك أن الإنسان قد يغلب خصمه بالكلام، كما قال الله تعالى في قصة داود: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص ٢٣]: غلبني، والإنسان اللَّسِن الذي عنده بيان وعنده فصاحة قد يغلب ولو كان على باطل، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ بِنَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٨٠)، ومسلم (١٧١٣ / ٤) من حديث أم سلمة رضي الله عنها. ]]، وإن كان على باطل، فالإنسان قد يغلب ببيانه الحقَّ، ولهذا كما تعلمون جاء في الحديث الصحيح: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا»[[أخرجه البخاري (٥٧٦٧) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. ]]. هؤلاء المنافقون الذين في حال الخوف على الصورة التي صَوَّرَها الله عز وجل، ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾، لكن إذا ذهب الخوف واطمأنوا ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾، يعني: أصابوكم بشدة بهذه الألسنة الحِدَاد، ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾، هذه حال من الواو في قوله: ﴿سَلَقُوكُمْ﴾. ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾، ما المراد بالخير هنا؟ يقول المؤلف: الغنائم التي أصابها المسلمون بانتصارهم، قال: ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ حقيقة، ولو آمنوا ما فعلوا هذا الفعل، ما كانوا يخافون من البعث، ولا كانوا يَدَّعُون ما لا يستحقون فيما إذا انتهت المعركة. ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ أيش معنى أحبطها؟ يعني: أبطلها حتى لا ينتفعوا بها. (﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾ الإحباطُ ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ بإرادته)، نعم هو يسير على الله عز وجل؛ لأنه سبحانه وتعالى لا يخشى من أحد، كما قال تعالى في قوم صالح: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ [الشمس ١٤، ١٥]، ما يخاف سبحانه وتعالى من عاقبتها، بخلاف غيره، بخلاف المخلوق، المخلوق قد يُنَكِّل بشخص ويعاقبه، لكنه يخشى من عاقبته، يخشى من قبيلته، يخشى من الغدر به، وما أشبه ذلك، أما الرب عز وجل فإنّ كل أمر يسير عليه، ولا يخاف من أحد حين ينتقم منه. (...) لها معنيان، تارة تكون بمعنى احْضُر، وتارة تكون بمعنى أَحْضِرْ، في هذه الآية بمعنى (...). هذا مبتدأ الفوائد؟ متأكدون؟ قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ﴾ [الأحزاب ١٧] إلى آخره. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: نفاذ حكم الله، أن حكم الله نافذ في الخلق، لا يمنعه أحد. وجه ذلك: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ﴾، والاستفهام هنا -كما سبق- بمعنى النفي. * ومن فوائدها: إثبات الإرادة لله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا﴾. * ومن فوائدها: الرد على بعض طوائف القَدَرِيَّة الذين يقولون: إن الله لا يريد السوء، يريد الخير، لكن لا يريد السوء؛ لقوله: ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا﴾. وفي الآية إشكال، وهو أن ظاهرها أن الله يريد السوء، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» »[[أخرجه مسلم (٧٧١ / ٢٠١) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه. ]]، فما هو الجواب؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: هذا سوء بالنسبة للمخلوق، أما بالنسبة للخالق (...). * الشيخ: نعم، نقول: السوء بالنسبة للمفعولات، أما بالنسبة لفعل الله نفسه الذي هو فِعْلُه فليس بسوءٍ، المرض –مثلًا- سوء بالنسبة للعبد، يسوؤه ولا يَسُرُّه، لكنه بالنسبة لتقدير الله له خير وحكمة، كما أشرنا إلى هذا كثيرًا. إذن فنقول في الجواب على هذا الإشكال: إن السوء عائدٌ إلى المفعول لا إلى الفعل الذي هو تقدير الله، ونظير ذلك لو أن أبًا شفيقًا رحيمًا أُصِيبَ ولده بداء، فكواه بالحديدة الْمُحْمَاة على النار لكان هذا لا شك يسوء الولد؛ لأنه يؤلمه ويوجعه، لكنه إساءة إليه ولَّا لا؟ لا، هو بالنسبة لفعل الأب ليس إساءة، بل هو خير، وإن كان يؤلم الولد. * طالب: شيخ، هل يؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧]؟ * الشيخ: لا، بل من قبيل أن هذا.. هذا منفصل عن هذا. * الطالب: (...) يكون الخطاب بالنسبة لحال المخاطب. * الشيخ: لا، بل ما هو (...) حقيقة الأمر، فإن السوء ليس إلى الله، يعني معناه أن أفعال الله ليست هي نفسها السوء، السوء يكون في المفعولات فقط . * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل لا مانع لما أعطى ولما مُعْطِيَ لما منع؛ لقوله: ﴿ِإنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾، فلا أحد يمنع ما أعطاه الله، ولا أحد يعطي ما منعه الله، وعلى هذا قوله عليه الصلاة والسلام: «اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣ / ١٣٧) من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه. ]]. * ومن فوائدها: أن فيها حثًّا على تعلق الإنسان بالله سبحانه وتعالى دون غيره؛ لقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾، فإذا كان الأمر كله بيد الله فإن الإنسان يتعلق بربه دون غيره. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أولئك الكفار لن يجدوا أحدًا ينصرهم أو يتولاهم دون الله؛ لقوله: ﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾، فيترتب على ذلك قَطْع كل عُلْقَة تكون بين المشركين وبين أصنامهم، وأن أصنامهم لا تنفعهم مهما كان الأمر. ولكنه يَرِدُ على هذا إشكال، وهو أن هؤلاء الذين يدعون الأصنام قد يحصل لهم ما دَعَوْا به هذه الأصنام، فكيف نقول: إنها لا تنفعهم؟ فالجواب أن هذا قد يقع ابتلاءً وامتحانًا من الله عز وجل، ونحن نعلم أن هذا لم يحصل بهذه الأصنام، أو بدعاء هذه الأصنام، وإنما حصل عنده، وما حصل عند الشيء ليس كالذي حصل بالشيء، واضح؟ فإن قلت: نحن لا نقبل منك هذا؛ أنه حصل لا بدعائهم، ما دام الرجل دَعَا ثم حصل مراده، كيف تقول: إنه من أمر خارج ليس من دعائهم؟ فما هو الجواب؟ * طالب: مُقَدَّر. * الشيخ: ما يخالف، ما.. نعلم يكون مُقَدَّرًا، هذا رجل دعا هذا القبر وحصل ما أراد. * طالب: ما يعرف أن هذا الدعاء عند القبر مُحَرَّم شرعًا؟ * الشيخ: لا، دعا القبر لا عند القبر، دعا صاحب القبر. * الطالب: محرَّم شرعًا ولا يحصل منه هذا. * الشيخ: هو يقول لك: حصل، قال: يا سيدي يا مولاي يا فلان يا فلان أنا فقير أرجو أن تعطيني مالًا، في اليوم نفسه مات قريبُه الذي خلَّف ملايين، ولا يعصبه إلا هو، حصل. * الطالب: من تقدير الله. * الشيخ: أنت تقول: من تقدير الله، وهو يقول: هذا من الولي. * الطالب: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم ٤٤]. * الشيخ: يقول: مين قال لكم: إنه استدراج. * الطالب: من باب البلوى. * الشيخ: إي نعم، هو ابتلاء يا إخواني، ولكن (...). * طالب: (...) يعتبر فتنة لهؤلاء. * الشيخ: هو فتنة وامتحان، وإحنا قلنا له: هذه فتنة، ودعاؤك لم تُحَصِّل منه شيئًا، لكن هذا حصل عند دعائك لا بدعائك، فقال: تبًّا لكم، ما تعرفون قَدْر الأولياء، وأنا دعوت وحصل لي مرادي. * الطالب: تجيئه مرة واحدة ما تيجيئه .. * الشيخ: يقول: ما لي حاجة، وربما نتحداه ونقول: ادع مرة أخرى، فيأتي القدر موافقًا (...). * الطالب: كل هذا ليس بيده لا حول ولا قوة، لو كان لَمَنَعَ الموت عن نفسه. * الشيخ: كل هذه عللٌ عليلة، يا إخواني، إحنا قلنا لكم: الله عز وجل قَطَعَ كل تعلق بغيره، ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف ٥]، إحنا نعلم بالآية الكريمة أن هذا ما يستجيب لك إلى يوم القيامة، وقال: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر ١٤]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ٢٢ ٢٣]، هذه آيات واضحة جدًّا أنه ما يمكن يستجيب، إذا لم يمكن أن يستجيب له فنعلم علم اليقين أن هذا الذي حصل ليس بدعاء هذا الولي؛ لأن الله نفى أن يستجيب له. * طالب: هو بعينه. * الشيخ: عنده في وقت الدعاء فقط، وليس بالدعاء، فعند الشيء يعني أنه قريب منه، وهذا مَرَّ علينا أظن مذهب مَن؟ * طالب: الأشاعرة. * الشيخ: الأشاعرة، يقولون: إن الأسباب لا تُؤَثِّر بنفسها، وإنما يحصل التأثير عندها لا بها، إي نعم، فلما ضربت الزجاجة بالحجر وانكسرت قالوا: ما انكسر هذا من ارتطام الزجاجة بالحجر، حصل عنده، عند ارتطامها به ولكن ليس به، على كل حال ما هذا .. ثم قال تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾ [الأحزاب ١٨] إلى آخره. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: إحاطة علم الله سبحانه وتعالى بكل شيء؛ لأن هذه مسألة جزئية من العالم، قول هؤلاء: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ وتعويقهم فَرْد من أفراد العالم، جزء بسيط لا يُنْسَب إلى العالم، ومع ذلك يعلمه الله، والعالِم بالدقيق عالِم بالجليل من باب أولى، نعم، ففيها اثبات إحاطة علم الله بكل شيء جملة وتفصيلًا. * ومن فوائدها: ثبوت علم الله في المستقبل؛ لأنها جاءت بصيغة المضارع. * ومنها: التهديد والتحذير من التعويق عن القتال. وجهه؟ * طالب: ﴿قَدْ يَعْلَمُ﴾. * الشيخ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ﴾، وهذا من أجل تهديدهم حتى لا يفعلوا ذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: تعاون المنافقين بعضهم مع بعض؛ لقوله: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾، وإذا كان كذلك فإن ﴿الْقَائِلِينَ﴾ تكون عطفًا على ﴿الْمُعَوِّقِينَ﴾ من باب عطف الصفات، وذكرنا في التفسير أنها محتملة أن تكون عطف الصفات أو عطف الذوات، فإن كانت عطف الصفات صار الْمُعَوِّقُون هم القائلين، وإن كان عطف ذوات صاروا قسمين؛ مُعَوِّق وقائل، فالْمُعَوِّق قد يدعو ويقول: ارْمِ، اترك، وقد لا يدعو، ولكن على كل حال هي في المنافقين؛ لأن آخر الآية يُبْطِل الاحتمال الذي ذكرناه أمس بأن تكون في أحد من المؤمنين. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن أولئك المعوِّقين لغيرهم هم بأنفسهم جبناء؛ لقوله: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، فهم جبناء ومُخَذِّلُون مُرْجِفُون. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن كل إنسان يصاحب غيرَه ويمتزج به؛ لقوله: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾، فإن هذه أخوة في الشر والنفاق، وليست في الإيمان. ثم قال تعالى: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ [الأحزاب ١٩] إلى آخره. * في هذه الآية: دليل على بُخْل المنافقين بما ينفع المؤمنين، وأنهم لا يأتونهم إلا عن كراهية كالشحيح في بذل المال؛ لقوله: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾. * ومنها: جبن المنافقين، وأنهم في غاية الجبن؛ لقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾، إلى آخره. وبهذا نعرف أنهم أحق الناس بما وصفوا به النبي ﷺ وأصحابه، حيث قالوا: ما رأينا مثل قُرَّائِنَا هؤلاء أرغب بطونًا ولا أكذب أَلْسُنًا ولا أجبن عند اللقاء. فنقول: إن هذه الأوصاف أنتم أحق الناس بها. * ومن فوائد الآية الكريمة: شدة فزع المنافقين عند الخوف؛ لأن تصويرهم بهذه الصورة يدل على الفزع العظيم الذي ينالهم عند الخوف. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: شدة محبة المنافقين للحياة؛ لأنهم إنما بلغوا هذا المبلغ بالخوف حرصًا على الحياة وخوفًا من الموت بالقتال. * ومن فوائد الآية الكريمة: قوة تصوير القرآن للأحوال الواقعة؛ لأن هذه الصورة التي ذكر الله صورة مدهشة، تجعل الإنسان يتخيل شدة فزعهم كأنها رأي عين. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن للموت سكرات؛ لقوله: ﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾، وهذا بالنسبة للموت العادي، أما الموت المباغِت قد لا يكون فيه سكرات، قد يموت الإنسان بغتة، كالذي يحصل بالحوادث وسكتات القلوب وما أشبهها. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الجبناء المنافقين إذا ذهب الخوف على أنهم حين الخوف كالأموات، أو كالذي يغشى عليه من الموت، إذا ذهب صاروا أبطال الكلام، وأمراء الفصاحة والتسلط؛ لقوله: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ﴾، تو ما يجيء كلامهمن إذا راح الخوف بدؤوا يتكلمون. * ومن فوائدها: شدة المنافقين على المؤمنين، وأنهم عليهم أشداء غلاظ؛ لقوله: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾. * ومن فوائدها: أن المنافقين كما قال الشاعر: أَسَدٌ عَلَيَّ وَفِي الْحُرُوبِ نَعَامَةٌ ∗∗∗ ........................ على المؤمنين أسود، بالباطل طبعًا ما هو بالحق، وعند الكفار نعام، تعرفون النعامة مِن جُبْنِها إذا رأت الصيَّاد قالت: هذا بيقتلني، ولكن أدخل رأسي بالتراب علشان ما أشوفه، إي نعم. * ومن فوائد الآية الكريمة: عِلْم الله سبحانه وتعالى بما في القلوب، ﴿أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾؛ لأن الظاهر لنا أنهم مؤمنون، لكنهم في الواقع غير مؤمنين. * ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من هذه الصفات التي يتصف بها المنافق حتى وإن كان الإنسان مؤمنًا، لماذا؟ لأنها صفات غير المؤمنين؛ لقوله: ﴿أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾، والمؤمن مَنْهِيٌّ عن الاتصاف بصفات غير المؤمنين. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكُفْر مُحْبِط للعمل، سواء كان ظاهرًا أم باطنًا؛ لقوله: ﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾. وفي الجملة من هذه الآية إشكال؛ لأن الإحباط فَرْع عن قيام الشيء، وهم منافقون أعمالهم باطلة من الأصل، فكيف نجيب عن هذا؟ الجواب أن يقال: إن الإحباط نوعان: إحباط ما تم، وإحباط ما لم يتم، فإحباط ما تَمّ ظاهر، إذا تَمّ الشيء فأُلْغِي، وإحباط ما لم يتم أن يكون من الأصل حابطًا، ومنه قول بعض الفقهاء: إذا لم يُكَبِّر تكبيرة الإحرام بطلت صلاته، فنحن نقول هنا: ما صَلَّى حتى تبطل، لكن هذا بطلان ما لم يَتِمّ ولم يكن. أو جواب ثانٍ؛ أن نقول: أحبط الله أعمالهم، إن أعمالهم ظاهرها الصحة، أو لا؟ لأنها من قوم يَدَّعُون الإسلام، ويفعلونها على ظاهر الشرع، لكنها في الواقع باطلة لعدم الأساس. * ومن فوائد الآية الكريمة: أهمية الإخلاص لله عز وجل؛ لقوله: ﴿أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ﴾، فجعل الإحباط فرعًا عن عدم الإيمان، وهذا يدل على أن الركيزة الأصلية للأعمال هي الإيمان. هل يؤخذ من الآية الكريمة أن الأعمال تزداد قوة بقوة الإيمان وفضلًا؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: كيف ذلك؟ لأنه لما حَبِط العمل لعدم الإيمان دَلَّ هذا على أنه يقوى بقوة الإيمان، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الصحابة: «لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١ / ٢٢٢) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. ]]، ما هو العمل واحد الآن، لكن العامل مختلف، فرقٌ بين مَن يعمل بإيمان راسخ قوي كأنما يشاهد الثواب له بعينه، وبين شخص ليس على هذه الحال. فإذن تفاضُل الأعمال يكون مبنيًّا على تفاضل ما في القلوب، «ويُذْكَر عن الحسن البصري رحمه الله أنه قال: والله ما سبقهم أبو بكر بكثرة صيام ولا صلاة، ولكنه سبقهم بما وَقَرَ في قلبه رضي الله عنه»[[أخرجه الحكيم الترمذي (٣ / ٥٥) عن أبي بكر بن عبد الله المزني.]] من الإيمان العظيم الراسخ. ولا يقال: إن هذا فتح باب للعصاة الذي إذا قال له قائل: اتق الله اترك المعصية، اتق الله أَقِم الواجب، قال: التقوى هاهنا، ثم ضرب على صدره ضربة ينخرق، التقوى هاهنا، ماذا نقول له؟ نقول: التقوى هاهنا صحيح، لكن هذه كلمة حق أريد بها باطل، ونقول له: لو اتقى ما هاهنا لاتقى ما هاهنا؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما. ]]، لو صلح ما هاهنا لصلح الظاهر. فالحاصل أن هذه الآية واضحة، الدليل فيها دليل واضح على أن الأعمال تتفاضل بحسب ما في القلوب من الإيمان ولَّا لا؟ وأتيت لكم بشاهد من الحديث، وهو قوله عليه الصلاة والسلام في الصحابة: «لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١ / ٢٢٢) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]]، مُدَّ أحدهم من الذهب، ولَّا مُدَّ أحدهم من الطعام؟ يحتمل. بعضهم يقول: مُدَّ أحدهم من الطعام؛ لأنه هو اللي جرت العادة أن يُكَالَ، يعني لو أنفق أحدكم مثل أُحُدٍ ذهبًا ما بلغ مُدَّ واحد منهم من التمر؛ لأنه هو الذي يكال عادة. وبعضهم يقول: ما بلغ مُدَّ أحدهم من الذهب؛ لأن التفاضل بين الطعام والذهب بعيد، لكن التفاضل بين الذهب القليل والذهب الكثير. (...)

الأحزاب 33:16

﴿قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ [الأحزاب: ١٣]، ﴿وَإِذْ قَالَتْ﴾ هذه معطوفة على ما سبق، ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾ يعني: واذكر هذه القولة المنكَرَة، ﴿إِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ الطائفة: الجماعة من الناس، و﴿مِنْهُمْ﴾ الضمير يعود على المنافقين كما قال المؤلف: (﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ أي: من المنافقين). ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ﴾ يثرب يقول: هي أرض المدينة، وقيل: هي المدينة نفسها، فأهل العلم بالتاريخ اختلفوا هل يثرب اسم للمكان والمنطقة التي فيها المدينة، أو أن يثرب هي نفس المدينة؟ وظاهر الحديث أن يثرب هي المدينة. وقوله: (﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ﴾: هي أرض المدينة، ولم تُصْرَف للعَلَمِيَّة ووزن الفعل)، يعني: ممنوعة من الصرف لهاتين العِلَّتَيْن العلمية ووزن الفعل، ويدل على أنها ممنوعة من الصرف أنها جُرَّت بالفتحة؛ لأنه مضاف إليها، وحق المضاف إليه أن يكون مجرورًا، وهنا الكلمة مفتوحة؛ لأنها تُجَرّ بالفتحة كسائر الأسماء التي لا تنصرف. وقول المؤلف: (للعَلَمِيَّة ووزن الفعل)؛ لأن يثرب التي هي اسم على وزن يثرب الذي هو فعل، ولها علة أخرى غير وزن الفعل، وهي التأنيث، العَلَمِيَّة والتأنيث؛ لأنها اسم لبقعة، وكأن المؤلف رحمه الله قال: (للعلمية ووزن الفعل) ليشير إلى أن هذه الكلمة (يثرب) مأخوذة من التثريب، وهو اللوم والتوبيخ، وما أشبه ذلك من الكلمات التي فيها عَتْب، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى، يَقُولُونَ: يَثْرِبُ، وَهِيَ الْمَدِينَةُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٧١)، ومسلم (١٣٨٢ / ٤٨٨) عن أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وهذا دليل على أن الرسول عليه الصلاة والسلام كَرِهَ أن تسمى يثرب، وهو أحد القولين في المسألة. وأما الحديث الذي رُوِيَ: «مَنْ قَالَ لِلْمَدِينَةِ: يَثْرِبُ، فَلْيَسْتَغْفِرِ اللهَ»[[أخرجه أبو يعلى في مسنده (١٦٨٨) عن البراء بن عازب رضي الله عنه. ]]، فهو ضعيف، لكن يكفي عنه هذا الحديث الذي في الصحيحين، «يَقُولُونَ: يَثْرِبُ، وَهِيَ الْمَدِينَةُ، تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٧١)، ومسلم (١٣٨٢ / ٤٨٨)، عن أبي هريرة رضي الله عنه. ]]. الحاصل أن قوله: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ﴾ كأن المؤلف رحمه الله اختار أن يقول أنه لم يؤخَذ من فعل لهذا السبب. (﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾ بضم الميم وفتحها، أي: لا إقامة ولا مكانة)، (مُقام) بضم الميم وفتحها، أيش معنى كلام المؤلف؟ هي قراءتان ﴿لَا مُقَامَ﴾ و﴿لَا مَقَامَ﴾ قال: (لا إقامة ولا مكانة)؛ (لا إقامة) تفسير للضم ﴿مُقَامَ﴾؛ لأنه من الرباعي، والرباعي يقال في مصدره الميمي: (مُقام)، و﴿مَقام﴾ : لا مكانة، على أنها اسم مكان، واسم المكان بفتح الميم، المعنى: لا موضع للإقامة، على كونها اسم مكان، أو لا إقامة لكم، لماذا يقولون: لا مُقَام لكم؟ لأنهم يريدون الفرار، ولا يريدون البقاء مع النبي ﷺ في القتال؛ إذ إنهم منافقون، والمنافق ليس صبورًا على القتال، بل لا يريد القتال، ولو ظهر الأمر في يده لقاتل مَن؟ المسلمين. وفي قوله: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ﴾ إشارة واضحة إلى القومية والعصبية؛ لأنه دعاهم باسم الوطن، ما قال: يا إخوتنا، ولا قال: يا أيها المسلمون، إنما قال: يا أهل يثرب؛ لأنه ليس عنده دين يقاتل من أجله، وإنما هو قوميّ يريد الحمية فقط. ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾، إلى أين؟ يقول المؤلف: (إلى منازلكم من المدينة، وكانوا خرجوا مع النبي ﷺ إلى سلع -جبل خارج المدينة- للقتال). وقوله: ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾ حسب ما يُعْرَف في اللغة العربية إنه نفي عامّ؛ لأن (لا) النافية للجنس تفيد العموم، يعني: ما فيها أي مقام على أي حال من الأحوال فارجعوا، ومثل هذا التعبير إذا قيل لقوم ليس في قلوبهم إيمان لا يُبْقِي منهم أحدًا، لا بد أن يرجعوا. ثم قال الله عز وجل بناء على هذا الأمر وأنه لا مقام لهم، قال: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾، هؤلاء أهون من الأولين؛ لأن الأولين دَعَوْا إلى الفرار بدون استئذان، قالوا: ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾، أما هؤلاء فإنهم يستأذنون النبي ﷺ، ولكن استئذانهم للرسول عليه الصلاة والسلام ليس كاستئذان المؤمنين الذين إذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه، لكنهم يستأذنون خداعًا وتمويهًا، ولهذا يقول: ﴿يَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾، أي: من المنافقين، النبي ﷺ إلى الرجوع ﴿يَقُولُونَ﴾. ﴿يَسْتَأْذِنُ﴾ بمعنى: يطلب الإذن؛ لأن استفعل تأتي كثيرًا بمعنى: طلب الشيء، ومنه: اسْتَغْفَرَ؛ طلب المغفرة، واستعتب؛ طلب العتب والعظة. وقوله: ﴿يَقُولُونَ﴾ الجملة إما أنها حال من ﴿فَرِيقٌ﴾، يعني: حال كونهم يقولون، وإما أن تكون عطف بيان أو بدلًا من قوله: ﴿يَسْتَأْذِنُ﴾، وكلاهما له وجه؛ أما على قولنا: إنها حال، فلأن النكرة هنا وُصِفَت، والنكرة إذا وُصِفَت تخصصت، فجاز وقوع الحال منها، أليس هذا؟ وأما على قولنا بأنها بدل أو عطف بيان فعلى حد قول ابن مالك رحمه الله، ماذا قال؟ وَيُبْدَلُ الْفِعْلُ مِنَ الْفِعْلِ كَمَنْ ∗∗∗ يَصِلْ إِلَيْنَا يَسْتَعِنْ بِنَا يُعَنْ إذن يجوز فيها وجهان؛ أن تكون بدلًا من قوله: ﴿يَسْتَأْذِنُ﴾، وأن تكون عطف بيان مثل البدل، وأن تكون حالًا من فاعل ﴿يَسْتَأْذِنُ﴾. ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ قال: (غير حصينة يُخْشَى عليها)، يقولون للرسول عليه الصلاة والسلام في مبرر الاستئذان: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ ونخشى عليها من العدو، والعورة هنا يعني غيرة حصينة؛ لأن الحصن يحميها ويسترها، كما يستر الثوب عورة الرجل، فهذا معنى قولهم: إنها عورة، يعني: مكشوفة لا يمكن أن نأمن من هجوم العدو عليها. وفي قراءة لكنها غير سبعية (عَوِرَةٌ) بكسر الواو، أي: معيبة. قال الله تعالى مبطلًا دعواهم: (﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ﴾: ما ﴿يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ )، هنا ينبغي الوقوف على قوله: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾؛ لأنك لو وصلت لأَوْهَم أن قوله: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ من قول المنافقين، فيكون في ذلك تناقض وفساد للمعنى، فتقف ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾، ثم تستأنف القراءة وتقول: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾. وقوله: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ أحب أن نسمع إعرابها من واحد منكم يا نحاة البصرة. * طالب: (...). * الشيخ: مبنية على الكسر؟ * الطالب: (...). * الشيخ: على السكون. * الطالب: الفتح. * الشيخ: الفتح؟ صح. * طالب: (...). * الشيخ: زائد إعرابًا. * الطالب: (...). * الشيخ: لو قال قائل: مَن الذي يقول: إنها حجازية؛ لأن النص ليس بظاهر على الخبر، أفلا يجوز أن تكون ﴿بِعَوْرَةٍ﴾ خبر المبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل؟ فبماذا نجيبه؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ما الدليل؟ نريد شاهدًا من القرآن يؤيد قولك. * الطالب: (...). * الشيخ: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ فنصب، فدلّ ذلك على أن القرآن نزل بمقتضى لغة الحجازيين. قال الله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾، ﴿إِنْ﴾ قال المؤلف: ما، (ما) هذه أيش معناها؟ * الطالب: (...). * الشيخ: تفسير لـ﴿إِنْ﴾؟ إذن (إن) هنا أيش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: نافية؛ لأنها فُسِّرَت بـ(ما)، و(ما) نافية، ويدل لذلك إتيان ﴿إِلَّا﴾ بعدها، ولَّا لا؟ ﴿إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾، فهذا دليل على أنها نافية، و(إن) تأتي نافية كما هنا، وتأتي شرطية، ويش مثاله؟ ﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾ [الأنفال ١٩]، وتأتي مخففة من الثقيلة، مثل؟ * الطالب: (...). * الشيخ: هذه (أَنْ). * الطالب: (...). * الشيخ: لا، هذه شرطية. * الطالب: (...). * الشيخ: (أنْ). * الطالب: (...). * الشيخ: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه ٦٣] هذه مخففة من الثقيلة، هذه ثلاث، وتأتي زائدة؟ * الطالب: (...). * الشيخ: هذه (أنْ)، ما يخالف، لو ما فيه غير القرآن، ائتوا لنا بشيء من كلام العرب ولّا من غير القرآن. * الطالب: (...). * الشيخ: .... مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ وَلَا صَرِيفٌ وَلَكِنْ أَنْتُمُ الْخَزَفُ هذه زائدة، أو لا؟ يعني: ما إن أنتم، أي: ما أنتم، ما الذي يُعَيِّن هذه المعاني؟ الذي يُعَيِّنُه السياق، وهذا باتفاق العلماء، أي: أن وجود الألفاظ المشتركة التي تتعين بالسياق ثابت في اللغة العربية. لكنهم اختلفوا في مسألة الحقيقة والمجاز؛ فمنهم من أثبت ذلك، ومنهم من نفى، وقالوا: إن المجاز والحقيقة كالاشتراك في المعنى، والاشتراك أنتم تقولون به، وهذا هو القول الراجح كما سبق عدة مرات بأن الصحيح أنه لا مجاز في اللغة العربية. يقول: ﴿إِنْ يُرِيدُونَ﴾ هذا كلام الله عز وجل، ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾، يعني: ما ﴿يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾، وهذه الجملة كما تشاهدون جملة حصرية، يعني: تفيد الحصر، أي أن هؤلاء ما لهم إرادة أبدًا سوى الفرار من القتال، فالبيوت مُحَصَّنَة، ولا يُخْشَى عليها أكثر مما يُخْشَى على المدينة، وليس لهم أي عذر إلا عذرًا واحدًا، وهو الفرار من القتال؛ لأنهم لا يريدون مواجهة العدو، بل هم العدو، كما قال الله عنهم. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا﴾ [الأحزاب ١٤]، ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ﴾، ﴿لَوْ﴾ هذه شرطية، وفعل الشرط فيها ﴿دُخِلَتْ﴾، وجواب الشرط ﴿لَآتَوْهَا﴾. ﴿لَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ الفاعل فَسَّرَه المؤلف بالمدينة، يعني: لو دُخِلَت المدينة عليهم من أقطارها، وتفسيره إياها بالمدينة يؤيده قوله في أول الآية: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾، وفَسَّرَه بعضهم بالبيوت، أي: ولو دُخِلَتْ عليهم البيوت من أقطارها. ويؤيد هذا التفسير قولهم: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾، لكن يرجِّح الأول؛ أنها المدينة، قوله: ﴿مِنْ أَقْطَارِهَا﴾؛ لأن الغالب أن كلمة ﴿مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ ما تأتي للبيوت؛ لأن البيوت صغيرة، فجهاتها لا يُطْلَق عليها قطر، وإنما الأقطار إنما تكون للشيء الكبير. ولهذا قال: (﴿مِنْ أَقْطَارِهَا﴾، أي: نواحيها)، يعني لو دَخَلَ العدو المدينة من نواحيها كلها، أو من أي ناحية منها، (﴿ثُمَّ سُئِلُوا﴾ أي: سألهم الداخلون ﴿الْفِتْنَةَ﴾، ﴿لَآتَوْهَا﴾ بالمد والقصر، أي: أَعْطَوْهَا وفعلوها). ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾ الفاعل مَن؟ نائب الفاعل المنافقون، لكن مَن السائل الفاعل في المعنى الداخل للمدينة من أقطارها، لو سألهم هذا الداخل الفتنة، الفتنة يقول المؤلف: (الشرك)، والدليل على أن الفتنة بمعنى الشرك قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة ١٩٣]، أي: لا يكون شرك. وقال الإمام أحمد رحمه الله في قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور ٦٣]، قال: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشِّرْك، هؤلاء لو دُخِلَت عليهم المدينة لم يكن عندهم إخلاص في الإسلام وبقاء عليه، بمجرد ما يسألهم الداخلون الكفرَ يوافقون عليه؛ لأنهم قوم لا يريدون إلا الدنيا فقط، يريدون أن يعيشوا في الدنيا ولو عيشة الحمار، أما أن يعيشوا عيشة المؤمنين فإنهم لا يريدون هذا، ولذلك يقول: ﴿لَوْ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾، (...). قصر، و(آتوها) هذا المد، والفرق بينهما أن (أتى) بمعنى: جاء، و(آتى) بمعنى: أعطى، وتفسير القراءتين أو مجموع التفسير يدل على أنهم يُعْطُون ما سُئِلُوا، ويأتون إليه بانقياد، يعني أتى الشيء يعني: جاءهم باختياره، وآتاه بمعنى أعطاه ولو عن كُرْه، ولكن مع ذلك هؤلاء قوم يُعْطُون ما سُئِلُوا أيش؟ عن اختيار، ولهذا في القراءة الثانية ﴿لَأَتَوْهَا﴾ لجاؤوها. فصار هؤلاء القوم الذين يَعْتَذِرُون، أو الذين يستأذنون النبي ﷺ بحجة أن بيوتهم عورة، صار الأمر خلاف ما قالوا؛ لأن الله أَخْبَرَ عنهم، وهو سبحانه وتعالى أعلم بما في قلوبهم، وهذا من اطِّلَاع الله تعالى على ما في القلوب، أخبر عن أمر مستقبل لم يقع يصدر ممن؟ من قوم لا نعلم نحن ما في قلوبهم، ولكن الله يعلم، والله عز وجل يعلم ماذا يحدث من عبده لو حصل لهم ما يحصل به هذا القصد. بل إنه سبحانه وتعالى يعلم أبلغ من ذلك، قال عن الذين يقولون: إنهم لو رُدُّوا إلى الدنيا لعملوا صالحًا، قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام ٢٨]؛ لأنه سبحانه وتعالى يعلم ما في قلب الإنسان، قال: ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾، ﴿لَأَتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾ ، تلبثوا بمعنى: تَرَيَّثُوا، يعني: لا يتريثون في إعطاء الفتنة وقبولها إلا يسيرًا. قوله: ﴿إِلَّا يَسِيرًا﴾ قيل: إن هذا بمعنى إلا عدمًا؛ لأن اليسير والقليل قد يراد به العدم. وقال بعضهم: ﴿إِلَّا يَسِيرًا﴾ أي: إلا قليلًا على وجه الحقيقة، وهذا الزمن اليسير هو ما بين السؤال والجواب، يعني: ما بين أن يُسْأَلُوا ثم يُجِيبُوا، هذه المسافة من المدة طويلة ولَّا لا؟ قصيرة جدًّا، هي كالمسافة التي بين قول القائل: بعتك هذا الشيء، فيقول المشتري: قبلت، يعني أنهم -والعياذ بالله- لا يتلبثون ولا يتريثون أبدًا، بل يقبلون فورًا، ليس بين قبولهم وسؤال الفتنة إلا ما بين مُدَّتَيِ السؤال والجواب. وفي الحقيقة أن هذه المدة القصيرة كالعدم، ولهذا فُسِّرَ قوله: ﴿إِلَّا يَسِيرًا﴾ يعني: إلا عدمًا. ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ [الأحزاب ١٥]، ﴿وَلَقَدْ كَانُوا﴾ الجملة هذه مُؤَكَّدَة بكم من مؤكد؟ * الطالب: (...). * الشيخ: الواو ما هي مؤكدة. * الطالب: (...). * الشيخ: باللام وقد، أيش بعد؟ نحن قلنا: ثلاثة. * الطالب: (...). * الشيخ: قسم مُقَدَّر، كلما جاء مثل هذا التعبير في القرآن فإنه مُؤَكَّد بالمؤكدات الثلاثة، يعني: والله لقد كانوا عاهدوا الله من قبل، القَسَم تقدَّم لنا أن الله تعالى يُقْسِم عن الشيء لا في جانب الإنكار، ولكن في جانب الأهمية، وقد يقسم عليه في جانب الإنكار مثل: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن ٧]. هنا أَكَّدَ الله تعالى هذا العهد منهم أنهم عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار، وهذا العهد بينهم وبين الرسول عليه الصلاة والسلام، والمعاهدة مع الرسول ﷺ معاهدة مع الله، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح ١٠]، فهم عاهَدُوا الرسول عليه الصلاة والسلام ألَّا يَفِرُّوا ولا يُوَلُّون الأدبار، ولكنهم نقضوا العهد؛ لأن نقض العهد والخيانة والكذب من خصال مَن؟ مِن خصال المنافقين، تلك سجية فيهم، نسأل الله العافية. ﴿عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ﴾، ما محل قوله: ﴿لَا يُوَلُّونَ﴾ من الإعراب؟ قال بعضهم: إنه لا محل لها من الإعراب؛ لأنها جواب لقوله: (عاهد)، وقال بعضهم: إنها بيان للمعاهدة، يعني: إن المعاهدة اللي وقعت أنهم لا يُوَلُّون الأدبار. كلمة ﴿لَا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ﴾ تحتاج إلى مفعولين؛ المفعول الأول الأدبار، والمفعول الثاني محذوف، والتقدير: لا يولون عَدُوَّهم أدبارَهم، تولية الدُّبُر معناه: الانصراف والانحراف، فبدلًا من أن تكون وجوههم نحو العدو تكون أدبارهم نحو العدو، فهم أقسموا بالأول وعاهدوا أنهم لا يولون الأدبار عند ملاقاة الأعداء، ولكنهم نقضوا العهد، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ قال المؤلف: (﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ عن الوفاء به). فعلى هذا تكون المسؤولية ما هي عن العهد نفسه، بل عن الوفاء به، فالعهد مسؤول، يعني مسؤول عن الوفاء به، والسؤال عن الوفاء به سؤال عن وقوعه أيضًا، فيقال –مثلًا-: أليس بيني وبينك عهد؟ ألم تنقض العهد؟ فيكون السؤال عن نفس العهد وعن الوفاء به، هذه المسؤولية متى تكون؟ في الدنيا أو في الآخرة؟ أما المسؤولية التي بين الإنسان وبين ربه فإنها في الآخرة، وأما المسؤولية التي تكون بينه وبين الناس فهي في الدنيا يطالَب بالوفاء بالعهد، ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾. ثم قال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ [الأحزاب ١٦]، ﴿لَنْ﴾ تفيد ثلاثة أشياء، يذكرها لنا الأخ. * طالب: (...). * الشيخ: النفي، والنصب. * الطالب: (...). * الشيخ: أيش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا. * الطالب: (...). * الشيخ: والاستقبال، يعني أن الفعل المضارع محتمل لأن يكون للحال أو للاستقبال، فإذا دخلت عليه (لن) تَعَيَّنَ أن يكون للاستقبال، وهل (لن) للنفي المؤبَّد؟ يعني تستلزم وتقتضي النفي المؤبد؟ ولَّا تكون للتأبيد ولغير التأبيد؟ * الطالب: (...). * الشيخ: دائمًا لغير التأبيد؟ * الطالب: (...). * الشيخ: وتكون للتأبيد؟ * الطالب: (...). * الشيخ: يعني تكون لهذا ولهذا؟ هات مثالًا على التأبيد؟ * طالب: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة ٢٤]؟ * الشيخ: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾، والآية اللي معنا للتأبيد، ﴿لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾، وتأتي لغير التأبيد؟ * الطالب: (...). * الشيخ: الظاهر أنها للتأبيد هنا، أو ربما يضرونهم بأكثر من الأذى، أيش تقولون في هذه الآية، هل هي للتأبيد ولَّا لغير التأبيد؟ ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ [آل عمران ١١١] هل إنهم قد يَضُرُّون المؤمنين بغير الأذى، أو لا يضرونهم إلا أذى؟ * طالب: (...). * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة ٩٥] هذه للتأبيد؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ما هو قد يتمنون الموت؟ في عذاب النار يتمنون الموت. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، في الدنيا ما يتمنون الموت، ولكن حتى في الدنيا مؤكَّدة بقوله: أبدًا، الصحيح أن (لن) لا تقتضي التأبيد، كما قال ابن مالك: وَمَنْ رَأَى النَّفْيَ بِلَنْ مُؤَبَّدَا ∗∗∗ فَقَوْلَهُ ارْدُدْ وَسِوَاهُ فَاعْضُدَا ما يمكن أن تأتي للتأبيد أبدًا، يعنى معناه لا تستلزم التأبيد، وإلا قد تفيده، ولهذا قال أهل السنة: إن قول الله تعالى لموسى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ لا يستلزم أنه لا يرى الله لا في الدنيا ولا في الآخرة، وأما المعتزلة ومُنْكِرُو رؤية الله سبحانه وتعالى فإنهم يقولون: (لَنْ) تفيد التأبيد، فتدل على أن الله لا يُرَى أبدًا، إي نعم. ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ يعني: فإن لم تَفِرُّوا من الموت أو القتل نفعكم الفرار؟ هذا القيد لبيان الواقع؛ لأنه لا فرار إلا إذا فَرُّوا، فهو لا ينفعهم أي شيء من الموت أو القتل. قال: ﴿وَإِذًا﴾ يعني: لو فُرِضَ أنكم فررتم من الموت أو القتل، (﴿وَإِذًا﴾ إن فررتم ﴿لَا تُمَتَّعُونَ﴾ فِي الدنيا بعد فراركم، ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ بقية آجالكم). يعني: على فَرْض أنكم فررتم من الموت أو من القتل، فهل ستبقون في الحياة؟ لا، ما يبقون، إن فَرُّوا لا يُمَتَّعُون إلا قليلًا، وهو بقية آجالهم، هذا على تقدير فرارهم، وحينئذ ما الفائدة من أن يَدَعَ الإنسان القتال المفروض عليه ويُوَلِّي الدُّبُر لأمر قد ينفعه وقد لا ينفعه، قد يموت في حال التولي، وقد يبقى ويُعَمَّر، لكن لو بقي وعُمِّرَ سيبقى أبدًا؟ لا، لا يُمَتَّع إلا قليلًا، مهما طال الأمد به فإنه قليل، ولهذا الدنيا كلها بالنسبة للآخرة ليست بشيء، قال الله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى١٦ ١٧]. وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن موضع سَوْط الإنسان في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها، فمتاع الدنيا في الحقيقة ليس بشيء بالنسبة لوقت الآخرة، ولهذا قال: ﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. ثم هناك شيء آخر لو قُتِلُوا في سبيل الله فإنهم قُتِلُوا ولكنهم أحياء، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة ١٥٤]، هذا القول باللسان نُهِينَا عنه، وحتى الظن بالقلب نُهِينَا عنه، ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران ١٦٩]. فلا يجوز القول ولا الحسبان بأن مَن قُتِلَ في سبيل يكون ميتًا، بل هو ميت البدن، لكنه حَيّ الروح حياة برزخية، وليست كحياة الدنيا، ولو كانت كحياة الدنيا ما جاز أن يُدْفَن هؤلاء؛ لأننا لو دَفَنَّاهم وهم أحياء حياة دنيوية لكنا قد قتلناهم وأهلكناهم، وبهذا نعرف ضلال مَن قالوا: إنهم أحياء يَسْأَلُون لك إذا سألتهم أن يدعوا الله لك، ويجيبونك، ويتوصَّلُون بهذا الشيء إلى الإشراك بهم، وبالأنبياء، وبمن يدعونهم أولياء. * طالب: (...). * الشيخ: لأجل تعميم الأحوال، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة ٨]، أو يقال أيضًا: هؤلاء الذين جاؤوا للقتال قد يموتون بدون قتل. * الطالب: (...). * الشيخ: خاص بالشهداء ومَن هو أفضل منهم، هذا هو الظاهر، ويحتمل أن يكون هذا خاصًّا بالشهداء؛ لأن الشهداء تعرَّضُوا للموت ابتغاء وجه الله، وبعض أهل العلم يقول: إذا ثبت هذا للشهداء في الحياة البرزخية، فلمن هو أفضل منهم أثبت، مثل الصديقين والأنبياء. ولكن عندي أن فيه احتمالًا بأن هذا خاص بالشهداء، وذلك لأن الشهيد ليس كغيره، الشهيد عَرَّض نفسه للموت، وباع نفسه، فيجازَى بأن يكون حيًّا، لكن المشهور أنّ مَن هو أعلى من الشهداء له ذلك الحكم، والأنبياء لهم خصيصة أخرى أيضًا ما هي بغيرهم، وهي أن الأرض لا تأكل أجسادهم. * طالب: (...). * الشيخ: ما يحصل لهم هذا (...)، هم عَرَّضُوا أنفسهم لكنهم ما قُتِلُوا. * الطالب: (...). * الشيخ: ما نجزم بهذا الشيء، والمسألة فيها كما قلت، رأي أكثر أهل العلم الذين اطلعت عليهم أنهم يقولون: إن مَن كان أعلى منهم مرتبة فهو أولى منهم بذلك. (...) ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة ٨٨]، ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء ٤٦]، ومثل هذا التعبير ذَكَرَ المفسرون أنه يراد به العدم، يعني: لا يؤمنون أبدًا. ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾، انتهينا من التي قبلها؟ * في هذه الآية الكريمة: بيان إرجاف المنافقين بالمؤمنين، والإرجاف هو أن يذكر الإنسان ما يكون به الخوف والقلق، هذا الإرجاف، وفيه في باب القتال مُرْجِف ومُخَذِّل، والفرق بينهما أن الْمُرْجِف مَن يُخَوِّف، والْمُخَذِّل مَن يُقَلِّل الرغبة في الخير، هذا الفرق بينهما، فالمرجف يُرْهِبهم، وأما الْمُخَذِّل فهو يثبط عزيمتهم، يقول: مال هي مآل؟ أيش الفائدة وأيش كذا وكذا؟ فبينهما فرق، هؤلاء مُرْجِفُون ولَّا مُخَذِّلُون ؟ مُرْجِفُون، ما فيه مقام هنا؛ لأنه خطر عليكم، ولهذا قالوا: ﴿فَارْجِعُوا﴾، فيستفاد منه أن المنافقين من شأنهم الإرجاف بالمؤمنين. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الاعتزاز بالوطن من صفات المنافقين؛ لقول لقولهم: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ﴾، وقصدهم بذلك إِحْمَاءُ حَمِيَّتهم الوطنية، وأما الحديث الذي يُرْوَى: «حُبُّ الْوَطَنِ مِنَ الْإِيمَانِ»[[انظر كشف الخفاء (١ / ٣٩٨). ]] فإنه كذب على الرسول عليه الصلاة والسلام، ما هو صحيح. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز تسمية المدينة بيثرب، هكذا استدل به بعضهم. * الطالب: (...). * الشيخ: ما يستفاد؟ وجه قول هذا القائل: إن الله تعالى حكاه عنهم وأقَرَّه، ولكن بعض أهل العلم قال: لا يدل على ذلك، بل إنما يدل على العكس، وأما تسميتها بيثرب إنما يكون من المنافقين؛ لأن الله تعالى يحكي الكفر عن الكافرين، يحكي كل ما يقوله هؤلاء الكفار من المنافقين وغيرهم، وهل ما حكاه عنهم من الكفر إقرار له؟ لا. إذن يستفاد من الآية أن تسمية المدينة بيثرب من شأن المنافقين، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يَقُولُونَ: يَثْرِبُ، وَهِيَ الْمَدِينَةُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٧١)، ومسلم (١٣٨٢ / ٤٨٨) عن أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وهذا واضح بأن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يَرْتَضِ هذه التسمية. * ويتفرع على هذا الفائدة: بيان ما كان عليه من أولئك المؤرِّخِين، لا نقول: العرب، نقول: الإسلاميين الذين هم إمَّعَة، جاء المستشرقون فكانوا يتحدثون عن الرسول عليه الصلاة والسلام باسم محمد فقط، قالوا: محمد، كما قال الكفار في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، ويتحدثون عن المدينة بأنها يثرب، فجاء هؤلاء المساكين يُقَلِّدُون أولئك المستشرقين، فصاروا يُعَبِّرُون عن الرسول بكلمة محمد، ويعبرون عن المدينة بكلمة يثرب، وكأن هذا هو الفخر والرقي. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أولئك الْمُرْجِفِين لم يقتصروا على الإرجاف، بل ضَلَّلُوا الناس بقولهم: ﴿فَارْجِعُوا﴾. * ويتفرع على هذا: أن كل مَن دعا إلى الرجوع عن الحق ففيه شبه بمن؟ بالمنافقين؛ لقوله: ﴿فَارْجِعُوا﴾، هؤلاء أَرْجَفُوا أولًا، ثم دَعَوْا إلى الترك، ﴿فَارْجِعُوا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾ إلى آخره: بيان مَكْر المنافقين، حيث جاؤوا يستأذنون الرسول ﷺ تمويهًا، وإلا ليس في نيتهم البقاء، لكن يُمَوِّهُون، ﴿يَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾، ففيه دليل على تمويه المنافق، وإظهار حاله بحال المؤمن المنقاد الذي لا ينصرف إلا بعد الاستئذان، مع أن الاستئذان في مثل هذا الأمر، أو في مثل هذا الحال من شأن مَن؟ الاستئذان بالحق من شأن المؤمنين، أو لا؟ كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور ٦٢]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من شأن المنافقين الكذب؛ لقوله: ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾، وهم كاذبون. * ومن فوائدها: بيان إحاطة علم الله تعالى بما في القلوب؛ لقوله: ﴿إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾، أما قوله: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾، فهذا قد يُعْلَم؛ لأنه ظاهر أن البيوت حصينة، ولا عليها من العدو، لكن ﴿إِنْ يُرِيدُونَ﴾، الإرادة في القلب لا يعلمها إلا الله عز وجل، أو صاحبها، أو مَن أطلعه الله تعالى عليها. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب تكذيب الناطق بالباطل، شوف الآن هل يصح التعبير بكلمة وجوب، أو نقول: مشروعية؟ هو إن نظرنا إلى أن الباطل يجب إبطاله قلنا: يجب، لكن الكلام على هل يؤخذ من الآية؟ الآية فيها مشروعية ذلك، إبطال قول الناطق بالباطل؛ لأن الله تعالى أبطله في قوله: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾. ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا﴾ إلى آخره. * يستفاد من الآية الكريمة: أن المنافقين أشد الناس ذعرًا؛ لقوله: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ﴾، ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا﴾؛ لأن عندهم ذعرًا من هؤلاء الذين دخلوا من أقطارها. * ويستفاد من الآية أيضًا: قرب المنافقين من الكفر والشرك؛ لقوله: ﴿سُئِلُوا﴾ ﴿لَآتَوْهَا﴾ مُبَادِرِين، ما يتلبثون ويقولون: ننظر في الأمر، لا. وهل يستفاد من هذه الآية أنه لا حكم للإكراه، وأن الإنسان إذا كَفَرَ مُكْرَهًا فإنه يترتب على كفره حكم الكافر، ولَّا لا؟ أقول: هل يستفاد من الآية أنه لا حكم للإكراه، وأن مَن كفر مُكْرَهًا فعليه الإثم؟ ما يستفاد، لماذا؟ لأنه هؤلاء سُئِلُوا ما أُكْرِهُوا، بمجرد السؤال وافقوا، فليس فيه معارضة لقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ [النحل ١٠٦] لا يعارض هذه الآية. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن المنافق حياته حياة مادية، يريد أن يعيش سواء كان كافرًا أو غير كافر. وجهه من الآية: لأن هؤلاء إذا سُئِلُوا الفتنة أَتَوْها، إذن فإيمانهم ليس إيمانًا حقيقيًّا، وإلا المؤمن الحقيقي لو سُئِلَ الشرك ما أشرك. ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ [الأحزاب ١٥]. * يستفاد من الآية الكريمة: أن المنافقين أصحاب غدر وخيانة؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ﴾، وهم الآن يحاولون الإدبار، لكنهم يُمَوِّهُون بسؤال النبي ﷺ واستئذانه. * إذن يتفرع على هذه الفائدة: أن كل مَن نقض العهد ففيه شبه من المنافقين، واليهود أيضًا، ولهذا« جاء الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ»، » وَمِنْهَا: «إِذَا عَاهَدَ غَدَرَ»[[أخرجه أحمد (٦٨٧٩) عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما. ]]. * يتفرع على ذلك: أنه إذا كان الغدر من صفات المنافقين فالواجب على المؤمن البعد عنه، لو لم يكن من الغدر إلا أنه من صفات المنافقين لكان ذلك كافيًا في وجوب البعد والحذر منه. * ومن فوائد الآية الكريمة: استهانة المنافق بحق الله عز وجل؛ لقوله: ﴿عَاهَدُوا اللَّهَ﴾، يعني: نَقْضُ العهد مع الإنسان مثلك قد يكون أهون، لكن نقض العهد مع الله عز وجل أشد وأعظم. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم تولية الأدبار عند ملاقاة العدو. وجه ذلك أن الله تعالى ذَكَرَ هذا عن المنافقين تحذيرًا منه، وقد دَلَّت الآية الكريمة في سورة الأنفال على أنه من كبائر الذنوب؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال١٥ ١٦]، وجاء في الأحاديث في عَدِّ ذلك من الموبقات، يعني: المهلكات؛ لأنه من الكبائر. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الحساب؛ لقوله: ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾، فكل ما بينك وبين الله عز وجل من الحقوق فإنك مسؤول عنه يوم القيامة، قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ [الأعراف٦ ٧]. ثم قال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. * في الآية هذه: دليل على أنه لا فرار من قدر الله؛ لقوله: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾. قوله: ﴿مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ متعلِّق بـ﴿فَرَرْتُمْ﴾ وإلا بـ﴿الْفِرَارُ﴾؟ هذه جملة معترضة في الواقع ما من الفوائد، ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ متعلقة بـ﴿فَرَرْتُمْ﴾ وإلا بـ﴿الْفِرَارُ﴾؟ قل لن ينفعكم الفرار من الموت أو القتل إن فررتم، وتكون الجملة الشرطية ﴿إِنْ فَرَرْتُمْ﴾ جملة معترضة، وهذا أوضح في المعنى. * يستفاد منها: أنه لا فرار من قدر الله. هل يستفاد من الآية الكريمة إبطال الأسباب؟ يعني الإنسان لو رأى نارًا تلتهم الشجر مُقْبِلَة عنه هل يهرب ولَّا لا؟ يهرب، إذن يهرب وربما ينجو، هي غير هذه، لكن ما هو الْمَخْلَص؟ يعني لو قال قائل: هذه الآية تنفي العمل بالسبب؟ فالجواب على ذلك أن نقول: إذا كان العمل بالسبب مُبْطِلًا لحكم شرعي فإنه لا يجوز، كهذه الآية، أو كهذه الحال، فإبطال الأسباب القدرية بانتهاك الأحكام الشرعية هذا لا يجوز، يعني كون أن الإنسان يترك الحكم الشرعي الواجب خوفًا من آثاره جائز له؟ ليس بجائز. لكن سبب حقيقي مأذون فيه شرعًا يُفْعَل ولَّا لا؟ إذا كان سببًا حقيقيًّا مأذونًا فيه شرعًا فلتفعله، ما نقول للرجل: إذا رأيت النار مقبلة عليك قِف لا تَفِر لا ينفعك الفرار، هذا ما هو صحيح، بل نقول: في هذه الحال فرّ؛ لأن هذا سبب مباح مأذون فيه شرعي، وسبب حقيقي، لكن نبغي نجعل الأسباب مُعَطِّلة للأحكام الشرعية هذا لا يجوز. * ويستفاد من الآية الكريمة: بيان نفوذ حكم الله عز وجل الشرعي والقدري؛ أما القدري فلا إرادة لك فيه، وأما الشرعي فلك فيه إرادة، ولهذا نقول بالنسبة للشرعي: وجوب تنفيذ حكم الله الشرعي؛ لأن الله تعالى عاب هؤلاء الفارِّين لكون فرارهم يتضمن إسقاط حكم شرعي، إي نعم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن البقاء في الدنيا وإن طال فهو قليل؛ لقوله: ﴿وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، وقد قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء ٧٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: توبيخ هؤلاء الذين فَرُّوا للإبقاء على حياتهم، يؤخَذ من أمر الله نبيَّه أن يقول لهم: ﴿لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾، وهذا لا شك أنه على سبيل التوبيخ لهم، ولهذا قال: ﴿وَإِذًا﴾، يعني: لو فررتم ونجوتم من هذه الحادثة ما تنجون من الموت، ﴿لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، نعم من جبن المنافقين أنهم أهل جبن وذل وخوف ورعب. وهذا أيضًا يترتب عليه مشكلة، وهي أن الخوف من الموت أمر طبيعي، قال الله تعالى عن موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [القصص ٣٣]، وهذه فيها إشكال. * طالب: (...). * الشيخ: كلمة (...) يقول: ويش الفرق بين إنه يقول: هذا غير هذا، ما يكفي. * الطالب: (...). * الشيخ: وجه المعارضة أنه خاف من القتل، وهؤلاء خافوا من القتل، القتل -كما أشرنا إليه قبل قليل- الخوف من القتل الذي يستلزم إبطال حكم شرعي هذا ما يجوز، أما هذا خافَ من القتل؛ لأنه تسبب له وهو ممكن أن يُقْتَل، ولَّا لا؟ موسى، إي نعم، ممكن أن يُقْتَل؛ لأنه فعل ما يستلزم القتل عند هؤلاء. (...) فنقول: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ [الأحزاب ١٧]. قال المؤلف في معنى ﴿يَعْصِمُكُمْ﴾: (يجيركم)، ولكن الصواب أن المراد بها: يمنعكم؛ لأن العصمة هي المنع، ومنه المعصوم، يعني: الممنوع من الخطأ، فالصواب أن ﴿يَعْصِمُكُمْ﴾ أي: يمنعكم من الله. وقوله: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي﴾، هذا إعراب ﴿مَنْ ذَا الَّذِي﴾ مَن يعربها لنا؟ * طالب: (...). * الشيخ: هو مستتر وجوبًا، وإن ابتُدِئَ بالياء فمستتر جوازًا، وإن افتُتِح بالتاء فعلى حسب الحال؛ قد يكون وجوبًا مثل: تشكر أنت، وقد يكون جوازًا مثل: تشكر هي، ﴿ذَا﴾ الآن اختلف الرجلان في إعرابها؛ أحدهما قال: إنها اسم إشارة، والثاني قال: إنها ملغاة، أيهما الصواب؟ الصواب أنها ملغاة؛ لأنها إذا جاء بعدها اسم موصول فإنها تكون ملغاة، مثل: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ﴾ [البقرة ٢٥٥]، ومثل: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ﴾. وقوله: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ﴾ الاستفهام هنا يراد به النفي، يعني: لا أحد يعصمكم، وإذا جاء النفي بصيغة الاستفهام فإنه أبلغ من النفي المجرد؛ لأنه يكون نفيًا مُشْرَبًا بالتحدي، كأنه يقول: أَخْبِرُونِي أيعصمكم أحد من الله إن أراد بكم سوءًا، عرفتم؟ هذه قاعدة في كل ما يكون فيه الاستفهام بمعنى النفي، أن نقول: عُدِلَ عن النفي المحض إلى الاستفهام؛ ليكون مُشْرَبًا معنى التحدي. ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: يمنعكم منه، ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا﴾، أيش الجواب؟ لا أحد، يقول: (﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا﴾: هلاكًا أو هزيمة)؛ (هلاكًا) إذا لم يكن هناك قتال، أو كان قتال فقُتِلْتُم، (أو هزيمة) إذا غُلِبْتُم وبقيتم، وكل ذلك سوء، لكنه سوء بالنسبة للمكلَّف، أما بالنسبة لفعل الله عز وجل فإنه خير؛ لأنه لحكمة. ﴿أَوْ أَرَادَ﴾ قال المؤلف: (أو يصيبكم بسوء إن أراد الله بكم رحمة)، المؤلف رحمه الله قَدَّر هذه الجملة؛ لأنه رحمه الله ذكي جدًّا، قال: (أو يصيبكم بسوء)، (يصيبكم) معطوفة على (يعصمكم)، يعني: أو مَن ذا الذي يصيبكم بسوء إن أراد الله بكم رحمة خيرًا، والجواب أيضًا كالسابق: لا أحد، وإنما قَدَّرَ المؤلف: أو يصيبكم بسوء، على خلاف ظاهر السياق؛ لأن الرحمة لا تُعَدّ مصيبة حتى تحتاج إلى العصمة، فإنه إذا أراد الله بالإنسان رحمة ما يقال: مَن ذا الذي يعصمه منها، ليش؟ لأن الرحمة مطلوبة، لا يتطلب الإنسان فيها أحدًا يعصمه منها، فلهذا قَدَّرَ قوله: (أو يصيبكم بسوء) يعني: لا يصيبكم أحد بسوء إن أراد الله بكم رحمة. ولكن الصحيح أنه لا حاجة إلى هذا التقدير، إذا جعلنا العصمة بمعنى المنع، فالمعنى: مَن الذي يمنعكم من الله إن أراد بكم سوءًا، ومن الذي يمنعكم من رحمته إن أراد بكم رحمة، فالفرار لا يمنعكم من السوء الذي أراده الله بكم، والبقاء لا يجلب لكم الرحمة التي أراد الله بكم، فالكل بيد الله عز وجل، لا ينفعكم الفرار ولا البقاء. وقوله: ﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ قال المؤلف: (خيرًا)، وإذا كنا فَسَّرْنَا الأول بالهلاك والهزيمة فالمراد بالخير هنا النصر والبقاء. قال الله تعالى: (﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: غيره، ﴿وَلِيًّا﴾ ينفعهم، ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ يدفع الضر عنهم). ﴿لَا يَجِدُونَ لَهُمْ﴾ أي: هؤلاء الذين فَرُّوا من القتال لن يجدوا أحدًا ينفعهم أو يجلب لهم الخير، أو يدفع عنهم الضرر، ﴿لَا يَجِدُونَ﴾ ﴿وَلِيًّا﴾، والولي هو مَن يتولى أمرك ويعتني بك، فهؤلاء لا يجدون أحدًا سوى الله. وقوله: ﴿وَلِيًّا﴾ يعني: بالولاية العامة؛ لأن ولاية الله سبحانه وتعالى تنقسم إلى قسمين: ولاية عامة تشمل كل أحد، وولاية خاصة للمؤمنين فقط، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة ٢٥٧]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد ١١]. أما بمعنى العامّ فمثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام ٦٢]، فإن هذه الولاية العامة؛ لأن الله تعالى وَلِيّ على كل أحد في المعنى العامّ الذي هو التدبير والملك والسلطان. وقوله: ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾.. .. ﴿مِنْ نَصِيرٍ﴾ [الحج ٧١]: هو الذي ينصرك عند ملاقاة الأعداء فيمنعك منهم، فهؤلاء ليس لهم أحد يتولاهم بِجَلْب الخير لهم، ولا ينصرهم بدفع الضرر عنهم؛ لأن الأمر كله لله. ثم قال تعالى: (﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ﴾ [الأحزاب ١٨]: المثبطين ﴿مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ ) [الأحزاب: ١٨]، ﴿قَدْ﴾ هنا للتحقيق، والأصل أنها إذا دخلت على المضارع تكون لأيش؟ للتحقيق ﴿قَدْ يَعْلَمُ﴾، والأصل أنها إذا دخلت على المضارع تكون للتقليل، كما يقال: قد يجود البخيل، لكن هنا للتحقيق؛ لأن علم الله عز وجل مُحَقَّق، وليس للتقليل، وإنما جاءت ﴿قَدْ يَعْلَمُ﴾ دون (قد علم)؛ ليفيد أن علم الله عز وجل مستمر بهم من ذلك الوقت إلى يوم القيامة؛ فإن الله تعالى عالم بهم وبأحوالهم وتقلباتهم. وقوله: ﴿الْمُعَوِّقِينَ﴾ قال المؤلف: (الْمُثَبِّطِين)؛ لأن الْمُثَبِّط يُعَوِّق الإنسان الْمُثَبَّط، أي: يَحُول دونه ودون مراده، وهو ما يسمى عند الفقهاء بأيش؟ بالْمُخَذِّل، الفقهاء يقولون في باب الجهاد: يجب على الإمام أن يَمْنَع الْمُخَذِّل والْمُرْجِف، فالمخذِّل الذي يُثَبِّط العزائم، يقول: ما له داعٍ الجهاد، وليس عندنا استعداد، وما أشبه ذلك، والْمُرْجِف هو الذي يُرْهِب من الأعداء ويُخَوِّف منهم، يقول: أعداؤكم كثيرون، وأسلحتهم قوية، وما أشبه ذلك. * طالب: (...). * الشيخ: الْمُعَوِّق يعني؟ ما فيه مانع، هذا التعبير بالمعنى. * الطالب: (...). * الشيخ: ماه في شك أنه أحسن، لكن لأجل التفصيل؛ لأن الْمُعَوِّق قد لا يفهمه كل أحد. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، هنا المعوّق يختص بالمثبِّط، ﴿الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾. * طالب: (...). * الشيخ: لا. * الطالب: (...). * الشيخ: لعلك تريد أن (هل) تأتي للتحقيق، هذا صحيح. يقول تعالى: ﴿الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾، الخطاب لمن؟ للنبي عليه الصلاة والسلام والصحابة، فهذا موجود في الصحابة مَن يُعَوِّق. (﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ﴾: تعالوا ﴿إِلَيْنَا﴾ ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ﴾: القتال، ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ رياءً وسمعة). ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾، ﴿الْقَائِلِينَ﴾ معطوف على ﴿الْمُعَوِّقِينَ﴾، يعني: ويعلم القائلين لإخوانهم: هَلُمَّ إلينا، وهذا غير التعويق؛ لأن المعوِّق هو الذي يعرف الشيء الذي يُعَوِّق الإنسان، لكن لا يدعوه، ولكن هؤلاء يقولون لإخوانهم، فهو أبلغ من التعويق. وقوله: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾ هذه غير المعوِّقين، فليس عطف صفة، ولكنه عطف ذات، والأصل في التعاطف أن يكون لتغير الذوات، وقد يكون لتغير الصفات، وقد يكون لتغير؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا ، ما أسرع ما تنسون، العطف للتغاير؛ إما في الذات أو في الصفات. * الطالب: (...). * الشيخ: لا. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، أو اللفظ يا إخواني، كل يوم يَقْرَع أسماعكم: ................... ∗∗∗ أَلْفَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمَيْنَا هذا ما هو تغيُّر معنى، المعنى واحد، لكن تغير لفظ. وقوله: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾، هذا في المنافقين، وسُمُّوا إخوانهم في النسب، وليسوا إخوانهم في الدين، اللهم إلا أن يُرَادَ الأخوة الظاهرة، فإن هؤلاء يتظاهرون بأنهم مؤمنون. ﴿هَلُمَّ﴾: تعالوا إلينا، ﴿هَلُمَّ﴾ هل هي فعل أمر، أو اسم فعل أمر؟ اسم فعل أمر، نعم؛ لأنه ليس كل ما دَلَّ على الطلب فهو فعل أمر، المصدر قد يدل على الطلب كما لو قلت: ضربًا زيدًا، لكن ما دلَّ على الطلب بذاته، يعني بغير أداة خارجية فإما أن يَقْبَل علامة فعل الأمر أو لا، فإن قَبِلَها فهو فعل أمر، وإن لم يَقْبَل فهو اسم فعل أمر، أو قد يكون مصدرًا نائبًا عن الأمر، عرفتم؟ وقولنا: بغير أداة خارجية، احترازًا من المضارع المقرون بلام الأمر، المضارع المقرون بلام الأمر يدل على الأمر، لكن لا بذاته، بل بأداة أخرى خارجية، وهي اللام؛ لام الأمر. ﴿هَلُمَّ﴾ هنا اسم فعل أمر؛ لأن عيسى نقول له: هلم إلينا، هلم إلى الدرس، وأحمد وعيسى جميعًا نقول لهما: هلم إلينا، جميعًا، ونضم إليهما الأخ، ونقول: هلم إلى الدرس، ما تَغَيَّر، مفرد مثنى وجمع، ولم يتغير، ولَّا لا؟ أمّا لو كنا نخاطب واحدًا فنقول: هلم إلينا، ونخاطب اثنين فنقول: هَلُمَّا إلينا، ونخاطب ثلاثة فنقول: هَلُمُّوا إلينا، لكان فعل أمر، ولهذا نقول: قم، وقومَا، وقوموا، فهي إذن اسم فعل أمر تخاطب بها الواحد والاثنين والجماعة ولا تتغير، هذا على لغة أهل الحجاز. أما بنو تميم فإنها عندهم فعل أمر، ولهذا يقولون للواحد: هلم إلينا، وللاثنين: هَلُمَّا إلينا، وللجماعة: هَلُمُّوا إلينا، فهي فعل أمر. هنا يدلنا على أنها اسم فعل أمر؛ لأنها لو كانت فعل أمر لقال: هَلُمُّوا إلينا، يعني: تعالوا، هذا بالنسبة لغيرهم، يَدْعُون غيرهم إلى ترك القتال: تعالوا، هم.. قال: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، ﴿لَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ﴾ يعني: القتال، ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾، والقليل هنا قد يكون المراد به العدم، وقد يكون المراد به الشيء اليسير، القِلَّة، ويمكن أن يراد به العدم بالنسبة لقوم، والقلة بالنسبة لآخرين من المنافقين؛ لأن من المنافقين مَن لا يحضر القتال أصلًا، ومنهم مَن يحضر قليلًا للرياء والسمعة. ومعلوم أن مَن يلاحظ الرياء والسمعة فإنه إذا كان في محل يجد الرياء والسمعة حضر، وإذا كان في محل لا يجد رياء ولا سمعة لم يحضر. ما الفرق بين الرياء والسمعة؟ الرياء يعود إلى الأفعال، والسمعة يعود إلى الأقوال؛ لأن الأفعال تُرَى، والأقوال تُسْمَع، ولهذا جاء في الحديث: «مَنْ رَاءَى رَاءَى اللهُ بِهِ، وَمَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٦ / ٤٧) من حديث عن ابن عباس رضي الله عنهما، ولفظه: «من سَمَّع سَمَّع الله به، ومن راءى راءى الله به».]]، فإذا تكلم شخص بِذِكْر ورفع صوته ليُسْمَع فيُثْنَى عليه به، فبماذا نصف فعله؟ سمعة، وإذا قام يصلي ليراه الناس فهو رياء. وقد يطلق الرياء عليهما جميعًا، لكن عندما يجتمعان يكون الرياء يتعلق بالأفعال والسمعة بالأقوال، يقول: (رياءً وسمعة). (﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب ١٩] بالمعاونة، جمع شحيح، وهو حال من ضميرِ ﴿يَأْتُونَ﴾ )، ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾، أشحة هذه جمع شحيح، والشحيح هو المانع مع الحرص، والبخيل هو المانع بدون حرص، فإذا كان الإنسان مَنُوعًا جَمُوعًا، يعني مع الحرص، يسمى ذلك شحيحًا، وإذا كان بخيلًا لكنه ليس ذلك الرجل الذي يكون حريصًا على جمع المال –مثلًا- فإنه يسمى بخيلًا، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام مُحَذِّرًا من الشح: «اتَّقُوا الشُّحَّ فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٨ / ٥٦) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، ولفظه: «...واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم». ]]. يقول: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾، ما الذي نصبها؟ * طالب: حال. * الشيخ: حال منين؟ نُصِبَت على الحال من فاعل ﴿يَأْتُونَ﴾، يعني: لا يأتون إلا قليلًا، ومع ذلك يأتون أشحةً عليكم، يعني: وهم أَشِحَّاء عليكم لا يريدون أن تَصِلُوا إلى خير، بل يحبون أن يمنعوا كل خير عنكم. ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ [الأحزاب ١٩]، ﴿جَاءَ الْخَوْفُ﴾ الخوف ليست ذاتًا تأتي، لكنه معنى يأتي، والمجيء يكون للمعاني ويكون للذوات، فتقول: جاءه المرض، وتقول: جاء زيد، المجيء هنا أُسْنِدَ إلى معنى، جاء الخوف ممن؟ هو عامّ، إذا جاء الخوف، سواء كان من الأعداء الذين حضروا إلى المدينة، أو الخوف من الرسول عليه الصلاة والسلام فيما يَطَّلِع على أحوالهم، يخافون من أن يفضحهم الله تعالى بأفعالهم، أو يسلِّط عليهم رسوله. يقول: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾، الخطاب هنا هل هو للرسول ﷺ، أو لكل مَن يتوجه إليه الخطاب؟ يحتمل أن يكون للرسول عليه الصلاة والسلام، وهو الأقرب، ويحتمل أن يكون لكل مَن يوجه إليه الخطاب. وقوله: ﴿رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾، الرؤية هنا بصرية، وعلى هذا فلا تنصب إلا مفعولًا واحدًا وهو الهاء، ويكون جملة ﴿يَنْظُرُونَ﴾ حالًا من الهاء، رأيتهم حال كونهم ينظرون إليك، ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾؛ لأن الخائف غالبًا يركز على مَن؟ على جهة الخوف، سواء كان شخصًا أو أشخاصًا، ينظر إلى الجهة التي هي مصدر الخوف، وتدور عينه على غير نظر سليم، يعني كأنها تدور بغير اختيارها من شدة الخوف، ثم شَبَّهَ حالهم بعد أن شَبَّه أبصارهم، قال: ﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾، قال المؤلف: ( كنظر أو كدوران). فإن كانت ﴿كَالَّذِي﴾ عائدة على ﴿يَنْظُرُونَ﴾ قَدَّرْنا: نظر، وإن كانت عائدة على ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ قَدَّرْنَا: كدوران، ولكن الذي يناسب القرآن الأول؛ نظر، كما قال تعالى في سورة القتال: ﴿يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [محمد ٢٠]، وربما نقول: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ ليس عائدًا على النظر، وإنما هو عائد على حالهم، يعني: كالإنسان الْمَغْشِيّ عليه من الموت لا يستطيعون أن يتكلموا؛ لأن أرياقهم يبست، ودماءهم غارت بسبب الخوف، إذا جاء الخوف فإنها تتغير أبصارهم، وتتغير أحوالهم أيضًا، كالذي يُغْشَى عليه من الموت، والذي يُغْشَى عليه من الموت لا شك أنه يصفر وجهه، وأنه لا يدري ما يفعل، ولا يستطيع أن ينطق في الغالب، ﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾، ﴿مِنَ الْمَوْتِ﴾ قال المؤلف: من سكراته، (أي: سكراته)، ﴿يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾، ﴿مِنَ﴾ هنا للسببية، وهل تأتي (مِن) للسببية؟ الجواب: نعم، تأتي في مواضع كثيرة، والأصل فيها أنها للابتداء، حتى زعم بعض النحويين أنها في كل مكان تكون للابتداء، حتى فيما إذا كانت سببية قال: لأنها لابتداء السبب، لكن الصحيح ما ذهب إليه ابن مالك وغيره من النحويين أنها تأتي لمعانٍ كثيرة، قال: بَعِّضْ وَبَيِّنْ وَابْتَدِئْ فِي الْأَمْكِنَه ∗∗∗ فِي (مِنْ) وَقَدْ تَأْتِي لِبَدْءِ الْأَزْمِنَه؎وَزِيدَ فِي نَفْــيٍ وَشِبْهِهِفَجَـــــــــــــــــــــرّ ∗∗∗ نَكِرَةً كَمَــــا لِبَاغٍ مِـــــــــــــنْمَــــــــــــــفَرّ قال: (﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾ وحِيزَت الغنائم، ﴿سَلَقُوكُمْ﴾: آذَوْكُم أو ضربوكم، ﴿بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ أي: الغنيمة يطلبونها، ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ حقيقةً، ﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ ). ﴿إِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾ صار هؤلاء الذين كانوا حين الخوف كالمغشيّ عليه من الموت صاروا ينطقون بطلاقة، ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ يعني: أصابوكم بشدة، ﴿بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ أي: شديدة قوية، والمراد بالألسنة هنا الكلام؛ لأن الكلام يُعَبَّر عنه باللسان، المعنى أنهم يجادِلُون ويناظرون، ويقولون: نحن معكم، نحن نساعد، نحن خرجنا، وما أشبه ذلك، كما قال الله تعالى في سورة النساء: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ [النساء ١٤١]، وأَبْدَوْا وأعادوا في غَلَبَتِهم للمسلمين؛ لأنه لا شك أن الإنسان قد يغلب خصمه بالكلام، كما قال الله تعالى في قصة داود: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص ٢٣]: غلبني، والإنسان اللَّسِن الذي عنده بيان وعنده فصاحة قد يغلب ولو كان على باطل، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ بِنَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٨٠)، ومسلم (١٧١٣ / ٤) من حديث أم سلمة رضي الله عنها. ]]، وإن كان على باطل، فالإنسان قد يغلب ببيانه الحقَّ، ولهذا كما تعلمون جاء في الحديث الصحيح: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا»[[أخرجه البخاري (٥٧٦٧) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. ]]. هؤلاء المنافقون الذين في حال الخوف على الصورة التي صَوَّرَها الله عز وجل، ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾، لكن إذا ذهب الخوف واطمأنوا ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾، يعني: أصابوكم بشدة بهذه الألسنة الحِدَاد، ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾، هذه حال من الواو في قوله: ﴿سَلَقُوكُمْ﴾. ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾، ما المراد بالخير هنا؟ يقول المؤلف: الغنائم التي أصابها المسلمون بانتصارهم، قال: ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ حقيقة، ولو آمنوا ما فعلوا هذا الفعل، ما كانوا يخافون من البعث، ولا كانوا يَدَّعُون ما لا يستحقون فيما إذا انتهت المعركة. ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ أيش معنى أحبطها؟ يعني: أبطلها حتى لا ينتفعوا بها. (﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾ الإحباطُ ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ بإرادته)، نعم هو يسير على الله عز وجل؛ لأنه سبحانه وتعالى لا يخشى من أحد، كما قال تعالى في قوم صالح: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ [الشمس ١٤، ١٥]، ما يخاف سبحانه وتعالى من عاقبتها، بخلاف غيره، بخلاف المخلوق، المخلوق قد يُنَكِّل بشخص ويعاقبه، لكنه يخشى من عاقبته، يخشى من قبيلته، يخشى من الغدر به، وما أشبه ذلك، أما الرب عز وجل فإنّ كل أمر يسير عليه، ولا يخاف من أحد حين ينتقم منه. (...) لها معنيان، تارة تكون بمعنى احْضُر، وتارة تكون بمعنى أَحْضِرْ، في هذه الآية بمعنى (...). هذا مبتدأ الفوائد؟ متأكدون؟ قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ﴾ [الأحزاب ١٧] إلى آخره. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: نفاذ حكم الله، أن حكم الله نافذ في الخلق، لا يمنعه أحد. وجه ذلك: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ﴾، والاستفهام هنا -كما سبق- بمعنى النفي. * ومن فوائدها: إثبات الإرادة لله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا﴾. * ومن فوائدها: الرد على بعض طوائف القَدَرِيَّة الذين يقولون: إن الله لا يريد السوء، يريد الخير، لكن لا يريد السوء؛ لقوله: ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا﴾. وفي الآية إشكال، وهو أن ظاهرها أن الله يريد السوء، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» »[[أخرجه مسلم (٧٧١ / ٢٠١) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه. ]]، فما هو الجواب؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: هذا سوء بالنسبة للمخلوق، أما بالنسبة للخالق (...). * الشيخ: نعم، نقول: السوء بالنسبة للمفعولات، أما بالنسبة لفعل الله نفسه الذي هو فِعْلُه فليس بسوءٍ، المرض –مثلًا- سوء بالنسبة للعبد، يسوؤه ولا يَسُرُّه، لكنه بالنسبة لتقدير الله له خير وحكمة، كما أشرنا إلى هذا كثيرًا. إذن فنقول في الجواب على هذا الإشكال: إن السوء عائدٌ إلى المفعول لا إلى الفعل الذي هو تقدير الله، ونظير ذلك لو أن أبًا شفيقًا رحيمًا أُصِيبَ ولده بداء، فكواه بالحديدة الْمُحْمَاة على النار لكان هذا لا شك يسوء الولد؛ لأنه يؤلمه ويوجعه، لكنه إساءة إليه ولَّا لا؟ لا، هو بالنسبة لفعل الأب ليس إساءة، بل هو خير، وإن كان يؤلم الولد. * طالب: شيخ، هل يؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧]؟ * الشيخ: لا، بل من قبيل أن هذا.. هذا منفصل عن هذا. * الطالب: (...) يكون الخطاب بالنسبة لحال المخاطب. * الشيخ: لا، بل ما هو (...) حقيقة الأمر، فإن السوء ليس إلى الله، يعني معناه أن أفعال الله ليست هي نفسها السوء، السوء يكون في المفعولات فقط . * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل لا مانع لما أعطى ولما مُعْطِيَ لما منع؛ لقوله: ﴿ِإنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾، فلا أحد يمنع ما أعطاه الله، ولا أحد يعطي ما منعه الله، وعلى هذا قوله عليه الصلاة والسلام: «اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣ / ١٣٧) من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه. ]]. * ومن فوائدها: أن فيها حثًّا على تعلق الإنسان بالله سبحانه وتعالى دون غيره؛ لقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾، فإذا كان الأمر كله بيد الله فإن الإنسان يتعلق بربه دون غيره. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أولئك الكفار لن يجدوا أحدًا ينصرهم أو يتولاهم دون الله؛ لقوله: ﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾، فيترتب على ذلك قَطْع كل عُلْقَة تكون بين المشركين وبين أصنامهم، وأن أصنامهم لا تنفعهم مهما كان الأمر. ولكنه يَرِدُ على هذا إشكال، وهو أن هؤلاء الذين يدعون الأصنام قد يحصل لهم ما دَعَوْا به هذه الأصنام، فكيف نقول: إنها لا تنفعهم؟ فالجواب أن هذا قد يقع ابتلاءً وامتحانًا من الله عز وجل، ونحن نعلم أن هذا لم يحصل بهذه الأصنام، أو بدعاء هذه الأصنام، وإنما حصل عنده، وما حصل عند الشيء ليس كالذي حصل بالشيء، واضح؟ فإن قلت: نحن لا نقبل منك هذا؛ أنه حصل لا بدعائهم، ما دام الرجل دَعَا ثم حصل مراده، كيف تقول: إنه من أمر خارج ليس من دعائهم؟ فما هو الجواب؟ * طالب: مُقَدَّر. * الشيخ: ما يخالف، ما.. نعلم يكون مُقَدَّرًا، هذا رجل دعا هذا القبر وحصل ما أراد. * طالب: ما يعرف أن هذا الدعاء عند القبر مُحَرَّم شرعًا؟ * الشيخ: لا، دعا القبر لا عند القبر، دعا صاحب القبر. * الطالب: محرَّم شرعًا ولا يحصل منه هذا. * الشيخ: هو يقول لك: حصل، قال: يا سيدي يا مولاي يا فلان يا فلان أنا فقير أرجو أن تعطيني مالًا، في اليوم نفسه مات قريبُه الذي خلَّف ملايين، ولا يعصبه إلا هو، حصل. * الطالب: من تقدير الله. * الشيخ: أنت تقول: من تقدير الله، وهو يقول: هذا من الولي. * الطالب: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم ٤٤]. * الشيخ: يقول: مين قال لكم: إنه استدراج. * الطالب: من باب البلوى. * الشيخ: إي نعم، هو ابتلاء يا إخواني، ولكن (...). * طالب: (...) يعتبر فتنة لهؤلاء. * الشيخ: هو فتنة وامتحان، وإحنا قلنا له: هذه فتنة، ودعاؤك لم تُحَصِّل منه شيئًا، لكن هذا حصل عند دعائك لا بدعائك، فقال: تبًّا لكم، ما تعرفون قَدْر الأولياء، وأنا دعوت وحصل لي مرادي. * الطالب: تجيئه مرة واحدة ما تيجيئه .. * الشيخ: يقول: ما لي حاجة، وربما نتحداه ونقول: ادع مرة أخرى، فيأتي القدر موافقًا (...). * الطالب: كل هذا ليس بيده لا حول ولا قوة، لو كان لَمَنَعَ الموت عن نفسه. * الشيخ: كل هذه عللٌ عليلة، يا إخواني، إحنا قلنا لكم: الله عز وجل قَطَعَ كل تعلق بغيره، ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف ٥]، إحنا نعلم بالآية الكريمة أن هذا ما يستجيب لك إلى يوم القيامة، وقال: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر ١٤]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ٢٢ ٢٣]، هذه آيات واضحة جدًّا أنه ما يمكن يستجيب، إذا لم يمكن أن يستجيب له فنعلم علم اليقين أن هذا الذي حصل ليس بدعاء هذا الولي؛ لأن الله نفى أن يستجيب له. * طالب: هو بعينه. * الشيخ: عنده في وقت الدعاء فقط، وليس بالدعاء، فعند الشيء يعني أنه قريب منه، وهذا مَرَّ علينا أظن مذهب مَن؟ * طالب: الأشاعرة. * الشيخ: الأشاعرة، يقولون: إن الأسباب لا تُؤَثِّر بنفسها، وإنما يحصل التأثير عندها لا بها، إي نعم، فلما ضربت الزجاجة بالحجر وانكسرت قالوا: ما انكسر هذا من ارتطام الزجاجة بالحجر، حصل عنده، عند ارتطامها به ولكن ليس به، على كل حال ما هذا .. ثم قال تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾ [الأحزاب ١٨] إلى آخره. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: إحاطة علم الله سبحانه وتعالى بكل شيء؛ لأن هذه مسألة جزئية من العالم، قول هؤلاء: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ وتعويقهم فَرْد من أفراد العالم، جزء بسيط لا يُنْسَب إلى العالم، ومع ذلك يعلمه الله، والعالِم بالدقيق عالِم بالجليل من باب أولى، نعم، ففيها اثبات إحاطة علم الله بكل شيء جملة وتفصيلًا. * ومن فوائدها: ثبوت علم الله في المستقبل؛ لأنها جاءت بصيغة المضارع. * ومنها: التهديد والتحذير من التعويق عن القتال. وجهه؟ * طالب: ﴿قَدْ يَعْلَمُ﴾. * الشيخ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ﴾، وهذا من أجل تهديدهم حتى لا يفعلوا ذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: تعاون المنافقين بعضهم مع بعض؛ لقوله: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾، وإذا كان كذلك فإن ﴿الْقَائِلِينَ﴾ تكون عطفًا على ﴿الْمُعَوِّقِينَ﴾ من باب عطف الصفات، وذكرنا في التفسير أنها محتملة أن تكون عطف الصفات أو عطف الذوات، فإن كانت عطف الصفات صار الْمُعَوِّقُون هم القائلين، وإن كان عطف ذوات صاروا قسمين؛ مُعَوِّق وقائل، فالْمُعَوِّق قد يدعو ويقول: ارْمِ، اترك، وقد لا يدعو، ولكن على كل حال هي في المنافقين؛ لأن آخر الآية يُبْطِل الاحتمال الذي ذكرناه أمس بأن تكون في أحد من المؤمنين. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن أولئك المعوِّقين لغيرهم هم بأنفسهم جبناء؛ لقوله: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، فهم جبناء ومُخَذِّلُون مُرْجِفُون. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن كل إنسان يصاحب غيرَه ويمتزج به؛ لقوله: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾، فإن هذه أخوة في الشر والنفاق، وليست في الإيمان. ثم قال تعالى: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ [الأحزاب ١٩] إلى آخره. * في هذه الآية: دليل على بُخْل المنافقين بما ينفع المؤمنين، وأنهم لا يأتونهم إلا عن كراهية كالشحيح في بذل المال؛ لقوله: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾. * ومنها: جبن المنافقين، وأنهم في غاية الجبن؛ لقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾، إلى آخره. وبهذا نعرف أنهم أحق الناس بما وصفوا به النبي ﷺ وأصحابه، حيث قالوا: ما رأينا مثل قُرَّائِنَا هؤلاء أرغب بطونًا ولا أكذب أَلْسُنًا ولا أجبن عند اللقاء. فنقول: إن هذه الأوصاف أنتم أحق الناس بها. * ومن فوائد الآية الكريمة: شدة فزع المنافقين عند الخوف؛ لأن تصويرهم بهذه الصورة يدل على الفزع العظيم الذي ينالهم عند الخوف. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: شدة محبة المنافقين للحياة؛ لأنهم إنما بلغوا هذا المبلغ بالخوف حرصًا على الحياة وخوفًا من الموت بالقتال. * ومن فوائد الآية الكريمة: قوة تصوير القرآن للأحوال الواقعة؛ لأن هذه الصورة التي ذكر الله صورة مدهشة، تجعل الإنسان يتخيل شدة فزعهم كأنها رأي عين. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن للموت سكرات؛ لقوله: ﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾، وهذا بالنسبة للموت العادي، أما الموت المباغِت قد لا يكون فيه سكرات، قد يموت الإنسان بغتة، كالذي يحصل بالحوادث وسكتات القلوب وما أشبهها. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الجبناء المنافقين إذا ذهب الخوف على أنهم حين الخوف كالأموات، أو كالذي يغشى عليه من الموت، إذا ذهب صاروا أبطال الكلام، وأمراء الفصاحة والتسلط؛ لقوله: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ﴾، تو ما يجيء كلامهمن إذا راح الخوف بدؤوا يتكلمون. * ومن فوائدها: شدة المنافقين على المؤمنين، وأنهم عليهم أشداء غلاظ؛ لقوله: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾. * ومن فوائدها: أن المنافقين كما قال الشاعر: أَسَدٌ عَلَيَّ وَفِي الْحُرُوبِ نَعَامَةٌ ∗∗∗ ........................ على المؤمنين أسود، بالباطل طبعًا ما هو بالحق، وعند الكفار نعام، تعرفون النعامة مِن جُبْنِها إذا رأت الصيَّاد قالت: هذا بيقتلني، ولكن أدخل رأسي بالتراب علشان ما أشوفه، إي نعم. * ومن فوائد الآية الكريمة: عِلْم الله سبحانه وتعالى بما في القلوب، ﴿أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾؛ لأن الظاهر لنا أنهم مؤمنون، لكنهم في الواقع غير مؤمنين. * ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من هذه الصفات التي يتصف بها المنافق حتى وإن كان الإنسان مؤمنًا، لماذا؟ لأنها صفات غير المؤمنين؛ لقوله: ﴿أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾، والمؤمن مَنْهِيٌّ عن الاتصاف بصفات غير المؤمنين. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكُفْر مُحْبِط للعمل، سواء كان ظاهرًا أم باطنًا؛ لقوله: ﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾. وفي الجملة من هذه الآية إشكال؛ لأن الإحباط فَرْع عن قيام الشيء، وهم منافقون أعمالهم باطلة من الأصل، فكيف نجيب عن هذا؟ الجواب أن يقال: إن الإحباط نوعان: إحباط ما تم، وإحباط ما لم يتم، فإحباط ما تَمّ ظاهر، إذا تَمّ الشيء فأُلْغِي، وإحباط ما لم يتم أن يكون من الأصل حابطًا، ومنه قول بعض الفقهاء: إذا لم يُكَبِّر تكبيرة الإحرام بطلت صلاته، فنحن نقول هنا: ما صَلَّى حتى تبطل، لكن هذا بطلان ما لم يَتِمّ ولم يكن. أو جواب ثانٍ؛ أن نقول: أحبط الله أعمالهم، إن أعمالهم ظاهرها الصحة، أو لا؟ لأنها من قوم يَدَّعُون الإسلام، ويفعلونها على ظاهر الشرع، لكنها في الواقع باطلة لعدم الأساس. * ومن فوائد الآية الكريمة: أهمية الإخلاص لله عز وجل؛ لقوله: ﴿أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ﴾، فجعل الإحباط فرعًا عن عدم الإيمان، وهذا يدل على أن الركيزة الأصلية للأعمال هي الإيمان. هل يؤخذ من الآية الكريمة أن الأعمال تزداد قوة بقوة الإيمان وفضلًا؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: كيف ذلك؟ لأنه لما حَبِط العمل لعدم الإيمان دَلَّ هذا على أنه يقوى بقوة الإيمان، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الصحابة: «لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١ / ٢٢٢) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. ]]، ما هو العمل واحد الآن، لكن العامل مختلف، فرقٌ بين مَن يعمل بإيمان راسخ قوي كأنما يشاهد الثواب له بعينه، وبين شخص ليس على هذه الحال. فإذن تفاضُل الأعمال يكون مبنيًّا على تفاضل ما في القلوب، «ويُذْكَر عن الحسن البصري رحمه الله أنه قال: والله ما سبقهم أبو بكر بكثرة صيام ولا صلاة، ولكنه سبقهم بما وَقَرَ في قلبه رضي الله عنه»[[أخرجه الحكيم الترمذي (٣ / ٥٥) عن أبي بكر بن عبد الله المزني.]] من الإيمان العظيم الراسخ. ولا يقال: إن هذا فتح باب للعصاة الذي إذا قال له قائل: اتق الله اترك المعصية، اتق الله أَقِم الواجب، قال: التقوى هاهنا، ثم ضرب على صدره ضربة ينخرق، التقوى هاهنا، ماذا نقول له؟ نقول: التقوى هاهنا صحيح، لكن هذه كلمة حق أريد بها باطل، ونقول له: لو اتقى ما هاهنا لاتقى ما هاهنا؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما. ]]، لو صلح ما هاهنا لصلح الظاهر. فالحاصل أن هذه الآية واضحة، الدليل فيها دليل واضح على أن الأعمال تتفاضل بحسب ما في القلوب من الإيمان ولَّا لا؟ وأتيت لكم بشاهد من الحديث، وهو قوله عليه الصلاة والسلام في الصحابة: «لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١ / ٢٢٢) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]]، مُدَّ أحدهم من الذهب، ولَّا مُدَّ أحدهم من الطعام؟ يحتمل. بعضهم يقول: مُدَّ أحدهم من الطعام؛ لأنه هو اللي جرت العادة أن يُكَالَ، يعني لو أنفق أحدكم مثل أُحُدٍ ذهبًا ما بلغ مُدَّ واحد منهم من التمر؛ لأنه هو الذي يكال عادة. وبعضهم يقول: ما بلغ مُدَّ أحدهم من الذهب؛ لأن التفاضل بين الطعام والذهب بعيد، لكن التفاضل بين الذهب القليل والذهب الكثير. (...)

الأحزاب 33:17

﴿يَحْسَبُونَ﴾ بمعنى: يظنون، وهي تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، والمفعول الأول هنا قوله: ﴿الْأَحْزَابَ﴾، والمفعول الثاني جملة ﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾، يعني: يظنون هؤلاء المنافقون أن الأحزاب لم يذهبوا، وهذا يدل على جُبْنِهم وخوفهم وذُعْرِهم؛ لأنه حتى بعد ذَهَاب الأحزاب وتفريقهم يظن هؤلاء المنافقون أنهم لم يذهبوا. يقول الله عز وجل: (﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾ إلى مكة؛ لخوفهم منهم، ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ﴾ كَرَّة أخرى ﴿يَوَدُّوا﴾: يتمنوا، ﴿لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ﴾ أي: كائنون في البادية، ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾: أخباركم مع الكفار). قوله: ﴿وَإِنْ يَأْتِ﴾ هذا على سبيل الفرض والتقدير، وقوله: ﴿الْأَحْزَابُ﴾ جمع حزب، وهم الطوائف الذي تَحَزَّبُوا على النبي ﷺ من قريش وغطفان وأسد وغيرهم، لو أتى هؤلاء الأحزاب مرة أخرى لَوَدَّ هؤلاء المنافقون ﴿أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ﴾، البادي هو الساكن البادية، ومنه قول النبي ﷺ: «لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٢١٥٠)، ومسلم (١٤١٣ / ٥٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]]، فبَادٍ هذه اسم فاعل، ومعناها: ساكن البادية، فيَوَدّ هؤلاء لو أنهم بَادُونَ في الأعراب، أي: ساكنون البادية، لماذا يودون أنهم ساكنون البادية؟ لأجل النجاة من هؤلاء الأحزاب. وقوله: ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾ جملة حالية من الفاعل في قوله: ﴿بَادُونَ﴾، يعني: يَوَدُّ هؤلاء المنافقون أنهم في البادية، ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾ ولا يشاركونكم في القتال، تَصَوَّرْتم المعنى الآن، فبَيَّنَ الله سبحانه وتعالى ذُعْرَ هؤلاء المنافقين من وجهين: الوجه الأول: أنهم يظنون أن الأحزاب ما زالوا باقين، مع أن الأحزاب قد انصرفوا. ثانيًا: أنه لو فُرِضَ أن الأحزاب رجعوا فإنهم يتمنون أنهم في البادية لا يلحقهم مناوشات ولا قتال، وإنما يسألون عن أنبائكم. إذن فجملة ﴿يَسْأَلُونَ﴾ نقول: إنها في موضع نصب على الحال من فاعل ﴿بَادُونَ﴾. قال الله تعالى: (﴿وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ﴾ هذه الكَرَّة ﴿مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾ رياءً وخوفًا من التعيير). يعني ﴿لَوْ﴾ هذه شرطية، وجوابها هنا مقرون بـ﴿مَا﴾، وإذا كانت (لو) الشرطية مقرونة بـ(ما) فإن الأكثر ألَّا يقترن الجواب باللام، لماذا؟ لأن (ما) للنفي، واللام للتوكيد، واجتماع حرف يدل على التوكيد مع حرف يدل على النفي فيه شيء من التعارض والتناقض، فتقول: لو جاء زيد ما كلَّمتُه، ولا تقول: لو جاء زيد لَمَا كلمته. لكن إذا كان جوابها مثبتًا فإن الكثير أن تقترن به اللام، تقول: لو جاء زيد لكلمتك، على الأكثر، ويجوز: لو جاء زيد كلمته، قال الله تبارك وتعالى في سورة الواقعة: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة ٦٥]، اقترن بها اللام، ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة ٧٠]، أما (ما) فكما رأيت الآن لا تقترن بها اللام، لكن قد تقترن بها اللام قليلًا، ومنه قول الشاعر: وَلَوْ نُعْطَى الْخِيَارَ لَمَا افْتَرَقْنَا ∗∗∗ وَلَكِنْ لَا خِيَارَ مَعَ اللَّيَالِي الشاهد قوله: لما افترقنا. يقول الله عز وجل: ﴿وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾، ﴿قَلِيلًا﴾ هنا بمعنى: إلا عدمًا، أو هي على ظاهرها أنهم يقاتلون ولكن قتالًا قليلًا، هذا هو الأقرب؛ لأن الأصل إبقاء الكلام على ظاهره، إلا أن يقوم دليل على أن ظاهره غير مراد، فهؤلاء لو كانوا فينا حينما يأتي الأحزاب لوجدتهم مِن جُبْنِهم لا يقاتلون إلا قليلًا. وفَسَّرَ المؤلف هذه القلة بأنها من أجل الرياء وخوف التأليب، يعني: يراؤون الناس بأنهم يقاتلون في سبيل الله، ويخافون من تعيير الناس لهم، فهم لا يقاتلون لتكون كلمة الله هي العليا، وهذا من أهم ما يكون، أعني إخلاص الإنسان عبادته لله سبحانه وتعالى، هذا من أهم ما يكون، ومن أشد ما يكون علاجًا على النفس؛ لأن الأعمال الظاهرة كل أحد يستطيع أن يجعلها على أحسن ما يرام، أليس كذلك؟ كل أحد يستطيع أنه يقوم يصلي بقراءة متأنية، وبركوع متأنٍّ، وبسجود متأنٍّ، وبقيام متأنٍّ، وبقعود متأنٍّ، لكن إصلاح القلب هو الصعب، ولهذا كان صلاح القلب موجِبًا لصلاح البدن، ولا عكس، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام:« «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما. ]]. فهؤلاء المنافقون ليس لديهم رغبة حقيقية في القتال الذي يرجون به إحدى الْحُسْنَيَيْن؛ إما الشهادة، وإما الظفر والسعادة، لا، لكنهم إنهم يقاتلون رياءً وخوفًا من التعيير فقط، لا لله، ومن كانت هذه نيته فإنه لن يقاتل القتال الذي ينبغي أن يكون، لأنه سيكون فاترًا، بخلاف الإنسان صاحب النية الخالصة لله عز وجل، بل سيكون لديه دافع قوي يَحْدُوه إلى العمل بما يرى أنه من طاعة الله سبحانه وتعالى. ثم قال تعالى: (﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَضَمِّها). ﴿لَقَدْ كَانَ﴾ اللام موطئة للقسم، و(قد) للتحقيق، وعلى هذا فالجملة مؤكَّدة بثلاثة مؤكدات، وهي القسم الْمُقَدَّر واللام و(قد). وقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ﴾، (كان) هذا فعل ماضٍ، وكيف يتوجه أن يكون فعلًا ماضيًا، والتأسِّي بالرسول ﷺ مستمر دائم، والمعروف أن الفعل الماضي قد انقضى زمنه؟ فيقال -والله أعلم-: لقد كان لكم في علم الله، وفي شرع الله عز وجل أسوة حسنة. وقوله: ﴿فِي رَسُولِ اللَّهِ﴾، ولم يقل: في محمد، ولم يقل: في النبي، إشارة إلى أن الأسوة فيه عليه الصلاة والسلام؛ لأنه رسول الله، فهذا الوصف يفيد العِلِّيَّة، أي أن عِلَّة الأسوة كونه رسول الله ﷺ، وإلا ما كان علينا أن نتأسى به لأنه رجل من الناس، لكن لأنه رسول الله كان لنا فيه أسوة حسنة. وقوله ﴿أُسْوَةٌ﴾ بكسر الهمزة وضمها، قراءتان سبعيتان؛ لأن طريق المؤلف رحمه الله إذا عَبَّر بمثل هذا التعبير فالقراءتان سبعيتان متساويتان، أما إذا قال: قرئ، فالقراءة الثانية شاذَّة. إذن يجوز أن أقول: إِسْوَة وأُسْوَة، وهل الأفضل أن أقتصر على واحدة من قراءاتها، أو أن أقرأ بهذه تارة وبهذه أخرى؟ سبق لنا أن الأفضل لمن عَلِمَ القراءة وتأكدها أن يقرأ بهذه تارة وبهذه أخرى، لكن لا عند العامة، لو قرأنا بهذه القراءات عند العامة حصل بذلك تشويش ورد فعل، قال: كيف هذا يغيِّر في القرآن ويُحَرِّف؟! لكن فيما بين الإنسان وبين نفسه إذا كان يعلم أن هناك قراءتين فإن من الأفضل أن يقرأ بهذه مرة وبهذه أخرى؛ لأن كلتا القراءتين ثابتة عن مَن؟ عن رسول الله ﷺ، فلا ينبغي أن نقتصر على واحدة فقط؛ لأننا إذا اقتصرنا على واحدة فقط هجرنا البقية. * طالب: العوام إذا ما قرأنا عندهم بالقراءات كيف يعرفون القراءات؟ * الشيخ: بالتعلم، إذا جاء يبغي يتعلم القراءات نعلمه، لكن رجل عامي ما يدرى عن هذه الأمور لا شك أنه يجلب عنده التشويش من جهة، ثم إنه قد يُجَرِّئه على أن يقرأ بهذه القراءة على وجه الخطأ. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، وليكن ما يضر؛ لأنه بالإجماع الاقتصار على واحدة جائز، ما هو على سبيل الوجوب، فإذا كان فِعْل القراءة الثانية إذا كان يحصل بها مفسدة فلا حرج من عدم قراءتها. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما يزول، من جهة التعبير بالماضي ما يزول، هو الإشكال التعبير بالماضي. وقوله: ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ قال المؤلف: (اقتداء به في القتال، والثبات في مواطنه)، هذا التفسير من المؤلف رحمه الله فيه نظر، أيش وجه النظر فيه؟ أنه خَصَّصَه بالقتال، والحقيقة أنه أسوة حسنة في كل ما يفعله، كل ما كان من سنته فإن لنا فيه أسوة حسنة، وقوله: ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ فيها معنيان: المعنى الأول: أن التأسِّي بالرسول ﷺ كله حسن؛ لأنه عليه الصلاة والسلام معصوم من الخطأ في التشريع، فكل تأسٍّ به فهو حسن، بخلاف التأسي في غيره، فقد يكون حسنًا، وقد يكون غير حسن. المعنى الثاني: أسوة حسنة باعتبار تأسِّينَا به، لا باعتبار ما هو عليه، والأسوة الحسنة باعتبار تأسينا به هو أن نكون موافقين له في القول والفعل والقصد الذي هو العقيدة، نوافقه في هذه الأمور الثلاثة؛ في العقيدة والقول والفعل، هذه الأسوة الحسنة، فمن وافقه في قوله دون فعله لم يَتَأَسَّ به أسوة حسنة، ومن وافقه في فعله دون قوله لم يَتَأَسَّ به أسوة حسنة، ومن تَأَسَّى في قوله وفعله دون عقيدته وقصده لم يتأسَّ به أسوة حسنة. ويدخل في الأسوة الحسنة الدعوة إلى دين الله، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لا شك أنه يدعو إلى دين الله، ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف ١٠٨]. وبهذا نعرف أنه ينبغي لطالب العلم أن يكون حركيًّا في مجتمعه، لا نسخة كتاب فقط، بمعنى أن يكون مُحَرِّكًا لضمائر الناس ومشاعرهم وتوجيههم، ويكون لديه عزيمة في إصلاح الخلق حتى لا يكون مجرد نسخة، اللي مجرد نسخة ويش الفائدة منه، يقول: والله أنا حفظت –مثلًا- متن الزاد وحفظت بلوغ المرام وحفظت المنتقى وما أشبه ذلك، لكن (...) ويش الفائدة؟! أو تقول: أبغي أجلس في بيتي إن جاء أحد يسألني علَّمته وإلا ما.. لا، يجب نبث الوعي بين المسلمين، ولا سيما في هذا الوقت في عصرنا هذا؛ لأن الناس بدؤوا يتحركون، سئموا الحياة السابقة، وصاروا يتحركون الآن، لكن يحتاجون إلى بداية ودلالة؛ لأنهم قد يتحركون إلى شيء سيئ، إنما إذا تولى طلبة العلم الذين وهبهم الله العلم توجيه الناس إلى هذه الأمور حصل في هذا خير كثير، كما كان نبينا ﷺ يفعل، فالأسوة الحسنة في الرسول يدخل فيها الدعوة إلى دين الله عز وجل. قال: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾، صار الحسنة في ذاتها وفي تطبيقها؛ في ذاتها بمعنى أن التأسي به حسن، ولا يمكن أن يكون عليه الصلاة والسلام شيء من أفعاله غير موصوف بالحسن، وحسنة في تطبيق هذا التأسي بالعقيدة والقول والفعل. لكن قال: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾، ﴿لِمَنْ كَانَ﴾ يقول المؤلف: (بدل من ﴿لَكُمْ﴾ )، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ﴾ ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ لكن لمن كان يرجو الله، فهو بدل بعضٍ من كُلٍّ بإعادة العامل، كذا؟ أجيبوا يا إخوان، بدل بعض من كل بإعادة العامل، ﴿لَكُمْ﴾ الخطاب يشمل من يرجو الله واليوم الآخر ومن لا يرجوه، و﴿لِمَنْ كَانَ﴾ يَخُصّ مَن كان يرجو الله واليوم الآخر، فهو بدل بعض من كل. وهل هو بدل بعض من كل في الذات أو في المعنى والصفات؟ إذا قلت: أَكْرِمِ القومَ بعضَهم، هذا بدل بعض من كل في الذات، لكن هنا في الذات ولَّا في الصفات؟ في الصفات، ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾، وقولنا: بإعادة العامل، وين العامل الذي أُعِيد؟ اللام، حرف الجر، فإنها موجودة في البدل والْمُبْدَل منه؛ موجودة في الْمُبْدَل منه في قوله: ﴿لَكُمْ﴾، وفي البدل في قوله: ﴿لِمَنْ كَانَ﴾. وقوله: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾ قال المؤلف: (يخاف الله). ولعل قائلًا يقول: كيف نفسر الرجاء بالخوف؟ لأن الرجاء هو طلب أو تمني ما كان قريب الحصول، فكيف نفسره بالخوف؟ يقال: إن الرجاء يطلق على الخوف، ويطلق على الأمل، فالرجاء في المحبوب، والخوف من المكروه، ولا يلزم أن يفسَّر بما فسر به المؤلف بأن المراد بالرجاء الخوف؛ لأن رجاء الله واليوم الآخر ثابت أيضًا، الذي هو تمني حصول المطلوب، فإن ما عند الله تعالى من الثواب لمن تأسوا بالرسول عليه الصلاة والسلام، يوجب الرجاء، وما في اليوم الآخر أيضًا من السعادة يوجب الرجاء أيضًا، فالذي يظهر أن المراد بالرجاء هنا معناه الحقيقي الذي هو طلب أن يأمُل الإنسان ما فيه مصلحة له وخير له. وقوله: ﴿وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ ما المراد به؟ المراد به يوم القيامة، وسُمِّيَ يومًا آخر لأنه لا يوم بعده، فإن ذلك اليوم هو آخر مراحل الخلق؛ لأن للإنسان في هذه الدنيا أربع مراحل: مرحلة في بطن أمه، ومرحلة في الدنيا، ومرحلة في البرزخ، ومرحلة رابعة يوم القيامة، أربعة دول. * طالب: (...). * الشيخ: ما فيها (...). * الطالب: (...). * الشيخ: كله ما فيه ليل ونهار؛ لأن الشمس تكوّر وتُرْمَى في النار. وقوله: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ يقرِن الله تعالى دائمًا الإيمان به باليوم الآخر كثيرًا في القرآن، ﴿آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء ٣٩]، لماذا؟ لأن الإيمان باليوم الآخر يستلزم العمل؛ لأنك إذا آمنت بأن هناك يومًا تجازَى فيه على عملك فسوف تعمل لذلك اليوم، بخلاف الإنسان الْمُنْكِر له، فالْمُنْكِر لليوم الآخر ما يعمل؛ لأنه يعتقد أن ما هناك إلا دنيا فقط، أرحام تدفع وأرض تبلع، ولا شيء، لكن إذا آمن الإنسان باليوم الآخر أوجب له ذلك أن يعمل، ولهذا يقول: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾. قال: ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ بخلاف مَن ليس كذلك، ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ﴾ الواو هنا حرف عطف، و﴿ذَكَرَ﴾ معطوف على أيش؟ ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو﴾ يعني: ولِمَن كان ذَكَرَ الله، أو معطوفة على ﴿كَانَ﴾، ﴿لِمَنْ كَانَ﴾، ولِمَن ذَكَرَ، على ﴿كَانَ﴾؛ لأن الفعل الماضي يُعْطَف على الفعل الماضي، وأيضًا إذا جعلتَه معطوفًا على ﴿كَانَ﴾ اتضح المعنى أكثر، ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾ هذا عمل قلبي، ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ﴾ عمل جوارح، يقول: معطوفة على ﴿كَانَ﴾ ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾، ولمن ﴿ذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. قوله: ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾، ﴿كَثِيرًا﴾ هذه مفعول مطلق، أي: ذِكْرًا كثيرًا، وذِكْر الله عز وجل يكون بالقلب وباللسان وبالجوارح؛ يكون بالقلب بأن يتفكر الإنسان في آيات الله، وفي أسمائه وصفاته، هذا ذِكْر بالقلب، ويكون بالجوارح باللسان كالتسبيح والتهليل والتحميد، وما أشبه ذلك، ويكون بالجوارح غير اللسان مثل الصلاة، فيها ركوع وسجود، وقيام وقعود، وهي ذِكْر. فالذِّكْر إذن يكون في القلب وفي اللسان وفي الجوارح، والإنسان العاقل الحازم المؤمن لا يزال يَذْكُر الله سبحانه وتعالى؛ لأن في كل شيء من مخلوقاته آيةً تدل على وحدانيته سبحانه وتعالى، وعلى حكمته، فأي شيء تشاهد من هذا الكون سيُذَكِّرك بالله عز وجل، كذلك بالنسبة لأعمالك إذا كنت حازمًا فإنك تستطيع ألَّا تعمل عملًا إلا كان عبادة، الإنسان الحازم يجعل من العادات عبادات، والإنسان الغافل يجعل من العبادات عادات، فإذا كان الإنسان حازمًا فإنه لن يضيع عليه لحظة من عمره، لا بد أن يستغلها في ذِكْر الله سبحانه وتعالى. هل من ذكر الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ نعم من ذِكر الله، قراءة القرآن من ذكر الله، كل قول أو فعل يقرِّب إلى الله عز وجل فإنه من ذِكر الله عز وجل. * طالب: (...). * الشيخ: ما أدري والله (...). قال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ [الأحزاب ٢٠]. * يستفاد منه: قوة جُبْن هؤلاء المنافقين، حيث يظنون أن العدو باقٍ وهو قد ذهب، أو لا؟ فإن قلت: هل لهذا شاهد؟ قلت: نعم، لو أن رجلًا جبانًا رأى أسدًا في مغارة، وذهب الأسد من هذه المغارة وأُخْرِج، فقلت لهذا الرجل الجبان: تفضل امشي من عند المغارة هذه، أيش يقول؟ يقول: لا، فيها أسد؛ لأنه جبان، فالجبان يظن أن عدوه لم يبرح مكانه ويخشى حتى مِن ظِلِّه. * يستفاد من الآية الكريمة أيضًا: أن هؤلاء المنافقين لو عاد الأحزاب مرة أخرى لوَدُّوا أنهم في الأعراب لا في المدن؛ لقوله: ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ﴾ [الأحزاب ٢٠]، وأيهما أحسن عيشًا؛ عيش البادية ولَّا عيش المدن؟ المدن، لكن لجبنهم يتمنون أن يذهبوا إلى الأعراب إلى البادية ولا يحضروا هؤلاء الأحزاب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المنافقين لا يريدون أن يشاركوا المؤمنين في معاركهم؛ لقوله: ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾، هم يحبون أن يكونوا بعيدين عن المعارك، ما يتَحَسَّسُون إلا الأخبار فقط. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المنافق لو شارك المؤمنين في القتال فإنه لن يقاتل إلا قليلًا، ﴿وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾. وهاهنا مسألة: هل يجوز لنا أن نشارك المنافقين في قتالنا إذا علمنا أنهم منافقون أو لا نشاركهم؟ لا نشاركهم؛ لأن ضررهم علينا أكثر بكثير من نفعهم، أما مَن لا نعلم حالهم فإن الأصل أن يؤاخَذ الإنسان بظاهر حاله. * طالب: (...)؟ * الشيخ: الله أعلم بما في قلبه، لكن في ظني إن ما أحد يخاف إلى هذا الحد؛ لأنه ويش بيخاف؟ غاية ما عنده القتل، وهو إذا قُتِلَ في سبيل الله خير من أن يموت على .. * طالب: (...)؟ * الشيخ: هؤلاء يمكن القط لو يتحرك خافوا منه، يجب أن الإنسان يتغلب على هذه الأشياء. * طالب: (...)؟ * الشيخ: كل خوف يمنعك من واجب فهو مذموم. * الطالب: (...). * الشيخ: لا لا، هذا ما هو بصحيح، هذا من جنس ما ورد في ثعلبة، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ [التوبة ٧٥]، هذا الخبر المشهور عند العامة الآن والذي يتحدث به كل مَن يَعِظُ الناس كذب ما هو صحيح. * طالب: (...). * الشيخ: هذا ثعلبة، يقولون: إنه رجل جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام واستأذنه أن يخرج عن المدينة لغُنَيْمَةٍ له، ولكن الرسول منعه، فأَصَرَّ وخرج، وصار يتخلَّف؛ لأنه قد عاهَد الله إن آتاه من فضله أن يتصدق ويكون من الصالحين، ثم إن الرجل نَدِمَ وجاء إلى الرسول تائبًا، ولكنه ما قَبِلَ توبته، ثم جاء إلى أبي بكر تائبًا ولم يقبل توبته، ثم جاء إلى عمر تائبًا ولم يقبل توبته، وهي مشهورة عند العامة. * طالب: (...). * الشيخ: هذه ابن حجر رحمه الله في تعليقه على تفسير الزمخشري تخريج أحاديثه يقول: إن سنده واهٍ جدًّا، وفي أحاديث الإخوان من الجامعة الإسلامية كتب تحقيقًا في هذا، رسالة، وبَيَّنَ أن هذه القصة كذب وباطلة. * طالب: (...). * الشيخ: (...) أن تصدق؛ لأن هذا بعيد أن الرجل يأتي ويتوب توبة صحيحة صادقة، ثم.. هذا ما يمكن. * طالب: (...). * الشيخ: ما ينقسم إليه إن شاء الله بالتوحيد. * * * ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب ٢١]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: وجوب التأسي بالنبي ﷺ، من أين يؤخذ ؟ من قوله: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾؛ لأن رجاء الله واليوم الآخر واجب. * ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أن محمدًا رسول الله؛ لقوله: ﴿فِي رَسُولِ اللَّهِ﴾. * ويستفاد منها: أن جميع طريق النبي عليه الصلاة والسلام حسن، ليس فيه سيئ؛ لقوله: ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. * ويستفاد منها: أن الواجب علينا أن يكون تأسينا برسول الله ﷺ تأسِّيًا حسنًا، لا غُلُوّ فيه ولا تفريط؛ لقوله: ﴿حَسَنَةٌ﴾؛ لأن الغلو زيادة، والتفريط نقصان، ودين الله عز وجل بين الغالي فيه والْمُفَرِّط فيه. * ويستفاد من الآية الكريمة: وجوب رجاء الله عز وجل واليوم الآخر، لكن شوف نقول: وجوب، من أين يؤخذ؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، ما يخالف، لكن الوجوب، يعني لو قال قائل: منين نأخذ الوجوب؟ * الطالب: (...). * الشيخ: وهي؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لأن هذا من تمام الإيمان بالرسل، نتأسى به رجاء لله واليوم الآخر. * ويستفاد منها: الإيمان باليوم الآخر؛ لقوله: ﴿وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾، وسُمِّي يومًا آخِر؛ لأنه (...) آخر أيام الدنيا، الدنيا كذا، ولَّا آخر مراحل الإنسان، آخر مراحل الإنسان كما سبق لنا في التفسير. * ويستفاد من الآية الكريمة: مشروعية كثرة الذِّكْر؛ لقوله: ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾، وقد بَيَّنَ الله تعالى في سورة آل عمران عن أولي الألباب أنهم يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم، والإنسان إما قائم أو قاعد أو على جنب، وهم يذكرون الله في كل هذه الأحوال.

الأحزاب 33:18

﴿يَحْسَبُونَ﴾ بمعنى: يظنون، وهي تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، والمفعول الأول هنا قوله: ﴿الْأَحْزَابَ﴾، والمفعول الثاني جملة ﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾، يعني: يظنون هؤلاء المنافقون أن الأحزاب لم يذهبوا، وهذا يدل على جُبْنِهم وخوفهم وذُعْرِهم؛ لأنه حتى بعد ذَهَاب الأحزاب وتفريقهم يظن هؤلاء المنافقون أنهم لم يذهبوا. يقول الله عز وجل: (﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾ إلى مكة؛ لخوفهم منهم، ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ﴾ كَرَّة أخرى ﴿يَوَدُّوا﴾: يتمنوا، ﴿لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ﴾ أي: كائنون في البادية، ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾: أخباركم مع الكفار). قوله: ﴿وَإِنْ يَأْتِ﴾ هذا على سبيل الفرض والتقدير، وقوله: ﴿الْأَحْزَابُ﴾ جمع حزب، وهم الطوائف الذي تَحَزَّبُوا على النبي ﷺ من قريش وغطفان وأسد وغيرهم، لو أتى هؤلاء الأحزاب مرة أخرى لَوَدَّ هؤلاء المنافقون ﴿أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ﴾، البادي هو الساكن البادية، ومنه قول النبي ﷺ: «لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٢١٥٠)، ومسلم (١٤١٣ / ٥٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]]، فبَادٍ هذه اسم فاعل، ومعناها: ساكن البادية، فيَوَدّ هؤلاء لو أنهم بَادُونَ في الأعراب، أي: ساكنون البادية، لماذا يودون أنهم ساكنون البادية؟ لأجل النجاة من هؤلاء الأحزاب. وقوله: ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾ جملة حالية من الفاعل في قوله: ﴿بَادُونَ﴾، يعني: يَوَدُّ هؤلاء المنافقون أنهم في البادية، ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾ ولا يشاركونكم في القتال، تَصَوَّرْتم المعنى الآن، فبَيَّنَ الله سبحانه وتعالى ذُعْرَ هؤلاء المنافقين من وجهين: الوجه الأول: أنهم يظنون أن الأحزاب ما زالوا باقين، مع أن الأحزاب قد انصرفوا. ثانيًا: أنه لو فُرِضَ أن الأحزاب رجعوا فإنهم يتمنون أنهم في البادية لا يلحقهم مناوشات ولا قتال، وإنما يسألون عن أنبائكم. إذن فجملة ﴿يَسْأَلُونَ﴾ نقول: إنها في موضع نصب على الحال من فاعل ﴿بَادُونَ﴾. قال الله تعالى: (﴿وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ﴾ هذه الكَرَّة ﴿مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾ رياءً وخوفًا من التعيير). يعني ﴿لَوْ﴾ هذه شرطية، وجوابها هنا مقرون بـ﴿مَا﴾، وإذا كانت (لو) الشرطية مقرونة بـ(ما) فإن الأكثر ألَّا يقترن الجواب باللام، لماذا؟ لأن (ما) للنفي، واللام للتوكيد، واجتماع حرف يدل على التوكيد مع حرف يدل على النفي فيه شيء من التعارض والتناقض، فتقول: لو جاء زيد ما كلَّمتُه، ولا تقول: لو جاء زيد لَمَا كلمته. لكن إذا كان جوابها مثبتًا فإن الكثير أن تقترن به اللام، تقول: لو جاء زيد لكلمتك، على الأكثر، ويجوز: لو جاء زيد كلمته، قال الله تبارك وتعالى في سورة الواقعة: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة ٦٥]، اقترن بها اللام، ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة ٧٠]، أما (ما) فكما رأيت الآن لا تقترن بها اللام، لكن قد تقترن بها اللام قليلًا، ومنه قول الشاعر: وَلَوْ نُعْطَى الْخِيَارَ لَمَا افْتَرَقْنَا ∗∗∗ وَلَكِنْ لَا خِيَارَ مَعَ اللَّيَالِي الشاهد قوله: لما افترقنا. يقول الله عز وجل: ﴿وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾، ﴿قَلِيلًا﴾ هنا بمعنى: إلا عدمًا، أو هي على ظاهرها أنهم يقاتلون ولكن قتالًا قليلًا، هذا هو الأقرب؛ لأن الأصل إبقاء الكلام على ظاهره، إلا أن يقوم دليل على أن ظاهره غير مراد، فهؤلاء لو كانوا فينا حينما يأتي الأحزاب لوجدتهم مِن جُبْنِهم لا يقاتلون إلا قليلًا. وفَسَّرَ المؤلف هذه القلة بأنها من أجل الرياء وخوف التأليب، يعني: يراؤون الناس بأنهم يقاتلون في سبيل الله، ويخافون من تعيير الناس لهم، فهم لا يقاتلون لتكون كلمة الله هي العليا، وهذا من أهم ما يكون، أعني إخلاص الإنسان عبادته لله سبحانه وتعالى، هذا من أهم ما يكون، ومن أشد ما يكون علاجًا على النفس؛ لأن الأعمال الظاهرة كل أحد يستطيع أن يجعلها على أحسن ما يرام، أليس كذلك؟ كل أحد يستطيع أنه يقوم يصلي بقراءة متأنية، وبركوع متأنٍّ، وبسجود متأنٍّ، وبقيام متأنٍّ، وبقعود متأنٍّ، لكن إصلاح القلب هو الصعب، ولهذا كان صلاح القلب موجِبًا لصلاح البدن، ولا عكس، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام:« «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما. ]]. فهؤلاء المنافقون ليس لديهم رغبة حقيقية في القتال الذي يرجون به إحدى الْحُسْنَيَيْن؛ إما الشهادة، وإما الظفر والسعادة، لا، لكنهم إنهم يقاتلون رياءً وخوفًا من التعيير فقط، لا لله، ومن كانت هذه نيته فإنه لن يقاتل القتال الذي ينبغي أن يكون، لأنه سيكون فاترًا، بخلاف الإنسان صاحب النية الخالصة لله عز وجل، بل سيكون لديه دافع قوي يَحْدُوه إلى العمل بما يرى أنه من طاعة الله سبحانه وتعالى. ثم قال تعالى: (﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَضَمِّها). ﴿لَقَدْ كَانَ﴾ اللام موطئة للقسم، و(قد) للتحقيق، وعلى هذا فالجملة مؤكَّدة بثلاثة مؤكدات، وهي القسم الْمُقَدَّر واللام و(قد). وقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ﴾، (كان) هذا فعل ماضٍ، وكيف يتوجه أن يكون فعلًا ماضيًا، والتأسِّي بالرسول ﷺ مستمر دائم، والمعروف أن الفعل الماضي قد انقضى زمنه؟ فيقال -والله أعلم-: لقد كان لكم في علم الله، وفي شرع الله عز وجل أسوة حسنة. وقوله: ﴿فِي رَسُولِ اللَّهِ﴾، ولم يقل: في محمد، ولم يقل: في النبي، إشارة إلى أن الأسوة فيه عليه الصلاة والسلام؛ لأنه رسول الله، فهذا الوصف يفيد العِلِّيَّة، أي أن عِلَّة الأسوة كونه رسول الله ﷺ، وإلا ما كان علينا أن نتأسى به لأنه رجل من الناس، لكن لأنه رسول الله كان لنا فيه أسوة حسنة. وقوله ﴿أُسْوَةٌ﴾ بكسر الهمزة وضمها، قراءتان سبعيتان؛ لأن طريق المؤلف رحمه الله إذا عَبَّر بمثل هذا التعبير فالقراءتان سبعيتان متساويتان، أما إذا قال: قرئ، فالقراءة الثانية شاذَّة. إذن يجوز أن أقول: إِسْوَة وأُسْوَة، وهل الأفضل أن أقتصر على واحدة من قراءاتها، أو أن أقرأ بهذه تارة وبهذه أخرى؟ سبق لنا أن الأفضل لمن عَلِمَ القراءة وتأكدها أن يقرأ بهذه تارة وبهذه أخرى، لكن لا عند العامة، لو قرأنا بهذه القراءات عند العامة حصل بذلك تشويش ورد فعل، قال: كيف هذا يغيِّر في القرآن ويُحَرِّف؟! لكن فيما بين الإنسان وبين نفسه إذا كان يعلم أن هناك قراءتين فإن من الأفضل أن يقرأ بهذه مرة وبهذه أخرى؛ لأن كلتا القراءتين ثابتة عن مَن؟ عن رسول الله ﷺ، فلا ينبغي أن نقتصر على واحدة فقط؛ لأننا إذا اقتصرنا على واحدة فقط هجرنا البقية. * طالب: العوام إذا ما قرأنا عندهم بالقراءات كيف يعرفون القراءات؟ * الشيخ: بالتعلم، إذا جاء يبغي يتعلم القراءات نعلمه، لكن رجل عامي ما يدرى عن هذه الأمور لا شك أنه يجلب عنده التشويش من جهة، ثم إنه قد يُجَرِّئه على أن يقرأ بهذه القراءة على وجه الخطأ. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، وليكن ما يضر؛ لأنه بالإجماع الاقتصار على واحدة جائز، ما هو على سبيل الوجوب، فإذا كان فِعْل القراءة الثانية إذا كان يحصل بها مفسدة فلا حرج من عدم قراءتها. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما يزول، من جهة التعبير بالماضي ما يزول، هو الإشكال التعبير بالماضي. وقوله: ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ قال المؤلف: (اقتداء به في القتال، والثبات في مواطنه)، هذا التفسير من المؤلف رحمه الله فيه نظر، أيش وجه النظر فيه؟ أنه خَصَّصَه بالقتال، والحقيقة أنه أسوة حسنة في كل ما يفعله، كل ما كان من سنته فإن لنا فيه أسوة حسنة، وقوله: ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ فيها معنيان: المعنى الأول: أن التأسِّي بالرسول ﷺ كله حسن؛ لأنه عليه الصلاة والسلام معصوم من الخطأ في التشريع، فكل تأسٍّ به فهو حسن، بخلاف التأسي في غيره، فقد يكون حسنًا، وقد يكون غير حسن. المعنى الثاني: أسوة حسنة باعتبار تأسِّينَا به، لا باعتبار ما هو عليه، والأسوة الحسنة باعتبار تأسينا به هو أن نكون موافقين له في القول والفعل والقصد الذي هو العقيدة، نوافقه في هذه الأمور الثلاثة؛ في العقيدة والقول والفعل، هذه الأسوة الحسنة، فمن وافقه في قوله دون فعله لم يَتَأَسَّ به أسوة حسنة، ومن وافقه في فعله دون قوله لم يَتَأَسَّ به أسوة حسنة، ومن تَأَسَّى في قوله وفعله دون عقيدته وقصده لم يتأسَّ به أسوة حسنة. ويدخل في الأسوة الحسنة الدعوة إلى دين الله، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لا شك أنه يدعو إلى دين الله، ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف ١٠٨]. وبهذا نعرف أنه ينبغي لطالب العلم أن يكون حركيًّا في مجتمعه، لا نسخة كتاب فقط، بمعنى أن يكون مُحَرِّكًا لضمائر الناس ومشاعرهم وتوجيههم، ويكون لديه عزيمة في إصلاح الخلق حتى لا يكون مجرد نسخة، اللي مجرد نسخة ويش الفائدة منه، يقول: والله أنا حفظت –مثلًا- متن الزاد وحفظت بلوغ المرام وحفظت المنتقى وما أشبه ذلك، لكن (...) ويش الفائدة؟! أو تقول: أبغي أجلس في بيتي إن جاء أحد يسألني علَّمته وإلا ما.. لا، يجب نبث الوعي بين المسلمين، ولا سيما في هذا الوقت في عصرنا هذا؛ لأن الناس بدؤوا يتحركون، سئموا الحياة السابقة، وصاروا يتحركون الآن، لكن يحتاجون إلى بداية ودلالة؛ لأنهم قد يتحركون إلى شيء سيئ، إنما إذا تولى طلبة العلم الذين وهبهم الله العلم توجيه الناس إلى هذه الأمور حصل في هذا خير كثير، كما كان نبينا ﷺ يفعل، فالأسوة الحسنة في الرسول يدخل فيها الدعوة إلى دين الله عز وجل. قال: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾، صار الحسنة في ذاتها وفي تطبيقها؛ في ذاتها بمعنى أن التأسي به حسن، ولا يمكن أن يكون عليه الصلاة والسلام شيء من أفعاله غير موصوف بالحسن، وحسنة في تطبيق هذا التأسي بالعقيدة والقول والفعل. لكن قال: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾، ﴿لِمَنْ كَانَ﴾ يقول المؤلف: (بدل من ﴿لَكُمْ﴾ )، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ﴾ ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ لكن لمن كان يرجو الله، فهو بدل بعضٍ من كُلٍّ بإعادة العامل، كذا؟ أجيبوا يا إخوان، بدل بعض من كل بإعادة العامل، ﴿لَكُمْ﴾ الخطاب يشمل من يرجو الله واليوم الآخر ومن لا يرجوه، و﴿لِمَنْ كَانَ﴾ يَخُصّ مَن كان يرجو الله واليوم الآخر، فهو بدل بعض من كل. وهل هو بدل بعض من كل في الذات أو في المعنى والصفات؟ إذا قلت: أَكْرِمِ القومَ بعضَهم، هذا بدل بعض من كل في الذات، لكن هنا في الذات ولَّا في الصفات؟ في الصفات، ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾، وقولنا: بإعادة العامل، وين العامل الذي أُعِيد؟ اللام، حرف الجر، فإنها موجودة في البدل والْمُبْدَل منه؛ موجودة في الْمُبْدَل منه في قوله: ﴿لَكُمْ﴾، وفي البدل في قوله: ﴿لِمَنْ كَانَ﴾. وقوله: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾ قال المؤلف: (يخاف الله). ولعل قائلًا يقول: كيف نفسر الرجاء بالخوف؟ لأن الرجاء هو طلب أو تمني ما كان قريب الحصول، فكيف نفسره بالخوف؟ يقال: إن الرجاء يطلق على الخوف، ويطلق على الأمل، فالرجاء في المحبوب، والخوف من المكروه، ولا يلزم أن يفسَّر بما فسر به المؤلف بأن المراد بالرجاء الخوف؛ لأن رجاء الله واليوم الآخر ثابت أيضًا، الذي هو تمني حصول المطلوب، فإن ما عند الله تعالى من الثواب لمن تأسوا بالرسول عليه الصلاة والسلام، يوجب الرجاء، وما في اليوم الآخر أيضًا من السعادة يوجب الرجاء أيضًا، فالذي يظهر أن المراد بالرجاء هنا معناه الحقيقي الذي هو طلب أن يأمُل الإنسان ما فيه مصلحة له وخير له. وقوله: ﴿وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ ما المراد به؟ المراد به يوم القيامة، وسُمِّيَ يومًا آخر لأنه لا يوم بعده، فإن ذلك اليوم هو آخر مراحل الخلق؛ لأن للإنسان في هذه الدنيا أربع مراحل: مرحلة في بطن أمه، ومرحلة في الدنيا، ومرحلة في البرزخ، ومرحلة رابعة يوم القيامة، أربعة دول. * طالب: (...). * الشيخ: ما فيها (...). * الطالب: (...). * الشيخ: كله ما فيه ليل ونهار؛ لأن الشمس تكوّر وتُرْمَى في النار. وقوله: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ يقرِن الله تعالى دائمًا الإيمان به باليوم الآخر كثيرًا في القرآن، ﴿آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء ٣٩]، لماذا؟ لأن الإيمان باليوم الآخر يستلزم العمل؛ لأنك إذا آمنت بأن هناك يومًا تجازَى فيه على عملك فسوف تعمل لذلك اليوم، بخلاف الإنسان الْمُنْكِر له، فالْمُنْكِر لليوم الآخر ما يعمل؛ لأنه يعتقد أن ما هناك إلا دنيا فقط، أرحام تدفع وأرض تبلع، ولا شيء، لكن إذا آمن الإنسان باليوم الآخر أوجب له ذلك أن يعمل، ولهذا يقول: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾. قال: ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ بخلاف مَن ليس كذلك، ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ﴾ الواو هنا حرف عطف، و﴿ذَكَرَ﴾ معطوف على أيش؟ ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو﴾ يعني: ولِمَن كان ذَكَرَ الله، أو معطوفة على ﴿كَانَ﴾، ﴿لِمَنْ كَانَ﴾، ولِمَن ذَكَرَ، على ﴿كَانَ﴾؛ لأن الفعل الماضي يُعْطَف على الفعل الماضي، وأيضًا إذا جعلتَه معطوفًا على ﴿كَانَ﴾ اتضح المعنى أكثر، ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾ هذا عمل قلبي، ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ﴾ عمل جوارح، يقول: معطوفة على ﴿كَانَ﴾ ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾، ولمن ﴿ذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. قوله: ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾، ﴿كَثِيرًا﴾ هذه مفعول مطلق، أي: ذِكْرًا كثيرًا، وذِكْر الله عز وجل يكون بالقلب وباللسان وبالجوارح؛ يكون بالقلب بأن يتفكر الإنسان في آيات الله، وفي أسمائه وصفاته، هذا ذِكْر بالقلب، ويكون بالجوارح باللسان كالتسبيح والتهليل والتحميد، وما أشبه ذلك، ويكون بالجوارح غير اللسان مثل الصلاة، فيها ركوع وسجود، وقيام وقعود، وهي ذِكْر. فالذِّكْر إذن يكون في القلب وفي اللسان وفي الجوارح، والإنسان العاقل الحازم المؤمن لا يزال يَذْكُر الله سبحانه وتعالى؛ لأن في كل شيء من مخلوقاته آيةً تدل على وحدانيته سبحانه وتعالى، وعلى حكمته، فأي شيء تشاهد من هذا الكون سيُذَكِّرك بالله عز وجل، كذلك بالنسبة لأعمالك إذا كنت حازمًا فإنك تستطيع ألَّا تعمل عملًا إلا كان عبادة، الإنسان الحازم يجعل من العادات عبادات، والإنسان الغافل يجعل من العبادات عادات، فإذا كان الإنسان حازمًا فإنه لن يضيع عليه لحظة من عمره، لا بد أن يستغلها في ذِكْر الله سبحانه وتعالى. هل من ذكر الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ نعم من ذِكر الله، قراءة القرآن من ذكر الله، كل قول أو فعل يقرِّب إلى الله عز وجل فإنه من ذِكر الله عز وجل. * طالب: (...). * الشيخ: ما أدري والله (...). قال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ [الأحزاب ٢٠]. * يستفاد منه: قوة جُبْن هؤلاء المنافقين، حيث يظنون أن العدو باقٍ وهو قد ذهب، أو لا؟ فإن قلت: هل لهذا شاهد؟ قلت: نعم، لو أن رجلًا جبانًا رأى أسدًا في مغارة، وذهب الأسد من هذه المغارة وأُخْرِج، فقلت لهذا الرجل الجبان: تفضل امشي من عند المغارة هذه، أيش يقول؟ يقول: لا، فيها أسد؛ لأنه جبان، فالجبان يظن أن عدوه لم يبرح مكانه ويخشى حتى مِن ظِلِّه. * يستفاد من الآية الكريمة أيضًا: أن هؤلاء المنافقين لو عاد الأحزاب مرة أخرى لوَدُّوا أنهم في الأعراب لا في المدن؛ لقوله: ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ﴾ [الأحزاب ٢٠]، وأيهما أحسن عيشًا؛ عيش البادية ولَّا عيش المدن؟ المدن، لكن لجبنهم يتمنون أن يذهبوا إلى الأعراب إلى البادية ولا يحضروا هؤلاء الأحزاب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المنافقين لا يريدون أن يشاركوا المؤمنين في معاركهم؛ لقوله: ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾، هم يحبون أن يكونوا بعيدين عن المعارك، ما يتَحَسَّسُون إلا الأخبار فقط. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المنافق لو شارك المؤمنين في القتال فإنه لن يقاتل إلا قليلًا، ﴿وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾. وهاهنا مسألة: هل يجوز لنا أن نشارك المنافقين في قتالنا إذا علمنا أنهم منافقون أو لا نشاركهم؟ لا نشاركهم؛ لأن ضررهم علينا أكثر بكثير من نفعهم، أما مَن لا نعلم حالهم فإن الأصل أن يؤاخَذ الإنسان بظاهر حاله. * طالب: (...)؟ * الشيخ: الله أعلم بما في قلبه، لكن في ظني إن ما أحد يخاف إلى هذا الحد؛ لأنه ويش بيخاف؟ غاية ما عنده القتل، وهو إذا قُتِلَ في سبيل الله خير من أن يموت على .. * طالب: (...)؟ * الشيخ: هؤلاء يمكن القط لو يتحرك خافوا منه، يجب أن الإنسان يتغلب على هذه الأشياء. * طالب: (...)؟ * الشيخ: كل خوف يمنعك من واجب فهو مذموم. * الطالب: (...). * الشيخ: لا لا، هذا ما هو بصحيح، هذا من جنس ما ورد في ثعلبة، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ [التوبة ٧٥]، هذا الخبر المشهور عند العامة الآن والذي يتحدث به كل مَن يَعِظُ الناس كذب ما هو صحيح. * طالب: (...). * الشيخ: هذا ثعلبة، يقولون: إنه رجل جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام واستأذنه أن يخرج عن المدينة لغُنَيْمَةٍ له، ولكن الرسول منعه، فأَصَرَّ وخرج، وصار يتخلَّف؛ لأنه قد عاهَد الله إن آتاه من فضله أن يتصدق ويكون من الصالحين، ثم إن الرجل نَدِمَ وجاء إلى الرسول تائبًا، ولكنه ما قَبِلَ توبته، ثم جاء إلى أبي بكر تائبًا ولم يقبل توبته، ثم جاء إلى عمر تائبًا ولم يقبل توبته، وهي مشهورة عند العامة. * طالب: (...). * الشيخ: هذه ابن حجر رحمه الله في تعليقه على تفسير الزمخشري تخريج أحاديثه يقول: إن سنده واهٍ جدًّا، وفي أحاديث الإخوان من الجامعة الإسلامية كتب تحقيقًا في هذا، رسالة، وبَيَّنَ أن هذه القصة كذب وباطلة. * طالب: (...). * الشيخ: (...) أن تصدق؛ لأن هذا بعيد أن الرجل يأتي ويتوب توبة صحيحة صادقة، ثم.. هذا ما يمكن. * طالب: (...). * الشيخ: ما ينقسم إليه إن شاء الله بالتوحيد. * * * ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب ٢١]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: وجوب التأسي بالنبي ﷺ، من أين يؤخذ ؟ من قوله: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾؛ لأن رجاء الله واليوم الآخر واجب. * ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أن محمدًا رسول الله؛ لقوله: ﴿فِي رَسُولِ اللَّهِ﴾. * ويستفاد منها: أن جميع طريق النبي عليه الصلاة والسلام حسن، ليس فيه سيئ؛ لقوله: ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. * ويستفاد منها: أن الواجب علينا أن يكون تأسينا برسول الله ﷺ تأسِّيًا حسنًا، لا غُلُوّ فيه ولا تفريط؛ لقوله: ﴿حَسَنَةٌ﴾؛ لأن الغلو زيادة، والتفريط نقصان، ودين الله عز وجل بين الغالي فيه والْمُفَرِّط فيه. * ويستفاد من الآية الكريمة: وجوب رجاء الله عز وجل واليوم الآخر، لكن شوف نقول: وجوب، من أين يؤخذ؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، ما يخالف، لكن الوجوب، يعني لو قال قائل: منين نأخذ الوجوب؟ * الطالب: (...). * الشيخ: وهي؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لأن هذا من تمام الإيمان بالرسل، نتأسى به رجاء لله واليوم الآخر. * ويستفاد منها: الإيمان باليوم الآخر؛ لقوله: ﴿وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾، وسُمِّي يومًا آخِر؛ لأنه (...) آخر أيام الدنيا، الدنيا كذا، ولَّا آخر مراحل الإنسان، آخر مراحل الإنسان كما سبق لنا في التفسير. * ويستفاد من الآية الكريمة: مشروعية كثرة الذِّكْر؛ لقوله: ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾، وقد بَيَّنَ الله تعالى في سورة آل عمران عن أولي الألباب أنهم يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم، والإنسان إما قائم أو قاعد أو على جنب، وهم يذكرون الله في كل هذه الأحوال.

الأحزاب 33:19

﴿يَحْسَبُونَ﴾ بمعنى: يظنون، وهي تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، والمفعول الأول هنا قوله: ﴿الْأَحْزَابَ﴾، والمفعول الثاني جملة ﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾، يعني: يظنون هؤلاء المنافقون أن الأحزاب لم يذهبوا، وهذا يدل على جُبْنِهم وخوفهم وذُعْرِهم؛ لأنه حتى بعد ذَهَاب الأحزاب وتفريقهم يظن هؤلاء المنافقون أنهم لم يذهبوا. يقول الله عز وجل: (﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾ إلى مكة؛ لخوفهم منهم، ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ﴾ كَرَّة أخرى ﴿يَوَدُّوا﴾: يتمنوا، ﴿لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ﴾ أي: كائنون في البادية، ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾: أخباركم مع الكفار). قوله: ﴿وَإِنْ يَأْتِ﴾ هذا على سبيل الفرض والتقدير، وقوله: ﴿الْأَحْزَابُ﴾ جمع حزب، وهم الطوائف الذي تَحَزَّبُوا على النبي ﷺ من قريش وغطفان وأسد وغيرهم، لو أتى هؤلاء الأحزاب مرة أخرى لَوَدَّ هؤلاء المنافقون ﴿أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ﴾، البادي هو الساكن البادية، ومنه قول النبي ﷺ: «لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٢١٥٠)، ومسلم (١٤١٣ / ٥٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]]، فبَادٍ هذه اسم فاعل، ومعناها: ساكن البادية، فيَوَدّ هؤلاء لو أنهم بَادُونَ في الأعراب، أي: ساكنون البادية، لماذا يودون أنهم ساكنون البادية؟ لأجل النجاة من هؤلاء الأحزاب. وقوله: ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾ جملة حالية من الفاعل في قوله: ﴿بَادُونَ﴾، يعني: يَوَدُّ هؤلاء المنافقون أنهم في البادية، ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾ ولا يشاركونكم في القتال، تَصَوَّرْتم المعنى الآن، فبَيَّنَ الله سبحانه وتعالى ذُعْرَ هؤلاء المنافقين من وجهين: الوجه الأول: أنهم يظنون أن الأحزاب ما زالوا باقين، مع أن الأحزاب قد انصرفوا. ثانيًا: أنه لو فُرِضَ أن الأحزاب رجعوا فإنهم يتمنون أنهم في البادية لا يلحقهم مناوشات ولا قتال، وإنما يسألون عن أنبائكم. إذن فجملة ﴿يَسْأَلُونَ﴾ نقول: إنها في موضع نصب على الحال من فاعل ﴿بَادُونَ﴾. قال الله تعالى: (﴿وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ﴾ هذه الكَرَّة ﴿مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾ رياءً وخوفًا من التعيير). يعني ﴿لَوْ﴾ هذه شرطية، وجوابها هنا مقرون بـ﴿مَا﴾، وإذا كانت (لو) الشرطية مقرونة بـ(ما) فإن الأكثر ألَّا يقترن الجواب باللام، لماذا؟ لأن (ما) للنفي، واللام للتوكيد، واجتماع حرف يدل على التوكيد مع حرف يدل على النفي فيه شيء من التعارض والتناقض، فتقول: لو جاء زيد ما كلَّمتُه، ولا تقول: لو جاء زيد لَمَا كلمته. لكن إذا كان جوابها مثبتًا فإن الكثير أن تقترن به اللام، تقول: لو جاء زيد لكلمتك، على الأكثر، ويجوز: لو جاء زيد كلمته، قال الله تبارك وتعالى في سورة الواقعة: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة ٦٥]، اقترن بها اللام، ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة ٧٠]، أما (ما) فكما رأيت الآن لا تقترن بها اللام، لكن قد تقترن بها اللام قليلًا، ومنه قول الشاعر: وَلَوْ نُعْطَى الْخِيَارَ لَمَا افْتَرَقْنَا ∗∗∗ وَلَكِنْ لَا خِيَارَ مَعَ اللَّيَالِي الشاهد قوله: لما افترقنا. يقول الله عز وجل: ﴿وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾، ﴿قَلِيلًا﴾ هنا بمعنى: إلا عدمًا، أو هي على ظاهرها أنهم يقاتلون ولكن قتالًا قليلًا، هذا هو الأقرب؛ لأن الأصل إبقاء الكلام على ظاهره، إلا أن يقوم دليل على أن ظاهره غير مراد، فهؤلاء لو كانوا فينا حينما يأتي الأحزاب لوجدتهم مِن جُبْنِهم لا يقاتلون إلا قليلًا. وفَسَّرَ المؤلف هذه القلة بأنها من أجل الرياء وخوف التأليب، يعني: يراؤون الناس بأنهم يقاتلون في سبيل الله، ويخافون من تعيير الناس لهم، فهم لا يقاتلون لتكون كلمة الله هي العليا، وهذا من أهم ما يكون، أعني إخلاص الإنسان عبادته لله سبحانه وتعالى، هذا من أهم ما يكون، ومن أشد ما يكون علاجًا على النفس؛ لأن الأعمال الظاهرة كل أحد يستطيع أن يجعلها على أحسن ما يرام، أليس كذلك؟ كل أحد يستطيع أنه يقوم يصلي بقراءة متأنية، وبركوع متأنٍّ، وبسجود متأنٍّ، وبقيام متأنٍّ، وبقعود متأنٍّ، لكن إصلاح القلب هو الصعب، ولهذا كان صلاح القلب موجِبًا لصلاح البدن، ولا عكس، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام:« «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما. ]]. فهؤلاء المنافقون ليس لديهم رغبة حقيقية في القتال الذي يرجون به إحدى الْحُسْنَيَيْن؛ إما الشهادة، وإما الظفر والسعادة، لا، لكنهم إنهم يقاتلون رياءً وخوفًا من التعيير فقط، لا لله، ومن كانت هذه نيته فإنه لن يقاتل القتال الذي ينبغي أن يكون، لأنه سيكون فاترًا، بخلاف الإنسان صاحب النية الخالصة لله عز وجل، بل سيكون لديه دافع قوي يَحْدُوه إلى العمل بما يرى أنه من طاعة الله سبحانه وتعالى. ثم قال تعالى: (﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَضَمِّها). ﴿لَقَدْ كَانَ﴾ اللام موطئة للقسم، و(قد) للتحقيق، وعلى هذا فالجملة مؤكَّدة بثلاثة مؤكدات، وهي القسم الْمُقَدَّر واللام و(قد). وقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ﴾، (كان) هذا فعل ماضٍ، وكيف يتوجه أن يكون فعلًا ماضيًا، والتأسِّي بالرسول ﷺ مستمر دائم، والمعروف أن الفعل الماضي قد انقضى زمنه؟ فيقال -والله أعلم-: لقد كان لكم في علم الله، وفي شرع الله عز وجل أسوة حسنة. وقوله: ﴿فِي رَسُولِ اللَّهِ﴾، ولم يقل: في محمد، ولم يقل: في النبي، إشارة إلى أن الأسوة فيه عليه الصلاة والسلام؛ لأنه رسول الله، فهذا الوصف يفيد العِلِّيَّة، أي أن عِلَّة الأسوة كونه رسول الله ﷺ، وإلا ما كان علينا أن نتأسى به لأنه رجل من الناس، لكن لأنه رسول الله كان لنا فيه أسوة حسنة. وقوله ﴿أُسْوَةٌ﴾ بكسر الهمزة وضمها، قراءتان سبعيتان؛ لأن طريق المؤلف رحمه الله إذا عَبَّر بمثل هذا التعبير فالقراءتان سبعيتان متساويتان، أما إذا قال: قرئ، فالقراءة الثانية شاذَّة. إذن يجوز أن أقول: إِسْوَة وأُسْوَة، وهل الأفضل أن أقتصر على واحدة من قراءاتها، أو أن أقرأ بهذه تارة وبهذه أخرى؟ سبق لنا أن الأفضل لمن عَلِمَ القراءة وتأكدها أن يقرأ بهذه تارة وبهذه أخرى، لكن لا عند العامة، لو قرأنا بهذه القراءات عند العامة حصل بذلك تشويش ورد فعل، قال: كيف هذا يغيِّر في القرآن ويُحَرِّف؟! لكن فيما بين الإنسان وبين نفسه إذا كان يعلم أن هناك قراءتين فإن من الأفضل أن يقرأ بهذه مرة وبهذه أخرى؛ لأن كلتا القراءتين ثابتة عن مَن؟ عن رسول الله ﷺ، فلا ينبغي أن نقتصر على واحدة فقط؛ لأننا إذا اقتصرنا على واحدة فقط هجرنا البقية. * طالب: العوام إذا ما قرأنا عندهم بالقراءات كيف يعرفون القراءات؟ * الشيخ: بالتعلم، إذا جاء يبغي يتعلم القراءات نعلمه، لكن رجل عامي ما يدرى عن هذه الأمور لا شك أنه يجلب عنده التشويش من جهة، ثم إنه قد يُجَرِّئه على أن يقرأ بهذه القراءة على وجه الخطأ. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، وليكن ما يضر؛ لأنه بالإجماع الاقتصار على واحدة جائز، ما هو على سبيل الوجوب، فإذا كان فِعْل القراءة الثانية إذا كان يحصل بها مفسدة فلا حرج من عدم قراءتها. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما يزول، من جهة التعبير بالماضي ما يزول، هو الإشكال التعبير بالماضي. وقوله: ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ قال المؤلف: (اقتداء به في القتال، والثبات في مواطنه)، هذا التفسير من المؤلف رحمه الله فيه نظر، أيش وجه النظر فيه؟ أنه خَصَّصَه بالقتال، والحقيقة أنه أسوة حسنة في كل ما يفعله، كل ما كان من سنته فإن لنا فيه أسوة حسنة، وقوله: ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ فيها معنيان: المعنى الأول: أن التأسِّي بالرسول ﷺ كله حسن؛ لأنه عليه الصلاة والسلام معصوم من الخطأ في التشريع، فكل تأسٍّ به فهو حسن، بخلاف التأسي في غيره، فقد يكون حسنًا، وقد يكون غير حسن. المعنى الثاني: أسوة حسنة باعتبار تأسِّينَا به، لا باعتبار ما هو عليه، والأسوة الحسنة باعتبار تأسينا به هو أن نكون موافقين له في القول والفعل والقصد الذي هو العقيدة، نوافقه في هذه الأمور الثلاثة؛ في العقيدة والقول والفعل، هذه الأسوة الحسنة، فمن وافقه في قوله دون فعله لم يَتَأَسَّ به أسوة حسنة، ومن وافقه في فعله دون قوله لم يَتَأَسَّ به أسوة حسنة، ومن تَأَسَّى في قوله وفعله دون عقيدته وقصده لم يتأسَّ به أسوة حسنة. ويدخل في الأسوة الحسنة الدعوة إلى دين الله، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لا شك أنه يدعو إلى دين الله، ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف ١٠٨]. وبهذا نعرف أنه ينبغي لطالب العلم أن يكون حركيًّا في مجتمعه، لا نسخة كتاب فقط، بمعنى أن يكون مُحَرِّكًا لضمائر الناس ومشاعرهم وتوجيههم، ويكون لديه عزيمة في إصلاح الخلق حتى لا يكون مجرد نسخة، اللي مجرد نسخة ويش الفائدة منه، يقول: والله أنا حفظت –مثلًا- متن الزاد وحفظت بلوغ المرام وحفظت المنتقى وما أشبه ذلك، لكن (...) ويش الفائدة؟! أو تقول: أبغي أجلس في بيتي إن جاء أحد يسألني علَّمته وإلا ما.. لا، يجب نبث الوعي بين المسلمين، ولا سيما في هذا الوقت في عصرنا هذا؛ لأن الناس بدؤوا يتحركون، سئموا الحياة السابقة، وصاروا يتحركون الآن، لكن يحتاجون إلى بداية ودلالة؛ لأنهم قد يتحركون إلى شيء سيئ، إنما إذا تولى طلبة العلم الذين وهبهم الله العلم توجيه الناس إلى هذه الأمور حصل في هذا خير كثير، كما كان نبينا ﷺ يفعل، فالأسوة الحسنة في الرسول يدخل فيها الدعوة إلى دين الله عز وجل. قال: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾، صار الحسنة في ذاتها وفي تطبيقها؛ في ذاتها بمعنى أن التأسي به حسن، ولا يمكن أن يكون عليه الصلاة والسلام شيء من أفعاله غير موصوف بالحسن، وحسنة في تطبيق هذا التأسي بالعقيدة والقول والفعل. لكن قال: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾، ﴿لِمَنْ كَانَ﴾ يقول المؤلف: (بدل من ﴿لَكُمْ﴾ )، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ﴾ ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ لكن لمن كان يرجو الله، فهو بدل بعضٍ من كُلٍّ بإعادة العامل، كذا؟ أجيبوا يا إخوان، بدل بعض من كل بإعادة العامل، ﴿لَكُمْ﴾ الخطاب يشمل من يرجو الله واليوم الآخر ومن لا يرجوه، و﴿لِمَنْ كَانَ﴾ يَخُصّ مَن كان يرجو الله واليوم الآخر، فهو بدل بعض من كل. وهل هو بدل بعض من كل في الذات أو في المعنى والصفات؟ إذا قلت: أَكْرِمِ القومَ بعضَهم، هذا بدل بعض من كل في الذات، لكن هنا في الذات ولَّا في الصفات؟ في الصفات، ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾، وقولنا: بإعادة العامل، وين العامل الذي أُعِيد؟ اللام، حرف الجر، فإنها موجودة في البدل والْمُبْدَل منه؛ موجودة في الْمُبْدَل منه في قوله: ﴿لَكُمْ﴾، وفي البدل في قوله: ﴿لِمَنْ كَانَ﴾. وقوله: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾ قال المؤلف: (يخاف الله). ولعل قائلًا يقول: كيف نفسر الرجاء بالخوف؟ لأن الرجاء هو طلب أو تمني ما كان قريب الحصول، فكيف نفسره بالخوف؟ يقال: إن الرجاء يطلق على الخوف، ويطلق على الأمل، فالرجاء في المحبوب، والخوف من المكروه، ولا يلزم أن يفسَّر بما فسر به المؤلف بأن المراد بالرجاء الخوف؛ لأن رجاء الله واليوم الآخر ثابت أيضًا، الذي هو تمني حصول المطلوب، فإن ما عند الله تعالى من الثواب لمن تأسوا بالرسول عليه الصلاة والسلام، يوجب الرجاء، وما في اليوم الآخر أيضًا من السعادة يوجب الرجاء أيضًا، فالذي يظهر أن المراد بالرجاء هنا معناه الحقيقي الذي هو طلب أن يأمُل الإنسان ما فيه مصلحة له وخير له. وقوله: ﴿وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ ما المراد به؟ المراد به يوم القيامة، وسُمِّيَ يومًا آخر لأنه لا يوم بعده، فإن ذلك اليوم هو آخر مراحل الخلق؛ لأن للإنسان في هذه الدنيا أربع مراحل: مرحلة في بطن أمه، ومرحلة في الدنيا، ومرحلة في البرزخ، ومرحلة رابعة يوم القيامة، أربعة دول. * طالب: (...). * الشيخ: ما فيها (...). * الطالب: (...). * الشيخ: كله ما فيه ليل ونهار؛ لأن الشمس تكوّر وتُرْمَى في النار. وقوله: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ يقرِن الله تعالى دائمًا الإيمان به باليوم الآخر كثيرًا في القرآن، ﴿آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء ٣٩]، لماذا؟ لأن الإيمان باليوم الآخر يستلزم العمل؛ لأنك إذا آمنت بأن هناك يومًا تجازَى فيه على عملك فسوف تعمل لذلك اليوم، بخلاف الإنسان الْمُنْكِر له، فالْمُنْكِر لليوم الآخر ما يعمل؛ لأنه يعتقد أن ما هناك إلا دنيا فقط، أرحام تدفع وأرض تبلع، ولا شيء، لكن إذا آمن الإنسان باليوم الآخر أوجب له ذلك أن يعمل، ولهذا يقول: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾. قال: ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ بخلاف مَن ليس كذلك، ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ﴾ الواو هنا حرف عطف، و﴿ذَكَرَ﴾ معطوف على أيش؟ ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو﴾ يعني: ولِمَن كان ذَكَرَ الله، أو معطوفة على ﴿كَانَ﴾، ﴿لِمَنْ كَانَ﴾، ولِمَن ذَكَرَ، على ﴿كَانَ﴾؛ لأن الفعل الماضي يُعْطَف على الفعل الماضي، وأيضًا إذا جعلتَه معطوفًا على ﴿كَانَ﴾ اتضح المعنى أكثر، ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾ هذا عمل قلبي، ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ﴾ عمل جوارح، يقول: معطوفة على ﴿كَانَ﴾ ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾، ولمن ﴿ذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. قوله: ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾، ﴿كَثِيرًا﴾ هذه مفعول مطلق، أي: ذِكْرًا كثيرًا، وذِكْر الله عز وجل يكون بالقلب وباللسان وبالجوارح؛ يكون بالقلب بأن يتفكر الإنسان في آيات الله، وفي أسمائه وصفاته، هذا ذِكْر بالقلب، ويكون بالجوارح باللسان كالتسبيح والتهليل والتحميد، وما أشبه ذلك، ويكون بالجوارح غير اللسان مثل الصلاة، فيها ركوع وسجود، وقيام وقعود، وهي ذِكْر. فالذِّكْر إذن يكون في القلب وفي اللسان وفي الجوارح، والإنسان العاقل الحازم المؤمن لا يزال يَذْكُر الله سبحانه وتعالى؛ لأن في كل شيء من مخلوقاته آيةً تدل على وحدانيته سبحانه وتعالى، وعلى حكمته، فأي شيء تشاهد من هذا الكون سيُذَكِّرك بالله عز وجل، كذلك بالنسبة لأعمالك إذا كنت حازمًا فإنك تستطيع ألَّا تعمل عملًا إلا كان عبادة، الإنسان الحازم يجعل من العادات عبادات، والإنسان الغافل يجعل من العبادات عادات، فإذا كان الإنسان حازمًا فإنه لن يضيع عليه لحظة من عمره، لا بد أن يستغلها في ذِكْر الله سبحانه وتعالى. هل من ذكر الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ نعم من ذِكر الله، قراءة القرآن من ذكر الله، كل قول أو فعل يقرِّب إلى الله عز وجل فإنه من ذِكر الله عز وجل. * طالب: (...). * الشيخ: ما أدري والله (...). قال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ [الأحزاب ٢٠]. * يستفاد منه: قوة جُبْن هؤلاء المنافقين، حيث يظنون أن العدو باقٍ وهو قد ذهب، أو لا؟ فإن قلت: هل لهذا شاهد؟ قلت: نعم، لو أن رجلًا جبانًا رأى أسدًا في مغارة، وذهب الأسد من هذه المغارة وأُخْرِج، فقلت لهذا الرجل الجبان: تفضل امشي من عند المغارة هذه، أيش يقول؟ يقول: لا، فيها أسد؛ لأنه جبان، فالجبان يظن أن عدوه لم يبرح مكانه ويخشى حتى مِن ظِلِّه. * يستفاد من الآية الكريمة أيضًا: أن هؤلاء المنافقين لو عاد الأحزاب مرة أخرى لوَدُّوا أنهم في الأعراب لا في المدن؛ لقوله: ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ﴾ [الأحزاب ٢٠]، وأيهما أحسن عيشًا؛ عيش البادية ولَّا عيش المدن؟ المدن، لكن لجبنهم يتمنون أن يذهبوا إلى الأعراب إلى البادية ولا يحضروا هؤلاء الأحزاب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المنافقين لا يريدون أن يشاركوا المؤمنين في معاركهم؛ لقوله: ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾، هم يحبون أن يكونوا بعيدين عن المعارك، ما يتَحَسَّسُون إلا الأخبار فقط. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المنافق لو شارك المؤمنين في القتال فإنه لن يقاتل إلا قليلًا، ﴿وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾. وهاهنا مسألة: هل يجوز لنا أن نشارك المنافقين في قتالنا إذا علمنا أنهم منافقون أو لا نشاركهم؟ لا نشاركهم؛ لأن ضررهم علينا أكثر بكثير من نفعهم، أما مَن لا نعلم حالهم فإن الأصل أن يؤاخَذ الإنسان بظاهر حاله. * طالب: (...)؟ * الشيخ: الله أعلم بما في قلبه، لكن في ظني إن ما أحد يخاف إلى هذا الحد؛ لأنه ويش بيخاف؟ غاية ما عنده القتل، وهو إذا قُتِلَ في سبيل الله خير من أن يموت على .. * طالب: (...)؟ * الشيخ: هؤلاء يمكن القط لو يتحرك خافوا منه، يجب أن الإنسان يتغلب على هذه الأشياء. * طالب: (...)؟ * الشيخ: كل خوف يمنعك من واجب فهو مذموم. * الطالب: (...). * الشيخ: لا لا، هذا ما هو بصحيح، هذا من جنس ما ورد في ثعلبة، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ [التوبة ٧٥]، هذا الخبر المشهور عند العامة الآن والذي يتحدث به كل مَن يَعِظُ الناس كذب ما هو صحيح. * طالب: (...). * الشيخ: هذا ثعلبة، يقولون: إنه رجل جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام واستأذنه أن يخرج عن المدينة لغُنَيْمَةٍ له، ولكن الرسول منعه، فأَصَرَّ وخرج، وصار يتخلَّف؛ لأنه قد عاهَد الله إن آتاه من فضله أن يتصدق ويكون من الصالحين، ثم إن الرجل نَدِمَ وجاء إلى الرسول تائبًا، ولكنه ما قَبِلَ توبته، ثم جاء إلى أبي بكر تائبًا ولم يقبل توبته، ثم جاء إلى عمر تائبًا ولم يقبل توبته، وهي مشهورة عند العامة. * طالب: (...). * الشيخ: هذه ابن حجر رحمه الله في تعليقه على تفسير الزمخشري تخريج أحاديثه يقول: إن سنده واهٍ جدًّا، وفي أحاديث الإخوان من الجامعة الإسلامية كتب تحقيقًا في هذا، رسالة، وبَيَّنَ أن هذه القصة كذب وباطلة. * طالب: (...). * الشيخ: (...) أن تصدق؛ لأن هذا بعيد أن الرجل يأتي ويتوب توبة صحيحة صادقة، ثم.. هذا ما يمكن. * طالب: (...). * الشيخ: ما ينقسم إليه إن شاء الله بالتوحيد. * * * ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب ٢١]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: وجوب التأسي بالنبي ﷺ، من أين يؤخذ ؟ من قوله: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾؛ لأن رجاء الله واليوم الآخر واجب. * ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أن محمدًا رسول الله؛ لقوله: ﴿فِي رَسُولِ اللَّهِ﴾. * ويستفاد منها: أن جميع طريق النبي عليه الصلاة والسلام حسن، ليس فيه سيئ؛ لقوله: ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. * ويستفاد منها: أن الواجب علينا أن يكون تأسينا برسول الله ﷺ تأسِّيًا حسنًا، لا غُلُوّ فيه ولا تفريط؛ لقوله: ﴿حَسَنَةٌ﴾؛ لأن الغلو زيادة، والتفريط نقصان، ودين الله عز وجل بين الغالي فيه والْمُفَرِّط فيه. * ويستفاد من الآية الكريمة: وجوب رجاء الله عز وجل واليوم الآخر، لكن شوف نقول: وجوب، من أين يؤخذ؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، ما يخالف، لكن الوجوب، يعني لو قال قائل: منين نأخذ الوجوب؟ * الطالب: (...). * الشيخ: وهي؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لأن هذا من تمام الإيمان بالرسل، نتأسى به رجاء لله واليوم الآخر. * ويستفاد منها: الإيمان باليوم الآخر؛ لقوله: ﴿وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾، وسُمِّي يومًا آخِر؛ لأنه (...) آخر أيام الدنيا، الدنيا كذا، ولَّا آخر مراحل الإنسان، آخر مراحل الإنسان كما سبق لنا في التفسير. * ويستفاد من الآية الكريمة: مشروعية كثرة الذِّكْر؛ لقوله: ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾، وقد بَيَّنَ الله تعالى في سورة آل عمران عن أولي الألباب أنهم يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم، والإنسان إما قائم أو قاعد أو على جنب، وهم يذكرون الله في كل هذه الأحوال.

الأحزاب 33:20

﴿يَحْسَبُونَ﴾ بمعنى: يظنون، وهي تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، والمفعول الأول هنا قوله: ﴿الْأَحْزَابَ﴾، والمفعول الثاني جملة ﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾، يعني: يظنون هؤلاء المنافقون أن الأحزاب لم يذهبوا، وهذا يدل على جُبْنِهم وخوفهم وذُعْرِهم؛ لأنه حتى بعد ذَهَاب الأحزاب وتفريقهم يظن هؤلاء المنافقون أنهم لم يذهبوا. يقول الله عز وجل: (﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾ إلى مكة؛ لخوفهم منهم، ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ﴾ كَرَّة أخرى ﴿يَوَدُّوا﴾: يتمنوا، ﴿لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ﴾ أي: كائنون في البادية، ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾: أخباركم مع الكفار). قوله: ﴿وَإِنْ يَأْتِ﴾ هذا على سبيل الفرض والتقدير، وقوله: ﴿الْأَحْزَابُ﴾ جمع حزب، وهم الطوائف الذي تَحَزَّبُوا على النبي ﷺ من قريش وغطفان وأسد وغيرهم، لو أتى هؤلاء الأحزاب مرة أخرى لَوَدَّ هؤلاء المنافقون ﴿أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ﴾، البادي هو الساكن البادية، ومنه قول النبي ﷺ: «لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٢١٥٠)، ومسلم (١٤١٣ / ٥٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]]، فبَادٍ هذه اسم فاعل، ومعناها: ساكن البادية، فيَوَدّ هؤلاء لو أنهم بَادُونَ في الأعراب، أي: ساكنون البادية، لماذا يودون أنهم ساكنون البادية؟ لأجل النجاة من هؤلاء الأحزاب. وقوله: ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾ جملة حالية من الفاعل في قوله: ﴿بَادُونَ﴾، يعني: يَوَدُّ هؤلاء المنافقون أنهم في البادية، ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾ ولا يشاركونكم في القتال، تَصَوَّرْتم المعنى الآن، فبَيَّنَ الله سبحانه وتعالى ذُعْرَ هؤلاء المنافقين من وجهين: الوجه الأول: أنهم يظنون أن الأحزاب ما زالوا باقين، مع أن الأحزاب قد انصرفوا. ثانيًا: أنه لو فُرِضَ أن الأحزاب رجعوا فإنهم يتمنون أنهم في البادية لا يلحقهم مناوشات ولا قتال، وإنما يسألون عن أنبائكم. إذن فجملة ﴿يَسْأَلُونَ﴾ نقول: إنها في موضع نصب على الحال من فاعل ﴿بَادُونَ﴾. قال الله تعالى: (﴿وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ﴾ هذه الكَرَّة ﴿مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾ رياءً وخوفًا من التعيير). يعني ﴿لَوْ﴾ هذه شرطية، وجوابها هنا مقرون بـ﴿مَا﴾، وإذا كانت (لو) الشرطية مقرونة بـ(ما) فإن الأكثر ألَّا يقترن الجواب باللام، لماذا؟ لأن (ما) للنفي، واللام للتوكيد، واجتماع حرف يدل على التوكيد مع حرف يدل على النفي فيه شيء من التعارض والتناقض، فتقول: لو جاء زيد ما كلَّمتُه، ولا تقول: لو جاء زيد لَمَا كلمته. لكن إذا كان جوابها مثبتًا فإن الكثير أن تقترن به اللام، تقول: لو جاء زيد لكلمتك، على الأكثر، ويجوز: لو جاء زيد كلمته، قال الله تبارك وتعالى في سورة الواقعة: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة ٦٥]، اقترن بها اللام، ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة ٧٠]، أما (ما) فكما رأيت الآن لا تقترن بها اللام، لكن قد تقترن بها اللام قليلًا، ومنه قول الشاعر: وَلَوْ نُعْطَى الْخِيَارَ لَمَا افْتَرَقْنَا ∗∗∗ وَلَكِنْ لَا خِيَارَ مَعَ اللَّيَالِي الشاهد قوله: لما افترقنا. يقول الله عز وجل: ﴿وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾، ﴿قَلِيلًا﴾ هنا بمعنى: إلا عدمًا، أو هي على ظاهرها أنهم يقاتلون ولكن قتالًا قليلًا، هذا هو الأقرب؛ لأن الأصل إبقاء الكلام على ظاهره، إلا أن يقوم دليل على أن ظاهره غير مراد، فهؤلاء لو كانوا فينا حينما يأتي الأحزاب لوجدتهم مِن جُبْنِهم لا يقاتلون إلا قليلًا. وفَسَّرَ المؤلف هذه القلة بأنها من أجل الرياء وخوف التأليب، يعني: يراؤون الناس بأنهم يقاتلون في سبيل الله، ويخافون من تعيير الناس لهم، فهم لا يقاتلون لتكون كلمة الله هي العليا، وهذا من أهم ما يكون، أعني إخلاص الإنسان عبادته لله سبحانه وتعالى، هذا من أهم ما يكون، ومن أشد ما يكون علاجًا على النفس؛ لأن الأعمال الظاهرة كل أحد يستطيع أن يجعلها على أحسن ما يرام، أليس كذلك؟ كل أحد يستطيع أنه يقوم يصلي بقراءة متأنية، وبركوع متأنٍّ، وبسجود متأنٍّ، وبقيام متأنٍّ، وبقعود متأنٍّ، لكن إصلاح القلب هو الصعب، ولهذا كان صلاح القلب موجِبًا لصلاح البدن، ولا عكس، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام:« «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما. ]]. فهؤلاء المنافقون ليس لديهم رغبة حقيقية في القتال الذي يرجون به إحدى الْحُسْنَيَيْن؛ إما الشهادة، وإما الظفر والسعادة، لا، لكنهم إنهم يقاتلون رياءً وخوفًا من التعيير فقط، لا لله، ومن كانت هذه نيته فإنه لن يقاتل القتال الذي ينبغي أن يكون، لأنه سيكون فاترًا، بخلاف الإنسان صاحب النية الخالصة لله عز وجل، بل سيكون لديه دافع قوي يَحْدُوه إلى العمل بما يرى أنه من طاعة الله سبحانه وتعالى. ثم قال تعالى: (﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَضَمِّها). ﴿لَقَدْ كَانَ﴾ اللام موطئة للقسم، و(قد) للتحقيق، وعلى هذا فالجملة مؤكَّدة بثلاثة مؤكدات، وهي القسم الْمُقَدَّر واللام و(قد). وقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ﴾، (كان) هذا فعل ماضٍ، وكيف يتوجه أن يكون فعلًا ماضيًا، والتأسِّي بالرسول ﷺ مستمر دائم، والمعروف أن الفعل الماضي قد انقضى زمنه؟ فيقال -والله أعلم-: لقد كان لكم في علم الله، وفي شرع الله عز وجل أسوة حسنة. وقوله: ﴿فِي رَسُولِ اللَّهِ﴾، ولم يقل: في محمد، ولم يقل: في النبي، إشارة إلى أن الأسوة فيه عليه الصلاة والسلام؛ لأنه رسول الله، فهذا الوصف يفيد العِلِّيَّة، أي أن عِلَّة الأسوة كونه رسول الله ﷺ، وإلا ما كان علينا أن نتأسى به لأنه رجل من الناس، لكن لأنه رسول الله كان لنا فيه أسوة حسنة. وقوله ﴿أُسْوَةٌ﴾ بكسر الهمزة وضمها، قراءتان سبعيتان؛ لأن طريق المؤلف رحمه الله إذا عَبَّر بمثل هذا التعبير فالقراءتان سبعيتان متساويتان، أما إذا قال: قرئ، فالقراءة الثانية شاذَّة. إذن يجوز أن أقول: إِسْوَة وأُسْوَة، وهل الأفضل أن أقتصر على واحدة من قراءاتها، أو أن أقرأ بهذه تارة وبهذه أخرى؟ سبق لنا أن الأفضل لمن عَلِمَ القراءة وتأكدها أن يقرأ بهذه تارة وبهذه أخرى، لكن لا عند العامة، لو قرأنا بهذه القراءات عند العامة حصل بذلك تشويش ورد فعل، قال: كيف هذا يغيِّر في القرآن ويُحَرِّف؟! لكن فيما بين الإنسان وبين نفسه إذا كان يعلم أن هناك قراءتين فإن من الأفضل أن يقرأ بهذه مرة وبهذه أخرى؛ لأن كلتا القراءتين ثابتة عن مَن؟ عن رسول الله ﷺ، فلا ينبغي أن نقتصر على واحدة فقط؛ لأننا إذا اقتصرنا على واحدة فقط هجرنا البقية. * طالب: العوام إذا ما قرأنا عندهم بالقراءات كيف يعرفون القراءات؟ * الشيخ: بالتعلم، إذا جاء يبغي يتعلم القراءات نعلمه، لكن رجل عامي ما يدرى عن هذه الأمور لا شك أنه يجلب عنده التشويش من جهة، ثم إنه قد يُجَرِّئه على أن يقرأ بهذه القراءة على وجه الخطأ. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، وليكن ما يضر؛ لأنه بالإجماع الاقتصار على واحدة جائز، ما هو على سبيل الوجوب، فإذا كان فِعْل القراءة الثانية إذا كان يحصل بها مفسدة فلا حرج من عدم قراءتها. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما يزول، من جهة التعبير بالماضي ما يزول، هو الإشكال التعبير بالماضي. وقوله: ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ قال المؤلف: (اقتداء به في القتال، والثبات في مواطنه)، هذا التفسير من المؤلف رحمه الله فيه نظر، أيش وجه النظر فيه؟ أنه خَصَّصَه بالقتال، والحقيقة أنه أسوة حسنة في كل ما يفعله، كل ما كان من سنته فإن لنا فيه أسوة حسنة، وقوله: ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ فيها معنيان: المعنى الأول: أن التأسِّي بالرسول ﷺ كله حسن؛ لأنه عليه الصلاة والسلام معصوم من الخطأ في التشريع، فكل تأسٍّ به فهو حسن، بخلاف التأسي في غيره، فقد يكون حسنًا، وقد يكون غير حسن. المعنى الثاني: أسوة حسنة باعتبار تأسِّينَا به، لا باعتبار ما هو عليه، والأسوة الحسنة باعتبار تأسينا به هو أن نكون موافقين له في القول والفعل والقصد الذي هو العقيدة، نوافقه في هذه الأمور الثلاثة؛ في العقيدة والقول والفعل، هذه الأسوة الحسنة، فمن وافقه في قوله دون فعله لم يَتَأَسَّ به أسوة حسنة، ومن وافقه في فعله دون قوله لم يَتَأَسَّ به أسوة حسنة، ومن تَأَسَّى في قوله وفعله دون عقيدته وقصده لم يتأسَّ به أسوة حسنة. ويدخل في الأسوة الحسنة الدعوة إلى دين الله، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لا شك أنه يدعو إلى دين الله، ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف ١٠٨]. وبهذا نعرف أنه ينبغي لطالب العلم أن يكون حركيًّا في مجتمعه، لا نسخة كتاب فقط، بمعنى أن يكون مُحَرِّكًا لضمائر الناس ومشاعرهم وتوجيههم، ويكون لديه عزيمة في إصلاح الخلق حتى لا يكون مجرد نسخة، اللي مجرد نسخة ويش الفائدة منه، يقول: والله أنا حفظت –مثلًا- متن الزاد وحفظت بلوغ المرام وحفظت المنتقى وما أشبه ذلك، لكن (...) ويش الفائدة؟! أو تقول: أبغي أجلس في بيتي إن جاء أحد يسألني علَّمته وإلا ما.. لا، يجب نبث الوعي بين المسلمين، ولا سيما في هذا الوقت في عصرنا هذا؛ لأن الناس بدؤوا يتحركون، سئموا الحياة السابقة، وصاروا يتحركون الآن، لكن يحتاجون إلى بداية ودلالة؛ لأنهم قد يتحركون إلى شيء سيئ، إنما إذا تولى طلبة العلم الذين وهبهم الله العلم توجيه الناس إلى هذه الأمور حصل في هذا خير كثير، كما كان نبينا ﷺ يفعل، فالأسوة الحسنة في الرسول يدخل فيها الدعوة إلى دين الله عز وجل. قال: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾، صار الحسنة في ذاتها وفي تطبيقها؛ في ذاتها بمعنى أن التأسي به حسن، ولا يمكن أن يكون عليه الصلاة والسلام شيء من أفعاله غير موصوف بالحسن، وحسنة في تطبيق هذا التأسي بالعقيدة والقول والفعل. لكن قال: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾، ﴿لِمَنْ كَانَ﴾ يقول المؤلف: (بدل من ﴿لَكُمْ﴾ )، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ﴾ ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ لكن لمن كان يرجو الله، فهو بدل بعضٍ من كُلٍّ بإعادة العامل، كذا؟ أجيبوا يا إخوان، بدل بعض من كل بإعادة العامل، ﴿لَكُمْ﴾ الخطاب يشمل من يرجو الله واليوم الآخر ومن لا يرجوه، و﴿لِمَنْ كَانَ﴾ يَخُصّ مَن كان يرجو الله واليوم الآخر، فهو بدل بعض من كل. وهل هو بدل بعض من كل في الذات أو في المعنى والصفات؟ إذا قلت: أَكْرِمِ القومَ بعضَهم، هذا بدل بعض من كل في الذات، لكن هنا في الذات ولَّا في الصفات؟ في الصفات، ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾، وقولنا: بإعادة العامل، وين العامل الذي أُعِيد؟ اللام، حرف الجر، فإنها موجودة في البدل والْمُبْدَل منه؛ موجودة في الْمُبْدَل منه في قوله: ﴿لَكُمْ﴾، وفي البدل في قوله: ﴿لِمَنْ كَانَ﴾. وقوله: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾ قال المؤلف: (يخاف الله). ولعل قائلًا يقول: كيف نفسر الرجاء بالخوف؟ لأن الرجاء هو طلب أو تمني ما كان قريب الحصول، فكيف نفسره بالخوف؟ يقال: إن الرجاء يطلق على الخوف، ويطلق على الأمل، فالرجاء في المحبوب، والخوف من المكروه، ولا يلزم أن يفسَّر بما فسر به المؤلف بأن المراد بالرجاء الخوف؛ لأن رجاء الله واليوم الآخر ثابت أيضًا، الذي هو تمني حصول المطلوب، فإن ما عند الله تعالى من الثواب لمن تأسوا بالرسول عليه الصلاة والسلام، يوجب الرجاء، وما في اليوم الآخر أيضًا من السعادة يوجب الرجاء أيضًا، فالذي يظهر أن المراد بالرجاء هنا معناه الحقيقي الذي هو طلب أن يأمُل الإنسان ما فيه مصلحة له وخير له. وقوله: ﴿وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ ما المراد به؟ المراد به يوم القيامة، وسُمِّيَ يومًا آخر لأنه لا يوم بعده، فإن ذلك اليوم هو آخر مراحل الخلق؛ لأن للإنسان في هذه الدنيا أربع مراحل: مرحلة في بطن أمه، ومرحلة في الدنيا، ومرحلة في البرزخ، ومرحلة رابعة يوم القيامة، أربعة دول. * طالب: (...). * الشيخ: ما فيها (...). * الطالب: (...). * الشيخ: كله ما فيه ليل ونهار؛ لأن الشمس تكوّر وتُرْمَى في النار. وقوله: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ يقرِن الله تعالى دائمًا الإيمان به باليوم الآخر كثيرًا في القرآن، ﴿آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء ٣٩]، لماذا؟ لأن الإيمان باليوم الآخر يستلزم العمل؛ لأنك إذا آمنت بأن هناك يومًا تجازَى فيه على عملك فسوف تعمل لذلك اليوم، بخلاف الإنسان الْمُنْكِر له، فالْمُنْكِر لليوم الآخر ما يعمل؛ لأنه يعتقد أن ما هناك إلا دنيا فقط، أرحام تدفع وأرض تبلع، ولا شيء، لكن إذا آمن الإنسان باليوم الآخر أوجب له ذلك أن يعمل، ولهذا يقول: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾. قال: ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ بخلاف مَن ليس كذلك، ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ﴾ الواو هنا حرف عطف، و﴿ذَكَرَ﴾ معطوف على أيش؟ ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو﴾ يعني: ولِمَن كان ذَكَرَ الله، أو معطوفة على ﴿كَانَ﴾، ﴿لِمَنْ كَانَ﴾، ولِمَن ذَكَرَ، على ﴿كَانَ﴾؛ لأن الفعل الماضي يُعْطَف على الفعل الماضي، وأيضًا إذا جعلتَه معطوفًا على ﴿كَانَ﴾ اتضح المعنى أكثر، ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾ هذا عمل قلبي، ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ﴾ عمل جوارح، يقول: معطوفة على ﴿كَانَ﴾ ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾، ولمن ﴿ذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. قوله: ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾، ﴿كَثِيرًا﴾ هذه مفعول مطلق، أي: ذِكْرًا كثيرًا، وذِكْر الله عز وجل يكون بالقلب وباللسان وبالجوارح؛ يكون بالقلب بأن يتفكر الإنسان في آيات الله، وفي أسمائه وصفاته، هذا ذِكْر بالقلب، ويكون بالجوارح باللسان كالتسبيح والتهليل والتحميد، وما أشبه ذلك، ويكون بالجوارح غير اللسان مثل الصلاة، فيها ركوع وسجود، وقيام وقعود، وهي ذِكْر. فالذِّكْر إذن يكون في القلب وفي اللسان وفي الجوارح، والإنسان العاقل الحازم المؤمن لا يزال يَذْكُر الله سبحانه وتعالى؛ لأن في كل شيء من مخلوقاته آيةً تدل على وحدانيته سبحانه وتعالى، وعلى حكمته، فأي شيء تشاهد من هذا الكون سيُذَكِّرك بالله عز وجل، كذلك بالنسبة لأعمالك إذا كنت حازمًا فإنك تستطيع ألَّا تعمل عملًا إلا كان عبادة، الإنسان الحازم يجعل من العادات عبادات، والإنسان الغافل يجعل من العبادات عادات، فإذا كان الإنسان حازمًا فإنه لن يضيع عليه لحظة من عمره، لا بد أن يستغلها في ذِكْر الله سبحانه وتعالى. هل من ذكر الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ نعم من ذِكر الله، قراءة القرآن من ذكر الله، كل قول أو فعل يقرِّب إلى الله عز وجل فإنه من ذِكر الله عز وجل. * طالب: (...). * الشيخ: ما أدري والله (...). قال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ [الأحزاب ٢٠]. * يستفاد منه: قوة جُبْن هؤلاء المنافقين، حيث يظنون أن العدو باقٍ وهو قد ذهب، أو لا؟ فإن قلت: هل لهذا شاهد؟ قلت: نعم، لو أن رجلًا جبانًا رأى أسدًا في مغارة، وذهب الأسد من هذه المغارة وأُخْرِج، فقلت لهذا الرجل الجبان: تفضل امشي من عند المغارة هذه، أيش يقول؟ يقول: لا، فيها أسد؛ لأنه جبان، فالجبان يظن أن عدوه لم يبرح مكانه ويخشى حتى مِن ظِلِّه. * يستفاد من الآية الكريمة أيضًا: أن هؤلاء المنافقين لو عاد الأحزاب مرة أخرى لوَدُّوا أنهم في الأعراب لا في المدن؛ لقوله: ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ﴾ [الأحزاب ٢٠]، وأيهما أحسن عيشًا؛ عيش البادية ولَّا عيش المدن؟ المدن، لكن لجبنهم يتمنون أن يذهبوا إلى الأعراب إلى البادية ولا يحضروا هؤلاء الأحزاب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المنافقين لا يريدون أن يشاركوا المؤمنين في معاركهم؛ لقوله: ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾، هم يحبون أن يكونوا بعيدين عن المعارك، ما يتَحَسَّسُون إلا الأخبار فقط. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المنافق لو شارك المؤمنين في القتال فإنه لن يقاتل إلا قليلًا، ﴿وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾. وهاهنا مسألة: هل يجوز لنا أن نشارك المنافقين في قتالنا إذا علمنا أنهم منافقون أو لا نشاركهم؟ لا نشاركهم؛ لأن ضررهم علينا أكثر بكثير من نفعهم، أما مَن لا نعلم حالهم فإن الأصل أن يؤاخَذ الإنسان بظاهر حاله. * طالب: (...)؟ * الشيخ: الله أعلم بما في قلبه، لكن في ظني إن ما أحد يخاف إلى هذا الحد؛ لأنه ويش بيخاف؟ غاية ما عنده القتل، وهو إذا قُتِلَ في سبيل الله خير من أن يموت على .. * طالب: (...)؟ * الشيخ: هؤلاء يمكن القط لو يتحرك خافوا منه، يجب أن الإنسان يتغلب على هذه الأشياء. * طالب: (...)؟ * الشيخ: كل خوف يمنعك من واجب فهو مذموم. * الطالب: (...). * الشيخ: لا لا، هذا ما هو بصحيح، هذا من جنس ما ورد في ثعلبة، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ [التوبة ٧٥]، هذا الخبر المشهور عند العامة الآن والذي يتحدث به كل مَن يَعِظُ الناس كذب ما هو صحيح. * طالب: (...). * الشيخ: هذا ثعلبة، يقولون: إنه رجل جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام واستأذنه أن يخرج عن المدينة لغُنَيْمَةٍ له، ولكن الرسول منعه، فأَصَرَّ وخرج، وصار يتخلَّف؛ لأنه قد عاهَد الله إن آتاه من فضله أن يتصدق ويكون من الصالحين، ثم إن الرجل نَدِمَ وجاء إلى الرسول تائبًا، ولكنه ما قَبِلَ توبته، ثم جاء إلى أبي بكر تائبًا ولم يقبل توبته، ثم جاء إلى عمر تائبًا ولم يقبل توبته، وهي مشهورة عند العامة. * طالب: (...). * الشيخ: هذه ابن حجر رحمه الله في تعليقه على تفسير الزمخشري تخريج أحاديثه يقول: إن سنده واهٍ جدًّا، وفي أحاديث الإخوان من الجامعة الإسلامية كتب تحقيقًا في هذا، رسالة، وبَيَّنَ أن هذه القصة كذب وباطلة. * طالب: (...). * الشيخ: (...) أن تصدق؛ لأن هذا بعيد أن الرجل يأتي ويتوب توبة صحيحة صادقة، ثم.. هذا ما يمكن. * طالب: (...). * الشيخ: ما ينقسم إليه إن شاء الله بالتوحيد. * * * ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب ٢١]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: وجوب التأسي بالنبي ﷺ، من أين يؤخذ ؟ من قوله: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾؛ لأن رجاء الله واليوم الآخر واجب. * ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أن محمدًا رسول الله؛ لقوله: ﴿فِي رَسُولِ اللَّهِ﴾. * ويستفاد منها: أن جميع طريق النبي عليه الصلاة والسلام حسن، ليس فيه سيئ؛ لقوله: ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. * ويستفاد منها: أن الواجب علينا أن يكون تأسينا برسول الله ﷺ تأسِّيًا حسنًا، لا غُلُوّ فيه ولا تفريط؛ لقوله: ﴿حَسَنَةٌ﴾؛ لأن الغلو زيادة، والتفريط نقصان، ودين الله عز وجل بين الغالي فيه والْمُفَرِّط فيه. * ويستفاد من الآية الكريمة: وجوب رجاء الله عز وجل واليوم الآخر، لكن شوف نقول: وجوب، من أين يؤخذ؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، ما يخالف، لكن الوجوب، يعني لو قال قائل: منين نأخذ الوجوب؟ * الطالب: (...). * الشيخ: وهي؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لأن هذا من تمام الإيمان بالرسل، نتأسى به رجاء لله واليوم الآخر. * ويستفاد منها: الإيمان باليوم الآخر؛ لقوله: ﴿وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾، وسُمِّي يومًا آخِر؛ لأنه (...) آخر أيام الدنيا، الدنيا كذا، ولَّا آخر مراحل الإنسان، آخر مراحل الإنسان كما سبق لنا في التفسير. * ويستفاد من الآية الكريمة: مشروعية كثرة الذِّكْر؛ لقوله: ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾، وقد بَيَّنَ الله تعالى في سورة آل عمران عن أولي الألباب أنهم يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم، والإنسان إما قائم أو قاعد أو على جنب، وهم يذكرون الله في كل هذه الأحوال.

الأحزاب 33:21

﴿يَحْسَبُونَ﴾ بمعنى: يظنون، وهي تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، والمفعول الأول هنا قوله: ﴿الْأَحْزَابَ﴾، والمفعول الثاني جملة ﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾، يعني: يظنون هؤلاء المنافقون أن الأحزاب لم يذهبوا، وهذا يدل على جُبْنِهم وخوفهم وذُعْرِهم؛ لأنه حتى بعد ذَهَاب الأحزاب وتفريقهم يظن هؤلاء المنافقون أنهم لم يذهبوا. يقول الله عز وجل: (﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾ إلى مكة؛ لخوفهم منهم، ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ﴾ كَرَّة أخرى ﴿يَوَدُّوا﴾: يتمنوا، ﴿لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ﴾ أي: كائنون في البادية، ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾: أخباركم مع الكفار). قوله: ﴿وَإِنْ يَأْتِ﴾ هذا على سبيل الفرض والتقدير، وقوله: ﴿الْأَحْزَابُ﴾ جمع حزب، وهم الطوائف الذي تَحَزَّبُوا على النبي ﷺ من قريش وغطفان وأسد وغيرهم، لو أتى هؤلاء الأحزاب مرة أخرى لَوَدَّ هؤلاء المنافقون ﴿أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ﴾، البادي هو الساكن البادية، ومنه قول النبي ﷺ: «لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٢١٥٠)، ومسلم (١٤١٣ / ٥٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]]، فبَادٍ هذه اسم فاعل، ومعناها: ساكن البادية، فيَوَدّ هؤلاء لو أنهم بَادُونَ في الأعراب، أي: ساكنون البادية، لماذا يودون أنهم ساكنون البادية؟ لأجل النجاة من هؤلاء الأحزاب. وقوله: ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾ جملة حالية من الفاعل في قوله: ﴿بَادُونَ﴾، يعني: يَوَدُّ هؤلاء المنافقون أنهم في البادية، ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾ ولا يشاركونكم في القتال، تَصَوَّرْتم المعنى الآن، فبَيَّنَ الله سبحانه وتعالى ذُعْرَ هؤلاء المنافقين من وجهين: الوجه الأول: أنهم يظنون أن الأحزاب ما زالوا باقين، مع أن الأحزاب قد انصرفوا. ثانيًا: أنه لو فُرِضَ أن الأحزاب رجعوا فإنهم يتمنون أنهم في البادية لا يلحقهم مناوشات ولا قتال، وإنما يسألون عن أنبائكم. إذن فجملة ﴿يَسْأَلُونَ﴾ نقول: إنها في موضع نصب على الحال من فاعل ﴿بَادُونَ﴾. قال الله تعالى: (﴿وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ﴾ هذه الكَرَّة ﴿مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾ رياءً وخوفًا من التعيير). يعني ﴿لَوْ﴾ هذه شرطية، وجوابها هنا مقرون بـ﴿مَا﴾، وإذا كانت (لو) الشرطية مقرونة بـ(ما) فإن الأكثر ألَّا يقترن الجواب باللام، لماذا؟ لأن (ما) للنفي، واللام للتوكيد، واجتماع حرف يدل على التوكيد مع حرف يدل على النفي فيه شيء من التعارض والتناقض، فتقول: لو جاء زيد ما كلَّمتُه، ولا تقول: لو جاء زيد لَمَا كلمته. لكن إذا كان جوابها مثبتًا فإن الكثير أن تقترن به اللام، تقول: لو جاء زيد لكلمتك، على الأكثر، ويجوز: لو جاء زيد كلمته، قال الله تبارك وتعالى في سورة الواقعة: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة ٦٥]، اقترن بها اللام، ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة ٧٠]، أما (ما) فكما رأيت الآن لا تقترن بها اللام، لكن قد تقترن بها اللام قليلًا، ومنه قول الشاعر: وَلَوْ نُعْطَى الْخِيَارَ لَمَا افْتَرَقْنَا ∗∗∗ وَلَكِنْ لَا خِيَارَ مَعَ اللَّيَالِي الشاهد قوله: لما افترقنا. يقول الله عز وجل: ﴿وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾، ﴿قَلِيلًا﴾ هنا بمعنى: إلا عدمًا، أو هي على ظاهرها أنهم يقاتلون ولكن قتالًا قليلًا، هذا هو الأقرب؛ لأن الأصل إبقاء الكلام على ظاهره، إلا أن يقوم دليل على أن ظاهره غير مراد، فهؤلاء لو كانوا فينا حينما يأتي الأحزاب لوجدتهم مِن جُبْنِهم لا يقاتلون إلا قليلًا. وفَسَّرَ المؤلف هذه القلة بأنها من أجل الرياء وخوف التأليب، يعني: يراؤون الناس بأنهم يقاتلون في سبيل الله، ويخافون من تعيير الناس لهم، فهم لا يقاتلون لتكون كلمة الله هي العليا، وهذا من أهم ما يكون، أعني إخلاص الإنسان عبادته لله سبحانه وتعالى، هذا من أهم ما يكون، ومن أشد ما يكون علاجًا على النفس؛ لأن الأعمال الظاهرة كل أحد يستطيع أن يجعلها على أحسن ما يرام، أليس كذلك؟ كل أحد يستطيع أنه يقوم يصلي بقراءة متأنية، وبركوع متأنٍّ، وبسجود متأنٍّ، وبقيام متأنٍّ، وبقعود متأنٍّ، لكن إصلاح القلب هو الصعب، ولهذا كان صلاح القلب موجِبًا لصلاح البدن، ولا عكس، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام:« «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما. ]]. فهؤلاء المنافقون ليس لديهم رغبة حقيقية في القتال الذي يرجون به إحدى الْحُسْنَيَيْن؛ إما الشهادة، وإما الظفر والسعادة، لا، لكنهم إنهم يقاتلون رياءً وخوفًا من التعيير فقط، لا لله، ومن كانت هذه نيته فإنه لن يقاتل القتال الذي ينبغي أن يكون، لأنه سيكون فاترًا، بخلاف الإنسان صاحب النية الخالصة لله عز وجل، بل سيكون لديه دافع قوي يَحْدُوه إلى العمل بما يرى أنه من طاعة الله سبحانه وتعالى. ثم قال تعالى: (﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَضَمِّها). ﴿لَقَدْ كَانَ﴾ اللام موطئة للقسم، و(قد) للتحقيق، وعلى هذا فالجملة مؤكَّدة بثلاثة مؤكدات، وهي القسم الْمُقَدَّر واللام و(قد). وقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ﴾، (كان) هذا فعل ماضٍ، وكيف يتوجه أن يكون فعلًا ماضيًا، والتأسِّي بالرسول ﷺ مستمر دائم، والمعروف أن الفعل الماضي قد انقضى زمنه؟ فيقال -والله أعلم-: لقد كان لكم في علم الله، وفي شرع الله عز وجل أسوة حسنة. وقوله: ﴿فِي رَسُولِ اللَّهِ﴾، ولم يقل: في محمد، ولم يقل: في النبي، إشارة إلى أن الأسوة فيه عليه الصلاة والسلام؛ لأنه رسول الله، فهذا الوصف يفيد العِلِّيَّة، أي أن عِلَّة الأسوة كونه رسول الله ﷺ، وإلا ما كان علينا أن نتأسى به لأنه رجل من الناس، لكن لأنه رسول الله كان لنا فيه أسوة حسنة. وقوله ﴿أُسْوَةٌ﴾ بكسر الهمزة وضمها، قراءتان سبعيتان؛ لأن طريق المؤلف رحمه الله إذا عَبَّر بمثل هذا التعبير فالقراءتان سبعيتان متساويتان، أما إذا قال: قرئ، فالقراءة الثانية شاذَّة. إذن يجوز أن أقول: إِسْوَة وأُسْوَة، وهل الأفضل أن أقتصر على واحدة من قراءاتها، أو أن أقرأ بهذه تارة وبهذه أخرى؟ سبق لنا أن الأفضل لمن عَلِمَ القراءة وتأكدها أن يقرأ بهذه تارة وبهذه أخرى، لكن لا عند العامة، لو قرأنا بهذه القراءات عند العامة حصل بذلك تشويش ورد فعل، قال: كيف هذا يغيِّر في القرآن ويُحَرِّف؟! لكن فيما بين الإنسان وبين نفسه إذا كان يعلم أن هناك قراءتين فإن من الأفضل أن يقرأ بهذه مرة وبهذه أخرى؛ لأن كلتا القراءتين ثابتة عن مَن؟ عن رسول الله ﷺ، فلا ينبغي أن نقتصر على واحدة فقط؛ لأننا إذا اقتصرنا على واحدة فقط هجرنا البقية. * طالب: العوام إذا ما قرأنا عندهم بالقراءات كيف يعرفون القراءات؟ * الشيخ: بالتعلم، إذا جاء يبغي يتعلم القراءات نعلمه، لكن رجل عامي ما يدرى عن هذه الأمور لا شك أنه يجلب عنده التشويش من جهة، ثم إنه قد يُجَرِّئه على أن يقرأ بهذه القراءة على وجه الخطأ. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، وليكن ما يضر؛ لأنه بالإجماع الاقتصار على واحدة جائز، ما هو على سبيل الوجوب، فإذا كان فِعْل القراءة الثانية إذا كان يحصل بها مفسدة فلا حرج من عدم قراءتها. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما يزول، من جهة التعبير بالماضي ما يزول، هو الإشكال التعبير بالماضي. وقوله: ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ قال المؤلف: (اقتداء به في القتال، والثبات في مواطنه)، هذا التفسير من المؤلف رحمه الله فيه نظر، أيش وجه النظر فيه؟ أنه خَصَّصَه بالقتال، والحقيقة أنه أسوة حسنة في كل ما يفعله، كل ما كان من سنته فإن لنا فيه أسوة حسنة، وقوله: ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ فيها معنيان: المعنى الأول: أن التأسِّي بالرسول ﷺ كله حسن؛ لأنه عليه الصلاة والسلام معصوم من الخطأ في التشريع، فكل تأسٍّ به فهو حسن، بخلاف التأسي في غيره، فقد يكون حسنًا، وقد يكون غير حسن. المعنى الثاني: أسوة حسنة باعتبار تأسِّينَا به، لا باعتبار ما هو عليه، والأسوة الحسنة باعتبار تأسينا به هو أن نكون موافقين له في القول والفعل والقصد الذي هو العقيدة، نوافقه في هذه الأمور الثلاثة؛ في العقيدة والقول والفعل، هذه الأسوة الحسنة، فمن وافقه في قوله دون فعله لم يَتَأَسَّ به أسوة حسنة، ومن وافقه في فعله دون قوله لم يَتَأَسَّ به أسوة حسنة، ومن تَأَسَّى في قوله وفعله دون عقيدته وقصده لم يتأسَّ به أسوة حسنة. ويدخل في الأسوة الحسنة الدعوة إلى دين الله، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لا شك أنه يدعو إلى دين الله، ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف ١٠٨]. وبهذا نعرف أنه ينبغي لطالب العلم أن يكون حركيًّا في مجتمعه، لا نسخة كتاب فقط، بمعنى أن يكون مُحَرِّكًا لضمائر الناس ومشاعرهم وتوجيههم، ويكون لديه عزيمة في إصلاح الخلق حتى لا يكون مجرد نسخة، اللي مجرد نسخة ويش الفائدة منه، يقول: والله أنا حفظت –مثلًا- متن الزاد وحفظت بلوغ المرام وحفظت المنتقى وما أشبه ذلك، لكن (...) ويش الفائدة؟! أو تقول: أبغي أجلس في بيتي إن جاء أحد يسألني علَّمته وإلا ما.. لا، يجب نبث الوعي بين المسلمين، ولا سيما في هذا الوقت في عصرنا هذا؛ لأن الناس بدؤوا يتحركون، سئموا الحياة السابقة، وصاروا يتحركون الآن، لكن يحتاجون إلى بداية ودلالة؛ لأنهم قد يتحركون إلى شيء سيئ، إنما إذا تولى طلبة العلم الذين وهبهم الله العلم توجيه الناس إلى هذه الأمور حصل في هذا خير كثير، كما كان نبينا ﷺ يفعل، فالأسوة الحسنة في الرسول يدخل فيها الدعوة إلى دين الله عز وجل. قال: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾، صار الحسنة في ذاتها وفي تطبيقها؛ في ذاتها بمعنى أن التأسي به حسن، ولا يمكن أن يكون عليه الصلاة والسلام شيء من أفعاله غير موصوف بالحسن، وحسنة في تطبيق هذا التأسي بالعقيدة والقول والفعل. لكن قال: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾، ﴿لِمَنْ كَانَ﴾ يقول المؤلف: (بدل من ﴿لَكُمْ﴾ )، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ﴾ ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ لكن لمن كان يرجو الله، فهو بدل بعضٍ من كُلٍّ بإعادة العامل، كذا؟ أجيبوا يا إخوان، بدل بعض من كل بإعادة العامل، ﴿لَكُمْ﴾ الخطاب يشمل من يرجو الله واليوم الآخر ومن لا يرجوه، و﴿لِمَنْ كَانَ﴾ يَخُصّ مَن كان يرجو الله واليوم الآخر، فهو بدل بعض من كل. وهل هو بدل بعض من كل في الذات أو في المعنى والصفات؟ إذا قلت: أَكْرِمِ القومَ بعضَهم، هذا بدل بعض من كل في الذات، لكن هنا في الذات ولَّا في الصفات؟ في الصفات، ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾، وقولنا: بإعادة العامل، وين العامل الذي أُعِيد؟ اللام، حرف الجر، فإنها موجودة في البدل والْمُبْدَل منه؛ موجودة في الْمُبْدَل منه في قوله: ﴿لَكُمْ﴾، وفي البدل في قوله: ﴿لِمَنْ كَانَ﴾. وقوله: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾ قال المؤلف: (يخاف الله). ولعل قائلًا يقول: كيف نفسر الرجاء بالخوف؟ لأن الرجاء هو طلب أو تمني ما كان قريب الحصول، فكيف نفسره بالخوف؟ يقال: إن الرجاء يطلق على الخوف، ويطلق على الأمل، فالرجاء في المحبوب، والخوف من المكروه، ولا يلزم أن يفسَّر بما فسر به المؤلف بأن المراد بالرجاء الخوف؛ لأن رجاء الله واليوم الآخر ثابت أيضًا، الذي هو تمني حصول المطلوب، فإن ما عند الله تعالى من الثواب لمن تأسوا بالرسول عليه الصلاة والسلام، يوجب الرجاء، وما في اليوم الآخر أيضًا من السعادة يوجب الرجاء أيضًا، فالذي يظهر أن المراد بالرجاء هنا معناه الحقيقي الذي هو طلب أن يأمُل الإنسان ما فيه مصلحة له وخير له. وقوله: ﴿وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ ما المراد به؟ المراد به يوم القيامة، وسُمِّيَ يومًا آخر لأنه لا يوم بعده، فإن ذلك اليوم هو آخر مراحل الخلق؛ لأن للإنسان في هذه الدنيا أربع مراحل: مرحلة في بطن أمه، ومرحلة في الدنيا، ومرحلة في البرزخ، ومرحلة رابعة يوم القيامة، أربعة دول. * طالب: (...). * الشيخ: ما فيها (...). * الطالب: (...). * الشيخ: كله ما فيه ليل ونهار؛ لأن الشمس تكوّر وتُرْمَى في النار. وقوله: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ يقرِن الله تعالى دائمًا الإيمان به باليوم الآخر كثيرًا في القرآن، ﴿آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء ٣٩]، لماذا؟ لأن الإيمان باليوم الآخر يستلزم العمل؛ لأنك إذا آمنت بأن هناك يومًا تجازَى فيه على عملك فسوف تعمل لذلك اليوم، بخلاف الإنسان الْمُنْكِر له، فالْمُنْكِر لليوم الآخر ما يعمل؛ لأنه يعتقد أن ما هناك إلا دنيا فقط، أرحام تدفع وأرض تبلع، ولا شيء، لكن إذا آمن الإنسان باليوم الآخر أوجب له ذلك أن يعمل، ولهذا يقول: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾. قال: ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ بخلاف مَن ليس كذلك، ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ﴾ الواو هنا حرف عطف، و﴿ذَكَرَ﴾ معطوف على أيش؟ ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو﴾ يعني: ولِمَن كان ذَكَرَ الله، أو معطوفة على ﴿كَانَ﴾، ﴿لِمَنْ كَانَ﴾، ولِمَن ذَكَرَ، على ﴿كَانَ﴾؛ لأن الفعل الماضي يُعْطَف على الفعل الماضي، وأيضًا إذا جعلتَه معطوفًا على ﴿كَانَ﴾ اتضح المعنى أكثر، ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾ هذا عمل قلبي، ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ﴾ عمل جوارح، يقول: معطوفة على ﴿كَانَ﴾ ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾، ولمن ﴿ذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. قوله: ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾، ﴿كَثِيرًا﴾ هذه مفعول مطلق، أي: ذِكْرًا كثيرًا، وذِكْر الله عز وجل يكون بالقلب وباللسان وبالجوارح؛ يكون بالقلب بأن يتفكر الإنسان في آيات الله، وفي أسمائه وصفاته، هذا ذِكْر بالقلب، ويكون بالجوارح باللسان كالتسبيح والتهليل والتحميد، وما أشبه ذلك، ويكون بالجوارح غير اللسان مثل الصلاة، فيها ركوع وسجود، وقيام وقعود، وهي ذِكْر. فالذِّكْر إذن يكون في القلب وفي اللسان وفي الجوارح، والإنسان العاقل الحازم المؤمن لا يزال يَذْكُر الله سبحانه وتعالى؛ لأن في كل شيء من مخلوقاته آيةً تدل على وحدانيته سبحانه وتعالى، وعلى حكمته، فأي شيء تشاهد من هذا الكون سيُذَكِّرك بالله عز وجل، كذلك بالنسبة لأعمالك إذا كنت حازمًا فإنك تستطيع ألَّا تعمل عملًا إلا كان عبادة، الإنسان الحازم يجعل من العادات عبادات، والإنسان الغافل يجعل من العبادات عادات، فإذا كان الإنسان حازمًا فإنه لن يضيع عليه لحظة من عمره، لا بد أن يستغلها في ذِكْر الله سبحانه وتعالى. هل من ذكر الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ نعم من ذِكر الله، قراءة القرآن من ذكر الله، كل قول أو فعل يقرِّب إلى الله عز وجل فإنه من ذِكر الله عز وجل. * طالب: (...). * الشيخ: ما أدري والله (...). قال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ [الأحزاب ٢٠]. * يستفاد منه: قوة جُبْن هؤلاء المنافقين، حيث يظنون أن العدو باقٍ وهو قد ذهب، أو لا؟ فإن قلت: هل لهذا شاهد؟ قلت: نعم، لو أن رجلًا جبانًا رأى أسدًا في مغارة، وذهب الأسد من هذه المغارة وأُخْرِج، فقلت لهذا الرجل الجبان: تفضل امشي من عند المغارة هذه، أيش يقول؟ يقول: لا، فيها أسد؛ لأنه جبان، فالجبان يظن أن عدوه لم يبرح مكانه ويخشى حتى مِن ظِلِّه. * يستفاد من الآية الكريمة أيضًا: أن هؤلاء المنافقين لو عاد الأحزاب مرة أخرى لوَدُّوا أنهم في الأعراب لا في المدن؛ لقوله: ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ﴾ [الأحزاب ٢٠]، وأيهما أحسن عيشًا؛ عيش البادية ولَّا عيش المدن؟ المدن، لكن لجبنهم يتمنون أن يذهبوا إلى الأعراب إلى البادية ولا يحضروا هؤلاء الأحزاب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المنافقين لا يريدون أن يشاركوا المؤمنين في معاركهم؛ لقوله: ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾، هم يحبون أن يكونوا بعيدين عن المعارك، ما يتَحَسَّسُون إلا الأخبار فقط. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المنافق لو شارك المؤمنين في القتال فإنه لن يقاتل إلا قليلًا، ﴿وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾. وهاهنا مسألة: هل يجوز لنا أن نشارك المنافقين في قتالنا إذا علمنا أنهم منافقون أو لا نشاركهم؟ لا نشاركهم؛ لأن ضررهم علينا أكثر بكثير من نفعهم، أما مَن لا نعلم حالهم فإن الأصل أن يؤاخَذ الإنسان بظاهر حاله. * طالب: (...)؟ * الشيخ: الله أعلم بما في قلبه، لكن في ظني إن ما أحد يخاف إلى هذا الحد؛ لأنه ويش بيخاف؟ غاية ما عنده القتل، وهو إذا قُتِلَ في سبيل الله خير من أن يموت على .. * طالب: (...)؟ * الشيخ: هؤلاء يمكن القط لو يتحرك خافوا منه، يجب أن الإنسان يتغلب على هذه الأشياء. * طالب: (...)؟ * الشيخ: كل خوف يمنعك من واجب فهو مذموم. * الطالب: (...). * الشيخ: لا لا، هذا ما هو بصحيح، هذا من جنس ما ورد في ثعلبة، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ [التوبة ٧٥]، هذا الخبر المشهور عند العامة الآن والذي يتحدث به كل مَن يَعِظُ الناس كذب ما هو صحيح. * طالب: (...). * الشيخ: هذا ثعلبة، يقولون: إنه رجل جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام واستأذنه أن يخرج عن المدينة لغُنَيْمَةٍ له، ولكن الرسول منعه، فأَصَرَّ وخرج، وصار يتخلَّف؛ لأنه قد عاهَد الله إن آتاه من فضله أن يتصدق ويكون من الصالحين، ثم إن الرجل نَدِمَ وجاء إلى الرسول تائبًا، ولكنه ما قَبِلَ توبته، ثم جاء إلى أبي بكر تائبًا ولم يقبل توبته، ثم جاء إلى عمر تائبًا ولم يقبل توبته، وهي مشهورة عند العامة. * طالب: (...). * الشيخ: هذه ابن حجر رحمه الله في تعليقه على تفسير الزمخشري تخريج أحاديثه يقول: إن سنده واهٍ جدًّا، وفي أحاديث الإخوان من الجامعة الإسلامية كتب تحقيقًا في هذا، رسالة، وبَيَّنَ أن هذه القصة كذب وباطلة. * طالب: (...). * الشيخ: (...) أن تصدق؛ لأن هذا بعيد أن الرجل يأتي ويتوب توبة صحيحة صادقة، ثم.. هذا ما يمكن. * طالب: (...). * الشيخ: ما ينقسم إليه إن شاء الله بالتوحيد. * * * ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب ٢١]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: وجوب التأسي بالنبي ﷺ، من أين يؤخذ ؟ من قوله: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾؛ لأن رجاء الله واليوم الآخر واجب. * ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أن محمدًا رسول الله؛ لقوله: ﴿فِي رَسُولِ اللَّهِ﴾. * ويستفاد منها: أن جميع طريق النبي عليه الصلاة والسلام حسن، ليس فيه سيئ؛ لقوله: ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. * ويستفاد منها: أن الواجب علينا أن يكون تأسينا برسول الله ﷺ تأسِّيًا حسنًا، لا غُلُوّ فيه ولا تفريط؛ لقوله: ﴿حَسَنَةٌ﴾؛ لأن الغلو زيادة، والتفريط نقصان، ودين الله عز وجل بين الغالي فيه والْمُفَرِّط فيه. * ويستفاد من الآية الكريمة: وجوب رجاء الله عز وجل واليوم الآخر، لكن شوف نقول: وجوب، من أين يؤخذ؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، ما يخالف، لكن الوجوب، يعني لو قال قائل: منين نأخذ الوجوب؟ * الطالب: (...). * الشيخ: وهي؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لأن هذا من تمام الإيمان بالرسل، نتأسى به رجاء لله واليوم الآخر. * ويستفاد منها: الإيمان باليوم الآخر؛ لقوله: ﴿وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾، وسُمِّي يومًا آخِر؛ لأنه (...) آخر أيام الدنيا، الدنيا كذا، ولَّا آخر مراحل الإنسان، آخر مراحل الإنسان كما سبق لنا في التفسير. * ويستفاد من الآية الكريمة: مشروعية كثرة الذِّكْر؛ لقوله: ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾، وقد بَيَّنَ الله تعالى في سورة آل عمران عن أولي الألباب أنهم يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم، والإنسان إما قائم أو قاعد أو على جنب، وهم يذكرون الله في كل هذه الأحوال.

الأحزاب 33:22

قال الله تعالى -مبتدأ درس اليوم-: (﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ من الابتلاء والنصر ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ في الوعد، ﴿وَمَا زَادَهُمْ﴾ ذلك ﴿إِلَّا إِيمَانًا﴾ تصديقًا بوعد الله، ﴿وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب ٢٢] لأمره). ﴿لَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ﴾ هذه ﴿لَمَّا﴾ شرطية لكنها لا تجزم، وفعل الشرط في الآية ﴿رَأَى﴾، وجوابه ﴿قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ﴾، وقد مَرَّ علينا أن (لَمَّا) تأتي في اللغة العربية على عدة وجوه، منها الشرطية كما في هذه الآية، ومنها الجازمة كما في قوله: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص ٨]، هذه جازمة، ومنها أن تكون بمعنى (إلا) كما في قوله: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤]، يعني: إلا عليها حافظ. ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ﴾، والمراد بالأحزاب هنا الأحزاب الذين تَأَلَّبُوا على النبي ﷺ من قريش وغطفان وبني أسد وغيرهم، لَمَّا رأوهم رؤية بصرية أو قلبية؟ بصرية، لما رأوهم ﴿قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، كيف وعدنا الله ورسوله، أين الوعد من الله ورسوله بأن هؤلاء الأحزاب سيأتون؟ قال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة ٢١٤]، فإن الله تعالى بَيَّنَ في هذه الآية أنهم ما يمكن أن يدخلوا الجنة إلا بعد هذه الأمور، فيكون متضَمِّنًا بوعد الله سبحانه وتعالى لهم أن يَرَوْا مثل هذه الأشياء التي تزلزلهم. يقول: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، وهذا دليل على ثباتهم وإيمانهم، وصِدْق نواياهم، لكن المنافقون تقدم أنهم كانوا يهزؤون بالرسول عليه الصلاة والسلام لَمَّا ضرب الْحَجَر الذي اعترضهم في حفر الخندق وقال: إنه رأى مدائن كسرى وقصور قيصر واليمن، أيش قالوا؟ ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب ١٢]، إيشلون هذا يبغي يملك اليمن والشام والعراق وهو الآن مضيَّق عليه هذا .. هذا كذب وليس بصحيح، لكن المؤمنين قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، عكس هؤلاء المنافقين قالوا: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾. ﴿صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ الصدق هو الإخبار بالواقع على حسب ما هو واقع، وإن شئت فقل: هو الإخبار المطابق للواقع، هذا الصدق، وضده الكذب، ويقال: صَدَقني الحديثَ، وصدَّقني الحديث، وبينهما فرق؛ صَدَقَنِي الحديث يعني: أخبرني بالصدق، وصدَّقَنِي الحديث يعني: قال: إن ما حدثته به صدق، عرفتم؟ ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران ١٥٢] أيش معنى ﴿صَدَقَكُمُ﴾؟ يعني: أخبركم بالصدق وبَيَّنَ لكم أن ما وعدكم به حق إذ أَحْسَسْتُمُوهُم بإذنه. يقول: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، في هذه الجملة ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ سِيقَ هذا الكلام على سبيل الذم ولَّا على سبيل المدح؟ على سبيل المدح، ولكنه قد يشكل عليكم كيف قَرَنَ وَعْدَ رسول الله بوعد الله بالواو، وقَرَن أيضًا صدق رسول الله بصدق الله بالواو، وقد قال النبي ﷺ لرجل حين قال له: ما شاء الله وشئت، قال له النبي ﷺ: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا»، فكيف نجمع بين هذا، وبين ما في هذه الآية؟ الجواب أن يقال: ما كان من أمور الشرع فإنه لا بأس أن يضاف إلى الله ورسوله بالواو؛ لأن ما شَرَعَه النبي عليه الصلاة والسلام فهو من شرع الله، كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]، وأما ما كان من أمور القَدَر فإنه لا يجوز أن يضاف إلى الله ورسوله بالواو، بل لا بد أن يكون بـ(ثم)، وذلك لأن قدرة الإنسان ومشيئة الإنسان تابعة لمشيئة الله وقدرته. فمثلًا تقول لرجل سألك: ما حكم كذا وكذا؟ يعني: ما حكم الصلاة جماعة، وأنت لا تدري ما حكمها، فتقول: الله ورسوله أعلم؛ لأن هذا حكم شرعي، وأما إذا كان من الأمور القَدَرِيَّة فإنه لا يمكن أن يشرك غير الله بالله بالواو، وذلك لأن مشيئة غير الله وقدرة غير الله تابعة لمشيئة الله، لا يمكن أن تكون مساوية لها. قال: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾، ﴿مَا زَادَهُمْ﴾ الفاعل في ﴿زَادَهُمْ﴾ يعود على أيش؟ يعني: رؤية الأحزاب، يعني: ما زادهم رؤية الأحزاب وتأَلُّبهم على رسول الله ﷺ، ﴿إِلَّا إِيمَانًا﴾، يقول المؤلف: (تصديقًا بوعد الله ﴿وَتَسْلِيمًا﴾ لأمره)، إيمانًا بالقلب وتسليمًا بالجوارح؛ لأن الإيمان محله القلب، والتسليم والانقياد محله الجوارح، والإنسان لا يتم دينه إلا بهذين الأمرين؛ بالإيمان والتسليم، فمَن استسلم ولم يؤمن فهو منافق، ومَن آمن ولم يستسلم فهو مُسْتَكْبِر، فإذا اجتمع في الإنسان الإيمان والتسليم صار مؤمنًا حقًّا عابدًا حقًّا. فالإنسان المؤمن لكنه ما يستسلم نقول: هذا مستكبر، والإنسان المستسلم لكنه غير مؤمن نقول: هذا منافق؛ لأن المنافقين يستسلمون ظاهرًا، ولا يتم الإيمان إلا بهذين الأمرين؛ الإيمان والتسليم، ما يتم الشرع إلا بهذين الأمرين الإيمان والتسليم. قال: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾، ﴿إِيمَانًا﴾ هذه مفعول لأجله؟ ما إعرابها؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * الطالب: (...). * الشيخ: مفعول بأيش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: مفعول أول ولَّا ثانٍ؟ * الطالب: (...). * الشيخ: مفعول ثانٍ، والمفعول الأول؟ * الطالب: (...). * الشيخ: الهاء، إي نعم، فـ(زاد) تنصب مفعولين أولهما الهاء، والثاني في هذه الآية ﴿إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾. قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ من الثبات مع النبي ﷺ. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ﴾ الجملة هذه مكوَّنة من مبتدأ وخبر، والخبر مقدَّم والمبتدأ مؤخَّر، المبتدأ قوله: ﴿رِجَالٌ﴾، والخبر ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. .. والابتداء بالنكرة ليس جائزًا، والجواب أن ابن مالك النحوي رحمه الله: وَلَا يَجُـــوزُ الِابْتِدَا بِالنَّكِرَهْ ∗∗∗ مَا لَمْ تُفِدْ كَـ(عِنْدَ زَيْدٍنَمِرَهْ) الآية التي معنا مثل هذا المثال، أو لا؟ (عند زيد نمرة)، الْمُسَوِّغ للابتداء بالنكرة هنا تأخير المبتدأ، و﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا﴾ [الأحزاب ٢٣] المسوِّغ تأخير المبتدأ، كما أن في الآية أيضًا مسوغًا آخر وهو وصف هذه النكرة؛ لأن وصف النكرة يُخَصِّصُها. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، و﴿مِنَ﴾ في قوله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ للتبعيض؛ لأنها تُقَدَّر بـ(بعض)، واختلف النحويون في (مِن) التبعيضية؛ فقال بعضهم: إنها اسم، وهي بحسب العوامل، لكن لا يظهر عليها عمل العامل؛ لأنها حرف، فينتقل العمل إلى ما بعدها. ومنهم من قال: إنها حرف جر، ولكن معناها التبعيض، وهذا هو الذي عليه أكثر أهل النحو. ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾، أيش معنى ﴿صَدَقُوا﴾؟ أي: قاموا به، كما تقول: صَدَقَنِي الوعد، يعني: وَفَى لي بالوعد، فهم وفوا بما عاهدوا الله عليه من الثبات مع النبي ﷺ، مثل مَن؟ مصعب بن عمير وغيره، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، كثير من هذا. يقول الله عز وجل: (﴿﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ ﴾: مات أو قُتِلَ في سبيل الله، ﴿﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ ﴾ ذلك، ﴿﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ ﴾ في العهد، وهم بخلاف حال المنافقين). قسم الله هؤلاء الرجال الذين صَدَقُوا ما عاهدوا الله عليه إلى قسمين: قسم قضى نحبه، يعني: قضى حياته وقُتِلَ في سبيل الله، كحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، فإنه قُتِلَ شهيدًا في سبيل الله، وكذلك بقية شهداء أُحُد، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾، ويش ينتظر؟ ينتظر القتال في سبيل الله؛ لأنه قد صدق الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد صَدَقُوا ما عاهدوا الله عليه، فهم ينتظرون أن يستشهدوا. ولكن هل يحصل لهم ذلك أو لا؟ قد يحصل، وقد لا يحصل، ولهذا يقال: إن خالد بن الوليد رضي الله عنه تأسَّف في حال مرضه أنه لم يُقْتَل شهيدًا في سبيل الله، وقال -يعني يندم إنه ما ترك معركة إلا خاضها-: «وها أنا أموت على فراشي كما يموت الحمار»[[أخرج الدينوري في "المجالسة" (٨٣٦) بسنده أن خالد بن الوليد لما حضرته الوفاة بكى، وقال: لقد لقيت كذا وكذا زحفًا، وما في جسدي شبر إلا وفيه ضربة بسيف أو رمية بسهم أو طعنة برمح، فها أنا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت العَيْر، فلا نامت أعين الجبناء. والعَيْر بفتح العين هو الحمار أهليًّا كان أو وحشيًّا.]]؛ لأنهم يريدون أن يستشهدوا في سبيل الله. قال: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ هذا المعطوف على ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ يعني: ومنهم رجال ما بَدَّلُوا تبديلًا، أيش بدلوا؟ يقول المؤلف: (في العهد)، والتبديل في العهد يشمل نَقْضَه بالكلية، ويشمل الإخلال بشيء من شروطه، يعني: يشمل نَقْضَه بالكلية وعدم الالتفات إليه، أو الإخلال بشيء من شروطه. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب ٢٣]، ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ خبر مقدَّم، ﴿رِجَالٌ﴾ مبتدأ مؤخَّر، و﴿صَدَقُوا﴾ الجملة صفة لـ﴿رِجَالٌ﴾، ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ أي: أنهم صَدَّقوا أقوالهم بأفعالهم، فالعهد الذي عاهدوا الله عليه قاموا به ووفوا به. واعلم أن معنى قوله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا﴾ أن معناها: من المؤمنين رجال عاهدوا الله فصدقوا ما عاهدوا الله عليه، وليس المعنى أن من المؤمنين رجالًا صدقوا ومنهم مَن لم يصدق حتى يتشبث به مَن سَبَّ الصحابة، أو قال: إنهم ليسوا كلهم صادقين، بل المعنى: من المؤمنين رجال عاهدوا الله فصدقوا ما عاهدوا الله عليه، بل مِن المؤمنين مَن لم يعاهد الله سبحانه وتعالى على شيء، بل هو مستمر على طاعة ربه حيث ما أُمِرَ. مِمَّنْ عاهَد الله أنس بن النضر رضي الله عنه، فإن أنس بن النضر لم يشهد بدرًا، فلما رجع النبي ﷺ من بدر قال: يا رسول الله، هذه أول غزوة قاتلت فيها المشركين، والله لئن أبقاني الله تعالى لَيَرَيَنَّ الله ما أصنع، فلما صارت غزوة أحد قاتَل رضي الله عنه حتى قُتِلَ، فكان فيه بضع وثمانون ما بين طعنة رمح، أو ضربة سيف[[أخرج البخاري (٢٨٠٥) بسنده عن أنس قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله، غبتُ عن أول قتال قاتلتَ المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني أصحابه -، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعني المشركين -، ثم تقدم. فاستقبله سعد بن معاذ فقال: يا سعد بن معاذ، الجنة ورب النضر، إني أجد ريحها من دون أحد، قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع، قال أنس: فوجدنا به بضعًا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، ووجدناه قد قُتِلَ وقد مثَّل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه، قال أنس: كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] إلى آخر الآية.]]، فصَدَقَ ما عاهَد الله عليه، هذا هو معنى الآية. فقوله: ليَرَيَنَّ الله ما أصنع، هذا عهد؛ لأنه التزام التزم به على نفسه. قال: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ [الأحزاب ٢٣]، يعني: فمن هؤلاء الذين عاهدوا الله عز وجل ﴿مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ أي: عهده والتزامه، وقيل: ﴿مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ أي: أجله، أي: مات وقُتِلَ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ [الأحزاب ٢٣]، يعني: ينتظر الموت والقتل شهيدًا في سبيل الله عز وجل. قال: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ على الثبات مع النبي ﷺ، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ مات أو قُتِلَ في سبيل الله، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ ذلك ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾، يعني: ما حصل منهم تبديل لا بالنقض بالكلية ولا بالتغيير، ولهذا قال: ﴿وَمَا بَدَّلُوا﴾، والتبديل يكون بالتَّرْك كليَّةً، ويكون بالتغيير بالنقص أو بالزيادة، ولهذا قال: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾، قال المؤلف: (وهم بخلاف حال المنافقين)؛ لأن حال المنافقين على العكس، يعاهدون الله ولا يوفون، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة ٧٥-٧٧] ، أما المؤمن فإنه يَفِي بما عاهد الله عليه. قال الله عز وجل: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب ٢٤]، ﴿لِيَجْزِيَ﴾ اللام هذه للتعليل، يعني أن الأمر يقع كذلك على الوفاء وعلى النقض، على الوفاء مِمَّن؟ من المؤمنين، وعلى النقض من المنافقين، وقع هذا ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب ٢٤]، ولولا اختلاف الناس في الأعمال ما اختلفوا في الجزاء، ولو لم يختلفوا في الجزاء ما كان لِخَلْق الجنة والنار فائدة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٨، ١١٩]، فالله عز وجل حكيم، «خَلَقَ الجنة وخلق لها سكانًا، وخلق النار وخلق لها سكانًا»[[أخرج مسلم (٢٦٦٢) بسنده عن عائشة أم المؤمنين، قالت: توفي صبي فقلت: طوبى له عصفور من عصافير الجنة، فقال رسول الله ﷺ: «أوَلَا تدرين أن الله خلق الجنة وخلق النار، فخلق لهذه أهلًا ولهذه أهلًا».]]، وسكان هذه وهذه لا بد أن يكون لهم أعمال يقومون بها حتى يستحقوا أن يكونوا من أهلها. وقوله: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾، الباء هنا للسببية وليست للعِوَض؛ لأن الجزاء على الأعمال ليس من باب المعاوضة، ولكنه من باب قَرْن الْمُسَبَّب بسببه؛ لقول النبي ﷺ: «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ»[[أخرجه مسلم (٢٨١٦ / ٧١) وأحمد (٧٤٧٨) واللفظ له من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. فالأعمال الصالحة أسباب، وإلا فلو أن الله عز وجل أراد أن يعاوِضَنَا على أعمالنا معاوضة بمعنى المعاوضة لكان لو قابلنا بنعمة واحدة من نعمه علينا ما قابلتها كل أعمالنا، ولكن الأعمال سبب. وقوله: ﴿بِصِدْقِهِمْ﴾، إذا كان الجزاء بالصدق فسيكون على حسب ذلك الصدق، فالذين صَدَقُوا ما عاهدوا الله عليه يكون جزاؤهم على صِدْقِهم بحسب ما قاموا به، فإذا كانوا أَطْوَعَ لله عز وجل وأشد تنفيذًا لأوامره وأكثر فعلًا لطاعته صار جزاؤهم أكثر، والعكس بالعكس. ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ﴾ [الأحزاب ٢٤]، المنافق مَن؟ هو الذي أظهر الإيمان وأبطن الكفر، مأخوذ من النافِقَاء وهي نافقاء اليربوع التي يجعلها في جُحْرِه، حتى إذا أتاه أحد من بابه خرج من هذه النافقاء. (﴿﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ﴾ ﴾ بأن يميتهم على نفاقهم)، أشار المؤلف في قوله: (بأن يميتهم على نفاقهم) إلى أن تعذيب المنافقين المعلَّق بالمشيئة هنا ليس المعنى أنه إن شاء عذَّبَهم وإن شاء لم يعذبهم وقد ماتوا على النفاق، لا، إذا ماتوا على النفاق فقد أخبرنا الله تعالى أنهم في الدرك الأسفل من النار، وليسوا تحت المشيئة، فيكون قوله: ﴿إِنْ شَاءَ﴾ بأن يبقوا على نفاقهم حتى يموتوا، فإذا بقوا على نفاقهم إلى الموت علمنا أن الله قد شاء تعذيبهم، أما إن هداهم الله فإن المنافقين قد يهتدون، فلهذا قال: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [الأحزاب ٢٤] بأن يوفِّقَهم للتوبة. والصواب كما مَرَّ علينا كثيرًا أن المنافق تصح توبته، وهي نص في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء ١٤٥، ١٤٦] فقوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ بأن يَمُنّ عليهم بالتوبة فيتوبوا، وحينئذ لا يُعَذَّبُون. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٢٤]، ﴿غَفُورًا﴾ هذه اسم فاعل على صيغة المبالغة، يعني: كثير المغفرة، ويجوز أن تكون صفة مُشَبَّهَة، أي: ذو مغفرة، فالصفة المشبهة أبلغ من اسم الفاعل؛ لأن اسم الفاعل يدل على الفعل، والصفة المشبهة تدل على الوصف، أي: على اتصاف مَن هو وصفه بها دائمًا. وقوله: (﴿﴿غَفُورًا﴾ ﴾ لمن تاب)، فيه شيء من النظر؛ لأن الله تعالى يغفر حتى لمن لم يتب ممن هو تحت المشيئة، كفاعل المعاصي، ولو أن المؤلف رحمه الله أبقاها على إطلاقها لكان أسلم له، فنقول: ﴿غفورًا﴾ أي: كثير المغفرة، أو: ذو مغفرة مُتَّصِفٌ بها دائمًا. وهذا أقرب كما قلت؛ لأنه يدل على الوصف الدائم، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد ٦]. وقوله: (﴿﴿رَحِيمًا﴾ ﴾ به)، يقول: (به) أي: بمن تاب. والصواب أنه رحيم بِمَن تاب وبغيره، وأن رحمة الله عز وجل بالمعنى العام تشمل المؤمن والكافر، والبَرّ والفاجر، وكل أحد فإنه داخل في رحمة الله، هذا بالمعنى العام، أما المعنى الخاص فإن الرحمة تختص بالمؤمنين. قال الله عز وجل: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ [الأحزاب ٢٥]، رَدَّهُم أي: أرجعهم على أدبارهم خائبين. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: الأحزاب من قريش وغيرهم. وقوله: ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾ الباء هنا للملابسة، أي: مُتَلَبِّسِين بالغيظ، فالجارّ والمجرور في موضع نصب على الحال، يعني أنهم رجعوا مُغْتَاظِين غاية الغيظ، ووجه اغتياظهم أنهم جاؤوا بهذا الجمع الكثير الذي لم يُشْهَد له نظير في ذلك الوقت، يريدون ماذا ؟ يريدون القضاء على النبي ﷺ، ومع ذلك ما الذي حصل لهم؟ حصل لهم التعب والعَنَت والجوع والبلاء، وآخر الأمر أن رجعوا هاربين، ولا شك أن مثل هذا سوف يؤثر على الإنسان، سوف يملأ قلبه غيظًا وحسرة وندمًا، كيف يأتي بهذا الجيش الذي جمعه لهم وأبدأ فيه وأعاد، وآخر الأمر أن ينقلب ولا يكون معركة، ولهذا قال: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾، خيرًا منين؟ خيرًا لا من أمر الدنيا ولا من أمر الآخرة؛ أما أمر الآخرة فإنهم لم ينالوا خيرًا؛ لقتالهم للنبي ﷺ على كل حال، وأما أمر الدنيا فالذي يرونه هم خيرًا لأنفسهم فهل نالوه؟ لا، فهم ما نالوا خيرًا لا في الدين ولا في الدنيا ولله الحمد، حتى ما يظنونه خيرًا من هزيمة رسول الله ﷺ والقضاء عليه وعلى أصحابه ما حصل لهم ذلك، ﴿لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾. وقوله: ﴿خَيْرًا﴾ نكرة في سياق النفي، ﴿لَمْ﴾ فتفيد العموم، يعني: ما نالوا أي خير لا قليلًا ولا كثيرًا، وهذه من نعمة الله عز وجل. وأضاف الله الرد إلى نفسه: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لأن رجوعهم ليس بحول النبي ﷺ ولا قوته، ولا بحول أصحابه ولا قوتهم، ولكنه بحول الله تعالى وقوته، ولهذا قال: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب ٢٥]. يقول المؤلف: (﴿﴿لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ ﴾ مرادهم من الظَّفَر بالمؤمنين). ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾، الحمد لله، ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾، يعني: أن الله أراح المؤمنين من القتال فلم يقاتلوا، وأما ما حصل من المناوشات التي حصلت لبعض الصحابة مع بعض المشركين فهذا لا يُعَدّ قتالًا؛ لأن الكلام على الجيش كله جمعاء، فإنه لم يحصل فيه قتال، ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ وهو نِعْم الْحَسْب، وهو الكفيل سبحانه وتعالى، قال: (بالريح والملائكة)، الريح سبق أن الله تعالى أرسل عليهم الريح الشرقية باردة شديدة، وأنها كفأت قُدُورَهم، وزلزلت خيامهم، ورَمَتْهُم بالحجارة تحملها الرياح مع البَرد الشديد، حتى كانوا يصطلون بالنار ويقولون: النجا النجا، فهذه الريح، أما الملائكة فإن الله سبحانه وتعالى سَلَّطَ الملائكة عليهم بأن تلقي في قلوبهم الرعب والفزع والخوف، وتَحُوشَهم حتى ينصرفوا من المكان، وهذا من نصر الله عز وجل للرسول ﷺ. (﴿﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ ﴾ [الأحزاب: ٢٥] على إيجاد ما يريده، ﴿﴿عَزِيزًا ﴾ ﴾ غالبًا على أمره). ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا﴾ القوة صفة يتمكن بها القوي مِن فِعْل ما يريد بدون ضعف، وهي أعلى من القدرة؛ لأن القدرة صفة يتمكن بها القادر مِن فِعْل ما يريد بدون عجز، فالقوة أعلى، وانظر إلى رجلين حَمَلَا صخرة، فأحدهما حَمَلَهَا لكن مع نوع من المشقة، فنقول: هذا قادر ولكن ليس بقوي، والآخر حَمَلَهَا وكأنها شيء بسيط، نقول: هذا قوي. وقوة الله عز وجل لا منتهى لها، ولا مقياس لها، بل هو فوق ما يتصوره الإنسان، لَمَّا قالت عادٌ: ﴿من أشد منا قوة﴾ قال الله عز وجل: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت ١٥، ١٦]. وأما قوله: ﴿﴿عَزِيزًا﴾ ﴾ يقول: (غالبًا على أمره)، العزيز من أسماء الله تعالى له ثلاثة معانٍ: عزيز القدر، وعزيز القهر، وعزيز الامتناع. أما عزيز الامتناع فمعناه أنه يمتنع أن يناله سبحانه وتعالى سوء أو نقص في جميع صفاته وجميع أفعاله. وأما عزة القدر فمعناه أنه ذو قَدْر عظيم رفيع، مثلما تقول: فلان عزيز النفس؛ يعني له عزة وتَرَفُّع عن الدنايا. وأما عزة القهر فتأتي معناها الغلبة، فمعناها أنه غالب على كل شيء، حتى في الجاهلية يقول الشاعر: أَيْنَ الْمَــــفَرُّ وَالْإِلَهُ الطَّـــالِـــبُ ∗∗∗ وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ لَيْسَالْغَالِبُ فالله عز وجل هو الغالب على أمره، وهو غالب على كل شيء، لا شيء يكون أمام غلبته، فصار العزيز له ثلاثة معانٍ: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع، وكلها ثابتة لله عز وجل. قال: (﴿﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ ﴾ أي: قريظة، ﴿﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ ﴾ حصونهم، جمع صِيصَة؛ وهو ما يُتَحَصَّنُ به، ﴿﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ ﴾ [الأحزاب: ٢٦]). ﴿أَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾، ﴿أَنْزَلَ﴾ الضمير يعود على مَن؟ على الله، وقوله: ﴿الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ﴾ أي: أعانوهم وساعدوهم، والمظاهرة بمعنى المساعدة، وتظاهَر على كذا، تظاهر أي: تساعد وتساند عليهم، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ﴾ [التحريم ٤]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨]، يعني: مساعدًا ومُعِينًا. وقوله: ﴿ظَاهَرُوهُمْ﴾ أي: أعانوهم وساعدوهم من أهل الكتاب. وقوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ المراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى، لكن المراد بهم هنا في الآية طائفة من اليهود، وهم بنو قريظة، وسبق أن بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع ثلاث قبائل من اليهود قَدِمَ النبي ﷺ المدينة وهم ساكنون فيها، فأجرى بينهم وبينه عهدًا، ولكنهم نقضوا ذلك العهد، ولم يَبْقَ إلا بنو قريظة، ثم إن بني قريظة نقضوا العهد بمساعدتهم مَن؟ الأحزاب على رسول الله ﷺ. ولما رجع النبي ﷺ من الأحزاب ودخل بيته واغتسل جاءه جبريل وقال له: «اخرج إلى هؤلاء، يشير إلى بني قريظة، فإنهم نقضوا العهد، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه بالخروج، وقال: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ»[[أخرج البخاري (٢٨١٣)، ومسلم (١٧٦٩) بسنده عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله ﷺ لما رجع يوم الخندق ووضع السلاح واغتسل فأتاه جبريل وقد عصب رأسه الغبار، فقال: وضعت السلاح؟ فوالله ما وضعته، فقال رسول الله ﷺ: «فأين»، قال، هاهنا، وأومأ إلى بني قريظة... الحديث. وانظر الثقات لابن حبان (١ / ٢٧٤).]]. ما توانى الصحابة رضي الله عنهم ولا تأخروا، مع ما هم فيه من التعب والضعف، فخرجوا فحاصَروا بني قريظة لمدة نحو عشرين يومًا، حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه. يقول الله عز وجل هنا: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾، ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ جارّ ومجرور متعلِّق بـ﴿أَنْزَلَ﴾ يعني: أنزل هؤلاء من صياصيهم، أي: من مَآمِنِهم، والأصل في صياصي حظائر البقر؛ لأنها تُؤَمَّن فيها، فـ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ يعني: من مَآمِنِهم وحصونهم التي يُتَحَصَّن فيها، ولكن ذلك لم يُغْنِهِم من الله شيئًا، أنزلهم من صياصيهم. ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾، ﴿قَذَفَ﴾ بمعنى: رمى، وهو أشد وقعًا من قوله: وضع، يعني لو قال: وضع في قلوبهم الرعب، أفاد أن الرعب صار في القلوب، لكن إذا قال: ﴿قَذَفَ﴾ صار أشد، والرعب بمعنى الخوف، وإذا وقع الخوف في القلب فلا تسأل عن الخائف، يظن أن الشجر نَفَر، لا يتصور الأمور على حقائقها، حتى لو ناداه أحد من أصحابه ظن أنه عدوه يناديه ليقتله، ولا أشد من سلاح يفتك بالعدو من الرعب، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.]]. أما إذا ثبت القلب واطمأن فإن المقاتل سيثبت، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال ٤٥]، وذِكْر الله تعالى تطمئن به القلوب، ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد ٢٨]. وأخبر الله عز وجل أن الله أنزل على أهل بدر المطر ليُثَبِّت به الأقدام، وتكون به السكينة. فالحاصل أن الرعب من أشد الأسلحة فتكًا بالعدو. ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾، قال المؤلف: (﴿﴿فريقًا﴾ ﴾ تقتلون منهم، وهم المقاتلة، ﴿﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ ﴾ منهم، أي: الذراري). هم لما طال بهم الحصار ونزلوا على حكم الرسول عليه الصلاة والسلام خَيَّرَهم قال: «مَنْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِهِ»[[أخرج البخاري (٦٢٦٢)، ومسلم (١٧٦٨ / ٦٤) بسندهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن أهل قريظة نزلوا على حكم سعد، فأرسل النبي ﷺ إليه فجاء، فقال: «قوموا إلى سيدكم»، أو قال: «خيركم»، فقعد عند النبي ﷺ فقال: «هؤلاء نزلوا على حكمك»، قال: فإني أحكم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبي ذراريهم، فقال: «لقد حكمت بما حكم به الملك».]]، قالوا: نريد أن ننزل على حكم سعد بن معاذ، وكان سعد بن معاذ رضي الله عنه حليفًا لهم، فظنوا أنه سيفعل مثلما فعل عبد الله بن أُبَيّ لحلفائه من اليهود حين شفع فيهم إلى رسول ﷺ وتركهم، لكن سعدًا رضي الله عنه لما جاء وكان في خيمة له في المسجد؛ لأنه أصيب في الأحزاب بأَكْحَلِه، وضرب له النبي ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب؛ لأنه سيّد قومه، سيد الأوس. جاء على حِمَار من مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام إلى مكان الحصار، فأخبره النبي عليه الصلاة والسلام بأنهم حَكَّمُوه، فقال: حُكْمِي فيهم نافذ؟ ويشير إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، ويشير إليهم أيضًا، قالوا: نعم، كلهم رضوا، النبي عليه الصلاة والسلام رضي، وكذلك هؤلاء اليهود رضوا، فقال: لقد آنَ لسعد ألَّا تأخذه في الله لومة لائم، هذا مقام محنة عظيمة، فحكم فيهم رضي الله عنه بِحُكْم عظيم، حكم صواب مطابق للحق، «قال: أحكم بأن تُقْتَل مقاتلتهم، وتُسْبَى ذريتهم، وتُغْنَم أموالهم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ»[[السابق، وانظر سيرة ابن هشام (٢ / ٢٤٠).]]. ثم أمر النبي عليه الصلاة والسلام بأن تُقْتَل مقاتلتهم، وهم الرجال البالغون، وأما الذراري من النساء والرجال غير البالغين فإنها تُسْبَى، والأموال تُغْنَم، فقتلوا في المدينة ما بين السبع مئة إلى ثمان مئة قُتِلُوا في يوم واحد بناء على حكمٍ هم الذين رضوا به، فهذا هو معنى قوله: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾، هنا قدَّم المفعول في قوله: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾، وأَخَّر المفعول في قوله: ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾، فهل الفائدة من ذلك مراعاة الفواصل فقط، فتكون الفائدة لفظية، ولَّا هناك فائدة معنوية؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، بل الأمران. * الطالب: الفريقان بينهم اختلاف، ليسوا سِيَّان. * الشيخ: كيف ذلك؟ * الطالب: الفريقان بينهم اختلاف، الفريق الأخير يعني النساء، والأول الرجال فقط. * الشيخ: لا. * الطالب: لأن الأول هم الرجال يعني، والثاني: الذين لا يقاتلون. (...). * الشيخ: إي نعم، هذا هو الظاهر؛ لأن الحكم الأول أشد وأبلغ، فلهذا قُدِّمَ مفعوله ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾، والثاني دون ذلك؛ لأن الأسير ربما يُمَنَّ عليه بإطلاقه، فقال: ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾، هذا مع مراعاة اللفظ الذي هو مراعاة الفواصل؛ فواصل الآيات، ولهذا قال تعالى في سورة البقرة: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ [المائدة ٧٠]، أو ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة ٨٧]، لما كان التكذيب للرسل شديدًا قَدَّمَ فيه المفعول كما قَدَّمَ المفعول في قتلهم، فهذه قصة الأحزاب انتهت على قوله: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ [الأحزاب ٢٧] بعد، وهي خيبر، وأُخِذَت بعد قريظة، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب ٢٧]. ﴿أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾، هذه تنصب مفعولين؛ المفعول الأول: الكاف، والثاني: أرضهم، ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾، ﴿وَدِيَارَهُمْ﴾ كيف الأرض والديار، بينهما فرق؟ الديار جمع دار، وهي المساكن والأحياء، وأما الأرض فهي أعمّ من ذلك، والأموال هي الأمتعة والدراهم والدنانير، وغير ذلك. ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ يعني: ما وطأتموها حتى الآن، ولكنكم سترثونها، وهي أرض خيبر، فإن النبي ﷺ فتحها بعد ذلك في السنة السادسة، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ فلا يعجزه شيء. وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ قدَّم المفعول لتحقق وقوع الفعل به، ولهذا قال: ﴿كَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾، ولا تقل كما يقول بعض الناس: إنه على ما يشاء قدير؛ لأنك إذا قلت: على ما يشاء قدير، خَصصت قدرته بما يشاء، مع أن القدرة تُعَلَّق بالذي شاءه والذي لم يشأه، حتى الذي لم يشأه هو قادر عليه، والله أعلم . قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٢٦٢)، ومسلم (١٧٦٨ / ٦٤) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]]، فقاموا إلى سيدهم سعد بن معاذ وأنزلوه من حماره، وجلس أمام النبي ﷺ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ هَؤُلَاءِ رَضُوا بِأَنْ يَنْزِلُوا إِلَى حُكْمِكَ»[[أخرج البخاري (٦٢٦٢)، ومسلم (١٧٦٨ / ٦٤) بسندهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن أهل قريظة نزلوا على حكم سعد، فأرسل النبي ﷺ إليه فجاء، فقال: «قوموا إلى سيدكم»، أو قال: «خيركم»، فقعد عند النبي ﷺ فقال: «هؤلاء نزلوا على حكمك»، قال: فإني أحكم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبي ذراريهم، فقال: «لقد حكمت بما حكم به الملك».]] »، فقال لهم، فالتفت إليهم: أرضيتم بذلك وحكمي نافذ؟ قالوا: نعم، فالتفت إلى الجانب الآخر فيه المسلمون، فقال: أترضون بهذا؟ قالوا: نعم، إلا أنه لما اتجه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام خفض رأسه إجلالًا لرسول الله ﷺ، فحكم هذا الْحُكم الذي أيَّدَه النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: «إِنَّهُ حُكْمُ اللهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ»[[السابق، وانظر سيرة ابن هشام (٢ / ٢٤٠).]] »، وكم كان عدد هؤلاء؟ * طالب: (...). * الشيخ: قالوا: لما رأوا الأحزاب قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب ٢٢]، وكان مقتضى الحال أن يلحقهم الخوف والذُّعْر كما حصل للمنافقين. * ومن فوائدها: كمال تصديقهم لله ورسوله في قولهم: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب ٢٢]، فهم شاهدوا ما وعد الله، ثم أظهروا الإيقان بذلك بألسنتهم؛ لقولهم: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾. استدل بعض الْجُهَّال بهذه الآية على مشروعية ختم القرآن بقولهم: صدق الله، فقالوا: كيف تُنْكِرُون علينا إذا أكملنا القراءة وقلنا: صدق الله العظيم، مع أن الله يقول: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، ويقول: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ [آل عمران ٩٥]؟ فما هو الجواب عن هذه الشبهة؟ * طالب: الجواب أنه لم يقل: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ عند انتهاء التلاوة (...). * الشيخ: إي نعم، نقول: نحن لا ننكر أن يقول أحد: صدق الله ورسوله، بل نرى أنه من الإيمان أن يقول الإنسان: صدق الله ورسوله، وأن مَن لم تكن عقيدته هذه فهو كافر، لكننا ننكر أن نجعل هذا الثناء على الله عز وجل عند الانتهاء من التلاوة مع أنه لم يَرِد، فهل نحن أعلم بشريعة الله من رسول الله؟ وهل نحن أحرص منه على تطبيق شريعة الله؟ أبدًا، فإذا لم يكن كذلك فإن الواجب علينا أن نَحْذُوَ حَذْوَه، فإذا كان يقول عند انتهاء تلاوته: صدق الله، فإننا نقولها على العين والرأس، وإذا كان لا يقولها فلا نقولها. ونقول لهم: إذا كنتم تعتقدون مشروعية ذلك فقولوها أيضًا في الصلاة، إذا انتهيتم من القراءة في الصلاة قبل أن تكبروا قولوا: صدق الله؛ لأن التلاوة في الصلاة أفضل منها خارج الصلاة، المهم أنه لا دليل لهؤلاء في مثل هذه الآية. * من فوائد الآية الكريمة: أن المؤمن يزداد إيمانًا عند رؤية الآيات الكونية أو الشرعية؛ لقوله: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب ٢٢]. * ومن فوائدها: تقرير أو صحة مذهب أهل السنة والجماعة الذين يقولون: إن الإيمان يزيد وينقص، كذا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: وقد ذكرنا أن زيادة الإيمان باعتبارات؛ باعتبار قوة اليقين، وباعتبار صحة العمل، وباعتبار الإخلاص فيه، وباعتبار المتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام، وباعتبار العامل نفسه، كل هذه الاعتبارات يزيد بها الإيمان، ما هو الأول؟ اعتبار قوة اليقين، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠]، أليس الخبر كالمعاينة؟ لو أخبرك مَن تثق به تمام الثقة عن وجود شيء آمنت به، لكنك إذا رأيته بعينك صار ذلك أقوى إيمانًا (...) اعتبار تفاضل العمل. فهذا نقصٌ بترك العمل فيلزم منه الزيادة، لماذا؟ لكثرة العمل. وثالثًا: بحسب الإخلاص في العبادة، كلما كان الإنسان في العبادة أخلص لله كان زيادة الإيمان بها أكمل وأقوى، ولهذا تجد الفرق إذا عَبَدْتَ الله عز وجل بإخلاص، وإذا عبدته بغفلة تجد الفرق العظيم بتأثر قلبك، مع أن العبادة واحدة، فكيف إذا عبدت الله تعالى برياء وسمعة -نسأل الله أن يحمينا وإياكم من ذلك- يكون أشد وأشد في عدم تأثر القلب بهذه العبادة، بالمتابعة أيضًا باعتبار متابعة الإنسان للرسول عليه الصلاة والسلام، كلما ازداد الإنسان اتباعًا للرسول ﷺ في عبادته ازداد إيمانه بذلك؛ لأنه عندما يزداد اتباعًا للرسول عليه الصلاة والسلام يشعر كأن الرسول ﷺ أمامه يتابع أَثَرَهُ، وهذا لا شك أنه يزيد في الإيمان. والخامس: باعتبار حال العامل، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١ / ٢٢٢) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]]، يعني: الصحابة رضي الله عنهم؛ لأنهم أقوى إيمانًا ممن بعدهم، وأشد ثباتًا. والحاصل أن الإيمان زيادته لها عدة اعتبارات، ومنها أيضًا السادس: ترك المعاصي خوفًا من الله، فإن الإيمان يزداد به، وسيأتينا إن شاء الله تعالى في كتاب التوحيد شرح ذلك على وجه أكمل. المهم أن أهل السنة والجماعة يقولون: إن الإيمان يزيد وينقص، وقالت المرجئة: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ليش؟ قالوا: لأن الإيمان في القلب، والأعمال الصالحة ما لها دخل بالإيمان، وما في القلب لا يتفاوت، فنحن الآن نؤمن بالشمس جميعًا، إيماننا بالشمس على حد سواء ما يتفاوت، فالناس كما قال ابن القيم عنهم: النَّاسُ فِي الْإِيمَانِ شَيْءٌ وَاحِدٌ ∗∗∗ كَالْمُشْطِ عِنْدَ تَمَاثُلِ الْأَسْنَانِ وهذا القول لا شك أنه خطأ يرده الواقع والشرع، وقالت الخوارج والمعتزلة: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، إما أن يوجَد جملة كاملًا، وإما أن يُعْدَم بالكلية؛ لأنهم يقولون: إن فاعل الكبيرة خارج عن الإيمان، فإما كافر، وإما في منزلة بين منزلتين، فالخوارج يقولون: فاعل الكبيرة كافر، ما عنده إيمان أبدًا، والمعتزلة يقولون: لا إيمان عنده، لكن لا نقول: إنه كافر، بل هو في منزلة بين منزلتين، ومَن لم يكن فاعل كبيرة فالناس في الإيمان سواء، كلهم على حد سواء، فالذين لا يرون زيادة الإيمان ولا نقصانه طائفتان؛ إما مرجئة، أو وَعِيدِيَّة وهم الخوارج، ومَن؟ والمعتزلة. وقال بعض أهل السنة كمالك رحمه الله قال: الإيمان يزيد، ولا نقول: ينقص؛ لأن زيادة الإيمان في القرآن والسنة كثيرة، ولكن ما فيه نقص، ما فيه ذِكْر نقص الإيمان، ولكن قوله رحمه الله ضعيف؛ لأن في السنة: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ»[[أخرجه البخاري (٣٠٤) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، ومسلم (٧٩ / ١٣٢) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]]، والإيمان بلا شك من الدين، فيكون داخلًا في هذا الحديث. وأيضًا فإن الزيادة والنقصان من الأمور المتقابلة التي إذا وُجِدَ أحدها انتفى الآخر، ولا يُعْقَل وجود أحدهما إلا بوجود الآخر، فمثلًا الزيادة ما تُعْقَل إلا بنقص، فنقول له: أنت تقول: إن فلانًا أزيد إيمانًا من فلان، معنى ذلك أن الْمَزِيد عليه ناقص، ولا يُتَصَوَّر غير هذا. والصواب أن الإيمان يزيد وينقص، وأسباب زيادته ونقصانه كما شرحنا قبل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الناس يختلفون في الانقياد والتسليم كما يختلفون في الإيمان زيادةً ونقصًا؛ لقوله: ﴿إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾؛ لأن عامة المؤمنين كلهم منقادون للشرع، لكن منهم مَن ينقاد بطمأنينة وانشراح، وقبول ومحبة، ومنهم مَن يُسَلِّم على وجه دون ذلك، ومنهم مَن يأتي إلى الصلاة –مثلًا- وهو يرى أنها نعمة من الله عز وجل، ويأتي إليها مُقْبِلًا غير مُدْبِر، نشطًا منشرح الصدر، محبًّا لها، ينتظر الصلاة بعد الصلاة بفارغ الصبر، ومنهم أناس بالعكس، يأتون إلى الصلاة لا يتخلفون، لكن ببطء وتثاقل، وعدم انقياد تامّ، أليس كذلك؟ إذن الناس يختلفون في التسليم، ولهذا قال: ﴿إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن التأمل في الآيات ووضوح الآيات للعبد تزيد في إيمانه وتسليمه؛ لقوله: ﴿وَمَا زَادَهُمْ﴾، أي: ما رأوه من الأحزاب، ﴿إِلَّا إِيمَانًا﴾ بالله، ﴿وَتَسْلِيمًا﴾ لشرعه. مَن يبغي يسأل؟ * طالب: (...) أو أن ايمان الانسان ناقص؟ * الشيخ: إي، فيه صريح من الإيمان ينقص. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، لكنه ناقص بالنسبة للرجال. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، إنه يزيد وينقص، الرسول أثبت نقصانه. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، أبدًا ما هو بدرجات، هذا النقصان يختلف حتى بالنسبة للنساء اللي هي ناقصات، ففيه إثبات أصل النقص بالنسبة للرجال؛ لأنهن لا يصلين ولا يَصُمْن، ثم هنّ بأنفسهن ما دام تَرْك الصلاة نقصًا كلما كان قيامهن بالصلاة أكمل كان إيمانهن أكمل. * طالب: (...). * الشيخ: بدليل، يعني: لو لم تصل المرأة إلا أربع صلوات كانت أنقص ممن تصلي خمسًا؛ لأنه ما دام عرفت أن النبي عليه الصلاة والسلام أصلًا جعل ترك الصلاة نقصًا، فترك بعض الصلاة أيضًا نقص. ثم قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب ٢٣]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: الثناء على أولئك المؤمنين الذين عاهَدُوا الله فصَدَقُوه، وجه ذلك: السياق: ﴿رِجَالٌ﴾، فإن ﴿رِجَالٌ﴾ نكرة للتعظيم، رجال عظماء صدقوا ما عاهدوا الله عليه. * ومن فوائدها: أن أولئك الذين صَدَقُوا ما عاهدوا الله منهم مَن تُوُفِّي واستشهد، ومنهم مَن بقي، وقد ذكرنا مثلًا لمن استشهد، مَن؟ أنس بن النضر رضي الله عنه، فإنه استشهد في أُحُد ووُجِدَ فيه بضع وثمانون ضربة. * ومن فوائدها أيضًا: أن الله أثنى على هؤلاء أنهم أتوا بما عاهدوا الله عليه على وجه الكمال بدون نقص ولا تغيير؛ لقوله: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾. * ومن فوائدها: أن مَن مات سابقًا ومَن مات لاحقًا إذا كانَا سواء فيما قامَا به مما يجب فإنه لا فرق بين المتقدم والمتأخر، كما قال: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾، وجعل الثناء عليهم واحدًا، لكن في الأعمال الأخرى مَن تأخر موته فازداد عملًا صالحًا فهو أكمل من الأول، ولكنه بالنسبة لما اتفقَا فيه من العمل الصالح لا فرق بين الأول والآخر. ثم قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٢٤]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: بيان حكمة الله عز وجل في المجازاة على العمل؛ لقوله: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ﴾. * ومن فوائدها: أن الجزاء من جنس العمل؛ لقوله: ﴿بِصِدْقِهِمْ﴾، فإن الباء للسببية، والْمُسَبَّب مربوط بالسبب، يقوى بقوته ويضعف بضعفه، ويزداد بزيادته وينقص بنقصانه. * ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على الصادقين، وأنهم أهل للجزاء الحسَن؛ لقوله: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾؛ الصادقين في العقيدة وفي القول، أيش بعد؟ وفي العمل، وقد أمر الله بالصدق، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة ١١٩]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام حَاثًّا على الصدق: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٩٤)، ومسلم (٢٦٠٧ / ١٠٣) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.]]. والصدق كما أنه محل ثناء من الله عز وجل، ومحل ثواب جزيل، فإنه محل ثناء من الخلق، ولهذا تجد الصادقين تُنْشَر آثارهم، وتُؤْثَر أقوالهم، ويُثْنَى عليهم في المجالس حتى بعد موتهم، بخلاف أهل الكذب -والعياذ بالله- والنفاق، فإنهم على العكس من ذلك، فعليك بالصدق، ولا تظن أن الصادق يَخِيبُ أبدًا، كما يصوِّر الشيطان أحيانًا للإنسان أنه لو صَدَق لكان في ذلك ضرر عليه، فليكن كاذبًا، أو فليكذب، فإن هذا من وساوس الشيطان، فالصدق مَنْجَاة، ولهذا قال أحدهم: رأيت في الكذب نجاةً، فقال الثاني له: فالصدق أَنْجَى، وصدق. واعلم أن الصادق وإن كان قد يكون الأمر مُرًّا عليه في أول أمره، لكنه تكون العاقبة له في النهاية، وإذا أردت مثلًا على ذلك فانظر إلى حال الثلاثة الذين خُلِّفُوا في غزوة تبوك، كيف كان أول أمرهم؟ كانوا في تلك المرارة العظيمة، حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم، وتَنَكَّرَت الأرض لهم. حتى يقول كعب بن مالك: «حتى كأن الناس الذين على الأرض كأنهم ليسوا هم الناس الذين أعرفهم»[[أخرج أحمد (٢٧١٧٥) بسنده عن كعب بن مالك قال: ... فجعلت أخرج إلى السوق فلا يكلمني أحد، وتنكَّر لنا الناس، حتى ما هم بالذين نعرف، وتنكّرت لنا الحيطان التي نعرف حتى ما هي الحيطان التي نعرف. الحديث.]]، ضاقت عليه الأرض، والنتيجة أنه نزلت فيهم آيات تُتْلَى إلى يوم القيامة، لولا هذا الصدق ما بقيت هذه الآيات، حتى قيل للناس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، عندما ذكرت قصتهم، هذه نهاية عظيمة جدًّا للصادقين، فأنت اصدق وإن حصل عليك ضرر في أول أمرك، لكن العاقبة لك، لا تُعَوِّد نفسك الكذب، ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾. * ويستفاد من الآية الكريمة: ذم النفاق وأنه سبب للعذاب؛ لقوله: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ﴾. * ويستفاد منه: أن المنافِق له توبة؛ لقوله: ﴿إِنْ شَاءَ﴾، فإنه يشاء أن يُعَذِّبهم إذا ماتوا على النفاق، أما إذا تابوا فقد شاء ألَّا يعذبهم، ولكنكم كما سمعتم التفسير على هذه الآية توبة المنافق ذُكِرَ فيها شروط لا بد من مراعاتها، ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ [النساء ١٤٦]، لا بد أن تظهر هذه الأمور على المنافق، وإلا فإن توبته لا تُقْبَل في الدنيا، أما في الآخرة فأَمْرُه إلى الله، لكن في الدنيا ما نقبلها إلا إذا ظهرت عليه هذه الأوصاف التي اشترطها الله عز وجل. * ويستفاد من ذلك: ترغيب المنافق بالتوبة؛ لقوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾، منافق خَادِع خاذِل ماكِر، ومع ذلك يقال له: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾، وهذا دليل على أن رحمة الله تعالى سبقت غضبه، ولهذا أولئك الذين يعذِّبون أولياءه ويحرقونهم بالنار يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج ١٠]، وكذلك الذين قالوا ﴿إن الله ثالث ثلاثة﴾ عرض الله عليهم التوبة، كل هذا دليل على أن الله سبحانه وتعالى يحب العفو أكثر من الانتقام. * ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: الغفور والرحيم، وما تَضَمَّنَاه أيضًا من الصفتين، وهما المغفرة والرحمة، وما يتعلق بهما من حكم وأَثَر، وهو أنه يغفر ويرحم، فالاسمان هذان الكريمان الغفور الرحيم من الأسماء المتعدية التي لا يتم الإيمان بها إلا بأمور ثلاثة، وهي؟ * طالب: (...) * الشيخ: لا. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، صح، أسماء الله تعالى نوعان: مُتَعَدٍّ ولازم، فالمتعدي لا يتم إيمانك به إلى بأمور ثلاثة: أن تؤمن به اسمًا لله، وأن تؤمن بما تضمنه من صفة، والثالث: أن تؤمن بما تضمَّنَه من الحكم والأثر؛ الغفور تؤمن بأن الغفور من أسماء الله، وأنه تعالى ذو مغفرة، والثالث: وأنه يغفر، ومثله الرحيم. النوع الثاني: إذا كان غيرَ متعدٍّ فلا يتم الإيمان به إلا بأمرين: الإيمان به اسمًا من أسماء الله، والثاني: الإيمان بما تضمنه من الصفة، مثل: العَلِيّ، العظيم، الكريم، وما أشبه ذلك، وربما نقول: إن الكريم من النوع الأول. في الآية إشكال ما أدري هل أوردتُه وأجبتُ عنه، وهو قوله: ﴿وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، ﴿كَانَ اللهُ﴾ يعني: والآن؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، لكن كيف نجيب عن قوله: ﴿كَانَ اللهُ﴾؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، ما للاستمرار، (كان) ما تأتي للاستمرار في حد ذاتها. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، أنا قلت محقق أن الله كان غفورًا رحيمًا، لكن (كان) فبانَ. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، نقول: إن (كان) يراد بها أحيانًا اتصاف اسمها بخبرها، بقطع النظر عن الزمن، وهو ما تُعْرَف بمسلوبة الزمن، يعني: ما يراد بها الزمن إطلاقًا، بل يراد بها تحقُّق هذا الوصف، (كان) يعني: ثَبَتَ، عرفتم؟ فــ﴿كَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يعني: أنه عز وجل لم يَزَل ولا يزال كذلك غفورًا رحيمًا، أظن ما يمكن أن نكمل.. * طالب: يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ﴾، هذا ثناء من الله سبحانه وتعالى على المؤمنين أنهم رجال (...)؟ * الشيخ: قد نقول –مثلًا-: إن الرجال حصل الثناء بالتنكير الدالّ على التعظيم، أما مجرد كلمة (رجال) فتُطْلَق على المؤمن وغير المؤمن. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، لكني ما أذكره الآن، العدد هو أربعة أو خمسة. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، كانوا منافقين فمَنَّ الله عليهم فتابوا من النفاق، لو رجعت إلى التفسير ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ [التوبة ٦٦] تجد فيها هذا. * فيستفاد من هذه الآية الكريمة: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى، حيث رد هذه الأحزاب الكثيرة العظيمة مع ما في قلوبهم من الغيظ والحنق الشديد على رسول الله ﷺ وأصحابه، رَدَّهم الله عز وجل بغيظهم، ما اشتفوا ولا نالوا مرادهم، قال الله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾، ولهذا أثنى النبي ﷺ على ربه بهزيمة الأحزاب، قال: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ»[[أخرجه البخاري (٣٠٨٤)، ومسلم (١٢١٨ / ١٤٧) واللفظ له من حديث جابر رضي الله عنهما.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الأحزاب قد امتلأت قلوبهم غيظًا على رسول ﷺ؛ لقوله: ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾، فإن الباء للمصاحبة والملابسة. * ومن فوائدها: أنهم –أي: الأحزاب- لم ينالوا مع هذا التعب الشديد خيرًا، لا في الدنيا ولا في الآخرة، فما نالوا خيرًا في الدنيا من غنائم وغيرها، ولا نالوا خيرًا في الآخرة من الأجور والثواب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل كفى المؤمنين القتال بعد هذه الغزوة، ولهذا لم يقاتل النبي ﷺ أحدٌ من المشركين بعد تلك الغزوة، حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْآنَ نَغْزُوهُمْ وَلَا يَغْزُونَنَا»[[أخرجه البخاري (٤١١٠) من حديث سليمان بن صرد رضي الله عنه.]]؛ لأن الله قال: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ في هذه الغزوة وفيما بعدها، فإن العرب لم يقوموا بغزوٍ لرسول الله ﷺ بعد هذه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل يدافع عن المؤمنين؛ لقوله: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾. وما وجه اختصاص ذلك بالمؤمنين؛ من أين يؤخذ من الآية أنه خاص بالمؤمنين؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، خَصَّهُ بالمؤمنين، فدَلَّ هذا على أن كفاهم القتال لإيمانهم، فالمؤمنون يكفيهم الله عز وجل ما أهَمَّهُم ويدافع عنهم لإيمانهم، كما قال تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر ٦١]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القوة والعزة لله؛ لقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾، وفيها إثبات هذين الاسمين من أسمائه، وهما القوي والعزيز. ثم قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: مِنَّةٌ أخرى على المؤمنين، وهي إنزال هؤلاء الذين غدروا من اليهود من بني قريظة من حصونهم اللاتي تَحَصَّنُوا بها؛ لقوله؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، خلوه هو يتم لأنه الظاهر إنه راح يتهوجس في البيت. * الطالب: (...). * الشيخ: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن اليهود والنصارى أعداء للمسلمين موالون للمشركين؛ لأن بني قريظة والَوا الأحزاب وظاهَرُوهم على رسول ﷺ مع ما عليهم من العهد والميثاق الذي بينهم وبين رسول الله ﷺ. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن إلقاء الرعب في القلوب من أعظم الهزيمة؛ لقوله: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾. * ومن فوائدها: الإشارة الى انحطاط هؤلاء اليهود وذُلِّهم، ونزولهم من الأعلى إلى الأسفل، ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾، وفعلًا فإنهم حصل لهم مع خروجهم من حصونهم من الذل والعار والخزي ما هو باقٍ إلى يوم القيامة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل أباح للمؤمنين هؤلاء اليهود قتلًا وأسرًا؛ لقوله: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾. * ومن فوائدها في قوله: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ﴾ إلى آخره: أن المؤمنين إذا فتحوا بلدًا ملكوا الأرض؛ لقوله: ﴿أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾، وإذا مَلَكُوا الأرض فهل تُقْسَم بين الغانمين، أو تُوقَف لبيت المال، أو تُوَزَّع على المؤمنين بخراج؟ فيه خلاف بين أهل العلم، والصحيح أنه يجب على ولي الأمر أن ينظر ما هو الأصلح، إن رأى أن يوزعها على الغانمين فعل كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام في خيبر، وإن رأى أن يبقيها في مصالح المسلمين أبقاها، وإن رأى أن يوزعها على المسلمين بخراج يُضْرَب عليها فعل كما فعل عمر رضي الله عنه، فيقول –مثلًا-: نحن نقسمها عليكم على أن يكون على كل مئة متر كذا وكذا دراهم، مثل الصُّبْرَة، وتكون هذه الدراهم للمسلمين ينتفعون بها، المهم أن أرض الكفار إذا فُتِحَت عَنْوَةً فهي لِمَن؟ للمسلمين؛ لقوله: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ملك لهم بدون عِوَض. * الطالب: (...). * الشيخ: لا لا، المسلمون الذين تَمَلَّكُوا ما جعل عليهم شيئًا، لكن أهل خيبر اليهود أبقاهم فيها على أنهم فلاليح؛ لأنهم يعرفون كيف يدبرون هذه الفلائح، فجعل لهم شطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع، ولَّا الأرض للمسلمين ما هي لهم. * ومنها أيضًا: حِلّ أموال الكفار للمسلمين؛ لقوله: ﴿وَأَمْوَالَهُمْ﴾، فإن الغنائم تحل للمسلمين، وهي من خصائص هذه الأمة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: البشارة بأن المسلمين سيَتَوَلَّوْنَ على أراضٍ أخرى للكفار، من أين تؤخذ هذه البشارة؟ * طالب: (...). * الشيخ: طالب العلم لازم يفهم، لازم يكون مع طالب العلم كتاب، الكتاب المقرَّر سواء القرآن، ولَّا في الحديث، ولَّا الفقه، ولَّا الأصول، ما طالب العلم يجيء كمستمع، يجيء كمستمع يكون مثل عامة الناس اللي في السوق، فطالب العلم يجب أن يكون طالبًا بمعنى الكلمة، وإلا لا فائدة من طالب العلم، الطالب يمشي مثل البعير الذي يحمل الغَرْبَل مُنْشَقّ مُتَخَرِّق، ما يحمل الماء، فنصيحتي لك أن تأخذ كتبًا مثل غيرك من الطلبة، وأن تتابع المدرِّس، وأن تأتي عند الدروس. * طالب: (...). * الشيخ: قوله: ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾، ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾، وهي خيبر وغيرها من بلاد الكفار، إنما فيه بشارة بأن الله سبحانه وتعالى سيُوَرِّث المسلمين أراضي الكافرين. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القدرة لله تعالى على كل شيء؛ لقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾، فكل شيء فإن الله قادر عليه لا يعجزه، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]، مهما ظننت من بعد وقوع الشيء فلا تستبعده على قدرة الله، فإن الأمر عليه هَيِّن كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧]، الكل عليه هَيِّن، ولكن هذا أهون. والحاصل أن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، وقد قال المؤلف صاحب تفسير الجلالين في سورة المائدة لما قال: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة ١٧] قال: (وخص العقلُ ذاتَه فليس عليها بقادر)، أي أن الله لا يقدر على ذاته، والذي خَصَّصَ هذا العموم هو العقلُ -على زعمه- فيقال له: ما هذا العقل الذي يخصص هذا العموم؟ وكيف لا يكون الله قادرًا على ذاته؟ بل هو سبحانه وتعالى قادر على كل شيء، حتى على ذاته فهو سبحانه وتعالى يستوي على العرش، وينزل إلى السماء الدنيا، ويأتي للفصل بين عباده، ويفعل ما يشاء، وهذه قدرة على الذات، أما إن أراد أنه غير قادر على ذاته فلا يعدمها –مثلًا-، فيقال: إن هذا الشيء مستحيل، والمستحيل لا تتعلق به القدرة أصلًا، فهو غير وارد، ولا داخل في الآية من الأصل، فأما أن نقول: إنه داخل فيما يخصه العقل فهذا تخصيص لما عَمَّمه الله عز وجل. * طالب: (...). * الشيخ: أي آية؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة ١٢٠]، آخر السورة. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، يعني لو قال قائل: هل يقدر الله عز وجل على أن يجعل الشيء متحركًا ساكنًا في آن واحد؟ نقول: هذا شيء مستحيل؛ لأنه إن كان متحركًا فليس بساكن، وإن كان ساكنًا فليس بمتحرك، فإذا جعله الله متحركًا لم يكن ساكنًا، وإن جعله ساكنًا لم يكن متحركًا من الأصل. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم. * يستفاد: إثبات غدر اليهود، وأنهم أهل غدر وخيانة، هذا شيء معلوم من اليهود من حالهم منذ كان فيهم نبيهم عليه الصلاة والسلام موسى إلى يومنا هذا، فهم أشد الناس مكرًا وغدرًا وخيانة، من قوله: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾. * طالب: (...). * الشيخ: لا، هذا شيء عقلًا واضح؛ لأنك إذا وصفته بالحركة انتفى عنه السكون، وإن وصفته بالسكون انتفى عنه الحركة قطعًا. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، هذا شيء معروف، ما يحتاج إلى إيمان، كما لو قلت: كل حادث لا بد له من مُحْدِث، شيء معقول، والأمور العقلية المعلومة بالضرورة ما تحتاج إلى تأمل ولا إلى تفكير. * الطالب: (...). * الشيخ: متناقضان، الحركة والسكون متناقضان، والسواد والبياض متضادان.

الأحزاب 33:23

قال الله تعالى -مبتدأ درس اليوم-: (﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ من الابتلاء والنصر ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ في الوعد، ﴿وَمَا زَادَهُمْ﴾ ذلك ﴿إِلَّا إِيمَانًا﴾ تصديقًا بوعد الله، ﴿وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب ٢٢] لأمره). ﴿لَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ﴾ هذه ﴿لَمَّا﴾ شرطية لكنها لا تجزم، وفعل الشرط في الآية ﴿رَأَى﴾، وجوابه ﴿قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ﴾، وقد مَرَّ علينا أن (لَمَّا) تأتي في اللغة العربية على عدة وجوه، منها الشرطية كما في هذه الآية، ومنها الجازمة كما في قوله: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص ٨]، هذه جازمة، ومنها أن تكون بمعنى (إلا) كما في قوله: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤]، يعني: إلا عليها حافظ. ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ﴾، والمراد بالأحزاب هنا الأحزاب الذين تَأَلَّبُوا على النبي ﷺ من قريش وغطفان وبني أسد وغيرهم، لَمَّا رأوهم رؤية بصرية أو قلبية؟ بصرية، لما رأوهم ﴿قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، كيف وعدنا الله ورسوله، أين الوعد من الله ورسوله بأن هؤلاء الأحزاب سيأتون؟ قال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة ٢١٤]، فإن الله تعالى بَيَّنَ في هذه الآية أنهم ما يمكن أن يدخلوا الجنة إلا بعد هذه الأمور، فيكون متضَمِّنًا بوعد الله سبحانه وتعالى لهم أن يَرَوْا مثل هذه الأشياء التي تزلزلهم. يقول: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، وهذا دليل على ثباتهم وإيمانهم، وصِدْق نواياهم، لكن المنافقون تقدم أنهم كانوا يهزؤون بالرسول عليه الصلاة والسلام لَمَّا ضرب الْحَجَر الذي اعترضهم في حفر الخندق وقال: إنه رأى مدائن كسرى وقصور قيصر واليمن، أيش قالوا؟ ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب ١٢]، إيشلون هذا يبغي يملك اليمن والشام والعراق وهو الآن مضيَّق عليه هذا .. هذا كذب وليس بصحيح، لكن المؤمنين قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، عكس هؤلاء المنافقين قالوا: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾. ﴿صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ الصدق هو الإخبار بالواقع على حسب ما هو واقع، وإن شئت فقل: هو الإخبار المطابق للواقع، هذا الصدق، وضده الكذب، ويقال: صَدَقني الحديثَ، وصدَّقني الحديث، وبينهما فرق؛ صَدَقَنِي الحديث يعني: أخبرني بالصدق، وصدَّقَنِي الحديث يعني: قال: إن ما حدثته به صدق، عرفتم؟ ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران ١٥٢] أيش معنى ﴿صَدَقَكُمُ﴾؟ يعني: أخبركم بالصدق وبَيَّنَ لكم أن ما وعدكم به حق إذ أَحْسَسْتُمُوهُم بإذنه. يقول: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، في هذه الجملة ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ سِيقَ هذا الكلام على سبيل الذم ولَّا على سبيل المدح؟ على سبيل المدح، ولكنه قد يشكل عليكم كيف قَرَنَ وَعْدَ رسول الله بوعد الله بالواو، وقَرَن أيضًا صدق رسول الله بصدق الله بالواو، وقد قال النبي ﷺ لرجل حين قال له: ما شاء الله وشئت، قال له النبي ﷺ: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا»، فكيف نجمع بين هذا، وبين ما في هذه الآية؟ الجواب أن يقال: ما كان من أمور الشرع فإنه لا بأس أن يضاف إلى الله ورسوله بالواو؛ لأن ما شَرَعَه النبي عليه الصلاة والسلام فهو من شرع الله، كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]، وأما ما كان من أمور القَدَر فإنه لا يجوز أن يضاف إلى الله ورسوله بالواو، بل لا بد أن يكون بـ(ثم)، وذلك لأن قدرة الإنسان ومشيئة الإنسان تابعة لمشيئة الله وقدرته. فمثلًا تقول لرجل سألك: ما حكم كذا وكذا؟ يعني: ما حكم الصلاة جماعة، وأنت لا تدري ما حكمها، فتقول: الله ورسوله أعلم؛ لأن هذا حكم شرعي، وأما إذا كان من الأمور القَدَرِيَّة فإنه لا يمكن أن يشرك غير الله بالله بالواو، وذلك لأن مشيئة غير الله وقدرة غير الله تابعة لمشيئة الله، لا يمكن أن تكون مساوية لها. قال: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾، ﴿مَا زَادَهُمْ﴾ الفاعل في ﴿زَادَهُمْ﴾ يعود على أيش؟ يعني: رؤية الأحزاب، يعني: ما زادهم رؤية الأحزاب وتأَلُّبهم على رسول الله ﷺ، ﴿إِلَّا إِيمَانًا﴾، يقول المؤلف: (تصديقًا بوعد الله ﴿وَتَسْلِيمًا﴾ لأمره)، إيمانًا بالقلب وتسليمًا بالجوارح؛ لأن الإيمان محله القلب، والتسليم والانقياد محله الجوارح، والإنسان لا يتم دينه إلا بهذين الأمرين؛ بالإيمان والتسليم، فمَن استسلم ولم يؤمن فهو منافق، ومَن آمن ولم يستسلم فهو مُسْتَكْبِر، فإذا اجتمع في الإنسان الإيمان والتسليم صار مؤمنًا حقًّا عابدًا حقًّا. فالإنسان المؤمن لكنه ما يستسلم نقول: هذا مستكبر، والإنسان المستسلم لكنه غير مؤمن نقول: هذا منافق؛ لأن المنافقين يستسلمون ظاهرًا، ولا يتم الإيمان إلا بهذين الأمرين؛ الإيمان والتسليم، ما يتم الشرع إلا بهذين الأمرين الإيمان والتسليم. قال: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾، ﴿إِيمَانًا﴾ هذه مفعول لأجله؟ ما إعرابها؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * الطالب: (...). * الشيخ: مفعول بأيش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: مفعول أول ولَّا ثانٍ؟ * الطالب: (...). * الشيخ: مفعول ثانٍ، والمفعول الأول؟ * الطالب: (...). * الشيخ: الهاء، إي نعم، فـ(زاد) تنصب مفعولين أولهما الهاء، والثاني في هذه الآية ﴿إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾. قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ من الثبات مع النبي ﷺ. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ﴾ الجملة هذه مكوَّنة من مبتدأ وخبر، والخبر مقدَّم والمبتدأ مؤخَّر، المبتدأ قوله: ﴿رِجَالٌ﴾، والخبر ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. .. والابتداء بالنكرة ليس جائزًا، والجواب أن ابن مالك النحوي رحمه الله: وَلَا يَجُـــوزُ الِابْتِدَا بِالنَّكِرَهْ ∗∗∗ مَا لَمْ تُفِدْ كَـ(عِنْدَ زَيْدٍنَمِرَهْ) الآية التي معنا مثل هذا المثال، أو لا؟ (عند زيد نمرة)، الْمُسَوِّغ للابتداء بالنكرة هنا تأخير المبتدأ، و﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا﴾ [الأحزاب ٢٣] المسوِّغ تأخير المبتدأ، كما أن في الآية أيضًا مسوغًا آخر وهو وصف هذه النكرة؛ لأن وصف النكرة يُخَصِّصُها. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، و﴿مِنَ﴾ في قوله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ للتبعيض؛ لأنها تُقَدَّر بـ(بعض)، واختلف النحويون في (مِن) التبعيضية؛ فقال بعضهم: إنها اسم، وهي بحسب العوامل، لكن لا يظهر عليها عمل العامل؛ لأنها حرف، فينتقل العمل إلى ما بعدها. ومنهم من قال: إنها حرف جر، ولكن معناها التبعيض، وهذا هو الذي عليه أكثر أهل النحو. ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾، أيش معنى ﴿صَدَقُوا﴾؟ أي: قاموا به، كما تقول: صَدَقَنِي الوعد، يعني: وَفَى لي بالوعد، فهم وفوا بما عاهدوا الله عليه من الثبات مع النبي ﷺ، مثل مَن؟ مصعب بن عمير وغيره، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، كثير من هذا. يقول الله عز وجل: (﴿﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ ﴾: مات أو قُتِلَ في سبيل الله، ﴿﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ ﴾ ذلك، ﴿﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ ﴾ في العهد، وهم بخلاف حال المنافقين). قسم الله هؤلاء الرجال الذين صَدَقُوا ما عاهدوا الله عليه إلى قسمين: قسم قضى نحبه، يعني: قضى حياته وقُتِلَ في سبيل الله، كحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، فإنه قُتِلَ شهيدًا في سبيل الله، وكذلك بقية شهداء أُحُد، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾، ويش ينتظر؟ ينتظر القتال في سبيل الله؛ لأنه قد صدق الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد صَدَقُوا ما عاهدوا الله عليه، فهم ينتظرون أن يستشهدوا. ولكن هل يحصل لهم ذلك أو لا؟ قد يحصل، وقد لا يحصل، ولهذا يقال: إن خالد بن الوليد رضي الله عنه تأسَّف في حال مرضه أنه لم يُقْتَل شهيدًا في سبيل الله، وقال -يعني يندم إنه ما ترك معركة إلا خاضها-: «وها أنا أموت على فراشي كما يموت الحمار»[[أخرج الدينوري في "المجالسة" (٨٣٦) بسنده أن خالد بن الوليد لما حضرته الوفاة بكى، وقال: لقد لقيت كذا وكذا زحفًا، وما في جسدي شبر إلا وفيه ضربة بسيف أو رمية بسهم أو طعنة برمح، فها أنا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت العَيْر، فلا نامت أعين الجبناء. والعَيْر بفتح العين هو الحمار أهليًّا كان أو وحشيًّا.]]؛ لأنهم يريدون أن يستشهدوا في سبيل الله. قال: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ هذا المعطوف على ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ يعني: ومنهم رجال ما بَدَّلُوا تبديلًا، أيش بدلوا؟ يقول المؤلف: (في العهد)، والتبديل في العهد يشمل نَقْضَه بالكلية، ويشمل الإخلال بشيء من شروطه، يعني: يشمل نَقْضَه بالكلية وعدم الالتفات إليه، أو الإخلال بشيء من شروطه. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب ٢٣]، ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ خبر مقدَّم، ﴿رِجَالٌ﴾ مبتدأ مؤخَّر، و﴿صَدَقُوا﴾ الجملة صفة لـ﴿رِجَالٌ﴾، ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ أي: أنهم صَدَّقوا أقوالهم بأفعالهم، فالعهد الذي عاهدوا الله عليه قاموا به ووفوا به. واعلم أن معنى قوله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا﴾ أن معناها: من المؤمنين رجال عاهدوا الله فصدقوا ما عاهدوا الله عليه، وليس المعنى أن من المؤمنين رجالًا صدقوا ومنهم مَن لم يصدق حتى يتشبث به مَن سَبَّ الصحابة، أو قال: إنهم ليسوا كلهم صادقين، بل المعنى: من المؤمنين رجال عاهدوا الله فصدقوا ما عاهدوا الله عليه، بل مِن المؤمنين مَن لم يعاهد الله سبحانه وتعالى على شيء، بل هو مستمر على طاعة ربه حيث ما أُمِرَ. مِمَّنْ عاهَد الله أنس بن النضر رضي الله عنه، فإن أنس بن النضر لم يشهد بدرًا، فلما رجع النبي ﷺ من بدر قال: يا رسول الله، هذه أول غزوة قاتلت فيها المشركين، والله لئن أبقاني الله تعالى لَيَرَيَنَّ الله ما أصنع، فلما صارت غزوة أحد قاتَل رضي الله عنه حتى قُتِلَ، فكان فيه بضع وثمانون ما بين طعنة رمح، أو ضربة سيف[[أخرج البخاري (٢٨٠٥) بسنده عن أنس قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله، غبتُ عن أول قتال قاتلتَ المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني أصحابه -، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعني المشركين -، ثم تقدم. فاستقبله سعد بن معاذ فقال: يا سعد بن معاذ، الجنة ورب النضر، إني أجد ريحها من دون أحد، قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع، قال أنس: فوجدنا به بضعًا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، ووجدناه قد قُتِلَ وقد مثَّل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه، قال أنس: كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] إلى آخر الآية.]]، فصَدَقَ ما عاهَد الله عليه، هذا هو معنى الآية. فقوله: ليَرَيَنَّ الله ما أصنع، هذا عهد؛ لأنه التزام التزم به على نفسه. قال: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ [الأحزاب ٢٣]، يعني: فمن هؤلاء الذين عاهدوا الله عز وجل ﴿مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ أي: عهده والتزامه، وقيل: ﴿مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ أي: أجله، أي: مات وقُتِلَ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ [الأحزاب ٢٣]، يعني: ينتظر الموت والقتل شهيدًا في سبيل الله عز وجل. قال: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ على الثبات مع النبي ﷺ، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ مات أو قُتِلَ في سبيل الله، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ ذلك ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾، يعني: ما حصل منهم تبديل لا بالنقض بالكلية ولا بالتغيير، ولهذا قال: ﴿وَمَا بَدَّلُوا﴾، والتبديل يكون بالتَّرْك كليَّةً، ويكون بالتغيير بالنقص أو بالزيادة، ولهذا قال: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾، قال المؤلف: (وهم بخلاف حال المنافقين)؛ لأن حال المنافقين على العكس، يعاهدون الله ولا يوفون، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة ٧٥-٧٧] ، أما المؤمن فإنه يَفِي بما عاهد الله عليه. قال الله عز وجل: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب ٢٤]، ﴿لِيَجْزِيَ﴾ اللام هذه للتعليل، يعني أن الأمر يقع كذلك على الوفاء وعلى النقض، على الوفاء مِمَّن؟ من المؤمنين، وعلى النقض من المنافقين، وقع هذا ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب ٢٤]، ولولا اختلاف الناس في الأعمال ما اختلفوا في الجزاء، ولو لم يختلفوا في الجزاء ما كان لِخَلْق الجنة والنار فائدة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٨، ١١٩]، فالله عز وجل حكيم، «خَلَقَ الجنة وخلق لها سكانًا، وخلق النار وخلق لها سكانًا»[[أخرج مسلم (٢٦٦٢) بسنده عن عائشة أم المؤمنين، قالت: توفي صبي فقلت: طوبى له عصفور من عصافير الجنة، فقال رسول الله ﷺ: «أوَلَا تدرين أن الله خلق الجنة وخلق النار، فخلق لهذه أهلًا ولهذه أهلًا».]]، وسكان هذه وهذه لا بد أن يكون لهم أعمال يقومون بها حتى يستحقوا أن يكونوا من أهلها. وقوله: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾، الباء هنا للسببية وليست للعِوَض؛ لأن الجزاء على الأعمال ليس من باب المعاوضة، ولكنه من باب قَرْن الْمُسَبَّب بسببه؛ لقول النبي ﷺ: «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ»[[أخرجه مسلم (٢٨١٦ / ٧١) وأحمد (٧٤٧٨) واللفظ له من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. فالأعمال الصالحة أسباب، وإلا فلو أن الله عز وجل أراد أن يعاوِضَنَا على أعمالنا معاوضة بمعنى المعاوضة لكان لو قابلنا بنعمة واحدة من نعمه علينا ما قابلتها كل أعمالنا، ولكن الأعمال سبب. وقوله: ﴿بِصِدْقِهِمْ﴾، إذا كان الجزاء بالصدق فسيكون على حسب ذلك الصدق، فالذين صَدَقُوا ما عاهدوا الله عليه يكون جزاؤهم على صِدْقِهم بحسب ما قاموا به، فإذا كانوا أَطْوَعَ لله عز وجل وأشد تنفيذًا لأوامره وأكثر فعلًا لطاعته صار جزاؤهم أكثر، والعكس بالعكس. ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ﴾ [الأحزاب ٢٤]، المنافق مَن؟ هو الذي أظهر الإيمان وأبطن الكفر، مأخوذ من النافِقَاء وهي نافقاء اليربوع التي يجعلها في جُحْرِه، حتى إذا أتاه أحد من بابه خرج من هذه النافقاء. (﴿﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ﴾ ﴾ بأن يميتهم على نفاقهم)، أشار المؤلف في قوله: (بأن يميتهم على نفاقهم) إلى أن تعذيب المنافقين المعلَّق بالمشيئة هنا ليس المعنى أنه إن شاء عذَّبَهم وإن شاء لم يعذبهم وقد ماتوا على النفاق، لا، إذا ماتوا على النفاق فقد أخبرنا الله تعالى أنهم في الدرك الأسفل من النار، وليسوا تحت المشيئة، فيكون قوله: ﴿إِنْ شَاءَ﴾ بأن يبقوا على نفاقهم حتى يموتوا، فإذا بقوا على نفاقهم إلى الموت علمنا أن الله قد شاء تعذيبهم، أما إن هداهم الله فإن المنافقين قد يهتدون، فلهذا قال: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [الأحزاب ٢٤] بأن يوفِّقَهم للتوبة. والصواب كما مَرَّ علينا كثيرًا أن المنافق تصح توبته، وهي نص في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء ١٤٥، ١٤٦] فقوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ بأن يَمُنّ عليهم بالتوبة فيتوبوا، وحينئذ لا يُعَذَّبُون. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٢٤]، ﴿غَفُورًا﴾ هذه اسم فاعل على صيغة المبالغة، يعني: كثير المغفرة، ويجوز أن تكون صفة مُشَبَّهَة، أي: ذو مغفرة، فالصفة المشبهة أبلغ من اسم الفاعل؛ لأن اسم الفاعل يدل على الفعل، والصفة المشبهة تدل على الوصف، أي: على اتصاف مَن هو وصفه بها دائمًا. وقوله: (﴿﴿غَفُورًا﴾ ﴾ لمن تاب)، فيه شيء من النظر؛ لأن الله تعالى يغفر حتى لمن لم يتب ممن هو تحت المشيئة، كفاعل المعاصي، ولو أن المؤلف رحمه الله أبقاها على إطلاقها لكان أسلم له، فنقول: ﴿غفورًا﴾ أي: كثير المغفرة، أو: ذو مغفرة مُتَّصِفٌ بها دائمًا. وهذا أقرب كما قلت؛ لأنه يدل على الوصف الدائم، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد ٦]. وقوله: (﴿﴿رَحِيمًا﴾ ﴾ به)، يقول: (به) أي: بمن تاب. والصواب أنه رحيم بِمَن تاب وبغيره، وأن رحمة الله عز وجل بالمعنى العام تشمل المؤمن والكافر، والبَرّ والفاجر، وكل أحد فإنه داخل في رحمة الله، هذا بالمعنى العام، أما المعنى الخاص فإن الرحمة تختص بالمؤمنين. قال الله عز وجل: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ [الأحزاب ٢٥]، رَدَّهُم أي: أرجعهم على أدبارهم خائبين. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: الأحزاب من قريش وغيرهم. وقوله: ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾ الباء هنا للملابسة، أي: مُتَلَبِّسِين بالغيظ، فالجارّ والمجرور في موضع نصب على الحال، يعني أنهم رجعوا مُغْتَاظِين غاية الغيظ، ووجه اغتياظهم أنهم جاؤوا بهذا الجمع الكثير الذي لم يُشْهَد له نظير في ذلك الوقت، يريدون ماذا ؟ يريدون القضاء على النبي ﷺ، ومع ذلك ما الذي حصل لهم؟ حصل لهم التعب والعَنَت والجوع والبلاء، وآخر الأمر أن رجعوا هاربين، ولا شك أن مثل هذا سوف يؤثر على الإنسان، سوف يملأ قلبه غيظًا وحسرة وندمًا، كيف يأتي بهذا الجيش الذي جمعه لهم وأبدأ فيه وأعاد، وآخر الأمر أن ينقلب ولا يكون معركة، ولهذا قال: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾، خيرًا منين؟ خيرًا لا من أمر الدنيا ولا من أمر الآخرة؛ أما أمر الآخرة فإنهم لم ينالوا خيرًا؛ لقتالهم للنبي ﷺ على كل حال، وأما أمر الدنيا فالذي يرونه هم خيرًا لأنفسهم فهل نالوه؟ لا، فهم ما نالوا خيرًا لا في الدين ولا في الدنيا ولله الحمد، حتى ما يظنونه خيرًا من هزيمة رسول الله ﷺ والقضاء عليه وعلى أصحابه ما حصل لهم ذلك، ﴿لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾. وقوله: ﴿خَيْرًا﴾ نكرة في سياق النفي، ﴿لَمْ﴾ فتفيد العموم، يعني: ما نالوا أي خير لا قليلًا ولا كثيرًا، وهذه من نعمة الله عز وجل. وأضاف الله الرد إلى نفسه: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لأن رجوعهم ليس بحول النبي ﷺ ولا قوته، ولا بحول أصحابه ولا قوتهم، ولكنه بحول الله تعالى وقوته، ولهذا قال: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب ٢٥]. يقول المؤلف: (﴿﴿لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ ﴾ مرادهم من الظَّفَر بالمؤمنين). ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾، الحمد لله، ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾، يعني: أن الله أراح المؤمنين من القتال فلم يقاتلوا، وأما ما حصل من المناوشات التي حصلت لبعض الصحابة مع بعض المشركين فهذا لا يُعَدّ قتالًا؛ لأن الكلام على الجيش كله جمعاء، فإنه لم يحصل فيه قتال، ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ وهو نِعْم الْحَسْب، وهو الكفيل سبحانه وتعالى، قال: (بالريح والملائكة)، الريح سبق أن الله تعالى أرسل عليهم الريح الشرقية باردة شديدة، وأنها كفأت قُدُورَهم، وزلزلت خيامهم، ورَمَتْهُم بالحجارة تحملها الرياح مع البَرد الشديد، حتى كانوا يصطلون بالنار ويقولون: النجا النجا، فهذه الريح، أما الملائكة فإن الله سبحانه وتعالى سَلَّطَ الملائكة عليهم بأن تلقي في قلوبهم الرعب والفزع والخوف، وتَحُوشَهم حتى ينصرفوا من المكان، وهذا من نصر الله عز وجل للرسول ﷺ. (﴿﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ ﴾ [الأحزاب: ٢٥] على إيجاد ما يريده، ﴿﴿عَزِيزًا ﴾ ﴾ غالبًا على أمره). ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا﴾ القوة صفة يتمكن بها القوي مِن فِعْل ما يريد بدون ضعف، وهي أعلى من القدرة؛ لأن القدرة صفة يتمكن بها القادر مِن فِعْل ما يريد بدون عجز، فالقوة أعلى، وانظر إلى رجلين حَمَلَا صخرة، فأحدهما حَمَلَهَا لكن مع نوع من المشقة، فنقول: هذا قادر ولكن ليس بقوي، والآخر حَمَلَهَا وكأنها شيء بسيط، نقول: هذا قوي. وقوة الله عز وجل لا منتهى لها، ولا مقياس لها، بل هو فوق ما يتصوره الإنسان، لَمَّا قالت عادٌ: ﴿من أشد منا قوة﴾ قال الله عز وجل: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت ١٥، ١٦]. وأما قوله: ﴿﴿عَزِيزًا﴾ ﴾ يقول: (غالبًا على أمره)، العزيز من أسماء الله تعالى له ثلاثة معانٍ: عزيز القدر، وعزيز القهر، وعزيز الامتناع. أما عزيز الامتناع فمعناه أنه يمتنع أن يناله سبحانه وتعالى سوء أو نقص في جميع صفاته وجميع أفعاله. وأما عزة القدر فمعناه أنه ذو قَدْر عظيم رفيع، مثلما تقول: فلان عزيز النفس؛ يعني له عزة وتَرَفُّع عن الدنايا. وأما عزة القهر فتأتي معناها الغلبة، فمعناها أنه غالب على كل شيء، حتى في الجاهلية يقول الشاعر: أَيْنَ الْمَــــفَرُّ وَالْإِلَهُ الطَّـــالِـــبُ ∗∗∗ وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ لَيْسَالْغَالِبُ فالله عز وجل هو الغالب على أمره، وهو غالب على كل شيء، لا شيء يكون أمام غلبته، فصار العزيز له ثلاثة معانٍ: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع، وكلها ثابتة لله عز وجل. قال: (﴿﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ ﴾ أي: قريظة، ﴿﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ ﴾ حصونهم، جمع صِيصَة؛ وهو ما يُتَحَصَّنُ به، ﴿﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ ﴾ [الأحزاب: ٢٦]). ﴿أَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾، ﴿أَنْزَلَ﴾ الضمير يعود على مَن؟ على الله، وقوله: ﴿الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ﴾ أي: أعانوهم وساعدوهم، والمظاهرة بمعنى المساعدة، وتظاهَر على كذا، تظاهر أي: تساعد وتساند عليهم، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ﴾ [التحريم ٤]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨]، يعني: مساعدًا ومُعِينًا. وقوله: ﴿ظَاهَرُوهُمْ﴾ أي: أعانوهم وساعدوهم من أهل الكتاب. وقوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ المراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى، لكن المراد بهم هنا في الآية طائفة من اليهود، وهم بنو قريظة، وسبق أن بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع ثلاث قبائل من اليهود قَدِمَ النبي ﷺ المدينة وهم ساكنون فيها، فأجرى بينهم وبينه عهدًا، ولكنهم نقضوا ذلك العهد، ولم يَبْقَ إلا بنو قريظة، ثم إن بني قريظة نقضوا العهد بمساعدتهم مَن؟ الأحزاب على رسول الله ﷺ. ولما رجع النبي ﷺ من الأحزاب ودخل بيته واغتسل جاءه جبريل وقال له: «اخرج إلى هؤلاء، يشير إلى بني قريظة، فإنهم نقضوا العهد، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه بالخروج، وقال: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ»[[أخرج البخاري (٢٨١٣)، ومسلم (١٧٦٩) بسنده عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله ﷺ لما رجع يوم الخندق ووضع السلاح واغتسل فأتاه جبريل وقد عصب رأسه الغبار، فقال: وضعت السلاح؟ فوالله ما وضعته، فقال رسول الله ﷺ: «فأين»، قال، هاهنا، وأومأ إلى بني قريظة... الحديث. وانظر الثقات لابن حبان (١ / ٢٧٤).]]. ما توانى الصحابة رضي الله عنهم ولا تأخروا، مع ما هم فيه من التعب والضعف، فخرجوا فحاصَروا بني قريظة لمدة نحو عشرين يومًا، حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه. يقول الله عز وجل هنا: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾، ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ جارّ ومجرور متعلِّق بـ﴿أَنْزَلَ﴾ يعني: أنزل هؤلاء من صياصيهم، أي: من مَآمِنِهم، والأصل في صياصي حظائر البقر؛ لأنها تُؤَمَّن فيها، فـ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ يعني: من مَآمِنِهم وحصونهم التي يُتَحَصَّن فيها، ولكن ذلك لم يُغْنِهِم من الله شيئًا، أنزلهم من صياصيهم. ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾، ﴿قَذَفَ﴾ بمعنى: رمى، وهو أشد وقعًا من قوله: وضع، يعني لو قال: وضع في قلوبهم الرعب، أفاد أن الرعب صار في القلوب، لكن إذا قال: ﴿قَذَفَ﴾ صار أشد، والرعب بمعنى الخوف، وإذا وقع الخوف في القلب فلا تسأل عن الخائف، يظن أن الشجر نَفَر، لا يتصور الأمور على حقائقها، حتى لو ناداه أحد من أصحابه ظن أنه عدوه يناديه ليقتله، ولا أشد من سلاح يفتك بالعدو من الرعب، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.]]. أما إذا ثبت القلب واطمأن فإن المقاتل سيثبت، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال ٤٥]، وذِكْر الله تعالى تطمئن به القلوب، ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد ٢٨]. وأخبر الله عز وجل أن الله أنزل على أهل بدر المطر ليُثَبِّت به الأقدام، وتكون به السكينة. فالحاصل أن الرعب من أشد الأسلحة فتكًا بالعدو. ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾، قال المؤلف: (﴿﴿فريقًا﴾ ﴾ تقتلون منهم، وهم المقاتلة، ﴿﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ ﴾ منهم، أي: الذراري). هم لما طال بهم الحصار ونزلوا على حكم الرسول عليه الصلاة والسلام خَيَّرَهم قال: «مَنْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِهِ»[[أخرج البخاري (٦٢٦٢)، ومسلم (١٧٦٨ / ٦٤) بسندهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن أهل قريظة نزلوا على حكم سعد، فأرسل النبي ﷺ إليه فجاء، فقال: «قوموا إلى سيدكم»، أو قال: «خيركم»، فقعد عند النبي ﷺ فقال: «هؤلاء نزلوا على حكمك»، قال: فإني أحكم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبي ذراريهم، فقال: «لقد حكمت بما حكم به الملك».]]، قالوا: نريد أن ننزل على حكم سعد بن معاذ، وكان سعد بن معاذ رضي الله عنه حليفًا لهم، فظنوا أنه سيفعل مثلما فعل عبد الله بن أُبَيّ لحلفائه من اليهود حين شفع فيهم إلى رسول ﷺ وتركهم، لكن سعدًا رضي الله عنه لما جاء وكان في خيمة له في المسجد؛ لأنه أصيب في الأحزاب بأَكْحَلِه، وضرب له النبي ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب؛ لأنه سيّد قومه، سيد الأوس. جاء على حِمَار من مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام إلى مكان الحصار، فأخبره النبي عليه الصلاة والسلام بأنهم حَكَّمُوه، فقال: حُكْمِي فيهم نافذ؟ ويشير إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، ويشير إليهم أيضًا، قالوا: نعم، كلهم رضوا، النبي عليه الصلاة والسلام رضي، وكذلك هؤلاء اليهود رضوا، فقال: لقد آنَ لسعد ألَّا تأخذه في الله لومة لائم، هذا مقام محنة عظيمة، فحكم فيهم رضي الله عنه بِحُكْم عظيم، حكم صواب مطابق للحق، «قال: أحكم بأن تُقْتَل مقاتلتهم، وتُسْبَى ذريتهم، وتُغْنَم أموالهم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ»[[السابق، وانظر سيرة ابن هشام (٢ / ٢٤٠).]]. ثم أمر النبي عليه الصلاة والسلام بأن تُقْتَل مقاتلتهم، وهم الرجال البالغون، وأما الذراري من النساء والرجال غير البالغين فإنها تُسْبَى، والأموال تُغْنَم، فقتلوا في المدينة ما بين السبع مئة إلى ثمان مئة قُتِلُوا في يوم واحد بناء على حكمٍ هم الذين رضوا به، فهذا هو معنى قوله: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾، هنا قدَّم المفعول في قوله: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾، وأَخَّر المفعول في قوله: ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾، فهل الفائدة من ذلك مراعاة الفواصل فقط، فتكون الفائدة لفظية، ولَّا هناك فائدة معنوية؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، بل الأمران. * الطالب: الفريقان بينهم اختلاف، ليسوا سِيَّان. * الشيخ: كيف ذلك؟ * الطالب: الفريقان بينهم اختلاف، الفريق الأخير يعني النساء، والأول الرجال فقط. * الشيخ: لا. * الطالب: لأن الأول هم الرجال يعني، والثاني: الذين لا يقاتلون. (...). * الشيخ: إي نعم، هذا هو الظاهر؛ لأن الحكم الأول أشد وأبلغ، فلهذا قُدِّمَ مفعوله ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾، والثاني دون ذلك؛ لأن الأسير ربما يُمَنَّ عليه بإطلاقه، فقال: ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾، هذا مع مراعاة اللفظ الذي هو مراعاة الفواصل؛ فواصل الآيات، ولهذا قال تعالى في سورة البقرة: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ [المائدة ٧٠]، أو ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة ٨٧]، لما كان التكذيب للرسل شديدًا قَدَّمَ فيه المفعول كما قَدَّمَ المفعول في قتلهم، فهذه قصة الأحزاب انتهت على قوله: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ [الأحزاب ٢٧] بعد، وهي خيبر، وأُخِذَت بعد قريظة، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب ٢٧]. ﴿أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾، هذه تنصب مفعولين؛ المفعول الأول: الكاف، والثاني: أرضهم، ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾، ﴿وَدِيَارَهُمْ﴾ كيف الأرض والديار، بينهما فرق؟ الديار جمع دار، وهي المساكن والأحياء، وأما الأرض فهي أعمّ من ذلك، والأموال هي الأمتعة والدراهم والدنانير، وغير ذلك. ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ يعني: ما وطأتموها حتى الآن، ولكنكم سترثونها، وهي أرض خيبر، فإن النبي ﷺ فتحها بعد ذلك في السنة السادسة، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ فلا يعجزه شيء. وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ قدَّم المفعول لتحقق وقوع الفعل به، ولهذا قال: ﴿كَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾، ولا تقل كما يقول بعض الناس: إنه على ما يشاء قدير؛ لأنك إذا قلت: على ما يشاء قدير، خَصصت قدرته بما يشاء، مع أن القدرة تُعَلَّق بالذي شاءه والذي لم يشأه، حتى الذي لم يشأه هو قادر عليه، والله أعلم . قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٢٦٢)، ومسلم (١٧٦٨ / ٦٤) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]]، فقاموا إلى سيدهم سعد بن معاذ وأنزلوه من حماره، وجلس أمام النبي ﷺ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ هَؤُلَاءِ رَضُوا بِأَنْ يَنْزِلُوا إِلَى حُكْمِكَ»[[أخرج البخاري (٦٢٦٢)، ومسلم (١٧٦٨ / ٦٤) بسندهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن أهل قريظة نزلوا على حكم سعد، فأرسل النبي ﷺ إليه فجاء، فقال: «قوموا إلى سيدكم»، أو قال: «خيركم»، فقعد عند النبي ﷺ فقال: «هؤلاء نزلوا على حكمك»، قال: فإني أحكم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبي ذراريهم، فقال: «لقد حكمت بما حكم به الملك».]] »، فقال لهم، فالتفت إليهم: أرضيتم بذلك وحكمي نافذ؟ قالوا: نعم، فالتفت إلى الجانب الآخر فيه المسلمون، فقال: أترضون بهذا؟ قالوا: نعم، إلا أنه لما اتجه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام خفض رأسه إجلالًا لرسول الله ﷺ، فحكم هذا الْحُكم الذي أيَّدَه النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: «إِنَّهُ حُكْمُ اللهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ»[[السابق، وانظر سيرة ابن هشام (٢ / ٢٤٠).]] »، وكم كان عدد هؤلاء؟ * طالب: (...). * الشيخ: قالوا: لما رأوا الأحزاب قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب ٢٢]، وكان مقتضى الحال أن يلحقهم الخوف والذُّعْر كما حصل للمنافقين. * ومن فوائدها: كمال تصديقهم لله ورسوله في قولهم: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب ٢٢]، فهم شاهدوا ما وعد الله، ثم أظهروا الإيقان بذلك بألسنتهم؛ لقولهم: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾. استدل بعض الْجُهَّال بهذه الآية على مشروعية ختم القرآن بقولهم: صدق الله، فقالوا: كيف تُنْكِرُون علينا إذا أكملنا القراءة وقلنا: صدق الله العظيم، مع أن الله يقول: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، ويقول: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ [آل عمران ٩٥]؟ فما هو الجواب عن هذه الشبهة؟ * طالب: الجواب أنه لم يقل: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ عند انتهاء التلاوة (...). * الشيخ: إي نعم، نقول: نحن لا ننكر أن يقول أحد: صدق الله ورسوله، بل نرى أنه من الإيمان أن يقول الإنسان: صدق الله ورسوله، وأن مَن لم تكن عقيدته هذه فهو كافر، لكننا ننكر أن نجعل هذا الثناء على الله عز وجل عند الانتهاء من التلاوة مع أنه لم يَرِد، فهل نحن أعلم بشريعة الله من رسول الله؟ وهل نحن أحرص منه على تطبيق شريعة الله؟ أبدًا، فإذا لم يكن كذلك فإن الواجب علينا أن نَحْذُوَ حَذْوَه، فإذا كان يقول عند انتهاء تلاوته: صدق الله، فإننا نقولها على العين والرأس، وإذا كان لا يقولها فلا نقولها. ونقول لهم: إذا كنتم تعتقدون مشروعية ذلك فقولوها أيضًا في الصلاة، إذا انتهيتم من القراءة في الصلاة قبل أن تكبروا قولوا: صدق الله؛ لأن التلاوة في الصلاة أفضل منها خارج الصلاة، المهم أنه لا دليل لهؤلاء في مثل هذه الآية. * من فوائد الآية الكريمة: أن المؤمن يزداد إيمانًا عند رؤية الآيات الكونية أو الشرعية؛ لقوله: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب ٢٢]. * ومن فوائدها: تقرير أو صحة مذهب أهل السنة والجماعة الذين يقولون: إن الإيمان يزيد وينقص، كذا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: وقد ذكرنا أن زيادة الإيمان باعتبارات؛ باعتبار قوة اليقين، وباعتبار صحة العمل، وباعتبار الإخلاص فيه، وباعتبار المتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام، وباعتبار العامل نفسه، كل هذه الاعتبارات يزيد بها الإيمان، ما هو الأول؟ اعتبار قوة اليقين، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠]، أليس الخبر كالمعاينة؟ لو أخبرك مَن تثق به تمام الثقة عن وجود شيء آمنت به، لكنك إذا رأيته بعينك صار ذلك أقوى إيمانًا (...) اعتبار تفاضل العمل. فهذا نقصٌ بترك العمل فيلزم منه الزيادة، لماذا؟ لكثرة العمل. وثالثًا: بحسب الإخلاص في العبادة، كلما كان الإنسان في العبادة أخلص لله كان زيادة الإيمان بها أكمل وأقوى، ولهذا تجد الفرق إذا عَبَدْتَ الله عز وجل بإخلاص، وإذا عبدته بغفلة تجد الفرق العظيم بتأثر قلبك، مع أن العبادة واحدة، فكيف إذا عبدت الله تعالى برياء وسمعة -نسأل الله أن يحمينا وإياكم من ذلك- يكون أشد وأشد في عدم تأثر القلب بهذه العبادة، بالمتابعة أيضًا باعتبار متابعة الإنسان للرسول عليه الصلاة والسلام، كلما ازداد الإنسان اتباعًا للرسول ﷺ في عبادته ازداد إيمانه بذلك؛ لأنه عندما يزداد اتباعًا للرسول عليه الصلاة والسلام يشعر كأن الرسول ﷺ أمامه يتابع أَثَرَهُ، وهذا لا شك أنه يزيد في الإيمان. والخامس: باعتبار حال العامل، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١ / ٢٢٢) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]]، يعني: الصحابة رضي الله عنهم؛ لأنهم أقوى إيمانًا ممن بعدهم، وأشد ثباتًا. والحاصل أن الإيمان زيادته لها عدة اعتبارات، ومنها أيضًا السادس: ترك المعاصي خوفًا من الله، فإن الإيمان يزداد به، وسيأتينا إن شاء الله تعالى في كتاب التوحيد شرح ذلك على وجه أكمل. المهم أن أهل السنة والجماعة يقولون: إن الإيمان يزيد وينقص، وقالت المرجئة: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ليش؟ قالوا: لأن الإيمان في القلب، والأعمال الصالحة ما لها دخل بالإيمان، وما في القلب لا يتفاوت، فنحن الآن نؤمن بالشمس جميعًا، إيماننا بالشمس على حد سواء ما يتفاوت، فالناس كما قال ابن القيم عنهم: النَّاسُ فِي الْإِيمَانِ شَيْءٌ وَاحِدٌ ∗∗∗ كَالْمُشْطِ عِنْدَ تَمَاثُلِ الْأَسْنَانِ وهذا القول لا شك أنه خطأ يرده الواقع والشرع، وقالت الخوارج والمعتزلة: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، إما أن يوجَد جملة كاملًا، وإما أن يُعْدَم بالكلية؛ لأنهم يقولون: إن فاعل الكبيرة خارج عن الإيمان، فإما كافر، وإما في منزلة بين منزلتين، فالخوارج يقولون: فاعل الكبيرة كافر، ما عنده إيمان أبدًا، والمعتزلة يقولون: لا إيمان عنده، لكن لا نقول: إنه كافر، بل هو في منزلة بين منزلتين، ومَن لم يكن فاعل كبيرة فالناس في الإيمان سواء، كلهم على حد سواء، فالذين لا يرون زيادة الإيمان ولا نقصانه طائفتان؛ إما مرجئة، أو وَعِيدِيَّة وهم الخوارج، ومَن؟ والمعتزلة. وقال بعض أهل السنة كمالك رحمه الله قال: الإيمان يزيد، ولا نقول: ينقص؛ لأن زيادة الإيمان في القرآن والسنة كثيرة، ولكن ما فيه نقص، ما فيه ذِكْر نقص الإيمان، ولكن قوله رحمه الله ضعيف؛ لأن في السنة: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ»[[أخرجه البخاري (٣٠٤) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، ومسلم (٧٩ / ١٣٢) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]]، والإيمان بلا شك من الدين، فيكون داخلًا في هذا الحديث. وأيضًا فإن الزيادة والنقصان من الأمور المتقابلة التي إذا وُجِدَ أحدها انتفى الآخر، ولا يُعْقَل وجود أحدهما إلا بوجود الآخر، فمثلًا الزيادة ما تُعْقَل إلا بنقص، فنقول له: أنت تقول: إن فلانًا أزيد إيمانًا من فلان، معنى ذلك أن الْمَزِيد عليه ناقص، ولا يُتَصَوَّر غير هذا. والصواب أن الإيمان يزيد وينقص، وأسباب زيادته ونقصانه كما شرحنا قبل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الناس يختلفون في الانقياد والتسليم كما يختلفون في الإيمان زيادةً ونقصًا؛ لقوله: ﴿إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾؛ لأن عامة المؤمنين كلهم منقادون للشرع، لكن منهم مَن ينقاد بطمأنينة وانشراح، وقبول ومحبة، ومنهم مَن يُسَلِّم على وجه دون ذلك، ومنهم مَن يأتي إلى الصلاة –مثلًا- وهو يرى أنها نعمة من الله عز وجل، ويأتي إليها مُقْبِلًا غير مُدْبِر، نشطًا منشرح الصدر، محبًّا لها، ينتظر الصلاة بعد الصلاة بفارغ الصبر، ومنهم أناس بالعكس، يأتون إلى الصلاة لا يتخلفون، لكن ببطء وتثاقل، وعدم انقياد تامّ، أليس كذلك؟ إذن الناس يختلفون في التسليم، ولهذا قال: ﴿إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن التأمل في الآيات ووضوح الآيات للعبد تزيد في إيمانه وتسليمه؛ لقوله: ﴿وَمَا زَادَهُمْ﴾، أي: ما رأوه من الأحزاب، ﴿إِلَّا إِيمَانًا﴾ بالله، ﴿وَتَسْلِيمًا﴾ لشرعه. مَن يبغي يسأل؟ * طالب: (...) أو أن ايمان الانسان ناقص؟ * الشيخ: إي، فيه صريح من الإيمان ينقص. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، لكنه ناقص بالنسبة للرجال. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، إنه يزيد وينقص، الرسول أثبت نقصانه. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، أبدًا ما هو بدرجات، هذا النقصان يختلف حتى بالنسبة للنساء اللي هي ناقصات، ففيه إثبات أصل النقص بالنسبة للرجال؛ لأنهن لا يصلين ولا يَصُمْن، ثم هنّ بأنفسهن ما دام تَرْك الصلاة نقصًا كلما كان قيامهن بالصلاة أكمل كان إيمانهن أكمل. * طالب: (...). * الشيخ: بدليل، يعني: لو لم تصل المرأة إلا أربع صلوات كانت أنقص ممن تصلي خمسًا؛ لأنه ما دام عرفت أن النبي عليه الصلاة والسلام أصلًا جعل ترك الصلاة نقصًا، فترك بعض الصلاة أيضًا نقص. ثم قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب ٢٣]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: الثناء على أولئك المؤمنين الذين عاهَدُوا الله فصَدَقُوه، وجه ذلك: السياق: ﴿رِجَالٌ﴾، فإن ﴿رِجَالٌ﴾ نكرة للتعظيم، رجال عظماء صدقوا ما عاهدوا الله عليه. * ومن فوائدها: أن أولئك الذين صَدَقُوا ما عاهدوا الله منهم مَن تُوُفِّي واستشهد، ومنهم مَن بقي، وقد ذكرنا مثلًا لمن استشهد، مَن؟ أنس بن النضر رضي الله عنه، فإنه استشهد في أُحُد ووُجِدَ فيه بضع وثمانون ضربة. * ومن فوائدها أيضًا: أن الله أثنى على هؤلاء أنهم أتوا بما عاهدوا الله عليه على وجه الكمال بدون نقص ولا تغيير؛ لقوله: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾. * ومن فوائدها: أن مَن مات سابقًا ومَن مات لاحقًا إذا كانَا سواء فيما قامَا به مما يجب فإنه لا فرق بين المتقدم والمتأخر، كما قال: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾، وجعل الثناء عليهم واحدًا، لكن في الأعمال الأخرى مَن تأخر موته فازداد عملًا صالحًا فهو أكمل من الأول، ولكنه بالنسبة لما اتفقَا فيه من العمل الصالح لا فرق بين الأول والآخر. ثم قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٢٤]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: بيان حكمة الله عز وجل في المجازاة على العمل؛ لقوله: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ﴾. * ومن فوائدها: أن الجزاء من جنس العمل؛ لقوله: ﴿بِصِدْقِهِمْ﴾، فإن الباء للسببية، والْمُسَبَّب مربوط بالسبب، يقوى بقوته ويضعف بضعفه، ويزداد بزيادته وينقص بنقصانه. * ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على الصادقين، وأنهم أهل للجزاء الحسَن؛ لقوله: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾؛ الصادقين في العقيدة وفي القول، أيش بعد؟ وفي العمل، وقد أمر الله بالصدق، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة ١١٩]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام حَاثًّا على الصدق: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٩٤)، ومسلم (٢٦٠٧ / ١٠٣) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.]]. والصدق كما أنه محل ثناء من الله عز وجل، ومحل ثواب جزيل، فإنه محل ثناء من الخلق، ولهذا تجد الصادقين تُنْشَر آثارهم، وتُؤْثَر أقوالهم، ويُثْنَى عليهم في المجالس حتى بعد موتهم، بخلاف أهل الكذب -والعياذ بالله- والنفاق، فإنهم على العكس من ذلك، فعليك بالصدق، ولا تظن أن الصادق يَخِيبُ أبدًا، كما يصوِّر الشيطان أحيانًا للإنسان أنه لو صَدَق لكان في ذلك ضرر عليه، فليكن كاذبًا، أو فليكذب، فإن هذا من وساوس الشيطان، فالصدق مَنْجَاة، ولهذا قال أحدهم: رأيت في الكذب نجاةً، فقال الثاني له: فالصدق أَنْجَى، وصدق. واعلم أن الصادق وإن كان قد يكون الأمر مُرًّا عليه في أول أمره، لكنه تكون العاقبة له في النهاية، وإذا أردت مثلًا على ذلك فانظر إلى حال الثلاثة الذين خُلِّفُوا في غزوة تبوك، كيف كان أول أمرهم؟ كانوا في تلك المرارة العظيمة، حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم، وتَنَكَّرَت الأرض لهم. حتى يقول كعب بن مالك: «حتى كأن الناس الذين على الأرض كأنهم ليسوا هم الناس الذين أعرفهم»[[أخرج أحمد (٢٧١٧٥) بسنده عن كعب بن مالك قال: ... فجعلت أخرج إلى السوق فلا يكلمني أحد، وتنكَّر لنا الناس، حتى ما هم بالذين نعرف، وتنكّرت لنا الحيطان التي نعرف حتى ما هي الحيطان التي نعرف. الحديث.]]، ضاقت عليه الأرض، والنتيجة أنه نزلت فيهم آيات تُتْلَى إلى يوم القيامة، لولا هذا الصدق ما بقيت هذه الآيات، حتى قيل للناس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، عندما ذكرت قصتهم، هذه نهاية عظيمة جدًّا للصادقين، فأنت اصدق وإن حصل عليك ضرر في أول أمرك، لكن العاقبة لك، لا تُعَوِّد نفسك الكذب، ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾. * ويستفاد من الآية الكريمة: ذم النفاق وأنه سبب للعذاب؛ لقوله: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ﴾. * ويستفاد منه: أن المنافِق له توبة؛ لقوله: ﴿إِنْ شَاءَ﴾، فإنه يشاء أن يُعَذِّبهم إذا ماتوا على النفاق، أما إذا تابوا فقد شاء ألَّا يعذبهم، ولكنكم كما سمعتم التفسير على هذه الآية توبة المنافق ذُكِرَ فيها شروط لا بد من مراعاتها، ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ [النساء ١٤٦]، لا بد أن تظهر هذه الأمور على المنافق، وإلا فإن توبته لا تُقْبَل في الدنيا، أما في الآخرة فأَمْرُه إلى الله، لكن في الدنيا ما نقبلها إلا إذا ظهرت عليه هذه الأوصاف التي اشترطها الله عز وجل. * ويستفاد من ذلك: ترغيب المنافق بالتوبة؛ لقوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾، منافق خَادِع خاذِل ماكِر، ومع ذلك يقال له: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾، وهذا دليل على أن رحمة الله تعالى سبقت غضبه، ولهذا أولئك الذين يعذِّبون أولياءه ويحرقونهم بالنار يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج ١٠]، وكذلك الذين قالوا ﴿إن الله ثالث ثلاثة﴾ عرض الله عليهم التوبة، كل هذا دليل على أن الله سبحانه وتعالى يحب العفو أكثر من الانتقام. * ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: الغفور والرحيم، وما تَضَمَّنَاه أيضًا من الصفتين، وهما المغفرة والرحمة، وما يتعلق بهما من حكم وأَثَر، وهو أنه يغفر ويرحم، فالاسمان هذان الكريمان الغفور الرحيم من الأسماء المتعدية التي لا يتم الإيمان بها إلا بأمور ثلاثة، وهي؟ * طالب: (...) * الشيخ: لا. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، صح، أسماء الله تعالى نوعان: مُتَعَدٍّ ولازم، فالمتعدي لا يتم إيمانك به إلى بأمور ثلاثة: أن تؤمن به اسمًا لله، وأن تؤمن بما تضمنه من صفة، والثالث: أن تؤمن بما تضمَّنَه من الحكم والأثر؛ الغفور تؤمن بأن الغفور من أسماء الله، وأنه تعالى ذو مغفرة، والثالث: وأنه يغفر، ومثله الرحيم. النوع الثاني: إذا كان غيرَ متعدٍّ فلا يتم الإيمان به إلا بأمرين: الإيمان به اسمًا من أسماء الله، والثاني: الإيمان بما تضمنه من الصفة، مثل: العَلِيّ، العظيم، الكريم، وما أشبه ذلك، وربما نقول: إن الكريم من النوع الأول. في الآية إشكال ما أدري هل أوردتُه وأجبتُ عنه، وهو قوله: ﴿وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، ﴿كَانَ اللهُ﴾ يعني: والآن؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، لكن كيف نجيب عن قوله: ﴿كَانَ اللهُ﴾؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، ما للاستمرار، (كان) ما تأتي للاستمرار في حد ذاتها. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، أنا قلت محقق أن الله كان غفورًا رحيمًا، لكن (كان) فبانَ. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، نقول: إن (كان) يراد بها أحيانًا اتصاف اسمها بخبرها، بقطع النظر عن الزمن، وهو ما تُعْرَف بمسلوبة الزمن، يعني: ما يراد بها الزمن إطلاقًا، بل يراد بها تحقُّق هذا الوصف، (كان) يعني: ثَبَتَ، عرفتم؟ فــ﴿كَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يعني: أنه عز وجل لم يَزَل ولا يزال كذلك غفورًا رحيمًا، أظن ما يمكن أن نكمل.. * طالب: يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ﴾، هذا ثناء من الله سبحانه وتعالى على المؤمنين أنهم رجال (...)؟ * الشيخ: قد نقول –مثلًا-: إن الرجال حصل الثناء بالتنكير الدالّ على التعظيم، أما مجرد كلمة (رجال) فتُطْلَق على المؤمن وغير المؤمن. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، لكني ما أذكره الآن، العدد هو أربعة أو خمسة. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، كانوا منافقين فمَنَّ الله عليهم فتابوا من النفاق، لو رجعت إلى التفسير ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ [التوبة ٦٦] تجد فيها هذا. * فيستفاد من هذه الآية الكريمة: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى، حيث رد هذه الأحزاب الكثيرة العظيمة مع ما في قلوبهم من الغيظ والحنق الشديد على رسول الله ﷺ وأصحابه، رَدَّهم الله عز وجل بغيظهم، ما اشتفوا ولا نالوا مرادهم، قال الله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾، ولهذا أثنى النبي ﷺ على ربه بهزيمة الأحزاب، قال: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ»[[أخرجه البخاري (٣٠٨٤)، ومسلم (١٢١٨ / ١٤٧) واللفظ له من حديث جابر رضي الله عنهما.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الأحزاب قد امتلأت قلوبهم غيظًا على رسول ﷺ؛ لقوله: ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾، فإن الباء للمصاحبة والملابسة. * ومن فوائدها: أنهم –أي: الأحزاب- لم ينالوا مع هذا التعب الشديد خيرًا، لا في الدنيا ولا في الآخرة، فما نالوا خيرًا في الدنيا من غنائم وغيرها، ولا نالوا خيرًا في الآخرة من الأجور والثواب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل كفى المؤمنين القتال بعد هذه الغزوة، ولهذا لم يقاتل النبي ﷺ أحدٌ من المشركين بعد تلك الغزوة، حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْآنَ نَغْزُوهُمْ وَلَا يَغْزُونَنَا»[[أخرجه البخاري (٤١١٠) من حديث سليمان بن صرد رضي الله عنه.]]؛ لأن الله قال: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ في هذه الغزوة وفيما بعدها، فإن العرب لم يقوموا بغزوٍ لرسول الله ﷺ بعد هذه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل يدافع عن المؤمنين؛ لقوله: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾. وما وجه اختصاص ذلك بالمؤمنين؛ من أين يؤخذ من الآية أنه خاص بالمؤمنين؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، خَصَّهُ بالمؤمنين، فدَلَّ هذا على أن كفاهم القتال لإيمانهم، فالمؤمنون يكفيهم الله عز وجل ما أهَمَّهُم ويدافع عنهم لإيمانهم، كما قال تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر ٦١]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القوة والعزة لله؛ لقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾، وفيها إثبات هذين الاسمين من أسمائه، وهما القوي والعزيز. ثم قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: مِنَّةٌ أخرى على المؤمنين، وهي إنزال هؤلاء الذين غدروا من اليهود من بني قريظة من حصونهم اللاتي تَحَصَّنُوا بها؛ لقوله؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، خلوه هو يتم لأنه الظاهر إنه راح يتهوجس في البيت. * الطالب: (...). * الشيخ: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن اليهود والنصارى أعداء للمسلمين موالون للمشركين؛ لأن بني قريظة والَوا الأحزاب وظاهَرُوهم على رسول ﷺ مع ما عليهم من العهد والميثاق الذي بينهم وبين رسول الله ﷺ. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن إلقاء الرعب في القلوب من أعظم الهزيمة؛ لقوله: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾. * ومن فوائدها: الإشارة الى انحطاط هؤلاء اليهود وذُلِّهم، ونزولهم من الأعلى إلى الأسفل، ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾، وفعلًا فإنهم حصل لهم مع خروجهم من حصونهم من الذل والعار والخزي ما هو باقٍ إلى يوم القيامة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل أباح للمؤمنين هؤلاء اليهود قتلًا وأسرًا؛ لقوله: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾. * ومن فوائدها في قوله: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ﴾ إلى آخره: أن المؤمنين إذا فتحوا بلدًا ملكوا الأرض؛ لقوله: ﴿أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾، وإذا مَلَكُوا الأرض فهل تُقْسَم بين الغانمين، أو تُوقَف لبيت المال، أو تُوَزَّع على المؤمنين بخراج؟ فيه خلاف بين أهل العلم، والصحيح أنه يجب على ولي الأمر أن ينظر ما هو الأصلح، إن رأى أن يوزعها على الغانمين فعل كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام في خيبر، وإن رأى أن يبقيها في مصالح المسلمين أبقاها، وإن رأى أن يوزعها على المسلمين بخراج يُضْرَب عليها فعل كما فعل عمر رضي الله عنه، فيقول –مثلًا-: نحن نقسمها عليكم على أن يكون على كل مئة متر كذا وكذا دراهم، مثل الصُّبْرَة، وتكون هذه الدراهم للمسلمين ينتفعون بها، المهم أن أرض الكفار إذا فُتِحَت عَنْوَةً فهي لِمَن؟ للمسلمين؛ لقوله: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ملك لهم بدون عِوَض. * الطالب: (...). * الشيخ: لا لا، المسلمون الذين تَمَلَّكُوا ما جعل عليهم شيئًا، لكن أهل خيبر اليهود أبقاهم فيها على أنهم فلاليح؛ لأنهم يعرفون كيف يدبرون هذه الفلائح، فجعل لهم شطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع، ولَّا الأرض للمسلمين ما هي لهم. * ومنها أيضًا: حِلّ أموال الكفار للمسلمين؛ لقوله: ﴿وَأَمْوَالَهُمْ﴾، فإن الغنائم تحل للمسلمين، وهي من خصائص هذه الأمة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: البشارة بأن المسلمين سيَتَوَلَّوْنَ على أراضٍ أخرى للكفار، من أين تؤخذ هذه البشارة؟ * طالب: (...). * الشيخ: طالب العلم لازم يفهم، لازم يكون مع طالب العلم كتاب، الكتاب المقرَّر سواء القرآن، ولَّا في الحديث، ولَّا الفقه، ولَّا الأصول، ما طالب العلم يجيء كمستمع، يجيء كمستمع يكون مثل عامة الناس اللي في السوق، فطالب العلم يجب أن يكون طالبًا بمعنى الكلمة، وإلا لا فائدة من طالب العلم، الطالب يمشي مثل البعير الذي يحمل الغَرْبَل مُنْشَقّ مُتَخَرِّق، ما يحمل الماء، فنصيحتي لك أن تأخذ كتبًا مثل غيرك من الطلبة، وأن تتابع المدرِّس، وأن تأتي عند الدروس. * طالب: (...). * الشيخ: قوله: ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾، ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾، وهي خيبر وغيرها من بلاد الكفار، إنما فيه بشارة بأن الله سبحانه وتعالى سيُوَرِّث المسلمين أراضي الكافرين. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القدرة لله تعالى على كل شيء؛ لقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾، فكل شيء فإن الله قادر عليه لا يعجزه، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]، مهما ظننت من بعد وقوع الشيء فلا تستبعده على قدرة الله، فإن الأمر عليه هَيِّن كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧]، الكل عليه هَيِّن، ولكن هذا أهون. والحاصل أن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، وقد قال المؤلف صاحب تفسير الجلالين في سورة المائدة لما قال: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة ١٧] قال: (وخص العقلُ ذاتَه فليس عليها بقادر)، أي أن الله لا يقدر على ذاته، والذي خَصَّصَ هذا العموم هو العقلُ -على زعمه- فيقال له: ما هذا العقل الذي يخصص هذا العموم؟ وكيف لا يكون الله قادرًا على ذاته؟ بل هو سبحانه وتعالى قادر على كل شيء، حتى على ذاته فهو سبحانه وتعالى يستوي على العرش، وينزل إلى السماء الدنيا، ويأتي للفصل بين عباده، ويفعل ما يشاء، وهذه قدرة على الذات، أما إن أراد أنه غير قادر على ذاته فلا يعدمها –مثلًا-، فيقال: إن هذا الشيء مستحيل، والمستحيل لا تتعلق به القدرة أصلًا، فهو غير وارد، ولا داخل في الآية من الأصل، فأما أن نقول: إنه داخل فيما يخصه العقل فهذا تخصيص لما عَمَّمه الله عز وجل. * طالب: (...). * الشيخ: أي آية؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة ١٢٠]، آخر السورة. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، يعني لو قال قائل: هل يقدر الله عز وجل على أن يجعل الشيء متحركًا ساكنًا في آن واحد؟ نقول: هذا شيء مستحيل؛ لأنه إن كان متحركًا فليس بساكن، وإن كان ساكنًا فليس بمتحرك، فإذا جعله الله متحركًا لم يكن ساكنًا، وإن جعله ساكنًا لم يكن متحركًا من الأصل. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم. * يستفاد: إثبات غدر اليهود، وأنهم أهل غدر وخيانة، هذا شيء معلوم من اليهود من حالهم منذ كان فيهم نبيهم عليه الصلاة والسلام موسى إلى يومنا هذا، فهم أشد الناس مكرًا وغدرًا وخيانة، من قوله: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾. * طالب: (...). * الشيخ: لا، هذا شيء عقلًا واضح؛ لأنك إذا وصفته بالحركة انتفى عنه السكون، وإن وصفته بالسكون انتفى عنه الحركة قطعًا. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، هذا شيء معروف، ما يحتاج إلى إيمان، كما لو قلت: كل حادث لا بد له من مُحْدِث، شيء معقول، والأمور العقلية المعلومة بالضرورة ما تحتاج إلى تأمل ولا إلى تفكير. * الطالب: (...). * الشيخ: متناقضان، الحركة والسكون متناقضان، والسواد والبياض متضادان.

الأحزاب 33:24

قال الله تعالى -مبتدأ درس اليوم-: (﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ من الابتلاء والنصر ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ في الوعد، ﴿وَمَا زَادَهُمْ﴾ ذلك ﴿إِلَّا إِيمَانًا﴾ تصديقًا بوعد الله، ﴿وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب ٢٢] لأمره). ﴿لَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ﴾ هذه ﴿لَمَّا﴾ شرطية لكنها لا تجزم، وفعل الشرط في الآية ﴿رَأَى﴾، وجوابه ﴿قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ﴾، وقد مَرَّ علينا أن (لَمَّا) تأتي في اللغة العربية على عدة وجوه، منها الشرطية كما في هذه الآية، ومنها الجازمة كما في قوله: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص ٨]، هذه جازمة، ومنها أن تكون بمعنى (إلا) كما في قوله: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤]، يعني: إلا عليها حافظ. ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ﴾، والمراد بالأحزاب هنا الأحزاب الذين تَأَلَّبُوا على النبي ﷺ من قريش وغطفان وبني أسد وغيرهم، لَمَّا رأوهم رؤية بصرية أو قلبية؟ بصرية، لما رأوهم ﴿قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، كيف وعدنا الله ورسوله، أين الوعد من الله ورسوله بأن هؤلاء الأحزاب سيأتون؟ قال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة ٢١٤]، فإن الله تعالى بَيَّنَ في هذه الآية أنهم ما يمكن أن يدخلوا الجنة إلا بعد هذه الأمور، فيكون متضَمِّنًا بوعد الله سبحانه وتعالى لهم أن يَرَوْا مثل هذه الأشياء التي تزلزلهم. يقول: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، وهذا دليل على ثباتهم وإيمانهم، وصِدْق نواياهم، لكن المنافقون تقدم أنهم كانوا يهزؤون بالرسول عليه الصلاة والسلام لَمَّا ضرب الْحَجَر الذي اعترضهم في حفر الخندق وقال: إنه رأى مدائن كسرى وقصور قيصر واليمن، أيش قالوا؟ ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب ١٢]، إيشلون هذا يبغي يملك اليمن والشام والعراق وهو الآن مضيَّق عليه هذا .. هذا كذب وليس بصحيح، لكن المؤمنين قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، عكس هؤلاء المنافقين قالوا: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾. ﴿صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ الصدق هو الإخبار بالواقع على حسب ما هو واقع، وإن شئت فقل: هو الإخبار المطابق للواقع، هذا الصدق، وضده الكذب، ويقال: صَدَقني الحديثَ، وصدَّقني الحديث، وبينهما فرق؛ صَدَقَنِي الحديث يعني: أخبرني بالصدق، وصدَّقَنِي الحديث يعني: قال: إن ما حدثته به صدق، عرفتم؟ ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران ١٥٢] أيش معنى ﴿صَدَقَكُمُ﴾؟ يعني: أخبركم بالصدق وبَيَّنَ لكم أن ما وعدكم به حق إذ أَحْسَسْتُمُوهُم بإذنه. يقول: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، في هذه الجملة ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ سِيقَ هذا الكلام على سبيل الذم ولَّا على سبيل المدح؟ على سبيل المدح، ولكنه قد يشكل عليكم كيف قَرَنَ وَعْدَ رسول الله بوعد الله بالواو، وقَرَن أيضًا صدق رسول الله بصدق الله بالواو، وقد قال النبي ﷺ لرجل حين قال له: ما شاء الله وشئت، قال له النبي ﷺ: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا»، فكيف نجمع بين هذا، وبين ما في هذه الآية؟ الجواب أن يقال: ما كان من أمور الشرع فإنه لا بأس أن يضاف إلى الله ورسوله بالواو؛ لأن ما شَرَعَه النبي عليه الصلاة والسلام فهو من شرع الله، كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]، وأما ما كان من أمور القَدَر فإنه لا يجوز أن يضاف إلى الله ورسوله بالواو، بل لا بد أن يكون بـ(ثم)، وذلك لأن قدرة الإنسان ومشيئة الإنسان تابعة لمشيئة الله وقدرته. فمثلًا تقول لرجل سألك: ما حكم كذا وكذا؟ يعني: ما حكم الصلاة جماعة، وأنت لا تدري ما حكمها، فتقول: الله ورسوله أعلم؛ لأن هذا حكم شرعي، وأما إذا كان من الأمور القَدَرِيَّة فإنه لا يمكن أن يشرك غير الله بالله بالواو، وذلك لأن مشيئة غير الله وقدرة غير الله تابعة لمشيئة الله، لا يمكن أن تكون مساوية لها. قال: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾، ﴿مَا زَادَهُمْ﴾ الفاعل في ﴿زَادَهُمْ﴾ يعود على أيش؟ يعني: رؤية الأحزاب، يعني: ما زادهم رؤية الأحزاب وتأَلُّبهم على رسول الله ﷺ، ﴿إِلَّا إِيمَانًا﴾، يقول المؤلف: (تصديقًا بوعد الله ﴿وَتَسْلِيمًا﴾ لأمره)، إيمانًا بالقلب وتسليمًا بالجوارح؛ لأن الإيمان محله القلب، والتسليم والانقياد محله الجوارح، والإنسان لا يتم دينه إلا بهذين الأمرين؛ بالإيمان والتسليم، فمَن استسلم ولم يؤمن فهو منافق، ومَن آمن ولم يستسلم فهو مُسْتَكْبِر، فإذا اجتمع في الإنسان الإيمان والتسليم صار مؤمنًا حقًّا عابدًا حقًّا. فالإنسان المؤمن لكنه ما يستسلم نقول: هذا مستكبر، والإنسان المستسلم لكنه غير مؤمن نقول: هذا منافق؛ لأن المنافقين يستسلمون ظاهرًا، ولا يتم الإيمان إلا بهذين الأمرين؛ الإيمان والتسليم، ما يتم الشرع إلا بهذين الأمرين الإيمان والتسليم. قال: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾، ﴿إِيمَانًا﴾ هذه مفعول لأجله؟ ما إعرابها؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * الطالب: (...). * الشيخ: مفعول بأيش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: مفعول أول ولَّا ثانٍ؟ * الطالب: (...). * الشيخ: مفعول ثانٍ، والمفعول الأول؟ * الطالب: (...). * الشيخ: الهاء، إي نعم، فـ(زاد) تنصب مفعولين أولهما الهاء، والثاني في هذه الآية ﴿إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾. قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ من الثبات مع النبي ﷺ. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ﴾ الجملة هذه مكوَّنة من مبتدأ وخبر، والخبر مقدَّم والمبتدأ مؤخَّر، المبتدأ قوله: ﴿رِجَالٌ﴾، والخبر ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. .. والابتداء بالنكرة ليس جائزًا، والجواب أن ابن مالك النحوي رحمه الله: وَلَا يَجُـــوزُ الِابْتِدَا بِالنَّكِرَهْ ∗∗∗ مَا لَمْ تُفِدْ كَـ(عِنْدَ زَيْدٍنَمِرَهْ) الآية التي معنا مثل هذا المثال، أو لا؟ (عند زيد نمرة)، الْمُسَوِّغ للابتداء بالنكرة هنا تأخير المبتدأ، و﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا﴾ [الأحزاب ٢٣] المسوِّغ تأخير المبتدأ، كما أن في الآية أيضًا مسوغًا آخر وهو وصف هذه النكرة؛ لأن وصف النكرة يُخَصِّصُها. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، و﴿مِنَ﴾ في قوله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ للتبعيض؛ لأنها تُقَدَّر بـ(بعض)، واختلف النحويون في (مِن) التبعيضية؛ فقال بعضهم: إنها اسم، وهي بحسب العوامل، لكن لا يظهر عليها عمل العامل؛ لأنها حرف، فينتقل العمل إلى ما بعدها. ومنهم من قال: إنها حرف جر، ولكن معناها التبعيض، وهذا هو الذي عليه أكثر أهل النحو. ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾، أيش معنى ﴿صَدَقُوا﴾؟ أي: قاموا به، كما تقول: صَدَقَنِي الوعد، يعني: وَفَى لي بالوعد، فهم وفوا بما عاهدوا الله عليه من الثبات مع النبي ﷺ، مثل مَن؟ مصعب بن عمير وغيره، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، كثير من هذا. يقول الله عز وجل: (﴿﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ ﴾: مات أو قُتِلَ في سبيل الله، ﴿﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ ﴾ ذلك، ﴿﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ ﴾ في العهد، وهم بخلاف حال المنافقين). قسم الله هؤلاء الرجال الذين صَدَقُوا ما عاهدوا الله عليه إلى قسمين: قسم قضى نحبه، يعني: قضى حياته وقُتِلَ في سبيل الله، كحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، فإنه قُتِلَ شهيدًا في سبيل الله، وكذلك بقية شهداء أُحُد، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾، ويش ينتظر؟ ينتظر القتال في سبيل الله؛ لأنه قد صدق الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد صَدَقُوا ما عاهدوا الله عليه، فهم ينتظرون أن يستشهدوا. ولكن هل يحصل لهم ذلك أو لا؟ قد يحصل، وقد لا يحصل، ولهذا يقال: إن خالد بن الوليد رضي الله عنه تأسَّف في حال مرضه أنه لم يُقْتَل شهيدًا في سبيل الله، وقال -يعني يندم إنه ما ترك معركة إلا خاضها-: «وها أنا أموت على فراشي كما يموت الحمار»[[أخرج الدينوري في "المجالسة" (٨٣٦) بسنده أن خالد بن الوليد لما حضرته الوفاة بكى، وقال: لقد لقيت كذا وكذا زحفًا، وما في جسدي شبر إلا وفيه ضربة بسيف أو رمية بسهم أو طعنة برمح، فها أنا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت العَيْر، فلا نامت أعين الجبناء. والعَيْر بفتح العين هو الحمار أهليًّا كان أو وحشيًّا.]]؛ لأنهم يريدون أن يستشهدوا في سبيل الله. قال: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ هذا المعطوف على ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ يعني: ومنهم رجال ما بَدَّلُوا تبديلًا، أيش بدلوا؟ يقول المؤلف: (في العهد)، والتبديل في العهد يشمل نَقْضَه بالكلية، ويشمل الإخلال بشيء من شروطه، يعني: يشمل نَقْضَه بالكلية وعدم الالتفات إليه، أو الإخلال بشيء من شروطه. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب ٢٣]، ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ خبر مقدَّم، ﴿رِجَالٌ﴾ مبتدأ مؤخَّر، و﴿صَدَقُوا﴾ الجملة صفة لـ﴿رِجَالٌ﴾، ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ أي: أنهم صَدَّقوا أقوالهم بأفعالهم، فالعهد الذي عاهدوا الله عليه قاموا به ووفوا به. واعلم أن معنى قوله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا﴾ أن معناها: من المؤمنين رجال عاهدوا الله فصدقوا ما عاهدوا الله عليه، وليس المعنى أن من المؤمنين رجالًا صدقوا ومنهم مَن لم يصدق حتى يتشبث به مَن سَبَّ الصحابة، أو قال: إنهم ليسوا كلهم صادقين، بل المعنى: من المؤمنين رجال عاهدوا الله فصدقوا ما عاهدوا الله عليه، بل مِن المؤمنين مَن لم يعاهد الله سبحانه وتعالى على شيء، بل هو مستمر على طاعة ربه حيث ما أُمِرَ. مِمَّنْ عاهَد الله أنس بن النضر رضي الله عنه، فإن أنس بن النضر لم يشهد بدرًا، فلما رجع النبي ﷺ من بدر قال: يا رسول الله، هذه أول غزوة قاتلت فيها المشركين، والله لئن أبقاني الله تعالى لَيَرَيَنَّ الله ما أصنع، فلما صارت غزوة أحد قاتَل رضي الله عنه حتى قُتِلَ، فكان فيه بضع وثمانون ما بين طعنة رمح، أو ضربة سيف[[أخرج البخاري (٢٨٠٥) بسنده عن أنس قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله، غبتُ عن أول قتال قاتلتَ المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني أصحابه -، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعني المشركين -، ثم تقدم. فاستقبله سعد بن معاذ فقال: يا سعد بن معاذ، الجنة ورب النضر، إني أجد ريحها من دون أحد، قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع، قال أنس: فوجدنا به بضعًا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، ووجدناه قد قُتِلَ وقد مثَّل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه، قال أنس: كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] إلى آخر الآية.]]، فصَدَقَ ما عاهَد الله عليه، هذا هو معنى الآية. فقوله: ليَرَيَنَّ الله ما أصنع، هذا عهد؛ لأنه التزام التزم به على نفسه. قال: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ [الأحزاب ٢٣]، يعني: فمن هؤلاء الذين عاهدوا الله عز وجل ﴿مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ أي: عهده والتزامه، وقيل: ﴿مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ أي: أجله، أي: مات وقُتِلَ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ [الأحزاب ٢٣]، يعني: ينتظر الموت والقتل شهيدًا في سبيل الله عز وجل. قال: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ على الثبات مع النبي ﷺ، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ مات أو قُتِلَ في سبيل الله، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ ذلك ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾، يعني: ما حصل منهم تبديل لا بالنقض بالكلية ولا بالتغيير، ولهذا قال: ﴿وَمَا بَدَّلُوا﴾، والتبديل يكون بالتَّرْك كليَّةً، ويكون بالتغيير بالنقص أو بالزيادة، ولهذا قال: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾، قال المؤلف: (وهم بخلاف حال المنافقين)؛ لأن حال المنافقين على العكس، يعاهدون الله ولا يوفون، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة ٧٥-٧٧] ، أما المؤمن فإنه يَفِي بما عاهد الله عليه. قال الله عز وجل: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب ٢٤]، ﴿لِيَجْزِيَ﴾ اللام هذه للتعليل، يعني أن الأمر يقع كذلك على الوفاء وعلى النقض، على الوفاء مِمَّن؟ من المؤمنين، وعلى النقض من المنافقين، وقع هذا ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب ٢٤]، ولولا اختلاف الناس في الأعمال ما اختلفوا في الجزاء، ولو لم يختلفوا في الجزاء ما كان لِخَلْق الجنة والنار فائدة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٨، ١١٩]، فالله عز وجل حكيم، «خَلَقَ الجنة وخلق لها سكانًا، وخلق النار وخلق لها سكانًا»[[أخرج مسلم (٢٦٦٢) بسنده عن عائشة أم المؤمنين، قالت: توفي صبي فقلت: طوبى له عصفور من عصافير الجنة، فقال رسول الله ﷺ: «أوَلَا تدرين أن الله خلق الجنة وخلق النار، فخلق لهذه أهلًا ولهذه أهلًا».]]، وسكان هذه وهذه لا بد أن يكون لهم أعمال يقومون بها حتى يستحقوا أن يكونوا من أهلها. وقوله: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾، الباء هنا للسببية وليست للعِوَض؛ لأن الجزاء على الأعمال ليس من باب المعاوضة، ولكنه من باب قَرْن الْمُسَبَّب بسببه؛ لقول النبي ﷺ: «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ»[[أخرجه مسلم (٢٨١٦ / ٧١) وأحمد (٧٤٧٨) واللفظ له من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. فالأعمال الصالحة أسباب، وإلا فلو أن الله عز وجل أراد أن يعاوِضَنَا على أعمالنا معاوضة بمعنى المعاوضة لكان لو قابلنا بنعمة واحدة من نعمه علينا ما قابلتها كل أعمالنا، ولكن الأعمال سبب. وقوله: ﴿بِصِدْقِهِمْ﴾، إذا كان الجزاء بالصدق فسيكون على حسب ذلك الصدق، فالذين صَدَقُوا ما عاهدوا الله عليه يكون جزاؤهم على صِدْقِهم بحسب ما قاموا به، فإذا كانوا أَطْوَعَ لله عز وجل وأشد تنفيذًا لأوامره وأكثر فعلًا لطاعته صار جزاؤهم أكثر، والعكس بالعكس. ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ﴾ [الأحزاب ٢٤]، المنافق مَن؟ هو الذي أظهر الإيمان وأبطن الكفر، مأخوذ من النافِقَاء وهي نافقاء اليربوع التي يجعلها في جُحْرِه، حتى إذا أتاه أحد من بابه خرج من هذه النافقاء. (﴿﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ﴾ ﴾ بأن يميتهم على نفاقهم)، أشار المؤلف في قوله: (بأن يميتهم على نفاقهم) إلى أن تعذيب المنافقين المعلَّق بالمشيئة هنا ليس المعنى أنه إن شاء عذَّبَهم وإن شاء لم يعذبهم وقد ماتوا على النفاق، لا، إذا ماتوا على النفاق فقد أخبرنا الله تعالى أنهم في الدرك الأسفل من النار، وليسوا تحت المشيئة، فيكون قوله: ﴿إِنْ شَاءَ﴾ بأن يبقوا على نفاقهم حتى يموتوا، فإذا بقوا على نفاقهم إلى الموت علمنا أن الله قد شاء تعذيبهم، أما إن هداهم الله فإن المنافقين قد يهتدون، فلهذا قال: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [الأحزاب ٢٤] بأن يوفِّقَهم للتوبة. والصواب كما مَرَّ علينا كثيرًا أن المنافق تصح توبته، وهي نص في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء ١٤٥، ١٤٦] فقوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ بأن يَمُنّ عليهم بالتوبة فيتوبوا، وحينئذ لا يُعَذَّبُون. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٢٤]، ﴿غَفُورًا﴾ هذه اسم فاعل على صيغة المبالغة، يعني: كثير المغفرة، ويجوز أن تكون صفة مُشَبَّهَة، أي: ذو مغفرة، فالصفة المشبهة أبلغ من اسم الفاعل؛ لأن اسم الفاعل يدل على الفعل، والصفة المشبهة تدل على الوصف، أي: على اتصاف مَن هو وصفه بها دائمًا. وقوله: (﴿﴿غَفُورًا﴾ ﴾ لمن تاب)، فيه شيء من النظر؛ لأن الله تعالى يغفر حتى لمن لم يتب ممن هو تحت المشيئة، كفاعل المعاصي، ولو أن المؤلف رحمه الله أبقاها على إطلاقها لكان أسلم له، فنقول: ﴿غفورًا﴾ أي: كثير المغفرة، أو: ذو مغفرة مُتَّصِفٌ بها دائمًا. وهذا أقرب كما قلت؛ لأنه يدل على الوصف الدائم، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد ٦]. وقوله: (﴿﴿رَحِيمًا﴾ ﴾ به)، يقول: (به) أي: بمن تاب. والصواب أنه رحيم بِمَن تاب وبغيره، وأن رحمة الله عز وجل بالمعنى العام تشمل المؤمن والكافر، والبَرّ والفاجر، وكل أحد فإنه داخل في رحمة الله، هذا بالمعنى العام، أما المعنى الخاص فإن الرحمة تختص بالمؤمنين. قال الله عز وجل: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ [الأحزاب ٢٥]، رَدَّهُم أي: أرجعهم على أدبارهم خائبين. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: الأحزاب من قريش وغيرهم. وقوله: ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾ الباء هنا للملابسة، أي: مُتَلَبِّسِين بالغيظ، فالجارّ والمجرور في موضع نصب على الحال، يعني أنهم رجعوا مُغْتَاظِين غاية الغيظ، ووجه اغتياظهم أنهم جاؤوا بهذا الجمع الكثير الذي لم يُشْهَد له نظير في ذلك الوقت، يريدون ماذا ؟ يريدون القضاء على النبي ﷺ، ومع ذلك ما الذي حصل لهم؟ حصل لهم التعب والعَنَت والجوع والبلاء، وآخر الأمر أن رجعوا هاربين، ولا شك أن مثل هذا سوف يؤثر على الإنسان، سوف يملأ قلبه غيظًا وحسرة وندمًا، كيف يأتي بهذا الجيش الذي جمعه لهم وأبدأ فيه وأعاد، وآخر الأمر أن ينقلب ولا يكون معركة، ولهذا قال: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾، خيرًا منين؟ خيرًا لا من أمر الدنيا ولا من أمر الآخرة؛ أما أمر الآخرة فإنهم لم ينالوا خيرًا؛ لقتالهم للنبي ﷺ على كل حال، وأما أمر الدنيا فالذي يرونه هم خيرًا لأنفسهم فهل نالوه؟ لا، فهم ما نالوا خيرًا لا في الدين ولا في الدنيا ولله الحمد، حتى ما يظنونه خيرًا من هزيمة رسول الله ﷺ والقضاء عليه وعلى أصحابه ما حصل لهم ذلك، ﴿لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾. وقوله: ﴿خَيْرًا﴾ نكرة في سياق النفي، ﴿لَمْ﴾ فتفيد العموم، يعني: ما نالوا أي خير لا قليلًا ولا كثيرًا، وهذه من نعمة الله عز وجل. وأضاف الله الرد إلى نفسه: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لأن رجوعهم ليس بحول النبي ﷺ ولا قوته، ولا بحول أصحابه ولا قوتهم، ولكنه بحول الله تعالى وقوته، ولهذا قال: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب ٢٥]. يقول المؤلف: (﴿﴿لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ ﴾ مرادهم من الظَّفَر بالمؤمنين). ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾، الحمد لله، ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾، يعني: أن الله أراح المؤمنين من القتال فلم يقاتلوا، وأما ما حصل من المناوشات التي حصلت لبعض الصحابة مع بعض المشركين فهذا لا يُعَدّ قتالًا؛ لأن الكلام على الجيش كله جمعاء، فإنه لم يحصل فيه قتال، ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ وهو نِعْم الْحَسْب، وهو الكفيل سبحانه وتعالى، قال: (بالريح والملائكة)، الريح سبق أن الله تعالى أرسل عليهم الريح الشرقية باردة شديدة، وأنها كفأت قُدُورَهم، وزلزلت خيامهم، ورَمَتْهُم بالحجارة تحملها الرياح مع البَرد الشديد، حتى كانوا يصطلون بالنار ويقولون: النجا النجا، فهذه الريح، أما الملائكة فإن الله سبحانه وتعالى سَلَّطَ الملائكة عليهم بأن تلقي في قلوبهم الرعب والفزع والخوف، وتَحُوشَهم حتى ينصرفوا من المكان، وهذا من نصر الله عز وجل للرسول ﷺ. (﴿﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ ﴾ [الأحزاب: ٢٥] على إيجاد ما يريده، ﴿﴿عَزِيزًا ﴾ ﴾ غالبًا على أمره). ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا﴾ القوة صفة يتمكن بها القوي مِن فِعْل ما يريد بدون ضعف، وهي أعلى من القدرة؛ لأن القدرة صفة يتمكن بها القادر مِن فِعْل ما يريد بدون عجز، فالقوة أعلى، وانظر إلى رجلين حَمَلَا صخرة، فأحدهما حَمَلَهَا لكن مع نوع من المشقة، فنقول: هذا قادر ولكن ليس بقوي، والآخر حَمَلَهَا وكأنها شيء بسيط، نقول: هذا قوي. وقوة الله عز وجل لا منتهى لها، ولا مقياس لها، بل هو فوق ما يتصوره الإنسان، لَمَّا قالت عادٌ: ﴿من أشد منا قوة﴾ قال الله عز وجل: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت ١٥، ١٦]. وأما قوله: ﴿﴿عَزِيزًا﴾ ﴾ يقول: (غالبًا على أمره)، العزيز من أسماء الله تعالى له ثلاثة معانٍ: عزيز القدر، وعزيز القهر، وعزيز الامتناع. أما عزيز الامتناع فمعناه أنه يمتنع أن يناله سبحانه وتعالى سوء أو نقص في جميع صفاته وجميع أفعاله. وأما عزة القدر فمعناه أنه ذو قَدْر عظيم رفيع، مثلما تقول: فلان عزيز النفس؛ يعني له عزة وتَرَفُّع عن الدنايا. وأما عزة القهر فتأتي معناها الغلبة، فمعناها أنه غالب على كل شيء، حتى في الجاهلية يقول الشاعر: أَيْنَ الْمَــــفَرُّ وَالْإِلَهُ الطَّـــالِـــبُ ∗∗∗ وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ لَيْسَالْغَالِبُ فالله عز وجل هو الغالب على أمره، وهو غالب على كل شيء، لا شيء يكون أمام غلبته، فصار العزيز له ثلاثة معانٍ: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع، وكلها ثابتة لله عز وجل. قال: (﴿﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ ﴾ أي: قريظة، ﴿﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ ﴾ حصونهم، جمع صِيصَة؛ وهو ما يُتَحَصَّنُ به، ﴿﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ ﴾ [الأحزاب: ٢٦]). ﴿أَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾، ﴿أَنْزَلَ﴾ الضمير يعود على مَن؟ على الله، وقوله: ﴿الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ﴾ أي: أعانوهم وساعدوهم، والمظاهرة بمعنى المساعدة، وتظاهَر على كذا، تظاهر أي: تساعد وتساند عليهم، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ﴾ [التحريم ٤]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨]، يعني: مساعدًا ومُعِينًا. وقوله: ﴿ظَاهَرُوهُمْ﴾ أي: أعانوهم وساعدوهم من أهل الكتاب. وقوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ المراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى، لكن المراد بهم هنا في الآية طائفة من اليهود، وهم بنو قريظة، وسبق أن بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع ثلاث قبائل من اليهود قَدِمَ النبي ﷺ المدينة وهم ساكنون فيها، فأجرى بينهم وبينه عهدًا، ولكنهم نقضوا ذلك العهد، ولم يَبْقَ إلا بنو قريظة، ثم إن بني قريظة نقضوا العهد بمساعدتهم مَن؟ الأحزاب على رسول الله ﷺ. ولما رجع النبي ﷺ من الأحزاب ودخل بيته واغتسل جاءه جبريل وقال له: «اخرج إلى هؤلاء، يشير إلى بني قريظة، فإنهم نقضوا العهد، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه بالخروج، وقال: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ»[[أخرج البخاري (٢٨١٣)، ومسلم (١٧٦٩) بسنده عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله ﷺ لما رجع يوم الخندق ووضع السلاح واغتسل فأتاه جبريل وقد عصب رأسه الغبار، فقال: وضعت السلاح؟ فوالله ما وضعته، فقال رسول الله ﷺ: «فأين»، قال، هاهنا، وأومأ إلى بني قريظة... الحديث. وانظر الثقات لابن حبان (١ / ٢٧٤).]]. ما توانى الصحابة رضي الله عنهم ولا تأخروا، مع ما هم فيه من التعب والضعف، فخرجوا فحاصَروا بني قريظة لمدة نحو عشرين يومًا، حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه. يقول الله عز وجل هنا: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾، ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ جارّ ومجرور متعلِّق بـ﴿أَنْزَلَ﴾ يعني: أنزل هؤلاء من صياصيهم، أي: من مَآمِنِهم، والأصل في صياصي حظائر البقر؛ لأنها تُؤَمَّن فيها، فـ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ يعني: من مَآمِنِهم وحصونهم التي يُتَحَصَّن فيها، ولكن ذلك لم يُغْنِهِم من الله شيئًا، أنزلهم من صياصيهم. ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾، ﴿قَذَفَ﴾ بمعنى: رمى، وهو أشد وقعًا من قوله: وضع، يعني لو قال: وضع في قلوبهم الرعب، أفاد أن الرعب صار في القلوب، لكن إذا قال: ﴿قَذَفَ﴾ صار أشد، والرعب بمعنى الخوف، وإذا وقع الخوف في القلب فلا تسأل عن الخائف، يظن أن الشجر نَفَر، لا يتصور الأمور على حقائقها، حتى لو ناداه أحد من أصحابه ظن أنه عدوه يناديه ليقتله، ولا أشد من سلاح يفتك بالعدو من الرعب، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.]]. أما إذا ثبت القلب واطمأن فإن المقاتل سيثبت، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال ٤٥]، وذِكْر الله تعالى تطمئن به القلوب، ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد ٢٨]. وأخبر الله عز وجل أن الله أنزل على أهل بدر المطر ليُثَبِّت به الأقدام، وتكون به السكينة. فالحاصل أن الرعب من أشد الأسلحة فتكًا بالعدو. ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾، قال المؤلف: (﴿﴿فريقًا﴾ ﴾ تقتلون منهم، وهم المقاتلة، ﴿﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ ﴾ منهم، أي: الذراري). هم لما طال بهم الحصار ونزلوا على حكم الرسول عليه الصلاة والسلام خَيَّرَهم قال: «مَنْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِهِ»[[أخرج البخاري (٦٢٦٢)، ومسلم (١٧٦٨ / ٦٤) بسندهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن أهل قريظة نزلوا على حكم سعد، فأرسل النبي ﷺ إليه فجاء، فقال: «قوموا إلى سيدكم»، أو قال: «خيركم»، فقعد عند النبي ﷺ فقال: «هؤلاء نزلوا على حكمك»، قال: فإني أحكم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبي ذراريهم، فقال: «لقد حكمت بما حكم به الملك».]]، قالوا: نريد أن ننزل على حكم سعد بن معاذ، وكان سعد بن معاذ رضي الله عنه حليفًا لهم، فظنوا أنه سيفعل مثلما فعل عبد الله بن أُبَيّ لحلفائه من اليهود حين شفع فيهم إلى رسول ﷺ وتركهم، لكن سعدًا رضي الله عنه لما جاء وكان في خيمة له في المسجد؛ لأنه أصيب في الأحزاب بأَكْحَلِه، وضرب له النبي ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب؛ لأنه سيّد قومه، سيد الأوس. جاء على حِمَار من مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام إلى مكان الحصار، فأخبره النبي عليه الصلاة والسلام بأنهم حَكَّمُوه، فقال: حُكْمِي فيهم نافذ؟ ويشير إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، ويشير إليهم أيضًا، قالوا: نعم، كلهم رضوا، النبي عليه الصلاة والسلام رضي، وكذلك هؤلاء اليهود رضوا، فقال: لقد آنَ لسعد ألَّا تأخذه في الله لومة لائم، هذا مقام محنة عظيمة، فحكم فيهم رضي الله عنه بِحُكْم عظيم، حكم صواب مطابق للحق، «قال: أحكم بأن تُقْتَل مقاتلتهم، وتُسْبَى ذريتهم، وتُغْنَم أموالهم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ»[[السابق، وانظر سيرة ابن هشام (٢ / ٢٤٠).]]. ثم أمر النبي عليه الصلاة والسلام بأن تُقْتَل مقاتلتهم، وهم الرجال البالغون، وأما الذراري من النساء والرجال غير البالغين فإنها تُسْبَى، والأموال تُغْنَم، فقتلوا في المدينة ما بين السبع مئة إلى ثمان مئة قُتِلُوا في يوم واحد بناء على حكمٍ هم الذين رضوا به، فهذا هو معنى قوله: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾، هنا قدَّم المفعول في قوله: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾، وأَخَّر المفعول في قوله: ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾، فهل الفائدة من ذلك مراعاة الفواصل فقط، فتكون الفائدة لفظية، ولَّا هناك فائدة معنوية؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، بل الأمران. * الطالب: الفريقان بينهم اختلاف، ليسوا سِيَّان. * الشيخ: كيف ذلك؟ * الطالب: الفريقان بينهم اختلاف، الفريق الأخير يعني النساء، والأول الرجال فقط. * الشيخ: لا. * الطالب: لأن الأول هم الرجال يعني، والثاني: الذين لا يقاتلون. (...). * الشيخ: إي نعم، هذا هو الظاهر؛ لأن الحكم الأول أشد وأبلغ، فلهذا قُدِّمَ مفعوله ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾، والثاني دون ذلك؛ لأن الأسير ربما يُمَنَّ عليه بإطلاقه، فقال: ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾، هذا مع مراعاة اللفظ الذي هو مراعاة الفواصل؛ فواصل الآيات، ولهذا قال تعالى في سورة البقرة: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ [المائدة ٧٠]، أو ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة ٨٧]، لما كان التكذيب للرسل شديدًا قَدَّمَ فيه المفعول كما قَدَّمَ المفعول في قتلهم، فهذه قصة الأحزاب انتهت على قوله: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ [الأحزاب ٢٧] بعد، وهي خيبر، وأُخِذَت بعد قريظة، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب ٢٧]. ﴿أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾، هذه تنصب مفعولين؛ المفعول الأول: الكاف، والثاني: أرضهم، ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾، ﴿وَدِيَارَهُمْ﴾ كيف الأرض والديار، بينهما فرق؟ الديار جمع دار، وهي المساكن والأحياء، وأما الأرض فهي أعمّ من ذلك، والأموال هي الأمتعة والدراهم والدنانير، وغير ذلك. ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ يعني: ما وطأتموها حتى الآن، ولكنكم سترثونها، وهي أرض خيبر، فإن النبي ﷺ فتحها بعد ذلك في السنة السادسة، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ فلا يعجزه شيء. وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ قدَّم المفعول لتحقق وقوع الفعل به، ولهذا قال: ﴿كَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾، ولا تقل كما يقول بعض الناس: إنه على ما يشاء قدير؛ لأنك إذا قلت: على ما يشاء قدير، خَصصت قدرته بما يشاء، مع أن القدرة تُعَلَّق بالذي شاءه والذي لم يشأه، حتى الذي لم يشأه هو قادر عليه، والله أعلم . قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٢٦٢)، ومسلم (١٧٦٨ / ٦٤) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]]، فقاموا إلى سيدهم سعد بن معاذ وأنزلوه من حماره، وجلس أمام النبي ﷺ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ هَؤُلَاءِ رَضُوا بِأَنْ يَنْزِلُوا إِلَى حُكْمِكَ»[[أخرج البخاري (٦٢٦٢)، ومسلم (١٧٦٨ / ٦٤) بسندهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن أهل قريظة نزلوا على حكم سعد، فأرسل النبي ﷺ إليه فجاء، فقال: «قوموا إلى سيدكم»، أو قال: «خيركم»، فقعد عند النبي ﷺ فقال: «هؤلاء نزلوا على حكمك»، قال: فإني أحكم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبي ذراريهم، فقال: «لقد حكمت بما حكم به الملك».]] »، فقال لهم، فالتفت إليهم: أرضيتم بذلك وحكمي نافذ؟ قالوا: نعم، فالتفت إلى الجانب الآخر فيه المسلمون، فقال: أترضون بهذا؟ قالوا: نعم، إلا أنه لما اتجه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام خفض رأسه إجلالًا لرسول الله ﷺ، فحكم هذا الْحُكم الذي أيَّدَه النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: «إِنَّهُ حُكْمُ اللهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ»[[السابق، وانظر سيرة ابن هشام (٢ / ٢٤٠).]] »، وكم كان عدد هؤلاء؟ * طالب: (...). * الشيخ: قالوا: لما رأوا الأحزاب قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب ٢٢]، وكان مقتضى الحال أن يلحقهم الخوف والذُّعْر كما حصل للمنافقين. * ومن فوائدها: كمال تصديقهم لله ورسوله في قولهم: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب ٢٢]، فهم شاهدوا ما وعد الله، ثم أظهروا الإيقان بذلك بألسنتهم؛ لقولهم: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾. استدل بعض الْجُهَّال بهذه الآية على مشروعية ختم القرآن بقولهم: صدق الله، فقالوا: كيف تُنْكِرُون علينا إذا أكملنا القراءة وقلنا: صدق الله العظيم، مع أن الله يقول: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، ويقول: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ [آل عمران ٩٥]؟ فما هو الجواب عن هذه الشبهة؟ * طالب: الجواب أنه لم يقل: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ عند انتهاء التلاوة (...). * الشيخ: إي نعم، نقول: نحن لا ننكر أن يقول أحد: صدق الله ورسوله، بل نرى أنه من الإيمان أن يقول الإنسان: صدق الله ورسوله، وأن مَن لم تكن عقيدته هذه فهو كافر، لكننا ننكر أن نجعل هذا الثناء على الله عز وجل عند الانتهاء من التلاوة مع أنه لم يَرِد، فهل نحن أعلم بشريعة الله من رسول الله؟ وهل نحن أحرص منه على تطبيق شريعة الله؟ أبدًا، فإذا لم يكن كذلك فإن الواجب علينا أن نَحْذُوَ حَذْوَه، فإذا كان يقول عند انتهاء تلاوته: صدق الله، فإننا نقولها على العين والرأس، وإذا كان لا يقولها فلا نقولها. ونقول لهم: إذا كنتم تعتقدون مشروعية ذلك فقولوها أيضًا في الصلاة، إذا انتهيتم من القراءة في الصلاة قبل أن تكبروا قولوا: صدق الله؛ لأن التلاوة في الصلاة أفضل منها خارج الصلاة، المهم أنه لا دليل لهؤلاء في مثل هذه الآية. * من فوائد الآية الكريمة: أن المؤمن يزداد إيمانًا عند رؤية الآيات الكونية أو الشرعية؛ لقوله: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب ٢٢]. * ومن فوائدها: تقرير أو صحة مذهب أهل السنة والجماعة الذين يقولون: إن الإيمان يزيد وينقص، كذا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: وقد ذكرنا أن زيادة الإيمان باعتبارات؛ باعتبار قوة اليقين، وباعتبار صحة العمل، وباعتبار الإخلاص فيه، وباعتبار المتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام، وباعتبار العامل نفسه، كل هذه الاعتبارات يزيد بها الإيمان، ما هو الأول؟ اعتبار قوة اليقين، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠]، أليس الخبر كالمعاينة؟ لو أخبرك مَن تثق به تمام الثقة عن وجود شيء آمنت به، لكنك إذا رأيته بعينك صار ذلك أقوى إيمانًا (...) اعتبار تفاضل العمل. فهذا نقصٌ بترك العمل فيلزم منه الزيادة، لماذا؟ لكثرة العمل. وثالثًا: بحسب الإخلاص في العبادة، كلما كان الإنسان في العبادة أخلص لله كان زيادة الإيمان بها أكمل وأقوى، ولهذا تجد الفرق إذا عَبَدْتَ الله عز وجل بإخلاص، وإذا عبدته بغفلة تجد الفرق العظيم بتأثر قلبك، مع أن العبادة واحدة، فكيف إذا عبدت الله تعالى برياء وسمعة -نسأل الله أن يحمينا وإياكم من ذلك- يكون أشد وأشد في عدم تأثر القلب بهذه العبادة، بالمتابعة أيضًا باعتبار متابعة الإنسان للرسول عليه الصلاة والسلام، كلما ازداد الإنسان اتباعًا للرسول ﷺ في عبادته ازداد إيمانه بذلك؛ لأنه عندما يزداد اتباعًا للرسول عليه الصلاة والسلام يشعر كأن الرسول ﷺ أمامه يتابع أَثَرَهُ، وهذا لا شك أنه يزيد في الإيمان. والخامس: باعتبار حال العامل، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١ / ٢٢٢) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]]، يعني: الصحابة رضي الله عنهم؛ لأنهم أقوى إيمانًا ممن بعدهم، وأشد ثباتًا. والحاصل أن الإيمان زيادته لها عدة اعتبارات، ومنها أيضًا السادس: ترك المعاصي خوفًا من الله، فإن الإيمان يزداد به، وسيأتينا إن شاء الله تعالى في كتاب التوحيد شرح ذلك على وجه أكمل. المهم أن أهل السنة والجماعة يقولون: إن الإيمان يزيد وينقص، وقالت المرجئة: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ليش؟ قالوا: لأن الإيمان في القلب، والأعمال الصالحة ما لها دخل بالإيمان، وما في القلب لا يتفاوت، فنحن الآن نؤمن بالشمس جميعًا، إيماننا بالشمس على حد سواء ما يتفاوت، فالناس كما قال ابن القيم عنهم: النَّاسُ فِي الْإِيمَانِ شَيْءٌ وَاحِدٌ ∗∗∗ كَالْمُشْطِ عِنْدَ تَمَاثُلِ الْأَسْنَانِ وهذا القول لا شك أنه خطأ يرده الواقع والشرع، وقالت الخوارج والمعتزلة: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، إما أن يوجَد جملة كاملًا، وإما أن يُعْدَم بالكلية؛ لأنهم يقولون: إن فاعل الكبيرة خارج عن الإيمان، فإما كافر، وإما في منزلة بين منزلتين، فالخوارج يقولون: فاعل الكبيرة كافر، ما عنده إيمان أبدًا، والمعتزلة يقولون: لا إيمان عنده، لكن لا نقول: إنه كافر، بل هو في منزلة بين منزلتين، ومَن لم يكن فاعل كبيرة فالناس في الإيمان سواء، كلهم على حد سواء، فالذين لا يرون زيادة الإيمان ولا نقصانه طائفتان؛ إما مرجئة، أو وَعِيدِيَّة وهم الخوارج، ومَن؟ والمعتزلة. وقال بعض أهل السنة كمالك رحمه الله قال: الإيمان يزيد، ولا نقول: ينقص؛ لأن زيادة الإيمان في القرآن والسنة كثيرة، ولكن ما فيه نقص، ما فيه ذِكْر نقص الإيمان، ولكن قوله رحمه الله ضعيف؛ لأن في السنة: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ»[[أخرجه البخاري (٣٠٤) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، ومسلم (٧٩ / ١٣٢) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]]، والإيمان بلا شك من الدين، فيكون داخلًا في هذا الحديث. وأيضًا فإن الزيادة والنقصان من الأمور المتقابلة التي إذا وُجِدَ أحدها انتفى الآخر، ولا يُعْقَل وجود أحدهما إلا بوجود الآخر، فمثلًا الزيادة ما تُعْقَل إلا بنقص، فنقول له: أنت تقول: إن فلانًا أزيد إيمانًا من فلان، معنى ذلك أن الْمَزِيد عليه ناقص، ولا يُتَصَوَّر غير هذا. والصواب أن الإيمان يزيد وينقص، وأسباب زيادته ونقصانه كما شرحنا قبل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الناس يختلفون في الانقياد والتسليم كما يختلفون في الإيمان زيادةً ونقصًا؛ لقوله: ﴿إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾؛ لأن عامة المؤمنين كلهم منقادون للشرع، لكن منهم مَن ينقاد بطمأنينة وانشراح، وقبول ومحبة، ومنهم مَن يُسَلِّم على وجه دون ذلك، ومنهم مَن يأتي إلى الصلاة –مثلًا- وهو يرى أنها نعمة من الله عز وجل، ويأتي إليها مُقْبِلًا غير مُدْبِر، نشطًا منشرح الصدر، محبًّا لها، ينتظر الصلاة بعد الصلاة بفارغ الصبر، ومنهم أناس بالعكس، يأتون إلى الصلاة لا يتخلفون، لكن ببطء وتثاقل، وعدم انقياد تامّ، أليس كذلك؟ إذن الناس يختلفون في التسليم، ولهذا قال: ﴿إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن التأمل في الآيات ووضوح الآيات للعبد تزيد في إيمانه وتسليمه؛ لقوله: ﴿وَمَا زَادَهُمْ﴾، أي: ما رأوه من الأحزاب، ﴿إِلَّا إِيمَانًا﴾ بالله، ﴿وَتَسْلِيمًا﴾ لشرعه. مَن يبغي يسأل؟ * طالب: (...) أو أن ايمان الانسان ناقص؟ * الشيخ: إي، فيه صريح من الإيمان ينقص. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، لكنه ناقص بالنسبة للرجال. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، إنه يزيد وينقص، الرسول أثبت نقصانه. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، أبدًا ما هو بدرجات، هذا النقصان يختلف حتى بالنسبة للنساء اللي هي ناقصات، ففيه إثبات أصل النقص بالنسبة للرجال؛ لأنهن لا يصلين ولا يَصُمْن، ثم هنّ بأنفسهن ما دام تَرْك الصلاة نقصًا كلما كان قيامهن بالصلاة أكمل كان إيمانهن أكمل. * طالب: (...). * الشيخ: بدليل، يعني: لو لم تصل المرأة إلا أربع صلوات كانت أنقص ممن تصلي خمسًا؛ لأنه ما دام عرفت أن النبي عليه الصلاة والسلام أصلًا جعل ترك الصلاة نقصًا، فترك بعض الصلاة أيضًا نقص. ثم قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب ٢٣]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: الثناء على أولئك المؤمنين الذين عاهَدُوا الله فصَدَقُوه، وجه ذلك: السياق: ﴿رِجَالٌ﴾، فإن ﴿رِجَالٌ﴾ نكرة للتعظيم، رجال عظماء صدقوا ما عاهدوا الله عليه. * ومن فوائدها: أن أولئك الذين صَدَقُوا ما عاهدوا الله منهم مَن تُوُفِّي واستشهد، ومنهم مَن بقي، وقد ذكرنا مثلًا لمن استشهد، مَن؟ أنس بن النضر رضي الله عنه، فإنه استشهد في أُحُد ووُجِدَ فيه بضع وثمانون ضربة. * ومن فوائدها أيضًا: أن الله أثنى على هؤلاء أنهم أتوا بما عاهدوا الله عليه على وجه الكمال بدون نقص ولا تغيير؛ لقوله: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾. * ومن فوائدها: أن مَن مات سابقًا ومَن مات لاحقًا إذا كانَا سواء فيما قامَا به مما يجب فإنه لا فرق بين المتقدم والمتأخر، كما قال: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾، وجعل الثناء عليهم واحدًا، لكن في الأعمال الأخرى مَن تأخر موته فازداد عملًا صالحًا فهو أكمل من الأول، ولكنه بالنسبة لما اتفقَا فيه من العمل الصالح لا فرق بين الأول والآخر. ثم قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٢٤]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: بيان حكمة الله عز وجل في المجازاة على العمل؛ لقوله: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ﴾. * ومن فوائدها: أن الجزاء من جنس العمل؛ لقوله: ﴿بِصِدْقِهِمْ﴾، فإن الباء للسببية، والْمُسَبَّب مربوط بالسبب، يقوى بقوته ويضعف بضعفه، ويزداد بزيادته وينقص بنقصانه. * ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على الصادقين، وأنهم أهل للجزاء الحسَن؛ لقوله: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾؛ الصادقين في العقيدة وفي القول، أيش بعد؟ وفي العمل، وقد أمر الله بالصدق، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة ١١٩]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام حَاثًّا على الصدق: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٩٤)، ومسلم (٢٦٠٧ / ١٠٣) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.]]. والصدق كما أنه محل ثناء من الله عز وجل، ومحل ثواب جزيل، فإنه محل ثناء من الخلق، ولهذا تجد الصادقين تُنْشَر آثارهم، وتُؤْثَر أقوالهم، ويُثْنَى عليهم في المجالس حتى بعد موتهم، بخلاف أهل الكذب -والعياذ بالله- والنفاق، فإنهم على العكس من ذلك، فعليك بالصدق، ولا تظن أن الصادق يَخِيبُ أبدًا، كما يصوِّر الشيطان أحيانًا للإنسان أنه لو صَدَق لكان في ذلك ضرر عليه، فليكن كاذبًا، أو فليكذب، فإن هذا من وساوس الشيطان، فالصدق مَنْجَاة، ولهذا قال أحدهم: رأيت في الكذب نجاةً، فقال الثاني له: فالصدق أَنْجَى، وصدق. واعلم أن الصادق وإن كان قد يكون الأمر مُرًّا عليه في أول أمره، لكنه تكون العاقبة له في النهاية، وإذا أردت مثلًا على ذلك فانظر إلى حال الثلاثة الذين خُلِّفُوا في غزوة تبوك، كيف كان أول أمرهم؟ كانوا في تلك المرارة العظيمة، حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم، وتَنَكَّرَت الأرض لهم. حتى يقول كعب بن مالك: «حتى كأن الناس الذين على الأرض كأنهم ليسوا هم الناس الذين أعرفهم»[[أخرج أحمد (٢٧١٧٥) بسنده عن كعب بن مالك قال: ... فجعلت أخرج إلى السوق فلا يكلمني أحد، وتنكَّر لنا الناس، حتى ما هم بالذين نعرف، وتنكّرت لنا الحيطان التي نعرف حتى ما هي الحيطان التي نعرف. الحديث.]]، ضاقت عليه الأرض، والنتيجة أنه نزلت فيهم آيات تُتْلَى إلى يوم القيامة، لولا هذا الصدق ما بقيت هذه الآيات، حتى قيل للناس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، عندما ذكرت قصتهم، هذه نهاية عظيمة جدًّا للصادقين، فأنت اصدق وإن حصل عليك ضرر في أول أمرك، لكن العاقبة لك، لا تُعَوِّد نفسك الكذب، ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾. * ويستفاد من الآية الكريمة: ذم النفاق وأنه سبب للعذاب؛ لقوله: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ﴾. * ويستفاد منه: أن المنافِق له توبة؛ لقوله: ﴿إِنْ شَاءَ﴾، فإنه يشاء أن يُعَذِّبهم إذا ماتوا على النفاق، أما إذا تابوا فقد شاء ألَّا يعذبهم، ولكنكم كما سمعتم التفسير على هذه الآية توبة المنافق ذُكِرَ فيها شروط لا بد من مراعاتها، ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ [النساء ١٤٦]، لا بد أن تظهر هذه الأمور على المنافق، وإلا فإن توبته لا تُقْبَل في الدنيا، أما في الآخرة فأَمْرُه إلى الله، لكن في الدنيا ما نقبلها إلا إذا ظهرت عليه هذه الأوصاف التي اشترطها الله عز وجل. * ويستفاد من ذلك: ترغيب المنافق بالتوبة؛ لقوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾، منافق خَادِع خاذِل ماكِر، ومع ذلك يقال له: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾، وهذا دليل على أن رحمة الله تعالى سبقت غضبه، ولهذا أولئك الذين يعذِّبون أولياءه ويحرقونهم بالنار يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج ١٠]، وكذلك الذين قالوا ﴿إن الله ثالث ثلاثة﴾ عرض الله عليهم التوبة، كل هذا دليل على أن الله سبحانه وتعالى يحب العفو أكثر من الانتقام. * ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: الغفور والرحيم، وما تَضَمَّنَاه أيضًا من الصفتين، وهما المغفرة والرحمة، وما يتعلق بهما من حكم وأَثَر، وهو أنه يغفر ويرحم، فالاسمان هذان الكريمان الغفور الرحيم من الأسماء المتعدية التي لا يتم الإيمان بها إلا بأمور ثلاثة، وهي؟ * طالب: (...) * الشيخ: لا. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، صح، أسماء الله تعالى نوعان: مُتَعَدٍّ ولازم، فالمتعدي لا يتم إيمانك به إلى بأمور ثلاثة: أن تؤمن به اسمًا لله، وأن تؤمن بما تضمنه من صفة، والثالث: أن تؤمن بما تضمَّنَه من الحكم والأثر؛ الغفور تؤمن بأن الغفور من أسماء الله، وأنه تعالى ذو مغفرة، والثالث: وأنه يغفر، ومثله الرحيم. النوع الثاني: إذا كان غيرَ متعدٍّ فلا يتم الإيمان به إلا بأمرين: الإيمان به اسمًا من أسماء الله، والثاني: الإيمان بما تضمنه من الصفة، مثل: العَلِيّ، العظيم، الكريم، وما أشبه ذلك، وربما نقول: إن الكريم من النوع الأول. في الآية إشكال ما أدري هل أوردتُه وأجبتُ عنه، وهو قوله: ﴿وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، ﴿كَانَ اللهُ﴾ يعني: والآن؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، لكن كيف نجيب عن قوله: ﴿كَانَ اللهُ﴾؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، ما للاستمرار، (كان) ما تأتي للاستمرار في حد ذاتها. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، أنا قلت محقق أن الله كان غفورًا رحيمًا، لكن (كان) فبانَ. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، نقول: إن (كان) يراد بها أحيانًا اتصاف اسمها بخبرها، بقطع النظر عن الزمن، وهو ما تُعْرَف بمسلوبة الزمن، يعني: ما يراد بها الزمن إطلاقًا، بل يراد بها تحقُّق هذا الوصف، (كان) يعني: ثَبَتَ، عرفتم؟ فــ﴿كَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يعني: أنه عز وجل لم يَزَل ولا يزال كذلك غفورًا رحيمًا، أظن ما يمكن أن نكمل.. * طالب: يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ﴾، هذا ثناء من الله سبحانه وتعالى على المؤمنين أنهم رجال (...)؟ * الشيخ: قد نقول –مثلًا-: إن الرجال حصل الثناء بالتنكير الدالّ على التعظيم، أما مجرد كلمة (رجال) فتُطْلَق على المؤمن وغير المؤمن. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، لكني ما أذكره الآن، العدد هو أربعة أو خمسة. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، كانوا منافقين فمَنَّ الله عليهم فتابوا من النفاق، لو رجعت إلى التفسير ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ [التوبة ٦٦] تجد فيها هذا. * فيستفاد من هذه الآية الكريمة: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى، حيث رد هذه الأحزاب الكثيرة العظيمة مع ما في قلوبهم من الغيظ والحنق الشديد على رسول الله ﷺ وأصحابه، رَدَّهم الله عز وجل بغيظهم، ما اشتفوا ولا نالوا مرادهم، قال الله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾، ولهذا أثنى النبي ﷺ على ربه بهزيمة الأحزاب، قال: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ»[[أخرجه البخاري (٣٠٨٤)، ومسلم (١٢١٨ / ١٤٧) واللفظ له من حديث جابر رضي الله عنهما.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الأحزاب قد امتلأت قلوبهم غيظًا على رسول ﷺ؛ لقوله: ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾، فإن الباء للمصاحبة والملابسة. * ومن فوائدها: أنهم –أي: الأحزاب- لم ينالوا مع هذا التعب الشديد خيرًا، لا في الدنيا ولا في الآخرة، فما نالوا خيرًا في الدنيا من غنائم وغيرها، ولا نالوا خيرًا في الآخرة من الأجور والثواب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل كفى المؤمنين القتال بعد هذه الغزوة، ولهذا لم يقاتل النبي ﷺ أحدٌ من المشركين بعد تلك الغزوة، حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْآنَ نَغْزُوهُمْ وَلَا يَغْزُونَنَا»[[أخرجه البخاري (٤١١٠) من حديث سليمان بن صرد رضي الله عنه.]]؛ لأن الله قال: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ في هذه الغزوة وفيما بعدها، فإن العرب لم يقوموا بغزوٍ لرسول الله ﷺ بعد هذه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل يدافع عن المؤمنين؛ لقوله: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾. وما وجه اختصاص ذلك بالمؤمنين؛ من أين يؤخذ من الآية أنه خاص بالمؤمنين؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، خَصَّهُ بالمؤمنين، فدَلَّ هذا على أن كفاهم القتال لإيمانهم، فالمؤمنون يكفيهم الله عز وجل ما أهَمَّهُم ويدافع عنهم لإيمانهم، كما قال تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر ٦١]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القوة والعزة لله؛ لقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾، وفيها إثبات هذين الاسمين من أسمائه، وهما القوي والعزيز. ثم قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: مِنَّةٌ أخرى على المؤمنين، وهي إنزال هؤلاء الذين غدروا من اليهود من بني قريظة من حصونهم اللاتي تَحَصَّنُوا بها؛ لقوله؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، خلوه هو يتم لأنه الظاهر إنه راح يتهوجس في البيت. * الطالب: (...). * الشيخ: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن اليهود والنصارى أعداء للمسلمين موالون للمشركين؛ لأن بني قريظة والَوا الأحزاب وظاهَرُوهم على رسول ﷺ مع ما عليهم من العهد والميثاق الذي بينهم وبين رسول الله ﷺ. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن إلقاء الرعب في القلوب من أعظم الهزيمة؛ لقوله: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾. * ومن فوائدها: الإشارة الى انحطاط هؤلاء اليهود وذُلِّهم، ونزولهم من الأعلى إلى الأسفل، ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾، وفعلًا فإنهم حصل لهم مع خروجهم من حصونهم من الذل والعار والخزي ما هو باقٍ إلى يوم القيامة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل أباح للمؤمنين هؤلاء اليهود قتلًا وأسرًا؛ لقوله: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾. * ومن فوائدها في قوله: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ﴾ إلى آخره: أن المؤمنين إذا فتحوا بلدًا ملكوا الأرض؛ لقوله: ﴿أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾، وإذا مَلَكُوا الأرض فهل تُقْسَم بين الغانمين، أو تُوقَف لبيت المال، أو تُوَزَّع على المؤمنين بخراج؟ فيه خلاف بين أهل العلم، والصحيح أنه يجب على ولي الأمر أن ينظر ما هو الأصلح، إن رأى أن يوزعها على الغانمين فعل كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام في خيبر، وإن رأى أن يبقيها في مصالح المسلمين أبقاها، وإن رأى أن يوزعها على المسلمين بخراج يُضْرَب عليها فعل كما فعل عمر رضي الله عنه، فيقول –مثلًا-: نحن نقسمها عليكم على أن يكون على كل مئة متر كذا وكذا دراهم، مثل الصُّبْرَة، وتكون هذه الدراهم للمسلمين ينتفعون بها، المهم أن أرض الكفار إذا فُتِحَت عَنْوَةً فهي لِمَن؟ للمسلمين؛ لقوله: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ملك لهم بدون عِوَض. * الطالب: (...). * الشيخ: لا لا، المسلمون الذين تَمَلَّكُوا ما جعل عليهم شيئًا، لكن أهل خيبر اليهود أبقاهم فيها على أنهم فلاليح؛ لأنهم يعرفون كيف يدبرون هذه الفلائح، فجعل لهم شطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع، ولَّا الأرض للمسلمين ما هي لهم. * ومنها أيضًا: حِلّ أموال الكفار للمسلمين؛ لقوله: ﴿وَأَمْوَالَهُمْ﴾، فإن الغنائم تحل للمسلمين، وهي من خصائص هذه الأمة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: البشارة بأن المسلمين سيَتَوَلَّوْنَ على أراضٍ أخرى للكفار، من أين تؤخذ هذه البشارة؟ * طالب: (...). * الشيخ: طالب العلم لازم يفهم، لازم يكون مع طالب العلم كتاب، الكتاب المقرَّر سواء القرآن، ولَّا في الحديث، ولَّا الفقه، ولَّا الأصول، ما طالب العلم يجيء كمستمع، يجيء كمستمع يكون مثل عامة الناس اللي في السوق، فطالب العلم يجب أن يكون طالبًا بمعنى الكلمة، وإلا لا فائدة من طالب العلم، الطالب يمشي مثل البعير الذي يحمل الغَرْبَل مُنْشَقّ مُتَخَرِّق، ما يحمل الماء، فنصيحتي لك أن تأخذ كتبًا مثل غيرك من الطلبة، وأن تتابع المدرِّس، وأن تأتي عند الدروس. * طالب: (...). * الشيخ: قوله: ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾، ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾، وهي خيبر وغيرها من بلاد الكفار، إنما فيه بشارة بأن الله سبحانه وتعالى سيُوَرِّث المسلمين أراضي الكافرين. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القدرة لله تعالى على كل شيء؛ لقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾، فكل شيء فإن الله قادر عليه لا يعجزه، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]، مهما ظننت من بعد وقوع الشيء فلا تستبعده على قدرة الله، فإن الأمر عليه هَيِّن كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧]، الكل عليه هَيِّن، ولكن هذا أهون. والحاصل أن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، وقد قال المؤلف صاحب تفسير الجلالين في سورة المائدة لما قال: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة ١٧] قال: (وخص العقلُ ذاتَه فليس عليها بقادر)، أي أن الله لا يقدر على ذاته، والذي خَصَّصَ هذا العموم هو العقلُ -على زعمه- فيقال له: ما هذا العقل الذي يخصص هذا العموم؟ وكيف لا يكون الله قادرًا على ذاته؟ بل هو سبحانه وتعالى قادر على كل شيء، حتى على ذاته فهو سبحانه وتعالى يستوي على العرش، وينزل إلى السماء الدنيا، ويأتي للفصل بين عباده، ويفعل ما يشاء، وهذه قدرة على الذات، أما إن أراد أنه غير قادر على ذاته فلا يعدمها –مثلًا-، فيقال: إن هذا الشيء مستحيل، والمستحيل لا تتعلق به القدرة أصلًا، فهو غير وارد، ولا داخل في الآية من الأصل، فأما أن نقول: إنه داخل فيما يخصه العقل فهذا تخصيص لما عَمَّمه الله عز وجل. * طالب: (...). * الشيخ: أي آية؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة ١٢٠]، آخر السورة. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، يعني لو قال قائل: هل يقدر الله عز وجل على أن يجعل الشيء متحركًا ساكنًا في آن واحد؟ نقول: هذا شيء مستحيل؛ لأنه إن كان متحركًا فليس بساكن، وإن كان ساكنًا فليس بمتحرك، فإذا جعله الله متحركًا لم يكن ساكنًا، وإن جعله ساكنًا لم يكن متحركًا من الأصل. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم. * يستفاد: إثبات غدر اليهود، وأنهم أهل غدر وخيانة، هذا شيء معلوم من اليهود من حالهم منذ كان فيهم نبيهم عليه الصلاة والسلام موسى إلى يومنا هذا، فهم أشد الناس مكرًا وغدرًا وخيانة، من قوله: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾. * طالب: (...). * الشيخ: لا، هذا شيء عقلًا واضح؛ لأنك إذا وصفته بالحركة انتفى عنه السكون، وإن وصفته بالسكون انتفى عنه الحركة قطعًا. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، هذا شيء معروف، ما يحتاج إلى إيمان، كما لو قلت: كل حادث لا بد له من مُحْدِث، شيء معقول، والأمور العقلية المعلومة بالضرورة ما تحتاج إلى تأمل ولا إلى تفكير. * الطالب: (...). * الشيخ: متناقضان، الحركة والسكون متناقضان، والسواد والبياض متضادان.

الأحزاب 33:25

قال الله تعالى -مبتدأ درس اليوم-: (﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ من الابتلاء والنصر ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ في الوعد، ﴿وَمَا زَادَهُمْ﴾ ذلك ﴿إِلَّا إِيمَانًا﴾ تصديقًا بوعد الله، ﴿وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب ٢٢] لأمره). ﴿لَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ﴾ هذه ﴿لَمَّا﴾ شرطية لكنها لا تجزم، وفعل الشرط في الآية ﴿رَأَى﴾، وجوابه ﴿قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ﴾، وقد مَرَّ علينا أن (لَمَّا) تأتي في اللغة العربية على عدة وجوه، منها الشرطية كما في هذه الآية، ومنها الجازمة كما في قوله: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص ٨]، هذه جازمة، ومنها أن تكون بمعنى (إلا) كما في قوله: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤]، يعني: إلا عليها حافظ. ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ﴾، والمراد بالأحزاب هنا الأحزاب الذين تَأَلَّبُوا على النبي ﷺ من قريش وغطفان وبني أسد وغيرهم، لَمَّا رأوهم رؤية بصرية أو قلبية؟ بصرية، لما رأوهم ﴿قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، كيف وعدنا الله ورسوله، أين الوعد من الله ورسوله بأن هؤلاء الأحزاب سيأتون؟ قال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة ٢١٤]، فإن الله تعالى بَيَّنَ في هذه الآية أنهم ما يمكن أن يدخلوا الجنة إلا بعد هذه الأمور، فيكون متضَمِّنًا بوعد الله سبحانه وتعالى لهم أن يَرَوْا مثل هذه الأشياء التي تزلزلهم. يقول: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، وهذا دليل على ثباتهم وإيمانهم، وصِدْق نواياهم، لكن المنافقون تقدم أنهم كانوا يهزؤون بالرسول عليه الصلاة والسلام لَمَّا ضرب الْحَجَر الذي اعترضهم في حفر الخندق وقال: إنه رأى مدائن كسرى وقصور قيصر واليمن، أيش قالوا؟ ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب ١٢]، إيشلون هذا يبغي يملك اليمن والشام والعراق وهو الآن مضيَّق عليه هذا .. هذا كذب وليس بصحيح، لكن المؤمنين قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، عكس هؤلاء المنافقين قالوا: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾. ﴿صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ الصدق هو الإخبار بالواقع على حسب ما هو واقع، وإن شئت فقل: هو الإخبار المطابق للواقع، هذا الصدق، وضده الكذب، ويقال: صَدَقني الحديثَ، وصدَّقني الحديث، وبينهما فرق؛ صَدَقَنِي الحديث يعني: أخبرني بالصدق، وصدَّقَنِي الحديث يعني: قال: إن ما حدثته به صدق، عرفتم؟ ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران ١٥٢] أيش معنى ﴿صَدَقَكُمُ﴾؟ يعني: أخبركم بالصدق وبَيَّنَ لكم أن ما وعدكم به حق إذ أَحْسَسْتُمُوهُم بإذنه. يقول: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، في هذه الجملة ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ سِيقَ هذا الكلام على سبيل الذم ولَّا على سبيل المدح؟ على سبيل المدح، ولكنه قد يشكل عليكم كيف قَرَنَ وَعْدَ رسول الله بوعد الله بالواو، وقَرَن أيضًا صدق رسول الله بصدق الله بالواو، وقد قال النبي ﷺ لرجل حين قال له: ما شاء الله وشئت، قال له النبي ﷺ: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا»، فكيف نجمع بين هذا، وبين ما في هذه الآية؟ الجواب أن يقال: ما كان من أمور الشرع فإنه لا بأس أن يضاف إلى الله ورسوله بالواو؛ لأن ما شَرَعَه النبي عليه الصلاة والسلام فهو من شرع الله، كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]، وأما ما كان من أمور القَدَر فإنه لا يجوز أن يضاف إلى الله ورسوله بالواو، بل لا بد أن يكون بـ(ثم)، وذلك لأن قدرة الإنسان ومشيئة الإنسان تابعة لمشيئة الله وقدرته. فمثلًا تقول لرجل سألك: ما حكم كذا وكذا؟ يعني: ما حكم الصلاة جماعة، وأنت لا تدري ما حكمها، فتقول: الله ورسوله أعلم؛ لأن هذا حكم شرعي، وأما إذا كان من الأمور القَدَرِيَّة فإنه لا يمكن أن يشرك غير الله بالله بالواو، وذلك لأن مشيئة غير الله وقدرة غير الله تابعة لمشيئة الله، لا يمكن أن تكون مساوية لها. قال: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾، ﴿مَا زَادَهُمْ﴾ الفاعل في ﴿زَادَهُمْ﴾ يعود على أيش؟ يعني: رؤية الأحزاب، يعني: ما زادهم رؤية الأحزاب وتأَلُّبهم على رسول الله ﷺ، ﴿إِلَّا إِيمَانًا﴾، يقول المؤلف: (تصديقًا بوعد الله ﴿وَتَسْلِيمًا﴾ لأمره)، إيمانًا بالقلب وتسليمًا بالجوارح؛ لأن الإيمان محله القلب، والتسليم والانقياد محله الجوارح، والإنسان لا يتم دينه إلا بهذين الأمرين؛ بالإيمان والتسليم، فمَن استسلم ولم يؤمن فهو منافق، ومَن آمن ولم يستسلم فهو مُسْتَكْبِر، فإذا اجتمع في الإنسان الإيمان والتسليم صار مؤمنًا حقًّا عابدًا حقًّا. فالإنسان المؤمن لكنه ما يستسلم نقول: هذا مستكبر، والإنسان المستسلم لكنه غير مؤمن نقول: هذا منافق؛ لأن المنافقين يستسلمون ظاهرًا، ولا يتم الإيمان إلا بهذين الأمرين؛ الإيمان والتسليم، ما يتم الشرع إلا بهذين الأمرين الإيمان والتسليم. قال: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾، ﴿إِيمَانًا﴾ هذه مفعول لأجله؟ ما إعرابها؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * الطالب: (...). * الشيخ: مفعول بأيش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: مفعول أول ولَّا ثانٍ؟ * الطالب: (...). * الشيخ: مفعول ثانٍ، والمفعول الأول؟ * الطالب: (...). * الشيخ: الهاء، إي نعم، فـ(زاد) تنصب مفعولين أولهما الهاء، والثاني في هذه الآية ﴿إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾. قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ من الثبات مع النبي ﷺ. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ﴾ الجملة هذه مكوَّنة من مبتدأ وخبر، والخبر مقدَّم والمبتدأ مؤخَّر، المبتدأ قوله: ﴿رِجَالٌ﴾، والخبر ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. .. والابتداء بالنكرة ليس جائزًا، والجواب أن ابن مالك النحوي رحمه الله: وَلَا يَجُـــوزُ الِابْتِدَا بِالنَّكِرَهْ ∗∗∗ مَا لَمْ تُفِدْ كَـ(عِنْدَ زَيْدٍنَمِرَهْ) الآية التي معنا مثل هذا المثال، أو لا؟ (عند زيد نمرة)، الْمُسَوِّغ للابتداء بالنكرة هنا تأخير المبتدأ، و﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا﴾ [الأحزاب ٢٣] المسوِّغ تأخير المبتدأ، كما أن في الآية أيضًا مسوغًا آخر وهو وصف هذه النكرة؛ لأن وصف النكرة يُخَصِّصُها. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، و﴿مِنَ﴾ في قوله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ للتبعيض؛ لأنها تُقَدَّر بـ(بعض)، واختلف النحويون في (مِن) التبعيضية؛ فقال بعضهم: إنها اسم، وهي بحسب العوامل، لكن لا يظهر عليها عمل العامل؛ لأنها حرف، فينتقل العمل إلى ما بعدها. ومنهم من قال: إنها حرف جر، ولكن معناها التبعيض، وهذا هو الذي عليه أكثر أهل النحو. ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾، أيش معنى ﴿صَدَقُوا﴾؟ أي: قاموا به، كما تقول: صَدَقَنِي الوعد، يعني: وَفَى لي بالوعد، فهم وفوا بما عاهدوا الله عليه من الثبات مع النبي ﷺ، مثل مَن؟ مصعب بن عمير وغيره، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، كثير من هذا. يقول الله عز وجل: (﴿﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ ﴾: مات أو قُتِلَ في سبيل الله، ﴿﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ ﴾ ذلك، ﴿﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ ﴾ في العهد، وهم بخلاف حال المنافقين). قسم الله هؤلاء الرجال الذين صَدَقُوا ما عاهدوا الله عليه إلى قسمين: قسم قضى نحبه، يعني: قضى حياته وقُتِلَ في سبيل الله، كحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، فإنه قُتِلَ شهيدًا في سبيل الله، وكذلك بقية شهداء أُحُد، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾، ويش ينتظر؟ ينتظر القتال في سبيل الله؛ لأنه قد صدق الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد صَدَقُوا ما عاهدوا الله عليه، فهم ينتظرون أن يستشهدوا. ولكن هل يحصل لهم ذلك أو لا؟ قد يحصل، وقد لا يحصل، ولهذا يقال: إن خالد بن الوليد رضي الله عنه تأسَّف في حال مرضه أنه لم يُقْتَل شهيدًا في سبيل الله، وقال -يعني يندم إنه ما ترك معركة إلا خاضها-: «وها أنا أموت على فراشي كما يموت الحمار»[[أخرج الدينوري في "المجالسة" (٨٣٦) بسنده أن خالد بن الوليد لما حضرته الوفاة بكى، وقال: لقد لقيت كذا وكذا زحفًا، وما في جسدي شبر إلا وفيه ضربة بسيف أو رمية بسهم أو طعنة برمح، فها أنا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت العَيْر، فلا نامت أعين الجبناء. والعَيْر بفتح العين هو الحمار أهليًّا كان أو وحشيًّا.]]؛ لأنهم يريدون أن يستشهدوا في سبيل الله. قال: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ هذا المعطوف على ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ يعني: ومنهم رجال ما بَدَّلُوا تبديلًا، أيش بدلوا؟ يقول المؤلف: (في العهد)، والتبديل في العهد يشمل نَقْضَه بالكلية، ويشمل الإخلال بشيء من شروطه، يعني: يشمل نَقْضَه بالكلية وعدم الالتفات إليه، أو الإخلال بشيء من شروطه. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب ٢٣]، ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ خبر مقدَّم، ﴿رِجَالٌ﴾ مبتدأ مؤخَّر، و﴿صَدَقُوا﴾ الجملة صفة لـ﴿رِجَالٌ﴾، ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ أي: أنهم صَدَّقوا أقوالهم بأفعالهم، فالعهد الذي عاهدوا الله عليه قاموا به ووفوا به. واعلم أن معنى قوله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا﴾ أن معناها: من المؤمنين رجال عاهدوا الله فصدقوا ما عاهدوا الله عليه، وليس المعنى أن من المؤمنين رجالًا صدقوا ومنهم مَن لم يصدق حتى يتشبث به مَن سَبَّ الصحابة، أو قال: إنهم ليسوا كلهم صادقين، بل المعنى: من المؤمنين رجال عاهدوا الله فصدقوا ما عاهدوا الله عليه، بل مِن المؤمنين مَن لم يعاهد الله سبحانه وتعالى على شيء، بل هو مستمر على طاعة ربه حيث ما أُمِرَ. مِمَّنْ عاهَد الله أنس بن النضر رضي الله عنه، فإن أنس بن النضر لم يشهد بدرًا، فلما رجع النبي ﷺ من بدر قال: يا رسول الله، هذه أول غزوة قاتلت فيها المشركين، والله لئن أبقاني الله تعالى لَيَرَيَنَّ الله ما أصنع، فلما صارت غزوة أحد قاتَل رضي الله عنه حتى قُتِلَ، فكان فيه بضع وثمانون ما بين طعنة رمح، أو ضربة سيف[[أخرج البخاري (٢٨٠٥) بسنده عن أنس قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله، غبتُ عن أول قتال قاتلتَ المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني أصحابه -، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعني المشركين -، ثم تقدم. فاستقبله سعد بن معاذ فقال: يا سعد بن معاذ، الجنة ورب النضر، إني أجد ريحها من دون أحد، قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع، قال أنس: فوجدنا به بضعًا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، ووجدناه قد قُتِلَ وقد مثَّل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه، قال أنس: كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] إلى آخر الآية.]]، فصَدَقَ ما عاهَد الله عليه، هذا هو معنى الآية. فقوله: ليَرَيَنَّ الله ما أصنع، هذا عهد؛ لأنه التزام التزم به على نفسه. قال: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ [الأحزاب ٢٣]، يعني: فمن هؤلاء الذين عاهدوا الله عز وجل ﴿مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ أي: عهده والتزامه، وقيل: ﴿مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ أي: أجله، أي: مات وقُتِلَ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ [الأحزاب ٢٣]، يعني: ينتظر الموت والقتل شهيدًا في سبيل الله عز وجل. قال: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ على الثبات مع النبي ﷺ، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ مات أو قُتِلَ في سبيل الله، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ ذلك ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾، يعني: ما حصل منهم تبديل لا بالنقض بالكلية ولا بالتغيير، ولهذا قال: ﴿وَمَا بَدَّلُوا﴾، والتبديل يكون بالتَّرْك كليَّةً، ويكون بالتغيير بالنقص أو بالزيادة، ولهذا قال: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾، قال المؤلف: (وهم بخلاف حال المنافقين)؛ لأن حال المنافقين على العكس، يعاهدون الله ولا يوفون، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة ٧٥-٧٧] ، أما المؤمن فإنه يَفِي بما عاهد الله عليه. قال الله عز وجل: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب ٢٤]، ﴿لِيَجْزِيَ﴾ اللام هذه للتعليل، يعني أن الأمر يقع كذلك على الوفاء وعلى النقض، على الوفاء مِمَّن؟ من المؤمنين، وعلى النقض من المنافقين، وقع هذا ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب ٢٤]، ولولا اختلاف الناس في الأعمال ما اختلفوا في الجزاء، ولو لم يختلفوا في الجزاء ما كان لِخَلْق الجنة والنار فائدة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٨، ١١٩]، فالله عز وجل حكيم، «خَلَقَ الجنة وخلق لها سكانًا، وخلق النار وخلق لها سكانًا»[[أخرج مسلم (٢٦٦٢) بسنده عن عائشة أم المؤمنين، قالت: توفي صبي فقلت: طوبى له عصفور من عصافير الجنة، فقال رسول الله ﷺ: «أوَلَا تدرين أن الله خلق الجنة وخلق النار، فخلق لهذه أهلًا ولهذه أهلًا».]]، وسكان هذه وهذه لا بد أن يكون لهم أعمال يقومون بها حتى يستحقوا أن يكونوا من أهلها. وقوله: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾، الباء هنا للسببية وليست للعِوَض؛ لأن الجزاء على الأعمال ليس من باب المعاوضة، ولكنه من باب قَرْن الْمُسَبَّب بسببه؛ لقول النبي ﷺ: «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ»[[أخرجه مسلم (٢٨١٦ / ٧١) وأحمد (٧٤٧٨) واللفظ له من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. فالأعمال الصالحة أسباب، وإلا فلو أن الله عز وجل أراد أن يعاوِضَنَا على أعمالنا معاوضة بمعنى المعاوضة لكان لو قابلنا بنعمة واحدة من نعمه علينا ما قابلتها كل أعمالنا، ولكن الأعمال سبب. وقوله: ﴿بِصِدْقِهِمْ﴾، إذا كان الجزاء بالصدق فسيكون على حسب ذلك الصدق، فالذين صَدَقُوا ما عاهدوا الله عليه يكون جزاؤهم على صِدْقِهم بحسب ما قاموا به، فإذا كانوا أَطْوَعَ لله عز وجل وأشد تنفيذًا لأوامره وأكثر فعلًا لطاعته صار جزاؤهم أكثر، والعكس بالعكس. ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ﴾ [الأحزاب ٢٤]، المنافق مَن؟ هو الذي أظهر الإيمان وأبطن الكفر، مأخوذ من النافِقَاء وهي نافقاء اليربوع التي يجعلها في جُحْرِه، حتى إذا أتاه أحد من بابه خرج من هذه النافقاء. (﴿﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ﴾ ﴾ بأن يميتهم على نفاقهم)، أشار المؤلف في قوله: (بأن يميتهم على نفاقهم) إلى أن تعذيب المنافقين المعلَّق بالمشيئة هنا ليس المعنى أنه إن شاء عذَّبَهم وإن شاء لم يعذبهم وقد ماتوا على النفاق، لا، إذا ماتوا على النفاق فقد أخبرنا الله تعالى أنهم في الدرك الأسفل من النار، وليسوا تحت المشيئة، فيكون قوله: ﴿إِنْ شَاءَ﴾ بأن يبقوا على نفاقهم حتى يموتوا، فإذا بقوا على نفاقهم إلى الموت علمنا أن الله قد شاء تعذيبهم، أما إن هداهم الله فإن المنافقين قد يهتدون، فلهذا قال: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [الأحزاب ٢٤] بأن يوفِّقَهم للتوبة. والصواب كما مَرَّ علينا كثيرًا أن المنافق تصح توبته، وهي نص في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء ١٤٥، ١٤٦] فقوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ بأن يَمُنّ عليهم بالتوبة فيتوبوا، وحينئذ لا يُعَذَّبُون. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٢٤]، ﴿غَفُورًا﴾ هذه اسم فاعل على صيغة المبالغة، يعني: كثير المغفرة، ويجوز أن تكون صفة مُشَبَّهَة، أي: ذو مغفرة، فالصفة المشبهة أبلغ من اسم الفاعل؛ لأن اسم الفاعل يدل على الفعل، والصفة المشبهة تدل على الوصف، أي: على اتصاف مَن هو وصفه بها دائمًا. وقوله: (﴿﴿غَفُورًا﴾ ﴾ لمن تاب)، فيه شيء من النظر؛ لأن الله تعالى يغفر حتى لمن لم يتب ممن هو تحت المشيئة، كفاعل المعاصي، ولو أن المؤلف رحمه الله أبقاها على إطلاقها لكان أسلم له، فنقول: ﴿غفورًا﴾ أي: كثير المغفرة، أو: ذو مغفرة مُتَّصِفٌ بها دائمًا. وهذا أقرب كما قلت؛ لأنه يدل على الوصف الدائم، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد ٦]. وقوله: (﴿﴿رَحِيمًا﴾ ﴾ به)، يقول: (به) أي: بمن تاب. والصواب أنه رحيم بِمَن تاب وبغيره، وأن رحمة الله عز وجل بالمعنى العام تشمل المؤمن والكافر، والبَرّ والفاجر، وكل أحد فإنه داخل في رحمة الله، هذا بالمعنى العام، أما المعنى الخاص فإن الرحمة تختص بالمؤمنين. قال الله عز وجل: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ [الأحزاب ٢٥]، رَدَّهُم أي: أرجعهم على أدبارهم خائبين. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: الأحزاب من قريش وغيرهم. وقوله: ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾ الباء هنا للملابسة، أي: مُتَلَبِّسِين بالغيظ، فالجارّ والمجرور في موضع نصب على الحال، يعني أنهم رجعوا مُغْتَاظِين غاية الغيظ، ووجه اغتياظهم أنهم جاؤوا بهذا الجمع الكثير الذي لم يُشْهَد له نظير في ذلك الوقت، يريدون ماذا ؟ يريدون القضاء على النبي ﷺ، ومع ذلك ما الذي حصل لهم؟ حصل لهم التعب والعَنَت والجوع والبلاء، وآخر الأمر أن رجعوا هاربين، ولا شك أن مثل هذا سوف يؤثر على الإنسان، سوف يملأ قلبه غيظًا وحسرة وندمًا، كيف يأتي بهذا الجيش الذي جمعه لهم وأبدأ فيه وأعاد، وآخر الأمر أن ينقلب ولا يكون معركة، ولهذا قال: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾، خيرًا منين؟ خيرًا لا من أمر الدنيا ولا من أمر الآخرة؛ أما أمر الآخرة فإنهم لم ينالوا خيرًا؛ لقتالهم للنبي ﷺ على كل حال، وأما أمر الدنيا فالذي يرونه هم خيرًا لأنفسهم فهل نالوه؟ لا، فهم ما نالوا خيرًا لا في الدين ولا في الدنيا ولله الحمد، حتى ما يظنونه خيرًا من هزيمة رسول الله ﷺ والقضاء عليه وعلى أصحابه ما حصل لهم ذلك، ﴿لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾. وقوله: ﴿خَيْرًا﴾ نكرة في سياق النفي، ﴿لَمْ﴾ فتفيد العموم، يعني: ما نالوا أي خير لا قليلًا ولا كثيرًا، وهذه من نعمة الله عز وجل. وأضاف الله الرد إلى نفسه: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لأن رجوعهم ليس بحول النبي ﷺ ولا قوته، ولا بحول أصحابه ولا قوتهم، ولكنه بحول الله تعالى وقوته، ولهذا قال: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب ٢٥]. يقول المؤلف: (﴿﴿لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ ﴾ مرادهم من الظَّفَر بالمؤمنين). ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾، الحمد لله، ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾، يعني: أن الله أراح المؤمنين من القتال فلم يقاتلوا، وأما ما حصل من المناوشات التي حصلت لبعض الصحابة مع بعض المشركين فهذا لا يُعَدّ قتالًا؛ لأن الكلام على الجيش كله جمعاء، فإنه لم يحصل فيه قتال، ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ وهو نِعْم الْحَسْب، وهو الكفيل سبحانه وتعالى، قال: (بالريح والملائكة)، الريح سبق أن الله تعالى أرسل عليهم الريح الشرقية باردة شديدة، وأنها كفأت قُدُورَهم، وزلزلت خيامهم، ورَمَتْهُم بالحجارة تحملها الرياح مع البَرد الشديد، حتى كانوا يصطلون بالنار ويقولون: النجا النجا، فهذه الريح، أما الملائكة فإن الله سبحانه وتعالى سَلَّطَ الملائكة عليهم بأن تلقي في قلوبهم الرعب والفزع والخوف، وتَحُوشَهم حتى ينصرفوا من المكان، وهذا من نصر الله عز وجل للرسول ﷺ. (﴿﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ ﴾ [الأحزاب: ٢٥] على إيجاد ما يريده، ﴿﴿عَزِيزًا ﴾ ﴾ غالبًا على أمره). ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا﴾ القوة صفة يتمكن بها القوي مِن فِعْل ما يريد بدون ضعف، وهي أعلى من القدرة؛ لأن القدرة صفة يتمكن بها القادر مِن فِعْل ما يريد بدون عجز، فالقوة أعلى، وانظر إلى رجلين حَمَلَا صخرة، فأحدهما حَمَلَهَا لكن مع نوع من المشقة، فنقول: هذا قادر ولكن ليس بقوي، والآخر حَمَلَهَا وكأنها شيء بسيط، نقول: هذا قوي. وقوة الله عز وجل لا منتهى لها، ولا مقياس لها، بل هو فوق ما يتصوره الإنسان، لَمَّا قالت عادٌ: ﴿من أشد منا قوة﴾ قال الله عز وجل: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت ١٥، ١٦]. وأما قوله: ﴿﴿عَزِيزًا﴾ ﴾ يقول: (غالبًا على أمره)، العزيز من أسماء الله تعالى له ثلاثة معانٍ: عزيز القدر، وعزيز القهر، وعزيز الامتناع. أما عزيز الامتناع فمعناه أنه يمتنع أن يناله سبحانه وتعالى سوء أو نقص في جميع صفاته وجميع أفعاله. وأما عزة القدر فمعناه أنه ذو قَدْر عظيم رفيع، مثلما تقول: فلان عزيز النفس؛ يعني له عزة وتَرَفُّع عن الدنايا. وأما عزة القهر فتأتي معناها الغلبة، فمعناها أنه غالب على كل شيء، حتى في الجاهلية يقول الشاعر: أَيْنَ الْمَــــفَرُّ وَالْإِلَهُ الطَّـــالِـــبُ ∗∗∗ وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ لَيْسَالْغَالِبُ فالله عز وجل هو الغالب على أمره، وهو غالب على كل شيء، لا شيء يكون أمام غلبته، فصار العزيز له ثلاثة معانٍ: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع، وكلها ثابتة لله عز وجل. قال: (﴿﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ ﴾ أي: قريظة، ﴿﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ ﴾ حصونهم، جمع صِيصَة؛ وهو ما يُتَحَصَّنُ به، ﴿﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ ﴾ [الأحزاب: ٢٦]). ﴿أَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾، ﴿أَنْزَلَ﴾ الضمير يعود على مَن؟ على الله، وقوله: ﴿الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ﴾ أي: أعانوهم وساعدوهم، والمظاهرة بمعنى المساعدة، وتظاهَر على كذا، تظاهر أي: تساعد وتساند عليهم، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ﴾ [التحريم ٤]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨]، يعني: مساعدًا ومُعِينًا. وقوله: ﴿ظَاهَرُوهُمْ﴾ أي: أعانوهم وساعدوهم من أهل الكتاب. وقوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ المراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى، لكن المراد بهم هنا في الآية طائفة من اليهود، وهم بنو قريظة، وسبق أن بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع ثلاث قبائل من اليهود قَدِمَ النبي ﷺ المدينة وهم ساكنون فيها، فأجرى بينهم وبينه عهدًا، ولكنهم نقضوا ذلك العهد، ولم يَبْقَ إلا بنو قريظة، ثم إن بني قريظة نقضوا العهد بمساعدتهم مَن؟ الأحزاب على رسول الله ﷺ. ولما رجع النبي ﷺ من الأحزاب ودخل بيته واغتسل جاءه جبريل وقال له: «اخرج إلى هؤلاء، يشير إلى بني قريظة، فإنهم نقضوا العهد، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه بالخروج، وقال: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ»[[أخرج البخاري (٢٨١٣)، ومسلم (١٧٦٩) بسنده عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله ﷺ لما رجع يوم الخندق ووضع السلاح واغتسل فأتاه جبريل وقد عصب رأسه الغبار، فقال: وضعت السلاح؟ فوالله ما وضعته، فقال رسول الله ﷺ: «فأين»، قال، هاهنا، وأومأ إلى بني قريظة... الحديث. وانظر الثقات لابن حبان (١ / ٢٧٤).]]. ما توانى الصحابة رضي الله عنهم ولا تأخروا، مع ما هم فيه من التعب والضعف، فخرجوا فحاصَروا بني قريظة لمدة نحو عشرين يومًا، حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه. يقول الله عز وجل هنا: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾، ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ جارّ ومجرور متعلِّق بـ﴿أَنْزَلَ﴾ يعني: أنزل هؤلاء من صياصيهم، أي: من مَآمِنِهم، والأصل في صياصي حظائر البقر؛ لأنها تُؤَمَّن فيها، فـ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ يعني: من مَآمِنِهم وحصونهم التي يُتَحَصَّن فيها، ولكن ذلك لم يُغْنِهِم من الله شيئًا، أنزلهم من صياصيهم. ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾، ﴿قَذَفَ﴾ بمعنى: رمى، وهو أشد وقعًا من قوله: وضع، يعني لو قال: وضع في قلوبهم الرعب، أفاد أن الرعب صار في القلوب، لكن إذا قال: ﴿قَذَفَ﴾ صار أشد، والرعب بمعنى الخوف، وإذا وقع الخوف في القلب فلا تسأل عن الخائف، يظن أن الشجر نَفَر، لا يتصور الأمور على حقائقها، حتى لو ناداه أحد من أصحابه ظن أنه عدوه يناديه ليقتله، ولا أشد من سلاح يفتك بالعدو من الرعب، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.]]. أما إذا ثبت القلب واطمأن فإن المقاتل سيثبت، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال ٤٥]، وذِكْر الله تعالى تطمئن به القلوب، ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد ٢٨]. وأخبر الله عز وجل أن الله أنزل على أهل بدر المطر ليُثَبِّت به الأقدام، وتكون به السكينة. فالحاصل أن الرعب من أشد الأسلحة فتكًا بالعدو. ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾، قال المؤلف: (﴿﴿فريقًا﴾ ﴾ تقتلون منهم، وهم المقاتلة، ﴿﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ ﴾ منهم، أي: الذراري). هم لما طال بهم الحصار ونزلوا على حكم الرسول عليه الصلاة والسلام خَيَّرَهم قال: «مَنْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِهِ»[[أخرج البخاري (٦٢٦٢)، ومسلم (١٧٦٨ / ٦٤) بسندهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن أهل قريظة نزلوا على حكم سعد، فأرسل النبي ﷺ إليه فجاء، فقال: «قوموا إلى سيدكم»، أو قال: «خيركم»، فقعد عند النبي ﷺ فقال: «هؤلاء نزلوا على حكمك»، قال: فإني أحكم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبي ذراريهم، فقال: «لقد حكمت بما حكم به الملك».]]، قالوا: نريد أن ننزل على حكم سعد بن معاذ، وكان سعد بن معاذ رضي الله عنه حليفًا لهم، فظنوا أنه سيفعل مثلما فعل عبد الله بن أُبَيّ لحلفائه من اليهود حين شفع فيهم إلى رسول ﷺ وتركهم، لكن سعدًا رضي الله عنه لما جاء وكان في خيمة له في المسجد؛ لأنه أصيب في الأحزاب بأَكْحَلِه، وضرب له النبي ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب؛ لأنه سيّد قومه، سيد الأوس. جاء على حِمَار من مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام إلى مكان الحصار، فأخبره النبي عليه الصلاة والسلام بأنهم حَكَّمُوه، فقال: حُكْمِي فيهم نافذ؟ ويشير إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، ويشير إليهم أيضًا، قالوا: نعم، كلهم رضوا، النبي عليه الصلاة والسلام رضي، وكذلك هؤلاء اليهود رضوا، فقال: لقد آنَ لسعد ألَّا تأخذه في الله لومة لائم، هذا مقام محنة عظيمة، فحكم فيهم رضي الله عنه بِحُكْم عظيم، حكم صواب مطابق للحق، «قال: أحكم بأن تُقْتَل مقاتلتهم، وتُسْبَى ذريتهم، وتُغْنَم أموالهم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ»[[السابق، وانظر سيرة ابن هشام (٢ / ٢٤٠).]]. ثم أمر النبي عليه الصلاة والسلام بأن تُقْتَل مقاتلتهم، وهم الرجال البالغون، وأما الذراري من النساء والرجال غير البالغين فإنها تُسْبَى، والأموال تُغْنَم، فقتلوا في المدينة ما بين السبع مئة إلى ثمان مئة قُتِلُوا في يوم واحد بناء على حكمٍ هم الذين رضوا به، فهذا هو معنى قوله: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾، هنا قدَّم المفعول في قوله: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾، وأَخَّر المفعول في قوله: ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾، فهل الفائدة من ذلك مراعاة الفواصل فقط، فتكون الفائدة لفظية، ولَّا هناك فائدة معنوية؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، بل الأمران. * الطالب: الفريقان بينهم اختلاف، ليسوا سِيَّان. * الشيخ: كيف ذلك؟ * الطالب: الفريقان بينهم اختلاف، الفريق الأخير يعني النساء، والأول الرجال فقط. * الشيخ: لا. * الطالب: لأن الأول هم الرجال يعني، والثاني: الذين لا يقاتلون. (...). * الشيخ: إي نعم، هذا هو الظاهر؛ لأن الحكم الأول أشد وأبلغ، فلهذا قُدِّمَ مفعوله ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾، والثاني دون ذلك؛ لأن الأسير ربما يُمَنَّ عليه بإطلاقه، فقال: ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾، هذا مع مراعاة اللفظ الذي هو مراعاة الفواصل؛ فواصل الآيات، ولهذا قال تعالى في سورة البقرة: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ [المائدة ٧٠]، أو ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة ٨٧]، لما كان التكذيب للرسل شديدًا قَدَّمَ فيه المفعول كما قَدَّمَ المفعول في قتلهم، فهذه قصة الأحزاب انتهت على قوله: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ [الأحزاب ٢٧] بعد، وهي خيبر، وأُخِذَت بعد قريظة، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب ٢٧]. ﴿أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾، هذه تنصب مفعولين؛ المفعول الأول: الكاف، والثاني: أرضهم، ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾، ﴿وَدِيَارَهُمْ﴾ كيف الأرض والديار، بينهما فرق؟ الديار جمع دار، وهي المساكن والأحياء، وأما الأرض فهي أعمّ من ذلك، والأموال هي الأمتعة والدراهم والدنانير، وغير ذلك. ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ يعني: ما وطأتموها حتى الآن، ولكنكم سترثونها، وهي أرض خيبر، فإن النبي ﷺ فتحها بعد ذلك في السنة السادسة، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ فلا يعجزه شيء. وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ قدَّم المفعول لتحقق وقوع الفعل به، ولهذا قال: ﴿كَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾، ولا تقل كما يقول بعض الناس: إنه على ما يشاء قدير؛ لأنك إذا قلت: على ما يشاء قدير، خَصصت قدرته بما يشاء، مع أن القدرة تُعَلَّق بالذي شاءه والذي لم يشأه، حتى الذي لم يشأه هو قادر عليه، والله أعلم . قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٢٦٢)، ومسلم (١٧٦٨ / ٦٤) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]]، فقاموا إلى سيدهم سعد بن معاذ وأنزلوه من حماره، وجلس أمام النبي ﷺ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ هَؤُلَاءِ رَضُوا بِأَنْ يَنْزِلُوا إِلَى حُكْمِكَ»[[أخرج البخاري (٦٢٦٢)، ومسلم (١٧٦٨ / ٦٤) بسندهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن أهل قريظة نزلوا على حكم سعد، فأرسل النبي ﷺ إليه فجاء، فقال: «قوموا إلى سيدكم»، أو قال: «خيركم»، فقعد عند النبي ﷺ فقال: «هؤلاء نزلوا على حكمك»، قال: فإني أحكم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبي ذراريهم، فقال: «لقد حكمت بما حكم به الملك».]] »، فقال لهم، فالتفت إليهم: أرضيتم بذلك وحكمي نافذ؟ قالوا: نعم، فالتفت إلى الجانب الآخر فيه المسلمون، فقال: أترضون بهذا؟ قالوا: نعم، إلا أنه لما اتجه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام خفض رأسه إجلالًا لرسول الله ﷺ، فحكم هذا الْحُكم الذي أيَّدَه النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: «إِنَّهُ حُكْمُ اللهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ»[[السابق، وانظر سيرة ابن هشام (٢ / ٢٤٠).]] »، وكم كان عدد هؤلاء؟ * طالب: (...). * الشيخ: قالوا: لما رأوا الأحزاب قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب ٢٢]، وكان مقتضى الحال أن يلحقهم الخوف والذُّعْر كما حصل للمنافقين. * ومن فوائدها: كمال تصديقهم لله ورسوله في قولهم: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب ٢٢]، فهم شاهدوا ما وعد الله، ثم أظهروا الإيقان بذلك بألسنتهم؛ لقولهم: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾. استدل بعض الْجُهَّال بهذه الآية على مشروعية ختم القرآن بقولهم: صدق الله، فقالوا: كيف تُنْكِرُون علينا إذا أكملنا القراءة وقلنا: صدق الله العظيم، مع أن الله يقول: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، ويقول: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ [آل عمران ٩٥]؟ فما هو الجواب عن هذه الشبهة؟ * طالب: الجواب أنه لم يقل: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ عند انتهاء التلاوة (...). * الشيخ: إي نعم، نقول: نحن لا ننكر أن يقول أحد: صدق الله ورسوله، بل نرى أنه من الإيمان أن يقول الإنسان: صدق الله ورسوله، وأن مَن لم تكن عقيدته هذه فهو كافر، لكننا ننكر أن نجعل هذا الثناء على الله عز وجل عند الانتهاء من التلاوة مع أنه لم يَرِد، فهل نحن أعلم بشريعة الله من رسول الله؟ وهل نحن أحرص منه على تطبيق شريعة الله؟ أبدًا، فإذا لم يكن كذلك فإن الواجب علينا أن نَحْذُوَ حَذْوَه، فإذا كان يقول عند انتهاء تلاوته: صدق الله، فإننا نقولها على العين والرأس، وإذا كان لا يقولها فلا نقولها. ونقول لهم: إذا كنتم تعتقدون مشروعية ذلك فقولوها أيضًا في الصلاة، إذا انتهيتم من القراءة في الصلاة قبل أن تكبروا قولوا: صدق الله؛ لأن التلاوة في الصلاة أفضل منها خارج الصلاة، المهم أنه لا دليل لهؤلاء في مثل هذه الآية. * من فوائد الآية الكريمة: أن المؤمن يزداد إيمانًا عند رؤية الآيات الكونية أو الشرعية؛ لقوله: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب ٢٢]. * ومن فوائدها: تقرير أو صحة مذهب أهل السنة والجماعة الذين يقولون: إن الإيمان يزيد وينقص، كذا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: وقد ذكرنا أن زيادة الإيمان باعتبارات؛ باعتبار قوة اليقين، وباعتبار صحة العمل، وباعتبار الإخلاص فيه، وباعتبار المتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام، وباعتبار العامل نفسه، كل هذه الاعتبارات يزيد بها الإيمان، ما هو الأول؟ اعتبار قوة اليقين، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠]، أليس الخبر كالمعاينة؟ لو أخبرك مَن تثق به تمام الثقة عن وجود شيء آمنت به، لكنك إذا رأيته بعينك صار ذلك أقوى إيمانًا (...) اعتبار تفاضل العمل. فهذا نقصٌ بترك العمل فيلزم منه الزيادة، لماذا؟ لكثرة العمل. وثالثًا: بحسب الإخلاص في العبادة، كلما كان الإنسان في العبادة أخلص لله كان زيادة الإيمان بها أكمل وأقوى، ولهذا تجد الفرق إذا عَبَدْتَ الله عز وجل بإخلاص، وإذا عبدته بغفلة تجد الفرق العظيم بتأثر قلبك، مع أن العبادة واحدة، فكيف إذا عبدت الله تعالى برياء وسمعة -نسأل الله أن يحمينا وإياكم من ذلك- يكون أشد وأشد في عدم تأثر القلب بهذه العبادة، بالمتابعة أيضًا باعتبار متابعة الإنسان للرسول عليه الصلاة والسلام، كلما ازداد الإنسان اتباعًا للرسول ﷺ في عبادته ازداد إيمانه بذلك؛ لأنه عندما يزداد اتباعًا للرسول عليه الصلاة والسلام يشعر كأن الرسول ﷺ أمامه يتابع أَثَرَهُ، وهذا لا شك أنه يزيد في الإيمان. والخامس: باعتبار حال العامل، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١ / ٢٢٢) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]]، يعني: الصحابة رضي الله عنهم؛ لأنهم أقوى إيمانًا ممن بعدهم، وأشد ثباتًا. والحاصل أن الإيمان زيادته لها عدة اعتبارات، ومنها أيضًا السادس: ترك المعاصي خوفًا من الله، فإن الإيمان يزداد به، وسيأتينا إن شاء الله تعالى في كتاب التوحيد شرح ذلك على وجه أكمل. المهم أن أهل السنة والجماعة يقولون: إن الإيمان يزيد وينقص، وقالت المرجئة: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ليش؟ قالوا: لأن الإيمان في القلب، والأعمال الصالحة ما لها دخل بالإيمان، وما في القلب لا يتفاوت، فنحن الآن نؤمن بالشمس جميعًا، إيماننا بالشمس على حد سواء ما يتفاوت، فالناس كما قال ابن القيم عنهم: النَّاسُ فِي الْإِيمَانِ شَيْءٌ وَاحِدٌ ∗∗∗ كَالْمُشْطِ عِنْدَ تَمَاثُلِ الْأَسْنَانِ وهذا القول لا شك أنه خطأ يرده الواقع والشرع، وقالت الخوارج والمعتزلة: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، إما أن يوجَد جملة كاملًا، وإما أن يُعْدَم بالكلية؛ لأنهم يقولون: إن فاعل الكبيرة خارج عن الإيمان، فإما كافر، وإما في منزلة بين منزلتين، فالخوارج يقولون: فاعل الكبيرة كافر، ما عنده إيمان أبدًا، والمعتزلة يقولون: لا إيمان عنده، لكن لا نقول: إنه كافر، بل هو في منزلة بين منزلتين، ومَن لم يكن فاعل كبيرة فالناس في الإيمان سواء، كلهم على حد سواء، فالذين لا يرون زيادة الإيمان ولا نقصانه طائفتان؛ إما مرجئة، أو وَعِيدِيَّة وهم الخوارج، ومَن؟ والمعتزلة. وقال بعض أهل السنة كمالك رحمه الله قال: الإيمان يزيد، ولا نقول: ينقص؛ لأن زيادة الإيمان في القرآن والسنة كثيرة، ولكن ما فيه نقص، ما فيه ذِكْر نقص الإيمان، ولكن قوله رحمه الله ضعيف؛ لأن في السنة: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ»[[أخرجه البخاري (٣٠٤) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، ومسلم (٧٩ / ١٣٢) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]]، والإيمان بلا شك من الدين، فيكون داخلًا في هذا الحديث. وأيضًا فإن الزيادة والنقصان من الأمور المتقابلة التي إذا وُجِدَ أحدها انتفى الآخر، ولا يُعْقَل وجود أحدهما إلا بوجود الآخر، فمثلًا الزيادة ما تُعْقَل إلا بنقص، فنقول له: أنت تقول: إن فلانًا أزيد إيمانًا من فلان، معنى ذلك أن الْمَزِيد عليه ناقص، ولا يُتَصَوَّر غير هذا. والصواب أن الإيمان يزيد وينقص، وأسباب زيادته ونقصانه كما شرحنا قبل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الناس يختلفون في الانقياد والتسليم كما يختلفون في الإيمان زيادةً ونقصًا؛ لقوله: ﴿إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾؛ لأن عامة المؤمنين كلهم منقادون للشرع، لكن منهم مَن ينقاد بطمأنينة وانشراح، وقبول ومحبة، ومنهم مَن يُسَلِّم على وجه دون ذلك، ومنهم مَن يأتي إلى الصلاة –مثلًا- وهو يرى أنها نعمة من الله عز وجل، ويأتي إليها مُقْبِلًا غير مُدْبِر، نشطًا منشرح الصدر، محبًّا لها، ينتظر الصلاة بعد الصلاة بفارغ الصبر، ومنهم أناس بالعكس، يأتون إلى الصلاة لا يتخلفون، لكن ببطء وتثاقل، وعدم انقياد تامّ، أليس كذلك؟ إذن الناس يختلفون في التسليم، ولهذا قال: ﴿إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن التأمل في الآيات ووضوح الآيات للعبد تزيد في إيمانه وتسليمه؛ لقوله: ﴿وَمَا زَادَهُمْ﴾، أي: ما رأوه من الأحزاب، ﴿إِلَّا إِيمَانًا﴾ بالله، ﴿وَتَسْلِيمًا﴾ لشرعه. مَن يبغي يسأل؟ * طالب: (...) أو أن ايمان الانسان ناقص؟ * الشيخ: إي، فيه صريح من الإيمان ينقص. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، لكنه ناقص بالنسبة للرجال. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، إنه يزيد وينقص، الرسول أثبت نقصانه. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، أبدًا ما هو بدرجات، هذا النقصان يختلف حتى بالنسبة للنساء اللي هي ناقصات، ففيه إثبات أصل النقص بالنسبة للرجال؛ لأنهن لا يصلين ولا يَصُمْن، ثم هنّ بأنفسهن ما دام تَرْك الصلاة نقصًا كلما كان قيامهن بالصلاة أكمل كان إيمانهن أكمل. * طالب: (...). * الشيخ: بدليل، يعني: لو لم تصل المرأة إلا أربع صلوات كانت أنقص ممن تصلي خمسًا؛ لأنه ما دام عرفت أن النبي عليه الصلاة والسلام أصلًا جعل ترك الصلاة نقصًا، فترك بعض الصلاة أيضًا نقص. ثم قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب ٢٣]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: الثناء على أولئك المؤمنين الذين عاهَدُوا الله فصَدَقُوه، وجه ذلك: السياق: ﴿رِجَالٌ﴾، فإن ﴿رِجَالٌ﴾ نكرة للتعظيم، رجال عظماء صدقوا ما عاهدوا الله عليه. * ومن فوائدها: أن أولئك الذين صَدَقُوا ما عاهدوا الله منهم مَن تُوُفِّي واستشهد، ومنهم مَن بقي، وقد ذكرنا مثلًا لمن استشهد، مَن؟ أنس بن النضر رضي الله عنه، فإنه استشهد في أُحُد ووُجِدَ فيه بضع وثمانون ضربة. * ومن فوائدها أيضًا: أن الله أثنى على هؤلاء أنهم أتوا بما عاهدوا الله عليه على وجه الكمال بدون نقص ولا تغيير؛ لقوله: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾. * ومن فوائدها: أن مَن مات سابقًا ومَن مات لاحقًا إذا كانَا سواء فيما قامَا به مما يجب فإنه لا فرق بين المتقدم والمتأخر، كما قال: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾، وجعل الثناء عليهم واحدًا، لكن في الأعمال الأخرى مَن تأخر موته فازداد عملًا صالحًا فهو أكمل من الأول، ولكنه بالنسبة لما اتفقَا فيه من العمل الصالح لا فرق بين الأول والآخر. ثم قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٢٤]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: بيان حكمة الله عز وجل في المجازاة على العمل؛ لقوله: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ﴾. * ومن فوائدها: أن الجزاء من جنس العمل؛ لقوله: ﴿بِصِدْقِهِمْ﴾، فإن الباء للسببية، والْمُسَبَّب مربوط بالسبب، يقوى بقوته ويضعف بضعفه، ويزداد بزيادته وينقص بنقصانه. * ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على الصادقين، وأنهم أهل للجزاء الحسَن؛ لقوله: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾؛ الصادقين في العقيدة وفي القول، أيش بعد؟ وفي العمل، وقد أمر الله بالصدق، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة ١١٩]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام حَاثًّا على الصدق: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٩٤)، ومسلم (٢٦٠٧ / ١٠٣) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.]]. والصدق كما أنه محل ثناء من الله عز وجل، ومحل ثواب جزيل، فإنه محل ثناء من الخلق، ولهذا تجد الصادقين تُنْشَر آثارهم، وتُؤْثَر أقوالهم، ويُثْنَى عليهم في المجالس حتى بعد موتهم، بخلاف أهل الكذب -والعياذ بالله- والنفاق، فإنهم على العكس من ذلك، فعليك بالصدق، ولا تظن أن الصادق يَخِيبُ أبدًا، كما يصوِّر الشيطان أحيانًا للإنسان أنه لو صَدَق لكان في ذلك ضرر عليه، فليكن كاذبًا، أو فليكذب، فإن هذا من وساوس الشيطان، فالصدق مَنْجَاة، ولهذا قال أحدهم: رأيت في الكذب نجاةً، فقال الثاني له: فالصدق أَنْجَى، وصدق. واعلم أن الصادق وإن كان قد يكون الأمر مُرًّا عليه في أول أمره، لكنه تكون العاقبة له في النهاية، وإذا أردت مثلًا على ذلك فانظر إلى حال الثلاثة الذين خُلِّفُوا في غزوة تبوك، كيف كان أول أمرهم؟ كانوا في تلك المرارة العظيمة، حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم، وتَنَكَّرَت الأرض لهم. حتى يقول كعب بن مالك: «حتى كأن الناس الذين على الأرض كأنهم ليسوا هم الناس الذين أعرفهم»[[أخرج أحمد (٢٧١٧٥) بسنده عن كعب بن مالك قال: ... فجعلت أخرج إلى السوق فلا يكلمني أحد، وتنكَّر لنا الناس، حتى ما هم بالذين نعرف، وتنكّرت لنا الحيطان التي نعرف حتى ما هي الحيطان التي نعرف. الحديث.]]، ضاقت عليه الأرض، والنتيجة أنه نزلت فيهم آيات تُتْلَى إلى يوم القيامة، لولا هذا الصدق ما بقيت هذه الآيات، حتى قيل للناس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، عندما ذكرت قصتهم، هذه نهاية عظيمة جدًّا للصادقين، فأنت اصدق وإن حصل عليك ضرر في أول أمرك، لكن العاقبة لك، لا تُعَوِّد نفسك الكذب، ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾. * ويستفاد من الآية الكريمة: ذم النفاق وأنه سبب للعذاب؛ لقوله: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ﴾. * ويستفاد منه: أن المنافِق له توبة؛ لقوله: ﴿إِنْ شَاءَ﴾، فإنه يشاء أن يُعَذِّبهم إذا ماتوا على النفاق، أما إذا تابوا فقد شاء ألَّا يعذبهم، ولكنكم كما سمعتم التفسير على هذه الآية توبة المنافق ذُكِرَ فيها شروط لا بد من مراعاتها، ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ [النساء ١٤٦]، لا بد أن تظهر هذه الأمور على المنافق، وإلا فإن توبته لا تُقْبَل في الدنيا، أما في الآخرة فأَمْرُه إلى الله، لكن في الدنيا ما نقبلها إلا إذا ظهرت عليه هذه الأوصاف التي اشترطها الله عز وجل. * ويستفاد من ذلك: ترغيب المنافق بالتوبة؛ لقوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾، منافق خَادِع خاذِل ماكِر، ومع ذلك يقال له: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾، وهذا دليل على أن رحمة الله تعالى سبقت غضبه، ولهذا أولئك الذين يعذِّبون أولياءه ويحرقونهم بالنار يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج ١٠]، وكذلك الذين قالوا ﴿إن الله ثالث ثلاثة﴾ عرض الله عليهم التوبة، كل هذا دليل على أن الله سبحانه وتعالى يحب العفو أكثر من الانتقام. * ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: الغفور والرحيم، وما تَضَمَّنَاه أيضًا من الصفتين، وهما المغفرة والرحمة، وما يتعلق بهما من حكم وأَثَر، وهو أنه يغفر ويرحم، فالاسمان هذان الكريمان الغفور الرحيم من الأسماء المتعدية التي لا يتم الإيمان بها إلا بأمور ثلاثة، وهي؟ * طالب: (...) * الشيخ: لا. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، صح، أسماء الله تعالى نوعان: مُتَعَدٍّ ولازم، فالمتعدي لا يتم إيمانك به إلى بأمور ثلاثة: أن تؤمن به اسمًا لله، وأن تؤمن بما تضمنه من صفة، والثالث: أن تؤمن بما تضمَّنَه من الحكم والأثر؛ الغفور تؤمن بأن الغفور من أسماء الله، وأنه تعالى ذو مغفرة، والثالث: وأنه يغفر، ومثله الرحيم. النوع الثاني: إذا كان غيرَ متعدٍّ فلا يتم الإيمان به إلا بأمرين: الإيمان به اسمًا من أسماء الله، والثاني: الإيمان بما تضمنه من الصفة، مثل: العَلِيّ، العظيم، الكريم، وما أشبه ذلك، وربما نقول: إن الكريم من النوع الأول. في الآية إشكال ما أدري هل أوردتُه وأجبتُ عنه، وهو قوله: ﴿وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، ﴿كَانَ اللهُ﴾ يعني: والآن؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، لكن كيف نجيب عن قوله: ﴿كَانَ اللهُ﴾؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، ما للاستمرار، (كان) ما تأتي للاستمرار في حد ذاتها. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، أنا قلت محقق أن الله كان غفورًا رحيمًا، لكن (كان) فبانَ. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، نقول: إن (كان) يراد بها أحيانًا اتصاف اسمها بخبرها، بقطع النظر عن الزمن، وهو ما تُعْرَف بمسلوبة الزمن، يعني: ما يراد بها الزمن إطلاقًا، بل يراد بها تحقُّق هذا الوصف، (كان) يعني: ثَبَتَ، عرفتم؟ فــ﴿كَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يعني: أنه عز وجل لم يَزَل ولا يزال كذلك غفورًا رحيمًا، أظن ما يمكن أن نكمل.. * طالب: يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ﴾، هذا ثناء من الله سبحانه وتعالى على المؤمنين أنهم رجال (...)؟ * الشيخ: قد نقول –مثلًا-: إن الرجال حصل الثناء بالتنكير الدالّ على التعظيم، أما مجرد كلمة (رجال) فتُطْلَق على المؤمن وغير المؤمن. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، لكني ما أذكره الآن، العدد هو أربعة أو خمسة. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، كانوا منافقين فمَنَّ الله عليهم فتابوا من النفاق، لو رجعت إلى التفسير ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ [التوبة ٦٦] تجد فيها هذا. * فيستفاد من هذه الآية الكريمة: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى، حيث رد هذه الأحزاب الكثيرة العظيمة مع ما في قلوبهم من الغيظ والحنق الشديد على رسول الله ﷺ وأصحابه، رَدَّهم الله عز وجل بغيظهم، ما اشتفوا ولا نالوا مرادهم، قال الله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾، ولهذا أثنى النبي ﷺ على ربه بهزيمة الأحزاب، قال: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ»[[أخرجه البخاري (٣٠٨٤)، ومسلم (١٢١٨ / ١٤٧) واللفظ له من حديث جابر رضي الله عنهما.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الأحزاب قد امتلأت قلوبهم غيظًا على رسول ﷺ؛ لقوله: ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾، فإن الباء للمصاحبة والملابسة. * ومن فوائدها: أنهم –أي: الأحزاب- لم ينالوا مع هذا التعب الشديد خيرًا، لا في الدنيا ولا في الآخرة، فما نالوا خيرًا في الدنيا من غنائم وغيرها، ولا نالوا خيرًا في الآخرة من الأجور والثواب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل كفى المؤمنين القتال بعد هذه الغزوة، ولهذا لم يقاتل النبي ﷺ أحدٌ من المشركين بعد تلك الغزوة، حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْآنَ نَغْزُوهُمْ وَلَا يَغْزُونَنَا»[[أخرجه البخاري (٤١١٠) من حديث سليمان بن صرد رضي الله عنه.]]؛ لأن الله قال: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ في هذه الغزوة وفيما بعدها، فإن العرب لم يقوموا بغزوٍ لرسول الله ﷺ بعد هذه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل يدافع عن المؤمنين؛ لقوله: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾. وما وجه اختصاص ذلك بالمؤمنين؛ من أين يؤخذ من الآية أنه خاص بالمؤمنين؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، خَصَّهُ بالمؤمنين، فدَلَّ هذا على أن كفاهم القتال لإيمانهم، فالمؤمنون يكفيهم الله عز وجل ما أهَمَّهُم ويدافع عنهم لإيمانهم، كما قال تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر ٦١]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القوة والعزة لله؛ لقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾، وفيها إثبات هذين الاسمين من أسمائه، وهما القوي والعزيز. ثم قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: مِنَّةٌ أخرى على المؤمنين، وهي إنزال هؤلاء الذين غدروا من اليهود من بني قريظة من حصونهم اللاتي تَحَصَّنُوا بها؛ لقوله؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، خلوه هو يتم لأنه الظاهر إنه راح يتهوجس في البيت. * الطالب: (...). * الشيخ: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن اليهود والنصارى أعداء للمسلمين موالون للمشركين؛ لأن بني قريظة والَوا الأحزاب وظاهَرُوهم على رسول ﷺ مع ما عليهم من العهد والميثاق الذي بينهم وبين رسول الله ﷺ. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن إلقاء الرعب في القلوب من أعظم الهزيمة؛ لقوله: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾. * ومن فوائدها: الإشارة الى انحطاط هؤلاء اليهود وذُلِّهم، ونزولهم من الأعلى إلى الأسفل، ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾، وفعلًا فإنهم حصل لهم مع خروجهم من حصونهم من الذل والعار والخزي ما هو باقٍ إلى يوم القيامة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل أباح للمؤمنين هؤلاء اليهود قتلًا وأسرًا؛ لقوله: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾. * ومن فوائدها في قوله: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ﴾ إلى آخره: أن المؤمنين إذا فتحوا بلدًا ملكوا الأرض؛ لقوله: ﴿أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾، وإذا مَلَكُوا الأرض فهل تُقْسَم بين الغانمين، أو تُوقَف لبيت المال، أو تُوَزَّع على المؤمنين بخراج؟ فيه خلاف بين أهل العلم، والصحيح أنه يجب على ولي الأمر أن ينظر ما هو الأصلح، إن رأى أن يوزعها على الغانمين فعل كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام في خيبر، وإن رأى أن يبقيها في مصالح المسلمين أبقاها، وإن رأى أن يوزعها على المسلمين بخراج يُضْرَب عليها فعل كما فعل عمر رضي الله عنه، فيقول –مثلًا-: نحن نقسمها عليكم على أن يكون على كل مئة متر كذا وكذا دراهم، مثل الصُّبْرَة، وتكون هذه الدراهم للمسلمين ينتفعون بها، المهم أن أرض الكفار إذا فُتِحَت عَنْوَةً فهي لِمَن؟ للمسلمين؛ لقوله: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ملك لهم بدون عِوَض. * الطالب: (...). * الشيخ: لا لا، المسلمون الذين تَمَلَّكُوا ما جعل عليهم شيئًا، لكن أهل خيبر اليهود أبقاهم فيها على أنهم فلاليح؛ لأنهم يعرفون كيف يدبرون هذه الفلائح، فجعل لهم شطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع، ولَّا الأرض للمسلمين ما هي لهم. * ومنها أيضًا: حِلّ أموال الكفار للمسلمين؛ لقوله: ﴿وَأَمْوَالَهُمْ﴾، فإن الغنائم تحل للمسلمين، وهي من خصائص هذه الأمة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: البشارة بأن المسلمين سيَتَوَلَّوْنَ على أراضٍ أخرى للكفار، من أين تؤخذ هذه البشارة؟ * طالب: (...). * الشيخ: طالب العلم لازم يفهم، لازم يكون مع طالب العلم كتاب، الكتاب المقرَّر سواء القرآن، ولَّا في الحديث، ولَّا الفقه، ولَّا الأصول، ما طالب العلم يجيء كمستمع، يجيء كمستمع يكون مثل عامة الناس اللي في السوق، فطالب العلم يجب أن يكون طالبًا بمعنى الكلمة، وإلا لا فائدة من طالب العلم، الطالب يمشي مثل البعير الذي يحمل الغَرْبَل مُنْشَقّ مُتَخَرِّق، ما يحمل الماء، فنصيحتي لك أن تأخذ كتبًا مثل غيرك من الطلبة، وأن تتابع المدرِّس، وأن تأتي عند الدروس. * طالب: (...). * الشيخ: قوله: ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾، ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾، وهي خيبر وغيرها من بلاد الكفار، إنما فيه بشارة بأن الله سبحانه وتعالى سيُوَرِّث المسلمين أراضي الكافرين. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القدرة لله تعالى على كل شيء؛ لقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾، فكل شيء فإن الله قادر عليه لا يعجزه، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]، مهما ظننت من بعد وقوع الشيء فلا تستبعده على قدرة الله، فإن الأمر عليه هَيِّن كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧]، الكل عليه هَيِّن، ولكن هذا أهون. والحاصل أن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، وقد قال المؤلف صاحب تفسير الجلالين في سورة المائدة لما قال: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة ١٧] قال: (وخص العقلُ ذاتَه فليس عليها بقادر)، أي أن الله لا يقدر على ذاته، والذي خَصَّصَ هذا العموم هو العقلُ -على زعمه- فيقال له: ما هذا العقل الذي يخصص هذا العموم؟ وكيف لا يكون الله قادرًا على ذاته؟ بل هو سبحانه وتعالى قادر على كل شيء، حتى على ذاته فهو سبحانه وتعالى يستوي على العرش، وينزل إلى السماء الدنيا، ويأتي للفصل بين عباده، ويفعل ما يشاء، وهذه قدرة على الذات، أما إن أراد أنه غير قادر على ذاته فلا يعدمها –مثلًا-، فيقال: إن هذا الشيء مستحيل، والمستحيل لا تتعلق به القدرة أصلًا، فهو غير وارد، ولا داخل في الآية من الأصل، فأما أن نقول: إنه داخل فيما يخصه العقل فهذا تخصيص لما عَمَّمه الله عز وجل. * طالب: (...). * الشيخ: أي آية؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة ١٢٠]، آخر السورة. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، يعني لو قال قائل: هل يقدر الله عز وجل على أن يجعل الشيء متحركًا ساكنًا في آن واحد؟ نقول: هذا شيء مستحيل؛ لأنه إن كان متحركًا فليس بساكن، وإن كان ساكنًا فليس بمتحرك، فإذا جعله الله متحركًا لم يكن ساكنًا، وإن جعله ساكنًا لم يكن متحركًا من الأصل. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم. * يستفاد: إثبات غدر اليهود، وأنهم أهل غدر وخيانة، هذا شيء معلوم من اليهود من حالهم منذ كان فيهم نبيهم عليه الصلاة والسلام موسى إلى يومنا هذا، فهم أشد الناس مكرًا وغدرًا وخيانة، من قوله: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾. * طالب: (...). * الشيخ: لا، هذا شيء عقلًا واضح؛ لأنك إذا وصفته بالحركة انتفى عنه السكون، وإن وصفته بالسكون انتفى عنه الحركة قطعًا. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، هذا شيء معروف، ما يحتاج إلى إيمان، كما لو قلت: كل حادث لا بد له من مُحْدِث، شيء معقول، والأمور العقلية المعلومة بالضرورة ما تحتاج إلى تأمل ولا إلى تفكير. * الطالب: (...). * الشيخ: متناقضان، الحركة والسكون متناقضان، والسواد والبياض متضادان.