Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — الأحزاب 33:50 – الأحزاب 33:62

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. الأحزاب 33:50
  2. الأحزاب 33:51
  3. الأحزاب 33:52
  4. الأحزاب 33:53
  5. الأحزاب 33:54
  6. الأحزاب 33:55
  7. الأحزاب 33:56
  8. الأحزاب 33:57
  9. الأحزاب 33:58
  10. الأحزاب 33:59
  11. الأحزاب 33:60
  12. الأحزاب 33:61
  13. الأحزاب 33:62

الأحزاب 33:50

قال الله عز وجل: (﴿﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ ﴾ [الأحزاب: ٥٠] مهورهن) ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ مِثْلُ هذه الصيغة تدل على تعظيم المخاطب؛ حيث وُجِّه إليه الخطاب بالنداء هذا من وجه، ومن وجه آخر أنه وُصِفَ بالنبوة ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ وفي ذلك تعظيم وتفخيم لرسول الله ﷺ. وقوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ ﴿أَحْلَلْنَا﴾ أي: جعلناهن حلًّا لك، وهل المراد أزواجك اللاتي تريد أن تتزوج بهنَّ؟ أو المراد أزواجك اللاتي تزوجت بهنَّ؟ في هذا قولان لأهل العلم؛ فمنهم من قال: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ يعني: أزواجك اللاتي تريد أن تتزوج بهن وتؤتيهن أجورهن، وحجة هؤلاء أننا لو حملناها على مَنْ تزوَّج بهن لكان ذلك من باب تحصيل الحاصل؛ لأنه إذا كانت الزوجة معه وقد أقرَّه الله عليها فلا حاجة إلى أن يقول: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ﴾؛ لأنهن عنده متزوج بهن. والقول الثاني: أن المراد أحللنا أزواجك اللاتي تزوجت بهن بدليل قوله: ﴿اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾، وهذا القول الثاني هو الموافق لظاهر الآية؛ لأن قوله: ﴿آتَيْتَ﴾ فعل ماض، وعلى القول الأول يجب أن نُؤَوِّل الفعل الماضي بالفعل المضارع؛ يعني: اللاتي تؤتي أجورهن، وهذا خلاف ظاهر الآية. ويجاب عمَّا أيد به أولئك قولهم أنه إذا كان المراد الزوجات التي في حباله فإن ذِكْر الإحْلال من باب تحصيل الحاصل يجاب على هذا بأن ذكر الإحْلال من باب التوكيد؛ يعني: معناه أن هؤلاء حلال لك ليس فيهن شبهة، وليس فيهن معارضة. * الطالب: ما يكون امتنان؟ * الشيخ: يمكن أن يكون للامتنان، لكن الظهور دفع ما يمكن أن يُوَجَّه إليه من لوم. قال: ﴿اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ ﴿آتَيْتَ﴾ بمعنى أعطيت، وأما (أَتَيْتَ) بغير مد فهي بمعنى: جئت. إذن نقول: ﴿آتَيْتَ﴾ أي: أعطيت ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ يقول المؤلف: (أي مهورهن). وسُمِّيَ المهر أجرًا؛ لأنه عوض عن الانتفاع بالزوجة والاستمتاع بها، وليس عوضًا عن ذاتها، لو كان عوضًا عن ذاتها لسُمِّي ثمنًا، لكنه عِوَض عن الاستمتاع بها والانتفاع بها؛ ولهذا سمي أُجْرَة. وقوله: ﴿آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ إذا كانت ﴿آتَيْتَ﴾ بمعنى أعطيت فهي تنصب مفعولين، فأين المفعول الأول؟ المفعول الأول محذوف، والتقدير: آتيتهن، و﴿أُجُورَهُنَّ﴾ هو المفعول الثاني، أعرفتم؟ وجائز حذف المفعول مع العلم به. يقول: ﴿آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ الواو حرف عطف، و﴿مَا﴾ معطوفة على قوله: ﴿أَزْوَاجَكَ﴾ يعني: وأحللنا لك ما ملكت يمينك؛ أي: ملكت ذاتَه أو الانتفاع به؟ ملكت ذاتَه، وملكُ الذات يستلزم ملك المنافع؛ لأن مَنْ مَلَك شيئًا ملك منافعه، ومن مَلَك المنافع لم يلزم أن يملك الأعيان أو الذات. قال: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ يمينك ويداك وما أشبه ذلك يُعَبَّر بها عن الذات؛ لأنها غالبًا وسيلة الأخذ والإعطاء؛ فقوله تعالى: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى ٣٠] يعني: بما كسبتم ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ أي: مما ملكتَ؛ لكنه عبَّر باليمين عن الذات؛ لأن الغالب أن الأخذ والإعطاء باليد، واليمين أشرف من اليسار فهي التي يُؤْخَذ ويُعْطى بها ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾. * طالب: قوله: ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ النفقة بالأجر في مقابل الاستمتاع يعني المهر في مقابل الاستمتاع.. * الشيخ: نعم في مقابل ملك الانتفاع والاستمتاع. * الطالب: يعني -يا شيخ- قول الحنابلة صحيح؛ أن الرجل لا يغسل امرأته إذا ماتت؟ * الشيخ: ما بعد جاءت الفوائد بارك الله فيك. يقول: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ (مِنْ) هذه بيانية، وما هو المُبَيَّن؟ * طالب: (ما أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ)؟ * الشيخ: لا. * طالب: ﴿مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾. * الشيخ: إي، لكن أين المُبَيَّن؟ ﴿مَلَكَتْ﴾ بَيَّن، الملك المعروف، المُبَيَّن: اسم الموصول، اسم الموصول واسم الشرط واسم استفهام كلها من الأشياء المبهمة فيأتي البيان بعدها؛ كقوله: (مِن) بيان لـ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ قال المؤلف: (من الكفار بالسبي). ﴿أَفَاءَ﴾ بمعنى ردَّ، ومنه الفيء وهو الظل بعد الشمس؛ لأنه رجع بعد أن نسخته الشمس فصار ظلًّا كما هو الحال قبل أن تأتيه الشمس. وقوله: ﴿مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ المراد به هنا الغنيمة؛ لأن الغنيمة في الحقيقة ردٌّ للمال من غير أهله إلى أهله؛ فإننا نحن المسلمين المستحقون حقًّا لما رزق الله الخلق، والكفار يستمتعون به على وجه الظلم؛ ولهذا يُؤاخَذُون به، وقد مرَّ علينا أن الكفار يُحاسَبُون على الأكل والشرب واللباس، وذكرنا في ذلك دليلًا من القرآن، ما هو الدليل على أنه يُحاسَبون على اللباس؟ الدليل من القرآن على أن الكفار يُحاسَبُون على اللباس؟ * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، هذا يعم حتى المسلمين. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، سبحان الله! الدليل على أن الكفار يحاسبون على اللباس؟ * طالب: (...) في سورة الأعراف (...)؟ * الشيخ: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف ٣٢] هذه أيضًا فيها اللباس والأكل ﴿وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾، ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ اللام للإباحة والاستحقاق، ﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ لمَن؟ للمؤمنين، أما أولئك فليست لهم وليست خالصة لهم يوم القيامة، فهي في الدنيا حرام عليهم ويُحاسبون عليها يوم القيامة. وما هي الآية اللي فيها الدليل على أن الأكل والشرب حرام على الكفار؟ اتلها. * الطالب: (ليس على المؤمنين جناح فيما طعموا)؟ * الشيخ: لا ما هي (ليس على المؤمنين). * الطالب: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾..؟ * الشيخ: لا، إي، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ كملها؟ * الطالب: ﴿جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة ٩٣]؟ * الشيخ: مفهومه أن الذين لم يؤمنوا ولم يعملوا الصالحات عليهم جناح فيما طَعِموا. إذن بهذا يَتَبَيَّن وجه كون الغنيمة فيئًا، والفيء بمعنى أيش؟ الرجوع والرد؛ فلهذا يكون المال الذي بأيدي الكفار إذا غَنِمَه المسلمون فقد عاد إلى أهله كأنهم هم يأخذون المال بغير حق، فإذا أخذناه منهم عاد إلى مستحقه. وقوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ قال: (من الكفار بالسَّبْيِ كصفية وجُوَيْرِيَة) صفية من أي سبي؟ * طلبة: خيبر. * الشيخ: نعم، من سبايا خيبر، وجويرية من سبايا غزوة بني المصطلق، وهما من أمهات المؤمنين. وقوله: ﴿مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ ظاهره أن ما ملكت يمينه من غير ذلك لا تَحِلُّ له ولكنه غير مراد.. ..مراد؛ بدليل أن مارية القبطية استحلَّها النبي عليه الصلاة والسلام وأتت منه بولد، وستأتي إن شاء الله بالفوائد. قال: (﴿﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ ﴾ [الأحزاب: ٥٠] بخلاف من لم يهاجرن). * الطالب: صفية وجويرية (...)؟ * الشيخ: كن من ملك اليمين أولًا ثم أعتقهن وتزوجهن. قوله: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ﴾ هؤلاء الأربع هن الحلائل من الأقارب وما عداهن من الأقارب فحرام كما في سورة النساء، فصار الأقارب الآن محللات ومحرمات، المحرمات ما ذُكِرْنَ في سورة النساء في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ [النساء ٢٣] كم؟ سبع، والمحللات من الأقارب: أربع بنات العم وبنات العمة وبنات الخال وبنات الخالة، كذا؟ هؤلاء المحللات من الأقارب. (بنات العم) يعني: وإن نزلن، (وبنات العمة) وإن نزلن، (وبنات الخال) وإن نزلن، (وبنات الخالة) وإن نزلن، هذا وكلهن حلال. وقوله: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ﴾ تكلم المفسرون على قوله: بنات عمك وعماتك وخالك وخالاتك، فقالوا: لم أَفْرَد في الذكور وجمع في الإناث؟ وين الذكور؟ عمك وخالك، وفي الإناث قال: عماتك وخالاتك. فقال بعضهم: إن هذا من باب تشريف الذكورة كأن الواحد يقابله من النساء جَمْع، وإلى هذا ذهب ابن كثير رحمه الله، وقال بعضهم: إنه لما كان لفظ العم والخال كلفظ المصدر صار الآن المناسب ألا يُجْمَع؛ لأن المعروف أن المصادر لا تُجْمَع ولا تُثَنَّى، لكن هذا في النفس منه شيء. والأقرب ما ذكره ابن كثير رحمه الله أن قوة صلة العمِّ بالإنسان أقوى من قوة صلة العمة به؛ فلهذا جُمِعَ، وإلَّا من المعلوم أن الإنسان له أعمام ليس له عم واحد فقط، وبنات أعمامه كلهن حلال ولَّا حرام؟ حلال. ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ﴾ فيه زيادة قيد بالنسبة للرسول ﷺ وهو قوله: ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ ﴿هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ يعني: هاجرن من مكة إلى المدينة، وسواء كُنَّ في مَعَيَّتِه مباشرة أو في معيته بالمعنى أي: بالهجرة؛ فليس بلازم أن تكون بنت العم أو بنت الخال مع الرسول ﷺ مباشرة يعني: تسير معه، بل لو هاجرت قبله أو بعده فهي داخلة في هذا. ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾. قال: (﴿﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ ﴾ يطلب نكاحَها بغير صَداق ﴿﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴾ النكاح بلفظ الهبة من غير صداق يعني: الخالص والنكاح) ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ إلى آخره. قال: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً﴾ يعني: وأحللنا لك امرأة مؤمنة، وهذا نكرة في سياق الإثبات، والمعروف أن النكرة في سياق الإثبات لا تقتضي العموم، لكن لما كان السياق سياق مِنَّةٍ صارت للعموم، الأصل في النكرة ألا تَعُم إذا كانت في سياق الإثبات؛ فإذا قلت لك: اضرب رجلًا ليس معناها أني آمرك أن تضرب جميع الرجال، لكن إذا كانت النكرة في سياق الإثبات يُراد بها الامتنان صارت للعموم؛ لأنها لو قُيِّدَت بالواحدة لم تكمُل بها المنة، فلا تكمل المنة إلا إذا كانت يراد بها العموم. إذن ﴿امْرَأَةً﴾ نقول: وإن كانت صيغتها صيغة الوحدة، لكن المراد بها أيش؟ العموم، لماذا؟ لأنها سيقت للامتنان، والامتنان بالوحدة لا يكمُل إلا إذا كان امتنانًا بكل شيء أو بكل فرد من أفراد هذه النكرة. إذن يكون معنى الآية: وأحللنا لك أيَّ امرأة. وقوله: ﴿مُؤْمِنَةً﴾ هذا قيد يَخرُج به غير المؤمنة ولو كانت كتابية فإنها لا تحلُّ للنبي ﷺ؛ ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أن من خصائص النبي ﷺ في النكاح ألا يتزوج امرأة كِتابيَّة، وهذا لم يقع، لم يقع أن النبي ﷺ تزوَّج امرأة كتابية. ومن المعلوم أن من خصائص الرسول في النكاح ما هو توسعة وما هو تضييق؛ فالتوسعة النكاح بالهبة والتزوج بأكثر من أربع، والتضييق أنه لا يحل له من بنات عمه وبنات عماته وبنات خاله وبنات خالاته إلَّا مَن هاجرن معه، وكذلك على القول الراجح أنه بعد تخيير النبي ﷺ لزوجاته لا يحل له النساء كما سيأتي إن شاء الله. قال: ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا﴾ وهبت هي بدون وليٍّ ﴿وَهَبَتْ نَفْسَهَا﴾ أي: أعطتها للنبي ﷺ بلا عوض؛ لأن الهبة تعريفها بذل المال بدون عوض، فمعنى ﴿وَهَبَتْ نَفْسَهَا﴾ يعني: جاءت إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وقالت له: قد وهبت نفسي لك، فتحل له، لكن لما كان الرسول عليه الصلاة والسلام مخيَّرًا في ذلك، وليس واجبًا عليه أن يقبل قال: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ وهذا الشرط داخل في الشرط الأول. وقد عُلِمَ أن الشرط الثاني قيد في الشرط الأول فهو متأخر لفظًا متقدم معنى. تداخل الشروط كلما تداخلت الشروط فاجعل الشرط الأخير قيدًا فيما قبله؛ فهو متأخر رُتْبَةً لكن متقدم معنى. الآن نتكلم باللغة العربية ولَّا باللغة الفارسية؟ واضح لكم ولَّا لا؟ إذا تعددت الشروط -إن الشرطية أو إذا أو ما أشبهها- فإن الشرط التالي الأخير شرط فيما قبله، فيكون متأخرًا لفظًا متقدمًا معنى ورتبةً؛ مثلًا إذا قلت: أخبرني إذا ضربك زيد إن ظلمك، صار الظلم سابقًا على الضرب، وإن كان متأخرًا عنه في الذِّكْر، ويتضح ذلك تمامًا بقول الشاعر: إِنْ تَسْتَغِيثُوا بِنَا إِنْ تُذْعَرُوا تَجِدُوا ∗∗∗ مِنَّا مَعَاقِـــــــــلَ عِــــــــــزٍّزَانَهَـــــا كَـــــــرَمُ وين الشرط الأول؟ (إن تستغيثوا) والثاني: (إن تذعروا)، الشرط الثاني متأخر عن الأول في اللفظ لكن متقدم عنه في المعنى والرتبة؛ لأن الذُّعر سابق على الاستغاثة، وهذه قاعدة كلما تعددت الشروط فإن الشرط الثاني سابق على الشرط الأول، هو على الشرط الذي قبله لو تعددت، لو كانت ثلاثة شروط، أربعة شروط، فالثاني سابق على اللي قبله، إذا قدَّرْنا أنها ثلاثة شروط فالثالث سابق على الثاني، والثاني سابق على الأول؛ يعني بالعكس. هنا ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ﴾ الإرادة تَسْبِق الحِلَّ والقَبول؛ ولهذا قال: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ وفائدة هذا الشرط أنه لما كان رد النبي للمرأة إذا وهبت نفسها للنبي لما كان أمرًا شديدًا، وكان النبي ﷺ أشد الناس حياءً، كان عَرْض المرأة نفسها على الرسول ﷺ قد يكون شبه ملزم له بمقتضي خلقه، فلما كان كذلك فتح الله لرسوله الباب على مِصْراعيه حيث أثبت له التخيير والإرادة في هذا الحال فقال: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾. إذن ما فائدة ذكر الإرادة مع أن الموهوب له إن شاء قبل الهبة وإن شاء لم يقبل، يعني: هذا أمر معلوم، فما الفائدة من قوله: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾؟ الفائدة لئلا يُلْزِم النبي ﷺ نفسَه قَبول هذه الهبة لما عُلِم من خلقه ﷺ بأنه أشدُّ الناس حياءً، ومعلوم أن رَدَّ الإنسان هبة المرأة نفسها له أمر صعب، كيف امرأة تهب نفسها لك وتأتي راغبة فيك أشد الرغبة بحيث أنها فدتك بنفسها فكيف تردها؟! هذا أمر فيه صعوبة في الواقع، وقد يكون رَدُّها منافيًا للمروءة والنبي عليه الصلاة والسلام أشد الناس حرصًا على المروءة وأشد الناس حياءً في مثل هذه الأمور، لكن الله أراد أن يفتح له الباب حتى لا يعترض أحد أو يقول قائل: كيف ردها؟ ويكون الرسول أعطاه الحرية الكاملة في ذلك؛ في قبولها أو ردها. قال: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ قال المؤلف: (يطلب نكاحها). والصواب: يوافق على نكاحها؛ لأنه طالب ولَّا مطلوب؟ مطلوب، فالصواب أن المراد ﴿أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ أي: أن يَقْبَل نكاحها. ﴿هَاجَرْنَ﴾ اللاتي أسلمن معك. قال: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ يحتمل أن تكون صفةً لقوله: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً﴾ ويحتمل أن تكون مفعولًا لفعل محذوف، والتقدير: جعلناها خالصة لك؛ أي: هذه الشرعة جعلناها خالصة لك، والخالص من الشيء هو الذي لا يخالطه غيره؛ فمعنى ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ يعني: لا يشاركك أحد فيها فيما إذا وهبت امرأة نفسها لأحد فإنها لا تحل له، وهل المراد بـ(الخالص) هنا أن يتزوج بلا مهر ولا ولي أو أن يقع ذلك بلفظ الهبة؟ الصحيح الأول؛ أن الخالص هو أن يكون ذلك بدون مهر ولا ولي ولا شهود على القول باشتراط الشهود؛ لأن الهبة ما هي؟ هي التبرع بلا عوض؛ فالمقصود المعنى لا اللفظ؛ يعني: أن الذي اختصَّ به الرسول عليه الصلاة والسلام هو أن المرأة تأتي إليه وتقول: وهبت نفسي لك ويأخذها، وهذا قد وقع فعلًا أكثر من مرة؛ تأتي النساء إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ويَهَبْن أنفسهن له، فالخالص للرسول والخاص به هو أن يكون النكاح مجانًا بلا وَلِيٍّ ولا شهود. وأما الهبة فإن العلماء اختلفوا هل يصح النكاح بلفظ الهبة مثل أن يقول: وهبتك بنتي على صداق قدره كذا وكذا، أو ملكتك بنتي على صداق قدره كذا وكذا؟ اختلف في هذا العلماء على قولين؛ منهم مَنْ يرى أنه لا يصح، وأنه لا بد أن يكون عقد النكاح بلفظ التزويج أو بلفظ الإنكاح، ومنهم من يرى أنه يصح، وهذا له محل آخر بحثه. ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿دُونِ﴾ بمعنى سوى؛ يعني: من سواهم المعنى أن المؤمنين لا يَحِلُّ لهم ذلك، والكافرون؟ من باب أولى؛ فإن الكافر لا يَحِلُّ له أن يتزوج بالهبة وكذلك المؤمن. قال المؤلف: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ قال: (يطلب نكاحها)، وصوبنا أمس أن المراد ﴿يَسْتَنْكِحَهَا﴾: يوافق. قال: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ النكاح بلفظ الهبة من غير صداق هذا خاص للرسول ﷺ من دون المؤمنين. (﴿﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ﴾ ﴾ أي: المؤمنين ﴿﴿فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ ﴾ من الأحكام) ﴿قَدْ عَلِمْنَا﴾ ﴿قَدْ﴾ هذه للتحقيق، وقد قيل: إن (قد) إذا دخلت على الماضي فهي للتحقيق، وإن دخلت على المضارع فهي للتقليل وقد يُراد بها التحقيق؛ فإذا قلت: قد قمت فهذا للتحقيق، وإذا قلت: قد يجود البخيل وقد يصدق الكذاب، فهذا للتقليل، لكن تأتي للتحقيق في مثل قوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [النور ٦٤]، ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ﴾ [الأحزاب ١٨] هذه لا شك أنها للتحقيق. وقوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ﴾ يعني أننا قد فرضنا عليهم أشياء، وعلمنا أن المصلحة تقتضي ما فرضنا دون سواه فليس المراد بالآية مجرد العلم أو مجرد الإخبار بأن الله قد عَلِمَ ما فرض؛ لأن كون الله قد عَلِمَ ما فرض أمر معلوم. ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أقول: ليس المراد مجرد الإخبار بأن الله عَلِمَ؛ لأن كون الله فرضه معلوم أنه صادر عن علم، لكن المراد أن ما فرضناه قد صدر عن علم مِنَّا بما يناسبهم في أزواجهم وليس عن جهل؛ ولهذا قال: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ﴾ ﴿فَرَضْنَا﴾ هنا بمعنى أوجبنا، (﴿﴿عَلَيْهِمْ﴾ ﴾ أي: على المؤمنين ﴿﴿فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ ﴾ من الأحكام) ﴿أَزْوَاجِهِمْ﴾ جمع زوجة أو جمع زوج، (من الأحكام بألَّا يزيدوا على أربع نسوة ولا يتزوجوا إلا بولي وشهود ومهر) وغير ذلك من الأشياء التي تخالف الأحكام الثابتة للرسول ﷺ؛ فإن النبي ﷺ خُصَّ في النكاح بأحكام، وخُصَّ المؤمنون بأحكام، وكل ذلك صادر عن عِلْمٍ من الله سبحانه وتعالى وعن حكمة. وقوله -أي المؤلف-: (بألا يزيدوا على أربع) فلا يحل لمؤمن أن يزيد على أربع زوجات؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء ٣] فجعل آخر شيء الرُّباع أي: الأربع، مع العلم بأن المقام يقتضي الزيادة لو كان هناك زيادة بدليل أن الآية إنما ذَكَر الله فيها العدد الممكن؛ لأنها رُتِّبَت على شرط وهو ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ يعني: إن خفتم ألا تعدلوا في اليتامى في النساء التي بين أيديكم كبنت العم وشبهها، إن خفتم ألا تعدلوا فيها فلديكم النساء كثير، فلو كان هناك زيادة عن الأربع لكان الله تعالى يذكرها حتى يكون المجال أوسع أنتم فاهمين هذا ولَّا لا؟ الآية نزلت مقيدةً بشرط ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ يعني: ألا تعدلوا في نكاحهن، وكانوا في الجاهلية إذا كان الإنسان عنده ابنة عم يتيمة كان يظلمها في النكاح؛ إما بمنعها أو يُعَلِّقها على أنها تكون له، فأنزل الله هذه الآية. ﴿فَانْكِحُوا﴾ يعني: فالنساء سواهن كثير، انكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع؛ فلو كان عدد زائد على الأربع جائزًا لذُكِر هنا، ولقيل مثلًا: فانكحوا ما شئتم من النساء أو لقال: فانكحوا ما طاب لكم من النساء ولم يُقَيَّد، فلما قَيَّد عُلِم أنه لا يجوز أكثر من الأربع. ولم يخالف في ذلك إلا شُذَّاذٌ من أهل العلم أو الرافضة، والرافضة عندهم تَوَسُّعٌ في مسائل النكاح منها هذه المسألة؛ يجوزون أن يتزوج الإنسان إلى تسع، ومنها مسألة المتعة، وهذا مما يوجب لضعفاء الإيمان أن يعتنقوا مذهبهم؛ لأنهم يجدون فيهم إشباعًا لرغباتهم، فإذا كانوا يجيزون المتعة أن الإنسان إذا نزل ببلد له أن يذهب إلى امرأة ويقول: زوجيني نَفْسَكِ لمدة سبعة أيام أو لمدة عشرة أيام أو لمدة شهر، هم يُجَوِّزُون ذلك، ويُجَوِّزُون أيضًا أن يتزوج الإنسان إلى تسع. كذلك يقول المؤلف: (ولا يتزوجوا إلا بولي) نعم لا يجوز النكاح إلا بولي؛ والدليل على ذلك من القرآن ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور ٣٢]: زوجوا، ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾: لا تزوجوا، ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة ٢٣٢] ولولا أن الولي شرط لم يكن لِعَضْلِه حكم. ثانيًا: (ولا شهود)، الشهود مختلف في اشتراطه في النكاح؛ فالمشهور أنه لا بد من الشهود؛ لأن عقد النكاح خطير ويترتب عليه مسائل وحقوق؛ نَسَب ومال وحقوق؛ يعني: اللي غيره من الأمور العقود الأخرى تجدها إما مالية، وإما حقوقية أخرى غير المال، لكن هو جامع بين المال والنسب والحقوق، أو لا؟ المال كالمهر والنفقة والإرث، والنسب كإلحاق الولد بأبيه في الزواج، والحقوق ما يجب على الزوج وزوجته من المعاشرة بالمعروف؛ فلا بد من شهود. ابن تيمية رحمه الله لا يشترط الشهود، بل المشترط إعلان النكاح أو الشهود؛ فإذا وُجِد الإعلان، ولو بلا شهود كفى. الأقسام إما أن يجتمع الإشهاد والإعلان وهذا أعلى الأقسام، وإما أن يُفْقَد الإشهاد والإعلان وهذا لا يصح، وإما أن يوجد الإشهاد بلا إعلان قال: وفي صحة النكاح هنا تردد ونظر، وإما أن يوجد الإعلان بلا إشهاد وهذا عنده صحيح، فالأقسام إذن كم؟ أربعة: أن يوجد الإعلان والإشهاد، أن يعدم الإعلان والإشهاد، أن يوجد الإشهاد دون الإعلان، أن يوجد الإعلان دون الإشهاد. * طالب: الشهود يشهدون على الرضا ولَّا على العقد؟ * الشيخ: يشهدون على العقد. * الطالب: على الرضا ولَّا على العقد؟ * الشيخ: لا، على العقد. أما الإشهاد على الرضا فهو سُنَّة وليس بواجب. * الطالب: (...) الزواجات (...) ببساطة (...) أهل الزوجة (...)؟ * الشيخ: إي، هو الإعلان ما هو لازم بالوليمة، قد يكون الإعلان مثلًا بالمشي ليلة الزفاف في الأسواق كما يُصْنَع فيما سبق، وكذلك الآن في السيارات، الآن بَيِّنٌ، وكذلك في وضع الأنوار على بيت الزوج وعلى بيت الزوجة، هذا أيضًا من الإعلان. * الطالب: إذا ما حصل؟ * الشيخ: إذا ما حصل ما يكون إعلانًا. * الطالب: (...) مع وجود بعض الأقارب؟ * الشيخ: إذا كان ما يظهر أنه عرس ما يكون إعلانًا، أما إن ظهر بأن كان المجتمع أكبر يعني من العادة هذا إعلان. وقوله: (إلا بوليٍّ وشهود ومهر) ما هو المهر؟ المهر الصداق، وظاهر كلام المؤلف أن المهر شَرْطٌ في النكاح، واعلم أن للمهر ثلاث حالات؛ تارة يذكر معينًا، وتارة يُنفى، وتارة يُسكت عنه، ثلاث حالات؛ تارة ينفى، وتارة يثبت معينًا، وتارة يسكت عنه فلا يذكر معينًا ولا ينفى. مثال الذي يُذْكَر معينًا أن يقول: زوجتك ابنتي بعشرة ريالات يَصِحُّ ولَّا لا؟ يصح، زوجتك ابنتي بريال واحد، يصح؟ لا تضحكوا، زَوَّجُوا بأقل من الريال. وتزوج رجل امرأة بريال فلما صار في الضحى وهو عندها قرع الباب رجل فذهب يفتح له فتنازعوا هو وإياه وعلت أصواتهما، فلما رجع إليها قالت: ما هذا الرجل الذي يأتي يخاصمك في أول يوم من زواجك؟ قال هذا رجل يطلبني بريال. قالت له: خذ هذا الريال أعطه إياه، مهرها. لكن الآن ما يوجد الظاهر أحد يُزَوِّج بريال. هذا إثباته معينًا بأن يقول: زوجتك بنتي بريال أو بعشرة ريالات أو بمئة ريال أو بأكثر أو بأقل. الحال الثانية: أن يُنْفَى فيقول: زوجتك ابنتي، ويقول: قَبِلْتُ بلا مهر؛ فاختلف العلماء رحمهم الله في هذا العقد هل يصح أو لا يصح؟ والمشهور من المذهب أن العقد صحيح، ولها مهر المثل. واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أن العقد لا يصح؛ لأنه تزوَّج على غير الشرط الذي ذَكَر الله فإن الله تعالى يقول: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ويش بعدها؟ ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء ٢٤]. الحال الثالثة: أن يُسْكت عنه فلا يُذْكَر معينًا ولا يُنْفى بأن يقول: زوجتك ابنتي. فيقول: قبلت. فالعقد هنا صحيح ولها مهر المثل، وقد نَصَّ على ذلك قوله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة ٢٣٦] فهنا يجب مهر المثل إذا دخل بها، فإن لم يدخل بها وطلَّقها قبل الدخول وجبت المتعة، عرفتم الأقسام الآن؟ وظاهر كلام المؤلف قوله: (وشهود ومهر) أن المهر شرط في صحة العقد فيكون ذلك موافقًا لكلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. (...) قوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ (فَرَض) إذا تعدت باللام فهي بمعنى: أحل؛ كما في قوله فيما سبق: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ [الأحزاب ٣٨] أي: فيما أحل، وكقوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم ٢] أي: أحلَّها وشرعها، أما إذا تعدت بـ(على) فهي بمعنى الإيجاب كما في هنا ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾. وذكر المؤلف أن ما فرض الله علينا في الأزواج ألا نزيد على أربع، وألا نتزوج إلا بولي وشهود ومهر، وسبق لنا الكلام فيما يتعلق بالمهر وأنه لا يخلو من ثلاث حالات.. * طالب: (...) ينفى (...) أن يسكت عنه؟ * الشيخ: يسكت عنه، مثاله مذكورًا معينًا؟ * الطالب: (...)؟ * الشيخ: إذا ذُكِرَ معينًا جائز ولَّا غير جائز؟ * طالب: إذا ذُكِرَ معيَّنًا جائز. * الشيخ: جائز، وهو أفضل أيضًا، تسميته بالعقد أفضل، وإذا نُفِيَ؟ * طالب: غير جائز. * الشيخ: يعني: ويش معنى غير جائز؟ * الطالب: حرام، لايجوز. * الشيخ: العقد حرام ولا يصح؟ ولَّا يصح العقد ويجب لها مهر المثل؟ * الطالب: فيه خلاف (...) العقد يصح ولها مهر المثل. * الشيخ: وشيخ الإسلام يقول: إن العقد لا يصح. أيهما أصح فيما إذا نُفِيَ المهر أن يصح العقد ولها مهر المثل أو أن يبطل العقد؟ * طالب: يصح ولها مهر المثل. * الشيخ: نعم، كأن عيسى يريد أن يخالف. * طالب: الصحيح كلام شيخ الاسلام. * الشيخ: أن العقد لا يصح؟ ما هو الدليل؟ * الطالب: (...) ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾. * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء ٢٤] فدلَّ هذا على أنه لا بد من أن يكون هناك مال. طيب الولي هل هو شرط في النكاح؟ * طالب: (...) الولي ركن لا بد في النكاح أن يكون فيه ولي؛ «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ»[[أخرجه ابن حبان (٤٠٧٥) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]. * الشيخ: طيب، ما هو الدليل من القرآن ومن السنة؟ * الطالب: أما من القرآن فقول الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة.. * الشيخ: (...) النفي فيُحْمَل أولًا على نفي الوجود، فإن لم يمكن فعلى نفي الصحة، فإن لم يمكن فعلى نفي الكمال، واضح؟ مثاله في نفي الوجود؟ * طالب: من السنة؟ * الشيخ: من اللي تبغي من السنة أو من القرآن أو منك أنت. * الطالب: لا إله إلا الله. * الشيخ: فيه إله غير الله؟ * الطالب: لا إله إلا الله بحق. * الشيخ: أي لا إله حقٌّ إلا الله. مثاله لنفي الصحة؟ * الطالب: «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِوُضُوءٍ»[[أخرجه أبو داود الطيالسي (٢٤٠) من حديث سعيد بن زيد رضي الله عنه.]]. * الشيخ: «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِوُضُوءٍ» هذا لنفي الصحة؛ لأنه يمكن أن يصلي الإنسان بدون وضوء. مثاله في نفي الكمال؟ * الطالب: قول النبي ﷺ: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ»[[أخرجه مسلم (٥٦٠/٦٧) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]. * الشيخ: «لَا صَلَاة بِحَضْرَةِ طَعَامٍ» يعني: لا صلاة كاملة، وإلا لو صلى لصحت. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: ما يمكن نحمله على الكمال، وهو يمكن نفيه على الصحة؛ لا نكاح صحيح إلا بولي، فما دام يمكن حمله على نفي الصحة يجب، أول ما نسلط النفي على أيش؟ على نفي الوجود؛ لأن هذا هو ظاهر اللفظ فإن لم يمكن بأن كان موجودًا حملناه على نفي الصحة؛ لأن نفي الصحة نفي للوجود شرعًا فإن لم يمكن بأن دلت النصوص على الصحة يُحْمَل على نفي الكمال. طيب نقرأ التفسير ابتداءً من الآن سنناقش إن شاء تعالى فيما سبق. قال: (﴿﴿فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ ﴾ من الإماء) يعني: وعلمنا ما فرضنا عليهم فيما ملكت أيمانهم. (من الإماء) خصَّ المؤلف ﴿مَا﴾ العامة بالإماء؛ لأن ﴿مَا مَلَكَتْ﴾ ﴿مَا﴾ اسم موصول ولَّا لا؟ ﴿مَا﴾ اسم موصول تفيد العموم، والإنسان يملك الإماء ويملك المواشي ويملك الدراهم ويملك البناء ويملك الأراضي أليس كذلك؟ فهل ﴿مَا﴾ هنا للعموم؛ يعني: وفي ملكت أيمانهم من كل شيء أو من الإماء كما قال المؤلف؟ نقول: إن اللفظ العام لا يمكن أن نخصصه نحن إلا بدليل، وإلَّا فالواجب إبقاء العام على عمومه، هنا خصصناه بالإماء بدليل، ما هو الدليل؟ قَرْنُه بالأزواج، والكلام الآن فيما يتعلق بالحقوق الزوجية؛ فقال: (﴿﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ ﴾ من الإماء) فتكون الدلالة على التخصيص من قوله: ﴿أَزْوَاجِهِمْ﴾؛ وعلى هذا فنقول: كل موضع ذُكِرَ فيه الأزواج وما ملكت اليمين فالمراد بما ملكت اليمين الإماء. يقول (بشراء وغيره) يعني: عَلِمْنا ما فرضنا عليهم من الإماء بالشراء وبغير الشراء، هل يُمْكِن أن يملك الإنسان الأمة بغير الشراء؟ يمكن بماذا؟ بالسَّبْيِ، بالهبة، بالإرث، وأسباب التملك كثيرة. المهم أن ملك اليمين أسبابه متعددة. (بأن تكون الأمة ممن تحل لمالكها كالكتابية بخلاف المجوسية والوثنية) أفادنا المؤلف رحمه الله بأنه لا يحل للإنسان الأمة غير الكتابية، لا يحلُّ من الإماء إلا الأمة الكتابية وهي اليهودية والنصرانية، فأما الأمة المجوسية فلا تحل؛ يعني: لو سبينا إماءً من المجوس فإنه لا يحل لنا وطئهن، وكذلك الوثنية ويش هي الوثنية؟ التي تعبد الأوثان؛ فإنها لا تَحِلُّ لنا بملك اليمين. ما الفرق بين المجوسية والوثنية؟ الفرق بينهما أن المجوسية تعبد النار، والوثنية تعبد الأصنام من الأشجار والأحجار وما أشبه ذلك، وكذلك من يعبد القبور، وكذلك مَنْ لا تصلي، لكن مَنْ لا تصلي مرتدة يجب أن تُقْتَل إذا لم تَتُبْ. وقول المؤلف: (بخلاف المجوسية والوثنية) هذا أحد القولين في المسألة، والصحيح أن المجوسية والوثنية حلال بملك اليمين؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون ٦] فكلمة ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ عام يشمل ما ملكته من الكتابيات وما ملكته من المجوسيات والوثنيات والشيوعيات وغير ذلك يشمل، ولا دليل على التقييد بالكتابية، نعم النكاح هو الذي لا يَحِلُّ إلا من الكتابية كما قال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة ٥] ما قال: إذا ملكتموهن، قال: ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ فدلَّ هذا على أن المراد بذلك أيش؟ النكاح؛ لأنها هي التي تُؤْتَى أجرها، أما المملوكة فتُشْتَرى فالصواب أنها تَحِلُّ لنا المملوكة إذا كانت مجوسية أو كتابية؛ لعموم الكتاب. قال: (وأن تُسْتَبْرَأ قبل الوطء) هذا أيضًا مما فرض علينا أن نَسْتَبْرِأ الأمة التي ملكناها قبل أن نطأها؛ لأن النبي ﷺ في غزوة أوطاس «نهى أن توطأ حامل حتى تضع، وألا توطأ ذات حيض حتى تحيض»[[أخرج أبو داود (٢١٥٧) بسنده عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال في سبايا أوطاس: «لا تُوطَأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة».]] فلا بد من الاستبراء إن كانت حاملًا فبوضع الحمل، وإن كانت تحيض فبحيضة. وهل الاستبراء واجب بكل حال أو لا تُسْتَبْرَأ البكر؟ ذهب بعض العلماء إلى أن الاستبراء واجب حتى في الأبكار، وقال بعض أهل العلم، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية: إن البكر لا تُسْتَبْرأ، لماذا؟ لأن الغرض من الاستبراء العلم بِبَراءة الرحم، والبكر براءة رحمها معلوم، واحتمال أن تَتَحَمَّل بعلاج غير الوطء وارد، لكنه بعيد؛ يعني: يحتمل أن تكون بكرًا، ولكنها تتحمل بمني رجل من الناس وتحمل، لكن هذا بعيد. إذا ملكها من رجل أمين وأخبره أنه قد استبرأها (...) هل يجب الاستبراء؟ المذهب: يجب الاستبراء، والقول الثاني في المسألة أنه لا يجب الاستبراء لأنه ما دام البائع أمينًا. الآن أسألكم عن إعراب (كي) من يعرفها؟ تعرفها؟ * طالب: مصدرية. * الشيخ: مصدرية، ولا يصح أن تكون حرف جر للتعليل؟ * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، كما لو قلت: جئت كي أقرأ. بأيش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: وإذا سُبِقَت باللام. * الطالب: تكون مصدرية. * الشيخ: تتعين أن تكون مصدرية، صح، (كي) إذا اقترنت باللام يتعين أن تكون مصدرية؛ لئلا يُجْمَع بين حرفي تعليل، فإن لم تُسْبَق باللام صارت حرف تعليل والفعل بعدها منصوب بأن. إذن ﴿لِكَيْ﴾ اللام حرف جر، و(كي) مصدرية و﴿لَا﴾ نافية و﴿يَكُونَ﴾ فعل أمر مبني على الفتح في محل جر؟ * طالب: لا، فعل مضارع. * الشيخ: كيف؟ فعل مضارع أيش منصوب بماذا؟ * الطالب: (...). * الشيخ: بـ (كي) وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة في آخره. ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يعني: على النبي ﷺ، الخطاب للرسول ﷺ، ﴿حَرَجٌ﴾ أي: ضيق في النكاح. قال المؤلف في ﴿لِكَيْلَا﴾: (متعلق بما قبل ذلك) وأيش قبل ذلك؟ * الطالب: (...). * الشيخ: المؤلف جيد، (قبل ذلك) يحتمل أن يريد أنه متعلق بـ﴿أَحْلَلْنَا﴾ ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَك﴾ إلى قوله: ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾، ويحتمل أن تكون متعلقة بـ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (خَالِصَةً لَكَ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ) وكلا المعنين صحيح؛ ولهذا قال بعضهم: إنها متعلقة بـ﴿أَحْلَلْنَا﴾، وقال بعضهم: إنها متعلقة بـ﴿خَالِصَةً﴾، وكلام المؤلف صالح للوجهين ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ يعني: أننا أحللنا لك هذا الحل حتى لا يكون عليك ضيق في النكاح، ومعلوم أن النبي ﷺ مطلوب فالنساء قد يأتين إليه يَعْرِضْن أنفسهن عليه فإذا لم تَحِل له الواهبة نفسها صار عليه في ذلك ضيق من وجهين؛ إن رغبها ففيه ضيق عليه ألا يتزوجها، وإن لم يرغبها ففيه ضيق عليه إن ردَّها، فالله عز وجل جعل الخيار له إن أراد النبي أن يستنكحها لئلا يكون أيش؟ عليه حرج، ضيق؛ حتى يتسع له المجال، والرسول عليه الصلاة والسلام خص بهذا أي بأن يتزوج ما شاء حتى في مَنْ وهبت نفسها له؛ لأن اتصاله بهن فيه مصلحة عظيمة لمن؟ لهن ولأهلن وللمسلمين؛ لهن ظاهر، ولأهلهن لأنه ليس من الشك في أن لمن تزوج النبي ﷺ منهم الشرف في مصاهرة النبي ﷺ، وللمسلمين لأن هذه المرأة سيكون عندها علم من سنة الرسول ﷺ، أليس كذلك؟ هذا العلم لولا اتصالها به ما حصلته؛ ولهذا كثير من السنن البيتية من أين تُلقيت؟ من زوجات الرسول ﷺ. ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يجمع الله تعالى دائمًا بين هذين الاسمين الكريمين؛ لأن بالمغفرة زوال المكروه، وبالرحمة حصول المطلوب، وإذا زال المكروه وحصل المطلوب فقد تمت الأمور. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ ﴿كَانَ﴾ فيما مضى؟! لا، لأن (كان) هنا مسلوبة الدلالة على الزمن، والمراد بها تحقق الموصوف بالصفة، أن الصفة هذه في هذا الموصوف حقيقة. ﴿غَفُورًا﴾ هل هو صيغة مبالغة ولَّا صفة مشبهة؟ يحتمل أن تكون صيغة مبالغة وأن تكون صفة مشبهة، وأيًّا كان فإنها مشتقة من المغفرة وهي ستر الذنب ويش بعد؟ والتجاوز عنه. و﴿رَحِيمًا﴾ مشتقة من الرحمة، وهي صفة تتعلق بذات الله عز وجل من مقتضاها الإحسان والإنعام، والغفور والرحيم من أسماء الله سبحانه وتعالى، وكل اسم من أسماء الله فإنه دال على أمور ثلاثة إذا كان متعديًّا، وعلى أمرين إذا كان غير متعدٍّ. ما هي الأمور الثلاثة التي يدل عليها الاسم إذا كان متعديًّا؟ * الطالب: (...)؟ * الشيخ: وأن تعلموا أن العلم ليس بالأمر الهين، العلم يحتاج إلى تعب؛ ولهذا قال بعض السلف: العلم لا ينال براحة الجسم، اللي بده يستريح ما يكون طالب علم، اللي بده ينام ما يقول: إني طالب علم لا بد لطالب العلم أن يكون طالب علم على سبيل الحقيقة، وسيجد غِبَّ ذلك فيما بعد سيجد النتيجة والتحصيل، وهو قد يشق عليه في أول الأمر أن يحبس نفسه على العلم، لكن إذا اعتاد حبس نفسه على العلم صار ذلك سجية وطبيعة له، حتى إنه إذا فقد ذلك الحبس انحبس، وجرب تجد، أنا قد جربت وغيري قد جرب، إذا حبست نفسك عن العلم فإنك تفقد ذلك الحبس لو تأخرت عنه، أما إذا عودت نفسك الإهمال وعدم المبالاة فاعلم أنك ستبقى كالمريض بسلٍّ مؤنث، تعرفون المريض بالسل المؤنث؟ السل المذكر يمشي صاحبه ما يبقى إلا شهرين ثلاثة ويمشي إلى المقبرة، لكن البلاء السل المؤنث يبقي فيه السنوات العديدة لا حي ولا ميت، وهكذا طالب العلم إذا لم يجدَّ في طلب العلم يبقى لا حيًّا ولا ميتًا فاللهَ اللهَ يا إخواني في الحرص، اللهَ اللهَ على الحرص في طلب العلم إن كنتم تريدون العلم، أما إذا كنتم تريدون أن تُقَطِّعوا الوقت ويمشي الوقت فيما كان فهذا شيء آخر، لكن الذي يريد العلم لا بد أن يكب عليه وأن يجتهد، وهو إن أتعب جسمه الآن سيجد الراحة فيما بعد ولا سيما الشباب منكم، الشباب هو الذي إذا حفظ العلم إن شاء الله ما ينساه، لكن ثقوا أنه إذا تقادمت بكم السن فإنكم تدرسون اليوم وتنسون غدًا، صحيح أن الإنسان إذا تقدَّم في العلم يكون فهمه أكثر وأوسع وأدق، لكن في الحفظ، ما فيه حفظ إلا في الصغر، أبدًا فأنتم إن شاء الله تحرصون على طلب العلم، لا تظنوا أنكم في نزهة إلا في نزهة واحدة وهي نزهة العلوم؛ لأن العلوم فيها من كل فاكهة زوجان؛ هذا فقه، وهذا حديث، وهذا تفسير، وهذا توحيد، وهذا نحو، ما شاء الله، ثمرات متنوعة، فليكن نزهتكم هذا العلم، وأسأل الله لي ولكم التوفيق، أما أنا نبحث في المسألة أمس ونيجي نسأل عليها اليوم ما أحد يجاوب، أو ما يستطيع الواحد يجاوب، ما هو كلكم، كلكم ممكن تجاوبون، لكن فيكم من لا يجاوب مع إن المسألة ليست ببعيدة. ذكرنا أن اسم الله عز وجل يُستفاد منه ثلاثة أمور إذا كان متعديًّا، وأمران إذا كان لازمًا، الثلاثة إذا كان متعديًّا؟ * الطالب: الاسم والصفة والأثر؟ * الشيخ: نعم، الاسم والصفة والأثر؛ مثال ذلك في الغفور: أن الغفور من أسماء الله، والصفة في الغفور المغفرة، والأثر أنه يغفر الذنوب جميعًا سبحانه وتعالى. الرحيم مثلها؛ الاسم الرحيم، والصفة الرحمة، والأثر يرحم، عرفتم يا جماعة؟ أما إذا كان لازمًا لا يتعدي فهو يستفاد منه فائدتان: الاسم، والصفة؛ الاسم مثل العليِّ العظيم، يستفاد من العليِّ الاسم، والصفة وهي العلو ولا تتعدي إلى أحد حتى نقول: يستفاد من الأثر والعظيم كذلك. (﴿﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ ﴾ بما يعسر التحرز منه ﴿﴿رَحِيمًا﴾ ﴾ بالتوسعة في ذلك) هذا من بعض المغفرة والرحمة، وليس هو المغفرة والرحمة، بل المغفرة فيما يقابل الذنوب، والرحمة فيما يحصل به المطلوب، ثم نرجع الآن إلى الفوائد. * الطالب: قوله: ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ العلة في هذه؟ مناسبتها مع المعلول ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ﴾؟ * الشيخ: هذه العلة علة لما سبق، ما هي لقوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا﴾. * الطالب: وجه الفصل في ذلك؟ * الشيخ: علة لقوله: ﴿أَحْلَلْنَا لَكَ﴾ أو ﴿خَالِصَةً﴾. * الطالب: ويش الفاصل بين العلة والمعلول؟ * الشيخ: الفاصل لأنه لما قال: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لما ذكر أن هذا من خصوصياته بَيَّن ما فرض عليه؛ يعني فأنت لك هذا خاصة، وهم لهم أحكام أخرى مختصة بهم. قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: علو شأن النبي ﷺ؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ فإنها -كما سبق- تصديرها بالنداء مع وصف النبوة يدل على رفعة شأنه ﷺ. * ومن فوائدها: أن الإحلال والتحريم إلى الله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ﴾، وهذا لا ينافي أن يكون النبي ﷺ يجتهد أحيانًا ويحكم فإن القول الراجح أن الرسول ﷺ له أن يُشَرِّع ثم إن أقرَّه الله على ذلك كان شريعة، وإن لم يقره كان على حسب ما أراد الله عز وجل؛ والدليل على أن الرسول عليه الصلاة والسلام يستقل بالتشريع عدة أحاديث، بل من القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]، وهذا يدل على أن للنبي ﷺ أمرًا مستقلًا، ومن السنة مثل قوله ﷺ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٨٧) ومسلم (٢٥٢/٤٢) واللفظ له من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] فإن هذا يدل على أنه يأمر وينهى، وإلا لقال: لولا أن الله لم يأمرني لأمرتهم؛ يعني: ما يعلقها بإرادته هو، بل بإرادة الله، ومنها قوله ﷺ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا الرُّومُ يَغِيلُونَ فَلَا يَضُرُّهُمْ شَيْئًا»[[أخرج مسلم (١٤٤٢/١٤٠) من حديث جدامة بنت وهب الأسدية رضي الله عنها أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لقد هَمَمْت أن أنهى عن الغيلة، حتى ذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك، فلا يضر أولادهم».]]، وغير ذلك من الأمثلة مثل قوله في صلاة العشاء: «إِنَّهُ لَوَقْتُهَا، لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٠)، ومسلم (٦٣٨/٢١٩) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]، والحاصل أن النبي عليه الصلاة والسلام له أن يأمر وينهى ويحلل ويحرم، ولكن إن أقره الله على ذلك كان ذلك من شريعة الله، وإلا فالأمر إلى الله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا بد في النكاح من المهر؛ لقوله: ﴿اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾. * ومن فوائدها: أن النكاح عقد على المنفعة وليس على العين؛ لقوله: ﴿أُجُورَهُنَّ﴾، والإجارة عقد على منافع لا على أعيان؛ ولهذا تملك المرأة نفسها بالبيع والشراء والهبة وغير ذلك، وليس لزوجها أن يعترض عليها في هذه الأمور؛ لأنه إنما يملك منفعة الاستمتاع فقط. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز الوطء بملك اليمين، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾. * ومن فوائدها: صحة إضافة الشيء إلى البعض؛ لقوله: ﴿مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ وهذا كثير في القرآن؛ ومنه قوله: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى ٣٠]، وقوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء ٩٢] فإن الإنسان لا يحرر الرقبة وحدها بل يحرر كل العبد. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن سبب ملك اليمين سببه الفيء؛ لقوله: ﴿مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾. * ومن فوائدها: أن أموال الكفار إذا عادت إلى المسلمين فقد عادت إلى أهلها تُؤْخذ من قوله: ﴿أَفَاءَ﴾؛ لأن الفيء بمعنى الرجوع؛ فالكفار يتمتعون بأموالهم لكنهم بغير حق؛ ولهذا يحاسبون عليها يوم القيامة، أما الأموال فهي حقيقة للمسلمين. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز هؤلاء الأربع من الأقارب وهم بنات العم وبنات العمات وبنات الخال وبنات الخالات؛ وأما غيرهن من الأقارب فحرام كما في آية النساء. * ومن فوائدها: أنه يُشترط لحِلِّ هؤلاء الأقارب في حق النبي ﷺ أن يكُنَّ قد هاجرن معه؛ لقوله: ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾، ويتفرع على هذه الفائدة أن النبي ﷺ قد يخص بأشياء في النكاح تضييقًا وتوسيعًا، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ فإن في هذا تضييقًا لأن غيره يحل له بنات العم والخال والخالات مطلقًا بخلاف النبي ﷺ. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز تزوج النبي ﷺ بالهبة، منين تؤخذ؟ * الطالب: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا﴾. * الشيخ: ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا﴾ لمن؟ * الطالب: ﴿لِلنَّبِيِّ﴾ ﷺ. * الشيخ: طيب للنبي. * ومن فوائدها: جواز نكاح النبي ﷺ بالهبة؛ لقوله: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا﴾، ويشترط في هذه الواهبة أن تكون أيش؟ مؤمنة؛ لقوله: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً﴾ فلو وهبت كتابية نفسها للنبي ﷺ لم تحلَّ له. * ومن فوائد الآية الكريمة: لطف الله تعالى بنبيه ﷺ؛ لقوله: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾. * ومن فوائدها أيضًا: بيان علو شأن النبي ﷺ؛ حيث قال: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ﴾ ولم يقل: إن أردتَ مع أن المقام يقتضي أن يقول: إن أردت أن تستنكحها؛ لأن الخطاب له ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ كان مقتضى السياق أن يقول: وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها لك إن أردت أن تستنكحها، ولكنه أتى بالنبي لبيان علو شأنه ومرتبته. * ومنها، ومن الفوائد: أن الإظهار هنا لبيان علة الحكم، الإظهار هنا في مقام الإضمار من فوائده بيان علة الحكم، كيف؟ لو قال: وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها لك إن أردت أن تستنكحها ما تبين لنا وجه الخصوصية، لكن لما قال: ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ تبين الآن وجه الخصوصية؛ لأنه كان نبيًّا، فالعلة أنه نبي فأُحِلَّت له هذه الواهبة نفسها. * ومن فوائد الآية الكريمة: الردُّ على الجبرية؛ ﴿إِنْ أَرَادَ﴾ حيث أثبت للنبي ﷺ إرادة، والجبرية لا يثبتون إرادة للإنسان، يقولون: إنه مجبر على عمله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن جواز النكاح بالهبة من خصائص النبي ﷺ؛ لقوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحكم الثابت للرسول ﷺ ثابت لأمته إلا بدليل، من أين يؤخذ أن الحكم الثابت للرسول ثابت للأمة إلا بالدليل؟ لقوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فلولا أن الحكم الثابت له ثابت لأمته لكان قوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لغوًا لا فائدة منه، فلما أخرج المؤمنين من ذلك الحكم عُلِمَ أن الأصل مشاركة أمته له في الأحكام، ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن لله تعالى أن يَخْتَصَّ بأحكامه مَنْ شاء؛ من تخصيص النبي ﷺ بهذا الحكم، فالله تعالى له أن يختص بأحكامه ما يشاء. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن التخصيص للحكم لا بد أن يكون له علة تقتضي تخصيص ذلك المحكوم له، من أين يؤخذ؟ * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، انتبهوا، أن التخصيص لا بد له من علة تقتضي ذلك التخصيص.. * طالب: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا﴾. * الشيخ: لا. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ﴾ فإن العلة في ذلك أنه نبي، وهذه العلة لا تكون للمؤمنين. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العلم لله عز وجل؛ لقوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الله تعالى فرض علينا فرائض في أزواجنا علينا مراعاتها؛ لقوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ﴾، وكذلك نقول في ملك اليمين ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾. * ومنها: جواز وطء ملك اليمين، وقد سبق. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأحكام، أحكام الله عز وجل مُعَلَّلة بالحِكَم أو مقرونة بحِكَمِها؛ لقوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾. * ومن فوائدها: عناية الله تعالى برسوله ولطفه به؛ حيث أحلَّ له ما يزول به عنه الحرج؛ لقوله: ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾. * ومن الفوائد أيضًا: إثبات اسمين من أسماء الله وهما الغفور الرحيم، وإثبات ما تضمنها من الوصف أو من الصفة ومن الأثر ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. هل نأخذ منها فائدة: أن النكاح بلفظ الهبة لا يصح أو لا؟ أن النكاح بلفظ الهبة لو قال: وهبتك بنتي فقال: قبلت. لا يصح، الظاهر أنه يصح؛ لأن العلة ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ أنه يتزوج بدون مهر ما هو العلة اللفظ، العلة أن يكون الزواج بدون مهر؛ فهذا هو الذي يكون خاصًّا بالنبي ﷺ، أما لفظ الهبة فإنه قد جاء في أحد ألفاظ حديث سهل بن سعد في الواهبة نفسها أن النبي ﷺ قال للرجل: «مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٨٧) ومسلم (١٤٢٥/٧٦) من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه.]] وهذا أحد ألفاظ البخاري، وهذا يدل على جواز عقد النكاح بمثل هذا اللفظ. * طالب: هل هناك (...)؟ * الشيخ: أبدًا هذا ما فيه شيء، أبدا. * الطالب: يعني: ما يحصل بسرقة أبناء الكفار ثم بيعهم؟ * الشيخ: ما يجوز (...). * الطالب: ما يحصل من سرقة أبناء الكفار ثم بيعهم للمسلمين؟ * الشيخ: إي، هذا ما يجوز ولا يكونون أرقاء بهذا. * طالب: الهبة على مقابل (...) وهبتك في النكاح؟ * الشيخ: الهبة على عوض حكمها حكم البيع في كل شيء. * الطالب: زواج (...) على عوض (...)؟ * الشيخ: فهذا زواج بمهر؛ يعني: اللفظ لا يضر، الصحيح أن جميع العقود تنعقد بما دلَّ عليها. * الطالب: هل نقول بأن الهبة على عوض؟ * الشيخ: هنا لا، لا، نقول: نكاح بمهر، وإن كان بلفظ الهبة، لكنه نكاح.

الأحزاب 33:51

ثم قال: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب ٥١] ﴿تُرْجِي﴾ يقول المؤلف: (بالهمزة والياء بدله تؤخر) ﴿﴿تُرْجِئُ﴾ ﴾ و﴿تُرْجِي﴾ بمعنى تؤخر. وقوله: ﴿مَنْ تَشَاءُ﴾ هذه مفعول ﴿تُرْجِي﴾. (﴿﴿مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ ﴾ أي: أزواجك عن نوبتها ﴿﴿وَتُؤْوِي﴾ ﴾ تضم ﴿﴿إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ ﴾ منهن فتأتيها ﴿﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ﴾ ﴾ طلبت ﴿﴿مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ ﴾ من القسمة فلا جناح عليك في طلبها وضمها إليك، خُيِّر في ذلك بعد أن كان القَسْم واجبًا عليه). كلام المؤلف الآن يدل على أن قوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ أن الضمير يعود على زوجات النبي ﷺ اللاتي في حباله، وأن معنى ﴿تُرْجِي﴾ تؤخرها فلا تَقْسِم لها ﴿وَتُؤْوِي﴾ تضمها فتَقْسِم لها فتكون الآية نازلة في قَسْم النبي ﷺ لزوجاته، وأن الله تعالى خَيَّره بين أن يُرْجِئ وبين أن يضم؛ يعني: خيره بين أن يقسم للزوجات وألا يقسم، فيكون في هذا توسعة للنبي ﷺ في القَسْم إن شاء قَسَم وإن شاء لم يَقْسِم، وهذا هو أحد القولين في تفسير الآية الكريمة، وربما يدل عليه السياق ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ إلى أن قال: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ أي: من أزواجك ﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾، فيكون الإرجاء بمعنى تَرْكِ القسم، والإيواء بمعنى القَسْم. والقول الثاني في المسألة ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ أي: من الواهبات أنفسهَنَّ لك؛ يعني أنك إن شئت قَبِلْت وإن شئت رددت، ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ يعني: لو أنك رددتها أولًا ثم أردتها ثانيًا فلا جناح عليك، وقد سبق لنا قاعدة في التفسير أن الآية إذا كانت تحتمل معنيين لا يتنافيان فإن الواجب حملها على المعنيين؛ ولهذا اختار ابن جرير رحمه الله أن الآية شاملة للمعنيين جميعًا، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام خُيِّرَ بين القَسْم وعدمه وخير بين قَبول الهبة وعدمه، وأنه أيضًا إذا لم يقسم ثم أراد أن يقسم فله ذلك، وإذا ردَّ الهبة ثم أراد أن يقبل فله ذلك، فليس للمرأة إذا لم يَقْسِم لها ثم أراد القسم ليس لها أن تمتنع؛ لأن الخيار بيد النبي ﷺ. * طالب: شيخ، (...) يحمل على النسخ (...) الرسول كان (...)فدلَّ على أنه كان يقسم؟ * الشيخ: إي، لكن يقسم من عنده، قَسْمٌ من عنده عليه الصلاة والسلام ما هو على سبيل الوجوب من الله؛ يعني هو من ذات نفسه يقسم مع أنه مُخَيَّر. * الطالب: ما الدليل على أنه مُخَيَّر؟ * الشيخ: هذه الآية. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، لكن صالحة فسَّرها السلف بذلك فهي صالحة للوجهين. * طالب: (...) دليل على (...)؟ * الشيخ: إي، فيه دليل خاص؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ»[[أخرجه أبو داود (٢١٣٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، هذا وعيد. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا تركه بالكلية وإن شاء رَدَّ. (﴿﴿مِنْهُنَّ﴾ ﴾ أزواجك عن نوبتها ﴿﴿وَتُؤْوِي﴾ ﴾ تضم إليك ﴿﴿مَنْ تَشَاءُ﴾ ﴾ منهن فتأتيها). (﴿﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ﴾ ﴾طلبت ﴿﴿مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ ﴾ من القسمة فلا جناح عليك في طلبها فتضمها إليك، خُيِّرَ في ذلك بعد أن كان القسم واجبًا عليه). أفادنا المؤلف رحمه الله أن الآية في حُكْم القَسْم بالنسبة للنبي ﷺ وأن الله تعالى خيَّره بين أن يقسم بين زوجاته وألا يقسم، وأن من لم يَقْسِم لها إذا بدا له أن يقسم لها فلا حرج عليه، وهذا هو أحد القولين في الآية. والقول الثاني أن المراد بقوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ يعني: من الواهبات أنفسهَن فلك الخيار في أن تقبل وألا تقبل، ومن رددت منهن فلا حرج عليك فيما بعد أن تطلبها، واختار ابن جرير رحمه الله أن الآية عامة للمعنيين جميعًا، وهذا هو الذي مشينا عليه فيما سبق من أن الآية إذا كانت تحتمل معنيين لا يتنافيان فإن الواجب حملها على الجميع. قال الله تعالى: (﴿﴿ذَلِكَ﴾ ﴾ التخيير) المشار إليه: التخيير، ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ﴾ ﴿وَتُؤْوِي﴾ أي: ذلك التخيير المستفاد من الجملتين. (﴿﴿أَدْنَى﴾ ﴾ أقرب إلى ﴿﴿أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ﴾ ﴾ ما ذُكِرَ المُخَيَّر فيه ﴿﴿كُلُّهُنَّ﴾ ﴾). قوله: ﴿أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ كيف ذلك؟ يعني: ما وجه كون ذلك أقرب إلى أن تقرَّ أعينهن؟ لأنهن إذا عَلِمْنَ أن التخيير بين القسم وعدمه من الله عز وجل قَرَّت أعيُنهن؛ لأنهن يرضين بحكم الله عز وجل، لكن لو كان هذا من النبي ﷺ إن شاء قسم وإن شاء لم يقسم لكان في نفوسهن بعض الشيء؛ إذ تظن الواحدة منهنَّ أن ذلك من قِبَل النبي ﷺ وليس من شرع الله، فإذا علمت النساء بأن هذا من شرع الله فإن أعينهن تقر. وقوله: ﴿تَقَرَّ﴾ مأخوذة إما من القرار وإما من القَرِّ وهو البرد؛ وذلك أن العين إذا بَرَدَتْ فمعناها أنها غير حزينة، وإذا حَمِيَت فمعناها الحزن؛ ولهذا يقولون: دمع الحزن حار؛ لأنه يَخْرج من العين إذا حَمِيت من الحزن، أما إذا لم يكن هناك حزن فإنها تَبْرُد وتستقر. وقوله: ﴿أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ﴾ معطوفة على قوله: ﴿تَقَرَّ﴾، وهل هو منصوب ﴿وَلَا يَحْزَنَّ﴾؟ لأن ﴿تَقَرَّ﴾ منصوب بـ(أن) و﴿يَحْزَنَّ﴾ معطوف عليه، فهل هو منصوب؟ لا، مبني على السكون؛ لاتصاله بنون النسوة ونون الفعل مدغمة في نون النسوة؛ لأن (يحزن) هذا الفعل، والنون الثانية هي نون النسوة وهي فاعل. * طالب: واو العطف ماذا صنعت؟ ليس لهل وظيفة؟ * الشيخ: لا، لها وظيفة، لكن الفعل هنا مبني على السكون في محل نصب ﴿وَلَا يَحْزَنَّ﴾. وقوله: ﴿وَيَرْضَيْنَ﴾ الواو حرف عطف، ﴿وَيَرْضَيْنَ﴾ معطوفة على ﴿تَقَرَّ﴾، وليس على ﴿يَحْزَنَّ﴾؛ لأنه لو كان على ﴿يَحْزَنَّ﴾ لفَسَد المعنى؛ إذ لو كان معطوفًا على ﴿يَحْزَنَّ﴾ لكان المعنى ولا يحزن ولا يرضين، والمراد خلاف ذلك؛ فالمراد ذلك أدنى أن تقرَّ أعينهن ويرضين. فإن قلت: ما الفائدة من اعتراض الجملة الثانية ﴿وَلَا يَحْزَنَّ﴾؟ نقول: لأن صلتها بقوله: ﴿تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ أقوى، فإن قوله: ﴿وَلَا يَحْزَنَّ﴾ يُراد به كمال قرار العين؛ يعني أنها تقر أعينهن حتى لا يبقى فيهن حزن إطلاقًا؛ فلهذا اعترضت هذه الجملة بين المعطوف والمعطوف عليه. قوله: ﴿وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ﴾ ﴿آتَيْتَهُنَّ﴾ بالمد بمعنى أعطيتهن؛ لأن (آتى) تنصب مفعولين؛ مفعولها الأول الهاء، ومفعولها الثاني محذوف قدَّره المؤلف بقوله: (ما ذُكِرَ) وما الذي ذُكِر؟ قال: المُخَيَّر فيه يعني: أنهن يرضين بما أعطيتهن من التخيير من القَسْمِ وعدمه. وسبق أن بيَّنَّا العلة في كونهن يرضين بذلك؛ وهو أنه إذا جاء الحكم من الله سبحانه وتعالى رضين به بخلاف ما لو كان من النبي ﷺ ابتداء فقد لا يرضين بذلك تظن الواحدة منهن أن هذا هوى من النبي ﷺ. * طالب: ﴿وَلَا يَحْزَنَّ﴾ (...)؟ * الشيخ: إي نعم، معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، وهي معطوفة، لكنها الآن معترضة بمعنى أنه لا يصح أن نعطف ما بعدها عليها، بل يُعْطَف على ما قبلها. قال: ﴿كُلُّهُنَّ﴾ تأكيد للفاعل في يرضين، وإنما قال ذلك لأنه لو كان تأكيدًا للهاء في قوله: ﴿بِمَا آتَيْتَهُنَّ﴾ لكانت منصوبة ﴿بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾، ولكنها كما قال: تأكيد للفاعل في قوله: ﴿يَرْضَيْنَ﴾. ألا يصح أن تكون تأكيدًا للضمير في قوله: ﴿أَعْيُنُهُنَّ﴾؟ لا يصح؛ لأنه لو كانت توكيدًا له لكان مجرورًا كلِّهِن؛ فإذن يَتَعَيَّن أن يكون تأكيدًا لقوله: ﴿وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ (﴿﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ﴾ من أَمْرِ النساء والميل إلى بعضهن) لمَّا بَيَّن الله عز وجل أن النبي ﷺ مُخَيَّر بَيَّن أنه عز وجل يعلم ما في القلوب من ميل الإنسان إلى بعض النساء دون بعض، وقد بَيَّن الله تعالى هذا المعلوم بقوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء ١٢٩]، وهذا أمر يؤيده الواقع ويشهد له؛ فإن الإنسان لا يمكن أن تكون مودة زوجتيه على حدٍّ سواء أبدًا، حتى لو فُرِضَ أن إحداهما كانت عنده أرجح من وجه والأخرى أرجح من وجه آخر فلا يمكن التساوي، وهذا هو ما يؤيده قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾. وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ هل يستفاد منها التهديد والوعيد أو يستفاد منها أن هذا أمر لا تملكونه؟ الظاهر الثاني وأن هذا أمر لا نملكه. عن عقابه، هذا كالتعليل لقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الأحزاب ٥١] فهو سبحانه وتعالى عليم بكل شيء، ومنه ما في قلوبنا من الميل إلى بعض النساء دون بعض، وقوله: ﴿حَلِيمًا﴾ [الأحزاب ٥١] ما هو الحلم؟ الحلم هو عدم التعجل بالعقوبة، وليس هو ترك العقوبة، ولهذا قال ابن القيم: وَهُوَ الْحَلِيمُ فَلَا يُعَاجِلُ عَبْدَهُ ∗∗∗ بِعُقُــــوبَةٍ لِيَتُوبَ مِــنْعِــصْيَانِ فالحلم إذن تأخير العقوبة وليس العفو عنه، يؤخر العقوبة لماذا؟ لعل هذا المذنب يتوب إلى الله عز وجل فترتفع العقوبة عنه. ثم قال تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب ٥٢]، قال: ﴿لَا يَحِلُّ﴾ بالتاء والياء: ﴿﴿لا تحل﴾ ﴾ و﴿لَا يَحِلُّ﴾، فأما على قراءة ﴿﴿لا تحل﴾ ﴾ فلا إشكال؛ لأن النساء جمع نسوة، والنسوة جمع امرأة؛ لأن امرأة ليس لها جمع من لفظها، وإنما لها جمع من معناها، كالإبل جمع بعير، ليس لها مُفْرد من لفظها، فقوله: ﴿﴿لا تحل لك النساء﴾ ﴾ لا إشكال فيه، لكن قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ كيف ذَكَّر الفعل مع أن الفاعل مؤنث، أجب؟ * طالب: شيخ، أعد السؤال. * الشيخ: ما نعيد السؤال. * طالب: (...). * الشيخ: فعل مضمر متصل، أو مكمل (لا تحل) لكن مع الاتصال، أما مع الفصل فيجوز ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾، قال المؤلف: (بعد التسع التي اخترنك) كذا عندكم التي ولّا اللاتي؟ * طالب: التي. * الشيخ: التي اخترنك التسع كان مقتضى الكلام أن يقول: اللاتي اخترنك، والمعنى أن النبي ﷺ لما خير نسائه اخترن الله ورسوله، فلما اخترن الله ورسوله شكر الله لهن، فقال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ [الأحزاب ٥٢]، وعلى هذا فيكون هذا من باب الجزاء العاجل، ولهن الجزاء الآجل أيضًا؛ لأنهن لما اخترن الله ورسوله على الدنيا وزينتها شكر الله لهن، فمنع نبيه ﷺ من أن يتزوج بسواهن، أو أن يطلق واحدة ويتزوج سواها فقال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ وهذا أحد القولين في الآية. والقول الثاني: أن معنى الآية ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ أي: من بعد ما ذكرن لك، وهو قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ [الأحزاب ٥٠]، والمعنى على هذا: لا يحل لك النساء من بعد ما ذكرنا لك، وعليه فلا يحل للنبي ﷺ أن يتزوج امرأة من العرب سوى بنات عمه وبنات عماته وبنات خاله وبنات خالاته اللاتي هاجرن معه، ولا يحل له أن يتزوج امرأة من أهل الكتاب؛ لأنها ليست من هؤلاء. واختار ابن جرير -رحمه الله- أن الآية شاملة للمعنيين جميعًا، فلا يحل له أن يتزوج على أمهات المؤمنين، ولا أن يتزوج سوى هؤلاء، فإن قلت: أفلا يمكن أن نقول: إن المعنى الأول الذي هو لا يحل لك النساء سوى هؤلاء النساء يدخل فيه المعنى الثاني فلا حاجة إلى القول الثاني، فاهمين هذا ولّا لا؟ إذا قلنا: لا يحل لك سوى هؤلاء اللاتي معك، فإن هذا يدخل فيه القول الثاني أنه لا يحل له سوى من ذكر ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ فما فائدة القول الثاني إذن؟ فالجواب على هذا أنه لو قدر أن هؤلاء النساء متْنَ في حياة الرسول عليه الصلاة والسلام فهل يحل له أن يتزوج سوى هؤلاء اللاتي أحل الله له؟ فحينئذ يكون للقول الثاني فائدة، وهذه الفائدة تظهر فيما لو قدر أن زوجات الرسول ﷺ اللاتي معه يتوفين قبله، فإنه لا يحل له من النساء إلا ما ذكر الله ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ﴾ [الأحزاب ٥٠]. قال الله تعالى: (﴿﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ﴾ ﴾ [الأحزاب: ٥٢] بترك إحدى التاءين في الأصل) ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ﴾ يقول: (بترك إحدى التاءين في الأصل) وهي كلمة ﴿تَبَدَّلَ﴾ أصلها تتبدل، والدليل على أنها أصلها تتبدل وأنها ليست فعلًا ماضيًا، أن ﴿أن﴾ دخلت عليها ونصبتها، وأن لا تدخل وتنصب إلا المضارع، وإلا فإن كلمة ﴿تَبَدَّلَ﴾ تصح أن تكون فعلًا ماضيًا، لكنه لما دخلت عليها ﴿أن﴾ وعملت فيها النصب عُلِم أنه فعل مضارع حُذفت منه إحدى التاءين، وهل لهذا نظير؟ نعم له نظير، مثل: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [القدر ٤] أي: تتنزل، ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل ١٤] أي تتلظى، من اللي يسأل؟ * طالب: (...) الرسول ﷺ، هذا يعارض القول الأول؟ * الشيخ: اللي هو؟ * طالب: أن الرسول ﷺ في آخر أيامه أراد أن يطلِّق. * الشيخ: نعم، وطلَّق حفصة أيضًا، طلَّق حفصة ثم راجعها. * طالب: كيف يكون مع هذا المعنى؟ أنه ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾.. * الشيخ: ما ينافي؛ يعني أنه ما يجوز يتزوج غيرهن ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾، ولا يجوز أن يطلق واحدة ليتزوج أخرى غيرها؛ لأنه قال: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾، ما قال: ولا أن تطلق، قال: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ بأن تطلق واحدة وتتزوج غيرها. (﴿﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ ﴾ بأن تطلقهن أو بعضهن وتنكح بدل من طلقت) هذا أيضًا لا يحل له، ولم يفعل النبي ﷺ بعد أن نزلت هذه الآية، فإنه ما طلق واحدة ليتزوج أخرى، ولا تزوج عليهن سواهن، بل بقين معه إلى أن توفي، لكنه توفي له من زوجاته في حياته زوجتان، من هما؟ خديجة، من بعد؟ زينب بنت خزيمة هذه تزوجها بعد أنه استشهد زوجها في أحد، وبقيت عنده أشهرًا ثم توفيت، والبقية من نسائه توفي عنهن. ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ [الأحزاب ٥٢]، المراد الحُسن الظاهر أو الحُسن الباطن أو كلاهما، يشمل هذا وهذا، فالنبي عليه الصلاة والسلام كغيره من البشر قد يتزوج المرأة لجمالها لكن مع الدين، وقد يتزوجها لدينها أو لمعرفتها وفهمها، فقوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ يشمل الحُسن الظاهر والحُسن الباطن، وقوله: ﴿أَعْجَبَكَ﴾ أي: بلغ الإعجاب منك، وذلك لكمال حسنها الظاهر والباطن. * طالب: (...). * الشيخ: قال: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ من الإماء، فتحل لك.. إلى آخره؛ يعني استثنى الله عز وجل ما ملكت يمينه، وذلك لأن ما ملكت يمينه لا يحصل للزوجة غيرة منها، بخلاف الزوجة، وإنما لا يحصل للزوجة غيرة من ملك اليمين؛ لأنها لا تساميها ولا تساويها، ولأنها ليس لها قسم، فإن ملك اليمين لا يجب لهن القسم. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ لما بَيَّن الله عز وجل ما أحل لرسوله وما حرم عليه ختم الآية بذكر رقابته تبارك وتعالى على كل شيء، بين الله تعالى رقابته على كل شيء لأجل الحذر من مخالفة أمره؛ لأنه إذا كان سبحانه وتعالى رقيبًا على كل شيء فإن الإنسان يحذر ويخاف من مخالفته. وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ سبق لنا نظيرها عدة مرات، وقلنا: إن الماضي هنا مسلوب الدلالة على الزمن، إذ ليس المعنى أن الله كان في زمنٍ مَضَى وتخلف الحكم عنه في هذا الزمن، وإنما هو لتحقيق اتصاف الله سبحانه وتعالى بالرقابة، وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ على كل شيء يشمل ما كان خفيًّا، وما كان ظاهرًا، وما كان خاصًّا بالرسول ﷺ، وما كان عامًّا فيه وفي الأمة، ويشمل ما كان من أعمال الجوارح، وما كان من أعمال القلوب، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦] نرجع الآن إلى استنباط الفوائد من الآية الكريمة. قال الله تبارك وتعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب ٥١] إلى آخره. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن لله سبحانه وتعالى أن يختص بأحكامه من يشاء لقوله: ﴿تُرْجِي﴾ ﴿وَتُؤْوِي﴾ على القول بأن المراد بذلك القسم، فإن الله خيره بين التزام القسم وعدمه، وهذا من خصائص النبي ﷺ، أما الأمة فقد قال النبي ﷺ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ»[[أخرجه أبو داود (٢١٣٣) واللفظ له، والترمذي (١١٤١) من حديث أبي هريرة.]] وهذا يدل على وجوب العدل بين الزوجات في الأمة. وعلى القول الثاني في قوله: ﴿تُرْجِي﴾ ﴿وَتُؤْوِي﴾ أن المراد به قبول من وهبت نفسها وردها، فيكون فيه أيضًا دليل على توسيع الله تعالى لنبيه محمد ﷺ فيما يتعلق بالنكاح أن له أن يقبل وله ألا يقبل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجوز للإنسان أن يرجع في حقه بعد إسقاطه؛ لقوله: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب ٥١]، هذا إذا كان الحق متجددًا أما إذا كان الحق غير متجدد فإن الإنسان إذا أسقطه لا يملك الرجوع فيه، مثال ذلك: أسقطت المرأة نصيبها أو حقها من نفقة ماضية بأن يكون الزوج قد ترك الإنفاق عليها لمدة سنة فأسقطت الحق، فهل لها الرجوع؟ ليس لها الرجوع؛ لأن الحق هنا غير متجدد بل هو في شيء مضى، أسقطت المرأة حقها من القسم، فهل لها أن ترجع في المستقبل؟ نعم، لها أن ترجع؛ لأن حقها يتجدد اللهم إلا أن يكون ذلك مشروطًا في العقد؛ بأنْ شرط الزوج على زوجته الجديدة ألا يقسم لها، فقبلت، ففي هذه الحال لا تملك الرجوع؛ لأنه صار شرطًا في العقد، والشرط في العقد يجب الوفاء به لدخوله في عموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة ١]، بخلاف ما لو أسقطته بعد العقد، فإن هذا إسقاط لها أن ترجع فيه؛ لأنها لا تملك إسقاط المستقبل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي ﷺ داخل في التكليف لقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾؛ لأن نفي الوصف عن شيء ما يدل على إمكان اتصافها به إذ لو كان منتفيًا من الأصل ما احتيج إلى نفيه فدل هذا على أنه يمكن أن يكون على النبي ﷺ جناح وهذا دليل على تكليفه بأحكام الرسالة. * ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على الجبرية من أين يؤخذ؟ ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ﴾ أي: طلبت وأردت، والجبرية يرون أن الإنسان ليس له إرادة، وإنما يُجبر ويُسخَّر على عمله بدون إرادة منه. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العلل والحكم للأحكام، أن الأحكام مربوطة بعللها وحكمها من أين تؤخذ؟ ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ [الأحزاب ٥١]، وإثبات الحكم في أحكام الله سبحانه وتعالى الكونية والقدرية كثيرة جدًا، وكلها ترد أيضًا على الجبرية؛ لأن الجبرية يرون أن أفعال الله سبحانه وتعالى وأحكامه غير معللة، وأنه تعالى يفعل لا لعلة وحكمة بل لمجرد المشيئة، هل فيه ما يؤيد مذهب المعتزلة القائلين بوجوب الأصلح أو الصلاح في حق الله عز وجل ما أدري تعرفون هذا ولّا لا؟ هذا مر علينا في العقيدة السفارينية، حيث قال: فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ فِعْلُ الْأَصْلَحِ ∗∗∗ وَلَا الصَّــــــلَاحِ وَيْحَ مَنْ لَمْيُفْلِـــــحِ والمعتزلة يقولون: إنه يجب عليه فعل الأصلح فيما إذا تعارض الصالح والأصلح، وفعل الصالح فيما إذا تعارض الصالح والفاسد، قال: يجب على الله أن يفعل الأصلح في تعارض الصالح والأصلح، والصالح في تعارض الصالح والفاسد، ولكن الصحيح أن في ذلك تفصيلًا إن قلنا بالوجوب؛ بمعنى أن عقولنا أوجبت على الله ذلك، فهذا باطل، إذ أن العقول لا توجب على الله شيئًا، فهي أدنى وأحقر من أن توجب على الله شيئًا، وإن قلنا: إن ذلك واجب بمقتضى حكمته، فهذا حق وصحيح، فإن الله عز وجل لا يفعل شيئًا إلا وهو أصلح، كما قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة ٢٠٥]، ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة ٦٤]، و﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف ١٧٠]. فإذا كان الله عز وجل أثنى على المصلحين، ونفى أن يكون محبًّا للفساد أو للمفسدين دل ذلك على أنه لا يمكن أن يريد ذلك، أي أن يريد الفساد، وعلى هذا فنقول: المعتزلة أخطؤوا، حيث أوجبوا ذلك على الله بعقولهم؛ لأن العقل أدنى وأحقر من أن يوجب على الله شيئًا، وقد يرى العقل أن هذا الشيء واجب وهو في الحقيقة غير واجب؛ لأن العقول قاصرة، قد ترى أن هذا أصلح وليس بأصلح، وقد أشار الله إلى ذلك في قوله: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة ٢١٦]، وأما أن نقول إنه واجب بمقتضى حكمته، فهذا حق، نعم، هنا نقول: إن إثبات العلل فيه رد على الجبرية، وهم الجهمية أيضًا في هذا الباب، وليس فيه تأييد لقول المعتزلة القائلين بوجوب الأصلح أو الصلاح. * ومن فوائد الآية الكريمة: مراعاة قلوب زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام وإدخال السرور عليهن من أين تؤخذ؟ ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ [الأحزاب ٥١]، فإن في هذا مراعاة لقلوب هؤلاء النساء حتى تقر أعينهن. * ومن فوائدها أيضًا: أنه ينبغي مراعاة المؤمن بإدخال السرور عليه وانتفاء الحزن عنه لقوله: ﴿وَلَا يَحْزَنَّ﴾ [الأحزاب ٥١] أي: لا يدخلهن الحزن والغم مما مضى، وهذه الحال للمؤمن تنافي حال الشيطان، فإن الشيطان يسعى بكل ما يُحزن بني آدم كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المجادلة ١٠]، ولهذا كل من حاول إدخال الحزن على أخيه المسلم فإنه شبيه بالشيطان الذي يريد إدخال الأحزان على المؤمنين. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل يدافع عن نبيه ﷺ بأنواع من الأساليب الدفاعية، وجهه أن الله لما خيره بَيَّن أن هذا الحكم من أين هو؟ من الله؛ لأجل إذا علمت زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام أن هذا الحكم من الله زال ما في نفوسهن من عدم الرضا أو من الحزن؛ لأنه بلا شك أن رضا الإنسان بما كان من الله أبلغ من رضاه بما كان من غير الله، هذا من جهة. وإن كان المؤمن يرضى من رسول الله ﷺ كما يرضى بالشيء الذي من الله، لكن لما كان النبي ﷺ زوجًا لهؤلاء النساء فإنه يمكن أن يرد في نفوسهن أن كون الرسول عليه الصلاة والسلام يقسم ولا يقسم، أو يقبل ويرد، أن ذلك لمجرد هوى في نفسه، وإذا اعتقدن أن ذلك لمجرد هوى في نفسه دخل عليهن الحزن، فإذا علمن أن ذلك من الله وأن الله هو الذي وسع له في هذا زال عنهن الحزن. فربما يتفرع على هذه الفائدة فائدة أخرى، وهي أنه ينبغي للإنسان أن يدفع عن نفسه ما يُلام عليه به كل شيء تخشى أن يلومك الناس فيه فادفع الشبهة عن نفسك ولهذا أصل، ما هو؟ * طالب: (...) قول الرسول (...)، قال: «عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّهَا صَفِيَّةُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٣٥)، ومسلم (٢١٧٥ / ٢٤) من حديث صفية بنت حيي.]]. * الشيخ: وأيش الثاني؟ * الطالب: (...). * ويُستفاد من الآية الكريمة: استعمال أدوات التوكيد فيما تدعو الحاجة إليه، لقوله: ﴿كُلُّهُنَّ﴾ [الأحزاب ٥١]، حتى لا يتوهم واهم أن رضا بعضهن وانتفاء الحزن عنهن كافٍ في ذلك، بل الرضا يكون للجميع. * ويُستفاد من الآية الكريمة: عموم علم الله سبحانه وتعالى بالظواهر والبواطن، لقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الأحزاب ٥١]. * ويُستفاد من الآية الكريمة: أن ما في القلب مما لا يملكه الإنسان لا يُؤاخذ عليه؛ لأنه لما ذكر أن الرسول ﷺ مخير قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ يعني: من الشيء الذي لا تملكونه، ولهذا يجوز للإنسان -أو لا يحرم على الإنسان- أن يفضل إحدى نسائه على الأخرى في المحبة؛ لأن المحبة محلها القلب، ولا يمكن للإنسان أن يسلط قلبه ويسخره حتى يحب ويكره. * ويُستفاد من الآية الكريمة: أن محل الإرادات هو القلب؛ لقوله: ﴿مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾، وهل المراد بالقلب القلب الحسي أو القلب المعنوي الذي هو العقل؟ القلب الحسي؛ لأن الصحيح أن القلب الحسي هو الذي عليه المدار، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير.]]. وقد اختلف العلماء هل العقل في القلب أو العقل في الدماغ؟ وظاهر القرآن الكريم أن العقل في القلب كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦] ويدل لهذا أيضًا من السنة قوله عليه الصلاة والسلام: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ»، فدل هذا على أن العقل في القلب، ولكن قال الإمام أحمد إن له اتصالًا في الدماغ؛ يعني: هو في القلب لكنْ له اتصال بالدماغ، ولهذا إذا فسد الدماغ فسد العقل، وذكر شيخ الإسلام رحمه الله في مواضع من كلامه أن الدماغ محل التصور وتكييف الأشياء، وأن القلب محل التدبير والتصريف، فكأن الدماغ سكرتير القلب، يهيئ الأمور له ويصورها ويكيفها ثم يرسلها إلى القلب، والقلب يأمر أو ينهى أو يقر أو ينكر. * ويُستفاد من الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله وهما العليم والحليم، فالعليم هو الذي أحاط بكل شيء علمًا، والعلم عند أهل الفقه أو عند الأصوليين هو إدراك الشيء إدراكًا جازمًا مطابقًا، فقولهم: (جازمًا) خرج به الشك والظن والوهم، فهذا لا يسمى علمًا؛ لأنه غير جازم، وخرج بقولهم: (مطابقًا) الجهل المركب؛ لأن الجهل المركب يدرك الإنسان به الشيء إدراكًا غير مطابق، وخرج بقولهم: (إدراك الشيء) الجهل البسيط؛ لأن الجهل البسيط ليس فيه إدراك إطلاقًا، فهذا هو العلم. والله عز وجل لا يتجدد له العلم، وإنما الذي يتجدد المعلوم، وتعلق علم الله عز وجل بالمعلوم له حالان: تعلق به قبل وقوعه وتعلق به بعد وقوعه، فالتعلق به قبل وقوعه معناه أنه عالم بأنه سيقع، والتعلق به بعد الوقوع أنه عالم بأنه وقع، والذي يترتب عليه الجزاء هو التعلق الثاني، التعلق بالمعلوم بعد وقوعه، وعلى هذا يزول الإشكال الذي أورده بعض أهل العلم في مثل قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ﴾ [محمد ٣١]، ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾ هل ما علم المجاهدين؟ نقول: نعم هو عالم، لكن العلم الذي يترتب عليه الجزاء هو العلم بالشيء بعد الوقوع، فالتجدد إذن ليس للعلم، ولكن للمعلوم. هل علم الله يتعلق بالواجب والممكن والمستحيل أو بالواجب والممكن دون المستحيل، أو بالممكن فقط، ما تقولون؟ بالجميع، بالواجب والممكن والمستحيل، أما علم الله تعالى بالواجب فعلمه بما يستحق من الأسماء والصفات، فإن هذا علم بالواجب، فإن الله قد وجب له من الكمال ما هو أهله. وأما علم الله تعالى بالمستحيل ففي مثل قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون ٩١]، وقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢]، فإن هذا من العلم بالمستحيل، وأما الممكن فمعروف علمه بما يفعل الإنسان وما لا يفعله، هذا من العلم بالممكن. * ويُستفاد من الآية الكريمة: إثبات اسم الحليم، والحليم هو الذي لا يعاجل بالعقوبة، وليس الذي لا يعاقب، الذي لا يعاقب هو العَفُوُّ، وهذا هو الفرق بين الحليم وبين العَفُو، فهو سبحانه وتعالى حليم لا يعاجل بالعقوبة، وعَفُو يعفو عن الذنب فلا يعاقب عليه. قال تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ [الأحزاب ٥٢]. * يُستفاد من هذه الآية: أن النبي ﷺ مكلف كغيره من البشر؛ يعني: أنه يُحَلل له ويُحَرَّم عليه، ويتفرع على هذه الفائدة فائدة أخرى، وهي أن التكليف لا يمكن أن يسقط عن أحد مهما بلغت منزلته في الدين، فيكون في ذلك رد على أولئك الذين يزعمون أن الأولياء إذا بلغوا مرتبة من المراتب سقط عنهم التكليف؛ لأننا نعلم أن أعلى درجات الخلق عند الله هم الأنبياء والرسل، وأن أعلاهم محمد ﷺ، فإذا كان هو محلًّا للتكليف فمن دونه من باب أولى. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات شكر الله عز وجل لمن قام بطاعته واتبع مرضاته، وهذا من مقتضى اسمه الشكور، فإن الله تعالى سمى اسمه بالشكور في قوله: ﴿وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن ١٧] فمن شكره أنه سبحانه وتعالى يُنْعِم على من قام بطاعته حسب ما تقتضيه تلك الطاعة، بناء على أن قوله: ﴿مِنْ بَعْدُ﴾ أي: من بعد التخيير. أما على الرأي الثاني أن المراد من بعد هؤلاء النساء؛ فلا تتأتى هذه الفائدة، ولكنا ذكرنا أن الآية إذا صلحت لمعنيين لا يتنافيان فإن الواجب حملها عليهما. * ويُستفاد من الآية الكريمة: أنه لا يجوز للنبي ﷺ أن يطلق أحدًا من نسائه ليتزوج غيرها لقوله: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ [الأحزاب ٥٢] والله عز وجل لم يُحَرم الطلاق، وإنما حرم عليه أن يتبدل بهن من أزواج، وفرق بين الطلاق وبين أن يتبدل بهن من أزواج. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي ﷺ كغيره من البشر، يعجبه حسن النساء الظاهر والباطن، لقوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ [الأحزاب ٥٢]. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز تزوج الرجل للمرأة لحسنها؛ لقوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾، ويؤيد هذا قول الرسول ﷺ: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ؛ لِمَالِهَا وَحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٩٠)، ومسلم (١٤٦٦ / ٥٣) من حديث أبي هريرة.]]. * ويُستفاد من الآية الكريمة: أن الوطء بملك اليمين أهون على المرأة من الوطء بالزواج لقوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ [الأحزاب ٥٢]، ولهذا أباح الله عز وجل للإنسان ألا يعدل بين سراريه؛ لأن الغيرة بينهن ليست كالغيرة بين الزوجات، فلهذا قال أو ما ملكت يمينك. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرق لقوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ والرق ثابت في الإسلام، ومن أنكر ثبوت الرق فقد كَذَّب القرآن والسنة وإجماع المسلمين، فيكون مرتدًا، حتى يتوب ويقر بثبوت الرق، والناس في هذا الباب طرفان ووسط، منهم: من يسترق الأحرار ومنهم من ينكر ثبوت الرق مطلقًا، ومنهم من يثبت الرق بأسبابه وشروطه، فنسمع عن بعض فئات من الناس أنهم يسترقون أولادهم ويبيعونهم على غيرهم، وهذا كثير في أفريقيا وفي شرق آسيا، حتى إن بعض الهمج والرعاع ظنوا أن ذلك يبيح الوطء بهذا الملك الفاسد، فصاروا يشترون من هؤلاء بناتهم ويطؤونهن بهذا الملك الفاسد، وهذا لا يثبت به الملك، وليس سببًا للرق. وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام أن الله قال: «ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ»[[أخرجه البخاري (٢٢٢٧) من حديث أبي هريرة.]]، هذا قسم من الناس. القسم الثاني: من ينكر الرقَّ مطلقًا حتى مع وجود أسبابه الشرعية، وهذا يقوله أولئك الأمم المتمدينة التي تزعم الحضارة والتقدم، لكن من العجب أنهم ينكرون الرق الذي له أسباب شرعية إلهية ولكنهم يسترقون عباد الله استرقاقًا أشد من الاسترقاق الإسلامي بغير سبب شرعي، وما مشكلة جنوب أفريقيا الحاضرة الآن إلا أنموذجًا من ذلك، فإنهم يسترقون السود استرقاقًا مشينًا ويحرمونهم من حقوقهم، وهذا أقبح بكثير من الاسترقاق الشرعي الإسلامي على أن الاسترقاق الشرعي الإسلامي ليس فيه قبح؛ لأنك إذا تأملت النصوص الواردة في أحكام الرقيق وجدت أن الشرع إنما أباح استرقاقهم لمصلحتهم؛ لأن سبب الرق واحد وأسباب الحرية متعددة، ولأن الرقيق يجب على مالكه أن يعامله بالمعروف، وعلى هذا فيكون الطريق الثالث الذي هو إثبات الرق بالأسباب الشرعية الإلهية هو الحق، وقد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع، ولا ينكره إلا مكابر، ومن أنكره فهو كافر. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز التعبير بالبعض عن الكل لقوله: ﴿مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ [الأحزاب ٥٢]. * ومنه: تفضيل اليمين على الشمال، حيث نسب الملكية إليها دون الشمال، ولم يعبر باليد الشمال عن الذات أبدًا، لكن عبر بالأيدي عمومًا، وعبر باليمين، وأما التعبير بالشمال فلم يرد. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسم من أسماء الله وهو الرقيب في قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب ٥٢]، والرقيب بمعنى الحفيظ، والإيمان برقابة الله سبحانه وتعالى يوجب للعبد كمال مراقبة الله والخوف منه، وأن لا يتجرأ على معصيته ولا يتخلف عن طاعته؛ لأنه لو كان أحد الملوك -ملوك الدنيا- قد جعل عليك رقيبًا، وهو ما يسمى برجال المخابرات والمباحث، فهل يمكنك أن تتكلم أو أن تفعل ما يكون سببًا لعقوبتك عند هذا الملك؟ الجواب: لا، حتى إنهم يتواصون، يقول: لا يكن عندكم أحد من رجال المباحث، لا يكن عندكم أحد من رجال المخابرات، وما أشبه ذلك، ويخشونه، هذا بالنسبة للمخلوق، فرقابة الخالق عز وجل أكمل وأعظم. * ويُستفاد من الآية الكريمة: بلاغة القرآن، حيث يختم الآيات بما يناسب الأحكام الموجودة فيها؛ لأنه لما كان المقام مقام تحليل وتحريم ختمها بقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ يعني: فهو يراقبك لو خالفت ما شرع لك.

الأحزاب 33:52

ثم قال: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب ٥١] ﴿تُرْجِي﴾ يقول المؤلف: (بالهمزة والياء بدله تؤخر) ﴿﴿تُرْجِئُ﴾ ﴾ و﴿تُرْجِي﴾ بمعنى تؤخر. وقوله: ﴿مَنْ تَشَاءُ﴾ هذه مفعول ﴿تُرْجِي﴾. (﴿﴿مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ ﴾ أي: أزواجك عن نوبتها ﴿﴿وَتُؤْوِي﴾ ﴾ تضم ﴿﴿إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ ﴾ منهن فتأتيها ﴿﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ﴾ ﴾ طلبت ﴿﴿مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ ﴾ من القسمة فلا جناح عليك في طلبها وضمها إليك، خُيِّر في ذلك بعد أن كان القَسْم واجبًا عليه). كلام المؤلف الآن يدل على أن قوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ أن الضمير يعود على زوجات النبي ﷺ اللاتي في حباله، وأن معنى ﴿تُرْجِي﴾ تؤخرها فلا تَقْسِم لها ﴿وَتُؤْوِي﴾ تضمها فتَقْسِم لها فتكون الآية نازلة في قَسْم النبي ﷺ لزوجاته، وأن الله تعالى خَيَّره بين أن يُرْجِئ وبين أن يضم؛ يعني: خيره بين أن يقسم للزوجات وألا يقسم، فيكون في هذا توسعة للنبي ﷺ في القَسْم إن شاء قَسَم وإن شاء لم يَقْسِم، وهذا هو أحد القولين في تفسير الآية الكريمة، وربما يدل عليه السياق ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ إلى أن قال: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ أي: من أزواجك ﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾، فيكون الإرجاء بمعنى تَرْكِ القسم، والإيواء بمعنى القَسْم. والقول الثاني في المسألة ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ أي: من الواهبات أنفسهَنَّ لك؛ يعني أنك إن شئت قَبِلْت وإن شئت رددت، ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ يعني: لو أنك رددتها أولًا ثم أردتها ثانيًا فلا جناح عليك، وقد سبق لنا قاعدة في التفسير أن الآية إذا كانت تحتمل معنيين لا يتنافيان فإن الواجب حملها على المعنيين؛ ولهذا اختار ابن جرير رحمه الله أن الآية شاملة للمعنيين جميعًا، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام خُيِّرَ بين القَسْم وعدمه وخير بين قَبول الهبة وعدمه، وأنه أيضًا إذا لم يقسم ثم أراد أن يقسم فله ذلك، وإذا ردَّ الهبة ثم أراد أن يقبل فله ذلك، فليس للمرأة إذا لم يَقْسِم لها ثم أراد القسم ليس لها أن تمتنع؛ لأن الخيار بيد النبي ﷺ. * طالب: شيخ، (...) يحمل على النسخ (...) الرسول كان (...)فدلَّ على أنه كان يقسم؟ * الشيخ: إي، لكن يقسم من عنده، قَسْمٌ من عنده عليه الصلاة والسلام ما هو على سبيل الوجوب من الله؛ يعني هو من ذات نفسه يقسم مع أنه مُخَيَّر. * الطالب: ما الدليل على أنه مُخَيَّر؟ * الشيخ: هذه الآية. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، لكن صالحة فسَّرها السلف بذلك فهي صالحة للوجهين. * طالب: (...) دليل على (...)؟ * الشيخ: إي، فيه دليل خاص؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ»[[أخرجه أبو داود (٢١٣٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، هذا وعيد. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا تركه بالكلية وإن شاء رَدَّ. (﴿﴿مِنْهُنَّ﴾ ﴾ أزواجك عن نوبتها ﴿﴿وَتُؤْوِي﴾ ﴾ تضم إليك ﴿﴿مَنْ تَشَاءُ﴾ ﴾ منهن فتأتيها). (﴿﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ﴾ ﴾طلبت ﴿﴿مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ ﴾ من القسمة فلا جناح عليك في طلبها فتضمها إليك، خُيِّرَ في ذلك بعد أن كان القسم واجبًا عليه). أفادنا المؤلف رحمه الله أن الآية في حُكْم القَسْم بالنسبة للنبي ﷺ وأن الله تعالى خيَّره بين أن يقسم بين زوجاته وألا يقسم، وأن من لم يَقْسِم لها إذا بدا له أن يقسم لها فلا حرج عليه، وهذا هو أحد القولين في الآية. والقول الثاني أن المراد بقوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ يعني: من الواهبات أنفسهَن فلك الخيار في أن تقبل وألا تقبل، ومن رددت منهن فلا حرج عليك فيما بعد أن تطلبها، واختار ابن جرير رحمه الله أن الآية عامة للمعنيين جميعًا، وهذا هو الذي مشينا عليه فيما سبق من أن الآية إذا كانت تحتمل معنيين لا يتنافيان فإن الواجب حملها على الجميع. قال الله تعالى: (﴿﴿ذَلِكَ﴾ ﴾ التخيير) المشار إليه: التخيير، ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ﴾ ﴿وَتُؤْوِي﴾ أي: ذلك التخيير المستفاد من الجملتين. (﴿﴿أَدْنَى﴾ ﴾ أقرب إلى ﴿﴿أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ﴾ ﴾ ما ذُكِرَ المُخَيَّر فيه ﴿﴿كُلُّهُنَّ﴾ ﴾). قوله: ﴿أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ كيف ذلك؟ يعني: ما وجه كون ذلك أقرب إلى أن تقرَّ أعينهن؟ لأنهن إذا عَلِمْنَ أن التخيير بين القسم وعدمه من الله عز وجل قَرَّت أعيُنهن؛ لأنهن يرضين بحكم الله عز وجل، لكن لو كان هذا من النبي ﷺ إن شاء قسم وإن شاء لم يقسم لكان في نفوسهن بعض الشيء؛ إذ تظن الواحدة منهنَّ أن ذلك من قِبَل النبي ﷺ وليس من شرع الله، فإذا علمت النساء بأن هذا من شرع الله فإن أعينهن تقر. وقوله: ﴿تَقَرَّ﴾ مأخوذة إما من القرار وإما من القَرِّ وهو البرد؛ وذلك أن العين إذا بَرَدَتْ فمعناها أنها غير حزينة، وإذا حَمِيَت فمعناها الحزن؛ ولهذا يقولون: دمع الحزن حار؛ لأنه يَخْرج من العين إذا حَمِيت من الحزن، أما إذا لم يكن هناك حزن فإنها تَبْرُد وتستقر. وقوله: ﴿أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ﴾ معطوفة على قوله: ﴿تَقَرَّ﴾، وهل هو منصوب ﴿وَلَا يَحْزَنَّ﴾؟ لأن ﴿تَقَرَّ﴾ منصوب بـ(أن) و﴿يَحْزَنَّ﴾ معطوف عليه، فهل هو منصوب؟ لا، مبني على السكون؛ لاتصاله بنون النسوة ونون الفعل مدغمة في نون النسوة؛ لأن (يحزن) هذا الفعل، والنون الثانية هي نون النسوة وهي فاعل. * طالب: واو العطف ماذا صنعت؟ ليس لهل وظيفة؟ * الشيخ: لا، لها وظيفة، لكن الفعل هنا مبني على السكون في محل نصب ﴿وَلَا يَحْزَنَّ﴾. وقوله: ﴿وَيَرْضَيْنَ﴾ الواو حرف عطف، ﴿وَيَرْضَيْنَ﴾ معطوفة على ﴿تَقَرَّ﴾، وليس على ﴿يَحْزَنَّ﴾؛ لأنه لو كان على ﴿يَحْزَنَّ﴾ لفَسَد المعنى؛ إذ لو كان معطوفًا على ﴿يَحْزَنَّ﴾ لكان المعنى ولا يحزن ولا يرضين، والمراد خلاف ذلك؛ فالمراد ذلك أدنى أن تقرَّ أعينهن ويرضين. فإن قلت: ما الفائدة من اعتراض الجملة الثانية ﴿وَلَا يَحْزَنَّ﴾؟ نقول: لأن صلتها بقوله: ﴿تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ أقوى، فإن قوله: ﴿وَلَا يَحْزَنَّ﴾ يُراد به كمال قرار العين؛ يعني أنها تقر أعينهن حتى لا يبقى فيهن حزن إطلاقًا؛ فلهذا اعترضت هذه الجملة بين المعطوف والمعطوف عليه. قوله: ﴿وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ﴾ ﴿آتَيْتَهُنَّ﴾ بالمد بمعنى أعطيتهن؛ لأن (آتى) تنصب مفعولين؛ مفعولها الأول الهاء، ومفعولها الثاني محذوف قدَّره المؤلف بقوله: (ما ذُكِرَ) وما الذي ذُكِر؟ قال: المُخَيَّر فيه يعني: أنهن يرضين بما أعطيتهن من التخيير من القَسْمِ وعدمه. وسبق أن بيَّنَّا العلة في كونهن يرضين بذلك؛ وهو أنه إذا جاء الحكم من الله سبحانه وتعالى رضين به بخلاف ما لو كان من النبي ﷺ ابتداء فقد لا يرضين بذلك تظن الواحدة منهن أن هذا هوى من النبي ﷺ. * طالب: ﴿وَلَا يَحْزَنَّ﴾ (...)؟ * الشيخ: إي نعم، معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، وهي معطوفة، لكنها الآن معترضة بمعنى أنه لا يصح أن نعطف ما بعدها عليها، بل يُعْطَف على ما قبلها. قال: ﴿كُلُّهُنَّ﴾ تأكيد للفاعل في يرضين، وإنما قال ذلك لأنه لو كان تأكيدًا للهاء في قوله: ﴿بِمَا آتَيْتَهُنَّ﴾ لكانت منصوبة ﴿بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾، ولكنها كما قال: تأكيد للفاعل في قوله: ﴿يَرْضَيْنَ﴾. ألا يصح أن تكون تأكيدًا للضمير في قوله: ﴿أَعْيُنُهُنَّ﴾؟ لا يصح؛ لأنه لو كانت توكيدًا له لكان مجرورًا كلِّهِن؛ فإذن يَتَعَيَّن أن يكون تأكيدًا لقوله: ﴿وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ (﴿﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ﴾ من أَمْرِ النساء والميل إلى بعضهن) لمَّا بَيَّن الله عز وجل أن النبي ﷺ مُخَيَّر بَيَّن أنه عز وجل يعلم ما في القلوب من ميل الإنسان إلى بعض النساء دون بعض، وقد بَيَّن الله تعالى هذا المعلوم بقوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء ١٢٩]، وهذا أمر يؤيده الواقع ويشهد له؛ فإن الإنسان لا يمكن أن تكون مودة زوجتيه على حدٍّ سواء أبدًا، حتى لو فُرِضَ أن إحداهما كانت عنده أرجح من وجه والأخرى أرجح من وجه آخر فلا يمكن التساوي، وهذا هو ما يؤيده قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾. وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ هل يستفاد منها التهديد والوعيد أو يستفاد منها أن هذا أمر لا تملكونه؟ الظاهر الثاني وأن هذا أمر لا نملكه. عن عقابه، هذا كالتعليل لقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الأحزاب ٥١] فهو سبحانه وتعالى عليم بكل شيء، ومنه ما في قلوبنا من الميل إلى بعض النساء دون بعض، وقوله: ﴿حَلِيمًا﴾ [الأحزاب ٥١] ما هو الحلم؟ الحلم هو عدم التعجل بالعقوبة، وليس هو ترك العقوبة، ولهذا قال ابن القيم: وَهُوَ الْحَلِيمُ فَلَا يُعَاجِلُ عَبْدَهُ ∗∗∗ بِعُقُــــوبَةٍ لِيَتُوبَ مِــنْعِــصْيَانِ فالحلم إذن تأخير العقوبة وليس العفو عنه، يؤخر العقوبة لماذا؟ لعل هذا المذنب يتوب إلى الله عز وجل فترتفع العقوبة عنه. ثم قال تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب ٥٢]، قال: ﴿لَا يَحِلُّ﴾ بالتاء والياء: ﴿﴿لا تحل﴾ ﴾ و﴿لَا يَحِلُّ﴾، فأما على قراءة ﴿﴿لا تحل﴾ ﴾ فلا إشكال؛ لأن النساء جمع نسوة، والنسوة جمع امرأة؛ لأن امرأة ليس لها جمع من لفظها، وإنما لها جمع من معناها، كالإبل جمع بعير، ليس لها مُفْرد من لفظها، فقوله: ﴿﴿لا تحل لك النساء﴾ ﴾ لا إشكال فيه، لكن قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ كيف ذَكَّر الفعل مع أن الفاعل مؤنث، أجب؟ * طالب: شيخ، أعد السؤال. * الشيخ: ما نعيد السؤال. * طالب: (...). * الشيخ: فعل مضمر متصل، أو مكمل (لا تحل) لكن مع الاتصال، أما مع الفصل فيجوز ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾، قال المؤلف: (بعد التسع التي اخترنك) كذا عندكم التي ولّا اللاتي؟ * طالب: التي. * الشيخ: التي اخترنك التسع كان مقتضى الكلام أن يقول: اللاتي اخترنك، والمعنى أن النبي ﷺ لما خير نسائه اخترن الله ورسوله، فلما اخترن الله ورسوله شكر الله لهن، فقال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ [الأحزاب ٥٢]، وعلى هذا فيكون هذا من باب الجزاء العاجل، ولهن الجزاء الآجل أيضًا؛ لأنهن لما اخترن الله ورسوله على الدنيا وزينتها شكر الله لهن، فمنع نبيه ﷺ من أن يتزوج بسواهن، أو أن يطلق واحدة ويتزوج سواها فقال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ وهذا أحد القولين في الآية. والقول الثاني: أن معنى الآية ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ أي: من بعد ما ذكرن لك، وهو قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ [الأحزاب ٥٠]، والمعنى على هذا: لا يحل لك النساء من بعد ما ذكرنا لك، وعليه فلا يحل للنبي ﷺ أن يتزوج امرأة من العرب سوى بنات عمه وبنات عماته وبنات خاله وبنات خالاته اللاتي هاجرن معه، ولا يحل له أن يتزوج امرأة من أهل الكتاب؛ لأنها ليست من هؤلاء. واختار ابن جرير -رحمه الله- أن الآية شاملة للمعنيين جميعًا، فلا يحل له أن يتزوج على أمهات المؤمنين، ولا أن يتزوج سوى هؤلاء، فإن قلت: أفلا يمكن أن نقول: إن المعنى الأول الذي هو لا يحل لك النساء سوى هؤلاء النساء يدخل فيه المعنى الثاني فلا حاجة إلى القول الثاني، فاهمين هذا ولّا لا؟ إذا قلنا: لا يحل لك سوى هؤلاء اللاتي معك، فإن هذا يدخل فيه القول الثاني أنه لا يحل له سوى من ذكر ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ فما فائدة القول الثاني إذن؟ فالجواب على هذا أنه لو قدر أن هؤلاء النساء متْنَ في حياة الرسول عليه الصلاة والسلام فهل يحل له أن يتزوج سوى هؤلاء اللاتي أحل الله له؟ فحينئذ يكون للقول الثاني فائدة، وهذه الفائدة تظهر فيما لو قدر أن زوجات الرسول ﷺ اللاتي معه يتوفين قبله، فإنه لا يحل له من النساء إلا ما ذكر الله ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ﴾ [الأحزاب ٥٠]. قال الله تعالى: (﴿﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ﴾ ﴾ [الأحزاب: ٥٢] بترك إحدى التاءين في الأصل) ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ﴾ يقول: (بترك إحدى التاءين في الأصل) وهي كلمة ﴿تَبَدَّلَ﴾ أصلها تتبدل، والدليل على أنها أصلها تتبدل وأنها ليست فعلًا ماضيًا، أن ﴿أن﴾ دخلت عليها ونصبتها، وأن لا تدخل وتنصب إلا المضارع، وإلا فإن كلمة ﴿تَبَدَّلَ﴾ تصح أن تكون فعلًا ماضيًا، لكنه لما دخلت عليها ﴿أن﴾ وعملت فيها النصب عُلِم أنه فعل مضارع حُذفت منه إحدى التاءين، وهل لهذا نظير؟ نعم له نظير، مثل: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [القدر ٤] أي: تتنزل، ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل ١٤] أي تتلظى، من اللي يسأل؟ * طالب: (...) الرسول ﷺ، هذا يعارض القول الأول؟ * الشيخ: اللي هو؟ * طالب: أن الرسول ﷺ في آخر أيامه أراد أن يطلِّق. * الشيخ: نعم، وطلَّق حفصة أيضًا، طلَّق حفصة ثم راجعها. * طالب: كيف يكون مع هذا المعنى؟ أنه ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾.. * الشيخ: ما ينافي؛ يعني أنه ما يجوز يتزوج غيرهن ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾، ولا يجوز أن يطلق واحدة ليتزوج أخرى غيرها؛ لأنه قال: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾، ما قال: ولا أن تطلق، قال: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ بأن تطلق واحدة وتتزوج غيرها. (﴿﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ ﴾ بأن تطلقهن أو بعضهن وتنكح بدل من طلقت) هذا أيضًا لا يحل له، ولم يفعل النبي ﷺ بعد أن نزلت هذه الآية، فإنه ما طلق واحدة ليتزوج أخرى، ولا تزوج عليهن سواهن، بل بقين معه إلى أن توفي، لكنه توفي له من زوجاته في حياته زوجتان، من هما؟ خديجة، من بعد؟ زينب بنت خزيمة هذه تزوجها بعد أنه استشهد زوجها في أحد، وبقيت عنده أشهرًا ثم توفيت، والبقية من نسائه توفي عنهن. ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ [الأحزاب ٥٢]، المراد الحُسن الظاهر أو الحُسن الباطن أو كلاهما، يشمل هذا وهذا، فالنبي عليه الصلاة والسلام كغيره من البشر قد يتزوج المرأة لجمالها لكن مع الدين، وقد يتزوجها لدينها أو لمعرفتها وفهمها، فقوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ يشمل الحُسن الظاهر والحُسن الباطن، وقوله: ﴿أَعْجَبَكَ﴾ أي: بلغ الإعجاب منك، وذلك لكمال حسنها الظاهر والباطن. * طالب: (...). * الشيخ: قال: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ من الإماء، فتحل لك.. إلى آخره؛ يعني استثنى الله عز وجل ما ملكت يمينه، وذلك لأن ما ملكت يمينه لا يحصل للزوجة غيرة منها، بخلاف الزوجة، وإنما لا يحصل للزوجة غيرة من ملك اليمين؛ لأنها لا تساميها ولا تساويها، ولأنها ليس لها قسم، فإن ملك اليمين لا يجب لهن القسم. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ لما بَيَّن الله عز وجل ما أحل لرسوله وما حرم عليه ختم الآية بذكر رقابته تبارك وتعالى على كل شيء، بين الله تعالى رقابته على كل شيء لأجل الحذر من مخالفة أمره؛ لأنه إذا كان سبحانه وتعالى رقيبًا على كل شيء فإن الإنسان يحذر ويخاف من مخالفته. وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ سبق لنا نظيرها عدة مرات، وقلنا: إن الماضي هنا مسلوب الدلالة على الزمن، إذ ليس المعنى أن الله كان في زمنٍ مَضَى وتخلف الحكم عنه في هذا الزمن، وإنما هو لتحقيق اتصاف الله سبحانه وتعالى بالرقابة، وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ على كل شيء يشمل ما كان خفيًّا، وما كان ظاهرًا، وما كان خاصًّا بالرسول ﷺ، وما كان عامًّا فيه وفي الأمة، ويشمل ما كان من أعمال الجوارح، وما كان من أعمال القلوب، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦] نرجع الآن إلى استنباط الفوائد من الآية الكريمة. قال الله تبارك وتعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب ٥١] إلى آخره. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن لله سبحانه وتعالى أن يختص بأحكامه من يشاء لقوله: ﴿تُرْجِي﴾ ﴿وَتُؤْوِي﴾ على القول بأن المراد بذلك القسم، فإن الله خيره بين التزام القسم وعدمه، وهذا من خصائص النبي ﷺ، أما الأمة فقد قال النبي ﷺ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ»[[أخرجه أبو داود (٢١٣٣) واللفظ له، والترمذي (١١٤١) من حديث أبي هريرة.]] وهذا يدل على وجوب العدل بين الزوجات في الأمة. وعلى القول الثاني في قوله: ﴿تُرْجِي﴾ ﴿وَتُؤْوِي﴾ أن المراد به قبول من وهبت نفسها وردها، فيكون فيه أيضًا دليل على توسيع الله تعالى لنبيه محمد ﷺ فيما يتعلق بالنكاح أن له أن يقبل وله ألا يقبل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجوز للإنسان أن يرجع في حقه بعد إسقاطه؛ لقوله: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب ٥١]، هذا إذا كان الحق متجددًا أما إذا كان الحق غير متجدد فإن الإنسان إذا أسقطه لا يملك الرجوع فيه، مثال ذلك: أسقطت المرأة نصيبها أو حقها من نفقة ماضية بأن يكون الزوج قد ترك الإنفاق عليها لمدة سنة فأسقطت الحق، فهل لها الرجوع؟ ليس لها الرجوع؛ لأن الحق هنا غير متجدد بل هو في شيء مضى، أسقطت المرأة حقها من القسم، فهل لها أن ترجع في المستقبل؟ نعم، لها أن ترجع؛ لأن حقها يتجدد اللهم إلا أن يكون ذلك مشروطًا في العقد؛ بأنْ شرط الزوج على زوجته الجديدة ألا يقسم لها، فقبلت، ففي هذه الحال لا تملك الرجوع؛ لأنه صار شرطًا في العقد، والشرط في العقد يجب الوفاء به لدخوله في عموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة ١]، بخلاف ما لو أسقطته بعد العقد، فإن هذا إسقاط لها أن ترجع فيه؛ لأنها لا تملك إسقاط المستقبل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي ﷺ داخل في التكليف لقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾؛ لأن نفي الوصف عن شيء ما يدل على إمكان اتصافها به إذ لو كان منتفيًا من الأصل ما احتيج إلى نفيه فدل هذا على أنه يمكن أن يكون على النبي ﷺ جناح وهذا دليل على تكليفه بأحكام الرسالة. * ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على الجبرية من أين يؤخذ؟ ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ﴾ أي: طلبت وأردت، والجبرية يرون أن الإنسان ليس له إرادة، وإنما يُجبر ويُسخَّر على عمله بدون إرادة منه. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العلل والحكم للأحكام، أن الأحكام مربوطة بعللها وحكمها من أين تؤخذ؟ ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ [الأحزاب ٥١]، وإثبات الحكم في أحكام الله سبحانه وتعالى الكونية والقدرية كثيرة جدًا، وكلها ترد أيضًا على الجبرية؛ لأن الجبرية يرون أن أفعال الله سبحانه وتعالى وأحكامه غير معللة، وأنه تعالى يفعل لا لعلة وحكمة بل لمجرد المشيئة، هل فيه ما يؤيد مذهب المعتزلة القائلين بوجوب الأصلح أو الصلاح في حق الله عز وجل ما أدري تعرفون هذا ولّا لا؟ هذا مر علينا في العقيدة السفارينية، حيث قال: فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ فِعْلُ الْأَصْلَحِ ∗∗∗ وَلَا الصَّــــــلَاحِ وَيْحَ مَنْ لَمْيُفْلِـــــحِ والمعتزلة يقولون: إنه يجب عليه فعل الأصلح فيما إذا تعارض الصالح والأصلح، وفعل الصالح فيما إذا تعارض الصالح والفاسد، قال: يجب على الله أن يفعل الأصلح في تعارض الصالح والأصلح، والصالح في تعارض الصالح والفاسد، ولكن الصحيح أن في ذلك تفصيلًا إن قلنا بالوجوب؛ بمعنى أن عقولنا أوجبت على الله ذلك، فهذا باطل، إذ أن العقول لا توجب على الله شيئًا، فهي أدنى وأحقر من أن توجب على الله شيئًا، وإن قلنا: إن ذلك واجب بمقتضى حكمته، فهذا حق وصحيح، فإن الله عز وجل لا يفعل شيئًا إلا وهو أصلح، كما قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة ٢٠٥]، ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة ٦٤]، و﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف ١٧٠]. فإذا كان الله عز وجل أثنى على المصلحين، ونفى أن يكون محبًّا للفساد أو للمفسدين دل ذلك على أنه لا يمكن أن يريد ذلك، أي أن يريد الفساد، وعلى هذا فنقول: المعتزلة أخطؤوا، حيث أوجبوا ذلك على الله بعقولهم؛ لأن العقل أدنى وأحقر من أن يوجب على الله شيئًا، وقد يرى العقل أن هذا الشيء واجب وهو في الحقيقة غير واجب؛ لأن العقول قاصرة، قد ترى أن هذا أصلح وليس بأصلح، وقد أشار الله إلى ذلك في قوله: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة ٢١٦]، وأما أن نقول إنه واجب بمقتضى حكمته، فهذا حق، نعم، هنا نقول: إن إثبات العلل فيه رد على الجبرية، وهم الجهمية أيضًا في هذا الباب، وليس فيه تأييد لقول المعتزلة القائلين بوجوب الأصلح أو الصلاح. * ومن فوائد الآية الكريمة: مراعاة قلوب زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام وإدخال السرور عليهن من أين تؤخذ؟ ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ [الأحزاب ٥١]، فإن في هذا مراعاة لقلوب هؤلاء النساء حتى تقر أعينهن. * ومن فوائدها أيضًا: أنه ينبغي مراعاة المؤمن بإدخال السرور عليه وانتفاء الحزن عنه لقوله: ﴿وَلَا يَحْزَنَّ﴾ [الأحزاب ٥١] أي: لا يدخلهن الحزن والغم مما مضى، وهذه الحال للمؤمن تنافي حال الشيطان، فإن الشيطان يسعى بكل ما يُحزن بني آدم كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المجادلة ١٠]، ولهذا كل من حاول إدخال الحزن على أخيه المسلم فإنه شبيه بالشيطان الذي يريد إدخال الأحزان على المؤمنين. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل يدافع عن نبيه ﷺ بأنواع من الأساليب الدفاعية، وجهه أن الله لما خيره بَيَّن أن هذا الحكم من أين هو؟ من الله؛ لأجل إذا علمت زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام أن هذا الحكم من الله زال ما في نفوسهن من عدم الرضا أو من الحزن؛ لأنه بلا شك أن رضا الإنسان بما كان من الله أبلغ من رضاه بما كان من غير الله، هذا من جهة. وإن كان المؤمن يرضى من رسول الله ﷺ كما يرضى بالشيء الذي من الله، لكن لما كان النبي ﷺ زوجًا لهؤلاء النساء فإنه يمكن أن يرد في نفوسهن أن كون الرسول عليه الصلاة والسلام يقسم ولا يقسم، أو يقبل ويرد، أن ذلك لمجرد هوى في نفسه، وإذا اعتقدن أن ذلك لمجرد هوى في نفسه دخل عليهن الحزن، فإذا علمن أن ذلك من الله وأن الله هو الذي وسع له في هذا زال عنهن الحزن. فربما يتفرع على هذه الفائدة فائدة أخرى، وهي أنه ينبغي للإنسان أن يدفع عن نفسه ما يُلام عليه به كل شيء تخشى أن يلومك الناس فيه فادفع الشبهة عن نفسك ولهذا أصل، ما هو؟ * طالب: (...) قول الرسول (...)، قال: «عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّهَا صَفِيَّةُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٣٥)، ومسلم (٢١٧٥ / ٢٤) من حديث صفية بنت حيي.]]. * الشيخ: وأيش الثاني؟ * الطالب: (...). * ويُستفاد من الآية الكريمة: استعمال أدوات التوكيد فيما تدعو الحاجة إليه، لقوله: ﴿كُلُّهُنَّ﴾ [الأحزاب ٥١]، حتى لا يتوهم واهم أن رضا بعضهن وانتفاء الحزن عنهن كافٍ في ذلك، بل الرضا يكون للجميع. * ويُستفاد من الآية الكريمة: عموم علم الله سبحانه وتعالى بالظواهر والبواطن، لقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الأحزاب ٥١]. * ويُستفاد من الآية الكريمة: أن ما في القلب مما لا يملكه الإنسان لا يُؤاخذ عليه؛ لأنه لما ذكر أن الرسول ﷺ مخير قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ يعني: من الشيء الذي لا تملكونه، ولهذا يجوز للإنسان -أو لا يحرم على الإنسان- أن يفضل إحدى نسائه على الأخرى في المحبة؛ لأن المحبة محلها القلب، ولا يمكن للإنسان أن يسلط قلبه ويسخره حتى يحب ويكره. * ويُستفاد من الآية الكريمة: أن محل الإرادات هو القلب؛ لقوله: ﴿مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾، وهل المراد بالقلب القلب الحسي أو القلب المعنوي الذي هو العقل؟ القلب الحسي؛ لأن الصحيح أن القلب الحسي هو الذي عليه المدار، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير.]]. وقد اختلف العلماء هل العقل في القلب أو العقل في الدماغ؟ وظاهر القرآن الكريم أن العقل في القلب كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦] ويدل لهذا أيضًا من السنة قوله عليه الصلاة والسلام: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ»، فدل هذا على أن العقل في القلب، ولكن قال الإمام أحمد إن له اتصالًا في الدماغ؛ يعني: هو في القلب لكنْ له اتصال بالدماغ، ولهذا إذا فسد الدماغ فسد العقل، وذكر شيخ الإسلام رحمه الله في مواضع من كلامه أن الدماغ محل التصور وتكييف الأشياء، وأن القلب محل التدبير والتصريف، فكأن الدماغ سكرتير القلب، يهيئ الأمور له ويصورها ويكيفها ثم يرسلها إلى القلب، والقلب يأمر أو ينهى أو يقر أو ينكر. * ويُستفاد من الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله وهما العليم والحليم، فالعليم هو الذي أحاط بكل شيء علمًا، والعلم عند أهل الفقه أو عند الأصوليين هو إدراك الشيء إدراكًا جازمًا مطابقًا، فقولهم: (جازمًا) خرج به الشك والظن والوهم، فهذا لا يسمى علمًا؛ لأنه غير جازم، وخرج بقولهم: (مطابقًا) الجهل المركب؛ لأن الجهل المركب يدرك الإنسان به الشيء إدراكًا غير مطابق، وخرج بقولهم: (إدراك الشيء) الجهل البسيط؛ لأن الجهل البسيط ليس فيه إدراك إطلاقًا، فهذا هو العلم. والله عز وجل لا يتجدد له العلم، وإنما الذي يتجدد المعلوم، وتعلق علم الله عز وجل بالمعلوم له حالان: تعلق به قبل وقوعه وتعلق به بعد وقوعه، فالتعلق به قبل وقوعه معناه أنه عالم بأنه سيقع، والتعلق به بعد الوقوع أنه عالم بأنه وقع، والذي يترتب عليه الجزاء هو التعلق الثاني، التعلق بالمعلوم بعد وقوعه، وعلى هذا يزول الإشكال الذي أورده بعض أهل العلم في مثل قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ﴾ [محمد ٣١]، ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾ هل ما علم المجاهدين؟ نقول: نعم هو عالم، لكن العلم الذي يترتب عليه الجزاء هو العلم بالشيء بعد الوقوع، فالتجدد إذن ليس للعلم، ولكن للمعلوم. هل علم الله يتعلق بالواجب والممكن والمستحيل أو بالواجب والممكن دون المستحيل، أو بالممكن فقط، ما تقولون؟ بالجميع، بالواجب والممكن والمستحيل، أما علم الله تعالى بالواجب فعلمه بما يستحق من الأسماء والصفات، فإن هذا علم بالواجب، فإن الله قد وجب له من الكمال ما هو أهله. وأما علم الله تعالى بالمستحيل ففي مثل قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون ٩١]، وقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢]، فإن هذا من العلم بالمستحيل، وأما الممكن فمعروف علمه بما يفعل الإنسان وما لا يفعله، هذا من العلم بالممكن. * ويُستفاد من الآية الكريمة: إثبات اسم الحليم، والحليم هو الذي لا يعاجل بالعقوبة، وليس الذي لا يعاقب، الذي لا يعاقب هو العَفُوُّ، وهذا هو الفرق بين الحليم وبين العَفُو، فهو سبحانه وتعالى حليم لا يعاجل بالعقوبة، وعَفُو يعفو عن الذنب فلا يعاقب عليه. قال تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ [الأحزاب ٥٢]. * يُستفاد من هذه الآية: أن النبي ﷺ مكلف كغيره من البشر؛ يعني: أنه يُحَلل له ويُحَرَّم عليه، ويتفرع على هذه الفائدة فائدة أخرى، وهي أن التكليف لا يمكن أن يسقط عن أحد مهما بلغت منزلته في الدين، فيكون في ذلك رد على أولئك الذين يزعمون أن الأولياء إذا بلغوا مرتبة من المراتب سقط عنهم التكليف؛ لأننا نعلم أن أعلى درجات الخلق عند الله هم الأنبياء والرسل، وأن أعلاهم محمد ﷺ، فإذا كان هو محلًّا للتكليف فمن دونه من باب أولى. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات شكر الله عز وجل لمن قام بطاعته واتبع مرضاته، وهذا من مقتضى اسمه الشكور، فإن الله تعالى سمى اسمه بالشكور في قوله: ﴿وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن ١٧] فمن شكره أنه سبحانه وتعالى يُنْعِم على من قام بطاعته حسب ما تقتضيه تلك الطاعة، بناء على أن قوله: ﴿مِنْ بَعْدُ﴾ أي: من بعد التخيير. أما على الرأي الثاني أن المراد من بعد هؤلاء النساء؛ فلا تتأتى هذه الفائدة، ولكنا ذكرنا أن الآية إذا صلحت لمعنيين لا يتنافيان فإن الواجب حملها عليهما. * ويُستفاد من الآية الكريمة: أنه لا يجوز للنبي ﷺ أن يطلق أحدًا من نسائه ليتزوج غيرها لقوله: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ [الأحزاب ٥٢] والله عز وجل لم يُحَرم الطلاق، وإنما حرم عليه أن يتبدل بهن من أزواج، وفرق بين الطلاق وبين أن يتبدل بهن من أزواج. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي ﷺ كغيره من البشر، يعجبه حسن النساء الظاهر والباطن، لقوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ [الأحزاب ٥٢]. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز تزوج الرجل للمرأة لحسنها؛ لقوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾، ويؤيد هذا قول الرسول ﷺ: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ؛ لِمَالِهَا وَحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٩٠)، ومسلم (١٤٦٦ / ٥٣) من حديث أبي هريرة.]]. * ويُستفاد من الآية الكريمة: أن الوطء بملك اليمين أهون على المرأة من الوطء بالزواج لقوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ [الأحزاب ٥٢]، ولهذا أباح الله عز وجل للإنسان ألا يعدل بين سراريه؛ لأن الغيرة بينهن ليست كالغيرة بين الزوجات، فلهذا قال أو ما ملكت يمينك. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرق لقوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ والرق ثابت في الإسلام، ومن أنكر ثبوت الرق فقد كَذَّب القرآن والسنة وإجماع المسلمين، فيكون مرتدًا، حتى يتوب ويقر بثبوت الرق، والناس في هذا الباب طرفان ووسط، منهم: من يسترق الأحرار ومنهم من ينكر ثبوت الرق مطلقًا، ومنهم من يثبت الرق بأسبابه وشروطه، فنسمع عن بعض فئات من الناس أنهم يسترقون أولادهم ويبيعونهم على غيرهم، وهذا كثير في أفريقيا وفي شرق آسيا، حتى إن بعض الهمج والرعاع ظنوا أن ذلك يبيح الوطء بهذا الملك الفاسد، فصاروا يشترون من هؤلاء بناتهم ويطؤونهن بهذا الملك الفاسد، وهذا لا يثبت به الملك، وليس سببًا للرق. وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام أن الله قال: «ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ»[[أخرجه البخاري (٢٢٢٧) من حديث أبي هريرة.]]، هذا قسم من الناس. القسم الثاني: من ينكر الرقَّ مطلقًا حتى مع وجود أسبابه الشرعية، وهذا يقوله أولئك الأمم المتمدينة التي تزعم الحضارة والتقدم، لكن من العجب أنهم ينكرون الرق الذي له أسباب شرعية إلهية ولكنهم يسترقون عباد الله استرقاقًا أشد من الاسترقاق الإسلامي بغير سبب شرعي، وما مشكلة جنوب أفريقيا الحاضرة الآن إلا أنموذجًا من ذلك، فإنهم يسترقون السود استرقاقًا مشينًا ويحرمونهم من حقوقهم، وهذا أقبح بكثير من الاسترقاق الشرعي الإسلامي على أن الاسترقاق الشرعي الإسلامي ليس فيه قبح؛ لأنك إذا تأملت النصوص الواردة في أحكام الرقيق وجدت أن الشرع إنما أباح استرقاقهم لمصلحتهم؛ لأن سبب الرق واحد وأسباب الحرية متعددة، ولأن الرقيق يجب على مالكه أن يعامله بالمعروف، وعلى هذا فيكون الطريق الثالث الذي هو إثبات الرق بالأسباب الشرعية الإلهية هو الحق، وقد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع، ولا ينكره إلا مكابر، ومن أنكره فهو كافر. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز التعبير بالبعض عن الكل لقوله: ﴿مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ [الأحزاب ٥٢]. * ومنه: تفضيل اليمين على الشمال، حيث نسب الملكية إليها دون الشمال، ولم يعبر باليد الشمال عن الذات أبدًا، لكن عبر بالأيدي عمومًا، وعبر باليمين، وأما التعبير بالشمال فلم يرد. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسم من أسماء الله وهو الرقيب في قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب ٥٢]، والرقيب بمعنى الحفيظ، والإيمان برقابة الله سبحانه وتعالى يوجب للعبد كمال مراقبة الله والخوف منه، وأن لا يتجرأ على معصيته ولا يتخلف عن طاعته؛ لأنه لو كان أحد الملوك -ملوك الدنيا- قد جعل عليك رقيبًا، وهو ما يسمى برجال المخابرات والمباحث، فهل يمكنك أن تتكلم أو أن تفعل ما يكون سببًا لعقوبتك عند هذا الملك؟ الجواب: لا، حتى إنهم يتواصون، يقول: لا يكن عندكم أحد من رجال المباحث، لا يكن عندكم أحد من رجال المخابرات، وما أشبه ذلك، ويخشونه، هذا بالنسبة للمخلوق، فرقابة الخالق عز وجل أكمل وأعظم. * ويُستفاد من الآية الكريمة: بلاغة القرآن، حيث يختم الآيات بما يناسب الأحكام الموجودة فيها؛ لأنه لما كان المقام مقام تحليل وتحريم ختمها بقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ يعني: فهو يراقبك لو خالفت ما شرع لك.

الأحزاب 33:53

ثم قال الله عز وجل: (﴿﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ ﴾ [الأحزاب: ٥٣] "في الدخول بالدعاء ﴿﴿إِلَى طَعَامٍ﴾ ﴾ فتدخلوا ﴿﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ﴾ ﴾ منتظرين إياه ﴿﴿إِنَاهُ﴾ ﴾ نضجه، مصدر أنى يأني) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ سبق لنا الكلام على مثل هذه العبارة، وبيَّنَّا أن تصدير الحكم بالنداء يدل على الاهتمام به والعناية به؛ لأن النداء يستلزم انتباه المنادى، وأن وصف هذا النداء بالإيمان يدل على أن التزام هذا الحكم من مقتضيات الإيمان، وأن التخلف عنه سبب لنقصان الإيمان، ثم إن التعبير بالإيمان فيه إغراء وحث؛ لأن المؤمن حقًّا يلتزم ما أمر به، ويترك ما نهي عنه، ومن ذلك إذا قلت: يا رجل، افعل كذا. المعنى: بمقتضى رجولتك يلزمك أن تفعل كذا يا مؤمن، افعل كذا؛ أي بمقتضى إيمانك يلزمك أن تفعل كذا، ففيه إغراء وحث. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني لإيمانكم وجهنا إليكم هذا الخطاب ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾، ﴿بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ جمع ومضاف إلى الرسول ﷺ؛ لأن بيوته كانت تسعة، كل امرأة من نسائه لها بيت، لم يجمعهن عليه الصلاة والسلام في بيت واحد، بل جعل لكل امرأة بيتًا. وإضافته إلى النبي عليه الصلاة والسلام ﴿بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾، مع أنه أُضيف إلى النساء أنفسهن كما سبق في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب ٣٤] هل هذا يتناقض مع ذاك؟ لا يتناقض فهو مضاف إلى كل شيء منهما بنسبة معينة، فباعتبار أن هذه البيوت مأوى النبي ﷺ ومسكنه أضيفت إليه، وباعتبار أنها -أي: هذه البيوت- ملك لزوجاته أضيفت البيوت إليهن. والعلماء اختلفوا؛ هل بيوت زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام ملك لهن أو ملك للرسول عليه الصلاة والسلام؟ فيه قولان لأهل العلم، وسبق لنا أن الأظهر أنها ملك للزوجات، بدليل أنهن ورثن هذه البيوت، ولو كانت ملكًا للرسول عليه الصلاة والسلام ما ورثنها؛ لأن النبي ﷺ يقول: «إِنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٠٩٣)، ومسلم (١٧٥٩ / ٥٢) من حديث أبي بكر.]]. ولا يرد على هذا أن هذه البيوت أُدخلت في المسجد فيما بعد؛ لأنها إما أن تكون أدخلت بعوض وإما أن تكون أدخلت برضا مستحقيها، وهذا لا ينافي التمليك. ﴿بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾، ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ﴾ بالبناء للمجهول، ولم يقل: إلا أن يأذن النبي؛ لأنه قد تأذن المرأة من نسائه لأحد فيدخل، فليس بشرط أن يكون الإذن من الرسول ﷺ، ولكن الله تعالى اشترط ثلاثة شروط: الإذن، و﴿إِلَى طَعَامٍ﴾، والثالث: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾. ولننظر هذه القيود، هل هي معتبرة أو لا؟ فقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ يشمل الإذن العرفي والإذن اللفظي، فالإذن اللفظي أن يُقال: ادخل، والإذن العرفي أن يكون هناك علامة تدل على أن المقام مقام إذن كفتح الباب وما أشبه ذلك، فهل يمكن الدخول بدون إذن؟ لا يمكن، فالإذن إِذَنْ مُعتبرٌ، قيدٌ. قال: ﴿إِلَى طَعَامٍ﴾ هل هذا يدل على أنه لو أذن لهم بالدخول إلى غير طعام لا يحل؟ لا، إلى طعام، فلو دعي إلى غير طعام هل يدخل أو لا؟ إن نظرنا إلى ظاهر قوله: ﴿إِلَى طَعَامٍ﴾ قلنا: لا يدخل؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِلَى طَعَامٍ﴾، ولكننا نقول إن هذا القيد بيان للواقع، وما كان بيانًا للواقع فإنه لا مفهوم له، فالآية وردت في قضية مُعينة وهي دخول هؤلاء إلى الطعام بدون دعوة، فلهذا قُيدت بقوله: ﴿إِلَى طَعَامٍ﴾. الثالث: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾، (ناظر) إن تعدت بـ(إلى) فهي من النظر بالعين، وإن تعدت بنفسها فهي بمعنى الانتظار، تقول: نظرت إليه، وتقول: نظرته، بمعنى: انتظرت، قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [الأنعام ١٥٨]، ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف ٥٣]، المعنى: هل ينتظرون؛ لأنها تعدت بنفسها. ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٢، ٢٣] هذا من النظر بالعين، هنا ﴿نَاظِرِينَ﴾ متعدية بنفسها ولّا بـ(إلى)؟ بنفسها، فتكون بمعنى منتظرين، وقوله: ﴿إِنَاهُ﴾ أي: نضجه، هل هذا شرط ولّا غير شرط؟ نقول: إنه شرط لجواز الدخول أن يدخلوا لطعام غير منتظرين نضجه، وكانوا يتحرون نضج الطعام، فإذا تحروا أنه قد نضج وقارب أن يقدم أو قَدِم دخلوا البيوت؛ لأجل أن يأكلوا، ولا شك أن مفاجأة الإنسان عند أكله تؤذيه، ويُسمى هذا الذي يفجأ الناس عند تقديمه الطعام يسمى طفيليًّا، وضيفنًا، ما هو بضيف، ضيفنٌ بالنون؛ لأن النون هذه مثل اللي يتكأ على عصا كأنه ثقيل. فإذا كان واحد عندك ضيفًا، وأنت ما تحب أنه يكون عندك، فقلت لصاحبك، قال: عندك ضيف؟ قلت: لا عندي ضيفن؛ يعني: ثقيل طفيلي جاء بلا دعوة، ونام على (...) صاحب البيت، لا يتزحزح ولا يطلع، ويتطلب هات ماء هات شراب هات كذا، أبغي الحمام أبغي كذا، يتعبك. المهم أن قوله: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ هذا شرط؛ يعني لا يجوز لكم أن تتحروا إنى الطعام حتى تدخلوا، لما في ذلك من التضييق على النبي عليه الصلاة والسلام، ويحتمل أن المعنى: لا تدخلوا مبكرين بحيث تبقون في البيوت حتى ينضج الطعام؛ لأن في هذا أيضًا إشقاقًا على صاحب البيت، إذا كان تجهيز الغداء في الساعة الواحدة فجاء هؤلاء في الساعة الثانية عشرة انتظروا ولّا لا؟ كم انتظروا؟ ساعة، هذا فيه تضييق على النبي عليه الصلاة والسلام، والنبي عليه الصلاة والسلام حيي كريم، لو استأذنوا عليه قبل نضج الطعام بساعة ما يردهم ﷺ، وإن كان يتأذى بذلك لكن لكرمه وحيائه لا يردهم. فتبين بهذا النهي عن دخول بيوت الرسول عليه الصلاة والسلام إلا بثلاثة شروط: الإذن، وأن يكون إلى طعام، وأن يكونوا غير ناظرين إناه، لكن إلى طعام قلنا: إن هذا ليس بشرط؛ لأنه قيد لبيان الواقع، فلا مفهوم له، كل قيد لبيان الواقع فإنه لا مفهوم له، ولهذا لو دُعُوا إلى غير الطعام فلا بأس أن يدخلوا. الآن نرجع إلى الآية ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ قال المؤلف: (فِي الدُّخُول بِالدُّعَاءِ ﴿﴿إلَى طَعَام﴾ ﴾) أفادنا المؤلف بقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ ما يتعلق ﴿يُؤْذَنَ﴾ إلا على وجه التضمين؛ لأن يؤذن لا تتعدى بـ(إلى) وإنما تتعدى بـ(في) أو بـ(اللام)، لكنها بـ(اللام) للمأذون له لا للمأذون إليه، فتتعدى بـ(في) إلا أن يؤذن لكم في طعام، لكنها جاءت بـ(إلى)؛ لأن الإذن هنا ضُمِّن معنى الدعاء؛ يعني: إلا أن تُدْعَون إلى طعام. وقوله: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ لماذا جاءت منصوبة مع أن الذي قبلها مجرور؟ يعني لم تكن بلفظ إلى طعام غير ناظرين إناه؛ لأنها حال من الكاف في قوله: ﴿يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ إلى طعام حال كونكم غير ناظرين إناه، فإن كنتم منتظرين نضجه وتتحرون نضجه فلا تدخلوا عليه أيضًا؛ لما في ذلك من الإشقاق والأذية. وقوله: ﴿إِنَاهُ﴾ يقول المؤلف: إنها (مصدر أنى يأني إنًى)، ليست هي شيئًا محذوفًا؛ يعني ليست: (إناءه) في الأصل، بل هي ﴿إِنَاهُ﴾ أصلًا وفرعًا مصدر أنى يأني إنًى. وقوله: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ [الأحزاب ٥٣] لما كان قوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ قد يتوهم منه واهم بأنهم لا يدخلون أبدًا، قال: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾ فكان في قوله: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾ كان فيه فائدة، وهو أنه متى دُعوا دخلوا، إذا دعوا يدخلون، فكونهم هم يدخلون بأنفسهم لا يجوز إلا بالشروط السابقة، لكن إذا دعوا فيدخلون، فإذا طعموا فإنهم ينتشرون، ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾ ولا تدخلوا بغير دعوة. وهذا غير قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ﴾ [الأحزاب ٥٣] لأن (يؤذن) معناه أنهم جاءوا فاستأذنوا، وأما التي معنا الجملة الثانية: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ﴾ فهذه هم الذين دُعوا، وقد كان الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو الناس إلى طعامه كما دعا أبا هريرة رضي الله عنه حين وجده جائعًا في يوم من الأيام، «خرج أبو هريرة من بيته وهو جائع حتى كاد يسقط مغشيًا عليه من الجوع، فلما خرج الناس تَبِع عمر بن الخطاب يسأله عن آية من كتاب الله، وأبو هريرة حينما سأله عن الآية يعرف الآية لكن يُؤَمل، لعل عمر يقول: اتبعني، ولكن عمر رضي الله عنه ما فكر في هذا الأمر، أخبره بالآية ومضى، يقول: فلما جاء الرسول عليه الصلاة والسلام ورآني عرف ما في وجهي، فدعاه، فدخل، فجيء بلبن إلى النبي ﷺ، فأمره أن يدعو أهل الصُفَّة -أهل الصفة هم الفقراء المهاجرون الذين ليس لهم مأوى في المدينة، فكان لهم صُفَّة في المسجد يجتمعون فيها، أحيانًا يبلغون الثمانين وأحيانًا يكونون أكثر وأحيانًا يكونون أقل- يقول: لما قال: «ادْعُ أَهْلَ الصُّفَّةِ» واللبن قليل، كأنه تردد رضي الله عنه، قال ما يغني هذا اللبن لأهل الصفة، إذا دعوت أهل الصفة وشربوا اللبن بقيت أنا جائعًا، يقول: ولكن لم يكن لي بد من طاعة الله ورسوله، فذهب فدعا أهل الصفة، فجاءوا فشربوا، كُلٌّ يشرب من هذا اللبن، وكل يشرب، وكل يشرب، فلما بقي بقية قال: «اشْرَبْ»، يقول: فشربت حتى رويت، فقال: «اشْرَبْ أَبَا هِرٍّ»، فقلت: والله يا رسول الله لا أجد له مساغًا، فبقيت بقية فشربها النبي ﷺ»[[أخرجه البخاري (٦٤٥٢) من حديث أبي هريرة.]]. ففي هذه دعوة عامة ودعوة خاصة، وكذلك في حديث أنس «لما صنع النبي عليه الصلاة والسلام طعامًا، قال: «اخْرُجْ فَادْعُ لِي مَنْ لَقِيتَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥١٦٣)، ومسلم (١٤٢٨ / ٩٤) من حديث أنس بن مالك.]]، فإذا دعي المسلمون إلى طعام فادخلوا ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ [الأحزاب ٥٣]، ولم يَقُل: فإذا شبعتم، قال: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ﴾؛ لأن الطعام قد يُشبع، وقد لا يُشبِع، وقوله: ﴿انْتَشِرُوا﴾ أي: تفرقوا. (ولا تمكثوا ﴿﴿مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ ﴾ [الأحزاب: ٥٣]) أفادنا المؤلف بقوله: (ولا تمكثوا) أن كلمة ﴿مُسْتَأْنِسِينَ﴾ حال من فاعل محذوف مع فعله، والتقدير: ولا تمكثوا مستأنسين لحديث، والاستئناس بالشيء معناه الاطمئنان إليه؛ يعني: لا تبقوا بعد الأكل تتحدثون وتنبسطون وتطمئنون، وأما الحديث العابر فلا بأس به بعد الأكل، ولكن هذا ليس من آداب الطاعم على كل حال؛ لأنه علل قال: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب ٥٣]. قال: (﴿﴿مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ ﴾ مِنْ بَعْضكُمْ لِبَعْضٍ ﴿﴿إنَّ ذَلِكُمْ﴾ ﴾ الْمُكْث ﴿﴿كَانَ يؤذي النبي فيستحيي منكم﴾ ﴾ أن يخرجكم ﴿﴿والله لا يستحيي مِنْ الْحَقّ﴾ ﴾ أَنْ يُخْرِجكُمْ)، وعلى هذا فيُنْهون عن البقاء مطمئنين للحديث لِعِلَّة وهي الأذية، أذية النبي عليه الصلاة والسلام، وبناء على هذه العلة لو قُدِّر أنه لا يتأذى بذلك فلا حرج على الإنسان أن يبقى، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد بيان ما يستعمله بعض الناس أنه إذا طعم يقول له: اجلس شوي، ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ أن هذا استدلال في غير محله. (...) ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ أعاد الاسم الظاهر في موضع الضمير تعلية لشأن الرسول ﷺ، وإلا لكان المتوقع أن يقول: إن ذلكم كان يؤذيه، ولكن قال: ﴿يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ إعلاءً لشأنه ﷺ، وإشارة إلى أنه لنبوته يجب أن يتحاشى المرء أذيته لما له من الفضل، وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾ لماذا جمع في الخطاب ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: (...). * الشيخ: لا، لماذا جمع؟ لأن المخاطبين جمع، اسم الإشارة إذا اقترنت به الكاف فإنه يراعى فيه المخاطب والمشار إليه، المشار إليه يتغير به اسم الإشارة، والمخاطب تتغير به الكاف، أفهمتم القاعدة هذه؟ إذا اقترنت الكاف باسم الإشارة فإنه يُراعى في اسم الإشارة المشار إليه، وفي الكاف ويش اللي يُراعى؟ المخاطب. فلنفرض أنني أشير إلى جماعة وأخاطب واحدًا، أقول: أولئك، وبالعكس أشير إلى واحد وأخاطب جماعة أقول: ذلكم، أشير إلى جماعة وأخاطب جماعة أقول: أولئكم، أشير إلى جماعة وأخاطب جماعة نساء أقول: أولئكن، أشير إلى واحد وأخاطب جماعة نساء أقول: ذلكن، ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف ٣٢]. والمهم أن اسم الإشارة إذا اقترنت به الكاف فإنه يُراعى في الكاف المخاطب، ويُراعى في اسم الإشارة المشار إليه إن كان جمعًا اجمعها، إذا كان مثنى ثَنِّها، إن كان مفردًا فأفردها، إذا كنت تشير إلى اثنين مخاطبًا اثنين كيف تقول؟ تشير إلى اثنين مخاطبًا اثنين. * طالب: ذلك. * الشيخ: لا، تشير إلى اثنين مخاطبًا اثنين؟ * طالب: ذلكما. * الشيخ: ذلكما لا، ذانكما، إي نعم. تشير إلى اثنتين مخاطبًا اثنتين؟ * طالب: ما أدري. * الشيخ: كيف ما تدري. * طالب: تانكما. * الشيخ: تانكما، إي نعم، واضح؛ لأن المثنى المؤنث يُقال: تَان، قال ابن مالك: ...................... ∗∗∗ وَذَانِ تَـــانِ لِلْمُثَنَّىالْمُرْتَـــــفِعْ فهمتم يا جماعة؟ ترى هذه يغلط فيها كثير من الطلبة، يلتبس عليه المشار إليه بالمخاطب. إذن ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾ المشار إليه هنا مفرد ولّا جمع؟ المشار إليه مفرد، والمخاطب جمع؛ لأنه يخاطب جماعة المؤمنين ويشير إلى شيء مذكور، أن ذلك المذكور يؤذي النبي فيستحيي منكم. وقوله: ﴿يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ الأذية ليست هي الضرر، إذ قد يتأذى المتأذي ولا يتضرر بذلك، ولهذا يوصف الله تعالى بالتأذي، ولا يوصف بالضرر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب ٥٧]، وقال تعالى: في الحديث القدسي «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٢٦)، ومسلم (٢٢٤٦ / ٢) من حديث أبي هريرة.]] أما في الضرر فقال في الحديث القدسي فقال: «يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر.]]، ونحن نشاهد الآن في أنفسنا أننا نتأذى بالشيء ولا نتضرر به، يتأذى الإنسان بالرائحة الكريهة كرائحة البصل والكراث والوسخ والعرق وما أشبه ذلك، ولكنه لا يتضرر به، إذن لا يلزم من الأذية الضرر. ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب ٥٣]، الفاء عاطفة على قوله: ﴿يُؤْذِي﴾ يعني فكان أيضًا يستحيي منكم أن يخرجكم إذا دخلتم في هذه الحال، وقوله: ﴿فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ ما هو الحياء؟ عَرِّف الحياء؟ الحياء نكتب عليه (ميم) بخط عريض أي: معروف في القاموس إذا جاءت كلمة معروفة كتب: (ميم) يعني: معروف، ما يحتاج إلى أن نحده كما لو قيل لك: ما هي المحبة؟ ما تستطيع، مثل ما قال ابن القيم في روضة المحبين يقول: إن المحبة ما تُحد بأوضح من لفظها، المحبة هي المحبة. ما هي الكراهة؟ هي الكراهة، ما تستطيع أن تَحُدَّها؛ لأن هذه انفعالات نفسية يحس بها الإنسان من نفسه، ولا يستطيع أن يعبر عنها، فالحياء هو الحياء ما هو النوم؟ النوم هو النوم، معروف، وبعضهم يقول: إنها غشية ثقيلة تهجم على المخ فتفقد له الوعي والإحساس، أنا لو أتصور أن هذا هو النوم ما جاني النوم، لو أتصور أنه غشية الله يدفع البلاء، فالحاصل أنك إذا قلت: النوم معروف، هذا معروف لكل أحد. الجوع أو انصفات البطن من قلة الطعام، هذا أثره، أما هو فإنه معروف، فهذه المعاني النفسية لا يمكن في الحقيقة أن يعرِّفَها أحد لا يمكن أن تُعَرَّف بأوضح من لفظها، إذن الحياء معروف، والنبي عليه الصلاة والسلام يستحي من هؤلاء؛ لأنه ﷺ أكمل الناس إيمانًا، والحياء من الإيمان، ولأنه ﷺ أكرم الناس، والكريم يستحي من ضيفه أن يخرجه أو أن يتبرم بوجوده أو أن يتكرَّه له، فلهذا الرسول ﷺ يصبر وإن كان متأذيا من ذلك لما جبله الله عليه من كمال الإيمان وكمال الكرم ﴿فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾. قال المؤلف: (﴿﴿فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ ﴾ أن يخرجكم) قوله: (أن يخرجكم) هذه في محل جر بدل اشتمال؛ لأن التقدير فيستحيي من إخراجكم. ﴿وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب ٥٣]، الله عز وجل لا يستحي من الحق، وهو العدل في الأحكام، والصدق في الأخبار، فالرب عز وجل لا يستحي من الحق؛ لأن الحياء من الحق معناه ترك الحق أو يستلزم ترك الحق والخور وعدم الحزم، والله عز وجل لا يستحي من أن يبين الحق. ويقول المؤلف: ﴿لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ (أن يخرجكم) هكذا قال المؤلف، إن الله لا يستحي أن يخرجكم، وفي ما قاله نظر، بل الصواب: ﴿لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ أن يبينه لكم؛ لأن المقام هنا ما هو مقام إخراج، المقام مقام تبيين، لما يجب على هؤلاء الذين استأذنوا على الرسول عليه الصلاة والسلام فالمعنى لا يستحي من الحق، قلت: إن الحق هو الصدق في الأخبار والعدل في الأحكام، والمراد بالحق هنا -على رأي المؤلف- هو الإخراج؛ يعني لا يستحيي أن يخرجكم، ولكن الصواب: لا يستحيي أن يبين لكم ما يلزمكم فتخرجوا. ثم قال المؤلف -عفا الله عنه: (أي لا يترك بيانه) أي: لا يترك بيان الحق، وهذا من التحريف، حيث فسر الحياء بلازِمِهِ وهو الترك؛ لأن من لازم الحياء من الشيء أن يدعه الحيي منه، والمؤلف فسر الحياء بلازمه وهو الترك؛ أي: لا يترك بيان الحق. وفي قوله: (لا يترك بيان الحق) مع قوله: (لا يستحي أن يخرجكم) فيه شيء من التناقض؛ لأنه جعل المستحيا منه هنا بيان الحق، وجعله بالأول الإخراج، والصواب الرأي الثاني، قوله الثاني هو الصواب، أي: لا يستحي من بيان الحق، لكن تفسيره الاستحياء بالترك هذا باطل؛ لأنه خلاف ظاهر اللفظ، والواجب علينا فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته الواجب علينا أن نجريها على ظاهرها اللائق بالله سبحانه وتعالى، معتقدين أنه لا مثيل له في هذه الصفة، ومبتعدين عن تكييفها. أما وجوب إجرائها على ظاهرها فلأن الله خاطبنا بلسان عربي مبين، ولو أراد خلاف ذلك الظاهر لكان التعبير بهذا الذي يفيد ظاهره الكفر أو التمثيل لكان التعبير به بيانًا أو خلاف البيان، والله عز وجل يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء٢٦]، وكيف يعبر سبحانه وتعالى أو يتكلم بما هو خلاف البيان فيما يُعتبر صميم العقيدة، وهو ما يتعلق بأسماء الله وصفاته؟! ولهذا كان طريق هؤلاء المحرفين من أبلغ ما يكون طعنًا في كلام الله عز وجل، بل من أبلغ ما يكون طعنًا في الله نفسه، إذ إن طريقتهم تستلزم أن يكون الله عز وجل لم يبين الحق فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته، وجعل الحق موكولًا إلى ما تقتضيه عقولهم، ويحاولون بعد ذلك أن يردوا كلام الله عز وجل وكلام رسوله إلى ما تقتضيه هذه العقول الفاسدة المتناقضة، والطريق الأسلم والأعلم والأحكم هي طريق السلف، أن تأخذ كلام الله ورسوله على ظاهره؛ لأننا نعلم علم اليقين أنه لا أحد أعلم من الله بنفسه، ولا أحد من الخلق أعلم بالله من رسول الله ﷺ، ونعلم أيضًا أنه لا أحد أصدق كلامًا من الله، ولا أحد من المخلوقين أصدق كلامًا من رسول الله ﷺ، هذا ثابت أيضًا. الأمر الثالث: أنه لا أحد أوضح بيانًا في كلامه من الله عز وجل، ولا أحد من المخلوقين أعظم بيانًا من رسول الله ﷺ هذه ثلاثة أمور. الأمر الرابع: نعلم أيضًا أنه لا أحد أصح إرادة وقصدًا من الله عز وجل، فإن الله ما أراد من عباده إلا أن يبين لهم الحق، وكذلك بالنسبة لرسول الله ﷺ لا نعلم أحدًا أنصح منه للخلق، وأصدق إرادة في بيان الحق. فإذا تمت هذه الأمور الأربعة في كلام -من أي كلام- يكون صار ما يدل عليه ظاهره هو المراد الذي يجب علينا أن نأخذ به، فهذه أمور أربعة إذا اجتمعت في الكلام صار الكلام واجب الأخذ بظاهره، الأربعة هي؟ * طالب: العلم والقصد والصدق.. * الشيخ: نعم، والصدق والبيان، أربعة أمور. ضدها ما يُؤخذ ولا يُعتبر، لو جاء إنسان جاهل يتكلم لك بكلام من أفصح الكلام، وهو رجل نعرف أنه من أنصح الخلق وأصدقهم، هل تثق بقوله؟ ما نثق بقوله، جاء رجل يتكلم عن الطب ونحن نعلم أنه ما درس في الطب أبدًا، وقام يشرح لنا الطب، نثق به؟ ما نثق به؛ لأنه جاهل. لو جاء عالم نعرف أنه عالم بما يتكلم به لكنه كذوب هل نثق بكلامه؟ * طلبة: لا. * الشيخ: لماذا؟ لأنه كذوب، يمكن كذب علينا. لو جاءنا رجل عالم وصدوق لكنه سيء الإرادة قد يغش ويقصد ضلال الخلق هذا أيضًا ما نثق به؛ لأننا نخشى أنه غشنا فيما قال. الرابع: لو جاءنا إنسان عالم وناصح وصدوق لكن ما يحسن يعبر، مثل إنسان فارسي ما يعرف اللغة العربية وقام يعبر باللغة العربية هل نثق من قوله؟ لا، ما نثق؛ لأنه ما يعرف –أحيانًا- يقول، إذا بغى يضيف الضمير إلى نفسه يقول: أنت أكلت، وإذا بغى يقول: أنا أكلت، يقول: أنت أكلت، وإذا بغى يقول: أنت أكلت، يقول: أنا أكلت، ما نثق بكلامه يمكن يقلب الكلام؛ لأنه عيي، لكن كلام الله وكلام الرسول ﷺ اجتمعت فيه صفات القبول الأربع، فلهذا يجب علينا أن نؤمن بكل صفة وصف الله بها نفسه. فإن قال قائل: الآية وما أشبهها فيها نفي الحياء، والنفي ضد الإثبات، فكيف تقول: إن في الآية أنها إثبات للحياء؟ نقول: منطوق الآية: ﴿لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب ٥٣]، ومفهومها: يستحي من غير الحق، ولّا لا؟ إذ لو لم يكن الأمر كذلك لكان نفي الاستحياء عن الحق لغوًا من القول لا معنى له، ثم نقول: إنه قد ثبتت صفة الحياء لله عز وجل بصيغة الإثبات كما في الحديث الذي في المسند «إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ»[[أخرجه الترمذي (٣٥٥٦) واللفظ له، وأحمد (٢٣٧١٤) من حديث سلمان.]]، هذا هو إثبات الحياء لله سبحانه وتعالى. فكل صفة أثبتها الله لنفسه فإنه يجب علينا أن نأخذها بالقبول، ولكننا ننزه اعتقادنا عن محظورين عظيمين وهما؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، التمثيل والتكييف، والتمثيل أحسن من التشبيه؛ يعني التعبير بالتمثيل أحسن من التعبير بالتشبيه؛ لأن هذا هو الذي نفاه الله عن نفسه، ولأن نفي التشبيه المطلق هذا ليس بصواب؛ لأننا ذكرنا أنه ما من موجودين إلا ويشتركان في صفة الوجود، وإن كانا يتباينان فيما تقتضيه هذه الصفة في مقتضياتها ومستلزماتها، وما من سميعين إلا ويشتركان في صفة السمع، وإن كانا يختلفان في ملزوماتها ومقتضياتها، وما من بصيرين إلا ويشتركان في صفة البصر، فيكون بينهما مشابهة من بعض الوجوه فيما يشتركان فيه، ولهذا نفي التمثيل هو الذي ينبغي لنا -معشر طلبة العلم- أن نعبر به؛ لأنه هو الذي جاء في القرآن، وهو أسلم. قال: ﴿وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾، ثم قال: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ﴾ أي: لا يترك بيانه، وقرئ ﴿﴿يستحي﴾ ﴾ بياء واحدة، شاذًا أو سبعية؟ شاذًا؛ لأن قاعدة المؤلف -رحمه الله- أنه إذا قال: وقرئ. فهي قراءة شاذة، بخلاف ما إذا قال: وفي قراءة. أو قال: بالياء والنون، أو: بالياء والتاء، وما أشبه ذلك، فهما قراءتان سبعيتان. * طالب: يكون فيه قصور أو لا يؤدي المطلوب؟ * الشيخ: ما يؤدي المطلوب وفيه قصور؛ لأنه خلاف تعبير القرآن ولأن هذا أدى إلى أن تنكر كثير من الصفات بهذه الدعوى. * طالب: تعبير الطحاوي؟ * الشيخ: إي نعم، ولهذا شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في العقيدة الواسطية ما قال: من غير تشبيه، قال: من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، وهذا هو الأولى. ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ﴾ الفاعل يعود على الصحابة، والمفعول يعود على نساء النبي ﷺ، وهن لم يسبق لهن ذكر في الآية، لكن قوله: ﴿بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ يدل على ذلك؛ لأن ساكن بيوت النبي هن أزواج النبي ﷺ. (﴿﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ﴾ ﴾ أي: أزواج النبي ﷺ) (أي): هذه تفسيرية، و(أزواج): عطف بيان للهاء في قوله: (﴿﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ﴾ ﴾ أي: أزواج النبي ﷺ) ﴿مَتَاعًا﴾ المراد بالمتاع: ما يُتمتع به من ملابس ومطاعم ومشارب وغيره، حتى الدراهم تعتبر متاعًا، فكل ما يُتمتع به فهو متاع. (﴿﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ﴾ ستر) ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ﴾ تنصب مفعولين، الأول الهاء في قوله: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ﴾، والثاني: محذوف دل عليه ما قبله؛ أي: فاسألوهن المتاع من وراء حجاب، وقوله: ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ حجاب بمعنى ستر، وكلمة ﴿مِنْ﴾ تدل على أن هذا الستر لا بد أن ينفصل، وأنه غير ستر الوجه أو البدن بالثياب، بل هو ستر آخر؛ حجاب، وحجاب أمهات المؤمنين غير حجاب نساء المؤمنين؛ لأن حجاب نساء المؤمنين يصح أن يكون متصلًا بالبدن كالخمار والملحفة وما أشبهها من الثياب، أما حجاب أمهات المؤمنين فإنه حجاب آخر منفصل، يحول بين الرجل وبين رؤية أمهات المؤمنين، ولهذا قال: ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، فتدل على أن هذا الحجاب منفصل عن المستتر به، ومنه قوله تعالى عن الكفار يقولون للرسول: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت ٥] كأنه.. لماذا قال: (ذا)، وقال: (كُم)؟ فـ(ذا) للمفرد و(كُم) للجمع، كيف يتفق الجمع والمفرد؟ * طالب: (...). * الشيخ: ما تعرف، أنتم فاهمون السؤال؟ كيف يتلاءم الجمع مع المفرد؟ * طالب: (...). * الشيخ: يعني: لاختلاف المرجع؛ فاسم الإشارة يعود على المشار إليه، والكاف في الخطاب يعود على المخاطب، فقد يكون المشار إليه مفردًا والمخاطب جمعًا كما هنا. ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: المذكور، والخطاب للصحابة رضي الله عنهم. ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب ٥٣] ﴿أَطْهَرُ﴾ يعني: أبلغ في طهر القلوب، ﴿لِقُلُوبِكُمْ﴾ أيها السائلون ﴿وَقُلُوبِهِنَّ﴾ أي: المسؤولات (من الخواطر المُرِيبَة). شوف الخطاب الحين لمن؟ للصحابة، وهم أطهر هذه الأمة قلوبًا في جانب مَنْ؟ في جانب نساء النبي ﷺ، وهن أعظم النساء عفةً وبُعدًا عن المكروه، فإذا كان هذا الخطاب في مثل هؤلاء القوم لهؤلاء النساء فما بالك بمن سواهم إذا كان احتمال تدنس القلب بمخاطبة المرأة من دون حجاب؟! إذا كان احتمال هذا واردًا في مثل هؤلاء القوم فما بالك فيمن دونهم بمراحل؛ لا في الزمن ولا في الرتبة؟! يكون هذا أشد وأشد؛ ولذلك يُنْكَر إنكارًا عظيمًا على مَنْ قال: إن الحجاب خاص بأمهات المؤمنين. نقول له: من أين الخصوصية؟ فإذا كان الله علَّل بأنه أطهر لقلوبهم أي: قلوب المخاطبين والمخاطبات وهنَّ بلا شك أطهر النساء وأعفُّهن، وكذلك الذين يخاطبونهنَّ خير الناس كما جاء في الحديث: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٥٢)، ومسلم (٢٥٣٣ / ٢١٢) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، فما بالك بمن دونهم، أليس كذلك؟ احتمال تنجس القلب بمخاطبة المرأة بدون حجاب فيمن بعد الصحابة أقرب ولَّا أبعد؟ أقرب وأقرب بكثير، وإذا كان هذا باعتبار الصحابة مع زوجات الرسول ﷺ فغيرهم مع نساء دونهنَّ بكثير من باب أولى. وقوله: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ المؤلف رحمه الله يقول: (من الخواطر المُرِيبَة) الخواطر التي ترد على القلب، والخواطر التي ترد على القلب إذا لم يطمئن الإنسان إليها ويسترسل معها فإنه لا يعاقب عليها؛ لأنها من حديث النفس، بل هي مما يصول على النفس والتحرز منها أشد؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام ثبت عنه أنه قال: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٦٩)، ومسلم (١٢٧ / ٢٠١) من حديث أبي هريرة. ]] فإذا كان هذا في حديث النفس فما بالك في ما يهجم على النفس بدون قصد؟! يكون العفو عنه من باب أولى، فالخواطر التي تَرِد على القلب إذا لم يسترسل معها الإنسان ويطمئن إليها فإنها لا تضره، سواء كانت هذه خواطر فيما يتعلق بجلال الله عز وجل أو فيما يتعلق برسوله أو فيما يتعلق بشهوة النفس وإراداتها، فإنها لا تضر الإنسان بشرط ألا يسترسل، بل إن هذه الخواطر ما تَرِد إلا على قلب سليم يهاجم الشيطان بها القلب حتى يفسده؛ ولهذا «لما شكا الصحابة إلى النبي ﷺ مثل هذه الخواطر قال: «أَوَجَدْتُمْ ذَلِكَ» قالوا: نعم قال: «ذَلِكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ»[[أخرجه مسلم (١٣٢ / ٢٠٩) من حديث أبي هريرة.]] يعني: خالصه؛ لأن الشيطان ما يهجم على قلب فاسد، وإنما يهجم على القلوب الصالحة ليُفْسِدها، ودواء ذلك أن تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وأن تنتهي، وأن تثني على الله عز وجل بما هو أهله؛ فتقول: الله أحد صمد،لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد؛ استجارة بالله وانتهاء، ووصف لله تعالى بالكمال وبعد ذلك تزول عنك شيئًا فشيئًا. قال: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب ٥٣] الخطاب للصحابة رضي الله عنهم وكذلك من بعدهم من باب أولى، ﴿مَا كَانَ لَكُمْ﴾ ومثل هذه العبارة تدل على الممتنع غاية الامتناع؛ ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ بشيء)، ما عيَّن، ما بيَّنَها، يعني: ما يصلح ولا يستقيم ولا يمكن لكم أن تؤذوا رسول الله، ومثل هذا التعبير يدل على امتناع الشيء مثل قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون ٩١] المعنى أن ذلك ممتنع لا يصلح، ولا يستقيم فكل مؤمن لا يمكن في حقه ولا يستقيم ولا يصلح في حقه أن يؤذي رسول الله ﷺ لا بالقول ولا بالفعل. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب ٥٧] وأذية الرسول ﷺ من أعمال المشركين هم الذين يؤذون الرسول الله ﷺ بالقول وبالفعل. ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾، وهنا قال: ﴿أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾، وفي أول الآية يقول: ﴿النَّبِيِّ﴾ إشارة إلى أن الرسول عليه الصلاة والسلام شرف لعِظَم من أرسله وهو الله، فلما كان رسول الله كان لا يمكن أن يُؤْذَى؛ لأنه رسول من عند الله تبارك وتعالى؛ أذية الرسول عليه الصلاة والسلام في حياته ما يتصل بشخصه، وأذية الرسول بعد مماته ما يتصل بسنته، فإنه لا ينبغي ولا يصلح لأي مؤمن أن يكون في سنة الرسول عليه الصلاة والسلام على وجه يتأذى به الرسول مثل ردِّها وتحريفها وما أشبه ذلك. قال: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ إذن هل نجلس مستأنسين للحديث بعد الطعام، يعني في حق الرسول؟ لا؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ إذن ما كان لنا أن نجلس ما دام فيه أذية للرسول ﷺ. ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ يعني: وما كان لكم أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدًا، ﴿تَنْكِحُوا﴾ المراد بالنكاح هنا: العقد، يعني: ما يمكن تعقدوا على أزواجه من بعده، وكل نكاح في القرآن فإنه بمعنى العقد خلافًا لمن قال: كل نكاح في القرآن فهو بمعنى الوطء إلا قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء ٢٢]، والصواب أن كل نكاح في القرآن فإنه بمعنى العقد، وأما مَن قال: إنه بمعنى الجماع إلا في الآية هذه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب ٤٩] فليس بصحيح. وقوله: ﴿أَزْوَاجَهُ﴾ متى تكون المرأة زوجة للإنسان؟ بالعقد عليها، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: من بعد مفارقته لها، ومفارقة النبي ﷺ لها تكون في الحياة وتكون في الموت، والمفارقة في الحياة تكون قبل الدخول وبعد الدخول، فها هنا ثلاث حالات: الحال الأولى: مَن فارقها بعد موته أو مَن فارقها بموته فهذه لا تَحِلُّ لأحد من بعده بالإجماع ولم يخالف في ذلك أحد. والحال الثانية: مَنْ فارقها في حياته بدون دخول، فهذه تَحِلُّ ولا نزاع فيها كما ذكره ابن كثير في التفسير. والثالثة: مَنْ فارقها في حياته بعد دخوله بها، فهذه موضع خلاف بين أهل العلم؛ فمنهم من قال: إنها تحل، ومنهم من قال: إنها لا تحل، وعلى هذا الرأي الذي يقول: إنها لا تحل، يقول: إنه يصدق عليها أنها زوجته وأنها من بعده، ولولا أن مَن عَقَد عليها ثم فارقها قبل الدخول لولا الإجماع لقلنا: أيضًا لا تحل لمن بعده؛ فصارت الأحوال ثلاثًا، ما هي؟ مَنْ فارقها بعد موته فهذه لا تحل بالإجماع. من فارقها في حياته قبل الدخول بها فهذه جائزة تَحِلُّ لغيره، قال ابن كثير: لا نزاع في ذلك. من فارقها في حياته بعد الدخول بها، ففيها خلاف بين العلماء؛ منهم من قال: إنها تحل، ومنهم من قال: إنها لا تحل. انتهى الموضوع، ما يحتاج نصحح ولا ما نصحح. * طالب: يعني ما نقول: إنه الأرجح (...)؟ * الشيخ: أصلًا ما نعلم أن أحدًا تزوج زوجة الرسول بعد الدخول بها، ما هي ظاهرة الآية: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ قد تكون ظاهرة في أمر من بعد حياته. * طالب: شيخ، ولكن المرأة المستعيذة التي دخل عليها النبي ﷺ؟ * الشيخ: نعم، ما جامعها ما دخل بها. * طالب: هل نأخذ أن الدخول يكفي يعني الخلوة؟ * الشيخ: لا، يقول: دخل بها يعني: جامعها. يقول: ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب ٥٣] ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾ المشار إليه إيذاء النبي ﷺ ونكاح زوجاته من بعده. وقوله: ﴿كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ (كان) هنا مسلوبة الدلالة على الزمن، والمراد إثبات عِظَم ذلك عند الله. ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ وفي كون هذا الأمر عظيمًا عند الله عز وجل دليل على حماية الله عز وجل لرسوله ﷺ ولا سيما فيما يتعلق بالنكاح؛ ولهذا قال الله في قصة الإفك: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور ١٥]، فهنا قال: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ ﴿عَظِيمًا﴾ يعني في قَدْره ورِفْعَتِه ولَّا عظيمًا في إثمه وجُرْمه؟ في إثمه وجرمه، وعلى هذا فالعِظَم معناه عِظَم الشيء؛ يعني كبره، وهو شامل لما يكون مدحًا ولما يكون ذمًا، فهنا كان عند الله عظيمًا في إثمه قال: (فيجازيكم عليه) على حسب الذنب الذي قمتم به؛ لأن الجزاء من جنس العمل (...). زوجات النبي ﷺ من بعده أنه عظيم عند الله حذَّر من مخالفة ذلك بقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [الأحزاب ٥٤]، والجملة هنا شرطية و﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق الشرط فتكون دالة على العموم ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا﴾. وقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قال المؤلف: (في نكاحهن بعده)، والصواب في الآية عدم التقييد وأنها عامة في كل شيء في نكاح زوجات النبي ﷺ بعده وفي غير ذلك. وقوله: ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ يعني: فلا تُظْهِروه لأحد، تخفوه في أنفسكم أو تخفوه فيما بينكم وبين أقاربكم؛ لأن الإخفاء والإظهار أمر نسبيٌّ أشده ما أخفاه الإنسان في نفسه، ثم ما أظهره لذويه وأصحابه وأخفاه عن غيره، ثم ما أظهره لأهل بلده، ثم ما أظهره لعموم الناس، وأيًّا كان فإن كل ما أبداه الإنسان أو أخفاه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ الجملة هنا جواب الشرط واقترنت بالفاء لأنها جملة اسمية، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ فهي جملة اسمية وإن قرنت بـ(إن) الدالة على التوكيد، وجه ارتباطها بما قبلها، أي: بفعل الشرط أنه إذا كان الله تعالى عالمًا به فسوف يجازيكم عليه إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، وبعد إكمال هذه الآية لتعلقها بما قبلها، نرجع إلى بيان الفوائد من الآية السابقة لأنه ما أخذناها، الظاهر من ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب ٥٣] أو لا؟ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: أنه لا يحل لأحد من المؤمنين أن يدخل بيوت النبي عليه الصلاة والسلام إلا بالشروط المذكورة؛ لقوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا﴾، والأصل في النهي التحريم حتى يقوم دليل على أنه لغير التحريم، ويؤيد التحريم هنا أن هذا يتعلق بحق الآدمي، وما كان متعلقًا بحق الآدمي فإنه لا يُتَسامح فيه. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن الإضافة تكون لأدنى ملابسة، إضافة الشيء إلى الشيء تكون لأدنى ملابسة سواء كان ذلك على صفة الملكية أو الاختصاصية أو الصحبة أو القرب أو غير ذلك؛ ولهذا من قواعدهم المعروفة أن الإضافة تكون لأدنى ملابسة، لكن لا بد أن يكون بين المضاف والمضاف إليه شيء من الارتباط تؤخذ هذه من قوله: ﴿بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾؛ لأن إضافتها إلى النبي عليه الصلاة والسلام باعتبارها مأواه وإلا فإنها ملك لزوجاته على القول الراجح. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن الإذن بالدخول معتبر سواء كان من صاحب البيت أو ممن أنابه؛ لقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ ولم يقل: (إلا أن يأَذن لكم) أي: النبي، فإذا أُذِنَ للإنسان بالدخول سواء كان من صاحب البيت أو من خادمه أو من ابنه أو ما أشبه ذلك جاز الدخول، وهل يستفاد منه جواز الدخول إذا وجدت الباب مفتوحًا، وقد كان بينك وبين صاحبك وعد ولَّا ما يستفاد؟ إن قلنا بأن الإذن العرفي كالإذن اللفظي فهو مستفاد من ذلك؛ ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور ٢٧] فإن الاستئناس وهو الاطمئنان يشمل الإذن أو الاستئذان باللفظ والاستئذان بالفعل والعرف. * ويستفاد من الآية الكريمة: أنه يجوز دخول بيوت النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الشروط: الإذن، وألا يكون ذلك بانتظار نضج الطعام؛ لما في المفاجأة من الإيذاء لأنه إذا نضج طعامك ثم جاء إنسان يستأذن صار في هذا نوع من الإيذاء، لأنك إن منعته شق عليك وإن أذنت له شق عليك أيضًا؛ فلهذا لا يجوز الدخول لمنتظر نضج الطعام. * ويستفاد من الآية: تحريم التطفل ولَّا لا؟ نعم؛ لأن الطفيليَّ عادته أنه ينتظر متى يُقَدَّم الطعام فإذا قُدِّم الطعام استأذن أو هجم هجومًا بدون استئذان؛ لأنه قبل أن ينضج الطعام ويقدم يمكن يدخل ثم يقال له: اخرج، لكن بعد أن يقدم الطعام لا بد أن يأكل. * ويستفاد من هذه الآية الكريمة: مشروعية إجابة الدعوة؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾، وهل يستفاد منها دخول الإنسان المدعو وإن لم يؤذن له إذا وجد الباب على هيئة تدل على الإذن؟ الجواب: نعم، وهو واضح؛ لأنه قال: ﴿إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾، ولم يقل: إذا دُعِيتم فأجيبوا، والدخول أخص وعلى هذا فإذا كنتُ مدعُوًّا وأحضرت إلى الباب فلي أن أدخل إذا علمنا بالقرينة أن الباب قد وضع موضع الإذن كما لو كان مفتوحًا. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن الإنسان ينبغي له إذا قضى حاجته من الطعام أن ينصرف؛ لقوله: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ وهذا كما أنه في بيوت النبي عليه الصلاة والسلام فهو أيضًا في بيوت غيره، فإن الأفضل لمن دُعِي إلى طعام الأفضل له إذا طَعِم أن ينتشر؛ لأن بقاءه قد يَشُقُّ على صاحب البيت، ولأن الحاجة التي جاء من أجلها قد انتهت، وإذا تأملت الشريعة وجدت أن الإنسان من حسن أدبه وسلوكه أنه كلما فرغ من حاجته التي يريد ينتهي منها وينصرف إلى حاجات أخرى؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في المسافر إذا قضى حاجته قال: «إِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ حَاجَتَهُ فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ وَلَا يَنْتَظِرْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٠٤)، ومسلم (١٩٢٧ / ١٧٩) من حديث أبي هريرة. ]]. ولو أننا حفظنا أوقاتنا بمثل هذا الأدب لكانت أوقاتنا مباركة، لكن تجدنا يضيع أوقاتنا ولسنا نراعي هذه الحال أنه كلما انتهى الشغل ما ننتظر نمشي إلى شغل آخر كما قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح ٧، ٨] لا تضيع الوقت. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن مَن دخل بيوت النبي ﷺ بدعوة ثم طَعِم، فإنه لا يجلس للحديث؛ لقوله: ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾، وهذا فوق قوله: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾؛ لأن ذلك أمر، أما هذا فنهيٌ، يُنْهَى أن يبقى هؤلاء المدعوُّون مستأنسين للحديث بعد فراغهم من الطعام. * ويستفاد من الآية: أن هذا الحكم إنما يكون في حال تَأَذِّي صاحب البيت؛ لقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾، أما إذا كان لا يتأذى به بل يُسَرُّ به، بل قد يكون بطلبه إذا فرغوا من الطعام قال: انتظروا، اجلسوا، نستأنس، نتحدث فإن هذا منهي عنه ولَّا لا؟ جائز، ولا بأس به؛ لأن القاعدة عند أهل العلم أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فإذا وُجِدَت العلة وُجِدَ المعلول، وإذا انتفت العلة انتفى المعلول. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن النبي ﷺ كغيره من البشر يتأذى كما يتأذى غيره؛ لقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ لكنه يختلف عن غيره بقوة صبره وتحمُّلِه ﷺ بخلاف غيره من البشر فإنه لا يصبر ولا يتحمل كما يتحمل النبي ﷺ؛ ولهذا كان الرسول يتأذى من بقائهم مستأنسين للحديث ولا ينهاهم حتى نهاهم الله عز وجل. * ويستفاد من الآية الكريمة: عناية الله عز وجل بنبيه ﷺ وذلك بالدفاع عن كل ما يؤذيه؛ لقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾. * ويستفاد منه: كمال حياء الرسول عليه الصلاة والسلام وكرمه؛ لقوله: ﴿فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾، وإنما كان يستحيي لشدة حيائه، فإنه كما وُصِفَ «أحيا من العذراء في خدرها»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٥٦٢)، ومسلم (٢٣٢٠ / ٦٧) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، «والحياء من الإيمان»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤)، ومسلم (٣٦ / ٥٩) من حديث عبد الله بن عمر.]] كما ثبت به الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهو أيضًا دليل على كرمه؛ لأن الكريم يستحيي أن يخجل أضيافه بقوله: اخرجوا، أو يخجلهم بالتبرُّم منهم، والتَّكَرُّه لتصرفهم؛ فلهذا كان الرسول ﷺ يعاملهم وكأنه مسرور منهم حتى بَيَّن الله تعالى ذلك للصحابة. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن القرآن شاملٌ لكل شيء حتى أدب الدخول والجلوس والطعام وما أشبه ذلك قد بيَّنَه القرآن فيكون في ذلك إيضاحٌ لقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]. ودلالة القرآن على الأشياء نوعان؛ دلالة عينية بمعنى أنها تدل على الشيء بعينه، وهذا واضح. ودلالة شمول لفظي أو معنوي؛ فالشمول اللفظي بمعنى أن يكون اللفظ عامًّا بصيغته يشمل كل ما يحتمله ذلك اللفظ من المعنى، والعموم المعنوي هو ما يُعْرَف عند أهل العلم بالقياس؛ لأنه يكون المقيس والمقيس عليه متفقينِ في العلة فيكون بينهما عموم في المعنى، فدلالة القرآن على هذا الشيء تكون على هذا الوجه إما دلالة لفظية وإما دلالة معنوية بالشمول اللفظي أو المعنوي. وهناك أيضًا الدَّلالات؛ دلالة الالتزام وهي متفرعة أو داخلة فيما ذكرنا من الدلالتين، فإن قلت: يرد عليك أنه لا يوجد في القرآن مقدار أنصبة الزكاة، ولا مقدار الواجب، ولا يوجد عدد الركعات، ولا مقدار ما يسن فيها من الذكر، فما هو الجواب؟ الجواب أن السنة قد بيَّنت ذلك، وقد أمرنا الله تعالى في كتابه أن نأخذ بما جاء عن رسول الله ﷺ؛ فقال: ﴿مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر ٧]، فقوله: ﴿مَا آتَاكُمُ﴾ يشمل ما أتانا من المال وما آتانا من العلم، والعلم يسمى إيتاءً؟ نعم، يسمى إيتاءً ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾ [الروم ٥٦] فكما أن إعطاء المال فإعطاء العلم أيضًا يسمى إيتاءً فقوله: ﴿مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ﴾ [الحشر ٧] يشمل ما آتانا من المال وما آتانا من العلم، وكذلك قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]، وقال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب ٣٦]، وكل هذا يدلُّ على أن ما جاءت به السنة فهو مما جاء به القرآن. * ويستفاد من الآية الكريمة: وصف الله تعالى بالحياء؛ لقوله؟ * طالب: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾، وجه الدلالة مع أن هذا نفي؟ * الطالب: غير الحق الله يستحيي منه؟ * الشيخ: وجه الدلالة أنه لو كان الله تعالى لا يوصف بالحياء ما صح أن يُنْفَى عنه الحياء في حال من الأحوال دون الحال الأخرى، وعلى هذا فيكون الآية دليل على أن الله تعالى موصوف بالحياء، ولكن حياء الله تعالى ليس كحياء الإنسان؛ لأن الله يقول في كتابه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١]. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن من الأمور ما هو حق، ومنها ما هو باطل؛ فالحق في الأخبار هو الصدق، وفي الأحكام العدل، والباطل فيهما عكس ذلك؛ فالباطل في الأخبار هو الكذب، وفي الأحكام هو الجور. * ومن فوائد الآية الكريمة * قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا﴾ إلى آخره أنه لا يجوز سؤال زوجات النبي ﷺ شيئًا إلا من وراء حجاب، والآية في ذلك صريحة: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾. * ومن فوائدها: جواز تكليم زوجات النبي ﷺ، وجهه ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ﴾، فأباح الله تعالى سؤالهن، والسؤال هنا سؤال استخبار ولَّا سؤال استجداء؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، متاعًا ما هو كله واحد؛ لأنه قال: ﴿إِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا﴾ فهو سؤال استجداء، ولكن سؤال العلم من باب أولى، وهل يستفاد منه جواز مكالمة النساء غير زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام؟ الجواب: نعم، يُستفاد؛ لأنه إذا جاز في زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام مع ما لهن من الاحترام والتعظيم ففي غيرهن من باب أولى، ولكنه يُشْتَرط في ذلك الأمن من الفتنة، فإن خيفت الفتنة من المكلِّم أو من المرأة كان ذلك حرامًا، وكذلك يشترط ألا يتمتع الإنسان بمكالمة المرأة، وإن لم يكن تمتع شهوة؛ لأنه قد يكون الإنسان مثلًا يتمتع بمخاطبة المرأة ما هو من ناحية الجنسية الغريزية، ولكنه يحب أن يستمر معها في الكلام، فهذا أيضًا لا يجوز، اللهم إلا إذا كانت من محارمه، وأراد أن يتحدث معها ليُؤْنِسها أو يستأنس بها، فهذا لا بأس به. * ويستفاد من الآية الكريمة أن الحجاب المذكور هنا ليس هو سَتر الوجه فقط، بل هو شيء فوق ذلك؛ لقوله: ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ولم يقل: متحجبات، وهذا يدل على أن هذا الحجاب منفصل، وليس من ثياب المرأة، بل هو شيء منفصل مثل أن تكون في خِدْرِها فيتحدث الناس إليها. * ومن فوائد الآية الكريمة: ثبوت تعليل الأحكام الشرعية من قوله: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ﴾، ومن قوله فيما سبق: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾. * ويستفاد منه: أنه يجب على المرء أن يسعى في كل ما فيه تطهير قلبه، وأن يبتعد عن كل ما فيه تدنيس قلبه؛ لأنه علَّل النهي أو علَّل الأمر بالحجاب بكونه أطهر للقلوب، ولا فرق في ذلك بين طهارة القلب من الأخلاق الرذيلة كالزنا واللواط، أو طهارته من الاعتقادات الفاسدة أو الإرادات السيئة، كل هذا يجب على المرء أن يُطَهِّر قلبه منه، وأن يبتعد عن كل ما يدنِّس قلبه من ذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الفتنة في مخاطبة النساء قد تكون من الرجل وحده، ومن المرأة وحدها، ومنهما جميعًا؛ لقوله: ﴿لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾؛ فقد يكون الرجل هو الذي يتلذَّذ بمخاطبة المرأة، والمرأة ما على بالها هذا الأمر ولا اهتمت به ولا فكرت في هذا الموضوع، لكن هو يتلذذ بهذه المخاطبة، فيكون الدَّنَس في قلب الرجل، وقد يكون الأمر بالعكس تتحدث المرأة إلى الرجل وهي تتلذَّذ بهذه المخاطبة، والرجل ما على باله هذا الأمر، فيكون هنا الدَّنَس في قلبها هي، وقد يكون من الطرفين فيكون الدنس في قلبيهما جميعًا. * ويستفاد من الآية الكريمة: التحريم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: يمكن، كيف؟ وذكرناها. * الطالب: (...). * الشيخ: هذه ثلاثة. * الطالب: (...). * الشيخ: من قلب الرجل وحده، أو المرأة وحدها، أو هما جميعًا. * الطالب: أو هما جميعًا. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: يعني: ما ممكن مثلًا ما يتلذَّذ الرجل ولا المرأة؟ * الشيخ: لا، يمكن، كيف؟ يعني الرابعة هذه ما أردناها، أردنا أن الدنس يكون من هذا. * يستفاد من الآية الكريمة: تحريم نكاح زوجات النبي ﷺ بعده؛ لقوله: ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾. * ويستفاد منها: أن التحريم فيهن مؤبد؛ لقوله: ﴿أَبَدًا﴾؛ وعلى هذا فالمحرمات إلى الأبد كم من صنف؟ محرمات بالنسب، وبالرضاع، وبالصهر، وبالملاعنة، وبالاحترام، خمسة أنواع، كذا؟ محرمات بالنسب، وبالرضاع وبالصهر وباللعان والاحترام خمسة. المحرمات بالنسب سبع ذُكِرْن في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ [النساء ٢٣]. وبالرضاع في قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾، وقولِ النبي ﷺ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٤٥)، ومسلم (١٤٤٧ / ١٢) من حديث عبد الله بن عباس.]]. وبالصهر في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء ٢٢]، وفي قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾. * طالب: حلائل أبنائكم الذين ليسوا من أصلابكم خرجت بهذه الآية؟ * الشيخ: خرج أيش؟ * الطالب: أبناؤكم غير الذين من أصلابكم؛ يعني من الرضاعة؟ * الشيخ: إي خرج به، خرج بالآية. المحرمات باللعان: هو أن الرجل إذا قذف امرأته بالزنا ولم تُقِرَّ به ولم يثبت ببينة، فإنه يلاعنها، فإذا تم اللعان حرُمت عليه على التأبيد. وأما المحرمات إلى الأبد بالاحترام فهن زوجات النبي ﷺ. * ويستفاد من الآية الكريمة: عِظَم إِثْم من تزَوَّج واحدة من زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام من بعده لقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾. * ويستفاد منها: أن الذنوب تتفاوت في العظم؛ لقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾، وهو كذلك؛ فإن في الذنوب كبائر وصغائر، والكبائر فيها ما هو أكبر وما هو دون ذلك، والصغائر كذلك تختلف، وكذلك الطاعات تختلف؛ منها ما هو من أصول الإسلام، ومنها ما هو دون ذلك. هل يستفاد من الآية الكريمة أنه لا ينبغي للضيف أن يسأل عن طعام المضيف إذا قدَّمه له ولَّا لا؟ هل يُفْهَم منه أنه لا ينبغي للضيف أن يَسْأَل مضيفه عن طعامه إذا قدَّمه له، فيقول مثلًا لو قدَّم له دجاجًا: هذا الدجاج مستورد ولَّا غير مستورد؟ * طالب: (...). * الشيخ: لقوله: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾، ولم يأمر الله تعالى بالسؤال عن الطعام وهو كذلك، فإنه ليس من المشروع ولا من الأدب أيضًا أن تسأل صاحبك الذي قدَّم لك الطعام تقول: والله منين هذا؟ وحلال ولَّا حرام؟ لأن هذا خلاف هدي النبي عليه الصلاة والسلام، «النبي عليه الصلاة والسلام قدَّمت له امرأة من اليهود شاة فأكل منها ولم يسأل»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦١٧)، ومسلم (٢١٩٠ / ٤٥) من حديث أنس بن مالك. ]]، «ودعاه يهودي إلى طعام فأكل منه ولم يسأل»[[أخرجه أحمد في المسند (١٣٢٠١) (١٣٨٦٠) من حديث أنس بن مالك. ]]، ثم إنك إذا سألت أخجلت صاحبك، رجل أكرمك بالضيافة تقول له: منين هذه؟! منين أنت شارٍ هذه؟! من المشروع ولَّا من المستورد؟! وإذا فتحنا هذا الباب أيضًا نقول: تعال، أصل الطعام هذا منين جاءك؟ يمكن أنه غاصبه؟! سارقه؟! وإذا انتفى هذا يمكن لهذا الرجل له كسب حرام ما ندري عنه نقول له: منين جاءك؟ والله أنا شريته من السوق، طيب هات الشهود أنك شاريه، مشكلة إذا فتحنا هذا الباب انفتحت علينا أبواب كثيرة؛ ولهذا كان من حكمة الشرع أن الإنسان لا يُشْرَع له السؤال أبدًا مهما كان، حتى لو كان اللي مقدمه لك يهوديًّا أو نصرانيًّا لا تسأله عن طعامه؛ لأن هذا من التعنُّت والتعمُّق، وفيه إشقاق على صاحبك وإشقاق على نفسك؛ لأنك إذا عودت نفسك ما تأكل إلا بعد البحث معناه كل شيء تأكله تكون شاكًّا فيه، والحمد لله على السلامة ما دام أن الرسول (...). يقول: السلام عليكم وأدخل. * طالب: (...) إحنا قلنا: إذا عرفنا (...). * الشيخ: نعم دخلنا، وإذا وصلنا سلَّمنا عليه أو نسلم عندما ندخل مع الباب. * طالب: الآية ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ خاصَّة بالرسول ولَّا عامَّة؟ * الشيخ: ذكرنا قبل أن تحضر بأنها عامة في المعنى؛ يعني: إنه حتى غير الرسول ﷺ إذا لم نعلم أنه يفرح بالبقاء فإنا نخرج وأن كل إنسان دعاك إلى طعام فانتشر إلا إذا قال: استرح نتحدث، فهذا الخيار له. * طالب: لا يُسْأَل عن لحم البعير؟ * الشيخ: أبدًا، ولا يُسْأَل عن لحم البعير، أولًا إن لحم البعير في الغالب إنه معروف إلا إذا كان حاشية صغيرًا، والإنسان هذا ما تمرَّن بأكل اللحم يمكن يشتبه عليه. * طالب: إذا كان (...). * الشيخ: لا يصح، إذا كان محتمٍ لا يأكل أصلًا، ويش اللي يحرجه؟ * طالب: (...). * الشيخ: هذه ربما نسأل لأجل دفع الضرر ما هو علشان التعمق، يعني: إذا كان قد قيل له: لا تأكل لحم الإبل وشك هذا هل هو لحم إبل أم لا؟ فهذا قد نقول: إن السؤال لا من أجل الحلِّ أو من أجل أنه هل يجب عليه الوضوء أم ما يجب، فهذه لدفع الضرر لا بأس به (...). تحريم أذية الرسول ﷺ وامتناعه أشد الامتناع من المؤمنين؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾، الإشارة إلى امتناع ذلك أي: امتناع الأذية لكونه رسول الله؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾، ولكونه رسولًا من عند الله امتنع غاية الامتناع من المؤمنين أن يؤذوه. * ومن فوائد الآية: تَشَوُّف الشرع إلى ما يكون سببًا لطهارة القلوب، ما أدري كتبتم هذه ولَّا لا؟ تَشَوُّف الشرع إلى ما يكون سببًا لطهارة القلوب؛ لقوله: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه إذا أوجب الله في ذلك العصر ما يكون سببًا لكمال طهارة القلوب ففي عصرنا من باب أولى، فكل ما يكون سببًا لطهارة القلوب وبُعْدِها عن دناءة الأخلاق فإنه يكون واجبًا، ما أدري كُتِبَت هذه ولا لا؟ ما كُتِبَت؟ وأظن أننا كتبنا أن الشرع أحكامه معللة، كَتَبْناها؟ وكتبنا بيان فوائد ذكر العلة أو ذكر ربط العلة بالحكم، ما كتبناها؟ يتفرع على الفائدة، شوف بعد كم رقمها عندكم؟ * طالب: (...). * الشيخ: ثلاثة وثلاثين، الأحكام مربوطة بعللها وأحكامها؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، أنتم كتبتم أن الأحكام مربوطة بعللها وحكمها، في أي فائدة؟ كم رقمها؟ * طالب: (...). * الشيخ: سبعة عشر. * طالب: (...) تعليل الأحكام الشرعية (...). * الشيخ: كم رقمها؟ * الطالب: سبعة عشر. * طالب آخر: (...). * الشيخ: عندك واحد عشرين إي، وتعليقًا على ما سبق من قَرْنِ الأحكام بحكمها نقول: إن من فوائد ذلك طمأنينة الإنسان إلى الحكم، وبيان سمو الشريعة وأن أحكامها ليست لغوًا ولا باطلًا، والثالث إلحاق ما وافق الحكم في علته بحكمه، يعني أن يلحق بهذا الحكم ما وافقه في تلك العلة، هذه ثلاثة فوائد أو لا؟ وهي؟ * طالب: سمو الشريعة، طمأنينة الإنسان، إلحاق الحكم ما وافقه في العلة. ذكرنا من فوائد الآية: إثبات للحياء لله؟ * طالب: (...). * الشيخ: ذكرناه، ذكرنا أنه ينبغي مغادرة المكان بمجرد انتهاء الطعام؟ * طالب: (...). * الشيخ: ذكرناه، ذكرنا تفاوت الذنوب في عظمها عند الله؟ * طالب: نعم. * الشيخ: إذن نأخذ الآية الأخيرة ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا﴾ [الأحزاب ٥٤]. * طالب: (...). * الشيخ: لا نقول: مشروعية؛ لأن العلماء مختلفون في هذا في غير وليمة العرس مختلفون فيها. * طالب: (...). * الشيخ: ما هو على كل حال، حتى حق المسلم على المسلم منها إجابة الدعوة[[متفق عليه؛ البخاري (١٢٣٩)، ومسلم (٢٠٦٦ / ٣) من حديث البراء بن عازب. ]] أبين وأوضح. لكن إحنا ذكرنا أن الفرق بين (ولكن إذا دُعِيتم فأجيبوا) وبين قوله: ﴿إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾. قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾. * يستفاد من الآية الكريمة: عموم علم الله تعالى بكل شيء؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾. * ويستفاد منها: تحذير المكلَّف من مخالفة الله عز وجل بقليل أو كثير؛ لأن الفائدة من ذكر علمه هو التحذير من المخالفة. * ومن فوائدها: الرد على القدرية على الغلاة، على غلاة القدرية المنكرين لعلم الله سبحانه وتعالى بأفعال العبد؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ إذ إنه يشمل ما سيفعله الإنسان وما قد فعله. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن ما يفعله العبد من خير أو شرٍّ فإنه محاسَب عليه؛ إما له وإما عليه؛ لعموم كلمة ﴿شَيْءٍ﴾، وفي آية أخرى ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [النساء ١٤٩]، لكن هذه الآية أعم.

الأحزاب 33:54

ثم قال الله عز وجل: (﴿﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ ﴾ [الأحزاب: ٥٣] "في الدخول بالدعاء ﴿﴿إِلَى طَعَامٍ﴾ ﴾ فتدخلوا ﴿﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ﴾ ﴾ منتظرين إياه ﴿﴿إِنَاهُ﴾ ﴾ نضجه، مصدر أنى يأني) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ سبق لنا الكلام على مثل هذه العبارة، وبيَّنَّا أن تصدير الحكم بالنداء يدل على الاهتمام به والعناية به؛ لأن النداء يستلزم انتباه المنادى، وأن وصف هذا النداء بالإيمان يدل على أن التزام هذا الحكم من مقتضيات الإيمان، وأن التخلف عنه سبب لنقصان الإيمان، ثم إن التعبير بالإيمان فيه إغراء وحث؛ لأن المؤمن حقًّا يلتزم ما أمر به، ويترك ما نهي عنه، ومن ذلك إذا قلت: يا رجل، افعل كذا. المعنى: بمقتضى رجولتك يلزمك أن تفعل كذا يا مؤمن، افعل كذا؛ أي بمقتضى إيمانك يلزمك أن تفعل كذا، ففيه إغراء وحث. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني لإيمانكم وجهنا إليكم هذا الخطاب ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾، ﴿بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ جمع ومضاف إلى الرسول ﷺ؛ لأن بيوته كانت تسعة، كل امرأة من نسائه لها بيت، لم يجمعهن عليه الصلاة والسلام في بيت واحد، بل جعل لكل امرأة بيتًا. وإضافته إلى النبي عليه الصلاة والسلام ﴿بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾، مع أنه أُضيف إلى النساء أنفسهن كما سبق في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب ٣٤] هل هذا يتناقض مع ذاك؟ لا يتناقض فهو مضاف إلى كل شيء منهما بنسبة معينة، فباعتبار أن هذه البيوت مأوى النبي ﷺ ومسكنه أضيفت إليه، وباعتبار أنها -أي: هذه البيوت- ملك لزوجاته أضيفت البيوت إليهن. والعلماء اختلفوا؛ هل بيوت زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام ملك لهن أو ملك للرسول عليه الصلاة والسلام؟ فيه قولان لأهل العلم، وسبق لنا أن الأظهر أنها ملك للزوجات، بدليل أنهن ورثن هذه البيوت، ولو كانت ملكًا للرسول عليه الصلاة والسلام ما ورثنها؛ لأن النبي ﷺ يقول: «إِنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٠٩٣)، ومسلم (١٧٥٩ / ٥٢) من حديث أبي بكر.]]. ولا يرد على هذا أن هذه البيوت أُدخلت في المسجد فيما بعد؛ لأنها إما أن تكون أدخلت بعوض وإما أن تكون أدخلت برضا مستحقيها، وهذا لا ينافي التمليك. ﴿بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾، ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ﴾ بالبناء للمجهول، ولم يقل: إلا أن يأذن النبي؛ لأنه قد تأذن المرأة من نسائه لأحد فيدخل، فليس بشرط أن يكون الإذن من الرسول ﷺ، ولكن الله تعالى اشترط ثلاثة شروط: الإذن، و﴿إِلَى طَعَامٍ﴾، والثالث: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾. ولننظر هذه القيود، هل هي معتبرة أو لا؟ فقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ يشمل الإذن العرفي والإذن اللفظي، فالإذن اللفظي أن يُقال: ادخل، والإذن العرفي أن يكون هناك علامة تدل على أن المقام مقام إذن كفتح الباب وما أشبه ذلك، فهل يمكن الدخول بدون إذن؟ لا يمكن، فالإذن إِذَنْ مُعتبرٌ، قيدٌ. قال: ﴿إِلَى طَعَامٍ﴾ هل هذا يدل على أنه لو أذن لهم بالدخول إلى غير طعام لا يحل؟ لا، إلى طعام، فلو دعي إلى غير طعام هل يدخل أو لا؟ إن نظرنا إلى ظاهر قوله: ﴿إِلَى طَعَامٍ﴾ قلنا: لا يدخل؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِلَى طَعَامٍ﴾، ولكننا نقول إن هذا القيد بيان للواقع، وما كان بيانًا للواقع فإنه لا مفهوم له، فالآية وردت في قضية مُعينة وهي دخول هؤلاء إلى الطعام بدون دعوة، فلهذا قُيدت بقوله: ﴿إِلَى طَعَامٍ﴾. الثالث: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾، (ناظر) إن تعدت بـ(إلى) فهي من النظر بالعين، وإن تعدت بنفسها فهي بمعنى الانتظار، تقول: نظرت إليه، وتقول: نظرته، بمعنى: انتظرت، قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [الأنعام ١٥٨]، ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف ٥٣]، المعنى: هل ينتظرون؛ لأنها تعدت بنفسها. ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٢، ٢٣] هذا من النظر بالعين، هنا ﴿نَاظِرِينَ﴾ متعدية بنفسها ولّا بـ(إلى)؟ بنفسها، فتكون بمعنى منتظرين، وقوله: ﴿إِنَاهُ﴾ أي: نضجه، هل هذا شرط ولّا غير شرط؟ نقول: إنه شرط لجواز الدخول أن يدخلوا لطعام غير منتظرين نضجه، وكانوا يتحرون نضج الطعام، فإذا تحروا أنه قد نضج وقارب أن يقدم أو قَدِم دخلوا البيوت؛ لأجل أن يأكلوا، ولا شك أن مفاجأة الإنسان عند أكله تؤذيه، ويُسمى هذا الذي يفجأ الناس عند تقديمه الطعام يسمى طفيليًّا، وضيفنًا، ما هو بضيف، ضيفنٌ بالنون؛ لأن النون هذه مثل اللي يتكأ على عصا كأنه ثقيل. فإذا كان واحد عندك ضيفًا، وأنت ما تحب أنه يكون عندك، فقلت لصاحبك، قال: عندك ضيف؟ قلت: لا عندي ضيفن؛ يعني: ثقيل طفيلي جاء بلا دعوة، ونام على (...) صاحب البيت، لا يتزحزح ولا يطلع، ويتطلب هات ماء هات شراب هات كذا، أبغي الحمام أبغي كذا، يتعبك. المهم أن قوله: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ هذا شرط؛ يعني لا يجوز لكم أن تتحروا إنى الطعام حتى تدخلوا، لما في ذلك من التضييق على النبي عليه الصلاة والسلام، ويحتمل أن المعنى: لا تدخلوا مبكرين بحيث تبقون في البيوت حتى ينضج الطعام؛ لأن في هذا أيضًا إشقاقًا على صاحب البيت، إذا كان تجهيز الغداء في الساعة الواحدة فجاء هؤلاء في الساعة الثانية عشرة انتظروا ولّا لا؟ كم انتظروا؟ ساعة، هذا فيه تضييق على النبي عليه الصلاة والسلام، والنبي عليه الصلاة والسلام حيي كريم، لو استأذنوا عليه قبل نضج الطعام بساعة ما يردهم ﷺ، وإن كان يتأذى بذلك لكن لكرمه وحيائه لا يردهم. فتبين بهذا النهي عن دخول بيوت الرسول عليه الصلاة والسلام إلا بثلاثة شروط: الإذن، وأن يكون إلى طعام، وأن يكونوا غير ناظرين إناه، لكن إلى طعام قلنا: إن هذا ليس بشرط؛ لأنه قيد لبيان الواقع، فلا مفهوم له، كل قيد لبيان الواقع فإنه لا مفهوم له، ولهذا لو دُعُوا إلى غير الطعام فلا بأس أن يدخلوا. الآن نرجع إلى الآية ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ قال المؤلف: (فِي الدُّخُول بِالدُّعَاءِ ﴿﴿إلَى طَعَام﴾ ﴾) أفادنا المؤلف بقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ ما يتعلق ﴿يُؤْذَنَ﴾ إلا على وجه التضمين؛ لأن يؤذن لا تتعدى بـ(إلى) وإنما تتعدى بـ(في) أو بـ(اللام)، لكنها بـ(اللام) للمأذون له لا للمأذون إليه، فتتعدى بـ(في) إلا أن يؤذن لكم في طعام، لكنها جاءت بـ(إلى)؛ لأن الإذن هنا ضُمِّن معنى الدعاء؛ يعني: إلا أن تُدْعَون إلى طعام. وقوله: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ لماذا جاءت منصوبة مع أن الذي قبلها مجرور؟ يعني لم تكن بلفظ إلى طعام غير ناظرين إناه؛ لأنها حال من الكاف في قوله: ﴿يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ إلى طعام حال كونكم غير ناظرين إناه، فإن كنتم منتظرين نضجه وتتحرون نضجه فلا تدخلوا عليه أيضًا؛ لما في ذلك من الإشقاق والأذية. وقوله: ﴿إِنَاهُ﴾ يقول المؤلف: إنها (مصدر أنى يأني إنًى)، ليست هي شيئًا محذوفًا؛ يعني ليست: (إناءه) في الأصل، بل هي ﴿إِنَاهُ﴾ أصلًا وفرعًا مصدر أنى يأني إنًى. وقوله: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ [الأحزاب ٥٣] لما كان قوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ قد يتوهم منه واهم بأنهم لا يدخلون أبدًا، قال: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾ فكان في قوله: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾ كان فيه فائدة، وهو أنه متى دُعوا دخلوا، إذا دعوا يدخلون، فكونهم هم يدخلون بأنفسهم لا يجوز إلا بالشروط السابقة، لكن إذا دعوا فيدخلون، فإذا طعموا فإنهم ينتشرون، ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾ ولا تدخلوا بغير دعوة. وهذا غير قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ﴾ [الأحزاب ٥٣] لأن (يؤذن) معناه أنهم جاءوا فاستأذنوا، وأما التي معنا الجملة الثانية: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ﴾ فهذه هم الذين دُعوا، وقد كان الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو الناس إلى طعامه كما دعا أبا هريرة رضي الله عنه حين وجده جائعًا في يوم من الأيام، «خرج أبو هريرة من بيته وهو جائع حتى كاد يسقط مغشيًا عليه من الجوع، فلما خرج الناس تَبِع عمر بن الخطاب يسأله عن آية من كتاب الله، وأبو هريرة حينما سأله عن الآية يعرف الآية لكن يُؤَمل، لعل عمر يقول: اتبعني، ولكن عمر رضي الله عنه ما فكر في هذا الأمر، أخبره بالآية ومضى، يقول: فلما جاء الرسول عليه الصلاة والسلام ورآني عرف ما في وجهي، فدعاه، فدخل، فجيء بلبن إلى النبي ﷺ، فأمره أن يدعو أهل الصُفَّة -أهل الصفة هم الفقراء المهاجرون الذين ليس لهم مأوى في المدينة، فكان لهم صُفَّة في المسجد يجتمعون فيها، أحيانًا يبلغون الثمانين وأحيانًا يكونون أكثر وأحيانًا يكونون أقل- يقول: لما قال: «ادْعُ أَهْلَ الصُّفَّةِ» واللبن قليل، كأنه تردد رضي الله عنه، قال ما يغني هذا اللبن لأهل الصفة، إذا دعوت أهل الصفة وشربوا اللبن بقيت أنا جائعًا، يقول: ولكن لم يكن لي بد من طاعة الله ورسوله، فذهب فدعا أهل الصفة، فجاءوا فشربوا، كُلٌّ يشرب من هذا اللبن، وكل يشرب، وكل يشرب، فلما بقي بقية قال: «اشْرَبْ»، يقول: فشربت حتى رويت، فقال: «اشْرَبْ أَبَا هِرٍّ»، فقلت: والله يا رسول الله لا أجد له مساغًا، فبقيت بقية فشربها النبي ﷺ»[[أخرجه البخاري (٦٤٥٢) من حديث أبي هريرة.]]. ففي هذه دعوة عامة ودعوة خاصة، وكذلك في حديث أنس «لما صنع النبي عليه الصلاة والسلام طعامًا، قال: «اخْرُجْ فَادْعُ لِي مَنْ لَقِيتَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥١٦٣)، ومسلم (١٤٢٨ / ٩٤) من حديث أنس بن مالك.]]، فإذا دعي المسلمون إلى طعام فادخلوا ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ [الأحزاب ٥٣]، ولم يَقُل: فإذا شبعتم، قال: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ﴾؛ لأن الطعام قد يُشبع، وقد لا يُشبِع، وقوله: ﴿انْتَشِرُوا﴾ أي: تفرقوا. (ولا تمكثوا ﴿﴿مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ ﴾ [الأحزاب: ٥٣]) أفادنا المؤلف بقوله: (ولا تمكثوا) أن كلمة ﴿مُسْتَأْنِسِينَ﴾ حال من فاعل محذوف مع فعله، والتقدير: ولا تمكثوا مستأنسين لحديث، والاستئناس بالشيء معناه الاطمئنان إليه؛ يعني: لا تبقوا بعد الأكل تتحدثون وتنبسطون وتطمئنون، وأما الحديث العابر فلا بأس به بعد الأكل، ولكن هذا ليس من آداب الطاعم على كل حال؛ لأنه علل قال: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب ٥٣]. قال: (﴿﴿مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ ﴾ مِنْ بَعْضكُمْ لِبَعْضٍ ﴿﴿إنَّ ذَلِكُمْ﴾ ﴾ الْمُكْث ﴿﴿كَانَ يؤذي النبي فيستحيي منكم﴾ ﴾ أن يخرجكم ﴿﴿والله لا يستحيي مِنْ الْحَقّ﴾ ﴾ أَنْ يُخْرِجكُمْ)، وعلى هذا فيُنْهون عن البقاء مطمئنين للحديث لِعِلَّة وهي الأذية، أذية النبي عليه الصلاة والسلام، وبناء على هذه العلة لو قُدِّر أنه لا يتأذى بذلك فلا حرج على الإنسان أن يبقى، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد بيان ما يستعمله بعض الناس أنه إذا طعم يقول له: اجلس شوي، ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ أن هذا استدلال في غير محله. (...) ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ أعاد الاسم الظاهر في موضع الضمير تعلية لشأن الرسول ﷺ، وإلا لكان المتوقع أن يقول: إن ذلكم كان يؤذيه، ولكن قال: ﴿يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ إعلاءً لشأنه ﷺ، وإشارة إلى أنه لنبوته يجب أن يتحاشى المرء أذيته لما له من الفضل، وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾ لماذا جمع في الخطاب ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: (...). * الشيخ: لا، لماذا جمع؟ لأن المخاطبين جمع، اسم الإشارة إذا اقترنت به الكاف فإنه يراعى فيه المخاطب والمشار إليه، المشار إليه يتغير به اسم الإشارة، والمخاطب تتغير به الكاف، أفهمتم القاعدة هذه؟ إذا اقترنت الكاف باسم الإشارة فإنه يُراعى في اسم الإشارة المشار إليه، وفي الكاف ويش اللي يُراعى؟ المخاطب. فلنفرض أنني أشير إلى جماعة وأخاطب واحدًا، أقول: أولئك، وبالعكس أشير إلى واحد وأخاطب جماعة أقول: ذلكم، أشير إلى جماعة وأخاطب جماعة أقول: أولئكم، أشير إلى جماعة وأخاطب جماعة نساء أقول: أولئكن، أشير إلى واحد وأخاطب جماعة نساء أقول: ذلكن، ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف ٣٢]. والمهم أن اسم الإشارة إذا اقترنت به الكاف فإنه يُراعى في الكاف المخاطب، ويُراعى في اسم الإشارة المشار إليه إن كان جمعًا اجمعها، إذا كان مثنى ثَنِّها، إن كان مفردًا فأفردها، إذا كنت تشير إلى اثنين مخاطبًا اثنين كيف تقول؟ تشير إلى اثنين مخاطبًا اثنين. * طالب: ذلك. * الشيخ: لا، تشير إلى اثنين مخاطبًا اثنين؟ * طالب: ذلكما. * الشيخ: ذلكما لا، ذانكما، إي نعم. تشير إلى اثنتين مخاطبًا اثنتين؟ * طالب: ما أدري. * الشيخ: كيف ما تدري. * طالب: تانكما. * الشيخ: تانكما، إي نعم، واضح؛ لأن المثنى المؤنث يُقال: تَان، قال ابن مالك: ...................... ∗∗∗ وَذَانِ تَـــانِ لِلْمُثَنَّىالْمُرْتَـــــفِعْ فهمتم يا جماعة؟ ترى هذه يغلط فيها كثير من الطلبة، يلتبس عليه المشار إليه بالمخاطب. إذن ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾ المشار إليه هنا مفرد ولّا جمع؟ المشار إليه مفرد، والمخاطب جمع؛ لأنه يخاطب جماعة المؤمنين ويشير إلى شيء مذكور، أن ذلك المذكور يؤذي النبي فيستحيي منكم. وقوله: ﴿يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ الأذية ليست هي الضرر، إذ قد يتأذى المتأذي ولا يتضرر بذلك، ولهذا يوصف الله تعالى بالتأذي، ولا يوصف بالضرر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب ٥٧]، وقال تعالى: في الحديث القدسي «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٢٦)، ومسلم (٢٢٤٦ / ٢) من حديث أبي هريرة.]] أما في الضرر فقال في الحديث القدسي فقال: «يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر.]]، ونحن نشاهد الآن في أنفسنا أننا نتأذى بالشيء ولا نتضرر به، يتأذى الإنسان بالرائحة الكريهة كرائحة البصل والكراث والوسخ والعرق وما أشبه ذلك، ولكنه لا يتضرر به، إذن لا يلزم من الأذية الضرر. ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب ٥٣]، الفاء عاطفة على قوله: ﴿يُؤْذِي﴾ يعني فكان أيضًا يستحيي منكم أن يخرجكم إذا دخلتم في هذه الحال، وقوله: ﴿فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ ما هو الحياء؟ عَرِّف الحياء؟ الحياء نكتب عليه (ميم) بخط عريض أي: معروف في القاموس إذا جاءت كلمة معروفة كتب: (ميم) يعني: معروف، ما يحتاج إلى أن نحده كما لو قيل لك: ما هي المحبة؟ ما تستطيع، مثل ما قال ابن القيم في روضة المحبين يقول: إن المحبة ما تُحد بأوضح من لفظها، المحبة هي المحبة. ما هي الكراهة؟ هي الكراهة، ما تستطيع أن تَحُدَّها؛ لأن هذه انفعالات نفسية يحس بها الإنسان من نفسه، ولا يستطيع أن يعبر عنها، فالحياء هو الحياء ما هو النوم؟ النوم هو النوم، معروف، وبعضهم يقول: إنها غشية ثقيلة تهجم على المخ فتفقد له الوعي والإحساس، أنا لو أتصور أن هذا هو النوم ما جاني النوم، لو أتصور أنه غشية الله يدفع البلاء، فالحاصل أنك إذا قلت: النوم معروف، هذا معروف لكل أحد. الجوع أو انصفات البطن من قلة الطعام، هذا أثره، أما هو فإنه معروف، فهذه المعاني النفسية لا يمكن في الحقيقة أن يعرِّفَها أحد لا يمكن أن تُعَرَّف بأوضح من لفظها، إذن الحياء معروف، والنبي عليه الصلاة والسلام يستحي من هؤلاء؛ لأنه ﷺ أكمل الناس إيمانًا، والحياء من الإيمان، ولأنه ﷺ أكرم الناس، والكريم يستحي من ضيفه أن يخرجه أو أن يتبرم بوجوده أو أن يتكرَّه له، فلهذا الرسول ﷺ يصبر وإن كان متأذيا من ذلك لما جبله الله عليه من كمال الإيمان وكمال الكرم ﴿فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾. قال المؤلف: (﴿﴿فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ ﴾ أن يخرجكم) قوله: (أن يخرجكم) هذه في محل جر بدل اشتمال؛ لأن التقدير فيستحيي من إخراجكم. ﴿وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب ٥٣]، الله عز وجل لا يستحي من الحق، وهو العدل في الأحكام، والصدق في الأخبار، فالرب عز وجل لا يستحي من الحق؛ لأن الحياء من الحق معناه ترك الحق أو يستلزم ترك الحق والخور وعدم الحزم، والله عز وجل لا يستحي من أن يبين الحق. ويقول المؤلف: ﴿لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ (أن يخرجكم) هكذا قال المؤلف، إن الله لا يستحي أن يخرجكم، وفي ما قاله نظر، بل الصواب: ﴿لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ أن يبينه لكم؛ لأن المقام هنا ما هو مقام إخراج، المقام مقام تبيين، لما يجب على هؤلاء الذين استأذنوا على الرسول عليه الصلاة والسلام فالمعنى لا يستحي من الحق، قلت: إن الحق هو الصدق في الأخبار والعدل في الأحكام، والمراد بالحق هنا -على رأي المؤلف- هو الإخراج؛ يعني لا يستحيي أن يخرجكم، ولكن الصواب: لا يستحيي أن يبين لكم ما يلزمكم فتخرجوا. ثم قال المؤلف -عفا الله عنه: (أي لا يترك بيانه) أي: لا يترك بيان الحق، وهذا من التحريف، حيث فسر الحياء بلازِمِهِ وهو الترك؛ لأن من لازم الحياء من الشيء أن يدعه الحيي منه، والمؤلف فسر الحياء بلازمه وهو الترك؛ أي: لا يترك بيان الحق. وفي قوله: (لا يترك بيان الحق) مع قوله: (لا يستحي أن يخرجكم) فيه شيء من التناقض؛ لأنه جعل المستحيا منه هنا بيان الحق، وجعله بالأول الإخراج، والصواب الرأي الثاني، قوله الثاني هو الصواب، أي: لا يستحي من بيان الحق، لكن تفسيره الاستحياء بالترك هذا باطل؛ لأنه خلاف ظاهر اللفظ، والواجب علينا فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته الواجب علينا أن نجريها على ظاهرها اللائق بالله سبحانه وتعالى، معتقدين أنه لا مثيل له في هذه الصفة، ومبتعدين عن تكييفها. أما وجوب إجرائها على ظاهرها فلأن الله خاطبنا بلسان عربي مبين، ولو أراد خلاف ذلك الظاهر لكان التعبير بهذا الذي يفيد ظاهره الكفر أو التمثيل لكان التعبير به بيانًا أو خلاف البيان، والله عز وجل يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء٢٦]، وكيف يعبر سبحانه وتعالى أو يتكلم بما هو خلاف البيان فيما يُعتبر صميم العقيدة، وهو ما يتعلق بأسماء الله وصفاته؟! ولهذا كان طريق هؤلاء المحرفين من أبلغ ما يكون طعنًا في كلام الله عز وجل، بل من أبلغ ما يكون طعنًا في الله نفسه، إذ إن طريقتهم تستلزم أن يكون الله عز وجل لم يبين الحق فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته، وجعل الحق موكولًا إلى ما تقتضيه عقولهم، ويحاولون بعد ذلك أن يردوا كلام الله عز وجل وكلام رسوله إلى ما تقتضيه هذه العقول الفاسدة المتناقضة، والطريق الأسلم والأعلم والأحكم هي طريق السلف، أن تأخذ كلام الله ورسوله على ظاهره؛ لأننا نعلم علم اليقين أنه لا أحد أعلم من الله بنفسه، ولا أحد من الخلق أعلم بالله من رسول الله ﷺ، ونعلم أيضًا أنه لا أحد أصدق كلامًا من الله، ولا أحد من المخلوقين أصدق كلامًا من رسول الله ﷺ، هذا ثابت أيضًا. الأمر الثالث: أنه لا أحد أوضح بيانًا في كلامه من الله عز وجل، ولا أحد من المخلوقين أعظم بيانًا من رسول الله ﷺ هذه ثلاثة أمور. الأمر الرابع: نعلم أيضًا أنه لا أحد أصح إرادة وقصدًا من الله عز وجل، فإن الله ما أراد من عباده إلا أن يبين لهم الحق، وكذلك بالنسبة لرسول الله ﷺ لا نعلم أحدًا أنصح منه للخلق، وأصدق إرادة في بيان الحق. فإذا تمت هذه الأمور الأربعة في كلام -من أي كلام- يكون صار ما يدل عليه ظاهره هو المراد الذي يجب علينا أن نأخذ به، فهذه أمور أربعة إذا اجتمعت في الكلام صار الكلام واجب الأخذ بظاهره، الأربعة هي؟ * طالب: العلم والقصد والصدق.. * الشيخ: نعم، والصدق والبيان، أربعة أمور. ضدها ما يُؤخذ ولا يُعتبر، لو جاء إنسان جاهل يتكلم لك بكلام من أفصح الكلام، وهو رجل نعرف أنه من أنصح الخلق وأصدقهم، هل تثق بقوله؟ ما نثق بقوله، جاء رجل يتكلم عن الطب ونحن نعلم أنه ما درس في الطب أبدًا، وقام يشرح لنا الطب، نثق به؟ ما نثق به؛ لأنه جاهل. لو جاء عالم نعرف أنه عالم بما يتكلم به لكنه كذوب هل نثق بكلامه؟ * طلبة: لا. * الشيخ: لماذا؟ لأنه كذوب، يمكن كذب علينا. لو جاءنا رجل عالم وصدوق لكنه سيء الإرادة قد يغش ويقصد ضلال الخلق هذا أيضًا ما نثق به؛ لأننا نخشى أنه غشنا فيما قال. الرابع: لو جاءنا إنسان عالم وناصح وصدوق لكن ما يحسن يعبر، مثل إنسان فارسي ما يعرف اللغة العربية وقام يعبر باللغة العربية هل نثق من قوله؟ لا، ما نثق؛ لأنه ما يعرف –أحيانًا- يقول، إذا بغى يضيف الضمير إلى نفسه يقول: أنت أكلت، وإذا بغى يقول: أنا أكلت، يقول: أنت أكلت، وإذا بغى يقول: أنت أكلت، يقول: أنا أكلت، ما نثق بكلامه يمكن يقلب الكلام؛ لأنه عيي، لكن كلام الله وكلام الرسول ﷺ اجتمعت فيه صفات القبول الأربع، فلهذا يجب علينا أن نؤمن بكل صفة وصف الله بها نفسه. فإن قال قائل: الآية وما أشبهها فيها نفي الحياء، والنفي ضد الإثبات، فكيف تقول: إن في الآية أنها إثبات للحياء؟ نقول: منطوق الآية: ﴿لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب ٥٣]، ومفهومها: يستحي من غير الحق، ولّا لا؟ إذ لو لم يكن الأمر كذلك لكان نفي الاستحياء عن الحق لغوًا من القول لا معنى له، ثم نقول: إنه قد ثبتت صفة الحياء لله عز وجل بصيغة الإثبات كما في الحديث الذي في المسند «إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ»[[أخرجه الترمذي (٣٥٥٦) واللفظ له، وأحمد (٢٣٧١٤) من حديث سلمان.]]، هذا هو إثبات الحياء لله سبحانه وتعالى. فكل صفة أثبتها الله لنفسه فإنه يجب علينا أن نأخذها بالقبول، ولكننا ننزه اعتقادنا عن محظورين عظيمين وهما؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، التمثيل والتكييف، والتمثيل أحسن من التشبيه؛ يعني التعبير بالتمثيل أحسن من التعبير بالتشبيه؛ لأن هذا هو الذي نفاه الله عن نفسه، ولأن نفي التشبيه المطلق هذا ليس بصواب؛ لأننا ذكرنا أنه ما من موجودين إلا ويشتركان في صفة الوجود، وإن كانا يتباينان فيما تقتضيه هذه الصفة في مقتضياتها ومستلزماتها، وما من سميعين إلا ويشتركان في صفة السمع، وإن كانا يختلفان في ملزوماتها ومقتضياتها، وما من بصيرين إلا ويشتركان في صفة البصر، فيكون بينهما مشابهة من بعض الوجوه فيما يشتركان فيه، ولهذا نفي التمثيل هو الذي ينبغي لنا -معشر طلبة العلم- أن نعبر به؛ لأنه هو الذي جاء في القرآن، وهو أسلم. قال: ﴿وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾، ثم قال: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ﴾ أي: لا يترك بيانه، وقرئ ﴿﴿يستحي﴾ ﴾ بياء واحدة، شاذًا أو سبعية؟ شاذًا؛ لأن قاعدة المؤلف -رحمه الله- أنه إذا قال: وقرئ. فهي قراءة شاذة، بخلاف ما إذا قال: وفي قراءة. أو قال: بالياء والنون، أو: بالياء والتاء، وما أشبه ذلك، فهما قراءتان سبعيتان. * طالب: يكون فيه قصور أو لا يؤدي المطلوب؟ * الشيخ: ما يؤدي المطلوب وفيه قصور؛ لأنه خلاف تعبير القرآن ولأن هذا أدى إلى أن تنكر كثير من الصفات بهذه الدعوى. * طالب: تعبير الطحاوي؟ * الشيخ: إي نعم، ولهذا شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في العقيدة الواسطية ما قال: من غير تشبيه، قال: من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، وهذا هو الأولى. ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ﴾ الفاعل يعود على الصحابة، والمفعول يعود على نساء النبي ﷺ، وهن لم يسبق لهن ذكر في الآية، لكن قوله: ﴿بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ يدل على ذلك؛ لأن ساكن بيوت النبي هن أزواج النبي ﷺ. (﴿﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ﴾ ﴾ أي: أزواج النبي ﷺ) (أي): هذه تفسيرية، و(أزواج): عطف بيان للهاء في قوله: (﴿﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ﴾ ﴾ أي: أزواج النبي ﷺ) ﴿مَتَاعًا﴾ المراد بالمتاع: ما يُتمتع به من ملابس ومطاعم ومشارب وغيره، حتى الدراهم تعتبر متاعًا، فكل ما يُتمتع به فهو متاع. (﴿﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ﴾ ستر) ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ﴾ تنصب مفعولين، الأول الهاء في قوله: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ﴾، والثاني: محذوف دل عليه ما قبله؛ أي: فاسألوهن المتاع من وراء حجاب، وقوله: ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ حجاب بمعنى ستر، وكلمة ﴿مِنْ﴾ تدل على أن هذا الستر لا بد أن ينفصل، وأنه غير ستر الوجه أو البدن بالثياب، بل هو ستر آخر؛ حجاب، وحجاب أمهات المؤمنين غير حجاب نساء المؤمنين؛ لأن حجاب نساء المؤمنين يصح أن يكون متصلًا بالبدن كالخمار والملحفة وما أشبهها من الثياب، أما حجاب أمهات المؤمنين فإنه حجاب آخر منفصل، يحول بين الرجل وبين رؤية أمهات المؤمنين، ولهذا قال: ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، فتدل على أن هذا الحجاب منفصل عن المستتر به، ومنه قوله تعالى عن الكفار يقولون للرسول: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت ٥] كأنه.. لماذا قال: (ذا)، وقال: (كُم)؟ فـ(ذا) للمفرد و(كُم) للجمع، كيف يتفق الجمع والمفرد؟ * طالب: (...). * الشيخ: ما تعرف، أنتم فاهمون السؤال؟ كيف يتلاءم الجمع مع المفرد؟ * طالب: (...). * الشيخ: يعني: لاختلاف المرجع؛ فاسم الإشارة يعود على المشار إليه، والكاف في الخطاب يعود على المخاطب، فقد يكون المشار إليه مفردًا والمخاطب جمعًا كما هنا. ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: المذكور، والخطاب للصحابة رضي الله عنهم. ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب ٥٣] ﴿أَطْهَرُ﴾ يعني: أبلغ في طهر القلوب، ﴿لِقُلُوبِكُمْ﴾ أيها السائلون ﴿وَقُلُوبِهِنَّ﴾ أي: المسؤولات (من الخواطر المُرِيبَة). شوف الخطاب الحين لمن؟ للصحابة، وهم أطهر هذه الأمة قلوبًا في جانب مَنْ؟ في جانب نساء النبي ﷺ، وهن أعظم النساء عفةً وبُعدًا عن المكروه، فإذا كان هذا الخطاب في مثل هؤلاء القوم لهؤلاء النساء فما بالك بمن سواهم إذا كان احتمال تدنس القلب بمخاطبة المرأة من دون حجاب؟! إذا كان احتمال هذا واردًا في مثل هؤلاء القوم فما بالك فيمن دونهم بمراحل؛ لا في الزمن ولا في الرتبة؟! يكون هذا أشد وأشد؛ ولذلك يُنْكَر إنكارًا عظيمًا على مَنْ قال: إن الحجاب خاص بأمهات المؤمنين. نقول له: من أين الخصوصية؟ فإذا كان الله علَّل بأنه أطهر لقلوبهم أي: قلوب المخاطبين والمخاطبات وهنَّ بلا شك أطهر النساء وأعفُّهن، وكذلك الذين يخاطبونهنَّ خير الناس كما جاء في الحديث: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٥٢)، ومسلم (٢٥٣٣ / ٢١٢) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، فما بالك بمن دونهم، أليس كذلك؟ احتمال تنجس القلب بمخاطبة المرأة بدون حجاب فيمن بعد الصحابة أقرب ولَّا أبعد؟ أقرب وأقرب بكثير، وإذا كان هذا باعتبار الصحابة مع زوجات الرسول ﷺ فغيرهم مع نساء دونهنَّ بكثير من باب أولى. وقوله: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ المؤلف رحمه الله يقول: (من الخواطر المُرِيبَة) الخواطر التي ترد على القلب، والخواطر التي ترد على القلب إذا لم يطمئن الإنسان إليها ويسترسل معها فإنه لا يعاقب عليها؛ لأنها من حديث النفس، بل هي مما يصول على النفس والتحرز منها أشد؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام ثبت عنه أنه قال: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٦٩)، ومسلم (١٢٧ / ٢٠١) من حديث أبي هريرة. ]] فإذا كان هذا في حديث النفس فما بالك في ما يهجم على النفس بدون قصد؟! يكون العفو عنه من باب أولى، فالخواطر التي تَرِد على القلب إذا لم يسترسل معها الإنسان ويطمئن إليها فإنها لا تضره، سواء كانت هذه خواطر فيما يتعلق بجلال الله عز وجل أو فيما يتعلق برسوله أو فيما يتعلق بشهوة النفس وإراداتها، فإنها لا تضر الإنسان بشرط ألا يسترسل، بل إن هذه الخواطر ما تَرِد إلا على قلب سليم يهاجم الشيطان بها القلب حتى يفسده؛ ولهذا «لما شكا الصحابة إلى النبي ﷺ مثل هذه الخواطر قال: «أَوَجَدْتُمْ ذَلِكَ» قالوا: نعم قال: «ذَلِكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ»[[أخرجه مسلم (١٣٢ / ٢٠٩) من حديث أبي هريرة.]] يعني: خالصه؛ لأن الشيطان ما يهجم على قلب فاسد، وإنما يهجم على القلوب الصالحة ليُفْسِدها، ودواء ذلك أن تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وأن تنتهي، وأن تثني على الله عز وجل بما هو أهله؛ فتقول: الله أحد صمد،لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد؛ استجارة بالله وانتهاء، ووصف لله تعالى بالكمال وبعد ذلك تزول عنك شيئًا فشيئًا. قال: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب ٥٣] الخطاب للصحابة رضي الله عنهم وكذلك من بعدهم من باب أولى، ﴿مَا كَانَ لَكُمْ﴾ ومثل هذه العبارة تدل على الممتنع غاية الامتناع؛ ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ بشيء)، ما عيَّن، ما بيَّنَها، يعني: ما يصلح ولا يستقيم ولا يمكن لكم أن تؤذوا رسول الله، ومثل هذا التعبير يدل على امتناع الشيء مثل قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون ٩١] المعنى أن ذلك ممتنع لا يصلح، ولا يستقيم فكل مؤمن لا يمكن في حقه ولا يستقيم ولا يصلح في حقه أن يؤذي رسول الله ﷺ لا بالقول ولا بالفعل. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب ٥٧] وأذية الرسول ﷺ من أعمال المشركين هم الذين يؤذون الرسول الله ﷺ بالقول وبالفعل. ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾، وهنا قال: ﴿أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾، وفي أول الآية يقول: ﴿النَّبِيِّ﴾ إشارة إلى أن الرسول عليه الصلاة والسلام شرف لعِظَم من أرسله وهو الله، فلما كان رسول الله كان لا يمكن أن يُؤْذَى؛ لأنه رسول من عند الله تبارك وتعالى؛ أذية الرسول عليه الصلاة والسلام في حياته ما يتصل بشخصه، وأذية الرسول بعد مماته ما يتصل بسنته، فإنه لا ينبغي ولا يصلح لأي مؤمن أن يكون في سنة الرسول عليه الصلاة والسلام على وجه يتأذى به الرسول مثل ردِّها وتحريفها وما أشبه ذلك. قال: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ إذن هل نجلس مستأنسين للحديث بعد الطعام، يعني في حق الرسول؟ لا؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ إذن ما كان لنا أن نجلس ما دام فيه أذية للرسول ﷺ. ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ يعني: وما كان لكم أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدًا، ﴿تَنْكِحُوا﴾ المراد بالنكاح هنا: العقد، يعني: ما يمكن تعقدوا على أزواجه من بعده، وكل نكاح في القرآن فإنه بمعنى العقد خلافًا لمن قال: كل نكاح في القرآن فهو بمعنى الوطء إلا قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء ٢٢]، والصواب أن كل نكاح في القرآن فإنه بمعنى العقد، وأما مَن قال: إنه بمعنى الجماع إلا في الآية هذه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب ٤٩] فليس بصحيح. وقوله: ﴿أَزْوَاجَهُ﴾ متى تكون المرأة زوجة للإنسان؟ بالعقد عليها، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: من بعد مفارقته لها، ومفارقة النبي ﷺ لها تكون في الحياة وتكون في الموت، والمفارقة في الحياة تكون قبل الدخول وبعد الدخول، فها هنا ثلاث حالات: الحال الأولى: مَن فارقها بعد موته أو مَن فارقها بموته فهذه لا تَحِلُّ لأحد من بعده بالإجماع ولم يخالف في ذلك أحد. والحال الثانية: مَنْ فارقها في حياته بدون دخول، فهذه تَحِلُّ ولا نزاع فيها كما ذكره ابن كثير في التفسير. والثالثة: مَنْ فارقها في حياته بعد دخوله بها، فهذه موضع خلاف بين أهل العلم؛ فمنهم من قال: إنها تحل، ومنهم من قال: إنها لا تحل، وعلى هذا الرأي الذي يقول: إنها لا تحل، يقول: إنه يصدق عليها أنها زوجته وأنها من بعده، ولولا أن مَن عَقَد عليها ثم فارقها قبل الدخول لولا الإجماع لقلنا: أيضًا لا تحل لمن بعده؛ فصارت الأحوال ثلاثًا، ما هي؟ مَنْ فارقها بعد موته فهذه لا تحل بالإجماع. من فارقها في حياته قبل الدخول بها فهذه جائزة تَحِلُّ لغيره، قال ابن كثير: لا نزاع في ذلك. من فارقها في حياته بعد الدخول بها، ففيها خلاف بين العلماء؛ منهم من قال: إنها تحل، ومنهم من قال: إنها لا تحل. انتهى الموضوع، ما يحتاج نصحح ولا ما نصحح. * طالب: يعني ما نقول: إنه الأرجح (...)؟ * الشيخ: أصلًا ما نعلم أن أحدًا تزوج زوجة الرسول بعد الدخول بها، ما هي ظاهرة الآية: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ قد تكون ظاهرة في أمر من بعد حياته. * طالب: شيخ، ولكن المرأة المستعيذة التي دخل عليها النبي ﷺ؟ * الشيخ: نعم، ما جامعها ما دخل بها. * طالب: هل نأخذ أن الدخول يكفي يعني الخلوة؟ * الشيخ: لا، يقول: دخل بها يعني: جامعها. يقول: ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب ٥٣] ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾ المشار إليه إيذاء النبي ﷺ ونكاح زوجاته من بعده. وقوله: ﴿كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ (كان) هنا مسلوبة الدلالة على الزمن، والمراد إثبات عِظَم ذلك عند الله. ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ وفي كون هذا الأمر عظيمًا عند الله عز وجل دليل على حماية الله عز وجل لرسوله ﷺ ولا سيما فيما يتعلق بالنكاح؛ ولهذا قال الله في قصة الإفك: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور ١٥]، فهنا قال: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ ﴿عَظِيمًا﴾ يعني في قَدْره ورِفْعَتِه ولَّا عظيمًا في إثمه وجُرْمه؟ في إثمه وجرمه، وعلى هذا فالعِظَم معناه عِظَم الشيء؛ يعني كبره، وهو شامل لما يكون مدحًا ولما يكون ذمًا، فهنا كان عند الله عظيمًا في إثمه قال: (فيجازيكم عليه) على حسب الذنب الذي قمتم به؛ لأن الجزاء من جنس العمل (...). زوجات النبي ﷺ من بعده أنه عظيم عند الله حذَّر من مخالفة ذلك بقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [الأحزاب ٥٤]، والجملة هنا شرطية و﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق الشرط فتكون دالة على العموم ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا﴾. وقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قال المؤلف: (في نكاحهن بعده)، والصواب في الآية عدم التقييد وأنها عامة في كل شيء في نكاح زوجات النبي ﷺ بعده وفي غير ذلك. وقوله: ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ يعني: فلا تُظْهِروه لأحد، تخفوه في أنفسكم أو تخفوه فيما بينكم وبين أقاربكم؛ لأن الإخفاء والإظهار أمر نسبيٌّ أشده ما أخفاه الإنسان في نفسه، ثم ما أظهره لذويه وأصحابه وأخفاه عن غيره، ثم ما أظهره لأهل بلده، ثم ما أظهره لعموم الناس، وأيًّا كان فإن كل ما أبداه الإنسان أو أخفاه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ الجملة هنا جواب الشرط واقترنت بالفاء لأنها جملة اسمية، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ فهي جملة اسمية وإن قرنت بـ(إن) الدالة على التوكيد، وجه ارتباطها بما قبلها، أي: بفعل الشرط أنه إذا كان الله تعالى عالمًا به فسوف يجازيكم عليه إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، وبعد إكمال هذه الآية لتعلقها بما قبلها، نرجع إلى بيان الفوائد من الآية السابقة لأنه ما أخذناها، الظاهر من ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب ٥٣] أو لا؟ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: أنه لا يحل لأحد من المؤمنين أن يدخل بيوت النبي عليه الصلاة والسلام إلا بالشروط المذكورة؛ لقوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا﴾، والأصل في النهي التحريم حتى يقوم دليل على أنه لغير التحريم، ويؤيد التحريم هنا أن هذا يتعلق بحق الآدمي، وما كان متعلقًا بحق الآدمي فإنه لا يُتَسامح فيه. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن الإضافة تكون لأدنى ملابسة، إضافة الشيء إلى الشيء تكون لأدنى ملابسة سواء كان ذلك على صفة الملكية أو الاختصاصية أو الصحبة أو القرب أو غير ذلك؛ ولهذا من قواعدهم المعروفة أن الإضافة تكون لأدنى ملابسة، لكن لا بد أن يكون بين المضاف والمضاف إليه شيء من الارتباط تؤخذ هذه من قوله: ﴿بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾؛ لأن إضافتها إلى النبي عليه الصلاة والسلام باعتبارها مأواه وإلا فإنها ملك لزوجاته على القول الراجح. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن الإذن بالدخول معتبر سواء كان من صاحب البيت أو ممن أنابه؛ لقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ ولم يقل: (إلا أن يأَذن لكم) أي: النبي، فإذا أُذِنَ للإنسان بالدخول سواء كان من صاحب البيت أو من خادمه أو من ابنه أو ما أشبه ذلك جاز الدخول، وهل يستفاد منه جواز الدخول إذا وجدت الباب مفتوحًا، وقد كان بينك وبين صاحبك وعد ولَّا ما يستفاد؟ إن قلنا بأن الإذن العرفي كالإذن اللفظي فهو مستفاد من ذلك؛ ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور ٢٧] فإن الاستئناس وهو الاطمئنان يشمل الإذن أو الاستئذان باللفظ والاستئذان بالفعل والعرف. * ويستفاد من الآية الكريمة: أنه يجوز دخول بيوت النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الشروط: الإذن، وألا يكون ذلك بانتظار نضج الطعام؛ لما في المفاجأة من الإيذاء لأنه إذا نضج طعامك ثم جاء إنسان يستأذن صار في هذا نوع من الإيذاء، لأنك إن منعته شق عليك وإن أذنت له شق عليك أيضًا؛ فلهذا لا يجوز الدخول لمنتظر نضج الطعام. * ويستفاد من الآية: تحريم التطفل ولَّا لا؟ نعم؛ لأن الطفيليَّ عادته أنه ينتظر متى يُقَدَّم الطعام فإذا قُدِّم الطعام استأذن أو هجم هجومًا بدون استئذان؛ لأنه قبل أن ينضج الطعام ويقدم يمكن يدخل ثم يقال له: اخرج، لكن بعد أن يقدم الطعام لا بد أن يأكل. * ويستفاد من هذه الآية الكريمة: مشروعية إجابة الدعوة؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾، وهل يستفاد منها دخول الإنسان المدعو وإن لم يؤذن له إذا وجد الباب على هيئة تدل على الإذن؟ الجواب: نعم، وهو واضح؛ لأنه قال: ﴿إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾، ولم يقل: إذا دُعِيتم فأجيبوا، والدخول أخص وعلى هذا فإذا كنتُ مدعُوًّا وأحضرت إلى الباب فلي أن أدخل إذا علمنا بالقرينة أن الباب قد وضع موضع الإذن كما لو كان مفتوحًا. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن الإنسان ينبغي له إذا قضى حاجته من الطعام أن ينصرف؛ لقوله: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ وهذا كما أنه في بيوت النبي عليه الصلاة والسلام فهو أيضًا في بيوت غيره، فإن الأفضل لمن دُعِي إلى طعام الأفضل له إذا طَعِم أن ينتشر؛ لأن بقاءه قد يَشُقُّ على صاحب البيت، ولأن الحاجة التي جاء من أجلها قد انتهت، وإذا تأملت الشريعة وجدت أن الإنسان من حسن أدبه وسلوكه أنه كلما فرغ من حاجته التي يريد ينتهي منها وينصرف إلى حاجات أخرى؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في المسافر إذا قضى حاجته قال: «إِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ حَاجَتَهُ فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ وَلَا يَنْتَظِرْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٠٤)، ومسلم (١٩٢٧ / ١٧٩) من حديث أبي هريرة. ]]. ولو أننا حفظنا أوقاتنا بمثل هذا الأدب لكانت أوقاتنا مباركة، لكن تجدنا يضيع أوقاتنا ولسنا نراعي هذه الحال أنه كلما انتهى الشغل ما ننتظر نمشي إلى شغل آخر كما قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح ٧، ٨] لا تضيع الوقت. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن مَن دخل بيوت النبي ﷺ بدعوة ثم طَعِم، فإنه لا يجلس للحديث؛ لقوله: ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾، وهذا فوق قوله: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾؛ لأن ذلك أمر، أما هذا فنهيٌ، يُنْهَى أن يبقى هؤلاء المدعوُّون مستأنسين للحديث بعد فراغهم من الطعام. * ويستفاد من الآية: أن هذا الحكم إنما يكون في حال تَأَذِّي صاحب البيت؛ لقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾، أما إذا كان لا يتأذى به بل يُسَرُّ به، بل قد يكون بطلبه إذا فرغوا من الطعام قال: انتظروا، اجلسوا، نستأنس، نتحدث فإن هذا منهي عنه ولَّا لا؟ جائز، ولا بأس به؛ لأن القاعدة عند أهل العلم أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فإذا وُجِدَت العلة وُجِدَ المعلول، وإذا انتفت العلة انتفى المعلول. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن النبي ﷺ كغيره من البشر يتأذى كما يتأذى غيره؛ لقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ لكنه يختلف عن غيره بقوة صبره وتحمُّلِه ﷺ بخلاف غيره من البشر فإنه لا يصبر ولا يتحمل كما يتحمل النبي ﷺ؛ ولهذا كان الرسول يتأذى من بقائهم مستأنسين للحديث ولا ينهاهم حتى نهاهم الله عز وجل. * ويستفاد من الآية الكريمة: عناية الله عز وجل بنبيه ﷺ وذلك بالدفاع عن كل ما يؤذيه؛ لقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾. * ويستفاد منه: كمال حياء الرسول عليه الصلاة والسلام وكرمه؛ لقوله: ﴿فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾، وإنما كان يستحيي لشدة حيائه، فإنه كما وُصِفَ «أحيا من العذراء في خدرها»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٥٦٢)، ومسلم (٢٣٢٠ / ٦٧) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، «والحياء من الإيمان»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤)، ومسلم (٣٦ / ٥٩) من حديث عبد الله بن عمر.]] كما ثبت به الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهو أيضًا دليل على كرمه؛ لأن الكريم يستحيي أن يخجل أضيافه بقوله: اخرجوا، أو يخجلهم بالتبرُّم منهم، والتَّكَرُّه لتصرفهم؛ فلهذا كان الرسول ﷺ يعاملهم وكأنه مسرور منهم حتى بَيَّن الله تعالى ذلك للصحابة. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن القرآن شاملٌ لكل شيء حتى أدب الدخول والجلوس والطعام وما أشبه ذلك قد بيَّنَه القرآن فيكون في ذلك إيضاحٌ لقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]. ودلالة القرآن على الأشياء نوعان؛ دلالة عينية بمعنى أنها تدل على الشيء بعينه، وهذا واضح. ودلالة شمول لفظي أو معنوي؛ فالشمول اللفظي بمعنى أن يكون اللفظ عامًّا بصيغته يشمل كل ما يحتمله ذلك اللفظ من المعنى، والعموم المعنوي هو ما يُعْرَف عند أهل العلم بالقياس؛ لأنه يكون المقيس والمقيس عليه متفقينِ في العلة فيكون بينهما عموم في المعنى، فدلالة القرآن على هذا الشيء تكون على هذا الوجه إما دلالة لفظية وإما دلالة معنوية بالشمول اللفظي أو المعنوي. وهناك أيضًا الدَّلالات؛ دلالة الالتزام وهي متفرعة أو داخلة فيما ذكرنا من الدلالتين، فإن قلت: يرد عليك أنه لا يوجد في القرآن مقدار أنصبة الزكاة، ولا مقدار الواجب، ولا يوجد عدد الركعات، ولا مقدار ما يسن فيها من الذكر، فما هو الجواب؟ الجواب أن السنة قد بيَّنت ذلك، وقد أمرنا الله تعالى في كتابه أن نأخذ بما جاء عن رسول الله ﷺ؛ فقال: ﴿مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر ٧]، فقوله: ﴿مَا آتَاكُمُ﴾ يشمل ما أتانا من المال وما آتانا من العلم، والعلم يسمى إيتاءً؟ نعم، يسمى إيتاءً ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾ [الروم ٥٦] فكما أن إعطاء المال فإعطاء العلم أيضًا يسمى إيتاءً فقوله: ﴿مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ﴾ [الحشر ٧] يشمل ما آتانا من المال وما آتانا من العلم، وكذلك قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]، وقال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب ٣٦]، وكل هذا يدلُّ على أن ما جاءت به السنة فهو مما جاء به القرآن. * ويستفاد من الآية الكريمة: وصف الله تعالى بالحياء؛ لقوله؟ * طالب: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾، وجه الدلالة مع أن هذا نفي؟ * الطالب: غير الحق الله يستحيي منه؟ * الشيخ: وجه الدلالة أنه لو كان الله تعالى لا يوصف بالحياء ما صح أن يُنْفَى عنه الحياء في حال من الأحوال دون الحال الأخرى، وعلى هذا فيكون الآية دليل على أن الله تعالى موصوف بالحياء، ولكن حياء الله تعالى ليس كحياء الإنسان؛ لأن الله يقول في كتابه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١]. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن من الأمور ما هو حق، ومنها ما هو باطل؛ فالحق في الأخبار هو الصدق، وفي الأحكام العدل، والباطل فيهما عكس ذلك؛ فالباطل في الأخبار هو الكذب، وفي الأحكام هو الجور. * ومن فوائد الآية الكريمة * قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا﴾ إلى آخره أنه لا يجوز سؤال زوجات النبي ﷺ شيئًا إلا من وراء حجاب، والآية في ذلك صريحة: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾. * ومن فوائدها: جواز تكليم زوجات النبي ﷺ، وجهه ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ﴾، فأباح الله تعالى سؤالهن، والسؤال هنا سؤال استخبار ولَّا سؤال استجداء؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، متاعًا ما هو كله واحد؛ لأنه قال: ﴿إِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا﴾ فهو سؤال استجداء، ولكن سؤال العلم من باب أولى، وهل يستفاد منه جواز مكالمة النساء غير زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام؟ الجواب: نعم، يُستفاد؛ لأنه إذا جاز في زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام مع ما لهن من الاحترام والتعظيم ففي غيرهن من باب أولى، ولكنه يُشْتَرط في ذلك الأمن من الفتنة، فإن خيفت الفتنة من المكلِّم أو من المرأة كان ذلك حرامًا، وكذلك يشترط ألا يتمتع الإنسان بمكالمة المرأة، وإن لم يكن تمتع شهوة؛ لأنه قد يكون الإنسان مثلًا يتمتع بمخاطبة المرأة ما هو من ناحية الجنسية الغريزية، ولكنه يحب أن يستمر معها في الكلام، فهذا أيضًا لا يجوز، اللهم إلا إذا كانت من محارمه، وأراد أن يتحدث معها ليُؤْنِسها أو يستأنس بها، فهذا لا بأس به. * ويستفاد من الآية الكريمة أن الحجاب المذكور هنا ليس هو سَتر الوجه فقط، بل هو شيء فوق ذلك؛ لقوله: ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ولم يقل: متحجبات، وهذا يدل على أن هذا الحجاب منفصل، وليس من ثياب المرأة، بل هو شيء منفصل مثل أن تكون في خِدْرِها فيتحدث الناس إليها. * ومن فوائد الآية الكريمة: ثبوت تعليل الأحكام الشرعية من قوله: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ﴾، ومن قوله فيما سبق: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾. * ويستفاد منه: أنه يجب على المرء أن يسعى في كل ما فيه تطهير قلبه، وأن يبتعد عن كل ما فيه تدنيس قلبه؛ لأنه علَّل النهي أو علَّل الأمر بالحجاب بكونه أطهر للقلوب، ولا فرق في ذلك بين طهارة القلب من الأخلاق الرذيلة كالزنا واللواط، أو طهارته من الاعتقادات الفاسدة أو الإرادات السيئة، كل هذا يجب على المرء أن يُطَهِّر قلبه منه، وأن يبتعد عن كل ما يدنِّس قلبه من ذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الفتنة في مخاطبة النساء قد تكون من الرجل وحده، ومن المرأة وحدها، ومنهما جميعًا؛ لقوله: ﴿لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾؛ فقد يكون الرجل هو الذي يتلذَّذ بمخاطبة المرأة، والمرأة ما على بالها هذا الأمر ولا اهتمت به ولا فكرت في هذا الموضوع، لكن هو يتلذذ بهذه المخاطبة، فيكون الدَّنَس في قلب الرجل، وقد يكون الأمر بالعكس تتحدث المرأة إلى الرجل وهي تتلذَّذ بهذه المخاطبة، والرجل ما على باله هذا الأمر، فيكون هنا الدَّنَس في قلبها هي، وقد يكون من الطرفين فيكون الدنس في قلبيهما جميعًا. * ويستفاد من الآية الكريمة: التحريم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: يمكن، كيف؟ وذكرناها. * الطالب: (...). * الشيخ: هذه ثلاثة. * الطالب: (...). * الشيخ: من قلب الرجل وحده، أو المرأة وحدها، أو هما جميعًا. * الطالب: أو هما جميعًا. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: يعني: ما ممكن مثلًا ما يتلذَّذ الرجل ولا المرأة؟ * الشيخ: لا، يمكن، كيف؟ يعني الرابعة هذه ما أردناها، أردنا أن الدنس يكون من هذا. * يستفاد من الآية الكريمة: تحريم نكاح زوجات النبي ﷺ بعده؛ لقوله: ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾. * ويستفاد منها: أن التحريم فيهن مؤبد؛ لقوله: ﴿أَبَدًا﴾؛ وعلى هذا فالمحرمات إلى الأبد كم من صنف؟ محرمات بالنسب، وبالرضاع، وبالصهر، وبالملاعنة، وبالاحترام، خمسة أنواع، كذا؟ محرمات بالنسب، وبالرضاع وبالصهر وباللعان والاحترام خمسة. المحرمات بالنسب سبع ذُكِرْن في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ [النساء ٢٣]. وبالرضاع في قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾، وقولِ النبي ﷺ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٤٥)، ومسلم (١٤٤٧ / ١٢) من حديث عبد الله بن عباس.]]. وبالصهر في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء ٢٢]، وفي قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾. * طالب: حلائل أبنائكم الذين ليسوا من أصلابكم خرجت بهذه الآية؟ * الشيخ: خرج أيش؟ * الطالب: أبناؤكم غير الذين من أصلابكم؛ يعني من الرضاعة؟ * الشيخ: إي خرج به، خرج بالآية. المحرمات باللعان: هو أن الرجل إذا قذف امرأته بالزنا ولم تُقِرَّ به ولم يثبت ببينة، فإنه يلاعنها، فإذا تم اللعان حرُمت عليه على التأبيد. وأما المحرمات إلى الأبد بالاحترام فهن زوجات النبي ﷺ. * ويستفاد من الآية الكريمة: عِظَم إِثْم من تزَوَّج واحدة من زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام من بعده لقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾. * ويستفاد منها: أن الذنوب تتفاوت في العظم؛ لقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾، وهو كذلك؛ فإن في الذنوب كبائر وصغائر، والكبائر فيها ما هو أكبر وما هو دون ذلك، والصغائر كذلك تختلف، وكذلك الطاعات تختلف؛ منها ما هو من أصول الإسلام، ومنها ما هو دون ذلك. هل يستفاد من الآية الكريمة أنه لا ينبغي للضيف أن يسأل عن طعام المضيف إذا قدَّمه له ولَّا لا؟ هل يُفْهَم منه أنه لا ينبغي للضيف أن يَسْأَل مضيفه عن طعامه إذا قدَّمه له، فيقول مثلًا لو قدَّم له دجاجًا: هذا الدجاج مستورد ولَّا غير مستورد؟ * طالب: (...). * الشيخ: لقوله: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾، ولم يأمر الله تعالى بالسؤال عن الطعام وهو كذلك، فإنه ليس من المشروع ولا من الأدب أيضًا أن تسأل صاحبك الذي قدَّم لك الطعام تقول: والله منين هذا؟ وحلال ولَّا حرام؟ لأن هذا خلاف هدي النبي عليه الصلاة والسلام، «النبي عليه الصلاة والسلام قدَّمت له امرأة من اليهود شاة فأكل منها ولم يسأل»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦١٧)، ومسلم (٢١٩٠ / ٤٥) من حديث أنس بن مالك. ]]، «ودعاه يهودي إلى طعام فأكل منه ولم يسأل»[[أخرجه أحمد في المسند (١٣٢٠١) (١٣٨٦٠) من حديث أنس بن مالك. ]]، ثم إنك إذا سألت أخجلت صاحبك، رجل أكرمك بالضيافة تقول له: منين هذه؟! منين أنت شارٍ هذه؟! من المشروع ولَّا من المستورد؟! وإذا فتحنا هذا الباب أيضًا نقول: تعال، أصل الطعام هذا منين جاءك؟ يمكن أنه غاصبه؟! سارقه؟! وإذا انتفى هذا يمكن لهذا الرجل له كسب حرام ما ندري عنه نقول له: منين جاءك؟ والله أنا شريته من السوق، طيب هات الشهود أنك شاريه، مشكلة إذا فتحنا هذا الباب انفتحت علينا أبواب كثيرة؛ ولهذا كان من حكمة الشرع أن الإنسان لا يُشْرَع له السؤال أبدًا مهما كان، حتى لو كان اللي مقدمه لك يهوديًّا أو نصرانيًّا لا تسأله عن طعامه؛ لأن هذا من التعنُّت والتعمُّق، وفيه إشقاق على صاحبك وإشقاق على نفسك؛ لأنك إذا عودت نفسك ما تأكل إلا بعد البحث معناه كل شيء تأكله تكون شاكًّا فيه، والحمد لله على السلامة ما دام أن الرسول (...). يقول: السلام عليكم وأدخل. * طالب: (...) إحنا قلنا: إذا عرفنا (...). * الشيخ: نعم دخلنا، وإذا وصلنا سلَّمنا عليه أو نسلم عندما ندخل مع الباب. * طالب: الآية ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ خاصَّة بالرسول ولَّا عامَّة؟ * الشيخ: ذكرنا قبل أن تحضر بأنها عامة في المعنى؛ يعني: إنه حتى غير الرسول ﷺ إذا لم نعلم أنه يفرح بالبقاء فإنا نخرج وأن كل إنسان دعاك إلى طعام فانتشر إلا إذا قال: استرح نتحدث، فهذا الخيار له. * طالب: لا يُسْأَل عن لحم البعير؟ * الشيخ: أبدًا، ولا يُسْأَل عن لحم البعير، أولًا إن لحم البعير في الغالب إنه معروف إلا إذا كان حاشية صغيرًا، والإنسان هذا ما تمرَّن بأكل اللحم يمكن يشتبه عليه. * طالب: إذا كان (...). * الشيخ: لا يصح، إذا كان محتمٍ لا يأكل أصلًا، ويش اللي يحرجه؟ * طالب: (...). * الشيخ: هذه ربما نسأل لأجل دفع الضرر ما هو علشان التعمق، يعني: إذا كان قد قيل له: لا تأكل لحم الإبل وشك هذا هل هو لحم إبل أم لا؟ فهذا قد نقول: إن السؤال لا من أجل الحلِّ أو من أجل أنه هل يجب عليه الوضوء أم ما يجب، فهذه لدفع الضرر لا بأس به (...). تحريم أذية الرسول ﷺ وامتناعه أشد الامتناع من المؤمنين؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾، الإشارة إلى امتناع ذلك أي: امتناع الأذية لكونه رسول الله؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾، ولكونه رسولًا من عند الله امتنع غاية الامتناع من المؤمنين أن يؤذوه. * ومن فوائد الآية: تَشَوُّف الشرع إلى ما يكون سببًا لطهارة القلوب، ما أدري كتبتم هذه ولَّا لا؟ تَشَوُّف الشرع إلى ما يكون سببًا لطهارة القلوب؛ لقوله: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه إذا أوجب الله في ذلك العصر ما يكون سببًا لكمال طهارة القلوب ففي عصرنا من باب أولى، فكل ما يكون سببًا لطهارة القلوب وبُعْدِها عن دناءة الأخلاق فإنه يكون واجبًا، ما أدري كُتِبَت هذه ولا لا؟ ما كُتِبَت؟ وأظن أننا كتبنا أن الشرع أحكامه معللة، كَتَبْناها؟ وكتبنا بيان فوائد ذكر العلة أو ذكر ربط العلة بالحكم، ما كتبناها؟ يتفرع على الفائدة، شوف بعد كم رقمها عندكم؟ * طالب: (...). * الشيخ: ثلاثة وثلاثين، الأحكام مربوطة بعللها وأحكامها؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، أنتم كتبتم أن الأحكام مربوطة بعللها وحكمها، في أي فائدة؟ كم رقمها؟ * طالب: (...). * الشيخ: سبعة عشر. * طالب: (...) تعليل الأحكام الشرعية (...). * الشيخ: كم رقمها؟ * الطالب: سبعة عشر. * طالب آخر: (...). * الشيخ: عندك واحد عشرين إي، وتعليقًا على ما سبق من قَرْنِ الأحكام بحكمها نقول: إن من فوائد ذلك طمأنينة الإنسان إلى الحكم، وبيان سمو الشريعة وأن أحكامها ليست لغوًا ولا باطلًا، والثالث إلحاق ما وافق الحكم في علته بحكمه، يعني أن يلحق بهذا الحكم ما وافقه في تلك العلة، هذه ثلاثة فوائد أو لا؟ وهي؟ * طالب: سمو الشريعة، طمأنينة الإنسان، إلحاق الحكم ما وافقه في العلة. ذكرنا من فوائد الآية: إثبات للحياء لله؟ * طالب: (...). * الشيخ: ذكرناه، ذكرنا أنه ينبغي مغادرة المكان بمجرد انتهاء الطعام؟ * طالب: (...). * الشيخ: ذكرناه، ذكرنا تفاوت الذنوب في عظمها عند الله؟ * طالب: نعم. * الشيخ: إذن نأخذ الآية الأخيرة ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا﴾ [الأحزاب ٥٤]. * طالب: (...). * الشيخ: لا نقول: مشروعية؛ لأن العلماء مختلفون في هذا في غير وليمة العرس مختلفون فيها. * طالب: (...). * الشيخ: ما هو على كل حال، حتى حق المسلم على المسلم منها إجابة الدعوة[[متفق عليه؛ البخاري (١٢٣٩)، ومسلم (٢٠٦٦ / ٣) من حديث البراء بن عازب. ]] أبين وأوضح. لكن إحنا ذكرنا أن الفرق بين (ولكن إذا دُعِيتم فأجيبوا) وبين قوله: ﴿إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾. قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾. * يستفاد من الآية الكريمة: عموم علم الله تعالى بكل شيء؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾. * ويستفاد منها: تحذير المكلَّف من مخالفة الله عز وجل بقليل أو كثير؛ لأن الفائدة من ذكر علمه هو التحذير من المخالفة. * ومن فوائدها: الرد على القدرية على الغلاة، على غلاة القدرية المنكرين لعلم الله سبحانه وتعالى بأفعال العبد؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ إذ إنه يشمل ما سيفعله الإنسان وما قد فعله. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن ما يفعله العبد من خير أو شرٍّ فإنه محاسَب عليه؛ إما له وإما عليه؛ لعموم كلمة ﴿شَيْءٍ﴾، وفي آية أخرى ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [النساء ١٤٩]، لكن هذه الآية أعم.

الأحزاب 33:55

ثم إن الله يقول عز وجل: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾ [الأحزاب ٥٥] الضمير في قوله: ﴿عَلَيْهِنَّ﴾ يعود على زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام اللاتي قال الله في حقهن: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب ٥٣]، فكأن هذه الآية استثناء لما سبق، أو استثناء مما سبق ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾؛ حيث إن الآية ﴿سَأَلْتُمُوهُنَّ﴾ تشمل المحارم وغيرهم فاستثنى المحارم فقال: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾ (الجناح) بمعنى الإثم؛ أي: لا جناح عليهن أن يبرزن لآبائهن وأن يسألهن آباؤهن بدون حجاب، وهذا كقوله تعالى في سورة النور: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ﴾ [النور ٣١] إلى آخره. قال: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾ و(آباء) يشمل الآباء من جهة الأم والآباء من جهة الأب، فالجد من جهة الأم في باب النكاح كالجد من جهة الأب، ولقد كان الناس يسألون كثيرًا عن أب الأم هل هو محرم لزوجة ابن ابنته أم لَا؟ والجواب (...) الناس يسألون كثيرًا عن أب الأم هل يكون محرمًا لزوج ابن ابنته؟ الجواب يكون محرمًا؛ لأن باب النكاح لا يُفَرَّق فيه بين الأبوة من جهة الأم والأبوة من جهة الأب فليس كالإرث، أبو الأم لا يرث بخلاف أب الأب، لكنَّ أبا الأم في باب النكاح كأب الأب، فقوله إذن: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾ يشمل الأجداد من جهة الأب ومن جهة الأم. ﴿وَلَا أَبْنَائِهِنَّ﴾ يعني: أبناؤهن للصلب وأبناؤهن للبطن؛ أي: أبناء الأبناء وأبناء البنات وإن نزلوا، وفي هذا الحال يكنَّ جدات لهؤلاء الأبناء، قال: ﴿وَلَا إِخْوَانِهِنَّ﴾ يعني: ولا جناح عليهن في إخوانهن سواء كانوا أشقاء أَمْ لِأَبٍ أَمْ لِأُمٍّ. ﴿وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ﴾ يعني: وإن نزلوا ﴿وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ﴾ يعني: وإن نزلوا سواء كانوا أشقاء أَمْ لَأَبٍ أَمْ لِأُمٍّ، ولم يذكر ولا أبناء أعمامهن ليش؟ لأنهم ليسوا محارم أبناء الأعمام وأبناء العمات وأبناء الأخوال وأبناء الخالات ليسوا محارم، لكن لم يذكر العم والخال مع أن العم والخال مَحْرَم ولم يذكرا في هذه الآية ولا في آية النور أيضًا: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور ٣١]، ولم يُذْكَر العمُّ ولا الخال، وهنا كذلك ما ذكر العم ولا الخال، مع أن العم والخال محارم، أبدى بعض العلماء مناسبة في هذا وقالوا: إنه لم يُذْكَر لا لأنه يحرم إبداء الزينة لهما، ولكن لبيان التحرُّز منهما لئلا يصف المرأة لأبنائهن؛ لأن العم والخال أبناؤهما يجوز أن يتزوجوا بهن فلما كان يُخْشَى أن العم والخال يصف المرأة لابنه لم يذكر؛ للتحرز لا للمخالفة في الحكم، وهذا التعليل له بعض الوجه، والله أعلم بما أراد. * طالب: الأخ كذلك؟ * الشيخ: لا، الأخ ما يمكن؛ لأن ابن الأخ ما يحل لعمته، ابن الأخ ما يتزوج عمته. ما فيها إلا الخال والعم فقط، وعلى كل حال إن كان هذا هو الحكمة من عدم الذكر فله وجه، وإن لم يكن الحكمة فالله أعلم، ما وصلنا إلى الحكمة في ذلك. * طالب: (...). * الشيخ: من؟ * الطالب: العم والخال. * الشيخ: إي نعم، إذا قام مقام الأبوين فهذا يقتضي ذكرهما، ولا شك أن قوة المحرمية في العم والخال أضعف من قوتها في من عداهم، وإن كان ابن الأخ وابن الأخت بالنسبة لعمته وخالته الصلة بينهما متقاربة مع العم والخال، لكن ابن الأخ والأخت فروعهما محارم ولَّا لا؟ فروعهما محارم، فالعلة التي قيلت في العم والخال منتفية فيهما. الآن يقول: لا جناح عليهم في هؤلاء، وفيما عدا هؤلاء عليهن جناح فيه؟ نعم، يعني: ما عدا هؤلاء من الأقارب فإن عليهن جناح في عدم التحجب منهم. * طالب: ﴿وَلَا أَبْنَائِهِنَّ﴾ مع أن أزواج الرسول ليس لهن أبناء. * الشيخ: ما لهم أبناء، كيف، لهن أبناء من غير الرسول ﷺ؟ * طالب: الأخ من الرضاعة؟ * الشيخ: هنا سؤال الأخ يقول: الأخ من الرضاع وابن الأخ من الرضاع وما أشبه ذلك ما ذُكِرَ في هذه الآية. نقول: صحيح ما ذكر، لكنه ذُكِرَ في قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٤٥)، ومسلم (١٤٤٧ / ١٢) من حديث عبد الله بن عباس.]] ﴿وَلَا نِسَائِهِنَّ﴾ قال المؤلف: (أي المؤمنات) يعني: ولا جناح عليهن في نسائهن أي المؤمنات؛ لأن النساء أُضِيفَت إلى ضمير المؤمنات فيكون المضاف من جنس المضاف إليه؛ أي ولا النساء المؤمنات، فللمرأة أن تكشف وجهها للمرأة المؤمنة، ومفهومه أن الكافرة لا يحل لها أن تكشف وجهها لها، وأن المرأة الكافرة بالنسبة للمرأة المؤمنة كالرجل مع المرأة، وهذا أحد القولين في هذه المسألة على أن الإضافة هنا من باب إضافة الموصوف إلى صفته بمعنى أنها إضافة صفة؛ أي: ولا النساء اللاتي شاركهن في الإيمان، وعلَّلوا ذلك أيضًا بأن المرأة الكافرة لا يؤمن مِنْ أَنْ تُفشي ما تراه من المرأة المؤمنة؛ لأنها ليس عندها إيمان يردعها؛ وبناء على هذا القول فإنه يجب على أولئك الجماعة الذين عندهم من الخدم الكافرات يجب على نسائهم أن يحتجبوا عن هؤلاء الخادمات؛ لأنهن كافرات. ونحن نقول هذا مع بالغ الأسف أن يكون لدى المؤمنين خدم من غير المسلمين؛ لأن معنى ذلك أن الرجل أو المرأة يتصبح ويتمسى وفي كل وقت ينظر بملئ عينيه إلى من هو عدو لله ورسوله وعدو له أيضًا كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة ١] ﴿عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ﴾ ما هو عدو لله فقط، عدو لله ولرسوله وللمؤمنين؛ ولهذا الذي هو في بيته، ومع ذلك نسأل الله السلامة والعافية، تجد هؤلاء يحتضنون مثل هؤلاء الكفار، ومع ذلك يحتضنونهم غير مبالين بهم، وغير مبالين بكونهم مخالفين لهم في الدين والعقيدة والعمل، بل إن بعضهم يحتضنهم فرحًا بهم؛ لأن الشيطان زَيَّن له أنهم أنصح في العمل وأتقن وأجلد وأصبر، وهذا من البلية والمحنة التي امتحن بها الناس في هذا الزمن ولا سيما في هذه الجزيرة العربية مع قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٣٠٥٣)، ومسلم (١٦٣٧ / ٢٠) من حديث عبد الله بن عباس.]] و«أَخْرِجُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ»[[أخرجه مسلم (١٧٦٧ / ٦٣) من حديث عمر بن الخطاب.]]، وهؤلاء بدل أن يخرجوهم يحتضنونهم، ثم إنه لو لم يكن من مضرة هؤلاء الخدم الكافرات إلا أن هؤلاء الذين يقولون: إنهم مسلمون -وهم كما قالوا- تذهب عنهم الغيرة من نفوسهم وكراهة الكفار حتى يكون هؤلاء كغيرهم كأنهم مسلمون؛ لأنهم يألفونهم ويرونهم ويشاهدونهم، وكما قيل: (إذا كثُر الإِمْساس قَلَّ الإحساس)، وهذه المسألة خطيرة جدًّا نسأل الله تعالى أن يسلط ولاة الأمور على منعها من هذه البلاد؛ لأنه أولًا: قد يكون لا داعيَ إلى وجود الخادم في البيت. ثانيًا: إذا دعت الحاجة فلتكن مسلمة، لتكن من إندونيسيا من باكستان، من هذه الدول المسلمة الفقيرة التي ينتفع المسلمون بما يدفع لهذا الخادم من الأجرة، أما أن يجعل الكفار يؤخذ من أجورهم ما تُعَمَّر به الكنائس وما يَقْوَى به دعوة التنصير فإن هذا -لا شك- عند التأمل فيه يجد هؤلاء القوم الذين استخدموا هؤلاء الكافرات والكافرين يجدون أنهم مخطؤون خطأ عظيمًا فادحًا إن كان لهم قلوب، فأما إن كان قلوبهم قد عَمِيَت ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦] يمكن أن قلوبهم قد مرضت وصدأت من المعاصي وعدم المبالاة وعدم الغيرة فلا يَحُسُّون بهذا الأمر الخطير، ولكن بلغني أن رجلًا كان من أهل الخير واغتر ببعض هؤلاء الخدم كان يجلس مع أولاده ويعلمهم مبادئ الإسلام فقال لواحد من الصغار: من ربك؟ قال: ربي عيسى ابن مريم، من أين جاء هذا الطفل وهو يعايش المسلمين أن ربه عيسى بن مريم إلا من هذه الخادمة؟ هذه الخادمة قد تكون مغرورة ومخدوعة في بني قومها ولا تعرف إلا هذا، لكن هذا الطفل الذي عاش وهو من المسلمين كيف ما يعرف إلا هذا، فهذا من الخطر العظيم بالنسبة لهؤلاء الخدم من الكفار والكافرات، نسأل الله السلامة. المهم إن كثيرًا من أهل العلم يقولون: إن معنى قوله: ﴿وَلَا نِسَائِهِنَّ﴾ يعني أيش؟ المؤمنات، أي: ولا النساء المشاركات لهن في الإيمان؛ لأن المضاف من جنس المضاف إليه، وقال بعض العلماء: المراد بنسائهن ما كان من جنسهن؛ أي: النساء اللاتي يُشارِكْنَهُنَّ في النسوة أو في الأنوثة، فهو من باب إضافة الجنس إلى جنسه، وهذا القول هو مذهب الإمام أحمد رحمه الله، المشهور من مذهبه، وهو أقرب إلى الصواب؟ لأن تعلق المرأة بالمرأة لا يختلف باختلاف الدين وليس كتعلق الرجل بالمرأة، فالصواب أن المراد بـ(نسائهن) أي: النساء اللاتي من جنسهن في الأنوثة. * طالب: قول المؤلف (...)؟ * الشيخ: علقنا عليها في الشرح. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، علقنا عليها، كيف؟ * طالب: (...). * الشيخ: علقنا عليها. * طالب: لماذا (...) في المستثنى منه (...). * الشيخ: لأن قوله: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ يتعلق بشيئين: سائل ومسؤول؛ ففي الأول علَّق الخطاب بالسائل، وفي الثاني علقه بالمسؤول من باب التفنن؛ ولأجل أن يشمل هذا ما إذا كانت المسألة في سؤال المتاع وفي غيره. يقول: ﴿وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ يعني: ولا جناح عليهن فيما ملكت أيمانهن من الإماء والعبيد، قوله: ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ أي: ملكته ملكًا تامًّا، لا ملكًا مشتركًا، فلو كان عبد بين امرأتين فإنه لا يحلُّ لواحدة منهما أن تكشف وجهها له وذلك لأنه ليس ملكًا لإحداهما، بل هو ملك لهما جميعًا، والآية: ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾. وقوله: ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ أضاف الملك إلى اليمين؛ لأن الأخذ والإعطاء يكون باليمين غالبًا. وقوله: (من الإماء والعبيد) أما قوله: (من العبيد) فظاهر، وأما قوله: (من الإماء) فبناء على أن قوله: ﴿نِسَائِهِنَّ﴾ أي: المؤمنات، فإذا كان للمرأة أمة كافرة فلا يلزمها أن تحتجب عنها؛ لأنها مما ملكت يمينها، وكل هؤلاء المستَثْنَوْنَ كلُّهم محارم إلا ما ملكت أيمانهن فليسوا بمحارم؛ لماذا؟ لأن التحريم فيهم إلى أمد، والمحرمية إنما تثبت فيما إذا كان التحريم مؤبَّدًا؛ ولهذا أخت الزوجة حرام وليست بِمَحْرَم، المملوك حرام على مملوكته ولا يلزمها أن تحتجب عنه لكنه ليس بمحرم لها، بدليل أنه إذا خرج عن ملكها لزمها أن تحتجب. ﴿وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ يعني: (من الإِماءِ والْعبِيدِ أن يَرَوْهُنَّ ويكلموهن من غير حجاب). ثم قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾ (فيما أُمِرْتُنَّ به)، ﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾ (الواو) حرف عطف، و﴿اتَّقِينَ﴾ فعل أمر، لكن حَدُّ الفعل الياءُ، والنونُ فاعلٌ، وهنا في الجملة التفات من الغيبة إلى الحضور أو إلى الخِطاب أخص، نقول: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ﴾ هذا ضمير غائب، ﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾ ضمير مخاطب، وقد ذكرنا أن من فوائد الالتفات أيش؟ تنبيه المخاطب؛ لأن الكلام إذا كان على نسق واحد فقد لا يكون من الإنسان انتباه، فإذا اختلف النسق حصل التنبه، ثم إن في الالتفات هنا فائدة أخرى وهي مواجهتهن بالأمر بتقوى الله عز وجل، وهذا الخطاب موجه لأطهر النساء على الإطلاق وهن زوجات النبي ﷺ. ﴿اتَّقِينَ اللَّهَ﴾ أن تَرَيْنَ أحدًا سوى هؤلاء أو أن يراكُنَّ أحد سوى هؤلاء، فإذا كان هذا الخطاب موجهًا إلى زوجات الرسول ﷺ وهن أطهر النساء وأكرمهن عفة فما بالك بمن دونهن فإنه يُوَجَّه إليهن من الأمر بالتقوى أكثر مما يوجه إلى نساء النبي ﷺ. (﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ لا يخفى عليه شيء)، وهنا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾؛ لأن الحجابَ وعَدَمَه مما يُرَى، فناسب أن يختم الآية بذكر شهادة الله عز وجل على كل شيء تحذيرًا من أيش؟ مخالفته بعدم الاحتجاب ممن يجب الاحتجاب عنه. (...)* الفائدة الأولى: أنه لا يجب الاحتجاب عمَّن ذُكِر في هذه الآية؛ لقوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾ إلى آخره. * الفائدة الثانية: أن نساء النبي عليه الصلاة والسلام مُكَلَّفات؛ يعني: يلحقهن التكليف كغيرهن من النساء؛ لقوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾. * الثالثة من فوائد الآية: أن المحرمات في النكاح محارم؛ لأن هؤلاء المذكورات أو هؤلاء المذكورين محرمون في النكاح فهم محارم، وهذه قاعدة كُلُّ مَنْ يُحَرَّم في النكاح تحريمًا مؤبَّدًا فهن محارم، أما مَنْ يُحَرَّم تحريمًا إلى أمد فليسوا بمحارم، وعلى هذا فقوله: ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ ليسوا بمحارم؛ لأن التحريم إلى أمد. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يجب على المرأة أن تحتجب عن المرأة؛ لقوله: ﴿وَلَا نِسَائِهِنَّ﴾، وهل يشترط أن تكون مؤمنة؟ فيه قولان لأهل العلم، والراجح أنه لا يُشْتَرط، وأنه ليس العلة الكفر، وإنما العلة الجنس، فما دامت من جنسها فإنها لا تتعلق بها كما يتعلق الرجال بالنساء. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب تقوى الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾، والعناية بها حيث انتقل فيها من أسلوب إلى آخر للتنبه لها. * ومن فوائدها: أن الأمر المُوَجَّه للإنسان بالتقوى لا يعني أنه غير متَّقٍ أو لا؟ قد يراد به الأمر بالاستمرار على التقوى، ويدل لذلك أيضًا قوله في أول السورة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب ١] مع أن بعض الناس لو تقول له: يا أخي، اتق الله، لاشتاط غضبًا وقال: أنا ما أنا متقٍّ، فيقال له: إن الله أمر نبيه وهو أتقى منك بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾، وهذه ﴿اتَّقِينَ اللَّهَ﴾ أَمْرٌ لمن؟ لنساء النبي ﷺ. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحذير الإنسان من المخالفة؛ من مخالفة تقوى الله؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ فإن خالفتن ولم تتقين الله، فالله تعالى شهيد عليكن. * ومن فوائدها: إثبات اسم الشهيد لله ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾، والشهيد معناه هو الحاضر الذي لا يغيب، المُطَّلِع الذي لا يخفى عليه شيء، فهو سبحانه وتعالى حاضر لا يغيب، لكن ليس حاضرًا معناه أنه في الأرض بل هو في السماء، على عرشه، وهو مطلع لا يخفى عليه شيء. * ومن فوائد الآية الكريمة: عناية الله سبحانه وتعالى برسوله محمد ﷺ وذلك بتوجيه هذه الإرشادات إلى نسائه. * طالب: (...) مؤبدًا (...). * الشيخ: من محارمه. * طالب: (...) غير نساء النبي ﷺ؟ * الشيخ: إي نعم، غير نساء النبي ﷺ؛ لأنه تحريمهنَّ ليس لنسب ولا لرضاع ولا لمصاهرة. * طالب: المقتول في المعركة (...) يطلق عليه شهيد (...) أيش الوجه؟ * الشيخ: الشهيد شهيد المعركة؛ لأنَّ عرضَه نفسَه للقتل دليل على شهادته الفعلية بصحة ما هو عليه، إي نعم، أو أن الشهيد الذي تشهده ملائكة الله عز وجل المقربون أو ما أشبه ذلك، والمعنى الأول أوضح. * طالب: الآية هذه في نساء النبي، والحجاب الخاص (...). * الشيخ: لا، الحجاب الخاص ما يعم، إنما الحجاب العام اللي هو تغطية الوجه سيأتي في آية أخرى. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، الحجاب العامُّ الذي هو تغطية الوجه لا يُسْتَدَلُّ به من هذه الآية؟ * طالب: نأخذ منها وجوب الحجاب، لكن حجاب آخر. * الشيخ: إي نعم، بالنسبة لزوجات الرسول ﷺ. * طالب: (...)؟ * الشيخ: ما نستدل بها، يستدل بوجوب ستر الوجه بالآية التي ستأتي إن شاء الله قريبًا. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي لأنه كل من وجب الاحتجاب عنه احتجابًا خاصًّا بالنسبة لزوجات الرسول فهو يجب الاحتجاب عنه بالمعنى العام كما سيأتي. * طالب: بالقياس؟ * الشيخ: إي بالقياس؛ لأن المحارم أصلًا ما يجب الاحتجاب عنهم لا الحجاب الخاص ولا العام. * طالب: (...)؟ * الشيخ: محارم، نعم، إلا زوجات الرسول ﷺ. * طالب: (...). الشيخ: وإلَّا أيضًا المحرمة باللعان؛ لأن السبب غير مباح. * طالب: (...). * الشيخ: يخرج عن القاعدة، إي نعم.

الأحزاب 33:56

ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب ٥٦]، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ﴾ هذا خبر مؤكد بـ(إن)، وعطف الملائكة على الله عز وجل بالواو؛ لأنهم مشاركون لله سبحانه وتعالى بهذا الفعل؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ﴾. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ﴾ الملائكة تَقَدَّم أنهم جمع مَلَك وأن أصل مَلَك مَأْلَك من الأَلُوكة وهي الرسالة، ولكنه حصل فيها إعلال بالتقديم والتأخير فصار بدل مَأْلك صارت ملأك ثم حذفت الهمزة للتخفيف لكثرة الاستعمال فصارت ملك، أما الجمع فإنها رُدَّت الهمزة وقيل فيها: ملائكة. * طالب: (...). * الشيخ: هذا تعليل صرفي ما يدخل في درس الفقه، يعني قالوا: من أين اشتق الملك؟ من الأَلوكة، الألوكة في اللغة بمعنى الرسالة، والملائكة رسل، فأصلها إذن مألك، يعني: من الألوكة، ثم أُعِلَّ بالتقديم والتأخير فصارت ملأك، ثم حُذِفَت الهمزة للتخفيف لكثرة الاستعمال، ونُقِلَت حركتها إلى اللام فصارت ملك، أما الجمع فملائكة، فالملائكة هم الذين جعلهم الله تعالى رسلًا وهم عالم غيبيٌّ مخلوقون من نور ممتثلون لأمر الله عز وجل قائمون بعبادته آناء الليل والنهار كما ذكر الله عنهم ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ٢٠]، وهم مع ذلك ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم ٦]؛ لقوة امتثالهم لأمر الله. ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ لقوتهم على التنفيذ، فيكون ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ هذا باعتبار الإرادات، ما عندهم إرادة تخالف أمر الله. ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ باعتبار التنفيذ والعمل، وهم -أي: الملائكة- أصناف في أشكالهم وفي أعمالهم وفي صفاتهم، ما نعلم من هذا إلا ما أعلمنا الله تعالى به ورسوله، والباقي مجهول لنا فنؤمن بما عَلِمْنا من أسمائهم وأشكالهم وأوصافهم وأعمالهم، وما لم نَعْلَمْه نؤمن به على سبيل أيش؟ على سبيل الإجمال؛ نقول: آمنا بالله وملائكته. ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ﴾ الخبر ﴿يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ ﴿النَّبِيِّ﴾ من؟ محمد ﷺ؛ ولهذا قال: (محمد ﷺ)، وما معنى ﴿يُصَلُّونَ﴾؟ اشتهر عند كثير من أهل العلم أن الصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، وعلى هذا فيفسر ﴿يُصَلُّونَ﴾ باعتباره إلى الله بمعنى الرحمة، وإلى الملائكة الاستغفار، لكن هذا التفسير خطأ؛ فإن الرحمة أعم من الصلاة؛ لأن الرحمة يدعى بها لكل أحد، والصلاة خاصة بالأنبياء فهي شعارهم، ولا تقال لأحد سواهم إلا على سبيل لا يكون شعارًا، وأما الرحمة فهي عامة حتى إن بعض أهل العلم يقول: لا يجوز أن تدعو للرسول بالرحمة؛ ما تقول: محمد رحمه الله، قال رسول الله رحمه الله. لكن هذا القول ضعيف؛ لأن النبي ﷺ نفسه كان يدعو لنفسه بالرحمة يقول: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي»[[أخرجه أبو داود (٨٥٠)، والترمذي (٢٨٤)، وابن ماجه (٨٩٨) من حديث عبد الله بن عباس.]]، وفي قصة الأعرابي قال: «اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا»[[أخرجه البخاري (٦٠١٠) من حديث أبي هريرة.]] ولم ينكر عليه النبي عليه الصلاة والسلام، لكنها عند السلف يُدْعَى للرسول ﷺ بماذا؟ بالصلاة، ولغيره بالرحمة والرضا، وما أشبه ذلك. والصواب أن صلاة الله على رسوله معناها ثناؤه عليه في الملأ الأعلى وليست رحمته إياه بدليل قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة ١٥٧]، قال: ﴿صَلَوَاتٌ﴾ ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ فدلَّ هذا على أن الرحمة غير الصلاة، وهو كذلك، أما صلاة الملائكة على الرسول عليه الصلاة والسلام فيحتمل أن تكون بمعنى الدعاء أنهم يدعون له بالصلاة، ويحتمل أن المعنى أنهم يُثْنُون عليه مع الله، وهذا أقرب؛ حتى لا يَتَوَّزَع المعنى في كلمة: ﴿يُصَلُّونَ﴾، ويكون المعنى أن الله يُثْنِي عليه والملائكة كذلك يثنون عليه، وهذا من تعلية شأن الرسول ﷺ؛ ولهذا قدَّم هذه الجملة الخبرية على الجملة الإنشائية الطلبية في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب ٥٦]؛ لأن النفس إذا عَلِمَت شرف هذا النبي وأن الله سبحانه وتعالى نفسه وملائكته المقربين وغير المقربين من الملائكة الآخرين، فإنهم يصلون عليه، وأنا قلت: الملائكة المقربين لأن الملائكة كلهم مقربون بالمعنى العام، لكن هناك ملائكة مقربون عند الله كحملة العرش ونحوهم، وكل هؤلاء يصلون على النبي ﷺ. وفي إضافة الملائكة إلى الله ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ﴾.. النبي ﷺ. ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب ٥٦] ولما تقرر في النفوس عُلو شأن الرسول ﷺ بهذه الجملة وَجَّه الله الخطاب إلى المؤمنين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. وتصدير الجملة بالنداء يدل على الأهمية والعناية بها؛ لأن النداء يستلزم انتباه المنادى، ولا داعي لتنبيه المخاطَب إلا لأمر هام. ثم النداء بهذا الوصف ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فيه إغراء للامتثال -لامتثال الخطاب الموجه- ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إذا قال الله: يا أيها الذين آمنوا فأرْعِها سمْعَك -يعني استمع لها- فإما خير تؤمر به، وإما شر تُنهى عنه»[[أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٥٠).]]. وفي وصف الإيمان مع كونه إغراءً دليل على أن امتثال هذا الأمر من مقتضيات الإيمان، وأن معصيته نقص في الإيمان. قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب ٥٦] نبغي ندمج الحديث بالتفسير؛ لأني ما جبت القواعد. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ يعني ادعوا له بالصلاة فليس المراد بالصلاة إذا قلت: صلِّ على فلان، ليس معناها الدعاء المطلق بل الدعاء بالصلاة؛ ولهذا لما أمر الله نبيه أن يُصلِّي على من أعطاه الصدقة صار يقول: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٩٧)، ومسلم (١٠٧٨ / ١٧٦) من حديث عبد الله بن أبي أوفى بمعناه.]]. فالصلاة في اللغة: الدعاء صحيح، لكن إذا أمرتك أن تصلي على شخص فالمعنى أن تدعو له بماذا؟ بصلاة الله عليه، فمعنى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ أمر بالصلاة على رسول الله ﷺ، وهو أمر مطلق غير مقيد، فإذن تكون الصلاة على الرسول عليه الصلاة والسلام مطلقة غير مقيدة نصلي عليه بأي صيغة صلَّينا ونصلي عليه في كل وقت وفي كل مكان، لكن هناك أمكنة تتأكد فيها الصلاة، وأمكنة لا تنبغي فيها الصلاة، وأمكنة تُستحب فيها الصلاة مطلقًا يعني ما هو بتأكد. فمما تتأكد الصلاة على النبي ﷺ فيه إذا ذُكِر اسمه فإن الصلاة واجبة عليه؛ لقوله ﷺ في حديث أبي هريرة قال: «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: رَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ»[[أخرجه مسلم (٢٥٥١ / ٩)، والترمذي (٣٥٤٥)، واللفظ له.]]. وهذا دعاء له بأن يُرغم الله أنفَه في التراب، وإرغام الأنف في التراب دليل على الذل والإهانة، وهذا يدل على وجوب الصلاة على النبي ﷺ إذا ذُكِر اسمه. ثانيًا: الصلاة عليه في التشهد الأخير ركن لا تصح الصلاة إلا به على مذهب الحنابلة والشافعية، ولا فرق بين الفريضة والنافلة. * ومنها: أنه يستحب في الصلاة على النبي ﷺ في الدعاء مُقدَّمة عليه أو مُؤخَّرة عنه. * ومنها: عند الأذان: «فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ»[[أخرجه مسلم (٣٨٤ / ١١) من حديث عبد الله بن عمرو.]]. ومواضع متعددة، لكن منها ما هو على سبيل الوجوب، ومنها ما هو على سبيل الاستحباب. أما كراهة الصلاة على النبي ﷺ فذكروا أنها تُكره الصلاة عليه عند الذبح، إذا قلت: باسم الله والله أكبر ما تقول: اللهم صَلِّ على محمد، قالوا: لأن المقام مقام إخلاص وتوحيد، فلا ينبغي أن يُذكر مع اسم الله غيره، فتقول: باسم الله والله أكبر، ولا تصلي على النبي ﷺ. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ قلت لكم: إنه مُطلق بأي صفة كانت، فما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام حين سأله الصحابة: كيف نصلي عليك؟ قال: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٦٩)، ومسلم (٤٠٧ / ٦٩) من حديث أبي حميد الساعدي.]]. هذا على سبيل الاستحباب، وليس على سبيل الوجوب؛ ولهذا أجمع العلماء على أن الصلاة على آل الرسول ﷺ لا تجب، مع أن الصيغة التي علمها النبي ﷺ أمته فيها الصلاة على آله مع أنها ليست بواجبة مما يدل على أنها على سبيل الاستحباب. وربما يستدل لذلك أيضًا بأن الصيغ التي أمر بها الرسول عليه الصلاة والسلام في كيفية الصلاة عليه مختلفة، ما هي كلها على صيغة واحدة، وهذا يدل على أن أي صيغة أتيت بها فهي مجزئة. وقوله: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب ٥٦] أي: قولوا: السلام عليك؛ يعني ادعوا له بالسلام فقولوا: السلام عليك أيها النبي. والسلام على النبي عليه الصلاة والسلام مع كونه غائبًا أمر مشروع؛ ولهذا نقول في صلاتنا: السلام عليك أيها النبي، مع أنه غائب، والصحابة يقولون: السلام عليك أيها النبي مع أنه غائب، ولا يسمعهم حتى لو كانوا معه في الصلاة فهو لا يسمعهم، لكن لأن هناك ملائكة سياحين يبلغون النبي ﷺ السلام من أمته؛ ولأنه لما كان الإنسان قوي الإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام صار كأنه حاضر عنده يخاطبه. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا﴾ ﴿وَسَلِّمُوا﴾ الآية فيها تقديم الصلاة على السلام مع أنه في التشهُّد يُقدَّم السلام على الصلاة، فهل بين الآية وما ثبت به الحديث في التشهد؟ هل بينهما تناقض؟ الجواب: لا؛ لأن العطف بالواو لا يستلزم وجوب التقديم، وإن كان قد يقتضيه لكنه لا يستلزمه؛ لأن الواو كما قال أهل اللغة تدل على مُطلق الاشتراك بدون ترتيب، ولهذا إذا قلت: ما شاء الله وشِئت. مع أنك قدمت مشيئة الله صار هذا نوعًا من الشِّرْك؛ لأن الواو تقتضي التسوية، وليست تستلزم الترتيب. إذا قال قائل: لماذا أكد التسليم بالمصدر؟ قال: ﴿سَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ولم يؤكد الصلاة؟ فالجواب: أن الصلاة تَقدَّم ما يؤكدها، وهو إخبار الله تعالى بأنه يُصلِّي عليه وملائكته، وهذا يُعطي الإنسان قوة في الصلاة عليه متى عَلِم بأن الرسول ﷺ يُصلِّي الله وملائكته عليه؛ فلهذا جاء التوكيد في التسليم دون الصلاة؛ لأن الصلاة أُكِّدت تأكيدًا معنويًّا بذِكْر أن الله وملائكته يصلون على النبي، وأما التسليم فأُكِّد تأكيدًا لفظيًّا؛ لأن قوله: ﴿تَسْلِيمًا﴾ مصدر مؤكد لقوله: ﴿سَلِّمُوا﴾. قال المؤلف: (﴿﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ ﴾ محمد ﷺ)، ولم يفسر ﴿يُصَلُّونَ﴾ رحمه الله، وهذا نقص في التفسير. ثم قال: (﴿﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ﴾ أي: قولوا: اللهم صَلِّ على محمد وسَلِّم) ولم يفسر التسليم. فما معنى التسليم؟ قال بعض العلماء: إنك إذا قلت: السلام عليك، فالسلام من أسماء الله؛ يعني الله عليك. وما معنى الله عليك؟ أي: الله حفيظ عليك، يراقبك، ويحفظك. وقال بعض العلماء: السلام عليك أي: التسليم عليك؛ فهي جملة خبرية بمعنى الدعاء، والسلام اسم مصدر (سَلَّمَ) مثل الكلام اسم مصدر (كَلَّمَ)، فمعنى السلام عليك يعني تسليم الله عليك؛ أي: تسليمك من الآفات. وهذا المعنى أصح، هذا المعنى هو الصحيح؛ أنك إذا قلت لإنسان: السلام عليك؛ أنك تسأل الله تعالى أن يُسلِّمه من الآفات؛ الآفات الحسية والمعنوية أو أحدهما؟ السلامة الحسية والمعنوية؛ فالسلامة الحسية: سلامة البدن والعِرْض والمال، والسلامة المعنوية: سلامة الدين من الآفات؛ لأن الإنسان محوط بآفتين؛ آفة في الدين، وآفة في الدنيا، والسلامة منهما جميعًا من أكبر نِعَم الله على العبد. * طالب: (...)؟ * الشيخ: المعنى لازم يستحضر، لا بد أن يستحضر وإلا كان لغوًا من القول. * طالب: (...)؟ * الشيخ: أكثر الناس عندما يُسلِّم يستحضر أنها تحية فقط، وهذا ما ينبغي، بل الذي ينبغي أن تستحضر بأنها دعاء له بالسلامة من الآفات؛ لأنك إذا كنت لا تستحضر إلا أنها تحية صار لا فرْق بينها وبين قولك: أهلًا وسهلًا، بل ربما تكون التحية بـ(أهلًا وسهلًا، مرحبًا يا أبا فلان، حياك الله وبيَّاك)، وما أشبه ذلك من الكلمات الترحيبية تكون أبلغ من هذا؛ ولهذا ينبغي لنا ما دام ما نويت المعنى الذي قصده الشارع صار لفظًا مجردًا، فينبغي لنا إذا سلَّمنا على أحد أن نستحضر أننا ندعو له بالسلامة من الآفات؛ ولهذا لو أتيت بكل ترحيب ما قابل هذه الجملة الدعائية أن تدعو الله له بالسلامة. فالحاصل أن ما ذكره الأخ صحيح أن أكثر الناس يقولون: السلام عليكم من باب التحية فقط. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، يحركه؛ لأنه دعاء. * طالب: والرد كذلك؟ * الشيخ: والرد كذلك، يعني ينبغي لنا أن نستحضر المعاني في كل ما نقول حتى الآن التحيات لله -والله يتوب علينا وعليكم- هل نحن نستحضر معنى التحيات، ومعنى الصلوات، ومعنى الطيبات، وإلا تمشي ألفاظ تُقرأ؟ أحيانًا وأحيانًا، هذا أيضًا ما ينبغي، يعني ينبغي أن تستحضر لكل لفظ معناه وإلا صارت ألفاظًا جوفاء، ثيابًا ما فيها أجسام، أو أجسامًا ما فيها أرواح، ويش الفائدة أنك تقرأ التحيات لله والصلوات والطيبات وأنت سارح ما عندك إلا ألفاظ تمر على القلب فقط؟! هذه ينبغي أن كل ما قرأت هذه تستحضر وأنت تصلي، أيش معنى التحيات؟ ويش معنى الصلوات؟ ويش معنى الطيبات ولَّا لا؟ وإن شاء الله تعالى نختبركم فيها في يوم من الأيام ويش معنى التحيات؟ ويش معنى الصلوات إلا إذا كانوا مستعدين الآن عشان نكمل بقية الحصة؟ * طلبة: تشرحها. * الشيخ: أشرحها؟! إذا شرحتها ما صار اختبارًا. * طالب: (...). * الشيخ: ما يخالف، الآن نشوف التحيات، من اللي يعرف معنى التحيات؟ * طالب: البقاء (...)؟ * الشيخ: يعني كل لفظ دال على البقاء والتعظيم والتكريم؛ لأن التحية معروفة تعظيم للمُحيَّا وتكريم له. طيب (لله): معروفة أنها مستحقة لله، وأنها خاصة به. الصلوات أيش معنى الصلوات؟ الصلوات لله؟ * طالب: (...). * الشيخ: الفريضة والنافلة وهي العبادة المخصوصة، وإلا حتى الدعاء يدخل، فالصلوات بمعنى العبادة المخصوصة، وبمعنى الدعاء أيضًا كله لله عز وجل ما يُدعى إلا لله، ولا يُتعبَّد بصلاته إلا لله. الطيبات لله؟ * طالب: الطيبات من الأقوال والأفعال الخاصة بالله سبحانه وتعالى. * الشيخ: نعم، وكذلك الأوصاف، فالطيبات منا، والطيبات منه، فكل صفاته طيبة، وكل أفعاله طيبة، وكل أقواله طيبة، ومنا أيضًا ما يكون لله، ولا يقبل الله إلا ما كان طيبًا؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا»[[أخرجه مسلم (١٠١٥ / ٦٥) من حديث أبي هريرة.]]. من يستحضر هذين المعنيين وهو يصلي؟ أن الطيبات باعتبارها صفة لله وباعتبارها وصفًا لفعل المخلوق؟ * طالب: الغالب الثاني. * الشيخ: الغالب الثاني أن معناها أن الطيبات الواقعة منا تكون لله لا يقبل الله سواها. لا، الحقيقة أن كلا المعنيين حق، «إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ»، هذا باعتبار ما يتعلق بالله، «لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا» باعتبار ما يفعله العبد. طيب ويش معنى السلام عليك أيها النبي؟ قلناها. (ورحمة الله وبركاته)، (الرحمة): الدعاء له بالرحمة وهي حصول المطلوب، وبالسلام زوال المكروه. (وبركاته) يعني الخير الثابت الكثير، فأنت بعدما دعوت له بالرحمة سألت الله تعالى أن يجعل ذلك بركة عليه مستمرًّا. وأما (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) فقد فسرها النبي عليه الصلاة والسلام وقال: «إِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٢٣٠)، ومسلم (٤٠٢ / ٥٥) من حديث عبد الله بن مسعود.]]. من يستحضر إذا سلمنا: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؛ فالمعنى سلمنا على الأنبياء أو لا؟ والملائكة والأولياء والصالحين من هذه الأمة ومن غيرها حتى نسلم بهذا الكلام نسلم على الحواريين الذين اختارهم عيسى، والسبعين الذين اختارهم موسى، والقليل الذين آمنوا بنوح، وأصحاب الكهف، من يستحضر؟ وآدم وغيره هل نستحضر هذا؟ الظاهر الغالب أنه ما يستحضر. * طالب: قول الرسول ﷺ ما يدل على أن الصحابة (...) تحصل هذه لو مذكورة إذا قال: إذا سلمت فقد سلمت على كل عبد صالح. * الشيخ: لا؛ لأنهم كانوا يقولون: السلام على جبريل، وعلى ميكائيل، وعلى فلان، وعلى فلان. (...) كلام التخصيص أنتم خصصتم ما له حاجة، إذا قلتم: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؛ دخل في هذا ما خصصتم. * طالب: يعني معناه كأنهم ما استحضروه؟ * الشيخ: لا، ما كأنهم لم يستحضروه؛ ولهذا يخصصون. وقوله: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) واضح. (أشهد) يعني أقر، لكن إقرارًا كالمشاهد بالعين، ما هو إقرار هكذا، إقرار يعني هزيل؛ يعني أشهد أصل الشهود أو الشهادة لما رُؤِى أو سُمِع بالآذن، لكن هنا عبر عن ما في القلب بالشهادة كأن الإنسان يشاهِد ما أقر به. وأما (أن لا إله إلا الله) فالعامة يخطئون فيها، يقولون: أشهد (أنَّ) لا إله إلا الله، وهذا خطأ من حيث اللغة؛ لأن (أنَّ) المشددة ما يحذف اسمها، ولكنها أن المخفَّفة. (لا إله إلا الله) يعني لا إلهَ حقٌّ؛ أي لا معبودَ حقٌّ إلا الله عز وجل، والمعبودات التي تُعْبد من دونه باطلة. (وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) فيها أيضًا الإقرار المتيقن كأنما يشاهد بأن محمدًا عبد الله ورسوله، فهو عبد ليس له حق من الربوبية، ورسول ليس فيه شيء من الخيانة؛ فهو رسول حقًّا. هذا هو معنى التشهد وليس بعد المعنى الذي هو كل المعنى، بل هذه معانٍ ظاهرة عابرة، ومع ذلك أكثر الناس ما يستحضرون. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا؛ لأن هذه خبر وثناء. ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب ٥٧]. قال المؤلف: (﴿﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ﴾ وهم الكفار يصفون الله بما هو مُنَزَّه عنه من الولد والشريك ويكذبون رسوله) هذا من الإيذاء. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ﴾ جملة خبرية مؤكدة بـ(إن)، وخبر (إن) قوله: ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ بماذا يؤذون الله؟ يؤذون الله بوصفه بالعيوب التي لا تليق به، مثل قول بعضهم: إن الله فقير، ومثل سب الدهر: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٢٦)، ومسلم (٢٢٤٦ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]، ومثل أن يقولوا: إن الله اتخذ صاحبة أو ولدًا، أو إن الله تعالى لما خلق السماوات والأرض تعب واستراح يوم السبت وما أشبه ذلك. فإيذاء الله تعالى يكون بماذا؟ بأن يُوصَف بما لا يليق به. ومنه إنكار أسمائه وصفاته، فإن هذا لا شك يعني سلْب الكمال عنه يتضمن النقص؛ لأن الكمال والنقص متضادان، ما من شيء إلا موصوف بالكمال أو بالنقص، فإذا سُلِبَت عنه صفات الكمال لزم من ذلك اتصافه بالنقص وهو نوع من الإيذاء. وأما إيذاء الرسول عليه الصلاة والسلام فيكون بالقول وبالفعل؛ فبالقول: أن يُوصَف الرسول عليه الصلاة والسلام بأنه ساحر، أو شاعر، أو كاهن، أو مجنون. والغريب أن الساحر والمجنون وُصِفَ به جميع الأنبياء، كل الأنبياء السابقين المرسلين إلى قومهم وُصِفوا بهذا، قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات ٥٢] فهذه الأوصاف لا شك أنها تؤذي الرسول عليه الصلاة والسلام، وتؤذي كل ولي لله ورسوله؛ أن يوصف النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الأوصاف الكاذبة. وكذلك إيذاء الرسول بالفعل: «كما صنع قريش به ﷺ حين أتوا بسلى الناقة وهو ساجد في المسجد الحرام أمام بيت الله عز وجل، فوضعوا سلى الناقة على ظهره وهو ساجد» أي أذية أبلغ من هذا؟! رجل لم يتعرض لهم، وإنما يعبد الله تعالى في آمن مكان على وجه الأرض أمام بيت الله سبحانه وتعالى، وأقرب ما يكون من ربه، ثم يأتي هؤلاء الظَّلَمَة المعتدون فيضعون عليه هذه القاذورات، أعتقد أن هذا من أبلغ ما يكون من الأذية «حتى جاءت ابنته الطفلة الصغيرة فأزالته عنه»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٠)، ومسلم (١٧٩٤ / ١٠٧) من حديث ابن مسعود.]]، هذا من الأذية. كذلك من الأذية ما ذكروا أنهم كانوا يلقون الأنتان والقاذورات على عتبة بابه ﷺ في مكة حتى كان يخرج ويقول: «أَيُّ جِوَارٍ هَذَا؟ أَيُّ جِوَارٍ هَذَا؟!»[[ذكره ابن هشام في السيرة (١ / ٧٦)، وابن كثير في البداية والنهاية (٤ / ٣٠٥).]]. يعني لو كنت جارًا لكم ولست منكم ما تفعلون بي هذا الفعل. فهؤلاء الذين يؤذون الله ورسوله ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب ٥٧] والعياذ بالله، يعني أبعدهم الله تعالى عن رحمته في الدنيا وفي الآخرة؛ لأن اللعن بمعنى الطرد والإبعاد عن رحمة الله. وفي قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ ولم يقل: آذوا الله؛ يعني لأنهم مستمرون في الأذية، فما داموا مستمرين في الأذية فإن لهم اللعنة في الدنيا والآخرة، أما إذا مَنَّ الله عليهم بالهداية، ورجعوا إلى الله تعالى، وتابوا من شركهم فإن اللعنة سترتفع عنهم؛ لأن الحكم يدور مع عِلَّته. ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ (أبعدهم) ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ ﴿أَعَدَّ﴾ بمعنى هيأ، والعذاب بمعنى العقوبة. و﴿مُهِينًا﴾ قال المؤلف: (ذا إهانة) وهو النار، إي نعم، عذاب النار -والعياذ بالله- إهانة بدنية حسية، وإهانة نفسية؛ ولهذا يقال لأصحاب النار: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان ٤٧] ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ﴾، يعني ادفعوه بشدة وعنف ﴿إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ يعني قعرها وأصلها. ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ﴾ الرأس اللي ما كان ينحني لأحد ولا لله ﴿صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان ٤٨] ﴿الْحَمِيمِ﴾ الماء الشديد الحرارة، ثم يقال له بعد الإهانة بالفعل، يقال له: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٩]، هذا تهكم به غاية التهكم؛ يعني أنك كنت في نفسك عزيزًا كريمًا، لكنك الآن ذليل مهين خلاف العز والكرم، فهذا العذاب المهين الذي أُعِدَّ للكافرين -نسأل الله أن يسلمنا وإياكم منه- فصارت عقوبة هؤلاء المؤذِين لله ورسوله أمرين عظيمين: أحدهما: اللعن؛ وهو الطرد والإبعاد عن رحمة الله. والثاني: العذاب المهين الذي يُوقِعه في الهوان والذل. المؤمنون والمؤمنات؟ قال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ [الأحزاب ٥٨] (يرمونهم بغير ما عملوا) ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب ٥٨] (تحملوا كذبًا) ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (بيِّنًا). تأمل الفرق بين أذية الله ورسوله وأذية المؤمنين تجد بينهما فرقًا كبيرًا في العقوبة. ﴿الَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ ﴿بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ هذا لم يُذْكر في الآية الأولى السبب؛ لأنه لا يمكن أن يكون من فعل الله، أو من فعل رسوله ما يستحقون به الأذية ولَّا لا؟ لكن المؤمنون يمكن أن يقع منهم ما يستحقون به الأذية؛ ولهذا قال: ﴿بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾؛ لأن المؤمن قد يكتسب شيئًا يستحق الأذية عليه ولًّا لا؟ وأيضًا قال: ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ ولم يقل لعنهم الله، ولا أعد لهم عذابًا مهينًا بل قال: ﴿احْتَمَلُوا بُهْتَانًا﴾ يعني كذبًا وتحملوه، والبهتان هو أن تذكر أخاك بما ليس فيه؛ ولهذا لما سُئل النبي عليه الصلاة والسلام عن الغِيبة قال: «هِيَ ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ». قال: يا رسول الله، أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ»[[أخرجه مسلم (٢٥٨٩ / ٧٠) من حديث أبي هريرة.]]. أذية المؤمنين بماذا تكون؟ بالقول وبالفعل، وهي كثيرة لا حصر لها، أذية المؤمن كثيرة لا حصر لها؛ منها: أذية الجار حتى إن العلماء يقولون: لا يجوز للإنسان أن يدق وتدًا في الجدار المشترك بينه وبين جاره على وجه يؤذي جاره، ولا يجوز أن يسقي نخله إذا كان الماء يتسرب إلى جاره، ولا يجوز أن يجعل رحًى تطحن حول جاره؛ لأن ذلك يؤذيه. فالأذية كثيرة، ومن هذا النوع أن يهينه عندما يأتي لطلب حقه، فإن بعض الموظفين -والعياذ بالله- إذا جاءهم الناس لإجراء معاملاتهم تجدهم يمتهنونهم، ويؤذونهم، هذا أيضًا من أذية المؤمنين بغير ما اكتسبوا. وأفرادها بل وأنواعها لا يمكن حصرها، والشيء العام هو أن يحصل للمؤمن أذية من فعل أو قول؛ فالذين يؤذون المؤمنين بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانًا وإثمًا مبينًا، نسأل الله العافية (...) ﴿ومَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب ٥٦] * في هذه الآية فوائد: * منها: إثبات الملائكة لقوله: ﴿وَمَلَائِكَتَهُ﴾. * ومنها: شرف الملائكة في إضافتهم إلى الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿وَمَلَائِكَتَهُ﴾ فإضافتهم إلى الله إضافة تشريف. * ومن فوائدها: بيان علو شأن النبي ﷺ؛ لكون الله وملائكته يصلون عليه، فهذا بلا شك من عُلُوِّ شأنه ورِفعة ذكره. * ومن فوائدها: الأمر بالصلاة والسلام على رسول ﷺ؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. * ومن فوائدها: أن الصلاة والسلام عليه من مقتضيات الإيمان، وأنه زيادة في الإيمان؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. * ومنها: أن الصلاة والسلام عليه واجبان؛ لأن الأصل في الأمر الوجوب؛ ولأن ذلك من قضاء حق النبي ﷺ الذي له على أمته، فإن حقه على أمته أعظم من حق الوالدين على أولادهما، ولكن الوجوب يحصل بفعل ذلك مرة واحدة، فإذا دل دليل على التكرار وجب أن نأخذ بمقتضى الدليل. وقد قال كثير من أهل العلم بوجوب الصلاة والسلام عليه ﷺ في الصلاة، وذلك في التشهد؛ فإن الإنسان يقول: السلام عليك أيها النبي، ويقول: اللهم صلِّ على محمد. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المشروع أن يصلي الإنسان عليه باللفظ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. ولا يكفي السلام أو الصلاة بالقلْب، وعلى هذا فينبغي عندما نكتب أحاديث أن نكتب: ﷺ. وأما ما يفعله بعض الناس من كتابته (ص) أو كتابته (صلعم) فإن أهل العلم كرهوا ذلك، وقالوا: إن الأفضل أن يكتب ﷺ. وكان الإمام أحمد رحمه الله ربما كتب الحديث ولم يذكر ﷺ. وأجاب بعض العلماء عن ذلك: بأنه كان يتركها حرصًا على اغتنام الوقت، وأنه كان يصلي عليه بلسانه دون قلمه. وقد مر علينا في الشرْح أو في التفسير: أن الصلاة على النبي ﷺ تنقسم إلى قسمين: مُطلَقة ومقيَّدة، وأنها في المواضع المقيدة قد تكون واجبة وقد تكون مستحبة، وأنها في بعض الأماكن قد تكون مكروهة. فيها أيضًا مباحث، ما هي في نفس الآية، لكن لها صلة بها: هل تجوز الصلاة على غير الأنبياء؟ في هذا للعلماء أقوال ثلاثة: الجواز، والمنع، والجواز إذا لم يكن شعارًا، وهذا هو الصحيح؛ أنه يجوز أن تصلي على شخص بشرط ألا تجعل ذلك شعارًا له كلما ذكرته صليت عليه، أو سلمت عليه. وقد نص أهل العلم على أن ما يوجد في بعض الكتب عند ذكر علي رضي الله عنه يقولون: علي عليه السلام، أو علي كرم الله وجهه؛ أن ذلك من عمل بعض النساخ، وأن الأفضل أن يقال له كما يقال لغيره من الصحابة علي رضي الله عنه، مع أن علي رضي الله عنه أكمل من علي عليه السلام، وأكمل من علي كرم الله وجهه؛ لأن الرضا مرتبة عظيمة. وأما إذا صُلِّي على غير الأنبياء بالتبع فهذا جائز بالاتفاق، وقد علم النبي عليه الصلاة والسلام أمته أن يقولوا: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٧٠)، ومسلم (٤٠٦ / ٦٦) من حديث كعب بن عجرة.]]. وسبق لنا أيضًا: الدعاء بالرحمة للرسول هل يُدْعى له بالرحمة؟ وأن من أهل العلم من كره ذلك والصحيح أنه ليس بمكروه. ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾. * طالب: ما ذكرت صلاتنا على الرسول ﷺ إيش معناها؟ * الشيخ: صلاتنا على الرسول ذكرناها قلنا: إن معناها طلب الثناء، الطلب من الله أن يثني عليه في الملأ الأعلى. * طالب: كتابة (ص) (...)؟ * الشيخ: إي نعم؛ لأنهم يقولون إما أن تكتبها كاملة وإما أن تدعها. * طالب: تقرأها كاملة؟ * الشيخ: دعنا من القراءة لكن الكتابة، إذا جاء إنسان مثلًا بيقرأ وهو ما يعرف اصطلاحات الكُتَّاب هؤلاء سوف يقول: قال رسول الله (ص)، قال رسول الله (صلعم)! * طالب: قولهم لعلي رضي الله عنه: كرم الله وجهه كيف (...)؟ * الشيخ: يقولون: إنه لم يسجد لصنم، وأنه كرم الله وجهه بهذا، ولكن هو أصلهم الذين يكتبون هذا أن يجعلوا ميزة لعلي بن أبي طالب فقط، هذا أهم شيء عندهم سواء كان ذلك أحسن أو ليس بأحسن، يريدون أن يجعلوا له ميزة. * طالب: (...) في كتاب قرأته (...)؟ * الشيخ: عجيب، أيش يقول عندك مكتوبة؟ * الطالب: (...)؟ * الشيخ: يعني يكتبون إذا ذكروا الصحابة كتبوا (ر) أو (ض). * الطالب: (...)؟ * الشيخ: وعلي، إذا كتبوا عليًّا، ويش يقولون؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لكن أنت ما تظن أن الـ(ر) والـ(ض) مثل (ص) في ﷺ، ما تظن أن هذه رمز؟ * الطالب: لا أظن أنه رمز. * الشيخ: إي، هذا هو الظاهر أنها رمز. * الطالب: ما كتبه في كتاب للشيعة (...)؟ * الشيخ: يمكن، الله أعلم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: ما يطَّلع عليه إلا هو؟ وإذا مات؟ * الطالب: (...)؟ * الشيخ: كأنه إذا مات جُعِل في كفنه، فلا بأس. طيب ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى آخره [الأحزاب: ٥٧]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن أذية الله ورسوله من كبائر الذنوب، وجه ذلك أن الله توعد عليها باللعن والعذاب، وكل شيء توعد الله عليه باللعن أو العذاب فإنه من كبائر الذنوب. وقد اختلف العلماء في الكبائر هل تُعد أو تُحد؟ فمنهم من عدَّها عدًّا، ومنهم من حدَّها حدًّا. وقال: إن الكبيرة كل ما رُتِّب عليه عقوبة خاصة فهو كبيرة، وهذا حدٌّ لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، كل شيء أو كل ذنب رُتِّب عليه عقوبة خاصة دنيوية أو أخروية فإنه من كبائر الذنوب، سواء كان ذلك لعنة، أو غضب، أو نفي إيمان، أو تبرؤ منه، أو عذاب، أو ما أشبه ذلك، كل شيء جُعل عليه عقوبة خاصة فإنه من كبائر الذنوب. * ويستفاد من الآية الكريمة: وصف الله تبارك وتعالى بأنه يتأذى؛ لقوله: ﴿يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. * ويستفاد منه: بيان كمال الله عز وجل؛ لأنه إذا كان يتأذى من الأشياء المنكَرة التي لا تليق به دل ذلك على كماله؛ ولهذا عند الناس من العيب أن الإنسان لا يتأذى بما يُوصف به من عيب، من العيب ألا يتأذى بما يُوصَف به من عيب؛ ولهذا يُسمون مثل هذا الرجل، يسمونه الحمار لبَلادَته، وعدم أهميته يعني لا يفرق بين من يمدحه ومن يقدح فيه، كله سواء عنده لكن الإنسان اللي يتأذى بالعيب، هذا هو الذي له شعور وله عاطفة، ثم إذا صبر واحتسب، واستعمل الحكمة في ذلك كان خيرًا. المهم أن الأذية مما ليس بمحمود تعتبر كمالًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أذية الرسول ﷺ كأذية الله؛ لأن الله جَمَعَ بينهما بالواو ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، فكما أن طاعة الرسول كطاعة الله ومعصية الرسول كمعصية الله فأذية الرسول كأذية الله؛ يعني من حيث التحريم، وأنها من الكبائر، وإلا فإن أذية الله أعظم من حيث الجهة التي نُسب إليها الذم والعيب. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اللعنة، أي لعنة الله وهي طرده وإبعاده، وهي من الصفات الذاتية أو الفعلية؟ الفعلية؛ لأن كل صفة لله مُعلَّقة بسبب فهي من الصفات الفعلية؛ لأن هذا السبب يتجدد فتكون الصفة بعد وجوده، وهذا هو ما يكون صفة (...). ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ﴾ والعذاب المهين كلنا يعرف أنه في النار؛ لأن هي اللي عذابها مهين. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء من جنس العمل، فكما تعالى هؤلاء وتعاظموا وأهانوا الرسول عليه الصلاة والسلام بأذيته عاقبهم الله بما يهينهم ويذلهم من العذاب. ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب ٥٨]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: تحريم أذية المؤمنين بغير حق؛ لقوله: ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. * ويستفاد منها: تحريم كل أذية أيًّا كان نوعها سواء كانت قولية أم فعلية؛ لعموم اللفظ في قوله: ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ﴾ واسم الموصول من صيغ العموم. * ويستفاد منها: أن أذية المؤمن بما هو من كسبه ليس فيها وعيد، وليست إثمًا ولا بهتانًا؛ لقوله: ﴿بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾. * ويستفاد منها: أنه لا يجوز أن يُؤذَى بأكثر مما يستحق، فلو أنه سبَّك فلا تسبه أكثر؛ لأنك إذا سببته أكثر فقد آذيته بغير ما اكتسب، وإذا سببته بمثل ما سبك فقد آذيته بقدر ما اكتسب، وقد قال الله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى٤٠]. * ومن فوائد الآية: الرد على الجبرية؛ لقوله: ﴿بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ فأضاف الفعل عليهم، والجبرية يقولون: إن الإنسان مُجْبَر على عمله، وأنه لا حول له ولا قوة، يفعل الشيء بغير اختياره، ويدعه بغير اختياره. * ومن فوائد الآية الكريمة: ذم الكذب؛ لقوله: ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا﴾ ولا سيما إذا كان الكذب يؤدي إلى أذية الغير. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز أذية غير المؤمنين؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ لكن إن كان الإنسان غير المؤمن ذميًّا أو مُعاهَدًا أو مستأمِنًا فإنه لا تجوز أذيته بما يخالف عهده. إذن غير المؤمن فيه تفصيل: المؤمن أذيته حرام بكل حال، وغير المؤمن فيه تفصيل، ما هو التفصيل؟ إذا آذيناه أكثر مما يقتضيه العهد فهو حرام ولا يجوز، وإن آذيناه في حد ما يقتضيه العهد فإنه لا حرمة له إلا فيما يقتضيه عهده. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الذنب قد يجمع بين وصفين ذميمين؛ لقوله: ﴿احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ فهم بكذبهم احتملوا البهتان، وبعدوانهم احتملوا الإثم المبين (...). ﴿ ﴾

الأحزاب 33:57

ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب ٥٦]، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ﴾ هذا خبر مؤكد بـ(إن)، وعطف الملائكة على الله عز وجل بالواو؛ لأنهم مشاركون لله سبحانه وتعالى بهذا الفعل؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ﴾. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ﴾ الملائكة تَقَدَّم أنهم جمع مَلَك وأن أصل مَلَك مَأْلَك من الأَلُوكة وهي الرسالة، ولكنه حصل فيها إعلال بالتقديم والتأخير فصار بدل مَأْلك صارت ملأك ثم حذفت الهمزة للتخفيف لكثرة الاستعمال فصارت ملك، أما الجمع فإنها رُدَّت الهمزة وقيل فيها: ملائكة. * طالب: (...). * الشيخ: هذا تعليل صرفي ما يدخل في درس الفقه، يعني قالوا: من أين اشتق الملك؟ من الأَلوكة، الألوكة في اللغة بمعنى الرسالة، والملائكة رسل، فأصلها إذن مألك، يعني: من الألوكة، ثم أُعِلَّ بالتقديم والتأخير فصارت ملأك، ثم حُذِفَت الهمزة للتخفيف لكثرة الاستعمال، ونُقِلَت حركتها إلى اللام فصارت ملك، أما الجمع فملائكة، فالملائكة هم الذين جعلهم الله تعالى رسلًا وهم عالم غيبيٌّ مخلوقون من نور ممتثلون لأمر الله عز وجل قائمون بعبادته آناء الليل والنهار كما ذكر الله عنهم ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ٢٠]، وهم مع ذلك ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم ٦]؛ لقوة امتثالهم لأمر الله. ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ لقوتهم على التنفيذ، فيكون ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ هذا باعتبار الإرادات، ما عندهم إرادة تخالف أمر الله. ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ باعتبار التنفيذ والعمل، وهم -أي: الملائكة- أصناف في أشكالهم وفي أعمالهم وفي صفاتهم، ما نعلم من هذا إلا ما أعلمنا الله تعالى به ورسوله، والباقي مجهول لنا فنؤمن بما عَلِمْنا من أسمائهم وأشكالهم وأوصافهم وأعمالهم، وما لم نَعْلَمْه نؤمن به على سبيل أيش؟ على سبيل الإجمال؛ نقول: آمنا بالله وملائكته. ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ﴾ الخبر ﴿يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ ﴿النَّبِيِّ﴾ من؟ محمد ﷺ؛ ولهذا قال: (محمد ﷺ)، وما معنى ﴿يُصَلُّونَ﴾؟ اشتهر عند كثير من أهل العلم أن الصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، وعلى هذا فيفسر ﴿يُصَلُّونَ﴾ باعتباره إلى الله بمعنى الرحمة، وإلى الملائكة الاستغفار، لكن هذا التفسير خطأ؛ فإن الرحمة أعم من الصلاة؛ لأن الرحمة يدعى بها لكل أحد، والصلاة خاصة بالأنبياء فهي شعارهم، ولا تقال لأحد سواهم إلا على سبيل لا يكون شعارًا، وأما الرحمة فهي عامة حتى إن بعض أهل العلم يقول: لا يجوز أن تدعو للرسول بالرحمة؛ ما تقول: محمد رحمه الله، قال رسول الله رحمه الله. لكن هذا القول ضعيف؛ لأن النبي ﷺ نفسه كان يدعو لنفسه بالرحمة يقول: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي»[[أخرجه أبو داود (٨٥٠)، والترمذي (٢٨٤)، وابن ماجه (٨٩٨) من حديث عبد الله بن عباس.]]، وفي قصة الأعرابي قال: «اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا»[[أخرجه البخاري (٦٠١٠) من حديث أبي هريرة.]] ولم ينكر عليه النبي عليه الصلاة والسلام، لكنها عند السلف يُدْعَى للرسول ﷺ بماذا؟ بالصلاة، ولغيره بالرحمة والرضا، وما أشبه ذلك. والصواب أن صلاة الله على رسوله معناها ثناؤه عليه في الملأ الأعلى وليست رحمته إياه بدليل قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة ١٥٧]، قال: ﴿صَلَوَاتٌ﴾ ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ فدلَّ هذا على أن الرحمة غير الصلاة، وهو كذلك، أما صلاة الملائكة على الرسول عليه الصلاة والسلام فيحتمل أن تكون بمعنى الدعاء أنهم يدعون له بالصلاة، ويحتمل أن المعنى أنهم يُثْنُون عليه مع الله، وهذا أقرب؛ حتى لا يَتَوَّزَع المعنى في كلمة: ﴿يُصَلُّونَ﴾، ويكون المعنى أن الله يُثْنِي عليه والملائكة كذلك يثنون عليه، وهذا من تعلية شأن الرسول ﷺ؛ ولهذا قدَّم هذه الجملة الخبرية على الجملة الإنشائية الطلبية في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب ٥٦]؛ لأن النفس إذا عَلِمَت شرف هذا النبي وأن الله سبحانه وتعالى نفسه وملائكته المقربين وغير المقربين من الملائكة الآخرين، فإنهم يصلون عليه، وأنا قلت: الملائكة المقربين لأن الملائكة كلهم مقربون بالمعنى العام، لكن هناك ملائكة مقربون عند الله كحملة العرش ونحوهم، وكل هؤلاء يصلون على النبي ﷺ. وفي إضافة الملائكة إلى الله ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ﴾.. النبي ﷺ. ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب ٥٦] ولما تقرر في النفوس عُلو شأن الرسول ﷺ بهذه الجملة وَجَّه الله الخطاب إلى المؤمنين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. وتصدير الجملة بالنداء يدل على الأهمية والعناية بها؛ لأن النداء يستلزم انتباه المنادى، ولا داعي لتنبيه المخاطَب إلا لأمر هام. ثم النداء بهذا الوصف ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فيه إغراء للامتثال -لامتثال الخطاب الموجه- ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إذا قال الله: يا أيها الذين آمنوا فأرْعِها سمْعَك -يعني استمع لها- فإما خير تؤمر به، وإما شر تُنهى عنه»[[أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٥٠).]]. وفي وصف الإيمان مع كونه إغراءً دليل على أن امتثال هذا الأمر من مقتضيات الإيمان، وأن معصيته نقص في الإيمان. قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب ٥٦] نبغي ندمج الحديث بالتفسير؛ لأني ما جبت القواعد. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ يعني ادعوا له بالصلاة فليس المراد بالصلاة إذا قلت: صلِّ على فلان، ليس معناها الدعاء المطلق بل الدعاء بالصلاة؛ ولهذا لما أمر الله نبيه أن يُصلِّي على من أعطاه الصدقة صار يقول: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٩٧)، ومسلم (١٠٧٨ / ١٧٦) من حديث عبد الله بن أبي أوفى بمعناه.]]. فالصلاة في اللغة: الدعاء صحيح، لكن إذا أمرتك أن تصلي على شخص فالمعنى أن تدعو له بماذا؟ بصلاة الله عليه، فمعنى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ أمر بالصلاة على رسول الله ﷺ، وهو أمر مطلق غير مقيد، فإذن تكون الصلاة على الرسول عليه الصلاة والسلام مطلقة غير مقيدة نصلي عليه بأي صيغة صلَّينا ونصلي عليه في كل وقت وفي كل مكان، لكن هناك أمكنة تتأكد فيها الصلاة، وأمكنة لا تنبغي فيها الصلاة، وأمكنة تُستحب فيها الصلاة مطلقًا يعني ما هو بتأكد. فمما تتأكد الصلاة على النبي ﷺ فيه إذا ذُكِر اسمه فإن الصلاة واجبة عليه؛ لقوله ﷺ في حديث أبي هريرة قال: «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: رَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ»[[أخرجه مسلم (٢٥٥١ / ٩)، والترمذي (٣٥٤٥)، واللفظ له.]]. وهذا دعاء له بأن يُرغم الله أنفَه في التراب، وإرغام الأنف في التراب دليل على الذل والإهانة، وهذا يدل على وجوب الصلاة على النبي ﷺ إذا ذُكِر اسمه. ثانيًا: الصلاة عليه في التشهد الأخير ركن لا تصح الصلاة إلا به على مذهب الحنابلة والشافعية، ولا فرق بين الفريضة والنافلة. * ومنها: أنه يستحب في الصلاة على النبي ﷺ في الدعاء مُقدَّمة عليه أو مُؤخَّرة عنه. * ومنها: عند الأذان: «فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ»[[أخرجه مسلم (٣٨٤ / ١١) من حديث عبد الله بن عمرو.]]. ومواضع متعددة، لكن منها ما هو على سبيل الوجوب، ومنها ما هو على سبيل الاستحباب. أما كراهة الصلاة على النبي ﷺ فذكروا أنها تُكره الصلاة عليه عند الذبح، إذا قلت: باسم الله والله أكبر ما تقول: اللهم صَلِّ على محمد، قالوا: لأن المقام مقام إخلاص وتوحيد، فلا ينبغي أن يُذكر مع اسم الله غيره، فتقول: باسم الله والله أكبر، ولا تصلي على النبي ﷺ. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ قلت لكم: إنه مُطلق بأي صفة كانت، فما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام حين سأله الصحابة: كيف نصلي عليك؟ قال: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٦٩)، ومسلم (٤٠٧ / ٦٩) من حديث أبي حميد الساعدي.]]. هذا على سبيل الاستحباب، وليس على سبيل الوجوب؛ ولهذا أجمع العلماء على أن الصلاة على آل الرسول ﷺ لا تجب، مع أن الصيغة التي علمها النبي ﷺ أمته فيها الصلاة على آله مع أنها ليست بواجبة مما يدل على أنها على سبيل الاستحباب. وربما يستدل لذلك أيضًا بأن الصيغ التي أمر بها الرسول عليه الصلاة والسلام في كيفية الصلاة عليه مختلفة، ما هي كلها على صيغة واحدة، وهذا يدل على أن أي صيغة أتيت بها فهي مجزئة. وقوله: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب ٥٦] أي: قولوا: السلام عليك؛ يعني ادعوا له بالسلام فقولوا: السلام عليك أيها النبي. والسلام على النبي عليه الصلاة والسلام مع كونه غائبًا أمر مشروع؛ ولهذا نقول في صلاتنا: السلام عليك أيها النبي، مع أنه غائب، والصحابة يقولون: السلام عليك أيها النبي مع أنه غائب، ولا يسمعهم حتى لو كانوا معه في الصلاة فهو لا يسمعهم، لكن لأن هناك ملائكة سياحين يبلغون النبي ﷺ السلام من أمته؛ ولأنه لما كان الإنسان قوي الإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام صار كأنه حاضر عنده يخاطبه. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا﴾ ﴿وَسَلِّمُوا﴾ الآية فيها تقديم الصلاة على السلام مع أنه في التشهُّد يُقدَّم السلام على الصلاة، فهل بين الآية وما ثبت به الحديث في التشهد؟ هل بينهما تناقض؟ الجواب: لا؛ لأن العطف بالواو لا يستلزم وجوب التقديم، وإن كان قد يقتضيه لكنه لا يستلزمه؛ لأن الواو كما قال أهل اللغة تدل على مُطلق الاشتراك بدون ترتيب، ولهذا إذا قلت: ما شاء الله وشِئت. مع أنك قدمت مشيئة الله صار هذا نوعًا من الشِّرْك؛ لأن الواو تقتضي التسوية، وليست تستلزم الترتيب. إذا قال قائل: لماذا أكد التسليم بالمصدر؟ قال: ﴿سَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ولم يؤكد الصلاة؟ فالجواب: أن الصلاة تَقدَّم ما يؤكدها، وهو إخبار الله تعالى بأنه يُصلِّي عليه وملائكته، وهذا يُعطي الإنسان قوة في الصلاة عليه متى عَلِم بأن الرسول ﷺ يُصلِّي الله وملائكته عليه؛ فلهذا جاء التوكيد في التسليم دون الصلاة؛ لأن الصلاة أُكِّدت تأكيدًا معنويًّا بذِكْر أن الله وملائكته يصلون على النبي، وأما التسليم فأُكِّد تأكيدًا لفظيًّا؛ لأن قوله: ﴿تَسْلِيمًا﴾ مصدر مؤكد لقوله: ﴿سَلِّمُوا﴾. قال المؤلف: (﴿﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ ﴾ محمد ﷺ)، ولم يفسر ﴿يُصَلُّونَ﴾ رحمه الله، وهذا نقص في التفسير. ثم قال: (﴿﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ﴾ أي: قولوا: اللهم صَلِّ على محمد وسَلِّم) ولم يفسر التسليم. فما معنى التسليم؟ قال بعض العلماء: إنك إذا قلت: السلام عليك، فالسلام من أسماء الله؛ يعني الله عليك. وما معنى الله عليك؟ أي: الله حفيظ عليك، يراقبك، ويحفظك. وقال بعض العلماء: السلام عليك أي: التسليم عليك؛ فهي جملة خبرية بمعنى الدعاء، والسلام اسم مصدر (سَلَّمَ) مثل الكلام اسم مصدر (كَلَّمَ)، فمعنى السلام عليك يعني تسليم الله عليك؛ أي: تسليمك من الآفات. وهذا المعنى أصح، هذا المعنى هو الصحيح؛ أنك إذا قلت لإنسان: السلام عليك؛ أنك تسأل الله تعالى أن يُسلِّمه من الآفات؛ الآفات الحسية والمعنوية أو أحدهما؟ السلامة الحسية والمعنوية؛ فالسلامة الحسية: سلامة البدن والعِرْض والمال، والسلامة المعنوية: سلامة الدين من الآفات؛ لأن الإنسان محوط بآفتين؛ آفة في الدين، وآفة في الدنيا، والسلامة منهما جميعًا من أكبر نِعَم الله على العبد. * طالب: (...)؟ * الشيخ: المعنى لازم يستحضر، لا بد أن يستحضر وإلا كان لغوًا من القول. * طالب: (...)؟ * الشيخ: أكثر الناس عندما يُسلِّم يستحضر أنها تحية فقط، وهذا ما ينبغي، بل الذي ينبغي أن تستحضر بأنها دعاء له بالسلامة من الآفات؛ لأنك إذا كنت لا تستحضر إلا أنها تحية صار لا فرْق بينها وبين قولك: أهلًا وسهلًا، بل ربما تكون التحية بـ(أهلًا وسهلًا، مرحبًا يا أبا فلان، حياك الله وبيَّاك)، وما أشبه ذلك من الكلمات الترحيبية تكون أبلغ من هذا؛ ولهذا ينبغي لنا ما دام ما نويت المعنى الذي قصده الشارع صار لفظًا مجردًا، فينبغي لنا إذا سلَّمنا على أحد أن نستحضر أننا ندعو له بالسلامة من الآفات؛ ولهذا لو أتيت بكل ترحيب ما قابل هذه الجملة الدعائية أن تدعو الله له بالسلامة. فالحاصل أن ما ذكره الأخ صحيح أن أكثر الناس يقولون: السلام عليكم من باب التحية فقط. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، يحركه؛ لأنه دعاء. * طالب: والرد كذلك؟ * الشيخ: والرد كذلك، يعني ينبغي لنا أن نستحضر المعاني في كل ما نقول حتى الآن التحيات لله -والله يتوب علينا وعليكم- هل نحن نستحضر معنى التحيات، ومعنى الصلوات، ومعنى الطيبات، وإلا تمشي ألفاظ تُقرأ؟ أحيانًا وأحيانًا، هذا أيضًا ما ينبغي، يعني ينبغي أن تستحضر لكل لفظ معناه وإلا صارت ألفاظًا جوفاء، ثيابًا ما فيها أجسام، أو أجسامًا ما فيها أرواح، ويش الفائدة أنك تقرأ التحيات لله والصلوات والطيبات وأنت سارح ما عندك إلا ألفاظ تمر على القلب فقط؟! هذه ينبغي أن كل ما قرأت هذه تستحضر وأنت تصلي، أيش معنى التحيات؟ ويش معنى الصلوات؟ ويش معنى الطيبات ولَّا لا؟ وإن شاء الله تعالى نختبركم فيها في يوم من الأيام ويش معنى التحيات؟ ويش معنى الصلوات إلا إذا كانوا مستعدين الآن عشان نكمل بقية الحصة؟ * طلبة: تشرحها. * الشيخ: أشرحها؟! إذا شرحتها ما صار اختبارًا. * طالب: (...). * الشيخ: ما يخالف، الآن نشوف التحيات، من اللي يعرف معنى التحيات؟ * طالب: البقاء (...)؟ * الشيخ: يعني كل لفظ دال على البقاء والتعظيم والتكريم؛ لأن التحية معروفة تعظيم للمُحيَّا وتكريم له. طيب (لله): معروفة أنها مستحقة لله، وأنها خاصة به. الصلوات أيش معنى الصلوات؟ الصلوات لله؟ * طالب: (...). * الشيخ: الفريضة والنافلة وهي العبادة المخصوصة، وإلا حتى الدعاء يدخل، فالصلوات بمعنى العبادة المخصوصة، وبمعنى الدعاء أيضًا كله لله عز وجل ما يُدعى إلا لله، ولا يُتعبَّد بصلاته إلا لله. الطيبات لله؟ * طالب: الطيبات من الأقوال والأفعال الخاصة بالله سبحانه وتعالى. * الشيخ: نعم، وكذلك الأوصاف، فالطيبات منا، والطيبات منه، فكل صفاته طيبة، وكل أفعاله طيبة، وكل أقواله طيبة، ومنا أيضًا ما يكون لله، ولا يقبل الله إلا ما كان طيبًا؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا»[[أخرجه مسلم (١٠١٥ / ٦٥) من حديث أبي هريرة.]]. من يستحضر هذين المعنيين وهو يصلي؟ أن الطيبات باعتبارها صفة لله وباعتبارها وصفًا لفعل المخلوق؟ * طالب: الغالب الثاني. * الشيخ: الغالب الثاني أن معناها أن الطيبات الواقعة منا تكون لله لا يقبل الله سواها. لا، الحقيقة أن كلا المعنيين حق، «إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ»، هذا باعتبار ما يتعلق بالله، «لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا» باعتبار ما يفعله العبد. طيب ويش معنى السلام عليك أيها النبي؟ قلناها. (ورحمة الله وبركاته)، (الرحمة): الدعاء له بالرحمة وهي حصول المطلوب، وبالسلام زوال المكروه. (وبركاته) يعني الخير الثابت الكثير، فأنت بعدما دعوت له بالرحمة سألت الله تعالى أن يجعل ذلك بركة عليه مستمرًّا. وأما (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) فقد فسرها النبي عليه الصلاة والسلام وقال: «إِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٢٣٠)، ومسلم (٤٠٢ / ٥٥) من حديث عبد الله بن مسعود.]]. من يستحضر إذا سلمنا: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؛ فالمعنى سلمنا على الأنبياء أو لا؟ والملائكة والأولياء والصالحين من هذه الأمة ومن غيرها حتى نسلم بهذا الكلام نسلم على الحواريين الذين اختارهم عيسى، والسبعين الذين اختارهم موسى، والقليل الذين آمنوا بنوح، وأصحاب الكهف، من يستحضر؟ وآدم وغيره هل نستحضر هذا؟ الظاهر الغالب أنه ما يستحضر. * طالب: قول الرسول ﷺ ما يدل على أن الصحابة (...) تحصل هذه لو مذكورة إذا قال: إذا سلمت فقد سلمت على كل عبد صالح. * الشيخ: لا؛ لأنهم كانوا يقولون: السلام على جبريل، وعلى ميكائيل، وعلى فلان، وعلى فلان. (...) كلام التخصيص أنتم خصصتم ما له حاجة، إذا قلتم: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؛ دخل في هذا ما خصصتم. * طالب: يعني معناه كأنهم ما استحضروه؟ * الشيخ: لا، ما كأنهم لم يستحضروه؛ ولهذا يخصصون. وقوله: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) واضح. (أشهد) يعني أقر، لكن إقرارًا كالمشاهد بالعين، ما هو إقرار هكذا، إقرار يعني هزيل؛ يعني أشهد أصل الشهود أو الشهادة لما رُؤِى أو سُمِع بالآذن، لكن هنا عبر عن ما في القلب بالشهادة كأن الإنسان يشاهِد ما أقر به. وأما (أن لا إله إلا الله) فالعامة يخطئون فيها، يقولون: أشهد (أنَّ) لا إله إلا الله، وهذا خطأ من حيث اللغة؛ لأن (أنَّ) المشددة ما يحذف اسمها، ولكنها أن المخفَّفة. (لا إله إلا الله) يعني لا إلهَ حقٌّ؛ أي لا معبودَ حقٌّ إلا الله عز وجل، والمعبودات التي تُعْبد من دونه باطلة. (وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) فيها أيضًا الإقرار المتيقن كأنما يشاهد بأن محمدًا عبد الله ورسوله، فهو عبد ليس له حق من الربوبية، ورسول ليس فيه شيء من الخيانة؛ فهو رسول حقًّا. هذا هو معنى التشهد وليس بعد المعنى الذي هو كل المعنى، بل هذه معانٍ ظاهرة عابرة، ومع ذلك أكثر الناس ما يستحضرون. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا؛ لأن هذه خبر وثناء. ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب ٥٧]. قال المؤلف: (﴿﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ﴾ وهم الكفار يصفون الله بما هو مُنَزَّه عنه من الولد والشريك ويكذبون رسوله) هذا من الإيذاء. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ﴾ جملة خبرية مؤكدة بـ(إن)، وخبر (إن) قوله: ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ بماذا يؤذون الله؟ يؤذون الله بوصفه بالعيوب التي لا تليق به، مثل قول بعضهم: إن الله فقير، ومثل سب الدهر: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٢٦)، ومسلم (٢٢٤٦ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]، ومثل أن يقولوا: إن الله اتخذ صاحبة أو ولدًا، أو إن الله تعالى لما خلق السماوات والأرض تعب واستراح يوم السبت وما أشبه ذلك. فإيذاء الله تعالى يكون بماذا؟ بأن يُوصَف بما لا يليق به. ومنه إنكار أسمائه وصفاته، فإن هذا لا شك يعني سلْب الكمال عنه يتضمن النقص؛ لأن الكمال والنقص متضادان، ما من شيء إلا موصوف بالكمال أو بالنقص، فإذا سُلِبَت عنه صفات الكمال لزم من ذلك اتصافه بالنقص وهو نوع من الإيذاء. وأما إيذاء الرسول عليه الصلاة والسلام فيكون بالقول وبالفعل؛ فبالقول: أن يُوصَف الرسول عليه الصلاة والسلام بأنه ساحر، أو شاعر، أو كاهن، أو مجنون. والغريب أن الساحر والمجنون وُصِفَ به جميع الأنبياء، كل الأنبياء السابقين المرسلين إلى قومهم وُصِفوا بهذا، قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات ٥٢] فهذه الأوصاف لا شك أنها تؤذي الرسول عليه الصلاة والسلام، وتؤذي كل ولي لله ورسوله؛ أن يوصف النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الأوصاف الكاذبة. وكذلك إيذاء الرسول بالفعل: «كما صنع قريش به ﷺ حين أتوا بسلى الناقة وهو ساجد في المسجد الحرام أمام بيت الله عز وجل، فوضعوا سلى الناقة على ظهره وهو ساجد» أي أذية أبلغ من هذا؟! رجل لم يتعرض لهم، وإنما يعبد الله تعالى في آمن مكان على وجه الأرض أمام بيت الله سبحانه وتعالى، وأقرب ما يكون من ربه، ثم يأتي هؤلاء الظَّلَمَة المعتدون فيضعون عليه هذه القاذورات، أعتقد أن هذا من أبلغ ما يكون من الأذية «حتى جاءت ابنته الطفلة الصغيرة فأزالته عنه»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٠)، ومسلم (١٧٩٤ / ١٠٧) من حديث ابن مسعود.]]، هذا من الأذية. كذلك من الأذية ما ذكروا أنهم كانوا يلقون الأنتان والقاذورات على عتبة بابه ﷺ في مكة حتى كان يخرج ويقول: «أَيُّ جِوَارٍ هَذَا؟ أَيُّ جِوَارٍ هَذَا؟!»[[ذكره ابن هشام في السيرة (١ / ٧٦)، وابن كثير في البداية والنهاية (٤ / ٣٠٥).]]. يعني لو كنت جارًا لكم ولست منكم ما تفعلون بي هذا الفعل. فهؤلاء الذين يؤذون الله ورسوله ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب ٥٧] والعياذ بالله، يعني أبعدهم الله تعالى عن رحمته في الدنيا وفي الآخرة؛ لأن اللعن بمعنى الطرد والإبعاد عن رحمة الله. وفي قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ ولم يقل: آذوا الله؛ يعني لأنهم مستمرون في الأذية، فما داموا مستمرين في الأذية فإن لهم اللعنة في الدنيا والآخرة، أما إذا مَنَّ الله عليهم بالهداية، ورجعوا إلى الله تعالى، وتابوا من شركهم فإن اللعنة سترتفع عنهم؛ لأن الحكم يدور مع عِلَّته. ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ (أبعدهم) ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ ﴿أَعَدَّ﴾ بمعنى هيأ، والعذاب بمعنى العقوبة. و﴿مُهِينًا﴾ قال المؤلف: (ذا إهانة) وهو النار، إي نعم، عذاب النار -والعياذ بالله- إهانة بدنية حسية، وإهانة نفسية؛ ولهذا يقال لأصحاب النار: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان ٤٧] ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ﴾، يعني ادفعوه بشدة وعنف ﴿إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ يعني قعرها وأصلها. ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ﴾ الرأس اللي ما كان ينحني لأحد ولا لله ﴿صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان ٤٨] ﴿الْحَمِيمِ﴾ الماء الشديد الحرارة، ثم يقال له بعد الإهانة بالفعل، يقال له: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٩]، هذا تهكم به غاية التهكم؛ يعني أنك كنت في نفسك عزيزًا كريمًا، لكنك الآن ذليل مهين خلاف العز والكرم، فهذا العذاب المهين الذي أُعِدَّ للكافرين -نسأل الله أن يسلمنا وإياكم منه- فصارت عقوبة هؤلاء المؤذِين لله ورسوله أمرين عظيمين: أحدهما: اللعن؛ وهو الطرد والإبعاد عن رحمة الله. والثاني: العذاب المهين الذي يُوقِعه في الهوان والذل. المؤمنون والمؤمنات؟ قال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ [الأحزاب ٥٨] (يرمونهم بغير ما عملوا) ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب ٥٨] (تحملوا كذبًا) ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (بيِّنًا). تأمل الفرق بين أذية الله ورسوله وأذية المؤمنين تجد بينهما فرقًا كبيرًا في العقوبة. ﴿الَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ ﴿بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ هذا لم يُذْكر في الآية الأولى السبب؛ لأنه لا يمكن أن يكون من فعل الله، أو من فعل رسوله ما يستحقون به الأذية ولَّا لا؟ لكن المؤمنون يمكن أن يقع منهم ما يستحقون به الأذية؛ ولهذا قال: ﴿بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾؛ لأن المؤمن قد يكتسب شيئًا يستحق الأذية عليه ولًّا لا؟ وأيضًا قال: ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ ولم يقل لعنهم الله، ولا أعد لهم عذابًا مهينًا بل قال: ﴿احْتَمَلُوا بُهْتَانًا﴾ يعني كذبًا وتحملوه، والبهتان هو أن تذكر أخاك بما ليس فيه؛ ولهذا لما سُئل النبي عليه الصلاة والسلام عن الغِيبة قال: «هِيَ ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ». قال: يا رسول الله، أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ»[[أخرجه مسلم (٢٥٨٩ / ٧٠) من حديث أبي هريرة.]]. أذية المؤمنين بماذا تكون؟ بالقول وبالفعل، وهي كثيرة لا حصر لها، أذية المؤمن كثيرة لا حصر لها؛ منها: أذية الجار حتى إن العلماء يقولون: لا يجوز للإنسان أن يدق وتدًا في الجدار المشترك بينه وبين جاره على وجه يؤذي جاره، ولا يجوز أن يسقي نخله إذا كان الماء يتسرب إلى جاره، ولا يجوز أن يجعل رحًى تطحن حول جاره؛ لأن ذلك يؤذيه. فالأذية كثيرة، ومن هذا النوع أن يهينه عندما يأتي لطلب حقه، فإن بعض الموظفين -والعياذ بالله- إذا جاءهم الناس لإجراء معاملاتهم تجدهم يمتهنونهم، ويؤذونهم، هذا أيضًا من أذية المؤمنين بغير ما اكتسبوا. وأفرادها بل وأنواعها لا يمكن حصرها، والشيء العام هو أن يحصل للمؤمن أذية من فعل أو قول؛ فالذين يؤذون المؤمنين بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانًا وإثمًا مبينًا، نسأل الله العافية (...) ﴿ومَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب ٥٦] * في هذه الآية فوائد: * منها: إثبات الملائكة لقوله: ﴿وَمَلَائِكَتَهُ﴾. * ومنها: شرف الملائكة في إضافتهم إلى الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿وَمَلَائِكَتَهُ﴾ فإضافتهم إلى الله إضافة تشريف. * ومن فوائدها: بيان علو شأن النبي ﷺ؛ لكون الله وملائكته يصلون عليه، فهذا بلا شك من عُلُوِّ شأنه ورِفعة ذكره. * ومن فوائدها: الأمر بالصلاة والسلام على رسول ﷺ؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. * ومن فوائدها: أن الصلاة والسلام عليه من مقتضيات الإيمان، وأنه زيادة في الإيمان؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. * ومنها: أن الصلاة والسلام عليه واجبان؛ لأن الأصل في الأمر الوجوب؛ ولأن ذلك من قضاء حق النبي ﷺ الذي له على أمته، فإن حقه على أمته أعظم من حق الوالدين على أولادهما، ولكن الوجوب يحصل بفعل ذلك مرة واحدة، فإذا دل دليل على التكرار وجب أن نأخذ بمقتضى الدليل. وقد قال كثير من أهل العلم بوجوب الصلاة والسلام عليه ﷺ في الصلاة، وذلك في التشهد؛ فإن الإنسان يقول: السلام عليك أيها النبي، ويقول: اللهم صلِّ على محمد. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المشروع أن يصلي الإنسان عليه باللفظ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. ولا يكفي السلام أو الصلاة بالقلْب، وعلى هذا فينبغي عندما نكتب أحاديث أن نكتب: ﷺ. وأما ما يفعله بعض الناس من كتابته (ص) أو كتابته (صلعم) فإن أهل العلم كرهوا ذلك، وقالوا: إن الأفضل أن يكتب ﷺ. وكان الإمام أحمد رحمه الله ربما كتب الحديث ولم يذكر ﷺ. وأجاب بعض العلماء عن ذلك: بأنه كان يتركها حرصًا على اغتنام الوقت، وأنه كان يصلي عليه بلسانه دون قلمه. وقد مر علينا في الشرْح أو في التفسير: أن الصلاة على النبي ﷺ تنقسم إلى قسمين: مُطلَقة ومقيَّدة، وأنها في المواضع المقيدة قد تكون واجبة وقد تكون مستحبة، وأنها في بعض الأماكن قد تكون مكروهة. فيها أيضًا مباحث، ما هي في نفس الآية، لكن لها صلة بها: هل تجوز الصلاة على غير الأنبياء؟ في هذا للعلماء أقوال ثلاثة: الجواز، والمنع، والجواز إذا لم يكن شعارًا، وهذا هو الصحيح؛ أنه يجوز أن تصلي على شخص بشرط ألا تجعل ذلك شعارًا له كلما ذكرته صليت عليه، أو سلمت عليه. وقد نص أهل العلم على أن ما يوجد في بعض الكتب عند ذكر علي رضي الله عنه يقولون: علي عليه السلام، أو علي كرم الله وجهه؛ أن ذلك من عمل بعض النساخ، وأن الأفضل أن يقال له كما يقال لغيره من الصحابة علي رضي الله عنه، مع أن علي رضي الله عنه أكمل من علي عليه السلام، وأكمل من علي كرم الله وجهه؛ لأن الرضا مرتبة عظيمة. وأما إذا صُلِّي على غير الأنبياء بالتبع فهذا جائز بالاتفاق، وقد علم النبي عليه الصلاة والسلام أمته أن يقولوا: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٧٠)، ومسلم (٤٠٦ / ٦٦) من حديث كعب بن عجرة.]]. وسبق لنا أيضًا: الدعاء بالرحمة للرسول هل يُدْعى له بالرحمة؟ وأن من أهل العلم من كره ذلك والصحيح أنه ليس بمكروه. ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾. * طالب: ما ذكرت صلاتنا على الرسول ﷺ إيش معناها؟ * الشيخ: صلاتنا على الرسول ذكرناها قلنا: إن معناها طلب الثناء، الطلب من الله أن يثني عليه في الملأ الأعلى. * طالب: كتابة (ص) (...)؟ * الشيخ: إي نعم؛ لأنهم يقولون إما أن تكتبها كاملة وإما أن تدعها. * طالب: تقرأها كاملة؟ * الشيخ: دعنا من القراءة لكن الكتابة، إذا جاء إنسان مثلًا بيقرأ وهو ما يعرف اصطلاحات الكُتَّاب هؤلاء سوف يقول: قال رسول الله (ص)، قال رسول الله (صلعم)! * طالب: قولهم لعلي رضي الله عنه: كرم الله وجهه كيف (...)؟ * الشيخ: يقولون: إنه لم يسجد لصنم، وأنه كرم الله وجهه بهذا، ولكن هو أصلهم الذين يكتبون هذا أن يجعلوا ميزة لعلي بن أبي طالب فقط، هذا أهم شيء عندهم سواء كان ذلك أحسن أو ليس بأحسن، يريدون أن يجعلوا له ميزة. * طالب: (...) في كتاب قرأته (...)؟ * الشيخ: عجيب، أيش يقول عندك مكتوبة؟ * الطالب: (...)؟ * الشيخ: يعني يكتبون إذا ذكروا الصحابة كتبوا (ر) أو (ض). * الطالب: (...)؟ * الشيخ: وعلي، إذا كتبوا عليًّا، ويش يقولون؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لكن أنت ما تظن أن الـ(ر) والـ(ض) مثل (ص) في ﷺ، ما تظن أن هذه رمز؟ * الطالب: لا أظن أنه رمز. * الشيخ: إي، هذا هو الظاهر أنها رمز. * الطالب: ما كتبه في كتاب للشيعة (...)؟ * الشيخ: يمكن، الله أعلم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: ما يطَّلع عليه إلا هو؟ وإذا مات؟ * الطالب: (...)؟ * الشيخ: كأنه إذا مات جُعِل في كفنه، فلا بأس. طيب ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى آخره [الأحزاب: ٥٧]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن أذية الله ورسوله من كبائر الذنوب، وجه ذلك أن الله توعد عليها باللعن والعذاب، وكل شيء توعد الله عليه باللعن أو العذاب فإنه من كبائر الذنوب. وقد اختلف العلماء في الكبائر هل تُعد أو تُحد؟ فمنهم من عدَّها عدًّا، ومنهم من حدَّها حدًّا. وقال: إن الكبيرة كل ما رُتِّب عليه عقوبة خاصة فهو كبيرة، وهذا حدٌّ لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، كل شيء أو كل ذنب رُتِّب عليه عقوبة خاصة دنيوية أو أخروية فإنه من كبائر الذنوب، سواء كان ذلك لعنة، أو غضب، أو نفي إيمان، أو تبرؤ منه، أو عذاب، أو ما أشبه ذلك، كل شيء جُعل عليه عقوبة خاصة فإنه من كبائر الذنوب. * ويستفاد من الآية الكريمة: وصف الله تبارك وتعالى بأنه يتأذى؛ لقوله: ﴿يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. * ويستفاد منه: بيان كمال الله عز وجل؛ لأنه إذا كان يتأذى من الأشياء المنكَرة التي لا تليق به دل ذلك على كماله؛ ولهذا عند الناس من العيب أن الإنسان لا يتأذى بما يُوصف به من عيب، من العيب ألا يتأذى بما يُوصَف به من عيب؛ ولهذا يُسمون مثل هذا الرجل، يسمونه الحمار لبَلادَته، وعدم أهميته يعني لا يفرق بين من يمدحه ومن يقدح فيه، كله سواء عنده لكن الإنسان اللي يتأذى بالعيب، هذا هو الذي له شعور وله عاطفة، ثم إذا صبر واحتسب، واستعمل الحكمة في ذلك كان خيرًا. المهم أن الأذية مما ليس بمحمود تعتبر كمالًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أذية الرسول ﷺ كأذية الله؛ لأن الله جَمَعَ بينهما بالواو ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، فكما أن طاعة الرسول كطاعة الله ومعصية الرسول كمعصية الله فأذية الرسول كأذية الله؛ يعني من حيث التحريم، وأنها من الكبائر، وإلا فإن أذية الله أعظم من حيث الجهة التي نُسب إليها الذم والعيب. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اللعنة، أي لعنة الله وهي طرده وإبعاده، وهي من الصفات الذاتية أو الفعلية؟ الفعلية؛ لأن كل صفة لله مُعلَّقة بسبب فهي من الصفات الفعلية؛ لأن هذا السبب يتجدد فتكون الصفة بعد وجوده، وهذا هو ما يكون صفة (...). ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ﴾ والعذاب المهين كلنا يعرف أنه في النار؛ لأن هي اللي عذابها مهين. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء من جنس العمل، فكما تعالى هؤلاء وتعاظموا وأهانوا الرسول عليه الصلاة والسلام بأذيته عاقبهم الله بما يهينهم ويذلهم من العذاب. ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب ٥٨]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: تحريم أذية المؤمنين بغير حق؛ لقوله: ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. * ويستفاد منها: تحريم كل أذية أيًّا كان نوعها سواء كانت قولية أم فعلية؛ لعموم اللفظ في قوله: ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ﴾ واسم الموصول من صيغ العموم. * ويستفاد منها: أن أذية المؤمن بما هو من كسبه ليس فيها وعيد، وليست إثمًا ولا بهتانًا؛ لقوله: ﴿بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾. * ويستفاد منها: أنه لا يجوز أن يُؤذَى بأكثر مما يستحق، فلو أنه سبَّك فلا تسبه أكثر؛ لأنك إذا سببته أكثر فقد آذيته بغير ما اكتسب، وإذا سببته بمثل ما سبك فقد آذيته بقدر ما اكتسب، وقد قال الله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى٤٠]. * ومن فوائد الآية: الرد على الجبرية؛ لقوله: ﴿بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ فأضاف الفعل عليهم، والجبرية يقولون: إن الإنسان مُجْبَر على عمله، وأنه لا حول له ولا قوة، يفعل الشيء بغير اختياره، ويدعه بغير اختياره. * ومن فوائد الآية الكريمة: ذم الكذب؛ لقوله: ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا﴾ ولا سيما إذا كان الكذب يؤدي إلى أذية الغير. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز أذية غير المؤمنين؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ لكن إن كان الإنسان غير المؤمن ذميًّا أو مُعاهَدًا أو مستأمِنًا فإنه لا تجوز أذيته بما يخالف عهده. إذن غير المؤمن فيه تفصيل: المؤمن أذيته حرام بكل حال، وغير المؤمن فيه تفصيل، ما هو التفصيل؟ إذا آذيناه أكثر مما يقتضيه العهد فهو حرام ولا يجوز، وإن آذيناه في حد ما يقتضيه العهد فإنه لا حرمة له إلا فيما يقتضيه عهده. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الذنب قد يجمع بين وصفين ذميمين؛ لقوله: ﴿احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ فهم بكذبهم احتملوا البهتان، وبعدوانهم احتملوا الإثم المبين (...). ﴿ ﴾

الأحزاب 33:58

ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب ٥٦]، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ﴾ هذا خبر مؤكد بـ(إن)، وعطف الملائكة على الله عز وجل بالواو؛ لأنهم مشاركون لله سبحانه وتعالى بهذا الفعل؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ﴾. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ﴾ الملائكة تَقَدَّم أنهم جمع مَلَك وأن أصل مَلَك مَأْلَك من الأَلُوكة وهي الرسالة، ولكنه حصل فيها إعلال بالتقديم والتأخير فصار بدل مَأْلك صارت ملأك ثم حذفت الهمزة للتخفيف لكثرة الاستعمال فصارت ملك، أما الجمع فإنها رُدَّت الهمزة وقيل فيها: ملائكة. * طالب: (...). * الشيخ: هذا تعليل صرفي ما يدخل في درس الفقه، يعني قالوا: من أين اشتق الملك؟ من الأَلوكة، الألوكة في اللغة بمعنى الرسالة، والملائكة رسل، فأصلها إذن مألك، يعني: من الألوكة، ثم أُعِلَّ بالتقديم والتأخير فصارت ملأك، ثم حُذِفَت الهمزة للتخفيف لكثرة الاستعمال، ونُقِلَت حركتها إلى اللام فصارت ملك، أما الجمع فملائكة، فالملائكة هم الذين جعلهم الله تعالى رسلًا وهم عالم غيبيٌّ مخلوقون من نور ممتثلون لأمر الله عز وجل قائمون بعبادته آناء الليل والنهار كما ذكر الله عنهم ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ٢٠]، وهم مع ذلك ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم ٦]؛ لقوة امتثالهم لأمر الله. ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ لقوتهم على التنفيذ، فيكون ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ هذا باعتبار الإرادات، ما عندهم إرادة تخالف أمر الله. ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ باعتبار التنفيذ والعمل، وهم -أي: الملائكة- أصناف في أشكالهم وفي أعمالهم وفي صفاتهم، ما نعلم من هذا إلا ما أعلمنا الله تعالى به ورسوله، والباقي مجهول لنا فنؤمن بما عَلِمْنا من أسمائهم وأشكالهم وأوصافهم وأعمالهم، وما لم نَعْلَمْه نؤمن به على سبيل أيش؟ على سبيل الإجمال؛ نقول: آمنا بالله وملائكته. ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ﴾ الخبر ﴿يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ ﴿النَّبِيِّ﴾ من؟ محمد ﷺ؛ ولهذا قال: (محمد ﷺ)، وما معنى ﴿يُصَلُّونَ﴾؟ اشتهر عند كثير من أهل العلم أن الصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، وعلى هذا فيفسر ﴿يُصَلُّونَ﴾ باعتباره إلى الله بمعنى الرحمة، وإلى الملائكة الاستغفار، لكن هذا التفسير خطأ؛ فإن الرحمة أعم من الصلاة؛ لأن الرحمة يدعى بها لكل أحد، والصلاة خاصة بالأنبياء فهي شعارهم، ولا تقال لأحد سواهم إلا على سبيل لا يكون شعارًا، وأما الرحمة فهي عامة حتى إن بعض أهل العلم يقول: لا يجوز أن تدعو للرسول بالرحمة؛ ما تقول: محمد رحمه الله، قال رسول الله رحمه الله. لكن هذا القول ضعيف؛ لأن النبي ﷺ نفسه كان يدعو لنفسه بالرحمة يقول: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي»[[أخرجه أبو داود (٨٥٠)، والترمذي (٢٨٤)، وابن ماجه (٨٩٨) من حديث عبد الله بن عباس.]]، وفي قصة الأعرابي قال: «اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا»[[أخرجه البخاري (٦٠١٠) من حديث أبي هريرة.]] ولم ينكر عليه النبي عليه الصلاة والسلام، لكنها عند السلف يُدْعَى للرسول ﷺ بماذا؟ بالصلاة، ولغيره بالرحمة والرضا، وما أشبه ذلك. والصواب أن صلاة الله على رسوله معناها ثناؤه عليه في الملأ الأعلى وليست رحمته إياه بدليل قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة ١٥٧]، قال: ﴿صَلَوَاتٌ﴾ ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ فدلَّ هذا على أن الرحمة غير الصلاة، وهو كذلك، أما صلاة الملائكة على الرسول عليه الصلاة والسلام فيحتمل أن تكون بمعنى الدعاء أنهم يدعون له بالصلاة، ويحتمل أن المعنى أنهم يُثْنُون عليه مع الله، وهذا أقرب؛ حتى لا يَتَوَّزَع المعنى في كلمة: ﴿يُصَلُّونَ﴾، ويكون المعنى أن الله يُثْنِي عليه والملائكة كذلك يثنون عليه، وهذا من تعلية شأن الرسول ﷺ؛ ولهذا قدَّم هذه الجملة الخبرية على الجملة الإنشائية الطلبية في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب ٥٦]؛ لأن النفس إذا عَلِمَت شرف هذا النبي وأن الله سبحانه وتعالى نفسه وملائكته المقربين وغير المقربين من الملائكة الآخرين، فإنهم يصلون عليه، وأنا قلت: الملائكة المقربين لأن الملائكة كلهم مقربون بالمعنى العام، لكن هناك ملائكة مقربون عند الله كحملة العرش ونحوهم، وكل هؤلاء يصلون على النبي ﷺ. وفي إضافة الملائكة إلى الله ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ﴾.. النبي ﷺ. ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب ٥٦] ولما تقرر في النفوس عُلو شأن الرسول ﷺ بهذه الجملة وَجَّه الله الخطاب إلى المؤمنين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. وتصدير الجملة بالنداء يدل على الأهمية والعناية بها؛ لأن النداء يستلزم انتباه المنادى، ولا داعي لتنبيه المخاطَب إلا لأمر هام. ثم النداء بهذا الوصف ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فيه إغراء للامتثال -لامتثال الخطاب الموجه- ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إذا قال الله: يا أيها الذين آمنوا فأرْعِها سمْعَك -يعني استمع لها- فإما خير تؤمر به، وإما شر تُنهى عنه»[[أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٥٠).]]. وفي وصف الإيمان مع كونه إغراءً دليل على أن امتثال هذا الأمر من مقتضيات الإيمان، وأن معصيته نقص في الإيمان. قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب ٥٦] نبغي ندمج الحديث بالتفسير؛ لأني ما جبت القواعد. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ يعني ادعوا له بالصلاة فليس المراد بالصلاة إذا قلت: صلِّ على فلان، ليس معناها الدعاء المطلق بل الدعاء بالصلاة؛ ولهذا لما أمر الله نبيه أن يُصلِّي على من أعطاه الصدقة صار يقول: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٩٧)، ومسلم (١٠٧٨ / ١٧٦) من حديث عبد الله بن أبي أوفى بمعناه.]]. فالصلاة في اللغة: الدعاء صحيح، لكن إذا أمرتك أن تصلي على شخص فالمعنى أن تدعو له بماذا؟ بصلاة الله عليه، فمعنى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ أمر بالصلاة على رسول الله ﷺ، وهو أمر مطلق غير مقيد، فإذن تكون الصلاة على الرسول عليه الصلاة والسلام مطلقة غير مقيدة نصلي عليه بأي صيغة صلَّينا ونصلي عليه في كل وقت وفي كل مكان، لكن هناك أمكنة تتأكد فيها الصلاة، وأمكنة لا تنبغي فيها الصلاة، وأمكنة تُستحب فيها الصلاة مطلقًا يعني ما هو بتأكد. فمما تتأكد الصلاة على النبي ﷺ فيه إذا ذُكِر اسمه فإن الصلاة واجبة عليه؛ لقوله ﷺ في حديث أبي هريرة قال: «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: رَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ»[[أخرجه مسلم (٢٥٥١ / ٩)، والترمذي (٣٥٤٥)، واللفظ له.]]. وهذا دعاء له بأن يُرغم الله أنفَه في التراب، وإرغام الأنف في التراب دليل على الذل والإهانة، وهذا يدل على وجوب الصلاة على النبي ﷺ إذا ذُكِر اسمه. ثانيًا: الصلاة عليه في التشهد الأخير ركن لا تصح الصلاة إلا به على مذهب الحنابلة والشافعية، ولا فرق بين الفريضة والنافلة. * ومنها: أنه يستحب في الصلاة على النبي ﷺ في الدعاء مُقدَّمة عليه أو مُؤخَّرة عنه. * ومنها: عند الأذان: «فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ»[[أخرجه مسلم (٣٨٤ / ١١) من حديث عبد الله بن عمرو.]]. ومواضع متعددة، لكن منها ما هو على سبيل الوجوب، ومنها ما هو على سبيل الاستحباب. أما كراهة الصلاة على النبي ﷺ فذكروا أنها تُكره الصلاة عليه عند الذبح، إذا قلت: باسم الله والله أكبر ما تقول: اللهم صَلِّ على محمد، قالوا: لأن المقام مقام إخلاص وتوحيد، فلا ينبغي أن يُذكر مع اسم الله غيره، فتقول: باسم الله والله أكبر، ولا تصلي على النبي ﷺ. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ قلت لكم: إنه مُطلق بأي صفة كانت، فما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام حين سأله الصحابة: كيف نصلي عليك؟ قال: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٦٩)، ومسلم (٤٠٧ / ٦٩) من حديث أبي حميد الساعدي.]]. هذا على سبيل الاستحباب، وليس على سبيل الوجوب؛ ولهذا أجمع العلماء على أن الصلاة على آل الرسول ﷺ لا تجب، مع أن الصيغة التي علمها النبي ﷺ أمته فيها الصلاة على آله مع أنها ليست بواجبة مما يدل على أنها على سبيل الاستحباب. وربما يستدل لذلك أيضًا بأن الصيغ التي أمر بها الرسول عليه الصلاة والسلام في كيفية الصلاة عليه مختلفة، ما هي كلها على صيغة واحدة، وهذا يدل على أن أي صيغة أتيت بها فهي مجزئة. وقوله: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب ٥٦] أي: قولوا: السلام عليك؛ يعني ادعوا له بالسلام فقولوا: السلام عليك أيها النبي. والسلام على النبي عليه الصلاة والسلام مع كونه غائبًا أمر مشروع؛ ولهذا نقول في صلاتنا: السلام عليك أيها النبي، مع أنه غائب، والصحابة يقولون: السلام عليك أيها النبي مع أنه غائب، ولا يسمعهم حتى لو كانوا معه في الصلاة فهو لا يسمعهم، لكن لأن هناك ملائكة سياحين يبلغون النبي ﷺ السلام من أمته؛ ولأنه لما كان الإنسان قوي الإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام صار كأنه حاضر عنده يخاطبه. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا﴾ ﴿وَسَلِّمُوا﴾ الآية فيها تقديم الصلاة على السلام مع أنه في التشهُّد يُقدَّم السلام على الصلاة، فهل بين الآية وما ثبت به الحديث في التشهد؟ هل بينهما تناقض؟ الجواب: لا؛ لأن العطف بالواو لا يستلزم وجوب التقديم، وإن كان قد يقتضيه لكنه لا يستلزمه؛ لأن الواو كما قال أهل اللغة تدل على مُطلق الاشتراك بدون ترتيب، ولهذا إذا قلت: ما شاء الله وشِئت. مع أنك قدمت مشيئة الله صار هذا نوعًا من الشِّرْك؛ لأن الواو تقتضي التسوية، وليست تستلزم الترتيب. إذا قال قائل: لماذا أكد التسليم بالمصدر؟ قال: ﴿سَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ولم يؤكد الصلاة؟ فالجواب: أن الصلاة تَقدَّم ما يؤكدها، وهو إخبار الله تعالى بأنه يُصلِّي عليه وملائكته، وهذا يُعطي الإنسان قوة في الصلاة عليه متى عَلِم بأن الرسول ﷺ يُصلِّي الله وملائكته عليه؛ فلهذا جاء التوكيد في التسليم دون الصلاة؛ لأن الصلاة أُكِّدت تأكيدًا معنويًّا بذِكْر أن الله وملائكته يصلون على النبي، وأما التسليم فأُكِّد تأكيدًا لفظيًّا؛ لأن قوله: ﴿تَسْلِيمًا﴾ مصدر مؤكد لقوله: ﴿سَلِّمُوا﴾. قال المؤلف: (﴿﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ ﴾ محمد ﷺ)، ولم يفسر ﴿يُصَلُّونَ﴾ رحمه الله، وهذا نقص في التفسير. ثم قال: (﴿﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ﴾ أي: قولوا: اللهم صَلِّ على محمد وسَلِّم) ولم يفسر التسليم. فما معنى التسليم؟ قال بعض العلماء: إنك إذا قلت: السلام عليك، فالسلام من أسماء الله؛ يعني الله عليك. وما معنى الله عليك؟ أي: الله حفيظ عليك، يراقبك، ويحفظك. وقال بعض العلماء: السلام عليك أي: التسليم عليك؛ فهي جملة خبرية بمعنى الدعاء، والسلام اسم مصدر (سَلَّمَ) مثل الكلام اسم مصدر (كَلَّمَ)، فمعنى السلام عليك يعني تسليم الله عليك؛ أي: تسليمك من الآفات. وهذا المعنى أصح، هذا المعنى هو الصحيح؛ أنك إذا قلت لإنسان: السلام عليك؛ أنك تسأل الله تعالى أن يُسلِّمه من الآفات؛ الآفات الحسية والمعنوية أو أحدهما؟ السلامة الحسية والمعنوية؛ فالسلامة الحسية: سلامة البدن والعِرْض والمال، والسلامة المعنوية: سلامة الدين من الآفات؛ لأن الإنسان محوط بآفتين؛ آفة في الدين، وآفة في الدنيا، والسلامة منهما جميعًا من أكبر نِعَم الله على العبد. * طالب: (...)؟ * الشيخ: المعنى لازم يستحضر، لا بد أن يستحضر وإلا كان لغوًا من القول. * طالب: (...)؟ * الشيخ: أكثر الناس عندما يُسلِّم يستحضر أنها تحية فقط، وهذا ما ينبغي، بل الذي ينبغي أن تستحضر بأنها دعاء له بالسلامة من الآفات؛ لأنك إذا كنت لا تستحضر إلا أنها تحية صار لا فرْق بينها وبين قولك: أهلًا وسهلًا، بل ربما تكون التحية بـ(أهلًا وسهلًا، مرحبًا يا أبا فلان، حياك الله وبيَّاك)، وما أشبه ذلك من الكلمات الترحيبية تكون أبلغ من هذا؛ ولهذا ينبغي لنا ما دام ما نويت المعنى الذي قصده الشارع صار لفظًا مجردًا، فينبغي لنا إذا سلَّمنا على أحد أن نستحضر أننا ندعو له بالسلامة من الآفات؛ ولهذا لو أتيت بكل ترحيب ما قابل هذه الجملة الدعائية أن تدعو الله له بالسلامة. فالحاصل أن ما ذكره الأخ صحيح أن أكثر الناس يقولون: السلام عليكم من باب التحية فقط. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، يحركه؛ لأنه دعاء. * طالب: والرد كذلك؟ * الشيخ: والرد كذلك، يعني ينبغي لنا أن نستحضر المعاني في كل ما نقول حتى الآن التحيات لله -والله يتوب علينا وعليكم- هل نحن نستحضر معنى التحيات، ومعنى الصلوات، ومعنى الطيبات، وإلا تمشي ألفاظ تُقرأ؟ أحيانًا وأحيانًا، هذا أيضًا ما ينبغي، يعني ينبغي أن تستحضر لكل لفظ معناه وإلا صارت ألفاظًا جوفاء، ثيابًا ما فيها أجسام، أو أجسامًا ما فيها أرواح، ويش الفائدة أنك تقرأ التحيات لله والصلوات والطيبات وأنت سارح ما عندك إلا ألفاظ تمر على القلب فقط؟! هذه ينبغي أن كل ما قرأت هذه تستحضر وأنت تصلي، أيش معنى التحيات؟ ويش معنى الصلوات؟ ويش معنى الطيبات ولَّا لا؟ وإن شاء الله تعالى نختبركم فيها في يوم من الأيام ويش معنى التحيات؟ ويش معنى الصلوات إلا إذا كانوا مستعدين الآن عشان نكمل بقية الحصة؟ * طلبة: تشرحها. * الشيخ: أشرحها؟! إذا شرحتها ما صار اختبارًا. * طالب: (...). * الشيخ: ما يخالف، الآن نشوف التحيات، من اللي يعرف معنى التحيات؟ * طالب: البقاء (...)؟ * الشيخ: يعني كل لفظ دال على البقاء والتعظيم والتكريم؛ لأن التحية معروفة تعظيم للمُحيَّا وتكريم له. طيب (لله): معروفة أنها مستحقة لله، وأنها خاصة به. الصلوات أيش معنى الصلوات؟ الصلوات لله؟ * طالب: (...). * الشيخ: الفريضة والنافلة وهي العبادة المخصوصة، وإلا حتى الدعاء يدخل، فالصلوات بمعنى العبادة المخصوصة، وبمعنى الدعاء أيضًا كله لله عز وجل ما يُدعى إلا لله، ولا يُتعبَّد بصلاته إلا لله. الطيبات لله؟ * طالب: الطيبات من الأقوال والأفعال الخاصة بالله سبحانه وتعالى. * الشيخ: نعم، وكذلك الأوصاف، فالطيبات منا، والطيبات منه، فكل صفاته طيبة، وكل أفعاله طيبة، وكل أقواله طيبة، ومنا أيضًا ما يكون لله، ولا يقبل الله إلا ما كان طيبًا؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا»[[أخرجه مسلم (١٠١٥ / ٦٥) من حديث أبي هريرة.]]. من يستحضر هذين المعنيين وهو يصلي؟ أن الطيبات باعتبارها صفة لله وباعتبارها وصفًا لفعل المخلوق؟ * طالب: الغالب الثاني. * الشيخ: الغالب الثاني أن معناها أن الطيبات الواقعة منا تكون لله لا يقبل الله سواها. لا، الحقيقة أن كلا المعنيين حق، «إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ»، هذا باعتبار ما يتعلق بالله، «لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا» باعتبار ما يفعله العبد. طيب ويش معنى السلام عليك أيها النبي؟ قلناها. (ورحمة الله وبركاته)، (الرحمة): الدعاء له بالرحمة وهي حصول المطلوب، وبالسلام زوال المكروه. (وبركاته) يعني الخير الثابت الكثير، فأنت بعدما دعوت له بالرحمة سألت الله تعالى أن يجعل ذلك بركة عليه مستمرًّا. وأما (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) فقد فسرها النبي عليه الصلاة والسلام وقال: «إِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٢٣٠)، ومسلم (٤٠٢ / ٥٥) من حديث عبد الله بن مسعود.]]. من يستحضر إذا سلمنا: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؛ فالمعنى سلمنا على الأنبياء أو لا؟ والملائكة والأولياء والصالحين من هذه الأمة ومن غيرها حتى نسلم بهذا الكلام نسلم على الحواريين الذين اختارهم عيسى، والسبعين الذين اختارهم موسى، والقليل الذين آمنوا بنوح، وأصحاب الكهف، من يستحضر؟ وآدم وغيره هل نستحضر هذا؟ الظاهر الغالب أنه ما يستحضر. * طالب: قول الرسول ﷺ ما يدل على أن الصحابة (...) تحصل هذه لو مذكورة إذا قال: إذا سلمت فقد سلمت على كل عبد صالح. * الشيخ: لا؛ لأنهم كانوا يقولون: السلام على جبريل، وعلى ميكائيل، وعلى فلان، وعلى فلان. (...) كلام التخصيص أنتم خصصتم ما له حاجة، إذا قلتم: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؛ دخل في هذا ما خصصتم. * طالب: يعني معناه كأنهم ما استحضروه؟ * الشيخ: لا، ما كأنهم لم يستحضروه؛ ولهذا يخصصون. وقوله: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) واضح. (أشهد) يعني أقر، لكن إقرارًا كالمشاهد بالعين، ما هو إقرار هكذا، إقرار يعني هزيل؛ يعني أشهد أصل الشهود أو الشهادة لما رُؤِى أو سُمِع بالآذن، لكن هنا عبر عن ما في القلب بالشهادة كأن الإنسان يشاهِد ما أقر به. وأما (أن لا إله إلا الله) فالعامة يخطئون فيها، يقولون: أشهد (أنَّ) لا إله إلا الله، وهذا خطأ من حيث اللغة؛ لأن (أنَّ) المشددة ما يحذف اسمها، ولكنها أن المخفَّفة. (لا إله إلا الله) يعني لا إلهَ حقٌّ؛ أي لا معبودَ حقٌّ إلا الله عز وجل، والمعبودات التي تُعْبد من دونه باطلة. (وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) فيها أيضًا الإقرار المتيقن كأنما يشاهد بأن محمدًا عبد الله ورسوله، فهو عبد ليس له حق من الربوبية، ورسول ليس فيه شيء من الخيانة؛ فهو رسول حقًّا. هذا هو معنى التشهد وليس بعد المعنى الذي هو كل المعنى، بل هذه معانٍ ظاهرة عابرة، ومع ذلك أكثر الناس ما يستحضرون. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا؛ لأن هذه خبر وثناء. ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب ٥٧]. قال المؤلف: (﴿﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ﴾ وهم الكفار يصفون الله بما هو مُنَزَّه عنه من الولد والشريك ويكذبون رسوله) هذا من الإيذاء. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ﴾ جملة خبرية مؤكدة بـ(إن)، وخبر (إن) قوله: ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ بماذا يؤذون الله؟ يؤذون الله بوصفه بالعيوب التي لا تليق به، مثل قول بعضهم: إن الله فقير، ومثل سب الدهر: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٢٦)، ومسلم (٢٢٤٦ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]، ومثل أن يقولوا: إن الله اتخذ صاحبة أو ولدًا، أو إن الله تعالى لما خلق السماوات والأرض تعب واستراح يوم السبت وما أشبه ذلك. فإيذاء الله تعالى يكون بماذا؟ بأن يُوصَف بما لا يليق به. ومنه إنكار أسمائه وصفاته، فإن هذا لا شك يعني سلْب الكمال عنه يتضمن النقص؛ لأن الكمال والنقص متضادان، ما من شيء إلا موصوف بالكمال أو بالنقص، فإذا سُلِبَت عنه صفات الكمال لزم من ذلك اتصافه بالنقص وهو نوع من الإيذاء. وأما إيذاء الرسول عليه الصلاة والسلام فيكون بالقول وبالفعل؛ فبالقول: أن يُوصَف الرسول عليه الصلاة والسلام بأنه ساحر، أو شاعر، أو كاهن، أو مجنون. والغريب أن الساحر والمجنون وُصِفَ به جميع الأنبياء، كل الأنبياء السابقين المرسلين إلى قومهم وُصِفوا بهذا، قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات ٥٢] فهذه الأوصاف لا شك أنها تؤذي الرسول عليه الصلاة والسلام، وتؤذي كل ولي لله ورسوله؛ أن يوصف النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الأوصاف الكاذبة. وكذلك إيذاء الرسول بالفعل: «كما صنع قريش به ﷺ حين أتوا بسلى الناقة وهو ساجد في المسجد الحرام أمام بيت الله عز وجل، فوضعوا سلى الناقة على ظهره وهو ساجد» أي أذية أبلغ من هذا؟! رجل لم يتعرض لهم، وإنما يعبد الله تعالى في آمن مكان على وجه الأرض أمام بيت الله سبحانه وتعالى، وأقرب ما يكون من ربه، ثم يأتي هؤلاء الظَّلَمَة المعتدون فيضعون عليه هذه القاذورات، أعتقد أن هذا من أبلغ ما يكون من الأذية «حتى جاءت ابنته الطفلة الصغيرة فأزالته عنه»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٠)، ومسلم (١٧٩٤ / ١٠٧) من حديث ابن مسعود.]]، هذا من الأذية. كذلك من الأذية ما ذكروا أنهم كانوا يلقون الأنتان والقاذورات على عتبة بابه ﷺ في مكة حتى كان يخرج ويقول: «أَيُّ جِوَارٍ هَذَا؟ أَيُّ جِوَارٍ هَذَا؟!»[[ذكره ابن هشام في السيرة (١ / ٧٦)، وابن كثير في البداية والنهاية (٤ / ٣٠٥).]]. يعني لو كنت جارًا لكم ولست منكم ما تفعلون بي هذا الفعل. فهؤلاء الذين يؤذون الله ورسوله ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب ٥٧] والعياذ بالله، يعني أبعدهم الله تعالى عن رحمته في الدنيا وفي الآخرة؛ لأن اللعن بمعنى الطرد والإبعاد عن رحمة الله. وفي قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ ولم يقل: آذوا الله؛ يعني لأنهم مستمرون في الأذية، فما داموا مستمرين في الأذية فإن لهم اللعنة في الدنيا والآخرة، أما إذا مَنَّ الله عليهم بالهداية، ورجعوا إلى الله تعالى، وتابوا من شركهم فإن اللعنة سترتفع عنهم؛ لأن الحكم يدور مع عِلَّته. ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ (أبعدهم) ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ ﴿أَعَدَّ﴾ بمعنى هيأ، والعذاب بمعنى العقوبة. و﴿مُهِينًا﴾ قال المؤلف: (ذا إهانة) وهو النار، إي نعم، عذاب النار -والعياذ بالله- إهانة بدنية حسية، وإهانة نفسية؛ ولهذا يقال لأصحاب النار: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان ٤٧] ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ﴾، يعني ادفعوه بشدة وعنف ﴿إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ يعني قعرها وأصلها. ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ﴾ الرأس اللي ما كان ينحني لأحد ولا لله ﴿صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان ٤٨] ﴿الْحَمِيمِ﴾ الماء الشديد الحرارة، ثم يقال له بعد الإهانة بالفعل، يقال له: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٩]، هذا تهكم به غاية التهكم؛ يعني أنك كنت في نفسك عزيزًا كريمًا، لكنك الآن ذليل مهين خلاف العز والكرم، فهذا العذاب المهين الذي أُعِدَّ للكافرين -نسأل الله أن يسلمنا وإياكم منه- فصارت عقوبة هؤلاء المؤذِين لله ورسوله أمرين عظيمين: أحدهما: اللعن؛ وهو الطرد والإبعاد عن رحمة الله. والثاني: العذاب المهين الذي يُوقِعه في الهوان والذل. المؤمنون والمؤمنات؟ قال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ [الأحزاب ٥٨] (يرمونهم بغير ما عملوا) ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب ٥٨] (تحملوا كذبًا) ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (بيِّنًا). تأمل الفرق بين أذية الله ورسوله وأذية المؤمنين تجد بينهما فرقًا كبيرًا في العقوبة. ﴿الَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ ﴿بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ هذا لم يُذْكر في الآية الأولى السبب؛ لأنه لا يمكن أن يكون من فعل الله، أو من فعل رسوله ما يستحقون به الأذية ولَّا لا؟ لكن المؤمنون يمكن أن يقع منهم ما يستحقون به الأذية؛ ولهذا قال: ﴿بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾؛ لأن المؤمن قد يكتسب شيئًا يستحق الأذية عليه ولًّا لا؟ وأيضًا قال: ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ ولم يقل لعنهم الله، ولا أعد لهم عذابًا مهينًا بل قال: ﴿احْتَمَلُوا بُهْتَانًا﴾ يعني كذبًا وتحملوه، والبهتان هو أن تذكر أخاك بما ليس فيه؛ ولهذا لما سُئل النبي عليه الصلاة والسلام عن الغِيبة قال: «هِيَ ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ». قال: يا رسول الله، أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ»[[أخرجه مسلم (٢٥٨٩ / ٧٠) من حديث أبي هريرة.]]. أذية المؤمنين بماذا تكون؟ بالقول وبالفعل، وهي كثيرة لا حصر لها، أذية المؤمن كثيرة لا حصر لها؛ منها: أذية الجار حتى إن العلماء يقولون: لا يجوز للإنسان أن يدق وتدًا في الجدار المشترك بينه وبين جاره على وجه يؤذي جاره، ولا يجوز أن يسقي نخله إذا كان الماء يتسرب إلى جاره، ولا يجوز أن يجعل رحًى تطحن حول جاره؛ لأن ذلك يؤذيه. فالأذية كثيرة، ومن هذا النوع أن يهينه عندما يأتي لطلب حقه، فإن بعض الموظفين -والعياذ بالله- إذا جاءهم الناس لإجراء معاملاتهم تجدهم يمتهنونهم، ويؤذونهم، هذا أيضًا من أذية المؤمنين بغير ما اكتسبوا. وأفرادها بل وأنواعها لا يمكن حصرها، والشيء العام هو أن يحصل للمؤمن أذية من فعل أو قول؛ فالذين يؤذون المؤمنين بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانًا وإثمًا مبينًا، نسأل الله العافية (...) ﴿ومَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب ٥٦] * في هذه الآية فوائد: * منها: إثبات الملائكة لقوله: ﴿وَمَلَائِكَتَهُ﴾. * ومنها: شرف الملائكة في إضافتهم إلى الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿وَمَلَائِكَتَهُ﴾ فإضافتهم إلى الله إضافة تشريف. * ومن فوائدها: بيان علو شأن النبي ﷺ؛ لكون الله وملائكته يصلون عليه، فهذا بلا شك من عُلُوِّ شأنه ورِفعة ذكره. * ومن فوائدها: الأمر بالصلاة والسلام على رسول ﷺ؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. * ومن فوائدها: أن الصلاة والسلام عليه من مقتضيات الإيمان، وأنه زيادة في الإيمان؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. * ومنها: أن الصلاة والسلام عليه واجبان؛ لأن الأصل في الأمر الوجوب؛ ولأن ذلك من قضاء حق النبي ﷺ الذي له على أمته، فإن حقه على أمته أعظم من حق الوالدين على أولادهما، ولكن الوجوب يحصل بفعل ذلك مرة واحدة، فإذا دل دليل على التكرار وجب أن نأخذ بمقتضى الدليل. وقد قال كثير من أهل العلم بوجوب الصلاة والسلام عليه ﷺ في الصلاة، وذلك في التشهد؛ فإن الإنسان يقول: السلام عليك أيها النبي، ويقول: اللهم صلِّ على محمد. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المشروع أن يصلي الإنسان عليه باللفظ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. ولا يكفي السلام أو الصلاة بالقلْب، وعلى هذا فينبغي عندما نكتب أحاديث أن نكتب: ﷺ. وأما ما يفعله بعض الناس من كتابته (ص) أو كتابته (صلعم) فإن أهل العلم كرهوا ذلك، وقالوا: إن الأفضل أن يكتب ﷺ. وكان الإمام أحمد رحمه الله ربما كتب الحديث ولم يذكر ﷺ. وأجاب بعض العلماء عن ذلك: بأنه كان يتركها حرصًا على اغتنام الوقت، وأنه كان يصلي عليه بلسانه دون قلمه. وقد مر علينا في الشرْح أو في التفسير: أن الصلاة على النبي ﷺ تنقسم إلى قسمين: مُطلَقة ومقيَّدة، وأنها في المواضع المقيدة قد تكون واجبة وقد تكون مستحبة، وأنها في بعض الأماكن قد تكون مكروهة. فيها أيضًا مباحث، ما هي في نفس الآية، لكن لها صلة بها: هل تجوز الصلاة على غير الأنبياء؟ في هذا للعلماء أقوال ثلاثة: الجواز، والمنع، والجواز إذا لم يكن شعارًا، وهذا هو الصحيح؛ أنه يجوز أن تصلي على شخص بشرط ألا تجعل ذلك شعارًا له كلما ذكرته صليت عليه، أو سلمت عليه. وقد نص أهل العلم على أن ما يوجد في بعض الكتب عند ذكر علي رضي الله عنه يقولون: علي عليه السلام، أو علي كرم الله وجهه؛ أن ذلك من عمل بعض النساخ، وأن الأفضل أن يقال له كما يقال لغيره من الصحابة علي رضي الله عنه، مع أن علي رضي الله عنه أكمل من علي عليه السلام، وأكمل من علي كرم الله وجهه؛ لأن الرضا مرتبة عظيمة. وأما إذا صُلِّي على غير الأنبياء بالتبع فهذا جائز بالاتفاق، وقد علم النبي عليه الصلاة والسلام أمته أن يقولوا: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٧٠)، ومسلم (٤٠٦ / ٦٦) من حديث كعب بن عجرة.]]. وسبق لنا أيضًا: الدعاء بالرحمة للرسول هل يُدْعى له بالرحمة؟ وأن من أهل العلم من كره ذلك والصحيح أنه ليس بمكروه. ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾. * طالب: ما ذكرت صلاتنا على الرسول ﷺ إيش معناها؟ * الشيخ: صلاتنا على الرسول ذكرناها قلنا: إن معناها طلب الثناء، الطلب من الله أن يثني عليه في الملأ الأعلى. * طالب: كتابة (ص) (...)؟ * الشيخ: إي نعم؛ لأنهم يقولون إما أن تكتبها كاملة وإما أن تدعها. * طالب: تقرأها كاملة؟ * الشيخ: دعنا من القراءة لكن الكتابة، إذا جاء إنسان مثلًا بيقرأ وهو ما يعرف اصطلاحات الكُتَّاب هؤلاء سوف يقول: قال رسول الله (ص)، قال رسول الله (صلعم)! * طالب: قولهم لعلي رضي الله عنه: كرم الله وجهه كيف (...)؟ * الشيخ: يقولون: إنه لم يسجد لصنم، وأنه كرم الله وجهه بهذا، ولكن هو أصلهم الذين يكتبون هذا أن يجعلوا ميزة لعلي بن أبي طالب فقط، هذا أهم شيء عندهم سواء كان ذلك أحسن أو ليس بأحسن، يريدون أن يجعلوا له ميزة. * طالب: (...) في كتاب قرأته (...)؟ * الشيخ: عجيب، أيش يقول عندك مكتوبة؟ * الطالب: (...)؟ * الشيخ: يعني يكتبون إذا ذكروا الصحابة كتبوا (ر) أو (ض). * الطالب: (...)؟ * الشيخ: وعلي، إذا كتبوا عليًّا، ويش يقولون؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لكن أنت ما تظن أن الـ(ر) والـ(ض) مثل (ص) في ﷺ، ما تظن أن هذه رمز؟ * الطالب: لا أظن أنه رمز. * الشيخ: إي، هذا هو الظاهر أنها رمز. * الطالب: ما كتبه في كتاب للشيعة (...)؟ * الشيخ: يمكن، الله أعلم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: ما يطَّلع عليه إلا هو؟ وإذا مات؟ * الطالب: (...)؟ * الشيخ: كأنه إذا مات جُعِل في كفنه، فلا بأس. طيب ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى آخره [الأحزاب: ٥٧]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن أذية الله ورسوله من كبائر الذنوب، وجه ذلك أن الله توعد عليها باللعن والعذاب، وكل شيء توعد الله عليه باللعن أو العذاب فإنه من كبائر الذنوب. وقد اختلف العلماء في الكبائر هل تُعد أو تُحد؟ فمنهم من عدَّها عدًّا، ومنهم من حدَّها حدًّا. وقال: إن الكبيرة كل ما رُتِّب عليه عقوبة خاصة فهو كبيرة، وهذا حدٌّ لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، كل شيء أو كل ذنب رُتِّب عليه عقوبة خاصة دنيوية أو أخروية فإنه من كبائر الذنوب، سواء كان ذلك لعنة، أو غضب، أو نفي إيمان، أو تبرؤ منه، أو عذاب، أو ما أشبه ذلك، كل شيء جُعل عليه عقوبة خاصة فإنه من كبائر الذنوب. * ويستفاد من الآية الكريمة: وصف الله تبارك وتعالى بأنه يتأذى؛ لقوله: ﴿يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. * ويستفاد منه: بيان كمال الله عز وجل؛ لأنه إذا كان يتأذى من الأشياء المنكَرة التي لا تليق به دل ذلك على كماله؛ ولهذا عند الناس من العيب أن الإنسان لا يتأذى بما يُوصف به من عيب، من العيب ألا يتأذى بما يُوصَف به من عيب؛ ولهذا يُسمون مثل هذا الرجل، يسمونه الحمار لبَلادَته، وعدم أهميته يعني لا يفرق بين من يمدحه ومن يقدح فيه، كله سواء عنده لكن الإنسان اللي يتأذى بالعيب، هذا هو الذي له شعور وله عاطفة، ثم إذا صبر واحتسب، واستعمل الحكمة في ذلك كان خيرًا. المهم أن الأذية مما ليس بمحمود تعتبر كمالًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أذية الرسول ﷺ كأذية الله؛ لأن الله جَمَعَ بينهما بالواو ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، فكما أن طاعة الرسول كطاعة الله ومعصية الرسول كمعصية الله فأذية الرسول كأذية الله؛ يعني من حيث التحريم، وأنها من الكبائر، وإلا فإن أذية الله أعظم من حيث الجهة التي نُسب إليها الذم والعيب. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اللعنة، أي لعنة الله وهي طرده وإبعاده، وهي من الصفات الذاتية أو الفعلية؟ الفعلية؛ لأن كل صفة لله مُعلَّقة بسبب فهي من الصفات الفعلية؛ لأن هذا السبب يتجدد فتكون الصفة بعد وجوده، وهذا هو ما يكون صفة (...). ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ﴾ والعذاب المهين كلنا يعرف أنه في النار؛ لأن هي اللي عذابها مهين. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء من جنس العمل، فكما تعالى هؤلاء وتعاظموا وأهانوا الرسول عليه الصلاة والسلام بأذيته عاقبهم الله بما يهينهم ويذلهم من العذاب. ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب ٥٨]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: تحريم أذية المؤمنين بغير حق؛ لقوله: ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. * ويستفاد منها: تحريم كل أذية أيًّا كان نوعها سواء كانت قولية أم فعلية؛ لعموم اللفظ في قوله: ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ﴾ واسم الموصول من صيغ العموم. * ويستفاد منها: أن أذية المؤمن بما هو من كسبه ليس فيها وعيد، وليست إثمًا ولا بهتانًا؛ لقوله: ﴿بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾. * ويستفاد منها: أنه لا يجوز أن يُؤذَى بأكثر مما يستحق، فلو أنه سبَّك فلا تسبه أكثر؛ لأنك إذا سببته أكثر فقد آذيته بغير ما اكتسب، وإذا سببته بمثل ما سبك فقد آذيته بقدر ما اكتسب، وقد قال الله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى٤٠]. * ومن فوائد الآية: الرد على الجبرية؛ لقوله: ﴿بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ فأضاف الفعل عليهم، والجبرية يقولون: إن الإنسان مُجْبَر على عمله، وأنه لا حول له ولا قوة، يفعل الشيء بغير اختياره، ويدعه بغير اختياره. * ومن فوائد الآية الكريمة: ذم الكذب؛ لقوله: ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا﴾ ولا سيما إذا كان الكذب يؤدي إلى أذية الغير. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز أذية غير المؤمنين؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ لكن إن كان الإنسان غير المؤمن ذميًّا أو مُعاهَدًا أو مستأمِنًا فإنه لا تجوز أذيته بما يخالف عهده. إذن غير المؤمن فيه تفصيل: المؤمن أذيته حرام بكل حال، وغير المؤمن فيه تفصيل، ما هو التفصيل؟ إذا آذيناه أكثر مما يقتضيه العهد فهو حرام ولا يجوز، وإن آذيناه في حد ما يقتضيه العهد فإنه لا حرمة له إلا فيما يقتضيه عهده. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الذنب قد يجمع بين وصفين ذميمين؛ لقوله: ﴿احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ فهم بكذبهم احتملوا البهتان، وبعدوانهم احتملوا الإثم المبين (...). ﴿ ﴾

الأحزاب 33:59

﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] الخطاب بـ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ تقدم التنبيه عليه وهو أن الله عز وجل نادى محمدًا ﷺ بوصفه نبيًّا، والنبي يُنفِّذ ما أُوحِي إليه ولا يتأخر عنه. وسبق أن النبي مأخوذ من النبأ، أو من النبوة، أو منهما جميعًا فإنه مُنبِئ، مُنبَأٌ، وذو رِفْعة، فهو مشتق من النبأ سواء كان واقعًا منه أو واقعًا عليه، ومن النبوة؛ وهي الرِّفعة، فالشيء النابي أي الشيء المرتفع. ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب ٥٩]. ﴿قُلْ﴾ هذه فعل أمر، ومن المعلوم أن الرسول ﷺ قد أُمِر أن يقول جميع القرآن، وأن يبلغه، لكن إذا كان الحكم مُصدَّرًا بـ(قل) فهو دليل على العناية به؛ لأنه أُمِر أن يبلغه بخصوصه، فيكون في هذا دليل على أنه -أي هذا الشيء الذي أُمر أن يقوله الرسول ﷺ- أمر هام. ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ جمع زَوْج، وزوج يطلق على الرجل وعلى المرأة؛ لأنه مأخوذ من الازدواج وهو الاختلاط. واللغة الفصحى فيه ألا تفريق بين الذكر والأنثى، ولكن الفرَضِيين -رحمهم الله- التزموا أن يجعلوا الأنثى بالهاء والرجل أو الذَّكَر بدون هاء تفريقًا بين المسائل؛ لأنهم إذا قالوا: مات ميت عن زوج وابن، وأرادوا بالزوج الأنثى اشتبه هل يراد به الزوج الذكر والأنثى فالتزموا أن يفرقوا بين الذكر والأنثى بالتاء على أنه قد قيل إنها لغة لكنها قليلة. ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ وبدأ بالأزواج؛ لأن الحماية لهن والغيرة فيهن أشد وأبلغ. ﴿وَبَنَاتِكَ﴾ كم كُنَّ؟ كن أربعًا، لكن إذا كانت هذه الآية نزلت في السنة السادسة من الهجرة فإن بعضهن قد مات، وعلى هذا فيكون المراد الموجود منهن. ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عام في كل امرأة من المؤمنين، وإنما قال: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دون أن يقول: والنساء، من أجل الإغراء والحثِّ كقوله: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ». وإلا فإن الكافرات يجب عليهن من الحجاب ما يجب على المؤمنات لئلا يفتتن الناس بهن. وقوله: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يشمل زوجات المؤمنين، ومَنْ للمؤمنين عليهنَّ ولاية من البنات والأخوات والعمات والخالات والأمهات وغير ذلك. وفي قوله: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دليل على أن الرجال قوَّامون على النساء، وإلا لاكتفى بقوله: والنساء المؤمنات. ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ جملة ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ يحتمل أن تكون مرفوعة، وأن تكون مجزومة، وعلى كل حال هي مبنية الآن، مبنية لماذا؟ مبنية لاتصالها بنون النسوة، والفعل المضارع يكون مبنيًّا في موضعين إذا اتصل بنون النسوة أو نون التوكيد، وهنا اتصلت به نون النسوة، فهو مبني على السكون، لكن هل هو في محل رفع أو في محل جزم؟ إن كانت ﴿يُدْنِينَ﴾ مقول القول فهي في محل رفع، يعني: قل لهم أدْنِين، قل لهؤلاء أدنين، وإن كانت جوابًا للأمر فهي في محل جزم؛ لأن جواب الأمر يكون مجزومًا. وقيل: إنها مجزومة على تقدير اللام؛ أي: قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين ليدنين عليهن من جلابيبهن؛ أي: على تقدير لام الأمر كقول الشاعر: مُحَمَّدُ تَفْدِي نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ ∗∗∗ .......................... تفدي: جزمها على تقدير اللام، أي: لتفدي نفسك. أي الاحتمالين أرجح؟ أن تكون مقولًا للقول في محل رفع، أو أن تكون في محل جزم؟ نشوف القرآن قد يُبيِّن ذلك، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء ٥٣]، هذا يدل على أنها مجزومة على أنها جواب الأمر، إذ لو كانت مرفوعة لقال: يقولون هي التي أحسن، فلما قال: ﴿يَقُولُوا﴾ دل على أنها جواب الأمر. وهي أيضًا من حيث المعنى أبلغ إذا كانت جوابًا للأمر كأنهم يفعلون ذلك مباشرة؛ يعني كأن فعلهم هذا جوابهم للأمر؛ أي أنه متسبب عنه، فيكون ذلك أبلغ في الامتثال من أن يُؤمروا أمرًا قد يمتثلونه وقد لا يمتثلونه. ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور ٣٠] ويش يؤيد؟ أن جواب الأمر ولَّا أنها مقول القول؟ أنها جواب الأمر؛ ولهذا قال: ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ فجزمها بحذف النون، ولم يقل يغضون من أبصارهم. ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور٣١] ويش يؤيد؟ هذا ما فيه دليل؛ لأنه مبني، فليس فيه دليل على هذا ولا على هذا. المهم أن الأولى أن نجعل قوله: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ جوابًا للأمر، ويؤيد ذلك السياق في كتاب الله، ويؤيد ذلك أنه أقوى في الامتثال والتنفيذ حيث كان جوابًا لمجرد القول كأنهن يفعلن ويمتثلن. ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ ﴿مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾. قوله: ﴿مِنْ﴾ ليست زائدة كما قيل؛ لأن (مِن) ما تزاد إلا في النفي كما قال ابن مالك: وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ ∗∗∗ ........................ أكملوا؟ ........................ ∗∗∗ نَكِرَةً كَـ(مَــــا لِبَـــــاغٍ مِنْمَـــفَرْ) وعلى هذا فـ(مِن) ليست بزائدة؛ يعني ليس المعنى يدنين عليهن جلابيبهن، بل (مِن) للتبعيض؛ أي: يدنين عليهن من جلابيبهن؛ يعني بعض جلابيبهن. وهل التبعيض هنا تبعيض جزء من كل، أو تبعيض فرد من فرد؟ بمعنى: هل إن قوله: ﴿مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ أي من الجلابيب التي عندهن؛ لأن الواحدة قد يكون عندها جلبابان أو أكثر، أو أن المعنى بعض الجلباب الذي عليها؟ هذا الأخير هو الأقرب؛ يعني تُدني عليها بعض جلبابها، والجلباب هو الرداء أو الملاءة أو الملحفة، يعني الشيء الواسع الذي يشمل جميع البدن أو أكثره. و﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ﴾ ولم يقل: إليهن، بل قال: ﴿عَلَيْهِنَّ﴾ ليكون الإدناء ملاصقًا لهن، فمثلًا هنا إذا قلت هكذا، هذا أدنيت إليَّ لكن إن قلت: هكذا عليَّ، فكأنه ضُمِّن معنى يضممن عليهن. ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ أي يقربنه حتى يضممنه عليهن. وقوله: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ ﴿عَلَيْهِنَّ﴾ لم يقل: على وجوههن، ولا على نحورهن، ولا على صدورهن فيكون شاملًا لجميع البدن. ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ﴾ أي: على جميع البدن، ولكن من المعروف أن الجلباب ساتر لأكثر البدن والعادة عندهم أن المرأة تكشف وجهها وتخرج مكشوفة الوجه ومكشوفة النحر، فَأَمَر الله عز وجل أن ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ أي على هذا المكشوف الذي يُكشف عادة وهو الوجه والنحر كما قال ذلك ابن عباس وغيره بأن تُغطِّي وجهها ولا تبدي إلا عينًا واحدة تنظر بها للضرورة، وهذا فيما إذا كان الجلباب صفيقًا، بحيث إذا غطت به وجهها لا ترى، أما إذا كان خفيفًا كما هو المعروف عندنا في الوقت الحاضر فلا حاجة إلى إبداء العين؛ لأن إبداء العين إنما هو للضرورة؛ بدليل أن الصحابة كابن عباس وغيره رخصوا في إبداء العين الواحدة؛ لأنها بقدر الضرورة وإلا لكانوا يقولون: تُخرِج العينين جميعًا، وعلى كل حال فالمعنى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ فيما يكشفنه من أبدانهن وهو الوجه، هذا ما جرت به العادة. وكان هذا الكشف عامًّا للإماء والحرائر فصار بعض من في قلبه مرض من المنافقين الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات صاروا يلاحقونهم، فإذا عُثِر عليهن قالوا: هذه أمة، حسبناها أمة فعيرناها وهي حرة، فشُكِي ذلك إلى رسول الله ﷺ فأنزل الله هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الأحزاب ٥٩] هكذا قال بعضهم في سبب النزول لكنه غير مسند، ونحن لا يهمنا أن تكون الآية لها سبب في نزولها أم ليس لها سبب، المهم هو الحكم الذي دلت عليه. قال: (﴿﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ ﴾ جمع جلباب، وهي الملاءة التي تشتمل بها المرأة، أي يُرخين بعضها على الوجوه إذا خرجن لحاجتهن إلا عينًا واحدة) ليش؟ لضرورة النظر. وقوله: (جمع جلباب وهي الملاءة) هو كما قال، وهي تشبه العباءة عندنا، ولما أمر النبي ﷺ بخروج النساء في العيد للصلاة قالت أم عطية: يا رسول الله، إحدانا ليس لها جلباب فقال: «لِتُلْبِسْهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤)، ومسلم (٨٩٠ / ١٢) من حديث أم عطية.]]. ولم يقل: لتخرج بدون جلباب، وهذا يدل على أنه لا بد أن تخرج المرأة بما يسترها ولا يبين حجم جسمها. (﴿﴿ذَلِكَ أَدْنَى﴾ ﴾ أقرب إلى ﴿﴿أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ ﴾ بأنهن حرائر ﴿﴿فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ ﴾ بالتعرض لهن). قوله: (﴿﴿أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ ﴾ بأنهن حرائر) هذا بناءً على ما قلت، ولكن لنا أن نقول: ﴿أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ بأنهن محتشمات وبعيدات عن الرِّيَب، ولا يُردن السوء ولا الفاحشة؛ لأن المرأة إذا كانت محتشِمة محتجبة دل هذا على كمال عفتها، وأنها لا تريد أن تقع في مواضع الرِّيَب بخلاف المرأة العاهر -والعياذ بالله- فإنها تتبرج، وتكشف وجهها، وتخرج يديها، وذراعيها، وحليها، وما أشبه ذلك، فإذا كانت المرأة مُتحجِّبة عُلِم أنها امرأة محتشمة عفيفة؛ ولهذا قال: ﴿أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾، وإذا كانت عفيفة محتشمة فإن الفُسَّاق لا يتعرضون لها؛ لأنهم يعلمون أنها ليست من أصحابهن، وإنما هي امرأة حامية نفسها محتفِظة، هذا من جهة، ويحتمل أن ما قاله المؤلف: (﴿﴿أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ ﴾ بأنهن حرائر) والآية صالحة لهذا ولهذا. قال: (﴿﴿أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ ﴾ بالتعرض لهن بخلاف الإماء فلا يُغَطِّين وجوههن، فكان المنافقون يتعرضون لهن). وهكذا كانت الإماء في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، وفي عهد الخلفاء لا يحتجبن؛ لأنهن مملوكات، ولا يتعلق بهن إلا رديء النفس. ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال: إنما هذا في الإماء اللاتي لا يُخشى منهن فتنة، وأما الإماء الجميلات اللاتي يفتن فإنهن يجب عليهن أن يُغطِّين وجوههن؛ وذلك لخوف الفتنة، لا لإلحاقهن بالحرائر. وما قاله -رحمه الله- صحيح، والمعنى يؤيده فإن كل ما يُخشى منه الفتنة فإنه يجب البعد عنه؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور٣١]؛ لأن الخلخال الذي يُسمَع إذا ضربت المرأة برجلها يُخشَى منه الفتنة، وخشية الفتنة بخلخال مخفي عند ضرب المرأة برجلها أقل بكثير من أن تُخرِج المرأة وجهها، ذلك الوجه الجميل المجمَّل بالكحل والتحمير وغير ذلك، وكلٌّ يعلم أن هذا أعظم فتنة من خلخال مستور يُسمَع صوته عند الضرب بالرجل، وتأبى حكمة الله عز وجل أن ينهى عن ضرب المرأة برجلها لئلا يُسْمع خلخالها، ثم يرخص لامرأة من أجمل النساء أن تُخرِج وجهها وكفيها فإن هذا تأباه حكمة الله عز وجل. * طالب: «عمر لما ضرب الأمة لما غطت رأسها»[[أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٥٠٦٤) من حديث أنس بن مالك.]]؟ * الشيخ: نعم، ضربها لئلا تتشبه بالحرائر خوفًا من أن يختلط هؤلاء بهؤلاء، ثم يبقى الفرق والميزة بينهما لا أثر له، إذا كانت الإماء يغطين وجوههن بقيت الحرائر غير معلومات. * الطالب: قد يحتج به على قول شيخ الإسلام؟ * الشيخ: لا، ما يحتج به؛ لأن عندنا قواعد عامة وهي أن التعرض للفتن ممنوع في الشرع. * طالب: شيخ، طيب ترى بعين واحدة يُعتبر سنة إلى الآن يعني؟ * الشيخ: لا، ما هو سنة؛ لأن الجلابيب في ذلك الوقت غليظة ما تتمكن المرأة من النظر، أما في وقتنا فهي خفيفة تتمكن المرأة، تمشي بالنظر ولو غطت جميع وجهها. * الطالب: إن فعلت هذا الجلباب هي نفسها؛ يعني لبست؟ * الشيخ: الآن النساء عندنا يتجلببن ولا يكشفن ولا عينًا واحدة والأمور ماشية. * طالب: (...) اللبس (...)؟ * الشيخ: بالنيل؟ * الطالب: (...)؟ * الشيخ: إي، هو الظاهر؛ ولهذا الصحابة جعلوا إبداء العين الواحدة للضرورة؛ ولهذا اقتصروا على قدر الضرورة فقط وهي العين الواحدة، وهذا يدل على أنه إذا كان يمكن للمرأة أن تبصر بدون إخراج العين فإنه لا يجوز إخراج العين. * طالب: شيخ، قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ ما فيه دليل على وجوب تغطية الوجه؛ لأن المرأة ما تعرف إلا من وجهها؟ * الشيخ: لا، هو على كلام المؤلف: ﴿يُعْرَفْنَ﴾ بمعنى يميزن، تميز الحرائر من.. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، إذا أخذنا بظاهر اللفظ، ولا سيما على التفسير الذي ذكرنا أنها تُعرف بأنها محتشمة، وأنها بعيدة عن الرِّيَب نعم. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٥٩]. (﴿﴿كَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ ﴾ لما سلف منهن من ترك الستر ﴿﴿رَحِيمًا﴾ ﴾ بهن إذ سترهن). ﴿﴿كَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ ﴾ سبق لنا تفسير (الغفور) و(الرحيم)، وأن الله تعالى يجمع بينهما دائمًا لأجل أن يتركب من الاسمين زوال المكروه وحصول المطلوب، فزوال المكروه بماذا؟ بالمغفرة، وحصول المطلوب بالرحمة، والله عز وجل يذكر دائمًا المغفرة والرحمة عن أمر قد سلف ولم ينزل به حكم، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء٢٢]، ما هذا.. الآية: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء٢٣]؛ لأنه لولا مغفرة الله ورحمته لكان يعاقبنا على المخالفة التي لا تليق، لكن الله عز وجل من مغفرته ورحمته لا يؤاخذنا بما لم يشرعه لنا. ثم قال: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ [الأحزاب ٦٠]. ﴿لَئِنْ﴾ يقول المؤلف: (لام القسم) يعني لام موطئة للقسم، وليست هي أداة القسم، بل القسم محذوف والتقدير: والله لئن لم ينتهِ، أو: وَرَبِّك لئن لم ينتهِ؛ فهي مُوطِّئة للقسم. وإنما قال المؤلف: (لام القسم) لئلا يتوهم واهم أنها لام الابتداء. وقوله: (إن) هذه شرطية ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾ ﴿لَمْ يَنْتَهِ﴾ مجزومة ولَّا مرفوعة؟ * طالب: (...). * الشيخ: الدليل؟ حذف حرف العلة الياء، والجازم لها (إن) أو (لم)؟ (لم)؛ لأنها هي المباشرة. ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾ يعني: (عن نفاقهم) كما قال المؤلف، وإنما قال المؤلف: (عن نفاقهم)؛ لأنه هو الوصف الذي اشتُقَّ منه اسم (المنافقون)، وإلا قد يكون معناها لئن لم ينتهِ المنافقون عن نفاقهم وعن أذيتهم للمؤمنين وغير ذلك. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ (بالزنى)، وهذا بناءً على أن قوله: ﴿ذلك أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ أن المراد الأذية بالتعرُّض لهن بالفاحشة؛ فالمعنى ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هم الذين يتعرضون للنساء بطلب الفاحشة والزنى، ويحتمل أن يكون المعنى أعم مما قال المؤلف؛ أي: في قلوبهم مرض من الشك وسوء الخلق وغير ذلك، وهو أعم وأحسن. ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ المؤمنين مفعول (مرجفون)؛ لأنها من أَرْجَفَ يُرْجِف، وهي مأخوذة من الرَّجْفة، والرَّجْفَة هي الزلزلة، والمرْجِف هو الذي يقول: قد أتاكم العدو، وإن لكم عدوًّا كثيرًا، وسراياكم قد قُتلت، وهُزِمت الجنود، وما أشبه ذلك، يُدْخل الخوف والرعب في قلوب الناس، وسُمِّي ذلك إرجافًا؛ لأنه يزلزل ثقة الإنسان بنفسه وبإخوانه؛ ولأنه يزلزل أمنه وطمأنينته، قال بعضهم: ولأنه لا ثبات له؛ لأنه قولٌ كذب، كل هذه المعاني يحتمل أن يكون الإرجاف مشتقًا منها أو دالًّا عليها. إذن فالمرجِف هو الذي يُخبر بماذا؟ بما يزلزل طمأنينة المؤمنين من هزيمة، أو قتل عدو، أو كثرة جنود، أو ما أشبه ذلك، ويوجد فيه أناس من هذا النوع في المدينة إذا بعث النبي ﷺ السرايا صاروا يبثون مثل هذه الأقوال بأن السرية قد هُزِمت، وأُسِرت، وقُتِلت، وما أشبه هذا. ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ اللام في قوله: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ﴾ واقعة في جواب القسم المقدَّر؛ فالجملة إذن جواب للقَسَم وليست للشرط؛ لأن القاعدة أنه إذا اجتمع قَسَم وشرط فالجواب للسابق منهما كما قال ابن مالك: وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَـــــــوَابَ مَــا أَخَّـــــرْتَ فَهْــــــوَمُلْــــــتَزَمْ وقوله: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ﴾ قال المؤلف: (لنُسلِّطَنَّك عليهم) وهذا التفسير تفسير باللازم؛ لأن الإغراء معناه الحث بإزعاج على أن ينكِّل بهم، ومنه إغراء الإنسان بالعدو؛ بمعنى أنه يحثه عليه بإزعاج ليُوقع به ويقتله أو يهزمه أو ما أشبه ذلك. ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا﴾ (﴿﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ﴾ ﴾ يساكنونك -﴿فِيهَا﴾ يعني في المدينة- ﴿﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ ﴾ ثم يخرجون ﴿﴿مَلْعُونِينَ﴾ ﴾ مُبعَدِين عن الرحمة) يعني لنغرينك بهم بالتسلط عليهم؛ إما بالتعزير، أو بالتأديب، أو بالقتل، أو بغير ذلك، فإذا ضاقت عليهم المدينة خرجوا؛ ولهذا قال: ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ﴾ ولم يقل: فلا يجاورونك؛ وذلك لتأخر انتفاء المجاورة عن الإغراء؛ لأن الله يغريه بهم فيحصل لهم من التأديب والتعزير والإهانة ما لا يتمكنون معه من البقاء في المدينة؛ ولهذا جاءت بـ﴿ثُمَّ﴾. وقوله: ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ يحتمل أن المعنى إلا قليلًا من الزمن أو إلا قليلًا منهم وعلى كلا الاحتمالين: فإن قوله: ﴿مَلْعُونِينَ﴾ حال من الفاعل في ﴿يُجَاوِرُونَكَ﴾. وعلى تقدير المؤلف هي حال من فاعل حذف مع عامله، حيث قال: ثم يخرجون ملعونين. ولكن الأقرب ألا نقدر بل المعنى: ثم لا يجاورونك إلا قليلًا في حال كونهم ملعونين حال المجاورة؛ يعني حتى في بقائهم عندك يكونون ملعونين مطرودين مُبعَدين لا يألفهم أحد ولا يحنو عليهم. ثم قال: ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ (﴿﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا﴾ ﴾ وُجِدوا ﴿﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ ﴾) ﴿أَيْنَمَا﴾ هذه أداة شرط تفيد العموم في المكان، وفعل الشرط قوله: ﴿ثُقِفُوا﴾ وجواب الشرط ﴿أُخِذُوا﴾. وقال: ﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ يقول: (أي الحكم فيهم هذا على جهة الأمر به). الجملة ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا﴾ جملة خبرية ولَّا إنشائية، جملة خبرية؛ لأنها شرطية، والجملة الشرطية خبرية، لكنها خبرية بمعنى الإنشاء؛ أي: بمعنى الأمر والطلب، أي: أينما وجدتموهم فخذوهم واقتلوهم. وفي قوله: ﴿تَقْتِيلًا﴾ المصدر المؤكِّد دليل على أنهم يُقتَّلون أفرادًا وجماعات. هذه الآية لا شك أن فيها وعيدًا لهؤلاء الذين جمعوا هذه الأوصاف، المنافقون، والذين في قلوبهم مرض، والمرجفون في المدينة، هي وعيد، والبحث فيها: أولًا: هل هذه الأوصاف لموصوف واحد؟ أو أنها لأناس متعددين؟ هل المعنى أنهم منافقون وفي قلوبهم مرض ومُرجِفون؟ فالأوصاف هذه لموصوف واحد وصح العطف؛ لأنه من باب عطف الصفة كما في قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى ١ - ٤] وهو واحد ولَّا متعدد؟ واحد؛ فالعطف هنا عطف صفات، هل نقول: إن هذه عطف صفات، وأنها لموصوف واحد؟ أو نقول: إنها عطف أعيان موصوفين ليست لموصوف واحد؟ هذا الأخير هو الأصح وهو أعم أيضًا؛ لأن المنافق قد يكون في قلبه مرض يميل إلى الفاحشة والزنى وقد لا يكون ولًّا لا؟ وقد يكون مرجفًا وقد لا يكون، وقد يجمع بين النفاق والمرض القلبي والإرجاف، وقد يكون الإنسان في قلبه مرض وليس منافقًا، وقد يكون مرجفًا وليس منافقًا ولا في قلبه مرض، فحينئذٍ يتبين أن الأولى أن هذا العطف عطْف لموصوف على موصوف وليست عطفًا على موصوف واحد؛ يعني ليست وصفًا لموصوف واحد حتى نجعل العطف من باب عطف الصفات بعضها على بعض. البحث الثاني: هل هؤلاء انتهوا أم لم ينتهوا؟ الواقع أن الإغراء لم يحصل؛ ولهذا بقي المنافقون، ما قُتِّلوا، ولا أُخِذوا فهم باقون، فهل نقول: إنهم انتهوا حين رأوا هذا الوعيد، أو نقول: إنهم لم ينتهوا لكن الله عز وجل عفا عنهم فيما بعد، وأن هذا من باب إخلاف الوعيد، وإخلاف الوعيد من الكرم بخلاف إخلاف الوعد، أيهما أرجح؟ هما قولان للعلماء؛ فبعضهم يقول: إنهم لما رأوا هذا الوعيد وكانوا من أخوف الناس وأرعن الناس انتهوا وتركوا هذا الأمر. وبعضهم قال: إنهم لم ينتهوا لكن الله عز وجل لم يُغْرِ نبيهم بهم لحكمة اقتضت ذلك. الذي يظهر لي -والله أعلم- أنهم انتهوا؛ لأن المعروف من حال المنافقين أنهم جبناء، وأنهم يخافون ويحذرون؛ ولهذا يحلفون عند الرسول عليه الصلاة والسلام بأنهم مؤمنون، ولما تخلفوا عن غزوة تبوك جاؤوا يحلفون ويعتذرون، فهم جبناء، وهم يعلمون أن وعد الله حق، وأنهم لو استمروا في أعمالهم العدوانية هذه لأغرى الله بهم نبيه، وحصل الجلاء، ثم القتل. * طالب: الذين يقولون بالقول الثاني بماذا يجيبون عن قول الله تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق٢٩]؟ * الشيخ: إي يقولون: هذا فيما فيه الظلم؛ ولهذا قال: ﴿قَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق ٢٨، ٢٩] وهذا في يوم القيامة، أما في الدنيا فإنه يجوز (...). ﴿وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب ٥٩]. * يستفاد من الآية الكريمة: أهمية ما أمر اللهُ به رسولَه في هذه الآية، وجه ذلك أن الله أمره أن يبلغها أمرًا خاصًّا؛ بقوله: ﴿قُلْ﴾ وإلا كل القرآن مأمور بأن يقوله للناس: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧] لكن بعض الأحكام يُصدِّرها الله عز وجل بـ﴿قُلْ﴾ فيكون كأنه أُرسِل بهذه الآية إرسالًا خاصًّا فيكون في ذلك دليل على أهمية هذا الأمر الذي أمر الله به رسولَه. * ومن فوائدها: أنه يجب على الإنسان أن يغار على زوجته أكثر من غيرها؛ لأنها فراشه، وفي فسادها فساد لفراشه وتشكيك في نسله، وجه ذلك أن الله بدأ بالأزواج فقال: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان مسؤول عمن تحت رعايته سواء كانت تلك مسؤولية عامة أو خاصة. وفي هذه الآية مسؤوليتان على رسول الله ﷺ؛ خاصة وعامة، الخاصة قوله: ﴿لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ﴾، والعامة: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان مقتضٍ للعمل بهذه الآية؛ لقوله: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. * ومن فوائدها: أن على المؤمنين مسؤولية في نسائهم؛ لقوله: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولم يقل: ونساء المؤمنات إشارةً إلى أن المؤمن يجب أن يكون مُلاحِظًا لنسائه. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الحجاب، حجاب الوجه؛ لقوله: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾. * ويتفرع على هذا: أنه يجب أن نعرف مفهوم الحجاب الشرعي؛ لأن أكثر الناس يظنون أن الحجاب الشرعي هو أن تُغطِّي المرأة جميع جسدها إلا وجهها وكفيها، وهذا يعني نحن فهمناه من الأسئلة التي ترد إلينا؛ أنهم إذا قالوا: الحجاب الشرعي يعني حَجْب وسَتْر جميع البدن إلا الوجه والكفين، وهذا خطأ؛ فالحجاب الشرعي أول وأولى ما يدخل فيه حجاب الوجه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من عادة نساء الصحابة لبس الجلابيب؛ لقوله: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾؛ ويدل لذلك أيضًا أن النبي ﷺ لما أمرهن بالخروج إلى مصلى العيد قلنا: يا رسول الله، إحدانا ليس لها جلباب. فقال: «لِتُلْبِسْهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤)، ومسلم (٨٩٠ / ١٢) من حديث أم عطية.]]. * ويتفرع على هذه الفائدة: أن الشرع يتشوف إلى أن تكون المرأة بعيدة عن إبراز مفاتنها؛ لأن الجلباب يكون غالبًا واسعًا لا تظهر منه مفاتن الجسم. .. إي، بعباده حيث يبيِّن لهم علل الأحكام الشرعية. وجه ذلك أن ذِكر العلل يفيد طمأنينة النفس واقتناعها اقتناعًا أكثر بذلك الحكم المعلَّل. وتفيد أيضًا سمو الشريعة وأنها لا تأمر بشيء عبثًا، بل لا بد لكل شيء تأمر به من الحكمة المناسبة التي ينبني عليها الحُكم. ومن فوائد ذكر العلل أيضًا أن العلة إذا كانت عامة أمكن أن نقيس على المعلَّل ما وافقه في تلك العلة، فنُلْحقه به في الحكم. * ومن فوائد الآية الكريمة: عناية الله عز وجل بالمرأة بدفع ما يمكن أن يكون فيه أذًى عليها؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب ٥٩]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن في الحِجاب كفَّ الأذى عن المرأة، فيكون في ذلك كرامةٌ لها، وإعزازٌ لها، ورفعةٌ لها من أن تُؤْذَى. * ويتفرع على هذه القاعدة: بيان قصور نظرِ أولئك الذين يقولون: إن الحجاب ونحوه إذلال للمرأة وغضٌّ من كرامتها وإهانة لها. فنقول لهم: كذبتم أعظم الكذب وافتريتم أعظم الفرى؛ فإن حجابها هو الذي يدفع عنها الأذى؛ أذى الفساق، وتتبعهم لها؛ لأن المرأة الجميلة تكون بالنسبة لهؤلاء الأراذل كالجيفة أمام الكلاب لا بد أن يتبعوها ولو على الرائحة. وبهذا نعرف ما انزلق فيه كثير من الشعوب الإسلامية في رفع الحجاب الشرعي عن المرأة حيث أدى إلى المفاسد الكبيرة، ولو فتَّشت ما فتَّشت في أولئك الأمم الذين يدَّعون التمدن والتحضر لوجدت كثيرًا وكثيرًا من الحوامل من البغاء والزنا، هذا فضلًا عمن يَسْتَعملن الحبوب المانعة من الحمل، وفضلًا عمن يجهِضن الحمل قبل أن يستتمَّ، وكل هذا يدل على أن الإسلام ومناهج الإسلام أسمى كل المناهج وأحسن كل الأنظمة، ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المغفرة والرحمة لله عز وجل، وهي مأخوذة من هذين الاسمين الكريمين ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، هذان الوصفان دلَّ عليهما الاسمان دلالة تضمن أو دلالة مطابقة؟ مطابقة، وفي دلالة الالتزام يدل هذان الاسمان على الكرم دلالة التزام؛ لأن الكريم هو الذي يغفر وهو الذي يرحم، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. ثم قال تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب ٦٠] إلى آخره. * في هذه الآية الكريمة من الفوائد: شدة عناية الله عز وجل بنساء المؤمنين، فإن علاقة الآية هذه بالتي قبلها ظاهرة؛ فإن المنافقين والذين في قلوبهم مرض هم أكثر الناس تعرضًا لأذية المؤمنات، فلهذا أعقب الآية السابقة بهذه الآية، ففيه كمال عناية الله تعالى بنساء المؤمنين. * ومن فوائدها: الوعيد الشديد لهؤلاء المتصفين بهذه الصفات الثلاث الذميمة؛ النفاق، ومرض القلب، والإرجاف. * ومن فوائدها: أنه إذا ظهر نفاق المنافق وتبين عداؤه فإنه يجوز أن يعامل بما يقتضيه نفاقه؛ لقوله: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾، ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾. وسبق لنا البحث هل هؤلاء المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون هل انتهوا عن أعمالهم أم لا؟ وقلنا: إن في ذلك رأيين لأهل العلم، وإن الأقرب من هذين الرأيين أنهم انتهوا عن ذلك؛ لأننا لم نرَ أن الله عز وجل سلَّط رسوله عليهم وأغراه بهم، وهذا أقرب بكثير من القول بأن الله تعالى لم يُغْرِه من باب إخلاف الوعيد. * ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من النفاق ومرض القلب والإرجاف؛ لأن الله توعَّد هؤلاء إذا لم ينتهوا بأن يسلط الله رسوله عليهم ويُغْرِيه بهم، وقُبْح هذه الصفات معلومٌ. أما النفاق فظاهر فإنه من أرذل الأخلاق؛ لأن من الصفات التي يرتكبها المنافق أنه إذا وعد أخلف، وإذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا اؤتمن خان، وهذه من أرذل الصفات الاجتماعية. وأما الذين في قلوبهم مرض فإن مرض القلب أشد من مرض البدن؛ لأن مرض البدن يوجب الألم الحسي الذي قد يتحمله الإنسان، وأما مرض القلب -والعياذ بالله- فإنه يوجب القلق النفسي وضياع الحياة كلها والموت المعنوي، واسمع إلى قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف ٢٨]، ما أكثر الأوقات التي تضيع على من غفل عن ذكر الله، تضيع بلا فائدة، وأنت إذا رأيت من نفسك أن أوقاتك ضائعة بلا فائدة فيجب عليك أن تلاحظ قلبك؛ فإن هذا لا يكون إلا من غفلة القلب عن ذكر الله. ولو نظرْت فيما سبق من التاريخ كيف أنتج العلماء ما أنتجوا من المؤلفات ومن فطاحل العلماء الذين تخرجوا على أيديهم في أوقات قد تكون أقل من الوقت الذي عشته أنت، وذلك بسبب ما ملأ الله به قلوبهم من ذِكره حتى صارت أعمارهم لا يضيع منها لحظة واحدة. فعليك أن تنتبه لهذا لمرض القلب وأن تبادر بمداواته؛ لأنه إذا تفشى المرض في القلب -نسأل الله العافية- قد يموت ويُطْبَع عليه، فلا يُحِق حقًّا ولا يُبْطِل باطلًا. وأما الإرجاف وتخويف الناس المؤمنين وإلقاء الذعر في قلوبهم فهذا أيضًا من الأخلاق الذميمة؛ لأن الواجب على المرء على الأقل أن يكون موقفه موقف المحايد، أما أن يذهب ويرجف بالمؤمنين ويقول: عدوكم أكثر منكم، ولا يمكن أن تغلبوه، وعدوكم فعل وفعل وفعل؛ فإن هذا من علامات النفاق. * ويستفاد من الآية: أنه ينبغي للإنسان أن يُدْخِل على المؤمن ما يقوِّي عزيمته وينشطه، سواء في الجهاد في سبيل الله أو في غيره من الأعمال النافعة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي ﷺ مكلَّف عبدٌ يُؤْمَر ويُنْهى؛ لقوله: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾، إذن إذا لم يُغْرِه الله بهم فالواجب عليه الكفُّ والتوقف حتى يُؤْذن له فيهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: مشروعية إجلاء مَن في بقائه ضررٌ. من أين تؤخذ؟ ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾. وقد ثبت نحو هذا الإجلاء في الزاني إذا لم يكن محصنًا فإنه يُجْلَد مئة جلدة ويُغَرَّب عن وطنه أو عن البلد الذي زنى فيه لمدة سنة[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٤٩)، ومسلم (١٦٩٨ / ٢٥) من حديث زيد بن خالد.]]، وثبت أيضًا الإجلاء في قُطَّاع الطريق إذا أخافوا الناس ولم يأخذوا مالًا ولم يقتلوا نفسًا فإنهم يُنْفَون من الأرض ويُبْعدون، وثبت الإجلاء أيضًا في التعزير؛ فإن عمر بن الخطاب نفى نصر بن الحجاج، وكان رجلًا وسيمًا حتى إن النساء بدأن يتغزلن به، تقول القائلة: هَلْ مِنْ سَبِيلٍ إِلَى خَمْرٍ فَأَشْرَبَهَا ∗∗∗ أَمْ مِنْ سَبِيلٍ إِلَى نَصْرِ بْنِحَجَّاجِ فأمره عمر أن يحلق رأسه حتى لا تفتتن النساء به، فلما حلق رأسه صِرْن يتغزلن به من وجه آخر بعد الحلق، فرأى عمر رضي الله عنه أن يُنْفَى، فنفاه إلى البصرة[[أخرجه ابن سعد في الطبقات (٣/ ٢٨٥).]]، وكذلك أيضًا نَفَى الحُطَيئة، إذن فأصل النفي والإبعاد عن الأرض ثابت في القرآن؛ يعني: دلَّ عليه القرآن وهو قوله: ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه الأوصاف الثلاثة سبب للعن؛ النفاق، ومرض القلب، والثالث الإرجاف؛ لقوله: ﴿مَلْعُونِينَ﴾ يعني: إذا لم ينتهوا فإنهم يتصفون بهذا الوصف ﴿مَلْعُونِينَ﴾. * ومن فوائدها: أن المنافق إذا أظهر نفاقه فإنه يجوز قتله؛ لقوله: ﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾، هذا إذا لم ينتهِ عن أذية المؤمنين فإنه يُؤْخَذ ويُقْتَل. ولا يَرِد على ذلك أن النبي ﷺ كان يعلم من المنافقين أقوامًا بأعيانهم؛ لأن النبي ﷺ كفَّ عن قتلهم قال: «لِئَلَّا يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٩٠٥)، ومسلم (٢٥٨٤ / ٦٣) من حديث جابر بن عبد الله.]]، فيكون في ذلك تنفير عن الإسلامِ والإسلامُ ما زال في ابتداء الدعوة إليه، ثم إن المنافقين في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام يتسترون، ما يُعْرَفون إلا في لحن القول أو بوحي أوحاه الله تعالى إلى رسوله ﷺ. * ومن فوائد الآية الكريمة: استعمال المبالغة في الألفاظ لفظًا ومعنى؛ أما معنى فقوله: ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا﴾ في أي مكان؛ في برٍّ أو بحرٍ أو جو، قريبًا كان أو بعيدًا، أخذًا من عموم الشرط في قوله: ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا﴾. والوجه الثاني من المبالغة في اللفظ قوله: ﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾؛ لأن هذا أبلغ من قوله: وقُتِلوا قَتْلًا ﴿قُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾، فيه استعمال المبالغة في الألفاظ والمعاني أيضًا، فالمبالغة في المعاني مأخوذة من الشرط، والمبالغة في الألفاظ مأخوذة من قوله: ﴿قُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، تعزيرًا له؛ لأنه هو يتعرض أيضًا ويعرض نفسه، ففيه تعزير من جهة، وفيه كفٌّ لفتنته من جهة أخرى. * طالب: (...)؟ * الشيخ: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب ٥٩]، المرأة تُدْني من جلبابها، قال المفسرون ومنهم ابن عباس: تُغَطِّي وجهها إلا عينًا واحدة تخرجها لتَنْظُر الطريق[[أخرجه الطبري في التفسير (١٩/ ١٨١). ]]. * طالب: (...) الكتابيات (...)؟ * الشيخ: سبق لنا أن قوله: ﴿نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب ٥٩]؛ لأن الخطاب موجه لهم، وإلا فغير المؤمنات؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، حتى غير المؤمنات يجب أن يسترن وجوههن؛ لأن الفتنة حاصلة، بل ربما تكون الفتنة في غير المؤمنات أكثر؛ لأن الرجل يقول: هذه كافرة، ذنبها أعظم من أن يحارشها أو يتوصل إليها بالزنا. * طالب: لو قال: إنها غير مكلفة (...)؟ * الشيخ: لا، مخاطَبَة ولاسيما في الأمور الظاهرة، ولهذا يُمْنَعون من إظهار الخمر والخنزير وما أشبه ذلك مع أنه مباح في شريعتهم. * طالب: طيب شيخ، (...) في الإرجاف (...)؟ * الشيخ: ويش تقولون؟ * طالب: المدينة. * الشيخ: لا، ما يخالف، المدينة وغيرها سواء، لكن هذا بيان للواقع؛ ﴿الْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ [الأحزاب ٦٠] بيان للواقع، والقيد إذا كان بيانًا للواقع فلا مفهوم له. ويش تقولون؟ * طالب: (...). * الشيخ: يدخل في هذا، أو نقول: إنه ما بيننا وبينهم حرب الآن، إحنا -اللهُ يرحم حالنا- ذليلون الآن، وأنه ربما يكون أن هذا من الفوائد، من فوائده أننا نحرص أن نكون مثلهم أو ما يمكن؟ * طالب: يذكر على سبيل التخويف (...). * الشيخ: هو إن ذُكِر على سبيل التخويف والتعظيم فهو حرام، إذا ذُكِر على سبيل تعظيم هؤلاء الكفار وترفيع شأنهم هذا حرام؛ لأن كل شيء يُوجب أن نعظم الكافرين وأن يكون لهم في قلوبنا منزلة فهذا حرام؛ لأننا مأمورون اتجاه الكفار بما أَمَر الله به نبيه ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة ٧٣]، ومأمورون بأن نفعل كل ما يغيظهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح ٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة ١٢٠]، فنحن مأمورون بإغاظتهم وإهانتهم ما استطعنا، أما أن نذكر ما فيه تعلية شأنهم وبيان مقدرتهم وإلقاء الهيبة في قلوبنا منهم فإن هذا لا يجوز كما قلت. * طالب: (...) ناس من السعودية سافروا (...)؟ * الشيخ: قد يكون لكن (...) إما إكرامًا ولا ذعرًا (...)، وأيًّا كان فالحمد لله هذه من نعمة الله، وأنا حدثني رجل رحمه الله سافر إلى لندن وبقي على لباسه كما يلبسه في عنيزة؛ مشلح وعقال وكل شيء، يقول: فصاروا يكرموني إكرامًا عظيمًا، حتى إني جيت أركب السيارة يتبادرون الباب ليفتحوه لي، بيننا اللي يروح من عندنا يروح يلبس لباسهم ما يُعَد إلا كحامل الزبل، ما يهتمون به، إلا كان له صفة رسمية يهتمون به من جهة رسميته، أو كان يمكن أن ينفعهم بماله. على كل حال، من اتقى الله تعالى جعل الله له هيبة في القلوب، اتق الله يتَّقِك الناس، وخفْ من الله يَخَفْكَ الناسُ.

الأحزاب 33:60

﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] الخطاب بـ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ تقدم التنبيه عليه وهو أن الله عز وجل نادى محمدًا ﷺ بوصفه نبيًّا، والنبي يُنفِّذ ما أُوحِي إليه ولا يتأخر عنه. وسبق أن النبي مأخوذ من النبأ، أو من النبوة، أو منهما جميعًا فإنه مُنبِئ، مُنبَأٌ، وذو رِفْعة، فهو مشتق من النبأ سواء كان واقعًا منه أو واقعًا عليه، ومن النبوة؛ وهي الرِّفعة، فالشيء النابي أي الشيء المرتفع. ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب ٥٩]. ﴿قُلْ﴾ هذه فعل أمر، ومن المعلوم أن الرسول ﷺ قد أُمِر أن يقول جميع القرآن، وأن يبلغه، لكن إذا كان الحكم مُصدَّرًا بـ(قل) فهو دليل على العناية به؛ لأنه أُمِر أن يبلغه بخصوصه، فيكون في هذا دليل على أنه -أي هذا الشيء الذي أُمر أن يقوله الرسول ﷺ- أمر هام. ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ جمع زَوْج، وزوج يطلق على الرجل وعلى المرأة؛ لأنه مأخوذ من الازدواج وهو الاختلاط. واللغة الفصحى فيه ألا تفريق بين الذكر والأنثى، ولكن الفرَضِيين -رحمهم الله- التزموا أن يجعلوا الأنثى بالهاء والرجل أو الذَّكَر بدون هاء تفريقًا بين المسائل؛ لأنهم إذا قالوا: مات ميت عن زوج وابن، وأرادوا بالزوج الأنثى اشتبه هل يراد به الزوج الذكر والأنثى فالتزموا أن يفرقوا بين الذكر والأنثى بالتاء على أنه قد قيل إنها لغة لكنها قليلة. ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ وبدأ بالأزواج؛ لأن الحماية لهن والغيرة فيهن أشد وأبلغ. ﴿وَبَنَاتِكَ﴾ كم كُنَّ؟ كن أربعًا، لكن إذا كانت هذه الآية نزلت في السنة السادسة من الهجرة فإن بعضهن قد مات، وعلى هذا فيكون المراد الموجود منهن. ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عام في كل امرأة من المؤمنين، وإنما قال: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دون أن يقول: والنساء، من أجل الإغراء والحثِّ كقوله: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ». وإلا فإن الكافرات يجب عليهن من الحجاب ما يجب على المؤمنات لئلا يفتتن الناس بهن. وقوله: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يشمل زوجات المؤمنين، ومَنْ للمؤمنين عليهنَّ ولاية من البنات والأخوات والعمات والخالات والأمهات وغير ذلك. وفي قوله: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دليل على أن الرجال قوَّامون على النساء، وإلا لاكتفى بقوله: والنساء المؤمنات. ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ جملة ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ يحتمل أن تكون مرفوعة، وأن تكون مجزومة، وعلى كل حال هي مبنية الآن، مبنية لماذا؟ مبنية لاتصالها بنون النسوة، والفعل المضارع يكون مبنيًّا في موضعين إذا اتصل بنون النسوة أو نون التوكيد، وهنا اتصلت به نون النسوة، فهو مبني على السكون، لكن هل هو في محل رفع أو في محل جزم؟ إن كانت ﴿يُدْنِينَ﴾ مقول القول فهي في محل رفع، يعني: قل لهم أدْنِين، قل لهؤلاء أدنين، وإن كانت جوابًا للأمر فهي في محل جزم؛ لأن جواب الأمر يكون مجزومًا. وقيل: إنها مجزومة على تقدير اللام؛ أي: قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين ليدنين عليهن من جلابيبهن؛ أي: على تقدير لام الأمر كقول الشاعر: مُحَمَّدُ تَفْدِي نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ ∗∗∗ .......................... تفدي: جزمها على تقدير اللام، أي: لتفدي نفسك. أي الاحتمالين أرجح؟ أن تكون مقولًا للقول في محل رفع، أو أن تكون في محل جزم؟ نشوف القرآن قد يُبيِّن ذلك، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء ٥٣]، هذا يدل على أنها مجزومة على أنها جواب الأمر، إذ لو كانت مرفوعة لقال: يقولون هي التي أحسن، فلما قال: ﴿يَقُولُوا﴾ دل على أنها جواب الأمر. وهي أيضًا من حيث المعنى أبلغ إذا كانت جوابًا للأمر كأنهم يفعلون ذلك مباشرة؛ يعني كأن فعلهم هذا جوابهم للأمر؛ أي أنه متسبب عنه، فيكون ذلك أبلغ في الامتثال من أن يُؤمروا أمرًا قد يمتثلونه وقد لا يمتثلونه. ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور ٣٠] ويش يؤيد؟ أن جواب الأمر ولَّا أنها مقول القول؟ أنها جواب الأمر؛ ولهذا قال: ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ فجزمها بحذف النون، ولم يقل يغضون من أبصارهم. ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور٣١] ويش يؤيد؟ هذا ما فيه دليل؛ لأنه مبني، فليس فيه دليل على هذا ولا على هذا. المهم أن الأولى أن نجعل قوله: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ جوابًا للأمر، ويؤيد ذلك السياق في كتاب الله، ويؤيد ذلك أنه أقوى في الامتثال والتنفيذ حيث كان جوابًا لمجرد القول كأنهن يفعلن ويمتثلن. ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ ﴿مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾. قوله: ﴿مِنْ﴾ ليست زائدة كما قيل؛ لأن (مِن) ما تزاد إلا في النفي كما قال ابن مالك: وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ ∗∗∗ ........................ أكملوا؟ ........................ ∗∗∗ نَكِرَةً كَـ(مَــــا لِبَـــــاغٍ مِنْمَـــفَرْ) وعلى هذا فـ(مِن) ليست بزائدة؛ يعني ليس المعنى يدنين عليهن جلابيبهن، بل (مِن) للتبعيض؛ أي: يدنين عليهن من جلابيبهن؛ يعني بعض جلابيبهن. وهل التبعيض هنا تبعيض جزء من كل، أو تبعيض فرد من فرد؟ بمعنى: هل إن قوله: ﴿مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ أي من الجلابيب التي عندهن؛ لأن الواحدة قد يكون عندها جلبابان أو أكثر، أو أن المعنى بعض الجلباب الذي عليها؟ هذا الأخير هو الأقرب؛ يعني تُدني عليها بعض جلبابها، والجلباب هو الرداء أو الملاءة أو الملحفة، يعني الشيء الواسع الذي يشمل جميع البدن أو أكثره. و﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ﴾ ولم يقل: إليهن، بل قال: ﴿عَلَيْهِنَّ﴾ ليكون الإدناء ملاصقًا لهن، فمثلًا هنا إذا قلت هكذا، هذا أدنيت إليَّ لكن إن قلت: هكذا عليَّ، فكأنه ضُمِّن معنى يضممن عليهن. ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ أي يقربنه حتى يضممنه عليهن. وقوله: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ ﴿عَلَيْهِنَّ﴾ لم يقل: على وجوههن، ولا على نحورهن، ولا على صدورهن فيكون شاملًا لجميع البدن. ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ﴾ أي: على جميع البدن، ولكن من المعروف أن الجلباب ساتر لأكثر البدن والعادة عندهم أن المرأة تكشف وجهها وتخرج مكشوفة الوجه ومكشوفة النحر، فَأَمَر الله عز وجل أن ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ أي على هذا المكشوف الذي يُكشف عادة وهو الوجه والنحر كما قال ذلك ابن عباس وغيره بأن تُغطِّي وجهها ولا تبدي إلا عينًا واحدة تنظر بها للضرورة، وهذا فيما إذا كان الجلباب صفيقًا، بحيث إذا غطت به وجهها لا ترى، أما إذا كان خفيفًا كما هو المعروف عندنا في الوقت الحاضر فلا حاجة إلى إبداء العين؛ لأن إبداء العين إنما هو للضرورة؛ بدليل أن الصحابة كابن عباس وغيره رخصوا في إبداء العين الواحدة؛ لأنها بقدر الضرورة وإلا لكانوا يقولون: تُخرِج العينين جميعًا، وعلى كل حال فالمعنى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ فيما يكشفنه من أبدانهن وهو الوجه، هذا ما جرت به العادة. وكان هذا الكشف عامًّا للإماء والحرائر فصار بعض من في قلبه مرض من المنافقين الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات صاروا يلاحقونهم، فإذا عُثِر عليهن قالوا: هذه أمة، حسبناها أمة فعيرناها وهي حرة، فشُكِي ذلك إلى رسول الله ﷺ فأنزل الله هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الأحزاب ٥٩] هكذا قال بعضهم في سبب النزول لكنه غير مسند، ونحن لا يهمنا أن تكون الآية لها سبب في نزولها أم ليس لها سبب، المهم هو الحكم الذي دلت عليه. قال: (﴿﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ ﴾ جمع جلباب، وهي الملاءة التي تشتمل بها المرأة، أي يُرخين بعضها على الوجوه إذا خرجن لحاجتهن إلا عينًا واحدة) ليش؟ لضرورة النظر. وقوله: (جمع جلباب وهي الملاءة) هو كما قال، وهي تشبه العباءة عندنا، ولما أمر النبي ﷺ بخروج النساء في العيد للصلاة قالت أم عطية: يا رسول الله، إحدانا ليس لها جلباب فقال: «لِتُلْبِسْهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤)، ومسلم (٨٩٠ / ١٢) من حديث أم عطية.]]. ولم يقل: لتخرج بدون جلباب، وهذا يدل على أنه لا بد أن تخرج المرأة بما يسترها ولا يبين حجم جسمها. (﴿﴿ذَلِكَ أَدْنَى﴾ ﴾ أقرب إلى ﴿﴿أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ ﴾ بأنهن حرائر ﴿﴿فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ ﴾ بالتعرض لهن). قوله: (﴿﴿أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ ﴾ بأنهن حرائر) هذا بناءً على ما قلت، ولكن لنا أن نقول: ﴿أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ بأنهن محتشمات وبعيدات عن الرِّيَب، ولا يُردن السوء ولا الفاحشة؛ لأن المرأة إذا كانت محتشِمة محتجبة دل هذا على كمال عفتها، وأنها لا تريد أن تقع في مواضع الرِّيَب بخلاف المرأة العاهر -والعياذ بالله- فإنها تتبرج، وتكشف وجهها، وتخرج يديها، وذراعيها، وحليها، وما أشبه ذلك، فإذا كانت المرأة مُتحجِّبة عُلِم أنها امرأة محتشمة عفيفة؛ ولهذا قال: ﴿أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾، وإذا كانت عفيفة محتشمة فإن الفُسَّاق لا يتعرضون لها؛ لأنهم يعلمون أنها ليست من أصحابهن، وإنما هي امرأة حامية نفسها محتفِظة، هذا من جهة، ويحتمل أن ما قاله المؤلف: (﴿﴿أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ ﴾ بأنهن حرائر) والآية صالحة لهذا ولهذا. قال: (﴿﴿أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ ﴾ بالتعرض لهن بخلاف الإماء فلا يُغَطِّين وجوههن، فكان المنافقون يتعرضون لهن). وهكذا كانت الإماء في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، وفي عهد الخلفاء لا يحتجبن؛ لأنهن مملوكات، ولا يتعلق بهن إلا رديء النفس. ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال: إنما هذا في الإماء اللاتي لا يُخشى منهن فتنة، وأما الإماء الجميلات اللاتي يفتن فإنهن يجب عليهن أن يُغطِّين وجوههن؛ وذلك لخوف الفتنة، لا لإلحاقهن بالحرائر. وما قاله -رحمه الله- صحيح، والمعنى يؤيده فإن كل ما يُخشى منه الفتنة فإنه يجب البعد عنه؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور٣١]؛ لأن الخلخال الذي يُسمَع إذا ضربت المرأة برجلها يُخشَى منه الفتنة، وخشية الفتنة بخلخال مخفي عند ضرب المرأة برجلها أقل بكثير من أن تُخرِج المرأة وجهها، ذلك الوجه الجميل المجمَّل بالكحل والتحمير وغير ذلك، وكلٌّ يعلم أن هذا أعظم فتنة من خلخال مستور يُسمَع صوته عند الضرب بالرجل، وتأبى حكمة الله عز وجل أن ينهى عن ضرب المرأة برجلها لئلا يُسْمع خلخالها، ثم يرخص لامرأة من أجمل النساء أن تُخرِج وجهها وكفيها فإن هذا تأباه حكمة الله عز وجل. * طالب: «عمر لما ضرب الأمة لما غطت رأسها»[[أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٥٠٦٤) من حديث أنس بن مالك.]]؟ * الشيخ: نعم، ضربها لئلا تتشبه بالحرائر خوفًا من أن يختلط هؤلاء بهؤلاء، ثم يبقى الفرق والميزة بينهما لا أثر له، إذا كانت الإماء يغطين وجوههن بقيت الحرائر غير معلومات. * الطالب: قد يحتج به على قول شيخ الإسلام؟ * الشيخ: لا، ما يحتج به؛ لأن عندنا قواعد عامة وهي أن التعرض للفتن ممنوع في الشرع. * طالب: شيخ، طيب ترى بعين واحدة يُعتبر سنة إلى الآن يعني؟ * الشيخ: لا، ما هو سنة؛ لأن الجلابيب في ذلك الوقت غليظة ما تتمكن المرأة من النظر، أما في وقتنا فهي خفيفة تتمكن المرأة، تمشي بالنظر ولو غطت جميع وجهها. * الطالب: إن فعلت هذا الجلباب هي نفسها؛ يعني لبست؟ * الشيخ: الآن النساء عندنا يتجلببن ولا يكشفن ولا عينًا واحدة والأمور ماشية. * طالب: (...) اللبس (...)؟ * الشيخ: بالنيل؟ * الطالب: (...)؟ * الشيخ: إي، هو الظاهر؛ ولهذا الصحابة جعلوا إبداء العين الواحدة للضرورة؛ ولهذا اقتصروا على قدر الضرورة فقط وهي العين الواحدة، وهذا يدل على أنه إذا كان يمكن للمرأة أن تبصر بدون إخراج العين فإنه لا يجوز إخراج العين. * طالب: شيخ، قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ ما فيه دليل على وجوب تغطية الوجه؛ لأن المرأة ما تعرف إلا من وجهها؟ * الشيخ: لا، هو على كلام المؤلف: ﴿يُعْرَفْنَ﴾ بمعنى يميزن، تميز الحرائر من.. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، إذا أخذنا بظاهر اللفظ، ولا سيما على التفسير الذي ذكرنا أنها تُعرف بأنها محتشمة، وأنها بعيدة عن الرِّيَب نعم. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٥٩]. (﴿﴿كَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ ﴾ لما سلف منهن من ترك الستر ﴿﴿رَحِيمًا﴾ ﴾ بهن إذ سترهن). ﴿﴿كَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ ﴾ سبق لنا تفسير (الغفور) و(الرحيم)، وأن الله تعالى يجمع بينهما دائمًا لأجل أن يتركب من الاسمين زوال المكروه وحصول المطلوب، فزوال المكروه بماذا؟ بالمغفرة، وحصول المطلوب بالرحمة، والله عز وجل يذكر دائمًا المغفرة والرحمة عن أمر قد سلف ولم ينزل به حكم، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء٢٢]، ما هذا.. الآية: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء٢٣]؛ لأنه لولا مغفرة الله ورحمته لكان يعاقبنا على المخالفة التي لا تليق، لكن الله عز وجل من مغفرته ورحمته لا يؤاخذنا بما لم يشرعه لنا. ثم قال: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ [الأحزاب ٦٠]. ﴿لَئِنْ﴾ يقول المؤلف: (لام القسم) يعني لام موطئة للقسم، وليست هي أداة القسم، بل القسم محذوف والتقدير: والله لئن لم ينتهِ، أو: وَرَبِّك لئن لم ينتهِ؛ فهي مُوطِّئة للقسم. وإنما قال المؤلف: (لام القسم) لئلا يتوهم واهم أنها لام الابتداء. وقوله: (إن) هذه شرطية ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾ ﴿لَمْ يَنْتَهِ﴾ مجزومة ولَّا مرفوعة؟ * طالب: (...). * الشيخ: الدليل؟ حذف حرف العلة الياء، والجازم لها (إن) أو (لم)؟ (لم)؛ لأنها هي المباشرة. ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾ يعني: (عن نفاقهم) كما قال المؤلف، وإنما قال المؤلف: (عن نفاقهم)؛ لأنه هو الوصف الذي اشتُقَّ منه اسم (المنافقون)، وإلا قد يكون معناها لئن لم ينتهِ المنافقون عن نفاقهم وعن أذيتهم للمؤمنين وغير ذلك. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ (بالزنى)، وهذا بناءً على أن قوله: ﴿ذلك أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ أن المراد الأذية بالتعرُّض لهن بالفاحشة؛ فالمعنى ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هم الذين يتعرضون للنساء بطلب الفاحشة والزنى، ويحتمل أن يكون المعنى أعم مما قال المؤلف؛ أي: في قلوبهم مرض من الشك وسوء الخلق وغير ذلك، وهو أعم وأحسن. ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ المؤمنين مفعول (مرجفون)؛ لأنها من أَرْجَفَ يُرْجِف، وهي مأخوذة من الرَّجْفة، والرَّجْفَة هي الزلزلة، والمرْجِف هو الذي يقول: قد أتاكم العدو، وإن لكم عدوًّا كثيرًا، وسراياكم قد قُتلت، وهُزِمت الجنود، وما أشبه ذلك، يُدْخل الخوف والرعب في قلوب الناس، وسُمِّي ذلك إرجافًا؛ لأنه يزلزل ثقة الإنسان بنفسه وبإخوانه؛ ولأنه يزلزل أمنه وطمأنينته، قال بعضهم: ولأنه لا ثبات له؛ لأنه قولٌ كذب، كل هذه المعاني يحتمل أن يكون الإرجاف مشتقًا منها أو دالًّا عليها. إذن فالمرجِف هو الذي يُخبر بماذا؟ بما يزلزل طمأنينة المؤمنين من هزيمة، أو قتل عدو، أو كثرة جنود، أو ما أشبه ذلك، ويوجد فيه أناس من هذا النوع في المدينة إذا بعث النبي ﷺ السرايا صاروا يبثون مثل هذه الأقوال بأن السرية قد هُزِمت، وأُسِرت، وقُتِلت، وما أشبه هذا. ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ اللام في قوله: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ﴾ واقعة في جواب القسم المقدَّر؛ فالجملة إذن جواب للقَسَم وليست للشرط؛ لأن القاعدة أنه إذا اجتمع قَسَم وشرط فالجواب للسابق منهما كما قال ابن مالك: وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَـــــــوَابَ مَــا أَخَّـــــرْتَ فَهْــــــوَمُلْــــــتَزَمْ وقوله: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ﴾ قال المؤلف: (لنُسلِّطَنَّك عليهم) وهذا التفسير تفسير باللازم؛ لأن الإغراء معناه الحث بإزعاج على أن ينكِّل بهم، ومنه إغراء الإنسان بالعدو؛ بمعنى أنه يحثه عليه بإزعاج ليُوقع به ويقتله أو يهزمه أو ما أشبه ذلك. ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا﴾ (﴿﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ﴾ ﴾ يساكنونك -﴿فِيهَا﴾ يعني في المدينة- ﴿﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ ﴾ ثم يخرجون ﴿﴿مَلْعُونِينَ﴾ ﴾ مُبعَدِين عن الرحمة) يعني لنغرينك بهم بالتسلط عليهم؛ إما بالتعزير، أو بالتأديب، أو بالقتل، أو بغير ذلك، فإذا ضاقت عليهم المدينة خرجوا؛ ولهذا قال: ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ﴾ ولم يقل: فلا يجاورونك؛ وذلك لتأخر انتفاء المجاورة عن الإغراء؛ لأن الله يغريه بهم فيحصل لهم من التأديب والتعزير والإهانة ما لا يتمكنون معه من البقاء في المدينة؛ ولهذا جاءت بـ﴿ثُمَّ﴾. وقوله: ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ يحتمل أن المعنى إلا قليلًا من الزمن أو إلا قليلًا منهم وعلى كلا الاحتمالين: فإن قوله: ﴿مَلْعُونِينَ﴾ حال من الفاعل في ﴿يُجَاوِرُونَكَ﴾. وعلى تقدير المؤلف هي حال من فاعل حذف مع عامله، حيث قال: ثم يخرجون ملعونين. ولكن الأقرب ألا نقدر بل المعنى: ثم لا يجاورونك إلا قليلًا في حال كونهم ملعونين حال المجاورة؛ يعني حتى في بقائهم عندك يكونون ملعونين مطرودين مُبعَدين لا يألفهم أحد ولا يحنو عليهم. ثم قال: ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ (﴿﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا﴾ ﴾ وُجِدوا ﴿﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ ﴾) ﴿أَيْنَمَا﴾ هذه أداة شرط تفيد العموم في المكان، وفعل الشرط قوله: ﴿ثُقِفُوا﴾ وجواب الشرط ﴿أُخِذُوا﴾. وقال: ﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ يقول: (أي الحكم فيهم هذا على جهة الأمر به). الجملة ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا﴾ جملة خبرية ولَّا إنشائية، جملة خبرية؛ لأنها شرطية، والجملة الشرطية خبرية، لكنها خبرية بمعنى الإنشاء؛ أي: بمعنى الأمر والطلب، أي: أينما وجدتموهم فخذوهم واقتلوهم. وفي قوله: ﴿تَقْتِيلًا﴾ المصدر المؤكِّد دليل على أنهم يُقتَّلون أفرادًا وجماعات. هذه الآية لا شك أن فيها وعيدًا لهؤلاء الذين جمعوا هذه الأوصاف، المنافقون، والذين في قلوبهم مرض، والمرجفون في المدينة، هي وعيد، والبحث فيها: أولًا: هل هذه الأوصاف لموصوف واحد؟ أو أنها لأناس متعددين؟ هل المعنى أنهم منافقون وفي قلوبهم مرض ومُرجِفون؟ فالأوصاف هذه لموصوف واحد وصح العطف؛ لأنه من باب عطف الصفة كما في قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى ١ - ٤] وهو واحد ولَّا متعدد؟ واحد؛ فالعطف هنا عطف صفات، هل نقول: إن هذه عطف صفات، وأنها لموصوف واحد؟ أو نقول: إنها عطف أعيان موصوفين ليست لموصوف واحد؟ هذا الأخير هو الأصح وهو أعم أيضًا؛ لأن المنافق قد يكون في قلبه مرض يميل إلى الفاحشة والزنى وقد لا يكون ولًّا لا؟ وقد يكون مرجفًا وقد لا يكون، وقد يجمع بين النفاق والمرض القلبي والإرجاف، وقد يكون الإنسان في قلبه مرض وليس منافقًا، وقد يكون مرجفًا وليس منافقًا ولا في قلبه مرض، فحينئذٍ يتبين أن الأولى أن هذا العطف عطْف لموصوف على موصوف وليست عطفًا على موصوف واحد؛ يعني ليست وصفًا لموصوف واحد حتى نجعل العطف من باب عطف الصفات بعضها على بعض. البحث الثاني: هل هؤلاء انتهوا أم لم ينتهوا؟ الواقع أن الإغراء لم يحصل؛ ولهذا بقي المنافقون، ما قُتِّلوا، ولا أُخِذوا فهم باقون، فهل نقول: إنهم انتهوا حين رأوا هذا الوعيد، أو نقول: إنهم لم ينتهوا لكن الله عز وجل عفا عنهم فيما بعد، وأن هذا من باب إخلاف الوعيد، وإخلاف الوعيد من الكرم بخلاف إخلاف الوعد، أيهما أرجح؟ هما قولان للعلماء؛ فبعضهم يقول: إنهم لما رأوا هذا الوعيد وكانوا من أخوف الناس وأرعن الناس انتهوا وتركوا هذا الأمر. وبعضهم قال: إنهم لم ينتهوا لكن الله عز وجل لم يُغْرِ نبيهم بهم لحكمة اقتضت ذلك. الذي يظهر لي -والله أعلم- أنهم انتهوا؛ لأن المعروف من حال المنافقين أنهم جبناء، وأنهم يخافون ويحذرون؛ ولهذا يحلفون عند الرسول عليه الصلاة والسلام بأنهم مؤمنون، ولما تخلفوا عن غزوة تبوك جاؤوا يحلفون ويعتذرون، فهم جبناء، وهم يعلمون أن وعد الله حق، وأنهم لو استمروا في أعمالهم العدوانية هذه لأغرى الله بهم نبيه، وحصل الجلاء، ثم القتل. * طالب: الذين يقولون بالقول الثاني بماذا يجيبون عن قول الله تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق٢٩]؟ * الشيخ: إي يقولون: هذا فيما فيه الظلم؛ ولهذا قال: ﴿قَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق ٢٨، ٢٩] وهذا في يوم القيامة، أما في الدنيا فإنه يجوز (...). ﴿وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب ٥٩]. * يستفاد من الآية الكريمة: أهمية ما أمر اللهُ به رسولَه في هذه الآية، وجه ذلك أن الله أمره أن يبلغها أمرًا خاصًّا؛ بقوله: ﴿قُلْ﴾ وإلا كل القرآن مأمور بأن يقوله للناس: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧] لكن بعض الأحكام يُصدِّرها الله عز وجل بـ﴿قُلْ﴾ فيكون كأنه أُرسِل بهذه الآية إرسالًا خاصًّا فيكون في ذلك دليل على أهمية هذا الأمر الذي أمر الله به رسولَه. * ومن فوائدها: أنه يجب على الإنسان أن يغار على زوجته أكثر من غيرها؛ لأنها فراشه، وفي فسادها فساد لفراشه وتشكيك في نسله، وجه ذلك أن الله بدأ بالأزواج فقال: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان مسؤول عمن تحت رعايته سواء كانت تلك مسؤولية عامة أو خاصة. وفي هذه الآية مسؤوليتان على رسول الله ﷺ؛ خاصة وعامة، الخاصة قوله: ﴿لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ﴾، والعامة: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان مقتضٍ للعمل بهذه الآية؛ لقوله: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. * ومن فوائدها: أن على المؤمنين مسؤولية في نسائهم؛ لقوله: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولم يقل: ونساء المؤمنات إشارةً إلى أن المؤمن يجب أن يكون مُلاحِظًا لنسائه. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الحجاب، حجاب الوجه؛ لقوله: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾. * ويتفرع على هذا: أنه يجب أن نعرف مفهوم الحجاب الشرعي؛ لأن أكثر الناس يظنون أن الحجاب الشرعي هو أن تُغطِّي المرأة جميع جسدها إلا وجهها وكفيها، وهذا يعني نحن فهمناه من الأسئلة التي ترد إلينا؛ أنهم إذا قالوا: الحجاب الشرعي يعني حَجْب وسَتْر جميع البدن إلا الوجه والكفين، وهذا خطأ؛ فالحجاب الشرعي أول وأولى ما يدخل فيه حجاب الوجه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من عادة نساء الصحابة لبس الجلابيب؛ لقوله: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾؛ ويدل لذلك أيضًا أن النبي ﷺ لما أمرهن بالخروج إلى مصلى العيد قلنا: يا رسول الله، إحدانا ليس لها جلباب. فقال: «لِتُلْبِسْهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤)، ومسلم (٨٩٠ / ١٢) من حديث أم عطية.]]. * ويتفرع على هذه الفائدة: أن الشرع يتشوف إلى أن تكون المرأة بعيدة عن إبراز مفاتنها؛ لأن الجلباب يكون غالبًا واسعًا لا تظهر منه مفاتن الجسم. .. إي، بعباده حيث يبيِّن لهم علل الأحكام الشرعية. وجه ذلك أن ذِكر العلل يفيد طمأنينة النفس واقتناعها اقتناعًا أكثر بذلك الحكم المعلَّل. وتفيد أيضًا سمو الشريعة وأنها لا تأمر بشيء عبثًا، بل لا بد لكل شيء تأمر به من الحكمة المناسبة التي ينبني عليها الحُكم. ومن فوائد ذكر العلل أيضًا أن العلة إذا كانت عامة أمكن أن نقيس على المعلَّل ما وافقه في تلك العلة، فنُلْحقه به في الحكم. * ومن فوائد الآية الكريمة: عناية الله عز وجل بالمرأة بدفع ما يمكن أن يكون فيه أذًى عليها؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب ٥٩]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن في الحِجاب كفَّ الأذى عن المرأة، فيكون في ذلك كرامةٌ لها، وإعزازٌ لها، ورفعةٌ لها من أن تُؤْذَى. * ويتفرع على هذه القاعدة: بيان قصور نظرِ أولئك الذين يقولون: إن الحجاب ونحوه إذلال للمرأة وغضٌّ من كرامتها وإهانة لها. فنقول لهم: كذبتم أعظم الكذب وافتريتم أعظم الفرى؛ فإن حجابها هو الذي يدفع عنها الأذى؛ أذى الفساق، وتتبعهم لها؛ لأن المرأة الجميلة تكون بالنسبة لهؤلاء الأراذل كالجيفة أمام الكلاب لا بد أن يتبعوها ولو على الرائحة. وبهذا نعرف ما انزلق فيه كثير من الشعوب الإسلامية في رفع الحجاب الشرعي عن المرأة حيث أدى إلى المفاسد الكبيرة، ولو فتَّشت ما فتَّشت في أولئك الأمم الذين يدَّعون التمدن والتحضر لوجدت كثيرًا وكثيرًا من الحوامل من البغاء والزنا، هذا فضلًا عمن يَسْتَعملن الحبوب المانعة من الحمل، وفضلًا عمن يجهِضن الحمل قبل أن يستتمَّ، وكل هذا يدل على أن الإسلام ومناهج الإسلام أسمى كل المناهج وأحسن كل الأنظمة، ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المغفرة والرحمة لله عز وجل، وهي مأخوذة من هذين الاسمين الكريمين ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، هذان الوصفان دلَّ عليهما الاسمان دلالة تضمن أو دلالة مطابقة؟ مطابقة، وفي دلالة الالتزام يدل هذان الاسمان على الكرم دلالة التزام؛ لأن الكريم هو الذي يغفر وهو الذي يرحم، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. ثم قال تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب ٦٠] إلى آخره. * في هذه الآية الكريمة من الفوائد: شدة عناية الله عز وجل بنساء المؤمنين، فإن علاقة الآية هذه بالتي قبلها ظاهرة؛ فإن المنافقين والذين في قلوبهم مرض هم أكثر الناس تعرضًا لأذية المؤمنات، فلهذا أعقب الآية السابقة بهذه الآية، ففيه كمال عناية الله تعالى بنساء المؤمنين. * ومن فوائدها: الوعيد الشديد لهؤلاء المتصفين بهذه الصفات الثلاث الذميمة؛ النفاق، ومرض القلب، والإرجاف. * ومن فوائدها: أنه إذا ظهر نفاق المنافق وتبين عداؤه فإنه يجوز أن يعامل بما يقتضيه نفاقه؛ لقوله: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾، ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾. وسبق لنا البحث هل هؤلاء المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون هل انتهوا عن أعمالهم أم لا؟ وقلنا: إن في ذلك رأيين لأهل العلم، وإن الأقرب من هذين الرأيين أنهم انتهوا عن ذلك؛ لأننا لم نرَ أن الله عز وجل سلَّط رسوله عليهم وأغراه بهم، وهذا أقرب بكثير من القول بأن الله تعالى لم يُغْرِه من باب إخلاف الوعيد. * ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من النفاق ومرض القلب والإرجاف؛ لأن الله توعَّد هؤلاء إذا لم ينتهوا بأن يسلط الله رسوله عليهم ويُغْرِيه بهم، وقُبْح هذه الصفات معلومٌ. أما النفاق فظاهر فإنه من أرذل الأخلاق؛ لأن من الصفات التي يرتكبها المنافق أنه إذا وعد أخلف، وإذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا اؤتمن خان، وهذه من أرذل الصفات الاجتماعية. وأما الذين في قلوبهم مرض فإن مرض القلب أشد من مرض البدن؛ لأن مرض البدن يوجب الألم الحسي الذي قد يتحمله الإنسان، وأما مرض القلب -والعياذ بالله- فإنه يوجب القلق النفسي وضياع الحياة كلها والموت المعنوي، واسمع إلى قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف ٢٨]، ما أكثر الأوقات التي تضيع على من غفل عن ذكر الله، تضيع بلا فائدة، وأنت إذا رأيت من نفسك أن أوقاتك ضائعة بلا فائدة فيجب عليك أن تلاحظ قلبك؛ فإن هذا لا يكون إلا من غفلة القلب عن ذكر الله. ولو نظرْت فيما سبق من التاريخ كيف أنتج العلماء ما أنتجوا من المؤلفات ومن فطاحل العلماء الذين تخرجوا على أيديهم في أوقات قد تكون أقل من الوقت الذي عشته أنت، وذلك بسبب ما ملأ الله به قلوبهم من ذِكره حتى صارت أعمارهم لا يضيع منها لحظة واحدة. فعليك أن تنتبه لهذا لمرض القلب وأن تبادر بمداواته؛ لأنه إذا تفشى المرض في القلب -نسأل الله العافية- قد يموت ويُطْبَع عليه، فلا يُحِق حقًّا ولا يُبْطِل باطلًا. وأما الإرجاف وتخويف الناس المؤمنين وإلقاء الذعر في قلوبهم فهذا أيضًا من الأخلاق الذميمة؛ لأن الواجب على المرء على الأقل أن يكون موقفه موقف المحايد، أما أن يذهب ويرجف بالمؤمنين ويقول: عدوكم أكثر منكم، ولا يمكن أن تغلبوه، وعدوكم فعل وفعل وفعل؛ فإن هذا من علامات النفاق. * ويستفاد من الآية: أنه ينبغي للإنسان أن يُدْخِل على المؤمن ما يقوِّي عزيمته وينشطه، سواء في الجهاد في سبيل الله أو في غيره من الأعمال النافعة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي ﷺ مكلَّف عبدٌ يُؤْمَر ويُنْهى؛ لقوله: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾، إذن إذا لم يُغْرِه الله بهم فالواجب عليه الكفُّ والتوقف حتى يُؤْذن له فيهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: مشروعية إجلاء مَن في بقائه ضررٌ. من أين تؤخذ؟ ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾. وقد ثبت نحو هذا الإجلاء في الزاني إذا لم يكن محصنًا فإنه يُجْلَد مئة جلدة ويُغَرَّب عن وطنه أو عن البلد الذي زنى فيه لمدة سنة[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٤٩)، ومسلم (١٦٩٨ / ٢٥) من حديث زيد بن خالد.]]، وثبت أيضًا الإجلاء في قُطَّاع الطريق إذا أخافوا الناس ولم يأخذوا مالًا ولم يقتلوا نفسًا فإنهم يُنْفَون من الأرض ويُبْعدون، وثبت الإجلاء أيضًا في التعزير؛ فإن عمر بن الخطاب نفى نصر بن الحجاج، وكان رجلًا وسيمًا حتى إن النساء بدأن يتغزلن به، تقول القائلة: هَلْ مِنْ سَبِيلٍ إِلَى خَمْرٍ فَأَشْرَبَهَا ∗∗∗ أَمْ مِنْ سَبِيلٍ إِلَى نَصْرِ بْنِحَجَّاجِ فأمره عمر أن يحلق رأسه حتى لا تفتتن النساء به، فلما حلق رأسه صِرْن يتغزلن به من وجه آخر بعد الحلق، فرأى عمر رضي الله عنه أن يُنْفَى، فنفاه إلى البصرة[[أخرجه ابن سعد في الطبقات (٣/ ٢٨٥).]]، وكذلك أيضًا نَفَى الحُطَيئة، إذن فأصل النفي والإبعاد عن الأرض ثابت في القرآن؛ يعني: دلَّ عليه القرآن وهو قوله: ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه الأوصاف الثلاثة سبب للعن؛ النفاق، ومرض القلب، والثالث الإرجاف؛ لقوله: ﴿مَلْعُونِينَ﴾ يعني: إذا لم ينتهوا فإنهم يتصفون بهذا الوصف ﴿مَلْعُونِينَ﴾. * ومن فوائدها: أن المنافق إذا أظهر نفاقه فإنه يجوز قتله؛ لقوله: ﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾، هذا إذا لم ينتهِ عن أذية المؤمنين فإنه يُؤْخَذ ويُقْتَل. ولا يَرِد على ذلك أن النبي ﷺ كان يعلم من المنافقين أقوامًا بأعيانهم؛ لأن النبي ﷺ كفَّ عن قتلهم قال: «لِئَلَّا يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٩٠٥)، ومسلم (٢٥٨٤ / ٦٣) من حديث جابر بن عبد الله.]]، فيكون في ذلك تنفير عن الإسلامِ والإسلامُ ما زال في ابتداء الدعوة إليه، ثم إن المنافقين في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام يتسترون، ما يُعْرَفون إلا في لحن القول أو بوحي أوحاه الله تعالى إلى رسوله ﷺ. * ومن فوائد الآية الكريمة: استعمال المبالغة في الألفاظ لفظًا ومعنى؛ أما معنى فقوله: ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا﴾ في أي مكان؛ في برٍّ أو بحرٍ أو جو، قريبًا كان أو بعيدًا، أخذًا من عموم الشرط في قوله: ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا﴾. والوجه الثاني من المبالغة في اللفظ قوله: ﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾؛ لأن هذا أبلغ من قوله: وقُتِلوا قَتْلًا ﴿قُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾، فيه استعمال المبالغة في الألفاظ والمعاني أيضًا، فالمبالغة في المعاني مأخوذة من الشرط، والمبالغة في الألفاظ مأخوذة من قوله: ﴿قُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، تعزيرًا له؛ لأنه هو يتعرض أيضًا ويعرض نفسه، ففيه تعزير من جهة، وفيه كفٌّ لفتنته من جهة أخرى. * طالب: (...)؟ * الشيخ: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب ٥٩]، المرأة تُدْني من جلبابها، قال المفسرون ومنهم ابن عباس: تُغَطِّي وجهها إلا عينًا واحدة تخرجها لتَنْظُر الطريق[[أخرجه الطبري في التفسير (١٩/ ١٨١). ]]. * طالب: (...) الكتابيات (...)؟ * الشيخ: سبق لنا أن قوله: ﴿نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب ٥٩]؛ لأن الخطاب موجه لهم، وإلا فغير المؤمنات؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، حتى غير المؤمنات يجب أن يسترن وجوههن؛ لأن الفتنة حاصلة، بل ربما تكون الفتنة في غير المؤمنات أكثر؛ لأن الرجل يقول: هذه كافرة، ذنبها أعظم من أن يحارشها أو يتوصل إليها بالزنا. * طالب: لو قال: إنها غير مكلفة (...)؟ * الشيخ: لا، مخاطَبَة ولاسيما في الأمور الظاهرة، ولهذا يُمْنَعون من إظهار الخمر والخنزير وما أشبه ذلك مع أنه مباح في شريعتهم. * طالب: طيب شيخ، (...) في الإرجاف (...)؟ * الشيخ: ويش تقولون؟ * طالب: المدينة. * الشيخ: لا، ما يخالف، المدينة وغيرها سواء، لكن هذا بيان للواقع؛ ﴿الْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ [الأحزاب ٦٠] بيان للواقع، والقيد إذا كان بيانًا للواقع فلا مفهوم له. ويش تقولون؟ * طالب: (...). * الشيخ: يدخل في هذا، أو نقول: إنه ما بيننا وبينهم حرب الآن، إحنا -اللهُ يرحم حالنا- ذليلون الآن، وأنه ربما يكون أن هذا من الفوائد، من فوائده أننا نحرص أن نكون مثلهم أو ما يمكن؟ * طالب: يذكر على سبيل التخويف (...). * الشيخ: هو إن ذُكِر على سبيل التخويف والتعظيم فهو حرام، إذا ذُكِر على سبيل تعظيم هؤلاء الكفار وترفيع شأنهم هذا حرام؛ لأن كل شيء يُوجب أن نعظم الكافرين وأن يكون لهم في قلوبنا منزلة فهذا حرام؛ لأننا مأمورون اتجاه الكفار بما أَمَر الله به نبيه ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة ٧٣]، ومأمورون بأن نفعل كل ما يغيظهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح ٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة ١٢٠]، فنحن مأمورون بإغاظتهم وإهانتهم ما استطعنا، أما أن نذكر ما فيه تعلية شأنهم وبيان مقدرتهم وإلقاء الهيبة في قلوبنا منهم فإن هذا لا يجوز كما قلت. * طالب: (...) ناس من السعودية سافروا (...)؟ * الشيخ: قد يكون لكن (...) إما إكرامًا ولا ذعرًا (...)، وأيًّا كان فالحمد لله هذه من نعمة الله، وأنا حدثني رجل رحمه الله سافر إلى لندن وبقي على لباسه كما يلبسه في عنيزة؛ مشلح وعقال وكل شيء، يقول: فصاروا يكرموني إكرامًا عظيمًا، حتى إني جيت أركب السيارة يتبادرون الباب ليفتحوه لي، بيننا اللي يروح من عندنا يروح يلبس لباسهم ما يُعَد إلا كحامل الزبل، ما يهتمون به، إلا كان له صفة رسمية يهتمون به من جهة رسميته، أو كان يمكن أن ينفعهم بماله. على كل حال، من اتقى الله تعالى جعل الله له هيبة في القلوب، اتق الله يتَّقِك الناس، وخفْ من الله يَخَفْكَ الناسُ.

الأحزاب 33:61

﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] الخطاب بـ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ تقدم التنبيه عليه وهو أن الله عز وجل نادى محمدًا ﷺ بوصفه نبيًّا، والنبي يُنفِّذ ما أُوحِي إليه ولا يتأخر عنه. وسبق أن النبي مأخوذ من النبأ، أو من النبوة، أو منهما جميعًا فإنه مُنبِئ، مُنبَأٌ، وذو رِفْعة، فهو مشتق من النبأ سواء كان واقعًا منه أو واقعًا عليه، ومن النبوة؛ وهي الرِّفعة، فالشيء النابي أي الشيء المرتفع. ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب ٥٩]. ﴿قُلْ﴾ هذه فعل أمر، ومن المعلوم أن الرسول ﷺ قد أُمِر أن يقول جميع القرآن، وأن يبلغه، لكن إذا كان الحكم مُصدَّرًا بـ(قل) فهو دليل على العناية به؛ لأنه أُمِر أن يبلغه بخصوصه، فيكون في هذا دليل على أنه -أي هذا الشيء الذي أُمر أن يقوله الرسول ﷺ- أمر هام. ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ جمع زَوْج، وزوج يطلق على الرجل وعلى المرأة؛ لأنه مأخوذ من الازدواج وهو الاختلاط. واللغة الفصحى فيه ألا تفريق بين الذكر والأنثى، ولكن الفرَضِيين -رحمهم الله- التزموا أن يجعلوا الأنثى بالهاء والرجل أو الذَّكَر بدون هاء تفريقًا بين المسائل؛ لأنهم إذا قالوا: مات ميت عن زوج وابن، وأرادوا بالزوج الأنثى اشتبه هل يراد به الزوج الذكر والأنثى فالتزموا أن يفرقوا بين الذكر والأنثى بالتاء على أنه قد قيل إنها لغة لكنها قليلة. ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ وبدأ بالأزواج؛ لأن الحماية لهن والغيرة فيهن أشد وأبلغ. ﴿وَبَنَاتِكَ﴾ كم كُنَّ؟ كن أربعًا، لكن إذا كانت هذه الآية نزلت في السنة السادسة من الهجرة فإن بعضهن قد مات، وعلى هذا فيكون المراد الموجود منهن. ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عام في كل امرأة من المؤمنين، وإنما قال: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دون أن يقول: والنساء، من أجل الإغراء والحثِّ كقوله: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ». وإلا فإن الكافرات يجب عليهن من الحجاب ما يجب على المؤمنات لئلا يفتتن الناس بهن. وقوله: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يشمل زوجات المؤمنين، ومَنْ للمؤمنين عليهنَّ ولاية من البنات والأخوات والعمات والخالات والأمهات وغير ذلك. وفي قوله: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دليل على أن الرجال قوَّامون على النساء، وإلا لاكتفى بقوله: والنساء المؤمنات. ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ جملة ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ يحتمل أن تكون مرفوعة، وأن تكون مجزومة، وعلى كل حال هي مبنية الآن، مبنية لماذا؟ مبنية لاتصالها بنون النسوة، والفعل المضارع يكون مبنيًّا في موضعين إذا اتصل بنون النسوة أو نون التوكيد، وهنا اتصلت به نون النسوة، فهو مبني على السكون، لكن هل هو في محل رفع أو في محل جزم؟ إن كانت ﴿يُدْنِينَ﴾ مقول القول فهي في محل رفع، يعني: قل لهم أدْنِين، قل لهؤلاء أدنين، وإن كانت جوابًا للأمر فهي في محل جزم؛ لأن جواب الأمر يكون مجزومًا. وقيل: إنها مجزومة على تقدير اللام؛ أي: قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين ليدنين عليهن من جلابيبهن؛ أي: على تقدير لام الأمر كقول الشاعر: مُحَمَّدُ تَفْدِي نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ ∗∗∗ .......................... تفدي: جزمها على تقدير اللام، أي: لتفدي نفسك. أي الاحتمالين أرجح؟ أن تكون مقولًا للقول في محل رفع، أو أن تكون في محل جزم؟ نشوف القرآن قد يُبيِّن ذلك، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء ٥٣]، هذا يدل على أنها مجزومة على أنها جواب الأمر، إذ لو كانت مرفوعة لقال: يقولون هي التي أحسن، فلما قال: ﴿يَقُولُوا﴾ دل على أنها جواب الأمر. وهي أيضًا من حيث المعنى أبلغ إذا كانت جوابًا للأمر كأنهم يفعلون ذلك مباشرة؛ يعني كأن فعلهم هذا جوابهم للأمر؛ أي أنه متسبب عنه، فيكون ذلك أبلغ في الامتثال من أن يُؤمروا أمرًا قد يمتثلونه وقد لا يمتثلونه. ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور ٣٠] ويش يؤيد؟ أن جواب الأمر ولَّا أنها مقول القول؟ أنها جواب الأمر؛ ولهذا قال: ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ فجزمها بحذف النون، ولم يقل يغضون من أبصارهم. ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور٣١] ويش يؤيد؟ هذا ما فيه دليل؛ لأنه مبني، فليس فيه دليل على هذا ولا على هذا. المهم أن الأولى أن نجعل قوله: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ جوابًا للأمر، ويؤيد ذلك السياق في كتاب الله، ويؤيد ذلك أنه أقوى في الامتثال والتنفيذ حيث كان جوابًا لمجرد القول كأنهن يفعلن ويمتثلن. ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ ﴿مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾. قوله: ﴿مِنْ﴾ ليست زائدة كما قيل؛ لأن (مِن) ما تزاد إلا في النفي كما قال ابن مالك: وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ ∗∗∗ ........................ أكملوا؟ ........................ ∗∗∗ نَكِرَةً كَـ(مَــــا لِبَـــــاغٍ مِنْمَـــفَرْ) وعلى هذا فـ(مِن) ليست بزائدة؛ يعني ليس المعنى يدنين عليهن جلابيبهن، بل (مِن) للتبعيض؛ أي: يدنين عليهن من جلابيبهن؛ يعني بعض جلابيبهن. وهل التبعيض هنا تبعيض جزء من كل، أو تبعيض فرد من فرد؟ بمعنى: هل إن قوله: ﴿مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ أي من الجلابيب التي عندهن؛ لأن الواحدة قد يكون عندها جلبابان أو أكثر، أو أن المعنى بعض الجلباب الذي عليها؟ هذا الأخير هو الأقرب؛ يعني تُدني عليها بعض جلبابها، والجلباب هو الرداء أو الملاءة أو الملحفة، يعني الشيء الواسع الذي يشمل جميع البدن أو أكثره. و﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ﴾ ولم يقل: إليهن، بل قال: ﴿عَلَيْهِنَّ﴾ ليكون الإدناء ملاصقًا لهن، فمثلًا هنا إذا قلت هكذا، هذا أدنيت إليَّ لكن إن قلت: هكذا عليَّ، فكأنه ضُمِّن معنى يضممن عليهن. ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ أي يقربنه حتى يضممنه عليهن. وقوله: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ ﴿عَلَيْهِنَّ﴾ لم يقل: على وجوههن، ولا على نحورهن، ولا على صدورهن فيكون شاملًا لجميع البدن. ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ﴾ أي: على جميع البدن، ولكن من المعروف أن الجلباب ساتر لأكثر البدن والعادة عندهم أن المرأة تكشف وجهها وتخرج مكشوفة الوجه ومكشوفة النحر، فَأَمَر الله عز وجل أن ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ أي على هذا المكشوف الذي يُكشف عادة وهو الوجه والنحر كما قال ذلك ابن عباس وغيره بأن تُغطِّي وجهها ولا تبدي إلا عينًا واحدة تنظر بها للضرورة، وهذا فيما إذا كان الجلباب صفيقًا، بحيث إذا غطت به وجهها لا ترى، أما إذا كان خفيفًا كما هو المعروف عندنا في الوقت الحاضر فلا حاجة إلى إبداء العين؛ لأن إبداء العين إنما هو للضرورة؛ بدليل أن الصحابة كابن عباس وغيره رخصوا في إبداء العين الواحدة؛ لأنها بقدر الضرورة وإلا لكانوا يقولون: تُخرِج العينين جميعًا، وعلى كل حال فالمعنى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ فيما يكشفنه من أبدانهن وهو الوجه، هذا ما جرت به العادة. وكان هذا الكشف عامًّا للإماء والحرائر فصار بعض من في قلبه مرض من المنافقين الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات صاروا يلاحقونهم، فإذا عُثِر عليهن قالوا: هذه أمة، حسبناها أمة فعيرناها وهي حرة، فشُكِي ذلك إلى رسول الله ﷺ فأنزل الله هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الأحزاب ٥٩] هكذا قال بعضهم في سبب النزول لكنه غير مسند، ونحن لا يهمنا أن تكون الآية لها سبب في نزولها أم ليس لها سبب، المهم هو الحكم الذي دلت عليه. قال: (﴿﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ ﴾ جمع جلباب، وهي الملاءة التي تشتمل بها المرأة، أي يُرخين بعضها على الوجوه إذا خرجن لحاجتهن إلا عينًا واحدة) ليش؟ لضرورة النظر. وقوله: (جمع جلباب وهي الملاءة) هو كما قال، وهي تشبه العباءة عندنا، ولما أمر النبي ﷺ بخروج النساء في العيد للصلاة قالت أم عطية: يا رسول الله، إحدانا ليس لها جلباب فقال: «لِتُلْبِسْهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤)، ومسلم (٨٩٠ / ١٢) من حديث أم عطية.]]. ولم يقل: لتخرج بدون جلباب، وهذا يدل على أنه لا بد أن تخرج المرأة بما يسترها ولا يبين حجم جسمها. (﴿﴿ذَلِكَ أَدْنَى﴾ ﴾ أقرب إلى ﴿﴿أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ ﴾ بأنهن حرائر ﴿﴿فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ ﴾ بالتعرض لهن). قوله: (﴿﴿أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ ﴾ بأنهن حرائر) هذا بناءً على ما قلت، ولكن لنا أن نقول: ﴿أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ بأنهن محتشمات وبعيدات عن الرِّيَب، ولا يُردن السوء ولا الفاحشة؛ لأن المرأة إذا كانت محتشِمة محتجبة دل هذا على كمال عفتها، وأنها لا تريد أن تقع في مواضع الرِّيَب بخلاف المرأة العاهر -والعياذ بالله- فإنها تتبرج، وتكشف وجهها، وتخرج يديها، وذراعيها، وحليها، وما أشبه ذلك، فإذا كانت المرأة مُتحجِّبة عُلِم أنها امرأة محتشمة عفيفة؛ ولهذا قال: ﴿أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾، وإذا كانت عفيفة محتشمة فإن الفُسَّاق لا يتعرضون لها؛ لأنهم يعلمون أنها ليست من أصحابهن، وإنما هي امرأة حامية نفسها محتفِظة، هذا من جهة، ويحتمل أن ما قاله المؤلف: (﴿﴿أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ ﴾ بأنهن حرائر) والآية صالحة لهذا ولهذا. قال: (﴿﴿أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ ﴾ بالتعرض لهن بخلاف الإماء فلا يُغَطِّين وجوههن، فكان المنافقون يتعرضون لهن). وهكذا كانت الإماء في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، وفي عهد الخلفاء لا يحتجبن؛ لأنهن مملوكات، ولا يتعلق بهن إلا رديء النفس. ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال: إنما هذا في الإماء اللاتي لا يُخشى منهن فتنة، وأما الإماء الجميلات اللاتي يفتن فإنهن يجب عليهن أن يُغطِّين وجوههن؛ وذلك لخوف الفتنة، لا لإلحاقهن بالحرائر. وما قاله -رحمه الله- صحيح، والمعنى يؤيده فإن كل ما يُخشى منه الفتنة فإنه يجب البعد عنه؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور٣١]؛ لأن الخلخال الذي يُسمَع إذا ضربت المرأة برجلها يُخشَى منه الفتنة، وخشية الفتنة بخلخال مخفي عند ضرب المرأة برجلها أقل بكثير من أن تُخرِج المرأة وجهها، ذلك الوجه الجميل المجمَّل بالكحل والتحمير وغير ذلك، وكلٌّ يعلم أن هذا أعظم فتنة من خلخال مستور يُسمَع صوته عند الضرب بالرجل، وتأبى حكمة الله عز وجل أن ينهى عن ضرب المرأة برجلها لئلا يُسْمع خلخالها، ثم يرخص لامرأة من أجمل النساء أن تُخرِج وجهها وكفيها فإن هذا تأباه حكمة الله عز وجل. * طالب: «عمر لما ضرب الأمة لما غطت رأسها»[[أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٥٠٦٤) من حديث أنس بن مالك.]]؟ * الشيخ: نعم، ضربها لئلا تتشبه بالحرائر خوفًا من أن يختلط هؤلاء بهؤلاء، ثم يبقى الفرق والميزة بينهما لا أثر له، إذا كانت الإماء يغطين وجوههن بقيت الحرائر غير معلومات. * الطالب: قد يحتج به على قول شيخ الإسلام؟ * الشيخ: لا، ما يحتج به؛ لأن عندنا قواعد عامة وهي أن التعرض للفتن ممنوع في الشرع. * طالب: شيخ، طيب ترى بعين واحدة يُعتبر سنة إلى الآن يعني؟ * الشيخ: لا، ما هو سنة؛ لأن الجلابيب في ذلك الوقت غليظة ما تتمكن المرأة من النظر، أما في وقتنا فهي خفيفة تتمكن المرأة، تمشي بالنظر ولو غطت جميع وجهها. * الطالب: إن فعلت هذا الجلباب هي نفسها؛ يعني لبست؟ * الشيخ: الآن النساء عندنا يتجلببن ولا يكشفن ولا عينًا واحدة والأمور ماشية. * طالب: (...) اللبس (...)؟ * الشيخ: بالنيل؟ * الطالب: (...)؟ * الشيخ: إي، هو الظاهر؛ ولهذا الصحابة جعلوا إبداء العين الواحدة للضرورة؛ ولهذا اقتصروا على قدر الضرورة فقط وهي العين الواحدة، وهذا يدل على أنه إذا كان يمكن للمرأة أن تبصر بدون إخراج العين فإنه لا يجوز إخراج العين. * طالب: شيخ، قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ ما فيه دليل على وجوب تغطية الوجه؛ لأن المرأة ما تعرف إلا من وجهها؟ * الشيخ: لا، هو على كلام المؤلف: ﴿يُعْرَفْنَ﴾ بمعنى يميزن، تميز الحرائر من.. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، إذا أخذنا بظاهر اللفظ، ولا سيما على التفسير الذي ذكرنا أنها تُعرف بأنها محتشمة، وأنها بعيدة عن الرِّيَب نعم. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٥٩]. (﴿﴿كَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ ﴾ لما سلف منهن من ترك الستر ﴿﴿رَحِيمًا﴾ ﴾ بهن إذ سترهن). ﴿﴿كَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ ﴾ سبق لنا تفسير (الغفور) و(الرحيم)، وأن الله تعالى يجمع بينهما دائمًا لأجل أن يتركب من الاسمين زوال المكروه وحصول المطلوب، فزوال المكروه بماذا؟ بالمغفرة، وحصول المطلوب بالرحمة، والله عز وجل يذكر دائمًا المغفرة والرحمة عن أمر قد سلف ولم ينزل به حكم، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء٢٢]، ما هذا.. الآية: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء٢٣]؛ لأنه لولا مغفرة الله ورحمته لكان يعاقبنا على المخالفة التي لا تليق، لكن الله عز وجل من مغفرته ورحمته لا يؤاخذنا بما لم يشرعه لنا. ثم قال: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ [الأحزاب ٦٠]. ﴿لَئِنْ﴾ يقول المؤلف: (لام القسم) يعني لام موطئة للقسم، وليست هي أداة القسم، بل القسم محذوف والتقدير: والله لئن لم ينتهِ، أو: وَرَبِّك لئن لم ينتهِ؛ فهي مُوطِّئة للقسم. وإنما قال المؤلف: (لام القسم) لئلا يتوهم واهم أنها لام الابتداء. وقوله: (إن) هذه شرطية ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾ ﴿لَمْ يَنْتَهِ﴾ مجزومة ولَّا مرفوعة؟ * طالب: (...). * الشيخ: الدليل؟ حذف حرف العلة الياء، والجازم لها (إن) أو (لم)؟ (لم)؛ لأنها هي المباشرة. ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾ يعني: (عن نفاقهم) كما قال المؤلف، وإنما قال المؤلف: (عن نفاقهم)؛ لأنه هو الوصف الذي اشتُقَّ منه اسم (المنافقون)، وإلا قد يكون معناها لئن لم ينتهِ المنافقون عن نفاقهم وعن أذيتهم للمؤمنين وغير ذلك. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ (بالزنى)، وهذا بناءً على أن قوله: ﴿ذلك أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ أن المراد الأذية بالتعرُّض لهن بالفاحشة؛ فالمعنى ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هم الذين يتعرضون للنساء بطلب الفاحشة والزنى، ويحتمل أن يكون المعنى أعم مما قال المؤلف؛ أي: في قلوبهم مرض من الشك وسوء الخلق وغير ذلك، وهو أعم وأحسن. ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ المؤمنين مفعول (مرجفون)؛ لأنها من أَرْجَفَ يُرْجِف، وهي مأخوذة من الرَّجْفة، والرَّجْفَة هي الزلزلة، والمرْجِف هو الذي يقول: قد أتاكم العدو، وإن لكم عدوًّا كثيرًا، وسراياكم قد قُتلت، وهُزِمت الجنود، وما أشبه ذلك، يُدْخل الخوف والرعب في قلوب الناس، وسُمِّي ذلك إرجافًا؛ لأنه يزلزل ثقة الإنسان بنفسه وبإخوانه؛ ولأنه يزلزل أمنه وطمأنينته، قال بعضهم: ولأنه لا ثبات له؛ لأنه قولٌ كذب، كل هذه المعاني يحتمل أن يكون الإرجاف مشتقًا منها أو دالًّا عليها. إذن فالمرجِف هو الذي يُخبر بماذا؟ بما يزلزل طمأنينة المؤمنين من هزيمة، أو قتل عدو، أو كثرة جنود، أو ما أشبه ذلك، ويوجد فيه أناس من هذا النوع في المدينة إذا بعث النبي ﷺ السرايا صاروا يبثون مثل هذه الأقوال بأن السرية قد هُزِمت، وأُسِرت، وقُتِلت، وما أشبه هذا. ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ اللام في قوله: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ﴾ واقعة في جواب القسم المقدَّر؛ فالجملة إذن جواب للقَسَم وليست للشرط؛ لأن القاعدة أنه إذا اجتمع قَسَم وشرط فالجواب للسابق منهما كما قال ابن مالك: وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَـــــــوَابَ مَــا أَخَّـــــرْتَ فَهْــــــوَمُلْــــــتَزَمْ وقوله: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ﴾ قال المؤلف: (لنُسلِّطَنَّك عليهم) وهذا التفسير تفسير باللازم؛ لأن الإغراء معناه الحث بإزعاج على أن ينكِّل بهم، ومنه إغراء الإنسان بالعدو؛ بمعنى أنه يحثه عليه بإزعاج ليُوقع به ويقتله أو يهزمه أو ما أشبه ذلك. ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا﴾ (﴿﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ﴾ ﴾ يساكنونك -﴿فِيهَا﴾ يعني في المدينة- ﴿﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ ﴾ ثم يخرجون ﴿﴿مَلْعُونِينَ﴾ ﴾ مُبعَدِين عن الرحمة) يعني لنغرينك بهم بالتسلط عليهم؛ إما بالتعزير، أو بالتأديب، أو بالقتل، أو بغير ذلك، فإذا ضاقت عليهم المدينة خرجوا؛ ولهذا قال: ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ﴾ ولم يقل: فلا يجاورونك؛ وذلك لتأخر انتفاء المجاورة عن الإغراء؛ لأن الله يغريه بهم فيحصل لهم من التأديب والتعزير والإهانة ما لا يتمكنون معه من البقاء في المدينة؛ ولهذا جاءت بـ﴿ثُمَّ﴾. وقوله: ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ يحتمل أن المعنى إلا قليلًا من الزمن أو إلا قليلًا منهم وعلى كلا الاحتمالين: فإن قوله: ﴿مَلْعُونِينَ﴾ حال من الفاعل في ﴿يُجَاوِرُونَكَ﴾. وعلى تقدير المؤلف هي حال من فاعل حذف مع عامله، حيث قال: ثم يخرجون ملعونين. ولكن الأقرب ألا نقدر بل المعنى: ثم لا يجاورونك إلا قليلًا في حال كونهم ملعونين حال المجاورة؛ يعني حتى في بقائهم عندك يكونون ملعونين مطرودين مُبعَدين لا يألفهم أحد ولا يحنو عليهم. ثم قال: ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ (﴿﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا﴾ ﴾ وُجِدوا ﴿﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ ﴾) ﴿أَيْنَمَا﴾ هذه أداة شرط تفيد العموم في المكان، وفعل الشرط قوله: ﴿ثُقِفُوا﴾ وجواب الشرط ﴿أُخِذُوا﴾. وقال: ﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ يقول: (أي الحكم فيهم هذا على جهة الأمر به). الجملة ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا﴾ جملة خبرية ولَّا إنشائية، جملة خبرية؛ لأنها شرطية، والجملة الشرطية خبرية، لكنها خبرية بمعنى الإنشاء؛ أي: بمعنى الأمر والطلب، أي: أينما وجدتموهم فخذوهم واقتلوهم. وفي قوله: ﴿تَقْتِيلًا﴾ المصدر المؤكِّد دليل على أنهم يُقتَّلون أفرادًا وجماعات. هذه الآية لا شك أن فيها وعيدًا لهؤلاء الذين جمعوا هذه الأوصاف، المنافقون، والذين في قلوبهم مرض، والمرجفون في المدينة، هي وعيد، والبحث فيها: أولًا: هل هذه الأوصاف لموصوف واحد؟ أو أنها لأناس متعددين؟ هل المعنى أنهم منافقون وفي قلوبهم مرض ومُرجِفون؟ فالأوصاف هذه لموصوف واحد وصح العطف؛ لأنه من باب عطف الصفة كما في قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى ١ - ٤] وهو واحد ولَّا متعدد؟ واحد؛ فالعطف هنا عطف صفات، هل نقول: إن هذه عطف صفات، وأنها لموصوف واحد؟ أو نقول: إنها عطف أعيان موصوفين ليست لموصوف واحد؟ هذا الأخير هو الأصح وهو أعم أيضًا؛ لأن المنافق قد يكون في قلبه مرض يميل إلى الفاحشة والزنى وقد لا يكون ولًّا لا؟ وقد يكون مرجفًا وقد لا يكون، وقد يجمع بين النفاق والمرض القلبي والإرجاف، وقد يكون الإنسان في قلبه مرض وليس منافقًا، وقد يكون مرجفًا وليس منافقًا ولا في قلبه مرض، فحينئذٍ يتبين أن الأولى أن هذا العطف عطْف لموصوف على موصوف وليست عطفًا على موصوف واحد؛ يعني ليست وصفًا لموصوف واحد حتى نجعل العطف من باب عطف الصفات بعضها على بعض. البحث الثاني: هل هؤلاء انتهوا أم لم ينتهوا؟ الواقع أن الإغراء لم يحصل؛ ولهذا بقي المنافقون، ما قُتِّلوا، ولا أُخِذوا فهم باقون، فهل نقول: إنهم انتهوا حين رأوا هذا الوعيد، أو نقول: إنهم لم ينتهوا لكن الله عز وجل عفا عنهم فيما بعد، وأن هذا من باب إخلاف الوعيد، وإخلاف الوعيد من الكرم بخلاف إخلاف الوعد، أيهما أرجح؟ هما قولان للعلماء؛ فبعضهم يقول: إنهم لما رأوا هذا الوعيد وكانوا من أخوف الناس وأرعن الناس انتهوا وتركوا هذا الأمر. وبعضهم قال: إنهم لم ينتهوا لكن الله عز وجل لم يُغْرِ نبيهم بهم لحكمة اقتضت ذلك. الذي يظهر لي -والله أعلم- أنهم انتهوا؛ لأن المعروف من حال المنافقين أنهم جبناء، وأنهم يخافون ويحذرون؛ ولهذا يحلفون عند الرسول عليه الصلاة والسلام بأنهم مؤمنون، ولما تخلفوا عن غزوة تبوك جاؤوا يحلفون ويعتذرون، فهم جبناء، وهم يعلمون أن وعد الله حق، وأنهم لو استمروا في أعمالهم العدوانية هذه لأغرى الله بهم نبيه، وحصل الجلاء، ثم القتل. * طالب: الذين يقولون بالقول الثاني بماذا يجيبون عن قول الله تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق٢٩]؟ * الشيخ: إي يقولون: هذا فيما فيه الظلم؛ ولهذا قال: ﴿قَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق ٢٨، ٢٩] وهذا في يوم القيامة، أما في الدنيا فإنه يجوز (...). ﴿وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب ٥٩]. * يستفاد من الآية الكريمة: أهمية ما أمر اللهُ به رسولَه في هذه الآية، وجه ذلك أن الله أمره أن يبلغها أمرًا خاصًّا؛ بقوله: ﴿قُلْ﴾ وإلا كل القرآن مأمور بأن يقوله للناس: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧] لكن بعض الأحكام يُصدِّرها الله عز وجل بـ﴿قُلْ﴾ فيكون كأنه أُرسِل بهذه الآية إرسالًا خاصًّا فيكون في ذلك دليل على أهمية هذا الأمر الذي أمر الله به رسولَه. * ومن فوائدها: أنه يجب على الإنسان أن يغار على زوجته أكثر من غيرها؛ لأنها فراشه، وفي فسادها فساد لفراشه وتشكيك في نسله، وجه ذلك أن الله بدأ بالأزواج فقال: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان مسؤول عمن تحت رعايته سواء كانت تلك مسؤولية عامة أو خاصة. وفي هذه الآية مسؤوليتان على رسول الله ﷺ؛ خاصة وعامة، الخاصة قوله: ﴿لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ﴾، والعامة: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان مقتضٍ للعمل بهذه الآية؛ لقوله: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. * ومن فوائدها: أن على المؤمنين مسؤولية في نسائهم؛ لقوله: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولم يقل: ونساء المؤمنات إشارةً إلى أن المؤمن يجب أن يكون مُلاحِظًا لنسائه. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الحجاب، حجاب الوجه؛ لقوله: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾. * ويتفرع على هذا: أنه يجب أن نعرف مفهوم الحجاب الشرعي؛ لأن أكثر الناس يظنون أن الحجاب الشرعي هو أن تُغطِّي المرأة جميع جسدها إلا وجهها وكفيها، وهذا يعني نحن فهمناه من الأسئلة التي ترد إلينا؛ أنهم إذا قالوا: الحجاب الشرعي يعني حَجْب وسَتْر جميع البدن إلا الوجه والكفين، وهذا خطأ؛ فالحجاب الشرعي أول وأولى ما يدخل فيه حجاب الوجه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من عادة نساء الصحابة لبس الجلابيب؛ لقوله: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾؛ ويدل لذلك أيضًا أن النبي ﷺ لما أمرهن بالخروج إلى مصلى العيد قلنا: يا رسول الله، إحدانا ليس لها جلباب. فقال: «لِتُلْبِسْهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤)، ومسلم (٨٩٠ / ١٢) من حديث أم عطية.]]. * ويتفرع على هذه الفائدة: أن الشرع يتشوف إلى أن تكون المرأة بعيدة عن إبراز مفاتنها؛ لأن الجلباب يكون غالبًا واسعًا لا تظهر منه مفاتن الجسم. .. إي، بعباده حيث يبيِّن لهم علل الأحكام الشرعية. وجه ذلك أن ذِكر العلل يفيد طمأنينة النفس واقتناعها اقتناعًا أكثر بذلك الحكم المعلَّل. وتفيد أيضًا سمو الشريعة وأنها لا تأمر بشيء عبثًا، بل لا بد لكل شيء تأمر به من الحكمة المناسبة التي ينبني عليها الحُكم. ومن فوائد ذكر العلل أيضًا أن العلة إذا كانت عامة أمكن أن نقيس على المعلَّل ما وافقه في تلك العلة، فنُلْحقه به في الحكم. * ومن فوائد الآية الكريمة: عناية الله عز وجل بالمرأة بدفع ما يمكن أن يكون فيه أذًى عليها؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب ٥٩]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن في الحِجاب كفَّ الأذى عن المرأة، فيكون في ذلك كرامةٌ لها، وإعزازٌ لها، ورفعةٌ لها من أن تُؤْذَى. * ويتفرع على هذه القاعدة: بيان قصور نظرِ أولئك الذين يقولون: إن الحجاب ونحوه إذلال للمرأة وغضٌّ من كرامتها وإهانة لها. فنقول لهم: كذبتم أعظم الكذب وافتريتم أعظم الفرى؛ فإن حجابها هو الذي يدفع عنها الأذى؛ أذى الفساق، وتتبعهم لها؛ لأن المرأة الجميلة تكون بالنسبة لهؤلاء الأراذل كالجيفة أمام الكلاب لا بد أن يتبعوها ولو على الرائحة. وبهذا نعرف ما انزلق فيه كثير من الشعوب الإسلامية في رفع الحجاب الشرعي عن المرأة حيث أدى إلى المفاسد الكبيرة، ولو فتَّشت ما فتَّشت في أولئك الأمم الذين يدَّعون التمدن والتحضر لوجدت كثيرًا وكثيرًا من الحوامل من البغاء والزنا، هذا فضلًا عمن يَسْتَعملن الحبوب المانعة من الحمل، وفضلًا عمن يجهِضن الحمل قبل أن يستتمَّ، وكل هذا يدل على أن الإسلام ومناهج الإسلام أسمى كل المناهج وأحسن كل الأنظمة، ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المغفرة والرحمة لله عز وجل، وهي مأخوذة من هذين الاسمين الكريمين ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، هذان الوصفان دلَّ عليهما الاسمان دلالة تضمن أو دلالة مطابقة؟ مطابقة، وفي دلالة الالتزام يدل هذان الاسمان على الكرم دلالة التزام؛ لأن الكريم هو الذي يغفر وهو الذي يرحم، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. ثم قال تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب ٦٠] إلى آخره. * في هذه الآية الكريمة من الفوائد: شدة عناية الله عز وجل بنساء المؤمنين، فإن علاقة الآية هذه بالتي قبلها ظاهرة؛ فإن المنافقين والذين في قلوبهم مرض هم أكثر الناس تعرضًا لأذية المؤمنات، فلهذا أعقب الآية السابقة بهذه الآية، ففيه كمال عناية الله تعالى بنساء المؤمنين. * ومن فوائدها: الوعيد الشديد لهؤلاء المتصفين بهذه الصفات الثلاث الذميمة؛ النفاق، ومرض القلب، والإرجاف. * ومن فوائدها: أنه إذا ظهر نفاق المنافق وتبين عداؤه فإنه يجوز أن يعامل بما يقتضيه نفاقه؛ لقوله: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾، ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾. وسبق لنا البحث هل هؤلاء المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون هل انتهوا عن أعمالهم أم لا؟ وقلنا: إن في ذلك رأيين لأهل العلم، وإن الأقرب من هذين الرأيين أنهم انتهوا عن ذلك؛ لأننا لم نرَ أن الله عز وجل سلَّط رسوله عليهم وأغراه بهم، وهذا أقرب بكثير من القول بأن الله تعالى لم يُغْرِه من باب إخلاف الوعيد. * ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من النفاق ومرض القلب والإرجاف؛ لأن الله توعَّد هؤلاء إذا لم ينتهوا بأن يسلط الله رسوله عليهم ويُغْرِيه بهم، وقُبْح هذه الصفات معلومٌ. أما النفاق فظاهر فإنه من أرذل الأخلاق؛ لأن من الصفات التي يرتكبها المنافق أنه إذا وعد أخلف، وإذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا اؤتمن خان، وهذه من أرذل الصفات الاجتماعية. وأما الذين في قلوبهم مرض فإن مرض القلب أشد من مرض البدن؛ لأن مرض البدن يوجب الألم الحسي الذي قد يتحمله الإنسان، وأما مرض القلب -والعياذ بالله- فإنه يوجب القلق النفسي وضياع الحياة كلها والموت المعنوي، واسمع إلى قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف ٢٨]، ما أكثر الأوقات التي تضيع على من غفل عن ذكر الله، تضيع بلا فائدة، وأنت إذا رأيت من نفسك أن أوقاتك ضائعة بلا فائدة فيجب عليك أن تلاحظ قلبك؛ فإن هذا لا يكون إلا من غفلة القلب عن ذكر الله. ولو نظرْت فيما سبق من التاريخ كيف أنتج العلماء ما أنتجوا من المؤلفات ومن فطاحل العلماء الذين تخرجوا على أيديهم في أوقات قد تكون أقل من الوقت الذي عشته أنت، وذلك بسبب ما ملأ الله به قلوبهم من ذِكره حتى صارت أعمارهم لا يضيع منها لحظة واحدة. فعليك أن تنتبه لهذا لمرض القلب وأن تبادر بمداواته؛ لأنه إذا تفشى المرض في القلب -نسأل الله العافية- قد يموت ويُطْبَع عليه، فلا يُحِق حقًّا ولا يُبْطِل باطلًا. وأما الإرجاف وتخويف الناس المؤمنين وإلقاء الذعر في قلوبهم فهذا أيضًا من الأخلاق الذميمة؛ لأن الواجب على المرء على الأقل أن يكون موقفه موقف المحايد، أما أن يذهب ويرجف بالمؤمنين ويقول: عدوكم أكثر منكم، ولا يمكن أن تغلبوه، وعدوكم فعل وفعل وفعل؛ فإن هذا من علامات النفاق. * ويستفاد من الآية: أنه ينبغي للإنسان أن يُدْخِل على المؤمن ما يقوِّي عزيمته وينشطه، سواء في الجهاد في سبيل الله أو في غيره من الأعمال النافعة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي ﷺ مكلَّف عبدٌ يُؤْمَر ويُنْهى؛ لقوله: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾، إذن إذا لم يُغْرِه الله بهم فالواجب عليه الكفُّ والتوقف حتى يُؤْذن له فيهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: مشروعية إجلاء مَن في بقائه ضررٌ. من أين تؤخذ؟ ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾. وقد ثبت نحو هذا الإجلاء في الزاني إذا لم يكن محصنًا فإنه يُجْلَد مئة جلدة ويُغَرَّب عن وطنه أو عن البلد الذي زنى فيه لمدة سنة[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٤٩)، ومسلم (١٦٩٨ / ٢٥) من حديث زيد بن خالد.]]، وثبت أيضًا الإجلاء في قُطَّاع الطريق إذا أخافوا الناس ولم يأخذوا مالًا ولم يقتلوا نفسًا فإنهم يُنْفَون من الأرض ويُبْعدون، وثبت الإجلاء أيضًا في التعزير؛ فإن عمر بن الخطاب نفى نصر بن الحجاج، وكان رجلًا وسيمًا حتى إن النساء بدأن يتغزلن به، تقول القائلة: هَلْ مِنْ سَبِيلٍ إِلَى خَمْرٍ فَأَشْرَبَهَا ∗∗∗ أَمْ مِنْ سَبِيلٍ إِلَى نَصْرِ بْنِحَجَّاجِ فأمره عمر أن يحلق رأسه حتى لا تفتتن النساء به، فلما حلق رأسه صِرْن يتغزلن به من وجه آخر بعد الحلق، فرأى عمر رضي الله عنه أن يُنْفَى، فنفاه إلى البصرة[[أخرجه ابن سعد في الطبقات (٣/ ٢٨٥).]]، وكذلك أيضًا نَفَى الحُطَيئة، إذن فأصل النفي والإبعاد عن الأرض ثابت في القرآن؛ يعني: دلَّ عليه القرآن وهو قوله: ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه الأوصاف الثلاثة سبب للعن؛ النفاق، ومرض القلب، والثالث الإرجاف؛ لقوله: ﴿مَلْعُونِينَ﴾ يعني: إذا لم ينتهوا فإنهم يتصفون بهذا الوصف ﴿مَلْعُونِينَ﴾. * ومن فوائدها: أن المنافق إذا أظهر نفاقه فإنه يجوز قتله؛ لقوله: ﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾، هذا إذا لم ينتهِ عن أذية المؤمنين فإنه يُؤْخَذ ويُقْتَل. ولا يَرِد على ذلك أن النبي ﷺ كان يعلم من المنافقين أقوامًا بأعيانهم؛ لأن النبي ﷺ كفَّ عن قتلهم قال: «لِئَلَّا يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٩٠٥)، ومسلم (٢٥٨٤ / ٦٣) من حديث جابر بن عبد الله.]]، فيكون في ذلك تنفير عن الإسلامِ والإسلامُ ما زال في ابتداء الدعوة إليه، ثم إن المنافقين في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام يتسترون، ما يُعْرَفون إلا في لحن القول أو بوحي أوحاه الله تعالى إلى رسوله ﷺ. * ومن فوائد الآية الكريمة: استعمال المبالغة في الألفاظ لفظًا ومعنى؛ أما معنى فقوله: ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا﴾ في أي مكان؛ في برٍّ أو بحرٍ أو جو، قريبًا كان أو بعيدًا، أخذًا من عموم الشرط في قوله: ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا﴾. والوجه الثاني من المبالغة في اللفظ قوله: ﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾؛ لأن هذا أبلغ من قوله: وقُتِلوا قَتْلًا ﴿قُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾، فيه استعمال المبالغة في الألفاظ والمعاني أيضًا، فالمبالغة في المعاني مأخوذة من الشرط، والمبالغة في الألفاظ مأخوذة من قوله: ﴿قُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، تعزيرًا له؛ لأنه هو يتعرض أيضًا ويعرض نفسه، ففيه تعزير من جهة، وفيه كفٌّ لفتنته من جهة أخرى. * طالب: (...)؟ * الشيخ: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب ٥٩]، المرأة تُدْني من جلبابها، قال المفسرون ومنهم ابن عباس: تُغَطِّي وجهها إلا عينًا واحدة تخرجها لتَنْظُر الطريق[[أخرجه الطبري في التفسير (١٩/ ١٨١). ]]. * طالب: (...) الكتابيات (...)؟ * الشيخ: سبق لنا أن قوله: ﴿نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب ٥٩]؛ لأن الخطاب موجه لهم، وإلا فغير المؤمنات؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، حتى غير المؤمنات يجب أن يسترن وجوههن؛ لأن الفتنة حاصلة، بل ربما تكون الفتنة في غير المؤمنات أكثر؛ لأن الرجل يقول: هذه كافرة، ذنبها أعظم من أن يحارشها أو يتوصل إليها بالزنا. * طالب: لو قال: إنها غير مكلفة (...)؟ * الشيخ: لا، مخاطَبَة ولاسيما في الأمور الظاهرة، ولهذا يُمْنَعون من إظهار الخمر والخنزير وما أشبه ذلك مع أنه مباح في شريعتهم. * طالب: طيب شيخ، (...) في الإرجاف (...)؟ * الشيخ: ويش تقولون؟ * طالب: المدينة. * الشيخ: لا، ما يخالف، المدينة وغيرها سواء، لكن هذا بيان للواقع؛ ﴿الْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ [الأحزاب ٦٠] بيان للواقع، والقيد إذا كان بيانًا للواقع فلا مفهوم له. ويش تقولون؟ * طالب: (...). * الشيخ: يدخل في هذا، أو نقول: إنه ما بيننا وبينهم حرب الآن، إحنا -اللهُ يرحم حالنا- ذليلون الآن، وأنه ربما يكون أن هذا من الفوائد، من فوائده أننا نحرص أن نكون مثلهم أو ما يمكن؟ * طالب: يذكر على سبيل التخويف (...). * الشيخ: هو إن ذُكِر على سبيل التخويف والتعظيم فهو حرام، إذا ذُكِر على سبيل تعظيم هؤلاء الكفار وترفيع شأنهم هذا حرام؛ لأن كل شيء يُوجب أن نعظم الكافرين وأن يكون لهم في قلوبنا منزلة فهذا حرام؛ لأننا مأمورون اتجاه الكفار بما أَمَر الله به نبيه ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة ٧٣]، ومأمورون بأن نفعل كل ما يغيظهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح ٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة ١٢٠]، فنحن مأمورون بإغاظتهم وإهانتهم ما استطعنا، أما أن نذكر ما فيه تعلية شأنهم وبيان مقدرتهم وإلقاء الهيبة في قلوبنا منهم فإن هذا لا يجوز كما قلت. * طالب: (...) ناس من السعودية سافروا (...)؟ * الشيخ: قد يكون لكن (...) إما إكرامًا ولا ذعرًا (...)، وأيًّا كان فالحمد لله هذه من نعمة الله، وأنا حدثني رجل رحمه الله سافر إلى لندن وبقي على لباسه كما يلبسه في عنيزة؛ مشلح وعقال وكل شيء، يقول: فصاروا يكرموني إكرامًا عظيمًا، حتى إني جيت أركب السيارة يتبادرون الباب ليفتحوه لي، بيننا اللي يروح من عندنا يروح يلبس لباسهم ما يُعَد إلا كحامل الزبل، ما يهتمون به، إلا كان له صفة رسمية يهتمون به من جهة رسميته، أو كان يمكن أن ينفعهم بماله. على كل حال، من اتقى الله تعالى جعل الله له هيبة في القلوب، اتق الله يتَّقِك الناس، وخفْ من الله يَخَفْكَ الناسُ.

الأحزاب 33:62

ثم قال: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب ٦٢]. يقول الله عز وجل: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ ﴿سُنَّةَ﴾ السُّنة بمعنى الطريقة، وسُنة الله عز وجل نوعان: سنة كونية، وسنة شرعية. أما السُّنة الشرعية فإنها تكون بحسب مصالح العباد وتختلف باختلاف الأمم، كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨]، وإن كانت هذه الشرائع كلها تتفق في أصول التوحيد فيما يتعلق بذات الله وأسمائه وصفاته متفقة. وكذلك في القواعد العامة في الشريعة، وقد أشار الله إليها في قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف ٣٣]، كم هذه؟ ﴿الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ هذه الأصول الخمسة ذكر أهل العلم أن جميع الشرائع متفقة عليها، لكن من الشرائع التي تختلف مصالحها باختلاف الزمان والمكان والأمم، هذه لا بد أن تختلف أحكامها بحسب ما تقتضيه الحكمة؛ حكمة الله عز وجل. أما السُّنة الكونية فهي ما يُجْرِيه الله تبارك وتعالى قدرًا من العقوبات وغيرها، وهذه السنة لا تتبدَّل ولا تتغيَّر، وإن كان الله عز وجل قد يُضاعف العقوبة على بعض الناس دون بعض، كما سبق لنا في نساء النبي ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب ٣٠]، وقد يجزي الله تعالى بعض العاملين على العمل أكثر من البعض الآخر، كما في هذه الأمة؛ فإنها أُعْطِيت كفلين من الأجر على من سبقها من الأمم، وكما في أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام الذين قال فيهم الرسول ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١ / ٢٢٢) من حديث أبي سعيد الخدري.]]. لكن في العقوبات يقول الله: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ قال المؤلف: (أيْ: سَنَّ الله ذلك)، وأفادنا المؤلف في هذا التقدير أفادنا أن ﴿سُنَّةَ﴾ منصوب على المصدر المحذوف عامله؛ أي: سَنَنَّا بهم سنة الله؛ أي: سَنَنَّا بهؤلاء المنافقين والذين في قلوبهم مرض والمرجفين في المدينة سَنَنَّا بهم سنة الله فيمن سبق، فإن كل من نابذ عِباد الله وأولياءه سلَّط الله عليهم. (﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ من الأمم)، ﴿خَلَوْا﴾ بمعنى مضوا، ولهذا قال المؤلف: (من الأمم الماضية في منافقيهم المرجفين بالمؤمنين، ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ منه) ولا من غيره؟ إي، ولا من غيره السنن الكونية، إي نعم. أما الشرعية فيمحو الله ما يشاء ويثبت، وربما تُبَدَّل، لكن سنة الله الكونية لن تجد لها تبديلًا؛ لا منه ولا من غيره في إنزال العقوبة بمن يستحقها، وإن كانت هذه العقوبة قد تختلف لكن لا بد للمخالفين من عقوبة، والله أعلم. (...) الله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾ [الأحزاب ٦٣]، ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ﴾ قال المؤلف: (أي: أهل مكة) والصواب أنه أعم، وفي قوله: ﴿يَسْأَلُكَ﴾ ولم يقل: (سألك) دليل على أن هذا السؤال ما زال مستمرًّا على رسول الله ﷺ يسأله الناس عن الساعة، والسؤال عن الساعة يحتمل أن يكون الحامل عليه التكذيب بها واستبعادها، وهذا يُورَدُ مِمَّن؟ إذا كان الحامل التكذيب والاستبعاد يُورَدُ ممن؟ من الكفار، وتارة يُسْأَل عنها سؤال استفهام متى تكون؟ مع الإيقان بها، وهذا قد يرد ممن؟ من المؤمنين، وتارة يُسْأَل عنها ليبين للناس أنه لا يمكن العلم بها، كما سأل جبريل النبي ﷺ عن الساعة قال: «متى الساعة؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]] هو ما سأل لا استبعادًا وإنكارًا ولا استرشادًا متى يكون وقتها، ولكن إعلامًا بأن وقتها لا يعلمه إلا الله. ولكن قد يقول قائل: إن قوله: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ﴾ لا يدخل فيه سؤال جبريل؛ لأن جبريل ليس من الناس؟ فيجاب عنه بأن جبريل حين سأل كان على صورة الناس. (﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾ متى تكون؟) أمر الله نبيه أن يجيب بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ﴿قُلْ﴾ في الجواب، وهذا تلقين من الله عز وجل، تلقين لرسوله بالجواب أن يقول هذا، وإنما لقنه الله عز وجل ليتبين للناس عامة أن قوله: ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ صادر من الله وليس من تلقاء نفسه؛ حتى يقتنع الناس بذلك ويوقنوا به. وقوله: ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ هذه الجملة فيها حصر، ما طريقه؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، ما هو تقديم، طريقه ﴿إِنَّمَا﴾، ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ يعني: ما علمها إلا عند الله وحده، وهذا كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان ٣٤]، فلا أحد يعلم متى تقوم الساعة إلا الله عز وجل، وكل ما قيل عن وقت قيامها من السابقين واللاحقين فما هو تخرُّصٌ كاذب نعلم ذلك علم اليقين؛ لأن الله قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾. وأعلمُ الرسلِ بالله البشريِّ والمَلَكيِّ مَن؟ محمد ﷺ وجبريل، وكلاهما لا يعلم، لما سأل جبريلُ النبيَّ ﷺ قال: «مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]، فإذا كنت أنت تجهل أيها السائل فأنا مثلك أجهل منك. ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ وهذا كما يشمل الساعة العامة التي تقوم ويحشر الناس بها من قبورهم لرب العالمين تشمل أيضًا الساعة الخاصة التي هي موت كل إنسان، فإن من مات قامت قيامته وقامت ساعته؛ لأنه انتهى من الدنيا إلى دار الجزاء، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان ٣٤]. ويش وجه الدلالة؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، لكن ويش وجه الدلالة من الآية التي ذكرت؟ * طالب: (...). * الشيخ: ويش وجه الدلالة من أنه لا يدري أحدٌ متى يموت؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: وجه الدلالة (...) أرض كذا لم يذهب إليها (...). * الشيخ: أقول: وجه الدلالة أنه إذا انتفى علمه بأي أرض يموت ففي أي زمن من باب أولى؛ وذلك لأن الأرض يتمكن الإنسان أن يذهب إليها أو لا يذهب، والزمن ما له فيه تصرف، فإذا انتفى عِلمه بما له فيه التصرف -وهو الانتقال من مكان لآخر- فانتفاء علمه بما لا يتصرف فيه من باب أولى. يقول الله عز وجل: (﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ يعلمك بها؛ أي أنت لا تعلمها)، ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ ﴿مَا﴾ يحتمل أن تكون نافية؛ يعني: لا يدريك عنها شيء، ويحتمل أن تكون استفهامية؛ يعني: أي شيء يعلمك بها حتى تُسْأَل عنها. وأيًّا كان فالله تعالى ينفي علم رسوله ﷺ بها ويقول له: ﴿مَا يُدْرِيكَ﴾. وقوله: (﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ﴾ توجد ﴿قَرِيبًا﴾ ) ظاهر صنيع المؤلف أو المفسِّر أن قوله: ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ﴾ جملة مستأنفة لا علاقة لها بالفعل الذي قبلها وأنها جملة مستأنفة من الله؛ يعني: لا تدري عنها أنت ولكنها قريبة، ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾، و﴿لَعَلَّ﴾ هنا للتوقع؛ أي أنها متوقعة. وذهب بعض المُعْربين إلى أن قوله: ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ﴾ مفعولٌ لقوله: ﴿يُدْرِيكَ﴾، مفعول ثانٍ وثالث لكنه عُلِّق، عُلِّق بماذا؟ بـ(لعل)؛ لأن (لعل) من المعلقات؛ يعني: وما يدريك عن توقع قربها؛ يعني: لا تدري عن قربها أيضًا، ومن لم يَدْرِ عن قربها لا يدري عن وقوعها من باب أولى. وأيًّا كان فالله عز وجل نفى أن يكون النبي ﷺ عالمًا بها أو بقربها، وإذا انتفى علم النبي ﷺ بذلك فعِلْمُ غيرِه من باب أولى أن ينتفي. ثم إن السؤال عن الساعة ليس بذي قيمة كبيرة، القيمة الكبيرة ما أشار إليه النبي ﷺ؛ حيث قال حين سأله رجل عن الساعة قال: «انْظُرْ مَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٨٨)، ومسلم (٢٦٣٩ / ١٦٣) من حديث أنس بن مالك.]]، هذه هي القيمة، أما متى تأتي أو لا تأتي ليس ذا قيمة كبيرة، لكن القيمة الحقيقية أن ينظر الإنسان ماذا أعد لها. ومن ثَمَّ أعقب الله تعالى هذا بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٤] إلى آخره؛ يعني احذر: أن تقوم الساعة عليك وأنت من هؤلاء، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ﴾.. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، التعليق يكون بعد العامل. * طالب: (...). * الشيخ: وين هذه؟ * الطالب: (...) ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ [العنكبوت ٢]. * الشيخ: ما سبقها عامل حتى تعلق. * الطالب: الهمزة؟ * الشيخ: الهمزة للاستفهام لكن الجملة ابتدائية، مثلما لو قلت: أقام زيد؟ أقعد عمرو؟ ما فيه تعليق. * طالب: (...). * الشيخ: مفعولها (أنْ) وما دخلت عليه. * طالب: (...). * الشيخ: لا، ما معلقة هذه مصدرية، فتأويل المصدر سدَّ مسد الفعلين؛ يعني: أحسب الناس تركهم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: تكون للتأكيد، وقد تكون للتعليل أيضًا، مثل: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف ١٥٨] وما أشبه ذلك، لكن ما تكون للرجاء. وبعضهم قال: تكون للرجاء باعتبار المخاطَب لا باعتبار المتكلِّم. يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٤]، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ﴾ اللعْنُ قال أهل العلم: معناه الطرد والإبعاد عن رحمة الله. وهذه الجملة مؤكدة بـ(إنَّ)، وقوله: ﴿الْكَافِرِينَ﴾ بمن؟ الكافرين بالله وبما يجب الإيمان به، وقوله: ﴿لَعَنَ الْكَافِرِينَ﴾ أبعدهم عن الرحمة. ثم قال: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾ يعني: ليسوا مُبْعَدين عن الرحمة فقط وسالمين من الإثم بل إنهم جُمِعَ لهم بين الإبعاد عن الرحمة وبين العقوبة، ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ﴾ أي: هيأ لهم، ﴿سَعِيرًا﴾ يقول: (نارًا شديدة يدخلونها) نارًا يُسَعَّرون بها والعياذ بالله، فهم وقودها والحجارة، نارًا تطلع على الأفئدة تصل إلى قلوبهم التي في أجوافهم والعياذ بالله، هذه النار ليسوا باقين فيها يومًا أو يومين أو سنة أو سنتين يقول: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب ٦٥] قال: (مقدرًا خلودهم) أشار المؤلف إلى أن الحال هنا حال مقدرة؛ لأن الخلود ليس حال كفرهم ولكن حال مجازاتهم يوم القيامة، فالحال هذه حال مقدرة ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، و﴿أَبَدًا﴾ هذه تفيد استمرار الزمن في المستقبل وأزلًا تفيد استمراره في الماضي، ولهذا نقول: إن علم الله علم ثابت لله أزلًا وأبدًا. وقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ هذه إحدى آيات ثلاث صرَّح الله فيها بأبدية خلود أهل النار، والآية الثانية في سورة النساء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩]، والآية الثالثة في سورة الجن: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣]، وفي بعض هذه الآيات بل في واحدة منها ردٌّ واضح على قول من قال: إن النار غير مؤبدة، ولهذا كان عقيدة أهل السنة والجماعة أن النار مؤبدة كالجنة، وليس في هذا منافاة لرحمة الله عز وجل وحكمته، ولا فيها إبطال لقوله تعالى في الحديث القدسي: «إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٢٢)، ومسلم (٢٧٥١ / ١٥) من حديث أبي هريرة.]]؛ لأن هذه العقوبة قد أنذر بها أولئك الذين فعلوا ما يستحقونها وقامت عليهم الحجة بها، فليس لهم عذر، فيكونون قد عوملوا بمقتضى العدل، فعقوبتهم هذه عدل من الله عز وجل وليس فيها ظلم، ومن أُنْذِر بشيء ففعل السبب الموصل إليه باختياره فهو الذي جنى على نفسه. * طالب: (...)؟ * الشيخ: قال: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود ١٠٧]؛ يعني: الزائد على ذلك. يقول الله عز وجل: (﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا﴾ يحفظهم عنها، ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ يدفعها عنهم) ﴿لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا﴾ يتولاهم بحصول المطلوب، ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ ينصرهم بدفع المكروه، فهم لا يجدون أحدًا يوم القيامة يتولاهم ويحصل لهم مطلوبهم بحمايتهم من النار ويدفعهم إلى الجنة، ولا يجدون أحدًا ينصرهم من هذه النار ويدفعهم عنها ويخرجهم منها بعد الدخول؛ لأن هؤلاء الكفار لا تنفعهم شفاعة الشافعين، أما العصاة من المؤمنين فإنهم قد يجدون شفعاء في ذلك اليوم يشفعون فيمن استحق النار ألَّا يدخلها، وفيمن دخلها أن يخرج منها. ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ [الأحزاب ٦٦]، ﴿يَوْمَ﴾ هذه ظرف، والظرف والجار والمجرور لا بدَّ له من عاملٍ الذي يُسَمَّى المتعلق، فأين عاملها؟ يحتمل أن العامل قوله: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾ ﴿أَعَدَّ﴾، ويحتمل أنها ﴿خَالِدِينَ﴾، ويحتمل أنها ﴿يَجِدُونَ﴾، فتكون تنازعت فيها العوامل الثلاثة، ويحتمل أن العامل محذوف؛ أي: اذكر يوم تقلب وجوههم، وكل هذا محتمل، وكل هذا هو الواقع. وقوله: ﴿تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ﴾ أي: تُصْرَف من جهة إلى جهة كما يُقَلَّب اللحم على النار لينضج، والعياذ بالله. وفي قوله: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ﴾ ولم يقل: يوم يقلبون؛ لأن هذا الأمر يقع منهم على سبيل الكره -والعياذ بالله- وأنه ليس باختيارهم، ﴿تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ﴾. فيه نقطة نسيتها وهي قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ كيف قال ﴿فِيهَا﴾ و﴿سَعِيرًا﴾ مذكَّرٌ؟ لأن المراد بالسعير هنا سعير النار وهي مؤنثة. قال: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾، قوله: ﴿يَقُولُونَ﴾ يحتمل أنها حال -وهو الأقرب- من الهاء في ﴿وُجُوهُهُمْ﴾ يعني: تُقَلَّب وهم يتحسرون هذا التحسر ﴿يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا﴾، ويحتمل أن تكون استئنافية حكاية الله سبحانه وتعالى عنهم ما يقولون. ﴿يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ قال المؤلف: (﴿يَا﴾ للتنبيه وليست للنداء) لأيش؟ لأن (يا) النداء لا تدخل إلا على من يصح نداؤه حقيقة أو حكمًا و(ليت) لا يصح نداؤها؛ لأنها حرف؛ لأن (ليت) للتمني، يقول المؤلف: إنها للتنبيه، وقيل: إنها نداء لمنادى محذوف يناسب المقام، يقولون: يا ربنا ليتنا أطعنا الله، والمنادى محذوف تقديره: يا ربنا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسول، فعلى الأول يكون التنبيه هنا يراد به زيادة التحسر، كأنهم ينبهون أنفسهم لهذا التمني الذي تمنوه، وعلى الثاني: يكون المنادى محذوفًا للمبادرة بذكر التمني دون ذكر من وجه الخطاب إليه، وأيًّا كان فإنه يدل على شدة تحسرهم. وقوله: ﴿يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ هذا التمني ما يعسر حصوله أو ما يتعذر في ذلك الوقت؟ يتعذر في ذلك الوقت، هذا أشد تعذرًا من قول الشاعر: أَلَا لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ يَوْمًا ∗∗∗ فَأُخْبِرَهُ بِمَا فَعَلَ الْمَشِيبُ ﴿يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ (أَطَعْنَ) نحذف الألف، ﴿أَطَعْنَا﴾ هي أصلا بالألف فنقول: ﴿أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾، ولا تقل: إنه يجب أن أشير إلى الألف لئلا تشتبه النون (...)، الحمد لله هذا غلط، بل تقول: ﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل ١٥] ما فيها شيء، تحذف الألف لالتقاء الساكنين هنا أيضًا نحذف الألف لالتقاء الساكنين، ولا نقول: إن حذفنا إياه يشتبه ضمير المتكلم بضمير النسوة؛ لأن السياق يدل على المعنى. * طالب: (...)؟ * الشيخ: هم ينبهون السامع على أنهم يتمنون هذا. * الطالب: والوجه الثاني؟ * الشيخ: الوجه الثاني أنها حرف النداء، والمنادى محذوف تقديره: يا ربنا ليتنا. * طالب: شيخ، ﴿قَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل ١٥] (...)؟ * الشيخ: إي نعم، موجودة خطًّا لكن ما يُنْطَق بها لفظًا، حتى ﴿أَطَعْنَا اللَّهَ﴾ الآن موجودة خطًّا لكن في اللفظ ما تنطق بها. * طالب: (...)؟ * الشيخ: مثل: ﴿دَعَوَا اللَّهَ﴾ [الأعراف ١٨٩] تحذف الألف. ﴿يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ ﴿الرَّسُولَا﴾ بالألف، والألف هنا للإطلاق، ومرَّ علينا في هذه السورة نظيرها، ما هو؟ ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب ١٠]، وسيأتي بعدها أيضًا كلمة أخرى ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب ٦٧]، فهذه ثلاث كلمات فيها ألف تُسَمَّى ألف الإطلاق، ثلاث ألفاتٍ فيها ثلاث قراءات: قراءة بإثبات الألف وصلًا ووقفًا، وقراءة بحذفها وصلًا ووقفًا، وقراءة بحذفها وصلًا وإبقائها وقفًا. نشوف الآن: ﴿يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) وَقَالُوا﴾ [الأحزاب ٦٦، ٦٧] هذا على القرائتين، ﴿يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ (٦٦) وَقَالُوا﴾ قراءة واحدة، واضح؟ ما هي بواضحة الحقيقة؛ يعني يجوز نقرؤها بالثلاثة على النشر؛ ﴿يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ ﴿يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) وَقَالُوا﴾ هذه قراءة؛ يعني: أنا أثبتنا الألف وصلًا ووقفًا. القراءة الثانية: ﴿يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ (٦٦) وَقَالُوا﴾ ﴿يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولْ﴾ ﴿وَقَالُوا﴾ هذه أيضًا القراءة الثانية؛ حذف الألف وصلًا ووقفًا. القراءة الثالثة: ﴿يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ (٦٦) وَقَالُوا﴾ ﴿يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) وَقَالُوا﴾ هذه التي تثبتها وقفًا لا وصلًا. وقوله: ﴿أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ الرسول هنا؟ * طالب: سبعيات. * الشيخ: سبعيات. الرسول هنا اسم جنس يشمل كل رسول، أرسل إلى هؤلاء لأن أهل النار ليسوا مختصين بأمة محمد ﷺ بل جميع الأمم، فيقصدون بالرسول واحدًا أو الجنس؟ الجنس، وبالله؟ واحدًا. ﴿أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا﴾ [الأحزاب ٦٦، ٦٧] (﴿وَقَالُوا﴾ أي: الأتباع منهم) صح كما قال المؤلف: (الأتباع) (...) المتبوعين، ﴿رَبَّنَا﴾ يعني: يا ربنا، حرف النداء محذوف، (﴿إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا﴾ وفي قراءة) يعني: سبعية، (﴿سَادَاتَنَا﴾ جمع الجمع)، سادة جمع أيش؟ سيِّد، وسادات جمع سادة، فهي جمع الجمع، قراءتان: ﴿سَادَتَنَا﴾ و﴿سَادَاتَنَا﴾ ، وإنما جُمِعت لكثرة الأسياد في الأمم، والسيد هو ذو الشرف والقدر في قومه المقدَّم فيهم، هذا السيد. وقوله: ﴿وَكُبَرَاءَنَا﴾ الذين فوق الأسياد كالأمراء ونحوهم، فالناس لهم أسياد مطاعون، ولهم كبراء فوق هؤلاء، فيقولون: ﴿إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾ الصنفين جميعًا، وبطاعتهم ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ أي: فبسبب طاعتنا لهم أضلونا السبيلا، الضلال هنا بمعنى أيش؟ الضياع عن الصواب وعن الحق أو التيهان؛ يعني: تُهْنا السبيل، والمراد بالسبيل الطريق الذي هو طريق الله، فـ(ال) فيه هنا للعهد، العهد الذكري ولَّا الذهني؟ العهد الذهني؛ أي: السبيل المعهود الموصِّل إلى الله. ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [الأحزاب ٦٨]، قال المؤلف: (﴿السَّبِيلَا﴾ طريق الهدى، ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ أي مثلي عذابنا)، شوف الله أكبر! كانوا في الدنيا يُجِلُّونهم ويحترمونهم ويعظمونهم ويؤثرونهم على أنفسهم، وفي الآخرة على العكس ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ [البقرة ١٦٦، ١٦٧]، فالمتبوعون يتبرؤون. وهؤلاء أيضًا يشتمون ويلعنون يقولون: ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾، وهم بهذا الدعاء ليسوا جائرين؛ لأنهم أرادوا بالضعفين أن هؤلاء الكبراء ضلوا وأضلوا، فيكون عليهم إثمان؛ إثم الضلال بأنفسهم، وإثم الإضلال لغيرهم، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله.]]، وقال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت ١٣]، فدعاء هؤلاء الأتباع دعاء عدل وليس دعاء جور؛ لأن هؤلاء المتبوعين مستحقون للعذاب مرتين. ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ يقول: (﴿الْعَنْهُمْ﴾ عذِّبْهم)، لماذا فسَّر اللعنة بالعذاب؟ لأنهم في النار، فهم مطرودون عن رحمة الله، ولكن لو أن المؤلف أبقاها على ما هي عليه لكان حقًّا، ﴿الْعَنْهُمْ﴾ يعني: أبعدهم إبعادًا كبيرًا عن رحمتك حتى لا ترحمهم يومًا من الدهر. وقوله: ﴿كَبِيرًا﴾ يقول: (كثيرًا عدده، وفي قراءة بالموحدة؛ أي عظيمًا). * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، فيها قراءتان: ﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَثِيرًا﴾ وهذا باعتبار الكمية، و﴿لَعْنًا كَبِيرًا﴾ باعتبار الكيفية؛ أي عظيمًا. فإن قلت: كيف يكون فيها قراءتان والقول واحد صادر من هؤلاء، فهم إما أن يكونوا قالوا: كبيرًا، وإما أن يكونوا قالوا: كثيرًا، والله عز وجل يحكي عنهم، فما هو الجواب؟ أو ما فهمت السؤال؟ السؤال الله يحكي عن هؤلاء الكفار أنهم يقولون: ﴿الْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾، وعلى القراءة الثانية ﴿كَثِيرًا﴾ ، فكيف يحكي قولين عن قائل واحد؟ يعني: هم إما قالوا: كبيرًا ولا قالوا: كثيرًا؟ * طالب: (...) أحيانًا يقولون: كبيرًا، وأحيانًا يقولون: كثيرًا، أو بعضهم يقول: كبيرًا، وبعضهم يقول: كثيرًا؟ * الشيخ: صح، الجواب أحد وجهين: إما أن بعضهم يقول: كثيرًا، والآخر يقول: كبيرًا، وإما أنهم يقولون أحيانًا: كبيرًا، وأحيانًا: كثيرًا. فإن قلت: ألا يحتمل أن الواحد منهم يجمع بينهما في كلمة واحدة؛ بمعنى أن يقول: والعنهم لعنًا كبيرًا كثيرًا؟ الجواب لا؛ لأن الله ما حكى هذا، بل الكلمة واحدة؛ إما كبيرًا، وإما كثيرًا، ولهذا لا نجمع بين الكلمتين؛ لا في الآية هذه، ولا في قوله ﷺ حين علَّم أبا بكر: «اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٣٤)، ومسلم (٢٧٠٥ / ٤٨) من حديث أبي بكر الصديق.]]، وفي لفظ: «كَبِيرًا»[[أخرجه مسلم (٢٧٠٥ / ٤٨) من حديث أبي بكر الصديق.]]، ما نجمع بينهما، ما نقول: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا كبيرًا، بل نقول أحد اللفظين؛ لأن السُّنة لم ترِدْ بالجمع بينهما، وكذلك هنا في القرآن؛ لا يجوز لأحد أن يقول: (والعنهم لعنًا كثيرًا كبيرًا)، هذا حرام؛ لأنه إذا قال ذلك فقد زاد في القرآن، فنقول: إما هذا، وإما هذا. * طالب: (...)؟ * الشيخ: ما يخالف؛ لأن الظاهر أن الحديث يمكن نقف على الباب اللي وقفنا عليه قبل، وعلشان نكمل السورة هذه. * طالب: (...). * الشيخ: يقال: ضعف، ويقال: ضعفين بمعنى واحد (...). يقول: (﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا﴾ مع نبيكم، ﴿كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ بقولهم مثلًا: ما يمنعه أن يغتسل معنا إلا أنه آدر). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ [الأحزاب ٦٩] تقدَّم الكلام مرارًا وتكرارًا على قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ على كونها صُدِّرت بالنداء وعلى (...) وصف الإيمان، ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ ﴿كَالَّذِينَ﴾ الكاف هنا اسم بمعنى (مثل) فهي خبر، ﴿تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ ولكنهم آذوه بدون ضرر، ما أضروا به ﴿آذَوْا﴾، وهذه الآية لها صلة بما سبق في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب ٥٧]. وفي قوله: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ فيها تحذير وفيها تسلية؛ أما التحذير فلمن؟ فللمؤمنين؛ لأنهم إذا آذوا نبيهم استحقوا ما استحقه من آذوا موسى، وفيها تسلية لمن؟ للرسول ﷺ بأنه إن أُوذِي فقد أُوذِي من قبله، ولهذا ثبت عنه أنه ﷺ قال: «رَحِمَ اللَّهُ أَخِي مُوسَى؛ لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَصَبَرَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٥٠)، ومسلم (١٠٦٢ / ١٤٠) من حديث عبد الله بن مسعود.]]. وقوله: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ هو موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام أفضل أنبياء بني إسرائيل. وبماذا آذوه؟ قال المؤلف: (بقولهم مثلًا: ما يمنعه أن يغتسل معنا إلا أنه آدر) هم يؤذونه بغير هذا الكلام، ويؤذونه بالفعل أيضًا، لكن المَثَل الذي ذكره المؤلف لأنه قال مثلًا: كان موسى عليه الصلاة والسلام على ما فيه من الشدة كان حييًّا، وكان بنو إسرائيل يغتسلون عراة، ولكنه هو يغتسل وحده، ما يغتسل معهم، لا يتعرى، فقال بنو إسرائيل: ليش هذا الرجل يشذ عنا؟ هذا لولا أنه فيه آفة -برص أو أُدْرَة- ما انفرد عنا، والآدر كبير الخصيتين، فيكون هذا السبب أنه كان يغتسل وحده ما يغتسل معنا، أو فيه آفة؛ فيه برص أو غير ذلك، ولا كان يغتسل مع الناس، فأراد الله عز وجل أن يتبين لبني إسرائيل أن الرجل من أحسن خلق الله وأسلمهم، فاغتسل ذات يوم وحده ووضع ثوبه على حجر، ولما خرج ليلبسه فرَّ الحجر؛ فرَّ بثوبه، فجعل يلحقه: «ثَوْبِي حَجَرُ، ثَوْبِي حَجَرُ»، » يكلمه يخاطبه، ولكن الحجر مأمور بأمر الله عز وجل ما وقف حتى وصل مَلَأً من بني إسرائيل وموسى يمشي وراءه عريانًا، يقول: لما وصل بني إسرائيل رأوا الرجل، وإذا الرجل سليم ما فيه شيء أبدًا؛ من أحسن خلق الله وأسلمهم من العيب، وقف الحجر فأخذ ثوبه فلبسه، وجعل يضرب الحجر؛ يضربه بعصاه حتى صار فيه أثر من ضرب العصا[[متفق عليه؛ البخاري (٢٧٨)، ومسلم (٣٣٩ / ٧٥) من حديث أبي هريرة.]]. ليش يضرب الحجر؟ لأنه لما عمِل عمَل العاقل بهربه بالثوب، فاستحق تأديبَ العاقل، وإلا كان الحجر ما يستفيد، ولهذا الآن صار لنا فيه نوع من التأسي بموسى، حينما يعثر الصبي بحجر نقول: تعال، نبغي ندقه، إذا دقيت الحجر يهدأ الصبي ويقف عن البكاء، لكن بس شتَّان ما بين المسألتين، أنا أقول يعني نوع من الأصل، على كل حال أن موسى عليه الصلاة والسلام أراد الله عز وجل أن يبين لبني إسرائيل أنه ليس كما قالوا وأنه سليم، وسيأتي -إن شاء الله- في الفوائد ما في هذه القصة من الحكمة. قال: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا﴾ قال المؤلف: (بأن وضع ثوبه على حجر ليغتسل، ففرَّ الحجر به حتى وقف بين ملأ من بني إسرائيل، فأدركه موسى، فأخذ ثوبه فاستتر به، فرأوه لا أُدْرَة به) قال: (وهي نفخة في الخصية)، رأوا أنه سليمٌ عليه الصلاة والسلام. ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ أفادنا سبحانه وتعالى بقوله: ﴿مِمَّا قَالُوا﴾ أن الأذية التي أشار الله إليها هي قول، وقوله: ﴿مِمَّا قَالُوا﴾ (ما) اسم موصول، والعائد محذوف تقديره: مما قالوه. قال: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ أي ذا جاه، والجاه بمعنى القَدْر وعلو المنزلة، فكان موسى عليه الصلاة والسلام وجيهًا عند الله؛ يعني ذا قدر ومنزلة رفيعة. وهل وصف الله غيره من الأنبياء بالوجاهة؟ * طالب: عيسى. * الشيخ: عيسى، قال: ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ [آل عمران ٤٥، ٤٦] وغير؟ * طالب: عيسى. * الشيخ: عيسى ذكرناه، فيه؟ * طالب: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران ٣٩]. * الشيخ: ﴿سَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران ٣٩] (وجيهًا) أنا لا أستحضر الآن لكن ما أستطيع أني أنفي، قد يكون فيه أحد، لكن إذا كان موسى وجيهًا عند الله وعيسى فمحمد عليه الصلاة والسلام أعظم جاهًا منهم؛ لأنه أفضل الرسل. ولكن هل يلزم من الجاه أن يتوسل الإنسان بجاه النبي إلى الله؟ الجواب: لا؛ لأن جاه النبي قدْرٌ ومنزلة خاصة بالنبي ما تنتفع بجاهه؛ لأن مجرد جاه النبي عند الله لا تنفع أحدًا من الناس، ولهذا القول الراجح من أقوال أهل العلم أن التوسل بجاه النبي ﷺ محرَّم. قال: (﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ ذا جاهٍ، ومما أُوذِيَ به نبينا ﷺ أنه قسم قسمًا فقال رجل:« هذه قسمة ما أريد بها وجه الله»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٥٠)، ومسلم (١٠٦٢ / ١٤٠) من حديث عبد الله بن مسعود.]] )، وهذا من أعظم ما يكون من السبِّ، لكن سبُّ النبي ﷺ حقٌّ له؛ إذا عفا عنه وأسقطه فله الحق، ولا أحد يتهم الرسول عليه الصلاة والسلام بأنه ما أراد بها وجه الله، هذا ما أحد يقول هذا، وإن قاله بعض الناس غِيرةً، كما قاله بعض من قاله من الأنصار حين قسم النبي ﷺ غنائم حنين قالوا: إن الرجل وجد قومه، وأراد أن يغدق عليهم المال، ونحن قاتلنا وفعلنا ولم يعطنا شيئًا. لكن الذي قاله شبان من الأنصار، ما لهم قيمة بالنسبة للكبار منهم، ومع ذلك الرسول عليه الصلاة والسلام خطب بهم -كما تعرفون- تلك الخطبة العظيمة التي بيَّن فيها فضلهم، وبيَّن الحكمة من إعطاء هؤلاء القوم دونهم، وأنه يعطي هؤلاء ليتألفهم على الإسلام ويقوى إيمانهم أو ينكف شرهم، أما الأنصار فليسوا بحاجة إلى ذلك؛ لأن الناس يذهبون بالشاة والبعير، وهم يذهبون بمن؟ برسول الله ﷺ، وشتان ما بين هذا وهذا، حتى قال لهم: «لَوْ أَنَّ النَّاسَ سَلَكُوا شِعْبًا أَوْ وَادِيًا وَسَلَكَ الْأَنْصَارُ شِعْبًا أَوْ وَادِيًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ»، » وقال لهم: «الْأَنْصَارُ شِعَارٌ وَالنَّاسُ دِثَارٌ»، » وقال لهم: «لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَءًا مِنَ الْأَنْصَارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٣٠)، ومسلم (١٠٦١ / ١٣٩) من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم.]]. كل هذا أقنعهم ولَّا لا؟ أقنعهم، حتى جعلوا يبكون حتى أخضبوا لحاهم بالبكاء رضي الله عنهم؛ لأن هذا الحقيقة يساوي الدنيا كلها، ومثلما قال (...) اللي يذهب بالشاة والبعير واللي يذهب برسول الله، فرق عظيم بينهم. فهذا فيه حكمة من الله عز وجل؛ أن الله قد يقدِّر للإنسان ما يكرهه ليكون بعد ذلك ما يحبه، فموسى ﷺ كَرِهَ أن يفرَّ الحجر بثوبه بلا شك، ولكن صار فيه حكمة عظيمة؛ أن ما يتكلم به بنو إسرائيل من الكلام والاتهام كله زال. * طالب: (...)؟ * الشيخ: نعم، المناسبة، لهذا سيأتينا -إن شاء الله- في الفوائد أنه بيان؛ أنه عليه الصلاة والسلام مع كونه مبرَّأ مما يقولون مما أوذي فهو ذو منزلة عالية عند الله. ثم قال: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾ [الأحزاب ٦٣]. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الناس ما زالوا يتساءلون عن الساعة. * ويتفرع من تلك الفائدة فائدة أخرى؛ وهي: أن شأن الساعة عظيم؛ لأنه إنما يكثر التساؤل عن أمور العظيمة دون الأمور التافهة. * ومن فوائدها: أن النبي ﷺ لا يعلم الغيب، ولو كان يعلم الغيب لعلم متى تكون الساعة. * ومن فوائدها: أن علم الساعة عند الله لا يعلمه أحد؛ لقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، وهذا حصرٌ. * ومن فوائدها: أن الساعة قريب؛ لقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾. ويدل لقربها أن النبي ﷺ كان آخر الأنبياء، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٠٤)، ومسلم (٢٩٥١ / ١٣٣) من حديث أنس بن مالك.]] وأشار بالسبابة والتي تليها؛ يعني أننا مقترنان، أو أنه ليس بيني وبين الساعة إلا كما بين الأصبع الوسطى والسبابة في القُرْب. * ومن فوائدها: لأن الله خاطب نبيه بقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾، وهو دليل على أن الرسول عليه الصلاة والسلام بشرٌ كغيره من البشر، يُخاطَب بما يُخاطَب به البشر، فلا يقال: كيف يخاطب الله نبيه ويقول: ﴿مَا يُدْرِيكَ﴾؟ لو خاطبت إنسانًا وقلت: ويش يدريك عن الأمور هذه أو عن هذا الأمر لعُدَّ ذلك من باب أيش؟ التنقيص أو التنقُّصِ، ولكن الله عز وجل يخاطب نبيه بما هو أهله. ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٤] إلى آخره. * من فوائد الآية: أن الله تعالى لعن الكافرين وأبعدهم وطردهم عن رحمته. * ومن فوائدها: التحذير من الكفر؛ لأنه سبب لِلَّعْنَةِ. * ومن فوائدها: إثبات العلل والأسباب. من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿الْكَافِرِينَ﴾؛ لأن الكافرين وصفٌ عُلِّق به اللعن، فهو ربط لِلَّعن بالكفر، فيكون في هذا إثبات العلل والأسباب، وهذا كثير. * ومن فوائدها: الرد على الجهمية الذين يقولون: إن الله عز وجل يفعل الأشياء لا لحكمة بل لمجرد المشيئة. * ومن فوائدها: إثبات وجود النار؛ لقوله: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾. * ومن فوائدها: عظم النار؛ لأن السعير إنما يقال للنار العظيمة المسعَّرة، وهذا أمر ثبت في عدة آيات وأحاديث. * ومن فوائد الآية: تأبيد الخلود الكافرين في النار؛ لقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. وفيها ردٌّ على من قال بفناء النار، والذين قالوا بفناء النار طائفة من السلف والخلف لكن قولهم ضعيف، أما أبدية النار فقد أجمع عليها السلف وأهل السنة ولم يخالف في ذلك إلا طائفة من المعتزلة الذين يمنعون تأبيد أفعال الله، ويقولون: إن التسلسل في الأبد ممتنع، كما يرون أن التسلسل في الأزل أيضًا ممتنع. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المعذَّبين في النار لن يجدوا أحدًا يتولاهم بدفع العذاب عنهم ولا بمنعه قبل أن ينزل بهم؛ لقوله: ﴿لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾، الولي الذي يتولاهم ويحميهم ويحفظهم من أن ينالهم سوء، والنصير هو الذي يدفع عنهم البلاء بعد نزوله. ثم قال: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ [الأحزاب ٦٦] إلى آخره. * يستفاد من هذه الآية: شدة عذاب الكافرين -والعياذ بالله- في النار؛ حيث إنه ذكر التعذيب على الوجه الذي يكون تعذيبه أعظم إهانة من بقية البدن، ولأن الوجه يحس بالألم أكثر مما يحس غيره من الأعضاء الظاهرة، ولأن الوجه هو شرف الإنسان وظاهرته، فإذا وقع التعذيب عليه صار هذا أشد في الألم النفسي؛ لقوله: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾. * ومن فوائد الآية: أن هذا التقليب بغير اختيار منهم؛ لقوله: ﴿تُقَلَّبُ﴾، فهم يُقَلَّبون فيها -والعياذ بالله- كما تُقَلَّب اللحم على النار لِشَيِّها. * ومن فوائد الآية الكريمة: ظهور التحسر من أولئك الكافرين حين عذابهم؛ لقوله: ﴿يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ ولكن هذا أمر فات أوانه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن طاعة الله ورسوله سبب للنجاة من النار؛ لأنهم لم يتمنوا شيئًا سوى طاعة الله ورسوله التي ينجون بها من هذا العذاب. ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب ٦٧]. * في هذه الآية دليل على اعترافهم بأنهم مقلِّدون وليسوا متبوعين؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا﴾. * ومن فوائدها: أن التقليد لا يغني من العذاب؛ يعني حتى لو كان هناك كبراء وزعماء وبُيِّن لهم الحق، فإذا خالفوه لأجل الموافقة لزعمائهم فإن ذلك لا ينجيهم من العذاب. * ومن فوائدها: تحريم تقليد العالم إذا تبيَّن النص. من أين يؤخذ؟ من أن الله عذَّب هؤلاء على تقليد كبرائهم وزعمائهم في مخالفة الحق، فإذا تبين لك الحق لا تقل: والله قال العالم الفلاني، وقال الإمام الفلاني، فتكون مشابهًا لمن؟ لأهل النار الذين قالوا: ﴿إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾. * ومن فوائدها: جواز نسبة الشيء إلى سببه؛ لقوله: ﴿فَأَضَلُّونَا﴾، مع أن الذي يضل ويهدي حقيقةً هو الله عز وجل، لكن هؤلاء الكبراء صاروا سببًا للإضلال فنُسِب الإضلال إليهم. * ومن فوائدها: الرد على القدرية في قولهم: ﴿أَطَعْنَا﴾ وقولهم: ﴿أَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾. * ومن فوائدها: أن موالاتهم لهؤلاء الكبراء والسادة ستنقلب يوم القيامة عداوة؛ لقولهم: ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾. * ومن فوائدها: تحذير من حول ولاة الأمور، الولاة سواء كانوا وزراء أو مدراء أو أكبر من ذلك تحذير من كان حولهم أن يتبعهم في معصية الله، وأنه سيأتي اليوم الذي يندم فيه ويتبرَّأ ويدعو عليهم بمثل هذا الدعاء. * ومن فوائدها: أن السادة والكبراء المضلين لا ينفعون أتباعهم يوم القيامة وجهه؛ لقوله: ﴿لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾، ولأنهم دعوا على هؤلاء وقالوا: ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾، ولو كانوا ينفعونهم ما دعوا عليهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من جلساء السوء. ما وجهه؟ قوله: ﴿فَأَضَلُّونَا﴾، وأن كل إنسان ترى أنه سيضلك عن سبيل الله فالواجب عليك البعد عنه، وقد قال الله عز وجل مُخْبِرًا عن هذه الحالة: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان ٢٧، ٢٨]، فلانًا هذا ما هو من الكبراء والسادة، أي فلان، ﴿يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ [الفرقان ٢٨، ٢٩] وهذه هي النقطة، فيكون قوله هنا: ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾؛ يعني: بعد أن جاءهم الذكر وتبين لهم الحق تابعوا هؤلاء، فصارت عليهم هذه العقوبة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الدار الآخرة لا ينقطع فيها التكليف انقطاعًا تامًّا؛ لأن الله أثبت أن هؤلاء يدعون الله، والدعاء نوع من العبادة، ما نقول: إن الآخرة ما فيها لا دعاء ولا فيها سجود ولا فيها عمل، فيها لكنها ليست كالدنيا، وإلا فإن الله عز وجل يقول في سورة (ن): ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم ٤٢]، هذا تكليف ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم ٤٣]. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان شدة بغض هؤلاء الأتباع للمتبوعين؛ لأنهم دعوا أن الله يضاعف عليهم العذاب ويلعنهم أيضًا، وليس لعنًا قليلًا بل كثيرًا وكبيرًا أيضًا ﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٨]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ [الأحزاب ٦٩] إلى آخره. * يستفاد من الآية الكريمة: تحريم أذية الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾، ويُقْصَد بالنهي التحريم، وقد سبق أن أذية الرسول من كبائر الذنوب؛ لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب ٥٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: عناية الله تعالى برسوله؛ حيث يضرب له الأمثال بمن سبقه من الرسل لأجل التسلية وتهوين الأمر عليه، وأن هذا أمر قد سبقك، وهذا كثير في القرآن؛ ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ [الأنعام ٣٤]. * ومنها: تحذير المؤمنين أن يصيبهم ما أصاب من سبقهم حين تجرَّؤا على رسل الله؛ لقوله: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: عناية الله تعالى برسله؛ لقوله: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾. * ومن فوائدها: أن التبرئة تكون بالقول وتكون بالفعل؛ تكون بالقول مثل قوله تعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم ٢]، فنفى عنه الجنون الذي رماه به أعداؤه ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ [الطور ٢٩]، هذه التبرئة بأيش؟ التبرئة بماذا؛ بالفعل ولَّا بالقول؟ بالقول، التبرئة بالفعل كما جرى لموسى عليه الصلاة والسلام؛ فإن الله تعالى ما قال لبني إسرائيل: إنه ليس بآدر، لكنه هيأ له هذا الأمر الواقع الذي يكون تبرئة من الله عز وجل لرسوله بماذا؟ بالفعل. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة موسى؛ حيث برَّأه الله مما عِيبَ عليه، هذا من وجه، وحيث قال فيه: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾. * ومن فوائد الآية: الإشارة إلى أن العبرة بوجاهة الإنسان عند الله لا عند الخلق؛ لأنه قال: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾، فقدَّم ﴿عِنْدَ﴾ على قوله: ﴿وَجِيهًا﴾ إشارةً إلى أن المهم أن تكون وجيهًا عند الله. وبماذا يكون الإنسان وجيهًا عند الله؟ يكون وجيهًا عند الله تعالى بعبادته، كلما كان الإنسان أعبد لله تعالى وأطوع له كان عند الله أوجه. ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات ١٣]، فكل من كان اتقى فهو أكرم عند الله وأرفع منزلة. * طالب: (...) الرسول ﷺ هذا بالفعل ولَّا بالقول؟ * الشيخ: لا، هذه شهادة بالفعل؛ لأن الله ما أنزل قرآنًا وقال: إن الرسول صادق لكنه رُفِع له بيت المقدس حتى شاهده. * طالب: بالنسبة لقراءة: ﴿وَكَانَ عَبْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ ؟ * الشيخ: هذه قراءة شاذة. * الطالب: وإذا كان يحتج بها على نفي العندية، ماذا يقال لهم؟ * الشيخ: يقال: هذه شاذة، هذه متواترة، تلقَّاها المسلمون من الرسول إلى يومنا، وأما تلك فشاذةٌ. * الطالب: والكلام على العندية في هذه الآية والقُرب من الله عز وجل؟ * الشيخ: نرد عليهم بالآيات الكثيرة وبالأحاديث أيضًا، وهو إثبات القُرب لله عز وجل، ولكنه لا يلزم من القرب الحلول؛ يعني إذا قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة ١٨٦] لا يلزم من ذلك أن يكون قريبًا عندك في مكانك، لكنه قريب وإن كان عاليًا؛ لأن الله ليس كمثله شيء. * طالب: (...)؟ * الشيخ: يعني: تطبيق مدلول قوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة ٢١٦]، بس هذه بحيث إنها ما ذكرت في القرآن ما جعلناها فائدة، وإلا هي فائدة عظيمة؛ أن الإنسان قد يكره الشيء وهو خير له. * طالب: (...)؟ * الشيخ: ما قدمها؛ لأنه قال: (وفي قراءة). * الطالب: في السياق؟ * الشيخ: إي؛ لأنه هو رحمه الله فسَّر على هذه القراءة؛ لأن المصحف اللي عنده على هذه القراءة. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا. * طالب: قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب ٦٢] (...) أن الله سبحانه وتعالى قد يغير سنته في خلقه؟ * الشيخ: لا، يقول: ﴿لَنْ تَجِدَ﴾ هذا نفي. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم؛ لأنه ما قال: (ولن تجد الله مبدِّلًا) مثلًا، كما قال في الآية الأخرى: ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنعام ١١٥]. * طالب: (...)؟ * الشيخ: أبدًا، مربوطة بأسبابها. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا. * طالب: (...)؟ * الشيخ: أبدًا ما تختلف، بأسبابها؛ إذا اختلف السبب اختلفت السنة، أما إذا كانت السبب واحدًا ما يمكن تختلف. * طالب: لماذا لا نقول في قوله: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾ (...) تحقق الوقوع؟ * الشيخ: هذا خلاف الأصل، وقد ثبت وجود النار، إحنا ما نلجأ إلى أنه أتى بالماضي عن المستقبل لتحقق وقوعه إلا في شيء يقين أنه ما أتى، مثل: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل ١]، فقوله: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ معناه أنه ما وقع الآن. * طالب: (...) الرد على (...) ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب ٦٢] (...) يعتمد على (...) الكرامات من الله سبحانه وتعالى (...)؟ * الشيخ: والله ما أدري، هذه الظاهر أنها فائدة عرجاء، شوف الأعرج إن كان له كرامة يمكن نقبلها منك. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا؛ لأنه جاه معنوي، الوجاهة أمر معنوي، فيكون القرب هنا قربًا معنويًّا، لكن القرب الحسي مثل قوله (...): ﴿الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف ٢٠٦]. * طالب: (...)؟ * الشيخ: في الآية هذه؟ لا (...)؛ لأن الوجاهة معنوي. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي، حسي نعم، مفيش شك أن القريب من الله من الملائكة اللي حملة العرش أقرب من غيرهم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: ما هي (...)، ما دام هي موجودة ما (...).