Tafsir Ibn Uthaymeen — الأحزاب 33:38 – الأحزاب 33:49
المحتويات
الأحزاب 33:38
﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] ﴿مَا﴾ هذه نافية، و﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص، وخبرها ﴿لِمُؤْمِنٍ﴾ الجار والمجرور، و﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ هذا هو اسمها مؤخر.
يقول الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ يعني: هذا أمر لا يمكن أن يكون فهو نفي للإمكان، ولكنه للإمكان الشرعي دون القدري؛ إذ إن المؤمن أوالمؤمنة قد يكون لهم الخيرة من أمرهم فيما قضاه الله ورسوله، ولكن شرعًا لا يكون هذه.
يقول: (﴿﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ ﴾ ﴿﴿أَنْ تَكُونَ﴾ ﴾ بالتاء والياء ﴿﴿لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ ﴾ أي: الاختيار ﴿﴿مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ﴾ خلاف أمر الله ورسوله).
وقوله: ﴿لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ وكما سبق فيه ذكر الذكور والإناث ﴿لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾.
وقوله: ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ المراد بالقضاء هنا القضاء الشرعي؛ إذ إن القضاء الكوني لا يمكن لأحد أن يختار خلافه لا مؤمن ولا كافر، أليس كذلك؟ لأن القضاء الكوني لا بد أن يقع، فالمراد هنا ﴿إِذَا قَضَى﴾ أي: قضاء شرعيًّا.
وقوله: ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ عطف رسوله بالواو؛ لأن قضاء الرسول ﷺ الشرعي من قضاء الله.
وقوله: ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ ﴿أمرًا﴾ هنا واحد الأمور أو واحد الأوامر؟ واحد الأمور؛ يعني: إذا قضى شأنًا سواء كان ذلك الشأن أمرًا أو نهيًا.
﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ ﴿﴿أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ ﴾ و﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ أما على قراءة التاء فالأمر فيها ظاهر؛ لأن اسمها أيش؟ مؤنث فأُنِّثَ الفعل من أجله ﴿﴿أَنْ تَكُونَ﴾ ﴾.
وأما عن قراءة الياء فإن الفعل يكون مذكرًا مع أن الاسم مؤنث ولكن هنا لا يجب التأنيث؛ لوجهين:
الوجه الأول: الفصل بين الفعل وفاعله وهنا بين الفعل واسمه.
والثاني: أن التأنيث في الخيرة تأنيث مجازي، وابن مالك يقول:
وَإِنَّمـــا تَلْزَمُ فِعْــــــلَ مُــــضْمَرِ ∗∗∗ مُتَّصِلٍ أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حِـــــرِ
وقوله: ﴿الْخِيَرَةُ﴾ أي: الاختيار، أفادنا المؤلف أن الخيرة هنا اسم مصدر بمعنى الاختيار أو بمعنى التخيُّر كالطيرة بمعنى التطيُّر فهي إذن اسم مصدر بمعنى الاختيار، وإن شئت فقل: بمعنى التخير.
وقوله: ﴿مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ قد يقول قائل: إن المتبادر أن يقول: (مِن أمره)؛ لأن ﴿لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ مفرد، والمتبادر أن يقول: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون له الخيرة من أمره) ولكنه جمع؛ لأن (مؤمن) و(مؤمنة) جاء منكرًا في سياق النفي فيكون للعموم، فعاد الضمير إليه باعتبار المعنى لا باعتبار اللفظ.
وقوله: ﴿مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ يعني معناه أي: من شأنهم، ويجوز أن يكون ﴿مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ أي: من أمر الله إياهم، فعلى الأول يكون الإضافة من باب إضافة الشيء إلى فاعله، وعلى الثاني من باب إضافته إلى مفعوله.
وقول المؤلف: (خلافَ) هذه بالنصب مفعول للخيرة بمعنى الاختيار يعني: ما كان لهم أن يختاروا خلاف أمر الله ورسوله، فتبين الآن معنى الآية؛ معنى الآية أن الله يقول: لا يمكن لمؤمن ولا مؤمنة، لا يمكن شرعًا ولَّا قدرًا؟ شرعًا، إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يخالفوا أمر الله ورسوله وأن يختاروا خلاف أمر الله ورسوله، لماذا لا يمكن؟ لأن ما في قلوبهم من الإيمان يمنعهم من المخالفة، ألا ترى إلى قول النبي ﷺ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ»؟ لأنه لو كان في قلبه إيمان حين الزنا ما زنى، «لَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٨١٠)، ومسلم (٥٧ / ١٠٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] فالإيمان إذا وقر في القلب لا يمكن أن يكون صاحبه مخالفًا لأمر الله ورسوله.
قال المؤلف: (نزلت في عبد الله بن جحش وأخته زينب خطبها النبي ﷺ لزيد بن حارثة، فكره ذلك حين علم بظنهما قبلُ أن النبي ﷺ خطبها لنفسه ثم رضي للآية).
هكذا ذكر المؤلف أنها نزلت في هذه القصة، وهذ القصة ضعيفة؛ لأنها معضلة ومنقطعة فهي ضعيفة، ونحن لا يهمنا في الحقيقة سبب النزول، سبب النزول صحيح أن فيه فائدة وهو أنه يكشف أحيانًا المعنى ويُبَيِّنُه ويوضحه، لكن المهم الحكم وهو أنه لا يمكن لمؤمن إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يختار خلافَ أمر الله ورسوله، ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾؛ لأنهم لا بد أن يوافقوا أمر الله ورسوله لما في قلوبهم من الإيمان؛ ولهذا كلما هَمَّ المؤمن بمعصية ذكَّره إيمانه بالله فكفَّ عنه، ألا ترى إلى قول النبي عليه الصلاة والسلام في السبعة الذين يظلهم الله في ظله قال: «وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ»؟ وهذه الدعوة كانت في مَحل خالٍ لا يطلع عليهما أحد سوى الله فقال: «إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ»[[متفق عليه، البخاري (٦٦٠) ومسلم (١٠٣١ / ٩١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] فمنعه إيمانُه من أي شيء؟ من أن يفعل الفاحشة مع سهولة أسبابها، وكذلك «أحد الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار حين مَكَّنته ابنة عمه من نفسها فلما جلس منها منها مجلس الرجل مع امرأته» -وأعتقد في هذه الحال أن الرغبة ستكون شديدة وقوية وأنه لا يفصمها إلا إيمان قوي لما جلس منها مجلس الرجل مع امرأته- قالت له: «يا هذا اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه.» فقام منها وهي أحب الناس إليه[[أخرجه البخاري (٢٢١٥) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]]. هذا من الإيمان بلا شك.
إذن نحن لا يهمنا أن تكون نزلت في زينب بنت جحش وأخيها عبد الله أو في غيرهم.
المهم أن حال المؤمن تمنعه من مخالفة أمر الله ورسوله وأما ما ذكره المؤلف فهو يقول: «إن النبي ﷺ خطب زينب بنت جحش»[[أخرج الحاكم (٦٩٣٣) بسنده عن عمر بن عثمان الجحشي، عن أبيه، قال: قدم النبي ﷺ المدينة، وكانت زينب بنت جحش ممن هاجر مع رسول الله ﷺ وكانت امرأة جميلة، فخطبها رسول الله ﷺ على زيد بن حارثة، فقالت: لا أرضاه، وكانت أيم قريش، قال: «فإني قد رضيته لَكِ» الحديث.]]. وقد خُطِبَت -كما ذكره غيره- خطبت من قبل رجال شرفاء وذوي جاه، فخطبها النبي عليه الصلاة والسلام فظنوا أنه خطبها لنفسه، ثم بعد ذلك بَيَّن لهم أنه خطبها لزيد بن حارثة، زيد بن حارثة مَنْ هو؟ هو مولى رسول الله ﷺ، وكان حسب ما ذكره أهل السير كان عبدًا لخديجة رضي الله عنها فوهبته للنبي ﷺ فأعتقه، لما علم أنه خطبها لزيد امتنع فلما نزلت الآية رضي بذلك، وهذا ليس بغريب على الصحابة لو صح الحديث ليس بغريب أن يُقَدِّموا أمر الله ورسوله على ما تهواه أنفسهم.
* الطالب: (...) خطبها النبي ﷺ وعني (...) زيد منها، ويش معنى (وعني)؟
* الشيخ: عَنَى.
* الطالب: وعنى؟
* الشيخ: لا، ما عندنا بـ(عدى) و(عنى). (خطبها النبي ﷺ لزيد بن حارثة فكره ذلك) أظن ما هي مهمة. اشطب عليها.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب ٣٦] ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ﴾ ﴿مَنْ﴾ اسم استفهام؟!
* طالب: شرطية.
* الشيخ: ما الذي أدراكم أنها شرطية؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، غير الجواب.
* الطالب: فعل الشرط.
* الشيخ: فعل الشرط؛ لأنه مجزوم ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ﴾ لكنه مجزوم بحذف حرف العلة ﴿مَنْ يَعْصِ اللَّهَ﴾، المعصية مخالفة الأمر أو إن شئت فقل: المعصية خلاف الطاعة سواء كانت وقوعًا في منهيٍّ عنه أو تركًا لمأمور به، لكن إذا قيل طاعة ومعصية صارت الطاعة فعل المأمور والمعصية فعل المحظور.
أما إذا قيل: معصية وحدها أو طاعة وحدها فإنها تشمل الأمرين.
قال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ﴾ سواء عصاهما جميعًا يعني: أمر من الله وأمر من رسوله وقعت فيه المعصية، أو عصى الله وحده أو عصى الرسول وحده فإنه قد ضلَّ ضلالًا مبينًا، معصيتهما جميعًا مثالها قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦]، وقال النبي ﷺ: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٨٨) ومسلم (١٣٣٧ / ٤١٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. لو خالف الإنسان في ذلك يكون قد عصى الله ورسوله؛ لأن الأمر هنا من الله ومن رسوله، وأحيانًا يَرِد الأمر في القرآن دون السنة فإذا عصاه الإنسان صار عاصيًا لله وأحيانًا يرد في السنة دون القرآن فإذا عصاه الإنسان صار عاصيًا للرسول.
ولكن لتعلم أن معصية الرسول عليه الصلاة والسلام معصية لله؛ لأن الرسول يتكلم عمن أرسله، فإذا عصيته فقد عصيت من أرسله؛ لو أن رجلًا أتاك وقال: إن فلانًا أرسلني إليك وقال: ليفعل كذا وكذا. وخالفت الرسول تكون مخالفًا في الواقع لمن؟ للمرسِل؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠] فعلى هذا يكون من يعص الله ورسوله سواء على سبيل الانفراد أو على سبيل الاشتراك.
﴿مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ هذا جواب الشرط، وقُرِنَ بالفاء؛ لأنها اقترنت في ﴿قَدْ﴾ وهناك ضوابط لجواب الشرط الذي يجب اقترانه بالفاء ذُكِرَت في بيت قد أُنْشِدَ لكم من قبل فما هذا البيت؟
* طالب:
اسـْــــــمِيَّةٌ طَـــلَــبِيَّةٌوَبِجَـــــــــــامِـــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِـ(مَا) وَ(لَنْ) وَبِـ(قَدْ)وَبالتَّنْفِيسِ
* الشيخ: نعم.
اســْــــــــمِيَّةٌ طَـــلَـــــبِيَّةٌوَبِجَــــــــــــامِـــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِـ(مَا) وَ(لَنْ) وَبِـ(قَدْ)وَبالتَّنْفِيسِ
كم؟ سبعة، إذا كان جواب الشرط أحد هذه الأمور السبعة فإنه يقترن بالفاء وجوبًا ولا يَشُذُّ عن هذه القاعدة إلا أمر نادر كقول الشاعر:
مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا ∗∗∗ .........................
ولم يقل: فالله يشكرها. لكن هذا نادر أو ضرورة، هنا اللي معنا من الأشياء السبعة: ﴿قَدْ﴾ ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ قال المؤلف: (بَيِّنًا) ونحن تكلمنا من قبل أن (أبان) الرباعية تكون متعدية وتكون لازمة، إذا كانت لازمة فهي بمعنى (بان)، إذا كانت متعدية فهي بمعنى أظهر.
هنا قال: ﴿ضَلَالًا مُبِينًا﴾ هل تصلح بمعنى أظهر؛ يعني بمعنى ضلالًا مظهرًا؟ ما تصلح.
إذن فهي من (أبان) اللازم الذي يكون منه الاسم على بَيِّن لا على مبين.
وقوله: لا على مبين بمعنى مظهر، طيب ما هو المبين بمعنى مظهر؟
المبين بمعنى مظهر مثل قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس ٦٩] هذا من اللازم ولَّا من المتعدي؟ من المتعدي يقينًا، نعم؛ لأن القرآن مظهر للحقائق؛ ولهذا قال بعده: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس ٧٠].
﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾.
قال: (فزَوَّجها النبي ﷺ لزيد، ثم وقع بصره عليها بعد حين فبلغ في نفسه حبها وفي نفس زيد كراهتها، ثم قال للنبي ﷺ: أريد فراقها. فقال: ﴿﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ ﴾ كما قال تعالى: ﴿﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ ﴾ [الأحزاب: ٣٧]).
هذا الذي ذكره المؤلف رحمه الله ذُكِرَ عن بعض المفسرين من السلف والخلف، لكنه كما قال ابن كثير: أقوال ينبغي أن يضرب الإنسان عنها صفحًا؛ لأنها أقوال باطلة لا تليق بمقام النبي ﷺ؛ لأن القصة إذا قرأها الإنسان يتصور أن الرسول ﷺ كان عاشقًا من العشاق، وما أشبه هذه القصة الباطلة بقصة داود عليه الصلاة والسلام التي ذكروا أن داود طلب من أحد جنوده أن يتزوج امرأته ولكنه أبى، فاحتال عليه بحيلة، شوف كيف؟ أيش الحيلة؟ قال: نطلعه مع الجيش عشان يُقْتَل فأتزوج امرأته. هل هذا يمكن أن يقع من نبي من أنبياء الله؟! أبدًا، هذه لو قال قائل: إنها وقعت من أحد السوقة من الناس لقيل: ما أظلم هذا الرجل وما أجهله! فكيف بنبي من أنبياء الله؟!
الرسول ﷺ هل يمكن أن يتصور أحد أنه عشق هذه المرأة، لاحظوا لأن بعض الناس حتى بعض المفسرين والعياذ بالله صار يتلفظ بهذا اللفظ يقول: الرسول عشق المرأة زينب، ولكن هذا قول باطل، وسيأتي إن شاء الله تعالى في الكلام على تفسير الآية بيان معنى الآية وأن معناها ناصع واضح ولم يكن الرسول عليه الصلاة والسلام قال له: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب ٣٧] وأنه أخفى حبها؛ لأن الله قال في نفس الآية: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ فبَيَّن الله أنه سيبدي ما أخفاه في نفسه، لو كان الذي أخفاه النبي عليه الصلاة والسلام في نفسه الحب لكان الله يبديه، لكن ما الذي أبدى الله؟ الذي أبدى الله تزويجه؛ أنه زوجه إياها، فكان الرسول عليه الصلاة والسلام أخفى في نفسه ما أعلمه الله أنه سيتزوجها دون أن يكون هناك حب وعلاقة، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام علم بما أعلمه الله أنه سيتزوجها، فلما جاء هذا الرجل يستشيره قال له: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ لا تطلق المرأة. فعاتب الله رسوله لماذا قال له: اتق الله وأمسكها، وقد علم أن الله تعالى سيزوجه إياها؟ فالمسألة واضحة ما فيها أي إشكال.
ولكن المشكل أن بعض المفسرين يأخذون عن بعض من غير تمحيص ومن غير أن يكون هناك تَرَوٍّ في المسألة، حتى إن بعض الناس اعتذر وقال: إن محبة الإنسان للمرأة ولو كانت عند زوج آخر أمر لا يُنْكَر، إنما الذي ينكر أن يحاول التوصل لهذه المرأة بطريق غير شرعي، وأما أن يقع في نفسه محبة امرأة عند زوج فهذا لا بأس به، وهو أمر قد تدعو إليه الجبلة والطبيعة، وهذا وإن كانت المسألة تحتاج إلى نظر في هذا القول؛ وهو أن محبة الإنسان لزوجة غيره إما أن تكون محبة للجنس أو محبة للشخص، فإن كان محبة للجنس فهذا أمر جائز ولَّا لا؟ جائز أنا ما أبغي بالجنس الشهوة يعني، يعني جنس هذا الطراز من النساء، هذا المراد بقولي: الجنس، إن كان محبة للجنس؛ يعني معناه أنه يرغب مثل هذه المرأة فهذا لا بأس به، والإنسان دائمًا إذا سمع مثلًا من امرأة رجل أنها امرأة صالحة قانتة حافظة للغيب بما حفظ الله يحبها ويحب أن يكون له مثلها.
وأما إذا كان حبًّا شخصيًّا فعندي أن في جواز ذلك نظرًا وأن الإنسان يجب عليه أن إذا تعلقت نفسه بامرأة تعلقًا شخصيًا أو محبة شخصية يجب عليه أن يحاول التخلص من هذا لأنها مشكلة، المحبة في الحقيقة جذابة، المحبة كأنها رِشاء من حديد يجذب الإنسان، فإذا تعلَّق قلبه بامرأة فإن الغالب أن يحاول الوصول إليها إن لم تكن مُزَوَّجة يمكن يخطبها وإن كانت مزوجة مشكلة.
فالذي أرى في هذه المسألة أنه إذا أحبها محبة جنس بمعنى أحب جنس هذه المرأة فهذا لا شك أنه ما فيه مانع ولا يحصل فيه مفسدة، وأما إذا أحبها محبة شخصية فإن الأمر خطير.
* الطالب: ويش يعني؟
* الشيخ: يعني يحب هذه المرأة نفسها؛ إي هذه المرأة مثلًا شافها معها زوجها أنها قائمة باللازم وأحبها هي شخصيًّا.
﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب ٣٧] ﴿إِذْ﴾ يقول المؤلف: (إنه منصوب بـ (اذكر). أين (اذكر)؟ محذوف، (منصوب بـ (اذكر) محذوفًا، أي: اذكر يا محمد ﴿إِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ إلى آخره. اذكر هذا القول حتى تكون مُسْتَعِدًّا لما يُلْقَى إليك من الموعظة؛ لأن الله تعالى وعظه في هذه الآية موعظة عظيمة حتى قالت عائشة رضي الله عنها: «لو كان محمدًا ﷺ كاتمًا ما أُنْزِل إليه لكتم هذه الآية»[[أخرجه مسلم (١٧٧ / ٢٨٨) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]. كما سترون.
﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ (للذي أنعم عليه الله بالإسلام ﴿﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ ﴾ بالإعتاق).
بَيَّن الله عز وجل أن هذا الرجل الذي أبهم اسمه هنا ثم أوضحه فيما بعد أن عليه نعمتين: النعمة الأولى لله، والثانية للرسول عليه الصلاة والسلام.
وهنا قال: ﴿لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ﴾ فأتى بالواو الدالة على الاشتراك، مع أن هذا ليس من باب الشرع أو ليس من باب التشريع حتى نقول: إنه يجوز اشتراك أو إشراك الله مع الرسول عليه الصلاة والسلام، بل هنا من باب النعمة والعطاء والفضل، فكيف جمع بين إنعام الرسول ﷺ وإنعام الله بالواو الدالة على التشريك؟
فالجواب أن نقول: جمع بينهما بالواو الدالة على التشريك؛ لأن النعمتين مختلفتان؛ فالنعمة الأولى بماذا؟ بالإسلام، والثانية: النعمة من الرسول ﷺ بالعتق، فلما اختلفت النعمتان صارت الواو لا تدل على الاشتراك لامتناع الاشتراك بين شيئين مختلفين.
(﴿تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بالإعتاق وهو زيد بن حارثة كان من سَبْيِ الجاهلية اشتراه النبي ﷺ قبل البعثة وأعتقه وتبناه) المشهور أن زيد بن حارثة رضي الله عنه كان مملوكًا لخديجة فوهبته للنبي ﷺ، هذا هو المعروف في السير.
وأيًّا كان فإن زيد بن حارثة كان مملوكًا للرسول ﷺ ثم أعتقه وتبناه أيضًا، رفع معنويته بكونه أضافه إليه ابنًا له وكان يُدْعَى زيد بن محمد حتى أبطل الله ذلك في قوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب ٤٠]، وبقوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب ٤].
(تقول: ﴿﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ ﴾ في أمر طلاقها). ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ﴾ هنا عدَّى ﴿أَمْسِكْ﴾ بـ (على)؛ لأنها بمعنى اضمم عليك زوجك؛ يعني: اجعلها منضمة عليك لا تفارقها.
﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ والمراد بها زينب بنت جحش رضي الله عنها، وكان زيد قد تزوَّجها بمشورة النبي ﷺ فجاء يستشيره في طلاقها، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ يعني: لا تطلقها. وأمره بأن يتقي الله ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ إغراء له على إمساكها، وإن كان الرجل لم يفعل خطيئة لأن الطلاق مما يباح للرجال، لكن من باب الإغراء على إمساكها.
وقال بعض المفسرين: إنه -أي: زيد بن حارثة- إنه ذكر زينب بعيب، فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ يعني: لا تصفها بالعيب، وليس المعنى: اتق الله لا تطلقها؛ لأن الأصل في الطلاق أنه مباح ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾.
قال الله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ الواو حرف عطف ﴿وَتُخْفِي﴾ معطوفة على قوله: ﴿تَقُولُ﴾ يعني: واذكر أيضًا إذ تُخْفِي في نفسك ما الله مبديه، وأبهم الله تعالى ما أخفاه، لكنه بَيَّن أنه سيبديه، وننظر ماذا أبدى الله عز وجل ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا﴾ هذه اسم موصول في محل نصب مفعول لـ ﴿تُخْفِي﴾، و﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ و﴿مُبْدِيهِ﴾ خبره، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، يعني: تخفي في نفسك الذي الله مبديه، وهنا لم يقل: وتخفي في نفسك ما يبديه الله، بل قال: ﴿مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ الجملة هنا اسمية، وإنما أتى بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت كأن هذا أمر لا بد منه، لا بد أن يبديه الله عز وجل، وهذا هو الذي وقع، ومعنى ﴿مُبْدِيهِ﴾ أي: مظهره وهو مقابل لقوله: ﴿تُخْفِي﴾ ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ إلا أن المقابلة اختلفت من حيث الصيغة؛ فالصيغة في الإخفاء جاءت بالمضارع، وأما الصيغة بالإبداء فجاءت بالجملة الاسمية.
قال: (﴿﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ ﴾ مظهره من محبتها وأن لو فارقها زيد تَزَوَّجْتَها) هذا ما زعم المؤلف تبعًا لكثير من المفسرين؛ أن الذي أخفاه النبي عليه الصلاة والسلام هو محبته لهذه المرأة فأبدى الله ذلك، ولكنك إذا تأملت الآيات وجدت أن الذي أخفاه هو نية الزواج بها بأمر الله عز وجل، فإن الله تعالى أمره أن يتزوجها بعد زيد بن حارثة، وكأن هذا -والله أعلم- من أجل جبر قلبها حيث تزوجت زيد بن حارثة وهو مولى وهي من صميم العرب فأراد الله عز وجل أن يكافئها على خضوعها لمشورة النبي ﷺ بأن يتزوجها الرسول ﷺ هذه من جهة، ومن جهة أخرى أمره الله أن يتزوجها لأجل أن يزول ما كان مشهورًا عندهم في الجاهلية منين؟ من أنَّ ابن التبني لا يجوز لمن تبناه أن يتزوج بامرأته فيكون هذا من باب البيان بالفعل الذي هو أقوى من البيان بالقول.
قال: (﴿﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ ﴾ مظهره من محبتها وأن لو فارقها زيد تزوجها)، وإذا نظرنا إلى الذي أبداه الله وجدنا أنه زواجه، لا أنه يحبها ما قال الله في القرآن: إنك تحبها أبدًا ولا تعرض للحب.
قال: (﴿﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ ﴾ أي: تخاف من قولهم ومن كلامهم بأن يقولوا تزوَّج زوجة ابنه)، وهذا عند العرب عيب عندهم فهم يرونه من المنكرات.
قال الله تعالى: (﴿﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ ﴾ في كل شيء، وتزوَّجْها ولا عليك من قول الناس، ثم طلقها زيد وانقضت عدتها) قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ﴾ إلى آخره.
قال الله: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ منين؟ من الناس ولكنه هنا أطلق، قال الله: ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ ولم يذكر المفضل عليه من أجل العموم لأنه دائمًا يكون الحذف مفيدًا للعموم؛ يعني أحق أن تخشاه من كل أحد؛ من الناس، ومن الجن، ومن غيرهم.
وقوله: ﴿أَنْ تَخْشَاهُ﴾ يعني: أن تخافه، ولكن الخشية خوف مع علم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨]، والخشية أيضًا خوف مع قوة المخشيِّ وعظمته، فالخوف دون الخشية؛ لأن الخوف يقع بدون علم، ولأن الخوف يقع من ضعف الخائف لا من قوة المخوف؛ ولهذا كانت الخشية أرفع مرتبة وأقوى ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾.
(﴿﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ ﴾ حاجة ﴿﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ ﴾ فدخل عليها النبي ﷺ بدون إذن وأشبع المسلمين خبزًا ولحمًا).
* الطالب: عندنا بغير إذن.
* الشيخ: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ أي: حاجة، وهذا دليل على أن زيدًا رضي الله عنه طلَّقها عن رغبة، وأنها انقضت حاجته منها، ولم يطلقها عن ضغط أو إكراه.
وقوله: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ شرعًا أو قدرًا؟ شرعًا وقدرًا، لكن المهم شرعًا؛ لأنه لو كان المراد قدرًا فقط لم يكن بَيْنَها وبين أمهات المؤمنين فرق؛ لأن أمهات المؤمنين أيضًا مما زوجهن الله قدرًا، وكانت هي أي زينب تفتخر على نساء النبي ﷺ فتقول: «زَوَّجَكُنَّ أهاليكُنَّ، وزوَّجَنِي الله من فوق سبع سماوات»[[أخرجه الترمذي (٣٢١٣) من حديث أنس رضي اله عنه.]]، وهذا دليل على أنه تزويج شرعي، ولكنه قدري أيضًا في نفس الوقت.
وقوله: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ في هذا ضميران مفعولان؛ الضمير الأول الكاف، والثاني ﴿هَا﴾ وهو متمشٍ على القاعدة، ابن مالك يقول:
وَقَدِّمِ الْأَخَـــــــصَّ فِي اتِّصَـــــــــالِ ∗∗∗ وَقَدِّمَنَّ مَا شِئْتَ فِي انْفِصَالِ
وضمير المخاطب أخصُّ من ضمير الغائب؛ ولهذا قال: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾.
الحكمة من ذلك قال: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ﴾ اللام هنا للتعليل، و﴿كَيْ﴾ حرف مصدر؛ لأنها بعد اللام مصدرية محضة أي: لأن، و(لا) نافية، وقوله: ﴿حَرَجٌ﴾ أي: ضيق ومشقة، وقوله: ﴿فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ من أدعياؤهم؟ أبناؤهم الذين تَبَنَّوْهُم، هؤلاء هم الأدعياء، وهؤلاء الأدعياء ليسوا بأبناء كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب ٤].
وتأمل قوله: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ ولم يقل: (أبنائهم الذين تبنوهم)؛ لأن هذه البنوة منتفية شرعًا وباطلة شرعًا ولهذا قال: ﴿أَدْعِيَائِهِمْ﴾.
وبهذا نعرف أن قول مَنْ قال في قوله تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء ٢٣] أن قوله: ﴿مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ احتراز من ابن التَّبَنِّي يتبيَّن لنا أن هذا القول لا وجه؛ لا لأن ابن التبني لم يسمِّه الله ابنًا أبدًا، بل نفى عنه البنوة فقال: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾، وقال هنا: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾، وإذا كان ابن التبني لا يُسَمَّى ابنًا شرعًا فإنه لا حاجة إلى أن نأتي بصفة تخرجه لماذا؟ لأنه ليس بداخل أصلًا حتى يُخْرَج بهذه الصفة ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾، ولكنها احتراز من ابن الرضاعة كما هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
قال: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ ﴿إِذَا قَضَوْا﴾ الفاعل يعود على من؟ على الأدعياء.
وقوله: ﴿إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ فيه إشارة إلى أنه لو كان ذلك بضغط من الأب المُدَّعِي لكان ذلك فيه حرج، بل لا بد أن يكونوا قد قضوا منهن وطرًا وأنهوا رغبتهنَّ فيهن.
قال: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ قال المؤلف: (مقضي مفعولًا) أمر الله الكوني أو الشرعي؟ الكوني؛ لأن الشرعيَّ قد يُفْعَل وقد لا يفعل، ولكن الأمر الذي لا بد أن يُفْعَل هو أمر الله الكوني، فإذا أمر الله تعالى بشيء كونًا فلا بد أن يقع.
وخلاصة هذه الآية أو تفسير هذه الآية أن نقول: إن الله عز وجل ذَكَّر نبيَّه ﷺ بهذا الأمر العظيم، وهو قوله لزيد بن حارثة حين جاء يستشيره في طلاق زوجته قال له: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ مع علم النبي ﷺ بأن الله سوف يُزَوِّجُه إياها، وكان على النبي عليه الصلاة والسلام أن يسكت على الأقل ويقول: انظر ما يبدو لك في هذا الأمر. لكنه أشار عليه أن يُمْسِك، لماذا؟ لأنه يخشى أن يقول الناس: تزوج امرأة ابنه الذي تبناه، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يخاف من هذا الأمر، ولكن الله تعالى وَجَّهَهُ هذا التوجيه السليم.
ثم قال تعالى: (﴿﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ﴾ ﴾ أحل الله له) إلى آخره.
﴿مَا كَانَ﴾ (ما) نافية و(كان) فعل ماض ناقص، واسمها قوله: ﴿حَرَجٍ﴾، لكن فيها (مِن) الزائدة؛ لماذا؟ لإثبات النفي وتوكيده.
وقوله: ﴿عَلَى النَّبِيِّ﴾ هذا خبرها مقدَّم.
﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ ومعنى ﴿فِيمَا فَرَضَ﴾ أي: فيما أحلَّ الله له أيًّا كان، فكل ما أحلَّ الله فإن لا حرج عليه عند الله، وإذا كان لا حرج عليه عند الله فإن لا يجوز لأحد أن يتكلم في هذا الذي أحلَّ الله له ويقول: لمَ فعلَ؟ لِمَ صنع؟ وسيأتي إن شاء الله تعالى في الفوائد أن هذا عام للرسول ولغيره.
وقوله: ﴿فِيمَا فَرَضَ﴾ الفرض تارة يتعدَّى باللام، وتارة يتعدى بـ (على) فيتعدي باللام مثل هذه الآية: ﴿فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾، ويتعدى بـ (على) مثل فرض الله علينا كذا وكذا، فإن تعدى بـ (على) فهو بمعنى أوجب، وإن تعدى باللام فهو بمعنى أحل؛ لماذا؟ لأن الفرض في الأصل بمعنى التقدير، والمقدَّر قد يكون واجبًا وقد يكون مُحَلَّلًا.
قال الله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ أي: كسنة الله فنُصِبَ بنزع الخافض؛ يعني أن الله تعالى نفى عنه الحرج فيما أحل له؛ لأن هذا هو سنة الله تعالى فيمن سبق، و﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ أي: طريقته، والمعنى كطريقة الله تعالى فيمن سبق من الأنبياء.
قال: (﴿﴿فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ ﴾ من الأنبياء أن لا حرج عليهم في ذلك توسعة لهم في النكاح ﴿﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ ﴾ فِعْلُه ﴿﴿قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ ﴾ مقضيًّا).
يقول الله عز وجل: إن الرسول عليه الصلاة والسلام كغيره من الأنبياء السابقين؛ فما أحل الله له فإنه لا حرج عليه فيه؛ يعني: لا تضييق لا من قِبَل الله ولا من قِبَل عباد الله، وهكذا الأنبياء السابقون ليس عليهم حرج فيما فرَض الله لهم يفعلون ما يشاؤون ما دام الأمر مُحَلَّلًا لهم.
ثم قال: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ قال المؤلف في إعرابها: (﴿﴿الَّذِينَ﴾ ﴾ نعت للذين قبله)، وين (الذين) قبله؟ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: في الذين يبلغون.
وقوله: ﴿يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ﴾ جمع رسالة، والمراد بها المرسَل به، فهم يبلغون ما (...) به، والتبليغ معناه الإيصال ومنه ما جاء في الحديث: «لَا بَلَاغَ لِيَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٦٤)، ومسلم (٢٩٦٤ / ١٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
﴿وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب ٣٩] لأن الخشية عبادة، والعبادة لا تكون إلا لله عز وجل، هذا في الأصل مع أن الخشية قد تكون غير عبادة؛ قد تكون خوفًا طبيعيًا لا يتعبد به الإنسان للخائف، فيُفرَّق بين خشية الإنسان للناس وبين خشية الإنسان لله قال: (فلا يخشون مقالة الناس فيما أحل الله لهم) وكذلك في غيره.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ حافظًا لأعمال خلقه ومحاسبتهم. إعراب ﴿كَفَى بِاللَّهِ﴾؟
* طالب: (...) جار ومجرور.
* طالب آخر: (...).
* الشيخ: كما قال، طيب و﴿بِاللَّهِ﴾.
* الطالب: حرف زائد.
* الشيخ: حرف جر زائد. كمل.
* الطالب: (الله) فاعل. ﴿حَسِيبًا﴾؟
* الشيخ: اصبر، الفاعل أيش؟ منصوب ولَّا مجرور؟
* الطالب: (الله) فاعل مجرور بالكسرة بدل الرفع.
* الشيخ: فاعل، إذن ما هو فاعل.
* الطالب: (...) مقدرة.
* الشيخ: لا، من يعرف؟ مر علينا هذا الإعراب كثيرًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره.
* الشيخ: لفظ الجلالة اسم مجرور بالباء.
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم.
* الطالب: ﴿حَسِيبًا﴾ تمييز.
* الشيخ: تمييز كذا؟ طيب.
إذن ﴿كَفَى﴾ تتعدى بالباء على أنه حرف جر زائد وهو كثير، وقد تتعدى بنفسها إلى الفاعل كقول الشاعر:
كَفَى الشَّيْبُ وَالْإِسْلَامُ لِلْمَرْءِ نَاهِيًا ∗∗∗ ..........................
فلم يأتِ بالباء، لكن الأكثر أن يأتي بها.
* * *
يقول تبارك وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب ٣٦].
* من فوائد الآية الكريمة: أن مقتضى الإيمان ألا يخالف المؤمن أمر الله ورسوله؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ إلى آخره.
* ومن فوائدها: أنه كلما قُوِيَ الإيمان قويت الموافقة، ما وجهه؟ لأن الحكم المرتب على وصف يَقْوَى بقوته ويضعف بضعفه؛ * وعليه فتأتي الفائدة الثالثة: أنه كلما نقص الإيمان وضعف كثرت المخالفة؛ ولهذا قال أهل العلم: إن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما قضاه الرسول ﷺ من الأمور فهو كما قضاه الله؛ لقوله: ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الخير كلَّ الخير فيما قضاه الله ورسوله؛ لقوله: ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ يعني: ما يختارون غيره؛ لأنهم يرون أن الخير فيما قضاه الله ورسوله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المعصية ضلال؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾.
* ومن فوائدها: أنه كلما كانت المعصية أكبر أو أكثر كان الضلال أبين وأوضح، وجهه ما أشرنا إليه من قبل؛ أن الحكم المرتب على وصف يزيد بزيادته وينقص بنقصانه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن معصية الرسول عليه الصلاة والسلام كمعصية الله؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ فإذا أتانا آتٍ ونهنيناه عن أمر جاء به النهي في السنة، وقال: هذا ليس في القرآن، ماذا نقول له؟ نقول: ما في السنة كما في القرآن، وقد توقع النبي ﷺ ذلك فقال: «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي فَيَقُولُ: لَا نَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِي الْكِتَابِ اتَّبَعْنَاهُ. أَلَا وَإِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ»[[أخرج ابن ماجه (١٢) بسنده عن المقدام بن معد يكرب الكندي أن رسول الله ﷺ قال: «يوشك الرجل متكئًا على أريكته يحدث بحديثٍ من حديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله عز وجل، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرَّم رسول الله ﷺ مثل ما حرم الله».]].
وهذا الذي توقعه النبي عليه الصلاة والسلام وقع، بل صرحوا بأنه لا احتجاج إلا بما جاء في القرآن، وكما رأيتم الآن ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء ٨٠].
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز تشريك الله ورسوله بالواو في الأحكام الشرعية، منين؟ ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ بخلاف الأمور الكونية فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يُشارَك مع الله بالواو؛ ولهذا لما قال له الرجل: ما شاء الله وشئت. قال: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟! بَلْ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ»[[أخرج البخاري في الأدب المفرد (٧٨٣) بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: رجل للنبي ﷺ: ما شاء الله وشئت قال: «جعلتَ لله نِدًّا ما شاء الله وحده».]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات رسالة النبي ﷺ؛ لقوله: ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، ورسالة النبي ﷺ عامة لجميع البشر منذ بعث إلى أن تقوم الساعة؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب ٤٠] والخاتم لا شيء بعده، وكانت شريعة الرسول ﷺ لكونها عامة شاملة إلى يوم القيامة كانت صالحة لكل زمان ومكان وأمة، ومعنى كونها صالحة أن العمل بها لا ينافي المصالح في أي زمان أو مكان، بل هو المصلحة هو عين المصلحة، وليس كما فعله بعض الناس وتصرف بهذه العبارة حيث زعم أن الدين أو أن الإسلام صالِح لكل زمان ومكان بمعنى أنه خاضع لكل زمان ومكان، فجعلوا الشرع تابعًا لا متبوعًا، وقالوا: إن العصر إذا اقتضى في زعمهم المصلحة فإن الشرع لا يعارضه، وبَنَوا على ذلك استحسان ما استحسنوه من الأمور التي لا شك في تحريمها؛ كتجويز الربا وأن هذه ينمي الاقتصاد ويقوِّي الأمة، وكتجويز التأمينات التي هي الميسر حقيقة والتي قرنها الله تعالى بالخمر والأنصاب والأزلام، إلى غير ذلك مما يرون أنه داخل في مسمى الدين الإسلامي بحجة أن الإسلام صالِح لكل زمان ومكان.
ونحن نقول: صالِح. ما نقول: خاضع. أنت اعمل بالإسلام في أي زمان أو مكان أو أمة وشوفها، وانظر هل ينافي المصالح أو ينمي المصالح، ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ إلى آخره.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: تذكير النبي ﷺ بالأمور التي يحسُن أن يوعظ فيها؛ لقوله: ﴿وَإِذْ تَقُولُ﴾؛ حيث قلنا: إنها منصوبة بفعل محذوف تقديره (اذكر).
* ومن فوائدها: بيان منة الله على زيد بن حارثة بالإسلام والتمسك به حتى إن أباه وأعمامه لما جاؤوا يطلبونه وخيره النبي عليه الصلاة والسلام بينهم وبينه اختار أن يكون مع الرسول ﷺ.
* ومن فوائدها أيضًا: أن الإعتاق نعمة مِنَ المعتق على عَتِيقه وهو كذلك، والْفَرَضيون يعبرون بها -يعبرون بالنعمة- عن الإعتاق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجوز عطف الأمور غير الشرعية بالواو إذا اختلف المعنى، وقلنا: إن الرسول ما يُسَوَّى بين الله وبين الرسول بالواو في غير الأمور الشرعية.
هنا عُطِفَ نعمة الرسول على نعمة الله بالواو مع أنها ليست من الأمور الشرعية، لكن الذي سَوَّغ ذلك اختلاف النعمتين؛ فالنعمة الأولى الإسلام والنعمة الثانية العتق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الزوجة تابعة للزوج؛ لقوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ﴾ فكأنها يَضُمُّها ويحرسها ويصونها وكأنها تابعة له كما في قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة ٤].
* ومن فوائد الآية الكريمة: استشارة ذوي الرأي؛ لأن زيدًا استشار النبي ﷺ.
* ومن فوائدها: أنه يجب على المستشار أن يبذل ما يراه -ولو باجتهاده- ما يراه هو الأولى؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام أشار على زيد بإمساكها اجتهادًا منه خوفًا من إثارة المنافقين والمشركين عليه، ولكن لا يعني ذلك أن يكون الْمُشير مصيبًا فيما يتصرف فيه، قد يخطئ فيما يتصرف فيه، لكن هو في حال إشارته يرى أن ذلك هو الصواب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأفضل للزوج ألا يتعجل بالطلاق وأن يمسك عليه زوجته؛ لقوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ فأشار عليه بعدم الطلاق، وإن كان للرسول عليه الصلاة والسلام أغراض أخرى، لكن لا يمنع أن تتعدد الأسباب في الأمر بإمساكها، ومعلوم أن الله عز وجل قال في كتابه المبين: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء ١٩].
* ومن فوائد الآية الكريمة: ثبوت رسالة النبي ﷺ وأنها رسالة حق؛ لقوله: ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ فلو كان النبي عليه الصلاة والسلام كاذبًا -وحاشاه من ذلك- لكان يَكْتُم مثل هذه الأشياء؛ لأنها صعبة في حقه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل قد يفعل خلاف ما كان الرسول عليه الصلاة والسلام عليه؛ بمعنى أن اجتهاد النبي ﷺ قد يكون مخالفًا لما يريده الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ فالرسول أخفى في نفسه هذه الأمر لكن الله تعالى خالفه في ذلك فأبداه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن خوف الناس قد يقع من الأنبياء ولكنهم لا يُقَرُّون عليه؛ لقوله: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾.
* ومنها: وجوب تقديم خشية الله عز وجل على خشية كل أحد؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾؛ فالواجب على المرء ألا يخاف في الله لومة لائم وأن يتقيَ الله عز وجل في بيان الحق والعمل به، لا يَقُل: إن الناس يشمتون بي، إن الناس يسخرون مني، إن الناس يستهزؤون بي، وليكن ذلك فإنه لا يزداد بهذه السخرية والاستهزاء إلا رفعة عند الله سبحانه وتعالى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يصح التزويج حتى ينتهي حق الزوج الأول من الزوجة بالكلية؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ فكان التزويج بعد انتهاء زيد منها بالكلية، ولا يَرِدُ على ذلك أن يقال: إن ظاهر الآية جواز التزويج بعد الطلاق مباشرة؛ لأن نقول: إن الوطر والحاجة ما تنتهي إلا بانتهاء العدة؛ إذ إن الإنسان لو أراد أن يرجع إلى زوجته في العدة وهي رجعية لحصل له ذلك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العظمة لله عز وجل والسلطان؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ لما له من العظمة والسلطان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة زينب رضي الله عنها؛ حيث زوجها الله سبحانه وتعالى لرسوله ﷺ، ما وجهه؟ أن غيرها يزوجه أولياؤه وأهلها، وأما هي فقد تَوَلَّى الله عز وجل تزويجها، وهذه منقبة عظيمة لها.
* ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى يثيب عبده أكثر من عمله؛ لأن هذه المرأة -كما سبق- تزوجت زيد بن حارثة مع أن زيدًا من الموالي وهي من صميم العرب وقد يكون في ذلك غض من حقها ومرتبتها، فرفع الله تعالى من شأنها؛ حيث زوَّجها رسوله محمدًا ﷺ هو بنفسه تبارك وتعالى، ولا شك أن هذا رفعة من شأنها؛ فهي بعد أن كانت تحت هذا المولى -وهي من صميم العرب وكان في ذلك شيء من الغضاضة عليها- رفع الله من شأنها بهذا الأمر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما ثَبَت في حق النبي من أحكام فهو ثابت في حق الأمة، منين نأخذها؟ ما وجه ذلك؟
* الطالب: وجه ذلك أن هذا الحكم ثابت له وللمسلمين.
* الشيخ: نعم؛ لأنه هذا الحكم خوطب به الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم.. ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ فدلَّ ذلك على أن ما ثبت للرسول عليه الصلاة والسلام من الأحكام فأمته تبع له إلا ما قام الدليل على تخصيصه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز تزوج الرجل بزوجة مَنْ تبناه، منين تؤخذ؟ ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾.
* ومن فوائدها: أن ابن التبني لا يُسَمَّى شرْعًا ابنًا، وما سماه الله ابنًا؛ لقوله: ﴿أَدْعِيَائِهِمْ﴾ وقوله في أول السورة: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب ٤]، ويتفرع على هذه الفائدة أن قوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء ٢٣] أن هذا القيد ليس لإخراج ابن التبني؛ لأنه ما دخل في الأبناء حتى يحتاج إلى إخراجه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أمر الله عز وجل الأمر الكوني لا بد أن يقع. السؤال موجه الآن إلى واحد.
* طالب: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب ٣٧].
* الشيخ: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب ٣٧]، لو قال قائل: ﴿أَمْرُ اللَّهِ﴾ مفرد مضاف فيعُمُّ الأمر الكوني والشرعي، فبماذا نجيبه ونحن قد خصصناه الآن بالأمر الكوني؟
* الطالب: أن الله سبحانه وتعالى يذكرها ولا تتحقق؛ الأمور الشرعية.
* الشيخ: الشرعية. صح.
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم، أحسنت؛ لأن الأمر الشرعي ليس مفعولًا لكل أحد، بل فيه مَنْ لا يفعله.
ثم قال تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ﴾ [الأحزاب ٣٨] إلى آخره.
* يستفاد منها؛ من الآية الكريمة: أنه لا حرج على النبي ﷺ فيما أحلَّ الله له وإن كان مخالفًا لما يعتاده الناس؛ لعموم قوله: ﴿مِنْ حَرَجٍ﴾ و﴿فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ﴾؛ لأن (ما) اسم موصول، فكل ما أحل الله للرسول فلا حرج عليه فيه.
* ويستفاد منه أيضًا: أنه لا حرج على الإنسان غير الرسول فيما أحل الله له، لا حرج عليه فيما أحل الله له منين يؤخذ؟ لأن ما ثبت في حق النبي ﷺ ثبت في حق أمته إلا بدليل ولكن يجب على الإنسان أن يراعي أحوال الناس وما يُسْتَنْكَر عليه فيه حتى لا يعرِّض نفسه للذم والقدح، فمراعاة أحوال الناس أمر لا بد منه إلَّا في الأمور الشرعية فإن الواجب على المرء إبانتُها وإظهارها.
* طالب: ألا يخصص هذا بحديث: (...)؟
* الشيخ: نعم، لا، كيف دنيا ويش معناها؟
* الطالب: يعني في مسألة الزواج كونهم يتعففون عن الزواج بزوجة من التبني قد يدخل في الأمور الدنيوية.
* الشيخ: إي، هو من الأمور الدنيوية؛ لأن الله ما حرمها.
* الطالب: ولذلك لماذا لا نقول: ليس عليه حرج فيما (...)؟
* الشيخ: لا فيما أحل الله له خاصة.
* طالب: الحلال يتعلق (...).
* الشيخ: نعم، وفيما حرم الله عليه عليه حرج.
* الطالب: مسألة الذم والقدح فيما أحل الله له كيف..
* الشيخ: نعم، ذَمَّ الناس له، ما هو ذم الله؛ يعني: بعض الأشياء المحللة إذا فعلها الإنسان صارت خارجة عن المروءة في عُرْف الناس، فمراعاة هذا الأمر ما نأخذه من هذه الآية، مراعاة هذا الأمر أمر لا بد منه؛ يعني: افرض أن هناك شيئًا حلالًا لكن الناس ينتقدونه عليك، ما هو من الأمور الشرعية التي لا بد من إبانتها فالأفضل للإنسان أن يَدَعَ هذا.
* الطالب: ألا يخصص هذا بحديث: «لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِكُفْرٍ»[[أخرج ابن ماجه (٢٩٥٥) بسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الحجر، فقال: «هو من البيت» قلت: ما منعهم أن يدخلوه فيه؟ قال: «عجزت بهم النفقة» قلت: فما شأن بابه مرتفعًا لا يصعد إليه إلا بسلم؟ قال: «ذلك فعل قومك، ليدخلوه من شاؤوا، ويمنعوه من شاؤوا، ولولا أن قومك حديث عهد بكفر، مخافة أن تنفر قلوبهم، لنظرت هل أغيره، فأدخل فيه ما انتقص منه، وجعلت بابه بالأرض».]]؟
* الشيخ: لا، هذه من مراعاة المصالح، من دفع المفاسد؛ لأنه إذا تحققت المفسدة فإن المفسدة لا يجوز أن الإنسان أن يمارسها، يجب عليه الكف عنها فلا تكون داخلة في ما أحل الله له.
* ويستفاد من الآية الكريمة: تكليف النبي ﷺ وأنه يلحقه الحرج فيما لم يُحِلَّه الله له؛ لقوله ﴿فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ فيستفاد من هذا أن الرسول ﷺ عبد من عَبِيدِ الله أو من عباد الله لا يخرج عن طاعته وشريعته كما قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: إن الرسول محمدًا ﷺ عَبْدٌ لا يُعْبَد ورسول لا يكذب. وهو كذلك، ويأتي إن شاء الله بقية الكلام عن الآية.
(...) البيان بالفعل أبلغ من البيان بالقول أو لا؟ لو تلحقونها. ذُكِرَت؟ ما أظن ذكرناها.
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) بالفوائد، إن البيان بالفعل أبلغ وأقوى من البيان بالقول، من أين يؤخذ؟ من كون الله تعالى زوَّج زينب بنت جحش رسولَه ﷺ فإن هذا أبلغ في الطمأنينة وثبوت الحكم. سبحان الله! هل ذكرنا أن في الآية دليل على أنما ثبت للرسول عليه الصلاة والسلام من الحكم فهو ثابت للأمة؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: ذكرناه وبيَّنا وجه الدلالة، وبيَّنَّا أن أمر الله الكوني لا بد من وقوعه.
إذن ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الأحزاب ٣٨] ويش أخذنا منها؟
* الطالب: أنه لا حرج على النبي ﷺ فيما يفعله وإن كان مخالفًا للناس فيما أحل الله (...).
* الشيخ: تكليف؟
* الطالب: تكليف. أن النبي ﷺ عبد من عباد الله (...).
* الشيخ: نعم، طيب.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب ٣٨].
* من فوائد الآية الكريمة: أن ما شرعه الله لرسوله في هذه الآية فهو مشروع لمن كان قبله؛ لقوله: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾.
* وربما يؤخذ منها فائدة أيضًا: وهي أن شرع من قَبْلَنا شرع لنا؛ لأن الله جعل هذا سنة الأولين، وقد يُنازَع في ذلك فيقال: إن الله بَيَّن أنَّ ما شرعه لنبيه أو ما نفاه عنه من حرج فيما فرض له هو سنة مَنْ قَبْلَه ولا يعني ذلك أن يوافقه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أمر الله قد كُتِبَ وقُدِّرَ؛ لقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾، وهل المراد بالأمر هنا الكوني أو الشرعي؟ الكوني.
ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾. بناء على إعراب المؤلف أن ﴿الَّذِينَ﴾ بدل من قوله: ﴿الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ * يكون من فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على الرسل السابقين؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: الثناء على مَنْ بَلَّغ شيئًا من شريعة الله من غير الرسل؛ وجه ذلك أنه إنما أُثْنِيَ على الرسل لكونهم بَلَّغوا الرسالة ولم يخشوا أحدًا فمن كان مثلهم في ذلك فهو محل الثناء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ من صفات الرسل عليهم الصلاة والسلام ألا يَخْشَوا أحدًا في تبليغ الرسالة، وإنما يخشون الله في عدم تبليغها، لا يخشون الناس في تبليغها ويخشون الله في عدم تبليغها.
* ومن فوائدها: أن إبلاغ الرسالة من خشية الله؛ فإنه لولا خشية الله ما بَلَّغوا رسالته.
* ومن فوائدها: إثبات الرسالات في من سبق؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ﴾. واعلم أنه ما من أمة من الأمم إلا أَرْسَل الله إليها رسولًا لأجل أن تَنْتفيَ الحجة عن الله وتزول المعذرة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن حِفْظَ الله عز وجل في غاية ما يكون من الحفظ؛ لقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ هذا إذا جعلنا الحسيب بمعنى الحفيظ الكافي لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣]، أما إذا جعلنا الحسيب بمعنى المحاسب فإنه يؤخذ منها فائدة؛ وهي كمال محاسبة الله عز وجل عباده وأنه لا يفوته شيء.
* ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات علم الله؛ لقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ سواء جانا الحسيب بمعنى المحاسب أو بمعنى الحفيظ فإنه لا محاسبة إلا عن عِلْم ولا حفظ إلا بعلم.
* * *
* طالب: (...) ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ﴾ الفعل المضارع (يبلغون) للاستمرار.
* الشيخ: لا، وقد يكون لوصف الحال؛ حكاية الحال، ما عرفت أنه يأتي الفعل المضارع في شيء مضى من باب الحكاية؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الذي أشار إليه المؤلف.
* الطالب: عموم الآية فيما فرض الله له حلال يعني، هذا واحد لا يكون له (...) مطلقًا.
* الشيخ: ويش لون؟
* الطالب: الإنسان في الأشياء..
* الشيخ: المباحة.
* الطالب: لا يكون له الحرية المطلقة.
* الشيخ: هذا هو الأصل، لكنا ذكرنا في أثناء التفسير أنه ينبغي للإنسان أن يراعي شعور الناس في بعض الأمور.
قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب ٤٠] ﴿مَا﴾ نافية، وهل هي حجازية أو غير عاملة؟
الجواب: غير عاملة؛ لأن العمل لـ (كان) وليس لها.
﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ﴾ يعني رسول الله ﷺ ﴿أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، لم يقل: ما كان رسول الله، بل قال: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ﴾ فتَحَدَّث عنه باعتباره شخصًا من الناس، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ فأثبت له الرسالة.
وقوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ ﴿أَبَا﴾ بالألف؛ لأنها خبر كان، ﴿أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ فليس أبا زيد أي: والده فلا يحرم عليه التزوج بزوجته زينب.
قوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ تبنيًا أو تبنيًا وولادة؟ تبنيًا وولادة أيضًا؛ لأن أبناء الرسول ﷺ الثلاثة تُوفوا قبل أن يبلغوا الرجولة، كلهم توفوا وهم صغار.
وقال بعض أهل العلم: إن المراد ﴿أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ تبنيًا؛ لأنه قال: ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ فأضاف الرجال إليهم، ولم يقل: أبا أحد من الرجال؛ وعلى هذا فلا يكون في الآية دليل على أنه ليس أبًا لأحد من الرجال نسبًا وتبنيًا، وهذا هو الأقرب أن المراد ﴿أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ تبنيًا؛ لأجل أن ينفي ما كان معروفًا عندهم من أن زيد بن حارثة ابن لرسول ﷺ.
وقوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ مر علينا فيما سبق ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ أن بعض السلف قرأ: (وهو أبٌ لهم) فكيف يُجْمَع بينه وبين هذه الآية؟
الجمع بينهما أن يقال هنا: ليس أبا أحدًا من الرجال بالتبني ولكنه أبٌ للمؤمنين باعتبار التعليم والتوجيه والإرشاد.
﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (﴿﴿وَلَكِنْ﴾ ﴾ كان ﴿﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ ﴾) أفادنا المؤلف أن ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ منصوبة بفعل محذوف تقديره (كان) رسول الله.
﴿رسول﴾ بمعنى: مُرْسَل أي: مرسل الله عز وجل لعباده.
﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ يعني: وكان خاتم النبيين (فلا يكون له ابن رجل بعده يكون نبيًّا)، وهذا التفسير الذي ذهب إليه المؤلف فيه نظر؛ لأنه يقول: ﴿خَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ إذن ليس له ولد بعده يكون رجلًا فيكون نبيًّا، وهذا بناءً على أنه يلزم أن يكون ابن النبي بعده نبيًّا، وهذا ليس بلازم فإن بعض الأنبياء ليس كلهم أولادهم أنبياء، صحيح أن كثيرًا من الأنبياء صار أولادهم أنبياء كإبراهيم مثلًا، ولكن لا يعني ذلك أن جميع الأنبياء يلزم من كونهم أنبياء إذا خلَّفوا أولادًا أن يكونوا أنبياء.
ولكن معنى قوله: ﴿خَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ أنه لا نبي بعده، هذا معنى الآية التي لا يحتمل غيرها.
﴿وَخَاتَمَ﴾ فيها قراءتان إحداهما بالكسر والثانية بالفتح، وهي عندي بالكسرة ﴿﴿وَخَاتِمَ النَّبِيِّينَ﴾ ﴾ على أن ﴿﴿خَاتِمَ﴾ ﴾ اسم فاعل؛ يعني الذي يختمهم، وفي قراءة بفتح التاء كآلة الختْم أي به خُتِم فتح التاء ﴿خَاتَمَ﴾، والخاتم ما يُخْتَم به الشيء مثل الخاتم الذي يكون في الإصبع وكُتِبَ عليه اسم صاحبه فإذا أراد أن يختم الكتاب ختمه بهذا الخاتم.
والنبي عليه الصلاة والسلام خاتِم وخاتَم؛ خاتِم لأنه آخرهم، وخاتَم كأنه طُبِعَ على الرسالات بعد ذلك فلا يمكن أن يأتي بعده رسالة، وهذا هو فائدة القراءتين.
وقوله: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ هذا كما ترون في القرآن، وفي السنة أيضًا أدلة كثيرة تدل على أنه خاتم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وعلى هذا فلا نبي بعده.
فإن قلت: ألم يثبت أن عيسى عليه الصلاة والسلام ينزل في آخر الزمان وهو نبي؟
فالجواب: بلى، ينزل وهو نبي لكن نبوة عيسى لم تتجدد بعد، بل كان نبيًّا من قبل أن يُرْفَع ولم يتجدد له نبوة بعد نبوة النبي ﷺ، فكان النبي عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء.
وهل يأتي عيسى بشريعة جديدة؟ لا، فإن قلت: أليس يضع الجزية ويكسر الصليب ويقتل الخنزير ولا يقبل إلا الإسلام؟
فالجواب: بلى، وهذه الأحكام مخالفة لحكم الشريعة الآن، فهل معنى ذلك بأنه يأتي بأحكام متجددة؟ الجواب: لا؛ لأن إخبار النبي ﷺ بذلك يكون إقرارًا له فيكون هذا من سنة الرسول ﷺ؛ يعني هو من المعلوم أن سنة الرسول عليه الصلاة والسلام هي قوله وفعله وإقراره، فإذا قال ذلك عن عيسى مقررًا له صار ذلك من سنته، وحينئذ فلم يأت عيسى بنبوة جديدة ولم يأت بتشريع جديد، ولا إشكال في ذلك.
﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ﴿كَانَ﴾ فيما مضى، وأما الآن؟ لا، إذن ﴿كَانَ﴾ هنا مسلوبة الزمان، وإنما يؤتى بها لتحقق الصفة وهي العلم.
(﴿﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ﴾ منه بأن لا نبي بعده) يعني: من العلم الذي علمه الله تعالى أنه لا نبي بعده؛ ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب ٤٠].
وقوله: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ يشمل حتى أعمال بني آدم؟ نعم ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦] قبل أن يعمله.
قال: (وإذا نزل السيد عيسى يحكم بشريعته) (إذا نزل السيد) هل وصفه الله بالسيد؟
* طالب: نعم، ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران ٣٩].
* الشيخ: من هو هذا؟ ما هو يحيى؟ ما وصفه الله بالسيد في سورة آل عمران؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ [آل عمران ٤٥، ٤٦].
* طالب: ﴿وَجِيهًا﴾.
* الشيخ: ﴿وَجِيهًا﴾. لكن ما قال: (سيد). على كل حال أنا أخشى أن هذه الكلمة دخلت على المؤلف من عبارات النصارى؛ لأنهم دائمًا يقولون: السيد المسيح، السيد المسيح. ولا شك أنه سيد عليه الصلاة والسلام؛ لأنه نبي من الأنبياء.
يقول: (يحكم بشريعته) وحينئذ لا يأتي بشريعة جديدة فلا ينافي الآية: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾.
وقد علمتم أنه يَرِدُ على قضية نزول عيسى إيرادان:
أولًا: أنه نبي، فكيف يكون نبيًّا والرسول هو خاتم الأنبياء.
وثانيًا: أنه يحصل به تغيير لبعض أحكام الشريعة، وأجبنا عن ذلك.
الأحزاب 33:39
﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] ﴿مَا﴾ هذه نافية، و﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص، وخبرها ﴿لِمُؤْمِنٍ﴾ الجار والمجرور، و﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ هذا هو اسمها مؤخر.
يقول الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ يعني: هذا أمر لا يمكن أن يكون فهو نفي للإمكان، ولكنه للإمكان الشرعي دون القدري؛ إذ إن المؤمن أوالمؤمنة قد يكون لهم الخيرة من أمرهم فيما قضاه الله ورسوله، ولكن شرعًا لا يكون هذه.
يقول: (﴿﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ ﴾ ﴿﴿أَنْ تَكُونَ﴾ ﴾ بالتاء والياء ﴿﴿لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ ﴾ أي: الاختيار ﴿﴿مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ﴾ خلاف أمر الله ورسوله).
وقوله: ﴿لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ وكما سبق فيه ذكر الذكور والإناث ﴿لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾.
وقوله: ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ المراد بالقضاء هنا القضاء الشرعي؛ إذ إن القضاء الكوني لا يمكن لأحد أن يختار خلافه لا مؤمن ولا كافر، أليس كذلك؟ لأن القضاء الكوني لا بد أن يقع، فالمراد هنا ﴿إِذَا قَضَى﴾ أي: قضاء شرعيًّا.
وقوله: ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ عطف رسوله بالواو؛ لأن قضاء الرسول ﷺ الشرعي من قضاء الله.
وقوله: ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ ﴿أمرًا﴾ هنا واحد الأمور أو واحد الأوامر؟ واحد الأمور؛ يعني: إذا قضى شأنًا سواء كان ذلك الشأن أمرًا أو نهيًا.
﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ ﴿﴿أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ ﴾ و﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ أما على قراءة التاء فالأمر فيها ظاهر؛ لأن اسمها أيش؟ مؤنث فأُنِّثَ الفعل من أجله ﴿﴿أَنْ تَكُونَ﴾ ﴾.
وأما عن قراءة الياء فإن الفعل يكون مذكرًا مع أن الاسم مؤنث ولكن هنا لا يجب التأنيث؛ لوجهين:
الوجه الأول: الفصل بين الفعل وفاعله وهنا بين الفعل واسمه.
والثاني: أن التأنيث في الخيرة تأنيث مجازي، وابن مالك يقول:
وَإِنَّمـــا تَلْزَمُ فِعْــــــلَ مُــــضْمَرِ ∗∗∗ مُتَّصِلٍ أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حِـــــرِ
وقوله: ﴿الْخِيَرَةُ﴾ أي: الاختيار، أفادنا المؤلف أن الخيرة هنا اسم مصدر بمعنى الاختيار أو بمعنى التخيُّر كالطيرة بمعنى التطيُّر فهي إذن اسم مصدر بمعنى الاختيار، وإن شئت فقل: بمعنى التخير.
وقوله: ﴿مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ قد يقول قائل: إن المتبادر أن يقول: (مِن أمره)؛ لأن ﴿لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ مفرد، والمتبادر أن يقول: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون له الخيرة من أمره) ولكنه جمع؛ لأن (مؤمن) و(مؤمنة) جاء منكرًا في سياق النفي فيكون للعموم، فعاد الضمير إليه باعتبار المعنى لا باعتبار اللفظ.
وقوله: ﴿مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ يعني معناه أي: من شأنهم، ويجوز أن يكون ﴿مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ أي: من أمر الله إياهم، فعلى الأول يكون الإضافة من باب إضافة الشيء إلى فاعله، وعلى الثاني من باب إضافته إلى مفعوله.
وقول المؤلف: (خلافَ) هذه بالنصب مفعول للخيرة بمعنى الاختيار يعني: ما كان لهم أن يختاروا خلاف أمر الله ورسوله، فتبين الآن معنى الآية؛ معنى الآية أن الله يقول: لا يمكن لمؤمن ولا مؤمنة، لا يمكن شرعًا ولَّا قدرًا؟ شرعًا، إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يخالفوا أمر الله ورسوله وأن يختاروا خلاف أمر الله ورسوله، لماذا لا يمكن؟ لأن ما في قلوبهم من الإيمان يمنعهم من المخالفة، ألا ترى إلى قول النبي ﷺ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ»؟ لأنه لو كان في قلبه إيمان حين الزنا ما زنى، «لَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٨١٠)، ومسلم (٥٧ / ١٠٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] فالإيمان إذا وقر في القلب لا يمكن أن يكون صاحبه مخالفًا لأمر الله ورسوله.
قال المؤلف: (نزلت في عبد الله بن جحش وأخته زينب خطبها النبي ﷺ لزيد بن حارثة، فكره ذلك حين علم بظنهما قبلُ أن النبي ﷺ خطبها لنفسه ثم رضي للآية).
هكذا ذكر المؤلف أنها نزلت في هذه القصة، وهذ القصة ضعيفة؛ لأنها معضلة ومنقطعة فهي ضعيفة، ونحن لا يهمنا في الحقيقة سبب النزول، سبب النزول صحيح أن فيه فائدة وهو أنه يكشف أحيانًا المعنى ويُبَيِّنُه ويوضحه، لكن المهم الحكم وهو أنه لا يمكن لمؤمن إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يختار خلافَ أمر الله ورسوله، ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾؛ لأنهم لا بد أن يوافقوا أمر الله ورسوله لما في قلوبهم من الإيمان؛ ولهذا كلما هَمَّ المؤمن بمعصية ذكَّره إيمانه بالله فكفَّ عنه، ألا ترى إلى قول النبي عليه الصلاة والسلام في السبعة الذين يظلهم الله في ظله قال: «وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ»؟ وهذه الدعوة كانت في مَحل خالٍ لا يطلع عليهما أحد سوى الله فقال: «إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ»[[متفق عليه، البخاري (٦٦٠) ومسلم (١٠٣١ / ٩١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] فمنعه إيمانُه من أي شيء؟ من أن يفعل الفاحشة مع سهولة أسبابها، وكذلك «أحد الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار حين مَكَّنته ابنة عمه من نفسها فلما جلس منها منها مجلس الرجل مع امرأته» -وأعتقد في هذه الحال أن الرغبة ستكون شديدة وقوية وأنه لا يفصمها إلا إيمان قوي لما جلس منها مجلس الرجل مع امرأته- قالت له: «يا هذا اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه.» فقام منها وهي أحب الناس إليه[[أخرجه البخاري (٢٢١٥) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]]. هذا من الإيمان بلا شك.
إذن نحن لا يهمنا أن تكون نزلت في زينب بنت جحش وأخيها عبد الله أو في غيرهم.
المهم أن حال المؤمن تمنعه من مخالفة أمر الله ورسوله وأما ما ذكره المؤلف فهو يقول: «إن النبي ﷺ خطب زينب بنت جحش»[[أخرج الحاكم (٦٩٣٣) بسنده عن عمر بن عثمان الجحشي، عن أبيه، قال: قدم النبي ﷺ المدينة، وكانت زينب بنت جحش ممن هاجر مع رسول الله ﷺ وكانت امرأة جميلة، فخطبها رسول الله ﷺ على زيد بن حارثة، فقالت: لا أرضاه، وكانت أيم قريش، قال: «فإني قد رضيته لَكِ» الحديث.]]. وقد خُطِبَت -كما ذكره غيره- خطبت من قبل رجال شرفاء وذوي جاه، فخطبها النبي عليه الصلاة والسلام فظنوا أنه خطبها لنفسه، ثم بعد ذلك بَيَّن لهم أنه خطبها لزيد بن حارثة، زيد بن حارثة مَنْ هو؟ هو مولى رسول الله ﷺ، وكان حسب ما ذكره أهل السير كان عبدًا لخديجة رضي الله عنها فوهبته للنبي ﷺ فأعتقه، لما علم أنه خطبها لزيد امتنع فلما نزلت الآية رضي بذلك، وهذا ليس بغريب على الصحابة لو صح الحديث ليس بغريب أن يُقَدِّموا أمر الله ورسوله على ما تهواه أنفسهم.
* الطالب: (...) خطبها النبي ﷺ وعني (...) زيد منها، ويش معنى (وعني)؟
* الشيخ: عَنَى.
* الطالب: وعنى؟
* الشيخ: لا، ما عندنا بـ(عدى) و(عنى). (خطبها النبي ﷺ لزيد بن حارثة فكره ذلك) أظن ما هي مهمة. اشطب عليها.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب ٣٦] ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ﴾ ﴿مَنْ﴾ اسم استفهام؟!
* طالب: شرطية.
* الشيخ: ما الذي أدراكم أنها شرطية؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، غير الجواب.
* الطالب: فعل الشرط.
* الشيخ: فعل الشرط؛ لأنه مجزوم ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ﴾ لكنه مجزوم بحذف حرف العلة ﴿مَنْ يَعْصِ اللَّهَ﴾، المعصية مخالفة الأمر أو إن شئت فقل: المعصية خلاف الطاعة سواء كانت وقوعًا في منهيٍّ عنه أو تركًا لمأمور به، لكن إذا قيل طاعة ومعصية صارت الطاعة فعل المأمور والمعصية فعل المحظور.
أما إذا قيل: معصية وحدها أو طاعة وحدها فإنها تشمل الأمرين.
قال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ﴾ سواء عصاهما جميعًا يعني: أمر من الله وأمر من رسوله وقعت فيه المعصية، أو عصى الله وحده أو عصى الرسول وحده فإنه قد ضلَّ ضلالًا مبينًا، معصيتهما جميعًا مثالها قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦]، وقال النبي ﷺ: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٨٨) ومسلم (١٣٣٧ / ٤١٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. لو خالف الإنسان في ذلك يكون قد عصى الله ورسوله؛ لأن الأمر هنا من الله ومن رسوله، وأحيانًا يَرِد الأمر في القرآن دون السنة فإذا عصاه الإنسان صار عاصيًا لله وأحيانًا يرد في السنة دون القرآن فإذا عصاه الإنسان صار عاصيًا للرسول.
ولكن لتعلم أن معصية الرسول عليه الصلاة والسلام معصية لله؛ لأن الرسول يتكلم عمن أرسله، فإذا عصيته فقد عصيت من أرسله؛ لو أن رجلًا أتاك وقال: إن فلانًا أرسلني إليك وقال: ليفعل كذا وكذا. وخالفت الرسول تكون مخالفًا في الواقع لمن؟ للمرسِل؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠] فعلى هذا يكون من يعص الله ورسوله سواء على سبيل الانفراد أو على سبيل الاشتراك.
﴿مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ هذا جواب الشرط، وقُرِنَ بالفاء؛ لأنها اقترنت في ﴿قَدْ﴾ وهناك ضوابط لجواب الشرط الذي يجب اقترانه بالفاء ذُكِرَت في بيت قد أُنْشِدَ لكم من قبل فما هذا البيت؟
* طالب:
اسـْــــــمِيَّةٌ طَـــلَــبِيَّةٌوَبِجَـــــــــــامِـــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِـ(مَا) وَ(لَنْ) وَبِـ(قَدْ)وَبالتَّنْفِيسِ
* الشيخ: نعم.
اســْــــــــمِيَّةٌ طَـــلَـــــبِيَّةٌوَبِجَــــــــــــامِـــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِـ(مَا) وَ(لَنْ) وَبِـ(قَدْ)وَبالتَّنْفِيسِ
كم؟ سبعة، إذا كان جواب الشرط أحد هذه الأمور السبعة فإنه يقترن بالفاء وجوبًا ولا يَشُذُّ عن هذه القاعدة إلا أمر نادر كقول الشاعر:
مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا ∗∗∗ .........................
ولم يقل: فالله يشكرها. لكن هذا نادر أو ضرورة، هنا اللي معنا من الأشياء السبعة: ﴿قَدْ﴾ ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ قال المؤلف: (بَيِّنًا) ونحن تكلمنا من قبل أن (أبان) الرباعية تكون متعدية وتكون لازمة، إذا كانت لازمة فهي بمعنى (بان)، إذا كانت متعدية فهي بمعنى أظهر.
هنا قال: ﴿ضَلَالًا مُبِينًا﴾ هل تصلح بمعنى أظهر؛ يعني بمعنى ضلالًا مظهرًا؟ ما تصلح.
إذن فهي من (أبان) اللازم الذي يكون منه الاسم على بَيِّن لا على مبين.
وقوله: لا على مبين بمعنى مظهر، طيب ما هو المبين بمعنى مظهر؟
المبين بمعنى مظهر مثل قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس ٦٩] هذا من اللازم ولَّا من المتعدي؟ من المتعدي يقينًا، نعم؛ لأن القرآن مظهر للحقائق؛ ولهذا قال بعده: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس ٧٠].
﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾.
قال: (فزَوَّجها النبي ﷺ لزيد، ثم وقع بصره عليها بعد حين فبلغ في نفسه حبها وفي نفس زيد كراهتها، ثم قال للنبي ﷺ: أريد فراقها. فقال: ﴿﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ ﴾ كما قال تعالى: ﴿﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ ﴾ [الأحزاب: ٣٧]).
هذا الذي ذكره المؤلف رحمه الله ذُكِرَ عن بعض المفسرين من السلف والخلف، لكنه كما قال ابن كثير: أقوال ينبغي أن يضرب الإنسان عنها صفحًا؛ لأنها أقوال باطلة لا تليق بمقام النبي ﷺ؛ لأن القصة إذا قرأها الإنسان يتصور أن الرسول ﷺ كان عاشقًا من العشاق، وما أشبه هذه القصة الباطلة بقصة داود عليه الصلاة والسلام التي ذكروا أن داود طلب من أحد جنوده أن يتزوج امرأته ولكنه أبى، فاحتال عليه بحيلة، شوف كيف؟ أيش الحيلة؟ قال: نطلعه مع الجيش عشان يُقْتَل فأتزوج امرأته. هل هذا يمكن أن يقع من نبي من أنبياء الله؟! أبدًا، هذه لو قال قائل: إنها وقعت من أحد السوقة من الناس لقيل: ما أظلم هذا الرجل وما أجهله! فكيف بنبي من أنبياء الله؟!
الرسول ﷺ هل يمكن أن يتصور أحد أنه عشق هذه المرأة، لاحظوا لأن بعض الناس حتى بعض المفسرين والعياذ بالله صار يتلفظ بهذا اللفظ يقول: الرسول عشق المرأة زينب، ولكن هذا قول باطل، وسيأتي إن شاء الله تعالى في الكلام على تفسير الآية بيان معنى الآية وأن معناها ناصع واضح ولم يكن الرسول عليه الصلاة والسلام قال له: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب ٣٧] وأنه أخفى حبها؛ لأن الله قال في نفس الآية: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ فبَيَّن الله أنه سيبدي ما أخفاه في نفسه، لو كان الذي أخفاه النبي عليه الصلاة والسلام في نفسه الحب لكان الله يبديه، لكن ما الذي أبدى الله؟ الذي أبدى الله تزويجه؛ أنه زوجه إياها، فكان الرسول عليه الصلاة والسلام أخفى في نفسه ما أعلمه الله أنه سيتزوجها دون أن يكون هناك حب وعلاقة، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام علم بما أعلمه الله أنه سيتزوجها، فلما جاء هذا الرجل يستشيره قال له: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ لا تطلق المرأة. فعاتب الله رسوله لماذا قال له: اتق الله وأمسكها، وقد علم أن الله تعالى سيزوجه إياها؟ فالمسألة واضحة ما فيها أي إشكال.
ولكن المشكل أن بعض المفسرين يأخذون عن بعض من غير تمحيص ومن غير أن يكون هناك تَرَوٍّ في المسألة، حتى إن بعض الناس اعتذر وقال: إن محبة الإنسان للمرأة ولو كانت عند زوج آخر أمر لا يُنْكَر، إنما الذي ينكر أن يحاول التوصل لهذه المرأة بطريق غير شرعي، وأما أن يقع في نفسه محبة امرأة عند زوج فهذا لا بأس به، وهو أمر قد تدعو إليه الجبلة والطبيعة، وهذا وإن كانت المسألة تحتاج إلى نظر في هذا القول؛ وهو أن محبة الإنسان لزوجة غيره إما أن تكون محبة للجنس أو محبة للشخص، فإن كان محبة للجنس فهذا أمر جائز ولَّا لا؟ جائز أنا ما أبغي بالجنس الشهوة يعني، يعني جنس هذا الطراز من النساء، هذا المراد بقولي: الجنس، إن كان محبة للجنس؛ يعني معناه أنه يرغب مثل هذه المرأة فهذا لا بأس به، والإنسان دائمًا إذا سمع مثلًا من امرأة رجل أنها امرأة صالحة قانتة حافظة للغيب بما حفظ الله يحبها ويحب أن يكون له مثلها.
وأما إذا كان حبًّا شخصيًّا فعندي أن في جواز ذلك نظرًا وأن الإنسان يجب عليه أن إذا تعلقت نفسه بامرأة تعلقًا شخصيًا أو محبة شخصية يجب عليه أن يحاول التخلص من هذا لأنها مشكلة، المحبة في الحقيقة جذابة، المحبة كأنها رِشاء من حديد يجذب الإنسان، فإذا تعلَّق قلبه بامرأة فإن الغالب أن يحاول الوصول إليها إن لم تكن مُزَوَّجة يمكن يخطبها وإن كانت مزوجة مشكلة.
فالذي أرى في هذه المسألة أنه إذا أحبها محبة جنس بمعنى أحب جنس هذه المرأة فهذا لا شك أنه ما فيه مانع ولا يحصل فيه مفسدة، وأما إذا أحبها محبة شخصية فإن الأمر خطير.
* الطالب: ويش يعني؟
* الشيخ: يعني يحب هذه المرأة نفسها؛ إي هذه المرأة مثلًا شافها معها زوجها أنها قائمة باللازم وأحبها هي شخصيًّا.
﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب ٣٧] ﴿إِذْ﴾ يقول المؤلف: (إنه منصوب بـ (اذكر). أين (اذكر)؟ محذوف، (منصوب بـ (اذكر) محذوفًا، أي: اذكر يا محمد ﴿إِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ إلى آخره. اذكر هذا القول حتى تكون مُسْتَعِدًّا لما يُلْقَى إليك من الموعظة؛ لأن الله تعالى وعظه في هذه الآية موعظة عظيمة حتى قالت عائشة رضي الله عنها: «لو كان محمدًا ﷺ كاتمًا ما أُنْزِل إليه لكتم هذه الآية»[[أخرجه مسلم (١٧٧ / ٢٨٨) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]. كما سترون.
﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ (للذي أنعم عليه الله بالإسلام ﴿﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ ﴾ بالإعتاق).
بَيَّن الله عز وجل أن هذا الرجل الذي أبهم اسمه هنا ثم أوضحه فيما بعد أن عليه نعمتين: النعمة الأولى لله، والثانية للرسول عليه الصلاة والسلام.
وهنا قال: ﴿لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ﴾ فأتى بالواو الدالة على الاشتراك، مع أن هذا ليس من باب الشرع أو ليس من باب التشريع حتى نقول: إنه يجوز اشتراك أو إشراك الله مع الرسول عليه الصلاة والسلام، بل هنا من باب النعمة والعطاء والفضل، فكيف جمع بين إنعام الرسول ﷺ وإنعام الله بالواو الدالة على التشريك؟
فالجواب أن نقول: جمع بينهما بالواو الدالة على التشريك؛ لأن النعمتين مختلفتان؛ فالنعمة الأولى بماذا؟ بالإسلام، والثانية: النعمة من الرسول ﷺ بالعتق، فلما اختلفت النعمتان صارت الواو لا تدل على الاشتراك لامتناع الاشتراك بين شيئين مختلفين.
(﴿تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بالإعتاق وهو زيد بن حارثة كان من سَبْيِ الجاهلية اشتراه النبي ﷺ قبل البعثة وأعتقه وتبناه) المشهور أن زيد بن حارثة رضي الله عنه كان مملوكًا لخديجة فوهبته للنبي ﷺ، هذا هو المعروف في السير.
وأيًّا كان فإن زيد بن حارثة كان مملوكًا للرسول ﷺ ثم أعتقه وتبناه أيضًا، رفع معنويته بكونه أضافه إليه ابنًا له وكان يُدْعَى زيد بن محمد حتى أبطل الله ذلك في قوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب ٤٠]، وبقوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب ٤].
(تقول: ﴿﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ ﴾ في أمر طلاقها). ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ﴾ هنا عدَّى ﴿أَمْسِكْ﴾ بـ (على)؛ لأنها بمعنى اضمم عليك زوجك؛ يعني: اجعلها منضمة عليك لا تفارقها.
﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ والمراد بها زينب بنت جحش رضي الله عنها، وكان زيد قد تزوَّجها بمشورة النبي ﷺ فجاء يستشيره في طلاقها، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ يعني: لا تطلقها. وأمره بأن يتقي الله ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ إغراء له على إمساكها، وإن كان الرجل لم يفعل خطيئة لأن الطلاق مما يباح للرجال، لكن من باب الإغراء على إمساكها.
وقال بعض المفسرين: إنه -أي: زيد بن حارثة- إنه ذكر زينب بعيب، فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ يعني: لا تصفها بالعيب، وليس المعنى: اتق الله لا تطلقها؛ لأن الأصل في الطلاق أنه مباح ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾.
قال الله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ الواو حرف عطف ﴿وَتُخْفِي﴾ معطوفة على قوله: ﴿تَقُولُ﴾ يعني: واذكر أيضًا إذ تُخْفِي في نفسك ما الله مبديه، وأبهم الله تعالى ما أخفاه، لكنه بَيَّن أنه سيبديه، وننظر ماذا أبدى الله عز وجل ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا﴾ هذه اسم موصول في محل نصب مفعول لـ ﴿تُخْفِي﴾، و﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ و﴿مُبْدِيهِ﴾ خبره، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، يعني: تخفي في نفسك الذي الله مبديه، وهنا لم يقل: وتخفي في نفسك ما يبديه الله، بل قال: ﴿مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ الجملة هنا اسمية، وإنما أتى بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت كأن هذا أمر لا بد منه، لا بد أن يبديه الله عز وجل، وهذا هو الذي وقع، ومعنى ﴿مُبْدِيهِ﴾ أي: مظهره وهو مقابل لقوله: ﴿تُخْفِي﴾ ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ إلا أن المقابلة اختلفت من حيث الصيغة؛ فالصيغة في الإخفاء جاءت بالمضارع، وأما الصيغة بالإبداء فجاءت بالجملة الاسمية.
قال: (﴿﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ ﴾ مظهره من محبتها وأن لو فارقها زيد تَزَوَّجْتَها) هذا ما زعم المؤلف تبعًا لكثير من المفسرين؛ أن الذي أخفاه النبي عليه الصلاة والسلام هو محبته لهذه المرأة فأبدى الله ذلك، ولكنك إذا تأملت الآيات وجدت أن الذي أخفاه هو نية الزواج بها بأمر الله عز وجل، فإن الله تعالى أمره أن يتزوجها بعد زيد بن حارثة، وكأن هذا -والله أعلم- من أجل جبر قلبها حيث تزوجت زيد بن حارثة وهو مولى وهي من صميم العرب فأراد الله عز وجل أن يكافئها على خضوعها لمشورة النبي ﷺ بأن يتزوجها الرسول ﷺ هذه من جهة، ومن جهة أخرى أمره الله أن يتزوجها لأجل أن يزول ما كان مشهورًا عندهم في الجاهلية منين؟ من أنَّ ابن التبني لا يجوز لمن تبناه أن يتزوج بامرأته فيكون هذا من باب البيان بالفعل الذي هو أقوى من البيان بالقول.
قال: (﴿﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ ﴾ مظهره من محبتها وأن لو فارقها زيد تزوجها)، وإذا نظرنا إلى الذي أبداه الله وجدنا أنه زواجه، لا أنه يحبها ما قال الله في القرآن: إنك تحبها أبدًا ولا تعرض للحب.
قال: (﴿﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ ﴾ أي: تخاف من قولهم ومن كلامهم بأن يقولوا تزوَّج زوجة ابنه)، وهذا عند العرب عيب عندهم فهم يرونه من المنكرات.
قال الله تعالى: (﴿﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ ﴾ في كل شيء، وتزوَّجْها ولا عليك من قول الناس، ثم طلقها زيد وانقضت عدتها) قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ﴾ إلى آخره.
قال الله: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ منين؟ من الناس ولكنه هنا أطلق، قال الله: ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ ولم يذكر المفضل عليه من أجل العموم لأنه دائمًا يكون الحذف مفيدًا للعموم؛ يعني أحق أن تخشاه من كل أحد؛ من الناس، ومن الجن، ومن غيرهم.
وقوله: ﴿أَنْ تَخْشَاهُ﴾ يعني: أن تخافه، ولكن الخشية خوف مع علم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨]، والخشية أيضًا خوف مع قوة المخشيِّ وعظمته، فالخوف دون الخشية؛ لأن الخوف يقع بدون علم، ولأن الخوف يقع من ضعف الخائف لا من قوة المخوف؛ ولهذا كانت الخشية أرفع مرتبة وأقوى ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾.
(﴿﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ ﴾ حاجة ﴿﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ ﴾ فدخل عليها النبي ﷺ بدون إذن وأشبع المسلمين خبزًا ولحمًا).
* الطالب: عندنا بغير إذن.
* الشيخ: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ أي: حاجة، وهذا دليل على أن زيدًا رضي الله عنه طلَّقها عن رغبة، وأنها انقضت حاجته منها، ولم يطلقها عن ضغط أو إكراه.
وقوله: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ شرعًا أو قدرًا؟ شرعًا وقدرًا، لكن المهم شرعًا؛ لأنه لو كان المراد قدرًا فقط لم يكن بَيْنَها وبين أمهات المؤمنين فرق؛ لأن أمهات المؤمنين أيضًا مما زوجهن الله قدرًا، وكانت هي أي زينب تفتخر على نساء النبي ﷺ فتقول: «زَوَّجَكُنَّ أهاليكُنَّ، وزوَّجَنِي الله من فوق سبع سماوات»[[أخرجه الترمذي (٣٢١٣) من حديث أنس رضي اله عنه.]]، وهذا دليل على أنه تزويج شرعي، ولكنه قدري أيضًا في نفس الوقت.
وقوله: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ في هذا ضميران مفعولان؛ الضمير الأول الكاف، والثاني ﴿هَا﴾ وهو متمشٍ على القاعدة، ابن مالك يقول:
وَقَدِّمِ الْأَخَـــــــصَّ فِي اتِّصَـــــــــالِ ∗∗∗ وَقَدِّمَنَّ مَا شِئْتَ فِي انْفِصَالِ
وضمير المخاطب أخصُّ من ضمير الغائب؛ ولهذا قال: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾.
الحكمة من ذلك قال: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ﴾ اللام هنا للتعليل، و﴿كَيْ﴾ حرف مصدر؛ لأنها بعد اللام مصدرية محضة أي: لأن، و(لا) نافية، وقوله: ﴿حَرَجٌ﴾ أي: ضيق ومشقة، وقوله: ﴿فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ من أدعياؤهم؟ أبناؤهم الذين تَبَنَّوْهُم، هؤلاء هم الأدعياء، وهؤلاء الأدعياء ليسوا بأبناء كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب ٤].
وتأمل قوله: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ ولم يقل: (أبنائهم الذين تبنوهم)؛ لأن هذه البنوة منتفية شرعًا وباطلة شرعًا ولهذا قال: ﴿أَدْعِيَائِهِمْ﴾.
وبهذا نعرف أن قول مَنْ قال في قوله تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء ٢٣] أن قوله: ﴿مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ احتراز من ابن التَّبَنِّي يتبيَّن لنا أن هذا القول لا وجه؛ لا لأن ابن التبني لم يسمِّه الله ابنًا أبدًا، بل نفى عنه البنوة فقال: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾، وقال هنا: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾، وإذا كان ابن التبني لا يُسَمَّى ابنًا شرعًا فإنه لا حاجة إلى أن نأتي بصفة تخرجه لماذا؟ لأنه ليس بداخل أصلًا حتى يُخْرَج بهذه الصفة ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾، ولكنها احتراز من ابن الرضاعة كما هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
قال: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ ﴿إِذَا قَضَوْا﴾ الفاعل يعود على من؟ على الأدعياء.
وقوله: ﴿إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ فيه إشارة إلى أنه لو كان ذلك بضغط من الأب المُدَّعِي لكان ذلك فيه حرج، بل لا بد أن يكونوا قد قضوا منهن وطرًا وأنهوا رغبتهنَّ فيهن.
قال: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ قال المؤلف: (مقضي مفعولًا) أمر الله الكوني أو الشرعي؟ الكوني؛ لأن الشرعيَّ قد يُفْعَل وقد لا يفعل، ولكن الأمر الذي لا بد أن يُفْعَل هو أمر الله الكوني، فإذا أمر الله تعالى بشيء كونًا فلا بد أن يقع.
وخلاصة هذه الآية أو تفسير هذه الآية أن نقول: إن الله عز وجل ذَكَّر نبيَّه ﷺ بهذا الأمر العظيم، وهو قوله لزيد بن حارثة حين جاء يستشيره في طلاق زوجته قال له: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ مع علم النبي ﷺ بأن الله سوف يُزَوِّجُه إياها، وكان على النبي عليه الصلاة والسلام أن يسكت على الأقل ويقول: انظر ما يبدو لك في هذا الأمر. لكنه أشار عليه أن يُمْسِك، لماذا؟ لأنه يخشى أن يقول الناس: تزوج امرأة ابنه الذي تبناه، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يخاف من هذا الأمر، ولكن الله تعالى وَجَّهَهُ هذا التوجيه السليم.
ثم قال تعالى: (﴿﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ﴾ ﴾ أحل الله له) إلى آخره.
﴿مَا كَانَ﴾ (ما) نافية و(كان) فعل ماض ناقص، واسمها قوله: ﴿حَرَجٍ﴾، لكن فيها (مِن) الزائدة؛ لماذا؟ لإثبات النفي وتوكيده.
وقوله: ﴿عَلَى النَّبِيِّ﴾ هذا خبرها مقدَّم.
﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ ومعنى ﴿فِيمَا فَرَضَ﴾ أي: فيما أحلَّ الله له أيًّا كان، فكل ما أحلَّ الله فإن لا حرج عليه عند الله، وإذا كان لا حرج عليه عند الله فإن لا يجوز لأحد أن يتكلم في هذا الذي أحلَّ الله له ويقول: لمَ فعلَ؟ لِمَ صنع؟ وسيأتي إن شاء الله تعالى في الفوائد أن هذا عام للرسول ولغيره.
وقوله: ﴿فِيمَا فَرَضَ﴾ الفرض تارة يتعدَّى باللام، وتارة يتعدى بـ (على) فيتعدي باللام مثل هذه الآية: ﴿فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾، ويتعدى بـ (على) مثل فرض الله علينا كذا وكذا، فإن تعدى بـ (على) فهو بمعنى أوجب، وإن تعدى باللام فهو بمعنى أحل؛ لماذا؟ لأن الفرض في الأصل بمعنى التقدير، والمقدَّر قد يكون واجبًا وقد يكون مُحَلَّلًا.
قال الله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ أي: كسنة الله فنُصِبَ بنزع الخافض؛ يعني أن الله تعالى نفى عنه الحرج فيما أحل له؛ لأن هذا هو سنة الله تعالى فيمن سبق، و﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ أي: طريقته، والمعنى كطريقة الله تعالى فيمن سبق من الأنبياء.
قال: (﴿﴿فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ ﴾ من الأنبياء أن لا حرج عليهم في ذلك توسعة لهم في النكاح ﴿﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ ﴾ فِعْلُه ﴿﴿قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ ﴾ مقضيًّا).
يقول الله عز وجل: إن الرسول عليه الصلاة والسلام كغيره من الأنبياء السابقين؛ فما أحل الله له فإنه لا حرج عليه فيه؛ يعني: لا تضييق لا من قِبَل الله ولا من قِبَل عباد الله، وهكذا الأنبياء السابقون ليس عليهم حرج فيما فرَض الله لهم يفعلون ما يشاؤون ما دام الأمر مُحَلَّلًا لهم.
ثم قال: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ قال المؤلف في إعرابها: (﴿﴿الَّذِينَ﴾ ﴾ نعت للذين قبله)، وين (الذين) قبله؟ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: في الذين يبلغون.
وقوله: ﴿يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ﴾ جمع رسالة، والمراد بها المرسَل به، فهم يبلغون ما (...) به، والتبليغ معناه الإيصال ومنه ما جاء في الحديث: «لَا بَلَاغَ لِيَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٦٤)، ومسلم (٢٩٦٤ / ١٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
﴿وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب ٣٩] لأن الخشية عبادة، والعبادة لا تكون إلا لله عز وجل، هذا في الأصل مع أن الخشية قد تكون غير عبادة؛ قد تكون خوفًا طبيعيًا لا يتعبد به الإنسان للخائف، فيُفرَّق بين خشية الإنسان للناس وبين خشية الإنسان لله قال: (فلا يخشون مقالة الناس فيما أحل الله لهم) وكذلك في غيره.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ حافظًا لأعمال خلقه ومحاسبتهم. إعراب ﴿كَفَى بِاللَّهِ﴾؟
* طالب: (...) جار ومجرور.
* طالب آخر: (...).
* الشيخ: كما قال، طيب و﴿بِاللَّهِ﴾.
* الطالب: حرف زائد.
* الشيخ: حرف جر زائد. كمل.
* الطالب: (الله) فاعل. ﴿حَسِيبًا﴾؟
* الشيخ: اصبر، الفاعل أيش؟ منصوب ولَّا مجرور؟
* الطالب: (الله) فاعل مجرور بالكسرة بدل الرفع.
* الشيخ: فاعل، إذن ما هو فاعل.
* الطالب: (...) مقدرة.
* الشيخ: لا، من يعرف؟ مر علينا هذا الإعراب كثيرًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره.
* الشيخ: لفظ الجلالة اسم مجرور بالباء.
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم.
* الطالب: ﴿حَسِيبًا﴾ تمييز.
* الشيخ: تمييز كذا؟ طيب.
إذن ﴿كَفَى﴾ تتعدى بالباء على أنه حرف جر زائد وهو كثير، وقد تتعدى بنفسها إلى الفاعل كقول الشاعر:
كَفَى الشَّيْبُ وَالْإِسْلَامُ لِلْمَرْءِ نَاهِيًا ∗∗∗ ..........................
فلم يأتِ بالباء، لكن الأكثر أن يأتي بها.
* * *
يقول تبارك وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب ٣٦].
* من فوائد الآية الكريمة: أن مقتضى الإيمان ألا يخالف المؤمن أمر الله ورسوله؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ إلى آخره.
* ومن فوائدها: أنه كلما قُوِيَ الإيمان قويت الموافقة، ما وجهه؟ لأن الحكم المرتب على وصف يَقْوَى بقوته ويضعف بضعفه؛ * وعليه فتأتي الفائدة الثالثة: أنه كلما نقص الإيمان وضعف كثرت المخالفة؛ ولهذا قال أهل العلم: إن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما قضاه الرسول ﷺ من الأمور فهو كما قضاه الله؛ لقوله: ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الخير كلَّ الخير فيما قضاه الله ورسوله؛ لقوله: ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ يعني: ما يختارون غيره؛ لأنهم يرون أن الخير فيما قضاه الله ورسوله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المعصية ضلال؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾.
* ومن فوائدها: أنه كلما كانت المعصية أكبر أو أكثر كان الضلال أبين وأوضح، وجهه ما أشرنا إليه من قبل؛ أن الحكم المرتب على وصف يزيد بزيادته وينقص بنقصانه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن معصية الرسول عليه الصلاة والسلام كمعصية الله؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ فإذا أتانا آتٍ ونهنيناه عن أمر جاء به النهي في السنة، وقال: هذا ليس في القرآن، ماذا نقول له؟ نقول: ما في السنة كما في القرآن، وقد توقع النبي ﷺ ذلك فقال: «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي فَيَقُولُ: لَا نَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِي الْكِتَابِ اتَّبَعْنَاهُ. أَلَا وَإِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ»[[أخرج ابن ماجه (١٢) بسنده عن المقدام بن معد يكرب الكندي أن رسول الله ﷺ قال: «يوشك الرجل متكئًا على أريكته يحدث بحديثٍ من حديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله عز وجل، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرَّم رسول الله ﷺ مثل ما حرم الله».]].
وهذا الذي توقعه النبي عليه الصلاة والسلام وقع، بل صرحوا بأنه لا احتجاج إلا بما جاء في القرآن، وكما رأيتم الآن ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء ٨٠].
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز تشريك الله ورسوله بالواو في الأحكام الشرعية، منين؟ ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ بخلاف الأمور الكونية فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يُشارَك مع الله بالواو؛ ولهذا لما قال له الرجل: ما شاء الله وشئت. قال: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟! بَلْ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ»[[أخرج البخاري في الأدب المفرد (٧٨٣) بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: رجل للنبي ﷺ: ما شاء الله وشئت قال: «جعلتَ لله نِدًّا ما شاء الله وحده».]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات رسالة النبي ﷺ؛ لقوله: ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، ورسالة النبي ﷺ عامة لجميع البشر منذ بعث إلى أن تقوم الساعة؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب ٤٠] والخاتم لا شيء بعده، وكانت شريعة الرسول ﷺ لكونها عامة شاملة إلى يوم القيامة كانت صالحة لكل زمان ومكان وأمة، ومعنى كونها صالحة أن العمل بها لا ينافي المصالح في أي زمان أو مكان، بل هو المصلحة هو عين المصلحة، وليس كما فعله بعض الناس وتصرف بهذه العبارة حيث زعم أن الدين أو أن الإسلام صالِح لكل زمان ومكان بمعنى أنه خاضع لكل زمان ومكان، فجعلوا الشرع تابعًا لا متبوعًا، وقالوا: إن العصر إذا اقتضى في زعمهم المصلحة فإن الشرع لا يعارضه، وبَنَوا على ذلك استحسان ما استحسنوه من الأمور التي لا شك في تحريمها؛ كتجويز الربا وأن هذه ينمي الاقتصاد ويقوِّي الأمة، وكتجويز التأمينات التي هي الميسر حقيقة والتي قرنها الله تعالى بالخمر والأنصاب والأزلام، إلى غير ذلك مما يرون أنه داخل في مسمى الدين الإسلامي بحجة أن الإسلام صالِح لكل زمان ومكان.
ونحن نقول: صالِح. ما نقول: خاضع. أنت اعمل بالإسلام في أي زمان أو مكان أو أمة وشوفها، وانظر هل ينافي المصالح أو ينمي المصالح، ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ إلى آخره.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: تذكير النبي ﷺ بالأمور التي يحسُن أن يوعظ فيها؛ لقوله: ﴿وَإِذْ تَقُولُ﴾؛ حيث قلنا: إنها منصوبة بفعل محذوف تقديره (اذكر).
* ومن فوائدها: بيان منة الله على زيد بن حارثة بالإسلام والتمسك به حتى إن أباه وأعمامه لما جاؤوا يطلبونه وخيره النبي عليه الصلاة والسلام بينهم وبينه اختار أن يكون مع الرسول ﷺ.
* ومن فوائدها أيضًا: أن الإعتاق نعمة مِنَ المعتق على عَتِيقه وهو كذلك، والْفَرَضيون يعبرون بها -يعبرون بالنعمة- عن الإعتاق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجوز عطف الأمور غير الشرعية بالواو إذا اختلف المعنى، وقلنا: إن الرسول ما يُسَوَّى بين الله وبين الرسول بالواو في غير الأمور الشرعية.
هنا عُطِفَ نعمة الرسول على نعمة الله بالواو مع أنها ليست من الأمور الشرعية، لكن الذي سَوَّغ ذلك اختلاف النعمتين؛ فالنعمة الأولى الإسلام والنعمة الثانية العتق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الزوجة تابعة للزوج؛ لقوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ﴾ فكأنها يَضُمُّها ويحرسها ويصونها وكأنها تابعة له كما في قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة ٤].
* ومن فوائد الآية الكريمة: استشارة ذوي الرأي؛ لأن زيدًا استشار النبي ﷺ.
* ومن فوائدها: أنه يجب على المستشار أن يبذل ما يراه -ولو باجتهاده- ما يراه هو الأولى؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام أشار على زيد بإمساكها اجتهادًا منه خوفًا من إثارة المنافقين والمشركين عليه، ولكن لا يعني ذلك أن يكون الْمُشير مصيبًا فيما يتصرف فيه، قد يخطئ فيما يتصرف فيه، لكن هو في حال إشارته يرى أن ذلك هو الصواب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأفضل للزوج ألا يتعجل بالطلاق وأن يمسك عليه زوجته؛ لقوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ فأشار عليه بعدم الطلاق، وإن كان للرسول عليه الصلاة والسلام أغراض أخرى، لكن لا يمنع أن تتعدد الأسباب في الأمر بإمساكها، ومعلوم أن الله عز وجل قال في كتابه المبين: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء ١٩].
* ومن فوائد الآية الكريمة: ثبوت رسالة النبي ﷺ وأنها رسالة حق؛ لقوله: ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ فلو كان النبي عليه الصلاة والسلام كاذبًا -وحاشاه من ذلك- لكان يَكْتُم مثل هذه الأشياء؛ لأنها صعبة في حقه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل قد يفعل خلاف ما كان الرسول عليه الصلاة والسلام عليه؛ بمعنى أن اجتهاد النبي ﷺ قد يكون مخالفًا لما يريده الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ فالرسول أخفى في نفسه هذه الأمر لكن الله تعالى خالفه في ذلك فأبداه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن خوف الناس قد يقع من الأنبياء ولكنهم لا يُقَرُّون عليه؛ لقوله: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾.
* ومنها: وجوب تقديم خشية الله عز وجل على خشية كل أحد؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾؛ فالواجب على المرء ألا يخاف في الله لومة لائم وأن يتقيَ الله عز وجل في بيان الحق والعمل به، لا يَقُل: إن الناس يشمتون بي، إن الناس يسخرون مني، إن الناس يستهزؤون بي، وليكن ذلك فإنه لا يزداد بهذه السخرية والاستهزاء إلا رفعة عند الله سبحانه وتعالى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يصح التزويج حتى ينتهي حق الزوج الأول من الزوجة بالكلية؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ فكان التزويج بعد انتهاء زيد منها بالكلية، ولا يَرِدُ على ذلك أن يقال: إن ظاهر الآية جواز التزويج بعد الطلاق مباشرة؛ لأن نقول: إن الوطر والحاجة ما تنتهي إلا بانتهاء العدة؛ إذ إن الإنسان لو أراد أن يرجع إلى زوجته في العدة وهي رجعية لحصل له ذلك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العظمة لله عز وجل والسلطان؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ لما له من العظمة والسلطان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة زينب رضي الله عنها؛ حيث زوجها الله سبحانه وتعالى لرسوله ﷺ، ما وجهه؟ أن غيرها يزوجه أولياؤه وأهلها، وأما هي فقد تَوَلَّى الله عز وجل تزويجها، وهذه منقبة عظيمة لها.
* ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى يثيب عبده أكثر من عمله؛ لأن هذه المرأة -كما سبق- تزوجت زيد بن حارثة مع أن زيدًا من الموالي وهي من صميم العرب وقد يكون في ذلك غض من حقها ومرتبتها، فرفع الله تعالى من شأنها؛ حيث زوَّجها رسوله محمدًا ﷺ هو بنفسه تبارك وتعالى، ولا شك أن هذا رفعة من شأنها؛ فهي بعد أن كانت تحت هذا المولى -وهي من صميم العرب وكان في ذلك شيء من الغضاضة عليها- رفع الله من شأنها بهذا الأمر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما ثَبَت في حق النبي من أحكام فهو ثابت في حق الأمة، منين نأخذها؟ ما وجه ذلك؟
* الطالب: وجه ذلك أن هذا الحكم ثابت له وللمسلمين.
* الشيخ: نعم؛ لأنه هذا الحكم خوطب به الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم.. ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ فدلَّ ذلك على أن ما ثبت للرسول عليه الصلاة والسلام من الأحكام فأمته تبع له إلا ما قام الدليل على تخصيصه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز تزوج الرجل بزوجة مَنْ تبناه، منين تؤخذ؟ ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾.
* ومن فوائدها: أن ابن التبني لا يُسَمَّى شرْعًا ابنًا، وما سماه الله ابنًا؛ لقوله: ﴿أَدْعِيَائِهِمْ﴾ وقوله في أول السورة: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب ٤]، ويتفرع على هذه الفائدة أن قوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء ٢٣] أن هذا القيد ليس لإخراج ابن التبني؛ لأنه ما دخل في الأبناء حتى يحتاج إلى إخراجه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أمر الله عز وجل الأمر الكوني لا بد أن يقع. السؤال موجه الآن إلى واحد.
* طالب: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب ٣٧].
* الشيخ: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب ٣٧]، لو قال قائل: ﴿أَمْرُ اللَّهِ﴾ مفرد مضاف فيعُمُّ الأمر الكوني والشرعي، فبماذا نجيبه ونحن قد خصصناه الآن بالأمر الكوني؟
* الطالب: أن الله سبحانه وتعالى يذكرها ولا تتحقق؛ الأمور الشرعية.
* الشيخ: الشرعية. صح.
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم، أحسنت؛ لأن الأمر الشرعي ليس مفعولًا لكل أحد، بل فيه مَنْ لا يفعله.
ثم قال تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ﴾ [الأحزاب ٣٨] إلى آخره.
* يستفاد منها؛ من الآية الكريمة: أنه لا حرج على النبي ﷺ فيما أحلَّ الله له وإن كان مخالفًا لما يعتاده الناس؛ لعموم قوله: ﴿مِنْ حَرَجٍ﴾ و﴿فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ﴾؛ لأن (ما) اسم موصول، فكل ما أحل الله للرسول فلا حرج عليه فيه.
* ويستفاد منه أيضًا: أنه لا حرج على الإنسان غير الرسول فيما أحل الله له، لا حرج عليه فيما أحل الله له منين يؤخذ؟ لأن ما ثبت في حق النبي ﷺ ثبت في حق أمته إلا بدليل ولكن يجب على الإنسان أن يراعي أحوال الناس وما يُسْتَنْكَر عليه فيه حتى لا يعرِّض نفسه للذم والقدح، فمراعاة أحوال الناس أمر لا بد منه إلَّا في الأمور الشرعية فإن الواجب على المرء إبانتُها وإظهارها.
* طالب: ألا يخصص هذا بحديث: (...)؟
* الشيخ: نعم، لا، كيف دنيا ويش معناها؟
* الطالب: يعني في مسألة الزواج كونهم يتعففون عن الزواج بزوجة من التبني قد يدخل في الأمور الدنيوية.
* الشيخ: إي، هو من الأمور الدنيوية؛ لأن الله ما حرمها.
* الطالب: ولذلك لماذا لا نقول: ليس عليه حرج فيما (...)؟
* الشيخ: لا فيما أحل الله له خاصة.
* طالب: الحلال يتعلق (...).
* الشيخ: نعم، وفيما حرم الله عليه عليه حرج.
* الطالب: مسألة الذم والقدح فيما أحل الله له كيف..
* الشيخ: نعم، ذَمَّ الناس له، ما هو ذم الله؛ يعني: بعض الأشياء المحللة إذا فعلها الإنسان صارت خارجة عن المروءة في عُرْف الناس، فمراعاة هذا الأمر ما نأخذه من هذه الآية، مراعاة هذا الأمر أمر لا بد منه؛ يعني: افرض أن هناك شيئًا حلالًا لكن الناس ينتقدونه عليك، ما هو من الأمور الشرعية التي لا بد من إبانتها فالأفضل للإنسان أن يَدَعَ هذا.
* الطالب: ألا يخصص هذا بحديث: «لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِكُفْرٍ»[[أخرج ابن ماجه (٢٩٥٥) بسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الحجر، فقال: «هو من البيت» قلت: ما منعهم أن يدخلوه فيه؟ قال: «عجزت بهم النفقة» قلت: فما شأن بابه مرتفعًا لا يصعد إليه إلا بسلم؟ قال: «ذلك فعل قومك، ليدخلوه من شاؤوا، ويمنعوه من شاؤوا، ولولا أن قومك حديث عهد بكفر، مخافة أن تنفر قلوبهم، لنظرت هل أغيره، فأدخل فيه ما انتقص منه، وجعلت بابه بالأرض».]]؟
* الشيخ: لا، هذه من مراعاة المصالح، من دفع المفاسد؛ لأنه إذا تحققت المفسدة فإن المفسدة لا يجوز أن الإنسان أن يمارسها، يجب عليه الكف عنها فلا تكون داخلة في ما أحل الله له.
* ويستفاد من الآية الكريمة: تكليف النبي ﷺ وأنه يلحقه الحرج فيما لم يُحِلَّه الله له؛ لقوله ﴿فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ فيستفاد من هذا أن الرسول ﷺ عبد من عَبِيدِ الله أو من عباد الله لا يخرج عن طاعته وشريعته كما قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: إن الرسول محمدًا ﷺ عَبْدٌ لا يُعْبَد ورسول لا يكذب. وهو كذلك، ويأتي إن شاء الله بقية الكلام عن الآية.
(...) البيان بالفعل أبلغ من البيان بالقول أو لا؟ لو تلحقونها. ذُكِرَت؟ ما أظن ذكرناها.
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) بالفوائد، إن البيان بالفعل أبلغ وأقوى من البيان بالقول، من أين يؤخذ؟ من كون الله تعالى زوَّج زينب بنت جحش رسولَه ﷺ فإن هذا أبلغ في الطمأنينة وثبوت الحكم. سبحان الله! هل ذكرنا أن في الآية دليل على أنما ثبت للرسول عليه الصلاة والسلام من الحكم فهو ثابت للأمة؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: ذكرناه وبيَّنا وجه الدلالة، وبيَّنَّا أن أمر الله الكوني لا بد من وقوعه.
إذن ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الأحزاب ٣٨] ويش أخذنا منها؟
* الطالب: أنه لا حرج على النبي ﷺ فيما يفعله وإن كان مخالفًا للناس فيما أحل الله (...).
* الشيخ: تكليف؟
* الطالب: تكليف. أن النبي ﷺ عبد من عباد الله (...).
* الشيخ: نعم، طيب.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب ٣٨].
* من فوائد الآية الكريمة: أن ما شرعه الله لرسوله في هذه الآية فهو مشروع لمن كان قبله؛ لقوله: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾.
* وربما يؤخذ منها فائدة أيضًا: وهي أن شرع من قَبْلَنا شرع لنا؛ لأن الله جعل هذا سنة الأولين، وقد يُنازَع في ذلك فيقال: إن الله بَيَّن أنَّ ما شرعه لنبيه أو ما نفاه عنه من حرج فيما فرض له هو سنة مَنْ قَبْلَه ولا يعني ذلك أن يوافقه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أمر الله قد كُتِبَ وقُدِّرَ؛ لقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾، وهل المراد بالأمر هنا الكوني أو الشرعي؟ الكوني.
ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾. بناء على إعراب المؤلف أن ﴿الَّذِينَ﴾ بدل من قوله: ﴿الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ * يكون من فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على الرسل السابقين؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: الثناء على مَنْ بَلَّغ شيئًا من شريعة الله من غير الرسل؛ وجه ذلك أنه إنما أُثْنِيَ على الرسل لكونهم بَلَّغوا الرسالة ولم يخشوا أحدًا فمن كان مثلهم في ذلك فهو محل الثناء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ من صفات الرسل عليهم الصلاة والسلام ألا يَخْشَوا أحدًا في تبليغ الرسالة، وإنما يخشون الله في عدم تبليغها، لا يخشون الناس في تبليغها ويخشون الله في عدم تبليغها.
* ومن فوائدها: أن إبلاغ الرسالة من خشية الله؛ فإنه لولا خشية الله ما بَلَّغوا رسالته.
* ومن فوائدها: إثبات الرسالات في من سبق؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ﴾. واعلم أنه ما من أمة من الأمم إلا أَرْسَل الله إليها رسولًا لأجل أن تَنْتفيَ الحجة عن الله وتزول المعذرة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن حِفْظَ الله عز وجل في غاية ما يكون من الحفظ؛ لقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ هذا إذا جعلنا الحسيب بمعنى الحفيظ الكافي لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣]، أما إذا جعلنا الحسيب بمعنى المحاسب فإنه يؤخذ منها فائدة؛ وهي كمال محاسبة الله عز وجل عباده وأنه لا يفوته شيء.
* ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات علم الله؛ لقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ سواء جانا الحسيب بمعنى المحاسب أو بمعنى الحفيظ فإنه لا محاسبة إلا عن عِلْم ولا حفظ إلا بعلم.
* * *
* طالب: (...) ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ﴾ الفعل المضارع (يبلغون) للاستمرار.
* الشيخ: لا، وقد يكون لوصف الحال؛ حكاية الحال، ما عرفت أنه يأتي الفعل المضارع في شيء مضى من باب الحكاية؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الذي أشار إليه المؤلف.
* الطالب: عموم الآية فيما فرض الله له حلال يعني، هذا واحد لا يكون له (...) مطلقًا.
* الشيخ: ويش لون؟
* الطالب: الإنسان في الأشياء..
* الشيخ: المباحة.
* الطالب: لا يكون له الحرية المطلقة.
* الشيخ: هذا هو الأصل، لكنا ذكرنا في أثناء التفسير أنه ينبغي للإنسان أن يراعي شعور الناس في بعض الأمور.
قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب ٤٠] ﴿مَا﴾ نافية، وهل هي حجازية أو غير عاملة؟
الجواب: غير عاملة؛ لأن العمل لـ (كان) وليس لها.
﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ﴾ يعني رسول الله ﷺ ﴿أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، لم يقل: ما كان رسول الله، بل قال: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ﴾ فتَحَدَّث عنه باعتباره شخصًا من الناس، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ فأثبت له الرسالة.
وقوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ ﴿أَبَا﴾ بالألف؛ لأنها خبر كان، ﴿أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ فليس أبا زيد أي: والده فلا يحرم عليه التزوج بزوجته زينب.
قوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ تبنيًا أو تبنيًا وولادة؟ تبنيًا وولادة أيضًا؛ لأن أبناء الرسول ﷺ الثلاثة تُوفوا قبل أن يبلغوا الرجولة، كلهم توفوا وهم صغار.
وقال بعض أهل العلم: إن المراد ﴿أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ تبنيًا؛ لأنه قال: ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ فأضاف الرجال إليهم، ولم يقل: أبا أحد من الرجال؛ وعلى هذا فلا يكون في الآية دليل على أنه ليس أبًا لأحد من الرجال نسبًا وتبنيًا، وهذا هو الأقرب أن المراد ﴿أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ تبنيًا؛ لأجل أن ينفي ما كان معروفًا عندهم من أن زيد بن حارثة ابن لرسول ﷺ.
وقوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ مر علينا فيما سبق ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ أن بعض السلف قرأ: (وهو أبٌ لهم) فكيف يُجْمَع بينه وبين هذه الآية؟
الجمع بينهما أن يقال هنا: ليس أبا أحدًا من الرجال بالتبني ولكنه أبٌ للمؤمنين باعتبار التعليم والتوجيه والإرشاد.
﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (﴿﴿وَلَكِنْ﴾ ﴾ كان ﴿﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ ﴾) أفادنا المؤلف أن ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ منصوبة بفعل محذوف تقديره (كان) رسول الله.
﴿رسول﴾ بمعنى: مُرْسَل أي: مرسل الله عز وجل لعباده.
﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ يعني: وكان خاتم النبيين (فلا يكون له ابن رجل بعده يكون نبيًّا)، وهذا التفسير الذي ذهب إليه المؤلف فيه نظر؛ لأنه يقول: ﴿خَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ إذن ليس له ولد بعده يكون رجلًا فيكون نبيًّا، وهذا بناءً على أنه يلزم أن يكون ابن النبي بعده نبيًّا، وهذا ليس بلازم فإن بعض الأنبياء ليس كلهم أولادهم أنبياء، صحيح أن كثيرًا من الأنبياء صار أولادهم أنبياء كإبراهيم مثلًا، ولكن لا يعني ذلك أن جميع الأنبياء يلزم من كونهم أنبياء إذا خلَّفوا أولادًا أن يكونوا أنبياء.
ولكن معنى قوله: ﴿خَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ أنه لا نبي بعده، هذا معنى الآية التي لا يحتمل غيرها.
﴿وَخَاتَمَ﴾ فيها قراءتان إحداهما بالكسر والثانية بالفتح، وهي عندي بالكسرة ﴿﴿وَخَاتِمَ النَّبِيِّينَ﴾ ﴾ على أن ﴿﴿خَاتِمَ﴾ ﴾ اسم فاعل؛ يعني الذي يختمهم، وفي قراءة بفتح التاء كآلة الختْم أي به خُتِم فتح التاء ﴿خَاتَمَ﴾، والخاتم ما يُخْتَم به الشيء مثل الخاتم الذي يكون في الإصبع وكُتِبَ عليه اسم صاحبه فإذا أراد أن يختم الكتاب ختمه بهذا الخاتم.
والنبي عليه الصلاة والسلام خاتِم وخاتَم؛ خاتِم لأنه آخرهم، وخاتَم كأنه طُبِعَ على الرسالات بعد ذلك فلا يمكن أن يأتي بعده رسالة، وهذا هو فائدة القراءتين.
وقوله: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ هذا كما ترون في القرآن، وفي السنة أيضًا أدلة كثيرة تدل على أنه خاتم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وعلى هذا فلا نبي بعده.
فإن قلت: ألم يثبت أن عيسى عليه الصلاة والسلام ينزل في آخر الزمان وهو نبي؟
فالجواب: بلى، ينزل وهو نبي لكن نبوة عيسى لم تتجدد بعد، بل كان نبيًّا من قبل أن يُرْفَع ولم يتجدد له نبوة بعد نبوة النبي ﷺ، فكان النبي عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء.
وهل يأتي عيسى بشريعة جديدة؟ لا، فإن قلت: أليس يضع الجزية ويكسر الصليب ويقتل الخنزير ولا يقبل إلا الإسلام؟
فالجواب: بلى، وهذه الأحكام مخالفة لحكم الشريعة الآن، فهل معنى ذلك بأنه يأتي بأحكام متجددة؟ الجواب: لا؛ لأن إخبار النبي ﷺ بذلك يكون إقرارًا له فيكون هذا من سنة الرسول ﷺ؛ يعني هو من المعلوم أن سنة الرسول عليه الصلاة والسلام هي قوله وفعله وإقراره، فإذا قال ذلك عن عيسى مقررًا له صار ذلك من سنته، وحينئذ فلم يأت عيسى بنبوة جديدة ولم يأت بتشريع جديد، ولا إشكال في ذلك.
﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ﴿كَانَ﴾ فيما مضى، وأما الآن؟ لا، إذن ﴿كَانَ﴾ هنا مسلوبة الزمان، وإنما يؤتى بها لتحقق الصفة وهي العلم.
(﴿﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ﴾ منه بأن لا نبي بعده) يعني: من العلم الذي علمه الله تعالى أنه لا نبي بعده؛ ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب ٤٠].
وقوله: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ يشمل حتى أعمال بني آدم؟ نعم ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦] قبل أن يعمله.
قال: (وإذا نزل السيد عيسى يحكم بشريعته) (إذا نزل السيد) هل وصفه الله بالسيد؟
* طالب: نعم، ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران ٣٩].
* الشيخ: من هو هذا؟ ما هو يحيى؟ ما وصفه الله بالسيد في سورة آل عمران؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ [آل عمران ٤٥، ٤٦].
* طالب: ﴿وَجِيهًا﴾.
* الشيخ: ﴿وَجِيهًا﴾. لكن ما قال: (سيد). على كل حال أنا أخشى أن هذه الكلمة دخلت على المؤلف من عبارات النصارى؛ لأنهم دائمًا يقولون: السيد المسيح، السيد المسيح. ولا شك أنه سيد عليه الصلاة والسلام؛ لأنه نبي من الأنبياء.
يقول: (يحكم بشريعته) وحينئذ لا يأتي بشريعة جديدة فلا ينافي الآية: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾.
وقد علمتم أنه يَرِدُ على قضية نزول عيسى إيرادان:
أولًا: أنه نبي، فكيف يكون نبيًّا والرسول هو خاتم الأنبياء.
وثانيًا: أنه يحصل به تغيير لبعض أحكام الشريعة، وأجبنا عن ذلك.
الأحزاب 33:40
﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] ﴿مَا﴾ هذه نافية، و﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص، وخبرها ﴿لِمُؤْمِنٍ﴾ الجار والمجرور، و﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ هذا هو اسمها مؤخر.
يقول الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ يعني: هذا أمر لا يمكن أن يكون فهو نفي للإمكان، ولكنه للإمكان الشرعي دون القدري؛ إذ إن المؤمن أوالمؤمنة قد يكون لهم الخيرة من أمرهم فيما قضاه الله ورسوله، ولكن شرعًا لا يكون هذه.
يقول: (﴿﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ ﴾ ﴿﴿أَنْ تَكُونَ﴾ ﴾ بالتاء والياء ﴿﴿لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ ﴾ أي: الاختيار ﴿﴿مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ﴾ خلاف أمر الله ورسوله).
وقوله: ﴿لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ وكما سبق فيه ذكر الذكور والإناث ﴿لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾.
وقوله: ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ المراد بالقضاء هنا القضاء الشرعي؛ إذ إن القضاء الكوني لا يمكن لأحد أن يختار خلافه لا مؤمن ولا كافر، أليس كذلك؟ لأن القضاء الكوني لا بد أن يقع، فالمراد هنا ﴿إِذَا قَضَى﴾ أي: قضاء شرعيًّا.
وقوله: ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ عطف رسوله بالواو؛ لأن قضاء الرسول ﷺ الشرعي من قضاء الله.
وقوله: ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ ﴿أمرًا﴾ هنا واحد الأمور أو واحد الأوامر؟ واحد الأمور؛ يعني: إذا قضى شأنًا سواء كان ذلك الشأن أمرًا أو نهيًا.
﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ ﴿﴿أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ ﴾ و﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ أما على قراءة التاء فالأمر فيها ظاهر؛ لأن اسمها أيش؟ مؤنث فأُنِّثَ الفعل من أجله ﴿﴿أَنْ تَكُونَ﴾ ﴾.
وأما عن قراءة الياء فإن الفعل يكون مذكرًا مع أن الاسم مؤنث ولكن هنا لا يجب التأنيث؛ لوجهين:
الوجه الأول: الفصل بين الفعل وفاعله وهنا بين الفعل واسمه.
والثاني: أن التأنيث في الخيرة تأنيث مجازي، وابن مالك يقول:
وَإِنَّمـــا تَلْزَمُ فِعْــــــلَ مُــــضْمَرِ ∗∗∗ مُتَّصِلٍ أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حِـــــرِ
وقوله: ﴿الْخِيَرَةُ﴾ أي: الاختيار، أفادنا المؤلف أن الخيرة هنا اسم مصدر بمعنى الاختيار أو بمعنى التخيُّر كالطيرة بمعنى التطيُّر فهي إذن اسم مصدر بمعنى الاختيار، وإن شئت فقل: بمعنى التخير.
وقوله: ﴿مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ قد يقول قائل: إن المتبادر أن يقول: (مِن أمره)؛ لأن ﴿لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ مفرد، والمتبادر أن يقول: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون له الخيرة من أمره) ولكنه جمع؛ لأن (مؤمن) و(مؤمنة) جاء منكرًا في سياق النفي فيكون للعموم، فعاد الضمير إليه باعتبار المعنى لا باعتبار اللفظ.
وقوله: ﴿مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ يعني معناه أي: من شأنهم، ويجوز أن يكون ﴿مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ أي: من أمر الله إياهم، فعلى الأول يكون الإضافة من باب إضافة الشيء إلى فاعله، وعلى الثاني من باب إضافته إلى مفعوله.
وقول المؤلف: (خلافَ) هذه بالنصب مفعول للخيرة بمعنى الاختيار يعني: ما كان لهم أن يختاروا خلاف أمر الله ورسوله، فتبين الآن معنى الآية؛ معنى الآية أن الله يقول: لا يمكن لمؤمن ولا مؤمنة، لا يمكن شرعًا ولَّا قدرًا؟ شرعًا، إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يخالفوا أمر الله ورسوله وأن يختاروا خلاف أمر الله ورسوله، لماذا لا يمكن؟ لأن ما في قلوبهم من الإيمان يمنعهم من المخالفة، ألا ترى إلى قول النبي ﷺ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ»؟ لأنه لو كان في قلبه إيمان حين الزنا ما زنى، «لَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٨١٠)، ومسلم (٥٧ / ١٠٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] فالإيمان إذا وقر في القلب لا يمكن أن يكون صاحبه مخالفًا لأمر الله ورسوله.
قال المؤلف: (نزلت في عبد الله بن جحش وأخته زينب خطبها النبي ﷺ لزيد بن حارثة، فكره ذلك حين علم بظنهما قبلُ أن النبي ﷺ خطبها لنفسه ثم رضي للآية).
هكذا ذكر المؤلف أنها نزلت في هذه القصة، وهذ القصة ضعيفة؛ لأنها معضلة ومنقطعة فهي ضعيفة، ونحن لا يهمنا في الحقيقة سبب النزول، سبب النزول صحيح أن فيه فائدة وهو أنه يكشف أحيانًا المعنى ويُبَيِّنُه ويوضحه، لكن المهم الحكم وهو أنه لا يمكن لمؤمن إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يختار خلافَ أمر الله ورسوله، ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾؛ لأنهم لا بد أن يوافقوا أمر الله ورسوله لما في قلوبهم من الإيمان؛ ولهذا كلما هَمَّ المؤمن بمعصية ذكَّره إيمانه بالله فكفَّ عنه، ألا ترى إلى قول النبي عليه الصلاة والسلام في السبعة الذين يظلهم الله في ظله قال: «وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ»؟ وهذه الدعوة كانت في مَحل خالٍ لا يطلع عليهما أحد سوى الله فقال: «إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ»[[متفق عليه، البخاري (٦٦٠) ومسلم (١٠٣١ / ٩١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] فمنعه إيمانُه من أي شيء؟ من أن يفعل الفاحشة مع سهولة أسبابها، وكذلك «أحد الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار حين مَكَّنته ابنة عمه من نفسها فلما جلس منها منها مجلس الرجل مع امرأته» -وأعتقد في هذه الحال أن الرغبة ستكون شديدة وقوية وأنه لا يفصمها إلا إيمان قوي لما جلس منها مجلس الرجل مع امرأته- قالت له: «يا هذا اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه.» فقام منها وهي أحب الناس إليه[[أخرجه البخاري (٢٢١٥) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]]. هذا من الإيمان بلا شك.
إذن نحن لا يهمنا أن تكون نزلت في زينب بنت جحش وأخيها عبد الله أو في غيرهم.
المهم أن حال المؤمن تمنعه من مخالفة أمر الله ورسوله وأما ما ذكره المؤلف فهو يقول: «إن النبي ﷺ خطب زينب بنت جحش»[[أخرج الحاكم (٦٩٣٣) بسنده عن عمر بن عثمان الجحشي، عن أبيه، قال: قدم النبي ﷺ المدينة، وكانت زينب بنت جحش ممن هاجر مع رسول الله ﷺ وكانت امرأة جميلة، فخطبها رسول الله ﷺ على زيد بن حارثة، فقالت: لا أرضاه، وكانت أيم قريش، قال: «فإني قد رضيته لَكِ» الحديث.]]. وقد خُطِبَت -كما ذكره غيره- خطبت من قبل رجال شرفاء وذوي جاه، فخطبها النبي عليه الصلاة والسلام فظنوا أنه خطبها لنفسه، ثم بعد ذلك بَيَّن لهم أنه خطبها لزيد بن حارثة، زيد بن حارثة مَنْ هو؟ هو مولى رسول الله ﷺ، وكان حسب ما ذكره أهل السير كان عبدًا لخديجة رضي الله عنها فوهبته للنبي ﷺ فأعتقه، لما علم أنه خطبها لزيد امتنع فلما نزلت الآية رضي بذلك، وهذا ليس بغريب على الصحابة لو صح الحديث ليس بغريب أن يُقَدِّموا أمر الله ورسوله على ما تهواه أنفسهم.
* الطالب: (...) خطبها النبي ﷺ وعني (...) زيد منها، ويش معنى (وعني)؟
* الشيخ: عَنَى.
* الطالب: وعنى؟
* الشيخ: لا، ما عندنا بـ(عدى) و(عنى). (خطبها النبي ﷺ لزيد بن حارثة فكره ذلك) أظن ما هي مهمة. اشطب عليها.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب ٣٦] ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ﴾ ﴿مَنْ﴾ اسم استفهام؟!
* طالب: شرطية.
* الشيخ: ما الذي أدراكم أنها شرطية؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، غير الجواب.
* الطالب: فعل الشرط.
* الشيخ: فعل الشرط؛ لأنه مجزوم ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ﴾ لكنه مجزوم بحذف حرف العلة ﴿مَنْ يَعْصِ اللَّهَ﴾، المعصية مخالفة الأمر أو إن شئت فقل: المعصية خلاف الطاعة سواء كانت وقوعًا في منهيٍّ عنه أو تركًا لمأمور به، لكن إذا قيل طاعة ومعصية صارت الطاعة فعل المأمور والمعصية فعل المحظور.
أما إذا قيل: معصية وحدها أو طاعة وحدها فإنها تشمل الأمرين.
قال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ﴾ سواء عصاهما جميعًا يعني: أمر من الله وأمر من رسوله وقعت فيه المعصية، أو عصى الله وحده أو عصى الرسول وحده فإنه قد ضلَّ ضلالًا مبينًا، معصيتهما جميعًا مثالها قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦]، وقال النبي ﷺ: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٨٨) ومسلم (١٣٣٧ / ٤١٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. لو خالف الإنسان في ذلك يكون قد عصى الله ورسوله؛ لأن الأمر هنا من الله ومن رسوله، وأحيانًا يَرِد الأمر في القرآن دون السنة فإذا عصاه الإنسان صار عاصيًا لله وأحيانًا يرد في السنة دون القرآن فإذا عصاه الإنسان صار عاصيًا للرسول.
ولكن لتعلم أن معصية الرسول عليه الصلاة والسلام معصية لله؛ لأن الرسول يتكلم عمن أرسله، فإذا عصيته فقد عصيت من أرسله؛ لو أن رجلًا أتاك وقال: إن فلانًا أرسلني إليك وقال: ليفعل كذا وكذا. وخالفت الرسول تكون مخالفًا في الواقع لمن؟ للمرسِل؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠] فعلى هذا يكون من يعص الله ورسوله سواء على سبيل الانفراد أو على سبيل الاشتراك.
﴿مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ هذا جواب الشرط، وقُرِنَ بالفاء؛ لأنها اقترنت في ﴿قَدْ﴾ وهناك ضوابط لجواب الشرط الذي يجب اقترانه بالفاء ذُكِرَت في بيت قد أُنْشِدَ لكم من قبل فما هذا البيت؟
* طالب:
اسـْــــــمِيَّةٌ طَـــلَــبِيَّةٌوَبِجَـــــــــــامِـــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِـ(مَا) وَ(لَنْ) وَبِـ(قَدْ)وَبالتَّنْفِيسِ
* الشيخ: نعم.
اســْــــــــمِيَّةٌ طَـــلَـــــبِيَّةٌوَبِجَــــــــــــامِـــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِـ(مَا) وَ(لَنْ) وَبِـ(قَدْ)وَبالتَّنْفِيسِ
كم؟ سبعة، إذا كان جواب الشرط أحد هذه الأمور السبعة فإنه يقترن بالفاء وجوبًا ولا يَشُذُّ عن هذه القاعدة إلا أمر نادر كقول الشاعر:
مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا ∗∗∗ .........................
ولم يقل: فالله يشكرها. لكن هذا نادر أو ضرورة، هنا اللي معنا من الأشياء السبعة: ﴿قَدْ﴾ ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ قال المؤلف: (بَيِّنًا) ونحن تكلمنا من قبل أن (أبان) الرباعية تكون متعدية وتكون لازمة، إذا كانت لازمة فهي بمعنى (بان)، إذا كانت متعدية فهي بمعنى أظهر.
هنا قال: ﴿ضَلَالًا مُبِينًا﴾ هل تصلح بمعنى أظهر؛ يعني بمعنى ضلالًا مظهرًا؟ ما تصلح.
إذن فهي من (أبان) اللازم الذي يكون منه الاسم على بَيِّن لا على مبين.
وقوله: لا على مبين بمعنى مظهر، طيب ما هو المبين بمعنى مظهر؟
المبين بمعنى مظهر مثل قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس ٦٩] هذا من اللازم ولَّا من المتعدي؟ من المتعدي يقينًا، نعم؛ لأن القرآن مظهر للحقائق؛ ولهذا قال بعده: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس ٧٠].
﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾.
قال: (فزَوَّجها النبي ﷺ لزيد، ثم وقع بصره عليها بعد حين فبلغ في نفسه حبها وفي نفس زيد كراهتها، ثم قال للنبي ﷺ: أريد فراقها. فقال: ﴿﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ ﴾ كما قال تعالى: ﴿﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ ﴾ [الأحزاب: ٣٧]).
هذا الذي ذكره المؤلف رحمه الله ذُكِرَ عن بعض المفسرين من السلف والخلف، لكنه كما قال ابن كثير: أقوال ينبغي أن يضرب الإنسان عنها صفحًا؛ لأنها أقوال باطلة لا تليق بمقام النبي ﷺ؛ لأن القصة إذا قرأها الإنسان يتصور أن الرسول ﷺ كان عاشقًا من العشاق، وما أشبه هذه القصة الباطلة بقصة داود عليه الصلاة والسلام التي ذكروا أن داود طلب من أحد جنوده أن يتزوج امرأته ولكنه أبى، فاحتال عليه بحيلة، شوف كيف؟ أيش الحيلة؟ قال: نطلعه مع الجيش عشان يُقْتَل فأتزوج امرأته. هل هذا يمكن أن يقع من نبي من أنبياء الله؟! أبدًا، هذه لو قال قائل: إنها وقعت من أحد السوقة من الناس لقيل: ما أظلم هذا الرجل وما أجهله! فكيف بنبي من أنبياء الله؟!
الرسول ﷺ هل يمكن أن يتصور أحد أنه عشق هذه المرأة، لاحظوا لأن بعض الناس حتى بعض المفسرين والعياذ بالله صار يتلفظ بهذا اللفظ يقول: الرسول عشق المرأة زينب، ولكن هذا قول باطل، وسيأتي إن شاء الله تعالى في الكلام على تفسير الآية بيان معنى الآية وأن معناها ناصع واضح ولم يكن الرسول عليه الصلاة والسلام قال له: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب ٣٧] وأنه أخفى حبها؛ لأن الله قال في نفس الآية: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ فبَيَّن الله أنه سيبدي ما أخفاه في نفسه، لو كان الذي أخفاه النبي عليه الصلاة والسلام في نفسه الحب لكان الله يبديه، لكن ما الذي أبدى الله؟ الذي أبدى الله تزويجه؛ أنه زوجه إياها، فكان الرسول عليه الصلاة والسلام أخفى في نفسه ما أعلمه الله أنه سيتزوجها دون أن يكون هناك حب وعلاقة، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام علم بما أعلمه الله أنه سيتزوجها، فلما جاء هذا الرجل يستشيره قال له: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ لا تطلق المرأة. فعاتب الله رسوله لماذا قال له: اتق الله وأمسكها، وقد علم أن الله تعالى سيزوجه إياها؟ فالمسألة واضحة ما فيها أي إشكال.
ولكن المشكل أن بعض المفسرين يأخذون عن بعض من غير تمحيص ومن غير أن يكون هناك تَرَوٍّ في المسألة، حتى إن بعض الناس اعتذر وقال: إن محبة الإنسان للمرأة ولو كانت عند زوج آخر أمر لا يُنْكَر، إنما الذي ينكر أن يحاول التوصل لهذه المرأة بطريق غير شرعي، وأما أن يقع في نفسه محبة امرأة عند زوج فهذا لا بأس به، وهو أمر قد تدعو إليه الجبلة والطبيعة، وهذا وإن كانت المسألة تحتاج إلى نظر في هذا القول؛ وهو أن محبة الإنسان لزوجة غيره إما أن تكون محبة للجنس أو محبة للشخص، فإن كان محبة للجنس فهذا أمر جائز ولَّا لا؟ جائز أنا ما أبغي بالجنس الشهوة يعني، يعني جنس هذا الطراز من النساء، هذا المراد بقولي: الجنس، إن كان محبة للجنس؛ يعني معناه أنه يرغب مثل هذه المرأة فهذا لا بأس به، والإنسان دائمًا إذا سمع مثلًا من امرأة رجل أنها امرأة صالحة قانتة حافظة للغيب بما حفظ الله يحبها ويحب أن يكون له مثلها.
وأما إذا كان حبًّا شخصيًّا فعندي أن في جواز ذلك نظرًا وأن الإنسان يجب عليه أن إذا تعلقت نفسه بامرأة تعلقًا شخصيًا أو محبة شخصية يجب عليه أن يحاول التخلص من هذا لأنها مشكلة، المحبة في الحقيقة جذابة، المحبة كأنها رِشاء من حديد يجذب الإنسان، فإذا تعلَّق قلبه بامرأة فإن الغالب أن يحاول الوصول إليها إن لم تكن مُزَوَّجة يمكن يخطبها وإن كانت مزوجة مشكلة.
فالذي أرى في هذه المسألة أنه إذا أحبها محبة جنس بمعنى أحب جنس هذه المرأة فهذا لا شك أنه ما فيه مانع ولا يحصل فيه مفسدة، وأما إذا أحبها محبة شخصية فإن الأمر خطير.
* الطالب: ويش يعني؟
* الشيخ: يعني يحب هذه المرأة نفسها؛ إي هذه المرأة مثلًا شافها معها زوجها أنها قائمة باللازم وأحبها هي شخصيًّا.
﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب ٣٧] ﴿إِذْ﴾ يقول المؤلف: (إنه منصوب بـ (اذكر). أين (اذكر)؟ محذوف، (منصوب بـ (اذكر) محذوفًا، أي: اذكر يا محمد ﴿إِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ إلى آخره. اذكر هذا القول حتى تكون مُسْتَعِدًّا لما يُلْقَى إليك من الموعظة؛ لأن الله تعالى وعظه في هذه الآية موعظة عظيمة حتى قالت عائشة رضي الله عنها: «لو كان محمدًا ﷺ كاتمًا ما أُنْزِل إليه لكتم هذه الآية»[[أخرجه مسلم (١٧٧ / ٢٨٨) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]. كما سترون.
﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ (للذي أنعم عليه الله بالإسلام ﴿﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ ﴾ بالإعتاق).
بَيَّن الله عز وجل أن هذا الرجل الذي أبهم اسمه هنا ثم أوضحه فيما بعد أن عليه نعمتين: النعمة الأولى لله، والثانية للرسول عليه الصلاة والسلام.
وهنا قال: ﴿لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ﴾ فأتى بالواو الدالة على الاشتراك، مع أن هذا ليس من باب الشرع أو ليس من باب التشريع حتى نقول: إنه يجوز اشتراك أو إشراك الله مع الرسول عليه الصلاة والسلام، بل هنا من باب النعمة والعطاء والفضل، فكيف جمع بين إنعام الرسول ﷺ وإنعام الله بالواو الدالة على التشريك؟
فالجواب أن نقول: جمع بينهما بالواو الدالة على التشريك؛ لأن النعمتين مختلفتان؛ فالنعمة الأولى بماذا؟ بالإسلام، والثانية: النعمة من الرسول ﷺ بالعتق، فلما اختلفت النعمتان صارت الواو لا تدل على الاشتراك لامتناع الاشتراك بين شيئين مختلفين.
(﴿تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بالإعتاق وهو زيد بن حارثة كان من سَبْيِ الجاهلية اشتراه النبي ﷺ قبل البعثة وأعتقه وتبناه) المشهور أن زيد بن حارثة رضي الله عنه كان مملوكًا لخديجة فوهبته للنبي ﷺ، هذا هو المعروف في السير.
وأيًّا كان فإن زيد بن حارثة كان مملوكًا للرسول ﷺ ثم أعتقه وتبناه أيضًا، رفع معنويته بكونه أضافه إليه ابنًا له وكان يُدْعَى زيد بن محمد حتى أبطل الله ذلك في قوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب ٤٠]، وبقوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب ٤].
(تقول: ﴿﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ ﴾ في أمر طلاقها). ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ﴾ هنا عدَّى ﴿أَمْسِكْ﴾ بـ (على)؛ لأنها بمعنى اضمم عليك زوجك؛ يعني: اجعلها منضمة عليك لا تفارقها.
﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ والمراد بها زينب بنت جحش رضي الله عنها، وكان زيد قد تزوَّجها بمشورة النبي ﷺ فجاء يستشيره في طلاقها، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ يعني: لا تطلقها. وأمره بأن يتقي الله ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ إغراء له على إمساكها، وإن كان الرجل لم يفعل خطيئة لأن الطلاق مما يباح للرجال، لكن من باب الإغراء على إمساكها.
وقال بعض المفسرين: إنه -أي: زيد بن حارثة- إنه ذكر زينب بعيب، فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ يعني: لا تصفها بالعيب، وليس المعنى: اتق الله لا تطلقها؛ لأن الأصل في الطلاق أنه مباح ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾.
قال الله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ الواو حرف عطف ﴿وَتُخْفِي﴾ معطوفة على قوله: ﴿تَقُولُ﴾ يعني: واذكر أيضًا إذ تُخْفِي في نفسك ما الله مبديه، وأبهم الله تعالى ما أخفاه، لكنه بَيَّن أنه سيبديه، وننظر ماذا أبدى الله عز وجل ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا﴾ هذه اسم موصول في محل نصب مفعول لـ ﴿تُخْفِي﴾، و﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ و﴿مُبْدِيهِ﴾ خبره، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، يعني: تخفي في نفسك الذي الله مبديه، وهنا لم يقل: وتخفي في نفسك ما يبديه الله، بل قال: ﴿مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ الجملة هنا اسمية، وإنما أتى بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت كأن هذا أمر لا بد منه، لا بد أن يبديه الله عز وجل، وهذا هو الذي وقع، ومعنى ﴿مُبْدِيهِ﴾ أي: مظهره وهو مقابل لقوله: ﴿تُخْفِي﴾ ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ إلا أن المقابلة اختلفت من حيث الصيغة؛ فالصيغة في الإخفاء جاءت بالمضارع، وأما الصيغة بالإبداء فجاءت بالجملة الاسمية.
قال: (﴿﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ ﴾ مظهره من محبتها وأن لو فارقها زيد تَزَوَّجْتَها) هذا ما زعم المؤلف تبعًا لكثير من المفسرين؛ أن الذي أخفاه النبي عليه الصلاة والسلام هو محبته لهذه المرأة فأبدى الله ذلك، ولكنك إذا تأملت الآيات وجدت أن الذي أخفاه هو نية الزواج بها بأمر الله عز وجل، فإن الله تعالى أمره أن يتزوجها بعد زيد بن حارثة، وكأن هذا -والله أعلم- من أجل جبر قلبها حيث تزوجت زيد بن حارثة وهو مولى وهي من صميم العرب فأراد الله عز وجل أن يكافئها على خضوعها لمشورة النبي ﷺ بأن يتزوجها الرسول ﷺ هذه من جهة، ومن جهة أخرى أمره الله أن يتزوجها لأجل أن يزول ما كان مشهورًا عندهم في الجاهلية منين؟ من أنَّ ابن التبني لا يجوز لمن تبناه أن يتزوج بامرأته فيكون هذا من باب البيان بالفعل الذي هو أقوى من البيان بالقول.
قال: (﴿﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ ﴾ مظهره من محبتها وأن لو فارقها زيد تزوجها)، وإذا نظرنا إلى الذي أبداه الله وجدنا أنه زواجه، لا أنه يحبها ما قال الله في القرآن: إنك تحبها أبدًا ولا تعرض للحب.
قال: (﴿﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ ﴾ أي: تخاف من قولهم ومن كلامهم بأن يقولوا تزوَّج زوجة ابنه)، وهذا عند العرب عيب عندهم فهم يرونه من المنكرات.
قال الله تعالى: (﴿﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ ﴾ في كل شيء، وتزوَّجْها ولا عليك من قول الناس، ثم طلقها زيد وانقضت عدتها) قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ﴾ إلى آخره.
قال الله: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ منين؟ من الناس ولكنه هنا أطلق، قال الله: ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ ولم يذكر المفضل عليه من أجل العموم لأنه دائمًا يكون الحذف مفيدًا للعموم؛ يعني أحق أن تخشاه من كل أحد؛ من الناس، ومن الجن، ومن غيرهم.
وقوله: ﴿أَنْ تَخْشَاهُ﴾ يعني: أن تخافه، ولكن الخشية خوف مع علم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨]، والخشية أيضًا خوف مع قوة المخشيِّ وعظمته، فالخوف دون الخشية؛ لأن الخوف يقع بدون علم، ولأن الخوف يقع من ضعف الخائف لا من قوة المخوف؛ ولهذا كانت الخشية أرفع مرتبة وأقوى ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾.
(﴿﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ ﴾ حاجة ﴿﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ ﴾ فدخل عليها النبي ﷺ بدون إذن وأشبع المسلمين خبزًا ولحمًا).
* الطالب: عندنا بغير إذن.
* الشيخ: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ أي: حاجة، وهذا دليل على أن زيدًا رضي الله عنه طلَّقها عن رغبة، وأنها انقضت حاجته منها، ولم يطلقها عن ضغط أو إكراه.
وقوله: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ شرعًا أو قدرًا؟ شرعًا وقدرًا، لكن المهم شرعًا؛ لأنه لو كان المراد قدرًا فقط لم يكن بَيْنَها وبين أمهات المؤمنين فرق؛ لأن أمهات المؤمنين أيضًا مما زوجهن الله قدرًا، وكانت هي أي زينب تفتخر على نساء النبي ﷺ فتقول: «زَوَّجَكُنَّ أهاليكُنَّ، وزوَّجَنِي الله من فوق سبع سماوات»[[أخرجه الترمذي (٣٢١٣) من حديث أنس رضي اله عنه.]]، وهذا دليل على أنه تزويج شرعي، ولكنه قدري أيضًا في نفس الوقت.
وقوله: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ في هذا ضميران مفعولان؛ الضمير الأول الكاف، والثاني ﴿هَا﴾ وهو متمشٍ على القاعدة، ابن مالك يقول:
وَقَدِّمِ الْأَخَـــــــصَّ فِي اتِّصَـــــــــالِ ∗∗∗ وَقَدِّمَنَّ مَا شِئْتَ فِي انْفِصَالِ
وضمير المخاطب أخصُّ من ضمير الغائب؛ ولهذا قال: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾.
الحكمة من ذلك قال: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ﴾ اللام هنا للتعليل، و﴿كَيْ﴾ حرف مصدر؛ لأنها بعد اللام مصدرية محضة أي: لأن، و(لا) نافية، وقوله: ﴿حَرَجٌ﴾ أي: ضيق ومشقة، وقوله: ﴿فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ من أدعياؤهم؟ أبناؤهم الذين تَبَنَّوْهُم، هؤلاء هم الأدعياء، وهؤلاء الأدعياء ليسوا بأبناء كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب ٤].
وتأمل قوله: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ ولم يقل: (أبنائهم الذين تبنوهم)؛ لأن هذه البنوة منتفية شرعًا وباطلة شرعًا ولهذا قال: ﴿أَدْعِيَائِهِمْ﴾.
وبهذا نعرف أن قول مَنْ قال في قوله تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء ٢٣] أن قوله: ﴿مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ احتراز من ابن التَّبَنِّي يتبيَّن لنا أن هذا القول لا وجه؛ لا لأن ابن التبني لم يسمِّه الله ابنًا أبدًا، بل نفى عنه البنوة فقال: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾، وقال هنا: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾، وإذا كان ابن التبني لا يُسَمَّى ابنًا شرعًا فإنه لا حاجة إلى أن نأتي بصفة تخرجه لماذا؟ لأنه ليس بداخل أصلًا حتى يُخْرَج بهذه الصفة ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾، ولكنها احتراز من ابن الرضاعة كما هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
قال: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ ﴿إِذَا قَضَوْا﴾ الفاعل يعود على من؟ على الأدعياء.
وقوله: ﴿إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ فيه إشارة إلى أنه لو كان ذلك بضغط من الأب المُدَّعِي لكان ذلك فيه حرج، بل لا بد أن يكونوا قد قضوا منهن وطرًا وأنهوا رغبتهنَّ فيهن.
قال: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ قال المؤلف: (مقضي مفعولًا) أمر الله الكوني أو الشرعي؟ الكوني؛ لأن الشرعيَّ قد يُفْعَل وقد لا يفعل، ولكن الأمر الذي لا بد أن يُفْعَل هو أمر الله الكوني، فإذا أمر الله تعالى بشيء كونًا فلا بد أن يقع.
وخلاصة هذه الآية أو تفسير هذه الآية أن نقول: إن الله عز وجل ذَكَّر نبيَّه ﷺ بهذا الأمر العظيم، وهو قوله لزيد بن حارثة حين جاء يستشيره في طلاق زوجته قال له: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ مع علم النبي ﷺ بأن الله سوف يُزَوِّجُه إياها، وكان على النبي عليه الصلاة والسلام أن يسكت على الأقل ويقول: انظر ما يبدو لك في هذا الأمر. لكنه أشار عليه أن يُمْسِك، لماذا؟ لأنه يخشى أن يقول الناس: تزوج امرأة ابنه الذي تبناه، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يخاف من هذا الأمر، ولكن الله تعالى وَجَّهَهُ هذا التوجيه السليم.
ثم قال تعالى: (﴿﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ﴾ ﴾ أحل الله له) إلى آخره.
﴿مَا كَانَ﴾ (ما) نافية و(كان) فعل ماض ناقص، واسمها قوله: ﴿حَرَجٍ﴾، لكن فيها (مِن) الزائدة؛ لماذا؟ لإثبات النفي وتوكيده.
وقوله: ﴿عَلَى النَّبِيِّ﴾ هذا خبرها مقدَّم.
﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ ومعنى ﴿فِيمَا فَرَضَ﴾ أي: فيما أحلَّ الله له أيًّا كان، فكل ما أحلَّ الله فإن لا حرج عليه عند الله، وإذا كان لا حرج عليه عند الله فإن لا يجوز لأحد أن يتكلم في هذا الذي أحلَّ الله له ويقول: لمَ فعلَ؟ لِمَ صنع؟ وسيأتي إن شاء الله تعالى في الفوائد أن هذا عام للرسول ولغيره.
وقوله: ﴿فِيمَا فَرَضَ﴾ الفرض تارة يتعدَّى باللام، وتارة يتعدى بـ (على) فيتعدي باللام مثل هذه الآية: ﴿فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾، ويتعدى بـ (على) مثل فرض الله علينا كذا وكذا، فإن تعدى بـ (على) فهو بمعنى أوجب، وإن تعدى باللام فهو بمعنى أحل؛ لماذا؟ لأن الفرض في الأصل بمعنى التقدير، والمقدَّر قد يكون واجبًا وقد يكون مُحَلَّلًا.
قال الله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ أي: كسنة الله فنُصِبَ بنزع الخافض؛ يعني أن الله تعالى نفى عنه الحرج فيما أحل له؛ لأن هذا هو سنة الله تعالى فيمن سبق، و﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ أي: طريقته، والمعنى كطريقة الله تعالى فيمن سبق من الأنبياء.
قال: (﴿﴿فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ ﴾ من الأنبياء أن لا حرج عليهم في ذلك توسعة لهم في النكاح ﴿﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ ﴾ فِعْلُه ﴿﴿قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ ﴾ مقضيًّا).
يقول الله عز وجل: إن الرسول عليه الصلاة والسلام كغيره من الأنبياء السابقين؛ فما أحل الله له فإنه لا حرج عليه فيه؛ يعني: لا تضييق لا من قِبَل الله ولا من قِبَل عباد الله، وهكذا الأنبياء السابقون ليس عليهم حرج فيما فرَض الله لهم يفعلون ما يشاؤون ما دام الأمر مُحَلَّلًا لهم.
ثم قال: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ قال المؤلف في إعرابها: (﴿﴿الَّذِينَ﴾ ﴾ نعت للذين قبله)، وين (الذين) قبله؟ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: في الذين يبلغون.
وقوله: ﴿يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ﴾ جمع رسالة، والمراد بها المرسَل به، فهم يبلغون ما (...) به، والتبليغ معناه الإيصال ومنه ما جاء في الحديث: «لَا بَلَاغَ لِيَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٦٤)، ومسلم (٢٩٦٤ / ١٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
﴿وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب ٣٩] لأن الخشية عبادة، والعبادة لا تكون إلا لله عز وجل، هذا في الأصل مع أن الخشية قد تكون غير عبادة؛ قد تكون خوفًا طبيعيًا لا يتعبد به الإنسان للخائف، فيُفرَّق بين خشية الإنسان للناس وبين خشية الإنسان لله قال: (فلا يخشون مقالة الناس فيما أحل الله لهم) وكذلك في غيره.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ حافظًا لأعمال خلقه ومحاسبتهم. إعراب ﴿كَفَى بِاللَّهِ﴾؟
* طالب: (...) جار ومجرور.
* طالب آخر: (...).
* الشيخ: كما قال، طيب و﴿بِاللَّهِ﴾.
* الطالب: حرف زائد.
* الشيخ: حرف جر زائد. كمل.
* الطالب: (الله) فاعل. ﴿حَسِيبًا﴾؟
* الشيخ: اصبر، الفاعل أيش؟ منصوب ولَّا مجرور؟
* الطالب: (الله) فاعل مجرور بالكسرة بدل الرفع.
* الشيخ: فاعل، إذن ما هو فاعل.
* الطالب: (...) مقدرة.
* الشيخ: لا، من يعرف؟ مر علينا هذا الإعراب كثيرًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره.
* الشيخ: لفظ الجلالة اسم مجرور بالباء.
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم.
* الطالب: ﴿حَسِيبًا﴾ تمييز.
* الشيخ: تمييز كذا؟ طيب.
إذن ﴿كَفَى﴾ تتعدى بالباء على أنه حرف جر زائد وهو كثير، وقد تتعدى بنفسها إلى الفاعل كقول الشاعر:
كَفَى الشَّيْبُ وَالْإِسْلَامُ لِلْمَرْءِ نَاهِيًا ∗∗∗ ..........................
فلم يأتِ بالباء، لكن الأكثر أن يأتي بها.
* * *
يقول تبارك وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب ٣٦].
* من فوائد الآية الكريمة: أن مقتضى الإيمان ألا يخالف المؤمن أمر الله ورسوله؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ إلى آخره.
* ومن فوائدها: أنه كلما قُوِيَ الإيمان قويت الموافقة، ما وجهه؟ لأن الحكم المرتب على وصف يَقْوَى بقوته ويضعف بضعفه؛ * وعليه فتأتي الفائدة الثالثة: أنه كلما نقص الإيمان وضعف كثرت المخالفة؛ ولهذا قال أهل العلم: إن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما قضاه الرسول ﷺ من الأمور فهو كما قضاه الله؛ لقوله: ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الخير كلَّ الخير فيما قضاه الله ورسوله؛ لقوله: ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ يعني: ما يختارون غيره؛ لأنهم يرون أن الخير فيما قضاه الله ورسوله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المعصية ضلال؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾.
* ومن فوائدها: أنه كلما كانت المعصية أكبر أو أكثر كان الضلال أبين وأوضح، وجهه ما أشرنا إليه من قبل؛ أن الحكم المرتب على وصف يزيد بزيادته وينقص بنقصانه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن معصية الرسول عليه الصلاة والسلام كمعصية الله؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ فإذا أتانا آتٍ ونهنيناه عن أمر جاء به النهي في السنة، وقال: هذا ليس في القرآن، ماذا نقول له؟ نقول: ما في السنة كما في القرآن، وقد توقع النبي ﷺ ذلك فقال: «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي فَيَقُولُ: لَا نَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِي الْكِتَابِ اتَّبَعْنَاهُ. أَلَا وَإِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ»[[أخرج ابن ماجه (١٢) بسنده عن المقدام بن معد يكرب الكندي أن رسول الله ﷺ قال: «يوشك الرجل متكئًا على أريكته يحدث بحديثٍ من حديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله عز وجل، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرَّم رسول الله ﷺ مثل ما حرم الله».]].
وهذا الذي توقعه النبي عليه الصلاة والسلام وقع، بل صرحوا بأنه لا احتجاج إلا بما جاء في القرآن، وكما رأيتم الآن ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء ٨٠].
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز تشريك الله ورسوله بالواو في الأحكام الشرعية، منين؟ ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ بخلاف الأمور الكونية فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يُشارَك مع الله بالواو؛ ولهذا لما قال له الرجل: ما شاء الله وشئت. قال: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟! بَلْ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ»[[أخرج البخاري في الأدب المفرد (٧٨٣) بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: رجل للنبي ﷺ: ما شاء الله وشئت قال: «جعلتَ لله نِدًّا ما شاء الله وحده».]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات رسالة النبي ﷺ؛ لقوله: ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، ورسالة النبي ﷺ عامة لجميع البشر منذ بعث إلى أن تقوم الساعة؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب ٤٠] والخاتم لا شيء بعده، وكانت شريعة الرسول ﷺ لكونها عامة شاملة إلى يوم القيامة كانت صالحة لكل زمان ومكان وأمة، ومعنى كونها صالحة أن العمل بها لا ينافي المصالح في أي زمان أو مكان، بل هو المصلحة هو عين المصلحة، وليس كما فعله بعض الناس وتصرف بهذه العبارة حيث زعم أن الدين أو أن الإسلام صالِح لكل زمان ومكان بمعنى أنه خاضع لكل زمان ومكان، فجعلوا الشرع تابعًا لا متبوعًا، وقالوا: إن العصر إذا اقتضى في زعمهم المصلحة فإن الشرع لا يعارضه، وبَنَوا على ذلك استحسان ما استحسنوه من الأمور التي لا شك في تحريمها؛ كتجويز الربا وأن هذه ينمي الاقتصاد ويقوِّي الأمة، وكتجويز التأمينات التي هي الميسر حقيقة والتي قرنها الله تعالى بالخمر والأنصاب والأزلام، إلى غير ذلك مما يرون أنه داخل في مسمى الدين الإسلامي بحجة أن الإسلام صالِح لكل زمان ومكان.
ونحن نقول: صالِح. ما نقول: خاضع. أنت اعمل بالإسلام في أي زمان أو مكان أو أمة وشوفها، وانظر هل ينافي المصالح أو ينمي المصالح، ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ إلى آخره.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: تذكير النبي ﷺ بالأمور التي يحسُن أن يوعظ فيها؛ لقوله: ﴿وَإِذْ تَقُولُ﴾؛ حيث قلنا: إنها منصوبة بفعل محذوف تقديره (اذكر).
* ومن فوائدها: بيان منة الله على زيد بن حارثة بالإسلام والتمسك به حتى إن أباه وأعمامه لما جاؤوا يطلبونه وخيره النبي عليه الصلاة والسلام بينهم وبينه اختار أن يكون مع الرسول ﷺ.
* ومن فوائدها أيضًا: أن الإعتاق نعمة مِنَ المعتق على عَتِيقه وهو كذلك، والْفَرَضيون يعبرون بها -يعبرون بالنعمة- عن الإعتاق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجوز عطف الأمور غير الشرعية بالواو إذا اختلف المعنى، وقلنا: إن الرسول ما يُسَوَّى بين الله وبين الرسول بالواو في غير الأمور الشرعية.
هنا عُطِفَ نعمة الرسول على نعمة الله بالواو مع أنها ليست من الأمور الشرعية، لكن الذي سَوَّغ ذلك اختلاف النعمتين؛ فالنعمة الأولى الإسلام والنعمة الثانية العتق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الزوجة تابعة للزوج؛ لقوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ﴾ فكأنها يَضُمُّها ويحرسها ويصونها وكأنها تابعة له كما في قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة ٤].
* ومن فوائد الآية الكريمة: استشارة ذوي الرأي؛ لأن زيدًا استشار النبي ﷺ.
* ومن فوائدها: أنه يجب على المستشار أن يبذل ما يراه -ولو باجتهاده- ما يراه هو الأولى؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام أشار على زيد بإمساكها اجتهادًا منه خوفًا من إثارة المنافقين والمشركين عليه، ولكن لا يعني ذلك أن يكون الْمُشير مصيبًا فيما يتصرف فيه، قد يخطئ فيما يتصرف فيه، لكن هو في حال إشارته يرى أن ذلك هو الصواب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأفضل للزوج ألا يتعجل بالطلاق وأن يمسك عليه زوجته؛ لقوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ فأشار عليه بعدم الطلاق، وإن كان للرسول عليه الصلاة والسلام أغراض أخرى، لكن لا يمنع أن تتعدد الأسباب في الأمر بإمساكها، ومعلوم أن الله عز وجل قال في كتابه المبين: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء ١٩].
* ومن فوائد الآية الكريمة: ثبوت رسالة النبي ﷺ وأنها رسالة حق؛ لقوله: ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ فلو كان النبي عليه الصلاة والسلام كاذبًا -وحاشاه من ذلك- لكان يَكْتُم مثل هذه الأشياء؛ لأنها صعبة في حقه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل قد يفعل خلاف ما كان الرسول عليه الصلاة والسلام عليه؛ بمعنى أن اجتهاد النبي ﷺ قد يكون مخالفًا لما يريده الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ فالرسول أخفى في نفسه هذه الأمر لكن الله تعالى خالفه في ذلك فأبداه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن خوف الناس قد يقع من الأنبياء ولكنهم لا يُقَرُّون عليه؛ لقوله: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾.
* ومنها: وجوب تقديم خشية الله عز وجل على خشية كل أحد؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾؛ فالواجب على المرء ألا يخاف في الله لومة لائم وأن يتقيَ الله عز وجل في بيان الحق والعمل به، لا يَقُل: إن الناس يشمتون بي، إن الناس يسخرون مني، إن الناس يستهزؤون بي، وليكن ذلك فإنه لا يزداد بهذه السخرية والاستهزاء إلا رفعة عند الله سبحانه وتعالى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يصح التزويج حتى ينتهي حق الزوج الأول من الزوجة بالكلية؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ فكان التزويج بعد انتهاء زيد منها بالكلية، ولا يَرِدُ على ذلك أن يقال: إن ظاهر الآية جواز التزويج بعد الطلاق مباشرة؛ لأن نقول: إن الوطر والحاجة ما تنتهي إلا بانتهاء العدة؛ إذ إن الإنسان لو أراد أن يرجع إلى زوجته في العدة وهي رجعية لحصل له ذلك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العظمة لله عز وجل والسلطان؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ لما له من العظمة والسلطان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة زينب رضي الله عنها؛ حيث زوجها الله سبحانه وتعالى لرسوله ﷺ، ما وجهه؟ أن غيرها يزوجه أولياؤه وأهلها، وأما هي فقد تَوَلَّى الله عز وجل تزويجها، وهذه منقبة عظيمة لها.
* ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى يثيب عبده أكثر من عمله؛ لأن هذه المرأة -كما سبق- تزوجت زيد بن حارثة مع أن زيدًا من الموالي وهي من صميم العرب وقد يكون في ذلك غض من حقها ومرتبتها، فرفع الله تعالى من شأنها؛ حيث زوَّجها رسوله محمدًا ﷺ هو بنفسه تبارك وتعالى، ولا شك أن هذا رفعة من شأنها؛ فهي بعد أن كانت تحت هذا المولى -وهي من صميم العرب وكان في ذلك شيء من الغضاضة عليها- رفع الله من شأنها بهذا الأمر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما ثَبَت في حق النبي من أحكام فهو ثابت في حق الأمة، منين نأخذها؟ ما وجه ذلك؟
* الطالب: وجه ذلك أن هذا الحكم ثابت له وللمسلمين.
* الشيخ: نعم؛ لأنه هذا الحكم خوطب به الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم.. ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ فدلَّ ذلك على أن ما ثبت للرسول عليه الصلاة والسلام من الأحكام فأمته تبع له إلا ما قام الدليل على تخصيصه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز تزوج الرجل بزوجة مَنْ تبناه، منين تؤخذ؟ ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾.
* ومن فوائدها: أن ابن التبني لا يُسَمَّى شرْعًا ابنًا، وما سماه الله ابنًا؛ لقوله: ﴿أَدْعِيَائِهِمْ﴾ وقوله في أول السورة: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب ٤]، ويتفرع على هذه الفائدة أن قوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء ٢٣] أن هذا القيد ليس لإخراج ابن التبني؛ لأنه ما دخل في الأبناء حتى يحتاج إلى إخراجه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أمر الله عز وجل الأمر الكوني لا بد أن يقع. السؤال موجه الآن إلى واحد.
* طالب: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب ٣٧].
* الشيخ: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب ٣٧]، لو قال قائل: ﴿أَمْرُ اللَّهِ﴾ مفرد مضاف فيعُمُّ الأمر الكوني والشرعي، فبماذا نجيبه ونحن قد خصصناه الآن بالأمر الكوني؟
* الطالب: أن الله سبحانه وتعالى يذكرها ولا تتحقق؛ الأمور الشرعية.
* الشيخ: الشرعية. صح.
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم، أحسنت؛ لأن الأمر الشرعي ليس مفعولًا لكل أحد، بل فيه مَنْ لا يفعله.
ثم قال تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ﴾ [الأحزاب ٣٨] إلى آخره.
* يستفاد منها؛ من الآية الكريمة: أنه لا حرج على النبي ﷺ فيما أحلَّ الله له وإن كان مخالفًا لما يعتاده الناس؛ لعموم قوله: ﴿مِنْ حَرَجٍ﴾ و﴿فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ﴾؛ لأن (ما) اسم موصول، فكل ما أحل الله للرسول فلا حرج عليه فيه.
* ويستفاد منه أيضًا: أنه لا حرج على الإنسان غير الرسول فيما أحل الله له، لا حرج عليه فيما أحل الله له منين يؤخذ؟ لأن ما ثبت في حق النبي ﷺ ثبت في حق أمته إلا بدليل ولكن يجب على الإنسان أن يراعي أحوال الناس وما يُسْتَنْكَر عليه فيه حتى لا يعرِّض نفسه للذم والقدح، فمراعاة أحوال الناس أمر لا بد منه إلَّا في الأمور الشرعية فإن الواجب على المرء إبانتُها وإظهارها.
* طالب: ألا يخصص هذا بحديث: (...)؟
* الشيخ: نعم، لا، كيف دنيا ويش معناها؟
* الطالب: يعني في مسألة الزواج كونهم يتعففون عن الزواج بزوجة من التبني قد يدخل في الأمور الدنيوية.
* الشيخ: إي، هو من الأمور الدنيوية؛ لأن الله ما حرمها.
* الطالب: ولذلك لماذا لا نقول: ليس عليه حرج فيما (...)؟
* الشيخ: لا فيما أحل الله له خاصة.
* طالب: الحلال يتعلق (...).
* الشيخ: نعم، وفيما حرم الله عليه عليه حرج.
* الطالب: مسألة الذم والقدح فيما أحل الله له كيف..
* الشيخ: نعم، ذَمَّ الناس له، ما هو ذم الله؛ يعني: بعض الأشياء المحللة إذا فعلها الإنسان صارت خارجة عن المروءة في عُرْف الناس، فمراعاة هذا الأمر ما نأخذه من هذه الآية، مراعاة هذا الأمر أمر لا بد منه؛ يعني: افرض أن هناك شيئًا حلالًا لكن الناس ينتقدونه عليك، ما هو من الأمور الشرعية التي لا بد من إبانتها فالأفضل للإنسان أن يَدَعَ هذا.
* الطالب: ألا يخصص هذا بحديث: «لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِكُفْرٍ»[[أخرج ابن ماجه (٢٩٥٥) بسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الحجر، فقال: «هو من البيت» قلت: ما منعهم أن يدخلوه فيه؟ قال: «عجزت بهم النفقة» قلت: فما شأن بابه مرتفعًا لا يصعد إليه إلا بسلم؟ قال: «ذلك فعل قومك، ليدخلوه من شاؤوا، ويمنعوه من شاؤوا، ولولا أن قومك حديث عهد بكفر، مخافة أن تنفر قلوبهم، لنظرت هل أغيره، فأدخل فيه ما انتقص منه، وجعلت بابه بالأرض».]]؟
* الشيخ: لا، هذه من مراعاة المصالح، من دفع المفاسد؛ لأنه إذا تحققت المفسدة فإن المفسدة لا يجوز أن الإنسان أن يمارسها، يجب عليه الكف عنها فلا تكون داخلة في ما أحل الله له.
* ويستفاد من الآية الكريمة: تكليف النبي ﷺ وأنه يلحقه الحرج فيما لم يُحِلَّه الله له؛ لقوله ﴿فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ فيستفاد من هذا أن الرسول ﷺ عبد من عَبِيدِ الله أو من عباد الله لا يخرج عن طاعته وشريعته كما قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: إن الرسول محمدًا ﷺ عَبْدٌ لا يُعْبَد ورسول لا يكذب. وهو كذلك، ويأتي إن شاء الله بقية الكلام عن الآية.
(...) البيان بالفعل أبلغ من البيان بالقول أو لا؟ لو تلحقونها. ذُكِرَت؟ ما أظن ذكرناها.
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) بالفوائد، إن البيان بالفعل أبلغ وأقوى من البيان بالقول، من أين يؤخذ؟ من كون الله تعالى زوَّج زينب بنت جحش رسولَه ﷺ فإن هذا أبلغ في الطمأنينة وثبوت الحكم. سبحان الله! هل ذكرنا أن في الآية دليل على أنما ثبت للرسول عليه الصلاة والسلام من الحكم فهو ثابت للأمة؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: ذكرناه وبيَّنا وجه الدلالة، وبيَّنَّا أن أمر الله الكوني لا بد من وقوعه.
إذن ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الأحزاب ٣٨] ويش أخذنا منها؟
* الطالب: أنه لا حرج على النبي ﷺ فيما يفعله وإن كان مخالفًا للناس فيما أحل الله (...).
* الشيخ: تكليف؟
* الطالب: تكليف. أن النبي ﷺ عبد من عباد الله (...).
* الشيخ: نعم، طيب.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب ٣٨].
* من فوائد الآية الكريمة: أن ما شرعه الله لرسوله في هذه الآية فهو مشروع لمن كان قبله؛ لقوله: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾.
* وربما يؤخذ منها فائدة أيضًا: وهي أن شرع من قَبْلَنا شرع لنا؛ لأن الله جعل هذا سنة الأولين، وقد يُنازَع في ذلك فيقال: إن الله بَيَّن أنَّ ما شرعه لنبيه أو ما نفاه عنه من حرج فيما فرض له هو سنة مَنْ قَبْلَه ولا يعني ذلك أن يوافقه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أمر الله قد كُتِبَ وقُدِّرَ؛ لقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾، وهل المراد بالأمر هنا الكوني أو الشرعي؟ الكوني.
ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾. بناء على إعراب المؤلف أن ﴿الَّذِينَ﴾ بدل من قوله: ﴿الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ * يكون من فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على الرسل السابقين؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: الثناء على مَنْ بَلَّغ شيئًا من شريعة الله من غير الرسل؛ وجه ذلك أنه إنما أُثْنِيَ على الرسل لكونهم بَلَّغوا الرسالة ولم يخشوا أحدًا فمن كان مثلهم في ذلك فهو محل الثناء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ من صفات الرسل عليهم الصلاة والسلام ألا يَخْشَوا أحدًا في تبليغ الرسالة، وإنما يخشون الله في عدم تبليغها، لا يخشون الناس في تبليغها ويخشون الله في عدم تبليغها.
* ومن فوائدها: أن إبلاغ الرسالة من خشية الله؛ فإنه لولا خشية الله ما بَلَّغوا رسالته.
* ومن فوائدها: إثبات الرسالات في من سبق؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ﴾. واعلم أنه ما من أمة من الأمم إلا أَرْسَل الله إليها رسولًا لأجل أن تَنْتفيَ الحجة عن الله وتزول المعذرة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن حِفْظَ الله عز وجل في غاية ما يكون من الحفظ؛ لقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ هذا إذا جعلنا الحسيب بمعنى الحفيظ الكافي لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣]، أما إذا جعلنا الحسيب بمعنى المحاسب فإنه يؤخذ منها فائدة؛ وهي كمال محاسبة الله عز وجل عباده وأنه لا يفوته شيء.
* ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات علم الله؛ لقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ سواء جانا الحسيب بمعنى المحاسب أو بمعنى الحفيظ فإنه لا محاسبة إلا عن عِلْم ولا حفظ إلا بعلم.
* * *
* طالب: (...) ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ﴾ الفعل المضارع (يبلغون) للاستمرار.
* الشيخ: لا، وقد يكون لوصف الحال؛ حكاية الحال، ما عرفت أنه يأتي الفعل المضارع في شيء مضى من باب الحكاية؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الذي أشار إليه المؤلف.
* الطالب: عموم الآية فيما فرض الله له حلال يعني، هذا واحد لا يكون له (...) مطلقًا.
* الشيخ: ويش لون؟
* الطالب: الإنسان في الأشياء..
* الشيخ: المباحة.
* الطالب: لا يكون له الحرية المطلقة.
* الشيخ: هذا هو الأصل، لكنا ذكرنا في أثناء التفسير أنه ينبغي للإنسان أن يراعي شعور الناس في بعض الأمور.
قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب ٤٠] ﴿مَا﴾ نافية، وهل هي حجازية أو غير عاملة؟
الجواب: غير عاملة؛ لأن العمل لـ (كان) وليس لها.
﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ﴾ يعني رسول الله ﷺ ﴿أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، لم يقل: ما كان رسول الله، بل قال: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ﴾ فتَحَدَّث عنه باعتباره شخصًا من الناس، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ فأثبت له الرسالة.
وقوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ ﴿أَبَا﴾ بالألف؛ لأنها خبر كان، ﴿أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ فليس أبا زيد أي: والده فلا يحرم عليه التزوج بزوجته زينب.
قوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ تبنيًا أو تبنيًا وولادة؟ تبنيًا وولادة أيضًا؛ لأن أبناء الرسول ﷺ الثلاثة تُوفوا قبل أن يبلغوا الرجولة، كلهم توفوا وهم صغار.
وقال بعض أهل العلم: إن المراد ﴿أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ تبنيًا؛ لأنه قال: ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ فأضاف الرجال إليهم، ولم يقل: أبا أحد من الرجال؛ وعلى هذا فلا يكون في الآية دليل على أنه ليس أبًا لأحد من الرجال نسبًا وتبنيًا، وهذا هو الأقرب أن المراد ﴿أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ تبنيًا؛ لأجل أن ينفي ما كان معروفًا عندهم من أن زيد بن حارثة ابن لرسول ﷺ.
وقوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ مر علينا فيما سبق ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ أن بعض السلف قرأ: (وهو أبٌ لهم) فكيف يُجْمَع بينه وبين هذه الآية؟
الجمع بينهما أن يقال هنا: ليس أبا أحدًا من الرجال بالتبني ولكنه أبٌ للمؤمنين باعتبار التعليم والتوجيه والإرشاد.
﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (﴿﴿وَلَكِنْ﴾ ﴾ كان ﴿﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ ﴾) أفادنا المؤلف أن ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ منصوبة بفعل محذوف تقديره (كان) رسول الله.
﴿رسول﴾ بمعنى: مُرْسَل أي: مرسل الله عز وجل لعباده.
﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ يعني: وكان خاتم النبيين (فلا يكون له ابن رجل بعده يكون نبيًّا)، وهذا التفسير الذي ذهب إليه المؤلف فيه نظر؛ لأنه يقول: ﴿خَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ إذن ليس له ولد بعده يكون رجلًا فيكون نبيًّا، وهذا بناءً على أنه يلزم أن يكون ابن النبي بعده نبيًّا، وهذا ليس بلازم فإن بعض الأنبياء ليس كلهم أولادهم أنبياء، صحيح أن كثيرًا من الأنبياء صار أولادهم أنبياء كإبراهيم مثلًا، ولكن لا يعني ذلك أن جميع الأنبياء يلزم من كونهم أنبياء إذا خلَّفوا أولادًا أن يكونوا أنبياء.
ولكن معنى قوله: ﴿خَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ أنه لا نبي بعده، هذا معنى الآية التي لا يحتمل غيرها.
﴿وَخَاتَمَ﴾ فيها قراءتان إحداهما بالكسر والثانية بالفتح، وهي عندي بالكسرة ﴿﴿وَخَاتِمَ النَّبِيِّينَ﴾ ﴾ على أن ﴿﴿خَاتِمَ﴾ ﴾ اسم فاعل؛ يعني الذي يختمهم، وفي قراءة بفتح التاء كآلة الختْم أي به خُتِم فتح التاء ﴿خَاتَمَ﴾، والخاتم ما يُخْتَم به الشيء مثل الخاتم الذي يكون في الإصبع وكُتِبَ عليه اسم صاحبه فإذا أراد أن يختم الكتاب ختمه بهذا الخاتم.
والنبي عليه الصلاة والسلام خاتِم وخاتَم؛ خاتِم لأنه آخرهم، وخاتَم كأنه طُبِعَ على الرسالات بعد ذلك فلا يمكن أن يأتي بعده رسالة، وهذا هو فائدة القراءتين.
وقوله: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ هذا كما ترون في القرآن، وفي السنة أيضًا أدلة كثيرة تدل على أنه خاتم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وعلى هذا فلا نبي بعده.
فإن قلت: ألم يثبت أن عيسى عليه الصلاة والسلام ينزل في آخر الزمان وهو نبي؟
فالجواب: بلى، ينزل وهو نبي لكن نبوة عيسى لم تتجدد بعد، بل كان نبيًّا من قبل أن يُرْفَع ولم يتجدد له نبوة بعد نبوة النبي ﷺ، فكان النبي عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء.
وهل يأتي عيسى بشريعة جديدة؟ لا، فإن قلت: أليس يضع الجزية ويكسر الصليب ويقتل الخنزير ولا يقبل إلا الإسلام؟
فالجواب: بلى، وهذه الأحكام مخالفة لحكم الشريعة الآن، فهل معنى ذلك بأنه يأتي بأحكام متجددة؟ الجواب: لا؛ لأن إخبار النبي ﷺ بذلك يكون إقرارًا له فيكون هذا من سنة الرسول ﷺ؛ يعني هو من المعلوم أن سنة الرسول عليه الصلاة والسلام هي قوله وفعله وإقراره، فإذا قال ذلك عن عيسى مقررًا له صار ذلك من سنته، وحينئذ فلم يأت عيسى بنبوة جديدة ولم يأت بتشريع جديد، ولا إشكال في ذلك.
﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ﴿كَانَ﴾ فيما مضى، وأما الآن؟ لا، إذن ﴿كَانَ﴾ هنا مسلوبة الزمان، وإنما يؤتى بها لتحقق الصفة وهي العلم.
(﴿﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ﴾ منه بأن لا نبي بعده) يعني: من العلم الذي علمه الله تعالى أنه لا نبي بعده؛ ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب ٤٠].
وقوله: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ يشمل حتى أعمال بني آدم؟ نعم ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦] قبل أن يعمله.
قال: (وإذا نزل السيد عيسى يحكم بشريعته) (إذا نزل السيد) هل وصفه الله بالسيد؟
* طالب: نعم، ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران ٣٩].
* الشيخ: من هو هذا؟ ما هو يحيى؟ ما وصفه الله بالسيد في سورة آل عمران؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ [آل عمران ٤٥، ٤٦].
* طالب: ﴿وَجِيهًا﴾.
* الشيخ: ﴿وَجِيهًا﴾. لكن ما قال: (سيد). على كل حال أنا أخشى أن هذه الكلمة دخلت على المؤلف من عبارات النصارى؛ لأنهم دائمًا يقولون: السيد المسيح، السيد المسيح. ولا شك أنه سيد عليه الصلاة والسلام؛ لأنه نبي من الأنبياء.
يقول: (يحكم بشريعته) وحينئذ لا يأتي بشريعة جديدة فلا ينافي الآية: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾.
وقد علمتم أنه يَرِدُ على قضية نزول عيسى إيرادان:
أولًا: أنه نبي، فكيف يكون نبيًّا والرسول هو خاتم الأنبياء.
وثانيًا: أنه يحصل به تغيير لبعض أحكام الشريعة، وأجبنا عن ذلك.
الأحزاب 33:41
قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب ٤١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إذا سمعت الله يقول:» ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ «فأَرْعِها سمعَك فإما خير تُؤمَر به وإما شر تُنْهى عنه»[[أخرج سعيد بن منصور في تفسيره (٥٠) عن سفيان، عن مسعر، قال: أتى عبد الله رجل، فقال: أوصني، فقال: إذا سمعت الله عز وجل يقول في كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأصغ لها سمعك، فإنه خير تؤمر به، أو شر تُصْرَف عنه.]].
وإذا نادى الله تعالى المؤمنين بوصف الإيمان فإن هذا من باب الإغراء لهم على امتثال الأمر إن كان الموجَّه إليهم أمرًا، وعلى اجتناب النهي إن كان الموجه إليهم نهيًا؛ لأنك إذا ذكرت الإنسان بوصف يقتضي الامتثال فمعنى ذلك أنك تغريه بأن يمتثل، وإذا خاطب الله المؤمنين بوصف الإيمان كان ذلك دليلًا على أنما ما خوطبوا به من مقتضيات الإيمان وأن مخالفته نقص في الإيمان، وإذا صدَّر الله الحكم بالنداء كان في ذلك دليل على أهميته والاعتناء به.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ على أي حال، والذكر -كما سبق- يكون باللسان ويكون بالقلب ويكون بالجوارح.
وقوله: ﴿ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ غير مقيد بمئة ولا مئتين ولا ألف ولا أَلْفَيْنِ؛ ذكرًا كثيرًا، والإنسان العاقل يمكنه أن يذكر الله تعالى دائمًا، والإنسان الغافل يغفل عن (...).
﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب ٤٢] هذا ذكر خاص بعد عام في العمل وفي الزمن؛ أما في العمل فإن التسبيح من الذكر فهو تخصيص بعد تعميم، وأما في الزمن فهنا خصَّه بالبكرة والأصيل، وأما الذكر فأطلق، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه ١٣٠].
يقول: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ﴾ [الأحزاب ٤١، ٤٢] التسبيح معناه التنزيه عن كل نقص وعيب، ومن العيب مشابهة المخلوقين أو مماثلة المخلوقين؛ فأنت إذا قلت: سبحان الله. المعنى أنك تُنَزِّهُ الله عن كل نقص وعيب، ومنه أي من العيوب مماثلة المخلوقين فهو منزه عن مماثلة المخلوقين وعن كل نقص في صفاته؛ فهو سميع منزه عن نقص في السمع، عليم منزه عن نقص في العلم، وهكذا بقية الصفات.
وقوله: ﴿سَبِّحُوهُ بُكْرَةً﴾ قال المؤلف رحمه الله: (أول النهار وآخره) يعني: البكرة أول النهار، والأصيل آخر النهار؛ وعلى هذا فيكون الله عز وجل قد أمرنا نسبحه في الصباح وفي المساء.
قال: (﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ أي: يرحمكم ﴿وَمَلائِكَتُهُ﴾ أي يستغفرون لكم) فسَّر المؤلف الآن الصلاة بالنسبة إلى الله بالرحمة وبالنسبة إلى الملائكة بالاستغفار؛ فقال: ﴿يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ يرحمكم ﴿وَمَلائِكَتُهُ﴾ يستغفرون لكم، وهذا فيه نظر، والصواب أن معنى ﴿يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ أي: يثني عليكم في الملأ الأعلى، والملائكة أيضًا يثنون عليكم. هذا هو معنى الصلاة ومن الملائكة أيضًا.
وقوله: ﴿يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ﴾ فيها إشكال من حيث الإعراب؛ ﴿مَلائِكَتُهُ﴾ مرفوعة وابن مالك يقول:
وَإِنْ عَلَى ضَـمِــــــــــــيرِ رَفْعٍمُتَّـــــــصِـــــــــلْ ∗∗∗ عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِالْمُنْفَصِلْ
وهنا ما جاء الضمير، ما قال: هو الذي يصلي عليكم هو وملائكته أو فاصل ما، وهذا داخل في قوله: أو فاصل ما، ما هو الفاصل هنا؟ الجار والمجرور؛ ولذلك إذا قلت: قمتُ وزيد، هذا ضعيف. والأرجح منه أن تقول: قمتُ وزيدًا على أنها مفعول معها. أما إذا فصلت فقلت: قمتُ أنا وزيد، أو قمتُ في الناس خطيبًا وزيد، وفَصَلْتَ فهذا لا بأس به. وهنا فَصَل بالجار والمجرور ﴿يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ﴾ أضاف الله الملائكة إليه من باب التشريف لهم؛ لأنهم ملائكته وهم أيضًا مخلوقون له، والملائكة -كما مر علينا- هم عالم غيبيٌّ خَلَقَهُم الله تعالى من نور ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ٢٠] ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم ٦]، وهل يمكن أن يكونوا من عالم الشهادة؟
نعم كما جاء جبريل عليه الصلاة والسلام إلى مريم فتمثل لها بشرًا سويًا، وجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام يسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان في صورة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يُرْى عليه أثر السفر ولا يعرفه أحد من الصحابة، وكما جاء في صورة دحية الكلبي، وغير ذلك لكن الأصل أنهم عالم غيبي.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي، لهم أجساد، ولا جسد إلا بروح، لهم أجساد وأرواح؛ ولهذا سَمَّى الله جبريل روحًا، ورآه النبي عليه الصلاة والسلام على خلقته مرتين وله ست مئة جناح قد سدَّ الأفق.
﴿وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ اللام في قوله: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ﴾ للتعليل.
قال المؤلف: (ليديم إخراجه إياكم) إنما صرف اللفظ إلى معنى الإدامة؛ لأنه يخاطب المؤمنين، وإذا كان يخاطب المؤمنين فإنه قد أخرجوا من الظلمات إلى النور من الأصل، ولكن قد يقال: إنه لا حاجة إلى هذا التأويل، وأن معنى قوله: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ﴾ أي: ليزيدكم علمًا وإيمانًا.
وقوله: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾ أي الكفر ﴿إِلَى النُّورِ﴾ أي: الإيمان. لا شك أن الكفر ظلمات كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣] ولا شك أيضًا أن الإيمان نور، ولكن الآية أعم مما قال المؤلف؛ فهو ليخرجكم من ظلمات الجهل والكفر إلى نور العلم والإيمان، فيكون المؤلف قد قصَّر أو تقاصر في تفسيره للآية، والصواب أنه يخرجهم من ظلمات الجهل والكفر إلى نور العلم والإيمان.
قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ ﴿كَانَ﴾ يعني الله عز وجل ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ جار ومجرور متعلق بـ﴿رَحِيمًا﴾ قُدِّمَ عليه للحصر؛ لأن هذه الرحمة رحمة خاصة للمؤمنين تقتضي العناية بهم وتوفيقهم وهدايتهم إلى الخير، وأما الرحمة العامة فهي للمؤمنين وغير المؤمنين، لكن الرحمة الخاصة للمؤمنين فقط.
ثم قال تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب ٤٤] ﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾ الضمير يعود على المؤمنين، والتحية معناها الدعاء بالبقاء، فإذا قال: حياك. أي: دعا لك بالبقاء، ثم صارت اسمًا لما يستقبل به الضيف أو الداخل أو ما أشبه ذلك مما يدل على الإكرام، فالتحية إذن في الأصل أيش؟ الدعاء بالبقاء والحياة، ثم نُقِلَت في العرف إلى كل ما يُحَيَّا به المرء ويستقبل به من عبارات التكريم، فتحيتهم أي: تحية المؤمنين ﴿يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾ يَلْقَون من؟ الله، يوم يلقون الله وذلك يوم القيامة، سواء كان في عرصات القيامة أو كان بعد دخولهم الجنة، فتحيتهم حينئذ ﴿سَلَامٌ﴾.
قال المؤلف: (بلسان الملائكة) يعني: أن الملائكة هم الذين يسلمون على هؤلاء بأمر الله، فإذا سلموا على هؤلاء بأمر الله صار كأن المسلم هو الله، ولكن هذا صَرْفٌ للآية عن ظاهرها؛ فإن ظاهر الآية أن الذي يُسَلِّم هو الله عز وجل، وإذا كان السلام من الله فهو خبر محض وليس دعاءً؛ لأن الله تعالى لا يدعو أحدًا، ولكن يخبر بالسلام الدائم الذي لا يعتريه أي نقص أو أي خوف، أما إذا كان من الملائكة فإنه يحتمل الخبر ويحتمل الدعاء؛ ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد ٢٣، ٢٤]، إنما الصواب بلا شك أن هذا السلام من الله؛ لأنه يقول: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ الملاقى هو الذي يسلم، وهو الذي يُحَيِّي هؤلاء، ولا شك أن الرب عز وجل إذا قال لهم: سلام عليكم؛ بيذهب عنهم كل خوف؛ ولهذا تسمى الجنة دار السلام كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس ٢٥]؛ لأنها دار سالمة من كل آفة لا فيها مرض ولا فيها موت ولا فيها هرم ولا فيها نقص في الرزق، بل فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خَطَر على قلب بشر كما قال عز وجل: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧].
﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ يقولون: التحلية بعد التخلية؛ يعني: تحلية الماء بعد أن نخليه من الجراثيم كذا؟ ويش معناه؟ التحلية يعني: إلباس الحل بعد التخلية، أولًا نَقِّش المرأة وأزل عنها العيوب والوسخ وبعدين حَلِّها، لكن تحليها وكلها أوساخ، ما يناسب.
إذن لما قال: ﴿سَلَامٌ﴾ أي: من الآفات ذكر بعد ذلك ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ وهذا تحلية بعد تخلية، حين أخبرهم أنهم سالمون من كل آفة بَيَّنَ أنه أعدَّ لهم أجرًا كريمًا. قال المؤلف: (هو الجنة)، والأجر بمعنى الثواب؛ وهو ما يُعْطًى الأجير في مقابلة عمله ويسمى أجرًا ويسمى أُجْرةً، ولكن سبق لنا مرات كثيرة أن أجر العاملين على عملهم ليس من باب المعاوضة؛ لأنه لو كان من باب المعاوضة لكان نعمة واحدة من نعم الله على العبد تستوعب جميع عمله، بل لو كان على سبيل المعاوضة لكان توفيقك للعمل نعمة يحتاج إلى أجر؛ ولهذا قال بعضهم:
إِذَا كَانَ شُكْرِي نَعْمَةَ اللَّهِ نَعْمَةً ∗∗∗ عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ؎فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ ∗∗∗ وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَالْعُمْرُ
وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ». قالوا: ولا أنت يا رسول الله قال: «وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ»[[أخرج مسلم (٢٨١٧/ ٧٧) بسنده جابر قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «لا يُدخِل أحدًا منكم عمله الجنة ولا يجيره من النار ولا أنا إلا برحمة من الله».]].
إذن فالعمل بماذا نصفه إذا لم يكن عوضًا؟ نصفه بأنه سبب وليس بعوض؛ ولهذا صرح الله سبحانه وتعالى في عدة الآيات بأن الثواب هذا جزاء بما كانوا يعملون أي: بسبب ما كانوا يعملون، فالباء للسببية في قوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧] ، والباء للعوض في قول الرسول ﷺ: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ»، وبهذا يُجْمع بين النصين.
﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ الأجر هو الكريم ولَّا الكريم هو المتفضل بالأجر؟
يجب أن نعلم أن الكريم يطلق على الجواد الباذل للمال ويطلق على الشيء الحسَن، ومنه قوله ﷺ لمعاذ: «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٩٦) ومسلم (١٩/٢٩) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]] يعني الحسنة.
فقوله: ﴿أَجْرًا كَرِيمًا﴾ أي: حسنًا، فما وجه كرم هذا الثواب أو هذا الأجر؟ أن الله جعل الحسنة بكم؟ بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، هذا من وجه، من وجه آخر أن مدة بقاء الإنسان في الدنيا كم بالنسبة للآخرة؟ ليس بشيء إطلاقًا ولا يُنْسَب، الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه البخاري (٢٨٩٢) من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه.]] الدنيا اللي أنت فيها ولا الدنيا اللي قبلك ولا بعدك؟ اللي قبلك بعدك واللي أنت فيها، موضع السوط، والسوط -كما تعرفون- حوالي متر، «خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» إذن فكرم هذا الثواب لا يُنْسَب إلى العمل، أو بالأصح لا يُنسب العمل إليه؛ لأنه كرم واسع لا نهاية له ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب ٦٥] اللهم اجعلنا وإياكم منهم.
* * *
﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب ٤٠].
* يستفاد من الآية الكريمة: إبطال بنوة الأدعياء؛ لقوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾. وهل يستفاد منها أن الرسول ﷺ ليس أبًا لأحد من الرضاع أو لأحد من النسب؟ ما يستفاد كذا؛ لأنه ثبت أن له أبناء، لكن بعض العلماء يقولون: إن أبناءه لم يبلغوا أن يكونوا رجالًا فالآية عامة، ولكنه تَبَيَّن لي أن هذا لا يصح أيضًا؛ لأن الرسول ﷺ له أبناء كانوا رجالًا ولهم ذرية وهم الحسن والحسين، الرسول قال: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ»[[أخرجه البخاري (٣٧٤٦) من حديث أبي بكرة رضي الله عنه.]] فسماه ابنًا، وقد عقَّ أيضًا عن الحسن والحسين الرسول عليه الصلاة والسلام هو بنفسه، إذن هذه الآية لإبطال أيش؟ بنوة الأدعياء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: ثبوت رسالة النبي ﷺ؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾.
* ومن فوائدها: أن رسول الله ﷺ آخر الأنبياء؛ لقوله: ﴿﴿وَخَاتِمَ النَّبِيِّينَ﴾ ﴾.
* ومن فوائدها: أنه أفضل الأنبياء على قراءة ﴿وَخَاتَمَ﴾ بالفتح؛ لأن الخاتم هو الطابع على الشيء وهو الشيء الذي يكمُل به الشيء وينتهي؛ ولهذا وصف النبي ﷺ نفسه مع الأنبياء بأنه كأنه قصر مشيد يطوف به الناس ويقولون: ما أجمل القصر إلا أن فيه موضع لبنة، لم يتم إلا موضع هذه اللبنة فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: «فَأَنَا اللَّبِنَةُ، وَأَنَا خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٥٣٥)، ومسلم (٢٢٨٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظه «فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين».]] فبه تمت الرسالات وكملت؛ ولهذا دين الرسول ﷺ -لاحظوا أن دين الرسول- شامل لجميع محاسن الأديان، كل محاسن الأنبياء اللي توجد فيها من نوح إلى محمد ﷺ فإنه دينه شامل لجميع محاسنها؛ والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام ٩٠] فكل هدى الأنبياء قد أيش؟ كل هدى الأنبياء قد اقتدى به النبي عليه الصلاة والسلام؛ إذن فما من صلاح في جميع الأديان وكمال إلا وجاء به محمد ﷺ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا نبي بعد محمد ﷺ؛ لقوله: ﴿﴿وَخَاتِمَ النَّبِيِّينَ﴾ ﴾.
* ومن فوائدها: أن من ادعى النبوة بعده فهو كاذب ولو جاء بما جاء به من الخوارق؛ لقوله: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ وهذا خبر، وخبر الله صدق لا يمكن أن يتطرق إليه الكذب بوجه من الوجوه.
* ومن فوائدها: أن من صدق مدعي النبوة بعد محمد ﷺ فهو كافر، ليه؟ لأنه مكذب للقرآن، والمكذب القرآن كافر.
* ومن فوائدها -ولتكن محل مناقشة الفائدة هذه- أن من ادعى أن الأولياء أفضل من الأنبياء فهو كافر، ما يؤخذ؟ ما نقول: إن هذه الآية سيقت لبيان كمالات الرسول ﷺ ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ولو كان هناك شيء أكمل من الرسالة لكان يوصف به، على كل حال ما تؤخذ الظاهر، الظاهر أن أخذها بعيد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا نبي ولا رسول بعد محمد ﷺ أو نكتفي بالفائدة التي قبلها؟! ولا نبي ولا رسول أيضًا، إذا انتفت النبوة انتفت الرسالة؛ إذ أن الرسول نبي وزيادة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات النبوات السابقة؛ لقوله: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ والنبيين جمع نبي وهم كثيرون جدًّا، لكن الرسل منهم ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا، لم يُذْكَر منهم في القرآن إلا خمسة وعشرون، وكل من ذُكِر في القرآن من الأنبياء فهو رسول حتى وإن لم يوصف بالرسالة؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر ٧٨] فدلَّ هذا على أن كل من قصَّه الله علينا نبأه في القرآن فهو رسول حتى وإن لم يوصف بالرسالة مثل: ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم ٤١] وما أشبهها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عموم علم الله؛ لقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن إقرار الله لرسوله عليه الصلاة والسلام وتأييده له شاهد لصدق رسالته؛ لأنه قال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ فلو عَلِمَ الله أن محمدًا غير رسول ماذا يصنع به؟ هو ما أقره وبس، ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة ٤٤ - ٤٦] ﴿الوتين﴾ عرق في القلب إذا قُطِعَ مات، فكون الله يؤيده وينصره ويفتح على يديه وهو يقول: إنه رسول الله وإنه أَذِنَ له باستباحة أموالكم وأخذ رقابكم إذا لم تدخلوا في الإسلام ولم تؤدوا الجزية يكون هذه آية من آيات الله له ولهذا ختم الآية هذه التي أثبتت الرسالة بقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.
* ومن فوائدها: وجوب مراقبة العبد رَبَّهُ، من أين تؤخذ؟ ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ فأنت إذا علمت أن الله عالم بكل شيء، ومن الشيء قولك وفعلك وفكرك ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦]، والله لو كان عندنا هذا الإيمان ثابتًا راسخًا لكان الإنسان تقل معاصيه ومخالفته، لكن الإنسان في غفلة، إذا علمت أنك إن تحركتَ عَلِمَ الله بك، إن سكنتَ عَلِم الله بك، إن نطقت علم الله بك، إن سكت علم الله بك، إن فكرت علم الله بك، هذا يوجب لك أيش؟ مراقبة الله عز وجل وألَّا يفقدك حيث أمرك ولا يراك حيث نهاك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على غلاة القدرية، من أين تؤخذ؟ أنهم أنكروا علم الله بما يصنعه العباد قبل وقوعه منهم، والآية هذه فيها رد عليهم ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: سعة الله عز وجل؛ سعته بكل شيء في صفاته وفي أسمائه وفي أفعاله؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء ١٣٠]، ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٤٧] من أين تؤخذ من الآية؟ من قوله: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ فاللي بكل شيء عليم لا شك أنه واسع.
أنتم تحبون أن نقرأ ولَّا الجَفَلَى في السؤال عن وجه الشاهد من الآية؟
* الطالب: الجَفَلَى.
* الشيخ: الجَفَلى أسرع، الجَفَلَى أن يكون عامًّا، والنَّقَرَى؛ يا فلان أين الشاهد؟ الجَفَلَى أحسن؟ إذن.
نَحْنُ فِي الْمَشْتَاةِ نَدْعُو الْجَفَلَى ∗∗∗ لَا تَرَى الْآدِبَ فِينَايَنْــــــــتَقِرْ
(المشتاة) زمن الشتاء (نَحْنُ فِي المَشْتاةِ نَدْعُو الجَفَلى) (الجَفَلى) نقول: يا جماعة، تفضلوا، كل اللي في المكان، (لَا تَرَى الآدِبَ فِينَا يَنْتَقِرْ) الآدب صانع المأدبة يَنْتَقِر يعني: يقول يا فلان تفضل فقط، إذن نمشي على (...).
* طالب: (...) أعمال العبادة (...) هل تسمى شيئًا؟
* الشيخ: إي نعم، تسمى شيئًا سيكون؛ لأن الشيء يطلق على الماضي والحاضر والمستقبل.
* * *
ثم قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب ٤١، ٤٢].
* في الآية الكريمة: بيان العناية بالذكر؛ لأن الله عند الأمر به صدره بالنداء.
* ومن فوائدها: أن الذكر من الإيمان بالله ومن مقتضياته؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ﴾.
* ومنها: أن الإيمان يزيد به؛ وجهُه: أن كل ما كان من مقتضيات الشيء فإنه يزداد به.
* ومن فوائدها: أن نقص الذكر نقص في الإيمان.
* ومن فوائدها: مشروعية ذكر الله تعالى بكثرة؛ لقوله: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: مشروعية التسبيح؛ لقوله: ﴿وَسَبِّحُوهُ﴾، لكن في الغدو والآصال ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تَنَزُّه الله تعالى عن كل نقص وعيب؛ لقوله: ﴿وَسَبِّحُوهُ﴾ فأمرنا بأن نُنَزِّهه؛ لأنه مستحق لذلك سبحانه وتعالى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الذكر حياة للقلب؛ لأن الله تعالى أمر به على وجه الكثرة، فلولا الفائدة العظيمة منه ما أمر به على سبيل الكثرة.
* طالب: وسط النهار ما يدخل؟
* الشيخ: لا، لا شك أن التسبيح في كل وقت، لكن كثرة التسبيح في أوله وآخره.
ثم قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣].
* من فوائد الآية الكريمة: فضيلة الإيمان وأنه سبب في ثناء الله وملائكته على عبده، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ بعد أن قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الكلام لله عز وجل، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿يُصَلِّي﴾ لأن الصلاة هي الثناء على العبد في الملأ الأعلى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: محبة الله للمؤمنين ومحبة الملائكة لهم، من أين تؤخذ؟ من الثناء عليهم والصلاة عليهم؛ لأن من يحبك يثني عليك ومن يبغضك يذمك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي لنا، بل يجب علينا محبة الله عز وجل وملائكته؛ لماذا؟ لما لهم علينا من الفضل والإحسان؛ فإنهم يصلون علينا فهذا يقتضي أن نحبهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الملائكة؛ لقوله: ﴿وَمَلَائِكَتُهُ﴾.
* ومنها: فضيلة الملائكة، من أين تؤخذ؟
* طالب: (...).؟
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* طالب: الإضافة.
* الشيخ: ﴿وَمَلَائِكَتُهُ﴾ الإضافة للتشريف والتكريم، ففيه فضيلة الملائكة؛ لأن الله أضافهم إليهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العلل والحِكَم لأفعال الله؛ لقوله: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجهل والكفر ظلم؛ لقوله: ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]، وقال: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ -أي: في الجهل- ﴿لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام ١٢٢].
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة المؤمنين وأن لهم عند الله تعالى رحمة خاصة؛ لقوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ كذا؟
* ومن فوائدها: الحث على الإيمان والترغيب فيه، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾؛ فإن الله ما أخبرنا هنا في هذه الآية الكريمة لمجرد أن نعلم أنه رحيم بالمؤمنين، ولكن من أجل أن نتعرض لهذه الرحمة الخاصة فنكون من المؤمنين ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرحمة لله؛ لقوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾.
* ومن فوائدها: الردُّ على الأشعرية ونحوهم ممن ينكرون وصف الله بالرحمة؛ لقوله: ﴿وَكَانَ﴾ فالضمير في قوله: ﴿كَانَ﴾ يعود على مَنْ؟ على الله، والرحيم خبر المبتدأ فهو وصفه.
ثم قال تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾.
* في الآية الكريمة: إثبات البعث؛ من قوله: ﴿يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾.
* وفيها: إثبات كلام الله وأنه يتكلم؛ لقوله: ﴿سَلَامٌ﴾، ويؤيده قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس ٥٨]؛ لأنه يتكلم به تعالى، ويقوله قولًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: البُشْرى العظيمة للمؤمنين وأن الله نفسه جلَّ وعلا يحييهم بهذه التحية؛ لقوله: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾. لو أن ملكًا من ملوك الدنيا وعدك بهذا، وقال: إنه سيُحَيِّيك بالسلام، ويقدم لك القِرَى الكريم الحسَن، ويش يكون فرحك؟ شوي؟
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، تشيله، أو يطير بين السماء والأرض، المهم يفرح، كيف عاد إذا كان الله عز وجل يخبر عن نفسه بأنه سيحيي المؤمنين بهذه التحية مع تقديم هذا الأجر العظيم؟! ولهذا تُعْتبر هذه الآية فيها بشارة -وهي من فوائدها- البشارة العظمى للمؤمنين بأن الله يحيِّيهم ويُعِدُّ لهم الأجر الكريم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الآخرة فيها آفات وأذى يسلم منها من يَسْلَم، ويَعْطَب فيها من يعطب؛ لقوله: ﴿يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾، أما غيرهم فلا سلام لهم؛ لأنهم مُعَذَّبون في النار والعياذ بالله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الجزاء؛ لقوله: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾.
* ومن فوائدها: أن الأجر الذي أعده الله للمؤمنين أجر حَسَن، بل هو كما قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس ٢٦] يعني أحسن شيء ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾.
الأحزاب 33:42
قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب ٤١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إذا سمعت الله يقول:» ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ «فأَرْعِها سمعَك فإما خير تُؤمَر به وإما شر تُنْهى عنه»[[أخرج سعيد بن منصور في تفسيره (٥٠) عن سفيان، عن مسعر، قال: أتى عبد الله رجل، فقال: أوصني، فقال: إذا سمعت الله عز وجل يقول في كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأصغ لها سمعك، فإنه خير تؤمر به، أو شر تُصْرَف عنه.]].
وإذا نادى الله تعالى المؤمنين بوصف الإيمان فإن هذا من باب الإغراء لهم على امتثال الأمر إن كان الموجَّه إليهم أمرًا، وعلى اجتناب النهي إن كان الموجه إليهم نهيًا؛ لأنك إذا ذكرت الإنسان بوصف يقتضي الامتثال فمعنى ذلك أنك تغريه بأن يمتثل، وإذا خاطب الله المؤمنين بوصف الإيمان كان ذلك دليلًا على أنما ما خوطبوا به من مقتضيات الإيمان وأن مخالفته نقص في الإيمان، وإذا صدَّر الله الحكم بالنداء كان في ذلك دليل على أهميته والاعتناء به.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ على أي حال، والذكر -كما سبق- يكون باللسان ويكون بالقلب ويكون بالجوارح.
وقوله: ﴿ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ غير مقيد بمئة ولا مئتين ولا ألف ولا أَلْفَيْنِ؛ ذكرًا كثيرًا، والإنسان العاقل يمكنه أن يذكر الله تعالى دائمًا، والإنسان الغافل يغفل عن (...).
﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب ٤٢] هذا ذكر خاص بعد عام في العمل وفي الزمن؛ أما في العمل فإن التسبيح من الذكر فهو تخصيص بعد تعميم، وأما في الزمن فهنا خصَّه بالبكرة والأصيل، وأما الذكر فأطلق، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه ١٣٠].
يقول: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ﴾ [الأحزاب ٤١، ٤٢] التسبيح معناه التنزيه عن كل نقص وعيب، ومن العيب مشابهة المخلوقين أو مماثلة المخلوقين؛ فأنت إذا قلت: سبحان الله. المعنى أنك تُنَزِّهُ الله عن كل نقص وعيب، ومنه أي من العيوب مماثلة المخلوقين فهو منزه عن مماثلة المخلوقين وعن كل نقص في صفاته؛ فهو سميع منزه عن نقص في السمع، عليم منزه عن نقص في العلم، وهكذا بقية الصفات.
وقوله: ﴿سَبِّحُوهُ بُكْرَةً﴾ قال المؤلف رحمه الله: (أول النهار وآخره) يعني: البكرة أول النهار، والأصيل آخر النهار؛ وعلى هذا فيكون الله عز وجل قد أمرنا نسبحه في الصباح وفي المساء.
قال: (﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ أي: يرحمكم ﴿وَمَلائِكَتُهُ﴾ أي يستغفرون لكم) فسَّر المؤلف الآن الصلاة بالنسبة إلى الله بالرحمة وبالنسبة إلى الملائكة بالاستغفار؛ فقال: ﴿يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ يرحمكم ﴿وَمَلائِكَتُهُ﴾ يستغفرون لكم، وهذا فيه نظر، والصواب أن معنى ﴿يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ أي: يثني عليكم في الملأ الأعلى، والملائكة أيضًا يثنون عليكم. هذا هو معنى الصلاة ومن الملائكة أيضًا.
وقوله: ﴿يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ﴾ فيها إشكال من حيث الإعراب؛ ﴿مَلائِكَتُهُ﴾ مرفوعة وابن مالك يقول:
وَإِنْ عَلَى ضَـمِــــــــــــيرِ رَفْعٍمُتَّـــــــصِـــــــــلْ ∗∗∗ عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِالْمُنْفَصِلْ
وهنا ما جاء الضمير، ما قال: هو الذي يصلي عليكم هو وملائكته أو فاصل ما، وهذا داخل في قوله: أو فاصل ما، ما هو الفاصل هنا؟ الجار والمجرور؛ ولذلك إذا قلت: قمتُ وزيد، هذا ضعيف. والأرجح منه أن تقول: قمتُ وزيدًا على أنها مفعول معها. أما إذا فصلت فقلت: قمتُ أنا وزيد، أو قمتُ في الناس خطيبًا وزيد، وفَصَلْتَ فهذا لا بأس به. وهنا فَصَل بالجار والمجرور ﴿يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ﴾ أضاف الله الملائكة إليه من باب التشريف لهم؛ لأنهم ملائكته وهم أيضًا مخلوقون له، والملائكة -كما مر علينا- هم عالم غيبيٌّ خَلَقَهُم الله تعالى من نور ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ٢٠] ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم ٦]، وهل يمكن أن يكونوا من عالم الشهادة؟
نعم كما جاء جبريل عليه الصلاة والسلام إلى مريم فتمثل لها بشرًا سويًا، وجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام يسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان في صورة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يُرْى عليه أثر السفر ولا يعرفه أحد من الصحابة، وكما جاء في صورة دحية الكلبي، وغير ذلك لكن الأصل أنهم عالم غيبي.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي، لهم أجساد، ولا جسد إلا بروح، لهم أجساد وأرواح؛ ولهذا سَمَّى الله جبريل روحًا، ورآه النبي عليه الصلاة والسلام على خلقته مرتين وله ست مئة جناح قد سدَّ الأفق.
﴿وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ اللام في قوله: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ﴾ للتعليل.
قال المؤلف: (ليديم إخراجه إياكم) إنما صرف اللفظ إلى معنى الإدامة؛ لأنه يخاطب المؤمنين، وإذا كان يخاطب المؤمنين فإنه قد أخرجوا من الظلمات إلى النور من الأصل، ولكن قد يقال: إنه لا حاجة إلى هذا التأويل، وأن معنى قوله: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ﴾ أي: ليزيدكم علمًا وإيمانًا.
وقوله: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾ أي الكفر ﴿إِلَى النُّورِ﴾ أي: الإيمان. لا شك أن الكفر ظلمات كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣] ولا شك أيضًا أن الإيمان نور، ولكن الآية أعم مما قال المؤلف؛ فهو ليخرجكم من ظلمات الجهل والكفر إلى نور العلم والإيمان، فيكون المؤلف قد قصَّر أو تقاصر في تفسيره للآية، والصواب أنه يخرجهم من ظلمات الجهل والكفر إلى نور العلم والإيمان.
قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ ﴿كَانَ﴾ يعني الله عز وجل ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ جار ومجرور متعلق بـ﴿رَحِيمًا﴾ قُدِّمَ عليه للحصر؛ لأن هذه الرحمة رحمة خاصة للمؤمنين تقتضي العناية بهم وتوفيقهم وهدايتهم إلى الخير، وأما الرحمة العامة فهي للمؤمنين وغير المؤمنين، لكن الرحمة الخاصة للمؤمنين فقط.
ثم قال تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب ٤٤] ﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾ الضمير يعود على المؤمنين، والتحية معناها الدعاء بالبقاء، فإذا قال: حياك. أي: دعا لك بالبقاء، ثم صارت اسمًا لما يستقبل به الضيف أو الداخل أو ما أشبه ذلك مما يدل على الإكرام، فالتحية إذن في الأصل أيش؟ الدعاء بالبقاء والحياة، ثم نُقِلَت في العرف إلى كل ما يُحَيَّا به المرء ويستقبل به من عبارات التكريم، فتحيتهم أي: تحية المؤمنين ﴿يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾ يَلْقَون من؟ الله، يوم يلقون الله وذلك يوم القيامة، سواء كان في عرصات القيامة أو كان بعد دخولهم الجنة، فتحيتهم حينئذ ﴿سَلَامٌ﴾.
قال المؤلف: (بلسان الملائكة) يعني: أن الملائكة هم الذين يسلمون على هؤلاء بأمر الله، فإذا سلموا على هؤلاء بأمر الله صار كأن المسلم هو الله، ولكن هذا صَرْفٌ للآية عن ظاهرها؛ فإن ظاهر الآية أن الذي يُسَلِّم هو الله عز وجل، وإذا كان السلام من الله فهو خبر محض وليس دعاءً؛ لأن الله تعالى لا يدعو أحدًا، ولكن يخبر بالسلام الدائم الذي لا يعتريه أي نقص أو أي خوف، أما إذا كان من الملائكة فإنه يحتمل الخبر ويحتمل الدعاء؛ ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد ٢٣، ٢٤]، إنما الصواب بلا شك أن هذا السلام من الله؛ لأنه يقول: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ الملاقى هو الذي يسلم، وهو الذي يُحَيِّي هؤلاء، ولا شك أن الرب عز وجل إذا قال لهم: سلام عليكم؛ بيذهب عنهم كل خوف؛ ولهذا تسمى الجنة دار السلام كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس ٢٥]؛ لأنها دار سالمة من كل آفة لا فيها مرض ولا فيها موت ولا فيها هرم ولا فيها نقص في الرزق، بل فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خَطَر على قلب بشر كما قال عز وجل: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧].
﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ يقولون: التحلية بعد التخلية؛ يعني: تحلية الماء بعد أن نخليه من الجراثيم كذا؟ ويش معناه؟ التحلية يعني: إلباس الحل بعد التخلية، أولًا نَقِّش المرأة وأزل عنها العيوب والوسخ وبعدين حَلِّها، لكن تحليها وكلها أوساخ، ما يناسب.
إذن لما قال: ﴿سَلَامٌ﴾ أي: من الآفات ذكر بعد ذلك ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ وهذا تحلية بعد تخلية، حين أخبرهم أنهم سالمون من كل آفة بَيَّنَ أنه أعدَّ لهم أجرًا كريمًا. قال المؤلف: (هو الجنة)، والأجر بمعنى الثواب؛ وهو ما يُعْطًى الأجير في مقابلة عمله ويسمى أجرًا ويسمى أُجْرةً، ولكن سبق لنا مرات كثيرة أن أجر العاملين على عملهم ليس من باب المعاوضة؛ لأنه لو كان من باب المعاوضة لكان نعمة واحدة من نعم الله على العبد تستوعب جميع عمله، بل لو كان على سبيل المعاوضة لكان توفيقك للعمل نعمة يحتاج إلى أجر؛ ولهذا قال بعضهم:
إِذَا كَانَ شُكْرِي نَعْمَةَ اللَّهِ نَعْمَةً ∗∗∗ عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ؎فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ ∗∗∗ وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَالْعُمْرُ
وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ». قالوا: ولا أنت يا رسول الله قال: «وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ»[[أخرج مسلم (٢٨١٧/ ٧٧) بسنده جابر قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «لا يُدخِل أحدًا منكم عمله الجنة ولا يجيره من النار ولا أنا إلا برحمة من الله».]].
إذن فالعمل بماذا نصفه إذا لم يكن عوضًا؟ نصفه بأنه سبب وليس بعوض؛ ولهذا صرح الله سبحانه وتعالى في عدة الآيات بأن الثواب هذا جزاء بما كانوا يعملون أي: بسبب ما كانوا يعملون، فالباء للسببية في قوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧] ، والباء للعوض في قول الرسول ﷺ: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ»، وبهذا يُجْمع بين النصين.
﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ الأجر هو الكريم ولَّا الكريم هو المتفضل بالأجر؟
يجب أن نعلم أن الكريم يطلق على الجواد الباذل للمال ويطلق على الشيء الحسَن، ومنه قوله ﷺ لمعاذ: «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٩٦) ومسلم (١٩/٢٩) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]] يعني الحسنة.
فقوله: ﴿أَجْرًا كَرِيمًا﴾ أي: حسنًا، فما وجه كرم هذا الثواب أو هذا الأجر؟ أن الله جعل الحسنة بكم؟ بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، هذا من وجه، من وجه آخر أن مدة بقاء الإنسان في الدنيا كم بالنسبة للآخرة؟ ليس بشيء إطلاقًا ولا يُنْسَب، الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه البخاري (٢٨٩٢) من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه.]] الدنيا اللي أنت فيها ولا الدنيا اللي قبلك ولا بعدك؟ اللي قبلك بعدك واللي أنت فيها، موضع السوط، والسوط -كما تعرفون- حوالي متر، «خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» إذن فكرم هذا الثواب لا يُنْسَب إلى العمل، أو بالأصح لا يُنسب العمل إليه؛ لأنه كرم واسع لا نهاية له ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب ٦٥] اللهم اجعلنا وإياكم منهم.
* * *
﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب ٤٠].
* يستفاد من الآية الكريمة: إبطال بنوة الأدعياء؛ لقوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾. وهل يستفاد منها أن الرسول ﷺ ليس أبًا لأحد من الرضاع أو لأحد من النسب؟ ما يستفاد كذا؛ لأنه ثبت أن له أبناء، لكن بعض العلماء يقولون: إن أبناءه لم يبلغوا أن يكونوا رجالًا فالآية عامة، ولكنه تَبَيَّن لي أن هذا لا يصح أيضًا؛ لأن الرسول ﷺ له أبناء كانوا رجالًا ولهم ذرية وهم الحسن والحسين، الرسول قال: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ»[[أخرجه البخاري (٣٧٤٦) من حديث أبي بكرة رضي الله عنه.]] فسماه ابنًا، وقد عقَّ أيضًا عن الحسن والحسين الرسول عليه الصلاة والسلام هو بنفسه، إذن هذه الآية لإبطال أيش؟ بنوة الأدعياء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: ثبوت رسالة النبي ﷺ؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾.
* ومن فوائدها: أن رسول الله ﷺ آخر الأنبياء؛ لقوله: ﴿﴿وَخَاتِمَ النَّبِيِّينَ﴾ ﴾.
* ومن فوائدها: أنه أفضل الأنبياء على قراءة ﴿وَخَاتَمَ﴾ بالفتح؛ لأن الخاتم هو الطابع على الشيء وهو الشيء الذي يكمُل به الشيء وينتهي؛ ولهذا وصف النبي ﷺ نفسه مع الأنبياء بأنه كأنه قصر مشيد يطوف به الناس ويقولون: ما أجمل القصر إلا أن فيه موضع لبنة، لم يتم إلا موضع هذه اللبنة فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: «فَأَنَا اللَّبِنَةُ، وَأَنَا خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٥٣٥)، ومسلم (٢٢٨٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظه «فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين».]] فبه تمت الرسالات وكملت؛ ولهذا دين الرسول ﷺ -لاحظوا أن دين الرسول- شامل لجميع محاسن الأديان، كل محاسن الأنبياء اللي توجد فيها من نوح إلى محمد ﷺ فإنه دينه شامل لجميع محاسنها؛ والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام ٩٠] فكل هدى الأنبياء قد أيش؟ كل هدى الأنبياء قد اقتدى به النبي عليه الصلاة والسلام؛ إذن فما من صلاح في جميع الأديان وكمال إلا وجاء به محمد ﷺ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا نبي بعد محمد ﷺ؛ لقوله: ﴿﴿وَخَاتِمَ النَّبِيِّينَ﴾ ﴾.
* ومن فوائدها: أن من ادعى النبوة بعده فهو كاذب ولو جاء بما جاء به من الخوارق؛ لقوله: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ وهذا خبر، وخبر الله صدق لا يمكن أن يتطرق إليه الكذب بوجه من الوجوه.
* ومن فوائدها: أن من صدق مدعي النبوة بعد محمد ﷺ فهو كافر، ليه؟ لأنه مكذب للقرآن، والمكذب القرآن كافر.
* ومن فوائدها -ولتكن محل مناقشة الفائدة هذه- أن من ادعى أن الأولياء أفضل من الأنبياء فهو كافر، ما يؤخذ؟ ما نقول: إن هذه الآية سيقت لبيان كمالات الرسول ﷺ ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ولو كان هناك شيء أكمل من الرسالة لكان يوصف به، على كل حال ما تؤخذ الظاهر، الظاهر أن أخذها بعيد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا نبي ولا رسول بعد محمد ﷺ أو نكتفي بالفائدة التي قبلها؟! ولا نبي ولا رسول أيضًا، إذا انتفت النبوة انتفت الرسالة؛ إذ أن الرسول نبي وزيادة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات النبوات السابقة؛ لقوله: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ والنبيين جمع نبي وهم كثيرون جدًّا، لكن الرسل منهم ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا، لم يُذْكَر منهم في القرآن إلا خمسة وعشرون، وكل من ذُكِر في القرآن من الأنبياء فهو رسول حتى وإن لم يوصف بالرسالة؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر ٧٨] فدلَّ هذا على أن كل من قصَّه الله علينا نبأه في القرآن فهو رسول حتى وإن لم يوصف بالرسالة مثل: ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم ٤١] وما أشبهها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عموم علم الله؛ لقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن إقرار الله لرسوله عليه الصلاة والسلام وتأييده له شاهد لصدق رسالته؛ لأنه قال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ فلو عَلِمَ الله أن محمدًا غير رسول ماذا يصنع به؟ هو ما أقره وبس، ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة ٤٤ - ٤٦] ﴿الوتين﴾ عرق في القلب إذا قُطِعَ مات، فكون الله يؤيده وينصره ويفتح على يديه وهو يقول: إنه رسول الله وإنه أَذِنَ له باستباحة أموالكم وأخذ رقابكم إذا لم تدخلوا في الإسلام ولم تؤدوا الجزية يكون هذه آية من آيات الله له ولهذا ختم الآية هذه التي أثبتت الرسالة بقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.
* ومن فوائدها: وجوب مراقبة العبد رَبَّهُ، من أين تؤخذ؟ ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ فأنت إذا علمت أن الله عالم بكل شيء، ومن الشيء قولك وفعلك وفكرك ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦]، والله لو كان عندنا هذا الإيمان ثابتًا راسخًا لكان الإنسان تقل معاصيه ومخالفته، لكن الإنسان في غفلة، إذا علمت أنك إن تحركتَ عَلِمَ الله بك، إن سكنتَ عَلِم الله بك، إن نطقت علم الله بك، إن سكت علم الله بك، إن فكرت علم الله بك، هذا يوجب لك أيش؟ مراقبة الله عز وجل وألَّا يفقدك حيث أمرك ولا يراك حيث نهاك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على غلاة القدرية، من أين تؤخذ؟ أنهم أنكروا علم الله بما يصنعه العباد قبل وقوعه منهم، والآية هذه فيها رد عليهم ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: سعة الله عز وجل؛ سعته بكل شيء في صفاته وفي أسمائه وفي أفعاله؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء ١٣٠]، ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٤٧] من أين تؤخذ من الآية؟ من قوله: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ فاللي بكل شيء عليم لا شك أنه واسع.
أنتم تحبون أن نقرأ ولَّا الجَفَلَى في السؤال عن وجه الشاهد من الآية؟
* الطالب: الجَفَلَى.
* الشيخ: الجَفَلى أسرع، الجَفَلَى أن يكون عامًّا، والنَّقَرَى؛ يا فلان أين الشاهد؟ الجَفَلَى أحسن؟ إذن.
نَحْنُ فِي الْمَشْتَاةِ نَدْعُو الْجَفَلَى ∗∗∗ لَا تَرَى الْآدِبَ فِينَايَنْــــــــتَقِرْ
(المشتاة) زمن الشتاء (نَحْنُ فِي المَشْتاةِ نَدْعُو الجَفَلى) (الجَفَلى) نقول: يا جماعة، تفضلوا، كل اللي في المكان، (لَا تَرَى الآدِبَ فِينَا يَنْتَقِرْ) الآدب صانع المأدبة يَنْتَقِر يعني: يقول يا فلان تفضل فقط، إذن نمشي على (...).
* طالب: (...) أعمال العبادة (...) هل تسمى شيئًا؟
* الشيخ: إي نعم، تسمى شيئًا سيكون؛ لأن الشيء يطلق على الماضي والحاضر والمستقبل.
* * *
ثم قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب ٤١، ٤٢].
* في الآية الكريمة: بيان العناية بالذكر؛ لأن الله عند الأمر به صدره بالنداء.
* ومن فوائدها: أن الذكر من الإيمان بالله ومن مقتضياته؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ﴾.
* ومنها: أن الإيمان يزيد به؛ وجهُه: أن كل ما كان من مقتضيات الشيء فإنه يزداد به.
* ومن فوائدها: أن نقص الذكر نقص في الإيمان.
* ومن فوائدها: مشروعية ذكر الله تعالى بكثرة؛ لقوله: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: مشروعية التسبيح؛ لقوله: ﴿وَسَبِّحُوهُ﴾، لكن في الغدو والآصال ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تَنَزُّه الله تعالى عن كل نقص وعيب؛ لقوله: ﴿وَسَبِّحُوهُ﴾ فأمرنا بأن نُنَزِّهه؛ لأنه مستحق لذلك سبحانه وتعالى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الذكر حياة للقلب؛ لأن الله تعالى أمر به على وجه الكثرة، فلولا الفائدة العظيمة منه ما أمر به على سبيل الكثرة.
* طالب: وسط النهار ما يدخل؟
* الشيخ: لا، لا شك أن التسبيح في كل وقت، لكن كثرة التسبيح في أوله وآخره.
ثم قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣].
* من فوائد الآية الكريمة: فضيلة الإيمان وأنه سبب في ثناء الله وملائكته على عبده، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ بعد أن قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الكلام لله عز وجل، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿يُصَلِّي﴾ لأن الصلاة هي الثناء على العبد في الملأ الأعلى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: محبة الله للمؤمنين ومحبة الملائكة لهم، من أين تؤخذ؟ من الثناء عليهم والصلاة عليهم؛ لأن من يحبك يثني عليك ومن يبغضك يذمك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي لنا، بل يجب علينا محبة الله عز وجل وملائكته؛ لماذا؟ لما لهم علينا من الفضل والإحسان؛ فإنهم يصلون علينا فهذا يقتضي أن نحبهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الملائكة؛ لقوله: ﴿وَمَلَائِكَتُهُ﴾.
* ومنها: فضيلة الملائكة، من أين تؤخذ؟
* طالب: (...).؟
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* طالب: الإضافة.
* الشيخ: ﴿وَمَلَائِكَتُهُ﴾ الإضافة للتشريف والتكريم، ففيه فضيلة الملائكة؛ لأن الله أضافهم إليهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العلل والحِكَم لأفعال الله؛ لقوله: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجهل والكفر ظلم؛ لقوله: ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]، وقال: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ -أي: في الجهل- ﴿لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام ١٢٢].
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة المؤمنين وأن لهم عند الله تعالى رحمة خاصة؛ لقوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ كذا؟
* ومن فوائدها: الحث على الإيمان والترغيب فيه، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾؛ فإن الله ما أخبرنا هنا في هذه الآية الكريمة لمجرد أن نعلم أنه رحيم بالمؤمنين، ولكن من أجل أن نتعرض لهذه الرحمة الخاصة فنكون من المؤمنين ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرحمة لله؛ لقوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾.
* ومن فوائدها: الردُّ على الأشعرية ونحوهم ممن ينكرون وصف الله بالرحمة؛ لقوله: ﴿وَكَانَ﴾ فالضمير في قوله: ﴿كَانَ﴾ يعود على مَنْ؟ على الله، والرحيم خبر المبتدأ فهو وصفه.
ثم قال تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾.
* في الآية الكريمة: إثبات البعث؛ من قوله: ﴿يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾.
* وفيها: إثبات كلام الله وأنه يتكلم؛ لقوله: ﴿سَلَامٌ﴾، ويؤيده قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس ٥٨]؛ لأنه يتكلم به تعالى، ويقوله قولًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: البُشْرى العظيمة للمؤمنين وأن الله نفسه جلَّ وعلا يحييهم بهذه التحية؛ لقوله: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾. لو أن ملكًا من ملوك الدنيا وعدك بهذا، وقال: إنه سيُحَيِّيك بالسلام، ويقدم لك القِرَى الكريم الحسَن، ويش يكون فرحك؟ شوي؟
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، تشيله، أو يطير بين السماء والأرض، المهم يفرح، كيف عاد إذا كان الله عز وجل يخبر عن نفسه بأنه سيحيي المؤمنين بهذه التحية مع تقديم هذا الأجر العظيم؟! ولهذا تُعْتبر هذه الآية فيها بشارة -وهي من فوائدها- البشارة العظمى للمؤمنين بأن الله يحيِّيهم ويُعِدُّ لهم الأجر الكريم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الآخرة فيها آفات وأذى يسلم منها من يَسْلَم، ويَعْطَب فيها من يعطب؛ لقوله: ﴿يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾، أما غيرهم فلا سلام لهم؛ لأنهم مُعَذَّبون في النار والعياذ بالله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الجزاء؛ لقوله: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾.
* ومن فوائدها: أن الأجر الذي أعده الله للمؤمنين أجر حَسَن، بل هو كما قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس ٢٦] يعني أحسن شيء ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾.
الأحزاب 33:43
قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب ٤١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إذا سمعت الله يقول:» ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ «فأَرْعِها سمعَك فإما خير تُؤمَر به وإما شر تُنْهى عنه»[[أخرج سعيد بن منصور في تفسيره (٥٠) عن سفيان، عن مسعر، قال: أتى عبد الله رجل، فقال: أوصني، فقال: إذا سمعت الله عز وجل يقول في كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأصغ لها سمعك، فإنه خير تؤمر به، أو شر تُصْرَف عنه.]].
وإذا نادى الله تعالى المؤمنين بوصف الإيمان فإن هذا من باب الإغراء لهم على امتثال الأمر إن كان الموجَّه إليهم أمرًا، وعلى اجتناب النهي إن كان الموجه إليهم نهيًا؛ لأنك إذا ذكرت الإنسان بوصف يقتضي الامتثال فمعنى ذلك أنك تغريه بأن يمتثل، وإذا خاطب الله المؤمنين بوصف الإيمان كان ذلك دليلًا على أنما ما خوطبوا به من مقتضيات الإيمان وأن مخالفته نقص في الإيمان، وإذا صدَّر الله الحكم بالنداء كان في ذلك دليل على أهميته والاعتناء به.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ على أي حال، والذكر -كما سبق- يكون باللسان ويكون بالقلب ويكون بالجوارح.
وقوله: ﴿ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ غير مقيد بمئة ولا مئتين ولا ألف ولا أَلْفَيْنِ؛ ذكرًا كثيرًا، والإنسان العاقل يمكنه أن يذكر الله تعالى دائمًا، والإنسان الغافل يغفل عن (...).
﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب ٤٢] هذا ذكر خاص بعد عام في العمل وفي الزمن؛ أما في العمل فإن التسبيح من الذكر فهو تخصيص بعد تعميم، وأما في الزمن فهنا خصَّه بالبكرة والأصيل، وأما الذكر فأطلق، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه ١٣٠].
يقول: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ﴾ [الأحزاب ٤١، ٤٢] التسبيح معناه التنزيه عن كل نقص وعيب، ومن العيب مشابهة المخلوقين أو مماثلة المخلوقين؛ فأنت إذا قلت: سبحان الله. المعنى أنك تُنَزِّهُ الله عن كل نقص وعيب، ومنه أي من العيوب مماثلة المخلوقين فهو منزه عن مماثلة المخلوقين وعن كل نقص في صفاته؛ فهو سميع منزه عن نقص في السمع، عليم منزه عن نقص في العلم، وهكذا بقية الصفات.
وقوله: ﴿سَبِّحُوهُ بُكْرَةً﴾ قال المؤلف رحمه الله: (أول النهار وآخره) يعني: البكرة أول النهار، والأصيل آخر النهار؛ وعلى هذا فيكون الله عز وجل قد أمرنا نسبحه في الصباح وفي المساء.
قال: (﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ أي: يرحمكم ﴿وَمَلائِكَتُهُ﴾ أي يستغفرون لكم) فسَّر المؤلف الآن الصلاة بالنسبة إلى الله بالرحمة وبالنسبة إلى الملائكة بالاستغفار؛ فقال: ﴿يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ يرحمكم ﴿وَمَلائِكَتُهُ﴾ يستغفرون لكم، وهذا فيه نظر، والصواب أن معنى ﴿يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ أي: يثني عليكم في الملأ الأعلى، والملائكة أيضًا يثنون عليكم. هذا هو معنى الصلاة ومن الملائكة أيضًا.
وقوله: ﴿يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ﴾ فيها إشكال من حيث الإعراب؛ ﴿مَلائِكَتُهُ﴾ مرفوعة وابن مالك يقول:
وَإِنْ عَلَى ضَـمِــــــــــــيرِ رَفْعٍمُتَّـــــــصِـــــــــلْ ∗∗∗ عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِالْمُنْفَصِلْ
وهنا ما جاء الضمير، ما قال: هو الذي يصلي عليكم هو وملائكته أو فاصل ما، وهذا داخل في قوله: أو فاصل ما، ما هو الفاصل هنا؟ الجار والمجرور؛ ولذلك إذا قلت: قمتُ وزيد، هذا ضعيف. والأرجح منه أن تقول: قمتُ وزيدًا على أنها مفعول معها. أما إذا فصلت فقلت: قمتُ أنا وزيد، أو قمتُ في الناس خطيبًا وزيد، وفَصَلْتَ فهذا لا بأس به. وهنا فَصَل بالجار والمجرور ﴿يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ﴾ أضاف الله الملائكة إليه من باب التشريف لهم؛ لأنهم ملائكته وهم أيضًا مخلوقون له، والملائكة -كما مر علينا- هم عالم غيبيٌّ خَلَقَهُم الله تعالى من نور ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ٢٠] ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم ٦]، وهل يمكن أن يكونوا من عالم الشهادة؟
نعم كما جاء جبريل عليه الصلاة والسلام إلى مريم فتمثل لها بشرًا سويًا، وجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام يسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان في صورة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يُرْى عليه أثر السفر ولا يعرفه أحد من الصحابة، وكما جاء في صورة دحية الكلبي، وغير ذلك لكن الأصل أنهم عالم غيبي.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي، لهم أجساد، ولا جسد إلا بروح، لهم أجساد وأرواح؛ ولهذا سَمَّى الله جبريل روحًا، ورآه النبي عليه الصلاة والسلام على خلقته مرتين وله ست مئة جناح قد سدَّ الأفق.
﴿وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ اللام في قوله: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ﴾ للتعليل.
قال المؤلف: (ليديم إخراجه إياكم) إنما صرف اللفظ إلى معنى الإدامة؛ لأنه يخاطب المؤمنين، وإذا كان يخاطب المؤمنين فإنه قد أخرجوا من الظلمات إلى النور من الأصل، ولكن قد يقال: إنه لا حاجة إلى هذا التأويل، وأن معنى قوله: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ﴾ أي: ليزيدكم علمًا وإيمانًا.
وقوله: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾ أي الكفر ﴿إِلَى النُّورِ﴾ أي: الإيمان. لا شك أن الكفر ظلمات كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣] ولا شك أيضًا أن الإيمان نور، ولكن الآية أعم مما قال المؤلف؛ فهو ليخرجكم من ظلمات الجهل والكفر إلى نور العلم والإيمان، فيكون المؤلف قد قصَّر أو تقاصر في تفسيره للآية، والصواب أنه يخرجهم من ظلمات الجهل والكفر إلى نور العلم والإيمان.
قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ ﴿كَانَ﴾ يعني الله عز وجل ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ جار ومجرور متعلق بـ﴿رَحِيمًا﴾ قُدِّمَ عليه للحصر؛ لأن هذه الرحمة رحمة خاصة للمؤمنين تقتضي العناية بهم وتوفيقهم وهدايتهم إلى الخير، وأما الرحمة العامة فهي للمؤمنين وغير المؤمنين، لكن الرحمة الخاصة للمؤمنين فقط.
ثم قال تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب ٤٤] ﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾ الضمير يعود على المؤمنين، والتحية معناها الدعاء بالبقاء، فإذا قال: حياك. أي: دعا لك بالبقاء، ثم صارت اسمًا لما يستقبل به الضيف أو الداخل أو ما أشبه ذلك مما يدل على الإكرام، فالتحية إذن في الأصل أيش؟ الدعاء بالبقاء والحياة، ثم نُقِلَت في العرف إلى كل ما يُحَيَّا به المرء ويستقبل به من عبارات التكريم، فتحيتهم أي: تحية المؤمنين ﴿يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾ يَلْقَون من؟ الله، يوم يلقون الله وذلك يوم القيامة، سواء كان في عرصات القيامة أو كان بعد دخولهم الجنة، فتحيتهم حينئذ ﴿سَلَامٌ﴾.
قال المؤلف: (بلسان الملائكة) يعني: أن الملائكة هم الذين يسلمون على هؤلاء بأمر الله، فإذا سلموا على هؤلاء بأمر الله صار كأن المسلم هو الله، ولكن هذا صَرْفٌ للآية عن ظاهرها؛ فإن ظاهر الآية أن الذي يُسَلِّم هو الله عز وجل، وإذا كان السلام من الله فهو خبر محض وليس دعاءً؛ لأن الله تعالى لا يدعو أحدًا، ولكن يخبر بالسلام الدائم الذي لا يعتريه أي نقص أو أي خوف، أما إذا كان من الملائكة فإنه يحتمل الخبر ويحتمل الدعاء؛ ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد ٢٣، ٢٤]، إنما الصواب بلا شك أن هذا السلام من الله؛ لأنه يقول: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ الملاقى هو الذي يسلم، وهو الذي يُحَيِّي هؤلاء، ولا شك أن الرب عز وجل إذا قال لهم: سلام عليكم؛ بيذهب عنهم كل خوف؛ ولهذا تسمى الجنة دار السلام كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس ٢٥]؛ لأنها دار سالمة من كل آفة لا فيها مرض ولا فيها موت ولا فيها هرم ولا فيها نقص في الرزق، بل فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خَطَر على قلب بشر كما قال عز وجل: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧].
﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ يقولون: التحلية بعد التخلية؛ يعني: تحلية الماء بعد أن نخليه من الجراثيم كذا؟ ويش معناه؟ التحلية يعني: إلباس الحل بعد التخلية، أولًا نَقِّش المرأة وأزل عنها العيوب والوسخ وبعدين حَلِّها، لكن تحليها وكلها أوساخ، ما يناسب.
إذن لما قال: ﴿سَلَامٌ﴾ أي: من الآفات ذكر بعد ذلك ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ وهذا تحلية بعد تخلية، حين أخبرهم أنهم سالمون من كل آفة بَيَّنَ أنه أعدَّ لهم أجرًا كريمًا. قال المؤلف: (هو الجنة)، والأجر بمعنى الثواب؛ وهو ما يُعْطًى الأجير في مقابلة عمله ويسمى أجرًا ويسمى أُجْرةً، ولكن سبق لنا مرات كثيرة أن أجر العاملين على عملهم ليس من باب المعاوضة؛ لأنه لو كان من باب المعاوضة لكان نعمة واحدة من نعم الله على العبد تستوعب جميع عمله، بل لو كان على سبيل المعاوضة لكان توفيقك للعمل نعمة يحتاج إلى أجر؛ ولهذا قال بعضهم:
إِذَا كَانَ شُكْرِي نَعْمَةَ اللَّهِ نَعْمَةً ∗∗∗ عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ؎فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ ∗∗∗ وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَالْعُمْرُ
وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ». قالوا: ولا أنت يا رسول الله قال: «وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ»[[أخرج مسلم (٢٨١٧/ ٧٧) بسنده جابر قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «لا يُدخِل أحدًا منكم عمله الجنة ولا يجيره من النار ولا أنا إلا برحمة من الله».]].
إذن فالعمل بماذا نصفه إذا لم يكن عوضًا؟ نصفه بأنه سبب وليس بعوض؛ ولهذا صرح الله سبحانه وتعالى في عدة الآيات بأن الثواب هذا جزاء بما كانوا يعملون أي: بسبب ما كانوا يعملون، فالباء للسببية في قوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧] ، والباء للعوض في قول الرسول ﷺ: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ»، وبهذا يُجْمع بين النصين.
﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ الأجر هو الكريم ولَّا الكريم هو المتفضل بالأجر؟
يجب أن نعلم أن الكريم يطلق على الجواد الباذل للمال ويطلق على الشيء الحسَن، ومنه قوله ﷺ لمعاذ: «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٩٦) ومسلم (١٩/٢٩) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]] يعني الحسنة.
فقوله: ﴿أَجْرًا كَرِيمًا﴾ أي: حسنًا، فما وجه كرم هذا الثواب أو هذا الأجر؟ أن الله جعل الحسنة بكم؟ بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، هذا من وجه، من وجه آخر أن مدة بقاء الإنسان في الدنيا كم بالنسبة للآخرة؟ ليس بشيء إطلاقًا ولا يُنْسَب، الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه البخاري (٢٨٩٢) من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه.]] الدنيا اللي أنت فيها ولا الدنيا اللي قبلك ولا بعدك؟ اللي قبلك بعدك واللي أنت فيها، موضع السوط، والسوط -كما تعرفون- حوالي متر، «خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» إذن فكرم هذا الثواب لا يُنْسَب إلى العمل، أو بالأصح لا يُنسب العمل إليه؛ لأنه كرم واسع لا نهاية له ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب ٦٥] اللهم اجعلنا وإياكم منهم.
* * *
﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب ٤٠].
* يستفاد من الآية الكريمة: إبطال بنوة الأدعياء؛ لقوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾. وهل يستفاد منها أن الرسول ﷺ ليس أبًا لأحد من الرضاع أو لأحد من النسب؟ ما يستفاد كذا؛ لأنه ثبت أن له أبناء، لكن بعض العلماء يقولون: إن أبناءه لم يبلغوا أن يكونوا رجالًا فالآية عامة، ولكنه تَبَيَّن لي أن هذا لا يصح أيضًا؛ لأن الرسول ﷺ له أبناء كانوا رجالًا ولهم ذرية وهم الحسن والحسين، الرسول قال: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ»[[أخرجه البخاري (٣٧٤٦) من حديث أبي بكرة رضي الله عنه.]] فسماه ابنًا، وقد عقَّ أيضًا عن الحسن والحسين الرسول عليه الصلاة والسلام هو بنفسه، إذن هذه الآية لإبطال أيش؟ بنوة الأدعياء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: ثبوت رسالة النبي ﷺ؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾.
* ومن فوائدها: أن رسول الله ﷺ آخر الأنبياء؛ لقوله: ﴿﴿وَخَاتِمَ النَّبِيِّينَ﴾ ﴾.
* ومن فوائدها: أنه أفضل الأنبياء على قراءة ﴿وَخَاتَمَ﴾ بالفتح؛ لأن الخاتم هو الطابع على الشيء وهو الشيء الذي يكمُل به الشيء وينتهي؛ ولهذا وصف النبي ﷺ نفسه مع الأنبياء بأنه كأنه قصر مشيد يطوف به الناس ويقولون: ما أجمل القصر إلا أن فيه موضع لبنة، لم يتم إلا موضع هذه اللبنة فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: «فَأَنَا اللَّبِنَةُ، وَأَنَا خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٥٣٥)، ومسلم (٢٢٨٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظه «فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين».]] فبه تمت الرسالات وكملت؛ ولهذا دين الرسول ﷺ -لاحظوا أن دين الرسول- شامل لجميع محاسن الأديان، كل محاسن الأنبياء اللي توجد فيها من نوح إلى محمد ﷺ فإنه دينه شامل لجميع محاسنها؛ والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام ٩٠] فكل هدى الأنبياء قد أيش؟ كل هدى الأنبياء قد اقتدى به النبي عليه الصلاة والسلام؛ إذن فما من صلاح في جميع الأديان وكمال إلا وجاء به محمد ﷺ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا نبي بعد محمد ﷺ؛ لقوله: ﴿﴿وَخَاتِمَ النَّبِيِّينَ﴾ ﴾.
* ومن فوائدها: أن من ادعى النبوة بعده فهو كاذب ولو جاء بما جاء به من الخوارق؛ لقوله: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ وهذا خبر، وخبر الله صدق لا يمكن أن يتطرق إليه الكذب بوجه من الوجوه.
* ومن فوائدها: أن من صدق مدعي النبوة بعد محمد ﷺ فهو كافر، ليه؟ لأنه مكذب للقرآن، والمكذب القرآن كافر.
* ومن فوائدها -ولتكن محل مناقشة الفائدة هذه- أن من ادعى أن الأولياء أفضل من الأنبياء فهو كافر، ما يؤخذ؟ ما نقول: إن هذه الآية سيقت لبيان كمالات الرسول ﷺ ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ولو كان هناك شيء أكمل من الرسالة لكان يوصف به، على كل حال ما تؤخذ الظاهر، الظاهر أن أخذها بعيد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا نبي ولا رسول بعد محمد ﷺ أو نكتفي بالفائدة التي قبلها؟! ولا نبي ولا رسول أيضًا، إذا انتفت النبوة انتفت الرسالة؛ إذ أن الرسول نبي وزيادة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات النبوات السابقة؛ لقوله: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ والنبيين جمع نبي وهم كثيرون جدًّا، لكن الرسل منهم ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا، لم يُذْكَر منهم في القرآن إلا خمسة وعشرون، وكل من ذُكِر في القرآن من الأنبياء فهو رسول حتى وإن لم يوصف بالرسالة؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر ٧٨] فدلَّ هذا على أن كل من قصَّه الله علينا نبأه في القرآن فهو رسول حتى وإن لم يوصف بالرسالة مثل: ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم ٤١] وما أشبهها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عموم علم الله؛ لقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن إقرار الله لرسوله عليه الصلاة والسلام وتأييده له شاهد لصدق رسالته؛ لأنه قال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ فلو عَلِمَ الله أن محمدًا غير رسول ماذا يصنع به؟ هو ما أقره وبس، ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة ٤٤ - ٤٦] ﴿الوتين﴾ عرق في القلب إذا قُطِعَ مات، فكون الله يؤيده وينصره ويفتح على يديه وهو يقول: إنه رسول الله وإنه أَذِنَ له باستباحة أموالكم وأخذ رقابكم إذا لم تدخلوا في الإسلام ولم تؤدوا الجزية يكون هذه آية من آيات الله له ولهذا ختم الآية هذه التي أثبتت الرسالة بقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.
* ومن فوائدها: وجوب مراقبة العبد رَبَّهُ، من أين تؤخذ؟ ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ فأنت إذا علمت أن الله عالم بكل شيء، ومن الشيء قولك وفعلك وفكرك ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦]، والله لو كان عندنا هذا الإيمان ثابتًا راسخًا لكان الإنسان تقل معاصيه ومخالفته، لكن الإنسان في غفلة، إذا علمت أنك إن تحركتَ عَلِمَ الله بك، إن سكنتَ عَلِم الله بك، إن نطقت علم الله بك، إن سكت علم الله بك، إن فكرت علم الله بك، هذا يوجب لك أيش؟ مراقبة الله عز وجل وألَّا يفقدك حيث أمرك ولا يراك حيث نهاك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على غلاة القدرية، من أين تؤخذ؟ أنهم أنكروا علم الله بما يصنعه العباد قبل وقوعه منهم، والآية هذه فيها رد عليهم ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: سعة الله عز وجل؛ سعته بكل شيء في صفاته وفي أسمائه وفي أفعاله؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء ١٣٠]، ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٤٧] من أين تؤخذ من الآية؟ من قوله: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ فاللي بكل شيء عليم لا شك أنه واسع.
أنتم تحبون أن نقرأ ولَّا الجَفَلَى في السؤال عن وجه الشاهد من الآية؟
* الطالب: الجَفَلَى.
* الشيخ: الجَفَلى أسرع، الجَفَلَى أن يكون عامًّا، والنَّقَرَى؛ يا فلان أين الشاهد؟ الجَفَلَى أحسن؟ إذن.
نَحْنُ فِي الْمَشْتَاةِ نَدْعُو الْجَفَلَى ∗∗∗ لَا تَرَى الْآدِبَ فِينَايَنْــــــــتَقِرْ
(المشتاة) زمن الشتاء (نَحْنُ فِي المَشْتاةِ نَدْعُو الجَفَلى) (الجَفَلى) نقول: يا جماعة، تفضلوا، كل اللي في المكان، (لَا تَرَى الآدِبَ فِينَا يَنْتَقِرْ) الآدب صانع المأدبة يَنْتَقِر يعني: يقول يا فلان تفضل فقط، إذن نمشي على (...).
* طالب: (...) أعمال العبادة (...) هل تسمى شيئًا؟
* الشيخ: إي نعم، تسمى شيئًا سيكون؛ لأن الشيء يطلق على الماضي والحاضر والمستقبل.
* * *
ثم قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب ٤١، ٤٢].
* في الآية الكريمة: بيان العناية بالذكر؛ لأن الله عند الأمر به صدره بالنداء.
* ومن فوائدها: أن الذكر من الإيمان بالله ومن مقتضياته؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ﴾.
* ومنها: أن الإيمان يزيد به؛ وجهُه: أن كل ما كان من مقتضيات الشيء فإنه يزداد به.
* ومن فوائدها: أن نقص الذكر نقص في الإيمان.
* ومن فوائدها: مشروعية ذكر الله تعالى بكثرة؛ لقوله: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: مشروعية التسبيح؛ لقوله: ﴿وَسَبِّحُوهُ﴾، لكن في الغدو والآصال ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تَنَزُّه الله تعالى عن كل نقص وعيب؛ لقوله: ﴿وَسَبِّحُوهُ﴾ فأمرنا بأن نُنَزِّهه؛ لأنه مستحق لذلك سبحانه وتعالى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الذكر حياة للقلب؛ لأن الله تعالى أمر به على وجه الكثرة، فلولا الفائدة العظيمة منه ما أمر به على سبيل الكثرة.
* طالب: وسط النهار ما يدخل؟
* الشيخ: لا، لا شك أن التسبيح في كل وقت، لكن كثرة التسبيح في أوله وآخره.
ثم قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣].
* من فوائد الآية الكريمة: فضيلة الإيمان وأنه سبب في ثناء الله وملائكته على عبده، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ بعد أن قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الكلام لله عز وجل، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿يُصَلِّي﴾ لأن الصلاة هي الثناء على العبد في الملأ الأعلى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: محبة الله للمؤمنين ومحبة الملائكة لهم، من أين تؤخذ؟ من الثناء عليهم والصلاة عليهم؛ لأن من يحبك يثني عليك ومن يبغضك يذمك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي لنا، بل يجب علينا محبة الله عز وجل وملائكته؛ لماذا؟ لما لهم علينا من الفضل والإحسان؛ فإنهم يصلون علينا فهذا يقتضي أن نحبهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الملائكة؛ لقوله: ﴿وَمَلَائِكَتُهُ﴾.
* ومنها: فضيلة الملائكة، من أين تؤخذ؟
* طالب: (...).؟
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* طالب: الإضافة.
* الشيخ: ﴿وَمَلَائِكَتُهُ﴾ الإضافة للتشريف والتكريم، ففيه فضيلة الملائكة؛ لأن الله أضافهم إليهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العلل والحِكَم لأفعال الله؛ لقوله: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجهل والكفر ظلم؛ لقوله: ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]، وقال: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ -أي: في الجهل- ﴿لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام ١٢٢].
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة المؤمنين وأن لهم عند الله تعالى رحمة خاصة؛ لقوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ كذا؟
* ومن فوائدها: الحث على الإيمان والترغيب فيه، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾؛ فإن الله ما أخبرنا هنا في هذه الآية الكريمة لمجرد أن نعلم أنه رحيم بالمؤمنين، ولكن من أجل أن نتعرض لهذه الرحمة الخاصة فنكون من المؤمنين ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرحمة لله؛ لقوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾.
* ومن فوائدها: الردُّ على الأشعرية ونحوهم ممن ينكرون وصف الله بالرحمة؛ لقوله: ﴿وَكَانَ﴾ فالضمير في قوله: ﴿كَانَ﴾ يعود على مَنْ؟ على الله، والرحيم خبر المبتدأ فهو وصفه.
ثم قال تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾.
* في الآية الكريمة: إثبات البعث؛ من قوله: ﴿يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾.
* وفيها: إثبات كلام الله وأنه يتكلم؛ لقوله: ﴿سَلَامٌ﴾، ويؤيده قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس ٥٨]؛ لأنه يتكلم به تعالى، ويقوله قولًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: البُشْرى العظيمة للمؤمنين وأن الله نفسه جلَّ وعلا يحييهم بهذه التحية؛ لقوله: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾. لو أن ملكًا من ملوك الدنيا وعدك بهذا، وقال: إنه سيُحَيِّيك بالسلام، ويقدم لك القِرَى الكريم الحسَن، ويش يكون فرحك؟ شوي؟
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، تشيله، أو يطير بين السماء والأرض، المهم يفرح، كيف عاد إذا كان الله عز وجل يخبر عن نفسه بأنه سيحيي المؤمنين بهذه التحية مع تقديم هذا الأجر العظيم؟! ولهذا تُعْتبر هذه الآية فيها بشارة -وهي من فوائدها- البشارة العظمى للمؤمنين بأن الله يحيِّيهم ويُعِدُّ لهم الأجر الكريم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الآخرة فيها آفات وأذى يسلم منها من يَسْلَم، ويَعْطَب فيها من يعطب؛ لقوله: ﴿يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾، أما غيرهم فلا سلام لهم؛ لأنهم مُعَذَّبون في النار والعياذ بالله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الجزاء؛ لقوله: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾.
* ومن فوائدها: أن الأجر الذي أعده الله للمؤمنين أجر حَسَن، بل هو كما قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس ٢٦] يعني أحسن شيء ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾.
الأحزاب 33:44
قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب ٤١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إذا سمعت الله يقول:» ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ «فأَرْعِها سمعَك فإما خير تُؤمَر به وإما شر تُنْهى عنه»[[أخرج سعيد بن منصور في تفسيره (٥٠) عن سفيان، عن مسعر، قال: أتى عبد الله رجل، فقال: أوصني، فقال: إذا سمعت الله عز وجل يقول في كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأصغ لها سمعك، فإنه خير تؤمر به، أو شر تُصْرَف عنه.]].
وإذا نادى الله تعالى المؤمنين بوصف الإيمان فإن هذا من باب الإغراء لهم على امتثال الأمر إن كان الموجَّه إليهم أمرًا، وعلى اجتناب النهي إن كان الموجه إليهم نهيًا؛ لأنك إذا ذكرت الإنسان بوصف يقتضي الامتثال فمعنى ذلك أنك تغريه بأن يمتثل، وإذا خاطب الله المؤمنين بوصف الإيمان كان ذلك دليلًا على أنما ما خوطبوا به من مقتضيات الإيمان وأن مخالفته نقص في الإيمان، وإذا صدَّر الله الحكم بالنداء كان في ذلك دليل على أهميته والاعتناء به.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ على أي حال، والذكر -كما سبق- يكون باللسان ويكون بالقلب ويكون بالجوارح.
وقوله: ﴿ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ غير مقيد بمئة ولا مئتين ولا ألف ولا أَلْفَيْنِ؛ ذكرًا كثيرًا، والإنسان العاقل يمكنه أن يذكر الله تعالى دائمًا، والإنسان الغافل يغفل عن (...).
﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب ٤٢] هذا ذكر خاص بعد عام في العمل وفي الزمن؛ أما في العمل فإن التسبيح من الذكر فهو تخصيص بعد تعميم، وأما في الزمن فهنا خصَّه بالبكرة والأصيل، وأما الذكر فأطلق، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه ١٣٠].
يقول: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ﴾ [الأحزاب ٤١، ٤٢] التسبيح معناه التنزيه عن كل نقص وعيب، ومن العيب مشابهة المخلوقين أو مماثلة المخلوقين؛ فأنت إذا قلت: سبحان الله. المعنى أنك تُنَزِّهُ الله عن كل نقص وعيب، ومنه أي من العيوب مماثلة المخلوقين فهو منزه عن مماثلة المخلوقين وعن كل نقص في صفاته؛ فهو سميع منزه عن نقص في السمع، عليم منزه عن نقص في العلم، وهكذا بقية الصفات.
وقوله: ﴿سَبِّحُوهُ بُكْرَةً﴾ قال المؤلف رحمه الله: (أول النهار وآخره) يعني: البكرة أول النهار، والأصيل آخر النهار؛ وعلى هذا فيكون الله عز وجل قد أمرنا نسبحه في الصباح وفي المساء.
قال: (﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ أي: يرحمكم ﴿وَمَلائِكَتُهُ﴾ أي يستغفرون لكم) فسَّر المؤلف الآن الصلاة بالنسبة إلى الله بالرحمة وبالنسبة إلى الملائكة بالاستغفار؛ فقال: ﴿يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ يرحمكم ﴿وَمَلائِكَتُهُ﴾ يستغفرون لكم، وهذا فيه نظر، والصواب أن معنى ﴿يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ أي: يثني عليكم في الملأ الأعلى، والملائكة أيضًا يثنون عليكم. هذا هو معنى الصلاة ومن الملائكة أيضًا.
وقوله: ﴿يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ﴾ فيها إشكال من حيث الإعراب؛ ﴿مَلائِكَتُهُ﴾ مرفوعة وابن مالك يقول:
وَإِنْ عَلَى ضَـمِــــــــــــيرِ رَفْعٍمُتَّـــــــصِـــــــــلْ ∗∗∗ عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِالْمُنْفَصِلْ
وهنا ما جاء الضمير، ما قال: هو الذي يصلي عليكم هو وملائكته أو فاصل ما، وهذا داخل في قوله: أو فاصل ما، ما هو الفاصل هنا؟ الجار والمجرور؛ ولذلك إذا قلت: قمتُ وزيد، هذا ضعيف. والأرجح منه أن تقول: قمتُ وزيدًا على أنها مفعول معها. أما إذا فصلت فقلت: قمتُ أنا وزيد، أو قمتُ في الناس خطيبًا وزيد، وفَصَلْتَ فهذا لا بأس به. وهنا فَصَل بالجار والمجرور ﴿يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ﴾ أضاف الله الملائكة إليه من باب التشريف لهم؛ لأنهم ملائكته وهم أيضًا مخلوقون له، والملائكة -كما مر علينا- هم عالم غيبيٌّ خَلَقَهُم الله تعالى من نور ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ٢٠] ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم ٦]، وهل يمكن أن يكونوا من عالم الشهادة؟
نعم كما جاء جبريل عليه الصلاة والسلام إلى مريم فتمثل لها بشرًا سويًا، وجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام يسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان في صورة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يُرْى عليه أثر السفر ولا يعرفه أحد من الصحابة، وكما جاء في صورة دحية الكلبي، وغير ذلك لكن الأصل أنهم عالم غيبي.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي، لهم أجساد، ولا جسد إلا بروح، لهم أجساد وأرواح؛ ولهذا سَمَّى الله جبريل روحًا، ورآه النبي عليه الصلاة والسلام على خلقته مرتين وله ست مئة جناح قد سدَّ الأفق.
﴿وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ اللام في قوله: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ﴾ للتعليل.
قال المؤلف: (ليديم إخراجه إياكم) إنما صرف اللفظ إلى معنى الإدامة؛ لأنه يخاطب المؤمنين، وإذا كان يخاطب المؤمنين فإنه قد أخرجوا من الظلمات إلى النور من الأصل، ولكن قد يقال: إنه لا حاجة إلى هذا التأويل، وأن معنى قوله: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ﴾ أي: ليزيدكم علمًا وإيمانًا.
وقوله: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾ أي الكفر ﴿إِلَى النُّورِ﴾ أي: الإيمان. لا شك أن الكفر ظلمات كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣] ولا شك أيضًا أن الإيمان نور، ولكن الآية أعم مما قال المؤلف؛ فهو ليخرجكم من ظلمات الجهل والكفر إلى نور العلم والإيمان، فيكون المؤلف قد قصَّر أو تقاصر في تفسيره للآية، والصواب أنه يخرجهم من ظلمات الجهل والكفر إلى نور العلم والإيمان.
قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ ﴿كَانَ﴾ يعني الله عز وجل ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ جار ومجرور متعلق بـ﴿رَحِيمًا﴾ قُدِّمَ عليه للحصر؛ لأن هذه الرحمة رحمة خاصة للمؤمنين تقتضي العناية بهم وتوفيقهم وهدايتهم إلى الخير، وأما الرحمة العامة فهي للمؤمنين وغير المؤمنين، لكن الرحمة الخاصة للمؤمنين فقط.
ثم قال تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب ٤٤] ﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾ الضمير يعود على المؤمنين، والتحية معناها الدعاء بالبقاء، فإذا قال: حياك. أي: دعا لك بالبقاء، ثم صارت اسمًا لما يستقبل به الضيف أو الداخل أو ما أشبه ذلك مما يدل على الإكرام، فالتحية إذن في الأصل أيش؟ الدعاء بالبقاء والحياة، ثم نُقِلَت في العرف إلى كل ما يُحَيَّا به المرء ويستقبل به من عبارات التكريم، فتحيتهم أي: تحية المؤمنين ﴿يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾ يَلْقَون من؟ الله، يوم يلقون الله وذلك يوم القيامة، سواء كان في عرصات القيامة أو كان بعد دخولهم الجنة، فتحيتهم حينئذ ﴿سَلَامٌ﴾.
قال المؤلف: (بلسان الملائكة) يعني: أن الملائكة هم الذين يسلمون على هؤلاء بأمر الله، فإذا سلموا على هؤلاء بأمر الله صار كأن المسلم هو الله، ولكن هذا صَرْفٌ للآية عن ظاهرها؛ فإن ظاهر الآية أن الذي يُسَلِّم هو الله عز وجل، وإذا كان السلام من الله فهو خبر محض وليس دعاءً؛ لأن الله تعالى لا يدعو أحدًا، ولكن يخبر بالسلام الدائم الذي لا يعتريه أي نقص أو أي خوف، أما إذا كان من الملائكة فإنه يحتمل الخبر ويحتمل الدعاء؛ ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد ٢٣، ٢٤]، إنما الصواب بلا شك أن هذا السلام من الله؛ لأنه يقول: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ الملاقى هو الذي يسلم، وهو الذي يُحَيِّي هؤلاء، ولا شك أن الرب عز وجل إذا قال لهم: سلام عليكم؛ بيذهب عنهم كل خوف؛ ولهذا تسمى الجنة دار السلام كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس ٢٥]؛ لأنها دار سالمة من كل آفة لا فيها مرض ولا فيها موت ولا فيها هرم ولا فيها نقص في الرزق، بل فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خَطَر على قلب بشر كما قال عز وجل: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧].
﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ يقولون: التحلية بعد التخلية؛ يعني: تحلية الماء بعد أن نخليه من الجراثيم كذا؟ ويش معناه؟ التحلية يعني: إلباس الحل بعد التخلية، أولًا نَقِّش المرأة وأزل عنها العيوب والوسخ وبعدين حَلِّها، لكن تحليها وكلها أوساخ، ما يناسب.
إذن لما قال: ﴿سَلَامٌ﴾ أي: من الآفات ذكر بعد ذلك ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ وهذا تحلية بعد تخلية، حين أخبرهم أنهم سالمون من كل آفة بَيَّنَ أنه أعدَّ لهم أجرًا كريمًا. قال المؤلف: (هو الجنة)، والأجر بمعنى الثواب؛ وهو ما يُعْطًى الأجير في مقابلة عمله ويسمى أجرًا ويسمى أُجْرةً، ولكن سبق لنا مرات كثيرة أن أجر العاملين على عملهم ليس من باب المعاوضة؛ لأنه لو كان من باب المعاوضة لكان نعمة واحدة من نعم الله على العبد تستوعب جميع عمله، بل لو كان على سبيل المعاوضة لكان توفيقك للعمل نعمة يحتاج إلى أجر؛ ولهذا قال بعضهم:
إِذَا كَانَ شُكْرِي نَعْمَةَ اللَّهِ نَعْمَةً ∗∗∗ عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ؎فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ ∗∗∗ وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَالْعُمْرُ
وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ». قالوا: ولا أنت يا رسول الله قال: «وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ»[[أخرج مسلم (٢٨١٧/ ٧٧) بسنده جابر قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «لا يُدخِل أحدًا منكم عمله الجنة ولا يجيره من النار ولا أنا إلا برحمة من الله».]].
إذن فالعمل بماذا نصفه إذا لم يكن عوضًا؟ نصفه بأنه سبب وليس بعوض؛ ولهذا صرح الله سبحانه وتعالى في عدة الآيات بأن الثواب هذا جزاء بما كانوا يعملون أي: بسبب ما كانوا يعملون، فالباء للسببية في قوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧] ، والباء للعوض في قول الرسول ﷺ: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ»، وبهذا يُجْمع بين النصين.
﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ الأجر هو الكريم ولَّا الكريم هو المتفضل بالأجر؟
يجب أن نعلم أن الكريم يطلق على الجواد الباذل للمال ويطلق على الشيء الحسَن، ومنه قوله ﷺ لمعاذ: «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٩٦) ومسلم (١٩/٢٩) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]] يعني الحسنة.
فقوله: ﴿أَجْرًا كَرِيمًا﴾ أي: حسنًا، فما وجه كرم هذا الثواب أو هذا الأجر؟ أن الله جعل الحسنة بكم؟ بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، هذا من وجه، من وجه آخر أن مدة بقاء الإنسان في الدنيا كم بالنسبة للآخرة؟ ليس بشيء إطلاقًا ولا يُنْسَب، الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه البخاري (٢٨٩٢) من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه.]] الدنيا اللي أنت فيها ولا الدنيا اللي قبلك ولا بعدك؟ اللي قبلك بعدك واللي أنت فيها، موضع السوط، والسوط -كما تعرفون- حوالي متر، «خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» إذن فكرم هذا الثواب لا يُنْسَب إلى العمل، أو بالأصح لا يُنسب العمل إليه؛ لأنه كرم واسع لا نهاية له ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب ٦٥] اللهم اجعلنا وإياكم منهم.
* * *
﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب ٤٠].
* يستفاد من الآية الكريمة: إبطال بنوة الأدعياء؛ لقوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾. وهل يستفاد منها أن الرسول ﷺ ليس أبًا لأحد من الرضاع أو لأحد من النسب؟ ما يستفاد كذا؛ لأنه ثبت أن له أبناء، لكن بعض العلماء يقولون: إن أبناءه لم يبلغوا أن يكونوا رجالًا فالآية عامة، ولكنه تَبَيَّن لي أن هذا لا يصح أيضًا؛ لأن الرسول ﷺ له أبناء كانوا رجالًا ولهم ذرية وهم الحسن والحسين، الرسول قال: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ»[[أخرجه البخاري (٣٧٤٦) من حديث أبي بكرة رضي الله عنه.]] فسماه ابنًا، وقد عقَّ أيضًا عن الحسن والحسين الرسول عليه الصلاة والسلام هو بنفسه، إذن هذه الآية لإبطال أيش؟ بنوة الأدعياء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: ثبوت رسالة النبي ﷺ؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾.
* ومن فوائدها: أن رسول الله ﷺ آخر الأنبياء؛ لقوله: ﴿﴿وَخَاتِمَ النَّبِيِّينَ﴾ ﴾.
* ومن فوائدها: أنه أفضل الأنبياء على قراءة ﴿وَخَاتَمَ﴾ بالفتح؛ لأن الخاتم هو الطابع على الشيء وهو الشيء الذي يكمُل به الشيء وينتهي؛ ولهذا وصف النبي ﷺ نفسه مع الأنبياء بأنه كأنه قصر مشيد يطوف به الناس ويقولون: ما أجمل القصر إلا أن فيه موضع لبنة، لم يتم إلا موضع هذه اللبنة فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: «فَأَنَا اللَّبِنَةُ، وَأَنَا خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٥٣٥)، ومسلم (٢٢٨٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظه «فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين».]] فبه تمت الرسالات وكملت؛ ولهذا دين الرسول ﷺ -لاحظوا أن دين الرسول- شامل لجميع محاسن الأديان، كل محاسن الأنبياء اللي توجد فيها من نوح إلى محمد ﷺ فإنه دينه شامل لجميع محاسنها؛ والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام ٩٠] فكل هدى الأنبياء قد أيش؟ كل هدى الأنبياء قد اقتدى به النبي عليه الصلاة والسلام؛ إذن فما من صلاح في جميع الأديان وكمال إلا وجاء به محمد ﷺ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا نبي بعد محمد ﷺ؛ لقوله: ﴿﴿وَخَاتِمَ النَّبِيِّينَ﴾ ﴾.
* ومن فوائدها: أن من ادعى النبوة بعده فهو كاذب ولو جاء بما جاء به من الخوارق؛ لقوله: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ وهذا خبر، وخبر الله صدق لا يمكن أن يتطرق إليه الكذب بوجه من الوجوه.
* ومن فوائدها: أن من صدق مدعي النبوة بعد محمد ﷺ فهو كافر، ليه؟ لأنه مكذب للقرآن، والمكذب القرآن كافر.
* ومن فوائدها -ولتكن محل مناقشة الفائدة هذه- أن من ادعى أن الأولياء أفضل من الأنبياء فهو كافر، ما يؤخذ؟ ما نقول: إن هذه الآية سيقت لبيان كمالات الرسول ﷺ ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ولو كان هناك شيء أكمل من الرسالة لكان يوصف به، على كل حال ما تؤخذ الظاهر، الظاهر أن أخذها بعيد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا نبي ولا رسول بعد محمد ﷺ أو نكتفي بالفائدة التي قبلها؟! ولا نبي ولا رسول أيضًا، إذا انتفت النبوة انتفت الرسالة؛ إذ أن الرسول نبي وزيادة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات النبوات السابقة؛ لقوله: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ والنبيين جمع نبي وهم كثيرون جدًّا، لكن الرسل منهم ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا، لم يُذْكَر منهم في القرآن إلا خمسة وعشرون، وكل من ذُكِر في القرآن من الأنبياء فهو رسول حتى وإن لم يوصف بالرسالة؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر ٧٨] فدلَّ هذا على أن كل من قصَّه الله علينا نبأه في القرآن فهو رسول حتى وإن لم يوصف بالرسالة مثل: ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم ٤١] وما أشبهها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عموم علم الله؛ لقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن إقرار الله لرسوله عليه الصلاة والسلام وتأييده له شاهد لصدق رسالته؛ لأنه قال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ فلو عَلِمَ الله أن محمدًا غير رسول ماذا يصنع به؟ هو ما أقره وبس، ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة ٤٤ - ٤٦] ﴿الوتين﴾ عرق في القلب إذا قُطِعَ مات، فكون الله يؤيده وينصره ويفتح على يديه وهو يقول: إنه رسول الله وإنه أَذِنَ له باستباحة أموالكم وأخذ رقابكم إذا لم تدخلوا في الإسلام ولم تؤدوا الجزية يكون هذه آية من آيات الله له ولهذا ختم الآية هذه التي أثبتت الرسالة بقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.
* ومن فوائدها: وجوب مراقبة العبد رَبَّهُ، من أين تؤخذ؟ ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ فأنت إذا علمت أن الله عالم بكل شيء، ومن الشيء قولك وفعلك وفكرك ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦]، والله لو كان عندنا هذا الإيمان ثابتًا راسخًا لكان الإنسان تقل معاصيه ومخالفته، لكن الإنسان في غفلة، إذا علمت أنك إن تحركتَ عَلِمَ الله بك، إن سكنتَ عَلِم الله بك، إن نطقت علم الله بك، إن سكت علم الله بك، إن فكرت علم الله بك، هذا يوجب لك أيش؟ مراقبة الله عز وجل وألَّا يفقدك حيث أمرك ولا يراك حيث نهاك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على غلاة القدرية، من أين تؤخذ؟ أنهم أنكروا علم الله بما يصنعه العباد قبل وقوعه منهم، والآية هذه فيها رد عليهم ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: سعة الله عز وجل؛ سعته بكل شيء في صفاته وفي أسمائه وفي أفعاله؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء ١٣٠]، ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٤٧] من أين تؤخذ من الآية؟ من قوله: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ فاللي بكل شيء عليم لا شك أنه واسع.
أنتم تحبون أن نقرأ ولَّا الجَفَلَى في السؤال عن وجه الشاهد من الآية؟
* الطالب: الجَفَلَى.
* الشيخ: الجَفَلى أسرع، الجَفَلَى أن يكون عامًّا، والنَّقَرَى؛ يا فلان أين الشاهد؟ الجَفَلَى أحسن؟ إذن.
نَحْنُ فِي الْمَشْتَاةِ نَدْعُو الْجَفَلَى ∗∗∗ لَا تَرَى الْآدِبَ فِينَايَنْــــــــتَقِرْ
(المشتاة) زمن الشتاء (نَحْنُ فِي المَشْتاةِ نَدْعُو الجَفَلى) (الجَفَلى) نقول: يا جماعة، تفضلوا، كل اللي في المكان، (لَا تَرَى الآدِبَ فِينَا يَنْتَقِرْ) الآدب صانع المأدبة يَنْتَقِر يعني: يقول يا فلان تفضل فقط، إذن نمشي على (...).
* طالب: (...) أعمال العبادة (...) هل تسمى شيئًا؟
* الشيخ: إي نعم، تسمى شيئًا سيكون؛ لأن الشيء يطلق على الماضي والحاضر والمستقبل.
* * *
ثم قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب ٤١، ٤٢].
* في الآية الكريمة: بيان العناية بالذكر؛ لأن الله عند الأمر به صدره بالنداء.
* ومن فوائدها: أن الذكر من الإيمان بالله ومن مقتضياته؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ﴾.
* ومنها: أن الإيمان يزيد به؛ وجهُه: أن كل ما كان من مقتضيات الشيء فإنه يزداد به.
* ومن فوائدها: أن نقص الذكر نقص في الإيمان.
* ومن فوائدها: مشروعية ذكر الله تعالى بكثرة؛ لقوله: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: مشروعية التسبيح؛ لقوله: ﴿وَسَبِّحُوهُ﴾، لكن في الغدو والآصال ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تَنَزُّه الله تعالى عن كل نقص وعيب؛ لقوله: ﴿وَسَبِّحُوهُ﴾ فأمرنا بأن نُنَزِّهه؛ لأنه مستحق لذلك سبحانه وتعالى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الذكر حياة للقلب؛ لأن الله تعالى أمر به على وجه الكثرة، فلولا الفائدة العظيمة منه ما أمر به على سبيل الكثرة.
* طالب: وسط النهار ما يدخل؟
* الشيخ: لا، لا شك أن التسبيح في كل وقت، لكن كثرة التسبيح في أوله وآخره.
ثم قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣].
* من فوائد الآية الكريمة: فضيلة الإيمان وأنه سبب في ثناء الله وملائكته على عبده، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ بعد أن قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الكلام لله عز وجل، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿يُصَلِّي﴾ لأن الصلاة هي الثناء على العبد في الملأ الأعلى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: محبة الله للمؤمنين ومحبة الملائكة لهم، من أين تؤخذ؟ من الثناء عليهم والصلاة عليهم؛ لأن من يحبك يثني عليك ومن يبغضك يذمك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي لنا، بل يجب علينا محبة الله عز وجل وملائكته؛ لماذا؟ لما لهم علينا من الفضل والإحسان؛ فإنهم يصلون علينا فهذا يقتضي أن نحبهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الملائكة؛ لقوله: ﴿وَمَلَائِكَتُهُ﴾.
* ومنها: فضيلة الملائكة، من أين تؤخذ؟
* طالب: (...).؟
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* طالب: الإضافة.
* الشيخ: ﴿وَمَلَائِكَتُهُ﴾ الإضافة للتشريف والتكريم، ففيه فضيلة الملائكة؛ لأن الله أضافهم إليهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العلل والحِكَم لأفعال الله؛ لقوله: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجهل والكفر ظلم؛ لقوله: ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]، وقال: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ -أي: في الجهل- ﴿لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام ١٢٢].
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة المؤمنين وأن لهم عند الله تعالى رحمة خاصة؛ لقوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ كذا؟
* ومن فوائدها: الحث على الإيمان والترغيب فيه، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾؛ فإن الله ما أخبرنا هنا في هذه الآية الكريمة لمجرد أن نعلم أنه رحيم بالمؤمنين، ولكن من أجل أن نتعرض لهذه الرحمة الخاصة فنكون من المؤمنين ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرحمة لله؛ لقوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾.
* ومن فوائدها: الردُّ على الأشعرية ونحوهم ممن ينكرون وصف الله بالرحمة؛ لقوله: ﴿وَكَانَ﴾ فالضمير في قوله: ﴿كَانَ﴾ يعود على مَنْ؟ على الله، والرحيم خبر المبتدأ فهو وصفه.
ثم قال تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾.
* في الآية الكريمة: إثبات البعث؛ من قوله: ﴿يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾.
* وفيها: إثبات كلام الله وأنه يتكلم؛ لقوله: ﴿سَلَامٌ﴾، ويؤيده قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس ٥٨]؛ لأنه يتكلم به تعالى، ويقوله قولًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: البُشْرى العظيمة للمؤمنين وأن الله نفسه جلَّ وعلا يحييهم بهذه التحية؛ لقوله: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾. لو أن ملكًا من ملوك الدنيا وعدك بهذا، وقال: إنه سيُحَيِّيك بالسلام، ويقدم لك القِرَى الكريم الحسَن، ويش يكون فرحك؟ شوي؟
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، تشيله، أو يطير بين السماء والأرض، المهم يفرح، كيف عاد إذا كان الله عز وجل يخبر عن نفسه بأنه سيحيي المؤمنين بهذه التحية مع تقديم هذا الأجر العظيم؟! ولهذا تُعْتبر هذه الآية فيها بشارة -وهي من فوائدها- البشارة العظمى للمؤمنين بأن الله يحيِّيهم ويُعِدُّ لهم الأجر الكريم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الآخرة فيها آفات وأذى يسلم منها من يَسْلَم، ويَعْطَب فيها من يعطب؛ لقوله: ﴿يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾، أما غيرهم فلا سلام لهم؛ لأنهم مُعَذَّبون في النار والعياذ بالله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الجزاء؛ لقوله: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾.
* ومن فوائدها: أن الأجر الذي أعده الله للمؤمنين أجر حَسَن، بل هو كما قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس ٢٦] يعني أحسن شيء ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾.
الأحزاب 33:45
(...) تشريفًا له وإظهارًا لنبوته، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ جَمَع له بين الوصفين النبوة والرسالة على وجه صريح وإلَّا فلو وُصِفَ بالرسالة وحدها لتضمنت وصفه بالنبوة؛ لأن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا، لكن الجمع بين الوصفين أولى على وجه النص والتعيين، وفي حديث البراء بن مالك فيما يقال من الذكر عند النوم أن النبي ﷺ علمه إذا أوى إلى فراشه أن يقول مما يقول: «آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ» فلما أعادها عليه البراء قال: آمنت بكتابك الذي أنزلت وبرسولك الذي أرسلت. فقال له: «وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٧)، ومسلم (٢٧١٠/ ٥٦) من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه.]] لماذا؟ قال العلماء: لأجل أن يجمع له بين وَصْفَيِ النبوة والرسالة على وجه التعيين؛ لأن دلالة الرسالة على النبوة من باب دلالة الالتزام، وأما دلالة النبوة على النبوة فهو من باب دلالة النص والتعيين، هذا من وجه، وجه آخر أنه إذا قال: ورسولك الذي أرسلت لم يكن نصًّا في الإيمان بمحمد ﷺ؛ إذ قد يجوز أن يراد به الرسول الملكي دون الرسول البشري، هنا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ ولم يقل: يا أيها الرسول إنا أرسلناك؛ لماذا؟ ليجمع له بين وصفي النبوة والرسالة على سبيل التعيين والنص، لكن انظر إلى قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة ٦٧] حيث قال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ ثم قال: ﴿بَلِّغْ﴾ لأنه إنما يأمره بالبلاغ، وهذا يناسب الرسالة.
قال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ على مَنْ أُرْسِلْت إليهم، وكلمة ﴿شَاهِدًا﴾ حال من الكاف في قوله: ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾، والشاهد يطلق على المخبر، ويطلق على الحاكم، والنبي ﷺ شاهد مُخْبِر حاكم فهو مخبر عن الله عز وجل بما أرسله به، وكذلك مخبر عمن أُرْسِل إليهم بالقبول أو الرفض، وكذلك هو حاكم فإن الحكم لله ورسوله؛ والدليل على أن الشاهد بمعنى الحاكم قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف ٢٦، ٢٧] إذن شاهد بمعنى مخبر وحاكم، فهو مخبر عن الله ومخبر عن عباد الله؛ مخبر عن الله بما أوحاه إليه، ومخبر عن عباد الله بالقبول أو الرفض. وكذلك هو شاهد على من سبقه من الأمم في تبليغ رسالات الرسل وفي تكذيب قومهم لهم؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة ١٤٣]، إذن شاهد بما أوحاه الله إليه وحاكم به، وشاهد على من أُرْسِل إليهم، وشاهد على من سبقه من الأمم.
وقوله: ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ معطوف على ﴿شَاهِدًا﴾، قوله: ﴿مُبَشِّرًا﴾؛ يعني: وأرسلناك مبشرًا، والبشارة تقتضي ثلاثة أمور مبشِّر ومبشَّر ومُبَشَّر به -أربعة أمور- وسببًا يوصل إلى المبشر به.
الرسول عليه الصلاة والسلام مبشر وقلت: إن البشارة لا بد فيها من أمور أربعة؛ مُبَشِّر ومُبَشَّر ومُبَشَّرٌ به وسببًا يوصل إلى المُبشَّر به، فإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام مبشرًا فلا بد أن يكون هناك من يُبَشِّره وهم الذين أُرْسِل إليهم واتبعوه على ما دعا إليه، ولا بد أن يكون هناك مُبَشَّرٌ به، وما هو المُبشَّر به؟
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، الجنة، مبشرٌ به: الجنة، تقدم لنا في هذه الآيات: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب ٤٧]، ولا بد أن يكون هناك سبب يوصل إلى المُبَشَّر به ما هو؟ الأعمال الصالحة.
إذن فالنبي عليه الصلاة والسلام قد بَيَّن وبَلَّغ الرسالة إلى المبشرين، وبَيَّن المبشر به وما يتضمنه من الثواب وأنواع النعيم، وبيَّن الأسباب الموصلة إلى ذلك وهي الأعمال الصالحة؛ ولهذا ترك النبي عليه الصلاة والسلام أمته على مَحَجَّة بيضاء ليلها كنهارها لا يَزيغ عنها إلا هالك.
﴿وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ النذير: هو من أتى بالإنذار وهو الإعلام بتخويف، الإعلام المقرون بالتخويف يُسَمَّى إنذارًا، وفي حديث جابر رضي الله عنه في صفة خُطْبة النبي ﷺ: «كأنه مُنْذِر جيش؛ يقول: «صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ»[[أخرج مسلم (٨٦٧/ ٤٣) بسنده عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرَّت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: «صَبَّحَكم ومسَّاكم».. الحديث.]].
وقوله: ﴿نَذِيرًا﴾ نقول فيها كما قلنا في ﴿بَشِيرًا﴾ [البقرة ١١٩]: لا بد فيها من أمور أربعة: منذِر، ويش بعد؟ ومُنْذَر، ومنذر به، وأسباب تُوصِل إلى ذلك، وكلها قد جاء بها النبي ﷺ، فما هو المنذر؟ الأُمَّة عمومًا، والمُنْذَر به النار، وأسبابه الأعمال السيئة، والمنذِر هو الرسول ﷺ؛ فقد بَيَّن النبي ﷺ كل هذه الأمور؛ بَيَّن لكل المُنذَرين وأدَّى إليهم الرسالة أو أدى الأمانة، وكذلك بَيَّن المُنْذَر به وما فيه من العقوبات المتنوعات والعذاب الأليم..
يصلح: أنذرته بذلك أو منه.
قال: (﴿﴿مُبَشِّرًا﴾ ﴾ من صدَّقك بالجنة ﴿﴿وَنَذِيرًا﴾ ﴾ منذرًا من كذَّبك بالنار).
﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ إلى طاعته ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ بأمره، هذا الوصف الرابع ﴿شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ [الأحزاب ٤٥، ٤٦] هذا الوصف الرابع ﴿دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ أي: يدعو الناس إلى الله عز وجل.
وقول المؤلف: (إلى طاعته) فيه نظر بل الأَوْلَى أن تبقى الآية على ظاهرها، وأن النبي ﷺ يدعو إلى الله عز وجل إلى الوصول إليه في دار كرامته، ولا وصول إليه في دار كرامته إلا بامتثال أمره واجتناب نهيه فهو داعٍ إلى الله تعالى بطاعته واجتناب نهيه.
وقوله: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ لم يبين هنا كيفية الدعوة، ولكنه بيَّنها في آية أخرى في قوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل ١٢٥] والدعوة لا بد فيها أيضًا من أمور أربعة؛ داعٍ، ومدعو، والثالث مدعو إليه، والرابع سبب يُوصِل إلى المدعو إليه، وكل هذا جاء به النبي ﷺ، وقد كان عليه الصلاة والسلام يدعو الناس سرًّا وجهرًا حسب ما تقتضيه المصلحة والحاجة، فكان أول دعوته سرًّا؛ لأنه كان يخشى أن تُصادَم هذه الدعوة حتى تدفن ثم بعد ذلك جهر بالدعوة لمَّا قال له الله: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر ٩٤]، ثم صار يدعو من قرُب ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء ٢١٤] ثم من بعُد على حسب ما تقتضيه الدعوة.
وقوله: ﴿دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ يعني: لا إلى نفسك؛ ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام لا ينتقم لنفسه قط أبدًا إلا أن تُنْتَهك حُرُمات الله عز وجل فإنه كان أشد الناس غضبًا لله[[أخرج البخاري (٦١٢٦) بسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما خُيِّر رسول الله ﷺ بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه في شيء قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم بها لله».]]؛ لأنه ليس يدعو إلى نفسه كما يوجد من كثير من الدعاة يدعون إلى أنفسهم في الواقع، يريدون أن يعظمهم الناس وأن يأخذوا بقولهم حتى إنهم إذا خولفوا في ذلك تجد الإنسان يتكدر لا لأنه خولف أمر الله، ولكنه لأنه خولف هو، الذي هذا شأنه إنما يدعو إلى نفسه وليس يدعو إلى ربه ففتش نفسك هل فيك سرٌّ من هذا؟ إن كان فيك سر من هذا فأصلح الأمر، وإن كنت لا تغضب إلا لله ولا ترضى إلا لله فهذا هو الداعية حقيقة.
وقوله: ﴿إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ الإذن هنا يشمل الإذن الكوني والإذن الشرعي؛ فإن كان المراد به ما يُدْعَى به فهو الشرعي؛ يعني إن كان المعنى داعيًا إلى الله تعالى بأمره الذي أمرك بالدعوة إليه فالمراد به الإذن الشرعي، وإن كان المراد داعيًا إلى الله تعالى بِقَدَرِه يعني حيث قواك على ذلك فهو إذن وهيأ لك الأسباب فهو إذن كوني، والآية تشمل هذا وهذا، فإن الرسول ﷺ إنما يدعو بقضاء الله وقدره، ويدعو كذلك بدينه وشرعه فهو داعٍ بالأمرين جميعًا.
قال: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ الوصف الخامس: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ أي: مثله في الاهتداء به؛ ﴿سِرَاجًا﴾، والسراج ما يُستضاء به، هذا نسميه الذي أمامنا نسميه سراجًا ولَّا لا؟
ووصفه بأنه منير إما لبيان الواقع؛ لأن كل سراج فله إنارة، وإما لبيان أن هذا السراج كان له إضاءة قوية فهو منير لما حوله وهذا هو الأقرب؛ لأننا عندنا من القواعد المقررة أنه إذا دار الأمر بين أن يكون الكلام تأسيسًا أو توكيدًا فالأصل أنه تأسيس؛ لأن التأسيس فيه زيادة معنى بخلاف التوكيد، التوكيد ليس فيه إلا التقوية، لكن التأسيس فيه زيادة معنى؛ وعلى هذا فالأظهر أن هذا وصف للسراج باعتبار قوته وإضاءته، ولا شك أن النبي ﷺ عَلَم يُهتدى به في الظلمات؛ فهو قد فتح للناس نور العلم ونور الإيمان حتى ترك أمته على محجة بيضاء ليلها كنهارها.
هذه الأوصاف الخمسة التي بَيَّنها الله تعالى لرسوله ﷺ ممكن أن نضيف إليها وصفًا سادسًا ووصفًا سابعًا؛ الوصف السادس قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ فإن هذا فيه إثبات الرسالة له، والوصف السابع قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ فإن فيه أيضًا إثبات للنبوة، وعلى هذا فالآية تضمنت كم وصفًا للرسول ﷺ؟ سبعة أوصاف: النبوة، والرسالة، والشهادة، والبشارة، والإنذار، والدعوة إلى الله بإذنه، وكونه سراجًا منيرًا.
﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا عطف، ولكنه مبين للمبشر في قوله: ﴿مُبَشِّرًا﴾ ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ والمؤمنون هنا يُرَاد به المؤمنون والمسلمون جميعًا؛ لأنه مرَّ علينا أن الإيمان إذا ذُكِر وحده شمل الإسلام، والإسلام إذا ذُكِر وحده شمل الإيمان، وإن ذُكِرا جميعًا صار الإيمان في القلب والإسلام في الجوارح؛ فقوله: ﴿بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لم يقل: بشر المسلمين؛ لأن من المسلمين من يكون إسلامهم ظاهرًا، ويكون الإيمان في قلوبهم إما مفقودًا وإما ضعيفًا، فالذين لهم البشارة المطلقة مَن؟ المؤمنون الذين وَقَر الإيمان في قلوبهم وصاروا ينفذون مقتضى الإيمان؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس ٦٢ - ٦٤]؛ فالبشارة المطلقة لا تكون إلا للمؤمنين.
وقوله: ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ كلما جاءت لفظ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ مفردة -كما قلت قبل قليل- فإنها تشمل المؤمن والمسلم.
قال: بشرهم ﴿بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾، ما الذي نصب فضلًا؟
* طالب: ﴿أَنَّ﴾.
* الشيخ: ﴿أَنَّ﴾ فهو اسمها مؤخرًا ﴿بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ الفضل الكبير هو الجنة، ولا شيء أكبر من فضل الجنة؛ قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران ١٨٥]، ولا نعيم أعظم من دخول الجنة بما يكون في ضِمْنِه، بل هو أعلى شيء فيه وهو النظر إلى وجه الله تبارك وتعالى.
قال: ﴿بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ لمَّا كان الناس ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: مؤمن ظاهرًا وباطنًا، وكافرٌ ظاهرًا وباطنًا، ومؤمن ظاهرًا كافر باطنًا؛ بيَّن الله هؤلاء الأقسام في قوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ بعد قوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، والله تعالى يقرن بين هؤلاء الأصناف في عدة مواضع من القرآن ففي أول سورة البقرة ذكر الله الأصناف الثلاثة، أو لا؟
وفي سورة الأحزاب لما ذكر الأمانة وتحملها ذكر الأصناف الثلاثة، وهنا ذكر الأصناف الثلاثة قال: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ الكافر كلُّ مَنْ كفر بالله سواء كان كفره عن جحود أو عن استكبار؛ لأن الكفر كلَّه يدور على هذين الأمرين: إما الجحود وهو التكذيب، وإما الاستكبار عن الطاعة؛ فمن كفر بالله وأعلن كفره فهو من الكافرين، ومن سَتَر كفره فهو من المنافقين؛ فالمنافق إذن مَنْ يُظْهِر الإسلام ويُبْطِن الكفر مأخوذ من نافقاء اليربوع، نافقاء اليربوع هي بيته؛ لأن اليربوع له حيلة يحفر في الأرض جُحْرًا له ويجعل له بابًا ويجعل في أطرف الجحر قشرة رقيقة؛ لأجل إذا حجر مع بابه نتق مع هذه القشرة الرقيقة، فيقال: نافقاء اليربوع، المنافق هكذا عملُه إذا حُجِرَ فَعَل ما يتخلص به لكن نفاقًا كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُستَهْزِئُونَ﴾ [البقرة ١٤].
﴿لَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ وهذا النهي نهي عَمَّا لم يكن لئلا يكون وليس نهيًا عما كان لئلا يستمر، وبينهما فرق فهو نهي عما لم يكن لئلا يكون، وليس نهيًا عما كان لئلا يستمر، فإذا قلت لشخص: يا فلان، لا تسرق -وهو يسرق- فهو نهي عما كان لئلا يستمر، وإذا قلت لمن لم يسرق لكنه همَّ بالسرقة أو لم يهم فهذا نهي عما لم يكن لئلا يكون؛ فقوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ ليس المعنى أن الرسول ﷺ كان يطيعهم حاشاه من ذلك، لكنه لآجل ألا يكون أذيتهم له ومضايقتهم له وإحراجهم إياه لئلا يكون سببًا لأن يتنازل عن شيء مما أُمِر به من أجل دفع آذاهم، وإلا فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يطيع المنافقين أو الكافرين في معصية الله، ولكن النفس البشرية قد تجتهد في أمر من الأمور وترى أن من المصلحة التنازل عن بعض الأشياء لدفع ما هو أعظم في نظر المكلَّف ويكون الأمر ليس كذلك.
ولهذا قال: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ قال بعض المفسرين: إنها مضافة إلى المفعول به؛ يعني: لا تؤذهم، وقال بعض المفسرين: إنها مضافة إلى الفاعل؛ يعني: دع أذيتهم إياك فلا تلتفت لها ولا تهتم بها، أيهما أصح؟ الأول ولَّا الثاني؟ تأمل، فهمتم المعنى؟
﴿دَعْ أَذَاهُمْ﴾ يعني: دع أذيتك إياهم فهو مضاف إلى المفعول به أو ﴿دَعْ أَذَاهُمْ﴾ دع أذاهم لك أو دع آذاهم إياك، لا تهتم به ولا تلتفت لهم الثاني قطعًا؟
لأن الأول غير وارد، الرسول عليه الصلاة والسلام لم يؤذهم، ولكنه يؤذى منهم، وعلى هذا فيكون المصدر هنا مضافًا إلى الفاعل ولَّا إلى المفعول به؟
إلى الفاعل؛ يعني: دع أذيتهم إياك، وهذا الأمر إما أن يكون للتهديد، وإما أن يكون للتأييد والتقوية، وإما أن يكون لهما جميعًا فهو للتهديد؛ إما أن يكون للتهديد -تهديد هؤلاء الكافرين والمنافقين- يعني: دع آذاهم إياك فسوف ينتقم الله منهم بدليل قوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾، أو أن المعنى التأييد؛ يعني: دع آذاهم أي اصبر عليهم فيكون هذا من باب تأييد الله تعالى لرسوله ﷺ بأن يأمرهم بأن يدع أذاهم ولا يهتم به ولا يبالي به؛ لأن العاقبة ستكون لمن؟ للرسول ﷺ حتى مع هذه الأذية التي قاموا بها بالنسبة لرسول الله ﷺ.
وقوله: ﴿دَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾.
* طالب: ما الفرق بين الكفر والشرك؟
* الشيخ: الفرق بينهما أن الكفر أعم؛ فإن كل مشرك كافر، وليس كل كافر مشركًا؛ قد يجحد الإنسان شيئًا مما أنزل الله فيكون كافرًا وليس بمشرك.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ التوكل؛ ذكروا في حَدِّه أقوالًا متعددة، ولكن أقرب ما يقال فيه: أنه صدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة به، هذا أحسن ما قيل في تفسير التوكل؛ لأن الإنسان إذا اعتمد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة به صار ذلك أقوى له وأطمن لقلبه، ولكن مع هذا فإن التوكل لا ينافي فعل الأسباب الشرعية التي ثبتت إما عن طريق الشرع وإما عن طريق الحس، ومن زعم أن هذا ينافي التوكل فقد أخطأ؛ وذلك لأن الرسول ﷺ لا شك أنه إمام المتوكلين وسيد بني آدم ومع هذا فكان يفعل الأسباب؛ كان يتقي من البرد، ويتقي من الحر ويتقي من البأساء أو من البأس؛ فكان يلبس الدروع كما ظاهر في يوم أحد بين درعين، ومع هذا فإنه لا يقال: إن الرسول عليه الصلاة والسلام ضعيف التوكل.
إذن فعل الأسباب من تمام التوكل على الله؛ لأن درء ما تخافه يكون بأمرين: أمر من قِبَلك أنت، وأمر آخر من قبل الله؛ فالأشياء الخفية التي لا تدركها ولا طاقة لك بها هذا من قِبَل الله، والأشياء الظاهرة التي لك بها قِبَلُ هذه من قبل نفسك، فعليك أن تفعل هذا وأن تعتمد على الله تعالى فيما لا تدركه ولا يصل إليه ذهنك.
* طالب: ما هو حد فعل الأسباب (...)؟
* الشيخ: إذا ما يقدر عليه، كل ما يقدر عليه من الأسباب الحسية والشرعية.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: العقل يحصل بعقل إحدى قوائمها؛ ولذلك العقل ما هو بربط، العقل أن يربط الحبل على يدها فقط، وأحيانًا يربطونه على اليدين الثنتين ولَّا لا؟ هذا العقل، أما أربط كل شيء وعنقه ورأسه.
* الطالب: (...).
* الشيخ: ولو قاله؟
* الطالب: أخشى يجيء واحد ويقطع..
* الشيخ: اللي بيقطع هذا بيقطع هذا.
* الطالب: أو أخشى أنها تتحرك (...)؟
* الشيخ: هذا خلاف الأصل، يعني: ما جرت العادة به فهو سبب، والله أعلم.
* * *
(...) يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ ﴿كَفَى﴾ فعل ماض كما هو معروف، والباء حرف جر زائد لتحسين اللفظ، و(الله) لفظ الجلالة فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره مَنَعَ من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر زائد.
﴿وَكَفَى﴾ تارة تتعدى بنفسها؛ يعني يكون الفاعل فيها بدون الباء؛ مثل ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب ٢٥]، وتارة تتعدى بالباء، متى تتعدى بالباء ومتى لا تتعدى بالباء؟
إذا كان المراد بها معنى التعجب -يعني: ما أبلغ كفايته- فإنها تتعدى بالباء؛ مثل ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ وما أشبهها.
وإذا كان المراد بيان الكفاية فقط فإنها تتعدى بدون حرف الجر؛ مثل: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ مثل: أنت تقول: كفاك الله شرَّ أعدائك، وما أشبهها.
وهنا المراد بها التعجب؛ يعني معناه: أنه ما أشد كفاية الله تعالى، وما أبلغ كفايته.
وقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ ﴿وَكِيلًا﴾ هذه حال من فاعل (كفى).
وقوله: ﴿وَكِيلًا﴾ بمعنى: حفيظًا وكافيًا؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣] أي: كافيه.
واعلم أن الله تعالى أطلق على نفسه الوكيل، وأطلق على نفسه المُوَكِّل؛ يعني: وصف نفسه بالمُوَكِّل؛ فأما الوكيل فكثير في كتاب الله، ومعناه: الكافي الحافظ وما أشبه ذلك، وأما وصف الله بالتوكيل؛ أي: أنه مُوَكِّل؛ ففي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام ٨٩] قال: ﴿وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾.
ومناسبة قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ لقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ مناسبتها أنك إذا توكلت عليه كفاك كل شيء وحفظك وصار رقيبًا عليك.
ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب ٤٩] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تقدَّم لنا الكلام على تصدير الخطاب بمثل هذا النداء، وأنه يدل على أهمية الموضوع، وأنه يدل على أن امتثال ما سيأتي من مقتضيات الإيمان، وأن مخالفته من نواقص الإيمان.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ﴾ ﴿نَكَحْتُمُ﴾ المراد بالنكاح هنا: العقد، والنكاح يُطْلَق على العقد وعلى الجماع؛ وذلك لأن أصله في اللغة العربية الضَّمُّ والجمع؛ لأن العقد يضم الزوج إلى زوجته، والزوجة إلى زوجها، وهو يُطْلَق بمعنى هذا وهذا، ولكنه إذا أُضِيف إلى أجنبية فهو بمعنى العقد، وإذا أُضِيف إلى زوجة فهو بمعنى الجماع؛ فإذا قيل: نكح الرجل زوجته أي: جامعها، وإذا قيل: نكح فلانةَ بنت فلان فالمعنى عَقَد عليها، وهي في القرآن بمعنى العقد، كلما جاءت فهي بمعنى العقد، والغريب أن بعض أهل العلم يقول: لم تأت بمعنى العقد إلا في هذه الآية، وأنها في القرآن جاءت بمعنى الجماع، ولكن هذا ليس بصواب، الصواب العكس أنها ما جاءت في القرآن إلا بمعنى العقد.
نستعرض الآيات الواردة في هذا؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة ٢٢١] المعنى: العقد، ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة ٢٢١] العقد ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء ٢٢] العقد، ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور ٣] العقد، ويش بعد؟ بقينا ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة ٢٣٠] أيش؟ العقد. نعم العقد، لكن السنة بَيَّنَت أضافت إلى هذا شرطًا آخر وهو أن يذوق عسيلتها وأن تذوق عسيلته، وإلا فهو العقد، واضح؟ أقول: أيش بعد؟ ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ [النور ٣٢] اعقدوا لهم.
المهم كلما جاءت في القرآن فهي بمعنى العقد حتى في هذه الآية -واضح- بمعنى العقد، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ يعني: من قَبْلَ أن تجامعوهن، أيش عندك؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم العقد، ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ﴾ [النور ٣] ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ﴾ لا يعقد إلا على زانية أو مشركة، والزانية لا يتزوجها إلا زان أو مشرك.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، شوف قوله: ﴿لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾، أما في آخر الآية ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور ٣] فإذا كان نكاح الزانية حرامًا ونكاح الزاني حرامًا، فإذا عقد على زانية وهو حرام، فإما أن يعتقد التحريم فيكون زانيًا؛ لأنه جامعها وهو يعتقد أنه حرام، وإما ألا يعتقد التحريم ويقول: هذا حلال، فتحليل ما حرَّم الله شرك؛ كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة ٣١]. هذا هو معنى الآية التي لا تحتمل سواه، وهو الذي قرره شيخ الإسلام وابن القيم رحمهما الله.
طيب الآن ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي: عقدتم عليهن.
* الطالب: شيخ: الانسان اذا تزوج، وزوجته وجدها قد جومعت من قبلُ يجب عليه أن يفارقها (...)؟
* الشيخ: لا، ما يجب عليه إلا إذا علم أنها لا تزال على إصرارها، أما إذا تابت فيجوز أن يتزوجها.
قال: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، قوله: ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ بناءً على الأغلب؛ أن الأغلب أن المؤمن لا يتزوج إلا مؤمنة، ولكن لو كانت يهودية أو نصرانية فالحكم لا يختلف، فعلى هذا يكون هذا من باب الاقتصار، وليس من باب الاختصار، من باب الاقتصار على أحد الصنفين نعم، وأما الصنف الآخر فلأنه قليل بالنسبة إلى نكاح المؤمنات.
﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ قوله: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ ولم يقل: (وطلقتموهن) أو (فطلقتموهن) ليِتَبَيَّن به أنه لو تأخَّر الطلاق عن العقد مدة طويلة فالحكم لا يتغيَّر، كما لو أنه لو طلقها مباشرة فالحكم لا يتغير أيضًا، فقوله: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ أي: بعد العقد.
والطلاق في اللغة: حل قيد البعير ونحوه؛ يعني: حل القيد يُسَمَّى طلاقًا، وهو اسم مصدر (طَلَّق)، والمصدر من طَلَّق تطليقًا؛ مثل كلَّم والمصدر تكليمًا، واسم المصدر كلام، طلَّق المصدر: تطليق، واسم المصدر: طلاق.
فالطلاق إذن حَلُّ القيد، أما في الاصطلاح أو الشرع فطلاق المرأة معناه: حلُّ قيد النكاح أو بعضه؛ فإن كان الطلاق بائنًا لا تحل به الزوجة، فهو حلٌّ لقيد النكاح مطلقًا، وإن كان رجعيًّا فهو حلٌّ لبعضه؛ إذ إنه يجوز له أن يراجع.
وقوله: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أي: من قَبْل أن تجامعوهن، وهذا من باب الكناية عما يُسْتَقْبَحُ ذكرُه بما يدل عليه؛ ولهذا لم يأت الجماع بلفظه الصريح في القرآن الكريم، وإنما كُنِّي عنه في كل موضع بما يتناسب والمقام؛ فمرة يُعَبَّر عنه بالإتيان، ومرة بالإفضاء، ومرة بالمس، ومرة بالملامسة، وما أشبه ذلك، كل هذا من باب استعمال ما لا تَمُجُّه الأسماع من الكلمات.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ قال: (وفي قراءة: ﴿﴿تُمَاسُّوهُنَّ﴾ ﴾ أي: تجامعوهن).
يقول: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ ﴿فَمَا لَكُمْ﴾ (ما) هذه نافية، و﴿لَكُمْ﴾ جار ومجرور خبر مقدم، و﴿مِنْ﴾ حرف جر زائد لمعنى زائد، وقد قلنا: إنه حرف زائد زائد، كلمة (زائد) الثانية هي تأسيس ولَّا توكيد؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نقول: هو حرف جر زائد زائد هل هو توكيد ولَّا تأسيس؟
* الطالب: تأسيس.
* الشيخ: تأسيس، هو حرف جر زائد لفظًا، لكنه يزيد المعنى. (زائد) الأولى من (زاد) اللازم و(زائد) الثانية من (زاد) المتعدي، وين أنتم عن اللغة يا جماعة؟
(زاد) فعل ماض متعدٍّ ولازم، أنتم معنا؟ فإذا قلتُ: زاد إيمان الرجل، هذا متعدٍّ ولا لازم؟ لازم، وإذا قلتُ: زادهم إيمانًا هذا متعدٍّ.
فنقول: هذا حرف جر زائد من (زاد) اللازم، (زائد) من (زاد) المتعدي؛ يعني: زائد بنفسه زائد معنى في غيره.
المهم أن قوله ﴿مِنْ عِدَّةٍ﴾ من حرف جر زائد لفظًا، لا معنى.
﴿عِدَّةٍ﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.
لو قال لنا قائل: هل يجوز أن نجعل (ما) هنا حجازية؟ لا يجوز، من يقول: لا يجوز؟ لماذا؟
* الطالب: لأنه مقدم.
* الشيخ: لأن الخبر مقدم، وابن مالك يقول:
...................... ∗∗∗ مَعَ بَقَا النَّفْيِ وَتَرْتِيبٍ زُكِنْ
﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ قال المؤلف: (تُحْصونها).
﴿مِنْ عِدَّةٍ﴾ ما هي العدة؟ العدة في اللغة: اسم مأخوذ من العدد، ولكنها في الاصطلاح أو في الشرع: تربص مفارقة في الحياة أو في الممات محدود شرعًا، تربص زوجة مفارقة في الحياة أو بعد الممات محدود أيش؟ شرعًا.
(﴿﴿تَعْتَدُّونَهَا﴾ ﴾ تحصونها بالأقراء وغيرها) (بالأقراء) إن كانت من ذوات الأقراء، كمالتها ثلاثة قروء، (وغيرها) إن لم تكن من ذوات الأقراء وهن الحوامل ومن لا تحيض لصغر أو إياس؛ فالحامل عدتها وضع الحمل، ومن لا تحيض عدتها ثلاثة أشهر.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، المعنى أنك فوضت أمرك إليه فاعتمدت عليه هذا معناه ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر ٤٤].
يقول: (﴿﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ ﴾ أعطوهن ما يَسْتَمْتِعْنَ به أي: إن لم يُسَمّ لهن أَصْدِقة، وإلا فلهن نصف المُسَمَّى فقط قاله ابن عباس، وعليه الشافعي).
قوله: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ الفاء حرف عطف، و﴿مَتِّعُوهُنَّ﴾ أي: أعطوهن ما يستمتعن به، منين؟ من الدراهم، من الثياب، من المتاع، من العقار، من أي شيء، الله عز وجل أطلقها، ثم إنها مطلقة من جهة الكمية، كما أنها مطلقة من جهة النوعية؛ الكمية ويش أعطيها؟ إذا أردت أن أعطيها دراهم كم أعطيها؟
﴿مَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة ٢٣٦] حسب حال الزوج.
وقوله: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ بعد قوله: إذا طلقتم المؤمنات ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ يُسْتَثْنَى من ذلك من سُمِّيَ لها مهر؛ فإن من سُمِّيَ لها مهر لا يجب لها إلا نصفه؛ لقوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة ٢٣٧] فبَيَّنَ الله عز وجل أن لهُنَّ نصف ما فرضن وهذا إذا سُمِّي لها المهر سواء قلَّ أو كثر.
قال: (﴿﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ ﴾ خَلُّوا سبيلهن من غير إضرار) فأمر الله عز وجل بأمرين: التمتيع وهو بذل المال، والسراح الجميل وهو بذل الخلق؛ وذلك بأن تكون المفارقة عن رضا وبالقول اللين الذي يجبر الخاطر؛ لأن المرأة إذا طُلِّقَت بعد أن عُقِدَ عليها ولم يدخل بها لا شك أنه ينكسر خاطرها وأنها تتأثر، وأن الناس سوف يتكلمون لماذا طُلِّقَت قبل أن يدخل بها؟ ما هو السبب؟ هل رأى فيها عيبًا؟ هل سمع عنها بشيء؟ ولا سيما إذا كانت هي راغبة أيضًا للزوج ثم طلقها من قبل أن يتصل بها فإنه لا بد أن يكون هناك ردود فعل في نفسها، فأرحم الراحمين أمرنا أن نُمَتِّعَهن بالمال وأن نسرحهن سراحًا جميلًا بالقول والمعاملة الطيبة؛ مثل أن نقول لها: هذا أمر لم يُقَدَّر، وهذا أمر أراده الله عز وجل، وأنا ما فارقتك مثلًا لسوء خلقك أو لأني سمعت عنك ما يسوء أو ما أشبه ذلك من الكلام، حتى تنفصل منه وهي طيبة النفس منشرحة الصدر، ثم بعد ذلك ما يحصل منها أو من أهلها كلام؛ لأنه ربما إذا طلقها ولم يُمَتِّعْها أو متعها بدون ما تستحق أو سرحها سراحًا غير جميل ربما يحصل منها أو من أهلها كلام في الرجل؛ يتكلمون فيه وفي عرضه وفي أهله وما أشبه ذلك، فهذا من آداب الله عز وجل التي أدَّب بها عباده؛ إذا طلق المرأة قبل المسيس فإن الواجب عليه أمران: التمتيع بماذا؟ بالمال، والسراح الجميل بالقول والفعل وطلاقة الوجه وانبساط القلب وما أشبه ذلك.
قد يقول قائل: كيف يمكن هذا والرجل لم يطلقها في هذه الحال إلا وهو كاره لها بلا شك، ولو كان عنده أدنى محبة لكان دخل بها وجامعها ونظر ربما تتغير الأمور؟ يعني: لو كان زهد فيها بعض الزهد لكن في قلبه محبة لها هل يغامر ويطلقها من قبل أن يجامع؟
العقل لا يقتضي ذلك، يقتضي أن تنتظر وتجامعها؛ لأنه ربما أيش؟ ربما تغيرت الأمور، ومن ثَمَّ نُهِيَ عن الطلاق في الحيض؛ لأن الإنسان إذا كانت امرأته حائضًا فإنه لا يُجامِعها فيبقى كارهًا لها، ولا يوجد هناك سبب يدعو إلى المحبة وهو الجماع؛ فلهذا نُهِيَ عنه، يعني هذا من الحِكَم في النهي عن الطلاق في الحيض، وليس هي الحكمة الوحيدة.
﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ وإن شاء الله سيأتي فوائدها فيما بعد.
(...) ثبوت رسالة النبي ﷺ ؛ لقوله..
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، ﷺ مبشرٌ في قوله: ﴿وَمُبَشِّرًا﴾؛ ويتفرع على ذلك أنه أتى بالأسباب التي توجب البشارة من الأعمال الصالحة والطاعات.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي ﷺ جمع بين البشارة والإنذار؛ لقوله: ﴿مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾، * وفائدة قبل هذه: أنه منذر أيضًا؛ لأن كونه منذرًا وكونه مبشرًا، فائدتان، والجمع بينهما فائدة ثالثة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن رسول ﷺ داعٍ إلى الله؛ لقوله: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾.
* ومن فوائدها: الإشارة إلى أنه يجب على الداعية أن تكون دعوته إلى الله تعالى، لا إلى حَظِّ نفسه؛ لقوله: ﴿دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ فإن هذا وصف الرسول ﷺ.
* ومن فوائدها: أن دعوة رسول الله ﷺ إلى الله كانت بإذن منه؛ لقوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾، وهذه يتفرع عليها فائدة أخرى وهي رضا الله عما كان الرسول ﷺ يدعو إليه، أليس كذلك؟ لأن الله لا يأذن إلا بما يحبه ويرضاها.
* ومنها: أن دعوة النبي ﷺ مبنية على شرع الله.
(...) بكيفيتها وفيما يدعو إليه؛ لقوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ فهو داعي إلى الله بإذنه؛ أي: على حسب أمره وبشرعه؛ فيدعو إلى سبيل الله والموعظة الحسنة ويجادل بالتي هي أحسن، وكذلك يدعو إلى شرع الله لا يتجاوزه.
* ومنها: أن النبي ﷺ لا يمكن أن يُشَرِّع من عنده؛ لقوله: ﴿دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ لا بشيء من عنده.
* ومنها: أن ما يدعو إليه الرسول عليه الصلاة والسلام فهو من الله؛ فيتفرع على هذه الفائدة أن طاعة الرسول طاعة لله، ومعصية الرسول معصية لله؛ ولهذا لما جاءت امرأة إلى ابن مسعود رضي الله عنه وقالت: إنك تقول: إن المتفلجات للحُسن ملعونات بكتاب الله. وإنني فتحت المصحف أو قرأت المصحف من فاتحته إلى خاتمته فلم أجد ذلك. فقال: بلى. ثم قرأ عليها الحديث، وتلا قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ﴾ «[الحشر: 7] »[[أخرج البخاري (٤٨٨٦) ومسلم (١٢٠/٢١٢٥) واللفظ له بسندهما عن عبد الله قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله. قال: فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها: أم يعقوب وكانت تقرأ القرآن، فأتته فقالت: ما حديث بلغني عنكَ أنك لعنت الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله، فقال عبد الله: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ؟ وهو في كتاب الله. فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، قال الله عز وجل: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾... الحديث.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الإذن لله، وما هي الإذن؟ هل هي الأُذُن أو غيرها؟
الإِذن غير الأُذن، إثبات الإِذن لله عز وجل، وإِذْن الله تعالى -كما سبق في التفسير- تنقسم إلى قسمين: شرعية، وكونية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما جاء به النبي ﷺ فهو نور كالسراج يضيء الظلم؛ لقوله: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾.
* ومنها: أن النبي ﷺ لا ظل له، شوف الفائدة هذه تحتاج إلى مناقشة ولَّا لا؟ لا ظلَّ له يعني: لو وقف في الشمس، والشمس مائلة ما يكون له ظلال.
* الطالب: غير صحيح.
* الشيخ: غير صحيح ﴿سِرَاجًا مُنِيرًا﴾؟!
* الطالب: ليس السراج (...).
* الشيخ: السراج يضيء وليس له ظل.
* الطالب: إضاءة معنوية.
* الشيخ: سراجًا معنويًّا، وإلَّا فالرسول عليه الصلاة والسلام له ظل كغيره؛ لأنه بشر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل من حكم بشريعة النبي ﷺ فإنه على سراج منير ولَّا لا؟ لقوله: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾.
* ومنها: فضيلة النبي ﷺ؛ حيث جمع الله له بين هذه الأوصاف العظيمة: النبوة، والرسالة، والشهادة، والبشارة، والإنذار، والدعوة إلى الله بإذنه، كم؟ هذه ستة، والسراج المنير سبعة.
ثم قال تعالى:
﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب ٤٧، ٤٨] إلى آخره.
* يُستفاد من هذه الآية الكريمة: أنه يجب على النبي ﷺ أن يبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلًا كبيرًا، من أين يُؤْخذ؟ من قوله: ﴿وَبَشِّرِ﴾، والأمر للوجوب لا سيما على النبي ﷺ، فإن الأمر للوجوب على كل حال لماذا؟ لأن الله إذا أمر رسوله بشيء فإنما يأمره أن يفعله ويبلغه إلى الناس، وتبليغ الرسول ﷺ الرسالة واجب؛ ولهذا نقول: إن الرسول عليه الصلاة والسلام يجب عليه أن يبلغ حتى السُّنَنَ فيجب عليه أن يخبر بالسنة وأن يفعلها حتى يحصل البلاغ، ثم بعد ذلك تكون مندوبًا في حقه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الإيمان؛ وجهه أن المتصفين به هم أهل البشارة؛ لقوله: ﴿وَبَشِّرِ﴾.
* ومنها: ثواب المؤمنين بهذا الفضل الكبير؛ ﴿بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾.
* ومنها: بيان مِنَّة الله عز وجل على المؤمنين وأن الفضل فضله؛ لقوله تعالى: ﴿بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ لا من غيره؛ ولهذا قدَّم ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مع أنها متعلقة بـ ﴿فَضْلًا كَبِيرًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء على الإيمان أكثر مما عمله العبد؛ من قوله: ﴿فَضْلًا كَبِيرًا﴾، وقوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ يعني: يؤخذ من الأمرين أما وجه أخذه من الأول؛ فلقوله: ﴿كَبِيرًا﴾، والكبير إذا وصف الشيء بالكبير فهو كبير جدًّا، وأما الثاني؛ فلأنه أضاف الفضل إلى مَنْ؟ إلى الله ﴿مِنَ اللَّهِ﴾، وكما قال المثل: (العطية على قَدْرِ مُعْطِيها).
فإذا كان هذا الفضل من الله فإنه سيكون فضلًا لا يخطر على البال؛ ولهذا في الحديث الذي عَلَّمه النبي ﷺ أبا بكر أن يدعو به في صلاته قال: «فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٣٢٦)، ومسلم (٢٧٠٥/٤٨) من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه.]] وكونها من عند الله لها مزية.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب ٤٨].
* الطالب: (...) محبة الله (...)؟
* الشيخ: هو ما قلنا فضيلة الإيمان بالأول؟
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: (...).
* الطالب: (...) ولم يكن مُضيئًا؟
* الشيخ: إي؛ لأن النور أبلغ؛ لأنه جامع بين الحرارة وبين الإضاءة، ففيه وصفان.
قال: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية: تحريم طاعة الكافرين والمنافقين، لكن ليس على إطلاقه، بل طاعتهم فيما يخالف أمر الله؛ فلو أمروا بشيء لا يخالف أمر الله فإن طاعتهم ليست حرامًا كما لو أمرك كافر بأن تركب على هذا الباب مفتاحًا مثلًا، فهل نقول: حرام عليك أن تطيعه؟ لا، إذن لا تطعهم فيما يخالف أمر الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن على أكمل ما يكون من البلاغة؛ فإننا نجده في مواضعَ يُقَدِّم المنافقين على الكافرين، وفي هذه الآية قدَّم الكافرين على المنافقين؛ لأنه في مقام الجزاء وفي مقام الذم يُقَدِّم المنافقين؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء ١٤٠]، ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ [الأحزاب ٧٣]؛ لأن ذنب المنافق أعظم من ذنب الكافر الصريح، وأما هنا فمَنِ الذي يعارض الرسول صراحة؟ الكافر، ولهذا قدَّمه على المنافق؛ لأن المنافق لا يأمر بمخالفة الشرع كما يأمر به الكافر؛ إذ إنه يتستر بنفاقه؛ ولهذا قال: ﴿لَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ فبدأ بهم؛ لأن معارضتهم للشرع أَبْيَن وأظهر من المنافقين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه قد يتوجه النهي عما لم يُفْعَل لئلا يُفْعَل من قوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ فإن الرسول عليه الصلاة والسلام ما كان يطيعهم، لكنه نُهِيَ أن يطيعهم لئلا يفعل في المستقبل.
* ومنها: أن النهي قد يَرِد على الأمور البعيدة أو المستحيلة؛ وجهه: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ فإن هذا بعيد أو مستحيل على الرسول ﷺ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تهديد الكافرين والمنافقين؛ لقوله: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾.
* ومنها: تأييد النبي ﷺ وتسليته؛ من قوله أيضًا: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾.
* ومنها: أن من طبيعة الكافرين والمنافقين أذية المؤمنين؛ لقوله: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾، لكن قد يقول قائل: هذا أذى الرسول ﷺ.
فنقول: إن من آذى النبي ﷺ فإنه مؤذٍ للمؤمنين، وأيضًا فإن من عادى الرسل سيعادي أتباعهم ويؤذيهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الصبر على أذى الكفار والمنافقين؛ لقوله: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ فإن هذا أمر بالصبر على أذيتهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب التوكل على الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، والأمر للوجوب.
* ومن فوائدها: أن النبي ﷺ لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا ولا لغيره من باب أولى؛ لقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، فهو مفتقر إلى ربه مأمور بأن يتوكل عليه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عِظَم كفاية الله عز وجل للمتوكلين عليه؛ لقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾؛ فإنا ذَكَرْنَا فيما سبق أن هذا يُرَاد به التعجب من كفاية الله لمن توكل عليه.
ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب ٤٩] إلى آخره.
* من فوائد الآية الكريمة: أهمية النكاح والطلاق؛ لأن الله تعالى صدَّره بالنداء الذي يُطْلَب به تَنَبُّه المنادى لما سيُلْقَى عليه.
* ومنها: أن التزام أحكام الشريعة في النكاح والطلاق من مقتضيات الإيمان؛ وجهُه: من قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإن هذا من مقتضيات إيمانهم أن يمتثلوا ما أُمِروا به.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا طلاق قبل النكاح؛ لقوله: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ﴾ و﴿ثُمَّ﴾ للترتيب، فلا طلاق قبل النكاح، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الطلاق لمُعَيَّنة أو على سبيل العموم؛ فلو قال رجل لامرأة: إن تزوَّجتُكِ فأنت طالق. ثم تزوجَها فإنها لا تطلق لماذا؟ لأن الطلاق كان قبل النكاح.
وكذلك لو قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق. فإنه إذا تزوج امرأة لا تطلق؛ لأنه لا طلاق إلا بعد النكاح.
* ومن فوائدها: أنه لا إيلاء ولا ظهار ولا تحريم على امرأة إلا بعد النكاح؛ لأنه إذا كان الطلاق وهو أعظم فرقةً من الظهار والإيلاء وما أشبهه لا يكون إلا بعد النكاح فكذلك ما دونه، إلا أن التحريم إذا حرَّم رجل امرأة مُعَيَّنة ثم تزوجها بعد ذلك، فإن عليه كفارة يمين، وكذلك الظهار إذا قصد به التحريم وظَاهَر من امرأة قبل أن يتزوجها فإن عليه كفارة يمين وليس عليه كفارة ظهار؛ لأن الظهار لا يصح إلا من زوجها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز الطلاق؛ لقوله: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ ولم يَلُمِ الله المؤمنين على الطلاق، ولو كان حرامًا لَلَامَهُمْ عليه.
* ومن فوائدها أيضًا: جواز الطلاق قبل المسيس أو لا؟ لقوله: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾. وهذه فائدة غير فائدة (جواز الطلاق مطلقًا)؛ لأن الطلاق قبل المسيس قد يكون فيه شيء من غَضِّ حق المرأة، فيقال: هذا الرجل لولا أنه عَلِمَ بأن فيها بلاءً ما طلَّقها قبل أن يَدْخُلَ بها ويمسها؛ لأن العادة أن الإنسان إذا تزوج فإنما يتزوج عن رغبة، فإذا طلَّقها قبل أن يمسها فهو دليل على أن فيها شيئًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه إذا طلَّقها قبل الجماع فلا عدة عليها، وهذا فيه خلاف؛ فإن بعض أهل العلم -وهم الجمهور- على أنه إذا خلا بها فإن عليها العدة، فجعلوا الخلوة بمنزلة الجماع، وهذا هو الذي قضى به الخلفاء الراشدون وعليه جمهور الصحابة بل جمهور الأمة، ولم يخالف في ذلك إلا نفر قليل منهم الشافعي رحمه الله في قوله الجديد؛ فإنه رأى أنه إذا لم يجامعها فلا عِدَّة عليها ولو خلا بها، ولا شك أن هذا هو ظاهر الآية، لكن الوارد عن الصحابة رضي الله عنهم ولا سيما الخلفاء الراشدون يُثْبِت بأن عليها العدة إذا خلا بها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب المتعة على مَنْ طلَّق قبل الدخول، من أين تُؤخذ؟ من قوله: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ وهذا مقيد بالآية الأخرى وهي ما إذا فرض لها فريضةً؛ فإنه إذا فرض لها مهرًا فليس عليه إلا نصف المهر؛ لقوله: تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة ٢٣٧].
* ومن فوائد الآية الكريمة: التكنية عما يُستحيا من ذكره؛ لقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المعتدة من وفاة عليها العدة مطلقًا وإن لم يدخل بها، من أين تُؤْخَذ؟ من قوله: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ فجعل الله هذا الحكم في أي شيء؟ في الطلاق، فيبقى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة ٢٣٤] يبقى على إطلاقه؛ أن المتوفَّى عنها تجب عليها العدة وإن لم يدخل بها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده وخَلْقِه؛ حيث أوجب المتعة لمن طُلِّقَتْ قبل الدخول؛ وجه ذلك أن فيه جبرًا لخاطرها وإزالةً للهَمِّ والغَمِّ الذي اعتراها بعد الطلاق.
* ومن فوائدها: وجوب التسريح الجميل في المفارقة؛ لقوله تعالى: ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن العدة حق للزوج؛ وجهه: قال: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ﴾ فهي حق للزوج على المرأة.
* ومن فوائدها: أن مما ينبغي أن يحصي الإنسان عِدَّة زوجته ويعتني بها ولا يدعها هملًا لا يدري عنها؛ لقوله: ﴿تَعْتَدُّونَهَا﴾؛ فإن هذا دليل على أن مِنْ شأن الأزواج أن يَعْتَدُّوا عدة أزواجهن وأن يحصوها ويراقبوها؛ لأنها فراش له ما دامت في العدة إذا كانت رجعيَّة.
هل يؤخذ من مفهوم قوله: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أنه إذا نكحوا الكِتابيَّات تغيَّر الحكم؟ لا، لماذا؟ لأن هذا قيد أغلبيٌّ، وقد ذكر أهل العلم في الأصول أن ما كان قيدًا أغلبيًّا فإنه لا مفهوم له، منين يؤخذ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: من قوله: ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ لأن هذا الحكم شامل للمؤمنات ولغيرهن.
* فيها أيضًا من الفوائد: أنه لا عِدَّة في الطلاق قبل الدخول ولو طالت المدة؛ لقوله: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾.
* وفيها أيضًا فائدة أخرى: أن الطلاق بيد الزوج؛ لقوله: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ فلا يملك الأب ولا الجد ولا العم ولا الخال ولا غيرهم أن يُطَلِّقُوا على الإنسان.
* وفيها أيضًا فائدة أخرى: أنه لا عدة لغير المطلقة كالمفسوخة بخُلْعٍ أو غيره أو لا؟ أو فيها مناقشة؟ أيش تقولون في هذه الفائدة؟ أنه لا عدة على من فُورِقَت في الحياة بغير الطلاق؟
* طالب: ما يؤخذ.
* الشيخ: ما يؤخذ، ليش؟
* الطالب: لأنه ما قال: (...)؟
* الشيخ: إي، لكن في الطلاق فمفهومها أن العدة إنما هي في المُطَلَّقات؛ هذه حديث النبي، إذا كانت العدة في المطلقات فمعناها المختلعات ليس عليهن عدة، أيش تقولون يا جماعة؟
* الطالب: لأنه (...) صفاتها؟
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما هو مثلًا ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾ معناه إن طلقتموهن بعد المسيس فعليهن العدة، فجعل العدة من أحكام الطلاق، طيب غير الطلاق؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا ما يمكن؛ لأن الطلاق له أحكامه؛ لهذا يقولون: المتوفى عنها زوجها تعتدُّ وإن لم يدخل بها.
على كل حال يعني قد لا تكون إلى ذلك في الظهور إلا أن القول الراجح: أن المفارقة بغير الطلاق ليس عليها عدة، المختلعة إنما تُسْتَبرأ بحيضة ثم تَحِل.
ما نقول: في الآية أيضًا الجمعُ بين الإحسان المالي والفعلي أو لا؟ منين؟
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: هذا أيش؟ هذا المالي ولَّا الفعلي؟
* الطالب: الفعلي.
* الشيخ: الفعلي، والمال؟
* الطالب: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾.
* الشيخ: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾.
طيب، فيه أيضًا فائدة: يُسْتَثْنَى من الآية مَنْ فُرِضَ لها فريضة.
* طالب: (...).
* الشيخ: موجودة؟ وين؟
* طالب: في الشرح.
* الشيخ: الشرح؟
* طالب: الفائدة ما هي؟
* الشيخ: الفائدة: مَنْ فُرِضَ لها فريضة فلها نصف الفريضة وليس على الزوج متعة.
* الطالب: (...) متعة لمن لم يفرض لها (...)؟
* الشيخ: إي، زين.
الأحزاب 33:46
(...) تشريفًا له وإظهارًا لنبوته، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ جَمَع له بين الوصفين النبوة والرسالة على وجه صريح وإلَّا فلو وُصِفَ بالرسالة وحدها لتضمنت وصفه بالنبوة؛ لأن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا، لكن الجمع بين الوصفين أولى على وجه النص والتعيين، وفي حديث البراء بن مالك فيما يقال من الذكر عند النوم أن النبي ﷺ علمه إذا أوى إلى فراشه أن يقول مما يقول: «آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ» فلما أعادها عليه البراء قال: آمنت بكتابك الذي أنزلت وبرسولك الذي أرسلت. فقال له: «وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٧)، ومسلم (٢٧١٠/ ٥٦) من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه.]] لماذا؟ قال العلماء: لأجل أن يجمع له بين وَصْفَيِ النبوة والرسالة على وجه التعيين؛ لأن دلالة الرسالة على النبوة من باب دلالة الالتزام، وأما دلالة النبوة على النبوة فهو من باب دلالة النص والتعيين، هذا من وجه، وجه آخر أنه إذا قال: ورسولك الذي أرسلت لم يكن نصًّا في الإيمان بمحمد ﷺ؛ إذ قد يجوز أن يراد به الرسول الملكي دون الرسول البشري، هنا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ ولم يقل: يا أيها الرسول إنا أرسلناك؛ لماذا؟ ليجمع له بين وصفي النبوة والرسالة على سبيل التعيين والنص، لكن انظر إلى قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة ٦٧] حيث قال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ ثم قال: ﴿بَلِّغْ﴾ لأنه إنما يأمره بالبلاغ، وهذا يناسب الرسالة.
قال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ على مَنْ أُرْسِلْت إليهم، وكلمة ﴿شَاهِدًا﴾ حال من الكاف في قوله: ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾، والشاهد يطلق على المخبر، ويطلق على الحاكم، والنبي ﷺ شاهد مُخْبِر حاكم فهو مخبر عن الله عز وجل بما أرسله به، وكذلك مخبر عمن أُرْسِل إليهم بالقبول أو الرفض، وكذلك هو حاكم فإن الحكم لله ورسوله؛ والدليل على أن الشاهد بمعنى الحاكم قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف ٢٦، ٢٧] إذن شاهد بمعنى مخبر وحاكم، فهو مخبر عن الله ومخبر عن عباد الله؛ مخبر عن الله بما أوحاه إليه، ومخبر عن عباد الله بالقبول أو الرفض. وكذلك هو شاهد على من سبقه من الأمم في تبليغ رسالات الرسل وفي تكذيب قومهم لهم؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة ١٤٣]، إذن شاهد بما أوحاه الله إليه وحاكم به، وشاهد على من أُرْسِل إليهم، وشاهد على من سبقه من الأمم.
وقوله: ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ معطوف على ﴿شَاهِدًا﴾، قوله: ﴿مُبَشِّرًا﴾؛ يعني: وأرسلناك مبشرًا، والبشارة تقتضي ثلاثة أمور مبشِّر ومبشَّر ومُبَشَّر به -أربعة أمور- وسببًا يوصل إلى المبشر به.
الرسول عليه الصلاة والسلام مبشر وقلت: إن البشارة لا بد فيها من أمور أربعة؛ مُبَشِّر ومُبَشَّر ومُبَشَّرٌ به وسببًا يوصل إلى المُبشَّر به، فإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام مبشرًا فلا بد أن يكون هناك من يُبَشِّره وهم الذين أُرْسِل إليهم واتبعوه على ما دعا إليه، ولا بد أن يكون هناك مُبَشَّرٌ به، وما هو المُبشَّر به؟
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، الجنة، مبشرٌ به: الجنة، تقدم لنا في هذه الآيات: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب ٤٧]، ولا بد أن يكون هناك سبب يوصل إلى المُبَشَّر به ما هو؟ الأعمال الصالحة.
إذن فالنبي عليه الصلاة والسلام قد بَيَّن وبَلَّغ الرسالة إلى المبشرين، وبَيَّن المبشر به وما يتضمنه من الثواب وأنواع النعيم، وبيَّن الأسباب الموصلة إلى ذلك وهي الأعمال الصالحة؛ ولهذا ترك النبي عليه الصلاة والسلام أمته على مَحَجَّة بيضاء ليلها كنهارها لا يَزيغ عنها إلا هالك.
﴿وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ النذير: هو من أتى بالإنذار وهو الإعلام بتخويف، الإعلام المقرون بالتخويف يُسَمَّى إنذارًا، وفي حديث جابر رضي الله عنه في صفة خُطْبة النبي ﷺ: «كأنه مُنْذِر جيش؛ يقول: «صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ»[[أخرج مسلم (٨٦٧/ ٤٣) بسنده عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرَّت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: «صَبَّحَكم ومسَّاكم».. الحديث.]].
وقوله: ﴿نَذِيرًا﴾ نقول فيها كما قلنا في ﴿بَشِيرًا﴾ [البقرة ١١٩]: لا بد فيها من أمور أربعة: منذِر، ويش بعد؟ ومُنْذَر، ومنذر به، وأسباب تُوصِل إلى ذلك، وكلها قد جاء بها النبي ﷺ، فما هو المنذر؟ الأُمَّة عمومًا، والمُنْذَر به النار، وأسبابه الأعمال السيئة، والمنذِر هو الرسول ﷺ؛ فقد بَيَّن النبي ﷺ كل هذه الأمور؛ بَيَّن لكل المُنذَرين وأدَّى إليهم الرسالة أو أدى الأمانة، وكذلك بَيَّن المُنْذَر به وما فيه من العقوبات المتنوعات والعذاب الأليم..
يصلح: أنذرته بذلك أو منه.
قال: (﴿﴿مُبَشِّرًا﴾ ﴾ من صدَّقك بالجنة ﴿﴿وَنَذِيرًا﴾ ﴾ منذرًا من كذَّبك بالنار).
﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ إلى طاعته ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ بأمره، هذا الوصف الرابع ﴿شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ [الأحزاب ٤٥، ٤٦] هذا الوصف الرابع ﴿دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ أي: يدعو الناس إلى الله عز وجل.
وقول المؤلف: (إلى طاعته) فيه نظر بل الأَوْلَى أن تبقى الآية على ظاهرها، وأن النبي ﷺ يدعو إلى الله عز وجل إلى الوصول إليه في دار كرامته، ولا وصول إليه في دار كرامته إلا بامتثال أمره واجتناب نهيه فهو داعٍ إلى الله تعالى بطاعته واجتناب نهيه.
وقوله: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ لم يبين هنا كيفية الدعوة، ولكنه بيَّنها في آية أخرى في قوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل ١٢٥] والدعوة لا بد فيها أيضًا من أمور أربعة؛ داعٍ، ومدعو، والثالث مدعو إليه، والرابع سبب يُوصِل إلى المدعو إليه، وكل هذا جاء به النبي ﷺ، وقد كان عليه الصلاة والسلام يدعو الناس سرًّا وجهرًا حسب ما تقتضيه المصلحة والحاجة، فكان أول دعوته سرًّا؛ لأنه كان يخشى أن تُصادَم هذه الدعوة حتى تدفن ثم بعد ذلك جهر بالدعوة لمَّا قال له الله: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر ٩٤]، ثم صار يدعو من قرُب ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء ٢١٤] ثم من بعُد على حسب ما تقتضيه الدعوة.
وقوله: ﴿دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ يعني: لا إلى نفسك؛ ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام لا ينتقم لنفسه قط أبدًا إلا أن تُنْتَهك حُرُمات الله عز وجل فإنه كان أشد الناس غضبًا لله[[أخرج البخاري (٦١٢٦) بسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما خُيِّر رسول الله ﷺ بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه في شيء قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم بها لله».]]؛ لأنه ليس يدعو إلى نفسه كما يوجد من كثير من الدعاة يدعون إلى أنفسهم في الواقع، يريدون أن يعظمهم الناس وأن يأخذوا بقولهم حتى إنهم إذا خولفوا في ذلك تجد الإنسان يتكدر لا لأنه خولف أمر الله، ولكنه لأنه خولف هو، الذي هذا شأنه إنما يدعو إلى نفسه وليس يدعو إلى ربه ففتش نفسك هل فيك سرٌّ من هذا؟ إن كان فيك سر من هذا فأصلح الأمر، وإن كنت لا تغضب إلا لله ولا ترضى إلا لله فهذا هو الداعية حقيقة.
وقوله: ﴿إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ الإذن هنا يشمل الإذن الكوني والإذن الشرعي؛ فإن كان المراد به ما يُدْعَى به فهو الشرعي؛ يعني إن كان المعنى داعيًا إلى الله تعالى بأمره الذي أمرك بالدعوة إليه فالمراد به الإذن الشرعي، وإن كان المراد داعيًا إلى الله تعالى بِقَدَرِه يعني حيث قواك على ذلك فهو إذن وهيأ لك الأسباب فهو إذن كوني، والآية تشمل هذا وهذا، فإن الرسول ﷺ إنما يدعو بقضاء الله وقدره، ويدعو كذلك بدينه وشرعه فهو داعٍ بالأمرين جميعًا.
قال: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ الوصف الخامس: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ أي: مثله في الاهتداء به؛ ﴿سِرَاجًا﴾، والسراج ما يُستضاء به، هذا نسميه الذي أمامنا نسميه سراجًا ولَّا لا؟
ووصفه بأنه منير إما لبيان الواقع؛ لأن كل سراج فله إنارة، وإما لبيان أن هذا السراج كان له إضاءة قوية فهو منير لما حوله وهذا هو الأقرب؛ لأننا عندنا من القواعد المقررة أنه إذا دار الأمر بين أن يكون الكلام تأسيسًا أو توكيدًا فالأصل أنه تأسيس؛ لأن التأسيس فيه زيادة معنى بخلاف التوكيد، التوكيد ليس فيه إلا التقوية، لكن التأسيس فيه زيادة معنى؛ وعلى هذا فالأظهر أن هذا وصف للسراج باعتبار قوته وإضاءته، ولا شك أن النبي ﷺ عَلَم يُهتدى به في الظلمات؛ فهو قد فتح للناس نور العلم ونور الإيمان حتى ترك أمته على محجة بيضاء ليلها كنهارها.
هذه الأوصاف الخمسة التي بَيَّنها الله تعالى لرسوله ﷺ ممكن أن نضيف إليها وصفًا سادسًا ووصفًا سابعًا؛ الوصف السادس قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ فإن هذا فيه إثبات الرسالة له، والوصف السابع قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ فإن فيه أيضًا إثبات للنبوة، وعلى هذا فالآية تضمنت كم وصفًا للرسول ﷺ؟ سبعة أوصاف: النبوة، والرسالة، والشهادة، والبشارة، والإنذار، والدعوة إلى الله بإذنه، وكونه سراجًا منيرًا.
﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا عطف، ولكنه مبين للمبشر في قوله: ﴿مُبَشِّرًا﴾ ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ والمؤمنون هنا يُرَاد به المؤمنون والمسلمون جميعًا؛ لأنه مرَّ علينا أن الإيمان إذا ذُكِر وحده شمل الإسلام، والإسلام إذا ذُكِر وحده شمل الإيمان، وإن ذُكِرا جميعًا صار الإيمان في القلب والإسلام في الجوارح؛ فقوله: ﴿بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لم يقل: بشر المسلمين؛ لأن من المسلمين من يكون إسلامهم ظاهرًا، ويكون الإيمان في قلوبهم إما مفقودًا وإما ضعيفًا، فالذين لهم البشارة المطلقة مَن؟ المؤمنون الذين وَقَر الإيمان في قلوبهم وصاروا ينفذون مقتضى الإيمان؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس ٦٢ - ٦٤]؛ فالبشارة المطلقة لا تكون إلا للمؤمنين.
وقوله: ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ كلما جاءت لفظ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ مفردة -كما قلت قبل قليل- فإنها تشمل المؤمن والمسلم.
قال: بشرهم ﴿بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾، ما الذي نصب فضلًا؟
* طالب: ﴿أَنَّ﴾.
* الشيخ: ﴿أَنَّ﴾ فهو اسمها مؤخرًا ﴿بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ الفضل الكبير هو الجنة، ولا شيء أكبر من فضل الجنة؛ قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران ١٨٥]، ولا نعيم أعظم من دخول الجنة بما يكون في ضِمْنِه، بل هو أعلى شيء فيه وهو النظر إلى وجه الله تبارك وتعالى.
قال: ﴿بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ لمَّا كان الناس ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: مؤمن ظاهرًا وباطنًا، وكافرٌ ظاهرًا وباطنًا، ومؤمن ظاهرًا كافر باطنًا؛ بيَّن الله هؤلاء الأقسام في قوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ بعد قوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، والله تعالى يقرن بين هؤلاء الأصناف في عدة مواضع من القرآن ففي أول سورة البقرة ذكر الله الأصناف الثلاثة، أو لا؟
وفي سورة الأحزاب لما ذكر الأمانة وتحملها ذكر الأصناف الثلاثة، وهنا ذكر الأصناف الثلاثة قال: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ الكافر كلُّ مَنْ كفر بالله سواء كان كفره عن جحود أو عن استكبار؛ لأن الكفر كلَّه يدور على هذين الأمرين: إما الجحود وهو التكذيب، وإما الاستكبار عن الطاعة؛ فمن كفر بالله وأعلن كفره فهو من الكافرين، ومن سَتَر كفره فهو من المنافقين؛ فالمنافق إذن مَنْ يُظْهِر الإسلام ويُبْطِن الكفر مأخوذ من نافقاء اليربوع، نافقاء اليربوع هي بيته؛ لأن اليربوع له حيلة يحفر في الأرض جُحْرًا له ويجعل له بابًا ويجعل في أطرف الجحر قشرة رقيقة؛ لأجل إذا حجر مع بابه نتق مع هذه القشرة الرقيقة، فيقال: نافقاء اليربوع، المنافق هكذا عملُه إذا حُجِرَ فَعَل ما يتخلص به لكن نفاقًا كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُستَهْزِئُونَ﴾ [البقرة ١٤].
﴿لَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ وهذا النهي نهي عَمَّا لم يكن لئلا يكون وليس نهيًا عما كان لئلا يستمر، وبينهما فرق فهو نهي عما لم يكن لئلا يكون، وليس نهيًا عما كان لئلا يستمر، فإذا قلت لشخص: يا فلان، لا تسرق -وهو يسرق- فهو نهي عما كان لئلا يستمر، وإذا قلت لمن لم يسرق لكنه همَّ بالسرقة أو لم يهم فهذا نهي عما لم يكن لئلا يكون؛ فقوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ ليس المعنى أن الرسول ﷺ كان يطيعهم حاشاه من ذلك، لكنه لآجل ألا يكون أذيتهم له ومضايقتهم له وإحراجهم إياه لئلا يكون سببًا لأن يتنازل عن شيء مما أُمِر به من أجل دفع آذاهم، وإلا فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يطيع المنافقين أو الكافرين في معصية الله، ولكن النفس البشرية قد تجتهد في أمر من الأمور وترى أن من المصلحة التنازل عن بعض الأشياء لدفع ما هو أعظم في نظر المكلَّف ويكون الأمر ليس كذلك.
ولهذا قال: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ قال بعض المفسرين: إنها مضافة إلى المفعول به؛ يعني: لا تؤذهم، وقال بعض المفسرين: إنها مضافة إلى الفاعل؛ يعني: دع أذيتهم إياك فلا تلتفت لها ولا تهتم بها، أيهما أصح؟ الأول ولَّا الثاني؟ تأمل، فهمتم المعنى؟
﴿دَعْ أَذَاهُمْ﴾ يعني: دع أذيتك إياهم فهو مضاف إلى المفعول به أو ﴿دَعْ أَذَاهُمْ﴾ دع أذاهم لك أو دع آذاهم إياك، لا تهتم به ولا تلتفت لهم الثاني قطعًا؟
لأن الأول غير وارد، الرسول عليه الصلاة والسلام لم يؤذهم، ولكنه يؤذى منهم، وعلى هذا فيكون المصدر هنا مضافًا إلى الفاعل ولَّا إلى المفعول به؟
إلى الفاعل؛ يعني: دع أذيتهم إياك، وهذا الأمر إما أن يكون للتهديد، وإما أن يكون للتأييد والتقوية، وإما أن يكون لهما جميعًا فهو للتهديد؛ إما أن يكون للتهديد -تهديد هؤلاء الكافرين والمنافقين- يعني: دع آذاهم إياك فسوف ينتقم الله منهم بدليل قوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾، أو أن المعنى التأييد؛ يعني: دع آذاهم أي اصبر عليهم فيكون هذا من باب تأييد الله تعالى لرسوله ﷺ بأن يأمرهم بأن يدع أذاهم ولا يهتم به ولا يبالي به؛ لأن العاقبة ستكون لمن؟ للرسول ﷺ حتى مع هذه الأذية التي قاموا بها بالنسبة لرسول الله ﷺ.
وقوله: ﴿دَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾.
* طالب: ما الفرق بين الكفر والشرك؟
* الشيخ: الفرق بينهما أن الكفر أعم؛ فإن كل مشرك كافر، وليس كل كافر مشركًا؛ قد يجحد الإنسان شيئًا مما أنزل الله فيكون كافرًا وليس بمشرك.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ التوكل؛ ذكروا في حَدِّه أقوالًا متعددة، ولكن أقرب ما يقال فيه: أنه صدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة به، هذا أحسن ما قيل في تفسير التوكل؛ لأن الإنسان إذا اعتمد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة به صار ذلك أقوى له وأطمن لقلبه، ولكن مع هذا فإن التوكل لا ينافي فعل الأسباب الشرعية التي ثبتت إما عن طريق الشرع وإما عن طريق الحس، ومن زعم أن هذا ينافي التوكل فقد أخطأ؛ وذلك لأن الرسول ﷺ لا شك أنه إمام المتوكلين وسيد بني آدم ومع هذا فكان يفعل الأسباب؛ كان يتقي من البرد، ويتقي من الحر ويتقي من البأساء أو من البأس؛ فكان يلبس الدروع كما ظاهر في يوم أحد بين درعين، ومع هذا فإنه لا يقال: إن الرسول عليه الصلاة والسلام ضعيف التوكل.
إذن فعل الأسباب من تمام التوكل على الله؛ لأن درء ما تخافه يكون بأمرين: أمر من قِبَلك أنت، وأمر آخر من قبل الله؛ فالأشياء الخفية التي لا تدركها ولا طاقة لك بها هذا من قِبَل الله، والأشياء الظاهرة التي لك بها قِبَلُ هذه من قبل نفسك، فعليك أن تفعل هذا وأن تعتمد على الله تعالى فيما لا تدركه ولا يصل إليه ذهنك.
* طالب: ما هو حد فعل الأسباب (...)؟
* الشيخ: إذا ما يقدر عليه، كل ما يقدر عليه من الأسباب الحسية والشرعية.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: العقل يحصل بعقل إحدى قوائمها؛ ولذلك العقل ما هو بربط، العقل أن يربط الحبل على يدها فقط، وأحيانًا يربطونه على اليدين الثنتين ولَّا لا؟ هذا العقل، أما أربط كل شيء وعنقه ورأسه.
* الطالب: (...).
* الشيخ: ولو قاله؟
* الطالب: أخشى يجيء واحد ويقطع..
* الشيخ: اللي بيقطع هذا بيقطع هذا.
* الطالب: أو أخشى أنها تتحرك (...)؟
* الشيخ: هذا خلاف الأصل، يعني: ما جرت العادة به فهو سبب، والله أعلم.
* * *
(...) يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ ﴿كَفَى﴾ فعل ماض كما هو معروف، والباء حرف جر زائد لتحسين اللفظ، و(الله) لفظ الجلالة فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره مَنَعَ من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر زائد.
﴿وَكَفَى﴾ تارة تتعدى بنفسها؛ يعني يكون الفاعل فيها بدون الباء؛ مثل ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب ٢٥]، وتارة تتعدى بالباء، متى تتعدى بالباء ومتى لا تتعدى بالباء؟
إذا كان المراد بها معنى التعجب -يعني: ما أبلغ كفايته- فإنها تتعدى بالباء؛ مثل ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ وما أشبهها.
وإذا كان المراد بيان الكفاية فقط فإنها تتعدى بدون حرف الجر؛ مثل: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ مثل: أنت تقول: كفاك الله شرَّ أعدائك، وما أشبهها.
وهنا المراد بها التعجب؛ يعني معناه: أنه ما أشد كفاية الله تعالى، وما أبلغ كفايته.
وقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ ﴿وَكِيلًا﴾ هذه حال من فاعل (كفى).
وقوله: ﴿وَكِيلًا﴾ بمعنى: حفيظًا وكافيًا؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣] أي: كافيه.
واعلم أن الله تعالى أطلق على نفسه الوكيل، وأطلق على نفسه المُوَكِّل؛ يعني: وصف نفسه بالمُوَكِّل؛ فأما الوكيل فكثير في كتاب الله، ومعناه: الكافي الحافظ وما أشبه ذلك، وأما وصف الله بالتوكيل؛ أي: أنه مُوَكِّل؛ ففي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام ٨٩] قال: ﴿وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾.
ومناسبة قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ لقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ مناسبتها أنك إذا توكلت عليه كفاك كل شيء وحفظك وصار رقيبًا عليك.
ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب ٤٩] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تقدَّم لنا الكلام على تصدير الخطاب بمثل هذا النداء، وأنه يدل على أهمية الموضوع، وأنه يدل على أن امتثال ما سيأتي من مقتضيات الإيمان، وأن مخالفته من نواقص الإيمان.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ﴾ ﴿نَكَحْتُمُ﴾ المراد بالنكاح هنا: العقد، والنكاح يُطْلَق على العقد وعلى الجماع؛ وذلك لأن أصله في اللغة العربية الضَّمُّ والجمع؛ لأن العقد يضم الزوج إلى زوجته، والزوجة إلى زوجها، وهو يُطْلَق بمعنى هذا وهذا، ولكنه إذا أُضِيف إلى أجنبية فهو بمعنى العقد، وإذا أُضِيف إلى زوجة فهو بمعنى الجماع؛ فإذا قيل: نكح الرجل زوجته أي: جامعها، وإذا قيل: نكح فلانةَ بنت فلان فالمعنى عَقَد عليها، وهي في القرآن بمعنى العقد، كلما جاءت فهي بمعنى العقد، والغريب أن بعض أهل العلم يقول: لم تأت بمعنى العقد إلا في هذه الآية، وأنها في القرآن جاءت بمعنى الجماع، ولكن هذا ليس بصواب، الصواب العكس أنها ما جاءت في القرآن إلا بمعنى العقد.
نستعرض الآيات الواردة في هذا؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة ٢٢١] المعنى: العقد، ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة ٢٢١] العقد ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء ٢٢] العقد، ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور ٣] العقد، ويش بعد؟ بقينا ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة ٢٣٠] أيش؟ العقد. نعم العقد، لكن السنة بَيَّنَت أضافت إلى هذا شرطًا آخر وهو أن يذوق عسيلتها وأن تذوق عسيلته، وإلا فهو العقد، واضح؟ أقول: أيش بعد؟ ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ [النور ٣٢] اعقدوا لهم.
المهم كلما جاءت في القرآن فهي بمعنى العقد حتى في هذه الآية -واضح- بمعنى العقد، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ يعني: من قَبْلَ أن تجامعوهن، أيش عندك؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم العقد، ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ﴾ [النور ٣] ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ﴾ لا يعقد إلا على زانية أو مشركة، والزانية لا يتزوجها إلا زان أو مشرك.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، شوف قوله: ﴿لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾، أما في آخر الآية ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور ٣] فإذا كان نكاح الزانية حرامًا ونكاح الزاني حرامًا، فإذا عقد على زانية وهو حرام، فإما أن يعتقد التحريم فيكون زانيًا؛ لأنه جامعها وهو يعتقد أنه حرام، وإما ألا يعتقد التحريم ويقول: هذا حلال، فتحليل ما حرَّم الله شرك؛ كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة ٣١]. هذا هو معنى الآية التي لا تحتمل سواه، وهو الذي قرره شيخ الإسلام وابن القيم رحمهما الله.
طيب الآن ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي: عقدتم عليهن.
* الطالب: شيخ: الانسان اذا تزوج، وزوجته وجدها قد جومعت من قبلُ يجب عليه أن يفارقها (...)؟
* الشيخ: لا، ما يجب عليه إلا إذا علم أنها لا تزال على إصرارها، أما إذا تابت فيجوز أن يتزوجها.
قال: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، قوله: ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ بناءً على الأغلب؛ أن الأغلب أن المؤمن لا يتزوج إلا مؤمنة، ولكن لو كانت يهودية أو نصرانية فالحكم لا يختلف، فعلى هذا يكون هذا من باب الاقتصار، وليس من باب الاختصار، من باب الاقتصار على أحد الصنفين نعم، وأما الصنف الآخر فلأنه قليل بالنسبة إلى نكاح المؤمنات.
﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ قوله: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ ولم يقل: (وطلقتموهن) أو (فطلقتموهن) ليِتَبَيَّن به أنه لو تأخَّر الطلاق عن العقد مدة طويلة فالحكم لا يتغيَّر، كما لو أنه لو طلقها مباشرة فالحكم لا يتغير أيضًا، فقوله: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ أي: بعد العقد.
والطلاق في اللغة: حل قيد البعير ونحوه؛ يعني: حل القيد يُسَمَّى طلاقًا، وهو اسم مصدر (طَلَّق)، والمصدر من طَلَّق تطليقًا؛ مثل كلَّم والمصدر تكليمًا، واسم المصدر كلام، طلَّق المصدر: تطليق، واسم المصدر: طلاق.
فالطلاق إذن حَلُّ القيد، أما في الاصطلاح أو الشرع فطلاق المرأة معناه: حلُّ قيد النكاح أو بعضه؛ فإن كان الطلاق بائنًا لا تحل به الزوجة، فهو حلٌّ لقيد النكاح مطلقًا، وإن كان رجعيًّا فهو حلٌّ لبعضه؛ إذ إنه يجوز له أن يراجع.
وقوله: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أي: من قَبْل أن تجامعوهن، وهذا من باب الكناية عما يُسْتَقْبَحُ ذكرُه بما يدل عليه؛ ولهذا لم يأت الجماع بلفظه الصريح في القرآن الكريم، وإنما كُنِّي عنه في كل موضع بما يتناسب والمقام؛ فمرة يُعَبَّر عنه بالإتيان، ومرة بالإفضاء، ومرة بالمس، ومرة بالملامسة، وما أشبه ذلك، كل هذا من باب استعمال ما لا تَمُجُّه الأسماع من الكلمات.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ قال: (وفي قراءة: ﴿﴿تُمَاسُّوهُنَّ﴾ ﴾ أي: تجامعوهن).
يقول: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ ﴿فَمَا لَكُمْ﴾ (ما) هذه نافية، و﴿لَكُمْ﴾ جار ومجرور خبر مقدم، و﴿مِنْ﴾ حرف جر زائد لمعنى زائد، وقد قلنا: إنه حرف زائد زائد، كلمة (زائد) الثانية هي تأسيس ولَّا توكيد؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نقول: هو حرف جر زائد زائد هل هو توكيد ولَّا تأسيس؟
* الطالب: تأسيس.
* الشيخ: تأسيس، هو حرف جر زائد لفظًا، لكنه يزيد المعنى. (زائد) الأولى من (زاد) اللازم و(زائد) الثانية من (زاد) المتعدي، وين أنتم عن اللغة يا جماعة؟
(زاد) فعل ماض متعدٍّ ولازم، أنتم معنا؟ فإذا قلتُ: زاد إيمان الرجل، هذا متعدٍّ ولا لازم؟ لازم، وإذا قلتُ: زادهم إيمانًا هذا متعدٍّ.
فنقول: هذا حرف جر زائد من (زاد) اللازم، (زائد) من (زاد) المتعدي؛ يعني: زائد بنفسه زائد معنى في غيره.
المهم أن قوله ﴿مِنْ عِدَّةٍ﴾ من حرف جر زائد لفظًا، لا معنى.
﴿عِدَّةٍ﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.
لو قال لنا قائل: هل يجوز أن نجعل (ما) هنا حجازية؟ لا يجوز، من يقول: لا يجوز؟ لماذا؟
* الطالب: لأنه مقدم.
* الشيخ: لأن الخبر مقدم، وابن مالك يقول:
...................... ∗∗∗ مَعَ بَقَا النَّفْيِ وَتَرْتِيبٍ زُكِنْ
﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ قال المؤلف: (تُحْصونها).
﴿مِنْ عِدَّةٍ﴾ ما هي العدة؟ العدة في اللغة: اسم مأخوذ من العدد، ولكنها في الاصطلاح أو في الشرع: تربص مفارقة في الحياة أو في الممات محدود شرعًا، تربص زوجة مفارقة في الحياة أو بعد الممات محدود أيش؟ شرعًا.
(﴿﴿تَعْتَدُّونَهَا﴾ ﴾ تحصونها بالأقراء وغيرها) (بالأقراء) إن كانت من ذوات الأقراء، كمالتها ثلاثة قروء، (وغيرها) إن لم تكن من ذوات الأقراء وهن الحوامل ومن لا تحيض لصغر أو إياس؛ فالحامل عدتها وضع الحمل، ومن لا تحيض عدتها ثلاثة أشهر.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، المعنى أنك فوضت أمرك إليه فاعتمدت عليه هذا معناه ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر ٤٤].
يقول: (﴿﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ ﴾ أعطوهن ما يَسْتَمْتِعْنَ به أي: إن لم يُسَمّ لهن أَصْدِقة، وإلا فلهن نصف المُسَمَّى فقط قاله ابن عباس، وعليه الشافعي).
قوله: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ الفاء حرف عطف، و﴿مَتِّعُوهُنَّ﴾ أي: أعطوهن ما يستمتعن به، منين؟ من الدراهم، من الثياب، من المتاع، من العقار، من أي شيء، الله عز وجل أطلقها، ثم إنها مطلقة من جهة الكمية، كما أنها مطلقة من جهة النوعية؛ الكمية ويش أعطيها؟ إذا أردت أن أعطيها دراهم كم أعطيها؟
﴿مَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة ٢٣٦] حسب حال الزوج.
وقوله: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ بعد قوله: إذا طلقتم المؤمنات ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ يُسْتَثْنَى من ذلك من سُمِّيَ لها مهر؛ فإن من سُمِّيَ لها مهر لا يجب لها إلا نصفه؛ لقوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة ٢٣٧] فبَيَّنَ الله عز وجل أن لهُنَّ نصف ما فرضن وهذا إذا سُمِّي لها المهر سواء قلَّ أو كثر.
قال: (﴿﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ ﴾ خَلُّوا سبيلهن من غير إضرار) فأمر الله عز وجل بأمرين: التمتيع وهو بذل المال، والسراح الجميل وهو بذل الخلق؛ وذلك بأن تكون المفارقة عن رضا وبالقول اللين الذي يجبر الخاطر؛ لأن المرأة إذا طُلِّقَت بعد أن عُقِدَ عليها ولم يدخل بها لا شك أنه ينكسر خاطرها وأنها تتأثر، وأن الناس سوف يتكلمون لماذا طُلِّقَت قبل أن يدخل بها؟ ما هو السبب؟ هل رأى فيها عيبًا؟ هل سمع عنها بشيء؟ ولا سيما إذا كانت هي راغبة أيضًا للزوج ثم طلقها من قبل أن يتصل بها فإنه لا بد أن يكون هناك ردود فعل في نفسها، فأرحم الراحمين أمرنا أن نُمَتِّعَهن بالمال وأن نسرحهن سراحًا جميلًا بالقول والمعاملة الطيبة؛ مثل أن نقول لها: هذا أمر لم يُقَدَّر، وهذا أمر أراده الله عز وجل، وأنا ما فارقتك مثلًا لسوء خلقك أو لأني سمعت عنك ما يسوء أو ما أشبه ذلك من الكلام، حتى تنفصل منه وهي طيبة النفس منشرحة الصدر، ثم بعد ذلك ما يحصل منها أو من أهلها كلام؛ لأنه ربما إذا طلقها ولم يُمَتِّعْها أو متعها بدون ما تستحق أو سرحها سراحًا غير جميل ربما يحصل منها أو من أهلها كلام في الرجل؛ يتكلمون فيه وفي عرضه وفي أهله وما أشبه ذلك، فهذا من آداب الله عز وجل التي أدَّب بها عباده؛ إذا طلق المرأة قبل المسيس فإن الواجب عليه أمران: التمتيع بماذا؟ بالمال، والسراح الجميل بالقول والفعل وطلاقة الوجه وانبساط القلب وما أشبه ذلك.
قد يقول قائل: كيف يمكن هذا والرجل لم يطلقها في هذه الحال إلا وهو كاره لها بلا شك، ولو كان عنده أدنى محبة لكان دخل بها وجامعها ونظر ربما تتغير الأمور؟ يعني: لو كان زهد فيها بعض الزهد لكن في قلبه محبة لها هل يغامر ويطلقها من قبل أن يجامع؟
العقل لا يقتضي ذلك، يقتضي أن تنتظر وتجامعها؛ لأنه ربما أيش؟ ربما تغيرت الأمور، ومن ثَمَّ نُهِيَ عن الطلاق في الحيض؛ لأن الإنسان إذا كانت امرأته حائضًا فإنه لا يُجامِعها فيبقى كارهًا لها، ولا يوجد هناك سبب يدعو إلى المحبة وهو الجماع؛ فلهذا نُهِيَ عنه، يعني هذا من الحِكَم في النهي عن الطلاق في الحيض، وليس هي الحكمة الوحيدة.
﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ وإن شاء الله سيأتي فوائدها فيما بعد.
(...) ثبوت رسالة النبي ﷺ ؛ لقوله..
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، ﷺ مبشرٌ في قوله: ﴿وَمُبَشِّرًا﴾؛ ويتفرع على ذلك أنه أتى بالأسباب التي توجب البشارة من الأعمال الصالحة والطاعات.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي ﷺ جمع بين البشارة والإنذار؛ لقوله: ﴿مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾، * وفائدة قبل هذه: أنه منذر أيضًا؛ لأن كونه منذرًا وكونه مبشرًا، فائدتان، والجمع بينهما فائدة ثالثة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن رسول ﷺ داعٍ إلى الله؛ لقوله: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾.
* ومن فوائدها: الإشارة إلى أنه يجب على الداعية أن تكون دعوته إلى الله تعالى، لا إلى حَظِّ نفسه؛ لقوله: ﴿دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ فإن هذا وصف الرسول ﷺ.
* ومن فوائدها: أن دعوة رسول الله ﷺ إلى الله كانت بإذن منه؛ لقوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾، وهذه يتفرع عليها فائدة أخرى وهي رضا الله عما كان الرسول ﷺ يدعو إليه، أليس كذلك؟ لأن الله لا يأذن إلا بما يحبه ويرضاها.
* ومنها: أن دعوة النبي ﷺ مبنية على شرع الله.
(...) بكيفيتها وفيما يدعو إليه؛ لقوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ فهو داعي إلى الله بإذنه؛ أي: على حسب أمره وبشرعه؛ فيدعو إلى سبيل الله والموعظة الحسنة ويجادل بالتي هي أحسن، وكذلك يدعو إلى شرع الله لا يتجاوزه.
* ومنها: أن النبي ﷺ لا يمكن أن يُشَرِّع من عنده؛ لقوله: ﴿دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ لا بشيء من عنده.
* ومنها: أن ما يدعو إليه الرسول عليه الصلاة والسلام فهو من الله؛ فيتفرع على هذه الفائدة أن طاعة الرسول طاعة لله، ومعصية الرسول معصية لله؛ ولهذا لما جاءت امرأة إلى ابن مسعود رضي الله عنه وقالت: إنك تقول: إن المتفلجات للحُسن ملعونات بكتاب الله. وإنني فتحت المصحف أو قرأت المصحف من فاتحته إلى خاتمته فلم أجد ذلك. فقال: بلى. ثم قرأ عليها الحديث، وتلا قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ﴾ «[الحشر: 7] »[[أخرج البخاري (٤٨٨٦) ومسلم (١٢٠/٢١٢٥) واللفظ له بسندهما عن عبد الله قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله. قال: فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها: أم يعقوب وكانت تقرأ القرآن، فأتته فقالت: ما حديث بلغني عنكَ أنك لعنت الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله، فقال عبد الله: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ؟ وهو في كتاب الله. فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، قال الله عز وجل: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾... الحديث.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الإذن لله، وما هي الإذن؟ هل هي الأُذُن أو غيرها؟
الإِذن غير الأُذن، إثبات الإِذن لله عز وجل، وإِذْن الله تعالى -كما سبق في التفسير- تنقسم إلى قسمين: شرعية، وكونية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما جاء به النبي ﷺ فهو نور كالسراج يضيء الظلم؛ لقوله: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾.
* ومنها: أن النبي ﷺ لا ظل له، شوف الفائدة هذه تحتاج إلى مناقشة ولَّا لا؟ لا ظلَّ له يعني: لو وقف في الشمس، والشمس مائلة ما يكون له ظلال.
* الطالب: غير صحيح.
* الشيخ: غير صحيح ﴿سِرَاجًا مُنِيرًا﴾؟!
* الطالب: ليس السراج (...).
* الشيخ: السراج يضيء وليس له ظل.
* الطالب: إضاءة معنوية.
* الشيخ: سراجًا معنويًّا، وإلَّا فالرسول عليه الصلاة والسلام له ظل كغيره؛ لأنه بشر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل من حكم بشريعة النبي ﷺ فإنه على سراج منير ولَّا لا؟ لقوله: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾.
* ومنها: فضيلة النبي ﷺ؛ حيث جمع الله له بين هذه الأوصاف العظيمة: النبوة، والرسالة، والشهادة، والبشارة، والإنذار، والدعوة إلى الله بإذنه، كم؟ هذه ستة، والسراج المنير سبعة.
ثم قال تعالى:
﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب ٤٧، ٤٨] إلى آخره.
* يُستفاد من هذه الآية الكريمة: أنه يجب على النبي ﷺ أن يبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلًا كبيرًا، من أين يُؤْخذ؟ من قوله: ﴿وَبَشِّرِ﴾، والأمر للوجوب لا سيما على النبي ﷺ، فإن الأمر للوجوب على كل حال لماذا؟ لأن الله إذا أمر رسوله بشيء فإنما يأمره أن يفعله ويبلغه إلى الناس، وتبليغ الرسول ﷺ الرسالة واجب؛ ولهذا نقول: إن الرسول عليه الصلاة والسلام يجب عليه أن يبلغ حتى السُّنَنَ فيجب عليه أن يخبر بالسنة وأن يفعلها حتى يحصل البلاغ، ثم بعد ذلك تكون مندوبًا في حقه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الإيمان؛ وجهه أن المتصفين به هم أهل البشارة؛ لقوله: ﴿وَبَشِّرِ﴾.
* ومنها: ثواب المؤمنين بهذا الفضل الكبير؛ ﴿بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾.
* ومنها: بيان مِنَّة الله عز وجل على المؤمنين وأن الفضل فضله؛ لقوله تعالى: ﴿بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ لا من غيره؛ ولهذا قدَّم ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مع أنها متعلقة بـ ﴿فَضْلًا كَبِيرًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء على الإيمان أكثر مما عمله العبد؛ من قوله: ﴿فَضْلًا كَبِيرًا﴾، وقوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ يعني: يؤخذ من الأمرين أما وجه أخذه من الأول؛ فلقوله: ﴿كَبِيرًا﴾، والكبير إذا وصف الشيء بالكبير فهو كبير جدًّا، وأما الثاني؛ فلأنه أضاف الفضل إلى مَنْ؟ إلى الله ﴿مِنَ اللَّهِ﴾، وكما قال المثل: (العطية على قَدْرِ مُعْطِيها).
فإذا كان هذا الفضل من الله فإنه سيكون فضلًا لا يخطر على البال؛ ولهذا في الحديث الذي عَلَّمه النبي ﷺ أبا بكر أن يدعو به في صلاته قال: «فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٣٢٦)، ومسلم (٢٧٠٥/٤٨) من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه.]] وكونها من عند الله لها مزية.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب ٤٨].
* الطالب: (...) محبة الله (...)؟
* الشيخ: هو ما قلنا فضيلة الإيمان بالأول؟
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: (...).
* الطالب: (...) ولم يكن مُضيئًا؟
* الشيخ: إي؛ لأن النور أبلغ؛ لأنه جامع بين الحرارة وبين الإضاءة، ففيه وصفان.
قال: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية: تحريم طاعة الكافرين والمنافقين، لكن ليس على إطلاقه، بل طاعتهم فيما يخالف أمر الله؛ فلو أمروا بشيء لا يخالف أمر الله فإن طاعتهم ليست حرامًا كما لو أمرك كافر بأن تركب على هذا الباب مفتاحًا مثلًا، فهل نقول: حرام عليك أن تطيعه؟ لا، إذن لا تطعهم فيما يخالف أمر الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن على أكمل ما يكون من البلاغة؛ فإننا نجده في مواضعَ يُقَدِّم المنافقين على الكافرين، وفي هذه الآية قدَّم الكافرين على المنافقين؛ لأنه في مقام الجزاء وفي مقام الذم يُقَدِّم المنافقين؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء ١٤٠]، ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ [الأحزاب ٧٣]؛ لأن ذنب المنافق أعظم من ذنب الكافر الصريح، وأما هنا فمَنِ الذي يعارض الرسول صراحة؟ الكافر، ولهذا قدَّمه على المنافق؛ لأن المنافق لا يأمر بمخالفة الشرع كما يأمر به الكافر؛ إذ إنه يتستر بنفاقه؛ ولهذا قال: ﴿لَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ فبدأ بهم؛ لأن معارضتهم للشرع أَبْيَن وأظهر من المنافقين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه قد يتوجه النهي عما لم يُفْعَل لئلا يُفْعَل من قوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ فإن الرسول عليه الصلاة والسلام ما كان يطيعهم، لكنه نُهِيَ أن يطيعهم لئلا يفعل في المستقبل.
* ومنها: أن النهي قد يَرِد على الأمور البعيدة أو المستحيلة؛ وجهه: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ فإن هذا بعيد أو مستحيل على الرسول ﷺ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تهديد الكافرين والمنافقين؛ لقوله: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾.
* ومنها: تأييد النبي ﷺ وتسليته؛ من قوله أيضًا: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾.
* ومنها: أن من طبيعة الكافرين والمنافقين أذية المؤمنين؛ لقوله: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾، لكن قد يقول قائل: هذا أذى الرسول ﷺ.
فنقول: إن من آذى النبي ﷺ فإنه مؤذٍ للمؤمنين، وأيضًا فإن من عادى الرسل سيعادي أتباعهم ويؤذيهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الصبر على أذى الكفار والمنافقين؛ لقوله: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ فإن هذا أمر بالصبر على أذيتهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب التوكل على الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، والأمر للوجوب.
* ومن فوائدها: أن النبي ﷺ لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا ولا لغيره من باب أولى؛ لقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، فهو مفتقر إلى ربه مأمور بأن يتوكل عليه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عِظَم كفاية الله عز وجل للمتوكلين عليه؛ لقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾؛ فإنا ذَكَرْنَا فيما سبق أن هذا يُرَاد به التعجب من كفاية الله لمن توكل عليه.
ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب ٤٩] إلى آخره.
* من فوائد الآية الكريمة: أهمية النكاح والطلاق؛ لأن الله تعالى صدَّره بالنداء الذي يُطْلَب به تَنَبُّه المنادى لما سيُلْقَى عليه.
* ومنها: أن التزام أحكام الشريعة في النكاح والطلاق من مقتضيات الإيمان؛ وجهُه: من قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإن هذا من مقتضيات إيمانهم أن يمتثلوا ما أُمِروا به.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا طلاق قبل النكاح؛ لقوله: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ﴾ و﴿ثُمَّ﴾ للترتيب، فلا طلاق قبل النكاح، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الطلاق لمُعَيَّنة أو على سبيل العموم؛ فلو قال رجل لامرأة: إن تزوَّجتُكِ فأنت طالق. ثم تزوجَها فإنها لا تطلق لماذا؟ لأن الطلاق كان قبل النكاح.
وكذلك لو قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق. فإنه إذا تزوج امرأة لا تطلق؛ لأنه لا طلاق إلا بعد النكاح.
* ومن فوائدها: أنه لا إيلاء ولا ظهار ولا تحريم على امرأة إلا بعد النكاح؛ لأنه إذا كان الطلاق وهو أعظم فرقةً من الظهار والإيلاء وما أشبهه لا يكون إلا بعد النكاح فكذلك ما دونه، إلا أن التحريم إذا حرَّم رجل امرأة مُعَيَّنة ثم تزوجها بعد ذلك، فإن عليه كفارة يمين، وكذلك الظهار إذا قصد به التحريم وظَاهَر من امرأة قبل أن يتزوجها فإن عليه كفارة يمين وليس عليه كفارة ظهار؛ لأن الظهار لا يصح إلا من زوجها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز الطلاق؛ لقوله: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ ولم يَلُمِ الله المؤمنين على الطلاق، ولو كان حرامًا لَلَامَهُمْ عليه.
* ومن فوائدها أيضًا: جواز الطلاق قبل المسيس أو لا؟ لقوله: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾. وهذه فائدة غير فائدة (جواز الطلاق مطلقًا)؛ لأن الطلاق قبل المسيس قد يكون فيه شيء من غَضِّ حق المرأة، فيقال: هذا الرجل لولا أنه عَلِمَ بأن فيها بلاءً ما طلَّقها قبل أن يَدْخُلَ بها ويمسها؛ لأن العادة أن الإنسان إذا تزوج فإنما يتزوج عن رغبة، فإذا طلَّقها قبل أن يمسها فهو دليل على أن فيها شيئًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه إذا طلَّقها قبل الجماع فلا عدة عليها، وهذا فيه خلاف؛ فإن بعض أهل العلم -وهم الجمهور- على أنه إذا خلا بها فإن عليها العدة، فجعلوا الخلوة بمنزلة الجماع، وهذا هو الذي قضى به الخلفاء الراشدون وعليه جمهور الصحابة بل جمهور الأمة، ولم يخالف في ذلك إلا نفر قليل منهم الشافعي رحمه الله في قوله الجديد؛ فإنه رأى أنه إذا لم يجامعها فلا عِدَّة عليها ولو خلا بها، ولا شك أن هذا هو ظاهر الآية، لكن الوارد عن الصحابة رضي الله عنهم ولا سيما الخلفاء الراشدون يُثْبِت بأن عليها العدة إذا خلا بها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب المتعة على مَنْ طلَّق قبل الدخول، من أين تُؤخذ؟ من قوله: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ وهذا مقيد بالآية الأخرى وهي ما إذا فرض لها فريضةً؛ فإنه إذا فرض لها مهرًا فليس عليه إلا نصف المهر؛ لقوله: تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة ٢٣٧].
* ومن فوائد الآية الكريمة: التكنية عما يُستحيا من ذكره؛ لقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المعتدة من وفاة عليها العدة مطلقًا وإن لم يدخل بها، من أين تُؤْخَذ؟ من قوله: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ فجعل الله هذا الحكم في أي شيء؟ في الطلاق، فيبقى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة ٢٣٤] يبقى على إطلاقه؛ أن المتوفَّى عنها تجب عليها العدة وإن لم يدخل بها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده وخَلْقِه؛ حيث أوجب المتعة لمن طُلِّقَتْ قبل الدخول؛ وجه ذلك أن فيه جبرًا لخاطرها وإزالةً للهَمِّ والغَمِّ الذي اعتراها بعد الطلاق.
* ومن فوائدها: وجوب التسريح الجميل في المفارقة؛ لقوله تعالى: ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن العدة حق للزوج؛ وجهه: قال: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ﴾ فهي حق للزوج على المرأة.
* ومن فوائدها: أن مما ينبغي أن يحصي الإنسان عِدَّة زوجته ويعتني بها ولا يدعها هملًا لا يدري عنها؛ لقوله: ﴿تَعْتَدُّونَهَا﴾؛ فإن هذا دليل على أن مِنْ شأن الأزواج أن يَعْتَدُّوا عدة أزواجهن وأن يحصوها ويراقبوها؛ لأنها فراش له ما دامت في العدة إذا كانت رجعيَّة.
هل يؤخذ من مفهوم قوله: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أنه إذا نكحوا الكِتابيَّات تغيَّر الحكم؟ لا، لماذا؟ لأن هذا قيد أغلبيٌّ، وقد ذكر أهل العلم في الأصول أن ما كان قيدًا أغلبيًّا فإنه لا مفهوم له، منين يؤخذ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: من قوله: ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ لأن هذا الحكم شامل للمؤمنات ولغيرهن.
* فيها أيضًا من الفوائد: أنه لا عِدَّة في الطلاق قبل الدخول ولو طالت المدة؛ لقوله: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾.
* وفيها أيضًا فائدة أخرى: أن الطلاق بيد الزوج؛ لقوله: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ فلا يملك الأب ولا الجد ولا العم ولا الخال ولا غيرهم أن يُطَلِّقُوا على الإنسان.
* وفيها أيضًا فائدة أخرى: أنه لا عدة لغير المطلقة كالمفسوخة بخُلْعٍ أو غيره أو لا؟ أو فيها مناقشة؟ أيش تقولون في هذه الفائدة؟ أنه لا عدة على من فُورِقَت في الحياة بغير الطلاق؟
* طالب: ما يؤخذ.
* الشيخ: ما يؤخذ، ليش؟
* الطالب: لأنه ما قال: (...)؟
* الشيخ: إي، لكن في الطلاق فمفهومها أن العدة إنما هي في المُطَلَّقات؛ هذه حديث النبي، إذا كانت العدة في المطلقات فمعناها المختلعات ليس عليهن عدة، أيش تقولون يا جماعة؟
* الطالب: لأنه (...) صفاتها؟
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما هو مثلًا ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾ معناه إن طلقتموهن بعد المسيس فعليهن العدة، فجعل العدة من أحكام الطلاق، طيب غير الطلاق؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا ما يمكن؛ لأن الطلاق له أحكامه؛ لهذا يقولون: المتوفى عنها زوجها تعتدُّ وإن لم يدخل بها.
على كل حال يعني قد لا تكون إلى ذلك في الظهور إلا أن القول الراجح: أن المفارقة بغير الطلاق ليس عليها عدة، المختلعة إنما تُسْتَبرأ بحيضة ثم تَحِل.
ما نقول: في الآية أيضًا الجمعُ بين الإحسان المالي والفعلي أو لا؟ منين؟
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: هذا أيش؟ هذا المالي ولَّا الفعلي؟
* الطالب: الفعلي.
* الشيخ: الفعلي، والمال؟
* الطالب: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾.
* الشيخ: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾.
طيب، فيه أيضًا فائدة: يُسْتَثْنَى من الآية مَنْ فُرِضَ لها فريضة.
* طالب: (...).
* الشيخ: موجودة؟ وين؟
* طالب: في الشرح.
* الشيخ: الشرح؟
* طالب: الفائدة ما هي؟
* الشيخ: الفائدة: مَنْ فُرِضَ لها فريضة فلها نصف الفريضة وليس على الزوج متعة.
* الطالب: (...) متعة لمن لم يفرض لها (...)؟
* الشيخ: إي، زين.
الأحزاب 33:47
(...) تشريفًا له وإظهارًا لنبوته، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ جَمَع له بين الوصفين النبوة والرسالة على وجه صريح وإلَّا فلو وُصِفَ بالرسالة وحدها لتضمنت وصفه بالنبوة؛ لأن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا، لكن الجمع بين الوصفين أولى على وجه النص والتعيين، وفي حديث البراء بن مالك فيما يقال من الذكر عند النوم أن النبي ﷺ علمه إذا أوى إلى فراشه أن يقول مما يقول: «آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ» فلما أعادها عليه البراء قال: آمنت بكتابك الذي أنزلت وبرسولك الذي أرسلت. فقال له: «وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٧)، ومسلم (٢٧١٠/ ٥٦) من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه.]] لماذا؟ قال العلماء: لأجل أن يجمع له بين وَصْفَيِ النبوة والرسالة على وجه التعيين؛ لأن دلالة الرسالة على النبوة من باب دلالة الالتزام، وأما دلالة النبوة على النبوة فهو من باب دلالة النص والتعيين، هذا من وجه، وجه آخر أنه إذا قال: ورسولك الذي أرسلت لم يكن نصًّا في الإيمان بمحمد ﷺ؛ إذ قد يجوز أن يراد به الرسول الملكي دون الرسول البشري، هنا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ ولم يقل: يا أيها الرسول إنا أرسلناك؛ لماذا؟ ليجمع له بين وصفي النبوة والرسالة على سبيل التعيين والنص، لكن انظر إلى قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة ٦٧] حيث قال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ ثم قال: ﴿بَلِّغْ﴾ لأنه إنما يأمره بالبلاغ، وهذا يناسب الرسالة.
قال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ على مَنْ أُرْسِلْت إليهم، وكلمة ﴿شَاهِدًا﴾ حال من الكاف في قوله: ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾، والشاهد يطلق على المخبر، ويطلق على الحاكم، والنبي ﷺ شاهد مُخْبِر حاكم فهو مخبر عن الله عز وجل بما أرسله به، وكذلك مخبر عمن أُرْسِل إليهم بالقبول أو الرفض، وكذلك هو حاكم فإن الحكم لله ورسوله؛ والدليل على أن الشاهد بمعنى الحاكم قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف ٢٦، ٢٧] إذن شاهد بمعنى مخبر وحاكم، فهو مخبر عن الله ومخبر عن عباد الله؛ مخبر عن الله بما أوحاه إليه، ومخبر عن عباد الله بالقبول أو الرفض. وكذلك هو شاهد على من سبقه من الأمم في تبليغ رسالات الرسل وفي تكذيب قومهم لهم؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة ١٤٣]، إذن شاهد بما أوحاه الله إليه وحاكم به، وشاهد على من أُرْسِل إليهم، وشاهد على من سبقه من الأمم.
وقوله: ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ معطوف على ﴿شَاهِدًا﴾، قوله: ﴿مُبَشِّرًا﴾؛ يعني: وأرسلناك مبشرًا، والبشارة تقتضي ثلاثة أمور مبشِّر ومبشَّر ومُبَشَّر به -أربعة أمور- وسببًا يوصل إلى المبشر به.
الرسول عليه الصلاة والسلام مبشر وقلت: إن البشارة لا بد فيها من أمور أربعة؛ مُبَشِّر ومُبَشَّر ومُبَشَّرٌ به وسببًا يوصل إلى المُبشَّر به، فإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام مبشرًا فلا بد أن يكون هناك من يُبَشِّره وهم الذين أُرْسِل إليهم واتبعوه على ما دعا إليه، ولا بد أن يكون هناك مُبَشَّرٌ به، وما هو المُبشَّر به؟
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، الجنة، مبشرٌ به: الجنة، تقدم لنا في هذه الآيات: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب ٤٧]، ولا بد أن يكون هناك سبب يوصل إلى المُبَشَّر به ما هو؟ الأعمال الصالحة.
إذن فالنبي عليه الصلاة والسلام قد بَيَّن وبَلَّغ الرسالة إلى المبشرين، وبَيَّن المبشر به وما يتضمنه من الثواب وأنواع النعيم، وبيَّن الأسباب الموصلة إلى ذلك وهي الأعمال الصالحة؛ ولهذا ترك النبي عليه الصلاة والسلام أمته على مَحَجَّة بيضاء ليلها كنهارها لا يَزيغ عنها إلا هالك.
﴿وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ النذير: هو من أتى بالإنذار وهو الإعلام بتخويف، الإعلام المقرون بالتخويف يُسَمَّى إنذارًا، وفي حديث جابر رضي الله عنه في صفة خُطْبة النبي ﷺ: «كأنه مُنْذِر جيش؛ يقول: «صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ»[[أخرج مسلم (٨٦٧/ ٤٣) بسنده عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرَّت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: «صَبَّحَكم ومسَّاكم».. الحديث.]].
وقوله: ﴿نَذِيرًا﴾ نقول فيها كما قلنا في ﴿بَشِيرًا﴾ [البقرة ١١٩]: لا بد فيها من أمور أربعة: منذِر، ويش بعد؟ ومُنْذَر، ومنذر به، وأسباب تُوصِل إلى ذلك، وكلها قد جاء بها النبي ﷺ، فما هو المنذر؟ الأُمَّة عمومًا، والمُنْذَر به النار، وأسبابه الأعمال السيئة، والمنذِر هو الرسول ﷺ؛ فقد بَيَّن النبي ﷺ كل هذه الأمور؛ بَيَّن لكل المُنذَرين وأدَّى إليهم الرسالة أو أدى الأمانة، وكذلك بَيَّن المُنْذَر به وما فيه من العقوبات المتنوعات والعذاب الأليم..
يصلح: أنذرته بذلك أو منه.
قال: (﴿﴿مُبَشِّرًا﴾ ﴾ من صدَّقك بالجنة ﴿﴿وَنَذِيرًا﴾ ﴾ منذرًا من كذَّبك بالنار).
﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ إلى طاعته ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ بأمره، هذا الوصف الرابع ﴿شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ [الأحزاب ٤٥، ٤٦] هذا الوصف الرابع ﴿دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ أي: يدعو الناس إلى الله عز وجل.
وقول المؤلف: (إلى طاعته) فيه نظر بل الأَوْلَى أن تبقى الآية على ظاهرها، وأن النبي ﷺ يدعو إلى الله عز وجل إلى الوصول إليه في دار كرامته، ولا وصول إليه في دار كرامته إلا بامتثال أمره واجتناب نهيه فهو داعٍ إلى الله تعالى بطاعته واجتناب نهيه.
وقوله: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ لم يبين هنا كيفية الدعوة، ولكنه بيَّنها في آية أخرى في قوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل ١٢٥] والدعوة لا بد فيها أيضًا من أمور أربعة؛ داعٍ، ومدعو، والثالث مدعو إليه، والرابع سبب يُوصِل إلى المدعو إليه، وكل هذا جاء به النبي ﷺ، وقد كان عليه الصلاة والسلام يدعو الناس سرًّا وجهرًا حسب ما تقتضيه المصلحة والحاجة، فكان أول دعوته سرًّا؛ لأنه كان يخشى أن تُصادَم هذه الدعوة حتى تدفن ثم بعد ذلك جهر بالدعوة لمَّا قال له الله: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر ٩٤]، ثم صار يدعو من قرُب ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء ٢١٤] ثم من بعُد على حسب ما تقتضيه الدعوة.
وقوله: ﴿دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ يعني: لا إلى نفسك؛ ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام لا ينتقم لنفسه قط أبدًا إلا أن تُنْتَهك حُرُمات الله عز وجل فإنه كان أشد الناس غضبًا لله[[أخرج البخاري (٦١٢٦) بسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما خُيِّر رسول الله ﷺ بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه في شيء قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم بها لله».]]؛ لأنه ليس يدعو إلى نفسه كما يوجد من كثير من الدعاة يدعون إلى أنفسهم في الواقع، يريدون أن يعظمهم الناس وأن يأخذوا بقولهم حتى إنهم إذا خولفوا في ذلك تجد الإنسان يتكدر لا لأنه خولف أمر الله، ولكنه لأنه خولف هو، الذي هذا شأنه إنما يدعو إلى نفسه وليس يدعو إلى ربه ففتش نفسك هل فيك سرٌّ من هذا؟ إن كان فيك سر من هذا فأصلح الأمر، وإن كنت لا تغضب إلا لله ولا ترضى إلا لله فهذا هو الداعية حقيقة.
وقوله: ﴿إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ الإذن هنا يشمل الإذن الكوني والإذن الشرعي؛ فإن كان المراد به ما يُدْعَى به فهو الشرعي؛ يعني إن كان المعنى داعيًا إلى الله تعالى بأمره الذي أمرك بالدعوة إليه فالمراد به الإذن الشرعي، وإن كان المراد داعيًا إلى الله تعالى بِقَدَرِه يعني حيث قواك على ذلك فهو إذن وهيأ لك الأسباب فهو إذن كوني، والآية تشمل هذا وهذا، فإن الرسول ﷺ إنما يدعو بقضاء الله وقدره، ويدعو كذلك بدينه وشرعه فهو داعٍ بالأمرين جميعًا.
قال: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ الوصف الخامس: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ أي: مثله في الاهتداء به؛ ﴿سِرَاجًا﴾، والسراج ما يُستضاء به، هذا نسميه الذي أمامنا نسميه سراجًا ولَّا لا؟
ووصفه بأنه منير إما لبيان الواقع؛ لأن كل سراج فله إنارة، وإما لبيان أن هذا السراج كان له إضاءة قوية فهو منير لما حوله وهذا هو الأقرب؛ لأننا عندنا من القواعد المقررة أنه إذا دار الأمر بين أن يكون الكلام تأسيسًا أو توكيدًا فالأصل أنه تأسيس؛ لأن التأسيس فيه زيادة معنى بخلاف التوكيد، التوكيد ليس فيه إلا التقوية، لكن التأسيس فيه زيادة معنى؛ وعلى هذا فالأظهر أن هذا وصف للسراج باعتبار قوته وإضاءته، ولا شك أن النبي ﷺ عَلَم يُهتدى به في الظلمات؛ فهو قد فتح للناس نور العلم ونور الإيمان حتى ترك أمته على محجة بيضاء ليلها كنهارها.
هذه الأوصاف الخمسة التي بَيَّنها الله تعالى لرسوله ﷺ ممكن أن نضيف إليها وصفًا سادسًا ووصفًا سابعًا؛ الوصف السادس قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ فإن هذا فيه إثبات الرسالة له، والوصف السابع قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ فإن فيه أيضًا إثبات للنبوة، وعلى هذا فالآية تضمنت كم وصفًا للرسول ﷺ؟ سبعة أوصاف: النبوة، والرسالة، والشهادة، والبشارة، والإنذار، والدعوة إلى الله بإذنه، وكونه سراجًا منيرًا.
﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا عطف، ولكنه مبين للمبشر في قوله: ﴿مُبَشِّرًا﴾ ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ والمؤمنون هنا يُرَاد به المؤمنون والمسلمون جميعًا؛ لأنه مرَّ علينا أن الإيمان إذا ذُكِر وحده شمل الإسلام، والإسلام إذا ذُكِر وحده شمل الإيمان، وإن ذُكِرا جميعًا صار الإيمان في القلب والإسلام في الجوارح؛ فقوله: ﴿بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لم يقل: بشر المسلمين؛ لأن من المسلمين من يكون إسلامهم ظاهرًا، ويكون الإيمان في قلوبهم إما مفقودًا وإما ضعيفًا، فالذين لهم البشارة المطلقة مَن؟ المؤمنون الذين وَقَر الإيمان في قلوبهم وصاروا ينفذون مقتضى الإيمان؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس ٦٢ - ٦٤]؛ فالبشارة المطلقة لا تكون إلا للمؤمنين.
وقوله: ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ كلما جاءت لفظ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ مفردة -كما قلت قبل قليل- فإنها تشمل المؤمن والمسلم.
قال: بشرهم ﴿بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾، ما الذي نصب فضلًا؟
* طالب: ﴿أَنَّ﴾.
* الشيخ: ﴿أَنَّ﴾ فهو اسمها مؤخرًا ﴿بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ الفضل الكبير هو الجنة، ولا شيء أكبر من فضل الجنة؛ قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران ١٨٥]، ولا نعيم أعظم من دخول الجنة بما يكون في ضِمْنِه، بل هو أعلى شيء فيه وهو النظر إلى وجه الله تبارك وتعالى.
قال: ﴿بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ لمَّا كان الناس ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: مؤمن ظاهرًا وباطنًا، وكافرٌ ظاهرًا وباطنًا، ومؤمن ظاهرًا كافر باطنًا؛ بيَّن الله هؤلاء الأقسام في قوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ بعد قوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، والله تعالى يقرن بين هؤلاء الأصناف في عدة مواضع من القرآن ففي أول سورة البقرة ذكر الله الأصناف الثلاثة، أو لا؟
وفي سورة الأحزاب لما ذكر الأمانة وتحملها ذكر الأصناف الثلاثة، وهنا ذكر الأصناف الثلاثة قال: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ الكافر كلُّ مَنْ كفر بالله سواء كان كفره عن جحود أو عن استكبار؛ لأن الكفر كلَّه يدور على هذين الأمرين: إما الجحود وهو التكذيب، وإما الاستكبار عن الطاعة؛ فمن كفر بالله وأعلن كفره فهو من الكافرين، ومن سَتَر كفره فهو من المنافقين؛ فالمنافق إذن مَنْ يُظْهِر الإسلام ويُبْطِن الكفر مأخوذ من نافقاء اليربوع، نافقاء اليربوع هي بيته؛ لأن اليربوع له حيلة يحفر في الأرض جُحْرًا له ويجعل له بابًا ويجعل في أطرف الجحر قشرة رقيقة؛ لأجل إذا حجر مع بابه نتق مع هذه القشرة الرقيقة، فيقال: نافقاء اليربوع، المنافق هكذا عملُه إذا حُجِرَ فَعَل ما يتخلص به لكن نفاقًا كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُستَهْزِئُونَ﴾ [البقرة ١٤].
﴿لَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ وهذا النهي نهي عَمَّا لم يكن لئلا يكون وليس نهيًا عما كان لئلا يستمر، وبينهما فرق فهو نهي عما لم يكن لئلا يكون، وليس نهيًا عما كان لئلا يستمر، فإذا قلت لشخص: يا فلان، لا تسرق -وهو يسرق- فهو نهي عما كان لئلا يستمر، وإذا قلت لمن لم يسرق لكنه همَّ بالسرقة أو لم يهم فهذا نهي عما لم يكن لئلا يكون؛ فقوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ ليس المعنى أن الرسول ﷺ كان يطيعهم حاشاه من ذلك، لكنه لآجل ألا يكون أذيتهم له ومضايقتهم له وإحراجهم إياه لئلا يكون سببًا لأن يتنازل عن شيء مما أُمِر به من أجل دفع آذاهم، وإلا فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يطيع المنافقين أو الكافرين في معصية الله، ولكن النفس البشرية قد تجتهد في أمر من الأمور وترى أن من المصلحة التنازل عن بعض الأشياء لدفع ما هو أعظم في نظر المكلَّف ويكون الأمر ليس كذلك.
ولهذا قال: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ قال بعض المفسرين: إنها مضافة إلى المفعول به؛ يعني: لا تؤذهم، وقال بعض المفسرين: إنها مضافة إلى الفاعل؛ يعني: دع أذيتهم إياك فلا تلتفت لها ولا تهتم بها، أيهما أصح؟ الأول ولَّا الثاني؟ تأمل، فهمتم المعنى؟
﴿دَعْ أَذَاهُمْ﴾ يعني: دع أذيتك إياهم فهو مضاف إلى المفعول به أو ﴿دَعْ أَذَاهُمْ﴾ دع أذاهم لك أو دع آذاهم إياك، لا تهتم به ولا تلتفت لهم الثاني قطعًا؟
لأن الأول غير وارد، الرسول عليه الصلاة والسلام لم يؤذهم، ولكنه يؤذى منهم، وعلى هذا فيكون المصدر هنا مضافًا إلى الفاعل ولَّا إلى المفعول به؟
إلى الفاعل؛ يعني: دع أذيتهم إياك، وهذا الأمر إما أن يكون للتهديد، وإما أن يكون للتأييد والتقوية، وإما أن يكون لهما جميعًا فهو للتهديد؛ إما أن يكون للتهديد -تهديد هؤلاء الكافرين والمنافقين- يعني: دع آذاهم إياك فسوف ينتقم الله منهم بدليل قوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾، أو أن المعنى التأييد؛ يعني: دع آذاهم أي اصبر عليهم فيكون هذا من باب تأييد الله تعالى لرسوله ﷺ بأن يأمرهم بأن يدع أذاهم ولا يهتم به ولا يبالي به؛ لأن العاقبة ستكون لمن؟ للرسول ﷺ حتى مع هذه الأذية التي قاموا بها بالنسبة لرسول الله ﷺ.
وقوله: ﴿دَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾.
* طالب: ما الفرق بين الكفر والشرك؟
* الشيخ: الفرق بينهما أن الكفر أعم؛ فإن كل مشرك كافر، وليس كل كافر مشركًا؛ قد يجحد الإنسان شيئًا مما أنزل الله فيكون كافرًا وليس بمشرك.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ التوكل؛ ذكروا في حَدِّه أقوالًا متعددة، ولكن أقرب ما يقال فيه: أنه صدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة به، هذا أحسن ما قيل في تفسير التوكل؛ لأن الإنسان إذا اعتمد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة به صار ذلك أقوى له وأطمن لقلبه، ولكن مع هذا فإن التوكل لا ينافي فعل الأسباب الشرعية التي ثبتت إما عن طريق الشرع وإما عن طريق الحس، ومن زعم أن هذا ينافي التوكل فقد أخطأ؛ وذلك لأن الرسول ﷺ لا شك أنه إمام المتوكلين وسيد بني آدم ومع هذا فكان يفعل الأسباب؛ كان يتقي من البرد، ويتقي من الحر ويتقي من البأساء أو من البأس؛ فكان يلبس الدروع كما ظاهر في يوم أحد بين درعين، ومع هذا فإنه لا يقال: إن الرسول عليه الصلاة والسلام ضعيف التوكل.
إذن فعل الأسباب من تمام التوكل على الله؛ لأن درء ما تخافه يكون بأمرين: أمر من قِبَلك أنت، وأمر آخر من قبل الله؛ فالأشياء الخفية التي لا تدركها ولا طاقة لك بها هذا من قِبَل الله، والأشياء الظاهرة التي لك بها قِبَلُ هذه من قبل نفسك، فعليك أن تفعل هذا وأن تعتمد على الله تعالى فيما لا تدركه ولا يصل إليه ذهنك.
* طالب: ما هو حد فعل الأسباب (...)؟
* الشيخ: إذا ما يقدر عليه، كل ما يقدر عليه من الأسباب الحسية والشرعية.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: العقل يحصل بعقل إحدى قوائمها؛ ولذلك العقل ما هو بربط، العقل أن يربط الحبل على يدها فقط، وأحيانًا يربطونه على اليدين الثنتين ولَّا لا؟ هذا العقل، أما أربط كل شيء وعنقه ورأسه.
* الطالب: (...).
* الشيخ: ولو قاله؟
* الطالب: أخشى يجيء واحد ويقطع..
* الشيخ: اللي بيقطع هذا بيقطع هذا.
* الطالب: أو أخشى أنها تتحرك (...)؟
* الشيخ: هذا خلاف الأصل، يعني: ما جرت العادة به فهو سبب، والله أعلم.
* * *
(...) يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ ﴿كَفَى﴾ فعل ماض كما هو معروف، والباء حرف جر زائد لتحسين اللفظ، و(الله) لفظ الجلالة فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره مَنَعَ من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر زائد.
﴿وَكَفَى﴾ تارة تتعدى بنفسها؛ يعني يكون الفاعل فيها بدون الباء؛ مثل ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب ٢٥]، وتارة تتعدى بالباء، متى تتعدى بالباء ومتى لا تتعدى بالباء؟
إذا كان المراد بها معنى التعجب -يعني: ما أبلغ كفايته- فإنها تتعدى بالباء؛ مثل ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ وما أشبهها.
وإذا كان المراد بيان الكفاية فقط فإنها تتعدى بدون حرف الجر؛ مثل: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ مثل: أنت تقول: كفاك الله شرَّ أعدائك، وما أشبهها.
وهنا المراد بها التعجب؛ يعني معناه: أنه ما أشد كفاية الله تعالى، وما أبلغ كفايته.
وقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ ﴿وَكِيلًا﴾ هذه حال من فاعل (كفى).
وقوله: ﴿وَكِيلًا﴾ بمعنى: حفيظًا وكافيًا؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣] أي: كافيه.
واعلم أن الله تعالى أطلق على نفسه الوكيل، وأطلق على نفسه المُوَكِّل؛ يعني: وصف نفسه بالمُوَكِّل؛ فأما الوكيل فكثير في كتاب الله، ومعناه: الكافي الحافظ وما أشبه ذلك، وأما وصف الله بالتوكيل؛ أي: أنه مُوَكِّل؛ ففي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام ٨٩] قال: ﴿وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾.
ومناسبة قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ لقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ مناسبتها أنك إذا توكلت عليه كفاك كل شيء وحفظك وصار رقيبًا عليك.
ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب ٤٩] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تقدَّم لنا الكلام على تصدير الخطاب بمثل هذا النداء، وأنه يدل على أهمية الموضوع، وأنه يدل على أن امتثال ما سيأتي من مقتضيات الإيمان، وأن مخالفته من نواقص الإيمان.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ﴾ ﴿نَكَحْتُمُ﴾ المراد بالنكاح هنا: العقد، والنكاح يُطْلَق على العقد وعلى الجماع؛ وذلك لأن أصله في اللغة العربية الضَّمُّ والجمع؛ لأن العقد يضم الزوج إلى زوجته، والزوجة إلى زوجها، وهو يُطْلَق بمعنى هذا وهذا، ولكنه إذا أُضِيف إلى أجنبية فهو بمعنى العقد، وإذا أُضِيف إلى زوجة فهو بمعنى الجماع؛ فإذا قيل: نكح الرجل زوجته أي: جامعها، وإذا قيل: نكح فلانةَ بنت فلان فالمعنى عَقَد عليها، وهي في القرآن بمعنى العقد، كلما جاءت فهي بمعنى العقد، والغريب أن بعض أهل العلم يقول: لم تأت بمعنى العقد إلا في هذه الآية، وأنها في القرآن جاءت بمعنى الجماع، ولكن هذا ليس بصواب، الصواب العكس أنها ما جاءت في القرآن إلا بمعنى العقد.
نستعرض الآيات الواردة في هذا؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة ٢٢١] المعنى: العقد، ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة ٢٢١] العقد ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء ٢٢] العقد، ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور ٣] العقد، ويش بعد؟ بقينا ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة ٢٣٠] أيش؟ العقد. نعم العقد، لكن السنة بَيَّنَت أضافت إلى هذا شرطًا آخر وهو أن يذوق عسيلتها وأن تذوق عسيلته، وإلا فهو العقد، واضح؟ أقول: أيش بعد؟ ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ [النور ٣٢] اعقدوا لهم.
المهم كلما جاءت في القرآن فهي بمعنى العقد حتى في هذه الآية -واضح- بمعنى العقد، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ يعني: من قَبْلَ أن تجامعوهن، أيش عندك؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم العقد، ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ﴾ [النور ٣] ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ﴾ لا يعقد إلا على زانية أو مشركة، والزانية لا يتزوجها إلا زان أو مشرك.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، شوف قوله: ﴿لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾، أما في آخر الآية ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور ٣] فإذا كان نكاح الزانية حرامًا ونكاح الزاني حرامًا، فإذا عقد على زانية وهو حرام، فإما أن يعتقد التحريم فيكون زانيًا؛ لأنه جامعها وهو يعتقد أنه حرام، وإما ألا يعتقد التحريم ويقول: هذا حلال، فتحليل ما حرَّم الله شرك؛ كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة ٣١]. هذا هو معنى الآية التي لا تحتمل سواه، وهو الذي قرره شيخ الإسلام وابن القيم رحمهما الله.
طيب الآن ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي: عقدتم عليهن.
* الطالب: شيخ: الانسان اذا تزوج، وزوجته وجدها قد جومعت من قبلُ يجب عليه أن يفارقها (...)؟
* الشيخ: لا، ما يجب عليه إلا إذا علم أنها لا تزال على إصرارها، أما إذا تابت فيجوز أن يتزوجها.
قال: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، قوله: ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ بناءً على الأغلب؛ أن الأغلب أن المؤمن لا يتزوج إلا مؤمنة، ولكن لو كانت يهودية أو نصرانية فالحكم لا يختلف، فعلى هذا يكون هذا من باب الاقتصار، وليس من باب الاختصار، من باب الاقتصار على أحد الصنفين نعم، وأما الصنف الآخر فلأنه قليل بالنسبة إلى نكاح المؤمنات.
﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ قوله: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ ولم يقل: (وطلقتموهن) أو (فطلقتموهن) ليِتَبَيَّن به أنه لو تأخَّر الطلاق عن العقد مدة طويلة فالحكم لا يتغيَّر، كما لو أنه لو طلقها مباشرة فالحكم لا يتغير أيضًا، فقوله: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ أي: بعد العقد.
والطلاق في اللغة: حل قيد البعير ونحوه؛ يعني: حل القيد يُسَمَّى طلاقًا، وهو اسم مصدر (طَلَّق)، والمصدر من طَلَّق تطليقًا؛ مثل كلَّم والمصدر تكليمًا، واسم المصدر كلام، طلَّق المصدر: تطليق، واسم المصدر: طلاق.
فالطلاق إذن حَلُّ القيد، أما في الاصطلاح أو الشرع فطلاق المرأة معناه: حلُّ قيد النكاح أو بعضه؛ فإن كان الطلاق بائنًا لا تحل به الزوجة، فهو حلٌّ لقيد النكاح مطلقًا، وإن كان رجعيًّا فهو حلٌّ لبعضه؛ إذ إنه يجوز له أن يراجع.
وقوله: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أي: من قَبْل أن تجامعوهن، وهذا من باب الكناية عما يُسْتَقْبَحُ ذكرُه بما يدل عليه؛ ولهذا لم يأت الجماع بلفظه الصريح في القرآن الكريم، وإنما كُنِّي عنه في كل موضع بما يتناسب والمقام؛ فمرة يُعَبَّر عنه بالإتيان، ومرة بالإفضاء، ومرة بالمس، ومرة بالملامسة، وما أشبه ذلك، كل هذا من باب استعمال ما لا تَمُجُّه الأسماع من الكلمات.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ قال: (وفي قراءة: ﴿﴿تُمَاسُّوهُنَّ﴾ ﴾ أي: تجامعوهن).
يقول: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ ﴿فَمَا لَكُمْ﴾ (ما) هذه نافية، و﴿لَكُمْ﴾ جار ومجرور خبر مقدم، و﴿مِنْ﴾ حرف جر زائد لمعنى زائد، وقد قلنا: إنه حرف زائد زائد، كلمة (زائد) الثانية هي تأسيس ولَّا توكيد؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نقول: هو حرف جر زائد زائد هل هو توكيد ولَّا تأسيس؟
* الطالب: تأسيس.
* الشيخ: تأسيس، هو حرف جر زائد لفظًا، لكنه يزيد المعنى. (زائد) الأولى من (زاد) اللازم و(زائد) الثانية من (زاد) المتعدي، وين أنتم عن اللغة يا جماعة؟
(زاد) فعل ماض متعدٍّ ولازم، أنتم معنا؟ فإذا قلتُ: زاد إيمان الرجل، هذا متعدٍّ ولا لازم؟ لازم، وإذا قلتُ: زادهم إيمانًا هذا متعدٍّ.
فنقول: هذا حرف جر زائد من (زاد) اللازم، (زائد) من (زاد) المتعدي؛ يعني: زائد بنفسه زائد معنى في غيره.
المهم أن قوله ﴿مِنْ عِدَّةٍ﴾ من حرف جر زائد لفظًا، لا معنى.
﴿عِدَّةٍ﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.
لو قال لنا قائل: هل يجوز أن نجعل (ما) هنا حجازية؟ لا يجوز، من يقول: لا يجوز؟ لماذا؟
* الطالب: لأنه مقدم.
* الشيخ: لأن الخبر مقدم، وابن مالك يقول:
...................... ∗∗∗ مَعَ بَقَا النَّفْيِ وَتَرْتِيبٍ زُكِنْ
﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ قال المؤلف: (تُحْصونها).
﴿مِنْ عِدَّةٍ﴾ ما هي العدة؟ العدة في اللغة: اسم مأخوذ من العدد، ولكنها في الاصطلاح أو في الشرع: تربص مفارقة في الحياة أو في الممات محدود شرعًا، تربص زوجة مفارقة في الحياة أو بعد الممات محدود أيش؟ شرعًا.
(﴿﴿تَعْتَدُّونَهَا﴾ ﴾ تحصونها بالأقراء وغيرها) (بالأقراء) إن كانت من ذوات الأقراء، كمالتها ثلاثة قروء، (وغيرها) إن لم تكن من ذوات الأقراء وهن الحوامل ومن لا تحيض لصغر أو إياس؛ فالحامل عدتها وضع الحمل، ومن لا تحيض عدتها ثلاثة أشهر.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، المعنى أنك فوضت أمرك إليه فاعتمدت عليه هذا معناه ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر ٤٤].
يقول: (﴿﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ ﴾ أعطوهن ما يَسْتَمْتِعْنَ به أي: إن لم يُسَمّ لهن أَصْدِقة، وإلا فلهن نصف المُسَمَّى فقط قاله ابن عباس، وعليه الشافعي).
قوله: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ الفاء حرف عطف، و﴿مَتِّعُوهُنَّ﴾ أي: أعطوهن ما يستمتعن به، منين؟ من الدراهم، من الثياب، من المتاع، من العقار، من أي شيء، الله عز وجل أطلقها، ثم إنها مطلقة من جهة الكمية، كما أنها مطلقة من جهة النوعية؛ الكمية ويش أعطيها؟ إذا أردت أن أعطيها دراهم كم أعطيها؟
﴿مَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة ٢٣٦] حسب حال الزوج.
وقوله: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ بعد قوله: إذا طلقتم المؤمنات ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ يُسْتَثْنَى من ذلك من سُمِّيَ لها مهر؛ فإن من سُمِّيَ لها مهر لا يجب لها إلا نصفه؛ لقوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة ٢٣٧] فبَيَّنَ الله عز وجل أن لهُنَّ نصف ما فرضن وهذا إذا سُمِّي لها المهر سواء قلَّ أو كثر.
قال: (﴿﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ ﴾ خَلُّوا سبيلهن من غير إضرار) فأمر الله عز وجل بأمرين: التمتيع وهو بذل المال، والسراح الجميل وهو بذل الخلق؛ وذلك بأن تكون المفارقة عن رضا وبالقول اللين الذي يجبر الخاطر؛ لأن المرأة إذا طُلِّقَت بعد أن عُقِدَ عليها ولم يدخل بها لا شك أنه ينكسر خاطرها وأنها تتأثر، وأن الناس سوف يتكلمون لماذا طُلِّقَت قبل أن يدخل بها؟ ما هو السبب؟ هل رأى فيها عيبًا؟ هل سمع عنها بشيء؟ ولا سيما إذا كانت هي راغبة أيضًا للزوج ثم طلقها من قبل أن يتصل بها فإنه لا بد أن يكون هناك ردود فعل في نفسها، فأرحم الراحمين أمرنا أن نُمَتِّعَهن بالمال وأن نسرحهن سراحًا جميلًا بالقول والمعاملة الطيبة؛ مثل أن نقول لها: هذا أمر لم يُقَدَّر، وهذا أمر أراده الله عز وجل، وأنا ما فارقتك مثلًا لسوء خلقك أو لأني سمعت عنك ما يسوء أو ما أشبه ذلك من الكلام، حتى تنفصل منه وهي طيبة النفس منشرحة الصدر، ثم بعد ذلك ما يحصل منها أو من أهلها كلام؛ لأنه ربما إذا طلقها ولم يُمَتِّعْها أو متعها بدون ما تستحق أو سرحها سراحًا غير جميل ربما يحصل منها أو من أهلها كلام في الرجل؛ يتكلمون فيه وفي عرضه وفي أهله وما أشبه ذلك، فهذا من آداب الله عز وجل التي أدَّب بها عباده؛ إذا طلق المرأة قبل المسيس فإن الواجب عليه أمران: التمتيع بماذا؟ بالمال، والسراح الجميل بالقول والفعل وطلاقة الوجه وانبساط القلب وما أشبه ذلك.
قد يقول قائل: كيف يمكن هذا والرجل لم يطلقها في هذه الحال إلا وهو كاره لها بلا شك، ولو كان عنده أدنى محبة لكان دخل بها وجامعها ونظر ربما تتغير الأمور؟ يعني: لو كان زهد فيها بعض الزهد لكن في قلبه محبة لها هل يغامر ويطلقها من قبل أن يجامع؟
العقل لا يقتضي ذلك، يقتضي أن تنتظر وتجامعها؛ لأنه ربما أيش؟ ربما تغيرت الأمور، ومن ثَمَّ نُهِيَ عن الطلاق في الحيض؛ لأن الإنسان إذا كانت امرأته حائضًا فإنه لا يُجامِعها فيبقى كارهًا لها، ولا يوجد هناك سبب يدعو إلى المحبة وهو الجماع؛ فلهذا نُهِيَ عنه، يعني هذا من الحِكَم في النهي عن الطلاق في الحيض، وليس هي الحكمة الوحيدة.
﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ وإن شاء الله سيأتي فوائدها فيما بعد.
(...) ثبوت رسالة النبي ﷺ ؛ لقوله..
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، ﷺ مبشرٌ في قوله: ﴿وَمُبَشِّرًا﴾؛ ويتفرع على ذلك أنه أتى بالأسباب التي توجب البشارة من الأعمال الصالحة والطاعات.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي ﷺ جمع بين البشارة والإنذار؛ لقوله: ﴿مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾، * وفائدة قبل هذه: أنه منذر أيضًا؛ لأن كونه منذرًا وكونه مبشرًا، فائدتان، والجمع بينهما فائدة ثالثة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن رسول ﷺ داعٍ إلى الله؛ لقوله: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾.
* ومن فوائدها: الإشارة إلى أنه يجب على الداعية أن تكون دعوته إلى الله تعالى، لا إلى حَظِّ نفسه؛ لقوله: ﴿دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ فإن هذا وصف الرسول ﷺ.
* ومن فوائدها: أن دعوة رسول الله ﷺ إلى الله كانت بإذن منه؛ لقوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾، وهذه يتفرع عليها فائدة أخرى وهي رضا الله عما كان الرسول ﷺ يدعو إليه، أليس كذلك؟ لأن الله لا يأذن إلا بما يحبه ويرضاها.
* ومنها: أن دعوة النبي ﷺ مبنية على شرع الله.
(...) بكيفيتها وفيما يدعو إليه؛ لقوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ فهو داعي إلى الله بإذنه؛ أي: على حسب أمره وبشرعه؛ فيدعو إلى سبيل الله والموعظة الحسنة ويجادل بالتي هي أحسن، وكذلك يدعو إلى شرع الله لا يتجاوزه.
* ومنها: أن النبي ﷺ لا يمكن أن يُشَرِّع من عنده؛ لقوله: ﴿دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ لا بشيء من عنده.
* ومنها: أن ما يدعو إليه الرسول عليه الصلاة والسلام فهو من الله؛ فيتفرع على هذه الفائدة أن طاعة الرسول طاعة لله، ومعصية الرسول معصية لله؛ ولهذا لما جاءت امرأة إلى ابن مسعود رضي الله عنه وقالت: إنك تقول: إن المتفلجات للحُسن ملعونات بكتاب الله. وإنني فتحت المصحف أو قرأت المصحف من فاتحته إلى خاتمته فلم أجد ذلك. فقال: بلى. ثم قرأ عليها الحديث، وتلا قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ﴾ «[الحشر: 7] »[[أخرج البخاري (٤٨٨٦) ومسلم (١٢٠/٢١٢٥) واللفظ له بسندهما عن عبد الله قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله. قال: فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها: أم يعقوب وكانت تقرأ القرآن، فأتته فقالت: ما حديث بلغني عنكَ أنك لعنت الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله، فقال عبد الله: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ؟ وهو في كتاب الله. فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، قال الله عز وجل: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾... الحديث.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الإذن لله، وما هي الإذن؟ هل هي الأُذُن أو غيرها؟
الإِذن غير الأُذن، إثبات الإِذن لله عز وجل، وإِذْن الله تعالى -كما سبق في التفسير- تنقسم إلى قسمين: شرعية، وكونية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما جاء به النبي ﷺ فهو نور كالسراج يضيء الظلم؛ لقوله: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾.
* ومنها: أن النبي ﷺ لا ظل له، شوف الفائدة هذه تحتاج إلى مناقشة ولَّا لا؟ لا ظلَّ له يعني: لو وقف في الشمس، والشمس مائلة ما يكون له ظلال.
* الطالب: غير صحيح.
* الشيخ: غير صحيح ﴿سِرَاجًا مُنِيرًا﴾؟!
* الطالب: ليس السراج (...).
* الشيخ: السراج يضيء وليس له ظل.
* الطالب: إضاءة معنوية.
* الشيخ: سراجًا معنويًّا، وإلَّا فالرسول عليه الصلاة والسلام له ظل كغيره؛ لأنه بشر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل من حكم بشريعة النبي ﷺ فإنه على سراج منير ولَّا لا؟ لقوله: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾.
* ومنها: فضيلة النبي ﷺ؛ حيث جمع الله له بين هذه الأوصاف العظيمة: النبوة، والرسالة، والشهادة، والبشارة، والإنذار، والدعوة إلى الله بإذنه، كم؟ هذه ستة، والسراج المنير سبعة.
ثم قال تعالى:
﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب ٤٧، ٤٨] إلى آخره.
* يُستفاد من هذه الآية الكريمة: أنه يجب على النبي ﷺ أن يبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلًا كبيرًا، من أين يُؤْخذ؟ من قوله: ﴿وَبَشِّرِ﴾، والأمر للوجوب لا سيما على النبي ﷺ، فإن الأمر للوجوب على كل حال لماذا؟ لأن الله إذا أمر رسوله بشيء فإنما يأمره أن يفعله ويبلغه إلى الناس، وتبليغ الرسول ﷺ الرسالة واجب؛ ولهذا نقول: إن الرسول عليه الصلاة والسلام يجب عليه أن يبلغ حتى السُّنَنَ فيجب عليه أن يخبر بالسنة وأن يفعلها حتى يحصل البلاغ، ثم بعد ذلك تكون مندوبًا في حقه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الإيمان؛ وجهه أن المتصفين به هم أهل البشارة؛ لقوله: ﴿وَبَشِّرِ﴾.
* ومنها: ثواب المؤمنين بهذا الفضل الكبير؛ ﴿بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾.
* ومنها: بيان مِنَّة الله عز وجل على المؤمنين وأن الفضل فضله؛ لقوله تعالى: ﴿بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ لا من غيره؛ ولهذا قدَّم ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مع أنها متعلقة بـ ﴿فَضْلًا كَبِيرًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء على الإيمان أكثر مما عمله العبد؛ من قوله: ﴿فَضْلًا كَبِيرًا﴾، وقوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ يعني: يؤخذ من الأمرين أما وجه أخذه من الأول؛ فلقوله: ﴿كَبِيرًا﴾، والكبير إذا وصف الشيء بالكبير فهو كبير جدًّا، وأما الثاني؛ فلأنه أضاف الفضل إلى مَنْ؟ إلى الله ﴿مِنَ اللَّهِ﴾، وكما قال المثل: (العطية على قَدْرِ مُعْطِيها).
فإذا كان هذا الفضل من الله فإنه سيكون فضلًا لا يخطر على البال؛ ولهذا في الحديث الذي عَلَّمه النبي ﷺ أبا بكر أن يدعو به في صلاته قال: «فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٣٢٦)، ومسلم (٢٧٠٥/٤٨) من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه.]] وكونها من عند الله لها مزية.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب ٤٨].
* الطالب: (...) محبة الله (...)؟
* الشيخ: هو ما قلنا فضيلة الإيمان بالأول؟
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: (...).
* الطالب: (...) ولم يكن مُضيئًا؟
* الشيخ: إي؛ لأن النور أبلغ؛ لأنه جامع بين الحرارة وبين الإضاءة، ففيه وصفان.
قال: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية: تحريم طاعة الكافرين والمنافقين، لكن ليس على إطلاقه، بل طاعتهم فيما يخالف أمر الله؛ فلو أمروا بشيء لا يخالف أمر الله فإن طاعتهم ليست حرامًا كما لو أمرك كافر بأن تركب على هذا الباب مفتاحًا مثلًا، فهل نقول: حرام عليك أن تطيعه؟ لا، إذن لا تطعهم فيما يخالف أمر الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن على أكمل ما يكون من البلاغة؛ فإننا نجده في مواضعَ يُقَدِّم المنافقين على الكافرين، وفي هذه الآية قدَّم الكافرين على المنافقين؛ لأنه في مقام الجزاء وفي مقام الذم يُقَدِّم المنافقين؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء ١٤٠]، ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ [الأحزاب ٧٣]؛ لأن ذنب المنافق أعظم من ذنب الكافر الصريح، وأما هنا فمَنِ الذي يعارض الرسول صراحة؟ الكافر، ولهذا قدَّمه على المنافق؛ لأن المنافق لا يأمر بمخالفة الشرع كما يأمر به الكافر؛ إذ إنه يتستر بنفاقه؛ ولهذا قال: ﴿لَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ فبدأ بهم؛ لأن معارضتهم للشرع أَبْيَن وأظهر من المنافقين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه قد يتوجه النهي عما لم يُفْعَل لئلا يُفْعَل من قوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ فإن الرسول عليه الصلاة والسلام ما كان يطيعهم، لكنه نُهِيَ أن يطيعهم لئلا يفعل في المستقبل.
* ومنها: أن النهي قد يَرِد على الأمور البعيدة أو المستحيلة؛ وجهه: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ فإن هذا بعيد أو مستحيل على الرسول ﷺ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تهديد الكافرين والمنافقين؛ لقوله: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾.
* ومنها: تأييد النبي ﷺ وتسليته؛ من قوله أيضًا: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾.
* ومنها: أن من طبيعة الكافرين والمنافقين أذية المؤمنين؛ لقوله: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾، لكن قد يقول قائل: هذا أذى الرسول ﷺ.
فنقول: إن من آذى النبي ﷺ فإنه مؤذٍ للمؤمنين، وأيضًا فإن من عادى الرسل سيعادي أتباعهم ويؤذيهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الصبر على أذى الكفار والمنافقين؛ لقوله: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ فإن هذا أمر بالصبر على أذيتهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب التوكل على الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، والأمر للوجوب.
* ومن فوائدها: أن النبي ﷺ لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا ولا لغيره من باب أولى؛ لقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، فهو مفتقر إلى ربه مأمور بأن يتوكل عليه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عِظَم كفاية الله عز وجل للمتوكلين عليه؛ لقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾؛ فإنا ذَكَرْنَا فيما سبق أن هذا يُرَاد به التعجب من كفاية الله لمن توكل عليه.
ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب ٤٩] إلى آخره.
* من فوائد الآية الكريمة: أهمية النكاح والطلاق؛ لأن الله تعالى صدَّره بالنداء الذي يُطْلَب به تَنَبُّه المنادى لما سيُلْقَى عليه.
* ومنها: أن التزام أحكام الشريعة في النكاح والطلاق من مقتضيات الإيمان؛ وجهُه: من قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإن هذا من مقتضيات إيمانهم أن يمتثلوا ما أُمِروا به.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا طلاق قبل النكاح؛ لقوله: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ﴾ و﴿ثُمَّ﴾ للترتيب، فلا طلاق قبل النكاح، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الطلاق لمُعَيَّنة أو على سبيل العموم؛ فلو قال رجل لامرأة: إن تزوَّجتُكِ فأنت طالق. ثم تزوجَها فإنها لا تطلق لماذا؟ لأن الطلاق كان قبل النكاح.
وكذلك لو قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق. فإنه إذا تزوج امرأة لا تطلق؛ لأنه لا طلاق إلا بعد النكاح.
* ومن فوائدها: أنه لا إيلاء ولا ظهار ولا تحريم على امرأة إلا بعد النكاح؛ لأنه إذا كان الطلاق وهو أعظم فرقةً من الظهار والإيلاء وما أشبهه لا يكون إلا بعد النكاح فكذلك ما دونه، إلا أن التحريم إذا حرَّم رجل امرأة مُعَيَّنة ثم تزوجها بعد ذلك، فإن عليه كفارة يمين، وكذلك الظهار إذا قصد به التحريم وظَاهَر من امرأة قبل أن يتزوجها فإن عليه كفارة يمين وليس عليه كفارة ظهار؛ لأن الظهار لا يصح إلا من زوجها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز الطلاق؛ لقوله: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ ولم يَلُمِ الله المؤمنين على الطلاق، ولو كان حرامًا لَلَامَهُمْ عليه.
* ومن فوائدها أيضًا: جواز الطلاق قبل المسيس أو لا؟ لقوله: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾. وهذه فائدة غير فائدة (جواز الطلاق مطلقًا)؛ لأن الطلاق قبل المسيس قد يكون فيه شيء من غَضِّ حق المرأة، فيقال: هذا الرجل لولا أنه عَلِمَ بأن فيها بلاءً ما طلَّقها قبل أن يَدْخُلَ بها ويمسها؛ لأن العادة أن الإنسان إذا تزوج فإنما يتزوج عن رغبة، فإذا طلَّقها قبل أن يمسها فهو دليل على أن فيها شيئًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه إذا طلَّقها قبل الجماع فلا عدة عليها، وهذا فيه خلاف؛ فإن بعض أهل العلم -وهم الجمهور- على أنه إذا خلا بها فإن عليها العدة، فجعلوا الخلوة بمنزلة الجماع، وهذا هو الذي قضى به الخلفاء الراشدون وعليه جمهور الصحابة بل جمهور الأمة، ولم يخالف في ذلك إلا نفر قليل منهم الشافعي رحمه الله في قوله الجديد؛ فإنه رأى أنه إذا لم يجامعها فلا عِدَّة عليها ولو خلا بها، ولا شك أن هذا هو ظاهر الآية، لكن الوارد عن الصحابة رضي الله عنهم ولا سيما الخلفاء الراشدون يُثْبِت بأن عليها العدة إذا خلا بها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب المتعة على مَنْ طلَّق قبل الدخول، من أين تُؤخذ؟ من قوله: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ وهذا مقيد بالآية الأخرى وهي ما إذا فرض لها فريضةً؛ فإنه إذا فرض لها مهرًا فليس عليه إلا نصف المهر؛ لقوله: تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة ٢٣٧].
* ومن فوائد الآية الكريمة: التكنية عما يُستحيا من ذكره؛ لقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المعتدة من وفاة عليها العدة مطلقًا وإن لم يدخل بها، من أين تُؤْخَذ؟ من قوله: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ فجعل الله هذا الحكم في أي شيء؟ في الطلاق، فيبقى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة ٢٣٤] يبقى على إطلاقه؛ أن المتوفَّى عنها تجب عليها العدة وإن لم يدخل بها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده وخَلْقِه؛ حيث أوجب المتعة لمن طُلِّقَتْ قبل الدخول؛ وجه ذلك أن فيه جبرًا لخاطرها وإزالةً للهَمِّ والغَمِّ الذي اعتراها بعد الطلاق.
* ومن فوائدها: وجوب التسريح الجميل في المفارقة؛ لقوله تعالى: ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن العدة حق للزوج؛ وجهه: قال: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ﴾ فهي حق للزوج على المرأة.
* ومن فوائدها: أن مما ينبغي أن يحصي الإنسان عِدَّة زوجته ويعتني بها ولا يدعها هملًا لا يدري عنها؛ لقوله: ﴿تَعْتَدُّونَهَا﴾؛ فإن هذا دليل على أن مِنْ شأن الأزواج أن يَعْتَدُّوا عدة أزواجهن وأن يحصوها ويراقبوها؛ لأنها فراش له ما دامت في العدة إذا كانت رجعيَّة.
هل يؤخذ من مفهوم قوله: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أنه إذا نكحوا الكِتابيَّات تغيَّر الحكم؟ لا، لماذا؟ لأن هذا قيد أغلبيٌّ، وقد ذكر أهل العلم في الأصول أن ما كان قيدًا أغلبيًّا فإنه لا مفهوم له، منين يؤخذ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: من قوله: ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ لأن هذا الحكم شامل للمؤمنات ولغيرهن.
* فيها أيضًا من الفوائد: أنه لا عِدَّة في الطلاق قبل الدخول ولو طالت المدة؛ لقوله: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾.
* وفيها أيضًا فائدة أخرى: أن الطلاق بيد الزوج؛ لقوله: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ فلا يملك الأب ولا الجد ولا العم ولا الخال ولا غيرهم أن يُطَلِّقُوا على الإنسان.
* وفيها أيضًا فائدة أخرى: أنه لا عدة لغير المطلقة كالمفسوخة بخُلْعٍ أو غيره أو لا؟ أو فيها مناقشة؟ أيش تقولون في هذه الفائدة؟ أنه لا عدة على من فُورِقَت في الحياة بغير الطلاق؟
* طالب: ما يؤخذ.
* الشيخ: ما يؤخذ، ليش؟
* الطالب: لأنه ما قال: (...)؟
* الشيخ: إي، لكن في الطلاق فمفهومها أن العدة إنما هي في المُطَلَّقات؛ هذه حديث النبي، إذا كانت العدة في المطلقات فمعناها المختلعات ليس عليهن عدة، أيش تقولون يا جماعة؟
* الطالب: لأنه (...) صفاتها؟
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما هو مثلًا ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾ معناه إن طلقتموهن بعد المسيس فعليهن العدة، فجعل العدة من أحكام الطلاق، طيب غير الطلاق؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا ما يمكن؛ لأن الطلاق له أحكامه؛ لهذا يقولون: المتوفى عنها زوجها تعتدُّ وإن لم يدخل بها.
على كل حال يعني قد لا تكون إلى ذلك في الظهور إلا أن القول الراجح: أن المفارقة بغير الطلاق ليس عليها عدة، المختلعة إنما تُسْتَبرأ بحيضة ثم تَحِل.
ما نقول: في الآية أيضًا الجمعُ بين الإحسان المالي والفعلي أو لا؟ منين؟
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: هذا أيش؟ هذا المالي ولَّا الفعلي؟
* الطالب: الفعلي.
* الشيخ: الفعلي، والمال؟
* الطالب: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾.
* الشيخ: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾.
طيب، فيه أيضًا فائدة: يُسْتَثْنَى من الآية مَنْ فُرِضَ لها فريضة.
* طالب: (...).
* الشيخ: موجودة؟ وين؟
* طالب: في الشرح.
* الشيخ: الشرح؟
* طالب: الفائدة ما هي؟
* الشيخ: الفائدة: مَنْ فُرِضَ لها فريضة فلها نصف الفريضة وليس على الزوج متعة.
* الطالب: (...) متعة لمن لم يفرض لها (...)؟
* الشيخ: إي، زين.
الأحزاب 33:48
(...) تشريفًا له وإظهارًا لنبوته، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ جَمَع له بين الوصفين النبوة والرسالة على وجه صريح وإلَّا فلو وُصِفَ بالرسالة وحدها لتضمنت وصفه بالنبوة؛ لأن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا، لكن الجمع بين الوصفين أولى على وجه النص والتعيين، وفي حديث البراء بن مالك فيما يقال من الذكر عند النوم أن النبي ﷺ علمه إذا أوى إلى فراشه أن يقول مما يقول: «آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ» فلما أعادها عليه البراء قال: آمنت بكتابك الذي أنزلت وبرسولك الذي أرسلت. فقال له: «وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٧)، ومسلم (٢٧١٠/ ٥٦) من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه.]] لماذا؟ قال العلماء: لأجل أن يجمع له بين وَصْفَيِ النبوة والرسالة على وجه التعيين؛ لأن دلالة الرسالة على النبوة من باب دلالة الالتزام، وأما دلالة النبوة على النبوة فهو من باب دلالة النص والتعيين، هذا من وجه، وجه آخر أنه إذا قال: ورسولك الذي أرسلت لم يكن نصًّا في الإيمان بمحمد ﷺ؛ إذ قد يجوز أن يراد به الرسول الملكي دون الرسول البشري، هنا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ ولم يقل: يا أيها الرسول إنا أرسلناك؛ لماذا؟ ليجمع له بين وصفي النبوة والرسالة على سبيل التعيين والنص، لكن انظر إلى قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة ٦٧] حيث قال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ ثم قال: ﴿بَلِّغْ﴾ لأنه إنما يأمره بالبلاغ، وهذا يناسب الرسالة.
قال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ على مَنْ أُرْسِلْت إليهم، وكلمة ﴿شَاهِدًا﴾ حال من الكاف في قوله: ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾، والشاهد يطلق على المخبر، ويطلق على الحاكم، والنبي ﷺ شاهد مُخْبِر حاكم فهو مخبر عن الله عز وجل بما أرسله به، وكذلك مخبر عمن أُرْسِل إليهم بالقبول أو الرفض، وكذلك هو حاكم فإن الحكم لله ورسوله؛ والدليل على أن الشاهد بمعنى الحاكم قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف ٢٦، ٢٧] إذن شاهد بمعنى مخبر وحاكم، فهو مخبر عن الله ومخبر عن عباد الله؛ مخبر عن الله بما أوحاه إليه، ومخبر عن عباد الله بالقبول أو الرفض. وكذلك هو شاهد على من سبقه من الأمم في تبليغ رسالات الرسل وفي تكذيب قومهم لهم؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة ١٤٣]، إذن شاهد بما أوحاه الله إليه وحاكم به، وشاهد على من أُرْسِل إليهم، وشاهد على من سبقه من الأمم.
وقوله: ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ معطوف على ﴿شَاهِدًا﴾، قوله: ﴿مُبَشِّرًا﴾؛ يعني: وأرسلناك مبشرًا، والبشارة تقتضي ثلاثة أمور مبشِّر ومبشَّر ومُبَشَّر به -أربعة أمور- وسببًا يوصل إلى المبشر به.
الرسول عليه الصلاة والسلام مبشر وقلت: إن البشارة لا بد فيها من أمور أربعة؛ مُبَشِّر ومُبَشَّر ومُبَشَّرٌ به وسببًا يوصل إلى المُبشَّر به، فإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام مبشرًا فلا بد أن يكون هناك من يُبَشِّره وهم الذين أُرْسِل إليهم واتبعوه على ما دعا إليه، ولا بد أن يكون هناك مُبَشَّرٌ به، وما هو المُبشَّر به؟
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، الجنة، مبشرٌ به: الجنة، تقدم لنا في هذه الآيات: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب ٤٧]، ولا بد أن يكون هناك سبب يوصل إلى المُبَشَّر به ما هو؟ الأعمال الصالحة.
إذن فالنبي عليه الصلاة والسلام قد بَيَّن وبَلَّغ الرسالة إلى المبشرين، وبَيَّن المبشر به وما يتضمنه من الثواب وأنواع النعيم، وبيَّن الأسباب الموصلة إلى ذلك وهي الأعمال الصالحة؛ ولهذا ترك النبي عليه الصلاة والسلام أمته على مَحَجَّة بيضاء ليلها كنهارها لا يَزيغ عنها إلا هالك.
﴿وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ النذير: هو من أتى بالإنذار وهو الإعلام بتخويف، الإعلام المقرون بالتخويف يُسَمَّى إنذارًا، وفي حديث جابر رضي الله عنه في صفة خُطْبة النبي ﷺ: «كأنه مُنْذِر جيش؛ يقول: «صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ»[[أخرج مسلم (٨٦٧/ ٤٣) بسنده عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرَّت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: «صَبَّحَكم ومسَّاكم».. الحديث.]].
وقوله: ﴿نَذِيرًا﴾ نقول فيها كما قلنا في ﴿بَشِيرًا﴾ [البقرة ١١٩]: لا بد فيها من أمور أربعة: منذِر، ويش بعد؟ ومُنْذَر، ومنذر به، وأسباب تُوصِل إلى ذلك، وكلها قد جاء بها النبي ﷺ، فما هو المنذر؟ الأُمَّة عمومًا، والمُنْذَر به النار، وأسبابه الأعمال السيئة، والمنذِر هو الرسول ﷺ؛ فقد بَيَّن النبي ﷺ كل هذه الأمور؛ بَيَّن لكل المُنذَرين وأدَّى إليهم الرسالة أو أدى الأمانة، وكذلك بَيَّن المُنْذَر به وما فيه من العقوبات المتنوعات والعذاب الأليم..
يصلح: أنذرته بذلك أو منه.
قال: (﴿﴿مُبَشِّرًا﴾ ﴾ من صدَّقك بالجنة ﴿﴿وَنَذِيرًا﴾ ﴾ منذرًا من كذَّبك بالنار).
﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ إلى طاعته ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ بأمره، هذا الوصف الرابع ﴿شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ [الأحزاب ٤٥، ٤٦] هذا الوصف الرابع ﴿دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ أي: يدعو الناس إلى الله عز وجل.
وقول المؤلف: (إلى طاعته) فيه نظر بل الأَوْلَى أن تبقى الآية على ظاهرها، وأن النبي ﷺ يدعو إلى الله عز وجل إلى الوصول إليه في دار كرامته، ولا وصول إليه في دار كرامته إلا بامتثال أمره واجتناب نهيه فهو داعٍ إلى الله تعالى بطاعته واجتناب نهيه.
وقوله: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ لم يبين هنا كيفية الدعوة، ولكنه بيَّنها في آية أخرى في قوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل ١٢٥] والدعوة لا بد فيها أيضًا من أمور أربعة؛ داعٍ، ومدعو، والثالث مدعو إليه، والرابع سبب يُوصِل إلى المدعو إليه، وكل هذا جاء به النبي ﷺ، وقد كان عليه الصلاة والسلام يدعو الناس سرًّا وجهرًا حسب ما تقتضيه المصلحة والحاجة، فكان أول دعوته سرًّا؛ لأنه كان يخشى أن تُصادَم هذه الدعوة حتى تدفن ثم بعد ذلك جهر بالدعوة لمَّا قال له الله: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر ٩٤]، ثم صار يدعو من قرُب ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء ٢١٤] ثم من بعُد على حسب ما تقتضيه الدعوة.
وقوله: ﴿دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ يعني: لا إلى نفسك؛ ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام لا ينتقم لنفسه قط أبدًا إلا أن تُنْتَهك حُرُمات الله عز وجل فإنه كان أشد الناس غضبًا لله[[أخرج البخاري (٦١٢٦) بسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما خُيِّر رسول الله ﷺ بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه في شيء قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم بها لله».]]؛ لأنه ليس يدعو إلى نفسه كما يوجد من كثير من الدعاة يدعون إلى أنفسهم في الواقع، يريدون أن يعظمهم الناس وأن يأخذوا بقولهم حتى إنهم إذا خولفوا في ذلك تجد الإنسان يتكدر لا لأنه خولف أمر الله، ولكنه لأنه خولف هو، الذي هذا شأنه إنما يدعو إلى نفسه وليس يدعو إلى ربه ففتش نفسك هل فيك سرٌّ من هذا؟ إن كان فيك سر من هذا فأصلح الأمر، وإن كنت لا تغضب إلا لله ولا ترضى إلا لله فهذا هو الداعية حقيقة.
وقوله: ﴿إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ الإذن هنا يشمل الإذن الكوني والإذن الشرعي؛ فإن كان المراد به ما يُدْعَى به فهو الشرعي؛ يعني إن كان المعنى داعيًا إلى الله تعالى بأمره الذي أمرك بالدعوة إليه فالمراد به الإذن الشرعي، وإن كان المراد داعيًا إلى الله تعالى بِقَدَرِه يعني حيث قواك على ذلك فهو إذن وهيأ لك الأسباب فهو إذن كوني، والآية تشمل هذا وهذا، فإن الرسول ﷺ إنما يدعو بقضاء الله وقدره، ويدعو كذلك بدينه وشرعه فهو داعٍ بالأمرين جميعًا.
قال: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ الوصف الخامس: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ أي: مثله في الاهتداء به؛ ﴿سِرَاجًا﴾، والسراج ما يُستضاء به، هذا نسميه الذي أمامنا نسميه سراجًا ولَّا لا؟
ووصفه بأنه منير إما لبيان الواقع؛ لأن كل سراج فله إنارة، وإما لبيان أن هذا السراج كان له إضاءة قوية فهو منير لما حوله وهذا هو الأقرب؛ لأننا عندنا من القواعد المقررة أنه إذا دار الأمر بين أن يكون الكلام تأسيسًا أو توكيدًا فالأصل أنه تأسيس؛ لأن التأسيس فيه زيادة معنى بخلاف التوكيد، التوكيد ليس فيه إلا التقوية، لكن التأسيس فيه زيادة معنى؛ وعلى هذا فالأظهر أن هذا وصف للسراج باعتبار قوته وإضاءته، ولا شك أن النبي ﷺ عَلَم يُهتدى به في الظلمات؛ فهو قد فتح للناس نور العلم ونور الإيمان حتى ترك أمته على محجة بيضاء ليلها كنهارها.
هذه الأوصاف الخمسة التي بَيَّنها الله تعالى لرسوله ﷺ ممكن أن نضيف إليها وصفًا سادسًا ووصفًا سابعًا؛ الوصف السادس قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ فإن هذا فيه إثبات الرسالة له، والوصف السابع قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ فإن فيه أيضًا إثبات للنبوة، وعلى هذا فالآية تضمنت كم وصفًا للرسول ﷺ؟ سبعة أوصاف: النبوة، والرسالة، والشهادة، والبشارة، والإنذار، والدعوة إلى الله بإذنه، وكونه سراجًا منيرًا.
﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا عطف، ولكنه مبين للمبشر في قوله: ﴿مُبَشِّرًا﴾ ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ والمؤمنون هنا يُرَاد به المؤمنون والمسلمون جميعًا؛ لأنه مرَّ علينا أن الإيمان إذا ذُكِر وحده شمل الإسلام، والإسلام إذا ذُكِر وحده شمل الإيمان، وإن ذُكِرا جميعًا صار الإيمان في القلب والإسلام في الجوارح؛ فقوله: ﴿بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لم يقل: بشر المسلمين؛ لأن من المسلمين من يكون إسلامهم ظاهرًا، ويكون الإيمان في قلوبهم إما مفقودًا وإما ضعيفًا، فالذين لهم البشارة المطلقة مَن؟ المؤمنون الذين وَقَر الإيمان في قلوبهم وصاروا ينفذون مقتضى الإيمان؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس ٦٢ - ٦٤]؛ فالبشارة المطلقة لا تكون إلا للمؤمنين.
وقوله: ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ كلما جاءت لفظ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ مفردة -كما قلت قبل قليل- فإنها تشمل المؤمن والمسلم.
قال: بشرهم ﴿بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾، ما الذي نصب فضلًا؟
* طالب: ﴿أَنَّ﴾.
* الشيخ: ﴿أَنَّ﴾ فهو اسمها مؤخرًا ﴿بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ الفضل الكبير هو الجنة، ولا شيء أكبر من فضل الجنة؛ قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران ١٨٥]، ولا نعيم أعظم من دخول الجنة بما يكون في ضِمْنِه، بل هو أعلى شيء فيه وهو النظر إلى وجه الله تبارك وتعالى.
قال: ﴿بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ لمَّا كان الناس ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: مؤمن ظاهرًا وباطنًا، وكافرٌ ظاهرًا وباطنًا، ومؤمن ظاهرًا كافر باطنًا؛ بيَّن الله هؤلاء الأقسام في قوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ بعد قوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، والله تعالى يقرن بين هؤلاء الأصناف في عدة مواضع من القرآن ففي أول سورة البقرة ذكر الله الأصناف الثلاثة، أو لا؟
وفي سورة الأحزاب لما ذكر الأمانة وتحملها ذكر الأصناف الثلاثة، وهنا ذكر الأصناف الثلاثة قال: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ الكافر كلُّ مَنْ كفر بالله سواء كان كفره عن جحود أو عن استكبار؛ لأن الكفر كلَّه يدور على هذين الأمرين: إما الجحود وهو التكذيب، وإما الاستكبار عن الطاعة؛ فمن كفر بالله وأعلن كفره فهو من الكافرين، ومن سَتَر كفره فهو من المنافقين؛ فالمنافق إذن مَنْ يُظْهِر الإسلام ويُبْطِن الكفر مأخوذ من نافقاء اليربوع، نافقاء اليربوع هي بيته؛ لأن اليربوع له حيلة يحفر في الأرض جُحْرًا له ويجعل له بابًا ويجعل في أطرف الجحر قشرة رقيقة؛ لأجل إذا حجر مع بابه نتق مع هذه القشرة الرقيقة، فيقال: نافقاء اليربوع، المنافق هكذا عملُه إذا حُجِرَ فَعَل ما يتخلص به لكن نفاقًا كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُستَهْزِئُونَ﴾ [البقرة ١٤].
﴿لَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ وهذا النهي نهي عَمَّا لم يكن لئلا يكون وليس نهيًا عما كان لئلا يستمر، وبينهما فرق فهو نهي عما لم يكن لئلا يكون، وليس نهيًا عما كان لئلا يستمر، فإذا قلت لشخص: يا فلان، لا تسرق -وهو يسرق- فهو نهي عما كان لئلا يستمر، وإذا قلت لمن لم يسرق لكنه همَّ بالسرقة أو لم يهم فهذا نهي عما لم يكن لئلا يكون؛ فقوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ ليس المعنى أن الرسول ﷺ كان يطيعهم حاشاه من ذلك، لكنه لآجل ألا يكون أذيتهم له ومضايقتهم له وإحراجهم إياه لئلا يكون سببًا لأن يتنازل عن شيء مما أُمِر به من أجل دفع آذاهم، وإلا فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يطيع المنافقين أو الكافرين في معصية الله، ولكن النفس البشرية قد تجتهد في أمر من الأمور وترى أن من المصلحة التنازل عن بعض الأشياء لدفع ما هو أعظم في نظر المكلَّف ويكون الأمر ليس كذلك.
ولهذا قال: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ قال بعض المفسرين: إنها مضافة إلى المفعول به؛ يعني: لا تؤذهم، وقال بعض المفسرين: إنها مضافة إلى الفاعل؛ يعني: دع أذيتهم إياك فلا تلتفت لها ولا تهتم بها، أيهما أصح؟ الأول ولَّا الثاني؟ تأمل، فهمتم المعنى؟
﴿دَعْ أَذَاهُمْ﴾ يعني: دع أذيتك إياهم فهو مضاف إلى المفعول به أو ﴿دَعْ أَذَاهُمْ﴾ دع أذاهم لك أو دع آذاهم إياك، لا تهتم به ولا تلتفت لهم الثاني قطعًا؟
لأن الأول غير وارد، الرسول عليه الصلاة والسلام لم يؤذهم، ولكنه يؤذى منهم، وعلى هذا فيكون المصدر هنا مضافًا إلى الفاعل ولَّا إلى المفعول به؟
إلى الفاعل؛ يعني: دع أذيتهم إياك، وهذا الأمر إما أن يكون للتهديد، وإما أن يكون للتأييد والتقوية، وإما أن يكون لهما جميعًا فهو للتهديد؛ إما أن يكون للتهديد -تهديد هؤلاء الكافرين والمنافقين- يعني: دع آذاهم إياك فسوف ينتقم الله منهم بدليل قوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾، أو أن المعنى التأييد؛ يعني: دع آذاهم أي اصبر عليهم فيكون هذا من باب تأييد الله تعالى لرسوله ﷺ بأن يأمرهم بأن يدع أذاهم ولا يهتم به ولا يبالي به؛ لأن العاقبة ستكون لمن؟ للرسول ﷺ حتى مع هذه الأذية التي قاموا بها بالنسبة لرسول الله ﷺ.
وقوله: ﴿دَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾.
* طالب: ما الفرق بين الكفر والشرك؟
* الشيخ: الفرق بينهما أن الكفر أعم؛ فإن كل مشرك كافر، وليس كل كافر مشركًا؛ قد يجحد الإنسان شيئًا مما أنزل الله فيكون كافرًا وليس بمشرك.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ التوكل؛ ذكروا في حَدِّه أقوالًا متعددة، ولكن أقرب ما يقال فيه: أنه صدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة به، هذا أحسن ما قيل في تفسير التوكل؛ لأن الإنسان إذا اعتمد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة به صار ذلك أقوى له وأطمن لقلبه، ولكن مع هذا فإن التوكل لا ينافي فعل الأسباب الشرعية التي ثبتت إما عن طريق الشرع وإما عن طريق الحس، ومن زعم أن هذا ينافي التوكل فقد أخطأ؛ وذلك لأن الرسول ﷺ لا شك أنه إمام المتوكلين وسيد بني آدم ومع هذا فكان يفعل الأسباب؛ كان يتقي من البرد، ويتقي من الحر ويتقي من البأساء أو من البأس؛ فكان يلبس الدروع كما ظاهر في يوم أحد بين درعين، ومع هذا فإنه لا يقال: إن الرسول عليه الصلاة والسلام ضعيف التوكل.
إذن فعل الأسباب من تمام التوكل على الله؛ لأن درء ما تخافه يكون بأمرين: أمر من قِبَلك أنت، وأمر آخر من قبل الله؛ فالأشياء الخفية التي لا تدركها ولا طاقة لك بها هذا من قِبَل الله، والأشياء الظاهرة التي لك بها قِبَلُ هذه من قبل نفسك، فعليك أن تفعل هذا وأن تعتمد على الله تعالى فيما لا تدركه ولا يصل إليه ذهنك.
* طالب: ما هو حد فعل الأسباب (...)؟
* الشيخ: إذا ما يقدر عليه، كل ما يقدر عليه من الأسباب الحسية والشرعية.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: العقل يحصل بعقل إحدى قوائمها؛ ولذلك العقل ما هو بربط، العقل أن يربط الحبل على يدها فقط، وأحيانًا يربطونه على اليدين الثنتين ولَّا لا؟ هذا العقل، أما أربط كل شيء وعنقه ورأسه.
* الطالب: (...).
* الشيخ: ولو قاله؟
* الطالب: أخشى يجيء واحد ويقطع..
* الشيخ: اللي بيقطع هذا بيقطع هذا.
* الطالب: أو أخشى أنها تتحرك (...)؟
* الشيخ: هذا خلاف الأصل، يعني: ما جرت العادة به فهو سبب، والله أعلم.
* * *
(...) يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ ﴿كَفَى﴾ فعل ماض كما هو معروف، والباء حرف جر زائد لتحسين اللفظ، و(الله) لفظ الجلالة فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره مَنَعَ من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر زائد.
﴿وَكَفَى﴾ تارة تتعدى بنفسها؛ يعني يكون الفاعل فيها بدون الباء؛ مثل ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب ٢٥]، وتارة تتعدى بالباء، متى تتعدى بالباء ومتى لا تتعدى بالباء؟
إذا كان المراد بها معنى التعجب -يعني: ما أبلغ كفايته- فإنها تتعدى بالباء؛ مثل ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ وما أشبهها.
وإذا كان المراد بيان الكفاية فقط فإنها تتعدى بدون حرف الجر؛ مثل: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ مثل: أنت تقول: كفاك الله شرَّ أعدائك، وما أشبهها.
وهنا المراد بها التعجب؛ يعني معناه: أنه ما أشد كفاية الله تعالى، وما أبلغ كفايته.
وقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ ﴿وَكِيلًا﴾ هذه حال من فاعل (كفى).
وقوله: ﴿وَكِيلًا﴾ بمعنى: حفيظًا وكافيًا؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣] أي: كافيه.
واعلم أن الله تعالى أطلق على نفسه الوكيل، وأطلق على نفسه المُوَكِّل؛ يعني: وصف نفسه بالمُوَكِّل؛ فأما الوكيل فكثير في كتاب الله، ومعناه: الكافي الحافظ وما أشبه ذلك، وأما وصف الله بالتوكيل؛ أي: أنه مُوَكِّل؛ ففي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام ٨٩] قال: ﴿وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾.
ومناسبة قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ لقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ مناسبتها أنك إذا توكلت عليه كفاك كل شيء وحفظك وصار رقيبًا عليك.
ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب ٤٩] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تقدَّم لنا الكلام على تصدير الخطاب بمثل هذا النداء، وأنه يدل على أهمية الموضوع، وأنه يدل على أن امتثال ما سيأتي من مقتضيات الإيمان، وأن مخالفته من نواقص الإيمان.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ﴾ ﴿نَكَحْتُمُ﴾ المراد بالنكاح هنا: العقد، والنكاح يُطْلَق على العقد وعلى الجماع؛ وذلك لأن أصله في اللغة العربية الضَّمُّ والجمع؛ لأن العقد يضم الزوج إلى زوجته، والزوجة إلى زوجها، وهو يُطْلَق بمعنى هذا وهذا، ولكنه إذا أُضِيف إلى أجنبية فهو بمعنى العقد، وإذا أُضِيف إلى زوجة فهو بمعنى الجماع؛ فإذا قيل: نكح الرجل زوجته أي: جامعها، وإذا قيل: نكح فلانةَ بنت فلان فالمعنى عَقَد عليها، وهي في القرآن بمعنى العقد، كلما جاءت فهي بمعنى العقد، والغريب أن بعض أهل العلم يقول: لم تأت بمعنى العقد إلا في هذه الآية، وأنها في القرآن جاءت بمعنى الجماع، ولكن هذا ليس بصواب، الصواب العكس أنها ما جاءت في القرآن إلا بمعنى العقد.
نستعرض الآيات الواردة في هذا؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة ٢٢١] المعنى: العقد، ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة ٢٢١] العقد ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء ٢٢] العقد، ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور ٣] العقد، ويش بعد؟ بقينا ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة ٢٣٠] أيش؟ العقد. نعم العقد، لكن السنة بَيَّنَت أضافت إلى هذا شرطًا آخر وهو أن يذوق عسيلتها وأن تذوق عسيلته، وإلا فهو العقد، واضح؟ أقول: أيش بعد؟ ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ [النور ٣٢] اعقدوا لهم.
المهم كلما جاءت في القرآن فهي بمعنى العقد حتى في هذه الآية -واضح- بمعنى العقد، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ يعني: من قَبْلَ أن تجامعوهن، أيش عندك؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم العقد، ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ﴾ [النور ٣] ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ﴾ لا يعقد إلا على زانية أو مشركة، والزانية لا يتزوجها إلا زان أو مشرك.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، شوف قوله: ﴿لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾، أما في آخر الآية ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور ٣] فإذا كان نكاح الزانية حرامًا ونكاح الزاني حرامًا، فإذا عقد على زانية وهو حرام، فإما أن يعتقد التحريم فيكون زانيًا؛ لأنه جامعها وهو يعتقد أنه حرام، وإما ألا يعتقد التحريم ويقول: هذا حلال، فتحليل ما حرَّم الله شرك؛ كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة ٣١]. هذا هو معنى الآية التي لا تحتمل سواه، وهو الذي قرره شيخ الإسلام وابن القيم رحمهما الله.
طيب الآن ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي: عقدتم عليهن.
* الطالب: شيخ: الانسان اذا تزوج، وزوجته وجدها قد جومعت من قبلُ يجب عليه أن يفارقها (...)؟
* الشيخ: لا، ما يجب عليه إلا إذا علم أنها لا تزال على إصرارها، أما إذا تابت فيجوز أن يتزوجها.
قال: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، قوله: ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ بناءً على الأغلب؛ أن الأغلب أن المؤمن لا يتزوج إلا مؤمنة، ولكن لو كانت يهودية أو نصرانية فالحكم لا يختلف، فعلى هذا يكون هذا من باب الاقتصار، وليس من باب الاختصار، من باب الاقتصار على أحد الصنفين نعم، وأما الصنف الآخر فلأنه قليل بالنسبة إلى نكاح المؤمنات.
﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ قوله: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ ولم يقل: (وطلقتموهن) أو (فطلقتموهن) ليِتَبَيَّن به أنه لو تأخَّر الطلاق عن العقد مدة طويلة فالحكم لا يتغيَّر، كما لو أنه لو طلقها مباشرة فالحكم لا يتغير أيضًا، فقوله: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ أي: بعد العقد.
والطلاق في اللغة: حل قيد البعير ونحوه؛ يعني: حل القيد يُسَمَّى طلاقًا، وهو اسم مصدر (طَلَّق)، والمصدر من طَلَّق تطليقًا؛ مثل كلَّم والمصدر تكليمًا، واسم المصدر كلام، طلَّق المصدر: تطليق، واسم المصدر: طلاق.
فالطلاق إذن حَلُّ القيد، أما في الاصطلاح أو الشرع فطلاق المرأة معناه: حلُّ قيد النكاح أو بعضه؛ فإن كان الطلاق بائنًا لا تحل به الزوجة، فهو حلٌّ لقيد النكاح مطلقًا، وإن كان رجعيًّا فهو حلٌّ لبعضه؛ إذ إنه يجوز له أن يراجع.
وقوله: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أي: من قَبْل أن تجامعوهن، وهذا من باب الكناية عما يُسْتَقْبَحُ ذكرُه بما يدل عليه؛ ولهذا لم يأت الجماع بلفظه الصريح في القرآن الكريم، وإنما كُنِّي عنه في كل موضع بما يتناسب والمقام؛ فمرة يُعَبَّر عنه بالإتيان، ومرة بالإفضاء، ومرة بالمس، ومرة بالملامسة، وما أشبه ذلك، كل هذا من باب استعمال ما لا تَمُجُّه الأسماع من الكلمات.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ قال: (وفي قراءة: ﴿﴿تُمَاسُّوهُنَّ﴾ ﴾ أي: تجامعوهن).
يقول: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ ﴿فَمَا لَكُمْ﴾ (ما) هذه نافية، و﴿لَكُمْ﴾ جار ومجرور خبر مقدم، و﴿مِنْ﴾ حرف جر زائد لمعنى زائد، وقد قلنا: إنه حرف زائد زائد، كلمة (زائد) الثانية هي تأسيس ولَّا توكيد؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نقول: هو حرف جر زائد زائد هل هو توكيد ولَّا تأسيس؟
* الطالب: تأسيس.
* الشيخ: تأسيس، هو حرف جر زائد لفظًا، لكنه يزيد المعنى. (زائد) الأولى من (زاد) اللازم و(زائد) الثانية من (زاد) المتعدي، وين أنتم عن اللغة يا جماعة؟
(زاد) فعل ماض متعدٍّ ولازم، أنتم معنا؟ فإذا قلتُ: زاد إيمان الرجل، هذا متعدٍّ ولا لازم؟ لازم، وإذا قلتُ: زادهم إيمانًا هذا متعدٍّ.
فنقول: هذا حرف جر زائد من (زاد) اللازم، (زائد) من (زاد) المتعدي؛ يعني: زائد بنفسه زائد معنى في غيره.
المهم أن قوله ﴿مِنْ عِدَّةٍ﴾ من حرف جر زائد لفظًا، لا معنى.
﴿عِدَّةٍ﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.
لو قال لنا قائل: هل يجوز أن نجعل (ما) هنا حجازية؟ لا يجوز، من يقول: لا يجوز؟ لماذا؟
* الطالب: لأنه مقدم.
* الشيخ: لأن الخبر مقدم، وابن مالك يقول:
...................... ∗∗∗ مَعَ بَقَا النَّفْيِ وَتَرْتِيبٍ زُكِنْ
﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ قال المؤلف: (تُحْصونها).
﴿مِنْ عِدَّةٍ﴾ ما هي العدة؟ العدة في اللغة: اسم مأخوذ من العدد، ولكنها في الاصطلاح أو في الشرع: تربص مفارقة في الحياة أو في الممات محدود شرعًا، تربص زوجة مفارقة في الحياة أو بعد الممات محدود أيش؟ شرعًا.
(﴿﴿تَعْتَدُّونَهَا﴾ ﴾ تحصونها بالأقراء وغيرها) (بالأقراء) إن كانت من ذوات الأقراء، كمالتها ثلاثة قروء، (وغيرها) إن لم تكن من ذوات الأقراء وهن الحوامل ومن لا تحيض لصغر أو إياس؛ فالحامل عدتها وضع الحمل، ومن لا تحيض عدتها ثلاثة أشهر.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، المعنى أنك فوضت أمرك إليه فاعتمدت عليه هذا معناه ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر ٤٤].
يقول: (﴿﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ ﴾ أعطوهن ما يَسْتَمْتِعْنَ به أي: إن لم يُسَمّ لهن أَصْدِقة، وإلا فلهن نصف المُسَمَّى فقط قاله ابن عباس، وعليه الشافعي).
قوله: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ الفاء حرف عطف، و﴿مَتِّعُوهُنَّ﴾ أي: أعطوهن ما يستمتعن به، منين؟ من الدراهم، من الثياب، من المتاع، من العقار، من أي شيء، الله عز وجل أطلقها، ثم إنها مطلقة من جهة الكمية، كما أنها مطلقة من جهة النوعية؛ الكمية ويش أعطيها؟ إذا أردت أن أعطيها دراهم كم أعطيها؟
﴿مَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة ٢٣٦] حسب حال الزوج.
وقوله: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ بعد قوله: إذا طلقتم المؤمنات ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ يُسْتَثْنَى من ذلك من سُمِّيَ لها مهر؛ فإن من سُمِّيَ لها مهر لا يجب لها إلا نصفه؛ لقوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة ٢٣٧] فبَيَّنَ الله عز وجل أن لهُنَّ نصف ما فرضن وهذا إذا سُمِّي لها المهر سواء قلَّ أو كثر.
قال: (﴿﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ ﴾ خَلُّوا سبيلهن من غير إضرار) فأمر الله عز وجل بأمرين: التمتيع وهو بذل المال، والسراح الجميل وهو بذل الخلق؛ وذلك بأن تكون المفارقة عن رضا وبالقول اللين الذي يجبر الخاطر؛ لأن المرأة إذا طُلِّقَت بعد أن عُقِدَ عليها ولم يدخل بها لا شك أنه ينكسر خاطرها وأنها تتأثر، وأن الناس سوف يتكلمون لماذا طُلِّقَت قبل أن يدخل بها؟ ما هو السبب؟ هل رأى فيها عيبًا؟ هل سمع عنها بشيء؟ ولا سيما إذا كانت هي راغبة أيضًا للزوج ثم طلقها من قبل أن يتصل بها فإنه لا بد أن يكون هناك ردود فعل في نفسها، فأرحم الراحمين أمرنا أن نُمَتِّعَهن بالمال وأن نسرحهن سراحًا جميلًا بالقول والمعاملة الطيبة؛ مثل أن نقول لها: هذا أمر لم يُقَدَّر، وهذا أمر أراده الله عز وجل، وأنا ما فارقتك مثلًا لسوء خلقك أو لأني سمعت عنك ما يسوء أو ما أشبه ذلك من الكلام، حتى تنفصل منه وهي طيبة النفس منشرحة الصدر، ثم بعد ذلك ما يحصل منها أو من أهلها كلام؛ لأنه ربما إذا طلقها ولم يُمَتِّعْها أو متعها بدون ما تستحق أو سرحها سراحًا غير جميل ربما يحصل منها أو من أهلها كلام في الرجل؛ يتكلمون فيه وفي عرضه وفي أهله وما أشبه ذلك، فهذا من آداب الله عز وجل التي أدَّب بها عباده؛ إذا طلق المرأة قبل المسيس فإن الواجب عليه أمران: التمتيع بماذا؟ بالمال، والسراح الجميل بالقول والفعل وطلاقة الوجه وانبساط القلب وما أشبه ذلك.
قد يقول قائل: كيف يمكن هذا والرجل لم يطلقها في هذه الحال إلا وهو كاره لها بلا شك، ولو كان عنده أدنى محبة لكان دخل بها وجامعها ونظر ربما تتغير الأمور؟ يعني: لو كان زهد فيها بعض الزهد لكن في قلبه محبة لها هل يغامر ويطلقها من قبل أن يجامع؟
العقل لا يقتضي ذلك، يقتضي أن تنتظر وتجامعها؛ لأنه ربما أيش؟ ربما تغيرت الأمور، ومن ثَمَّ نُهِيَ عن الطلاق في الحيض؛ لأن الإنسان إذا كانت امرأته حائضًا فإنه لا يُجامِعها فيبقى كارهًا لها، ولا يوجد هناك سبب يدعو إلى المحبة وهو الجماع؛ فلهذا نُهِيَ عنه، يعني هذا من الحِكَم في النهي عن الطلاق في الحيض، وليس هي الحكمة الوحيدة.
﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ وإن شاء الله سيأتي فوائدها فيما بعد.
(...) ثبوت رسالة النبي ﷺ ؛ لقوله..
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، ﷺ مبشرٌ في قوله: ﴿وَمُبَشِّرًا﴾؛ ويتفرع على ذلك أنه أتى بالأسباب التي توجب البشارة من الأعمال الصالحة والطاعات.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي ﷺ جمع بين البشارة والإنذار؛ لقوله: ﴿مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾، * وفائدة قبل هذه: أنه منذر أيضًا؛ لأن كونه منذرًا وكونه مبشرًا، فائدتان، والجمع بينهما فائدة ثالثة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن رسول ﷺ داعٍ إلى الله؛ لقوله: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾.
* ومن فوائدها: الإشارة إلى أنه يجب على الداعية أن تكون دعوته إلى الله تعالى، لا إلى حَظِّ نفسه؛ لقوله: ﴿دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ فإن هذا وصف الرسول ﷺ.
* ومن فوائدها: أن دعوة رسول الله ﷺ إلى الله كانت بإذن منه؛ لقوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾، وهذه يتفرع عليها فائدة أخرى وهي رضا الله عما كان الرسول ﷺ يدعو إليه، أليس كذلك؟ لأن الله لا يأذن إلا بما يحبه ويرضاها.
* ومنها: أن دعوة النبي ﷺ مبنية على شرع الله.
(...) بكيفيتها وفيما يدعو إليه؛ لقوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ فهو داعي إلى الله بإذنه؛ أي: على حسب أمره وبشرعه؛ فيدعو إلى سبيل الله والموعظة الحسنة ويجادل بالتي هي أحسن، وكذلك يدعو إلى شرع الله لا يتجاوزه.
* ومنها: أن النبي ﷺ لا يمكن أن يُشَرِّع من عنده؛ لقوله: ﴿دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ لا بشيء من عنده.
* ومنها: أن ما يدعو إليه الرسول عليه الصلاة والسلام فهو من الله؛ فيتفرع على هذه الفائدة أن طاعة الرسول طاعة لله، ومعصية الرسول معصية لله؛ ولهذا لما جاءت امرأة إلى ابن مسعود رضي الله عنه وقالت: إنك تقول: إن المتفلجات للحُسن ملعونات بكتاب الله. وإنني فتحت المصحف أو قرأت المصحف من فاتحته إلى خاتمته فلم أجد ذلك. فقال: بلى. ثم قرأ عليها الحديث، وتلا قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ﴾ «[الحشر: 7] »[[أخرج البخاري (٤٨٨٦) ومسلم (١٢٠/٢١٢٥) واللفظ له بسندهما عن عبد الله قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله. قال: فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها: أم يعقوب وكانت تقرأ القرآن، فأتته فقالت: ما حديث بلغني عنكَ أنك لعنت الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله، فقال عبد الله: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ؟ وهو في كتاب الله. فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، قال الله عز وجل: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾... الحديث.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الإذن لله، وما هي الإذن؟ هل هي الأُذُن أو غيرها؟
الإِذن غير الأُذن، إثبات الإِذن لله عز وجل، وإِذْن الله تعالى -كما سبق في التفسير- تنقسم إلى قسمين: شرعية، وكونية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما جاء به النبي ﷺ فهو نور كالسراج يضيء الظلم؛ لقوله: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾.
* ومنها: أن النبي ﷺ لا ظل له، شوف الفائدة هذه تحتاج إلى مناقشة ولَّا لا؟ لا ظلَّ له يعني: لو وقف في الشمس، والشمس مائلة ما يكون له ظلال.
* الطالب: غير صحيح.
* الشيخ: غير صحيح ﴿سِرَاجًا مُنِيرًا﴾؟!
* الطالب: ليس السراج (...).
* الشيخ: السراج يضيء وليس له ظل.
* الطالب: إضاءة معنوية.
* الشيخ: سراجًا معنويًّا، وإلَّا فالرسول عليه الصلاة والسلام له ظل كغيره؛ لأنه بشر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل من حكم بشريعة النبي ﷺ فإنه على سراج منير ولَّا لا؟ لقوله: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾.
* ومنها: فضيلة النبي ﷺ؛ حيث جمع الله له بين هذه الأوصاف العظيمة: النبوة، والرسالة، والشهادة، والبشارة، والإنذار، والدعوة إلى الله بإذنه، كم؟ هذه ستة، والسراج المنير سبعة.
ثم قال تعالى:
﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب ٤٧، ٤٨] إلى آخره.
* يُستفاد من هذه الآية الكريمة: أنه يجب على النبي ﷺ أن يبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلًا كبيرًا، من أين يُؤْخذ؟ من قوله: ﴿وَبَشِّرِ﴾، والأمر للوجوب لا سيما على النبي ﷺ، فإن الأمر للوجوب على كل حال لماذا؟ لأن الله إذا أمر رسوله بشيء فإنما يأمره أن يفعله ويبلغه إلى الناس، وتبليغ الرسول ﷺ الرسالة واجب؛ ولهذا نقول: إن الرسول عليه الصلاة والسلام يجب عليه أن يبلغ حتى السُّنَنَ فيجب عليه أن يخبر بالسنة وأن يفعلها حتى يحصل البلاغ، ثم بعد ذلك تكون مندوبًا في حقه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الإيمان؛ وجهه أن المتصفين به هم أهل البشارة؛ لقوله: ﴿وَبَشِّرِ﴾.
* ومنها: ثواب المؤمنين بهذا الفضل الكبير؛ ﴿بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾.
* ومنها: بيان مِنَّة الله عز وجل على المؤمنين وأن الفضل فضله؛ لقوله تعالى: ﴿بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ لا من غيره؛ ولهذا قدَّم ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مع أنها متعلقة بـ ﴿فَضْلًا كَبِيرًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء على الإيمان أكثر مما عمله العبد؛ من قوله: ﴿فَضْلًا كَبِيرًا﴾، وقوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ يعني: يؤخذ من الأمرين أما وجه أخذه من الأول؛ فلقوله: ﴿كَبِيرًا﴾، والكبير إذا وصف الشيء بالكبير فهو كبير جدًّا، وأما الثاني؛ فلأنه أضاف الفضل إلى مَنْ؟ إلى الله ﴿مِنَ اللَّهِ﴾، وكما قال المثل: (العطية على قَدْرِ مُعْطِيها).
فإذا كان هذا الفضل من الله فإنه سيكون فضلًا لا يخطر على البال؛ ولهذا في الحديث الذي عَلَّمه النبي ﷺ أبا بكر أن يدعو به في صلاته قال: «فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٣٢٦)، ومسلم (٢٧٠٥/٤٨) من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه.]] وكونها من عند الله لها مزية.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب ٤٨].
* الطالب: (...) محبة الله (...)؟
* الشيخ: هو ما قلنا فضيلة الإيمان بالأول؟
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: (...).
* الطالب: (...) ولم يكن مُضيئًا؟
* الشيخ: إي؛ لأن النور أبلغ؛ لأنه جامع بين الحرارة وبين الإضاءة، ففيه وصفان.
قال: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية: تحريم طاعة الكافرين والمنافقين، لكن ليس على إطلاقه، بل طاعتهم فيما يخالف أمر الله؛ فلو أمروا بشيء لا يخالف أمر الله فإن طاعتهم ليست حرامًا كما لو أمرك كافر بأن تركب على هذا الباب مفتاحًا مثلًا، فهل نقول: حرام عليك أن تطيعه؟ لا، إذن لا تطعهم فيما يخالف أمر الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن على أكمل ما يكون من البلاغة؛ فإننا نجده في مواضعَ يُقَدِّم المنافقين على الكافرين، وفي هذه الآية قدَّم الكافرين على المنافقين؛ لأنه في مقام الجزاء وفي مقام الذم يُقَدِّم المنافقين؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء ١٤٠]، ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ [الأحزاب ٧٣]؛ لأن ذنب المنافق أعظم من ذنب الكافر الصريح، وأما هنا فمَنِ الذي يعارض الرسول صراحة؟ الكافر، ولهذا قدَّمه على المنافق؛ لأن المنافق لا يأمر بمخالفة الشرع كما يأمر به الكافر؛ إذ إنه يتستر بنفاقه؛ ولهذا قال: ﴿لَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ فبدأ بهم؛ لأن معارضتهم للشرع أَبْيَن وأظهر من المنافقين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه قد يتوجه النهي عما لم يُفْعَل لئلا يُفْعَل من قوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ فإن الرسول عليه الصلاة والسلام ما كان يطيعهم، لكنه نُهِيَ أن يطيعهم لئلا يفعل في المستقبل.
* ومنها: أن النهي قد يَرِد على الأمور البعيدة أو المستحيلة؛ وجهه: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ فإن هذا بعيد أو مستحيل على الرسول ﷺ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تهديد الكافرين والمنافقين؛ لقوله: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾.
* ومنها: تأييد النبي ﷺ وتسليته؛ من قوله أيضًا: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾.
* ومنها: أن من طبيعة الكافرين والمنافقين أذية المؤمنين؛ لقوله: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾، لكن قد يقول قائل: هذا أذى الرسول ﷺ.
فنقول: إن من آذى النبي ﷺ فإنه مؤذٍ للمؤمنين، وأيضًا فإن من عادى الرسل سيعادي أتباعهم ويؤذيهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الصبر على أذى الكفار والمنافقين؛ لقوله: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ فإن هذا أمر بالصبر على أذيتهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب التوكل على الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، والأمر للوجوب.
* ومن فوائدها: أن النبي ﷺ لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا ولا لغيره من باب أولى؛ لقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، فهو مفتقر إلى ربه مأمور بأن يتوكل عليه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عِظَم كفاية الله عز وجل للمتوكلين عليه؛ لقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾؛ فإنا ذَكَرْنَا فيما سبق أن هذا يُرَاد به التعجب من كفاية الله لمن توكل عليه.
ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب ٤٩] إلى آخره.
* من فوائد الآية الكريمة: أهمية النكاح والطلاق؛ لأن الله تعالى صدَّره بالنداء الذي يُطْلَب به تَنَبُّه المنادى لما سيُلْقَى عليه.
* ومنها: أن التزام أحكام الشريعة في النكاح والطلاق من مقتضيات الإيمان؛ وجهُه: من قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإن هذا من مقتضيات إيمانهم أن يمتثلوا ما أُمِروا به.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا طلاق قبل النكاح؛ لقوله: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ﴾ و﴿ثُمَّ﴾ للترتيب، فلا طلاق قبل النكاح، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الطلاق لمُعَيَّنة أو على سبيل العموم؛ فلو قال رجل لامرأة: إن تزوَّجتُكِ فأنت طالق. ثم تزوجَها فإنها لا تطلق لماذا؟ لأن الطلاق كان قبل النكاح.
وكذلك لو قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق. فإنه إذا تزوج امرأة لا تطلق؛ لأنه لا طلاق إلا بعد النكاح.
* ومن فوائدها: أنه لا إيلاء ولا ظهار ولا تحريم على امرأة إلا بعد النكاح؛ لأنه إذا كان الطلاق وهو أعظم فرقةً من الظهار والإيلاء وما أشبهه لا يكون إلا بعد النكاح فكذلك ما دونه، إلا أن التحريم إذا حرَّم رجل امرأة مُعَيَّنة ثم تزوجها بعد ذلك، فإن عليه كفارة يمين، وكذلك الظهار إذا قصد به التحريم وظَاهَر من امرأة قبل أن يتزوجها فإن عليه كفارة يمين وليس عليه كفارة ظهار؛ لأن الظهار لا يصح إلا من زوجها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز الطلاق؛ لقوله: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ ولم يَلُمِ الله المؤمنين على الطلاق، ولو كان حرامًا لَلَامَهُمْ عليه.
* ومن فوائدها أيضًا: جواز الطلاق قبل المسيس أو لا؟ لقوله: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾. وهذه فائدة غير فائدة (جواز الطلاق مطلقًا)؛ لأن الطلاق قبل المسيس قد يكون فيه شيء من غَضِّ حق المرأة، فيقال: هذا الرجل لولا أنه عَلِمَ بأن فيها بلاءً ما طلَّقها قبل أن يَدْخُلَ بها ويمسها؛ لأن العادة أن الإنسان إذا تزوج فإنما يتزوج عن رغبة، فإذا طلَّقها قبل أن يمسها فهو دليل على أن فيها شيئًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه إذا طلَّقها قبل الجماع فلا عدة عليها، وهذا فيه خلاف؛ فإن بعض أهل العلم -وهم الجمهور- على أنه إذا خلا بها فإن عليها العدة، فجعلوا الخلوة بمنزلة الجماع، وهذا هو الذي قضى به الخلفاء الراشدون وعليه جمهور الصحابة بل جمهور الأمة، ولم يخالف في ذلك إلا نفر قليل منهم الشافعي رحمه الله في قوله الجديد؛ فإنه رأى أنه إذا لم يجامعها فلا عِدَّة عليها ولو خلا بها، ولا شك أن هذا هو ظاهر الآية، لكن الوارد عن الصحابة رضي الله عنهم ولا سيما الخلفاء الراشدون يُثْبِت بأن عليها العدة إذا خلا بها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب المتعة على مَنْ طلَّق قبل الدخول، من أين تُؤخذ؟ من قوله: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ وهذا مقيد بالآية الأخرى وهي ما إذا فرض لها فريضةً؛ فإنه إذا فرض لها مهرًا فليس عليه إلا نصف المهر؛ لقوله: تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة ٢٣٧].
* ومن فوائد الآية الكريمة: التكنية عما يُستحيا من ذكره؛ لقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المعتدة من وفاة عليها العدة مطلقًا وإن لم يدخل بها، من أين تُؤْخَذ؟ من قوله: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ فجعل الله هذا الحكم في أي شيء؟ في الطلاق، فيبقى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة ٢٣٤] يبقى على إطلاقه؛ أن المتوفَّى عنها تجب عليها العدة وإن لم يدخل بها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده وخَلْقِه؛ حيث أوجب المتعة لمن طُلِّقَتْ قبل الدخول؛ وجه ذلك أن فيه جبرًا لخاطرها وإزالةً للهَمِّ والغَمِّ الذي اعتراها بعد الطلاق.
* ومن فوائدها: وجوب التسريح الجميل في المفارقة؛ لقوله تعالى: ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن العدة حق للزوج؛ وجهه: قال: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ﴾ فهي حق للزوج على المرأة.
* ومن فوائدها: أن مما ينبغي أن يحصي الإنسان عِدَّة زوجته ويعتني بها ولا يدعها هملًا لا يدري عنها؛ لقوله: ﴿تَعْتَدُّونَهَا﴾؛ فإن هذا دليل على أن مِنْ شأن الأزواج أن يَعْتَدُّوا عدة أزواجهن وأن يحصوها ويراقبوها؛ لأنها فراش له ما دامت في العدة إذا كانت رجعيَّة.
هل يؤخذ من مفهوم قوله: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أنه إذا نكحوا الكِتابيَّات تغيَّر الحكم؟ لا، لماذا؟ لأن هذا قيد أغلبيٌّ، وقد ذكر أهل العلم في الأصول أن ما كان قيدًا أغلبيًّا فإنه لا مفهوم له، منين يؤخذ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: من قوله: ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ لأن هذا الحكم شامل للمؤمنات ولغيرهن.
* فيها أيضًا من الفوائد: أنه لا عِدَّة في الطلاق قبل الدخول ولو طالت المدة؛ لقوله: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾.
* وفيها أيضًا فائدة أخرى: أن الطلاق بيد الزوج؛ لقوله: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ فلا يملك الأب ولا الجد ولا العم ولا الخال ولا غيرهم أن يُطَلِّقُوا على الإنسان.
* وفيها أيضًا فائدة أخرى: أنه لا عدة لغير المطلقة كالمفسوخة بخُلْعٍ أو غيره أو لا؟ أو فيها مناقشة؟ أيش تقولون في هذه الفائدة؟ أنه لا عدة على من فُورِقَت في الحياة بغير الطلاق؟
* طالب: ما يؤخذ.
* الشيخ: ما يؤخذ، ليش؟
* الطالب: لأنه ما قال: (...)؟
* الشيخ: إي، لكن في الطلاق فمفهومها أن العدة إنما هي في المُطَلَّقات؛ هذه حديث النبي، إذا كانت العدة في المطلقات فمعناها المختلعات ليس عليهن عدة، أيش تقولون يا جماعة؟
* الطالب: لأنه (...) صفاتها؟
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما هو مثلًا ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾ معناه إن طلقتموهن بعد المسيس فعليهن العدة، فجعل العدة من أحكام الطلاق، طيب غير الطلاق؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا ما يمكن؛ لأن الطلاق له أحكامه؛ لهذا يقولون: المتوفى عنها زوجها تعتدُّ وإن لم يدخل بها.
على كل حال يعني قد لا تكون إلى ذلك في الظهور إلا أن القول الراجح: أن المفارقة بغير الطلاق ليس عليها عدة، المختلعة إنما تُسْتَبرأ بحيضة ثم تَحِل.
ما نقول: في الآية أيضًا الجمعُ بين الإحسان المالي والفعلي أو لا؟ منين؟
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: هذا أيش؟ هذا المالي ولَّا الفعلي؟
* الطالب: الفعلي.
* الشيخ: الفعلي، والمال؟
* الطالب: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾.
* الشيخ: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾.
طيب، فيه أيضًا فائدة: يُسْتَثْنَى من الآية مَنْ فُرِضَ لها فريضة.
* طالب: (...).
* الشيخ: موجودة؟ وين؟
* طالب: في الشرح.
* الشيخ: الشرح؟
* طالب: الفائدة ما هي؟
* الشيخ: الفائدة: مَنْ فُرِضَ لها فريضة فلها نصف الفريضة وليس على الزوج متعة.
* الطالب: (...) متعة لمن لم يفرض لها (...)؟
* الشيخ: إي، زين.
الأحزاب 33:49
(...) تشريفًا له وإظهارًا لنبوته، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ جَمَع له بين الوصفين النبوة والرسالة على وجه صريح وإلَّا فلو وُصِفَ بالرسالة وحدها لتضمنت وصفه بالنبوة؛ لأن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا، لكن الجمع بين الوصفين أولى على وجه النص والتعيين، وفي حديث البراء بن مالك فيما يقال من الذكر عند النوم أن النبي ﷺ علمه إذا أوى إلى فراشه أن يقول مما يقول: «آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ» فلما أعادها عليه البراء قال: آمنت بكتابك الذي أنزلت وبرسولك الذي أرسلت. فقال له: «وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٧)، ومسلم (٢٧١٠/ ٥٦) من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه.]] لماذا؟ قال العلماء: لأجل أن يجمع له بين وَصْفَيِ النبوة والرسالة على وجه التعيين؛ لأن دلالة الرسالة على النبوة من باب دلالة الالتزام، وأما دلالة النبوة على النبوة فهو من باب دلالة النص والتعيين، هذا من وجه، وجه آخر أنه إذا قال: ورسولك الذي أرسلت لم يكن نصًّا في الإيمان بمحمد ﷺ؛ إذ قد يجوز أن يراد به الرسول الملكي دون الرسول البشري، هنا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ ولم يقل: يا أيها الرسول إنا أرسلناك؛ لماذا؟ ليجمع له بين وصفي النبوة والرسالة على سبيل التعيين والنص، لكن انظر إلى قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة ٦٧] حيث قال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ ثم قال: ﴿بَلِّغْ﴾ لأنه إنما يأمره بالبلاغ، وهذا يناسب الرسالة.
قال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ على مَنْ أُرْسِلْت إليهم، وكلمة ﴿شَاهِدًا﴾ حال من الكاف في قوله: ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾، والشاهد يطلق على المخبر، ويطلق على الحاكم، والنبي ﷺ شاهد مُخْبِر حاكم فهو مخبر عن الله عز وجل بما أرسله به، وكذلك مخبر عمن أُرْسِل إليهم بالقبول أو الرفض، وكذلك هو حاكم فإن الحكم لله ورسوله؛ والدليل على أن الشاهد بمعنى الحاكم قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف ٢٦، ٢٧] إذن شاهد بمعنى مخبر وحاكم، فهو مخبر عن الله ومخبر عن عباد الله؛ مخبر عن الله بما أوحاه إليه، ومخبر عن عباد الله بالقبول أو الرفض. وكذلك هو شاهد على من سبقه من الأمم في تبليغ رسالات الرسل وفي تكذيب قومهم لهم؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة ١٤٣]، إذن شاهد بما أوحاه الله إليه وحاكم به، وشاهد على من أُرْسِل إليهم، وشاهد على من سبقه من الأمم.
وقوله: ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ معطوف على ﴿شَاهِدًا﴾، قوله: ﴿مُبَشِّرًا﴾؛ يعني: وأرسلناك مبشرًا، والبشارة تقتضي ثلاثة أمور مبشِّر ومبشَّر ومُبَشَّر به -أربعة أمور- وسببًا يوصل إلى المبشر به.
الرسول عليه الصلاة والسلام مبشر وقلت: إن البشارة لا بد فيها من أمور أربعة؛ مُبَشِّر ومُبَشَّر ومُبَشَّرٌ به وسببًا يوصل إلى المُبشَّر به، فإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام مبشرًا فلا بد أن يكون هناك من يُبَشِّره وهم الذين أُرْسِل إليهم واتبعوه على ما دعا إليه، ولا بد أن يكون هناك مُبَشَّرٌ به، وما هو المُبشَّر به؟
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، الجنة، مبشرٌ به: الجنة، تقدم لنا في هذه الآيات: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب ٤٧]، ولا بد أن يكون هناك سبب يوصل إلى المُبَشَّر به ما هو؟ الأعمال الصالحة.
إذن فالنبي عليه الصلاة والسلام قد بَيَّن وبَلَّغ الرسالة إلى المبشرين، وبَيَّن المبشر به وما يتضمنه من الثواب وأنواع النعيم، وبيَّن الأسباب الموصلة إلى ذلك وهي الأعمال الصالحة؛ ولهذا ترك النبي عليه الصلاة والسلام أمته على مَحَجَّة بيضاء ليلها كنهارها لا يَزيغ عنها إلا هالك.
﴿وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ النذير: هو من أتى بالإنذار وهو الإعلام بتخويف، الإعلام المقرون بالتخويف يُسَمَّى إنذارًا، وفي حديث جابر رضي الله عنه في صفة خُطْبة النبي ﷺ: «كأنه مُنْذِر جيش؛ يقول: «صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ»[[أخرج مسلم (٨٦٧/ ٤٣) بسنده عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرَّت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: «صَبَّحَكم ومسَّاكم».. الحديث.]].
وقوله: ﴿نَذِيرًا﴾ نقول فيها كما قلنا في ﴿بَشِيرًا﴾ [البقرة ١١٩]: لا بد فيها من أمور أربعة: منذِر، ويش بعد؟ ومُنْذَر، ومنذر به، وأسباب تُوصِل إلى ذلك، وكلها قد جاء بها النبي ﷺ، فما هو المنذر؟ الأُمَّة عمومًا، والمُنْذَر به النار، وأسبابه الأعمال السيئة، والمنذِر هو الرسول ﷺ؛ فقد بَيَّن النبي ﷺ كل هذه الأمور؛ بَيَّن لكل المُنذَرين وأدَّى إليهم الرسالة أو أدى الأمانة، وكذلك بَيَّن المُنْذَر به وما فيه من العقوبات المتنوعات والعذاب الأليم..
يصلح: أنذرته بذلك أو منه.
قال: (﴿﴿مُبَشِّرًا﴾ ﴾ من صدَّقك بالجنة ﴿﴿وَنَذِيرًا﴾ ﴾ منذرًا من كذَّبك بالنار).
﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ إلى طاعته ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ بأمره، هذا الوصف الرابع ﴿شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ [الأحزاب ٤٥، ٤٦] هذا الوصف الرابع ﴿دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ أي: يدعو الناس إلى الله عز وجل.
وقول المؤلف: (إلى طاعته) فيه نظر بل الأَوْلَى أن تبقى الآية على ظاهرها، وأن النبي ﷺ يدعو إلى الله عز وجل إلى الوصول إليه في دار كرامته، ولا وصول إليه في دار كرامته إلا بامتثال أمره واجتناب نهيه فهو داعٍ إلى الله تعالى بطاعته واجتناب نهيه.
وقوله: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ لم يبين هنا كيفية الدعوة، ولكنه بيَّنها في آية أخرى في قوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل ١٢٥] والدعوة لا بد فيها أيضًا من أمور أربعة؛ داعٍ، ومدعو، والثالث مدعو إليه، والرابع سبب يُوصِل إلى المدعو إليه، وكل هذا جاء به النبي ﷺ، وقد كان عليه الصلاة والسلام يدعو الناس سرًّا وجهرًا حسب ما تقتضيه المصلحة والحاجة، فكان أول دعوته سرًّا؛ لأنه كان يخشى أن تُصادَم هذه الدعوة حتى تدفن ثم بعد ذلك جهر بالدعوة لمَّا قال له الله: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر ٩٤]، ثم صار يدعو من قرُب ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء ٢١٤] ثم من بعُد على حسب ما تقتضيه الدعوة.
وقوله: ﴿دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ يعني: لا إلى نفسك؛ ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام لا ينتقم لنفسه قط أبدًا إلا أن تُنْتَهك حُرُمات الله عز وجل فإنه كان أشد الناس غضبًا لله[[أخرج البخاري (٦١٢٦) بسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما خُيِّر رسول الله ﷺ بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه في شيء قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم بها لله».]]؛ لأنه ليس يدعو إلى نفسه كما يوجد من كثير من الدعاة يدعون إلى أنفسهم في الواقع، يريدون أن يعظمهم الناس وأن يأخذوا بقولهم حتى إنهم إذا خولفوا في ذلك تجد الإنسان يتكدر لا لأنه خولف أمر الله، ولكنه لأنه خولف هو، الذي هذا شأنه إنما يدعو إلى نفسه وليس يدعو إلى ربه ففتش نفسك هل فيك سرٌّ من هذا؟ إن كان فيك سر من هذا فأصلح الأمر، وإن كنت لا تغضب إلا لله ولا ترضى إلا لله فهذا هو الداعية حقيقة.
وقوله: ﴿إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ الإذن هنا يشمل الإذن الكوني والإذن الشرعي؛ فإن كان المراد به ما يُدْعَى به فهو الشرعي؛ يعني إن كان المعنى داعيًا إلى الله تعالى بأمره الذي أمرك بالدعوة إليه فالمراد به الإذن الشرعي، وإن كان المراد داعيًا إلى الله تعالى بِقَدَرِه يعني حيث قواك على ذلك فهو إذن وهيأ لك الأسباب فهو إذن كوني، والآية تشمل هذا وهذا، فإن الرسول ﷺ إنما يدعو بقضاء الله وقدره، ويدعو كذلك بدينه وشرعه فهو داعٍ بالأمرين جميعًا.
قال: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ الوصف الخامس: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ أي: مثله في الاهتداء به؛ ﴿سِرَاجًا﴾، والسراج ما يُستضاء به، هذا نسميه الذي أمامنا نسميه سراجًا ولَّا لا؟
ووصفه بأنه منير إما لبيان الواقع؛ لأن كل سراج فله إنارة، وإما لبيان أن هذا السراج كان له إضاءة قوية فهو منير لما حوله وهذا هو الأقرب؛ لأننا عندنا من القواعد المقررة أنه إذا دار الأمر بين أن يكون الكلام تأسيسًا أو توكيدًا فالأصل أنه تأسيس؛ لأن التأسيس فيه زيادة معنى بخلاف التوكيد، التوكيد ليس فيه إلا التقوية، لكن التأسيس فيه زيادة معنى؛ وعلى هذا فالأظهر أن هذا وصف للسراج باعتبار قوته وإضاءته، ولا شك أن النبي ﷺ عَلَم يُهتدى به في الظلمات؛ فهو قد فتح للناس نور العلم ونور الإيمان حتى ترك أمته على محجة بيضاء ليلها كنهارها.
هذه الأوصاف الخمسة التي بَيَّنها الله تعالى لرسوله ﷺ ممكن أن نضيف إليها وصفًا سادسًا ووصفًا سابعًا؛ الوصف السادس قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ فإن هذا فيه إثبات الرسالة له، والوصف السابع قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ فإن فيه أيضًا إثبات للنبوة، وعلى هذا فالآية تضمنت كم وصفًا للرسول ﷺ؟ سبعة أوصاف: النبوة، والرسالة، والشهادة، والبشارة، والإنذار، والدعوة إلى الله بإذنه، وكونه سراجًا منيرًا.
﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا عطف، ولكنه مبين للمبشر في قوله: ﴿مُبَشِّرًا﴾ ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ والمؤمنون هنا يُرَاد به المؤمنون والمسلمون جميعًا؛ لأنه مرَّ علينا أن الإيمان إذا ذُكِر وحده شمل الإسلام، والإسلام إذا ذُكِر وحده شمل الإيمان، وإن ذُكِرا جميعًا صار الإيمان في القلب والإسلام في الجوارح؛ فقوله: ﴿بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لم يقل: بشر المسلمين؛ لأن من المسلمين من يكون إسلامهم ظاهرًا، ويكون الإيمان في قلوبهم إما مفقودًا وإما ضعيفًا، فالذين لهم البشارة المطلقة مَن؟ المؤمنون الذين وَقَر الإيمان في قلوبهم وصاروا ينفذون مقتضى الإيمان؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس ٦٢ - ٦٤]؛ فالبشارة المطلقة لا تكون إلا للمؤمنين.
وقوله: ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ كلما جاءت لفظ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ مفردة -كما قلت قبل قليل- فإنها تشمل المؤمن والمسلم.
قال: بشرهم ﴿بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾، ما الذي نصب فضلًا؟
* طالب: ﴿أَنَّ﴾.
* الشيخ: ﴿أَنَّ﴾ فهو اسمها مؤخرًا ﴿بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ الفضل الكبير هو الجنة، ولا شيء أكبر من فضل الجنة؛ قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران ١٨٥]، ولا نعيم أعظم من دخول الجنة بما يكون في ضِمْنِه، بل هو أعلى شيء فيه وهو النظر إلى وجه الله تبارك وتعالى.
قال: ﴿بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ لمَّا كان الناس ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: مؤمن ظاهرًا وباطنًا، وكافرٌ ظاهرًا وباطنًا، ومؤمن ظاهرًا كافر باطنًا؛ بيَّن الله هؤلاء الأقسام في قوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ بعد قوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، والله تعالى يقرن بين هؤلاء الأصناف في عدة مواضع من القرآن ففي أول سورة البقرة ذكر الله الأصناف الثلاثة، أو لا؟
وفي سورة الأحزاب لما ذكر الأمانة وتحملها ذكر الأصناف الثلاثة، وهنا ذكر الأصناف الثلاثة قال: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ الكافر كلُّ مَنْ كفر بالله سواء كان كفره عن جحود أو عن استكبار؛ لأن الكفر كلَّه يدور على هذين الأمرين: إما الجحود وهو التكذيب، وإما الاستكبار عن الطاعة؛ فمن كفر بالله وأعلن كفره فهو من الكافرين، ومن سَتَر كفره فهو من المنافقين؛ فالمنافق إذن مَنْ يُظْهِر الإسلام ويُبْطِن الكفر مأخوذ من نافقاء اليربوع، نافقاء اليربوع هي بيته؛ لأن اليربوع له حيلة يحفر في الأرض جُحْرًا له ويجعل له بابًا ويجعل في أطرف الجحر قشرة رقيقة؛ لأجل إذا حجر مع بابه نتق مع هذه القشرة الرقيقة، فيقال: نافقاء اليربوع، المنافق هكذا عملُه إذا حُجِرَ فَعَل ما يتخلص به لكن نفاقًا كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُستَهْزِئُونَ﴾ [البقرة ١٤].
﴿لَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ وهذا النهي نهي عَمَّا لم يكن لئلا يكون وليس نهيًا عما كان لئلا يستمر، وبينهما فرق فهو نهي عما لم يكن لئلا يكون، وليس نهيًا عما كان لئلا يستمر، فإذا قلت لشخص: يا فلان، لا تسرق -وهو يسرق- فهو نهي عما كان لئلا يستمر، وإذا قلت لمن لم يسرق لكنه همَّ بالسرقة أو لم يهم فهذا نهي عما لم يكن لئلا يكون؛ فقوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ ليس المعنى أن الرسول ﷺ كان يطيعهم حاشاه من ذلك، لكنه لآجل ألا يكون أذيتهم له ومضايقتهم له وإحراجهم إياه لئلا يكون سببًا لأن يتنازل عن شيء مما أُمِر به من أجل دفع آذاهم، وإلا فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يطيع المنافقين أو الكافرين في معصية الله، ولكن النفس البشرية قد تجتهد في أمر من الأمور وترى أن من المصلحة التنازل عن بعض الأشياء لدفع ما هو أعظم في نظر المكلَّف ويكون الأمر ليس كذلك.
ولهذا قال: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ قال بعض المفسرين: إنها مضافة إلى المفعول به؛ يعني: لا تؤذهم، وقال بعض المفسرين: إنها مضافة إلى الفاعل؛ يعني: دع أذيتهم إياك فلا تلتفت لها ولا تهتم بها، أيهما أصح؟ الأول ولَّا الثاني؟ تأمل، فهمتم المعنى؟
﴿دَعْ أَذَاهُمْ﴾ يعني: دع أذيتك إياهم فهو مضاف إلى المفعول به أو ﴿دَعْ أَذَاهُمْ﴾ دع أذاهم لك أو دع آذاهم إياك، لا تهتم به ولا تلتفت لهم الثاني قطعًا؟
لأن الأول غير وارد، الرسول عليه الصلاة والسلام لم يؤذهم، ولكنه يؤذى منهم، وعلى هذا فيكون المصدر هنا مضافًا إلى الفاعل ولَّا إلى المفعول به؟
إلى الفاعل؛ يعني: دع أذيتهم إياك، وهذا الأمر إما أن يكون للتهديد، وإما أن يكون للتأييد والتقوية، وإما أن يكون لهما جميعًا فهو للتهديد؛ إما أن يكون للتهديد -تهديد هؤلاء الكافرين والمنافقين- يعني: دع آذاهم إياك فسوف ينتقم الله منهم بدليل قوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾، أو أن المعنى التأييد؛ يعني: دع آذاهم أي اصبر عليهم فيكون هذا من باب تأييد الله تعالى لرسوله ﷺ بأن يأمرهم بأن يدع أذاهم ولا يهتم به ولا يبالي به؛ لأن العاقبة ستكون لمن؟ للرسول ﷺ حتى مع هذه الأذية التي قاموا بها بالنسبة لرسول الله ﷺ.
وقوله: ﴿دَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾.
* طالب: ما الفرق بين الكفر والشرك؟
* الشيخ: الفرق بينهما أن الكفر أعم؛ فإن كل مشرك كافر، وليس كل كافر مشركًا؛ قد يجحد الإنسان شيئًا مما أنزل الله فيكون كافرًا وليس بمشرك.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ التوكل؛ ذكروا في حَدِّه أقوالًا متعددة، ولكن أقرب ما يقال فيه: أنه صدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة به، هذا أحسن ما قيل في تفسير التوكل؛ لأن الإنسان إذا اعتمد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة به صار ذلك أقوى له وأطمن لقلبه، ولكن مع هذا فإن التوكل لا ينافي فعل الأسباب الشرعية التي ثبتت إما عن طريق الشرع وإما عن طريق الحس، ومن زعم أن هذا ينافي التوكل فقد أخطأ؛ وذلك لأن الرسول ﷺ لا شك أنه إمام المتوكلين وسيد بني آدم ومع هذا فكان يفعل الأسباب؛ كان يتقي من البرد، ويتقي من الحر ويتقي من البأساء أو من البأس؛ فكان يلبس الدروع كما ظاهر في يوم أحد بين درعين، ومع هذا فإنه لا يقال: إن الرسول عليه الصلاة والسلام ضعيف التوكل.
إذن فعل الأسباب من تمام التوكل على الله؛ لأن درء ما تخافه يكون بأمرين: أمر من قِبَلك أنت، وأمر آخر من قبل الله؛ فالأشياء الخفية التي لا تدركها ولا طاقة لك بها هذا من قِبَل الله، والأشياء الظاهرة التي لك بها قِبَلُ هذه من قبل نفسك، فعليك أن تفعل هذا وأن تعتمد على الله تعالى فيما لا تدركه ولا يصل إليه ذهنك.
* طالب: ما هو حد فعل الأسباب (...)؟
* الشيخ: إذا ما يقدر عليه، كل ما يقدر عليه من الأسباب الحسية والشرعية.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: العقل يحصل بعقل إحدى قوائمها؛ ولذلك العقل ما هو بربط، العقل أن يربط الحبل على يدها فقط، وأحيانًا يربطونه على اليدين الثنتين ولَّا لا؟ هذا العقل، أما أربط كل شيء وعنقه ورأسه.
* الطالب: (...).
* الشيخ: ولو قاله؟
* الطالب: أخشى يجيء واحد ويقطع..
* الشيخ: اللي بيقطع هذا بيقطع هذا.
* الطالب: أو أخشى أنها تتحرك (...)؟
* الشيخ: هذا خلاف الأصل، يعني: ما جرت العادة به فهو سبب، والله أعلم.
* * *
(...) يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ ﴿كَفَى﴾ فعل ماض كما هو معروف، والباء حرف جر زائد لتحسين اللفظ، و(الله) لفظ الجلالة فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره مَنَعَ من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر زائد.
﴿وَكَفَى﴾ تارة تتعدى بنفسها؛ يعني يكون الفاعل فيها بدون الباء؛ مثل ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب ٢٥]، وتارة تتعدى بالباء، متى تتعدى بالباء ومتى لا تتعدى بالباء؟
إذا كان المراد بها معنى التعجب -يعني: ما أبلغ كفايته- فإنها تتعدى بالباء؛ مثل ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ وما أشبهها.
وإذا كان المراد بيان الكفاية فقط فإنها تتعدى بدون حرف الجر؛ مثل: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ مثل: أنت تقول: كفاك الله شرَّ أعدائك، وما أشبهها.
وهنا المراد بها التعجب؛ يعني معناه: أنه ما أشد كفاية الله تعالى، وما أبلغ كفايته.
وقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ ﴿وَكِيلًا﴾ هذه حال من فاعل (كفى).
وقوله: ﴿وَكِيلًا﴾ بمعنى: حفيظًا وكافيًا؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣] أي: كافيه.
واعلم أن الله تعالى أطلق على نفسه الوكيل، وأطلق على نفسه المُوَكِّل؛ يعني: وصف نفسه بالمُوَكِّل؛ فأما الوكيل فكثير في كتاب الله، ومعناه: الكافي الحافظ وما أشبه ذلك، وأما وصف الله بالتوكيل؛ أي: أنه مُوَكِّل؛ ففي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام ٨٩] قال: ﴿وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾.
ومناسبة قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ لقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ مناسبتها أنك إذا توكلت عليه كفاك كل شيء وحفظك وصار رقيبًا عليك.
ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب ٤٩] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تقدَّم لنا الكلام على تصدير الخطاب بمثل هذا النداء، وأنه يدل على أهمية الموضوع، وأنه يدل على أن امتثال ما سيأتي من مقتضيات الإيمان، وأن مخالفته من نواقص الإيمان.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ﴾ ﴿نَكَحْتُمُ﴾ المراد بالنكاح هنا: العقد، والنكاح يُطْلَق على العقد وعلى الجماع؛ وذلك لأن أصله في اللغة العربية الضَّمُّ والجمع؛ لأن العقد يضم الزوج إلى زوجته، والزوجة إلى زوجها، وهو يُطْلَق بمعنى هذا وهذا، ولكنه إذا أُضِيف إلى أجنبية فهو بمعنى العقد، وإذا أُضِيف إلى زوجة فهو بمعنى الجماع؛ فإذا قيل: نكح الرجل زوجته أي: جامعها، وإذا قيل: نكح فلانةَ بنت فلان فالمعنى عَقَد عليها، وهي في القرآن بمعنى العقد، كلما جاءت فهي بمعنى العقد، والغريب أن بعض أهل العلم يقول: لم تأت بمعنى العقد إلا في هذه الآية، وأنها في القرآن جاءت بمعنى الجماع، ولكن هذا ليس بصواب، الصواب العكس أنها ما جاءت في القرآن إلا بمعنى العقد.
نستعرض الآيات الواردة في هذا؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة ٢٢١] المعنى: العقد، ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة ٢٢١] العقد ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء ٢٢] العقد، ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور ٣] العقد، ويش بعد؟ بقينا ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة ٢٣٠] أيش؟ العقد. نعم العقد، لكن السنة بَيَّنَت أضافت إلى هذا شرطًا آخر وهو أن يذوق عسيلتها وأن تذوق عسيلته، وإلا فهو العقد، واضح؟ أقول: أيش بعد؟ ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ [النور ٣٢] اعقدوا لهم.
المهم كلما جاءت في القرآن فهي بمعنى العقد حتى في هذه الآية -واضح- بمعنى العقد، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ يعني: من قَبْلَ أن تجامعوهن، أيش عندك؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم العقد، ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ﴾ [النور ٣] ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ﴾ لا يعقد إلا على زانية أو مشركة، والزانية لا يتزوجها إلا زان أو مشرك.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، شوف قوله: ﴿لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾، أما في آخر الآية ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور ٣] فإذا كان نكاح الزانية حرامًا ونكاح الزاني حرامًا، فإذا عقد على زانية وهو حرام، فإما أن يعتقد التحريم فيكون زانيًا؛ لأنه جامعها وهو يعتقد أنه حرام، وإما ألا يعتقد التحريم ويقول: هذا حلال، فتحليل ما حرَّم الله شرك؛ كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة ٣١]. هذا هو معنى الآية التي لا تحتمل سواه، وهو الذي قرره شيخ الإسلام وابن القيم رحمهما الله.
طيب الآن ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي: عقدتم عليهن.
* الطالب: شيخ: الانسان اذا تزوج، وزوجته وجدها قد جومعت من قبلُ يجب عليه أن يفارقها (...)؟
* الشيخ: لا، ما يجب عليه إلا إذا علم أنها لا تزال على إصرارها، أما إذا تابت فيجوز أن يتزوجها.
قال: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، قوله: ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ بناءً على الأغلب؛ أن الأغلب أن المؤمن لا يتزوج إلا مؤمنة، ولكن لو كانت يهودية أو نصرانية فالحكم لا يختلف، فعلى هذا يكون هذا من باب الاقتصار، وليس من باب الاختصار، من باب الاقتصار على أحد الصنفين نعم، وأما الصنف الآخر فلأنه قليل بالنسبة إلى نكاح المؤمنات.
﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ قوله: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ ولم يقل: (وطلقتموهن) أو (فطلقتموهن) ليِتَبَيَّن به أنه لو تأخَّر الطلاق عن العقد مدة طويلة فالحكم لا يتغيَّر، كما لو أنه لو طلقها مباشرة فالحكم لا يتغير أيضًا، فقوله: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ أي: بعد العقد.
والطلاق في اللغة: حل قيد البعير ونحوه؛ يعني: حل القيد يُسَمَّى طلاقًا، وهو اسم مصدر (طَلَّق)، والمصدر من طَلَّق تطليقًا؛ مثل كلَّم والمصدر تكليمًا، واسم المصدر كلام، طلَّق المصدر: تطليق، واسم المصدر: طلاق.
فالطلاق إذن حَلُّ القيد، أما في الاصطلاح أو الشرع فطلاق المرأة معناه: حلُّ قيد النكاح أو بعضه؛ فإن كان الطلاق بائنًا لا تحل به الزوجة، فهو حلٌّ لقيد النكاح مطلقًا، وإن كان رجعيًّا فهو حلٌّ لبعضه؛ إذ إنه يجوز له أن يراجع.
وقوله: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أي: من قَبْل أن تجامعوهن، وهذا من باب الكناية عما يُسْتَقْبَحُ ذكرُه بما يدل عليه؛ ولهذا لم يأت الجماع بلفظه الصريح في القرآن الكريم، وإنما كُنِّي عنه في كل موضع بما يتناسب والمقام؛ فمرة يُعَبَّر عنه بالإتيان، ومرة بالإفضاء، ومرة بالمس، ومرة بالملامسة، وما أشبه ذلك، كل هذا من باب استعمال ما لا تَمُجُّه الأسماع من الكلمات.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ قال: (وفي قراءة: ﴿﴿تُمَاسُّوهُنَّ﴾ ﴾ أي: تجامعوهن).
يقول: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ ﴿فَمَا لَكُمْ﴾ (ما) هذه نافية، و﴿لَكُمْ﴾ جار ومجرور خبر مقدم، و﴿مِنْ﴾ حرف جر زائد لمعنى زائد، وقد قلنا: إنه حرف زائد زائد، كلمة (زائد) الثانية هي تأسيس ولَّا توكيد؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نقول: هو حرف جر زائد زائد هل هو توكيد ولَّا تأسيس؟
* الطالب: تأسيس.
* الشيخ: تأسيس، هو حرف جر زائد لفظًا، لكنه يزيد المعنى. (زائد) الأولى من (زاد) اللازم و(زائد) الثانية من (زاد) المتعدي، وين أنتم عن اللغة يا جماعة؟
(زاد) فعل ماض متعدٍّ ولازم، أنتم معنا؟ فإذا قلتُ: زاد إيمان الرجل، هذا متعدٍّ ولا لازم؟ لازم، وإذا قلتُ: زادهم إيمانًا هذا متعدٍّ.
فنقول: هذا حرف جر زائد من (زاد) اللازم، (زائد) من (زاد) المتعدي؛ يعني: زائد بنفسه زائد معنى في غيره.
المهم أن قوله ﴿مِنْ عِدَّةٍ﴾ من حرف جر زائد لفظًا، لا معنى.
﴿عِدَّةٍ﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.
لو قال لنا قائل: هل يجوز أن نجعل (ما) هنا حجازية؟ لا يجوز، من يقول: لا يجوز؟ لماذا؟
* الطالب: لأنه مقدم.
* الشيخ: لأن الخبر مقدم، وابن مالك يقول:
...................... ∗∗∗ مَعَ بَقَا النَّفْيِ وَتَرْتِيبٍ زُكِنْ
﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ قال المؤلف: (تُحْصونها).
﴿مِنْ عِدَّةٍ﴾ ما هي العدة؟ العدة في اللغة: اسم مأخوذ من العدد، ولكنها في الاصطلاح أو في الشرع: تربص مفارقة في الحياة أو في الممات محدود شرعًا، تربص زوجة مفارقة في الحياة أو بعد الممات محدود أيش؟ شرعًا.
(﴿﴿تَعْتَدُّونَهَا﴾ ﴾ تحصونها بالأقراء وغيرها) (بالأقراء) إن كانت من ذوات الأقراء، كمالتها ثلاثة قروء، (وغيرها) إن لم تكن من ذوات الأقراء وهن الحوامل ومن لا تحيض لصغر أو إياس؛ فالحامل عدتها وضع الحمل، ومن لا تحيض عدتها ثلاثة أشهر.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، المعنى أنك فوضت أمرك إليه فاعتمدت عليه هذا معناه ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر ٤٤].
يقول: (﴿﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ ﴾ أعطوهن ما يَسْتَمْتِعْنَ به أي: إن لم يُسَمّ لهن أَصْدِقة، وإلا فلهن نصف المُسَمَّى فقط قاله ابن عباس، وعليه الشافعي).
قوله: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ الفاء حرف عطف، و﴿مَتِّعُوهُنَّ﴾ أي: أعطوهن ما يستمتعن به، منين؟ من الدراهم، من الثياب، من المتاع، من العقار، من أي شيء، الله عز وجل أطلقها، ثم إنها مطلقة من جهة الكمية، كما أنها مطلقة من جهة النوعية؛ الكمية ويش أعطيها؟ إذا أردت أن أعطيها دراهم كم أعطيها؟
﴿مَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة ٢٣٦] حسب حال الزوج.
وقوله: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ بعد قوله: إذا طلقتم المؤمنات ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ يُسْتَثْنَى من ذلك من سُمِّيَ لها مهر؛ فإن من سُمِّيَ لها مهر لا يجب لها إلا نصفه؛ لقوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة ٢٣٧] فبَيَّنَ الله عز وجل أن لهُنَّ نصف ما فرضن وهذا إذا سُمِّي لها المهر سواء قلَّ أو كثر.
قال: (﴿﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ ﴾ خَلُّوا سبيلهن من غير إضرار) فأمر الله عز وجل بأمرين: التمتيع وهو بذل المال، والسراح الجميل وهو بذل الخلق؛ وذلك بأن تكون المفارقة عن رضا وبالقول اللين الذي يجبر الخاطر؛ لأن المرأة إذا طُلِّقَت بعد أن عُقِدَ عليها ولم يدخل بها لا شك أنه ينكسر خاطرها وأنها تتأثر، وأن الناس سوف يتكلمون لماذا طُلِّقَت قبل أن يدخل بها؟ ما هو السبب؟ هل رأى فيها عيبًا؟ هل سمع عنها بشيء؟ ولا سيما إذا كانت هي راغبة أيضًا للزوج ثم طلقها من قبل أن يتصل بها فإنه لا بد أن يكون هناك ردود فعل في نفسها، فأرحم الراحمين أمرنا أن نُمَتِّعَهن بالمال وأن نسرحهن سراحًا جميلًا بالقول والمعاملة الطيبة؛ مثل أن نقول لها: هذا أمر لم يُقَدَّر، وهذا أمر أراده الله عز وجل، وأنا ما فارقتك مثلًا لسوء خلقك أو لأني سمعت عنك ما يسوء أو ما أشبه ذلك من الكلام، حتى تنفصل منه وهي طيبة النفس منشرحة الصدر، ثم بعد ذلك ما يحصل منها أو من أهلها كلام؛ لأنه ربما إذا طلقها ولم يُمَتِّعْها أو متعها بدون ما تستحق أو سرحها سراحًا غير جميل ربما يحصل منها أو من أهلها كلام في الرجل؛ يتكلمون فيه وفي عرضه وفي أهله وما أشبه ذلك، فهذا من آداب الله عز وجل التي أدَّب بها عباده؛ إذا طلق المرأة قبل المسيس فإن الواجب عليه أمران: التمتيع بماذا؟ بالمال، والسراح الجميل بالقول والفعل وطلاقة الوجه وانبساط القلب وما أشبه ذلك.
قد يقول قائل: كيف يمكن هذا والرجل لم يطلقها في هذه الحال إلا وهو كاره لها بلا شك، ولو كان عنده أدنى محبة لكان دخل بها وجامعها ونظر ربما تتغير الأمور؟ يعني: لو كان زهد فيها بعض الزهد لكن في قلبه محبة لها هل يغامر ويطلقها من قبل أن يجامع؟
العقل لا يقتضي ذلك، يقتضي أن تنتظر وتجامعها؛ لأنه ربما أيش؟ ربما تغيرت الأمور، ومن ثَمَّ نُهِيَ عن الطلاق في الحيض؛ لأن الإنسان إذا كانت امرأته حائضًا فإنه لا يُجامِعها فيبقى كارهًا لها، ولا يوجد هناك سبب يدعو إلى المحبة وهو الجماع؛ فلهذا نُهِيَ عنه، يعني هذا من الحِكَم في النهي عن الطلاق في الحيض، وليس هي الحكمة الوحيدة.
﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ وإن شاء الله سيأتي فوائدها فيما بعد.
(...) ثبوت رسالة النبي ﷺ ؛ لقوله..
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، ﷺ مبشرٌ في قوله: ﴿وَمُبَشِّرًا﴾؛ ويتفرع على ذلك أنه أتى بالأسباب التي توجب البشارة من الأعمال الصالحة والطاعات.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي ﷺ جمع بين البشارة والإنذار؛ لقوله: ﴿مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾، * وفائدة قبل هذه: أنه منذر أيضًا؛ لأن كونه منذرًا وكونه مبشرًا، فائدتان، والجمع بينهما فائدة ثالثة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن رسول ﷺ داعٍ إلى الله؛ لقوله: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾.
* ومن فوائدها: الإشارة إلى أنه يجب على الداعية أن تكون دعوته إلى الله تعالى، لا إلى حَظِّ نفسه؛ لقوله: ﴿دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ فإن هذا وصف الرسول ﷺ.
* ومن فوائدها: أن دعوة رسول الله ﷺ إلى الله كانت بإذن منه؛ لقوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾، وهذه يتفرع عليها فائدة أخرى وهي رضا الله عما كان الرسول ﷺ يدعو إليه، أليس كذلك؟ لأن الله لا يأذن إلا بما يحبه ويرضاها.
* ومنها: أن دعوة النبي ﷺ مبنية على شرع الله.
(...) بكيفيتها وفيما يدعو إليه؛ لقوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ فهو داعي إلى الله بإذنه؛ أي: على حسب أمره وبشرعه؛ فيدعو إلى سبيل الله والموعظة الحسنة ويجادل بالتي هي أحسن، وكذلك يدعو إلى شرع الله لا يتجاوزه.
* ومنها: أن النبي ﷺ لا يمكن أن يُشَرِّع من عنده؛ لقوله: ﴿دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ لا بشيء من عنده.
* ومنها: أن ما يدعو إليه الرسول عليه الصلاة والسلام فهو من الله؛ فيتفرع على هذه الفائدة أن طاعة الرسول طاعة لله، ومعصية الرسول معصية لله؛ ولهذا لما جاءت امرأة إلى ابن مسعود رضي الله عنه وقالت: إنك تقول: إن المتفلجات للحُسن ملعونات بكتاب الله. وإنني فتحت المصحف أو قرأت المصحف من فاتحته إلى خاتمته فلم أجد ذلك. فقال: بلى. ثم قرأ عليها الحديث، وتلا قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ﴾ «[الحشر: 7] »[[أخرج البخاري (٤٨٨٦) ومسلم (١٢٠/٢١٢٥) واللفظ له بسندهما عن عبد الله قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله. قال: فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها: أم يعقوب وكانت تقرأ القرآن، فأتته فقالت: ما حديث بلغني عنكَ أنك لعنت الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله، فقال عبد الله: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ؟ وهو في كتاب الله. فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، قال الله عز وجل: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾... الحديث.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الإذن لله، وما هي الإذن؟ هل هي الأُذُن أو غيرها؟
الإِذن غير الأُذن، إثبات الإِذن لله عز وجل، وإِذْن الله تعالى -كما سبق في التفسير- تنقسم إلى قسمين: شرعية، وكونية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما جاء به النبي ﷺ فهو نور كالسراج يضيء الظلم؛ لقوله: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾.
* ومنها: أن النبي ﷺ لا ظل له، شوف الفائدة هذه تحتاج إلى مناقشة ولَّا لا؟ لا ظلَّ له يعني: لو وقف في الشمس، والشمس مائلة ما يكون له ظلال.
* الطالب: غير صحيح.
* الشيخ: غير صحيح ﴿سِرَاجًا مُنِيرًا﴾؟!
* الطالب: ليس السراج (...).
* الشيخ: السراج يضيء وليس له ظل.
* الطالب: إضاءة معنوية.
* الشيخ: سراجًا معنويًّا، وإلَّا فالرسول عليه الصلاة والسلام له ظل كغيره؛ لأنه بشر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل من حكم بشريعة النبي ﷺ فإنه على سراج منير ولَّا لا؟ لقوله: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾.
* ومنها: فضيلة النبي ﷺ؛ حيث جمع الله له بين هذه الأوصاف العظيمة: النبوة، والرسالة، والشهادة، والبشارة، والإنذار، والدعوة إلى الله بإذنه، كم؟ هذه ستة، والسراج المنير سبعة.
ثم قال تعالى:
﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب ٤٧، ٤٨] إلى آخره.
* يُستفاد من هذه الآية الكريمة: أنه يجب على النبي ﷺ أن يبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلًا كبيرًا، من أين يُؤْخذ؟ من قوله: ﴿وَبَشِّرِ﴾، والأمر للوجوب لا سيما على النبي ﷺ، فإن الأمر للوجوب على كل حال لماذا؟ لأن الله إذا أمر رسوله بشيء فإنما يأمره أن يفعله ويبلغه إلى الناس، وتبليغ الرسول ﷺ الرسالة واجب؛ ولهذا نقول: إن الرسول عليه الصلاة والسلام يجب عليه أن يبلغ حتى السُّنَنَ فيجب عليه أن يخبر بالسنة وأن يفعلها حتى يحصل البلاغ، ثم بعد ذلك تكون مندوبًا في حقه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الإيمان؛ وجهه أن المتصفين به هم أهل البشارة؛ لقوله: ﴿وَبَشِّرِ﴾.
* ومنها: ثواب المؤمنين بهذا الفضل الكبير؛ ﴿بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾.
* ومنها: بيان مِنَّة الله عز وجل على المؤمنين وأن الفضل فضله؛ لقوله تعالى: ﴿بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ لا من غيره؛ ولهذا قدَّم ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مع أنها متعلقة بـ ﴿فَضْلًا كَبِيرًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء على الإيمان أكثر مما عمله العبد؛ من قوله: ﴿فَضْلًا كَبِيرًا﴾، وقوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ يعني: يؤخذ من الأمرين أما وجه أخذه من الأول؛ فلقوله: ﴿كَبِيرًا﴾، والكبير إذا وصف الشيء بالكبير فهو كبير جدًّا، وأما الثاني؛ فلأنه أضاف الفضل إلى مَنْ؟ إلى الله ﴿مِنَ اللَّهِ﴾، وكما قال المثل: (العطية على قَدْرِ مُعْطِيها).
فإذا كان هذا الفضل من الله فإنه سيكون فضلًا لا يخطر على البال؛ ولهذا في الحديث الذي عَلَّمه النبي ﷺ أبا بكر أن يدعو به في صلاته قال: «فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٣٢٦)، ومسلم (٢٧٠٥/٤٨) من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه.]] وكونها من عند الله لها مزية.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب ٤٨].
* الطالب: (...) محبة الله (...)؟
* الشيخ: هو ما قلنا فضيلة الإيمان بالأول؟
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: (...).
* الطالب: (...) ولم يكن مُضيئًا؟
* الشيخ: إي؛ لأن النور أبلغ؛ لأنه جامع بين الحرارة وبين الإضاءة، ففيه وصفان.
قال: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية: تحريم طاعة الكافرين والمنافقين، لكن ليس على إطلاقه، بل طاعتهم فيما يخالف أمر الله؛ فلو أمروا بشيء لا يخالف أمر الله فإن طاعتهم ليست حرامًا كما لو أمرك كافر بأن تركب على هذا الباب مفتاحًا مثلًا، فهل نقول: حرام عليك أن تطيعه؟ لا، إذن لا تطعهم فيما يخالف أمر الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن على أكمل ما يكون من البلاغة؛ فإننا نجده في مواضعَ يُقَدِّم المنافقين على الكافرين، وفي هذه الآية قدَّم الكافرين على المنافقين؛ لأنه في مقام الجزاء وفي مقام الذم يُقَدِّم المنافقين؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء ١٤٠]، ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ [الأحزاب ٧٣]؛ لأن ذنب المنافق أعظم من ذنب الكافر الصريح، وأما هنا فمَنِ الذي يعارض الرسول صراحة؟ الكافر، ولهذا قدَّمه على المنافق؛ لأن المنافق لا يأمر بمخالفة الشرع كما يأمر به الكافر؛ إذ إنه يتستر بنفاقه؛ ولهذا قال: ﴿لَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ فبدأ بهم؛ لأن معارضتهم للشرع أَبْيَن وأظهر من المنافقين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه قد يتوجه النهي عما لم يُفْعَل لئلا يُفْعَل من قوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ فإن الرسول عليه الصلاة والسلام ما كان يطيعهم، لكنه نُهِيَ أن يطيعهم لئلا يفعل في المستقبل.
* ومنها: أن النهي قد يَرِد على الأمور البعيدة أو المستحيلة؛ وجهه: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ فإن هذا بعيد أو مستحيل على الرسول ﷺ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تهديد الكافرين والمنافقين؛ لقوله: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾.
* ومنها: تأييد النبي ﷺ وتسليته؛ من قوله أيضًا: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾.
* ومنها: أن من طبيعة الكافرين والمنافقين أذية المؤمنين؛ لقوله: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾، لكن قد يقول قائل: هذا أذى الرسول ﷺ.
فنقول: إن من آذى النبي ﷺ فإنه مؤذٍ للمؤمنين، وأيضًا فإن من عادى الرسل سيعادي أتباعهم ويؤذيهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الصبر على أذى الكفار والمنافقين؛ لقوله: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ فإن هذا أمر بالصبر على أذيتهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب التوكل على الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، والأمر للوجوب.
* ومن فوائدها: أن النبي ﷺ لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا ولا لغيره من باب أولى؛ لقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، فهو مفتقر إلى ربه مأمور بأن يتوكل عليه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عِظَم كفاية الله عز وجل للمتوكلين عليه؛ لقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾؛ فإنا ذَكَرْنَا فيما سبق أن هذا يُرَاد به التعجب من كفاية الله لمن توكل عليه.
ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب ٤٩] إلى آخره.
* من فوائد الآية الكريمة: أهمية النكاح والطلاق؛ لأن الله تعالى صدَّره بالنداء الذي يُطْلَب به تَنَبُّه المنادى لما سيُلْقَى عليه.
* ومنها: أن التزام أحكام الشريعة في النكاح والطلاق من مقتضيات الإيمان؛ وجهُه: من قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإن هذا من مقتضيات إيمانهم أن يمتثلوا ما أُمِروا به.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا طلاق قبل النكاح؛ لقوله: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ﴾ و﴿ثُمَّ﴾ للترتيب، فلا طلاق قبل النكاح، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الطلاق لمُعَيَّنة أو على سبيل العموم؛ فلو قال رجل لامرأة: إن تزوَّجتُكِ فأنت طالق. ثم تزوجَها فإنها لا تطلق لماذا؟ لأن الطلاق كان قبل النكاح.
وكذلك لو قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق. فإنه إذا تزوج امرأة لا تطلق؛ لأنه لا طلاق إلا بعد النكاح.
* ومن فوائدها: أنه لا إيلاء ولا ظهار ولا تحريم على امرأة إلا بعد النكاح؛ لأنه إذا كان الطلاق وهو أعظم فرقةً من الظهار والإيلاء وما أشبهه لا يكون إلا بعد النكاح فكذلك ما دونه، إلا أن التحريم إذا حرَّم رجل امرأة مُعَيَّنة ثم تزوجها بعد ذلك، فإن عليه كفارة يمين، وكذلك الظهار إذا قصد به التحريم وظَاهَر من امرأة قبل أن يتزوجها فإن عليه كفارة يمين وليس عليه كفارة ظهار؛ لأن الظهار لا يصح إلا من زوجها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز الطلاق؛ لقوله: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ ولم يَلُمِ الله المؤمنين على الطلاق، ولو كان حرامًا لَلَامَهُمْ عليه.
* ومن فوائدها أيضًا: جواز الطلاق قبل المسيس أو لا؟ لقوله: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾. وهذه فائدة غير فائدة (جواز الطلاق مطلقًا)؛ لأن الطلاق قبل المسيس قد يكون فيه شيء من غَضِّ حق المرأة، فيقال: هذا الرجل لولا أنه عَلِمَ بأن فيها بلاءً ما طلَّقها قبل أن يَدْخُلَ بها ويمسها؛ لأن العادة أن الإنسان إذا تزوج فإنما يتزوج عن رغبة، فإذا طلَّقها قبل أن يمسها فهو دليل على أن فيها شيئًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه إذا طلَّقها قبل الجماع فلا عدة عليها، وهذا فيه خلاف؛ فإن بعض أهل العلم -وهم الجمهور- على أنه إذا خلا بها فإن عليها العدة، فجعلوا الخلوة بمنزلة الجماع، وهذا هو الذي قضى به الخلفاء الراشدون وعليه جمهور الصحابة بل جمهور الأمة، ولم يخالف في ذلك إلا نفر قليل منهم الشافعي رحمه الله في قوله الجديد؛ فإنه رأى أنه إذا لم يجامعها فلا عِدَّة عليها ولو خلا بها، ولا شك أن هذا هو ظاهر الآية، لكن الوارد عن الصحابة رضي الله عنهم ولا سيما الخلفاء الراشدون يُثْبِت بأن عليها العدة إذا خلا بها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب المتعة على مَنْ طلَّق قبل الدخول، من أين تُؤخذ؟ من قوله: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ وهذا مقيد بالآية الأخرى وهي ما إذا فرض لها فريضةً؛ فإنه إذا فرض لها مهرًا فليس عليه إلا نصف المهر؛ لقوله: تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة ٢٣٧].
* ومن فوائد الآية الكريمة: التكنية عما يُستحيا من ذكره؛ لقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المعتدة من وفاة عليها العدة مطلقًا وإن لم يدخل بها، من أين تُؤْخَذ؟ من قوله: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ فجعل الله هذا الحكم في أي شيء؟ في الطلاق، فيبقى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة ٢٣٤] يبقى على إطلاقه؛ أن المتوفَّى عنها تجب عليها العدة وإن لم يدخل بها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده وخَلْقِه؛ حيث أوجب المتعة لمن طُلِّقَتْ قبل الدخول؛ وجه ذلك أن فيه جبرًا لخاطرها وإزالةً للهَمِّ والغَمِّ الذي اعتراها بعد الطلاق.
* ومن فوائدها: وجوب التسريح الجميل في المفارقة؛ لقوله تعالى: ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن العدة حق للزوج؛ وجهه: قال: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ﴾ فهي حق للزوج على المرأة.
* ومن فوائدها: أن مما ينبغي أن يحصي الإنسان عِدَّة زوجته ويعتني بها ولا يدعها هملًا لا يدري عنها؛ لقوله: ﴿تَعْتَدُّونَهَا﴾؛ فإن هذا دليل على أن مِنْ شأن الأزواج أن يَعْتَدُّوا عدة أزواجهن وأن يحصوها ويراقبوها؛ لأنها فراش له ما دامت في العدة إذا كانت رجعيَّة.
هل يؤخذ من مفهوم قوله: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أنه إذا نكحوا الكِتابيَّات تغيَّر الحكم؟ لا، لماذا؟ لأن هذا قيد أغلبيٌّ، وقد ذكر أهل العلم في الأصول أن ما كان قيدًا أغلبيًّا فإنه لا مفهوم له، منين يؤخذ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: من قوله: ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ لأن هذا الحكم شامل للمؤمنات ولغيرهن.
* فيها أيضًا من الفوائد: أنه لا عِدَّة في الطلاق قبل الدخول ولو طالت المدة؛ لقوله: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾.
* وفيها أيضًا فائدة أخرى: أن الطلاق بيد الزوج؛ لقوله: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ فلا يملك الأب ولا الجد ولا العم ولا الخال ولا غيرهم أن يُطَلِّقُوا على الإنسان.
* وفيها أيضًا فائدة أخرى: أنه لا عدة لغير المطلقة كالمفسوخة بخُلْعٍ أو غيره أو لا؟ أو فيها مناقشة؟ أيش تقولون في هذه الفائدة؟ أنه لا عدة على من فُورِقَت في الحياة بغير الطلاق؟
* طالب: ما يؤخذ.
* الشيخ: ما يؤخذ، ليش؟
* الطالب: لأنه ما قال: (...)؟
* الشيخ: إي، لكن في الطلاق فمفهومها أن العدة إنما هي في المُطَلَّقات؛ هذه حديث النبي، إذا كانت العدة في المطلقات فمعناها المختلعات ليس عليهن عدة، أيش تقولون يا جماعة؟
* الطالب: لأنه (...) صفاتها؟
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما هو مثلًا ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾ معناه إن طلقتموهن بعد المسيس فعليهن العدة، فجعل العدة من أحكام الطلاق، طيب غير الطلاق؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا ما يمكن؛ لأن الطلاق له أحكامه؛ لهذا يقولون: المتوفى عنها زوجها تعتدُّ وإن لم يدخل بها.
على كل حال يعني قد لا تكون إلى ذلك في الظهور إلا أن القول الراجح: أن المفارقة بغير الطلاق ليس عليها عدة، المختلعة إنما تُسْتَبرأ بحيضة ثم تَحِل.
ما نقول: في الآية أيضًا الجمعُ بين الإحسان المالي والفعلي أو لا؟ منين؟
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: هذا أيش؟ هذا المالي ولَّا الفعلي؟
* الطالب: الفعلي.
* الشيخ: الفعلي، والمال؟
* الطالب: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾.
* الشيخ: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾.
طيب، فيه أيضًا فائدة: يُسْتَثْنَى من الآية مَنْ فُرِضَ لها فريضة.
* طالب: (...).
* الشيخ: موجودة؟ وين؟
* طالب: في الشرح.
* الشيخ: الشرح؟
* طالب: الفائدة ما هي؟
* الشيخ: الفائدة: مَنْ فُرِضَ لها فريضة فلها نصف الفريضة وليس على الزوج متعة.
* الطالب: (...) متعة لمن لم يفرض لها (...)؟
* الشيخ: إي، زين.