Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — سبأ 34:1 – سبأ 34:15

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. سبأ 34:1
  2. سبأ 34:2
  3. سبأ 34:3
  4. سبأ 34:4
  5. سبأ 34:5
  6. سبأ 34:6
  7. سبأ 34:7
  8. سبأ 34:8
  9. سبأ 34:9
  10. سبأ 34:10
  11. سبأ 34:11
  12. سبأ 34:12
  13. سبأ 34:13
  14. سبأ 34:14
  15. سبأ 34:15

سبأ 34:1

(إلا ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [سبأ ٦] الآية، وهي أربعة)، عندكم (أربعة)؟ (أربعٌ) هذا الصواب، (وهي أربع أو خمس وخمسون آية)، الصواب أن يقال: أربع. قوله: (مكية إلا) كذا، المكي على المشهور هو الذي نزل قبل الهجرة، والمدني ما نزل بعد الهجرة، فيعتبر الجمهور المكي والمدني بالزمن لا بالمكان، فما كان بعد الهجرة فهو مدني، وما كان قبلها فهو مكي. وقوله: (إلا ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ )، سبق لنا أنه لا يُقْبَل استثناء شيء من السور المكية والمدنية إلا بدليل، أي أنه إذا كانت الصورة مكية فجميع آياتها مكية إلا بدليل، وإذا كانت مكية فجميع آياتها مدنية إلا بدليل، فاستثناء المؤلف لهذه الآية ننظر إن شاء الله تعالى إذا وصلناها؛ إذا كان هناك دليل يدل على أنها نزلت في المدينة قبلناها، وإلا فلا. قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. قبل: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ البسملة تقدم أنها آية مستقلة من كتاب الله عز وجل يُؤتَى بها للفصل، أو يُؤتَى بها لبدء السورة، إلا في (براءة) فإنه ليس فيها بسملة؛ لأنها لم تنزل بسملة بينها وبين الأنفال فتُرِكَت. وسبق لنا أن الجارّ والمجرور متعلِّق بمحذوف؛ لأن كل جارّ ومجرور لا بد أن يتعلق بشيء؛ إذ إن الجارّ والمجرور معمول، وكل معمول فلا بد له من عامل، وعليه فكل جارّ ومجرور فإنه لا بد له من متعلَّق، أي شيء يتعلق به، وكذلك الظرف. والمتعلَّق إما أن يكون فعلًا، أو ما بمعنى الفعل، هنا نقدِّر المتعلَّق فعلًا؛ لأنه الأصل في العمل، ولذلك لا يعمل غيرُ الفعل عملَ الفعل إلا بشروط، وكل شيء لا يتم عمله إلا بشروط فإن ذلك لأن الأصل عدمه؛ عدمُ العمل، انتبه الآن، كل جارّ ومجرور لا بد له.. * طالب: متعلّق بمحذوف * الشيخ: علِّل؟ لأن الجارّ والمجرور معمول، وكل معمول لا بد له من عامل. المتعلَّق إما أن يكون فعلًا، أو ما بمعنى الفعل، وهنا نقدِّره فعلًا، لماذا؟ لأنه الأصل؛ الأصل في العمل الأفعال، ولهذا غيرُ الأفعال كالأسماء والمصادر وشبهها لا تعمل عمل الفعل إلا بشروط، أما الفعل فيعمل بدون بشروط، ونقدِّره متأخرًا، نقدره -أي: الفعل- متأخرًا عن الجارّ والمجرور لفائدتين: الفائدة الأولى: التَّيَمُّن بالابتداء بذكر اسم الله. الفائدة الثانية: الدلالة على الحصر، فنقدِّر العامل متأخرًا نظرًا لهاتين الفائدتين، ونقدِّره فعلًا خاصًّا فنقول مثلًا عند ابتداء القراءة: التقدير: باسم الله أقرأ، وعند الوضوء التقدير: باسم الله أتوضأ، وعند الأكل: باسم الله آكل، وهكذا، وإنما نقدِّره خاصًّا لأنه أدلّ على المقصود، يصح أن نقدِّره عامًّا فنقول: التقدير: باسم الله أبتدئ، أو باسم الله أبدأ، ولكن الخاصّ أولى. فصار عندنا الآن ثلاثة أمور: لا بد من متعلَّق، متأخِّر، خاصّ، وعرفنا التعليل. وهنا ﴿بِسْمِ اللهِ﴾ مفرد مضاف فيَعُمّ، ويكون المعنى: بكل اسم من أسماء الله أبتدئ، وناسب ذِكْر الرحمن الرحيم دون غيرهما من الأسماء لأنها –أي: البسملة- يؤتَى بها للاستعانة، وأنسب ما يكون للاستعانة هي الرحمة، فلهذا أتبع لفظ الجلالة بهذين الاسمين الكريمين. و(الله) أصله: الإله، هذا أصحّ ما قيل فيه، وحُذِفَت الهمزة لكثرة الاستعمال، كما حُذِفَت الهمزة من (الناس)، وأصلها (أناس)، وحذفت الهمزة من (شر وخير) وأصلها (أشر وأخير). وأما ﴿الرَّحْمَنِ﴾ فهو اسم من أسماء الله دالّ على سعة رحمته سبحانه وتعالى؛ لأن الرحمن فَعْلَان يدل على السعة والامتلاء، وانظر ذلك في كلمة غضبان وندمان وسكران وعطشان وريان، وما أشبهها، تجد أن هذه الصيغة دالة على أيش؟ على السعة والامتلاء، ولهذا قال بعض السلف: إن الرحمن رحمة عامة لجميع الخلق. وأما ﴿الرَّحِيمِ﴾ فهي دالة على الفعل، أي أنه سبحانه وتعالى يرحم برحمته الواسعة. فالرحيم دَالٌّ على الفعل، وهو إيصال الرحمة إلى المرحوم. والرحمن دالّ على الصفة، وهي اتصاف الله سبحانه وتعالى بهذه الرحمة الواسعة. ثم قال: (﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ حَمِدَ تعالى نفسه بذلك، والمراد به الثناء بمضمونه من ثبوت الحمد، وهو الوصف بالجميل لله تعالى). قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [سبأ ١] ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ (أل) يقول العلماء: إنها للاستغراق، أي: كل حمد، و(أل) التي للاستغراق هي التي يحل محلها (كل)، مثل: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر ٢]، أي: كل إنسان لفي خسر، ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] أي: كل إنسان، فـ(أل) في ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾؟ * طالب: للاستغراق. * الشيخ: للاستغراق، إذن معناه أن كل حمد فهو لله، واللام هنا للاستحقاق والاختصاص؛ للاستحقاق لأنه لا أحد يستحق أن يُحْمَد لذاته إلا الله عز وجل، والاختصاص لأن الحمد المستغرِق لكل المحامد لا يكون إلا لله. يقول المؤلف: (حَمِدَ تعالى نفسه بذلك) يعني: حَمِدَ الله تعالى نفسه بهذا الوصف الذي هو الحمد. (والمراد به الثناء بمضمونه من ثبوت الحمد)، يعني: ليس هذا تجديدًا لحمد الله، ولكنه ثناء على الله تعالى بمضمون الحمد. (وهو الوصف بالجميل لله تعالى)، لو قال المؤلف: الوصف بالكمال، لكان أعمّ؛ فالحمد وصف المحمود بالكمال، هذا الحمد، فإن كرر وصفه بالكمال صار ثناءً، قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة ٢]، فيجيب الله: «حَمِدَنِي عَبْدِي»، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة ٣]، يجيب الله: «أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي»[[أخرجه مسلم (٣٩٥ / ٣٨) من حديث أبي هريرة.]]، والله سبحانه وتعالى يُحْمَد على ما له من الكمال الذاتي والكمال المتعدي للغير، أي: على كماله بذاته، وعلى كماله بفعله وإحسانه سبحانه وتعالى، فيُحْمَد على الأمرين جميعًا، أما غيره فلا يُحْمَد إلا على فعله إن كان فعله مما يُحْمَد عليه، أما حمدٌ للذات نفسها فهذا لا، ما يكون إلا لله. فمثلًا إذا حمدنا الله عز وجل على ما له من صفات الكمال؛ كالسمع والبصر والعلم والقدرة والعظمة، وما أشبهها، فهذا حَمْدٌ على الكمال الذاتي، وإذا حمد الله تعالى على ما له من الإحسان والإنعام فهو حمد على الكمال المتعدي، إذا حمدناه سبحانه وتعالى على إنزال الغيث وإنزال الكتب وإرسال الرسل ودفع الضرر، فهذا حمد على الكمال المتعدي. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ ١] (ملكًا وخَلْقًا). ﴿الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ هذا كالتعليل للحمد؛ لأن هذا الوصف يدل على العِلِّيَّة، أي: يحمد الله نفسه؛ لأنه مالك لما في السماوات وما في الأرض. وقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ يشمل العقلاء وغير العقلاء، ولهذا أتى بـ﴿مَا﴾ لأجل يشمل هؤلاء وهؤلاء، وإنما غَلَّبَ غير العقلاء لأنهم أكثر من حيث النوع، أما من حيث العدد فإن في هذا شكًّا؛ لأن الملائكة عليهم الصلاة والسلام لا شك أنهم من العقلاء، وهم لا يحصيهم إلا الله، ما من موضع أربع أصابع في السماء إلا وفيه ملك[[روى ابن ماجه (٤١٩٠) والترمذي (٢٣١٢) من حديث أبي ذرٍّ مرفوعًا: «أطَّتِ السماءُ وحقَّ لها أن تَئِطَّ، ما فيها موضعُ أربعِ أصابعَ إِلَّا ومَلَكٌ واضعٌ جبهتَهُ ساجدًا للهِ». ]]. وقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، السماوات جمع، وجُمِعَت لأنها متعددة، كم؟ سبع سماوات، كل واحدة فوق الأخرى، وهي مأخوذة من السمو وهو العلو والرفعة. ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أُفْرِدَت، لكن المراد بها الجنس، فتشمل الأرضين السبع؛ لأن الأرضين سبع بصريح السنة، وسبع بظاهر القرآن؛ فهي سبع بصريح السنة؛ لقول النبي ﷺ: «مَنِ اقْتَطَعَ مِنَ الْأَرْضِ شِبْرًا ظُلْمًا بِغَيْرِ حَقٍّ طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٩٨)، ومسلم (١٦١٠ / ١٣٧) واللفظ له، من حديث سعيد بن زيد.]]. وبظاهر القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢]، فإن المثلية هنا قطعًا ليست بالصفة، فتكون للعدد. وقول المؤلف: (ملكًا وخَلْقًا)، يعني أنه هو الذي خلقها سبحانه وتعالى، وهو المالك لها المدبِّر، ولو قال المؤلف: وتدبيرًا، لكان أَبْيَن، وإن كان كلمة (ملكًا) يتضمن التدبير، فالله سبحانه وتعالى له ما في السماوات وما في الأرض خلقًا، فلم يخلقها إلا الله، وملكًا فلا مالك لها إلا الله، وتدبيرًا فلا تدبير لأحد فيها على وجه الإطلاق إلا الله سبحانه وتعالى. وقوله: (﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ كالدنيا يحمده أولياؤه إذا دخلوا الجنة). قوله: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ هنا خصّ الحمد في الآخرة مع أنه محمود في الدنيا والآخرة، كما قال الله تعالى في آية ثانية: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ﴾ [القصص ٧٠]، لكنه ذَكَرَ ذلك لأن ظهور حمده في الآخرة أَبْيَن وأوضح، فإن في الدنيا مَن ينكر حمد الله عز وجل ويكفر به، ولا (...) إلا أن هذه الدنيا طبيعة تتفاعل بذاتها وليس لها مُدَبِّر، ومَن اعتقد هذا الاعتقاد فهل يمكن أن يحمد الله؟ أبدًا، لا يمكن، حتى لو رأى الخير واندفاع الشر فإنه لا يحمد الله؛ لأنه لا يقر به، لكن في الآخرة لا يمكن لأحد إلا أن يحمد الله، فالحمد في الآخرة لله. كما أنه في الآخرة لا أحد يحمد إلا النادر، قال الله تعالى للنبي ﷺ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء ٧٩]، أما بقية الناس ممن لم يحمدهم الله عز وجل فإنهم ليس لهم حمد في الآخرة، فأنت في الدنيا تحمد مَن يحسن إليك، لكن في الآخرة ما تحمد صديقك ولا صاحبك، اللهم إلا أن يكون ذلك بعد دخول الجنة فربما. يقول: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ (كالدنيا)، يعني: كما أن له الحمد في الدنيا، وكأن المؤلف بهذا التقدير -رحمه الله- يقول: إنه حذف الشق الآخر لدلالة السياق عليه، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل ٨١] يعني: والبرد. قوله: (يحمده أولياؤه إذا دخلوا الجنة)، قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ [الزمر ٧٤]. ولكن الصحيح أنه يُحْمَد حتى على جزائه الكافرين، فإن الله تعالى في آخر سورة الزمر لما ذكر سَوْق أهل النار إلى النار، وسَوْق أهل الجنة إلى الجنة قال: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر ٧٥]، فإن الله تعالى يُحْمَد على كمال عدله وكمال فضله، ومجازاته لأهل النار، من باب أيش؟ من باب العدل، فيُحْمَد عليه. قال: (يحمده أولياؤه إذا دخلوا الجنة، ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ في فعله ﴿الْخَبِيرُ﴾ في خلقه). ﴿الْحَكِيمُ﴾، يقول المؤلف: (في فعله)، وهذا فيه قصور؛ لأنه حكيم في شرعه وفعله أيضًا الذي هو القدر، فليست الحكمة خاصة بالفعل، بل حتى في الشرع الذي يكون بكلامه فإن الشرع هو الوحي، وهو كلام الله وليس فعل الله، بل هو كلام، وكذلك فعله هو حكيم فيه. والحكمة مأخوذة من الإحكام وهو الإتقان، ولهذا يقال في تفسيرها: إنها وضع الشيء موضعه، وهذا هو الإتقان. ولكنه سبق لنا أن الحكيم له معنيان: الحاكم والْمُحْكِم؛ لأنها مأخوذة من الْحُكم ومن الإحكام، وأن حكم الله كم نوعًا؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم. * الطالب: شرعي وكوني. * الشيخ: صح، حكم شرعي وكوني، وأن الحكمة نوعان أيضًا؟ * طالب: الحكم من الإحكام. * الشيخ: حكم منين؟ * الطالب: الحكمة.. * الشيخ: إي نعم، نوعان. * الطالب: الحكمة من الإحكام. * الشيخ: هي كلها من الإحكام، لا، ما لها دخل في الحكم. * طالب: صورية وغائية. * الشيخ: صورية وغائية؛ الصورية بمعنى أن كون هذا الشيء على هذه الصورة المعينة موافق للحكمة، والغائية بأن الغاية من هذا الشيء حكمة يُحْمَد الله عليها. فمثلًا: كون الصلاة على هذا الوجه، والصيام على هذا الوجه، والوضوء على هذا الوجه، هذه في الأمور الشرعية. وكذلك في الأمور الكونية كَوْن خِلْقة الإنسان على هذا الوجه، والشمس والقمر، وما أشبه ذلك، هذه حكمة صورية، بمعنى كون الشيء على هذه الصورة المعينة هذا لا شك موافق للحكمة، ثم الغاية من ذلك الشيء حكمة أخرى. تكون هذا الحكمة الصورية والغائية في الشرع، أيش بعد؟ وفي القدر، وإذا ضربت اثنين في اثنين تكون أربعة، حكمة غائية في الشرع، حكمة صورية في الشرع، حكمة غائية في القدر، حكمة صورية في القدر، وكل ذلك ثابت لله عز وجل، وإذا آمن الإنسان بهذا اطمأن إلى أحكام الله تعالى الكونية والشرعية، ولم ينقدح في ذهنه أي اعتراض؛ لأنه يعلم أن هذا صادر عن حكمة، وإذا علم أنه صادر عن حكمة فإنه لا يبقى في قلبه شك من أن هذا هو عين الصواب، وهو الذي تقتضيه الحكمة، وبهذا يطمئن الإنسان إلى شريعة الله، ويطمئن الإنسان أيضًا إلى قدر الله عز وجل، ويعلم أن هذا هو الصواب الذي لا يجوز غيره. وقوله: ﴿الْخَبِيرُ﴾ يقول المؤلف: (بخلقه)، والخبير معناه: ذو الخبرة؛ وهي العلم ببواطن الأمور، ومنه سُمِّيَ الزارع خبيرًا؛ لأنه يستر الحبة بالحرث، فالخبير ذو الخبرة، وهي العلم ببواطن الأمور. وهل ينافي ذلك العلم بظواهر الأمور؟ لا، بل إنه يؤيده؛ لأن الذي يعلم ببواطن الأمور من باب أولى أن يعلم بظواهرها. والحكمة دائمًا يقرنها الله عز وجل بالعزة والعلم، هنا قُرِنَت بماذا؟ بالعلم الذي تتضمنه الخبرة، وإنما يقرنها الله بذلك ليتبين أن حكمته سبحانه وتعالى مبنية على علمه، وأنه إذا تراءى لك أن هذا الشيء ليس بحكمة فذلك لنقصان علمك، وإلا لو كان عندك علم وفهم لعرفت أن الحكمة فيما شرعه الله وفيما قَدَّرَه. ثم فَسَّر أو فَصَّل شيئًا من علمه، فقال: (﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ﴾ [سبأ ٢] يدخل في الأرض كماء وغيره، ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ كنبات وغيره، ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ من رزق وغيره، ﴿وَمَا يَعْرُجُ﴾ يصعد ﴿فِيهَا﴾ من عمل وغيره)، هذا من باب التفصيل. ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾، و﴿مَا﴾ اسم موصول تفيد العموم، و﴿يَلِجُ﴾ بمعنى: يدخل، كل ما يدخل في الأرض فالله سبحانه وتعالى يعلمه. يقول المؤلف: (كماء)، الماء يدخل في الأرض ولَّا يخرج منها؟ يدخل ويخرج، فإذا أنزل الله الماء من السماء أدخله في الأرض ينابيع، وإذا أراد الله تعالى أن يخرج خرج بآلة أو بغير آلة. وقوله: (وغيره) ويش غير الماء مما يدخل في الأرض؟ * طالب: الأموات. * الشيخ: الأموات، وغير؟ * طالب: الحيوانات كالثعابين. * الشيخ: نعم، والأشياء التي لها جحور في الأرض، كذا؟ ما نقول: النبات أيضًا؟ النبات أيضًا بذوره كلها داخلة في الأرض. المهم أن ما يَلِج في الأرض لا يُحْصَى أصنافه، فضلًا عن أفراده، وهو واسع جدًّا، والله سبحانه وتعالى يعلمه، حتى الذرة التي تدخل في جُحْرِها يعلمها الله سبحانه وتعالى. ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾، يقول المؤلف: (كنبات وغيره)، النبات واضح، وغيره كالماء والمعادن والحيوانات التي تنتشر في الأرض، وهل نقول: ومن ذلك الإنسان؟ ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ [طه ٥٥]، هذا الأصل إي نعم، ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ إخراج وإدخال، ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ [نوح ١٧، ١٨]. يقول: ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [سبأ ٢] (من رزقٍ وغيره)، الرزق كيف ينزل من السماء؟ أنت تبقى في البيت كل يوم ويعطيك التمر ينزل عليك من السماء أو الثياب؟ لا، ولكن الرزق يكون بالمطر، مثلًا ينزل الله المطر فتنبت الأرض ويخرج منها الماء والمرعى، ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات ٣٣]، واضح؟ وغير هذا أيش ينزل؟ ينزل أمر الله عز وجل، ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [السجدة ٥]، وتنزل أيضًا الملائكة، وتنزل الشُّهُب تُرْمَى بها الشياطين، وأشياء كثيرة من هذا، والله يعلمه. ﴿وَمَا يَعْرُجُ﴾ يقول: (يصعد ﴿فِيهَا﴾ من عمل وغيره). هنا ﴿يَعْرُجُ﴾ بمعنى يصعد، كذا؟ ويعرج تعدَّى بـ(إلى) كما قال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج ٤]، وقال: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة ٥]، وهنا قال: ﴿يَعْرُجُ فِيهَا﴾، والنحويون اختلفوا في مثل هذا؛ فمنهم مَن قال: إن الحرف بمعنى يناسب الفعل، يعني: يجعل الحرف بمعنى حرف آخر يناسب الفعل، فمثلًا يقول: (في) بمعنى (إلى). ومنهم مَن يقول: بل الحرف باقٍ على معناه الأصلي ويُضَمَّن الفعل معنى يناسب ذلك الحرف، وهذا مذهب البصريين، فيقول: ﴿يَعْرُجُ﴾ مُضَمَّن مع معناه الظاهر وهو العروج معنى الدخول، يعني: يعرج فيدخل فيها، ليس المراد ما يعرج فقط ولا يدخل، يعرج ويدخل فيها. وسبق لنا في مقدمة التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية أن هذا المذهب هو المذهب الصحيح المحقَّق، وهو أن يُضَمَّن الفعل معنى يناسب الحرف؛ لأن هذا التضمين يجعل للفعل معنيين: أحدهما: المعنى الظاهر من اللفظ. والثاني: المعنى الذي تَضَمَّنَه ليناسب الحرف الذي تعلَّق به، ويظهر لك ذلك جليًّا في قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان ٦]، معلوم أننا لا نشرب بالعين، ما هي آلة، ما هي بإناء، ما هي آلة الشرب، أنت تقول: أنا أشرب بالإناء، صح، لكن يشرب بها وهي عين؟ لا يمكن أن تكون إناءً له. يرى بعض العلماء أن نجعل الباء بمعنى (مِن)، أي: يشرب منها. ويرى آخرون أننا نُضَمِّن ﴿يَشْرَبُ﴾ معنى يَرْوَى، إذا ضَمَّنَّا (يشرب) معنى (يروى) استفدنا فائدتين: الشرب، أيش بعد؟ والري، لكن إذا قلنا: إن الباء بمعنى (مِن) لم نستفد هذه الفائدة. فالمهم أن المذهب الصحيح هو أننا نُضَمِّن فعلًا معنى يناسب الحرف، ولا نجعل الحرف بمعنى حرف آخر. قال: (﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ﴾ بأوليائه ﴿الْغَفُورُ﴾ [سبأ ٢] لهم)، هذا أيضًا من التخصيص بلا دليل. كلمة ﴿الرَّحِيمُ﴾ لم يُذْكَر مُتَعَلِّقُها، والمؤلف رحمه الله يقول: (بأوليائه)، فعليه يكون أعداؤه لا رحمة لهم، هذا كلام المؤلف، و﴿الْغَفُورُ﴾ أيضًا لأوليائه، فأعداؤه لا مغفرة لهم. ولكن الصحيح العموم؛ لأن هذين الاسمين مطلقان، فيبقيان على إطلاقهما، فهو رحيم حتى بأعدائه؛ الكافر قد أعطاه الله تعالى صحة ورزقًا من اللباس والطعام والشراب والمسكن والزوجة والأهل، وكل هذا رحمة، لكنها رحمة عامة، يعني أنها لا تكن خاصة كرحمة المؤمنين. والمغفرة أيضًا يستحقها مَن تاب من عداوته لله، وإذا تاب فهو وَلِيّ من أولياء الله عز وجل، ولكن قد يكون في الإنسان عداوة وولاية، أو لا؟ ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة ١٠٢] وهم مستحقون لمغفرة الله سبحانه وتعالى، والله أعلم. * طالب: (...) خاصة بالمؤمنين. * الشيخ: لا، عامة، كما قلنا قبل قليل: الرحيم معناها تختص بالفعل، يعني: إيصال الرحمة إلى المرحوم، بعده التوحيد أظن؟ * طالب: دلالة السبع. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: ما فيه احتمال أن هذه السبع زيادة في النكال عليهم؟ * الشيخ: لا، ما فيه احتمال. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، تركناه؛ لأن بعض العلماء ضَعَّفَه (...). ﴿الْحَكِيمُ﴾ [سبأ ١] بمعنى حاكم، فهو إذن صيغة مبالغة فَعِيل، وإذا كان حكيم مِن أَحْكَمَ فهو بمعنى مُحْكِم. وفَعِيل تأتي بمعنى مُفْعِل، وقد أنشدناكم بيتًا سابقًا: أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي ................. (...). * طالب: الفوائد. * الشيخ: الفوائد. * من فوائد الآيات السابقة: ثبوت الحمد الكامل لله عز وجل في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ إلى آخره. وثانيًا: أن هذا الحمد الذي ثبت له هو أهل له؛ لقوله: ﴿لِلَّهِ﴾؛ لأن اللام -كما قلنا- للاستحقاق والاختصاص. * ومن فوائد الآية الكريمة: ثناء الله عز وجل على نفسه لأجل مصلحة العباد؛ لأننا نحن لا نستطيع أن نثني على الله أو نحصي ثناء عليه، فإذا حمد الله نفسه فهذا من مصلحتنا؛ لأنه يعلِّمنا عز وجل كيف نحمده، وكيف نثني عليه، وهو أهل لأن يمدح نفسه سبحانه وتعالى ويُثْنِي عليها لمصلحة عباده، وإلا فهو في غِنًى عن كونه يُظْهِر لنا من صفات الكمال ما يُظْهِر، في غِنًى عن أن نعرف ذلك، ولكن هذا من أجل مصلحتنا. وهذه الفائدة قد تكون مبنية عن سؤال مُقَدَّر: كيف يثني الله تعالى على نفسه؟ وهل مَدْح الشخصِ نفسَه يعتبر مَنْقَبَة أم لا؟ فالجواب أن يقال: إن الله يمدح نفسه لا لحاجته إلى أن نثني عليه، أو أن نعرف كماله؛ لأنه كامل، لكن من أجل أيش؟ من أجل مصلحتنا؛ إذ إننا لا نحصي ثناءً عليه، ولا نعرف ماذا نثني به عليه إلا عن طريق وَحْيِه. * ومن فوائد الآية الكريمة: عموم ملك الله؛ لقوله: ﴿الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ ١]، وهنا حَمِد نفسه على عموم ملكه، وقد يحمد نفسه على فعله، مثل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ ١]، وقد يحمد نفسه على شرعه، مثل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام ١]، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ [الكهف ١]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن السماوات جمع، يعني أكثر من واحدة؛ لقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، ومن أدلة أخرى قد ثبت أنها سبع، وكذلك الأرض. * ومن فوائد الآية الكريمة: ظهور كمال الله عز وجل يوم القيامة أظهر مما يكون في الدنيا؛ لقوله: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾، فالملك عامّ، وظهور الحمد جليًّا واضحًا يكون في الآخرة. * ومنها: ثبوت البعث؛ لقوله: ﴿الْآخِرَةِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات حكم الله عز وجل الكوني والشرعي، وإثبات حكمته المتعلِّقة بالكون والمتعلِّقة بالشرع. * ويتفرع على هذه القاعدة: وجوب التسليم لقضائه الكوني والشرعي، بحيث لا نريد أيّ اعتراض، حتى وإن جاء على ما ظاهره خلاف الحكمة فإنه يجب أن نتهم أيش؟ عقولنا؛ لأنه إذا ثبت أنه سبحانه وتعالى حكيم في الْحُكْمَيْن الكوني والشرعي لزم من ذلك التسليم للقضاء الكوني والشرعي؛ لأنه صادر عن حكمة، لكن هذه الحكمة قد تخفى علينا. * ومن فوائد الآية الكريمة: عموم علم الله، يؤخَذ من قوله: ﴿الْخَبِيرُ﴾، وما جاء من التفصيل بعدها؛ لأن الخبير هو العالِم بالبواطن، والعالم بالبواطن عالم بالظواهر. * ومن فوائدها: إثبات هذين الاسمين الكريمين لله عز وجل، وهما: الحكيم، الخبير. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من الأساليب البلاغية الإجمال ثم التفصيل؛ لقوله: ﴿الْخَبِيرُ (١) يَعْلَمُ﴾ إلى آخره [سبأ: ١، ٢]. وفائدة هذه الطريقة البلاغية هو أن الشيء إذا جاء مُجْمَلًا تَشَوَّفَت النفوس إلى تفصيله، فجاء التفصيل واردًا على نفوس تتطلع إليه، فإذا ورد التفصيل على نفوس تتطلع إليه كان أوقع في النفس وأرسخ في القلب، أليس كذلك؟ لو قلت لك: حدث البارحة شيء عظيم، ما دريت، البارحة الساعة الواحدة من الليل حدث أمر عظيم ما علمت، ويش يكون؟ تتشوَّف لهذا، تتطلع، أيش هذا الشيء العظيم، لكن لو قلت لك: حدث البارحة -مثلًا- أن رُمِيَ بنجم فاستنار نورًا عظيمًا، على كل حال تقبل هذا الخبر، لكن ليس كالأول؛ لأنك ستقول: ويش هذا الشيء العظيم؟ (...) شيء عظيم، ويش هذا الشيء؟ (...) ويش هذا الشيء؟ حتى يرد على قلبك وقد تَشَوَّفْت إليه كثيرًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: تمام تصرُّف الله سبحانه وتعالى في مخلوقاته، هذا يلج، وهذا يدخل، وهذا ينزل، وهذا يعرج، ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [سبأ ٢]. * ومن فوائدها -وهي فائدة بلاغية-: البداءة بما يماس الإنسان، وإن كان غيره أشرف منه؛ لأنك تتحدث عما يَلِج في الأرض وما يخرج منها قبل أن تتحدث عما ينزل من السماء وما يعرج فيها. هنا هذه الفائدة بناء على أن السماء أشرف من الأرض، وهل هذا مسلَّم؟ لا تستعجلوا، هل هو مسلَّم أن السماء أشرف من الأرض، أو الأرض أشرف من السماء؟ هذا فيه خلاف بين العلماء، فيه جدل كثير؛ منهم مَن يرى أن السماء أشرف، ويقول: إن السماء لو لم يكن فيها إلا الملائكة المقرَّبُون، وهي جهة عُلُوّ، والسماء فيها أيضًا الله عز وجل فوقها. ومنهم مَن يرى أن الأرض أشرف، يقول: لأنها خُلِقَ منها أفضل المخلوقات وهم الأنبياء والرسل، فهي أشرف، وهذا النزاع وإن كان نزاعًا قد يقال: إنه من فضول العلم، لكنه على كل حال في أول وهلة يرى الإنسان أن السماء أشرف من الأرض، ولكن ذُكِرَت الأرض هنا لأنها تُمَاسُّنَا أكثر ونعرف عنها أكثر. * وفيها أيضًا -من فوائد الآية الكريمة-: إثبات الرحمة والمغفرة لله عز وجل، في قوله: ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾، وهنا قدم الرحيم على الغفور، وإن كان الأكثر في القرآن تقديم الغفور على الرحيم؛ لما يكون في السماء والأرض من المصالح والمنافع، والمصالح والمنافع من آثار أيش؟ الرحمة، ودَفْع المصائب من آثار المغفرة؛ لأن المغفرة مَحْو الذنب الذي تدور فيه المكروهات، والرحمة حصول الخير. الرحمة عند أهل السنة والجماعة صفةٌ من صفات الله عز وجل حقيقة ثابتة له، وعند الأشاعرة يقولون: إن الرحمة هي الإحسان، أو إرادة الإحسان، فيفسرونها بالشيء المفعول لله، يعني بالنعم أو بإرادة النعم، لماذا؟ لأنهم يُقِرُّون بصفة أيش؟ بصفة الإرادة، فيفسرون الرحمة بإرادة الإنعام والإحسان، أو بالإنعام والإحسان نفسه. ولكن سبق لنا أن القول الصواب المقطوع به هو أن تُجْرَى نصوص الكتاب والسنة فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته على ظاهرها. يحتاج أن نقول: اللائق بالله، ولَّا ما حاجة؟ لا نقول: اللائق بالله، إلا على سبيل الإيضاح فقط؛ لأننا نعلم علم اليقين أن ظاهرها لائق بالله، وليس ظاهرها كما يقول أهل التعطيل: التشبيه؛ لأنه لو كان ظاهر نصوص الكتاب والسنة في أسماء الله وصفاته التشبيه أو التمثيل لكان ظاهر القرآن والسنة في هذا الباب هو الكفر؛ لأن مَن شَبَّهَ الله بخلقه فقد كَفَرَ حيث كذَّب قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١]، ومحال أن يكون ظاهر الحق أيش؟ باطلًا وكفرًا، ولهذا إذا قلنا: إن نصوص الكتاب والسنة في أسماء الله وصفاته تُجْرَى على ظاهرها اللائق بالله، فهذا من باب أيش؟ من باب الإيضاح، وإلا فإننا نعلم علم اليقين الذي هو عندنا أيقن من الشمس أن ظاهرها هو ما يليق بالله، فلا حاجة إلى التقييد به، لكننا قد نقيِّده على سبيل الإيضاح فقط. والرحمة هل هي صفات كمال من حيث هي، بقطع النظر عن موصوفها، أو صفة نقص؟ هي صفة كمال في الواقع، حتى الرحمة في (...). ....................... ∗∗∗ ...كَوَضْعِ السَّيْفِ فِي مَوْضِعِالنَّدَى معروف البيت، معروف؟ يقول: ووضع الندى، الندى: العطاء والبذل. وَوَضْعُ النَّدَى فِي مَوْضِعِ السَّيْفِ بِالْعُلَا ∗∗∗ مُضِرٌّ كَوَضْعِ السَّيْفِ فِي مَوْضِعِالنَّدَى حكمة هذا، يقول: وَضْع الندى في موضع السيف مُضِرٌّ بالعُلَا والأخلاق، ليش؟ لأن الذي يستحق السيف أحسن ما نضع له السيف، واحد مجرم مُفْسِد في الأرض أمسكناه وقَدَرْنَا عليه نقول: يا ولد شوف هذه الفيلَّا لك، وهذه السيارة لك، وهذا المستودع المملوء بخزائن الذهب والفضة لك، لأنك مجرم، حكمة ولَّا لا؟ ما هي حكمة. كوضع السيف في موضع الندى، إنسان صاحب خير وإحسان ومُسْتَحِقّ لأن يُكْرَم، فجِيءَ به فوضعناه على نطع القتل، قلنا: بنقتلك الآن، ليش؟ لأنك محسن، هذا حكمة ولَّا لا؟ ليس بحكمة، فالبيت هذا من أعظم ما يكون من أبيات الحكمة، والمتنبي معروف أنه حكيم الشعراء. * طالب: أبو العلاء * الشيخ: لا، المتنبي. إذن نقول: إن الرحمة صفة كمال من حيث هي هي، فإذا أضيفت إلى الله صارت أكمل وأكمل.

سبأ 34:2

(إلا ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [سبأ ٦] الآية، وهي أربعة)، عندكم (أربعة)؟ (أربعٌ) هذا الصواب، (وهي أربع أو خمس وخمسون آية)، الصواب أن يقال: أربع. قوله: (مكية إلا) كذا، المكي على المشهور هو الذي نزل قبل الهجرة، والمدني ما نزل بعد الهجرة، فيعتبر الجمهور المكي والمدني بالزمن لا بالمكان، فما كان بعد الهجرة فهو مدني، وما كان قبلها فهو مكي. وقوله: (إلا ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ )، سبق لنا أنه لا يُقْبَل استثناء شيء من السور المكية والمدنية إلا بدليل، أي أنه إذا كانت الصورة مكية فجميع آياتها مكية إلا بدليل، وإذا كانت مكية فجميع آياتها مدنية إلا بدليل، فاستثناء المؤلف لهذه الآية ننظر إن شاء الله تعالى إذا وصلناها؛ إذا كان هناك دليل يدل على أنها نزلت في المدينة قبلناها، وإلا فلا. قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. قبل: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ البسملة تقدم أنها آية مستقلة من كتاب الله عز وجل يُؤتَى بها للفصل، أو يُؤتَى بها لبدء السورة، إلا في (براءة) فإنه ليس فيها بسملة؛ لأنها لم تنزل بسملة بينها وبين الأنفال فتُرِكَت. وسبق لنا أن الجارّ والمجرور متعلِّق بمحذوف؛ لأن كل جارّ ومجرور لا بد أن يتعلق بشيء؛ إذ إن الجارّ والمجرور معمول، وكل معمول فلا بد له من عامل، وعليه فكل جارّ ومجرور فإنه لا بد له من متعلَّق، أي شيء يتعلق به، وكذلك الظرف. والمتعلَّق إما أن يكون فعلًا، أو ما بمعنى الفعل، هنا نقدِّر المتعلَّق فعلًا؛ لأنه الأصل في العمل، ولذلك لا يعمل غيرُ الفعل عملَ الفعل إلا بشروط، وكل شيء لا يتم عمله إلا بشروط فإن ذلك لأن الأصل عدمه؛ عدمُ العمل، انتبه الآن، كل جارّ ومجرور لا بد له.. * طالب: متعلّق بمحذوف * الشيخ: علِّل؟ لأن الجارّ والمجرور معمول، وكل معمول لا بد له من عامل. المتعلَّق إما أن يكون فعلًا، أو ما بمعنى الفعل، وهنا نقدِّره فعلًا، لماذا؟ لأنه الأصل؛ الأصل في العمل الأفعال، ولهذا غيرُ الأفعال كالأسماء والمصادر وشبهها لا تعمل عمل الفعل إلا بشروط، أما الفعل فيعمل بدون بشروط، ونقدِّره متأخرًا، نقدره -أي: الفعل- متأخرًا عن الجارّ والمجرور لفائدتين: الفائدة الأولى: التَّيَمُّن بالابتداء بذكر اسم الله. الفائدة الثانية: الدلالة على الحصر، فنقدِّر العامل متأخرًا نظرًا لهاتين الفائدتين، ونقدِّره فعلًا خاصًّا فنقول مثلًا عند ابتداء القراءة: التقدير: باسم الله أقرأ، وعند الوضوء التقدير: باسم الله أتوضأ، وعند الأكل: باسم الله آكل، وهكذا، وإنما نقدِّره خاصًّا لأنه أدلّ على المقصود، يصح أن نقدِّره عامًّا فنقول: التقدير: باسم الله أبتدئ، أو باسم الله أبدأ، ولكن الخاصّ أولى. فصار عندنا الآن ثلاثة أمور: لا بد من متعلَّق، متأخِّر، خاصّ، وعرفنا التعليل. وهنا ﴿بِسْمِ اللهِ﴾ مفرد مضاف فيَعُمّ، ويكون المعنى: بكل اسم من أسماء الله أبتدئ، وناسب ذِكْر الرحمن الرحيم دون غيرهما من الأسماء لأنها –أي: البسملة- يؤتَى بها للاستعانة، وأنسب ما يكون للاستعانة هي الرحمة، فلهذا أتبع لفظ الجلالة بهذين الاسمين الكريمين. و(الله) أصله: الإله، هذا أصحّ ما قيل فيه، وحُذِفَت الهمزة لكثرة الاستعمال، كما حُذِفَت الهمزة من (الناس)، وأصلها (أناس)، وحذفت الهمزة من (شر وخير) وأصلها (أشر وأخير). وأما ﴿الرَّحْمَنِ﴾ فهو اسم من أسماء الله دالّ على سعة رحمته سبحانه وتعالى؛ لأن الرحمن فَعْلَان يدل على السعة والامتلاء، وانظر ذلك في كلمة غضبان وندمان وسكران وعطشان وريان، وما أشبهها، تجد أن هذه الصيغة دالة على أيش؟ على السعة والامتلاء، ولهذا قال بعض السلف: إن الرحمن رحمة عامة لجميع الخلق. وأما ﴿الرَّحِيمِ﴾ فهي دالة على الفعل، أي أنه سبحانه وتعالى يرحم برحمته الواسعة. فالرحيم دَالٌّ على الفعل، وهو إيصال الرحمة إلى المرحوم. والرحمن دالّ على الصفة، وهي اتصاف الله سبحانه وتعالى بهذه الرحمة الواسعة. ثم قال: (﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ حَمِدَ تعالى نفسه بذلك، والمراد به الثناء بمضمونه من ثبوت الحمد، وهو الوصف بالجميل لله تعالى). قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [سبأ ١] ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ (أل) يقول العلماء: إنها للاستغراق، أي: كل حمد، و(أل) التي للاستغراق هي التي يحل محلها (كل)، مثل: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر ٢]، أي: كل إنسان لفي خسر، ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] أي: كل إنسان، فـ(أل) في ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾؟ * طالب: للاستغراق. * الشيخ: للاستغراق، إذن معناه أن كل حمد فهو لله، واللام هنا للاستحقاق والاختصاص؛ للاستحقاق لأنه لا أحد يستحق أن يُحْمَد لذاته إلا الله عز وجل، والاختصاص لأن الحمد المستغرِق لكل المحامد لا يكون إلا لله. يقول المؤلف: (حَمِدَ تعالى نفسه بذلك) يعني: حَمِدَ الله تعالى نفسه بهذا الوصف الذي هو الحمد. (والمراد به الثناء بمضمونه من ثبوت الحمد)، يعني: ليس هذا تجديدًا لحمد الله، ولكنه ثناء على الله تعالى بمضمون الحمد. (وهو الوصف بالجميل لله تعالى)، لو قال المؤلف: الوصف بالكمال، لكان أعمّ؛ فالحمد وصف المحمود بالكمال، هذا الحمد، فإن كرر وصفه بالكمال صار ثناءً، قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة ٢]، فيجيب الله: «حَمِدَنِي عَبْدِي»، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة ٣]، يجيب الله: «أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي»[[أخرجه مسلم (٣٩٥ / ٣٨) من حديث أبي هريرة.]]، والله سبحانه وتعالى يُحْمَد على ما له من الكمال الذاتي والكمال المتعدي للغير، أي: على كماله بذاته، وعلى كماله بفعله وإحسانه سبحانه وتعالى، فيُحْمَد على الأمرين جميعًا، أما غيره فلا يُحْمَد إلا على فعله إن كان فعله مما يُحْمَد عليه، أما حمدٌ للذات نفسها فهذا لا، ما يكون إلا لله. فمثلًا إذا حمدنا الله عز وجل على ما له من صفات الكمال؛ كالسمع والبصر والعلم والقدرة والعظمة، وما أشبهها، فهذا حَمْدٌ على الكمال الذاتي، وإذا حمد الله تعالى على ما له من الإحسان والإنعام فهو حمد على الكمال المتعدي، إذا حمدناه سبحانه وتعالى على إنزال الغيث وإنزال الكتب وإرسال الرسل ودفع الضرر، فهذا حمد على الكمال المتعدي. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ ١] (ملكًا وخَلْقًا). ﴿الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ هذا كالتعليل للحمد؛ لأن هذا الوصف يدل على العِلِّيَّة، أي: يحمد الله نفسه؛ لأنه مالك لما في السماوات وما في الأرض. وقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ يشمل العقلاء وغير العقلاء، ولهذا أتى بـ﴿مَا﴾ لأجل يشمل هؤلاء وهؤلاء، وإنما غَلَّبَ غير العقلاء لأنهم أكثر من حيث النوع، أما من حيث العدد فإن في هذا شكًّا؛ لأن الملائكة عليهم الصلاة والسلام لا شك أنهم من العقلاء، وهم لا يحصيهم إلا الله، ما من موضع أربع أصابع في السماء إلا وفيه ملك[[روى ابن ماجه (٤١٩٠) والترمذي (٢٣١٢) من حديث أبي ذرٍّ مرفوعًا: «أطَّتِ السماءُ وحقَّ لها أن تَئِطَّ، ما فيها موضعُ أربعِ أصابعَ إِلَّا ومَلَكٌ واضعٌ جبهتَهُ ساجدًا للهِ». ]]. وقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، السماوات جمع، وجُمِعَت لأنها متعددة، كم؟ سبع سماوات، كل واحدة فوق الأخرى، وهي مأخوذة من السمو وهو العلو والرفعة. ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أُفْرِدَت، لكن المراد بها الجنس، فتشمل الأرضين السبع؛ لأن الأرضين سبع بصريح السنة، وسبع بظاهر القرآن؛ فهي سبع بصريح السنة؛ لقول النبي ﷺ: «مَنِ اقْتَطَعَ مِنَ الْأَرْضِ شِبْرًا ظُلْمًا بِغَيْرِ حَقٍّ طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٩٨)، ومسلم (١٦١٠ / ١٣٧) واللفظ له، من حديث سعيد بن زيد.]]. وبظاهر القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢]، فإن المثلية هنا قطعًا ليست بالصفة، فتكون للعدد. وقول المؤلف: (ملكًا وخَلْقًا)، يعني أنه هو الذي خلقها سبحانه وتعالى، وهو المالك لها المدبِّر، ولو قال المؤلف: وتدبيرًا، لكان أَبْيَن، وإن كان كلمة (ملكًا) يتضمن التدبير، فالله سبحانه وتعالى له ما في السماوات وما في الأرض خلقًا، فلم يخلقها إلا الله، وملكًا فلا مالك لها إلا الله، وتدبيرًا فلا تدبير لأحد فيها على وجه الإطلاق إلا الله سبحانه وتعالى. وقوله: (﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ كالدنيا يحمده أولياؤه إذا دخلوا الجنة). قوله: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ هنا خصّ الحمد في الآخرة مع أنه محمود في الدنيا والآخرة، كما قال الله تعالى في آية ثانية: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ﴾ [القصص ٧٠]، لكنه ذَكَرَ ذلك لأن ظهور حمده في الآخرة أَبْيَن وأوضح، فإن في الدنيا مَن ينكر حمد الله عز وجل ويكفر به، ولا (...) إلا أن هذه الدنيا طبيعة تتفاعل بذاتها وليس لها مُدَبِّر، ومَن اعتقد هذا الاعتقاد فهل يمكن أن يحمد الله؟ أبدًا، لا يمكن، حتى لو رأى الخير واندفاع الشر فإنه لا يحمد الله؛ لأنه لا يقر به، لكن في الآخرة لا يمكن لأحد إلا أن يحمد الله، فالحمد في الآخرة لله. كما أنه في الآخرة لا أحد يحمد إلا النادر، قال الله تعالى للنبي ﷺ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء ٧٩]، أما بقية الناس ممن لم يحمدهم الله عز وجل فإنهم ليس لهم حمد في الآخرة، فأنت في الدنيا تحمد مَن يحسن إليك، لكن في الآخرة ما تحمد صديقك ولا صاحبك، اللهم إلا أن يكون ذلك بعد دخول الجنة فربما. يقول: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ (كالدنيا)، يعني: كما أن له الحمد في الدنيا، وكأن المؤلف بهذا التقدير -رحمه الله- يقول: إنه حذف الشق الآخر لدلالة السياق عليه، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل ٨١] يعني: والبرد. قوله: (يحمده أولياؤه إذا دخلوا الجنة)، قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ [الزمر ٧٤]. ولكن الصحيح أنه يُحْمَد حتى على جزائه الكافرين، فإن الله تعالى في آخر سورة الزمر لما ذكر سَوْق أهل النار إلى النار، وسَوْق أهل الجنة إلى الجنة قال: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر ٧٥]، فإن الله تعالى يُحْمَد على كمال عدله وكمال فضله، ومجازاته لأهل النار، من باب أيش؟ من باب العدل، فيُحْمَد عليه. قال: (يحمده أولياؤه إذا دخلوا الجنة، ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ في فعله ﴿الْخَبِيرُ﴾ في خلقه). ﴿الْحَكِيمُ﴾، يقول المؤلف: (في فعله)، وهذا فيه قصور؛ لأنه حكيم في شرعه وفعله أيضًا الذي هو القدر، فليست الحكمة خاصة بالفعل، بل حتى في الشرع الذي يكون بكلامه فإن الشرع هو الوحي، وهو كلام الله وليس فعل الله، بل هو كلام، وكذلك فعله هو حكيم فيه. والحكمة مأخوذة من الإحكام وهو الإتقان، ولهذا يقال في تفسيرها: إنها وضع الشيء موضعه، وهذا هو الإتقان. ولكنه سبق لنا أن الحكيم له معنيان: الحاكم والْمُحْكِم؛ لأنها مأخوذة من الْحُكم ومن الإحكام، وأن حكم الله كم نوعًا؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم. * الطالب: شرعي وكوني. * الشيخ: صح، حكم شرعي وكوني، وأن الحكمة نوعان أيضًا؟ * طالب: الحكم من الإحكام. * الشيخ: حكم منين؟ * الطالب: الحكمة.. * الشيخ: إي نعم، نوعان. * الطالب: الحكمة من الإحكام. * الشيخ: هي كلها من الإحكام، لا، ما لها دخل في الحكم. * طالب: صورية وغائية. * الشيخ: صورية وغائية؛ الصورية بمعنى أن كون هذا الشيء على هذه الصورة المعينة موافق للحكمة، والغائية بأن الغاية من هذا الشيء حكمة يُحْمَد الله عليها. فمثلًا: كون الصلاة على هذا الوجه، والصيام على هذا الوجه، والوضوء على هذا الوجه، هذه في الأمور الشرعية. وكذلك في الأمور الكونية كَوْن خِلْقة الإنسان على هذا الوجه، والشمس والقمر، وما أشبه ذلك، هذه حكمة صورية، بمعنى كون الشيء على هذه الصورة المعينة هذا لا شك موافق للحكمة، ثم الغاية من ذلك الشيء حكمة أخرى. تكون هذا الحكمة الصورية والغائية في الشرع، أيش بعد؟ وفي القدر، وإذا ضربت اثنين في اثنين تكون أربعة، حكمة غائية في الشرع، حكمة صورية في الشرع، حكمة غائية في القدر، حكمة صورية في القدر، وكل ذلك ثابت لله عز وجل، وإذا آمن الإنسان بهذا اطمأن إلى أحكام الله تعالى الكونية والشرعية، ولم ينقدح في ذهنه أي اعتراض؛ لأنه يعلم أن هذا صادر عن حكمة، وإذا علم أنه صادر عن حكمة فإنه لا يبقى في قلبه شك من أن هذا هو عين الصواب، وهو الذي تقتضيه الحكمة، وبهذا يطمئن الإنسان إلى شريعة الله، ويطمئن الإنسان أيضًا إلى قدر الله عز وجل، ويعلم أن هذا هو الصواب الذي لا يجوز غيره. وقوله: ﴿الْخَبِيرُ﴾ يقول المؤلف: (بخلقه)، والخبير معناه: ذو الخبرة؛ وهي العلم ببواطن الأمور، ومنه سُمِّيَ الزارع خبيرًا؛ لأنه يستر الحبة بالحرث، فالخبير ذو الخبرة، وهي العلم ببواطن الأمور. وهل ينافي ذلك العلم بظواهر الأمور؟ لا، بل إنه يؤيده؛ لأن الذي يعلم ببواطن الأمور من باب أولى أن يعلم بظواهرها. والحكمة دائمًا يقرنها الله عز وجل بالعزة والعلم، هنا قُرِنَت بماذا؟ بالعلم الذي تتضمنه الخبرة، وإنما يقرنها الله بذلك ليتبين أن حكمته سبحانه وتعالى مبنية على علمه، وأنه إذا تراءى لك أن هذا الشيء ليس بحكمة فذلك لنقصان علمك، وإلا لو كان عندك علم وفهم لعرفت أن الحكمة فيما شرعه الله وفيما قَدَّرَه. ثم فَسَّر أو فَصَّل شيئًا من علمه، فقال: (﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ﴾ [سبأ ٢] يدخل في الأرض كماء وغيره، ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ كنبات وغيره، ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ من رزق وغيره، ﴿وَمَا يَعْرُجُ﴾ يصعد ﴿فِيهَا﴾ من عمل وغيره)، هذا من باب التفصيل. ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾، و﴿مَا﴾ اسم موصول تفيد العموم، و﴿يَلِجُ﴾ بمعنى: يدخل، كل ما يدخل في الأرض فالله سبحانه وتعالى يعلمه. يقول المؤلف: (كماء)، الماء يدخل في الأرض ولَّا يخرج منها؟ يدخل ويخرج، فإذا أنزل الله الماء من السماء أدخله في الأرض ينابيع، وإذا أراد الله تعالى أن يخرج خرج بآلة أو بغير آلة. وقوله: (وغيره) ويش غير الماء مما يدخل في الأرض؟ * طالب: الأموات. * الشيخ: الأموات، وغير؟ * طالب: الحيوانات كالثعابين. * الشيخ: نعم، والأشياء التي لها جحور في الأرض، كذا؟ ما نقول: النبات أيضًا؟ النبات أيضًا بذوره كلها داخلة في الأرض. المهم أن ما يَلِج في الأرض لا يُحْصَى أصنافه، فضلًا عن أفراده، وهو واسع جدًّا، والله سبحانه وتعالى يعلمه، حتى الذرة التي تدخل في جُحْرِها يعلمها الله سبحانه وتعالى. ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾، يقول المؤلف: (كنبات وغيره)، النبات واضح، وغيره كالماء والمعادن والحيوانات التي تنتشر في الأرض، وهل نقول: ومن ذلك الإنسان؟ ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ [طه ٥٥]، هذا الأصل إي نعم، ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ إخراج وإدخال، ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ [نوح ١٧، ١٨]. يقول: ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [سبأ ٢] (من رزقٍ وغيره)، الرزق كيف ينزل من السماء؟ أنت تبقى في البيت كل يوم ويعطيك التمر ينزل عليك من السماء أو الثياب؟ لا، ولكن الرزق يكون بالمطر، مثلًا ينزل الله المطر فتنبت الأرض ويخرج منها الماء والمرعى، ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات ٣٣]، واضح؟ وغير هذا أيش ينزل؟ ينزل أمر الله عز وجل، ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [السجدة ٥]، وتنزل أيضًا الملائكة، وتنزل الشُّهُب تُرْمَى بها الشياطين، وأشياء كثيرة من هذا، والله يعلمه. ﴿وَمَا يَعْرُجُ﴾ يقول: (يصعد ﴿فِيهَا﴾ من عمل وغيره). هنا ﴿يَعْرُجُ﴾ بمعنى يصعد، كذا؟ ويعرج تعدَّى بـ(إلى) كما قال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج ٤]، وقال: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة ٥]، وهنا قال: ﴿يَعْرُجُ فِيهَا﴾، والنحويون اختلفوا في مثل هذا؛ فمنهم مَن قال: إن الحرف بمعنى يناسب الفعل، يعني: يجعل الحرف بمعنى حرف آخر يناسب الفعل، فمثلًا يقول: (في) بمعنى (إلى). ومنهم مَن يقول: بل الحرف باقٍ على معناه الأصلي ويُضَمَّن الفعل معنى يناسب ذلك الحرف، وهذا مذهب البصريين، فيقول: ﴿يَعْرُجُ﴾ مُضَمَّن مع معناه الظاهر وهو العروج معنى الدخول، يعني: يعرج فيدخل فيها، ليس المراد ما يعرج فقط ولا يدخل، يعرج ويدخل فيها. وسبق لنا في مقدمة التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية أن هذا المذهب هو المذهب الصحيح المحقَّق، وهو أن يُضَمَّن الفعل معنى يناسب الحرف؛ لأن هذا التضمين يجعل للفعل معنيين: أحدهما: المعنى الظاهر من اللفظ. والثاني: المعنى الذي تَضَمَّنَه ليناسب الحرف الذي تعلَّق به، ويظهر لك ذلك جليًّا في قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان ٦]، معلوم أننا لا نشرب بالعين، ما هي آلة، ما هي بإناء، ما هي آلة الشرب، أنت تقول: أنا أشرب بالإناء، صح، لكن يشرب بها وهي عين؟ لا يمكن أن تكون إناءً له. يرى بعض العلماء أن نجعل الباء بمعنى (مِن)، أي: يشرب منها. ويرى آخرون أننا نُضَمِّن ﴿يَشْرَبُ﴾ معنى يَرْوَى، إذا ضَمَّنَّا (يشرب) معنى (يروى) استفدنا فائدتين: الشرب، أيش بعد؟ والري، لكن إذا قلنا: إن الباء بمعنى (مِن) لم نستفد هذه الفائدة. فالمهم أن المذهب الصحيح هو أننا نُضَمِّن فعلًا معنى يناسب الحرف، ولا نجعل الحرف بمعنى حرف آخر. قال: (﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ﴾ بأوليائه ﴿الْغَفُورُ﴾ [سبأ ٢] لهم)، هذا أيضًا من التخصيص بلا دليل. كلمة ﴿الرَّحِيمُ﴾ لم يُذْكَر مُتَعَلِّقُها، والمؤلف رحمه الله يقول: (بأوليائه)، فعليه يكون أعداؤه لا رحمة لهم، هذا كلام المؤلف، و﴿الْغَفُورُ﴾ أيضًا لأوليائه، فأعداؤه لا مغفرة لهم. ولكن الصحيح العموم؛ لأن هذين الاسمين مطلقان، فيبقيان على إطلاقهما، فهو رحيم حتى بأعدائه؛ الكافر قد أعطاه الله تعالى صحة ورزقًا من اللباس والطعام والشراب والمسكن والزوجة والأهل، وكل هذا رحمة، لكنها رحمة عامة، يعني أنها لا تكن خاصة كرحمة المؤمنين. والمغفرة أيضًا يستحقها مَن تاب من عداوته لله، وإذا تاب فهو وَلِيّ من أولياء الله عز وجل، ولكن قد يكون في الإنسان عداوة وولاية، أو لا؟ ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة ١٠٢] وهم مستحقون لمغفرة الله سبحانه وتعالى، والله أعلم. * طالب: (...) خاصة بالمؤمنين. * الشيخ: لا، عامة، كما قلنا قبل قليل: الرحيم معناها تختص بالفعل، يعني: إيصال الرحمة إلى المرحوم، بعده التوحيد أظن؟ * طالب: دلالة السبع. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: ما فيه احتمال أن هذه السبع زيادة في النكال عليهم؟ * الشيخ: لا، ما فيه احتمال. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، تركناه؛ لأن بعض العلماء ضَعَّفَه (...). ﴿الْحَكِيمُ﴾ [سبأ ١] بمعنى حاكم، فهو إذن صيغة مبالغة فَعِيل، وإذا كان حكيم مِن أَحْكَمَ فهو بمعنى مُحْكِم. وفَعِيل تأتي بمعنى مُفْعِل، وقد أنشدناكم بيتًا سابقًا: أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي ................. (...). * طالب: الفوائد. * الشيخ: الفوائد. * من فوائد الآيات السابقة: ثبوت الحمد الكامل لله عز وجل في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ إلى آخره. وثانيًا: أن هذا الحمد الذي ثبت له هو أهل له؛ لقوله: ﴿لِلَّهِ﴾؛ لأن اللام -كما قلنا- للاستحقاق والاختصاص. * ومن فوائد الآية الكريمة: ثناء الله عز وجل على نفسه لأجل مصلحة العباد؛ لأننا نحن لا نستطيع أن نثني على الله أو نحصي ثناء عليه، فإذا حمد الله نفسه فهذا من مصلحتنا؛ لأنه يعلِّمنا عز وجل كيف نحمده، وكيف نثني عليه، وهو أهل لأن يمدح نفسه سبحانه وتعالى ويُثْنِي عليها لمصلحة عباده، وإلا فهو في غِنًى عن كونه يُظْهِر لنا من صفات الكمال ما يُظْهِر، في غِنًى عن أن نعرف ذلك، ولكن هذا من أجل مصلحتنا. وهذه الفائدة قد تكون مبنية عن سؤال مُقَدَّر: كيف يثني الله تعالى على نفسه؟ وهل مَدْح الشخصِ نفسَه يعتبر مَنْقَبَة أم لا؟ فالجواب أن يقال: إن الله يمدح نفسه لا لحاجته إلى أن نثني عليه، أو أن نعرف كماله؛ لأنه كامل، لكن من أجل أيش؟ من أجل مصلحتنا؛ إذ إننا لا نحصي ثناءً عليه، ولا نعرف ماذا نثني به عليه إلا عن طريق وَحْيِه. * ومن فوائد الآية الكريمة: عموم ملك الله؛ لقوله: ﴿الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ ١]، وهنا حَمِد نفسه على عموم ملكه، وقد يحمد نفسه على فعله، مثل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ ١]، وقد يحمد نفسه على شرعه، مثل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام ١]، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ [الكهف ١]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن السماوات جمع، يعني أكثر من واحدة؛ لقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، ومن أدلة أخرى قد ثبت أنها سبع، وكذلك الأرض. * ومن فوائد الآية الكريمة: ظهور كمال الله عز وجل يوم القيامة أظهر مما يكون في الدنيا؛ لقوله: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾، فالملك عامّ، وظهور الحمد جليًّا واضحًا يكون في الآخرة. * ومنها: ثبوت البعث؛ لقوله: ﴿الْآخِرَةِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات حكم الله عز وجل الكوني والشرعي، وإثبات حكمته المتعلِّقة بالكون والمتعلِّقة بالشرع. * ويتفرع على هذه القاعدة: وجوب التسليم لقضائه الكوني والشرعي، بحيث لا نريد أيّ اعتراض، حتى وإن جاء على ما ظاهره خلاف الحكمة فإنه يجب أن نتهم أيش؟ عقولنا؛ لأنه إذا ثبت أنه سبحانه وتعالى حكيم في الْحُكْمَيْن الكوني والشرعي لزم من ذلك التسليم للقضاء الكوني والشرعي؛ لأنه صادر عن حكمة، لكن هذه الحكمة قد تخفى علينا. * ومن فوائد الآية الكريمة: عموم علم الله، يؤخَذ من قوله: ﴿الْخَبِيرُ﴾، وما جاء من التفصيل بعدها؛ لأن الخبير هو العالِم بالبواطن، والعالم بالبواطن عالم بالظواهر. * ومن فوائدها: إثبات هذين الاسمين الكريمين لله عز وجل، وهما: الحكيم، الخبير. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من الأساليب البلاغية الإجمال ثم التفصيل؛ لقوله: ﴿الْخَبِيرُ (١) يَعْلَمُ﴾ إلى آخره [سبأ: ١، ٢]. وفائدة هذه الطريقة البلاغية هو أن الشيء إذا جاء مُجْمَلًا تَشَوَّفَت النفوس إلى تفصيله، فجاء التفصيل واردًا على نفوس تتطلع إليه، فإذا ورد التفصيل على نفوس تتطلع إليه كان أوقع في النفس وأرسخ في القلب، أليس كذلك؟ لو قلت لك: حدث البارحة شيء عظيم، ما دريت، البارحة الساعة الواحدة من الليل حدث أمر عظيم ما علمت، ويش يكون؟ تتشوَّف لهذا، تتطلع، أيش هذا الشيء العظيم، لكن لو قلت لك: حدث البارحة -مثلًا- أن رُمِيَ بنجم فاستنار نورًا عظيمًا، على كل حال تقبل هذا الخبر، لكن ليس كالأول؛ لأنك ستقول: ويش هذا الشيء العظيم؟ (...) شيء عظيم، ويش هذا الشيء؟ (...) ويش هذا الشيء؟ حتى يرد على قلبك وقد تَشَوَّفْت إليه كثيرًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: تمام تصرُّف الله سبحانه وتعالى في مخلوقاته، هذا يلج، وهذا يدخل، وهذا ينزل، وهذا يعرج، ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [سبأ ٢]. * ومن فوائدها -وهي فائدة بلاغية-: البداءة بما يماس الإنسان، وإن كان غيره أشرف منه؛ لأنك تتحدث عما يَلِج في الأرض وما يخرج منها قبل أن تتحدث عما ينزل من السماء وما يعرج فيها. هنا هذه الفائدة بناء على أن السماء أشرف من الأرض، وهل هذا مسلَّم؟ لا تستعجلوا، هل هو مسلَّم أن السماء أشرف من الأرض، أو الأرض أشرف من السماء؟ هذا فيه خلاف بين العلماء، فيه جدل كثير؛ منهم مَن يرى أن السماء أشرف، ويقول: إن السماء لو لم يكن فيها إلا الملائكة المقرَّبُون، وهي جهة عُلُوّ، والسماء فيها أيضًا الله عز وجل فوقها. ومنهم مَن يرى أن الأرض أشرف، يقول: لأنها خُلِقَ منها أفضل المخلوقات وهم الأنبياء والرسل، فهي أشرف، وهذا النزاع وإن كان نزاعًا قد يقال: إنه من فضول العلم، لكنه على كل حال في أول وهلة يرى الإنسان أن السماء أشرف من الأرض، ولكن ذُكِرَت الأرض هنا لأنها تُمَاسُّنَا أكثر ونعرف عنها أكثر. * وفيها أيضًا -من فوائد الآية الكريمة-: إثبات الرحمة والمغفرة لله عز وجل، في قوله: ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾، وهنا قدم الرحيم على الغفور، وإن كان الأكثر في القرآن تقديم الغفور على الرحيم؛ لما يكون في السماء والأرض من المصالح والمنافع، والمصالح والمنافع من آثار أيش؟ الرحمة، ودَفْع المصائب من آثار المغفرة؛ لأن المغفرة مَحْو الذنب الذي تدور فيه المكروهات، والرحمة حصول الخير. الرحمة عند أهل السنة والجماعة صفةٌ من صفات الله عز وجل حقيقة ثابتة له، وعند الأشاعرة يقولون: إن الرحمة هي الإحسان، أو إرادة الإحسان، فيفسرونها بالشيء المفعول لله، يعني بالنعم أو بإرادة النعم، لماذا؟ لأنهم يُقِرُّون بصفة أيش؟ بصفة الإرادة، فيفسرون الرحمة بإرادة الإنعام والإحسان، أو بالإنعام والإحسان نفسه. ولكن سبق لنا أن القول الصواب المقطوع به هو أن تُجْرَى نصوص الكتاب والسنة فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته على ظاهرها. يحتاج أن نقول: اللائق بالله، ولَّا ما حاجة؟ لا نقول: اللائق بالله، إلا على سبيل الإيضاح فقط؛ لأننا نعلم علم اليقين أن ظاهرها لائق بالله، وليس ظاهرها كما يقول أهل التعطيل: التشبيه؛ لأنه لو كان ظاهر نصوص الكتاب والسنة في أسماء الله وصفاته التشبيه أو التمثيل لكان ظاهر القرآن والسنة في هذا الباب هو الكفر؛ لأن مَن شَبَّهَ الله بخلقه فقد كَفَرَ حيث كذَّب قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١]، ومحال أن يكون ظاهر الحق أيش؟ باطلًا وكفرًا، ولهذا إذا قلنا: إن نصوص الكتاب والسنة في أسماء الله وصفاته تُجْرَى على ظاهرها اللائق بالله، فهذا من باب أيش؟ من باب الإيضاح، وإلا فإننا نعلم علم اليقين الذي هو عندنا أيقن من الشمس أن ظاهرها هو ما يليق بالله، فلا حاجة إلى التقييد به، لكننا قد نقيِّده على سبيل الإيضاح فقط. والرحمة هل هي صفات كمال من حيث هي، بقطع النظر عن موصوفها، أو صفة نقص؟ هي صفة كمال في الواقع، حتى الرحمة في (...). ....................... ∗∗∗ ...كَوَضْعِ السَّيْفِ فِي مَوْضِعِالنَّدَى معروف البيت، معروف؟ يقول: ووضع الندى، الندى: العطاء والبذل. وَوَضْعُ النَّدَى فِي مَوْضِعِ السَّيْفِ بِالْعُلَا ∗∗∗ مُضِرٌّ كَوَضْعِ السَّيْفِ فِي مَوْضِعِالنَّدَى حكمة هذا، يقول: وَضْع الندى في موضع السيف مُضِرٌّ بالعُلَا والأخلاق، ليش؟ لأن الذي يستحق السيف أحسن ما نضع له السيف، واحد مجرم مُفْسِد في الأرض أمسكناه وقَدَرْنَا عليه نقول: يا ولد شوف هذه الفيلَّا لك، وهذه السيارة لك، وهذا المستودع المملوء بخزائن الذهب والفضة لك، لأنك مجرم، حكمة ولَّا لا؟ ما هي حكمة. كوضع السيف في موضع الندى، إنسان صاحب خير وإحسان ومُسْتَحِقّ لأن يُكْرَم، فجِيءَ به فوضعناه على نطع القتل، قلنا: بنقتلك الآن، ليش؟ لأنك محسن، هذا حكمة ولَّا لا؟ ليس بحكمة، فالبيت هذا من أعظم ما يكون من أبيات الحكمة، والمتنبي معروف أنه حكيم الشعراء. * طالب: أبو العلاء * الشيخ: لا، المتنبي. إذن نقول: إن الرحمة صفة كمال من حيث هي هي، فإذا أضيفت إلى الله صارت أكمل وأكمل.

سبأ 34:3

ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ﴾ [سبأ ٣]، الذين كفروا بالله عز وجل وبقدرته وبحكمته قالوا: ﴿لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ﴾، قالوا هذا اللفظ ولَّا قالوا معنى هذا اللفظ؟ الجواب: قالوا هذا اللفظ؛ لأن الأصل إنما نقل عن الغير فإنه منقول بنصه وفصله، فهم قالوا: ﴿لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ﴾. وقالوا في موضع آخر: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨]، وتنوعت عباراتهم في إنكار القيامة، هم قالوا: ﴿لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ﴾، يعني: لا يمكن أن تأتينا الساعة، مع أن الله يقول: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج ٧]، فكذَّبُوا بذلك قول الله مستَنِدِين إلى استبعاد عقولهم أن ترجع هذه العظام النخرة حتى تعود إنسانًا حيًّا، وما علموا أن الذي بدأ الخلق قادر على إعادته، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧]. فشُبْهَتُهم إذن في هذا الإنكار هي أيش؟ الاستبعاد فقط، هذه واحدة. ثانيًا: يقولون: إذا كنتم صادقين في أننا سنُبْعَث ائتوا بآبائنا، ابعثوهم لنا، وهذا تحدٍّ في غير موضعه؛ لأن الرسل لم تقل لهم: إنكم تُبْعَثُون الآن، تبعثون متى؟ إذا مات الخلق، إذا انتهت الخلائق ومات الخلق كلهم بُعِثُوا، فهذا التحدي في غير موضعه، هذا التحدي في موضعه لو كانت الرسل تقول: إن الناس يُبْعَث أولهم الآن مع وجود آخرهم، صح أن يقال: ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين، أَمَا وقد قالت: إنهم سيُبْعَثُون بعد أن يفنى الخلق كله ممن سيُبْعَث، فهذا ليس فيه التحدي. المهم إذن شُبْهَتهم الاستبعاد والتحدي في غير موضعه، حيث قالوا: ائتوا بآبائنا. يقول الله عز وجل: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ ٣]، ﴿بَلَى﴾ هذه يؤتَى بها لإبطال النفي، ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾، أمر الله النبي عليه الصلاة والسلام أن يصدع بخلاف ما قالوا مُؤَكِّدًا ذلك بالقسم واللام والنون، ﴿وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾. قلت: ﴿بَلَى﴾ جواب لإبطال النفي، ﴿وَرَبِّي﴾ قسم، واللام للتوكيد، والنون أيضًا للتوكيد، فالجملة مؤكَّدة بثلاث مؤكِّدات. ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ أي: الساعة، وهذا أحد المواضع الثلاثة التي أمر الله نبيه أن يُقْسِمَ عليها. والموضع الثاني: قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس ٥٣]. والموضع الثالث: قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن ٧]. وإنما أمر الله تعالى نبيَّه محمدًا ﷺ أن يُقْسِم على ذلك لأهميته وعِظَمِه، ولأنه مقتضى البلاغة، فإن مقتضى البلاغة أن المنكِر يؤتَى له بالكلام مؤكَّدًا بمؤكِّد واحد، أو اثنين، أو ثلاثة، حسب ما يقتضيه المقال. ولأهمية هذا الموضوع أمر الله نبيه محمدًا ﷺ أن يقسم عليه. فإن قلت: ما فائدة القَسَم أمام مَن يُنْكِر؛ لأن مَن أنكرك بدون قَسَم أنكرك مع القسم، فما الفائدة؟ الجواب من وجهين: الوجه الأول: أن هذا هو مقتضى اللسان العربي؛ أن الأخبار تؤكَّد بأنواع المؤكِّدات. الثاني: أن التأكيد يدل على أن المتكلِّم جازم بهذا الْمُقْسَم عليه جزمَه بما أقسم به، فكما أننا جازمون بالله عز وجل بوجوده وكماله، فنحن جازمون أيضًا بما أقسم عليه، وهو إتيان الساعة. قال: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ﴾، ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ بالجر، عندي يقول: (بالجر صفة، والرفع خبر مبتدأ)، و﴿عَلَّامِ﴾ بالجر، ففيها إذن ثلاث قراءات. * طالب: عالم. * الشيخ: لا، و﴿عَلَّامِ﴾ صَحِّح، و﴿عَلَّامِ﴾ بالجر، فالقراءات إذن ثلاث: ﴿عَالِمِ﴾ مرفوعة ومجرورة، و﴿عَلَّامِ﴾ مجرورة فقط. قوله: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾، مناسبة ذكر هذه الصفة لإثبات القيامة ظاهر؛ لأن قيام الساعة مِن عِلْم الغيب، والذي أخبر به هو عَلَّام الغيب، فإذا صدر هذا الخبر من عالم الغيب وجب علينا قبوله، ولهذا الخبر عن المستقبل إذا صدر من جاهل لا يدري فإننا نرفضه، وإذا صدر من عالم فإننا نقبله، وعِلْم الله الغيب أمرٌ معلوم حتى عند الكفار، فإن الله سبحانه وتعالى يخبر بأشياء ثم تقع ويشاهدونها، وهذا شيء لا يَمْتَرُون فيه، فلهذا وصف الله نفسه بهذه الصفة بعد إثبات إتيان الساعة؛ لأنه أمر معلوم عندهم، فإذا صدر هذا الخبر من عالم الغيب الذين يُقِرُّون بعلمه الغيب صار الخبر مؤكَّدًا واقعًا. وقوله: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ بالجر صفة لـ(رب)؛ لأن (رب) مجرور. فنقول في إعرابه: الواو حرف قسم وجَرّ، (رِبِّ) مُقْسَم به مجرور بالكسرة الظاهرة، و(رب) مضاف، والياء مضاف إليه مبنية على السكون في محل جر، صحيح إعرابي؟ * طالب: غير ظاهرة. * الشيخ: الباء ﴿رَبِّي﴾. * طالب: ما فيه ياء. * الشيخ: فيه، عندي أنا ﴿رَبِّي﴾ فيها ياء. * طلبة: (...). * الشيخ: إي، إذن يكون معربًا مجرورًا بكسرة مقدَّرة على ما قبل ياء المتكلِّم منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، فليست الكسرة هذه كسرة الإعراب، عرفتم؟ وإنما قلنا ذلك لأنه ربما يَرِد علينا مثل قولنا: ربي الله، كيف تكون مجرورة؟ ما هي مجرورة هذه، الكسرة هذه لأجل المناسبة، فالكسرة إذن ثابتة قبل أن يدخل حرف الجر، فلذلك تكون الكسرة الإعرابية مقدَّرة على ما قبل ياء المتكلِّم. إذن هو مجرور، ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ صفة لـ(رب)، وصفة المجرور مجرور. أما بالرفع فيقول: (خبر مبتدأ) يعني: هو عالم الغيب، والجملة كلها إما حال من (رب)، وإما استئنافية لبيان اتصاف الله تعالى بهذا العِلْم. والغيب ما غاب عن الإنسان، وهو أمر نسبي، لكن الغيب المطلَق لا يكون إلا لله عز وجل. أقول: إن الغيب أمر نسبي؛ لأنه قد يَغِيب عنك ما لا يغيب عن غيرك، فصاحب الدكان اللي عند المسجد الآن تَصَرُّفُه الذي يتصرفه الآن بالنسبة لنا غيب، لكن بالنسبة لمن عنده شهادة، فالغيب أمر نسبي. ولذلك الخبر عن الشيء الواقع هل يُعْتَبَر من الغيب الذي يختص به الله؟ لا؛ لأنه يعلمه مَن وقع عنده وحدث عنده، لكن الغيب المستقبل هذا هو الذي من خصائص علم الله عز وجل، ولهذا مَن ادَّعَى علم الغيب في المستقبل صار مكذِّبًا لقول الله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل ٦٥]، ومَن ادَّعَى علم غيب واقع فهذا الغيب ليس غيبًا مطلقًا، ولكنه غيب نسبي يعلمه مَن شاهده، ولا يعلمه مَن لم يشاهده. فغيب الله في قوله: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ يشمل الأمرين ولَّا يشمل المستقبل فقط؟ يشمل الأمرين؛ لأن كل ما حدث ولو في أزمان بعيدة جدًّا فالله عالم به، وكل ما سيحدث فالله عالم به، فالغيب المطلَق للواقع وغيره، والمنتظَر هذا من خصائص علم الله، والغيب المقيَّد بالواقع هذا أيش؟ ليس من خصائص علم الله، بل هو حاصل لكل مَن شاهده. قوله: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾ يقول: (يغيب، ﴿عَنْهُ﴾ يعني: عن الله عز وجل، ﴿مِثْقَالُ﴾: وزن، ﴿ذَرَّةٍ﴾: أصغر نملة، ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ ٣]). هذا قوله: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْه﴾ إلى آخره، صفة من الصفات السلبية، و﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ من الصفات الثبوتية. والصفات الثبوتية كما تَقَرَّر كلها صفات كمال، والصفات السلبية تأكيد لصفات الكمال؛ لأنها تتضمن صفة الكمال المنفي عنها هذا العيب، انتبه! الصفات السلبية يعني: النفي تأكيدٌ للكمال؛ لأنها تتضمن ثبوت الصفات الكمالية الخالية من هذه الصفة التي تعتبر صفة نقص، ولهذا ما مِن نفي في صفات الله إلا وهو متضمِّن لإثبات ضده، بل لإثبات كمال ضده. فمثلًا إذا قلنا: لا يعزُب عن علم الله شيء، فذلك لكمال علمه، إذا قلنا: إنه عز وجل خلق السماوات في ستة أيام ولم يَمَسَّه لغوب، فذلك لكمال قدرته، وعلى هذا فَقِسْ. فكل صفات النفي المضافة إلى الله عز وجل يُرَاد بها إثبات كمال الضد، كأنه وصف الله بالكمال الخالي عن هذا النقص. وقوله: ﴿مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ يقول المؤلف: أنها صغار النمل (أصغر نملة)، أفادنا المؤلف أن من النمل ما هو صغير وما هو كبير، ونحن في عُرْفِنا على خلاف ذلك، عندنا أن النملة نوع معين من الذَّرّ، ولَّا لا؟ عندنا الذرة الصغار، وعندنا شيء يسمونه نملة، النمل معروف هذا اللي أكبر من الذَّرّ شوي ودون القعر، القعر ما أدري أنتم تسمونه بهذا الاسم ولَّا لا؟ تسمونه بهذا الاسم؟ * طالب: ما أعرفه. * الشيخ: إي ما تعرفه؟ يمكن تقرصك في يوم من الأيام تعرفه إن شاء الله. هي يقولون: إن هذا القعر هذه من أَعْنَد ما يكون، يُضْرَب بها المثل في العناد؛ لأنك تزحزح عنك ولكنها ترجع، ثم إذا مسك ثوبك ولَّا جلدك ما يمكن تنفك، تنقطع ولا تنفصل، سبحان الله! من عنادها إذا أمسكت بالثوب، يعني عضدته بقرنيها ولَّا الجلد ما تتزحزح أبدًا، تجيء تزيلها تنقطع. وفيه أيضًا يسمونه عندنا القِعْس، لكن هذه أنواع لجنس في الواقع، كلها تسمى نملًا، كلها نمل وكلها ذَرّ، ولهذا نَهْي الرسول ﷺ عن قَتْل النمل يشمل هذا كله. قوله: (﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ ٣] وهو اللوح المحفوظ)، هل في هذا علم؟ ﴿وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾، نقول: فيه إثبات العلم؛ لأنه لا كتابة إلا بعد العلم، كتابة المجهول لا تتصور، فيكون فيه فائدة زائدة على إثبات العلم، وهو أن معلوم الله عز وجل مكتوب في اللوح المحفوظ، وسيأتي إن شاء الله بقية الكلام على هذا (...). * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما يدل على هذا. * الطالب: (...). * الشيخ: قد يَعْرُج الشيء ولا يصل إلى السماوات ولا يدخل فيها، فروح الكافر -مثلًا- تُغْلَق عنها أبواب السماء ما تدخل، وهي تعرج. * طالب: (...). * الشيخ: الواقع اللي حادث مثلًا. * الطالب: لو قال قائل: الجنة وما فيها شيء واقع، هذا ما يختص، يعني: ما يختص بعلم الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: لا أبدًا، نحن نعلم الجنة من وجه، ونجهلها من وجه آخر. * الطالب: نجهل كيفية (...) نعرف أنها (...). * الشيخ: نعم، نعرف الأسماء من هذه دون المسميات. * الطالب: هذا أيضًا من علم (...). * الشيخ: إي، ما فيه شك، هذا علم واقع، نعرف أن هناك جنة الآن، وفيه نار، وفيها ما ذُكِرَ من النعيم أو من العذاب. * الطالب: لكن نجهل كيفيتها وكيف.. * الشيخ: صحيح؛ لأن ما باشرناها، عندنا الآن لو يعلمك إنسان بخبر واقع في بلادك -مثلًا- بل في بيتك الآن اللي أنت فيه تعرف المعنى لكن ما تعرف الحقيقة كما هي إلا إذا شاهدتها. * * * * طالب: بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. الثالث: بيان ما يلزم على نفيهم من لوازم باطلة فإن فساد اللازم يدل على فساد الملزوم. الرابع: أن النصوص الواردة في الصفات لا تحتمل التأويل، ولئن احتمله بعضها فليس فيه ما يمنع إرادة الظاهر، فتعيَّن المصير إليه. الخامس: أن دعوى هذه (...). * الشيخ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ﴾، أين مقول القول في قول (...). فيه أيضًا قبل أَخْذ الفوائد أَمَرَ الله نبيه ﷺ أن يقسم هنا بأن الساعة تأتيهم، هل لها نظير في القرآن؟ * طالب: نعم، ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ﴾ [يونس ٥٣]. * الشيخ: لا، الإقسام على هذا المعنى نفسه. * طالب: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾. * الشيخ: ﴿ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن ٧]، فيه موضع ثالث أيضًا أمر الله نبيه بالقسم به. * طالب: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة ١]. * الشيخ: لا، أمر الله نبيه أن يقسم. * طالب: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس ٥٣]. * الشيخ: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: إنكار الكافرين للبعث؛ لقولهم: ﴿لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ﴾. * ومن فوائدها: أن إنكار البعث كفر؛ لقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فإن قلت: ما وجه الدلالة؟ فالجواب: أن وجه الدلالة أنه لو لأن هذا الوصف تأثيرًا لما قاله الله تعالى بهذا الوصف، لقال: وقالوا لا تأتينا الساعة، فلما قال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، عُلِمَ أن هذا القول لا يصدر إلا عمَن؟ عن كافر، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: تعظيم شأن القيامة؛ لأمر الله نبيَّه محمدًا ﷺ أن يُقْسِم على أنها ستقع، ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: كمال رحمة الله عز وجل بعباده، حيث أخبرهم بالبعث وأكَّده بالمؤكِّدات اللفظية والمعنوية والحسية أيضًا؛ لأن الإيمان بالبعث هو الذي يحمل الإنسان على القيام بطاعة الله؛ إذ لو لم يكن هناك بعث ما عمل الإنسان للآخرة أبدًا. فنقول: إن هذا دليل على رحمة الله سبحانه وتعالى بالعباد؛ أن يؤكِّد لهم البعث الذي يكون فيه الجزاء على العمل من أجل أن يعملوا لهذا اليوم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الساعة موكولة إلى علم الله؛ لقوله: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ﴾، فهي خبر من أخبار الله سبحانه وتعالى الغيبية التي لا يطلع عليها إلا الله. والآيات في هذا المعنى والأحاديث أيضًا كثيرة، فمن ادَّعَى علم الساعة فهو كافر؛ لأنه مُكَذِّب للقرآن والسنة وإجماع المسلمين. * ومن فوائد الآية الكريمة: شمول علم الله لكل شيء؛ لقوله: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ﴾. * ومنها: إثبات السماوات، وأنها عدة، يؤخَذ ذلك منين؟ (...). نعم من قوله: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ وجمعها، ففيه إثبات السماوات وأنها عدة. الأرض هل هي كالسماوات؟ الجواب: نعم، كما تدل عليه نصوص أخرى غير هذه الآية. * ومن فوائدها: أن هناك شيئًا أصغر من الذرة؛ لقوله: ﴿وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ﴾ وهو الواقع، فإن في مخلوقات الله عز وجل ما لا تكاد تراه بعينك، ما لا تراه إلا بالمجهر، ومع ذلك إذا رأيت هذا الشيء -سبحان الله العظيم!- في مجهر يُكَبِّر يخلي الشيء مليون مرة، كبّره مليون مرة، إذا رأيت هذا الشيء اللي ما تراه بعينك تجد له جميع مصالحك أيدي وأرجل وأعين، كل شيء، حتى الزغب اللي على ظهره لوقايته تجده موجودًا، وهذا دليل على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى، وأنه لطيف خبير سبحانه. * وفيها أيضًا -من فوائد الآية الكريمة-: إثبات اللوح المحفوظ؛ لقوله: ﴿كِتَابٍ﴾. * ومن فوائدها: أن هذا اللوح كُتِبَ فيه مقادير كل شيء الصغير والكبير؛ لقوله: ﴿وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. * ومنه -من فوائده أيضًا-: أن هذا الكتاب مُبِين، أي: مُفَصِّل لكل شيء، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام ٣٨]، ففي هذا اللوح المحفوظ كل ما يكون إلى يوم القيامة كما جاءت بذلك السنة موضحة هذا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إباحة القَسَم، بل وجوبه إذا دعت الحاجة إليه، من أين يؤخذ؟ من أَمْر الله نبيه أن يُقْسِم أيش؟ على قيام الساعة: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾. ولهذا نجد بعض الأئمة رحمهم الله إذا ذَكَرُوا حكم مسألة من المسائل أحيانًا يُقْسِمُون عليها، وهذا يوجد في كلام الإمام أحمد، وربما في كلام غيره لكن لم نطلع عليه، فإنه أحيانًا يُسْأَل: هل تقول بكذا وكذا؟ فيقول: إي والله، فيُقْسِم على الشيء تثبيتًا له وتأييدًا، وإيحاءً بطمأنينته إليه بالنسبة للمخاطب. وعلى هذا فيجوز للمفتي أن يحلف على الحكم إذا دعت الحاجة إلى ذلك، بل قد يكون ذلك واجبًا حسب ما تقتضيه الحال. قوله: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ هل يستفاد من هذه الآية الكريمة أن الخطاب الخاص بالرسول ﷺ يشمله والأمة؟ ليس فيها دلالة ظاهرة على هذا، ولكنه سبق لنا أن الخطاب الموجَّه إلى الرسول ﷺ ينقسم إلى؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، إلى ثلاثة أقسام؛ قسم فيه الدلالة الصريحة على أن المراد به الأمة، يعني مع الرسول ﷺ. والقسم الثاني: الدلالة الصريحة على أنه خاص بالرسول ﷺ. والقسم الثالث: ما ليس فيه دلالة ولا قرينة، فهذا مختلَف فيه عند أهل العلم؛ هل هذا الخطاب الموجَّه للرسول عليه الصلاة والسلام يشمل الأمة بمقتضى الصيغة، أم يشمل الأمة بمقتضى الأسوة؟ مثال الذي فيه الدلالة على أنه خاص بالرسول عليه الصلاة والسلام، مثل: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح ١، ٢]، فهذا بلا شك خاصّ بالرسول عليه الصلاة والسلام. ومثال ما قام الدليل على العموم: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق ١]، ففي قوله: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ دلالة واضحة على أن الخطاب للرسول ﷺ مرادًا به الأمة أيضًا، وما عَدَا ذلك فهو كثير. فهل يشمل الأمة الحكم بمقتضى الخطاب أو بمقتضى الأسوة؟ فمنهم مَن يقول: إنه يشمل الأمة بمقتضى الخطاب، لكنه وُجِّه للرسول عليه الصلاة والسلام لأنه إمامهم، وأن نظير ذلك أن تقول لقائد الجيش: اذهب إلى الجبهة الفلانية، فالمراد: اذهب ومَن معك، مَن يتبعك مِن الجنود. ومنهم مَن يقول: إنه خاصّ بالرسول عليه الصلاة والسلام لا يشمل الأمة، لكن الأمة مأمورة بالتأسي به؛ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب ٢١]. والخلاف في هذا قريب من اللفظ؛ للاتفاق على أن هذا الحكم يشمل الأمة. إذن لو سمعنا شخصًا ينكر الساعة لنا أن نحلف، أو هل نحن مأمورون أن نحلف على ثبوتها؟ نعم، مأمورون بأن نحلف على ثبوتها. * ومن فوائد الآية الكريمة: تأكيد الحكم على حسب ما تقتضيه الحال، أو بعبارة أصح: تأكيد الخبر على حسب ما تقتضيه الحال، وقد ذكر البلاغيون أن الخبر ينقسم إلا ثلاثة أقسام: إما أن يُلْقَى إلى خالي الذِّهْن، أو إلى المتردِّد، أو إلى الْمُنْكِر؛ فإن أُلْقِي إلى خالي الذهن فإنه لا حاجة إلى تأكيده، ولا يمكن أن يؤكَّد حسب قواعد البلاغة إلا لنكتة، وإن ألقي إلى متردد حَسُن توكيده؛ ليزول عنه هذا التردد والشك، وإن أُلْقِي إلى مُنْكِر وجب توكيده. فالأول: ابتدائي، والثاني: طلبي، والثالث: إنكاري، مَرَّ علينا هذا في البلاغة. هذه المسألة تأكيد هذا الخبر: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ من أي الأقسام الثلاثة؛ الإنكاري، أو الطلبي، أو الابتدائي؟ الإنكاري؛ لأنه يخاطَب به قومٌ مُنْكِرُون، فكان تأكيده واجبًا. ذكرنا أثناء الشرح إيرادًا، وهو أنه إذا كان هؤلاء مُنْكِرين فلا فائدة من القَسَم لهم؛ لأن الْمُنْكِر للخبر سواء أقسمت أم لم تقسم ما هو مصدقك، وأجبنا عن ذلك. * طالب: بحوابين، قلنا: الأول: أنه أسلوب من أساليب العرب إذا أُنْكِر عليهم يُقْسِمون، يعني يُبَيِّن صدق اعتقاد هذا الشخص أنه مستيقِن المنقول عن الشيخ، فهو يُقْسِم. * الشيخ: كما استيقن مِن وجود المحلوف به. * طالب: قوله في الشرح: (حَسَن في الجنة). * الشيخ: إي نعم، ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [سبأ ٤] هنشرح الحين دي؟ ما شرحناها. * طالب: شيخ، الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة ٢٢٤]. * الشيخ: نعم، ﴿لا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ كَمِّل الآية. * الطالب: ﴿أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. * الشيخ: أصحّ ما قيل فيها: إن المعنى لا تجعلوا اليمين مانعًا لكم مِن فِعْل البِرّ والتقوى والإصلاح بين الناس، لا تجعلوه عرضة في كذا وكذا، هذا أصح ما قيل فيها.

سبأ 34:4

فيها أيضًا: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [سبأ ٤]، محل هذه الآية مما قبلها في المعنى، أو اللام في قوله: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ متعلِّقة بماذا؟ مَن؟ إحنا ما فَسَّرْنَاها؟ * طلبة: لا، اللي قبل يا شيخ، (بَيِّن هُوَ اللَّوْح الْمَحْفُوظ). * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ قال: (﴿لِيَجْزِيَ﴾ فيها)، (فيها) الضمير يعود على الساعة. ﴿لِيَجْزِيَ﴾ اللام هنا للتعليل، وقد علمنا من قواعد اللغة العربية أن حروف الجر لا بد لها من متعلَّق، فأين متعلَّق اللام، متعلَّق هذه اللام قوله: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾، أي: لتأتينكم ليجزي الذين، فهذه اللام للتعليل، وهي متعلقة بقوله: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾. و﴿يَجْزِيَ﴾ بمعنى: يكافئ، أو يثيب، والفاعل هو الله سبحانه وتعالى. وقوله: (فيها) أشار المؤلف بقوله: (فيها) إلى أن الجارّ والمجرور متعلِّق بـ(تأتِينكم)؛ لأن الضمير في قوله: (فيها) يعود على الساعة، (﴿لِيَجْزِيَ﴾ فيها). ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: آمنوا بالقلب، وعملوا الصالحات بالجوارح، والإيمان إذا أُطْلِق شمل الأعمال الظاهرة؛ أعمال الجوارح، وكذلك العمل إذا أُطْلِق يشمل الإيمان بالقلب؛ لأن الإيمان بالقلب من أعمال القلوب فإذا قُرِنَا جميعًا صار الإيمان في القلب، والعمل في الجوارح، الإيمان سر، والعمل علانية. وقوله: ﴿آمَنُوا﴾، الإيمان في اللغة: التصديق، وفي الشرع: التصديق المستلزِم للقبول والإذعان، ليس مجرد تصديق، بل هو التصديق المستلزِم للقبول والإذعان، القبول في الأخبار، والإذعان في الطلب، فيقبل -مثلًا- ما أخبر الله به ورسوله، ويقبل كَوْن هذا الحكم فرضًا، وكونه تطوعًا، وما أشبه ذلك، ويُذْعِن لذلك، بمعنى أنه يتعبَّد لله بمقتضى ما آمن به، وبمقتضى ما شَرَعَه الله سبحانه وتعالى. وفي قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ يعني: عملوا الأعمال الصالحات، فتكون ﴿الصَّالِحَاتِ﴾ وصفًا لموصوف محذوف. وحَذْف المنعوت جائز إذا قامت القرينة عليه، قال ابن مالك: وَمَا مِنَ الْمَنْعُوتِ وَالنَّعْتِ عُقِلْ ∗∗∗ يَجُوزُ حَذْفُهُ وَفِي النَّعْتِ يَقِلْ ومِن حذف المنعوت قوله تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ ١١] أي: دروعًا سابغات. فعلى هذا تكون ﴿الصَّالِحَاتِ﴾ صفة لموصوف محذوف، أي: الأعمال الصالحات، وما هي الأعمال الصالحات؟ العمل الصالح هو الذي جمع بين أمرين: الإخلاص لله سبحانه وتعالى، والمتابعة للرسول ﷺ، فإن فُقِدَ الأول لم يكن صالحًا، وكان مردودًا على العامل، وإن فُقِدَ الثاني لم يكن صالحًا، وكان مردودًا على العامل أيضًا. الدليل: في الأول قال الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]. وفي الثاني قال النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»، أو «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨)، من حديث عائشة.]]، فلا يمكن أن يكون العمل صالحًا إلا بهذين الشرطين: الإخلاص، والمتابعة للرسول ﷺ. لو أن رجلًا أحدث بِدْعًا من البدع يتدين بها لله سبحانه وتعالى، ويجد من قلبه الاطمئنان إليها والخشوع والبكاء، لكنها مُحْدَثَة في دين الله، هل تكون عملًا صالحًا؟ ما تكون، حتى وإن زُيِّنَ للإنسان هذا العمل واطمأن إليه فإنه ليس من العمل الصالح، فلا يكون مقبولًا ولا نافعًا، بل يأْثَم به الإنسان؛ لأنه مِن التقرُّب إلى الله تعالى بما يكرهه، والتقرب إلى الله تعالى بما يكرهه نوع من الاستهزاء بالله عز وجل. أرأيت لو أنك أتيت لشخص، ملك من الملوك، وأهديت إليه قارورة فيها ما تريد أن تذهب به إلى التحليل، هل تكون مُكْرِمًا له ولَّا لا؟ أجيبوا. * طلبة: لا. * الشيخ: لا؛ لأن هذا هو يكره هذا الشيء، كيف تقول: أهدي إليه طِيبًا، جَرَّة طِيب، لا بأس أما تهدي إليه هذا الشيء وتقول: أتقرب إليه بذلك، فهذا ضد ما تريد، وهو نوع من الاستهزاء بهذا الْمُكْرَم أو الْمُعَظَّم. إذن الصالحات ما هي؟ الأعمال الصالحات التي جمعت بين شرطين: الإخلاص لله سبحانه وتعالى، والمتابعة للرسول ﷺ. يوجَد بعض الأعمال مما يُكْرَه في الشرع، لكن الإنسان يطمئن إليه ويرتاح له، فنقول: لا تغترّ بهذا الراحة وهذه الطمأنينة؛ فإن ذلك من تزيين أيش؟ من تزيين الشيطان، عُبَّاد الأصنام الذين جعلوها شفعاء لهم عند الله يرتاحون لهذا، ويرون أنها واسطة بينهم وبين الله سبحانه وتعالى، ومع ذلك فهي من الشرك. مثال هذا: يوجد بعض الناس يغمض عينيه في الصلاة، ويقول: إن ذلك أدعى للخشوع، فهذا مِن تزيين الشيطان؛ لأن تغميض العين في الصلاة لغير سبب مكروه، وخلاف هَدْي النبي عليه الصلاة والسلام، النبي عليه الصلاة والسلام كان لا يغمض عينيه، ولكنه إما أن ينظر إلى موضع سجوده أو إلى تلقاء وجهه، أما أنه يغمض عينيه فهذا خلاف السنة، ولهذا كرهه الفقهاء رحمهم الله، نعم لو كان هناك سبب للتغميض، كما لو كان أمامك شيء يجهر عينيك، أو نقوش تشغلك، فهنا التغميض لسبب لا للتقرب به إلى الله، ولكن لدفع ما يشوش عليك ويُخِلّ .. قوله: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ [سبأ ٣] (...). ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ [سبأ ٤]، قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ هذه الجملة استئنافية لبيان جزائهم؛ لأن قوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ مُبْهَم، فبيَّن هذا الجزاء بقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾. والإشارة في قوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ تعود إلى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، وهي مبتدأ، و﴿لَهُمْ﴾ خبر مقدَّم، و﴿مَغْفِرَةٌ﴾ مبتدأ مؤخَّر، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ معطوفٌ عليه، والجملةُ الثانيةُ من المبتدأِ والخبرِ خبرُ المبتدأ الأول. فعندنا الآن مبتدآن ﴿أُولَئِكَ﴾ و﴿مَغْفِرَةٌ﴾ كذا؟ ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ، و﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور خبرٌ مقدَّمٌ لأيش؟ لـ﴿مَغْفِرَةٌ﴾، و﴿مَغْفِرَةٌ﴾ مبتدأ مؤخَّر، و﴿رِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ معطوف عليها، والجملةُ من المبتدأ الثاني وخبره في محلِّ رفع خبر المبتدأ الأول. مفهوم هذا عندكم؟ أين الرابط؟ الرابط الضمير في ﴿لَهُمْ﴾؛ لأنه يعود على المشار إليه. قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ أشار إليهم بإشارة البعيد تنبيهًا على عُلُوِّ مرتبتهم؛ لأن هذا الصنف من الناس هو أعلى طبقات الناس؛ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. وقوله: ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ بها زوال المكروه، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ به حصول المطلوب، فلهم مغفرةٌ لذنوبهم وخطاياهم، فيغفر الله لهم الخطايا والذُّنوب بأن يتجاوز عنهم ويسترها عليهم؛ لأن المغفرة هي سَتْر الذنبِ والتجاوزُ عنه؛ إذْ إنَّ اشتقاقها من الْمِغْفَر؛ وهو الذي يُلْبَس على الرأس عند الحرب، وفيه فائدتان: سَتْر الرأس، ووِقايتُه من السهام. فالمغفرة إذَنْ فيها سَتْر الذُّنوب، والتجاوزُ عنها وعدمُ العقوبة عليها. ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ الرزق بمعنى العطاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء ٨] أي: أعطوهم. والكريم بمعنى الحسَن في كيفيَّته وفي كمِّيته، وقد أشار الله تعالى إلى أن حُسْن هذا الرزق لا تَبْلغه العقولُ في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]، فثوابُ هؤلاء المؤمنين اللي عملوا الصالحات ثوابُهم أنْ تُغْفَر سيِّئاتُهم وأنْ يُجازَوْا على عملهم الصالح بالرزق الكريم. قلت: ﴿كَرِيمٌ﴾ أنَّه حَسَنٌ في أيش؟ كمِّيته وكيفيَّته؛ فكمِّيته لا تُحصَى، ولا يفنى ولا يَبِيد، وكيفيَّته أيضًا لا يُدركها العقل أو القلب؛ ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ثم قال عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ إلى آخِره [سبأ: ٥] تكلَّمنا سابقًا وقُلنا: إن القرآن مثانٍ كما وَصَفَه الله به؛ فقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر ٢٣]، و﴿مَثَانِيَ﴾ هذه غير المثاني في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر ٨٧]؛ لأن المراد بـ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ المراد بها الفاتحة كما ثَبَتَ ذلك عن النبي ﷺ، فالمثاني معناه -﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ - أنَّه تُثَنَّى فيه المعاني، فغالبًا إذا ذُكِر جزاءُ المتقين ذُكِر جزاءُ الكافرين، إذا ذُكِر وصْفُ الجنة ذُكِر وصْف النار، إذا ذُكِرت الأوصاف المحبوبة إلى الله ذُكِرت الأوصاف المكروهة إليه، لماذا؟ لأنه لو ذُكِر المطلوب فقط من أوصافٍ أو جزاءٍ أَخَذَ الإنسانَ الرجاءُ حتى أَمِنَ مَكْرَ الله، وإنْ ذُكِر المكروهُ من ذلك أَخَذَه القنوطُ واليأسُ، فكان الله عز وجل يذكر هذا ثم يذكر إلى جانبه الشيءَ الآخَرَ حتى يكون الإنسانُ سائرًا إلى ربِّه بين أيش؟ بين الخوف والرجاء؛ لأن هذا هو الاعتدالُ أنْ تكون خائفًا راجيًا في سَيْرك إلى ربِّك؛ لأنك إن غَلَّبْتَ الرجاءَ كنْتَ من الآمِنين مكْرَ الله؛ لأن من غَلَّبَ الرجاءَ صار يعمل الذَّنْب ويقول: أرجو أنَّ الله يغفر لي، ويتهاون بالواجب ويقول: أرجو الله يَغْفر لي، ومَنْ غَلَّبَ الخوفَ دَخَلَ في القنوط من رحمة الله. وذَكَرْنا أن بعضَ العلماء خالف في هذا وقال: إنه ينبغي لك عند فِعْل الطاعة أن تُغَلِّبَ الرجاءَ؛ لأنك قُمْتَ بما أُمِرْتَ فارْجُ اللَّهَ سبحانه وتعالى ثوابَه؛ لأن هذا من باب إحسانِ الظنِّ بالله، وإذا كُنتَ في مقام المعصية فغَلِّبْ جانبَ الخوف لِتَرْدَعَ نفسَك عمَّا تُريد أن تفعله من المعصية. وأنَّ بعضَ العلماء ذهبَ مذهبًا آخَر وقال: في حال المرضِ تُقَدِّم جانبَ الرجاء؛ لأنك الآن في مقام الضَّعف فتُغَلِّب جانبَ الرجاء وإحسان الظنِّ بالله عز وجل، فلا تموتَنَّ إلا وأنتَ تُحْسِن الظنَّ بربِّك سبحانه وتعالى، وإذا كنتَ في حال الصِّحَّة فغَلِّبْ جانبَ الخوف. والإمام أحمد -رحمه الله- قال: ينبغي أن يكون خوفُه ورجاؤه واحدًا، فأيُّهما غَلَبَ هلك صاحبُه. والإنسان طبيبُ نفسِه في الواقع؛ لا شكَّ أنك إنْ رأيتَ نفسَك تميل إلى الباطل فإنَّه يجب عليك أن تُخَوِّفها بالله عز وجل، لا تُرَجِّها؛ لأنك إن رجَّيْتَها في هذه الحال ماذا تصنع؟ تُقْدِم على المعاصي، إي نعم. يقول: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾. ﴿سَعَوْا فِي آيَاتِنَا﴾ قال المؤلف: (في إبْطالِ ﴿آيَاتِنَا﴾ القرآن). فجَعَلَ في الآية محذوفًا تقديره: في إبطالها. ومعنى ﴿سَعَوْا﴾ أي: مَشَوْا بشِدَّة، هذا في الأصل، ومنه السَّعي؛ أي: الرَّكْض، فالمراد أنَّ هؤلاء يُسابِقون ويتسارعون إلى إبطال آيات الله سبحانه وتعالى، إبطالها بالنسبة لهم لا يقومون بها، وإبطالها بالنسبة لغيرهم يَصُدُّون الناسَ عن دين الله؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الحج ٢٥]، فهؤلاء سَعَوْا غايةَ السَّعْي في آيات الله عز وجل لإبطالها وإخفاقها. وقوله: ﴿سَعَوْا فِي آيَاتِنَا﴾ لم يبيِّن بماذا سَعَوْا؛ لأنَّ هؤلاء يَسْعَون في إبطال آيات الله أحيانًا بالصِّراع المسلَّح؛ يعني يهاجِمون الديار ويُقاتلونهم حتى يردُّوهم عن دينهم، وأحيانًا بالسلاح الفكري؛ فيبثُّون فيهم الشُّبُهات في دينهم، في نبيِّهم، في ربِّهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، وأحيانًا يَسْعَون في ذلك بالشهوات فيبثُّون في الناس حُبًّا اللهو والشهوة، ومِنْ هذا ما تبثُّه وسائلُ الإعلامِ الخبيثةُ في الدُّول الكافرة ومَن تشبَّهتْ بها، فتجدهم يَدْعون إلى أسافلِ الأخلاق، يَدْعون بالقلم وبالصورة؛ فيُصَوِّرون النساءَ الفاتناتِ وعلى صِفَةٍ مُزْرية والعياذ بالله، ويكتبون أيضًا بالدعوة إلى ذلك، هذا الأمر هل تظنُّون أنه يَمَسُّ العقيدةَ أو للبدن فقط؟ * طلبة: (...). * الشيخ: يمسُّ العقيدةَ في الواقع؛ لأن الإنسان إذا أصبح بهيميًّا ليس له إلا إشباعُ بَطْنه وإشباعُ غريزته فإنَّه يبقى لا صِلَة له بالله عز وجل ولا يكون له صِلَةٌ، أهمُّ شيءٍ عنده هذا الذي انغمسَ فيه من الشهوات واللَّهوات، فتجده يُعرِض عن دين الله ولا يهتمُّ به، ولذلك من أَضَرِّ ما يكون على البلاد الإسلامية بعد بثِّ السموم الفكريَّة بثُّ السموم الشهوانيَّة؛ لأن الشهوانية هذه يميل إليها الإنسانُ بفِطْرته التي تُمْليها عليه نفسُه الأمَّارةُ بالسوء فيَدْخُل فيها مُكْرَهًا، فإذا انغمسَ -نسأل الله العافية- فيها فإنَّه يَقِلُّ أن يَنْتَشِل نفسَه منها. فالمهمُّ أنَّ الذين كفروا يَسْعَون سعيًا حثيثًا في إبطال آياتِ الله أن تُنْشَر، أو أن يُعْمَل بها، أو أنْ يَتَّجِهَ الناسُ إليها بكُلِّ ما يستطيعون مِن قوَّةٍ؛ إمَّا بالصراع المسلَّح، وإمَّا ببَثِّ الأفكار المشكِّكة المشبِّهة، وإمَّا ببَثِّ أيش؟ الشهوات حتى يُعرِض الناسُ عن دينهم. وقوله: ﴿آيَاتِنَا﴾ قال: (القرآن). الصواب أن ﴿آيَاتِنَا﴾ هُنا أعمُّ من القرآن؛ لأن الساعين في آيات الله ليسُوا من هذه الأُمَّة فقط، حتى في الأُمَم السابقة فإنَّ فيهم مَن يسعى في آيات الله، ألَيْسَ كذلك؟! مثلًا فِرْعون يهدد قومَه يقول: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص ٣٨]، ويحثُّهم على أن يكفروا بموسى عليه الصلاة والسلام، وغير ذلك أيضًا من الأُمَم الآخَرين، كلُّهم يَسْعَون في آياتِ الله؛ أي: في إبطالها وصَدِّ الناسِ عنها. وعلى هذا فنقول: إنَّ المراد بآيات الله هُنا أعمُّ من القرآن، يشمل الساعي في أيِّ آيةٍ من آيات الله. وقوله: (﴿مُعَجِّزِينَ﴾ [[قرأها الشيخ ﴿مُعْجِزِينَ﴾ من الإعجاز، والصواب من (التعجيز) كما أثبتنا.]] وفي قراءةٍ هُنا وفيما يأتي ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ أي: مُقَدِّرين عَجْزَنا، أو مُسابِقِينَ لَنَا فيفوتُونا لظنِّهم أن لا بَعْثَ ولا عقابَ). نعم، فيها قراءتان سبعيَّتان أو إحداهما شاذَّة؟ * طلبة: سبعيَّتان. * الشيخ: سبعيَّتان، كذا؟ لأنَّ من اصطلاح المؤلف رحمه الله أنَّه إذا قال: (وفي قراءة) فهي سبعيَّة، أمَّا إذا قال: (وقُرِئَ) فهي شاذَّة، هذا اصطلاحٌ خاصٌّ للمؤلِّف؛ إذا وجدتَ في الكتاب -هذا التفسير- (وفي قراءة) فأعلمْ أنها قراءةٌ سبعيَّة، وإذا وجدتَ (وقُرِئَ) فهي قراءة شاذَّة، والفرق بينهما أن القراءة السبعيَّة يجوز أن يَقْرأ بها الإنسانُ في صلاته ويتعبَّد لله سبحانه وتعالى بها، وأمَّا الشاذَّة فهي على اسمها شاذَّةٌ، لكن هلْ يُحتَجُّ بها في الأحكام أو لا يُحتَجُّ؟ فيه خلافٌ بين العلماء. إذَنْ فيها قراءتان: ﴿مُعَجِّزِينَ﴾ أو ﴿مُعَاجِزِينَ﴾. المعجِّز معناه الذي يُريد أن يُعَجِّز غيره بدون أن يكون من الغير مقابلةٌ له، هذا المعجِّز، فيكون الإعجاز من طرفٍ واحدٍ؛ أي إنهم يريدون بهذا أن يعجِّزوا الله عز وجل في عدم مؤاخذتهم وعقابهم لأنهم آمنون من مَكْر الله سبحانه وتعالى. ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ تكون من طرفين كلُّ واحدٍ منهما يُريد إعجاز الآخَر، فكأنَّهم لطُغيانهم وعُدوانهم جعلوا أنفسَهم في مقام الصِّراع مع الله عز وجل، وإنْ كان الله عز وجل يريد أن يُعجزهم فهم أيضًا يريدون أن يُعجزوا الله سبحانه وتعالى. وقد سبق أن القراءتين قد تدلُّ كلُّ واحدةٍ منهما على معنًى يُكمل القراءة الأخرى، فأيُّهما أبلغ: المعجِّز أو المعاجِز؟ * طلبة: المعاجِز. * الشيخ: المعاجِز أبلغُ في الطغيان؛ لأنه أراد أنْ يجعل نفسَه حربًا لله سبحانه وتعالى مقابِلًا له. ما جزاؤهم؟ قال: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾. قال: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ﴾، الجملةُ هذه نقول في إعرابها كما قُلنا في قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾، فهي مبتدأٌ وخبرُه الجملةُ بعده. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ العذاب بمعنى العقاب، والرِّجز يقول المؤلف: (سيِّئ العَذَاب)، الرِّجْز هو السيِّئ من كلِّ شيءٍ، فإذا قيل: ﴿عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ﴾ فمعناه سيِّئُ العذاب، فعذابُهُم هذا -والعياذُ بالله- سيِّئُ العذاب، بلْ إنَّه أسوأُ العذاب؛ فإنَّ أعظم عذابٍ يُعذَّب به البَشَر هو عذابُ النار، نسأل الله العافية، فهو أسوأُ العذاب. وقوله: ﴿أَلِيمٌ﴾ أي: (مؤلِم، بالجرِّ والرفْع) يعني: قراءتان (صِفَةٌ لـ﴿رِجْزٍ﴾ أو ﴿عَذَابٌ﴾ ). يعني كلمة ﴿أَلِيمٌ﴾ فيها قراءتان: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ أو ﴿عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٍ﴾ ؛ أمَّا كون ﴿أَلِيمٌ﴾ صفة لـ﴿عَذَابٌ﴾ فهي كثيرة في القرآن؛ ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة ١٠] كثيرًا ما يَصِف اللَّهُ العذابَ بالألم، وأمَّا ﴿رِجْزٍ﴾ فإنها كانت صفةً لها لأنها أقربُ من ﴿عَذَابٌ﴾. وعليه فإذا قلتَ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ قلنا: إنها صفةٌ لـ﴿عَذَابٌ﴾، وإذا قلتَ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٍ﴾ قلنا: إنها صفةٌ لـ﴿رِجْزٍ﴾، ويجوز أن تقرأ بهذا وبهذا بلْ يُستحبُّ لك أن تقرأ بالقراءتين جميعًا، وبالثلاث إذا كان فيها ثلاث قراءات؛ لأن اختلاف القراءات كاختلاف الصفات في العبادات، وقد مرَّ علينا أن الأفضل فيما جاء من العبادات على صفات متعدِّدة، الأفضل أن تعمل بهذا مرَّةً وبهذا مرَّةً حتى تحصل على السُّنَنِ كلِّها، وهكذا القراءات، ولكن إيَّاك أنْ تقرأ وأنت شاكٌّ في القراءة؛ لأنه لا يجوز أن نقرأ إلا ونحن متيقِّنون بأن هذه قراءة صحيحة. ثم قال عز وجل: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ ٦] ﴿يَرَى﴾ بمعنى يعلم؛ لأن الرؤية تكون بمعنى الرؤية بالعين، وتكون الرؤية بالقلب، والرؤيةُ بالقلب هي العلم. و(رأى) بمعنى عَلِمَ تأتي في القرآن كثيرًا؛ مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج ٦، ٧] ﴿نَرَاهُ﴾ بمعنى نعلمه؛ لأنه ليس المعنى: نراه بأعيُننا، لأنه لم يَقَع، وليس المعنى: نظنُّ، لأنَّ الله مُنَزَّهٌ عن الظنِّ، وعلى هذا فيكون ﴿نَرَاهُ﴾ بمعنى نعلمه. هنا ﴿يَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أي: يعلم، لكنه إذا جاءتْ (يرى) بمعنى يعلم دلَّتْ على أن العِلم في أعلى مقامات العِلم وأنَّه صار كالمشاهَد بالعين يُرَى رؤيةً بالغةً كالذي يشاهَد. وقوله: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أي: أُعْطُوه، وهل المراد بهم أهل الكتاب أو هو عام؟ يقول المؤلف: (﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ مُؤمِنو أهلِ الكتاب كعبد الله بن سَلَامٍ وأصحابه). والصواب أنها أعمُّ من ذلك، وأن المراد بـ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ كلُّ مَن أعطاهم الله تعالى العلم، فيشمل أهلَ الكتاب من اليهود والنصارى، النجاشي -رحمه الله- من النصارى ورأى أنَّ الذي أُنْزِل إلى النبي ﷺ حقٌّ، وعبد الله بن سَلَام من أحبار اليهود رأي أنَّ الذي أُنْزِل على النبي ﷺ هو الحق، وكذلك أيضًا مَن آتاه اللَّهُ عِلْمًا من هذه الأُمَّة فإنه يرى أنَّ الذي أُنْزِل إلى النبي ﷺ هو الحق، بخلاف مَن كان جاهلًا فإن إيمانَه إيمانُ تقليدٍ، وهو وإن كان مُجْزِئًا عنه لكنه ليس كإيمانِ الذي آتاه اللَّهُ العلمَ. ويدلُّ على أن المراد بـ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ ما هو أعمُّ قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران ١٨]، الذين أُوتوا العلمَ هم الذين يَرَوْن أن ما أُنْزِل إلى النبي ﷺ هو الحق، وذلك بما آتاهم الله تعالى من العلم الراسخ في قلوبهم، ولهذا تجد عبادةَ العامِّي يعبدُ اللَّهَ سبحانه وتعالى عبادةً أشبهَ ما تكون بالعادة، وإنْ كان يرى في قلبه الإنابةَ والخشوعَ والاستحضارَ، لكنه ليس كالذي يعبدُ اللَّهَ تعالى على بصيرةٍ وعلى علم؛ لأن في قلب هذا من اليقين ما ليس في قلب الأول، فيكون عامًّا. ﴿يَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ إذا كانت ﴿يَرَى﴾ عِلمية فإنها تنصب مفعولين، أين المفعول الأول؟ * طلبة: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾. * الشيخ: لا. * طلبة: ﴿الَّذِي﴾. * الشيخ: ﴿الَّذِي﴾ وين الذي؟ ﴿الَّذِي أُنْزِلَ﴾ اسم موصول، و﴿هُوَ الْحَقَّ﴾ ﴿الْحَقَّ﴾ هو المفعول الثاني، واضح؟ أما ﴿الَّذِينَ﴾ الأولى فهي فاعل. طيب، قوله: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ يعني القرآنَ؛ فإن الله تعالى أنزله إلى النبي ﷺ بواسطة جبريل. وقوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ هُنا أضافَ الربوبيَّةَ إلى النبي ﷺ لأنَّ الوحي ربوبيَّةٌ خاصَّة؛ إذ لا أحدَ يُشارك النبيَّ ﷺ من هذه الأُمَّة في ذلك، فلهذا أضاف الربوبيَّةَ إليه وحدَه فقال: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ للعناية بهذا المنَزَّلِ إليه والمنَزَّلِ أيضًا. وقوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ تقدَّم أنَّ معنى الربوبيَّة هو الْخَلْق والْمُلْك والتدبير؛ فالله تعالى خالقُ النبيِّ ﷺ، ومالكُه ومدبِّرُه. قال المؤلف: (أي: القرآن ﴿هُوَ﴾ فَصْل ﴿الْحَقَّ﴾ ) ﴿الْحَقَّ﴾ هذا هو المفعول الثاني، و﴿هُوَ﴾ ضمير فَصْل، لَفْظه لَفْظ الضمير لكنَّه ليس ضميرًا، ولذلك لا نقول: إنَّه اسمٌ، وأيضًا لا نقول: له محلٌّ من الإعراب؛ يعني لا محلَّ له من الإعراب وليس باسْمٍ، لكنه جيء به للفصل. والدليل على أنَّه لا محلَّ له من الإعراب قوله تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ﴾ [الشعراء ٤٠] ﴿الْغَالِبِينَ﴾ ولَّا (الغالبون)؟ * طلبة: ﴿الْغَالِبِينَ﴾. * الشيخ: ﴿الْغَالِبِينَ﴾ لو كان له محلٌّ من الإعراب لَقال: هم الغالبون، فلمَّا قال: ﴿هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ وصارت ﴿الْغَالِبِينَ﴾ خبر (كان) دلَّ ذلك على أنَّ هذا الضمير ليس له محلٌّ من الإعراب، لكن ما فائدته؟ ذَكَر العلماءُ أنَّه له ثلاث فوائد: الفائدة الأولى؟ * طالب: الفَصْل بين الصفة والخبر. * الشيخ: الفَصْل بين الصفة والخبر. الفائدة الثانية؟ * الطالب: الحصر. * الشيخ: الحصر. الفائدة الثالثة؟ * الطالب: التوكيد. * الشيخ: التوكيد. فهو يفيد ثلاث فوائد: الحصر، والتوكيد، والتفريق أو الفصل بين الخبر والصفة. كذا؟ هات مثالًا اشرح به لنا هذا. * الطالب: (...). * الشيخ: (زيدٌ الفاضل)، كلمة (الفاضل) أيضًا هاهُنا يحتمل أنها صفة لـ(زيد) وأنَّ الخبر لم يأتِ، فيكون الإنسان الآن مترقِّبًا للخبر كأنْ يكون تقديره: زيدٌ الفاضلُ حاضِرٌ. أو لا؟ * الطلبة: إي نعم. * الشيخ: إذا قلتَ: زيدٌ الفاضلُ حاضرٌ، صارت (الفاضلُ) هُنا صفةً بلا شكٍّ و(حاضرٌ) خبرًا، فإذا قلت: زيدٌ الفاضلُ، بَسْ فقطْ يحتمل أنك تُريد أن تُخبر بأنَّ زيدًا فاضلٌ ويحتمل أنك تريد أن تَصِفَ زيدًا بأنَّه فاضلٌ والخبر لم يأتِ، أليس كذلك؟ فإذا قلتَ: زيدٌ هو الفاضلُ، تعيَّن أن تكون (الفاضل) الآن خبرًا، ولَّا لا؟ طيب، هذا وجْهُ كونه فاصلًا بين الصفة والخبر. طيب، هو مؤكِّد أيضًا؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: مؤكِّد؛ لأنك إذا قلتَ: زيدٌ الفاضلُ، و: زيدٌ هو الفاضلُ، هذا أَوْكد بلا شك. كذلك أيضًا مفيدٌ للحصر؛ لأنك إذا قلتَ: زيدٌ هو الفاضل، معناه: لا غَيْره. فضمير الفَصْل إذَنْ يفيد ثلاث فوائد: الحصر، والتوكيد، والفصل بين الخبر والصفة. يقول عز وجل: ﴿هُوَ الْحَقَّ﴾. ﴿الْحَقَّ﴾ بمعنى الشيء الثابت، هذا الحق، فقولك: أُحِقُّ الشيءَ؛ أي: أُثْبِتُه؛ ﴿حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ [يونس ٩٦] أي: ثَبَتَتْ ووَجَبَتْ. فما هو الثبوت في القرآن؟ الصِّدق في الأخبار، والعدل في الأحكام؛ فالحقُّ إذا أُضِيف إلى الحكْم فمعناه العدل، أيْ إنَّه حكمٌ عادلٌ، ولهذا لو تنازعَ خصمانِ عند القاضي وحَكَمَ لأحدهما بما تقتضيه الشريعةُ قُلنا: هذا حقٌّ؛ لأنه عَدَلَ، ولو حَكَم للثاني بخلافه قُلنا: هذا ليس بحقٍّ، هذا باطلٌ؛ لأنه حَكَم بغير الحقِّ، فالحقُّ في الأحكام هو أيش؟ العدل، وفي الأخبارِ الصِّدقُ؛ فالذين آتاهم اللَّهُ العلمَ يعلمون أن هذا القرآنَ حقٌّ في أحكامه وحقٌّ في أخباره، فأحكامُه كلُّها عدلٌ لأنها وَضَعَت الشيءَ في نِصَابه وجعلت الحقَّ لمستحقِّيه، وأخبارُه أيضًا أيش؟ ثابتةٌ حقٌّ؛ يعني: ثابتة ما فيها كَذِب. إذَن الحق (...). فإذا قلتَ: هذا خبرٌ حقٌّ؛ أي: صِدْق، هذا حُكْمٌ حقٌّ؛ أي: عَدْل، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥] قال العلماء: ﴿صِدْقًا﴾ في الأخبار، و﴿عَدْلًا﴾ في الأحكام. ﴿هُوَ الْحَقَّ﴾، ومع ذلك (﴿وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ﴾ طريق ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ أي: الله ذو العِزَّة المحمود)، ﴿يَهْدِي﴾ بمعنى يدلُّ، فالهداية هنا هدايةُ دلالةٍ وإرشاد. والهداية نوعان: هدايةُ توفيقٍ، وهدايةُ دلالةٍ. أمَّا هدايةُ التوفيق فلا يملكُها إلا الله عز وجل؛ قال الله تعالى لنبيِّه محمد ﷺ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص ٥٦]. وأمَّا هدايةُ الدلالة فثابتةٌ لكلِّ ما يكون به الإرشادُ والدلالة؛ فالقرآنُ يهدي إلى صراطٍ مستقيمٍ، والنبيُّ ﷺ يهدي إلى صراطٍ مستقيمٍ، عرفتم؟ طيب، هنا: ﴿وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ﴾ أي؟ * طالب: إلى طريق. * الشيخ: لا، ويش معنى ﴿يَهْدِي﴾؟ أي: يدل. وقوله: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ يعني الله. وهُنا قال: ﴿صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ كما قال تعالى في سورة إبراهيم: ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم ١] فأضافه إلى هذا الاسم العظيم، وهو الدالُّ على العِزَّة إشارة إلى أنَّ مَن تمسَّكَ بهذا الصراط كانت له العِزَّة. ﴿الْحَمِيدِ﴾ أيضًا إشارةٌ إلى أنَّ مَن لَزِم هذا الصراطَ كان في مقامٍ محمودٍ. أمَّا ﴿الْعَزِيزِ﴾ الذي هو اسمُ الله فإنَّ العزيز مَن له العِزَّة، والله تعالى له العِزَّة جميعًا؛ ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر ١٠]. العِزَّة التي وُصِفَ الله بها تتضمَّن ثلاثة معانٍ: عِزَّة القَدْر، وعِزَّة القَهْر، وعِزَّة الامتناع. انتبِهْ! العِزَّة التي يتَّصف الله بها تتضمَّن ثلاثة معانٍ: عِزَّة القَدْر والقَهْر والامتناع. أمَّا عِزَّة القَدْر فمعناها أنَّ الله تعالى ذو قَدْرٍ عظيمٍ، وأمَّا عِزَّة القَهْر فمعناها أنَّ الله ذو قَهْرٍ عظيمٍ وغَلَبَةٍ لا يَغْلبه أحدٌ، وأمَّا عِزَّة الامتناع فمعناها أنَّ الله عز وجل يمتنع عليه النقصُ بوجْهٍ من الوجوه، لا يمكن أن يناله نقصٌ أبدًا. هذه العِزَّة المضافة إلى مَن؟ * طلبة: إلى الله عز وجل. * الشيخ: إلى الله عز وجل، عِزَّة القَدْر، ويش بَعْد؟ والقهر، والامتناع. طيب، يُقال مثلًا: هذا عزيزٌ عَلَيَّ؛ أي: ذو قَدْرٍ شريفٍ عندي. وقال تعالى: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص ٢٣] يعني: غَلَبَني، هذه عِزَّة القهر والغَلَبة. ويُقال: أرضٌ عَزَازٌ؛ أي: قويَّةٌ شديدةٌ ما يؤثِّر فيها وطْءُ الأقدام، وهذا عِزَّة الامتناع، فالله عز وجل موصوفٌ بالعِزَّة بمعانيها الثلاثة. وأمَّا ﴿الْحَمِيدِ﴾ فيقول المؤلف: إنه بمعنى المحمود، وصحيحٌ أن (فَعِيل) تأتي بمعنى مفعول، ومنه قولهم: (قَتِيل) بمعنى مقتول، و(جَرِيح) بمعنى مجروح. لكنَّها تأتي بمعنى الفاعل أيضًا مثل: (عليم) بمعنى عالِم، (عزيز) بمعنى عازٍّ، (حكيم) بمعنى مُحْكِم، وهكذا تأتي بهذا المعنى. فإذا كانت تأتي بالوجهين جميعًا؛ أي: بالفاعل والمفعول، فهل الأَوْلى أن نجعلها مقصورةً على المفعول ولَّا نجعلها شاملة؟ * طالب: شاملة. * الشيخ: شاملة؛ فهو سبحانه وتعالى حَمِيدٌ بمعنى حامد وبمعنى محمود؛ أمَّا كونه حامدًا فما أكثر ما يُثْني الله عز وجل على عباده المؤمنين! ولَّا لا؟ هل الله يُثْني على المؤمنين ولَّا ما يُثْني؟ إذَنْ هذا حَمْدٌ، فهو حامدٌ سبحانه وتعالى، وأمَّا كونه محمودًا فظاهرٌ؛ فإنَّ الله تعالى له الحمد على كلِّ حال. والحاصل أن تفسير المؤلف ﴿الْحَمِيدِ﴾ بالمحمود فيه قصورٌ، والصواب أنَّه بمعنى محمود وبمعنى حامد، وأنَّ له الحمد سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة. طيب، هل إضافة الصراط إلى اسم الله ﴿الْحَمِيدِ﴾ فيه دليل؛ قلتُ: إنَّه فائدتُه أنَّه يدلُّ على أنَّ مَن تمسَّك بهذا الصراط فإنَّه عزيزٌ ومحمودٌ أيضًا؛ محمودٌ على التزامه بهذا الصراط (...). * * * * طالب: في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ قال المؤلف: (حَسَنٌ في الجنة)، فهل في هذا تخصيص الرزق في الجنة؟ * الشيخ: لا، هو قصده: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ﴾ يعني: في الجنة. * الطالب: عامٌّ يعني، ما تكون في الدنيا والآخرة؟ * الشيخ: لا، هو لَمَّا ذَكَر المغفرة فإنَّ المغفرة ما تظهر آثارها إلا هناك، ولكنْ كما قلتَ: الأحسن العموم، الأحسن أن نقول: إنَّ هذا عامٌّ. فإنْ قلتَ: إننا نجد من المؤمنين العاملين الصالحات مَن هو فقيرٌ، فأين الكَرَم في الرزق؟ نقول كما قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: «لَيْسَ الْغِنَى بِكَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَإِنَّمَا الْغِنَى غِنَى الْقَلْبِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٤٤٦)، ومسلم (١٠٥١ / ١٢٠) ، من حديث أبي هريرة بلفظ: «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ».]] ، فقد يكون الإنسانُ عنده مالٌ كثيرٌ لكن حاله حال الفقراء. * طالب: قوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ إلى آخره، يُشْكِل على هذا أن بعض مَنْ أُوتي العلمَ (...) أنَّه لا يرى أن ما أُوتي النبيُّ هو الحق، (...) يقول: إنَّه غيرُ حقٍّ، وباطلٌ، وليس فيه (...) ولا يتناسب مع العصر (...). فما الجواب؟ * الشيخ: أسمعتم سؤال الأخ؟ يقول: إنَّ مِن أهل العلم مِمَّن أُوتوا العلم مَن لا يرى أنَّ ما أُنْزِل إليه من ربِّه الحق، فنقول: لا يمكن هذا، كلُّ مَن أُوتى علمًا فإنَّه يرى أن ما جاء به النبيُّ عليه الصلاة والسلام هو الحق، لكنْ يكون معاندًا مستكبرًا، مُشْكل هذا؛ يعني المكابَرة أمْرٌ ما فيه إلا السيف إذا استحقَّ القتل، وإلَّا كل إنسان يُؤتَى العلم لا بدَّ أنْ يشهد بالحقِّ لِمَا جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنَّ ما جاء به الرسولُ مطابقًا للواقع، فلا بدَّ أن يعلم أنَّه الحقُّ، وقد قال الله تعالى عن آل فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل ١٤] فهم يستيقنون بها ويعلمونها أنها الحق، لكنَّهم يجحدون، وقال عز وجل: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام ٣٣]، إي نعم (...). * * * من الفوائد (...). * طالب: (...). * الشيخ: يشمل كلَّ مَن آتاهُ اللَّهُ العلمَ، حتى عبد الله بن سلام وغيره. * طالب: (...)؟ * الشيخ: (...) هذا ما هو بصحيح، مِن الجائز أن تَنزل الآية قبل أن يحدث الواقع. * من الفوائد من قوله تعالى .. أظنُّ .. الفوائد يا أخوان. * طالب: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. * الشيخ: من هذا؟ * يستفاد من الآية الكريمة: أنَّ أفعال الله سبحانه وتعالى مُعَلَّلة؛ بمعنى أنَّ لها عِلَّة، فمن أين يؤخذ؟ * طلبة: ﴿لِيَجْزِيَ﴾. * الشيخ: من اللام ﴿لِيَجْزِيَ﴾؛ لأنَّ اللام للتعليل، وهذا يؤيِّد مذهبَ أهل السُّنة والجماعة الذين يقولون: إنَّ أفعال الله تعالى مقرونةٌ بالحكمة. وتعلمون أنَّ الجهمية وكذلك بعض الأشاعرة يُنكرون أنْ تكون أفعالُ الله تعالى لحِكمةٍ ويقولون: إنَّ أفعاله لمجرَّد المشيئة، قالوا: لأنَّ الحِكمة غَرَضٌ من الأغراض التي تحمل على الفِعْل، والله سبحانه وتعالى مُنَزَّهٌ عن الأغراض. ونقول لهم: إنَّ هذا مصادَمة للنصوص، ولو تأمَّلنا القرآنَ لوجدنا فيه آلاف الآيات تدلُّ على إثبات الحكمة لله عز وجل، ثم الغرض إنْ كان لمصلحة الغير فهو أيش؟ مدحٌ وثناءٌ، وإنْ كان لحاجة (...) ليس فيها نقصٌ بوجهٍ من الوجوه. وقد سَبَقَت لكم القاعدةُ الخبيثةُ؛ الذين يقولون: إن الله مُنَزَّهٌ عن الأعراض والأغراض والأبعاض. والكلام هذا إذا سمعتَه قلت: هذا كلام طيِّب. مُنَزَّه عن الأعراض والأغراض والأبعاض. (مُنَزَّه عن الأعراض) يعنون بذلك نَفْي أفعاله الاختياريَّة؛ يعني أنَّه لا ينزل، ولا يأتي، ولا يتكلَّم، وما إلى ذلك؛ لأنَّ هذه أعراضٌ تَحْدث وتزول. (عن الأبعاض) يعنون بذلك نَفْي الوجه واليدين والعينين وما أشبهَ ذلك؛ لأن هذه أبعاضٌ بالنسبة لنا. (والأغراض) يعنون بذلك نَفْي الحِكمة. والقرآن يَرُدُّ قولَهم هذا. * من فوائد الآية الكريمة: فَضْل الإيمانِ والعملِ الصالح، وجْهه مِن ترتُّب الثوابِ عليه؛ ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، وما ترتَّبَ عليه الثوابُ فهو فاضلٌ ومحمودٌ ومطلوبٌ. * ومن فوائد الآية الكريمة: الفرق بين الإيمان والعمل الصالح عند الجمْع بينهما؛ لأن هُنا ما قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فقط ولا ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فقط، بلْ جَمَعَ بينهما، وقد سبق لنا أنَّه إذا جُمِعَ بينهما صار الإيمانُ في القلب، والعملُ الصالِحُ في الجوارح. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارةُ إلى أنَّ الإيمانَ فقط -يعني: الذي في القلب فقط- لا يكفي عن العمل الصالح؛ لأنَّه رتَّبَ الجزاءَ على قيام الوصفين بالفاعل، وهما الإيمانُ والعملُ الصالح، لكني أقول: إنَّ الإيمانَ إذا كان صادقًا فلا بدَّ أنْ يكون العملُ الصالِحُ؛ لقول النبي ﷺ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧)، من حديث النعمان بن بشير.]] . * ومن فوائد الآية الكريمة: أن العمل ليس مقبولًا ولا محمودًا ولا مُثَابًا عليه حتى يكون صالحًا؛ لقوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. ومتى يكون صالحًا؟ إذا جَمَعَ شرطين: الإخلاص لله، والثاني: المتابعة لرسول الله ﷺ؛ فإنْ فُقِدَ الإخلاصُ فليس بصالحٍ وهو مردودٌ على فاعله؛ قال الله تعالى: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]] ، وإن فَقَدَ المتابعةَ فهو أيضًا مردودٌ غير مقبول؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨/ ١٨) واللفظ له، من حديث عائشة.]] ، ولا تتحقَّق المتابعةُ إلا بشروطٍ ستة: أنْ تكون العبادةُ أو أنْ يكون العملُ موافقًا للشرع في سببه وجنسه وقَدْره وكيفيَّته وزمانه ومكانه، لا تتحقَّق المتابعةُ حتى يكون العملُ موافقًا للشرع في الأمور الستة، ما هي؟ في سببه وجنسه وقَدْره وكيفيَّته وزمانه ومكانه، تمام. فلو أحدثَ الإنسانُ عبادةً لسببٍ غير شرعيٍّ فهي مردودة؛ لو قال: كلَّما سمعتُ نباح الكلاب صلَّيتُ ركعتين. تُجزئ ولا ما تُجزئ؟ طلبة: لا تجزئ. * الشيخ: تُقبل منه ولَّا لا؟ * طلبة: لا تُقبل. * الشيخ: لماذا؟ لأنه علَّقها بسببٍ لم تكن مشروعةً من أجْله فلا تُقبل. لو أنَّ أحدًا من الناس ضحَّى بفرسٍ -أُنثى الخيل- قال: أنا عندي شاةٌ تساوى مئتَيْ ريال، وعندي فرسٌ تساوي عشرين ألف ريال، أبغي أضحِّي بالفرس. تُقبَل؟ * طالب: لا تُقبل. * الشيخ: ليش؟ * الطالب: جنس (...). * الشيخ: لأنه مخالفٌ للشرع في الجنس؛ الأضحية ما تكون إلا من بهيمة الأنعام. لو أنَّ أحدًا تعبَّد لله عز وجل بعبادةٍ محدَّدة بقَدْرٍ معيَّن فزادَ في قَدْرها؛ كما لو صلَّى ستَّ صلواتٍ، قال: إن المدة بين العشاء والفجر طويلةٌ تحتاج إلى زيادةِ صلاةٍ، والمدةُ بين الفجر والظُّهر طويلةٌ تحتاج إلى زيادةِ صلاةٍ، أبغي أصلِّي سبع مرَّات، ما تقولون؟ * طلبة: مردودة. * الشيخ: ليش؟ * طالب: للكيفيَّة. * طالب آخر: القَدْر. * الشيخ: قَدْرها، أو لو صلَّى خمسًا في الرباعية أو ثلاثًا في الثنائية فإنها لا تُقبل. لو قال قائل: إذا سبَّحَ الرجلُ دُبُرَ الصلاةِ مئتي مرَّة، فهلْ ترفضون هذا التسبيح كلَّه أو تقولون: ما وافقَ الشرعَ فهو مقبولٌ وما زاد عليه فهو مردود؟ * طلبة: الأخير. * الشيخ: نقول: إذا كانت العبادةُ التي حَصَلَ فيها الزيادةُ تتجزَّأ؛ بمعنى أنَّه يصح أوَّلُها دون آخِرها، فإنَّنا لا نُبطل أوَّلَها بما طرأَ عليها، أمَّا إذا كانت لا تتجزَّأ فإنها إذا بَطَلَ آخِرُها بَطَلَ أوَّلُها؛ فلو صلَّى الظُّهر خمسًا بطلتْ صلاتُه لأنها لا يمكن أن يصح أوَّلُها مع فساد آخِرها، لكنْ في زيادة العدد لا نُبطل العددَ الأول، لكنَّنا نقول لهذا الرجل: إنْ كنتَ تعتقد أن المئتين هي المشروعة فأنت ضالٌّ لأنك مبتدعٌ، وإنْ كنتَ تريد أن تقول: أنا أعترفُ أن المشروع مئة، ولكن زدتُ على أنه تطوُّعٌ، فهذا يُكتَب لك أجْر التسبيح المطلق لا المقيَّد. في كيفيتها؛ لو أنَّ أحدًا صلَّى وصار يسجد ثم يركع ثم يسجد، ما تقولون؟ * طلبة: ما تُجزئ. * الشيخ: ليش؟ * طلبة: الكيفيَّة. * الشيخ: لاختلاف الكيفيَّة. في الزمن؛ لو أنَّ أحدًا قال: أنا سوف أحجُّ في ذي القعدة، أخرج إلى مِنى في ليلة التاسع من ذي القعدة وأبِيتُ فيها، وفي التاسع أذهب إلى عرفة وأقف.. إلى آخِره، كمَّل أفعال الحج في ذي القعدة، لماذا؟ قال: لأنَّه ما عندي أحدٌ يُضايقني، أيش تقولون في هذا؟ * طلبة: لا يصح. * الشيخ: ليش؟ * طالب: لاختلاف الزمن. * الشيخ: لأنها لم تُوافق الشرعَ في الزمن. يُقال: إن رجلًا بدويًّا كان يبيع في المواشي؛ في الأضاحي، يأتي بها يجلبها إلى السوق، وهو ما أدَّى الفريضة، فقيل له: لماذا لم تؤدِّ الفريضة؟ قال: الفريضة تأتي في وقت الموسم، وأنا ما أحب، ولكنني سأذهبُ إلى الشيخ أسأله: هل يجوز أني أحجُّ في عيد رمضان؟ فذهب إلى الشيخ يستأذنه يقول: أستأذنك يا شيخ أنك تسمح لي أن أحجَّ في عيد رمضان بدل عيد الضحية؛ لأن عيد الضحية فيه موسم لنا. فقال له الشيخ: إن أذنتُ لك أن تحجَّ فإني آذنُ لك أن تضحِّي. وحينئذٍ يكون الموسم تابعًا لأيش؟ للحجِّ، ما يتخلَّص منه. فأقول: إن هذا الذي حجَّ في ذي القعدة حتى لو وافقَ التاسع والعاشر والحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر فإنها لا تُقبل، لماذا؟ لمخالفتها للزمن. رجلٌ في العَشْر الأواخر من رمضان قال: سأعتكفُ في بيتي، ما أنا برائح المسجد، أتعب في تحصيل الطعام والشراب، ويمكن يجي أحد يُلهيني عن ذِكْر الله فبأقعد في البيت، هل يُقبل اعتكافه؟ * طلبة: لا يُقبل. * الشيخ: ليش؟ * طلبة: المكان. * الشيخ: نعم؛ لأنَّه مخالفٌ للشرع في المكان. فتبيَّن الآن أن تحقيق المتابعة لا يكون إلا إذا وافقَ العملُ الشريعةَ في الأمور الستَّة. * ومن فوائد الآية الكريمة: عُلُوُّ مرتبةِ المؤمنين العاملين الصالحات؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾؛ لأن الإشارة هُنا للبعيد، وذلك لعُلُوِّ مرتبتهم، مثل قوله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة ١، ٢] مع أن الكتاب بين أيدينا، لكن أشار إليه إشارةَ البعيدِ لعُلُوِّ مرتبته. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ في الإيمانِ والعملِ الصالح حصولَ المطلوبِ وزوالَ المكروهِ؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ هذا زوالُ المكروه، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ هذا حصولُ المطلوب. واعلمْ أنَّ الله تعالى إذا غَفَرَ لك فَتَحَ لك أبوابَ المعرفة وانشرحَ صدرُك بالإيمان؛ لأن الذي يُوجب ضيقَ الصَّدْر وتَشَتُّتَ الفِكْر هو المعاصي؛ ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المطففين ١٣] شوف، ما يعرف قَدْر القرآن، إذا يُتلى عليه القرآن يقول: أساطير الأولين، فلا يعرف قَدْره، لماذا؟ ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٤]، لَمَّا رانَ على قَلْبه عملُه صارَ -والعياذ بالله- لا يرى هذا القرآنَ العظيمَ إلا أيش؟ إلا أساطير الأولين. ولهذا قال بعض العلماء: ينبغي لِمَن نزلتْ به نازلةٌ وطلب حُكْمَها سواءٌ كانت هذه النازلةُ خاصَّةً به أمْ كان مسؤولًا عنها، ينبغي له أنْ يستغفر الله. واستدلَّ لذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء ١٠٥] أيش بعده؟ ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ١٠٦] وهذا ليس ببعيد. إذَنْ من فوائد الإيمانِ والعملِ الصالح حصولُ المطلوب والنجاةُ من المكروه. * من فوائد الآية الكريمة أيضًا: أنَّ رِزْق الجنَّة رِزْقٌ كريمٌ؛ أي: واسعٌ كثيرٌ دائمٌ حَسَنٌ، ويدلُّ لذلك قولُه تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]، وقولُه تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة ٣٢، ٣٣]. ثم قال عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾. * يُستفاد من هذه الآية: تحقُّق ما وَصَفَ الله به القرآنَ من أنَّه أيش؟ * طالب: حقٌّ. * الشيخ: لا، من أنَّه مَثَانٍ، إذا ذُكِر فيه المعنى ذُكِر ما يقابله، وإذا ذُكِر فيه العاملُ ذُكِر مَن يقابله. * ويُستفاد منها أيضًا: الحكمةُ في الخِطاب وأنَّه ينبغي في الخِطاب أن يكون جامعًا بين أسباب الخوف وأسباب الرجاء، لماذا؟ * طالب: (...). * الشيخ: يكون جامعًا، ولأنَّه إذا ذُكِر الخوفُ فقط فقد يستولي على القلب القُنوط من رحمة الله، أو الرجاءُ فقط فقد يستولي عليه الأمنُ من مَكْر الله سبحانه وتعالى. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ الكفَّار يَسْعَون جادِّين لإبطال آيات الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا﴾، والسَّعْي كما نعلم نحن أنَّه هو الجرْيُ بشِدَّة، فهؤلاء يَسْعَون جادِّين لإبطال آيات الله سبحانه وتعالى. * ومن فوائدها أيضًا: أنَّ هؤلاء الكفَّار كأنما يُعاجزون اللَّهَ ويُغالبونه؛ لقوله: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أنَّ هؤلاء الذين سَعَوْا في آيات الله مُعاجزين يُعاقَبون بهذا العقاب الأليم؛ ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾، وقوله: ﴿مِنْ رِجْزٍ﴾ أي: من عذابٍ سَيِّءٍ مؤلِمٍ كما مَرَّ علينا. * ومن فوائد الآية الكريمة: التحذيرُ من سَعْي الإنسانِ في إبطال آيات الله؛ فإذا قُلنا على القاعدة التي مَرَّت علينا في قواعد التفسير قبل البارحة: إنَّه إذا نُهِيَ عن شيءٍ فهو أَمْرٌ بضِدِّه، فتكون هذه الآية متضمِّنةً للحثِّ على السعي في آيات الله عز وجل لتقريرها وتَثْبيتها، وهو كذلك، فإنَّنا مأمورون بأنْ نسعى قَدْر استطاعتنا في تثبيت آيات الله عز وجل ونَشْرِها بين الأُمَّة حتى تقوم المِلَّة. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثباتُ الجزاءِ والحكمةِ فيه؛ لأنَّ المؤمنين اللي عملوا الصالحات ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، وهؤلاء ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾. ثم قال تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ إلى آخِره. * في هذه الآية: فضيلةُ العلم، من أين تؤخذ؟ * طلبة: ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ﴾. * الشيخ: إي، لكن فضيلة العلم. * الطالب: (...). * الشيخ: لكن ما وجْهُ كون هذا يدلُّ على فضيلة العلم؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: أنَّهم يَرَوْن أنَّه الحق، لما آتاهم الله سبحانه وتعالى من العلم. * الشيخ: صحيح، أنَّ العالِمَ يعرف الحقائق على ما هي عليه، فيرى أنَّ الذي أُنْزِل على الرسول هو الحق، وهذا لا شكَّ أنَّه من فضائل العلم، عكْس الذي يتردَّد في كونه حقًّا أو يُنكر أن يكون حقًّا والعياذُ بالله، فالذين مَنَّ اللَّهُ عليهم بالعلم يَرَوْن أنَّه الحق. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارةُ إلى أنَّه لا ينبغي للإنسان أن يُعْجَب بعِلْمه، من أين تؤخذ؟ * طالب: (...). * الشيخ: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾. * الطالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ﴾؛ أي: هو يعلم.. * الشيخ: لا. * طالب: أنَّ هذا العلم أُنْزِل من عند الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: لا. * طالب: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾. * الشيخ: لا يا إخواني، فيه دليل على أنَّه ما ينبغي للإنسان أنْ يُعْجَب بعِلْمه؛ لقوله: ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ﴾؛ يعني ما أدركوه بأنفسهم، ولكنَّ الله تعالى مَنَّ عليهم به، واضح؟ لا تَقُل: هذا من عندي. مثل المال أيضًا؛ بعضُ الناسِ يُعْجَب إذا حَصَّل مالًا، وهو الذي أعطاه المالَ هو الله عز وجل، وماذا صَنَعَ اللَّهُ بالذي قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص ٧٨]؟ خَسَفَ به الأرض، فالآن ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ فيها دليلٌ على أنَّه لا ينبغي للإنسان أن يُعْجَب بنفسه ويقول: العلم حصَّلتُه أنا بفَهْمي وحِرصي ومُثابرتي. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّه ينبغي للإنسان أن يَلْجأ إلى الله تعالى في تحصيل العلم، من أين نأخذها؟ * طالب: ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ﴾؛ فإذا كُنَّا نُؤتَى العلمَ فلنسأل هذا العلمَ مِمَّن يؤتينا إيَّاه، أليس كذلك؟ * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ القرآنَ كلامُ الله؛ ﴿أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾، ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾، كيف كان في ذلك دليلٌ على أنَّه كلامُ الله؟ لأنَّه ليس كلُّ نازلٍ كلامًا، قد يَذْكر الله الإنزال للشيء وليس بكلام. * طالب: لأن ما نَزَلَ من الله إمَّا أنْ يكون قائمًا بذاته أو قائمًا بغيره، فالقائمُ بذاته مخلوقٌ كالمطر ونحوه، أمَّا القرآنُ فهو قائمٌ بغيره. * الشيخ: لأنَّه كلامٌ، فلا يمكن إلَّا مِن متكلِّم، فيكون كلامُ الله غير مخلوق، واضح يا جماعة؟ وإلَّا هناك أشياء يُنزلها الله ويقول: أنزلناها، وهي مخلوقة؛ ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الأنعام ٩٩]، ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [المؤمنون ١٨]، ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر ٦]، ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد ٢٥]، وكلُّ هذه الأشياء مخلوقة ولَّا لا؟ لأنها أعيانٌ قائمةٌ بذاتها، بخلاف القول، فإنَّ القول لا يكون إلَّا بقائلٍ؛ فإذا قال الله: ﴿أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران ٧] وهو قولٌ، صار هذا القول من كلام الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلةُ النبيِّ ﷺ، من أين تؤخذ؟ * طلبة: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾. * الشيخ: من إضافة الربوبيَّة إليه، وهذه الربوبيَّة خاصَّةٌ كما مَرَّ علينا أيضًا في قواعد التفسير، فحينئذٍ نقول: في هذا فضيلةُ النبيِّ ﷺ. * وفيها من فوائدها: عنايةُ الله بالرسول عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾، وفيه بيانُ فضلِ الله عليه حيثُ أنزلَ عليه الحقَّ. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أنَّ هذا القرآن حقٌّ في أخباره وفي أحكامه، والحقِّيَّة في الأخبار هي الصدق، وفي الأحكامِ العدلُ، وقد جَمَعَ اللَّهُ ذلك في قوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ القرآنَ منارٌ وهُدًى .. ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن منار وهدى يهتدي به الناس ويستضيؤون به؛ لقوله: ﴿وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ ٦]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من ابتغى الهدى من غيره ضلَّ؛ لأنه إذا كان هو الذي يهدي إلى صراط العزيز الحميد فإذا ابتغيت الهدى من غيره المخالف له فإنك لا تُهْدى إلى صراط العزيز الحميد؛ ولهذا لما طلب أهل البدع الوصول إلى الخالق عن طريق غير القرآن ماذا حصل لهم؟ ضلوا وتاهوا وبقوا متحيرين مضطربين. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من تمسَّك بهذا القرآن نال العزة والحمد أي: صار عزيزًا محمودًا؛ لقوله: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾، ولم يقل: إلى صراط الله، بل قال: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ إشارة إلى من تمسَّك بهذا القرآن فله العزة وله الحمد يُحْمَد على فعله وقوله وتركه. * ومن فوائدها: إثبات هذين الاسمين لله عز وجل وهما العزيز الحميد، وقلنا: إن العزة التي اتصف الله بها سبحانه وتعالى لها ثلاثة أنواع.. * طالب: عزة القهر، وعزة القدر، وعزة الامتناع. * الشيخ: عزة الامتناع، صح؟ عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع، كذا؟ طيب، شرحها؟ * طالب: عزة القدر أن تكون إنسانًا.. هذا إنسان عزيز (...)، وأما عزة القهر يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص ٢٣] أي: غلبني، وأما الامتناع أن تقول: هذه أرض عَزاز أي: قوية صلبة ممتنعة. * الشيخ: طيب، أحسنت. الحميد من أسماء الله أيضًا وهو مشتق من الحمد، فهل هو بمعنى اسم الفاعل أو بمعنى اسم المفعول؟ (...) العزة وإثبات الحمد لله، فيه عبارة عند الناس يقول: الحمد لله الذي لا يُحْمَد على مكروه سواه، ويش تقولون في العبارة هذه؟ * طلبة: غير صحيحة. * الشيخ: ما هي بمناسبة؛ لأنك تُعْلِن إعلانًا تامًا بأنك تكره ما قضى الله، «الرسول عليه الصلاة والسلام إذا أصابه أَمْرٌ يُسَرُّ به قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ»، وإذا أصابه ما يكره قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ»[[أخرجه ابن ماجه (٣٨٠٣) من حديث عائشة رضي الله عنها. ]] ولا يذكر شيئًا مكروهًا؛ ولهذا ينبغي لنا أن نُنَبِّه من تكلم بهذه العبارة نقول: يا أخي، لا تقل هكذا، هذا يشعر بأنك لم ترض بقضاء الله، قل: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ». الآن نحن نعلم أن الله رب كل شيء ويدخل في ضمن ذلك الكلاب والخنازير والحشرات وما أشبه ذلك أو لا؟ لكن هل من اللائق أن تقول: إن الله رب الكلاب ورب الخنازير ورب الحشرات، هذا ليس من الأدب أن تُخَصِّص كما نصَّ على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، فهنا فرق بين التعميم وبين التخصيص؛ ولهذا قال الرسول: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ».

سبأ 34:5

فيها أيضًا: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [سبأ ٤]، محل هذه الآية مما قبلها في المعنى، أو اللام في قوله: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ متعلِّقة بماذا؟ مَن؟ إحنا ما فَسَّرْنَاها؟ * طلبة: لا، اللي قبل يا شيخ، (بَيِّن هُوَ اللَّوْح الْمَحْفُوظ). * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ قال: (﴿لِيَجْزِيَ﴾ فيها)، (فيها) الضمير يعود على الساعة. ﴿لِيَجْزِيَ﴾ اللام هنا للتعليل، وقد علمنا من قواعد اللغة العربية أن حروف الجر لا بد لها من متعلَّق، فأين متعلَّق اللام، متعلَّق هذه اللام قوله: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾، أي: لتأتينكم ليجزي الذين، فهذه اللام للتعليل، وهي متعلقة بقوله: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾. و﴿يَجْزِيَ﴾ بمعنى: يكافئ، أو يثيب، والفاعل هو الله سبحانه وتعالى. وقوله: (فيها) أشار المؤلف بقوله: (فيها) إلى أن الجارّ والمجرور متعلِّق بـ(تأتِينكم)؛ لأن الضمير في قوله: (فيها) يعود على الساعة، (﴿لِيَجْزِيَ﴾ فيها). ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: آمنوا بالقلب، وعملوا الصالحات بالجوارح، والإيمان إذا أُطْلِق شمل الأعمال الظاهرة؛ أعمال الجوارح، وكذلك العمل إذا أُطْلِق يشمل الإيمان بالقلب؛ لأن الإيمان بالقلب من أعمال القلوب فإذا قُرِنَا جميعًا صار الإيمان في القلب، والعمل في الجوارح، الإيمان سر، والعمل علانية. وقوله: ﴿آمَنُوا﴾، الإيمان في اللغة: التصديق، وفي الشرع: التصديق المستلزِم للقبول والإذعان، ليس مجرد تصديق، بل هو التصديق المستلزِم للقبول والإذعان، القبول في الأخبار، والإذعان في الطلب، فيقبل -مثلًا- ما أخبر الله به ورسوله، ويقبل كَوْن هذا الحكم فرضًا، وكونه تطوعًا، وما أشبه ذلك، ويُذْعِن لذلك، بمعنى أنه يتعبَّد لله بمقتضى ما آمن به، وبمقتضى ما شَرَعَه الله سبحانه وتعالى. وفي قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ يعني: عملوا الأعمال الصالحات، فتكون ﴿الصَّالِحَاتِ﴾ وصفًا لموصوف محذوف. وحَذْف المنعوت جائز إذا قامت القرينة عليه، قال ابن مالك: وَمَا مِنَ الْمَنْعُوتِ وَالنَّعْتِ عُقِلْ ∗∗∗ يَجُوزُ حَذْفُهُ وَفِي النَّعْتِ يَقِلْ ومِن حذف المنعوت قوله تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ ١١] أي: دروعًا سابغات. فعلى هذا تكون ﴿الصَّالِحَاتِ﴾ صفة لموصوف محذوف، أي: الأعمال الصالحات، وما هي الأعمال الصالحات؟ العمل الصالح هو الذي جمع بين أمرين: الإخلاص لله سبحانه وتعالى، والمتابعة للرسول ﷺ، فإن فُقِدَ الأول لم يكن صالحًا، وكان مردودًا على العامل، وإن فُقِدَ الثاني لم يكن صالحًا، وكان مردودًا على العامل أيضًا. الدليل: في الأول قال الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]. وفي الثاني قال النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»، أو «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨)، من حديث عائشة.]]، فلا يمكن أن يكون العمل صالحًا إلا بهذين الشرطين: الإخلاص، والمتابعة للرسول ﷺ. لو أن رجلًا أحدث بِدْعًا من البدع يتدين بها لله سبحانه وتعالى، ويجد من قلبه الاطمئنان إليها والخشوع والبكاء، لكنها مُحْدَثَة في دين الله، هل تكون عملًا صالحًا؟ ما تكون، حتى وإن زُيِّنَ للإنسان هذا العمل واطمأن إليه فإنه ليس من العمل الصالح، فلا يكون مقبولًا ولا نافعًا، بل يأْثَم به الإنسان؛ لأنه مِن التقرُّب إلى الله تعالى بما يكرهه، والتقرب إلى الله تعالى بما يكرهه نوع من الاستهزاء بالله عز وجل. أرأيت لو أنك أتيت لشخص، ملك من الملوك، وأهديت إليه قارورة فيها ما تريد أن تذهب به إلى التحليل، هل تكون مُكْرِمًا له ولَّا لا؟ أجيبوا. * طلبة: لا. * الشيخ: لا؛ لأن هذا هو يكره هذا الشيء، كيف تقول: أهدي إليه طِيبًا، جَرَّة طِيب، لا بأس أما تهدي إليه هذا الشيء وتقول: أتقرب إليه بذلك، فهذا ضد ما تريد، وهو نوع من الاستهزاء بهذا الْمُكْرَم أو الْمُعَظَّم. إذن الصالحات ما هي؟ الأعمال الصالحات التي جمعت بين شرطين: الإخلاص لله سبحانه وتعالى، والمتابعة للرسول ﷺ. يوجَد بعض الأعمال مما يُكْرَه في الشرع، لكن الإنسان يطمئن إليه ويرتاح له، فنقول: لا تغترّ بهذا الراحة وهذه الطمأنينة؛ فإن ذلك من تزيين أيش؟ من تزيين الشيطان، عُبَّاد الأصنام الذين جعلوها شفعاء لهم عند الله يرتاحون لهذا، ويرون أنها واسطة بينهم وبين الله سبحانه وتعالى، ومع ذلك فهي من الشرك. مثال هذا: يوجد بعض الناس يغمض عينيه في الصلاة، ويقول: إن ذلك أدعى للخشوع، فهذا مِن تزيين الشيطان؛ لأن تغميض العين في الصلاة لغير سبب مكروه، وخلاف هَدْي النبي عليه الصلاة والسلام، النبي عليه الصلاة والسلام كان لا يغمض عينيه، ولكنه إما أن ينظر إلى موضع سجوده أو إلى تلقاء وجهه، أما أنه يغمض عينيه فهذا خلاف السنة، ولهذا كرهه الفقهاء رحمهم الله، نعم لو كان هناك سبب للتغميض، كما لو كان أمامك شيء يجهر عينيك، أو نقوش تشغلك، فهنا التغميض لسبب لا للتقرب به إلى الله، ولكن لدفع ما يشوش عليك ويُخِلّ .. قوله: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ [سبأ ٣] (...). ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ [سبأ ٤]، قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ هذه الجملة استئنافية لبيان جزائهم؛ لأن قوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ مُبْهَم، فبيَّن هذا الجزاء بقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾. والإشارة في قوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ تعود إلى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، وهي مبتدأ، و﴿لَهُمْ﴾ خبر مقدَّم، و﴿مَغْفِرَةٌ﴾ مبتدأ مؤخَّر، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ معطوفٌ عليه، والجملةُ الثانيةُ من المبتدأِ والخبرِ خبرُ المبتدأ الأول. فعندنا الآن مبتدآن ﴿أُولَئِكَ﴾ و﴿مَغْفِرَةٌ﴾ كذا؟ ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ، و﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور خبرٌ مقدَّمٌ لأيش؟ لـ﴿مَغْفِرَةٌ﴾، و﴿مَغْفِرَةٌ﴾ مبتدأ مؤخَّر، و﴿رِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ معطوف عليها، والجملةُ من المبتدأ الثاني وخبره في محلِّ رفع خبر المبتدأ الأول. مفهوم هذا عندكم؟ أين الرابط؟ الرابط الضمير في ﴿لَهُمْ﴾؛ لأنه يعود على المشار إليه. قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ أشار إليهم بإشارة البعيد تنبيهًا على عُلُوِّ مرتبتهم؛ لأن هذا الصنف من الناس هو أعلى طبقات الناس؛ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. وقوله: ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ بها زوال المكروه، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ به حصول المطلوب، فلهم مغفرةٌ لذنوبهم وخطاياهم، فيغفر الله لهم الخطايا والذُّنوب بأن يتجاوز عنهم ويسترها عليهم؛ لأن المغفرة هي سَتْر الذنبِ والتجاوزُ عنه؛ إذْ إنَّ اشتقاقها من الْمِغْفَر؛ وهو الذي يُلْبَس على الرأس عند الحرب، وفيه فائدتان: سَتْر الرأس، ووِقايتُه من السهام. فالمغفرة إذَنْ فيها سَتْر الذُّنوب، والتجاوزُ عنها وعدمُ العقوبة عليها. ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ الرزق بمعنى العطاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء ٨] أي: أعطوهم. والكريم بمعنى الحسَن في كيفيَّته وفي كمِّيته، وقد أشار الله تعالى إلى أن حُسْن هذا الرزق لا تَبْلغه العقولُ في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]، فثوابُ هؤلاء المؤمنين اللي عملوا الصالحات ثوابُهم أنْ تُغْفَر سيِّئاتُهم وأنْ يُجازَوْا على عملهم الصالح بالرزق الكريم. قلت: ﴿كَرِيمٌ﴾ أنَّه حَسَنٌ في أيش؟ كمِّيته وكيفيَّته؛ فكمِّيته لا تُحصَى، ولا يفنى ولا يَبِيد، وكيفيَّته أيضًا لا يُدركها العقل أو القلب؛ ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ثم قال عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ إلى آخِره [سبأ: ٥] تكلَّمنا سابقًا وقُلنا: إن القرآن مثانٍ كما وَصَفَه الله به؛ فقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر ٢٣]، و﴿مَثَانِيَ﴾ هذه غير المثاني في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر ٨٧]؛ لأن المراد بـ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ المراد بها الفاتحة كما ثَبَتَ ذلك عن النبي ﷺ، فالمثاني معناه -﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ - أنَّه تُثَنَّى فيه المعاني، فغالبًا إذا ذُكِر جزاءُ المتقين ذُكِر جزاءُ الكافرين، إذا ذُكِر وصْفُ الجنة ذُكِر وصْف النار، إذا ذُكِرت الأوصاف المحبوبة إلى الله ذُكِرت الأوصاف المكروهة إليه، لماذا؟ لأنه لو ذُكِر المطلوب فقط من أوصافٍ أو جزاءٍ أَخَذَ الإنسانَ الرجاءُ حتى أَمِنَ مَكْرَ الله، وإنْ ذُكِر المكروهُ من ذلك أَخَذَه القنوطُ واليأسُ، فكان الله عز وجل يذكر هذا ثم يذكر إلى جانبه الشيءَ الآخَرَ حتى يكون الإنسانُ سائرًا إلى ربِّه بين أيش؟ بين الخوف والرجاء؛ لأن هذا هو الاعتدالُ أنْ تكون خائفًا راجيًا في سَيْرك إلى ربِّك؛ لأنك إن غَلَّبْتَ الرجاءَ كنْتَ من الآمِنين مكْرَ الله؛ لأن من غَلَّبَ الرجاءَ صار يعمل الذَّنْب ويقول: أرجو أنَّ الله يغفر لي، ويتهاون بالواجب ويقول: أرجو الله يَغْفر لي، ومَنْ غَلَّبَ الخوفَ دَخَلَ في القنوط من رحمة الله. وذَكَرْنا أن بعضَ العلماء خالف في هذا وقال: إنه ينبغي لك عند فِعْل الطاعة أن تُغَلِّبَ الرجاءَ؛ لأنك قُمْتَ بما أُمِرْتَ فارْجُ اللَّهَ سبحانه وتعالى ثوابَه؛ لأن هذا من باب إحسانِ الظنِّ بالله، وإذا كُنتَ في مقام المعصية فغَلِّبْ جانبَ الخوف لِتَرْدَعَ نفسَك عمَّا تُريد أن تفعله من المعصية. وأنَّ بعضَ العلماء ذهبَ مذهبًا آخَر وقال: في حال المرضِ تُقَدِّم جانبَ الرجاء؛ لأنك الآن في مقام الضَّعف فتُغَلِّب جانبَ الرجاء وإحسان الظنِّ بالله عز وجل، فلا تموتَنَّ إلا وأنتَ تُحْسِن الظنَّ بربِّك سبحانه وتعالى، وإذا كنتَ في حال الصِّحَّة فغَلِّبْ جانبَ الخوف. والإمام أحمد -رحمه الله- قال: ينبغي أن يكون خوفُه ورجاؤه واحدًا، فأيُّهما غَلَبَ هلك صاحبُه. والإنسان طبيبُ نفسِه في الواقع؛ لا شكَّ أنك إنْ رأيتَ نفسَك تميل إلى الباطل فإنَّه يجب عليك أن تُخَوِّفها بالله عز وجل، لا تُرَجِّها؛ لأنك إن رجَّيْتَها في هذه الحال ماذا تصنع؟ تُقْدِم على المعاصي، إي نعم. يقول: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾. ﴿سَعَوْا فِي آيَاتِنَا﴾ قال المؤلف: (في إبْطالِ ﴿آيَاتِنَا﴾ القرآن). فجَعَلَ في الآية محذوفًا تقديره: في إبطالها. ومعنى ﴿سَعَوْا﴾ أي: مَشَوْا بشِدَّة، هذا في الأصل، ومنه السَّعي؛ أي: الرَّكْض، فالمراد أنَّ هؤلاء يُسابِقون ويتسارعون إلى إبطال آيات الله سبحانه وتعالى، إبطالها بالنسبة لهم لا يقومون بها، وإبطالها بالنسبة لغيرهم يَصُدُّون الناسَ عن دين الله؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الحج ٢٥]، فهؤلاء سَعَوْا غايةَ السَّعْي في آيات الله عز وجل لإبطالها وإخفاقها. وقوله: ﴿سَعَوْا فِي آيَاتِنَا﴾ لم يبيِّن بماذا سَعَوْا؛ لأنَّ هؤلاء يَسْعَون في إبطال آيات الله أحيانًا بالصِّراع المسلَّح؛ يعني يهاجِمون الديار ويُقاتلونهم حتى يردُّوهم عن دينهم، وأحيانًا بالسلاح الفكري؛ فيبثُّون فيهم الشُّبُهات في دينهم، في نبيِّهم، في ربِّهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، وأحيانًا يَسْعَون في ذلك بالشهوات فيبثُّون في الناس حُبًّا اللهو والشهوة، ومِنْ هذا ما تبثُّه وسائلُ الإعلامِ الخبيثةُ في الدُّول الكافرة ومَن تشبَّهتْ بها، فتجدهم يَدْعون إلى أسافلِ الأخلاق، يَدْعون بالقلم وبالصورة؛ فيُصَوِّرون النساءَ الفاتناتِ وعلى صِفَةٍ مُزْرية والعياذ بالله، ويكتبون أيضًا بالدعوة إلى ذلك، هذا الأمر هل تظنُّون أنه يَمَسُّ العقيدةَ أو للبدن فقط؟ * طلبة: (...). * الشيخ: يمسُّ العقيدةَ في الواقع؛ لأن الإنسان إذا أصبح بهيميًّا ليس له إلا إشباعُ بَطْنه وإشباعُ غريزته فإنَّه يبقى لا صِلَة له بالله عز وجل ولا يكون له صِلَةٌ، أهمُّ شيءٍ عنده هذا الذي انغمسَ فيه من الشهوات واللَّهوات، فتجده يُعرِض عن دين الله ولا يهتمُّ به، ولذلك من أَضَرِّ ما يكون على البلاد الإسلامية بعد بثِّ السموم الفكريَّة بثُّ السموم الشهوانيَّة؛ لأن الشهوانية هذه يميل إليها الإنسانُ بفِطْرته التي تُمْليها عليه نفسُه الأمَّارةُ بالسوء فيَدْخُل فيها مُكْرَهًا، فإذا انغمسَ -نسأل الله العافية- فيها فإنَّه يَقِلُّ أن يَنْتَشِل نفسَه منها. فالمهمُّ أنَّ الذين كفروا يَسْعَون سعيًا حثيثًا في إبطال آياتِ الله أن تُنْشَر، أو أن يُعْمَل بها، أو أنْ يَتَّجِهَ الناسُ إليها بكُلِّ ما يستطيعون مِن قوَّةٍ؛ إمَّا بالصراع المسلَّح، وإمَّا ببَثِّ الأفكار المشكِّكة المشبِّهة، وإمَّا ببَثِّ أيش؟ الشهوات حتى يُعرِض الناسُ عن دينهم. وقوله: ﴿آيَاتِنَا﴾ قال: (القرآن). الصواب أن ﴿آيَاتِنَا﴾ هُنا أعمُّ من القرآن؛ لأن الساعين في آيات الله ليسُوا من هذه الأُمَّة فقط، حتى في الأُمَم السابقة فإنَّ فيهم مَن يسعى في آيات الله، ألَيْسَ كذلك؟! مثلًا فِرْعون يهدد قومَه يقول: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص ٣٨]، ويحثُّهم على أن يكفروا بموسى عليه الصلاة والسلام، وغير ذلك أيضًا من الأُمَم الآخَرين، كلُّهم يَسْعَون في آياتِ الله؛ أي: في إبطالها وصَدِّ الناسِ عنها. وعلى هذا فنقول: إنَّ المراد بآيات الله هُنا أعمُّ من القرآن، يشمل الساعي في أيِّ آيةٍ من آيات الله. وقوله: (﴿مُعَجِّزِينَ﴾ [[قرأها الشيخ ﴿مُعْجِزِينَ﴾ من الإعجاز، والصواب من (التعجيز) كما أثبتنا.]] وفي قراءةٍ هُنا وفيما يأتي ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ أي: مُقَدِّرين عَجْزَنا، أو مُسابِقِينَ لَنَا فيفوتُونا لظنِّهم أن لا بَعْثَ ولا عقابَ). نعم، فيها قراءتان سبعيَّتان أو إحداهما شاذَّة؟ * طلبة: سبعيَّتان. * الشيخ: سبعيَّتان، كذا؟ لأنَّ من اصطلاح المؤلف رحمه الله أنَّه إذا قال: (وفي قراءة) فهي سبعيَّة، أمَّا إذا قال: (وقُرِئَ) فهي شاذَّة، هذا اصطلاحٌ خاصٌّ للمؤلِّف؛ إذا وجدتَ في الكتاب -هذا التفسير- (وفي قراءة) فأعلمْ أنها قراءةٌ سبعيَّة، وإذا وجدتَ (وقُرِئَ) فهي قراءة شاذَّة، والفرق بينهما أن القراءة السبعيَّة يجوز أن يَقْرأ بها الإنسانُ في صلاته ويتعبَّد لله سبحانه وتعالى بها، وأمَّا الشاذَّة فهي على اسمها شاذَّةٌ، لكن هلْ يُحتَجُّ بها في الأحكام أو لا يُحتَجُّ؟ فيه خلافٌ بين العلماء. إذَنْ فيها قراءتان: ﴿مُعَجِّزِينَ﴾ أو ﴿مُعَاجِزِينَ﴾. المعجِّز معناه الذي يُريد أن يُعَجِّز غيره بدون أن يكون من الغير مقابلةٌ له، هذا المعجِّز، فيكون الإعجاز من طرفٍ واحدٍ؛ أي إنهم يريدون بهذا أن يعجِّزوا الله عز وجل في عدم مؤاخذتهم وعقابهم لأنهم آمنون من مَكْر الله سبحانه وتعالى. ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ تكون من طرفين كلُّ واحدٍ منهما يُريد إعجاز الآخَر، فكأنَّهم لطُغيانهم وعُدوانهم جعلوا أنفسَهم في مقام الصِّراع مع الله عز وجل، وإنْ كان الله عز وجل يريد أن يُعجزهم فهم أيضًا يريدون أن يُعجزوا الله سبحانه وتعالى. وقد سبق أن القراءتين قد تدلُّ كلُّ واحدةٍ منهما على معنًى يُكمل القراءة الأخرى، فأيُّهما أبلغ: المعجِّز أو المعاجِز؟ * طلبة: المعاجِز. * الشيخ: المعاجِز أبلغُ في الطغيان؛ لأنه أراد أنْ يجعل نفسَه حربًا لله سبحانه وتعالى مقابِلًا له. ما جزاؤهم؟ قال: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾. قال: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ﴾، الجملةُ هذه نقول في إعرابها كما قُلنا في قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾، فهي مبتدأٌ وخبرُه الجملةُ بعده. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ العذاب بمعنى العقاب، والرِّجز يقول المؤلف: (سيِّئ العَذَاب)، الرِّجْز هو السيِّئ من كلِّ شيءٍ، فإذا قيل: ﴿عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ﴾ فمعناه سيِّئُ العذاب، فعذابُهُم هذا -والعياذُ بالله- سيِّئُ العذاب، بلْ إنَّه أسوأُ العذاب؛ فإنَّ أعظم عذابٍ يُعذَّب به البَشَر هو عذابُ النار، نسأل الله العافية، فهو أسوأُ العذاب. وقوله: ﴿أَلِيمٌ﴾ أي: (مؤلِم، بالجرِّ والرفْع) يعني: قراءتان (صِفَةٌ لـ﴿رِجْزٍ﴾ أو ﴿عَذَابٌ﴾ ). يعني كلمة ﴿أَلِيمٌ﴾ فيها قراءتان: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ أو ﴿عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٍ﴾ ؛ أمَّا كون ﴿أَلِيمٌ﴾ صفة لـ﴿عَذَابٌ﴾ فهي كثيرة في القرآن؛ ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة ١٠] كثيرًا ما يَصِف اللَّهُ العذابَ بالألم، وأمَّا ﴿رِجْزٍ﴾ فإنها كانت صفةً لها لأنها أقربُ من ﴿عَذَابٌ﴾. وعليه فإذا قلتَ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ قلنا: إنها صفةٌ لـ﴿عَذَابٌ﴾، وإذا قلتَ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٍ﴾ قلنا: إنها صفةٌ لـ﴿رِجْزٍ﴾، ويجوز أن تقرأ بهذا وبهذا بلْ يُستحبُّ لك أن تقرأ بالقراءتين جميعًا، وبالثلاث إذا كان فيها ثلاث قراءات؛ لأن اختلاف القراءات كاختلاف الصفات في العبادات، وقد مرَّ علينا أن الأفضل فيما جاء من العبادات على صفات متعدِّدة، الأفضل أن تعمل بهذا مرَّةً وبهذا مرَّةً حتى تحصل على السُّنَنِ كلِّها، وهكذا القراءات، ولكن إيَّاك أنْ تقرأ وأنت شاكٌّ في القراءة؛ لأنه لا يجوز أن نقرأ إلا ونحن متيقِّنون بأن هذه قراءة صحيحة. ثم قال عز وجل: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ ٦] ﴿يَرَى﴾ بمعنى يعلم؛ لأن الرؤية تكون بمعنى الرؤية بالعين، وتكون الرؤية بالقلب، والرؤيةُ بالقلب هي العلم. و(رأى) بمعنى عَلِمَ تأتي في القرآن كثيرًا؛ مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج ٦، ٧] ﴿نَرَاهُ﴾ بمعنى نعلمه؛ لأنه ليس المعنى: نراه بأعيُننا، لأنه لم يَقَع، وليس المعنى: نظنُّ، لأنَّ الله مُنَزَّهٌ عن الظنِّ، وعلى هذا فيكون ﴿نَرَاهُ﴾ بمعنى نعلمه. هنا ﴿يَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أي: يعلم، لكنه إذا جاءتْ (يرى) بمعنى يعلم دلَّتْ على أن العِلم في أعلى مقامات العِلم وأنَّه صار كالمشاهَد بالعين يُرَى رؤيةً بالغةً كالذي يشاهَد. وقوله: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أي: أُعْطُوه، وهل المراد بهم أهل الكتاب أو هو عام؟ يقول المؤلف: (﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ مُؤمِنو أهلِ الكتاب كعبد الله بن سَلَامٍ وأصحابه). والصواب أنها أعمُّ من ذلك، وأن المراد بـ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ كلُّ مَن أعطاهم الله تعالى العلم، فيشمل أهلَ الكتاب من اليهود والنصارى، النجاشي -رحمه الله- من النصارى ورأى أنَّ الذي أُنْزِل إلى النبي ﷺ حقٌّ، وعبد الله بن سَلَام من أحبار اليهود رأي أنَّ الذي أُنْزِل على النبي ﷺ هو الحق، وكذلك أيضًا مَن آتاه اللَّهُ عِلْمًا من هذه الأُمَّة فإنه يرى أنَّ الذي أُنْزِل إلى النبي ﷺ هو الحق، بخلاف مَن كان جاهلًا فإن إيمانَه إيمانُ تقليدٍ، وهو وإن كان مُجْزِئًا عنه لكنه ليس كإيمانِ الذي آتاه اللَّهُ العلمَ. ويدلُّ على أن المراد بـ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ ما هو أعمُّ قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران ١٨]، الذين أُوتوا العلمَ هم الذين يَرَوْن أن ما أُنْزِل إلى النبي ﷺ هو الحق، وذلك بما آتاهم الله تعالى من العلم الراسخ في قلوبهم، ولهذا تجد عبادةَ العامِّي يعبدُ اللَّهَ سبحانه وتعالى عبادةً أشبهَ ما تكون بالعادة، وإنْ كان يرى في قلبه الإنابةَ والخشوعَ والاستحضارَ، لكنه ليس كالذي يعبدُ اللَّهَ تعالى على بصيرةٍ وعلى علم؛ لأن في قلب هذا من اليقين ما ليس في قلب الأول، فيكون عامًّا. ﴿يَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ إذا كانت ﴿يَرَى﴾ عِلمية فإنها تنصب مفعولين، أين المفعول الأول؟ * طلبة: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾. * الشيخ: لا. * طلبة: ﴿الَّذِي﴾. * الشيخ: ﴿الَّذِي﴾ وين الذي؟ ﴿الَّذِي أُنْزِلَ﴾ اسم موصول، و﴿هُوَ الْحَقَّ﴾ ﴿الْحَقَّ﴾ هو المفعول الثاني، واضح؟ أما ﴿الَّذِينَ﴾ الأولى فهي فاعل. طيب، قوله: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ يعني القرآنَ؛ فإن الله تعالى أنزله إلى النبي ﷺ بواسطة جبريل. وقوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ هُنا أضافَ الربوبيَّةَ إلى النبي ﷺ لأنَّ الوحي ربوبيَّةٌ خاصَّة؛ إذ لا أحدَ يُشارك النبيَّ ﷺ من هذه الأُمَّة في ذلك، فلهذا أضاف الربوبيَّةَ إليه وحدَه فقال: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ للعناية بهذا المنَزَّلِ إليه والمنَزَّلِ أيضًا. وقوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ تقدَّم أنَّ معنى الربوبيَّة هو الْخَلْق والْمُلْك والتدبير؛ فالله تعالى خالقُ النبيِّ ﷺ، ومالكُه ومدبِّرُه. قال المؤلف: (أي: القرآن ﴿هُوَ﴾ فَصْل ﴿الْحَقَّ﴾ ) ﴿الْحَقَّ﴾ هذا هو المفعول الثاني، و﴿هُوَ﴾ ضمير فَصْل، لَفْظه لَفْظ الضمير لكنَّه ليس ضميرًا، ولذلك لا نقول: إنَّه اسمٌ، وأيضًا لا نقول: له محلٌّ من الإعراب؛ يعني لا محلَّ له من الإعراب وليس باسْمٍ، لكنه جيء به للفصل. والدليل على أنَّه لا محلَّ له من الإعراب قوله تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ﴾ [الشعراء ٤٠] ﴿الْغَالِبِينَ﴾ ولَّا (الغالبون)؟ * طلبة: ﴿الْغَالِبِينَ﴾. * الشيخ: ﴿الْغَالِبِينَ﴾ لو كان له محلٌّ من الإعراب لَقال: هم الغالبون، فلمَّا قال: ﴿هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ وصارت ﴿الْغَالِبِينَ﴾ خبر (كان) دلَّ ذلك على أنَّ هذا الضمير ليس له محلٌّ من الإعراب، لكن ما فائدته؟ ذَكَر العلماءُ أنَّه له ثلاث فوائد: الفائدة الأولى؟ * طالب: الفَصْل بين الصفة والخبر. * الشيخ: الفَصْل بين الصفة والخبر. الفائدة الثانية؟ * الطالب: الحصر. * الشيخ: الحصر. الفائدة الثالثة؟ * الطالب: التوكيد. * الشيخ: التوكيد. فهو يفيد ثلاث فوائد: الحصر، والتوكيد، والتفريق أو الفصل بين الخبر والصفة. كذا؟ هات مثالًا اشرح به لنا هذا. * الطالب: (...). * الشيخ: (زيدٌ الفاضل)، كلمة (الفاضل) أيضًا هاهُنا يحتمل أنها صفة لـ(زيد) وأنَّ الخبر لم يأتِ، فيكون الإنسان الآن مترقِّبًا للخبر كأنْ يكون تقديره: زيدٌ الفاضلُ حاضِرٌ. أو لا؟ * الطلبة: إي نعم. * الشيخ: إذا قلتَ: زيدٌ الفاضلُ حاضرٌ، صارت (الفاضلُ) هُنا صفةً بلا شكٍّ و(حاضرٌ) خبرًا، فإذا قلت: زيدٌ الفاضلُ، بَسْ فقطْ يحتمل أنك تُريد أن تُخبر بأنَّ زيدًا فاضلٌ ويحتمل أنك تريد أن تَصِفَ زيدًا بأنَّه فاضلٌ والخبر لم يأتِ، أليس كذلك؟ فإذا قلتَ: زيدٌ هو الفاضلُ، تعيَّن أن تكون (الفاضل) الآن خبرًا، ولَّا لا؟ طيب، هذا وجْهُ كونه فاصلًا بين الصفة والخبر. طيب، هو مؤكِّد أيضًا؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: مؤكِّد؛ لأنك إذا قلتَ: زيدٌ الفاضلُ، و: زيدٌ هو الفاضلُ، هذا أَوْكد بلا شك. كذلك أيضًا مفيدٌ للحصر؛ لأنك إذا قلتَ: زيدٌ هو الفاضل، معناه: لا غَيْره. فضمير الفَصْل إذَنْ يفيد ثلاث فوائد: الحصر، والتوكيد، والفصل بين الخبر والصفة. يقول عز وجل: ﴿هُوَ الْحَقَّ﴾. ﴿الْحَقَّ﴾ بمعنى الشيء الثابت، هذا الحق، فقولك: أُحِقُّ الشيءَ؛ أي: أُثْبِتُه؛ ﴿حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ [يونس ٩٦] أي: ثَبَتَتْ ووَجَبَتْ. فما هو الثبوت في القرآن؟ الصِّدق في الأخبار، والعدل في الأحكام؛ فالحقُّ إذا أُضِيف إلى الحكْم فمعناه العدل، أيْ إنَّه حكمٌ عادلٌ، ولهذا لو تنازعَ خصمانِ عند القاضي وحَكَمَ لأحدهما بما تقتضيه الشريعةُ قُلنا: هذا حقٌّ؛ لأنه عَدَلَ، ولو حَكَم للثاني بخلافه قُلنا: هذا ليس بحقٍّ، هذا باطلٌ؛ لأنه حَكَم بغير الحقِّ، فالحقُّ في الأحكام هو أيش؟ العدل، وفي الأخبارِ الصِّدقُ؛ فالذين آتاهم اللَّهُ العلمَ يعلمون أن هذا القرآنَ حقٌّ في أحكامه وحقٌّ في أخباره، فأحكامُه كلُّها عدلٌ لأنها وَضَعَت الشيءَ في نِصَابه وجعلت الحقَّ لمستحقِّيه، وأخبارُه أيضًا أيش؟ ثابتةٌ حقٌّ؛ يعني: ثابتة ما فيها كَذِب. إذَن الحق (...). فإذا قلتَ: هذا خبرٌ حقٌّ؛ أي: صِدْق، هذا حُكْمٌ حقٌّ؛ أي: عَدْل، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥] قال العلماء: ﴿صِدْقًا﴾ في الأخبار، و﴿عَدْلًا﴾ في الأحكام. ﴿هُوَ الْحَقَّ﴾، ومع ذلك (﴿وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ﴾ طريق ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ أي: الله ذو العِزَّة المحمود)، ﴿يَهْدِي﴾ بمعنى يدلُّ، فالهداية هنا هدايةُ دلالةٍ وإرشاد. والهداية نوعان: هدايةُ توفيقٍ، وهدايةُ دلالةٍ. أمَّا هدايةُ التوفيق فلا يملكُها إلا الله عز وجل؛ قال الله تعالى لنبيِّه محمد ﷺ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص ٥٦]. وأمَّا هدايةُ الدلالة فثابتةٌ لكلِّ ما يكون به الإرشادُ والدلالة؛ فالقرآنُ يهدي إلى صراطٍ مستقيمٍ، والنبيُّ ﷺ يهدي إلى صراطٍ مستقيمٍ، عرفتم؟ طيب، هنا: ﴿وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ﴾ أي؟ * طالب: إلى طريق. * الشيخ: لا، ويش معنى ﴿يَهْدِي﴾؟ أي: يدل. وقوله: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ يعني الله. وهُنا قال: ﴿صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ كما قال تعالى في سورة إبراهيم: ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم ١] فأضافه إلى هذا الاسم العظيم، وهو الدالُّ على العِزَّة إشارة إلى أنَّ مَن تمسَّكَ بهذا الصراط كانت له العِزَّة. ﴿الْحَمِيدِ﴾ أيضًا إشارةٌ إلى أنَّ مَن لَزِم هذا الصراطَ كان في مقامٍ محمودٍ. أمَّا ﴿الْعَزِيزِ﴾ الذي هو اسمُ الله فإنَّ العزيز مَن له العِزَّة، والله تعالى له العِزَّة جميعًا؛ ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر ١٠]. العِزَّة التي وُصِفَ الله بها تتضمَّن ثلاثة معانٍ: عِزَّة القَدْر، وعِزَّة القَهْر، وعِزَّة الامتناع. انتبِهْ! العِزَّة التي يتَّصف الله بها تتضمَّن ثلاثة معانٍ: عِزَّة القَدْر والقَهْر والامتناع. أمَّا عِزَّة القَدْر فمعناها أنَّ الله تعالى ذو قَدْرٍ عظيمٍ، وأمَّا عِزَّة القَهْر فمعناها أنَّ الله ذو قَهْرٍ عظيمٍ وغَلَبَةٍ لا يَغْلبه أحدٌ، وأمَّا عِزَّة الامتناع فمعناها أنَّ الله عز وجل يمتنع عليه النقصُ بوجْهٍ من الوجوه، لا يمكن أن يناله نقصٌ أبدًا. هذه العِزَّة المضافة إلى مَن؟ * طلبة: إلى الله عز وجل. * الشيخ: إلى الله عز وجل، عِزَّة القَدْر، ويش بَعْد؟ والقهر، والامتناع. طيب، يُقال مثلًا: هذا عزيزٌ عَلَيَّ؛ أي: ذو قَدْرٍ شريفٍ عندي. وقال تعالى: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص ٢٣] يعني: غَلَبَني، هذه عِزَّة القهر والغَلَبة. ويُقال: أرضٌ عَزَازٌ؛ أي: قويَّةٌ شديدةٌ ما يؤثِّر فيها وطْءُ الأقدام، وهذا عِزَّة الامتناع، فالله عز وجل موصوفٌ بالعِزَّة بمعانيها الثلاثة. وأمَّا ﴿الْحَمِيدِ﴾ فيقول المؤلف: إنه بمعنى المحمود، وصحيحٌ أن (فَعِيل) تأتي بمعنى مفعول، ومنه قولهم: (قَتِيل) بمعنى مقتول، و(جَرِيح) بمعنى مجروح. لكنَّها تأتي بمعنى الفاعل أيضًا مثل: (عليم) بمعنى عالِم، (عزيز) بمعنى عازٍّ، (حكيم) بمعنى مُحْكِم، وهكذا تأتي بهذا المعنى. فإذا كانت تأتي بالوجهين جميعًا؛ أي: بالفاعل والمفعول، فهل الأَوْلى أن نجعلها مقصورةً على المفعول ولَّا نجعلها شاملة؟ * طالب: شاملة. * الشيخ: شاملة؛ فهو سبحانه وتعالى حَمِيدٌ بمعنى حامد وبمعنى محمود؛ أمَّا كونه حامدًا فما أكثر ما يُثْني الله عز وجل على عباده المؤمنين! ولَّا لا؟ هل الله يُثْني على المؤمنين ولَّا ما يُثْني؟ إذَنْ هذا حَمْدٌ، فهو حامدٌ سبحانه وتعالى، وأمَّا كونه محمودًا فظاهرٌ؛ فإنَّ الله تعالى له الحمد على كلِّ حال. والحاصل أن تفسير المؤلف ﴿الْحَمِيدِ﴾ بالمحمود فيه قصورٌ، والصواب أنَّه بمعنى محمود وبمعنى حامد، وأنَّ له الحمد سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة. طيب، هل إضافة الصراط إلى اسم الله ﴿الْحَمِيدِ﴾ فيه دليل؛ قلتُ: إنَّه فائدتُه أنَّه يدلُّ على أنَّ مَن تمسَّك بهذا الصراط فإنَّه عزيزٌ ومحمودٌ أيضًا؛ محمودٌ على التزامه بهذا الصراط (...). * * * * طالب: في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ قال المؤلف: (حَسَنٌ في الجنة)، فهل في هذا تخصيص الرزق في الجنة؟ * الشيخ: لا، هو قصده: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ﴾ يعني: في الجنة. * الطالب: عامٌّ يعني، ما تكون في الدنيا والآخرة؟ * الشيخ: لا، هو لَمَّا ذَكَر المغفرة فإنَّ المغفرة ما تظهر آثارها إلا هناك، ولكنْ كما قلتَ: الأحسن العموم، الأحسن أن نقول: إنَّ هذا عامٌّ. فإنْ قلتَ: إننا نجد من المؤمنين العاملين الصالحات مَن هو فقيرٌ، فأين الكَرَم في الرزق؟ نقول كما قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: «لَيْسَ الْغِنَى بِكَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَإِنَّمَا الْغِنَى غِنَى الْقَلْبِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٤٤٦)، ومسلم (١٠٥١ / ١٢٠) ، من حديث أبي هريرة بلفظ: «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ».]] ، فقد يكون الإنسانُ عنده مالٌ كثيرٌ لكن حاله حال الفقراء. * طالب: قوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ إلى آخره، يُشْكِل على هذا أن بعض مَنْ أُوتي العلمَ (...) أنَّه لا يرى أن ما أُوتي النبيُّ هو الحق، (...) يقول: إنَّه غيرُ حقٍّ، وباطلٌ، وليس فيه (...) ولا يتناسب مع العصر (...). فما الجواب؟ * الشيخ: أسمعتم سؤال الأخ؟ يقول: إنَّ مِن أهل العلم مِمَّن أُوتوا العلم مَن لا يرى أنَّ ما أُنْزِل إليه من ربِّه الحق، فنقول: لا يمكن هذا، كلُّ مَن أُوتى علمًا فإنَّه يرى أن ما جاء به النبيُّ عليه الصلاة والسلام هو الحق، لكنْ يكون معاندًا مستكبرًا، مُشْكل هذا؛ يعني المكابَرة أمْرٌ ما فيه إلا السيف إذا استحقَّ القتل، وإلَّا كل إنسان يُؤتَى العلم لا بدَّ أنْ يشهد بالحقِّ لِمَا جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنَّ ما جاء به الرسولُ مطابقًا للواقع، فلا بدَّ أن يعلم أنَّه الحقُّ، وقد قال الله تعالى عن آل فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل ١٤] فهم يستيقنون بها ويعلمونها أنها الحق، لكنَّهم يجحدون، وقال عز وجل: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام ٣٣]، إي نعم (...). * * * من الفوائد (...). * طالب: (...). * الشيخ: يشمل كلَّ مَن آتاهُ اللَّهُ العلمَ، حتى عبد الله بن سلام وغيره. * طالب: (...)؟ * الشيخ: (...) هذا ما هو بصحيح، مِن الجائز أن تَنزل الآية قبل أن يحدث الواقع. * من الفوائد من قوله تعالى .. أظنُّ .. الفوائد يا أخوان. * طالب: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. * الشيخ: من هذا؟ * يستفاد من الآية الكريمة: أنَّ أفعال الله سبحانه وتعالى مُعَلَّلة؛ بمعنى أنَّ لها عِلَّة، فمن أين يؤخذ؟ * طلبة: ﴿لِيَجْزِيَ﴾. * الشيخ: من اللام ﴿لِيَجْزِيَ﴾؛ لأنَّ اللام للتعليل، وهذا يؤيِّد مذهبَ أهل السُّنة والجماعة الذين يقولون: إنَّ أفعال الله تعالى مقرونةٌ بالحكمة. وتعلمون أنَّ الجهمية وكذلك بعض الأشاعرة يُنكرون أنْ تكون أفعالُ الله تعالى لحِكمةٍ ويقولون: إنَّ أفعاله لمجرَّد المشيئة، قالوا: لأنَّ الحِكمة غَرَضٌ من الأغراض التي تحمل على الفِعْل، والله سبحانه وتعالى مُنَزَّهٌ عن الأغراض. ونقول لهم: إنَّ هذا مصادَمة للنصوص، ولو تأمَّلنا القرآنَ لوجدنا فيه آلاف الآيات تدلُّ على إثبات الحكمة لله عز وجل، ثم الغرض إنْ كان لمصلحة الغير فهو أيش؟ مدحٌ وثناءٌ، وإنْ كان لحاجة (...) ليس فيها نقصٌ بوجهٍ من الوجوه. وقد سَبَقَت لكم القاعدةُ الخبيثةُ؛ الذين يقولون: إن الله مُنَزَّهٌ عن الأعراض والأغراض والأبعاض. والكلام هذا إذا سمعتَه قلت: هذا كلام طيِّب. مُنَزَّه عن الأعراض والأغراض والأبعاض. (مُنَزَّه عن الأعراض) يعنون بذلك نَفْي أفعاله الاختياريَّة؛ يعني أنَّه لا ينزل، ولا يأتي، ولا يتكلَّم، وما إلى ذلك؛ لأنَّ هذه أعراضٌ تَحْدث وتزول. (عن الأبعاض) يعنون بذلك نَفْي الوجه واليدين والعينين وما أشبهَ ذلك؛ لأن هذه أبعاضٌ بالنسبة لنا. (والأغراض) يعنون بذلك نَفْي الحِكمة. والقرآن يَرُدُّ قولَهم هذا. * من فوائد الآية الكريمة: فَضْل الإيمانِ والعملِ الصالح، وجْهه مِن ترتُّب الثوابِ عليه؛ ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، وما ترتَّبَ عليه الثوابُ فهو فاضلٌ ومحمودٌ ومطلوبٌ. * ومن فوائد الآية الكريمة: الفرق بين الإيمان والعمل الصالح عند الجمْع بينهما؛ لأن هُنا ما قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فقط ولا ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فقط، بلْ جَمَعَ بينهما، وقد سبق لنا أنَّه إذا جُمِعَ بينهما صار الإيمانُ في القلب، والعملُ الصالِحُ في الجوارح. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارةُ إلى أنَّ الإيمانَ فقط -يعني: الذي في القلب فقط- لا يكفي عن العمل الصالح؛ لأنَّه رتَّبَ الجزاءَ على قيام الوصفين بالفاعل، وهما الإيمانُ والعملُ الصالح، لكني أقول: إنَّ الإيمانَ إذا كان صادقًا فلا بدَّ أنْ يكون العملُ الصالِحُ؛ لقول النبي ﷺ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧)، من حديث النعمان بن بشير.]] . * ومن فوائد الآية الكريمة: أن العمل ليس مقبولًا ولا محمودًا ولا مُثَابًا عليه حتى يكون صالحًا؛ لقوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. ومتى يكون صالحًا؟ إذا جَمَعَ شرطين: الإخلاص لله، والثاني: المتابعة لرسول الله ﷺ؛ فإنْ فُقِدَ الإخلاصُ فليس بصالحٍ وهو مردودٌ على فاعله؛ قال الله تعالى: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]] ، وإن فَقَدَ المتابعةَ فهو أيضًا مردودٌ غير مقبول؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨/ ١٨) واللفظ له، من حديث عائشة.]] ، ولا تتحقَّق المتابعةُ إلا بشروطٍ ستة: أنْ تكون العبادةُ أو أنْ يكون العملُ موافقًا للشرع في سببه وجنسه وقَدْره وكيفيَّته وزمانه ومكانه، لا تتحقَّق المتابعةُ حتى يكون العملُ موافقًا للشرع في الأمور الستة، ما هي؟ في سببه وجنسه وقَدْره وكيفيَّته وزمانه ومكانه، تمام. فلو أحدثَ الإنسانُ عبادةً لسببٍ غير شرعيٍّ فهي مردودة؛ لو قال: كلَّما سمعتُ نباح الكلاب صلَّيتُ ركعتين. تُجزئ ولا ما تُجزئ؟ طلبة: لا تجزئ. * الشيخ: تُقبل منه ولَّا لا؟ * طلبة: لا تُقبل. * الشيخ: لماذا؟ لأنه علَّقها بسببٍ لم تكن مشروعةً من أجْله فلا تُقبل. لو أنَّ أحدًا من الناس ضحَّى بفرسٍ -أُنثى الخيل- قال: أنا عندي شاةٌ تساوى مئتَيْ ريال، وعندي فرسٌ تساوي عشرين ألف ريال، أبغي أضحِّي بالفرس. تُقبَل؟ * طالب: لا تُقبل. * الشيخ: ليش؟ * الطالب: جنس (...). * الشيخ: لأنه مخالفٌ للشرع في الجنس؛ الأضحية ما تكون إلا من بهيمة الأنعام. لو أنَّ أحدًا تعبَّد لله عز وجل بعبادةٍ محدَّدة بقَدْرٍ معيَّن فزادَ في قَدْرها؛ كما لو صلَّى ستَّ صلواتٍ، قال: إن المدة بين العشاء والفجر طويلةٌ تحتاج إلى زيادةِ صلاةٍ، والمدةُ بين الفجر والظُّهر طويلةٌ تحتاج إلى زيادةِ صلاةٍ، أبغي أصلِّي سبع مرَّات، ما تقولون؟ * طلبة: مردودة. * الشيخ: ليش؟ * طالب: للكيفيَّة. * طالب آخر: القَدْر. * الشيخ: قَدْرها، أو لو صلَّى خمسًا في الرباعية أو ثلاثًا في الثنائية فإنها لا تُقبل. لو قال قائل: إذا سبَّحَ الرجلُ دُبُرَ الصلاةِ مئتي مرَّة، فهلْ ترفضون هذا التسبيح كلَّه أو تقولون: ما وافقَ الشرعَ فهو مقبولٌ وما زاد عليه فهو مردود؟ * طلبة: الأخير. * الشيخ: نقول: إذا كانت العبادةُ التي حَصَلَ فيها الزيادةُ تتجزَّأ؛ بمعنى أنَّه يصح أوَّلُها دون آخِرها، فإنَّنا لا نُبطل أوَّلَها بما طرأَ عليها، أمَّا إذا كانت لا تتجزَّأ فإنها إذا بَطَلَ آخِرُها بَطَلَ أوَّلُها؛ فلو صلَّى الظُّهر خمسًا بطلتْ صلاتُه لأنها لا يمكن أن يصح أوَّلُها مع فساد آخِرها، لكنْ في زيادة العدد لا نُبطل العددَ الأول، لكنَّنا نقول لهذا الرجل: إنْ كنتَ تعتقد أن المئتين هي المشروعة فأنت ضالٌّ لأنك مبتدعٌ، وإنْ كنتَ تريد أن تقول: أنا أعترفُ أن المشروع مئة، ولكن زدتُ على أنه تطوُّعٌ، فهذا يُكتَب لك أجْر التسبيح المطلق لا المقيَّد. في كيفيتها؛ لو أنَّ أحدًا صلَّى وصار يسجد ثم يركع ثم يسجد، ما تقولون؟ * طلبة: ما تُجزئ. * الشيخ: ليش؟ * طلبة: الكيفيَّة. * الشيخ: لاختلاف الكيفيَّة. في الزمن؛ لو أنَّ أحدًا قال: أنا سوف أحجُّ في ذي القعدة، أخرج إلى مِنى في ليلة التاسع من ذي القعدة وأبِيتُ فيها، وفي التاسع أذهب إلى عرفة وأقف.. إلى آخِره، كمَّل أفعال الحج في ذي القعدة، لماذا؟ قال: لأنَّه ما عندي أحدٌ يُضايقني، أيش تقولون في هذا؟ * طلبة: لا يصح. * الشيخ: ليش؟ * طالب: لاختلاف الزمن. * الشيخ: لأنها لم تُوافق الشرعَ في الزمن. يُقال: إن رجلًا بدويًّا كان يبيع في المواشي؛ في الأضاحي، يأتي بها يجلبها إلى السوق، وهو ما أدَّى الفريضة، فقيل له: لماذا لم تؤدِّ الفريضة؟ قال: الفريضة تأتي في وقت الموسم، وأنا ما أحب، ولكنني سأذهبُ إلى الشيخ أسأله: هل يجوز أني أحجُّ في عيد رمضان؟ فذهب إلى الشيخ يستأذنه يقول: أستأذنك يا شيخ أنك تسمح لي أن أحجَّ في عيد رمضان بدل عيد الضحية؛ لأن عيد الضحية فيه موسم لنا. فقال له الشيخ: إن أذنتُ لك أن تحجَّ فإني آذنُ لك أن تضحِّي. وحينئذٍ يكون الموسم تابعًا لأيش؟ للحجِّ، ما يتخلَّص منه. فأقول: إن هذا الذي حجَّ في ذي القعدة حتى لو وافقَ التاسع والعاشر والحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر فإنها لا تُقبل، لماذا؟ لمخالفتها للزمن. رجلٌ في العَشْر الأواخر من رمضان قال: سأعتكفُ في بيتي، ما أنا برائح المسجد، أتعب في تحصيل الطعام والشراب، ويمكن يجي أحد يُلهيني عن ذِكْر الله فبأقعد في البيت، هل يُقبل اعتكافه؟ * طلبة: لا يُقبل. * الشيخ: ليش؟ * طلبة: المكان. * الشيخ: نعم؛ لأنَّه مخالفٌ للشرع في المكان. فتبيَّن الآن أن تحقيق المتابعة لا يكون إلا إذا وافقَ العملُ الشريعةَ في الأمور الستَّة. * ومن فوائد الآية الكريمة: عُلُوُّ مرتبةِ المؤمنين العاملين الصالحات؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾؛ لأن الإشارة هُنا للبعيد، وذلك لعُلُوِّ مرتبتهم، مثل قوله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة ١، ٢] مع أن الكتاب بين أيدينا، لكن أشار إليه إشارةَ البعيدِ لعُلُوِّ مرتبته. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ في الإيمانِ والعملِ الصالح حصولَ المطلوبِ وزوالَ المكروهِ؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ هذا زوالُ المكروه، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ هذا حصولُ المطلوب. واعلمْ أنَّ الله تعالى إذا غَفَرَ لك فَتَحَ لك أبوابَ المعرفة وانشرحَ صدرُك بالإيمان؛ لأن الذي يُوجب ضيقَ الصَّدْر وتَشَتُّتَ الفِكْر هو المعاصي؛ ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المطففين ١٣] شوف، ما يعرف قَدْر القرآن، إذا يُتلى عليه القرآن يقول: أساطير الأولين، فلا يعرف قَدْره، لماذا؟ ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٤]، لَمَّا رانَ على قَلْبه عملُه صارَ -والعياذ بالله- لا يرى هذا القرآنَ العظيمَ إلا أيش؟ إلا أساطير الأولين. ولهذا قال بعض العلماء: ينبغي لِمَن نزلتْ به نازلةٌ وطلب حُكْمَها سواءٌ كانت هذه النازلةُ خاصَّةً به أمْ كان مسؤولًا عنها، ينبغي له أنْ يستغفر الله. واستدلَّ لذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء ١٠٥] أيش بعده؟ ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ١٠٦] وهذا ليس ببعيد. إذَنْ من فوائد الإيمانِ والعملِ الصالح حصولُ المطلوب والنجاةُ من المكروه. * من فوائد الآية الكريمة أيضًا: أنَّ رِزْق الجنَّة رِزْقٌ كريمٌ؛ أي: واسعٌ كثيرٌ دائمٌ حَسَنٌ، ويدلُّ لذلك قولُه تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]، وقولُه تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة ٣٢، ٣٣]. ثم قال عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾. * يُستفاد من هذه الآية: تحقُّق ما وَصَفَ الله به القرآنَ من أنَّه أيش؟ * طالب: حقٌّ. * الشيخ: لا، من أنَّه مَثَانٍ، إذا ذُكِر فيه المعنى ذُكِر ما يقابله، وإذا ذُكِر فيه العاملُ ذُكِر مَن يقابله. * ويُستفاد منها أيضًا: الحكمةُ في الخِطاب وأنَّه ينبغي في الخِطاب أن يكون جامعًا بين أسباب الخوف وأسباب الرجاء، لماذا؟ * طالب: (...). * الشيخ: يكون جامعًا، ولأنَّه إذا ذُكِر الخوفُ فقط فقد يستولي على القلب القُنوط من رحمة الله، أو الرجاءُ فقط فقد يستولي عليه الأمنُ من مَكْر الله سبحانه وتعالى. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ الكفَّار يَسْعَون جادِّين لإبطال آيات الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا﴾، والسَّعْي كما نعلم نحن أنَّه هو الجرْيُ بشِدَّة، فهؤلاء يَسْعَون جادِّين لإبطال آيات الله سبحانه وتعالى. * ومن فوائدها أيضًا: أنَّ هؤلاء الكفَّار كأنما يُعاجزون اللَّهَ ويُغالبونه؛ لقوله: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أنَّ هؤلاء الذين سَعَوْا في آيات الله مُعاجزين يُعاقَبون بهذا العقاب الأليم؛ ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾، وقوله: ﴿مِنْ رِجْزٍ﴾ أي: من عذابٍ سَيِّءٍ مؤلِمٍ كما مَرَّ علينا. * ومن فوائد الآية الكريمة: التحذيرُ من سَعْي الإنسانِ في إبطال آيات الله؛ فإذا قُلنا على القاعدة التي مَرَّت علينا في قواعد التفسير قبل البارحة: إنَّه إذا نُهِيَ عن شيءٍ فهو أَمْرٌ بضِدِّه، فتكون هذه الآية متضمِّنةً للحثِّ على السعي في آيات الله عز وجل لتقريرها وتَثْبيتها، وهو كذلك، فإنَّنا مأمورون بأنْ نسعى قَدْر استطاعتنا في تثبيت آيات الله عز وجل ونَشْرِها بين الأُمَّة حتى تقوم المِلَّة. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثباتُ الجزاءِ والحكمةِ فيه؛ لأنَّ المؤمنين اللي عملوا الصالحات ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، وهؤلاء ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾. ثم قال تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ إلى آخِره. * في هذه الآية: فضيلةُ العلم، من أين تؤخذ؟ * طلبة: ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ﴾. * الشيخ: إي، لكن فضيلة العلم. * الطالب: (...). * الشيخ: لكن ما وجْهُ كون هذا يدلُّ على فضيلة العلم؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: أنَّهم يَرَوْن أنَّه الحق، لما آتاهم الله سبحانه وتعالى من العلم. * الشيخ: صحيح، أنَّ العالِمَ يعرف الحقائق على ما هي عليه، فيرى أنَّ الذي أُنْزِل على الرسول هو الحق، وهذا لا شكَّ أنَّه من فضائل العلم، عكْس الذي يتردَّد في كونه حقًّا أو يُنكر أن يكون حقًّا والعياذُ بالله، فالذين مَنَّ اللَّهُ عليهم بالعلم يَرَوْن أنَّه الحق. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارةُ إلى أنَّه لا ينبغي للإنسان أن يُعْجَب بعِلْمه، من أين تؤخذ؟ * طالب: (...). * الشيخ: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾. * الطالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ﴾؛ أي: هو يعلم.. * الشيخ: لا. * طالب: أنَّ هذا العلم أُنْزِل من عند الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: لا. * طالب: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾. * الشيخ: لا يا إخواني، فيه دليل على أنَّه ما ينبغي للإنسان أنْ يُعْجَب بعِلْمه؛ لقوله: ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ﴾؛ يعني ما أدركوه بأنفسهم، ولكنَّ الله تعالى مَنَّ عليهم به، واضح؟ لا تَقُل: هذا من عندي. مثل المال أيضًا؛ بعضُ الناسِ يُعْجَب إذا حَصَّل مالًا، وهو الذي أعطاه المالَ هو الله عز وجل، وماذا صَنَعَ اللَّهُ بالذي قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص ٧٨]؟ خَسَفَ به الأرض، فالآن ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ فيها دليلٌ على أنَّه لا ينبغي للإنسان أن يُعْجَب بنفسه ويقول: العلم حصَّلتُه أنا بفَهْمي وحِرصي ومُثابرتي. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّه ينبغي للإنسان أن يَلْجأ إلى الله تعالى في تحصيل العلم، من أين نأخذها؟ * طالب: ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ﴾؛ فإذا كُنَّا نُؤتَى العلمَ فلنسأل هذا العلمَ مِمَّن يؤتينا إيَّاه، أليس كذلك؟ * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ القرآنَ كلامُ الله؛ ﴿أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾، ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾، كيف كان في ذلك دليلٌ على أنَّه كلامُ الله؟ لأنَّه ليس كلُّ نازلٍ كلامًا، قد يَذْكر الله الإنزال للشيء وليس بكلام. * طالب: لأن ما نَزَلَ من الله إمَّا أنْ يكون قائمًا بذاته أو قائمًا بغيره، فالقائمُ بذاته مخلوقٌ كالمطر ونحوه، أمَّا القرآنُ فهو قائمٌ بغيره. * الشيخ: لأنَّه كلامٌ، فلا يمكن إلَّا مِن متكلِّم، فيكون كلامُ الله غير مخلوق، واضح يا جماعة؟ وإلَّا هناك أشياء يُنزلها الله ويقول: أنزلناها، وهي مخلوقة؛ ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الأنعام ٩٩]، ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [المؤمنون ١٨]، ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر ٦]، ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد ٢٥]، وكلُّ هذه الأشياء مخلوقة ولَّا لا؟ لأنها أعيانٌ قائمةٌ بذاتها، بخلاف القول، فإنَّ القول لا يكون إلَّا بقائلٍ؛ فإذا قال الله: ﴿أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران ٧] وهو قولٌ، صار هذا القول من كلام الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلةُ النبيِّ ﷺ، من أين تؤخذ؟ * طلبة: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾. * الشيخ: من إضافة الربوبيَّة إليه، وهذه الربوبيَّة خاصَّةٌ كما مَرَّ علينا أيضًا في قواعد التفسير، فحينئذٍ نقول: في هذا فضيلةُ النبيِّ ﷺ. * وفيها من فوائدها: عنايةُ الله بالرسول عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾، وفيه بيانُ فضلِ الله عليه حيثُ أنزلَ عليه الحقَّ. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أنَّ هذا القرآن حقٌّ في أخباره وفي أحكامه، والحقِّيَّة في الأخبار هي الصدق، وفي الأحكامِ العدلُ، وقد جَمَعَ اللَّهُ ذلك في قوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ القرآنَ منارٌ وهُدًى .. ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن منار وهدى يهتدي به الناس ويستضيؤون به؛ لقوله: ﴿وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ ٦]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من ابتغى الهدى من غيره ضلَّ؛ لأنه إذا كان هو الذي يهدي إلى صراط العزيز الحميد فإذا ابتغيت الهدى من غيره المخالف له فإنك لا تُهْدى إلى صراط العزيز الحميد؛ ولهذا لما طلب أهل البدع الوصول إلى الخالق عن طريق غير القرآن ماذا حصل لهم؟ ضلوا وتاهوا وبقوا متحيرين مضطربين. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من تمسَّك بهذا القرآن نال العزة والحمد أي: صار عزيزًا محمودًا؛ لقوله: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾، ولم يقل: إلى صراط الله، بل قال: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ إشارة إلى من تمسَّك بهذا القرآن فله العزة وله الحمد يُحْمَد على فعله وقوله وتركه. * ومن فوائدها: إثبات هذين الاسمين لله عز وجل وهما العزيز الحميد، وقلنا: إن العزة التي اتصف الله بها سبحانه وتعالى لها ثلاثة أنواع.. * طالب: عزة القهر، وعزة القدر، وعزة الامتناع. * الشيخ: عزة الامتناع، صح؟ عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع، كذا؟ طيب، شرحها؟ * طالب: عزة القدر أن تكون إنسانًا.. هذا إنسان عزيز (...)، وأما عزة القهر يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص ٢٣] أي: غلبني، وأما الامتناع أن تقول: هذه أرض عَزاز أي: قوية صلبة ممتنعة. * الشيخ: طيب، أحسنت. الحميد من أسماء الله أيضًا وهو مشتق من الحمد، فهل هو بمعنى اسم الفاعل أو بمعنى اسم المفعول؟ (...) العزة وإثبات الحمد لله، فيه عبارة عند الناس يقول: الحمد لله الذي لا يُحْمَد على مكروه سواه، ويش تقولون في العبارة هذه؟ * طلبة: غير صحيحة. * الشيخ: ما هي بمناسبة؛ لأنك تُعْلِن إعلانًا تامًا بأنك تكره ما قضى الله، «الرسول عليه الصلاة والسلام إذا أصابه أَمْرٌ يُسَرُّ به قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ»، وإذا أصابه ما يكره قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ»[[أخرجه ابن ماجه (٣٨٠٣) من حديث عائشة رضي الله عنها. ]] ولا يذكر شيئًا مكروهًا؛ ولهذا ينبغي لنا أن نُنَبِّه من تكلم بهذه العبارة نقول: يا أخي، لا تقل هكذا، هذا يشعر بأنك لم ترض بقضاء الله، قل: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ». الآن نحن نعلم أن الله رب كل شيء ويدخل في ضمن ذلك الكلاب والخنازير والحشرات وما أشبه ذلك أو لا؟ لكن هل من اللائق أن تقول: إن الله رب الكلاب ورب الخنازير ورب الحشرات، هذا ليس من الأدب أن تُخَصِّص كما نصَّ على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، فهنا فرق بين التعميم وبين التخصيص؛ ولهذا قال الرسول: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ».

سبأ 34:6

فيها أيضًا: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [سبأ ٤]، محل هذه الآية مما قبلها في المعنى، أو اللام في قوله: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ متعلِّقة بماذا؟ مَن؟ إحنا ما فَسَّرْنَاها؟ * طلبة: لا، اللي قبل يا شيخ، (بَيِّن هُوَ اللَّوْح الْمَحْفُوظ). * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ قال: (﴿لِيَجْزِيَ﴾ فيها)، (فيها) الضمير يعود على الساعة. ﴿لِيَجْزِيَ﴾ اللام هنا للتعليل، وقد علمنا من قواعد اللغة العربية أن حروف الجر لا بد لها من متعلَّق، فأين متعلَّق اللام، متعلَّق هذه اللام قوله: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾، أي: لتأتينكم ليجزي الذين، فهذه اللام للتعليل، وهي متعلقة بقوله: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾. و﴿يَجْزِيَ﴾ بمعنى: يكافئ، أو يثيب، والفاعل هو الله سبحانه وتعالى. وقوله: (فيها) أشار المؤلف بقوله: (فيها) إلى أن الجارّ والمجرور متعلِّق بـ(تأتِينكم)؛ لأن الضمير في قوله: (فيها) يعود على الساعة، (﴿لِيَجْزِيَ﴾ فيها). ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: آمنوا بالقلب، وعملوا الصالحات بالجوارح، والإيمان إذا أُطْلِق شمل الأعمال الظاهرة؛ أعمال الجوارح، وكذلك العمل إذا أُطْلِق يشمل الإيمان بالقلب؛ لأن الإيمان بالقلب من أعمال القلوب فإذا قُرِنَا جميعًا صار الإيمان في القلب، والعمل في الجوارح، الإيمان سر، والعمل علانية. وقوله: ﴿آمَنُوا﴾، الإيمان في اللغة: التصديق، وفي الشرع: التصديق المستلزِم للقبول والإذعان، ليس مجرد تصديق، بل هو التصديق المستلزِم للقبول والإذعان، القبول في الأخبار، والإذعان في الطلب، فيقبل -مثلًا- ما أخبر الله به ورسوله، ويقبل كَوْن هذا الحكم فرضًا، وكونه تطوعًا، وما أشبه ذلك، ويُذْعِن لذلك، بمعنى أنه يتعبَّد لله بمقتضى ما آمن به، وبمقتضى ما شَرَعَه الله سبحانه وتعالى. وفي قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ يعني: عملوا الأعمال الصالحات، فتكون ﴿الصَّالِحَاتِ﴾ وصفًا لموصوف محذوف. وحَذْف المنعوت جائز إذا قامت القرينة عليه، قال ابن مالك: وَمَا مِنَ الْمَنْعُوتِ وَالنَّعْتِ عُقِلْ ∗∗∗ يَجُوزُ حَذْفُهُ وَفِي النَّعْتِ يَقِلْ ومِن حذف المنعوت قوله تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ ١١] أي: دروعًا سابغات. فعلى هذا تكون ﴿الصَّالِحَاتِ﴾ صفة لموصوف محذوف، أي: الأعمال الصالحات، وما هي الأعمال الصالحات؟ العمل الصالح هو الذي جمع بين أمرين: الإخلاص لله سبحانه وتعالى، والمتابعة للرسول ﷺ، فإن فُقِدَ الأول لم يكن صالحًا، وكان مردودًا على العامل، وإن فُقِدَ الثاني لم يكن صالحًا، وكان مردودًا على العامل أيضًا. الدليل: في الأول قال الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]. وفي الثاني قال النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»، أو «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨)، من حديث عائشة.]]، فلا يمكن أن يكون العمل صالحًا إلا بهذين الشرطين: الإخلاص، والمتابعة للرسول ﷺ. لو أن رجلًا أحدث بِدْعًا من البدع يتدين بها لله سبحانه وتعالى، ويجد من قلبه الاطمئنان إليها والخشوع والبكاء، لكنها مُحْدَثَة في دين الله، هل تكون عملًا صالحًا؟ ما تكون، حتى وإن زُيِّنَ للإنسان هذا العمل واطمأن إليه فإنه ليس من العمل الصالح، فلا يكون مقبولًا ولا نافعًا، بل يأْثَم به الإنسان؛ لأنه مِن التقرُّب إلى الله تعالى بما يكرهه، والتقرب إلى الله تعالى بما يكرهه نوع من الاستهزاء بالله عز وجل. أرأيت لو أنك أتيت لشخص، ملك من الملوك، وأهديت إليه قارورة فيها ما تريد أن تذهب به إلى التحليل، هل تكون مُكْرِمًا له ولَّا لا؟ أجيبوا. * طلبة: لا. * الشيخ: لا؛ لأن هذا هو يكره هذا الشيء، كيف تقول: أهدي إليه طِيبًا، جَرَّة طِيب، لا بأس أما تهدي إليه هذا الشيء وتقول: أتقرب إليه بذلك، فهذا ضد ما تريد، وهو نوع من الاستهزاء بهذا الْمُكْرَم أو الْمُعَظَّم. إذن الصالحات ما هي؟ الأعمال الصالحات التي جمعت بين شرطين: الإخلاص لله سبحانه وتعالى، والمتابعة للرسول ﷺ. يوجَد بعض الأعمال مما يُكْرَه في الشرع، لكن الإنسان يطمئن إليه ويرتاح له، فنقول: لا تغترّ بهذا الراحة وهذه الطمأنينة؛ فإن ذلك من تزيين أيش؟ من تزيين الشيطان، عُبَّاد الأصنام الذين جعلوها شفعاء لهم عند الله يرتاحون لهذا، ويرون أنها واسطة بينهم وبين الله سبحانه وتعالى، ومع ذلك فهي من الشرك. مثال هذا: يوجد بعض الناس يغمض عينيه في الصلاة، ويقول: إن ذلك أدعى للخشوع، فهذا مِن تزيين الشيطان؛ لأن تغميض العين في الصلاة لغير سبب مكروه، وخلاف هَدْي النبي عليه الصلاة والسلام، النبي عليه الصلاة والسلام كان لا يغمض عينيه، ولكنه إما أن ينظر إلى موضع سجوده أو إلى تلقاء وجهه، أما أنه يغمض عينيه فهذا خلاف السنة، ولهذا كرهه الفقهاء رحمهم الله، نعم لو كان هناك سبب للتغميض، كما لو كان أمامك شيء يجهر عينيك، أو نقوش تشغلك، فهنا التغميض لسبب لا للتقرب به إلى الله، ولكن لدفع ما يشوش عليك ويُخِلّ .. قوله: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ [سبأ ٣] (...). ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ [سبأ ٤]، قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ هذه الجملة استئنافية لبيان جزائهم؛ لأن قوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ مُبْهَم، فبيَّن هذا الجزاء بقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾. والإشارة في قوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ تعود إلى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، وهي مبتدأ، و﴿لَهُمْ﴾ خبر مقدَّم، و﴿مَغْفِرَةٌ﴾ مبتدأ مؤخَّر، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ معطوفٌ عليه، والجملةُ الثانيةُ من المبتدأِ والخبرِ خبرُ المبتدأ الأول. فعندنا الآن مبتدآن ﴿أُولَئِكَ﴾ و﴿مَغْفِرَةٌ﴾ كذا؟ ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ، و﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور خبرٌ مقدَّمٌ لأيش؟ لـ﴿مَغْفِرَةٌ﴾، و﴿مَغْفِرَةٌ﴾ مبتدأ مؤخَّر، و﴿رِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ معطوف عليها، والجملةُ من المبتدأ الثاني وخبره في محلِّ رفع خبر المبتدأ الأول. مفهوم هذا عندكم؟ أين الرابط؟ الرابط الضمير في ﴿لَهُمْ﴾؛ لأنه يعود على المشار إليه. قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ أشار إليهم بإشارة البعيد تنبيهًا على عُلُوِّ مرتبتهم؛ لأن هذا الصنف من الناس هو أعلى طبقات الناس؛ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. وقوله: ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ بها زوال المكروه، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ به حصول المطلوب، فلهم مغفرةٌ لذنوبهم وخطاياهم، فيغفر الله لهم الخطايا والذُّنوب بأن يتجاوز عنهم ويسترها عليهم؛ لأن المغفرة هي سَتْر الذنبِ والتجاوزُ عنه؛ إذْ إنَّ اشتقاقها من الْمِغْفَر؛ وهو الذي يُلْبَس على الرأس عند الحرب، وفيه فائدتان: سَتْر الرأس، ووِقايتُه من السهام. فالمغفرة إذَنْ فيها سَتْر الذُّنوب، والتجاوزُ عنها وعدمُ العقوبة عليها. ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ الرزق بمعنى العطاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء ٨] أي: أعطوهم. والكريم بمعنى الحسَن في كيفيَّته وفي كمِّيته، وقد أشار الله تعالى إلى أن حُسْن هذا الرزق لا تَبْلغه العقولُ في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]، فثوابُ هؤلاء المؤمنين اللي عملوا الصالحات ثوابُهم أنْ تُغْفَر سيِّئاتُهم وأنْ يُجازَوْا على عملهم الصالح بالرزق الكريم. قلت: ﴿كَرِيمٌ﴾ أنَّه حَسَنٌ في أيش؟ كمِّيته وكيفيَّته؛ فكمِّيته لا تُحصَى، ولا يفنى ولا يَبِيد، وكيفيَّته أيضًا لا يُدركها العقل أو القلب؛ ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ثم قال عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ إلى آخِره [سبأ: ٥] تكلَّمنا سابقًا وقُلنا: إن القرآن مثانٍ كما وَصَفَه الله به؛ فقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر ٢٣]، و﴿مَثَانِيَ﴾ هذه غير المثاني في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر ٨٧]؛ لأن المراد بـ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ المراد بها الفاتحة كما ثَبَتَ ذلك عن النبي ﷺ، فالمثاني معناه -﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ - أنَّه تُثَنَّى فيه المعاني، فغالبًا إذا ذُكِر جزاءُ المتقين ذُكِر جزاءُ الكافرين، إذا ذُكِر وصْفُ الجنة ذُكِر وصْف النار، إذا ذُكِرت الأوصاف المحبوبة إلى الله ذُكِرت الأوصاف المكروهة إليه، لماذا؟ لأنه لو ذُكِر المطلوب فقط من أوصافٍ أو جزاءٍ أَخَذَ الإنسانَ الرجاءُ حتى أَمِنَ مَكْرَ الله، وإنْ ذُكِر المكروهُ من ذلك أَخَذَه القنوطُ واليأسُ، فكان الله عز وجل يذكر هذا ثم يذكر إلى جانبه الشيءَ الآخَرَ حتى يكون الإنسانُ سائرًا إلى ربِّه بين أيش؟ بين الخوف والرجاء؛ لأن هذا هو الاعتدالُ أنْ تكون خائفًا راجيًا في سَيْرك إلى ربِّك؛ لأنك إن غَلَّبْتَ الرجاءَ كنْتَ من الآمِنين مكْرَ الله؛ لأن من غَلَّبَ الرجاءَ صار يعمل الذَّنْب ويقول: أرجو أنَّ الله يغفر لي، ويتهاون بالواجب ويقول: أرجو الله يَغْفر لي، ومَنْ غَلَّبَ الخوفَ دَخَلَ في القنوط من رحمة الله. وذَكَرْنا أن بعضَ العلماء خالف في هذا وقال: إنه ينبغي لك عند فِعْل الطاعة أن تُغَلِّبَ الرجاءَ؛ لأنك قُمْتَ بما أُمِرْتَ فارْجُ اللَّهَ سبحانه وتعالى ثوابَه؛ لأن هذا من باب إحسانِ الظنِّ بالله، وإذا كُنتَ في مقام المعصية فغَلِّبْ جانبَ الخوف لِتَرْدَعَ نفسَك عمَّا تُريد أن تفعله من المعصية. وأنَّ بعضَ العلماء ذهبَ مذهبًا آخَر وقال: في حال المرضِ تُقَدِّم جانبَ الرجاء؛ لأنك الآن في مقام الضَّعف فتُغَلِّب جانبَ الرجاء وإحسان الظنِّ بالله عز وجل، فلا تموتَنَّ إلا وأنتَ تُحْسِن الظنَّ بربِّك سبحانه وتعالى، وإذا كنتَ في حال الصِّحَّة فغَلِّبْ جانبَ الخوف. والإمام أحمد -رحمه الله- قال: ينبغي أن يكون خوفُه ورجاؤه واحدًا، فأيُّهما غَلَبَ هلك صاحبُه. والإنسان طبيبُ نفسِه في الواقع؛ لا شكَّ أنك إنْ رأيتَ نفسَك تميل إلى الباطل فإنَّه يجب عليك أن تُخَوِّفها بالله عز وجل، لا تُرَجِّها؛ لأنك إن رجَّيْتَها في هذه الحال ماذا تصنع؟ تُقْدِم على المعاصي، إي نعم. يقول: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾. ﴿سَعَوْا فِي آيَاتِنَا﴾ قال المؤلف: (في إبْطالِ ﴿آيَاتِنَا﴾ القرآن). فجَعَلَ في الآية محذوفًا تقديره: في إبطالها. ومعنى ﴿سَعَوْا﴾ أي: مَشَوْا بشِدَّة، هذا في الأصل، ومنه السَّعي؛ أي: الرَّكْض، فالمراد أنَّ هؤلاء يُسابِقون ويتسارعون إلى إبطال آيات الله سبحانه وتعالى، إبطالها بالنسبة لهم لا يقومون بها، وإبطالها بالنسبة لغيرهم يَصُدُّون الناسَ عن دين الله؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الحج ٢٥]، فهؤلاء سَعَوْا غايةَ السَّعْي في آيات الله عز وجل لإبطالها وإخفاقها. وقوله: ﴿سَعَوْا فِي آيَاتِنَا﴾ لم يبيِّن بماذا سَعَوْا؛ لأنَّ هؤلاء يَسْعَون في إبطال آيات الله أحيانًا بالصِّراع المسلَّح؛ يعني يهاجِمون الديار ويُقاتلونهم حتى يردُّوهم عن دينهم، وأحيانًا بالسلاح الفكري؛ فيبثُّون فيهم الشُّبُهات في دينهم، في نبيِّهم، في ربِّهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، وأحيانًا يَسْعَون في ذلك بالشهوات فيبثُّون في الناس حُبًّا اللهو والشهوة، ومِنْ هذا ما تبثُّه وسائلُ الإعلامِ الخبيثةُ في الدُّول الكافرة ومَن تشبَّهتْ بها، فتجدهم يَدْعون إلى أسافلِ الأخلاق، يَدْعون بالقلم وبالصورة؛ فيُصَوِّرون النساءَ الفاتناتِ وعلى صِفَةٍ مُزْرية والعياذ بالله، ويكتبون أيضًا بالدعوة إلى ذلك، هذا الأمر هل تظنُّون أنه يَمَسُّ العقيدةَ أو للبدن فقط؟ * طلبة: (...). * الشيخ: يمسُّ العقيدةَ في الواقع؛ لأن الإنسان إذا أصبح بهيميًّا ليس له إلا إشباعُ بَطْنه وإشباعُ غريزته فإنَّه يبقى لا صِلَة له بالله عز وجل ولا يكون له صِلَةٌ، أهمُّ شيءٍ عنده هذا الذي انغمسَ فيه من الشهوات واللَّهوات، فتجده يُعرِض عن دين الله ولا يهتمُّ به، ولذلك من أَضَرِّ ما يكون على البلاد الإسلامية بعد بثِّ السموم الفكريَّة بثُّ السموم الشهوانيَّة؛ لأن الشهوانية هذه يميل إليها الإنسانُ بفِطْرته التي تُمْليها عليه نفسُه الأمَّارةُ بالسوء فيَدْخُل فيها مُكْرَهًا، فإذا انغمسَ -نسأل الله العافية- فيها فإنَّه يَقِلُّ أن يَنْتَشِل نفسَه منها. فالمهمُّ أنَّ الذين كفروا يَسْعَون سعيًا حثيثًا في إبطال آياتِ الله أن تُنْشَر، أو أن يُعْمَل بها، أو أنْ يَتَّجِهَ الناسُ إليها بكُلِّ ما يستطيعون مِن قوَّةٍ؛ إمَّا بالصراع المسلَّح، وإمَّا ببَثِّ الأفكار المشكِّكة المشبِّهة، وإمَّا ببَثِّ أيش؟ الشهوات حتى يُعرِض الناسُ عن دينهم. وقوله: ﴿آيَاتِنَا﴾ قال: (القرآن). الصواب أن ﴿آيَاتِنَا﴾ هُنا أعمُّ من القرآن؛ لأن الساعين في آيات الله ليسُوا من هذه الأُمَّة فقط، حتى في الأُمَم السابقة فإنَّ فيهم مَن يسعى في آيات الله، ألَيْسَ كذلك؟! مثلًا فِرْعون يهدد قومَه يقول: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص ٣٨]، ويحثُّهم على أن يكفروا بموسى عليه الصلاة والسلام، وغير ذلك أيضًا من الأُمَم الآخَرين، كلُّهم يَسْعَون في آياتِ الله؛ أي: في إبطالها وصَدِّ الناسِ عنها. وعلى هذا فنقول: إنَّ المراد بآيات الله هُنا أعمُّ من القرآن، يشمل الساعي في أيِّ آيةٍ من آيات الله. وقوله: (﴿مُعَجِّزِينَ﴾ [[قرأها الشيخ ﴿مُعْجِزِينَ﴾ من الإعجاز، والصواب من (التعجيز) كما أثبتنا.]] وفي قراءةٍ هُنا وفيما يأتي ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ أي: مُقَدِّرين عَجْزَنا، أو مُسابِقِينَ لَنَا فيفوتُونا لظنِّهم أن لا بَعْثَ ولا عقابَ). نعم، فيها قراءتان سبعيَّتان أو إحداهما شاذَّة؟ * طلبة: سبعيَّتان. * الشيخ: سبعيَّتان، كذا؟ لأنَّ من اصطلاح المؤلف رحمه الله أنَّه إذا قال: (وفي قراءة) فهي سبعيَّة، أمَّا إذا قال: (وقُرِئَ) فهي شاذَّة، هذا اصطلاحٌ خاصٌّ للمؤلِّف؛ إذا وجدتَ في الكتاب -هذا التفسير- (وفي قراءة) فأعلمْ أنها قراءةٌ سبعيَّة، وإذا وجدتَ (وقُرِئَ) فهي قراءة شاذَّة، والفرق بينهما أن القراءة السبعيَّة يجوز أن يَقْرأ بها الإنسانُ في صلاته ويتعبَّد لله سبحانه وتعالى بها، وأمَّا الشاذَّة فهي على اسمها شاذَّةٌ، لكن هلْ يُحتَجُّ بها في الأحكام أو لا يُحتَجُّ؟ فيه خلافٌ بين العلماء. إذَنْ فيها قراءتان: ﴿مُعَجِّزِينَ﴾ أو ﴿مُعَاجِزِينَ﴾. المعجِّز معناه الذي يُريد أن يُعَجِّز غيره بدون أن يكون من الغير مقابلةٌ له، هذا المعجِّز، فيكون الإعجاز من طرفٍ واحدٍ؛ أي إنهم يريدون بهذا أن يعجِّزوا الله عز وجل في عدم مؤاخذتهم وعقابهم لأنهم آمنون من مَكْر الله سبحانه وتعالى. ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ تكون من طرفين كلُّ واحدٍ منهما يُريد إعجاز الآخَر، فكأنَّهم لطُغيانهم وعُدوانهم جعلوا أنفسَهم في مقام الصِّراع مع الله عز وجل، وإنْ كان الله عز وجل يريد أن يُعجزهم فهم أيضًا يريدون أن يُعجزوا الله سبحانه وتعالى. وقد سبق أن القراءتين قد تدلُّ كلُّ واحدةٍ منهما على معنًى يُكمل القراءة الأخرى، فأيُّهما أبلغ: المعجِّز أو المعاجِز؟ * طلبة: المعاجِز. * الشيخ: المعاجِز أبلغُ في الطغيان؛ لأنه أراد أنْ يجعل نفسَه حربًا لله سبحانه وتعالى مقابِلًا له. ما جزاؤهم؟ قال: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾. قال: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ﴾، الجملةُ هذه نقول في إعرابها كما قُلنا في قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾، فهي مبتدأٌ وخبرُه الجملةُ بعده. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ العذاب بمعنى العقاب، والرِّجز يقول المؤلف: (سيِّئ العَذَاب)، الرِّجْز هو السيِّئ من كلِّ شيءٍ، فإذا قيل: ﴿عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ﴾ فمعناه سيِّئُ العذاب، فعذابُهُم هذا -والعياذُ بالله- سيِّئُ العذاب، بلْ إنَّه أسوأُ العذاب؛ فإنَّ أعظم عذابٍ يُعذَّب به البَشَر هو عذابُ النار، نسأل الله العافية، فهو أسوأُ العذاب. وقوله: ﴿أَلِيمٌ﴾ أي: (مؤلِم، بالجرِّ والرفْع) يعني: قراءتان (صِفَةٌ لـ﴿رِجْزٍ﴾ أو ﴿عَذَابٌ﴾ ). يعني كلمة ﴿أَلِيمٌ﴾ فيها قراءتان: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ أو ﴿عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٍ﴾ ؛ أمَّا كون ﴿أَلِيمٌ﴾ صفة لـ﴿عَذَابٌ﴾ فهي كثيرة في القرآن؛ ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة ١٠] كثيرًا ما يَصِف اللَّهُ العذابَ بالألم، وأمَّا ﴿رِجْزٍ﴾ فإنها كانت صفةً لها لأنها أقربُ من ﴿عَذَابٌ﴾. وعليه فإذا قلتَ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ قلنا: إنها صفةٌ لـ﴿عَذَابٌ﴾، وإذا قلتَ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٍ﴾ قلنا: إنها صفةٌ لـ﴿رِجْزٍ﴾، ويجوز أن تقرأ بهذا وبهذا بلْ يُستحبُّ لك أن تقرأ بالقراءتين جميعًا، وبالثلاث إذا كان فيها ثلاث قراءات؛ لأن اختلاف القراءات كاختلاف الصفات في العبادات، وقد مرَّ علينا أن الأفضل فيما جاء من العبادات على صفات متعدِّدة، الأفضل أن تعمل بهذا مرَّةً وبهذا مرَّةً حتى تحصل على السُّنَنِ كلِّها، وهكذا القراءات، ولكن إيَّاك أنْ تقرأ وأنت شاكٌّ في القراءة؛ لأنه لا يجوز أن نقرأ إلا ونحن متيقِّنون بأن هذه قراءة صحيحة. ثم قال عز وجل: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ ٦] ﴿يَرَى﴾ بمعنى يعلم؛ لأن الرؤية تكون بمعنى الرؤية بالعين، وتكون الرؤية بالقلب، والرؤيةُ بالقلب هي العلم. و(رأى) بمعنى عَلِمَ تأتي في القرآن كثيرًا؛ مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج ٦، ٧] ﴿نَرَاهُ﴾ بمعنى نعلمه؛ لأنه ليس المعنى: نراه بأعيُننا، لأنه لم يَقَع، وليس المعنى: نظنُّ، لأنَّ الله مُنَزَّهٌ عن الظنِّ، وعلى هذا فيكون ﴿نَرَاهُ﴾ بمعنى نعلمه. هنا ﴿يَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أي: يعلم، لكنه إذا جاءتْ (يرى) بمعنى يعلم دلَّتْ على أن العِلم في أعلى مقامات العِلم وأنَّه صار كالمشاهَد بالعين يُرَى رؤيةً بالغةً كالذي يشاهَد. وقوله: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أي: أُعْطُوه، وهل المراد بهم أهل الكتاب أو هو عام؟ يقول المؤلف: (﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ مُؤمِنو أهلِ الكتاب كعبد الله بن سَلَامٍ وأصحابه). والصواب أنها أعمُّ من ذلك، وأن المراد بـ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ كلُّ مَن أعطاهم الله تعالى العلم، فيشمل أهلَ الكتاب من اليهود والنصارى، النجاشي -رحمه الله- من النصارى ورأى أنَّ الذي أُنْزِل إلى النبي ﷺ حقٌّ، وعبد الله بن سَلَام من أحبار اليهود رأي أنَّ الذي أُنْزِل على النبي ﷺ هو الحق، وكذلك أيضًا مَن آتاه اللَّهُ عِلْمًا من هذه الأُمَّة فإنه يرى أنَّ الذي أُنْزِل إلى النبي ﷺ هو الحق، بخلاف مَن كان جاهلًا فإن إيمانَه إيمانُ تقليدٍ، وهو وإن كان مُجْزِئًا عنه لكنه ليس كإيمانِ الذي آتاه اللَّهُ العلمَ. ويدلُّ على أن المراد بـ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ ما هو أعمُّ قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران ١٨]، الذين أُوتوا العلمَ هم الذين يَرَوْن أن ما أُنْزِل إلى النبي ﷺ هو الحق، وذلك بما آتاهم الله تعالى من العلم الراسخ في قلوبهم، ولهذا تجد عبادةَ العامِّي يعبدُ اللَّهَ سبحانه وتعالى عبادةً أشبهَ ما تكون بالعادة، وإنْ كان يرى في قلبه الإنابةَ والخشوعَ والاستحضارَ، لكنه ليس كالذي يعبدُ اللَّهَ تعالى على بصيرةٍ وعلى علم؛ لأن في قلب هذا من اليقين ما ليس في قلب الأول، فيكون عامًّا. ﴿يَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ إذا كانت ﴿يَرَى﴾ عِلمية فإنها تنصب مفعولين، أين المفعول الأول؟ * طلبة: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾. * الشيخ: لا. * طلبة: ﴿الَّذِي﴾. * الشيخ: ﴿الَّذِي﴾ وين الذي؟ ﴿الَّذِي أُنْزِلَ﴾ اسم موصول، و﴿هُوَ الْحَقَّ﴾ ﴿الْحَقَّ﴾ هو المفعول الثاني، واضح؟ أما ﴿الَّذِينَ﴾ الأولى فهي فاعل. طيب، قوله: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ يعني القرآنَ؛ فإن الله تعالى أنزله إلى النبي ﷺ بواسطة جبريل. وقوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ هُنا أضافَ الربوبيَّةَ إلى النبي ﷺ لأنَّ الوحي ربوبيَّةٌ خاصَّة؛ إذ لا أحدَ يُشارك النبيَّ ﷺ من هذه الأُمَّة في ذلك، فلهذا أضاف الربوبيَّةَ إليه وحدَه فقال: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ للعناية بهذا المنَزَّلِ إليه والمنَزَّلِ أيضًا. وقوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ تقدَّم أنَّ معنى الربوبيَّة هو الْخَلْق والْمُلْك والتدبير؛ فالله تعالى خالقُ النبيِّ ﷺ، ومالكُه ومدبِّرُه. قال المؤلف: (أي: القرآن ﴿هُوَ﴾ فَصْل ﴿الْحَقَّ﴾ ) ﴿الْحَقَّ﴾ هذا هو المفعول الثاني، و﴿هُوَ﴾ ضمير فَصْل، لَفْظه لَفْظ الضمير لكنَّه ليس ضميرًا، ولذلك لا نقول: إنَّه اسمٌ، وأيضًا لا نقول: له محلٌّ من الإعراب؛ يعني لا محلَّ له من الإعراب وليس باسْمٍ، لكنه جيء به للفصل. والدليل على أنَّه لا محلَّ له من الإعراب قوله تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ﴾ [الشعراء ٤٠] ﴿الْغَالِبِينَ﴾ ولَّا (الغالبون)؟ * طلبة: ﴿الْغَالِبِينَ﴾. * الشيخ: ﴿الْغَالِبِينَ﴾ لو كان له محلٌّ من الإعراب لَقال: هم الغالبون، فلمَّا قال: ﴿هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ وصارت ﴿الْغَالِبِينَ﴾ خبر (كان) دلَّ ذلك على أنَّ هذا الضمير ليس له محلٌّ من الإعراب، لكن ما فائدته؟ ذَكَر العلماءُ أنَّه له ثلاث فوائد: الفائدة الأولى؟ * طالب: الفَصْل بين الصفة والخبر. * الشيخ: الفَصْل بين الصفة والخبر. الفائدة الثانية؟ * الطالب: الحصر. * الشيخ: الحصر. الفائدة الثالثة؟ * الطالب: التوكيد. * الشيخ: التوكيد. فهو يفيد ثلاث فوائد: الحصر، والتوكيد، والتفريق أو الفصل بين الخبر والصفة. كذا؟ هات مثالًا اشرح به لنا هذا. * الطالب: (...). * الشيخ: (زيدٌ الفاضل)، كلمة (الفاضل) أيضًا هاهُنا يحتمل أنها صفة لـ(زيد) وأنَّ الخبر لم يأتِ، فيكون الإنسان الآن مترقِّبًا للخبر كأنْ يكون تقديره: زيدٌ الفاضلُ حاضِرٌ. أو لا؟ * الطلبة: إي نعم. * الشيخ: إذا قلتَ: زيدٌ الفاضلُ حاضرٌ، صارت (الفاضلُ) هُنا صفةً بلا شكٍّ و(حاضرٌ) خبرًا، فإذا قلت: زيدٌ الفاضلُ، بَسْ فقطْ يحتمل أنك تُريد أن تُخبر بأنَّ زيدًا فاضلٌ ويحتمل أنك تريد أن تَصِفَ زيدًا بأنَّه فاضلٌ والخبر لم يأتِ، أليس كذلك؟ فإذا قلتَ: زيدٌ هو الفاضلُ، تعيَّن أن تكون (الفاضل) الآن خبرًا، ولَّا لا؟ طيب، هذا وجْهُ كونه فاصلًا بين الصفة والخبر. طيب، هو مؤكِّد أيضًا؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: مؤكِّد؛ لأنك إذا قلتَ: زيدٌ الفاضلُ، و: زيدٌ هو الفاضلُ، هذا أَوْكد بلا شك. كذلك أيضًا مفيدٌ للحصر؛ لأنك إذا قلتَ: زيدٌ هو الفاضل، معناه: لا غَيْره. فضمير الفَصْل إذَنْ يفيد ثلاث فوائد: الحصر، والتوكيد، والفصل بين الخبر والصفة. يقول عز وجل: ﴿هُوَ الْحَقَّ﴾. ﴿الْحَقَّ﴾ بمعنى الشيء الثابت، هذا الحق، فقولك: أُحِقُّ الشيءَ؛ أي: أُثْبِتُه؛ ﴿حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ [يونس ٩٦] أي: ثَبَتَتْ ووَجَبَتْ. فما هو الثبوت في القرآن؟ الصِّدق في الأخبار، والعدل في الأحكام؛ فالحقُّ إذا أُضِيف إلى الحكْم فمعناه العدل، أيْ إنَّه حكمٌ عادلٌ، ولهذا لو تنازعَ خصمانِ عند القاضي وحَكَمَ لأحدهما بما تقتضيه الشريعةُ قُلنا: هذا حقٌّ؛ لأنه عَدَلَ، ولو حَكَم للثاني بخلافه قُلنا: هذا ليس بحقٍّ، هذا باطلٌ؛ لأنه حَكَم بغير الحقِّ، فالحقُّ في الأحكام هو أيش؟ العدل، وفي الأخبارِ الصِّدقُ؛ فالذين آتاهم اللَّهُ العلمَ يعلمون أن هذا القرآنَ حقٌّ في أحكامه وحقٌّ في أخباره، فأحكامُه كلُّها عدلٌ لأنها وَضَعَت الشيءَ في نِصَابه وجعلت الحقَّ لمستحقِّيه، وأخبارُه أيضًا أيش؟ ثابتةٌ حقٌّ؛ يعني: ثابتة ما فيها كَذِب. إذَن الحق (...). فإذا قلتَ: هذا خبرٌ حقٌّ؛ أي: صِدْق، هذا حُكْمٌ حقٌّ؛ أي: عَدْل، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥] قال العلماء: ﴿صِدْقًا﴾ في الأخبار، و﴿عَدْلًا﴾ في الأحكام. ﴿هُوَ الْحَقَّ﴾، ومع ذلك (﴿وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ﴾ طريق ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ أي: الله ذو العِزَّة المحمود)، ﴿يَهْدِي﴾ بمعنى يدلُّ، فالهداية هنا هدايةُ دلالةٍ وإرشاد. والهداية نوعان: هدايةُ توفيقٍ، وهدايةُ دلالةٍ. أمَّا هدايةُ التوفيق فلا يملكُها إلا الله عز وجل؛ قال الله تعالى لنبيِّه محمد ﷺ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص ٥٦]. وأمَّا هدايةُ الدلالة فثابتةٌ لكلِّ ما يكون به الإرشادُ والدلالة؛ فالقرآنُ يهدي إلى صراطٍ مستقيمٍ، والنبيُّ ﷺ يهدي إلى صراطٍ مستقيمٍ، عرفتم؟ طيب، هنا: ﴿وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ﴾ أي؟ * طالب: إلى طريق. * الشيخ: لا، ويش معنى ﴿يَهْدِي﴾؟ أي: يدل. وقوله: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ يعني الله. وهُنا قال: ﴿صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ كما قال تعالى في سورة إبراهيم: ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم ١] فأضافه إلى هذا الاسم العظيم، وهو الدالُّ على العِزَّة إشارة إلى أنَّ مَن تمسَّكَ بهذا الصراط كانت له العِزَّة. ﴿الْحَمِيدِ﴾ أيضًا إشارةٌ إلى أنَّ مَن لَزِم هذا الصراطَ كان في مقامٍ محمودٍ. أمَّا ﴿الْعَزِيزِ﴾ الذي هو اسمُ الله فإنَّ العزيز مَن له العِزَّة، والله تعالى له العِزَّة جميعًا؛ ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر ١٠]. العِزَّة التي وُصِفَ الله بها تتضمَّن ثلاثة معانٍ: عِزَّة القَدْر، وعِزَّة القَهْر، وعِزَّة الامتناع. انتبِهْ! العِزَّة التي يتَّصف الله بها تتضمَّن ثلاثة معانٍ: عِزَّة القَدْر والقَهْر والامتناع. أمَّا عِزَّة القَدْر فمعناها أنَّ الله تعالى ذو قَدْرٍ عظيمٍ، وأمَّا عِزَّة القَهْر فمعناها أنَّ الله ذو قَهْرٍ عظيمٍ وغَلَبَةٍ لا يَغْلبه أحدٌ، وأمَّا عِزَّة الامتناع فمعناها أنَّ الله عز وجل يمتنع عليه النقصُ بوجْهٍ من الوجوه، لا يمكن أن يناله نقصٌ أبدًا. هذه العِزَّة المضافة إلى مَن؟ * طلبة: إلى الله عز وجل. * الشيخ: إلى الله عز وجل، عِزَّة القَدْر، ويش بَعْد؟ والقهر، والامتناع. طيب، يُقال مثلًا: هذا عزيزٌ عَلَيَّ؛ أي: ذو قَدْرٍ شريفٍ عندي. وقال تعالى: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص ٢٣] يعني: غَلَبَني، هذه عِزَّة القهر والغَلَبة. ويُقال: أرضٌ عَزَازٌ؛ أي: قويَّةٌ شديدةٌ ما يؤثِّر فيها وطْءُ الأقدام، وهذا عِزَّة الامتناع، فالله عز وجل موصوفٌ بالعِزَّة بمعانيها الثلاثة. وأمَّا ﴿الْحَمِيدِ﴾ فيقول المؤلف: إنه بمعنى المحمود، وصحيحٌ أن (فَعِيل) تأتي بمعنى مفعول، ومنه قولهم: (قَتِيل) بمعنى مقتول، و(جَرِيح) بمعنى مجروح. لكنَّها تأتي بمعنى الفاعل أيضًا مثل: (عليم) بمعنى عالِم، (عزيز) بمعنى عازٍّ، (حكيم) بمعنى مُحْكِم، وهكذا تأتي بهذا المعنى. فإذا كانت تأتي بالوجهين جميعًا؛ أي: بالفاعل والمفعول، فهل الأَوْلى أن نجعلها مقصورةً على المفعول ولَّا نجعلها شاملة؟ * طالب: شاملة. * الشيخ: شاملة؛ فهو سبحانه وتعالى حَمِيدٌ بمعنى حامد وبمعنى محمود؛ أمَّا كونه حامدًا فما أكثر ما يُثْني الله عز وجل على عباده المؤمنين! ولَّا لا؟ هل الله يُثْني على المؤمنين ولَّا ما يُثْني؟ إذَنْ هذا حَمْدٌ، فهو حامدٌ سبحانه وتعالى، وأمَّا كونه محمودًا فظاهرٌ؛ فإنَّ الله تعالى له الحمد على كلِّ حال. والحاصل أن تفسير المؤلف ﴿الْحَمِيدِ﴾ بالمحمود فيه قصورٌ، والصواب أنَّه بمعنى محمود وبمعنى حامد، وأنَّ له الحمد سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة. طيب، هل إضافة الصراط إلى اسم الله ﴿الْحَمِيدِ﴾ فيه دليل؛ قلتُ: إنَّه فائدتُه أنَّه يدلُّ على أنَّ مَن تمسَّك بهذا الصراط فإنَّه عزيزٌ ومحمودٌ أيضًا؛ محمودٌ على التزامه بهذا الصراط (...). * * * * طالب: في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ قال المؤلف: (حَسَنٌ في الجنة)، فهل في هذا تخصيص الرزق في الجنة؟ * الشيخ: لا، هو قصده: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ﴾ يعني: في الجنة. * الطالب: عامٌّ يعني، ما تكون في الدنيا والآخرة؟ * الشيخ: لا، هو لَمَّا ذَكَر المغفرة فإنَّ المغفرة ما تظهر آثارها إلا هناك، ولكنْ كما قلتَ: الأحسن العموم، الأحسن أن نقول: إنَّ هذا عامٌّ. فإنْ قلتَ: إننا نجد من المؤمنين العاملين الصالحات مَن هو فقيرٌ، فأين الكَرَم في الرزق؟ نقول كما قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: «لَيْسَ الْغِنَى بِكَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَإِنَّمَا الْغِنَى غِنَى الْقَلْبِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٤٤٦)، ومسلم (١٠٥١ / ١٢٠) ، من حديث أبي هريرة بلفظ: «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ».]] ، فقد يكون الإنسانُ عنده مالٌ كثيرٌ لكن حاله حال الفقراء. * طالب: قوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ إلى آخره، يُشْكِل على هذا أن بعض مَنْ أُوتي العلمَ (...) أنَّه لا يرى أن ما أُوتي النبيُّ هو الحق، (...) يقول: إنَّه غيرُ حقٍّ، وباطلٌ، وليس فيه (...) ولا يتناسب مع العصر (...). فما الجواب؟ * الشيخ: أسمعتم سؤال الأخ؟ يقول: إنَّ مِن أهل العلم مِمَّن أُوتوا العلم مَن لا يرى أنَّ ما أُنْزِل إليه من ربِّه الحق، فنقول: لا يمكن هذا، كلُّ مَن أُوتى علمًا فإنَّه يرى أن ما جاء به النبيُّ عليه الصلاة والسلام هو الحق، لكنْ يكون معاندًا مستكبرًا، مُشْكل هذا؛ يعني المكابَرة أمْرٌ ما فيه إلا السيف إذا استحقَّ القتل، وإلَّا كل إنسان يُؤتَى العلم لا بدَّ أنْ يشهد بالحقِّ لِمَا جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنَّ ما جاء به الرسولُ مطابقًا للواقع، فلا بدَّ أن يعلم أنَّه الحقُّ، وقد قال الله تعالى عن آل فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل ١٤] فهم يستيقنون بها ويعلمونها أنها الحق، لكنَّهم يجحدون، وقال عز وجل: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام ٣٣]، إي نعم (...). * * * من الفوائد (...). * طالب: (...). * الشيخ: يشمل كلَّ مَن آتاهُ اللَّهُ العلمَ، حتى عبد الله بن سلام وغيره. * طالب: (...)؟ * الشيخ: (...) هذا ما هو بصحيح، مِن الجائز أن تَنزل الآية قبل أن يحدث الواقع. * من الفوائد من قوله تعالى .. أظنُّ .. الفوائد يا أخوان. * طالب: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. * الشيخ: من هذا؟ * يستفاد من الآية الكريمة: أنَّ أفعال الله سبحانه وتعالى مُعَلَّلة؛ بمعنى أنَّ لها عِلَّة، فمن أين يؤخذ؟ * طلبة: ﴿لِيَجْزِيَ﴾. * الشيخ: من اللام ﴿لِيَجْزِيَ﴾؛ لأنَّ اللام للتعليل، وهذا يؤيِّد مذهبَ أهل السُّنة والجماعة الذين يقولون: إنَّ أفعال الله تعالى مقرونةٌ بالحكمة. وتعلمون أنَّ الجهمية وكذلك بعض الأشاعرة يُنكرون أنْ تكون أفعالُ الله تعالى لحِكمةٍ ويقولون: إنَّ أفعاله لمجرَّد المشيئة، قالوا: لأنَّ الحِكمة غَرَضٌ من الأغراض التي تحمل على الفِعْل، والله سبحانه وتعالى مُنَزَّهٌ عن الأغراض. ونقول لهم: إنَّ هذا مصادَمة للنصوص، ولو تأمَّلنا القرآنَ لوجدنا فيه آلاف الآيات تدلُّ على إثبات الحكمة لله عز وجل، ثم الغرض إنْ كان لمصلحة الغير فهو أيش؟ مدحٌ وثناءٌ، وإنْ كان لحاجة (...) ليس فيها نقصٌ بوجهٍ من الوجوه. وقد سَبَقَت لكم القاعدةُ الخبيثةُ؛ الذين يقولون: إن الله مُنَزَّهٌ عن الأعراض والأغراض والأبعاض. والكلام هذا إذا سمعتَه قلت: هذا كلام طيِّب. مُنَزَّه عن الأعراض والأغراض والأبعاض. (مُنَزَّه عن الأعراض) يعنون بذلك نَفْي أفعاله الاختياريَّة؛ يعني أنَّه لا ينزل، ولا يأتي، ولا يتكلَّم، وما إلى ذلك؛ لأنَّ هذه أعراضٌ تَحْدث وتزول. (عن الأبعاض) يعنون بذلك نَفْي الوجه واليدين والعينين وما أشبهَ ذلك؛ لأن هذه أبعاضٌ بالنسبة لنا. (والأغراض) يعنون بذلك نَفْي الحِكمة. والقرآن يَرُدُّ قولَهم هذا. * من فوائد الآية الكريمة: فَضْل الإيمانِ والعملِ الصالح، وجْهه مِن ترتُّب الثوابِ عليه؛ ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، وما ترتَّبَ عليه الثوابُ فهو فاضلٌ ومحمودٌ ومطلوبٌ. * ومن فوائد الآية الكريمة: الفرق بين الإيمان والعمل الصالح عند الجمْع بينهما؛ لأن هُنا ما قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فقط ولا ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فقط، بلْ جَمَعَ بينهما، وقد سبق لنا أنَّه إذا جُمِعَ بينهما صار الإيمانُ في القلب، والعملُ الصالِحُ في الجوارح. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارةُ إلى أنَّ الإيمانَ فقط -يعني: الذي في القلب فقط- لا يكفي عن العمل الصالح؛ لأنَّه رتَّبَ الجزاءَ على قيام الوصفين بالفاعل، وهما الإيمانُ والعملُ الصالح، لكني أقول: إنَّ الإيمانَ إذا كان صادقًا فلا بدَّ أنْ يكون العملُ الصالِحُ؛ لقول النبي ﷺ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧)، من حديث النعمان بن بشير.]] . * ومن فوائد الآية الكريمة: أن العمل ليس مقبولًا ولا محمودًا ولا مُثَابًا عليه حتى يكون صالحًا؛ لقوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. ومتى يكون صالحًا؟ إذا جَمَعَ شرطين: الإخلاص لله، والثاني: المتابعة لرسول الله ﷺ؛ فإنْ فُقِدَ الإخلاصُ فليس بصالحٍ وهو مردودٌ على فاعله؛ قال الله تعالى: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]] ، وإن فَقَدَ المتابعةَ فهو أيضًا مردودٌ غير مقبول؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨/ ١٨) واللفظ له، من حديث عائشة.]] ، ولا تتحقَّق المتابعةُ إلا بشروطٍ ستة: أنْ تكون العبادةُ أو أنْ يكون العملُ موافقًا للشرع في سببه وجنسه وقَدْره وكيفيَّته وزمانه ومكانه، لا تتحقَّق المتابعةُ حتى يكون العملُ موافقًا للشرع في الأمور الستة، ما هي؟ في سببه وجنسه وقَدْره وكيفيَّته وزمانه ومكانه، تمام. فلو أحدثَ الإنسانُ عبادةً لسببٍ غير شرعيٍّ فهي مردودة؛ لو قال: كلَّما سمعتُ نباح الكلاب صلَّيتُ ركعتين. تُجزئ ولا ما تُجزئ؟ طلبة: لا تجزئ. * الشيخ: تُقبل منه ولَّا لا؟ * طلبة: لا تُقبل. * الشيخ: لماذا؟ لأنه علَّقها بسببٍ لم تكن مشروعةً من أجْله فلا تُقبل. لو أنَّ أحدًا من الناس ضحَّى بفرسٍ -أُنثى الخيل- قال: أنا عندي شاةٌ تساوى مئتَيْ ريال، وعندي فرسٌ تساوي عشرين ألف ريال، أبغي أضحِّي بالفرس. تُقبَل؟ * طالب: لا تُقبل. * الشيخ: ليش؟ * الطالب: جنس (...). * الشيخ: لأنه مخالفٌ للشرع في الجنس؛ الأضحية ما تكون إلا من بهيمة الأنعام. لو أنَّ أحدًا تعبَّد لله عز وجل بعبادةٍ محدَّدة بقَدْرٍ معيَّن فزادَ في قَدْرها؛ كما لو صلَّى ستَّ صلواتٍ، قال: إن المدة بين العشاء والفجر طويلةٌ تحتاج إلى زيادةِ صلاةٍ، والمدةُ بين الفجر والظُّهر طويلةٌ تحتاج إلى زيادةِ صلاةٍ، أبغي أصلِّي سبع مرَّات، ما تقولون؟ * طلبة: مردودة. * الشيخ: ليش؟ * طالب: للكيفيَّة. * طالب آخر: القَدْر. * الشيخ: قَدْرها، أو لو صلَّى خمسًا في الرباعية أو ثلاثًا في الثنائية فإنها لا تُقبل. لو قال قائل: إذا سبَّحَ الرجلُ دُبُرَ الصلاةِ مئتي مرَّة، فهلْ ترفضون هذا التسبيح كلَّه أو تقولون: ما وافقَ الشرعَ فهو مقبولٌ وما زاد عليه فهو مردود؟ * طلبة: الأخير. * الشيخ: نقول: إذا كانت العبادةُ التي حَصَلَ فيها الزيادةُ تتجزَّأ؛ بمعنى أنَّه يصح أوَّلُها دون آخِرها، فإنَّنا لا نُبطل أوَّلَها بما طرأَ عليها، أمَّا إذا كانت لا تتجزَّأ فإنها إذا بَطَلَ آخِرُها بَطَلَ أوَّلُها؛ فلو صلَّى الظُّهر خمسًا بطلتْ صلاتُه لأنها لا يمكن أن يصح أوَّلُها مع فساد آخِرها، لكنْ في زيادة العدد لا نُبطل العددَ الأول، لكنَّنا نقول لهذا الرجل: إنْ كنتَ تعتقد أن المئتين هي المشروعة فأنت ضالٌّ لأنك مبتدعٌ، وإنْ كنتَ تريد أن تقول: أنا أعترفُ أن المشروع مئة، ولكن زدتُ على أنه تطوُّعٌ، فهذا يُكتَب لك أجْر التسبيح المطلق لا المقيَّد. في كيفيتها؛ لو أنَّ أحدًا صلَّى وصار يسجد ثم يركع ثم يسجد، ما تقولون؟ * طلبة: ما تُجزئ. * الشيخ: ليش؟ * طلبة: الكيفيَّة. * الشيخ: لاختلاف الكيفيَّة. في الزمن؛ لو أنَّ أحدًا قال: أنا سوف أحجُّ في ذي القعدة، أخرج إلى مِنى في ليلة التاسع من ذي القعدة وأبِيتُ فيها، وفي التاسع أذهب إلى عرفة وأقف.. إلى آخِره، كمَّل أفعال الحج في ذي القعدة، لماذا؟ قال: لأنَّه ما عندي أحدٌ يُضايقني، أيش تقولون في هذا؟ * طلبة: لا يصح. * الشيخ: ليش؟ * طالب: لاختلاف الزمن. * الشيخ: لأنها لم تُوافق الشرعَ في الزمن. يُقال: إن رجلًا بدويًّا كان يبيع في المواشي؛ في الأضاحي، يأتي بها يجلبها إلى السوق، وهو ما أدَّى الفريضة، فقيل له: لماذا لم تؤدِّ الفريضة؟ قال: الفريضة تأتي في وقت الموسم، وأنا ما أحب، ولكنني سأذهبُ إلى الشيخ أسأله: هل يجوز أني أحجُّ في عيد رمضان؟ فذهب إلى الشيخ يستأذنه يقول: أستأذنك يا شيخ أنك تسمح لي أن أحجَّ في عيد رمضان بدل عيد الضحية؛ لأن عيد الضحية فيه موسم لنا. فقال له الشيخ: إن أذنتُ لك أن تحجَّ فإني آذنُ لك أن تضحِّي. وحينئذٍ يكون الموسم تابعًا لأيش؟ للحجِّ، ما يتخلَّص منه. فأقول: إن هذا الذي حجَّ في ذي القعدة حتى لو وافقَ التاسع والعاشر والحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر فإنها لا تُقبل، لماذا؟ لمخالفتها للزمن. رجلٌ في العَشْر الأواخر من رمضان قال: سأعتكفُ في بيتي، ما أنا برائح المسجد، أتعب في تحصيل الطعام والشراب، ويمكن يجي أحد يُلهيني عن ذِكْر الله فبأقعد في البيت، هل يُقبل اعتكافه؟ * طلبة: لا يُقبل. * الشيخ: ليش؟ * طلبة: المكان. * الشيخ: نعم؛ لأنَّه مخالفٌ للشرع في المكان. فتبيَّن الآن أن تحقيق المتابعة لا يكون إلا إذا وافقَ العملُ الشريعةَ في الأمور الستَّة. * ومن فوائد الآية الكريمة: عُلُوُّ مرتبةِ المؤمنين العاملين الصالحات؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾؛ لأن الإشارة هُنا للبعيد، وذلك لعُلُوِّ مرتبتهم، مثل قوله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة ١، ٢] مع أن الكتاب بين أيدينا، لكن أشار إليه إشارةَ البعيدِ لعُلُوِّ مرتبته. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ في الإيمانِ والعملِ الصالح حصولَ المطلوبِ وزوالَ المكروهِ؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ هذا زوالُ المكروه، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ هذا حصولُ المطلوب. واعلمْ أنَّ الله تعالى إذا غَفَرَ لك فَتَحَ لك أبوابَ المعرفة وانشرحَ صدرُك بالإيمان؛ لأن الذي يُوجب ضيقَ الصَّدْر وتَشَتُّتَ الفِكْر هو المعاصي؛ ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المطففين ١٣] شوف، ما يعرف قَدْر القرآن، إذا يُتلى عليه القرآن يقول: أساطير الأولين، فلا يعرف قَدْره، لماذا؟ ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٤]، لَمَّا رانَ على قَلْبه عملُه صارَ -والعياذ بالله- لا يرى هذا القرآنَ العظيمَ إلا أيش؟ إلا أساطير الأولين. ولهذا قال بعض العلماء: ينبغي لِمَن نزلتْ به نازلةٌ وطلب حُكْمَها سواءٌ كانت هذه النازلةُ خاصَّةً به أمْ كان مسؤولًا عنها، ينبغي له أنْ يستغفر الله. واستدلَّ لذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء ١٠٥] أيش بعده؟ ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ١٠٦] وهذا ليس ببعيد. إذَنْ من فوائد الإيمانِ والعملِ الصالح حصولُ المطلوب والنجاةُ من المكروه. * من فوائد الآية الكريمة أيضًا: أنَّ رِزْق الجنَّة رِزْقٌ كريمٌ؛ أي: واسعٌ كثيرٌ دائمٌ حَسَنٌ، ويدلُّ لذلك قولُه تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]، وقولُه تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة ٣٢، ٣٣]. ثم قال عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾. * يُستفاد من هذه الآية: تحقُّق ما وَصَفَ الله به القرآنَ من أنَّه أيش؟ * طالب: حقٌّ. * الشيخ: لا، من أنَّه مَثَانٍ، إذا ذُكِر فيه المعنى ذُكِر ما يقابله، وإذا ذُكِر فيه العاملُ ذُكِر مَن يقابله. * ويُستفاد منها أيضًا: الحكمةُ في الخِطاب وأنَّه ينبغي في الخِطاب أن يكون جامعًا بين أسباب الخوف وأسباب الرجاء، لماذا؟ * طالب: (...). * الشيخ: يكون جامعًا، ولأنَّه إذا ذُكِر الخوفُ فقط فقد يستولي على القلب القُنوط من رحمة الله، أو الرجاءُ فقط فقد يستولي عليه الأمنُ من مَكْر الله سبحانه وتعالى. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ الكفَّار يَسْعَون جادِّين لإبطال آيات الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا﴾، والسَّعْي كما نعلم نحن أنَّه هو الجرْيُ بشِدَّة، فهؤلاء يَسْعَون جادِّين لإبطال آيات الله سبحانه وتعالى. * ومن فوائدها أيضًا: أنَّ هؤلاء الكفَّار كأنما يُعاجزون اللَّهَ ويُغالبونه؛ لقوله: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أنَّ هؤلاء الذين سَعَوْا في آيات الله مُعاجزين يُعاقَبون بهذا العقاب الأليم؛ ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾، وقوله: ﴿مِنْ رِجْزٍ﴾ أي: من عذابٍ سَيِّءٍ مؤلِمٍ كما مَرَّ علينا. * ومن فوائد الآية الكريمة: التحذيرُ من سَعْي الإنسانِ في إبطال آيات الله؛ فإذا قُلنا على القاعدة التي مَرَّت علينا في قواعد التفسير قبل البارحة: إنَّه إذا نُهِيَ عن شيءٍ فهو أَمْرٌ بضِدِّه، فتكون هذه الآية متضمِّنةً للحثِّ على السعي في آيات الله عز وجل لتقريرها وتَثْبيتها، وهو كذلك، فإنَّنا مأمورون بأنْ نسعى قَدْر استطاعتنا في تثبيت آيات الله عز وجل ونَشْرِها بين الأُمَّة حتى تقوم المِلَّة. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثباتُ الجزاءِ والحكمةِ فيه؛ لأنَّ المؤمنين اللي عملوا الصالحات ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، وهؤلاء ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾. ثم قال تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ إلى آخِره. * في هذه الآية: فضيلةُ العلم، من أين تؤخذ؟ * طلبة: ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ﴾. * الشيخ: إي، لكن فضيلة العلم. * الطالب: (...). * الشيخ: لكن ما وجْهُ كون هذا يدلُّ على فضيلة العلم؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: أنَّهم يَرَوْن أنَّه الحق، لما آتاهم الله سبحانه وتعالى من العلم. * الشيخ: صحيح، أنَّ العالِمَ يعرف الحقائق على ما هي عليه، فيرى أنَّ الذي أُنْزِل على الرسول هو الحق، وهذا لا شكَّ أنَّه من فضائل العلم، عكْس الذي يتردَّد في كونه حقًّا أو يُنكر أن يكون حقًّا والعياذُ بالله، فالذين مَنَّ اللَّهُ عليهم بالعلم يَرَوْن أنَّه الحق. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارةُ إلى أنَّه لا ينبغي للإنسان أن يُعْجَب بعِلْمه، من أين تؤخذ؟ * طالب: (...). * الشيخ: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾. * الطالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ﴾؛ أي: هو يعلم.. * الشيخ: لا. * طالب: أنَّ هذا العلم أُنْزِل من عند الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: لا. * طالب: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾. * الشيخ: لا يا إخواني، فيه دليل على أنَّه ما ينبغي للإنسان أنْ يُعْجَب بعِلْمه؛ لقوله: ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ﴾؛ يعني ما أدركوه بأنفسهم، ولكنَّ الله تعالى مَنَّ عليهم به، واضح؟ لا تَقُل: هذا من عندي. مثل المال أيضًا؛ بعضُ الناسِ يُعْجَب إذا حَصَّل مالًا، وهو الذي أعطاه المالَ هو الله عز وجل، وماذا صَنَعَ اللَّهُ بالذي قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص ٧٨]؟ خَسَفَ به الأرض، فالآن ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ فيها دليلٌ على أنَّه لا ينبغي للإنسان أن يُعْجَب بنفسه ويقول: العلم حصَّلتُه أنا بفَهْمي وحِرصي ومُثابرتي. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّه ينبغي للإنسان أن يَلْجأ إلى الله تعالى في تحصيل العلم، من أين نأخذها؟ * طالب: ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ﴾؛ فإذا كُنَّا نُؤتَى العلمَ فلنسأل هذا العلمَ مِمَّن يؤتينا إيَّاه، أليس كذلك؟ * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ القرآنَ كلامُ الله؛ ﴿أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾، ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾، كيف كان في ذلك دليلٌ على أنَّه كلامُ الله؟ لأنَّه ليس كلُّ نازلٍ كلامًا، قد يَذْكر الله الإنزال للشيء وليس بكلام. * طالب: لأن ما نَزَلَ من الله إمَّا أنْ يكون قائمًا بذاته أو قائمًا بغيره، فالقائمُ بذاته مخلوقٌ كالمطر ونحوه، أمَّا القرآنُ فهو قائمٌ بغيره. * الشيخ: لأنَّه كلامٌ، فلا يمكن إلَّا مِن متكلِّم، فيكون كلامُ الله غير مخلوق، واضح يا جماعة؟ وإلَّا هناك أشياء يُنزلها الله ويقول: أنزلناها، وهي مخلوقة؛ ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الأنعام ٩٩]، ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [المؤمنون ١٨]، ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر ٦]، ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد ٢٥]، وكلُّ هذه الأشياء مخلوقة ولَّا لا؟ لأنها أعيانٌ قائمةٌ بذاتها، بخلاف القول، فإنَّ القول لا يكون إلَّا بقائلٍ؛ فإذا قال الله: ﴿أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران ٧] وهو قولٌ، صار هذا القول من كلام الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلةُ النبيِّ ﷺ، من أين تؤخذ؟ * طلبة: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾. * الشيخ: من إضافة الربوبيَّة إليه، وهذه الربوبيَّة خاصَّةٌ كما مَرَّ علينا أيضًا في قواعد التفسير، فحينئذٍ نقول: في هذا فضيلةُ النبيِّ ﷺ. * وفيها من فوائدها: عنايةُ الله بالرسول عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾، وفيه بيانُ فضلِ الله عليه حيثُ أنزلَ عليه الحقَّ. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أنَّ هذا القرآن حقٌّ في أخباره وفي أحكامه، والحقِّيَّة في الأخبار هي الصدق، وفي الأحكامِ العدلُ، وقد جَمَعَ اللَّهُ ذلك في قوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ القرآنَ منارٌ وهُدًى .. ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن منار وهدى يهتدي به الناس ويستضيؤون به؛ لقوله: ﴿وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ ٦]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من ابتغى الهدى من غيره ضلَّ؛ لأنه إذا كان هو الذي يهدي إلى صراط العزيز الحميد فإذا ابتغيت الهدى من غيره المخالف له فإنك لا تُهْدى إلى صراط العزيز الحميد؛ ولهذا لما طلب أهل البدع الوصول إلى الخالق عن طريق غير القرآن ماذا حصل لهم؟ ضلوا وتاهوا وبقوا متحيرين مضطربين. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من تمسَّك بهذا القرآن نال العزة والحمد أي: صار عزيزًا محمودًا؛ لقوله: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾، ولم يقل: إلى صراط الله، بل قال: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ إشارة إلى من تمسَّك بهذا القرآن فله العزة وله الحمد يُحْمَد على فعله وقوله وتركه. * ومن فوائدها: إثبات هذين الاسمين لله عز وجل وهما العزيز الحميد، وقلنا: إن العزة التي اتصف الله بها سبحانه وتعالى لها ثلاثة أنواع.. * طالب: عزة القهر، وعزة القدر، وعزة الامتناع. * الشيخ: عزة الامتناع، صح؟ عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع، كذا؟ طيب، شرحها؟ * طالب: عزة القدر أن تكون إنسانًا.. هذا إنسان عزيز (...)، وأما عزة القهر يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص ٢٣] أي: غلبني، وأما الامتناع أن تقول: هذه أرض عَزاز أي: قوية صلبة ممتنعة. * الشيخ: طيب، أحسنت. الحميد من أسماء الله أيضًا وهو مشتق من الحمد، فهل هو بمعنى اسم الفاعل أو بمعنى اسم المفعول؟ (...) العزة وإثبات الحمد لله، فيه عبارة عند الناس يقول: الحمد لله الذي لا يُحْمَد على مكروه سواه، ويش تقولون في العبارة هذه؟ * طلبة: غير صحيحة. * الشيخ: ما هي بمناسبة؛ لأنك تُعْلِن إعلانًا تامًا بأنك تكره ما قضى الله، «الرسول عليه الصلاة والسلام إذا أصابه أَمْرٌ يُسَرُّ به قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ»، وإذا أصابه ما يكره قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ»[[أخرجه ابن ماجه (٣٨٠٣) من حديث عائشة رضي الله عنها. ]] ولا يذكر شيئًا مكروهًا؛ ولهذا ينبغي لنا أن نُنَبِّه من تكلم بهذه العبارة نقول: يا أخي، لا تقل هكذا، هذا يشعر بأنك لم ترض بقضاء الله، قل: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ». الآن نحن نعلم أن الله رب كل شيء ويدخل في ضمن ذلك الكلاب والخنازير والحشرات وما أشبه ذلك أو لا؟ لكن هل من اللائق أن تقول: إن الله رب الكلاب ورب الخنازير ورب الحشرات، هذا ليس من الأدب أن تُخَصِّص كما نصَّ على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، فهنا فرق بين التعميم وبين التخصيص؛ ولهذا قال الرسول: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ».

سبأ 34:7

﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: ٧] إلى آخره. أولًا في الإعراب والمعاني البلاغية: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ﴾ المقصود بالاستفهام هنا السخرية، و﴿رَجُلٍ﴾ نُكِّر ﴿عَلَى رَجُلٍ﴾ نُكِّر للتحقير، يعني أنه رجل حقير كقوله تعالى عمن كذب الرسل عمومًا ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾. وقوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان ٤١] فإن هذا للتحقير. وقوله: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ تنصب ثلاثة مفاعيل؛ المفعول الأول الكاف، والمفعول الثاني والثالث مُعَلَّق بقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. يقول الله عز وجل عن الكافرين أن بعضهم يقول لبعض على جهة التعجب كما قال المؤلف، بل على جهة التحقير ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: (فقال بعضهم على جهة التعجب لبعض ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ﴾ هو محمد) الاستفهام هنا قلت: إنه للسخرية، والمؤلف زاد معنى آخر وهو (التعجب) يعني: ألا تتعجبون مما سندلكم عليه. وقوله: ﴿عَلَى رَجُلٍ﴾ يقول: (هو محمد) لكنهم قالوه بالتنكير على سبيل التحقير، لم يذكروه باسمه؛ لأن ذِكْر الشخص باسمه قد يعني تعلية منزله، ولكنهم قالوه بهذا اللفظ المُنَكَّر تحقيرًا له. (﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ يخبركم أنكم ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ﴾ قُطِّعْتُم ﴿كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ بمعنى تمزيق ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ هذا المنبأ به) يقول: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ أي: يخبركم، فالنبأ بمعنى الخبر، وقد يكون النبأ في الأشياء الهامة، والخبر فيما هو أعم، فتُخْبِر عن الشيء الهام وعن الشيء الحقير، ولكنك لا تنبأ إلا بشيء عظيم كقوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ ١، ٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص ٦٧، ٦٨] فالنبأ قد يُسْتَعمل في الأشياء العظيمة بخلاف الخبر فإنه يكون أعمَّ. وقوله: ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ يقول: (إذا قُطِّعْتُم) وهذا التمزيق يعني تمزيق الأرض للحوم البشر؛ فإن الإنسان إذا دُفِن مَزَّقته الأرض وصارت عظامه الصلبة كانت رميمًا، فهم يقولون: ﴿يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ قال المؤلف: (بمعنى تمزيق)، وعلى هذا فكلمة (ممزق) لكنها مصدر مميميٌ. وقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ هذا هو محل النبأ وهو في محل نصب سَدَّ مَسَدَّ مفعولي ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ الثاني والثالث. وقوله: ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ﴾ كلمة ﴿إِذَا﴾ هذه ظرفية، فهل هي متعلقة بـ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ أو متعلقة بشيء محذوف يدل عليه السياق؟ الأخير؛ لأن إنباء الرسول ﷺ ليس في وقت تمزيقهم، ولكنه أنبأهم في الحياة الدنيا، إنما تمزيقهم إذا دُفِنوا يعني: أنكم إذا دُفِنْتم ومُزِّقْتم تكونون في خلق جديد، وهذا الخلق الجديد هو البعث، وهل البعث إعادة لما مضى أو ابتداء خلق غير الأول؟ الصواب أنه إعادة ما مضى كما قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم ٢٧] ولكنه سُمِّي خلقًا جديدًا؛ لأن الإنسان إذا بُعِثَ فإنه لا يُبْعَث كحاله في الدنيا، بل يبعث في حال أشد وأقوى؛ لأنه إذا بُعِثَ فإنه يكون في حال أقوى؛ إذ أنه سيبعث على أنه مُؤَبَّد لا يموت؛ ولهذا يتحمل الناس يوم القيامة من الكَرْب والهم والغم ما لا يتحملونه في الدنيا، فالناس مثلًا لو دنت الشمس منهم قدر ميل في الدنيا لأحرقتهم، ولكنها في الآخرة تدنو منهم ومع ذلك لا تحرقهم. يقول: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ إذن جديد بماذا؟ جديد في ذاته وأجزائه، أو في أوصافه؟ في أوصافه؛ لأن الصحيح أن الخلق هو إعادة ما مضى (...). ﴿أَفْتَرَى﴾ بفتح الهمزة للاستفهام واستُغْنِي بها عن همزة الوصل ﴿أَفْتَرَى﴾ أصلها (أافترى) لكن همزة الوصل مع همزة الاستفهام تسقط، ومثالها أيضًا قوله تعالى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات ١٥٣] [الصافات:١٥٣] ﴿أَصْطَفَى﴾ بمعنى أاصطفى فسقط الهمزة؛ لأنها وقعت بعد همزة الاستفهام وأظن سقوطها معلومًا؛ لأن همزة الوصل تَسْقُط في الوصل فإذا جاءت همزة الاستفهام صار الكلام متصلًا، وإذا كان متصلًا سقطت همزة الوصل. ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون ٢٧] أين ذهبت همزة الوصل في ﴿اصْنَعِ﴾؟ سقطت لاتصال الكلام فإذن ﴿أَفْتَرَى﴾ سقطت لاتصال الكلام. (﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ في ذلك) يعني: في قوله: إنكم ستبعثون وتُنْشَؤون خلقًا جديدًا، هل هذا افتراء على الله؟ سيبين الله ذلك، لكن هم يقولون: إن حاله دائرة بين أمرين: إما رجل مفترٍ على الله (﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ في ذلك ﴿أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ جنون تَخَيَّل به ذلك) إذن هم -والعياذ بالله- قسَّموا حال النبي ﷺ إلى حالين لا ثالث لهما وهما الافتراء على الله والثاني الجنون. (﴿أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أي جنون تخيل له ذلك به) هل هناك حال ثالثة؟ نعم هناك حال ثالثة لكن هم لا يُقِرُّون بها وهو أنه صادق عاقل، صادق لم يفتر وعاقل ليس به جنة، وهذا هو الواقع، لكنهم هم والعياذ بالله أسقطوا هذا القسم الثالث؛ لأنهم لا يُقِرُّون به ومن عجب أن هؤلاء الذين يقولون في الرسول عليه الصلاة والسلام هذا الوصف أنه إما مفترٍ أو مجنون أو شاعر أو كاهن أو ما أشبه ذلك كانوا يسمونه قبل النبوة بالأمين، ويرون أنه من أصدق الناس وأعظمهم أمانة، لكن -والعياذ بالله- لما جاء بما لم يوافق أهواءهم صاروا يلقبونه بهذه الألقاب، وهذه الألقاب السيئة التي لقب المشركون بها رسول الله ﷺ موروثة لمن؟ موروثة ورثها أعداء المؤمنين وأولياء المجرمين كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين ٢٩، ٣٠] فهذه الألقاب السيئة موجودة الآن،كل أعداء الرسل يُلَقِّبون أولياء الرسول بمثل ما لُقِّبَ به الرسل. تعلمون أنه مَرَّ علينا في العقيدة أن من الناس بمن يُلَقِّب أهل السنة والجماعة بماذا؟ بالحشوية والنوابت والغثاء والمجسمة وما أشبه ذلك، كل هذا؛ تنفيرًا للناس عن سلوك مذهبهم. يقول: ﴿أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ قال الله تعالى مبطلًا ذلك: (﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ المشتملة على البعث والعذاب). ﴿فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ (﴿فِي الْعَذَابِ﴾ فيها ﴿وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ عن الحق في الدنيا). قوله: ﴿بَلِ﴾ هذه للإضراب، وهل هو الإضراب الإبطالي أو الانتقالي؟ الإبطالي، الإضراب الإبطالي معناه أن ما قبل (بل) باطل، والإضراب الانتقالي معناه أن ما قبل (بل) مرحلة انتقل منها إلى المرحلة الأخرى بدون إبطال لها، فهنا ﴿بَلِ﴾ للإضراب الإبطالي؛ يعني أن الله أبطل هذين القسمين اللَّذينِ ردد هؤلاء الكفار حال النبي ﷺ بينهما؛ يعني: بل هو غير مفتر، وليس به جنة، ولكن هؤلاء الذين لا يؤمنون في العذاب والضلال البعيد ولا يمكن أن نُقِرُّهم؛ ومثال الإضراب الانتقالي قوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل ٦٦] فإن هذا انتقالي؛ يعني أنهم أولًا بَعُد عِلْمُهم في الآخرة، ثم شكوا فيها، ثم بعد ذلك عَمُوا عنها والعياذ بالله، فهذه أحوالهم الانتقالية. قال الله: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ أي: لا يصدقون بها ويعترفون. * طالب: (أو) يا شيخ ما قلنا: بمعنى (بل)؟ * الشيخ: قد تأتي أحيانًا مثل ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات ١٤٧]. قال: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ أي: لا يؤمنون بوجودها ولا يؤمنون بما يحصل فيها، وقد مر علينا أن اليوم الآخر يدخل فيه كلُّ ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، فكل ما أخبر به الرسول مما يكون بعد الموت كفتنة القبر ونعيمه وعذابه فإنها داخلة في الآخرة. قال: (المشتملة على البعث والعذاب ﴿فِي الْعَذَابِ﴾ فيها ﴿وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ عن الحق في الدنيا) المؤلف رحمه الله قيَّد المطلق في الموضعين هنا قال الله: ﴿فِي الْعَذَابِ﴾ والمؤلف قال: (في الآخرة)، وقال: ﴿وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ وقال: (في الدنيا)، والأصح أن الآية مطلقة فَهُمْ في العذاب في الدنيا وفي الآخرة، أما عذاب الآخرة فظاهر وأما عذاب الدنيا فما في قلوبهم من الحرج والضيق وما يحصل عليهم أيضًا من العذاب من الله عز وجل كما قال تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت ٤٠]، وكذلك العذاب الذي يجرى على أيدي الرسل كالعذاب الذي يحصل لهم بالهزائم فإن هذا من عذاب الدنيا، أما في الآخرة فظاهر. إذن ﴿فِي الْعَذَابِ﴾ يشمل الدنيا والآخرة، وتقييده بالآخرة فيه نظر، بل إنه ينبغي لنا بل يجب علينا ألا نُقَيِّدَ شيئًا أطلقه الله إلا بدليل من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ أو الإجماع. وقوله: ﴿الضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ يقول: (في الدنيا) فهم في ضلال بعيد عن الحق، وهم أيضًا في ضلال في الآخرة، فإنهم لا يُهْدَون إلى الصراط الذي ينجو به من عبره من النار، ولكنهم يُهْدَون إلى صراط الجحيم فيَضِلُّون عن الصراط الذي به النجاة قال الله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات ٢٢، ٢٣]، وقال سبحانه وتعالى عن المؤمنين: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [التحريم ٨]، فدلَّ ذلك على أن الضلال كما يكون في الدنيا يكون كذلك في الآخرة، فالأَوْلى إذن إبقاء النص على عمومه في الدنيا وفي الآخرة. ثم قال الله تعالى: (﴿أَفَلَمْ يَرَوْا﴾ ينظروا ﴿إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ ما فوقهم وما تحتهم ﴿مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ ) إلى آخره. الاستفهام هنا للتهديد؛ يعني أن الله هدد هؤلاء الذين كذبوا النبي ﷺ في قوله: إنه سيعادون هددهم بأحد أمرين: بالخَسْف أو إسقاط الكِسَف أي: القِطَع من العذاب من فوقهم، وإنما ذَكَر الفَوْق والتحت؛ لأنه لا يمكن الفرار منهما، أما اليمين والشمال والخلف والأمام فيمكن الفرار؛ لو جاءك عدو من الخلف أمكنك أن تَفِرَّ إلى الأمام، ولو جاءك من الأمام أمكنك أن تفر إلى الخلف، لكن إذا جاء من أسفل إلى أين تذهب؟ تقفز، ما تستطيع، وإذا جاء من فوق أين تذهب؟ لا تستطيع؛ لهذا هدَّدهم الله تعالى بأمرين لا يمكنهم الفرار منهما. وقول المؤلف: (أفلم ينظروا)، فسر ﴿يَرَوْا﴾ بمعنى (ينظروا)، والأَوْلى أن تكون شاملة للرؤية البصرية التي بمعنى النظر والرؤية القلبية التي بمعنى العلم والتفكر؛ يعني أن الله عز وجل يَحُثُّهم على أن يتفكروا حَثًّا يراد به التهديد، فالرؤيا هنا شاملة رؤية النظر بالعين ورؤية القلب بالتفكر. وقوله: ﴿إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ فسَّرها المؤلف أيضًا: (ما فوقهم وما تحتهم) طيب، ما الذي بين الأيدي؟ على كلام المؤلف بناء على أنه لَفٌّ ونَشْرٌ مرتب يكون ما فوقهم هو الذي بين أيديهم، وما خلفهم هو الذي تحتهم. ولكن قد يقول قائل: إن هذا صرف للكلام عن ظاهره بلا دليل، بل نقول: ﴿إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي ما أمامهم، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: ما وراء ظهورهم، فيحتمل أن المراد بـ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ أمامهم من الزمن ويحتمل أن يكون المراد بـ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: في المكان، وكذلك نقول فيما خلفهم. قد يكون ما بين اليد هو ما أمامك من الزمان، وما خلفك ما خَلَّفْتَه من الزمان كما في قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة٢٥٥]، أي ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ ما يُسْتَقْبَل ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ ما مضى، وقد يكون به المكان كما تقول: مررت بين يديِ المصلي، أي: أمامه، وتقول: المأموم يقف خلف الإمام أي: وراءه في المكان ولَّا في الزمان؟ في المكان. هنا ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ نقول فيها: يحتمل أن يكون المراد المكان ويحتمل أن يكون المراد الزمان، والمراد أن يتفكروا في الأمر هل نجا أحد من عذاب الله؟ انظر ما بين يديك في المكان أو ما بين يديك في الزمان وما خلفك من المكان أو الزمان هل نجا أحد من عذاب الله؟ والجواب: لا، لم ينجُ. إذن هم أيضًا لا ينجون من عذاب الله. ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ الجملة هنا شرطية، وفعل الشرط وجوابه مضارع مجزوم ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ﴾. وقوله: ﴿أَوْ نُسْقِطْ﴾ معطوفة على ﴿نَخْسِفْ﴾ يعني: أو إن نشأ نُسْقِط عليهم كِسَفًا. قال المؤلف في قراءة: (بسكون السين وفتحها: قطعة) يعني أن فيها قراءتين سبعيتين سكون السين ﴿كِسْفًا﴾، أو ﴿كِسَفًا﴾ بفتح السين، ويجوز القراءة فيهما جميعًا، وقد سبق أن قلنا: إن القراءات إذا تعدَّدت فالأفضل أن يقرأ بهذا تارة وبهذا تارة؛ لأنها كلها حق، وكونه يلتزم بقراءة واحدة هذا فيه قصور إلا أن القراءات التي لم تَتَيَقَّن أنها ثابتة لا يجوز لك أن تقرأ بها؛ لأنه يجب أن تقرأ بما ثَبَتَ عندك. قال: ﴿كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ وفي قراءة في الأفعال الثلاثة بالياء، أين الأفعال الثلاثة؟ ﴿نَشَأْ﴾ ﴿نَخْسِفْ﴾ ﴿نُسْقِطْ﴾ بالياء فيقال: ﴿إِنْ يَشَأْ يَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ ، والفاعل في الضمائر هنا يعود على الله عز وجل، أما على قراءة النون ﴿إِنْ نَشَأْ﴾ فالأمر ظاهر؛ لأن الضمير فيها ضمير متكلم، لكن على قراءة الياء الضمير فيها ضمير الغائب، وضمير الغائب لا بد فيه مِنْ مرجع يرجع إليه إما سابق وإما لاحق، فأين مرجوع الضمير ﴿إِنْ يَشَأْ﴾ يقال: إنه معلوم من السياق، كما في قوله: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء٢٨]، من الذي خلقه؟ الله، فهنا يعلم كل أحد أنه لا يستطيع أحد من البشر ولا من غير البشر أن يخسف الأرض بالناس أو يُسْقِط عليهم قِطَعًا من العذاب فيكون مرجع الضمير معلومًا بالسياق. وقوله: (﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المرئي ﴿لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ راجع إلى ربه تدل على قدرة الله على البعث) إلى آخره. يعني: إن الآية تدل على البعث. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي فيما بين أيديهم من السماء والأرض ﴿لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾. إحنا ذكرنا أن من بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض يشمل كل ما سبق وكل ما مضى وكل ما أمامهم من المكان وكل ما كان خلفهم، من ذلك أننا نرى الآية في السماء ينزل المطر من السماء على الأرض الهامدة اليابسة فترجع مُخْضَرَّة حية، أفلا يكون في ذلك دليل على إمكان إعادة الخلق؟ الجواب: بلى؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي المنظور مما بين أيدينا وما خلفنا من السماء والأرض ﴿لَآيَةً﴾ أي علامة على قدرة الله عز وجل وعلى علمه وحكمته، لكن هذه الآية ليست آية لكل أحد، بل ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ ﴿عَبْدٍ﴾ مأخوذ من العبودية، وهي التَّذَلُّل، وقد سبق لنا أن التذلل نوعان: تذلل للأمر الشرعي، وتذلل للأمر الكوني، وأيهما المحمود المُثاب عليه؟ التذلل للأمر الشرعي، أما التذلل للأمر الكوني فإن هذا لا طاقة للإنسان به ولا يُحْمَد عليه، كون الإنسان يَذِل لأمر الله الكوني من مرض أو فقر أو موت أهل أو ما أشبه ذلك، هل يُحْمَد عليه؟ لا لأنه ليس من فعله، لكن كونه يَذِلُّ لأمر الله الشرعي فيقوم بشرائع الله هذا هو الذي يُحْمَد عليه. هنا المراد بـ(العبد) العبد المتذلل للأمر الكوني أو الشرعي؟ الشرعي، طيب بدليل قوله: ﴿مُنِيبٍ﴾ أي: راجع إلى الله سبحانه وتعالى، راجع إلى الله منين؟ من معصيته إلى طاعته فيشمل القائم بالعبادة ولو بدون أن يُذْنِب ويشمل التائب من الذنب، فإن الرجل إذا قام يصلي يتعبد لله عز وجل يقال: إنه أناب إلى الله، ويقال: إذا أذنب ثم استغفر وعاد يقال: إنه أناب إلى الله أيضًا فالإنابة هنا تشمل الإنابة من ذنب فَعَلُه فتكون بمعنى التوبة، وتشمل الإنابة إلى الله القيام بطاعته فتكون أشمل وأعم. وفي قوله: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ -وهو أمر نسيت أن أنبه عليه- فيه الإعراض الذي اختلف فيه علماء النحو، وهو أن النحويين اختلفوا في إعراب الجملة إذا كانت مصدرة بهمزة الاستفهام وبعدها حرف عطف فقيل: إن الهمزة -أعني همزة الاستفهام- داخلة على شيء مُقَدَّر بحسب السياق، وقيل: وقيل: إن الهمزة داخلة على الجملة الموجودة بدون تقدير وإن حرف العطف كان من حقه أن يتقدم على الهمزة، لكنها قُدِّمَت عليه؛ لأن لها الصدارة. هذا الوجه الأول يكون التقدير في قوله: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم﴾ أَغَفَلوا؟ أو أَأَعرضوا؟ وما أشبه ذلك. وأما على الثاني فلا حاجة إلى هذا التقدير، بل نقول: إن الهمزة للاستفهام والفاء حرف عطف وتأخرت عن الهمزة؛ لأن لها الصدارة، أيهما أحسن؟ الثاني أحسن؛ يعني: كوننا نقول: إن الهمزة داخلة على هذه الجملة نفسها أولى وذلك؛ لأن القول الأول قد يُعْوِذُك تقدير المحذوف بمعنى أنه يَصْعُب عليك أن تُقَدِّر المحذوف، أما هذا فبناء على أن الجملة هذه معطوفة على ما سبق لا تحتاج إلى تقدير فلا تَتْعَب فيها. ثم قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ [سبأ ١٠] الواو حرف عطف، ويجوز أن تكون للاستئناف، واللام موطئة للقسم. * طالب: (...). * الشيخ: كيف؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، (...)، اللام موطئة للقسم، و(قد) للتحقيق، ومثل هذا التركيب يأتي في القرآن كثيرًا، ويقال فيه: إن الجملة مُؤَكَّدة بثلاثة مؤكدات: القسم المقدر، واللام، و(قد) فتقدير هذه الجملة (والله لقد آتينا داود منا فضلًا)، هل يجوز أن تُحذف اللام؟ نعم يجوز، قال الله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس ١ - ٥] إلى أن قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ هذا جواب القسم، ويجوز في ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ في غير القرآن أن نقول: لقد أفلح، طيب، وهل يجوز أن تُحذف اللام و(قد)؟ نعم يجوز؛ كقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ [البروج ١ - ٤] فـ﴿قُتِلَ﴾ هذا جواب القسم، ليس فيه (قد) ولا اللام، فصار جواب القسم إذا كان فعلًا ماضيًا جاز فيه ثلاثة أوجه: أن يقترن باللام و(قد)، أن يقترن بـ(قد)، أن تُحذف (...) اللام و(قد)، لكن لا تحذف اللام ولا تحذف (قد) في الغالب إلا إذا طال القسم، أما إذا لم يطل فإنها لا تحذف. إذا قلت: والله لقد قام زيد، صح؟ والله لقد قام زيد، صحيح ولَّا لا؟ صحيح، وهذا هو الأصل. والله قد قام زيد، هذا أيضًا صحيح حَذَفْنا اللام. والله قام زيد هذا أيضًا صحيح حذفنا منه اللام وقد، والله أعلم. (...) * من فوائد الآية الكريمة ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ﴾ [سبأ ٧] إلى آخره: أن النبي ﷺ دعا إلى الإيمان باليوم الآخر، من أين تُؤخذ؟ من قوله: ﴿يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان عُتُو الكافرين واستعلائهم واستكبارهم؛ حيث عبَّروا بهذا التعبير ساخرين بما أخبر به النبي ﷺ، وجه علوهم واستكبارهم: أولًا: السخرية بهذا النبأ. والثاني: تحقير النبي ﷺ. والثالث: وصفه بأنه لا تخلو حاله من أحد أمرين: إما كاذب، وإما مجنون. هذه ثلاثة أوجه كلها تدل على علو هؤلاء الكافرين وعنادهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان ما حصل للنبي ﷺ من الأذى وأنه صبر؛ لأن أمرًا يصل إلى هذا الحد في الاستخفاف به والاستهانة بخبره لا شك أنه يُؤَثِّر على نفسه تأثيرًا بالغًا، وأعتقد أن صاحب الدعوة إذا أوذي بمثل هذا الإيذاء كان أشد عليه من أن يُضْرَب ويحبس. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل حيث يعيد هذا الخلق بعد أن يتمزق كل تَمَزُّق؛ لأنه ظاهر من قوله: ﴿يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾. * ومن فوائدها: أن الكافرين الذين كفروا برسول الله ﷺ كانوا يقرون بالله، من أين تُؤْخذ؟ ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. * ومن فوائدها: بيان قبح الافتراء على الله حتى إن الكافرين يستقبحونها؛ لقوله: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن أعداء الرسل بل أعداء دعوة الرسل يَكيلون السب والقدح والعيب لما جاءت به الرسل، أو للرسل ولما جاؤوا به الرسل؛ لقولهم: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾، ومعلوم أن كلام الكاذب وكلام المجنون ليس بمقبول، فهم يأتون بعبارات التشويه والتقبيح حتى لا يُقْبَل الحق، وهل هذا جارٍ إلى وقتنا هذا؟ نعم، جارٍ إلى وقتنا هذا؛ لأن أعداء دعوة الرسل لا يزالون إلى يوم القيامة، ولكن على أتباع الرسل أن يصبروا وألَّا يَثْنِي عزمَهم مثل هذا الكلام؛ لأنهم على الحق، كما قال تعالى: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل ٧٩]. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن الله عز وجل تَكَفَّل ببيان الحق وإظهاره وإبطال الباطل واندحاره؛ لقوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الكفر يوجب عدم قَبول الحق والاهتداء به تُؤْخَذ من قوله: ﴿فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾، و﴿فِي﴾ للظرفية، ومعناه أن الضلال محيط بهم من كل جانب؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَا نِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام ١١٠]، فإذا لم يؤمن الإنسان بالحق بقي في ضلال، والشواهد على هذا كثيرة؛ استمع إلى مثل هذه الآية وإلى قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق ٥] يعني: مضطرب ومختلف، فكل من كذَّب بالحق فإنه لا يزداد إلا ضلالًا حتى لو جاءته الآيات البينات الظاهرات فإنه لا ينتفع بذلك، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة ١٢٥] مع أنها آيات بينات واضحات. * ومن فوائد الآية الكريمة: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: وجوب النظر والاعتبار فيما حصل من الآيات في السماء والأرض؛ لقوله: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾؛ لأن هذا الاستفهام للتوبيخ، ولا يُوَبَّخ إلا على ترك واجب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن في السماوات والأرض آيات، لكنها لمن؟ للعبد المنيب إلى الله، وأما مَنْ لا يريد إنابة إلى ربه فإنه لا ينتفع بهذا الآيات حتى لو رآها ونظر فيها وفَكَّر فإنه لا ينتفع. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة لله؛ لقوله: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن ما يحصل من الخسف والزلازل والنوازل فإنه بإذن الله عز وجل عقوبةً للعباد واعتبارًا خلافًا لمن قال: إن هذه أمور طبيعية لا تدل على غضب الله عز وجل ولا على إنذاره كما هو رأي من لا يؤمن بالله، فالخسف في الأرض عقوبة، وما يأتي من الصواعق والكوارث الأُفُقِيَّة فهي أيضًا عقوبة؛ ولهذا قال: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى محيط بالعباد لا يمكنهم الفرار من قضائه وقَدَرِه؛ أن الله تعالى محيط بكل شيء لا مفر للعباد منه؛ لقوله: ﴿نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل يمن على العبد بظهور الآيات له حتى يتبين له الحق؛ لقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾، وإذا مَنَّ الله على العبد بالنظر في آياته والتدبر ازداد بذلك إيمانًا بالله عز وجل وإيمانًا ما تقتضيه هذه الآيات من صفاته فإن كل آية تدل على صفة معينة من صفات الله؛ فإنزال المطر يدل على القدرة والعلم والرحمة، وكونه في وقت مناسب يدل على الحكمة، كل شيء مما يقع في السماوات والأرض فإنه يدل على صفة من صفات الله تعالى تناسبه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن في السماء والأرض آيات عظيمة لمن نظر وتدبر، وهذا أثبته الله سبحانه وتعالى في القرآن في مواضع كثيرة: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَا تٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات ٢٠]، ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَا تٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد ٤]، والآيات في هذا المعنى كثيرة، فكل مَنْ تدبر ما في السماء وما في الآرض وما بينهما تبين له من آيات الله ما يُقَوِّي إيمانه ويزيده طمعًا في فضل الله تعالى وخوفًا من عقابه.

سبأ 34:8

﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: ٧] إلى آخره. أولًا في الإعراب والمعاني البلاغية: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ﴾ المقصود بالاستفهام هنا السخرية، و﴿رَجُلٍ﴾ نُكِّر ﴿عَلَى رَجُلٍ﴾ نُكِّر للتحقير، يعني أنه رجل حقير كقوله تعالى عمن كذب الرسل عمومًا ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾. وقوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان ٤١] فإن هذا للتحقير. وقوله: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ تنصب ثلاثة مفاعيل؛ المفعول الأول الكاف، والمفعول الثاني والثالث مُعَلَّق بقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. يقول الله عز وجل عن الكافرين أن بعضهم يقول لبعض على جهة التعجب كما قال المؤلف، بل على جهة التحقير ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: (فقال بعضهم على جهة التعجب لبعض ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ﴾ هو محمد) الاستفهام هنا قلت: إنه للسخرية، والمؤلف زاد معنى آخر وهو (التعجب) يعني: ألا تتعجبون مما سندلكم عليه. وقوله: ﴿عَلَى رَجُلٍ﴾ يقول: (هو محمد) لكنهم قالوه بالتنكير على سبيل التحقير، لم يذكروه باسمه؛ لأن ذِكْر الشخص باسمه قد يعني تعلية منزله، ولكنهم قالوه بهذا اللفظ المُنَكَّر تحقيرًا له. (﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ يخبركم أنكم ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ﴾ قُطِّعْتُم ﴿كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ بمعنى تمزيق ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ هذا المنبأ به) يقول: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ أي: يخبركم، فالنبأ بمعنى الخبر، وقد يكون النبأ في الأشياء الهامة، والخبر فيما هو أعم، فتُخْبِر عن الشيء الهام وعن الشيء الحقير، ولكنك لا تنبأ إلا بشيء عظيم كقوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ ١، ٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص ٦٧، ٦٨] فالنبأ قد يُسْتَعمل في الأشياء العظيمة بخلاف الخبر فإنه يكون أعمَّ. وقوله: ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ يقول: (إذا قُطِّعْتُم) وهذا التمزيق يعني تمزيق الأرض للحوم البشر؛ فإن الإنسان إذا دُفِن مَزَّقته الأرض وصارت عظامه الصلبة كانت رميمًا، فهم يقولون: ﴿يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ قال المؤلف: (بمعنى تمزيق)، وعلى هذا فكلمة (ممزق) لكنها مصدر مميميٌ. وقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ هذا هو محل النبأ وهو في محل نصب سَدَّ مَسَدَّ مفعولي ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ الثاني والثالث. وقوله: ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ﴾ كلمة ﴿إِذَا﴾ هذه ظرفية، فهل هي متعلقة بـ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ أو متعلقة بشيء محذوف يدل عليه السياق؟ الأخير؛ لأن إنباء الرسول ﷺ ليس في وقت تمزيقهم، ولكنه أنبأهم في الحياة الدنيا، إنما تمزيقهم إذا دُفِنوا يعني: أنكم إذا دُفِنْتم ومُزِّقْتم تكونون في خلق جديد، وهذا الخلق الجديد هو البعث، وهل البعث إعادة لما مضى أو ابتداء خلق غير الأول؟ الصواب أنه إعادة ما مضى كما قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم ٢٧] ولكنه سُمِّي خلقًا جديدًا؛ لأن الإنسان إذا بُعِثَ فإنه لا يُبْعَث كحاله في الدنيا، بل يبعث في حال أشد وأقوى؛ لأنه إذا بُعِثَ فإنه يكون في حال أقوى؛ إذ أنه سيبعث على أنه مُؤَبَّد لا يموت؛ ولهذا يتحمل الناس يوم القيامة من الكَرْب والهم والغم ما لا يتحملونه في الدنيا، فالناس مثلًا لو دنت الشمس منهم قدر ميل في الدنيا لأحرقتهم، ولكنها في الآخرة تدنو منهم ومع ذلك لا تحرقهم. يقول: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ إذن جديد بماذا؟ جديد في ذاته وأجزائه، أو في أوصافه؟ في أوصافه؛ لأن الصحيح أن الخلق هو إعادة ما مضى (...). ﴿أَفْتَرَى﴾ بفتح الهمزة للاستفهام واستُغْنِي بها عن همزة الوصل ﴿أَفْتَرَى﴾ أصلها (أافترى) لكن همزة الوصل مع همزة الاستفهام تسقط، ومثالها أيضًا قوله تعالى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات ١٥٣] [الصافات:١٥٣] ﴿أَصْطَفَى﴾ بمعنى أاصطفى فسقط الهمزة؛ لأنها وقعت بعد همزة الاستفهام وأظن سقوطها معلومًا؛ لأن همزة الوصل تَسْقُط في الوصل فإذا جاءت همزة الاستفهام صار الكلام متصلًا، وإذا كان متصلًا سقطت همزة الوصل. ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون ٢٧] أين ذهبت همزة الوصل في ﴿اصْنَعِ﴾؟ سقطت لاتصال الكلام فإذن ﴿أَفْتَرَى﴾ سقطت لاتصال الكلام. (﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ في ذلك) يعني: في قوله: إنكم ستبعثون وتُنْشَؤون خلقًا جديدًا، هل هذا افتراء على الله؟ سيبين الله ذلك، لكن هم يقولون: إن حاله دائرة بين أمرين: إما رجل مفترٍ على الله (﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ في ذلك ﴿أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ جنون تَخَيَّل به ذلك) إذن هم -والعياذ بالله- قسَّموا حال النبي ﷺ إلى حالين لا ثالث لهما وهما الافتراء على الله والثاني الجنون. (﴿أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أي جنون تخيل له ذلك به) هل هناك حال ثالثة؟ نعم هناك حال ثالثة لكن هم لا يُقِرُّون بها وهو أنه صادق عاقل، صادق لم يفتر وعاقل ليس به جنة، وهذا هو الواقع، لكنهم هم والعياذ بالله أسقطوا هذا القسم الثالث؛ لأنهم لا يُقِرُّون به ومن عجب أن هؤلاء الذين يقولون في الرسول عليه الصلاة والسلام هذا الوصف أنه إما مفترٍ أو مجنون أو شاعر أو كاهن أو ما أشبه ذلك كانوا يسمونه قبل النبوة بالأمين، ويرون أنه من أصدق الناس وأعظمهم أمانة، لكن -والعياذ بالله- لما جاء بما لم يوافق أهواءهم صاروا يلقبونه بهذه الألقاب، وهذه الألقاب السيئة التي لقب المشركون بها رسول الله ﷺ موروثة لمن؟ موروثة ورثها أعداء المؤمنين وأولياء المجرمين كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين ٢٩، ٣٠] فهذه الألقاب السيئة موجودة الآن،كل أعداء الرسل يُلَقِّبون أولياء الرسول بمثل ما لُقِّبَ به الرسل. تعلمون أنه مَرَّ علينا في العقيدة أن من الناس بمن يُلَقِّب أهل السنة والجماعة بماذا؟ بالحشوية والنوابت والغثاء والمجسمة وما أشبه ذلك، كل هذا؛ تنفيرًا للناس عن سلوك مذهبهم. يقول: ﴿أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ قال الله تعالى مبطلًا ذلك: (﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ المشتملة على البعث والعذاب). ﴿فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ (﴿فِي الْعَذَابِ﴾ فيها ﴿وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ عن الحق في الدنيا). قوله: ﴿بَلِ﴾ هذه للإضراب، وهل هو الإضراب الإبطالي أو الانتقالي؟ الإبطالي، الإضراب الإبطالي معناه أن ما قبل (بل) باطل، والإضراب الانتقالي معناه أن ما قبل (بل) مرحلة انتقل منها إلى المرحلة الأخرى بدون إبطال لها، فهنا ﴿بَلِ﴾ للإضراب الإبطالي؛ يعني أن الله أبطل هذين القسمين اللَّذينِ ردد هؤلاء الكفار حال النبي ﷺ بينهما؛ يعني: بل هو غير مفتر، وليس به جنة، ولكن هؤلاء الذين لا يؤمنون في العذاب والضلال البعيد ولا يمكن أن نُقِرُّهم؛ ومثال الإضراب الانتقالي قوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل ٦٦] فإن هذا انتقالي؛ يعني أنهم أولًا بَعُد عِلْمُهم في الآخرة، ثم شكوا فيها، ثم بعد ذلك عَمُوا عنها والعياذ بالله، فهذه أحوالهم الانتقالية. قال الله: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ أي: لا يصدقون بها ويعترفون. * طالب: (أو) يا شيخ ما قلنا: بمعنى (بل)؟ * الشيخ: قد تأتي أحيانًا مثل ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات ١٤٧]. قال: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ أي: لا يؤمنون بوجودها ولا يؤمنون بما يحصل فيها، وقد مر علينا أن اليوم الآخر يدخل فيه كلُّ ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، فكل ما أخبر به الرسول مما يكون بعد الموت كفتنة القبر ونعيمه وعذابه فإنها داخلة في الآخرة. قال: (المشتملة على البعث والعذاب ﴿فِي الْعَذَابِ﴾ فيها ﴿وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ عن الحق في الدنيا) المؤلف رحمه الله قيَّد المطلق في الموضعين هنا قال الله: ﴿فِي الْعَذَابِ﴾ والمؤلف قال: (في الآخرة)، وقال: ﴿وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ وقال: (في الدنيا)، والأصح أن الآية مطلقة فَهُمْ في العذاب في الدنيا وفي الآخرة، أما عذاب الآخرة فظاهر وأما عذاب الدنيا فما في قلوبهم من الحرج والضيق وما يحصل عليهم أيضًا من العذاب من الله عز وجل كما قال تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت ٤٠]، وكذلك العذاب الذي يجرى على أيدي الرسل كالعذاب الذي يحصل لهم بالهزائم فإن هذا من عذاب الدنيا، أما في الآخرة فظاهر. إذن ﴿فِي الْعَذَابِ﴾ يشمل الدنيا والآخرة، وتقييده بالآخرة فيه نظر، بل إنه ينبغي لنا بل يجب علينا ألا نُقَيِّدَ شيئًا أطلقه الله إلا بدليل من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ أو الإجماع. وقوله: ﴿الضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ يقول: (في الدنيا) فهم في ضلال بعيد عن الحق، وهم أيضًا في ضلال في الآخرة، فإنهم لا يُهْدَون إلى الصراط الذي ينجو به من عبره من النار، ولكنهم يُهْدَون إلى صراط الجحيم فيَضِلُّون عن الصراط الذي به النجاة قال الله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات ٢٢، ٢٣]، وقال سبحانه وتعالى عن المؤمنين: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [التحريم ٨]، فدلَّ ذلك على أن الضلال كما يكون في الدنيا يكون كذلك في الآخرة، فالأَوْلى إذن إبقاء النص على عمومه في الدنيا وفي الآخرة. ثم قال الله تعالى: (﴿أَفَلَمْ يَرَوْا﴾ ينظروا ﴿إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ ما فوقهم وما تحتهم ﴿مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ ) إلى آخره. الاستفهام هنا للتهديد؛ يعني أن الله هدد هؤلاء الذين كذبوا النبي ﷺ في قوله: إنه سيعادون هددهم بأحد أمرين: بالخَسْف أو إسقاط الكِسَف أي: القِطَع من العذاب من فوقهم، وإنما ذَكَر الفَوْق والتحت؛ لأنه لا يمكن الفرار منهما، أما اليمين والشمال والخلف والأمام فيمكن الفرار؛ لو جاءك عدو من الخلف أمكنك أن تَفِرَّ إلى الأمام، ولو جاءك من الأمام أمكنك أن تفر إلى الخلف، لكن إذا جاء من أسفل إلى أين تذهب؟ تقفز، ما تستطيع، وإذا جاء من فوق أين تذهب؟ لا تستطيع؛ لهذا هدَّدهم الله تعالى بأمرين لا يمكنهم الفرار منهما. وقول المؤلف: (أفلم ينظروا)، فسر ﴿يَرَوْا﴾ بمعنى (ينظروا)، والأَوْلى أن تكون شاملة للرؤية البصرية التي بمعنى النظر والرؤية القلبية التي بمعنى العلم والتفكر؛ يعني أن الله عز وجل يَحُثُّهم على أن يتفكروا حَثًّا يراد به التهديد، فالرؤيا هنا شاملة رؤية النظر بالعين ورؤية القلب بالتفكر. وقوله: ﴿إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ فسَّرها المؤلف أيضًا: (ما فوقهم وما تحتهم) طيب، ما الذي بين الأيدي؟ على كلام المؤلف بناء على أنه لَفٌّ ونَشْرٌ مرتب يكون ما فوقهم هو الذي بين أيديهم، وما خلفهم هو الذي تحتهم. ولكن قد يقول قائل: إن هذا صرف للكلام عن ظاهره بلا دليل، بل نقول: ﴿إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي ما أمامهم، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: ما وراء ظهورهم، فيحتمل أن المراد بـ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ أمامهم من الزمن ويحتمل أن يكون المراد بـ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: في المكان، وكذلك نقول فيما خلفهم. قد يكون ما بين اليد هو ما أمامك من الزمان، وما خلفك ما خَلَّفْتَه من الزمان كما في قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة٢٥٥]، أي ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ ما يُسْتَقْبَل ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ ما مضى، وقد يكون به المكان كما تقول: مررت بين يديِ المصلي، أي: أمامه، وتقول: المأموم يقف خلف الإمام أي: وراءه في المكان ولَّا في الزمان؟ في المكان. هنا ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ نقول فيها: يحتمل أن يكون المراد المكان ويحتمل أن يكون المراد الزمان، والمراد أن يتفكروا في الأمر هل نجا أحد من عذاب الله؟ انظر ما بين يديك في المكان أو ما بين يديك في الزمان وما خلفك من المكان أو الزمان هل نجا أحد من عذاب الله؟ والجواب: لا، لم ينجُ. إذن هم أيضًا لا ينجون من عذاب الله. ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ الجملة هنا شرطية، وفعل الشرط وجوابه مضارع مجزوم ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ﴾. وقوله: ﴿أَوْ نُسْقِطْ﴾ معطوفة على ﴿نَخْسِفْ﴾ يعني: أو إن نشأ نُسْقِط عليهم كِسَفًا. قال المؤلف في قراءة: (بسكون السين وفتحها: قطعة) يعني أن فيها قراءتين سبعيتين سكون السين ﴿كِسْفًا﴾، أو ﴿كِسَفًا﴾ بفتح السين، ويجوز القراءة فيهما جميعًا، وقد سبق أن قلنا: إن القراءات إذا تعدَّدت فالأفضل أن يقرأ بهذا تارة وبهذا تارة؛ لأنها كلها حق، وكونه يلتزم بقراءة واحدة هذا فيه قصور إلا أن القراءات التي لم تَتَيَقَّن أنها ثابتة لا يجوز لك أن تقرأ بها؛ لأنه يجب أن تقرأ بما ثَبَتَ عندك. قال: ﴿كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ وفي قراءة في الأفعال الثلاثة بالياء، أين الأفعال الثلاثة؟ ﴿نَشَأْ﴾ ﴿نَخْسِفْ﴾ ﴿نُسْقِطْ﴾ بالياء فيقال: ﴿إِنْ يَشَأْ يَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ ، والفاعل في الضمائر هنا يعود على الله عز وجل، أما على قراءة النون ﴿إِنْ نَشَأْ﴾ فالأمر ظاهر؛ لأن الضمير فيها ضمير متكلم، لكن على قراءة الياء الضمير فيها ضمير الغائب، وضمير الغائب لا بد فيه مِنْ مرجع يرجع إليه إما سابق وإما لاحق، فأين مرجوع الضمير ﴿إِنْ يَشَأْ﴾ يقال: إنه معلوم من السياق، كما في قوله: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء٢٨]، من الذي خلقه؟ الله، فهنا يعلم كل أحد أنه لا يستطيع أحد من البشر ولا من غير البشر أن يخسف الأرض بالناس أو يُسْقِط عليهم قِطَعًا من العذاب فيكون مرجع الضمير معلومًا بالسياق. وقوله: (﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المرئي ﴿لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ راجع إلى ربه تدل على قدرة الله على البعث) إلى آخره. يعني: إن الآية تدل على البعث. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي فيما بين أيديهم من السماء والأرض ﴿لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾. إحنا ذكرنا أن من بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض يشمل كل ما سبق وكل ما مضى وكل ما أمامهم من المكان وكل ما كان خلفهم، من ذلك أننا نرى الآية في السماء ينزل المطر من السماء على الأرض الهامدة اليابسة فترجع مُخْضَرَّة حية، أفلا يكون في ذلك دليل على إمكان إعادة الخلق؟ الجواب: بلى؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي المنظور مما بين أيدينا وما خلفنا من السماء والأرض ﴿لَآيَةً﴾ أي علامة على قدرة الله عز وجل وعلى علمه وحكمته، لكن هذه الآية ليست آية لكل أحد، بل ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ ﴿عَبْدٍ﴾ مأخوذ من العبودية، وهي التَّذَلُّل، وقد سبق لنا أن التذلل نوعان: تذلل للأمر الشرعي، وتذلل للأمر الكوني، وأيهما المحمود المُثاب عليه؟ التذلل للأمر الشرعي، أما التذلل للأمر الكوني فإن هذا لا طاقة للإنسان به ولا يُحْمَد عليه، كون الإنسان يَذِل لأمر الله الكوني من مرض أو فقر أو موت أهل أو ما أشبه ذلك، هل يُحْمَد عليه؟ لا لأنه ليس من فعله، لكن كونه يَذِلُّ لأمر الله الشرعي فيقوم بشرائع الله هذا هو الذي يُحْمَد عليه. هنا المراد بـ(العبد) العبد المتذلل للأمر الكوني أو الشرعي؟ الشرعي، طيب بدليل قوله: ﴿مُنِيبٍ﴾ أي: راجع إلى الله سبحانه وتعالى، راجع إلى الله منين؟ من معصيته إلى طاعته فيشمل القائم بالعبادة ولو بدون أن يُذْنِب ويشمل التائب من الذنب، فإن الرجل إذا قام يصلي يتعبد لله عز وجل يقال: إنه أناب إلى الله، ويقال: إذا أذنب ثم استغفر وعاد يقال: إنه أناب إلى الله أيضًا فالإنابة هنا تشمل الإنابة من ذنب فَعَلُه فتكون بمعنى التوبة، وتشمل الإنابة إلى الله القيام بطاعته فتكون أشمل وأعم. وفي قوله: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ -وهو أمر نسيت أن أنبه عليه- فيه الإعراض الذي اختلف فيه علماء النحو، وهو أن النحويين اختلفوا في إعراب الجملة إذا كانت مصدرة بهمزة الاستفهام وبعدها حرف عطف فقيل: إن الهمزة -أعني همزة الاستفهام- داخلة على شيء مُقَدَّر بحسب السياق، وقيل: وقيل: إن الهمزة داخلة على الجملة الموجودة بدون تقدير وإن حرف العطف كان من حقه أن يتقدم على الهمزة، لكنها قُدِّمَت عليه؛ لأن لها الصدارة. هذا الوجه الأول يكون التقدير في قوله: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم﴾ أَغَفَلوا؟ أو أَأَعرضوا؟ وما أشبه ذلك. وأما على الثاني فلا حاجة إلى هذا التقدير، بل نقول: إن الهمزة للاستفهام والفاء حرف عطف وتأخرت عن الهمزة؛ لأن لها الصدارة، أيهما أحسن؟ الثاني أحسن؛ يعني: كوننا نقول: إن الهمزة داخلة على هذه الجملة نفسها أولى وذلك؛ لأن القول الأول قد يُعْوِذُك تقدير المحذوف بمعنى أنه يَصْعُب عليك أن تُقَدِّر المحذوف، أما هذا فبناء على أن الجملة هذه معطوفة على ما سبق لا تحتاج إلى تقدير فلا تَتْعَب فيها. ثم قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ [سبأ ١٠] الواو حرف عطف، ويجوز أن تكون للاستئناف، واللام موطئة للقسم. * طالب: (...). * الشيخ: كيف؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، (...)، اللام موطئة للقسم، و(قد) للتحقيق، ومثل هذا التركيب يأتي في القرآن كثيرًا، ويقال فيه: إن الجملة مُؤَكَّدة بثلاثة مؤكدات: القسم المقدر، واللام، و(قد) فتقدير هذه الجملة (والله لقد آتينا داود منا فضلًا)، هل يجوز أن تُحذف اللام؟ نعم يجوز، قال الله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس ١ - ٥] إلى أن قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ هذا جواب القسم، ويجوز في ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ في غير القرآن أن نقول: لقد أفلح، طيب، وهل يجوز أن تُحذف اللام و(قد)؟ نعم يجوز؛ كقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ [البروج ١ - ٤] فـ﴿قُتِلَ﴾ هذا جواب القسم، ليس فيه (قد) ولا اللام، فصار جواب القسم إذا كان فعلًا ماضيًا جاز فيه ثلاثة أوجه: أن يقترن باللام و(قد)، أن يقترن بـ(قد)، أن تُحذف (...) اللام و(قد)، لكن لا تحذف اللام ولا تحذف (قد) في الغالب إلا إذا طال القسم، أما إذا لم يطل فإنها لا تحذف. إذا قلت: والله لقد قام زيد، صح؟ والله لقد قام زيد، صحيح ولَّا لا؟ صحيح، وهذا هو الأصل. والله قد قام زيد، هذا أيضًا صحيح حَذَفْنا اللام. والله قام زيد هذا أيضًا صحيح حذفنا منه اللام وقد، والله أعلم. (...) * من فوائد الآية الكريمة ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ﴾ [سبأ ٧] إلى آخره: أن النبي ﷺ دعا إلى الإيمان باليوم الآخر، من أين تُؤخذ؟ من قوله: ﴿يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان عُتُو الكافرين واستعلائهم واستكبارهم؛ حيث عبَّروا بهذا التعبير ساخرين بما أخبر به النبي ﷺ، وجه علوهم واستكبارهم: أولًا: السخرية بهذا النبأ. والثاني: تحقير النبي ﷺ. والثالث: وصفه بأنه لا تخلو حاله من أحد أمرين: إما كاذب، وإما مجنون. هذه ثلاثة أوجه كلها تدل على علو هؤلاء الكافرين وعنادهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان ما حصل للنبي ﷺ من الأذى وأنه صبر؛ لأن أمرًا يصل إلى هذا الحد في الاستخفاف به والاستهانة بخبره لا شك أنه يُؤَثِّر على نفسه تأثيرًا بالغًا، وأعتقد أن صاحب الدعوة إذا أوذي بمثل هذا الإيذاء كان أشد عليه من أن يُضْرَب ويحبس. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل حيث يعيد هذا الخلق بعد أن يتمزق كل تَمَزُّق؛ لأنه ظاهر من قوله: ﴿يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾. * ومن فوائدها: أن الكافرين الذين كفروا برسول الله ﷺ كانوا يقرون بالله، من أين تُؤْخذ؟ ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. * ومن فوائدها: بيان قبح الافتراء على الله حتى إن الكافرين يستقبحونها؛ لقوله: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن أعداء الرسل بل أعداء دعوة الرسل يَكيلون السب والقدح والعيب لما جاءت به الرسل، أو للرسل ولما جاؤوا به الرسل؛ لقولهم: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾، ومعلوم أن كلام الكاذب وكلام المجنون ليس بمقبول، فهم يأتون بعبارات التشويه والتقبيح حتى لا يُقْبَل الحق، وهل هذا جارٍ إلى وقتنا هذا؟ نعم، جارٍ إلى وقتنا هذا؛ لأن أعداء دعوة الرسل لا يزالون إلى يوم القيامة، ولكن على أتباع الرسل أن يصبروا وألَّا يَثْنِي عزمَهم مثل هذا الكلام؛ لأنهم على الحق، كما قال تعالى: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل ٧٩]. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن الله عز وجل تَكَفَّل ببيان الحق وإظهاره وإبطال الباطل واندحاره؛ لقوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الكفر يوجب عدم قَبول الحق والاهتداء به تُؤْخَذ من قوله: ﴿فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾، و﴿فِي﴾ للظرفية، ومعناه أن الضلال محيط بهم من كل جانب؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَا نِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام ١١٠]، فإذا لم يؤمن الإنسان بالحق بقي في ضلال، والشواهد على هذا كثيرة؛ استمع إلى مثل هذه الآية وإلى قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق ٥] يعني: مضطرب ومختلف، فكل من كذَّب بالحق فإنه لا يزداد إلا ضلالًا حتى لو جاءته الآيات البينات الظاهرات فإنه لا ينتفع بذلك، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة ١٢٥] مع أنها آيات بينات واضحات. * ومن فوائد الآية الكريمة: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: وجوب النظر والاعتبار فيما حصل من الآيات في السماء والأرض؛ لقوله: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾؛ لأن هذا الاستفهام للتوبيخ، ولا يُوَبَّخ إلا على ترك واجب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن في السماوات والأرض آيات، لكنها لمن؟ للعبد المنيب إلى الله، وأما مَنْ لا يريد إنابة إلى ربه فإنه لا ينتفع بهذا الآيات حتى لو رآها ونظر فيها وفَكَّر فإنه لا ينتفع. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة لله؛ لقوله: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن ما يحصل من الخسف والزلازل والنوازل فإنه بإذن الله عز وجل عقوبةً للعباد واعتبارًا خلافًا لمن قال: إن هذه أمور طبيعية لا تدل على غضب الله عز وجل ولا على إنذاره كما هو رأي من لا يؤمن بالله، فالخسف في الأرض عقوبة، وما يأتي من الصواعق والكوارث الأُفُقِيَّة فهي أيضًا عقوبة؛ ولهذا قال: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى محيط بالعباد لا يمكنهم الفرار من قضائه وقَدَرِه؛ أن الله تعالى محيط بكل شيء لا مفر للعباد منه؛ لقوله: ﴿نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل يمن على العبد بظهور الآيات له حتى يتبين له الحق؛ لقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾، وإذا مَنَّ الله على العبد بالنظر في آياته والتدبر ازداد بذلك إيمانًا بالله عز وجل وإيمانًا ما تقتضيه هذه الآيات من صفاته فإن كل آية تدل على صفة معينة من صفات الله؛ فإنزال المطر يدل على القدرة والعلم والرحمة، وكونه في وقت مناسب يدل على الحكمة، كل شيء مما يقع في السماوات والأرض فإنه يدل على صفة من صفات الله تعالى تناسبه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن في السماء والأرض آيات عظيمة لمن نظر وتدبر، وهذا أثبته الله سبحانه وتعالى في القرآن في مواضع كثيرة: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَا تٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات ٢٠]، ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَا تٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد ٤]، والآيات في هذا المعنى كثيرة، فكل مَنْ تدبر ما في السماء وما في الآرض وما بينهما تبين له من آيات الله ما يُقَوِّي إيمانه ويزيده طمعًا في فضل الله تعالى وخوفًا من عقابه.

سبأ 34:9

﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: ٧] إلى آخره. أولًا في الإعراب والمعاني البلاغية: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ﴾ المقصود بالاستفهام هنا السخرية، و﴿رَجُلٍ﴾ نُكِّر ﴿عَلَى رَجُلٍ﴾ نُكِّر للتحقير، يعني أنه رجل حقير كقوله تعالى عمن كذب الرسل عمومًا ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾. وقوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان ٤١] فإن هذا للتحقير. وقوله: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ تنصب ثلاثة مفاعيل؛ المفعول الأول الكاف، والمفعول الثاني والثالث مُعَلَّق بقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. يقول الله عز وجل عن الكافرين أن بعضهم يقول لبعض على جهة التعجب كما قال المؤلف، بل على جهة التحقير ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: (فقال بعضهم على جهة التعجب لبعض ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ﴾ هو محمد) الاستفهام هنا قلت: إنه للسخرية، والمؤلف زاد معنى آخر وهو (التعجب) يعني: ألا تتعجبون مما سندلكم عليه. وقوله: ﴿عَلَى رَجُلٍ﴾ يقول: (هو محمد) لكنهم قالوه بالتنكير على سبيل التحقير، لم يذكروه باسمه؛ لأن ذِكْر الشخص باسمه قد يعني تعلية منزله، ولكنهم قالوه بهذا اللفظ المُنَكَّر تحقيرًا له. (﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ يخبركم أنكم ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ﴾ قُطِّعْتُم ﴿كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ بمعنى تمزيق ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ هذا المنبأ به) يقول: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ أي: يخبركم، فالنبأ بمعنى الخبر، وقد يكون النبأ في الأشياء الهامة، والخبر فيما هو أعم، فتُخْبِر عن الشيء الهام وعن الشيء الحقير، ولكنك لا تنبأ إلا بشيء عظيم كقوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ ١، ٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص ٦٧، ٦٨] فالنبأ قد يُسْتَعمل في الأشياء العظيمة بخلاف الخبر فإنه يكون أعمَّ. وقوله: ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ يقول: (إذا قُطِّعْتُم) وهذا التمزيق يعني تمزيق الأرض للحوم البشر؛ فإن الإنسان إذا دُفِن مَزَّقته الأرض وصارت عظامه الصلبة كانت رميمًا، فهم يقولون: ﴿يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ قال المؤلف: (بمعنى تمزيق)، وعلى هذا فكلمة (ممزق) لكنها مصدر مميميٌ. وقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ هذا هو محل النبأ وهو في محل نصب سَدَّ مَسَدَّ مفعولي ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ الثاني والثالث. وقوله: ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ﴾ كلمة ﴿إِذَا﴾ هذه ظرفية، فهل هي متعلقة بـ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ أو متعلقة بشيء محذوف يدل عليه السياق؟ الأخير؛ لأن إنباء الرسول ﷺ ليس في وقت تمزيقهم، ولكنه أنبأهم في الحياة الدنيا، إنما تمزيقهم إذا دُفِنوا يعني: أنكم إذا دُفِنْتم ومُزِّقْتم تكونون في خلق جديد، وهذا الخلق الجديد هو البعث، وهل البعث إعادة لما مضى أو ابتداء خلق غير الأول؟ الصواب أنه إعادة ما مضى كما قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم ٢٧] ولكنه سُمِّي خلقًا جديدًا؛ لأن الإنسان إذا بُعِثَ فإنه لا يُبْعَث كحاله في الدنيا، بل يبعث في حال أشد وأقوى؛ لأنه إذا بُعِثَ فإنه يكون في حال أقوى؛ إذ أنه سيبعث على أنه مُؤَبَّد لا يموت؛ ولهذا يتحمل الناس يوم القيامة من الكَرْب والهم والغم ما لا يتحملونه في الدنيا، فالناس مثلًا لو دنت الشمس منهم قدر ميل في الدنيا لأحرقتهم، ولكنها في الآخرة تدنو منهم ومع ذلك لا تحرقهم. يقول: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ إذن جديد بماذا؟ جديد في ذاته وأجزائه، أو في أوصافه؟ في أوصافه؛ لأن الصحيح أن الخلق هو إعادة ما مضى (...). ﴿أَفْتَرَى﴾ بفتح الهمزة للاستفهام واستُغْنِي بها عن همزة الوصل ﴿أَفْتَرَى﴾ أصلها (أافترى) لكن همزة الوصل مع همزة الاستفهام تسقط، ومثالها أيضًا قوله تعالى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات ١٥٣] [الصافات:١٥٣] ﴿أَصْطَفَى﴾ بمعنى أاصطفى فسقط الهمزة؛ لأنها وقعت بعد همزة الاستفهام وأظن سقوطها معلومًا؛ لأن همزة الوصل تَسْقُط في الوصل فإذا جاءت همزة الاستفهام صار الكلام متصلًا، وإذا كان متصلًا سقطت همزة الوصل. ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون ٢٧] أين ذهبت همزة الوصل في ﴿اصْنَعِ﴾؟ سقطت لاتصال الكلام فإذن ﴿أَفْتَرَى﴾ سقطت لاتصال الكلام. (﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ في ذلك) يعني: في قوله: إنكم ستبعثون وتُنْشَؤون خلقًا جديدًا، هل هذا افتراء على الله؟ سيبين الله ذلك، لكن هم يقولون: إن حاله دائرة بين أمرين: إما رجل مفترٍ على الله (﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ في ذلك ﴿أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ جنون تَخَيَّل به ذلك) إذن هم -والعياذ بالله- قسَّموا حال النبي ﷺ إلى حالين لا ثالث لهما وهما الافتراء على الله والثاني الجنون. (﴿أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أي جنون تخيل له ذلك به) هل هناك حال ثالثة؟ نعم هناك حال ثالثة لكن هم لا يُقِرُّون بها وهو أنه صادق عاقل، صادق لم يفتر وعاقل ليس به جنة، وهذا هو الواقع، لكنهم هم والعياذ بالله أسقطوا هذا القسم الثالث؛ لأنهم لا يُقِرُّون به ومن عجب أن هؤلاء الذين يقولون في الرسول عليه الصلاة والسلام هذا الوصف أنه إما مفترٍ أو مجنون أو شاعر أو كاهن أو ما أشبه ذلك كانوا يسمونه قبل النبوة بالأمين، ويرون أنه من أصدق الناس وأعظمهم أمانة، لكن -والعياذ بالله- لما جاء بما لم يوافق أهواءهم صاروا يلقبونه بهذه الألقاب، وهذه الألقاب السيئة التي لقب المشركون بها رسول الله ﷺ موروثة لمن؟ موروثة ورثها أعداء المؤمنين وأولياء المجرمين كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين ٢٩، ٣٠] فهذه الألقاب السيئة موجودة الآن،كل أعداء الرسل يُلَقِّبون أولياء الرسول بمثل ما لُقِّبَ به الرسل. تعلمون أنه مَرَّ علينا في العقيدة أن من الناس بمن يُلَقِّب أهل السنة والجماعة بماذا؟ بالحشوية والنوابت والغثاء والمجسمة وما أشبه ذلك، كل هذا؛ تنفيرًا للناس عن سلوك مذهبهم. يقول: ﴿أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ قال الله تعالى مبطلًا ذلك: (﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ المشتملة على البعث والعذاب). ﴿فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ (﴿فِي الْعَذَابِ﴾ فيها ﴿وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ عن الحق في الدنيا). قوله: ﴿بَلِ﴾ هذه للإضراب، وهل هو الإضراب الإبطالي أو الانتقالي؟ الإبطالي، الإضراب الإبطالي معناه أن ما قبل (بل) باطل، والإضراب الانتقالي معناه أن ما قبل (بل) مرحلة انتقل منها إلى المرحلة الأخرى بدون إبطال لها، فهنا ﴿بَلِ﴾ للإضراب الإبطالي؛ يعني أن الله أبطل هذين القسمين اللَّذينِ ردد هؤلاء الكفار حال النبي ﷺ بينهما؛ يعني: بل هو غير مفتر، وليس به جنة، ولكن هؤلاء الذين لا يؤمنون في العذاب والضلال البعيد ولا يمكن أن نُقِرُّهم؛ ومثال الإضراب الانتقالي قوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل ٦٦] فإن هذا انتقالي؛ يعني أنهم أولًا بَعُد عِلْمُهم في الآخرة، ثم شكوا فيها، ثم بعد ذلك عَمُوا عنها والعياذ بالله، فهذه أحوالهم الانتقالية. قال الله: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ أي: لا يصدقون بها ويعترفون. * طالب: (أو) يا شيخ ما قلنا: بمعنى (بل)؟ * الشيخ: قد تأتي أحيانًا مثل ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات ١٤٧]. قال: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ أي: لا يؤمنون بوجودها ولا يؤمنون بما يحصل فيها، وقد مر علينا أن اليوم الآخر يدخل فيه كلُّ ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، فكل ما أخبر به الرسول مما يكون بعد الموت كفتنة القبر ونعيمه وعذابه فإنها داخلة في الآخرة. قال: (المشتملة على البعث والعذاب ﴿فِي الْعَذَابِ﴾ فيها ﴿وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ عن الحق في الدنيا) المؤلف رحمه الله قيَّد المطلق في الموضعين هنا قال الله: ﴿فِي الْعَذَابِ﴾ والمؤلف قال: (في الآخرة)، وقال: ﴿وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ وقال: (في الدنيا)، والأصح أن الآية مطلقة فَهُمْ في العذاب في الدنيا وفي الآخرة، أما عذاب الآخرة فظاهر وأما عذاب الدنيا فما في قلوبهم من الحرج والضيق وما يحصل عليهم أيضًا من العذاب من الله عز وجل كما قال تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت ٤٠]، وكذلك العذاب الذي يجرى على أيدي الرسل كالعذاب الذي يحصل لهم بالهزائم فإن هذا من عذاب الدنيا، أما في الآخرة فظاهر. إذن ﴿فِي الْعَذَابِ﴾ يشمل الدنيا والآخرة، وتقييده بالآخرة فيه نظر، بل إنه ينبغي لنا بل يجب علينا ألا نُقَيِّدَ شيئًا أطلقه الله إلا بدليل من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ أو الإجماع. وقوله: ﴿الضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ يقول: (في الدنيا) فهم في ضلال بعيد عن الحق، وهم أيضًا في ضلال في الآخرة، فإنهم لا يُهْدَون إلى الصراط الذي ينجو به من عبره من النار، ولكنهم يُهْدَون إلى صراط الجحيم فيَضِلُّون عن الصراط الذي به النجاة قال الله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات ٢٢، ٢٣]، وقال سبحانه وتعالى عن المؤمنين: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [التحريم ٨]، فدلَّ ذلك على أن الضلال كما يكون في الدنيا يكون كذلك في الآخرة، فالأَوْلى إذن إبقاء النص على عمومه في الدنيا وفي الآخرة. ثم قال الله تعالى: (﴿أَفَلَمْ يَرَوْا﴾ ينظروا ﴿إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ ما فوقهم وما تحتهم ﴿مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ ) إلى آخره. الاستفهام هنا للتهديد؛ يعني أن الله هدد هؤلاء الذين كذبوا النبي ﷺ في قوله: إنه سيعادون هددهم بأحد أمرين: بالخَسْف أو إسقاط الكِسَف أي: القِطَع من العذاب من فوقهم، وإنما ذَكَر الفَوْق والتحت؛ لأنه لا يمكن الفرار منهما، أما اليمين والشمال والخلف والأمام فيمكن الفرار؛ لو جاءك عدو من الخلف أمكنك أن تَفِرَّ إلى الأمام، ولو جاءك من الأمام أمكنك أن تفر إلى الخلف، لكن إذا جاء من أسفل إلى أين تذهب؟ تقفز، ما تستطيع، وإذا جاء من فوق أين تذهب؟ لا تستطيع؛ لهذا هدَّدهم الله تعالى بأمرين لا يمكنهم الفرار منهما. وقول المؤلف: (أفلم ينظروا)، فسر ﴿يَرَوْا﴾ بمعنى (ينظروا)، والأَوْلى أن تكون شاملة للرؤية البصرية التي بمعنى النظر والرؤية القلبية التي بمعنى العلم والتفكر؛ يعني أن الله عز وجل يَحُثُّهم على أن يتفكروا حَثًّا يراد به التهديد، فالرؤيا هنا شاملة رؤية النظر بالعين ورؤية القلب بالتفكر. وقوله: ﴿إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ فسَّرها المؤلف أيضًا: (ما فوقهم وما تحتهم) طيب، ما الذي بين الأيدي؟ على كلام المؤلف بناء على أنه لَفٌّ ونَشْرٌ مرتب يكون ما فوقهم هو الذي بين أيديهم، وما خلفهم هو الذي تحتهم. ولكن قد يقول قائل: إن هذا صرف للكلام عن ظاهره بلا دليل، بل نقول: ﴿إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي ما أمامهم، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: ما وراء ظهورهم، فيحتمل أن المراد بـ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ أمامهم من الزمن ويحتمل أن يكون المراد بـ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: في المكان، وكذلك نقول فيما خلفهم. قد يكون ما بين اليد هو ما أمامك من الزمان، وما خلفك ما خَلَّفْتَه من الزمان كما في قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة٢٥٥]، أي ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ ما يُسْتَقْبَل ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ ما مضى، وقد يكون به المكان كما تقول: مررت بين يديِ المصلي، أي: أمامه، وتقول: المأموم يقف خلف الإمام أي: وراءه في المكان ولَّا في الزمان؟ في المكان. هنا ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ نقول فيها: يحتمل أن يكون المراد المكان ويحتمل أن يكون المراد الزمان، والمراد أن يتفكروا في الأمر هل نجا أحد من عذاب الله؟ انظر ما بين يديك في المكان أو ما بين يديك في الزمان وما خلفك من المكان أو الزمان هل نجا أحد من عذاب الله؟ والجواب: لا، لم ينجُ. إذن هم أيضًا لا ينجون من عذاب الله. ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ الجملة هنا شرطية، وفعل الشرط وجوابه مضارع مجزوم ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ﴾. وقوله: ﴿أَوْ نُسْقِطْ﴾ معطوفة على ﴿نَخْسِفْ﴾ يعني: أو إن نشأ نُسْقِط عليهم كِسَفًا. قال المؤلف في قراءة: (بسكون السين وفتحها: قطعة) يعني أن فيها قراءتين سبعيتين سكون السين ﴿كِسْفًا﴾، أو ﴿كِسَفًا﴾ بفتح السين، ويجوز القراءة فيهما جميعًا، وقد سبق أن قلنا: إن القراءات إذا تعدَّدت فالأفضل أن يقرأ بهذا تارة وبهذا تارة؛ لأنها كلها حق، وكونه يلتزم بقراءة واحدة هذا فيه قصور إلا أن القراءات التي لم تَتَيَقَّن أنها ثابتة لا يجوز لك أن تقرأ بها؛ لأنه يجب أن تقرأ بما ثَبَتَ عندك. قال: ﴿كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ وفي قراءة في الأفعال الثلاثة بالياء، أين الأفعال الثلاثة؟ ﴿نَشَأْ﴾ ﴿نَخْسِفْ﴾ ﴿نُسْقِطْ﴾ بالياء فيقال: ﴿إِنْ يَشَأْ يَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ ، والفاعل في الضمائر هنا يعود على الله عز وجل، أما على قراءة النون ﴿إِنْ نَشَأْ﴾ فالأمر ظاهر؛ لأن الضمير فيها ضمير متكلم، لكن على قراءة الياء الضمير فيها ضمير الغائب، وضمير الغائب لا بد فيه مِنْ مرجع يرجع إليه إما سابق وإما لاحق، فأين مرجوع الضمير ﴿إِنْ يَشَأْ﴾ يقال: إنه معلوم من السياق، كما في قوله: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء٢٨]، من الذي خلقه؟ الله، فهنا يعلم كل أحد أنه لا يستطيع أحد من البشر ولا من غير البشر أن يخسف الأرض بالناس أو يُسْقِط عليهم قِطَعًا من العذاب فيكون مرجع الضمير معلومًا بالسياق. وقوله: (﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المرئي ﴿لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ راجع إلى ربه تدل على قدرة الله على البعث) إلى آخره. يعني: إن الآية تدل على البعث. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي فيما بين أيديهم من السماء والأرض ﴿لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾. إحنا ذكرنا أن من بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض يشمل كل ما سبق وكل ما مضى وكل ما أمامهم من المكان وكل ما كان خلفهم، من ذلك أننا نرى الآية في السماء ينزل المطر من السماء على الأرض الهامدة اليابسة فترجع مُخْضَرَّة حية، أفلا يكون في ذلك دليل على إمكان إعادة الخلق؟ الجواب: بلى؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي المنظور مما بين أيدينا وما خلفنا من السماء والأرض ﴿لَآيَةً﴾ أي علامة على قدرة الله عز وجل وعلى علمه وحكمته، لكن هذه الآية ليست آية لكل أحد، بل ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ ﴿عَبْدٍ﴾ مأخوذ من العبودية، وهي التَّذَلُّل، وقد سبق لنا أن التذلل نوعان: تذلل للأمر الشرعي، وتذلل للأمر الكوني، وأيهما المحمود المُثاب عليه؟ التذلل للأمر الشرعي، أما التذلل للأمر الكوني فإن هذا لا طاقة للإنسان به ولا يُحْمَد عليه، كون الإنسان يَذِل لأمر الله الكوني من مرض أو فقر أو موت أهل أو ما أشبه ذلك، هل يُحْمَد عليه؟ لا لأنه ليس من فعله، لكن كونه يَذِلُّ لأمر الله الشرعي فيقوم بشرائع الله هذا هو الذي يُحْمَد عليه. هنا المراد بـ(العبد) العبد المتذلل للأمر الكوني أو الشرعي؟ الشرعي، طيب بدليل قوله: ﴿مُنِيبٍ﴾ أي: راجع إلى الله سبحانه وتعالى، راجع إلى الله منين؟ من معصيته إلى طاعته فيشمل القائم بالعبادة ولو بدون أن يُذْنِب ويشمل التائب من الذنب، فإن الرجل إذا قام يصلي يتعبد لله عز وجل يقال: إنه أناب إلى الله، ويقال: إذا أذنب ثم استغفر وعاد يقال: إنه أناب إلى الله أيضًا فالإنابة هنا تشمل الإنابة من ذنب فَعَلُه فتكون بمعنى التوبة، وتشمل الإنابة إلى الله القيام بطاعته فتكون أشمل وأعم. وفي قوله: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ -وهو أمر نسيت أن أنبه عليه- فيه الإعراض الذي اختلف فيه علماء النحو، وهو أن النحويين اختلفوا في إعراب الجملة إذا كانت مصدرة بهمزة الاستفهام وبعدها حرف عطف فقيل: إن الهمزة -أعني همزة الاستفهام- داخلة على شيء مُقَدَّر بحسب السياق، وقيل: وقيل: إن الهمزة داخلة على الجملة الموجودة بدون تقدير وإن حرف العطف كان من حقه أن يتقدم على الهمزة، لكنها قُدِّمَت عليه؛ لأن لها الصدارة. هذا الوجه الأول يكون التقدير في قوله: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم﴾ أَغَفَلوا؟ أو أَأَعرضوا؟ وما أشبه ذلك. وأما على الثاني فلا حاجة إلى هذا التقدير، بل نقول: إن الهمزة للاستفهام والفاء حرف عطف وتأخرت عن الهمزة؛ لأن لها الصدارة، أيهما أحسن؟ الثاني أحسن؛ يعني: كوننا نقول: إن الهمزة داخلة على هذه الجملة نفسها أولى وذلك؛ لأن القول الأول قد يُعْوِذُك تقدير المحذوف بمعنى أنه يَصْعُب عليك أن تُقَدِّر المحذوف، أما هذا فبناء على أن الجملة هذه معطوفة على ما سبق لا تحتاج إلى تقدير فلا تَتْعَب فيها. ثم قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ [سبأ ١٠] الواو حرف عطف، ويجوز أن تكون للاستئناف، واللام موطئة للقسم. * طالب: (...). * الشيخ: كيف؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، (...)، اللام موطئة للقسم، و(قد) للتحقيق، ومثل هذا التركيب يأتي في القرآن كثيرًا، ويقال فيه: إن الجملة مُؤَكَّدة بثلاثة مؤكدات: القسم المقدر، واللام، و(قد) فتقدير هذه الجملة (والله لقد آتينا داود منا فضلًا)، هل يجوز أن تُحذف اللام؟ نعم يجوز، قال الله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس ١ - ٥] إلى أن قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ هذا جواب القسم، ويجوز في ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ في غير القرآن أن نقول: لقد أفلح، طيب، وهل يجوز أن تُحذف اللام و(قد)؟ نعم يجوز؛ كقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ [البروج ١ - ٤] فـ﴿قُتِلَ﴾ هذا جواب القسم، ليس فيه (قد) ولا اللام، فصار جواب القسم إذا كان فعلًا ماضيًا جاز فيه ثلاثة أوجه: أن يقترن باللام و(قد)، أن يقترن بـ(قد)، أن تُحذف (...) اللام و(قد)، لكن لا تحذف اللام ولا تحذف (قد) في الغالب إلا إذا طال القسم، أما إذا لم يطل فإنها لا تحذف. إذا قلت: والله لقد قام زيد، صح؟ والله لقد قام زيد، صحيح ولَّا لا؟ صحيح، وهذا هو الأصل. والله قد قام زيد، هذا أيضًا صحيح حَذَفْنا اللام. والله قام زيد هذا أيضًا صحيح حذفنا منه اللام وقد، والله أعلم. (...) * من فوائد الآية الكريمة ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ﴾ [سبأ ٧] إلى آخره: أن النبي ﷺ دعا إلى الإيمان باليوم الآخر، من أين تُؤخذ؟ من قوله: ﴿يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان عُتُو الكافرين واستعلائهم واستكبارهم؛ حيث عبَّروا بهذا التعبير ساخرين بما أخبر به النبي ﷺ، وجه علوهم واستكبارهم: أولًا: السخرية بهذا النبأ. والثاني: تحقير النبي ﷺ. والثالث: وصفه بأنه لا تخلو حاله من أحد أمرين: إما كاذب، وإما مجنون. هذه ثلاثة أوجه كلها تدل على علو هؤلاء الكافرين وعنادهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان ما حصل للنبي ﷺ من الأذى وأنه صبر؛ لأن أمرًا يصل إلى هذا الحد في الاستخفاف به والاستهانة بخبره لا شك أنه يُؤَثِّر على نفسه تأثيرًا بالغًا، وأعتقد أن صاحب الدعوة إذا أوذي بمثل هذا الإيذاء كان أشد عليه من أن يُضْرَب ويحبس. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل حيث يعيد هذا الخلق بعد أن يتمزق كل تَمَزُّق؛ لأنه ظاهر من قوله: ﴿يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾. * ومن فوائدها: أن الكافرين الذين كفروا برسول الله ﷺ كانوا يقرون بالله، من أين تُؤْخذ؟ ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. * ومن فوائدها: بيان قبح الافتراء على الله حتى إن الكافرين يستقبحونها؛ لقوله: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن أعداء الرسل بل أعداء دعوة الرسل يَكيلون السب والقدح والعيب لما جاءت به الرسل، أو للرسل ولما جاؤوا به الرسل؛ لقولهم: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾، ومعلوم أن كلام الكاذب وكلام المجنون ليس بمقبول، فهم يأتون بعبارات التشويه والتقبيح حتى لا يُقْبَل الحق، وهل هذا جارٍ إلى وقتنا هذا؟ نعم، جارٍ إلى وقتنا هذا؛ لأن أعداء دعوة الرسل لا يزالون إلى يوم القيامة، ولكن على أتباع الرسل أن يصبروا وألَّا يَثْنِي عزمَهم مثل هذا الكلام؛ لأنهم على الحق، كما قال تعالى: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل ٧٩]. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن الله عز وجل تَكَفَّل ببيان الحق وإظهاره وإبطال الباطل واندحاره؛ لقوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الكفر يوجب عدم قَبول الحق والاهتداء به تُؤْخَذ من قوله: ﴿فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾، و﴿فِي﴾ للظرفية، ومعناه أن الضلال محيط بهم من كل جانب؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَا نِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام ١١٠]، فإذا لم يؤمن الإنسان بالحق بقي في ضلال، والشواهد على هذا كثيرة؛ استمع إلى مثل هذه الآية وإلى قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق ٥] يعني: مضطرب ومختلف، فكل من كذَّب بالحق فإنه لا يزداد إلا ضلالًا حتى لو جاءته الآيات البينات الظاهرات فإنه لا ينتفع بذلك، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة ١٢٥] مع أنها آيات بينات واضحات. * ومن فوائد الآية الكريمة: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: وجوب النظر والاعتبار فيما حصل من الآيات في السماء والأرض؛ لقوله: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾؛ لأن هذا الاستفهام للتوبيخ، ولا يُوَبَّخ إلا على ترك واجب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن في السماوات والأرض آيات، لكنها لمن؟ للعبد المنيب إلى الله، وأما مَنْ لا يريد إنابة إلى ربه فإنه لا ينتفع بهذا الآيات حتى لو رآها ونظر فيها وفَكَّر فإنه لا ينتفع. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة لله؛ لقوله: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن ما يحصل من الخسف والزلازل والنوازل فإنه بإذن الله عز وجل عقوبةً للعباد واعتبارًا خلافًا لمن قال: إن هذه أمور طبيعية لا تدل على غضب الله عز وجل ولا على إنذاره كما هو رأي من لا يؤمن بالله، فالخسف في الأرض عقوبة، وما يأتي من الصواعق والكوارث الأُفُقِيَّة فهي أيضًا عقوبة؛ ولهذا قال: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى محيط بالعباد لا يمكنهم الفرار من قضائه وقَدَرِه؛ أن الله تعالى محيط بكل شيء لا مفر للعباد منه؛ لقوله: ﴿نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل يمن على العبد بظهور الآيات له حتى يتبين له الحق؛ لقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾، وإذا مَنَّ الله على العبد بالنظر في آياته والتدبر ازداد بذلك إيمانًا بالله عز وجل وإيمانًا ما تقتضيه هذه الآيات من صفاته فإن كل آية تدل على صفة معينة من صفات الله؛ فإنزال المطر يدل على القدرة والعلم والرحمة، وكونه في وقت مناسب يدل على الحكمة، كل شيء مما يقع في السماوات والأرض فإنه يدل على صفة من صفات الله تعالى تناسبه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن في السماء والأرض آيات عظيمة لمن نظر وتدبر، وهذا أثبته الله سبحانه وتعالى في القرآن في مواضع كثيرة: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَا تٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات ٢٠]، ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَا تٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد ٤]، والآيات في هذا المعنى كثيرة، فكل مَنْ تدبر ما في السماء وما في الآرض وما بينهما تبين له من آيات الله ما يُقَوِّي إيمانه ويزيده طمعًا في فضل الله تعالى وخوفًا من عقابه.

سبأ 34:10

قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ ١٠]. ﴿آتَيْنَا﴾ بمعنى أعطينا، وهي تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، وكل فعل ينصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر يُسَمَّى من باب (أعطى وكَسَى)، فهنا ﴿آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ ﴿دَاوُودَ﴾ المفعول الأول، و﴿فَضْلًا﴾ المفعول الثاني، ولا يمكن أن يكون هذا مبتدأ وخبرًا، لو قلت: (داود فضل) يصلح؟ ما يصلح، طيب. ويقال: (أَتَيْنَا) ولكنها يختلف معناها عن ﴿آتَيْنَا﴾، بل معنى (أَتَيْنَا) جئنا، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الأعراف ٥٢]، وقال تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل ١] أي جاء أمر الله. قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ داود هو أحد أنبياء بني إسرائيل، وهو بعد موسى ولَّا قبله؟ * طلبة: قبله. * طلبة آخرون: بعده. * الشيخ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٤٦] وفي القصة أن داود كان منهم، إذن فهو بعد موسى وهو نبي من الأنبياء وقد أنكرت اليهود -لعنة الله عليهم- كونهم نبيًّا ووصفوه بأنه ملك وقد كذبوا في ذلك، فإنه كان نبيًّا من أنبياء الله الذين يجب علينا أن نؤمن بهم ولا يتم إيماننا إلا بالإيمان بهم؛ لأن أركان الإيمان -كما نعلم- الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، وهو أيضًا رسول؛ لأن كل نبي ذكر في القرآن فهو رسول. قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ ﴿مِنَّا﴾ فبدأ بالجهة قبل الفضل ليتبين عِظَم ذلك الفضل؛ لأن الشيء إذا نُسِبَ إلى جهة عظيمة كان عظيمًا؛ كما في قوله في الحديث الصحيح: «وَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٣٤) ومسلم (٢٧٠٥/٤٨) من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه. ]] «مِنْ عِنْدِكَ» فأضافها إلى الله حتى يتبين ذلك عظمها. (﴿آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ نبوة وكتابًا) وهذا الذي فَسَّر المؤلف الآية به من باب التمثيل، فإن الله أعطاه النبوة والرسالة أيضًا، وأعطاه الكتاب؛ قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [النساء ١٦٣] وهل أعطاه شيئًا آخر غير هذا؟ نعم؛ ولهذا نَكَّر كلمة (فضل) جاءت منكرة؛ لتشمل كل ما أُعْطِيَه من فضل سواء كان ذلك دينيًّا أو دنيويًّا، وكان داود عليه الصلاة والسلام من أحسن الناس صوتًا وترنُّمًا بالذكر حتى إن الله عز وجل أمر الجبال أمرًا إما كونيًّا وإما شرعيًّا قال لها: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ (أَوَّبَ) بمعنى رَجَّع، ومنه الأوَّاب أي: رَجَّاع إلى الله، ومنه (آب يؤوب أوبًا) بمعنى رجع فـ﴿أَوِّبِي مَعَهُ﴾ أي: رجعي معه، والترجيع معناه أن تُرَدِّد الصوت الذي يقوله، فمثلًا إذا قرأ سمعت كأن الجبال التي حوله كلها تقرأ بقراءته، وهذا غير ما نسمعه من الصدى الذي يحصل لكل إنسان؛ لأن هذا الصدى الذي يحصل لكل إنسان إذا كانت قد أحاطت به الجبال هذا أمر طبيعي، لكن هذا الذي أوتيه داود فوق ذلك فكانت الجبال تُرجِّع معه؛ وذلك لحسن صوته ونغماته، حتى إن الجبال تُرَجِّع معه بأمر الله سبحانه وتعالى. ﴿وَالطَّيْرَ﴾ ﴿الطَّيْرَ﴾ يقول: (بالنصب عطفًا على محل الجبال) كيف؟ ﴿يَا جِبَالُ﴾ هذه منادى، ولَّا لا؟ مبنيٌّ على الضم في محل نصب، وإنما بُنِيَ على الضم وهو نكرة؛ لأنه مقصود، والنكرة المقصودة بمعنى العَلَم؛ فلهذا بُنِيَت على الضم، ﴿الطَّيْرَ﴾ لو عُطِفَت على اللفظ ﴿يَا جِبَالُ﴾ لكانت مرفوعة مبنية على الضم، لكنها عُطِفت على محلِّ الجبال وهو النصب؛ يعني: وكذلك أمر الله الطير بأن تُرَجِّع معه، فكانت الطيور في جوِّ السماء تقف عند سماع قراءة داود عليه الصلاة والسلام، وتُرَجِّع معه، وأنت إذا تَصَوَّرت هذا الأمر وأن رجلًا يقرأ الزبور بذلك القراءة والنغمات الجميلة، ثم الطيور من فوق تُسَبِّح والجبال لا شك أنه مشهد عظيم ورهيب، كل شيء يقرأ بقراءة هذا الرجل بأمر مَنْ؟ بأمر الله عز وجل. وقوله: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ (﴿أَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ فكان في يده كالعجين) ﴿أَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ أي: جعلناه لينًا بيده حتى إنه كالعجين في يد أحدنا، وهل المراد أن المراد ألانه له بالوسائل التي تُلَيِّن الحديد سُخِّرَت له وهُيِّئَت له، أو أن الله ألان له الحديد بغير سبب المعلوم؟ يرى بعض الناس أنه الأول، وأن المراد بقوله: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ أي: يسَّرْنا له الأسباب التي تُلَيِّن له الحديد؛ لأن تيسير الأسباب لا شك أنه من نعمة الله، أرأيت لو أنك تريد أن تَعكُف سيخًا من الحديد وعندك نار ضعيفة تتعب في ذلك ولَّا لا؟ لكن لو كان عندك نار قويَّة جدًّا كان في خلال دقائق قليلة يلين هذا الحديد كما تشاء، فيرى بعض العلماء أن المراد من تَلْيِين الحديد لداود تَيْسِير الأسباب التي يَسهُل بها لينه، ولكن بعض أهل العلم يقول: إن الله ألان له الحديد بغير سبب، بل بقدرة الله عز وجل، وجعل الله ذلك آية له، كما جعل الله عصا موسى إذا نزلت في الأرض صارت حية وإذا رفعها صارت عصا في آن واحد في لحظة واحدة، فالله على كل شيء قدير، والذي جعل الحديد صلبًا قادر على أن يجعله لَيِّنًا، وعندي أن هذا أقرب إلى المعنى؛ أولًا: أن الله قال: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ﴾ فجعل التليين مضافًا إليه إشارة إلى أن لِين هذا الحديد بمجرد القدرة، وكوننا نقول: إن هذا بأسباب عادِيَّة لكنها يُسِّرَت له هذا خلاف ظاهر الآية، ثم لو قلنا بهذا القول هل تكون هذه آية له؟ لا؛ لأن كل مَنْ تَيَسَّر له أسباب إِلَانَة الحديد ألان الله له الحديد، طيب، ألان الله له الحديد حتى صار بيده كالعجين يقدر على أن يُدَوِّرَه على أن يجعله دقيقًا، على أن يجعله غليظًا حسب ما يريد؛ ولهذا قال: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ هذه هي الحكمة من كون الله ألان له الحديد أن يعمل منه الدروع للمجاهدين في سبيل الله. قال ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ أفادنا المؤلف رحمه الله بقوله: (وقلنا ﴿أَنِ اعْمَلْ﴾ ) أن (أن) مصدرية حُذِفَ عاملها، والتقدير: (وقلنا: أن اعمل)؛ أي: بأن اعمل، أي: بالعمل، ويحتمل أن تكون (أن) تفسيرية وأن نقدر المحذوف بـ(أوحينا) (وأوحينا إليه أن اعمل)؛ لأن (أن) التفسيرية هي التي سبقها معنى القول دون حروفه، وهذا أقرب من تقدير المؤلف، و﴿أَنِ اعْمَلْ﴾ أي: ووأحينا إليه ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾. ﴿اعْمَلْ﴾ بمعنى اصنع منين؟ قال: (منه) أي: من الحديد، ﴿سَابِغَاتٍ﴾ ويش بعدها عندكم؟ دروعًا بالنصب؟ أنا عندي ما هي منصوبة، (كوامل يَجُرُّها لابسها على الأرض). ﴿سَابِغَاتٍ﴾ فسرها المؤلف بقوله: (كوامل يَجُرُّها صاحبها على الأرض)، وأفادنا بقوله: (دروعًا) أفادنا بأن ﴿سَابِغَاتٍ﴾ صفة لموصوف محذوف، وهذا المحذوف تقديره دروعًا، وحَذْف الموصوف جائز؛ قال ابن مالك: وَمَا مِنَ الْمَنْعُوتِ وَالنَّعْتِ عُقِلْ ∗∗∗ يَجُوزُ حَذْفُهُ وَفِي النَّعْتِ يَقِلْ السابغ من كل شيء هو الكامل الظافر التام، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان ٢٠] أي: أتمها وأكملها، ومنه إسباغ الوضوء أي: إتمامه وإكماله، فهذه الدروع السابغات يعني الوافيات الكوامل التي تمنع لابسها من أن يناله أذى. وأما قول المؤلف: (يجرها لابسها على الأرض) ففي هذا نظر؛ لأنه ليس هناك حاجة إلى أن يَجُرَّها على الأرض، ولأنها إذا بلغت إلى هذا المستوى فربما تعيق إلى الكَرِّ والفَرِّ، والمعروف أن الدروع تصل إلى الركبة فقط هذا غايتها؛ لأنها حديد وإذا لبس الإنسان حديدًا يصل إلى الأرض فإنه سيكون مكبَّلًا بالأغلال فالواجب أن نقول: ﴿سَابِغَاتٍ﴾ أي: كاملات ليس فيها نقص، وكمال كل شيء بحسبه. ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ (أي: نسج الدروع، قيل لصانعها: سَرَّاد أي: اجعله بحيث تتناسب حِلَقُهُ) ﴿قَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ (السرد) معناه نسج الدرع، كما ينسج الثوب من القطن، ومن الصوف، يُنْسَج الدرع من الحديد، ومعنى التقدير في السرد؛ أي: اجعل هذا السرد، أي: النسج مُقَدَّرًا مُتَناسِبًا، من التقدير أن.. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ [سبأ ١٠] الواو حرف عطف، ويجوز أن تكون للاستئناف، واللام موطئة للقسم. * طالب: (...). * الشيخ: كيف؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، (...)، اللام موطئة للقسم، و(قد) للتحقيق، ومثل هذا التركيب يأتي في القرآن كثيرًا، ويقال فيه: إن الجملة مُؤَكَّدة بثلاثة مؤكدات: القسم المُقَدَّر، واللام، و(قد) فتقدير هذه الجملة (والله لقد آتينا داود منا فضلًا)، هل يجوز أن تُحذف اللام؟ نعم يجوز، قال الله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس ١ - ٥] إلى أن قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ هذا جواب القسم، ويجوز في ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ في غير القرآن أن نقول: لقد أفلح، طيب. وهل يجوز أن تُحذف اللام و(قد)؟ نعم يجوز؛ كقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ [البروج ١ - ٤] فـ﴿قُتِلَ﴾ هذا جواب القسم، ليس فيه (قد) ولا اللام، فصار جواب القسم إذا كان فعلًا ماضيًا جاز فيه ثلاثة أوجه: أن يقترن باللام و(قد)، أن يقترن بـ(قد)، أن تُحذف (...) واللام و(قد)، لكن لا تحذف اللام ولا تحذف (قد) في الغالب إلا إذا طال القسم، أما إذا لم يطل فإنها لا تحذف. إذا قلت: والله لقد قام زيد، صح؟ والله لقد قام زيد، صحيح ولَّا لا؟ صحيح، وهذا هو الأصل. والله قد قام زيد، هذا أيضًا صحيح حَذَفْنا اللام. والله قام زيد، هذا أيضًا صحيح حذفنا منه اللام و(قد)، والله أعلم. (...) * من فوائد الآية الكريمة ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ﴾ [سبأ ٧] إلى آخره: أن النبي ﷺ دعا إلى الإيمان باليوم الآخر، من أين تُؤخذ؟ من قوله: ﴿يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان عُتُو الكافرين واستعلائهم واستكبارهم؛ حيث عبَّروا بهذا التعبير ساخرين بما أخبر به النبي ﷺ، وجه علوهم واستكبارهم: أولًا: السخرية بهذا النبأ. والثاني: تحقير النبي ﷺ. والثالث: وصفه بأنه لا تخلو حاله من أحد أمرين: إما كاذب، وإما مجنون. هذه ثلاثة أوجه كلها تدل على علو هؤلاء الكافرين وعنادهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان ما حصل للنبي ﷺ من الأذى وأنه صبر؛ لأن أمرًا يصل إلى هذا الحد في الاستخفاف به والاستهانة بخبره لا شك أنه يُؤَثِّر على نفسه تأثيرًا بالغًا، وأعتقد أن صاحب الدعوة إذا أوذي بمثل هذا الإيذاء كان أشد عليه من أن يُضْرَب ويحبس. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل حيث يعيد هذا الخلق بعد أن يتمزق كل تَمَزُّق؛ لأنه ظاهر من قوله: ﴿يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾. * ومن فوائدها: أن الكافرين الذين كفروا برسول الله ﷺ كانوا يقرون بالله، من أين تُؤْخذ؟ ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. * ومن فوائدها: بيان قبح الافتراء على الله حتى إن الكافرين يستقبحونها؛ لقوله: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن أعداء الرسل بل أعداء دعوة الرسل يَكيلون السب والقدح والعيب لما جاءت به الرسل، أو للرسل ولما جاؤوا به الرسل؛ لقولهم: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾، ومعلوم أن كلام الكاذب وكلام المجنون ليس بمقبول، فهم يأتون بعبارات التشويه والتقبيح حتى لا يُقْبَل الحق، وهل هذا جارٍ إلى وقتنا هذا؟ نعم، جارٍ إلى وقتنا هذا؛ لأن أعداء دعوة الرسل لا يزالون إلى يوم القيامة، ولكن على أتباع الرسل أن يصبروا وألَّا يَثْنِي عزمَهم مثل هذا الكلام؛ لأنهم على الحق، كما قال تعالى: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل ٧٩]. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن الله عز وجل تَكَفَّل ببيان الحق وإظهاره وإبطال الباطل واندحاره؛ لقوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الكفر يوجب عدم قَبول الحق والاهتداء به تُؤْخَذ من قوله: ﴿فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾، و﴿فِي﴾ للظرفية، ومعناه أن الضلال محيط بهم من كل جانب؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَا نِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام ١١٠]، فإذا لم يؤمن الإنسان بالحق بقي في ضلال، والشواهد على هذا كثيرة؛ استمع إلى مثل هذه الآية وإلى قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق ٥] يعني: مضطرب ومختلف، فكل من كذَّب بالحق فإنه لا يزداد إلا ضلالًا حتى لو جاءته الآيات البينات الظاهرات فإنه لا ينتفع بذلك، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة ١٢٥] مع أنها آيات بينات واضحات. * ومن فوائد الآية الكريمة: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: وجوب النظر والاعتبار فيما حصل من الآيات في السماء والأرض؛ لقوله: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾؛ لأن هذا الاستفهام للتوبيخ، ولا يُوَبَّخ إلا على ترك واجب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن في السماوات والأرض آيات، لكنها لمن؟ للعبد المنيب إلى الله، وأما مَنْ لا يريد إنابة إلى ربه فإنه لا ينتفع بهذا الآيات حتى لو رآها ونظر فيها وفَكَّر فإنه لا ينتفع. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة لله؛ لقوله: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن ما يحصل من الخسف والزلازل والنوازل فإنه بإذن الله عز وجل عقوبةً للعباد واعتبارًا خلافًا لمن قال: إن هذه أمور طبيعية لا تدل على غضب الله عز وجل ولا على إنذاره كما هو رأي من لا يؤمن بالله، فالخسف في الأرض عقوبة، وما يأتي من الصواعق والكوارث الأُفُقِيَّة فهي أيضًا عقوبة؛ ولهذا قال: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى محيط بالعباد لا يمكنهم الفرار من قضائه وقَدَرِه؛ أن الله تعالى محيط بكل شيء لا مفر للعباد منه؛ لقوله: ﴿نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل يمن على العبد بظهور الآيات له حتى يتبين له الحق؛ لقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾، وإذا مَنَّ الله على العبد بالنظر في آياته والتدبر ازداد بذلك إيمانًا بالله عز وجل وإيمانًا ما تقتضيه هذه الآيات من صفاته فإن كل آية تدل على صفة معينة من صفات الله؛ فإنزال المطر يدل على القدرة والعلم والرحمة، وكونه في وقت مناسب يدل على الحكمة، كل شيء مما يقع في السماوات والأرض فإنه يدل على صفة من صفات الله تعالى تناسبه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن في السماء والأرض آيات عظيمة لمن نظر وتدبر، وهذا أثبته الله سبحانه وتعالى في القرآن في مواضع كثيرة: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَا تٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات ٢٠]، ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَا تٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد ٤]، والآيات في هذا المعنى كثيرة، فكل مَنْ تدبر ما في السماء وما في الآرض وما بينهما تبين له من آيات الله ما يُقَوِّي إيمانه ويزيده طمعًا في فضل الله تعالى وخوفًا من عقابه. * * * قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ ١٠]. ﴿آتَيْنَا﴾ بمعنى أعطينا، وهي تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، وكل فعل ينصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر يُسَمَّى من باب (أعطى وكَسَى)، فهنا ﴿آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ ﴿دَاوُودَ﴾ المفعول الأول، و﴿فَضْلًا﴾ المفعول الثاني، ولا يمكن أن يكون هذا مبتدأ وخبرًا، لو قلت: (داود فضل) يصلح؟ ما يصلح، طيب. ويقال: (أَتَيْنَا) ولكنها يختلف معناها عن ﴿آتَيْنَا﴾، بل معنى (أَتَيْنَا) جئنا، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الأعراف ٥٢]، وقال تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل ١] أي جاء أمر الله. قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ داود هو أحد أنبياء بني إسرائيل، وهو بعد موسى ولَّا قبله؟ * طلبة: قبله. * طلبة آخرون: بعده. * الشيخ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٤٦] وفي القصة أن داود كان منهم، إذن فهو بعد موسى وهو نبي من الأنبياء وقد أنكرت اليهود -لعنة الله عليهم- كونهم نبيًّا ووصفوه بأنه ملك وقد كذبوا في ذلك، فإنه كان نبيًّا من أنبياء الله الذين يجب علينا أن نؤمن بهم ولا يتم إيماننا إلا بالإيمان بهم؛ لأن أركان الإيمان -كما نعلم- الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، وهو أيضًا رسول؛ لأن كل نبي ذكر في القرآن فهو رسول. قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ ﴿مِنَّا﴾ فبدأ بالجهة قبل الفضل ليتبين عِظَم ذلك الفضل؛ لأن الشيء إذا نُسِبَ إلى جهة عظيمة كان عظيمًا؛ كما في قوله في الحديث الصحيح: «وَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٣٤) ومسلم (٢٧٠٥/٤٨) من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه. ]] «مِنْ عِنْدِكَ» فأضافها إلى الله حتى يتبين ذلك عظمها. (﴿آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ نبوة وكتابًا) وهذا الذي فَسَّر المؤلف الآية به من باب التمثيل، فإن الله أعطاه النبوة والرسالة أيضًا، وأعطاه الكتاب؛ قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [النساء ١٦٣] وهل أعطاه شيئًا آخر غير هذا؟ نعم؛ ولهذا نَكَّر كلمة (فضل) جاءت منكرة؛ لتشمل كل ما أُعْطِيَه من فضل سواء كان ذلك دينيًّا أو دنيويًّا، وكان داود عليه الصلاة والسلام من أحسن الناس صوتًا وترنُّمًا بالذكر حتى إن الله عز وجل أمر الجبال أمرًا إما كونيًّا وإما شرعيًّا قال لها: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ (أَوَّبَ) بمعنى رَجَّع، ومنه الأوَّاب أي: رَجَّاع إلى الله، ومنه (آب يؤوب أوبًا) بمعنى رجع فـ﴿أَوِّبِي مَعَهُ﴾ أي: رجعي معه، والترجيع معناه أن تُرَدِّد الصوت الذي يقوله، فمثلًا إذا قرأ سمعت كأن الجبال التي حوله كلها تقرأ بقراءته، وهذا غير ما نسمعه من الصدى الذي يحصل لكل إنسان؛ لأن هذا الصدى الذي يحصل لكل إنسان إذا كانت قد أحاطت به الجبال هذا أمر طبيعي، لكن هذا الذي أوتيه داود فوق ذلك فكانت الجبال تُرجِّع معه؛ وذلك لحسن صوته ونغماته، حتى إن الجبال تُرَجِّع معه بأمر الله سبحانه وتعالى. ﴿وَالطَّيْرَ﴾ ﴿الطَّيْرَ﴾ يقول: (بالنصب عطفًا على محل الجبال) كيف؟ ﴿يَا جِبَالُ﴾ هذه منادى، ولَّا لا؟ مبنيٌّ على الضم في محل نصب، وإنما بُنِيَ على الضم وهو نكرة؛ لأنه مقصود، والنكرة المقصودة بمعنى العَلَم؛ فلهذا بُنِيَت على الضم، ﴿الطَّيْرَ﴾ لو عُطِفَت على اللفظ ﴿يَا جِبَالُ﴾ لكانت مرفوعة مبنية على الضم، لكنها عُطِفت على محلِّ الجبال وهو النصب؛ يعني: وكذلك أمر الله الطير بأن تُرَجِّع معه، فكانت الطيور في جوِّ السماء تقف عند سماع قراءة داود عليه الصلاة والسلام، وتُرَجِّع معه، وأنت إذا تَصَوَّرت هذا الأمر وأن رجلًا يقرأ الزبور بذلك القراءة والنغمات الجميلة، ثم الطيور من فوق تُسَبِّح والجبال لا شك أنه مشهد عظيم ورهيب، كل شيء يقرأ بقراءة هذا الرجل بأمر مَنْ؟ بأمر الله عز وجل. وقوله: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ (﴿أَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ فكان في يده كالعجين) ﴿أَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ أي: جعلناه لينًا بيده حتى إنه كالعجين في يد أحدنا، وهل المراد أن المراد ألانه له بالوسائل التي تُلَيِّن الحديد سُخِّرَت له وهُيِّئَت له، أو أن الله ألان له الحديد بغير سبب المعلوم؟ يرى بعض الناس أنه الأول، وأن المراد بقوله: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ أي: يسَّرْنا له الأسباب التي تُلَيِّن له الحديد؛ لأن تيسير الأسباب لا شك أنه من نعمة الله، أرأيت لو أنك تريد أن تَعكُف سيخًا من الحديد وعندك نار ضعيفة تتعب في ذلك ولَّا لا؟ لكن لو كان عندك نار قويَّة جدًّا كان في خلال دقائق قليلة يلين هذا الحديد كما تشاء، فيرى بعض العلماء أن المراد من تَلْيِين الحديد لداود تَيْسِير الأسباب التي يَسهُل بها لينه، ولكن بعض أهل العلم يقول: إن الله ألان له الحديد بغير سبب، بل بقدرة الله عز وجل، وجعل الله ذلك آية له، كما جعل الله عصا موسى إذا نزلت في الأرض صارت حية وإذا رفعها صارت عصا في آن واحد في لحظة واحدة، فالله على كل شيء قدير، والذي جعل الحديد صلبًا قادر على أن يجعله لَيِّنًا، وعندي أن هذا أقرب إلى المعنى؛ أولًا: أن الله قال: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ﴾ فجعل التليين مضافًا إليه إشارة إلى أن لِين هذا الحديد بمجرد القدرة، وكوننا نقول: إن هذا بأسباب عادِيَّة لكنها يُسِّرَت له هذا خلاف ظاهر الآية، ثم لو قلنا بهذا القول هل تكون هذه آية له؟ لا؛ لأن كل مَنْ تَيَسَّر له أسباب إِلَانَة الحديد ألان الله له الحديد، طيب، ألان الله له الحديد حتى صار بيده كالعجين يقدر على أن يُدَوِّرَه على أن يجعله دقيقًا، على أن يجعله غليظًا حسب ما يريد؛ ولهذا قال: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ هذه هي الحكمة من كون الله ألان له الحديد أن يعمل منه الدروع للمجاهدين في سبيل الله. قال ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ أفادنا المؤلف رحمه الله بقوله: (وقلنا ﴿أَنِ اعْمَلْ﴾ ) أن (أن) مصدرية حُذِفَ عاملها، والتقدير: (وقلنا: أن اعمل)؛ أي: بأن اعمل، أي: بالعمل، ويحتمل أن تكون (أن) تفسيرية وأن نقدر المحذوف بـ(أوحينا) (وأوحينا إليه أن اعمل)؛ لأن (أن) التفسيرية هي التي سبقها معنى القول دون حروفه، وهذا أقرب من تقدير المؤلف، و﴿أَنِ اعْمَلْ﴾ أي: ووأحينا إليه ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾. ﴿اعْمَلْ﴾ بمعنى اصنع منين؟ قال: (منه) أي: من الحديد، ﴿سَابِغَاتٍ﴾ ويش بعدها عندكم؟ دروعًا بالنصب؟ أنا عندي ما هي منصوبة، (كوامل يَجُرُّها لابسها على الأرض). ﴿سَابِغَاتٍ﴾ فسرها المؤلف بقوله: (كوامل يَجُرُّها صاحبها على الأرض)، وأفادنا بقوله: (دروعًا) أفادنا بأن ﴿سَابِغَاتٍ﴾ صفة لموصوف محذوف، وهذا المحذوف تقديره دروعًا، وحَذْف الموصوف جائز؛ قال ابن مالك: وَمَا مِنَ الْمَنْعُوتِ وَالنَّعْتِ عُقِلْ ∗∗∗ يَجُوزُ حَذْفُهُ وَفِي النَّعْتِ يَقِلْ السابغ من كل شيء هو الكامل الظافر التام، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان ٢٠] أي: أتمها وأكملها، ومنه إسباغ الوضوء أي: إتمامه وإكماله، فهذه الدروع السابغات يعني الوافيات الكوامل التي تمنع لابسها من أن يناله أذى. وأما قول المؤلف: (يجرها لابسها على الأرض) ففي هذا نظر؛ لأنه ليس هناك حاجة إلى أن يَجُرَّها على الأرض، ولأنها إذا بلغت إلى هذا المستوى فربما تعيق إلى الكَرِّ والفَرِّ، والمعروف أن الدروع تصل إلى الركبة فقط هذا غايتها؛ لأنها حديد، وإذا لبس الإنسان حديدًا يصل إلى الأرض فإنه سيكون مكبَّلًا بالأغلال فالواجب أن نقول: ﴿سَابِغَاتٍ﴾ أي: كاملات ليس فيها نقص، وكمال كل شيء بحسبه. ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ (أي: نسج الدروع، قيل لصانعها: سَرَّاد أي: اجعله بحيث تتناسب حِلَقُهُ) ﴿قَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ (السرد) معناه نسج الدرع، كما يُنْسَج الثوب من القطن، ومن الصوف، يُنْسَج الدرع من الحديد، ومعنى التقدير في السرد؛ أي: اجعل هذا السرد، أي: النسج مُقَدَّرًا مُتَناسِبًا؛ من التقدير أن تجعل الحلقات متناسبة، ما تأتي بحلقة كبيرة وحلقة صغيرة، ومنها ألا تجعل الحلقات ضيقة؛ لأنه إذا كانت ضيقة وقف الدرع ولم يكن سهل الحركة، ولا تجعلها واسعة جدًّا؛ لأنك إذا جعلتَها واسعة جدًّا لا تقي ثم هي تَكْبُر، إذا جعلتها واسعة جدًّا كبرت وآذت اللابس، ولكن اجعلها مقدرة متناسبة، ولا أدري هل تتصورون الدروع ولَّا لا؟ * طالب: (...) المدورة. * الشيخ: في اليد؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: لا، الدروع قُمُص؛ قميص مثل ثوبنا هذا. * الطالب: وهذه ويش تُسمَّى؟ * الشيخ: ما أدري عن هذا، الظاهر أنها دروع الرياضيِّين. * الطالب: الترس؟ * الشيخ: اللي باليد؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، الدروع عبارة عن قُمُص من حديد، قميص تلبسه كما تلبس الثوب هذا إلا أنه لا يصل كمُّه إلى الكف، كمه إلى العضد فقط، وهذا الدرع منسوج من حِلَق حديد، حلق صغيرة مشبوك بعضها ببعض، مداخل ببعضها ببعض حتى يتم النسج. * طالب: (...). * الشيخ: هي موجودة، لعل الله سبحانه وتعالى ييسر أننا نشوف أحدًا من اللي عنده متحف من هون في البلد نخليه يجيب لنا شيئا ما. * طالب: موجود؟ * الشيخ: موجود، وأما ما ذكرت اللي يُمْسَك باليد علشان يتقى به الرمح فهذا يُسمَّى تُرسًا. * الطالب: (...). * الشيخ: درع؟ * الطالب: (...). * الشيخ: الترس هذا؟ ما علمت بهذه اللغة. * طالب: (...). * الشيخ: على كل حال الآن الدرع هو القميص من الحديد. طيب، ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ معنى التقدير في السرد الآن أن تكون الحلقات متناسبة، وألا تكون ضيقة ولا واسعة؛ لأنها إذا لم تتناسب فإنها تؤذي، تكون واحدة صغيرة وواحدة كبيرة، وإذا كانت واسعة فإنها تؤذي وقد لا تقي السهام، وإذا كانت ضيقة فإنها لا تتحرك كما ينبغي ويثقل على اللابس. قال: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ (﴿وَاعْمَلُوا﴾ أي: آل داود معًا ﴿صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فأجازيكم به). لما بيَّن الله عز وجل ما مَنَّ به على داود من تعليم صنعة الدروع وتليين الحديد له وتوجيهه كيف يصنع هذه الدروع قال: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ ﴿اعْمَلُوا﴾ كيف عدل عن ضمير المفرد ﴿قَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ إلى ضمير الجمع ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾؟ لأن تقدير السَّرْد خاص بداود، والعمل الصالح عام له ولغيره فوُجِّه الخطاب إلى جميع آل داود، قال: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾. وقوله: ﴿صَالِحًا﴾ هو صفة لموصوف محذوف، التقدير عملًا صالحًا، والعمل الصالح ما جمع وصفين: الإخلاص لله والموافقة لشريعته، هذا العمل الصالح فلا بد فيه من هذين الشرطين: الإخلاص لله والموافقة للشريعة؛ فإن فُقِدَ الإخلاص فليس بصالح لوجود الشرك، وقد قال الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥/٤٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]] والثاني الموافقة لشريعة الله، فإن لم يوافق شريعة الله فإنه ليس بصالح ولا يُقْبَل؛ الدليل قوله ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[أخرجه مسلم (١٧١٨/١٨) من حديث عائشة رضي الله عنها. ]]، وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى ٢١] فلا بد لكونه عملًا صالحًا من هذين الشرطين. ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ هذه الآية فيها تقديم وتأخير، ويش التقديم؟ * الطالب: (...). * الشيخ: التقديم بصير؟ * طلبة: لا، (...). * الشيخ: ﴿بَصِيرٌ﴾ هو المؤخر، والمقدم المعمول فإن قلت: من القواعد المقررة أن تقديم المعمول يدل على الحصر أليس كذلك؟ طيب، هنا إذا قلنا: إنه يدل على الحصر صار الله تعالى بصيرًا بما يعملون دون غيره، مع أنه عز وجل بصير بكل شيء فما هو السبب؟ السبب في ذلك التقديم حيث جاء بصيغة الحصر للردع عن المخالفة، كأنه لو لم يكن الله بصيرًا بشيء لكان بصيرًا بماذا؟ بأعمالكم، فلما كان الإنسان قد يقول: إن الله تعالى لا يُبْصِر عملي جعل الله تعالى الصيغة دالة بظاهرها على الحصر حتى لا يدعي مدعٍ أن الله تعالى ليس عالمًا بعمله هذا من وجه، من جهة أخرى مناسبة فواصل الآيات والله أعلم. * طالب: قلنا: إن كل نبي في القرآن فهو رسول، وآدم يعني؟ * الشيخ: آدم قبل الرسل. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، يستثنى من هذا، يستثنى آدم؛ لأنه ما ذَكَرَه على أنه رسول. * طالب: (...)؟ * الشيخ: هذه تأتي إن شاء الله في الفوائد. * طالب: عندما يقصد بها التشبيه (...) ولا في كل ما نقرأ؟ * الشيخ: لا، عام في كل شيء، كل ما قرأ وكل ما سبَّح. * الطالب: قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [سبأ ٩] هل يجوز الذهاب إلى الأمكنة (...)؟ * الشيخ: لا، لا يجوز الدخول إلى مكان العذاب إلا بشرط أن يكون الإنسان باكيًا، قال النبي عليه الصلاة والسلام «فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٣) ومسلم (٢٩٨٠/٣٨) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ولفظه: قال رسول الله ﷺ لأصحاب الحجر: «لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذبين، إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، أن يصيبكم مثل ما أصابهم». ]]. * الطالب: قلت: الأمر إما الشرعي أو الكوني يصح (...)؟ * الشيخ: إي نعم، يصح؛ لأن الله سبحانه وتعالى إذا أمرها لأنها هي تسبح بحمد الله تعبدًا لله عز وجل وتذللًا له يصح، وسيأتي إن شاء البحث فيه في الفوائد. * من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان منة الله سبحانه وتعالى على داود؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾. * ثانيًا: من فوائدها أيضًا: عناية الله تعالى ببيان هذا الفضل؛ حيث أكده بالقسم واللام وقد. * من فوائدها أيضًا: أن هذا الفضل فضل عظيم؛ لأن الله تعالى أضافه إليه في قوله: ﴿مِنَّا فَضْلًا﴾ والمضاف إلى العظيم يكون عظيمًا، ونظير ذلك الدعاء الذي علَّمه النبي ﷺ أبا بكر «فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٣٤) ومسلم (٢٧٠٥/٤٨) من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه. ]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: توجيه الخطاب إلى الجماد من الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الجماد يحس بخطاب الله سبحانه وتعالى؛ وجه ذلك لولا أنه يحس لكان توجيه الخطاب إليه عبثًا، والله سبحانه وتعالى منزه عن العبث في أقواله وأفعاله، ويدل على أنه يحس بذلك أنها أوَّبَت معاه ورجَّعت. * ومن فوائدها أيضًا: أن من فضائل داود أن الله أمر الجبال أن ترجع معه التسبيح وقراءة الزبور هي والطير، وهل الأمر في قوله: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ أمرٌ كونيٌّ أو أمر شرعي؟ يحتمل المعنيين؛ فإذا نظرت إلى أنها مأمورة بعبادة قلت: إن هذا أمر شرعي، وإذا نظرت إلى أن هذه الجبال لو فُرِض أنها عصت هل تُعاقَب؟ الله أعلم ربما تعاقب وربما لا تعاقب؛ لأنه ليس لها عقل تدرك به كما يدرك بنو آدم قلت: إنه كوني وللتخلص من هذين الاحتمالين نقول: إن الله أمر الجبال أن تُرَجِّع معه، ولا نقول أمرًا كونيًا ولا أمرًا شرعيًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: ظهور آية الله عز وجل في تمام القدرة حيث ألان الحديد لداود؛ لقوله: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾، وهذه الإلانة ليس لها سبب حسيٌّ معلوم؛ لأنه لو كانت بأسباب معروفة لم يكن فرق بين داود وغيره، هذا هو الصحيح، وإن كان بعض العلماء يقول: ﴿أَلَنَّا لَهُ﴾ أي: هيَّأنا له الأسباب التي بها يَلينُ الحديد، ولكننا هيأنا له أسبابًا عظيمة قوية لا تحصل لغيره. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحديد بطبيعته قاسٍ ولَّا لا؟ وهو كذلك لولا أن الله يُلَيِّنه بما جعل من الأسباب ما انتفع الناس به، ولكن الله تعالى يلينه بما جعل له من الأسباب التي تلينه حتى ينتفع الناس به، وهل هو أقسى أم الحجارة؟ الحجارة؛ ولهذا لا تلين الحجارة بالنار، والحديد يلين بالنار، قال العلماء: فدل ذلك على أن الحجارة أقسى ولما شَبَّه الله تعالى القلوب القاسية قال: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة ٧٤]. ثم قال عز وجل: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ ١١] إلى آخره. * من فوائد الآية الكريمة : أن الله سبحانه وتعالى منَّ على داود وعلى غيره بتعليمه هذه الصنعة وهي صنعة الدروع كما قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ [الأنبياء ٨٠]، وهذا التعليم الذي علَّمه الله داود بقي إلى يومنا هذا، وهذا كما علَّم الله نوحًا صُنْع السفينة، وأشار الله تعالى إلى مواد بنائها في قوله: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر ١٣] أي: مسامير. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي لمن صنع شيئًا أن يُكَمِّلَه؛ لقوله: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ مكملة ولا ينقص منها شيئًا، وينبغي أيضًا لمن صنع شيئًا أن يتقنه وهذه فائدة جديدة أن يتقنه؛ لقوله: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ إكمال وإتقان. * ومن فوائد الآية الكريمة : أنه ينبغي، بل يجب على من أنعم الله عليه نعمة أن يقوم بشكرها بالعمل الصالح لقوله: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الله إذا أنعم على شخص من القبيلة بنعمة فإنه إنعام على القبيلة كلها، كيف ذلك؟ لقوله: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ فوَجَّه الخطاب إلى آل داود كلهم مع أن الفضل خاص بداود؛ ولهذا إذا نبغ نابغة في قبيلة من القبائل فإنه يَرْفَع قدر هذه القبيلة كلها، أليس كذلك؟ كما أن العكس بالعكس إذا سَفُل أحد من القبيلة عُيِّرت القبيلة به كلها، وهذا أمر معلوم. * ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من المخالفة؛ لقوله: ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. * ومن فوائدها: أن الله تعالى بصير بكل ما نعمل من خير وشر، وقليل وكثير، وظاهر وباطن حتى عمل القلوب يعلمها؟ نعم، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ﴾ [ق ١٦] انتبه لا تضمر في قلبك شيئًا يغضب الله، إنك إذا فعلت فإن الله تعالى سوف يعلمه ولا يخفى عليه شيء ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.

سبأ 34:11

قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ ١٠]. ﴿آتَيْنَا﴾ بمعنى أعطينا، وهي تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، وكل فعل ينصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر يُسَمَّى من باب (أعطى وكَسَى)، فهنا ﴿آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ ﴿دَاوُودَ﴾ المفعول الأول، و﴿فَضْلًا﴾ المفعول الثاني، ولا يمكن أن يكون هذا مبتدأ وخبرًا، لو قلت: (داود فضل) يصلح؟ ما يصلح، طيب. ويقال: (أَتَيْنَا) ولكنها يختلف معناها عن ﴿آتَيْنَا﴾، بل معنى (أَتَيْنَا) جئنا، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الأعراف ٥٢]، وقال تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل ١] أي جاء أمر الله. قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ داود هو أحد أنبياء بني إسرائيل، وهو بعد موسى ولَّا قبله؟ * طلبة: قبله. * طلبة آخرون: بعده. * الشيخ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٤٦] وفي القصة أن داود كان منهم، إذن فهو بعد موسى وهو نبي من الأنبياء وقد أنكرت اليهود -لعنة الله عليهم- كونهم نبيًّا ووصفوه بأنه ملك وقد كذبوا في ذلك، فإنه كان نبيًّا من أنبياء الله الذين يجب علينا أن نؤمن بهم ولا يتم إيماننا إلا بالإيمان بهم؛ لأن أركان الإيمان -كما نعلم- الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، وهو أيضًا رسول؛ لأن كل نبي ذكر في القرآن فهو رسول. قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ ﴿مِنَّا﴾ فبدأ بالجهة قبل الفضل ليتبين عِظَم ذلك الفضل؛ لأن الشيء إذا نُسِبَ إلى جهة عظيمة كان عظيمًا؛ كما في قوله في الحديث الصحيح: «وَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٣٤) ومسلم (٢٧٠٥/٤٨) من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه. ]] «مِنْ عِنْدِكَ» فأضافها إلى الله حتى يتبين ذلك عظمها. (﴿آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ نبوة وكتابًا) وهذا الذي فَسَّر المؤلف الآية به من باب التمثيل، فإن الله أعطاه النبوة والرسالة أيضًا، وأعطاه الكتاب؛ قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [النساء ١٦٣] وهل أعطاه شيئًا آخر غير هذا؟ نعم؛ ولهذا نَكَّر كلمة (فضل) جاءت منكرة؛ لتشمل كل ما أُعْطِيَه من فضل سواء كان ذلك دينيًّا أو دنيويًّا، وكان داود عليه الصلاة والسلام من أحسن الناس صوتًا وترنُّمًا بالذكر حتى إن الله عز وجل أمر الجبال أمرًا إما كونيًّا وإما شرعيًّا قال لها: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ (أَوَّبَ) بمعنى رَجَّع، ومنه الأوَّاب أي: رَجَّاع إلى الله، ومنه (آب يؤوب أوبًا) بمعنى رجع فـ﴿أَوِّبِي مَعَهُ﴾ أي: رجعي معه، والترجيع معناه أن تُرَدِّد الصوت الذي يقوله، فمثلًا إذا قرأ سمعت كأن الجبال التي حوله كلها تقرأ بقراءته، وهذا غير ما نسمعه من الصدى الذي يحصل لكل إنسان؛ لأن هذا الصدى الذي يحصل لكل إنسان إذا كانت قد أحاطت به الجبال هذا أمر طبيعي، لكن هذا الذي أوتيه داود فوق ذلك فكانت الجبال تُرجِّع معه؛ وذلك لحسن صوته ونغماته، حتى إن الجبال تُرَجِّع معه بأمر الله سبحانه وتعالى. ﴿وَالطَّيْرَ﴾ ﴿الطَّيْرَ﴾ يقول: (بالنصب عطفًا على محل الجبال) كيف؟ ﴿يَا جِبَالُ﴾ هذه منادى، ولَّا لا؟ مبنيٌّ على الضم في محل نصب، وإنما بُنِيَ على الضم وهو نكرة؛ لأنه مقصود، والنكرة المقصودة بمعنى العَلَم؛ فلهذا بُنِيَت على الضم، ﴿الطَّيْرَ﴾ لو عُطِفَت على اللفظ ﴿يَا جِبَالُ﴾ لكانت مرفوعة مبنية على الضم، لكنها عُطِفت على محلِّ الجبال وهو النصب؛ يعني: وكذلك أمر الله الطير بأن تُرَجِّع معه، فكانت الطيور في جوِّ السماء تقف عند سماع قراءة داود عليه الصلاة والسلام، وتُرَجِّع معه، وأنت إذا تَصَوَّرت هذا الأمر وأن رجلًا يقرأ الزبور بذلك القراءة والنغمات الجميلة، ثم الطيور من فوق تُسَبِّح والجبال لا شك أنه مشهد عظيم ورهيب، كل شيء يقرأ بقراءة هذا الرجل بأمر مَنْ؟ بأمر الله عز وجل. وقوله: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ (﴿أَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ فكان في يده كالعجين) ﴿أَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ أي: جعلناه لينًا بيده حتى إنه كالعجين في يد أحدنا، وهل المراد أن المراد ألانه له بالوسائل التي تُلَيِّن الحديد سُخِّرَت له وهُيِّئَت له، أو أن الله ألان له الحديد بغير سبب المعلوم؟ يرى بعض الناس أنه الأول، وأن المراد بقوله: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ أي: يسَّرْنا له الأسباب التي تُلَيِّن له الحديد؛ لأن تيسير الأسباب لا شك أنه من نعمة الله، أرأيت لو أنك تريد أن تَعكُف سيخًا من الحديد وعندك نار ضعيفة تتعب في ذلك ولَّا لا؟ لكن لو كان عندك نار قويَّة جدًّا كان في خلال دقائق قليلة يلين هذا الحديد كما تشاء، فيرى بعض العلماء أن المراد من تَلْيِين الحديد لداود تَيْسِير الأسباب التي يَسهُل بها لينه، ولكن بعض أهل العلم يقول: إن الله ألان له الحديد بغير سبب، بل بقدرة الله عز وجل، وجعل الله ذلك آية له، كما جعل الله عصا موسى إذا نزلت في الأرض صارت حية وإذا رفعها صارت عصا في آن واحد في لحظة واحدة، فالله على كل شيء قدير، والذي جعل الحديد صلبًا قادر على أن يجعله لَيِّنًا، وعندي أن هذا أقرب إلى المعنى؛ أولًا: أن الله قال: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ﴾ فجعل التليين مضافًا إليه إشارة إلى أن لِين هذا الحديد بمجرد القدرة، وكوننا نقول: إن هذا بأسباب عادِيَّة لكنها يُسِّرَت له هذا خلاف ظاهر الآية، ثم لو قلنا بهذا القول هل تكون هذه آية له؟ لا؛ لأن كل مَنْ تَيَسَّر له أسباب إِلَانَة الحديد ألان الله له الحديد، طيب، ألان الله له الحديد حتى صار بيده كالعجين يقدر على أن يُدَوِّرَه على أن يجعله دقيقًا، على أن يجعله غليظًا حسب ما يريد؛ ولهذا قال: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ هذه هي الحكمة من كون الله ألان له الحديد أن يعمل منه الدروع للمجاهدين في سبيل الله. قال ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ أفادنا المؤلف رحمه الله بقوله: (وقلنا ﴿أَنِ اعْمَلْ﴾ ) أن (أن) مصدرية حُذِفَ عاملها، والتقدير: (وقلنا: أن اعمل)؛ أي: بأن اعمل، أي: بالعمل، ويحتمل أن تكون (أن) تفسيرية وأن نقدر المحذوف بـ(أوحينا) (وأوحينا إليه أن اعمل)؛ لأن (أن) التفسيرية هي التي سبقها معنى القول دون حروفه، وهذا أقرب من تقدير المؤلف، و﴿أَنِ اعْمَلْ﴾ أي: ووأحينا إليه ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾. ﴿اعْمَلْ﴾ بمعنى اصنع منين؟ قال: (منه) أي: من الحديد، ﴿سَابِغَاتٍ﴾ ويش بعدها عندكم؟ دروعًا بالنصب؟ أنا عندي ما هي منصوبة، (كوامل يَجُرُّها لابسها على الأرض). ﴿سَابِغَاتٍ﴾ فسرها المؤلف بقوله: (كوامل يَجُرُّها صاحبها على الأرض)، وأفادنا بقوله: (دروعًا) أفادنا بأن ﴿سَابِغَاتٍ﴾ صفة لموصوف محذوف، وهذا المحذوف تقديره دروعًا، وحَذْف الموصوف جائز؛ قال ابن مالك: وَمَا مِنَ الْمَنْعُوتِ وَالنَّعْتِ عُقِلْ ∗∗∗ يَجُوزُ حَذْفُهُ وَفِي النَّعْتِ يَقِلْ السابغ من كل شيء هو الكامل الظافر التام، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان ٢٠] أي: أتمها وأكملها، ومنه إسباغ الوضوء أي: إتمامه وإكماله، فهذه الدروع السابغات يعني الوافيات الكوامل التي تمنع لابسها من أن يناله أذى. وأما قول المؤلف: (يجرها لابسها على الأرض) ففي هذا نظر؛ لأنه ليس هناك حاجة إلى أن يَجُرَّها على الأرض، ولأنها إذا بلغت إلى هذا المستوى فربما تعيق إلى الكَرِّ والفَرِّ، والمعروف أن الدروع تصل إلى الركبة فقط هذا غايتها؛ لأنها حديد وإذا لبس الإنسان حديدًا يصل إلى الأرض فإنه سيكون مكبَّلًا بالأغلال فالواجب أن نقول: ﴿سَابِغَاتٍ﴾ أي: كاملات ليس فيها نقص، وكمال كل شيء بحسبه. ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ (أي: نسج الدروع، قيل لصانعها: سَرَّاد أي: اجعله بحيث تتناسب حِلَقُهُ) ﴿قَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ (السرد) معناه نسج الدرع، كما ينسج الثوب من القطن، ومن الصوف، يُنْسَج الدرع من الحديد، ومعنى التقدير في السرد؛ أي: اجعل هذا السرد، أي: النسج مُقَدَّرًا مُتَناسِبًا، من التقدير أن.. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ [سبأ ١٠] الواو حرف عطف، ويجوز أن تكون للاستئناف، واللام موطئة للقسم. * طالب: (...). * الشيخ: كيف؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، (...)، اللام موطئة للقسم، و(قد) للتحقيق، ومثل هذا التركيب يأتي في القرآن كثيرًا، ويقال فيه: إن الجملة مُؤَكَّدة بثلاثة مؤكدات: القسم المُقَدَّر، واللام، و(قد) فتقدير هذه الجملة (والله لقد آتينا داود منا فضلًا)، هل يجوز أن تُحذف اللام؟ نعم يجوز، قال الله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس ١ - ٥] إلى أن قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ هذا جواب القسم، ويجوز في ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ في غير القرآن أن نقول: لقد أفلح، طيب. وهل يجوز أن تُحذف اللام و(قد)؟ نعم يجوز؛ كقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ [البروج ١ - ٤] فـ﴿قُتِلَ﴾ هذا جواب القسم، ليس فيه (قد) ولا اللام، فصار جواب القسم إذا كان فعلًا ماضيًا جاز فيه ثلاثة أوجه: أن يقترن باللام و(قد)، أن يقترن بـ(قد)، أن تُحذف (...) واللام و(قد)، لكن لا تحذف اللام ولا تحذف (قد) في الغالب إلا إذا طال القسم، أما إذا لم يطل فإنها لا تحذف. إذا قلت: والله لقد قام زيد، صح؟ والله لقد قام زيد، صحيح ولَّا لا؟ صحيح، وهذا هو الأصل. والله قد قام زيد، هذا أيضًا صحيح حَذَفْنا اللام. والله قام زيد، هذا أيضًا صحيح حذفنا منه اللام و(قد)، والله أعلم. (...) * من فوائد الآية الكريمة ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ﴾ [سبأ ٧] إلى آخره: أن النبي ﷺ دعا إلى الإيمان باليوم الآخر، من أين تُؤخذ؟ من قوله: ﴿يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان عُتُو الكافرين واستعلائهم واستكبارهم؛ حيث عبَّروا بهذا التعبير ساخرين بما أخبر به النبي ﷺ، وجه علوهم واستكبارهم: أولًا: السخرية بهذا النبأ. والثاني: تحقير النبي ﷺ. والثالث: وصفه بأنه لا تخلو حاله من أحد أمرين: إما كاذب، وإما مجنون. هذه ثلاثة أوجه كلها تدل على علو هؤلاء الكافرين وعنادهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان ما حصل للنبي ﷺ من الأذى وأنه صبر؛ لأن أمرًا يصل إلى هذا الحد في الاستخفاف به والاستهانة بخبره لا شك أنه يُؤَثِّر على نفسه تأثيرًا بالغًا، وأعتقد أن صاحب الدعوة إذا أوذي بمثل هذا الإيذاء كان أشد عليه من أن يُضْرَب ويحبس. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل حيث يعيد هذا الخلق بعد أن يتمزق كل تَمَزُّق؛ لأنه ظاهر من قوله: ﴿يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾. * ومن فوائدها: أن الكافرين الذين كفروا برسول الله ﷺ كانوا يقرون بالله، من أين تُؤْخذ؟ ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. * ومن فوائدها: بيان قبح الافتراء على الله حتى إن الكافرين يستقبحونها؛ لقوله: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن أعداء الرسل بل أعداء دعوة الرسل يَكيلون السب والقدح والعيب لما جاءت به الرسل، أو للرسل ولما جاؤوا به الرسل؛ لقولهم: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾، ومعلوم أن كلام الكاذب وكلام المجنون ليس بمقبول، فهم يأتون بعبارات التشويه والتقبيح حتى لا يُقْبَل الحق، وهل هذا جارٍ إلى وقتنا هذا؟ نعم، جارٍ إلى وقتنا هذا؛ لأن أعداء دعوة الرسل لا يزالون إلى يوم القيامة، ولكن على أتباع الرسل أن يصبروا وألَّا يَثْنِي عزمَهم مثل هذا الكلام؛ لأنهم على الحق، كما قال تعالى: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل ٧٩]. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن الله عز وجل تَكَفَّل ببيان الحق وإظهاره وإبطال الباطل واندحاره؛ لقوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الكفر يوجب عدم قَبول الحق والاهتداء به تُؤْخَذ من قوله: ﴿فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾، و﴿فِي﴾ للظرفية، ومعناه أن الضلال محيط بهم من كل جانب؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَا نِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام ١١٠]، فإذا لم يؤمن الإنسان بالحق بقي في ضلال، والشواهد على هذا كثيرة؛ استمع إلى مثل هذه الآية وإلى قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق ٥] يعني: مضطرب ومختلف، فكل من كذَّب بالحق فإنه لا يزداد إلا ضلالًا حتى لو جاءته الآيات البينات الظاهرات فإنه لا ينتفع بذلك، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة ١٢٥] مع أنها آيات بينات واضحات. * ومن فوائد الآية الكريمة: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: وجوب النظر والاعتبار فيما حصل من الآيات في السماء والأرض؛ لقوله: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾؛ لأن هذا الاستفهام للتوبيخ، ولا يُوَبَّخ إلا على ترك واجب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن في السماوات والأرض آيات، لكنها لمن؟ للعبد المنيب إلى الله، وأما مَنْ لا يريد إنابة إلى ربه فإنه لا ينتفع بهذا الآيات حتى لو رآها ونظر فيها وفَكَّر فإنه لا ينتفع. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة لله؛ لقوله: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن ما يحصل من الخسف والزلازل والنوازل فإنه بإذن الله عز وجل عقوبةً للعباد واعتبارًا خلافًا لمن قال: إن هذه أمور طبيعية لا تدل على غضب الله عز وجل ولا على إنذاره كما هو رأي من لا يؤمن بالله، فالخسف في الأرض عقوبة، وما يأتي من الصواعق والكوارث الأُفُقِيَّة فهي أيضًا عقوبة؛ ولهذا قال: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى محيط بالعباد لا يمكنهم الفرار من قضائه وقَدَرِه؛ أن الله تعالى محيط بكل شيء لا مفر للعباد منه؛ لقوله: ﴿نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل يمن على العبد بظهور الآيات له حتى يتبين له الحق؛ لقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾، وإذا مَنَّ الله على العبد بالنظر في آياته والتدبر ازداد بذلك إيمانًا بالله عز وجل وإيمانًا ما تقتضيه هذه الآيات من صفاته فإن كل آية تدل على صفة معينة من صفات الله؛ فإنزال المطر يدل على القدرة والعلم والرحمة، وكونه في وقت مناسب يدل على الحكمة، كل شيء مما يقع في السماوات والأرض فإنه يدل على صفة من صفات الله تعالى تناسبه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن في السماء والأرض آيات عظيمة لمن نظر وتدبر، وهذا أثبته الله سبحانه وتعالى في القرآن في مواضع كثيرة: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَا تٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات ٢٠]، ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَا تٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد ٤]، والآيات في هذا المعنى كثيرة، فكل مَنْ تدبر ما في السماء وما في الآرض وما بينهما تبين له من آيات الله ما يُقَوِّي إيمانه ويزيده طمعًا في فضل الله تعالى وخوفًا من عقابه. * * * قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ ١٠]. ﴿آتَيْنَا﴾ بمعنى أعطينا، وهي تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، وكل فعل ينصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر يُسَمَّى من باب (أعطى وكَسَى)، فهنا ﴿آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ ﴿دَاوُودَ﴾ المفعول الأول، و﴿فَضْلًا﴾ المفعول الثاني، ولا يمكن أن يكون هذا مبتدأ وخبرًا، لو قلت: (داود فضل) يصلح؟ ما يصلح، طيب. ويقال: (أَتَيْنَا) ولكنها يختلف معناها عن ﴿آتَيْنَا﴾، بل معنى (أَتَيْنَا) جئنا، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الأعراف ٥٢]، وقال تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل ١] أي جاء أمر الله. قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ داود هو أحد أنبياء بني إسرائيل، وهو بعد موسى ولَّا قبله؟ * طلبة: قبله. * طلبة آخرون: بعده. * الشيخ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٤٦] وفي القصة أن داود كان منهم، إذن فهو بعد موسى وهو نبي من الأنبياء وقد أنكرت اليهود -لعنة الله عليهم- كونهم نبيًّا ووصفوه بأنه ملك وقد كذبوا في ذلك، فإنه كان نبيًّا من أنبياء الله الذين يجب علينا أن نؤمن بهم ولا يتم إيماننا إلا بالإيمان بهم؛ لأن أركان الإيمان -كما نعلم- الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، وهو أيضًا رسول؛ لأن كل نبي ذكر في القرآن فهو رسول. قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ ﴿مِنَّا﴾ فبدأ بالجهة قبل الفضل ليتبين عِظَم ذلك الفضل؛ لأن الشيء إذا نُسِبَ إلى جهة عظيمة كان عظيمًا؛ كما في قوله في الحديث الصحيح: «وَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٣٤) ومسلم (٢٧٠٥/٤٨) من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه. ]] «مِنْ عِنْدِكَ» فأضافها إلى الله حتى يتبين ذلك عظمها. (﴿آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ نبوة وكتابًا) وهذا الذي فَسَّر المؤلف الآية به من باب التمثيل، فإن الله أعطاه النبوة والرسالة أيضًا، وأعطاه الكتاب؛ قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [النساء ١٦٣] وهل أعطاه شيئًا آخر غير هذا؟ نعم؛ ولهذا نَكَّر كلمة (فضل) جاءت منكرة؛ لتشمل كل ما أُعْطِيَه من فضل سواء كان ذلك دينيًّا أو دنيويًّا، وكان داود عليه الصلاة والسلام من أحسن الناس صوتًا وترنُّمًا بالذكر حتى إن الله عز وجل أمر الجبال أمرًا إما كونيًّا وإما شرعيًّا قال لها: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ (أَوَّبَ) بمعنى رَجَّع، ومنه الأوَّاب أي: رَجَّاع إلى الله، ومنه (آب يؤوب أوبًا) بمعنى رجع فـ﴿أَوِّبِي مَعَهُ﴾ أي: رجعي معه، والترجيع معناه أن تُرَدِّد الصوت الذي يقوله، فمثلًا إذا قرأ سمعت كأن الجبال التي حوله كلها تقرأ بقراءته، وهذا غير ما نسمعه من الصدى الذي يحصل لكل إنسان؛ لأن هذا الصدى الذي يحصل لكل إنسان إذا كانت قد أحاطت به الجبال هذا أمر طبيعي، لكن هذا الذي أوتيه داود فوق ذلك فكانت الجبال تُرجِّع معه؛ وذلك لحسن صوته ونغماته، حتى إن الجبال تُرَجِّع معه بأمر الله سبحانه وتعالى. ﴿وَالطَّيْرَ﴾ ﴿الطَّيْرَ﴾ يقول: (بالنصب عطفًا على محل الجبال) كيف؟ ﴿يَا جِبَالُ﴾ هذه منادى، ولَّا لا؟ مبنيٌّ على الضم في محل نصب، وإنما بُنِيَ على الضم وهو نكرة؛ لأنه مقصود، والنكرة المقصودة بمعنى العَلَم؛ فلهذا بُنِيَت على الضم، ﴿الطَّيْرَ﴾ لو عُطِفَت على اللفظ ﴿يَا جِبَالُ﴾ لكانت مرفوعة مبنية على الضم، لكنها عُطِفت على محلِّ الجبال وهو النصب؛ يعني: وكذلك أمر الله الطير بأن تُرَجِّع معه، فكانت الطيور في جوِّ السماء تقف عند سماع قراءة داود عليه الصلاة والسلام، وتُرَجِّع معه، وأنت إذا تَصَوَّرت هذا الأمر وأن رجلًا يقرأ الزبور بذلك القراءة والنغمات الجميلة، ثم الطيور من فوق تُسَبِّح والجبال لا شك أنه مشهد عظيم ورهيب، كل شيء يقرأ بقراءة هذا الرجل بأمر مَنْ؟ بأمر الله عز وجل. وقوله: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ (﴿أَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ فكان في يده كالعجين) ﴿أَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ أي: جعلناه لينًا بيده حتى إنه كالعجين في يد أحدنا، وهل المراد أن المراد ألانه له بالوسائل التي تُلَيِّن الحديد سُخِّرَت له وهُيِّئَت له، أو أن الله ألان له الحديد بغير سبب المعلوم؟ يرى بعض الناس أنه الأول، وأن المراد بقوله: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ أي: يسَّرْنا له الأسباب التي تُلَيِّن له الحديد؛ لأن تيسير الأسباب لا شك أنه من نعمة الله، أرأيت لو أنك تريد أن تَعكُف سيخًا من الحديد وعندك نار ضعيفة تتعب في ذلك ولَّا لا؟ لكن لو كان عندك نار قويَّة جدًّا كان في خلال دقائق قليلة يلين هذا الحديد كما تشاء، فيرى بعض العلماء أن المراد من تَلْيِين الحديد لداود تَيْسِير الأسباب التي يَسهُل بها لينه، ولكن بعض أهل العلم يقول: إن الله ألان له الحديد بغير سبب، بل بقدرة الله عز وجل، وجعل الله ذلك آية له، كما جعل الله عصا موسى إذا نزلت في الأرض صارت حية وإذا رفعها صارت عصا في آن واحد في لحظة واحدة، فالله على كل شيء قدير، والذي جعل الحديد صلبًا قادر على أن يجعله لَيِّنًا، وعندي أن هذا أقرب إلى المعنى؛ أولًا: أن الله قال: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ﴾ فجعل التليين مضافًا إليه إشارة إلى أن لِين هذا الحديد بمجرد القدرة، وكوننا نقول: إن هذا بأسباب عادِيَّة لكنها يُسِّرَت له هذا خلاف ظاهر الآية، ثم لو قلنا بهذا القول هل تكون هذه آية له؟ لا؛ لأن كل مَنْ تَيَسَّر له أسباب إِلَانَة الحديد ألان الله له الحديد، طيب، ألان الله له الحديد حتى صار بيده كالعجين يقدر على أن يُدَوِّرَه على أن يجعله دقيقًا، على أن يجعله غليظًا حسب ما يريد؛ ولهذا قال: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ هذه هي الحكمة من كون الله ألان له الحديد أن يعمل منه الدروع للمجاهدين في سبيل الله. قال ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ أفادنا المؤلف رحمه الله بقوله: (وقلنا ﴿أَنِ اعْمَلْ﴾ ) أن (أن) مصدرية حُذِفَ عاملها، والتقدير: (وقلنا: أن اعمل)؛ أي: بأن اعمل، أي: بالعمل، ويحتمل أن تكون (أن) تفسيرية وأن نقدر المحذوف بـ(أوحينا) (وأوحينا إليه أن اعمل)؛ لأن (أن) التفسيرية هي التي سبقها معنى القول دون حروفه، وهذا أقرب من تقدير المؤلف، و﴿أَنِ اعْمَلْ﴾ أي: ووأحينا إليه ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾. ﴿اعْمَلْ﴾ بمعنى اصنع منين؟ قال: (منه) أي: من الحديد، ﴿سَابِغَاتٍ﴾ ويش بعدها عندكم؟ دروعًا بالنصب؟ أنا عندي ما هي منصوبة، (كوامل يَجُرُّها لابسها على الأرض). ﴿سَابِغَاتٍ﴾ فسرها المؤلف بقوله: (كوامل يَجُرُّها صاحبها على الأرض)، وأفادنا بقوله: (دروعًا) أفادنا بأن ﴿سَابِغَاتٍ﴾ صفة لموصوف محذوف، وهذا المحذوف تقديره دروعًا، وحَذْف الموصوف جائز؛ قال ابن مالك: وَمَا مِنَ الْمَنْعُوتِ وَالنَّعْتِ عُقِلْ ∗∗∗ يَجُوزُ حَذْفُهُ وَفِي النَّعْتِ يَقِلْ السابغ من كل شيء هو الكامل الظافر التام، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان ٢٠] أي: أتمها وأكملها، ومنه إسباغ الوضوء أي: إتمامه وإكماله، فهذه الدروع السابغات يعني الوافيات الكوامل التي تمنع لابسها من أن يناله أذى. وأما قول المؤلف: (يجرها لابسها على الأرض) ففي هذا نظر؛ لأنه ليس هناك حاجة إلى أن يَجُرَّها على الأرض، ولأنها إذا بلغت إلى هذا المستوى فربما تعيق إلى الكَرِّ والفَرِّ، والمعروف أن الدروع تصل إلى الركبة فقط هذا غايتها؛ لأنها حديد، وإذا لبس الإنسان حديدًا يصل إلى الأرض فإنه سيكون مكبَّلًا بالأغلال فالواجب أن نقول: ﴿سَابِغَاتٍ﴾ أي: كاملات ليس فيها نقص، وكمال كل شيء بحسبه. ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ (أي: نسج الدروع، قيل لصانعها: سَرَّاد أي: اجعله بحيث تتناسب حِلَقُهُ) ﴿قَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ (السرد) معناه نسج الدرع، كما يُنْسَج الثوب من القطن، ومن الصوف، يُنْسَج الدرع من الحديد، ومعنى التقدير في السرد؛ أي: اجعل هذا السرد، أي: النسج مُقَدَّرًا مُتَناسِبًا؛ من التقدير أن تجعل الحلقات متناسبة، ما تأتي بحلقة كبيرة وحلقة صغيرة، ومنها ألا تجعل الحلقات ضيقة؛ لأنه إذا كانت ضيقة وقف الدرع ولم يكن سهل الحركة، ولا تجعلها واسعة جدًّا؛ لأنك إذا جعلتَها واسعة جدًّا لا تقي ثم هي تَكْبُر، إذا جعلتها واسعة جدًّا كبرت وآذت اللابس، ولكن اجعلها مقدرة متناسبة، ولا أدري هل تتصورون الدروع ولَّا لا؟ * طالب: (...) المدورة. * الشيخ: في اليد؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: لا، الدروع قُمُص؛ قميص مثل ثوبنا هذا. * الطالب: وهذه ويش تُسمَّى؟ * الشيخ: ما أدري عن هذا، الظاهر أنها دروع الرياضيِّين. * الطالب: الترس؟ * الشيخ: اللي باليد؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، الدروع عبارة عن قُمُص من حديد، قميص تلبسه كما تلبس الثوب هذا إلا أنه لا يصل كمُّه إلى الكف، كمه إلى العضد فقط، وهذا الدرع منسوج من حِلَق حديد، حلق صغيرة مشبوك بعضها ببعض، مداخل ببعضها ببعض حتى يتم النسج. * طالب: (...). * الشيخ: هي موجودة، لعل الله سبحانه وتعالى ييسر أننا نشوف أحدًا من اللي عنده متحف من هون في البلد نخليه يجيب لنا شيئا ما. * طالب: موجود؟ * الشيخ: موجود، وأما ما ذكرت اللي يُمْسَك باليد علشان يتقى به الرمح فهذا يُسمَّى تُرسًا. * الطالب: (...). * الشيخ: درع؟ * الطالب: (...). * الشيخ: الترس هذا؟ ما علمت بهذه اللغة. * طالب: (...). * الشيخ: على كل حال الآن الدرع هو القميص من الحديد. طيب، ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ معنى التقدير في السرد الآن أن تكون الحلقات متناسبة، وألا تكون ضيقة ولا واسعة؛ لأنها إذا لم تتناسب فإنها تؤذي، تكون واحدة صغيرة وواحدة كبيرة، وإذا كانت واسعة فإنها تؤذي وقد لا تقي السهام، وإذا كانت ضيقة فإنها لا تتحرك كما ينبغي ويثقل على اللابس. قال: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ (﴿وَاعْمَلُوا﴾ أي: آل داود معًا ﴿صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فأجازيكم به). لما بيَّن الله عز وجل ما مَنَّ به على داود من تعليم صنعة الدروع وتليين الحديد له وتوجيهه كيف يصنع هذه الدروع قال: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ ﴿اعْمَلُوا﴾ كيف عدل عن ضمير المفرد ﴿قَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ إلى ضمير الجمع ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾؟ لأن تقدير السَّرْد خاص بداود، والعمل الصالح عام له ولغيره فوُجِّه الخطاب إلى جميع آل داود، قال: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾. وقوله: ﴿صَالِحًا﴾ هو صفة لموصوف محذوف، التقدير عملًا صالحًا، والعمل الصالح ما جمع وصفين: الإخلاص لله والموافقة لشريعته، هذا العمل الصالح فلا بد فيه من هذين الشرطين: الإخلاص لله والموافقة للشريعة؛ فإن فُقِدَ الإخلاص فليس بصالح لوجود الشرك، وقد قال الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥/٤٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]] والثاني الموافقة لشريعة الله، فإن لم يوافق شريعة الله فإنه ليس بصالح ولا يُقْبَل؛ الدليل قوله ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[أخرجه مسلم (١٧١٨/١٨) من حديث عائشة رضي الله عنها. ]]، وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى ٢١] فلا بد لكونه عملًا صالحًا من هذين الشرطين. ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ هذه الآية فيها تقديم وتأخير، ويش التقديم؟ * الطالب: (...). * الشيخ: التقديم بصير؟ * طلبة: لا، (...). * الشيخ: ﴿بَصِيرٌ﴾ هو المؤخر، والمقدم المعمول فإن قلت: من القواعد المقررة أن تقديم المعمول يدل على الحصر أليس كذلك؟ طيب، هنا إذا قلنا: إنه يدل على الحصر صار الله تعالى بصيرًا بما يعملون دون غيره، مع أنه عز وجل بصير بكل شيء فما هو السبب؟ السبب في ذلك التقديم حيث جاء بصيغة الحصر للردع عن المخالفة، كأنه لو لم يكن الله بصيرًا بشيء لكان بصيرًا بماذا؟ بأعمالكم، فلما كان الإنسان قد يقول: إن الله تعالى لا يُبْصِر عملي جعل الله تعالى الصيغة دالة بظاهرها على الحصر حتى لا يدعي مدعٍ أن الله تعالى ليس عالمًا بعمله هذا من وجه، من جهة أخرى مناسبة فواصل الآيات والله أعلم. * طالب: قلنا: إن كل نبي في القرآن فهو رسول، وآدم يعني؟ * الشيخ: آدم قبل الرسل. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، يستثنى من هذا، يستثنى آدم؛ لأنه ما ذَكَرَه على أنه رسول. * طالب: (...)؟ * الشيخ: هذه تأتي إن شاء الله في الفوائد. * طالب: عندما يقصد بها التشبيه (...) ولا في كل ما نقرأ؟ * الشيخ: لا، عام في كل شيء، كل ما قرأ وكل ما سبَّح. * الطالب: قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [سبأ ٩] هل يجوز الذهاب إلى الأمكنة (...)؟ * الشيخ: لا، لا يجوز الدخول إلى مكان العذاب إلا بشرط أن يكون الإنسان باكيًا، قال النبي عليه الصلاة والسلام «فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٣) ومسلم (٢٩٨٠/٣٨) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ولفظه: قال رسول الله ﷺ لأصحاب الحجر: «لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذبين، إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، أن يصيبكم مثل ما أصابهم». ]]. * الطالب: قلت: الأمر إما الشرعي أو الكوني يصح (...)؟ * الشيخ: إي نعم، يصح؛ لأن الله سبحانه وتعالى إذا أمرها لأنها هي تسبح بحمد الله تعبدًا لله عز وجل وتذللًا له يصح، وسيأتي إن شاء البحث فيه في الفوائد. * من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان منة الله سبحانه وتعالى على داود؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾. * ثانيًا: من فوائدها أيضًا: عناية الله تعالى ببيان هذا الفضل؛ حيث أكده بالقسم واللام وقد. * من فوائدها أيضًا: أن هذا الفضل فضل عظيم؛ لأن الله تعالى أضافه إليه في قوله: ﴿مِنَّا فَضْلًا﴾ والمضاف إلى العظيم يكون عظيمًا، ونظير ذلك الدعاء الذي علَّمه النبي ﷺ أبا بكر «فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٣٤) ومسلم (٢٧٠٥/٤٨) من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه. ]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: توجيه الخطاب إلى الجماد من الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الجماد يحس بخطاب الله سبحانه وتعالى؛ وجه ذلك لولا أنه يحس لكان توجيه الخطاب إليه عبثًا، والله سبحانه وتعالى منزه عن العبث في أقواله وأفعاله، ويدل على أنه يحس بذلك أنها أوَّبَت معاه ورجَّعت. * ومن فوائدها أيضًا: أن من فضائل داود أن الله أمر الجبال أن ترجع معه التسبيح وقراءة الزبور هي والطير، وهل الأمر في قوله: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ أمرٌ كونيٌّ أو أمر شرعي؟ يحتمل المعنيين؛ فإذا نظرت إلى أنها مأمورة بعبادة قلت: إن هذا أمر شرعي، وإذا نظرت إلى أن هذه الجبال لو فُرِض أنها عصت هل تُعاقَب؟ الله أعلم ربما تعاقب وربما لا تعاقب؛ لأنه ليس لها عقل تدرك به كما يدرك بنو آدم قلت: إنه كوني وللتخلص من هذين الاحتمالين نقول: إن الله أمر الجبال أن تُرَجِّع معه، ولا نقول أمرًا كونيًا ولا أمرًا شرعيًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: ظهور آية الله عز وجل في تمام القدرة حيث ألان الحديد لداود؛ لقوله: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾، وهذه الإلانة ليس لها سبب حسيٌّ معلوم؛ لأنه لو كانت بأسباب معروفة لم يكن فرق بين داود وغيره، هذا هو الصحيح، وإن كان بعض العلماء يقول: ﴿أَلَنَّا لَهُ﴾ أي: هيَّأنا له الأسباب التي بها يَلينُ الحديد، ولكننا هيأنا له أسبابًا عظيمة قوية لا تحصل لغيره. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحديد بطبيعته قاسٍ ولَّا لا؟ وهو كذلك لولا أن الله يُلَيِّنه بما جعل من الأسباب ما انتفع الناس به، ولكن الله تعالى يلينه بما جعل له من الأسباب التي تلينه حتى ينتفع الناس به، وهل هو أقسى أم الحجارة؟ الحجارة؛ ولهذا لا تلين الحجارة بالنار، والحديد يلين بالنار، قال العلماء: فدل ذلك على أن الحجارة أقسى ولما شَبَّه الله تعالى القلوب القاسية قال: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة ٧٤]. ثم قال عز وجل: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ ١١] إلى آخره. * من فوائد الآية الكريمة : أن الله سبحانه وتعالى منَّ على داود وعلى غيره بتعليمه هذه الصنعة وهي صنعة الدروع كما قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ [الأنبياء ٨٠]، وهذا التعليم الذي علَّمه الله داود بقي إلى يومنا هذا، وهذا كما علَّم الله نوحًا صُنْع السفينة، وأشار الله تعالى إلى مواد بنائها في قوله: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر ١٣] أي: مسامير. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي لمن صنع شيئًا أن يُكَمِّلَه؛ لقوله: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ مكملة ولا ينقص منها شيئًا، وينبغي أيضًا لمن صنع شيئًا أن يتقنه وهذه فائدة جديدة أن يتقنه؛ لقوله: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ إكمال وإتقان. * ومن فوائد الآية الكريمة : أنه ينبغي، بل يجب على من أنعم الله عليه نعمة أن يقوم بشكرها بالعمل الصالح لقوله: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الله إذا أنعم على شخص من القبيلة بنعمة فإنه إنعام على القبيلة كلها، كيف ذلك؟ لقوله: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ فوَجَّه الخطاب إلى آل داود كلهم مع أن الفضل خاص بداود؛ ولهذا إذا نبغ نابغة في قبيلة من القبائل فإنه يَرْفَع قدر هذه القبيلة كلها، أليس كذلك؟ كما أن العكس بالعكس إذا سَفُل أحد من القبيلة عُيِّرت القبيلة به كلها، وهذا أمر معلوم. * ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من المخالفة؛ لقوله: ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. * ومن فوائدها: أن الله تعالى بصير بكل ما نعمل من خير وشر، وقليل وكثير، وظاهر وباطن حتى عمل القلوب يعلمها؟ نعم، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ﴾ [ق ١٦] انتبه لا تضمر في قلبك شيئًا يغضب الله، إنك إذا فعلت فإن الله تعالى سوف يعلمه ولا يخفى عليه شيء ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.

سبأ 34:12

ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ﴾ قال المؤلف: (وسخرنا لسليمان) وإنما قدَّر (وسخرنا)؛ لأن الريح منصوبة فلا بد من تقدير عامل يتم به النصب، وهنا نقدِّر ما يناسب وهو (سخرنا له) كما جاء ذلك في آية آخرى ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص ٣٦]. وقوله: ﴿لِسُلَيْمَانَ﴾ مَنْ سليمان؟ هو ابن داود، وقد آتاه الله تعالى الرسالة والملك ملكًا عظيمًا لا ينبغي لأحد من بعده؛ لأن الله سخر له الإنس والجن. وقوله: ﴿الرِّيحَ﴾ هي الهواء سخَّرها الله له أي: ذلَّلها بحيث تجري بأمره، يأمرها فتتجه إلى الشمال إذا كان يريد ناحية الشمال، ويأمرها فتَتَّجه إلى الجنوب إذا كان يريد ناحية الجنوب، ويأمرها بأن تذهب شرقًا فتذهب، وأن تذهب غربًا فتذهب، وأن تسرع فتسرع، وأن تبطئ فتبطئ، ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾. لا يقال: إن هذا يدل على أن سليمان مشارك لله في الخلق؛ لأنه لا أحد يستطيع أن يُصَرِّف الهواء، لو اجتمع الخلق كلهم على أن يصرفوا الهواء ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، وسليمان يستطيع ولَّا لا؟ يستطيع، فلا يقال: إنه شريك لله؛ لأن الذي سخَّر الريح له هو الله؛ ولهذا لا نقول: إن عيسى شريك مع الله في الخلق؛ حيث قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا﴾ [المائدة ١١٠]؛ لأن قدرة هؤلاء الخلق على ما يقدرون مما لا يقدر عليه غيرهم من المخلوقين إنما كانت بأمر الله عز وجل، فهم لم يستقلوا بذلك، ولكن الله تعالى أعطاهم قدرة كما أن الله يمن الله على بعض العباد بقدرة هائلة في الحفظ أو في الفهم أو في قوة السمع أو البصر أو البدن أو غير ذلك. إذن نقول: الريح هي الهواء، سُخِّرت لسليمان، قال: (﴿الرِّيحَ﴾ وقراءة الرفع بتقدير تسخير) تركيب المؤلف هنا لبيان القراءة الثانية هنا غريب ما كان معهودًا منه، وكان الأولى أن يقول: وفي قراءة بالرفع على تقدير تسخير، هذا هو الأولى؛ لأن الآن قوله: (وقراءة الرفع) لم نستفد هل هذه قراءة سبعية أو شاذة؛ لأن المعهود أنه يقول في السبعية: (وفي قراءة)، وفي الشاذة يقول: (قرئ)، وهنا يقول: (وقراءة الرفع)، ما ندري لكن على كل حال القراءة سبعية، وفيها قراءة ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحُ غُدُوُّهَا شَهْرٌ﴾ كيف نعرب الريح على هذه القراءة؟ يقول: إنها مبتدأ مؤخر وأصل الكلام تسخير الريح، فحُذِف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وابن مالك يقول: وَمَا يلي الْمُضَافَ يَأْتِي خَلَفَا ∗∗∗ عَنْهُ فِي الِاعْرَابِ إِذَا مَا حُذِفَا أي: لسليمان تسخير الريح، ولو قال قائل: ولسليمان الريحُ، لو قال: إن الريح مبتدأ بدون تقدير لم يكن بعيدًا، ويكون معنى كون الريح له أنها أيش؟ مسخرة له فيكون له التصرف فيها. ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ (﴿غُدُوُّهَا﴾ مسيرها من الغُدوة بمعنى الصباح إلى الزوال ﴿شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا﴾ سيرها من الزوال إلى الغروب ﴿شَهْرٌ﴾ أي: مسيرته) الريح سخرها الله له إذا صارت به من الصباح إلى الزوال فهي مسيرة شهر بسير الإبل، وعلى هذا فإنها تكون سريعة. ﴿رَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ فيستطيع أن يذهب إلى مكان مسيرته شهر ويرجع إلى بلده في نفس اليوم؛ لأن غُدُوُّها شهر ورواحها شهر، ومع ذلك فقد وصفها الله تعالى بأنها عاصفة ولكنها غير مؤثرة ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ [الأنبياء ٨١] ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص ٣٦] فهي سريعة، لكنها غير مزعجة، لكن كيف يطير في الريح؟ قال العلماء: إنه يضع بساطًا معتادًا عاديًّا ويجلس هو وحاشيته عليه، ثم يأمر الريح فتطير بهم بهذا البساط. والله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، ولَّا عادة أن يكون الإنسان على بساط ويرتفع؟! العادة أنه يَسْكُن هذه العادة، ولكن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، هل يمكن أن نقول: إن قانون الطيران في الطائرات الحديثة مبني على هذا، ولَّا ما يمكن؟ * طلبة: ما يمكن. * الشيخ: ليش ما يمكن؟ * طالب: (...) اللي يخالف الهواء. * الشيخ: إي ما يخالف، لكن ويش اللي يحملها ويدفعها؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، هواء عظيم؛ ولهذا لو كنت وراها وهي تمشي تشيلك فهي لا يحملها إلا الهواء. * الطالب: أكيد يا شيخ؟ * الشيخ: إي نعم وهي حديثة وثقيلة وعليها ناس وعليها عفش. * الطالب: (...). * الشيخ: نفس المراوح هذه والاندفاع هذا فيه هواء شديد، ولكن شوف الآن كيف تنضبط إذا نزلت للأرض بسبب الهواء، إذا نزلت الأرض ففي مؤخرها عند الشكمان فيها حديدة تنعكس هكذا علشان إنها ترد الهواء ما تندفع الطائرة. فالمهم أن قانون الطيران مبني على هذا، على الهواء الذي تولده هذه المولدات. يقول: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ هل هي بسرعة الطائرة ولَّا لا؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، أقل من الطائرة؛ لأن الطائرة تذهب مسيرة شهر في أقل من الغدو، بالسيارة؟ أسرع من السيارة لا شك، يبقى علينا هذا المرور السريع عادة إذا لم يكن هناك حجاب يمنع من عصف الهواء، أن الهواء يعصف بالراكب حتى يسقط ولَّا لا؟؛ لأن الآن فهمنا أنها دون الطائرة وفوق السيارة، والسيارة -كما تشاهدون- إذا كانت حوضة يعصف الهواء بالإنسان ويقلقه، لكن الله تعالى بيَّن في آية آخرى أن هذه الريح تكون رخاءً، ما فيها إزعاج ولا فيها قلق. قال الله تعالى أيضًا مما مَنَّ به على سليمان: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ (﴿أَسَلْنَا﴾ أذبنا ﴿لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ أي: النحاس) هذا أيضًا قد يكون أبلغ مما أوتيه داود؛ لأن داود قال الله له: ﴿أَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ أما هذا فأسال الله له عين القطر؛ يعني: فجَّر له عينًا من النحاس تسيل كما يسيل الماء مع أنها نحاس، وهذا دليل على كمال قدرة الله عز وجل؛ لأن المعروف أن النحاس معدن جامد، فجعله الله تعالى لسليمان عينًا سائلة كأنها الماء؛ ولهذا قال: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾. وقوله: ﴿عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ يدفع ما قيل: إن سليمان كان يُذيب النحاس فيسيل، كما أن الرَّصاص كما تشاهدون الآن، الرصاص إذا أذبناه يصير سائلًا كالزئبق، فنقول: لا، بل إن الله يقول: ﴿أَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ فجعل هذا عينًا يندفع من الأسفل ويسيل، ونحن نعلم أن الله سبحانه وتعالى خالق الأشياء جامدِها ومائعِها، وأنه قادر على أن يجعل الجامدَ مائعًا والمائعَ جامدًا، وهذا الماء المائع المتدفق الجاري لما ضرب موسى بعصاه البحر انفلق فكان كل فِرْق كالطود العظيم كالجبل العظيم، وهو ماء سائل ضربه مرة واحدة فقط، تفرَّق البحر وصار اثني عشر طريقًا كل طريق بينه وبين الطريق الآخر مثل الجبل من الماء، وهذا فوق الأمر الطبيعي؛ لأن خالق الأشياء قادر على كل شيء سبحانه وتعالى. ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ قال المؤلف رحمه الله يقول: (فأُجْرِيَت له ثلاثةَ أيام بلياليهن كجري الماء) كيف؟ فأجريت الثلاثة أيام بلياليهن كجري الماء، هذا التقدير يحتاج إلى توقيف؛ يعني أن الله أجراها له ثلاثة أيام فقط قد نقول: إن الله سبحانه وتعالى أسال له عين القطر يتصرف فيها كما يشاء، وهذا يقتضي أن تكون هذه الرسالة مستمرة حيث ما أرادها وجدها، وهذا هو الأقرب، ولا يمكن أن نُحَدِّدها بثلاثة أيام إلا بدليل من الشرع إما من الكتاب أو من السنة، وليس في الكتاب تحديد وكذلك ليس في السنة، فالأولى أن نجعلها على ظاهرها قال المؤلف: (وعمل الناس إلى اليوم مما أُعْطِيَ سليمان) أيش معنى عمل الناس إلى اليوم؟ يعني أن انتفاع الناس بهذا النحاس وتذويبه حتى يكون كالماء هذا أثره من عمل سليمان؛ يعني أن النحاس إنما ذاب من وقت سليمان إلى اليوم، وقد قيل: إن النحاس كان من قبلُ لا يذوب أبدًا، ولكنه في عهد سليمان ذاب ثم صار مستمر الذوبان. ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ (﴿بِإِذْنِ﴾ بأمر ربه) ﴿مِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ﴾ (من) للتبعيض، و(الجن) عالم غيبي مستتر عن الأعين؛ ولهذا جاء بلفظ (الجن)، وأصل هذه المادة جيم نون الاستتار، ومنه سُمِّيَت الجُنة التُّرس الذي يستتر به الإنسان، وسُمَّيَت الجَنَّة للبستان الكثير الأشجار؛ لأنه يُجِنُّ مَن فيه أي: يغطيه، وسُمِّيَت الجِنَّة أيضًا لهذا السبب، وسُمِّيَ الجنين لأنه مستتر، فهذه المادة الجيم والنون كلها تدل على الخفاء والاستتار؛ فالجن إذن عالم غيبيٍّ ليسوا بظاهرين، لكنهم قد يُرَوْن، هذا العالم منهم صالح ومنهم دون ذلك، ومنهم مسلم ومنهم كافر، كما في سورة الجن، يأكلون ويشربون ولَّا لا؟ ويتقَيَّؤون ويبولون كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ، وهؤلاء الجن قد يَظْهَرون أمام الناس ويُشاهَدون إما بصورهم التي هم عليها، وإما بتصورات ثانية، وإما على صورة القطط أو على صورة الدواب، كما جاء في الحديث الصحيح في النهي عن قتل الجِّنَّان التي تكون في البيوت؛ لأن بعضها قد يكون من الجن. لأن بعضها قد يكون من الجن، وربما يتلبسون بالإنسان أي: يدخلون في جوفه حتى يكون كاللباس له، فيصرعونه ويؤذونه، وقد أشار الله تعالى إلى هذا بقوله: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة ٢٧٥] يعني: مثل المصروع الذي صَرَعَه الشيطان، وهذا الصرع أي: صرع الجن للإنس لا ينكره إلا الملاحده كما قال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد: إنهم لن يصلوا إلى هذا النوع من الصرع فجعلوا ينكرونه، ويحيلون جميع أنواع الصرع إلى صرع الأعصاب والمخ وما أشبه ذلك. وصرع الجن للإنس معلوم بالمشاهدة أيضًا فلا ينكره إلا مكابر، كيف ذلك؟ لأنه شوهد مَنْ يُصرع، ويُخاطَب الجني الذي صرعه مخاطبة صريحة واضحة، وجرى ذلك على يد أئمة الإسلام كالإمام أحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهم إلى يومنا هذا؛ جيء مرة بمصروع إلى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فوعظ الجني الذي صرعه ونصحه وقال له: اخرج، وقال: إني لا أخرج إني أحبه، وكانت امرأة التي صرعته، صرعت الرجل امرأة قالت: إني أحبه، فقال شيخ الإسلام: لكنه لا يحبك، فقالت: إني أريد أن أحج به. كيف؟! تحمله إلى مكة، فقال: إنه إنه لا يريد أن يحج معكِ، ثم وعظها فلم تتعظ، ثم ضربها شيخ الإسلام ابن تيمية، جعل يضربها على رقبة هذا المصروع يقول: حتى تعبت يدي من الضرب، فقالت: أنا أخرج كرامة للشيخ، فقال: لا تخرجي كرامةً لي، اخرجي طاعة لله ورسوله، فخرجت على ألا تعود، فأفاق الرجل، لما أفاق قال: ما الذي جاء بي إلى حضرة شيخ الإسلام ابن تيمية؟ فقيل له: قد فعل كذا وفعل كذا، قال: والله ما أحسست بشيء من هذا؛ لا أني خاطبته، ولا أنه ضربني، وهذه القصة ذكرها ابن القيم في زاد المعاد عن شيخه، وابن القيم ثقة، وشيخ الإسلام كذلك ثقة، وقد ورد مثل ذلك عن الإمام أحمد. إذن الجن نقول في تعريفهم: عالم غيبي مستترون عن الإنس وربما يظهرون، ومنهم صالح ومنهم دون ذلك، ومنهم قاسط، ومنهم مسلم، ويأكلون ويشربون ويبولون ويتقيئون، كل هذا ثبت في القرآن وفي السنة. يقول: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ﴿مَنْ﴾ بمعنى الذي يعمل بين يديه فهي اسم موصول، وما محلها من الإعراب؟ يحتمل أن يكون محلها الرفع على أنها مبتدأ مؤخر، وخبره ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾، ويحتمل أنها في محل نصب؛ يعني: وسخرنا له من الجنِّ من يعمل بين يديه، وأيهما أولى؟ نحن ذكرنا قاعدة أنه إذا دار الأمر بين التقدير وعدم التقدير فعدم التقدير أولى؛ لأنه الأصل، الأصل أن الكلام لم يُحذَف منه شيء، وعلى هذا فنقول: ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾ جار ومجرور خبر مقدم، و﴿مَنْ يَعْمَلُ﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يديْ مَن؟ يدي سليمان، يعني: أمامه، لكن (﴿بِإِذْنِ﴾ بأمر ﴿رَبِّهِ﴾ )، والإذن هنا كوني ولَّا شرعي؟ الإذن كوني، بإذن الله الكوني؛ يعني أن الله سخَّر الجن يعملون بين يدي سليمان بإذنه، بأمره الكوني، وقد يقال: إنه إذن شرعيٌّ بدليل قوله: ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾. قال: (﴿وَمَنْ يَزِغْ﴾ يعدل)، وقيل: يَمِل أي: يميل، وهذا أقرب، ومنه: (زاغت الشمس) أي: مالت عن وسط السماء. ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ﴾ يعني: يميل (﴿عَنْ أَمْرِنَا﴾ له بطاعته) ﴿لَهُ﴾ أي: للجنِّ، بطاعته أي: بطاعة سليمان (﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ النار في الآخرة) ﴿نُذِقْهُ﴾ ما الذي جزمها؟ ﴿مَنْ﴾ لأنها جواب الشرط، وفعل الشرط ﴿يَزِغْ﴾. ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ أي: نعذبه بالنار حتى يذوق عذابها، وهل هذه نار الدنيا ولا الآخرة؟ قال المؤلف: (في الآخرة، وقيل: في الدنيا بأن يضربه ملك بصوت منها ضربة تحرقه)، والله أعلم، هل إن عذابه في الدنيا بواسطة ملك، أو أن سليمان أُذِنَ له بتعذيبهم في النار. على كل حال الذي يزيغ من الجن عن أمر الله سبحانه وتعالى بطاعته سليمان هذا يعذب بالنار؛ إما في الدنيا، وإما في الآخر، ولكن إذا قلنا: إنه في الدنيا فإنه لا يتعين أن يكون الأمر كما قال المؤلف: (إنه ملك يضربه بسوط منها حتى يُحْرِقَه)، والله أعلم. * طالب: (...) وفي قراءة؟ * الشيخ: المعروفة بالنص. * الطالب: (...). * الشيخ: كلاهما سبعية. * الطالب: وقراءة الرفع؟ * الشيخ: إي، أقول: تعبيره غير مألوف، المعروف يقول: وفي قراءة بالرفع، ثم يبين وجهها. * طالب: قلنا: إن أمر الله عز وجل للجن بطاعة سليمان والتسليم له أمر كونيٌّ.. * الشيخ: إذن له. * الطالب: (...). * الشيخ: إذن كوني، نعم. * الطالب: أليس طاعتهم لسليمان وتسخيرهم له عبادة لله عز وجل بالنسبة لهم هم. * الشيخ: بلى، ولهذا قلنا: فيه احتمال إذن شرعي، ويؤيده قوله: ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا﴾. * الطالب: ما يكون هذا هو الأولى؟ * الشيخ: هذا أرجح، لكن ما يمنع الأول. * طالب: (...) صحة هذا القول: الرجل يتلبس به مرأة، والعكس إن المرأة يتلبس بها الرجل من الجن صحيح هذا؟ * الشيخ: لا ما هو صحيح، قد يتلبس بالرجل رجل ويكون مثلًا مولعًا بسبب من الأسباب، وكذلك بالعكس. * طالب: ما فائدة إذابة النحاس لسليمان؟ * الشيخ: فائدته أنه يعمل فيه ما شاء، إذا كان ذائبًا مثل الماء يتصرف فيه كيف يشاء. * طالب: (...). * الشيخ: أما تقرأ آخر الرحمن؟ أسألك. * الطالب: (...). * الشيخ: اقرأ ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٤٦]، اقرأ ﴿وَلِمَنْ خَافَ﴾، اقرأ. * الطالب: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. * الشيخ: اقرأ اللي بعدها ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن ٤٧] الخطاب في ربكما يعود لمن؟ * الطالب: للجنِّ والإنس. * الشيخ: طيب، إذا كان الجن لا يستفيدون من هاتين الجنتين، فما فائدة خطابهم بقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾؟ ثم إنه قال في نفس الآيات: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن ٥٦]، وهذا أيضًا يدل على أنهم يدخلون الجنة، وهذا هو الصحيح اللي عليه جمهور العلماء، أما دخولهم النار الكافر منهم فإنه بالاتفاق؛ لأنه نصَّ الله عليه في القرآن، وأما دخول المؤمن منهم الجنة فهذا هو الصحيح الذي عليه جمهور أهل العلم. * الطالب: (...) قول الله تعالى: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف ٣١] ما يمنع؟ * الشيخ: نعم، ما يمنع، ما قال: (ويدخلوا الجنة)؟ * الطالب: (...). * الشيخ: طيب هذه الآية ما فيها دليل أنهم يدخلوا الجنة، لكن هل فيها دليل أن دخولهم الجنة ممنوع؟ لأن مَنْ أُجِير من العذاب فليس هناك إلا داران، دار الآخرة ما فيها إلا داران إما نار وإما جنة. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، يلزم، ما دام ما فيه إلا داران، وعندنا آيات كثيرة تدلُّ على من آمن وعمل وصالحًا فله جنات المأوى. * * * قال الله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾. * من فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى قد يُسَخِّر بعض الأمور الكونية لبعض عباده آيةً له؛ لأن الريح -كما تعلمون- لا أحد يستطيع أن يُصَرِّفها كما يشاء، ولسليمان سُخِّرَت له تجري بأمره، فيستفاد من هذا أن الله قد يُسَخِّر بعض الأمور الكونية آية لبعض عباده كهذا. وهل يمكن أن يَأتي مثلُ ذلك لغير الرسل؟ الظاهر أنه لا يمكن، وما ذُكِرَ عن بعض الخلفاء أن الله تعالى سَخَّر له الريح يأمرها كما يشاء وتنقُل جنده فإن هذا في صحته فيها نظر، والظاهر أن مثل آية الأنبياء لا تكون كرامة للأولياء، صحيح أن بعض آيات الأنبياء تكون كرامة للأولياء، أما الآيات الكبيرة كهذه الظاهر -والله أعلم- أنها لا تكون. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن للريح سرعة عظيمة، كما قال: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجود الجن، وهذا ثابت بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين؛ ولهذا مَنْ أنكر وجود الجن فقد كذَّب القرآن، ويُحْكَم بكفره، لكن هل الجن يعملون للإنس أو لا يعملون؟ نقول: * من فوائد الآية الكريمة: أن الجن يعملون للإنس؛ لقوله: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، ولا شك أن عملهم بين يديه آية له دالة على نبوته وعلى رسالته، لكن هل يعملون لغير الأنبياء؟ يقول شيخ الإسلام: نعم، إنهم يعملون لغير الأنبياء، وعملهم لغير الأنبياء له سبب؛ إما أن يكون سببه الشرك؛ بمعنى أن الجن تأمره أن يُشْرِك فيعبدهم، أو تأمره أن يُشْرِك فيعبد من يعظمونه، هذا واحد. وقد يكون سببه أنهم يَعشقون هذا الإنسان فيحبُّونه حبًّا يعني ليس لله، لكن مثلًا لجمال صورته، أو ما أشبه ذلك. ومنها أنهم يعملون له -من أسباب ذلك- يعملون له محبة لله؛ لكونهم صالحين فأحبوا هذا الرجل الصالح فعملوا له، عملهم له يقول شيخ الإسلام: إن عملوا له أمرًا مُحَرَّمًا كان ذلك حرامًا، مثل أن يستخدمهم في آذية المسلمين، أو في الاعتداء على شخص معين يُرَوِّعونه، أو ينفِّرون إبله أو ما أشبه ذلك، فهذا حرام، فإذا استعان بهم بطريق المعصية أو من أجل المعصية كان ذلك حرامًا بلا شك، أما إذا استعان بهم في الأمر المباح فإن هذا لا بأس به إذا خلا عن شرك وعن عدوان على الغير. فإن قلت: إن القول بإباحة الاستعانة بهم في غير المعصية يُشْكِل عليه قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام ١٢٨]، فإن ظاهر هذا أنه لا يجوز أن يستمتع الجن بالإنس، ولا الإنس بالجن؟ فالجواب على ذلك (...). فلا بأس به، وقد ذكر رحمه الله في كتاب النبوات وفي كتاب إيضاح الدلالة على عموم الرسالة ذكر أشياء واضحة عن السلف بأنهم ربما ينتفعون بالجن في الإخبار عن الأشياء البعيدة، والأمر الواقع شاهد بذلك، فإننا نسمع قضايا عن بعض الناس أن الجِنَّ تعينهم على ما يريد مع صلاحهم وعدم شركهم وعدم معصيتهم. فإذا قلت: هل ممكن أن يعتدي الجنيُّ على الإنسي؟ فالجواب: نعم، يمكن. وهل يمكن أن يعتدي الإنسيُّ على الجني؟ نعم يمكن، أما الأول فظاهر كثيرًا أن الجن يعتدون على الإنس؛ أحيانًا يُرَوِّعونهم في الطُّرُقات، بل وربما في البيوت، وأحيانًا يُفْسِدون عليهم شؤونهم، وأحيانًا يرمونهم بالحجارة، وأحيانًا يؤذونهم بالأصوات، وهذا شيء لا يحتاج إلى طلب بالدليل؛ لأنه أمر واقع مشاهد. وكذلك الإنس ربما يعتدون على الجن؛ فلو أن أحدًا استجمر بعظم أو بروث لكان معتديًا على الجن؛ لماذا؟ لأن العظم طعام الجن والروث طعام دوابهم[[أخرج البخاري (٣٨٦٠) بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنه كان يحمل مع النبي ﷺ إِداوَة لوَضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها، فقال: «من هذا؟» فقال: أنا أبو هريرة، فقال: «ابغِنِي أحجارًا أستنفض بها، ولا تأتني بعظمٍ ولا بِرَوْثة». فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي، حتى وضعتُها إلى جنبه، ثم انصرفت حتى إذا فرغ مشيتُ، فقلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: «هما من طعام الجن، وإنه أتاني وَفْد جِنِّ نصيبين، ونعم الجن، فسألوني الزاد، فدعوتُ الله لهم أن لا يمروا بعظم، ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعامًا».]] فيكون في هذا عدوان من الإنس على الجن. طيب، وهل يمكن أن يدخل الجنيّ في بدن الإنسيِّ؟ نعم، ولا يحتاج إلى طلب الدليل؛ لأن هذا أمر واقع محسوس ثبتَتَ به الأخبار وتواترت وشاهده الناس، وقد ذكرنا أن الإمام أحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية يؤتى إليهم بالمصروع فيخاطبونه ويكون الخطاب على مَنْ صَرَعه، ويضربونه أيضًا ويكون الضرب على من صرعه، أي: على الصارع لا على المصروع، وفي القرآن ما يشير إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة ٢٧٥]، والمس معناه الصرع؛ ولهذا يقال: به مس من الجن أي صرع، والذي يتخبطه الشيطان من المس يكون مخبلًا لا يَحُسُّ ولا يعرف. قال أهل العلم: إن هؤلاء يقومون من قبورهم كمثل المجانين الذين أصابتهم الشياطين. وأما إنكار بعض الناس لهذا فقد قال شيخ الإسلام: (إن هؤلاء الفلاسفة الذين أنكروا ذلك لا يعلمون من الشرع كما يعلمه أهل الشرع فهم ينكرون ما غاب عنهم، ولا يُقِرُّون إلا بالشيء المحسوس) وأنكر عليهم إنكارًا عظيمًا في زاد المعاد. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجن يُشَاهَدون أو قد يُشَاهَدون ممكن مفهوم الآية؟ * طالب: نعم. * الشيخ: من أين؟ من قوله: ﴿مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، فإن الظاهر أنهم يُشَاهدون وهم يعملون بين يَدَي سليمان يعني أمام عينيه. * ومن فوائدها: أن الجن مُكَلَّفون بمعنى أنهم إذا خالفوا عُذِّبوا، ومن تمام عَدْلِ الله أنهم إذا وافقوا نُعِّمُوا، أما كونهم يعذبون إذا خالفوا فهذا أمر متفق عليه بين العلماء، وأن كافرهم يدخل النار، وأما دخول المؤمن منهم الجنة ففيه خلاف بين العلماء، والصواب أنهم يدخلون الجنة؛ لقوله تعالى في سورة الرحمن وهو يخاطب الجن والإنس: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن ٤٦، ٤٧]، فيكون هؤلاء الجن إذا خافوا الله فلهم الجنة، وقال في أثناء ذلك ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن ٥٦]، وكلمة ﴿وَلَا جَانٌّ﴾ لا تتناسب مع الإنس، وإنما تتناسب مع مَن؟ مع الجن، وهذا هو القول الحقُّ المتعين، ولا يعارض ذلك قوله تعالى عن الجن الذين صرفهم الله للنبي ﷺ يستمعون القرآن حين وَلَّوْا إلى قومهم منذرين ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف ٣٠، ٣١]، فيقال: إن الله إذا أجارهم من العذاب الأليم فلازم ذلك أن يدخلوا الجنة؛ لأن الآخرة ليس فيها إلا داران هما الجنة أو النار، فمن نجا من النار دخل الجنة ولا بد. إذن الجنُّ مُكَلَّفون، لكن هل تكليفهم كتكليف الإنس بمعنى أن صلاتهم كصلاتنا وصيامهم كصيامنا وحجهم كحجنا أو يختلفون عنَّا؟ في هذا احتمالان: أحدهما: أن يكون ما كلفوا به مساويًا لما كُلِّفنا به من كل وجه ما دام الرسول ﷺ مبعوثًا للجن والإنس، ولم تأت السنة -بل ولا والقرآن- بالتفريق بين أحكام الإنس والجن، فالواجب أيش؟ إجراؤها على ما هي عليه، وأن تكون هذه الأحكام ثابتة في حق الإنس والجن على حد سواء. والاحتمال الثاني: أن تكون الواجبات بالنسبة للجن موافقةً لما هم عليه مناسبة لهم فلا يلزم على هذا أن يكونوا مساوِين للإنس؛ لأن الله عز وجل يَشْرَع الأحكام مناسبة لمن شُرِعَت له فهذا المريض مثلًا هل عليه صوم؟ إذا كان المريض لا يرجى زوال بُرْءِ مرضه ففرضه الإطعام، والفقير ليس عليه زكاة وليس عليه حج، فلما كان اختلاف الشرائع ظاهرًا بالنسبة للإنس لاختلاف أحوالهم فإنه يلزم أن تكون الشرائع أيضًا مختلفة للجن عن الإنس؛ لأن الجن لا شك كما قال شيخ الإسلام: الجن مخالفون للإنس في الحَدِّ والحقيقة، فقدرتهم ليست كحقيقة البشر، وحدهم وحدودهم وطاقاتهم ليست كحدود وطاقات البشر، فإذا كانوا مخالفين للبشر في الحدِّ والحقيقة لزم أن يكونوا مخالفين لهم في الأحكام الشرعية، وهذا فيما يمكن الاختلاف فيه، أما ما لا يمكن كالتوحيد والرسالة -أصل الرسالة وما أشبه ذلك- فهذا أمر نعلم عِلْمَ اليقين أن الجن مساوُون للإنس في تلك الأحكام، لكن الكلام على المسائل الفرعية التي يختلف فيها المخاطَبون باختلاف أحوالهم فالمسألة فيها احتمالان، ولكن شيخ الإسلام رحمه الله جَزَم بأن الأحكام التي كُلِّف بها الجن تخالف الأحكام التي كُلِّف بها الإنس، وأنهم مكلفون في الجملة بدون أن يساووا الإنس، والعلم عند الله.

سبأ 34:13

ثم قال الله عز وجل: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾ إلى آخره، ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ﴾ لمَنْ؟ لسليمان، وهذا كالتفصيل لقوله: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ كأنه قيل: ماذا يعملون؟ ففصَّل، وقال: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾، ﴿مِنْ﴾ بيانية مبينة للإبهام في الاسم الموصول وهو قوله: ﴿مَا يَشَاءُ﴾، لأن ﴿مَا﴾ اسم موصول، ونحن نعلم جميعًا أن الاسم الموصول من الأسماء المبهمة، فقوله: ﴿مِنْ مَحَارِيبَ﴾ بيان لـ﴿مَا﴾. ﴿مِنْ مَحَارِيبَ﴾ يقول المؤلف: (أبنية مرتفعة يُصْعَد إليها بدرج) هذه المحاريب، فالمحاريب عبارة عن أبنية مرتفعة ذاتِ أسوار مَنِيعة، قال الله تعالى في داود: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص ٢١]، هذا واحد. (﴿وَتَمَاثِيلَ﴾ جمع تمثال وهو كل شيء مَثَّلْتَه بشيء أو صور من نحاس وزجاج ورخام، ولم يكن اتخاذ الصور حرامًا في شريعته) التماثيل جمع تمثال، وهو ما صُوِّر عل مثال شيء آخر، فكل ما صُوِّرَ على مثال شيء آخر فإنه يقال: تمثال له، وعلى هذا فيمكن أن نقول: لمن صَوَّر صورة شجرة، ونَحَتَها من جسم، نقول له: إن هذا تمثال للشجرة، وكذلك نقول لمن نحت خشبًا أو حجرًا على صورة حيوان نقول: إن هذا تمثال. والمؤلف جزم بأن المراد بالتماثيل (ما كان تمثالًا لحيوان)؛ ولهذا قال: (كل شيء مثلته بشيء -هذا أصل التمثال- أي صور نحاس وزجاج ورخام) النحاس معروف، والزجاج أيضًا معروف، والرخام كذلك. يقول: (ولم يكن اتخاذ الصور حرامًا في شريعته) وهذا مبني على أن المراد بالتماثيل تماثيل ما يحرُم تصويره كالحيوان من إنسان وغيره، ولكن نقول: إن هذا لا يلزم؛ أي: لا يلزم أن يكون المراد بالتماثيل هي صور الحيوان؛ فمن الجائز أن ينحتوا له مما ذكر من النحاس والزجاج والرخام أن ينحتوا له أشياء على صور شجر، ويقال: إن هذا تمثال، فيه الآن مُجَسَّمات يجعلوها على صورة نخلة، على صورة سيف، على صورة قصر، وما أشبه ذلك، نقول: هذا تمثال ولَّا لا؟ تمثال، وفيه أيضًا مجسمات على صورة حيوان؛ أسد، أو جمل، أو بقر، أو ما أشبه ذلك، هذا أيضًا تمثال. فنحن الآن نقول: إن كان قوله: ﴿مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ﴾ إنه عام لتمثال الحيوان والأشجار وغيرها فنحتاج حينئذ أن نجيب بما أجاب به المؤلف، وهو أن الصور في شريعته ليست حرامًا، ولكن ما دام الأمر غير لازم؛ إذ من الممكن أن تكون التماثيل التي يأمرهم بها تماثيل أشياء يجوز تصويرها فلا حاجة إلى هذا الجواب. (﴿وَجِفَانٍ﴾ جمع جفنة ﴿كَالْجَوَابِ﴾ جمع جابية وهي حوض كبير)، ﴿جِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾ الجفان ما هي؟ الصَّحْفَة التي يوضع فيها الطعام، ﴿كَالْجَوَابِ﴾ جمع جابية، والجابية هي الحوض الكبير، ومنه البِرْكَة تسمى جابية حتى الآن يسمون البِرَك يسمونها جوابي، هذه الجفان على ما تقتضيه الآية الكريمة جفان كبيرة واسعة. يقول المؤلف يبين لنا سعتها: (يجتمع على الجفنة ألف رجل يأكلون منها)، وهذا قد يكون واقعًا، وقد يكون الأمر أكبر من هذا، وقد يكون دون هذا، المهم أن هذه الجفان لعظمها وسعتها وكِبَرِها مثل أيش؟ مثل الجوابي، وهي الأحواض الكبيرة يعني البرك. (﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ ثابتات لها قوائم لا تتحرك عن أماكنها تُتَّخَذ من الجبال باليمن يصعد إليها بالسلالم) ﴿قُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ قال العلماء: الراسي الثابت، والقدور جمع قِدر وهو ما يطبخ فيه الطعام، وإنما كانت راسية لكبرها، كبيرة راسية في الأرض، فهي لكبرها لا يستطيع أحد أن يتناولها ويقُلِّبها، والعادة أن القدور راسية ولَّا منقولة؟ منقولة مقلبة، لكن هذه لكبرها وسعتها (...) راسية ما تتحرك. وقول المؤلف: (لها قوائم) ما المراد بالقوائم؟ المناصب التي تُنْصَب عليها، أرجل يعني، يقول رحمه الله: (تُتَّخذ من الجبال باليمن) هذا ليس بلازم أنها متخذة من الجبال، وإن كانت القدور قد تُتَّخذ من النحاس والحديد، وكذلك من الأحجار يمكن تُنْحَت وتكون قِدْرًا، ويمكن أن تُجْعَل طينًا ويتخذ منها الفخار، ولكن ليس بلازم، يعني تتخذ من الحديد والنحاس ومن الأحجار ومن غير ذلك. (وقلنا: ﴿اعْمَلُوا﴾ يا﴿آلَ دَاوُودَ﴾ بطاعة الله ﴿شُكْرًا﴾ له على ما آتاكم) أفادنا المؤلف رحمه الله أن ﴿اعْمَلُوا﴾ جملة في محل نَصْبٍ لقول محذوف التقدير: قلنا: اعملوا آل داود، وأما ﴿آلَ دَاوُودَ﴾ فهي منصوبة بياء النداء المحذوفة أي: يا آل داود، وآل داود هنا ذريته وقرابته؛ لأن الله تعالى أنعم على هذه القبيلة -قبيلة داود- بنعم عظيمة أنعم على أبيهم وعلى ابنه سليمان. وقوله: ﴿شُكْرًا﴾ أفادنا بتقدير الشكر لله على أن ﴿شُكْرًا﴾ مفعول من أجله، وأن مفعول ﴿اعْمَلُوا﴾ محذوف تقديره بطاعة الله، يعني: اعملوا بطاعة لأجل أيش؟ الشكر لله، ويحتمل أن تكون ﴿شُكْرًا﴾ مفعولًا به لـ﴿اعْمَلُوا﴾ يعني: اعملوا الشكر، والشكر هو الطاعة، ولكن هذا الوجه نَسْلَم فيه من التقدير، أما على الوجه الأول فإنه لا بد أن نُقَدِّر مفعول ﴿اعْمَلُوا﴾، الشكر عرفه العلماء بأنه: القيام بطاعة المنعم في القلب واللسان والجوارح، أما في القلب فأن تعتقد أن ما بك من نعمة فهي من الله، وأما في اللسان فأن تثني على الله بالنعمة؛ لا تذكر النعمة افتخارًا بها على الناس، وأما الجوراح فأن تقوم بطاعة الله سبحانه وتعالى فيما يختص بتلك النعمة أو بطاعته على سبيل العموم، والفرق بين هذا وهذا إذا قلنا: أن تقوم بطاعة الله فيما يختص بهذه النعمة، فإذا أنعم الله عليك بمال فشُكْرُه الزكاة والإنفاق وما أشبه ذلك، فإذا عصيت الله في غير ذلك لا يقال: إنك لن تقوم بشكر المال، أما إذا قلنا: إن الشكر أن تقوم بطاعة الله فيما يختص بهذه النعمة وفي غيرها، فإن الإنسان إذا أُنْعِم عليه بالمال وقام بحقه على الوجه الكامل، ولكنه يعصي الله سبحانه وتعالى في أمور أخرى يقال: إن هذا ليس بشاكر، ولكن قد نقول: إن الشكر نوعان: شكر مطلق وهو الذي يقوم بطاعة المُنْعِم فيما أنعم به عليه فيه وفي غيره. وشكر خاص مقيد بهذه النعمة المعينة، فيكون هذا الشاكر إذا قام بما يجب عليه في هذه النعمة المعينة شاكرًا، لكنه لا يُعْطَى وصف الشكور، ونظير ذلك ما سبق لنا في التوبة؛ أن التوبة تصح من الذنب مع الإصرار على غيره، لكن لا يستحق التائب وصف التوبة الملطلقة. قال الله تعالى: (﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ العامل بطاعتي شكرًا لنعمتي) ﴿قَلِيلٌ﴾ خبر مقدم، والشكور مبتدأ مؤخر؛ لأن المقصود الإخبار عن الشكور بأنه قليل، يكون تقدير الآية (...)، والشكور من عبادي قليل، وقوله: ﴿مِنْ عِبَادِيَ﴾ هو متعلق بما بعده، فلمَّا قُدِّم عليه صار في موضع نصب على الحال؛ يعني الشكور حال كونه من عبادي قليل، وتعليل ذلك أن أكثر بني آدم أيش؟ غير شكور، بل هم ضالون، فبنو آدم يكون منهم تسع مئة وتسعة وتسعون في النار وواحد في الجنة، ولا شك أن واحدًا إذا نُسِبَ إلى المئة يكون قليلًا. وقوله: ﴿مِنْ عِبَادِيَ﴾ المراد بالعبودية هنا العامة أو الخاصة؟ العامة الشاملة للكافرين وللمؤمنين. (﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ﴾ أي على سليمان ﴿الْمَوْتَ﴾ أي مات) إلى آخره. ﴿قَضَيْنَا﴾ أي: قدَّرْنا عليه الموت فمات، والقضاء هنا قضاء قدري، وقضاء الله سبحانه وتعالى نوعان: قدري، وشرعي، فهنا ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ﴾ القضاء قدري، ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء ٤] هذا أيضًا قضاء قدري؛ أي: قدرنا عليهم ذلك. والثاني قضاء شرعي، وهذا إذا تعلَّق بما أمر الله به فإنه قضاء شرعي، كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء ٢٣] فالقضاء هنا قضاء شرعي، إذ لو كان قضاءً قدريًّا لوقع، ولعَبَدَ الناسُ اللهَ كلهم بدون إشراك، هنا القضاء قدري. ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ﴾ أي: قدرناه عليه فمات، قال: (ومكثَ قائمًا على عصاه حولًا ميتًا، والجن تعمل تلك الأعمال الشاقة على عادتها لا تشعر بموته حتى أكلت الأرضة عصاه فخرَّ ميتًا) نعم، كل هذا الذي ذكره المؤلف واضح من الآية، لما قضى الله عليه الموت بَقِيَ مدة لا تَعْلَم الجن أنه مات، وهم يعملون ولَّا لا؟ يعملون، تاعبين؛ لأنه قد كلَّفَهم بذلك، فمات وبقيَ متكئًا على عصاه. أولًا: المؤلف رحمه الله يقول: (بقيَ حولًا) تَقْييد هذا البقاء بالحول ليس عليه دليل، لكن لا شك أنه بَقِي مدة وهم يعملون بين يديه، ولا يَدْرُون أنه ميت، أما نُقَيِّدَه بحول أو بأقل أو بأكثر هذا يحتاج إلى دليل. وقولنا: إنه متكئ على عصاه فيه دليل من الآية؛ لأنه قال: ﴿فَلَمَّا خَرَّ﴾ وهذا لا يمكن إلا وهو متكئ. يقول: (﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ مصدر أُرِضَت الخشبة بالبناء للمفعول: أكلتها الأَرْضَة) كلمة (الأرض) هل المراد بها الجنس أي: الدابة التي تكون في الأرض أو المراد بها المصدر؟ المؤلف يرى أن المراد بها المصدر مأخوذ من قوله: أرضت الخشبة؛ يعني: أكلتها الأرضة؛ يعني: ما دلهم على موته إلا الدابة التي (...) الخشب (...)، فعليه يكون كلمة (أرض) مصدر أيش؟ أرض يأرض أَرْضًا، مثل ضَرَبَ يَضْرِب ضربًا، هذا تقرير كلام المؤلف رحمه الله، وما قرره رحمه الله بعيد من مفهوم الآية؛ لأنك عندما تفهم إلا دابة الأرض ما تفهم الذي قرره المؤلف أبدًا، بل الذي يتبادر إلى الذهن أن المراد بالأرض الجنس؛ يعني إلا الدابة التي تخرج من الأرض. ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ فيها إشكال هذه زيادة؛ وهي أن (من) حرف جر، وهنا ﴿مِنْسَأَتَهُ﴾ منصوبة، كيف يكون هذا؟* طالب: اسم لا ينصرف. * الشيخ: اسم لا ينصرف، الاسم الذي لا ينصرف إذا أضيف انصرف وهنا ﴿مِنْسَأَتَهُ﴾ مضافة إلى الهاء. * طالب: اسم (...). * الشيخ: كيف اسم؟! منين اسم. * الطالب: (...). * الشيخ: هذه كلمة واحدة يعني، صح، هل كتبت (مِنْ) وحدها؟! عندك في المصحف. * الطالب: لا. * الشيخ: طيب. * الطالب: التصوير قيل الصور ليست محرمة (...)؟ * الشيخ: ما يلزم كونهم صوَّروا تماثيلهم وعَبَدوها ما يلزم أنها تكون محرمة. * الطالب: (...) صوَّر تماثيلهم (...). * الشيخ: صحيح هذا، لكن قد يكون مباحة لكن هم توصلوا بها إلى محرم، يعني: من أسباب الشرك لا شك، على كل حال إحنا نقول في كلام المؤلف كلمة (تماثيل) ما دام إنها معنى التمثال كل شيء صورته على غيره، فلا يلزم أن تكون صُوَر حيوان،يمكن صور أشجار، وقصور وما أشبه ذلك. * الطالب: (...). * الشيخ: على كلام المؤلف يعني؟ جوابًا على سؤال مُقَدَّر، كيف يُصَوِّرون الحيوان مثلًا أو الإنسان؟ أجاب بأن الصورة في عهده ليست محرمة. * الطالب: المحاريب (...)؟ * الشيخ: لا محراب المسجد يسمى طاقًا. * طالب: داود حينما مات كان (...) وهو متكئ على عصاه؟ * الشيخ: أو سليمان قصدك. * الطالب: إي، سليمان (...). * الشيخ: لا أبدًا، هو متكئ على عصاه هكذا ومات وبقي هكذا. * الطالب: (...). * الشيخ: ما (...) إلا بعد مدة. * طالب: الأنبياء لا تأكلهم الأرض؟ * الشيخ: نعم صح. * الطالب: (...) الصالحون؟ * الشيخ: لا، الصالحون ما نجزم أنها لا تأكلهم لكن لكن قد يُعْثَر على بعضهم لم تأكله الأرض، وأما الجزم للأنبياء فقط. * فوائد الآية التي مرت علينا: قال الله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾ * في هذه الآية فوائد منها: أن الله سبحانه وتعالى سخَّر الجن لسليمان يعملون له ما يشاء، وهذا لا يتأتى لأحد من البشر، نعم ربما تعمل الجن لبعض البشر أشياء لكن لا تكون قائمة بما شاء. * ومن فوائدها: جواز البناء العالي؛ لقوله: ﴿مِنْ مَحَارِيبَ﴾. * ومن فوائدها: جواز التماثيل، وهل يشمل التماثيل للحيوانات والأشجار والبحار والأنهار؟ نعم على كلام المؤلف يشمل؛ لأنه قال: (هذا كان قبل تحريم الصور)، وعلى الاحتمال الثاني: لا يشمل؛ لأن التماثيل تُطلَق على كل ما كان مثالًا على غيره ولا يلزم أن تكون على صورة الحيوان، فعلى رأي المؤلف يكون الحكم منسوخًا لشريعة النبي ﷺ * فيستفاد منها فائدة وهي: جواز النسخ في الأحكام الشرعية، وعلى الاحتمال الثاني: لا يكون دالًّا على جواز تماثيل الحيوانات. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان كثرة جنود سليمان وكرمه؛ لأن الجفان كالجوابي والقدور راسيات. * ومن فوائدها: وجوب القيام بشكر الله عز وجل؛ لقوله: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾، والأمر في الأصل للوجوب. * ومن فوائدها: أن الشاكر على النعمة قليل؛ لقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾، والمراد بهذه الجملة الحث على الشكر. * ومن فوائدها: إثبات العبودية العامة الشاملة؛ لقوله: ﴿مِنْ عِبَادِيَ﴾ فإن المراد بها العبودية العامة الشاملة. * ومن فوائدها: أن داود عليه الصلاة والسلام أبٌ لفخذٍ كامل من بني إسرائيل؛ لقوله: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ﴾ كما يقال: بنو تميم، بنو زُهْرة، وما أشبه ذلك. ثم قال: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ ما كملناها أظن نعم نخليها إن شاء الله في المستقبل. قال الله تعالى: ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ بالهمز وتركه بألف؛ يعني فيها قراءتان ﴿مِنْسَأَتَهُ﴾، القراءة الثانية: اجعل الهمزة ألفًا أي: ﴿مِنْسَاتَهُ﴾ ، ولهذا قال: (بالهمز وتركه)، ولكن إذا تركناه يكون (بألف؛ لأنها يُنْسَأ: يُطْرَد ويزجر بها). * الطالب: (...). * الشيخ: لا، عندنا: (يزجر). إي نعم، كأن المؤلف رحمه الله يريد أن يُبَيِّن اشتقاق هذه الكلمة، وأنها من النسأ أي الطرد والزجر؛ فإن الإنسان يزجر بعصاه بحزها على مَنْ يوجه إليه الخطاب، ويطرد بها بالضرب، وهذا يدل على أن الكلمة عربية، ولكن بعض المفسرين يقول: إن الكلمة غير عربية، وأنها من الكلام الذي عُرِّب، وإذا كانت الكلمة من الكلام المعرَّب فإن لا يُشْتَق لها من العربية، كل كلمة لها اشتقاق من العربية فإنها تكون عربية، وعلى كل حال (...) من هذا سهل، المهم أن المنسأة هي العصا يُطْرَد بها الشيء ويزجر بها. (﴿فَلَمَّا خَرَّ﴾ ميِّتًا ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ ) الجملة كما تشاهدون جملة شرطية، وأداة الشرط فيها ﴿لَمَّا﴾، وقد مر علينا أن (لما) تأتي لعدة معان: تكون شرطية، وتكون للنفي، وتكون بمعنى (إلا)، والرابع أن تكون ظرفًا بمعنى (حين). هنا استُعملت شرطية بدليل أنه جاء بعدها شرط وجواب، ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ﴾. نافية كقوله تعالى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص ٨] أي: لم يذوقوا عذاب. وتأتي بمعنى (إلا) كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤] أي: إلا عليها حافظ. وتأتي بمعنى (حين) أي: ظرفًا، مثل أن تقول: أكرمتني لمَّا زرتك، أي: حين زرتك، طيب، إذن تأتي على أربعة أوجه. ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ ﴿تَبَيَّنَتِ﴾ أي: علمت وبان لها وفسرها المؤلف بقوله: (انكشف لهم ﴿أَنْ﴾ مخففة، أي: أنهم ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ﴾ ) ﴿أَنْ﴾ مخففة منين؟ من الثقيلة، وإذا خُفِّفَت الثقيلة وجب حذف اسمها، وكان خبرها جملة، فهنا الخبر ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾. وإعرابها أن تقول: ﴿أَنْ﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن مستتر، وجملة ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ﴾ في محل رفع رفع خبرها (...). وفي قول المؤلف: (أنهم) إشارة إلى ما سبق؛ أن قلنا: إن ضمير الشأن ينبغي أن يكون مناسبًا للمقام؛ فقد يكون مفردًا، وقد يكون جمعًا، وقد يكون للغائب، وقد يكون للمخاطب، خلافًا لما عليه أكثر النحويين حيث يُقَدِّرونه مفردًا للغائب ويقولون: (أنه) أي: الحال. ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا﴾ ﴿لَوْ﴾ شرطية وجوابها ﴿مَا لَبِثُوا﴾، و(لو) تأتي شرطية، وتأتي مصدرية، وتأتي بمعنى (وَدَّ كذا)؛ فتأتي شرطية مثل هذه الآية، ومثل أن تقول: لو زرتني لأكرمتك، وتأتي مصدرية إذا جاءت بعد (وَدَّ) كقوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩] أي: أن تدهنوا، وهذا معنيان فقط. طيب، هنا شرطية فعل الشرط فيها؟ * الطالب: ﴿مَا لَبِثُوا﴾. * الشيخ: لا، فعل الشرط ﴿كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾، وجوابه ﴿مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾. (﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ﴾ ومنه ما غاب عنهم من موت سليمان ﴿مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ العمل الشاق لهم لظنهم حياته خلاف ظنهم علم الغيب) وهذا واضح؛ لأنهم لو كانوا يعلمون الغيب لعلموا أنه مات قبل أن يَخِرَّ بسبب تَأَكُّل عصاه، ولعلهم كانوا يظنون أو يَدَّعون أنهم كانوا يعلمون الغيب، فأراد الله تعالى أن يُبَيِّنَ حالهم لهم ولغيرهم، وأنهم لا يعلمون الغيب، مع أن الغيب الذي حصل هنا ليس غيبًا مطلقًا، ولكنه غيب نِسْبِيٌّ؛ إذ إن مَنْ كان قريبًا جدًّا من سليمان فقد يعرف أنه مات. يقول المؤلف: (ومنه ما غاب عنهم من موت سليمان ﴿مَا لَبِثُوا﴾ أي ما بقوا ﴿فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ الذي أَلْحَق بهم المهانة والذل) وقال المؤلف: (الشاق بظنهم حياته خلاف ظنهم علم الغيب) يعني: كانوا يظنون أنهم يعلمون الغيب، فلما خر ميتًا تبيَّن لهم أنهم لا يعلمون الغيب. قال: (وعُلِمَ كونه سَنَةً بحساب ما أكلته الأَرْضَة من العصا بعد موته يومًا وليلة مثلًا) هذا جواب عما قيل: إنه بقي سنة وهو ميت ولم يُعْلَم به، يعني كأنه قال قائل: ما الذي أعلمكم بأنه سنة؟ قال: علمنا ذلك بالحساب؛ لأننا حسبنا ما أكلته الأرض يومًا وليلة من العصا فَقِسْنَا عليه ما مضى؛ فمثلًا إذا كانت تأكل في اليوم والليلة مثلًا سنتيمتر، عرفنا أنها تأكل في السنة ثلاث مئة وستين سنتيمتر، وعرفنا هذا من طول العصا، ولكن هذا في الحقيقة ليس متعينًا؛ إذ قد تأكل اليوم أكثر مما تأكله بالأمس أو بالعكس، وحتى نقول أيضًا: مَنِ الذي قال أنها أكلت في اليوم والليلة هذا المقدار حتى عُرِفَ به ما مضى؟ يحتاج إلى دليل؛ ولهذا الصواب أن ما سبق أن قلنا بأنه لا حاجة لنا إلى تقدير المدة التي لبثها سليمان، وأن مثل هذه الأمور لا يُرْكَن إليها ولا يُعْتَمد إلا إذا جاءت عن الشارع عن النبي ﷺ أو جاءت في كتاب الله، وأما ما يأتي عن بني إسرائيل في مثل هذه الأمور فإننا نقول: نقف فيه، لا نصدق ولا نكذب. ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ [سبأ ١٥] إلى آخره. الجملة هذه كما تعلمون مؤكدة بثلاثة مُؤَكِّدَات؟ * طالب: قد. * الشيخ: هذه قد. * الطالب: وكان. * الشيخ: لا، كان ما من أدوات التأكيد، مُؤَكَّدة بثلاثة مؤكدات. * الطالب: اللام، و(قد). * الطالب: والقسم المقدر. * الشيخ: والقسم المقدر، نعم، صح؛ لأن هذه على تقدير قسم أي: والله لقد كان لسبأ، و(كان) هنا تدل على مجرد الحدوث أي أنها مسلوبة الدلالة على الزمن؛ فإن هذه الآية باقية حتى الآن، كل من قرأ خبرها (...). (﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾ بالصرف وعدمه: قبيلة سُمِّيَت باسم جَدٍّ لهم من العرب) سبأ اسم رجل يُسَمَّى سَبأً وكان من قحطان، واختلف المؤرخون النسَّابون في قحطان هل هو من العرب العاربة أو من العرب المستعربة؟ والمشهور أنهم من العرب العاربة الذين قبل إبراهيم، لكن روى البخاري «أن النبي ﷺ مَرَّ على قبيلتين من الأنصار كانوا يَتَرامَوْن بالنَّبْل فقال لهم النبي ﷺ: «ارْمُوا بَنِي إسْمَاعِيلَ فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا»[[أخرجه البخاري (٢٨٩٩) من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه.]]، وهذا يدل على أنهم عرب مستعربة؛ لأن الأنصار معروف أنهم -الأوس والخزرج- كلهم من قبائل اليمن من قحطان، نزلوا تفرقوا في البلاد بعد الغرق ونزلوا المدينة، وعلى هذا فيكون ظاهر حديث البخاري أن قحطان كلهم من بني إسماعيل. والحاصل أن العلماء في النَّسَب يُقَسِّمون العرب إلى قسمين: ما كان قبل إبراهيم فهم عرب عاربة، وما كان بعده من ذريته فهم عرب مُستعرِبة. المهم أن سبأ اسم لرجل كان له أولاد كثيرون جاء في الحديث أنهم عشرة، بقي منهم ستة في اليمن، وأربعة في الشام، وانتشروا في الأرض وكثروا. وفيها قراءتان يقول المؤلف: (بالصرف وعدمه) ﴿لِسَبَإٍ﴾ هذا الصرف، وعدمه ﴿لِسَبَأَ﴾ . يقول: (﴿فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ باليمن ﴿آيَةٌ﴾ )، المؤلف يقول: ﴿فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ أتى بالقراءة؛ قراءة الجمع، ولم أره ذكَر قراءة الإفراد، وفيها قراءتان سَبْعِيَّتان: قراءة الإفراد: ﴿فِي مَسْكَنِهِمْ﴾، وقراءة الجمع: ﴿فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ ، ولا خلاف بينهما في المعنى؛ لأن (مسكن) مفرد، والمفرد المضاف يَعُمُّ يشمل كل ما يدخل تحت هذا المعنى، ألم تروا إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم ٣٤]؟ فهنا (نعمة) مفرد وقال فيها: ﴿لَا تُحْصُوهَا﴾ إذن هي كثيرة، فـ(مسكن) من حيث المعنى بمعنى مساكن؛ لأنه مفرد مضاف، والمفرد المضاف يَعُمُّ. * طالب: (...). * الشيخ: لا أنا عندي: ﴿مَسَاكِنِهِمْ﴾ عندكم في المصحف. * طلبة: (...). * الشيخ: لا اللي عندي هي اللي عليها خط المؤلف ﴿مَسْكَنِهِمْ﴾. على كل حال ﴿مَسَاكِنِهِمْ﴾ قراءة سبعية، و﴿مَسْكَنِهِمْ﴾ قراءة سبعية أيضًا، والمسكن ما يَسْكُنُه الإنسان فيسكن فيه ويطمئن؛ كالبيوت والحدائق والبساتين وما إلى ذلك. ﴿آيَةٌ﴾ (آية) بمعنى علامة قال الله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس ٤١]، ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ١٩٧]؛ فالآية بمعنى العلامة الدالة على الشيء، هذه الآية دالة على أي شيء؟ دالة على قدرة الله عز وجل، وعلى نعمته، وعلى حكمته في النهاية. و﴿آيَةٌ﴾ من ناحية الإعراب اسم (كان) مؤخر و﴿لِسَبَإٍ﴾ خبرها مقدم. قال المؤلف: (آية دالة على قدرة الله)، وقلت أنا زيادة: وعلى إحسانه وإنعامه، وعلى حكمته في النهاية؛ لأن هذه المساكن -كما سيأتي- دَمَرَتْ بسبب إعراضهم. قال: (﴿جَنَّتَانِ﴾ بدل) منين؟ بدل من ﴿آيَةٌ﴾، ويجوز أن تكون عطف بيان؛ لأنها بيَّنت الآية ووضَّحَتْها، والجنة هي البستان الكثير الأشجار؛ سميت بذلك لأنها تُجِنُّ مَنْ فيها أي: تَسْتُرُه، وقد علمنا سابقًا أن هذه المادة وهي الجيم والنون تدور على معنى الاستتار والخفاء. ﴿جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ يقول: (عن يمين واديهم وشماله) وكان هذا الوادي بين جبال، وكان على أطراف هذا الوادي هذه الجنان العظيمة من الأشجار المتنوعة الكثيرة الثمار، وكانوا في أحسن ما يكون من الرغد والهنا والأمن. يقول: ﴿عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ يعني: إذا كانت على يمين الوادي وشماله صار لها أيضًا منظر بديع رهيب جذَّاب، يقول الله عز وجل: (﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ على ما رزقكم من النعمة في أرض سبأ) إلى آخره؛ يعني أن الله سبحانه وتعالى جعل في هذه الجنتين جعل فيها خيرًا كثيرًا، وجعل تناولُها مُيَسَّرًا؛ ولهذا قال: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ مما يدل على أن الأمر صعب ولَّا ميسر؟ ميسر، كما لو قدمت لك طعامًا وقلت: كُلْ، إذن فهذه الجنات تعطي ثمارها بدون مشقة، بل باليسر والسهولة. وقوله: ﴿مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ الرزق بمعنى العطاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء ٨]. وقوله: ﴿مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ الرَّبُّ تقدم لنا أن معناه الخالق المالك المُدَبِّر، والربوبية هنا ربوبية خاصة لعنايته سبحانه وتعالى بهم بما أعطاهم في هذه الجنات. ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ هذا هو الذي يُطالَبون به جزاءً أو إظهارًا لنعمة الله سبحانه وتعالى عليهم، والشكر تقدَّم أنه يتعلق بالقلب واللسان والجوارح؛ يعني: فاعترفوا بأن هذه النعمة من أين؟ من الله، وأَثْنُوا على الله تعالى بها، وقوموا بجوارحكم بطاعته حتى تؤدوا الشكر على الوجه المطلوب منكم. (﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ على ما رزقكم من النعمة في أرض سبأ) ﴿اشْكُرُوا لَهُ﴾ أحيانًا تتعدى (شكر) بنفسها فيقال: شكرت الله، ويقال: شكرت له، فهي من الأفعال التي جاءت في اللغة العربية لازمة ومتعدية، متى تكون لازمة؟ ﴿لَهُ﴾، تكون لازمة إذا جاء حرف الجر ﴿لَهُ﴾، وتكون متعدية إذا لم يأت حرف الجر، فإذا قلت: شكرت الله صارت متعدية، وإذا قلت: شكرت لله صارت لازمة. قال: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ ويش إعراب ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾؟ * الطالب: خبر لمبتدأ محذوف. * الشيخ: ويش التقدير؟ * الطالب: هذه البلدة. * الشيخ: أو هي بلدة، نعم. (﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ ليس فيها سباخ ولا بعوضة ولا ذبابة ولا برغوث ولا عقرب ولا حية، ويمر الغريب فيها وفي ثيابه قمل فيموت لطيب هوائها) هذا (...)! إنما نقول: هي بلدة طيبة، أما كونه غريب يأتي من البر وفي ثيابه القمل فيموت القمل لطيب الهواء، فالله أعلم، لكن نقول: لا شك أن وصف الله إياها بالطيبة أنها من أحسن البلاد في هوائها، وفي قَرِّها وفي حرها، ليس فيها الحر الشديد ولا القَرّ القارص، وليس فيها عفونة الهواء والماء وما أشبه ذلك، فخُذْ بما شئت من طيب المسكن في كل ما يُسَمَّى طيبًا. ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ يعني يقول: واللهُ ربٌّ غفور، غفور لماذا؟ غفور للذنوب، فمنَّ الله عليهم بنعمتين: نعمة السكن وطيبه، ونعمة المغفرة، فيكون في نعمة المغفرة السلامة من الآثام وعقوباتها في الآخرة، وفي البلدة الطيبة السلامة من الآفات في الدنيا. والغفور صيغة مبالغة، واسم الفاعل منها غافر، وهي مأخوذة من الغَفر بمعنى الستر مع الوقاية، ومنه قولهم: المِغْفَر الذي يلبسه الإنسان ليتقي به السهام في الحرب، ففيه تغطية وستر وفيه أيضًا وقاية، وهكذا مغفرة الذنوب فإن معناها أن الله يستر عليك الذنب ويقيك عقوبته. (﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ ﴿فَأَعْرَضُوا﴾ عن شكره وكفروا ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ﴾ ) إلى آخره. الفاء هنا عاطفة يعني أنهم مع هذه النعم -جنات بساتين عظيمة، وبلد طيب، مغفرة للذنوب إذا قاموا بطاعة الله- قال: ﴿فَأَعْرَضُوا﴾ أعرضوا عن أيش؟ يقول: أعرضوا عن شكر الله وكفروا، فأعرضوا عن الشكر، وقابلوا هذه النعمة بالكفر، فماذا كانت عاقبتهم؟ قال: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ الفاء هنا عاطفة وتفيد السببة أيضًا أي: فبسبب إعراضهم أرسلنا عليهم سيل العرم، وهذه سُنَّة الله سبحانه وتعالى في خلقه كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل ١١٢]، هؤلاء أعرضوا فدمَّر الله ديارهم. (﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ جمع عرمة، وهو ما يُمْسِك الماء من بناء وغيره إلى وقت حاجتهم أي: سيل واديهم الممسوك بما ذُكِر، فأغلق جَنَّتَيْهم وأموالهم). ﴿سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ ﴿الْعَرِمِ﴾ بمعنى السد؛ يعني أن هذا السيل منسوب إلى السد، أو بمعنى سيل العرم من باب إضافة الشيء إلى صفته؛ أي: السيل العارم الجارف الذي يُتْلِف كل ما مَرَّ عليه، والمعنى أن الله سبحانه وتعالى أرسل عليهم سيلًا عظيمًا؛ وذلك بفساد السد الذي جعلوه بين هذه الجبال، وكان هذا السد المنيع تجتمع فيه السيول وتمتصها الأرض وتخرج في العيون فلما تصدَّع هذا السد جرت المياه بغير تقدير، وذلك بقدرة الله سبحانه وتعالى فقال: ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ يقول: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ الجنان السابقة أو الجنتان السابقتان كلها ثمار طيب يُؤكَل ويُنتَفع به بالبيع والشراء، وغير ذلك. أما البدل فيقول: (﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ﴾ تثنية ذوات مفرد) كذا عندكم؟ مفرد على الأصح، عندكم تثنية ذوات ولَّا ذات؟ * طلبة: ذوات. * الشيخ: طيب، هو في الأصل (ذات) المفرد، و(ذوات) للجمع، فثُنِّيَ الجمع، وصارت ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ﴾، ويُمْكِن أن يُقال خلاف كلام المؤلف، فيقال: إن الأصل (ذات) لكن لما ثُنِّيَ عادت الواو، فصارت ﴿ذَوَاتَيْ﴾ أي: صاحبتي؛ لأن (ذات) بمعنى صاحبة؛ قال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج ١] أي: صاحبة البروج. ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ قال المؤلف: (مُرٍّ بَشِعٍ بإضافة أُكُل بمعنى: مأكول وتركها، ويعطف عليه ﴿وَأَثْلٍ﴾ ) يعني أن فيها قراءتين: ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلِ خَمْطٍ﴾ هذه الإضافة، وتركها ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾، أما الإضافة واضحة ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلِ خَمْطٍ﴾ يعني: أنها الأُكُل يُخْمَط خمطًا وهو شجر الأراك كما فسَّره بذلك ابن عباس رضي الله عنهما، والأراك هي المساويك هذه، لها أوراق بسيطة جدًّا، وليست بذاك اللذيذة؛ ولهذا يقول المؤلف: (مُرٍّ بَشِع) بدل الفواكه والخُضَر والزروع وغيرها، ويقول: ﴿أُكُلٍ﴾ بمعنى مأكول؛ يعني: ذواتي مأكول يُخْمَطُ خَمْطًا، ﴿وَأَثْلٍ﴾ أثل بدل الأشجار المُثْمِرة البهيجة صار بدلها أثل، والأثل بعضهم قال: هو الطرفة، والصحيح أنه غير الطرفة؛ لأن الطرفة تكون صغيرة ما تكبر، والأثل معروف يقول. * الطالب: الأراك هل هو الأكل ولَّا الخمط؟ * الشيخ: لا، الخمط. * الطالب: والأكل؟ * الشيخ: لا، أكل يعني معناه أنه يُؤْكَل خَمْطًا. قال: ﴿وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ هنا قال: ﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ﴾، وهناك قال: ﴿خَمْطٍ وَأَثْلٍ﴾؛ لأن السدر أحسن هذه الأنواع الثلاثة، ولم يُعْطَوا منه إلا الشيء القليل، ﴿شَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ﴾ وأيضًا قليل، مع أن كلمة ﴿شَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ﴾ تدل على القلة لكنها أُكِّدَت هذه القلة بقوله: ﴿قَلِيلٍ﴾. الخلاصة الآن أن هؤلاء لما أعرضوا ولم يقوموا بشكر الله عز وجل أرسل الله عليهم السيل فأغرق أموالهم وهدَّم بناءهم وأبدلهم بهاتين الجنتين جنتين لا يساويان ولا يُقارِبان ما سبق؛ ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ﴾ ليس بالكثير، ﴿أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ والمؤلف قال: (إنه مُرٌّ بشع)، ﴿وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ بدل تلك الجنات العظيمة المفيدة النافعة. ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾ (﴿ذَلِكَ﴾ التبديل ﴿جَزَيْنَاهُمْ﴾ ) ولو قال: المؤلف ذلك التبديل وإرسال السيل لكان أعمَّ وأشملَ، أو لو قال: ذلك المذكور لكان أشمل، (﴿جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾ بكفرهم ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ )؛ ﴿جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾ قال المؤلف: (بكفرهم) فأفادنا أن (ما) مصدرية وأما الباء فهي للسببية؛ أي: جزيناهم هذا الجزاء بإغراق أموالهم وهدم بنائهم وإبدال الجنتين بهاتين الجنتين. ﴿بِمَا كَفَرُوا﴾ أي: بسبب كفرهم، ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ ﴿وَهَلْ يُجَازَى إِلَّا الْكَفُورُ﴾ (بالياء والنون مع كسر الزاي ونصب الكفور أي: ما يُناقَش إلا هو). في قوله: ﴿هَلْ نُجَازِي﴾ قراءتان ﴿نُجَازِي﴾ وعلى هذه القراءة يجب نصب ﴿الْكَفُورَ﴾، على أنها مفعول به، القراءة الثانية: ﴿يُجَازَى﴾ وعليه تُرْفَع الكفور على أنها نائب فاعل، والاستفهام هنا بمعنى؛ النفي لأنه عُقِّب بـ﴿إِلَّا﴾ فيكون ﴿هَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ أي: ما نجازي إلا كفور، والمجازاة هنا بمعنى المناقشة، أو بمعنى المكافئة على الفعل، و﴿الْكَفُورَ﴾ صيغة مبالغة أي: ذو الكفر بالله سبحانه وتعالى، والله أعلم. * طالب: (...). * الشيخ: عام يشمل هذا وهذا، يعني: ما نجازي بالعقوبات إلا مَنْ كفر بالله سواء كان كفرَ نعمةٍ فيُجازى على قَدْرِ ذنبه أو كفرًا مخرجًا عن الملة، ليس المراد جَنَّتَيْنِ يعني بستانَيْنِ واحد يمين وواحد يسار، المراد بساتين لكن قال العلماء: لما كانت هذه البساتين متصلة صارت كأنها بستان واحد، ولَّا معلوم لو كان بستان وبستان ما هي بآية يعني بسيطة هذه، لكنها بساتين متصل بعضها ببعض على يمين الوادي وشمال الوادي، فلما كان متصلًا بعضها ببعض صارت كأنها واحدة، كأنها جنة واحدة عن اليمين وجنة واحدة عن الشمال. ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية: أولًا: أن الموت غاية كل حي وإن عظم ملكُه، فإن سليمان كان من أعظم الملوك ملكًا، ومع ذلك لم ينقذه ملكه من الموت. * ومنها: أن الأمور كلها إلى الله؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾. * ومنها: أن الله سبحانه وتعالى موصوف بالعظمة والجلال والكمال؛ لأن (نَا) هنا ليست للتعدد ولكنها للتعظيم، لأن كلمة (...) تدل إما على التعدد، وإما على التعظيم، والتعدد هنا ممتنع فيتعين أن تكون للتعظيم. * ومنها: أن الشيئ الحقير قد يفعل شيئًا عظيمًا كبيرًا؛ يؤخذ من قوله: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾، وهذا شيء جرت به سنة الله عز وجل أن الشيء قد يكون حقيرًا لكن يترتب عليه أمر عظيم، فنحن الآن لا نعرف كيف نَقْبُر موتانا إلا بدلالة الغراب، أليس كذلك؟ أيضًا جميع المباني الهندسية الفخمة الجميلة عُرِفَت من صنيع النحل، أيضًا كل ما حدث من الآلات التي يُحْدِثها الناس الآن تجدهم يشبهونها بمخلوقات الله عز وجل كالطائرات وغيرها، بهذا نعرف أن الأشياء الحقيرة قد تكون مفيدة للإنسان فائدة عظيمة ويترتب عليها أمور خطيرة. * ومنها: أن إضافة الشيء إلى سببه المعلوم جائزة؛ لقوله: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ فأضاف الدلالة إلى دابة الأرض، مع أن الدابة هل هي أكلت العصا لأجل أن تدل الجن على موت سليمان؟ لا، لكنها سبب، فإضافة الشيء إلى سببه المعلوم شرعًا أو حسًّا جائزة حتى وإن لم يُذْكَر فيها لفظ الجلالة، فمثلًا إذا قلت: لولا فلانٌ لهلكت، وصحيح أن فلانًا هو الذي أنقذك فهذا جائز إذا لم تعتقد أن هذا السبب هو الفاعل الوحيد، والممنوع أن تضيف الشيء إلى سببه مع الله مقرونًا بالواو أو تضيف الشيء إلى سبب غير معلوم سببيته لا من الشرع ولا من الحس؛ لأن هذا يكون من باب الأوهام والتخييلات. * ومن فوائد الآية: الحذر أو التحذير من دابة الأرض ولَّا لا؟ إي نعم، ما دام تأكل الأخشاب وتأكل هذه الأشياء فاحذر منها، وكم من إنسان أفسدت عليه دابة الأرض مكتبته القيِّمَة التي تساوي شيئًا كثيرًا؛ ولهذا انتبهوا، لا تأكل الأرضة عليكم كتبَكم. * ومن فوائد الآية الكريمة: إضافة الفعل أو إضافة الشيء إلى مَنْ لم يقم به باختياره؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾، فالخرور قد يُضاف إلى الفاعل بالاختيار، وقد يضاف إلى الفاعل بغير الاختيار، فتقول: خرَّ الماء، وتقول: خَرَّ ميِّتًا، وقال الله عز وجل: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ [السجدة ١٥]، ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسراء ١٠٩]، هذا بالاختيار. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجن لا يعلمون الغيب، والدلالة على ذلك واضحة؛ ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾. * ومنها: أن الأمور الحسية الواقعة أدلة برهانيَّة، وهذه الفائدة معناها الاستدلال بالأمور.. ليس المراد جَنَّتَيْنِ يعني بستانَيْنِ واحد يمين وواحد يسار، المراد بساتين، لكن قال العلماء: لما كانت هذه البساتين متصلة صارت كأنها بستان واحد، ولَّا معلوم لو كان بستان وبستان ما هي بآية، يعني بسيطة هذه، لكنها بساتين متصل بعضها ببعض على يمين الوادي وشمال الوادي، فلما كان متصلًا بعضها ببعض صارت كأنها واحدة، كأنها جنة واحدة عن اليمين وجنة واحدة عن الشمال. * الفوائد: قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية: أولًا: أن الموت غاية كل حي وإن عظم ملكُه، فإن سليمان كان من أعظم الملوك ملكًا، ومع ذلك لم ينقذه ملكه من الموت. * ومنها: أن الأمور كلها إلى الله؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾. * ومنها: أن الله سبحانه وتعالى موصوف بالعظمة والجلال والكمال؛ لأن (نَا) هنا ليست للتعدد ولكنها للتعظيم، لأن كلمة (نا) تدل إمَّا على التعدد، وإما على التعظيم، والتعدد هنا ممتنع فيتعيَّن أن تكون للتعظيم. * ومنها: أن الشيئ الحقير قد يَفْعَل شيئًا عظيمًا كبيرًا؛ يؤخذ من قوله: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾، وهذا شيء جرت به سنة الله عز وجل أن الشيء قد يكون حقيرًا لكن يترتب عليه أمر عظيم، فنحن الآن لا نعرف كيف نَقْبِر موتانا إلا بدلالة الغراب، أليس كذلك؟ أيضًا جميع المباني الهندسية الفخمة الجميلة عُرِفَت من صنيع النحل، أيضًا كل ما حدث من الآلات التي يُحْدِثها الناس الآن تجدهم يشبهونها بمخلوقات الله عز وجل كالطائرات وغيرها، بهذا نعرف أن الأشياء الحقيرة قد تكون مفيدة للإنسان فائدة عظيمة ويترتب عليها أمور خطيرة. * ومنها: أن إضافة الشيء إلى سببه المعلوم جائزة؛ لقوله: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ فأضاف الدلالة إلى دابة الأرض، مع أن الدابة هل هي أكلت العصا لأجل أن تدل الجن على موت سليمان؟ لا، لكنها سبب، فإضافة الشيء إلى سببه المعلوم شرعًا أو حسًّا جائزة حتى وإن لم يُذْكَر فيها لفظ الجلالة، فمثلًا إذا قلت: لولا فلانٌ لهلكت، وصحيح أن فلانًا هو الذي أنقذك، فهذا جائز إذا لم تعتقد أن هذا السبب هو الفاعل الوحيد، والممنوع أن تضيف الشيء إلى سببه مع الله مقرونًا بالواو أو تضيف الشيء إلى سبب غير معلوم سببيته لا من الشرع ولا من الحس؛ لأن هذا يكون من باب الأوهام والتخييلات. * ومن فوائد الآية: الحذر أو التحذير من دابة الأرض ولَّا لا؟ إي نعم، ما دام تأكل الأخشاب وتأكل هذه الأشياء فاحذر منها، وكم من إنسان أفسدت عليه دابة الأرض مكتبته القيِّمَة التي تساوي شيئًا كثيرًا؛ ولهذا انتبهوا، لا تأكل الأرضة عليكم كتبَكم. * ومن فوائد الآية الكريمة: إضافة الفعل أو إضافة الشيء إلى مَنْ لم يقم به باختياره؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾، فالخرور قد يُضاف إلى الفاعل بالاختيار، وقد يضاف إلى الفاعل بغير الاختيار، فتقول: خرَّ الماء، وتقول: خَرَّ ميِّتًا، وقال الله عز وجل: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ [السجدة ١٥]، ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسراء ١٠٩]، هذا بالاختيار. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجن لا يعلمون الغيب، والدلالة على ذلك واضحة؛ ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾. * ومنها: أن الأمور الحسية الواقعة أدلة برهانيَّة، وهذه الفائدة معناها الاستدلال بالأمور الحسية؛ لأن الله استدل على كونهم لا يعلمون الغيب بأنهم بقوا مُعَذَّبين مما يعملونه من الأعمال الشاقة، فلك أن تستدل على الأمور المعقولة بالأمور المحسوسة، وهذا شيء معروف. * ومن فوائد الآية: أن الجن ذو عقول؛ لقوله: ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ وهو كذلك، لأن الله تعالى أعطاهم عقولًا يهتدون بها إلى مصالح دينهم ودنياهم. * ومنها: تسمية الأعمال الشاقة عذابًا؛ لقوله: ﴿مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ﴾ مع أن سليمان عليه الصلاة والسلام لم يجعلهم يعملون له ما يشاء عقوبة لهم ولكنه تكليف، وبهذا نعرف أن العذاب قد يُطْلَق على ما ليس بعقوبة، كما في قوله ﷺ: «إِنَّ السَّفَرَ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٠٤)، ومسلم (١٩٢٧/١٧٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ إلى آخره فيها دليل على استعمال التأكيد في الأمور الهامة، وإن لم يكن المخاطب مُنْكِرًا أو مترددًا، تؤخذ من تأكيد هذه القصة في قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾؛ لأن التأكيد -كما نعلم- إنما يجب في مخاطبة المنكر، ويحسُن في مخاطبة المتردد، ويكون على خلاف البلاغة فيما عدا ذلك، هذا هو المعروف عند علماء البلاغة، ولكن بتأمل ما ورد في القرآن الكريم نجد أن الأمور الهامة -وإن خوطب بها من لا ينكرها أو يتردد فيها- نجد أن الله تعالى يؤكدها كما في هذه القصة وغيرها. * ومن فوائد الآية الكريمة: هذه الآية العظيمة الدالة على قدرة الله وحكمته، وهي قصتهم على سبيل العموم أنهم مُنَعَّمُون في ديارهم وبساتينهم وقصورهم وغير ذلك، فلما أعرضوا انقلبت الحال، ففيها عبرة، فيها آية من وجوه كثيرة آية دالة على قدرة الله، آية يعني: عبرة لمن عصى الله عز وجل، عبرة لمن أطاع الله، أية دالة على حكمة الله، فبالتأمل لهذه الآية تجد فيها أصنافًا وأنواعًا من الآيات، طيب الآن شرحنا هذه الآيات قلنا: آية دالة على قدرة الله؛ حيث خلق لهم هذه البساتين العظيمة ثم أبدلها بأخرى لا تساويها بشيء، دالة على أيش؟ على حكمته عز وجل؛ حيث أعطاهم ذلك الخير حين كانوا مُقْبِلين على الله، وسلَبَهُم إياه حين أعرضوا واستكبروا عن طاعته، آية للمعتبرين من أهل المعاصي؛ فإن فيها تحذيرًا لهم من أن تزول نعمة الله عليهم بسبب معاصيهم، آية للطائعين حيث يعتبرون بها بأنهم ما داموا على طاعة الله فإن نعمة الله تدور عليهم، هذه أربعة أوجه من كونها آية. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه الجنات تُؤْتِي أُكُلَها على وجه واسع؛ لقوله: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾. * ومن فوائدها: وجوب الشكر لله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾، والشكر واجب عقلًا كما هو واجب شرعًا؛ أما وجوبه الشرعي فالآيات في الأمر به كثيرة، وأما وجوبه العقلي فلأن العقل الصريح يقتضي أن كل من أحسن إليك فإنك تشكره على ذلك، ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله، يعني: كل أحد يرى أنه من الخطأ أن يسدي إليك إنسان ما يسدى من الخير، ثم تَتَنكر له ولا تقوم بشكره كل يعرف أن هذا خطأ، وأن الواجب أن تشكر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن بلاد الله تنقسم إلى طيب وخبيث؛ لقوله: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾، وما نوع الطيب في هذه البلدة؟ هل هو طيب الأرض، أو طيب الهوى، أو طيب الثمار؟ الجواب: يَعُمُّ كل ذلك؛ قال الله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف ٥٨]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات ربوبية الله عز وجل ومغفرته؛ في قوله: ﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾. ثم قال الله عز وجل ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ [سبأ ١٦] إلى آخره. * من فوائد الآية الكريمة: بيان حال هؤلاء القوم أنهم بدَّلوا نعمة الله كفرًا، وكان الله عليهم أن أنعم الله عليهم بهذه النعم أن يشكروه ويقوموا بطاعة الله، لكنهم أعرضوا. * ومن فوائدها: عقوبة المعرضين بما تقتضيه حكمة الله، وقد قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت ٤٠]، فالعقوبات دائمًا تكون من جنس العمل، فهؤلاء لما بطروا نعمة الله وكفروا به بسبب هذه الجنات أُبْدِلُوا بجنات سيئة بالنسبة لما نُعِّمُوا به من قبل. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: إثبات الأسباب، من أين تؤخذ؟ ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا﴾، فجعل الله تعالى سبب الإرسال إعراضهم. * ومن فوائدها: أن المعاصي سبب لزوال النعم؛ لقوله: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا﴾، بينما كانوا مُنَعَّمين، لما أعرضوا أرسل الله عليهم هذا السيل المدمر، وهذا له شواهد في القرآن كثيرة؛ منها قوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل ١١٢]، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف ٩٦ - ٩٩]. * ومن فوائدها: أن المطر الذي هو نعمة ورحمة قد يكون نِقْمَة وعذابًا؛ لقوله هنا: ﴿سَيْلَ الْعَرِمِ﴾، فإن السيل في الأصل -الذي هو إجتماع المطر حتى يتدفق- الأصل أنه خير، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ﴾ [السجدة ٢٧] وهذا خير ولَّا لا؟ خير، ولكن أحيانًا يكون عذابًا. * ومن فوائدها: بيان ضلال أولئك القوم الذين إذا أصابتهم مثل هذه المصائب من الفيضانات وما أشبهها لم يتأثروا لذلك، ويقولون: هذا مقتضى الطبيعة، فإن هذه الفيضانات التي تُدَمِّر إنما هي عقوبة من الله عز وجل عقوبة ليبتلي بها أولئك المعذبين ويرتدع بها من كان على شاكلتهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل بإرسال هذه السيول الجارفة التي أغرقت ثمارهم وزروعهم ونبت بعد هذه الثمار والزروع نبت ﴿خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ﴾، ما هو سدر، شيء من سدر قليل، فبدل تلك الجنات العظيمة صار هذا حل محلها. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحكمة في أن الله عز وجل جعل بدل الجنتين جنتين أُخْرَيَيْنِ؛ لأن الطاعة نور وصلاح وفلاح فيناسبها الجزاء بالعطاء، والمعصية ظلمة وفساد فناسبها أن يكون فيها هذا البَدَل السيئ بالنسبة لما قبله. ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ ١٧] ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾ في هذا دليل على أن الله عز وجل لا يُجازِي أحدًا بعقوبة إلا بفعله؛ لقوله: ﴿بِمَا كَفَرُوا﴾. * وفيها أيضًا: إثبات الأسباب؛ لأن الباء هنا للسببية. * وفيها: الفرق بين (يجزي) و(يجازي)؛ فهنا قال: ﴿هَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾، لكن (نجزي) في الثواب، و(نجازي) في العقاب، هكذا قال بعض العلماء فتقول للكافر: جازاك الله، وتقول للمسلم: جزاك الله، ففي الخير نقول: جزى، وفي الشر نقول: جازى؛ ووجه ذلك أن الخير عطاء محض، وأما العقوبة فهي مجازاة ومكافأة؛ ولهذا نقول: جازاه، يصاغ الفعل على صيغة المفاعلة، والمفاعلة تكون في الأصل من طرفين.

سبأ 34:14

ثم قال الله عز وجل: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾ إلى آخره، ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ﴾ لمَنْ؟ لسليمان، وهذا كالتفصيل لقوله: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ كأنه قيل: ماذا يعملون؟ ففصَّل، وقال: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾، ﴿مِنْ﴾ بيانية مبينة للإبهام في الاسم الموصول وهو قوله: ﴿مَا يَشَاءُ﴾، لأن ﴿مَا﴾ اسم موصول، ونحن نعلم جميعًا أن الاسم الموصول من الأسماء المبهمة، فقوله: ﴿مِنْ مَحَارِيبَ﴾ بيان لـ﴿مَا﴾. ﴿مِنْ مَحَارِيبَ﴾ يقول المؤلف: (أبنية مرتفعة يُصْعَد إليها بدرج) هذه المحاريب، فالمحاريب عبارة عن أبنية مرتفعة ذاتِ أسوار مَنِيعة، قال الله تعالى في داود: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص ٢١]، هذا واحد. (﴿وَتَمَاثِيلَ﴾ جمع تمثال وهو كل شيء مَثَّلْتَه بشيء أو صور من نحاس وزجاج ورخام، ولم يكن اتخاذ الصور حرامًا في شريعته) التماثيل جمع تمثال، وهو ما صُوِّر عل مثال شيء آخر، فكل ما صُوِّرَ على مثال شيء آخر فإنه يقال: تمثال له، وعلى هذا فيمكن أن نقول: لمن صَوَّر صورة شجرة، ونَحَتَها من جسم، نقول له: إن هذا تمثال للشجرة، وكذلك نقول لمن نحت خشبًا أو حجرًا على صورة حيوان نقول: إن هذا تمثال. والمؤلف جزم بأن المراد بالتماثيل (ما كان تمثالًا لحيوان)؛ ولهذا قال: (كل شيء مثلته بشيء -هذا أصل التمثال- أي صور نحاس وزجاج ورخام) النحاس معروف، والزجاج أيضًا معروف، والرخام كذلك. يقول: (ولم يكن اتخاذ الصور حرامًا في شريعته) وهذا مبني على أن المراد بالتماثيل تماثيل ما يحرُم تصويره كالحيوان من إنسان وغيره، ولكن نقول: إن هذا لا يلزم؛ أي: لا يلزم أن يكون المراد بالتماثيل هي صور الحيوان؛ فمن الجائز أن ينحتوا له مما ذكر من النحاس والزجاج والرخام أن ينحتوا له أشياء على صور شجر، ويقال: إن هذا تمثال، فيه الآن مُجَسَّمات يجعلوها على صورة نخلة، على صورة سيف، على صورة قصر، وما أشبه ذلك، نقول: هذا تمثال ولَّا لا؟ تمثال، وفيه أيضًا مجسمات على صورة حيوان؛ أسد، أو جمل، أو بقر، أو ما أشبه ذلك، هذا أيضًا تمثال. فنحن الآن نقول: إن كان قوله: ﴿مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ﴾ إنه عام لتمثال الحيوان والأشجار وغيرها فنحتاج حينئذ أن نجيب بما أجاب به المؤلف، وهو أن الصور في شريعته ليست حرامًا، ولكن ما دام الأمر غير لازم؛ إذ من الممكن أن تكون التماثيل التي يأمرهم بها تماثيل أشياء يجوز تصويرها فلا حاجة إلى هذا الجواب. (﴿وَجِفَانٍ﴾ جمع جفنة ﴿كَالْجَوَابِ﴾ جمع جابية وهي حوض كبير)، ﴿جِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾ الجفان ما هي؟ الصَّحْفَة التي يوضع فيها الطعام، ﴿كَالْجَوَابِ﴾ جمع جابية، والجابية هي الحوض الكبير، ومنه البِرْكَة تسمى جابية حتى الآن يسمون البِرَك يسمونها جوابي، هذه الجفان على ما تقتضيه الآية الكريمة جفان كبيرة واسعة. يقول المؤلف يبين لنا سعتها: (يجتمع على الجفنة ألف رجل يأكلون منها)، وهذا قد يكون واقعًا، وقد يكون الأمر أكبر من هذا، وقد يكون دون هذا، المهم أن هذه الجفان لعظمها وسعتها وكِبَرِها مثل أيش؟ مثل الجوابي، وهي الأحواض الكبيرة يعني البرك. (﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ ثابتات لها قوائم لا تتحرك عن أماكنها تُتَّخَذ من الجبال باليمن يصعد إليها بالسلالم) ﴿قُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ قال العلماء: الراسي الثابت، والقدور جمع قِدر وهو ما يطبخ فيه الطعام، وإنما كانت راسية لكبرها، كبيرة راسية في الأرض، فهي لكبرها لا يستطيع أحد أن يتناولها ويقُلِّبها، والعادة أن القدور راسية ولَّا منقولة؟ منقولة مقلبة، لكن هذه لكبرها وسعتها (...) راسية ما تتحرك. وقول المؤلف: (لها قوائم) ما المراد بالقوائم؟ المناصب التي تُنْصَب عليها، أرجل يعني، يقول رحمه الله: (تُتَّخذ من الجبال باليمن) هذا ليس بلازم أنها متخذة من الجبال، وإن كانت القدور قد تُتَّخذ من النحاس والحديد، وكذلك من الأحجار يمكن تُنْحَت وتكون قِدْرًا، ويمكن أن تُجْعَل طينًا ويتخذ منها الفخار، ولكن ليس بلازم، يعني تتخذ من الحديد والنحاس ومن الأحجار ومن غير ذلك. (وقلنا: ﴿اعْمَلُوا﴾ يا﴿آلَ دَاوُودَ﴾ بطاعة الله ﴿شُكْرًا﴾ له على ما آتاكم) أفادنا المؤلف رحمه الله أن ﴿اعْمَلُوا﴾ جملة في محل نَصْبٍ لقول محذوف التقدير: قلنا: اعملوا آل داود، وأما ﴿آلَ دَاوُودَ﴾ فهي منصوبة بياء النداء المحذوفة أي: يا آل داود، وآل داود هنا ذريته وقرابته؛ لأن الله تعالى أنعم على هذه القبيلة -قبيلة داود- بنعم عظيمة أنعم على أبيهم وعلى ابنه سليمان. وقوله: ﴿شُكْرًا﴾ أفادنا بتقدير الشكر لله على أن ﴿شُكْرًا﴾ مفعول من أجله، وأن مفعول ﴿اعْمَلُوا﴾ محذوف تقديره بطاعة الله، يعني: اعملوا بطاعة لأجل أيش؟ الشكر لله، ويحتمل أن تكون ﴿شُكْرًا﴾ مفعولًا به لـ﴿اعْمَلُوا﴾ يعني: اعملوا الشكر، والشكر هو الطاعة، ولكن هذا الوجه نَسْلَم فيه من التقدير، أما على الوجه الأول فإنه لا بد أن نُقَدِّر مفعول ﴿اعْمَلُوا﴾، الشكر عرفه العلماء بأنه: القيام بطاعة المنعم في القلب واللسان والجوارح، أما في القلب فأن تعتقد أن ما بك من نعمة فهي من الله، وأما في اللسان فأن تثني على الله بالنعمة؛ لا تذكر النعمة افتخارًا بها على الناس، وأما الجوراح فأن تقوم بطاعة الله سبحانه وتعالى فيما يختص بتلك النعمة أو بطاعته على سبيل العموم، والفرق بين هذا وهذا إذا قلنا: أن تقوم بطاعة الله فيما يختص بهذه النعمة، فإذا أنعم الله عليك بمال فشُكْرُه الزكاة والإنفاق وما أشبه ذلك، فإذا عصيت الله في غير ذلك لا يقال: إنك لن تقوم بشكر المال، أما إذا قلنا: إن الشكر أن تقوم بطاعة الله فيما يختص بهذه النعمة وفي غيرها، فإن الإنسان إذا أُنْعِم عليه بالمال وقام بحقه على الوجه الكامل، ولكنه يعصي الله سبحانه وتعالى في أمور أخرى يقال: إن هذا ليس بشاكر، ولكن قد نقول: إن الشكر نوعان: شكر مطلق وهو الذي يقوم بطاعة المُنْعِم فيما أنعم به عليه فيه وفي غيره. وشكر خاص مقيد بهذه النعمة المعينة، فيكون هذا الشاكر إذا قام بما يجب عليه في هذه النعمة المعينة شاكرًا، لكنه لا يُعْطَى وصف الشكور، ونظير ذلك ما سبق لنا في التوبة؛ أن التوبة تصح من الذنب مع الإصرار على غيره، لكن لا يستحق التائب وصف التوبة الملطلقة. قال الله تعالى: (﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ العامل بطاعتي شكرًا لنعمتي) ﴿قَلِيلٌ﴾ خبر مقدم، والشكور مبتدأ مؤخر؛ لأن المقصود الإخبار عن الشكور بأنه قليل، يكون تقدير الآية (...)، والشكور من عبادي قليل، وقوله: ﴿مِنْ عِبَادِيَ﴾ هو متعلق بما بعده، فلمَّا قُدِّم عليه صار في موضع نصب على الحال؛ يعني الشكور حال كونه من عبادي قليل، وتعليل ذلك أن أكثر بني آدم أيش؟ غير شكور، بل هم ضالون، فبنو آدم يكون منهم تسع مئة وتسعة وتسعون في النار وواحد في الجنة، ولا شك أن واحدًا إذا نُسِبَ إلى المئة يكون قليلًا. وقوله: ﴿مِنْ عِبَادِيَ﴾ المراد بالعبودية هنا العامة أو الخاصة؟ العامة الشاملة للكافرين وللمؤمنين. (﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ﴾ أي على سليمان ﴿الْمَوْتَ﴾ أي مات) إلى آخره. ﴿قَضَيْنَا﴾ أي: قدَّرْنا عليه الموت فمات، والقضاء هنا قضاء قدري، وقضاء الله سبحانه وتعالى نوعان: قدري، وشرعي، فهنا ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ﴾ القضاء قدري، ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء ٤] هذا أيضًا قضاء قدري؛ أي: قدرنا عليهم ذلك. والثاني قضاء شرعي، وهذا إذا تعلَّق بما أمر الله به فإنه قضاء شرعي، كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء ٢٣] فالقضاء هنا قضاء شرعي، إذ لو كان قضاءً قدريًّا لوقع، ولعَبَدَ الناسُ اللهَ كلهم بدون إشراك، هنا القضاء قدري. ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ﴾ أي: قدرناه عليه فمات، قال: (ومكثَ قائمًا على عصاه حولًا ميتًا، والجن تعمل تلك الأعمال الشاقة على عادتها لا تشعر بموته حتى أكلت الأرضة عصاه فخرَّ ميتًا) نعم، كل هذا الذي ذكره المؤلف واضح من الآية، لما قضى الله عليه الموت بَقِيَ مدة لا تَعْلَم الجن أنه مات، وهم يعملون ولَّا لا؟ يعملون، تاعبين؛ لأنه قد كلَّفَهم بذلك، فمات وبقيَ متكئًا على عصاه. أولًا: المؤلف رحمه الله يقول: (بقيَ حولًا) تَقْييد هذا البقاء بالحول ليس عليه دليل، لكن لا شك أنه بَقِي مدة وهم يعملون بين يديه، ولا يَدْرُون أنه ميت، أما نُقَيِّدَه بحول أو بأقل أو بأكثر هذا يحتاج إلى دليل. وقولنا: إنه متكئ على عصاه فيه دليل من الآية؛ لأنه قال: ﴿فَلَمَّا خَرَّ﴾ وهذا لا يمكن إلا وهو متكئ. يقول: (﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ مصدر أُرِضَت الخشبة بالبناء للمفعول: أكلتها الأَرْضَة) كلمة (الأرض) هل المراد بها الجنس أي: الدابة التي تكون في الأرض أو المراد بها المصدر؟ المؤلف يرى أن المراد بها المصدر مأخوذ من قوله: أرضت الخشبة؛ يعني: أكلتها الأرضة؛ يعني: ما دلهم على موته إلا الدابة التي (...) الخشب (...)، فعليه يكون كلمة (أرض) مصدر أيش؟ أرض يأرض أَرْضًا، مثل ضَرَبَ يَضْرِب ضربًا، هذا تقرير كلام المؤلف رحمه الله، وما قرره رحمه الله بعيد من مفهوم الآية؛ لأنك عندما تفهم إلا دابة الأرض ما تفهم الذي قرره المؤلف أبدًا، بل الذي يتبادر إلى الذهن أن المراد بالأرض الجنس؛ يعني إلا الدابة التي تخرج من الأرض. ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ فيها إشكال هذه زيادة؛ وهي أن (من) حرف جر، وهنا ﴿مِنْسَأَتَهُ﴾ منصوبة، كيف يكون هذا؟* طالب: اسم لا ينصرف. * الشيخ: اسم لا ينصرف، الاسم الذي لا ينصرف إذا أضيف انصرف وهنا ﴿مِنْسَأَتَهُ﴾ مضافة إلى الهاء. * طالب: اسم (...). * الشيخ: كيف اسم؟! منين اسم. * الطالب: (...). * الشيخ: هذه كلمة واحدة يعني، صح، هل كتبت (مِنْ) وحدها؟! عندك في المصحف. * الطالب: لا. * الشيخ: طيب. * الطالب: التصوير قيل الصور ليست محرمة (...)؟ * الشيخ: ما يلزم كونهم صوَّروا تماثيلهم وعَبَدوها ما يلزم أنها تكون محرمة. * الطالب: (...) صوَّر تماثيلهم (...). * الشيخ: صحيح هذا، لكن قد يكون مباحة لكن هم توصلوا بها إلى محرم، يعني: من أسباب الشرك لا شك، على كل حال إحنا نقول في كلام المؤلف كلمة (تماثيل) ما دام إنها معنى التمثال كل شيء صورته على غيره، فلا يلزم أن تكون صُوَر حيوان،يمكن صور أشجار، وقصور وما أشبه ذلك. * الطالب: (...). * الشيخ: على كلام المؤلف يعني؟ جوابًا على سؤال مُقَدَّر، كيف يُصَوِّرون الحيوان مثلًا أو الإنسان؟ أجاب بأن الصورة في عهده ليست محرمة. * الطالب: المحاريب (...)؟ * الشيخ: لا محراب المسجد يسمى طاقًا. * طالب: داود حينما مات كان (...) وهو متكئ على عصاه؟ * الشيخ: أو سليمان قصدك. * الطالب: إي، سليمان (...). * الشيخ: لا أبدًا، هو متكئ على عصاه هكذا ومات وبقي هكذا. * الطالب: (...). * الشيخ: ما (...) إلا بعد مدة. * طالب: الأنبياء لا تأكلهم الأرض؟ * الشيخ: نعم صح. * الطالب: (...) الصالحون؟ * الشيخ: لا، الصالحون ما نجزم أنها لا تأكلهم لكن لكن قد يُعْثَر على بعضهم لم تأكله الأرض، وأما الجزم للأنبياء فقط. * فوائد الآية التي مرت علينا: قال الله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾ * في هذه الآية فوائد منها: أن الله سبحانه وتعالى سخَّر الجن لسليمان يعملون له ما يشاء، وهذا لا يتأتى لأحد من البشر، نعم ربما تعمل الجن لبعض البشر أشياء لكن لا تكون قائمة بما شاء. * ومن فوائدها: جواز البناء العالي؛ لقوله: ﴿مِنْ مَحَارِيبَ﴾. * ومن فوائدها: جواز التماثيل، وهل يشمل التماثيل للحيوانات والأشجار والبحار والأنهار؟ نعم على كلام المؤلف يشمل؛ لأنه قال: (هذا كان قبل تحريم الصور)، وعلى الاحتمال الثاني: لا يشمل؛ لأن التماثيل تُطلَق على كل ما كان مثالًا على غيره ولا يلزم أن تكون على صورة الحيوان، فعلى رأي المؤلف يكون الحكم منسوخًا لشريعة النبي ﷺ * فيستفاد منها فائدة وهي: جواز النسخ في الأحكام الشرعية، وعلى الاحتمال الثاني: لا يكون دالًّا على جواز تماثيل الحيوانات. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان كثرة جنود سليمان وكرمه؛ لأن الجفان كالجوابي والقدور راسيات. * ومن فوائدها: وجوب القيام بشكر الله عز وجل؛ لقوله: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾، والأمر في الأصل للوجوب. * ومن فوائدها: أن الشاكر على النعمة قليل؛ لقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾، والمراد بهذه الجملة الحث على الشكر. * ومن فوائدها: إثبات العبودية العامة الشاملة؛ لقوله: ﴿مِنْ عِبَادِيَ﴾ فإن المراد بها العبودية العامة الشاملة. * ومن فوائدها: أن داود عليه الصلاة والسلام أبٌ لفخذٍ كامل من بني إسرائيل؛ لقوله: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ﴾ كما يقال: بنو تميم، بنو زُهْرة، وما أشبه ذلك. ثم قال: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ ما كملناها أظن نعم نخليها إن شاء الله في المستقبل. قال الله تعالى: ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ بالهمز وتركه بألف؛ يعني فيها قراءتان ﴿مِنْسَأَتَهُ﴾، القراءة الثانية: اجعل الهمزة ألفًا أي: ﴿مِنْسَاتَهُ﴾ ، ولهذا قال: (بالهمز وتركه)، ولكن إذا تركناه يكون (بألف؛ لأنها يُنْسَأ: يُطْرَد ويزجر بها). * الطالب: (...). * الشيخ: لا، عندنا: (يزجر). إي نعم، كأن المؤلف رحمه الله يريد أن يُبَيِّن اشتقاق هذه الكلمة، وأنها من النسأ أي الطرد والزجر؛ فإن الإنسان يزجر بعصاه بحزها على مَنْ يوجه إليه الخطاب، ويطرد بها بالضرب، وهذا يدل على أن الكلمة عربية، ولكن بعض المفسرين يقول: إن الكلمة غير عربية، وأنها من الكلام الذي عُرِّب، وإذا كانت الكلمة من الكلام المعرَّب فإن لا يُشْتَق لها من العربية، كل كلمة لها اشتقاق من العربية فإنها تكون عربية، وعلى كل حال (...) من هذا سهل، المهم أن المنسأة هي العصا يُطْرَد بها الشيء ويزجر بها. (﴿فَلَمَّا خَرَّ﴾ ميِّتًا ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ ) الجملة كما تشاهدون جملة شرطية، وأداة الشرط فيها ﴿لَمَّا﴾، وقد مر علينا أن (لما) تأتي لعدة معان: تكون شرطية، وتكون للنفي، وتكون بمعنى (إلا)، والرابع أن تكون ظرفًا بمعنى (حين). هنا استُعملت شرطية بدليل أنه جاء بعدها شرط وجواب، ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ﴾. نافية كقوله تعالى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص ٨] أي: لم يذوقوا عذاب. وتأتي بمعنى (إلا) كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤] أي: إلا عليها حافظ. وتأتي بمعنى (حين) أي: ظرفًا، مثل أن تقول: أكرمتني لمَّا زرتك، أي: حين زرتك، طيب، إذن تأتي على أربعة أوجه. ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ ﴿تَبَيَّنَتِ﴾ أي: علمت وبان لها وفسرها المؤلف بقوله: (انكشف لهم ﴿أَنْ﴾ مخففة، أي: أنهم ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ﴾ ) ﴿أَنْ﴾ مخففة منين؟ من الثقيلة، وإذا خُفِّفَت الثقيلة وجب حذف اسمها، وكان خبرها جملة، فهنا الخبر ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾. وإعرابها أن تقول: ﴿أَنْ﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن مستتر، وجملة ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ﴾ في محل رفع رفع خبرها (...). وفي قول المؤلف: (أنهم) إشارة إلى ما سبق؛ أن قلنا: إن ضمير الشأن ينبغي أن يكون مناسبًا للمقام؛ فقد يكون مفردًا، وقد يكون جمعًا، وقد يكون للغائب، وقد يكون للمخاطب، خلافًا لما عليه أكثر النحويين حيث يُقَدِّرونه مفردًا للغائب ويقولون: (أنه) أي: الحال. ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا﴾ ﴿لَوْ﴾ شرطية وجوابها ﴿مَا لَبِثُوا﴾، و(لو) تأتي شرطية، وتأتي مصدرية، وتأتي بمعنى (وَدَّ كذا)؛ فتأتي شرطية مثل هذه الآية، ومثل أن تقول: لو زرتني لأكرمتك، وتأتي مصدرية إذا جاءت بعد (وَدَّ) كقوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩] أي: أن تدهنوا، وهذا معنيان فقط. طيب، هنا شرطية فعل الشرط فيها؟ * الطالب: ﴿مَا لَبِثُوا﴾. * الشيخ: لا، فعل الشرط ﴿كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾، وجوابه ﴿مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾. (﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ﴾ ومنه ما غاب عنهم من موت سليمان ﴿مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ العمل الشاق لهم لظنهم حياته خلاف ظنهم علم الغيب) وهذا واضح؛ لأنهم لو كانوا يعلمون الغيب لعلموا أنه مات قبل أن يَخِرَّ بسبب تَأَكُّل عصاه، ولعلهم كانوا يظنون أو يَدَّعون أنهم كانوا يعلمون الغيب، فأراد الله تعالى أن يُبَيِّنَ حالهم لهم ولغيرهم، وأنهم لا يعلمون الغيب، مع أن الغيب الذي حصل هنا ليس غيبًا مطلقًا، ولكنه غيب نِسْبِيٌّ؛ إذ إن مَنْ كان قريبًا جدًّا من سليمان فقد يعرف أنه مات. يقول المؤلف: (ومنه ما غاب عنهم من موت سليمان ﴿مَا لَبِثُوا﴾ أي ما بقوا ﴿فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ الذي أَلْحَق بهم المهانة والذل) وقال المؤلف: (الشاق بظنهم حياته خلاف ظنهم علم الغيب) يعني: كانوا يظنون أنهم يعلمون الغيب، فلما خر ميتًا تبيَّن لهم أنهم لا يعلمون الغيب. قال: (وعُلِمَ كونه سَنَةً بحساب ما أكلته الأَرْضَة من العصا بعد موته يومًا وليلة مثلًا) هذا جواب عما قيل: إنه بقي سنة وهو ميت ولم يُعْلَم به، يعني كأنه قال قائل: ما الذي أعلمكم بأنه سنة؟ قال: علمنا ذلك بالحساب؛ لأننا حسبنا ما أكلته الأرض يومًا وليلة من العصا فَقِسْنَا عليه ما مضى؛ فمثلًا إذا كانت تأكل في اليوم والليلة مثلًا سنتيمتر، عرفنا أنها تأكل في السنة ثلاث مئة وستين سنتيمتر، وعرفنا هذا من طول العصا، ولكن هذا في الحقيقة ليس متعينًا؛ إذ قد تأكل اليوم أكثر مما تأكله بالأمس أو بالعكس، وحتى نقول أيضًا: مَنِ الذي قال أنها أكلت في اليوم والليلة هذا المقدار حتى عُرِفَ به ما مضى؟ يحتاج إلى دليل؛ ولهذا الصواب أن ما سبق أن قلنا بأنه لا حاجة لنا إلى تقدير المدة التي لبثها سليمان، وأن مثل هذه الأمور لا يُرْكَن إليها ولا يُعْتَمد إلا إذا جاءت عن الشارع عن النبي ﷺ أو جاءت في كتاب الله، وأما ما يأتي عن بني إسرائيل في مثل هذه الأمور فإننا نقول: نقف فيه، لا نصدق ولا نكذب. ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ [سبأ ١٥] إلى آخره. الجملة هذه كما تعلمون مؤكدة بثلاثة مُؤَكِّدَات؟ * طالب: قد. * الشيخ: هذه قد. * الطالب: وكان. * الشيخ: لا، كان ما من أدوات التأكيد، مُؤَكَّدة بثلاثة مؤكدات. * الطالب: اللام، و(قد). * الطالب: والقسم المقدر. * الشيخ: والقسم المقدر، نعم، صح؛ لأن هذه على تقدير قسم أي: والله لقد كان لسبأ، و(كان) هنا تدل على مجرد الحدوث أي أنها مسلوبة الدلالة على الزمن؛ فإن هذه الآية باقية حتى الآن، كل من قرأ خبرها (...). (﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾ بالصرف وعدمه: قبيلة سُمِّيَت باسم جَدٍّ لهم من العرب) سبأ اسم رجل يُسَمَّى سَبأً وكان من قحطان، واختلف المؤرخون النسَّابون في قحطان هل هو من العرب العاربة أو من العرب المستعربة؟ والمشهور أنهم من العرب العاربة الذين قبل إبراهيم، لكن روى البخاري «أن النبي ﷺ مَرَّ على قبيلتين من الأنصار كانوا يَتَرامَوْن بالنَّبْل فقال لهم النبي ﷺ: «ارْمُوا بَنِي إسْمَاعِيلَ فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا»[[أخرجه البخاري (٢٨٩٩) من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه.]]، وهذا يدل على أنهم عرب مستعربة؛ لأن الأنصار معروف أنهم -الأوس والخزرج- كلهم من قبائل اليمن من قحطان، نزلوا تفرقوا في البلاد بعد الغرق ونزلوا المدينة، وعلى هذا فيكون ظاهر حديث البخاري أن قحطان كلهم من بني إسماعيل. والحاصل أن العلماء في النَّسَب يُقَسِّمون العرب إلى قسمين: ما كان قبل إبراهيم فهم عرب عاربة، وما كان بعده من ذريته فهم عرب مُستعرِبة. المهم أن سبأ اسم لرجل كان له أولاد كثيرون جاء في الحديث أنهم عشرة، بقي منهم ستة في اليمن، وأربعة في الشام، وانتشروا في الأرض وكثروا. وفيها قراءتان يقول المؤلف: (بالصرف وعدمه) ﴿لِسَبَإٍ﴾ هذا الصرف، وعدمه ﴿لِسَبَأَ﴾ . يقول: (﴿فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ باليمن ﴿آيَةٌ﴾ )، المؤلف يقول: ﴿فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ أتى بالقراءة؛ قراءة الجمع، ولم أره ذكَر قراءة الإفراد، وفيها قراءتان سَبْعِيَّتان: قراءة الإفراد: ﴿فِي مَسْكَنِهِمْ﴾، وقراءة الجمع: ﴿فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ ، ولا خلاف بينهما في المعنى؛ لأن (مسكن) مفرد، والمفرد المضاف يَعُمُّ يشمل كل ما يدخل تحت هذا المعنى، ألم تروا إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم ٣٤]؟ فهنا (نعمة) مفرد وقال فيها: ﴿لَا تُحْصُوهَا﴾ إذن هي كثيرة، فـ(مسكن) من حيث المعنى بمعنى مساكن؛ لأنه مفرد مضاف، والمفرد المضاف يَعُمُّ. * طالب: (...). * الشيخ: لا أنا عندي: ﴿مَسَاكِنِهِمْ﴾ عندكم في المصحف. * طلبة: (...). * الشيخ: لا اللي عندي هي اللي عليها خط المؤلف ﴿مَسْكَنِهِمْ﴾. على كل حال ﴿مَسَاكِنِهِمْ﴾ قراءة سبعية، و﴿مَسْكَنِهِمْ﴾ قراءة سبعية أيضًا، والمسكن ما يَسْكُنُه الإنسان فيسكن فيه ويطمئن؛ كالبيوت والحدائق والبساتين وما إلى ذلك. ﴿آيَةٌ﴾ (آية) بمعنى علامة قال الله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس ٤١]، ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ١٩٧]؛ فالآية بمعنى العلامة الدالة على الشيء، هذه الآية دالة على أي شيء؟ دالة على قدرة الله عز وجل، وعلى نعمته، وعلى حكمته في النهاية. و﴿آيَةٌ﴾ من ناحية الإعراب اسم (كان) مؤخر و﴿لِسَبَإٍ﴾ خبرها مقدم. قال المؤلف: (آية دالة على قدرة الله)، وقلت أنا زيادة: وعلى إحسانه وإنعامه، وعلى حكمته في النهاية؛ لأن هذه المساكن -كما سيأتي- دَمَرَتْ بسبب إعراضهم. قال: (﴿جَنَّتَانِ﴾ بدل) منين؟ بدل من ﴿آيَةٌ﴾، ويجوز أن تكون عطف بيان؛ لأنها بيَّنت الآية ووضَّحَتْها، والجنة هي البستان الكثير الأشجار؛ سميت بذلك لأنها تُجِنُّ مَنْ فيها أي: تَسْتُرُه، وقد علمنا سابقًا أن هذه المادة وهي الجيم والنون تدور على معنى الاستتار والخفاء. ﴿جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ يقول: (عن يمين واديهم وشماله) وكان هذا الوادي بين جبال، وكان على أطراف هذا الوادي هذه الجنان العظيمة من الأشجار المتنوعة الكثيرة الثمار، وكانوا في أحسن ما يكون من الرغد والهنا والأمن. يقول: ﴿عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ يعني: إذا كانت على يمين الوادي وشماله صار لها أيضًا منظر بديع رهيب جذَّاب، يقول الله عز وجل: (﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ على ما رزقكم من النعمة في أرض سبأ) إلى آخره؛ يعني أن الله سبحانه وتعالى جعل في هذه الجنتين جعل فيها خيرًا كثيرًا، وجعل تناولُها مُيَسَّرًا؛ ولهذا قال: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ مما يدل على أن الأمر صعب ولَّا ميسر؟ ميسر، كما لو قدمت لك طعامًا وقلت: كُلْ، إذن فهذه الجنات تعطي ثمارها بدون مشقة، بل باليسر والسهولة. وقوله: ﴿مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ الرزق بمعنى العطاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء ٨]. وقوله: ﴿مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ الرَّبُّ تقدم لنا أن معناه الخالق المالك المُدَبِّر، والربوبية هنا ربوبية خاصة لعنايته سبحانه وتعالى بهم بما أعطاهم في هذه الجنات. ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ هذا هو الذي يُطالَبون به جزاءً أو إظهارًا لنعمة الله سبحانه وتعالى عليهم، والشكر تقدَّم أنه يتعلق بالقلب واللسان والجوارح؛ يعني: فاعترفوا بأن هذه النعمة من أين؟ من الله، وأَثْنُوا على الله تعالى بها، وقوموا بجوارحكم بطاعته حتى تؤدوا الشكر على الوجه المطلوب منكم. (﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ على ما رزقكم من النعمة في أرض سبأ) ﴿اشْكُرُوا لَهُ﴾ أحيانًا تتعدى (شكر) بنفسها فيقال: شكرت الله، ويقال: شكرت له، فهي من الأفعال التي جاءت في اللغة العربية لازمة ومتعدية، متى تكون لازمة؟ ﴿لَهُ﴾، تكون لازمة إذا جاء حرف الجر ﴿لَهُ﴾، وتكون متعدية إذا لم يأت حرف الجر، فإذا قلت: شكرت الله صارت متعدية، وإذا قلت: شكرت لله صارت لازمة. قال: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ ويش إعراب ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾؟ * الطالب: خبر لمبتدأ محذوف. * الشيخ: ويش التقدير؟ * الطالب: هذه البلدة. * الشيخ: أو هي بلدة، نعم. (﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ ليس فيها سباخ ولا بعوضة ولا ذبابة ولا برغوث ولا عقرب ولا حية، ويمر الغريب فيها وفي ثيابه قمل فيموت لطيب هوائها) هذا (...)! إنما نقول: هي بلدة طيبة، أما كونه غريب يأتي من البر وفي ثيابه القمل فيموت القمل لطيب الهواء، فالله أعلم، لكن نقول: لا شك أن وصف الله إياها بالطيبة أنها من أحسن البلاد في هوائها، وفي قَرِّها وفي حرها، ليس فيها الحر الشديد ولا القَرّ القارص، وليس فيها عفونة الهواء والماء وما أشبه ذلك، فخُذْ بما شئت من طيب المسكن في كل ما يُسَمَّى طيبًا. ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ يعني يقول: واللهُ ربٌّ غفور، غفور لماذا؟ غفور للذنوب، فمنَّ الله عليهم بنعمتين: نعمة السكن وطيبه، ونعمة المغفرة، فيكون في نعمة المغفرة السلامة من الآثام وعقوباتها في الآخرة، وفي البلدة الطيبة السلامة من الآفات في الدنيا. والغفور صيغة مبالغة، واسم الفاعل منها غافر، وهي مأخوذة من الغَفر بمعنى الستر مع الوقاية، ومنه قولهم: المِغْفَر الذي يلبسه الإنسان ليتقي به السهام في الحرب، ففيه تغطية وستر وفيه أيضًا وقاية، وهكذا مغفرة الذنوب فإن معناها أن الله يستر عليك الذنب ويقيك عقوبته. (﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ ﴿فَأَعْرَضُوا﴾ عن شكره وكفروا ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ﴾ ) إلى آخره. الفاء هنا عاطفة يعني أنهم مع هذه النعم -جنات بساتين عظيمة، وبلد طيب، مغفرة للذنوب إذا قاموا بطاعة الله- قال: ﴿فَأَعْرَضُوا﴾ أعرضوا عن أيش؟ يقول: أعرضوا عن شكر الله وكفروا، فأعرضوا عن الشكر، وقابلوا هذه النعمة بالكفر، فماذا كانت عاقبتهم؟ قال: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ الفاء هنا عاطفة وتفيد السببة أيضًا أي: فبسبب إعراضهم أرسلنا عليهم سيل العرم، وهذه سُنَّة الله سبحانه وتعالى في خلقه كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل ١١٢]، هؤلاء أعرضوا فدمَّر الله ديارهم. (﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ جمع عرمة، وهو ما يُمْسِك الماء من بناء وغيره إلى وقت حاجتهم أي: سيل واديهم الممسوك بما ذُكِر، فأغلق جَنَّتَيْهم وأموالهم). ﴿سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ ﴿الْعَرِمِ﴾ بمعنى السد؛ يعني أن هذا السيل منسوب إلى السد، أو بمعنى سيل العرم من باب إضافة الشيء إلى صفته؛ أي: السيل العارم الجارف الذي يُتْلِف كل ما مَرَّ عليه، والمعنى أن الله سبحانه وتعالى أرسل عليهم سيلًا عظيمًا؛ وذلك بفساد السد الذي جعلوه بين هذه الجبال، وكان هذا السد المنيع تجتمع فيه السيول وتمتصها الأرض وتخرج في العيون فلما تصدَّع هذا السد جرت المياه بغير تقدير، وذلك بقدرة الله سبحانه وتعالى فقال: ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ يقول: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ الجنان السابقة أو الجنتان السابقتان كلها ثمار طيب يُؤكَل ويُنتَفع به بالبيع والشراء، وغير ذلك. أما البدل فيقول: (﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ﴾ تثنية ذوات مفرد) كذا عندكم؟ مفرد على الأصح، عندكم تثنية ذوات ولَّا ذات؟ * طلبة: ذوات. * الشيخ: طيب، هو في الأصل (ذات) المفرد، و(ذوات) للجمع، فثُنِّيَ الجمع، وصارت ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ﴾، ويُمْكِن أن يُقال خلاف كلام المؤلف، فيقال: إن الأصل (ذات) لكن لما ثُنِّيَ عادت الواو، فصارت ﴿ذَوَاتَيْ﴾ أي: صاحبتي؛ لأن (ذات) بمعنى صاحبة؛ قال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج ١] أي: صاحبة البروج. ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ قال المؤلف: (مُرٍّ بَشِعٍ بإضافة أُكُل بمعنى: مأكول وتركها، ويعطف عليه ﴿وَأَثْلٍ﴾ ) يعني أن فيها قراءتين: ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلِ خَمْطٍ﴾ هذه الإضافة، وتركها ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾، أما الإضافة واضحة ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلِ خَمْطٍ﴾ يعني: أنها الأُكُل يُخْمَط خمطًا وهو شجر الأراك كما فسَّره بذلك ابن عباس رضي الله عنهما، والأراك هي المساويك هذه، لها أوراق بسيطة جدًّا، وليست بذاك اللذيذة؛ ولهذا يقول المؤلف: (مُرٍّ بَشِع) بدل الفواكه والخُضَر والزروع وغيرها، ويقول: ﴿أُكُلٍ﴾ بمعنى مأكول؛ يعني: ذواتي مأكول يُخْمَطُ خَمْطًا، ﴿وَأَثْلٍ﴾ أثل بدل الأشجار المُثْمِرة البهيجة صار بدلها أثل، والأثل بعضهم قال: هو الطرفة، والصحيح أنه غير الطرفة؛ لأن الطرفة تكون صغيرة ما تكبر، والأثل معروف يقول. * الطالب: الأراك هل هو الأكل ولَّا الخمط؟ * الشيخ: لا، الخمط. * الطالب: والأكل؟ * الشيخ: لا، أكل يعني معناه أنه يُؤْكَل خَمْطًا. قال: ﴿وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ هنا قال: ﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ﴾، وهناك قال: ﴿خَمْطٍ وَأَثْلٍ﴾؛ لأن السدر أحسن هذه الأنواع الثلاثة، ولم يُعْطَوا منه إلا الشيء القليل، ﴿شَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ﴾ وأيضًا قليل، مع أن كلمة ﴿شَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ﴾ تدل على القلة لكنها أُكِّدَت هذه القلة بقوله: ﴿قَلِيلٍ﴾. الخلاصة الآن أن هؤلاء لما أعرضوا ولم يقوموا بشكر الله عز وجل أرسل الله عليهم السيل فأغرق أموالهم وهدَّم بناءهم وأبدلهم بهاتين الجنتين جنتين لا يساويان ولا يُقارِبان ما سبق؛ ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ﴾ ليس بالكثير، ﴿أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ والمؤلف قال: (إنه مُرٌّ بشع)، ﴿وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ بدل تلك الجنات العظيمة المفيدة النافعة. ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾ (﴿ذَلِكَ﴾ التبديل ﴿جَزَيْنَاهُمْ﴾ ) ولو قال: المؤلف ذلك التبديل وإرسال السيل لكان أعمَّ وأشملَ، أو لو قال: ذلك المذكور لكان أشمل، (﴿جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾ بكفرهم ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ )؛ ﴿جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾ قال المؤلف: (بكفرهم) فأفادنا أن (ما) مصدرية وأما الباء فهي للسببية؛ أي: جزيناهم هذا الجزاء بإغراق أموالهم وهدم بنائهم وإبدال الجنتين بهاتين الجنتين. ﴿بِمَا كَفَرُوا﴾ أي: بسبب كفرهم، ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ ﴿وَهَلْ يُجَازَى إِلَّا الْكَفُورُ﴾ (بالياء والنون مع كسر الزاي ونصب الكفور أي: ما يُناقَش إلا هو). في قوله: ﴿هَلْ نُجَازِي﴾ قراءتان ﴿نُجَازِي﴾ وعلى هذه القراءة يجب نصب ﴿الْكَفُورَ﴾، على أنها مفعول به، القراءة الثانية: ﴿يُجَازَى﴾ وعليه تُرْفَع الكفور على أنها نائب فاعل، والاستفهام هنا بمعنى؛ النفي لأنه عُقِّب بـ﴿إِلَّا﴾ فيكون ﴿هَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ أي: ما نجازي إلا كفور، والمجازاة هنا بمعنى المناقشة، أو بمعنى المكافئة على الفعل، و﴿الْكَفُورَ﴾ صيغة مبالغة أي: ذو الكفر بالله سبحانه وتعالى، والله أعلم. * طالب: (...). * الشيخ: عام يشمل هذا وهذا، يعني: ما نجازي بالعقوبات إلا مَنْ كفر بالله سواء كان كفرَ نعمةٍ فيُجازى على قَدْرِ ذنبه أو كفرًا مخرجًا عن الملة، ليس المراد جَنَّتَيْنِ يعني بستانَيْنِ واحد يمين وواحد يسار، المراد بساتين لكن قال العلماء: لما كانت هذه البساتين متصلة صارت كأنها بستان واحد، ولَّا معلوم لو كان بستان وبستان ما هي بآية يعني بسيطة هذه، لكنها بساتين متصل بعضها ببعض على يمين الوادي وشمال الوادي، فلما كان متصلًا بعضها ببعض صارت كأنها واحدة، كأنها جنة واحدة عن اليمين وجنة واحدة عن الشمال. ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية: أولًا: أن الموت غاية كل حي وإن عظم ملكُه، فإن سليمان كان من أعظم الملوك ملكًا، ومع ذلك لم ينقذه ملكه من الموت. * ومنها: أن الأمور كلها إلى الله؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾. * ومنها: أن الله سبحانه وتعالى موصوف بالعظمة والجلال والكمال؛ لأن (نَا) هنا ليست للتعدد ولكنها للتعظيم، لأن كلمة (...) تدل إما على التعدد، وإما على التعظيم، والتعدد هنا ممتنع فيتعين أن تكون للتعظيم. * ومنها: أن الشيئ الحقير قد يفعل شيئًا عظيمًا كبيرًا؛ يؤخذ من قوله: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾، وهذا شيء جرت به سنة الله عز وجل أن الشيء قد يكون حقيرًا لكن يترتب عليه أمر عظيم، فنحن الآن لا نعرف كيف نَقْبُر موتانا إلا بدلالة الغراب، أليس كذلك؟ أيضًا جميع المباني الهندسية الفخمة الجميلة عُرِفَت من صنيع النحل، أيضًا كل ما حدث من الآلات التي يُحْدِثها الناس الآن تجدهم يشبهونها بمخلوقات الله عز وجل كالطائرات وغيرها، بهذا نعرف أن الأشياء الحقيرة قد تكون مفيدة للإنسان فائدة عظيمة ويترتب عليها أمور خطيرة. * ومنها: أن إضافة الشيء إلى سببه المعلوم جائزة؛ لقوله: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ فأضاف الدلالة إلى دابة الأرض، مع أن الدابة هل هي أكلت العصا لأجل أن تدل الجن على موت سليمان؟ لا، لكنها سبب، فإضافة الشيء إلى سببه المعلوم شرعًا أو حسًّا جائزة حتى وإن لم يُذْكَر فيها لفظ الجلالة، فمثلًا إذا قلت: لولا فلانٌ لهلكت، وصحيح أن فلانًا هو الذي أنقذك فهذا جائز إذا لم تعتقد أن هذا السبب هو الفاعل الوحيد، والممنوع أن تضيف الشيء إلى سببه مع الله مقرونًا بالواو أو تضيف الشيء إلى سبب غير معلوم سببيته لا من الشرع ولا من الحس؛ لأن هذا يكون من باب الأوهام والتخييلات. * ومن فوائد الآية: الحذر أو التحذير من دابة الأرض ولَّا لا؟ إي نعم، ما دام تأكل الأخشاب وتأكل هذه الأشياء فاحذر منها، وكم من إنسان أفسدت عليه دابة الأرض مكتبته القيِّمَة التي تساوي شيئًا كثيرًا؛ ولهذا انتبهوا، لا تأكل الأرضة عليكم كتبَكم. * ومن فوائد الآية الكريمة: إضافة الفعل أو إضافة الشيء إلى مَنْ لم يقم به باختياره؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾، فالخرور قد يُضاف إلى الفاعل بالاختيار، وقد يضاف إلى الفاعل بغير الاختيار، فتقول: خرَّ الماء، وتقول: خَرَّ ميِّتًا، وقال الله عز وجل: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ [السجدة ١٥]، ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسراء ١٠٩]، هذا بالاختيار. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجن لا يعلمون الغيب، والدلالة على ذلك واضحة؛ ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾. * ومنها: أن الأمور الحسية الواقعة أدلة برهانيَّة، وهذه الفائدة معناها الاستدلال بالأمور.. ليس المراد جَنَّتَيْنِ يعني بستانَيْنِ واحد يمين وواحد يسار، المراد بساتين، لكن قال العلماء: لما كانت هذه البساتين متصلة صارت كأنها بستان واحد، ولَّا معلوم لو كان بستان وبستان ما هي بآية، يعني بسيطة هذه، لكنها بساتين متصل بعضها ببعض على يمين الوادي وشمال الوادي، فلما كان متصلًا بعضها ببعض صارت كأنها واحدة، كأنها جنة واحدة عن اليمين وجنة واحدة عن الشمال. * الفوائد: قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية: أولًا: أن الموت غاية كل حي وإن عظم ملكُه، فإن سليمان كان من أعظم الملوك ملكًا، ومع ذلك لم ينقذه ملكه من الموت. * ومنها: أن الأمور كلها إلى الله؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾. * ومنها: أن الله سبحانه وتعالى موصوف بالعظمة والجلال والكمال؛ لأن (نَا) هنا ليست للتعدد ولكنها للتعظيم، لأن كلمة (نا) تدل إمَّا على التعدد، وإما على التعظيم، والتعدد هنا ممتنع فيتعيَّن أن تكون للتعظيم. * ومنها: أن الشيئ الحقير قد يَفْعَل شيئًا عظيمًا كبيرًا؛ يؤخذ من قوله: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾، وهذا شيء جرت به سنة الله عز وجل أن الشيء قد يكون حقيرًا لكن يترتب عليه أمر عظيم، فنحن الآن لا نعرف كيف نَقْبِر موتانا إلا بدلالة الغراب، أليس كذلك؟ أيضًا جميع المباني الهندسية الفخمة الجميلة عُرِفَت من صنيع النحل، أيضًا كل ما حدث من الآلات التي يُحْدِثها الناس الآن تجدهم يشبهونها بمخلوقات الله عز وجل كالطائرات وغيرها، بهذا نعرف أن الأشياء الحقيرة قد تكون مفيدة للإنسان فائدة عظيمة ويترتب عليها أمور خطيرة. * ومنها: أن إضافة الشيء إلى سببه المعلوم جائزة؛ لقوله: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ فأضاف الدلالة إلى دابة الأرض، مع أن الدابة هل هي أكلت العصا لأجل أن تدل الجن على موت سليمان؟ لا، لكنها سبب، فإضافة الشيء إلى سببه المعلوم شرعًا أو حسًّا جائزة حتى وإن لم يُذْكَر فيها لفظ الجلالة، فمثلًا إذا قلت: لولا فلانٌ لهلكت، وصحيح أن فلانًا هو الذي أنقذك، فهذا جائز إذا لم تعتقد أن هذا السبب هو الفاعل الوحيد، والممنوع أن تضيف الشيء إلى سببه مع الله مقرونًا بالواو أو تضيف الشيء إلى سبب غير معلوم سببيته لا من الشرع ولا من الحس؛ لأن هذا يكون من باب الأوهام والتخييلات. * ومن فوائد الآية: الحذر أو التحذير من دابة الأرض ولَّا لا؟ إي نعم، ما دام تأكل الأخشاب وتأكل هذه الأشياء فاحذر منها، وكم من إنسان أفسدت عليه دابة الأرض مكتبته القيِّمَة التي تساوي شيئًا كثيرًا؛ ولهذا انتبهوا، لا تأكل الأرضة عليكم كتبَكم. * ومن فوائد الآية الكريمة: إضافة الفعل أو إضافة الشيء إلى مَنْ لم يقم به باختياره؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾، فالخرور قد يُضاف إلى الفاعل بالاختيار، وقد يضاف إلى الفاعل بغير الاختيار، فتقول: خرَّ الماء، وتقول: خَرَّ ميِّتًا، وقال الله عز وجل: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ [السجدة ١٥]، ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسراء ١٠٩]، هذا بالاختيار. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجن لا يعلمون الغيب، والدلالة على ذلك واضحة؛ ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾. * ومنها: أن الأمور الحسية الواقعة أدلة برهانيَّة، وهذه الفائدة معناها الاستدلال بالأمور الحسية؛ لأن الله استدل على كونهم لا يعلمون الغيب بأنهم بقوا مُعَذَّبين مما يعملونه من الأعمال الشاقة، فلك أن تستدل على الأمور المعقولة بالأمور المحسوسة، وهذا شيء معروف. * ومن فوائد الآية: أن الجن ذو عقول؛ لقوله: ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ وهو كذلك، لأن الله تعالى أعطاهم عقولًا يهتدون بها إلى مصالح دينهم ودنياهم. * ومنها: تسمية الأعمال الشاقة عذابًا؛ لقوله: ﴿مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ﴾ مع أن سليمان عليه الصلاة والسلام لم يجعلهم يعملون له ما يشاء عقوبة لهم ولكنه تكليف، وبهذا نعرف أن العذاب قد يُطْلَق على ما ليس بعقوبة، كما في قوله ﷺ: «إِنَّ السَّفَرَ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٠٤)، ومسلم (١٩٢٧/١٧٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ إلى آخره فيها دليل على استعمال التأكيد في الأمور الهامة، وإن لم يكن المخاطب مُنْكِرًا أو مترددًا، تؤخذ من تأكيد هذه القصة في قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾؛ لأن التأكيد -كما نعلم- إنما يجب في مخاطبة المنكر، ويحسُن في مخاطبة المتردد، ويكون على خلاف البلاغة فيما عدا ذلك، هذا هو المعروف عند علماء البلاغة، ولكن بتأمل ما ورد في القرآن الكريم نجد أن الأمور الهامة -وإن خوطب بها من لا ينكرها أو يتردد فيها- نجد أن الله تعالى يؤكدها كما في هذه القصة وغيرها. * ومن فوائد الآية الكريمة: هذه الآية العظيمة الدالة على قدرة الله وحكمته، وهي قصتهم على سبيل العموم أنهم مُنَعَّمُون في ديارهم وبساتينهم وقصورهم وغير ذلك، فلما أعرضوا انقلبت الحال، ففيها عبرة، فيها آية من وجوه كثيرة آية دالة على قدرة الله، آية يعني: عبرة لمن عصى الله عز وجل، عبرة لمن أطاع الله، أية دالة على حكمة الله، فبالتأمل لهذه الآية تجد فيها أصنافًا وأنواعًا من الآيات، طيب الآن شرحنا هذه الآيات قلنا: آية دالة على قدرة الله؛ حيث خلق لهم هذه البساتين العظيمة ثم أبدلها بأخرى لا تساويها بشيء، دالة على أيش؟ على حكمته عز وجل؛ حيث أعطاهم ذلك الخير حين كانوا مُقْبِلين على الله، وسلَبَهُم إياه حين أعرضوا واستكبروا عن طاعته، آية للمعتبرين من أهل المعاصي؛ فإن فيها تحذيرًا لهم من أن تزول نعمة الله عليهم بسبب معاصيهم، آية للطائعين حيث يعتبرون بها بأنهم ما داموا على طاعة الله فإن نعمة الله تدور عليهم، هذه أربعة أوجه من كونها آية. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه الجنات تُؤْتِي أُكُلَها على وجه واسع؛ لقوله: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾. * ومن فوائدها: وجوب الشكر لله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾، والشكر واجب عقلًا كما هو واجب شرعًا؛ أما وجوبه الشرعي فالآيات في الأمر به كثيرة، وأما وجوبه العقلي فلأن العقل الصريح يقتضي أن كل من أحسن إليك فإنك تشكره على ذلك، ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله، يعني: كل أحد يرى أنه من الخطأ أن يسدي إليك إنسان ما يسدى من الخير، ثم تَتَنكر له ولا تقوم بشكره كل يعرف أن هذا خطأ، وأن الواجب أن تشكر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن بلاد الله تنقسم إلى طيب وخبيث؛ لقوله: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾، وما نوع الطيب في هذه البلدة؟ هل هو طيب الأرض، أو طيب الهوى، أو طيب الثمار؟ الجواب: يَعُمُّ كل ذلك؛ قال الله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف ٥٨]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات ربوبية الله عز وجل ومغفرته؛ في قوله: ﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾. ثم قال الله عز وجل ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ [سبأ ١٦] إلى آخره. * من فوائد الآية الكريمة: بيان حال هؤلاء القوم أنهم بدَّلوا نعمة الله كفرًا، وكان الله عليهم أن أنعم الله عليهم بهذه النعم أن يشكروه ويقوموا بطاعة الله، لكنهم أعرضوا. * ومن فوائدها: عقوبة المعرضين بما تقتضيه حكمة الله، وقد قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت ٤٠]، فالعقوبات دائمًا تكون من جنس العمل، فهؤلاء لما بطروا نعمة الله وكفروا به بسبب هذه الجنات أُبْدِلُوا بجنات سيئة بالنسبة لما نُعِّمُوا به من قبل. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: إثبات الأسباب، من أين تؤخذ؟ ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا﴾، فجعل الله تعالى سبب الإرسال إعراضهم. * ومن فوائدها: أن المعاصي سبب لزوال النعم؛ لقوله: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا﴾، بينما كانوا مُنَعَّمين، لما أعرضوا أرسل الله عليهم هذا السيل المدمر، وهذا له شواهد في القرآن كثيرة؛ منها قوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل ١١٢]، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف ٩٦ - ٩٩]. * ومن فوائدها: أن المطر الذي هو نعمة ورحمة قد يكون نِقْمَة وعذابًا؛ لقوله هنا: ﴿سَيْلَ الْعَرِمِ﴾، فإن السيل في الأصل -الذي هو إجتماع المطر حتى يتدفق- الأصل أنه خير، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ﴾ [السجدة ٢٧] وهذا خير ولَّا لا؟ خير، ولكن أحيانًا يكون عذابًا. * ومن فوائدها: بيان ضلال أولئك القوم الذين إذا أصابتهم مثل هذه المصائب من الفيضانات وما أشبهها لم يتأثروا لذلك، ويقولون: هذا مقتضى الطبيعة، فإن هذه الفيضانات التي تُدَمِّر إنما هي عقوبة من الله عز وجل عقوبة ليبتلي بها أولئك المعذبين ويرتدع بها من كان على شاكلتهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل بإرسال هذه السيول الجارفة التي أغرقت ثمارهم وزروعهم ونبت بعد هذه الثمار والزروع نبت ﴿خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ﴾، ما هو سدر، شيء من سدر قليل، فبدل تلك الجنات العظيمة صار هذا حل محلها. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحكمة في أن الله عز وجل جعل بدل الجنتين جنتين أُخْرَيَيْنِ؛ لأن الطاعة نور وصلاح وفلاح فيناسبها الجزاء بالعطاء، والمعصية ظلمة وفساد فناسبها أن يكون فيها هذا البَدَل السيئ بالنسبة لما قبله. ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ ١٧] ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾ في هذا دليل على أن الله عز وجل لا يُجازِي أحدًا بعقوبة إلا بفعله؛ لقوله: ﴿بِمَا كَفَرُوا﴾. * وفيها أيضًا: إثبات الأسباب؛ لأن الباء هنا للسببية. * وفيها: الفرق بين (يجزي) و(يجازي)؛ فهنا قال: ﴿هَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾، لكن (نجزي) في الثواب، و(نجازي) في العقاب، هكذا قال بعض العلماء فتقول للكافر: جازاك الله، وتقول للمسلم: جزاك الله، ففي الخير نقول: جزى، وفي الشر نقول: جازى؛ ووجه ذلك أن الخير عطاء محض، وأما العقوبة فهي مجازاة ومكافأة؛ ولهذا نقول: جازاه، يصاغ الفعل على صيغة المفاعلة، والمفاعلة تكون في الأصل من طرفين.

سبأ 34:15

ثم قال الله عز وجل: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾ إلى آخره، ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ﴾ لمَنْ؟ لسليمان، وهذا كالتفصيل لقوله: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ كأنه قيل: ماذا يعملون؟ ففصَّل، وقال: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾، ﴿مِنْ﴾ بيانية مبينة للإبهام في الاسم الموصول وهو قوله: ﴿مَا يَشَاءُ﴾، لأن ﴿مَا﴾ اسم موصول، ونحن نعلم جميعًا أن الاسم الموصول من الأسماء المبهمة، فقوله: ﴿مِنْ مَحَارِيبَ﴾ بيان لـ﴿مَا﴾. ﴿مِنْ مَحَارِيبَ﴾ يقول المؤلف: (أبنية مرتفعة يُصْعَد إليها بدرج) هذه المحاريب، فالمحاريب عبارة عن أبنية مرتفعة ذاتِ أسوار مَنِيعة، قال الله تعالى في داود: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص ٢١]، هذا واحد. (﴿وَتَمَاثِيلَ﴾ جمع تمثال وهو كل شيء مَثَّلْتَه بشيء أو صور من نحاس وزجاج ورخام، ولم يكن اتخاذ الصور حرامًا في شريعته) التماثيل جمع تمثال، وهو ما صُوِّر عل مثال شيء آخر، فكل ما صُوِّرَ على مثال شيء آخر فإنه يقال: تمثال له، وعلى هذا فيمكن أن نقول: لمن صَوَّر صورة شجرة، ونَحَتَها من جسم، نقول له: إن هذا تمثال للشجرة، وكذلك نقول لمن نحت خشبًا أو حجرًا على صورة حيوان نقول: إن هذا تمثال. والمؤلف جزم بأن المراد بالتماثيل (ما كان تمثالًا لحيوان)؛ ولهذا قال: (كل شيء مثلته بشيء -هذا أصل التمثال- أي صور نحاس وزجاج ورخام) النحاس معروف، والزجاج أيضًا معروف، والرخام كذلك. يقول: (ولم يكن اتخاذ الصور حرامًا في شريعته) وهذا مبني على أن المراد بالتماثيل تماثيل ما يحرُم تصويره كالحيوان من إنسان وغيره، ولكن نقول: إن هذا لا يلزم؛ أي: لا يلزم أن يكون المراد بالتماثيل هي صور الحيوان؛ فمن الجائز أن ينحتوا له مما ذكر من النحاس والزجاج والرخام أن ينحتوا له أشياء على صور شجر، ويقال: إن هذا تمثال، فيه الآن مُجَسَّمات يجعلوها على صورة نخلة، على صورة سيف، على صورة قصر، وما أشبه ذلك، نقول: هذا تمثال ولَّا لا؟ تمثال، وفيه أيضًا مجسمات على صورة حيوان؛ أسد، أو جمل، أو بقر، أو ما أشبه ذلك، هذا أيضًا تمثال. فنحن الآن نقول: إن كان قوله: ﴿مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ﴾ إنه عام لتمثال الحيوان والأشجار وغيرها فنحتاج حينئذ أن نجيب بما أجاب به المؤلف، وهو أن الصور في شريعته ليست حرامًا، ولكن ما دام الأمر غير لازم؛ إذ من الممكن أن تكون التماثيل التي يأمرهم بها تماثيل أشياء يجوز تصويرها فلا حاجة إلى هذا الجواب. (﴿وَجِفَانٍ﴾ جمع جفنة ﴿كَالْجَوَابِ﴾ جمع جابية وهي حوض كبير)، ﴿جِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾ الجفان ما هي؟ الصَّحْفَة التي يوضع فيها الطعام، ﴿كَالْجَوَابِ﴾ جمع جابية، والجابية هي الحوض الكبير، ومنه البِرْكَة تسمى جابية حتى الآن يسمون البِرَك يسمونها جوابي، هذه الجفان على ما تقتضيه الآية الكريمة جفان كبيرة واسعة. يقول المؤلف يبين لنا سعتها: (يجتمع على الجفنة ألف رجل يأكلون منها)، وهذا قد يكون واقعًا، وقد يكون الأمر أكبر من هذا، وقد يكون دون هذا، المهم أن هذه الجفان لعظمها وسعتها وكِبَرِها مثل أيش؟ مثل الجوابي، وهي الأحواض الكبيرة يعني البرك. (﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ ثابتات لها قوائم لا تتحرك عن أماكنها تُتَّخَذ من الجبال باليمن يصعد إليها بالسلالم) ﴿قُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ قال العلماء: الراسي الثابت، والقدور جمع قِدر وهو ما يطبخ فيه الطعام، وإنما كانت راسية لكبرها، كبيرة راسية في الأرض، فهي لكبرها لا يستطيع أحد أن يتناولها ويقُلِّبها، والعادة أن القدور راسية ولَّا منقولة؟ منقولة مقلبة، لكن هذه لكبرها وسعتها (...) راسية ما تتحرك. وقول المؤلف: (لها قوائم) ما المراد بالقوائم؟ المناصب التي تُنْصَب عليها، أرجل يعني، يقول رحمه الله: (تُتَّخذ من الجبال باليمن) هذا ليس بلازم أنها متخذة من الجبال، وإن كانت القدور قد تُتَّخذ من النحاس والحديد، وكذلك من الأحجار يمكن تُنْحَت وتكون قِدْرًا، ويمكن أن تُجْعَل طينًا ويتخذ منها الفخار، ولكن ليس بلازم، يعني تتخذ من الحديد والنحاس ومن الأحجار ومن غير ذلك. (وقلنا: ﴿اعْمَلُوا﴾ يا﴿آلَ دَاوُودَ﴾ بطاعة الله ﴿شُكْرًا﴾ له على ما آتاكم) أفادنا المؤلف رحمه الله أن ﴿اعْمَلُوا﴾ جملة في محل نَصْبٍ لقول محذوف التقدير: قلنا: اعملوا آل داود، وأما ﴿آلَ دَاوُودَ﴾ فهي منصوبة بياء النداء المحذوفة أي: يا آل داود، وآل داود هنا ذريته وقرابته؛ لأن الله تعالى أنعم على هذه القبيلة -قبيلة داود- بنعم عظيمة أنعم على أبيهم وعلى ابنه سليمان. وقوله: ﴿شُكْرًا﴾ أفادنا بتقدير الشكر لله على أن ﴿شُكْرًا﴾ مفعول من أجله، وأن مفعول ﴿اعْمَلُوا﴾ محذوف تقديره بطاعة الله، يعني: اعملوا بطاعة لأجل أيش؟ الشكر لله، ويحتمل أن تكون ﴿شُكْرًا﴾ مفعولًا به لـ﴿اعْمَلُوا﴾ يعني: اعملوا الشكر، والشكر هو الطاعة، ولكن هذا الوجه نَسْلَم فيه من التقدير، أما على الوجه الأول فإنه لا بد أن نُقَدِّر مفعول ﴿اعْمَلُوا﴾، الشكر عرفه العلماء بأنه: القيام بطاعة المنعم في القلب واللسان والجوارح، أما في القلب فأن تعتقد أن ما بك من نعمة فهي من الله، وأما في اللسان فأن تثني على الله بالنعمة؛ لا تذكر النعمة افتخارًا بها على الناس، وأما الجوراح فأن تقوم بطاعة الله سبحانه وتعالى فيما يختص بتلك النعمة أو بطاعته على سبيل العموم، والفرق بين هذا وهذا إذا قلنا: أن تقوم بطاعة الله فيما يختص بهذه النعمة، فإذا أنعم الله عليك بمال فشُكْرُه الزكاة والإنفاق وما أشبه ذلك، فإذا عصيت الله في غير ذلك لا يقال: إنك لن تقوم بشكر المال، أما إذا قلنا: إن الشكر أن تقوم بطاعة الله فيما يختص بهذه النعمة وفي غيرها، فإن الإنسان إذا أُنْعِم عليه بالمال وقام بحقه على الوجه الكامل، ولكنه يعصي الله سبحانه وتعالى في أمور أخرى يقال: إن هذا ليس بشاكر، ولكن قد نقول: إن الشكر نوعان: شكر مطلق وهو الذي يقوم بطاعة المُنْعِم فيما أنعم به عليه فيه وفي غيره. وشكر خاص مقيد بهذه النعمة المعينة، فيكون هذا الشاكر إذا قام بما يجب عليه في هذه النعمة المعينة شاكرًا، لكنه لا يُعْطَى وصف الشكور، ونظير ذلك ما سبق لنا في التوبة؛ أن التوبة تصح من الذنب مع الإصرار على غيره، لكن لا يستحق التائب وصف التوبة الملطلقة. قال الله تعالى: (﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ العامل بطاعتي شكرًا لنعمتي) ﴿قَلِيلٌ﴾ خبر مقدم، والشكور مبتدأ مؤخر؛ لأن المقصود الإخبار عن الشكور بأنه قليل، يكون تقدير الآية (...)، والشكور من عبادي قليل، وقوله: ﴿مِنْ عِبَادِيَ﴾ هو متعلق بما بعده، فلمَّا قُدِّم عليه صار في موضع نصب على الحال؛ يعني الشكور حال كونه من عبادي قليل، وتعليل ذلك أن أكثر بني آدم أيش؟ غير شكور، بل هم ضالون، فبنو آدم يكون منهم تسع مئة وتسعة وتسعون في النار وواحد في الجنة، ولا شك أن واحدًا إذا نُسِبَ إلى المئة يكون قليلًا. وقوله: ﴿مِنْ عِبَادِيَ﴾ المراد بالعبودية هنا العامة أو الخاصة؟ العامة الشاملة للكافرين وللمؤمنين. (﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ﴾ أي على سليمان ﴿الْمَوْتَ﴾ أي مات) إلى آخره. ﴿قَضَيْنَا﴾ أي: قدَّرْنا عليه الموت فمات، والقضاء هنا قضاء قدري، وقضاء الله سبحانه وتعالى نوعان: قدري، وشرعي، فهنا ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ﴾ القضاء قدري، ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء ٤] هذا أيضًا قضاء قدري؛ أي: قدرنا عليهم ذلك. والثاني قضاء شرعي، وهذا إذا تعلَّق بما أمر الله به فإنه قضاء شرعي، كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء ٢٣] فالقضاء هنا قضاء شرعي، إذ لو كان قضاءً قدريًّا لوقع، ولعَبَدَ الناسُ اللهَ كلهم بدون إشراك، هنا القضاء قدري. ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ﴾ أي: قدرناه عليه فمات، قال: (ومكثَ قائمًا على عصاه حولًا ميتًا، والجن تعمل تلك الأعمال الشاقة على عادتها لا تشعر بموته حتى أكلت الأرضة عصاه فخرَّ ميتًا) نعم، كل هذا الذي ذكره المؤلف واضح من الآية، لما قضى الله عليه الموت بَقِيَ مدة لا تَعْلَم الجن أنه مات، وهم يعملون ولَّا لا؟ يعملون، تاعبين؛ لأنه قد كلَّفَهم بذلك، فمات وبقيَ متكئًا على عصاه. أولًا: المؤلف رحمه الله يقول: (بقيَ حولًا) تَقْييد هذا البقاء بالحول ليس عليه دليل، لكن لا شك أنه بَقِي مدة وهم يعملون بين يديه، ولا يَدْرُون أنه ميت، أما نُقَيِّدَه بحول أو بأقل أو بأكثر هذا يحتاج إلى دليل. وقولنا: إنه متكئ على عصاه فيه دليل من الآية؛ لأنه قال: ﴿فَلَمَّا خَرَّ﴾ وهذا لا يمكن إلا وهو متكئ. يقول: (﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ مصدر أُرِضَت الخشبة بالبناء للمفعول: أكلتها الأَرْضَة) كلمة (الأرض) هل المراد بها الجنس أي: الدابة التي تكون في الأرض أو المراد بها المصدر؟ المؤلف يرى أن المراد بها المصدر مأخوذ من قوله: أرضت الخشبة؛ يعني: أكلتها الأرضة؛ يعني: ما دلهم على موته إلا الدابة التي (...) الخشب (...)، فعليه يكون كلمة (أرض) مصدر أيش؟ أرض يأرض أَرْضًا، مثل ضَرَبَ يَضْرِب ضربًا، هذا تقرير كلام المؤلف رحمه الله، وما قرره رحمه الله بعيد من مفهوم الآية؛ لأنك عندما تفهم إلا دابة الأرض ما تفهم الذي قرره المؤلف أبدًا، بل الذي يتبادر إلى الذهن أن المراد بالأرض الجنس؛ يعني إلا الدابة التي تخرج من الأرض. ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ فيها إشكال هذه زيادة؛ وهي أن (من) حرف جر، وهنا ﴿مِنْسَأَتَهُ﴾ منصوبة، كيف يكون هذا؟* طالب: اسم لا ينصرف. * الشيخ: اسم لا ينصرف، الاسم الذي لا ينصرف إذا أضيف انصرف وهنا ﴿مِنْسَأَتَهُ﴾ مضافة إلى الهاء. * طالب: اسم (...). * الشيخ: كيف اسم؟! منين اسم. * الطالب: (...). * الشيخ: هذه كلمة واحدة يعني، صح، هل كتبت (مِنْ) وحدها؟! عندك في المصحف. * الطالب: لا. * الشيخ: طيب. * الطالب: التصوير قيل الصور ليست محرمة (...)؟ * الشيخ: ما يلزم كونهم صوَّروا تماثيلهم وعَبَدوها ما يلزم أنها تكون محرمة. * الطالب: (...) صوَّر تماثيلهم (...). * الشيخ: صحيح هذا، لكن قد يكون مباحة لكن هم توصلوا بها إلى محرم، يعني: من أسباب الشرك لا شك، على كل حال إحنا نقول في كلام المؤلف كلمة (تماثيل) ما دام إنها معنى التمثال كل شيء صورته على غيره، فلا يلزم أن تكون صُوَر حيوان،يمكن صور أشجار، وقصور وما أشبه ذلك. * الطالب: (...). * الشيخ: على كلام المؤلف يعني؟ جوابًا على سؤال مُقَدَّر، كيف يُصَوِّرون الحيوان مثلًا أو الإنسان؟ أجاب بأن الصورة في عهده ليست محرمة. * الطالب: المحاريب (...)؟ * الشيخ: لا محراب المسجد يسمى طاقًا. * طالب: داود حينما مات كان (...) وهو متكئ على عصاه؟ * الشيخ: أو سليمان قصدك. * الطالب: إي، سليمان (...). * الشيخ: لا أبدًا، هو متكئ على عصاه هكذا ومات وبقي هكذا. * الطالب: (...). * الشيخ: ما (...) إلا بعد مدة. * طالب: الأنبياء لا تأكلهم الأرض؟ * الشيخ: نعم صح. * الطالب: (...) الصالحون؟ * الشيخ: لا، الصالحون ما نجزم أنها لا تأكلهم لكن لكن قد يُعْثَر على بعضهم لم تأكله الأرض، وأما الجزم للأنبياء فقط. * فوائد الآية التي مرت علينا: قال الله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾ * في هذه الآية فوائد منها: أن الله سبحانه وتعالى سخَّر الجن لسليمان يعملون له ما يشاء، وهذا لا يتأتى لأحد من البشر، نعم ربما تعمل الجن لبعض البشر أشياء لكن لا تكون قائمة بما شاء. * ومن فوائدها: جواز البناء العالي؛ لقوله: ﴿مِنْ مَحَارِيبَ﴾. * ومن فوائدها: جواز التماثيل، وهل يشمل التماثيل للحيوانات والأشجار والبحار والأنهار؟ نعم على كلام المؤلف يشمل؛ لأنه قال: (هذا كان قبل تحريم الصور)، وعلى الاحتمال الثاني: لا يشمل؛ لأن التماثيل تُطلَق على كل ما كان مثالًا على غيره ولا يلزم أن تكون على صورة الحيوان، فعلى رأي المؤلف يكون الحكم منسوخًا لشريعة النبي ﷺ * فيستفاد منها فائدة وهي: جواز النسخ في الأحكام الشرعية، وعلى الاحتمال الثاني: لا يكون دالًّا على جواز تماثيل الحيوانات. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان كثرة جنود سليمان وكرمه؛ لأن الجفان كالجوابي والقدور راسيات. * ومن فوائدها: وجوب القيام بشكر الله عز وجل؛ لقوله: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾، والأمر في الأصل للوجوب. * ومن فوائدها: أن الشاكر على النعمة قليل؛ لقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾، والمراد بهذه الجملة الحث على الشكر. * ومن فوائدها: إثبات العبودية العامة الشاملة؛ لقوله: ﴿مِنْ عِبَادِيَ﴾ فإن المراد بها العبودية العامة الشاملة. * ومن فوائدها: أن داود عليه الصلاة والسلام أبٌ لفخذٍ كامل من بني إسرائيل؛ لقوله: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ﴾ كما يقال: بنو تميم، بنو زُهْرة، وما أشبه ذلك. ثم قال: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ ما كملناها أظن نعم نخليها إن شاء الله في المستقبل. قال الله تعالى: ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ بالهمز وتركه بألف؛ يعني فيها قراءتان ﴿مِنْسَأَتَهُ﴾، القراءة الثانية: اجعل الهمزة ألفًا أي: ﴿مِنْسَاتَهُ﴾ ، ولهذا قال: (بالهمز وتركه)، ولكن إذا تركناه يكون (بألف؛ لأنها يُنْسَأ: يُطْرَد ويزجر بها). * الطالب: (...). * الشيخ: لا، عندنا: (يزجر). إي نعم، كأن المؤلف رحمه الله يريد أن يُبَيِّن اشتقاق هذه الكلمة، وأنها من النسأ أي الطرد والزجر؛ فإن الإنسان يزجر بعصاه بحزها على مَنْ يوجه إليه الخطاب، ويطرد بها بالضرب، وهذا يدل على أن الكلمة عربية، ولكن بعض المفسرين يقول: إن الكلمة غير عربية، وأنها من الكلام الذي عُرِّب، وإذا كانت الكلمة من الكلام المعرَّب فإن لا يُشْتَق لها من العربية، كل كلمة لها اشتقاق من العربية فإنها تكون عربية، وعلى كل حال (...) من هذا سهل، المهم أن المنسأة هي العصا يُطْرَد بها الشيء ويزجر بها. (﴿فَلَمَّا خَرَّ﴾ ميِّتًا ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ ) الجملة كما تشاهدون جملة شرطية، وأداة الشرط فيها ﴿لَمَّا﴾، وقد مر علينا أن (لما) تأتي لعدة معان: تكون شرطية، وتكون للنفي، وتكون بمعنى (إلا)، والرابع أن تكون ظرفًا بمعنى (حين). هنا استُعملت شرطية بدليل أنه جاء بعدها شرط وجواب، ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ﴾. نافية كقوله تعالى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص ٨] أي: لم يذوقوا عذاب. وتأتي بمعنى (إلا) كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤] أي: إلا عليها حافظ. وتأتي بمعنى (حين) أي: ظرفًا، مثل أن تقول: أكرمتني لمَّا زرتك، أي: حين زرتك، طيب، إذن تأتي على أربعة أوجه. ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ ﴿تَبَيَّنَتِ﴾ أي: علمت وبان لها وفسرها المؤلف بقوله: (انكشف لهم ﴿أَنْ﴾ مخففة، أي: أنهم ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ﴾ ) ﴿أَنْ﴾ مخففة منين؟ من الثقيلة، وإذا خُفِّفَت الثقيلة وجب حذف اسمها، وكان خبرها جملة، فهنا الخبر ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾. وإعرابها أن تقول: ﴿أَنْ﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن مستتر، وجملة ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ﴾ في محل رفع رفع خبرها (...). وفي قول المؤلف: (أنهم) إشارة إلى ما سبق؛ أن قلنا: إن ضمير الشأن ينبغي أن يكون مناسبًا للمقام؛ فقد يكون مفردًا، وقد يكون جمعًا، وقد يكون للغائب، وقد يكون للمخاطب، خلافًا لما عليه أكثر النحويين حيث يُقَدِّرونه مفردًا للغائب ويقولون: (أنه) أي: الحال. ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا﴾ ﴿لَوْ﴾ شرطية وجوابها ﴿مَا لَبِثُوا﴾، و(لو) تأتي شرطية، وتأتي مصدرية، وتأتي بمعنى (وَدَّ كذا)؛ فتأتي شرطية مثل هذه الآية، ومثل أن تقول: لو زرتني لأكرمتك، وتأتي مصدرية إذا جاءت بعد (وَدَّ) كقوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩] أي: أن تدهنوا، وهذا معنيان فقط. طيب، هنا شرطية فعل الشرط فيها؟ * الطالب: ﴿مَا لَبِثُوا﴾. * الشيخ: لا، فعل الشرط ﴿كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾، وجوابه ﴿مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾. (﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ﴾ ومنه ما غاب عنهم من موت سليمان ﴿مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ العمل الشاق لهم لظنهم حياته خلاف ظنهم علم الغيب) وهذا واضح؛ لأنهم لو كانوا يعلمون الغيب لعلموا أنه مات قبل أن يَخِرَّ بسبب تَأَكُّل عصاه، ولعلهم كانوا يظنون أو يَدَّعون أنهم كانوا يعلمون الغيب، فأراد الله تعالى أن يُبَيِّنَ حالهم لهم ولغيرهم، وأنهم لا يعلمون الغيب، مع أن الغيب الذي حصل هنا ليس غيبًا مطلقًا، ولكنه غيب نِسْبِيٌّ؛ إذ إن مَنْ كان قريبًا جدًّا من سليمان فقد يعرف أنه مات. يقول المؤلف: (ومنه ما غاب عنهم من موت سليمان ﴿مَا لَبِثُوا﴾ أي ما بقوا ﴿فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ الذي أَلْحَق بهم المهانة والذل) وقال المؤلف: (الشاق بظنهم حياته خلاف ظنهم علم الغيب) يعني: كانوا يظنون أنهم يعلمون الغيب، فلما خر ميتًا تبيَّن لهم أنهم لا يعلمون الغيب. قال: (وعُلِمَ كونه سَنَةً بحساب ما أكلته الأَرْضَة من العصا بعد موته يومًا وليلة مثلًا) هذا جواب عما قيل: إنه بقي سنة وهو ميت ولم يُعْلَم به، يعني كأنه قال قائل: ما الذي أعلمكم بأنه سنة؟ قال: علمنا ذلك بالحساب؛ لأننا حسبنا ما أكلته الأرض يومًا وليلة من العصا فَقِسْنَا عليه ما مضى؛ فمثلًا إذا كانت تأكل في اليوم والليلة مثلًا سنتيمتر، عرفنا أنها تأكل في السنة ثلاث مئة وستين سنتيمتر، وعرفنا هذا من طول العصا، ولكن هذا في الحقيقة ليس متعينًا؛ إذ قد تأكل اليوم أكثر مما تأكله بالأمس أو بالعكس، وحتى نقول أيضًا: مَنِ الذي قال أنها أكلت في اليوم والليلة هذا المقدار حتى عُرِفَ به ما مضى؟ يحتاج إلى دليل؛ ولهذا الصواب أن ما سبق أن قلنا بأنه لا حاجة لنا إلى تقدير المدة التي لبثها سليمان، وأن مثل هذه الأمور لا يُرْكَن إليها ولا يُعْتَمد إلا إذا جاءت عن الشارع عن النبي ﷺ أو جاءت في كتاب الله، وأما ما يأتي عن بني إسرائيل في مثل هذه الأمور فإننا نقول: نقف فيه، لا نصدق ولا نكذب. ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ [سبأ ١٥] إلى آخره. الجملة هذه كما تعلمون مؤكدة بثلاثة مُؤَكِّدَات؟ * طالب: قد. * الشيخ: هذه قد. * الطالب: وكان. * الشيخ: لا، كان ما من أدوات التأكيد، مُؤَكَّدة بثلاثة مؤكدات. * الطالب: اللام، و(قد). * الطالب: والقسم المقدر. * الشيخ: والقسم المقدر، نعم، صح؛ لأن هذه على تقدير قسم أي: والله لقد كان لسبأ، و(كان) هنا تدل على مجرد الحدوث أي أنها مسلوبة الدلالة على الزمن؛ فإن هذه الآية باقية حتى الآن، كل من قرأ خبرها (...). (﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾ بالصرف وعدمه: قبيلة سُمِّيَت باسم جَدٍّ لهم من العرب) سبأ اسم رجل يُسَمَّى سَبأً وكان من قحطان، واختلف المؤرخون النسَّابون في قحطان هل هو من العرب العاربة أو من العرب المستعربة؟ والمشهور أنهم من العرب العاربة الذين قبل إبراهيم، لكن روى البخاري «أن النبي ﷺ مَرَّ على قبيلتين من الأنصار كانوا يَتَرامَوْن بالنَّبْل فقال لهم النبي ﷺ: «ارْمُوا بَنِي إسْمَاعِيلَ فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا»[[أخرجه البخاري (٢٨٩٩) من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه.]]، وهذا يدل على أنهم عرب مستعربة؛ لأن الأنصار معروف أنهم -الأوس والخزرج- كلهم من قبائل اليمن من قحطان، نزلوا تفرقوا في البلاد بعد الغرق ونزلوا المدينة، وعلى هذا فيكون ظاهر حديث البخاري أن قحطان كلهم من بني إسماعيل. والحاصل أن العلماء في النَّسَب يُقَسِّمون العرب إلى قسمين: ما كان قبل إبراهيم فهم عرب عاربة، وما كان بعده من ذريته فهم عرب مُستعرِبة. المهم أن سبأ اسم لرجل كان له أولاد كثيرون جاء في الحديث أنهم عشرة، بقي منهم ستة في اليمن، وأربعة في الشام، وانتشروا في الأرض وكثروا. وفيها قراءتان يقول المؤلف: (بالصرف وعدمه) ﴿لِسَبَإٍ﴾ هذا الصرف، وعدمه ﴿لِسَبَأَ﴾ . يقول: (﴿فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ باليمن ﴿آيَةٌ﴾ )، المؤلف يقول: ﴿فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ أتى بالقراءة؛ قراءة الجمع، ولم أره ذكَر قراءة الإفراد، وفيها قراءتان سَبْعِيَّتان: قراءة الإفراد: ﴿فِي مَسْكَنِهِمْ﴾، وقراءة الجمع: ﴿فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ ، ولا خلاف بينهما في المعنى؛ لأن (مسكن) مفرد، والمفرد المضاف يَعُمُّ يشمل كل ما يدخل تحت هذا المعنى، ألم تروا إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم ٣٤]؟ فهنا (نعمة) مفرد وقال فيها: ﴿لَا تُحْصُوهَا﴾ إذن هي كثيرة، فـ(مسكن) من حيث المعنى بمعنى مساكن؛ لأنه مفرد مضاف، والمفرد المضاف يَعُمُّ. * طالب: (...). * الشيخ: لا أنا عندي: ﴿مَسَاكِنِهِمْ﴾ عندكم في المصحف. * طلبة: (...). * الشيخ: لا اللي عندي هي اللي عليها خط المؤلف ﴿مَسْكَنِهِمْ﴾. على كل حال ﴿مَسَاكِنِهِمْ﴾ قراءة سبعية، و﴿مَسْكَنِهِمْ﴾ قراءة سبعية أيضًا، والمسكن ما يَسْكُنُه الإنسان فيسكن فيه ويطمئن؛ كالبيوت والحدائق والبساتين وما إلى ذلك. ﴿آيَةٌ﴾ (آية) بمعنى علامة قال الله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس ٤١]، ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ١٩٧]؛ فالآية بمعنى العلامة الدالة على الشيء، هذه الآية دالة على أي شيء؟ دالة على قدرة الله عز وجل، وعلى نعمته، وعلى حكمته في النهاية. و﴿آيَةٌ﴾ من ناحية الإعراب اسم (كان) مؤخر و﴿لِسَبَإٍ﴾ خبرها مقدم. قال المؤلف: (آية دالة على قدرة الله)، وقلت أنا زيادة: وعلى إحسانه وإنعامه، وعلى حكمته في النهاية؛ لأن هذه المساكن -كما سيأتي- دَمَرَتْ بسبب إعراضهم. قال: (﴿جَنَّتَانِ﴾ بدل) منين؟ بدل من ﴿آيَةٌ﴾، ويجوز أن تكون عطف بيان؛ لأنها بيَّنت الآية ووضَّحَتْها، والجنة هي البستان الكثير الأشجار؛ سميت بذلك لأنها تُجِنُّ مَنْ فيها أي: تَسْتُرُه، وقد علمنا سابقًا أن هذه المادة وهي الجيم والنون تدور على معنى الاستتار والخفاء. ﴿جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ يقول: (عن يمين واديهم وشماله) وكان هذا الوادي بين جبال، وكان على أطراف هذا الوادي هذه الجنان العظيمة من الأشجار المتنوعة الكثيرة الثمار، وكانوا في أحسن ما يكون من الرغد والهنا والأمن. يقول: ﴿عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ يعني: إذا كانت على يمين الوادي وشماله صار لها أيضًا منظر بديع رهيب جذَّاب، يقول الله عز وجل: (﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ على ما رزقكم من النعمة في أرض سبأ) إلى آخره؛ يعني أن الله سبحانه وتعالى جعل في هذه الجنتين جعل فيها خيرًا كثيرًا، وجعل تناولُها مُيَسَّرًا؛ ولهذا قال: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ مما يدل على أن الأمر صعب ولَّا ميسر؟ ميسر، كما لو قدمت لك طعامًا وقلت: كُلْ، إذن فهذه الجنات تعطي ثمارها بدون مشقة، بل باليسر والسهولة. وقوله: ﴿مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ الرزق بمعنى العطاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء ٨]. وقوله: ﴿مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ الرَّبُّ تقدم لنا أن معناه الخالق المالك المُدَبِّر، والربوبية هنا ربوبية خاصة لعنايته سبحانه وتعالى بهم بما أعطاهم في هذه الجنات. ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ هذا هو الذي يُطالَبون به جزاءً أو إظهارًا لنعمة الله سبحانه وتعالى عليهم، والشكر تقدَّم أنه يتعلق بالقلب واللسان والجوارح؛ يعني: فاعترفوا بأن هذه النعمة من أين؟ من الله، وأَثْنُوا على الله تعالى بها، وقوموا بجوارحكم بطاعته حتى تؤدوا الشكر على الوجه المطلوب منكم. (﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ على ما رزقكم من النعمة في أرض سبأ) ﴿اشْكُرُوا لَهُ﴾ أحيانًا تتعدى (شكر) بنفسها فيقال: شكرت الله، ويقال: شكرت له، فهي من الأفعال التي جاءت في اللغة العربية لازمة ومتعدية، متى تكون لازمة؟ ﴿لَهُ﴾، تكون لازمة إذا جاء حرف الجر ﴿لَهُ﴾، وتكون متعدية إذا لم يأت حرف الجر، فإذا قلت: شكرت الله صارت متعدية، وإذا قلت: شكرت لله صارت لازمة. قال: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ ويش إعراب ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾؟ * الطالب: خبر لمبتدأ محذوف. * الشيخ: ويش التقدير؟ * الطالب: هذه البلدة. * الشيخ: أو هي بلدة، نعم. (﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ ليس فيها سباخ ولا بعوضة ولا ذبابة ولا برغوث ولا عقرب ولا حية، ويمر الغريب فيها وفي ثيابه قمل فيموت لطيب هوائها) هذا (...)! إنما نقول: هي بلدة طيبة، أما كونه غريب يأتي من البر وفي ثيابه القمل فيموت القمل لطيب الهواء، فالله أعلم، لكن نقول: لا شك أن وصف الله إياها بالطيبة أنها من أحسن البلاد في هوائها، وفي قَرِّها وفي حرها، ليس فيها الحر الشديد ولا القَرّ القارص، وليس فيها عفونة الهواء والماء وما أشبه ذلك، فخُذْ بما شئت من طيب المسكن في كل ما يُسَمَّى طيبًا. ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ يعني يقول: واللهُ ربٌّ غفور، غفور لماذا؟ غفور للذنوب، فمنَّ الله عليهم بنعمتين: نعمة السكن وطيبه، ونعمة المغفرة، فيكون في نعمة المغفرة السلامة من الآثام وعقوباتها في الآخرة، وفي البلدة الطيبة السلامة من الآفات في الدنيا. والغفور صيغة مبالغة، واسم الفاعل منها غافر، وهي مأخوذة من الغَفر بمعنى الستر مع الوقاية، ومنه قولهم: المِغْفَر الذي يلبسه الإنسان ليتقي به السهام في الحرب، ففيه تغطية وستر وفيه أيضًا وقاية، وهكذا مغفرة الذنوب فإن معناها أن الله يستر عليك الذنب ويقيك عقوبته. (﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ ﴿فَأَعْرَضُوا﴾ عن شكره وكفروا ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ﴾ ) إلى آخره. الفاء هنا عاطفة يعني أنهم مع هذه النعم -جنات بساتين عظيمة، وبلد طيب، مغفرة للذنوب إذا قاموا بطاعة الله- قال: ﴿فَأَعْرَضُوا﴾ أعرضوا عن أيش؟ يقول: أعرضوا عن شكر الله وكفروا، فأعرضوا عن الشكر، وقابلوا هذه النعمة بالكفر، فماذا كانت عاقبتهم؟ قال: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ الفاء هنا عاطفة وتفيد السببة أيضًا أي: فبسبب إعراضهم أرسلنا عليهم سيل العرم، وهذه سُنَّة الله سبحانه وتعالى في خلقه كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل ١١٢]، هؤلاء أعرضوا فدمَّر الله ديارهم. (﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ جمع عرمة، وهو ما يُمْسِك الماء من بناء وغيره إلى وقت حاجتهم أي: سيل واديهم الممسوك بما ذُكِر، فأغلق جَنَّتَيْهم وأموالهم). ﴿سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ ﴿الْعَرِمِ﴾ بمعنى السد؛ يعني أن هذا السيل منسوب إلى السد، أو بمعنى سيل العرم من باب إضافة الشيء إلى صفته؛ أي: السيل العارم الجارف الذي يُتْلِف كل ما مَرَّ عليه، والمعنى أن الله سبحانه وتعالى أرسل عليهم سيلًا عظيمًا؛ وذلك بفساد السد الذي جعلوه بين هذه الجبال، وكان هذا السد المنيع تجتمع فيه السيول وتمتصها الأرض وتخرج في العيون فلما تصدَّع هذا السد جرت المياه بغير تقدير، وذلك بقدرة الله سبحانه وتعالى فقال: ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ يقول: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ الجنان السابقة أو الجنتان السابقتان كلها ثمار طيب يُؤكَل ويُنتَفع به بالبيع والشراء، وغير ذلك. أما البدل فيقول: (﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ﴾ تثنية ذوات مفرد) كذا عندكم؟ مفرد على الأصح، عندكم تثنية ذوات ولَّا ذات؟ * طلبة: ذوات. * الشيخ: طيب، هو في الأصل (ذات) المفرد، و(ذوات) للجمع، فثُنِّيَ الجمع، وصارت ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ﴾، ويُمْكِن أن يُقال خلاف كلام المؤلف، فيقال: إن الأصل (ذات) لكن لما ثُنِّيَ عادت الواو، فصارت ﴿ذَوَاتَيْ﴾ أي: صاحبتي؛ لأن (ذات) بمعنى صاحبة؛ قال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج ١] أي: صاحبة البروج. ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ قال المؤلف: (مُرٍّ بَشِعٍ بإضافة أُكُل بمعنى: مأكول وتركها، ويعطف عليه ﴿وَأَثْلٍ﴾ ) يعني أن فيها قراءتين: ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلِ خَمْطٍ﴾ هذه الإضافة، وتركها ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾، أما الإضافة واضحة ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلِ خَمْطٍ﴾ يعني: أنها الأُكُل يُخْمَط خمطًا وهو شجر الأراك كما فسَّره بذلك ابن عباس رضي الله عنهما، والأراك هي المساويك هذه، لها أوراق بسيطة جدًّا، وليست بذاك اللذيذة؛ ولهذا يقول المؤلف: (مُرٍّ بَشِع) بدل الفواكه والخُضَر والزروع وغيرها، ويقول: ﴿أُكُلٍ﴾ بمعنى مأكول؛ يعني: ذواتي مأكول يُخْمَطُ خَمْطًا، ﴿وَأَثْلٍ﴾ أثل بدل الأشجار المُثْمِرة البهيجة صار بدلها أثل، والأثل بعضهم قال: هو الطرفة، والصحيح أنه غير الطرفة؛ لأن الطرفة تكون صغيرة ما تكبر، والأثل معروف يقول. * الطالب: الأراك هل هو الأكل ولَّا الخمط؟ * الشيخ: لا، الخمط. * الطالب: والأكل؟ * الشيخ: لا، أكل يعني معناه أنه يُؤْكَل خَمْطًا. قال: ﴿وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ هنا قال: ﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ﴾، وهناك قال: ﴿خَمْطٍ وَأَثْلٍ﴾؛ لأن السدر أحسن هذه الأنواع الثلاثة، ولم يُعْطَوا منه إلا الشيء القليل، ﴿شَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ﴾ وأيضًا قليل، مع أن كلمة ﴿شَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ﴾ تدل على القلة لكنها أُكِّدَت هذه القلة بقوله: ﴿قَلِيلٍ﴾. الخلاصة الآن أن هؤلاء لما أعرضوا ولم يقوموا بشكر الله عز وجل أرسل الله عليهم السيل فأغرق أموالهم وهدَّم بناءهم وأبدلهم بهاتين الجنتين جنتين لا يساويان ولا يُقارِبان ما سبق؛ ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ﴾ ليس بالكثير، ﴿أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ والمؤلف قال: (إنه مُرٌّ بشع)، ﴿وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ بدل تلك الجنات العظيمة المفيدة النافعة. ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾ (﴿ذَلِكَ﴾ التبديل ﴿جَزَيْنَاهُمْ﴾ ) ولو قال: المؤلف ذلك التبديل وإرسال السيل لكان أعمَّ وأشملَ، أو لو قال: ذلك المذكور لكان أشمل، (﴿جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾ بكفرهم ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ )؛ ﴿جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾ قال المؤلف: (بكفرهم) فأفادنا أن (ما) مصدرية وأما الباء فهي للسببية؛ أي: جزيناهم هذا الجزاء بإغراق أموالهم وهدم بنائهم وإبدال الجنتين بهاتين الجنتين. ﴿بِمَا كَفَرُوا﴾ أي: بسبب كفرهم، ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ ﴿وَهَلْ يُجَازَى إِلَّا الْكَفُورُ﴾ (بالياء والنون مع كسر الزاي ونصب الكفور أي: ما يُناقَش إلا هو). في قوله: ﴿هَلْ نُجَازِي﴾ قراءتان ﴿نُجَازِي﴾ وعلى هذه القراءة يجب نصب ﴿الْكَفُورَ﴾، على أنها مفعول به، القراءة الثانية: ﴿يُجَازَى﴾ وعليه تُرْفَع الكفور على أنها نائب فاعل، والاستفهام هنا بمعنى؛ النفي لأنه عُقِّب بـ﴿إِلَّا﴾ فيكون ﴿هَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ أي: ما نجازي إلا كفور، والمجازاة هنا بمعنى المناقشة، أو بمعنى المكافئة على الفعل، و﴿الْكَفُورَ﴾ صيغة مبالغة أي: ذو الكفر بالله سبحانه وتعالى، والله أعلم. * طالب: (...). * الشيخ: عام يشمل هذا وهذا، يعني: ما نجازي بالعقوبات إلا مَنْ كفر بالله سواء كان كفرَ نعمةٍ فيُجازى على قَدْرِ ذنبه أو كفرًا مخرجًا عن الملة، ليس المراد جَنَّتَيْنِ يعني بستانَيْنِ واحد يمين وواحد يسار، المراد بساتين لكن قال العلماء: لما كانت هذه البساتين متصلة صارت كأنها بستان واحد، ولَّا معلوم لو كان بستان وبستان ما هي بآية يعني بسيطة هذه، لكنها بساتين متصل بعضها ببعض على يمين الوادي وشمال الوادي، فلما كان متصلًا بعضها ببعض صارت كأنها واحدة، كأنها جنة واحدة عن اليمين وجنة واحدة عن الشمال. ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية: أولًا: أن الموت غاية كل حي وإن عظم ملكُه، فإن سليمان كان من أعظم الملوك ملكًا، ومع ذلك لم ينقذه ملكه من الموت. * ومنها: أن الأمور كلها إلى الله؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾. * ومنها: أن الله سبحانه وتعالى موصوف بالعظمة والجلال والكمال؛ لأن (نَا) هنا ليست للتعدد ولكنها للتعظيم، لأن كلمة (...) تدل إما على التعدد، وإما على التعظيم، والتعدد هنا ممتنع فيتعين أن تكون للتعظيم. * ومنها: أن الشيئ الحقير قد يفعل شيئًا عظيمًا كبيرًا؛ يؤخذ من قوله: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾، وهذا شيء جرت به سنة الله عز وجل أن الشيء قد يكون حقيرًا لكن يترتب عليه أمر عظيم، فنحن الآن لا نعرف كيف نَقْبُر موتانا إلا بدلالة الغراب، أليس كذلك؟ أيضًا جميع المباني الهندسية الفخمة الجميلة عُرِفَت من صنيع النحل، أيضًا كل ما حدث من الآلات التي يُحْدِثها الناس الآن تجدهم يشبهونها بمخلوقات الله عز وجل كالطائرات وغيرها، بهذا نعرف أن الأشياء الحقيرة قد تكون مفيدة للإنسان فائدة عظيمة ويترتب عليها أمور خطيرة. * ومنها: أن إضافة الشيء إلى سببه المعلوم جائزة؛ لقوله: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ فأضاف الدلالة إلى دابة الأرض، مع أن الدابة هل هي أكلت العصا لأجل أن تدل الجن على موت سليمان؟ لا، لكنها سبب، فإضافة الشيء إلى سببه المعلوم شرعًا أو حسًّا جائزة حتى وإن لم يُذْكَر فيها لفظ الجلالة، فمثلًا إذا قلت: لولا فلانٌ لهلكت، وصحيح أن فلانًا هو الذي أنقذك فهذا جائز إذا لم تعتقد أن هذا السبب هو الفاعل الوحيد، والممنوع أن تضيف الشيء إلى سببه مع الله مقرونًا بالواو أو تضيف الشيء إلى سبب غير معلوم سببيته لا من الشرع ولا من الحس؛ لأن هذا يكون من باب الأوهام والتخييلات. * ومن فوائد الآية: الحذر أو التحذير من دابة الأرض ولَّا لا؟ إي نعم، ما دام تأكل الأخشاب وتأكل هذه الأشياء فاحذر منها، وكم من إنسان أفسدت عليه دابة الأرض مكتبته القيِّمَة التي تساوي شيئًا كثيرًا؛ ولهذا انتبهوا، لا تأكل الأرضة عليكم كتبَكم. * ومن فوائد الآية الكريمة: إضافة الفعل أو إضافة الشيء إلى مَنْ لم يقم به باختياره؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾، فالخرور قد يُضاف إلى الفاعل بالاختيار، وقد يضاف إلى الفاعل بغير الاختيار، فتقول: خرَّ الماء، وتقول: خَرَّ ميِّتًا، وقال الله عز وجل: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ [السجدة ١٥]، ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسراء ١٠٩]، هذا بالاختيار. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجن لا يعلمون الغيب، والدلالة على ذلك واضحة؛ ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾. * ومنها: أن الأمور الحسية الواقعة أدلة برهانيَّة، وهذه الفائدة معناها الاستدلال بالأمور.. ليس المراد جَنَّتَيْنِ يعني بستانَيْنِ واحد يمين وواحد يسار، المراد بساتين، لكن قال العلماء: لما كانت هذه البساتين متصلة صارت كأنها بستان واحد، ولَّا معلوم لو كان بستان وبستان ما هي بآية، يعني بسيطة هذه، لكنها بساتين متصل بعضها ببعض على يمين الوادي وشمال الوادي، فلما كان متصلًا بعضها ببعض صارت كأنها واحدة، كأنها جنة واحدة عن اليمين وجنة واحدة عن الشمال. * الفوائد: قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية: أولًا: أن الموت غاية كل حي وإن عظم ملكُه، فإن سليمان كان من أعظم الملوك ملكًا، ومع ذلك لم ينقذه ملكه من الموت. * ومنها: أن الأمور كلها إلى الله؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾. * ومنها: أن الله سبحانه وتعالى موصوف بالعظمة والجلال والكمال؛ لأن (نَا) هنا ليست للتعدد ولكنها للتعظيم، لأن كلمة (نا) تدل إمَّا على التعدد، وإما على التعظيم، والتعدد هنا ممتنع فيتعيَّن أن تكون للتعظيم. * ومنها: أن الشيئ الحقير قد يَفْعَل شيئًا عظيمًا كبيرًا؛ يؤخذ من قوله: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾، وهذا شيء جرت به سنة الله عز وجل أن الشيء قد يكون حقيرًا لكن يترتب عليه أمر عظيم، فنحن الآن لا نعرف كيف نَقْبِر موتانا إلا بدلالة الغراب، أليس كذلك؟ أيضًا جميع المباني الهندسية الفخمة الجميلة عُرِفَت من صنيع النحل، أيضًا كل ما حدث من الآلات التي يُحْدِثها الناس الآن تجدهم يشبهونها بمخلوقات الله عز وجل كالطائرات وغيرها، بهذا نعرف أن الأشياء الحقيرة قد تكون مفيدة للإنسان فائدة عظيمة ويترتب عليها أمور خطيرة. * ومنها: أن إضافة الشيء إلى سببه المعلوم جائزة؛ لقوله: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ فأضاف الدلالة إلى دابة الأرض، مع أن الدابة هل هي أكلت العصا لأجل أن تدل الجن على موت سليمان؟ لا، لكنها سبب، فإضافة الشيء إلى سببه المعلوم شرعًا أو حسًّا جائزة حتى وإن لم يُذْكَر فيها لفظ الجلالة، فمثلًا إذا قلت: لولا فلانٌ لهلكت، وصحيح أن فلانًا هو الذي أنقذك، فهذا جائز إذا لم تعتقد أن هذا السبب هو الفاعل الوحيد، والممنوع أن تضيف الشيء إلى سببه مع الله مقرونًا بالواو أو تضيف الشيء إلى سبب غير معلوم سببيته لا من الشرع ولا من الحس؛ لأن هذا يكون من باب الأوهام والتخييلات. * ومن فوائد الآية: الحذر أو التحذير من دابة الأرض ولَّا لا؟ إي نعم، ما دام تأكل الأخشاب وتأكل هذه الأشياء فاحذر منها، وكم من إنسان أفسدت عليه دابة الأرض مكتبته القيِّمَة التي تساوي شيئًا كثيرًا؛ ولهذا انتبهوا، لا تأكل الأرضة عليكم كتبَكم. * ومن فوائد الآية الكريمة: إضافة الفعل أو إضافة الشيء إلى مَنْ لم يقم به باختياره؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾، فالخرور قد يُضاف إلى الفاعل بالاختيار، وقد يضاف إلى الفاعل بغير الاختيار، فتقول: خرَّ الماء، وتقول: خَرَّ ميِّتًا، وقال الله عز وجل: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ [السجدة ١٥]، ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسراء ١٠٩]، هذا بالاختيار. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجن لا يعلمون الغيب، والدلالة على ذلك واضحة؛ ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾. * ومنها: أن الأمور الحسية الواقعة أدلة برهانيَّة، وهذه الفائدة معناها الاستدلال بالأمور الحسية؛ لأن الله استدل على كونهم لا يعلمون الغيب بأنهم بقوا مُعَذَّبين مما يعملونه من الأعمال الشاقة، فلك أن تستدل على الأمور المعقولة بالأمور المحسوسة، وهذا شيء معروف. * ومن فوائد الآية: أن الجن ذو عقول؛ لقوله: ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ وهو كذلك، لأن الله تعالى أعطاهم عقولًا يهتدون بها إلى مصالح دينهم ودنياهم. * ومنها: تسمية الأعمال الشاقة عذابًا؛ لقوله: ﴿مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ﴾ مع أن سليمان عليه الصلاة والسلام لم يجعلهم يعملون له ما يشاء عقوبة لهم ولكنه تكليف، وبهذا نعرف أن العذاب قد يُطْلَق على ما ليس بعقوبة، كما في قوله ﷺ: «إِنَّ السَّفَرَ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٠٤)، ومسلم (١٩٢٧/١٧٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ إلى آخره فيها دليل على استعمال التأكيد في الأمور الهامة، وإن لم يكن المخاطب مُنْكِرًا أو مترددًا، تؤخذ من تأكيد هذه القصة في قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾؛ لأن التأكيد -كما نعلم- إنما يجب في مخاطبة المنكر، ويحسُن في مخاطبة المتردد، ويكون على خلاف البلاغة فيما عدا ذلك، هذا هو المعروف عند علماء البلاغة، ولكن بتأمل ما ورد في القرآن الكريم نجد أن الأمور الهامة -وإن خوطب بها من لا ينكرها أو يتردد فيها- نجد أن الله تعالى يؤكدها كما في هذه القصة وغيرها. * ومن فوائد الآية الكريمة: هذه الآية العظيمة الدالة على قدرة الله وحكمته، وهي قصتهم على سبيل العموم أنهم مُنَعَّمُون في ديارهم وبساتينهم وقصورهم وغير ذلك، فلما أعرضوا انقلبت الحال، ففيها عبرة، فيها آية من وجوه كثيرة آية دالة على قدرة الله، آية يعني: عبرة لمن عصى الله عز وجل، عبرة لمن أطاع الله، أية دالة على حكمة الله، فبالتأمل لهذه الآية تجد فيها أصنافًا وأنواعًا من الآيات، طيب الآن شرحنا هذه الآيات قلنا: آية دالة على قدرة الله؛ حيث خلق لهم هذه البساتين العظيمة ثم أبدلها بأخرى لا تساويها بشيء، دالة على أيش؟ على حكمته عز وجل؛ حيث أعطاهم ذلك الخير حين كانوا مُقْبِلين على الله، وسلَبَهُم إياه حين أعرضوا واستكبروا عن طاعته، آية للمعتبرين من أهل المعاصي؛ فإن فيها تحذيرًا لهم من أن تزول نعمة الله عليهم بسبب معاصيهم، آية للطائعين حيث يعتبرون بها بأنهم ما داموا على طاعة الله فإن نعمة الله تدور عليهم، هذه أربعة أوجه من كونها آية. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه الجنات تُؤْتِي أُكُلَها على وجه واسع؛ لقوله: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾. * ومن فوائدها: وجوب الشكر لله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾، والشكر واجب عقلًا كما هو واجب شرعًا؛ أما وجوبه الشرعي فالآيات في الأمر به كثيرة، وأما وجوبه العقلي فلأن العقل الصريح يقتضي أن كل من أحسن إليك فإنك تشكره على ذلك، ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله، يعني: كل أحد يرى أنه من الخطأ أن يسدي إليك إنسان ما يسدى من الخير، ثم تَتَنكر له ولا تقوم بشكره كل يعرف أن هذا خطأ، وأن الواجب أن تشكر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن بلاد الله تنقسم إلى طيب وخبيث؛ لقوله: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾، وما نوع الطيب في هذه البلدة؟ هل هو طيب الأرض، أو طيب الهوى، أو طيب الثمار؟ الجواب: يَعُمُّ كل ذلك؛ قال الله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف ٥٨]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات ربوبية الله عز وجل ومغفرته؛ في قوله: ﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾. ثم قال الله عز وجل ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ [سبأ ١٦] إلى آخره. * من فوائد الآية الكريمة: بيان حال هؤلاء القوم أنهم بدَّلوا نعمة الله كفرًا، وكان الله عليهم أن أنعم الله عليهم بهذه النعم أن يشكروه ويقوموا بطاعة الله، لكنهم أعرضوا. * ومن فوائدها: عقوبة المعرضين بما تقتضيه حكمة الله، وقد قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت ٤٠]، فالعقوبات دائمًا تكون من جنس العمل، فهؤلاء لما بطروا نعمة الله وكفروا به بسبب هذه الجنات أُبْدِلُوا بجنات سيئة بالنسبة لما نُعِّمُوا به من قبل. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: إثبات الأسباب، من أين تؤخذ؟ ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا﴾، فجعل الله تعالى سبب الإرسال إعراضهم. * ومن فوائدها: أن المعاصي سبب لزوال النعم؛ لقوله: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا﴾، بينما كانوا مُنَعَّمين، لما أعرضوا أرسل الله عليهم هذا السيل المدمر، وهذا له شواهد في القرآن كثيرة؛ منها قوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل ١١٢]، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف ٩٦ - ٩٩]. * ومن فوائدها: أن المطر الذي هو نعمة ورحمة قد يكون نِقْمَة وعذابًا؛ لقوله هنا: ﴿سَيْلَ الْعَرِمِ﴾، فإن السيل في الأصل -الذي هو إجتماع المطر حتى يتدفق- الأصل أنه خير، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ﴾ [السجدة ٢٧] وهذا خير ولَّا لا؟ خير، ولكن أحيانًا يكون عذابًا. * ومن فوائدها: بيان ضلال أولئك القوم الذين إذا أصابتهم مثل هذه المصائب من الفيضانات وما أشبهها لم يتأثروا لذلك، ويقولون: هذا مقتضى الطبيعة، فإن هذه الفيضانات التي تُدَمِّر إنما هي عقوبة من الله عز وجل عقوبة ليبتلي بها أولئك المعذبين ويرتدع بها من كان على شاكلتهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل بإرسال هذه السيول الجارفة التي أغرقت ثمارهم وزروعهم ونبت بعد هذه الثمار والزروع نبت ﴿خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ﴾، ما هو سدر، شيء من سدر قليل، فبدل تلك الجنات العظيمة صار هذا حل محلها. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحكمة في أن الله عز وجل جعل بدل الجنتين جنتين أُخْرَيَيْنِ؛ لأن الطاعة نور وصلاح وفلاح فيناسبها الجزاء بالعطاء، والمعصية ظلمة وفساد فناسبها أن يكون فيها هذا البَدَل السيئ بالنسبة لما قبله. ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ ١٧] ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾ في هذا دليل على أن الله عز وجل لا يُجازِي أحدًا بعقوبة إلا بفعله؛ لقوله: ﴿بِمَا كَفَرُوا﴾. * وفيها أيضًا: إثبات الأسباب؛ لأن الباء هنا للسببية. * وفيها: الفرق بين (يجزي) و(يجازي)؛ فهنا قال: ﴿هَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾، لكن (نجزي) في الثواب، و(نجازي) في العقاب، هكذا قال بعض العلماء فتقول للكافر: جازاك الله، وتقول للمسلم: جزاك الله، ففي الخير نقول: جزى، وفي الشر نقول: جازى؛ ووجه ذلك أن الخير عطاء محض، وأما العقوبة فهي مجازاة ومكافأة؛ ولهذا نقول: جازاه، يصاغ الفعل على صيغة المفاعلة، والمفاعلة تكون في الأصل من طرفين.