Tafsir Ibn Uthaymeen — سبأ 34:16 – سبأ 34:38
المحتويات
سبأ 34:16
ثم قال الله عز وجل: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾ إلى آخره، ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ﴾ لمَنْ؟ لسليمان، وهذا كالتفصيل لقوله: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ كأنه قيل: ماذا يعملون؟ ففصَّل، وقال: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾، ﴿مِنْ﴾ بيانية مبينة للإبهام في الاسم الموصول وهو قوله: ﴿مَا يَشَاءُ﴾، لأن ﴿مَا﴾ اسم موصول، ونحن نعلم جميعًا أن الاسم الموصول من الأسماء المبهمة، فقوله: ﴿مِنْ مَحَارِيبَ﴾ بيان لـ﴿مَا﴾.
﴿مِنْ مَحَارِيبَ﴾ يقول المؤلف: (أبنية مرتفعة يُصْعَد إليها بدرج) هذه المحاريب، فالمحاريب عبارة عن أبنية مرتفعة ذاتِ أسوار مَنِيعة، قال الله تعالى في داود: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص ٢١]، هذا واحد. (﴿وَتَمَاثِيلَ﴾ جمع تمثال وهو كل شيء مَثَّلْتَه بشيء أو صور من نحاس وزجاج ورخام، ولم يكن اتخاذ الصور حرامًا في شريعته) التماثيل جمع تمثال، وهو ما صُوِّر عل مثال شيء آخر، فكل ما صُوِّرَ على مثال شيء آخر فإنه يقال: تمثال له، وعلى هذا فيمكن أن نقول: لمن صَوَّر صورة شجرة، ونَحَتَها من جسم، نقول له: إن هذا تمثال للشجرة، وكذلك نقول لمن نحت خشبًا أو حجرًا على صورة حيوان نقول: إن هذا تمثال.
والمؤلف جزم بأن المراد بالتماثيل (ما كان تمثالًا لحيوان)؛ ولهذا قال: (كل شيء مثلته بشيء -هذا أصل التمثال- أي صور نحاس وزجاج ورخام) النحاس معروف، والزجاج أيضًا معروف، والرخام كذلك.
يقول: (ولم يكن اتخاذ الصور حرامًا في شريعته) وهذا مبني على أن المراد بالتماثيل تماثيل ما يحرُم تصويره كالحيوان من إنسان وغيره، ولكن نقول: إن هذا لا يلزم؛ أي: لا يلزم أن يكون المراد بالتماثيل هي صور الحيوان؛ فمن الجائز أن ينحتوا له مما ذكر من النحاس والزجاج والرخام أن ينحتوا له أشياء على صور شجر، ويقال: إن هذا تمثال، فيه الآن مُجَسَّمات يجعلوها على صورة نخلة، على صورة سيف، على صورة قصر، وما أشبه ذلك، نقول: هذا تمثال ولَّا لا؟ تمثال، وفيه أيضًا مجسمات على صورة حيوان؛ أسد، أو جمل، أو بقر، أو ما أشبه ذلك، هذا أيضًا تمثال.
فنحن الآن نقول: إن كان قوله: ﴿مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ﴾ إنه عام لتمثال الحيوان والأشجار وغيرها فنحتاج حينئذ أن نجيب بما أجاب به المؤلف، وهو أن الصور في شريعته ليست حرامًا، ولكن ما دام الأمر غير لازم؛ إذ من الممكن أن تكون التماثيل التي يأمرهم بها تماثيل أشياء يجوز تصويرها فلا حاجة إلى هذا الجواب.
(﴿وَجِفَانٍ﴾ جمع جفنة ﴿كَالْجَوَابِ﴾ جمع جابية وهي حوض كبير)، ﴿جِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾ الجفان ما هي؟ الصَّحْفَة التي يوضع فيها الطعام، ﴿كَالْجَوَابِ﴾ جمع جابية، والجابية هي الحوض الكبير، ومنه البِرْكَة تسمى جابية حتى الآن يسمون البِرَك يسمونها جوابي، هذه الجفان على ما تقتضيه الآية الكريمة جفان كبيرة واسعة.
يقول المؤلف يبين لنا سعتها: (يجتمع على الجفنة ألف رجل يأكلون منها)، وهذا قد يكون واقعًا، وقد يكون الأمر أكبر من هذا، وقد يكون دون هذا، المهم أن هذه الجفان لعظمها وسعتها وكِبَرِها مثل أيش؟ مثل الجوابي، وهي الأحواض الكبيرة يعني البرك.
(﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ ثابتات لها قوائم لا تتحرك عن أماكنها تُتَّخَذ من الجبال باليمن يصعد إليها بالسلالم) ﴿قُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ قال العلماء: الراسي الثابت، والقدور جمع قِدر وهو ما يطبخ فيه الطعام، وإنما كانت راسية لكبرها، كبيرة راسية في الأرض، فهي لكبرها لا يستطيع أحد أن يتناولها ويقُلِّبها، والعادة أن القدور راسية ولَّا منقولة؟ منقولة مقلبة، لكن هذه لكبرها وسعتها (...) راسية ما تتحرك.
وقول المؤلف: (لها قوائم) ما المراد بالقوائم؟ المناصب التي تُنْصَب عليها، أرجل يعني، يقول رحمه الله: (تُتَّخذ من الجبال باليمن) هذا ليس بلازم أنها متخذة من الجبال، وإن كانت القدور قد تُتَّخذ من النحاس والحديد، وكذلك من الأحجار يمكن تُنْحَت وتكون قِدْرًا، ويمكن أن تُجْعَل طينًا ويتخذ منها الفخار، ولكن ليس بلازم، يعني تتخذ من الحديد والنحاس ومن الأحجار ومن غير ذلك.
(وقلنا: ﴿اعْمَلُوا﴾ يا﴿آلَ دَاوُودَ﴾ بطاعة الله ﴿شُكْرًا﴾ له على ما آتاكم) أفادنا المؤلف رحمه الله أن ﴿اعْمَلُوا﴾ جملة في محل نَصْبٍ لقول محذوف التقدير: قلنا: اعملوا آل داود، وأما ﴿آلَ دَاوُودَ﴾ فهي منصوبة بياء النداء المحذوفة أي: يا آل داود، وآل داود هنا ذريته وقرابته؛ لأن الله تعالى أنعم على هذه القبيلة -قبيلة داود- بنعم عظيمة أنعم على أبيهم وعلى ابنه سليمان.
وقوله: ﴿شُكْرًا﴾ أفادنا بتقدير الشكر لله على أن ﴿شُكْرًا﴾ مفعول من أجله، وأن مفعول ﴿اعْمَلُوا﴾ محذوف تقديره بطاعة الله، يعني: اعملوا بطاعة لأجل أيش؟ الشكر لله، ويحتمل أن تكون ﴿شُكْرًا﴾ مفعولًا به لـ﴿اعْمَلُوا﴾ يعني: اعملوا الشكر، والشكر هو الطاعة، ولكن هذا الوجه نَسْلَم فيه من التقدير، أما على الوجه الأول فإنه لا بد أن نُقَدِّر مفعول ﴿اعْمَلُوا﴾، الشكر عرفه العلماء بأنه: القيام بطاعة المنعم في القلب واللسان والجوارح، أما في القلب فأن تعتقد أن ما بك من نعمة فهي من الله، وأما في اللسان فأن تثني على الله بالنعمة؛ لا تذكر النعمة افتخارًا بها على الناس، وأما الجوراح فأن تقوم بطاعة الله سبحانه وتعالى فيما يختص بتلك النعمة أو بطاعته على سبيل العموم، والفرق بين هذا وهذا إذا قلنا: أن تقوم بطاعة الله فيما يختص بهذه النعمة، فإذا أنعم الله عليك بمال فشُكْرُه الزكاة والإنفاق وما أشبه ذلك، فإذا عصيت الله في غير ذلك لا يقال: إنك لن تقوم بشكر المال، أما إذا قلنا: إن الشكر أن تقوم بطاعة الله فيما يختص بهذه النعمة وفي غيرها، فإن الإنسان إذا أُنْعِم عليه بالمال وقام بحقه على الوجه الكامل، ولكنه يعصي الله سبحانه وتعالى في أمور أخرى يقال: إن هذا ليس بشاكر، ولكن قد نقول: إن الشكر نوعان:
شكر مطلق وهو الذي يقوم بطاعة المُنْعِم فيما أنعم به عليه فيه وفي غيره.
وشكر خاص مقيد بهذه النعمة المعينة، فيكون هذا الشاكر إذا قام بما يجب عليه في هذه النعمة المعينة شاكرًا، لكنه لا يُعْطَى وصف الشكور، ونظير ذلك ما سبق لنا في التوبة؛ أن التوبة تصح من الذنب مع الإصرار على غيره، لكن لا يستحق التائب وصف التوبة الملطلقة.
قال الله تعالى: (﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ العامل بطاعتي شكرًا لنعمتي) ﴿قَلِيلٌ﴾ خبر مقدم، والشكور مبتدأ مؤخر؛ لأن المقصود الإخبار عن الشكور بأنه قليل، يكون تقدير الآية (...)، والشكور من عبادي قليل، وقوله: ﴿مِنْ عِبَادِيَ﴾ هو متعلق بما بعده، فلمَّا قُدِّم عليه صار في موضع نصب على الحال؛ يعني الشكور حال كونه من عبادي قليل، وتعليل ذلك أن أكثر بني آدم أيش؟ غير شكور، بل هم ضالون، فبنو آدم يكون منهم تسع مئة وتسعة وتسعون في النار وواحد في الجنة، ولا شك أن واحدًا إذا نُسِبَ إلى المئة يكون قليلًا.
وقوله: ﴿مِنْ عِبَادِيَ﴾ المراد بالعبودية هنا العامة أو الخاصة؟ العامة الشاملة للكافرين وللمؤمنين.
(﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ﴾ أي على سليمان ﴿الْمَوْتَ﴾ أي مات) إلى آخره.
﴿قَضَيْنَا﴾ أي: قدَّرْنا عليه الموت فمات، والقضاء هنا قضاء قدري، وقضاء الله سبحانه وتعالى نوعان: قدري، وشرعي، فهنا ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ﴾ القضاء قدري، ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء ٤] هذا أيضًا قضاء قدري؛ أي: قدرنا عليهم ذلك.
والثاني قضاء شرعي، وهذا إذا تعلَّق بما أمر الله به فإنه قضاء شرعي، كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء ٢٣] فالقضاء هنا قضاء شرعي، إذ لو كان قضاءً قدريًّا لوقع، ولعَبَدَ الناسُ اللهَ كلهم بدون إشراك، هنا القضاء قدري.
﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ﴾ أي: قدرناه عليه فمات، قال: (ومكثَ قائمًا على عصاه حولًا ميتًا، والجن تعمل تلك الأعمال الشاقة على عادتها لا تشعر بموته حتى أكلت الأرضة عصاه فخرَّ ميتًا) نعم، كل هذا الذي ذكره المؤلف واضح من الآية، لما قضى الله عليه الموت بَقِيَ مدة لا تَعْلَم الجن أنه مات، وهم يعملون ولَّا لا؟ يعملون، تاعبين؛ لأنه قد كلَّفَهم بذلك، فمات وبقيَ متكئًا على عصاه. أولًا: المؤلف رحمه الله يقول: (بقيَ حولًا) تَقْييد هذا البقاء بالحول ليس عليه دليل، لكن لا شك أنه بَقِي مدة وهم يعملون بين يديه، ولا يَدْرُون أنه ميت، أما نُقَيِّدَه بحول أو بأقل أو بأكثر هذا يحتاج إلى دليل.
وقولنا: إنه متكئ على عصاه فيه دليل من الآية؛ لأنه قال: ﴿فَلَمَّا خَرَّ﴾ وهذا لا يمكن إلا وهو متكئ.
يقول: (﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ مصدر أُرِضَت الخشبة بالبناء للمفعول: أكلتها الأَرْضَة) كلمة (الأرض) هل المراد بها الجنس أي: الدابة التي تكون في الأرض أو المراد بها المصدر؟ المؤلف يرى أن المراد بها المصدر مأخوذ من قوله: أرضت الخشبة؛ يعني: أكلتها الأرضة؛ يعني: ما دلهم على موته إلا الدابة التي (...) الخشب (...)، فعليه يكون كلمة (أرض) مصدر أيش؟ أرض يأرض أَرْضًا، مثل ضَرَبَ يَضْرِب ضربًا، هذا تقرير كلام المؤلف رحمه الله، وما قرره رحمه الله بعيد من مفهوم الآية؛ لأنك عندما تفهم إلا دابة الأرض ما تفهم الذي قرره المؤلف أبدًا، بل الذي يتبادر إلى الذهن أن المراد بالأرض الجنس؛ يعني إلا الدابة التي تخرج من الأرض.
﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ فيها إشكال هذه زيادة؛ وهي أن (من) حرف جر، وهنا ﴿مِنْسَأَتَهُ﴾ منصوبة، كيف يكون هذا؟* طالب: اسم لا ينصرف.
* الشيخ: اسم لا ينصرف، الاسم الذي لا ينصرف إذا أضيف انصرف وهنا ﴿مِنْسَأَتَهُ﴾ مضافة إلى الهاء.
* طالب: اسم (...).
* الشيخ: كيف اسم؟! منين اسم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذه كلمة واحدة يعني، صح، هل كتبت (مِنْ) وحدها؟! عندك في المصحف.
* الطالب: لا.
* الشيخ: طيب.
* الطالب: التصوير قيل الصور ليست محرمة (...)؟
* الشيخ: ما يلزم كونهم صوَّروا تماثيلهم وعَبَدوها ما يلزم أنها تكون محرمة.
* الطالب: (...) صوَّر تماثيلهم (...).
* الشيخ: صحيح هذا، لكن قد يكون مباحة لكن هم توصلوا بها إلى محرم، يعني: من أسباب الشرك لا شك، على كل حال إحنا نقول في كلام المؤلف كلمة (تماثيل) ما دام إنها معنى التمثال كل شيء صورته على غيره، فلا يلزم أن تكون صُوَر حيوان،يمكن صور أشجار، وقصور وما أشبه ذلك.
* الطالب: (...).
* الشيخ: على كلام المؤلف يعني؟ جوابًا على سؤال مُقَدَّر، كيف يُصَوِّرون الحيوان مثلًا أو الإنسان؟ أجاب بأن الصورة في عهده ليست محرمة.
* الطالب: المحاريب (...)؟
* الشيخ: لا محراب المسجد يسمى طاقًا.
* طالب: داود حينما مات كان (...) وهو متكئ على عصاه؟
* الشيخ: أو سليمان قصدك.
* الطالب: إي، سليمان (...).
* الشيخ: لا أبدًا، هو متكئ على عصاه هكذا ومات وبقي هكذا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما (...) إلا بعد مدة.
* طالب: الأنبياء لا تأكلهم الأرض؟
* الشيخ: نعم صح.
* الطالب: (...) الصالحون؟
* الشيخ: لا، الصالحون ما نجزم أنها لا تأكلهم لكن لكن قد يُعْثَر على بعضهم لم تأكله الأرض، وأما الجزم للأنبياء فقط.
* فوائد الآية التي مرت علينا:
قال الله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾ * في هذه الآية فوائد منها: أن الله سبحانه وتعالى سخَّر الجن لسليمان يعملون له ما يشاء، وهذا لا يتأتى لأحد من البشر، نعم ربما تعمل الجن لبعض البشر أشياء لكن لا تكون قائمة بما شاء.
* ومن فوائدها: جواز البناء العالي؛ لقوله: ﴿مِنْ مَحَارِيبَ﴾.
* ومن فوائدها: جواز التماثيل، وهل يشمل التماثيل للحيوانات والأشجار والبحار والأنهار؟
نعم على كلام المؤلف يشمل؛ لأنه قال: (هذا كان قبل تحريم الصور)، وعلى الاحتمال الثاني: لا يشمل؛ لأن التماثيل تُطلَق على كل ما كان مثالًا على غيره ولا يلزم أن تكون على صورة الحيوان، فعلى رأي المؤلف يكون الحكم منسوخًا لشريعة النبي ﷺ * فيستفاد منها فائدة وهي: جواز النسخ في الأحكام الشرعية، وعلى الاحتمال الثاني: لا يكون دالًّا على جواز تماثيل الحيوانات.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان كثرة جنود سليمان وكرمه؛ لأن الجفان كالجوابي والقدور راسيات.
* ومن فوائدها: وجوب القيام بشكر الله عز وجل؛ لقوله: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾، والأمر في الأصل للوجوب.
* ومن فوائدها: أن الشاكر على النعمة قليل؛ لقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾، والمراد بهذه الجملة الحث على الشكر.
* ومن فوائدها: إثبات العبودية العامة الشاملة؛ لقوله: ﴿مِنْ عِبَادِيَ﴾ فإن المراد بها العبودية العامة الشاملة.
* ومن فوائدها: أن داود عليه الصلاة والسلام أبٌ لفخذٍ كامل من بني إسرائيل؛ لقوله: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ﴾ كما يقال: بنو تميم، بنو زُهْرة، وما أشبه ذلك.
ثم قال: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ ما كملناها أظن نعم نخليها إن شاء الله في المستقبل.
قال الله تعالى: ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ بالهمز وتركه بألف؛ يعني فيها قراءتان ﴿مِنْسَأَتَهُ﴾، القراءة الثانية: اجعل الهمزة ألفًا أي: ﴿مِنْسَاتَهُ﴾ ، ولهذا قال: (بالهمز وتركه)، ولكن إذا تركناه يكون (بألف؛ لأنها يُنْسَأ: يُطْرَد ويزجر بها).
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، عندنا: (يزجر).
إي نعم، كأن المؤلف رحمه الله يريد أن يُبَيِّن اشتقاق هذه الكلمة، وأنها من النسأ أي الطرد والزجر؛ فإن الإنسان يزجر بعصاه بحزها على مَنْ يوجه إليه الخطاب، ويطرد بها بالضرب، وهذا يدل على أن الكلمة عربية، ولكن بعض المفسرين يقول: إن الكلمة غير عربية، وأنها من الكلام الذي عُرِّب، وإذا كانت الكلمة من الكلام المعرَّب فإن لا يُشْتَق لها من العربية، كل كلمة لها اشتقاق من العربية فإنها تكون عربية، وعلى كل حال (...) من هذا سهل، المهم أن المنسأة هي العصا يُطْرَد بها الشيء ويزجر بها.
(﴿فَلَمَّا خَرَّ﴾ ميِّتًا ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ ) الجملة كما تشاهدون جملة شرطية، وأداة الشرط فيها ﴿لَمَّا﴾، وقد مر علينا أن (لما) تأتي لعدة معان: تكون شرطية، وتكون للنفي، وتكون بمعنى (إلا)، والرابع أن تكون ظرفًا بمعنى (حين).
هنا استُعملت شرطية بدليل أنه جاء بعدها شرط وجواب، ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ﴾.
نافية كقوله تعالى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص ٨] أي: لم يذوقوا عذاب.
وتأتي بمعنى (إلا) كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤] أي: إلا عليها حافظ.
وتأتي بمعنى (حين) أي: ظرفًا، مثل أن تقول: أكرمتني لمَّا زرتك، أي: حين زرتك، طيب، إذن تأتي على أربعة أوجه.
﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ ﴿تَبَيَّنَتِ﴾ أي: علمت وبان لها وفسرها المؤلف بقوله: (انكشف لهم ﴿أَنْ﴾ مخففة، أي: أنهم ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ﴾ ) ﴿أَنْ﴾ مخففة منين؟ من الثقيلة، وإذا خُفِّفَت الثقيلة وجب حذف اسمها، وكان خبرها جملة، فهنا الخبر ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾.
وإعرابها أن تقول: ﴿أَنْ﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن مستتر، وجملة ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ﴾ في محل رفع رفع خبرها (...).
وفي قول المؤلف: (أنهم) إشارة إلى ما سبق؛ أن قلنا: إن ضمير الشأن ينبغي أن يكون مناسبًا للمقام؛ فقد يكون مفردًا، وقد يكون جمعًا، وقد يكون للغائب، وقد يكون للمخاطب، خلافًا لما عليه أكثر النحويين حيث يُقَدِّرونه مفردًا للغائب ويقولون: (أنه) أي: الحال.
﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا﴾ ﴿لَوْ﴾ شرطية وجوابها ﴿مَا لَبِثُوا﴾، و(لو) تأتي شرطية، وتأتي مصدرية، وتأتي بمعنى (وَدَّ كذا)؛ فتأتي شرطية مثل هذه الآية، ومثل أن تقول: لو زرتني لأكرمتك، وتأتي مصدرية إذا جاءت بعد (وَدَّ) كقوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩] أي: أن تدهنوا، وهذا معنيان فقط.
طيب، هنا شرطية فعل الشرط فيها؟
* الطالب: ﴿مَا لَبِثُوا﴾.
* الشيخ: لا، فعل الشرط ﴿كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾، وجوابه ﴿مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾.
(﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ﴾ ومنه ما غاب عنهم من موت سليمان ﴿مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ العمل الشاق لهم لظنهم حياته خلاف ظنهم علم الغيب) وهذا واضح؛ لأنهم لو كانوا يعلمون الغيب لعلموا أنه مات قبل أن يَخِرَّ بسبب تَأَكُّل عصاه، ولعلهم كانوا يظنون أو يَدَّعون أنهم كانوا يعلمون الغيب، فأراد الله تعالى أن يُبَيِّنَ حالهم لهم ولغيرهم، وأنهم لا يعلمون الغيب، مع أن الغيب الذي حصل هنا ليس غيبًا مطلقًا، ولكنه غيب نِسْبِيٌّ؛ إذ إن مَنْ كان قريبًا جدًّا من سليمان فقد يعرف أنه مات.
يقول المؤلف: (ومنه ما غاب عنهم من موت سليمان ﴿مَا لَبِثُوا﴾ أي ما بقوا ﴿فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ الذي أَلْحَق بهم المهانة والذل) وقال المؤلف: (الشاق بظنهم حياته خلاف ظنهم علم الغيب) يعني: كانوا يظنون أنهم يعلمون الغيب، فلما خر ميتًا تبيَّن لهم أنهم لا يعلمون الغيب.
قال: (وعُلِمَ كونه سَنَةً بحساب ما أكلته الأَرْضَة من العصا بعد موته يومًا وليلة مثلًا) هذا جواب عما قيل: إنه بقي سنة وهو ميت ولم يُعْلَم به، يعني كأنه قال قائل: ما الذي أعلمكم بأنه سنة؟ قال: علمنا ذلك بالحساب؛ لأننا حسبنا ما أكلته الأرض يومًا وليلة من العصا فَقِسْنَا عليه ما مضى؛ فمثلًا إذا كانت تأكل في اليوم والليلة مثلًا سنتيمتر، عرفنا أنها تأكل في السنة ثلاث مئة وستين سنتيمتر، وعرفنا هذا من طول العصا، ولكن هذا في الحقيقة ليس متعينًا؛ إذ قد تأكل اليوم أكثر مما تأكله بالأمس أو بالعكس، وحتى نقول أيضًا: مَنِ الذي قال أنها أكلت في اليوم والليلة هذا المقدار حتى عُرِفَ به ما مضى؟ يحتاج إلى دليل؛ ولهذا الصواب أن ما سبق أن قلنا بأنه لا حاجة لنا إلى تقدير المدة التي لبثها سليمان، وأن مثل هذه الأمور لا يُرْكَن إليها ولا يُعْتَمد إلا إذا جاءت عن الشارع عن النبي ﷺ أو جاءت في كتاب الله، وأما ما يأتي عن بني إسرائيل في مثل هذه الأمور فإننا نقول: نقف فيه، لا نصدق ولا نكذب.
ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ [سبأ ١٥] إلى آخره.
الجملة هذه كما تعلمون مؤكدة بثلاثة مُؤَكِّدَات؟
* طالب: قد.
* الشيخ: هذه قد.
* الطالب: وكان.
* الشيخ: لا، كان ما من أدوات التأكيد، مُؤَكَّدة بثلاثة مؤكدات.
* الطالب: اللام، و(قد).
* الطالب: والقسم المقدر.
* الشيخ: والقسم المقدر، نعم، صح؛ لأن هذه على تقدير قسم أي: والله لقد كان لسبأ، و(كان) هنا تدل على مجرد الحدوث أي أنها مسلوبة الدلالة على الزمن؛ فإن هذه الآية باقية حتى الآن، كل من قرأ خبرها (...).
(﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾ بالصرف وعدمه: قبيلة سُمِّيَت باسم جَدٍّ لهم من العرب) سبأ اسم رجل يُسَمَّى سَبأً وكان من قحطان، واختلف المؤرخون النسَّابون في قحطان هل هو من العرب العاربة أو من العرب المستعربة؟ والمشهور أنهم من العرب العاربة الذين قبل إبراهيم، لكن روى البخاري «أن النبي ﷺ مَرَّ على قبيلتين من الأنصار كانوا يَتَرامَوْن بالنَّبْل فقال لهم النبي ﷺ: «ارْمُوا بَنِي إسْمَاعِيلَ فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا»[[أخرجه البخاري (٢٨٩٩) من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه.]]، وهذا يدل على أنهم عرب مستعربة؛ لأن الأنصار معروف أنهم -الأوس والخزرج- كلهم من قبائل اليمن من قحطان، نزلوا تفرقوا في البلاد بعد الغرق ونزلوا المدينة، وعلى هذا فيكون ظاهر حديث البخاري أن قحطان كلهم من بني إسماعيل.
والحاصل أن العلماء في النَّسَب يُقَسِّمون العرب إلى قسمين: ما كان قبل إبراهيم فهم عرب عاربة، وما كان بعده من ذريته فهم عرب مُستعرِبة.
المهم أن سبأ اسم لرجل كان له أولاد كثيرون جاء في الحديث أنهم عشرة، بقي منهم ستة في اليمن، وأربعة في الشام، وانتشروا في الأرض وكثروا.
وفيها قراءتان يقول المؤلف: (بالصرف وعدمه) ﴿لِسَبَإٍ﴾ هذا الصرف، وعدمه ﴿لِسَبَأَ﴾ .
يقول: (﴿فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ باليمن ﴿آيَةٌ﴾ )، المؤلف يقول: ﴿فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ أتى بالقراءة؛ قراءة الجمع، ولم أره ذكَر قراءة الإفراد، وفيها قراءتان سَبْعِيَّتان: قراءة الإفراد: ﴿فِي مَسْكَنِهِمْ﴾، وقراءة الجمع: ﴿فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ ، ولا خلاف بينهما في المعنى؛ لأن (مسكن) مفرد، والمفرد المضاف يَعُمُّ يشمل كل ما يدخل تحت هذا المعنى، ألم تروا إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم ٣٤]؟ فهنا (نعمة) مفرد وقال فيها: ﴿لَا تُحْصُوهَا﴾ إذن هي كثيرة، فـ(مسكن) من حيث المعنى بمعنى مساكن؛ لأنه مفرد مضاف، والمفرد المضاف يَعُمُّ.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا أنا عندي: ﴿مَسَاكِنِهِمْ﴾ عندكم في المصحف.
* طلبة: (...).
* الشيخ: لا اللي عندي هي اللي عليها خط المؤلف ﴿مَسْكَنِهِمْ﴾.
على كل حال ﴿مَسَاكِنِهِمْ﴾ قراءة سبعية، و﴿مَسْكَنِهِمْ﴾ قراءة سبعية أيضًا، والمسكن ما يَسْكُنُه الإنسان فيسكن فيه ويطمئن؛ كالبيوت والحدائق والبساتين وما إلى ذلك.
﴿آيَةٌ﴾ (آية) بمعنى علامة قال الله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس ٤١]، ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ١٩٧]؛ فالآية بمعنى العلامة الدالة على الشيء، هذه الآية دالة على أي شيء؟ دالة على قدرة الله عز وجل، وعلى نعمته، وعلى حكمته في النهاية.
و﴿آيَةٌ﴾ من ناحية الإعراب اسم (كان) مؤخر و﴿لِسَبَإٍ﴾ خبرها مقدم.
قال المؤلف: (آية دالة على قدرة الله)، وقلت أنا زيادة: وعلى إحسانه وإنعامه، وعلى حكمته في النهاية؛ لأن هذه المساكن -كما سيأتي- دَمَرَتْ بسبب إعراضهم.
قال: (﴿جَنَّتَانِ﴾ بدل) منين؟ بدل من ﴿آيَةٌ﴾، ويجوز أن تكون عطف بيان؛ لأنها بيَّنت الآية ووضَّحَتْها، والجنة هي البستان الكثير الأشجار؛ سميت بذلك لأنها تُجِنُّ مَنْ فيها أي: تَسْتُرُه، وقد علمنا سابقًا أن هذه المادة وهي الجيم والنون تدور على معنى الاستتار والخفاء.
﴿جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ يقول: (عن يمين واديهم وشماله) وكان هذا الوادي بين جبال، وكان على أطراف هذا الوادي هذه الجنان العظيمة من الأشجار المتنوعة الكثيرة الثمار، وكانوا في أحسن ما يكون من الرغد والهنا والأمن.
يقول: ﴿عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ يعني: إذا كانت على يمين الوادي وشماله صار لها أيضًا منظر بديع رهيب جذَّاب، يقول الله عز وجل: (﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ على ما رزقكم من النعمة في أرض سبأ) إلى آخره؛ يعني أن الله سبحانه وتعالى جعل في هذه الجنتين جعل فيها خيرًا كثيرًا، وجعل تناولُها مُيَسَّرًا؛ ولهذا قال: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ مما يدل على أن الأمر صعب ولَّا ميسر؟ ميسر، كما لو قدمت لك طعامًا وقلت: كُلْ، إذن فهذه الجنات تعطي ثمارها بدون مشقة، بل باليسر والسهولة.
وقوله: ﴿مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ الرزق بمعنى العطاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء ٨].
وقوله: ﴿مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ الرَّبُّ تقدم لنا أن معناه الخالق المالك المُدَبِّر، والربوبية هنا ربوبية خاصة لعنايته سبحانه وتعالى بهم بما أعطاهم في هذه الجنات.
﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ هذا هو الذي يُطالَبون به جزاءً أو إظهارًا لنعمة الله سبحانه وتعالى عليهم، والشكر تقدَّم أنه يتعلق بالقلب واللسان والجوارح؛ يعني: فاعترفوا بأن هذه النعمة من أين؟ من الله، وأَثْنُوا على الله تعالى بها، وقوموا بجوارحكم بطاعته حتى تؤدوا الشكر على الوجه المطلوب منكم.
(﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ على ما رزقكم من النعمة في أرض سبأ) ﴿اشْكُرُوا لَهُ﴾ أحيانًا تتعدى (شكر) بنفسها فيقال: شكرت الله، ويقال: شكرت له، فهي من الأفعال التي جاءت في اللغة العربية لازمة ومتعدية، متى تكون لازمة؟ ﴿لَهُ﴾، تكون لازمة إذا جاء حرف الجر ﴿لَهُ﴾، وتكون متعدية إذا لم يأت حرف الجر، فإذا قلت: شكرت الله صارت متعدية، وإذا قلت: شكرت لله صارت لازمة.
قال: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ ويش إعراب ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾؟
* الطالب: خبر لمبتدأ محذوف.
* الشيخ: ويش التقدير؟
* الطالب: هذه البلدة.
* الشيخ: أو هي بلدة، نعم.
(﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ ليس فيها سباخ ولا بعوضة ولا ذبابة ولا برغوث ولا عقرب ولا حية، ويمر الغريب فيها وفي ثيابه قمل فيموت لطيب هوائها) هذا (...)! إنما نقول: هي بلدة طيبة، أما كونه غريب يأتي من البر وفي ثيابه القمل فيموت القمل لطيب الهواء، فالله أعلم، لكن نقول: لا شك أن وصف الله إياها بالطيبة أنها من أحسن البلاد في هوائها، وفي قَرِّها وفي حرها، ليس فيها الحر الشديد ولا القَرّ القارص، وليس فيها عفونة الهواء والماء وما أشبه ذلك، فخُذْ بما شئت من طيب المسكن في كل ما يُسَمَّى طيبًا.
﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ يعني يقول: واللهُ ربٌّ غفور، غفور لماذا؟ غفور للذنوب، فمنَّ الله عليهم بنعمتين: نعمة السكن وطيبه، ونعمة المغفرة، فيكون في نعمة المغفرة السلامة من الآثام وعقوباتها في الآخرة، وفي البلدة الطيبة السلامة من الآفات في الدنيا.
والغفور صيغة مبالغة، واسم الفاعل منها غافر، وهي مأخوذة من الغَفر بمعنى الستر مع الوقاية، ومنه قولهم: المِغْفَر الذي يلبسه الإنسان ليتقي به السهام في الحرب، ففيه تغطية وستر وفيه أيضًا وقاية، وهكذا مغفرة الذنوب فإن معناها أن الله يستر عليك الذنب ويقيك عقوبته.
(﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ ﴿فَأَعْرَضُوا﴾ عن شكره وكفروا ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ﴾ ) إلى آخره.
الفاء هنا عاطفة يعني أنهم مع هذه النعم -جنات بساتين عظيمة، وبلد طيب، مغفرة للذنوب إذا قاموا بطاعة الله- قال: ﴿فَأَعْرَضُوا﴾ أعرضوا عن أيش؟ يقول: أعرضوا عن شكر الله وكفروا، فأعرضوا عن الشكر، وقابلوا هذه النعمة بالكفر، فماذا كانت عاقبتهم؟ قال: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ الفاء هنا عاطفة وتفيد السببة أيضًا أي: فبسبب إعراضهم أرسلنا عليهم سيل العرم، وهذه سُنَّة الله سبحانه وتعالى في خلقه كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل ١١٢]، هؤلاء أعرضوا فدمَّر الله ديارهم.
(﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ جمع عرمة، وهو ما يُمْسِك الماء من بناء وغيره إلى وقت حاجتهم أي: سيل واديهم الممسوك بما ذُكِر، فأغلق جَنَّتَيْهم وأموالهم).
﴿سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ ﴿الْعَرِمِ﴾ بمعنى السد؛ يعني أن هذا السيل منسوب إلى السد، أو بمعنى سيل العرم من باب إضافة الشيء إلى صفته؛ أي: السيل العارم الجارف الذي يُتْلِف كل ما مَرَّ عليه، والمعنى أن الله سبحانه وتعالى أرسل عليهم سيلًا عظيمًا؛ وذلك بفساد السد الذي جعلوه بين هذه الجبال، وكان هذا السد المنيع تجتمع فيه السيول وتمتصها الأرض وتخرج في العيون فلما تصدَّع هذا السد جرت المياه بغير تقدير، وذلك بقدرة الله سبحانه وتعالى فقال: ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ يقول: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ الجنان السابقة أو الجنتان السابقتان كلها ثمار طيب يُؤكَل ويُنتَفع به بالبيع والشراء، وغير ذلك. أما البدل فيقول: (﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ﴾ تثنية ذوات مفرد) كذا عندكم؟ مفرد على الأصح، عندكم تثنية ذوات ولَّا ذات؟
* طلبة: ذوات.
* الشيخ: طيب، هو في الأصل (ذات) المفرد، و(ذوات) للجمع، فثُنِّيَ الجمع، وصارت ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ﴾، ويُمْكِن أن يُقال خلاف كلام المؤلف، فيقال: إن الأصل (ذات) لكن لما ثُنِّيَ عادت الواو، فصارت ﴿ذَوَاتَيْ﴾ أي: صاحبتي؛ لأن (ذات) بمعنى صاحبة؛ قال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج ١] أي: صاحبة البروج.
﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ قال المؤلف: (مُرٍّ بَشِعٍ بإضافة أُكُل بمعنى: مأكول وتركها، ويعطف عليه ﴿وَأَثْلٍ﴾ ) يعني أن فيها قراءتين: ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلِ خَمْطٍ﴾ هذه الإضافة، وتركها ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾، أما الإضافة واضحة ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلِ خَمْطٍ﴾ يعني: أنها الأُكُل يُخْمَط خمطًا وهو شجر الأراك كما فسَّره بذلك ابن عباس رضي الله عنهما، والأراك هي المساويك هذه، لها أوراق بسيطة جدًّا، وليست بذاك اللذيذة؛ ولهذا يقول المؤلف: (مُرٍّ بَشِع) بدل الفواكه والخُضَر والزروع وغيرها، ويقول: ﴿أُكُلٍ﴾ بمعنى مأكول؛ يعني: ذواتي مأكول يُخْمَطُ خَمْطًا، ﴿وَأَثْلٍ﴾ أثل بدل الأشجار المُثْمِرة البهيجة صار بدلها أثل، والأثل بعضهم قال: هو الطرفة، والصحيح أنه غير الطرفة؛ لأن الطرفة تكون صغيرة ما تكبر، والأثل معروف يقول.
* الطالب: الأراك هل هو الأكل ولَّا الخمط؟
* الشيخ: لا، الخمط.
* الطالب: والأكل؟
* الشيخ: لا، أكل يعني معناه أنه يُؤْكَل خَمْطًا.
قال: ﴿وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ هنا قال: ﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ﴾، وهناك قال: ﴿خَمْطٍ وَأَثْلٍ﴾؛ لأن السدر أحسن هذه الأنواع الثلاثة، ولم يُعْطَوا منه إلا الشيء القليل، ﴿شَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ﴾ وأيضًا قليل، مع أن كلمة ﴿شَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ﴾ تدل على القلة لكنها أُكِّدَت هذه القلة بقوله: ﴿قَلِيلٍ﴾.
الخلاصة الآن أن هؤلاء لما أعرضوا ولم يقوموا بشكر الله عز وجل أرسل الله عليهم السيل فأغرق أموالهم وهدَّم بناءهم وأبدلهم بهاتين الجنتين جنتين لا يساويان ولا يُقارِبان ما سبق؛ ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ﴾ ليس بالكثير، ﴿أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ والمؤلف قال: (إنه مُرٌّ بشع)، ﴿وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ بدل تلك الجنات العظيمة المفيدة النافعة.
﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾ (﴿ذَلِكَ﴾ التبديل ﴿جَزَيْنَاهُمْ﴾ ) ولو قال: المؤلف ذلك التبديل وإرسال السيل لكان أعمَّ وأشملَ، أو لو قال: ذلك المذكور لكان أشمل، (﴿جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾ بكفرهم ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ )؛ ﴿جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾ قال المؤلف: (بكفرهم) فأفادنا أن (ما) مصدرية وأما الباء فهي للسببية؛ أي: جزيناهم هذا الجزاء بإغراق أموالهم وهدم بنائهم وإبدال الجنتين بهاتين الجنتين.
﴿بِمَا كَفَرُوا﴾ أي: بسبب كفرهم، ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ ﴿وَهَلْ يُجَازَى إِلَّا الْكَفُورُ﴾ (بالياء والنون مع كسر الزاي ونصب الكفور أي: ما يُناقَش إلا هو).
في قوله: ﴿هَلْ نُجَازِي﴾ قراءتان ﴿نُجَازِي﴾ وعلى هذه القراءة يجب نصب ﴿الْكَفُورَ﴾، على أنها مفعول به، القراءة الثانية: ﴿يُجَازَى﴾ وعليه تُرْفَع الكفور على أنها نائب فاعل، والاستفهام هنا بمعنى؛ النفي لأنه عُقِّب بـ﴿إِلَّا﴾ فيكون ﴿هَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ أي: ما نجازي إلا كفور، والمجازاة هنا بمعنى المناقشة، أو بمعنى المكافئة على الفعل، و﴿الْكَفُورَ﴾ صيغة مبالغة أي: ذو الكفر بالله سبحانه وتعالى، والله أعلم.
* طالب: (...).
* الشيخ: عام يشمل هذا وهذا، يعني: ما نجازي بالعقوبات إلا مَنْ كفر بالله سواء كان كفرَ نعمةٍ فيُجازى على قَدْرِ ذنبه أو كفرًا مخرجًا عن الملة، ليس المراد جَنَّتَيْنِ يعني بستانَيْنِ واحد يمين وواحد يسار، المراد بساتين لكن قال العلماء: لما كانت هذه البساتين متصلة صارت كأنها بستان واحد، ولَّا معلوم لو كان بستان وبستان ما هي بآية يعني بسيطة هذه، لكنها بساتين متصل بعضها ببعض على يمين الوادي وشمال الوادي، فلما كان متصلًا بعضها ببعض صارت كأنها واحدة، كأنها جنة واحدة عن اليمين وجنة واحدة عن الشمال.
﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية: أولًا: أن الموت غاية كل حي وإن عظم ملكُه، فإن سليمان كان من أعظم الملوك ملكًا، ومع ذلك لم ينقذه ملكه من الموت.
* ومنها: أن الأمور كلها إلى الله؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾.
* ومنها: أن الله سبحانه وتعالى موصوف بالعظمة والجلال والكمال؛ لأن (نَا) هنا ليست للتعدد ولكنها للتعظيم، لأن كلمة (...) تدل إما على التعدد، وإما على التعظيم، والتعدد هنا ممتنع فيتعين أن تكون للتعظيم.
* ومنها: أن الشيئ الحقير قد يفعل شيئًا عظيمًا كبيرًا؛ يؤخذ من قوله: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾، وهذا شيء جرت به سنة الله عز وجل أن الشيء قد يكون حقيرًا لكن يترتب عليه أمر عظيم، فنحن الآن لا نعرف كيف نَقْبُر موتانا إلا بدلالة الغراب، أليس كذلك؟ أيضًا جميع المباني الهندسية الفخمة الجميلة عُرِفَت من صنيع النحل، أيضًا كل ما حدث من الآلات التي يُحْدِثها الناس الآن تجدهم يشبهونها بمخلوقات الله عز وجل كالطائرات وغيرها، بهذا نعرف أن الأشياء الحقيرة قد تكون مفيدة للإنسان فائدة عظيمة ويترتب عليها أمور خطيرة.
* ومنها: أن إضافة الشيء إلى سببه المعلوم جائزة؛ لقوله: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ فأضاف الدلالة إلى دابة الأرض، مع أن الدابة هل هي أكلت العصا لأجل أن تدل الجن على موت سليمان؟ لا، لكنها سبب، فإضافة الشيء إلى سببه المعلوم شرعًا أو حسًّا جائزة حتى وإن لم يُذْكَر فيها لفظ الجلالة، فمثلًا إذا قلت: لولا فلانٌ لهلكت، وصحيح أن فلانًا هو الذي أنقذك فهذا جائز إذا لم تعتقد أن هذا السبب هو الفاعل الوحيد، والممنوع أن تضيف الشيء إلى سببه مع الله مقرونًا بالواو أو تضيف الشيء إلى سبب غير معلوم سببيته لا من الشرع ولا من الحس؛ لأن هذا يكون من باب الأوهام والتخييلات.
* ومن فوائد الآية: الحذر أو التحذير من دابة الأرض ولَّا لا؟ إي نعم، ما دام تأكل الأخشاب وتأكل هذه الأشياء فاحذر منها، وكم من إنسان أفسدت عليه دابة الأرض مكتبته القيِّمَة التي تساوي شيئًا كثيرًا؛ ولهذا انتبهوا، لا تأكل الأرضة عليكم كتبَكم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إضافة الفعل أو إضافة الشيء إلى مَنْ لم يقم به باختياره؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾، فالخرور قد يُضاف إلى الفاعل بالاختيار، وقد يضاف إلى الفاعل بغير الاختيار، فتقول: خرَّ الماء، وتقول: خَرَّ ميِّتًا، وقال الله عز وجل: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ [السجدة ١٥]، ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسراء ١٠٩]، هذا بالاختيار.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجن لا يعلمون الغيب، والدلالة على ذلك واضحة؛ ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾.
* ومنها: أن الأمور الحسية الواقعة أدلة برهانيَّة، وهذه الفائدة معناها الاستدلال بالأمور..
ليس المراد جَنَّتَيْنِ يعني بستانَيْنِ واحد يمين وواحد يسار، المراد بساتين، لكن قال العلماء: لما كانت هذه البساتين متصلة صارت كأنها بستان واحد، ولَّا معلوم لو كان بستان وبستان ما هي بآية، يعني بسيطة هذه، لكنها بساتين متصل بعضها ببعض على يمين الوادي وشمال الوادي، فلما كان متصلًا بعضها ببعض صارت كأنها واحدة، كأنها جنة واحدة عن اليمين وجنة واحدة عن الشمال.
* الفوائد:
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية: أولًا: أن الموت غاية كل حي وإن عظم ملكُه، فإن سليمان كان من أعظم الملوك ملكًا، ومع ذلك لم ينقذه ملكه من الموت.
* ومنها: أن الأمور كلها إلى الله؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾.
* ومنها: أن الله سبحانه وتعالى موصوف بالعظمة والجلال والكمال؛ لأن (نَا) هنا ليست للتعدد ولكنها للتعظيم، لأن كلمة (نا) تدل إمَّا على التعدد، وإما على التعظيم، والتعدد هنا ممتنع فيتعيَّن أن تكون للتعظيم.
* ومنها: أن الشيئ الحقير قد يَفْعَل شيئًا عظيمًا كبيرًا؛ يؤخذ من قوله: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾، وهذا شيء جرت به سنة الله عز وجل أن الشيء قد يكون حقيرًا لكن يترتب عليه أمر عظيم، فنحن الآن لا نعرف كيف نَقْبِر موتانا إلا بدلالة الغراب، أليس كذلك؟ أيضًا جميع المباني الهندسية الفخمة الجميلة عُرِفَت من صنيع النحل، أيضًا كل ما حدث من الآلات التي يُحْدِثها الناس الآن تجدهم يشبهونها بمخلوقات الله عز وجل كالطائرات وغيرها، بهذا نعرف أن الأشياء الحقيرة قد تكون مفيدة للإنسان فائدة عظيمة ويترتب عليها أمور خطيرة.
* ومنها: أن إضافة الشيء إلى سببه المعلوم جائزة؛ لقوله: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ فأضاف الدلالة إلى دابة الأرض، مع أن الدابة هل هي أكلت العصا لأجل أن تدل الجن على موت سليمان؟ لا، لكنها سبب، فإضافة الشيء إلى سببه المعلوم شرعًا أو حسًّا جائزة حتى وإن لم يُذْكَر فيها لفظ الجلالة، فمثلًا إذا قلت: لولا فلانٌ لهلكت، وصحيح أن فلانًا هو الذي أنقذك، فهذا جائز إذا لم تعتقد أن هذا السبب هو الفاعل الوحيد، والممنوع أن تضيف الشيء إلى سببه مع الله مقرونًا بالواو أو تضيف الشيء إلى سبب غير معلوم سببيته لا من الشرع ولا من الحس؛ لأن هذا يكون من باب الأوهام والتخييلات.
* ومن فوائد الآية: الحذر أو التحذير من دابة الأرض ولَّا لا؟ إي نعم، ما دام تأكل الأخشاب وتأكل هذه الأشياء فاحذر منها، وكم من إنسان أفسدت عليه دابة الأرض مكتبته القيِّمَة التي تساوي شيئًا كثيرًا؛ ولهذا انتبهوا، لا تأكل الأرضة عليكم كتبَكم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إضافة الفعل أو إضافة الشيء إلى مَنْ لم يقم به باختياره؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾، فالخرور قد يُضاف إلى الفاعل بالاختيار، وقد يضاف إلى الفاعل بغير الاختيار، فتقول: خرَّ الماء، وتقول: خَرَّ ميِّتًا، وقال الله عز وجل: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ [السجدة ١٥]، ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسراء ١٠٩]، هذا بالاختيار.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجن لا يعلمون الغيب، والدلالة على ذلك واضحة؛ ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾.
* ومنها: أن الأمور الحسية الواقعة أدلة برهانيَّة، وهذه الفائدة معناها الاستدلال بالأمور الحسية؛ لأن الله استدل على كونهم لا يعلمون الغيب بأنهم بقوا مُعَذَّبين مما يعملونه من الأعمال الشاقة، فلك أن تستدل على الأمور المعقولة بالأمور المحسوسة، وهذا شيء معروف.
* ومن فوائد الآية: أن الجن ذو عقول؛ لقوله: ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ وهو كذلك، لأن الله تعالى أعطاهم عقولًا يهتدون بها إلى مصالح دينهم ودنياهم.
* ومنها: تسمية الأعمال الشاقة عذابًا؛ لقوله: ﴿مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ﴾ مع أن سليمان عليه الصلاة والسلام لم يجعلهم يعملون له ما يشاء عقوبة لهم ولكنه تكليف، وبهذا نعرف أن العذاب قد يُطْلَق على ما ليس بعقوبة، كما في قوله ﷺ: «إِنَّ السَّفَرَ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٠٤)، ومسلم (١٩٢٧/١٧٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ إلى آخره فيها دليل على استعمال التأكيد في الأمور الهامة، وإن لم يكن المخاطب مُنْكِرًا أو مترددًا، تؤخذ من تأكيد هذه القصة في قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾؛ لأن التأكيد -كما نعلم- إنما يجب في مخاطبة المنكر، ويحسُن في مخاطبة المتردد، ويكون على خلاف البلاغة فيما عدا ذلك، هذا هو المعروف عند علماء البلاغة، ولكن بتأمل ما ورد في القرآن الكريم نجد أن الأمور الهامة -وإن خوطب بها من لا ينكرها أو يتردد فيها- نجد أن الله تعالى يؤكدها كما في هذه القصة وغيرها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: هذه الآية العظيمة الدالة على قدرة الله وحكمته، وهي قصتهم على سبيل العموم أنهم مُنَعَّمُون في ديارهم وبساتينهم وقصورهم وغير ذلك، فلما أعرضوا انقلبت الحال، ففيها عبرة، فيها آية من وجوه كثيرة آية دالة على قدرة الله، آية يعني: عبرة لمن عصى الله عز وجل، عبرة لمن أطاع الله، أية دالة على حكمة الله، فبالتأمل لهذه الآية تجد فيها أصنافًا وأنواعًا من الآيات، طيب الآن شرحنا هذه الآيات قلنا: آية دالة على قدرة الله؛ حيث خلق لهم هذه البساتين العظيمة ثم أبدلها بأخرى لا تساويها بشيء، دالة على أيش؟ على حكمته عز وجل؛ حيث أعطاهم ذلك الخير حين كانوا مُقْبِلين على الله، وسلَبَهُم إياه حين أعرضوا واستكبروا عن طاعته، آية للمعتبرين من أهل المعاصي؛ فإن فيها تحذيرًا لهم من أن تزول نعمة الله عليهم بسبب معاصيهم، آية للطائعين حيث يعتبرون بها بأنهم ما داموا على طاعة الله فإن نعمة الله تدور عليهم، هذه أربعة أوجه من كونها آية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه الجنات تُؤْتِي أُكُلَها على وجه واسع؛ لقوله: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: وجوب الشكر لله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾، والشكر واجب عقلًا كما هو واجب شرعًا؛ أما وجوبه الشرعي فالآيات في الأمر به كثيرة، وأما وجوبه العقلي فلأن العقل الصريح يقتضي أن كل من أحسن إليك فإنك تشكره على ذلك، ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله، يعني: كل أحد يرى أنه من الخطأ أن يسدي إليك إنسان ما يسدى من الخير، ثم تَتَنكر له ولا تقوم بشكره كل يعرف أن هذا خطأ، وأن الواجب أن تشكر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن بلاد الله تنقسم إلى طيب وخبيث؛ لقوله: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾، وما نوع الطيب في هذه البلدة؟ هل هو طيب الأرض، أو طيب الهوى، أو طيب الثمار؟ الجواب: يَعُمُّ كل ذلك؛ قال الله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف ٥٨].
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات ربوبية الله عز وجل ومغفرته؛ في قوله: ﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾.
ثم قال الله عز وجل ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ [سبأ ١٦] إلى آخره.
* من فوائد الآية الكريمة: بيان حال هؤلاء القوم أنهم بدَّلوا نعمة الله كفرًا، وكان الله عليهم أن أنعم الله عليهم بهذه النعم أن يشكروه ويقوموا بطاعة الله، لكنهم أعرضوا.
* ومن فوائدها: عقوبة المعرضين بما تقتضيه حكمة الله، وقد قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت ٤٠]، فالعقوبات دائمًا تكون من جنس العمل، فهؤلاء لما بطروا نعمة الله وكفروا به بسبب هذه الجنات أُبْدِلُوا بجنات سيئة بالنسبة لما نُعِّمُوا به من قبل.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: إثبات الأسباب، من أين تؤخذ؟ ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا﴾، فجعل الله تعالى سبب الإرسال إعراضهم.
* ومن فوائدها: أن المعاصي سبب لزوال النعم؛ لقوله: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا﴾، بينما كانوا مُنَعَّمين، لما أعرضوا أرسل الله عليهم هذا السيل المدمر، وهذا له شواهد في القرآن كثيرة؛ منها قوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل ١١٢]، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف ٩٦ - ٩٩].
* ومن فوائدها: أن المطر الذي هو نعمة ورحمة قد يكون نِقْمَة وعذابًا؛ لقوله هنا: ﴿سَيْلَ الْعَرِمِ﴾، فإن السيل في الأصل -الذي هو إجتماع المطر حتى يتدفق- الأصل أنه خير، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ﴾ [السجدة ٢٧] وهذا خير ولَّا لا؟ خير، ولكن أحيانًا يكون عذابًا.
* ومن فوائدها: بيان ضلال أولئك القوم الذين إذا أصابتهم مثل هذه المصائب من الفيضانات وما أشبهها لم يتأثروا لذلك، ويقولون: هذا مقتضى الطبيعة، فإن هذه الفيضانات التي تُدَمِّر إنما هي عقوبة من الله عز وجل عقوبة ليبتلي بها أولئك المعذبين ويرتدع بها من كان على شاكلتهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل بإرسال هذه السيول الجارفة التي أغرقت ثمارهم وزروعهم ونبت بعد هذه الثمار والزروع نبت ﴿خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ﴾، ما هو سدر، شيء من سدر قليل، فبدل تلك الجنات العظيمة صار هذا حل محلها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الحكمة في أن الله عز وجل جعل بدل الجنتين جنتين أُخْرَيَيْنِ؛ لأن الطاعة نور وصلاح وفلاح فيناسبها الجزاء بالعطاء، والمعصية ظلمة وفساد فناسبها أن يكون فيها هذا البَدَل السيئ بالنسبة لما قبله.
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ ١٧] ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾ في هذا دليل على أن الله عز وجل لا يُجازِي أحدًا بعقوبة إلا بفعله؛ لقوله: ﴿بِمَا كَفَرُوا﴾.
* وفيها أيضًا: إثبات الأسباب؛ لأن الباء هنا للسببية.
* وفيها: الفرق بين (يجزي) و(يجازي)؛ فهنا قال: ﴿هَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾، لكن (نجزي) في الثواب، و(نجازي) في العقاب، هكذا قال بعض العلماء فتقول للكافر: جازاك الله، وتقول للمسلم: جزاك الله، ففي الخير نقول: جزى، وفي الشر نقول: جازى؛ ووجه ذلك أن الخير عطاء محض، وأما العقوبة فهي مجازاة ومكافأة؛ ولهذا نقول: جازاه، يصاغ الفعل على صيغة المفاعلة، والمفاعلة تكون في الأصل من طرفين.
سبأ 34:17
ثم قال الله عز وجل: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾ إلى آخره، ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ﴾ لمَنْ؟ لسليمان، وهذا كالتفصيل لقوله: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ كأنه قيل: ماذا يعملون؟ ففصَّل، وقال: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾، ﴿مِنْ﴾ بيانية مبينة للإبهام في الاسم الموصول وهو قوله: ﴿مَا يَشَاءُ﴾، لأن ﴿مَا﴾ اسم موصول، ونحن نعلم جميعًا أن الاسم الموصول من الأسماء المبهمة، فقوله: ﴿مِنْ مَحَارِيبَ﴾ بيان لـ﴿مَا﴾.
﴿مِنْ مَحَارِيبَ﴾ يقول المؤلف: (أبنية مرتفعة يُصْعَد إليها بدرج) هذه المحاريب، فالمحاريب عبارة عن أبنية مرتفعة ذاتِ أسوار مَنِيعة، قال الله تعالى في داود: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص ٢١]، هذا واحد. (﴿وَتَمَاثِيلَ﴾ جمع تمثال وهو كل شيء مَثَّلْتَه بشيء أو صور من نحاس وزجاج ورخام، ولم يكن اتخاذ الصور حرامًا في شريعته) التماثيل جمع تمثال، وهو ما صُوِّر عل مثال شيء آخر، فكل ما صُوِّرَ على مثال شيء آخر فإنه يقال: تمثال له، وعلى هذا فيمكن أن نقول: لمن صَوَّر صورة شجرة، ونَحَتَها من جسم، نقول له: إن هذا تمثال للشجرة، وكذلك نقول لمن نحت خشبًا أو حجرًا على صورة حيوان نقول: إن هذا تمثال.
والمؤلف جزم بأن المراد بالتماثيل (ما كان تمثالًا لحيوان)؛ ولهذا قال: (كل شيء مثلته بشيء -هذا أصل التمثال- أي صور نحاس وزجاج ورخام) النحاس معروف، والزجاج أيضًا معروف، والرخام كذلك.
يقول: (ولم يكن اتخاذ الصور حرامًا في شريعته) وهذا مبني على أن المراد بالتماثيل تماثيل ما يحرُم تصويره كالحيوان من إنسان وغيره، ولكن نقول: إن هذا لا يلزم؛ أي: لا يلزم أن يكون المراد بالتماثيل هي صور الحيوان؛ فمن الجائز أن ينحتوا له مما ذكر من النحاس والزجاج والرخام أن ينحتوا له أشياء على صور شجر، ويقال: إن هذا تمثال، فيه الآن مُجَسَّمات يجعلوها على صورة نخلة، على صورة سيف، على صورة قصر، وما أشبه ذلك، نقول: هذا تمثال ولَّا لا؟ تمثال، وفيه أيضًا مجسمات على صورة حيوان؛ أسد، أو جمل، أو بقر، أو ما أشبه ذلك، هذا أيضًا تمثال.
فنحن الآن نقول: إن كان قوله: ﴿مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ﴾ إنه عام لتمثال الحيوان والأشجار وغيرها فنحتاج حينئذ أن نجيب بما أجاب به المؤلف، وهو أن الصور في شريعته ليست حرامًا، ولكن ما دام الأمر غير لازم؛ إذ من الممكن أن تكون التماثيل التي يأمرهم بها تماثيل أشياء يجوز تصويرها فلا حاجة إلى هذا الجواب.
(﴿وَجِفَانٍ﴾ جمع جفنة ﴿كَالْجَوَابِ﴾ جمع جابية وهي حوض كبير)، ﴿جِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾ الجفان ما هي؟ الصَّحْفَة التي يوضع فيها الطعام، ﴿كَالْجَوَابِ﴾ جمع جابية، والجابية هي الحوض الكبير، ومنه البِرْكَة تسمى جابية حتى الآن يسمون البِرَك يسمونها جوابي، هذه الجفان على ما تقتضيه الآية الكريمة جفان كبيرة واسعة.
يقول المؤلف يبين لنا سعتها: (يجتمع على الجفنة ألف رجل يأكلون منها)، وهذا قد يكون واقعًا، وقد يكون الأمر أكبر من هذا، وقد يكون دون هذا، المهم أن هذه الجفان لعظمها وسعتها وكِبَرِها مثل أيش؟ مثل الجوابي، وهي الأحواض الكبيرة يعني البرك.
(﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ ثابتات لها قوائم لا تتحرك عن أماكنها تُتَّخَذ من الجبال باليمن يصعد إليها بالسلالم) ﴿قُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ قال العلماء: الراسي الثابت، والقدور جمع قِدر وهو ما يطبخ فيه الطعام، وإنما كانت راسية لكبرها، كبيرة راسية في الأرض، فهي لكبرها لا يستطيع أحد أن يتناولها ويقُلِّبها، والعادة أن القدور راسية ولَّا منقولة؟ منقولة مقلبة، لكن هذه لكبرها وسعتها (...) راسية ما تتحرك.
وقول المؤلف: (لها قوائم) ما المراد بالقوائم؟ المناصب التي تُنْصَب عليها، أرجل يعني، يقول رحمه الله: (تُتَّخذ من الجبال باليمن) هذا ليس بلازم أنها متخذة من الجبال، وإن كانت القدور قد تُتَّخذ من النحاس والحديد، وكذلك من الأحجار يمكن تُنْحَت وتكون قِدْرًا، ويمكن أن تُجْعَل طينًا ويتخذ منها الفخار، ولكن ليس بلازم، يعني تتخذ من الحديد والنحاس ومن الأحجار ومن غير ذلك.
(وقلنا: ﴿اعْمَلُوا﴾ يا﴿آلَ دَاوُودَ﴾ بطاعة الله ﴿شُكْرًا﴾ له على ما آتاكم) أفادنا المؤلف رحمه الله أن ﴿اعْمَلُوا﴾ جملة في محل نَصْبٍ لقول محذوف التقدير: قلنا: اعملوا آل داود، وأما ﴿آلَ دَاوُودَ﴾ فهي منصوبة بياء النداء المحذوفة أي: يا آل داود، وآل داود هنا ذريته وقرابته؛ لأن الله تعالى أنعم على هذه القبيلة -قبيلة داود- بنعم عظيمة أنعم على أبيهم وعلى ابنه سليمان.
وقوله: ﴿شُكْرًا﴾ أفادنا بتقدير الشكر لله على أن ﴿شُكْرًا﴾ مفعول من أجله، وأن مفعول ﴿اعْمَلُوا﴾ محذوف تقديره بطاعة الله، يعني: اعملوا بطاعة لأجل أيش؟ الشكر لله، ويحتمل أن تكون ﴿شُكْرًا﴾ مفعولًا به لـ﴿اعْمَلُوا﴾ يعني: اعملوا الشكر، والشكر هو الطاعة، ولكن هذا الوجه نَسْلَم فيه من التقدير، أما على الوجه الأول فإنه لا بد أن نُقَدِّر مفعول ﴿اعْمَلُوا﴾، الشكر عرفه العلماء بأنه: القيام بطاعة المنعم في القلب واللسان والجوارح، أما في القلب فأن تعتقد أن ما بك من نعمة فهي من الله، وأما في اللسان فأن تثني على الله بالنعمة؛ لا تذكر النعمة افتخارًا بها على الناس، وأما الجوراح فأن تقوم بطاعة الله سبحانه وتعالى فيما يختص بتلك النعمة أو بطاعته على سبيل العموم، والفرق بين هذا وهذا إذا قلنا: أن تقوم بطاعة الله فيما يختص بهذه النعمة، فإذا أنعم الله عليك بمال فشُكْرُه الزكاة والإنفاق وما أشبه ذلك، فإذا عصيت الله في غير ذلك لا يقال: إنك لن تقوم بشكر المال، أما إذا قلنا: إن الشكر أن تقوم بطاعة الله فيما يختص بهذه النعمة وفي غيرها، فإن الإنسان إذا أُنْعِم عليه بالمال وقام بحقه على الوجه الكامل، ولكنه يعصي الله سبحانه وتعالى في أمور أخرى يقال: إن هذا ليس بشاكر، ولكن قد نقول: إن الشكر نوعان:
شكر مطلق وهو الذي يقوم بطاعة المُنْعِم فيما أنعم به عليه فيه وفي غيره.
وشكر خاص مقيد بهذه النعمة المعينة، فيكون هذا الشاكر إذا قام بما يجب عليه في هذه النعمة المعينة شاكرًا، لكنه لا يُعْطَى وصف الشكور، ونظير ذلك ما سبق لنا في التوبة؛ أن التوبة تصح من الذنب مع الإصرار على غيره، لكن لا يستحق التائب وصف التوبة الملطلقة.
قال الله تعالى: (﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ العامل بطاعتي شكرًا لنعمتي) ﴿قَلِيلٌ﴾ خبر مقدم، والشكور مبتدأ مؤخر؛ لأن المقصود الإخبار عن الشكور بأنه قليل، يكون تقدير الآية (...)، والشكور من عبادي قليل، وقوله: ﴿مِنْ عِبَادِيَ﴾ هو متعلق بما بعده، فلمَّا قُدِّم عليه صار في موضع نصب على الحال؛ يعني الشكور حال كونه من عبادي قليل، وتعليل ذلك أن أكثر بني آدم أيش؟ غير شكور، بل هم ضالون، فبنو آدم يكون منهم تسع مئة وتسعة وتسعون في النار وواحد في الجنة، ولا شك أن واحدًا إذا نُسِبَ إلى المئة يكون قليلًا.
وقوله: ﴿مِنْ عِبَادِيَ﴾ المراد بالعبودية هنا العامة أو الخاصة؟ العامة الشاملة للكافرين وللمؤمنين.
(﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ﴾ أي على سليمان ﴿الْمَوْتَ﴾ أي مات) إلى آخره.
﴿قَضَيْنَا﴾ أي: قدَّرْنا عليه الموت فمات، والقضاء هنا قضاء قدري، وقضاء الله سبحانه وتعالى نوعان: قدري، وشرعي، فهنا ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ﴾ القضاء قدري، ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء ٤] هذا أيضًا قضاء قدري؛ أي: قدرنا عليهم ذلك.
والثاني قضاء شرعي، وهذا إذا تعلَّق بما أمر الله به فإنه قضاء شرعي، كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء ٢٣] فالقضاء هنا قضاء شرعي، إذ لو كان قضاءً قدريًّا لوقع، ولعَبَدَ الناسُ اللهَ كلهم بدون إشراك، هنا القضاء قدري.
﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ﴾ أي: قدرناه عليه فمات، قال: (ومكثَ قائمًا على عصاه حولًا ميتًا، والجن تعمل تلك الأعمال الشاقة على عادتها لا تشعر بموته حتى أكلت الأرضة عصاه فخرَّ ميتًا) نعم، كل هذا الذي ذكره المؤلف واضح من الآية، لما قضى الله عليه الموت بَقِيَ مدة لا تَعْلَم الجن أنه مات، وهم يعملون ولَّا لا؟ يعملون، تاعبين؛ لأنه قد كلَّفَهم بذلك، فمات وبقيَ متكئًا على عصاه. أولًا: المؤلف رحمه الله يقول: (بقيَ حولًا) تَقْييد هذا البقاء بالحول ليس عليه دليل، لكن لا شك أنه بَقِي مدة وهم يعملون بين يديه، ولا يَدْرُون أنه ميت، أما نُقَيِّدَه بحول أو بأقل أو بأكثر هذا يحتاج إلى دليل.
وقولنا: إنه متكئ على عصاه فيه دليل من الآية؛ لأنه قال: ﴿فَلَمَّا خَرَّ﴾ وهذا لا يمكن إلا وهو متكئ.
يقول: (﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ مصدر أُرِضَت الخشبة بالبناء للمفعول: أكلتها الأَرْضَة) كلمة (الأرض) هل المراد بها الجنس أي: الدابة التي تكون في الأرض أو المراد بها المصدر؟ المؤلف يرى أن المراد بها المصدر مأخوذ من قوله: أرضت الخشبة؛ يعني: أكلتها الأرضة؛ يعني: ما دلهم على موته إلا الدابة التي (...) الخشب (...)، فعليه يكون كلمة (أرض) مصدر أيش؟ أرض يأرض أَرْضًا، مثل ضَرَبَ يَضْرِب ضربًا، هذا تقرير كلام المؤلف رحمه الله، وما قرره رحمه الله بعيد من مفهوم الآية؛ لأنك عندما تفهم إلا دابة الأرض ما تفهم الذي قرره المؤلف أبدًا، بل الذي يتبادر إلى الذهن أن المراد بالأرض الجنس؛ يعني إلا الدابة التي تخرج من الأرض.
﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ فيها إشكال هذه زيادة؛ وهي أن (من) حرف جر، وهنا ﴿مِنْسَأَتَهُ﴾ منصوبة، كيف يكون هذا؟* طالب: اسم لا ينصرف.
* الشيخ: اسم لا ينصرف، الاسم الذي لا ينصرف إذا أضيف انصرف وهنا ﴿مِنْسَأَتَهُ﴾ مضافة إلى الهاء.
* طالب: اسم (...).
* الشيخ: كيف اسم؟! منين اسم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذه كلمة واحدة يعني، صح، هل كتبت (مِنْ) وحدها؟! عندك في المصحف.
* الطالب: لا.
* الشيخ: طيب.
* الطالب: التصوير قيل الصور ليست محرمة (...)؟
* الشيخ: ما يلزم كونهم صوَّروا تماثيلهم وعَبَدوها ما يلزم أنها تكون محرمة.
* الطالب: (...) صوَّر تماثيلهم (...).
* الشيخ: صحيح هذا، لكن قد يكون مباحة لكن هم توصلوا بها إلى محرم، يعني: من أسباب الشرك لا شك، على كل حال إحنا نقول في كلام المؤلف كلمة (تماثيل) ما دام إنها معنى التمثال كل شيء صورته على غيره، فلا يلزم أن تكون صُوَر حيوان،يمكن صور أشجار، وقصور وما أشبه ذلك.
* الطالب: (...).
* الشيخ: على كلام المؤلف يعني؟ جوابًا على سؤال مُقَدَّر، كيف يُصَوِّرون الحيوان مثلًا أو الإنسان؟ أجاب بأن الصورة في عهده ليست محرمة.
* الطالب: المحاريب (...)؟
* الشيخ: لا محراب المسجد يسمى طاقًا.
* طالب: داود حينما مات كان (...) وهو متكئ على عصاه؟
* الشيخ: أو سليمان قصدك.
* الطالب: إي، سليمان (...).
* الشيخ: لا أبدًا، هو متكئ على عصاه هكذا ومات وبقي هكذا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما (...) إلا بعد مدة.
* طالب: الأنبياء لا تأكلهم الأرض؟
* الشيخ: نعم صح.
* الطالب: (...) الصالحون؟
* الشيخ: لا، الصالحون ما نجزم أنها لا تأكلهم لكن لكن قد يُعْثَر على بعضهم لم تأكله الأرض، وأما الجزم للأنبياء فقط.
* فوائد الآية التي مرت علينا:
قال الله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾ * في هذه الآية فوائد منها: أن الله سبحانه وتعالى سخَّر الجن لسليمان يعملون له ما يشاء، وهذا لا يتأتى لأحد من البشر، نعم ربما تعمل الجن لبعض البشر أشياء لكن لا تكون قائمة بما شاء.
* ومن فوائدها: جواز البناء العالي؛ لقوله: ﴿مِنْ مَحَارِيبَ﴾.
* ومن فوائدها: جواز التماثيل، وهل يشمل التماثيل للحيوانات والأشجار والبحار والأنهار؟
نعم على كلام المؤلف يشمل؛ لأنه قال: (هذا كان قبل تحريم الصور)، وعلى الاحتمال الثاني: لا يشمل؛ لأن التماثيل تُطلَق على كل ما كان مثالًا على غيره ولا يلزم أن تكون على صورة الحيوان، فعلى رأي المؤلف يكون الحكم منسوخًا لشريعة النبي ﷺ * فيستفاد منها فائدة وهي: جواز النسخ في الأحكام الشرعية، وعلى الاحتمال الثاني: لا يكون دالًّا على جواز تماثيل الحيوانات.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان كثرة جنود سليمان وكرمه؛ لأن الجفان كالجوابي والقدور راسيات.
* ومن فوائدها: وجوب القيام بشكر الله عز وجل؛ لقوله: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾، والأمر في الأصل للوجوب.
* ومن فوائدها: أن الشاكر على النعمة قليل؛ لقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾، والمراد بهذه الجملة الحث على الشكر.
* ومن فوائدها: إثبات العبودية العامة الشاملة؛ لقوله: ﴿مِنْ عِبَادِيَ﴾ فإن المراد بها العبودية العامة الشاملة.
* ومن فوائدها: أن داود عليه الصلاة والسلام أبٌ لفخذٍ كامل من بني إسرائيل؛ لقوله: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ﴾ كما يقال: بنو تميم، بنو زُهْرة، وما أشبه ذلك.
ثم قال: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ ما كملناها أظن نعم نخليها إن شاء الله في المستقبل.
قال الله تعالى: ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ بالهمز وتركه بألف؛ يعني فيها قراءتان ﴿مِنْسَأَتَهُ﴾، القراءة الثانية: اجعل الهمزة ألفًا أي: ﴿مِنْسَاتَهُ﴾ ، ولهذا قال: (بالهمز وتركه)، ولكن إذا تركناه يكون (بألف؛ لأنها يُنْسَأ: يُطْرَد ويزجر بها).
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، عندنا: (يزجر).
إي نعم، كأن المؤلف رحمه الله يريد أن يُبَيِّن اشتقاق هذه الكلمة، وأنها من النسأ أي الطرد والزجر؛ فإن الإنسان يزجر بعصاه بحزها على مَنْ يوجه إليه الخطاب، ويطرد بها بالضرب، وهذا يدل على أن الكلمة عربية، ولكن بعض المفسرين يقول: إن الكلمة غير عربية، وأنها من الكلام الذي عُرِّب، وإذا كانت الكلمة من الكلام المعرَّب فإن لا يُشْتَق لها من العربية، كل كلمة لها اشتقاق من العربية فإنها تكون عربية، وعلى كل حال (...) من هذا سهل، المهم أن المنسأة هي العصا يُطْرَد بها الشيء ويزجر بها.
(﴿فَلَمَّا خَرَّ﴾ ميِّتًا ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ ) الجملة كما تشاهدون جملة شرطية، وأداة الشرط فيها ﴿لَمَّا﴾، وقد مر علينا أن (لما) تأتي لعدة معان: تكون شرطية، وتكون للنفي، وتكون بمعنى (إلا)، والرابع أن تكون ظرفًا بمعنى (حين).
هنا استُعملت شرطية بدليل أنه جاء بعدها شرط وجواب، ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ﴾.
نافية كقوله تعالى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص ٨] أي: لم يذوقوا عذاب.
وتأتي بمعنى (إلا) كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤] أي: إلا عليها حافظ.
وتأتي بمعنى (حين) أي: ظرفًا، مثل أن تقول: أكرمتني لمَّا زرتك، أي: حين زرتك، طيب، إذن تأتي على أربعة أوجه.
﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ ﴿تَبَيَّنَتِ﴾ أي: علمت وبان لها وفسرها المؤلف بقوله: (انكشف لهم ﴿أَنْ﴾ مخففة، أي: أنهم ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ﴾ ) ﴿أَنْ﴾ مخففة منين؟ من الثقيلة، وإذا خُفِّفَت الثقيلة وجب حذف اسمها، وكان خبرها جملة، فهنا الخبر ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾.
وإعرابها أن تقول: ﴿أَنْ﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن مستتر، وجملة ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ﴾ في محل رفع رفع خبرها (...).
وفي قول المؤلف: (أنهم) إشارة إلى ما سبق؛ أن قلنا: إن ضمير الشأن ينبغي أن يكون مناسبًا للمقام؛ فقد يكون مفردًا، وقد يكون جمعًا، وقد يكون للغائب، وقد يكون للمخاطب، خلافًا لما عليه أكثر النحويين حيث يُقَدِّرونه مفردًا للغائب ويقولون: (أنه) أي: الحال.
﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا﴾ ﴿لَوْ﴾ شرطية وجوابها ﴿مَا لَبِثُوا﴾، و(لو) تأتي شرطية، وتأتي مصدرية، وتأتي بمعنى (وَدَّ كذا)؛ فتأتي شرطية مثل هذه الآية، ومثل أن تقول: لو زرتني لأكرمتك، وتأتي مصدرية إذا جاءت بعد (وَدَّ) كقوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩] أي: أن تدهنوا، وهذا معنيان فقط.
طيب، هنا شرطية فعل الشرط فيها؟
* الطالب: ﴿مَا لَبِثُوا﴾.
* الشيخ: لا، فعل الشرط ﴿كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾، وجوابه ﴿مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾.
(﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ﴾ ومنه ما غاب عنهم من موت سليمان ﴿مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ العمل الشاق لهم لظنهم حياته خلاف ظنهم علم الغيب) وهذا واضح؛ لأنهم لو كانوا يعلمون الغيب لعلموا أنه مات قبل أن يَخِرَّ بسبب تَأَكُّل عصاه، ولعلهم كانوا يظنون أو يَدَّعون أنهم كانوا يعلمون الغيب، فأراد الله تعالى أن يُبَيِّنَ حالهم لهم ولغيرهم، وأنهم لا يعلمون الغيب، مع أن الغيب الذي حصل هنا ليس غيبًا مطلقًا، ولكنه غيب نِسْبِيٌّ؛ إذ إن مَنْ كان قريبًا جدًّا من سليمان فقد يعرف أنه مات.
يقول المؤلف: (ومنه ما غاب عنهم من موت سليمان ﴿مَا لَبِثُوا﴾ أي ما بقوا ﴿فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ الذي أَلْحَق بهم المهانة والذل) وقال المؤلف: (الشاق بظنهم حياته خلاف ظنهم علم الغيب) يعني: كانوا يظنون أنهم يعلمون الغيب، فلما خر ميتًا تبيَّن لهم أنهم لا يعلمون الغيب.
قال: (وعُلِمَ كونه سَنَةً بحساب ما أكلته الأَرْضَة من العصا بعد موته يومًا وليلة مثلًا) هذا جواب عما قيل: إنه بقي سنة وهو ميت ولم يُعْلَم به، يعني كأنه قال قائل: ما الذي أعلمكم بأنه سنة؟ قال: علمنا ذلك بالحساب؛ لأننا حسبنا ما أكلته الأرض يومًا وليلة من العصا فَقِسْنَا عليه ما مضى؛ فمثلًا إذا كانت تأكل في اليوم والليلة مثلًا سنتيمتر، عرفنا أنها تأكل في السنة ثلاث مئة وستين سنتيمتر، وعرفنا هذا من طول العصا، ولكن هذا في الحقيقة ليس متعينًا؛ إذ قد تأكل اليوم أكثر مما تأكله بالأمس أو بالعكس، وحتى نقول أيضًا: مَنِ الذي قال أنها أكلت في اليوم والليلة هذا المقدار حتى عُرِفَ به ما مضى؟ يحتاج إلى دليل؛ ولهذا الصواب أن ما سبق أن قلنا بأنه لا حاجة لنا إلى تقدير المدة التي لبثها سليمان، وأن مثل هذه الأمور لا يُرْكَن إليها ولا يُعْتَمد إلا إذا جاءت عن الشارع عن النبي ﷺ أو جاءت في كتاب الله، وأما ما يأتي عن بني إسرائيل في مثل هذه الأمور فإننا نقول: نقف فيه، لا نصدق ولا نكذب.
ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ [سبأ ١٥] إلى آخره.
الجملة هذه كما تعلمون مؤكدة بثلاثة مُؤَكِّدَات؟
* طالب: قد.
* الشيخ: هذه قد.
* الطالب: وكان.
* الشيخ: لا، كان ما من أدوات التأكيد، مُؤَكَّدة بثلاثة مؤكدات.
* الطالب: اللام، و(قد).
* الطالب: والقسم المقدر.
* الشيخ: والقسم المقدر، نعم، صح؛ لأن هذه على تقدير قسم أي: والله لقد كان لسبأ، و(كان) هنا تدل على مجرد الحدوث أي أنها مسلوبة الدلالة على الزمن؛ فإن هذه الآية باقية حتى الآن، كل من قرأ خبرها (...).
(﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾ بالصرف وعدمه: قبيلة سُمِّيَت باسم جَدٍّ لهم من العرب) سبأ اسم رجل يُسَمَّى سَبأً وكان من قحطان، واختلف المؤرخون النسَّابون في قحطان هل هو من العرب العاربة أو من العرب المستعربة؟ والمشهور أنهم من العرب العاربة الذين قبل إبراهيم، لكن روى البخاري «أن النبي ﷺ مَرَّ على قبيلتين من الأنصار كانوا يَتَرامَوْن بالنَّبْل فقال لهم النبي ﷺ: «ارْمُوا بَنِي إسْمَاعِيلَ فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا»[[أخرجه البخاري (٢٨٩٩) من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه.]]، وهذا يدل على أنهم عرب مستعربة؛ لأن الأنصار معروف أنهم -الأوس والخزرج- كلهم من قبائل اليمن من قحطان، نزلوا تفرقوا في البلاد بعد الغرق ونزلوا المدينة، وعلى هذا فيكون ظاهر حديث البخاري أن قحطان كلهم من بني إسماعيل.
والحاصل أن العلماء في النَّسَب يُقَسِّمون العرب إلى قسمين: ما كان قبل إبراهيم فهم عرب عاربة، وما كان بعده من ذريته فهم عرب مُستعرِبة.
المهم أن سبأ اسم لرجل كان له أولاد كثيرون جاء في الحديث أنهم عشرة، بقي منهم ستة في اليمن، وأربعة في الشام، وانتشروا في الأرض وكثروا.
وفيها قراءتان يقول المؤلف: (بالصرف وعدمه) ﴿لِسَبَإٍ﴾ هذا الصرف، وعدمه ﴿لِسَبَأَ﴾ .
يقول: (﴿فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ باليمن ﴿آيَةٌ﴾ )، المؤلف يقول: ﴿فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ أتى بالقراءة؛ قراءة الجمع، ولم أره ذكَر قراءة الإفراد، وفيها قراءتان سَبْعِيَّتان: قراءة الإفراد: ﴿فِي مَسْكَنِهِمْ﴾، وقراءة الجمع: ﴿فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ ، ولا خلاف بينهما في المعنى؛ لأن (مسكن) مفرد، والمفرد المضاف يَعُمُّ يشمل كل ما يدخل تحت هذا المعنى، ألم تروا إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم ٣٤]؟ فهنا (نعمة) مفرد وقال فيها: ﴿لَا تُحْصُوهَا﴾ إذن هي كثيرة، فـ(مسكن) من حيث المعنى بمعنى مساكن؛ لأنه مفرد مضاف، والمفرد المضاف يَعُمُّ.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا أنا عندي: ﴿مَسَاكِنِهِمْ﴾ عندكم في المصحف.
* طلبة: (...).
* الشيخ: لا اللي عندي هي اللي عليها خط المؤلف ﴿مَسْكَنِهِمْ﴾.
على كل حال ﴿مَسَاكِنِهِمْ﴾ قراءة سبعية، و﴿مَسْكَنِهِمْ﴾ قراءة سبعية أيضًا، والمسكن ما يَسْكُنُه الإنسان فيسكن فيه ويطمئن؛ كالبيوت والحدائق والبساتين وما إلى ذلك.
﴿آيَةٌ﴾ (آية) بمعنى علامة قال الله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس ٤١]، ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ١٩٧]؛ فالآية بمعنى العلامة الدالة على الشيء، هذه الآية دالة على أي شيء؟ دالة على قدرة الله عز وجل، وعلى نعمته، وعلى حكمته في النهاية.
و﴿آيَةٌ﴾ من ناحية الإعراب اسم (كان) مؤخر و﴿لِسَبَإٍ﴾ خبرها مقدم.
قال المؤلف: (آية دالة على قدرة الله)، وقلت أنا زيادة: وعلى إحسانه وإنعامه، وعلى حكمته في النهاية؛ لأن هذه المساكن -كما سيأتي- دَمَرَتْ بسبب إعراضهم.
قال: (﴿جَنَّتَانِ﴾ بدل) منين؟ بدل من ﴿آيَةٌ﴾، ويجوز أن تكون عطف بيان؛ لأنها بيَّنت الآية ووضَّحَتْها، والجنة هي البستان الكثير الأشجار؛ سميت بذلك لأنها تُجِنُّ مَنْ فيها أي: تَسْتُرُه، وقد علمنا سابقًا أن هذه المادة وهي الجيم والنون تدور على معنى الاستتار والخفاء.
﴿جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ يقول: (عن يمين واديهم وشماله) وكان هذا الوادي بين جبال، وكان على أطراف هذا الوادي هذه الجنان العظيمة من الأشجار المتنوعة الكثيرة الثمار، وكانوا في أحسن ما يكون من الرغد والهنا والأمن.
يقول: ﴿عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ يعني: إذا كانت على يمين الوادي وشماله صار لها أيضًا منظر بديع رهيب جذَّاب، يقول الله عز وجل: (﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ على ما رزقكم من النعمة في أرض سبأ) إلى آخره؛ يعني أن الله سبحانه وتعالى جعل في هذه الجنتين جعل فيها خيرًا كثيرًا، وجعل تناولُها مُيَسَّرًا؛ ولهذا قال: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ مما يدل على أن الأمر صعب ولَّا ميسر؟ ميسر، كما لو قدمت لك طعامًا وقلت: كُلْ، إذن فهذه الجنات تعطي ثمارها بدون مشقة، بل باليسر والسهولة.
وقوله: ﴿مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ الرزق بمعنى العطاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء ٨].
وقوله: ﴿مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ الرَّبُّ تقدم لنا أن معناه الخالق المالك المُدَبِّر، والربوبية هنا ربوبية خاصة لعنايته سبحانه وتعالى بهم بما أعطاهم في هذه الجنات.
﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ هذا هو الذي يُطالَبون به جزاءً أو إظهارًا لنعمة الله سبحانه وتعالى عليهم، والشكر تقدَّم أنه يتعلق بالقلب واللسان والجوارح؛ يعني: فاعترفوا بأن هذه النعمة من أين؟ من الله، وأَثْنُوا على الله تعالى بها، وقوموا بجوارحكم بطاعته حتى تؤدوا الشكر على الوجه المطلوب منكم.
(﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ على ما رزقكم من النعمة في أرض سبأ) ﴿اشْكُرُوا لَهُ﴾ أحيانًا تتعدى (شكر) بنفسها فيقال: شكرت الله، ويقال: شكرت له، فهي من الأفعال التي جاءت في اللغة العربية لازمة ومتعدية، متى تكون لازمة؟ ﴿لَهُ﴾، تكون لازمة إذا جاء حرف الجر ﴿لَهُ﴾، وتكون متعدية إذا لم يأت حرف الجر، فإذا قلت: شكرت الله صارت متعدية، وإذا قلت: شكرت لله صارت لازمة.
قال: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ ويش إعراب ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾؟
* الطالب: خبر لمبتدأ محذوف.
* الشيخ: ويش التقدير؟
* الطالب: هذه البلدة.
* الشيخ: أو هي بلدة، نعم.
(﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ ليس فيها سباخ ولا بعوضة ولا ذبابة ولا برغوث ولا عقرب ولا حية، ويمر الغريب فيها وفي ثيابه قمل فيموت لطيب هوائها) هذا (...)! إنما نقول: هي بلدة طيبة، أما كونه غريب يأتي من البر وفي ثيابه القمل فيموت القمل لطيب الهواء، فالله أعلم، لكن نقول: لا شك أن وصف الله إياها بالطيبة أنها من أحسن البلاد في هوائها، وفي قَرِّها وفي حرها، ليس فيها الحر الشديد ولا القَرّ القارص، وليس فيها عفونة الهواء والماء وما أشبه ذلك، فخُذْ بما شئت من طيب المسكن في كل ما يُسَمَّى طيبًا.
﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ يعني يقول: واللهُ ربٌّ غفور، غفور لماذا؟ غفور للذنوب، فمنَّ الله عليهم بنعمتين: نعمة السكن وطيبه، ونعمة المغفرة، فيكون في نعمة المغفرة السلامة من الآثام وعقوباتها في الآخرة، وفي البلدة الطيبة السلامة من الآفات في الدنيا.
والغفور صيغة مبالغة، واسم الفاعل منها غافر، وهي مأخوذة من الغَفر بمعنى الستر مع الوقاية، ومنه قولهم: المِغْفَر الذي يلبسه الإنسان ليتقي به السهام في الحرب، ففيه تغطية وستر وفيه أيضًا وقاية، وهكذا مغفرة الذنوب فإن معناها أن الله يستر عليك الذنب ويقيك عقوبته.
(﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ ﴿فَأَعْرَضُوا﴾ عن شكره وكفروا ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ﴾ ) إلى آخره.
الفاء هنا عاطفة يعني أنهم مع هذه النعم -جنات بساتين عظيمة، وبلد طيب، مغفرة للذنوب إذا قاموا بطاعة الله- قال: ﴿فَأَعْرَضُوا﴾ أعرضوا عن أيش؟ يقول: أعرضوا عن شكر الله وكفروا، فأعرضوا عن الشكر، وقابلوا هذه النعمة بالكفر، فماذا كانت عاقبتهم؟ قال: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ الفاء هنا عاطفة وتفيد السببة أيضًا أي: فبسبب إعراضهم أرسلنا عليهم سيل العرم، وهذه سُنَّة الله سبحانه وتعالى في خلقه كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل ١١٢]، هؤلاء أعرضوا فدمَّر الله ديارهم.
(﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ جمع عرمة، وهو ما يُمْسِك الماء من بناء وغيره إلى وقت حاجتهم أي: سيل واديهم الممسوك بما ذُكِر، فأغلق جَنَّتَيْهم وأموالهم).
﴿سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ ﴿الْعَرِمِ﴾ بمعنى السد؛ يعني أن هذا السيل منسوب إلى السد، أو بمعنى سيل العرم من باب إضافة الشيء إلى صفته؛ أي: السيل العارم الجارف الذي يُتْلِف كل ما مَرَّ عليه، والمعنى أن الله سبحانه وتعالى أرسل عليهم سيلًا عظيمًا؛ وذلك بفساد السد الذي جعلوه بين هذه الجبال، وكان هذا السد المنيع تجتمع فيه السيول وتمتصها الأرض وتخرج في العيون فلما تصدَّع هذا السد جرت المياه بغير تقدير، وذلك بقدرة الله سبحانه وتعالى فقال: ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ يقول: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ الجنان السابقة أو الجنتان السابقتان كلها ثمار طيب يُؤكَل ويُنتَفع به بالبيع والشراء، وغير ذلك. أما البدل فيقول: (﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ﴾ تثنية ذوات مفرد) كذا عندكم؟ مفرد على الأصح، عندكم تثنية ذوات ولَّا ذات؟
* طلبة: ذوات.
* الشيخ: طيب، هو في الأصل (ذات) المفرد، و(ذوات) للجمع، فثُنِّيَ الجمع، وصارت ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ﴾، ويُمْكِن أن يُقال خلاف كلام المؤلف، فيقال: إن الأصل (ذات) لكن لما ثُنِّيَ عادت الواو، فصارت ﴿ذَوَاتَيْ﴾ أي: صاحبتي؛ لأن (ذات) بمعنى صاحبة؛ قال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج ١] أي: صاحبة البروج.
﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ قال المؤلف: (مُرٍّ بَشِعٍ بإضافة أُكُل بمعنى: مأكول وتركها، ويعطف عليه ﴿وَأَثْلٍ﴾ ) يعني أن فيها قراءتين: ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلِ خَمْطٍ﴾ هذه الإضافة، وتركها ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾، أما الإضافة واضحة ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلِ خَمْطٍ﴾ يعني: أنها الأُكُل يُخْمَط خمطًا وهو شجر الأراك كما فسَّره بذلك ابن عباس رضي الله عنهما، والأراك هي المساويك هذه، لها أوراق بسيطة جدًّا، وليست بذاك اللذيذة؛ ولهذا يقول المؤلف: (مُرٍّ بَشِع) بدل الفواكه والخُضَر والزروع وغيرها، ويقول: ﴿أُكُلٍ﴾ بمعنى مأكول؛ يعني: ذواتي مأكول يُخْمَطُ خَمْطًا، ﴿وَأَثْلٍ﴾ أثل بدل الأشجار المُثْمِرة البهيجة صار بدلها أثل، والأثل بعضهم قال: هو الطرفة، والصحيح أنه غير الطرفة؛ لأن الطرفة تكون صغيرة ما تكبر، والأثل معروف يقول.
* الطالب: الأراك هل هو الأكل ولَّا الخمط؟
* الشيخ: لا، الخمط.
* الطالب: والأكل؟
* الشيخ: لا، أكل يعني معناه أنه يُؤْكَل خَمْطًا.
قال: ﴿وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ هنا قال: ﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ﴾، وهناك قال: ﴿خَمْطٍ وَأَثْلٍ﴾؛ لأن السدر أحسن هذه الأنواع الثلاثة، ولم يُعْطَوا منه إلا الشيء القليل، ﴿شَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ﴾ وأيضًا قليل، مع أن كلمة ﴿شَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ﴾ تدل على القلة لكنها أُكِّدَت هذه القلة بقوله: ﴿قَلِيلٍ﴾.
الخلاصة الآن أن هؤلاء لما أعرضوا ولم يقوموا بشكر الله عز وجل أرسل الله عليهم السيل فأغرق أموالهم وهدَّم بناءهم وأبدلهم بهاتين الجنتين جنتين لا يساويان ولا يُقارِبان ما سبق؛ ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ﴾ ليس بالكثير، ﴿أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ والمؤلف قال: (إنه مُرٌّ بشع)، ﴿وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ بدل تلك الجنات العظيمة المفيدة النافعة.
﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾ (﴿ذَلِكَ﴾ التبديل ﴿جَزَيْنَاهُمْ﴾ ) ولو قال: المؤلف ذلك التبديل وإرسال السيل لكان أعمَّ وأشملَ، أو لو قال: ذلك المذكور لكان أشمل، (﴿جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾ بكفرهم ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ )؛ ﴿جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾ قال المؤلف: (بكفرهم) فأفادنا أن (ما) مصدرية وأما الباء فهي للسببية؛ أي: جزيناهم هذا الجزاء بإغراق أموالهم وهدم بنائهم وإبدال الجنتين بهاتين الجنتين.
﴿بِمَا كَفَرُوا﴾ أي: بسبب كفرهم، ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ ﴿وَهَلْ يُجَازَى إِلَّا الْكَفُورُ﴾ (بالياء والنون مع كسر الزاي ونصب الكفور أي: ما يُناقَش إلا هو).
في قوله: ﴿هَلْ نُجَازِي﴾ قراءتان ﴿نُجَازِي﴾ وعلى هذه القراءة يجب نصب ﴿الْكَفُورَ﴾، على أنها مفعول به، القراءة الثانية: ﴿يُجَازَى﴾ وعليه تُرْفَع الكفور على أنها نائب فاعل، والاستفهام هنا بمعنى؛ النفي لأنه عُقِّب بـ﴿إِلَّا﴾ فيكون ﴿هَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ أي: ما نجازي إلا كفور، والمجازاة هنا بمعنى المناقشة، أو بمعنى المكافئة على الفعل، و﴿الْكَفُورَ﴾ صيغة مبالغة أي: ذو الكفر بالله سبحانه وتعالى، والله أعلم.
* طالب: (...).
* الشيخ: عام يشمل هذا وهذا، يعني: ما نجازي بالعقوبات إلا مَنْ كفر بالله سواء كان كفرَ نعمةٍ فيُجازى على قَدْرِ ذنبه أو كفرًا مخرجًا عن الملة، ليس المراد جَنَّتَيْنِ يعني بستانَيْنِ واحد يمين وواحد يسار، المراد بساتين لكن قال العلماء: لما كانت هذه البساتين متصلة صارت كأنها بستان واحد، ولَّا معلوم لو كان بستان وبستان ما هي بآية يعني بسيطة هذه، لكنها بساتين متصل بعضها ببعض على يمين الوادي وشمال الوادي، فلما كان متصلًا بعضها ببعض صارت كأنها واحدة، كأنها جنة واحدة عن اليمين وجنة واحدة عن الشمال.
﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية: أولًا: أن الموت غاية كل حي وإن عظم ملكُه، فإن سليمان كان من أعظم الملوك ملكًا، ومع ذلك لم ينقذه ملكه من الموت.
* ومنها: أن الأمور كلها إلى الله؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾.
* ومنها: أن الله سبحانه وتعالى موصوف بالعظمة والجلال والكمال؛ لأن (نَا) هنا ليست للتعدد ولكنها للتعظيم، لأن كلمة (...) تدل إما على التعدد، وإما على التعظيم، والتعدد هنا ممتنع فيتعين أن تكون للتعظيم.
* ومنها: أن الشيئ الحقير قد يفعل شيئًا عظيمًا كبيرًا؛ يؤخذ من قوله: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾، وهذا شيء جرت به سنة الله عز وجل أن الشيء قد يكون حقيرًا لكن يترتب عليه أمر عظيم، فنحن الآن لا نعرف كيف نَقْبُر موتانا إلا بدلالة الغراب، أليس كذلك؟ أيضًا جميع المباني الهندسية الفخمة الجميلة عُرِفَت من صنيع النحل، أيضًا كل ما حدث من الآلات التي يُحْدِثها الناس الآن تجدهم يشبهونها بمخلوقات الله عز وجل كالطائرات وغيرها، بهذا نعرف أن الأشياء الحقيرة قد تكون مفيدة للإنسان فائدة عظيمة ويترتب عليها أمور خطيرة.
* ومنها: أن إضافة الشيء إلى سببه المعلوم جائزة؛ لقوله: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ فأضاف الدلالة إلى دابة الأرض، مع أن الدابة هل هي أكلت العصا لأجل أن تدل الجن على موت سليمان؟ لا، لكنها سبب، فإضافة الشيء إلى سببه المعلوم شرعًا أو حسًّا جائزة حتى وإن لم يُذْكَر فيها لفظ الجلالة، فمثلًا إذا قلت: لولا فلانٌ لهلكت، وصحيح أن فلانًا هو الذي أنقذك فهذا جائز إذا لم تعتقد أن هذا السبب هو الفاعل الوحيد، والممنوع أن تضيف الشيء إلى سببه مع الله مقرونًا بالواو أو تضيف الشيء إلى سبب غير معلوم سببيته لا من الشرع ولا من الحس؛ لأن هذا يكون من باب الأوهام والتخييلات.
* ومن فوائد الآية: الحذر أو التحذير من دابة الأرض ولَّا لا؟ إي نعم، ما دام تأكل الأخشاب وتأكل هذه الأشياء فاحذر منها، وكم من إنسان أفسدت عليه دابة الأرض مكتبته القيِّمَة التي تساوي شيئًا كثيرًا؛ ولهذا انتبهوا، لا تأكل الأرضة عليكم كتبَكم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إضافة الفعل أو إضافة الشيء إلى مَنْ لم يقم به باختياره؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾، فالخرور قد يُضاف إلى الفاعل بالاختيار، وقد يضاف إلى الفاعل بغير الاختيار، فتقول: خرَّ الماء، وتقول: خَرَّ ميِّتًا، وقال الله عز وجل: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ [السجدة ١٥]، ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسراء ١٠٩]، هذا بالاختيار.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجن لا يعلمون الغيب، والدلالة على ذلك واضحة؛ ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾.
* ومنها: أن الأمور الحسية الواقعة أدلة برهانيَّة، وهذه الفائدة معناها الاستدلال بالأمور..
ليس المراد جَنَّتَيْنِ يعني بستانَيْنِ واحد يمين وواحد يسار، المراد بساتين، لكن قال العلماء: لما كانت هذه البساتين متصلة صارت كأنها بستان واحد، ولَّا معلوم لو كان بستان وبستان ما هي بآية، يعني بسيطة هذه، لكنها بساتين متصل بعضها ببعض على يمين الوادي وشمال الوادي، فلما كان متصلًا بعضها ببعض صارت كأنها واحدة، كأنها جنة واحدة عن اليمين وجنة واحدة عن الشمال.
* الفوائد:
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية: أولًا: أن الموت غاية كل حي وإن عظم ملكُه، فإن سليمان كان من أعظم الملوك ملكًا، ومع ذلك لم ينقذه ملكه من الموت.
* ومنها: أن الأمور كلها إلى الله؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾.
* ومنها: أن الله سبحانه وتعالى موصوف بالعظمة والجلال والكمال؛ لأن (نَا) هنا ليست للتعدد ولكنها للتعظيم، لأن كلمة (نا) تدل إمَّا على التعدد، وإما على التعظيم، والتعدد هنا ممتنع فيتعيَّن أن تكون للتعظيم.
* ومنها: أن الشيئ الحقير قد يَفْعَل شيئًا عظيمًا كبيرًا؛ يؤخذ من قوله: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾، وهذا شيء جرت به سنة الله عز وجل أن الشيء قد يكون حقيرًا لكن يترتب عليه أمر عظيم، فنحن الآن لا نعرف كيف نَقْبِر موتانا إلا بدلالة الغراب، أليس كذلك؟ أيضًا جميع المباني الهندسية الفخمة الجميلة عُرِفَت من صنيع النحل، أيضًا كل ما حدث من الآلات التي يُحْدِثها الناس الآن تجدهم يشبهونها بمخلوقات الله عز وجل كالطائرات وغيرها، بهذا نعرف أن الأشياء الحقيرة قد تكون مفيدة للإنسان فائدة عظيمة ويترتب عليها أمور خطيرة.
* ومنها: أن إضافة الشيء إلى سببه المعلوم جائزة؛ لقوله: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ فأضاف الدلالة إلى دابة الأرض، مع أن الدابة هل هي أكلت العصا لأجل أن تدل الجن على موت سليمان؟ لا، لكنها سبب، فإضافة الشيء إلى سببه المعلوم شرعًا أو حسًّا جائزة حتى وإن لم يُذْكَر فيها لفظ الجلالة، فمثلًا إذا قلت: لولا فلانٌ لهلكت، وصحيح أن فلانًا هو الذي أنقذك، فهذا جائز إذا لم تعتقد أن هذا السبب هو الفاعل الوحيد، والممنوع أن تضيف الشيء إلى سببه مع الله مقرونًا بالواو أو تضيف الشيء إلى سبب غير معلوم سببيته لا من الشرع ولا من الحس؛ لأن هذا يكون من باب الأوهام والتخييلات.
* ومن فوائد الآية: الحذر أو التحذير من دابة الأرض ولَّا لا؟ إي نعم، ما دام تأكل الأخشاب وتأكل هذه الأشياء فاحذر منها، وكم من إنسان أفسدت عليه دابة الأرض مكتبته القيِّمَة التي تساوي شيئًا كثيرًا؛ ولهذا انتبهوا، لا تأكل الأرضة عليكم كتبَكم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إضافة الفعل أو إضافة الشيء إلى مَنْ لم يقم به باختياره؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾، فالخرور قد يُضاف إلى الفاعل بالاختيار، وقد يضاف إلى الفاعل بغير الاختيار، فتقول: خرَّ الماء، وتقول: خَرَّ ميِّتًا، وقال الله عز وجل: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ [السجدة ١٥]، ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسراء ١٠٩]، هذا بالاختيار.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجن لا يعلمون الغيب، والدلالة على ذلك واضحة؛ ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾.
* ومنها: أن الأمور الحسية الواقعة أدلة برهانيَّة، وهذه الفائدة معناها الاستدلال بالأمور الحسية؛ لأن الله استدل على كونهم لا يعلمون الغيب بأنهم بقوا مُعَذَّبين مما يعملونه من الأعمال الشاقة، فلك أن تستدل على الأمور المعقولة بالأمور المحسوسة، وهذا شيء معروف.
* ومن فوائد الآية: أن الجن ذو عقول؛ لقوله: ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ وهو كذلك، لأن الله تعالى أعطاهم عقولًا يهتدون بها إلى مصالح دينهم ودنياهم.
* ومنها: تسمية الأعمال الشاقة عذابًا؛ لقوله: ﴿مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ﴾ مع أن سليمان عليه الصلاة والسلام لم يجعلهم يعملون له ما يشاء عقوبة لهم ولكنه تكليف، وبهذا نعرف أن العذاب قد يُطْلَق على ما ليس بعقوبة، كما في قوله ﷺ: «إِنَّ السَّفَرَ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٠٤)، ومسلم (١٩٢٧/١٧٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ إلى آخره فيها دليل على استعمال التأكيد في الأمور الهامة، وإن لم يكن المخاطب مُنْكِرًا أو مترددًا، تؤخذ من تأكيد هذه القصة في قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾؛ لأن التأكيد -كما نعلم- إنما يجب في مخاطبة المنكر، ويحسُن في مخاطبة المتردد، ويكون على خلاف البلاغة فيما عدا ذلك، هذا هو المعروف عند علماء البلاغة، ولكن بتأمل ما ورد في القرآن الكريم نجد أن الأمور الهامة -وإن خوطب بها من لا ينكرها أو يتردد فيها- نجد أن الله تعالى يؤكدها كما في هذه القصة وغيرها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: هذه الآية العظيمة الدالة على قدرة الله وحكمته، وهي قصتهم على سبيل العموم أنهم مُنَعَّمُون في ديارهم وبساتينهم وقصورهم وغير ذلك، فلما أعرضوا انقلبت الحال، ففيها عبرة، فيها آية من وجوه كثيرة آية دالة على قدرة الله، آية يعني: عبرة لمن عصى الله عز وجل، عبرة لمن أطاع الله، أية دالة على حكمة الله، فبالتأمل لهذه الآية تجد فيها أصنافًا وأنواعًا من الآيات، طيب الآن شرحنا هذه الآيات قلنا: آية دالة على قدرة الله؛ حيث خلق لهم هذه البساتين العظيمة ثم أبدلها بأخرى لا تساويها بشيء، دالة على أيش؟ على حكمته عز وجل؛ حيث أعطاهم ذلك الخير حين كانوا مُقْبِلين على الله، وسلَبَهُم إياه حين أعرضوا واستكبروا عن طاعته، آية للمعتبرين من أهل المعاصي؛ فإن فيها تحذيرًا لهم من أن تزول نعمة الله عليهم بسبب معاصيهم، آية للطائعين حيث يعتبرون بها بأنهم ما داموا على طاعة الله فإن نعمة الله تدور عليهم، هذه أربعة أوجه من كونها آية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه الجنات تُؤْتِي أُكُلَها على وجه واسع؛ لقوله: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: وجوب الشكر لله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾، والشكر واجب عقلًا كما هو واجب شرعًا؛ أما وجوبه الشرعي فالآيات في الأمر به كثيرة، وأما وجوبه العقلي فلأن العقل الصريح يقتضي أن كل من أحسن إليك فإنك تشكره على ذلك، ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله، يعني: كل أحد يرى أنه من الخطأ أن يسدي إليك إنسان ما يسدى من الخير، ثم تَتَنكر له ولا تقوم بشكره كل يعرف أن هذا خطأ، وأن الواجب أن تشكر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن بلاد الله تنقسم إلى طيب وخبيث؛ لقوله: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾، وما نوع الطيب في هذه البلدة؟ هل هو طيب الأرض، أو طيب الهوى، أو طيب الثمار؟ الجواب: يَعُمُّ كل ذلك؛ قال الله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف ٥٨].
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات ربوبية الله عز وجل ومغفرته؛ في قوله: ﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾.
ثم قال الله عز وجل ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ [سبأ ١٦] إلى آخره.
* من فوائد الآية الكريمة: بيان حال هؤلاء القوم أنهم بدَّلوا نعمة الله كفرًا، وكان الله عليهم أن أنعم الله عليهم بهذه النعم أن يشكروه ويقوموا بطاعة الله، لكنهم أعرضوا.
* ومن فوائدها: عقوبة المعرضين بما تقتضيه حكمة الله، وقد قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت ٤٠]، فالعقوبات دائمًا تكون من جنس العمل، فهؤلاء لما بطروا نعمة الله وكفروا به بسبب هذه الجنات أُبْدِلُوا بجنات سيئة بالنسبة لما نُعِّمُوا به من قبل.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: إثبات الأسباب، من أين تؤخذ؟ ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا﴾، فجعل الله تعالى سبب الإرسال إعراضهم.
* ومن فوائدها: أن المعاصي سبب لزوال النعم؛ لقوله: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا﴾، بينما كانوا مُنَعَّمين، لما أعرضوا أرسل الله عليهم هذا السيل المدمر، وهذا له شواهد في القرآن كثيرة؛ منها قوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل ١١٢]، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف ٩٦ - ٩٩].
* ومن فوائدها: أن المطر الذي هو نعمة ورحمة قد يكون نِقْمَة وعذابًا؛ لقوله هنا: ﴿سَيْلَ الْعَرِمِ﴾، فإن السيل في الأصل -الذي هو إجتماع المطر حتى يتدفق- الأصل أنه خير، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ﴾ [السجدة ٢٧] وهذا خير ولَّا لا؟ خير، ولكن أحيانًا يكون عذابًا.
* ومن فوائدها: بيان ضلال أولئك القوم الذين إذا أصابتهم مثل هذه المصائب من الفيضانات وما أشبهها لم يتأثروا لذلك، ويقولون: هذا مقتضى الطبيعة، فإن هذه الفيضانات التي تُدَمِّر إنما هي عقوبة من الله عز وجل عقوبة ليبتلي بها أولئك المعذبين ويرتدع بها من كان على شاكلتهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل بإرسال هذه السيول الجارفة التي أغرقت ثمارهم وزروعهم ونبت بعد هذه الثمار والزروع نبت ﴿خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ﴾، ما هو سدر، شيء من سدر قليل، فبدل تلك الجنات العظيمة صار هذا حل محلها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الحكمة في أن الله عز وجل جعل بدل الجنتين جنتين أُخْرَيَيْنِ؛ لأن الطاعة نور وصلاح وفلاح فيناسبها الجزاء بالعطاء، والمعصية ظلمة وفساد فناسبها أن يكون فيها هذا البَدَل السيئ بالنسبة لما قبله.
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ ١٧] ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾ في هذا دليل على أن الله عز وجل لا يُجازِي أحدًا بعقوبة إلا بفعله؛ لقوله: ﴿بِمَا كَفَرُوا﴾.
* وفيها أيضًا: إثبات الأسباب؛ لأن الباء هنا للسببية.
* وفيها: الفرق بين (يجزي) و(يجازي)؛ فهنا قال: ﴿هَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾، لكن (نجزي) في الثواب، و(نجازي) في العقاب، هكذا قال بعض العلماء فتقول للكافر: جازاك الله، وتقول للمسلم: جزاك الله، ففي الخير نقول: جزى، وفي الشر نقول: جازى؛ ووجه ذلك أن الخير عطاء محض، وأما العقوبة فهي مجازاة ومكافأة؛ ولهذا نقول: جازاه، يصاغ الفعل على صيغة المفاعلة، والمفاعلة تكون في الأصل من طرفين.
سبأ 34:18
يقول عز وجل: (﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ بالماء والشجر) إلى آخره، ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ كل الإضافات، كل نسبة الفعل الآن إلى (نَا) الدالة على العظمة.
﴿جَعَلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ الضمير يعود على سبأ، ﴿وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ القرى جمع قرية وهي البلدة سواء كانت كبيرة أو صغيرة؛ وسميت قرية لأنها تجمع، وما اشتهر عند الناس أن القرية هي المدن الصغار هذا اصطلاح عرفي، وإلَّا فإن الله يقول في أم القرى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد ١٣]، فالقرية اسم للبلد سواء كان كثيرًا أو قليلًا سمي بذلك؛ لأنه يجمع الناس.
وقوله: ﴿الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾، ما هي القرى التي بارك الله فيها؟ قيل: إنها قرى اليمن كصنعاء ونحوها، وقيل: إنها قرى الشام، ولكل من القولين وجه؛ لأن الله سبحانه وتعالى بارك في الشام، وبارك في اليمن، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَيَمَنِنِا»[[أخرجه البخاري (١٠٣٧)، وأحمد (٥٦٤١) واللفظ له، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]]؛ ولهذا اختلف المفسرون؛ هل المراد بالقرى التي بارك الله فيها قرى الشام، أو المراد بالقرى التي بارك الله فيها قرى اليمن؟ أيهما أعظم مِنَّة أن يكون المراد بها قُرَى الشام أو قرى اليمن؟ قرى الشام؛ لبعدها فهم يذهبون إلى الشام ويرجعون منه، فيقول: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً﴾.
قال المؤلف: (باركنا فيها بالماء والشجر) يعني: والثمار، (وهي قرى الشام التي يسيرون إليها للتجارة ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾ متواصلة من اليمن إلى الشام) ﴿ظَاهِرَةً﴾ يعني بينة يُرَى بعضها من بعض؛ لأن القرية إذا كانت بعيدة عن الثانية ما صارت ظاهرة، إذا خرجت من قرية إلى قرية وهي بعيدة منها، هل تكون القرية الثانية ظاهرة لك؟ لا تجد أحد يدلك، لكن إذا كانت متواصلة متقاربة صارت أيش؟ ظاهرة، بادِيَة للعيان، فهذه قرى متواصلة بعضها ببعض من اليمن إلى الشام، والذين قالوا: إن المراد قرى اليمن قال: لأنه لا يُعْلَم أن هناك قرى متصلة من اليمن إلى الشام، وقالوا: إن الواقع يدل على خلاف ذلك وأن المراد بالقرى قرى اليمن، وعلى كل حال لكل واحد من القولين وجه، قال: (﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾ متواصلة من اليمن إلى الشام)، ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾ يعني: جعلناه مُقَدَّرًا بمراحل ينزلون من قرية إلى أخرى مرحلة إلى مرحلة، يقول: (﴿قَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾ بحيث يقيلون في واحدة ويبيتون في أخرى إلى انتهاء سفرهم ولا يحتاجون فيه إلى حَمْلِ زادٍ وماء) هذا معنى تقدير السير، تقدير السير أنه يكون مقدرًا بمراحل حسب هذه القرى، يقيلون في واحدة، ويبيتون في أخرى، ثم يقيلون في الثانية، ويبيتون في الأخرى، وهكذا، ولا شك أن تقدير السير على هذا الوجه لا شك أنه من نعمة الله على الناس فإن الخطوط التي ليس فيها مُدن تكون في الغالب طرقًا مهلكة مخيفة، لكن إذا كانت متواصلة صارت أيسر للسالك وأشد طمأنينة، بل وأقرب للسير؛ لأنك إذا مشيت من قرية إلى أخرى تحس أنك قطعت مرحلة، مثل القرآن الكريم الآن لما جُعِل آيات وسورًا وأجزاء صار أسهل للقارئ، الكتاب إذا كان مفصلًا بأبواب وفصول صار أيسر، الطريق أيضًا الحسي طريق الأرض إذا كان فيه القرى متوالية صار أيسر من الطريق الطويل الذي يُمِلُّ الإنسان ولا يرى أنه قطع مرحلة فيه؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾.
﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ قال المؤلف: (قلنا: سيروا) وعليه، فتكون هذه الجملة في موضع نصب مقولًا لقول محذوف: قلنا: سيروا.
وهذا القول شرعيٌّ ولا قدريٌّ؟ قدري يعني أن الله تعالى قال لهم: سيروا في هذه الطرق.
﴿فِيهَا لَيَالِيَ﴾ أي: في هذه القرى (﴿لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ لا تخافون لا في ليل ولا في نهار)، وهذه من نعم الله أنهم يسيرون ليلًا ونهارًا آمنين لا يخافون من أحد، ولا يخافون من تَلَفٍ، ولا من انقطاع ماء، ولا من فَقْدِ طعامٍ، ولكن ماذا صار؟ ما صبروا على هذه النعمة، والعياذ بالله؛ ﴿قَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ ما شكروا النعمة، وكان عليهم أن يشكروا الله على هذه النعمة ويرتبطوا بها ولكنهم لم يصبروا عليها، حتى سألوا الله أن يباعد بين أسفارهم فتكون الأسفار طويلة ما فيها قرى، وهذا نظير قول أصحاب موسى له: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ [البقرة ٦١]، بينما كانوا في الأول يأكلون رَغَدًا من المنِّ والسَّلْوى لا تعب وطعام طَيِّب، لكن لم يصبروا عليه، هؤلاء ما صبروا على هذا، قوم سبأ ما صبروا على هذه النعمة التي هي من أحسن النعم في الأسفار.
قالوا: (﴿رَبَّنَا بَعِّدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ وفي قراءة -سبعية يعني- ﴿بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ إلى الشام اجعلها مفاوز) المفاوز جمع مفازة وهي الأراضي التي يُخْشَى فيها من الهلاك، وسمِّيَت مفازة من باب التفاؤل وإلَّا في الحقيقة ما هي مفازة، بل هي هلاك ومهلكة، لكن العرب تُطْلِق الشيء على ضده تفاؤلًا، كما قالوا في الكسير: إنه جبير فهذه أيضًا مثلها، يقول المؤلف في تفسير ﴿بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾: (اجعلها مفاوز) لماذا؟ قال: (ليتطاولوا على الفقراء بركوب الرواحل وحَمْلِ الزاد والماء فبَطَروا النعمة)، لما كانت القرى ظاهرة ومتقاربة ولا يحتاج فيها إلى حمل زاد ومزاد صار الأغنياء والفقراء فيها على حَدٍّ سواء، كلٌّ منعم في هذه الطرق، فإذا تَباعَدَت صار ذلك من حظِّ مَنْ؟ الأغنياء، فسألوا الله أن يباعد بين أسفارهم من أجل أن يتطاولوا على فقرائهم، فهؤلاء الأغنياء يركبون الإبل ويحملون ما يشاؤون من الزاد، وأما الفقراء فلا يستطيعون ذلك، هذا هو السبب في أنهم دَعَوُا الله أن يباعد بين أسفارهم.
يقول: ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بماذا؟ إما بالكفر، وإما بدعاء الله سبحانه وتعالى أن يُباعِد بين أسفارهم، فلم يَقْبلوا نعمته لهذه الراحة.
(﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ لمن بعدهم في ذلك ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ فرَّقناهم في البلاد كلَّ التفريق ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المذكور ﴿لَآيَاتٍ﴾ عبرًا ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ عن المعاصي ﴿شَكُورٍ﴾ عن النعم) ﴿جَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ أحاديث جمع حديث وهو ما يتحدث الناس به؛ يعني أنهم بعد أنهم كانوا موجودين صاروا خبرًا من الأخبار.
(...) قصصهم كانت أحاديث للناس يتحدثون بها، تقول: حصل كيت وكيت، وهذا من الأمثال المعروفة: (تفرقوا أيادي سبأ) يعني: أنهم تفرَّقوا كتفرق سبأ.
قال الله تعالى: ﴿جَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ بعد أن كانوا أشياء حقيقية ثابتة صاروا أحاديث، وهذا مِثلُ قول الشاعر:
بَيْنَا يُرَى الْإِنْسَانُ فِيهَا مُخْبِرًا ∗∗∗ حَتَّى يُرَى خَبَرًا مِنَ الْأَخْبَارِ
﴿مَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ يعني: فَرَّقْنَاهم في البلاد كل مفرق، وشُرِّدُوا وتَشَتَّتُوا؛ لأنهم كفروا النعمة وظلموا أنفسهم.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الإشارة تعود إلى كل ما سبق من هذه القرى الظاهرة وسهولة السفر، ثم سؤالهم أن يُباعِد الله بين أسفارهم، ثم تمزيقهم في البلاد كل ممزق.
﴿لَآيَاتٍ﴾ لعبرًا، كيف قال الآيات وهي قصة واحدة؟ يقول: لأنها قصة واحدة، لكنها تشتمل على أجزاء، كل جزء منها يستحق أن يكون آية.
وقوله: ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾، ﴿صَبَّارٍ﴾ صيغة مبالغة أي: ذي صبر على البلايا، والصبر في اللغة بمعنى الحبس، وفي الشرع: الحبس عما يَحْرُم عند المصائب.
والناس في المصائب لهم أربعة مراتب: مرتبة السخط، ومرتبة الصبر، ومرتبة الرضا، ومرتبة الشكر، وهو أعلاها، التسخط حرام، والصبر واجب، والرضا مستحب على القول الراجح، والشكر كذلك مستحب؛ ولهذا قال هنا: ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ على أي شيء؟ المؤلف بَيَّنها؛ (عن المعاصي)، بل وعلى أقدار الله، بل وعلى أوامر الله، لأن الصبر ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصيته، وصبر على أقدار الله.
﴿شَكُورٍ﴾ أي: قائم بشكر الله؛ بقلبه ولسانه وجوارحه، فيشكر الله سبحانه وتعالى على نعمه، أما كونها آية للصبار فظاهر، وكونها آية للشكور كيف ذلك؟ لأن الإنسان إذا نظر إلى حالهم، وأنهم حينما كان شاكرين لله كان الله قد أنعم عليهم بهذه النعم، فيستدل بها على أن شكر الله موجب لبقاء نعمته على العبد.
قال الله عز وجل: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً﴾ [سبأ ١٨] في هذه الآية بيان نعمة الله سبحانه وتعالى على سبأ؛ حيث جعل القرى ممتدة من اليمن إلى الشام قريبًا بعضها من بعض.
* وفيها أيضًا: أن الطرق إذا كانت بين قرى متجاورة فهي آمنُ وأقرب إلى السلامة؛ لقوله:﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾.
* ومن فوائدها: أن السير فيها مُقَدَّر مرحلة مرحلة بين هذه القرى، وتقدير السير كما قلنا من فائدته وهو اللي يتفرع على الفائدة هذه: أن تقدير السير أنشط للمسافر وأسهل له؛ لأنه إذا كان بين القرى تَبَايُنٌ بعيد تَعِبَ المسافر ومَلَّ، لكن إذا سار يقطعها مرحلة مرحلة صار ذلك أنشط له وأهون عليه، وذكرنا أن من هذا تجزئة القرآن ومسائل العلم في الكتب المصنفة حتى يقطعها الإنسان مرحلة مرحلة فيكون ذلك أسهل عليه.
وربما نأخذ منها فائدة لمن أراد حفظ القرآن: أن يتحفظه شيئًا فشيئًا؛ لأن بعض الناس يسرد له ورقة كاملة ثم يرجع يحفظها فيصعب عليه، لكن إذا حفظها آية آية كان هذا أسهل في الغالب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأمن في الأوطان من أكبر النعم؛ لقوله: ﴿لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾، والأمن لا أحد يخفى عليه أنه من أكبر النعم.
ثم قال: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ ١٩] في هذا دليل على أن هؤلاء القوم لم يصبروا على هذه النعم، بل طلبوا زوالها وتغييرها، وهل هذا القول باللسان أو بالفعل؟ بمعنى هل قالوا فعلًا ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ أو أنهم لما ظلموا أنفسهم وكفروا صار ذلك سببًا لتباعد ما بين هذه القرى؛ حيث اندمرت وفسدت وخربت؟ الأول هو ظاهر اللفظ، أنهم قالوا ذلك فعلًا فباعد الله بينهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء القوم لما بطروا النعمة وعجزوا عن صبرها أضافوا إلى ذلك ظلمَ أنفسهم بالكفر؛ من قوله: ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾.
* ومن فوائدها: أن هؤلاء القوم صاروا أحاديث للناس من بعدهم، وهذا نوع من الخزي والعار -والعياذ بالله- أن يشتهر أمر الإنسان حتى يكون أحدوثة لمن بعده؛ ولهذا قال: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن هؤلاء الذين أنعم الله عليهم بالاجتماع في قراهم وقبائلهم مُزِّقوا كل ممزق فشُرِّدوا في البلاد وتفرقوا؛ لقوله: ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾.
* ومن فوائدها: أن ما يفعله الله عز وجل بالعصاة والظالمين يكون آية للمعتبرِين سواء كان ضراء فيصبرون أو سراء فيشكرون؛ لقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾.
* ومن فوائدها: فضيلة الصبر والشكر؛ الصبر على الضراء، والشكر على الرخاء، والإنسان دائمًا مصاب بهاتين الآفتين؛ إما ضراء وإما سراء، قال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء ٣٥]، والموفَّق مَنْ أعطى كل حال ما يجب لها؛ ففي الضراء يجب عليه الصبر وانتظار الفرج، وليعلم أن الله عز وجل إذا قدر عليه الضراء ليصبر فإن ذلك نعمة من الله عليه، كيف ذلك؟ لأن الصبر -كما نعلم- درجة عالية، ومنزلة الصابرين من أعلى ما يكون من المراتب والمنازل، هذه الدرجة أو المرتبة أو المنزلة إذا لم يكن هناك شيء يُمْتَحن به العبد، فإنه أيش؟ لن ينالها، لا بد من أذى ولا بد من مصائب يصبر عليها الإنسان حتى ينال بذلك درجة الصابرين، وكذلك أيضًا الشكر درجة عالية لا ينالها إلا من وُفِّقَ فإن الإنسان إذا أذاقه الله النعماء من بعد الضراء، فالغالب عليه أنه يفخر ويفرح ويبطر، فإذا انضاف إلى ذلك الشكر عند الرخاء والصبر عند البلاء؛ نال بهذا درجة الصابرين الشاكرين؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا»[[أخرجه أحمد (٢٨٠٣) من حديث ابن عباس رضي الله عنه.]]، وانتظار الفرج معونة على الصبر؛ فإن الإنسان إذا أَيِس ولم ينتظر الفرج ضاقت عليه الدنيا وتضاعفت عليه المصيبة، لكن إذا كان ينتظر الفرج مؤمنًا بذلك هان عليه الأمر.
سبأ 34:19
يقول عز وجل: (﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ بالماء والشجر) إلى آخره، ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ كل الإضافات، كل نسبة الفعل الآن إلى (نَا) الدالة على العظمة.
﴿جَعَلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ الضمير يعود على سبأ، ﴿وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ القرى جمع قرية وهي البلدة سواء كانت كبيرة أو صغيرة؛ وسميت قرية لأنها تجمع، وما اشتهر عند الناس أن القرية هي المدن الصغار هذا اصطلاح عرفي، وإلَّا فإن الله يقول في أم القرى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد ١٣]، فالقرية اسم للبلد سواء كان كثيرًا أو قليلًا سمي بذلك؛ لأنه يجمع الناس.
وقوله: ﴿الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾، ما هي القرى التي بارك الله فيها؟ قيل: إنها قرى اليمن كصنعاء ونحوها، وقيل: إنها قرى الشام، ولكل من القولين وجه؛ لأن الله سبحانه وتعالى بارك في الشام، وبارك في اليمن، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَيَمَنِنِا»[[أخرجه البخاري (١٠٣٧)، وأحمد (٥٦٤١) واللفظ له، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]]؛ ولهذا اختلف المفسرون؛ هل المراد بالقرى التي بارك الله فيها قرى الشام، أو المراد بالقرى التي بارك الله فيها قرى اليمن؟ أيهما أعظم مِنَّة أن يكون المراد بها قُرَى الشام أو قرى اليمن؟ قرى الشام؛ لبعدها فهم يذهبون إلى الشام ويرجعون منه، فيقول: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً﴾.
قال المؤلف: (باركنا فيها بالماء والشجر) يعني: والثمار، (وهي قرى الشام التي يسيرون إليها للتجارة ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾ متواصلة من اليمن إلى الشام) ﴿ظَاهِرَةً﴾ يعني بينة يُرَى بعضها من بعض؛ لأن القرية إذا كانت بعيدة عن الثانية ما صارت ظاهرة، إذا خرجت من قرية إلى قرية وهي بعيدة منها، هل تكون القرية الثانية ظاهرة لك؟ لا تجد أحد يدلك، لكن إذا كانت متواصلة متقاربة صارت أيش؟ ظاهرة، بادِيَة للعيان، فهذه قرى متواصلة بعضها ببعض من اليمن إلى الشام، والذين قالوا: إن المراد قرى اليمن قال: لأنه لا يُعْلَم أن هناك قرى متصلة من اليمن إلى الشام، وقالوا: إن الواقع يدل على خلاف ذلك وأن المراد بالقرى قرى اليمن، وعلى كل حال لكل واحد من القولين وجه، قال: (﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾ متواصلة من اليمن إلى الشام)، ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾ يعني: جعلناه مُقَدَّرًا بمراحل ينزلون من قرية إلى أخرى مرحلة إلى مرحلة، يقول: (﴿قَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾ بحيث يقيلون في واحدة ويبيتون في أخرى إلى انتهاء سفرهم ولا يحتاجون فيه إلى حَمْلِ زادٍ وماء) هذا معنى تقدير السير، تقدير السير أنه يكون مقدرًا بمراحل حسب هذه القرى، يقيلون في واحدة، ويبيتون في أخرى، ثم يقيلون في الثانية، ويبيتون في الأخرى، وهكذا، ولا شك أن تقدير السير على هذا الوجه لا شك أنه من نعمة الله على الناس فإن الخطوط التي ليس فيها مُدن تكون في الغالب طرقًا مهلكة مخيفة، لكن إذا كانت متواصلة صارت أيسر للسالك وأشد طمأنينة، بل وأقرب للسير؛ لأنك إذا مشيت من قرية إلى أخرى تحس أنك قطعت مرحلة، مثل القرآن الكريم الآن لما جُعِل آيات وسورًا وأجزاء صار أسهل للقارئ، الكتاب إذا كان مفصلًا بأبواب وفصول صار أيسر، الطريق أيضًا الحسي طريق الأرض إذا كان فيه القرى متوالية صار أيسر من الطريق الطويل الذي يُمِلُّ الإنسان ولا يرى أنه قطع مرحلة فيه؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾.
﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ قال المؤلف: (قلنا: سيروا) وعليه، فتكون هذه الجملة في موضع نصب مقولًا لقول محذوف: قلنا: سيروا.
وهذا القول شرعيٌّ ولا قدريٌّ؟ قدري يعني أن الله تعالى قال لهم: سيروا في هذه الطرق.
﴿فِيهَا لَيَالِيَ﴾ أي: في هذه القرى (﴿لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ لا تخافون لا في ليل ولا في نهار)، وهذه من نعم الله أنهم يسيرون ليلًا ونهارًا آمنين لا يخافون من أحد، ولا يخافون من تَلَفٍ، ولا من انقطاع ماء، ولا من فَقْدِ طعامٍ، ولكن ماذا صار؟ ما صبروا على هذه النعمة، والعياذ بالله؛ ﴿قَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ ما شكروا النعمة، وكان عليهم أن يشكروا الله على هذه النعمة ويرتبطوا بها ولكنهم لم يصبروا عليها، حتى سألوا الله أن يباعد بين أسفارهم فتكون الأسفار طويلة ما فيها قرى، وهذا نظير قول أصحاب موسى له: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ [البقرة ٦١]، بينما كانوا في الأول يأكلون رَغَدًا من المنِّ والسَّلْوى لا تعب وطعام طَيِّب، لكن لم يصبروا عليه، هؤلاء ما صبروا على هذا، قوم سبأ ما صبروا على هذه النعمة التي هي من أحسن النعم في الأسفار.
قالوا: (﴿رَبَّنَا بَعِّدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ وفي قراءة -سبعية يعني- ﴿بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ إلى الشام اجعلها مفاوز) المفاوز جمع مفازة وهي الأراضي التي يُخْشَى فيها من الهلاك، وسمِّيَت مفازة من باب التفاؤل وإلَّا في الحقيقة ما هي مفازة، بل هي هلاك ومهلكة، لكن العرب تُطْلِق الشيء على ضده تفاؤلًا، كما قالوا في الكسير: إنه جبير فهذه أيضًا مثلها، يقول المؤلف في تفسير ﴿بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾: (اجعلها مفاوز) لماذا؟ قال: (ليتطاولوا على الفقراء بركوب الرواحل وحَمْلِ الزاد والماء فبَطَروا النعمة)، لما كانت القرى ظاهرة ومتقاربة ولا يحتاج فيها إلى حمل زاد ومزاد صار الأغنياء والفقراء فيها على حَدٍّ سواء، كلٌّ منعم في هذه الطرق، فإذا تَباعَدَت صار ذلك من حظِّ مَنْ؟ الأغنياء، فسألوا الله أن يباعد بين أسفارهم من أجل أن يتطاولوا على فقرائهم، فهؤلاء الأغنياء يركبون الإبل ويحملون ما يشاؤون من الزاد، وأما الفقراء فلا يستطيعون ذلك، هذا هو السبب في أنهم دَعَوُا الله أن يباعد بين أسفارهم.
يقول: ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بماذا؟ إما بالكفر، وإما بدعاء الله سبحانه وتعالى أن يُباعِد بين أسفارهم، فلم يَقْبلوا نعمته لهذه الراحة.
(﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ لمن بعدهم في ذلك ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ فرَّقناهم في البلاد كلَّ التفريق ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المذكور ﴿لَآيَاتٍ﴾ عبرًا ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ عن المعاصي ﴿شَكُورٍ﴾ عن النعم) ﴿جَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ أحاديث جمع حديث وهو ما يتحدث الناس به؛ يعني أنهم بعد أنهم كانوا موجودين صاروا خبرًا من الأخبار.
(...) قصصهم كانت أحاديث للناس يتحدثون بها، تقول: حصل كيت وكيت، وهذا من الأمثال المعروفة: (تفرقوا أيادي سبأ) يعني: أنهم تفرَّقوا كتفرق سبأ.
قال الله تعالى: ﴿جَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ بعد أن كانوا أشياء حقيقية ثابتة صاروا أحاديث، وهذا مِثلُ قول الشاعر:
بَيْنَا يُرَى الْإِنْسَانُ فِيهَا مُخْبِرًا ∗∗∗ حَتَّى يُرَى خَبَرًا مِنَ الْأَخْبَارِ
﴿مَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ يعني: فَرَّقْنَاهم في البلاد كل مفرق، وشُرِّدُوا وتَشَتَّتُوا؛ لأنهم كفروا النعمة وظلموا أنفسهم.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الإشارة تعود إلى كل ما سبق من هذه القرى الظاهرة وسهولة السفر، ثم سؤالهم أن يُباعِد الله بين أسفارهم، ثم تمزيقهم في البلاد كل ممزق.
﴿لَآيَاتٍ﴾ لعبرًا، كيف قال الآيات وهي قصة واحدة؟ يقول: لأنها قصة واحدة، لكنها تشتمل على أجزاء، كل جزء منها يستحق أن يكون آية.
وقوله: ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾، ﴿صَبَّارٍ﴾ صيغة مبالغة أي: ذي صبر على البلايا، والصبر في اللغة بمعنى الحبس، وفي الشرع: الحبس عما يَحْرُم عند المصائب.
والناس في المصائب لهم أربعة مراتب: مرتبة السخط، ومرتبة الصبر، ومرتبة الرضا، ومرتبة الشكر، وهو أعلاها، التسخط حرام، والصبر واجب، والرضا مستحب على القول الراجح، والشكر كذلك مستحب؛ ولهذا قال هنا: ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ على أي شيء؟ المؤلف بَيَّنها؛ (عن المعاصي)، بل وعلى أقدار الله، بل وعلى أوامر الله، لأن الصبر ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصيته، وصبر على أقدار الله.
﴿شَكُورٍ﴾ أي: قائم بشكر الله؛ بقلبه ولسانه وجوارحه، فيشكر الله سبحانه وتعالى على نعمه، أما كونها آية للصبار فظاهر، وكونها آية للشكور كيف ذلك؟ لأن الإنسان إذا نظر إلى حالهم، وأنهم حينما كان شاكرين لله كان الله قد أنعم عليهم بهذه النعم، فيستدل بها على أن شكر الله موجب لبقاء نعمته على العبد.
قال الله عز وجل: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً﴾ [سبأ ١٨] في هذه الآية بيان نعمة الله سبحانه وتعالى على سبأ؛ حيث جعل القرى ممتدة من اليمن إلى الشام قريبًا بعضها من بعض.
* وفيها أيضًا: أن الطرق إذا كانت بين قرى متجاورة فهي آمنُ وأقرب إلى السلامة؛ لقوله:﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾.
* ومن فوائدها: أن السير فيها مُقَدَّر مرحلة مرحلة بين هذه القرى، وتقدير السير كما قلنا من فائدته وهو اللي يتفرع على الفائدة هذه: أن تقدير السير أنشط للمسافر وأسهل له؛ لأنه إذا كان بين القرى تَبَايُنٌ بعيد تَعِبَ المسافر ومَلَّ، لكن إذا سار يقطعها مرحلة مرحلة صار ذلك أنشط له وأهون عليه، وذكرنا أن من هذا تجزئة القرآن ومسائل العلم في الكتب المصنفة حتى يقطعها الإنسان مرحلة مرحلة فيكون ذلك أسهل عليه.
وربما نأخذ منها فائدة لمن أراد حفظ القرآن: أن يتحفظه شيئًا فشيئًا؛ لأن بعض الناس يسرد له ورقة كاملة ثم يرجع يحفظها فيصعب عليه، لكن إذا حفظها آية آية كان هذا أسهل في الغالب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأمن في الأوطان من أكبر النعم؛ لقوله: ﴿لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾، والأمن لا أحد يخفى عليه أنه من أكبر النعم.
ثم قال: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ ١٩] في هذا دليل على أن هؤلاء القوم لم يصبروا على هذه النعم، بل طلبوا زوالها وتغييرها، وهل هذا القول باللسان أو بالفعل؟ بمعنى هل قالوا فعلًا ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ أو أنهم لما ظلموا أنفسهم وكفروا صار ذلك سببًا لتباعد ما بين هذه القرى؛ حيث اندمرت وفسدت وخربت؟ الأول هو ظاهر اللفظ، أنهم قالوا ذلك فعلًا فباعد الله بينهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء القوم لما بطروا النعمة وعجزوا عن صبرها أضافوا إلى ذلك ظلمَ أنفسهم بالكفر؛ من قوله: ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾.
* ومن فوائدها: أن هؤلاء القوم صاروا أحاديث للناس من بعدهم، وهذا نوع من الخزي والعار -والعياذ بالله- أن يشتهر أمر الإنسان حتى يكون أحدوثة لمن بعده؛ ولهذا قال: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن هؤلاء الذين أنعم الله عليهم بالاجتماع في قراهم وقبائلهم مُزِّقوا كل ممزق فشُرِّدوا في البلاد وتفرقوا؛ لقوله: ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾.
* ومن فوائدها: أن ما يفعله الله عز وجل بالعصاة والظالمين يكون آية للمعتبرِين سواء كان ضراء فيصبرون أو سراء فيشكرون؛ لقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾.
* ومن فوائدها: فضيلة الصبر والشكر؛ الصبر على الضراء، والشكر على الرخاء، والإنسان دائمًا مصاب بهاتين الآفتين؛ إما ضراء وإما سراء، قال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء ٣٥]، والموفَّق مَنْ أعطى كل حال ما يجب لها؛ ففي الضراء يجب عليه الصبر وانتظار الفرج، وليعلم أن الله عز وجل إذا قدر عليه الضراء ليصبر فإن ذلك نعمة من الله عليه، كيف ذلك؟ لأن الصبر -كما نعلم- درجة عالية، ومنزلة الصابرين من أعلى ما يكون من المراتب والمنازل، هذه الدرجة أو المرتبة أو المنزلة إذا لم يكن هناك شيء يُمْتَحن به العبد، فإنه أيش؟ لن ينالها، لا بد من أذى ولا بد من مصائب يصبر عليها الإنسان حتى ينال بذلك درجة الصابرين، وكذلك أيضًا الشكر درجة عالية لا ينالها إلا من وُفِّقَ فإن الإنسان إذا أذاقه الله النعماء من بعد الضراء، فالغالب عليه أنه يفخر ويفرح ويبطر، فإذا انضاف إلى ذلك الشكر عند الرخاء والصبر عند البلاء؛ نال بهذا درجة الصابرين الشاكرين؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا»[[أخرجه أحمد (٢٨٠٣) من حديث ابن عباس رضي الله عنه.]]، وانتظار الفرج معونة على الصبر؛ فإن الإنسان إذا أَيِس ولم ينتظر الفرج ضاقت عليه الدنيا وتضاعفت عليه المصيبة، لكن إذا كان ينتظر الفرج مؤمنًا بذلك هان عليه الأمر.
سبأ 34:20
ثم قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ قال: ﴿صَدَقَ﴾ بالتخفيف والتشديد، ﴿صَدَقَ﴾ بمعنى أيش؟ أخبر بالصدق، و﴿صَدَّقَ﴾ مَنْ أخبر بالصدق، فالإنسان إما مُخبِر وإما مُخبَر، فالمخبِر نقول: صَدَق، والمُخبَر نقول: صَدَّق، يقول الله عز وجل: ﴿صَدَقَ﴾ وَ﴿صَدَّقَ﴾، والقراءاتان هنا تحملان معنى الصِّدْق والتَّصْدِيق، فالفائدة من هاتين القرائتين أنهما تدلان على معنيين يتبين ذلك بشرحهما؛
قال: (﴿صَدَقَ عَلَيْهِمْ﴾ أو ﴿صَدَّقَ عَلَيْهِمْ﴾ أي الكفار منهم سبأ ﴿إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ أنهم بإغوائه يتبعونه ﴿فَاتَّبَعُوهُ﴾، فصَدَق بالتخفيف في ظنه، أو صَدَّق بالتشديد ظَنَّه أي: وَجَدَه صادقًا).
إبليس له ظن في بني آدم ما هو ظنه؟ ظنه أنه يغويهم أجمعين، قال الله تعالى عنه: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص ٨٢، ٨٣]، وقال: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف ١٦، ١٧] هذا ما كان يُؤَمِّله ويرجوه، ويظنه إما ظنًّا راجحًا وإما ظنًّا متيقنًا لكن لا يمكن أن يتيقن وإنما يظنُّ ظنًّا راجحًا، فهنا صدَّق ظنه ويش ظنه؟ الذي كان يقول: إنه سيغويهم فصدَّقه؛ لأنه أغواهم.
أو ﴿صَدَقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ أنه لما ظَنَّ نفذ ما قال فيكون صَدَق حيث أغواهم، والحاصل أن الظنَّ الذي ظنَّه إبليس ما هو؟ إغواؤهم، هذا هو الظن، هذا الظن إما أن يكون بإغوائه إياهم قد صَدَّقه حيث وقع منه أولًا بتطبيقه فعلًا، أو ﴿صَدَقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ أنه لما ظن ذلك الظن طبَّقه وفعَّله.
والمعنى أن ما توقعه الشيطان وظنه من إغواء الكفار ومنهم سبأ وقع مُؤكَّدًا باللام و(قد) والقَسَم.
﴿فَاتَّبَعُوهُ﴾ اتبعوا الشيطان، والشيطان لو نظرنا ما هو الجامع لما يأمر به؟ يأمر بالفحشاء ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة ٢٦٨]، فهو يأمر بالفحشاء والمنكر وكلِّ فعلٍ قبيح، فإذا اتبعه الإنسان بالفحشاء والمنكر والفعل القبيح فقد تبعه وضل عنه دوابه، وإن خالفه فقد خالفه؛ ولهذا قال: ﴿فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا﴾ (﴿إِلَّا﴾ بمعنى لكن ﴿فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ للبيان).
قال المؤلف: ﴿إِلَّا﴾ يعني (لكن) إشارة إلى أن الاستثناء هنا منقطع؛ لأن الاستثناء إذا كان بمعنى (لكن) صار منقطعًا، ولكن الذي حَمَل المؤلف على هذا؛ لأن قوله: ﴿صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ظاهره أنه صَدَّق عليهم جميعًا، وعليه فالمؤمنون لم يدخلوا في ذلك فيكون الاستثناء هنا منقطعًا؛ لأن إبليس لم يصدُق الظنَّ إلا على الكفار، أما لو جعلنا ﴿صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ عامٌ للقبيلة لكلها أو لبني آدم كلهم ثم قال: ﴿إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لكان هذا الاستثناء متصلًا.
والحاصل إذا جعلنا ﴿عَلَيْهِمْ﴾ إذا جعلنا الضمير عائدًا على الكفار الذين اتبعوا إبليس فإن الاستثناء يجب أن يكون هنا منقطعًا، وإن جعلناه عامًّا لبني آدم أو جنس هذه القبيلة (سبأ) صار الاستثناء متصلًا.
وقوله: ﴿إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ المؤلف يقول رحمه الله: (﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ للبيان) كيف للبيان؟ يعني ﴿مِنَ﴾ بيانية وليست تَبْعِيضِيَّة؛ لأنها لو كانت للتبعيض لكان المعنى إلا فريقًا من المؤمنين نجا منه وفريق آخر لم ينجُ، وهذا المعنى فاسد، وعلى هذا فتكون (مِن) للبيان.
﴿إِلَّا فَرِيقًا﴾ مَن هؤلاء الفريق؟ المؤمنون قال المؤلف: (أي هم المؤمنون لم يتبعوه) انتبه إلى هذا المعنى الدقيق المؤلف رحمه الله جيد في.. أقول مرة ثانية: ﴿إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إذا قلت: جاء فريق من القوم، كلهم جاؤوا ولَّا لا؟ لا، فـ(من) للتبعيض، ﴿إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إذا جعلنا (من) للتبعيض كما في قولك: جاء فريق من القوم، إذا جعلناها للتبعيض فسد المعنى؛ لأن المؤمنين كلهم لم يتبعوه، ولهذا احتاج المؤلف أن يجعل (من) بيانية، وتكون (المؤمنون) بيانًا لقوله: ﴿فَرِيقًا﴾، كأنه قال فاتبعوه إلا المؤمنين هذا معنى الآية.
(﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ تسليط) ﴿وَمَا كَانَ لَهُ﴾ الضمير يعود على إبليس، ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أي: على القوم الذين أغواهم، ﴿مِنْ سُلْطَانٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ زائدة لفظًا لا معنى، و﴿سُلْطَانٍ﴾ اسم كان مُؤَخَّر؛ أي: ما كان له سلطان عليهم، والمراد بالسلطان هنا التسلط أو التسليط؛ ولهذا قال: تسليط، فهي إذن اسم مصدر، وليس المراد بها السلطان الذي هو المعنى. المعنى ما كان للشيطان عليهم تسليط ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾، وعلى تقدير المؤلف أن سلطان بمعنى تسليط يكون الاستثناء متصلًا؛ أي: ما جعلنا للشيطان تسليطًا عليهم إلا لنعلم، وإذا جعلنا السطان بمعنى التسلط أو القدرة فالاستثناء يكون منقطعًا أي: ما كان له عليهم سلطة لكن لنعلم مَنْ يتبعه إلى آخره.
وقوله ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ﴾ اللام هنا للتعليل أو للعاقبة؟ يحتمل أن تكون للتعليل أو للعاقبة، وعلى كلا التقديرين فيها إشكال؛ الإشكال هو أن ظاهرها تَجَدُّد علم الله، ومعلوم أن علم الله أزليٌّ أبدي أي قديم مستمر، لا بد أن يستمر، فكيف صحَّ أن تكون اللام هنا للتعليل أو للعاقبة؟
يقول المؤلف في تفسيرها: (علم ظهور)؛ وذلك لأن تَعَلُّق علم الله بالشيء له حالان:
الحال الأولى: قبل وجوده.
والحال الثانية: بعد وجوده. فتعلق علم الله به بعد الوجود يُسَمَّى علم ظهور أي: علمه بعد أن ظهر وبان، وعلم الله تعالى قبل وجوده عِلْمُ تَقْدِير أي أنه قَدَّر أن يكون، وعلم التقدير ثابت بلا شك، فإن الله لن يزل ولا يزال عالمًا بكل ما يكون.
انتبه إذا قلنا: إن العلم علمُ تقديرٍ وعلم ظهور زال الإشكال، وصار علم الله للشيء بعد وقوعه بأنه ظهر ووقع، وعلم الله قبل وقوعه علمًا بأنه سيقع، وفرق بين المتعلقين.
وقيل إن المراد بالعلم هنا: العلم الذي يترتب عليه الجزاء، وذلك لا يكون إلا بعد الامتحان، فإن علم الله تعالى بالشيء قبل أن يقع علم لا يترتب عليه لا ثواب ولا عقاب؛ لأن المكلف لم يؤمر ولم ينهَ، فإذا أُمِر ففعل أو أُمِر فلم يفعل حينئذ صار مثابًا أو معاقبًا، كما قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد ٣١]، ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران ١٤٢] وعلى هذا الوجه يكون علم الله تعالى علمين:
علم معناه أن الله تعالى عالم بأن هذا الشيء سيقع، ولكن لا يترتب عليه الثواب والعقاب.
وعلم يترتب عليه الثواب والعقاب، وذلك لا يكون إلا بعد امتحان المكلف به وهل يَفْعَل أو لا يَفْعَل؛ يعني: هل يمتثل أو لا يمتثل؟ فتبين أن في هذه المسألة التي ظاهرها تجدد علم الله أن عنها جوابين:
الجواب الأول.. مَنْ يعرف الجواب الأول؟ العلم الذي يَتَبَيَّن به الخفيُّ؛ لأن الأمر لم يزل ولا يزال أمام الله سبحانه واضحًا ظاهرًا.
قال: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ هنا ضُمِّنَت ﴿نَعْلَمَ﴾ معنى (نُمَيِّز)، ولهذا قال: ﴿مِمَّنْ هُوَ﴾ يعني: إلا لنُمَيِّز مَن يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك. والناس بالنسبة للآخرة ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
قسم آمنوا بها.
وقسم كفروا بها وأنكروا.
وقسم في شكٍّ وتردُّد.
الذين آمنوا بها أمرهم واضح، والذين كفروا بها وقالوا: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء ٤٩] هذا لا يمكن، هذا أيضًا أمرهم واضح، والذين تردَّدوا قالوا: يمكن أن تكون حقًّا ويمكن أن تكون باطلًا، بأي القسمين يلحقون بالكافر ولا بالمؤمن؟ بالكافر نعم؛ لأن الواجب أن يؤمن؛ ولهذا قال عز وجل: ﴿مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ فكيف ممن هو منها مُنْكِرًا وجاحدًا ومكذِّبًا؟ فالله عز وجل جعل للشيطان سُلْطَة على بني آدم؛ لأجل أن يمتحن هؤلاء الناس فيعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك، الذي في شك من الآخرة يَتْبَع من؟ يتبع الشيطان قطعًا؛ لأنه لا يؤمن بأن هناك يومًا آخر يثاب الناس فيه ويعاقَبون، فهو يري أن لنفسه الحرية المطلقة، وهي في الحقيقة حرية من شيء وَرِقٌّ في شيء، قال ابن القيم رحمه الله:
هَرَبُوا مِنَ الرِّقِّ الَّذِي خُلِقُوا لَهُ ∗∗∗ ...........................
ما هو الرق الذي خُلِقْنا له؟ العبودية لله عز وجل.
..................... ∗∗∗ وَبُلُوا بِرِقِّ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ
نسأل الله العافية؛ لأنهم صاروا عبيدًا لأنفسهم وشياطينهم، فلا يمكن أن يتحرر الإنسان من عبادة الله على زعمه إلا كان رقيقًا لغيره للنفس والشيطان، والحاصل أن هؤلاء الذين كانوا في شك من الآخرة لا يمكن أن يعملوا ولا أن يقوموا بطاعة الله؛ ذلك لأن الذي يقوم بطاعة هو الذي يؤمن بأنه سوف يُحْشَر ويثاب أو يعاقب.
قال: (﴿مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ فنجازي كُلًّا منهما ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ ) الجملة خبرية تفيد معنى ولازمَ ذلك المعنى؛ فهي خبرية تفيد أن الله على كل شيء حفيظ أي: مراقب ومُطَّلِع ومُهَيْمِنٌ على كل شيء، سواء كان ذلك مما يتعلق بفعله أو مما يتعلق بفعل الخَلْق، فهو جل وعلا رقيب على كل شيء لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، هذا المعنى يستلزم معنى آخر وهو التحذير من المخالفة، لأن الإنسان متى عَلِم أن الله سبحانه وتعالى حفيظ على كل شيء خاف ولم يخالف، أما إذا كان في شك من هذا فإنه يعمل كما يشاء.
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ﴿قُلِ﴾ قال: (يا محمد لكفار مكة) فهنا المؤلف جعل الخطاب خاصًّا من وجهين: من جهة المخاطَب ومن جهة المدعوِّ؛ المخاطب قال: (﴿قُلِ﴾ يا محمد) والمدعو (كفار مكة)، ولكن هذا غير مُسَلَّم للمؤلف أو للمفسر، بل نقول: إن (قل) يمكن أن تكون موجهة لك مَنْ يتوجه الخطاب إليه من الرسول ﷺ أو غيره ممن وَرِثه في أمته؛ أي: قل أيها الناس، أما بالنسبة للمدعوِّين فنقول: الأصح أنه عام لكل مَنْ دَعا مع الله غيرَه من كفار مكة وغيرهم.
وهكذا يجب أن يكون لدينا قاعدة وهو: (أنه إذا دار الأمر أن يكون الخطاب خاصًّا أو عامًّا وجب أن يكون عامًّا)؛ لأن العام يدخل فيه الخاص ولا عكس، وكلما كان معنى القرآن أوسع كان أوجه.
إذن نقول: قل أيها المخاطب ممن تدعو إلى الله، قل للذين يدعون مع الله غيره: ادعوا الذين زعمتم، (﴿ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أي: زعمتموهم آلهة) ادعوهم، هل المراد بالدعاء هنا دعاء المسألة أو دعاء الإحضار؟ ادعوهم أي أحضروهم، أو دعاء المسألة؛ يعني: اسألوهم اطلبوا منهم الحوائج هل يستجيبون لكم أم لا؟ نعم، يحتمل المعنيين، يحتمل المعنى: أحضروهم لنناقشهم، أو ادعوهم دعاء مسألة؛ يعني: اسألوهم، كما تقول: ادعُ الله، أي: اسأله.
وقول المؤلف: (أي زعمتموهم آلهة)، شوف ماذا قدَّر المؤلف؟ قدَّر ضميرًا واسمًا ظاهرًا؛ الضمير زعمتموهم (هم)، هذا الضمير، والاسم الظاهر: (آلهة)، فأفادنا رحمه الله بأن (زعم) تنصب مفعولين، وأن المفعولين محذوفان، وتقدير الكلام زعمتموهم آلهة؛ لأن (زعم) من الأفعال التي تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر فهي من أخوات ظن، ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال: (من غيره لينفعوكم بزعمكم).
..لهؤلاء المشركين أن تنفعهم هذه الآلهة، فهل تنفعهم؟ لا، لا يمكن أن تنفعهم؛ وذلك لانتفاء أسباب النفع من عدة أوجه: أولًا: لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض استقلالًا، ولا يملكون ذلك مشاركة، وليس لهم معونة يعينون الله تعالى بها، والرابع ليس لهم شفاعة إلا بعد إِذْن الله، فبيَّن الله تعالى أن أسباب النفع في هذه الآلهة منتفية.
فقوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾ الجملة استئنافية لبيان حال هؤلاء الآلهة، (﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ وزن ذرة من خير أو شر ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ ) صح هذا، لا يملكون مثقال ذرة لا في السماوات ولا في الأرض، ويملكون دون المثقال! ولا دون المثقال؟! نعم؛ لأن التقدير إذا قُصِدَ به المبالغة فلا مفهوم له سواء كان في الكثرة أو في القلة، فهنا ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يعني: ولا دونها واضح؟
طيب، في الكثرة: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ﴾ [التوبة ٨٠]، ولو أكثر من سبعين ما يغفر الله لهم؛ ولهذا قال في آية (المنافقين): ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون ٦]، فإذا جاء القيد للمبالغة قلة أو كثرة فليس له مفهوم.
إذن لا يملكون مثقال ذرة ولا دونها في السماوات ولا في الأرض، ولو كانوا يملكون ذلك لقلتم: نتعلق بهم لعلهم يعطوننا مما يملكون، صحَّ ولَّا لا؟ طيب، هل لهم شرك في السماوات أو في الأرض؟ لا، ولو كان لهم شرك لقلتم: لعلهم يعطوننا من نصيبهم، ولهذا قال: (﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ شركة) ﴿مِنْ﴾ هذه زائدة لفظًا لا معنى، وعلى هذا فـ﴿شِرْكٍ﴾ مبتدأ مؤخر، وخبره الجار والمجرور المقدم ﴿وَمَا لَهُمْ﴾ ما لهم شرك في السماوات ولا في الأرض.
(﴿وَمَا لَهُ﴾ تعالى: ﴿مِنْهُمْ﴾ من الآلهة ﴿مِنْ ظَهِيرٍ﴾ ) ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ ﴿مِنْ ظَهِيرٍ﴾ أيضًا نقول في إعرابها كما قلنا ﴿مِنْ شِرْكٍ﴾؛ أي: أن ﴿مِنْ﴾ زائدة لفظًا لا معنى، و﴿ظَهِيرٍ﴾ مبتدأ مؤخر، والظهير بمعنى المعين، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨]، إذن ليس لهم مع الله معونة حتى يُدْلُوا على الله بها، ويقولون: أعطنا عوض معونتنا لننفع مَن أيش؟ من يدعونا، ما لهم مساعدة مع الله، (﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ معين).
(﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ﴾ تعالى ردًّا لقولهم: إن آلهتهم تشفع عنده ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ﴾ بفتح الهمزة وضمها ﴿أُذِنَ لَهُ﴾ فِيهَا) إذا قالوا: نعم آلهتنا لا تملك شيئًا في السماوات ولا في الأرض، آلهتنا ليس لها مشاركة مع الله، آلهتنا لم تُعِن الله، لكنها تشفع، كما قالوا؛ ﴿يَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس ١٨]، تشفع، قطع الله هذه الوسيلة الأخيرة ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ إذن هذه الآلهة ما تستطيع أن تشفع إلا بعد إِذْنِ الله، وهل يمكن أن يأذن؟ لا، لا يمكن؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم ٢٦]، ويقول عز وجل: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء ٢٨]، ومعلوم أنه سبحانه وتعالى لا يرضى عن الكافرين لا أن يشفعوا، ولا أن يُشْفَع فيهم، فتبين أن جميع ما يتعلق به المشركون في شركهم مع الله كلُّه باطل وكلُّه ممتنع؛ فإن الأسباب التي يمكن أن ينتفعوا بها واحد من أمور أربعة -نعدها-: الملك استقلالًا، الملك مشاركة، الإعانة، الشفاعة، وكل هذه الأربعة منتفية في عبادة هذه المدعُوَّة من دون الله، فانقطع جميع كل سبب يتشبث به المشركون، وحينئذ فيجب أن تكون العبادة والدعاء لمن؟ لله تعالى وحده؛ لأنه هو الذي له ملك السماوات والأرض.
طيب، ما هي الشفاعة عنده؟ الشفاعة في اللغة: جَعْل الفرد شِفْعًا، أو جَعل الوِتْر شفعًا، ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر ٣]، فضموا واحدٍ إلى واحد؟
* طلبة: شفع.
* الشيخ: وضم واحد إلى ثلاثة؟
* طلبة: شفع.
* الشيخ: شفع، وهكذا. لكنها في الاصطلاح: التوسط للغير في جلب منفعة أو دفع مضرة، هذه الشفاعة؛ أن تتوسَّط لغيرك إما بجلب منفعة له أو دفع مضرة، فالشفاعة لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة في جلب منفعة، والشفاعة فيمن استحق النار ألا يدخلها وفيمن دخلها أن يُخْرَج هذه شفاعة لدفع الضرر، فلا تخرج الشفاعة عن هذين الأمرين: إما لجلب النفع، وإما لدفع الضرر.
إنسان شفع لشخض في أن تُعْلَى مرتبتُه؟ جلب منفعة. شفع لشخص أن كتب عليه غرامة أن ترفع عنه الغرامة، هذه دفع مضرة.
وقوله: ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ أو ﴿أُذِنَ لَهُ﴾ الإذن هنا الكوني ولَّا الشرعي؟ الكوني يعني: إلا لمن رَخَّص الله له في أن يشفع، وشرط الإذن أن يكون الله تعالى راضيًا عن الشافع أيش؟ والمشفوع له، فيأذن فيها سبحانه وتعالى كرامةً للشافع وبيانًا لفضله ورحمة بالمشفوع له وإحسانًا إليه، والله (...).
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الدعاء هنا (...).
يقول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ﴾ [سبأ ٢٠] يستفاد من هذا أن إبليس يوصف بالصدق ويوصف بالكذب وما هو الوصف اللازم له؟ الكذب؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء ١٢٠]، وقال النبي ﷺ: «صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ»[[أخرجه البخاري (٢٨٠٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، ولكن قد يصدُق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان حكمة الله عز وجل في تسليط الشيطان على بني آدم؛ وهي أن يعلم من يؤمن بالآخرة فيعمل لها ممن لا يؤمن ويكون في شك فلا يَعْمَل؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان حاجز عن اتباع الشيطان؛ لقوله: ﴿فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ولهذا يمر بكم كثيرًا: لا يؤمن أحدكم حتى يكون كذا وكذا، من كان يؤمن بالله واليوم فليقل كذا وكذا أو فليفعل كذا كذا، مما يدل على أن الإيمان حاجز عن اتباع الشيطان وموجب لاتباع هديِ الرُّسل عليهم الصلاة والسلام.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشيطان إمام لكل ضالٍّ؛ لقوله: ﴿فَاتَّبَعُوهُ﴾، فكل الضالين إمامهم الشيطان وهم مُتَّبِعون له.
* ومن فوائد الآية الكريمة -على إذا قلنا بأن ﴿مِنَ﴾ للتبعيض، وأن المراد بالاتباع الاتباع المطلق- من فوائدها: أن بعض المؤمنين قد يتبع الشيطان في بعض الأمور، لأنه قلنا: ربما يكون الاستثناء متصلًا، وتكون ﴿مِنَ﴾؛ إذ إن بعض المؤمنين قد يتبعون الشيطان في بعض الأمور مثال ذلك: «لَا يَأْكُلْ أَحَدُكُمْ بِشِمَالِهِ وَلَا يَشْرَبْ بِشِمَالِهِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ» »[[أخرجه ابن ماجه (٣٢٦٦) عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: «ليأكلْ أحدُكم بيمينه، وليشربْ بيمينه، وليأخذْ بيمينه، وليعطِ بيمينه؛ فإن الشيطان يأكلُ بشماله، ويشربُ بشماله، ويعطي بشماله، ويأخذُ بشماله».]] إذا فعل أحد ذلك صار متبعًا للشيطان، ولهاذ كان القولُ الراجح تحريمَ الأكل بالشمال والشرب بالشمال، وأنه ليس مكروهًا بل هو حرام، والإنسان يكون عاصيًا بذلك، إلَّا إذا كان أفندينًا تَقَدُّمِيًّا حضاريًّا فإنه يأكل بالشمال.
* طالب: بالشوكة.
* الشيخ: لا، الشوكة ما تخالف، لكن الكلام على الشمال، إذا أكلت باليمين كُلْ بثلاث شوك ما يهم، لكن إذا أكلت باليسار هذه هي المشكلة الذي يزعم فاعلوها أنهم تقدميون وحضاريون، نعم، ولكن ليس كل تقدُّمٍ محمودًا؛ فإن الله يقول عن فرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود ٩٨]، طيب، إذن على هذا القول الأخير: أن ﴿مِنْ﴾ للتبعيض يكون الاستثناء متصلًا ويكون لبعض المؤمنين شيء من اتباع الشيطان لا الاتباع الكامل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علم الله؛ لقوله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾، وتعلق علم الله تعالى بالموجودات سبق لنا أمس أنه ينقسم إلى قسمين: تعلق بها قبل الوجود، وتعلق بها بعد الوجود؛ فالتعلق بها بعد الوجود يكون علمه بها علم أمر واقع، والأول يكون تعلق علمه بها أنه علم بما سيقع، وبهذا يزول الإشكال في مثل هذه الآية حيث إن ظاهرها يفيد تجدد علم الله سبحانه وتعالى، لأنا نعلم أن الله سبحانه وتعالى محيط بكل شيء علمًا أزلًا وأبدًا، ومن ظن أن الله لا يعلم الشيء إلا بعد وجوده فقد كفر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الآخرة ووجوب الإيمان بها، تؤخذ.. منين تؤخذ؟
* طالب: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾.
* الشيخ: إذن فيه إثبات الآخرة ووجوب الإيمان بها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشك فيما يجب فيه اليقين كفر؛ لقوله: ﴿مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾، ولم يقل: ممن هو منكر لها؛ لأنه قد تقول: ظاهر الحال إنه لما قال: يؤمن بالآخرة كان يقول اللي يقابله: (يكفر بالآخرة)، لكن قال: ﴿مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ لنستفيد منها فائدة وهو أن ما يُطلَب فيه اليقين يكون الشك فيه كالإنكار كفرًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عموم رعاية الله ومراقبته لكل شيء، تؤخذ منين؟
* طالب: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾.
* الشيخ: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ صح.
* ومن فوائدها: أن ربوبية الله عز وجل تنقسم إلى خاصة وعامة، والخاصة إلى أَخَصّ وإلى خاصة؛ لقوله: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ فهذه ربوبية أخص من الخاصة، فإن ربوببة الله عز وجل لخواص عباده كالأنبياء أخص من ربوبيته لعموم المؤمنين، وربوبيته للمؤمنين أخص من ربوبيته لعامة الناس؛ شوف ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ [النمل ٩١] خاصَّة ولَّا عامة؟
* طالب: عامة.
* الشيخ: يا إخوان، رب هذه البلدة خاصة كيف عامة؟ ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ بعدئذٍ لما كانت الربوبية الخاصة هنا قد تُوهِم اختصاص ربوبيته لهذه البلدة، بعد هذا قال: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ عامٌّ.
ثم قال الله عز وجل: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سبأ ٢٢] في هذا دليل على أنه ينبغي في المناظرة التحدي للمناظر فيما يُعْلَم أنه لن يكون؛ لقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾؛ فيجب على كل دعاة حق أن يتحدوا هؤلاء المبطلين بأن يُبْرِزوا لباطلهم شيئًا من النفي، وهذا كما أنه في الشرك يكون أيضًا فيما دونه، فإنه ينبغي أن يكون الداعي إلى الله عز وجل على علم بالأمور حتى يستطيع الجدل فيها؛ لأن من لم يكن على علم فيها فإنه سيقف حيران ولا يتمكن من مقابلة الخصم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه الأصنام المدعوة من دون الله لا تملك شيئًا لنفسها فلا تملك شيئًا لغيرها، ليس لها ملك ولا شرك في الملك ولا معاونة على تَصَرُّف ولا شفاعة، والأمر في هذا واضح ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ﴾ أي ما لله ﴿مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات الشفاعة بإذن الله؛ لقوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾، ولو كانت الشفاعة لا تنفع مطلقًا ما صح الاستثناء، ولو كانت تنفع مطلقًا ما صح النفي، انتبه لو كانت الشفاعة مطلقًا تنفع، أذن الله فيها أم لم يأذن، ما صحَّ النفي، ولو كانت تنفع مطلقًا ما صح الاستثناء، إذن فهي تنفع بإذن الله.
* * *
﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ﴾ أي: عند الله ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾، وهنا ﴿لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾؛ لكمال سلطانه، فالنفي هنا متضمن لإثباتٍ وهو كمال السلطان؛ لأن من كمال السلطان ألا يتكلم أحد عند الملِك المشفوع إليه أبدًا إلا بإذنه؛ ولهذا تجد الإنسان إذا كان ذا هيبة عند الناس وكان في مجلس تجد الناس لا يتكلمون هيبةً له، وتجد السلطان إذا كان ذا هيبة ما أحد يقدر يتكلم في مكان جلوسه ولا مع أخيه سرًّا؛ لأنهم يهابونه، فلكمال سلطان الله عز وجل لا يستطيع أحد يشفع إلا بإذنه، حتى أخص عباده به وهم الأنبياء، وأخصهم محمد ﷺ لا يمكن أن يشفع إلا إذا أَذِن الله، حتى في مقام الرحمة يوم القيامة فإن الله تعالى يجعل مئة رحمة يرحم بها الخلق، في مقام الرحمة وعند شدة الهَمِّ والغم المقتضي لرحمة الله ما يمكن يشفع الرسول ﷺ إلا بإذن الله أبدًا؛ لماذا؟ لكمال سلطان الله عز وجل إذا كانت الشفاعة لا تنفع إلا بإذن الله، فهل هذه الأصنام المكروهة عند الله المُنْحَطَّة عنده قَدْرًا هل يمكن أن تشفع لعابديها؟ أبدًا، حتى عيسى عليه الصلاة والسلام الذي عُبِدَ من دون الله لا يمكن أن يشفع لعابديه؛ ولهذا يقول يوم القيامة: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة ١١٧]، ولا يمكن أن يشفع لهم.
﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ وقد سبق في الدرس الماضي أن الله لا يأذن إلا إذا كان الشافع والمشفوع له من أهل الشفاعة؛ قال الله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم ٢٦]، وقال عز وجل: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء ٢٨]؛ ولهذا قال العلماء: إن شروط الشفاعة ثلاثة: رضا الله عن الشافع، ورضاه عن المشفوع له، والثالث إذنه بالشفاعة.
قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ ﴿حَتَّى﴾ هنا ابتدائية، وليست غائية؛ لأن (حتى) تأتي للغاية، وتأتي للابتداء، وتأتي للتعليل، ولها معانٍ متعددة مَنْ أحب الوقوف عليها فليرجع إلى كتاب المغني، أعني: مغني اللبيب لابن هشام رحمه الله فإنه مفيد لطالب العلم.
يقول: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ﴾ فيها قراءتان ﴿فُزِّعَ﴾ و﴿فَزَّعَ﴾ كما قال المؤلف: (بالبناء للفاعل والمفعول).
﴿عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ أي: قلوب الخلق أو عن قلوب الملائكة، فيها قولان لأهل العلم وسيأتي إن شاء الله بيانهما.
﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ قال: (كشف عنها الفزع بالإذن فيها)، ﴿فَزَّع﴾ و﴿فُزِّعَ﴾ بمعنى: أزال الفزع، وليس ﴿فَزَّع﴾ بمعنى ألحق الفزع، بل بمعنى أزاله، وهو فعل يُراد به السلب؛ لأن هناك أفعالًا يراد بها سلب المعنى؛ يعني ضد هذا المعنى، قالوا: ومنه قولهم: قَرَّد البعير، ويش معنى (قَرَّدَ)؟ أزال منهم القراد، (...) والله تعرفون البعير والقراد اللي فيها؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: معروف، والقراد معروف.
* طالب: ما أدري.
* الشيخ: البعير تعرفه. القراض هذا شيء يكون في جِلْد البعير دابة حشرة صغيرة تعض البعير وتشرب الدم منها، اسمه؟
* طالب: جراد.
* الشيخ: جراد؟ لا، لا.
* طالب: مثل القمل، يا شيخ؟
* الشيخ: مثل القمل للإنسان، هو قمل الإبل.
* الطالب: يمسك (...).
* الشيخ: إي نعم، هو إذا مسك الجلد ما عاد يطلقه أبدًا، إلا كنت تمسكه أنت وتجره جرًّا.
على كل حال إن شاء الله ربما نطلع على البر ونشوف بعيرًا فيها قراض ونوريك إياها.
طيب المهم أن قرد البعير ما هو معناه وضع القراض فيها، معناه أزاله عنها، فـ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ أو ﴿فَزَّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ يعني: أزال الفزع.
﴿عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ قال المؤلف: (بالإذن فيها) أي: في الشفاعة، وعلى هذا فيكون الضمير هنا عائدًا على المشفوع له؛ يعني: إذا لَحِقَ المشفوع له من الهم والكرب والغم ما لحقه، وكذلك الخوف والفزع فأذن الله في الشفاعة زال الفزع عن القلوب؛ لأنه قَرُب الفرج.
قال: (﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ ) بالإذن فيها ﴿قَالُوا﴾ بعضهم لبعض استبشارًا ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ فيها -أي: في الشفاعة- ﴿قَالُوا﴾ القول ﴿الْحَقَّ﴾ أي: قد أذن فيها ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ فوق خلقه بالقهر ﴿الْكَبِيرُ﴾ العظيم).
أفادنا المؤلف رحمه الله أن الضمير في (بِهِمْ) يعود على من؟ المشفوع له، فإن المشفوع قبل الشفاعة يلحقه الفزع والخوف من ذنوبه أو من غير ذلك، فإذا أُذِن في الشفاعة زال الفزع، وقالوا: ماذا قال الله؟ يقول ذلك: فيقول بعضهم لبعض: ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾ أي: قالوا القول الحق، ﴿الْحَقَّ﴾ بمعنى الثابت الموافِق لمحله.
وقد سبق لنا أن الحق في الأخبار هو الصدق، والحق في الأحكام هو العدل؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام ١١٥]. طيب، هذا ما ذهب إليه المؤلف على أن الضمير في قلوبهم يعود إلى المشفوع لهم، وأن التفزيع بمعنى إزالة الفزع وهو الخوف بالإذن في الشفاعة، نعم، والسياق لا يأباه، لكن قد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام أن المراد به غيرُ ذلك، وأن المراد به الملائكةُ الذين هم عند الله، إذا تكلم الله بالوحي صعقوا فإذا صعقوا فُزِّع عن قلوبهم، يعني: أُزيل الفزع عنها ثم صاروا يتساءلون: ماذا قال الله؟ فيقال: قال الحق وهو العلي الكبير.
وإذا جاءت السنة في تفسير القرآن كانت أولى، على أننا سبق أن قلنا: إن القرآن إذا دلَّ على عدة معانٍ لا تتناقض حُمِلَ على جميع المعاني؛ لأنه أوسع وأعظم مما يصل إليه فكر الإنسان، فقد يصل فكري إلى شيء ويصل الفكر الآخر إلى شيء آخر وفكر الثالث إلى شيء ثالث والآية كلها تحتمل هذه المعاني فتُحْمَل عليها، أما إذا كان لا يحتمل إلا معنى فإنه يجب أن يُحْمَل على ما قام الدليل عليه.
وقال بعض أهل العلم: حتى إذا فزع عن قلوبهم عند الموت، ما هو ليس يوم القيامة عند الإذن بالشفاعة، ولكن إذا فُزِّع عن قلوبهم عند الموت، لكن هذا ضعيف، وإن كان قد يرد فيُفَزَّع عن القلب عند الموت ويعترف بالحق، فإن فرعون حين غَرِقَ ماذا قال؟ ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس ٩٠]، وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر ٨٤]، لكن هذا المعنى ضعيف، فالآية دائرة بين ما قاله المؤلف وما ثبت به الحديث الصحيح، وهي دالة قطعًا على ما جاء به الحديث الصحيح، وما ذكره المؤلف فهو محتمل ولا تأباه الآية.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾ ﴿الْحَقَّ﴾ ما إعرابهًا؟ أيش؟ صفة لمصدر محذوف، أي: قالوا القول الحق، ولا يصح أن تكون مفعولًا لقال؛ لأن القول لا يَنْصِب إلا جملة أو ما بمعنى الجملة، القول لا ينصب إلا جملة أو ما بمعناها؛ إلا جملة: كقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم ٣٠]، أين مقول القول؟ ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ جملة، أو بمعنى الجملة كقولك: قلت قصيدة، قلت كلمة، هذه بمعنى الجملة؛ لأن الكلمة والقصيدة والشعر لا يكون إلا جملة.
طيب، فإن قلت: ما تقول في قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾ [النحل ٣٠]؟
نقول: هذه ليست مفعولًا لقال، لكنها مفعول لفعل محذوف ويش التقدير؟
* طالب: قالوا قولًا خيرًا.
* الشيخ: لا.
* طالب: أنزل خيرًا.
* الشيخ: أنزل خيرًا، ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾.
يقول المؤلف رحمه الله: (﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ فوق خلقه بالقهر) هذا فيه إما تقصير وإما قصور؛ لأن علو الله عز وجل ليس بالقهر، بل علوه ثلاثة أقسام: علو القهر، وعلو القَدْر، وعلو الذات، لكن المؤلف -عفا الله عنا وعنه- كأنه لا يرى علوَّ الذات، والمنكرون لعلو ذات الله سبحانه وتعالى يَنْقَسِمون إلى قسمين: حلولية، ومعطلة تعطيلًا محضًا.
فالحلولية يقولون: إنه يجب عليك أن تؤمن بأن الله في كل مكان بذاته، وتُنْكِر علوه، في كل مكان بذاته؛ إن كنت في المسجد أو كنت في السوق أو كنت في البر أو كنت في البحر، فالله سبحانه وتعالى بذاته في ذلك المكان، وإن كنت في الحُش فهو في الحش، الحش ما هو؟ مكان التخلي يعني -والعياذ بالله- ما نزهوا الله عن الأنتان والأقذار، نسأل الله العافية ولا شك أن هذا كفر محض، ولا يشك أحد في كفر مَنِ اعتقد هذه العقيدة.
الطائفة الثانية المنكرة للعلو يقولون: إنه لا يجوز لنا أن نقول: إن الله فوق العالم ولا تحته، ولا يمين ولا شمال، ولا أمام ولا خلف، ولا متصل ولا منفصل، وهذا أيش؟ هذا تعطيل محض؛ يعني: لو قيل لك: صف لنا المعدوم ما وجدت أشد إحاطة بالمعدوم من هذا الوصف؛ الذي ليس فوق العالم ولا تحته، ولا يمين ولا شمال، ولا خلف ولا أمام، ولا متصل ولا منفصل، هذا ليس بموجود قطعًا، أمَّا الرسل وأتباعهم فيؤمنون بأن الله عز وجل بذاته فوق كل شيء، وهذا هو الذي دلَّ عليه العقل والفطرة والإجماع والكتاب والسنة، ولنستعرض لهذا الأمر، وإن كان -الحمد لله- الأمر ظاهرًا، لكن.. الكتاب دلَّ على أن الله بذاته فوق عرشه من وجوه متنوعة؛ فتارة بذكر العلو مثل: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة ٢٥٥]، وتارة بذكر الفوقية ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام ١٨]، وتارة بذكر صعود الأشياء إليه؛ مثل: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر ١٠]، وتارة بذكر نزول الأشياء منه ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [السجدة ٥]، فقد تنوعت الأدلة من كتاب الله على علو الله سبحانه وتعالى.
وأما السنة فكذلك دلت السنة على علو الله بذاته من قول الرسول ﷺ وفعله وإقراره؛ فقال عليه الصلاة والسلام: «رَبُّنَا اللَّهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ»[[أخرج أبو داود (٣٨٩٢) عن أبي الدرداء، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنِ اشتكى منكم شيئًا، أو اشتكاه أخٌ له فليقلْ ربنا الله الذي في السماء..» الحديث.]] وقال: «أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٥١)، ومسلم (١٠٦٤ / ١٤٤) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]].
وأما فعله فإنه في يوم عرفة وهو يخطب الناس عندما خطب تلك الخطبة العظيمة «قال لهم: «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟» قالوا: نعم. قال: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ»، يرفع أصبعه إلى السماء وينكتها إلى السماء. «اللَّهُمَّ اشْهَدْ»[[أخرجه مسلم (١٢١٨ / ١٤٧) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.]] هذا أيش؟ سنة فعلية، لإشارته عليه الصلاة والسلام حين ذكر الله، وأما الإقرارية فإنه« أُتِيَ إليه بجارية فسألها فقال: «أَيْنَ اللَّهُ؟» قالت: في السماء. قال: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ»[[أخرجه مسلم (٥٣٧ / ٣٣) من حديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه.]]. هكذا قال، ويعتبر هذا أيش؟ إقرارًا، فقد تنوعت السنة بالدلالة أو في الدلالة على علو الله تعالى بذاته.
وأما الإجماع فقد أجمع السلف من الصحابة والتابعين وأئمة الأمة على أن الله تعالى في السماء بذاته ولم يقل أحد منهم بحرف واحد إن الله ليس في السماء أو إن الله في كل مكان بذاته أبدًا.
وأما العقل فاسأل عقلك هل الكمال في علو الذات أو في نفي العلو عنها؟ الأول بلا شك، علو الذات تدل على الكمال، بل هي الكمال، فإذا كان العلو هو الكمال فإن من المعلوم عقلًا أن الرب متصف بماذا؟ بالكمال، وحينئذ يَثْبُت له العلو عقلًا، أما الفطرة فاسأل فطرتك عندما تسأل الله شيئًا، افرض إنك ما درست ولا حضرت في المساجد ولا شيء، إذا سألت الله عز وجل شيئًا أين يَنْصَرِفُ قلبُك؟ إلى الأعلى؛ ولهذا كان أبو المعالي الجويني كان يقرر فيقول: كان الله ولم يكن شيءٌ قبله، وكان عرشه على الماء. يريد بذلك أن ينكر استواء الله على العرش الذي مِنْ لازمه الإقرار بالعلو فقال له أبو العلاء الهمداني رحمه الله: دعْنَا من ذكر العرش، وأخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في نفوسنا، ما قال عارف قط: يا الله، إلا وجد مِنْ قلبه ضرورة بطلب العلو، صح، فلطم الجويني لطم على رأسه وصرخ، وقال: حيرني الهمداني. ليش؟ لأن الدليل الفطري لا يمكن النزاع فيه، الدليل الفطري لو نازعك منازع قلت: هذا مجنون.
* الطالب: هل في الحديث الذي سرد (...)؟
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، لما قال: وكان عرشه على الماء، وكان الله لم يكن شيء قبله. يعني ما ذكر استوى على العرش، لم يذكر استواءه على العرش، هذا يريد أن يُقَرِّر أن الله تعالى لم يستوِ على العرش فينتفي علوه.
* الطالب: حذف شيئًا من الحديث يعني؟
* الشيخ: لا، أبدًا هو نفس الحديث، لكن هو أراد أن يقرر أن الله كان ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء؛ يعني: ولا فيه استواء وعلو.
فالآن نقول: إن الأمر الفطري لا يمكن أبدًا لأحدٍ أن يُنْكِرَه، لو أن أحدًا أنكر طلبَ الطعام للجائع يُصَدَّق؟ لو قال: الجائع ما هو بيطلب الطعام؟ ما يُصَدَّق؛ ولهذا تحيَّر أبو المعالي الجويني وعجز عن الإجابة؛ لأن هذا دليل فطري لا ينازع فيه أحد.
إذن فقد تطابقت الأدلة على علو الله تعالى بذاته، أما علوه بصفاته؛ سواء كانت صفات قدر أو قهر، فهذا يقرُّ به جميع المنتسبين إلى الإسلام حتى الجهمية والأشاعرة وغيرهم يُقِرُّون بأن الله سبحانه وتعالى عالٍ علوًّا معنويًّا؛ وهو علو الصفات.
قال المؤلف رحمه الله: (﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ فوق خلقه بالقهر ﴿الْكَبِيرُ﴾ العظيم) (﴿الْكَبِيرُ﴾ العظيم) لا شك أن هذا ليس تفسيرًا مطابقًا، ولكنه كأن المؤلف أخذه من قَرْنِ العظيم بالعليِّ في آية الكرسي؛ حيث قال: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة ٢٥٥] وهنا قال: ﴿الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾، ففسَّر ﴿الْكَبِيرُ﴾ بأيش؟ بالعظيم، ولكن الصحيح أن ﴿الْكَبِيرُ﴾ ليس معناه العظيم، بل معناه ذو الكبرياء، ومعناه أن الله تعالى لا يماثله شيء في ذاته، فالسماوات السبع والأرضين السبع في كفه سبحانه وتعالى كخردلة في كفِّ أحدنا؛ يعني: السماوات السبع على عظمها، والأرضين السبع مثل ما لو وضع الإنسان في يده خردلة. حب الخردل تعرفونه، حب الخردل صغير. كبر أيش؟
* طالب: السمسم.
* طالب آخر: حبات العدس.
* الشيخ: كبر السمسم، هذا الخردلة لو حطتها في كفك ليست بشيء، وهذا أيضًا تمثيل على سبيل التقريب، وإلَّا فالله تعالى أعظم وأجل، فكل المخلوقات بالنسبة له سبحانه وتعالى ليست بشيء، فينبغي أن نقول: إن ﴿الْكَبِيرُ﴾ ليس هو العظيم، بل يفيد معنىً آخر، وهو الذي له الكبرياء، وهو الذي لا يُنْسَب إلى شيء من خلقه، فالسماوات السبع والأراضين السبع في كفه كخردلة في كف أحدنا.
(...) في هذه الآية دليل على إثبات الشفاعة؛ لقوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ﴾، فإن قلت: ما وجه الدلالة على إثبات الشفاعة مع أنها نفي ﴿لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾؟
(...) ولم يقل: ولا تكون الشفاعة، ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾، دلَّ على إثباتها، لكن لا تنفع إلا بإذنه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عظمة الله تعالى وقوة سلطانه، من أين يؤخذ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: وجه ذلك أنها تدل على عظمة الله وقوة سلطانه، وجه الدلالة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: هذا ما فيها.. ما قال: إن الله قوي ذو سلطان أو عظيم ذو سلطان، لكن هي تدل على ذلك باللازم، فما وجه الدلالة؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: بخلاف المخلوقين مهما عَظُم ملكهم فإنه يدخل الشافع على الملك والسلطان ويشفع بدون إذن، فكلما عظم السلطان ازدادت الهيبة، وصار لا يتكلم أحد إلا بإذن الله؛ كما قال تعالى في سورة (عم يتساءلون): ﴿وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ ٣٨].
* ومن فوائد الآية الكريمة: قطع كل سبب يتعلق به المشركون في آلهتهم، ما وجهه؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، قطع كل الأسباب التي يستدلون بها على أنها تنفعهم، وهي:
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم، وأنه لا تنفع الشفاعة، هذا آخر سبب يمكن ومع ذلك نفاها الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيانُ كرم الله عز وجل على كلٍّ من الشافع والمشفوع له، منين تأخذ كرم الله على الشافع والمشفوع له؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أحسنت.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يتكلم بكلام مسموع، ونحن الآن نأخذ الفوائد بناء على القول الراجح في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾.
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: والله ممكن ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾، ولكن أنا أردت في الآية: ﴿إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾.
* الطالب: (...).
* الشيخ: أيش بين؟
* الطالب: (...) صعق الملائكة.
* الشيخ: صعق الملائكة، ولولا أنهم يسمعون كلامه لم يصعقوا.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن كلام الله عز وجل ليس ككلام المخلوقين، بل هو أعظم؛ لأن السامع له يَصْعَق إلا أن يُثَبِّتَه الله عز وجل؛ لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾.
* ومن فوائدها: أن قول الله عز وجل كله حق؛ لقوله: ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات الربوبية؛ لقوله: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات علوه سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾، وهو ينقسم إلى: علو الذات، وعلو الصفات، وكلاهما ثابت لله عز وجل.
* ومن فوائدها: إثبات الكبرياء لله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن للملائكة عقولًا وفَهْمًا وإدراكًا وقلوبًا؛ لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾، ولكن هل قلوبهم كقلوب الآدميين؟ الله أعلم، لا نعلم كيفيتها، والملائكة صمت لا يشربون ولا يتكلمون وليس لهم أجواف ولا أمعاء؛ لأنه لا يحتاج إلى الجوف والأمعاء إلا مَنْ يأكل ويشرب.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا. يتكلمون، أنا قلت: لا يتكلمون؟! يتكلمون، لا أنا أقول: إنهم لا يأكلون ولا يشربون.
* ومن فوائد الآية: أن الملائكة يتكلمون؛ ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.
سبأ 34:21
ثم قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ قال: ﴿صَدَقَ﴾ بالتخفيف والتشديد، ﴿صَدَقَ﴾ بمعنى أيش؟ أخبر بالصدق، و﴿صَدَّقَ﴾ مَنْ أخبر بالصدق، فالإنسان إما مُخبِر وإما مُخبَر، فالمخبِر نقول: صَدَق، والمُخبَر نقول: صَدَّق، يقول الله عز وجل: ﴿صَدَقَ﴾ وَ﴿صَدَّقَ﴾، والقراءاتان هنا تحملان معنى الصِّدْق والتَّصْدِيق، فالفائدة من هاتين القرائتين أنهما تدلان على معنيين يتبين ذلك بشرحهما؛
قال: (﴿صَدَقَ عَلَيْهِمْ﴾ أو ﴿صَدَّقَ عَلَيْهِمْ﴾ أي الكفار منهم سبأ ﴿إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ أنهم بإغوائه يتبعونه ﴿فَاتَّبَعُوهُ﴾، فصَدَق بالتخفيف في ظنه، أو صَدَّق بالتشديد ظَنَّه أي: وَجَدَه صادقًا).
إبليس له ظن في بني آدم ما هو ظنه؟ ظنه أنه يغويهم أجمعين، قال الله تعالى عنه: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص ٨٢، ٨٣]، وقال: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف ١٦، ١٧] هذا ما كان يُؤَمِّله ويرجوه، ويظنه إما ظنًّا راجحًا وإما ظنًّا متيقنًا لكن لا يمكن أن يتيقن وإنما يظنُّ ظنًّا راجحًا، فهنا صدَّق ظنه ويش ظنه؟ الذي كان يقول: إنه سيغويهم فصدَّقه؛ لأنه أغواهم.
أو ﴿صَدَقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ أنه لما ظَنَّ نفذ ما قال فيكون صَدَق حيث أغواهم، والحاصل أن الظنَّ الذي ظنَّه إبليس ما هو؟ إغواؤهم، هذا هو الظن، هذا الظن إما أن يكون بإغوائه إياهم قد صَدَّقه حيث وقع منه أولًا بتطبيقه فعلًا، أو ﴿صَدَقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ أنه لما ظن ذلك الظن طبَّقه وفعَّله.
والمعنى أن ما توقعه الشيطان وظنه من إغواء الكفار ومنهم سبأ وقع مُؤكَّدًا باللام و(قد) والقَسَم.
﴿فَاتَّبَعُوهُ﴾ اتبعوا الشيطان، والشيطان لو نظرنا ما هو الجامع لما يأمر به؟ يأمر بالفحشاء ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة ٢٦٨]، فهو يأمر بالفحشاء والمنكر وكلِّ فعلٍ قبيح، فإذا اتبعه الإنسان بالفحشاء والمنكر والفعل القبيح فقد تبعه وضل عنه دوابه، وإن خالفه فقد خالفه؛ ولهذا قال: ﴿فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا﴾ (﴿إِلَّا﴾ بمعنى لكن ﴿فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ للبيان).
قال المؤلف: ﴿إِلَّا﴾ يعني (لكن) إشارة إلى أن الاستثناء هنا منقطع؛ لأن الاستثناء إذا كان بمعنى (لكن) صار منقطعًا، ولكن الذي حَمَل المؤلف على هذا؛ لأن قوله: ﴿صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ظاهره أنه صَدَّق عليهم جميعًا، وعليه فالمؤمنون لم يدخلوا في ذلك فيكون الاستثناء هنا منقطعًا؛ لأن إبليس لم يصدُق الظنَّ إلا على الكفار، أما لو جعلنا ﴿صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ عامٌ للقبيلة لكلها أو لبني آدم كلهم ثم قال: ﴿إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لكان هذا الاستثناء متصلًا.
والحاصل إذا جعلنا ﴿عَلَيْهِمْ﴾ إذا جعلنا الضمير عائدًا على الكفار الذين اتبعوا إبليس فإن الاستثناء يجب أن يكون هنا منقطعًا، وإن جعلناه عامًّا لبني آدم أو جنس هذه القبيلة (سبأ) صار الاستثناء متصلًا.
وقوله: ﴿إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ المؤلف يقول رحمه الله: (﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ للبيان) كيف للبيان؟ يعني ﴿مِنَ﴾ بيانية وليست تَبْعِيضِيَّة؛ لأنها لو كانت للتبعيض لكان المعنى إلا فريقًا من المؤمنين نجا منه وفريق آخر لم ينجُ، وهذا المعنى فاسد، وعلى هذا فتكون (مِن) للبيان.
﴿إِلَّا فَرِيقًا﴾ مَن هؤلاء الفريق؟ المؤمنون قال المؤلف: (أي هم المؤمنون لم يتبعوه) انتبه إلى هذا المعنى الدقيق المؤلف رحمه الله جيد في.. أقول مرة ثانية: ﴿إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إذا قلت: جاء فريق من القوم، كلهم جاؤوا ولَّا لا؟ لا، فـ(من) للتبعيض، ﴿إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إذا جعلنا (من) للتبعيض كما في قولك: جاء فريق من القوم، إذا جعلناها للتبعيض فسد المعنى؛ لأن المؤمنين كلهم لم يتبعوه، ولهذا احتاج المؤلف أن يجعل (من) بيانية، وتكون (المؤمنون) بيانًا لقوله: ﴿فَرِيقًا﴾، كأنه قال فاتبعوه إلا المؤمنين هذا معنى الآية.
(﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ تسليط) ﴿وَمَا كَانَ لَهُ﴾ الضمير يعود على إبليس، ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أي: على القوم الذين أغواهم، ﴿مِنْ سُلْطَانٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ زائدة لفظًا لا معنى، و﴿سُلْطَانٍ﴾ اسم كان مُؤَخَّر؛ أي: ما كان له سلطان عليهم، والمراد بالسلطان هنا التسلط أو التسليط؛ ولهذا قال: تسليط، فهي إذن اسم مصدر، وليس المراد بها السلطان الذي هو المعنى. المعنى ما كان للشيطان عليهم تسليط ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾، وعلى تقدير المؤلف أن سلطان بمعنى تسليط يكون الاستثناء متصلًا؛ أي: ما جعلنا للشيطان تسليطًا عليهم إلا لنعلم، وإذا جعلنا السطان بمعنى التسلط أو القدرة فالاستثناء يكون منقطعًا أي: ما كان له عليهم سلطة لكن لنعلم مَنْ يتبعه إلى آخره.
وقوله ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ﴾ اللام هنا للتعليل أو للعاقبة؟ يحتمل أن تكون للتعليل أو للعاقبة، وعلى كلا التقديرين فيها إشكال؛ الإشكال هو أن ظاهرها تَجَدُّد علم الله، ومعلوم أن علم الله أزليٌّ أبدي أي قديم مستمر، لا بد أن يستمر، فكيف صحَّ أن تكون اللام هنا للتعليل أو للعاقبة؟
يقول المؤلف في تفسيرها: (علم ظهور)؛ وذلك لأن تَعَلُّق علم الله بالشيء له حالان:
الحال الأولى: قبل وجوده.
والحال الثانية: بعد وجوده. فتعلق علم الله به بعد الوجود يُسَمَّى علم ظهور أي: علمه بعد أن ظهر وبان، وعلم الله تعالى قبل وجوده عِلْمُ تَقْدِير أي أنه قَدَّر أن يكون، وعلم التقدير ثابت بلا شك، فإن الله لن يزل ولا يزال عالمًا بكل ما يكون.
انتبه إذا قلنا: إن العلم علمُ تقديرٍ وعلم ظهور زال الإشكال، وصار علم الله للشيء بعد وقوعه بأنه ظهر ووقع، وعلم الله قبل وقوعه علمًا بأنه سيقع، وفرق بين المتعلقين.
وقيل إن المراد بالعلم هنا: العلم الذي يترتب عليه الجزاء، وذلك لا يكون إلا بعد الامتحان، فإن علم الله تعالى بالشيء قبل أن يقع علم لا يترتب عليه لا ثواب ولا عقاب؛ لأن المكلف لم يؤمر ولم ينهَ، فإذا أُمِر ففعل أو أُمِر فلم يفعل حينئذ صار مثابًا أو معاقبًا، كما قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد ٣١]، ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران ١٤٢] وعلى هذا الوجه يكون علم الله تعالى علمين:
علم معناه أن الله تعالى عالم بأن هذا الشيء سيقع، ولكن لا يترتب عليه الثواب والعقاب.
وعلم يترتب عليه الثواب والعقاب، وذلك لا يكون إلا بعد امتحان المكلف به وهل يَفْعَل أو لا يَفْعَل؛ يعني: هل يمتثل أو لا يمتثل؟ فتبين أن في هذه المسألة التي ظاهرها تجدد علم الله أن عنها جوابين:
الجواب الأول.. مَنْ يعرف الجواب الأول؟ العلم الذي يَتَبَيَّن به الخفيُّ؛ لأن الأمر لم يزل ولا يزال أمام الله سبحانه واضحًا ظاهرًا.
قال: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ هنا ضُمِّنَت ﴿نَعْلَمَ﴾ معنى (نُمَيِّز)، ولهذا قال: ﴿مِمَّنْ هُوَ﴾ يعني: إلا لنُمَيِّز مَن يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك. والناس بالنسبة للآخرة ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
قسم آمنوا بها.
وقسم كفروا بها وأنكروا.
وقسم في شكٍّ وتردُّد.
الذين آمنوا بها أمرهم واضح، والذين كفروا بها وقالوا: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء ٤٩] هذا لا يمكن، هذا أيضًا أمرهم واضح، والذين تردَّدوا قالوا: يمكن أن تكون حقًّا ويمكن أن تكون باطلًا، بأي القسمين يلحقون بالكافر ولا بالمؤمن؟ بالكافر نعم؛ لأن الواجب أن يؤمن؛ ولهذا قال عز وجل: ﴿مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ فكيف ممن هو منها مُنْكِرًا وجاحدًا ومكذِّبًا؟ فالله عز وجل جعل للشيطان سُلْطَة على بني آدم؛ لأجل أن يمتحن هؤلاء الناس فيعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك، الذي في شك من الآخرة يَتْبَع من؟ يتبع الشيطان قطعًا؛ لأنه لا يؤمن بأن هناك يومًا آخر يثاب الناس فيه ويعاقَبون، فهو يري أن لنفسه الحرية المطلقة، وهي في الحقيقة حرية من شيء وَرِقٌّ في شيء، قال ابن القيم رحمه الله:
هَرَبُوا مِنَ الرِّقِّ الَّذِي خُلِقُوا لَهُ ∗∗∗ ...........................
ما هو الرق الذي خُلِقْنا له؟ العبودية لله عز وجل.
..................... ∗∗∗ وَبُلُوا بِرِقِّ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ
نسأل الله العافية؛ لأنهم صاروا عبيدًا لأنفسهم وشياطينهم، فلا يمكن أن يتحرر الإنسان من عبادة الله على زعمه إلا كان رقيقًا لغيره للنفس والشيطان، والحاصل أن هؤلاء الذين كانوا في شك من الآخرة لا يمكن أن يعملوا ولا أن يقوموا بطاعة الله؛ ذلك لأن الذي يقوم بطاعة هو الذي يؤمن بأنه سوف يُحْشَر ويثاب أو يعاقب.
قال: (﴿مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ فنجازي كُلًّا منهما ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ ) الجملة خبرية تفيد معنى ولازمَ ذلك المعنى؛ فهي خبرية تفيد أن الله على كل شيء حفيظ أي: مراقب ومُطَّلِع ومُهَيْمِنٌ على كل شيء، سواء كان ذلك مما يتعلق بفعله أو مما يتعلق بفعل الخَلْق، فهو جل وعلا رقيب على كل شيء لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، هذا المعنى يستلزم معنى آخر وهو التحذير من المخالفة، لأن الإنسان متى عَلِم أن الله سبحانه وتعالى حفيظ على كل شيء خاف ولم يخالف، أما إذا كان في شك من هذا فإنه يعمل كما يشاء.
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ﴿قُلِ﴾ قال: (يا محمد لكفار مكة) فهنا المؤلف جعل الخطاب خاصًّا من وجهين: من جهة المخاطَب ومن جهة المدعوِّ؛ المخاطب قال: (﴿قُلِ﴾ يا محمد) والمدعو (كفار مكة)، ولكن هذا غير مُسَلَّم للمؤلف أو للمفسر، بل نقول: إن (قل) يمكن أن تكون موجهة لك مَنْ يتوجه الخطاب إليه من الرسول ﷺ أو غيره ممن وَرِثه في أمته؛ أي: قل أيها الناس، أما بالنسبة للمدعوِّين فنقول: الأصح أنه عام لكل مَنْ دَعا مع الله غيرَه من كفار مكة وغيرهم.
وهكذا يجب أن يكون لدينا قاعدة وهو: (أنه إذا دار الأمر أن يكون الخطاب خاصًّا أو عامًّا وجب أن يكون عامًّا)؛ لأن العام يدخل فيه الخاص ولا عكس، وكلما كان معنى القرآن أوسع كان أوجه.
إذن نقول: قل أيها المخاطب ممن تدعو إلى الله، قل للذين يدعون مع الله غيره: ادعوا الذين زعمتم، (﴿ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أي: زعمتموهم آلهة) ادعوهم، هل المراد بالدعاء هنا دعاء المسألة أو دعاء الإحضار؟ ادعوهم أي أحضروهم، أو دعاء المسألة؛ يعني: اسألوهم اطلبوا منهم الحوائج هل يستجيبون لكم أم لا؟ نعم، يحتمل المعنيين، يحتمل المعنى: أحضروهم لنناقشهم، أو ادعوهم دعاء مسألة؛ يعني: اسألوهم، كما تقول: ادعُ الله، أي: اسأله.
وقول المؤلف: (أي زعمتموهم آلهة)، شوف ماذا قدَّر المؤلف؟ قدَّر ضميرًا واسمًا ظاهرًا؛ الضمير زعمتموهم (هم)، هذا الضمير، والاسم الظاهر: (آلهة)، فأفادنا رحمه الله بأن (زعم) تنصب مفعولين، وأن المفعولين محذوفان، وتقدير الكلام زعمتموهم آلهة؛ لأن (زعم) من الأفعال التي تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر فهي من أخوات ظن، ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال: (من غيره لينفعوكم بزعمكم).
..لهؤلاء المشركين أن تنفعهم هذه الآلهة، فهل تنفعهم؟ لا، لا يمكن أن تنفعهم؛ وذلك لانتفاء أسباب النفع من عدة أوجه: أولًا: لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض استقلالًا، ولا يملكون ذلك مشاركة، وليس لهم معونة يعينون الله تعالى بها، والرابع ليس لهم شفاعة إلا بعد إِذْن الله، فبيَّن الله تعالى أن أسباب النفع في هذه الآلهة منتفية.
فقوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾ الجملة استئنافية لبيان حال هؤلاء الآلهة، (﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ وزن ذرة من خير أو شر ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ ) صح هذا، لا يملكون مثقال ذرة لا في السماوات ولا في الأرض، ويملكون دون المثقال! ولا دون المثقال؟! نعم؛ لأن التقدير إذا قُصِدَ به المبالغة فلا مفهوم له سواء كان في الكثرة أو في القلة، فهنا ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يعني: ولا دونها واضح؟
طيب، في الكثرة: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ﴾ [التوبة ٨٠]، ولو أكثر من سبعين ما يغفر الله لهم؛ ولهذا قال في آية (المنافقين): ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون ٦]، فإذا جاء القيد للمبالغة قلة أو كثرة فليس له مفهوم.
إذن لا يملكون مثقال ذرة ولا دونها في السماوات ولا في الأرض، ولو كانوا يملكون ذلك لقلتم: نتعلق بهم لعلهم يعطوننا مما يملكون، صحَّ ولَّا لا؟ طيب، هل لهم شرك في السماوات أو في الأرض؟ لا، ولو كان لهم شرك لقلتم: لعلهم يعطوننا من نصيبهم، ولهذا قال: (﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ شركة) ﴿مِنْ﴾ هذه زائدة لفظًا لا معنى، وعلى هذا فـ﴿شِرْكٍ﴾ مبتدأ مؤخر، وخبره الجار والمجرور المقدم ﴿وَمَا لَهُمْ﴾ ما لهم شرك في السماوات ولا في الأرض.
(﴿وَمَا لَهُ﴾ تعالى: ﴿مِنْهُمْ﴾ من الآلهة ﴿مِنْ ظَهِيرٍ﴾ ) ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ ﴿مِنْ ظَهِيرٍ﴾ أيضًا نقول في إعرابها كما قلنا ﴿مِنْ شِرْكٍ﴾؛ أي: أن ﴿مِنْ﴾ زائدة لفظًا لا معنى، و﴿ظَهِيرٍ﴾ مبتدأ مؤخر، والظهير بمعنى المعين، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨]، إذن ليس لهم مع الله معونة حتى يُدْلُوا على الله بها، ويقولون: أعطنا عوض معونتنا لننفع مَن أيش؟ من يدعونا، ما لهم مساعدة مع الله، (﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ معين).
(﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ﴾ تعالى ردًّا لقولهم: إن آلهتهم تشفع عنده ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ﴾ بفتح الهمزة وضمها ﴿أُذِنَ لَهُ﴾ فِيهَا) إذا قالوا: نعم آلهتنا لا تملك شيئًا في السماوات ولا في الأرض، آلهتنا ليس لها مشاركة مع الله، آلهتنا لم تُعِن الله، لكنها تشفع، كما قالوا؛ ﴿يَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس ١٨]، تشفع، قطع الله هذه الوسيلة الأخيرة ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ إذن هذه الآلهة ما تستطيع أن تشفع إلا بعد إِذْنِ الله، وهل يمكن أن يأذن؟ لا، لا يمكن؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم ٢٦]، ويقول عز وجل: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء ٢٨]، ومعلوم أنه سبحانه وتعالى لا يرضى عن الكافرين لا أن يشفعوا، ولا أن يُشْفَع فيهم، فتبين أن جميع ما يتعلق به المشركون في شركهم مع الله كلُّه باطل وكلُّه ممتنع؛ فإن الأسباب التي يمكن أن ينتفعوا بها واحد من أمور أربعة -نعدها-: الملك استقلالًا، الملك مشاركة، الإعانة، الشفاعة، وكل هذه الأربعة منتفية في عبادة هذه المدعُوَّة من دون الله، فانقطع جميع كل سبب يتشبث به المشركون، وحينئذ فيجب أن تكون العبادة والدعاء لمن؟ لله تعالى وحده؛ لأنه هو الذي له ملك السماوات والأرض.
طيب، ما هي الشفاعة عنده؟ الشفاعة في اللغة: جَعْل الفرد شِفْعًا، أو جَعل الوِتْر شفعًا، ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر ٣]، فضموا واحدٍ إلى واحد؟
* طلبة: شفع.
* الشيخ: وضم واحد إلى ثلاثة؟
* طلبة: شفع.
* الشيخ: شفع، وهكذا. لكنها في الاصطلاح: التوسط للغير في جلب منفعة أو دفع مضرة، هذه الشفاعة؛ أن تتوسَّط لغيرك إما بجلب منفعة له أو دفع مضرة، فالشفاعة لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة في جلب منفعة، والشفاعة فيمن استحق النار ألا يدخلها وفيمن دخلها أن يُخْرَج هذه شفاعة لدفع الضرر، فلا تخرج الشفاعة عن هذين الأمرين: إما لجلب النفع، وإما لدفع الضرر.
إنسان شفع لشخض في أن تُعْلَى مرتبتُه؟ جلب منفعة. شفع لشخص أن كتب عليه غرامة أن ترفع عنه الغرامة، هذه دفع مضرة.
وقوله: ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ أو ﴿أُذِنَ لَهُ﴾ الإذن هنا الكوني ولَّا الشرعي؟ الكوني يعني: إلا لمن رَخَّص الله له في أن يشفع، وشرط الإذن أن يكون الله تعالى راضيًا عن الشافع أيش؟ والمشفوع له، فيأذن فيها سبحانه وتعالى كرامةً للشافع وبيانًا لفضله ورحمة بالمشفوع له وإحسانًا إليه، والله (...).
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الدعاء هنا (...).
يقول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ﴾ [سبأ ٢٠] يستفاد من هذا أن إبليس يوصف بالصدق ويوصف بالكذب وما هو الوصف اللازم له؟ الكذب؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء ١٢٠]، وقال النبي ﷺ: «صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ»[[أخرجه البخاري (٢٨٠٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، ولكن قد يصدُق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان حكمة الله عز وجل في تسليط الشيطان على بني آدم؛ وهي أن يعلم من يؤمن بالآخرة فيعمل لها ممن لا يؤمن ويكون في شك فلا يَعْمَل؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان حاجز عن اتباع الشيطان؛ لقوله: ﴿فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ولهذا يمر بكم كثيرًا: لا يؤمن أحدكم حتى يكون كذا وكذا، من كان يؤمن بالله واليوم فليقل كذا وكذا أو فليفعل كذا كذا، مما يدل على أن الإيمان حاجز عن اتباع الشيطان وموجب لاتباع هديِ الرُّسل عليهم الصلاة والسلام.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشيطان إمام لكل ضالٍّ؛ لقوله: ﴿فَاتَّبَعُوهُ﴾، فكل الضالين إمامهم الشيطان وهم مُتَّبِعون له.
* ومن فوائد الآية الكريمة -على إذا قلنا بأن ﴿مِنَ﴾ للتبعيض، وأن المراد بالاتباع الاتباع المطلق- من فوائدها: أن بعض المؤمنين قد يتبع الشيطان في بعض الأمور، لأنه قلنا: ربما يكون الاستثناء متصلًا، وتكون ﴿مِنَ﴾؛ إذ إن بعض المؤمنين قد يتبعون الشيطان في بعض الأمور مثال ذلك: «لَا يَأْكُلْ أَحَدُكُمْ بِشِمَالِهِ وَلَا يَشْرَبْ بِشِمَالِهِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ» »[[أخرجه ابن ماجه (٣٢٦٦) عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: «ليأكلْ أحدُكم بيمينه، وليشربْ بيمينه، وليأخذْ بيمينه، وليعطِ بيمينه؛ فإن الشيطان يأكلُ بشماله، ويشربُ بشماله، ويعطي بشماله، ويأخذُ بشماله».]] إذا فعل أحد ذلك صار متبعًا للشيطان، ولهاذ كان القولُ الراجح تحريمَ الأكل بالشمال والشرب بالشمال، وأنه ليس مكروهًا بل هو حرام، والإنسان يكون عاصيًا بذلك، إلَّا إذا كان أفندينًا تَقَدُّمِيًّا حضاريًّا فإنه يأكل بالشمال.
* طالب: بالشوكة.
* الشيخ: لا، الشوكة ما تخالف، لكن الكلام على الشمال، إذا أكلت باليمين كُلْ بثلاث شوك ما يهم، لكن إذا أكلت باليسار هذه هي المشكلة الذي يزعم فاعلوها أنهم تقدميون وحضاريون، نعم، ولكن ليس كل تقدُّمٍ محمودًا؛ فإن الله يقول عن فرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود ٩٨]، طيب، إذن على هذا القول الأخير: أن ﴿مِنْ﴾ للتبعيض يكون الاستثناء متصلًا ويكون لبعض المؤمنين شيء من اتباع الشيطان لا الاتباع الكامل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علم الله؛ لقوله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾، وتعلق علم الله تعالى بالموجودات سبق لنا أمس أنه ينقسم إلى قسمين: تعلق بها قبل الوجود، وتعلق بها بعد الوجود؛ فالتعلق بها بعد الوجود يكون علمه بها علم أمر واقع، والأول يكون تعلق علمه بها أنه علم بما سيقع، وبهذا يزول الإشكال في مثل هذه الآية حيث إن ظاهرها يفيد تجدد علم الله سبحانه وتعالى، لأنا نعلم أن الله سبحانه وتعالى محيط بكل شيء علمًا أزلًا وأبدًا، ومن ظن أن الله لا يعلم الشيء إلا بعد وجوده فقد كفر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الآخرة ووجوب الإيمان بها، تؤخذ.. منين تؤخذ؟
* طالب: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾.
* الشيخ: إذن فيه إثبات الآخرة ووجوب الإيمان بها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشك فيما يجب فيه اليقين كفر؛ لقوله: ﴿مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾، ولم يقل: ممن هو منكر لها؛ لأنه قد تقول: ظاهر الحال إنه لما قال: يؤمن بالآخرة كان يقول اللي يقابله: (يكفر بالآخرة)، لكن قال: ﴿مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ لنستفيد منها فائدة وهو أن ما يُطلَب فيه اليقين يكون الشك فيه كالإنكار كفرًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عموم رعاية الله ومراقبته لكل شيء، تؤخذ منين؟
* طالب: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾.
* الشيخ: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ صح.
* ومن فوائدها: أن ربوبية الله عز وجل تنقسم إلى خاصة وعامة، والخاصة إلى أَخَصّ وإلى خاصة؛ لقوله: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ فهذه ربوبية أخص من الخاصة، فإن ربوببة الله عز وجل لخواص عباده كالأنبياء أخص من ربوبيته لعموم المؤمنين، وربوبيته للمؤمنين أخص من ربوبيته لعامة الناس؛ شوف ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ [النمل ٩١] خاصَّة ولَّا عامة؟
* طالب: عامة.
* الشيخ: يا إخوان، رب هذه البلدة خاصة كيف عامة؟ ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ بعدئذٍ لما كانت الربوبية الخاصة هنا قد تُوهِم اختصاص ربوبيته لهذه البلدة، بعد هذا قال: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ عامٌّ.
ثم قال الله عز وجل: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سبأ ٢٢] في هذا دليل على أنه ينبغي في المناظرة التحدي للمناظر فيما يُعْلَم أنه لن يكون؛ لقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾؛ فيجب على كل دعاة حق أن يتحدوا هؤلاء المبطلين بأن يُبْرِزوا لباطلهم شيئًا من النفي، وهذا كما أنه في الشرك يكون أيضًا فيما دونه، فإنه ينبغي أن يكون الداعي إلى الله عز وجل على علم بالأمور حتى يستطيع الجدل فيها؛ لأن من لم يكن على علم فيها فإنه سيقف حيران ولا يتمكن من مقابلة الخصم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه الأصنام المدعوة من دون الله لا تملك شيئًا لنفسها فلا تملك شيئًا لغيرها، ليس لها ملك ولا شرك في الملك ولا معاونة على تَصَرُّف ولا شفاعة، والأمر في هذا واضح ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ﴾ أي ما لله ﴿مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات الشفاعة بإذن الله؛ لقوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾، ولو كانت الشفاعة لا تنفع مطلقًا ما صح الاستثناء، ولو كانت تنفع مطلقًا ما صح النفي، انتبه لو كانت الشفاعة مطلقًا تنفع، أذن الله فيها أم لم يأذن، ما صحَّ النفي، ولو كانت تنفع مطلقًا ما صح الاستثناء، إذن فهي تنفع بإذن الله.
* * *
﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ﴾ أي: عند الله ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾، وهنا ﴿لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾؛ لكمال سلطانه، فالنفي هنا متضمن لإثباتٍ وهو كمال السلطان؛ لأن من كمال السلطان ألا يتكلم أحد عند الملِك المشفوع إليه أبدًا إلا بإذنه؛ ولهذا تجد الإنسان إذا كان ذا هيبة عند الناس وكان في مجلس تجد الناس لا يتكلمون هيبةً له، وتجد السلطان إذا كان ذا هيبة ما أحد يقدر يتكلم في مكان جلوسه ولا مع أخيه سرًّا؛ لأنهم يهابونه، فلكمال سلطان الله عز وجل لا يستطيع أحد يشفع إلا بإذنه، حتى أخص عباده به وهم الأنبياء، وأخصهم محمد ﷺ لا يمكن أن يشفع إلا إذا أَذِن الله، حتى في مقام الرحمة يوم القيامة فإن الله تعالى يجعل مئة رحمة يرحم بها الخلق، في مقام الرحمة وعند شدة الهَمِّ والغم المقتضي لرحمة الله ما يمكن يشفع الرسول ﷺ إلا بإذن الله أبدًا؛ لماذا؟ لكمال سلطان الله عز وجل إذا كانت الشفاعة لا تنفع إلا بإذن الله، فهل هذه الأصنام المكروهة عند الله المُنْحَطَّة عنده قَدْرًا هل يمكن أن تشفع لعابديها؟ أبدًا، حتى عيسى عليه الصلاة والسلام الذي عُبِدَ من دون الله لا يمكن أن يشفع لعابديه؛ ولهذا يقول يوم القيامة: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة ١١٧]، ولا يمكن أن يشفع لهم.
﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ وقد سبق في الدرس الماضي أن الله لا يأذن إلا إذا كان الشافع والمشفوع له من أهل الشفاعة؛ قال الله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم ٢٦]، وقال عز وجل: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء ٢٨]؛ ولهذا قال العلماء: إن شروط الشفاعة ثلاثة: رضا الله عن الشافع، ورضاه عن المشفوع له، والثالث إذنه بالشفاعة.
قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ ﴿حَتَّى﴾ هنا ابتدائية، وليست غائية؛ لأن (حتى) تأتي للغاية، وتأتي للابتداء، وتأتي للتعليل، ولها معانٍ متعددة مَنْ أحب الوقوف عليها فليرجع إلى كتاب المغني، أعني: مغني اللبيب لابن هشام رحمه الله فإنه مفيد لطالب العلم.
يقول: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ﴾ فيها قراءتان ﴿فُزِّعَ﴾ و﴿فَزَّعَ﴾ كما قال المؤلف: (بالبناء للفاعل والمفعول).
﴿عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ أي: قلوب الخلق أو عن قلوب الملائكة، فيها قولان لأهل العلم وسيأتي إن شاء الله بيانهما.
﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ قال: (كشف عنها الفزع بالإذن فيها)، ﴿فَزَّع﴾ و﴿فُزِّعَ﴾ بمعنى: أزال الفزع، وليس ﴿فَزَّع﴾ بمعنى ألحق الفزع، بل بمعنى أزاله، وهو فعل يُراد به السلب؛ لأن هناك أفعالًا يراد بها سلب المعنى؛ يعني ضد هذا المعنى، قالوا: ومنه قولهم: قَرَّد البعير، ويش معنى (قَرَّدَ)؟ أزال منهم القراد، (...) والله تعرفون البعير والقراد اللي فيها؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: معروف، والقراد معروف.
* طالب: ما أدري.
* الشيخ: البعير تعرفه. القراض هذا شيء يكون في جِلْد البعير دابة حشرة صغيرة تعض البعير وتشرب الدم منها، اسمه؟
* طالب: جراد.
* الشيخ: جراد؟ لا، لا.
* طالب: مثل القمل، يا شيخ؟
* الشيخ: مثل القمل للإنسان، هو قمل الإبل.
* الطالب: يمسك (...).
* الشيخ: إي نعم، هو إذا مسك الجلد ما عاد يطلقه أبدًا، إلا كنت تمسكه أنت وتجره جرًّا.
على كل حال إن شاء الله ربما نطلع على البر ونشوف بعيرًا فيها قراض ونوريك إياها.
طيب المهم أن قرد البعير ما هو معناه وضع القراض فيها، معناه أزاله عنها، فـ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ أو ﴿فَزَّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ يعني: أزال الفزع.
﴿عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ قال المؤلف: (بالإذن فيها) أي: في الشفاعة، وعلى هذا فيكون الضمير هنا عائدًا على المشفوع له؛ يعني: إذا لَحِقَ المشفوع له من الهم والكرب والغم ما لحقه، وكذلك الخوف والفزع فأذن الله في الشفاعة زال الفزع عن القلوب؛ لأنه قَرُب الفرج.
قال: (﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ ) بالإذن فيها ﴿قَالُوا﴾ بعضهم لبعض استبشارًا ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ فيها -أي: في الشفاعة- ﴿قَالُوا﴾ القول ﴿الْحَقَّ﴾ أي: قد أذن فيها ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ فوق خلقه بالقهر ﴿الْكَبِيرُ﴾ العظيم).
أفادنا المؤلف رحمه الله أن الضمير في (بِهِمْ) يعود على من؟ المشفوع له، فإن المشفوع قبل الشفاعة يلحقه الفزع والخوف من ذنوبه أو من غير ذلك، فإذا أُذِن في الشفاعة زال الفزع، وقالوا: ماذا قال الله؟ يقول ذلك: فيقول بعضهم لبعض: ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾ أي: قالوا القول الحق، ﴿الْحَقَّ﴾ بمعنى الثابت الموافِق لمحله.
وقد سبق لنا أن الحق في الأخبار هو الصدق، والحق في الأحكام هو العدل؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام ١١٥]. طيب، هذا ما ذهب إليه المؤلف على أن الضمير في قلوبهم يعود إلى المشفوع لهم، وأن التفزيع بمعنى إزالة الفزع وهو الخوف بالإذن في الشفاعة، نعم، والسياق لا يأباه، لكن قد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام أن المراد به غيرُ ذلك، وأن المراد به الملائكةُ الذين هم عند الله، إذا تكلم الله بالوحي صعقوا فإذا صعقوا فُزِّع عن قلوبهم، يعني: أُزيل الفزع عنها ثم صاروا يتساءلون: ماذا قال الله؟ فيقال: قال الحق وهو العلي الكبير.
وإذا جاءت السنة في تفسير القرآن كانت أولى، على أننا سبق أن قلنا: إن القرآن إذا دلَّ على عدة معانٍ لا تتناقض حُمِلَ على جميع المعاني؛ لأنه أوسع وأعظم مما يصل إليه فكر الإنسان، فقد يصل فكري إلى شيء ويصل الفكر الآخر إلى شيء آخر وفكر الثالث إلى شيء ثالث والآية كلها تحتمل هذه المعاني فتُحْمَل عليها، أما إذا كان لا يحتمل إلا معنى فإنه يجب أن يُحْمَل على ما قام الدليل عليه.
وقال بعض أهل العلم: حتى إذا فزع عن قلوبهم عند الموت، ما هو ليس يوم القيامة عند الإذن بالشفاعة، ولكن إذا فُزِّع عن قلوبهم عند الموت، لكن هذا ضعيف، وإن كان قد يرد فيُفَزَّع عن القلب عند الموت ويعترف بالحق، فإن فرعون حين غَرِقَ ماذا قال؟ ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس ٩٠]، وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر ٨٤]، لكن هذا المعنى ضعيف، فالآية دائرة بين ما قاله المؤلف وما ثبت به الحديث الصحيح، وهي دالة قطعًا على ما جاء به الحديث الصحيح، وما ذكره المؤلف فهو محتمل ولا تأباه الآية.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾ ﴿الْحَقَّ﴾ ما إعرابهًا؟ أيش؟ صفة لمصدر محذوف، أي: قالوا القول الحق، ولا يصح أن تكون مفعولًا لقال؛ لأن القول لا يَنْصِب إلا جملة أو ما بمعنى الجملة، القول لا ينصب إلا جملة أو ما بمعناها؛ إلا جملة: كقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم ٣٠]، أين مقول القول؟ ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ جملة، أو بمعنى الجملة كقولك: قلت قصيدة، قلت كلمة، هذه بمعنى الجملة؛ لأن الكلمة والقصيدة والشعر لا يكون إلا جملة.
طيب، فإن قلت: ما تقول في قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾ [النحل ٣٠]؟
نقول: هذه ليست مفعولًا لقال، لكنها مفعول لفعل محذوف ويش التقدير؟
* طالب: قالوا قولًا خيرًا.
* الشيخ: لا.
* طالب: أنزل خيرًا.
* الشيخ: أنزل خيرًا، ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾.
يقول المؤلف رحمه الله: (﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ فوق خلقه بالقهر) هذا فيه إما تقصير وإما قصور؛ لأن علو الله عز وجل ليس بالقهر، بل علوه ثلاثة أقسام: علو القهر، وعلو القَدْر، وعلو الذات، لكن المؤلف -عفا الله عنا وعنه- كأنه لا يرى علوَّ الذات، والمنكرون لعلو ذات الله سبحانه وتعالى يَنْقَسِمون إلى قسمين: حلولية، ومعطلة تعطيلًا محضًا.
فالحلولية يقولون: إنه يجب عليك أن تؤمن بأن الله في كل مكان بذاته، وتُنْكِر علوه، في كل مكان بذاته؛ إن كنت في المسجد أو كنت في السوق أو كنت في البر أو كنت في البحر، فالله سبحانه وتعالى بذاته في ذلك المكان، وإن كنت في الحُش فهو في الحش، الحش ما هو؟ مكان التخلي يعني -والعياذ بالله- ما نزهوا الله عن الأنتان والأقذار، نسأل الله العافية ولا شك أن هذا كفر محض، ولا يشك أحد في كفر مَنِ اعتقد هذه العقيدة.
الطائفة الثانية المنكرة للعلو يقولون: إنه لا يجوز لنا أن نقول: إن الله فوق العالم ولا تحته، ولا يمين ولا شمال، ولا أمام ولا خلف، ولا متصل ولا منفصل، وهذا أيش؟ هذا تعطيل محض؛ يعني: لو قيل لك: صف لنا المعدوم ما وجدت أشد إحاطة بالمعدوم من هذا الوصف؛ الذي ليس فوق العالم ولا تحته، ولا يمين ولا شمال، ولا خلف ولا أمام، ولا متصل ولا منفصل، هذا ليس بموجود قطعًا، أمَّا الرسل وأتباعهم فيؤمنون بأن الله عز وجل بذاته فوق كل شيء، وهذا هو الذي دلَّ عليه العقل والفطرة والإجماع والكتاب والسنة، ولنستعرض لهذا الأمر، وإن كان -الحمد لله- الأمر ظاهرًا، لكن.. الكتاب دلَّ على أن الله بذاته فوق عرشه من وجوه متنوعة؛ فتارة بذكر العلو مثل: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة ٢٥٥]، وتارة بذكر الفوقية ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام ١٨]، وتارة بذكر صعود الأشياء إليه؛ مثل: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر ١٠]، وتارة بذكر نزول الأشياء منه ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [السجدة ٥]، فقد تنوعت الأدلة من كتاب الله على علو الله سبحانه وتعالى.
وأما السنة فكذلك دلت السنة على علو الله بذاته من قول الرسول ﷺ وفعله وإقراره؛ فقال عليه الصلاة والسلام: «رَبُّنَا اللَّهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ»[[أخرج أبو داود (٣٨٩٢) عن أبي الدرداء، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنِ اشتكى منكم شيئًا، أو اشتكاه أخٌ له فليقلْ ربنا الله الذي في السماء..» الحديث.]] وقال: «أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٥١)، ومسلم (١٠٦٤ / ١٤٤) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]].
وأما فعله فإنه في يوم عرفة وهو يخطب الناس عندما خطب تلك الخطبة العظيمة «قال لهم: «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟» قالوا: نعم. قال: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ»، يرفع أصبعه إلى السماء وينكتها إلى السماء. «اللَّهُمَّ اشْهَدْ»[[أخرجه مسلم (١٢١٨ / ١٤٧) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.]] هذا أيش؟ سنة فعلية، لإشارته عليه الصلاة والسلام حين ذكر الله، وأما الإقرارية فإنه« أُتِيَ إليه بجارية فسألها فقال: «أَيْنَ اللَّهُ؟» قالت: في السماء. قال: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ»[[أخرجه مسلم (٥٣٧ / ٣٣) من حديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه.]]. هكذا قال، ويعتبر هذا أيش؟ إقرارًا، فقد تنوعت السنة بالدلالة أو في الدلالة على علو الله تعالى بذاته.
وأما الإجماع فقد أجمع السلف من الصحابة والتابعين وأئمة الأمة على أن الله تعالى في السماء بذاته ولم يقل أحد منهم بحرف واحد إن الله ليس في السماء أو إن الله في كل مكان بذاته أبدًا.
وأما العقل فاسأل عقلك هل الكمال في علو الذات أو في نفي العلو عنها؟ الأول بلا شك، علو الذات تدل على الكمال، بل هي الكمال، فإذا كان العلو هو الكمال فإن من المعلوم عقلًا أن الرب متصف بماذا؟ بالكمال، وحينئذ يَثْبُت له العلو عقلًا، أما الفطرة فاسأل فطرتك عندما تسأل الله شيئًا، افرض إنك ما درست ولا حضرت في المساجد ولا شيء، إذا سألت الله عز وجل شيئًا أين يَنْصَرِفُ قلبُك؟ إلى الأعلى؛ ولهذا كان أبو المعالي الجويني كان يقرر فيقول: كان الله ولم يكن شيءٌ قبله، وكان عرشه على الماء. يريد بذلك أن ينكر استواء الله على العرش الذي مِنْ لازمه الإقرار بالعلو فقال له أبو العلاء الهمداني رحمه الله: دعْنَا من ذكر العرش، وأخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في نفوسنا، ما قال عارف قط: يا الله، إلا وجد مِنْ قلبه ضرورة بطلب العلو، صح، فلطم الجويني لطم على رأسه وصرخ، وقال: حيرني الهمداني. ليش؟ لأن الدليل الفطري لا يمكن النزاع فيه، الدليل الفطري لو نازعك منازع قلت: هذا مجنون.
* الطالب: هل في الحديث الذي سرد (...)؟
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، لما قال: وكان عرشه على الماء، وكان الله لم يكن شيء قبله. يعني ما ذكر استوى على العرش، لم يذكر استواءه على العرش، هذا يريد أن يُقَرِّر أن الله تعالى لم يستوِ على العرش فينتفي علوه.
* الطالب: حذف شيئًا من الحديث يعني؟
* الشيخ: لا، أبدًا هو نفس الحديث، لكن هو أراد أن يقرر أن الله كان ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء؛ يعني: ولا فيه استواء وعلو.
فالآن نقول: إن الأمر الفطري لا يمكن أبدًا لأحدٍ أن يُنْكِرَه، لو أن أحدًا أنكر طلبَ الطعام للجائع يُصَدَّق؟ لو قال: الجائع ما هو بيطلب الطعام؟ ما يُصَدَّق؛ ولهذا تحيَّر أبو المعالي الجويني وعجز عن الإجابة؛ لأن هذا دليل فطري لا ينازع فيه أحد.
إذن فقد تطابقت الأدلة على علو الله تعالى بذاته، أما علوه بصفاته؛ سواء كانت صفات قدر أو قهر، فهذا يقرُّ به جميع المنتسبين إلى الإسلام حتى الجهمية والأشاعرة وغيرهم يُقِرُّون بأن الله سبحانه وتعالى عالٍ علوًّا معنويًّا؛ وهو علو الصفات.
قال المؤلف رحمه الله: (﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ فوق خلقه بالقهر ﴿الْكَبِيرُ﴾ العظيم) (﴿الْكَبِيرُ﴾ العظيم) لا شك أن هذا ليس تفسيرًا مطابقًا، ولكنه كأن المؤلف أخذه من قَرْنِ العظيم بالعليِّ في آية الكرسي؛ حيث قال: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة ٢٥٥] وهنا قال: ﴿الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾، ففسَّر ﴿الْكَبِيرُ﴾ بأيش؟ بالعظيم، ولكن الصحيح أن ﴿الْكَبِيرُ﴾ ليس معناه العظيم، بل معناه ذو الكبرياء، ومعناه أن الله تعالى لا يماثله شيء في ذاته، فالسماوات السبع والأرضين السبع في كفه سبحانه وتعالى كخردلة في كفِّ أحدنا؛ يعني: السماوات السبع على عظمها، والأرضين السبع مثل ما لو وضع الإنسان في يده خردلة. حب الخردل تعرفونه، حب الخردل صغير. كبر أيش؟
* طالب: السمسم.
* طالب آخر: حبات العدس.
* الشيخ: كبر السمسم، هذا الخردلة لو حطتها في كفك ليست بشيء، وهذا أيضًا تمثيل على سبيل التقريب، وإلَّا فالله تعالى أعظم وأجل، فكل المخلوقات بالنسبة له سبحانه وتعالى ليست بشيء، فينبغي أن نقول: إن ﴿الْكَبِيرُ﴾ ليس هو العظيم، بل يفيد معنىً آخر، وهو الذي له الكبرياء، وهو الذي لا يُنْسَب إلى شيء من خلقه، فالسماوات السبع والأراضين السبع في كفه كخردلة في كف أحدنا.
(...) في هذه الآية دليل على إثبات الشفاعة؛ لقوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ﴾، فإن قلت: ما وجه الدلالة على إثبات الشفاعة مع أنها نفي ﴿لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾؟
(...) ولم يقل: ولا تكون الشفاعة، ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾، دلَّ على إثباتها، لكن لا تنفع إلا بإذنه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عظمة الله تعالى وقوة سلطانه، من أين يؤخذ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: وجه ذلك أنها تدل على عظمة الله وقوة سلطانه، وجه الدلالة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: هذا ما فيها.. ما قال: إن الله قوي ذو سلطان أو عظيم ذو سلطان، لكن هي تدل على ذلك باللازم، فما وجه الدلالة؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: بخلاف المخلوقين مهما عَظُم ملكهم فإنه يدخل الشافع على الملك والسلطان ويشفع بدون إذن، فكلما عظم السلطان ازدادت الهيبة، وصار لا يتكلم أحد إلا بإذن الله؛ كما قال تعالى في سورة (عم يتساءلون): ﴿وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ ٣٨].
* ومن فوائد الآية الكريمة: قطع كل سبب يتعلق به المشركون في آلهتهم، ما وجهه؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، قطع كل الأسباب التي يستدلون بها على أنها تنفعهم، وهي:
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم، وأنه لا تنفع الشفاعة، هذا آخر سبب يمكن ومع ذلك نفاها الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيانُ كرم الله عز وجل على كلٍّ من الشافع والمشفوع له، منين تأخذ كرم الله على الشافع والمشفوع له؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أحسنت.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يتكلم بكلام مسموع، ونحن الآن نأخذ الفوائد بناء على القول الراجح في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾.
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: والله ممكن ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾، ولكن أنا أردت في الآية: ﴿إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾.
* الطالب: (...).
* الشيخ: أيش بين؟
* الطالب: (...) صعق الملائكة.
* الشيخ: صعق الملائكة، ولولا أنهم يسمعون كلامه لم يصعقوا.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن كلام الله عز وجل ليس ككلام المخلوقين، بل هو أعظم؛ لأن السامع له يَصْعَق إلا أن يُثَبِّتَه الله عز وجل؛ لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾.
* ومن فوائدها: أن قول الله عز وجل كله حق؛ لقوله: ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات الربوبية؛ لقوله: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات علوه سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾، وهو ينقسم إلى: علو الذات، وعلو الصفات، وكلاهما ثابت لله عز وجل.
* ومن فوائدها: إثبات الكبرياء لله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن للملائكة عقولًا وفَهْمًا وإدراكًا وقلوبًا؛ لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾، ولكن هل قلوبهم كقلوب الآدميين؟ الله أعلم، لا نعلم كيفيتها، والملائكة صمت لا يشربون ولا يتكلمون وليس لهم أجواف ولا أمعاء؛ لأنه لا يحتاج إلى الجوف والأمعاء إلا مَنْ يأكل ويشرب.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا. يتكلمون، أنا قلت: لا يتكلمون؟! يتكلمون، لا أنا أقول: إنهم لا يأكلون ولا يشربون.
* ومن فوائد الآية: أن الملائكة يتكلمون؛ ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.
سبأ 34:22
ثم قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ قال: ﴿صَدَقَ﴾ بالتخفيف والتشديد، ﴿صَدَقَ﴾ بمعنى أيش؟ أخبر بالصدق، و﴿صَدَّقَ﴾ مَنْ أخبر بالصدق، فالإنسان إما مُخبِر وإما مُخبَر، فالمخبِر نقول: صَدَق، والمُخبَر نقول: صَدَّق، يقول الله عز وجل: ﴿صَدَقَ﴾ وَ﴿صَدَّقَ﴾، والقراءاتان هنا تحملان معنى الصِّدْق والتَّصْدِيق، فالفائدة من هاتين القرائتين أنهما تدلان على معنيين يتبين ذلك بشرحهما؛
قال: (﴿صَدَقَ عَلَيْهِمْ﴾ أو ﴿صَدَّقَ عَلَيْهِمْ﴾ أي الكفار منهم سبأ ﴿إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ أنهم بإغوائه يتبعونه ﴿فَاتَّبَعُوهُ﴾، فصَدَق بالتخفيف في ظنه، أو صَدَّق بالتشديد ظَنَّه أي: وَجَدَه صادقًا).
إبليس له ظن في بني آدم ما هو ظنه؟ ظنه أنه يغويهم أجمعين، قال الله تعالى عنه: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص ٨٢، ٨٣]، وقال: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف ١٦، ١٧] هذا ما كان يُؤَمِّله ويرجوه، ويظنه إما ظنًّا راجحًا وإما ظنًّا متيقنًا لكن لا يمكن أن يتيقن وإنما يظنُّ ظنًّا راجحًا، فهنا صدَّق ظنه ويش ظنه؟ الذي كان يقول: إنه سيغويهم فصدَّقه؛ لأنه أغواهم.
أو ﴿صَدَقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ أنه لما ظَنَّ نفذ ما قال فيكون صَدَق حيث أغواهم، والحاصل أن الظنَّ الذي ظنَّه إبليس ما هو؟ إغواؤهم، هذا هو الظن، هذا الظن إما أن يكون بإغوائه إياهم قد صَدَّقه حيث وقع منه أولًا بتطبيقه فعلًا، أو ﴿صَدَقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ أنه لما ظن ذلك الظن طبَّقه وفعَّله.
والمعنى أن ما توقعه الشيطان وظنه من إغواء الكفار ومنهم سبأ وقع مُؤكَّدًا باللام و(قد) والقَسَم.
﴿فَاتَّبَعُوهُ﴾ اتبعوا الشيطان، والشيطان لو نظرنا ما هو الجامع لما يأمر به؟ يأمر بالفحشاء ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة ٢٦٨]، فهو يأمر بالفحشاء والمنكر وكلِّ فعلٍ قبيح، فإذا اتبعه الإنسان بالفحشاء والمنكر والفعل القبيح فقد تبعه وضل عنه دوابه، وإن خالفه فقد خالفه؛ ولهذا قال: ﴿فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا﴾ (﴿إِلَّا﴾ بمعنى لكن ﴿فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ للبيان).
قال المؤلف: ﴿إِلَّا﴾ يعني (لكن) إشارة إلى أن الاستثناء هنا منقطع؛ لأن الاستثناء إذا كان بمعنى (لكن) صار منقطعًا، ولكن الذي حَمَل المؤلف على هذا؛ لأن قوله: ﴿صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ظاهره أنه صَدَّق عليهم جميعًا، وعليه فالمؤمنون لم يدخلوا في ذلك فيكون الاستثناء هنا منقطعًا؛ لأن إبليس لم يصدُق الظنَّ إلا على الكفار، أما لو جعلنا ﴿صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ عامٌ للقبيلة لكلها أو لبني آدم كلهم ثم قال: ﴿إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لكان هذا الاستثناء متصلًا.
والحاصل إذا جعلنا ﴿عَلَيْهِمْ﴾ إذا جعلنا الضمير عائدًا على الكفار الذين اتبعوا إبليس فإن الاستثناء يجب أن يكون هنا منقطعًا، وإن جعلناه عامًّا لبني آدم أو جنس هذه القبيلة (سبأ) صار الاستثناء متصلًا.
وقوله: ﴿إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ المؤلف يقول رحمه الله: (﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ للبيان) كيف للبيان؟ يعني ﴿مِنَ﴾ بيانية وليست تَبْعِيضِيَّة؛ لأنها لو كانت للتبعيض لكان المعنى إلا فريقًا من المؤمنين نجا منه وفريق آخر لم ينجُ، وهذا المعنى فاسد، وعلى هذا فتكون (مِن) للبيان.
﴿إِلَّا فَرِيقًا﴾ مَن هؤلاء الفريق؟ المؤمنون قال المؤلف: (أي هم المؤمنون لم يتبعوه) انتبه إلى هذا المعنى الدقيق المؤلف رحمه الله جيد في.. أقول مرة ثانية: ﴿إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إذا قلت: جاء فريق من القوم، كلهم جاؤوا ولَّا لا؟ لا، فـ(من) للتبعيض، ﴿إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إذا جعلنا (من) للتبعيض كما في قولك: جاء فريق من القوم، إذا جعلناها للتبعيض فسد المعنى؛ لأن المؤمنين كلهم لم يتبعوه، ولهذا احتاج المؤلف أن يجعل (من) بيانية، وتكون (المؤمنون) بيانًا لقوله: ﴿فَرِيقًا﴾، كأنه قال فاتبعوه إلا المؤمنين هذا معنى الآية.
(﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ تسليط) ﴿وَمَا كَانَ لَهُ﴾ الضمير يعود على إبليس، ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أي: على القوم الذين أغواهم، ﴿مِنْ سُلْطَانٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ زائدة لفظًا لا معنى، و﴿سُلْطَانٍ﴾ اسم كان مُؤَخَّر؛ أي: ما كان له سلطان عليهم، والمراد بالسلطان هنا التسلط أو التسليط؛ ولهذا قال: تسليط، فهي إذن اسم مصدر، وليس المراد بها السلطان الذي هو المعنى. المعنى ما كان للشيطان عليهم تسليط ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾، وعلى تقدير المؤلف أن سلطان بمعنى تسليط يكون الاستثناء متصلًا؛ أي: ما جعلنا للشيطان تسليطًا عليهم إلا لنعلم، وإذا جعلنا السطان بمعنى التسلط أو القدرة فالاستثناء يكون منقطعًا أي: ما كان له عليهم سلطة لكن لنعلم مَنْ يتبعه إلى آخره.
وقوله ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ﴾ اللام هنا للتعليل أو للعاقبة؟ يحتمل أن تكون للتعليل أو للعاقبة، وعلى كلا التقديرين فيها إشكال؛ الإشكال هو أن ظاهرها تَجَدُّد علم الله، ومعلوم أن علم الله أزليٌّ أبدي أي قديم مستمر، لا بد أن يستمر، فكيف صحَّ أن تكون اللام هنا للتعليل أو للعاقبة؟
يقول المؤلف في تفسيرها: (علم ظهور)؛ وذلك لأن تَعَلُّق علم الله بالشيء له حالان:
الحال الأولى: قبل وجوده.
والحال الثانية: بعد وجوده. فتعلق علم الله به بعد الوجود يُسَمَّى علم ظهور أي: علمه بعد أن ظهر وبان، وعلم الله تعالى قبل وجوده عِلْمُ تَقْدِير أي أنه قَدَّر أن يكون، وعلم التقدير ثابت بلا شك، فإن الله لن يزل ولا يزال عالمًا بكل ما يكون.
انتبه إذا قلنا: إن العلم علمُ تقديرٍ وعلم ظهور زال الإشكال، وصار علم الله للشيء بعد وقوعه بأنه ظهر ووقع، وعلم الله قبل وقوعه علمًا بأنه سيقع، وفرق بين المتعلقين.
وقيل إن المراد بالعلم هنا: العلم الذي يترتب عليه الجزاء، وذلك لا يكون إلا بعد الامتحان، فإن علم الله تعالى بالشيء قبل أن يقع علم لا يترتب عليه لا ثواب ولا عقاب؛ لأن المكلف لم يؤمر ولم ينهَ، فإذا أُمِر ففعل أو أُمِر فلم يفعل حينئذ صار مثابًا أو معاقبًا، كما قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد ٣١]، ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران ١٤٢] وعلى هذا الوجه يكون علم الله تعالى علمين:
علم معناه أن الله تعالى عالم بأن هذا الشيء سيقع، ولكن لا يترتب عليه الثواب والعقاب.
وعلم يترتب عليه الثواب والعقاب، وذلك لا يكون إلا بعد امتحان المكلف به وهل يَفْعَل أو لا يَفْعَل؛ يعني: هل يمتثل أو لا يمتثل؟ فتبين أن في هذه المسألة التي ظاهرها تجدد علم الله أن عنها جوابين:
الجواب الأول.. مَنْ يعرف الجواب الأول؟ العلم الذي يَتَبَيَّن به الخفيُّ؛ لأن الأمر لم يزل ولا يزال أمام الله سبحانه واضحًا ظاهرًا.
قال: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ هنا ضُمِّنَت ﴿نَعْلَمَ﴾ معنى (نُمَيِّز)، ولهذا قال: ﴿مِمَّنْ هُوَ﴾ يعني: إلا لنُمَيِّز مَن يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك. والناس بالنسبة للآخرة ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
قسم آمنوا بها.
وقسم كفروا بها وأنكروا.
وقسم في شكٍّ وتردُّد.
الذين آمنوا بها أمرهم واضح، والذين كفروا بها وقالوا: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء ٤٩] هذا لا يمكن، هذا أيضًا أمرهم واضح، والذين تردَّدوا قالوا: يمكن أن تكون حقًّا ويمكن أن تكون باطلًا، بأي القسمين يلحقون بالكافر ولا بالمؤمن؟ بالكافر نعم؛ لأن الواجب أن يؤمن؛ ولهذا قال عز وجل: ﴿مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ فكيف ممن هو منها مُنْكِرًا وجاحدًا ومكذِّبًا؟ فالله عز وجل جعل للشيطان سُلْطَة على بني آدم؛ لأجل أن يمتحن هؤلاء الناس فيعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك، الذي في شك من الآخرة يَتْبَع من؟ يتبع الشيطان قطعًا؛ لأنه لا يؤمن بأن هناك يومًا آخر يثاب الناس فيه ويعاقَبون، فهو يري أن لنفسه الحرية المطلقة، وهي في الحقيقة حرية من شيء وَرِقٌّ في شيء، قال ابن القيم رحمه الله:
هَرَبُوا مِنَ الرِّقِّ الَّذِي خُلِقُوا لَهُ ∗∗∗ ...........................
ما هو الرق الذي خُلِقْنا له؟ العبودية لله عز وجل.
..................... ∗∗∗ وَبُلُوا بِرِقِّ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ
نسأل الله العافية؛ لأنهم صاروا عبيدًا لأنفسهم وشياطينهم، فلا يمكن أن يتحرر الإنسان من عبادة الله على زعمه إلا كان رقيقًا لغيره للنفس والشيطان، والحاصل أن هؤلاء الذين كانوا في شك من الآخرة لا يمكن أن يعملوا ولا أن يقوموا بطاعة الله؛ ذلك لأن الذي يقوم بطاعة هو الذي يؤمن بأنه سوف يُحْشَر ويثاب أو يعاقب.
قال: (﴿مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ فنجازي كُلًّا منهما ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ ) الجملة خبرية تفيد معنى ولازمَ ذلك المعنى؛ فهي خبرية تفيد أن الله على كل شيء حفيظ أي: مراقب ومُطَّلِع ومُهَيْمِنٌ على كل شيء، سواء كان ذلك مما يتعلق بفعله أو مما يتعلق بفعل الخَلْق، فهو جل وعلا رقيب على كل شيء لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، هذا المعنى يستلزم معنى آخر وهو التحذير من المخالفة، لأن الإنسان متى عَلِم أن الله سبحانه وتعالى حفيظ على كل شيء خاف ولم يخالف، أما إذا كان في شك من هذا فإنه يعمل كما يشاء.
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ﴿قُلِ﴾ قال: (يا محمد لكفار مكة) فهنا المؤلف جعل الخطاب خاصًّا من وجهين: من جهة المخاطَب ومن جهة المدعوِّ؛ المخاطب قال: (﴿قُلِ﴾ يا محمد) والمدعو (كفار مكة)، ولكن هذا غير مُسَلَّم للمؤلف أو للمفسر، بل نقول: إن (قل) يمكن أن تكون موجهة لك مَنْ يتوجه الخطاب إليه من الرسول ﷺ أو غيره ممن وَرِثه في أمته؛ أي: قل أيها الناس، أما بالنسبة للمدعوِّين فنقول: الأصح أنه عام لكل مَنْ دَعا مع الله غيرَه من كفار مكة وغيرهم.
وهكذا يجب أن يكون لدينا قاعدة وهو: (أنه إذا دار الأمر أن يكون الخطاب خاصًّا أو عامًّا وجب أن يكون عامًّا)؛ لأن العام يدخل فيه الخاص ولا عكس، وكلما كان معنى القرآن أوسع كان أوجه.
إذن نقول: قل أيها المخاطب ممن تدعو إلى الله، قل للذين يدعون مع الله غيره: ادعوا الذين زعمتم، (﴿ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أي: زعمتموهم آلهة) ادعوهم، هل المراد بالدعاء هنا دعاء المسألة أو دعاء الإحضار؟ ادعوهم أي أحضروهم، أو دعاء المسألة؛ يعني: اسألوهم اطلبوا منهم الحوائج هل يستجيبون لكم أم لا؟ نعم، يحتمل المعنيين، يحتمل المعنى: أحضروهم لنناقشهم، أو ادعوهم دعاء مسألة؛ يعني: اسألوهم، كما تقول: ادعُ الله، أي: اسأله.
وقول المؤلف: (أي زعمتموهم آلهة)، شوف ماذا قدَّر المؤلف؟ قدَّر ضميرًا واسمًا ظاهرًا؛ الضمير زعمتموهم (هم)، هذا الضمير، والاسم الظاهر: (آلهة)، فأفادنا رحمه الله بأن (زعم) تنصب مفعولين، وأن المفعولين محذوفان، وتقدير الكلام زعمتموهم آلهة؛ لأن (زعم) من الأفعال التي تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر فهي من أخوات ظن، ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال: (من غيره لينفعوكم بزعمكم).
..لهؤلاء المشركين أن تنفعهم هذه الآلهة، فهل تنفعهم؟ لا، لا يمكن أن تنفعهم؛ وذلك لانتفاء أسباب النفع من عدة أوجه: أولًا: لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض استقلالًا، ولا يملكون ذلك مشاركة، وليس لهم معونة يعينون الله تعالى بها، والرابع ليس لهم شفاعة إلا بعد إِذْن الله، فبيَّن الله تعالى أن أسباب النفع في هذه الآلهة منتفية.
فقوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾ الجملة استئنافية لبيان حال هؤلاء الآلهة، (﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ وزن ذرة من خير أو شر ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ ) صح هذا، لا يملكون مثقال ذرة لا في السماوات ولا في الأرض، ويملكون دون المثقال! ولا دون المثقال؟! نعم؛ لأن التقدير إذا قُصِدَ به المبالغة فلا مفهوم له سواء كان في الكثرة أو في القلة، فهنا ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يعني: ولا دونها واضح؟
طيب، في الكثرة: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ﴾ [التوبة ٨٠]، ولو أكثر من سبعين ما يغفر الله لهم؛ ولهذا قال في آية (المنافقين): ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون ٦]، فإذا جاء القيد للمبالغة قلة أو كثرة فليس له مفهوم.
إذن لا يملكون مثقال ذرة ولا دونها في السماوات ولا في الأرض، ولو كانوا يملكون ذلك لقلتم: نتعلق بهم لعلهم يعطوننا مما يملكون، صحَّ ولَّا لا؟ طيب، هل لهم شرك في السماوات أو في الأرض؟ لا، ولو كان لهم شرك لقلتم: لعلهم يعطوننا من نصيبهم، ولهذا قال: (﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ شركة) ﴿مِنْ﴾ هذه زائدة لفظًا لا معنى، وعلى هذا فـ﴿شِرْكٍ﴾ مبتدأ مؤخر، وخبره الجار والمجرور المقدم ﴿وَمَا لَهُمْ﴾ ما لهم شرك في السماوات ولا في الأرض.
(﴿وَمَا لَهُ﴾ تعالى: ﴿مِنْهُمْ﴾ من الآلهة ﴿مِنْ ظَهِيرٍ﴾ ) ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ ﴿مِنْ ظَهِيرٍ﴾ أيضًا نقول في إعرابها كما قلنا ﴿مِنْ شِرْكٍ﴾؛ أي: أن ﴿مِنْ﴾ زائدة لفظًا لا معنى، و﴿ظَهِيرٍ﴾ مبتدأ مؤخر، والظهير بمعنى المعين، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨]، إذن ليس لهم مع الله معونة حتى يُدْلُوا على الله بها، ويقولون: أعطنا عوض معونتنا لننفع مَن أيش؟ من يدعونا، ما لهم مساعدة مع الله، (﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ معين).
(﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ﴾ تعالى ردًّا لقولهم: إن آلهتهم تشفع عنده ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ﴾ بفتح الهمزة وضمها ﴿أُذِنَ لَهُ﴾ فِيهَا) إذا قالوا: نعم آلهتنا لا تملك شيئًا في السماوات ولا في الأرض، آلهتنا ليس لها مشاركة مع الله، آلهتنا لم تُعِن الله، لكنها تشفع، كما قالوا؛ ﴿يَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس ١٨]، تشفع، قطع الله هذه الوسيلة الأخيرة ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ إذن هذه الآلهة ما تستطيع أن تشفع إلا بعد إِذْنِ الله، وهل يمكن أن يأذن؟ لا، لا يمكن؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم ٢٦]، ويقول عز وجل: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء ٢٨]، ومعلوم أنه سبحانه وتعالى لا يرضى عن الكافرين لا أن يشفعوا، ولا أن يُشْفَع فيهم، فتبين أن جميع ما يتعلق به المشركون في شركهم مع الله كلُّه باطل وكلُّه ممتنع؛ فإن الأسباب التي يمكن أن ينتفعوا بها واحد من أمور أربعة -نعدها-: الملك استقلالًا، الملك مشاركة، الإعانة، الشفاعة، وكل هذه الأربعة منتفية في عبادة هذه المدعُوَّة من دون الله، فانقطع جميع كل سبب يتشبث به المشركون، وحينئذ فيجب أن تكون العبادة والدعاء لمن؟ لله تعالى وحده؛ لأنه هو الذي له ملك السماوات والأرض.
طيب، ما هي الشفاعة عنده؟ الشفاعة في اللغة: جَعْل الفرد شِفْعًا، أو جَعل الوِتْر شفعًا، ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر ٣]، فضموا واحدٍ إلى واحد؟
* طلبة: شفع.
* الشيخ: وضم واحد إلى ثلاثة؟
* طلبة: شفع.
* الشيخ: شفع، وهكذا. لكنها في الاصطلاح: التوسط للغير في جلب منفعة أو دفع مضرة، هذه الشفاعة؛ أن تتوسَّط لغيرك إما بجلب منفعة له أو دفع مضرة، فالشفاعة لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة في جلب منفعة، والشفاعة فيمن استحق النار ألا يدخلها وفيمن دخلها أن يُخْرَج هذه شفاعة لدفع الضرر، فلا تخرج الشفاعة عن هذين الأمرين: إما لجلب النفع، وإما لدفع الضرر.
إنسان شفع لشخض في أن تُعْلَى مرتبتُه؟ جلب منفعة. شفع لشخص أن كتب عليه غرامة أن ترفع عنه الغرامة، هذه دفع مضرة.
وقوله: ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ أو ﴿أُذِنَ لَهُ﴾ الإذن هنا الكوني ولَّا الشرعي؟ الكوني يعني: إلا لمن رَخَّص الله له في أن يشفع، وشرط الإذن أن يكون الله تعالى راضيًا عن الشافع أيش؟ والمشفوع له، فيأذن فيها سبحانه وتعالى كرامةً للشافع وبيانًا لفضله ورحمة بالمشفوع له وإحسانًا إليه، والله (...).
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الدعاء هنا (...).
يقول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ﴾ [سبأ ٢٠] يستفاد من هذا أن إبليس يوصف بالصدق ويوصف بالكذب وما هو الوصف اللازم له؟ الكذب؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء ١٢٠]، وقال النبي ﷺ: «صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ»[[أخرجه البخاري (٢٨٠٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، ولكن قد يصدُق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان حكمة الله عز وجل في تسليط الشيطان على بني آدم؛ وهي أن يعلم من يؤمن بالآخرة فيعمل لها ممن لا يؤمن ويكون في شك فلا يَعْمَل؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان حاجز عن اتباع الشيطان؛ لقوله: ﴿فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ولهذا يمر بكم كثيرًا: لا يؤمن أحدكم حتى يكون كذا وكذا، من كان يؤمن بالله واليوم فليقل كذا وكذا أو فليفعل كذا كذا، مما يدل على أن الإيمان حاجز عن اتباع الشيطان وموجب لاتباع هديِ الرُّسل عليهم الصلاة والسلام.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشيطان إمام لكل ضالٍّ؛ لقوله: ﴿فَاتَّبَعُوهُ﴾، فكل الضالين إمامهم الشيطان وهم مُتَّبِعون له.
* ومن فوائد الآية الكريمة -على إذا قلنا بأن ﴿مِنَ﴾ للتبعيض، وأن المراد بالاتباع الاتباع المطلق- من فوائدها: أن بعض المؤمنين قد يتبع الشيطان في بعض الأمور، لأنه قلنا: ربما يكون الاستثناء متصلًا، وتكون ﴿مِنَ﴾؛ إذ إن بعض المؤمنين قد يتبعون الشيطان في بعض الأمور مثال ذلك: «لَا يَأْكُلْ أَحَدُكُمْ بِشِمَالِهِ وَلَا يَشْرَبْ بِشِمَالِهِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ» »[[أخرجه ابن ماجه (٣٢٦٦) عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: «ليأكلْ أحدُكم بيمينه، وليشربْ بيمينه، وليأخذْ بيمينه، وليعطِ بيمينه؛ فإن الشيطان يأكلُ بشماله، ويشربُ بشماله، ويعطي بشماله، ويأخذُ بشماله».]] إذا فعل أحد ذلك صار متبعًا للشيطان، ولهاذ كان القولُ الراجح تحريمَ الأكل بالشمال والشرب بالشمال، وأنه ليس مكروهًا بل هو حرام، والإنسان يكون عاصيًا بذلك، إلَّا إذا كان أفندينًا تَقَدُّمِيًّا حضاريًّا فإنه يأكل بالشمال.
* طالب: بالشوكة.
* الشيخ: لا، الشوكة ما تخالف، لكن الكلام على الشمال، إذا أكلت باليمين كُلْ بثلاث شوك ما يهم، لكن إذا أكلت باليسار هذه هي المشكلة الذي يزعم فاعلوها أنهم تقدميون وحضاريون، نعم، ولكن ليس كل تقدُّمٍ محمودًا؛ فإن الله يقول عن فرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود ٩٨]، طيب، إذن على هذا القول الأخير: أن ﴿مِنْ﴾ للتبعيض يكون الاستثناء متصلًا ويكون لبعض المؤمنين شيء من اتباع الشيطان لا الاتباع الكامل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علم الله؛ لقوله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾، وتعلق علم الله تعالى بالموجودات سبق لنا أمس أنه ينقسم إلى قسمين: تعلق بها قبل الوجود، وتعلق بها بعد الوجود؛ فالتعلق بها بعد الوجود يكون علمه بها علم أمر واقع، والأول يكون تعلق علمه بها أنه علم بما سيقع، وبهذا يزول الإشكال في مثل هذه الآية حيث إن ظاهرها يفيد تجدد علم الله سبحانه وتعالى، لأنا نعلم أن الله سبحانه وتعالى محيط بكل شيء علمًا أزلًا وأبدًا، ومن ظن أن الله لا يعلم الشيء إلا بعد وجوده فقد كفر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الآخرة ووجوب الإيمان بها، تؤخذ.. منين تؤخذ؟
* طالب: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾.
* الشيخ: إذن فيه إثبات الآخرة ووجوب الإيمان بها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشك فيما يجب فيه اليقين كفر؛ لقوله: ﴿مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾، ولم يقل: ممن هو منكر لها؛ لأنه قد تقول: ظاهر الحال إنه لما قال: يؤمن بالآخرة كان يقول اللي يقابله: (يكفر بالآخرة)، لكن قال: ﴿مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ لنستفيد منها فائدة وهو أن ما يُطلَب فيه اليقين يكون الشك فيه كالإنكار كفرًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عموم رعاية الله ومراقبته لكل شيء، تؤخذ منين؟
* طالب: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾.
* الشيخ: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ صح.
* ومن فوائدها: أن ربوبية الله عز وجل تنقسم إلى خاصة وعامة، والخاصة إلى أَخَصّ وإلى خاصة؛ لقوله: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ فهذه ربوبية أخص من الخاصة، فإن ربوببة الله عز وجل لخواص عباده كالأنبياء أخص من ربوبيته لعموم المؤمنين، وربوبيته للمؤمنين أخص من ربوبيته لعامة الناس؛ شوف ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ [النمل ٩١] خاصَّة ولَّا عامة؟
* طالب: عامة.
* الشيخ: يا إخوان، رب هذه البلدة خاصة كيف عامة؟ ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ بعدئذٍ لما كانت الربوبية الخاصة هنا قد تُوهِم اختصاص ربوبيته لهذه البلدة، بعد هذا قال: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ عامٌّ.
ثم قال الله عز وجل: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سبأ ٢٢] في هذا دليل على أنه ينبغي في المناظرة التحدي للمناظر فيما يُعْلَم أنه لن يكون؛ لقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾؛ فيجب على كل دعاة حق أن يتحدوا هؤلاء المبطلين بأن يُبْرِزوا لباطلهم شيئًا من النفي، وهذا كما أنه في الشرك يكون أيضًا فيما دونه، فإنه ينبغي أن يكون الداعي إلى الله عز وجل على علم بالأمور حتى يستطيع الجدل فيها؛ لأن من لم يكن على علم فيها فإنه سيقف حيران ولا يتمكن من مقابلة الخصم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه الأصنام المدعوة من دون الله لا تملك شيئًا لنفسها فلا تملك شيئًا لغيرها، ليس لها ملك ولا شرك في الملك ولا معاونة على تَصَرُّف ولا شفاعة، والأمر في هذا واضح ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ﴾ أي ما لله ﴿مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات الشفاعة بإذن الله؛ لقوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾، ولو كانت الشفاعة لا تنفع مطلقًا ما صح الاستثناء، ولو كانت تنفع مطلقًا ما صح النفي، انتبه لو كانت الشفاعة مطلقًا تنفع، أذن الله فيها أم لم يأذن، ما صحَّ النفي، ولو كانت تنفع مطلقًا ما صح الاستثناء، إذن فهي تنفع بإذن الله.
* * *
﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ﴾ أي: عند الله ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾، وهنا ﴿لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾؛ لكمال سلطانه، فالنفي هنا متضمن لإثباتٍ وهو كمال السلطان؛ لأن من كمال السلطان ألا يتكلم أحد عند الملِك المشفوع إليه أبدًا إلا بإذنه؛ ولهذا تجد الإنسان إذا كان ذا هيبة عند الناس وكان في مجلس تجد الناس لا يتكلمون هيبةً له، وتجد السلطان إذا كان ذا هيبة ما أحد يقدر يتكلم في مكان جلوسه ولا مع أخيه سرًّا؛ لأنهم يهابونه، فلكمال سلطان الله عز وجل لا يستطيع أحد يشفع إلا بإذنه، حتى أخص عباده به وهم الأنبياء، وأخصهم محمد ﷺ لا يمكن أن يشفع إلا إذا أَذِن الله، حتى في مقام الرحمة يوم القيامة فإن الله تعالى يجعل مئة رحمة يرحم بها الخلق، في مقام الرحمة وعند شدة الهَمِّ والغم المقتضي لرحمة الله ما يمكن يشفع الرسول ﷺ إلا بإذن الله أبدًا؛ لماذا؟ لكمال سلطان الله عز وجل إذا كانت الشفاعة لا تنفع إلا بإذن الله، فهل هذه الأصنام المكروهة عند الله المُنْحَطَّة عنده قَدْرًا هل يمكن أن تشفع لعابديها؟ أبدًا، حتى عيسى عليه الصلاة والسلام الذي عُبِدَ من دون الله لا يمكن أن يشفع لعابديه؛ ولهذا يقول يوم القيامة: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة ١١٧]، ولا يمكن أن يشفع لهم.
﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ وقد سبق في الدرس الماضي أن الله لا يأذن إلا إذا كان الشافع والمشفوع له من أهل الشفاعة؛ قال الله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم ٢٦]، وقال عز وجل: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء ٢٨]؛ ولهذا قال العلماء: إن شروط الشفاعة ثلاثة: رضا الله عن الشافع، ورضاه عن المشفوع له، والثالث إذنه بالشفاعة.
قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ ﴿حَتَّى﴾ هنا ابتدائية، وليست غائية؛ لأن (حتى) تأتي للغاية، وتأتي للابتداء، وتأتي للتعليل، ولها معانٍ متعددة مَنْ أحب الوقوف عليها فليرجع إلى كتاب المغني، أعني: مغني اللبيب لابن هشام رحمه الله فإنه مفيد لطالب العلم.
يقول: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ﴾ فيها قراءتان ﴿فُزِّعَ﴾ و﴿فَزَّعَ﴾ كما قال المؤلف: (بالبناء للفاعل والمفعول).
﴿عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ أي: قلوب الخلق أو عن قلوب الملائكة، فيها قولان لأهل العلم وسيأتي إن شاء الله بيانهما.
﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ قال: (كشف عنها الفزع بالإذن فيها)، ﴿فَزَّع﴾ و﴿فُزِّعَ﴾ بمعنى: أزال الفزع، وليس ﴿فَزَّع﴾ بمعنى ألحق الفزع، بل بمعنى أزاله، وهو فعل يُراد به السلب؛ لأن هناك أفعالًا يراد بها سلب المعنى؛ يعني ضد هذا المعنى، قالوا: ومنه قولهم: قَرَّد البعير، ويش معنى (قَرَّدَ)؟ أزال منهم القراد، (...) والله تعرفون البعير والقراد اللي فيها؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: معروف، والقراد معروف.
* طالب: ما أدري.
* الشيخ: البعير تعرفه. القراض هذا شيء يكون في جِلْد البعير دابة حشرة صغيرة تعض البعير وتشرب الدم منها، اسمه؟
* طالب: جراد.
* الشيخ: جراد؟ لا، لا.
* طالب: مثل القمل، يا شيخ؟
* الشيخ: مثل القمل للإنسان، هو قمل الإبل.
* الطالب: يمسك (...).
* الشيخ: إي نعم، هو إذا مسك الجلد ما عاد يطلقه أبدًا، إلا كنت تمسكه أنت وتجره جرًّا.
على كل حال إن شاء الله ربما نطلع على البر ونشوف بعيرًا فيها قراض ونوريك إياها.
طيب المهم أن قرد البعير ما هو معناه وضع القراض فيها، معناه أزاله عنها، فـ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ أو ﴿فَزَّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ يعني: أزال الفزع.
﴿عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ قال المؤلف: (بالإذن فيها) أي: في الشفاعة، وعلى هذا فيكون الضمير هنا عائدًا على المشفوع له؛ يعني: إذا لَحِقَ المشفوع له من الهم والكرب والغم ما لحقه، وكذلك الخوف والفزع فأذن الله في الشفاعة زال الفزع عن القلوب؛ لأنه قَرُب الفرج.
قال: (﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ ) بالإذن فيها ﴿قَالُوا﴾ بعضهم لبعض استبشارًا ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ فيها -أي: في الشفاعة- ﴿قَالُوا﴾ القول ﴿الْحَقَّ﴾ أي: قد أذن فيها ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ فوق خلقه بالقهر ﴿الْكَبِيرُ﴾ العظيم).
أفادنا المؤلف رحمه الله أن الضمير في (بِهِمْ) يعود على من؟ المشفوع له، فإن المشفوع قبل الشفاعة يلحقه الفزع والخوف من ذنوبه أو من غير ذلك، فإذا أُذِن في الشفاعة زال الفزع، وقالوا: ماذا قال الله؟ يقول ذلك: فيقول بعضهم لبعض: ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾ أي: قالوا القول الحق، ﴿الْحَقَّ﴾ بمعنى الثابت الموافِق لمحله.
وقد سبق لنا أن الحق في الأخبار هو الصدق، والحق في الأحكام هو العدل؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام ١١٥]. طيب، هذا ما ذهب إليه المؤلف على أن الضمير في قلوبهم يعود إلى المشفوع لهم، وأن التفزيع بمعنى إزالة الفزع وهو الخوف بالإذن في الشفاعة، نعم، والسياق لا يأباه، لكن قد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام أن المراد به غيرُ ذلك، وأن المراد به الملائكةُ الذين هم عند الله، إذا تكلم الله بالوحي صعقوا فإذا صعقوا فُزِّع عن قلوبهم، يعني: أُزيل الفزع عنها ثم صاروا يتساءلون: ماذا قال الله؟ فيقال: قال الحق وهو العلي الكبير.
وإذا جاءت السنة في تفسير القرآن كانت أولى، على أننا سبق أن قلنا: إن القرآن إذا دلَّ على عدة معانٍ لا تتناقض حُمِلَ على جميع المعاني؛ لأنه أوسع وأعظم مما يصل إليه فكر الإنسان، فقد يصل فكري إلى شيء ويصل الفكر الآخر إلى شيء آخر وفكر الثالث إلى شيء ثالث والآية كلها تحتمل هذه المعاني فتُحْمَل عليها، أما إذا كان لا يحتمل إلا معنى فإنه يجب أن يُحْمَل على ما قام الدليل عليه.
وقال بعض أهل العلم: حتى إذا فزع عن قلوبهم عند الموت، ما هو ليس يوم القيامة عند الإذن بالشفاعة، ولكن إذا فُزِّع عن قلوبهم عند الموت، لكن هذا ضعيف، وإن كان قد يرد فيُفَزَّع عن القلب عند الموت ويعترف بالحق، فإن فرعون حين غَرِقَ ماذا قال؟ ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس ٩٠]، وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر ٨٤]، لكن هذا المعنى ضعيف، فالآية دائرة بين ما قاله المؤلف وما ثبت به الحديث الصحيح، وهي دالة قطعًا على ما جاء به الحديث الصحيح، وما ذكره المؤلف فهو محتمل ولا تأباه الآية.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾ ﴿الْحَقَّ﴾ ما إعرابهًا؟ أيش؟ صفة لمصدر محذوف، أي: قالوا القول الحق، ولا يصح أن تكون مفعولًا لقال؛ لأن القول لا يَنْصِب إلا جملة أو ما بمعنى الجملة، القول لا ينصب إلا جملة أو ما بمعناها؛ إلا جملة: كقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم ٣٠]، أين مقول القول؟ ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ جملة، أو بمعنى الجملة كقولك: قلت قصيدة، قلت كلمة، هذه بمعنى الجملة؛ لأن الكلمة والقصيدة والشعر لا يكون إلا جملة.
طيب، فإن قلت: ما تقول في قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾ [النحل ٣٠]؟
نقول: هذه ليست مفعولًا لقال، لكنها مفعول لفعل محذوف ويش التقدير؟
* طالب: قالوا قولًا خيرًا.
* الشيخ: لا.
* طالب: أنزل خيرًا.
* الشيخ: أنزل خيرًا، ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾.
يقول المؤلف رحمه الله: (﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ فوق خلقه بالقهر) هذا فيه إما تقصير وإما قصور؛ لأن علو الله عز وجل ليس بالقهر، بل علوه ثلاثة أقسام: علو القهر، وعلو القَدْر، وعلو الذات، لكن المؤلف -عفا الله عنا وعنه- كأنه لا يرى علوَّ الذات، والمنكرون لعلو ذات الله سبحانه وتعالى يَنْقَسِمون إلى قسمين: حلولية، ومعطلة تعطيلًا محضًا.
فالحلولية يقولون: إنه يجب عليك أن تؤمن بأن الله في كل مكان بذاته، وتُنْكِر علوه، في كل مكان بذاته؛ إن كنت في المسجد أو كنت في السوق أو كنت في البر أو كنت في البحر، فالله سبحانه وتعالى بذاته في ذلك المكان، وإن كنت في الحُش فهو في الحش، الحش ما هو؟ مكان التخلي يعني -والعياذ بالله- ما نزهوا الله عن الأنتان والأقذار، نسأل الله العافية ولا شك أن هذا كفر محض، ولا يشك أحد في كفر مَنِ اعتقد هذه العقيدة.
الطائفة الثانية المنكرة للعلو يقولون: إنه لا يجوز لنا أن نقول: إن الله فوق العالم ولا تحته، ولا يمين ولا شمال، ولا أمام ولا خلف، ولا متصل ولا منفصل، وهذا أيش؟ هذا تعطيل محض؛ يعني: لو قيل لك: صف لنا المعدوم ما وجدت أشد إحاطة بالمعدوم من هذا الوصف؛ الذي ليس فوق العالم ولا تحته، ولا يمين ولا شمال، ولا خلف ولا أمام، ولا متصل ولا منفصل، هذا ليس بموجود قطعًا، أمَّا الرسل وأتباعهم فيؤمنون بأن الله عز وجل بذاته فوق كل شيء، وهذا هو الذي دلَّ عليه العقل والفطرة والإجماع والكتاب والسنة، ولنستعرض لهذا الأمر، وإن كان -الحمد لله- الأمر ظاهرًا، لكن.. الكتاب دلَّ على أن الله بذاته فوق عرشه من وجوه متنوعة؛ فتارة بذكر العلو مثل: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة ٢٥٥]، وتارة بذكر الفوقية ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام ١٨]، وتارة بذكر صعود الأشياء إليه؛ مثل: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر ١٠]، وتارة بذكر نزول الأشياء منه ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [السجدة ٥]، فقد تنوعت الأدلة من كتاب الله على علو الله سبحانه وتعالى.
وأما السنة فكذلك دلت السنة على علو الله بذاته من قول الرسول ﷺ وفعله وإقراره؛ فقال عليه الصلاة والسلام: «رَبُّنَا اللَّهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ»[[أخرج أبو داود (٣٨٩٢) عن أبي الدرداء، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنِ اشتكى منكم شيئًا، أو اشتكاه أخٌ له فليقلْ ربنا الله الذي في السماء..» الحديث.]] وقال: «أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٥١)، ومسلم (١٠٦٤ / ١٤٤) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]].
وأما فعله فإنه في يوم عرفة وهو يخطب الناس عندما خطب تلك الخطبة العظيمة «قال لهم: «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟» قالوا: نعم. قال: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ»، يرفع أصبعه إلى السماء وينكتها إلى السماء. «اللَّهُمَّ اشْهَدْ»[[أخرجه مسلم (١٢١٨ / ١٤٧) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.]] هذا أيش؟ سنة فعلية، لإشارته عليه الصلاة والسلام حين ذكر الله، وأما الإقرارية فإنه« أُتِيَ إليه بجارية فسألها فقال: «أَيْنَ اللَّهُ؟» قالت: في السماء. قال: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ»[[أخرجه مسلم (٥٣٧ / ٣٣) من حديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه.]]. هكذا قال، ويعتبر هذا أيش؟ إقرارًا، فقد تنوعت السنة بالدلالة أو في الدلالة على علو الله تعالى بذاته.
وأما الإجماع فقد أجمع السلف من الصحابة والتابعين وأئمة الأمة على أن الله تعالى في السماء بذاته ولم يقل أحد منهم بحرف واحد إن الله ليس في السماء أو إن الله في كل مكان بذاته أبدًا.
وأما العقل فاسأل عقلك هل الكمال في علو الذات أو في نفي العلو عنها؟ الأول بلا شك، علو الذات تدل على الكمال، بل هي الكمال، فإذا كان العلو هو الكمال فإن من المعلوم عقلًا أن الرب متصف بماذا؟ بالكمال، وحينئذ يَثْبُت له العلو عقلًا، أما الفطرة فاسأل فطرتك عندما تسأل الله شيئًا، افرض إنك ما درست ولا حضرت في المساجد ولا شيء، إذا سألت الله عز وجل شيئًا أين يَنْصَرِفُ قلبُك؟ إلى الأعلى؛ ولهذا كان أبو المعالي الجويني كان يقرر فيقول: كان الله ولم يكن شيءٌ قبله، وكان عرشه على الماء. يريد بذلك أن ينكر استواء الله على العرش الذي مِنْ لازمه الإقرار بالعلو فقال له أبو العلاء الهمداني رحمه الله: دعْنَا من ذكر العرش، وأخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في نفوسنا، ما قال عارف قط: يا الله، إلا وجد مِنْ قلبه ضرورة بطلب العلو، صح، فلطم الجويني لطم على رأسه وصرخ، وقال: حيرني الهمداني. ليش؟ لأن الدليل الفطري لا يمكن النزاع فيه، الدليل الفطري لو نازعك منازع قلت: هذا مجنون.
* الطالب: هل في الحديث الذي سرد (...)؟
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، لما قال: وكان عرشه على الماء، وكان الله لم يكن شيء قبله. يعني ما ذكر استوى على العرش، لم يذكر استواءه على العرش، هذا يريد أن يُقَرِّر أن الله تعالى لم يستوِ على العرش فينتفي علوه.
* الطالب: حذف شيئًا من الحديث يعني؟
* الشيخ: لا، أبدًا هو نفس الحديث، لكن هو أراد أن يقرر أن الله كان ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء؛ يعني: ولا فيه استواء وعلو.
فالآن نقول: إن الأمر الفطري لا يمكن أبدًا لأحدٍ أن يُنْكِرَه، لو أن أحدًا أنكر طلبَ الطعام للجائع يُصَدَّق؟ لو قال: الجائع ما هو بيطلب الطعام؟ ما يُصَدَّق؛ ولهذا تحيَّر أبو المعالي الجويني وعجز عن الإجابة؛ لأن هذا دليل فطري لا ينازع فيه أحد.
إذن فقد تطابقت الأدلة على علو الله تعالى بذاته، أما علوه بصفاته؛ سواء كانت صفات قدر أو قهر، فهذا يقرُّ به جميع المنتسبين إلى الإسلام حتى الجهمية والأشاعرة وغيرهم يُقِرُّون بأن الله سبحانه وتعالى عالٍ علوًّا معنويًّا؛ وهو علو الصفات.
قال المؤلف رحمه الله: (﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ فوق خلقه بالقهر ﴿الْكَبِيرُ﴾ العظيم) (﴿الْكَبِيرُ﴾ العظيم) لا شك أن هذا ليس تفسيرًا مطابقًا، ولكنه كأن المؤلف أخذه من قَرْنِ العظيم بالعليِّ في آية الكرسي؛ حيث قال: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة ٢٥٥] وهنا قال: ﴿الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾، ففسَّر ﴿الْكَبِيرُ﴾ بأيش؟ بالعظيم، ولكن الصحيح أن ﴿الْكَبِيرُ﴾ ليس معناه العظيم، بل معناه ذو الكبرياء، ومعناه أن الله تعالى لا يماثله شيء في ذاته، فالسماوات السبع والأرضين السبع في كفه سبحانه وتعالى كخردلة في كفِّ أحدنا؛ يعني: السماوات السبع على عظمها، والأرضين السبع مثل ما لو وضع الإنسان في يده خردلة. حب الخردل تعرفونه، حب الخردل صغير. كبر أيش؟
* طالب: السمسم.
* طالب آخر: حبات العدس.
* الشيخ: كبر السمسم، هذا الخردلة لو حطتها في كفك ليست بشيء، وهذا أيضًا تمثيل على سبيل التقريب، وإلَّا فالله تعالى أعظم وأجل، فكل المخلوقات بالنسبة له سبحانه وتعالى ليست بشيء، فينبغي أن نقول: إن ﴿الْكَبِيرُ﴾ ليس هو العظيم، بل يفيد معنىً آخر، وهو الذي له الكبرياء، وهو الذي لا يُنْسَب إلى شيء من خلقه، فالسماوات السبع والأراضين السبع في كفه كخردلة في كف أحدنا.
(...) في هذه الآية دليل على إثبات الشفاعة؛ لقوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ﴾، فإن قلت: ما وجه الدلالة على إثبات الشفاعة مع أنها نفي ﴿لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾؟
(...) ولم يقل: ولا تكون الشفاعة، ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾، دلَّ على إثباتها، لكن لا تنفع إلا بإذنه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عظمة الله تعالى وقوة سلطانه، من أين يؤخذ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: وجه ذلك أنها تدل على عظمة الله وقوة سلطانه، وجه الدلالة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: هذا ما فيها.. ما قال: إن الله قوي ذو سلطان أو عظيم ذو سلطان، لكن هي تدل على ذلك باللازم، فما وجه الدلالة؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: بخلاف المخلوقين مهما عَظُم ملكهم فإنه يدخل الشافع على الملك والسلطان ويشفع بدون إذن، فكلما عظم السلطان ازدادت الهيبة، وصار لا يتكلم أحد إلا بإذن الله؛ كما قال تعالى في سورة (عم يتساءلون): ﴿وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ ٣٨].
* ومن فوائد الآية الكريمة: قطع كل سبب يتعلق به المشركون في آلهتهم، ما وجهه؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، قطع كل الأسباب التي يستدلون بها على أنها تنفعهم، وهي:
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم، وأنه لا تنفع الشفاعة، هذا آخر سبب يمكن ومع ذلك نفاها الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيانُ كرم الله عز وجل على كلٍّ من الشافع والمشفوع له، منين تأخذ كرم الله على الشافع والمشفوع له؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أحسنت.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يتكلم بكلام مسموع، ونحن الآن نأخذ الفوائد بناء على القول الراجح في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾.
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: والله ممكن ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾، ولكن أنا أردت في الآية: ﴿إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾.
* الطالب: (...).
* الشيخ: أيش بين؟
* الطالب: (...) صعق الملائكة.
* الشيخ: صعق الملائكة، ولولا أنهم يسمعون كلامه لم يصعقوا.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن كلام الله عز وجل ليس ككلام المخلوقين، بل هو أعظم؛ لأن السامع له يَصْعَق إلا أن يُثَبِّتَه الله عز وجل؛ لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾.
* ومن فوائدها: أن قول الله عز وجل كله حق؛ لقوله: ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات الربوبية؛ لقوله: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات علوه سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾، وهو ينقسم إلى: علو الذات، وعلو الصفات، وكلاهما ثابت لله عز وجل.
* ومن فوائدها: إثبات الكبرياء لله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن للملائكة عقولًا وفَهْمًا وإدراكًا وقلوبًا؛ لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾، ولكن هل قلوبهم كقلوب الآدميين؟ الله أعلم، لا نعلم كيفيتها، والملائكة صمت لا يشربون ولا يتكلمون وليس لهم أجواف ولا أمعاء؛ لأنه لا يحتاج إلى الجوف والأمعاء إلا مَنْ يأكل ويشرب.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا. يتكلمون، أنا قلت: لا يتكلمون؟! يتكلمون، لا أنا أقول: إنهم لا يأكلون ولا يشربون.
* ومن فوائد الآية: أن الملائكة يتكلمون؛ ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.
سبأ 34:23
ثم قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ قال: ﴿صَدَقَ﴾ بالتخفيف والتشديد، ﴿صَدَقَ﴾ بمعنى أيش؟ أخبر بالصدق، و﴿صَدَّقَ﴾ مَنْ أخبر بالصدق، فالإنسان إما مُخبِر وإما مُخبَر، فالمخبِر نقول: صَدَق، والمُخبَر نقول: صَدَّق، يقول الله عز وجل: ﴿صَدَقَ﴾ وَ﴿صَدَّقَ﴾، والقراءاتان هنا تحملان معنى الصِّدْق والتَّصْدِيق، فالفائدة من هاتين القرائتين أنهما تدلان على معنيين يتبين ذلك بشرحهما؛
قال: (﴿صَدَقَ عَلَيْهِمْ﴾ أو ﴿صَدَّقَ عَلَيْهِمْ﴾ أي الكفار منهم سبأ ﴿إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ أنهم بإغوائه يتبعونه ﴿فَاتَّبَعُوهُ﴾، فصَدَق بالتخفيف في ظنه، أو صَدَّق بالتشديد ظَنَّه أي: وَجَدَه صادقًا).
إبليس له ظن في بني آدم ما هو ظنه؟ ظنه أنه يغويهم أجمعين، قال الله تعالى عنه: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص ٨٢، ٨٣]، وقال: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف ١٦، ١٧] هذا ما كان يُؤَمِّله ويرجوه، ويظنه إما ظنًّا راجحًا وإما ظنًّا متيقنًا لكن لا يمكن أن يتيقن وإنما يظنُّ ظنًّا راجحًا، فهنا صدَّق ظنه ويش ظنه؟ الذي كان يقول: إنه سيغويهم فصدَّقه؛ لأنه أغواهم.
أو ﴿صَدَقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ أنه لما ظَنَّ نفذ ما قال فيكون صَدَق حيث أغواهم، والحاصل أن الظنَّ الذي ظنَّه إبليس ما هو؟ إغواؤهم، هذا هو الظن، هذا الظن إما أن يكون بإغوائه إياهم قد صَدَّقه حيث وقع منه أولًا بتطبيقه فعلًا، أو ﴿صَدَقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ أنه لما ظن ذلك الظن طبَّقه وفعَّله.
والمعنى أن ما توقعه الشيطان وظنه من إغواء الكفار ومنهم سبأ وقع مُؤكَّدًا باللام و(قد) والقَسَم.
﴿فَاتَّبَعُوهُ﴾ اتبعوا الشيطان، والشيطان لو نظرنا ما هو الجامع لما يأمر به؟ يأمر بالفحشاء ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة ٢٦٨]، فهو يأمر بالفحشاء والمنكر وكلِّ فعلٍ قبيح، فإذا اتبعه الإنسان بالفحشاء والمنكر والفعل القبيح فقد تبعه وضل عنه دوابه، وإن خالفه فقد خالفه؛ ولهذا قال: ﴿فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا﴾ (﴿إِلَّا﴾ بمعنى لكن ﴿فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ للبيان).
قال المؤلف: ﴿إِلَّا﴾ يعني (لكن) إشارة إلى أن الاستثناء هنا منقطع؛ لأن الاستثناء إذا كان بمعنى (لكن) صار منقطعًا، ولكن الذي حَمَل المؤلف على هذا؛ لأن قوله: ﴿صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ظاهره أنه صَدَّق عليهم جميعًا، وعليه فالمؤمنون لم يدخلوا في ذلك فيكون الاستثناء هنا منقطعًا؛ لأن إبليس لم يصدُق الظنَّ إلا على الكفار، أما لو جعلنا ﴿صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ عامٌ للقبيلة لكلها أو لبني آدم كلهم ثم قال: ﴿إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لكان هذا الاستثناء متصلًا.
والحاصل إذا جعلنا ﴿عَلَيْهِمْ﴾ إذا جعلنا الضمير عائدًا على الكفار الذين اتبعوا إبليس فإن الاستثناء يجب أن يكون هنا منقطعًا، وإن جعلناه عامًّا لبني آدم أو جنس هذه القبيلة (سبأ) صار الاستثناء متصلًا.
وقوله: ﴿إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ المؤلف يقول رحمه الله: (﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ للبيان) كيف للبيان؟ يعني ﴿مِنَ﴾ بيانية وليست تَبْعِيضِيَّة؛ لأنها لو كانت للتبعيض لكان المعنى إلا فريقًا من المؤمنين نجا منه وفريق آخر لم ينجُ، وهذا المعنى فاسد، وعلى هذا فتكون (مِن) للبيان.
﴿إِلَّا فَرِيقًا﴾ مَن هؤلاء الفريق؟ المؤمنون قال المؤلف: (أي هم المؤمنون لم يتبعوه) انتبه إلى هذا المعنى الدقيق المؤلف رحمه الله جيد في.. أقول مرة ثانية: ﴿إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إذا قلت: جاء فريق من القوم، كلهم جاؤوا ولَّا لا؟ لا، فـ(من) للتبعيض، ﴿إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إذا جعلنا (من) للتبعيض كما في قولك: جاء فريق من القوم، إذا جعلناها للتبعيض فسد المعنى؛ لأن المؤمنين كلهم لم يتبعوه، ولهذا احتاج المؤلف أن يجعل (من) بيانية، وتكون (المؤمنون) بيانًا لقوله: ﴿فَرِيقًا﴾، كأنه قال فاتبعوه إلا المؤمنين هذا معنى الآية.
(﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ تسليط) ﴿وَمَا كَانَ لَهُ﴾ الضمير يعود على إبليس، ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أي: على القوم الذين أغواهم، ﴿مِنْ سُلْطَانٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ زائدة لفظًا لا معنى، و﴿سُلْطَانٍ﴾ اسم كان مُؤَخَّر؛ أي: ما كان له سلطان عليهم، والمراد بالسلطان هنا التسلط أو التسليط؛ ولهذا قال: تسليط، فهي إذن اسم مصدر، وليس المراد بها السلطان الذي هو المعنى. المعنى ما كان للشيطان عليهم تسليط ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾، وعلى تقدير المؤلف أن سلطان بمعنى تسليط يكون الاستثناء متصلًا؛ أي: ما جعلنا للشيطان تسليطًا عليهم إلا لنعلم، وإذا جعلنا السطان بمعنى التسلط أو القدرة فالاستثناء يكون منقطعًا أي: ما كان له عليهم سلطة لكن لنعلم مَنْ يتبعه إلى آخره.
وقوله ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ﴾ اللام هنا للتعليل أو للعاقبة؟ يحتمل أن تكون للتعليل أو للعاقبة، وعلى كلا التقديرين فيها إشكال؛ الإشكال هو أن ظاهرها تَجَدُّد علم الله، ومعلوم أن علم الله أزليٌّ أبدي أي قديم مستمر، لا بد أن يستمر، فكيف صحَّ أن تكون اللام هنا للتعليل أو للعاقبة؟
يقول المؤلف في تفسيرها: (علم ظهور)؛ وذلك لأن تَعَلُّق علم الله بالشيء له حالان:
الحال الأولى: قبل وجوده.
والحال الثانية: بعد وجوده. فتعلق علم الله به بعد الوجود يُسَمَّى علم ظهور أي: علمه بعد أن ظهر وبان، وعلم الله تعالى قبل وجوده عِلْمُ تَقْدِير أي أنه قَدَّر أن يكون، وعلم التقدير ثابت بلا شك، فإن الله لن يزل ولا يزال عالمًا بكل ما يكون.
انتبه إذا قلنا: إن العلم علمُ تقديرٍ وعلم ظهور زال الإشكال، وصار علم الله للشيء بعد وقوعه بأنه ظهر ووقع، وعلم الله قبل وقوعه علمًا بأنه سيقع، وفرق بين المتعلقين.
وقيل إن المراد بالعلم هنا: العلم الذي يترتب عليه الجزاء، وذلك لا يكون إلا بعد الامتحان، فإن علم الله تعالى بالشيء قبل أن يقع علم لا يترتب عليه لا ثواب ولا عقاب؛ لأن المكلف لم يؤمر ولم ينهَ، فإذا أُمِر ففعل أو أُمِر فلم يفعل حينئذ صار مثابًا أو معاقبًا، كما قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد ٣١]، ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران ١٤٢] وعلى هذا الوجه يكون علم الله تعالى علمين:
علم معناه أن الله تعالى عالم بأن هذا الشيء سيقع، ولكن لا يترتب عليه الثواب والعقاب.
وعلم يترتب عليه الثواب والعقاب، وذلك لا يكون إلا بعد امتحان المكلف به وهل يَفْعَل أو لا يَفْعَل؛ يعني: هل يمتثل أو لا يمتثل؟ فتبين أن في هذه المسألة التي ظاهرها تجدد علم الله أن عنها جوابين:
الجواب الأول.. مَنْ يعرف الجواب الأول؟ العلم الذي يَتَبَيَّن به الخفيُّ؛ لأن الأمر لم يزل ولا يزال أمام الله سبحانه واضحًا ظاهرًا.
قال: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ هنا ضُمِّنَت ﴿نَعْلَمَ﴾ معنى (نُمَيِّز)، ولهذا قال: ﴿مِمَّنْ هُوَ﴾ يعني: إلا لنُمَيِّز مَن يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك. والناس بالنسبة للآخرة ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
قسم آمنوا بها.
وقسم كفروا بها وأنكروا.
وقسم في شكٍّ وتردُّد.
الذين آمنوا بها أمرهم واضح، والذين كفروا بها وقالوا: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء ٤٩] هذا لا يمكن، هذا أيضًا أمرهم واضح، والذين تردَّدوا قالوا: يمكن أن تكون حقًّا ويمكن أن تكون باطلًا، بأي القسمين يلحقون بالكافر ولا بالمؤمن؟ بالكافر نعم؛ لأن الواجب أن يؤمن؛ ولهذا قال عز وجل: ﴿مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ فكيف ممن هو منها مُنْكِرًا وجاحدًا ومكذِّبًا؟ فالله عز وجل جعل للشيطان سُلْطَة على بني آدم؛ لأجل أن يمتحن هؤلاء الناس فيعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك، الذي في شك من الآخرة يَتْبَع من؟ يتبع الشيطان قطعًا؛ لأنه لا يؤمن بأن هناك يومًا آخر يثاب الناس فيه ويعاقَبون، فهو يري أن لنفسه الحرية المطلقة، وهي في الحقيقة حرية من شيء وَرِقٌّ في شيء، قال ابن القيم رحمه الله:
هَرَبُوا مِنَ الرِّقِّ الَّذِي خُلِقُوا لَهُ ∗∗∗ ...........................
ما هو الرق الذي خُلِقْنا له؟ العبودية لله عز وجل.
..................... ∗∗∗ وَبُلُوا بِرِقِّ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ
نسأل الله العافية؛ لأنهم صاروا عبيدًا لأنفسهم وشياطينهم، فلا يمكن أن يتحرر الإنسان من عبادة الله على زعمه إلا كان رقيقًا لغيره للنفس والشيطان، والحاصل أن هؤلاء الذين كانوا في شك من الآخرة لا يمكن أن يعملوا ولا أن يقوموا بطاعة الله؛ ذلك لأن الذي يقوم بطاعة هو الذي يؤمن بأنه سوف يُحْشَر ويثاب أو يعاقب.
قال: (﴿مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ فنجازي كُلًّا منهما ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ ) الجملة خبرية تفيد معنى ولازمَ ذلك المعنى؛ فهي خبرية تفيد أن الله على كل شيء حفيظ أي: مراقب ومُطَّلِع ومُهَيْمِنٌ على كل شيء، سواء كان ذلك مما يتعلق بفعله أو مما يتعلق بفعل الخَلْق، فهو جل وعلا رقيب على كل شيء لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، هذا المعنى يستلزم معنى آخر وهو التحذير من المخالفة، لأن الإنسان متى عَلِم أن الله سبحانه وتعالى حفيظ على كل شيء خاف ولم يخالف، أما إذا كان في شك من هذا فإنه يعمل كما يشاء.
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ﴿قُلِ﴾ قال: (يا محمد لكفار مكة) فهنا المؤلف جعل الخطاب خاصًّا من وجهين: من جهة المخاطَب ومن جهة المدعوِّ؛ المخاطب قال: (﴿قُلِ﴾ يا محمد) والمدعو (كفار مكة)، ولكن هذا غير مُسَلَّم للمؤلف أو للمفسر، بل نقول: إن (قل) يمكن أن تكون موجهة لك مَنْ يتوجه الخطاب إليه من الرسول ﷺ أو غيره ممن وَرِثه في أمته؛ أي: قل أيها الناس، أما بالنسبة للمدعوِّين فنقول: الأصح أنه عام لكل مَنْ دَعا مع الله غيرَه من كفار مكة وغيرهم.
وهكذا يجب أن يكون لدينا قاعدة وهو: (أنه إذا دار الأمر أن يكون الخطاب خاصًّا أو عامًّا وجب أن يكون عامًّا)؛ لأن العام يدخل فيه الخاص ولا عكس، وكلما كان معنى القرآن أوسع كان أوجه.
إذن نقول: قل أيها المخاطب ممن تدعو إلى الله، قل للذين يدعون مع الله غيره: ادعوا الذين زعمتم، (﴿ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أي: زعمتموهم آلهة) ادعوهم، هل المراد بالدعاء هنا دعاء المسألة أو دعاء الإحضار؟ ادعوهم أي أحضروهم، أو دعاء المسألة؛ يعني: اسألوهم اطلبوا منهم الحوائج هل يستجيبون لكم أم لا؟ نعم، يحتمل المعنيين، يحتمل المعنى: أحضروهم لنناقشهم، أو ادعوهم دعاء مسألة؛ يعني: اسألوهم، كما تقول: ادعُ الله، أي: اسأله.
وقول المؤلف: (أي زعمتموهم آلهة)، شوف ماذا قدَّر المؤلف؟ قدَّر ضميرًا واسمًا ظاهرًا؛ الضمير زعمتموهم (هم)، هذا الضمير، والاسم الظاهر: (آلهة)، فأفادنا رحمه الله بأن (زعم) تنصب مفعولين، وأن المفعولين محذوفان، وتقدير الكلام زعمتموهم آلهة؛ لأن (زعم) من الأفعال التي تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر فهي من أخوات ظن، ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال: (من غيره لينفعوكم بزعمكم).
..لهؤلاء المشركين أن تنفعهم هذه الآلهة، فهل تنفعهم؟ لا، لا يمكن أن تنفعهم؛ وذلك لانتفاء أسباب النفع من عدة أوجه: أولًا: لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض استقلالًا، ولا يملكون ذلك مشاركة، وليس لهم معونة يعينون الله تعالى بها، والرابع ليس لهم شفاعة إلا بعد إِذْن الله، فبيَّن الله تعالى أن أسباب النفع في هذه الآلهة منتفية.
فقوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾ الجملة استئنافية لبيان حال هؤلاء الآلهة، (﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ وزن ذرة من خير أو شر ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ ) صح هذا، لا يملكون مثقال ذرة لا في السماوات ولا في الأرض، ويملكون دون المثقال! ولا دون المثقال؟! نعم؛ لأن التقدير إذا قُصِدَ به المبالغة فلا مفهوم له سواء كان في الكثرة أو في القلة، فهنا ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يعني: ولا دونها واضح؟
طيب، في الكثرة: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ﴾ [التوبة ٨٠]، ولو أكثر من سبعين ما يغفر الله لهم؛ ولهذا قال في آية (المنافقين): ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون ٦]، فإذا جاء القيد للمبالغة قلة أو كثرة فليس له مفهوم.
إذن لا يملكون مثقال ذرة ولا دونها في السماوات ولا في الأرض، ولو كانوا يملكون ذلك لقلتم: نتعلق بهم لعلهم يعطوننا مما يملكون، صحَّ ولَّا لا؟ طيب، هل لهم شرك في السماوات أو في الأرض؟ لا، ولو كان لهم شرك لقلتم: لعلهم يعطوننا من نصيبهم، ولهذا قال: (﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ شركة) ﴿مِنْ﴾ هذه زائدة لفظًا لا معنى، وعلى هذا فـ﴿شِرْكٍ﴾ مبتدأ مؤخر، وخبره الجار والمجرور المقدم ﴿وَمَا لَهُمْ﴾ ما لهم شرك في السماوات ولا في الأرض.
(﴿وَمَا لَهُ﴾ تعالى: ﴿مِنْهُمْ﴾ من الآلهة ﴿مِنْ ظَهِيرٍ﴾ ) ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ ﴿مِنْ ظَهِيرٍ﴾ أيضًا نقول في إعرابها كما قلنا ﴿مِنْ شِرْكٍ﴾؛ أي: أن ﴿مِنْ﴾ زائدة لفظًا لا معنى، و﴿ظَهِيرٍ﴾ مبتدأ مؤخر، والظهير بمعنى المعين، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨]، إذن ليس لهم مع الله معونة حتى يُدْلُوا على الله بها، ويقولون: أعطنا عوض معونتنا لننفع مَن أيش؟ من يدعونا، ما لهم مساعدة مع الله، (﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ معين).
(﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ﴾ تعالى ردًّا لقولهم: إن آلهتهم تشفع عنده ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ﴾ بفتح الهمزة وضمها ﴿أُذِنَ لَهُ﴾ فِيهَا) إذا قالوا: نعم آلهتنا لا تملك شيئًا في السماوات ولا في الأرض، آلهتنا ليس لها مشاركة مع الله، آلهتنا لم تُعِن الله، لكنها تشفع، كما قالوا؛ ﴿يَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس ١٨]، تشفع، قطع الله هذه الوسيلة الأخيرة ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ إذن هذه الآلهة ما تستطيع أن تشفع إلا بعد إِذْنِ الله، وهل يمكن أن يأذن؟ لا، لا يمكن؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم ٢٦]، ويقول عز وجل: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء ٢٨]، ومعلوم أنه سبحانه وتعالى لا يرضى عن الكافرين لا أن يشفعوا، ولا أن يُشْفَع فيهم، فتبين أن جميع ما يتعلق به المشركون في شركهم مع الله كلُّه باطل وكلُّه ممتنع؛ فإن الأسباب التي يمكن أن ينتفعوا بها واحد من أمور أربعة -نعدها-: الملك استقلالًا، الملك مشاركة، الإعانة، الشفاعة، وكل هذه الأربعة منتفية في عبادة هذه المدعُوَّة من دون الله، فانقطع جميع كل سبب يتشبث به المشركون، وحينئذ فيجب أن تكون العبادة والدعاء لمن؟ لله تعالى وحده؛ لأنه هو الذي له ملك السماوات والأرض.
طيب، ما هي الشفاعة عنده؟ الشفاعة في اللغة: جَعْل الفرد شِفْعًا، أو جَعل الوِتْر شفعًا، ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر ٣]، فضموا واحدٍ إلى واحد؟
* طلبة: شفع.
* الشيخ: وضم واحد إلى ثلاثة؟
* طلبة: شفع.
* الشيخ: شفع، وهكذا. لكنها في الاصطلاح: التوسط للغير في جلب منفعة أو دفع مضرة، هذه الشفاعة؛ أن تتوسَّط لغيرك إما بجلب منفعة له أو دفع مضرة، فالشفاعة لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة في جلب منفعة، والشفاعة فيمن استحق النار ألا يدخلها وفيمن دخلها أن يُخْرَج هذه شفاعة لدفع الضرر، فلا تخرج الشفاعة عن هذين الأمرين: إما لجلب النفع، وإما لدفع الضرر.
إنسان شفع لشخض في أن تُعْلَى مرتبتُه؟ جلب منفعة. شفع لشخص أن كتب عليه غرامة أن ترفع عنه الغرامة، هذه دفع مضرة.
وقوله: ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ أو ﴿أُذِنَ لَهُ﴾ الإذن هنا الكوني ولَّا الشرعي؟ الكوني يعني: إلا لمن رَخَّص الله له في أن يشفع، وشرط الإذن أن يكون الله تعالى راضيًا عن الشافع أيش؟ والمشفوع له، فيأذن فيها سبحانه وتعالى كرامةً للشافع وبيانًا لفضله ورحمة بالمشفوع له وإحسانًا إليه، والله (...).
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الدعاء هنا (...).
يقول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ﴾ [سبأ ٢٠] يستفاد من هذا أن إبليس يوصف بالصدق ويوصف بالكذب وما هو الوصف اللازم له؟ الكذب؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء ١٢٠]، وقال النبي ﷺ: «صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ»[[أخرجه البخاري (٢٨٠٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، ولكن قد يصدُق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان حكمة الله عز وجل في تسليط الشيطان على بني آدم؛ وهي أن يعلم من يؤمن بالآخرة فيعمل لها ممن لا يؤمن ويكون في شك فلا يَعْمَل؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان حاجز عن اتباع الشيطان؛ لقوله: ﴿فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ولهذا يمر بكم كثيرًا: لا يؤمن أحدكم حتى يكون كذا وكذا، من كان يؤمن بالله واليوم فليقل كذا وكذا أو فليفعل كذا كذا، مما يدل على أن الإيمان حاجز عن اتباع الشيطان وموجب لاتباع هديِ الرُّسل عليهم الصلاة والسلام.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشيطان إمام لكل ضالٍّ؛ لقوله: ﴿فَاتَّبَعُوهُ﴾، فكل الضالين إمامهم الشيطان وهم مُتَّبِعون له.
* ومن فوائد الآية الكريمة -على إذا قلنا بأن ﴿مِنَ﴾ للتبعيض، وأن المراد بالاتباع الاتباع المطلق- من فوائدها: أن بعض المؤمنين قد يتبع الشيطان في بعض الأمور، لأنه قلنا: ربما يكون الاستثناء متصلًا، وتكون ﴿مِنَ﴾؛ إذ إن بعض المؤمنين قد يتبعون الشيطان في بعض الأمور مثال ذلك: «لَا يَأْكُلْ أَحَدُكُمْ بِشِمَالِهِ وَلَا يَشْرَبْ بِشِمَالِهِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ» »[[أخرجه ابن ماجه (٣٢٦٦) عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: «ليأكلْ أحدُكم بيمينه، وليشربْ بيمينه، وليأخذْ بيمينه، وليعطِ بيمينه؛ فإن الشيطان يأكلُ بشماله، ويشربُ بشماله، ويعطي بشماله، ويأخذُ بشماله».]] إذا فعل أحد ذلك صار متبعًا للشيطان، ولهاذ كان القولُ الراجح تحريمَ الأكل بالشمال والشرب بالشمال، وأنه ليس مكروهًا بل هو حرام، والإنسان يكون عاصيًا بذلك، إلَّا إذا كان أفندينًا تَقَدُّمِيًّا حضاريًّا فإنه يأكل بالشمال.
* طالب: بالشوكة.
* الشيخ: لا، الشوكة ما تخالف، لكن الكلام على الشمال، إذا أكلت باليمين كُلْ بثلاث شوك ما يهم، لكن إذا أكلت باليسار هذه هي المشكلة الذي يزعم فاعلوها أنهم تقدميون وحضاريون، نعم، ولكن ليس كل تقدُّمٍ محمودًا؛ فإن الله يقول عن فرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود ٩٨]، طيب، إذن على هذا القول الأخير: أن ﴿مِنْ﴾ للتبعيض يكون الاستثناء متصلًا ويكون لبعض المؤمنين شيء من اتباع الشيطان لا الاتباع الكامل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علم الله؛ لقوله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾، وتعلق علم الله تعالى بالموجودات سبق لنا أمس أنه ينقسم إلى قسمين: تعلق بها قبل الوجود، وتعلق بها بعد الوجود؛ فالتعلق بها بعد الوجود يكون علمه بها علم أمر واقع، والأول يكون تعلق علمه بها أنه علم بما سيقع، وبهذا يزول الإشكال في مثل هذه الآية حيث إن ظاهرها يفيد تجدد علم الله سبحانه وتعالى، لأنا نعلم أن الله سبحانه وتعالى محيط بكل شيء علمًا أزلًا وأبدًا، ومن ظن أن الله لا يعلم الشيء إلا بعد وجوده فقد كفر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الآخرة ووجوب الإيمان بها، تؤخذ.. منين تؤخذ؟
* طالب: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾.
* الشيخ: إذن فيه إثبات الآخرة ووجوب الإيمان بها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشك فيما يجب فيه اليقين كفر؛ لقوله: ﴿مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾، ولم يقل: ممن هو منكر لها؛ لأنه قد تقول: ظاهر الحال إنه لما قال: يؤمن بالآخرة كان يقول اللي يقابله: (يكفر بالآخرة)، لكن قال: ﴿مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ لنستفيد منها فائدة وهو أن ما يُطلَب فيه اليقين يكون الشك فيه كالإنكار كفرًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عموم رعاية الله ومراقبته لكل شيء، تؤخذ منين؟
* طالب: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾.
* الشيخ: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ صح.
* ومن فوائدها: أن ربوبية الله عز وجل تنقسم إلى خاصة وعامة، والخاصة إلى أَخَصّ وإلى خاصة؛ لقوله: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ فهذه ربوبية أخص من الخاصة، فإن ربوببة الله عز وجل لخواص عباده كالأنبياء أخص من ربوبيته لعموم المؤمنين، وربوبيته للمؤمنين أخص من ربوبيته لعامة الناس؛ شوف ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ [النمل ٩١] خاصَّة ولَّا عامة؟
* طالب: عامة.
* الشيخ: يا إخوان، رب هذه البلدة خاصة كيف عامة؟ ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ بعدئذٍ لما كانت الربوبية الخاصة هنا قد تُوهِم اختصاص ربوبيته لهذه البلدة، بعد هذا قال: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ عامٌّ.
ثم قال الله عز وجل: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سبأ ٢٢] في هذا دليل على أنه ينبغي في المناظرة التحدي للمناظر فيما يُعْلَم أنه لن يكون؛ لقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾؛ فيجب على كل دعاة حق أن يتحدوا هؤلاء المبطلين بأن يُبْرِزوا لباطلهم شيئًا من النفي، وهذا كما أنه في الشرك يكون أيضًا فيما دونه، فإنه ينبغي أن يكون الداعي إلى الله عز وجل على علم بالأمور حتى يستطيع الجدل فيها؛ لأن من لم يكن على علم فيها فإنه سيقف حيران ولا يتمكن من مقابلة الخصم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه الأصنام المدعوة من دون الله لا تملك شيئًا لنفسها فلا تملك شيئًا لغيرها، ليس لها ملك ولا شرك في الملك ولا معاونة على تَصَرُّف ولا شفاعة، والأمر في هذا واضح ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ﴾ أي ما لله ﴿مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات الشفاعة بإذن الله؛ لقوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾، ولو كانت الشفاعة لا تنفع مطلقًا ما صح الاستثناء، ولو كانت تنفع مطلقًا ما صح النفي، انتبه لو كانت الشفاعة مطلقًا تنفع، أذن الله فيها أم لم يأذن، ما صحَّ النفي، ولو كانت تنفع مطلقًا ما صح الاستثناء، إذن فهي تنفع بإذن الله.
* * *
﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ﴾ أي: عند الله ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾، وهنا ﴿لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾؛ لكمال سلطانه، فالنفي هنا متضمن لإثباتٍ وهو كمال السلطان؛ لأن من كمال السلطان ألا يتكلم أحد عند الملِك المشفوع إليه أبدًا إلا بإذنه؛ ولهذا تجد الإنسان إذا كان ذا هيبة عند الناس وكان في مجلس تجد الناس لا يتكلمون هيبةً له، وتجد السلطان إذا كان ذا هيبة ما أحد يقدر يتكلم في مكان جلوسه ولا مع أخيه سرًّا؛ لأنهم يهابونه، فلكمال سلطان الله عز وجل لا يستطيع أحد يشفع إلا بإذنه، حتى أخص عباده به وهم الأنبياء، وأخصهم محمد ﷺ لا يمكن أن يشفع إلا إذا أَذِن الله، حتى في مقام الرحمة يوم القيامة فإن الله تعالى يجعل مئة رحمة يرحم بها الخلق، في مقام الرحمة وعند شدة الهَمِّ والغم المقتضي لرحمة الله ما يمكن يشفع الرسول ﷺ إلا بإذن الله أبدًا؛ لماذا؟ لكمال سلطان الله عز وجل إذا كانت الشفاعة لا تنفع إلا بإذن الله، فهل هذه الأصنام المكروهة عند الله المُنْحَطَّة عنده قَدْرًا هل يمكن أن تشفع لعابديها؟ أبدًا، حتى عيسى عليه الصلاة والسلام الذي عُبِدَ من دون الله لا يمكن أن يشفع لعابديه؛ ولهذا يقول يوم القيامة: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة ١١٧]، ولا يمكن أن يشفع لهم.
﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ وقد سبق في الدرس الماضي أن الله لا يأذن إلا إذا كان الشافع والمشفوع له من أهل الشفاعة؛ قال الله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم ٢٦]، وقال عز وجل: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء ٢٨]؛ ولهذا قال العلماء: إن شروط الشفاعة ثلاثة: رضا الله عن الشافع، ورضاه عن المشفوع له، والثالث إذنه بالشفاعة.
قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ ﴿حَتَّى﴾ هنا ابتدائية، وليست غائية؛ لأن (حتى) تأتي للغاية، وتأتي للابتداء، وتأتي للتعليل، ولها معانٍ متعددة مَنْ أحب الوقوف عليها فليرجع إلى كتاب المغني، أعني: مغني اللبيب لابن هشام رحمه الله فإنه مفيد لطالب العلم.
يقول: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ﴾ فيها قراءتان ﴿فُزِّعَ﴾ و﴿فَزَّعَ﴾ كما قال المؤلف: (بالبناء للفاعل والمفعول).
﴿عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ أي: قلوب الخلق أو عن قلوب الملائكة، فيها قولان لأهل العلم وسيأتي إن شاء الله بيانهما.
﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ قال: (كشف عنها الفزع بالإذن فيها)، ﴿فَزَّع﴾ و﴿فُزِّعَ﴾ بمعنى: أزال الفزع، وليس ﴿فَزَّع﴾ بمعنى ألحق الفزع، بل بمعنى أزاله، وهو فعل يُراد به السلب؛ لأن هناك أفعالًا يراد بها سلب المعنى؛ يعني ضد هذا المعنى، قالوا: ومنه قولهم: قَرَّد البعير، ويش معنى (قَرَّدَ)؟ أزال منهم القراد، (...) والله تعرفون البعير والقراد اللي فيها؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: معروف، والقراد معروف.
* طالب: ما أدري.
* الشيخ: البعير تعرفه. القراض هذا شيء يكون في جِلْد البعير دابة حشرة صغيرة تعض البعير وتشرب الدم منها، اسمه؟
* طالب: جراد.
* الشيخ: جراد؟ لا، لا.
* طالب: مثل القمل، يا شيخ؟
* الشيخ: مثل القمل للإنسان، هو قمل الإبل.
* الطالب: يمسك (...).
* الشيخ: إي نعم، هو إذا مسك الجلد ما عاد يطلقه أبدًا، إلا كنت تمسكه أنت وتجره جرًّا.
على كل حال إن شاء الله ربما نطلع على البر ونشوف بعيرًا فيها قراض ونوريك إياها.
طيب المهم أن قرد البعير ما هو معناه وضع القراض فيها، معناه أزاله عنها، فـ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ أو ﴿فَزَّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ يعني: أزال الفزع.
﴿عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ قال المؤلف: (بالإذن فيها) أي: في الشفاعة، وعلى هذا فيكون الضمير هنا عائدًا على المشفوع له؛ يعني: إذا لَحِقَ المشفوع له من الهم والكرب والغم ما لحقه، وكذلك الخوف والفزع فأذن الله في الشفاعة زال الفزع عن القلوب؛ لأنه قَرُب الفرج.
قال: (﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ ) بالإذن فيها ﴿قَالُوا﴾ بعضهم لبعض استبشارًا ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ فيها -أي: في الشفاعة- ﴿قَالُوا﴾ القول ﴿الْحَقَّ﴾ أي: قد أذن فيها ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ فوق خلقه بالقهر ﴿الْكَبِيرُ﴾ العظيم).
أفادنا المؤلف رحمه الله أن الضمير في (بِهِمْ) يعود على من؟ المشفوع له، فإن المشفوع قبل الشفاعة يلحقه الفزع والخوف من ذنوبه أو من غير ذلك، فإذا أُذِن في الشفاعة زال الفزع، وقالوا: ماذا قال الله؟ يقول ذلك: فيقول بعضهم لبعض: ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾ أي: قالوا القول الحق، ﴿الْحَقَّ﴾ بمعنى الثابت الموافِق لمحله.
وقد سبق لنا أن الحق في الأخبار هو الصدق، والحق في الأحكام هو العدل؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام ١١٥]. طيب، هذا ما ذهب إليه المؤلف على أن الضمير في قلوبهم يعود إلى المشفوع لهم، وأن التفزيع بمعنى إزالة الفزع وهو الخوف بالإذن في الشفاعة، نعم، والسياق لا يأباه، لكن قد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام أن المراد به غيرُ ذلك، وأن المراد به الملائكةُ الذين هم عند الله، إذا تكلم الله بالوحي صعقوا فإذا صعقوا فُزِّع عن قلوبهم، يعني: أُزيل الفزع عنها ثم صاروا يتساءلون: ماذا قال الله؟ فيقال: قال الحق وهو العلي الكبير.
وإذا جاءت السنة في تفسير القرآن كانت أولى، على أننا سبق أن قلنا: إن القرآن إذا دلَّ على عدة معانٍ لا تتناقض حُمِلَ على جميع المعاني؛ لأنه أوسع وأعظم مما يصل إليه فكر الإنسان، فقد يصل فكري إلى شيء ويصل الفكر الآخر إلى شيء آخر وفكر الثالث إلى شيء ثالث والآية كلها تحتمل هذه المعاني فتُحْمَل عليها، أما إذا كان لا يحتمل إلا معنى فإنه يجب أن يُحْمَل على ما قام الدليل عليه.
وقال بعض أهل العلم: حتى إذا فزع عن قلوبهم عند الموت، ما هو ليس يوم القيامة عند الإذن بالشفاعة، ولكن إذا فُزِّع عن قلوبهم عند الموت، لكن هذا ضعيف، وإن كان قد يرد فيُفَزَّع عن القلب عند الموت ويعترف بالحق، فإن فرعون حين غَرِقَ ماذا قال؟ ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس ٩٠]، وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر ٨٤]، لكن هذا المعنى ضعيف، فالآية دائرة بين ما قاله المؤلف وما ثبت به الحديث الصحيح، وهي دالة قطعًا على ما جاء به الحديث الصحيح، وما ذكره المؤلف فهو محتمل ولا تأباه الآية.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾ ﴿الْحَقَّ﴾ ما إعرابهًا؟ أيش؟ صفة لمصدر محذوف، أي: قالوا القول الحق، ولا يصح أن تكون مفعولًا لقال؛ لأن القول لا يَنْصِب إلا جملة أو ما بمعنى الجملة، القول لا ينصب إلا جملة أو ما بمعناها؛ إلا جملة: كقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم ٣٠]، أين مقول القول؟ ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ جملة، أو بمعنى الجملة كقولك: قلت قصيدة، قلت كلمة، هذه بمعنى الجملة؛ لأن الكلمة والقصيدة والشعر لا يكون إلا جملة.
طيب، فإن قلت: ما تقول في قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾ [النحل ٣٠]؟
نقول: هذه ليست مفعولًا لقال، لكنها مفعول لفعل محذوف ويش التقدير؟
* طالب: قالوا قولًا خيرًا.
* الشيخ: لا.
* طالب: أنزل خيرًا.
* الشيخ: أنزل خيرًا، ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾.
يقول المؤلف رحمه الله: (﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ فوق خلقه بالقهر) هذا فيه إما تقصير وإما قصور؛ لأن علو الله عز وجل ليس بالقهر، بل علوه ثلاثة أقسام: علو القهر، وعلو القَدْر، وعلو الذات، لكن المؤلف -عفا الله عنا وعنه- كأنه لا يرى علوَّ الذات، والمنكرون لعلو ذات الله سبحانه وتعالى يَنْقَسِمون إلى قسمين: حلولية، ومعطلة تعطيلًا محضًا.
فالحلولية يقولون: إنه يجب عليك أن تؤمن بأن الله في كل مكان بذاته، وتُنْكِر علوه، في كل مكان بذاته؛ إن كنت في المسجد أو كنت في السوق أو كنت في البر أو كنت في البحر، فالله سبحانه وتعالى بذاته في ذلك المكان، وإن كنت في الحُش فهو في الحش، الحش ما هو؟ مكان التخلي يعني -والعياذ بالله- ما نزهوا الله عن الأنتان والأقذار، نسأل الله العافية ولا شك أن هذا كفر محض، ولا يشك أحد في كفر مَنِ اعتقد هذه العقيدة.
الطائفة الثانية المنكرة للعلو يقولون: إنه لا يجوز لنا أن نقول: إن الله فوق العالم ولا تحته، ولا يمين ولا شمال، ولا أمام ولا خلف، ولا متصل ولا منفصل، وهذا أيش؟ هذا تعطيل محض؛ يعني: لو قيل لك: صف لنا المعدوم ما وجدت أشد إحاطة بالمعدوم من هذا الوصف؛ الذي ليس فوق العالم ولا تحته، ولا يمين ولا شمال، ولا خلف ولا أمام، ولا متصل ولا منفصل، هذا ليس بموجود قطعًا، أمَّا الرسل وأتباعهم فيؤمنون بأن الله عز وجل بذاته فوق كل شيء، وهذا هو الذي دلَّ عليه العقل والفطرة والإجماع والكتاب والسنة، ولنستعرض لهذا الأمر، وإن كان -الحمد لله- الأمر ظاهرًا، لكن.. الكتاب دلَّ على أن الله بذاته فوق عرشه من وجوه متنوعة؛ فتارة بذكر العلو مثل: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة ٢٥٥]، وتارة بذكر الفوقية ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام ١٨]، وتارة بذكر صعود الأشياء إليه؛ مثل: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر ١٠]، وتارة بذكر نزول الأشياء منه ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [السجدة ٥]، فقد تنوعت الأدلة من كتاب الله على علو الله سبحانه وتعالى.
وأما السنة فكذلك دلت السنة على علو الله بذاته من قول الرسول ﷺ وفعله وإقراره؛ فقال عليه الصلاة والسلام: «رَبُّنَا اللَّهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ»[[أخرج أبو داود (٣٨٩٢) عن أبي الدرداء، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنِ اشتكى منكم شيئًا، أو اشتكاه أخٌ له فليقلْ ربنا الله الذي في السماء..» الحديث.]] وقال: «أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٥١)، ومسلم (١٠٦٤ / ١٤٤) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]].
وأما فعله فإنه في يوم عرفة وهو يخطب الناس عندما خطب تلك الخطبة العظيمة «قال لهم: «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟» قالوا: نعم. قال: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ»، يرفع أصبعه إلى السماء وينكتها إلى السماء. «اللَّهُمَّ اشْهَدْ»[[أخرجه مسلم (١٢١٨ / ١٤٧) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.]] هذا أيش؟ سنة فعلية، لإشارته عليه الصلاة والسلام حين ذكر الله، وأما الإقرارية فإنه« أُتِيَ إليه بجارية فسألها فقال: «أَيْنَ اللَّهُ؟» قالت: في السماء. قال: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ»[[أخرجه مسلم (٥٣٧ / ٣٣) من حديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه.]]. هكذا قال، ويعتبر هذا أيش؟ إقرارًا، فقد تنوعت السنة بالدلالة أو في الدلالة على علو الله تعالى بذاته.
وأما الإجماع فقد أجمع السلف من الصحابة والتابعين وأئمة الأمة على أن الله تعالى في السماء بذاته ولم يقل أحد منهم بحرف واحد إن الله ليس في السماء أو إن الله في كل مكان بذاته أبدًا.
وأما العقل فاسأل عقلك هل الكمال في علو الذات أو في نفي العلو عنها؟ الأول بلا شك، علو الذات تدل على الكمال، بل هي الكمال، فإذا كان العلو هو الكمال فإن من المعلوم عقلًا أن الرب متصف بماذا؟ بالكمال، وحينئذ يَثْبُت له العلو عقلًا، أما الفطرة فاسأل فطرتك عندما تسأل الله شيئًا، افرض إنك ما درست ولا حضرت في المساجد ولا شيء، إذا سألت الله عز وجل شيئًا أين يَنْصَرِفُ قلبُك؟ إلى الأعلى؛ ولهذا كان أبو المعالي الجويني كان يقرر فيقول: كان الله ولم يكن شيءٌ قبله، وكان عرشه على الماء. يريد بذلك أن ينكر استواء الله على العرش الذي مِنْ لازمه الإقرار بالعلو فقال له أبو العلاء الهمداني رحمه الله: دعْنَا من ذكر العرش، وأخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في نفوسنا، ما قال عارف قط: يا الله، إلا وجد مِنْ قلبه ضرورة بطلب العلو، صح، فلطم الجويني لطم على رأسه وصرخ، وقال: حيرني الهمداني. ليش؟ لأن الدليل الفطري لا يمكن النزاع فيه، الدليل الفطري لو نازعك منازع قلت: هذا مجنون.
* الطالب: هل في الحديث الذي سرد (...)؟
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، لما قال: وكان عرشه على الماء، وكان الله لم يكن شيء قبله. يعني ما ذكر استوى على العرش، لم يذكر استواءه على العرش، هذا يريد أن يُقَرِّر أن الله تعالى لم يستوِ على العرش فينتفي علوه.
* الطالب: حذف شيئًا من الحديث يعني؟
* الشيخ: لا، أبدًا هو نفس الحديث، لكن هو أراد أن يقرر أن الله كان ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء؛ يعني: ولا فيه استواء وعلو.
فالآن نقول: إن الأمر الفطري لا يمكن أبدًا لأحدٍ أن يُنْكِرَه، لو أن أحدًا أنكر طلبَ الطعام للجائع يُصَدَّق؟ لو قال: الجائع ما هو بيطلب الطعام؟ ما يُصَدَّق؛ ولهذا تحيَّر أبو المعالي الجويني وعجز عن الإجابة؛ لأن هذا دليل فطري لا ينازع فيه أحد.
إذن فقد تطابقت الأدلة على علو الله تعالى بذاته، أما علوه بصفاته؛ سواء كانت صفات قدر أو قهر، فهذا يقرُّ به جميع المنتسبين إلى الإسلام حتى الجهمية والأشاعرة وغيرهم يُقِرُّون بأن الله سبحانه وتعالى عالٍ علوًّا معنويًّا؛ وهو علو الصفات.
قال المؤلف رحمه الله: (﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ فوق خلقه بالقهر ﴿الْكَبِيرُ﴾ العظيم) (﴿الْكَبِيرُ﴾ العظيم) لا شك أن هذا ليس تفسيرًا مطابقًا، ولكنه كأن المؤلف أخذه من قَرْنِ العظيم بالعليِّ في آية الكرسي؛ حيث قال: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة ٢٥٥] وهنا قال: ﴿الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾، ففسَّر ﴿الْكَبِيرُ﴾ بأيش؟ بالعظيم، ولكن الصحيح أن ﴿الْكَبِيرُ﴾ ليس معناه العظيم، بل معناه ذو الكبرياء، ومعناه أن الله تعالى لا يماثله شيء في ذاته، فالسماوات السبع والأرضين السبع في كفه سبحانه وتعالى كخردلة في كفِّ أحدنا؛ يعني: السماوات السبع على عظمها، والأرضين السبع مثل ما لو وضع الإنسان في يده خردلة. حب الخردل تعرفونه، حب الخردل صغير. كبر أيش؟
* طالب: السمسم.
* طالب آخر: حبات العدس.
* الشيخ: كبر السمسم، هذا الخردلة لو حطتها في كفك ليست بشيء، وهذا أيضًا تمثيل على سبيل التقريب، وإلَّا فالله تعالى أعظم وأجل، فكل المخلوقات بالنسبة له سبحانه وتعالى ليست بشيء، فينبغي أن نقول: إن ﴿الْكَبِيرُ﴾ ليس هو العظيم، بل يفيد معنىً آخر، وهو الذي له الكبرياء، وهو الذي لا يُنْسَب إلى شيء من خلقه، فالسماوات السبع والأراضين السبع في كفه كخردلة في كف أحدنا.
(...) في هذه الآية دليل على إثبات الشفاعة؛ لقوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ﴾، فإن قلت: ما وجه الدلالة على إثبات الشفاعة مع أنها نفي ﴿لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾؟
(...) ولم يقل: ولا تكون الشفاعة، ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾، دلَّ على إثباتها، لكن لا تنفع إلا بإذنه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عظمة الله تعالى وقوة سلطانه، من أين يؤخذ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: وجه ذلك أنها تدل على عظمة الله وقوة سلطانه، وجه الدلالة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: هذا ما فيها.. ما قال: إن الله قوي ذو سلطان أو عظيم ذو سلطان، لكن هي تدل على ذلك باللازم، فما وجه الدلالة؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: بخلاف المخلوقين مهما عَظُم ملكهم فإنه يدخل الشافع على الملك والسلطان ويشفع بدون إذن، فكلما عظم السلطان ازدادت الهيبة، وصار لا يتكلم أحد إلا بإذن الله؛ كما قال تعالى في سورة (عم يتساءلون): ﴿وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ ٣٨].
* ومن فوائد الآية الكريمة: قطع كل سبب يتعلق به المشركون في آلهتهم، ما وجهه؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، قطع كل الأسباب التي يستدلون بها على أنها تنفعهم، وهي:
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم، وأنه لا تنفع الشفاعة، هذا آخر سبب يمكن ومع ذلك نفاها الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيانُ كرم الله عز وجل على كلٍّ من الشافع والمشفوع له، منين تأخذ كرم الله على الشافع والمشفوع له؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أحسنت.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يتكلم بكلام مسموع، ونحن الآن نأخذ الفوائد بناء على القول الراجح في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾.
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: والله ممكن ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾، ولكن أنا أردت في الآية: ﴿إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾.
* الطالب: (...).
* الشيخ: أيش بين؟
* الطالب: (...) صعق الملائكة.
* الشيخ: صعق الملائكة، ولولا أنهم يسمعون كلامه لم يصعقوا.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن كلام الله عز وجل ليس ككلام المخلوقين، بل هو أعظم؛ لأن السامع له يَصْعَق إلا أن يُثَبِّتَه الله عز وجل؛ لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾.
* ومن فوائدها: أن قول الله عز وجل كله حق؛ لقوله: ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات الربوبية؛ لقوله: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات علوه سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾، وهو ينقسم إلى: علو الذات، وعلو الصفات، وكلاهما ثابت لله عز وجل.
* ومن فوائدها: إثبات الكبرياء لله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن للملائكة عقولًا وفَهْمًا وإدراكًا وقلوبًا؛ لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾، ولكن هل قلوبهم كقلوب الآدميين؟ الله أعلم، لا نعلم كيفيتها، والملائكة صمت لا يشربون ولا يتكلمون وليس لهم أجواف ولا أمعاء؛ لأنه لا يحتاج إلى الجوف والأمعاء إلا مَنْ يأكل ويشرب.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا. يتكلمون، أنا قلت: لا يتكلمون؟! يتكلمون، لا أنا أقول: إنهم لا يأكلون ولا يشربون.
* ومن فوائد الآية: أن الملائكة يتكلمون؛ ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.
سبأ 34:24
ثم قال الله عز وجل: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [سبأ ٢٤] ﴿مَنْ﴾ اسم استفهام، والمراد به التحدي؛ تحدي هؤلاء المشركين الذين يعبدون مع الله غيره، هل هذه الأصنام ترزقهم مِنَ السماوات والأرض؟ لا، ولكن الذي يَرزق هو الله فيتحداهم بالسؤال: ﴿مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؟
وقوله: ﴿مِنَ السَّمَاوَاتِ﴾ ﴿مِنَ﴾ لابتداء الغاية؛ أي: أن الرزق يأتي من السماوات، والرزق بمعنى العطاء، فما هو الرزق من السماوات؟ قال المؤلف: (بالمطر)، فإن المطر رِزْق ينزل للأرض فتنبُت، وأما الرزق من الأرض فأمره ظاهر ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة ٢٩]، ثم إننا قد نقول: بأن الرزق من السماوات أشمل من المطر فإن السماوات ينزل منها المطر وينزل منها المن والسلوى، وربما نقول: إن الطيور في جوِّ السماء إنها من رزق السماء؛ لأنها تأتي من فوق، فكل ما يأتي من فوق فإنه يصدُق عليه من رزق من السماوات.
﴿مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الخطاب في قوله : ﴿قُلْ﴾ للرسول ﷺ، والمخاطب في قوله: ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، المخاطب الله! كيف؟! ﴿مَنْ يَرْزُقُكُمْ﴾ المشركون والكفار، فبماذا يجيبون؟ أحيانًا يجيبون بالصواب كما في قوله في سورة يونس: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس ٣١]، هذا جواب صحيح، أحيانًا لا يجيبون يتلعثمون، أو يَأْبَوْن أن يتكلموا عِنادًا وخوفًا من الإلزام؛ لأنهم إذا قالوا: الله. ألزموا بألا يعبدوا إلا الله، كيف تعبدون مَنْ لا يرزق؟ فهم أحيانًا يجيبون بالصواب، ويقولون: الله. ثم يكابرون ويعاندون، ويقولون: إنَّ ما نعبدهم شفعاء لنا عند الله ليقربونا إلى الله زلفى، ما نعبدهم لذواتهم، وأحيانًا يَأْبَوْن الجواب، يتلعثمون؛ لأن الحق ثقيل عليهم، إذا لم يقولوا شيئًا، فقل: الله؛ ولهذا قال: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ هو الذي يرزقكم من السماوات والأرض، فإن أَبَوْا قالوا: لا، هو غيره، ولكن لا يمكن أن يقولوا: هو غيره، فقل مَنْ؟ أعد عليهم السؤال مرة ثانية.
قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾، قال المؤلف: (إن لم يقولون)؛ يعني إن لم يقولوا الله (...).
* * *
* من فوائد الآية الكريمة: قوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ وجوب مناظرة المشركين ومحاجتهم، ويؤخذ الوجوب من قوله: ﴿قُلْ﴾ لأن الأصل في الأمر الوجوب.
* ومن فوائدها أيضًا: أنه ينبغي أن يُستدل بالأوضح والأبين؛ فإن الرزق من الله عز وجل أمر معلوم (...)، لا يستطيع أحد أن يقول: إنه ينزل المطر أو أنه ينبت النبات، ففي باب المناظرة ينبغي للإنسان أن يستدل بما هو أَبْيَن وأوضح، وهذه طريقة القرآن كما مرَّ علينا في قواعد التفسير.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز إجابة السائل فيما هو واضح، جواز إجابة السائل عما سأل فيما هو واضح؛ لقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾، ومثاله في الأمور العادية أنا أسألك مثلًا، مَنِ الذي جاء بكذا وكذا؟ توقف، عنده تلعثم إما جهلًا أو مكابرة، فأقول: أليس فلان هو الذي جاء به؟ فأقرِّرُك. وهذا -أعني إجابة السائل- إنما هي في الأمور الواضحة، أما في الأمور غير الواضحة فقد يُعارَض ولا يكون جوابه مقنعًا، لكن في الأمور الواضحة للسائل أن يجيب نفسه أيش؟ إذا تلعثم الخصم ولم يجب، أما إذا أجاب فالأمر واقع، وهذا الاستفهام الموجود في الآية الكريمة هذه هل أجاب عنه المشركون عنه بالحق في موضع آخر؟ نعم، في سورة يونس ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس ٣١].
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز محاجة الخصم بما يعرف في باب المناظرة بالسَّبْرِ والتَّقْسِيم، السبر يعني تتبع الشيء، والتقسيم يعني الترديد بَيْنَ هذا أو هذا؛ فمثله هنا ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ تتبعنا الحال، وجدنا أن حالَ كُلٍّ مِنَّا لا تخرج عن حالَيْن إما هدى وإما الضلال، وهي إما لنا وإما لكم وليس هناك شيء ثالث، هذا يعرف بالسَّبْرِ والتقسيم، ونظيره قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم ٧٧] هذه دعواه؛ ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾، قال الله تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ يعني: هل يعلم الغيب أنه سيؤتى مالًا وولدًا؟ ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم ٧٨] يعني: أم أن الله أعلمه بذلك وعهد به إليه؟ فيه قسم ثالث؟ القسم الثالث الكذب؛ ولهذا قال: ﴿كَلَّا﴾ أي أنه لم يَطَّلِع الغيب ولم يتخذ عند الرحمن عهدًا، قل لي يا أخ: ما الذي قلتُ؟ وما المثال الذي مَثَّلْتُ به؟ (...) بين هذا أو هذا، حتى يتبين أنه لا بد أن يكون أحد أمرين؟
* الطالب: المثال؟
* الشيخ: هات الآية مثالًا، نحن أو أنتم، الآن أمامنا طريقان هدى وضلال، إما نحن على الهدى وأنتم على الضلال، أو نحن على الضلال وأنتم على الهدى، كذلك الآية التي في سورة مريم واضحة أيضًا جدًّا: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم ٧٧، ٧٨]، وجه ذلك أن الله قال: هل هذا اطلع الغيب وعلم أنه سيُؤتى مالًا وولدًا؟ ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ أي: أن الله أخبره وعهد به له بأنه سيؤتيه مالًا وولدًا؟ لأن دعواه هذه إما أن تكون كذبًا أو عنده علم من الغيب أو عَهْدٌ من الله، ويش قال الله تعالى في هذا؟ ﴿كَلَّا﴾ يعني: لا هذا ولا هذا، إذا انتفى هذا وهذا ويش يبقى الأمر؟ يبقى الكذب، أنها دعوى كاذبة لا حقيقة لها، ولهذا قال: ﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم ٧٩، ٨٠].
ومنه أيضًا قوله: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة ٨٠] ويش الجواب؟ ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾ إن كان عنده عهد من الله فإن الله لا يخلف العهد ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، والجواب أنهم قالوا على الله ما لا يعلمون.
طيب هنا أي قلت: يستفاد من الآية الاستدلال بما يُعْرَف عند علماء المناظرة أو علماء المناظرة والجدل بماذا؟ بالسَّبْر والتقسيم؛ من قوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى﴾.
* ومن فوائدها: التلطف مع الخصم والتَّنَزُّل معه للوصول إلى الإقرار بالحق؛ من قوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾؛ لأن هذا في غاية التنزل مع الخصم والتلطف معه ليقرَّ بالحق، وانظر إلى نحوٍ من ذلك في قوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل ٥٩]، معلوم أن الله خير، أليس كذلك؟ لكن من باب التنزل معهم قيل لهم: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ أم أصنامكم وآلهتكم؟
* ومن فوائد الآية الكريمة: المبالغة في التَّنَزُّل مع الخصم وتحمل الغضاضة للوصول إلى الغاية المقصودة؛ لقوله: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سبأ ٢٥]، ونظير هذا التنزل مع الخصم وتحمل الغضاضة الشروط التي وقعت بَيْنَ مَن؟ بين النبي ﷺ وقريش في صلح الحديبية، وكانت النتيجة والعاقبة لمن؟ للرسول ﷺ.
وكانت النتيجة والعاقبة لمن؟ للرسول ﷺ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان لا يُسأل عن عمل غيره، ولا يُسأل غيرُه عن عمله؛ لقوله: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سبأ ٢٥].
ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر ١٨] كل إنسان وعمله.
ويُستثنى من ذلك ما إذا كان عمل الغير ناشئًا عن عملك بأن تكون أنت الدال عليه، أو المعين عليه فإن لك من وِزْره بقدر عملك، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً؛ فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله.]]. فهل هذا يخالف الآية الكريمة اللي معنا؟ لا؛ لأن حقيقة الأمر أن وزر الغير مبني على وزرك فيكون من فعلِك، فيدخل في إجرامك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات السؤال عن العمل؛ لأن قوله: ﴿لَا تُسْأَلُونَ﴾ يعني من الذي يُسأل؟ الإنسان، كُلٌّ مسؤول عن عمله، ولو كان السؤال منتفيًا مطلقًا ما صح أن يقال: ﴿لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا﴾ وكل إنسان مسؤول عن عمله ولا بد، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص ٦٥] ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ [الأعراف ٦، ٧] وما دام الإنسان يؤمن بذلك بأنه سيُسأل عن عمله فسوف يحرص غاية الحرص على أن يكون عمله موافقًا لشرع الله.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ ٢٦].
* في هذه الآية: إثبات البعث والجمع؛ لقوله: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا﴾ وهذا الجمع ثابت بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن ٩]. ويدخل فيه أيضًا الجمع في الدنيا في القتال؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال ٤١].
* ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على القدرية؛ لقوله: ﴿يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا﴾ ومعلوم أن اجتماعنا من فعلنا فأضافه الله إلى نفسه؛ لأنه هو المدبِّر له سبحانه وتعالى المقدِّر له، أو لا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: على الرأي الثاني أنه في الدنيا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن حكم الله عز وجل كله حق وعدل؛ لقوله: ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾ أي: بالعدل الذي ليس فيه ظلم ولا جور.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات ما قرره أهل السنة والجماعة من أن اسم الله إذا كان متعديًا لم يتم الإيمان به إلا بالإيمان بكونه اسمًا، وبما تضمنه من صفة، وبما تضمنه من أثر وحكم؛ لقوله: ﴿يَفْتَحُ بَيْنَنَا﴾، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَهُوَ الْفَتَّاحُ﴾ فدل هذا على أن أسماء الله عز وجل المتعدية تضمن الأحكام والآثار المترتبة على ذلك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما ﴿الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ ٢٦]. وكما سبق في الشرح أن الفتاح تشمل معاني كثيرة؛ الفتح بالنصر، وبالعلم، وبالفهم، وبالقصد الحسن، وبغير ذلك؛ يعني أنها اسم واسع.
* ومن فوائدها: إثبات العلم لله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿الْعَلِيمُ﴾، وأنه صفة من صفاته الثابتة اللازمة؛ لأنه موصوف به أزلًا وأبدًا في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تهديد الْمُناظِر بالجزاء المجزوم به؛ لقوله: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا﴾ [سبأ ٢٦]؛ لأن هذا يتضمن التهديد؛ لأننا نعلم أن الله إذا فتح بينهم فسيكون الحق مع مَنْ؟ مع المسلمين.
بهذا عرفنا الترديد في قوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى﴾ [سبأ ٢٤] أن الذين على الهدى مَنْ؟ هم المسلمون، وأن أولئك على الضلال؛ لأنه لو قال قائل: الآية فيها ترديد ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى﴾ طيب ما عرفنا ما الذي على الهدى، نقول: الذين على الهدى هم الذين يفتح الله عليهم، وينصرهم على أعدائهم بالحق.
سبأ 34:25
ثم قال الله عز وجل: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [سبأ ٢٤] ﴿مَنْ﴾ اسم استفهام، والمراد به التحدي؛ تحدي هؤلاء المشركين الذين يعبدون مع الله غيره، هل هذه الأصنام ترزقهم مِنَ السماوات والأرض؟ لا، ولكن الذي يَرزق هو الله فيتحداهم بالسؤال: ﴿مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؟
وقوله: ﴿مِنَ السَّمَاوَاتِ﴾ ﴿مِنَ﴾ لابتداء الغاية؛ أي: أن الرزق يأتي من السماوات، والرزق بمعنى العطاء، فما هو الرزق من السماوات؟ قال المؤلف: (بالمطر)، فإن المطر رِزْق ينزل للأرض فتنبُت، وأما الرزق من الأرض فأمره ظاهر ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة ٢٩]، ثم إننا قد نقول: بأن الرزق من السماوات أشمل من المطر فإن السماوات ينزل منها المطر وينزل منها المن والسلوى، وربما نقول: إن الطيور في جوِّ السماء إنها من رزق السماء؛ لأنها تأتي من فوق، فكل ما يأتي من فوق فإنه يصدُق عليه من رزق من السماوات.
﴿مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الخطاب في قوله : ﴿قُلْ﴾ للرسول ﷺ، والمخاطب في قوله: ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، المخاطب الله! كيف؟! ﴿مَنْ يَرْزُقُكُمْ﴾ المشركون والكفار، فبماذا يجيبون؟ أحيانًا يجيبون بالصواب كما في قوله في سورة يونس: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس ٣١]، هذا جواب صحيح، أحيانًا لا يجيبون يتلعثمون، أو يَأْبَوْن أن يتكلموا عِنادًا وخوفًا من الإلزام؛ لأنهم إذا قالوا: الله. ألزموا بألا يعبدوا إلا الله، كيف تعبدون مَنْ لا يرزق؟ فهم أحيانًا يجيبون بالصواب، ويقولون: الله. ثم يكابرون ويعاندون، ويقولون: إنَّ ما نعبدهم شفعاء لنا عند الله ليقربونا إلى الله زلفى، ما نعبدهم لذواتهم، وأحيانًا يَأْبَوْن الجواب، يتلعثمون؛ لأن الحق ثقيل عليهم، إذا لم يقولوا شيئًا، فقل: الله؛ ولهذا قال: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ هو الذي يرزقكم من السماوات والأرض، فإن أَبَوْا قالوا: لا، هو غيره، ولكن لا يمكن أن يقولوا: هو غيره، فقل مَنْ؟ أعد عليهم السؤال مرة ثانية.
قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾، قال المؤلف: (إن لم يقولون)؛ يعني إن لم يقولوا الله (...).
* * *
* من فوائد الآية الكريمة: قوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ وجوب مناظرة المشركين ومحاجتهم، ويؤخذ الوجوب من قوله: ﴿قُلْ﴾ لأن الأصل في الأمر الوجوب.
* ومن فوائدها أيضًا: أنه ينبغي أن يُستدل بالأوضح والأبين؛ فإن الرزق من الله عز وجل أمر معلوم (...)، لا يستطيع أحد أن يقول: إنه ينزل المطر أو أنه ينبت النبات، ففي باب المناظرة ينبغي للإنسان أن يستدل بما هو أَبْيَن وأوضح، وهذه طريقة القرآن كما مرَّ علينا في قواعد التفسير.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز إجابة السائل فيما هو واضح، جواز إجابة السائل عما سأل فيما هو واضح؛ لقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾، ومثاله في الأمور العادية أنا أسألك مثلًا، مَنِ الذي جاء بكذا وكذا؟ توقف، عنده تلعثم إما جهلًا أو مكابرة، فأقول: أليس فلان هو الذي جاء به؟ فأقرِّرُك. وهذا -أعني إجابة السائل- إنما هي في الأمور الواضحة، أما في الأمور غير الواضحة فقد يُعارَض ولا يكون جوابه مقنعًا، لكن في الأمور الواضحة للسائل أن يجيب نفسه أيش؟ إذا تلعثم الخصم ولم يجب، أما إذا أجاب فالأمر واقع، وهذا الاستفهام الموجود في الآية الكريمة هذه هل أجاب عنه المشركون عنه بالحق في موضع آخر؟ نعم، في سورة يونس ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس ٣١].
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز محاجة الخصم بما يعرف في باب المناظرة بالسَّبْرِ والتَّقْسِيم، السبر يعني تتبع الشيء، والتقسيم يعني الترديد بَيْنَ هذا أو هذا؛ فمثله هنا ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ تتبعنا الحال، وجدنا أن حالَ كُلٍّ مِنَّا لا تخرج عن حالَيْن إما هدى وإما الضلال، وهي إما لنا وإما لكم وليس هناك شيء ثالث، هذا يعرف بالسَّبْرِ والتقسيم، ونظيره قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم ٧٧] هذه دعواه؛ ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾، قال الله تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ يعني: هل يعلم الغيب أنه سيؤتى مالًا وولدًا؟ ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم ٧٨] يعني: أم أن الله أعلمه بذلك وعهد به إليه؟ فيه قسم ثالث؟ القسم الثالث الكذب؛ ولهذا قال: ﴿كَلَّا﴾ أي أنه لم يَطَّلِع الغيب ولم يتخذ عند الرحمن عهدًا، قل لي يا أخ: ما الذي قلتُ؟ وما المثال الذي مَثَّلْتُ به؟ (...) بين هذا أو هذا، حتى يتبين أنه لا بد أن يكون أحد أمرين؟
* الطالب: المثال؟
* الشيخ: هات الآية مثالًا، نحن أو أنتم، الآن أمامنا طريقان هدى وضلال، إما نحن على الهدى وأنتم على الضلال، أو نحن على الضلال وأنتم على الهدى، كذلك الآية التي في سورة مريم واضحة أيضًا جدًّا: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم ٧٧، ٧٨]، وجه ذلك أن الله قال: هل هذا اطلع الغيب وعلم أنه سيُؤتى مالًا وولدًا؟ ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ أي: أن الله أخبره وعهد به له بأنه سيؤتيه مالًا وولدًا؟ لأن دعواه هذه إما أن تكون كذبًا أو عنده علم من الغيب أو عَهْدٌ من الله، ويش قال الله تعالى في هذا؟ ﴿كَلَّا﴾ يعني: لا هذا ولا هذا، إذا انتفى هذا وهذا ويش يبقى الأمر؟ يبقى الكذب، أنها دعوى كاذبة لا حقيقة لها، ولهذا قال: ﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم ٧٩، ٨٠].
ومنه أيضًا قوله: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة ٨٠] ويش الجواب؟ ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾ إن كان عنده عهد من الله فإن الله لا يخلف العهد ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، والجواب أنهم قالوا على الله ما لا يعلمون.
طيب هنا أي قلت: يستفاد من الآية الاستدلال بما يُعْرَف عند علماء المناظرة أو علماء المناظرة والجدل بماذا؟ بالسَّبْر والتقسيم؛ من قوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى﴾.
* ومن فوائدها: التلطف مع الخصم والتَّنَزُّل معه للوصول إلى الإقرار بالحق؛ من قوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾؛ لأن هذا في غاية التنزل مع الخصم والتلطف معه ليقرَّ بالحق، وانظر إلى نحوٍ من ذلك في قوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل ٥٩]، معلوم أن الله خير، أليس كذلك؟ لكن من باب التنزل معهم قيل لهم: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ أم أصنامكم وآلهتكم؟
* ومن فوائد الآية الكريمة: المبالغة في التَّنَزُّل مع الخصم وتحمل الغضاضة للوصول إلى الغاية المقصودة؛ لقوله: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سبأ ٢٥]، ونظير هذا التنزل مع الخصم وتحمل الغضاضة الشروط التي وقعت بَيْنَ مَن؟ بين النبي ﷺ وقريش في صلح الحديبية، وكانت النتيجة والعاقبة لمن؟ للرسول ﷺ.
وكانت النتيجة والعاقبة لمن؟ للرسول ﷺ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان لا يُسأل عن عمل غيره، ولا يُسأل غيرُه عن عمله؛ لقوله: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سبأ ٢٥].
ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر ١٨] كل إنسان وعمله.
ويُستثنى من ذلك ما إذا كان عمل الغير ناشئًا عن عملك بأن تكون أنت الدال عليه، أو المعين عليه فإن لك من وِزْره بقدر عملك، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً؛ فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله.]]. فهل هذا يخالف الآية الكريمة اللي معنا؟ لا؛ لأن حقيقة الأمر أن وزر الغير مبني على وزرك فيكون من فعلِك، فيدخل في إجرامك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات السؤال عن العمل؛ لأن قوله: ﴿لَا تُسْأَلُونَ﴾ يعني من الذي يُسأل؟ الإنسان، كُلٌّ مسؤول عن عمله، ولو كان السؤال منتفيًا مطلقًا ما صح أن يقال: ﴿لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا﴾ وكل إنسان مسؤول عن عمله ولا بد، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص ٦٥] ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ [الأعراف ٦، ٧] وما دام الإنسان يؤمن بذلك بأنه سيُسأل عن عمله فسوف يحرص غاية الحرص على أن يكون عمله موافقًا لشرع الله.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ ٢٦].
* في هذه الآية: إثبات البعث والجمع؛ لقوله: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا﴾ وهذا الجمع ثابت بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن ٩]. ويدخل فيه أيضًا الجمع في الدنيا في القتال؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال ٤١].
* ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على القدرية؛ لقوله: ﴿يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا﴾ ومعلوم أن اجتماعنا من فعلنا فأضافه الله إلى نفسه؛ لأنه هو المدبِّر له سبحانه وتعالى المقدِّر له، أو لا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: على الرأي الثاني أنه في الدنيا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن حكم الله عز وجل كله حق وعدل؛ لقوله: ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾ أي: بالعدل الذي ليس فيه ظلم ولا جور.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات ما قرره أهل السنة والجماعة من أن اسم الله إذا كان متعديًا لم يتم الإيمان به إلا بالإيمان بكونه اسمًا، وبما تضمنه من صفة، وبما تضمنه من أثر وحكم؛ لقوله: ﴿يَفْتَحُ بَيْنَنَا﴾، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَهُوَ الْفَتَّاحُ﴾ فدل هذا على أن أسماء الله عز وجل المتعدية تضمن الأحكام والآثار المترتبة على ذلك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما ﴿الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ ٢٦]. وكما سبق في الشرح أن الفتاح تشمل معاني كثيرة؛ الفتح بالنصر، وبالعلم، وبالفهم، وبالقصد الحسن، وبغير ذلك؛ يعني أنها اسم واسع.
* ومن فوائدها: إثبات العلم لله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿الْعَلِيمُ﴾، وأنه صفة من صفاته الثابتة اللازمة؛ لأنه موصوف به أزلًا وأبدًا في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تهديد الْمُناظِر بالجزاء المجزوم به؛ لقوله: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا﴾ [سبأ ٢٦]؛ لأن هذا يتضمن التهديد؛ لأننا نعلم أن الله إذا فتح بينهم فسيكون الحق مع مَنْ؟ مع المسلمين.
بهذا عرفنا الترديد في قوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى﴾ [سبأ ٢٤] أن الذين على الهدى مَنْ؟ هم المسلمون، وأن أولئك على الضلال؛ لأنه لو قال قائل: الآية فيها ترديد ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى﴾ طيب ما عرفنا ما الذي على الهدى، نقول: الذين على الهدى هم الذين يفتح الله عليهم، وينصرهم على أعدائهم بالحق.
سبأ 34:26
ثم قال الله عز وجل: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [سبأ ٢٤] ﴿مَنْ﴾ اسم استفهام، والمراد به التحدي؛ تحدي هؤلاء المشركين الذين يعبدون مع الله غيره، هل هذه الأصنام ترزقهم مِنَ السماوات والأرض؟ لا، ولكن الذي يَرزق هو الله فيتحداهم بالسؤال: ﴿مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؟
وقوله: ﴿مِنَ السَّمَاوَاتِ﴾ ﴿مِنَ﴾ لابتداء الغاية؛ أي: أن الرزق يأتي من السماوات، والرزق بمعنى العطاء، فما هو الرزق من السماوات؟ قال المؤلف: (بالمطر)، فإن المطر رِزْق ينزل للأرض فتنبُت، وأما الرزق من الأرض فأمره ظاهر ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة ٢٩]، ثم إننا قد نقول: بأن الرزق من السماوات أشمل من المطر فإن السماوات ينزل منها المطر وينزل منها المن والسلوى، وربما نقول: إن الطيور في جوِّ السماء إنها من رزق السماء؛ لأنها تأتي من فوق، فكل ما يأتي من فوق فإنه يصدُق عليه من رزق من السماوات.
﴿مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الخطاب في قوله : ﴿قُلْ﴾ للرسول ﷺ، والمخاطب في قوله: ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، المخاطب الله! كيف؟! ﴿مَنْ يَرْزُقُكُمْ﴾ المشركون والكفار، فبماذا يجيبون؟ أحيانًا يجيبون بالصواب كما في قوله في سورة يونس: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس ٣١]، هذا جواب صحيح، أحيانًا لا يجيبون يتلعثمون، أو يَأْبَوْن أن يتكلموا عِنادًا وخوفًا من الإلزام؛ لأنهم إذا قالوا: الله. ألزموا بألا يعبدوا إلا الله، كيف تعبدون مَنْ لا يرزق؟ فهم أحيانًا يجيبون بالصواب، ويقولون: الله. ثم يكابرون ويعاندون، ويقولون: إنَّ ما نعبدهم شفعاء لنا عند الله ليقربونا إلى الله زلفى، ما نعبدهم لذواتهم، وأحيانًا يَأْبَوْن الجواب، يتلعثمون؛ لأن الحق ثقيل عليهم، إذا لم يقولوا شيئًا، فقل: الله؛ ولهذا قال: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ هو الذي يرزقكم من السماوات والأرض، فإن أَبَوْا قالوا: لا، هو غيره، ولكن لا يمكن أن يقولوا: هو غيره، فقل مَنْ؟ أعد عليهم السؤال مرة ثانية.
قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾، قال المؤلف: (إن لم يقولون)؛ يعني إن لم يقولوا الله (...).
* * *
* من فوائد الآية الكريمة: قوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ وجوب مناظرة المشركين ومحاجتهم، ويؤخذ الوجوب من قوله: ﴿قُلْ﴾ لأن الأصل في الأمر الوجوب.
* ومن فوائدها أيضًا: أنه ينبغي أن يُستدل بالأوضح والأبين؛ فإن الرزق من الله عز وجل أمر معلوم (...)، لا يستطيع أحد أن يقول: إنه ينزل المطر أو أنه ينبت النبات، ففي باب المناظرة ينبغي للإنسان أن يستدل بما هو أَبْيَن وأوضح، وهذه طريقة القرآن كما مرَّ علينا في قواعد التفسير.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز إجابة السائل فيما هو واضح، جواز إجابة السائل عما سأل فيما هو واضح؛ لقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾، ومثاله في الأمور العادية أنا أسألك مثلًا، مَنِ الذي جاء بكذا وكذا؟ توقف، عنده تلعثم إما جهلًا أو مكابرة، فأقول: أليس فلان هو الذي جاء به؟ فأقرِّرُك. وهذا -أعني إجابة السائل- إنما هي في الأمور الواضحة، أما في الأمور غير الواضحة فقد يُعارَض ولا يكون جوابه مقنعًا، لكن في الأمور الواضحة للسائل أن يجيب نفسه أيش؟ إذا تلعثم الخصم ولم يجب، أما إذا أجاب فالأمر واقع، وهذا الاستفهام الموجود في الآية الكريمة هذه هل أجاب عنه المشركون عنه بالحق في موضع آخر؟ نعم، في سورة يونس ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس ٣١].
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز محاجة الخصم بما يعرف في باب المناظرة بالسَّبْرِ والتَّقْسِيم، السبر يعني تتبع الشيء، والتقسيم يعني الترديد بَيْنَ هذا أو هذا؛ فمثله هنا ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ تتبعنا الحال، وجدنا أن حالَ كُلٍّ مِنَّا لا تخرج عن حالَيْن إما هدى وإما الضلال، وهي إما لنا وإما لكم وليس هناك شيء ثالث، هذا يعرف بالسَّبْرِ والتقسيم، ونظيره قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم ٧٧] هذه دعواه؛ ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾، قال الله تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ يعني: هل يعلم الغيب أنه سيؤتى مالًا وولدًا؟ ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم ٧٨] يعني: أم أن الله أعلمه بذلك وعهد به إليه؟ فيه قسم ثالث؟ القسم الثالث الكذب؛ ولهذا قال: ﴿كَلَّا﴾ أي أنه لم يَطَّلِع الغيب ولم يتخذ عند الرحمن عهدًا، قل لي يا أخ: ما الذي قلتُ؟ وما المثال الذي مَثَّلْتُ به؟ (...) بين هذا أو هذا، حتى يتبين أنه لا بد أن يكون أحد أمرين؟
* الطالب: المثال؟
* الشيخ: هات الآية مثالًا، نحن أو أنتم، الآن أمامنا طريقان هدى وضلال، إما نحن على الهدى وأنتم على الضلال، أو نحن على الضلال وأنتم على الهدى، كذلك الآية التي في سورة مريم واضحة أيضًا جدًّا: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم ٧٧، ٧٨]، وجه ذلك أن الله قال: هل هذا اطلع الغيب وعلم أنه سيُؤتى مالًا وولدًا؟ ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ أي: أن الله أخبره وعهد به له بأنه سيؤتيه مالًا وولدًا؟ لأن دعواه هذه إما أن تكون كذبًا أو عنده علم من الغيب أو عَهْدٌ من الله، ويش قال الله تعالى في هذا؟ ﴿كَلَّا﴾ يعني: لا هذا ولا هذا، إذا انتفى هذا وهذا ويش يبقى الأمر؟ يبقى الكذب، أنها دعوى كاذبة لا حقيقة لها، ولهذا قال: ﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم ٧٩، ٨٠].
ومنه أيضًا قوله: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة ٨٠] ويش الجواب؟ ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾ إن كان عنده عهد من الله فإن الله لا يخلف العهد ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، والجواب أنهم قالوا على الله ما لا يعلمون.
طيب هنا أي قلت: يستفاد من الآية الاستدلال بما يُعْرَف عند علماء المناظرة أو علماء المناظرة والجدل بماذا؟ بالسَّبْر والتقسيم؛ من قوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى﴾.
* ومن فوائدها: التلطف مع الخصم والتَّنَزُّل معه للوصول إلى الإقرار بالحق؛ من قوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾؛ لأن هذا في غاية التنزل مع الخصم والتلطف معه ليقرَّ بالحق، وانظر إلى نحوٍ من ذلك في قوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل ٥٩]، معلوم أن الله خير، أليس كذلك؟ لكن من باب التنزل معهم قيل لهم: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ أم أصنامكم وآلهتكم؟
* ومن فوائد الآية الكريمة: المبالغة في التَّنَزُّل مع الخصم وتحمل الغضاضة للوصول إلى الغاية المقصودة؛ لقوله: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سبأ ٢٥]، ونظير هذا التنزل مع الخصم وتحمل الغضاضة الشروط التي وقعت بَيْنَ مَن؟ بين النبي ﷺ وقريش في صلح الحديبية، وكانت النتيجة والعاقبة لمن؟ للرسول ﷺ.
وكانت النتيجة والعاقبة لمن؟ للرسول ﷺ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان لا يُسأل عن عمل غيره، ولا يُسأل غيرُه عن عمله؛ لقوله: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سبأ ٢٥].
ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر ١٨] كل إنسان وعمله.
ويُستثنى من ذلك ما إذا كان عمل الغير ناشئًا عن عملك بأن تكون أنت الدال عليه، أو المعين عليه فإن لك من وِزْره بقدر عملك، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً؛ فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله.]]. فهل هذا يخالف الآية الكريمة اللي معنا؟ لا؛ لأن حقيقة الأمر أن وزر الغير مبني على وزرك فيكون من فعلِك، فيدخل في إجرامك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات السؤال عن العمل؛ لأن قوله: ﴿لَا تُسْأَلُونَ﴾ يعني من الذي يُسأل؟ الإنسان، كُلٌّ مسؤول عن عمله، ولو كان السؤال منتفيًا مطلقًا ما صح أن يقال: ﴿لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا﴾ وكل إنسان مسؤول عن عمله ولا بد، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص ٦٥] ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ [الأعراف ٦، ٧] وما دام الإنسان يؤمن بذلك بأنه سيُسأل عن عمله فسوف يحرص غاية الحرص على أن يكون عمله موافقًا لشرع الله.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ ٢٦].
* في هذه الآية: إثبات البعث والجمع؛ لقوله: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا﴾ وهذا الجمع ثابت بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن ٩]. ويدخل فيه أيضًا الجمع في الدنيا في القتال؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال ٤١].
* ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على القدرية؛ لقوله: ﴿يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا﴾ ومعلوم أن اجتماعنا من فعلنا فأضافه الله إلى نفسه؛ لأنه هو المدبِّر له سبحانه وتعالى المقدِّر له، أو لا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: على الرأي الثاني أنه في الدنيا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن حكم الله عز وجل كله حق وعدل؛ لقوله: ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾ أي: بالعدل الذي ليس فيه ظلم ولا جور.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات ما قرره أهل السنة والجماعة من أن اسم الله إذا كان متعديًا لم يتم الإيمان به إلا بالإيمان بكونه اسمًا، وبما تضمنه من صفة، وبما تضمنه من أثر وحكم؛ لقوله: ﴿يَفْتَحُ بَيْنَنَا﴾، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَهُوَ الْفَتَّاحُ﴾ فدل هذا على أن أسماء الله عز وجل المتعدية تضمن الأحكام والآثار المترتبة على ذلك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما ﴿الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ ٢٦]. وكما سبق في الشرح أن الفتاح تشمل معاني كثيرة؛ الفتح بالنصر، وبالعلم، وبالفهم، وبالقصد الحسن، وبغير ذلك؛ يعني أنها اسم واسع.
* ومن فوائدها: إثبات العلم لله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿الْعَلِيمُ﴾، وأنه صفة من صفاته الثابتة اللازمة؛ لأنه موصوف به أزلًا وأبدًا في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تهديد الْمُناظِر بالجزاء المجزوم به؛ لقوله: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا﴾ [سبأ ٢٦]؛ لأن هذا يتضمن التهديد؛ لأننا نعلم أن الله إذا فتح بينهم فسيكون الحق مع مَنْ؟ مع المسلمين.
بهذا عرفنا الترديد في قوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى﴾ [سبأ ٢٤] أن الذين على الهدى مَنْ؟ هم المسلمون، وأن أولئك على الضلال؛ لأنه لو قال قائل: الآية فيها ترديد ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى﴾ طيب ما عرفنا ما الذي على الهدى، نقول: الذين على الهدى هم الذين يفتح الله عليهم، وينصرهم على أعدائهم بالحق.
سبأ 34:27
ثم قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سبأ ٢٧] في هذا ما سبق من أنه من آداب المناظرة سلوك التحدي فيما يُعلم امتناعه من الخصم؛ لأنك إذا تحديته بأمر لا يمكن وظهر عجزه تبين بطلان دعواه، أو لا؟ بخلاف ما إذا تحديته بأمر يمكنه أن يفعله فإن هذا ضرر عليك، لا تتحدى الخصم إلا بأمر يعجزه ولا يتمكن منه، هنا يقول: ﴿أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ﴾ يعني أعلموني ماذا خلقوا؟ ماذا نفعوا؟ لم يخلقوا شيئًا، ولم ينفعوا، ولم يدفعوا ضررًا كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل ٢٠، ٢١] وقال إبراهيم لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم ٤٢].
وقوله: ﴿أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ﴾.
* يستفاد منها: أن الشِّرْك يكون في العبادة كما يكون في الخَلْق والتدبير؛ بمعنى أن الشرك يكون في الألوهية كما يكون في الربوبية، وجه ذلك أن هؤلاء المشركين لم يكونوا يُشرِكون في الربوبية، ولكنهم يشركون في الألوهية والعبادة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يمكن أن يُرِي أحد من الناس أن لهذه الأصنام شيئًا من الخلق أو الرزق أو التدبير، يؤخذ من قوله: ﴿كَلَّا﴾ [سبأ ٢٧] يعني لا يمكن أن تروني شيئًا من هذه الأصنام.
* ومن فوائد الآية أيضًا: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما العزيز والحكمة، وما تضمناه من صفة وهي العزة والحِكمة، الاسمان العزيز، الحكيم، وما تضمناه من صفة وهي العزة والحِكْمة والْحُكْم، العزة يعني الحكيم، قلنا: بم؟ ذو الحُكم والحِكمة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أفعال الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن تقع سفهًا؛ لقوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾ [سبأ ٢٧]، والحكيم هو الذي لا يقع في فعله سفه، وهذا شيء معلوم بالضرورة، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الدخان ٣٨]، وقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص ٢٧]، وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون ١١٥].
* ومن فوائدها أيضًا: أن الله عز وجل لا يُغلب؛ لقوله: ﴿الْعَزِيزُ﴾ [سبأ ٢٧]، وإذا آمنت بذلك، واستنصرت به تبارك وتعالى علمت أنك لا تُغْلَب.
سبأ 34:28
قال الله عز وجل بعد هذا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا﴾ [سبأ ٢٨]..
ذكرنا أن المؤلف رحمه الله فسَّر في تفسيره العزيز بـ(الغالب)، وفي قوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾ [سبأ ٢٧] (في تدبيره لخلقه)، وأخطأ أيضًا في قوله: (فلا شريك له في ملكه)؛ لأنه ليس المقام مقام نفي الشريك في الملك، إنما المقام مقام نفي الشريك في العبادة؛ إذ إن هؤلاء المشركين يعترفون بأن الله لا شريك له في ملكه.
قال الله تعالى: (﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً﴾ حال من الناس قُدِّم للاهتمام ﴿لِلنَّاسِ﴾ [سبأ ٢٨]).
قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً﴾ هذا الاستثناء يسمونه استثناء مفرغًا من أعم الأحوال؛ يعني ما أرسلناك لأي حال من الأحوال إلا بهذه الحال يعني إلا للناس كافة ﴿كَافَّةً﴾ بمعنى جميعًا.
وقوله: ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾ الإرسال معناه الأمر بتبليغ الشيء فأنت إذا أرسلت شخصًا من الناس إلى شخص آخر معناه أنك أمرتَه أن يبلغ شيئًا ما إلى الموصل إليه؛ ولهذا قال العلماء في تفسير الرسول: هو الذي أوحي إليه بالشرع وأُمِر بتبليغه.
وقوله: ﴿إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ ٢٨] الناس معناهم هم البشر، وسموا ناسًا من قولهم: أنِس إذا تحرك وعمل، وعلى هذا فيكون الناس اسمًا مشتقًا، وليس اسمًا جامدًا، قالوا: وأصله الأُناس، أصله الأناس، لكنها حُذِفت الهمزة تخفيفًا لكثرة الاستعمال، قالوا: ومثل ذلك قولهم: شر وخير، بأن تقول: هذا خير من هذا؛ بمعنى أَخْيَر من هذا، فحُذِفت الهمزة للتخفيف لكثرة الاستعمال، قالوا: ومِنْ ذلك الله، فأصله الإله، حُذِفت الهمزة للتخفيف؛ لكثرة الاستعمال، على أن هذه المسألة الثانية الأخيرة فيها شيء من النظر؛ لأن الإله تأتي إلى جانب الله فتقول: هو الله الإله العظيم، إلى آخره.
يقول: (﴿إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ أي: كفار مكة) وهذا قصور من المؤلف رحمه الله؛ لأننا إذا قلنا: إنك أُرسلت إلى كفار مكة فغيرهم لم يرسل إليهم، وهذا قصور عظيم جدًّا، كيف تأتي كلمة الناس في مقام الرسالة ونقول: المراد بها كفار مكة، الصواب أن المراد بها كل البشر، كفار مكة، وكفار واشنطن، وكفار موسكو، وكفار الصين، وكل الكفار ولَّا لا؟ إلى يوم القيامة ولَّا في حياته فقط؟ إلى يوم القيامة للناس عمومًا.
﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ ٢٨].
(﴿بَشِيرًا﴾ مُبشِّرًا للمؤمنين بالجنة و﴿وَنَذِيرًا﴾ منذرًا للكافرين بالعذاب) ﴿بَشِيرًا﴾ حال أيضًا من الكاف في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾ ﴿بَشِيرًا﴾ فعيل بمعنى (مُفْعِل)، أو بشير بمعنى لبشارة، وفعيل تأتي بمعنى (مُفْعِل) كما أسلفنا ذلك كثيرًا.
وقوله: (بشيرًا للمؤمنين بالجنة ونذيرًا للكافرين بالنار)، ينبغي أن يقال: (بشيرًا للمؤمنين بالجنة) كما قال المؤلف: ونذيرًا للعاصين بالعقوبة؛ ليشمل الإنذار عن الكفر والإنذار عن المعاصي، يعني حتى المعاصي رُتِّبت عليها عقوبات من أجل أن تردع الإنسان عن فعلها، والله أعلم.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ ٢٨] (...).
ﷺ؛ لقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾ [سبأ ٢٨]. وفيها دليل على أن محمدًا ﷺ عبد مأمور لا رب آمِر؛ لقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾ كذا، ما الذي قلت؟ (...).
* وفيها أيضًا: عموم رسالة النبي ﷺ.
على رأي المؤلف: ﴿إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾، فهو كقوله ﷺ: «وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً»[[أخرجه البخاري (٣٣٥) من حديث جابر بن عبد الله.]]. أو نقول: لقوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾ فإن الناس هذه من صيغ العموم؛ لأن فيها رأيًا آخر يقول: ﴿كَافَّةً﴾ بمعنى كاف، يعني إلا تكف الناس عن الشرك والعصيان، أو ﴿إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ ٢٨]؛ أي: جامعًا لهم على التوحيد والإخلاص، وعلى هذا فتكون حالًا من الكاف في قوله: ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾ والتاء فيها على هذا المعنى، التاء فيها للمبالغة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل١٢٠] أي: إمامًا، وكما يقال: هذا علَّامة؛ أي (علَّام)، لكن تكون التاء للمبالغة.
فصار عندنا في ﴿كَافَّةً﴾ قولان: وأن ما ذكرته في الشرح للقصور لا للتقصير ﴿كَافَّةً﴾ أيش؟ فيها وجهان: أن تكون حالًا من الناس مقدمة عليها، وأن تكون حالًا من الكاف في ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾ وعلى هذا المعنى على هذا الوجه تكون ﴿كَافَّةً﴾ بمعنى: كافّ؛ أي جامع أو كاف؛ أي: مانع تكف الناس. وهذا الرأي واضح معناه، والعموم منين تستفيد على هذا الرأي؟ من قوله: (الناس)؛ لأنها لفظ عام.
* من فوائد الآية أيضًا: أن رسالة النبي ﷺ تضمن شيئين هما البشارة والإنذار، البشارة للطائع بالثواب والإنذار للعاصي بالعقوبة.
* ومن فوائدها: الإشارة إلى الحكمة من إرسال الرسل، وهي التبشير والتنذير، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣] إلى قوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥].
* ومن فوائدها: أن أكثر الناس لا يعلمون الحكمة من إرسال الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا يعلمون أنه رسول، كذا؟ أكثر الناس، أما الأول فواضح أن أكثر الناس لا يعلمون الحكمة من إرسال الرسل؛ وأما الثاني ففيه نظر؛ لأن الرسالة بلغت أكثر الناس، وستبلغ الناس جميعًا حتى تقوم عليهم الحجة.
* من فوائد الآية الكريمة: أن الأكثرية لا يلزم أن يكون الصواب معها؛ لأن أكثر الناس لا يعلمون فهم في جهل؛ إذ إن المتمسك بالأديان قليل، والمتمسك بالأديان هو صاحب العلم، وهو صاحب اليقين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب مِنْ أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ على المعنى الأخير الثاني اللي هو ﴿كَافَّةً﴾ بمعنى مانع، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام سبب، وليس بموجب، فهو سبب للهداية ولكن إنك لا تهدي من أحببت، وهل يُستفاد منها إثبات أفعال الله الاختيارية؟
* طالب: (...).
* الشيخ: منين؟ من قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾، فإن هذا فعل من الأفعال المتعلقة بمشيئته سبحانه وتعالى.
* ومن فوائد الآية أيضًا: إقامة الحجة على الخلق؛ لقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ ٢٨] فلم يبقَ لأحد حُجَّة على الله بعد الرسل، وهل يؤخذ منها عُذْر مَنْ لم تبلُغه الرسالة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ ٢٨] فإن مَنْ لم تبلغه الرسالة لم يحصل له بشارة ولا نذارة.
فما حكم مَنْ لم تبلغه الرسالة؟ نقول: لا يخلو من أمرين: إما أن يكون مُقصِّرًا في طلب الحق، فهذا لا عُذْر له؛ لأنه مُقصِّر، وإما ألا يكون مُقصِّرًا بحيث لم يبلغه أي شيء عن الرسالات، ولم يطرأ في قلبه أي شيء من ذِكْر الرسالات فهذا نقول: إنه يُحكَم له في الدنيا بما هو عليه من دِين، وأما في الآخرة فأمره إلى الله، ما نشهد عليه بشيء.
سبأ 34:29
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [سبأ: ٢٩] ﴿يَقُولُونَ﴾ يعني المكذبين للرسول ﷺ، الذي تُوعِّدوا بالعذاب والنكال فيقولون متحدين ومستبعدين ومنكرين: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾.
﴿مَتَى﴾ اسم استفهام، والمراد به الإنكار والتحدي.
﴿الْوَعْدُ﴾ أي: بالعذاب الذي وعدتمونا به، ويحتمل أن يكون ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ بالنصر لكم؛ لأن المعروف أن الوعد في الخير، وفي الشر وعيد، ولكن قد يُقال: إن الوعيد لهؤلاء الكفار هو بالنسبة للمؤمنين وعد.
(﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ بالعذاب ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فيه) يعني إن كنتم صادقين بما تقولون من أن العذاب سيحل بنا وسنعاقب، والصدق: هو الإخبار بما يوافق الواقع، والكذب: الإخبار بما يخالف الواقع، فإذا قلت: قَدِمَ زيد البلد، ولم يكن قدم؛ فهو كذب؛ لأنه خلاف الواقع، وإذا قلت: قدم زيد البلد، وقد قدم؛ فهو صدق لموافقة الواقع.
فيقولون إن كنتم صادقين فمتى يكون هذا؟ وهذا كقوله تعالى في الساعة: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ [الشورى ١٧، ١٨]، فالكفار يستعجلون العذاب تكذيبًا للرسل عليهم الصلاة والسلام.
قال الله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء ٢٠٤، ٢٠٧] أي: يعني أي شيء يغني عنهم، فمهما طال بهم الأمد فإن المسألة محدودة معدودة ﴿إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء ٢٠٥، ٢٠٧].
فهم يتحدون، ومع ذلك أحيانًا يتحدون كذبًا فإنهم قالوا: حين أُخبِروا بالبعث، قالوا متحدين للرسل عليهم الصلاة والسلام: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية ٢٥] وهل قيل لهم: إن آباءهم يأتون الآن حتى يوجهوا الصورة إلى هذا؟ لا، يعني قيل لهم: إن آباءهم سيبعثون يوم القيامة لكنهم يُموِّهون على العامة بمثل هذه الدعاوى.
يقول الله عز وجل: (﴿قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سبأ ٣٠] عليه وهو يوم القيامة).
﴿لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ﴾ قوله: ﴿مِيعَادُ﴾ يحتمل أن يكون ظرف مكان أو زمان، ويحتمل أن يكون مصدرًا ميميًّا، والمعنى أن لكم وعدًا يكون في يوم لا تستأخرون عنه ساعة، ولا تستقدمون عليه؛ وذلك لأن الله عز وجل بحكمته البالغة قدَّر لكل شيء أجلًا معينًا، قال الله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد ٨] كل شيء بمقدار عند الله ومُحدَّد بأجله، فالعذاب لا يقدمه استعجالهم، ولا يؤخره، إذا جاء لا يتقدم ولا يتأخر، وفي هذا جواب من التهديد لهم ما هو ظاهر كما لو قلت للإنسان: إن لك عندي موعدًا لا يتقدم ولا يتأخر؛ فالمعنى احذر من هذا اليوم.
وقول المؤلف: (هو يوم القيامة) هذا لا شك أنه محتمل لكن فيه احتمال آخر أنه يوم القيامة ويوم موتهم أيضًا فإن يوم موتهم يشاهدون العذاب، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الأنفال ٥٠، ٥١].
فهذا اليوم يجدون فيه العذاب قبل يوم القيامة، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام ٩٣]، وفي سورة الدخان ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ [الدخان ١٠ - ١٣] إلى قوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان ١٥، ١٦] وهذا متى حصل؟ حصل في بدر حين قتل شرفاؤهم وساداتهم.
قال تعالى: (﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [سبأ ٣١] من أهل مكة)، أهل مكة (...) عليهم بالكفر قبل أن يكونوا مؤمنين لكن لا ينبغي أن نخصص ما عممه الله عز وجل، فالصواب: وقال الذين كفروا من أهل مكة وغيرهم، أيش قالوا؟ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ ٣١] أعوذ بالله، أتوا بـ ﴿لَنْ﴾ الدالة على تأكيد النفي، ولم يقولوا: لا نؤمن، بل قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ﴾ يؤكدون انتفاء إيمانهم بالقرآن في المستقبل. ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ (هذا) الإشارة للقريب تحقيرًا له كما في قوله تعالى: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء ٣٦] ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان٤١].
﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ ٣١] قلت: إن الإشارة هنا للقريب تحقيرًا له. وقوله: ﴿الْقُرْآنِ﴾ على وزن (فُعْلان)، فهل هو بمعنى المقروء؛ أو بمعنى القارِئ، أو هو مصدر بمعنى الجمع؟ فيه خلاف لعلماء العربية، والصواب أنه مُتضمن للمعاني كلها؛ فهو بمعنى قارئ أي جامع؛ لأنه مُهيمن على الكتب السابقة، وجميع ما فيها من المصالح موجود فيها وهو مقروء؛ لأن الناس يقرؤونه ويتلونه وهو جمع أيضًا؛ لأنه جامِع لكل شيء، والفُعلان بمعنى المصدر موجود في اللغة العربية، مثل: الشُّكْران والكُفْران والنُّكْران، وما أشبه ذلك، والمراد بالقرآن هنا الكتاب الذي أنزله الله تعالى على محمد ﷺ، وهو اسم خاص به ﴿بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ﴿وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يعني ولا نؤمن بالذي بين يديه أي: (تقدمه كالتوراة والإنجيل الدالَّيْن على البعث بإنكارهم له)، يعني ولا نؤمن أيضًا بالذي بين يديه، والمراد على رأي المؤلف: بما بين يديه، ما سبقه، وليس ما يأتي بعده، ما سبقه من (...) منين؟ (...).
ما ذهب إليه المؤلف.
ويحتمل أن يراد بقوله: ﴿وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ ٣١] أي: ما يأتي مما أخبر به، فإن ما بين يدي الشيء مستقبله، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة ٢٥٥] والمعنيان صحيحان، وإذا كانت الآية تحتمل معنيين صحيحين لا يتنافيان وجب حملها على الجميع؛ لأن القرآن شامل واسِع ﴿وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ ٣١] أي: ولا بالذي يأتي بعده مما أخبر به، أو: ﴿وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ما تقدمه من الكتب كالتوراة والإنجيل.
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ قال المؤلف: (يا محمد ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ الكافرون ﴿مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [سبأ ٣١]).
﴿وَلَوْ تَرَى﴾ هذه (لو) شرطية، فعل شرطها ﴿تَرَى﴾ وهي جازمة ولَّا غير جازمة؟ غير جازمة، وجوابها محذوف؛ أي: لرأيت أمرًا فظيعًا، وجواب الشرط في مثل هذا التركيب أعظم من ذِكْره؛ لأن النفس تذهب في تقديره كل مذهب من الفظاعة والبشاعة.
و(لو) تأتي في اللغة العربية على عدة معانٍ: تأتي شرطية كما هنا، وتأتي مصدرية كما في قوله: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩].
وقول المؤلف: (يا محمد)، قصر المؤلف الضمير على الرسول ﷺ مع أنه يحتمل أن يكون المراد به كل مخاطب؛ يعني ولو ترى أيها المخاطَب حال هؤلاء لرأيت أمرًا فظيعًا.
وقوله: ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ [سبأ ٣١] ﴿إِذِ﴾ بمعنى وقت أو حين، فهي ظرف زمان، و﴿الظَّالِمُونَ﴾ مبتدأ و﴿مَوْقُوفُونَ﴾ خبره.
والمراد بالظالمين هنا قال المؤلف: (الكافرون)، وإنما خصَّها بالكافرين مع أن الظلم أعم لقرينة السياق؛ حيث قال الله تعالى في آخرها: ﴿وَجَعَلْنَا الأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [سبأ ٣٣]، فصار المراد بالظالمين هنا الكافرين.
هل كل كافر ظالم؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: هل كل ظالم كافر؟ لا؛ ولهذا لما قال الله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤] قال العلماء: نحمد الله أن لم يقل: والظالمون هم الكافرون.
﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [سبأ ٣١] أي: محبوسون، فمعنى وَقَفَه أي: حبَسَه، ومنه سُمِّي الوقْف للمال الحبيس الذي تُحبس عينُه، وتُسبَّل منفعته، فمعنى ﴿مَوْقُوفُونَ﴾ أي: محبوسون عند الله عز وجل. وقوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ولم يقل: عند الله؛ لأن مِثْل هذا الفعل العظيم الدال على العظمة يتناسب مع الربوبية؛ لكمال ربوبيته عز وجل، وكمال ملكه وسلطانه، تجد هؤلاء الظلمة الذين عندهم من العتو والاستكبار والعناد في الدنيا تجدهم في أذل شيء أمام ربوبية الله عز وجل.
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ [سبأ ٣١] ﴿يَرْجِعُ﴾ بمعنى يرد، وعلى هذا فتكون متعدية؛ لأن رجع تأتي لازمة، وتأتي متعدية، فقولك: رجعت من مكة إلى المدينة؛ هذه لازمة ولَّا متعدية؟
* طلبة: لازمة.
* الشيخ: لازمة؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: رجعت من مكة إلى المدينة؛ لازمة، أيش تقولون؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: لازمة؛ لأنها لم تنصب المفعول. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة ٨٣] هذه متعدية.
وهنا قال: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ متعدية ولَّا لازمة؟ متعدية؛ أي: يردهم.
وقوله: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ ﴿الْقَوْلَ﴾ هنا مُبهم ومُجْمَل، ثم فصَّله بقوله: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ إلى آخره [سبأ: ٣١].
وفائدة الإبهام المفصل فائدته عظيمة؛ لأنه إذا أُجمل أولًا وأُبهم فإن النفس تتطلع إلى بيان ذلك الشيء وتفصيله ولَّا لا؟ عندما أقرأ: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾، ماذا يكون ذهنك؟ يكون ذهنك متطلعًا إلى بيان هذا القول الذي يتراجعونه، لكن لو قال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ هكذا جاءت لم يكن لها من التمكن في الذهن مثل ما كان لها حينما أبهم القول، ثم بُيِّن، أو أُجْمِل، ثم فُصِّل.
﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ ماذا يقولون؟ (﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ الأتباع ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ الرؤساء ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ﴾ صددتمونا عن الإيمان ﴿لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ بالنبي).
﴿لَوْلَا﴾ هذه شرطية أو لا؟ شرطية، ويقال فيها: حرف امتناع لوجود؛ لأنه امتنع جوابها لوجود شرطها، وتأتي (لولا) شرطية كما هنا، وتأتي للتحضيض كما في قوله: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور ١٣]، وتأتي للنفي كما في قوله: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس ٩٨] المعنى فما كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا.
هنا يقول: ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ﴾. ابن مالك رحمه الله يقول:
وَبَعْدَ لَوْلَا غَالِبًا حَذْفُ الْخَبَرْ ∗∗∗ حَتْمٌ .....................
إذن هنا المبتدأ موجود، وهو ﴿أَنْتُمْ﴾ فأين الخبر؟ محذوف قدَّرَه المؤلف بقوله: (صددتمونا) من أين عرف أنه بهذا اللفظ؟ من قولهم: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى﴾ [سبأ ٣٢]، إذن ما نُقدِّر هنا: لولا أنتم موجودون؛ لأن الصد أخص من مطلق الوجود، وإذا كان لنا طريق إلى تقدير الأخص فهو أولى من تقدير الأعم؛ ولهذا قلنا: إن القارئ إذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم، يُقدِّر المتعلَّق بقوله: أقرأ، لا بقوله: أبتدئ؛ لأن أبتدئ عامة وأقرأ خاصة، هنا يمكن أن نقول: لولا أنتم موجودون، لكن ما دُمنا نجد فعلًا أخص وهو الصد المدلول عليه بقوله: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ﴾ [سبأ ٣٢] فإنه يجب أن نقدر لولا أنتم صددتمونا.
﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ ٣١] هذا جواب الشرط؛ ولهذا اقترن باللام ﴿لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ لكن بمن؟ قال: (بالنبي).
والأصح أنه أعم؛ أي لكنا مؤمنين بما تشمله رسالة النبي ﷺ من الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبغير ذلك مما يجب الإيمان به.
﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ [سبأ ٣٢] ردوا عليهم القول ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ [سبأ ٣١] ردوا القول؟ وين الرد؟ (...).
يقول: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ هذا رد لقولهم، شوف ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ [سبأ ٣٢] الاستفهام هنا بمعنى النفي؛ يعني لن نصددكم عن الهدى بعد إذ جاءكم، بل أنتم الذين اخترتم الكُفر، وهنا صدق قول الله عز وجل: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة ١٦٦]، فهنا قال: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ﴾ يعني إنا متبرئون منكم، ولا أجبرناكم على الكفر بل أنتم الذين اخترتم ذلك.
وقوله: ﴿صَدَدْنَاكُمْ﴾ أي: صرفناكم.
وقوله: ﴿عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ [سبأ ٣٢] هذا من باب تحقيق مجيء الهدى ووضوحه، وهذا إقرار من هؤلاء الرؤساء المستكبرين، إقرار منهم على أن الهدى قد جاء وبان ووضح ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ قال المؤلف في تفسيرها: (لا) إشارة إلى أن الاستفهام هنا للنفي، وكلما جاءكم (لا) بعد الاستفهام فإن ترجمتها أن المؤلف يرى أن الاستفهام هنا للنفي.
(﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ [سبأ ٣٢] في أنفسكم)، شوف أعوذ بالله، في الدنيا تجده يأتي إليه المستكبِر هذا الضعيف يدعوه بلطف تام، وفي الآخرة يلعن بعضهم بعضًا، ويتبرأ بعضهم من بعض.
«انظر إلى ملك غسان لما بلغه أن النبي عليه الصلاة والسلام هجر كعب بن مالك، ويش أرسل إليه؟ أرسل إليه خطابًا رقيقًا لطيفًا وقال له: إنه بلغنا أن صاحبك قد هجرك فأتِ إلينا نواسِك، شوف التلطف (...) ولكن لم ينخدع كعب رضي الله عنه لإيمانه، وخاف أن ينخدع في المستقبل، فماذا صنع؟ ذهب إلى التنور وأوقد هذه الورقة»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٤١٨)، ومسلم (٢٧٦٩ / ٥٣) من حديث كعب بن مالك.]].
وهكذا كل شيء تخشى على نفسك منه في المستقبل يجب عليك أن تُتلفه، لا تقل: إني الآن ما يمكن أفعل هذا الشيء أبدًا، ولا يمكن أن أضل به، صحيح أنك في بادئ البدء قد لا تنخدع لكن الشيطان يعمل عمله؛ ولهذا يجب عليك أن تتلف كل ما تخشى أن تكون عاقبته عليك وخيمة.
الحاصل أن هؤلاء في الآخرة ما يتوددون، ولا يتلطفون، ولا يرحمون هؤلاء الأتباع، قال: ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ [سبأ ٣٢]، والإجرام هو الذنب الذي لا يغتفر.
قال: ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ﴾ [سبأ ٣٣] شوف إضراب على إضرابهم، (...) قال: ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ إضراب في أيش؟ عن قولهم: ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ ٣١]، ثم هؤلاء أضربوا عنهم؛ يعني قابلوهم بإضراب آخر.
قالوا: (﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ ٣٣] أي مكر فيهما منكم بنا). ﴿مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ هنا المكر مضاف إلى الليل على تقدير (في)؛ لأن الإضافة قد تكون على تقدير (من)، وعلى تقدير (اللام)، وعلى تقدير (في)، فإن كان الأول من الثاني يعني بأن كان الثاني جنسًا للأول فهو على تقدير (مِن)، وإذا كان الثاني ظرفًا للأول فهو على تقدير (في)، وما عدا ذلك فعلى تقدير (اللام).
خاتم حديد، على تقدير (مِن)، كذا؟ ثوب خز، على تقدير (مِن)، (في) مكر الليل؛ أي: مكر في الليل.
ما هو المكر؟ قالوا في تعريف المكر: إنه التوصل بالأسباب الخفية إلى الإيقاع بالمقابِل، هذا المكر؛ يعني بالذي قابلك، أو إن شئت فقل: بالخصم، كذا؟ عرِّف لي ما (...)؟ ﴿مَكْرُ اللَّيْلِ﴾ أضيف المكر هنا إلى الليل؛ لأنه ظرف..
يقول: نحن أكثر أموالًا وأولادًا، وإن رُجِعْنا إلى الله فإننا لن نعذب، وهذا على أحد الاحتمالين، والاحتمال الثاني أن قولهم: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ ٣٥] أي: أننا لن نُبْعَث ونُعَذَّب.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [سبأ ٣٦] إلى آخره.
في هذا إثبات المشيئة لله؛ لقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وإثبات الأفعال الاختيارية؛ لقوله: ﴿يَبْسُطُ﴾ ﴿وَيَقْدِرُ﴾.
* وفيه أيضًا: أن كثرة المال والولد لا يدل على الرضا، وإنما هو تابع لماذا؟ لمشيئة الله.
* ومنها: الحكمة العظيمة البالغة في اختلاف الناس في سعة الرزق وضيقه، لولا ذلك ما قامت مصالح الخلق، لو كان الناس على حَدٍّ سواء في الغنى هل يخدم بعضهم بعضًا؟ لا، ولا يقوم بعضهم بمصالح بعض، وانظر إلى قوله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف ٣٢] لماذا؟ ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف ٣٢]، ولولا هذا الاختلاف من بَسْط الرزق وسعته ما حصلت هذه الفائدة العظيمة، وهو تسخير الناس بعضهم لبعض.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أكثر الناس جهالٌ بحكمة الله عز وجل في أفعاله؛ لقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
سبأ 34:30
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [سبأ: ٢٩] ﴿يَقُولُونَ﴾ يعني المكذبين للرسول ﷺ، الذي تُوعِّدوا بالعذاب والنكال فيقولون متحدين ومستبعدين ومنكرين: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾.
﴿مَتَى﴾ اسم استفهام، والمراد به الإنكار والتحدي.
﴿الْوَعْدُ﴾ أي: بالعذاب الذي وعدتمونا به، ويحتمل أن يكون ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ بالنصر لكم؛ لأن المعروف أن الوعد في الخير، وفي الشر وعيد، ولكن قد يُقال: إن الوعيد لهؤلاء الكفار هو بالنسبة للمؤمنين وعد.
(﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ بالعذاب ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فيه) يعني إن كنتم صادقين بما تقولون من أن العذاب سيحل بنا وسنعاقب، والصدق: هو الإخبار بما يوافق الواقع، والكذب: الإخبار بما يخالف الواقع، فإذا قلت: قَدِمَ زيد البلد، ولم يكن قدم؛ فهو كذب؛ لأنه خلاف الواقع، وإذا قلت: قدم زيد البلد، وقد قدم؛ فهو صدق لموافقة الواقع.
فيقولون إن كنتم صادقين فمتى يكون هذا؟ وهذا كقوله تعالى في الساعة: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ [الشورى ١٧، ١٨]، فالكفار يستعجلون العذاب تكذيبًا للرسل عليهم الصلاة والسلام.
قال الله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء ٢٠٤، ٢٠٧] أي: يعني أي شيء يغني عنهم، فمهما طال بهم الأمد فإن المسألة محدودة معدودة ﴿إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء ٢٠٥، ٢٠٧].
فهم يتحدون، ومع ذلك أحيانًا يتحدون كذبًا فإنهم قالوا: حين أُخبِروا بالبعث، قالوا متحدين للرسل عليهم الصلاة والسلام: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية ٢٥] وهل قيل لهم: إن آباءهم يأتون الآن حتى يوجهوا الصورة إلى هذا؟ لا، يعني قيل لهم: إن آباءهم سيبعثون يوم القيامة لكنهم يُموِّهون على العامة بمثل هذه الدعاوى.
يقول الله عز وجل: (﴿قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سبأ ٣٠] عليه وهو يوم القيامة).
﴿لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ﴾ قوله: ﴿مِيعَادُ﴾ يحتمل أن يكون ظرف مكان أو زمان، ويحتمل أن يكون مصدرًا ميميًّا، والمعنى أن لكم وعدًا يكون في يوم لا تستأخرون عنه ساعة، ولا تستقدمون عليه؛ وذلك لأن الله عز وجل بحكمته البالغة قدَّر لكل شيء أجلًا معينًا، قال الله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد ٨] كل شيء بمقدار عند الله ومُحدَّد بأجله، فالعذاب لا يقدمه استعجالهم، ولا يؤخره، إذا جاء لا يتقدم ولا يتأخر، وفي هذا جواب من التهديد لهم ما هو ظاهر كما لو قلت للإنسان: إن لك عندي موعدًا لا يتقدم ولا يتأخر؛ فالمعنى احذر من هذا اليوم.
وقول المؤلف: (هو يوم القيامة) هذا لا شك أنه محتمل لكن فيه احتمال آخر أنه يوم القيامة ويوم موتهم أيضًا فإن يوم موتهم يشاهدون العذاب، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الأنفال ٥٠، ٥١].
فهذا اليوم يجدون فيه العذاب قبل يوم القيامة، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام ٩٣]، وفي سورة الدخان ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ [الدخان ١٠ - ١٣] إلى قوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان ١٥، ١٦] وهذا متى حصل؟ حصل في بدر حين قتل شرفاؤهم وساداتهم.
قال تعالى: (﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [سبأ ٣١] من أهل مكة)، أهل مكة (...) عليهم بالكفر قبل أن يكونوا مؤمنين لكن لا ينبغي أن نخصص ما عممه الله عز وجل، فالصواب: وقال الذين كفروا من أهل مكة وغيرهم، أيش قالوا؟ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ ٣١] أعوذ بالله، أتوا بـ ﴿لَنْ﴾ الدالة على تأكيد النفي، ولم يقولوا: لا نؤمن، بل قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ﴾ يؤكدون انتفاء إيمانهم بالقرآن في المستقبل. ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ (هذا) الإشارة للقريب تحقيرًا له كما في قوله تعالى: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء ٣٦] ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان٤١].
﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ ٣١] قلت: إن الإشارة هنا للقريب تحقيرًا له. وقوله: ﴿الْقُرْآنِ﴾ على وزن (فُعْلان)، فهل هو بمعنى المقروء؛ أو بمعنى القارِئ، أو هو مصدر بمعنى الجمع؟ فيه خلاف لعلماء العربية، والصواب أنه مُتضمن للمعاني كلها؛ فهو بمعنى قارئ أي جامع؛ لأنه مُهيمن على الكتب السابقة، وجميع ما فيها من المصالح موجود فيها وهو مقروء؛ لأن الناس يقرؤونه ويتلونه وهو جمع أيضًا؛ لأنه جامِع لكل شيء، والفُعلان بمعنى المصدر موجود في اللغة العربية، مثل: الشُّكْران والكُفْران والنُّكْران، وما أشبه ذلك، والمراد بالقرآن هنا الكتاب الذي أنزله الله تعالى على محمد ﷺ، وهو اسم خاص به ﴿بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ﴿وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يعني ولا نؤمن بالذي بين يديه أي: (تقدمه كالتوراة والإنجيل الدالَّيْن على البعث بإنكارهم له)، يعني ولا نؤمن أيضًا بالذي بين يديه، والمراد على رأي المؤلف: بما بين يديه، ما سبقه، وليس ما يأتي بعده، ما سبقه من (...) منين؟ (...).
ما ذهب إليه المؤلف.
ويحتمل أن يراد بقوله: ﴿وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ ٣١] أي: ما يأتي مما أخبر به، فإن ما بين يدي الشيء مستقبله، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة ٢٥٥] والمعنيان صحيحان، وإذا كانت الآية تحتمل معنيين صحيحين لا يتنافيان وجب حملها على الجميع؛ لأن القرآن شامل واسِع ﴿وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ ٣١] أي: ولا بالذي يأتي بعده مما أخبر به، أو: ﴿وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ما تقدمه من الكتب كالتوراة والإنجيل.
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ قال المؤلف: (يا محمد ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ الكافرون ﴿مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [سبأ ٣١]).
﴿وَلَوْ تَرَى﴾ هذه (لو) شرطية، فعل شرطها ﴿تَرَى﴾ وهي جازمة ولَّا غير جازمة؟ غير جازمة، وجوابها محذوف؛ أي: لرأيت أمرًا فظيعًا، وجواب الشرط في مثل هذا التركيب أعظم من ذِكْره؛ لأن النفس تذهب في تقديره كل مذهب من الفظاعة والبشاعة.
و(لو) تأتي في اللغة العربية على عدة معانٍ: تأتي شرطية كما هنا، وتأتي مصدرية كما في قوله: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩].
وقول المؤلف: (يا محمد)، قصر المؤلف الضمير على الرسول ﷺ مع أنه يحتمل أن يكون المراد به كل مخاطب؛ يعني ولو ترى أيها المخاطَب حال هؤلاء لرأيت أمرًا فظيعًا.
وقوله: ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ [سبأ ٣١] ﴿إِذِ﴾ بمعنى وقت أو حين، فهي ظرف زمان، و﴿الظَّالِمُونَ﴾ مبتدأ و﴿مَوْقُوفُونَ﴾ خبره.
والمراد بالظالمين هنا قال المؤلف: (الكافرون)، وإنما خصَّها بالكافرين مع أن الظلم أعم لقرينة السياق؛ حيث قال الله تعالى في آخرها: ﴿وَجَعَلْنَا الأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [سبأ ٣٣]، فصار المراد بالظالمين هنا الكافرين.
هل كل كافر ظالم؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: هل كل ظالم كافر؟ لا؛ ولهذا لما قال الله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤] قال العلماء: نحمد الله أن لم يقل: والظالمون هم الكافرون.
﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [سبأ ٣١] أي: محبوسون، فمعنى وَقَفَه أي: حبَسَه، ومنه سُمِّي الوقْف للمال الحبيس الذي تُحبس عينُه، وتُسبَّل منفعته، فمعنى ﴿مَوْقُوفُونَ﴾ أي: محبوسون عند الله عز وجل. وقوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ولم يقل: عند الله؛ لأن مِثْل هذا الفعل العظيم الدال على العظمة يتناسب مع الربوبية؛ لكمال ربوبيته عز وجل، وكمال ملكه وسلطانه، تجد هؤلاء الظلمة الذين عندهم من العتو والاستكبار والعناد في الدنيا تجدهم في أذل شيء أمام ربوبية الله عز وجل.
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ [سبأ ٣١] ﴿يَرْجِعُ﴾ بمعنى يرد، وعلى هذا فتكون متعدية؛ لأن رجع تأتي لازمة، وتأتي متعدية، فقولك: رجعت من مكة إلى المدينة؛ هذه لازمة ولَّا متعدية؟
* طلبة: لازمة.
* الشيخ: لازمة؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: رجعت من مكة إلى المدينة؛ لازمة، أيش تقولون؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: لازمة؛ لأنها لم تنصب المفعول. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة ٨٣] هذه متعدية.
وهنا قال: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ متعدية ولَّا لازمة؟ متعدية؛ أي: يردهم.
وقوله: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ ﴿الْقَوْلَ﴾ هنا مُبهم ومُجْمَل، ثم فصَّله بقوله: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ إلى آخره [سبأ: ٣١].
وفائدة الإبهام المفصل فائدته عظيمة؛ لأنه إذا أُجمل أولًا وأُبهم فإن النفس تتطلع إلى بيان ذلك الشيء وتفصيله ولَّا لا؟ عندما أقرأ: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾، ماذا يكون ذهنك؟ يكون ذهنك متطلعًا إلى بيان هذا القول الذي يتراجعونه، لكن لو قال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ هكذا جاءت لم يكن لها من التمكن في الذهن مثل ما كان لها حينما أبهم القول، ثم بُيِّن، أو أُجْمِل، ثم فُصِّل.
﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ ماذا يقولون؟ (﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ الأتباع ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ الرؤساء ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ﴾ صددتمونا عن الإيمان ﴿لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ بالنبي).
﴿لَوْلَا﴾ هذه شرطية أو لا؟ شرطية، ويقال فيها: حرف امتناع لوجود؛ لأنه امتنع جوابها لوجود شرطها، وتأتي (لولا) شرطية كما هنا، وتأتي للتحضيض كما في قوله: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور ١٣]، وتأتي للنفي كما في قوله: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس ٩٨] المعنى فما كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا.
هنا يقول: ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ﴾. ابن مالك رحمه الله يقول:
وَبَعْدَ لَوْلَا غَالِبًا حَذْفُ الْخَبَرْ ∗∗∗ حَتْمٌ .....................
إذن هنا المبتدأ موجود، وهو ﴿أَنْتُمْ﴾ فأين الخبر؟ محذوف قدَّرَه المؤلف بقوله: (صددتمونا) من أين عرف أنه بهذا اللفظ؟ من قولهم: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى﴾ [سبأ ٣٢]، إذن ما نُقدِّر هنا: لولا أنتم موجودون؛ لأن الصد أخص من مطلق الوجود، وإذا كان لنا طريق إلى تقدير الأخص فهو أولى من تقدير الأعم؛ ولهذا قلنا: إن القارئ إذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم، يُقدِّر المتعلَّق بقوله: أقرأ، لا بقوله: أبتدئ؛ لأن أبتدئ عامة وأقرأ خاصة، هنا يمكن أن نقول: لولا أنتم موجودون، لكن ما دُمنا نجد فعلًا أخص وهو الصد المدلول عليه بقوله: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ﴾ [سبأ ٣٢] فإنه يجب أن نقدر لولا أنتم صددتمونا.
﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ ٣١] هذا جواب الشرط؛ ولهذا اقترن باللام ﴿لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ لكن بمن؟ قال: (بالنبي).
والأصح أنه أعم؛ أي لكنا مؤمنين بما تشمله رسالة النبي ﷺ من الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبغير ذلك مما يجب الإيمان به.
﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ [سبأ ٣٢] ردوا عليهم القول ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ [سبأ ٣١] ردوا القول؟ وين الرد؟ (...).
يقول: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ هذا رد لقولهم، شوف ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ [سبأ ٣٢] الاستفهام هنا بمعنى النفي؛ يعني لن نصددكم عن الهدى بعد إذ جاءكم، بل أنتم الذين اخترتم الكُفر، وهنا صدق قول الله عز وجل: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة ١٦٦]، فهنا قال: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ﴾ يعني إنا متبرئون منكم، ولا أجبرناكم على الكفر بل أنتم الذين اخترتم ذلك.
وقوله: ﴿صَدَدْنَاكُمْ﴾ أي: صرفناكم.
وقوله: ﴿عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ [سبأ ٣٢] هذا من باب تحقيق مجيء الهدى ووضوحه، وهذا إقرار من هؤلاء الرؤساء المستكبرين، إقرار منهم على أن الهدى قد جاء وبان ووضح ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ قال المؤلف في تفسيرها: (لا) إشارة إلى أن الاستفهام هنا للنفي، وكلما جاءكم (لا) بعد الاستفهام فإن ترجمتها أن المؤلف يرى أن الاستفهام هنا للنفي.
(﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ [سبأ ٣٢] في أنفسكم)، شوف أعوذ بالله، في الدنيا تجده يأتي إليه المستكبِر هذا الضعيف يدعوه بلطف تام، وفي الآخرة يلعن بعضهم بعضًا، ويتبرأ بعضهم من بعض.
«انظر إلى ملك غسان لما بلغه أن النبي عليه الصلاة والسلام هجر كعب بن مالك، ويش أرسل إليه؟ أرسل إليه خطابًا رقيقًا لطيفًا وقال له: إنه بلغنا أن صاحبك قد هجرك فأتِ إلينا نواسِك، شوف التلطف (...) ولكن لم ينخدع كعب رضي الله عنه لإيمانه، وخاف أن ينخدع في المستقبل، فماذا صنع؟ ذهب إلى التنور وأوقد هذه الورقة»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٤١٨)، ومسلم (٢٧٦٩ / ٥٣) من حديث كعب بن مالك.]].
وهكذا كل شيء تخشى على نفسك منه في المستقبل يجب عليك أن تُتلفه، لا تقل: إني الآن ما يمكن أفعل هذا الشيء أبدًا، ولا يمكن أن أضل به، صحيح أنك في بادئ البدء قد لا تنخدع لكن الشيطان يعمل عمله؛ ولهذا يجب عليك أن تتلف كل ما تخشى أن تكون عاقبته عليك وخيمة.
الحاصل أن هؤلاء في الآخرة ما يتوددون، ولا يتلطفون، ولا يرحمون هؤلاء الأتباع، قال: ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ [سبأ ٣٢]، والإجرام هو الذنب الذي لا يغتفر.
قال: ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ﴾ [سبأ ٣٣] شوف إضراب على إضرابهم، (...) قال: ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ إضراب في أيش؟ عن قولهم: ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ ٣١]، ثم هؤلاء أضربوا عنهم؛ يعني قابلوهم بإضراب آخر.
قالوا: (﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ ٣٣] أي مكر فيهما منكم بنا). ﴿مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ هنا المكر مضاف إلى الليل على تقدير (في)؛ لأن الإضافة قد تكون على تقدير (من)، وعلى تقدير (اللام)، وعلى تقدير (في)، فإن كان الأول من الثاني يعني بأن كان الثاني جنسًا للأول فهو على تقدير (مِن)، وإذا كان الثاني ظرفًا للأول فهو على تقدير (في)، وما عدا ذلك فعلى تقدير (اللام).
خاتم حديد، على تقدير (مِن)، كذا؟ ثوب خز، على تقدير (مِن)، (في) مكر الليل؛ أي: مكر في الليل.
ما هو المكر؟ قالوا في تعريف المكر: إنه التوصل بالأسباب الخفية إلى الإيقاع بالمقابِل، هذا المكر؛ يعني بالذي قابلك، أو إن شئت فقل: بالخصم، كذا؟ عرِّف لي ما (...)؟ ﴿مَكْرُ اللَّيْلِ﴾ أضيف المكر هنا إلى الليل؛ لأنه ظرف..
يقول: نحن أكثر أموالًا وأولادًا، وإن رُجِعْنا إلى الله فإننا لن نعذب، وهذا على أحد الاحتمالين، والاحتمال الثاني أن قولهم: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ ٣٥] أي: أننا لن نُبْعَث ونُعَذَّب.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [سبأ ٣٦] إلى آخره.
في هذا إثبات المشيئة لله؛ لقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وإثبات الأفعال الاختيارية؛ لقوله: ﴿يَبْسُطُ﴾ ﴿وَيَقْدِرُ﴾.
* وفيه أيضًا: أن كثرة المال والولد لا يدل على الرضا، وإنما هو تابع لماذا؟ لمشيئة الله.
* ومنها: الحكمة العظيمة البالغة في اختلاف الناس في سعة الرزق وضيقه، لولا ذلك ما قامت مصالح الخلق، لو كان الناس على حَدٍّ سواء في الغنى هل يخدم بعضهم بعضًا؟ لا، ولا يقوم بعضهم بمصالح بعض، وانظر إلى قوله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف ٣٢] لماذا؟ ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف ٣٢]، ولولا هذا الاختلاف من بَسْط الرزق وسعته ما حصلت هذه الفائدة العظيمة، وهو تسخير الناس بعضهم لبعض.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أكثر الناس جهالٌ بحكمة الله عز وجل في أفعاله؛ لقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
سبأ 34:31
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [سبأ: ٢٩] ﴿يَقُولُونَ﴾ يعني المكذبين للرسول ﷺ، الذي تُوعِّدوا بالعذاب والنكال فيقولون متحدين ومستبعدين ومنكرين: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾.
﴿مَتَى﴾ اسم استفهام، والمراد به الإنكار والتحدي.
﴿الْوَعْدُ﴾ أي: بالعذاب الذي وعدتمونا به، ويحتمل أن يكون ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ بالنصر لكم؛ لأن المعروف أن الوعد في الخير، وفي الشر وعيد، ولكن قد يُقال: إن الوعيد لهؤلاء الكفار هو بالنسبة للمؤمنين وعد.
(﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ بالعذاب ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فيه) يعني إن كنتم صادقين بما تقولون من أن العذاب سيحل بنا وسنعاقب، والصدق: هو الإخبار بما يوافق الواقع، والكذب: الإخبار بما يخالف الواقع، فإذا قلت: قَدِمَ زيد البلد، ولم يكن قدم؛ فهو كذب؛ لأنه خلاف الواقع، وإذا قلت: قدم زيد البلد، وقد قدم؛ فهو صدق لموافقة الواقع.
فيقولون إن كنتم صادقين فمتى يكون هذا؟ وهذا كقوله تعالى في الساعة: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ [الشورى ١٧، ١٨]، فالكفار يستعجلون العذاب تكذيبًا للرسل عليهم الصلاة والسلام.
قال الله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء ٢٠٤، ٢٠٧] أي: يعني أي شيء يغني عنهم، فمهما طال بهم الأمد فإن المسألة محدودة معدودة ﴿إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء ٢٠٥، ٢٠٧].
فهم يتحدون، ومع ذلك أحيانًا يتحدون كذبًا فإنهم قالوا: حين أُخبِروا بالبعث، قالوا متحدين للرسل عليهم الصلاة والسلام: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية ٢٥] وهل قيل لهم: إن آباءهم يأتون الآن حتى يوجهوا الصورة إلى هذا؟ لا، يعني قيل لهم: إن آباءهم سيبعثون يوم القيامة لكنهم يُموِّهون على العامة بمثل هذه الدعاوى.
يقول الله عز وجل: (﴿قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سبأ ٣٠] عليه وهو يوم القيامة).
﴿لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ﴾ قوله: ﴿مِيعَادُ﴾ يحتمل أن يكون ظرف مكان أو زمان، ويحتمل أن يكون مصدرًا ميميًّا، والمعنى أن لكم وعدًا يكون في يوم لا تستأخرون عنه ساعة، ولا تستقدمون عليه؛ وذلك لأن الله عز وجل بحكمته البالغة قدَّر لكل شيء أجلًا معينًا، قال الله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد ٨] كل شيء بمقدار عند الله ومُحدَّد بأجله، فالعذاب لا يقدمه استعجالهم، ولا يؤخره، إذا جاء لا يتقدم ولا يتأخر، وفي هذا جواب من التهديد لهم ما هو ظاهر كما لو قلت للإنسان: إن لك عندي موعدًا لا يتقدم ولا يتأخر؛ فالمعنى احذر من هذا اليوم.
وقول المؤلف: (هو يوم القيامة) هذا لا شك أنه محتمل لكن فيه احتمال آخر أنه يوم القيامة ويوم موتهم أيضًا فإن يوم موتهم يشاهدون العذاب، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الأنفال ٥٠، ٥١].
فهذا اليوم يجدون فيه العذاب قبل يوم القيامة، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام ٩٣]، وفي سورة الدخان ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ [الدخان ١٠ - ١٣] إلى قوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان ١٥، ١٦] وهذا متى حصل؟ حصل في بدر حين قتل شرفاؤهم وساداتهم.
قال تعالى: (﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [سبأ ٣١] من أهل مكة)، أهل مكة (...) عليهم بالكفر قبل أن يكونوا مؤمنين لكن لا ينبغي أن نخصص ما عممه الله عز وجل، فالصواب: وقال الذين كفروا من أهل مكة وغيرهم، أيش قالوا؟ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ ٣١] أعوذ بالله، أتوا بـ ﴿لَنْ﴾ الدالة على تأكيد النفي، ولم يقولوا: لا نؤمن، بل قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ﴾ يؤكدون انتفاء إيمانهم بالقرآن في المستقبل. ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ (هذا) الإشارة للقريب تحقيرًا له كما في قوله تعالى: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء ٣٦] ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان٤١].
﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ ٣١] قلت: إن الإشارة هنا للقريب تحقيرًا له. وقوله: ﴿الْقُرْآنِ﴾ على وزن (فُعْلان)، فهل هو بمعنى المقروء؛ أو بمعنى القارِئ، أو هو مصدر بمعنى الجمع؟ فيه خلاف لعلماء العربية، والصواب أنه مُتضمن للمعاني كلها؛ فهو بمعنى قارئ أي جامع؛ لأنه مُهيمن على الكتب السابقة، وجميع ما فيها من المصالح موجود فيها وهو مقروء؛ لأن الناس يقرؤونه ويتلونه وهو جمع أيضًا؛ لأنه جامِع لكل شيء، والفُعلان بمعنى المصدر موجود في اللغة العربية، مثل: الشُّكْران والكُفْران والنُّكْران، وما أشبه ذلك، والمراد بالقرآن هنا الكتاب الذي أنزله الله تعالى على محمد ﷺ، وهو اسم خاص به ﴿بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ﴿وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يعني ولا نؤمن بالذي بين يديه أي: (تقدمه كالتوراة والإنجيل الدالَّيْن على البعث بإنكارهم له)، يعني ولا نؤمن أيضًا بالذي بين يديه، والمراد على رأي المؤلف: بما بين يديه، ما سبقه، وليس ما يأتي بعده، ما سبقه من (...) منين؟ (...).
ما ذهب إليه المؤلف.
ويحتمل أن يراد بقوله: ﴿وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ ٣١] أي: ما يأتي مما أخبر به، فإن ما بين يدي الشيء مستقبله، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة ٢٥٥] والمعنيان صحيحان، وإذا كانت الآية تحتمل معنيين صحيحين لا يتنافيان وجب حملها على الجميع؛ لأن القرآن شامل واسِع ﴿وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ ٣١] أي: ولا بالذي يأتي بعده مما أخبر به، أو: ﴿وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ما تقدمه من الكتب كالتوراة والإنجيل.
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ قال المؤلف: (يا محمد ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ الكافرون ﴿مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [سبأ ٣١]).
﴿وَلَوْ تَرَى﴾ هذه (لو) شرطية، فعل شرطها ﴿تَرَى﴾ وهي جازمة ولَّا غير جازمة؟ غير جازمة، وجوابها محذوف؛ أي: لرأيت أمرًا فظيعًا، وجواب الشرط في مثل هذا التركيب أعظم من ذِكْره؛ لأن النفس تذهب في تقديره كل مذهب من الفظاعة والبشاعة.
و(لو) تأتي في اللغة العربية على عدة معانٍ: تأتي شرطية كما هنا، وتأتي مصدرية كما في قوله: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩].
وقول المؤلف: (يا محمد)، قصر المؤلف الضمير على الرسول ﷺ مع أنه يحتمل أن يكون المراد به كل مخاطب؛ يعني ولو ترى أيها المخاطَب حال هؤلاء لرأيت أمرًا فظيعًا.
وقوله: ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ [سبأ ٣١] ﴿إِذِ﴾ بمعنى وقت أو حين، فهي ظرف زمان، و﴿الظَّالِمُونَ﴾ مبتدأ و﴿مَوْقُوفُونَ﴾ خبره.
والمراد بالظالمين هنا قال المؤلف: (الكافرون)، وإنما خصَّها بالكافرين مع أن الظلم أعم لقرينة السياق؛ حيث قال الله تعالى في آخرها: ﴿وَجَعَلْنَا الأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [سبأ ٣٣]، فصار المراد بالظالمين هنا الكافرين.
هل كل كافر ظالم؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: هل كل ظالم كافر؟ لا؛ ولهذا لما قال الله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤] قال العلماء: نحمد الله أن لم يقل: والظالمون هم الكافرون.
﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [سبأ ٣١] أي: محبوسون، فمعنى وَقَفَه أي: حبَسَه، ومنه سُمِّي الوقْف للمال الحبيس الذي تُحبس عينُه، وتُسبَّل منفعته، فمعنى ﴿مَوْقُوفُونَ﴾ أي: محبوسون عند الله عز وجل. وقوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ولم يقل: عند الله؛ لأن مِثْل هذا الفعل العظيم الدال على العظمة يتناسب مع الربوبية؛ لكمال ربوبيته عز وجل، وكمال ملكه وسلطانه، تجد هؤلاء الظلمة الذين عندهم من العتو والاستكبار والعناد في الدنيا تجدهم في أذل شيء أمام ربوبية الله عز وجل.
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ [سبأ ٣١] ﴿يَرْجِعُ﴾ بمعنى يرد، وعلى هذا فتكون متعدية؛ لأن رجع تأتي لازمة، وتأتي متعدية، فقولك: رجعت من مكة إلى المدينة؛ هذه لازمة ولَّا متعدية؟
* طلبة: لازمة.
* الشيخ: لازمة؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: رجعت من مكة إلى المدينة؛ لازمة، أيش تقولون؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: لازمة؛ لأنها لم تنصب المفعول. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة ٨٣] هذه متعدية.
وهنا قال: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ متعدية ولَّا لازمة؟ متعدية؛ أي: يردهم.
وقوله: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ ﴿الْقَوْلَ﴾ هنا مُبهم ومُجْمَل، ثم فصَّله بقوله: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ إلى آخره [سبأ: ٣١].
وفائدة الإبهام المفصل فائدته عظيمة؛ لأنه إذا أُجمل أولًا وأُبهم فإن النفس تتطلع إلى بيان ذلك الشيء وتفصيله ولَّا لا؟ عندما أقرأ: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾، ماذا يكون ذهنك؟ يكون ذهنك متطلعًا إلى بيان هذا القول الذي يتراجعونه، لكن لو قال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ هكذا جاءت لم يكن لها من التمكن في الذهن مثل ما كان لها حينما أبهم القول، ثم بُيِّن، أو أُجْمِل، ثم فُصِّل.
﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ ماذا يقولون؟ (﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ الأتباع ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ الرؤساء ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ﴾ صددتمونا عن الإيمان ﴿لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ بالنبي).
﴿لَوْلَا﴾ هذه شرطية أو لا؟ شرطية، ويقال فيها: حرف امتناع لوجود؛ لأنه امتنع جوابها لوجود شرطها، وتأتي (لولا) شرطية كما هنا، وتأتي للتحضيض كما في قوله: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور ١٣]، وتأتي للنفي كما في قوله: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس ٩٨] المعنى فما كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا.
هنا يقول: ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ﴾. ابن مالك رحمه الله يقول:
وَبَعْدَ لَوْلَا غَالِبًا حَذْفُ الْخَبَرْ ∗∗∗ حَتْمٌ .....................
إذن هنا المبتدأ موجود، وهو ﴿أَنْتُمْ﴾ فأين الخبر؟ محذوف قدَّرَه المؤلف بقوله: (صددتمونا) من أين عرف أنه بهذا اللفظ؟ من قولهم: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى﴾ [سبأ ٣٢]، إذن ما نُقدِّر هنا: لولا أنتم موجودون؛ لأن الصد أخص من مطلق الوجود، وإذا كان لنا طريق إلى تقدير الأخص فهو أولى من تقدير الأعم؛ ولهذا قلنا: إن القارئ إذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم، يُقدِّر المتعلَّق بقوله: أقرأ، لا بقوله: أبتدئ؛ لأن أبتدئ عامة وأقرأ خاصة، هنا يمكن أن نقول: لولا أنتم موجودون، لكن ما دُمنا نجد فعلًا أخص وهو الصد المدلول عليه بقوله: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ﴾ [سبأ ٣٢] فإنه يجب أن نقدر لولا أنتم صددتمونا.
﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ ٣١] هذا جواب الشرط؛ ولهذا اقترن باللام ﴿لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ لكن بمن؟ قال: (بالنبي).
والأصح أنه أعم؛ أي لكنا مؤمنين بما تشمله رسالة النبي ﷺ من الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبغير ذلك مما يجب الإيمان به.
﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ [سبأ ٣٢] ردوا عليهم القول ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ [سبأ ٣١] ردوا القول؟ وين الرد؟ (...).
يقول: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ هذا رد لقولهم، شوف ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ [سبأ ٣٢] الاستفهام هنا بمعنى النفي؛ يعني لن نصددكم عن الهدى بعد إذ جاءكم، بل أنتم الذين اخترتم الكُفر، وهنا صدق قول الله عز وجل: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة ١٦٦]، فهنا قال: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ﴾ يعني إنا متبرئون منكم، ولا أجبرناكم على الكفر بل أنتم الذين اخترتم ذلك.
وقوله: ﴿صَدَدْنَاكُمْ﴾ أي: صرفناكم.
وقوله: ﴿عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ [سبأ ٣٢] هذا من باب تحقيق مجيء الهدى ووضوحه، وهذا إقرار من هؤلاء الرؤساء المستكبرين، إقرار منهم على أن الهدى قد جاء وبان ووضح ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ قال المؤلف في تفسيرها: (لا) إشارة إلى أن الاستفهام هنا للنفي، وكلما جاءكم (لا) بعد الاستفهام فإن ترجمتها أن المؤلف يرى أن الاستفهام هنا للنفي.
(﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ [سبأ ٣٢] في أنفسكم)، شوف أعوذ بالله، في الدنيا تجده يأتي إليه المستكبِر هذا الضعيف يدعوه بلطف تام، وفي الآخرة يلعن بعضهم بعضًا، ويتبرأ بعضهم من بعض.
«انظر إلى ملك غسان لما بلغه أن النبي عليه الصلاة والسلام هجر كعب بن مالك، ويش أرسل إليه؟ أرسل إليه خطابًا رقيقًا لطيفًا وقال له: إنه بلغنا أن صاحبك قد هجرك فأتِ إلينا نواسِك، شوف التلطف (...) ولكن لم ينخدع كعب رضي الله عنه لإيمانه، وخاف أن ينخدع في المستقبل، فماذا صنع؟ ذهب إلى التنور وأوقد هذه الورقة»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٤١٨)، ومسلم (٢٧٦٩ / ٥٣) من حديث كعب بن مالك.]].
وهكذا كل شيء تخشى على نفسك منه في المستقبل يجب عليك أن تُتلفه، لا تقل: إني الآن ما يمكن أفعل هذا الشيء أبدًا، ولا يمكن أن أضل به، صحيح أنك في بادئ البدء قد لا تنخدع لكن الشيطان يعمل عمله؛ ولهذا يجب عليك أن تتلف كل ما تخشى أن تكون عاقبته عليك وخيمة.
الحاصل أن هؤلاء في الآخرة ما يتوددون، ولا يتلطفون، ولا يرحمون هؤلاء الأتباع، قال: ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ [سبأ ٣٢]، والإجرام هو الذنب الذي لا يغتفر.
قال: ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ﴾ [سبأ ٣٣] شوف إضراب على إضرابهم، (...) قال: ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ إضراب في أيش؟ عن قولهم: ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ ٣١]، ثم هؤلاء أضربوا عنهم؛ يعني قابلوهم بإضراب آخر.
قالوا: (﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ ٣٣] أي مكر فيهما منكم بنا). ﴿مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ هنا المكر مضاف إلى الليل على تقدير (في)؛ لأن الإضافة قد تكون على تقدير (من)، وعلى تقدير (اللام)، وعلى تقدير (في)، فإن كان الأول من الثاني يعني بأن كان الثاني جنسًا للأول فهو على تقدير (مِن)، وإذا كان الثاني ظرفًا للأول فهو على تقدير (في)، وما عدا ذلك فعلى تقدير (اللام).
خاتم حديد، على تقدير (مِن)، كذا؟ ثوب خز، على تقدير (مِن)، (في) مكر الليل؛ أي: مكر في الليل.
ما هو المكر؟ قالوا في تعريف المكر: إنه التوصل بالأسباب الخفية إلى الإيقاع بالمقابِل، هذا المكر؛ يعني بالذي قابلك، أو إن شئت فقل: بالخصم، كذا؟ عرِّف لي ما (...)؟ ﴿مَكْرُ اللَّيْلِ﴾ أضيف المكر هنا إلى الليل؛ لأنه ظرف..
يقول: نحن أكثر أموالًا وأولادًا، وإن رُجِعْنا إلى الله فإننا لن نعذب، وهذا على أحد الاحتمالين، والاحتمال الثاني أن قولهم: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ ٣٥] أي: أننا لن نُبْعَث ونُعَذَّب.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [سبأ ٣٦] إلى آخره.
في هذا إثبات المشيئة لله؛ لقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وإثبات الأفعال الاختيارية؛ لقوله: ﴿يَبْسُطُ﴾ ﴿وَيَقْدِرُ﴾.
* وفيه أيضًا: أن كثرة المال والولد لا يدل على الرضا، وإنما هو تابع لماذا؟ لمشيئة الله.
* ومنها: الحكمة العظيمة البالغة في اختلاف الناس في سعة الرزق وضيقه، لولا ذلك ما قامت مصالح الخلق، لو كان الناس على حَدٍّ سواء في الغنى هل يخدم بعضهم بعضًا؟ لا، ولا يقوم بعضهم بمصالح بعض، وانظر إلى قوله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف ٣٢] لماذا؟ ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف ٣٢]، ولولا هذا الاختلاف من بَسْط الرزق وسعته ما حصلت هذه الفائدة العظيمة، وهو تسخير الناس بعضهم لبعض.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أكثر الناس جهالٌ بحكمة الله عز وجل في أفعاله؛ لقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
سبأ 34:32
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [سبأ: ٢٩] ﴿يَقُولُونَ﴾ يعني المكذبين للرسول ﷺ، الذي تُوعِّدوا بالعذاب والنكال فيقولون متحدين ومستبعدين ومنكرين: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾.
﴿مَتَى﴾ اسم استفهام، والمراد به الإنكار والتحدي.
﴿الْوَعْدُ﴾ أي: بالعذاب الذي وعدتمونا به، ويحتمل أن يكون ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ بالنصر لكم؛ لأن المعروف أن الوعد في الخير، وفي الشر وعيد، ولكن قد يُقال: إن الوعيد لهؤلاء الكفار هو بالنسبة للمؤمنين وعد.
(﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ بالعذاب ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فيه) يعني إن كنتم صادقين بما تقولون من أن العذاب سيحل بنا وسنعاقب، والصدق: هو الإخبار بما يوافق الواقع، والكذب: الإخبار بما يخالف الواقع، فإذا قلت: قَدِمَ زيد البلد، ولم يكن قدم؛ فهو كذب؛ لأنه خلاف الواقع، وإذا قلت: قدم زيد البلد، وقد قدم؛ فهو صدق لموافقة الواقع.
فيقولون إن كنتم صادقين فمتى يكون هذا؟ وهذا كقوله تعالى في الساعة: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ [الشورى ١٧، ١٨]، فالكفار يستعجلون العذاب تكذيبًا للرسل عليهم الصلاة والسلام.
قال الله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء ٢٠٤، ٢٠٧] أي: يعني أي شيء يغني عنهم، فمهما طال بهم الأمد فإن المسألة محدودة معدودة ﴿إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء ٢٠٥، ٢٠٧].
فهم يتحدون، ومع ذلك أحيانًا يتحدون كذبًا فإنهم قالوا: حين أُخبِروا بالبعث، قالوا متحدين للرسل عليهم الصلاة والسلام: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية ٢٥] وهل قيل لهم: إن آباءهم يأتون الآن حتى يوجهوا الصورة إلى هذا؟ لا، يعني قيل لهم: إن آباءهم سيبعثون يوم القيامة لكنهم يُموِّهون على العامة بمثل هذه الدعاوى.
يقول الله عز وجل: (﴿قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سبأ ٣٠] عليه وهو يوم القيامة).
﴿لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ﴾ قوله: ﴿مِيعَادُ﴾ يحتمل أن يكون ظرف مكان أو زمان، ويحتمل أن يكون مصدرًا ميميًّا، والمعنى أن لكم وعدًا يكون في يوم لا تستأخرون عنه ساعة، ولا تستقدمون عليه؛ وذلك لأن الله عز وجل بحكمته البالغة قدَّر لكل شيء أجلًا معينًا، قال الله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد ٨] كل شيء بمقدار عند الله ومُحدَّد بأجله، فالعذاب لا يقدمه استعجالهم، ولا يؤخره، إذا جاء لا يتقدم ولا يتأخر، وفي هذا جواب من التهديد لهم ما هو ظاهر كما لو قلت للإنسان: إن لك عندي موعدًا لا يتقدم ولا يتأخر؛ فالمعنى احذر من هذا اليوم.
وقول المؤلف: (هو يوم القيامة) هذا لا شك أنه محتمل لكن فيه احتمال آخر أنه يوم القيامة ويوم موتهم أيضًا فإن يوم موتهم يشاهدون العذاب، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الأنفال ٥٠، ٥١].
فهذا اليوم يجدون فيه العذاب قبل يوم القيامة، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام ٩٣]، وفي سورة الدخان ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ [الدخان ١٠ - ١٣] إلى قوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان ١٥، ١٦] وهذا متى حصل؟ حصل في بدر حين قتل شرفاؤهم وساداتهم.
قال تعالى: (﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [سبأ ٣١] من أهل مكة)، أهل مكة (...) عليهم بالكفر قبل أن يكونوا مؤمنين لكن لا ينبغي أن نخصص ما عممه الله عز وجل، فالصواب: وقال الذين كفروا من أهل مكة وغيرهم، أيش قالوا؟ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ ٣١] أعوذ بالله، أتوا بـ ﴿لَنْ﴾ الدالة على تأكيد النفي، ولم يقولوا: لا نؤمن، بل قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ﴾ يؤكدون انتفاء إيمانهم بالقرآن في المستقبل. ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ (هذا) الإشارة للقريب تحقيرًا له كما في قوله تعالى: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء ٣٦] ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان٤١].
﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ ٣١] قلت: إن الإشارة هنا للقريب تحقيرًا له. وقوله: ﴿الْقُرْآنِ﴾ على وزن (فُعْلان)، فهل هو بمعنى المقروء؛ أو بمعنى القارِئ، أو هو مصدر بمعنى الجمع؟ فيه خلاف لعلماء العربية، والصواب أنه مُتضمن للمعاني كلها؛ فهو بمعنى قارئ أي جامع؛ لأنه مُهيمن على الكتب السابقة، وجميع ما فيها من المصالح موجود فيها وهو مقروء؛ لأن الناس يقرؤونه ويتلونه وهو جمع أيضًا؛ لأنه جامِع لكل شيء، والفُعلان بمعنى المصدر موجود في اللغة العربية، مثل: الشُّكْران والكُفْران والنُّكْران، وما أشبه ذلك، والمراد بالقرآن هنا الكتاب الذي أنزله الله تعالى على محمد ﷺ، وهو اسم خاص به ﴿بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ﴿وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يعني ولا نؤمن بالذي بين يديه أي: (تقدمه كالتوراة والإنجيل الدالَّيْن على البعث بإنكارهم له)، يعني ولا نؤمن أيضًا بالذي بين يديه، والمراد على رأي المؤلف: بما بين يديه، ما سبقه، وليس ما يأتي بعده، ما سبقه من (...) منين؟ (...).
ما ذهب إليه المؤلف.
ويحتمل أن يراد بقوله: ﴿وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ ٣١] أي: ما يأتي مما أخبر به، فإن ما بين يدي الشيء مستقبله، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة ٢٥٥] والمعنيان صحيحان، وإذا كانت الآية تحتمل معنيين صحيحين لا يتنافيان وجب حملها على الجميع؛ لأن القرآن شامل واسِع ﴿وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ ٣١] أي: ولا بالذي يأتي بعده مما أخبر به، أو: ﴿وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ما تقدمه من الكتب كالتوراة والإنجيل.
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ قال المؤلف: (يا محمد ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ الكافرون ﴿مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [سبأ ٣١]).
﴿وَلَوْ تَرَى﴾ هذه (لو) شرطية، فعل شرطها ﴿تَرَى﴾ وهي جازمة ولَّا غير جازمة؟ غير جازمة، وجوابها محذوف؛ أي: لرأيت أمرًا فظيعًا، وجواب الشرط في مثل هذا التركيب أعظم من ذِكْره؛ لأن النفس تذهب في تقديره كل مذهب من الفظاعة والبشاعة.
و(لو) تأتي في اللغة العربية على عدة معانٍ: تأتي شرطية كما هنا، وتأتي مصدرية كما في قوله: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩].
وقول المؤلف: (يا محمد)، قصر المؤلف الضمير على الرسول ﷺ مع أنه يحتمل أن يكون المراد به كل مخاطب؛ يعني ولو ترى أيها المخاطَب حال هؤلاء لرأيت أمرًا فظيعًا.
وقوله: ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ [سبأ ٣١] ﴿إِذِ﴾ بمعنى وقت أو حين، فهي ظرف زمان، و﴿الظَّالِمُونَ﴾ مبتدأ و﴿مَوْقُوفُونَ﴾ خبره.
والمراد بالظالمين هنا قال المؤلف: (الكافرون)، وإنما خصَّها بالكافرين مع أن الظلم أعم لقرينة السياق؛ حيث قال الله تعالى في آخرها: ﴿وَجَعَلْنَا الأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [سبأ ٣٣]، فصار المراد بالظالمين هنا الكافرين.
هل كل كافر ظالم؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: هل كل ظالم كافر؟ لا؛ ولهذا لما قال الله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤] قال العلماء: نحمد الله أن لم يقل: والظالمون هم الكافرون.
﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [سبأ ٣١] أي: محبوسون، فمعنى وَقَفَه أي: حبَسَه، ومنه سُمِّي الوقْف للمال الحبيس الذي تُحبس عينُه، وتُسبَّل منفعته، فمعنى ﴿مَوْقُوفُونَ﴾ أي: محبوسون عند الله عز وجل. وقوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ولم يقل: عند الله؛ لأن مِثْل هذا الفعل العظيم الدال على العظمة يتناسب مع الربوبية؛ لكمال ربوبيته عز وجل، وكمال ملكه وسلطانه، تجد هؤلاء الظلمة الذين عندهم من العتو والاستكبار والعناد في الدنيا تجدهم في أذل شيء أمام ربوبية الله عز وجل.
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ [سبأ ٣١] ﴿يَرْجِعُ﴾ بمعنى يرد، وعلى هذا فتكون متعدية؛ لأن رجع تأتي لازمة، وتأتي متعدية، فقولك: رجعت من مكة إلى المدينة؛ هذه لازمة ولَّا متعدية؟
* طلبة: لازمة.
* الشيخ: لازمة؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: رجعت من مكة إلى المدينة؛ لازمة، أيش تقولون؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: لازمة؛ لأنها لم تنصب المفعول. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة ٨٣] هذه متعدية.
وهنا قال: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ متعدية ولَّا لازمة؟ متعدية؛ أي: يردهم.
وقوله: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ ﴿الْقَوْلَ﴾ هنا مُبهم ومُجْمَل، ثم فصَّله بقوله: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ إلى آخره [سبأ: ٣١].
وفائدة الإبهام المفصل فائدته عظيمة؛ لأنه إذا أُجمل أولًا وأُبهم فإن النفس تتطلع إلى بيان ذلك الشيء وتفصيله ولَّا لا؟ عندما أقرأ: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾، ماذا يكون ذهنك؟ يكون ذهنك متطلعًا إلى بيان هذا القول الذي يتراجعونه، لكن لو قال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ هكذا جاءت لم يكن لها من التمكن في الذهن مثل ما كان لها حينما أبهم القول، ثم بُيِّن، أو أُجْمِل، ثم فُصِّل.
﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ ماذا يقولون؟ (﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ الأتباع ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ الرؤساء ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ﴾ صددتمونا عن الإيمان ﴿لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ بالنبي).
﴿لَوْلَا﴾ هذه شرطية أو لا؟ شرطية، ويقال فيها: حرف امتناع لوجود؛ لأنه امتنع جوابها لوجود شرطها، وتأتي (لولا) شرطية كما هنا، وتأتي للتحضيض كما في قوله: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور ١٣]، وتأتي للنفي كما في قوله: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس ٩٨] المعنى فما كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا.
هنا يقول: ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ﴾. ابن مالك رحمه الله يقول:
وَبَعْدَ لَوْلَا غَالِبًا حَذْفُ الْخَبَرْ ∗∗∗ حَتْمٌ .....................
إذن هنا المبتدأ موجود، وهو ﴿أَنْتُمْ﴾ فأين الخبر؟ محذوف قدَّرَه المؤلف بقوله: (صددتمونا) من أين عرف أنه بهذا اللفظ؟ من قولهم: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى﴾ [سبأ ٣٢]، إذن ما نُقدِّر هنا: لولا أنتم موجودون؛ لأن الصد أخص من مطلق الوجود، وإذا كان لنا طريق إلى تقدير الأخص فهو أولى من تقدير الأعم؛ ولهذا قلنا: إن القارئ إذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم، يُقدِّر المتعلَّق بقوله: أقرأ، لا بقوله: أبتدئ؛ لأن أبتدئ عامة وأقرأ خاصة، هنا يمكن أن نقول: لولا أنتم موجودون، لكن ما دُمنا نجد فعلًا أخص وهو الصد المدلول عليه بقوله: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ﴾ [سبأ ٣٢] فإنه يجب أن نقدر لولا أنتم صددتمونا.
﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ ٣١] هذا جواب الشرط؛ ولهذا اقترن باللام ﴿لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ لكن بمن؟ قال: (بالنبي).
والأصح أنه أعم؛ أي لكنا مؤمنين بما تشمله رسالة النبي ﷺ من الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبغير ذلك مما يجب الإيمان به.
﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ [سبأ ٣٢] ردوا عليهم القول ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ [سبأ ٣١] ردوا القول؟ وين الرد؟ (...).
يقول: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ هذا رد لقولهم، شوف ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ [سبأ ٣٢] الاستفهام هنا بمعنى النفي؛ يعني لن نصددكم عن الهدى بعد إذ جاءكم، بل أنتم الذين اخترتم الكُفر، وهنا صدق قول الله عز وجل: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة ١٦٦]، فهنا قال: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ﴾ يعني إنا متبرئون منكم، ولا أجبرناكم على الكفر بل أنتم الذين اخترتم ذلك.
وقوله: ﴿صَدَدْنَاكُمْ﴾ أي: صرفناكم.
وقوله: ﴿عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ [سبأ ٣٢] هذا من باب تحقيق مجيء الهدى ووضوحه، وهذا إقرار من هؤلاء الرؤساء المستكبرين، إقرار منهم على أن الهدى قد جاء وبان ووضح ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ قال المؤلف في تفسيرها: (لا) إشارة إلى أن الاستفهام هنا للنفي، وكلما جاءكم (لا) بعد الاستفهام فإن ترجمتها أن المؤلف يرى أن الاستفهام هنا للنفي.
(﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ [سبأ ٣٢] في أنفسكم)، شوف أعوذ بالله، في الدنيا تجده يأتي إليه المستكبِر هذا الضعيف يدعوه بلطف تام، وفي الآخرة يلعن بعضهم بعضًا، ويتبرأ بعضهم من بعض.
«انظر إلى ملك غسان لما بلغه أن النبي عليه الصلاة والسلام هجر كعب بن مالك، ويش أرسل إليه؟ أرسل إليه خطابًا رقيقًا لطيفًا وقال له: إنه بلغنا أن صاحبك قد هجرك فأتِ إلينا نواسِك، شوف التلطف (...) ولكن لم ينخدع كعب رضي الله عنه لإيمانه، وخاف أن ينخدع في المستقبل، فماذا صنع؟ ذهب إلى التنور وأوقد هذه الورقة»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٤١٨)، ومسلم (٢٧٦٩ / ٥٣) من حديث كعب بن مالك.]].
وهكذا كل شيء تخشى على نفسك منه في المستقبل يجب عليك أن تُتلفه، لا تقل: إني الآن ما يمكن أفعل هذا الشيء أبدًا، ولا يمكن أن أضل به، صحيح أنك في بادئ البدء قد لا تنخدع لكن الشيطان يعمل عمله؛ ولهذا يجب عليك أن تتلف كل ما تخشى أن تكون عاقبته عليك وخيمة.
الحاصل أن هؤلاء في الآخرة ما يتوددون، ولا يتلطفون، ولا يرحمون هؤلاء الأتباع، قال: ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ [سبأ ٣٢]، والإجرام هو الذنب الذي لا يغتفر.
قال: ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ﴾ [سبأ ٣٣] شوف إضراب على إضرابهم، (...) قال: ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ إضراب في أيش؟ عن قولهم: ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ ٣١]، ثم هؤلاء أضربوا عنهم؛ يعني قابلوهم بإضراب آخر.
قالوا: (﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ ٣٣] أي مكر فيهما منكم بنا). ﴿مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ هنا المكر مضاف إلى الليل على تقدير (في)؛ لأن الإضافة قد تكون على تقدير (من)، وعلى تقدير (اللام)، وعلى تقدير (في)، فإن كان الأول من الثاني يعني بأن كان الثاني جنسًا للأول فهو على تقدير (مِن)، وإذا كان الثاني ظرفًا للأول فهو على تقدير (في)، وما عدا ذلك فعلى تقدير (اللام).
خاتم حديد، على تقدير (مِن)، كذا؟ ثوب خز، على تقدير (مِن)، (في) مكر الليل؛ أي: مكر في الليل.
ما هو المكر؟ قالوا في تعريف المكر: إنه التوصل بالأسباب الخفية إلى الإيقاع بالمقابِل، هذا المكر؛ يعني بالذي قابلك، أو إن شئت فقل: بالخصم، كذا؟ عرِّف لي ما (...)؟ ﴿مَكْرُ اللَّيْلِ﴾ أضيف المكر هنا إلى الليل؛ لأنه ظرف..
يقول: نحن أكثر أموالًا وأولادًا، وإن رُجِعْنا إلى الله فإننا لن نعذب، وهذا على أحد الاحتمالين، والاحتمال الثاني أن قولهم: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ ٣٥] أي: أننا لن نُبْعَث ونُعَذَّب.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [سبأ ٣٦] إلى آخره.
في هذا إثبات المشيئة لله؛ لقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وإثبات الأفعال الاختيارية؛ لقوله: ﴿يَبْسُطُ﴾ ﴿وَيَقْدِرُ﴾.
* وفيه أيضًا: أن كثرة المال والولد لا يدل على الرضا، وإنما هو تابع لماذا؟ لمشيئة الله.
* ومنها: الحكمة العظيمة البالغة في اختلاف الناس في سعة الرزق وضيقه، لولا ذلك ما قامت مصالح الخلق، لو كان الناس على حَدٍّ سواء في الغنى هل يخدم بعضهم بعضًا؟ لا، ولا يقوم بعضهم بمصالح بعض، وانظر إلى قوله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف ٣٢] لماذا؟ ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف ٣٢]، ولولا هذا الاختلاف من بَسْط الرزق وسعته ما حصلت هذه الفائدة العظيمة، وهو تسخير الناس بعضهم لبعض.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أكثر الناس جهالٌ بحكمة الله عز وجل في أفعاله؛ لقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
سبأ 34:33
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [سبأ: ٢٩] ﴿يَقُولُونَ﴾ يعني المكذبين للرسول ﷺ، الذي تُوعِّدوا بالعذاب والنكال فيقولون متحدين ومستبعدين ومنكرين: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾.
﴿مَتَى﴾ اسم استفهام، والمراد به الإنكار والتحدي.
﴿الْوَعْدُ﴾ أي: بالعذاب الذي وعدتمونا به، ويحتمل أن يكون ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ بالنصر لكم؛ لأن المعروف أن الوعد في الخير، وفي الشر وعيد، ولكن قد يُقال: إن الوعيد لهؤلاء الكفار هو بالنسبة للمؤمنين وعد.
(﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ بالعذاب ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فيه) يعني إن كنتم صادقين بما تقولون من أن العذاب سيحل بنا وسنعاقب، والصدق: هو الإخبار بما يوافق الواقع، والكذب: الإخبار بما يخالف الواقع، فإذا قلت: قَدِمَ زيد البلد، ولم يكن قدم؛ فهو كذب؛ لأنه خلاف الواقع، وإذا قلت: قدم زيد البلد، وقد قدم؛ فهو صدق لموافقة الواقع.
فيقولون إن كنتم صادقين فمتى يكون هذا؟ وهذا كقوله تعالى في الساعة: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ [الشورى ١٧، ١٨]، فالكفار يستعجلون العذاب تكذيبًا للرسل عليهم الصلاة والسلام.
قال الله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء ٢٠٤، ٢٠٧] أي: يعني أي شيء يغني عنهم، فمهما طال بهم الأمد فإن المسألة محدودة معدودة ﴿إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء ٢٠٥، ٢٠٧].
فهم يتحدون، ومع ذلك أحيانًا يتحدون كذبًا فإنهم قالوا: حين أُخبِروا بالبعث، قالوا متحدين للرسل عليهم الصلاة والسلام: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية ٢٥] وهل قيل لهم: إن آباءهم يأتون الآن حتى يوجهوا الصورة إلى هذا؟ لا، يعني قيل لهم: إن آباءهم سيبعثون يوم القيامة لكنهم يُموِّهون على العامة بمثل هذه الدعاوى.
يقول الله عز وجل: (﴿قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سبأ ٣٠] عليه وهو يوم القيامة).
﴿لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ﴾ قوله: ﴿مِيعَادُ﴾ يحتمل أن يكون ظرف مكان أو زمان، ويحتمل أن يكون مصدرًا ميميًّا، والمعنى أن لكم وعدًا يكون في يوم لا تستأخرون عنه ساعة، ولا تستقدمون عليه؛ وذلك لأن الله عز وجل بحكمته البالغة قدَّر لكل شيء أجلًا معينًا، قال الله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد ٨] كل شيء بمقدار عند الله ومُحدَّد بأجله، فالعذاب لا يقدمه استعجالهم، ولا يؤخره، إذا جاء لا يتقدم ولا يتأخر، وفي هذا جواب من التهديد لهم ما هو ظاهر كما لو قلت للإنسان: إن لك عندي موعدًا لا يتقدم ولا يتأخر؛ فالمعنى احذر من هذا اليوم.
وقول المؤلف: (هو يوم القيامة) هذا لا شك أنه محتمل لكن فيه احتمال آخر أنه يوم القيامة ويوم موتهم أيضًا فإن يوم موتهم يشاهدون العذاب، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الأنفال ٥٠، ٥١].
فهذا اليوم يجدون فيه العذاب قبل يوم القيامة، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام ٩٣]، وفي سورة الدخان ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ [الدخان ١٠ - ١٣] إلى قوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان ١٥، ١٦] وهذا متى حصل؟ حصل في بدر حين قتل شرفاؤهم وساداتهم.
قال تعالى: (﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [سبأ ٣١] من أهل مكة)، أهل مكة (...) عليهم بالكفر قبل أن يكونوا مؤمنين لكن لا ينبغي أن نخصص ما عممه الله عز وجل، فالصواب: وقال الذين كفروا من أهل مكة وغيرهم، أيش قالوا؟ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ ٣١] أعوذ بالله، أتوا بـ ﴿لَنْ﴾ الدالة على تأكيد النفي، ولم يقولوا: لا نؤمن، بل قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ﴾ يؤكدون انتفاء إيمانهم بالقرآن في المستقبل. ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ (هذا) الإشارة للقريب تحقيرًا له كما في قوله تعالى: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء ٣٦] ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان٤١].
﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ ٣١] قلت: إن الإشارة هنا للقريب تحقيرًا له. وقوله: ﴿الْقُرْآنِ﴾ على وزن (فُعْلان)، فهل هو بمعنى المقروء؛ أو بمعنى القارِئ، أو هو مصدر بمعنى الجمع؟ فيه خلاف لعلماء العربية، والصواب أنه مُتضمن للمعاني كلها؛ فهو بمعنى قارئ أي جامع؛ لأنه مُهيمن على الكتب السابقة، وجميع ما فيها من المصالح موجود فيها وهو مقروء؛ لأن الناس يقرؤونه ويتلونه وهو جمع أيضًا؛ لأنه جامِع لكل شيء، والفُعلان بمعنى المصدر موجود في اللغة العربية، مثل: الشُّكْران والكُفْران والنُّكْران، وما أشبه ذلك، والمراد بالقرآن هنا الكتاب الذي أنزله الله تعالى على محمد ﷺ، وهو اسم خاص به ﴿بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ﴿وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يعني ولا نؤمن بالذي بين يديه أي: (تقدمه كالتوراة والإنجيل الدالَّيْن على البعث بإنكارهم له)، يعني ولا نؤمن أيضًا بالذي بين يديه، والمراد على رأي المؤلف: بما بين يديه، ما سبقه، وليس ما يأتي بعده، ما سبقه من (...) منين؟ (...).
ما ذهب إليه المؤلف.
ويحتمل أن يراد بقوله: ﴿وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ ٣١] أي: ما يأتي مما أخبر به، فإن ما بين يدي الشيء مستقبله، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة ٢٥٥] والمعنيان صحيحان، وإذا كانت الآية تحتمل معنيين صحيحين لا يتنافيان وجب حملها على الجميع؛ لأن القرآن شامل واسِع ﴿وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ ٣١] أي: ولا بالذي يأتي بعده مما أخبر به، أو: ﴿وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ما تقدمه من الكتب كالتوراة والإنجيل.
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ قال المؤلف: (يا محمد ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ الكافرون ﴿مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [سبأ ٣١]).
﴿وَلَوْ تَرَى﴾ هذه (لو) شرطية، فعل شرطها ﴿تَرَى﴾ وهي جازمة ولَّا غير جازمة؟ غير جازمة، وجوابها محذوف؛ أي: لرأيت أمرًا فظيعًا، وجواب الشرط في مثل هذا التركيب أعظم من ذِكْره؛ لأن النفس تذهب في تقديره كل مذهب من الفظاعة والبشاعة.
و(لو) تأتي في اللغة العربية على عدة معانٍ: تأتي شرطية كما هنا، وتأتي مصدرية كما في قوله: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩].
وقول المؤلف: (يا محمد)، قصر المؤلف الضمير على الرسول ﷺ مع أنه يحتمل أن يكون المراد به كل مخاطب؛ يعني ولو ترى أيها المخاطَب حال هؤلاء لرأيت أمرًا فظيعًا.
وقوله: ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ [سبأ ٣١] ﴿إِذِ﴾ بمعنى وقت أو حين، فهي ظرف زمان، و﴿الظَّالِمُونَ﴾ مبتدأ و﴿مَوْقُوفُونَ﴾ خبره.
والمراد بالظالمين هنا قال المؤلف: (الكافرون)، وإنما خصَّها بالكافرين مع أن الظلم أعم لقرينة السياق؛ حيث قال الله تعالى في آخرها: ﴿وَجَعَلْنَا الأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [سبأ ٣٣]، فصار المراد بالظالمين هنا الكافرين.
هل كل كافر ظالم؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: هل كل ظالم كافر؟ لا؛ ولهذا لما قال الله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤] قال العلماء: نحمد الله أن لم يقل: والظالمون هم الكافرون.
﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [سبأ ٣١] أي: محبوسون، فمعنى وَقَفَه أي: حبَسَه، ومنه سُمِّي الوقْف للمال الحبيس الذي تُحبس عينُه، وتُسبَّل منفعته، فمعنى ﴿مَوْقُوفُونَ﴾ أي: محبوسون عند الله عز وجل. وقوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ولم يقل: عند الله؛ لأن مِثْل هذا الفعل العظيم الدال على العظمة يتناسب مع الربوبية؛ لكمال ربوبيته عز وجل، وكمال ملكه وسلطانه، تجد هؤلاء الظلمة الذين عندهم من العتو والاستكبار والعناد في الدنيا تجدهم في أذل شيء أمام ربوبية الله عز وجل.
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ [سبأ ٣١] ﴿يَرْجِعُ﴾ بمعنى يرد، وعلى هذا فتكون متعدية؛ لأن رجع تأتي لازمة، وتأتي متعدية، فقولك: رجعت من مكة إلى المدينة؛ هذه لازمة ولَّا متعدية؟
* طلبة: لازمة.
* الشيخ: لازمة؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: رجعت من مكة إلى المدينة؛ لازمة، أيش تقولون؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: لازمة؛ لأنها لم تنصب المفعول. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة ٨٣] هذه متعدية.
وهنا قال: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ متعدية ولَّا لازمة؟ متعدية؛ أي: يردهم.
وقوله: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ ﴿الْقَوْلَ﴾ هنا مُبهم ومُجْمَل، ثم فصَّله بقوله: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ إلى آخره [سبأ: ٣١].
وفائدة الإبهام المفصل فائدته عظيمة؛ لأنه إذا أُجمل أولًا وأُبهم فإن النفس تتطلع إلى بيان ذلك الشيء وتفصيله ولَّا لا؟ عندما أقرأ: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾، ماذا يكون ذهنك؟ يكون ذهنك متطلعًا إلى بيان هذا القول الذي يتراجعونه، لكن لو قال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ هكذا جاءت لم يكن لها من التمكن في الذهن مثل ما كان لها حينما أبهم القول، ثم بُيِّن، أو أُجْمِل، ثم فُصِّل.
﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ ماذا يقولون؟ (﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ الأتباع ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ الرؤساء ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ﴾ صددتمونا عن الإيمان ﴿لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ بالنبي).
﴿لَوْلَا﴾ هذه شرطية أو لا؟ شرطية، ويقال فيها: حرف امتناع لوجود؛ لأنه امتنع جوابها لوجود شرطها، وتأتي (لولا) شرطية كما هنا، وتأتي للتحضيض كما في قوله: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور ١٣]، وتأتي للنفي كما في قوله: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس ٩٨] المعنى فما كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا.
هنا يقول: ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ﴾. ابن مالك رحمه الله يقول:
وَبَعْدَ لَوْلَا غَالِبًا حَذْفُ الْخَبَرْ ∗∗∗ حَتْمٌ .....................
إذن هنا المبتدأ موجود، وهو ﴿أَنْتُمْ﴾ فأين الخبر؟ محذوف قدَّرَه المؤلف بقوله: (صددتمونا) من أين عرف أنه بهذا اللفظ؟ من قولهم: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى﴾ [سبأ ٣٢]، إذن ما نُقدِّر هنا: لولا أنتم موجودون؛ لأن الصد أخص من مطلق الوجود، وإذا كان لنا طريق إلى تقدير الأخص فهو أولى من تقدير الأعم؛ ولهذا قلنا: إن القارئ إذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم، يُقدِّر المتعلَّق بقوله: أقرأ، لا بقوله: أبتدئ؛ لأن أبتدئ عامة وأقرأ خاصة، هنا يمكن أن نقول: لولا أنتم موجودون، لكن ما دُمنا نجد فعلًا أخص وهو الصد المدلول عليه بقوله: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ﴾ [سبأ ٣٢] فإنه يجب أن نقدر لولا أنتم صددتمونا.
﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ ٣١] هذا جواب الشرط؛ ولهذا اقترن باللام ﴿لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ لكن بمن؟ قال: (بالنبي).
والأصح أنه أعم؛ أي لكنا مؤمنين بما تشمله رسالة النبي ﷺ من الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبغير ذلك مما يجب الإيمان به.
﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ [سبأ ٣٢] ردوا عليهم القول ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ [سبأ ٣١] ردوا القول؟ وين الرد؟ (...).
يقول: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ هذا رد لقولهم، شوف ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ [سبأ ٣٢] الاستفهام هنا بمعنى النفي؛ يعني لن نصددكم عن الهدى بعد إذ جاءكم، بل أنتم الذين اخترتم الكُفر، وهنا صدق قول الله عز وجل: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة ١٦٦]، فهنا قال: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ﴾ يعني إنا متبرئون منكم، ولا أجبرناكم على الكفر بل أنتم الذين اخترتم ذلك.
وقوله: ﴿صَدَدْنَاكُمْ﴾ أي: صرفناكم.
وقوله: ﴿عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ [سبأ ٣٢] هذا من باب تحقيق مجيء الهدى ووضوحه، وهذا إقرار من هؤلاء الرؤساء المستكبرين، إقرار منهم على أن الهدى قد جاء وبان ووضح ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ قال المؤلف في تفسيرها: (لا) إشارة إلى أن الاستفهام هنا للنفي، وكلما جاءكم (لا) بعد الاستفهام فإن ترجمتها أن المؤلف يرى أن الاستفهام هنا للنفي.
(﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ [سبأ ٣٢] في أنفسكم)، شوف أعوذ بالله، في الدنيا تجده يأتي إليه المستكبِر هذا الضعيف يدعوه بلطف تام، وفي الآخرة يلعن بعضهم بعضًا، ويتبرأ بعضهم من بعض.
«انظر إلى ملك غسان لما بلغه أن النبي عليه الصلاة والسلام هجر كعب بن مالك، ويش أرسل إليه؟ أرسل إليه خطابًا رقيقًا لطيفًا وقال له: إنه بلغنا أن صاحبك قد هجرك فأتِ إلينا نواسِك، شوف التلطف (...) ولكن لم ينخدع كعب رضي الله عنه لإيمانه، وخاف أن ينخدع في المستقبل، فماذا صنع؟ ذهب إلى التنور وأوقد هذه الورقة»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٤١٨)، ومسلم (٢٧٦٩ / ٥٣) من حديث كعب بن مالك.]].
وهكذا كل شيء تخشى على نفسك منه في المستقبل يجب عليك أن تُتلفه، لا تقل: إني الآن ما يمكن أفعل هذا الشيء أبدًا، ولا يمكن أن أضل به، صحيح أنك في بادئ البدء قد لا تنخدع لكن الشيطان يعمل عمله؛ ولهذا يجب عليك أن تتلف كل ما تخشى أن تكون عاقبته عليك وخيمة.
الحاصل أن هؤلاء في الآخرة ما يتوددون، ولا يتلطفون، ولا يرحمون هؤلاء الأتباع، قال: ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ [سبأ ٣٢]، والإجرام هو الذنب الذي لا يغتفر.
قال: ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ﴾ [سبأ ٣٣] شوف إضراب على إضرابهم، (...) قال: ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ إضراب في أيش؟ عن قولهم: ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ ٣١]، ثم هؤلاء أضربوا عنهم؛ يعني قابلوهم بإضراب آخر.
قالوا: (﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ ٣٣] أي مكر فيهما منكم بنا). ﴿مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ هنا المكر مضاف إلى الليل على تقدير (في)؛ لأن الإضافة قد تكون على تقدير (من)، وعلى تقدير (اللام)، وعلى تقدير (في)، فإن كان الأول من الثاني يعني بأن كان الثاني جنسًا للأول فهو على تقدير (مِن)، وإذا كان الثاني ظرفًا للأول فهو على تقدير (في)، وما عدا ذلك فعلى تقدير (اللام).
خاتم حديد، على تقدير (مِن)، كذا؟ ثوب خز، على تقدير (مِن)، (في) مكر الليل؛ أي: مكر في الليل.
ما هو المكر؟ قالوا في تعريف المكر: إنه التوصل بالأسباب الخفية إلى الإيقاع بالمقابِل، هذا المكر؛ يعني بالذي قابلك، أو إن شئت فقل: بالخصم، كذا؟ عرِّف لي ما (...)؟ ﴿مَكْرُ اللَّيْلِ﴾ أضيف المكر هنا إلى الليل؛ لأنه ظرف..
يقول: نحن أكثر أموالًا وأولادًا، وإن رُجِعْنا إلى الله فإننا لن نعذب، وهذا على أحد الاحتمالين، والاحتمال الثاني أن قولهم: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ ٣٥] أي: أننا لن نُبْعَث ونُعَذَّب.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [سبأ ٣٦] إلى آخره.
في هذا إثبات المشيئة لله؛ لقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وإثبات الأفعال الاختيارية؛ لقوله: ﴿يَبْسُطُ﴾ ﴿وَيَقْدِرُ﴾.
* وفيه أيضًا: أن كثرة المال والولد لا يدل على الرضا، وإنما هو تابع لماذا؟ لمشيئة الله.
* ومنها: الحكمة العظيمة البالغة في اختلاف الناس في سعة الرزق وضيقه، لولا ذلك ما قامت مصالح الخلق، لو كان الناس على حَدٍّ سواء في الغنى هل يخدم بعضهم بعضًا؟ لا، ولا يقوم بعضهم بمصالح بعض، وانظر إلى قوله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف ٣٢] لماذا؟ ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف ٣٢]، ولولا هذا الاختلاف من بَسْط الرزق وسعته ما حصلت هذه الفائدة العظيمة، وهو تسخير الناس بعضهم لبعض.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أكثر الناس جهالٌ بحكمة الله عز وجل في أفعاله؛ لقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
سبأ 34:34
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [سبأ: ٢٩] ﴿يَقُولُونَ﴾ يعني المكذبين للرسول ﷺ، الذي تُوعِّدوا بالعذاب والنكال فيقولون متحدين ومستبعدين ومنكرين: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾.
﴿مَتَى﴾ اسم استفهام، والمراد به الإنكار والتحدي.
﴿الْوَعْدُ﴾ أي: بالعذاب الذي وعدتمونا به، ويحتمل أن يكون ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ بالنصر لكم؛ لأن المعروف أن الوعد في الخير، وفي الشر وعيد، ولكن قد يُقال: إن الوعيد لهؤلاء الكفار هو بالنسبة للمؤمنين وعد.
(﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ بالعذاب ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فيه) يعني إن كنتم صادقين بما تقولون من أن العذاب سيحل بنا وسنعاقب، والصدق: هو الإخبار بما يوافق الواقع، والكذب: الإخبار بما يخالف الواقع، فإذا قلت: قَدِمَ زيد البلد، ولم يكن قدم؛ فهو كذب؛ لأنه خلاف الواقع، وإذا قلت: قدم زيد البلد، وقد قدم؛ فهو صدق لموافقة الواقع.
فيقولون إن كنتم صادقين فمتى يكون هذا؟ وهذا كقوله تعالى في الساعة: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ [الشورى ١٧، ١٨]، فالكفار يستعجلون العذاب تكذيبًا للرسل عليهم الصلاة والسلام.
قال الله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء ٢٠٤، ٢٠٧] أي: يعني أي شيء يغني عنهم، فمهما طال بهم الأمد فإن المسألة محدودة معدودة ﴿إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء ٢٠٥، ٢٠٧].
فهم يتحدون، ومع ذلك أحيانًا يتحدون كذبًا فإنهم قالوا: حين أُخبِروا بالبعث، قالوا متحدين للرسل عليهم الصلاة والسلام: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية ٢٥] وهل قيل لهم: إن آباءهم يأتون الآن حتى يوجهوا الصورة إلى هذا؟ لا، يعني قيل لهم: إن آباءهم سيبعثون يوم القيامة لكنهم يُموِّهون على العامة بمثل هذه الدعاوى.
يقول الله عز وجل: (﴿قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سبأ ٣٠] عليه وهو يوم القيامة).
﴿لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ﴾ قوله: ﴿مِيعَادُ﴾ يحتمل أن يكون ظرف مكان أو زمان، ويحتمل أن يكون مصدرًا ميميًّا، والمعنى أن لكم وعدًا يكون في يوم لا تستأخرون عنه ساعة، ولا تستقدمون عليه؛ وذلك لأن الله عز وجل بحكمته البالغة قدَّر لكل شيء أجلًا معينًا، قال الله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد ٨] كل شيء بمقدار عند الله ومُحدَّد بأجله، فالعذاب لا يقدمه استعجالهم، ولا يؤخره، إذا جاء لا يتقدم ولا يتأخر، وفي هذا جواب من التهديد لهم ما هو ظاهر كما لو قلت للإنسان: إن لك عندي موعدًا لا يتقدم ولا يتأخر؛ فالمعنى احذر من هذا اليوم.
وقول المؤلف: (هو يوم القيامة) هذا لا شك أنه محتمل لكن فيه احتمال آخر أنه يوم القيامة ويوم موتهم أيضًا فإن يوم موتهم يشاهدون العذاب، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الأنفال ٥٠، ٥١].
فهذا اليوم يجدون فيه العذاب قبل يوم القيامة، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام ٩٣]، وفي سورة الدخان ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ [الدخان ١٠ - ١٣] إلى قوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان ١٥، ١٦] وهذا متى حصل؟ حصل في بدر حين قتل شرفاؤهم وساداتهم.
قال تعالى: (﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [سبأ ٣١] من أهل مكة)، أهل مكة (...) عليهم بالكفر قبل أن يكونوا مؤمنين لكن لا ينبغي أن نخصص ما عممه الله عز وجل، فالصواب: وقال الذين كفروا من أهل مكة وغيرهم، أيش قالوا؟ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ ٣١] أعوذ بالله، أتوا بـ ﴿لَنْ﴾ الدالة على تأكيد النفي، ولم يقولوا: لا نؤمن، بل قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ﴾ يؤكدون انتفاء إيمانهم بالقرآن في المستقبل. ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ (هذا) الإشارة للقريب تحقيرًا له كما في قوله تعالى: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء ٣٦] ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان٤١].
﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ ٣١] قلت: إن الإشارة هنا للقريب تحقيرًا له. وقوله: ﴿الْقُرْآنِ﴾ على وزن (فُعْلان)، فهل هو بمعنى المقروء؛ أو بمعنى القارِئ، أو هو مصدر بمعنى الجمع؟ فيه خلاف لعلماء العربية، والصواب أنه مُتضمن للمعاني كلها؛ فهو بمعنى قارئ أي جامع؛ لأنه مُهيمن على الكتب السابقة، وجميع ما فيها من المصالح موجود فيها وهو مقروء؛ لأن الناس يقرؤونه ويتلونه وهو جمع أيضًا؛ لأنه جامِع لكل شيء، والفُعلان بمعنى المصدر موجود في اللغة العربية، مثل: الشُّكْران والكُفْران والنُّكْران، وما أشبه ذلك، والمراد بالقرآن هنا الكتاب الذي أنزله الله تعالى على محمد ﷺ، وهو اسم خاص به ﴿بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ﴿وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يعني ولا نؤمن بالذي بين يديه أي: (تقدمه كالتوراة والإنجيل الدالَّيْن على البعث بإنكارهم له)، يعني ولا نؤمن أيضًا بالذي بين يديه، والمراد على رأي المؤلف: بما بين يديه، ما سبقه، وليس ما يأتي بعده، ما سبقه من (...) منين؟ (...).
ما ذهب إليه المؤلف.
ويحتمل أن يراد بقوله: ﴿وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ ٣١] أي: ما يأتي مما أخبر به، فإن ما بين يدي الشيء مستقبله، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة ٢٥٥] والمعنيان صحيحان، وإذا كانت الآية تحتمل معنيين صحيحين لا يتنافيان وجب حملها على الجميع؛ لأن القرآن شامل واسِع ﴿وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ ٣١] أي: ولا بالذي يأتي بعده مما أخبر به، أو: ﴿وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ما تقدمه من الكتب كالتوراة والإنجيل.
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ قال المؤلف: (يا محمد ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ الكافرون ﴿مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [سبأ ٣١]).
﴿وَلَوْ تَرَى﴾ هذه (لو) شرطية، فعل شرطها ﴿تَرَى﴾ وهي جازمة ولَّا غير جازمة؟ غير جازمة، وجوابها محذوف؛ أي: لرأيت أمرًا فظيعًا، وجواب الشرط في مثل هذا التركيب أعظم من ذِكْره؛ لأن النفس تذهب في تقديره كل مذهب من الفظاعة والبشاعة.
و(لو) تأتي في اللغة العربية على عدة معانٍ: تأتي شرطية كما هنا، وتأتي مصدرية كما في قوله: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩].
وقول المؤلف: (يا محمد)، قصر المؤلف الضمير على الرسول ﷺ مع أنه يحتمل أن يكون المراد به كل مخاطب؛ يعني ولو ترى أيها المخاطَب حال هؤلاء لرأيت أمرًا فظيعًا.
وقوله: ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ [سبأ ٣١] ﴿إِذِ﴾ بمعنى وقت أو حين، فهي ظرف زمان، و﴿الظَّالِمُونَ﴾ مبتدأ و﴿مَوْقُوفُونَ﴾ خبره.
والمراد بالظالمين هنا قال المؤلف: (الكافرون)، وإنما خصَّها بالكافرين مع أن الظلم أعم لقرينة السياق؛ حيث قال الله تعالى في آخرها: ﴿وَجَعَلْنَا الأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [سبأ ٣٣]، فصار المراد بالظالمين هنا الكافرين.
هل كل كافر ظالم؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: هل كل ظالم كافر؟ لا؛ ولهذا لما قال الله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤] قال العلماء: نحمد الله أن لم يقل: والظالمون هم الكافرون.
﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [سبأ ٣١] أي: محبوسون، فمعنى وَقَفَه أي: حبَسَه، ومنه سُمِّي الوقْف للمال الحبيس الذي تُحبس عينُه، وتُسبَّل منفعته، فمعنى ﴿مَوْقُوفُونَ﴾ أي: محبوسون عند الله عز وجل. وقوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ولم يقل: عند الله؛ لأن مِثْل هذا الفعل العظيم الدال على العظمة يتناسب مع الربوبية؛ لكمال ربوبيته عز وجل، وكمال ملكه وسلطانه، تجد هؤلاء الظلمة الذين عندهم من العتو والاستكبار والعناد في الدنيا تجدهم في أذل شيء أمام ربوبية الله عز وجل.
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ [سبأ ٣١] ﴿يَرْجِعُ﴾ بمعنى يرد، وعلى هذا فتكون متعدية؛ لأن رجع تأتي لازمة، وتأتي متعدية، فقولك: رجعت من مكة إلى المدينة؛ هذه لازمة ولَّا متعدية؟
* طلبة: لازمة.
* الشيخ: لازمة؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: رجعت من مكة إلى المدينة؛ لازمة، أيش تقولون؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: لازمة؛ لأنها لم تنصب المفعول. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة ٨٣] هذه متعدية.
وهنا قال: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ متعدية ولَّا لازمة؟ متعدية؛ أي: يردهم.
وقوله: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ ﴿الْقَوْلَ﴾ هنا مُبهم ومُجْمَل، ثم فصَّله بقوله: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ إلى آخره [سبأ: ٣١].
وفائدة الإبهام المفصل فائدته عظيمة؛ لأنه إذا أُجمل أولًا وأُبهم فإن النفس تتطلع إلى بيان ذلك الشيء وتفصيله ولَّا لا؟ عندما أقرأ: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾، ماذا يكون ذهنك؟ يكون ذهنك متطلعًا إلى بيان هذا القول الذي يتراجعونه، لكن لو قال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ هكذا جاءت لم يكن لها من التمكن في الذهن مثل ما كان لها حينما أبهم القول، ثم بُيِّن، أو أُجْمِل، ثم فُصِّل.
﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ ماذا يقولون؟ (﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ الأتباع ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ الرؤساء ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ﴾ صددتمونا عن الإيمان ﴿لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ بالنبي).
﴿لَوْلَا﴾ هذه شرطية أو لا؟ شرطية، ويقال فيها: حرف امتناع لوجود؛ لأنه امتنع جوابها لوجود شرطها، وتأتي (لولا) شرطية كما هنا، وتأتي للتحضيض كما في قوله: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور ١٣]، وتأتي للنفي كما في قوله: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس ٩٨] المعنى فما كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا.
هنا يقول: ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ﴾. ابن مالك رحمه الله يقول:
وَبَعْدَ لَوْلَا غَالِبًا حَذْفُ الْخَبَرْ ∗∗∗ حَتْمٌ .....................
إذن هنا المبتدأ موجود، وهو ﴿أَنْتُمْ﴾ فأين الخبر؟ محذوف قدَّرَه المؤلف بقوله: (صددتمونا) من أين عرف أنه بهذا اللفظ؟ من قولهم: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى﴾ [سبأ ٣٢]، إذن ما نُقدِّر هنا: لولا أنتم موجودون؛ لأن الصد أخص من مطلق الوجود، وإذا كان لنا طريق إلى تقدير الأخص فهو أولى من تقدير الأعم؛ ولهذا قلنا: إن القارئ إذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم، يُقدِّر المتعلَّق بقوله: أقرأ، لا بقوله: أبتدئ؛ لأن أبتدئ عامة وأقرأ خاصة، هنا يمكن أن نقول: لولا أنتم موجودون، لكن ما دُمنا نجد فعلًا أخص وهو الصد المدلول عليه بقوله: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ﴾ [سبأ ٣٢] فإنه يجب أن نقدر لولا أنتم صددتمونا.
﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ ٣١] هذا جواب الشرط؛ ولهذا اقترن باللام ﴿لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ لكن بمن؟ قال: (بالنبي).
والأصح أنه أعم؛ أي لكنا مؤمنين بما تشمله رسالة النبي ﷺ من الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبغير ذلك مما يجب الإيمان به.
﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ [سبأ ٣٢] ردوا عليهم القول ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ [سبأ ٣١] ردوا القول؟ وين الرد؟ (...).
يقول: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ هذا رد لقولهم، شوف ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ [سبأ ٣٢] الاستفهام هنا بمعنى النفي؛ يعني لن نصددكم عن الهدى بعد إذ جاءكم، بل أنتم الذين اخترتم الكُفر، وهنا صدق قول الله عز وجل: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة ١٦٦]، فهنا قال: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ﴾ يعني إنا متبرئون منكم، ولا أجبرناكم على الكفر بل أنتم الذين اخترتم ذلك.
وقوله: ﴿صَدَدْنَاكُمْ﴾ أي: صرفناكم.
وقوله: ﴿عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ [سبأ ٣٢] هذا من باب تحقيق مجيء الهدى ووضوحه، وهذا إقرار من هؤلاء الرؤساء المستكبرين، إقرار منهم على أن الهدى قد جاء وبان ووضح ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ قال المؤلف في تفسيرها: (لا) إشارة إلى أن الاستفهام هنا للنفي، وكلما جاءكم (لا) بعد الاستفهام فإن ترجمتها أن المؤلف يرى أن الاستفهام هنا للنفي.
(﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ [سبأ ٣٢] في أنفسكم)، شوف أعوذ بالله، في الدنيا تجده يأتي إليه المستكبِر هذا الضعيف يدعوه بلطف تام، وفي الآخرة يلعن بعضهم بعضًا، ويتبرأ بعضهم من بعض.
«انظر إلى ملك غسان لما بلغه أن النبي عليه الصلاة والسلام هجر كعب بن مالك، ويش أرسل إليه؟ أرسل إليه خطابًا رقيقًا لطيفًا وقال له: إنه بلغنا أن صاحبك قد هجرك فأتِ إلينا نواسِك، شوف التلطف (...) ولكن لم ينخدع كعب رضي الله عنه لإيمانه، وخاف أن ينخدع في المستقبل، فماذا صنع؟ ذهب إلى التنور وأوقد هذه الورقة»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٤١٨)، ومسلم (٢٧٦٩ / ٥٣) من حديث كعب بن مالك.]].
وهكذا كل شيء تخشى على نفسك منه في المستقبل يجب عليك أن تُتلفه، لا تقل: إني الآن ما يمكن أفعل هذا الشيء أبدًا، ولا يمكن أن أضل به، صحيح أنك في بادئ البدء قد لا تنخدع لكن الشيطان يعمل عمله؛ ولهذا يجب عليك أن تتلف كل ما تخشى أن تكون عاقبته عليك وخيمة.
الحاصل أن هؤلاء في الآخرة ما يتوددون، ولا يتلطفون، ولا يرحمون هؤلاء الأتباع، قال: ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ [سبأ ٣٢]، والإجرام هو الذنب الذي لا يغتفر.
قال: ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ﴾ [سبأ ٣٣] شوف إضراب على إضرابهم، (...) قال: ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ إضراب في أيش؟ عن قولهم: ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ ٣١]، ثم هؤلاء أضربوا عنهم؛ يعني قابلوهم بإضراب آخر.
قالوا: (﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ ٣٣] أي مكر فيهما منكم بنا). ﴿مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ هنا المكر مضاف إلى الليل على تقدير (في)؛ لأن الإضافة قد تكون على تقدير (من)، وعلى تقدير (اللام)، وعلى تقدير (في)، فإن كان الأول من الثاني يعني بأن كان الثاني جنسًا للأول فهو على تقدير (مِن)، وإذا كان الثاني ظرفًا للأول فهو على تقدير (في)، وما عدا ذلك فعلى تقدير (اللام).
خاتم حديد، على تقدير (مِن)، كذا؟ ثوب خز، على تقدير (مِن)، (في) مكر الليل؛ أي: مكر في الليل.
ما هو المكر؟ قالوا في تعريف المكر: إنه التوصل بالأسباب الخفية إلى الإيقاع بالمقابِل، هذا المكر؛ يعني بالذي قابلك، أو إن شئت فقل: بالخصم، كذا؟ عرِّف لي ما (...)؟ ﴿مَكْرُ اللَّيْلِ﴾ أضيف المكر هنا إلى الليل؛ لأنه ظرف..
يقول: نحن أكثر أموالًا وأولادًا، وإن رُجِعْنا إلى الله فإننا لن نعذب، وهذا على أحد الاحتمالين، والاحتمال الثاني أن قولهم: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ ٣٥] أي: أننا لن نُبْعَث ونُعَذَّب.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [سبأ ٣٦] إلى آخره.
في هذا إثبات المشيئة لله؛ لقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وإثبات الأفعال الاختيارية؛ لقوله: ﴿يَبْسُطُ﴾ ﴿وَيَقْدِرُ﴾.
* وفيه أيضًا: أن كثرة المال والولد لا يدل على الرضا، وإنما هو تابع لماذا؟ لمشيئة الله.
* ومنها: الحكمة العظيمة البالغة في اختلاف الناس في سعة الرزق وضيقه، لولا ذلك ما قامت مصالح الخلق، لو كان الناس على حَدٍّ سواء في الغنى هل يخدم بعضهم بعضًا؟ لا، ولا يقوم بعضهم بمصالح بعض، وانظر إلى قوله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف ٣٢] لماذا؟ ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف ٣٢]، ولولا هذا الاختلاف من بَسْط الرزق وسعته ما حصلت هذه الفائدة العظيمة، وهو تسخير الناس بعضهم لبعض.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أكثر الناس جهالٌ بحكمة الله عز وجل في أفعاله؛ لقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
سبأ 34:35
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [سبأ: ٢٩] ﴿يَقُولُونَ﴾ يعني المكذبين للرسول ﷺ، الذي تُوعِّدوا بالعذاب والنكال فيقولون متحدين ومستبعدين ومنكرين: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾.
﴿مَتَى﴾ اسم استفهام، والمراد به الإنكار والتحدي.
﴿الْوَعْدُ﴾ أي: بالعذاب الذي وعدتمونا به، ويحتمل أن يكون ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ بالنصر لكم؛ لأن المعروف أن الوعد في الخير، وفي الشر وعيد، ولكن قد يُقال: إن الوعيد لهؤلاء الكفار هو بالنسبة للمؤمنين وعد.
(﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ بالعذاب ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فيه) يعني إن كنتم صادقين بما تقولون من أن العذاب سيحل بنا وسنعاقب، والصدق: هو الإخبار بما يوافق الواقع، والكذب: الإخبار بما يخالف الواقع، فإذا قلت: قَدِمَ زيد البلد، ولم يكن قدم؛ فهو كذب؛ لأنه خلاف الواقع، وإذا قلت: قدم زيد البلد، وقد قدم؛ فهو صدق لموافقة الواقع.
فيقولون إن كنتم صادقين فمتى يكون هذا؟ وهذا كقوله تعالى في الساعة: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ [الشورى ١٧، ١٨]، فالكفار يستعجلون العذاب تكذيبًا للرسل عليهم الصلاة والسلام.
قال الله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء ٢٠٤، ٢٠٧] أي: يعني أي شيء يغني عنهم، فمهما طال بهم الأمد فإن المسألة محدودة معدودة ﴿إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء ٢٠٥، ٢٠٧].
فهم يتحدون، ومع ذلك أحيانًا يتحدون كذبًا فإنهم قالوا: حين أُخبِروا بالبعث، قالوا متحدين للرسل عليهم الصلاة والسلام: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية ٢٥] وهل قيل لهم: إن آباءهم يأتون الآن حتى يوجهوا الصورة إلى هذا؟ لا، يعني قيل لهم: إن آباءهم سيبعثون يوم القيامة لكنهم يُموِّهون على العامة بمثل هذه الدعاوى.
يقول الله عز وجل: (﴿قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سبأ ٣٠] عليه وهو يوم القيامة).
﴿لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ﴾ قوله: ﴿مِيعَادُ﴾ يحتمل أن يكون ظرف مكان أو زمان، ويحتمل أن يكون مصدرًا ميميًّا، والمعنى أن لكم وعدًا يكون في يوم لا تستأخرون عنه ساعة، ولا تستقدمون عليه؛ وذلك لأن الله عز وجل بحكمته البالغة قدَّر لكل شيء أجلًا معينًا، قال الله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد ٨] كل شيء بمقدار عند الله ومُحدَّد بأجله، فالعذاب لا يقدمه استعجالهم، ولا يؤخره، إذا جاء لا يتقدم ولا يتأخر، وفي هذا جواب من التهديد لهم ما هو ظاهر كما لو قلت للإنسان: إن لك عندي موعدًا لا يتقدم ولا يتأخر؛ فالمعنى احذر من هذا اليوم.
وقول المؤلف: (هو يوم القيامة) هذا لا شك أنه محتمل لكن فيه احتمال آخر أنه يوم القيامة ويوم موتهم أيضًا فإن يوم موتهم يشاهدون العذاب، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الأنفال ٥٠، ٥١].
فهذا اليوم يجدون فيه العذاب قبل يوم القيامة، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام ٩٣]، وفي سورة الدخان ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ [الدخان ١٠ - ١٣] إلى قوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان ١٥، ١٦] وهذا متى حصل؟ حصل في بدر حين قتل شرفاؤهم وساداتهم.
قال تعالى: (﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [سبأ ٣١] من أهل مكة)، أهل مكة (...) عليهم بالكفر قبل أن يكونوا مؤمنين لكن لا ينبغي أن نخصص ما عممه الله عز وجل، فالصواب: وقال الذين كفروا من أهل مكة وغيرهم، أيش قالوا؟ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ ٣١] أعوذ بالله، أتوا بـ ﴿لَنْ﴾ الدالة على تأكيد النفي، ولم يقولوا: لا نؤمن، بل قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ﴾ يؤكدون انتفاء إيمانهم بالقرآن في المستقبل. ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ (هذا) الإشارة للقريب تحقيرًا له كما في قوله تعالى: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء ٣٦] ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان٤١].
﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ ٣١] قلت: إن الإشارة هنا للقريب تحقيرًا له. وقوله: ﴿الْقُرْآنِ﴾ على وزن (فُعْلان)، فهل هو بمعنى المقروء؛ أو بمعنى القارِئ، أو هو مصدر بمعنى الجمع؟ فيه خلاف لعلماء العربية، والصواب أنه مُتضمن للمعاني كلها؛ فهو بمعنى قارئ أي جامع؛ لأنه مُهيمن على الكتب السابقة، وجميع ما فيها من المصالح موجود فيها وهو مقروء؛ لأن الناس يقرؤونه ويتلونه وهو جمع أيضًا؛ لأنه جامِع لكل شيء، والفُعلان بمعنى المصدر موجود في اللغة العربية، مثل: الشُّكْران والكُفْران والنُّكْران، وما أشبه ذلك، والمراد بالقرآن هنا الكتاب الذي أنزله الله تعالى على محمد ﷺ، وهو اسم خاص به ﴿بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ﴿وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يعني ولا نؤمن بالذي بين يديه أي: (تقدمه كالتوراة والإنجيل الدالَّيْن على البعث بإنكارهم له)، يعني ولا نؤمن أيضًا بالذي بين يديه، والمراد على رأي المؤلف: بما بين يديه، ما سبقه، وليس ما يأتي بعده، ما سبقه من (...) منين؟ (...).
ما ذهب إليه المؤلف.
ويحتمل أن يراد بقوله: ﴿وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ ٣١] أي: ما يأتي مما أخبر به، فإن ما بين يدي الشيء مستقبله، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة ٢٥٥] والمعنيان صحيحان، وإذا كانت الآية تحتمل معنيين صحيحين لا يتنافيان وجب حملها على الجميع؛ لأن القرآن شامل واسِع ﴿وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ ٣١] أي: ولا بالذي يأتي بعده مما أخبر به، أو: ﴿وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ما تقدمه من الكتب كالتوراة والإنجيل.
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ قال المؤلف: (يا محمد ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ الكافرون ﴿مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [سبأ ٣١]).
﴿وَلَوْ تَرَى﴾ هذه (لو) شرطية، فعل شرطها ﴿تَرَى﴾ وهي جازمة ولَّا غير جازمة؟ غير جازمة، وجوابها محذوف؛ أي: لرأيت أمرًا فظيعًا، وجواب الشرط في مثل هذا التركيب أعظم من ذِكْره؛ لأن النفس تذهب في تقديره كل مذهب من الفظاعة والبشاعة.
و(لو) تأتي في اللغة العربية على عدة معانٍ: تأتي شرطية كما هنا، وتأتي مصدرية كما في قوله: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩].
وقول المؤلف: (يا محمد)، قصر المؤلف الضمير على الرسول ﷺ مع أنه يحتمل أن يكون المراد به كل مخاطب؛ يعني ولو ترى أيها المخاطَب حال هؤلاء لرأيت أمرًا فظيعًا.
وقوله: ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ [سبأ ٣١] ﴿إِذِ﴾ بمعنى وقت أو حين، فهي ظرف زمان، و﴿الظَّالِمُونَ﴾ مبتدأ و﴿مَوْقُوفُونَ﴾ خبره.
والمراد بالظالمين هنا قال المؤلف: (الكافرون)، وإنما خصَّها بالكافرين مع أن الظلم أعم لقرينة السياق؛ حيث قال الله تعالى في آخرها: ﴿وَجَعَلْنَا الأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [سبأ ٣٣]، فصار المراد بالظالمين هنا الكافرين.
هل كل كافر ظالم؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: هل كل ظالم كافر؟ لا؛ ولهذا لما قال الله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤] قال العلماء: نحمد الله أن لم يقل: والظالمون هم الكافرون.
﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [سبأ ٣١] أي: محبوسون، فمعنى وَقَفَه أي: حبَسَه، ومنه سُمِّي الوقْف للمال الحبيس الذي تُحبس عينُه، وتُسبَّل منفعته، فمعنى ﴿مَوْقُوفُونَ﴾ أي: محبوسون عند الله عز وجل. وقوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ولم يقل: عند الله؛ لأن مِثْل هذا الفعل العظيم الدال على العظمة يتناسب مع الربوبية؛ لكمال ربوبيته عز وجل، وكمال ملكه وسلطانه، تجد هؤلاء الظلمة الذين عندهم من العتو والاستكبار والعناد في الدنيا تجدهم في أذل شيء أمام ربوبية الله عز وجل.
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ [سبأ ٣١] ﴿يَرْجِعُ﴾ بمعنى يرد، وعلى هذا فتكون متعدية؛ لأن رجع تأتي لازمة، وتأتي متعدية، فقولك: رجعت من مكة إلى المدينة؛ هذه لازمة ولَّا متعدية؟
* طلبة: لازمة.
* الشيخ: لازمة؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: رجعت من مكة إلى المدينة؛ لازمة، أيش تقولون؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: لازمة؛ لأنها لم تنصب المفعول. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة ٨٣] هذه متعدية.
وهنا قال: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ متعدية ولَّا لازمة؟ متعدية؛ أي: يردهم.
وقوله: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ ﴿الْقَوْلَ﴾ هنا مُبهم ومُجْمَل، ثم فصَّله بقوله: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ إلى آخره [سبأ: ٣١].
وفائدة الإبهام المفصل فائدته عظيمة؛ لأنه إذا أُجمل أولًا وأُبهم فإن النفس تتطلع إلى بيان ذلك الشيء وتفصيله ولَّا لا؟ عندما أقرأ: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾، ماذا يكون ذهنك؟ يكون ذهنك متطلعًا إلى بيان هذا القول الذي يتراجعونه، لكن لو قال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ هكذا جاءت لم يكن لها من التمكن في الذهن مثل ما كان لها حينما أبهم القول، ثم بُيِّن، أو أُجْمِل، ثم فُصِّل.
﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ ماذا يقولون؟ (﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ الأتباع ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ الرؤساء ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ﴾ صددتمونا عن الإيمان ﴿لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ بالنبي).
﴿لَوْلَا﴾ هذه شرطية أو لا؟ شرطية، ويقال فيها: حرف امتناع لوجود؛ لأنه امتنع جوابها لوجود شرطها، وتأتي (لولا) شرطية كما هنا، وتأتي للتحضيض كما في قوله: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور ١٣]، وتأتي للنفي كما في قوله: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس ٩٨] المعنى فما كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا.
هنا يقول: ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ﴾. ابن مالك رحمه الله يقول:
وَبَعْدَ لَوْلَا غَالِبًا حَذْفُ الْخَبَرْ ∗∗∗ حَتْمٌ .....................
إذن هنا المبتدأ موجود، وهو ﴿أَنْتُمْ﴾ فأين الخبر؟ محذوف قدَّرَه المؤلف بقوله: (صددتمونا) من أين عرف أنه بهذا اللفظ؟ من قولهم: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى﴾ [سبأ ٣٢]، إذن ما نُقدِّر هنا: لولا أنتم موجودون؛ لأن الصد أخص من مطلق الوجود، وإذا كان لنا طريق إلى تقدير الأخص فهو أولى من تقدير الأعم؛ ولهذا قلنا: إن القارئ إذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم، يُقدِّر المتعلَّق بقوله: أقرأ، لا بقوله: أبتدئ؛ لأن أبتدئ عامة وأقرأ خاصة، هنا يمكن أن نقول: لولا أنتم موجودون، لكن ما دُمنا نجد فعلًا أخص وهو الصد المدلول عليه بقوله: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ﴾ [سبأ ٣٢] فإنه يجب أن نقدر لولا أنتم صددتمونا.
﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ ٣١] هذا جواب الشرط؛ ولهذا اقترن باللام ﴿لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ لكن بمن؟ قال: (بالنبي).
والأصح أنه أعم؛ أي لكنا مؤمنين بما تشمله رسالة النبي ﷺ من الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبغير ذلك مما يجب الإيمان به.
﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ [سبأ ٣٢] ردوا عليهم القول ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ [سبأ ٣١] ردوا القول؟ وين الرد؟ (...).
يقول: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ هذا رد لقولهم، شوف ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ [سبأ ٣٢] الاستفهام هنا بمعنى النفي؛ يعني لن نصددكم عن الهدى بعد إذ جاءكم، بل أنتم الذين اخترتم الكُفر، وهنا صدق قول الله عز وجل: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة ١٦٦]، فهنا قال: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ﴾ يعني إنا متبرئون منكم، ولا أجبرناكم على الكفر بل أنتم الذين اخترتم ذلك.
وقوله: ﴿صَدَدْنَاكُمْ﴾ أي: صرفناكم.
وقوله: ﴿عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ [سبأ ٣٢] هذا من باب تحقيق مجيء الهدى ووضوحه، وهذا إقرار من هؤلاء الرؤساء المستكبرين، إقرار منهم على أن الهدى قد جاء وبان ووضح ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ قال المؤلف في تفسيرها: (لا) إشارة إلى أن الاستفهام هنا للنفي، وكلما جاءكم (لا) بعد الاستفهام فإن ترجمتها أن المؤلف يرى أن الاستفهام هنا للنفي.
(﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ [سبأ ٣٢] في أنفسكم)، شوف أعوذ بالله، في الدنيا تجده يأتي إليه المستكبِر هذا الضعيف يدعوه بلطف تام، وفي الآخرة يلعن بعضهم بعضًا، ويتبرأ بعضهم من بعض.
«انظر إلى ملك غسان لما بلغه أن النبي عليه الصلاة والسلام هجر كعب بن مالك، ويش أرسل إليه؟ أرسل إليه خطابًا رقيقًا لطيفًا وقال له: إنه بلغنا أن صاحبك قد هجرك فأتِ إلينا نواسِك، شوف التلطف (...) ولكن لم ينخدع كعب رضي الله عنه لإيمانه، وخاف أن ينخدع في المستقبل، فماذا صنع؟ ذهب إلى التنور وأوقد هذه الورقة»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٤١٨)، ومسلم (٢٧٦٩ / ٥٣) من حديث كعب بن مالك.]].
وهكذا كل شيء تخشى على نفسك منه في المستقبل يجب عليك أن تُتلفه، لا تقل: إني الآن ما يمكن أفعل هذا الشيء أبدًا، ولا يمكن أن أضل به، صحيح أنك في بادئ البدء قد لا تنخدع لكن الشيطان يعمل عمله؛ ولهذا يجب عليك أن تتلف كل ما تخشى أن تكون عاقبته عليك وخيمة.
الحاصل أن هؤلاء في الآخرة ما يتوددون، ولا يتلطفون، ولا يرحمون هؤلاء الأتباع، قال: ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ [سبأ ٣٢]، والإجرام هو الذنب الذي لا يغتفر.
قال: ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ﴾ [سبأ ٣٣] شوف إضراب على إضرابهم، (...) قال: ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ إضراب في أيش؟ عن قولهم: ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ ٣١]، ثم هؤلاء أضربوا عنهم؛ يعني قابلوهم بإضراب آخر.
قالوا: (﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ ٣٣] أي مكر فيهما منكم بنا). ﴿مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ هنا المكر مضاف إلى الليل على تقدير (في)؛ لأن الإضافة قد تكون على تقدير (من)، وعلى تقدير (اللام)، وعلى تقدير (في)، فإن كان الأول من الثاني يعني بأن كان الثاني جنسًا للأول فهو على تقدير (مِن)، وإذا كان الثاني ظرفًا للأول فهو على تقدير (في)، وما عدا ذلك فعلى تقدير (اللام).
خاتم حديد، على تقدير (مِن)، كذا؟ ثوب خز، على تقدير (مِن)، (في) مكر الليل؛ أي: مكر في الليل.
ما هو المكر؟ قالوا في تعريف المكر: إنه التوصل بالأسباب الخفية إلى الإيقاع بالمقابِل، هذا المكر؛ يعني بالذي قابلك، أو إن شئت فقل: بالخصم، كذا؟ عرِّف لي ما (...)؟ ﴿مَكْرُ اللَّيْلِ﴾ أضيف المكر هنا إلى الليل؛ لأنه ظرف..
يقول: نحن أكثر أموالًا وأولادًا، وإن رُجِعْنا إلى الله فإننا لن نعذب، وهذا على أحد الاحتمالين، والاحتمال الثاني أن قولهم: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ ٣٥] أي: أننا لن نُبْعَث ونُعَذَّب.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [سبأ ٣٦] إلى آخره.
في هذا إثبات المشيئة لله؛ لقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وإثبات الأفعال الاختيارية؛ لقوله: ﴿يَبْسُطُ﴾ ﴿وَيَقْدِرُ﴾.
* وفيه أيضًا: أن كثرة المال والولد لا يدل على الرضا، وإنما هو تابع لماذا؟ لمشيئة الله.
* ومنها: الحكمة العظيمة البالغة في اختلاف الناس في سعة الرزق وضيقه، لولا ذلك ما قامت مصالح الخلق، لو كان الناس على حَدٍّ سواء في الغنى هل يخدم بعضهم بعضًا؟ لا، ولا يقوم بعضهم بمصالح بعض، وانظر إلى قوله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف ٣٢] لماذا؟ ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف ٣٢]، ولولا هذا الاختلاف من بَسْط الرزق وسعته ما حصلت هذه الفائدة العظيمة، وهو تسخير الناس بعضهم لبعض.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أكثر الناس جهالٌ بحكمة الله عز وجل في أفعاله؛ لقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
سبأ 34:36
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [سبأ: ٢٩] ﴿يَقُولُونَ﴾ يعني المكذبين للرسول ﷺ، الذي تُوعِّدوا بالعذاب والنكال فيقولون متحدين ومستبعدين ومنكرين: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾.
﴿مَتَى﴾ اسم استفهام، والمراد به الإنكار والتحدي.
﴿الْوَعْدُ﴾ أي: بالعذاب الذي وعدتمونا به، ويحتمل أن يكون ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ بالنصر لكم؛ لأن المعروف أن الوعد في الخير، وفي الشر وعيد، ولكن قد يُقال: إن الوعيد لهؤلاء الكفار هو بالنسبة للمؤمنين وعد.
(﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ بالعذاب ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فيه) يعني إن كنتم صادقين بما تقولون من أن العذاب سيحل بنا وسنعاقب، والصدق: هو الإخبار بما يوافق الواقع، والكذب: الإخبار بما يخالف الواقع، فإذا قلت: قَدِمَ زيد البلد، ولم يكن قدم؛ فهو كذب؛ لأنه خلاف الواقع، وإذا قلت: قدم زيد البلد، وقد قدم؛ فهو صدق لموافقة الواقع.
فيقولون إن كنتم صادقين فمتى يكون هذا؟ وهذا كقوله تعالى في الساعة: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ [الشورى ١٧، ١٨]، فالكفار يستعجلون العذاب تكذيبًا للرسل عليهم الصلاة والسلام.
قال الله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء ٢٠٤، ٢٠٧] أي: يعني أي شيء يغني عنهم، فمهما طال بهم الأمد فإن المسألة محدودة معدودة ﴿إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء ٢٠٥، ٢٠٧].
فهم يتحدون، ومع ذلك أحيانًا يتحدون كذبًا فإنهم قالوا: حين أُخبِروا بالبعث، قالوا متحدين للرسل عليهم الصلاة والسلام: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية ٢٥] وهل قيل لهم: إن آباءهم يأتون الآن حتى يوجهوا الصورة إلى هذا؟ لا، يعني قيل لهم: إن آباءهم سيبعثون يوم القيامة لكنهم يُموِّهون على العامة بمثل هذه الدعاوى.
يقول الله عز وجل: (﴿قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سبأ ٣٠] عليه وهو يوم القيامة).
﴿لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ﴾ قوله: ﴿مِيعَادُ﴾ يحتمل أن يكون ظرف مكان أو زمان، ويحتمل أن يكون مصدرًا ميميًّا، والمعنى أن لكم وعدًا يكون في يوم لا تستأخرون عنه ساعة، ولا تستقدمون عليه؛ وذلك لأن الله عز وجل بحكمته البالغة قدَّر لكل شيء أجلًا معينًا، قال الله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد ٨] كل شيء بمقدار عند الله ومُحدَّد بأجله، فالعذاب لا يقدمه استعجالهم، ولا يؤخره، إذا جاء لا يتقدم ولا يتأخر، وفي هذا جواب من التهديد لهم ما هو ظاهر كما لو قلت للإنسان: إن لك عندي موعدًا لا يتقدم ولا يتأخر؛ فالمعنى احذر من هذا اليوم.
وقول المؤلف: (هو يوم القيامة) هذا لا شك أنه محتمل لكن فيه احتمال آخر أنه يوم القيامة ويوم موتهم أيضًا فإن يوم موتهم يشاهدون العذاب، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الأنفال ٥٠، ٥١].
فهذا اليوم يجدون فيه العذاب قبل يوم القيامة، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام ٩٣]، وفي سورة الدخان ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ [الدخان ١٠ - ١٣] إلى قوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان ١٥، ١٦] وهذا متى حصل؟ حصل في بدر حين قتل شرفاؤهم وساداتهم.
قال تعالى: (﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [سبأ ٣١] من أهل مكة)، أهل مكة (...) عليهم بالكفر قبل أن يكونوا مؤمنين لكن لا ينبغي أن نخصص ما عممه الله عز وجل، فالصواب: وقال الذين كفروا من أهل مكة وغيرهم، أيش قالوا؟ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ ٣١] أعوذ بالله، أتوا بـ ﴿لَنْ﴾ الدالة على تأكيد النفي، ولم يقولوا: لا نؤمن، بل قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ﴾ يؤكدون انتفاء إيمانهم بالقرآن في المستقبل. ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ (هذا) الإشارة للقريب تحقيرًا له كما في قوله تعالى: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء ٣٦] ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان٤١].
﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ ٣١] قلت: إن الإشارة هنا للقريب تحقيرًا له. وقوله: ﴿الْقُرْآنِ﴾ على وزن (فُعْلان)، فهل هو بمعنى المقروء؛ أو بمعنى القارِئ، أو هو مصدر بمعنى الجمع؟ فيه خلاف لعلماء العربية، والصواب أنه مُتضمن للمعاني كلها؛ فهو بمعنى قارئ أي جامع؛ لأنه مُهيمن على الكتب السابقة، وجميع ما فيها من المصالح موجود فيها وهو مقروء؛ لأن الناس يقرؤونه ويتلونه وهو جمع أيضًا؛ لأنه جامِع لكل شيء، والفُعلان بمعنى المصدر موجود في اللغة العربية، مثل: الشُّكْران والكُفْران والنُّكْران، وما أشبه ذلك، والمراد بالقرآن هنا الكتاب الذي أنزله الله تعالى على محمد ﷺ، وهو اسم خاص به ﴿بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ﴿وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يعني ولا نؤمن بالذي بين يديه أي: (تقدمه كالتوراة والإنجيل الدالَّيْن على البعث بإنكارهم له)، يعني ولا نؤمن أيضًا بالذي بين يديه، والمراد على رأي المؤلف: بما بين يديه، ما سبقه، وليس ما يأتي بعده، ما سبقه من (...) منين؟ (...).
ما ذهب إليه المؤلف.
ويحتمل أن يراد بقوله: ﴿وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ ٣١] أي: ما يأتي مما أخبر به، فإن ما بين يدي الشيء مستقبله، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة ٢٥٥] والمعنيان صحيحان، وإذا كانت الآية تحتمل معنيين صحيحين لا يتنافيان وجب حملها على الجميع؛ لأن القرآن شامل واسِع ﴿وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ ٣١] أي: ولا بالذي يأتي بعده مما أخبر به، أو: ﴿وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ما تقدمه من الكتب كالتوراة والإنجيل.
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ قال المؤلف: (يا محمد ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ الكافرون ﴿مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [سبأ ٣١]).
﴿وَلَوْ تَرَى﴾ هذه (لو) شرطية، فعل شرطها ﴿تَرَى﴾ وهي جازمة ولَّا غير جازمة؟ غير جازمة، وجوابها محذوف؛ أي: لرأيت أمرًا فظيعًا، وجواب الشرط في مثل هذا التركيب أعظم من ذِكْره؛ لأن النفس تذهب في تقديره كل مذهب من الفظاعة والبشاعة.
و(لو) تأتي في اللغة العربية على عدة معانٍ: تأتي شرطية كما هنا، وتأتي مصدرية كما في قوله: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩].
وقول المؤلف: (يا محمد)، قصر المؤلف الضمير على الرسول ﷺ مع أنه يحتمل أن يكون المراد به كل مخاطب؛ يعني ولو ترى أيها المخاطَب حال هؤلاء لرأيت أمرًا فظيعًا.
وقوله: ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ [سبأ ٣١] ﴿إِذِ﴾ بمعنى وقت أو حين، فهي ظرف زمان، و﴿الظَّالِمُونَ﴾ مبتدأ و﴿مَوْقُوفُونَ﴾ خبره.
والمراد بالظالمين هنا قال المؤلف: (الكافرون)، وإنما خصَّها بالكافرين مع أن الظلم أعم لقرينة السياق؛ حيث قال الله تعالى في آخرها: ﴿وَجَعَلْنَا الأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [سبأ ٣٣]، فصار المراد بالظالمين هنا الكافرين.
هل كل كافر ظالم؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: هل كل ظالم كافر؟ لا؛ ولهذا لما قال الله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤] قال العلماء: نحمد الله أن لم يقل: والظالمون هم الكافرون.
﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [سبأ ٣١] أي: محبوسون، فمعنى وَقَفَه أي: حبَسَه، ومنه سُمِّي الوقْف للمال الحبيس الذي تُحبس عينُه، وتُسبَّل منفعته، فمعنى ﴿مَوْقُوفُونَ﴾ أي: محبوسون عند الله عز وجل. وقوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ولم يقل: عند الله؛ لأن مِثْل هذا الفعل العظيم الدال على العظمة يتناسب مع الربوبية؛ لكمال ربوبيته عز وجل، وكمال ملكه وسلطانه، تجد هؤلاء الظلمة الذين عندهم من العتو والاستكبار والعناد في الدنيا تجدهم في أذل شيء أمام ربوبية الله عز وجل.
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ [سبأ ٣١] ﴿يَرْجِعُ﴾ بمعنى يرد، وعلى هذا فتكون متعدية؛ لأن رجع تأتي لازمة، وتأتي متعدية، فقولك: رجعت من مكة إلى المدينة؛ هذه لازمة ولَّا متعدية؟
* طلبة: لازمة.
* الشيخ: لازمة؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: رجعت من مكة إلى المدينة؛ لازمة، أيش تقولون؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: لازمة؛ لأنها لم تنصب المفعول. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة ٨٣] هذه متعدية.
وهنا قال: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ متعدية ولَّا لازمة؟ متعدية؛ أي: يردهم.
وقوله: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ ﴿الْقَوْلَ﴾ هنا مُبهم ومُجْمَل، ثم فصَّله بقوله: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ إلى آخره [سبأ: ٣١].
وفائدة الإبهام المفصل فائدته عظيمة؛ لأنه إذا أُجمل أولًا وأُبهم فإن النفس تتطلع إلى بيان ذلك الشيء وتفصيله ولَّا لا؟ عندما أقرأ: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾، ماذا يكون ذهنك؟ يكون ذهنك متطلعًا إلى بيان هذا القول الذي يتراجعونه، لكن لو قال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ هكذا جاءت لم يكن لها من التمكن في الذهن مثل ما كان لها حينما أبهم القول، ثم بُيِّن، أو أُجْمِل، ثم فُصِّل.
﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ ماذا يقولون؟ (﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ الأتباع ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ الرؤساء ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ﴾ صددتمونا عن الإيمان ﴿لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ بالنبي).
﴿لَوْلَا﴾ هذه شرطية أو لا؟ شرطية، ويقال فيها: حرف امتناع لوجود؛ لأنه امتنع جوابها لوجود شرطها، وتأتي (لولا) شرطية كما هنا، وتأتي للتحضيض كما في قوله: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور ١٣]، وتأتي للنفي كما في قوله: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس ٩٨] المعنى فما كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا.
هنا يقول: ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ﴾. ابن مالك رحمه الله يقول:
وَبَعْدَ لَوْلَا غَالِبًا حَذْفُ الْخَبَرْ ∗∗∗ حَتْمٌ .....................
إذن هنا المبتدأ موجود، وهو ﴿أَنْتُمْ﴾ فأين الخبر؟ محذوف قدَّرَه المؤلف بقوله: (صددتمونا) من أين عرف أنه بهذا اللفظ؟ من قولهم: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى﴾ [سبأ ٣٢]، إذن ما نُقدِّر هنا: لولا أنتم موجودون؛ لأن الصد أخص من مطلق الوجود، وإذا كان لنا طريق إلى تقدير الأخص فهو أولى من تقدير الأعم؛ ولهذا قلنا: إن القارئ إذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم، يُقدِّر المتعلَّق بقوله: أقرأ، لا بقوله: أبتدئ؛ لأن أبتدئ عامة وأقرأ خاصة، هنا يمكن أن نقول: لولا أنتم موجودون، لكن ما دُمنا نجد فعلًا أخص وهو الصد المدلول عليه بقوله: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ﴾ [سبأ ٣٢] فإنه يجب أن نقدر لولا أنتم صددتمونا.
﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ ٣١] هذا جواب الشرط؛ ولهذا اقترن باللام ﴿لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ لكن بمن؟ قال: (بالنبي).
والأصح أنه أعم؛ أي لكنا مؤمنين بما تشمله رسالة النبي ﷺ من الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبغير ذلك مما يجب الإيمان به.
﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ [سبأ ٣٢] ردوا عليهم القول ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ [سبأ ٣١] ردوا القول؟ وين الرد؟ (...).
يقول: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ هذا رد لقولهم، شوف ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ [سبأ ٣٢] الاستفهام هنا بمعنى النفي؛ يعني لن نصددكم عن الهدى بعد إذ جاءكم، بل أنتم الذين اخترتم الكُفر، وهنا صدق قول الله عز وجل: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة ١٦٦]، فهنا قال: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ﴾ يعني إنا متبرئون منكم، ولا أجبرناكم على الكفر بل أنتم الذين اخترتم ذلك.
وقوله: ﴿صَدَدْنَاكُمْ﴾ أي: صرفناكم.
وقوله: ﴿عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ [سبأ ٣٢] هذا من باب تحقيق مجيء الهدى ووضوحه، وهذا إقرار من هؤلاء الرؤساء المستكبرين، إقرار منهم على أن الهدى قد جاء وبان ووضح ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ قال المؤلف في تفسيرها: (لا) إشارة إلى أن الاستفهام هنا للنفي، وكلما جاءكم (لا) بعد الاستفهام فإن ترجمتها أن المؤلف يرى أن الاستفهام هنا للنفي.
(﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ [سبأ ٣٢] في أنفسكم)، شوف أعوذ بالله، في الدنيا تجده يأتي إليه المستكبِر هذا الضعيف يدعوه بلطف تام، وفي الآخرة يلعن بعضهم بعضًا، ويتبرأ بعضهم من بعض.
«انظر إلى ملك غسان لما بلغه أن النبي عليه الصلاة والسلام هجر كعب بن مالك، ويش أرسل إليه؟ أرسل إليه خطابًا رقيقًا لطيفًا وقال له: إنه بلغنا أن صاحبك قد هجرك فأتِ إلينا نواسِك، شوف التلطف (...) ولكن لم ينخدع كعب رضي الله عنه لإيمانه، وخاف أن ينخدع في المستقبل، فماذا صنع؟ ذهب إلى التنور وأوقد هذه الورقة»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٤١٨)، ومسلم (٢٧٦٩ / ٥٣) من حديث كعب بن مالك.]].
وهكذا كل شيء تخشى على نفسك منه في المستقبل يجب عليك أن تُتلفه، لا تقل: إني الآن ما يمكن أفعل هذا الشيء أبدًا، ولا يمكن أن أضل به، صحيح أنك في بادئ البدء قد لا تنخدع لكن الشيطان يعمل عمله؛ ولهذا يجب عليك أن تتلف كل ما تخشى أن تكون عاقبته عليك وخيمة.
الحاصل أن هؤلاء في الآخرة ما يتوددون، ولا يتلطفون، ولا يرحمون هؤلاء الأتباع، قال: ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ [سبأ ٣٢]، والإجرام هو الذنب الذي لا يغتفر.
قال: ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ﴾ [سبأ ٣٣] شوف إضراب على إضرابهم، (...) قال: ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ إضراب في أيش؟ عن قولهم: ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ ٣١]، ثم هؤلاء أضربوا عنهم؛ يعني قابلوهم بإضراب آخر.
قالوا: (﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ ٣٣] أي مكر فيهما منكم بنا). ﴿مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ هنا المكر مضاف إلى الليل على تقدير (في)؛ لأن الإضافة قد تكون على تقدير (من)، وعلى تقدير (اللام)، وعلى تقدير (في)، فإن كان الأول من الثاني يعني بأن كان الثاني جنسًا للأول فهو على تقدير (مِن)، وإذا كان الثاني ظرفًا للأول فهو على تقدير (في)، وما عدا ذلك فعلى تقدير (اللام).
خاتم حديد، على تقدير (مِن)، كذا؟ ثوب خز، على تقدير (مِن)، (في) مكر الليل؛ أي: مكر في الليل.
ما هو المكر؟ قالوا في تعريف المكر: إنه التوصل بالأسباب الخفية إلى الإيقاع بالمقابِل، هذا المكر؛ يعني بالذي قابلك، أو إن شئت فقل: بالخصم، كذا؟ عرِّف لي ما (...)؟ ﴿مَكْرُ اللَّيْلِ﴾ أضيف المكر هنا إلى الليل؛ لأنه ظرف..
يقول: نحن أكثر أموالًا وأولادًا، وإن رُجِعْنا إلى الله فإننا لن نعذب، وهذا على أحد الاحتمالين، والاحتمال الثاني أن قولهم: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ ٣٥] أي: أننا لن نُبْعَث ونُعَذَّب.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [سبأ ٣٦] إلى آخره.
في هذا إثبات المشيئة لله؛ لقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وإثبات الأفعال الاختيارية؛ لقوله: ﴿يَبْسُطُ﴾ ﴿وَيَقْدِرُ﴾.
* وفيه أيضًا: أن كثرة المال والولد لا يدل على الرضا، وإنما هو تابع لماذا؟ لمشيئة الله.
* ومنها: الحكمة العظيمة البالغة في اختلاف الناس في سعة الرزق وضيقه، لولا ذلك ما قامت مصالح الخلق، لو كان الناس على حَدٍّ سواء في الغنى هل يخدم بعضهم بعضًا؟ لا، ولا يقوم بعضهم بمصالح بعض، وانظر إلى قوله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف ٣٢] لماذا؟ ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف ٣٢]، ولولا هذا الاختلاف من بَسْط الرزق وسعته ما حصلت هذه الفائدة العظيمة، وهو تسخير الناس بعضهم لبعض.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أكثر الناس جهالٌ بحكمة الله عز وجل في أفعاله؛ لقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
سبأ 34:37
ثم قال: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ﴾ [سبأ ٣٧] في هذا الآية دليل على أن كثرة الأموال والأولاد لا تستلزم القرب إلى الله؛ فإن من الناس من يكون كثير المال والولد وهو من أبعد الناس عن الله، ومن الناس من يكون قليل المال والولد وهو من أقرب الناس إلى الله، فهذا النبي عليه الصلاة والسلام هل هو أكثر الناس أموالًا وأولادًا؟ ومع ذلك فهو أقرب الناس إلى الله، وهذا الرجل الذي افتخر بماله وولده وقال: لأُوتَيَنَّ مالًا وولدًا؛ ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم ٧٧]، إذا آتاه الله المال والولد فإنه لا ينفعه، قال الله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ [المدثر ١١ - ١٨] إلى أن قال: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر ٢٦]، فالأموال والأولاد لا تُقَرِّب إلى الله.
* ومن فوائدها: أن المؤمن الذي يعمل الصالحات فإن أمواله وأولاده أيش؟ تُقَرِّبه إلى الله عز وجل؛ لأنه يكتسبها من حلال ويصرفها فيما يرضي الله عز وجل فيكون منتفعًا بها، والأولاد كذلك يقوم عليهم بالتربية والتعليم وغير ذلك من مصالحهم فينتفع بذلك عند الله، ولهذا قال: ﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء على الإيمان والعمل الصالح مُضاعَف؛ لقوله: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا﴾.
* ومن فوائدها: إثبات الأسباب، من الباء في ﴿بِمَا عَمِلُوا﴾.
* ومن فوائدها: أن منازل الجنة عالية؛ لقوله: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ﴾، والغرفة المنزل العالي، أما الذي في الأرض فيسمى حُجْرةً لا يُسَمَّى غرفة، فالمنازل فوق غُرَف، والمنازل تحت حُجَرٌ.
* ومن فوائدها: أنَّ من دخل الجنة فهو آمن، آمن منين؟ مِنْ كل مَخُوف؛ آمن من الموت، من المرض، من انقطاع النعيم، من فساد الثمار، من كل شيء؛ ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾، والله أعلم.
سبأ 34:38
(...) لما ذكر جزاء المؤمنين ذكر جزاء غيرهم؛ لأن القرآن مثانٍ تُثَنَّى فيه المعاني، فإذا ذُكِر الثواب ذُكِرَ العقاب، وإذا ذُكِر المؤمن ذُكِر الكافر؛ وذلك لئلا تسأم النفس إذا بقيت في موضوع واحد، ولأجل أن يكون الإنسان عند تلاوة القرآن دائرًا بين الخوف والرجاء، ومعلوم لنا جميعًا أن الموضوع إذا كان واحدًا فإن النفس تَمَلُّه وتسأم منه، فإذا نُوِّع صار في ذلك تنشيط لها.
قال: ﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا﴾ قال المؤلف: (القرآن بالإبطال) ﴿يَسْعَوْنَ﴾ السعيُ يُطْلَق على مجرد الحركة، ويُطلَق على الركض بشدة؛ ففي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة ٩] المراد بذلك مُطلَق الحركة، وليس المراد أن تركض، وإذا قلت: يسعى في الطواف بين الصفا والمروة يسعى بين العلمين فالمراد بذلك الركض، هنا ﴿يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا﴾ يحتمل أن يكون المراد بذلك مُطلَق الحركة ويحتمل أن يُراد به الحركة بشدة وإقدام، وهذا الأخير أبلغ أي: أن هؤلاء يَسْعَون جاهدين في آيات الله.
وقول المؤلف: ﴿فِي آيَاتِنَا﴾ أي: (القرآن)؛ وجهه أن الذين كفروا لا ينكرون آيات الله الكونية، وإنما ينكرون آيات الله الشرعية على أنهم أحيانًا يطلبون آياتٍ كونيَّةً تعجيزًا للرسول ﷺ، كما حكى الله عنهم في قوله: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء ٩٠ - ٩٣] كم آية طلبوها من الآيات الكونية هنا؟ ومع ذلك قال الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي﴾ يعني: تنزيهًا له أن يبعث رسول بدون آيات يؤمن على مثلها البشرُ، وما أنا إلا بشر رسول، المهم أن الآيات هنا خصَّها المؤلف بالآيات الشرعية وقال: إن المراد بها القرآن. ويحتمل أن يراد بها الآيات الكونية والآيات الشرعية جميعًا؛ لأن هؤلاء كما يعاجزون في القرآن يعاجزون أيضًا في الآيات الكونية.
وكان القرآن آية من آيات الله لاشتماله على ما يَعْجَز عليه البشر، بل إن الله عز وجل تحدَّى البشر وغيره ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت ٥٠، ٥١].
قال: (﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ لنا، مقدرين عجزنا وأنهم يفوتوننا).
﴿مُعَاجِزِينَ﴾ المعاجز هو الطالب لإعجاز غيرِه فهي (عَاجَزَه) مثل (قَاتَلَه)، فالمعنى أنهم يعاجزون الله أي: يطلبون على زعمهم ما به العجز؛ ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (أي: مُقَدِّرين عجزنا وأنهم يفوتوننا).
هؤلاء الذين فعلوا ذلك يعاجزون الله ويطلبون ما به عجز على زعمهم، ويقولون: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال ٣٢] هذا تعجيز لله عز وجل، لكن الله سبحانه وتعالى حكيم لا يجيبهم إلى ما أرادوا، بل هو يجعل هذه الأمور حسب ما تقتضيه الحكمة.
قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾، قلت لكم قبل قليل: إن هذه الجملة هي خبر أيش؟ ﴿الَّذِينَ يَسْعَوْنَ﴾ خبر المبتدأ، الآن جملة خبرية، وقوله: ﴿أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ أي: محضرون في نفس العذاب لا إليه، بل يحضرون حتى يوقعوا في نفس العذاب، والعذاب بمعنى العقوبة والنكال، وهذا خبر يُراد به التهديد لا مجرد أن نعلم بأن هؤلاء سيحضرون في العذاب ويُعَذَّبون، بل المراد التهديد والتحذير من صنيعهم.
ثم قال: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ ﴿قُلْ﴾ الخطاب للنبي ﷺ، ويجوز أن يراد به يتأتى خطابه أو كل من يصح توجيه الخطاب إليه، يخاطب هؤلاء الذين يَسْعَون في آياتنا معاجزين ويقولون: عجز الله فيما يدعون.
(﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ يوسعه) هذا معنى ﴿يَبْسُطُ﴾ من البسط وهو التوسعة؛ ولهذا يقال: بسط الكلام واختصر الكلام، بسطه بمعنى وسعه وطوله، والرزق بمعنى العطاء.
(﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ من عباده امتحانًا ﴿وَيَقْدِرُ﴾ يُضيِّقُه بعد البسط أو ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ابتلاءً) انتبه ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾، قوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ مر علينا كثيرًا بأن كل فعل عَلَّقه الله بالمشيئة فهو مقرون بالحكمة؛ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠]، فمشيئته سبحانه وتعالى تابعة لحكمته، فإذا اقتضت حكمته أن يوسع الرزق لأحد وسَّعه، وإذا اقتضت حكمته أن يضيقه ضيقه.
وقوله: ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ المراد بالعباد العبودية العامة؛ لأن المشاهد أن الكافرين والمؤمنين على السواء؛ منهم من يبسط الله لهم الرزق، ومنهم من يضيقه، فالمراد بالعباد -إذن- العبودية العامة.
وقد مر علينا أن العبودية تنقسم: إلى عامة، وخاصة؛ فالعامة التي تشمل جميع الخلق والمراد بها العبودية الكونية التي قال الله عنها: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣]، وأما الخاصة فهي عبودية الطاعة الشرعية وهي التي قال فيها: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان ٦٣] إلى أخره.
﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ قال المؤلف: (امتحانًا) كيف معنى امتحان؟ يعني: اختبار يختبره؛ هل يشكر أم يكفر؟ ولهذا قال سليمان عليه الصلاة والسلام: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل ٤٠] حين رأى عرش بلقيس حاضرًا بين يديه في هذه المدة الوجيزة قال: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل ٤٠] وقال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء ٣٥] يعني ابتلاء واختبارًا، وكم من إنسان كان في حال الفقر أصلح مما كان بعد الغنى، وكم من إنسان بالعكس كان فقيرًا مُسْرفًا على نفسه ولما أغناه الله هداه الله، فالله عز وجل يبسط الرزق لمن يشاء حسب ما تقتضيه الحكمة.
قال: ﴿وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ ﴿لَهُ﴾ هل يعود على المبسوط له أو يعود على من يشاء عمومًا؟ المؤلف رحمه الله ذكر فيها المعنيين قال: ﴿وَيَقْدِرُ﴾ يُضيِّق له بعد البسط؛ يعني أنه عز وجل يبسط الرزق لمن يشاء ثم يُضَيِّقه عليه ليبلوه؛ يعطي النعم ثم يُزيلها امتحانًا واختبارًا؛ يمنُّ الله على الإنسان بالأولاد فيموتون، بالمال فيفنى، هذا تضييق بعد أيش؟ بعد البسط، أو أن المعنى: ﴿يَبْسُطُ﴾ ﴿وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ أي: لمن يشاء، لا لهذا الذي كان مبسوطًا له الرزق؛ يعني أنه سبحانه وتعالى يبسط الرزق عند قوم ويقدره لآخرين، وهل المعنيان يتنافيان؟ لا، وإذا كانا لا يتنافيان فقد مر علينا أن القاعدة في التفسير أن المعنيين إذا كانا لا يتنافيان فإن الآية تُحْمَل عليهما جميعًا.
﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ [سبأ ٣٩] (﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ في الخير ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ يخلفه للإنسان يُقال كلُّ إنسان يرزُق عائلته أي: من رزق الله).
﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ ﴿مَا﴾ هذه شرطية، وفعل الشرط (أنفق)، وجوابه ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾، واقترن بالفاء؛ لأنه جملة اسمية، ويقترن جواب الشرط بالفاء في سبعة مواضع؛ ينشد لنا الأخ البيت الذي نظم فيها..
* طالب:
اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدٍ ∗∗∗ وَبِـ(مَا)..........
* الشيخ: لا.
* طالب:
اسمية طلبية وبجامد وبـ(ما) وبـ(لن) وبـ(قد) وبالتنفيس.
* الشيخ: وبما، لا (...) الترتيب.
* الطالب:
.................. ∗∗∗ وَبِـ(مَا) وَ(قَدْ) وَبِـ(لَنْ)وَبِالتَّنْفِيسِ
* الشيخ: نعم.
اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدٍ ∗∗∗ وَبِـ(مَا) وَ(قَدْ) وَبِـ(لَنْ)وَبِالتَّنْفِيسِ
هذه الآية من أي الأقسام السبعة؟ اسمية.
وقوله تعالى: (﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ﴾ أي: الله ﴿يُخْلِفُهُ﴾ أي يأتي بخلفه) واعلم أن هناك فرقًا بين يَخلُف ويُخلِف؛ فيَخْلُف يُراد به الشيءُ الذي خَلَفَ غيرَه؛ قال الله تعالى عن موسى حين وَجَّه الخلفَ لهارونَ ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾ [الأعراف ١٤٢] أي: صِرْ خَلَفًا عني في قومي، وأما (أَخْلَفَ) الرباعي فالمراد أعطى الخلف؛ فالمخلف معطي الخلف، والخالف الذي خَلَف غيره، انتبه للفرق بين الثلاثي والرباعي، الثلاثي ويش معناه؟ خَلَفَ غيره، والرباعي أعطى الخلف. ومنه الحديث حديث أبي سلمة قال: «وَأخْلِفْ لِي فِي عَقَبِي»[[لم نقف على هذا المتن، ولعل المقصود ما أخرجه مسلم (٩٢٠ / ٧) بسنده عن أم سلمة، قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شقَّ بصره، فأغمضه، ثم قال: «إن الرُّوح إذا قُبِضَ تبعه البصر»، فضج ناس من أهله، فقال: «لا تَدْعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يُؤَمِّنُون على ما تقولون»، ثم قال: «اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره، ونَوِّر له فيه».]]، وحديث أم سلمة نفس الشيء قالت: «وَأخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهُ»، فاجتمع في الحديث الكلام جميعًا، حديث أم سلمة: «مَا مِنْ عَبْدٍ يُصَابُ بِمُصِيبَةٍ فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ أَجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأخْلِفْ لِي»[[أخرج مسلم (٩١٨ / ٤) بسنده عن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ، يقول: «ما من عبد تصيبُه مصيبة، فيقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرًا منها إلا أجره الله في مصيبته». ]] ما هي بـ(واخلُف) «وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا آجَرَهُ اللَّهُ فِي مُصِيبَتِهِ وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا» » طيب، هنا من الرباعي ولَّا من الثلاثي؟ من الرباعي ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ أي: يعطي ما يكون خَلَفًا عنه.
وقوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ﴾ الإنفاق معناه بذل المال، والمؤلف رحمه الله قيَّدَه بقوله: (﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ﴾ في الخير)، وهذا القيد الذي قيَّده به المؤلف دلَّت عليه آيات متعددة كما قال تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة ٢٧٢].
﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة ٢٧٢]، والآيات في هذا كثيرة؛ لأن من أنفق في غير الخير فالخلف غير مضمون له، لكن من أنفق في الخير فالخلف مضمون له، يشمل هذا النفقات الواجبة كإنفاق الإنسان على زوجته وأمه وأبيه وابنه وبنته وما أشبه ذلك، ويشمل أيضًا الإنفاق في الزكاة لأنها هي أُمُّ الإنفاقات لأن الإنفاق في الزكاة أحد أركان الإسلام، ويشمل الإنفاق في الجهاد في سبيل الله، ويشمل الإنفاق في وجوه الخير كالإحسان إلى الناس وغير ذلك.
وقوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ هذا الإخلاف هل هو في الكمية أو في الكيفية؟ بمعنى هل إن الله عز وجل يعطيك بدلًا عنه في الكمية إذا أنفقت عشرة أعطاك عشرة، أو في الكيفية بمعنى أن الباقي يُنْزِل الله فيه البركة حتى يكون مقابلًا لما أنفقت مضمومًا إليه؟ الظاهر أنه يشمل الأمرين؛ أن الله يخلفه يعطيك خلفًا عنه في الكمية، فإذا أنفقت عشرة فتح الله لك باب الرزق وأعطاك عشرة، أو أنه يكون خلفًا عن الكيفية، فإن أنفقت عشرًا من مئة وبقي تسعون، فإن هذه التسعين تقوم مقام مئة أو أكثر بالبركة التي يُحِلُّها الله عز وجل؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ»[[أخرجه مسلم (٢٥٨٨ / ٦٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] يعني أن الصدقة لا تنقص المالَ ولكنها تزيده كما قال تعالى هنا: ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾.
قال: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ ﴿خَيْرُ﴾ أصلها أخير؛ لأنها اسم تفضيل، لكنها حذفت الهمزة تخفيفًا لكثرة استعمالها.
و﴿الرَّازِقِينَ﴾ المعطين، كيف نقول ﴿خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ مع أن الذي يبسط الرزق ويعطي الرزق هو الله؟
نقول: لأن غير الله يرزق لكنه رزق محدود، يقال: رزق عائلته قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء ٨] فإذن الرزق يكون من الله ويكون من غيره، لكنه من الله شامل عامٌّ، ومن غيره ناقص خاصٌّ، فالإنسان يكون كما قال المؤلف رحمه الله يقول: إنه (يقال: كُلّ إنْسَان يَرْزُق عَائِلَته) يعني: يعطيها، لكن عطاء الإنسان عائلتَه أو رزق غير عائلته منين؟ من رزق الله، لولا أن الله أعطاك ما أعطيت غيرك، فيعود المعنى إلى أن الرزق لِمَن؟ لله سبحانه وتعالى، نعم ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾.
قال: (واذكر يوم نحشرهم جيعًا ثم نقول للملائكة).
(واذكر) قدَّرها المؤلف لأن (إذ) ظرف، والظرف كالجار والمجرور لا بد له من متعلَّق، وهذا المتعلق يكون مذكورًا ويكون مُقَدَّرًا كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ [الأنعام ٩٣] العامل مذكور ولَّا محذوف؟ ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ مذكور؛ ﴿تَرَى﴾، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ﴾ [الأنفال ٥٠] العامل هنا مذكور، وقد يُحْذَف وهو كثير في القرآن، هنا عامل ﴿يَوْمَ﴾ محذوف؛ واذكر ﴿يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ اذكر ذلك اليوم تحذيرًا منه وتخويفًا؛ لأن هذا اليوم يوم عظيم وقوله: ﴿نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾ أي: نجمعهم، و﴿جَمِيعًا﴾ حال من الهاء في قوله: ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾، ومتى يكون ذلك؟ قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن ٩]، يكون هذا يوم القيامة يحشُر الله تعالى الأوَّلين والآخرين؛ قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة ٤٩، ٥٠]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود ١٠٣].
(﴿نحشرهم جميعًا﴾ أي: المشركين ﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ) قوله: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ الهمزة للاستفهام، و﴿هَؤُلَاءِ﴾ ويش إعرابها؟ مفعول مُقَدَّم لـ(يعبدون) أو هي مبتدأ والمفعول ﴿إِيَّاكُمْ﴾؛ لأن ﴿يَعْبُدُونَ﴾ الآن مفرغة؛ يعني أنها لم تأخذ مفعولها، وإذا لم تأخذ مفعولها صار ما سبق هو المفعول.
طيب، وهل يجوز تقديم مفعول خبر (كان) عليها؟
الجواب: نعم يجوز وقد مر علينا هذا في باب (كان وأخواتها) أنه يجوز تقديم خبرها ويجوز تقديم معمول خبرها؛ قال الله تعالى: ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ [هود ٨] قَدَّم عامل الخبر على الأداة، هنا قدم عامل الخبر على الأداة ﴿إِيَّاكُمْ﴾ مفعول لـ﴿يَعْبُدُونَ﴾؛ يعني: أهؤلاء كانوا يعبدونكم؟ ولكنه فَصَل الضمير لِتَقَدُّمِه.
قال: (﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ﴾ بتحقيق الهمزتين وإبدال الأولى ياءً وإسقاطها) عندنا همزتان: همزة ﴿هَؤُلَاءِ﴾، وهمزة ﴿إِيَّاكُمْ﴾ فيها ثلاث قراءات:
القراءة الأولى: (تحقيق الهمزتين)، وصفة النطق بها: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ﴾.
القراءة الثانية: يقول: (وإبدال الأولى ياءً): ﴿أَهَؤُلَايِ إِيَّاكُمْ﴾ تجعل الهمزة ياء.
الثالثة: (إسقاط الهمزة الأولى) ﴿أَهَؤُلَا إِيَّاكُمْ﴾ بدون همزة.
* الطالب: إسقاط الأولى (هؤلاء) بدون..(أهؤلاء).
* الشيخ: ما هو يعني الهمزة الأولى، يعني الهمزة الأولى من الهمزتين المتجاورتين، وهي همزة (أولاء) الثانية وهمزة (إياكم)، فهذه ثلاث قراءات، وبأَيِّها قرأت (...).
يقول: ﴿كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿كَانُوا﴾ متى؟ في الدنيا، يقول الله تعالى ذلك توبيخًا وتقريعًا لهؤلاء العابدين الذين كانوا يعبدون الملائكة، والملائكة تقدم لنا كثيرًا أنها جمع مَلَك، وأصل ملك مَلْأَك، وأصل المَلْأَك مَأْلَك، كذا؟ ففيها أصول، لكنها للاستعمال وصلت إلى هذا الوضع.
﴿قَالُوا﴾ الضمير يعود على الملائكة، (﴿سُبْحَانَكَ﴾ تنزيهًا لك عن الشريك) يعني أننا نُنَزِّهك عن أن نكون شركاء لك لا نحن ولا غيرنا، وتنزيه الله سبحانه وتعالى يكون عن شيئين: أحدهما: النقص، والثاني: مشابهة المخلوقين، وإن كان مشابهة المخلوقين من النقص، لكن هذا من باب التفصيل في القول؛ ينزَّه الله عن النقص فمثلًا لا يوصف الله تعالى بالعمى والصمم والعجز والضعف وما أشبه ذلك؛ مشابهة المخلوقين فيما له من صفات الكمال فلا يقال: علمه كعلم المخلوقين أو وجهه كوجه المخلوقين أو يده كيد المخلوقين وما أشبه ذلك، فهو مُنَزَّه عن هذين الأمرين.
هنا مُنَزَّه عن أن يكون له شريك؛ لأن لو كان له شريك لكان ناقصًا؛ إذ إن الشريك معين لمن شاركه أو مالك لما يملكه، فالله سبحانه مُنزَّه عن هذا؛ تقول الملائكة: (سبحانك أي تنزيهًا لك عن الشريك)، وأفادنا المؤلف بقوله: (تنزيهًا) أفادنا أن ﴿سُبْحَانَ﴾ منصوبة على أنها اسم مصدر فتكون مفعولًا مطلقًا وهي ملازمة للنصب على المفعولية المطلقة دائمًا وملازمة للإضافة، فلا تقع مضافة وإلا منصوبة على مفعولها المطلق.
(﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ أي: لا موالاة بيننا وبينهم من جهتنا) يعني أن هذه الجملة الخبرية الثبوتية ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ معناها جملة سلبية أي: لا نتولاهم، بل أنت ولينا من دونهم، فلا موالاة بيننا وبينهم، وإذا انتفت الموالاة ثبت ضدها وهي المعاداة، يعني: فهؤلاء أعداؤنا وأنت ولينا من دونهم، وهذا كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة ٢٥٧].
(﴿بَلْ﴾ للانتقال ﴿كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ أي: الشياطين؛ أي: يطيعونهم في عبادتهم إيانا ﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ مُصَدقون فيما يقولون).
﴿بَلْ﴾ للانتقال لأن (بل) تأتي للإضراب الانتقالي وللإضراب الإبطالي، فإن كان المقصود بها إبطال ما سبق وإثبات ما لَحِق فالإضراب إبطاليٌّ، وإذا كان المقصود بها الانتقال من معنى إلى آخر فوقه أو دونه يُسَمى إضرابًا انتقاليًّا.
هنا المؤلف يقول: إن هذا الإضراب انتقالي؛ يعني: أنهم لم يبطلوا ما سبق، فهم باقون على قولهم: ﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾، ولا موالاة بيننا وبينهم، ولا نواليهم ولا يوالوننا، بل نزيد على ذلك ﴿كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾، والمراد بـ(الجن) هنا الشياطين؛ لأن الجن هم الشياطين في الواقع؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف ٥٠]، فهم يعبدون الجن بماذا؟ إن كان المراد (...).
إذا كانوا يعبدون الملائكة فما هو ظاهر السياق؟ فكيف عبادتهم للجن هنا؟ عبادتهم للجن عبادة طاعة، أي أنهم يطيعونهم في الإشراك، فالجن تأمرهم أن يجعلوا الملائكة شركاء مع الله في العبادة فيطيعونهم، ومَن أطاع غير الله في معصية الله فقد اتخذه إلهًا؛ قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة ٣١]، وقد رُوِيَ أنهم كانوا إذا أَحَلُّوا ما حرَّم الله أحلُّوه، وإذا حرموا ما أحلَّ الله حرموه فجعلوهم إلهًا مع الله سبحانه وتعالى في التحليل والتحريم والطاعة؛ فيكون معنى قوله: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ أي: يطيعونهم في عبادة مَنْ؟ في عبادة الملائكة، ومن أطاع غيره في معصية الله فقد اتخذه إلهًا ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾.
(﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ مُصَدِّقُون فيما يقولون لهم) قال: ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾، ولم يقل: كلهم، مع أن الجميع يعبدون الملائكة طاعةً للجن، فلماذا عَبَّروا بقولهم: ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾، ولم يقولوا: كلهم؟
جواب ذلك أن يقال: إن هؤلاء المشركين ينقسمون إلى قسمين:
قسم عامة أتباع لا يعرفون شيئًا وجدوا آباءهم على دين فمَشَوْا عليه.
والقسم الآخر مجتهدون يعرفون الأمر، ولكنهم يؤمنون بهؤلاء الجن ويصدِّقونهم ويكفرون بالرسل وهؤلاء هم الأكثر، ومع ذلك فإن الأتباع وهم القسم الأول إذا تبيَّن لهم الحق وأصرُّوا على اتباع هؤلاء وقالوا كما قالت الأمم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٢٢] فإنهم مستحقون للعذاب؛ لأنه كفروا عن بَصيرة.
﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ [سبأ ٤٢]، ﴿فَالْيَوْمَ﴾ (أل) هنا للعهد، ما نوعه؟
* طالب: الذهني.
* الشيخ: لا، ما هو الذهني ولا الحضوري، الحضور يعني اليوم، هذا للعهد الذكري، والمذكور هو قوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ أي: فاليوم الذي نحشرهم فيه لا يَمِلك بعضُكم لبعض نفعًا ولا ضرًّا.
وقوله: ﴿الْيَوْمَ﴾ لماذا نصبت أو بماذا نصبت؟
* طالب: بدل.
* الشيخ: لا.
* طالب: نحذر اليوم.
* الشيخ: لا.
* طالب: على الظرفية.
* الشيخ: على الظرفية، والعامل فيها قوله: ﴿لَا يَمْلِكُ﴾ يعني: فلا يملك اليوم بعضكم لبعض نفعًا ولا ضرًّا.
(﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ﴾ أي: بعض المعبودين لبعض العابدين ﴿نَفْعًا﴾ شَفاعة ﴿وَلَا ضَرًّا﴾ تعذيبًا) ﴿لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ﴾ مَنِ الذي انتفى ملكُه؟ العابدون أو المعبودون؟
* طلبة: المعبدون.
* الشيخ: الذي لا يملك: المعبود؛ لأن العابد يرجو من وراء المعبود النفعَ أو الضررَ، فنقول: لا يملك العابد للمعبود ضرًّا ولا نفعًا، كما أنه لا يملك المعبود للعابد ضرًّا ولا نفعًا، وهذا والله أعلم هو الحكمة؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ﴾ وجعله مبهمًا ليشمل العابد والمعبود، والتابع والمتبوع، فكلُّ أحدٍ يوم القيامة لا يملك لأحد نفعًا ولا ضرًا.
المؤلف يقول: (شفاعة) مع أن كلمة (نفع) أعم من الشفاعة، لكن كأنه رحمه الله قيَّدها بالشفاعة؛ لقولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر ٣] فادَّعَوْا أن عبادتهم إياهم من أجل أن تشفع لهم عند الله سبحانه وتعالى وتُقَرِّبُهم إليه.
﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ يعني نفعًا في عبادتكم إياهم في الشفاعة، والأصح وفي غيرها، ﴿وَلَا ضَرًّا﴾ بعدم عبادتكم إياهم؛ أي أنهم إذا لم تعبدوهم فإنهم لن يضروكم، وكما أنهم لا يملكون في ذلك اليوم نفعًا ولا ضرًّا فكذلك لا يملكون في الدنيا نفعًا ولا ضرًّا.
فإن قلت: إنه قد يَعْبُد الإنسان غيرَ الله فيدعوه لكشف ضُرٍّ فيَنْكَشِف ذلك الضر، فما الجواب عن هذه الآية وغيرها؟
نقول: إن هذا الذي حصل لم يحصُل بالدعاء أو بالعبادة ولكن حصل عنده، فليس ذلك سببًا، فإذا قلت: قولك: إنه حصل عنده لا به دَعْوَى تحتاج إلى بُرْهان وإلَّا لكان الواجب أن يُحال الأمرُ على الشيء أو على السبب الظاهر؛ وهو دعاء هذه الأصنام، فاهمون الاعتراض هذا ولَّا لا؟
يعني قد تقول: إن هذا الشيء عند الدعاء لا بالدعاء، فيقال لك: هذه دعوى منك، ما دام دعا هذا الصنم أن يشفيَه فشُفِيَ فالأصل إحالة الحكم على السبب الظاهر، وهو هذا الدعاء، فدعوى أنه حصل بغير هذا السبب الظاهر تحتاج إلى دليل. فالجواب أن لدينا دليلًا على ذلك وهو قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف ٥] فهاتان الآيتان وما أشبههما كلها تدل على أن هذه الأصنام لا تنفع لا بجلْب نفع ولا بدفع ضرر، فإن وُجِدَ شيء حصل بعد الدعاء فقد حَصَل عنده لا به.
فإن قلت: كيف يكون هذا الشيء؟! وما الحكمة مِنْ أن الله عز وجل يجعل حدوث هذا النفع أو اندفاع هذا الضرر عند دعاء هذه الأصنام؟ نقول: فتنة وامتحانًا، فإن الله تعالى قد يمتحن العبد بالشيء المُحَرَّم يُصِرُّ عليه أو يبتليه بالشيء المحرم يمتنع منه، والله على كل شيء قدير (...).
* * *
قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ [سبأ ٣٨].
* في هذه الآيات من الفوائد:
* أولًا: أنَّ مِنْ عباد الله مَنْ يسعى لإبطال آيات الله عز وجل بكل ما يستطيع من قوة؛ وجه ذلك أن الله أثبته وأثبت عذابه فقال: ﴿أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾، وليس شيئًا مفروضًا مُقَدَّرًا بل هو شيء واقع.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان ما يصل إليه عُتو الإنسان وطغيانه؛ حيث يسعى في آيات الله معاجزًا لله عز وجل، فمَنْ أنت حتى تعاجز الله وتطلب تعجيزه وتتحداه؟!
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المعاجزين الذين يسعون في آيات الله معاجزين سوف يكونون يوم القيامة في العذاب؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾، ربما يقول قائل: إنهم في العذاب محضرون حتى في الدنيا، ويكون المراد بالعذاب هنا العذاب القلبي؛ لأن الكافر مهما نُعِّمَ في الدنيا فإنه في ألم وعذاب في قلبه؛ لأن الكافر لا يشبع من الدنيا، فهو في حُزْنٍ خوفًا من ذهاب الموجود، وفي هَمٍّ طلبًا لوجود المفقود؛ لأنه يريد أن تنمو له الدنيا وتزدهر ويخشى أيضًا مِنْ أن تفوت بخلاف المؤمن.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الجزاء والعقوبة؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾.
ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ [سبأ ٣٩]* في هذه الآية من الفوائد: طلب الإعلان في أنه الأمور كلها بيد الله مِنْ بَسْطٍ وتضييق؛ لقوله: ﴿قُلْ﴾ إذ إنه ليس المراد أن تقولها في نفسك، بل تقولها في نفسك ولغيرك أيضًا.
* ومن فوائدها: أن الأرزاق بيد الله؛ لقوله: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾، ويترتب على هذا فائدة وهي أن نطلب الرزق ممن؟ مِنَ الله؛ لأنه هو الذي يبسط الرزق ويقدر، ويتفرع عليها فائدة أخرى: وهي ألا نطلب رزق الله بمعاصيه؛ لأن طلب رزق الله بمعاصيه مُنافٍ للأدب، كيف تَطْلُب الرزق مِن مَنْ بيده الرزق بمعصيته؟! ولهذا حَذَّر النبي عليه الصلاة والسلام من ذلك فقال: «إِنَّهُ لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا وَأَجَلَهَا فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ»[[أخرج الحاكم (٢١٦٣) بسنده عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أحدكم لن يموت حتى يستكمل رزقه، فلا تستبْطِؤوا الرزق، واتقوا الله أيها الناس وأَجْمِلوا في الطلب...» الحديث.]] يعني: فاطلبوا الرزق طلبًا جميلًا وهو ما وافق الشرع، وعلى هذا فطَلَبُ الرزق بالغشِّ والكذب والظلم طلب مشروع ولَّا غير مشروع؟ غير مشروع، بل وينافي الأدب مع الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تمام ربوبية الله سبحانه وتعالى وسلطانه لكونه يَبْسُط ويقدر، ولا أحد يمكن أن يَعْتَرِض عليه، وحتى لو اعترض عليه هل ينفع هذا الاعتراض؟ لا ينفع؛ لأن الله مدبر لما يشاء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الحثُّ على الإنفاق؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ ووجه ذلك أن الإنسان إذا أَنْفَقَ فإن نفسه الأمارة بالسوء تقول له: إذا أنفقت من مالك نَقَصْتَ منه فلا تُنْفِق، فيقول الله عز وجل: ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن الإنفاق -وإن قلَّ- فهو مَخْلُوف، من أين تؤخذ؟ ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ فإنها نكرة في سياق الشرط مؤكدة بـ(من) الزائدة، هذا إذا لم تَكُن ﴿مِنْ﴾ بيانًا لـ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ﴾.
* ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى خير الرازقين بكثرة العطاء وبدوام العطاء، فَمَنْ سِوى الله مِنَ الرازقين لا يعطي الكثير، وإذا أعطى الكثير فإنه يَمَلُّ ولا يستمر في عطائه، أما الله عز وجل فإنه خير الرازقين في عطائه كثرةً واستمرارًا.
* ومن فوائدها: إثبات رازقٍ سوى الله، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ فإن هذا يدلُّ على وجود مُفَضَّلٍ ومفضل عليه مُشْتَرِكَيْنِ في أصل المُفَضَّل به وهو الرزق، ولكن رزقُ غيرِ الله من رزق الله؛ لأن هذا الذي أعطاني مثلًا من أين له العطاء؟ من الله فيكون إعطائه إياي من رزق الله الذي أعطاه، وأيضًا فإن رزق غير الله رزق محدود ليس شاملًا لكل أحد وليس شاملًا لكل زمن.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن أفعال العباد مخلوقة لله ففيها رَدٌّ على مَنْ؟ القدرية، من أين تؤخذ الفائدة هذه؟ لقوله: ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾، ونحن نعلم أن الرزق الذي يأتينا يكون كثيرًا من كسبنا نتجر ونحرث ونعمل ونحصل على الرزق، فيكون في هذا دليل على أن فعل العبد مخلوق لله سبحانه وتعالى، وفيها أيضًا ردٌّ على الجبرية وهم الجهمية أيضًا؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ﴾ حيث أضاف الفعل إلى العبد، والجبرية يقولون: إن الإنسان مسلوب القُدْرة والاختيار، وفعله لا يُنْسَب إليه إلا على سبيل المجاز، وإلَّا فإنه لا اختيار له في فعله.
ثم قال عز وجل: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ ٤٠].
* يستفاد من الآية الكريمة: أنه ينبغي تذكير الناس بيوم المعاد؛ وجه الدلالة أن ﴿يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ متعلق بمحذوف تقديره: اذكر يوم يحشرهم، وهل هذا يشمل تذكير النفس؟ يعني بمعنى أن نفسك إذا غفلت ينبغي أن تُذَكِّرها يوم الحشر ويوم الموت أو لا؟ نعم، يشمل؛ لأن قوله: (اذكر) المُقَدَّر يحتمل أن المعنى: اذكر في نفسك هذا اليوم، أو اذكر لغيرك هذا اليوم، وكلاهما حق فينبغي للإنسان أن يُذَكِّرَ نفسه مآله، كلما ركنت إلى الدنيا وأرادت الانغماس فَلْيُذَكِّرْها يوم النُّقْلَة من هذه الدنيا، ويذكرها قومًا انتقلوا عن هذه الدنيا وكانوا أشد منه قوة وأكثر أموالًا وأولادًا، ثم يُذَكِّرها ما وراء ذلك من الحساب والعقاب وهو اليوم المشهود الذي يُجْمَع له الناس.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات البعث؛ لقوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الحشر عامٌّ لكُلِّ أحد حتَّى مَنْ أَكَلَتْه السباع وأحرقته النيران، مِنْ أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿جَمِيعًا﴾ وهو كذلك، فالذي أكلتْه السباع وأحرقتْه النيران لا بد أن يُحْشَر يوم القيامة كما قال الله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء ١٠٤].
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القول لله؛ ﴿ثُمَّ نَقُولُ﴾، وهذا -أعني إثبات القول والكلام لله سبحانه وتعالى- هو مذهب أهل السنة والجماعة ومذهب الأشاعرة ومذهب المعتزلة، بلى، لكنهم يختلفون في تفسير هذا الكلام؛ فالكلام عند أهل السنة والجماعة كلامٌ حقيقيٌّ بحروف وأصوات مسموعة وهو غير مخلوق.
والكلام عند المعتزلة كلام بحروف وأصوات مسموعة لكنه ليس من صفات الله فهو مخلوق عندهم، يقولون: إن الله تعالى يخلق كلامًا فيَنْسُبُه إليه على سبيل التشريف والتعظيم كنسبة البيت إليه ونسبة المساجد إليه ونسبة الناقة إليه ونسبة الأرواح إليه، وما أشبه ذلك.
والأشاعرة يثبتون لله كلامًا لكنهم يقولون: إنه بغير حروف وبغير أصوات مسموعة، بل هو المعنى القائم بنفسه، وهذا الذي يُسْمَع الذي سَمِعَه موسى وسمعه محمد عليه الصلاة والسلام ويسمعه الناس يوم القيامة هذه أصوات يَخْلُقُها الله عز وجل لتعبِّر عما في نفسه، وليست هي كلام الله، بل هي عبارة عنه.
أما أهل السنة والجماعة فيقولون: إن كلام الله تبارك وتعالى كلام حقيقي بحرف وصوت مسموع، لكن هذا الصوت لا يشبه أصوات المخلوقين؛ لأنه من كلام الله، وكلامه صفة من صفاته لا تشبه صفات المخلوقين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تقريع أولئك المشركين وتوبيخهم بسؤال مَنْ يدَّعُونَهم آلهة حتى يظهروا البراءة منهم؛ لقوله: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ [سبأ ٤٠، ٤١] فسؤال المعبودين عن عبادة العابدين يُراد به أيش؟ التقريع والتوبيخ لأولئك العابدين، وأن هؤلاء المعبودين تبرؤوا منهم وقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾، وهذا من أشدِّ ما يكون من التَّخْجِيل والتوبيخ والتَّنْديم؛ لأنه يُظْهِر كذب هؤلاء العابدين وافتراءهم.
* ومن فوائدها: إثبات الملائكة وأن مِن الناس مَنْ عبدهم من دون الله؛ لقوله يقول للملائكة: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: بيان ما عند الملائكة عليهم الصلاة والسلام من تعظيم الله؛ حيث قالوا: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي تنزيهًا عن أن يكون لك شريك لا مِنَّا ولا مِنْ غيرنا.
* ومنها: إثبات ربوبية الله سبحانه وتعالى للملائكة؛ حيث قالوا: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾.
* ومن فوائد الآية: إثبات الجن؛ لقوله: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾، والجن عالَم غيبيٌّ مخلوق من نار، وفيهم المؤمن والكافر، والمطيع والعاصي كما في سورة الجن.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الكفر بالجن.
* طالب: العكس.
* الشيخ: العكس؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: طيب، قوله: ﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ هذا إقرار ولَّا إنكار؟
* طلبة: إنكار.
* الشيخ: زين، إذن المراد بالإيمان هنا الإيمان بعبادتهم، ما هو بوجودهم؛ لأن الإيمان بوجودهم واجب، لكن الإيمان بأن لهم حقًّا في العبودية..
ومن هنا نعرف ما مر علينا واستشكلتموه في كتاب التوحيد أن المصدِّق بالسحر لا يدخل الجنة، مع أن السحر حقيقة، التصديق به أمر واقعي، لكن المراد التصديق به يعني ممارسته والإيمان به، أي بما ينتج عنه، بحيث يمارسه الإنسان بنفسه، وأما التصديق بأن السحر له آثار فهذا أمر لا يمكن إنكاره.