Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — فاطر 35:42 – يس 36:8

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. فاطر 35:42
  2. فاطر 35:43
  3. فاطر 35:44
  4. فاطر 35:45
  5. يس 36:1
  6. يس 36:2
  7. يس 36:3
  8. يس 36:4
  9. يس 36:5
  10. يس 36:6
  11. يس 36:7
  12. يس 36:8

فاطر 35:42

ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ [فاطر ٤٢] ﴿وَأَقْسَمُوا﴾، قال المؤلف: أي: (كفار مكة)، وهذا يحتمل ما قاله رحمه الله من أن الضمير يعود على كفار مكة، ويحتمل أنه أعم، وأن من الناس من أقسموا وهم من غير كفار مكة. وقوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ أي: حلفوا به. وقوله: ﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي: غاية الأيمان؛ يعني الأيمان التي بذلوا فيها الجهد وهي أيمانٌ مغلظة في صيغتها كمية وكيفية؛ فالأيمان الْمغلَّظة بصيغتها كمية وكيفية هي الأيمان التي بلغت الجهد؛ أي غاية الطاقة بالنسبة للمُقْسِم، والأَيْمان كما قال العلماء تُغلَّظ بالكمية، والكيفية، والزمان، والمكان، والهيئة، خمسة أشياء؛ الكمية مثل أن يقول: والله الذي لا إله إلا هو العظيم العزيز الغالب، وما أشبه ذلك من الأسماء التي تدل على الانتقام فيما لو كان الإنسان كاذبًا، هذا تغليظ بماذا؟ بالكمية. التغليظ بالكيفية بأن يأتي بها بانفعال شديد يدل على تأثره بالقسم، وأما في الزمان فأن تكون بعد صلاة العصر كما قال الله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة ١٠٦] فمن بعد صلاة العصر. وفي المكان بحيث يكون الإقسام في مكان فاضل، وأفضل الأماكن في البلدان المساجد، قالوا: وتكون عند المحراب أو المنبر في الجوامع وعند الكعبة، بعضهم قال: تحت الميزاب، وفي الروضة في المدينة، هذا في المكان. في الهيئة بأن يكون قائمًا؛ لأنه يُحلَّف وهو قائم، قال العلماء: لأن العقوبة أقرب إلى القائم منها إلى القاعد، فهذه خمسة أشياء في تغليظ اليمين، لكن هل هؤلاء الكفار أقسموا جهد أيمانهم بهذه التغليظات الخمسة؟ الله أعلم، على كل حال هم بذلوا أقصى ما يستطيعون من اليمين. ﴿لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ [فاطر ٤٢] هذه الجملة نقول في إعرابها كما قلنا في الجملة الأولى ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا﴾ [فاطر ٤١]، فلقد اجتمع فيها شرطٌ وقسم، وحُذِف جواب الشرط؛ ولهذا جاءت اللام في الجواب ﴿لَيَكُونُنَّ﴾ ولو كان المحذوف جواب القسم لم تأتِ اللام في الجواب؛ لأن جواب الشرط لا يحتاج إلى اللام، وإنما يربط بالفاء في محله، ولا يحتاج إلى رابط إذا لم يكن من المواضع السبعة المعروفة. يقول الله عز وجل: ﴿لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٤٢] بمعنى مُنذِر وهو الرسول ﴿لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ [فاطر ٤٢]. قوله: ﴿لَيَكُونُنَّ﴾ بضم النون وهو مُشكِل كيف ضُمَّت النون، والمعروف أن الفعل المضارع مع نون التوكيد يُبنى على الفتح كما في قوله تعالى: ﴿لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ [الهمزة ٤] وهنا قال: ﴿لَيَكُونُنَّ﴾؟ والجواب على ذلك أن نون التوكيد لا يُبنى معها الفعل إلا إذا كانت مباشرةً له لفظًا وتقديرًا، والنون هنا مباشرة للفعل لفظًا لكنها غير مباشرة له تقديرًا، كيف ذلك؟ لأن الفعل هنا للجماعة، وليس للمفرد، وأصله (يكونونن) فحذفت النون لتوالي الأمثال؛ لأنهم يقولون: إن العرب يكرهون أن تجتمع ثلاث كلمات من نوع واحد بعضها إلى بعض، فيحذفون أولاها بالحذف، وأولاها بالحذف على حسب قياسهم نون الرفع؛ لأن حذفها معتاد ولأن نون التوكيد جاءت لمعنًى لو حذفت لاختل ذلك المعنى، إذا جاءت للتوكيد فلا نحذفها لكن نحذف نون الرفع؛ لأن حذفها معتاد. حذفنا نون الرفع وهي النون الأولى من الثلاثة، إحنا قلنا: ليكونون، بقيت الواو تلي النون، والنون حرفٌ مشدد في هذا التركيب، والحرف المشدد أوله ساكنٌ ولَّا لا؟ أوله ساكن، فحذفنا الواو لالتقاء الساكنين فصارت ﴿لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ حذفنا الواو التي بين نون الفعل؛ لأن النون في ﴿لَيَكُونُنَّ﴾ النون اللي معنا الآن نون الفعل؛ ولهذا ما حذفناها؛ لأنها أصيلة، حذفنا الواو لالتقاء الساكنين. فلو قال قائل: عندنا الآن ثلاث نونات ولم تحذفوا واحدة منها؟ نقول: أولًا: أن هذه النونات ليست متصلة تقديرًا؛ يعني ليس بعضها متصلًا بالبعض الآخر من حيث التقدير؛ لأنه قد فصل بينهما الواو التي حذفناها لالتقاء الساكنين. ثانيًا: أن النون التي بعد الواو في ﴿لَيَكُونُنَّ﴾ النون الموجودة الآن نون الفعل، فهي من بنية الكلمة، ولا يمكن أن تُحذف. على كل حال يجب أن نعرف الفرق بين (ليكونَنَّ) وبين ﴿لَيَكُونُنَّ﴾ في القرآن: ﴿لَيَكُونًا﴾ ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف ٣٢] ففرق بين ﴿لَيَكُونًا﴾ وبين ﴿لَيَكُونُنَّ﴾، فـ(يكونَنَّ) هذا للواحد؛ ولهذا بُنِي الفعل معها على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد لفظًا وتقديرًا، و﴿لَيَكُونُنَّ﴾ للجماعة؛ ولهذا لم يُبنَ الفعل معها؛ لأن نون التوكيد لم تباشره تقديرًا واضح؟ ولَّا في إشكال بعد؟ * طلبة: (...). * الشيخ: ما أدري والله! بعد كل الكلام هذا الطويل ما إحنا فاهمين؟! * طلبة: واضح. * الشيخ: زين، إذن نون التوكيد لا يُبنى معها الفعل إلا إذا كانت مباشرةً له لفظًا وتقديرًا، في هذه الجملة ﴿لَيَكُونُنَّ﴾ لم تباشره تقديرًا ولَّا لفظًا؟ تقديرًا، أما لفظًا فقد باشرته، وإنما قلنا: لم تباشره تقديرًا؛ لأنه حُذِف منها واو الجماعة فلم تباشره تقديرًا. وقوله: ﴿أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ [فاطر ٤٢] ﴿أَهْدَى﴾ هذه خبر (يكون) فهي منصوبة بالفتحة المقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر؛ وهو اسم تفضيل. وقوله: ﴿مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾، قال المؤلف: (اليهود والنصارى وغيرهم) أي: أي واحدة منها، لما رأوا من تكذيب بعضهم بعضًا؛ إذ قالت اليهود: ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى: ليست اليهود على شيء، يقول: ﴿لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ فأتوا بـ﴿إِحْدَى﴾ الدالة على الإبهام، لم يقولوا: أهدى من النصارى، ولا أهدى من اليهود. قال: ﴿مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾، لماذا؟ لأن الأمر التبس عليهم؛ حيث إن اليهود يقولون: ليست النصارى على شيء، والنصارى يقولون: ليست اليهود على شيء، وهؤلاء المشركون -كفار مكة- أمةٌ جاهلية لا يدرون مَن الحق معه فلم يقولوا: أهدى من النصارى، ولا أهدى من اليهود، بل قالوا: أهدى من إحداهما أهدى من أي واحدة؛ لأن الأمر عندهم التبس، ولكن يبقى النظر ما هو الدليل على تخصيص كلمة الأمم بالأمتين اليهودية والنصرانية؟ ولماذا لا يقال: إنها أعم من اليهود والنصارى؟ لأن هناك مجوسًا يدينون بعبادة النيران، ويمكن أن يوجد أناس آخرون يدينون بديانات أخرى؛ لهذا نقول: الجواب إما أن نلتزم بالعموم ونقول: إنهم يقولون: ﴿أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ أي: من أي أمة كانت؛ كاليهود، أو النصارى، أو المجوس، أو الوثنيين الذين يعتقدون أنهم على دين، أو ما أشبه ذلك، فكأنهم يقولون: أهدى من كل الأمم، لكن لم يعينوا؛ لأنهم لم يدروا من هو الذي على حق، وإما أن يقال: خُصَّ هذا الجمع بأمتين فقط؛ لأن المعروف أنهم على دين هم مَنْ؟ اليهود والنصارى (...). هذا هو الصحيح لكن آخر كلامه يدل على أنه أراد اليهود والنصارى فقط، اشتبه عليهم الحق فقالت اليهود: ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى: ليست اليهود على شيء (...) * * * أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ﴾ (...) ﴿جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٤٢]. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [فاطر ٤٢]، هنا قال الله عز وجل: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٤٢] ولم يقل: فلما جاءهم الرسول ليطابق ما قالوه حتى يكون أبلغ في إلزامهم بما قالوا؛ لأنهم قالوا: ﴿لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ﴾ فلما جاءهم نذير على حسب ما فرضوه وما قدروه جاء الأمر كذلك، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ كما يقولون هم والمراد به محمد ﷺ بلا شك، لكن كما أشرت نُكِّرَ ولم يُعَرَّف متابعةً لكلامهم، حيث قالوا: جاءنا نذير؛ يعني فلما جاءهم نذير كما طلبوا تمامًا وباللفظ ﴿مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ (لَمَّا) هنا شرطية، وفعل الشرط ﴿جَاءَهُمْ﴾ وجوابه ﴿مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾. و(لَمَّا) تأتي في اللغة العربية على أوجه: أحدها: كما هنا شرطية. والثاني: أن تأتي جازمة كـ(لم) إلا أن بينهما فروقًا ليس هذا موضع ذكرها؛ لأننا لم نتكلم على النحو كقوله تعالى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص ٨] أي لم يذوقوا عذابي ولكنهم حريون بأن يذوقوه. والثالث: أن تكون بمعنى (إلا) كقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤] أي: إلا عليها حافظ. والرابع: أن تكون بمعنى (حين) مجردة عن الشرط، مثل أن تقول: زرتك لما طلع الصبح؛ أي: حين طلع الصبح، فهذه أربعة معانٍ لـ(لَمَّا) هنا شرطية ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [فاطر ٤٢]. ﴿مَا زَادَهُمْ﴾ قال المؤلف: (مجيئه) يعني أنهم جاءهم نذير كما طلبوا ولكنهم ما كانوا أهدى من إحدى الأمم بل لم يزدهم إلا نفورًا عن الحق وبُعْدًا عن اتباعه، قال: (تباعدًا عن الهدى) والعياذ بالله، وهذا أمرٌ مشاهَد فإن قريشًا لما بُعِث فيهم النبي ﷺ نفروا منه وآذوه بالقول وبالفعل ووصموه بكل عيب، وكانوا قبل أن يُبعث يُجِلُّونه يحترمونه ويسمونه الأمين، فلما بُعِثَ لم يكن أمينًا وكأنه رجلٌ غير الرجل الذي كانوا يعرفونه، كل هذا يُكذِّب قولَهم: ﴿لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ [فاطر ٤٢]. قال: (﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ [فاطر ٤٣] عن الإيمان، مفعولٌ له) يعني أن كلمة ﴿اسْتِكْبَارًا﴾ مفعولٌ له؛ أي: منصوبة على أنها مفعول له؛ يعني ما زادهم إلا نفورًا لأجل الاستكبار في الأرض، وهذا أحد الاحتمالين في الآية الكريمة، والاحتمال الثاني أن ﴿اسْتِكْبَارًا﴾ بدل من كلمة ﴿نُفُورًا﴾؛ أي: ما زادهم إلا نفورًا، هذا النفور هو الاستكبار في الأرض، وهو احتمال قوي جدًّا أن تكون ﴿اسْتِكْبَارًا﴾ بدلًا أو عطف بيان من كلمة ﴿نُفُورًا﴾. إذن ما زادهم هذا المجيء إلا البُعد عن الحق والاستكبار في الأرض. قال: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ [فاطر ٤٣] معطوف على ﴿اسْتِكْبَارًا﴾. و﴿وَمَكْرَ﴾ قال المؤلف: (العمل ﴿السَّيِّئِ﴾ من الشرك وغيره) فقدَّر العمل قبل ﴿السَّيِّئِ﴾؛ ليكون السوء موصوفًا به العمل، والعمل السيئ يكون مكرًا، هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله، فجعل ﴿مَكْرَ﴾ مضافًا إلى شيء محذوف وهو (العمل)، وجعل السيئ صفةً لذلك الشيء المحذوف؛ أي: مكر العمل السيئ؛ أي أنهم ما زادهم إلا نفورًا واستكبارًا في الأرض، وأن يمكروا مكر العمل السيئ، والمكر هو الخديعة وهو التوصل بالأسباب الخفية إلى الإيقاع بالخصم، هذا المكر، أن تتوصل بالأسباب الخفية إلى الإيقاع بخصمك وعدوك؛ فأما التوصل بالأسباب الظاهرة فليس بمكر، فإن قلت: هذا المعنى لا ينطبق على عمل هؤلاء؛ لأن هؤلاء يظهرون عملهم السيئ؟ فالجواب: أن هؤلاء تارةً يظهرونه وتارةً يُخفونه كما في اجتماعهم في دار الندوة، ماذا يصنعون بالرسول ﷺ؟ ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال ٣٠]، وإنما ذكر المكر دون الشيء الْمُعْلن الظاهِر؛ لأنه أعظم قُبحًا من الشيء الْمُعلن الظاهر، فصار هؤلاء جمعوا إلى الكذب المكر والخداع والعياذ بالله. قال الله تعالى: (﴿وَلَا يَحِيقُ﴾ يحيط ﴿الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ وهو الماكر) إلى آخره؛ يعني أن هؤلاء مكروا السوء وعملوا السوء بصفة علنية وبصفة خفية، وهل الماكر بغيره ينجو؟ الجواب: إذا كان مكرًا سيئًا فإنه لا ينجو بل سيحيق به مكره ويهلكه ويدمره، كما قال تعالى: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [هود ٨]، أما إذا كان المكر بحق فإنه لا يحيق بأهله بل يحيق بعدوه، ولا يحيق به؛ ذلك لأن المكر بحق ممدوح وليس بمذموم. وقال: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ وهنا لم يقل: إلا بالماكر بل قال: ﴿إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ إشارة إلى بيان الاستحقاق لهذه الجريمة التي وقعت منه، وأنه أهل لأن يحيق به مكره، فكل ماكر بغير حق فإنه أهلٌ أن يحيق به مكره. قال: (ووَصْف المكر بالسيئ أصل، وإضافته إليه قبل استعمال آخر قُدِّر فيه مضاف حذرًا من الإضافة إلى الصفة) هذا كلام قليل الفائدة مُعقَّد المعنى في الواقع. قال: (ووَصْف المكر بالسيئ أصلٌ) فين المكر؟ ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ﴾ يقول المؤلف: (أصلٌ) يعني جارٍ على الأصل؛ لأن الأصل أن الوصف ينفصل عن الموصوف ولا يُضاف إليه الموصوف، هذا الأصل، انتبهوا! أنت تقول: مررت بزيدٍ الفاضلِ، فتجعل الصفة منفصلة عن الموصوف تابعةً له وليس مضافًا إليها. فقول المؤلف: (أصل)؛ يعني أنه على الأصل، وصْف المكر بالسيئ أصلٌ، ويش معنى أصل؟ أي: جارٍ على الأصل؛ لأن الأصل أن الصفة تتبع الموصوف، لا أن الموصوف يُضاف إليها، أفهمتم الآن زين؟ هذا يحتاج إلى أنه يعلق عليه؛ لأن ستنسون وبعدين يُشكل عليكم كلام المؤلف، جاء مع الأصل. (وإضافته إليه قبلُ استعمالٌ آخر)، (وإضافته إليه قبل)؛ لأنه في الجملة التي قبل هذه قال: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ فهنا لم يُوصف المكر بالسيئ، ولكن أُضِيف المكر إلى السيئ، فقول المؤلف رحمه الله: (إضافته إليه قبلُ) ويش معنى (قبلُ)؟ يعني قبل هذه الجملة؛ ويعني بذلك قوله: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ (استعمال آخر) (قبل استعمالٌ آخر) على الأصل، ولَّا على خلاف الأصل؟ على خلاف الأصل؛ لأن الأصل أن الصفة تقع تبعًا للموصوف، لا أن الموصوف يضاف إلى الصفة، لكن يجوز أن يُضاف الموصوف إلى الصفة؛ ولهذا دائمًا يمر بكم قول العلماء: هذا من باب إضافة الموصوف إلى صفته، مثل قولهم: مسجد الجامع، هذا مسجد الجامع؛ أصله: هذا المسجد الجامع، لكن أُضيف إلى صفته، وهو كثير، كما أن أيضًا الصفة تُضاف إلى الموصوف أحيانًا، مثل: طاهر القلب، هذه صفة مضافة إلى موصوفها، طاهر القلب كما قال ابن مالك في الألفية: كَطَاهِرِ الْقَلْبِ جَمِيلِ الظَّاهِرِ ∗∗∗ ........................ هذا من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، إذن نأخذ من هنا أنه يجوز إضافة الصفة إلى الموصوف، وإضافة الموصوف إلى صفته، وما هو الأصل من ذلك؟ الأصل من ذلك أن تقع الصفة تبعًا للموصوف على أنها نعتٌ له وتُعرب بإعرابه، في الآية الكريمة، إضافة الموصوف إلى الصفة ووصف الموصوف بالصفة أو لا؟ في الآية الكريمة إضافة الموصوف إلى الصفة ووصف الموصوف بالصفة، صح؟ في الآية ما هو بكلمة واحدة منها. * طالب: في أولها وآخرها. * الشيخ: في أولها وآخرها، أين إضافة الموصوف إلى الصفة؟ * طالب: الثانية (...). * الشيخ: ما هي بالثانية يا ولد! * طلبة: الأولى ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾. * الشيخ: الأولى: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾، هذا من باب إضافة الموصوف إلى الصفة، لو كان في غير القرآن وأردنا أن نحوله إلى أن تبع، إلى أن تكون الصفة تبعًا للموصوف لقلنا: استكبارًا في الأرض والمكر السيئ كذا ولَّا لا؟ لكن هُنا صار من باب الإضافة ومكر السيئ. وفيها أيضًا وصْف الموصوف بالصفة. قوله: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ﴾ أيهما الأصل؟ هنا بين المؤلف، قال: (ووصف المكر بالسيئ أصل). لو قال بدل (أصل) لو قال: جارٍ على الأصل لكان أوضح؛ وهذا هو مراده. قال: (وإضافته إليه قبل) ويش يعني به؟ (إضافته إليه قبل) إضافة الموصوف إلى الصفة، ويش يعني به من الآية؟ قوله: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾. يقول: (استعمالٌ آخر) يعني جارٍ على استعمال آخر في اللغة العربية؛ لأن اللغة العربية أحيانًا تضيف الموصوف إلى صفته، واضح أظن؟ قال: (قُدِّر فيه مضاف) حسب شرحه هو وتفسيره، حيث قال: (﴿وَمَكْرَ﴾ العمل ﴿السَّيِّئِ﴾ ). يقول: (حذرًا من الإضافة إلى الصفة)، وهذا الذي قاله الأخير يُنازَع فيه؛ وذلك لأنه لا داعي إلى ذلك، لا حاجة إلى أن نُقَدِّر محذوفًا لأجل أن نمنع إضافة الموصوف إلى الصفة؛ لأن إضافة الموصوف إلى الصفة في اللغة العربية كثيرٌ شائع، ليس هذا أمرًا محذورًا في اللغة العربية حتى نقول: نحتاج إلى تقدير ما يصححه؛ ولهذا نقول: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ جارٍ على أصله بمعنى أنه لا حاجة إلى أن يُقَدَّر فيه شيء محذوف. ثم قال تعالى: (﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ﴾ ينتظرون)، هذا تفسير لـ(ينظرون) بمعنى ينتظرون، وهناك ضابط وليس قاعدة أن (ينظر) إن تعدَّت بـ(إلى) فهي بمعنى النظر بالعين ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية ١٧]، وإن تعدت بـ(في) فهي بمعنى النظر الفكري كما في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف ١٨٥]، وإن تعدت بنفسها فهي بمعنى الانتظار مثل هنا ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ [فاطر ٤٣] معناها: هل ينتظرون من الانتظار؛ وهو الترقب. ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أي: ينتظرون؛ يعني يترقبون ﴿إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴿سُنَّتَ﴾ بمعنى الطريقة والإضافة هنا إلى ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ من باب الاختصاص؛ يعني إلا السنة التي جرت للأولين، وليس المراد السنة التي فعلها الأولون؛ لأن ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ مفعولٌ بهم وليسوا فاعلين، وإنما الفاعل من؟ الله عز وجل. ﴿إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ قال المؤلف: (سُنَّة الله فيهم من تعذيبهم بتكذيبهم رسلهم)؛ يعني ما ينتظر هؤلاء الذين كذبوا الرسول ﷺ إلا سنة الأولين؛ وهي -أي سنة الأولين- التعذيب؛ تعذيبهم لتكذيب الرسل. قال: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر ٤٣] لن تجد لسنة الله تبديلًا برفعها، أو تحويلًا بتغييرها إلى قوم آخرين؛ يعني أن سُنَّة الله ستقع في أعيان الذين يستحقونها، فلن تُبدَّل فتُرفع، ولن تُحوَّل إلى قوم آخرين فيسلم منها من استحقوها بل هي واقعةٌ على من يستحقها عينًا، مثال ذلك: المشركون كذَّبوا الرسول عليه الصلاة والسلام من قريش، التحويل معناه أن تُحَوَّل عقوبتهم إلى بني تميم مثلًا، يمكن هذا ولَّا ما يمكن؟ لا يمكن؛ لأن هذا ظلم أن يؤاخذ قومٌ بجريمة آخرين، هذا معنى قوله: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ كذَّبَتْ قريش الرسول عليه الصلاة والسلام فبدلًا من أن يعاقبهم الله نعَّمَهم، يمكن هذا ولَّا لا؟ * طلبة: لا. * الشيخ: هذا معنى قوله: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾، فالعذاب لن يُبدَّل بنعيم، ولن يُحَوَّل عن مستحقه إلى قوم آخرين، وسُنَّة الله عز وجل لا بد أن تقع فيمن يستحقها بدون تبديل لها بنعمة، وبدون تحويل لها إلى غيرهم، لماذا؟ لأن الله عز وجل كامل الحكمة، كامل العدل؛ كامل الحكمة فلن يبدل النقمة بنعمة على من استحقها، ثانيًا: كامل العدل، لا يمكن أن يُحَوِّل الانتقام إلى قوم آخرين لا يستحقونه، فهذه الصفة ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ إلى آخره هي من باب الصفات السلبية لكنها تتضمن كمال عدل الله وكمال حكمته، ويمكن أن نقول: وتمام سلطانه أيضًا بحيث لا يُكرِهه أحدٌ على أن يُحَوِّل النقمة إلى آخرين، أو أن يُبدِّلها بنعمة. قال المؤلف: (أي لا يُبَدِّل بالعذاب غيرَه، ولا يُحَوَّل -أي العذاب- إلى غير مُستحِقِّه). نأخذ فوائد الآيات بعد قوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ إلى آخره [فاطر: ٤٢]، يستفاد من الآيتين الكريمتين عدة فوائد: * فمن ذلك: أن الإنسان إذا كان في عافية، أو إذا كان قبل أن ينزل به الأمر قد يجد من نفسه القوة على تنفيذه، فإذا نزل به الأمر تغيرت حاله، وجه الدلالة، أن هؤلاء أقسموا بالله لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم، فلما جاءهم النذير؛ تغيرت حالهم، وهذا يقع كثيرًا للبشر ما دام الإنسان لم ينزل به الأمر يظن أنه قادرٌ عليه، فإذا نزل به الأمر عجز عنه؛ ولهذا ينبغي للإنسان ألا يتعجَّل فيحكم على نفسه بالحال التي كان فيها سالمًا من نزول الأمر به بل ينتظر حتى ينزل به الأمر، كثير من الناس مثلًا يقول: أنا استطيع الصبر على الحج مثلًا وسأحج، ولكن عندما يحين الأمر يجد من نفسه العكس، يقول: أنا أستطيع أن أقوم ثُلث الليل الآخر كله، ولكن إذا جد الجد وجد نفسه عاجزًا، فالمهم أنه ينبغي للإنسان ألا يكون متسرعًا فيقيس حاله في حال الرخاء على حاله في حال نزول الأمر به؛ لأن الإنسان بشر تختلف حاله بين سلامته من الأمر وبين وقوع الأمر فيه، والله أعلم. ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ إلى آخره. * فيها الفائدتان اللتان سمعتموها: أن الإنسان إذا كان في عافية من الأمر فإنه لا ينبغي له أن يتعجل، وأن يقيس نفسه في نزول البلاء على حال العافية؛ لأن الإنسان قد يختلف. * وفيها أيضًا: دليل على عُتُوِّ هؤلاء المكذبين لرسول الله ﷺ، حيث كانوا قبل أن يُبعث إليهم يقسمون أغلظ الأيمان بأنهم سيكونون أهدى من غيرهم، ولكن لما جاءهم الرسول عليه الصلاة والسلام ما زادهم مجيئه إلا نفورًا. وفيه الإشارة إلى أنه لا ينبغي للإنسان النذر؛ أي أن ينذر الطاعة؛ لأنه قد لا يُوفَّق للقيام بها، هؤلاء أقسموا ولما وُجِد مُوجِب الطاعة لم يقوموا بطاعة الله، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ [النور ٥٣]، فهم أقسموا بالله أن لو أمرهم الرسول عليه الصلاة والسلام لخرجوا فنهاهم الله، بل أمر نبيه أن يقول لهم: لا تقسموا، ونظير ذلك ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ﴾ [التوبة ٧٥، ٧٦] ولهذا جاء النهي من النبي ﷺ عن النذر، وبيان أنه لا يأتي بخير. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء ردوا الحق استكبارًا في الأرض؛ أي: يريدون الاستكبار، وهذا على وجه إعرابها بأنها مفعول لأجله؛ أي أنهم ما ردوا الحق إلا من أجل أن يكون لهم الكبرياء والعلو في الأرض. * ومن فوائد الآية الكريمة: تسمية أعمال الكافرين مكرًا؛ لقوله: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾، وقد ذكرنا في التفسير أن أعمال الكافرين تنقسم إلى قسمين: قسم يُجاهرون فيه بكفرهم، ولا يأتون به على سبيل المكر، وقسم آخر يأتون به على سبيل المكر، وأيهما أشد؟ الثاني أشد؛ ولهذا ما مكر قومٌ بأنبيائهم إلا مكر الله بهم، وآخرهم محمد ﷺ، حيث اجتمع القوم في دار الندوة يتشاورون ماذا يفعلون به؟ فمكر الله بهم سبحانه وتعالى. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من أراد السوء حاق به السوء؛ لقوله: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾. ومن القواعد العامة يقولون: من حفر لأخيه حفرة وقع فيها، فالإنسان إذا أراد المكر -والعياذ بالله- فإن مكره يحيق به. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن المكر يكون سيئًا ويكون حسنًا؛ لقوله: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾، وقوله قبل: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ وهو كذلك فإن مكر الله تعالى بأعدائه الذين يمكرون به مكرٌ حسن يُثْنَى عليه به، ومكر أولئك (...). فالفاعل للسبب منتظرٌ للمُسبَّب شاء أم أبى، فالإنسان العاصي نقول له: أنت منتظر للعقوبة الآن، مترقبٌ لها، حتى وإن كان لا يطرأ على باله أنه سيُعاقب؛ لأن فاعل السبب منتظرٌ للمسبَّب ولا بد. * ومن فوائد الآية الكريمة: ثبوت القياس، أو إن شئت فقل: استعمال القياس لقوله: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ [فاطر ٤٣] فيقيس حال هؤلاء بحال الأولين الذين كذبوا فعُوقبوا. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن سُنَّة الله عز وجل في عباده واحدة، فكل من أطاع الله أثابه، وكل من عصى الله عاقبه؛ لقوله: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر ٤٣] لا يقال مثلًا: إننا أمةٌ شرفنا الله عز وجل وعظَّمنا وكرمنا، فلا يؤاخذنا كما آخذ من قبلنا بل نقول: إن مقتضى التشريف أن نكون نحن أشد عبادةً له ممن سبقنا؛ لأن الإنسان إذا كُرِّم ينبغي أن يقوم بمقتضى هذا التكريم؛ وليس إساءة من لم تكرمه إليك كإساءة من أكرم(...) ما لا يجب على من سواه. * ومن فوائد الآية الكريمة: كمال قدرة الله عز وجل وحكمته؛ حيث إن سنته لا تُبَدَّل ولا تُغيَّر ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾. وجه كونها من تمام القدرة أن العاجز لا يستطيع أن يجعل أفعاله على وتيرة واحدة، بل قد تتخلف وتتغير لعجزه عن الاطراد، وأما كونه من تمام الحكمة فلأن معاقبة السابقين كانت لسبب، وهذا السبب إذا وُجِد في الآخرين فإنه يعمل عملَه؛ لأن مقتضى الحكمة أن الأسباب لا تتخلف عنها مسبباتها؛ ففي قوله: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ فيها إثبات تمام القدرة وتمام الحِكْمة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشيء الذي يستمر ويُؤخذ به يُسمَّى سُنَّة، يقال: هذه سُنَّة فلان؛ أي: طريقته؛ ولهذا يُفرَّق بين السُّنَّة وبين العارض، الشيء العارض شيء، ولا يمكن أن يُجعل طريقة متبعة، والشيء المطرد يسمى سُنَّة، ويدل على هذا التفريق قوله ﷺ: «صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ، صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ». ثم قال في الثالثة: «لِمَنْ شَاءَ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً»[[أخرجه البخاري (١١٨٣) من حديث عبد الله المزني.]]. يعني سنة مُطَّردة يفعلونها دائمًا.

فاطر 35:43

ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ [فاطر ٤٢] ﴿وَأَقْسَمُوا﴾، قال المؤلف: أي: (كفار مكة)، وهذا يحتمل ما قاله رحمه الله من أن الضمير يعود على كفار مكة، ويحتمل أنه أعم، وأن من الناس من أقسموا وهم من غير كفار مكة. وقوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ أي: حلفوا به. وقوله: ﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي: غاية الأيمان؛ يعني الأيمان التي بذلوا فيها الجهد وهي أيمانٌ مغلظة في صيغتها كمية وكيفية؛ فالأيمان الْمغلَّظة بصيغتها كمية وكيفية هي الأيمان التي بلغت الجهد؛ أي غاية الطاقة بالنسبة للمُقْسِم، والأَيْمان كما قال العلماء تُغلَّظ بالكمية، والكيفية، والزمان، والمكان، والهيئة، خمسة أشياء؛ الكمية مثل أن يقول: والله الذي لا إله إلا هو العظيم العزيز الغالب، وما أشبه ذلك من الأسماء التي تدل على الانتقام فيما لو كان الإنسان كاذبًا، هذا تغليظ بماذا؟ بالكمية. التغليظ بالكيفية بأن يأتي بها بانفعال شديد يدل على تأثره بالقسم، وأما في الزمان فأن تكون بعد صلاة العصر كما قال الله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة ١٠٦] فمن بعد صلاة العصر. وفي المكان بحيث يكون الإقسام في مكان فاضل، وأفضل الأماكن في البلدان المساجد، قالوا: وتكون عند المحراب أو المنبر في الجوامع وعند الكعبة، بعضهم قال: تحت الميزاب، وفي الروضة في المدينة، هذا في المكان. في الهيئة بأن يكون قائمًا؛ لأنه يُحلَّف وهو قائم، قال العلماء: لأن العقوبة أقرب إلى القائم منها إلى القاعد، فهذه خمسة أشياء في تغليظ اليمين، لكن هل هؤلاء الكفار أقسموا جهد أيمانهم بهذه التغليظات الخمسة؟ الله أعلم، على كل حال هم بذلوا أقصى ما يستطيعون من اليمين. ﴿لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ [فاطر ٤٢] هذه الجملة نقول في إعرابها كما قلنا في الجملة الأولى ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا﴾ [فاطر ٤١]، فلقد اجتمع فيها شرطٌ وقسم، وحُذِف جواب الشرط؛ ولهذا جاءت اللام في الجواب ﴿لَيَكُونُنَّ﴾ ولو كان المحذوف جواب القسم لم تأتِ اللام في الجواب؛ لأن جواب الشرط لا يحتاج إلى اللام، وإنما يربط بالفاء في محله، ولا يحتاج إلى رابط إذا لم يكن من المواضع السبعة المعروفة. يقول الله عز وجل: ﴿لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٤٢] بمعنى مُنذِر وهو الرسول ﴿لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ [فاطر ٤٢]. قوله: ﴿لَيَكُونُنَّ﴾ بضم النون وهو مُشكِل كيف ضُمَّت النون، والمعروف أن الفعل المضارع مع نون التوكيد يُبنى على الفتح كما في قوله تعالى: ﴿لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ [الهمزة ٤] وهنا قال: ﴿لَيَكُونُنَّ﴾؟ والجواب على ذلك أن نون التوكيد لا يُبنى معها الفعل إلا إذا كانت مباشرةً له لفظًا وتقديرًا، والنون هنا مباشرة للفعل لفظًا لكنها غير مباشرة له تقديرًا، كيف ذلك؟ لأن الفعل هنا للجماعة، وليس للمفرد، وأصله (يكونونن) فحذفت النون لتوالي الأمثال؛ لأنهم يقولون: إن العرب يكرهون أن تجتمع ثلاث كلمات من نوع واحد بعضها إلى بعض، فيحذفون أولاها بالحذف، وأولاها بالحذف على حسب قياسهم نون الرفع؛ لأن حذفها معتاد ولأن نون التوكيد جاءت لمعنًى لو حذفت لاختل ذلك المعنى، إذا جاءت للتوكيد فلا نحذفها لكن نحذف نون الرفع؛ لأن حذفها معتاد. حذفنا نون الرفع وهي النون الأولى من الثلاثة، إحنا قلنا: ليكونون، بقيت الواو تلي النون، والنون حرفٌ مشدد في هذا التركيب، والحرف المشدد أوله ساكنٌ ولَّا لا؟ أوله ساكن، فحذفنا الواو لالتقاء الساكنين فصارت ﴿لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ حذفنا الواو التي بين نون الفعل؛ لأن النون في ﴿لَيَكُونُنَّ﴾ النون اللي معنا الآن نون الفعل؛ ولهذا ما حذفناها؛ لأنها أصيلة، حذفنا الواو لالتقاء الساكنين. فلو قال قائل: عندنا الآن ثلاث نونات ولم تحذفوا واحدة منها؟ نقول: أولًا: أن هذه النونات ليست متصلة تقديرًا؛ يعني ليس بعضها متصلًا بالبعض الآخر من حيث التقدير؛ لأنه قد فصل بينهما الواو التي حذفناها لالتقاء الساكنين. ثانيًا: أن النون التي بعد الواو في ﴿لَيَكُونُنَّ﴾ النون الموجودة الآن نون الفعل، فهي من بنية الكلمة، ولا يمكن أن تُحذف. على كل حال يجب أن نعرف الفرق بين (ليكونَنَّ) وبين ﴿لَيَكُونُنَّ﴾ في القرآن: ﴿لَيَكُونًا﴾ ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف ٣٢] ففرق بين ﴿لَيَكُونًا﴾ وبين ﴿لَيَكُونُنَّ﴾، فـ(يكونَنَّ) هذا للواحد؛ ولهذا بُنِي الفعل معها على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد لفظًا وتقديرًا، و﴿لَيَكُونُنَّ﴾ للجماعة؛ ولهذا لم يُبنَ الفعل معها؛ لأن نون التوكيد لم تباشره تقديرًا واضح؟ ولَّا في إشكال بعد؟ * طلبة: (...). * الشيخ: ما أدري والله! بعد كل الكلام هذا الطويل ما إحنا فاهمين؟! * طلبة: واضح. * الشيخ: زين، إذن نون التوكيد لا يُبنى معها الفعل إلا إذا كانت مباشرةً له لفظًا وتقديرًا، في هذه الجملة ﴿لَيَكُونُنَّ﴾ لم تباشره تقديرًا ولَّا لفظًا؟ تقديرًا، أما لفظًا فقد باشرته، وإنما قلنا: لم تباشره تقديرًا؛ لأنه حُذِف منها واو الجماعة فلم تباشره تقديرًا. وقوله: ﴿أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ [فاطر ٤٢] ﴿أَهْدَى﴾ هذه خبر (يكون) فهي منصوبة بالفتحة المقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر؛ وهو اسم تفضيل. وقوله: ﴿مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾، قال المؤلف: (اليهود والنصارى وغيرهم) أي: أي واحدة منها، لما رأوا من تكذيب بعضهم بعضًا؛ إذ قالت اليهود: ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى: ليست اليهود على شيء، يقول: ﴿لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ فأتوا بـ﴿إِحْدَى﴾ الدالة على الإبهام، لم يقولوا: أهدى من النصارى، ولا أهدى من اليهود. قال: ﴿مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾، لماذا؟ لأن الأمر التبس عليهم؛ حيث إن اليهود يقولون: ليست النصارى على شيء، والنصارى يقولون: ليست اليهود على شيء، وهؤلاء المشركون -كفار مكة- أمةٌ جاهلية لا يدرون مَن الحق معه فلم يقولوا: أهدى من النصارى، ولا أهدى من اليهود، بل قالوا: أهدى من إحداهما أهدى من أي واحدة؛ لأن الأمر عندهم التبس، ولكن يبقى النظر ما هو الدليل على تخصيص كلمة الأمم بالأمتين اليهودية والنصرانية؟ ولماذا لا يقال: إنها أعم من اليهود والنصارى؟ لأن هناك مجوسًا يدينون بعبادة النيران، ويمكن أن يوجد أناس آخرون يدينون بديانات أخرى؛ لهذا نقول: الجواب إما أن نلتزم بالعموم ونقول: إنهم يقولون: ﴿أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ أي: من أي أمة كانت؛ كاليهود، أو النصارى، أو المجوس، أو الوثنيين الذين يعتقدون أنهم على دين، أو ما أشبه ذلك، فكأنهم يقولون: أهدى من كل الأمم، لكن لم يعينوا؛ لأنهم لم يدروا من هو الذي على حق، وإما أن يقال: خُصَّ هذا الجمع بأمتين فقط؛ لأن المعروف أنهم على دين هم مَنْ؟ اليهود والنصارى (...). هذا هو الصحيح لكن آخر كلامه يدل على أنه أراد اليهود والنصارى فقط، اشتبه عليهم الحق فقالت اليهود: ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى: ليست اليهود على شيء (...) * * * أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ﴾ (...) ﴿جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٤٢]. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [فاطر ٤٢]، هنا قال الله عز وجل: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٤٢] ولم يقل: فلما جاءهم الرسول ليطابق ما قالوه حتى يكون أبلغ في إلزامهم بما قالوا؛ لأنهم قالوا: ﴿لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ﴾ فلما جاءهم نذير على حسب ما فرضوه وما قدروه جاء الأمر كذلك، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ كما يقولون هم والمراد به محمد ﷺ بلا شك، لكن كما أشرت نُكِّرَ ولم يُعَرَّف متابعةً لكلامهم، حيث قالوا: جاءنا نذير؛ يعني فلما جاءهم نذير كما طلبوا تمامًا وباللفظ ﴿مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ (لَمَّا) هنا شرطية، وفعل الشرط ﴿جَاءَهُمْ﴾ وجوابه ﴿مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾. و(لَمَّا) تأتي في اللغة العربية على أوجه: أحدها: كما هنا شرطية. والثاني: أن تأتي جازمة كـ(لم) إلا أن بينهما فروقًا ليس هذا موضع ذكرها؛ لأننا لم نتكلم على النحو كقوله تعالى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص ٨] أي لم يذوقوا عذابي ولكنهم حريون بأن يذوقوه. والثالث: أن تكون بمعنى (إلا) كقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤] أي: إلا عليها حافظ. والرابع: أن تكون بمعنى (حين) مجردة عن الشرط، مثل أن تقول: زرتك لما طلع الصبح؛ أي: حين طلع الصبح، فهذه أربعة معانٍ لـ(لَمَّا) هنا شرطية ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [فاطر ٤٢]. ﴿مَا زَادَهُمْ﴾ قال المؤلف: (مجيئه) يعني أنهم جاءهم نذير كما طلبوا ولكنهم ما كانوا أهدى من إحدى الأمم بل لم يزدهم إلا نفورًا عن الحق وبُعْدًا عن اتباعه، قال: (تباعدًا عن الهدى) والعياذ بالله، وهذا أمرٌ مشاهَد فإن قريشًا لما بُعِث فيهم النبي ﷺ نفروا منه وآذوه بالقول وبالفعل ووصموه بكل عيب، وكانوا قبل أن يُبعث يُجِلُّونه يحترمونه ويسمونه الأمين، فلما بُعِثَ لم يكن أمينًا وكأنه رجلٌ غير الرجل الذي كانوا يعرفونه، كل هذا يُكذِّب قولَهم: ﴿لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ [فاطر ٤٢]. قال: (﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ [فاطر ٤٣] عن الإيمان، مفعولٌ له) يعني أن كلمة ﴿اسْتِكْبَارًا﴾ مفعولٌ له؛ أي: منصوبة على أنها مفعول له؛ يعني ما زادهم إلا نفورًا لأجل الاستكبار في الأرض، وهذا أحد الاحتمالين في الآية الكريمة، والاحتمال الثاني أن ﴿اسْتِكْبَارًا﴾ بدل من كلمة ﴿نُفُورًا﴾؛ أي: ما زادهم إلا نفورًا، هذا النفور هو الاستكبار في الأرض، وهو احتمال قوي جدًّا أن تكون ﴿اسْتِكْبَارًا﴾ بدلًا أو عطف بيان من كلمة ﴿نُفُورًا﴾. إذن ما زادهم هذا المجيء إلا البُعد عن الحق والاستكبار في الأرض. قال: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ [فاطر ٤٣] معطوف على ﴿اسْتِكْبَارًا﴾. و﴿وَمَكْرَ﴾ قال المؤلف: (العمل ﴿السَّيِّئِ﴾ من الشرك وغيره) فقدَّر العمل قبل ﴿السَّيِّئِ﴾؛ ليكون السوء موصوفًا به العمل، والعمل السيئ يكون مكرًا، هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله، فجعل ﴿مَكْرَ﴾ مضافًا إلى شيء محذوف وهو (العمل)، وجعل السيئ صفةً لذلك الشيء المحذوف؛ أي: مكر العمل السيئ؛ أي أنهم ما زادهم إلا نفورًا واستكبارًا في الأرض، وأن يمكروا مكر العمل السيئ، والمكر هو الخديعة وهو التوصل بالأسباب الخفية إلى الإيقاع بالخصم، هذا المكر، أن تتوصل بالأسباب الخفية إلى الإيقاع بخصمك وعدوك؛ فأما التوصل بالأسباب الظاهرة فليس بمكر، فإن قلت: هذا المعنى لا ينطبق على عمل هؤلاء؛ لأن هؤلاء يظهرون عملهم السيئ؟ فالجواب: أن هؤلاء تارةً يظهرونه وتارةً يُخفونه كما في اجتماعهم في دار الندوة، ماذا يصنعون بالرسول ﷺ؟ ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال ٣٠]، وإنما ذكر المكر دون الشيء الْمُعْلن الظاهِر؛ لأنه أعظم قُبحًا من الشيء الْمُعلن الظاهر، فصار هؤلاء جمعوا إلى الكذب المكر والخداع والعياذ بالله. قال الله تعالى: (﴿وَلَا يَحِيقُ﴾ يحيط ﴿الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ وهو الماكر) إلى آخره؛ يعني أن هؤلاء مكروا السوء وعملوا السوء بصفة علنية وبصفة خفية، وهل الماكر بغيره ينجو؟ الجواب: إذا كان مكرًا سيئًا فإنه لا ينجو بل سيحيق به مكره ويهلكه ويدمره، كما قال تعالى: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [هود ٨]، أما إذا كان المكر بحق فإنه لا يحيق بأهله بل يحيق بعدوه، ولا يحيق به؛ ذلك لأن المكر بحق ممدوح وليس بمذموم. وقال: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ وهنا لم يقل: إلا بالماكر بل قال: ﴿إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ إشارة إلى بيان الاستحقاق لهذه الجريمة التي وقعت منه، وأنه أهل لأن يحيق به مكره، فكل ماكر بغير حق فإنه أهلٌ أن يحيق به مكره. قال: (ووَصْف المكر بالسيئ أصل، وإضافته إليه قبل استعمال آخر قُدِّر فيه مضاف حذرًا من الإضافة إلى الصفة) هذا كلام قليل الفائدة مُعقَّد المعنى في الواقع. قال: (ووَصْف المكر بالسيئ أصلٌ) فين المكر؟ ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ﴾ يقول المؤلف: (أصلٌ) يعني جارٍ على الأصل؛ لأن الأصل أن الوصف ينفصل عن الموصوف ولا يُضاف إليه الموصوف، هذا الأصل، انتبهوا! أنت تقول: مررت بزيدٍ الفاضلِ، فتجعل الصفة منفصلة عن الموصوف تابعةً له وليس مضافًا إليها. فقول المؤلف: (أصل)؛ يعني أنه على الأصل، وصْف المكر بالسيئ أصلٌ، ويش معنى أصل؟ أي: جارٍ على الأصل؛ لأن الأصل أن الصفة تتبع الموصوف، لا أن الموصوف يُضاف إليها، أفهمتم الآن زين؟ هذا يحتاج إلى أنه يعلق عليه؛ لأن ستنسون وبعدين يُشكل عليكم كلام المؤلف، جاء مع الأصل. (وإضافته إليه قبلُ استعمالٌ آخر)، (وإضافته إليه قبل)؛ لأنه في الجملة التي قبل هذه قال: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ فهنا لم يُوصف المكر بالسيئ، ولكن أُضِيف المكر إلى السيئ، فقول المؤلف رحمه الله: (إضافته إليه قبلُ) ويش معنى (قبلُ)؟ يعني قبل هذه الجملة؛ ويعني بذلك قوله: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ (استعمال آخر) (قبل استعمالٌ آخر) على الأصل، ولَّا على خلاف الأصل؟ على خلاف الأصل؛ لأن الأصل أن الصفة تقع تبعًا للموصوف، لا أن الموصوف يضاف إلى الصفة، لكن يجوز أن يُضاف الموصوف إلى الصفة؛ ولهذا دائمًا يمر بكم قول العلماء: هذا من باب إضافة الموصوف إلى صفته، مثل قولهم: مسجد الجامع، هذا مسجد الجامع؛ أصله: هذا المسجد الجامع، لكن أُضيف إلى صفته، وهو كثير، كما أن أيضًا الصفة تُضاف إلى الموصوف أحيانًا، مثل: طاهر القلب، هذه صفة مضافة إلى موصوفها، طاهر القلب كما قال ابن مالك في الألفية: كَطَاهِرِ الْقَلْبِ جَمِيلِ الظَّاهِرِ ∗∗∗ ........................ هذا من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، إذن نأخذ من هنا أنه يجوز إضافة الصفة إلى الموصوف، وإضافة الموصوف إلى صفته، وما هو الأصل من ذلك؟ الأصل من ذلك أن تقع الصفة تبعًا للموصوف على أنها نعتٌ له وتُعرب بإعرابه، في الآية الكريمة، إضافة الموصوف إلى الصفة ووصف الموصوف بالصفة أو لا؟ في الآية الكريمة إضافة الموصوف إلى الصفة ووصف الموصوف بالصفة، صح؟ في الآية ما هو بكلمة واحدة منها. * طالب: في أولها وآخرها. * الشيخ: في أولها وآخرها، أين إضافة الموصوف إلى الصفة؟ * طالب: الثانية (...). * الشيخ: ما هي بالثانية يا ولد! * طلبة: الأولى ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾. * الشيخ: الأولى: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾، هذا من باب إضافة الموصوف إلى الصفة، لو كان في غير القرآن وأردنا أن نحوله إلى أن تبع، إلى أن تكون الصفة تبعًا للموصوف لقلنا: استكبارًا في الأرض والمكر السيئ كذا ولَّا لا؟ لكن هُنا صار من باب الإضافة ومكر السيئ. وفيها أيضًا وصْف الموصوف بالصفة. قوله: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ﴾ أيهما الأصل؟ هنا بين المؤلف، قال: (ووصف المكر بالسيئ أصل). لو قال بدل (أصل) لو قال: جارٍ على الأصل لكان أوضح؛ وهذا هو مراده. قال: (وإضافته إليه قبل) ويش يعني به؟ (إضافته إليه قبل) إضافة الموصوف إلى الصفة، ويش يعني به من الآية؟ قوله: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾. يقول: (استعمالٌ آخر) يعني جارٍ على استعمال آخر في اللغة العربية؛ لأن اللغة العربية أحيانًا تضيف الموصوف إلى صفته، واضح أظن؟ قال: (قُدِّر فيه مضاف) حسب شرحه هو وتفسيره، حيث قال: (﴿وَمَكْرَ﴾ العمل ﴿السَّيِّئِ﴾ ). يقول: (حذرًا من الإضافة إلى الصفة)، وهذا الذي قاله الأخير يُنازَع فيه؛ وذلك لأنه لا داعي إلى ذلك، لا حاجة إلى أن نُقَدِّر محذوفًا لأجل أن نمنع إضافة الموصوف إلى الصفة؛ لأن إضافة الموصوف إلى الصفة في اللغة العربية كثيرٌ شائع، ليس هذا أمرًا محذورًا في اللغة العربية حتى نقول: نحتاج إلى تقدير ما يصححه؛ ولهذا نقول: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ جارٍ على أصله بمعنى أنه لا حاجة إلى أن يُقَدَّر فيه شيء محذوف. ثم قال تعالى: (﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ﴾ ينتظرون)، هذا تفسير لـ(ينظرون) بمعنى ينتظرون، وهناك ضابط وليس قاعدة أن (ينظر) إن تعدَّت بـ(إلى) فهي بمعنى النظر بالعين ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية ١٧]، وإن تعدت بـ(في) فهي بمعنى النظر الفكري كما في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف ١٨٥]، وإن تعدت بنفسها فهي بمعنى الانتظار مثل هنا ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ [فاطر ٤٣] معناها: هل ينتظرون من الانتظار؛ وهو الترقب. ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أي: ينتظرون؛ يعني يترقبون ﴿إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴿سُنَّتَ﴾ بمعنى الطريقة والإضافة هنا إلى ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ من باب الاختصاص؛ يعني إلا السنة التي جرت للأولين، وليس المراد السنة التي فعلها الأولون؛ لأن ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ مفعولٌ بهم وليسوا فاعلين، وإنما الفاعل من؟ الله عز وجل. ﴿إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ قال المؤلف: (سُنَّة الله فيهم من تعذيبهم بتكذيبهم رسلهم)؛ يعني ما ينتظر هؤلاء الذين كذبوا الرسول ﷺ إلا سنة الأولين؛ وهي -أي سنة الأولين- التعذيب؛ تعذيبهم لتكذيب الرسل. قال: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر ٤٣] لن تجد لسنة الله تبديلًا برفعها، أو تحويلًا بتغييرها إلى قوم آخرين؛ يعني أن سُنَّة الله ستقع في أعيان الذين يستحقونها، فلن تُبدَّل فتُرفع، ولن تُحوَّل إلى قوم آخرين فيسلم منها من استحقوها بل هي واقعةٌ على من يستحقها عينًا، مثال ذلك: المشركون كذَّبوا الرسول عليه الصلاة والسلام من قريش، التحويل معناه أن تُحَوَّل عقوبتهم إلى بني تميم مثلًا، يمكن هذا ولَّا ما يمكن؟ لا يمكن؛ لأن هذا ظلم أن يؤاخذ قومٌ بجريمة آخرين، هذا معنى قوله: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ كذَّبَتْ قريش الرسول عليه الصلاة والسلام فبدلًا من أن يعاقبهم الله نعَّمَهم، يمكن هذا ولَّا لا؟ * طلبة: لا. * الشيخ: هذا معنى قوله: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾، فالعذاب لن يُبدَّل بنعيم، ولن يُحَوَّل عن مستحقه إلى قوم آخرين، وسُنَّة الله عز وجل لا بد أن تقع فيمن يستحقها بدون تبديل لها بنعمة، وبدون تحويل لها إلى غيرهم، لماذا؟ لأن الله عز وجل كامل الحكمة، كامل العدل؛ كامل الحكمة فلن يبدل النقمة بنعمة على من استحقها، ثانيًا: كامل العدل، لا يمكن أن يُحَوِّل الانتقام إلى قوم آخرين لا يستحقونه، فهذه الصفة ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ إلى آخره هي من باب الصفات السلبية لكنها تتضمن كمال عدل الله وكمال حكمته، ويمكن أن نقول: وتمام سلطانه أيضًا بحيث لا يُكرِهه أحدٌ على أن يُحَوِّل النقمة إلى آخرين، أو أن يُبدِّلها بنعمة. قال المؤلف: (أي لا يُبَدِّل بالعذاب غيرَه، ولا يُحَوَّل -أي العذاب- إلى غير مُستحِقِّه). نأخذ فوائد الآيات بعد قوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ إلى آخره [فاطر: ٤٢]، يستفاد من الآيتين الكريمتين عدة فوائد: * فمن ذلك: أن الإنسان إذا كان في عافية، أو إذا كان قبل أن ينزل به الأمر قد يجد من نفسه القوة على تنفيذه، فإذا نزل به الأمر تغيرت حاله، وجه الدلالة، أن هؤلاء أقسموا بالله لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم، فلما جاءهم النذير؛ تغيرت حالهم، وهذا يقع كثيرًا للبشر ما دام الإنسان لم ينزل به الأمر يظن أنه قادرٌ عليه، فإذا نزل به الأمر عجز عنه؛ ولهذا ينبغي للإنسان ألا يتعجَّل فيحكم على نفسه بالحال التي كان فيها سالمًا من نزول الأمر به بل ينتظر حتى ينزل به الأمر، كثير من الناس مثلًا يقول: أنا استطيع الصبر على الحج مثلًا وسأحج، ولكن عندما يحين الأمر يجد من نفسه العكس، يقول: أنا أستطيع أن أقوم ثُلث الليل الآخر كله، ولكن إذا جد الجد وجد نفسه عاجزًا، فالمهم أنه ينبغي للإنسان ألا يكون متسرعًا فيقيس حاله في حال الرخاء على حاله في حال نزول الأمر به؛ لأن الإنسان بشر تختلف حاله بين سلامته من الأمر وبين وقوع الأمر فيه، والله أعلم. ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ إلى آخره. * فيها الفائدتان اللتان سمعتموها: أن الإنسان إذا كان في عافية من الأمر فإنه لا ينبغي له أن يتعجل، وأن يقيس نفسه في نزول البلاء على حال العافية؛ لأن الإنسان قد يختلف. * وفيها أيضًا: دليل على عُتُوِّ هؤلاء المكذبين لرسول الله ﷺ، حيث كانوا قبل أن يُبعث إليهم يقسمون أغلظ الأيمان بأنهم سيكونون أهدى من غيرهم، ولكن لما جاءهم الرسول عليه الصلاة والسلام ما زادهم مجيئه إلا نفورًا. وفيه الإشارة إلى أنه لا ينبغي للإنسان النذر؛ أي أن ينذر الطاعة؛ لأنه قد لا يُوفَّق للقيام بها، هؤلاء أقسموا ولما وُجِد مُوجِب الطاعة لم يقوموا بطاعة الله، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ [النور ٥٣]، فهم أقسموا بالله أن لو أمرهم الرسول عليه الصلاة والسلام لخرجوا فنهاهم الله، بل أمر نبيه أن يقول لهم: لا تقسموا، ونظير ذلك ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ﴾ [التوبة ٧٥، ٧٦] ولهذا جاء النهي من النبي ﷺ عن النذر، وبيان أنه لا يأتي بخير. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء ردوا الحق استكبارًا في الأرض؛ أي: يريدون الاستكبار، وهذا على وجه إعرابها بأنها مفعول لأجله؛ أي أنهم ما ردوا الحق إلا من أجل أن يكون لهم الكبرياء والعلو في الأرض. * ومن فوائد الآية الكريمة: تسمية أعمال الكافرين مكرًا؛ لقوله: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾، وقد ذكرنا في التفسير أن أعمال الكافرين تنقسم إلى قسمين: قسم يُجاهرون فيه بكفرهم، ولا يأتون به على سبيل المكر، وقسم آخر يأتون به على سبيل المكر، وأيهما أشد؟ الثاني أشد؛ ولهذا ما مكر قومٌ بأنبيائهم إلا مكر الله بهم، وآخرهم محمد ﷺ، حيث اجتمع القوم في دار الندوة يتشاورون ماذا يفعلون به؟ فمكر الله بهم سبحانه وتعالى. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من أراد السوء حاق به السوء؛ لقوله: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾. ومن القواعد العامة يقولون: من حفر لأخيه حفرة وقع فيها، فالإنسان إذا أراد المكر -والعياذ بالله- فإن مكره يحيق به. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن المكر يكون سيئًا ويكون حسنًا؛ لقوله: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾، وقوله قبل: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ وهو كذلك فإن مكر الله تعالى بأعدائه الذين يمكرون به مكرٌ حسن يُثْنَى عليه به، ومكر أولئك (...). فالفاعل للسبب منتظرٌ للمُسبَّب شاء أم أبى، فالإنسان العاصي نقول له: أنت منتظر للعقوبة الآن، مترقبٌ لها، حتى وإن كان لا يطرأ على باله أنه سيُعاقب؛ لأن فاعل السبب منتظرٌ للمسبَّب ولا بد. * ومن فوائد الآية الكريمة: ثبوت القياس، أو إن شئت فقل: استعمال القياس لقوله: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ [فاطر ٤٣] فيقيس حال هؤلاء بحال الأولين الذين كذبوا فعُوقبوا. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن سُنَّة الله عز وجل في عباده واحدة، فكل من أطاع الله أثابه، وكل من عصى الله عاقبه؛ لقوله: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر ٤٣] لا يقال مثلًا: إننا أمةٌ شرفنا الله عز وجل وعظَّمنا وكرمنا، فلا يؤاخذنا كما آخذ من قبلنا بل نقول: إن مقتضى التشريف أن نكون نحن أشد عبادةً له ممن سبقنا؛ لأن الإنسان إذا كُرِّم ينبغي أن يقوم بمقتضى هذا التكريم؛ وليس إساءة من لم تكرمه إليك كإساءة من أكرم(...) ما لا يجب على من سواه. * ومن فوائد الآية الكريمة: كمال قدرة الله عز وجل وحكمته؛ حيث إن سنته لا تُبَدَّل ولا تُغيَّر ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾. وجه كونها من تمام القدرة أن العاجز لا يستطيع أن يجعل أفعاله على وتيرة واحدة، بل قد تتخلف وتتغير لعجزه عن الاطراد، وأما كونه من تمام الحكمة فلأن معاقبة السابقين كانت لسبب، وهذا السبب إذا وُجِد في الآخرين فإنه يعمل عملَه؛ لأن مقتضى الحكمة أن الأسباب لا تتخلف عنها مسبباتها؛ ففي قوله: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ فيها إثبات تمام القدرة وتمام الحِكْمة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشيء الذي يستمر ويُؤخذ به يُسمَّى سُنَّة، يقال: هذه سُنَّة فلان؛ أي: طريقته؛ ولهذا يُفرَّق بين السُّنَّة وبين العارض، الشيء العارض شيء، ولا يمكن أن يُجعل طريقة متبعة، والشيء المطرد يسمى سُنَّة، ويدل على هذا التفريق قوله ﷺ: «صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ، صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ». ثم قال في الثالثة: «لِمَنْ شَاءَ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً»[[أخرجه البخاري (١١٨٣) من حديث عبد الله المزني.]]. يعني سنة مُطَّردة يفعلونها دائمًا.

فاطر 35:44

ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فاطر ٤٤]. الهمزة هنا للاستفهام، والمراد به التوبيخ والتقريع، وهذه الهمزة الاستفهامية هل هي داخلة على الجملة الموجودة المذكورة أو على جملة محذوفة يعينها السياق؟ في هذا قولان لأهل العلم بالنحو؛ فمنهم من يقول: إنها داخلة على هذه الجملة المذكورة، وعلى هذا القول يقولون: إن التقدير: وألم يسيروا، فيجعلون الواو مُقدَّمة على الهمزة؛ لأنه لا يمكن أن تُجعل الهمزة مُقدَّمة على الواو، والواو حرف عطف تقتضي معطوفًا عليه، فيقولون: إن الهمزة متأخرة والواو حرف عطف، وهذه الجملة معطوفة على ما سبق، وهذا الوجه لا شك أنه أسهل وأيسر؛ إذ لا يتكلف الإنسان فيه العناء في ذلك الشيء المحذوف الْمُقدَّر وهو القول الثاني أن الهمزة داخلةٌ على محذوف يعينه السياق، ففي مثل هذه الآية نقول: تقدير الكلام: أَغَفَلوا ولم يسيروا في الأرض أو كلمةً نحوها. وهذا التقدير قد يكون سهلًا في بعض المواضع بمعنى أن بعض المواضع يكون المعنى فيها ظاهرًا، ويمكنك بكل سهولة أن تُقدِّر ذلك المحذوف، لكن أحيانًا يصعب عليك أن تُقدِّر ذلك المحذوف؛ لاحتمال السياق لأوجه متعددة، في هذا نقول: إن القول الثاني أو الثاني ولَّا الأول؟ الثاني باعتبار الغالب، أن القول الثاني أو الآخر، نقول: إن القول الآخر أقرب وأسهل أن نجعل الواو حرف عطف، والجملة هذه معطوفة على ما سبق، والأصل: تقديم ذلك الحرف العاطِف على الجملة، فالتقدير وألم يسيروا. وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ السير هنا هل هو سير القلوب أو سير الأقدام أو كلاهما؟ نقول: الأولى أن يقال: إنه شامل فيكون سير القلوب وسير الأقدام، أما سير القلوب فهو بالنظر في تاريخ الأمم السابقة، وما جرى عليهم، وما جرى لأهل الخير الآمرين بالقسط، فيسير الإنسان بقلبه في أرجاء العالم وهو جالس على كرسيه لا يتحرك، وأما السير البدني، أو السير بالأقدام فهو أن يتقدم الإنسان إلى هذه المواضع ليعتبر، ومن ذلك قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «زُورُوا الْقُبُورَ؛ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ»[[أخرجه أبو داود (٣٢٣٥)، والترمذي (١٠٥٤)، والنسائي (٥٦٥١) من حديث بريد بن الحصيب.]]. فإن زيارة القبور سيرٌ بالأقدام، يذهب الرجل إلى المقبرة، ويقف ويشاهد هذه القبور ويعتبر؛ هؤلاء القوم الذين كانوا أشد منه، قوة وكانوا أكثر منه مالًا، ومع ذلك آلوا إلى ما آلوا إليه حتى يعرف أنه سوف يؤول إلى ما آلَ إليه هؤلاء، طالت المدة أم قصرت. إذن السير في الأرض يكون بالقلب، ويكون بالقدم، أيهما أنفع للمرء السير بالقلب أو السير بالقدم؟ السير بالقلب أشمل وأهون؛ لأنه بإمكان الإنسان أن يطوف الدنيا كلها في ساعة واحدة وأسهل؛ السير بالقدم أشد تأثيرًا؛ لأنه يُشاهد، وما راءٍ كمن سمع؛ ولهذا «أمر النبي عليه الصلاة والسلام إذا دخلنا على ديار المعذبين أألا ندخل إلا ونحن باكون أن يصيبنا ما أصابهم»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٣)، ومسلم (٢٩٨٠ / ٣٨) من حديث عبد الله بن عمر.]]. حتى نعتبر ونصحح المسير. ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿فِي﴾ هنا قال العلماء: إنها بمعنى (على)، ولا تصح أن تكون للظرفية لماذا؟ لأن الظرفية تقتضي أن يكون السائر في جوف الظرف، ومعلومٌ أن السائر في الأرض لا يسير في جوف الأرض، هل هو يفتح نفقًا ليسير فيه؟ لا، يسير على ظهرها، قالوا: فـ﴿فِي﴾ بمعنى (على)، ونظيرها قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه ٧١] أي: على جذوع النخل. وقوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ يحتمل أن يُراد بها الجنس، ويحتمل أن يراد بها العهد (أل) هنا، أن تكون جنسية أو عهدية، فعلى الأول يكون المراد السير في جنس الأرض التي أُصيبت بغضب، والتي لم تُصَبْ، وعلى الثاني يكون المراد بالأرض التي أُصِيبت بالغضب، فتكون (أل) هنا للعهد الذهني أو الذكري؟ العهد الذهني؛ لأن العهد الذكري لا بد أن يكون هناك مذكور تعود عليه (أل)، أما إذا لم يكن مذكور فهو عهدٌ ذهني. وقوله: ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [فاطر ٤٤] ﴿فَيَنْظُرُوا﴾ الفاء هنا قيل: إنها عاطفة، وقيل: إنها سببية، فعلى أنها عاطفة تكون في محل جزم؛ أي: يكون الفعل بعدها مجزومًا، وعلى أنها سببية يكون الفعل بعدها منصوبًا، فعلى كونها سببية يكون التقدير: أو لم يسيروا في الأرض فبسبب سيرهم ينظروا، وعلى أنها عاطفة يكون المعنى: أو لم يسيروا في الأرض ولم ينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم. والنظر هنا هل هو نظر القلب أم نظر العين؟ * طالب: الأمران. * الشيخ: إذا قلنا: إن السير سير القدم فالنظر نظر العين، وإذا قلنا: إن السير سير القلب فالنظر نظر القلب؛ إذن تكون شاملةً للأمرين حسب ما نُفَسِّر السير فيما سبق. ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ هذا الاستفهام الجملة الاستفهامية علَّقت (ينظروا) عن العمل؛ يعني: فينظروا كيف كان عاقبتهم؛ يعني أي عاقبة كانت لهم، هل نُعِّموا وأُكْرِموا أو عُذِّبوا وأُهْلِكوا، انظروا، فإذا نظر الإنسان العاقل فسوف يعتبر، ويقيس الحاضر على الغائب. ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾ عاقبة الشيء مآله ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ما هي العاقبة للذين من قبلهم؟ الهلاك، عاقبتهم الهلاك؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات ١٣٧، ١٣٨]، فانظروا إلى آثارهم ماذا كانت؟ كانت الدمار، فإذا كانت الدمار وسببه التكذيب والاستكبار فإن السبب الذي كان فيما سبق مؤديًا إلى هذا الهلاك فإنه سيكون مؤديًا إليه فيما لحق؛ إذ لا فرق. قال الله تعالى: ﴿وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فاطر ٤٤] (كانوا) الضمير يعود على مَنْ؟ على السابقين. ﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ يعني أقوى منهم قوة، ومع ذلك لم تنفعهم قوتهم ولم تمنعهم، أُهْلِكوا، وانظر إلى قوم عاد ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥]. ويش قال الله تعالى؟ ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥]، وكانت عادٌ من أقوى الأمم أجسامًا وصلابةً وعزمًا حتى أنهم تحدوا، قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥] فقال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ وأهلكهم بألطف الأشياء أهلكهم بالريح، قال فرعون: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف ٥١]، فافتخر بجريان الأنهار وهي المياه من تحته فأُهْلِك بالغرق؛ بالماء الذي كان يفتخر به، فالإنسان العاقل إذا رأى حال هذه الأمم وقوتها، وأن هذا لم ينفعهم ولم يمنعهم من عقاب الله فلا بد أن يعتبر. قال: ﴿وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ الواو هنا في قوله: ﴿وَكَانُوا﴾ يحتمل أن تكون عاطفة، ويحتمل أن تكون للحال، والتقدير: وقد كانوا أشد منهم قوة فأهلكهم الله بتكذيبهم رسلهم ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [فاطر ٤٤]. هنا إذا تأمل الإنسان الآية يقول: إن الله سبحانه وتعالى لم يذكر عاقبة هؤلاء المكذبين في الآية: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾، فلماذا لم يذكرها؟ اعتمادًا على هذا السائر الذي يسير فينظر؛ يعني فمعناه: احكم أنت بنفسك على هؤلاء، فلا حاجة إلى أن أُذكِّرك بأن الله أهلكهم؛ لأنك سوف تحكم على هذا بما تراه من آثارهم. (﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال: يسبقه ويفوته) ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ﴾ اللام هنا يُسميها النحويون لام الجحود، وهو النفي؛ لأنها وقعت بعده؛ أي: بعد النفي، وضابطها أي ضابط لام الجحود أن تقع بعد كون منفي. وإذا أردنا أن نقربها إلى المبتدئ نقول: أن تقع بعد (ما كان) أو (لم يكن) ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء ١٣٧]. اللام نقول: هي لام الجحود ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال ٣٣] نقول: اللام لام الجحود، فإذا وقعت اللام بعد (ما كان)، أو (لم يكن) داخلةً على الفعل المضارع فإنها تنصب الفعل المضارع أو ينصبه (أن) مُقدرةً بعد اللام على الخلاف، إنما نُسمي هذه اللام لام الجحود، لكن الضابط الذي قلت أولًا -وهي الواقعة بعد كون منفي- أعم من قولنا هي المسبوقة بـ(ما كان) أو (لم يكن)، لماذا كان أعم؟ لأنه يمكن أن تأتي بعد (كائن)، تقول: لستُ بكائنٍ لأعذبك مثلًا، أو غير كائن ليقوم، وما أشبه ذلك، فإذا قلنا: بعد كون منفي كان أعم لكن إذا كنا نخاطب شخصًا مبتدئًا في النحو فقد يصعب عليه تصور كلمة (كون منفي)، فنقول له: إذا وقعت بعد (ما كان) أو (لم يكن) فهي لام الجحود، وتنصب الفعل المضارع إما بنفسها كما هو مذهب الكوفيين، وإما بـ(أن) مضمرةً بعد اللام. ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ حرف جر زائد زائد، زائد في الإعراب وزائد في المعنى؛ أي أنه يزيد في المعنى، ما هي زيادة المعنى؟ توكيد النفي؛ يعني أن هذا النفي مؤكَّد. وقوله: ﴿لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ إذا قلنا: ﴿مِنْ﴾ حرف جر زائد، فنُعرب ﴿شَيْءٍ﴾ على أنها فاعل مرفوع بضمة مقدرة على أيش؟ * طالب: الياء * الشيخ: ﴿شَيْءٍ﴾ فاعل مرفوع بضمة مقدرة؟ * الطالب: على الهمزة على الألف. * الشيخ: على الهمزة على الألف؟! * الطالب: (...) على الهمزة. * الشيخ: على الهمزة؟! ما علمنا أحدًا من الناس قال: مُقدَّرة على الهمزة، من يعرف الإعراب؟ * طالب: مقدرة على الياء. * الشيخ: خطأ. * الطالب: على آخره. * الشيخ: على آخره. * الطالب: منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. * الشيخ: إي، صح. ﴿مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [فاطر ٤٤] قال المؤلف: (يسبقه ويفوته)، وهذا تفسيرٌ لا بأس ببعض اللوازم، كما قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [العنكبوت ٤]، ولكن العجز في الواقع هو عدم القدرة على الشيء، وهذا أولى من تفسير المؤلف، تقول: ما كان الله تعالى ليحول بينه وبين ما يريد عجزٌ في قدرته بل هو قادرٌ على كل شيء من إيجاد معدوم، أو إعدام موجود، أو تغيير حال، أو غير ذلك، فالله تعالى لا يُعجزه شيء لا في السماوات ولا في الأرض؛ لأن أمره عز وجل إذا أراد شيئًا أن يقول: (كن فيكون) بدون أي عمل، كلمة واحدة تجعل الشيء على حسب مراده تبارك وتعالى، فلا يعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض، وإذا كان لا يعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض فإنه لن يعجز عن إهلاك المكذِّبين الذين كذبوا رسول الله ﷺ. يقول: (﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا﴾ أي: بالأشياء كلها ﴿قَدِيرًا﴾ عليها) الجملة موقعها مما قبلها أنها تعليل لما قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ﴾ [فاطر ٤٤] علل هذا الحكم المنفي بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤]، والعلم إدراك الشيء على ما هو عليه، والقدرة التمكن من الفعل بلا عجز، هذه القدرة، والقوة التمكن من الفعل بلا ضعف؛ فهي أخص من القدرة من وجه، وأعم منها من وجه آخر كما سنذكره. ما وجه كونه عز وجل بعلمه وقدرته لا يعجزه شيء؟ لأن العاجز عن الشيء إما أن يكون لعدم علمه بالأسباب التي تغيرها به، وإما أن يكون لعدم قدرته، فلو تأملت عجز أي عاجز لوجدت السبب في عجزه إما أنه لا يعلم، وإما أنه لا يقدر، فلو قيل لرجل: نريد أن تصلح هذه الساعة الخربانة. قال: طيِّب أعطوني إياها، وهو ما يعرف أبدًا، ما درس يقدر يزينها ولَّا لا؟ * طلبة: لا، ما يقدر. * الشيخ: كيف ما يقدر؟ عنده آلات للصناعة، وعنده قوة بدنية يقدر يصلحها ولا ما يقدر؟ * طلبة: ما يقدر. * الشيخ: لماذا؟ * طلبة: لأنه ما عنده علم. * الشيخ: لأن ما عنده علم، ما يقدر يصلحها، يمكن يفسدها أكثر. فيه رجل آخر عنده علم وقد درس علم تصليح الساعات مثلًا لكن ما عنده قدرة بدنية مشلول، هل يمكن أن يصلحها؟ لا يمكن؛ لعدم القدرة، إذن انتفاء عجز الله عز وجل؛ لكمال علمه وكمال قدرته، وبهذا نعرف أنه لا يوجد نفيٌ محض في صفات الله، بل كل نفي في صفات الله فهو متضمن لثبوت كمال، لا يمكن أن يوجد نفيٌ محض؛ ولهذا لما نفى العجز بَيَّن السبب قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ والله أعلم. * * * قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا..﴾ [فاطر ٤٢]. (...) ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [فاطر ٤٤] ما المراد بالسير هنا؟ (...). السير في الأرض؟ قلبًا وقدمًا وجه الدلالة أن الله وَبَّخَ الذين لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم. * ومن فوائدها: أنه ينبغي لنا أن ننظر إلى عاقبة السابقين نَظَرَ اعتبار بمآلهم حين كذبوا رسلهم، وليس اعتبارًا بقوتهم وصناعتهم وطرازهم وما أشبه ذلك، وإذا طبقنا هذا على واقع الناس اليوم الذين يذهبون إلى ديار ثمود وجدنا أنهم يذهبون إليها لا ليعتبروا بما صنع الله بهم من العقوبة لتكذيبهم الرسل ولكن لينظروا كيف كانت قوتهم وصناعتهم وزخارفهم وما أشبه ذلك، وهذا حرام لا يجوز أن يذهب الإنسان إلى ديار هؤلاء المكذبين لهذا الغرض؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٣)، ومسلم (٢٩٨٠ / ٣٨) من حديث عبد الله بن عمر.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن في التاريخ عبرًا يعتبر بها العاقل؛ لقوله: ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [فاطر ٤٤]. * ومن فوائد الآية: استعمال قياس الأولى؛ لقوله: ﴿وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾. فإذا كان الله تعالى أهلكهم مع كونهم أشد منهم قوة، فإن إهلاك هؤلاء من باب أولى. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن قوة البشر مهما عظمت لا تمنعهم من الله شيئًا؛ لقوله: ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فاطر ٤٤]؛ ولهذا لما قالت عاد: من أشد منا قوة؟ قيل لهم: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن في السير في الأرض قلبًا أو قدمًا عبرة لا للمرسل إليهم بل هو للرسل أيضًا، فإن إهلاك المكذبين للرسل انتصارٌ لمن؟ للرسل، معلوم أن الله إذا أهلك عدوك فإنه انتصارٌ لك بلا شك. * ومن فوائد الآية الكريمة: نفي العجز عن الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ لأن فيها نفي العجز عنه لكمال علمه وقدرته. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من صفات الله تعالى ما يكون سلبيًّا؛ أي منفيًّا عن الله، وضابطه أن كل صفة نقص فهي منفية عن الله عز وجل، هذه قاعدة عامة، كما أن كل صفة كمال فهي ثابتة له، ولكن التفصيل لا بد فيه من دليل؛ لأن هذه القاعدة عامة لقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل ٦٠] ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف ١٨٠] لكن التفصيل بأن هذه الصفة المعينة ثابتة لله أو منتفية عنه لا بد فيها من دليل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى لا ينفي شيئًا عن نفسه إلا لثبوت كمال ضده؛ لأنه لما قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ﴾ قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ فيستفاد من ذلك أن كل صفة منفية عن الله لا يُراد بها مجرد النفي؛ لأن مجرد النفي ما فيه فائدة؛ إذ إن النفي المحض عدمٌ محض، والعدم ليس بشيء فضلًا عن أن يكون كمالًا، ولأن النفي قد يكون سببه العجز كما في قول الشاعر: قُبَيِّلَةٌ لَا يَغْـــــــــدِرُونَبِــــــذِمَّـــــــةٍ ∗∗∗ وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَخَرْدَلِ هذا مدح ولَّا ذم؟ ذم؛ لأنهم لعجزهم ما يستطيعون يظلمون الناس، ولا يغدرون بالذمم، وقد يكون سببه عدم القابلية لا للكمال ولكن لأنه غير قابل لهذه الصفة كما لو قلت: إن جدار بيتنا لا يظلم، واحد يمدح بيته مثلًا يقول: إن جداره ما هو بيظلم أحدًا، صحيح؟ * طلبة: عدم القابلية. * الشيخ: إي، هو صحيح لا يظلم أحدًا لكن لا لأنه عدل، كامل العدل لكن لأنه لا يقبل كلمة ظُلْم، فنفيها عنه كثبوتها له، حتى لو قلت: جدارٌ يظلم، ما أحد يصدق. إذن صفات الله المنفية التي يسميها العلماء السلبية تتضمن كمال الضد؛ يعني لكمال علمه وقدرته لا يعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن السماوات أكثر من واحدة؛ لوجود الجمع؛ لأنها جاءت بصيغة الجمع ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، وهي سبع بنص القرآن والسُّنَّة، ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [نوح ١٥] والسُّنَّة كذلك ظاهرة في أن السماوات السبع كقول النبي عليه الصلاة والسلام: «اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَمَا أَظْلَلْنَ»[[أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (٢٥٦٥)، وابن حبان في صحيحه (٢٧٠٩) من حديث صهيب بن سنان.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله وهما العليم والقدير، وما تضمناه من صفة أو حُكم؛ من صفة وهي العلم والقدرة، أو حكم وهو أنه يعلم ويقدر على كل شيء، إنه كان عليمًا قديرًا، ثم قال الله تعالى.. * طالب: (...). * الشيخ: وهى؟ * الطالب: السير في الأرض (...). * الشيخ: السير في الأرض للنزهة يعني؟ * الطالب: لا، للاعتبار (...). * الشيخ: السير في الأرض للاعتبار لا بأس به، وإذا كانت مصلحته أكثر من نقصه كان محمودًا، وإن كان نقصه أكثر من مصلحته فإنه لا ينبغي، فمثلًا لو ذهب ينظر في آيات الله تعالى في الجبال الشاهقة، وفي الأنهار، وفي البحار، وما أشبه ذلك؛ فهذا حسن محمود، لكن إذا كان يكلف من النفقة أكثر مما ينتفع به الإنسان فإنه يُنهَى عنه؛ لأن في ذلك إضاعة المال، أما إذا كانت النفقة قليلة أو كان هذا الرجل ذا مال كثير لا يتضرر به ولكنه ينتفع به من الناحية الإيمانية، فلا بأس به.

فاطر 35:45

ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر ٤٥] (لو) هذه شرطية و(لو) تأتي شرطية كما هنا، وتأتي للتمني مثل قوله: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩]، وتقول مثلًا: لو كان لي مثل مال فلان؛ يعني أتمنى أن يكون لي مثل مال فلان، فتأتي شرطية، وتأتي للتمني، وتأتي أيضًا مصدرية بمعنى (أن). قلنا: هي شرطية، وإذا كانت شرطية فإما أن يكون جوابها مثبتًا، وإما أن يكون منفيًّا، فإن كان مثبتًا فالأكثر فيه إثبات اللام، وإن كان منفيًّا فالأكثر فيه حذف اللام، مثال ذلك في الإثبات قوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة ٦٥] أين الجواب؟ ﴿لَجَعَلْنَاهُ﴾ [الواقعة ٦٥] ففيه اللام، وقال تعالى في نفس السورة: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ [الواقعة ٧٠]، الجواب ﴿جَعَلْنَاهُ﴾ وحذفت منها اللام، أما إذا كان جوابها منفيًا بـ(ما) فإن الأكثر عدم اقتران (ما) باللام، فتقول مثلًا: لو جاءني ما أهنته، وهنا قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر ٤٥] وقد تقترن اللام بـ(ما) لكنها قليلة كقول الشاعر: وَلَوْ نُعْطَى الْخِيَارَ لَمَا افْتَرَقْنَا ∗∗∗ ......................... والأكثر ما افترقنا، يقول الله تعالى: (﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا﴾ [فاطر ٤٥] من المعاصي) ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾. قوله: ﴿يُؤَاخِذُ﴾ أي يعاقب، والمؤاخذة بالذنب العقوبة عليه. وقوله: ﴿النَّاسَ﴾ عام يشمل الكفار ويشمل العصاة من المؤمنين، فلو يؤاخذ الناس كلهم بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة. وقوله: ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ (ما) يجوز أن تكون مصدرية؛ أي: بكسبهم، ويجوز أن تكون موصولةً، فإذا كانت موصولة فلا بد من تقدير العائد، وتقديره: بما كسبوه. وقوله: ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ أي: بما اكتسبوا من المعاصي، وسمى الله تعالى المعاصي كسبًا؛ لأن العامل ينال جزاءها فكأنه كسب هذا الجزاء مع أنه كسبٌ رابح ولا كسبٌ خاسر؟ خاسر ولهذا إذا اقترن مع العمل الصالح أتى بغير هذا اللفظ قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ..﴾ [البقرة ٢٨٦] (...) وقوله: (﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا﴾ [فاطر ٤٥] أي: الأرض) كيف قال المؤلف: (أي: الأرض) وأعاد الضمير على غير مذكور؟ قال بعضهم: إنه أعاده على مذكور وهو قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤]، والكلام كله في سياق واحد في سياق العاصين ومآلهم وعقوبتهم، فالكلام نسق واحد فالأرض إذن مذكورة. وقال بعضهم: هي غير مذكورة لكنها معلومة من السياق؛ لأن الدواب إنما هم على ظهر الأرض فهي معلومة من السياق، وما عُلِم من السياق فإنه لا يحتاج إلى مرجع مذكور، ألم ترَ إلى قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص ٣٢] ﴿تَوَارَتْ﴾ ما هي؟ الشمس مع أنه لم يسبق لها ذِكْر، لكنها معلومة؛ لأنها هي التي تتوارى بالحجاب، يقول: (﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ نسمة تدب عليها) ﴿مِنْ﴾ حرف جر زائد زائد ولَّا لا؟ * طلبة: (...). * الشيخ: لأنها جاءت بعد النفي ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ أي: ما ترك عليها دابةً، لكنها دخلت عليها ﴿مِنْ﴾ لتؤكد العموم. قال المؤلف: (نسمة تدب عليها) النسمة هي كل ذات تتنفس؛ لأنها مأخوذة من النَّسَم وهو التنفس، وكل شيء فيه روح فإنه يتنفس، المعنى لهلَك كل شيء على الأرض، أما البشر العاصون فهلاكهم واضح، وأما غيرهم فبشؤمهم؛ بشؤم العصاة تموت هذه الدواب؛ إما بأن يمنع الله عز وجل المطر والنبات فتموت هذه الدواب؛ لأنها لا تجد عيشًا، أو أنها تموت بأوبئة تجتاحها بسبب أعمال الناس. ثم قال: (﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي يوم القيامة) ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ﴾ أي: الناس، والفاعل هو الله. ﴿إِلَى أَجَلٍ﴾ أي: مدة. ﴿مُسَمًّى﴾ مُعَيَّن وما هو؟ يوم القيامة، كما قال الله تبارك وتعالى في سورة هود: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا..﴾ [هود ١٠٣، ١٠٤] (...) معين. ﴿أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ معين عند منْ؟ عند الله سبحانه وتعالى، ولا يعلم هذا الأجل إلا الله، فإن علم الساعة لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى، عجز عنه أعلم البشر وأعلم الملائكة حين سأل جبريل النبي ﷺ عن الساعة قال: «مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث عبد الله عن أبي هريرة.]]. والأجل المسمى لا بد أن يجيء، كل شيء مسمى فهو قريب لكن الأجل المبهم هو الذي ينتظره الإنسان إلى أن يحصل، أما المسمى فلا بد أن يُوصَل إليه. ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ يعني انتهت المدة وصار يوم القيامة سواءٌ كانت القيامة الكبرى أو القيامة الصغرى، القيامة الكبرى العامة لجميع الناس والصغرى موت كل إنسان ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾، فيجازيهم على أعمالهم بإثابة المؤمنين وعقاب الكافرين. جملة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ جواب الشرط ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾. فإن قال قائل: ما وجه ارتباط الجواب بالشرط ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر ٤٥]؟ يعني قد تتوقع: فإذا جاء أجلهم عاقبهم الله. فيقال: إن قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ أبلغ من: فإذا جاء أجلهم عاقبهم الله؛ لأن من هؤلاء من قد يعفو الله عنه فلا يعاقبه، ولكنه ذكر أنه بصيرٌ بأعمالهم يجازيهم عليها، وإن شاء ألا يعاقبهم فعل في من يستحق العفو. * في هذه الآية الكريمة فوائد، منها: سعة حلم الله سبحانه وتعالى، وجهه أنه لو يؤاخذهم بما كسبوا ما ترك عليها من دابة، ولكن يحلم عز وجل ويمهل لعل الناس يتوبون. * ومن فوائدها: تمام قدرة الله تعالى حيث يقدر على إهلاك العالم بلحظة ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾. * ومنها: بيان شؤم المعاصي، وأنها قد تعم العاصي وغيره بل الْمُكلَّف وغير المكلف ولَّا لا؟ وإلا فإن هذه الدواب التي هي أكثر بكثير من البشر ومن الجن ما ذنبها وهي غير مكلفة؟ لكن هذا من شؤم المعاصي، وأنها تشمل حتى من ليس بمكلف. * ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على الجبرية؛ لقوله: ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ فأثبت للعبد كسبًا، والجبرية يقولون: إن الإنسان مجبرٌ على العمل، ما يستطيع يكتسب، يُجبر على أن يعمل خيرًا أو شرًّا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات حكمة الله عز وجل في مجازاة العاملين بعملهم؛ لقوله: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر ٤٥]، ولكن لحِلمه يؤخرهم إلى أجل مسمى. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه مهما حلَّت بالبشر من عقوبة مدمرة أو مُنقِّصة فإنما ذلك بماذا؟ بما كسبت أيديهم..

يس 36:1

الآية الكريمة: إثبات اليوم الآخر والجزاء فيه؛ لقوله: ﴿يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر ٤٥]. * ومن فوائدها: إثبات الاسم لله وهو بصير، وما تضمنه من الصفة وهو البصر، والبصر هنا بمعنى بصر البصيرة أو بصر العين؟ يشمل هذا وهذا. هل نأخذ من هذا أن الإنسان قد يُعاقَب بتلف المال؟ إي نعم؛ لقوله: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر ٤٥] يشمل حتى الحيوانات، فإذا تلف للإنسان أموال فإن هذه من عقوبات الذنوب سواء كانت الأموال من ذوات الأرواح كالدواب حية أو من غير ذوات الأرواح، قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة ١٥٥] كل هذه تقع ابتلاء من الله عز وجل، وتقع عقوبة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِير﴾ [الشورى ٣٠]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات حكمة الله تعالى بتقديره الأشياء تقديرًا مُحكمًا لا تتقدم ولا تتأخر؛ لقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر ٤٥]. ثم قال الله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ١، ٢] قال المؤلف: (سورة يس مكية)، والمكي ما نزل قبل الهجرة ليس ما نزل بمكة؛ إذ قد ينزل بمكة بعد الهجرة ويكون مدنيًّا، فما نزل قبل الهجرة فهو مكي، وما نزل بعدها فهو مدني، هذا القول هو الراجح من أقوال أهل العلم. قال: (أو إلا قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا﴾ الآية [يس: ٤٧] أو مدنية) فالأقوال فيها إذن ثلاثة؛ إما مكية، أو مدنية، أو مكية إلا قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا﴾ [يس ٤٧]، والذي يظهر أنها مكية؛ لأن أسلوبها أسلوب المكي، والسور المكية تمتاز عن السور المدنية بقوة الأسلوب وجزالة اللفظ بخلاف السور المدنية فإن أسلوبها لين ألين؛ لأنه يُخاطِب قومًا آمنوا، ويخاطب أيضًا قومًا فيهم أهل كتاب، ليس عندهم من البلاغة في اللغة العربية ما عند العرب. فالظاهر -والله أعلم- أنها مكية، وإذا جعلناها مكية فإننا لا نقول باستثناء شيء منها؛ لأن الأصل أن السورة المكية كلها مكية، وأن السورة المدنية كلها مدنية، فمن ادعى استثناء آية أو آيتين أو أكثر فعليه الدليل، أما مجرد أن المعنى يليق بأهل المدينة مثلًا فهذا لا يكفي في الاستثناء؛ لأن الله تعالى قد يذكر معنى يليق بأهل المدينة توطئة وتمهيدًا حتى يكون الناس على بصيرة؛ ولهذا يذكر الله تعالى في الآيات المكية قصص موسى عليه الصلاة والسلام مع أن العناية بقصة موسى في المدينة أولى؛ لأن فيها اليهود، أما مكة فليس فيها يهود. المهم أن بعض العلماء إذا نظر إلى أن المعنى يليق بالسورة المدنية أو بالأحكام المدنية ذهب يستثني ويقول: إلا آية كذا، إلا آية كذا، وهذا غير مستمر. قال الله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، البسملة آية من كتاب الله مستقلة، يؤتى بها في ابتداء كل سورة ما عدا سورة براءة وليست من الفاتحة ولا من غيرها، هذا هو القول الراجح، وأما من قال: إنها من الفاتحة وليست من غيرها فقوله ضعيف؛ أولًا: للتفريق بدون دليل، وثانيًا: أن حديث أبي هريرة الثابت في الصحيح وهو «قول الله تعالى: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ»[[أخرجه مسلم (٣٩٥/٣٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]]. يدل على أن البسملة ليست من الفاتحة؛ لأنها لم تذكر في هذا الحديث، وأيضًا فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يجهر بها في صلاته، لا يجهر بالبسملة؛ وهذا يدل على أنها ليست من الفاتحة وإلا لجهر بها كما يجهر في بقية الآيات. أما إعرابها فقد سبق لنا مرارًا وتكرارًا، وأنها جار ومجرور وصفة وموصوف، وأن هذا الجار والمجرور متعلق بمحذوف، وأن هذا المحذوف ينبغي أن يكون فعلًا خاصًّا متأخرًا، فكونه فعلًا لماذا؟ لأن الأصل في العامل أو بالعوامل الأفعال؛ ولذلك تعمل الأفعال عملها بدون شرط، الأسماء التي تعمل عمل الفعل لا بد فيها من شروط، هذا واحد، خاصًّا؛ لأنه أدل على المخصوص، متأخرًا لفائدتين: التبرُّك بتقديم اسم الله عز وجل، وإفادة الحصر. عندما تُسمي على الوضوء ويش تُقدِّر؟ باسم الله أتوضأ، لو قلت: باسم الله ابتدائي؟ يصح، لكن ابتدائي عام، وأتوضأ أخص، والإتيان بالأخص أدل على المقصود. لو قلت: ابتدائي باسم الله؟ صح، لكن فاتك التأخير والتخصيص والفعلية إذا قلت: ابتدائي، إذا قلت: أبتدئ باسم الله؛ فاتك التأخير والتخصيص. إذا قلت: أتوضأ باسم الله؛ فاتك التأخير فقط. إذن نُقدر متعلق البسملة فعلًا خاصًّا متأخرًا، فعلًا لماذا؟ لأن الأفعال هي الأصل في العمل، خاصًّا؛ لأنه أدل على المخصوص، متأخرًا لأمرين: تَبَرُّكًا بالبداءة باسم الله، والثاني: إفادة الحصر؛ يعني لا ابتدئ بشيء إلا باسم الله. ربما يقول قائل: هل يمكن أن نستدل لهذا القول بشيء من النص؟ نقول: نعم، قال النبي عليه الصلاة والسلام وهو يخطب الناس في عيد الأضحى: «مَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ» أو: «فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٠٠)، ومسلم (١٩٦٠/١و٢) من حديث جندب بن سفيان رضي الله عنه. ]]. لفظان، فإن هذا يدل على أن تقدير الأخص أولى من تقدير الأعم (...) ثم على قراءتها في القرآن، ذكرنا أن البسملة جار ومجرور متعلق بمحذوف (...) وأعلم الأعلام، أعلم حتى من الضمير؛ لأنه اسم يختص بالله لا يمكن أن يشركه فيه أحد؛ ولهذا قالوا: أَعْرَف المعارف على الإطلاق اسم الله؛ لأنه لا يُشاركه فيه أحد، الضمير إذا قلت: قمت، صحيح ما يشاركني أحد فيه لكن صالح أن يستعمله غيري، أما الله فلا تصح الشركة فيه. أما الرحمن الرحيم فهما صفتان لله، والرحمن والرحيم معناهما؛ ذو الرحمة، لكن الرحمن باعتبارها وصفًا لله، والرحيم باعتبارها فعلًا له؛ ولهذا كان الرحمن عامًّا والرحيم خاصًّا قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣] فالرحمن لُوحِظ فيه الوصف، والرحيم لُوحِظ فيه الفعل؛ ولهذا لما لُوحِظ في الرحمن الوصف جاء على الأوزان التي تدل على الامتلاء والسعة فصارت على وزن (فَعْلَان). والرحمة صفة من صفات الله سبحانه وتعالى الحقيقية الثابتة له على وجه الحقيقة لا المجاز، وقد أنكرها أهل التعطيل، ومنهم الأشاعرة، وقالوا: إنه ليس لله صفة هي الرحمة؛ لأن الرحمة رِقَّة ولين، وهذا لا يليق بالله عز وجل، وفسروها إما بالإرادة؛ لأنهم يؤمنون بالإرادة، وإما بالفعل؛ لأن الفعل منفصل عن الفاعل، يعني المفعول منفصل عن الفاعل، فهم يفسرونها إما بالإحسان وهو مخلوق منفصل، وإما بإرادة الإحسان؛ لأنهم يقرون بالإرادة. ولا شك أن قولهم هذا باطل، وأنه إنكار صفة من أعظم صفات الله عز وجل وهي من أبرز الصفات، فقد قال الله تعالى: «إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي»[[أخرجه البخاري (٧٤٢٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]]. والعجب كل العجب أنهم يقولون: إن الإرادة دل عليها العقل، والرحمة دل العقل على انتفائها، كيف؟ قالوا: لأن التخصيص دال على الإرادة، التخصيص يعني مثلًا كون هذا سماءً، وهذه أرضًا، وهذه شمسًا، وهذا قمرًا، إلى آخره يدل على الإرادة؛ لأنه لا مُخصِّص إلا بإرادة. أما الرحمة فيقولون: إن العقل لا يدل عليها بل يدل على انتفائها، ونحن نقول: عجبًا لكم!! دلالة العقل على الرحمة أبلغ وأظهر وأوضح من دلالته على الإرادة، ولهذا جعلتم دلالة العقل على الإرادة بالتخصيص، وهذا لا يفهمه إلا خواص الناس، يمكن طالب العلم لو تسأله بدون أن يعرف البحث ما استدل بالتخصيص على الإرادة وهو طالب علم، لكن الرحمة كُلٌّ يعرف أن لله تعالى رحمة، ويستدل عليها بالعقل، تأتي العامي في السوق تقول له: والله نزل المطر، واخضرت الأرض، ورويت الزروع، وما أشبه ذلك، منين هذا؟ ويش يقول لك؟ من رحمة الله، على طول، فيستدل بالنعم التي هي من آثار الرحمة على الرحمة، ولكن نسأل الله لنا ولكم الهداية من لم يجعل الله له نورًا فما له من نور. قال الله تعالى: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ١، ٢] قال المؤلف: (﴿يس﴾ الله أعلم بمراده). ولا شك أن الله أعلم بمراده ومراد غيره، وأعلم بكل شيء، ولكن ما المراد بهذه أو بهذين الحرفين الهجائيين؟ يقول المؤلف: (الله أعلم)، ما ندري ماذا أراد الله عز وجل. ومنهم من قال: إن معنى ﴿يس﴾ يا إنسان، فـ(يا) حرف نداء على زعمهم، ويس كلمة يُعبر بها عن الإنسان، وبعضهم أتى بغير ذلك أيضًا مما لا طائل تحته، ولا دليل عليه، لكن يبقى النظر، هل نقول كما قال المؤلف: (الله أعلم بما أراد) في جميع الحروف الهجائية التي ابتُدئت بها السور أو نقول: إنه لا معنى لها بمقتضى قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٣ - ١٩٥] فإن مقتضى اللسان العربي المبين أن هذه الحروف ليس لها معنى، فإذا حكمنا بهذه القضية العامة بلسان عربي مبين على كل كلمة، أو حرف في القرآن الكريم، فإننا نعلم أن ﴿يس﴾ ليس لها معنى بمقتضى اللسان العربي المبين، (يا) ما لها معنى حرف هجاء، سين ما لها معنى أيضًا، حرف هجاء. وهذا القول ذكره ابن كثير عن مجاهد رحمه الله، وهو قول قوي، ويشهد له الآية التي استشهدت بها. إذن نقول: لا معنى لهذه الحروف، فيرد علينا إشكال إذا قلنا: لا معنى لها، كيف يأتي الله عز وجل في كتابه العظيم بكلام لغو لا معنى له؟ والجواب على هذا أن يقال: إن له مغزى عظيمًا، هذا المغزى هو أنكم أيها العرب الذين عجزتم عن معارضة القرآن والإتيان بمثله، عجزتم عن ذلك لا لأن هذا القرآن أتى بحروف جديدة أو كلمات جديدة بل هو من الكلمات التي تكونون منها كلامكم، حروف هجائية؛ ولهذا قل أن تجد سورة مبدوءة بهذه الحروف الهجائية إلا وبعدها ذكر القرآن مما يدل على أن هذا هو المراد بها، وهذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وقبله الزمخشري أيضًا في تفسيره، وغيره من العلماء على أن هذه حروف هجائية جيء بها لأجل إظهار عجز العرب عن مُعارَضة هذا القرآن مع أنه لم يأتِ بجديد في كلامهم. قال: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ١، ٢] الواو هذه للقسم، فلها معنى ولها عمل؛ عملها الجر، ومعناها التأكيد؛ فالقسم تأكيد الشيء بذكر مُعظَّم على صورة مخصوصة، هذا القسم، ولا بد أن يكون المحلوف به مُعظَّمًا ولو تقديرًا في ذهن الْمُقْسِم، كأنه يقول -إي الْمُقْسم بالمعظم-: بقدر تأكد تعظيمي لهذا الشيء أؤكد ما حلفت عليه، بقدر تعظيمي لهذا الشيء وتأكدي منه وإثباتي له أؤكد المحلوف عليه؛ ولهذا لا بد أن يكون المحلوف به معظمًا، وإلا لكان الحلف لا فائدة منه. ﴿الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ٢] القرآن المراد به هذا الذي نقرؤه كلام الله عز وجل، وهو مشتق من (قرأ) بمعنى (تلا)؛ لأنه متلو، أو من (قَرَى) بمعنى (جمع)؛ لأنه مجموع وجامِع، فهو مشتق من المعنيين، من القراءة بمعنى التلاوة، ومن (قَرَى) بمعنى (جمع)، ومنه القرية؛ لأنها مجتمع الناس؛ فالقرآن جامع بين المعنيين فهو متلو، وجامع، ومجموع، كلمات مجموع بعضها إلى بعض، كلام جامع لكل ما فيه الخير والصلاح. قوله: ﴿الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ٢] ﴿الْحَكِيمِ﴾ صفة للقرآن، وهي بمعنى مُحْكِم، أو بمعنى مُحْكَم، أو بمعنى حَاكِم، كلها تحتمل، فالقرآن حاكم؛ لأنه يجب الرجوع إليه ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء ٥٩] ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية ٢٩] إذا قلنا: إنه القرآن. طيب مُحْكِم؛ لأنه مُتقِن للأشياء، فقد ﴿تَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]، وكذلك أيضًا مُحكَم؛ لأن الله تعالى أحكمه وأتقنه، فليس فيه تناقض ولا تعارض ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢] إذن هو مشتمِل على الحكمة أيضًا ولَّا لا؟ نعم، هو مشتمل على الحكمة، ففيه معنى الحكمة والْحُكْم. إذا كان حكيمًا فإننا نعلم أنه حكيم في ترتيبه، كل آية إلى جنب الأخرى حتى وإن ظننا أنه لا ارتباط بينهما فإنما ذلك إما لقصورنا أو تقصيرنا فمثلًا لو قال قائل: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة ٢٣٨] جاءت في سياق آيات العِدَد، فما هو الارتباط؟ نقول: لا بد أن هناك حكمة لكن قصرت أفهامنا عنها، أو قصرنا في التدبر لطلبها والمراجعة لكتب أهل العلم. إذن هو حكيم في ترتيبه، حكيم في أحكامه، فأحكامه كلها عدل موافقة للفطرة وللعقل الصريح؛ ولهذا لا تجد شيئًا في أحكام القرآن مناقضًا للفطرة أبدًا، بل هو موافق للفطرة، ولا تجد شيئًا في القرآن يكذبه العقل أو يحيله أبدًا، بل إن العقل يُقرِّر في الجملة ما جاء به القرآن. كذلك حكيم في أسلوبه؛ يشتد في موضع الشدة، ويلين في موضع اللين، ويأتي بأساليب غريبة، ما كانت معروفة في أساليب العرب، فبينما الآية سياقها خبري، إذا بها تنتقل إلى سياق إنشائي، من استفهام، أو نهي، أو أمر، أو ما أشبه ذلك، وكل هذا من الحكمة، بينما القرآن يتحدث بصيغة الغائب إذا به ينتقل إلى صيغة الحاضر، فينتقل من أسلوب إلى آخر، وهو ما يسمى بالالتفات، وأنواع هذا كثيرة في القرآن. فالقرآن إذن حكيم بكل معنى الحكمة، وبكل معنى الإحكام، وبكل معنى الْحُكْم. قال المؤلف مُقتصرًا على واحد منها: (الْمُحْكَم في عجيب النظم وبديع المعاني) فأتى بمعنى واحد من معاني الحكيم، ونحن ذكرنا ثلاثة أشياء؛ ذو حكمة، ومُحْكِم، ومُحْكَم. مُحْكِم، ومُحْكَم، وحاكِم أيضًا، فذكرنا أنه حاكم، وذو حكمة، وحُكْم وإِحْكام، فيشمل أعم مما قال المؤلف، هذا الْمُقْسم به، وإقسام الله تعالى بكتابه العظيم، أو بكتابه الحكيم يدل على عِظَم هذا القرآن، وعلى عِظَم ما جاء به من الإحكام والحِكمة والْحُكم. ثم ذكر الْمُقسم عليه فقال: ﴿إِنَّكَ﴾ [يس ٣] يا محمد ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ فأقسم الله تعالى بكتابه على أن محمدًا ﷺ من المرسلين. وقوله: ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس ٣]؛ لأنه سبقه الرسل وهو خاتم الرسل وأكملهم شريعة، جاء ليتمم مكارم الأخلاق، وقد شبه النبي ﷺ رسالته «برجل بنى قصرًا وأشاده، وَبَقِي موضع لبنة، فصار الناس يطوفون به ويتعجبون منه إلا موضع هذه اللبنة، قال: «فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ»[[أخرج البخاري، واللفظ له (٣٥٣٤)، ومسلم (٢٢٨٧/٢٣) بسندهما عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: قال النبي ﷺ: «مثلي ومثل الأنبياء كرجل بنى دارًا، فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة، فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون ويقولون: لولا موضع اللبنة». ]]. هذه الجملة ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس ٣] مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ القسم، وإن، واللام ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ قال: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس ٤] متعلق بما قبله، الذي قبله ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾، ومُرْسَل اسم مفعول صالح للعمل؛ لأن يتعلق به المعمول، المعنى إنك لمن الذين أُرسلوا على صراط مستقيم؛ لأن جميع الرسل على صراط مستقيم بلا شك، ولكن يحتمل وجه آخر أحسن مما قال المؤلف؛ وهو أن تكون ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ خبرًا ثانيًا لـ(إن). ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ إنك ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس ٤] وهذا أنسب، ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى ٥٢، ٥٣]. إذن فنقول: الوجه الثاني في إعراب ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس ٤] أنها خبر ثان لـ(إن). وقوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس ٤] قال: أي طريق الأنبياء قبلك التوحيد والهدى. ﴿صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿صِرَاط﴾ (فِعَال) بمعنى (مَفْعُول)؛ لأن فِعالًا تأتي بمعنى مفعول كثيرًا؛ كقولهم: بِناء وغِراس وفِراش بمعنى مبني، مغروس، مفروش، صِراط (فِعَال) بمعنى (مَفْعُول)؛ أي مصروط، والصَّرْط المرور بسرعة، هذا الصَّرْط، الصَّرْط المرور بسرعة، ومنه قولهم: صرط اللقمة أي: ابتلعها بسرعة، وفي اللغة العامية عندنا نقول: زرط وهي لغة عربية، صراط فيها سراط بالسين، وزراط بالزاي، كلها لغة عربية. الصراط لا يكون صراطًا إلا إذا كان طريقًا واسعًا، يتحمل طوائف يعبرون عليه، قالوا: وأيضًا من صفاته أن يكون مستويًا ليس فيه طلوع ولا نزول، و﴿مُسْتَقِيم﴾ صفة له مؤكدة؛ يعني أنه لا اعوجاج فيه. ولا شك أن ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام صراط مستقيم؛ لأنه طريق واسع يسع كل الأمة منذ بُعث إلى أن تقوم الساعة، لا يمكن أن يضيع، صراط واسع أيضًا، لا يمكن أبدًا أن يضيق عن الأحكام الشرعية، كل حادثة تنزل منذ بُعث الرسول ﷺ إلى يوم القيامة لا بد أن يوجد فيها حل لمشكلتها إن كانت مشكلة فيما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام؛ ولذلك نقول: إن هذا الشرط في القرآن والسنة كامل لا يحتاج إلى تكميل، وأيضًا واسع لا يمكن أن يضيق بأي جزء أو بأي جزئية تقع إلى يوم القيامة. إذن ما فيه شيء مشكل في الشريعة ولَّا لا؟ لكن الإشكال إنما يأتي من قِبَل الناس؛ إما لقصور في الفهم، أو لتقصير في طلب العلم والهدى، أو لأشياء رانت على قلوبهم وأظلمتها حتى لا تُبصِر الحق؛ يعني قد يكون الإنسان غير مُقصِّر ولا قاصر، عنده فهم قوي، وعنده آلة قوية وعلم، لكن يكون على قلبه ذنوب تحول بينه وبين رؤية الصواب؛ ولهذا ينبغي للإنسان إذا أشكل عليه مسألة من المسائل بعد المراجعة والتتبع لكلام أهل العلم يُكثر من الاستغفار؛ لأن الاستغفار يمحو الله به الخطايا فيكون القلب مستنيرًا، وربما يستنبط هذا من قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ١٠٥ - ١٠٦]. ويستدل له أيضًا بقوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُون﴾ [المطففين ١٣ - ١٤]، فالذنوب منعت القلوب أن ترى أحقية هذا الكتاب حتى قال القائل: إنها أساطير الأولين. فالمهم أنَّا نقول: إن هذا الدين صراط مستقيم واسع، يسع جميع الناس إذا دخلوه، واسع يشمل جميع أحكام الحوادث والنوازل منذ بُعث الرسول ﷺ إلى أن تقوم الساعة، ولكن الإشكال الذي يكون إما من قصورنا أو تقصيرنا، أو من أمور رانت على القلوب فلا ترى الحق (...) بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ١، ٢] ما معنى قوله يس؟ (...) بالقسم وغيره، تأكيد بالقسم في قوله: ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ وغيره؛ يعني بذلك إن واللام رد لقول الكفار له لستَ مُرسلًا كما قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ [الرعد ٤٣]. إذن فالكلام مطابِق لمقتضى الحال؛ لأنه يُخاطِب المنكِر وقد سبق لنا في البلاغة أنه إذا خُوطِب المنكِر فإنه يجب أن يؤكد له الخبر؛ يعني يقول علماء البلاغة: للمخاطب ثلاث مراتب: أن يكون منكِرًا، وأن يكون مترددًا، وألا يكون في ذهنه شيء لا إنكار ولا تردد، قالوا: فإن كان منكرًا وجب تأكيد الخبر له، يجب أن يؤكد الخبر له، وإن كان مترددًا حسن أن يؤكَّد له الخبر، وإن لم يكن في ذهنه شيء فإنه يُلْقى إليه الخبر غير مؤكد، هذا هو الأصل. إذا كنت تخاطب إنسانًا ليس في ذهنه شيئًا عن مدلول الخبر فألقِ الخبر إليه غير مؤكد، تقول: زيد قائم، إذا كنتَ تخاطب مترددًا في صحة الخبر فأكِّده له وجوبًا ولَّا لا؟ استحسانًا، إذا كنت تخاطب مُنكرًا فإنه يجب أن تؤكد له الخبر هذا، هو الأصل. وقد يُحذف التوكيد في موضع التوكيد، وقد يأتي التوكيد في غير موضع التوكيد لأسباب تُعرَف من السياق، هنا الكفار يقولون: لست مرسلًا، فكان تأكيد خبر الرسالة لهم واجبًا؛ يعني مما تُوجِبه البلاغة، والوجوب هنا ليس الوجوب التكليفي الذي يأثم بتركه، بل الوجوب من حيث البلاغة. قال: ﴿تَنْزِيلُ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس: ٥] ﴿تَنْزِيلُ﴾ خبر مبتدأ محذوف تقديره هو؛ أي القرآن ﴿تَنْزِيلُ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ . و﴿تَنْزِيلَ﴾ مصدر (نَزَّل، يُنَزِّل)، والقرآن مُنَزَّل ومُنْزل؛ مُنَزَّل يعني ينزل شيئًا فشيئًا كما قال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء ١٠٦]، فإنه ينزل شيئًا فشيئًا، ويعبر أحيانًا عن القرآن بأنه أُنزِل باعتبار نهايته، فإنه باعتبار النهاية يكون نزل كله، وباعتبار التدريج بتنزيله يكون منزلًا، وهكذا في القرآن نزول المطر، أحيانًا يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق ٩] ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنعام ٩٩] فباعتبار أن المطر ينزل شيئًا فشيئًا يقال: نزلنا وباعتبار النهاية واجتماعه كله يقال: أنزلنا. وقوله: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ﴾ قال المؤلف: (في ملكه)؛ يعني الغالب في ملكه الذي لا يُغلَب فيه، وقد مر علينا في باب العقيدة أن العزيز من أسماء الله، وأن العِزَّة لها ثلاثة معانٍ؛ عِزَّة القدْر، وعزة القهر، وعزة الامتناع، ثلاثة، ما هي؟ * طالب: عزة القدْر، عزة الامتناع، عزة القهر. * الشيخ: نعم، عزة القدْر؛ بمعنى أنه ذو قدْر عظيم رفيع، عزة القهر بمعنى أنه قاهِر غالب، عزة الامتناع بأنه قوي لا يناله شيء، قال ابن القيم: وَهُوَ الْعَزِيزُ فَلَنْ يُرَامَ جَنَابُهُ ∗∗∗ أَنَّى يُرَامُ جَنَابُ ذِي السُّلْطَانِ فهو عز وجل عزيز ممتنع أن يناله السوء. ومنه الأرض العَزَاز لقوتها وشدتها. إذن فقول المؤلف: (العزيز في ملكه) فيه قصور. قال: ﴿الرَّحِيمِ﴾ بخلْقِه، وهنا نقول: إن الرحيم عامة؛ لأنها لم تُقيَّد، فالمراد به الرحمة العامة، فهو سبحانه وتعالى رحيم بخلقه كلهم، ما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها حتى الكافر يرزقه الله تعالى العقل والصحة والأولاد والمال والأزواج، لكن هذه رحمة عامة، أما الرحمة الخاصة بالمؤمنين، ففي قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣]. قال: ﴿الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس ٥] بخلقه، وهنا أضاف تنزيل القرآن إلى هذين الاسمين إشارة إلى وجوب العمل بما جاء في القرآن، وأن من لم يعمل به فإن أمامه العزيز الذي يأخذه أخذ عزيز مقتدر. ﴿الرَّحِيمِ﴾ إشارة إلى أن هذا القرآن إنزاله من مقتضى رحمته بخلقه؛ لأن الله تعالى ما رَحِم خلقه رحمة أعظم من إنزال القرآن الكريم؛ لأن به الحياة؛ الحياة القلبية والبدنية والفردية والاجتماعية، ففيه إشارة -كما قلت- بل فيه تهديد للذين يخالفون هذا القرآن بأنه نزل من عند عزيز ينتقم ممن خالفه، (رحيم) إشارة إلى أن هذا القرآن من مقتضى رحمته سبحانه وتعالى. قال: (خبر مبتدأ مقدر) ويش يعني بخبر مبتدأ مقدر؟ ﴿تَنْزِيلُ﴾ بالرفع أي القرآن؛ يعني التقدير القرآن تنزيل العزيز الرحيم. في قراءة سبعية: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ وعلى هذه القراءة يكون منصوبًا على أنه مصدر عامله محذوف؛ يعني نُزِّل تنزيل العزيز الرحيم. قال: ﴿لِتُنْذِرَ﴾ به ﴿قَوْمًا﴾ متعلق بـ﴿تَنْزِيلَ﴾ لتنذر اللام، هذه تسمى لام التعليل، والفعل بعدها منصوب بها، على مذهب منصوب باللام ولا بأن؟ * طالب: باللام. * الشيخ: باللام، وعلى مذهب البصريين منصوب بـ(أن) مضمرة بعد اللام، وعلى كل حال فهي تحتاج إلى متعلق، اللام ﴿لِتُنْذِرَ﴾ تحتاج إلى متعلق، فأين متعلقها؟ قوله: ﴿تَنْزِيلَ﴾ يعني تنزيل الرحمن الرحيم ﴿لِتُنْذِرَ﴾ يعني إنما نزل ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس ٦]. تنذر. قال العلماء: إن الإنذار هو الإخطار المقرون بالتخويف، أو المتضمن للتخويف، فالإنسان مثلًا يأتي إلى قومه يصيح بهم: العدو العدو، يُقال: هذا منذر ونذير؛ فالنذير عن شيء يخوف فهو إعلام متضمن للتخويف، هذا القرآن أنزله الله عز وجل ليُنذر النبي ﷺ به قومًا ما أُنذر آباؤهم؛ أي لم يُنذروا في زمن الفترة، وعلى هذا فـ﴿مَا﴾ نافية يعني لتنذر قومًا ما أنذر آباؤهم؛ أي لم ينذروا، لم يخوفوا لكن في زمن الفترة، وأما قبل فقد أُنذروا بواسطة إسماعيل بن إبراهيم، فإنه مُرسَل إلى العرب إلى قومه، وبعد ذلك لم ينذر هؤلاء. قال بعض المعربين الذين يجمعون الأقوال صحت أو ما صحت، أي أنهم يقولون أي احتمال قالوا: ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾ موصولة أي لتنذر قومًا الذي أنذره آباؤهم، فيجعلون ﴿مَا﴾ موصولة، ويجعلون العائد محذوفًا تقديره الذي أنذره آباؤهم؛ أي لتنذرهم الذي أُنذره آباؤهم، ولكن هذا وإن كان محتملًا من قِبل اللفظ لكنه بعيد من جهة المعنى؛ لأن الآيات الكثيرة المتعددة تدل على أن قريشًا الذين بعث فيهم الرسول ﷺ لم ينذر آباؤهم، ومنه قوله تعالى في سورة (الم تنزيل)، السجدة ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [السجدة ٣] وهذا صريح في أن ﴿مَا﴾ هنا للنفي لا غير ﴿مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [يس ٦] في زمن الفترة. ﴿فَهُمْ﴾ أي القوم ﴿غَافِلُونَ﴾ [يس ٦] عن الإيمان والرشد غافلون؛ لأنهم ما أتاهم نذير، ومعلوم أن النذر تُوجِب حياة القلوب والانتباه؛ ولهذا تجد الإنسان نفسَه، إذا لم يأتِه واعظ يغفل، وتكثر به الغفلة، فإذا أتاه واعظ فكأنما أيقظه من نوم، هؤلاء لما تطاول عليهم الأمد، ولم يأتهم نذير غفلوا، وكأنهم ما خُلِقوا لعبادة الله، وجعلوا لهم أصنامًا يعبدونها من دون الله، ويركعون لها ويسجدون وينذرون ويوفون. ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس ٦] لعدم من يوقظهم، ولكن مِن هؤلاء مَنْ عنده عِلْم من الرسالة، من هؤلاء الذين في زمن الفترة من عنده عِلْم من الرسالة لكنه عاند، وبقي على ما كان عليه آباؤه كالذين شهد لهم النبي ﷺ بالنار، فإن الذين شهد لهم الرسول ﷺ بالنار نعلم علم اليقين أن هؤلاء قد قامت عليهم الحجة، ولولا ذلك ما كانوا من أهل النار، فأهل الفترة نوعان: نوع علمنا بشهادة النبي ﷺ أنه قد بلغتهم الرسالة لحكم الرسول ﷺ عليهم بأنهم من أهل النار، وآخرون لا ندري عنهم شيئًا؛ فالواجب علينا أن نتوقف في أمرهم، وأن نقول: الله أعلم بما كانوا عاملين، وأصح الأقوال فيهم أنهم يمتحنون يوم القيامة بتكاليف الله أعلم بها، فمن أطاع منهم دخل الجنة ومن عصى دخل النار. * في الآية الكريمة فوائد: أولًا: بيان أن هذا القرآن الذي أعجز البشر لم يكن بدعًا من لسانهم، وأنه من الحروف التي يُرَكِّبُون منها كلامهم. يشير إلى هذا قوله ﴿يس﴾، ولهذا لا تأتي هذه الحروف الهجائية في أول السورة إلا وجدتَ بعدها ذكر القرآن في الغالب. * ومن فوائد الآية الكريمة: عظمة القرآن العظيم؛ لأن الله تعالى أقسم به، ولا يُقْسَم إلا بالشيء المعَظَّم، ثم قد يكون عظيمًا في ذاته حقيقة، وقد يكون مُعَظَّمًا باعتبار المقسِم به؛ فالذين يحلفون باللات والعُزَّى يحلفون بِمُعظَّم لا بعظيم؛ لأنه مُعظَّم عندهم لكنه ليس بعظيم في نفسه، والذين يُقسمون بالله وآياته يحلفون بعظيم بِمُعَظَّم في قلوبهم وهو عظيم في نفسه. القرآن الكريم عظيم في نفسه، ولَّا لا؟ * ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على القرآن بأنه حكيم على الوجوه الثلاثة اللي ذكرناها؛ لقوله: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ٢]. * ومن فوائدها: العناية بإثبات رسالة النبي ﷺ؛ لأن الله تعالى أقسم عليها وأكدها زيادةً على القسم بـ(إن) واللام، ومنها ثبوت رسالة النبي ﷺ، فمن أنكرها فهو كافر؛ لأنه مُكذِّب لله ورسوله وإجماع المسلمين. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرسل، وأن ثمة رسلًا غير محمد ﷺ؛ لقوله: ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس ٣]؛ ولهذا قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف ٩]؛ يعني لست أول رسول فإنه عليه الصلاة والسلام قد سبقه رسل من قبله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما جاء به النبي ﷺ من الشرع فهو الصراط المستقيم؛ لقوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس ٤]. وفيه من العوج والشر بمقدار ما خالف شريعة النبي ﷺ. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن مُنزَّل من عند الله، الآيات الكريمة هي آيات متعددة؛ لقوله: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس ٥]. * ومن فوائد الآيات: أن القرآن كلام الله، كيف ذلك؟ * طالب: قوله ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس ٥]. * الشيخ: وجهه؟ * الطالب: (...) كان منزلًا (...)، قائم بذاته أو قائم بغيره. * الشيخ: نعم، والكلام؟ * الطالب: قائم بغيره. * الشيخ: قائم بغيره، فيكون؟ * الطالب: غير مخلوق. * الشيخ: غير مخلوق، يكون كلام الله غير مخلوق. * إذن يستفاد منها: أن القرآن كلام الله غير مخلوق. * ومن فوائد الآيات إثبات علو الله؛ لقوله: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ﴾، والنزول لا يكون إلا من أعلى، وعلو الله عز وجل دل عليه الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة، كل هذه الأنواع الخمسة من الأدلة كلها دلت على علو الله عز وجل. * ومن فوائد الآيات الكريمة: إثبات العزيز والرحيم اسمين من أسماء الله، وإثبات ما تضمناه من الوصف، وما تضمنه الرحيم من الأثر، وهو الْحُكْم. * ومن فوائد الآيات: العزيز في بعض معانيها، وهو الغالب. * ومن فوائد الآيات: إنذار المخالفين لهذا القرآن، وذلك بإضافة ﴿تَنْزِيلَ﴾ إلى ﴿الْعَزِيزِ﴾؛ لأنه إذا قيل مثلًا: جاء هذا من عزيز، ويش يدل عليه؟ على إنذار مَنْ خالفه وتحذيره، فيكون في هذا الإنذار والتحذير من مخالفة هذا المنَزَّل؛ لأنه نزل من عزيز. * ومن فوائد الآيات: أن القرآن، بل إن الشرع كله من آثار رحمة الله؛ لقوله: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس ٥]. فإن قلت: أين الرحمة في قطْع يد السارق، وفي رجْم الزاني الْمُحصَن، وفي قتل القاتل، وما أشبه ذلك؟ فالجواب: أن الرحمة في ذلك واضحة جدًّا، قطع يد السارق فيها رحمة بالسارق وبغيره، رحمة بالسارق لتردعه عن السرقة مرة أخرى، ولتكون كفارة لذنبه؛ لأن الحدود كفارة يُكفَّر بها عن فاعلها، وفيها أيضًا إصلاح المجتمع وحمايته من الفوضى، وهذه رحمة ولَّا لا؟ رحمة ما فيه شك أن هذه رحمة، وكذلك نقول في بقية الحدود والقصاص: إنه من رحمة الله عز وجل. * ومن فوائد الآيات الكريمة: أن الرسول ﷺ مُنذِر؛ أي مُعلِم إعلامًا يتضمن التخويف، فإن قلت: وهل هو مُبَشِّر؟ الجواب: نعم، مُبَشِّر، لكن هنا ذكر الإنذار دون البشارة، والجواب على ذلك أن يُقال: إما لأن المقام يقتضي ذلك؛ لأنه يُخاطِب قومًا طاغين، فالأليق في حقهم الإنذار والتخويف؛ لأنهم مخالفون وطاغون، وإما أن يقال: إن هذا من باب ذكر أحد المتضايفين أو المتقابلين استغناءً بذكره عن ذِكْر الآخر كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل ٨١] يعني والبرد. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي ﷺ مرسل إلى العرب خاصة. من الذين ما أنذر آباؤهم؟ * طلبة: العرب. * الشيخ: العرب إذن اليهود والنصارى ما أُرسل إليهم؛ لأنه أنذر آباؤهم. * طالب: في الآيات الأخرى.. * طالب آخر: قومًا نكرة. * الشيخ: إي، ﴿قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ نكرة موصوفة. إذن نقول: إن الآيات الأخرى تدل على عموم رسالته، مثل قوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف ١٥٨]، ومثل قوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان ١]، وكقوله ﷺ: «بُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري، واللفظ له (٤٣٨)، ومسلم بنحوه (٥٢١/٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. ]]. والنصوص في هذا كثيرة متوافرة، ومن كذبها فقد كذَّب رسالته إلى العرب أيضًا؛ لأن الجنس واحد، ولكن قد يُقال: لماذا خص العرب؟ فيقال: خصهم لأمرين؛ الأول: أنه منهم، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة ٢] والثاني: أنه باشر دعوتهم بنفسه، وهدى الله العرب على يديه قبل موته، ثم انتشرت رسالته في الآفاق. وقد ذكر ابن كثير رحمه الله هنا قاعدة أشرنا إليها من قبل، وهي أن ذِكْر بعض أفراد العام بحكم يوافقه لا يقتضي التخصيص كما ذكر ذلك أهل الأصول كالشنقيطي في تفسيره وغيرهم، وأن هذا هو رأي الجمهور، وهو الحق، أن ذكر بعض أفراد العام في حكم لا يقتضي تخصيصها إذا كان يُطابِق حكم العام، فإذا قلت مثلًا: أكْرِم الطلبة، ثم قلت: أكرم زيدًا وهو منهم؛ فإنه لا يقتضي تخصيص الإكرام به؛ لأن الحكم هنا موافق للحكم العام، وذكر بعض أفراد العام بحكم يوافق العام ليس تخصيصًا له، واضح؟ ذكرنا هذا في أي مناسبة؟ * طالب: في باب التيمم. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: في قول النبي ﷺ: «وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَهُورًا»[[أخرجه البخاري (٤٣٨) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، ومسلم (٥٢١/٣)، واللفظ له من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. وجاء في بعض الروايات أنها التربة. * الشيخ: تربتها؟ * الطالب: طهورًا. * الشيخ: نعم. * الطالب: فكون النبي ﷺ ذكر التربة فلا يكفي أنه لا يصح التيمم بغيره. * الشيخ: تمام، صح، وكذلك؟ * الطالب: في الصلاة (...) بين السجدتين في تحريك الأصبع، هنا قول الرسول في التشهد لا يقتضي (...). * الشيخ: نعم، في الصلاة، وذكرناها أيضًا في الحلي عند قوله في الرقة: فِي مِئَتَي دِرْهَمٍ رُبْعُ الْعُشْرِ. قلنا: هذا لا يقتضي أن الحلي لا تجب فيها الزكاة؛ لأن ذكر بعض أفراد العام بحُكم يوافق العام لا يقتضي التخصيص. * ومن فوائد الآيات: سب هؤلاء الذين غفلوا عن الرسالات كقوله: ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس ٦]، وأن الغفلة عن البحث عن الرسالة يعتبر ذمًّا، وكذلك نقول: فيمن غفل عن البحث في جزئيات الشريعة، فمثلًا من غفل عن البحث في أحكام الصلاة فإنه يُذَم، عن البحث في أحكام الزكاة وهو محتاج لذلك نقول: إنه يُذم؛ ولهذا نقول: إن تعلم العلم الشرعي فرْض كفاية، ومن أراد أن يقوم بعبادة من العبادات كان تعلم أحكامها عليه فرض عين. وبناء على هذا نقول: كل طلبة العلم في كل مكان قائمون بفرض كفاية؛ ولهذا يحسن أن نستحضر هذا الأمر، أننا في مجالسنا هذه نقوم بفرض كفاية نُثاب عليه ثواب الفرض، وقد قال الله تعالى: «مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ»[[أخرج البخاري (٦٥٠٢) بسنده عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه..» الحديث. ]]. وهذه مسألة يغفل عنها كثير من الطلبة لا في مجالس الذكر والعلم، ولا في المجالس الأخرى مجالس المراجعة، تجد الإنسان مثلًا يراجع الكتاب ولكنه ما يستحضر أنه الآن قائم بفرض كفاية، وهذا يُفوِّت علينا خيرًا كثيرًا؛ لهذا نسأل الله أن يعيننا على تذكر هذا المعنى حتى نكسب خيرًا بما نقرؤه وبما نراجعه (...) * * * أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس ٥- ٦]. قوله: ﴿تَنْزِيلَ﴾ فيها قراءتان الأخ؟ (...) أظن ما ذكرت (...). لله عز وجل؛ لأن اللام للتعليل، إذن أضيفوها إليها؛ لأن أظن آخر ما أخذنا من الفوائد هي الآية هذه، يعني ما أخذنا سواها. * فتضاف إلى الفوائد: إثبات الحكمة لله المستفاد من قوله: ﴿لِتُنْذِرَ﴾.

يس 36:2

الآية الكريمة: إثبات اليوم الآخر والجزاء فيه؛ لقوله: ﴿يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر ٤٥]. * ومن فوائدها: إثبات الاسم لله وهو بصير، وما تضمنه من الصفة وهو البصر، والبصر هنا بمعنى بصر البصيرة أو بصر العين؟ يشمل هذا وهذا. هل نأخذ من هذا أن الإنسان قد يُعاقَب بتلف المال؟ إي نعم؛ لقوله: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر ٤٥] يشمل حتى الحيوانات، فإذا تلف للإنسان أموال فإن هذه من عقوبات الذنوب سواء كانت الأموال من ذوات الأرواح كالدواب حية أو من غير ذوات الأرواح، قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة ١٥٥] كل هذه تقع ابتلاء من الله عز وجل، وتقع عقوبة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِير﴾ [الشورى ٣٠]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات حكمة الله تعالى بتقديره الأشياء تقديرًا مُحكمًا لا تتقدم ولا تتأخر؛ لقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر ٤٥]. ثم قال الله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ١، ٢] قال المؤلف: (سورة يس مكية)، والمكي ما نزل قبل الهجرة ليس ما نزل بمكة؛ إذ قد ينزل بمكة بعد الهجرة ويكون مدنيًّا، فما نزل قبل الهجرة فهو مكي، وما نزل بعدها فهو مدني، هذا القول هو الراجح من أقوال أهل العلم. قال: (أو إلا قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا﴾ الآية [يس: ٤٧] أو مدنية) فالأقوال فيها إذن ثلاثة؛ إما مكية، أو مدنية، أو مكية إلا قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا﴾ [يس ٤٧]، والذي يظهر أنها مكية؛ لأن أسلوبها أسلوب المكي، والسور المكية تمتاز عن السور المدنية بقوة الأسلوب وجزالة اللفظ بخلاف السور المدنية فإن أسلوبها لين ألين؛ لأنه يُخاطِب قومًا آمنوا، ويخاطب أيضًا قومًا فيهم أهل كتاب، ليس عندهم من البلاغة في اللغة العربية ما عند العرب. فالظاهر -والله أعلم- أنها مكية، وإذا جعلناها مكية فإننا لا نقول باستثناء شيء منها؛ لأن الأصل أن السورة المكية كلها مكية، وأن السورة المدنية كلها مدنية، فمن ادعى استثناء آية أو آيتين أو أكثر فعليه الدليل، أما مجرد أن المعنى يليق بأهل المدينة مثلًا فهذا لا يكفي في الاستثناء؛ لأن الله تعالى قد يذكر معنى يليق بأهل المدينة توطئة وتمهيدًا حتى يكون الناس على بصيرة؛ ولهذا يذكر الله تعالى في الآيات المكية قصص موسى عليه الصلاة والسلام مع أن العناية بقصة موسى في المدينة أولى؛ لأن فيها اليهود، أما مكة فليس فيها يهود. المهم أن بعض العلماء إذا نظر إلى أن المعنى يليق بالسورة المدنية أو بالأحكام المدنية ذهب يستثني ويقول: إلا آية كذا، إلا آية كذا، وهذا غير مستمر. قال الله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، البسملة آية من كتاب الله مستقلة، يؤتى بها في ابتداء كل سورة ما عدا سورة براءة وليست من الفاتحة ولا من غيرها، هذا هو القول الراجح، وأما من قال: إنها من الفاتحة وليست من غيرها فقوله ضعيف؛ أولًا: للتفريق بدون دليل، وثانيًا: أن حديث أبي هريرة الثابت في الصحيح وهو «قول الله تعالى: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ»[[أخرجه مسلم (٣٩٥/٣٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]]. يدل على أن البسملة ليست من الفاتحة؛ لأنها لم تذكر في هذا الحديث، وأيضًا فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يجهر بها في صلاته، لا يجهر بالبسملة؛ وهذا يدل على أنها ليست من الفاتحة وإلا لجهر بها كما يجهر في بقية الآيات. أما إعرابها فقد سبق لنا مرارًا وتكرارًا، وأنها جار ومجرور وصفة وموصوف، وأن هذا الجار والمجرور متعلق بمحذوف، وأن هذا المحذوف ينبغي أن يكون فعلًا خاصًّا متأخرًا، فكونه فعلًا لماذا؟ لأن الأصل في العامل أو بالعوامل الأفعال؛ ولذلك تعمل الأفعال عملها بدون شرط، الأسماء التي تعمل عمل الفعل لا بد فيها من شروط، هذا واحد، خاصًّا؛ لأنه أدل على المخصوص، متأخرًا لفائدتين: التبرُّك بتقديم اسم الله عز وجل، وإفادة الحصر. عندما تُسمي على الوضوء ويش تُقدِّر؟ باسم الله أتوضأ، لو قلت: باسم الله ابتدائي؟ يصح، لكن ابتدائي عام، وأتوضأ أخص، والإتيان بالأخص أدل على المقصود. لو قلت: ابتدائي باسم الله؟ صح، لكن فاتك التأخير والتخصيص والفعلية إذا قلت: ابتدائي، إذا قلت: أبتدئ باسم الله؛ فاتك التأخير والتخصيص. إذا قلت: أتوضأ باسم الله؛ فاتك التأخير فقط. إذن نُقدر متعلق البسملة فعلًا خاصًّا متأخرًا، فعلًا لماذا؟ لأن الأفعال هي الأصل في العمل، خاصًّا؛ لأنه أدل على المخصوص، متأخرًا لأمرين: تَبَرُّكًا بالبداءة باسم الله، والثاني: إفادة الحصر؛ يعني لا ابتدئ بشيء إلا باسم الله. ربما يقول قائل: هل يمكن أن نستدل لهذا القول بشيء من النص؟ نقول: نعم، قال النبي عليه الصلاة والسلام وهو يخطب الناس في عيد الأضحى: «مَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ» أو: «فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٠٠)، ومسلم (١٩٦٠/١و٢) من حديث جندب بن سفيان رضي الله عنه. ]]. لفظان، فإن هذا يدل على أن تقدير الأخص أولى من تقدير الأعم (...) ثم على قراءتها في القرآن، ذكرنا أن البسملة جار ومجرور متعلق بمحذوف (...) وأعلم الأعلام، أعلم حتى من الضمير؛ لأنه اسم يختص بالله لا يمكن أن يشركه فيه أحد؛ ولهذا قالوا: أَعْرَف المعارف على الإطلاق اسم الله؛ لأنه لا يُشاركه فيه أحد، الضمير إذا قلت: قمت، صحيح ما يشاركني أحد فيه لكن صالح أن يستعمله غيري، أما الله فلا تصح الشركة فيه. أما الرحمن الرحيم فهما صفتان لله، والرحمن والرحيم معناهما؛ ذو الرحمة، لكن الرحمن باعتبارها وصفًا لله، والرحيم باعتبارها فعلًا له؛ ولهذا كان الرحمن عامًّا والرحيم خاصًّا قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣] فالرحمن لُوحِظ فيه الوصف، والرحيم لُوحِظ فيه الفعل؛ ولهذا لما لُوحِظ في الرحمن الوصف جاء على الأوزان التي تدل على الامتلاء والسعة فصارت على وزن (فَعْلَان). والرحمة صفة من صفات الله سبحانه وتعالى الحقيقية الثابتة له على وجه الحقيقة لا المجاز، وقد أنكرها أهل التعطيل، ومنهم الأشاعرة، وقالوا: إنه ليس لله صفة هي الرحمة؛ لأن الرحمة رِقَّة ولين، وهذا لا يليق بالله عز وجل، وفسروها إما بالإرادة؛ لأنهم يؤمنون بالإرادة، وإما بالفعل؛ لأن الفعل منفصل عن الفاعل، يعني المفعول منفصل عن الفاعل، فهم يفسرونها إما بالإحسان وهو مخلوق منفصل، وإما بإرادة الإحسان؛ لأنهم يقرون بالإرادة. ولا شك أن قولهم هذا باطل، وأنه إنكار صفة من أعظم صفات الله عز وجل وهي من أبرز الصفات، فقد قال الله تعالى: «إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي»[[أخرجه البخاري (٧٤٢٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]]. والعجب كل العجب أنهم يقولون: إن الإرادة دل عليها العقل، والرحمة دل العقل على انتفائها، كيف؟ قالوا: لأن التخصيص دال على الإرادة، التخصيص يعني مثلًا كون هذا سماءً، وهذه أرضًا، وهذه شمسًا، وهذا قمرًا، إلى آخره يدل على الإرادة؛ لأنه لا مُخصِّص إلا بإرادة. أما الرحمة فيقولون: إن العقل لا يدل عليها بل يدل على انتفائها، ونحن نقول: عجبًا لكم!! دلالة العقل على الرحمة أبلغ وأظهر وأوضح من دلالته على الإرادة، ولهذا جعلتم دلالة العقل على الإرادة بالتخصيص، وهذا لا يفهمه إلا خواص الناس، يمكن طالب العلم لو تسأله بدون أن يعرف البحث ما استدل بالتخصيص على الإرادة وهو طالب علم، لكن الرحمة كُلٌّ يعرف أن لله تعالى رحمة، ويستدل عليها بالعقل، تأتي العامي في السوق تقول له: والله نزل المطر، واخضرت الأرض، ورويت الزروع، وما أشبه ذلك، منين هذا؟ ويش يقول لك؟ من رحمة الله، على طول، فيستدل بالنعم التي هي من آثار الرحمة على الرحمة، ولكن نسأل الله لنا ولكم الهداية من لم يجعل الله له نورًا فما له من نور. قال الله تعالى: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ١، ٢] قال المؤلف: (﴿يس﴾ الله أعلم بمراده). ولا شك أن الله أعلم بمراده ومراد غيره، وأعلم بكل شيء، ولكن ما المراد بهذه أو بهذين الحرفين الهجائيين؟ يقول المؤلف: (الله أعلم)، ما ندري ماذا أراد الله عز وجل. ومنهم من قال: إن معنى ﴿يس﴾ يا إنسان، فـ(يا) حرف نداء على زعمهم، ويس كلمة يُعبر بها عن الإنسان، وبعضهم أتى بغير ذلك أيضًا مما لا طائل تحته، ولا دليل عليه، لكن يبقى النظر، هل نقول كما قال المؤلف: (الله أعلم بما أراد) في جميع الحروف الهجائية التي ابتُدئت بها السور أو نقول: إنه لا معنى لها بمقتضى قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٣ - ١٩٥] فإن مقتضى اللسان العربي المبين أن هذه الحروف ليس لها معنى، فإذا حكمنا بهذه القضية العامة بلسان عربي مبين على كل كلمة، أو حرف في القرآن الكريم، فإننا نعلم أن ﴿يس﴾ ليس لها معنى بمقتضى اللسان العربي المبين، (يا) ما لها معنى حرف هجاء، سين ما لها معنى أيضًا، حرف هجاء. وهذا القول ذكره ابن كثير عن مجاهد رحمه الله، وهو قول قوي، ويشهد له الآية التي استشهدت بها. إذن نقول: لا معنى لهذه الحروف، فيرد علينا إشكال إذا قلنا: لا معنى لها، كيف يأتي الله عز وجل في كتابه العظيم بكلام لغو لا معنى له؟ والجواب على هذا أن يقال: إن له مغزى عظيمًا، هذا المغزى هو أنكم أيها العرب الذين عجزتم عن معارضة القرآن والإتيان بمثله، عجزتم عن ذلك لا لأن هذا القرآن أتى بحروف جديدة أو كلمات جديدة بل هو من الكلمات التي تكونون منها كلامكم، حروف هجائية؛ ولهذا قل أن تجد سورة مبدوءة بهذه الحروف الهجائية إلا وبعدها ذكر القرآن مما يدل على أن هذا هو المراد بها، وهذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وقبله الزمخشري أيضًا في تفسيره، وغيره من العلماء على أن هذه حروف هجائية جيء بها لأجل إظهار عجز العرب عن مُعارَضة هذا القرآن مع أنه لم يأتِ بجديد في كلامهم. قال: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ١، ٢] الواو هذه للقسم، فلها معنى ولها عمل؛ عملها الجر، ومعناها التأكيد؛ فالقسم تأكيد الشيء بذكر مُعظَّم على صورة مخصوصة، هذا القسم، ولا بد أن يكون المحلوف به مُعظَّمًا ولو تقديرًا في ذهن الْمُقْسِم، كأنه يقول -إي الْمُقْسم بالمعظم-: بقدر تأكد تعظيمي لهذا الشيء أؤكد ما حلفت عليه، بقدر تعظيمي لهذا الشيء وتأكدي منه وإثباتي له أؤكد المحلوف عليه؛ ولهذا لا بد أن يكون المحلوف به معظمًا، وإلا لكان الحلف لا فائدة منه. ﴿الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ٢] القرآن المراد به هذا الذي نقرؤه كلام الله عز وجل، وهو مشتق من (قرأ) بمعنى (تلا)؛ لأنه متلو، أو من (قَرَى) بمعنى (جمع)؛ لأنه مجموع وجامِع، فهو مشتق من المعنيين، من القراءة بمعنى التلاوة، ومن (قَرَى) بمعنى (جمع)، ومنه القرية؛ لأنها مجتمع الناس؛ فالقرآن جامع بين المعنيين فهو متلو، وجامع، ومجموع، كلمات مجموع بعضها إلى بعض، كلام جامع لكل ما فيه الخير والصلاح. قوله: ﴿الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ٢] ﴿الْحَكِيمِ﴾ صفة للقرآن، وهي بمعنى مُحْكِم، أو بمعنى مُحْكَم، أو بمعنى حَاكِم، كلها تحتمل، فالقرآن حاكم؛ لأنه يجب الرجوع إليه ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء ٥٩] ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية ٢٩] إذا قلنا: إنه القرآن. طيب مُحْكِم؛ لأنه مُتقِن للأشياء، فقد ﴿تَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]، وكذلك أيضًا مُحكَم؛ لأن الله تعالى أحكمه وأتقنه، فليس فيه تناقض ولا تعارض ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢] إذن هو مشتمِل على الحكمة أيضًا ولَّا لا؟ نعم، هو مشتمل على الحكمة، ففيه معنى الحكمة والْحُكْم. إذا كان حكيمًا فإننا نعلم أنه حكيم في ترتيبه، كل آية إلى جنب الأخرى حتى وإن ظننا أنه لا ارتباط بينهما فإنما ذلك إما لقصورنا أو تقصيرنا فمثلًا لو قال قائل: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة ٢٣٨] جاءت في سياق آيات العِدَد، فما هو الارتباط؟ نقول: لا بد أن هناك حكمة لكن قصرت أفهامنا عنها، أو قصرنا في التدبر لطلبها والمراجعة لكتب أهل العلم. إذن هو حكيم في ترتيبه، حكيم في أحكامه، فأحكامه كلها عدل موافقة للفطرة وللعقل الصريح؛ ولهذا لا تجد شيئًا في أحكام القرآن مناقضًا للفطرة أبدًا، بل هو موافق للفطرة، ولا تجد شيئًا في القرآن يكذبه العقل أو يحيله أبدًا، بل إن العقل يُقرِّر في الجملة ما جاء به القرآن. كذلك حكيم في أسلوبه؛ يشتد في موضع الشدة، ويلين في موضع اللين، ويأتي بأساليب غريبة، ما كانت معروفة في أساليب العرب، فبينما الآية سياقها خبري، إذا بها تنتقل إلى سياق إنشائي، من استفهام، أو نهي، أو أمر، أو ما أشبه ذلك، وكل هذا من الحكمة، بينما القرآن يتحدث بصيغة الغائب إذا به ينتقل إلى صيغة الحاضر، فينتقل من أسلوب إلى آخر، وهو ما يسمى بالالتفات، وأنواع هذا كثيرة في القرآن. فالقرآن إذن حكيم بكل معنى الحكمة، وبكل معنى الإحكام، وبكل معنى الْحُكْم. قال المؤلف مُقتصرًا على واحد منها: (الْمُحْكَم في عجيب النظم وبديع المعاني) فأتى بمعنى واحد من معاني الحكيم، ونحن ذكرنا ثلاثة أشياء؛ ذو حكمة، ومُحْكِم، ومُحْكَم. مُحْكِم، ومُحْكَم، وحاكِم أيضًا، فذكرنا أنه حاكم، وذو حكمة، وحُكْم وإِحْكام، فيشمل أعم مما قال المؤلف، هذا الْمُقْسم به، وإقسام الله تعالى بكتابه العظيم، أو بكتابه الحكيم يدل على عِظَم هذا القرآن، وعلى عِظَم ما جاء به من الإحكام والحِكمة والْحُكم. ثم ذكر الْمُقسم عليه فقال: ﴿إِنَّكَ﴾ [يس ٣] يا محمد ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ فأقسم الله تعالى بكتابه على أن محمدًا ﷺ من المرسلين. وقوله: ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس ٣]؛ لأنه سبقه الرسل وهو خاتم الرسل وأكملهم شريعة، جاء ليتمم مكارم الأخلاق، وقد شبه النبي ﷺ رسالته «برجل بنى قصرًا وأشاده، وَبَقِي موضع لبنة، فصار الناس يطوفون به ويتعجبون منه إلا موضع هذه اللبنة، قال: «فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ»[[أخرج البخاري، واللفظ له (٣٥٣٤)، ومسلم (٢٢٨٧/٢٣) بسندهما عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: قال النبي ﷺ: «مثلي ومثل الأنبياء كرجل بنى دارًا، فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة، فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون ويقولون: لولا موضع اللبنة». ]]. هذه الجملة ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس ٣] مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ القسم، وإن، واللام ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ قال: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس ٤] متعلق بما قبله، الذي قبله ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾، ومُرْسَل اسم مفعول صالح للعمل؛ لأن يتعلق به المعمول، المعنى إنك لمن الذين أُرسلوا على صراط مستقيم؛ لأن جميع الرسل على صراط مستقيم بلا شك، ولكن يحتمل وجه آخر أحسن مما قال المؤلف؛ وهو أن تكون ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ خبرًا ثانيًا لـ(إن). ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ إنك ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس ٤] وهذا أنسب، ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى ٥٢، ٥٣]. إذن فنقول: الوجه الثاني في إعراب ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس ٤] أنها خبر ثان لـ(إن). وقوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس ٤] قال: أي طريق الأنبياء قبلك التوحيد والهدى. ﴿صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿صِرَاط﴾ (فِعَال) بمعنى (مَفْعُول)؛ لأن فِعالًا تأتي بمعنى مفعول كثيرًا؛ كقولهم: بِناء وغِراس وفِراش بمعنى مبني، مغروس، مفروش، صِراط (فِعَال) بمعنى (مَفْعُول)؛ أي مصروط، والصَّرْط المرور بسرعة، هذا الصَّرْط، الصَّرْط المرور بسرعة، ومنه قولهم: صرط اللقمة أي: ابتلعها بسرعة، وفي اللغة العامية عندنا نقول: زرط وهي لغة عربية، صراط فيها سراط بالسين، وزراط بالزاي، كلها لغة عربية. الصراط لا يكون صراطًا إلا إذا كان طريقًا واسعًا، يتحمل طوائف يعبرون عليه، قالوا: وأيضًا من صفاته أن يكون مستويًا ليس فيه طلوع ولا نزول، و﴿مُسْتَقِيم﴾ صفة له مؤكدة؛ يعني أنه لا اعوجاج فيه. ولا شك أن ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام صراط مستقيم؛ لأنه طريق واسع يسع كل الأمة منذ بُعث إلى أن تقوم الساعة، لا يمكن أن يضيع، صراط واسع أيضًا، لا يمكن أبدًا أن يضيق عن الأحكام الشرعية، كل حادثة تنزل منذ بُعث الرسول ﷺ إلى يوم القيامة لا بد أن يوجد فيها حل لمشكلتها إن كانت مشكلة فيما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام؛ ولذلك نقول: إن هذا الشرط في القرآن والسنة كامل لا يحتاج إلى تكميل، وأيضًا واسع لا يمكن أن يضيق بأي جزء أو بأي جزئية تقع إلى يوم القيامة. إذن ما فيه شيء مشكل في الشريعة ولَّا لا؟ لكن الإشكال إنما يأتي من قِبَل الناس؛ إما لقصور في الفهم، أو لتقصير في طلب العلم والهدى، أو لأشياء رانت على قلوبهم وأظلمتها حتى لا تُبصِر الحق؛ يعني قد يكون الإنسان غير مُقصِّر ولا قاصر، عنده فهم قوي، وعنده آلة قوية وعلم، لكن يكون على قلبه ذنوب تحول بينه وبين رؤية الصواب؛ ولهذا ينبغي للإنسان إذا أشكل عليه مسألة من المسائل بعد المراجعة والتتبع لكلام أهل العلم يُكثر من الاستغفار؛ لأن الاستغفار يمحو الله به الخطايا فيكون القلب مستنيرًا، وربما يستنبط هذا من قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ١٠٥ - ١٠٦]. ويستدل له أيضًا بقوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُون﴾ [المطففين ١٣ - ١٤]، فالذنوب منعت القلوب أن ترى أحقية هذا الكتاب حتى قال القائل: إنها أساطير الأولين. فالمهم أنَّا نقول: إن هذا الدين صراط مستقيم واسع، يسع جميع الناس إذا دخلوه، واسع يشمل جميع أحكام الحوادث والنوازل منذ بُعث الرسول ﷺ إلى أن تقوم الساعة، ولكن الإشكال الذي يكون إما من قصورنا أو تقصيرنا، أو من أمور رانت على القلوب فلا ترى الحق (...) بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ١، ٢] ما معنى قوله يس؟ (...) بالقسم وغيره، تأكيد بالقسم في قوله: ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ وغيره؛ يعني بذلك إن واللام رد لقول الكفار له لستَ مُرسلًا كما قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ [الرعد ٤٣]. إذن فالكلام مطابِق لمقتضى الحال؛ لأنه يُخاطِب المنكِر وقد سبق لنا في البلاغة أنه إذا خُوطِب المنكِر فإنه يجب أن يؤكد له الخبر؛ يعني يقول علماء البلاغة: للمخاطب ثلاث مراتب: أن يكون منكِرًا، وأن يكون مترددًا، وألا يكون في ذهنه شيء لا إنكار ولا تردد، قالوا: فإن كان منكرًا وجب تأكيد الخبر له، يجب أن يؤكد الخبر له، وإن كان مترددًا حسن أن يؤكَّد له الخبر، وإن لم يكن في ذهنه شيء فإنه يُلْقى إليه الخبر غير مؤكد، هذا هو الأصل. إذا كنت تخاطب إنسانًا ليس في ذهنه شيئًا عن مدلول الخبر فألقِ الخبر إليه غير مؤكد، تقول: زيد قائم، إذا كنتَ تخاطب مترددًا في صحة الخبر فأكِّده له وجوبًا ولَّا لا؟ استحسانًا، إذا كنت تخاطب مُنكرًا فإنه يجب أن تؤكد له الخبر هذا، هو الأصل. وقد يُحذف التوكيد في موضع التوكيد، وقد يأتي التوكيد في غير موضع التوكيد لأسباب تُعرَف من السياق، هنا الكفار يقولون: لست مرسلًا، فكان تأكيد خبر الرسالة لهم واجبًا؛ يعني مما تُوجِبه البلاغة، والوجوب هنا ليس الوجوب التكليفي الذي يأثم بتركه، بل الوجوب من حيث البلاغة. قال: ﴿تَنْزِيلُ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس: ٥] ﴿تَنْزِيلُ﴾ خبر مبتدأ محذوف تقديره هو؛ أي القرآن ﴿تَنْزِيلُ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ . و﴿تَنْزِيلَ﴾ مصدر (نَزَّل، يُنَزِّل)، والقرآن مُنَزَّل ومُنْزل؛ مُنَزَّل يعني ينزل شيئًا فشيئًا كما قال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء ١٠٦]، فإنه ينزل شيئًا فشيئًا، ويعبر أحيانًا عن القرآن بأنه أُنزِل باعتبار نهايته، فإنه باعتبار النهاية يكون نزل كله، وباعتبار التدريج بتنزيله يكون منزلًا، وهكذا في القرآن نزول المطر، أحيانًا يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق ٩] ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنعام ٩٩] فباعتبار أن المطر ينزل شيئًا فشيئًا يقال: نزلنا وباعتبار النهاية واجتماعه كله يقال: أنزلنا. وقوله: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ﴾ قال المؤلف: (في ملكه)؛ يعني الغالب في ملكه الذي لا يُغلَب فيه، وقد مر علينا في باب العقيدة أن العزيز من أسماء الله، وأن العِزَّة لها ثلاثة معانٍ؛ عِزَّة القدْر، وعزة القهر، وعزة الامتناع، ثلاثة، ما هي؟ * طالب: عزة القدْر، عزة الامتناع، عزة القهر. * الشيخ: نعم، عزة القدْر؛ بمعنى أنه ذو قدْر عظيم رفيع، عزة القهر بمعنى أنه قاهِر غالب، عزة الامتناع بأنه قوي لا يناله شيء، قال ابن القيم: وَهُوَ الْعَزِيزُ فَلَنْ يُرَامَ جَنَابُهُ ∗∗∗ أَنَّى يُرَامُ جَنَابُ ذِي السُّلْطَانِ فهو عز وجل عزيز ممتنع أن يناله السوء. ومنه الأرض العَزَاز لقوتها وشدتها. إذن فقول المؤلف: (العزيز في ملكه) فيه قصور. قال: ﴿الرَّحِيمِ﴾ بخلْقِه، وهنا نقول: إن الرحيم عامة؛ لأنها لم تُقيَّد، فالمراد به الرحمة العامة، فهو سبحانه وتعالى رحيم بخلقه كلهم، ما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها حتى الكافر يرزقه الله تعالى العقل والصحة والأولاد والمال والأزواج، لكن هذه رحمة عامة، أما الرحمة الخاصة بالمؤمنين، ففي قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣]. قال: ﴿الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس ٥] بخلقه، وهنا أضاف تنزيل القرآن إلى هذين الاسمين إشارة إلى وجوب العمل بما جاء في القرآن، وأن من لم يعمل به فإن أمامه العزيز الذي يأخذه أخذ عزيز مقتدر. ﴿الرَّحِيمِ﴾ إشارة إلى أن هذا القرآن إنزاله من مقتضى رحمته بخلقه؛ لأن الله تعالى ما رَحِم خلقه رحمة أعظم من إنزال القرآن الكريم؛ لأن به الحياة؛ الحياة القلبية والبدنية والفردية والاجتماعية، ففيه إشارة -كما قلت- بل فيه تهديد للذين يخالفون هذا القرآن بأنه نزل من عند عزيز ينتقم ممن خالفه، (رحيم) إشارة إلى أن هذا القرآن من مقتضى رحمته سبحانه وتعالى. قال: (خبر مبتدأ مقدر) ويش يعني بخبر مبتدأ مقدر؟ ﴿تَنْزِيلُ﴾ بالرفع أي القرآن؛ يعني التقدير القرآن تنزيل العزيز الرحيم. في قراءة سبعية: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ وعلى هذه القراءة يكون منصوبًا على أنه مصدر عامله محذوف؛ يعني نُزِّل تنزيل العزيز الرحيم. قال: ﴿لِتُنْذِرَ﴾ به ﴿قَوْمًا﴾ متعلق بـ﴿تَنْزِيلَ﴾ لتنذر اللام، هذه تسمى لام التعليل، والفعل بعدها منصوب بها، على مذهب منصوب باللام ولا بأن؟ * طالب: باللام. * الشيخ: باللام، وعلى مذهب البصريين منصوب بـ(أن) مضمرة بعد اللام، وعلى كل حال فهي تحتاج إلى متعلق، اللام ﴿لِتُنْذِرَ﴾ تحتاج إلى متعلق، فأين متعلقها؟ قوله: ﴿تَنْزِيلَ﴾ يعني تنزيل الرحمن الرحيم ﴿لِتُنْذِرَ﴾ يعني إنما نزل ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس ٦]. تنذر. قال العلماء: إن الإنذار هو الإخطار المقرون بالتخويف، أو المتضمن للتخويف، فالإنسان مثلًا يأتي إلى قومه يصيح بهم: العدو العدو، يُقال: هذا منذر ونذير؛ فالنذير عن شيء يخوف فهو إعلام متضمن للتخويف، هذا القرآن أنزله الله عز وجل ليُنذر النبي ﷺ به قومًا ما أُنذر آباؤهم؛ أي لم يُنذروا في زمن الفترة، وعلى هذا فـ﴿مَا﴾ نافية يعني لتنذر قومًا ما أنذر آباؤهم؛ أي لم ينذروا، لم يخوفوا لكن في زمن الفترة، وأما قبل فقد أُنذروا بواسطة إسماعيل بن إبراهيم، فإنه مُرسَل إلى العرب إلى قومه، وبعد ذلك لم ينذر هؤلاء. قال بعض المعربين الذين يجمعون الأقوال صحت أو ما صحت، أي أنهم يقولون أي احتمال قالوا: ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾ موصولة أي لتنذر قومًا الذي أنذره آباؤهم، فيجعلون ﴿مَا﴾ موصولة، ويجعلون العائد محذوفًا تقديره الذي أنذره آباؤهم؛ أي لتنذرهم الذي أُنذره آباؤهم، ولكن هذا وإن كان محتملًا من قِبل اللفظ لكنه بعيد من جهة المعنى؛ لأن الآيات الكثيرة المتعددة تدل على أن قريشًا الذين بعث فيهم الرسول ﷺ لم ينذر آباؤهم، ومنه قوله تعالى في سورة (الم تنزيل)، السجدة ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [السجدة ٣] وهذا صريح في أن ﴿مَا﴾ هنا للنفي لا غير ﴿مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [يس ٦] في زمن الفترة. ﴿فَهُمْ﴾ أي القوم ﴿غَافِلُونَ﴾ [يس ٦] عن الإيمان والرشد غافلون؛ لأنهم ما أتاهم نذير، ومعلوم أن النذر تُوجِب حياة القلوب والانتباه؛ ولهذا تجد الإنسان نفسَه، إذا لم يأتِه واعظ يغفل، وتكثر به الغفلة، فإذا أتاه واعظ فكأنما أيقظه من نوم، هؤلاء لما تطاول عليهم الأمد، ولم يأتهم نذير غفلوا، وكأنهم ما خُلِقوا لعبادة الله، وجعلوا لهم أصنامًا يعبدونها من دون الله، ويركعون لها ويسجدون وينذرون ويوفون. ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس ٦] لعدم من يوقظهم، ولكن مِن هؤلاء مَنْ عنده عِلْم من الرسالة، من هؤلاء الذين في زمن الفترة من عنده عِلْم من الرسالة لكنه عاند، وبقي على ما كان عليه آباؤه كالذين شهد لهم النبي ﷺ بالنار، فإن الذين شهد لهم الرسول ﷺ بالنار نعلم علم اليقين أن هؤلاء قد قامت عليهم الحجة، ولولا ذلك ما كانوا من أهل النار، فأهل الفترة نوعان: نوع علمنا بشهادة النبي ﷺ أنه قد بلغتهم الرسالة لحكم الرسول ﷺ عليهم بأنهم من أهل النار، وآخرون لا ندري عنهم شيئًا؛ فالواجب علينا أن نتوقف في أمرهم، وأن نقول: الله أعلم بما كانوا عاملين، وأصح الأقوال فيهم أنهم يمتحنون يوم القيامة بتكاليف الله أعلم بها، فمن أطاع منهم دخل الجنة ومن عصى دخل النار. * في الآية الكريمة فوائد: أولًا: بيان أن هذا القرآن الذي أعجز البشر لم يكن بدعًا من لسانهم، وأنه من الحروف التي يُرَكِّبُون منها كلامهم. يشير إلى هذا قوله ﴿يس﴾، ولهذا لا تأتي هذه الحروف الهجائية في أول السورة إلا وجدتَ بعدها ذكر القرآن في الغالب. * ومن فوائد الآية الكريمة: عظمة القرآن العظيم؛ لأن الله تعالى أقسم به، ولا يُقْسَم إلا بالشيء المعَظَّم، ثم قد يكون عظيمًا في ذاته حقيقة، وقد يكون مُعَظَّمًا باعتبار المقسِم به؛ فالذين يحلفون باللات والعُزَّى يحلفون بِمُعظَّم لا بعظيم؛ لأنه مُعظَّم عندهم لكنه ليس بعظيم في نفسه، والذين يُقسمون بالله وآياته يحلفون بعظيم بِمُعَظَّم في قلوبهم وهو عظيم في نفسه. القرآن الكريم عظيم في نفسه، ولَّا لا؟ * ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على القرآن بأنه حكيم على الوجوه الثلاثة اللي ذكرناها؛ لقوله: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ٢]. * ومن فوائدها: العناية بإثبات رسالة النبي ﷺ؛ لأن الله تعالى أقسم عليها وأكدها زيادةً على القسم بـ(إن) واللام، ومنها ثبوت رسالة النبي ﷺ، فمن أنكرها فهو كافر؛ لأنه مُكذِّب لله ورسوله وإجماع المسلمين. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرسل، وأن ثمة رسلًا غير محمد ﷺ؛ لقوله: ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس ٣]؛ ولهذا قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف ٩]؛ يعني لست أول رسول فإنه عليه الصلاة والسلام قد سبقه رسل من قبله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما جاء به النبي ﷺ من الشرع فهو الصراط المستقيم؛ لقوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس ٤]. وفيه من العوج والشر بمقدار ما خالف شريعة النبي ﷺ. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن مُنزَّل من عند الله، الآيات الكريمة هي آيات متعددة؛ لقوله: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس ٥]. * ومن فوائد الآيات: أن القرآن كلام الله، كيف ذلك؟ * طالب: قوله ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس ٥]. * الشيخ: وجهه؟ * الطالب: (...) كان منزلًا (...)، قائم بذاته أو قائم بغيره. * الشيخ: نعم، والكلام؟ * الطالب: قائم بغيره. * الشيخ: قائم بغيره، فيكون؟ * الطالب: غير مخلوق. * الشيخ: غير مخلوق، يكون كلام الله غير مخلوق. * إذن يستفاد منها: أن القرآن كلام الله غير مخلوق. * ومن فوائد الآيات إثبات علو الله؛ لقوله: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ﴾، والنزول لا يكون إلا من أعلى، وعلو الله عز وجل دل عليه الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة، كل هذه الأنواع الخمسة من الأدلة كلها دلت على علو الله عز وجل. * ومن فوائد الآيات الكريمة: إثبات العزيز والرحيم اسمين من أسماء الله، وإثبات ما تضمناه من الوصف، وما تضمنه الرحيم من الأثر، وهو الْحُكْم. * ومن فوائد الآيات: العزيز في بعض معانيها، وهو الغالب. * ومن فوائد الآيات: إنذار المخالفين لهذا القرآن، وذلك بإضافة ﴿تَنْزِيلَ﴾ إلى ﴿الْعَزِيزِ﴾؛ لأنه إذا قيل مثلًا: جاء هذا من عزيز، ويش يدل عليه؟ على إنذار مَنْ خالفه وتحذيره، فيكون في هذا الإنذار والتحذير من مخالفة هذا المنَزَّل؛ لأنه نزل من عزيز. * ومن فوائد الآيات: أن القرآن، بل إن الشرع كله من آثار رحمة الله؛ لقوله: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس ٥]. فإن قلت: أين الرحمة في قطْع يد السارق، وفي رجْم الزاني الْمُحصَن، وفي قتل القاتل، وما أشبه ذلك؟ فالجواب: أن الرحمة في ذلك واضحة جدًّا، قطع يد السارق فيها رحمة بالسارق وبغيره، رحمة بالسارق لتردعه عن السرقة مرة أخرى، ولتكون كفارة لذنبه؛ لأن الحدود كفارة يُكفَّر بها عن فاعلها، وفيها أيضًا إصلاح المجتمع وحمايته من الفوضى، وهذه رحمة ولَّا لا؟ رحمة ما فيه شك أن هذه رحمة، وكذلك نقول في بقية الحدود والقصاص: إنه من رحمة الله عز وجل. * ومن فوائد الآيات الكريمة: أن الرسول ﷺ مُنذِر؛ أي مُعلِم إعلامًا يتضمن التخويف، فإن قلت: وهل هو مُبَشِّر؟ الجواب: نعم، مُبَشِّر، لكن هنا ذكر الإنذار دون البشارة، والجواب على ذلك أن يُقال: إما لأن المقام يقتضي ذلك؛ لأنه يُخاطِب قومًا طاغين، فالأليق في حقهم الإنذار والتخويف؛ لأنهم مخالفون وطاغون، وإما أن يقال: إن هذا من باب ذكر أحد المتضايفين أو المتقابلين استغناءً بذكره عن ذِكْر الآخر كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل ٨١] يعني والبرد. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي ﷺ مرسل إلى العرب خاصة. من الذين ما أنذر آباؤهم؟ * طلبة: العرب. * الشيخ: العرب إذن اليهود والنصارى ما أُرسل إليهم؛ لأنه أنذر آباؤهم. * طالب: في الآيات الأخرى.. * طالب آخر: قومًا نكرة. * الشيخ: إي، ﴿قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ نكرة موصوفة. إذن نقول: إن الآيات الأخرى تدل على عموم رسالته، مثل قوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف ١٥٨]، ومثل قوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان ١]، وكقوله ﷺ: «بُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري، واللفظ له (٤٣٨)، ومسلم بنحوه (٥٢١/٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. ]]. والنصوص في هذا كثيرة متوافرة، ومن كذبها فقد كذَّب رسالته إلى العرب أيضًا؛ لأن الجنس واحد، ولكن قد يُقال: لماذا خص العرب؟ فيقال: خصهم لأمرين؛ الأول: أنه منهم، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة ٢] والثاني: أنه باشر دعوتهم بنفسه، وهدى الله العرب على يديه قبل موته، ثم انتشرت رسالته في الآفاق. وقد ذكر ابن كثير رحمه الله هنا قاعدة أشرنا إليها من قبل، وهي أن ذِكْر بعض أفراد العام بحكم يوافقه لا يقتضي التخصيص كما ذكر ذلك أهل الأصول كالشنقيطي في تفسيره وغيرهم، وأن هذا هو رأي الجمهور، وهو الحق، أن ذكر بعض أفراد العام في حكم لا يقتضي تخصيصها إذا كان يُطابِق حكم العام، فإذا قلت مثلًا: أكْرِم الطلبة، ثم قلت: أكرم زيدًا وهو منهم؛ فإنه لا يقتضي تخصيص الإكرام به؛ لأن الحكم هنا موافق للحكم العام، وذكر بعض أفراد العام بحكم يوافق العام ليس تخصيصًا له، واضح؟ ذكرنا هذا في أي مناسبة؟ * طالب: في باب التيمم. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: في قول النبي ﷺ: «وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَهُورًا»[[أخرجه البخاري (٤٣٨) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، ومسلم (٥٢١/٣)، واللفظ له من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. وجاء في بعض الروايات أنها التربة. * الشيخ: تربتها؟ * الطالب: طهورًا. * الشيخ: نعم. * الطالب: فكون النبي ﷺ ذكر التربة فلا يكفي أنه لا يصح التيمم بغيره. * الشيخ: تمام، صح، وكذلك؟ * الطالب: في الصلاة (...) بين السجدتين في تحريك الأصبع، هنا قول الرسول في التشهد لا يقتضي (...). * الشيخ: نعم، في الصلاة، وذكرناها أيضًا في الحلي عند قوله في الرقة: فِي مِئَتَي دِرْهَمٍ رُبْعُ الْعُشْرِ. قلنا: هذا لا يقتضي أن الحلي لا تجب فيها الزكاة؛ لأن ذكر بعض أفراد العام بحُكم يوافق العام لا يقتضي التخصيص. * ومن فوائد الآيات: سب هؤلاء الذين غفلوا عن الرسالات كقوله: ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس ٦]، وأن الغفلة عن البحث عن الرسالة يعتبر ذمًّا، وكذلك نقول: فيمن غفل عن البحث في جزئيات الشريعة، فمثلًا من غفل عن البحث في أحكام الصلاة فإنه يُذَم، عن البحث في أحكام الزكاة وهو محتاج لذلك نقول: إنه يُذم؛ ولهذا نقول: إن تعلم العلم الشرعي فرْض كفاية، ومن أراد أن يقوم بعبادة من العبادات كان تعلم أحكامها عليه فرض عين. وبناء على هذا نقول: كل طلبة العلم في كل مكان قائمون بفرض كفاية؛ ولهذا يحسن أن نستحضر هذا الأمر، أننا في مجالسنا هذه نقوم بفرض كفاية نُثاب عليه ثواب الفرض، وقد قال الله تعالى: «مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ»[[أخرج البخاري (٦٥٠٢) بسنده عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه..» الحديث. ]]. وهذه مسألة يغفل عنها كثير من الطلبة لا في مجالس الذكر والعلم، ولا في المجالس الأخرى مجالس المراجعة، تجد الإنسان مثلًا يراجع الكتاب ولكنه ما يستحضر أنه الآن قائم بفرض كفاية، وهذا يُفوِّت علينا خيرًا كثيرًا؛ لهذا نسأل الله أن يعيننا على تذكر هذا المعنى حتى نكسب خيرًا بما نقرؤه وبما نراجعه (...) * * * أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس ٥- ٦]. قوله: ﴿تَنْزِيلَ﴾ فيها قراءتان الأخ؟ (...) أظن ما ذكرت (...). لله عز وجل؛ لأن اللام للتعليل، إذن أضيفوها إليها؛ لأن أظن آخر ما أخذنا من الفوائد هي الآية هذه، يعني ما أخذنا سواها. * فتضاف إلى الفوائد: إثبات الحكمة لله المستفاد من قوله: ﴿لِتُنْذِرَ﴾.

يس 36:3

الآية الكريمة: إثبات اليوم الآخر والجزاء فيه؛ لقوله: ﴿يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر ٤٥]. * ومن فوائدها: إثبات الاسم لله وهو بصير، وما تضمنه من الصفة وهو البصر، والبصر هنا بمعنى بصر البصيرة أو بصر العين؟ يشمل هذا وهذا. هل نأخذ من هذا أن الإنسان قد يُعاقَب بتلف المال؟ إي نعم؛ لقوله: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر ٤٥] يشمل حتى الحيوانات، فإذا تلف للإنسان أموال فإن هذه من عقوبات الذنوب سواء كانت الأموال من ذوات الأرواح كالدواب حية أو من غير ذوات الأرواح، قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة ١٥٥] كل هذه تقع ابتلاء من الله عز وجل، وتقع عقوبة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِير﴾ [الشورى ٣٠]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات حكمة الله تعالى بتقديره الأشياء تقديرًا مُحكمًا لا تتقدم ولا تتأخر؛ لقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر ٤٥]. ثم قال الله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ١، ٢] قال المؤلف: (سورة يس مكية)، والمكي ما نزل قبل الهجرة ليس ما نزل بمكة؛ إذ قد ينزل بمكة بعد الهجرة ويكون مدنيًّا، فما نزل قبل الهجرة فهو مكي، وما نزل بعدها فهو مدني، هذا القول هو الراجح من أقوال أهل العلم. قال: (أو إلا قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا﴾ الآية [يس: ٤٧] أو مدنية) فالأقوال فيها إذن ثلاثة؛ إما مكية، أو مدنية، أو مكية إلا قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا﴾ [يس ٤٧]، والذي يظهر أنها مكية؛ لأن أسلوبها أسلوب المكي، والسور المكية تمتاز عن السور المدنية بقوة الأسلوب وجزالة اللفظ بخلاف السور المدنية فإن أسلوبها لين ألين؛ لأنه يُخاطِب قومًا آمنوا، ويخاطب أيضًا قومًا فيهم أهل كتاب، ليس عندهم من البلاغة في اللغة العربية ما عند العرب. فالظاهر -والله أعلم- أنها مكية، وإذا جعلناها مكية فإننا لا نقول باستثناء شيء منها؛ لأن الأصل أن السورة المكية كلها مكية، وأن السورة المدنية كلها مدنية، فمن ادعى استثناء آية أو آيتين أو أكثر فعليه الدليل، أما مجرد أن المعنى يليق بأهل المدينة مثلًا فهذا لا يكفي في الاستثناء؛ لأن الله تعالى قد يذكر معنى يليق بأهل المدينة توطئة وتمهيدًا حتى يكون الناس على بصيرة؛ ولهذا يذكر الله تعالى في الآيات المكية قصص موسى عليه الصلاة والسلام مع أن العناية بقصة موسى في المدينة أولى؛ لأن فيها اليهود، أما مكة فليس فيها يهود. المهم أن بعض العلماء إذا نظر إلى أن المعنى يليق بالسورة المدنية أو بالأحكام المدنية ذهب يستثني ويقول: إلا آية كذا، إلا آية كذا، وهذا غير مستمر. قال الله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، البسملة آية من كتاب الله مستقلة، يؤتى بها في ابتداء كل سورة ما عدا سورة براءة وليست من الفاتحة ولا من غيرها، هذا هو القول الراجح، وأما من قال: إنها من الفاتحة وليست من غيرها فقوله ضعيف؛ أولًا: للتفريق بدون دليل، وثانيًا: أن حديث أبي هريرة الثابت في الصحيح وهو «قول الله تعالى: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ»[[أخرجه مسلم (٣٩٥/٣٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]]. يدل على أن البسملة ليست من الفاتحة؛ لأنها لم تذكر في هذا الحديث، وأيضًا فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يجهر بها في صلاته، لا يجهر بالبسملة؛ وهذا يدل على أنها ليست من الفاتحة وإلا لجهر بها كما يجهر في بقية الآيات. أما إعرابها فقد سبق لنا مرارًا وتكرارًا، وأنها جار ومجرور وصفة وموصوف، وأن هذا الجار والمجرور متعلق بمحذوف، وأن هذا المحذوف ينبغي أن يكون فعلًا خاصًّا متأخرًا، فكونه فعلًا لماذا؟ لأن الأصل في العامل أو بالعوامل الأفعال؛ ولذلك تعمل الأفعال عملها بدون شرط، الأسماء التي تعمل عمل الفعل لا بد فيها من شروط، هذا واحد، خاصًّا؛ لأنه أدل على المخصوص، متأخرًا لفائدتين: التبرُّك بتقديم اسم الله عز وجل، وإفادة الحصر. عندما تُسمي على الوضوء ويش تُقدِّر؟ باسم الله أتوضأ، لو قلت: باسم الله ابتدائي؟ يصح، لكن ابتدائي عام، وأتوضأ أخص، والإتيان بالأخص أدل على المقصود. لو قلت: ابتدائي باسم الله؟ صح، لكن فاتك التأخير والتخصيص والفعلية إذا قلت: ابتدائي، إذا قلت: أبتدئ باسم الله؛ فاتك التأخير والتخصيص. إذا قلت: أتوضأ باسم الله؛ فاتك التأخير فقط. إذن نُقدر متعلق البسملة فعلًا خاصًّا متأخرًا، فعلًا لماذا؟ لأن الأفعال هي الأصل في العمل، خاصًّا؛ لأنه أدل على المخصوص، متأخرًا لأمرين: تَبَرُّكًا بالبداءة باسم الله، والثاني: إفادة الحصر؛ يعني لا ابتدئ بشيء إلا باسم الله. ربما يقول قائل: هل يمكن أن نستدل لهذا القول بشيء من النص؟ نقول: نعم، قال النبي عليه الصلاة والسلام وهو يخطب الناس في عيد الأضحى: «مَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ» أو: «فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٠٠)، ومسلم (١٩٦٠/١و٢) من حديث جندب بن سفيان رضي الله عنه. ]]. لفظان، فإن هذا يدل على أن تقدير الأخص أولى من تقدير الأعم (...) ثم على قراءتها في القرآن، ذكرنا أن البسملة جار ومجرور متعلق بمحذوف (...) وأعلم الأعلام، أعلم حتى من الضمير؛ لأنه اسم يختص بالله لا يمكن أن يشركه فيه أحد؛ ولهذا قالوا: أَعْرَف المعارف على الإطلاق اسم الله؛ لأنه لا يُشاركه فيه أحد، الضمير إذا قلت: قمت، صحيح ما يشاركني أحد فيه لكن صالح أن يستعمله غيري، أما الله فلا تصح الشركة فيه. أما الرحمن الرحيم فهما صفتان لله، والرحمن والرحيم معناهما؛ ذو الرحمة، لكن الرحمن باعتبارها وصفًا لله، والرحيم باعتبارها فعلًا له؛ ولهذا كان الرحمن عامًّا والرحيم خاصًّا قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣] فالرحمن لُوحِظ فيه الوصف، والرحيم لُوحِظ فيه الفعل؛ ولهذا لما لُوحِظ في الرحمن الوصف جاء على الأوزان التي تدل على الامتلاء والسعة فصارت على وزن (فَعْلَان). والرحمة صفة من صفات الله سبحانه وتعالى الحقيقية الثابتة له على وجه الحقيقة لا المجاز، وقد أنكرها أهل التعطيل، ومنهم الأشاعرة، وقالوا: إنه ليس لله صفة هي الرحمة؛ لأن الرحمة رِقَّة ولين، وهذا لا يليق بالله عز وجل، وفسروها إما بالإرادة؛ لأنهم يؤمنون بالإرادة، وإما بالفعل؛ لأن الفعل منفصل عن الفاعل، يعني المفعول منفصل عن الفاعل، فهم يفسرونها إما بالإحسان وهو مخلوق منفصل، وإما بإرادة الإحسان؛ لأنهم يقرون بالإرادة. ولا شك أن قولهم هذا باطل، وأنه إنكار صفة من أعظم صفات الله عز وجل وهي من أبرز الصفات، فقد قال الله تعالى: «إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي»[[أخرجه البخاري (٧٤٢٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]]. والعجب كل العجب أنهم يقولون: إن الإرادة دل عليها العقل، والرحمة دل العقل على انتفائها، كيف؟ قالوا: لأن التخصيص دال على الإرادة، التخصيص يعني مثلًا كون هذا سماءً، وهذه أرضًا، وهذه شمسًا، وهذا قمرًا، إلى آخره يدل على الإرادة؛ لأنه لا مُخصِّص إلا بإرادة. أما الرحمة فيقولون: إن العقل لا يدل عليها بل يدل على انتفائها، ونحن نقول: عجبًا لكم!! دلالة العقل على الرحمة أبلغ وأظهر وأوضح من دلالته على الإرادة، ولهذا جعلتم دلالة العقل على الإرادة بالتخصيص، وهذا لا يفهمه إلا خواص الناس، يمكن طالب العلم لو تسأله بدون أن يعرف البحث ما استدل بالتخصيص على الإرادة وهو طالب علم، لكن الرحمة كُلٌّ يعرف أن لله تعالى رحمة، ويستدل عليها بالعقل، تأتي العامي في السوق تقول له: والله نزل المطر، واخضرت الأرض، ورويت الزروع، وما أشبه ذلك، منين هذا؟ ويش يقول لك؟ من رحمة الله، على طول، فيستدل بالنعم التي هي من آثار الرحمة على الرحمة، ولكن نسأل الله لنا ولكم الهداية من لم يجعل الله له نورًا فما له من نور. قال الله تعالى: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ١، ٢] قال المؤلف: (﴿يس﴾ الله أعلم بمراده). ولا شك أن الله أعلم بمراده ومراد غيره، وأعلم بكل شيء، ولكن ما المراد بهذه أو بهذين الحرفين الهجائيين؟ يقول المؤلف: (الله أعلم)، ما ندري ماذا أراد الله عز وجل. ومنهم من قال: إن معنى ﴿يس﴾ يا إنسان، فـ(يا) حرف نداء على زعمهم، ويس كلمة يُعبر بها عن الإنسان، وبعضهم أتى بغير ذلك أيضًا مما لا طائل تحته، ولا دليل عليه، لكن يبقى النظر، هل نقول كما قال المؤلف: (الله أعلم بما أراد) في جميع الحروف الهجائية التي ابتُدئت بها السور أو نقول: إنه لا معنى لها بمقتضى قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٣ - ١٩٥] فإن مقتضى اللسان العربي المبين أن هذه الحروف ليس لها معنى، فإذا حكمنا بهذه القضية العامة بلسان عربي مبين على كل كلمة، أو حرف في القرآن الكريم، فإننا نعلم أن ﴿يس﴾ ليس لها معنى بمقتضى اللسان العربي المبين، (يا) ما لها معنى حرف هجاء، سين ما لها معنى أيضًا، حرف هجاء. وهذا القول ذكره ابن كثير عن مجاهد رحمه الله، وهو قول قوي، ويشهد له الآية التي استشهدت بها. إذن نقول: لا معنى لهذه الحروف، فيرد علينا إشكال إذا قلنا: لا معنى لها، كيف يأتي الله عز وجل في كتابه العظيم بكلام لغو لا معنى له؟ والجواب على هذا أن يقال: إن له مغزى عظيمًا، هذا المغزى هو أنكم أيها العرب الذين عجزتم عن معارضة القرآن والإتيان بمثله، عجزتم عن ذلك لا لأن هذا القرآن أتى بحروف جديدة أو كلمات جديدة بل هو من الكلمات التي تكونون منها كلامكم، حروف هجائية؛ ولهذا قل أن تجد سورة مبدوءة بهذه الحروف الهجائية إلا وبعدها ذكر القرآن مما يدل على أن هذا هو المراد بها، وهذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وقبله الزمخشري أيضًا في تفسيره، وغيره من العلماء على أن هذه حروف هجائية جيء بها لأجل إظهار عجز العرب عن مُعارَضة هذا القرآن مع أنه لم يأتِ بجديد في كلامهم. قال: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ١، ٢] الواو هذه للقسم، فلها معنى ولها عمل؛ عملها الجر، ومعناها التأكيد؛ فالقسم تأكيد الشيء بذكر مُعظَّم على صورة مخصوصة، هذا القسم، ولا بد أن يكون المحلوف به مُعظَّمًا ولو تقديرًا في ذهن الْمُقْسِم، كأنه يقول -إي الْمُقْسم بالمعظم-: بقدر تأكد تعظيمي لهذا الشيء أؤكد ما حلفت عليه، بقدر تعظيمي لهذا الشيء وتأكدي منه وإثباتي له أؤكد المحلوف عليه؛ ولهذا لا بد أن يكون المحلوف به معظمًا، وإلا لكان الحلف لا فائدة منه. ﴿الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ٢] القرآن المراد به هذا الذي نقرؤه كلام الله عز وجل، وهو مشتق من (قرأ) بمعنى (تلا)؛ لأنه متلو، أو من (قَرَى) بمعنى (جمع)؛ لأنه مجموع وجامِع، فهو مشتق من المعنيين، من القراءة بمعنى التلاوة، ومن (قَرَى) بمعنى (جمع)، ومنه القرية؛ لأنها مجتمع الناس؛ فالقرآن جامع بين المعنيين فهو متلو، وجامع، ومجموع، كلمات مجموع بعضها إلى بعض، كلام جامع لكل ما فيه الخير والصلاح. قوله: ﴿الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ٢] ﴿الْحَكِيمِ﴾ صفة للقرآن، وهي بمعنى مُحْكِم، أو بمعنى مُحْكَم، أو بمعنى حَاكِم، كلها تحتمل، فالقرآن حاكم؛ لأنه يجب الرجوع إليه ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء ٥٩] ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية ٢٩] إذا قلنا: إنه القرآن. طيب مُحْكِم؛ لأنه مُتقِن للأشياء، فقد ﴿تَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]، وكذلك أيضًا مُحكَم؛ لأن الله تعالى أحكمه وأتقنه، فليس فيه تناقض ولا تعارض ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢] إذن هو مشتمِل على الحكمة أيضًا ولَّا لا؟ نعم، هو مشتمل على الحكمة، ففيه معنى الحكمة والْحُكْم. إذا كان حكيمًا فإننا نعلم أنه حكيم في ترتيبه، كل آية إلى جنب الأخرى حتى وإن ظننا أنه لا ارتباط بينهما فإنما ذلك إما لقصورنا أو تقصيرنا فمثلًا لو قال قائل: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة ٢٣٨] جاءت في سياق آيات العِدَد، فما هو الارتباط؟ نقول: لا بد أن هناك حكمة لكن قصرت أفهامنا عنها، أو قصرنا في التدبر لطلبها والمراجعة لكتب أهل العلم. إذن هو حكيم في ترتيبه، حكيم في أحكامه، فأحكامه كلها عدل موافقة للفطرة وللعقل الصريح؛ ولهذا لا تجد شيئًا في أحكام القرآن مناقضًا للفطرة أبدًا، بل هو موافق للفطرة، ولا تجد شيئًا في القرآن يكذبه العقل أو يحيله أبدًا، بل إن العقل يُقرِّر في الجملة ما جاء به القرآن. كذلك حكيم في أسلوبه؛ يشتد في موضع الشدة، ويلين في موضع اللين، ويأتي بأساليب غريبة، ما كانت معروفة في أساليب العرب، فبينما الآية سياقها خبري، إذا بها تنتقل إلى سياق إنشائي، من استفهام، أو نهي، أو أمر، أو ما أشبه ذلك، وكل هذا من الحكمة، بينما القرآن يتحدث بصيغة الغائب إذا به ينتقل إلى صيغة الحاضر، فينتقل من أسلوب إلى آخر، وهو ما يسمى بالالتفات، وأنواع هذا كثيرة في القرآن. فالقرآن إذن حكيم بكل معنى الحكمة، وبكل معنى الإحكام، وبكل معنى الْحُكْم. قال المؤلف مُقتصرًا على واحد منها: (الْمُحْكَم في عجيب النظم وبديع المعاني) فأتى بمعنى واحد من معاني الحكيم، ونحن ذكرنا ثلاثة أشياء؛ ذو حكمة، ومُحْكِم، ومُحْكَم. مُحْكِم، ومُحْكَم، وحاكِم أيضًا، فذكرنا أنه حاكم، وذو حكمة، وحُكْم وإِحْكام، فيشمل أعم مما قال المؤلف، هذا الْمُقْسم به، وإقسام الله تعالى بكتابه العظيم، أو بكتابه الحكيم يدل على عِظَم هذا القرآن، وعلى عِظَم ما جاء به من الإحكام والحِكمة والْحُكم. ثم ذكر الْمُقسم عليه فقال: ﴿إِنَّكَ﴾ [يس ٣] يا محمد ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ فأقسم الله تعالى بكتابه على أن محمدًا ﷺ من المرسلين. وقوله: ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس ٣]؛ لأنه سبقه الرسل وهو خاتم الرسل وأكملهم شريعة، جاء ليتمم مكارم الأخلاق، وقد شبه النبي ﷺ رسالته «برجل بنى قصرًا وأشاده، وَبَقِي موضع لبنة، فصار الناس يطوفون به ويتعجبون منه إلا موضع هذه اللبنة، قال: «فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ»[[أخرج البخاري، واللفظ له (٣٥٣٤)، ومسلم (٢٢٨٧/٢٣) بسندهما عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: قال النبي ﷺ: «مثلي ومثل الأنبياء كرجل بنى دارًا، فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة، فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون ويقولون: لولا موضع اللبنة». ]]. هذه الجملة ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس ٣] مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ القسم، وإن، واللام ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ قال: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس ٤] متعلق بما قبله، الذي قبله ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾، ومُرْسَل اسم مفعول صالح للعمل؛ لأن يتعلق به المعمول، المعنى إنك لمن الذين أُرسلوا على صراط مستقيم؛ لأن جميع الرسل على صراط مستقيم بلا شك، ولكن يحتمل وجه آخر أحسن مما قال المؤلف؛ وهو أن تكون ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ خبرًا ثانيًا لـ(إن). ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ إنك ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس ٤] وهذا أنسب، ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى ٥٢، ٥٣]. إذن فنقول: الوجه الثاني في إعراب ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس ٤] أنها خبر ثان لـ(إن). وقوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس ٤] قال: أي طريق الأنبياء قبلك التوحيد والهدى. ﴿صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿صِرَاط﴾ (فِعَال) بمعنى (مَفْعُول)؛ لأن فِعالًا تأتي بمعنى مفعول كثيرًا؛ كقولهم: بِناء وغِراس وفِراش بمعنى مبني، مغروس، مفروش، صِراط (فِعَال) بمعنى (مَفْعُول)؛ أي مصروط، والصَّرْط المرور بسرعة، هذا الصَّرْط، الصَّرْط المرور بسرعة، ومنه قولهم: صرط اللقمة أي: ابتلعها بسرعة، وفي اللغة العامية عندنا نقول: زرط وهي لغة عربية، صراط فيها سراط بالسين، وزراط بالزاي، كلها لغة عربية. الصراط لا يكون صراطًا إلا إذا كان طريقًا واسعًا، يتحمل طوائف يعبرون عليه، قالوا: وأيضًا من صفاته أن يكون مستويًا ليس فيه طلوع ولا نزول، و﴿مُسْتَقِيم﴾ صفة له مؤكدة؛ يعني أنه لا اعوجاج فيه. ولا شك أن ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام صراط مستقيم؛ لأنه طريق واسع يسع كل الأمة منذ بُعث إلى أن تقوم الساعة، لا يمكن أن يضيع، صراط واسع أيضًا، لا يمكن أبدًا أن يضيق عن الأحكام الشرعية، كل حادثة تنزل منذ بُعث الرسول ﷺ إلى يوم القيامة لا بد أن يوجد فيها حل لمشكلتها إن كانت مشكلة فيما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام؛ ولذلك نقول: إن هذا الشرط في القرآن والسنة كامل لا يحتاج إلى تكميل، وأيضًا واسع لا يمكن أن يضيق بأي جزء أو بأي جزئية تقع إلى يوم القيامة. إذن ما فيه شيء مشكل في الشريعة ولَّا لا؟ لكن الإشكال إنما يأتي من قِبَل الناس؛ إما لقصور في الفهم، أو لتقصير في طلب العلم والهدى، أو لأشياء رانت على قلوبهم وأظلمتها حتى لا تُبصِر الحق؛ يعني قد يكون الإنسان غير مُقصِّر ولا قاصر، عنده فهم قوي، وعنده آلة قوية وعلم، لكن يكون على قلبه ذنوب تحول بينه وبين رؤية الصواب؛ ولهذا ينبغي للإنسان إذا أشكل عليه مسألة من المسائل بعد المراجعة والتتبع لكلام أهل العلم يُكثر من الاستغفار؛ لأن الاستغفار يمحو الله به الخطايا فيكون القلب مستنيرًا، وربما يستنبط هذا من قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ١٠٥ - ١٠٦]. ويستدل له أيضًا بقوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُون﴾ [المطففين ١٣ - ١٤]، فالذنوب منعت القلوب أن ترى أحقية هذا الكتاب حتى قال القائل: إنها أساطير الأولين. فالمهم أنَّا نقول: إن هذا الدين صراط مستقيم واسع، يسع جميع الناس إذا دخلوه، واسع يشمل جميع أحكام الحوادث والنوازل منذ بُعث الرسول ﷺ إلى أن تقوم الساعة، ولكن الإشكال الذي يكون إما من قصورنا أو تقصيرنا، أو من أمور رانت على القلوب فلا ترى الحق (...) بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ١، ٢] ما معنى قوله يس؟ (...) بالقسم وغيره، تأكيد بالقسم في قوله: ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ وغيره؛ يعني بذلك إن واللام رد لقول الكفار له لستَ مُرسلًا كما قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ [الرعد ٤٣]. إذن فالكلام مطابِق لمقتضى الحال؛ لأنه يُخاطِب المنكِر وقد سبق لنا في البلاغة أنه إذا خُوطِب المنكِر فإنه يجب أن يؤكد له الخبر؛ يعني يقول علماء البلاغة: للمخاطب ثلاث مراتب: أن يكون منكِرًا، وأن يكون مترددًا، وألا يكون في ذهنه شيء لا إنكار ولا تردد، قالوا: فإن كان منكرًا وجب تأكيد الخبر له، يجب أن يؤكد الخبر له، وإن كان مترددًا حسن أن يؤكَّد له الخبر، وإن لم يكن في ذهنه شيء فإنه يُلْقى إليه الخبر غير مؤكد، هذا هو الأصل. إذا كنت تخاطب إنسانًا ليس في ذهنه شيئًا عن مدلول الخبر فألقِ الخبر إليه غير مؤكد، تقول: زيد قائم، إذا كنتَ تخاطب مترددًا في صحة الخبر فأكِّده له وجوبًا ولَّا لا؟ استحسانًا، إذا كنت تخاطب مُنكرًا فإنه يجب أن تؤكد له الخبر هذا، هو الأصل. وقد يُحذف التوكيد في موضع التوكيد، وقد يأتي التوكيد في غير موضع التوكيد لأسباب تُعرَف من السياق، هنا الكفار يقولون: لست مرسلًا، فكان تأكيد خبر الرسالة لهم واجبًا؛ يعني مما تُوجِبه البلاغة، والوجوب هنا ليس الوجوب التكليفي الذي يأثم بتركه، بل الوجوب من حيث البلاغة. قال: ﴿تَنْزِيلُ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس: ٥] ﴿تَنْزِيلُ﴾ خبر مبتدأ محذوف تقديره هو؛ أي القرآن ﴿تَنْزِيلُ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ . و﴿تَنْزِيلَ﴾ مصدر (نَزَّل، يُنَزِّل)، والقرآن مُنَزَّل ومُنْزل؛ مُنَزَّل يعني ينزل شيئًا فشيئًا كما قال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء ١٠٦]، فإنه ينزل شيئًا فشيئًا، ويعبر أحيانًا عن القرآن بأنه أُنزِل باعتبار نهايته، فإنه باعتبار النهاية يكون نزل كله، وباعتبار التدريج بتنزيله يكون منزلًا، وهكذا في القرآن نزول المطر، أحيانًا يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق ٩] ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنعام ٩٩] فباعتبار أن المطر ينزل شيئًا فشيئًا يقال: نزلنا وباعتبار النهاية واجتماعه كله يقال: أنزلنا. وقوله: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ﴾ قال المؤلف: (في ملكه)؛ يعني الغالب في ملكه الذي لا يُغلَب فيه، وقد مر علينا في باب العقيدة أن العزيز من أسماء الله، وأن العِزَّة لها ثلاثة معانٍ؛ عِزَّة القدْر، وعزة القهر، وعزة الامتناع، ثلاثة، ما هي؟ * طالب: عزة القدْر، عزة الامتناع، عزة القهر. * الشيخ: نعم، عزة القدْر؛ بمعنى أنه ذو قدْر عظيم رفيع، عزة القهر بمعنى أنه قاهِر غالب، عزة الامتناع بأنه قوي لا يناله شيء، قال ابن القيم: وَهُوَ الْعَزِيزُ فَلَنْ يُرَامَ جَنَابُهُ ∗∗∗ أَنَّى يُرَامُ جَنَابُ ذِي السُّلْطَانِ فهو عز وجل عزيز ممتنع أن يناله السوء. ومنه الأرض العَزَاز لقوتها وشدتها. إذن فقول المؤلف: (العزيز في ملكه) فيه قصور. قال: ﴿الرَّحِيمِ﴾ بخلْقِه، وهنا نقول: إن الرحيم عامة؛ لأنها لم تُقيَّد، فالمراد به الرحمة العامة، فهو سبحانه وتعالى رحيم بخلقه كلهم، ما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها حتى الكافر يرزقه الله تعالى العقل والصحة والأولاد والمال والأزواج، لكن هذه رحمة عامة، أما الرحمة الخاصة بالمؤمنين، ففي قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣]. قال: ﴿الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس ٥] بخلقه، وهنا أضاف تنزيل القرآن إلى هذين الاسمين إشارة إلى وجوب العمل بما جاء في القرآن، وأن من لم يعمل به فإن أمامه العزيز الذي يأخذه أخذ عزيز مقتدر. ﴿الرَّحِيمِ﴾ إشارة إلى أن هذا القرآن إنزاله من مقتضى رحمته بخلقه؛ لأن الله تعالى ما رَحِم خلقه رحمة أعظم من إنزال القرآن الكريم؛ لأن به الحياة؛ الحياة القلبية والبدنية والفردية والاجتماعية، ففيه إشارة -كما قلت- بل فيه تهديد للذين يخالفون هذا القرآن بأنه نزل من عند عزيز ينتقم ممن خالفه، (رحيم) إشارة إلى أن هذا القرآن من مقتضى رحمته سبحانه وتعالى. قال: (خبر مبتدأ مقدر) ويش يعني بخبر مبتدأ مقدر؟ ﴿تَنْزِيلُ﴾ بالرفع أي القرآن؛ يعني التقدير القرآن تنزيل العزيز الرحيم. في قراءة سبعية: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ وعلى هذه القراءة يكون منصوبًا على أنه مصدر عامله محذوف؛ يعني نُزِّل تنزيل العزيز الرحيم. قال: ﴿لِتُنْذِرَ﴾ به ﴿قَوْمًا﴾ متعلق بـ﴿تَنْزِيلَ﴾ لتنذر اللام، هذه تسمى لام التعليل، والفعل بعدها منصوب بها، على مذهب منصوب باللام ولا بأن؟ * طالب: باللام. * الشيخ: باللام، وعلى مذهب البصريين منصوب بـ(أن) مضمرة بعد اللام، وعلى كل حال فهي تحتاج إلى متعلق، اللام ﴿لِتُنْذِرَ﴾ تحتاج إلى متعلق، فأين متعلقها؟ قوله: ﴿تَنْزِيلَ﴾ يعني تنزيل الرحمن الرحيم ﴿لِتُنْذِرَ﴾ يعني إنما نزل ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس ٦]. تنذر. قال العلماء: إن الإنذار هو الإخطار المقرون بالتخويف، أو المتضمن للتخويف، فالإنسان مثلًا يأتي إلى قومه يصيح بهم: العدو العدو، يُقال: هذا منذر ونذير؛ فالنذير عن شيء يخوف فهو إعلام متضمن للتخويف، هذا القرآن أنزله الله عز وجل ليُنذر النبي ﷺ به قومًا ما أُنذر آباؤهم؛ أي لم يُنذروا في زمن الفترة، وعلى هذا فـ﴿مَا﴾ نافية يعني لتنذر قومًا ما أنذر آباؤهم؛ أي لم ينذروا، لم يخوفوا لكن في زمن الفترة، وأما قبل فقد أُنذروا بواسطة إسماعيل بن إبراهيم، فإنه مُرسَل إلى العرب إلى قومه، وبعد ذلك لم ينذر هؤلاء. قال بعض المعربين الذين يجمعون الأقوال صحت أو ما صحت، أي أنهم يقولون أي احتمال قالوا: ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾ موصولة أي لتنذر قومًا الذي أنذره آباؤهم، فيجعلون ﴿مَا﴾ موصولة، ويجعلون العائد محذوفًا تقديره الذي أنذره آباؤهم؛ أي لتنذرهم الذي أُنذره آباؤهم، ولكن هذا وإن كان محتملًا من قِبل اللفظ لكنه بعيد من جهة المعنى؛ لأن الآيات الكثيرة المتعددة تدل على أن قريشًا الذين بعث فيهم الرسول ﷺ لم ينذر آباؤهم، ومنه قوله تعالى في سورة (الم تنزيل)، السجدة ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [السجدة ٣] وهذا صريح في أن ﴿مَا﴾ هنا للنفي لا غير ﴿مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [يس ٦] في زمن الفترة. ﴿فَهُمْ﴾ أي القوم ﴿غَافِلُونَ﴾ [يس ٦] عن الإيمان والرشد غافلون؛ لأنهم ما أتاهم نذير، ومعلوم أن النذر تُوجِب حياة القلوب والانتباه؛ ولهذا تجد الإنسان نفسَه، إذا لم يأتِه واعظ يغفل، وتكثر به الغفلة، فإذا أتاه واعظ فكأنما أيقظه من نوم، هؤلاء لما تطاول عليهم الأمد، ولم يأتهم نذير غفلوا، وكأنهم ما خُلِقوا لعبادة الله، وجعلوا لهم أصنامًا يعبدونها من دون الله، ويركعون لها ويسجدون وينذرون ويوفون. ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس ٦] لعدم من يوقظهم، ولكن مِن هؤلاء مَنْ عنده عِلْم من الرسالة، من هؤلاء الذين في زمن الفترة من عنده عِلْم من الرسالة لكنه عاند، وبقي على ما كان عليه آباؤه كالذين شهد لهم النبي ﷺ بالنار، فإن الذين شهد لهم الرسول ﷺ بالنار نعلم علم اليقين أن هؤلاء قد قامت عليهم الحجة، ولولا ذلك ما كانوا من أهل النار، فأهل الفترة نوعان: نوع علمنا بشهادة النبي ﷺ أنه قد بلغتهم الرسالة لحكم الرسول ﷺ عليهم بأنهم من أهل النار، وآخرون لا ندري عنهم شيئًا؛ فالواجب علينا أن نتوقف في أمرهم، وأن نقول: الله أعلم بما كانوا عاملين، وأصح الأقوال فيهم أنهم يمتحنون يوم القيامة بتكاليف الله أعلم بها، فمن أطاع منهم دخل الجنة ومن عصى دخل النار. * في الآية الكريمة فوائد: أولًا: بيان أن هذا القرآن الذي أعجز البشر لم يكن بدعًا من لسانهم، وأنه من الحروف التي يُرَكِّبُون منها كلامهم. يشير إلى هذا قوله ﴿يس﴾، ولهذا لا تأتي هذه الحروف الهجائية في أول السورة إلا وجدتَ بعدها ذكر القرآن في الغالب. * ومن فوائد الآية الكريمة: عظمة القرآن العظيم؛ لأن الله تعالى أقسم به، ولا يُقْسَم إلا بالشيء المعَظَّم، ثم قد يكون عظيمًا في ذاته حقيقة، وقد يكون مُعَظَّمًا باعتبار المقسِم به؛ فالذين يحلفون باللات والعُزَّى يحلفون بِمُعظَّم لا بعظيم؛ لأنه مُعظَّم عندهم لكنه ليس بعظيم في نفسه، والذين يُقسمون بالله وآياته يحلفون بعظيم بِمُعَظَّم في قلوبهم وهو عظيم في نفسه. القرآن الكريم عظيم في نفسه، ولَّا لا؟ * ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على القرآن بأنه حكيم على الوجوه الثلاثة اللي ذكرناها؛ لقوله: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ٢]. * ومن فوائدها: العناية بإثبات رسالة النبي ﷺ؛ لأن الله تعالى أقسم عليها وأكدها زيادةً على القسم بـ(إن) واللام، ومنها ثبوت رسالة النبي ﷺ، فمن أنكرها فهو كافر؛ لأنه مُكذِّب لله ورسوله وإجماع المسلمين. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرسل، وأن ثمة رسلًا غير محمد ﷺ؛ لقوله: ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس ٣]؛ ولهذا قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف ٩]؛ يعني لست أول رسول فإنه عليه الصلاة والسلام قد سبقه رسل من قبله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما جاء به النبي ﷺ من الشرع فهو الصراط المستقيم؛ لقوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس ٤]. وفيه من العوج والشر بمقدار ما خالف شريعة النبي ﷺ. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن مُنزَّل من عند الله، الآيات الكريمة هي آيات متعددة؛ لقوله: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس ٥]. * ومن فوائد الآيات: أن القرآن كلام الله، كيف ذلك؟ * طالب: قوله ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس ٥]. * الشيخ: وجهه؟ * الطالب: (...) كان منزلًا (...)، قائم بذاته أو قائم بغيره. * الشيخ: نعم، والكلام؟ * الطالب: قائم بغيره. * الشيخ: قائم بغيره، فيكون؟ * الطالب: غير مخلوق. * الشيخ: غير مخلوق، يكون كلام الله غير مخلوق. * إذن يستفاد منها: أن القرآن كلام الله غير مخلوق. * ومن فوائد الآيات إثبات علو الله؛ لقوله: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ﴾، والنزول لا يكون إلا من أعلى، وعلو الله عز وجل دل عليه الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة، كل هذه الأنواع الخمسة من الأدلة كلها دلت على علو الله عز وجل. * ومن فوائد الآيات الكريمة: إثبات العزيز والرحيم اسمين من أسماء الله، وإثبات ما تضمناه من الوصف، وما تضمنه الرحيم من الأثر، وهو الْحُكْم. * ومن فوائد الآيات: العزيز في بعض معانيها، وهو الغالب. * ومن فوائد الآيات: إنذار المخالفين لهذا القرآن، وذلك بإضافة ﴿تَنْزِيلَ﴾ إلى ﴿الْعَزِيزِ﴾؛ لأنه إذا قيل مثلًا: جاء هذا من عزيز، ويش يدل عليه؟ على إنذار مَنْ خالفه وتحذيره، فيكون في هذا الإنذار والتحذير من مخالفة هذا المنَزَّل؛ لأنه نزل من عزيز. * ومن فوائد الآيات: أن القرآن، بل إن الشرع كله من آثار رحمة الله؛ لقوله: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس ٥]. فإن قلت: أين الرحمة في قطْع يد السارق، وفي رجْم الزاني الْمُحصَن، وفي قتل القاتل، وما أشبه ذلك؟ فالجواب: أن الرحمة في ذلك واضحة جدًّا، قطع يد السارق فيها رحمة بالسارق وبغيره، رحمة بالسارق لتردعه عن السرقة مرة أخرى، ولتكون كفارة لذنبه؛ لأن الحدود كفارة يُكفَّر بها عن فاعلها، وفيها أيضًا إصلاح المجتمع وحمايته من الفوضى، وهذه رحمة ولَّا لا؟ رحمة ما فيه شك أن هذه رحمة، وكذلك نقول في بقية الحدود والقصاص: إنه من رحمة الله عز وجل. * ومن فوائد الآيات الكريمة: أن الرسول ﷺ مُنذِر؛ أي مُعلِم إعلامًا يتضمن التخويف، فإن قلت: وهل هو مُبَشِّر؟ الجواب: نعم، مُبَشِّر، لكن هنا ذكر الإنذار دون البشارة، والجواب على ذلك أن يُقال: إما لأن المقام يقتضي ذلك؛ لأنه يُخاطِب قومًا طاغين، فالأليق في حقهم الإنذار والتخويف؛ لأنهم مخالفون وطاغون، وإما أن يقال: إن هذا من باب ذكر أحد المتضايفين أو المتقابلين استغناءً بذكره عن ذِكْر الآخر كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل ٨١] يعني والبرد. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي ﷺ مرسل إلى العرب خاصة. من الذين ما أنذر آباؤهم؟ * طلبة: العرب. * الشيخ: العرب إذن اليهود والنصارى ما أُرسل إليهم؛ لأنه أنذر آباؤهم. * طالب: في الآيات الأخرى.. * طالب آخر: قومًا نكرة. * الشيخ: إي، ﴿قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ نكرة موصوفة. إذن نقول: إن الآيات الأخرى تدل على عموم رسالته، مثل قوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف ١٥٨]، ومثل قوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان ١]، وكقوله ﷺ: «بُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري، واللفظ له (٤٣٨)، ومسلم بنحوه (٥٢١/٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. ]]. والنصوص في هذا كثيرة متوافرة، ومن كذبها فقد كذَّب رسالته إلى العرب أيضًا؛ لأن الجنس واحد، ولكن قد يُقال: لماذا خص العرب؟ فيقال: خصهم لأمرين؛ الأول: أنه منهم، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة ٢] والثاني: أنه باشر دعوتهم بنفسه، وهدى الله العرب على يديه قبل موته، ثم انتشرت رسالته في الآفاق. وقد ذكر ابن كثير رحمه الله هنا قاعدة أشرنا إليها من قبل، وهي أن ذِكْر بعض أفراد العام بحكم يوافقه لا يقتضي التخصيص كما ذكر ذلك أهل الأصول كالشنقيطي في تفسيره وغيرهم، وأن هذا هو رأي الجمهور، وهو الحق، أن ذكر بعض أفراد العام في حكم لا يقتضي تخصيصها إذا كان يُطابِق حكم العام، فإذا قلت مثلًا: أكْرِم الطلبة، ثم قلت: أكرم زيدًا وهو منهم؛ فإنه لا يقتضي تخصيص الإكرام به؛ لأن الحكم هنا موافق للحكم العام، وذكر بعض أفراد العام بحكم يوافق العام ليس تخصيصًا له، واضح؟ ذكرنا هذا في أي مناسبة؟ * طالب: في باب التيمم. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: في قول النبي ﷺ: «وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَهُورًا»[[أخرجه البخاري (٤٣٨) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، ومسلم (٥٢١/٣)، واللفظ له من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. وجاء في بعض الروايات أنها التربة. * الشيخ: تربتها؟ * الطالب: طهورًا. * الشيخ: نعم. * الطالب: فكون النبي ﷺ ذكر التربة فلا يكفي أنه لا يصح التيمم بغيره. * الشيخ: تمام، صح، وكذلك؟ * الطالب: في الصلاة (...) بين السجدتين في تحريك الأصبع، هنا قول الرسول في التشهد لا يقتضي (...). * الشيخ: نعم، في الصلاة، وذكرناها أيضًا في الحلي عند قوله في الرقة: فِي مِئَتَي دِرْهَمٍ رُبْعُ الْعُشْرِ. قلنا: هذا لا يقتضي أن الحلي لا تجب فيها الزكاة؛ لأن ذكر بعض أفراد العام بحُكم يوافق العام لا يقتضي التخصيص. * ومن فوائد الآيات: سب هؤلاء الذين غفلوا عن الرسالات كقوله: ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس ٦]، وأن الغفلة عن البحث عن الرسالة يعتبر ذمًّا، وكذلك نقول: فيمن غفل عن البحث في جزئيات الشريعة، فمثلًا من غفل عن البحث في أحكام الصلاة فإنه يُذَم، عن البحث في أحكام الزكاة وهو محتاج لذلك نقول: إنه يُذم؛ ولهذا نقول: إن تعلم العلم الشرعي فرْض كفاية، ومن أراد أن يقوم بعبادة من العبادات كان تعلم أحكامها عليه فرض عين. وبناء على هذا نقول: كل طلبة العلم في كل مكان قائمون بفرض كفاية؛ ولهذا يحسن أن نستحضر هذا الأمر، أننا في مجالسنا هذه نقوم بفرض كفاية نُثاب عليه ثواب الفرض، وقد قال الله تعالى: «مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ»[[أخرج البخاري (٦٥٠٢) بسنده عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه..» الحديث. ]]. وهذه مسألة يغفل عنها كثير من الطلبة لا في مجالس الذكر والعلم، ولا في المجالس الأخرى مجالس المراجعة، تجد الإنسان مثلًا يراجع الكتاب ولكنه ما يستحضر أنه الآن قائم بفرض كفاية، وهذا يُفوِّت علينا خيرًا كثيرًا؛ لهذا نسأل الله أن يعيننا على تذكر هذا المعنى حتى نكسب خيرًا بما نقرؤه وبما نراجعه (...) * * * أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس ٥- ٦]. قوله: ﴿تَنْزِيلَ﴾ فيها قراءتان الأخ؟ (...) أظن ما ذكرت (...). لله عز وجل؛ لأن اللام للتعليل، إذن أضيفوها إليها؛ لأن أظن آخر ما أخذنا من الفوائد هي الآية هذه، يعني ما أخذنا سواها. * فتضاف إلى الفوائد: إثبات الحكمة لله المستفاد من قوله: ﴿لِتُنْذِرَ﴾.

يس 36:4

الآية الكريمة: إثبات اليوم الآخر والجزاء فيه؛ لقوله: ﴿يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر ٤٥]. * ومن فوائدها: إثبات الاسم لله وهو بصير، وما تضمنه من الصفة وهو البصر، والبصر هنا بمعنى بصر البصيرة أو بصر العين؟ يشمل هذا وهذا. هل نأخذ من هذا أن الإنسان قد يُعاقَب بتلف المال؟ إي نعم؛ لقوله: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر ٤٥] يشمل حتى الحيوانات، فإذا تلف للإنسان أموال فإن هذه من عقوبات الذنوب سواء كانت الأموال من ذوات الأرواح كالدواب حية أو من غير ذوات الأرواح، قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة ١٥٥] كل هذه تقع ابتلاء من الله عز وجل، وتقع عقوبة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِير﴾ [الشورى ٣٠]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات حكمة الله تعالى بتقديره الأشياء تقديرًا مُحكمًا لا تتقدم ولا تتأخر؛ لقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر ٤٥]. ثم قال الله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ١، ٢] قال المؤلف: (سورة يس مكية)، والمكي ما نزل قبل الهجرة ليس ما نزل بمكة؛ إذ قد ينزل بمكة بعد الهجرة ويكون مدنيًّا، فما نزل قبل الهجرة فهو مكي، وما نزل بعدها فهو مدني، هذا القول هو الراجح من أقوال أهل العلم. قال: (أو إلا قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا﴾ الآية [يس: ٤٧] أو مدنية) فالأقوال فيها إذن ثلاثة؛ إما مكية، أو مدنية، أو مكية إلا قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا﴾ [يس ٤٧]، والذي يظهر أنها مكية؛ لأن أسلوبها أسلوب المكي، والسور المكية تمتاز عن السور المدنية بقوة الأسلوب وجزالة اللفظ بخلاف السور المدنية فإن أسلوبها لين ألين؛ لأنه يُخاطِب قومًا آمنوا، ويخاطب أيضًا قومًا فيهم أهل كتاب، ليس عندهم من البلاغة في اللغة العربية ما عند العرب. فالظاهر -والله أعلم- أنها مكية، وإذا جعلناها مكية فإننا لا نقول باستثناء شيء منها؛ لأن الأصل أن السورة المكية كلها مكية، وأن السورة المدنية كلها مدنية، فمن ادعى استثناء آية أو آيتين أو أكثر فعليه الدليل، أما مجرد أن المعنى يليق بأهل المدينة مثلًا فهذا لا يكفي في الاستثناء؛ لأن الله تعالى قد يذكر معنى يليق بأهل المدينة توطئة وتمهيدًا حتى يكون الناس على بصيرة؛ ولهذا يذكر الله تعالى في الآيات المكية قصص موسى عليه الصلاة والسلام مع أن العناية بقصة موسى في المدينة أولى؛ لأن فيها اليهود، أما مكة فليس فيها يهود. المهم أن بعض العلماء إذا نظر إلى أن المعنى يليق بالسورة المدنية أو بالأحكام المدنية ذهب يستثني ويقول: إلا آية كذا، إلا آية كذا، وهذا غير مستمر. قال الله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، البسملة آية من كتاب الله مستقلة، يؤتى بها في ابتداء كل سورة ما عدا سورة براءة وليست من الفاتحة ولا من غيرها، هذا هو القول الراجح، وأما من قال: إنها من الفاتحة وليست من غيرها فقوله ضعيف؛ أولًا: للتفريق بدون دليل، وثانيًا: أن حديث أبي هريرة الثابت في الصحيح وهو «قول الله تعالى: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ»[[أخرجه مسلم (٣٩٥/٣٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]]. يدل على أن البسملة ليست من الفاتحة؛ لأنها لم تذكر في هذا الحديث، وأيضًا فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يجهر بها في صلاته، لا يجهر بالبسملة؛ وهذا يدل على أنها ليست من الفاتحة وإلا لجهر بها كما يجهر في بقية الآيات. أما إعرابها فقد سبق لنا مرارًا وتكرارًا، وأنها جار ومجرور وصفة وموصوف، وأن هذا الجار والمجرور متعلق بمحذوف، وأن هذا المحذوف ينبغي أن يكون فعلًا خاصًّا متأخرًا، فكونه فعلًا لماذا؟ لأن الأصل في العامل أو بالعوامل الأفعال؛ ولذلك تعمل الأفعال عملها بدون شرط، الأسماء التي تعمل عمل الفعل لا بد فيها من شروط، هذا واحد، خاصًّا؛ لأنه أدل على المخصوص، متأخرًا لفائدتين: التبرُّك بتقديم اسم الله عز وجل، وإفادة الحصر. عندما تُسمي على الوضوء ويش تُقدِّر؟ باسم الله أتوضأ، لو قلت: باسم الله ابتدائي؟ يصح، لكن ابتدائي عام، وأتوضأ أخص، والإتيان بالأخص أدل على المقصود. لو قلت: ابتدائي باسم الله؟ صح، لكن فاتك التأخير والتخصيص والفعلية إذا قلت: ابتدائي، إذا قلت: أبتدئ باسم الله؛ فاتك التأخير والتخصيص. إذا قلت: أتوضأ باسم الله؛ فاتك التأخير فقط. إذن نُقدر متعلق البسملة فعلًا خاصًّا متأخرًا، فعلًا لماذا؟ لأن الأفعال هي الأصل في العمل، خاصًّا؛ لأنه أدل على المخصوص، متأخرًا لأمرين: تَبَرُّكًا بالبداءة باسم الله، والثاني: إفادة الحصر؛ يعني لا ابتدئ بشيء إلا باسم الله. ربما يقول قائل: هل يمكن أن نستدل لهذا القول بشيء من النص؟ نقول: نعم، قال النبي عليه الصلاة والسلام وهو يخطب الناس في عيد الأضحى: «مَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ» أو: «فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٠٠)، ومسلم (١٩٦٠/١و٢) من حديث جندب بن سفيان رضي الله عنه. ]]. لفظان، فإن هذا يدل على أن تقدير الأخص أولى من تقدير الأعم (...) ثم على قراءتها في القرآن، ذكرنا أن البسملة جار ومجرور متعلق بمحذوف (...) وأعلم الأعلام، أعلم حتى من الضمير؛ لأنه اسم يختص بالله لا يمكن أن يشركه فيه أحد؛ ولهذا قالوا: أَعْرَف المعارف على الإطلاق اسم الله؛ لأنه لا يُشاركه فيه أحد، الضمير إذا قلت: قمت، صحيح ما يشاركني أحد فيه لكن صالح أن يستعمله غيري، أما الله فلا تصح الشركة فيه. أما الرحمن الرحيم فهما صفتان لله، والرحمن والرحيم معناهما؛ ذو الرحمة، لكن الرحمن باعتبارها وصفًا لله، والرحيم باعتبارها فعلًا له؛ ولهذا كان الرحمن عامًّا والرحيم خاصًّا قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣] فالرحمن لُوحِظ فيه الوصف، والرحيم لُوحِظ فيه الفعل؛ ولهذا لما لُوحِظ في الرحمن الوصف جاء على الأوزان التي تدل على الامتلاء والسعة فصارت على وزن (فَعْلَان). والرحمة صفة من صفات الله سبحانه وتعالى الحقيقية الثابتة له على وجه الحقيقة لا المجاز، وقد أنكرها أهل التعطيل، ومنهم الأشاعرة، وقالوا: إنه ليس لله صفة هي الرحمة؛ لأن الرحمة رِقَّة ولين، وهذا لا يليق بالله عز وجل، وفسروها إما بالإرادة؛ لأنهم يؤمنون بالإرادة، وإما بالفعل؛ لأن الفعل منفصل عن الفاعل، يعني المفعول منفصل عن الفاعل، فهم يفسرونها إما بالإحسان وهو مخلوق منفصل، وإما بإرادة الإحسان؛ لأنهم يقرون بالإرادة. ولا شك أن قولهم هذا باطل، وأنه إنكار صفة من أعظم صفات الله عز وجل وهي من أبرز الصفات، فقد قال الله تعالى: «إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي»[[أخرجه البخاري (٧٤٢٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]]. والعجب كل العجب أنهم يقولون: إن الإرادة دل عليها العقل، والرحمة دل العقل على انتفائها، كيف؟ قالوا: لأن التخصيص دال على الإرادة، التخصيص يعني مثلًا كون هذا سماءً، وهذه أرضًا، وهذه شمسًا، وهذا قمرًا، إلى آخره يدل على الإرادة؛ لأنه لا مُخصِّص إلا بإرادة. أما الرحمة فيقولون: إن العقل لا يدل عليها بل يدل على انتفائها، ونحن نقول: عجبًا لكم!! دلالة العقل على الرحمة أبلغ وأظهر وأوضح من دلالته على الإرادة، ولهذا جعلتم دلالة العقل على الإرادة بالتخصيص، وهذا لا يفهمه إلا خواص الناس، يمكن طالب العلم لو تسأله بدون أن يعرف البحث ما استدل بالتخصيص على الإرادة وهو طالب علم، لكن الرحمة كُلٌّ يعرف أن لله تعالى رحمة، ويستدل عليها بالعقل، تأتي العامي في السوق تقول له: والله نزل المطر، واخضرت الأرض، ورويت الزروع، وما أشبه ذلك، منين هذا؟ ويش يقول لك؟ من رحمة الله، على طول، فيستدل بالنعم التي هي من آثار الرحمة على الرحمة، ولكن نسأل الله لنا ولكم الهداية من لم يجعل الله له نورًا فما له من نور. قال الله تعالى: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ١، ٢] قال المؤلف: (﴿يس﴾ الله أعلم بمراده). ولا شك أن الله أعلم بمراده ومراد غيره، وأعلم بكل شيء، ولكن ما المراد بهذه أو بهذين الحرفين الهجائيين؟ يقول المؤلف: (الله أعلم)، ما ندري ماذا أراد الله عز وجل. ومنهم من قال: إن معنى ﴿يس﴾ يا إنسان، فـ(يا) حرف نداء على زعمهم، ويس كلمة يُعبر بها عن الإنسان، وبعضهم أتى بغير ذلك أيضًا مما لا طائل تحته، ولا دليل عليه، لكن يبقى النظر، هل نقول كما قال المؤلف: (الله أعلم بما أراد) في جميع الحروف الهجائية التي ابتُدئت بها السور أو نقول: إنه لا معنى لها بمقتضى قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٣ - ١٩٥] فإن مقتضى اللسان العربي المبين أن هذه الحروف ليس لها معنى، فإذا حكمنا بهذه القضية العامة بلسان عربي مبين على كل كلمة، أو حرف في القرآن الكريم، فإننا نعلم أن ﴿يس﴾ ليس لها معنى بمقتضى اللسان العربي المبين، (يا) ما لها معنى حرف هجاء، سين ما لها معنى أيضًا، حرف هجاء. وهذا القول ذكره ابن كثير عن مجاهد رحمه الله، وهو قول قوي، ويشهد له الآية التي استشهدت بها. إذن نقول: لا معنى لهذه الحروف، فيرد علينا إشكال إذا قلنا: لا معنى لها، كيف يأتي الله عز وجل في كتابه العظيم بكلام لغو لا معنى له؟ والجواب على هذا أن يقال: إن له مغزى عظيمًا، هذا المغزى هو أنكم أيها العرب الذين عجزتم عن معارضة القرآن والإتيان بمثله، عجزتم عن ذلك لا لأن هذا القرآن أتى بحروف جديدة أو كلمات جديدة بل هو من الكلمات التي تكونون منها كلامكم، حروف هجائية؛ ولهذا قل أن تجد سورة مبدوءة بهذه الحروف الهجائية إلا وبعدها ذكر القرآن مما يدل على أن هذا هو المراد بها، وهذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وقبله الزمخشري أيضًا في تفسيره، وغيره من العلماء على أن هذه حروف هجائية جيء بها لأجل إظهار عجز العرب عن مُعارَضة هذا القرآن مع أنه لم يأتِ بجديد في كلامهم. قال: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ١، ٢] الواو هذه للقسم، فلها معنى ولها عمل؛ عملها الجر، ومعناها التأكيد؛ فالقسم تأكيد الشيء بذكر مُعظَّم على صورة مخصوصة، هذا القسم، ولا بد أن يكون المحلوف به مُعظَّمًا ولو تقديرًا في ذهن الْمُقْسِم، كأنه يقول -إي الْمُقْسم بالمعظم-: بقدر تأكد تعظيمي لهذا الشيء أؤكد ما حلفت عليه، بقدر تعظيمي لهذا الشيء وتأكدي منه وإثباتي له أؤكد المحلوف عليه؛ ولهذا لا بد أن يكون المحلوف به معظمًا، وإلا لكان الحلف لا فائدة منه. ﴿الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ٢] القرآن المراد به هذا الذي نقرؤه كلام الله عز وجل، وهو مشتق من (قرأ) بمعنى (تلا)؛ لأنه متلو، أو من (قَرَى) بمعنى (جمع)؛ لأنه مجموع وجامِع، فهو مشتق من المعنيين، من القراءة بمعنى التلاوة، ومن (قَرَى) بمعنى (جمع)، ومنه القرية؛ لأنها مجتمع الناس؛ فالقرآن جامع بين المعنيين فهو متلو، وجامع، ومجموع، كلمات مجموع بعضها إلى بعض، كلام جامع لكل ما فيه الخير والصلاح. قوله: ﴿الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ٢] ﴿الْحَكِيمِ﴾ صفة للقرآن، وهي بمعنى مُحْكِم، أو بمعنى مُحْكَم، أو بمعنى حَاكِم، كلها تحتمل، فالقرآن حاكم؛ لأنه يجب الرجوع إليه ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء ٥٩] ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية ٢٩] إذا قلنا: إنه القرآن. طيب مُحْكِم؛ لأنه مُتقِن للأشياء، فقد ﴿تَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]، وكذلك أيضًا مُحكَم؛ لأن الله تعالى أحكمه وأتقنه، فليس فيه تناقض ولا تعارض ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢] إذن هو مشتمِل على الحكمة أيضًا ولَّا لا؟ نعم، هو مشتمل على الحكمة، ففيه معنى الحكمة والْحُكْم. إذا كان حكيمًا فإننا نعلم أنه حكيم في ترتيبه، كل آية إلى جنب الأخرى حتى وإن ظننا أنه لا ارتباط بينهما فإنما ذلك إما لقصورنا أو تقصيرنا فمثلًا لو قال قائل: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة ٢٣٨] جاءت في سياق آيات العِدَد، فما هو الارتباط؟ نقول: لا بد أن هناك حكمة لكن قصرت أفهامنا عنها، أو قصرنا في التدبر لطلبها والمراجعة لكتب أهل العلم. إذن هو حكيم في ترتيبه، حكيم في أحكامه، فأحكامه كلها عدل موافقة للفطرة وللعقل الصريح؛ ولهذا لا تجد شيئًا في أحكام القرآن مناقضًا للفطرة أبدًا، بل هو موافق للفطرة، ولا تجد شيئًا في القرآن يكذبه العقل أو يحيله أبدًا، بل إن العقل يُقرِّر في الجملة ما جاء به القرآن. كذلك حكيم في أسلوبه؛ يشتد في موضع الشدة، ويلين في موضع اللين، ويأتي بأساليب غريبة، ما كانت معروفة في أساليب العرب، فبينما الآية سياقها خبري، إذا بها تنتقل إلى سياق إنشائي، من استفهام، أو نهي، أو أمر، أو ما أشبه ذلك، وكل هذا من الحكمة، بينما القرآن يتحدث بصيغة الغائب إذا به ينتقل إلى صيغة الحاضر، فينتقل من أسلوب إلى آخر، وهو ما يسمى بالالتفات، وأنواع هذا كثيرة في القرآن. فالقرآن إذن حكيم بكل معنى الحكمة، وبكل معنى الإحكام، وبكل معنى الْحُكْم. قال المؤلف مُقتصرًا على واحد منها: (الْمُحْكَم في عجيب النظم وبديع المعاني) فأتى بمعنى واحد من معاني الحكيم، ونحن ذكرنا ثلاثة أشياء؛ ذو حكمة، ومُحْكِم، ومُحْكَم. مُحْكِم، ومُحْكَم، وحاكِم أيضًا، فذكرنا أنه حاكم، وذو حكمة، وحُكْم وإِحْكام، فيشمل أعم مما قال المؤلف، هذا الْمُقْسم به، وإقسام الله تعالى بكتابه العظيم، أو بكتابه الحكيم يدل على عِظَم هذا القرآن، وعلى عِظَم ما جاء به من الإحكام والحِكمة والْحُكم. ثم ذكر الْمُقسم عليه فقال: ﴿إِنَّكَ﴾ [يس ٣] يا محمد ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ فأقسم الله تعالى بكتابه على أن محمدًا ﷺ من المرسلين. وقوله: ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس ٣]؛ لأنه سبقه الرسل وهو خاتم الرسل وأكملهم شريعة، جاء ليتمم مكارم الأخلاق، وقد شبه النبي ﷺ رسالته «برجل بنى قصرًا وأشاده، وَبَقِي موضع لبنة، فصار الناس يطوفون به ويتعجبون منه إلا موضع هذه اللبنة، قال: «فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ»[[أخرج البخاري، واللفظ له (٣٥٣٤)، ومسلم (٢٢٨٧/٢٣) بسندهما عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: قال النبي ﷺ: «مثلي ومثل الأنبياء كرجل بنى دارًا، فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة، فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون ويقولون: لولا موضع اللبنة». ]]. هذه الجملة ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس ٣] مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ القسم، وإن، واللام ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ قال: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس ٤] متعلق بما قبله، الذي قبله ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾، ومُرْسَل اسم مفعول صالح للعمل؛ لأن يتعلق به المعمول، المعنى إنك لمن الذين أُرسلوا على صراط مستقيم؛ لأن جميع الرسل على صراط مستقيم بلا شك، ولكن يحتمل وجه آخر أحسن مما قال المؤلف؛ وهو أن تكون ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ خبرًا ثانيًا لـ(إن). ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ إنك ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس ٤] وهذا أنسب، ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى ٥٢، ٥٣]. إذن فنقول: الوجه الثاني في إعراب ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس ٤] أنها خبر ثان لـ(إن). وقوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس ٤] قال: أي طريق الأنبياء قبلك التوحيد والهدى. ﴿صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿صِرَاط﴾ (فِعَال) بمعنى (مَفْعُول)؛ لأن فِعالًا تأتي بمعنى مفعول كثيرًا؛ كقولهم: بِناء وغِراس وفِراش بمعنى مبني، مغروس، مفروش، صِراط (فِعَال) بمعنى (مَفْعُول)؛ أي مصروط، والصَّرْط المرور بسرعة، هذا الصَّرْط، الصَّرْط المرور بسرعة، ومنه قولهم: صرط اللقمة أي: ابتلعها بسرعة، وفي اللغة العامية عندنا نقول: زرط وهي لغة عربية، صراط فيها سراط بالسين، وزراط بالزاي، كلها لغة عربية. الصراط لا يكون صراطًا إلا إذا كان طريقًا واسعًا، يتحمل طوائف يعبرون عليه، قالوا: وأيضًا من صفاته أن يكون مستويًا ليس فيه طلوع ولا نزول، و﴿مُسْتَقِيم﴾ صفة له مؤكدة؛ يعني أنه لا اعوجاج فيه. ولا شك أن ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام صراط مستقيم؛ لأنه طريق واسع يسع كل الأمة منذ بُعث إلى أن تقوم الساعة، لا يمكن أن يضيع، صراط واسع أيضًا، لا يمكن أبدًا أن يضيق عن الأحكام الشرعية، كل حادثة تنزل منذ بُعث الرسول ﷺ إلى يوم القيامة لا بد أن يوجد فيها حل لمشكلتها إن كانت مشكلة فيما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام؛ ولذلك نقول: إن هذا الشرط في القرآن والسنة كامل لا يحتاج إلى تكميل، وأيضًا واسع لا يمكن أن يضيق بأي جزء أو بأي جزئية تقع إلى يوم القيامة. إذن ما فيه شيء مشكل في الشريعة ولَّا لا؟ لكن الإشكال إنما يأتي من قِبَل الناس؛ إما لقصور في الفهم، أو لتقصير في طلب العلم والهدى، أو لأشياء رانت على قلوبهم وأظلمتها حتى لا تُبصِر الحق؛ يعني قد يكون الإنسان غير مُقصِّر ولا قاصر، عنده فهم قوي، وعنده آلة قوية وعلم، لكن يكون على قلبه ذنوب تحول بينه وبين رؤية الصواب؛ ولهذا ينبغي للإنسان إذا أشكل عليه مسألة من المسائل بعد المراجعة والتتبع لكلام أهل العلم يُكثر من الاستغفار؛ لأن الاستغفار يمحو الله به الخطايا فيكون القلب مستنيرًا، وربما يستنبط هذا من قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ١٠٥ - ١٠٦]. ويستدل له أيضًا بقوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُون﴾ [المطففين ١٣ - ١٤]، فالذنوب منعت القلوب أن ترى أحقية هذا الكتاب حتى قال القائل: إنها أساطير الأولين. فالمهم أنَّا نقول: إن هذا الدين صراط مستقيم واسع، يسع جميع الناس إذا دخلوه، واسع يشمل جميع أحكام الحوادث والنوازل منذ بُعث الرسول ﷺ إلى أن تقوم الساعة، ولكن الإشكال الذي يكون إما من قصورنا أو تقصيرنا، أو من أمور رانت على القلوب فلا ترى الحق (...) بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ١، ٢] ما معنى قوله يس؟ (...) بالقسم وغيره، تأكيد بالقسم في قوله: ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ وغيره؛ يعني بذلك إن واللام رد لقول الكفار له لستَ مُرسلًا كما قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ [الرعد ٤٣]. إذن فالكلام مطابِق لمقتضى الحال؛ لأنه يُخاطِب المنكِر وقد سبق لنا في البلاغة أنه إذا خُوطِب المنكِر فإنه يجب أن يؤكد له الخبر؛ يعني يقول علماء البلاغة: للمخاطب ثلاث مراتب: أن يكون منكِرًا، وأن يكون مترددًا، وألا يكون في ذهنه شيء لا إنكار ولا تردد، قالوا: فإن كان منكرًا وجب تأكيد الخبر له، يجب أن يؤكد الخبر له، وإن كان مترددًا حسن أن يؤكَّد له الخبر، وإن لم يكن في ذهنه شيء فإنه يُلْقى إليه الخبر غير مؤكد، هذا هو الأصل. إذا كنت تخاطب إنسانًا ليس في ذهنه شيئًا عن مدلول الخبر فألقِ الخبر إليه غير مؤكد، تقول: زيد قائم، إذا كنتَ تخاطب مترددًا في صحة الخبر فأكِّده له وجوبًا ولَّا لا؟ استحسانًا، إذا كنت تخاطب مُنكرًا فإنه يجب أن تؤكد له الخبر هذا، هو الأصل. وقد يُحذف التوكيد في موضع التوكيد، وقد يأتي التوكيد في غير موضع التوكيد لأسباب تُعرَف من السياق، هنا الكفار يقولون: لست مرسلًا، فكان تأكيد خبر الرسالة لهم واجبًا؛ يعني مما تُوجِبه البلاغة، والوجوب هنا ليس الوجوب التكليفي الذي يأثم بتركه، بل الوجوب من حيث البلاغة. قال: ﴿تَنْزِيلُ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس: ٥] ﴿تَنْزِيلُ﴾ خبر مبتدأ محذوف تقديره هو؛ أي القرآن ﴿تَنْزِيلُ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ . و﴿تَنْزِيلَ﴾ مصدر (نَزَّل، يُنَزِّل)، والقرآن مُنَزَّل ومُنْزل؛ مُنَزَّل يعني ينزل شيئًا فشيئًا كما قال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء ١٠٦]، فإنه ينزل شيئًا فشيئًا، ويعبر أحيانًا عن القرآن بأنه أُنزِل باعتبار نهايته، فإنه باعتبار النهاية يكون نزل كله، وباعتبار التدريج بتنزيله يكون منزلًا، وهكذا في القرآن نزول المطر، أحيانًا يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق ٩] ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنعام ٩٩] فباعتبار أن المطر ينزل شيئًا فشيئًا يقال: نزلنا وباعتبار النهاية واجتماعه كله يقال: أنزلنا. وقوله: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ﴾ قال المؤلف: (في ملكه)؛ يعني الغالب في ملكه الذي لا يُغلَب فيه، وقد مر علينا في باب العقيدة أن العزيز من أسماء الله، وأن العِزَّة لها ثلاثة معانٍ؛ عِزَّة القدْر، وعزة القهر، وعزة الامتناع، ثلاثة، ما هي؟ * طالب: عزة القدْر، عزة الامتناع، عزة القهر. * الشيخ: نعم، عزة القدْر؛ بمعنى أنه ذو قدْر عظيم رفيع، عزة القهر بمعنى أنه قاهِر غالب، عزة الامتناع بأنه قوي لا يناله شيء، قال ابن القيم: وَهُوَ الْعَزِيزُ فَلَنْ يُرَامَ جَنَابُهُ ∗∗∗ أَنَّى يُرَامُ جَنَابُ ذِي السُّلْطَانِ فهو عز وجل عزيز ممتنع أن يناله السوء. ومنه الأرض العَزَاز لقوتها وشدتها. إذن فقول المؤلف: (العزيز في ملكه) فيه قصور. قال: ﴿الرَّحِيمِ﴾ بخلْقِه، وهنا نقول: إن الرحيم عامة؛ لأنها لم تُقيَّد، فالمراد به الرحمة العامة، فهو سبحانه وتعالى رحيم بخلقه كلهم، ما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها حتى الكافر يرزقه الله تعالى العقل والصحة والأولاد والمال والأزواج، لكن هذه رحمة عامة، أما الرحمة الخاصة بالمؤمنين، ففي قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣]. قال: ﴿الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس ٥] بخلقه، وهنا أضاف تنزيل القرآن إلى هذين الاسمين إشارة إلى وجوب العمل بما جاء في القرآن، وأن من لم يعمل به فإن أمامه العزيز الذي يأخذه أخذ عزيز مقتدر. ﴿الرَّحِيمِ﴾ إشارة إلى أن هذا القرآن إنزاله من مقتضى رحمته بخلقه؛ لأن الله تعالى ما رَحِم خلقه رحمة أعظم من إنزال القرآن الكريم؛ لأن به الحياة؛ الحياة القلبية والبدنية والفردية والاجتماعية، ففيه إشارة -كما قلت- بل فيه تهديد للذين يخالفون هذا القرآن بأنه نزل من عند عزيز ينتقم ممن خالفه، (رحيم) إشارة إلى أن هذا القرآن من مقتضى رحمته سبحانه وتعالى. قال: (خبر مبتدأ مقدر) ويش يعني بخبر مبتدأ مقدر؟ ﴿تَنْزِيلُ﴾ بالرفع أي القرآن؛ يعني التقدير القرآن تنزيل العزيز الرحيم. في قراءة سبعية: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ وعلى هذه القراءة يكون منصوبًا على أنه مصدر عامله محذوف؛ يعني نُزِّل تنزيل العزيز الرحيم. قال: ﴿لِتُنْذِرَ﴾ به ﴿قَوْمًا﴾ متعلق بـ﴿تَنْزِيلَ﴾ لتنذر اللام، هذه تسمى لام التعليل، والفعل بعدها منصوب بها، على مذهب منصوب باللام ولا بأن؟ * طالب: باللام. * الشيخ: باللام، وعلى مذهب البصريين منصوب بـ(أن) مضمرة بعد اللام، وعلى كل حال فهي تحتاج إلى متعلق، اللام ﴿لِتُنْذِرَ﴾ تحتاج إلى متعلق، فأين متعلقها؟ قوله: ﴿تَنْزِيلَ﴾ يعني تنزيل الرحمن الرحيم ﴿لِتُنْذِرَ﴾ يعني إنما نزل ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس ٦]. تنذر. قال العلماء: إن الإنذار هو الإخطار المقرون بالتخويف، أو المتضمن للتخويف، فالإنسان مثلًا يأتي إلى قومه يصيح بهم: العدو العدو، يُقال: هذا منذر ونذير؛ فالنذير عن شيء يخوف فهو إعلام متضمن للتخويف، هذا القرآن أنزله الله عز وجل ليُنذر النبي ﷺ به قومًا ما أُنذر آباؤهم؛ أي لم يُنذروا في زمن الفترة، وعلى هذا فـ﴿مَا﴾ نافية يعني لتنذر قومًا ما أنذر آباؤهم؛ أي لم ينذروا، لم يخوفوا لكن في زمن الفترة، وأما قبل فقد أُنذروا بواسطة إسماعيل بن إبراهيم، فإنه مُرسَل إلى العرب إلى قومه، وبعد ذلك لم ينذر هؤلاء. قال بعض المعربين الذين يجمعون الأقوال صحت أو ما صحت، أي أنهم يقولون أي احتمال قالوا: ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾ موصولة أي لتنذر قومًا الذي أنذره آباؤهم، فيجعلون ﴿مَا﴾ موصولة، ويجعلون العائد محذوفًا تقديره الذي أنذره آباؤهم؛ أي لتنذرهم الذي أُنذره آباؤهم، ولكن هذا وإن كان محتملًا من قِبل اللفظ لكنه بعيد من جهة المعنى؛ لأن الآيات الكثيرة المتعددة تدل على أن قريشًا الذين بعث فيهم الرسول ﷺ لم ينذر آباؤهم، ومنه قوله تعالى في سورة (الم تنزيل)، السجدة ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [السجدة ٣] وهذا صريح في أن ﴿مَا﴾ هنا للنفي لا غير ﴿مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [يس ٦] في زمن الفترة. ﴿فَهُمْ﴾ أي القوم ﴿غَافِلُونَ﴾ [يس ٦] عن الإيمان والرشد غافلون؛ لأنهم ما أتاهم نذير، ومعلوم أن النذر تُوجِب حياة القلوب والانتباه؛ ولهذا تجد الإنسان نفسَه، إذا لم يأتِه واعظ يغفل، وتكثر به الغفلة، فإذا أتاه واعظ فكأنما أيقظه من نوم، هؤلاء لما تطاول عليهم الأمد، ولم يأتهم نذير غفلوا، وكأنهم ما خُلِقوا لعبادة الله، وجعلوا لهم أصنامًا يعبدونها من دون الله، ويركعون لها ويسجدون وينذرون ويوفون. ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس ٦] لعدم من يوقظهم، ولكن مِن هؤلاء مَنْ عنده عِلْم من الرسالة، من هؤلاء الذين في زمن الفترة من عنده عِلْم من الرسالة لكنه عاند، وبقي على ما كان عليه آباؤه كالذين شهد لهم النبي ﷺ بالنار، فإن الذين شهد لهم الرسول ﷺ بالنار نعلم علم اليقين أن هؤلاء قد قامت عليهم الحجة، ولولا ذلك ما كانوا من أهل النار، فأهل الفترة نوعان: نوع علمنا بشهادة النبي ﷺ أنه قد بلغتهم الرسالة لحكم الرسول ﷺ عليهم بأنهم من أهل النار، وآخرون لا ندري عنهم شيئًا؛ فالواجب علينا أن نتوقف في أمرهم، وأن نقول: الله أعلم بما كانوا عاملين، وأصح الأقوال فيهم أنهم يمتحنون يوم القيامة بتكاليف الله أعلم بها، فمن أطاع منهم دخل الجنة ومن عصى دخل النار. * في الآية الكريمة فوائد: أولًا: بيان أن هذا القرآن الذي أعجز البشر لم يكن بدعًا من لسانهم، وأنه من الحروف التي يُرَكِّبُون منها كلامهم. يشير إلى هذا قوله ﴿يس﴾، ولهذا لا تأتي هذه الحروف الهجائية في أول السورة إلا وجدتَ بعدها ذكر القرآن في الغالب. * ومن فوائد الآية الكريمة: عظمة القرآن العظيم؛ لأن الله تعالى أقسم به، ولا يُقْسَم إلا بالشيء المعَظَّم، ثم قد يكون عظيمًا في ذاته حقيقة، وقد يكون مُعَظَّمًا باعتبار المقسِم به؛ فالذين يحلفون باللات والعُزَّى يحلفون بِمُعظَّم لا بعظيم؛ لأنه مُعظَّم عندهم لكنه ليس بعظيم في نفسه، والذين يُقسمون بالله وآياته يحلفون بعظيم بِمُعَظَّم في قلوبهم وهو عظيم في نفسه. القرآن الكريم عظيم في نفسه، ولَّا لا؟ * ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على القرآن بأنه حكيم على الوجوه الثلاثة اللي ذكرناها؛ لقوله: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ٢]. * ومن فوائدها: العناية بإثبات رسالة النبي ﷺ؛ لأن الله تعالى أقسم عليها وأكدها زيادةً على القسم بـ(إن) واللام، ومنها ثبوت رسالة النبي ﷺ، فمن أنكرها فهو كافر؛ لأنه مُكذِّب لله ورسوله وإجماع المسلمين. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرسل، وأن ثمة رسلًا غير محمد ﷺ؛ لقوله: ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس ٣]؛ ولهذا قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف ٩]؛ يعني لست أول رسول فإنه عليه الصلاة والسلام قد سبقه رسل من قبله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما جاء به النبي ﷺ من الشرع فهو الصراط المستقيم؛ لقوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس ٤]. وفيه من العوج والشر بمقدار ما خالف شريعة النبي ﷺ. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن مُنزَّل من عند الله، الآيات الكريمة هي آيات متعددة؛ لقوله: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس ٥]. * ومن فوائد الآيات: أن القرآن كلام الله، كيف ذلك؟ * طالب: قوله ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس ٥]. * الشيخ: وجهه؟ * الطالب: (...) كان منزلًا (...)، قائم بذاته أو قائم بغيره. * الشيخ: نعم، والكلام؟ * الطالب: قائم بغيره. * الشيخ: قائم بغيره، فيكون؟ * الطالب: غير مخلوق. * الشيخ: غير مخلوق، يكون كلام الله غير مخلوق. * إذن يستفاد منها: أن القرآن كلام الله غير مخلوق. * ومن فوائد الآيات إثبات علو الله؛ لقوله: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ﴾، والنزول لا يكون إلا من أعلى، وعلو الله عز وجل دل عليه الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة، كل هذه الأنواع الخمسة من الأدلة كلها دلت على علو الله عز وجل. * ومن فوائد الآيات الكريمة: إثبات العزيز والرحيم اسمين من أسماء الله، وإثبات ما تضمناه من الوصف، وما تضمنه الرحيم من الأثر، وهو الْحُكْم. * ومن فوائد الآيات: العزيز في بعض معانيها، وهو الغالب. * ومن فوائد الآيات: إنذار المخالفين لهذا القرآن، وذلك بإضافة ﴿تَنْزِيلَ﴾ إلى ﴿الْعَزِيزِ﴾؛ لأنه إذا قيل مثلًا: جاء هذا من عزيز، ويش يدل عليه؟ على إنذار مَنْ خالفه وتحذيره، فيكون في هذا الإنذار والتحذير من مخالفة هذا المنَزَّل؛ لأنه نزل من عزيز. * ومن فوائد الآيات: أن القرآن، بل إن الشرع كله من آثار رحمة الله؛ لقوله: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس ٥]. فإن قلت: أين الرحمة في قطْع يد السارق، وفي رجْم الزاني الْمُحصَن، وفي قتل القاتل، وما أشبه ذلك؟ فالجواب: أن الرحمة في ذلك واضحة جدًّا، قطع يد السارق فيها رحمة بالسارق وبغيره، رحمة بالسارق لتردعه عن السرقة مرة أخرى، ولتكون كفارة لذنبه؛ لأن الحدود كفارة يُكفَّر بها عن فاعلها، وفيها أيضًا إصلاح المجتمع وحمايته من الفوضى، وهذه رحمة ولَّا لا؟ رحمة ما فيه شك أن هذه رحمة، وكذلك نقول في بقية الحدود والقصاص: إنه من رحمة الله عز وجل. * ومن فوائد الآيات الكريمة: أن الرسول ﷺ مُنذِر؛ أي مُعلِم إعلامًا يتضمن التخويف، فإن قلت: وهل هو مُبَشِّر؟ الجواب: نعم، مُبَشِّر، لكن هنا ذكر الإنذار دون البشارة، والجواب على ذلك أن يُقال: إما لأن المقام يقتضي ذلك؛ لأنه يُخاطِب قومًا طاغين، فالأليق في حقهم الإنذار والتخويف؛ لأنهم مخالفون وطاغون، وإما أن يقال: إن هذا من باب ذكر أحد المتضايفين أو المتقابلين استغناءً بذكره عن ذِكْر الآخر كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل ٨١] يعني والبرد. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي ﷺ مرسل إلى العرب خاصة. من الذين ما أنذر آباؤهم؟ * طلبة: العرب. * الشيخ: العرب إذن اليهود والنصارى ما أُرسل إليهم؛ لأنه أنذر آباؤهم. * طالب: في الآيات الأخرى.. * طالب آخر: قومًا نكرة. * الشيخ: إي، ﴿قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ نكرة موصوفة. إذن نقول: إن الآيات الأخرى تدل على عموم رسالته، مثل قوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف ١٥٨]، ومثل قوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان ١]، وكقوله ﷺ: «بُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري، واللفظ له (٤٣٨)، ومسلم بنحوه (٥٢١/٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. ]]. والنصوص في هذا كثيرة متوافرة، ومن كذبها فقد كذَّب رسالته إلى العرب أيضًا؛ لأن الجنس واحد، ولكن قد يُقال: لماذا خص العرب؟ فيقال: خصهم لأمرين؛ الأول: أنه منهم، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة ٢] والثاني: أنه باشر دعوتهم بنفسه، وهدى الله العرب على يديه قبل موته، ثم انتشرت رسالته في الآفاق. وقد ذكر ابن كثير رحمه الله هنا قاعدة أشرنا إليها من قبل، وهي أن ذِكْر بعض أفراد العام بحكم يوافقه لا يقتضي التخصيص كما ذكر ذلك أهل الأصول كالشنقيطي في تفسيره وغيرهم، وأن هذا هو رأي الجمهور، وهو الحق، أن ذكر بعض أفراد العام في حكم لا يقتضي تخصيصها إذا كان يُطابِق حكم العام، فإذا قلت مثلًا: أكْرِم الطلبة، ثم قلت: أكرم زيدًا وهو منهم؛ فإنه لا يقتضي تخصيص الإكرام به؛ لأن الحكم هنا موافق للحكم العام، وذكر بعض أفراد العام بحكم يوافق العام ليس تخصيصًا له، واضح؟ ذكرنا هذا في أي مناسبة؟ * طالب: في باب التيمم. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: في قول النبي ﷺ: «وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَهُورًا»[[أخرجه البخاري (٤٣٨) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، ومسلم (٥٢١/٣)، واللفظ له من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. وجاء في بعض الروايات أنها التربة. * الشيخ: تربتها؟ * الطالب: طهورًا. * الشيخ: نعم. * الطالب: فكون النبي ﷺ ذكر التربة فلا يكفي أنه لا يصح التيمم بغيره. * الشيخ: تمام، صح، وكذلك؟ * الطالب: في الصلاة (...) بين السجدتين في تحريك الأصبع، هنا قول الرسول في التشهد لا يقتضي (...). * الشيخ: نعم، في الصلاة، وذكرناها أيضًا في الحلي عند قوله في الرقة: فِي مِئَتَي دِرْهَمٍ رُبْعُ الْعُشْرِ. قلنا: هذا لا يقتضي أن الحلي لا تجب فيها الزكاة؛ لأن ذكر بعض أفراد العام بحُكم يوافق العام لا يقتضي التخصيص. * ومن فوائد الآيات: سب هؤلاء الذين غفلوا عن الرسالات كقوله: ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس ٦]، وأن الغفلة عن البحث عن الرسالة يعتبر ذمًّا، وكذلك نقول: فيمن غفل عن البحث في جزئيات الشريعة، فمثلًا من غفل عن البحث في أحكام الصلاة فإنه يُذَم، عن البحث في أحكام الزكاة وهو محتاج لذلك نقول: إنه يُذم؛ ولهذا نقول: إن تعلم العلم الشرعي فرْض كفاية، ومن أراد أن يقوم بعبادة من العبادات كان تعلم أحكامها عليه فرض عين. وبناء على هذا نقول: كل طلبة العلم في كل مكان قائمون بفرض كفاية؛ ولهذا يحسن أن نستحضر هذا الأمر، أننا في مجالسنا هذه نقوم بفرض كفاية نُثاب عليه ثواب الفرض، وقد قال الله تعالى: «مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ»[[أخرج البخاري (٦٥٠٢) بسنده عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه..» الحديث. ]]. وهذه مسألة يغفل عنها كثير من الطلبة لا في مجالس الذكر والعلم، ولا في المجالس الأخرى مجالس المراجعة، تجد الإنسان مثلًا يراجع الكتاب ولكنه ما يستحضر أنه الآن قائم بفرض كفاية، وهذا يُفوِّت علينا خيرًا كثيرًا؛ لهذا نسأل الله أن يعيننا على تذكر هذا المعنى حتى نكسب خيرًا بما نقرؤه وبما نراجعه (...) * * * أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس ٥- ٦]. قوله: ﴿تَنْزِيلَ﴾ فيها قراءتان الأخ؟ (...) أظن ما ذكرت (...). لله عز وجل؛ لأن اللام للتعليل، إذن أضيفوها إليها؛ لأن أظن آخر ما أخذنا من الفوائد هي الآية هذه، يعني ما أخذنا سواها. * فتضاف إلى الفوائد: إثبات الحكمة لله المستفاد من قوله: ﴿لِتُنْذِرَ﴾.

يس 36:5

الآية الكريمة: إثبات اليوم الآخر والجزاء فيه؛ لقوله: ﴿يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر ٤٥]. * ومن فوائدها: إثبات الاسم لله وهو بصير، وما تضمنه من الصفة وهو البصر، والبصر هنا بمعنى بصر البصيرة أو بصر العين؟ يشمل هذا وهذا. هل نأخذ من هذا أن الإنسان قد يُعاقَب بتلف المال؟ إي نعم؛ لقوله: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر ٤٥] يشمل حتى الحيوانات، فإذا تلف للإنسان أموال فإن هذه من عقوبات الذنوب سواء كانت الأموال من ذوات الأرواح كالدواب حية أو من غير ذوات الأرواح، قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة ١٥٥] كل هذه تقع ابتلاء من الله عز وجل، وتقع عقوبة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِير﴾ [الشورى ٣٠]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات حكمة الله تعالى بتقديره الأشياء تقديرًا مُحكمًا لا تتقدم ولا تتأخر؛ لقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر ٤٥]. ثم قال الله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ١، ٢] قال المؤلف: (سورة يس مكية)، والمكي ما نزل قبل الهجرة ليس ما نزل بمكة؛ إذ قد ينزل بمكة بعد الهجرة ويكون مدنيًّا، فما نزل قبل الهجرة فهو مكي، وما نزل بعدها فهو مدني، هذا القول هو الراجح من أقوال أهل العلم. قال: (أو إلا قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا﴾ الآية [يس: ٤٧] أو مدنية) فالأقوال فيها إذن ثلاثة؛ إما مكية، أو مدنية، أو مكية إلا قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا﴾ [يس ٤٧]، والذي يظهر أنها مكية؛ لأن أسلوبها أسلوب المكي، والسور المكية تمتاز عن السور المدنية بقوة الأسلوب وجزالة اللفظ بخلاف السور المدنية فإن أسلوبها لين ألين؛ لأنه يُخاطِب قومًا آمنوا، ويخاطب أيضًا قومًا فيهم أهل كتاب، ليس عندهم من البلاغة في اللغة العربية ما عند العرب. فالظاهر -والله أعلم- أنها مكية، وإذا جعلناها مكية فإننا لا نقول باستثناء شيء منها؛ لأن الأصل أن السورة المكية كلها مكية، وأن السورة المدنية كلها مدنية، فمن ادعى استثناء آية أو آيتين أو أكثر فعليه الدليل، أما مجرد أن المعنى يليق بأهل المدينة مثلًا فهذا لا يكفي في الاستثناء؛ لأن الله تعالى قد يذكر معنى يليق بأهل المدينة توطئة وتمهيدًا حتى يكون الناس على بصيرة؛ ولهذا يذكر الله تعالى في الآيات المكية قصص موسى عليه الصلاة والسلام مع أن العناية بقصة موسى في المدينة أولى؛ لأن فيها اليهود، أما مكة فليس فيها يهود. المهم أن بعض العلماء إذا نظر إلى أن المعنى يليق بالسورة المدنية أو بالأحكام المدنية ذهب يستثني ويقول: إلا آية كذا، إلا آية كذا، وهذا غير مستمر. قال الله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، البسملة آية من كتاب الله مستقلة، يؤتى بها في ابتداء كل سورة ما عدا سورة براءة وليست من الفاتحة ولا من غيرها، هذا هو القول الراجح، وأما من قال: إنها من الفاتحة وليست من غيرها فقوله ضعيف؛ أولًا: للتفريق بدون دليل، وثانيًا: أن حديث أبي هريرة الثابت في الصحيح وهو «قول الله تعالى: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ»[[أخرجه مسلم (٣٩٥/٣٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]]. يدل على أن البسملة ليست من الفاتحة؛ لأنها لم تذكر في هذا الحديث، وأيضًا فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يجهر بها في صلاته، لا يجهر بالبسملة؛ وهذا يدل على أنها ليست من الفاتحة وإلا لجهر بها كما يجهر في بقية الآيات. أما إعرابها فقد سبق لنا مرارًا وتكرارًا، وأنها جار ومجرور وصفة وموصوف، وأن هذا الجار والمجرور متعلق بمحذوف، وأن هذا المحذوف ينبغي أن يكون فعلًا خاصًّا متأخرًا، فكونه فعلًا لماذا؟ لأن الأصل في العامل أو بالعوامل الأفعال؛ ولذلك تعمل الأفعال عملها بدون شرط، الأسماء التي تعمل عمل الفعل لا بد فيها من شروط، هذا واحد، خاصًّا؛ لأنه أدل على المخصوص، متأخرًا لفائدتين: التبرُّك بتقديم اسم الله عز وجل، وإفادة الحصر. عندما تُسمي على الوضوء ويش تُقدِّر؟ باسم الله أتوضأ، لو قلت: باسم الله ابتدائي؟ يصح، لكن ابتدائي عام، وأتوضأ أخص، والإتيان بالأخص أدل على المقصود. لو قلت: ابتدائي باسم الله؟ صح، لكن فاتك التأخير والتخصيص والفعلية إذا قلت: ابتدائي، إذا قلت: أبتدئ باسم الله؛ فاتك التأخير والتخصيص. إذا قلت: أتوضأ باسم الله؛ فاتك التأخير فقط. إذن نُقدر متعلق البسملة فعلًا خاصًّا متأخرًا، فعلًا لماذا؟ لأن الأفعال هي الأصل في العمل، خاصًّا؛ لأنه أدل على المخصوص، متأخرًا لأمرين: تَبَرُّكًا بالبداءة باسم الله، والثاني: إفادة الحصر؛ يعني لا ابتدئ بشيء إلا باسم الله. ربما يقول قائل: هل يمكن أن نستدل لهذا القول بشيء من النص؟ نقول: نعم، قال النبي عليه الصلاة والسلام وهو يخطب الناس في عيد الأضحى: «مَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ» أو: «فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٠٠)، ومسلم (١٩٦٠/١و٢) من حديث جندب بن سفيان رضي الله عنه. ]]. لفظان، فإن هذا يدل على أن تقدير الأخص أولى من تقدير الأعم (...) ثم على قراءتها في القرآن، ذكرنا أن البسملة جار ومجرور متعلق بمحذوف (...) وأعلم الأعلام، أعلم حتى من الضمير؛ لأنه اسم يختص بالله لا يمكن أن يشركه فيه أحد؛ ولهذا قالوا: أَعْرَف المعارف على الإطلاق اسم الله؛ لأنه لا يُشاركه فيه أحد، الضمير إذا قلت: قمت، صحيح ما يشاركني أحد فيه لكن صالح أن يستعمله غيري، أما الله فلا تصح الشركة فيه. أما الرحمن الرحيم فهما صفتان لله، والرحمن والرحيم معناهما؛ ذو الرحمة، لكن الرحمن باعتبارها وصفًا لله، والرحيم باعتبارها فعلًا له؛ ولهذا كان الرحمن عامًّا والرحيم خاصًّا قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣] فالرحمن لُوحِظ فيه الوصف، والرحيم لُوحِظ فيه الفعل؛ ولهذا لما لُوحِظ في الرحمن الوصف جاء على الأوزان التي تدل على الامتلاء والسعة فصارت على وزن (فَعْلَان). والرحمة صفة من صفات الله سبحانه وتعالى الحقيقية الثابتة له على وجه الحقيقة لا المجاز، وقد أنكرها أهل التعطيل، ومنهم الأشاعرة، وقالوا: إنه ليس لله صفة هي الرحمة؛ لأن الرحمة رِقَّة ولين، وهذا لا يليق بالله عز وجل، وفسروها إما بالإرادة؛ لأنهم يؤمنون بالإرادة، وإما بالفعل؛ لأن الفعل منفصل عن الفاعل، يعني المفعول منفصل عن الفاعل، فهم يفسرونها إما بالإحسان وهو مخلوق منفصل، وإما بإرادة الإحسان؛ لأنهم يقرون بالإرادة. ولا شك أن قولهم هذا باطل، وأنه إنكار صفة من أعظم صفات الله عز وجل وهي من أبرز الصفات، فقد قال الله تعالى: «إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي»[[أخرجه البخاري (٧٤٢٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]]. والعجب كل العجب أنهم يقولون: إن الإرادة دل عليها العقل، والرحمة دل العقل على انتفائها، كيف؟ قالوا: لأن التخصيص دال على الإرادة، التخصيص يعني مثلًا كون هذا سماءً، وهذه أرضًا، وهذه شمسًا، وهذا قمرًا، إلى آخره يدل على الإرادة؛ لأنه لا مُخصِّص إلا بإرادة. أما الرحمة فيقولون: إن العقل لا يدل عليها بل يدل على انتفائها، ونحن نقول: عجبًا لكم!! دلالة العقل على الرحمة أبلغ وأظهر وأوضح من دلالته على الإرادة، ولهذا جعلتم دلالة العقل على الإرادة بالتخصيص، وهذا لا يفهمه إلا خواص الناس، يمكن طالب العلم لو تسأله بدون أن يعرف البحث ما استدل بالتخصيص على الإرادة وهو طالب علم، لكن الرحمة كُلٌّ يعرف أن لله تعالى رحمة، ويستدل عليها بالعقل، تأتي العامي في السوق تقول له: والله نزل المطر، واخضرت الأرض، ورويت الزروع، وما أشبه ذلك، منين هذا؟ ويش يقول لك؟ من رحمة الله، على طول، فيستدل بالنعم التي هي من آثار الرحمة على الرحمة، ولكن نسأل الله لنا ولكم الهداية من لم يجعل الله له نورًا فما له من نور. قال الله تعالى: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ١، ٢] قال المؤلف: (﴿يس﴾ الله أعلم بمراده). ولا شك أن الله أعلم بمراده ومراد غيره، وأعلم بكل شيء، ولكن ما المراد بهذه أو بهذين الحرفين الهجائيين؟ يقول المؤلف: (الله أعلم)، ما ندري ماذا أراد الله عز وجل. ومنهم من قال: إن معنى ﴿يس﴾ يا إنسان، فـ(يا) حرف نداء على زعمهم، ويس كلمة يُعبر بها عن الإنسان، وبعضهم أتى بغير ذلك أيضًا مما لا طائل تحته، ولا دليل عليه، لكن يبقى النظر، هل نقول كما قال المؤلف: (الله أعلم بما أراد) في جميع الحروف الهجائية التي ابتُدئت بها السور أو نقول: إنه لا معنى لها بمقتضى قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٣ - ١٩٥] فإن مقتضى اللسان العربي المبين أن هذه الحروف ليس لها معنى، فإذا حكمنا بهذه القضية العامة بلسان عربي مبين على كل كلمة، أو حرف في القرآن الكريم، فإننا نعلم أن ﴿يس﴾ ليس لها معنى بمقتضى اللسان العربي المبين، (يا) ما لها معنى حرف هجاء، سين ما لها معنى أيضًا، حرف هجاء. وهذا القول ذكره ابن كثير عن مجاهد رحمه الله، وهو قول قوي، ويشهد له الآية التي استشهدت بها. إذن نقول: لا معنى لهذه الحروف، فيرد علينا إشكال إذا قلنا: لا معنى لها، كيف يأتي الله عز وجل في كتابه العظيم بكلام لغو لا معنى له؟ والجواب على هذا أن يقال: إن له مغزى عظيمًا، هذا المغزى هو أنكم أيها العرب الذين عجزتم عن معارضة القرآن والإتيان بمثله، عجزتم عن ذلك لا لأن هذا القرآن أتى بحروف جديدة أو كلمات جديدة بل هو من الكلمات التي تكونون منها كلامكم، حروف هجائية؛ ولهذا قل أن تجد سورة مبدوءة بهذه الحروف الهجائية إلا وبعدها ذكر القرآن مما يدل على أن هذا هو المراد بها، وهذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وقبله الزمخشري أيضًا في تفسيره، وغيره من العلماء على أن هذه حروف هجائية جيء بها لأجل إظهار عجز العرب عن مُعارَضة هذا القرآن مع أنه لم يأتِ بجديد في كلامهم. قال: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ١، ٢] الواو هذه للقسم، فلها معنى ولها عمل؛ عملها الجر، ومعناها التأكيد؛ فالقسم تأكيد الشيء بذكر مُعظَّم على صورة مخصوصة، هذا القسم، ولا بد أن يكون المحلوف به مُعظَّمًا ولو تقديرًا في ذهن الْمُقْسِم، كأنه يقول -إي الْمُقْسم بالمعظم-: بقدر تأكد تعظيمي لهذا الشيء أؤكد ما حلفت عليه، بقدر تعظيمي لهذا الشيء وتأكدي منه وإثباتي له أؤكد المحلوف عليه؛ ولهذا لا بد أن يكون المحلوف به معظمًا، وإلا لكان الحلف لا فائدة منه. ﴿الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ٢] القرآن المراد به هذا الذي نقرؤه كلام الله عز وجل، وهو مشتق من (قرأ) بمعنى (تلا)؛ لأنه متلو، أو من (قَرَى) بمعنى (جمع)؛ لأنه مجموع وجامِع، فهو مشتق من المعنيين، من القراءة بمعنى التلاوة، ومن (قَرَى) بمعنى (جمع)، ومنه القرية؛ لأنها مجتمع الناس؛ فالقرآن جامع بين المعنيين فهو متلو، وجامع، ومجموع، كلمات مجموع بعضها إلى بعض، كلام جامع لكل ما فيه الخير والصلاح. قوله: ﴿الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ٢] ﴿الْحَكِيمِ﴾ صفة للقرآن، وهي بمعنى مُحْكِم، أو بمعنى مُحْكَم، أو بمعنى حَاكِم، كلها تحتمل، فالقرآن حاكم؛ لأنه يجب الرجوع إليه ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء ٥٩] ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية ٢٩] إذا قلنا: إنه القرآن. طيب مُحْكِم؛ لأنه مُتقِن للأشياء، فقد ﴿تَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]، وكذلك أيضًا مُحكَم؛ لأن الله تعالى أحكمه وأتقنه، فليس فيه تناقض ولا تعارض ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢] إذن هو مشتمِل على الحكمة أيضًا ولَّا لا؟ نعم، هو مشتمل على الحكمة، ففيه معنى الحكمة والْحُكْم. إذا كان حكيمًا فإننا نعلم أنه حكيم في ترتيبه، كل آية إلى جنب الأخرى حتى وإن ظننا أنه لا ارتباط بينهما فإنما ذلك إما لقصورنا أو تقصيرنا فمثلًا لو قال قائل: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة ٢٣٨] جاءت في سياق آيات العِدَد، فما هو الارتباط؟ نقول: لا بد أن هناك حكمة لكن قصرت أفهامنا عنها، أو قصرنا في التدبر لطلبها والمراجعة لكتب أهل العلم. إذن هو حكيم في ترتيبه، حكيم في أحكامه، فأحكامه كلها عدل موافقة للفطرة وللعقل الصريح؛ ولهذا لا تجد شيئًا في أحكام القرآن مناقضًا للفطرة أبدًا، بل هو موافق للفطرة، ولا تجد شيئًا في القرآن يكذبه العقل أو يحيله أبدًا، بل إن العقل يُقرِّر في الجملة ما جاء به القرآن. كذلك حكيم في أسلوبه؛ يشتد في موضع الشدة، ويلين في موضع اللين، ويأتي بأساليب غريبة، ما كانت معروفة في أساليب العرب، فبينما الآية سياقها خبري، إذا بها تنتقل إلى سياق إنشائي، من استفهام، أو نهي، أو أمر، أو ما أشبه ذلك، وكل هذا من الحكمة، بينما القرآن يتحدث بصيغة الغائب إذا به ينتقل إلى صيغة الحاضر، فينتقل من أسلوب إلى آخر، وهو ما يسمى بالالتفات، وأنواع هذا كثيرة في القرآن. فالقرآن إذن حكيم بكل معنى الحكمة، وبكل معنى الإحكام، وبكل معنى الْحُكْم. قال المؤلف مُقتصرًا على واحد منها: (الْمُحْكَم في عجيب النظم وبديع المعاني) فأتى بمعنى واحد من معاني الحكيم، ونحن ذكرنا ثلاثة أشياء؛ ذو حكمة، ومُحْكِم، ومُحْكَم. مُحْكِم، ومُحْكَم، وحاكِم أيضًا، فذكرنا أنه حاكم، وذو حكمة، وحُكْم وإِحْكام، فيشمل أعم مما قال المؤلف، هذا الْمُقْسم به، وإقسام الله تعالى بكتابه العظيم، أو بكتابه الحكيم يدل على عِظَم هذا القرآن، وعلى عِظَم ما جاء به من الإحكام والحِكمة والْحُكم. ثم ذكر الْمُقسم عليه فقال: ﴿إِنَّكَ﴾ [يس ٣] يا محمد ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ فأقسم الله تعالى بكتابه على أن محمدًا ﷺ من المرسلين. وقوله: ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس ٣]؛ لأنه سبقه الرسل وهو خاتم الرسل وأكملهم شريعة، جاء ليتمم مكارم الأخلاق، وقد شبه النبي ﷺ رسالته «برجل بنى قصرًا وأشاده، وَبَقِي موضع لبنة، فصار الناس يطوفون به ويتعجبون منه إلا موضع هذه اللبنة، قال: «فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ»[[أخرج البخاري، واللفظ له (٣٥٣٤)، ومسلم (٢٢٨٧/٢٣) بسندهما عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: قال النبي ﷺ: «مثلي ومثل الأنبياء كرجل بنى دارًا، فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة، فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون ويقولون: لولا موضع اللبنة». ]]. هذه الجملة ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس ٣] مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ القسم، وإن، واللام ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ قال: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس ٤] متعلق بما قبله، الذي قبله ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾، ومُرْسَل اسم مفعول صالح للعمل؛ لأن يتعلق به المعمول، المعنى إنك لمن الذين أُرسلوا على صراط مستقيم؛ لأن جميع الرسل على صراط مستقيم بلا شك، ولكن يحتمل وجه آخر أحسن مما قال المؤلف؛ وهو أن تكون ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ خبرًا ثانيًا لـ(إن). ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ إنك ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس ٤] وهذا أنسب، ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى ٥٢، ٥٣]. إذن فنقول: الوجه الثاني في إعراب ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس ٤] أنها خبر ثان لـ(إن). وقوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس ٤] قال: أي طريق الأنبياء قبلك التوحيد والهدى. ﴿صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿صِرَاط﴾ (فِعَال) بمعنى (مَفْعُول)؛ لأن فِعالًا تأتي بمعنى مفعول كثيرًا؛ كقولهم: بِناء وغِراس وفِراش بمعنى مبني، مغروس، مفروش، صِراط (فِعَال) بمعنى (مَفْعُول)؛ أي مصروط، والصَّرْط المرور بسرعة، هذا الصَّرْط، الصَّرْط المرور بسرعة، ومنه قولهم: صرط اللقمة أي: ابتلعها بسرعة، وفي اللغة العامية عندنا نقول: زرط وهي لغة عربية، صراط فيها سراط بالسين، وزراط بالزاي، كلها لغة عربية. الصراط لا يكون صراطًا إلا إذا كان طريقًا واسعًا، يتحمل طوائف يعبرون عليه، قالوا: وأيضًا من صفاته أن يكون مستويًا ليس فيه طلوع ولا نزول، و﴿مُسْتَقِيم﴾ صفة له مؤكدة؛ يعني أنه لا اعوجاج فيه. ولا شك أن ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام صراط مستقيم؛ لأنه طريق واسع يسع كل الأمة منذ بُعث إلى أن تقوم الساعة، لا يمكن أن يضيع، صراط واسع أيضًا، لا يمكن أبدًا أن يضيق عن الأحكام الشرعية، كل حادثة تنزل منذ بُعث الرسول ﷺ إلى يوم القيامة لا بد أن يوجد فيها حل لمشكلتها إن كانت مشكلة فيما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام؛ ولذلك نقول: إن هذا الشرط في القرآن والسنة كامل لا يحتاج إلى تكميل، وأيضًا واسع لا يمكن أن يضيق بأي جزء أو بأي جزئية تقع إلى يوم القيامة. إذن ما فيه شيء مشكل في الشريعة ولَّا لا؟ لكن الإشكال إنما يأتي من قِبَل الناس؛ إما لقصور في الفهم، أو لتقصير في طلب العلم والهدى، أو لأشياء رانت على قلوبهم وأظلمتها حتى لا تُبصِر الحق؛ يعني قد يكون الإنسان غير مُقصِّر ولا قاصر، عنده فهم قوي، وعنده آلة قوية وعلم، لكن يكون على قلبه ذنوب تحول بينه وبين رؤية الصواب؛ ولهذا ينبغي للإنسان إذا أشكل عليه مسألة من المسائل بعد المراجعة والتتبع لكلام أهل العلم يُكثر من الاستغفار؛ لأن الاستغفار يمحو الله به الخطايا فيكون القلب مستنيرًا، وربما يستنبط هذا من قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ١٠٥ - ١٠٦]. ويستدل له أيضًا بقوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُون﴾ [المطففين ١٣ - ١٤]، فالذنوب منعت القلوب أن ترى أحقية هذا الكتاب حتى قال القائل: إنها أساطير الأولين. فالمهم أنَّا نقول: إن هذا الدين صراط مستقيم واسع، يسع جميع الناس إذا دخلوه، واسع يشمل جميع أحكام الحوادث والنوازل منذ بُعث الرسول ﷺ إلى أن تقوم الساعة، ولكن الإشكال الذي يكون إما من قصورنا أو تقصيرنا، أو من أمور رانت على القلوب فلا ترى الحق (...) بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ١، ٢] ما معنى قوله يس؟ (...) بالقسم وغيره، تأكيد بالقسم في قوله: ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ وغيره؛ يعني بذلك إن واللام رد لقول الكفار له لستَ مُرسلًا كما قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ [الرعد ٤٣]. إذن فالكلام مطابِق لمقتضى الحال؛ لأنه يُخاطِب المنكِر وقد سبق لنا في البلاغة أنه إذا خُوطِب المنكِر فإنه يجب أن يؤكد له الخبر؛ يعني يقول علماء البلاغة: للمخاطب ثلاث مراتب: أن يكون منكِرًا، وأن يكون مترددًا، وألا يكون في ذهنه شيء لا إنكار ولا تردد، قالوا: فإن كان منكرًا وجب تأكيد الخبر له، يجب أن يؤكد الخبر له، وإن كان مترددًا حسن أن يؤكَّد له الخبر، وإن لم يكن في ذهنه شيء فإنه يُلْقى إليه الخبر غير مؤكد، هذا هو الأصل. إذا كنت تخاطب إنسانًا ليس في ذهنه شيئًا عن مدلول الخبر فألقِ الخبر إليه غير مؤكد، تقول: زيد قائم، إذا كنتَ تخاطب مترددًا في صحة الخبر فأكِّده له وجوبًا ولَّا لا؟ استحسانًا، إذا كنت تخاطب مُنكرًا فإنه يجب أن تؤكد له الخبر هذا، هو الأصل. وقد يُحذف التوكيد في موضع التوكيد، وقد يأتي التوكيد في غير موضع التوكيد لأسباب تُعرَف من السياق، هنا الكفار يقولون: لست مرسلًا، فكان تأكيد خبر الرسالة لهم واجبًا؛ يعني مما تُوجِبه البلاغة، والوجوب هنا ليس الوجوب التكليفي الذي يأثم بتركه، بل الوجوب من حيث البلاغة. قال: ﴿تَنْزِيلُ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس: ٥] ﴿تَنْزِيلُ﴾ خبر مبتدأ محذوف تقديره هو؛ أي القرآن ﴿تَنْزِيلُ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ . و﴿تَنْزِيلَ﴾ مصدر (نَزَّل، يُنَزِّل)، والقرآن مُنَزَّل ومُنْزل؛ مُنَزَّل يعني ينزل شيئًا فشيئًا كما قال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء ١٠٦]، فإنه ينزل شيئًا فشيئًا، ويعبر أحيانًا عن القرآن بأنه أُنزِل باعتبار نهايته، فإنه باعتبار النهاية يكون نزل كله، وباعتبار التدريج بتنزيله يكون منزلًا، وهكذا في القرآن نزول المطر، أحيانًا يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق ٩] ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنعام ٩٩] فباعتبار أن المطر ينزل شيئًا فشيئًا يقال: نزلنا وباعتبار النهاية واجتماعه كله يقال: أنزلنا. وقوله: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ﴾ قال المؤلف: (في ملكه)؛ يعني الغالب في ملكه الذي لا يُغلَب فيه، وقد مر علينا في باب العقيدة أن العزيز من أسماء الله، وأن العِزَّة لها ثلاثة معانٍ؛ عِزَّة القدْر، وعزة القهر، وعزة الامتناع، ثلاثة، ما هي؟ * طالب: عزة القدْر، عزة الامتناع، عزة القهر. * الشيخ: نعم، عزة القدْر؛ بمعنى أنه ذو قدْر عظيم رفيع، عزة القهر بمعنى أنه قاهِر غالب، عزة الامتناع بأنه قوي لا يناله شيء، قال ابن القيم: وَهُوَ الْعَزِيزُ فَلَنْ يُرَامَ جَنَابُهُ ∗∗∗ أَنَّى يُرَامُ جَنَابُ ذِي السُّلْطَانِ فهو عز وجل عزيز ممتنع أن يناله السوء. ومنه الأرض العَزَاز لقوتها وشدتها. إذن فقول المؤلف: (العزيز في ملكه) فيه قصور. قال: ﴿الرَّحِيمِ﴾ بخلْقِه، وهنا نقول: إن الرحيم عامة؛ لأنها لم تُقيَّد، فالمراد به الرحمة العامة، فهو سبحانه وتعالى رحيم بخلقه كلهم، ما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها حتى الكافر يرزقه الله تعالى العقل والصحة والأولاد والمال والأزواج، لكن هذه رحمة عامة، أما الرحمة الخاصة بالمؤمنين، ففي قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣]. قال: ﴿الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس ٥] بخلقه، وهنا أضاف تنزيل القرآن إلى هذين الاسمين إشارة إلى وجوب العمل بما جاء في القرآن، وأن من لم يعمل به فإن أمامه العزيز الذي يأخذه أخذ عزيز مقتدر. ﴿الرَّحِيمِ﴾ إشارة إلى أن هذا القرآن إنزاله من مقتضى رحمته بخلقه؛ لأن الله تعالى ما رَحِم خلقه رحمة أعظم من إنزال القرآن الكريم؛ لأن به الحياة؛ الحياة القلبية والبدنية والفردية والاجتماعية، ففيه إشارة -كما قلت- بل فيه تهديد للذين يخالفون هذا القرآن بأنه نزل من عند عزيز ينتقم ممن خالفه، (رحيم) إشارة إلى أن هذا القرآن من مقتضى رحمته سبحانه وتعالى. قال: (خبر مبتدأ مقدر) ويش يعني بخبر مبتدأ مقدر؟ ﴿تَنْزِيلُ﴾ بالرفع أي القرآن؛ يعني التقدير القرآن تنزيل العزيز الرحيم. في قراءة سبعية: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ وعلى هذه القراءة يكون منصوبًا على أنه مصدر عامله محذوف؛ يعني نُزِّل تنزيل العزيز الرحيم. قال: ﴿لِتُنْذِرَ﴾ به ﴿قَوْمًا﴾ متعلق بـ﴿تَنْزِيلَ﴾ لتنذر اللام، هذه تسمى لام التعليل، والفعل بعدها منصوب بها، على مذهب منصوب باللام ولا بأن؟ * طالب: باللام. * الشيخ: باللام، وعلى مذهب البصريين منصوب بـ(أن) مضمرة بعد اللام، وعلى كل حال فهي تحتاج إلى متعلق، اللام ﴿لِتُنْذِرَ﴾ تحتاج إلى متعلق، فأين متعلقها؟ قوله: ﴿تَنْزِيلَ﴾ يعني تنزيل الرحمن الرحيم ﴿لِتُنْذِرَ﴾ يعني إنما نزل ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس ٦]. تنذر. قال العلماء: إن الإنذار هو الإخطار المقرون بالتخويف، أو المتضمن للتخويف، فالإنسان مثلًا يأتي إلى قومه يصيح بهم: العدو العدو، يُقال: هذا منذر ونذير؛ فالنذير عن شيء يخوف فهو إعلام متضمن للتخويف، هذا القرآن أنزله الله عز وجل ليُنذر النبي ﷺ به قومًا ما أُنذر آباؤهم؛ أي لم يُنذروا في زمن الفترة، وعلى هذا فـ﴿مَا﴾ نافية يعني لتنذر قومًا ما أنذر آباؤهم؛ أي لم ينذروا، لم يخوفوا لكن في زمن الفترة، وأما قبل فقد أُنذروا بواسطة إسماعيل بن إبراهيم، فإنه مُرسَل إلى العرب إلى قومه، وبعد ذلك لم ينذر هؤلاء. قال بعض المعربين الذين يجمعون الأقوال صحت أو ما صحت، أي أنهم يقولون أي احتمال قالوا: ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾ موصولة أي لتنذر قومًا الذي أنذره آباؤهم، فيجعلون ﴿مَا﴾ موصولة، ويجعلون العائد محذوفًا تقديره الذي أنذره آباؤهم؛ أي لتنذرهم الذي أُنذره آباؤهم، ولكن هذا وإن كان محتملًا من قِبل اللفظ لكنه بعيد من جهة المعنى؛ لأن الآيات الكثيرة المتعددة تدل على أن قريشًا الذين بعث فيهم الرسول ﷺ لم ينذر آباؤهم، ومنه قوله تعالى في سورة (الم تنزيل)، السجدة ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [السجدة ٣] وهذا صريح في أن ﴿مَا﴾ هنا للنفي لا غير ﴿مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [يس ٦] في زمن الفترة. ﴿فَهُمْ﴾ أي القوم ﴿غَافِلُونَ﴾ [يس ٦] عن الإيمان والرشد غافلون؛ لأنهم ما أتاهم نذير، ومعلوم أن النذر تُوجِب حياة القلوب والانتباه؛ ولهذا تجد الإنسان نفسَه، إذا لم يأتِه واعظ يغفل، وتكثر به الغفلة، فإذا أتاه واعظ فكأنما أيقظه من نوم، هؤلاء لما تطاول عليهم الأمد، ولم يأتهم نذير غفلوا، وكأنهم ما خُلِقوا لعبادة الله، وجعلوا لهم أصنامًا يعبدونها من دون الله، ويركعون لها ويسجدون وينذرون ويوفون. ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس ٦] لعدم من يوقظهم، ولكن مِن هؤلاء مَنْ عنده عِلْم من الرسالة، من هؤلاء الذين في زمن الفترة من عنده عِلْم من الرسالة لكنه عاند، وبقي على ما كان عليه آباؤه كالذين شهد لهم النبي ﷺ بالنار، فإن الذين شهد لهم الرسول ﷺ بالنار نعلم علم اليقين أن هؤلاء قد قامت عليهم الحجة، ولولا ذلك ما كانوا من أهل النار، فأهل الفترة نوعان: نوع علمنا بشهادة النبي ﷺ أنه قد بلغتهم الرسالة لحكم الرسول ﷺ عليهم بأنهم من أهل النار، وآخرون لا ندري عنهم شيئًا؛ فالواجب علينا أن نتوقف في أمرهم، وأن نقول: الله أعلم بما كانوا عاملين، وأصح الأقوال فيهم أنهم يمتحنون يوم القيامة بتكاليف الله أعلم بها، فمن أطاع منهم دخل الجنة ومن عصى دخل النار. * في الآية الكريمة فوائد: أولًا: بيان أن هذا القرآن الذي أعجز البشر لم يكن بدعًا من لسانهم، وأنه من الحروف التي يُرَكِّبُون منها كلامهم. يشير إلى هذا قوله ﴿يس﴾، ولهذا لا تأتي هذه الحروف الهجائية في أول السورة إلا وجدتَ بعدها ذكر القرآن في الغالب. * ومن فوائد الآية الكريمة: عظمة القرآن العظيم؛ لأن الله تعالى أقسم به، ولا يُقْسَم إلا بالشيء المعَظَّم، ثم قد يكون عظيمًا في ذاته حقيقة، وقد يكون مُعَظَّمًا باعتبار المقسِم به؛ فالذين يحلفون باللات والعُزَّى يحلفون بِمُعظَّم لا بعظيم؛ لأنه مُعظَّم عندهم لكنه ليس بعظيم في نفسه، والذين يُقسمون بالله وآياته يحلفون بعظيم بِمُعَظَّم في قلوبهم وهو عظيم في نفسه. القرآن الكريم عظيم في نفسه، ولَّا لا؟ * ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على القرآن بأنه حكيم على الوجوه الثلاثة اللي ذكرناها؛ لقوله: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ٢]. * ومن فوائدها: العناية بإثبات رسالة النبي ﷺ؛ لأن الله تعالى أقسم عليها وأكدها زيادةً على القسم بـ(إن) واللام، ومنها ثبوت رسالة النبي ﷺ، فمن أنكرها فهو كافر؛ لأنه مُكذِّب لله ورسوله وإجماع المسلمين. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرسل، وأن ثمة رسلًا غير محمد ﷺ؛ لقوله: ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس ٣]؛ ولهذا قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف ٩]؛ يعني لست أول رسول فإنه عليه الصلاة والسلام قد سبقه رسل من قبله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما جاء به النبي ﷺ من الشرع فهو الصراط المستقيم؛ لقوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس ٤]. وفيه من العوج والشر بمقدار ما خالف شريعة النبي ﷺ. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن مُنزَّل من عند الله، الآيات الكريمة هي آيات متعددة؛ لقوله: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس ٥]. * ومن فوائد الآيات: أن القرآن كلام الله، كيف ذلك؟ * طالب: قوله ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس ٥]. * الشيخ: وجهه؟ * الطالب: (...) كان منزلًا (...)، قائم بذاته أو قائم بغيره. * الشيخ: نعم، والكلام؟ * الطالب: قائم بغيره. * الشيخ: قائم بغيره، فيكون؟ * الطالب: غير مخلوق. * الشيخ: غير مخلوق، يكون كلام الله غير مخلوق. * إذن يستفاد منها: أن القرآن كلام الله غير مخلوق. * ومن فوائد الآيات إثبات علو الله؛ لقوله: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ﴾، والنزول لا يكون إلا من أعلى، وعلو الله عز وجل دل عليه الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة، كل هذه الأنواع الخمسة من الأدلة كلها دلت على علو الله عز وجل. * ومن فوائد الآيات الكريمة: إثبات العزيز والرحيم اسمين من أسماء الله، وإثبات ما تضمناه من الوصف، وما تضمنه الرحيم من الأثر، وهو الْحُكْم. * ومن فوائد الآيات: العزيز في بعض معانيها، وهو الغالب. * ومن فوائد الآيات: إنذار المخالفين لهذا القرآن، وذلك بإضافة ﴿تَنْزِيلَ﴾ إلى ﴿الْعَزِيزِ﴾؛ لأنه إذا قيل مثلًا: جاء هذا من عزيز، ويش يدل عليه؟ على إنذار مَنْ خالفه وتحذيره، فيكون في هذا الإنذار والتحذير من مخالفة هذا المنَزَّل؛ لأنه نزل من عزيز. * ومن فوائد الآيات: أن القرآن، بل إن الشرع كله من آثار رحمة الله؛ لقوله: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس ٥]. فإن قلت: أين الرحمة في قطْع يد السارق، وفي رجْم الزاني الْمُحصَن، وفي قتل القاتل، وما أشبه ذلك؟ فالجواب: أن الرحمة في ذلك واضحة جدًّا، قطع يد السارق فيها رحمة بالسارق وبغيره، رحمة بالسارق لتردعه عن السرقة مرة أخرى، ولتكون كفارة لذنبه؛ لأن الحدود كفارة يُكفَّر بها عن فاعلها، وفيها أيضًا إصلاح المجتمع وحمايته من الفوضى، وهذه رحمة ولَّا لا؟ رحمة ما فيه شك أن هذه رحمة، وكذلك نقول في بقية الحدود والقصاص: إنه من رحمة الله عز وجل. * ومن فوائد الآيات الكريمة: أن الرسول ﷺ مُنذِر؛ أي مُعلِم إعلامًا يتضمن التخويف، فإن قلت: وهل هو مُبَشِّر؟ الجواب: نعم، مُبَشِّر، لكن هنا ذكر الإنذار دون البشارة، والجواب على ذلك أن يُقال: إما لأن المقام يقتضي ذلك؛ لأنه يُخاطِب قومًا طاغين، فالأليق في حقهم الإنذار والتخويف؛ لأنهم مخالفون وطاغون، وإما أن يقال: إن هذا من باب ذكر أحد المتضايفين أو المتقابلين استغناءً بذكره عن ذِكْر الآخر كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل ٨١] يعني والبرد. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي ﷺ مرسل إلى العرب خاصة. من الذين ما أنذر آباؤهم؟ * طلبة: العرب. * الشيخ: العرب إذن اليهود والنصارى ما أُرسل إليهم؛ لأنه أنذر آباؤهم. * طالب: في الآيات الأخرى.. * طالب آخر: قومًا نكرة. * الشيخ: إي، ﴿قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ نكرة موصوفة. إذن نقول: إن الآيات الأخرى تدل على عموم رسالته، مثل قوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف ١٥٨]، ومثل قوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان ١]، وكقوله ﷺ: «بُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري، واللفظ له (٤٣٨)، ومسلم بنحوه (٥٢١/٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. ]]. والنصوص في هذا كثيرة متوافرة، ومن كذبها فقد كذَّب رسالته إلى العرب أيضًا؛ لأن الجنس واحد، ولكن قد يُقال: لماذا خص العرب؟ فيقال: خصهم لأمرين؛ الأول: أنه منهم، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة ٢] والثاني: أنه باشر دعوتهم بنفسه، وهدى الله العرب على يديه قبل موته، ثم انتشرت رسالته في الآفاق. وقد ذكر ابن كثير رحمه الله هنا قاعدة أشرنا إليها من قبل، وهي أن ذِكْر بعض أفراد العام بحكم يوافقه لا يقتضي التخصيص كما ذكر ذلك أهل الأصول كالشنقيطي في تفسيره وغيرهم، وأن هذا هو رأي الجمهور، وهو الحق، أن ذكر بعض أفراد العام في حكم لا يقتضي تخصيصها إذا كان يُطابِق حكم العام، فإذا قلت مثلًا: أكْرِم الطلبة، ثم قلت: أكرم زيدًا وهو منهم؛ فإنه لا يقتضي تخصيص الإكرام به؛ لأن الحكم هنا موافق للحكم العام، وذكر بعض أفراد العام بحكم يوافق العام ليس تخصيصًا له، واضح؟ ذكرنا هذا في أي مناسبة؟ * طالب: في باب التيمم. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: في قول النبي ﷺ: «وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَهُورًا»[[أخرجه البخاري (٤٣٨) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، ومسلم (٥٢١/٣)، واللفظ له من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. وجاء في بعض الروايات أنها التربة. * الشيخ: تربتها؟ * الطالب: طهورًا. * الشيخ: نعم. * الطالب: فكون النبي ﷺ ذكر التربة فلا يكفي أنه لا يصح التيمم بغيره. * الشيخ: تمام، صح، وكذلك؟ * الطالب: في الصلاة (...) بين السجدتين في تحريك الأصبع، هنا قول الرسول في التشهد لا يقتضي (...). * الشيخ: نعم، في الصلاة، وذكرناها أيضًا في الحلي عند قوله في الرقة: فِي مِئَتَي دِرْهَمٍ رُبْعُ الْعُشْرِ. قلنا: هذا لا يقتضي أن الحلي لا تجب فيها الزكاة؛ لأن ذكر بعض أفراد العام بحُكم يوافق العام لا يقتضي التخصيص. * ومن فوائد الآيات: سب هؤلاء الذين غفلوا عن الرسالات كقوله: ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس ٦]، وأن الغفلة عن البحث عن الرسالة يعتبر ذمًّا، وكذلك نقول: فيمن غفل عن البحث في جزئيات الشريعة، فمثلًا من غفل عن البحث في أحكام الصلاة فإنه يُذَم، عن البحث في أحكام الزكاة وهو محتاج لذلك نقول: إنه يُذم؛ ولهذا نقول: إن تعلم العلم الشرعي فرْض كفاية، ومن أراد أن يقوم بعبادة من العبادات كان تعلم أحكامها عليه فرض عين. وبناء على هذا نقول: كل طلبة العلم في كل مكان قائمون بفرض كفاية؛ ولهذا يحسن أن نستحضر هذا الأمر، أننا في مجالسنا هذه نقوم بفرض كفاية نُثاب عليه ثواب الفرض، وقد قال الله تعالى: «مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ»[[أخرج البخاري (٦٥٠٢) بسنده عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه..» الحديث. ]]. وهذه مسألة يغفل عنها كثير من الطلبة لا في مجالس الذكر والعلم، ولا في المجالس الأخرى مجالس المراجعة، تجد الإنسان مثلًا يراجع الكتاب ولكنه ما يستحضر أنه الآن قائم بفرض كفاية، وهذا يُفوِّت علينا خيرًا كثيرًا؛ لهذا نسأل الله أن يعيننا على تذكر هذا المعنى حتى نكسب خيرًا بما نقرؤه وبما نراجعه (...) * * * أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس ٥- ٦]. قوله: ﴿تَنْزِيلَ﴾ فيها قراءتان الأخ؟ (...) أظن ما ذكرت (...). لله عز وجل؛ لأن اللام للتعليل، إذن أضيفوها إليها؛ لأن أظن آخر ما أخذنا من الفوائد هي الآية هذه، يعني ما أخذنا سواها. * فتضاف إلى الفوائد: إثبات الحكمة لله المستفاد من قوله: ﴿لِتُنْذِرَ﴾.

يس 36:6

الآية الكريمة: إثبات اليوم الآخر والجزاء فيه؛ لقوله: ﴿يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر ٤٥]. * ومن فوائدها: إثبات الاسم لله وهو بصير، وما تضمنه من الصفة وهو البصر، والبصر هنا بمعنى بصر البصيرة أو بصر العين؟ يشمل هذا وهذا. هل نأخذ من هذا أن الإنسان قد يُعاقَب بتلف المال؟ إي نعم؛ لقوله: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر ٤٥] يشمل حتى الحيوانات، فإذا تلف للإنسان أموال فإن هذه من عقوبات الذنوب سواء كانت الأموال من ذوات الأرواح كالدواب حية أو من غير ذوات الأرواح، قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة ١٥٥] كل هذه تقع ابتلاء من الله عز وجل، وتقع عقوبة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِير﴾ [الشورى ٣٠]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات حكمة الله تعالى بتقديره الأشياء تقديرًا مُحكمًا لا تتقدم ولا تتأخر؛ لقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر ٤٥]. ثم قال الله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ١، ٢] قال المؤلف: (سورة يس مكية)، والمكي ما نزل قبل الهجرة ليس ما نزل بمكة؛ إذ قد ينزل بمكة بعد الهجرة ويكون مدنيًّا، فما نزل قبل الهجرة فهو مكي، وما نزل بعدها فهو مدني، هذا القول هو الراجح من أقوال أهل العلم. قال: (أو إلا قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا﴾ الآية [يس: ٤٧] أو مدنية) فالأقوال فيها إذن ثلاثة؛ إما مكية، أو مدنية، أو مكية إلا قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا﴾ [يس ٤٧]، والذي يظهر أنها مكية؛ لأن أسلوبها أسلوب المكي، والسور المكية تمتاز عن السور المدنية بقوة الأسلوب وجزالة اللفظ بخلاف السور المدنية فإن أسلوبها لين ألين؛ لأنه يُخاطِب قومًا آمنوا، ويخاطب أيضًا قومًا فيهم أهل كتاب، ليس عندهم من البلاغة في اللغة العربية ما عند العرب. فالظاهر -والله أعلم- أنها مكية، وإذا جعلناها مكية فإننا لا نقول باستثناء شيء منها؛ لأن الأصل أن السورة المكية كلها مكية، وأن السورة المدنية كلها مدنية، فمن ادعى استثناء آية أو آيتين أو أكثر فعليه الدليل، أما مجرد أن المعنى يليق بأهل المدينة مثلًا فهذا لا يكفي في الاستثناء؛ لأن الله تعالى قد يذكر معنى يليق بأهل المدينة توطئة وتمهيدًا حتى يكون الناس على بصيرة؛ ولهذا يذكر الله تعالى في الآيات المكية قصص موسى عليه الصلاة والسلام مع أن العناية بقصة موسى في المدينة أولى؛ لأن فيها اليهود، أما مكة فليس فيها يهود. المهم أن بعض العلماء إذا نظر إلى أن المعنى يليق بالسورة المدنية أو بالأحكام المدنية ذهب يستثني ويقول: إلا آية كذا، إلا آية كذا، وهذا غير مستمر. قال الله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، البسملة آية من كتاب الله مستقلة، يؤتى بها في ابتداء كل سورة ما عدا سورة براءة وليست من الفاتحة ولا من غيرها، هذا هو القول الراجح، وأما من قال: إنها من الفاتحة وليست من غيرها فقوله ضعيف؛ أولًا: للتفريق بدون دليل، وثانيًا: أن حديث أبي هريرة الثابت في الصحيح وهو «قول الله تعالى: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ»[[أخرجه مسلم (٣٩٥/٣٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]]. يدل على أن البسملة ليست من الفاتحة؛ لأنها لم تذكر في هذا الحديث، وأيضًا فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يجهر بها في صلاته، لا يجهر بالبسملة؛ وهذا يدل على أنها ليست من الفاتحة وإلا لجهر بها كما يجهر في بقية الآيات. أما إعرابها فقد سبق لنا مرارًا وتكرارًا، وأنها جار ومجرور وصفة وموصوف، وأن هذا الجار والمجرور متعلق بمحذوف، وأن هذا المحذوف ينبغي أن يكون فعلًا خاصًّا متأخرًا، فكونه فعلًا لماذا؟ لأن الأصل في العامل أو بالعوامل الأفعال؛ ولذلك تعمل الأفعال عملها بدون شرط، الأسماء التي تعمل عمل الفعل لا بد فيها من شروط، هذا واحد، خاصًّا؛ لأنه أدل على المخصوص، متأخرًا لفائدتين: التبرُّك بتقديم اسم الله عز وجل، وإفادة الحصر. عندما تُسمي على الوضوء ويش تُقدِّر؟ باسم الله أتوضأ، لو قلت: باسم الله ابتدائي؟ يصح، لكن ابتدائي عام، وأتوضأ أخص، والإتيان بالأخص أدل على المقصود. لو قلت: ابتدائي باسم الله؟ صح، لكن فاتك التأخير والتخصيص والفعلية إذا قلت: ابتدائي، إذا قلت: أبتدئ باسم الله؛ فاتك التأخير والتخصيص. إذا قلت: أتوضأ باسم الله؛ فاتك التأخير فقط. إذن نُقدر متعلق البسملة فعلًا خاصًّا متأخرًا، فعلًا لماذا؟ لأن الأفعال هي الأصل في العمل، خاصًّا؛ لأنه أدل على المخصوص، متأخرًا لأمرين: تَبَرُّكًا بالبداءة باسم الله، والثاني: إفادة الحصر؛ يعني لا ابتدئ بشيء إلا باسم الله. ربما يقول قائل: هل يمكن أن نستدل لهذا القول بشيء من النص؟ نقول: نعم، قال النبي عليه الصلاة والسلام وهو يخطب الناس في عيد الأضحى: «مَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ» أو: «فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٠٠)، ومسلم (١٩٦٠/١و٢) من حديث جندب بن سفيان رضي الله عنه. ]]. لفظان، فإن هذا يدل على أن تقدير الأخص أولى من تقدير الأعم (...) ثم على قراءتها في القرآن، ذكرنا أن البسملة جار ومجرور متعلق بمحذوف (...) وأعلم الأعلام، أعلم حتى من الضمير؛ لأنه اسم يختص بالله لا يمكن أن يشركه فيه أحد؛ ولهذا قالوا: أَعْرَف المعارف على الإطلاق اسم الله؛ لأنه لا يُشاركه فيه أحد، الضمير إذا قلت: قمت، صحيح ما يشاركني أحد فيه لكن صالح أن يستعمله غيري، أما الله فلا تصح الشركة فيه. أما الرحمن الرحيم فهما صفتان لله، والرحمن والرحيم معناهما؛ ذو الرحمة، لكن الرحمن باعتبارها وصفًا لله، والرحيم باعتبارها فعلًا له؛ ولهذا كان الرحمن عامًّا والرحيم خاصًّا قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣] فالرحمن لُوحِظ فيه الوصف، والرحيم لُوحِظ فيه الفعل؛ ولهذا لما لُوحِظ في الرحمن الوصف جاء على الأوزان التي تدل على الامتلاء والسعة فصارت على وزن (فَعْلَان). والرحمة صفة من صفات الله سبحانه وتعالى الحقيقية الثابتة له على وجه الحقيقة لا المجاز، وقد أنكرها أهل التعطيل، ومنهم الأشاعرة، وقالوا: إنه ليس لله صفة هي الرحمة؛ لأن الرحمة رِقَّة ولين، وهذا لا يليق بالله عز وجل، وفسروها إما بالإرادة؛ لأنهم يؤمنون بالإرادة، وإما بالفعل؛ لأن الفعل منفصل عن الفاعل، يعني المفعول منفصل عن الفاعل، فهم يفسرونها إما بالإحسان وهو مخلوق منفصل، وإما بإرادة الإحسان؛ لأنهم يقرون بالإرادة. ولا شك أن قولهم هذا باطل، وأنه إنكار صفة من أعظم صفات الله عز وجل وهي من أبرز الصفات، فقد قال الله تعالى: «إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي»[[أخرجه البخاري (٧٤٢٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]]. والعجب كل العجب أنهم يقولون: إن الإرادة دل عليها العقل، والرحمة دل العقل على انتفائها، كيف؟ قالوا: لأن التخصيص دال على الإرادة، التخصيص يعني مثلًا كون هذا سماءً، وهذه أرضًا، وهذه شمسًا، وهذا قمرًا، إلى آخره يدل على الإرادة؛ لأنه لا مُخصِّص إلا بإرادة. أما الرحمة فيقولون: إن العقل لا يدل عليها بل يدل على انتفائها، ونحن نقول: عجبًا لكم!! دلالة العقل على الرحمة أبلغ وأظهر وأوضح من دلالته على الإرادة، ولهذا جعلتم دلالة العقل على الإرادة بالتخصيص، وهذا لا يفهمه إلا خواص الناس، يمكن طالب العلم لو تسأله بدون أن يعرف البحث ما استدل بالتخصيص على الإرادة وهو طالب علم، لكن الرحمة كُلٌّ يعرف أن لله تعالى رحمة، ويستدل عليها بالعقل، تأتي العامي في السوق تقول له: والله نزل المطر، واخضرت الأرض، ورويت الزروع، وما أشبه ذلك، منين هذا؟ ويش يقول لك؟ من رحمة الله، على طول، فيستدل بالنعم التي هي من آثار الرحمة على الرحمة، ولكن نسأل الله لنا ولكم الهداية من لم يجعل الله له نورًا فما له من نور. قال الله تعالى: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ١، ٢] قال المؤلف: (﴿يس﴾ الله أعلم بمراده). ولا شك أن الله أعلم بمراده ومراد غيره، وأعلم بكل شيء، ولكن ما المراد بهذه أو بهذين الحرفين الهجائيين؟ يقول المؤلف: (الله أعلم)، ما ندري ماذا أراد الله عز وجل. ومنهم من قال: إن معنى ﴿يس﴾ يا إنسان، فـ(يا) حرف نداء على زعمهم، ويس كلمة يُعبر بها عن الإنسان، وبعضهم أتى بغير ذلك أيضًا مما لا طائل تحته، ولا دليل عليه، لكن يبقى النظر، هل نقول كما قال المؤلف: (الله أعلم بما أراد) في جميع الحروف الهجائية التي ابتُدئت بها السور أو نقول: إنه لا معنى لها بمقتضى قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٣ - ١٩٥] فإن مقتضى اللسان العربي المبين أن هذه الحروف ليس لها معنى، فإذا حكمنا بهذه القضية العامة بلسان عربي مبين على كل كلمة، أو حرف في القرآن الكريم، فإننا نعلم أن ﴿يس﴾ ليس لها معنى بمقتضى اللسان العربي المبين، (يا) ما لها معنى حرف هجاء، سين ما لها معنى أيضًا، حرف هجاء. وهذا القول ذكره ابن كثير عن مجاهد رحمه الله، وهو قول قوي، ويشهد له الآية التي استشهدت بها. إذن نقول: لا معنى لهذه الحروف، فيرد علينا إشكال إذا قلنا: لا معنى لها، كيف يأتي الله عز وجل في كتابه العظيم بكلام لغو لا معنى له؟ والجواب على هذا أن يقال: إن له مغزى عظيمًا، هذا المغزى هو أنكم أيها العرب الذين عجزتم عن معارضة القرآن والإتيان بمثله، عجزتم عن ذلك لا لأن هذا القرآن أتى بحروف جديدة أو كلمات جديدة بل هو من الكلمات التي تكونون منها كلامكم، حروف هجائية؛ ولهذا قل أن تجد سورة مبدوءة بهذه الحروف الهجائية إلا وبعدها ذكر القرآن مما يدل على أن هذا هو المراد بها، وهذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وقبله الزمخشري أيضًا في تفسيره، وغيره من العلماء على أن هذه حروف هجائية جيء بها لأجل إظهار عجز العرب عن مُعارَضة هذا القرآن مع أنه لم يأتِ بجديد في كلامهم. قال: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ١، ٢] الواو هذه للقسم، فلها معنى ولها عمل؛ عملها الجر، ومعناها التأكيد؛ فالقسم تأكيد الشيء بذكر مُعظَّم على صورة مخصوصة، هذا القسم، ولا بد أن يكون المحلوف به مُعظَّمًا ولو تقديرًا في ذهن الْمُقْسِم، كأنه يقول -إي الْمُقْسم بالمعظم-: بقدر تأكد تعظيمي لهذا الشيء أؤكد ما حلفت عليه، بقدر تعظيمي لهذا الشيء وتأكدي منه وإثباتي له أؤكد المحلوف عليه؛ ولهذا لا بد أن يكون المحلوف به معظمًا، وإلا لكان الحلف لا فائدة منه. ﴿الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ٢] القرآن المراد به هذا الذي نقرؤه كلام الله عز وجل، وهو مشتق من (قرأ) بمعنى (تلا)؛ لأنه متلو، أو من (قَرَى) بمعنى (جمع)؛ لأنه مجموع وجامِع، فهو مشتق من المعنيين، من القراءة بمعنى التلاوة، ومن (قَرَى) بمعنى (جمع)، ومنه القرية؛ لأنها مجتمع الناس؛ فالقرآن جامع بين المعنيين فهو متلو، وجامع، ومجموع، كلمات مجموع بعضها إلى بعض، كلام جامع لكل ما فيه الخير والصلاح. قوله: ﴿الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ٢] ﴿الْحَكِيمِ﴾ صفة للقرآن، وهي بمعنى مُحْكِم، أو بمعنى مُحْكَم، أو بمعنى حَاكِم، كلها تحتمل، فالقرآن حاكم؛ لأنه يجب الرجوع إليه ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء ٥٩] ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية ٢٩] إذا قلنا: إنه القرآن. طيب مُحْكِم؛ لأنه مُتقِن للأشياء، فقد ﴿تَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]، وكذلك أيضًا مُحكَم؛ لأن الله تعالى أحكمه وأتقنه، فليس فيه تناقض ولا تعارض ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢] إذن هو مشتمِل على الحكمة أيضًا ولَّا لا؟ نعم، هو مشتمل على الحكمة، ففيه معنى الحكمة والْحُكْم. إذا كان حكيمًا فإننا نعلم أنه حكيم في ترتيبه، كل آية إلى جنب الأخرى حتى وإن ظننا أنه لا ارتباط بينهما فإنما ذلك إما لقصورنا أو تقصيرنا فمثلًا لو قال قائل: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة ٢٣٨] جاءت في سياق آيات العِدَد، فما هو الارتباط؟ نقول: لا بد أن هناك حكمة لكن قصرت أفهامنا عنها، أو قصرنا في التدبر لطلبها والمراجعة لكتب أهل العلم. إذن هو حكيم في ترتيبه، حكيم في أحكامه، فأحكامه كلها عدل موافقة للفطرة وللعقل الصريح؛ ولهذا لا تجد شيئًا في أحكام القرآن مناقضًا للفطرة أبدًا، بل هو موافق للفطرة، ولا تجد شيئًا في القرآن يكذبه العقل أو يحيله أبدًا، بل إن العقل يُقرِّر في الجملة ما جاء به القرآن. كذلك حكيم في أسلوبه؛ يشتد في موضع الشدة، ويلين في موضع اللين، ويأتي بأساليب غريبة، ما كانت معروفة في أساليب العرب، فبينما الآية سياقها خبري، إذا بها تنتقل إلى سياق إنشائي، من استفهام، أو نهي، أو أمر، أو ما أشبه ذلك، وكل هذا من الحكمة، بينما القرآن يتحدث بصيغة الغائب إذا به ينتقل إلى صيغة الحاضر، فينتقل من أسلوب إلى آخر، وهو ما يسمى بالالتفات، وأنواع هذا كثيرة في القرآن. فالقرآن إذن حكيم بكل معنى الحكمة، وبكل معنى الإحكام، وبكل معنى الْحُكْم. قال المؤلف مُقتصرًا على واحد منها: (الْمُحْكَم في عجيب النظم وبديع المعاني) فأتى بمعنى واحد من معاني الحكيم، ونحن ذكرنا ثلاثة أشياء؛ ذو حكمة، ومُحْكِم، ومُحْكَم. مُحْكِم، ومُحْكَم، وحاكِم أيضًا، فذكرنا أنه حاكم، وذو حكمة، وحُكْم وإِحْكام، فيشمل أعم مما قال المؤلف، هذا الْمُقْسم به، وإقسام الله تعالى بكتابه العظيم، أو بكتابه الحكيم يدل على عِظَم هذا القرآن، وعلى عِظَم ما جاء به من الإحكام والحِكمة والْحُكم. ثم ذكر الْمُقسم عليه فقال: ﴿إِنَّكَ﴾ [يس ٣] يا محمد ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ فأقسم الله تعالى بكتابه على أن محمدًا ﷺ من المرسلين. وقوله: ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس ٣]؛ لأنه سبقه الرسل وهو خاتم الرسل وأكملهم شريعة، جاء ليتمم مكارم الأخلاق، وقد شبه النبي ﷺ رسالته «برجل بنى قصرًا وأشاده، وَبَقِي موضع لبنة، فصار الناس يطوفون به ويتعجبون منه إلا موضع هذه اللبنة، قال: «فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ»[[أخرج البخاري، واللفظ له (٣٥٣٤)، ومسلم (٢٢٨٧/٢٣) بسندهما عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: قال النبي ﷺ: «مثلي ومثل الأنبياء كرجل بنى دارًا، فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة، فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون ويقولون: لولا موضع اللبنة». ]]. هذه الجملة ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس ٣] مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ القسم، وإن، واللام ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ قال: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس ٤] متعلق بما قبله، الذي قبله ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾، ومُرْسَل اسم مفعول صالح للعمل؛ لأن يتعلق به المعمول، المعنى إنك لمن الذين أُرسلوا على صراط مستقيم؛ لأن جميع الرسل على صراط مستقيم بلا شك، ولكن يحتمل وجه آخر أحسن مما قال المؤلف؛ وهو أن تكون ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ خبرًا ثانيًا لـ(إن). ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ إنك ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس ٤] وهذا أنسب، ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى ٥٢، ٥٣]. إذن فنقول: الوجه الثاني في إعراب ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس ٤] أنها خبر ثان لـ(إن). وقوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس ٤] قال: أي طريق الأنبياء قبلك التوحيد والهدى. ﴿صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿صِرَاط﴾ (فِعَال) بمعنى (مَفْعُول)؛ لأن فِعالًا تأتي بمعنى مفعول كثيرًا؛ كقولهم: بِناء وغِراس وفِراش بمعنى مبني، مغروس، مفروش، صِراط (فِعَال) بمعنى (مَفْعُول)؛ أي مصروط، والصَّرْط المرور بسرعة، هذا الصَّرْط، الصَّرْط المرور بسرعة، ومنه قولهم: صرط اللقمة أي: ابتلعها بسرعة، وفي اللغة العامية عندنا نقول: زرط وهي لغة عربية، صراط فيها سراط بالسين، وزراط بالزاي، كلها لغة عربية. الصراط لا يكون صراطًا إلا إذا كان طريقًا واسعًا، يتحمل طوائف يعبرون عليه، قالوا: وأيضًا من صفاته أن يكون مستويًا ليس فيه طلوع ولا نزول، و﴿مُسْتَقِيم﴾ صفة له مؤكدة؛ يعني أنه لا اعوجاج فيه. ولا شك أن ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام صراط مستقيم؛ لأنه طريق واسع يسع كل الأمة منذ بُعث إلى أن تقوم الساعة، لا يمكن أن يضيع، صراط واسع أيضًا، لا يمكن أبدًا أن يضيق عن الأحكام الشرعية، كل حادثة تنزل منذ بُعث الرسول ﷺ إلى يوم القيامة لا بد أن يوجد فيها حل لمشكلتها إن كانت مشكلة فيما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام؛ ولذلك نقول: إن هذا الشرط في القرآن والسنة كامل لا يحتاج إلى تكميل، وأيضًا واسع لا يمكن أن يضيق بأي جزء أو بأي جزئية تقع إلى يوم القيامة. إذن ما فيه شيء مشكل في الشريعة ولَّا لا؟ لكن الإشكال إنما يأتي من قِبَل الناس؛ إما لقصور في الفهم، أو لتقصير في طلب العلم والهدى، أو لأشياء رانت على قلوبهم وأظلمتها حتى لا تُبصِر الحق؛ يعني قد يكون الإنسان غير مُقصِّر ولا قاصر، عنده فهم قوي، وعنده آلة قوية وعلم، لكن يكون على قلبه ذنوب تحول بينه وبين رؤية الصواب؛ ولهذا ينبغي للإنسان إذا أشكل عليه مسألة من المسائل بعد المراجعة والتتبع لكلام أهل العلم يُكثر من الاستغفار؛ لأن الاستغفار يمحو الله به الخطايا فيكون القلب مستنيرًا، وربما يستنبط هذا من قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ١٠٥ - ١٠٦]. ويستدل له أيضًا بقوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُون﴾ [المطففين ١٣ - ١٤]، فالذنوب منعت القلوب أن ترى أحقية هذا الكتاب حتى قال القائل: إنها أساطير الأولين. فالمهم أنَّا نقول: إن هذا الدين صراط مستقيم واسع، يسع جميع الناس إذا دخلوه، واسع يشمل جميع أحكام الحوادث والنوازل منذ بُعث الرسول ﷺ إلى أن تقوم الساعة، ولكن الإشكال الذي يكون إما من قصورنا أو تقصيرنا، أو من أمور رانت على القلوب فلا ترى الحق (...) بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ١، ٢] ما معنى قوله يس؟ (...) بالقسم وغيره، تأكيد بالقسم في قوله: ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ وغيره؛ يعني بذلك إن واللام رد لقول الكفار له لستَ مُرسلًا كما قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ [الرعد ٤٣]. إذن فالكلام مطابِق لمقتضى الحال؛ لأنه يُخاطِب المنكِر وقد سبق لنا في البلاغة أنه إذا خُوطِب المنكِر فإنه يجب أن يؤكد له الخبر؛ يعني يقول علماء البلاغة: للمخاطب ثلاث مراتب: أن يكون منكِرًا، وأن يكون مترددًا، وألا يكون في ذهنه شيء لا إنكار ولا تردد، قالوا: فإن كان منكرًا وجب تأكيد الخبر له، يجب أن يؤكد الخبر له، وإن كان مترددًا حسن أن يؤكَّد له الخبر، وإن لم يكن في ذهنه شيء فإنه يُلْقى إليه الخبر غير مؤكد، هذا هو الأصل. إذا كنت تخاطب إنسانًا ليس في ذهنه شيئًا عن مدلول الخبر فألقِ الخبر إليه غير مؤكد، تقول: زيد قائم، إذا كنتَ تخاطب مترددًا في صحة الخبر فأكِّده له وجوبًا ولَّا لا؟ استحسانًا، إذا كنت تخاطب مُنكرًا فإنه يجب أن تؤكد له الخبر هذا، هو الأصل. وقد يُحذف التوكيد في موضع التوكيد، وقد يأتي التوكيد في غير موضع التوكيد لأسباب تُعرَف من السياق، هنا الكفار يقولون: لست مرسلًا، فكان تأكيد خبر الرسالة لهم واجبًا؛ يعني مما تُوجِبه البلاغة، والوجوب هنا ليس الوجوب التكليفي الذي يأثم بتركه، بل الوجوب من حيث البلاغة. قال: ﴿تَنْزِيلُ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس: ٥] ﴿تَنْزِيلُ﴾ خبر مبتدأ محذوف تقديره هو؛ أي القرآن ﴿تَنْزِيلُ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ . و﴿تَنْزِيلَ﴾ مصدر (نَزَّل، يُنَزِّل)، والقرآن مُنَزَّل ومُنْزل؛ مُنَزَّل يعني ينزل شيئًا فشيئًا كما قال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء ١٠٦]، فإنه ينزل شيئًا فشيئًا، ويعبر أحيانًا عن القرآن بأنه أُنزِل باعتبار نهايته، فإنه باعتبار النهاية يكون نزل كله، وباعتبار التدريج بتنزيله يكون منزلًا، وهكذا في القرآن نزول المطر، أحيانًا يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق ٩] ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنعام ٩٩] فباعتبار أن المطر ينزل شيئًا فشيئًا يقال: نزلنا وباعتبار النهاية واجتماعه كله يقال: أنزلنا. وقوله: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ﴾ قال المؤلف: (في ملكه)؛ يعني الغالب في ملكه الذي لا يُغلَب فيه، وقد مر علينا في باب العقيدة أن العزيز من أسماء الله، وأن العِزَّة لها ثلاثة معانٍ؛ عِزَّة القدْر، وعزة القهر، وعزة الامتناع، ثلاثة، ما هي؟ * طالب: عزة القدْر، عزة الامتناع، عزة القهر. * الشيخ: نعم، عزة القدْر؛ بمعنى أنه ذو قدْر عظيم رفيع، عزة القهر بمعنى أنه قاهِر غالب، عزة الامتناع بأنه قوي لا يناله شيء، قال ابن القيم: وَهُوَ الْعَزِيزُ فَلَنْ يُرَامَ جَنَابُهُ ∗∗∗ أَنَّى يُرَامُ جَنَابُ ذِي السُّلْطَانِ فهو عز وجل عزيز ممتنع أن يناله السوء. ومنه الأرض العَزَاز لقوتها وشدتها. إذن فقول المؤلف: (العزيز في ملكه) فيه قصور. قال: ﴿الرَّحِيمِ﴾ بخلْقِه، وهنا نقول: إن الرحيم عامة؛ لأنها لم تُقيَّد، فالمراد به الرحمة العامة، فهو سبحانه وتعالى رحيم بخلقه كلهم، ما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها حتى الكافر يرزقه الله تعالى العقل والصحة والأولاد والمال والأزواج، لكن هذه رحمة عامة، أما الرحمة الخاصة بالمؤمنين، ففي قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣]. قال: ﴿الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس ٥] بخلقه، وهنا أضاف تنزيل القرآن إلى هذين الاسمين إشارة إلى وجوب العمل بما جاء في القرآن، وأن من لم يعمل به فإن أمامه العزيز الذي يأخذه أخذ عزيز مقتدر. ﴿الرَّحِيمِ﴾ إشارة إلى أن هذا القرآن إنزاله من مقتضى رحمته بخلقه؛ لأن الله تعالى ما رَحِم خلقه رحمة أعظم من إنزال القرآن الكريم؛ لأن به الحياة؛ الحياة القلبية والبدنية والفردية والاجتماعية، ففيه إشارة -كما قلت- بل فيه تهديد للذين يخالفون هذا القرآن بأنه نزل من عند عزيز ينتقم ممن خالفه، (رحيم) إشارة إلى أن هذا القرآن من مقتضى رحمته سبحانه وتعالى. قال: (خبر مبتدأ مقدر) ويش يعني بخبر مبتدأ مقدر؟ ﴿تَنْزِيلُ﴾ بالرفع أي القرآن؛ يعني التقدير القرآن تنزيل العزيز الرحيم. في قراءة سبعية: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ وعلى هذه القراءة يكون منصوبًا على أنه مصدر عامله محذوف؛ يعني نُزِّل تنزيل العزيز الرحيم. قال: ﴿لِتُنْذِرَ﴾ به ﴿قَوْمًا﴾ متعلق بـ﴿تَنْزِيلَ﴾ لتنذر اللام، هذه تسمى لام التعليل، والفعل بعدها منصوب بها، على مذهب منصوب باللام ولا بأن؟ * طالب: باللام. * الشيخ: باللام، وعلى مذهب البصريين منصوب بـ(أن) مضمرة بعد اللام، وعلى كل حال فهي تحتاج إلى متعلق، اللام ﴿لِتُنْذِرَ﴾ تحتاج إلى متعلق، فأين متعلقها؟ قوله: ﴿تَنْزِيلَ﴾ يعني تنزيل الرحمن الرحيم ﴿لِتُنْذِرَ﴾ يعني إنما نزل ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس ٦]. تنذر. قال العلماء: إن الإنذار هو الإخطار المقرون بالتخويف، أو المتضمن للتخويف، فالإنسان مثلًا يأتي إلى قومه يصيح بهم: العدو العدو، يُقال: هذا منذر ونذير؛ فالنذير عن شيء يخوف فهو إعلام متضمن للتخويف، هذا القرآن أنزله الله عز وجل ليُنذر النبي ﷺ به قومًا ما أُنذر آباؤهم؛ أي لم يُنذروا في زمن الفترة، وعلى هذا فـ﴿مَا﴾ نافية يعني لتنذر قومًا ما أنذر آباؤهم؛ أي لم ينذروا، لم يخوفوا لكن في زمن الفترة، وأما قبل فقد أُنذروا بواسطة إسماعيل بن إبراهيم، فإنه مُرسَل إلى العرب إلى قومه، وبعد ذلك لم ينذر هؤلاء. قال بعض المعربين الذين يجمعون الأقوال صحت أو ما صحت، أي أنهم يقولون أي احتمال قالوا: ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾ موصولة أي لتنذر قومًا الذي أنذره آباؤهم، فيجعلون ﴿مَا﴾ موصولة، ويجعلون العائد محذوفًا تقديره الذي أنذره آباؤهم؛ أي لتنذرهم الذي أُنذره آباؤهم، ولكن هذا وإن كان محتملًا من قِبل اللفظ لكنه بعيد من جهة المعنى؛ لأن الآيات الكثيرة المتعددة تدل على أن قريشًا الذين بعث فيهم الرسول ﷺ لم ينذر آباؤهم، ومنه قوله تعالى في سورة (الم تنزيل)، السجدة ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [السجدة ٣] وهذا صريح في أن ﴿مَا﴾ هنا للنفي لا غير ﴿مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [يس ٦] في زمن الفترة. ﴿فَهُمْ﴾ أي القوم ﴿غَافِلُونَ﴾ [يس ٦] عن الإيمان والرشد غافلون؛ لأنهم ما أتاهم نذير، ومعلوم أن النذر تُوجِب حياة القلوب والانتباه؛ ولهذا تجد الإنسان نفسَه، إذا لم يأتِه واعظ يغفل، وتكثر به الغفلة، فإذا أتاه واعظ فكأنما أيقظه من نوم، هؤلاء لما تطاول عليهم الأمد، ولم يأتهم نذير غفلوا، وكأنهم ما خُلِقوا لعبادة الله، وجعلوا لهم أصنامًا يعبدونها من دون الله، ويركعون لها ويسجدون وينذرون ويوفون. ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس ٦] لعدم من يوقظهم، ولكن مِن هؤلاء مَنْ عنده عِلْم من الرسالة، من هؤلاء الذين في زمن الفترة من عنده عِلْم من الرسالة لكنه عاند، وبقي على ما كان عليه آباؤه كالذين شهد لهم النبي ﷺ بالنار، فإن الذين شهد لهم الرسول ﷺ بالنار نعلم علم اليقين أن هؤلاء قد قامت عليهم الحجة، ولولا ذلك ما كانوا من أهل النار، فأهل الفترة نوعان: نوع علمنا بشهادة النبي ﷺ أنه قد بلغتهم الرسالة لحكم الرسول ﷺ عليهم بأنهم من أهل النار، وآخرون لا ندري عنهم شيئًا؛ فالواجب علينا أن نتوقف في أمرهم، وأن نقول: الله أعلم بما كانوا عاملين، وأصح الأقوال فيهم أنهم يمتحنون يوم القيامة بتكاليف الله أعلم بها، فمن أطاع منهم دخل الجنة ومن عصى دخل النار. * في الآية الكريمة فوائد: أولًا: بيان أن هذا القرآن الذي أعجز البشر لم يكن بدعًا من لسانهم، وأنه من الحروف التي يُرَكِّبُون منها كلامهم. يشير إلى هذا قوله ﴿يس﴾، ولهذا لا تأتي هذه الحروف الهجائية في أول السورة إلا وجدتَ بعدها ذكر القرآن في الغالب. * ومن فوائد الآية الكريمة: عظمة القرآن العظيم؛ لأن الله تعالى أقسم به، ولا يُقْسَم إلا بالشيء المعَظَّم، ثم قد يكون عظيمًا في ذاته حقيقة، وقد يكون مُعَظَّمًا باعتبار المقسِم به؛ فالذين يحلفون باللات والعُزَّى يحلفون بِمُعظَّم لا بعظيم؛ لأنه مُعظَّم عندهم لكنه ليس بعظيم في نفسه، والذين يُقسمون بالله وآياته يحلفون بعظيم بِمُعَظَّم في قلوبهم وهو عظيم في نفسه. القرآن الكريم عظيم في نفسه، ولَّا لا؟ * ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على القرآن بأنه حكيم على الوجوه الثلاثة اللي ذكرناها؛ لقوله: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ٢]. * ومن فوائدها: العناية بإثبات رسالة النبي ﷺ؛ لأن الله تعالى أقسم عليها وأكدها زيادةً على القسم بـ(إن) واللام، ومنها ثبوت رسالة النبي ﷺ، فمن أنكرها فهو كافر؛ لأنه مُكذِّب لله ورسوله وإجماع المسلمين. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرسل، وأن ثمة رسلًا غير محمد ﷺ؛ لقوله: ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس ٣]؛ ولهذا قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف ٩]؛ يعني لست أول رسول فإنه عليه الصلاة والسلام قد سبقه رسل من قبله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما جاء به النبي ﷺ من الشرع فهو الصراط المستقيم؛ لقوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس ٤]. وفيه من العوج والشر بمقدار ما خالف شريعة النبي ﷺ. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن مُنزَّل من عند الله، الآيات الكريمة هي آيات متعددة؛ لقوله: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس ٥]. * ومن فوائد الآيات: أن القرآن كلام الله، كيف ذلك؟ * طالب: قوله ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس ٥]. * الشيخ: وجهه؟ * الطالب: (...) كان منزلًا (...)، قائم بذاته أو قائم بغيره. * الشيخ: نعم، والكلام؟ * الطالب: قائم بغيره. * الشيخ: قائم بغيره، فيكون؟ * الطالب: غير مخلوق. * الشيخ: غير مخلوق، يكون كلام الله غير مخلوق. * إذن يستفاد منها: أن القرآن كلام الله غير مخلوق. * ومن فوائد الآيات إثبات علو الله؛ لقوله: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ﴾، والنزول لا يكون إلا من أعلى، وعلو الله عز وجل دل عليه الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة، كل هذه الأنواع الخمسة من الأدلة كلها دلت على علو الله عز وجل. * ومن فوائد الآيات الكريمة: إثبات العزيز والرحيم اسمين من أسماء الله، وإثبات ما تضمناه من الوصف، وما تضمنه الرحيم من الأثر، وهو الْحُكْم. * ومن فوائد الآيات: العزيز في بعض معانيها، وهو الغالب. * ومن فوائد الآيات: إنذار المخالفين لهذا القرآن، وذلك بإضافة ﴿تَنْزِيلَ﴾ إلى ﴿الْعَزِيزِ﴾؛ لأنه إذا قيل مثلًا: جاء هذا من عزيز، ويش يدل عليه؟ على إنذار مَنْ خالفه وتحذيره، فيكون في هذا الإنذار والتحذير من مخالفة هذا المنَزَّل؛ لأنه نزل من عزيز. * ومن فوائد الآيات: أن القرآن، بل إن الشرع كله من آثار رحمة الله؛ لقوله: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس ٥]. فإن قلت: أين الرحمة في قطْع يد السارق، وفي رجْم الزاني الْمُحصَن، وفي قتل القاتل، وما أشبه ذلك؟ فالجواب: أن الرحمة في ذلك واضحة جدًّا، قطع يد السارق فيها رحمة بالسارق وبغيره، رحمة بالسارق لتردعه عن السرقة مرة أخرى، ولتكون كفارة لذنبه؛ لأن الحدود كفارة يُكفَّر بها عن فاعلها، وفيها أيضًا إصلاح المجتمع وحمايته من الفوضى، وهذه رحمة ولَّا لا؟ رحمة ما فيه شك أن هذه رحمة، وكذلك نقول في بقية الحدود والقصاص: إنه من رحمة الله عز وجل. * ومن فوائد الآيات الكريمة: أن الرسول ﷺ مُنذِر؛ أي مُعلِم إعلامًا يتضمن التخويف، فإن قلت: وهل هو مُبَشِّر؟ الجواب: نعم، مُبَشِّر، لكن هنا ذكر الإنذار دون البشارة، والجواب على ذلك أن يُقال: إما لأن المقام يقتضي ذلك؛ لأنه يُخاطِب قومًا طاغين، فالأليق في حقهم الإنذار والتخويف؛ لأنهم مخالفون وطاغون، وإما أن يقال: إن هذا من باب ذكر أحد المتضايفين أو المتقابلين استغناءً بذكره عن ذِكْر الآخر كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل ٨١] يعني والبرد. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي ﷺ مرسل إلى العرب خاصة. من الذين ما أنذر آباؤهم؟ * طلبة: العرب. * الشيخ: العرب إذن اليهود والنصارى ما أُرسل إليهم؛ لأنه أنذر آباؤهم. * طالب: في الآيات الأخرى.. * طالب آخر: قومًا نكرة. * الشيخ: إي، ﴿قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ نكرة موصوفة. إذن نقول: إن الآيات الأخرى تدل على عموم رسالته، مثل قوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف ١٥٨]، ومثل قوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان ١]، وكقوله ﷺ: «بُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري، واللفظ له (٤٣٨)، ومسلم بنحوه (٥٢١/٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. ]]. والنصوص في هذا كثيرة متوافرة، ومن كذبها فقد كذَّب رسالته إلى العرب أيضًا؛ لأن الجنس واحد، ولكن قد يُقال: لماذا خص العرب؟ فيقال: خصهم لأمرين؛ الأول: أنه منهم، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة ٢] والثاني: أنه باشر دعوتهم بنفسه، وهدى الله العرب على يديه قبل موته، ثم انتشرت رسالته في الآفاق. وقد ذكر ابن كثير رحمه الله هنا قاعدة أشرنا إليها من قبل، وهي أن ذِكْر بعض أفراد العام بحكم يوافقه لا يقتضي التخصيص كما ذكر ذلك أهل الأصول كالشنقيطي في تفسيره وغيرهم، وأن هذا هو رأي الجمهور، وهو الحق، أن ذكر بعض أفراد العام في حكم لا يقتضي تخصيصها إذا كان يُطابِق حكم العام، فإذا قلت مثلًا: أكْرِم الطلبة، ثم قلت: أكرم زيدًا وهو منهم؛ فإنه لا يقتضي تخصيص الإكرام به؛ لأن الحكم هنا موافق للحكم العام، وذكر بعض أفراد العام بحكم يوافق العام ليس تخصيصًا له، واضح؟ ذكرنا هذا في أي مناسبة؟ * طالب: في باب التيمم. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: في قول النبي ﷺ: «وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَهُورًا»[[أخرجه البخاري (٤٣٨) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، ومسلم (٥٢١/٣)، واللفظ له من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. وجاء في بعض الروايات أنها التربة. * الشيخ: تربتها؟ * الطالب: طهورًا. * الشيخ: نعم. * الطالب: فكون النبي ﷺ ذكر التربة فلا يكفي أنه لا يصح التيمم بغيره. * الشيخ: تمام، صح، وكذلك؟ * الطالب: في الصلاة (...) بين السجدتين في تحريك الأصبع، هنا قول الرسول في التشهد لا يقتضي (...). * الشيخ: نعم، في الصلاة، وذكرناها أيضًا في الحلي عند قوله في الرقة: فِي مِئَتَي دِرْهَمٍ رُبْعُ الْعُشْرِ. قلنا: هذا لا يقتضي أن الحلي لا تجب فيها الزكاة؛ لأن ذكر بعض أفراد العام بحُكم يوافق العام لا يقتضي التخصيص. * ومن فوائد الآيات: سب هؤلاء الذين غفلوا عن الرسالات كقوله: ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس ٦]، وأن الغفلة عن البحث عن الرسالة يعتبر ذمًّا، وكذلك نقول: فيمن غفل عن البحث في جزئيات الشريعة، فمثلًا من غفل عن البحث في أحكام الصلاة فإنه يُذَم، عن البحث في أحكام الزكاة وهو محتاج لذلك نقول: إنه يُذم؛ ولهذا نقول: إن تعلم العلم الشرعي فرْض كفاية، ومن أراد أن يقوم بعبادة من العبادات كان تعلم أحكامها عليه فرض عين. وبناء على هذا نقول: كل طلبة العلم في كل مكان قائمون بفرض كفاية؛ ولهذا يحسن أن نستحضر هذا الأمر، أننا في مجالسنا هذه نقوم بفرض كفاية نُثاب عليه ثواب الفرض، وقد قال الله تعالى: «مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ»[[أخرج البخاري (٦٥٠٢) بسنده عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه..» الحديث. ]]. وهذه مسألة يغفل عنها كثير من الطلبة لا في مجالس الذكر والعلم، ولا في المجالس الأخرى مجالس المراجعة، تجد الإنسان مثلًا يراجع الكتاب ولكنه ما يستحضر أنه الآن قائم بفرض كفاية، وهذا يُفوِّت علينا خيرًا كثيرًا؛ لهذا نسأل الله أن يعيننا على تذكر هذا المعنى حتى نكسب خيرًا بما نقرؤه وبما نراجعه (...) * * * أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس ٥- ٦]. قوله: ﴿تَنْزِيلَ﴾ فيها قراءتان الأخ؟ (...) أظن ما ذكرت (...). لله عز وجل؛ لأن اللام للتعليل، إذن أضيفوها إليها؛ لأن أظن آخر ما أخذنا من الفوائد هي الآية هذه، يعني ما أخذنا سواها. * فتضاف إلى الفوائد: إثبات الحكمة لله المستفاد من قوله: ﴿لِتُنْذِرَ﴾.

يس 36:7

ثم قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس ٧]، اللام هذه مُوطِّئة للقسم؛ أي أنها تدل على أن هناك قسمًا تقديره: والله لقد حق، و(قد) للتحقيق، وعليه فالجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم المحذوف، واللام، وقد. وهذا التركيب يأتي في القرآن كثيرًا، وطريقه أو طريق إعرابه ما أشرنا إليه. ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ﴾ أي: وجب، حق هنا بمعنى وجب. و﴿الْقَوْلُ﴾ هو القول بالعذاب كقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ٣٣] في الآية الأخرى: ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر ٦]. فمن حقت عليه كلمة العذاب فإنه لا يمكن أن يهتدي مهما أوتي من آية، ولكن لا تحق كلمة العذاب إلا على من استحقها حتى لا يقال: إن الله تعالى قد أجبره على العمل. كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]، والله عز وجل ينظر في قلوب العباد، فمن كان أهلًا للهداية هداه، ومن لم يكن أهلًا لها لم يهده، فمن حقت عليه الكلمة لما في قلبه من الزيغ -والعياذ بالله- فإنه لا يؤمن. وقوله: ﴿حَقَّ الْقَوْلُ﴾ [يس ٧] ما هو القول؟ * طلبة: العذاب. * الشيخ: العذاب؟! لا، كلمة العذاب وهي قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر ٦] والآية الأخرى: ﴿أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ٣٣]. وقوله: ﴿عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾ يعني على أكثر الذين بُعث إليهم الرسول عليه الصلاة والسلام من العرب، وليس على كلهم؛ ولهذا كذب النبيَّ ﷺ من قريش أممٌ كثيرة، وماتوا على الكفر ولا سيما الصناديد منهم والأشراف. ﴿عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس ٧] (هم) الضمير يعود على أكثر لا على الهاء في ﴿أَكْثَرِهِمْ﴾. ﴿فَهُمْ﴾ أي: الأكثر ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ حتى وإن جئت بالآيات العظيمة البيِّنة فهم لا يؤمنون؛ لأنهم قد حقت عليهم كلمة العذاب. (...) * الآية الكريمة هذه: أولًا: تأكيد الخبر الهام وإن لم يكن المخاطَب مُنكِرًا؛ لأن هنا يُخبر الله سبحانه وتعالى النبي ﷺ والمؤمنين وهم لا يُنكرون ذلك لكن لأهميته أُكِّدَ. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من حقت عليه كلمة العذاب فإنه لا يؤمن كما في قوله: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر ١٩] يعني فقد ثبت أنه من أهل النار فلا تنقذه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من قريش الذين كذبوا الرسول عليه الصلاة والسلام من لم تحق عليه الكلمة فيؤمن؛ لقوله: ﴿عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾ [يس ٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إشارة إلى أنه ينبغي بل يجب على الإنسان اللجوء إلى الله عز وجل؛ لأنه هو الذي بيده ملكوت السماوات والأرض، فلا تعتمد على ما في قلبك من رسوخ الإيمان مثلًا وتعتقد أنه لن يتسلط عليك الشيطان، ولن يتسرب إليك هوى النفس الأمارة بالسوء، بل كن دائمًا لاجئًا إلى الله تعالى سائلًا الثبات، فقوله: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾ فالأمر كله بيد الله. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ [يس ٨] ﴿إِنَّا جَعَلْنَا﴾ أي: صيَّرْنا؛ ولهذا نصبت مفعولين؛ المفعول الأول: ﴿أَغْلَالًا﴾، والمفعول الثاني مُقدم: ﴿فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾. وقوله: ﴿أَغْلَالًا﴾، الغل يكون باليد، كما قال تعالى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة ٦٤] إذا كان الغل في اليد، وهنا قال: ﴿فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ فمعناه أن اليد سوف تشد إلى العنق؛ ولهذا (...). أن تضم إليها الأيدي؛ لأن الغل يجمع اليد إلى العنق هكذا تُغل، ثم تشد على العنق. يقول: (﴿فَهِيَ﴾ أي الأيدي مجموعة ﴿إِلَى الْأَذْقَانِ﴾ ). قوله: (مجموعة) أخذها من قوله: ﴿إِلَى الْأَذْقَانِ﴾. ويجوز أن نقدر بدل (مجموعة) منتهية أو بالغة ﴿إِلَى الْأَذْقَانِ﴾ جمع ذَقن، وهو مجمع اللحيين، اللحيان هما العظمان اللذان عليهما الأسنان، ومجمعهما يُسمى ذقنًا يقول: وهي مجتمع اللحيين (...) رافعون رؤوسهم، الأحسن أن يقال: مرفوعو الرؤوس؛ يعني لأن اليد مغلولة إلى العنق تضيق على الذقن، ثم يرتفع الرأس. قال: (رافعو رؤوسهم لا يستطيعون خفضها) لو تصورت هذه الصورة لوجدتها صورة بشعة، وأن الإنسان لا يتمكن معها من التصرف الحر رجل مثلًا مشدودة يداه بعضهما إلى بعض، ثم مجموعة إلى العنق من عند الذقن، إذن لا بد أن يرتفع رأسه اختيارًا أو اضطرارًا؟ اضطرارًا. وزاد بعض العلماء في القمح أنها مغمضة أجفانها؛ يعني لأنه إذا ارتفع رأسه باضطرار فإن من تمام الذل أن يغمض عينيه، ولكن صنيع المؤلف يدل على أنه ليس بشرط، المهم أنك إذا تصورت هذه الحال عرفت أن هؤلاء لا تصرف لهم في أنفسهم، وأنهم لا يستطيعون أن يتصرفوا بأخذ ولا رد بالنسبة لأيديهم، وبالنسبة لرؤوسهم أيضًا ما يستطيعون تنزيلها، دائمًا مرفوعة، وهذا تمثيل لحال هؤلاء المكذبين كما قال المؤلف: (وهذا تمثيل، والمراد أنهم لا يذعنون للإيمان، ولا يخفضون رؤوسهم له). يقول تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ [يس ٩] بفتح السين وضمها في الموضعين قراءتان سبعيتان أي: ﴿سُدًّا﴾. ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس ٩] ﴿أَغْشَيْنَاهُمْ﴾ يعني أغشينا أبصارهم، جعلنا عليها غشاوة بحيث لا تبصر؛ ولهذا قال: ﴿فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ تمثيل أيضًا لسد طرق الإيمان عليهم. ليس هناك سد حقيقي أي جدار مثلًا أو ثوب ساتر بل هذا من باب التمثيل كأنهم لبُعدهم عن الإيمان -والعياذ بالله- وانحجاب رؤيتهم إياه كأنهم جُعل بينهم وبينه سد ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ فلا يتقدمون ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ فلا يتأخرون، فهم ثابتون على الكفر لا يتقدمون ولا يتأخرون، ومع ذلك فإن أبصارهم عليها غشاوة لا تبصر الحق، ولا تنظر إليه؛ ولهذا قال: ﴿فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ فتأمل أيضًا حالهم الآن أيديهم مغلولة إلى أعناقهم من تحت الأذقان، وهم رافعو رؤوسهم، ومع ذلك بينهم وبين الإيمان سد من الأمام ومن الخلف فهم إذن لا يستطيعون أن يصلوا إلى الإيمان ولا أن يصل إليهم الإيمان. * فنستفيد من الآية الكريمة فوائد؛ أولًا: أن الله سبحانه وتعالى إذا أراد أن يحجب الإيمان عن الشخص جعله كالمغلولة يدُه إلى عنقه؛ لقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ [يس ٨]. ثانيًا: أن هذا الذي جُعِلت يده إلى عنقه على سبيل الغل كأنه مُكرَه على أن يكون على هذه الحال، وهكذا الشيطان يُوسوس للإنسان حتى يُوقِعه في الهلاك كأنه مُكرَه على ذلك، ألم تروا إلى ما جرى للأبوين حين جاء إليهم الشيطان، ووسوس إليهما، ولم يكتفِ بمجرد الوسواس بل قاسمهما، وصار يحلف لهما أشد الأيمان؛ أنه ناصح، فهكذا الشيطان يأتي الإنسان حتى يغويه كالْمُكره له. * ومن فوائد الآيتين الكريمتين: أن هؤلاء قد حُجِب عنهم الهدى، لا يتقدمون إليه، ولا يتأخرون عنه. * ومن فوائده: أن أبصارهم أيضًا قد أُغشيت وجُعِل عليها الغِشاوة فلا تنظر. * ومن فوائد الآيتين: تحذير الإنسان إذا لم ينفتح له باب الهدى أن يكون من جنس أولئك، فإذا رأيت نفسك لا تعلم الهدى ولا تعرفه، وحِيل بينك وبينه فاعلم أنك على خطر، وإذا رأيت من نفسك أن الهدى ينفتح لك ويتبين، وينشرح به صدرك فاعلم أنك على خير، نحن نقيس هذا بحال هؤلاء، جُعِل السد من بين أيديهم ومن خلفهم، وصاروا لا يبصرون الحق، فإذا رأيت من نفسك هذه الحال فاعلم أنك على خطر فتداركه. ثم قال الله تعالى: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس ١٠] ﴿سَوَاءٌ﴾ خبر مقدم بمعنى مستوٍ و﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ مبتدأ مؤخر مسبوق بمصدر، وإن لم تكن الهمزة من الحروف المصدرية لكن في مثل هذا التركيب قال العلماء: إنها تسبق وما بعدها بمصدر، تقدير الكلام: وإنذارك وعدمه سواء عليهم، و﴿سَوَاءٌ﴾ هنا لم يُقَل فيها: سواءان؛ لأنها مصدر، والمصدر لا يثنى ولا يجمع. وقوله: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ قال المؤلف في بيان القراءة فيها: (بتحقيق الهمزتين) انطق بها؟ * طالب: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾. * الشيخ: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ وإبدال الثانية ألفًا، انطق بها. * طالب: ﴿آنْذَرْتَهُمْ﴾ . * الشيخ: ﴿آنْذَرْتَهُمْ﴾ ، وإبدال الثانية ألفًا. * طالب: (أنذرتهم). * الشيخ: لا. * طالب: ﴿أَانْذَرْتَهُمْ﴾ . * الشيخ: ﴿أَانْذَرْتَهُمْ﴾ ، وتسهيلها؛ تسهيل الهمزة الثانية؟ * طالب: الثانية؟ * الشيخ: إي نعم، حقِّق الأولى، وسهِّل الثانية. * الطالب: (أنذرتهم). * الشيخ: لا، (أنذرتهم) ما جبت الثانية إطلاقًا. * طالب: ﴿أَانْذَرْتَهُمْ﴾ ... * الشيخ: ﴿أَانْذَرْتَهُمْ﴾ ، ما تبينها تمشي عليها على عجل. يقول: (وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركها)؛ يعني على قراءة التسهيل تجعل فيها ألفًا أو تحذف الألف، مثالها: إدخال الألف بين الهمزة المحققة والمسهلة؟ * طالب: أأآنذرتهم. * الشيخ: لا أنت بتعمل أربعة.. * الطالب: أآنذرتهم. * الشيخ: لا، آانذرتهم، تمد الأولى وتسهل الثانية، يكون عندنا كم حرف؟ * طالب: ثلاثة. * الشيخ: ثلاثة حروف، الهمزة الأولى محققة، والألف، والهمزة الثانية مسهلة. (وتركه) كما قلنا بالأول بدون ألف ستحقق الأولى وتسهل الثانية بدون ألف، هذه القراءات سبعية ولَّا لا؟ سبعية؛ لأن المؤلف من عادته إذا جاءت قراءة شاذة غير سبعية يقول: (وقرئت). على كل حال هذا لا يختلف به المعنى، إنما هو في كيفية الأداء، أما المعنى فلا يختلف، المعنى أن إنذارك وعدمه لهؤلاء سواء، ثم بيَّن وجه التسوية، فقال: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس ٧]، هذا معنى التسوية؛ يعني معناه أنذرت أم لم تنذر فإنهم لا يؤمنون؛ ولهذا الجملة هنا استئنافية بيان للجملة الأولى؛ يعني أنهم لا يؤمنون سواء أنذرت أم لم تُنذر، وهذا أمر مُشاهَد أن الإنسان الذي قد قُضِي عليه بالضلالة والعياذ بالله تيجي وتنصحه مرة بعد أخرى، وتُبين له وتُحذِّره ولكن لا يزداد إلا نفورًا والعياذ بالله؛ حتى إن بعض الناس يسخر ويستهزئ بالجزاء. فعلى كل حال هذا الذي يُنذر ولا يتأثر بالإنذار يُخشَى عليه -كما أسلفنا- من أن يكون قد طُبِع على قلبه، وأنه لا يؤمن أبدًا. * من فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المكذبين للرسول عليه الصلاة والسلام لا يُبالُون ولا تتغير حالهم سواء أنذرهم أم لم ينذرهم. * ومن فوائدها: تسلية النبي ﷺ؛ حيث إنه يتأثر بعدم الإيمان فسلَّاه الله عز وجل بأن هؤلاء قد حقت عليهم كلمة العذاب، وأنهم لا يؤمنون سواء أنذرت أم لم تنذر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرسول ﷺ كان ينذرهم مع أنهم قد أُوِيس منهم. * فيستفاد منه: الإنذار حتى وإن يئست، وهذا أحد القولين في المسألة، فإن من أهل العلم من يقول: إذا أَيِست فلا تنذر. ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى ٩]، وإن لم تنفع فلا تُذَكِّر. وقال بعض العلماء: بل تُذكِّر وتنذر سواء نفع أم لم ينفع، بل يقولون: إنه لا يخلو من نفع مهما كان؛ لأن أقل ما فيه من النفع أن يبين للناس أن هذا العمل الذي عليه هذا الرجل عمل مُنكَر؛ ولأنه ربما يهديه الله عز وجل، فكم من أناس كانوا أئمة في الكفر، ثم هداهم الله عز وجل فكانوا أئمة في الدين. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ [يس ١١] شوف قال: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾، ثم قال: ﴿فَبَشِّرْهُ﴾. ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾ هذه الجملة فيها حصر طريقه ﴿إِنَّمَا﴾، ﴿تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ﴾ حولها إلى نفي وإثبات يكون التقدير: لا تنذر إلا من اتبع الذكر. وقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ يعني أن المراد بذلك إنما تنذر الإنذار النافع كأنه قال: لا ينتفع بإنذارك إلا من اتبع الذكر؛ ولهذا قال المؤلف: (﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾ ينفع إنذارك ﴿مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ القرآن ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ خافه ولم يره ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيم﴾ [يس ١١] هو الجنة). نشوف ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾ ويش معناها؟ ينفع إنذارك، هذا الذي ينتفع بإنذارك. قوله: ﴿مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ المراد بالاتباع شيئان؛ الشيء الأول: تصديق الخبر واعتقاد مقتضاه فإن هذا اتباع، والثاني: امتثال الأمر واجتناب النهي، هذا اتباع الذِّكر، فمن استكبر عما فيه من الأمر أو النهي فإنه لم يتبعه، ومن لم يصدق بأخباره فإنه لم يتبعه، لا يتحقق اتباع الذكر إلا بهذين الأمرين، تصديق الأخبار، واتباع الأحكام فعلًا للمأمور وتركًا للمحظور. وقوله: ﴿الذِّكْرَ﴾ المراد به القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر ٩]، وسُمِّي القرآن ذكرًا؛ أولًا: لما فيه من التذكير والموعظة. وثانيًا: لما فيه من ذكر الأخبار الماضية وقصص الأنبياء الغابرة المفيدة للقلب. وثالثًا: ما فيه من ذِكْر أحوال الناس في الجزاء، وأنهم ينقسمون إلى فريق في الجنة وفريق في السعير؛ هذه ثلاثة أوجه. الرابع: لما فيه من ذكر العرب ورفع شأنهم كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف ٤٤] فإن القرآن لا شك رفع من شأن العرب، وجعلهم هم الأمة الذين ترجع إليهم الأمم، فإن الأمم كلها لم تهتدِ إلا عن طريق من؟ عن طريق العرب، ففي هذا لا شك رفْع لشأنهم وعز لمكانتهم؛ فلهذا سُمِّي القرآن ذِكْرًا. إذن المراد بالذكر ما هو؟ القرآن وسمي ذكرًا لأمور أربعة: الأول: أن الإنسان يتذكر به ويتعظ به، وهذا أمر لا شك فيه. ثانيًا: لأنه تضمن ذكر أخبار الأولين السابقين التي فيها عبرة لنا، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]. الثالث: أن فيه ذكرًا لأحوال الأمم أو لأحوال الناس للجزاء يوم القيامة، وأنهم ينقسمون إلى فريقين؛ فريق في الجنة وفريق في السعير. الرابع: أن فيه ذِكْرًا للعرب ورفعًا لشأنهم؛ حيث جاء بلغتهم، ووصل إلى الناس عن طريقهم. وفيه أيضًا خامس: وهو ذكر شريعة الله وأحكامه من الأوامر والنواهي؛ لأن هذا هو عديل الأخبار التي ذكرناها؛ أخبار الأمم الماضية وأخبار الناس في المستقبل، فيكون ذِكرًا إذن بخمسة أوجه (...) قال الله تبارك وتعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس ٧] هذه الجملة مؤكدة؟ (...) ولَّا نعيدها؟ (بينه بلاغة القرآن بتمثيل المعقول بالمحسوس) هذه تؤخذ من الآيتين الأوليين ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ إلى آخره [يس: ٨]. * ثانيًا: من فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء قد حقت عليهم كلمة العذاب، ومن حقت عليه الكلمة فلا يمكن أن يؤمن سواء أنذِر أم لم يُنذَر. * ثالثًا: أن الأمر كله بيد الله عز وجل؛ فهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ولكن هذا مقرون بالحكمة، من اقتضت حكمة الله عز وجل أن يهتدي؛ هداه الله، ومن اقتضت حكمته أن يضل؛ أضله الله، وهذا مبني على قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥] وحينئذٍ يكون حرمان الله تعالى الهداية للشخص يكون الشخص هو السبب في حرمان نفسه الهداية؛ لأنه ليس أهلًا لها؛ فالله عز وجل ينظر في قلوب العباد من وَجد في قلبه صلاحية للهدى هداه، ومن وَجَد في قلبه عدم الصلاحية لم يهده، فأصل بلائك من نفسك. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الضال -والعياذ بالله- الذي كُتِبت عليه الضلالة لا يبصر الحق، وإن كان الحق بينًا واضحًا فإنه لا يبصره، يكون على بصره غشاوة، كما أنه لا يعقله أيضًا؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٣، ١٤]، الذي يعتقد أن القرآن أساطير الأولين، وأنه لا يفيد، وأنه بمنزلة السوالف العجائب، لماذا يرى هذه الرؤية في كتاب الله عز وجل؟ لأنه فاسد القلب، قلبه قد ران عليه ما كان يكسبه من الأعمال السيئة فلم يرَ الحق حقًّا: وَمَنْ يَكُ ذَا فَمٍ مُرٍّ مَرِيضٍ ∗∗∗ يَجِدْ مُرًّا بِهَ الْمَاءَ الزُّلَالَ الماء الزلال الصافي الحلو العذب يجده المريض مُرًّا، هل جربتم ذلك؟ إي نعم، إذا مرض الإنسان وذاق الماء اللي كان عذبًا عنده في مذاقه من قبل يجده الآن مُرًّا لا لأن الماء مر لكن لأن المحل غير قابل، فيجد هذه العذوبة مرارة. * ومن فوائد الآيات: تسلية الرسول ﷺ لئلا يهلك نفسه لعدم إيمانهم؛ لقوله: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [يس ١٠] فأنت لم تقصر لكن هؤلاء لا ينتفعون، والرسول عليه الصلاة والسلام إذا لم يهتدِ الناس فإنه يشق عليه ذلك، ويضيق به صدرك كما قال تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٣] يعني لعلك مهلكها إذا لم يؤمنوا، وهذا ليس عليك. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس ١١]. هذه الجملة أخذناها وقلنا: إن المراد بالذكر القرآن، وأن اتباعه يكون بتصديق أخباره وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، هذا اتباعه، وقلنا: سمي ذكرًا لأمور متعددة، أولها؟ * طالب: هو القرآن. * الشيخ: إي، لماذا سمي ذكرًا؟ * الطالب: فيه ذكر أخبار السابقين. * الشيخ: لأنه يتضمن ذكر أخبار السابقين لنتعظ بهم ونعتبر، الدليل؟ * الطالب: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾ [يوسف ١١١]. * الشيخ: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١] طيب هذا واحد، ثانيًا؟ * طالب: ذِكر للعرب ورفع شأنهم. * الشيخ: أنه ذكر للعرب ورفع شأنهم، الدليل؟ * الطالب: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف ٤٤]. * الشيخ: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾. * طالب: ذكر أحكام الشريعة، الأوامر والنواهي. * الشيخ: نعم، صح، الدليل؟ * الطالب: الآيات، الأوامر المنظومة في القرآن. * الشيخ: طيب نعم. * طالب: (...) قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾ [الزمر ٢١]. * الشيخ: ذكر لأن الإنسان يتذكر به ويتعظ، الدليل؟ * طالب: (...). * الشيخ: وأيضًا ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ١٧] كم هذه؟ * طالب: (...). * الشيخ: أن فيه ذكر مآل الناس وأحوالهم يوم القيامة من الثواب والعقاب، وهذا لا شك أنه ينفع القلوب، قال الله عز وجل: ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس ١١]، خشي يقول المؤلف: (بمعنى خاف). وعليه فهذا من باب الحد المعنوي ولا اللفظي؟ لأن بنطالبكم بهذه المسألة؛ لأننا قرأناها في أصول الفقه، حد لفظي؛ لأنه فُسِّر بمرادفه، تفسير الشيء بمرادفه يسمى حدًّا لفظيًّا، إذا قلت: القمح والبر، هذا حد لفظي، الخشية هي الخوف، هذا حد لفظي، ولكن في هذا نظر؛ لأن هذا الحد غير جامد، أو بالأصح غير مانع ليش؟ لأن الخشية ليست مجرد الخوف بل الخوف عن علم بالمخوف وعظمته هي الخشية بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨]. الخوف قد لا يكون لعظمة المخوف ولكن لضعف الخائف، لكن الخشية ما تكون إلا لعظمة المخوف إذا عرف الخاشي عظم هذا المخشي فخشيه، أفهمتم الآن؟ طيب إذن بينهما فرق، فتفسير الخشية بمطلق الخوف فيه نظر، والصواب أن يقال: الخوف عن علم بعظمة المخوف، الدليل: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨]، إذن فالخشية ناشئة عن تعظيم المخشي، أما الخوف فقد يكون ناشئًا عن ذلك، وقد يكون ناشئًا عن ضعف الخائف، فالصغير الذي له أربع سنين يخاف الذي له ست سنين، صح؟ والذي له ست سنين يخاف الذي له ثماني سنين وهكذا. إذن ليس عظيمًا صاحب ست سنين ليس عظيمًا بالنسبة لذاته، لكنه عظيم بالنسبة لمن دونه. وقوله: ﴿الرَّحْمَنَ﴾ ﴿خَشِيَ الرَّحْمَنَ﴾ اختيار هذا الاسم هنا دون ذكر الله عز وجل؛ لأن الإنسان الذي يخشى الله عز وجل يخافه عن عِلْم، هذا الخوف طمأن الله الخائف والخاشي بأنه إنما يخشى رحمانًا يرحمه، فكلما عظمت خشيتك لله عظمت رحمت الله بك؛ لأن الله عز وجل إذا خافه الإنسان خشية فإنه يرحمه؛ لأنه ما من إنسان يخشى الله حقيقة إلا سيقوم بأوامره، ويجتنب نواهيه، وحينئذٍ يكون مُعرِّضًا أو متعرضًا للرحمة، هذه هي المناسبة بذكر الرحمن دون ذكر الله. وقوله: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ قال المؤلف: (ولم يره) كأنه يفسر أن المراد بالغيب أنه يخشى الله مع غيبة الله عنه فيكون بالغيب حالًا من المخشي، يعني يخشى الله والله غائب عنه، هذا أحد الوجهين في الآية. الوجه الثاني: يخشى الله بالغيب؛ أي يخشى الله في حال الغيبة عن الناس، يخشى الله في قلبه في عمل غائب لا يظهر فيكون بالغيب حالًا من المخشي ولَّا من الخاشي؟ حالًا من الخاشي؛ يعني أن هذا الإنسان الذي أنذرته وانتفع به ذلك هو الذي اتبع الذكر وخشي الله بالغيب حال كونه غائبًا عن الناس، خشي الله بالغيب أي بالعمل الغائب الكائن في قلبه. هي الخشية الحقيقية؛ لأن خشية الله بالعلانية قد يكون سببها مراءاة للناس، ويكون في هذه الخشية شيء من الشرك؛ لأنه يرائي بها، لكن إذا كان يخشى الله في مكان لا يطلع عليه إلا الله فهذا هو الخاشي حقيقة، وكم من إنسان عند الناس لا يفعل المعاصي، ولكن فيما بينه وبين نفسه يتهاون بها، فيه إنسان، حدثني شخص يقول: إنسان ظاهره الصلاح حتى إنه ينكر إذا سمع الأغاني في الراديو أو في التلفزيون، لكنه هو في بيته يقتني الراديو والتلفزيون ويُكِبُّ على سماع الأغاني، هذا خشي الله بالغيب؟ لا، ما خشي الله بالغيب، هذا خشي الناس في الحقيقة، ولم يخش الله عز وجل؛ لأن الذي يخشى الله لا بد أن يقوم بقلبه تعظيم الله سبحانه وتعالى سواء بحضرة الناس أو بغيبة الناس. أيضًا يخشى الله بالغيب؛ أي: بما غاب عن الأبصار نظرًا، وعن الآذان سمعًا وهو خشية القلب، وخشية القلب أعظم ملاحظة من خشية الجوارح، صح ولَّا لا؟ خشية القلب أعظم مراقبة من خشية الجوارح؛ لأن الذي يخشى الله بقلبه يكون مراقبًا لله عز وجل ولحقه أكثر، ولأنه يجب أن تُرَاقب خشية القلب أكثر مما تراقب خشية الجوارح؛ خشية الجوارح بإمكان كل إنسان أن يقوم بها حتى في بيته، كل إنسان يستطيع أن يقوم يصلي ولا يتحرك، ينظر إلى موضع سجوده، يرفع يديه موضع الرفع يعني: يستقيم استقامة تامة في ظاهر الصلاة، لكن القلب غافل. أما خشية القلب فهي الأصل وهي التي يجب أن يراقبها الإنسان ويحرص عليها حرصًا تامًا، وهذا معنى قوله: ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾، إذن الصواب بل الراجح من القولين أن قوله: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ يعود على الخاشي أي يخشى الله تعالى غائبًا عن الخلق، ويخشى الله تعالى بخشية غائبة لا تظهر للعيون ولا تسمعها الآذان وهي خشية أيش؟ خشية القلب. أما قول المؤلف: (ولم يره)، واعتبر أن الغيب هنا حال من المخشي فهذا فيه نظر؛ لأن الله عز وجل صحيح لا يُرى، ولكن آياته البينة الظاهرة كأن الإنسان يرى ربه؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] فآيات الله كلما تأمل الإنسان فيها سواء الآيات الكونية أو الآيات الشرعية، كلما تَأَمَّل فيها ظهر له بها وجود الخالق، وظهر له كلما تضمنه هذه الآيات من صفاته ظهورًا بينًا كأنما يشاهد الله عز وجل. فالصواب إذن المعنى الأول لأننا نقول: وإن لم نر الله لكن نرى من آياته ما يدُلنا دلالة قطعية يقينية أيش على إيه؟ على وجوده وعظمته. يقول: ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ﴾ شوف قال: ﴿تُنْذِرُ﴾ ثم قال: ﴿فَبَشِّرْهُ﴾ متقابلان، تنذره فينتفع بالإنذار، إذا انتفع بالإنذار حصل له الثواب فاستحق البشارة؛ ولهذا قال: (﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ هو الجنة) ﴿بِمَغْفِرَةٍ﴾ للذنوب ﴿وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ على فعل الحسنات، والكريم يتضمن كرم الذات العينة وكرم الصفات؛ كقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٤٧)، ومسلم (١٩ / ٢٩) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]] يعني: الكريمة بذاتها وبصفاتها، الأجر الكريم بذاته إذا نظرنا إلى نعيم الجنة بذاته وجدنا أنه كريم أكرم وأجمل وأحسن وأنفع من نعيم الجنة؛ ففي الجنة فاكهة ونخل ورمان وعسل وخمر إذا نَسَبْتَ هذا إلى نعيم الدنيا وجدت أنه أكرم من نعيم الدنيا في ذاته، في صفاته أيضًا طعمه ورائحته وغير ذلك هو أيضًا أكرم. كريم أيضًا من حيث المقابلة، فالحسنة بكم؟ بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، الأجر في الدنيا يكون بقدر العِوَض، تبيع عليَّ سيارة بعشرة آلاف قيمتها كم؟ عشرة آلاف، ما أعطيك إلا عشرة ما أزيد، لكن في الآخرة آجر الآخرة أكرم وأعظم؛ لأنك تبذل واحدًا وتُعطَى كم؟ عشرة إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، فصار كرم الأجر -أجر الآخرة- من عدة وجوه في عينه وصفته وأيش؟ ومقابلته أو ومعاوضته؛ فإنه أعظم بكثير من عِوَض الدنيا وأجر الدنيا. قال المؤلف: (هو الجنة) هذا تفسير للمراد لا للمعنى، ولا شك أن الجنة تشتمل على ما ذكرنا. ثم قال تعالى: (﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [يس ١٢] للبعث ﴿وَنَكْتُبُ﴾ في اللوح المحفوظ ﴿مَا قَدَّمُوا﴾ في حياتهم من خير وشر ليُجازَوْا عليه ﴿وَآثَارَهُمْ﴾ ما اسْتُنَّ به بعدهم ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾ نصبه بِفِعْلٍ يُفَسِّرهُ ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ ضبطناه ﴿فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ كتاب بَيِّنٍ هو اللوح المحفوظ). قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾. أولًا: مناسبة هذه الآية بما قبلها لها مناسبتان: المناسبة الأولى أنه لما ذكر حال من ينتفع بذكرى الرسول عليه الصلاة والسلام ومن لا ينتفع بَيَّن أن كلًّا منهم سوف يُحيا بعد موته وسوف يجازى على عمله، فالمناسبة ظاهرة؛ ففيها بشارة للمؤمن المنتذر، وفيها إنذار وتخويف لمن خالف. ثانيًا: أن الله تعالى لما ذكر حال هؤلاء المكذبين فإن تكذيبهم بمنزلة الموت، وإذا كان الله قادرًا على إحياء الموتى إحياءً حسيًّا فهو قادر على إحياء هؤلاء الموتى بالكفر إحياء معنويًّا، فتكون المناسبة من وجهين. قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ ﴿إِنَّا﴾ هذه ضمير جمع، والله عز وجل واحد فتُحْمَل هذه على أي شيء؟ على التعظيم قطعًا، ﴿نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ ﴿نَحْنُ﴾ هذه ضمير فَصْلٍ؛ لأنها لو سقطت وقيل: إنا نُحْيِ الموتى استقام الكلام فهي ضمير فصل للتخصيص؛ يعني نحن لا غيرنا. ﴿نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ جمع ميت ويشمل الموتى من بني آدم وغيرهم، لكن قوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ يدل على أيش؟ على التخصيص، وهذا له نظائر في القرآن والسنة؛ إذا جاء لفظ عام ثم ذُكِرَ بعده حكم يختص ببعض أفراده فهل هذا يخصِّص العموم أو لا يخصصه؟ إذا نظرنا إلى تصرف العلماء رحمهم وجدنا أنهم أحيانًا يجعلونه مخصصًا للعموم وأحيانًا لا يجعلونه مخصصًا للعموم؛ فمثلًا ﴿الْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة ٢٢٨] هذه الآية فيها عموم وفيها حكم يختص ببعض أفراد هذا العموم، أين العموم؟ ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ فإن هذا يشمل من لها رجعة ومن ليس لها رجعة، هذا العموم، ثم قال بعد ذلك ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ أي: بعولة المطلقات ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ هذا الحكم يختص بمن؟ بالرجعيات، فهل نقول: إن المراد بالمطلقات في قوله: ﴿الْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ المراد بها الرجعيات أو هو عامٌّ؟ أكثر العلماء على أنه عام. نأتي إلى السنة قال جابر: «قضى النبي ﷺ بالشُّفْعَة في كلِّ ما لم يُقْسَم، فإذا وقعت الحدود وصُرِّفَت الطرق فلا شفعة»[[متفق عليه؛ البخاري واللفظ له (٢٢١٣)، ومسلم (١٦٠٨ /١٣٤) من حديث جابر رضي الله عنه. ]]. في هذا عموم، وفي هذا حكم تَعَقَّبه يختص ببعض أفراد هذا العموم، فهل نأخذ بالعموم أو نأخذ بما يقتضيه هذا الحكم المُعقَّب؟ «قضى النبي ﷺ بالشُّفعة في كل ما لم يُقْسَم.» ويش يشمل؟ كل ما لا يُقْسم حتى لو كان بيني وبينك سيارة (...) نصيبك منها فلي الشفعة، ولَّا لا؟ نبغي نأخذ بالعموم في كل ما لم يُقْسَم، «فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة، » هذا يختص بأيش؟ بالأراضي فهل نقول: إن قوله: «في كل ما لم يقسم » يختص بالأراضي؛ (...) الحكم المفرع؟ ونقول: إذا كان شريكان في سيارة وباع أحدهما نصيبه فلا شفعة للثاني، أو نقول: نأخذ بالعموم ونجعل هذا الحكم الخاص لبعض أفراده يختص به؟ فيه أيضًا خلاف. هذه المسألة التي نحن فيها الآن ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ أيش يشمل؟ كل ميت حتى البهائم، ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ هذا خاص بالمكلفين، فهل نقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ من المكلفين بدليل قوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ أو نقول: هو عام وتعقيبه بحكم يختص ببعض أفراده لا يقتضي التخصيص؟ * طلبة: عام. * الشيخ: عام، طيب ينبني على الخلاف يا إخواني، العلماء -كما تشاهدون- يختلفون في مثل هذا، فنحن نقول: ممكن أن نقول: الموتى الذين يكتب لهم ما قدَّموا وآثارَهم بدليل قوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾. وقد يقول قائل: أنا (...) العموم ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ كل ميت، ونكتب ما قدَّم بعضهم وهم المكلفون. ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ [يس ١١] ذكر وصفين: الذي يَتَّبِع الذِّكر، وذكرنا أن اتباع الذكر يكون بأمرين: الأول. * طالب: (...) أخباره يعني مقتضاها، والعمل بما يُعْمل به. * الشيخ: نعم، تصديق الأخبار واعتقاد مقتضاها، والثاني: العمل بالأحكام فعلًا للمأمور وتركًا للمحذور. والوصف الثاني: ﴿خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ والخشية. * طالب: الخوف عن علم بعظمة المخوف. * الشيخ: نعم، الخوف عن علم بعظمة المخوف، دليل ذلك؟ * طالب: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ﴾.. * الشيخ: دليل أن الخشية هي الخوف، مع العلم بعظم المخْشِيِّ. * طالب: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨] * الشيخ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ طيب، وذكرنا أن قوله: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ يحتمل وجهين؛ أحدهما ذكره المؤلف والثاني ذكرناه نحن. * طالب: الثاني (...). ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ قال: (﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾ نصبه بفعل يفسره ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ ) ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ ﴿كُلَّ﴾ هذه مفعول لفعل محذوف يفسره قوله: ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾، وعلى هذا فيكون التقدير: أحصينا كل شيء، ولا تَجْمَع بين المُفَسِّر والمفسَّر؛ يعني: لا تقل: التقدير أحصينا كل شيء أحصيناه؛ لأنه لا يُجْمَع بَيْنَ المُفَسِّر والمُفَسَّر، فإذا أردت أن تُقَدِّر تقول: التقدير وأحصينا كلَّ شيء في إمام مبين، لكن جُعِلَت الصيغة على هذا الوجه، ليكون المسند لذكر المُسْنَد إليه مرتين؛ لأن ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ والضمير في ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ يعودان على شيء واحد فيكون هنا ذُكِرَ المعمول مرتين، مرة على أنه مفعول بفعل مقدر، ومرة على أنه ضمير لذلك المذكور وهو قوله: ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾، هذا التركيب يُسَمَّى عند النحويين أيش؟ يُسَمَّى الاشتغال، والاشتغال تجري فيه الأحكام الخمسة: الوجوب، والاستحباب، والإباحة، والكراهية، والتحريم، لكن هذا وجوبٌ نحويٌّ، ما هو بوجوب شرعي؛ يعني: تارةً يجب نصبُه، وتارة يمتنع، وتارة يترجَّح نصبه، وتارة يترجَّح رفعه، وتارة يستوي الأمران؛ في مثل هذا التركيب ما الذي يترجح؟ طبعًا ستقولون: يترجح النصب بدون تردُّد؛ لأنها منصوبة الآن، يترجح النصب لماذا؟ لأن الجملة هنا معطوفة على جملة فعلية، فإذا جعلناه مفعولًا لفعل محذوف صارت الجملة المعطوفة أيش؟ فعلية ولَّا اسمية؟ صارت فعلية وتَنَاسُب الجملتين أولى من تضادهما، هذا معلوم ولَّا لا؟ طيب قلنا: إن هذا من باب الاشتغال، وترجَّح النصب هنا؛ لأن قوله: ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ معطوف على قوله: ﴿نَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾، فإذا جعلنا الواو حرفَ عطفٍ والجملة فعلية ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ صار المعطوف جملة فِعْلِيَّة على جملة فعلية، ولو رفعنا وهو جائز الرفع هنا، لكن النصب أرجح، لو رفعناه وقلنا: وكل ُّشيء أحصيناه، صار العطف هنا عطف جملة اسمية على جملة فعلية أيهما أَنْسَب؟ الأول أنسب؛ أن نعطف جملة فعلية على جملة فعلية؛ ولهذا نقول: إن النصب هنا أرجح مع جواز الرفع، لولا أنه في كلام الله ولا يُغَيَّر لكان يجوز أن نقول: وكل ُّشيء أحصيناه، فهمتم ولَّا لا؟ ولهذا لو قلنا: زيد ضربتُه، يجوز أن أقول: زيدًا ضربتُه، لكنْ أيهما أرجح؟ الرفع؛ لأنه الأصل ولا في جملة نعطف عليها شيء، لكن لو قلت: ضربت زيدًا وعمرٌو أكرمته، يجوز في (عمرو أكرمتُه) النصب ويجوز الرفع، لكن أيهما أرجح؟ النصب لأني قلت: ضربت زيدًا جملة فعلية، والجملة الفعلية عندكم معروفة ما هي؟ المبدوءة بالفعل، ضربت زيدًا أقول: وعمرًا أكرمته، ويجوز وعمرٌو أكرمته، لكن الأول أولى لتناسب الجملتين، نحن ذكرنا هذا على سبيل الاستطراد ولَّا ليس الدرس درس نحو، لكن هذه القاعدة إذا جاءت جملة فيها اشتغال فإن كانت ابتدائية أو معطوفة على جملة اسمية فالراجح الرفع، وإن كانت معطوفة على جملة فعلية فالراجح النصب. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس ١٢] ﴿نَكْتُبُ﴾ هل الذي يَكْتُب الله عز وجل أو الملائكة بأمر الله؟ الملائكة بأمر الله؛ لقوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار ٩، ١٠] وإسناد الكتابة إلى الآمر موجود في اللغة العربية كثيرًا؛ يقول: السيد كتبتُ كذا وكذا، والمراد كَتَبَه عبيده، فهنا ﴿نَكْتُبُ﴾ يقول الله عز وجل: ﴿نَكْتُبُ﴾، والمراد بملائكته دليل ذلك، يحتاج إلى دليل وإلا كان يقول: ليش تصرفه عن ظاهره؟ دليل ذلك ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار ٩ - ١٢]. وقوله: ﴿نَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ أي: ما قدَّموه في الدنيا من أعمال صالحة؛ لأن كل إنسان يعمل عملًا صالحًا في الدنيا فإنه قد قدَّمه بمنزلة السَّلَم، تعرفون السلم في البيع؟ المشتري يُقَدِّم الثمن، أنت الآن مقدم للثمن، المُثْمَن متى يكون؟ يكون يوم القيامة، وقد يكون في الدنيا ويوم القيامة جميعًا، فأنت الآن إذا عَمِلْت عملًا صالحًا فقد قَدَّمْتَ لنفسك الآن ثمنًا تأخذ عِوَضه يوم القيامة، ثِقْ بهذا وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا. وقوله: ﴿نَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ يقول المؤلف: (نكتب في اللوح المحفوظ ما قدموا في حياتهم)، هكذا مشى عليه المؤلف أن المراد بالكتابة هنا الكتابة في اللوح المحفوظ، وهذا التفسير مخالف لظاهر اللفظ؛ لأن قوله: ﴿نَكْتُبُ﴾ فعل مضارع، والمضارع لا يُحْمَل على الماضي إلا بدليل لفظي، ك(لم) مثلًا إذا دخلت على المضارع جعلته ماضيًا، أو دليل حالي يدل عليه السياق، وهنا لا دليل على أن المراد ﴿نَكْتُبُ﴾ في اللوح المحفوظ، الكتابة في اللوح المحفوظ انتهت ولَّا لا؟ انتهت، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥] اللوح المحفوظ انتهت كتابته، ولا يمكن أن تصاغ ﴿نَكْتُبُ﴾ لشيء انتهى، ولكن المراد ﴿نَكْتُبُ﴾ يعني بواسطة الملائكة تكتب ما قَدَّموا، والملائكة تَكْتُبْ ولَّا كتبت؟ تكتب، إذن الصواب نكتب في صحائف الأعمال، والذين يكتبون: الملائكةُ بأمر الله عز وجل. (﴿مَا قَدَّمُوا﴾ في حياتهم من خير وشر ليُجَازَوْا عليه) نعم يكتب الله عز وجل ما قَدَّم الإنسان من خير وشر، لكن ما قدمه مِن خير فهو مضمون، وما قدمه من شر فليس بمضمون، صح؟ نعم؛ لأن الخير لا يمكن أن يهدر منه شيء، والشر قد يعفو الله عنه إذا لم يكن شركًا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨]، وهذا من مصلحة الإنسان إذا كان غير مضمون ولَّا من غير مصلحته؟ من مصلحته. قال: (﴿وَآثَارَهُمْ﴾ ما استُنَّ به بعدهم) الآثار جمع أثر، والأثر ما أعقب الشيء، ومنه أَثَر القدم بعد المشي فإنه يَعقُبه، فما المراد بآثارهم؟ قال المؤلف: (ما استُنَّ بِهِ بَعْدَهم)، وهذا التفسير كمثال وليس حصرًا؛ لأن اللي يُكتب بالآثار أكثر مما استُنَّ به بعدهم؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»[[أخرجه مسلم (١٦٣١ / ١٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]] فمثلًا الصدقة الجارية هذه من آثارهم ولَّا مما قدموا؟ لا، من آثارهم أيضًا، هذا إذا أَوْقَفَ الإنسان مزرعة أو بستانًا على الفقراء وانتفعوا به بعد موته صار هذا من الآثار بلا شك وإن كان أصل التقديم في حياته لكنه النفع صار بعد مماته، العلم النافع من آثارهم، كل ما انتُفِعَ به بعد موته من علم فهو من آثارهم، الولد الصالح أيضًا من آثارهم؛ لأن الولد من كسب الإنسان فإذا كان ولد صالح يدعو لأبيه أو أمه فهو من الآثار، طيب ما اقتدى به الناس بعده من الأعمال الصالحة والأخلاق الحميدة فهو أيضًا من الآثار. إذن ما ذكره المؤلف على سبيل المثال، وهذا الذي قاله المؤلف أن المراد بالآثار ما كان من بعد موت الإنسان هذا هو الصحيح. وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بالآثار الآثار التي يتقدمون بها إلى الطاعة كالمشي إلى الصلوات فإن الله تعالى يكتب للإنسان كل خطوة فيرفع له بها درجة ويحط عنه بها خطيئة، واستدل هؤلاء بأن النبي ﷺ قال لبني سلمة قال لهم: «دِيارُكُمْ تُكْتَبُ آثَارُكُمْ»[[أخرجه مسلم (٦٦٥ / ٢٨٠) من حديث جابر رضي الله عنه. ]] فجعل الرسول عليه الصلاة والسلام الآثار تكتب، ولكن هذا الاستدلال فيها نظر لأن قول الرسول: «تُكْتَبُ آثَارُكُمْ» » هذا مما قدموه في حياتهم، أليس كذلك؟ ولكنه سَمَّاه أثرًا؛ لأنه نعم أثر والممشى والمسير. فالصواب أن الآية كما قال المؤلف أن المراد بـ﴿مَا قَدَّمُوا﴾ ما سبق من أعمال صالحة في حياتهم حتى آثار مسيرهم إلى المساجد وآثارهم ما كان بعد موتهم. قال: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ قال المؤلف: (﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ ضبطناه)، والإحصاء بمعنى الضبط مأخوذ من الحصا؛ لأن العرب كما نعلم أمة أمية ما يكتبون يضبطون الأشياء بالحصى أو شبهها ويُقَدِّرون بالرمح وما أشبهه، ما يقرؤون ولا يكتبون فكانوا إذا أرادوا ضبط الشيء أخذوا حصى. كم عدد القوم؟ قال: تفضل، أعطاك كيس الحصى، ويعده ولَّا لا؟ إذا عدَّها عرف عدد القوم، ولهذا قال الشاعر: وَلَسْتَ بِالْأَكْثَرِ مِنْهُمْ حَصًى ∗∗∗ وَإِنَّمَا الْعِزَّةُ لِلْكَاثِرِ (وَلَسْتَ بِالْأَكْثَرِ مِنْهُمْ حَصًى) يعني: قومك ما هم كثيرين (وَإِنَّمَا الْعِزَّةُ لِلْكَاثِرِ)، وَيُضْرَب المثلُ فيقال: جاء قوم كَثْر الحصى. على كل حال (﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ ضبطناه)، وسُمِّي الضبط إحصاء؛ لأن العرب كانت تربط الشيء بالحصى. قال: (﴿أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ كتاب بين وهو اللوح المحفوظ) هذا صحيح، ﴿فِي إِمَامٍ﴾ الإمام يُطْلق على عدة معان يجمعها أنه مَرْجِع؛ فإمام الصلاة مثلًا إمام؛ لأنه مرجع للمؤمنين يقتدون به، وإمام الحكم كذلك مرجع يرجع الناس إليه، والكتاب إمام؛ لأنه مرجع كما قال الله تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء ١٣، ١٤]، إذن ﴿فِي إِمَامٍ﴾ في كتاب. وقوله: ﴿مُبِينٍ﴾ يقول: بمعنى (بَيِّن)؛ لأن مُبِين هنا من الرباعي ولَّا من الثلاثي؟ من الرباعي من أبان يُبين فهو مبين أما بين فهي من الثلاثي من بان يَبِين فهو بَيِّن، وكلمة (بان) و(أبان) تأتيان بمعنى واحد، فيقال: بان الصبح وأبان الصبح، وتنفرد (أبان) بأنها تأتي بمعنى أظهر وأوضح، أبان الشيء يعني: أظهره وأوضحه، فإذا جاءت كلمة مبين في القرآن الكريم فإنها تصلح بأن تكون بمعنى بين وتصلح أن تكون بمعنى مظهر ومُوضِّح، لكن ليست كل موضع جاءت فيه تصلح للوجهين جميعًا، لا، قد تكون في موضع لا تصلح إلا إلى بَيِّن؛ فمثلًا: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران ١٦٤] معناها بَيِّن ظاهر، لكن ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الزخرف ١، ٢] بمعنى البين ولَّا الموضح؟ المُوَضِّح وهو إذا كان مُوَضِّحًا فهو واضح، لكنها هنا مُبين بمعنى مُظْهِر أَبْيَن، يعني أَبْيَنُ في المعنى. على كل حال إذا جاءتكم كلمة (مبين) فإن صلحت أن تكون من الرباعي الذي بمعنى أظهر فهو أولى من تفسيرها بالرباعي الذي بمعنى ظهر؛ لأن المظهر جامع بين الظهور بنفسه والإظهار لغيره فيكون معناه أشمل. قال: ﴿فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ يقول المؤلف: إنه اللوح المحفوظ، وهذا صحيح يعني محتمل، فإن اللوح المحفوظ كتبت فيه أعمال العباد، ولكن هنا ﴿مُبِينٍ﴾ هل الأنسب أن تكون كما فَسَّرَها المؤلف بَيِّن أو ﴿مُبِينٍ﴾ بمعنى مُظْهِر؟ * طالب: (...). * الشيخ: (...) أولى؟ هو أصلًا الأخير يَسْتَلْزِم المعنى الأول، هل المعنى إنه كتاب بَيِّن ولَّا كتاب مبين يظهر الحقائق؟ الظاهر أن المعنى الأخير أولى؛ أن هذا الكتاب مبين للأمور موضح لها، وكما قلنا: ما كان مُبينًا فهو بَيِّن. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، صالح أن تكون كما قال المؤلف: (اللوح المحفوظ)؛ لأنه يقول: ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ واضح أنه قد انتهى، ويجوز أن تكون صحائف الأعمال؛ لقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء ١٤]. ثم قال الله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ [يس ١٣] قال: ﴿اضْرِبْ﴾ قال بمعنى: اجعل، وهذا لا شك أنه معنى مُقَرِّب، المعنى ضرب مثلًا أي: جعل مثلًا، وقيل: إن (اضْرِب) بمعنى اتخذ، لأن الضرب يدل عل صناعة وتَكيِيف، ومنه ضرب الذهب خاتمًا ضرب الذهب حُليًّا، ضرب الذهب سكَّة يعني نقودًا؛ بمعنى اتخذه حليًا، اتخذَه سكَّة وما أشبه ذلك، فشُبِّهَ ذكر المثل للاعتبار به بصناعة الشيء؛ لأن المثل يشتمل غالبًا على هَيْئَةٍ متكاملة مركبة من أجزاء متعددة؛ ولهذا لا يأتي المثل في تشبيه مفرد بمفرد، إنما يأتي المثل في تشبيه أيش؟ صورة مشتملة على أجزاء متعددة في صورة، ولهذا سُمِّي ضَرْبَ مثلٍ؛ أي: صنع مثل كما نصنع الأواني والخواتم وغيرها من معادنها. وقال المؤلف: ﴿اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا﴾ قال: (﴿مَثَلًا﴾ مفعول أول ﴿أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ مفعول ثانٍ) هذا الظاهر أنه سَهْو من المؤلف، والصواب العكس؛ لأن المفروض معه أصحاب القرية فيكونون المفعول الأول، ومثلًا هو المفعول الثاني، ففي إعراب المؤلف انقلاب، فالصواب أن ﴿أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ مفعول أول و﴿مَثَلًا﴾ مفعول ثان؛ أي: اجعل أصحاب القرية لهؤلاء المكذبين لك اجعلهم مثلًا يعتبرون به، والمَثل والمِثل كالشَّبَه والشِّبْه؛ يعني: اجعله أمرًا مشابهًا حتى يتعظوا به. (...) قوله: ﴿مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾، ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ كلمة ﴿اضْرِبْ﴾ الخطاب فيها للرسول عليه الصلاة والسلام أو لكل مَنْ يَتَأَتَّى خطابه، سبق لنا أن مِثْل هذا تارة يكون صريحًا في أنه عام وتارة يكون صريحًا في أنه خاص بالرسول ﷺ، وتارة يحتمل الوجهين؛ فمن الأشياء التي هي صريحة بخصوصية هدي الرسول عليه الصلاة والسلام قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١] فهنا الخطاب لمَنْ؟ للرسول عليه الصلاة والسلام قطعًا، ومن الأشياء الصريحة بأنه عام مثل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق ١]، ولم يقل: إذا طلقتَ فدلَّ على أن الخطاب الأول يُراد به العموم، وأما احتمال أن يكون خاصًّا بالرسول أو عامًّا فهو كثير في القرآن، فما هو الأرجح؛ أن نجعله خاصًا أو عامًّا؟ الأرجح أن نجعله عامًّا؛ لأنه أشمل، إذا جعلناه عامًّا شمل الرسول ﷺ وغيره. إذن ممكن أن نقول لأي داعية الآن: اضرب مثلًا للمكذبين بهذه القرية. قال: ﴿أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ قال المؤلف: (أنطاكيا) هذه القرية، فجعل (أل) للعهد الذهني؛ يعني: كأنها قرية معروفة مفهومة، ولكن هذا القول ضَعَفَّه ابن كثير في التفسير، وقال: إن هذا غير معروف في أنطاكيا، وأنطاكيا ما دُمِّرَت، ولا أُهْلِكَ أهلها ولا ينطبق هذا المثل عليها بوجه من الوجوه، وعلى هذا فيكون المراد بالقرية هنا قرية غير معينة وتكون (أل) لأيش؟ للجنس؛ يعني: اضرب لهم مثلًا بقرية غير معينة، تكون (أل) للجنس لا للعهد، وهذا هو الصحيح؛ وذلك لأن الله لو كان في بيان هذه القرية بعينها مصلحة لبَيَّنَها الله عز وجل، وليس المقصود كما مَرَّ علينا كثيرًا تعيين الأشخاص أو الأماكن أو الأزمان ليس فيه كبير فائدة في الغالب، المقصود العبرة في القصة وما وقع؛ ولهذا نرى بعض العلماء يتكلفون مثلًا فيما إذا جاء اسم رجل في حديث مُبْهَم يتكلفون في طلب تعيينه، وليس هذا بلازم، اللهم إلا أن يَتَرَتَّب على تعيينه اختلاف في الحكم، أو إظهار للمعنى فهذا شيء آخر. على كل حال هنا نحن لا يَعْنِينا أن نعرف ما هي القرية ومَنْ هم أهلها، الذي يعنينا أيش؟ العبرة بما جرى في هذه القصة، إذن الصواب عدم تَعْيِينها بأنطاكيا. ﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ إلى آخره بدل اشتمال من أصحاب القرية، (﴿إِذْ﴾ بدل اشتمال من أصحاب القرية) فتكون في محل نصب؛ لأن ﴿أَصْحَابَ﴾ منصوبة، والبدل يتبع في الإعراب المبدل منه، فيكون ﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ في محل نصب على أنه بدل من أصحاب القرية. قال: ﴿إِذْ جَاءَهَا﴾ أي: القرية ﴿الْمُرْسَلُونَ﴾ قال المؤلف: (أي: رُسُل عيسى)، وهذا القول ليس بصحيح ولا دليل عليه، بل ﴿جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ الذين مِنْ جِنْسِ قوله في أول السورة: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس ٣]، ﴿جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ الذين هم من جنس هؤلاء، وعلى هذا فهم رُسُل ٌمن عند الله عز وجل، وليسوا من قِبَل عيسى ﷺ. قال في تفصيل هذا المجيء وهذه القصة: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾، وهذا من عجائب القول أن نقول: (أي: رسل عيسى) مع أن الله يقول: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا﴾، ولم يقل: إذ أرسل إليهم عيسى بل قال: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا﴾، وعلى هذا فيَتَعَيَّن أن يكون المراد المرسلون هنا رسلًا من عند الله، ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ ﴿إِلَيْهِمُ﴾ أي: إلى أصحاب القرية ﴿اثْنَيْنِ﴾ من هؤلاء الثلاثة. ﴿فَكَذَّبُوهُمَا﴾ إلى آخره، يقول: (بدل من ﴿إِذْ﴾ الأولى) وين (إذ) الأولى؟ ﴿إِذْ جَاءَهَا﴾ ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا﴾ ﴿إِذْ جَاءَهَا﴾ هذه بدل من ﴿أَصْحَابَ﴾، و﴿إِذْ أَرْسَلْنَا﴾ بدل من ﴿إِذْ جَاءَهَا﴾؛ لأنها في الحقيقة بيان لكيفية هذا المجيء. ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا﴾ التكذيب رَدُّ الخبر ونسبته إلى خلاف الواقع، هذا هو التكذيب، فهؤلاء كذبوهم وقالوا: هذا أمر ليس بصحيح، ولستم برسل، فماذا كان؟ قال الله تعالى: (﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ بالتخفيف والتشديد) ﴿عَزَّزْنَا﴾ هذا التشديد، ﴿عَزَزْنَا﴾ التخفيف، والقراءتان سبعيتان؛ يعني: المؤلف ذكرهما على حَدٍّ سواء. معنى ﴿عَزَّزْنَا﴾ قال: (قوينا الاثنين بثالث) يعني: لما كُذِّب الاثنان أرسل الله ثالثًا معهما؛ لأجل التقوية، وهذا كقول موسى عليه السلام لما أرسله الله تعالى إلى فرعون قال: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه ٢٩ - ٣٢] طيب، إذن زيادة الواحد يُقَوِّي بلا شك، ونحن نشاهد حتى في أمرنا الواقع إذا قال شخصٌ قولًا ثم أَيَّده به آخر ازداد قوة ونشاطًا في تقرير هذا القول وتثبيته. قال: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا﴾ الضمير يعود على الثلاثة ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾، أَتَوْا بالجملة المؤكدة بـ(إن)؛ لأن الحال تقتضي ذلك؛ فهم قد كَذَّبوا بالأول وأنكروا فجاءت الجملة الثانية مؤكدة؛ لأن المقام مقام تكذيب، ولكن لو قال قائل: لماذا لم تُؤَكَّد بأكثر من مؤكد؟ قلنا: هي أُكِّدَت بأكثر من مؤكد؛ أُكِّدت بمؤكد واحد لفظي وهو (إنَّ)، وأُكِّدَت بمؤكد معنوي وهو زيادة الرسول؛ ولهذا قال: ﴿عَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ إذن صار فيها مؤكدان ولَّا لا؟ المؤكد الأول الرسول زيادة، والمؤكد الثاني (إِنَّ)؛ ولهذا لو قال قائل: هل المقام هنا مقام تأكيد على سبيل الاستحسان ولَّا على سبيل الوجوب؟ قلنا: على سبيل الوجوب، فإذا قال: القاعدة أنه إذا كان على سبيل الوجوب فإن التأكيد يتكرر؛ يعني: يؤتي بـ(إنَّ)، بـ(إنَّ) واللام، (إنَّ) والقسم، (إنَّ) والقَسَم واللام؛ يعني: يُكَرَّر المؤكد قلنا: هذا المؤكد مُكَرَّر، لكنه من نوعين؛ تأكيد باللفظ ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ﴾، وتأكيد بالمعنى تقويتهم بثالث. ﴿فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ ﴿مُرْسَلُونَ﴾ مِنْ قِبَل مَنْ؟ مِنْ قِبَل الله عز وجل وهم يعلمون ذلك أنهم ما ادَّعَوُا الرسالة لشخص، وإنما هي من الله، كان جواب هؤلاء جواب غيرهم من المكذبين. المكذبون يَرُدُّون أقوال الرسول بنفي وإثبات، أحيانًا بنفي وأحيانًا بإثبات؛ ففي النفي يقولون: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ كما قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [التوبة ٧٠]. ﴿عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٠) قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ يعني: نسلم أننا بشر مثلكم ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [إبراهيم ١١] هذا جواب بالنفي؛ يعني: أنتم بشر لستم ملائكة حتى نقبل. أحيانًا بالإثبات؛ ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات ٥٢] فصاروا أحيانًا يتهمون الرسل بالسحر والجنون، وأحيانًا بالنفي يقولون ما أنتم ملائكة حتى تكونوا رسلًا إلينا، ما أنتم إلا بشر مثلنا، إذن ليس ببدع أن يقول أصحاب هذه القرية لهؤلاء الرسل: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾، ثم قالوا: ﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ فأنكروا الرسالة من حيث جنس الرسول وأنه بشر، وأنكروا الرسالة إنكار جحود بلا مبرر. ﴿مَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾ ما الذي يمنع؟! ما ذكروا حجة ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾. قوله: ﴿مَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾ هذه الجملة كما نشاهد نفي، و﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ نكرة في سياق النفي فتعم، ثم إن هذه النكرة مؤكدة بماذا؟ بـ(مِن) الزائدة؛ لأن قوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ بمعنى شيئًا. وقوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ﴾ ﴿إِنْ﴾ هنا بمعنى (ما) ففي الجملة حصر طريقه النفي والإثبات، ﴿إِنْ أَنْتُمْ﴾ يعني: ما أنتم ﴿إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾، وهذا الحصر -والعياذ بالله- حصر هم يرونه حقيقة أو إضافي؟ السؤال الآن هل هو حقيقي أو إضافي؟ ما أنتم إلا تكذبون. * طالب: إضافي. * الشيخ: كيف؟ * طلبة: (...). * الشيخ: يعني: ما أنتم إلا تكذبون فيما تدعون من الرسالة، ولا يلزم أن يَدَّعوا أنهم كاذبون في كل شيء لكن فيما ذكروا من الرسالة، فصار إنكارهم مبني على أمرين: الأول: أنهم بشر؛ يعني: كأنهم يقولون: لو كنتم رسلًا لكنتم ملائكة. ثانيًا: النفي الذي لم يُبْنَ على شيء مجرد إنكار ومكابرة ﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾، وهذا بلا شك من سفههم؛ لأن إنزال الوحي على الرسل لهداية الخلق أمر يوجبه العقل فضلًا عن الشرع؛ لأن العباد لا يمكن أن يتعبدوا لله سبحانه وتعالى إلا بشيء شرعه ونصبه لهم دليلًا عليه وإلا فكيف يتعبدون فإنزال الله تعالى الوحي للبشر أمر يقتضي العقلُ وجوبَه مع أن الله قد أوجبه على نفسه؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [يس ١٧] الله أوجب على نفسه أن يبلغ عباده سبحانه وتعالى ما يوصلهم إليه وإلا لضلوا. إذن هذه المكابرة؛ ﴿مَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾ هذه المكابرة يكذبها أيش؟ العقل والشرع؛ لأن العقل يوجب أن ينزل الله على العباد شريعة يتعبدون بها له لتوصلهم إليه؛ إذ إن العقل لا يهتدي كيف يعبد الله؟ الشرع أوجب الله على نفسه أن يُبَلِّغَ عباده شريعته؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَيْنَا﴾ استغفر الله العظيم.. ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ هذا كلام الرسل، لكن قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ [الليل ١٢، ١٣] وقال تعالى في القرآن الكريم: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة ١٩]، إذن استدلالنا بالآية الأولى يعتبر خطأ. الاستدلال في قوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ حيث أوجب الله على نفسه أن يهدي عباده، وهذه هداية البلاغ ولا هداية التوفيق؟ البلاغ ولو كانت هداية التوفيق لاهتدى كل أحد. قال: ﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ ما هو الكذب؟ هو الإخبار بخلاف الواقع، إذن أنتم أخبرتمونا أنكم رسل والواقع أنكم لستم برسل، ماذا قالوا لهم؟ قال الله عز وجل: ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ [يس ١٦] شوف الآن أَكَّدُوا الرسالة بثلاثة مؤكدات: الأول: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ﴾؛ لأن هذا جار مجرى القسم، والثاني: (إن) والثالث: اللام لشدة إنكارهم، فإذا قلنا: هذه ثلاثة مؤكدات مع التأكيد الأول وهو زيادة الثالث صار أكدت الرسالة بأربعة مؤكدات. ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ﴾ قال المؤلف: (جارٍ مجرى القَسَم وزِيدَ التأكيد به وباللام على ما قبله لزيادة الإنكار) صار أربعة مؤكدات، لكن المؤلف لم يعتبر تأكيد الإرسال مع أنه بلا شك مؤكد. قال: ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ نعم لزيادة الإنكار في ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ هذا بيان لزيادة التأكيد بـ (إن) واللام. (﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ التبليغ البين الظاهر بالأدلة الواضحة) إلى آخره، هذه حَصْر حقيقي ولَّا لا؟ نعم، ما عليهم في جانب الرسالة إلا البلاغ المبين؛ في جانب الرسالة، فقولنا: (في جانب الرسالة) يقتضي أن يكون حصرًا إضافيًّا؛ لأن عليهم سوى البلاغ أن يقوموا بعبادة الله الخاصة التي هي غير التبليغ، لكن في جانب الرسالة ما عليهم إلا البلاغ المبين. قال المؤلف: (التبليغ البين) يعني: كلمة بلاغ بمعنى تبليغ فهي اسم مصدر من بَلَّغ يبلغ كما يقال: كَلَّم يُكَلِّم، المصدر؟ * طلبة: تكليم. * الشيخ: واسم المصدر كلام. بلَّغ يبلغ تبليغًا هذا المصدر، واسم المصدر بلاغ. أما تفسيره المبين بالبين فهذا قد يقال: إن فيه نظرًا؛ لأن الظاهر أن المبين هنا بمعنى المظهر يعني البلاغ المظهر لحقيقة الأمر الواقع، وهو أننا رُسُل من عند الله، وسبق لنا أننا إذا فسرنا المبين بالمظهر على وجه صحيح صار متضمنًا لكونه بيِّنًا؛ إذ لا يكون الشيء مُبَيِّنًا إلا وهو بَيِّنٌ في نفسه. أما قوله رحمه الله: (التبليغ البين الظاهر بالأدلة الواضحة) قال: (وهي إبراء الأكمه والأبرص والمريض وإحياء الموتى) هذا ليس بصحيح؛ لأن هذا مبني على أنهم رسل عيسى، والأمر ليس كذلك، لكن عليهم التبليغ البين بالرسالة، فيبلغون تبليغًا بينًا. طيب، نأخذ الفوائد: في هذه الآيات دليل. * طالب: (...). * الشيخ: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس ١١]. * من فوائد هذه الآية: أنه لا ينتفع من إنذار الرسول عليه الصلاة والسلام إلا من اتصف بهذين الوصفين؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ﴾. * ومن فوائدها: صحة نفي الشيء إذا كان لا يُنْتَفع به وإن كان موجودًا؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ فإن إنذاره لغيرهم حاصل، لكن لما لم ينتفعوا به صار وجوده كالعدم بالنسبة لهم ولَّا بالنسبة للمنذِر؟ بالنسبة لهم، أما المنذِر فقد قام بما يجب عليه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه كلما كان الإنسان أتبع للقرآن كان أشدَّ تأثرًا به؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ وبهذا نعرف القاعدة التي ذكرها بعض العلماء: (الطاعة تجلب الطاعة، والمعصية تجلب المعصية) الطاعة تجلب الطاعة؛ لأنه كلما كان الإنسان أتبع للقرآن صار أشدَّ تأثرًا به؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على هذه القرآن العظيم بأنه أيش؟ بأنه ذِكْر، وسبقت الأوجه في كونه ذِكْرًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الخشية لله سبب كبير للتأثر بالقرآن والانتذار به؛ لقوله: ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: فوائد الخشية لله وأنها من أسباب الانتفاع بالقرآن فكلما كان الإنسان أخشى لربه كان أفهم لكلامه. * ومن فوائدها أيضًا: أن الخشية إنما تكون خشية حقيقة إذا كانت بأيش؟ بالغيب، أما من خشي الله بالعلانية فقد تكون خشيته مدخولة، قد يكون خشي الله عز وجل من أجل الناس يرونه، لكن إذا كان بالغيب كان أدلَّ على الإخلاص. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن نبَشِّر مَنِ اتصف بهذين الوصفين وهما اتباع الذكر والخشية لله عز وجل بالغيب نبشره بالجنة؛ ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾، ولكن هل تنطبق هذه البشارة على كل واحد بعينه؟ الجواب: لا، على سبيل العموم، وكل شخص اتصف بما تَثْبُت به الجنة على سبيل العموم فإننا لا نشهد له بعينه، ولكن يُرْجى له ذلك؛ لأنه في الظاهر قد انطبق عليه سبب الاستحقاق، لكن الباطن لا نعلمه كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٢٠٧)، ومسلم (١١٢ / ١٧٩) من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه.]]؛ لهذا نقول: في كلِّ مَنْ ينطبق عليه وصفٌ يستحق به دخول الجنة نقول: إننا لا نشهد له بعينه؛ لأن الشهادة له بعينه تحتاج إلى دليل معين، ولكننا نرجو له هذا؛ لأن ظاهر الأمر أنه مستحقه ولَّا لا؟ ظاهر الأمر أنه مستحقه لانطباق الأوصاف عليه، لكن لا نشهد؛ لأنه يخشى أن يكون باطنه غير ظاهره، أفهمتم هذه القاعدة؟ وهذه القاعدة مهمة مفيدة، مثلًا قتل رجل في الحرب الأفغانية، الحرب الأفغانية لا شك أنه إسلامي، وأن ظاهر جميع المجاهدين فيه أنهم يجاهدون لتكون كلمة الله هي العليا، فهل إذا قُتِلَ على أيدي الأعداء نشهد بأنه شهيد؟ لا، ما يجوز، ولكن نقول: يُرجى أن يكون شهيدًا؛ يعني: من الشهداء عند الله عز وجل؛ لأن ظاهر فعله ينطبق على الشهداء عند الله عز وجل، ولكن ما نشهد له بعينه؛ ولهذا ترجم البخاري رحمه الله على هذه المسألة في الصحيح قال: (بابٌ: لا يُقالُ فُلانٌ شَهِيد)، مع أن شهيد الآن عندنا صارت رَخيصة تُبْذَل بأبخس الأثمان، أيُّ واحد يُقْتل ولو في قِتْلَة جاهلية يقولون: هو شهيد، وهذا لا يجوز، أتدري ماذا يستلزم على شهادتك له بأنه شهيد؟ يستلزم أنك شهدتَ له بأنه من أهل الجنة، وهذه مسألة صعبة، لكن كما قلت لكم قبل قليل في القاعدة النافعة: إن مَنِ اتَّصف بأوصاف ينطبق على أهلها هذا الجزاء فإننا نرجو له ذلك. نقول: نرجو، تقدر تقول: هل فلان شهيد اللي قُتِل في معركة بين الأفغانيين المسلمين وبين الروس؟ ويش الجواب؟ نرجو له ذلك، نرجو أن يكون شهيدًا، أما أن نجزم فلا، لا يجوز أن نجزم. طيب، هذا الذي اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب، هل نجزم له بالمغفرة والأجر الكريم؟ نقول: نعم، مَنْ فَعَل ذلك نشهد له على سبيل العموم، لكن على سبيل التخصيص نرجو له ذلك. إي نعم. ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ * من فوائد الآية الكريمة: أن البشارة تكون بانتفاء ما يُكرَه وبحصول ما يحب، ﴿بِمَغْفِرَةٍ﴾ هذا أيش؟ انتفاء ما يُكْرَه، ﴿وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ حصول محبوب، فيهنأ الإنسان ويُبشر بزوال المكروه عنه وحصول المحبوب اجتماعًا وانفرادًا؛ يعني: سواء حصل له الأمران أو حصل له أحدهما فإنه يُبَشَّر بانتفاء الشرِّ عنه كما يبشر بحصول الخير له. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن خشية الرحمن بالغيب واتباع الذكر يحصل به مغفرة الذنوب والأجر الكثير فإن مغفرة في مقابل الذنوب، والأجر الكريم في مقابل الثواب على الأعمال الصالحة. * طالب: (...). * الشيخ: ما يمكن عاد نرجع الآن. * طالب: اللي بعدها مباشرة. * الشيخ: بعدها مباشرة، جئنا لنقرأها. ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس ١٢]. * من فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل بإحياء الموتى، وقد بَرْهَنَ الله عز وجل على قدرته على إحياء الموتى بأدلة عَقْلِيَّة وأدلة حِسية؛ فمن الأدلة العقلية مثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧] فإن هذا دليل عقلي على إمكان إحياء الموتى؛ وجهه أن الإعادة أهون من الابتداء، فالقادر على الابتداء قادر على الإعادة من باب أولى، وكما في قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٤]، هذا مثله أيضًا استدل الله تعالى بالابتداء على أيش؟ على الإعادة. أما الأدلة الحسية فما أكثر ما يضرب الله الأمثال بإحياء الأرض بعد موتها على قدرته على إحياء الموتى؛ مثل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ ويش قال؟ ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت ٣٩]، وقال تعالى: و﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق ٩ - ١١]، والآيات في هذا كثيرة فقد برهن الله عز وجل على قدرته على إحياء الموتى بالأدلة العقلية والحسية؛ لتكون لذوي العقول دليلًا، ولذوي الأبصار والأدلة الظاهرة دليلًا أيضًا، فالإنسان العقلاني كما يقولون نستدل له أو عليه بماذا؟ بالعقل، والانسان السطحي اللي ما يستدل إلا بما يشاهد نستدل عليه بالأدلة الحسية. * طالب: الآية اللي ذكرنا (...). * الشيخ: ما هي ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت ٣٩]؟، طيب، أحسنت، ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا﴾ هذه في سورة فصلت، ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت ٣٩]. * طالب: (إنه لمحيي الموتى). * الشيخ: ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ هذه اللي نحن نقرؤها. قرأنا ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت ٣٩] هذه قرأناها، هذه في فصلت، طيب إذن قراءتنا صواب. نقول فيه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [يس ١٢]* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن من لم يخشَ الله ولم يَتَّبِع الذكر فإن الله قادر على أن يحيي قلبه فيخشى الله ويتبع الذكر، وجه الدلالة أن الله تعالى ذَكَر هذا بعد أن ذكر انقسام الناس إلى مَنْ يخشى الله بالغيب ويتبع الذكر، ومن لمن يكن كذلك، فيه إشارة إلى أن الله قادر على أن يرد هؤلاء إلى الحق. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل شيء مكتوب للإنسان، إما له وإما عليه؛ لقوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الله تعالى يكتب كل شيء القليل والكثير؛ لقوله: ﴿مَا قَدَّمُوا﴾، و﴿مَا﴾ اسم موصول، والاسم الموصول يشمل الصغير والكبير، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف ٤٩]، ويدل عليه أيضًا في آخر الآية: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأعمال لا تنقطع بالموت؛ لقوله: ﴿وَآثَارَهُمْ﴾، والآثار ذكرنا أنها أنواع: علم وصدقة جارية وولد صالح يدعو له، وسُنَّة، سنة يحييها فيتبعه الناس عليها. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان حِكْمَة الله عز وجل في ضبط الأمور وإتقانِها وأنه لا يفوته شيء لقوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾. * ومن فوائدها: أن ما يُكْتَب على الإنسان فإنه حَقٌّ بيِّن واضح لا يمتري فيه أحد؛ لقوله: ﴿مُبِينٍ﴾ والشيء المبين هو الذي يوضح الأشياء مع وضوحه في نفسه وهو كذلك؛ ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء ١٣، ١٤] * * * قال الله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ إلى آخره. في هذه الآية فوائد كثيرة منها في هذه الآية وما بعدها في القصة كلها فوائد كثيرة: * منها: بَيان ضرب الأمثال ليعتبر بها؛ لقوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا﴾، والخطاب كما سبق إما للرسول ﷺ أو لكل مَنْ يَتَأَتَّي خطابه. * ومن فوائدها: أن العبرة بما فيه العبرة في ضرب الأمثال، وأنه ليس من الضروري أن يُعَيَّن المثل المضروب، فهنا قال: ﴿اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ ولم يُعَيِّن القرية ولم يعين أولئك الأصحاب بأعيانهم؛ لأنه ليس هذا محل عبرة، العبرة إنما هو في القصة كلها. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن الله عز وجل لن يدع الخلق بلا رسل؛ لقوله: ﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا﴾. * ومن فوائدها أيضًا: بيان رحمة الله عز وجل في تعزيز الرسالة بالصيغة والعدد؛ لأنه قال: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ فهنا التعزيز بالثالث تقوية فعلية، والتأكيد بـ(إن) تقوية لفظية. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز تعدد الرسل مع اتحاد المرسل إليهم؛ لأن الله أرسل إلى هذه القرية اثنين ثم عززهما بثالث. * ومن فوائدها أيضًا: أن الذين يكذبون الرسل ليس عندهم إلا المكابرة، وليس عندهم حجة عقلية أو نقلية؛ لقولهم: ﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾، كل هذه الجمل الثلاث ليس فيها أي حجة تُسَوِّغ تكذيب هؤلاء الرسل؛ لأنك إذا رأيت هذه الحجج الثلاث والشُّبَه: الأولى أنهم ردوهم لأنهم بشر مثلهم، وقد سبق في التفسير بيان الرد عليها، وأنه لا يمكن أن يُرْسَل للبشر إلا بشر مثلهم، حتى لو أُنْزِل إليهم ملائكة فإن الملائكة لا بد أن يكونوا على صورة البشر وحينئذ تعود الشبهة. والثانية: ﴿مَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾ هذا نفي مجرد بدون ذكر حجة، وليس هذا بدليل للخصم إطلاقًا؛ لأن نفي قول الخصم بدون حجة ما هو إلا مكابرة، وكذلك قولهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن المعاندين للرسل ليس عندهم إلا المكابرة المحضة كقولهم: ﴿مَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾، وقولهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾، طيب، هل يستفاد من الآية الكريمة أن الله لا يرسل إلا بشرًا أو لا؟ ما يستفاد، لكن يستفاد أن حكمة الله عز وجل تقتضي أن يُرْسَل إلى البشر بشر مثلهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز التأكيد بما يُشْبِه القسم؛ لقولهم: ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾، وهل هذا أقوى من التأكيد بالقسم أو التأكيد بالقسم أقوى؟ الظاهر أن هذا أقوى من التوكيد بالقسم؛ لأنهم إذا قالوا: ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون وأن لم يكونوا مرسلين استلزم قولهم هذا وصف الله بالجهل والعجز والقصور؛ لأنهم إذا قالوا: ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون ولم يكونوا مرسلين معناه أن الله علم الأمر أو علم الحال على خلاف أيش؟ ما كانت عليه، إذا فرضنا أن الله يعلم أنهم مرسلون وهم غير مرسلين في الواقع، لزم من ذلك أن يكون الله جاهلًا بحالهم، وأن يكون الله تعالى عاجزًا على الانتقام منهم وبيان كذبهم؛ لأنهم سيقولون: إنا مرسلون ويأخذون بمقتضى هذه الرسالة، والله تعالى يعلم أنهم غير مرسلين، وهذا يستلزم الجهل، إذن فالتأكيد بمثل هذا أشد من التأكيد بالقسم لما يترتب عليه من اللوازم الخطيرة؛ ولهذا قال العلماء: لو قال قائل: الله يعلم أني ما فعلت كذا وهو فاعل، قالوا: إن هذا يقتضي الكفر إذا كان يعلم معنى ما يقول وما يلزم من قوله؛ ووجه ذلك ما أشرنا إليه آنفًا من كونه يستلزم أن يكون الله أيش؟ جاهلًا وعاجزًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز التأكيد بعدة مؤكدات في جانب المُنْكِر، بل قد نقول: إن التأكيد واجب إلا لفائدة؛ لقولهم هنا: ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾، وقد سبق أن الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام ليس عليهم هداية الخلق، وإنما عليهم إبلاغ الرسالة فقط؛ لقولهم: ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أنه يلزم الرسل أن يكون بلاغهم مُبِينًا مُظهِرًا للأمر على حقيقته، ويتفرع على ذلك أنه لا إبهام في الشرائع وأن الشرائع كلها واضحة، فإن جاء إبهام في نص فهو مُبيَّن وموضح في نص آخر، وإن بقي الإبهام قائمًا فالعلة في فَهْمِ المخاطب إما لقصوره وإما لتقصيره، أما ما جاءت به الرسل فإنه يحصل به البلاغ المُبين المُظْهِر لكل ما تحتاج إليه الرسالة؛ لقوله: ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المكذبين للرسل الذين يكرهون ما جاؤوا به يتطيرون بهم؛ لقوله: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ [يس ١٨]، وهذا التطير قد يكون له أصل وقد لا يكون ليس له أصل؛ قد يكون له أصل وذلك فيما إذا عوقبوا بمخالفة الرسل فيجعلون تلك العقوبة يجعلونها من شؤم هؤلاء الرسل، كأنهم يقولون: لولا أنكم أتيتم إلينا ما حصلت لنا هذه العقوبة، وقد يكون هذا التطير لا أصل له وإنما هو دعوى مجردة من هؤلاء المكذبين، وهم قد يتطيرون بمعنى أنه يُحَدُّ من حرياتهم فيما تهواه أنفسهم فيكون هذا شؤمًا وتضييقًا؛ مثل أن الرسل عليهم الصلاة والسلام ينهونهم عن عبادة الأصنام وهم يهوون عبادة الأصنام فيجعلون هذا التضييق عليهم بزعمهم يجعلونه شؤمًا فيتطيرون بالرسل. والحاصل أن التطير بالرسل له ثلاث حالات: تطير بِحَدِّ الشريعة من أيش؟ من أهوائهم وشهواتهم، فيقولون: هذا تضييق علينا وهو شؤم في زعمهم. ثانيًا: تطير بما يصيبهم من أيش؟ من العقوبات بالمخالفة، فيقولون: إن هذا شؤمكم. والثالث: دعوى مجردة لا أصل لها، فيقولون: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ لمجرد التشويه لما جاءت به الرسل. * ومن فوائدها: بيان عدوان المكذبين للرسل؛ لأنهم قالوا: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وهذا من العدوان العظيم على عباد الله، فهؤلاء القوم أعني الرسل حالهم كما قال مؤمن آل فرعون: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر ٢٨]، فهؤلاء المكذبين للرسل الذين يتهددونهم بالقتل والرجم والعذاب الأليم هؤلاء من أشد الناس عدوانًا؛ لأنهم اعتدوا على الحق وعلى حامل الحق. * * * قال الله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا﴾ أي: تشاءمْنا، وأصل التطير مأخوذ من الطير؛ لأن الناس يتشاءمون بالطيور أو يتفاءلون بها؛ فيرسلون الطيور، فإن اتجهت إلى اليمين أو اليسار أو الأمام أو الخلف أو عادت أو ذهبت ولم تَعُد تشاءموا أو تفاءلوا على اختلاف بينهم، فيما يكون التشاؤم أو فيما يكون التفاؤل، ثم تعدى الأمر إلى أن تكون الطِّيَرة في كل شيء؛ التشاؤم بمرئي أو مسموع أو زمان أو مكان. هذه الطيرة؛ التشاؤم بمرئي أو مسموع أو زمان أو مكان. طيب، هؤلاء الذين قالوا للرسل: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ تطيروا بماذا؟ بمسموع أو مرئي أو زمان أو مكان؟ بمسموع أو مرئي تطيروا به؛ أي تشاءموا. قال: (بكم لانقطاع المطر عنا بسببكم)، وهذا أحد الوجوه الثلاثة التي أشرنا إليها آنفًا بأنهم يتطيرون بهم بسبب العقوبة التي تَحِلُّ بهم لمخالفتهم. وجه آخر: يتطيرون بهم بسبب الحدِّ من بلوغ مآربهم في شهواتهم، في عباداتهم، ومعاملاتهم، ومأكولهم، ومشروبهم، فيقولون: أنت ضيقت علينا مثلًا، حرمت علينا الخمر، حرمت علينا الميتة، ضيقت علينا في العبادة خصصتها بواحد، وما أشبه ذلك، هذا في زعمهم تَطَيُّر. الوجه الثالث: تطير مدعى الذي ليس له أصل يقولون ذلك تنفيرًا للناس عن متابعتهم، وقوله: (لانقطاع المطر عنا بسببكم) يحتمل أن هذا هو السبب، ويحتمل أنه ما أحل بهم من العقوبات الأخرى التي من جملتها ما عاقب الله به آل فرعون: ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ﴾ [الأعراف ١٣٣] والسنين ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، كم؟ تسع عقوبات، طيب، يمكن عقوبات أخرى غير هذه أيضًا. قال: (﴿لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلم) ﴿لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا﴾ عن أي شيء؟ عن دعوتنا إلى اتباعكم وترك ما كنا عليه. وقوله: ﴿لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ الجملة هذه جواب القسم وليست جواب الشرط؛ لأنها قُرِنَت باللام، وأُكِّدت بـنون التوكيد، وهذا يدل على أنها جواب القسم لا جواب الشرط، وإلى هذا أشار ابن مالك رحمه الله في الألفية؛ حيث قال: وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ قال: ﴿لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ الرجم هو الرمي بالحجارة، هذا الرجم، ومنه رجم الزاني المحصن أي: رميه بالحجارة حتى يموت. ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (﴿لَيَمَسَّنَّكُمْ﴾ ليصيبنكم) ومس كل شيء بحسبه؛ فمس الإنسان للإنسان له معنى، ومس العقوبات والمصائب له معنى، فالمراد بالمس هنا الإصابة. وقوله: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ العذاب هو ما يحصل لهؤلاء الرسل من هؤلاء المكذبين المعتدين من الضرب وشبهه، ومنه الحبس أيضًا فإنه عذاب، و﴿أَلِيمٌ﴾ بمعنى مؤلم، فهو فعيل بمعنى مفعل ومنه قول الشاعر: أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ (أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ) بمعنى المسمع، لا بمعنى السامع، (يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ)، فأليم بمعنى مؤلم، لا بمعنى آلم. طيب قوله: ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ﴾ هل هذا على سبيل التنويع أو على سبيل الجمع؛ يعني أنهم يرجمونهم ويعذبونهم قبل الرجم، أو أنه على سبيل التنويع وأن الواو بمعنى (أو)، أي: لنرجمنكم حتى تموتوا، أو ليمسنكم منا عذاب أليم دون الرجم؟ الآية تحتمل المعنيين فإن جعلناها للجمع فإنها ليست على سبيل الترتيب؛ لأن الرجم سابق في الذكر لاحق في الواقع؛ لأن العذاب الأليم قبل الرجم؛ إذ إن الرجم لا عذاب بعده، فيكون فيها تقديم وتأخير، وأما إذا جعلنا الواو بمعنى (أو) للتقسيم فيكون المعنى أنهم توعدوهم بأحد أمرين: إما الرجم، وإما العذاب المؤلم الشديد. ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ ﴿قَالُوا﴾ الضمير يعود على الرسل يُخَاطِبون مَن؟ يخاطبون أصحاب القرية الذي كذبوهم، ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ أي: شؤمكم ملازم لكم، وذلك بسبب كفرهم، فهم الشؤم على أنفسهم، وليس الشؤم من الرسل، بل من هؤلاء ولو شاؤوا لآمنوا فزال عنهم ما حلَّ بهم من العذاب والنقص. (﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ همزة استفهام دَخَلَتْ على (إن) الشرطية، وفي همزتها التحقيق والتسهيل وإدخال ألف بينهما بوجهيها -يعني التحقيق والتسهيل- وبين الأخرى) سبق مثل هذا، وأن فيها أربع قراءات: التحقيق والتسهيل، فيقال: ﴿أَئِنْ﴾ هذا تحقيق، تسهيل: ﴿أَاِنْ﴾ ما تبين الهمزة، إدخال ألف بينهما بوجهيها: يعني: وعدم الإدخال، إدخال ألف بالتحقيق تقول: ﴿آئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ ، بالتسهيل: ﴿آاِنْ﴾ هذا إدخال ألف بينهما، وبين الأخرى؛ يعني: التي هي همزة إن، والقراءات كلها سَبْعِيِّة. وقوله: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ وُعِظْتُمْ وخُوِّفْتُم، وجواب الشرط محذوف أي: تطيرتم وكفرتم إلى آخره. قوله: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ لا شك أنها حرف شرط، والشرط يحتاج إلى فعل الشرط وإلى جواب الشرط، أما فعل الشرط فمذكور وهو قوله: ﴿ذُكِّرْتُمْ﴾، أما جوابه فمحذوف، فما تقديره؟ يقول المؤلف رحمه الله: (تطيرتم) وقال: (تطيرتم وكفرتم)، ولننظر الآن ماذا حصل من التذكير لنعرف.. ولننظر الآن ماذا حصل من التذكير لنعرف جواب الشرط؛ ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ فالذي حصل منهم أنهم تطيروا وأنهم توعدوا بماذا؟ بالرجم والعذاب الأليم، فيكون الجواب مطابقًا للمذكور؛ أي: أئن ذُكِّرتم تطيَّرتم وتوعَّدتم بالرجم والعذاب الأليم، أما الكفر فقد سبق. قال: (وهو محل الاستفهام والمراد به التوبيخ) (وهو) أي: جواب الشرط المحذوف محل الاستفهام، يعني هو الذي ينصب عليه الاستفهام لا التذكير؛ لأن التذكير ثابت وليس فيه إنكار، إنما الإنكار والتوبيخ بماذا؟ بالتطير بهم واعتدائهم على الرسل فهو محل الاستفهام الذي يُراد به أيش؟ التوبيخ؛ يعني: أن الرسل عليه الصلاة والسلام وَبَّخُوهُم وقالوا: أتتشاءمون وتوعَّدون لأننا ذكرناكم؟! فهذا هو محل الاستفهام، وإنما نص المؤلف على ذلك؛ لأنه قد يَظُنُّ الظان أن محل الاستفهام هي الجملة الموالية لأداة الاستفهام، وهي قوله: (إِنْ ذُكِّرْتُمْ)، والواقع أن محل الاستفهام هو جواب الشرط لا الشرط المذكور، وهو أي: الاستفهام التوبيخ. ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ هذا إضراب انتقال ولَّا إبطال؟ هذا إضراب انتقال؛ يعني: انتقلوا من الإنكار عليهم بكونهم يكذبون الرسل ويتوعدونهم ويتطيرون بهم إلى وصفهم الحقيقي؛ وهو أنهم قوم مسرفون. والإضراب يكون للإبطال ويكون للانتقال؛ فإذا قلت: جاء زيد بل عمرو، فهذا إضراب إبطال. وإذ قلت: زيد في شك بل هو منكر، فهذا إبطال انتقال، ومنه قوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل ٦٦]، ومنه هذه الآية الكريمة: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ وقوله: ﴿مُسْرِفُونَ﴾ أي: متجاوزون للحد، ووجه التجاوز أولًا: أنهم كذبوا الرسل بلا بينة وبلا دليل؛ لأنهم اعتمدوا على أي شيء؟ على أمر ليس حجة لهم؛ ﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾، وقالوا: ﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾، وقالوا: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ هذا إسراف جاوز الحد. ثانيًا: أنهم تطيروا بالرسل وحقيقة الأمر أن الرسل عليهم الصلاة والسلام محل تفاؤل؛ لأن في اتباعهم الخير؛ ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف ٩٦]، وهؤلاء تطيروا بالرسل وليسوا محلًا للتطير بهم. ثالثًا: أنهم توعدوا الرسل بالعدوان عليهم إذا لم ينتهوا عن دعوتهم إلى الله تعالى وإبلاغهم رسالته كقوله: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. إذن وجه الإسراف من كم من وجه؟ * طالب: ثلاثة أوجه. * الشيخ: نعم، كل هذا من الإسراف ومن العدوان، وجه ذلك أنه لا يجوز للإنسان عقلًا أن يرد شيئًا بلا بينة مع أن هؤلاء الرسل لا شك أنهم أَتَوْا بآية تدل على صدقهم، ما بعث الله رسولًا إلا أعطاه مع على مثله يُؤْمِن البشر، هذا عدوان. العدوان الثاني تطيرهم بالرسل، والحقيقة أن التطير من أعمالهم هم؛ لأن الرسل قالوا وصدقوا فيما قالوا؛ ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ فتطيُّرهم بالرسل قلب للحقيقة؛ لأن حقيقة الأمر أن التطير من هؤلاء. الوجه الثالث للإسراف ومجاوزة الحد أنهم أيش؟ توعَّدوا الرسل ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ثم قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ [يس ٢٠] هنا قال: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾، وفي أول الآية قال: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ وهذا يدل على أن القرية تُسمى مدينة، والمدينة أيضًا تُسمَّى قرية؛ فمكة سمَّاها الله تعالى قرية وهي أم القرى ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ [محمد ١٣]، فالقرية ليست هي البلد الصغير كما يظن كثيرٌ من الناس، بل القرية تكون مدينة؛ وذلك لأن أصل القرية مأخوذة من القِرَى وهو التجمع؛ فإن الناس يجتمعون فيها، فإن كانت بلدة كبيرة سُمِّيت في عرف الناس مدينة، وإن كانت دون ذلك سميت في عرف الناس قرية، والتفريق بين القرية والمدينة ما هو إلا أيش؟ اصطلاح عرفي فقط. (...) أي: تشاءموا بهم، وأن الرسل بيَّنوا أن الشؤم ملازم لهؤلاء ومعهم بسبب ذنوبهم، وسبق أيضًا أن الرسل أنكروا عليهم تكذيبَهم للرسل وتَوَعُّدَهم إياهم بالرجم، وسبق أنهم وصفوهم بأنهم قوم مسرفون أي: متجاوزون للحدِّ. قال الله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ [يس ١٨]. قوله: ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ أظن أخذنا فوائدها، وبيَّنَّا أن الرسل ليس عليهم إلا البلاغ المبين، وأنه يجب عليهم أن يبلِّغوا البلاغ البين. قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ * يستفاد منها: أن هؤلاء المكذبين تشاءموا بالرسل؛ تشاءموا بهم لأن هذه دعوى باطلة يدعيها كل مكذب للرسل، ففيها أن المكذبين للرسل يدَّعون عليهم ما لم يكن منهم تشويهًا وتنفيرًا. * ويستفاد منها أيضًا: عدوان هؤلاء المكذبين؛ حيث تَوَعَّدوا الرسل إذا لم ينتهوا عن الدعوة إلى الله بالرجم المؤدي إلى الهلاك أو بالعذاب الأليم إن لم يرجموهم، وهذا فيه غاية العدوان. * ومن فوائدها: أن الإنسان شؤمه بعمله وليس بدعوته إلى الحق؛ لقوله: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الذنوب والتكذيب للرسل يكون سببًا للمحن والبلاء؛ لقوله: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾، وهذا هو سنة الله عز وجل في جميع المكذبين للرسل أن الله تعالى يبتليهم بالعقوبات لعلهم يرجعون. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإنكار على مَنْ ذُكِّر فأعرض؛ لقوله: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾. * ومن فوائدها: جواز حذف ما عُلِم بالسياق ولا يُعَدُّ هذا نقصًا في الكلام وبلاغته؛ لأن جواب الشرط هنا محذوف للدلالة عليه، وربما يكون الحذف أبلغ. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء القوم كانوا مسرفين على أنفسهم متجاوزين للحد؛ لقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾، وسبق بيان وجه إسراف هؤلاء وتجاوزهم للحد. [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

يس 36:8

ثم قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس ٧]، اللام هذه مُوطِّئة للقسم؛ أي أنها تدل على أن هناك قسمًا تقديره: والله لقد حق، و(قد) للتحقيق، وعليه فالجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم المحذوف، واللام، وقد. وهذا التركيب يأتي في القرآن كثيرًا، وطريقه أو طريق إعرابه ما أشرنا إليه. ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ﴾ أي: وجب، حق هنا بمعنى وجب. و﴿الْقَوْلُ﴾ هو القول بالعذاب كقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ٣٣] في الآية الأخرى: ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر ٦]. فمن حقت عليه كلمة العذاب فإنه لا يمكن أن يهتدي مهما أوتي من آية، ولكن لا تحق كلمة العذاب إلا على من استحقها حتى لا يقال: إن الله تعالى قد أجبره على العمل. كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]، والله عز وجل ينظر في قلوب العباد، فمن كان أهلًا للهداية هداه، ومن لم يكن أهلًا لها لم يهده، فمن حقت عليه الكلمة لما في قلبه من الزيغ -والعياذ بالله- فإنه لا يؤمن. وقوله: ﴿حَقَّ الْقَوْلُ﴾ [يس ٧] ما هو القول؟ * طلبة: العذاب. * الشيخ: العذاب؟! لا، كلمة العذاب وهي قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر ٦] والآية الأخرى: ﴿أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ٣٣]. وقوله: ﴿عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾ يعني على أكثر الذين بُعث إليهم الرسول عليه الصلاة والسلام من العرب، وليس على كلهم؛ ولهذا كذب النبيَّ ﷺ من قريش أممٌ كثيرة، وماتوا على الكفر ولا سيما الصناديد منهم والأشراف. ﴿عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس ٧] (هم) الضمير يعود على أكثر لا على الهاء في ﴿أَكْثَرِهِمْ﴾. ﴿فَهُمْ﴾ أي: الأكثر ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ حتى وإن جئت بالآيات العظيمة البيِّنة فهم لا يؤمنون؛ لأنهم قد حقت عليهم كلمة العذاب. (...) * الآية الكريمة هذه: أولًا: تأكيد الخبر الهام وإن لم يكن المخاطَب مُنكِرًا؛ لأن هنا يُخبر الله سبحانه وتعالى النبي ﷺ والمؤمنين وهم لا يُنكرون ذلك لكن لأهميته أُكِّدَ. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من حقت عليه كلمة العذاب فإنه لا يؤمن كما في قوله: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر ١٩] يعني فقد ثبت أنه من أهل النار فلا تنقذه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من قريش الذين كذبوا الرسول عليه الصلاة والسلام من لم تحق عليه الكلمة فيؤمن؛ لقوله: ﴿عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾ [يس ٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إشارة إلى أنه ينبغي بل يجب على الإنسان اللجوء إلى الله عز وجل؛ لأنه هو الذي بيده ملكوت السماوات والأرض، فلا تعتمد على ما في قلبك من رسوخ الإيمان مثلًا وتعتقد أنه لن يتسلط عليك الشيطان، ولن يتسرب إليك هوى النفس الأمارة بالسوء، بل كن دائمًا لاجئًا إلى الله تعالى سائلًا الثبات، فقوله: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾ فالأمر كله بيد الله. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ [يس ٨] ﴿إِنَّا جَعَلْنَا﴾ أي: صيَّرْنا؛ ولهذا نصبت مفعولين؛ المفعول الأول: ﴿أَغْلَالًا﴾، والمفعول الثاني مُقدم: ﴿فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾. وقوله: ﴿أَغْلَالًا﴾، الغل يكون باليد، كما قال تعالى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة ٦٤] إذا كان الغل في اليد، وهنا قال: ﴿فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ فمعناه أن اليد سوف تشد إلى العنق؛ ولهذا (...). أن تضم إليها الأيدي؛ لأن الغل يجمع اليد إلى العنق هكذا تُغل، ثم تشد على العنق. يقول: (﴿فَهِيَ﴾ أي الأيدي مجموعة ﴿إِلَى الْأَذْقَانِ﴾ ). قوله: (مجموعة) أخذها من قوله: ﴿إِلَى الْأَذْقَانِ﴾. ويجوز أن نقدر بدل (مجموعة) منتهية أو بالغة ﴿إِلَى الْأَذْقَانِ﴾ جمع ذَقن، وهو مجمع اللحيين، اللحيان هما العظمان اللذان عليهما الأسنان، ومجمعهما يُسمى ذقنًا يقول: وهي مجتمع اللحيين (...) رافعون رؤوسهم، الأحسن أن يقال: مرفوعو الرؤوس؛ يعني لأن اليد مغلولة إلى العنق تضيق على الذقن، ثم يرتفع الرأس. قال: (رافعو رؤوسهم لا يستطيعون خفضها) لو تصورت هذه الصورة لوجدتها صورة بشعة، وأن الإنسان لا يتمكن معها من التصرف الحر رجل مثلًا مشدودة يداه بعضهما إلى بعض، ثم مجموعة إلى العنق من عند الذقن، إذن لا بد أن يرتفع رأسه اختيارًا أو اضطرارًا؟ اضطرارًا. وزاد بعض العلماء في القمح أنها مغمضة أجفانها؛ يعني لأنه إذا ارتفع رأسه باضطرار فإن من تمام الذل أن يغمض عينيه، ولكن صنيع المؤلف يدل على أنه ليس بشرط، المهم أنك إذا تصورت هذه الحال عرفت أن هؤلاء لا تصرف لهم في أنفسهم، وأنهم لا يستطيعون أن يتصرفوا بأخذ ولا رد بالنسبة لأيديهم، وبالنسبة لرؤوسهم أيضًا ما يستطيعون تنزيلها، دائمًا مرفوعة، وهذا تمثيل لحال هؤلاء المكذبين كما قال المؤلف: (وهذا تمثيل، والمراد أنهم لا يذعنون للإيمان، ولا يخفضون رؤوسهم له). يقول تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ [يس ٩] بفتح السين وضمها في الموضعين قراءتان سبعيتان أي: ﴿سُدًّا﴾. ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس ٩] ﴿أَغْشَيْنَاهُمْ﴾ يعني أغشينا أبصارهم، جعلنا عليها غشاوة بحيث لا تبصر؛ ولهذا قال: ﴿فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ تمثيل أيضًا لسد طرق الإيمان عليهم. ليس هناك سد حقيقي أي جدار مثلًا أو ثوب ساتر بل هذا من باب التمثيل كأنهم لبُعدهم عن الإيمان -والعياذ بالله- وانحجاب رؤيتهم إياه كأنهم جُعل بينهم وبينه سد ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ فلا يتقدمون ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ فلا يتأخرون، فهم ثابتون على الكفر لا يتقدمون ولا يتأخرون، ومع ذلك فإن أبصارهم عليها غشاوة لا تبصر الحق، ولا تنظر إليه؛ ولهذا قال: ﴿فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ فتأمل أيضًا حالهم الآن أيديهم مغلولة إلى أعناقهم من تحت الأذقان، وهم رافعو رؤوسهم، ومع ذلك بينهم وبين الإيمان سد من الأمام ومن الخلف فهم إذن لا يستطيعون أن يصلوا إلى الإيمان ولا أن يصل إليهم الإيمان. * فنستفيد من الآية الكريمة فوائد؛ أولًا: أن الله سبحانه وتعالى إذا أراد أن يحجب الإيمان عن الشخص جعله كالمغلولة يدُه إلى عنقه؛ لقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ [يس ٨]. ثانيًا: أن هذا الذي جُعِلت يده إلى عنقه على سبيل الغل كأنه مُكرَه على أن يكون على هذه الحال، وهكذا الشيطان يُوسوس للإنسان حتى يُوقِعه في الهلاك كأنه مُكرَه على ذلك، ألم تروا إلى ما جرى للأبوين حين جاء إليهم الشيطان، ووسوس إليهما، ولم يكتفِ بمجرد الوسواس بل قاسمهما، وصار يحلف لهما أشد الأيمان؛ أنه ناصح، فهكذا الشيطان يأتي الإنسان حتى يغويه كالْمُكره له. * ومن فوائد الآيتين الكريمتين: أن هؤلاء قد حُجِب عنهم الهدى، لا يتقدمون إليه، ولا يتأخرون عنه. * ومن فوائده: أن أبصارهم أيضًا قد أُغشيت وجُعِل عليها الغِشاوة فلا تنظر. * ومن فوائد الآيتين: تحذير الإنسان إذا لم ينفتح له باب الهدى أن يكون من جنس أولئك، فإذا رأيت نفسك لا تعلم الهدى ولا تعرفه، وحِيل بينك وبينه فاعلم أنك على خطر، وإذا رأيت من نفسك أن الهدى ينفتح لك ويتبين، وينشرح به صدرك فاعلم أنك على خير، نحن نقيس هذا بحال هؤلاء، جُعِل السد من بين أيديهم ومن خلفهم، وصاروا لا يبصرون الحق، فإذا رأيت من نفسك هذه الحال فاعلم أنك على خطر فتداركه. ثم قال الله تعالى: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس ١٠] ﴿سَوَاءٌ﴾ خبر مقدم بمعنى مستوٍ و﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ مبتدأ مؤخر مسبوق بمصدر، وإن لم تكن الهمزة من الحروف المصدرية لكن في مثل هذا التركيب قال العلماء: إنها تسبق وما بعدها بمصدر، تقدير الكلام: وإنذارك وعدمه سواء عليهم، و﴿سَوَاءٌ﴾ هنا لم يُقَل فيها: سواءان؛ لأنها مصدر، والمصدر لا يثنى ولا يجمع. وقوله: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ قال المؤلف في بيان القراءة فيها: (بتحقيق الهمزتين) انطق بها؟ * طالب: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾. * الشيخ: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ وإبدال الثانية ألفًا، انطق بها. * طالب: ﴿آنْذَرْتَهُمْ﴾ . * الشيخ: ﴿آنْذَرْتَهُمْ﴾ ، وإبدال الثانية ألفًا. * طالب: (أنذرتهم). * الشيخ: لا. * طالب: ﴿أَانْذَرْتَهُمْ﴾ . * الشيخ: ﴿أَانْذَرْتَهُمْ﴾ ، وتسهيلها؛ تسهيل الهمزة الثانية؟ * طالب: الثانية؟ * الشيخ: إي نعم، حقِّق الأولى، وسهِّل الثانية. * الطالب: (أنذرتهم). * الشيخ: لا، (أنذرتهم) ما جبت الثانية إطلاقًا. * طالب: ﴿أَانْذَرْتَهُمْ﴾ ... * الشيخ: ﴿أَانْذَرْتَهُمْ﴾ ، ما تبينها تمشي عليها على عجل. يقول: (وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركها)؛ يعني على قراءة التسهيل تجعل فيها ألفًا أو تحذف الألف، مثالها: إدخال الألف بين الهمزة المحققة والمسهلة؟ * طالب: أأآنذرتهم. * الشيخ: لا أنت بتعمل أربعة.. * الطالب: أآنذرتهم. * الشيخ: لا، آانذرتهم، تمد الأولى وتسهل الثانية، يكون عندنا كم حرف؟ * طالب: ثلاثة. * الشيخ: ثلاثة حروف، الهمزة الأولى محققة، والألف، والهمزة الثانية مسهلة. (وتركه) كما قلنا بالأول بدون ألف ستحقق الأولى وتسهل الثانية بدون ألف، هذه القراءات سبعية ولَّا لا؟ سبعية؛ لأن المؤلف من عادته إذا جاءت قراءة شاذة غير سبعية يقول: (وقرئت). على كل حال هذا لا يختلف به المعنى، إنما هو في كيفية الأداء، أما المعنى فلا يختلف، المعنى أن إنذارك وعدمه لهؤلاء سواء، ثم بيَّن وجه التسوية، فقال: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس ٧]، هذا معنى التسوية؛ يعني معناه أنذرت أم لم تنذر فإنهم لا يؤمنون؛ ولهذا الجملة هنا استئنافية بيان للجملة الأولى؛ يعني أنهم لا يؤمنون سواء أنذرت أم لم تُنذر، وهذا أمر مُشاهَد أن الإنسان الذي قد قُضِي عليه بالضلالة والعياذ بالله تيجي وتنصحه مرة بعد أخرى، وتُبين له وتُحذِّره ولكن لا يزداد إلا نفورًا والعياذ بالله؛ حتى إن بعض الناس يسخر ويستهزئ بالجزاء. فعلى كل حال هذا الذي يُنذر ولا يتأثر بالإنذار يُخشَى عليه -كما أسلفنا- من أن يكون قد طُبِع على قلبه، وأنه لا يؤمن أبدًا. * من فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المكذبين للرسول عليه الصلاة والسلام لا يُبالُون ولا تتغير حالهم سواء أنذرهم أم لم ينذرهم. * ومن فوائدها: تسلية النبي ﷺ؛ حيث إنه يتأثر بعدم الإيمان فسلَّاه الله عز وجل بأن هؤلاء قد حقت عليهم كلمة العذاب، وأنهم لا يؤمنون سواء أنذرت أم لم تنذر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرسول ﷺ كان ينذرهم مع أنهم قد أُوِيس منهم. * فيستفاد منه: الإنذار حتى وإن يئست، وهذا أحد القولين في المسألة، فإن من أهل العلم من يقول: إذا أَيِست فلا تنذر. ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى ٩]، وإن لم تنفع فلا تُذَكِّر. وقال بعض العلماء: بل تُذكِّر وتنذر سواء نفع أم لم ينفع، بل يقولون: إنه لا يخلو من نفع مهما كان؛ لأن أقل ما فيه من النفع أن يبين للناس أن هذا العمل الذي عليه هذا الرجل عمل مُنكَر؛ ولأنه ربما يهديه الله عز وجل، فكم من أناس كانوا أئمة في الكفر، ثم هداهم الله عز وجل فكانوا أئمة في الدين. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ [يس ١١] شوف قال: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾، ثم قال: ﴿فَبَشِّرْهُ﴾. ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾ هذه الجملة فيها حصر طريقه ﴿إِنَّمَا﴾، ﴿تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ﴾ حولها إلى نفي وإثبات يكون التقدير: لا تنذر إلا من اتبع الذكر. وقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ يعني أن المراد بذلك إنما تنذر الإنذار النافع كأنه قال: لا ينتفع بإنذارك إلا من اتبع الذكر؛ ولهذا قال المؤلف: (﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾ ينفع إنذارك ﴿مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ القرآن ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ خافه ولم يره ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيم﴾ [يس ١١] هو الجنة). نشوف ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾ ويش معناها؟ ينفع إنذارك، هذا الذي ينتفع بإنذارك. قوله: ﴿مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ المراد بالاتباع شيئان؛ الشيء الأول: تصديق الخبر واعتقاد مقتضاه فإن هذا اتباع، والثاني: امتثال الأمر واجتناب النهي، هذا اتباع الذِّكر، فمن استكبر عما فيه من الأمر أو النهي فإنه لم يتبعه، ومن لم يصدق بأخباره فإنه لم يتبعه، لا يتحقق اتباع الذكر إلا بهذين الأمرين، تصديق الأخبار، واتباع الأحكام فعلًا للمأمور وتركًا للمحظور. وقوله: ﴿الذِّكْرَ﴾ المراد به القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر ٩]، وسُمِّي القرآن ذكرًا؛ أولًا: لما فيه من التذكير والموعظة. وثانيًا: لما فيه من ذكر الأخبار الماضية وقصص الأنبياء الغابرة المفيدة للقلب. وثالثًا: ما فيه من ذِكْر أحوال الناس في الجزاء، وأنهم ينقسمون إلى فريق في الجنة وفريق في السعير؛ هذه ثلاثة أوجه. الرابع: لما فيه من ذكر العرب ورفع شأنهم كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف ٤٤] فإن القرآن لا شك رفع من شأن العرب، وجعلهم هم الأمة الذين ترجع إليهم الأمم، فإن الأمم كلها لم تهتدِ إلا عن طريق من؟ عن طريق العرب، ففي هذا لا شك رفْع لشأنهم وعز لمكانتهم؛ فلهذا سُمِّي القرآن ذِكْرًا. إذن المراد بالذكر ما هو؟ القرآن وسمي ذكرًا لأمور أربعة: الأول: أن الإنسان يتذكر به ويتعظ به، وهذا أمر لا شك فيه. ثانيًا: لأنه تضمن ذكر أخبار الأولين السابقين التي فيها عبرة لنا، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]. الثالث: أن فيه ذكرًا لأحوال الأمم أو لأحوال الناس للجزاء يوم القيامة، وأنهم ينقسمون إلى فريقين؛ فريق في الجنة وفريق في السعير. الرابع: أن فيه ذِكْرًا للعرب ورفعًا لشأنهم؛ حيث جاء بلغتهم، ووصل إلى الناس عن طريقهم. وفيه أيضًا خامس: وهو ذكر شريعة الله وأحكامه من الأوامر والنواهي؛ لأن هذا هو عديل الأخبار التي ذكرناها؛ أخبار الأمم الماضية وأخبار الناس في المستقبل، فيكون ذِكرًا إذن بخمسة أوجه (...) قال الله تبارك وتعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس ٧] هذه الجملة مؤكدة؟ (...) ولَّا نعيدها؟ (بينه بلاغة القرآن بتمثيل المعقول بالمحسوس) هذه تؤخذ من الآيتين الأوليين ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ إلى آخره [يس: ٨]. * ثانيًا: من فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء قد حقت عليهم كلمة العذاب، ومن حقت عليه الكلمة فلا يمكن أن يؤمن سواء أنذِر أم لم يُنذَر. * ثالثًا: أن الأمر كله بيد الله عز وجل؛ فهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ولكن هذا مقرون بالحكمة، من اقتضت حكمة الله عز وجل أن يهتدي؛ هداه الله، ومن اقتضت حكمته أن يضل؛ أضله الله، وهذا مبني على قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥] وحينئذٍ يكون حرمان الله تعالى الهداية للشخص يكون الشخص هو السبب في حرمان نفسه الهداية؛ لأنه ليس أهلًا لها؛ فالله عز وجل ينظر في قلوب العباد من وَجد في قلبه صلاحية للهدى هداه، ومن وَجَد في قلبه عدم الصلاحية لم يهده، فأصل بلائك من نفسك. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الضال -والعياذ بالله- الذي كُتِبت عليه الضلالة لا يبصر الحق، وإن كان الحق بينًا واضحًا فإنه لا يبصره، يكون على بصره غشاوة، كما أنه لا يعقله أيضًا؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٣، ١٤]، الذي يعتقد أن القرآن أساطير الأولين، وأنه لا يفيد، وأنه بمنزلة السوالف العجائب، لماذا يرى هذه الرؤية في كتاب الله عز وجل؟ لأنه فاسد القلب، قلبه قد ران عليه ما كان يكسبه من الأعمال السيئة فلم يرَ الحق حقًّا: وَمَنْ يَكُ ذَا فَمٍ مُرٍّ مَرِيضٍ ∗∗∗ يَجِدْ مُرًّا بِهَ الْمَاءَ الزُّلَالَ الماء الزلال الصافي الحلو العذب يجده المريض مُرًّا، هل جربتم ذلك؟ إي نعم، إذا مرض الإنسان وذاق الماء اللي كان عذبًا عنده في مذاقه من قبل يجده الآن مُرًّا لا لأن الماء مر لكن لأن المحل غير قابل، فيجد هذه العذوبة مرارة. * ومن فوائد الآيات: تسلية الرسول ﷺ لئلا يهلك نفسه لعدم إيمانهم؛ لقوله: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [يس ١٠] فأنت لم تقصر لكن هؤلاء لا ينتفعون، والرسول عليه الصلاة والسلام إذا لم يهتدِ الناس فإنه يشق عليه ذلك، ويضيق به صدرك كما قال تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٣] يعني لعلك مهلكها إذا لم يؤمنوا، وهذا ليس عليك. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس ١١]. هذه الجملة أخذناها وقلنا: إن المراد بالذكر القرآن، وأن اتباعه يكون بتصديق أخباره وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، هذا اتباعه، وقلنا: سمي ذكرًا لأمور متعددة، أولها؟ * طالب: هو القرآن. * الشيخ: إي، لماذا سمي ذكرًا؟ * الطالب: فيه ذكر أخبار السابقين. * الشيخ: لأنه يتضمن ذكر أخبار السابقين لنتعظ بهم ونعتبر، الدليل؟ * الطالب: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾ [يوسف ١١١]. * الشيخ: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١] طيب هذا واحد، ثانيًا؟ * طالب: ذِكر للعرب ورفع شأنهم. * الشيخ: أنه ذكر للعرب ورفع شأنهم، الدليل؟ * الطالب: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف ٤٤]. * الشيخ: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾. * طالب: ذكر أحكام الشريعة، الأوامر والنواهي. * الشيخ: نعم، صح، الدليل؟ * الطالب: الآيات، الأوامر المنظومة في القرآن. * الشيخ: طيب نعم. * طالب: (...) قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾ [الزمر ٢١]. * الشيخ: ذكر لأن الإنسان يتذكر به ويتعظ، الدليل؟ * طالب: (...). * الشيخ: وأيضًا ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ١٧] كم هذه؟ * طالب: (...). * الشيخ: أن فيه ذكر مآل الناس وأحوالهم يوم القيامة من الثواب والعقاب، وهذا لا شك أنه ينفع القلوب، قال الله عز وجل: ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس ١١]، خشي يقول المؤلف: (بمعنى خاف). وعليه فهذا من باب الحد المعنوي ولا اللفظي؟ لأن بنطالبكم بهذه المسألة؛ لأننا قرأناها في أصول الفقه، حد لفظي؛ لأنه فُسِّر بمرادفه، تفسير الشيء بمرادفه يسمى حدًّا لفظيًّا، إذا قلت: القمح والبر، هذا حد لفظي، الخشية هي الخوف، هذا حد لفظي، ولكن في هذا نظر؛ لأن هذا الحد غير جامد، أو بالأصح غير مانع ليش؟ لأن الخشية ليست مجرد الخوف بل الخوف عن علم بالمخوف وعظمته هي الخشية بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨]. الخوف قد لا يكون لعظمة المخوف ولكن لضعف الخائف، لكن الخشية ما تكون إلا لعظمة المخوف إذا عرف الخاشي عظم هذا المخشي فخشيه، أفهمتم الآن؟ طيب إذن بينهما فرق، فتفسير الخشية بمطلق الخوف فيه نظر، والصواب أن يقال: الخوف عن علم بعظمة المخوف، الدليل: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨]، إذن فالخشية ناشئة عن تعظيم المخشي، أما الخوف فقد يكون ناشئًا عن ذلك، وقد يكون ناشئًا عن ضعف الخائف، فالصغير الذي له أربع سنين يخاف الذي له ست سنين، صح؟ والذي له ست سنين يخاف الذي له ثماني سنين وهكذا. إذن ليس عظيمًا صاحب ست سنين ليس عظيمًا بالنسبة لذاته، لكنه عظيم بالنسبة لمن دونه. وقوله: ﴿الرَّحْمَنَ﴾ ﴿خَشِيَ الرَّحْمَنَ﴾ اختيار هذا الاسم هنا دون ذكر الله عز وجل؛ لأن الإنسان الذي يخشى الله عز وجل يخافه عن عِلْم، هذا الخوف طمأن الله الخائف والخاشي بأنه إنما يخشى رحمانًا يرحمه، فكلما عظمت خشيتك لله عظمت رحمت الله بك؛ لأن الله عز وجل إذا خافه الإنسان خشية فإنه يرحمه؛ لأنه ما من إنسان يخشى الله حقيقة إلا سيقوم بأوامره، ويجتنب نواهيه، وحينئذٍ يكون مُعرِّضًا أو متعرضًا للرحمة، هذه هي المناسبة بذكر الرحمن دون ذكر الله. وقوله: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ قال المؤلف: (ولم يره) كأنه يفسر أن المراد بالغيب أنه يخشى الله مع غيبة الله عنه فيكون بالغيب حالًا من المخشي، يعني يخشى الله والله غائب عنه، هذا أحد الوجهين في الآية. الوجه الثاني: يخشى الله بالغيب؛ أي يخشى الله في حال الغيبة عن الناس، يخشى الله في قلبه في عمل غائب لا يظهر فيكون بالغيب حالًا من المخشي ولَّا من الخاشي؟ حالًا من الخاشي؛ يعني أن هذا الإنسان الذي أنذرته وانتفع به ذلك هو الذي اتبع الذكر وخشي الله بالغيب حال كونه غائبًا عن الناس، خشي الله بالغيب أي بالعمل الغائب الكائن في قلبه. هي الخشية الحقيقية؛ لأن خشية الله بالعلانية قد يكون سببها مراءاة للناس، ويكون في هذه الخشية شيء من الشرك؛ لأنه يرائي بها، لكن إذا كان يخشى الله في مكان لا يطلع عليه إلا الله فهذا هو الخاشي حقيقة، وكم من إنسان عند الناس لا يفعل المعاصي، ولكن فيما بينه وبين نفسه يتهاون بها، فيه إنسان، حدثني شخص يقول: إنسان ظاهره الصلاح حتى إنه ينكر إذا سمع الأغاني في الراديو أو في التلفزيون، لكنه هو في بيته يقتني الراديو والتلفزيون ويُكِبُّ على سماع الأغاني، هذا خشي الله بالغيب؟ لا، ما خشي الله بالغيب، هذا خشي الناس في الحقيقة، ولم يخش الله عز وجل؛ لأن الذي يخشى الله لا بد أن يقوم بقلبه تعظيم الله سبحانه وتعالى سواء بحضرة الناس أو بغيبة الناس. أيضًا يخشى الله بالغيب؛ أي: بما غاب عن الأبصار نظرًا، وعن الآذان سمعًا وهو خشية القلب، وخشية القلب أعظم ملاحظة من خشية الجوارح، صح ولَّا لا؟ خشية القلب أعظم مراقبة من خشية الجوارح؛ لأن الذي يخشى الله بقلبه يكون مراقبًا لله عز وجل ولحقه أكثر، ولأنه يجب أن تُرَاقب خشية القلب أكثر مما تراقب خشية الجوارح؛ خشية الجوارح بإمكان كل إنسان أن يقوم بها حتى في بيته، كل إنسان يستطيع أن يقوم يصلي ولا يتحرك، ينظر إلى موضع سجوده، يرفع يديه موضع الرفع يعني: يستقيم استقامة تامة في ظاهر الصلاة، لكن القلب غافل. أما خشية القلب فهي الأصل وهي التي يجب أن يراقبها الإنسان ويحرص عليها حرصًا تامًا، وهذا معنى قوله: ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾، إذن الصواب بل الراجح من القولين أن قوله: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ يعود على الخاشي أي يخشى الله تعالى غائبًا عن الخلق، ويخشى الله تعالى بخشية غائبة لا تظهر للعيون ولا تسمعها الآذان وهي خشية أيش؟ خشية القلب. أما قول المؤلف: (ولم يره)، واعتبر أن الغيب هنا حال من المخشي فهذا فيه نظر؛ لأن الله عز وجل صحيح لا يُرى، ولكن آياته البينة الظاهرة كأن الإنسان يرى ربه؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] فآيات الله كلما تأمل الإنسان فيها سواء الآيات الكونية أو الآيات الشرعية، كلما تَأَمَّل فيها ظهر له بها وجود الخالق، وظهر له كلما تضمنه هذه الآيات من صفاته ظهورًا بينًا كأنما يشاهد الله عز وجل. فالصواب إذن المعنى الأول لأننا نقول: وإن لم نر الله لكن نرى من آياته ما يدُلنا دلالة قطعية يقينية أيش على إيه؟ على وجوده وعظمته. يقول: ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ﴾ شوف قال: ﴿تُنْذِرُ﴾ ثم قال: ﴿فَبَشِّرْهُ﴾ متقابلان، تنذره فينتفع بالإنذار، إذا انتفع بالإنذار حصل له الثواب فاستحق البشارة؛ ولهذا قال: (﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ هو الجنة) ﴿بِمَغْفِرَةٍ﴾ للذنوب ﴿وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ على فعل الحسنات، والكريم يتضمن كرم الذات العينة وكرم الصفات؛ كقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٤٧)، ومسلم (١٩ / ٢٩) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]] يعني: الكريمة بذاتها وبصفاتها، الأجر الكريم بذاته إذا نظرنا إلى نعيم الجنة بذاته وجدنا أنه كريم أكرم وأجمل وأحسن وأنفع من نعيم الجنة؛ ففي الجنة فاكهة ونخل ورمان وعسل وخمر إذا نَسَبْتَ هذا إلى نعيم الدنيا وجدت أنه أكرم من نعيم الدنيا في ذاته، في صفاته أيضًا طعمه ورائحته وغير ذلك هو أيضًا أكرم. كريم أيضًا من حيث المقابلة، فالحسنة بكم؟ بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، الأجر في الدنيا يكون بقدر العِوَض، تبيع عليَّ سيارة بعشرة آلاف قيمتها كم؟ عشرة آلاف، ما أعطيك إلا عشرة ما أزيد، لكن في الآخرة آجر الآخرة أكرم وأعظم؛ لأنك تبذل واحدًا وتُعطَى كم؟ عشرة إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، فصار كرم الأجر -أجر الآخرة- من عدة وجوه في عينه وصفته وأيش؟ ومقابلته أو ومعاوضته؛ فإنه أعظم بكثير من عِوَض الدنيا وأجر الدنيا. قال المؤلف: (هو الجنة) هذا تفسير للمراد لا للمعنى، ولا شك أن الجنة تشتمل على ما ذكرنا. ثم قال تعالى: (﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [يس ١٢] للبعث ﴿وَنَكْتُبُ﴾ في اللوح المحفوظ ﴿مَا قَدَّمُوا﴾ في حياتهم من خير وشر ليُجازَوْا عليه ﴿وَآثَارَهُمْ﴾ ما اسْتُنَّ به بعدهم ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾ نصبه بِفِعْلٍ يُفَسِّرهُ ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ ضبطناه ﴿فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ كتاب بَيِّنٍ هو اللوح المحفوظ). قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾. أولًا: مناسبة هذه الآية بما قبلها لها مناسبتان: المناسبة الأولى أنه لما ذكر حال من ينتفع بذكرى الرسول عليه الصلاة والسلام ومن لا ينتفع بَيَّن أن كلًّا منهم سوف يُحيا بعد موته وسوف يجازى على عمله، فالمناسبة ظاهرة؛ ففيها بشارة للمؤمن المنتذر، وفيها إنذار وتخويف لمن خالف. ثانيًا: أن الله تعالى لما ذكر حال هؤلاء المكذبين فإن تكذيبهم بمنزلة الموت، وإذا كان الله قادرًا على إحياء الموتى إحياءً حسيًّا فهو قادر على إحياء هؤلاء الموتى بالكفر إحياء معنويًّا، فتكون المناسبة من وجهين. قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ ﴿إِنَّا﴾ هذه ضمير جمع، والله عز وجل واحد فتُحْمَل هذه على أي شيء؟ على التعظيم قطعًا، ﴿نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ ﴿نَحْنُ﴾ هذه ضمير فَصْلٍ؛ لأنها لو سقطت وقيل: إنا نُحْيِ الموتى استقام الكلام فهي ضمير فصل للتخصيص؛ يعني نحن لا غيرنا. ﴿نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ جمع ميت ويشمل الموتى من بني آدم وغيرهم، لكن قوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ يدل على أيش؟ على التخصيص، وهذا له نظائر في القرآن والسنة؛ إذا جاء لفظ عام ثم ذُكِرَ بعده حكم يختص ببعض أفراده فهل هذا يخصِّص العموم أو لا يخصصه؟ إذا نظرنا إلى تصرف العلماء رحمهم وجدنا أنهم أحيانًا يجعلونه مخصصًا للعموم وأحيانًا لا يجعلونه مخصصًا للعموم؛ فمثلًا ﴿الْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة ٢٢٨] هذه الآية فيها عموم وفيها حكم يختص ببعض أفراد هذا العموم، أين العموم؟ ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ فإن هذا يشمل من لها رجعة ومن ليس لها رجعة، هذا العموم، ثم قال بعد ذلك ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ أي: بعولة المطلقات ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ هذا الحكم يختص بمن؟ بالرجعيات، فهل نقول: إن المراد بالمطلقات في قوله: ﴿الْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ المراد بها الرجعيات أو هو عامٌّ؟ أكثر العلماء على أنه عام. نأتي إلى السنة قال جابر: «قضى النبي ﷺ بالشُّفْعَة في كلِّ ما لم يُقْسَم، فإذا وقعت الحدود وصُرِّفَت الطرق فلا شفعة»[[متفق عليه؛ البخاري واللفظ له (٢٢١٣)، ومسلم (١٦٠٨ /١٣٤) من حديث جابر رضي الله عنه. ]]. في هذا عموم، وفي هذا حكم تَعَقَّبه يختص ببعض أفراد هذا العموم، فهل نأخذ بالعموم أو نأخذ بما يقتضيه هذا الحكم المُعقَّب؟ «قضى النبي ﷺ بالشُّفعة في كل ما لم يُقْسَم.» ويش يشمل؟ كل ما لا يُقْسم حتى لو كان بيني وبينك سيارة (...) نصيبك منها فلي الشفعة، ولَّا لا؟ نبغي نأخذ بالعموم في كل ما لم يُقْسَم، «فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة، » هذا يختص بأيش؟ بالأراضي فهل نقول: إن قوله: «في كل ما لم يقسم » يختص بالأراضي؛ (...) الحكم المفرع؟ ونقول: إذا كان شريكان في سيارة وباع أحدهما نصيبه فلا شفعة للثاني، أو نقول: نأخذ بالعموم ونجعل هذا الحكم الخاص لبعض أفراده يختص به؟ فيه أيضًا خلاف. هذه المسألة التي نحن فيها الآن ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ أيش يشمل؟ كل ميت حتى البهائم، ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ هذا خاص بالمكلفين، فهل نقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ من المكلفين بدليل قوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ أو نقول: هو عام وتعقيبه بحكم يختص ببعض أفراده لا يقتضي التخصيص؟ * طلبة: عام. * الشيخ: عام، طيب ينبني على الخلاف يا إخواني، العلماء -كما تشاهدون- يختلفون في مثل هذا، فنحن نقول: ممكن أن نقول: الموتى الذين يكتب لهم ما قدَّموا وآثارَهم بدليل قوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾. وقد يقول قائل: أنا (...) العموم ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ كل ميت، ونكتب ما قدَّم بعضهم وهم المكلفون. ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ [يس ١١] ذكر وصفين: الذي يَتَّبِع الذِّكر، وذكرنا أن اتباع الذكر يكون بأمرين: الأول. * طالب: (...) أخباره يعني مقتضاها، والعمل بما يُعْمل به. * الشيخ: نعم، تصديق الأخبار واعتقاد مقتضاها، والثاني: العمل بالأحكام فعلًا للمأمور وتركًا للمحذور. والوصف الثاني: ﴿خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ والخشية. * طالب: الخوف عن علم بعظمة المخوف. * الشيخ: نعم، الخوف عن علم بعظمة المخوف، دليل ذلك؟ * طالب: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ﴾.. * الشيخ: دليل أن الخشية هي الخوف، مع العلم بعظم المخْشِيِّ. * طالب: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨] * الشيخ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ طيب، وذكرنا أن قوله: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ يحتمل وجهين؛ أحدهما ذكره المؤلف والثاني ذكرناه نحن. * طالب: الثاني (...). ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ قال: (﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾ نصبه بفعل يفسره ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ ) ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ ﴿كُلَّ﴾ هذه مفعول لفعل محذوف يفسره قوله: ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾، وعلى هذا فيكون التقدير: أحصينا كل شيء، ولا تَجْمَع بين المُفَسِّر والمفسَّر؛ يعني: لا تقل: التقدير أحصينا كل شيء أحصيناه؛ لأنه لا يُجْمَع بَيْنَ المُفَسِّر والمُفَسَّر، فإذا أردت أن تُقَدِّر تقول: التقدير وأحصينا كلَّ شيء في إمام مبين، لكن جُعِلَت الصيغة على هذا الوجه، ليكون المسند لذكر المُسْنَد إليه مرتين؛ لأن ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ والضمير في ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ يعودان على شيء واحد فيكون هنا ذُكِرَ المعمول مرتين، مرة على أنه مفعول بفعل مقدر، ومرة على أنه ضمير لذلك المذكور وهو قوله: ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾، هذا التركيب يُسَمَّى عند النحويين أيش؟ يُسَمَّى الاشتغال، والاشتغال تجري فيه الأحكام الخمسة: الوجوب، والاستحباب، والإباحة، والكراهية، والتحريم، لكن هذا وجوبٌ نحويٌّ، ما هو بوجوب شرعي؛ يعني: تارةً يجب نصبُه، وتارة يمتنع، وتارة يترجَّح نصبه، وتارة يترجَّح رفعه، وتارة يستوي الأمران؛ في مثل هذا التركيب ما الذي يترجح؟ طبعًا ستقولون: يترجح النصب بدون تردُّد؛ لأنها منصوبة الآن، يترجح النصب لماذا؟ لأن الجملة هنا معطوفة على جملة فعلية، فإذا جعلناه مفعولًا لفعل محذوف صارت الجملة المعطوفة أيش؟ فعلية ولَّا اسمية؟ صارت فعلية وتَنَاسُب الجملتين أولى من تضادهما، هذا معلوم ولَّا لا؟ طيب قلنا: إن هذا من باب الاشتغال، وترجَّح النصب هنا؛ لأن قوله: ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ معطوف على قوله: ﴿نَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾، فإذا جعلنا الواو حرفَ عطفٍ والجملة فعلية ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ صار المعطوف جملة فِعْلِيَّة على جملة فعلية، ولو رفعنا وهو جائز الرفع هنا، لكن النصب أرجح، لو رفعناه وقلنا: وكل ُّشيء أحصيناه، صار العطف هنا عطف جملة اسمية على جملة فعلية أيهما أَنْسَب؟ الأول أنسب؛ أن نعطف جملة فعلية على جملة فعلية؛ ولهذا نقول: إن النصب هنا أرجح مع جواز الرفع، لولا أنه في كلام الله ولا يُغَيَّر لكان يجوز أن نقول: وكل ُّشيء أحصيناه، فهمتم ولَّا لا؟ ولهذا لو قلنا: زيد ضربتُه، يجوز أن أقول: زيدًا ضربتُه، لكنْ أيهما أرجح؟ الرفع؛ لأنه الأصل ولا في جملة نعطف عليها شيء، لكن لو قلت: ضربت زيدًا وعمرٌو أكرمته، يجوز في (عمرو أكرمتُه) النصب ويجوز الرفع، لكن أيهما أرجح؟ النصب لأني قلت: ضربت زيدًا جملة فعلية، والجملة الفعلية عندكم معروفة ما هي؟ المبدوءة بالفعل، ضربت زيدًا أقول: وعمرًا أكرمته، ويجوز وعمرٌو أكرمته، لكن الأول أولى لتناسب الجملتين، نحن ذكرنا هذا على سبيل الاستطراد ولَّا ليس الدرس درس نحو، لكن هذه القاعدة إذا جاءت جملة فيها اشتغال فإن كانت ابتدائية أو معطوفة على جملة اسمية فالراجح الرفع، وإن كانت معطوفة على جملة فعلية فالراجح النصب. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس ١٢] ﴿نَكْتُبُ﴾ هل الذي يَكْتُب الله عز وجل أو الملائكة بأمر الله؟ الملائكة بأمر الله؛ لقوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار ٩، ١٠] وإسناد الكتابة إلى الآمر موجود في اللغة العربية كثيرًا؛ يقول: السيد كتبتُ كذا وكذا، والمراد كَتَبَه عبيده، فهنا ﴿نَكْتُبُ﴾ يقول الله عز وجل: ﴿نَكْتُبُ﴾، والمراد بملائكته دليل ذلك، يحتاج إلى دليل وإلا كان يقول: ليش تصرفه عن ظاهره؟ دليل ذلك ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار ٩ - ١٢]. وقوله: ﴿نَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ أي: ما قدَّموه في الدنيا من أعمال صالحة؛ لأن كل إنسان يعمل عملًا صالحًا في الدنيا فإنه قد قدَّمه بمنزلة السَّلَم، تعرفون السلم في البيع؟ المشتري يُقَدِّم الثمن، أنت الآن مقدم للثمن، المُثْمَن متى يكون؟ يكون يوم القيامة، وقد يكون في الدنيا ويوم القيامة جميعًا، فأنت الآن إذا عَمِلْت عملًا صالحًا فقد قَدَّمْتَ لنفسك الآن ثمنًا تأخذ عِوَضه يوم القيامة، ثِقْ بهذا وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا. وقوله: ﴿نَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ يقول المؤلف: (نكتب في اللوح المحفوظ ما قدموا في حياتهم)، هكذا مشى عليه المؤلف أن المراد بالكتابة هنا الكتابة في اللوح المحفوظ، وهذا التفسير مخالف لظاهر اللفظ؛ لأن قوله: ﴿نَكْتُبُ﴾ فعل مضارع، والمضارع لا يُحْمَل على الماضي إلا بدليل لفظي، ك(لم) مثلًا إذا دخلت على المضارع جعلته ماضيًا، أو دليل حالي يدل عليه السياق، وهنا لا دليل على أن المراد ﴿نَكْتُبُ﴾ في اللوح المحفوظ، الكتابة في اللوح المحفوظ انتهت ولَّا لا؟ انتهت، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥] اللوح المحفوظ انتهت كتابته، ولا يمكن أن تصاغ ﴿نَكْتُبُ﴾ لشيء انتهى، ولكن المراد ﴿نَكْتُبُ﴾ يعني بواسطة الملائكة تكتب ما قَدَّموا، والملائكة تَكْتُبْ ولَّا كتبت؟ تكتب، إذن الصواب نكتب في صحائف الأعمال، والذين يكتبون: الملائكةُ بأمر الله عز وجل. (﴿مَا قَدَّمُوا﴾ في حياتهم من خير وشر ليُجَازَوْا عليه) نعم يكتب الله عز وجل ما قَدَّم الإنسان من خير وشر، لكن ما قدمه مِن خير فهو مضمون، وما قدمه من شر فليس بمضمون، صح؟ نعم؛ لأن الخير لا يمكن أن يهدر منه شيء، والشر قد يعفو الله عنه إذا لم يكن شركًا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨]، وهذا من مصلحة الإنسان إذا كان غير مضمون ولَّا من غير مصلحته؟ من مصلحته. قال: (﴿وَآثَارَهُمْ﴾ ما استُنَّ به بعدهم) الآثار جمع أثر، والأثر ما أعقب الشيء، ومنه أَثَر القدم بعد المشي فإنه يَعقُبه، فما المراد بآثارهم؟ قال المؤلف: (ما استُنَّ بِهِ بَعْدَهم)، وهذا التفسير كمثال وليس حصرًا؛ لأن اللي يُكتب بالآثار أكثر مما استُنَّ به بعدهم؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»[[أخرجه مسلم (١٦٣١ / ١٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]] فمثلًا الصدقة الجارية هذه من آثارهم ولَّا مما قدموا؟ لا، من آثارهم أيضًا، هذا إذا أَوْقَفَ الإنسان مزرعة أو بستانًا على الفقراء وانتفعوا به بعد موته صار هذا من الآثار بلا شك وإن كان أصل التقديم في حياته لكنه النفع صار بعد مماته، العلم النافع من آثارهم، كل ما انتُفِعَ به بعد موته من علم فهو من آثارهم، الولد الصالح أيضًا من آثارهم؛ لأن الولد من كسب الإنسان فإذا كان ولد صالح يدعو لأبيه أو أمه فهو من الآثار، طيب ما اقتدى به الناس بعده من الأعمال الصالحة والأخلاق الحميدة فهو أيضًا من الآثار. إذن ما ذكره المؤلف على سبيل المثال، وهذا الذي قاله المؤلف أن المراد بالآثار ما كان من بعد موت الإنسان هذا هو الصحيح. وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بالآثار الآثار التي يتقدمون بها إلى الطاعة كالمشي إلى الصلوات فإن الله تعالى يكتب للإنسان كل خطوة فيرفع له بها درجة ويحط عنه بها خطيئة، واستدل هؤلاء بأن النبي ﷺ قال لبني سلمة قال لهم: «دِيارُكُمْ تُكْتَبُ آثَارُكُمْ»[[أخرجه مسلم (٦٦٥ / ٢٨٠) من حديث جابر رضي الله عنه. ]] فجعل الرسول عليه الصلاة والسلام الآثار تكتب، ولكن هذا الاستدلال فيها نظر لأن قول الرسول: «تُكْتَبُ آثَارُكُمْ» » هذا مما قدموه في حياتهم، أليس كذلك؟ ولكنه سَمَّاه أثرًا؛ لأنه نعم أثر والممشى والمسير. فالصواب أن الآية كما قال المؤلف أن المراد بـ﴿مَا قَدَّمُوا﴾ ما سبق من أعمال صالحة في حياتهم حتى آثار مسيرهم إلى المساجد وآثارهم ما كان بعد موتهم. قال: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ قال المؤلف: (﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ ضبطناه)، والإحصاء بمعنى الضبط مأخوذ من الحصا؛ لأن العرب كما نعلم أمة أمية ما يكتبون يضبطون الأشياء بالحصى أو شبهها ويُقَدِّرون بالرمح وما أشبهه، ما يقرؤون ولا يكتبون فكانوا إذا أرادوا ضبط الشيء أخذوا حصى. كم عدد القوم؟ قال: تفضل، أعطاك كيس الحصى، ويعده ولَّا لا؟ إذا عدَّها عرف عدد القوم، ولهذا قال الشاعر: وَلَسْتَ بِالْأَكْثَرِ مِنْهُمْ حَصًى ∗∗∗ وَإِنَّمَا الْعِزَّةُ لِلْكَاثِرِ (وَلَسْتَ بِالْأَكْثَرِ مِنْهُمْ حَصًى) يعني: قومك ما هم كثيرين (وَإِنَّمَا الْعِزَّةُ لِلْكَاثِرِ)، وَيُضْرَب المثلُ فيقال: جاء قوم كَثْر الحصى. على كل حال (﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ ضبطناه)، وسُمِّي الضبط إحصاء؛ لأن العرب كانت تربط الشيء بالحصى. قال: (﴿أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ كتاب بين وهو اللوح المحفوظ) هذا صحيح، ﴿فِي إِمَامٍ﴾ الإمام يُطْلق على عدة معان يجمعها أنه مَرْجِع؛ فإمام الصلاة مثلًا إمام؛ لأنه مرجع للمؤمنين يقتدون به، وإمام الحكم كذلك مرجع يرجع الناس إليه، والكتاب إمام؛ لأنه مرجع كما قال الله تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء ١٣، ١٤]، إذن ﴿فِي إِمَامٍ﴾ في كتاب. وقوله: ﴿مُبِينٍ﴾ يقول: بمعنى (بَيِّن)؛ لأن مُبِين هنا من الرباعي ولَّا من الثلاثي؟ من الرباعي من أبان يُبين فهو مبين أما بين فهي من الثلاثي من بان يَبِين فهو بَيِّن، وكلمة (بان) و(أبان) تأتيان بمعنى واحد، فيقال: بان الصبح وأبان الصبح، وتنفرد (أبان) بأنها تأتي بمعنى أظهر وأوضح، أبان الشيء يعني: أظهره وأوضحه، فإذا جاءت كلمة مبين في القرآن الكريم فإنها تصلح بأن تكون بمعنى بين وتصلح أن تكون بمعنى مظهر ومُوضِّح، لكن ليست كل موضع جاءت فيه تصلح للوجهين جميعًا، لا، قد تكون في موضع لا تصلح إلا إلى بَيِّن؛ فمثلًا: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران ١٦٤] معناها بَيِّن ظاهر، لكن ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الزخرف ١، ٢] بمعنى البين ولَّا الموضح؟ المُوَضِّح وهو إذا كان مُوَضِّحًا فهو واضح، لكنها هنا مُبين بمعنى مُظْهِر أَبْيَن، يعني أَبْيَنُ في المعنى. على كل حال إذا جاءتكم كلمة (مبين) فإن صلحت أن تكون من الرباعي الذي بمعنى أظهر فهو أولى من تفسيرها بالرباعي الذي بمعنى ظهر؛ لأن المظهر جامع بين الظهور بنفسه والإظهار لغيره فيكون معناه أشمل. قال: ﴿فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ يقول المؤلف: إنه اللوح المحفوظ، وهذا صحيح يعني محتمل، فإن اللوح المحفوظ كتبت فيه أعمال العباد، ولكن هنا ﴿مُبِينٍ﴾ هل الأنسب أن تكون كما فَسَّرَها المؤلف بَيِّن أو ﴿مُبِينٍ﴾ بمعنى مُظْهِر؟ * طالب: (...). * الشيخ: (...) أولى؟ هو أصلًا الأخير يَسْتَلْزِم المعنى الأول، هل المعنى إنه كتاب بَيِّن ولَّا كتاب مبين يظهر الحقائق؟ الظاهر أن المعنى الأخير أولى؛ أن هذا الكتاب مبين للأمور موضح لها، وكما قلنا: ما كان مُبينًا فهو بَيِّن. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، صالح أن تكون كما قال المؤلف: (اللوح المحفوظ)؛ لأنه يقول: ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ واضح أنه قد انتهى، ويجوز أن تكون صحائف الأعمال؛ لقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء ١٤]. ثم قال الله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ [يس ١٣] قال: ﴿اضْرِبْ﴾ قال بمعنى: اجعل، وهذا لا شك أنه معنى مُقَرِّب، المعنى ضرب مثلًا أي: جعل مثلًا، وقيل: إن (اضْرِب) بمعنى اتخذ، لأن الضرب يدل عل صناعة وتَكيِيف، ومنه ضرب الذهب خاتمًا ضرب الذهب حُليًّا، ضرب الذهب سكَّة يعني نقودًا؛ بمعنى اتخذه حليًا، اتخذَه سكَّة وما أشبه ذلك، فشُبِّهَ ذكر المثل للاعتبار به بصناعة الشيء؛ لأن المثل يشتمل غالبًا على هَيْئَةٍ متكاملة مركبة من أجزاء متعددة؛ ولهذا لا يأتي المثل في تشبيه مفرد بمفرد، إنما يأتي المثل في تشبيه أيش؟ صورة مشتملة على أجزاء متعددة في صورة، ولهذا سُمِّي ضَرْبَ مثلٍ؛ أي: صنع مثل كما نصنع الأواني والخواتم وغيرها من معادنها. وقال المؤلف: ﴿اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا﴾ قال: (﴿مَثَلًا﴾ مفعول أول ﴿أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ مفعول ثانٍ) هذا الظاهر أنه سَهْو من المؤلف، والصواب العكس؛ لأن المفروض معه أصحاب القرية فيكونون المفعول الأول، ومثلًا هو المفعول الثاني، ففي إعراب المؤلف انقلاب، فالصواب أن ﴿أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ مفعول أول و﴿مَثَلًا﴾ مفعول ثان؛ أي: اجعل أصحاب القرية لهؤلاء المكذبين لك اجعلهم مثلًا يعتبرون به، والمَثل والمِثل كالشَّبَه والشِّبْه؛ يعني: اجعله أمرًا مشابهًا حتى يتعظوا به. (...) قوله: ﴿مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾، ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ كلمة ﴿اضْرِبْ﴾ الخطاب فيها للرسول عليه الصلاة والسلام أو لكل مَنْ يَتَأَتَّى خطابه، سبق لنا أن مِثْل هذا تارة يكون صريحًا في أنه عام وتارة يكون صريحًا في أنه خاص بالرسول ﷺ، وتارة يحتمل الوجهين؛ فمن الأشياء التي هي صريحة بخصوصية هدي الرسول عليه الصلاة والسلام قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١] فهنا الخطاب لمَنْ؟ للرسول عليه الصلاة والسلام قطعًا، ومن الأشياء الصريحة بأنه عام مثل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق ١]، ولم يقل: إذا طلقتَ فدلَّ على أن الخطاب الأول يُراد به العموم، وأما احتمال أن يكون خاصًّا بالرسول أو عامًّا فهو كثير في القرآن، فما هو الأرجح؛ أن نجعله خاصًا أو عامًّا؟ الأرجح أن نجعله عامًّا؛ لأنه أشمل، إذا جعلناه عامًّا شمل الرسول ﷺ وغيره. إذن ممكن أن نقول لأي داعية الآن: اضرب مثلًا للمكذبين بهذه القرية. قال: ﴿أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ قال المؤلف: (أنطاكيا) هذه القرية، فجعل (أل) للعهد الذهني؛ يعني: كأنها قرية معروفة مفهومة، ولكن هذا القول ضَعَفَّه ابن كثير في التفسير، وقال: إن هذا غير معروف في أنطاكيا، وأنطاكيا ما دُمِّرَت، ولا أُهْلِكَ أهلها ولا ينطبق هذا المثل عليها بوجه من الوجوه، وعلى هذا فيكون المراد بالقرية هنا قرية غير معينة وتكون (أل) لأيش؟ للجنس؛ يعني: اضرب لهم مثلًا بقرية غير معينة، تكون (أل) للجنس لا للعهد، وهذا هو الصحيح؛ وذلك لأن الله لو كان في بيان هذه القرية بعينها مصلحة لبَيَّنَها الله عز وجل، وليس المقصود كما مَرَّ علينا كثيرًا تعيين الأشخاص أو الأماكن أو الأزمان ليس فيه كبير فائدة في الغالب، المقصود العبرة في القصة وما وقع؛ ولهذا نرى بعض العلماء يتكلفون مثلًا فيما إذا جاء اسم رجل في حديث مُبْهَم يتكلفون في طلب تعيينه، وليس هذا بلازم، اللهم إلا أن يَتَرَتَّب على تعيينه اختلاف في الحكم، أو إظهار للمعنى فهذا شيء آخر. على كل حال هنا نحن لا يَعْنِينا أن نعرف ما هي القرية ومَنْ هم أهلها، الذي يعنينا أيش؟ العبرة بما جرى في هذه القصة، إذن الصواب عدم تَعْيِينها بأنطاكيا. ﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ إلى آخره بدل اشتمال من أصحاب القرية، (﴿إِذْ﴾ بدل اشتمال من أصحاب القرية) فتكون في محل نصب؛ لأن ﴿أَصْحَابَ﴾ منصوبة، والبدل يتبع في الإعراب المبدل منه، فيكون ﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ في محل نصب على أنه بدل من أصحاب القرية. قال: ﴿إِذْ جَاءَهَا﴾ أي: القرية ﴿الْمُرْسَلُونَ﴾ قال المؤلف: (أي: رُسُل عيسى)، وهذا القول ليس بصحيح ولا دليل عليه، بل ﴿جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ الذين مِنْ جِنْسِ قوله في أول السورة: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس ٣]، ﴿جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ الذين هم من جنس هؤلاء، وعلى هذا فهم رُسُل ٌمن عند الله عز وجل، وليسوا من قِبَل عيسى ﷺ. قال في تفصيل هذا المجيء وهذه القصة: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾، وهذا من عجائب القول أن نقول: (أي: رسل عيسى) مع أن الله يقول: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا﴾، ولم يقل: إذ أرسل إليهم عيسى بل قال: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا﴾، وعلى هذا فيَتَعَيَّن أن يكون المراد المرسلون هنا رسلًا من عند الله، ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ ﴿إِلَيْهِمُ﴾ أي: إلى أصحاب القرية ﴿اثْنَيْنِ﴾ من هؤلاء الثلاثة. ﴿فَكَذَّبُوهُمَا﴾ إلى آخره، يقول: (بدل من ﴿إِذْ﴾ الأولى) وين (إذ) الأولى؟ ﴿إِذْ جَاءَهَا﴾ ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا﴾ ﴿إِذْ جَاءَهَا﴾ هذه بدل من ﴿أَصْحَابَ﴾، و﴿إِذْ أَرْسَلْنَا﴾ بدل من ﴿إِذْ جَاءَهَا﴾؛ لأنها في الحقيقة بيان لكيفية هذا المجيء. ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا﴾ التكذيب رَدُّ الخبر ونسبته إلى خلاف الواقع، هذا هو التكذيب، فهؤلاء كذبوهم وقالوا: هذا أمر ليس بصحيح، ولستم برسل، فماذا كان؟ قال الله تعالى: (﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ بالتخفيف والتشديد) ﴿عَزَّزْنَا﴾ هذا التشديد، ﴿عَزَزْنَا﴾ التخفيف، والقراءتان سبعيتان؛ يعني: المؤلف ذكرهما على حَدٍّ سواء. معنى ﴿عَزَّزْنَا﴾ قال: (قوينا الاثنين بثالث) يعني: لما كُذِّب الاثنان أرسل الله ثالثًا معهما؛ لأجل التقوية، وهذا كقول موسى عليه السلام لما أرسله الله تعالى إلى فرعون قال: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه ٢٩ - ٣٢] طيب، إذن زيادة الواحد يُقَوِّي بلا شك، ونحن نشاهد حتى في أمرنا الواقع إذا قال شخصٌ قولًا ثم أَيَّده به آخر ازداد قوة ونشاطًا في تقرير هذا القول وتثبيته. قال: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا﴾ الضمير يعود على الثلاثة ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾، أَتَوْا بالجملة المؤكدة بـ(إن)؛ لأن الحال تقتضي ذلك؛ فهم قد كَذَّبوا بالأول وأنكروا فجاءت الجملة الثانية مؤكدة؛ لأن المقام مقام تكذيب، ولكن لو قال قائل: لماذا لم تُؤَكَّد بأكثر من مؤكد؟ قلنا: هي أُكِّدَت بأكثر من مؤكد؛ أُكِّدت بمؤكد واحد لفظي وهو (إنَّ)، وأُكِّدَت بمؤكد معنوي وهو زيادة الرسول؛ ولهذا قال: ﴿عَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ إذن صار فيها مؤكدان ولَّا لا؟ المؤكد الأول الرسول زيادة، والمؤكد الثاني (إِنَّ)؛ ولهذا لو قال قائل: هل المقام هنا مقام تأكيد على سبيل الاستحسان ولَّا على سبيل الوجوب؟ قلنا: على سبيل الوجوب، فإذا قال: القاعدة أنه إذا كان على سبيل الوجوب فإن التأكيد يتكرر؛ يعني: يؤتي بـ(إنَّ)، بـ(إنَّ) واللام، (إنَّ) والقسم، (إنَّ) والقَسَم واللام؛ يعني: يُكَرَّر المؤكد قلنا: هذا المؤكد مُكَرَّر، لكنه من نوعين؛ تأكيد باللفظ ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ﴾، وتأكيد بالمعنى تقويتهم بثالث. ﴿فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ ﴿مُرْسَلُونَ﴾ مِنْ قِبَل مَنْ؟ مِنْ قِبَل الله عز وجل وهم يعلمون ذلك أنهم ما ادَّعَوُا الرسالة لشخص، وإنما هي من الله، كان جواب هؤلاء جواب غيرهم من المكذبين. المكذبون يَرُدُّون أقوال الرسول بنفي وإثبات، أحيانًا بنفي وأحيانًا بإثبات؛ ففي النفي يقولون: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ كما قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [التوبة ٧٠]. ﴿عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٠) قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ يعني: نسلم أننا بشر مثلكم ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [إبراهيم ١١] هذا جواب بالنفي؛ يعني: أنتم بشر لستم ملائكة حتى نقبل. أحيانًا بالإثبات؛ ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات ٥٢] فصاروا أحيانًا يتهمون الرسل بالسحر والجنون، وأحيانًا بالنفي يقولون ما أنتم ملائكة حتى تكونوا رسلًا إلينا، ما أنتم إلا بشر مثلنا، إذن ليس ببدع أن يقول أصحاب هذه القرية لهؤلاء الرسل: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾، ثم قالوا: ﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ فأنكروا الرسالة من حيث جنس الرسول وأنه بشر، وأنكروا الرسالة إنكار جحود بلا مبرر. ﴿مَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾ ما الذي يمنع؟! ما ذكروا حجة ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾. قوله: ﴿مَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾ هذه الجملة كما نشاهد نفي، و﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ نكرة في سياق النفي فتعم، ثم إن هذه النكرة مؤكدة بماذا؟ بـ(مِن) الزائدة؛ لأن قوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ بمعنى شيئًا. وقوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ﴾ ﴿إِنْ﴾ هنا بمعنى (ما) ففي الجملة حصر طريقه النفي والإثبات، ﴿إِنْ أَنْتُمْ﴾ يعني: ما أنتم ﴿إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾، وهذا الحصر -والعياذ بالله- حصر هم يرونه حقيقة أو إضافي؟ السؤال الآن هل هو حقيقي أو إضافي؟ ما أنتم إلا تكذبون. * طالب: إضافي. * الشيخ: كيف؟ * طلبة: (...). * الشيخ: يعني: ما أنتم إلا تكذبون فيما تدعون من الرسالة، ولا يلزم أن يَدَّعوا أنهم كاذبون في كل شيء لكن فيما ذكروا من الرسالة، فصار إنكارهم مبني على أمرين: الأول: أنهم بشر؛ يعني: كأنهم يقولون: لو كنتم رسلًا لكنتم ملائكة. ثانيًا: النفي الذي لم يُبْنَ على شيء مجرد إنكار ومكابرة ﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾، وهذا بلا شك من سفههم؛ لأن إنزال الوحي على الرسل لهداية الخلق أمر يوجبه العقل فضلًا عن الشرع؛ لأن العباد لا يمكن أن يتعبدوا لله سبحانه وتعالى إلا بشيء شرعه ونصبه لهم دليلًا عليه وإلا فكيف يتعبدون فإنزال الله تعالى الوحي للبشر أمر يقتضي العقلُ وجوبَه مع أن الله قد أوجبه على نفسه؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [يس ١٧] الله أوجب على نفسه أن يبلغ عباده سبحانه وتعالى ما يوصلهم إليه وإلا لضلوا. إذن هذه المكابرة؛ ﴿مَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾ هذه المكابرة يكذبها أيش؟ العقل والشرع؛ لأن العقل يوجب أن ينزل الله على العباد شريعة يتعبدون بها له لتوصلهم إليه؛ إذ إن العقل لا يهتدي كيف يعبد الله؟ الشرع أوجب الله على نفسه أن يُبَلِّغَ عباده شريعته؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَيْنَا﴾ استغفر الله العظيم.. ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ هذا كلام الرسل، لكن قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ [الليل ١٢، ١٣] وقال تعالى في القرآن الكريم: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة ١٩]، إذن استدلالنا بالآية الأولى يعتبر خطأ. الاستدلال في قوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ حيث أوجب الله على نفسه أن يهدي عباده، وهذه هداية البلاغ ولا هداية التوفيق؟ البلاغ ولو كانت هداية التوفيق لاهتدى كل أحد. قال: ﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ ما هو الكذب؟ هو الإخبار بخلاف الواقع، إذن أنتم أخبرتمونا أنكم رسل والواقع أنكم لستم برسل، ماذا قالوا لهم؟ قال الله عز وجل: ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ [يس ١٦] شوف الآن أَكَّدُوا الرسالة بثلاثة مؤكدات: الأول: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ﴾؛ لأن هذا جار مجرى القسم، والثاني: (إن) والثالث: اللام لشدة إنكارهم، فإذا قلنا: هذه ثلاثة مؤكدات مع التأكيد الأول وهو زيادة الثالث صار أكدت الرسالة بأربعة مؤكدات. ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ﴾ قال المؤلف: (جارٍ مجرى القَسَم وزِيدَ التأكيد به وباللام على ما قبله لزيادة الإنكار) صار أربعة مؤكدات، لكن المؤلف لم يعتبر تأكيد الإرسال مع أنه بلا شك مؤكد. قال: ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ نعم لزيادة الإنكار في ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ هذا بيان لزيادة التأكيد بـ (إن) واللام. (﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ التبليغ البين الظاهر بالأدلة الواضحة) إلى آخره، هذه حَصْر حقيقي ولَّا لا؟ نعم، ما عليهم في جانب الرسالة إلا البلاغ المبين؛ في جانب الرسالة، فقولنا: (في جانب الرسالة) يقتضي أن يكون حصرًا إضافيًّا؛ لأن عليهم سوى البلاغ أن يقوموا بعبادة الله الخاصة التي هي غير التبليغ، لكن في جانب الرسالة ما عليهم إلا البلاغ المبين. قال المؤلف: (التبليغ البين) يعني: كلمة بلاغ بمعنى تبليغ فهي اسم مصدر من بَلَّغ يبلغ كما يقال: كَلَّم يُكَلِّم، المصدر؟ * طلبة: تكليم. * الشيخ: واسم المصدر كلام. بلَّغ يبلغ تبليغًا هذا المصدر، واسم المصدر بلاغ. أما تفسيره المبين بالبين فهذا قد يقال: إن فيه نظرًا؛ لأن الظاهر أن المبين هنا بمعنى المظهر يعني البلاغ المظهر لحقيقة الأمر الواقع، وهو أننا رُسُل من عند الله، وسبق لنا أننا إذا فسرنا المبين بالمظهر على وجه صحيح صار متضمنًا لكونه بيِّنًا؛ إذ لا يكون الشيء مُبَيِّنًا إلا وهو بَيِّنٌ في نفسه. أما قوله رحمه الله: (التبليغ البين الظاهر بالأدلة الواضحة) قال: (وهي إبراء الأكمه والأبرص والمريض وإحياء الموتى) هذا ليس بصحيح؛ لأن هذا مبني على أنهم رسل عيسى، والأمر ليس كذلك، لكن عليهم التبليغ البين بالرسالة، فيبلغون تبليغًا بينًا. طيب، نأخذ الفوائد: في هذه الآيات دليل. * طالب: (...). * الشيخ: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس ١١]. * من فوائد هذه الآية: أنه لا ينتفع من إنذار الرسول عليه الصلاة والسلام إلا من اتصف بهذين الوصفين؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ﴾. * ومن فوائدها: صحة نفي الشيء إذا كان لا يُنْتَفع به وإن كان موجودًا؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ فإن إنذاره لغيرهم حاصل، لكن لما لم ينتفعوا به صار وجوده كالعدم بالنسبة لهم ولَّا بالنسبة للمنذِر؟ بالنسبة لهم، أما المنذِر فقد قام بما يجب عليه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه كلما كان الإنسان أتبع للقرآن كان أشدَّ تأثرًا به؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ وبهذا نعرف القاعدة التي ذكرها بعض العلماء: (الطاعة تجلب الطاعة، والمعصية تجلب المعصية) الطاعة تجلب الطاعة؛ لأنه كلما كان الإنسان أتبع للقرآن صار أشدَّ تأثرًا به؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على هذه القرآن العظيم بأنه أيش؟ بأنه ذِكْر، وسبقت الأوجه في كونه ذِكْرًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الخشية لله سبب كبير للتأثر بالقرآن والانتذار به؛ لقوله: ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: فوائد الخشية لله وأنها من أسباب الانتفاع بالقرآن فكلما كان الإنسان أخشى لربه كان أفهم لكلامه. * ومن فوائدها أيضًا: أن الخشية إنما تكون خشية حقيقة إذا كانت بأيش؟ بالغيب، أما من خشي الله بالعلانية فقد تكون خشيته مدخولة، قد يكون خشي الله عز وجل من أجل الناس يرونه، لكن إذا كان بالغيب كان أدلَّ على الإخلاص. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن نبَشِّر مَنِ اتصف بهذين الوصفين وهما اتباع الذكر والخشية لله عز وجل بالغيب نبشره بالجنة؛ ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾، ولكن هل تنطبق هذه البشارة على كل واحد بعينه؟ الجواب: لا، على سبيل العموم، وكل شخص اتصف بما تَثْبُت به الجنة على سبيل العموم فإننا لا نشهد له بعينه، ولكن يُرْجى له ذلك؛ لأنه في الظاهر قد انطبق عليه سبب الاستحقاق، لكن الباطن لا نعلمه كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٢٠٧)، ومسلم (١١٢ / ١٧٩) من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه.]]؛ لهذا نقول: في كلِّ مَنْ ينطبق عليه وصفٌ يستحق به دخول الجنة نقول: إننا لا نشهد له بعينه؛ لأن الشهادة له بعينه تحتاج إلى دليل معين، ولكننا نرجو له هذا؛ لأن ظاهر الأمر أنه مستحقه ولَّا لا؟ ظاهر الأمر أنه مستحقه لانطباق الأوصاف عليه، لكن لا نشهد؛ لأنه يخشى أن يكون باطنه غير ظاهره، أفهمتم هذه القاعدة؟ وهذه القاعدة مهمة مفيدة، مثلًا قتل رجل في الحرب الأفغانية، الحرب الأفغانية لا شك أنه إسلامي، وأن ظاهر جميع المجاهدين فيه أنهم يجاهدون لتكون كلمة الله هي العليا، فهل إذا قُتِلَ على أيدي الأعداء نشهد بأنه شهيد؟ لا، ما يجوز، ولكن نقول: يُرجى أن يكون شهيدًا؛ يعني: من الشهداء عند الله عز وجل؛ لأن ظاهر فعله ينطبق على الشهداء عند الله عز وجل، ولكن ما نشهد له بعينه؛ ولهذا ترجم البخاري رحمه الله على هذه المسألة في الصحيح قال: (بابٌ: لا يُقالُ فُلانٌ شَهِيد)، مع أن شهيد الآن عندنا صارت رَخيصة تُبْذَل بأبخس الأثمان، أيُّ واحد يُقْتل ولو في قِتْلَة جاهلية يقولون: هو شهيد، وهذا لا يجوز، أتدري ماذا يستلزم على شهادتك له بأنه شهيد؟ يستلزم أنك شهدتَ له بأنه من أهل الجنة، وهذه مسألة صعبة، لكن كما قلت لكم قبل قليل في القاعدة النافعة: إن مَنِ اتَّصف بأوصاف ينطبق على أهلها هذا الجزاء فإننا نرجو له ذلك. نقول: نرجو، تقدر تقول: هل فلان شهيد اللي قُتِل في معركة بين الأفغانيين المسلمين وبين الروس؟ ويش الجواب؟ نرجو له ذلك، نرجو أن يكون شهيدًا، أما أن نجزم فلا، لا يجوز أن نجزم. طيب، هذا الذي اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب، هل نجزم له بالمغفرة والأجر الكريم؟ نقول: نعم، مَنْ فَعَل ذلك نشهد له على سبيل العموم، لكن على سبيل التخصيص نرجو له ذلك. إي نعم. ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ * من فوائد الآية الكريمة: أن البشارة تكون بانتفاء ما يُكرَه وبحصول ما يحب، ﴿بِمَغْفِرَةٍ﴾ هذا أيش؟ انتفاء ما يُكْرَه، ﴿وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ حصول محبوب، فيهنأ الإنسان ويُبشر بزوال المكروه عنه وحصول المحبوب اجتماعًا وانفرادًا؛ يعني: سواء حصل له الأمران أو حصل له أحدهما فإنه يُبَشَّر بانتفاء الشرِّ عنه كما يبشر بحصول الخير له. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن خشية الرحمن بالغيب واتباع الذكر يحصل به مغفرة الذنوب والأجر الكثير فإن مغفرة في مقابل الذنوب، والأجر الكريم في مقابل الثواب على الأعمال الصالحة. * طالب: (...). * الشيخ: ما يمكن عاد نرجع الآن. * طالب: اللي بعدها مباشرة. * الشيخ: بعدها مباشرة، جئنا لنقرأها. ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس ١٢]. * من فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل بإحياء الموتى، وقد بَرْهَنَ الله عز وجل على قدرته على إحياء الموتى بأدلة عَقْلِيَّة وأدلة حِسية؛ فمن الأدلة العقلية مثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧] فإن هذا دليل عقلي على إمكان إحياء الموتى؛ وجهه أن الإعادة أهون من الابتداء، فالقادر على الابتداء قادر على الإعادة من باب أولى، وكما في قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٤]، هذا مثله أيضًا استدل الله تعالى بالابتداء على أيش؟ على الإعادة. أما الأدلة الحسية فما أكثر ما يضرب الله الأمثال بإحياء الأرض بعد موتها على قدرته على إحياء الموتى؛ مثل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ ويش قال؟ ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت ٣٩]، وقال تعالى: و﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق ٩ - ١١]، والآيات في هذا كثيرة فقد برهن الله عز وجل على قدرته على إحياء الموتى بالأدلة العقلية والحسية؛ لتكون لذوي العقول دليلًا، ولذوي الأبصار والأدلة الظاهرة دليلًا أيضًا، فالإنسان العقلاني كما يقولون نستدل له أو عليه بماذا؟ بالعقل، والانسان السطحي اللي ما يستدل إلا بما يشاهد نستدل عليه بالأدلة الحسية. * طالب: الآية اللي ذكرنا (...). * الشيخ: ما هي ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت ٣٩]؟، طيب، أحسنت، ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا﴾ هذه في سورة فصلت، ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت ٣٩]. * طالب: (إنه لمحيي الموتى). * الشيخ: ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ هذه اللي نحن نقرؤها. قرأنا ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت ٣٩] هذه قرأناها، هذه في فصلت، طيب إذن قراءتنا صواب. نقول فيه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [يس ١٢]* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن من لم يخشَ الله ولم يَتَّبِع الذكر فإن الله قادر على أن يحيي قلبه فيخشى الله ويتبع الذكر، وجه الدلالة أن الله تعالى ذَكَر هذا بعد أن ذكر انقسام الناس إلى مَنْ يخشى الله بالغيب ويتبع الذكر، ومن لمن يكن كذلك، فيه إشارة إلى أن الله قادر على أن يرد هؤلاء إلى الحق. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل شيء مكتوب للإنسان، إما له وإما عليه؛ لقوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الله تعالى يكتب كل شيء القليل والكثير؛ لقوله: ﴿مَا قَدَّمُوا﴾، و﴿مَا﴾ اسم موصول، والاسم الموصول يشمل الصغير والكبير، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف ٤٩]، ويدل عليه أيضًا في آخر الآية: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأعمال لا تنقطع بالموت؛ لقوله: ﴿وَآثَارَهُمْ﴾، والآثار ذكرنا أنها أنواع: علم وصدقة جارية وولد صالح يدعو له، وسُنَّة، سنة يحييها فيتبعه الناس عليها. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان حِكْمَة الله عز وجل في ضبط الأمور وإتقانِها وأنه لا يفوته شيء لقوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾. * ومن فوائدها: أن ما يُكْتَب على الإنسان فإنه حَقٌّ بيِّن واضح لا يمتري فيه أحد؛ لقوله: ﴿مُبِينٍ﴾ والشيء المبين هو الذي يوضح الأشياء مع وضوحه في نفسه وهو كذلك؛ ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء ١٣، ١٤] * * * قال الله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ إلى آخره. في هذه الآية فوائد كثيرة منها في هذه الآية وما بعدها في القصة كلها فوائد كثيرة: * منها: بَيان ضرب الأمثال ليعتبر بها؛ لقوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا﴾، والخطاب كما سبق إما للرسول ﷺ أو لكل مَنْ يَتَأَتَّي خطابه. * ومن فوائدها: أن العبرة بما فيه العبرة في ضرب الأمثال، وأنه ليس من الضروري أن يُعَيَّن المثل المضروب، فهنا قال: ﴿اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ ولم يُعَيِّن القرية ولم يعين أولئك الأصحاب بأعيانهم؛ لأنه ليس هذا محل عبرة، العبرة إنما هو في القصة كلها. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن الله عز وجل لن يدع الخلق بلا رسل؛ لقوله: ﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا﴾. * ومن فوائدها أيضًا: بيان رحمة الله عز وجل في تعزيز الرسالة بالصيغة والعدد؛ لأنه قال: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ فهنا التعزيز بالثالث تقوية فعلية، والتأكيد بـ(إن) تقوية لفظية. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز تعدد الرسل مع اتحاد المرسل إليهم؛ لأن الله أرسل إلى هذه القرية اثنين ثم عززهما بثالث. * ومن فوائدها أيضًا: أن الذين يكذبون الرسل ليس عندهم إلا المكابرة، وليس عندهم حجة عقلية أو نقلية؛ لقولهم: ﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾، كل هذه الجمل الثلاث ليس فيها أي حجة تُسَوِّغ تكذيب هؤلاء الرسل؛ لأنك إذا رأيت هذه الحجج الثلاث والشُّبَه: الأولى أنهم ردوهم لأنهم بشر مثلهم، وقد سبق في التفسير بيان الرد عليها، وأنه لا يمكن أن يُرْسَل للبشر إلا بشر مثلهم، حتى لو أُنْزِل إليهم ملائكة فإن الملائكة لا بد أن يكونوا على صورة البشر وحينئذ تعود الشبهة. والثانية: ﴿مَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾ هذا نفي مجرد بدون ذكر حجة، وليس هذا بدليل للخصم إطلاقًا؛ لأن نفي قول الخصم بدون حجة ما هو إلا مكابرة، وكذلك قولهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن المعاندين للرسل ليس عندهم إلا المكابرة المحضة كقولهم: ﴿مَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾، وقولهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾، طيب، هل يستفاد من الآية الكريمة أن الله لا يرسل إلا بشرًا أو لا؟ ما يستفاد، لكن يستفاد أن حكمة الله عز وجل تقتضي أن يُرْسَل إلى البشر بشر مثلهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز التأكيد بما يُشْبِه القسم؛ لقولهم: ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾، وهل هذا أقوى من التأكيد بالقسم أو التأكيد بالقسم أقوى؟ الظاهر أن هذا أقوى من التوكيد بالقسم؛ لأنهم إذا قالوا: ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون وأن لم يكونوا مرسلين استلزم قولهم هذا وصف الله بالجهل والعجز والقصور؛ لأنهم إذا قالوا: ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون ولم يكونوا مرسلين معناه أن الله علم الأمر أو علم الحال على خلاف أيش؟ ما كانت عليه، إذا فرضنا أن الله يعلم أنهم مرسلون وهم غير مرسلين في الواقع، لزم من ذلك أن يكون الله جاهلًا بحالهم، وأن يكون الله تعالى عاجزًا على الانتقام منهم وبيان كذبهم؛ لأنهم سيقولون: إنا مرسلون ويأخذون بمقتضى هذه الرسالة، والله تعالى يعلم أنهم غير مرسلين، وهذا يستلزم الجهل، إذن فالتأكيد بمثل هذا أشد من التأكيد بالقسم لما يترتب عليه من اللوازم الخطيرة؛ ولهذا قال العلماء: لو قال قائل: الله يعلم أني ما فعلت كذا وهو فاعل، قالوا: إن هذا يقتضي الكفر إذا كان يعلم معنى ما يقول وما يلزم من قوله؛ ووجه ذلك ما أشرنا إليه آنفًا من كونه يستلزم أن يكون الله أيش؟ جاهلًا وعاجزًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز التأكيد بعدة مؤكدات في جانب المُنْكِر، بل قد نقول: إن التأكيد واجب إلا لفائدة؛ لقولهم هنا: ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾، وقد سبق أن الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام ليس عليهم هداية الخلق، وإنما عليهم إبلاغ الرسالة فقط؛ لقولهم: ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أنه يلزم الرسل أن يكون بلاغهم مُبِينًا مُظهِرًا للأمر على حقيقته، ويتفرع على ذلك أنه لا إبهام في الشرائع وأن الشرائع كلها واضحة، فإن جاء إبهام في نص فهو مُبيَّن وموضح في نص آخر، وإن بقي الإبهام قائمًا فالعلة في فَهْمِ المخاطب إما لقصوره وإما لتقصيره، أما ما جاءت به الرسل فإنه يحصل به البلاغ المُبين المُظْهِر لكل ما تحتاج إليه الرسالة؛ لقوله: ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المكذبين للرسل الذين يكرهون ما جاؤوا به يتطيرون بهم؛ لقوله: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ [يس ١٨]، وهذا التطير قد يكون له أصل وقد لا يكون ليس له أصل؛ قد يكون له أصل وذلك فيما إذا عوقبوا بمخالفة الرسل فيجعلون تلك العقوبة يجعلونها من شؤم هؤلاء الرسل، كأنهم يقولون: لولا أنكم أتيتم إلينا ما حصلت لنا هذه العقوبة، وقد يكون هذا التطير لا أصل له وإنما هو دعوى مجردة من هؤلاء المكذبين، وهم قد يتطيرون بمعنى أنه يُحَدُّ من حرياتهم فيما تهواه أنفسهم فيكون هذا شؤمًا وتضييقًا؛ مثل أن الرسل عليهم الصلاة والسلام ينهونهم عن عبادة الأصنام وهم يهوون عبادة الأصنام فيجعلون هذا التضييق عليهم بزعمهم يجعلونه شؤمًا فيتطيرون بالرسل. والحاصل أن التطير بالرسل له ثلاث حالات: تطير بِحَدِّ الشريعة من أيش؟ من أهوائهم وشهواتهم، فيقولون: هذا تضييق علينا وهو شؤم في زعمهم. ثانيًا: تطير بما يصيبهم من أيش؟ من العقوبات بالمخالفة، فيقولون: إن هذا شؤمكم. والثالث: دعوى مجردة لا أصل لها، فيقولون: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ لمجرد التشويه لما جاءت به الرسل. * ومن فوائدها: بيان عدوان المكذبين للرسل؛ لأنهم قالوا: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وهذا من العدوان العظيم على عباد الله، فهؤلاء القوم أعني الرسل حالهم كما قال مؤمن آل فرعون: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر ٢٨]، فهؤلاء المكذبين للرسل الذين يتهددونهم بالقتل والرجم والعذاب الأليم هؤلاء من أشد الناس عدوانًا؛ لأنهم اعتدوا على الحق وعلى حامل الحق. * * * قال الله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا﴾ أي: تشاءمْنا، وأصل التطير مأخوذ من الطير؛ لأن الناس يتشاءمون بالطيور أو يتفاءلون بها؛ فيرسلون الطيور، فإن اتجهت إلى اليمين أو اليسار أو الأمام أو الخلف أو عادت أو ذهبت ولم تَعُد تشاءموا أو تفاءلوا على اختلاف بينهم، فيما يكون التشاؤم أو فيما يكون التفاؤل، ثم تعدى الأمر إلى أن تكون الطِّيَرة في كل شيء؛ التشاؤم بمرئي أو مسموع أو زمان أو مكان. هذه الطيرة؛ التشاؤم بمرئي أو مسموع أو زمان أو مكان. طيب، هؤلاء الذين قالوا للرسل: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ تطيروا بماذا؟ بمسموع أو مرئي أو زمان أو مكان؟ بمسموع أو مرئي تطيروا به؛ أي تشاءموا. قال: (بكم لانقطاع المطر عنا بسببكم)، وهذا أحد الوجوه الثلاثة التي أشرنا إليها آنفًا بأنهم يتطيرون بهم بسبب العقوبة التي تَحِلُّ بهم لمخالفتهم. وجه آخر: يتطيرون بهم بسبب الحدِّ من بلوغ مآربهم في شهواتهم، في عباداتهم، ومعاملاتهم، ومأكولهم، ومشروبهم، فيقولون: أنت ضيقت علينا مثلًا، حرمت علينا الخمر، حرمت علينا الميتة، ضيقت علينا في العبادة خصصتها بواحد، وما أشبه ذلك، هذا في زعمهم تَطَيُّر. الوجه الثالث: تطير مدعى الذي ليس له أصل يقولون ذلك تنفيرًا للناس عن متابعتهم، وقوله: (لانقطاع المطر عنا بسببكم) يحتمل أن هذا هو السبب، ويحتمل أنه ما أحل بهم من العقوبات الأخرى التي من جملتها ما عاقب الله به آل فرعون: ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ﴾ [الأعراف ١٣٣] والسنين ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، كم؟ تسع عقوبات، طيب، يمكن عقوبات أخرى غير هذه أيضًا. قال: (﴿لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلم) ﴿لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا﴾ عن أي شيء؟ عن دعوتنا إلى اتباعكم وترك ما كنا عليه. وقوله: ﴿لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ الجملة هذه جواب القسم وليست جواب الشرط؛ لأنها قُرِنَت باللام، وأُكِّدت بـنون التوكيد، وهذا يدل على أنها جواب القسم لا جواب الشرط، وإلى هذا أشار ابن مالك رحمه الله في الألفية؛ حيث قال: وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ قال: ﴿لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ الرجم هو الرمي بالحجارة، هذا الرجم، ومنه رجم الزاني المحصن أي: رميه بالحجارة حتى يموت. ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (﴿لَيَمَسَّنَّكُمْ﴾ ليصيبنكم) ومس كل شيء بحسبه؛ فمس الإنسان للإنسان له معنى، ومس العقوبات والمصائب له معنى، فالمراد بالمس هنا الإصابة. وقوله: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ العذاب هو ما يحصل لهؤلاء الرسل من هؤلاء المكذبين المعتدين من الضرب وشبهه، ومنه الحبس أيضًا فإنه عذاب، و﴿أَلِيمٌ﴾ بمعنى مؤلم، فهو فعيل بمعنى مفعل ومنه قول الشاعر: أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ (أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ) بمعنى المسمع، لا بمعنى السامع، (يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ)، فأليم بمعنى مؤلم، لا بمعنى آلم. طيب قوله: ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ﴾ هل هذا على سبيل التنويع أو على سبيل الجمع؛ يعني أنهم يرجمونهم ويعذبونهم قبل الرجم، أو أنه على سبيل التنويع وأن الواو بمعنى (أو)، أي: لنرجمنكم حتى تموتوا، أو ليمسنكم منا عذاب أليم دون الرجم؟ الآية تحتمل المعنيين فإن جعلناها للجمع فإنها ليست على سبيل الترتيب؛ لأن الرجم سابق في الذكر لاحق في الواقع؛ لأن العذاب الأليم قبل الرجم؛ إذ إن الرجم لا عذاب بعده، فيكون فيها تقديم وتأخير، وأما إذا جعلنا الواو بمعنى (أو) للتقسيم فيكون المعنى أنهم توعدوهم بأحد أمرين: إما الرجم، وإما العذاب المؤلم الشديد. ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ ﴿قَالُوا﴾ الضمير يعود على الرسل يُخَاطِبون مَن؟ يخاطبون أصحاب القرية الذي كذبوهم، ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ أي: شؤمكم ملازم لكم، وذلك بسبب كفرهم، فهم الشؤم على أنفسهم، وليس الشؤم من الرسل، بل من هؤلاء ولو شاؤوا لآمنوا فزال عنهم ما حلَّ بهم من العذاب والنقص. (﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ همزة استفهام دَخَلَتْ على (إن) الشرطية، وفي همزتها التحقيق والتسهيل وإدخال ألف بينهما بوجهيها -يعني التحقيق والتسهيل- وبين الأخرى) سبق مثل هذا، وأن فيها أربع قراءات: التحقيق والتسهيل، فيقال: ﴿أَئِنْ﴾ هذا تحقيق، تسهيل: ﴿أَاِنْ﴾ ما تبين الهمزة، إدخال ألف بينهما بوجهيها: يعني: وعدم الإدخال، إدخال ألف بالتحقيق تقول: ﴿آئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ ، بالتسهيل: ﴿آاِنْ﴾ هذا إدخال ألف بينهما، وبين الأخرى؛ يعني: التي هي همزة إن، والقراءات كلها سَبْعِيِّة. وقوله: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ وُعِظْتُمْ وخُوِّفْتُم، وجواب الشرط محذوف أي: تطيرتم وكفرتم إلى آخره. قوله: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ لا شك أنها حرف شرط، والشرط يحتاج إلى فعل الشرط وإلى جواب الشرط، أما فعل الشرط فمذكور وهو قوله: ﴿ذُكِّرْتُمْ﴾، أما جوابه فمحذوف، فما تقديره؟ يقول المؤلف رحمه الله: (تطيرتم) وقال: (تطيرتم وكفرتم)، ولننظر الآن ماذا حصل من التذكير لنعرف.. ولننظر الآن ماذا حصل من التذكير لنعرف جواب الشرط؛ ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ فالذي حصل منهم أنهم تطيروا وأنهم توعدوا بماذا؟ بالرجم والعذاب الأليم، فيكون الجواب مطابقًا للمذكور؛ أي: أئن ذُكِّرتم تطيَّرتم وتوعَّدتم بالرجم والعذاب الأليم، أما الكفر فقد سبق. قال: (وهو محل الاستفهام والمراد به التوبيخ) (وهو) أي: جواب الشرط المحذوف محل الاستفهام، يعني هو الذي ينصب عليه الاستفهام لا التذكير؛ لأن التذكير ثابت وليس فيه إنكار، إنما الإنكار والتوبيخ بماذا؟ بالتطير بهم واعتدائهم على الرسل فهو محل الاستفهام الذي يُراد به أيش؟ التوبيخ؛ يعني: أن الرسل عليه الصلاة والسلام وَبَّخُوهُم وقالوا: أتتشاءمون وتوعَّدون لأننا ذكرناكم؟! فهذا هو محل الاستفهام، وإنما نص المؤلف على ذلك؛ لأنه قد يَظُنُّ الظان أن محل الاستفهام هي الجملة الموالية لأداة الاستفهام، وهي قوله: (إِنْ ذُكِّرْتُمْ)، والواقع أن محل الاستفهام هو جواب الشرط لا الشرط المذكور، وهو أي: الاستفهام التوبيخ. ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ هذا إضراب انتقال ولَّا إبطال؟ هذا إضراب انتقال؛ يعني: انتقلوا من الإنكار عليهم بكونهم يكذبون الرسل ويتوعدونهم ويتطيرون بهم إلى وصفهم الحقيقي؛ وهو أنهم قوم مسرفون. والإضراب يكون للإبطال ويكون للانتقال؛ فإذا قلت: جاء زيد بل عمرو، فهذا إضراب إبطال. وإذ قلت: زيد في شك بل هو منكر، فهذا إبطال انتقال، ومنه قوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل ٦٦]، ومنه هذه الآية الكريمة: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ وقوله: ﴿مُسْرِفُونَ﴾ أي: متجاوزون للحد، ووجه التجاوز أولًا: أنهم كذبوا الرسل بلا بينة وبلا دليل؛ لأنهم اعتمدوا على أي شيء؟ على أمر ليس حجة لهم؛ ﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾، وقالوا: ﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾، وقالوا: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ هذا إسراف جاوز الحد. ثانيًا: أنهم تطيروا بالرسل وحقيقة الأمر أن الرسل عليهم الصلاة والسلام محل تفاؤل؛ لأن في اتباعهم الخير؛ ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف ٩٦]، وهؤلاء تطيروا بالرسل وليسوا محلًا للتطير بهم. ثالثًا: أنهم توعدوا الرسل بالعدوان عليهم إذا لم ينتهوا عن دعوتهم إلى الله تعالى وإبلاغهم رسالته كقوله: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. إذن وجه الإسراف من كم من وجه؟ * طالب: ثلاثة أوجه. * الشيخ: نعم، كل هذا من الإسراف ومن العدوان، وجه ذلك أنه لا يجوز للإنسان عقلًا أن يرد شيئًا بلا بينة مع أن هؤلاء الرسل لا شك أنهم أَتَوْا بآية تدل على صدقهم، ما بعث الله رسولًا إلا أعطاه مع على مثله يُؤْمِن البشر، هذا عدوان. العدوان الثاني تطيرهم بالرسل، والحقيقة أن التطير من أعمالهم هم؛ لأن الرسل قالوا وصدقوا فيما قالوا؛ ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ فتطيُّرهم بالرسل قلب للحقيقة؛ لأن حقيقة الأمر أن التطير من هؤلاء. الوجه الثالث للإسراف ومجاوزة الحد أنهم أيش؟ توعَّدوا الرسل ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ثم قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ [يس ٢٠] هنا قال: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾، وفي أول الآية قال: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ وهذا يدل على أن القرية تُسمى مدينة، والمدينة أيضًا تُسمَّى قرية؛ فمكة سمَّاها الله تعالى قرية وهي أم القرى ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ [محمد ١٣]، فالقرية ليست هي البلد الصغير كما يظن كثيرٌ من الناس، بل القرية تكون مدينة؛ وذلك لأن أصل القرية مأخوذة من القِرَى وهو التجمع؛ فإن الناس يجتمعون فيها، فإن كانت بلدة كبيرة سُمِّيت في عرف الناس مدينة، وإن كانت دون ذلك سميت في عرف الناس قرية، والتفريق بين القرية والمدينة ما هو إلا أيش؟ اصطلاح عرفي فقط. (...) أي: تشاءموا بهم، وأن الرسل بيَّنوا أن الشؤم ملازم لهؤلاء ومعهم بسبب ذنوبهم، وسبق أيضًا أن الرسل أنكروا عليهم تكذيبَهم للرسل وتَوَعُّدَهم إياهم بالرجم، وسبق أنهم وصفوهم بأنهم قوم مسرفون أي: متجاوزون للحدِّ. قال الله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ [يس ١٨]. قوله: ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ أظن أخذنا فوائدها، وبيَّنَّا أن الرسل ليس عليهم إلا البلاغ المبين، وأنه يجب عليهم أن يبلِّغوا البلاغ البين. قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ * يستفاد منها: أن هؤلاء المكذبين تشاءموا بالرسل؛ تشاءموا بهم لأن هذه دعوى باطلة يدعيها كل مكذب للرسل، ففيها أن المكذبين للرسل يدَّعون عليهم ما لم يكن منهم تشويهًا وتنفيرًا. * ويستفاد منها أيضًا: عدوان هؤلاء المكذبين؛ حيث تَوَعَّدوا الرسل إذا لم ينتهوا عن الدعوة إلى الله بالرجم المؤدي إلى الهلاك أو بالعذاب الأليم إن لم يرجموهم، وهذا فيه غاية العدوان. * ومن فوائدها: أن الإنسان شؤمه بعمله وليس بدعوته إلى الحق؛ لقوله: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الذنوب والتكذيب للرسل يكون سببًا للمحن والبلاء؛ لقوله: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾، وهذا هو سنة الله عز وجل في جميع المكذبين للرسل أن الله تعالى يبتليهم بالعقوبات لعلهم يرجعون. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإنكار على مَنْ ذُكِّر فأعرض؛ لقوله: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾. * ومن فوائدها: جواز حذف ما عُلِم بالسياق ولا يُعَدُّ هذا نقصًا في الكلام وبلاغته؛ لأن جواب الشرط هنا محذوف للدلالة عليه، وربما يكون الحذف أبلغ. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء القوم كانوا مسرفين على أنفسهم متجاوزين للحد؛ لقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾، وسبق بيان وجه إسراف هؤلاء وتجاوزهم للحد. [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]