Tafsir Ibn Uthaymeen — فاطر 35:22 – فاطر 35:41
المحتويات
فاطر 35:22
ثم قال الله عز وجل -في الدرس الجديد-: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر ١٩]؛ يعني لا يستويان في إدراك المبصرات، ليس المعنى نفي التساوي مطلقًا؛ لأن الأعمى قد يفضل البصير في أمور أخرى، لكن لا يستويان في إدراك المرئيات أو المبصرات اللي تطابق الآية ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر ١٩]، وهذا ظاهر.
الأعمى إذا قام يمشي وأمامه حُفْرة، أو حَجَر وَقَع في الحفرة وعثر بالحجر.
والبصير بالعكس، فلا يستوي هذا وهذا.
أيهما أكمل؟ البصير، وهذا مَثَل حِسِّي يجب أن ننتقل منه إلى الْمَثَل المعنوي.
وأما قول المؤلف: (المؤمن والكافر) ففيه نظر؛ يعني كأنه يريد أن يقول: إن الأعمى هو الكافر والبصير هو المؤمن.
ولكننا نقول: لا، الآية يُراد بها نفي المساواة في الأمور الحسية الظاهرة التي لا ينكرها أحد؛ إذ إن الكافر والزنديق والمعانِد والمستكبِر لا يمكن أن يدعي تساوي الأعمى والبصير، لكن قد يدَّعي تساوي المؤمن والكافر.
قال: ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ [فاطر ٢٠].
قال: (﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ﴾ الكُفر ﴿وَلَا النُّورُ﴾ الإيمان). وهذا أيضًا فيه نظر، والظاهر أن الله سبحانه وتعالى أراد الظلمات الحسية والنور الحسي؛ لأن نفي الاستواء بين هذين أمر لا يمكن إنكاره؛ لأنه مُدْرَك بالحس.
الظلمات لا تستوي والنور، ولكن لا شك أن المراد بذلك ظلمات الكفر ونور الإيمان؛ يعني أنها إشارة إلى هذا، ولذلك جمع الظلمات وأفرد النور؛ لأن سُبل الكفر كثيرة.
وأما الإيمان فسبيله واحد، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام ١٥٣]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة ٢٥٧].
وإنما كان الكفر ظلمات؛ لأن فيه الجهل بالله عز وجل وبما يجب له.
* وفيه أيضًا: أن الإنسان يسير على غير هُدًى، ويسير في اتجاهات متعددة منحرفة، قلبه متشعب في كل وادٍ؛ ولهذا تجد الكافرين أشد الناس قلقًا وأبعدهم عن الثبات على خط مستقيم، بخلاف المؤمن؛ المؤمن مؤمن على خط مستقيم وعارف أنه يريد الوصول إلى مَنْ؟ إلى الله، فتجده يُحَوِّل جميع الأفعال إلى طريق واحد وهو الوصول إلى الله حتى أنه إذا لبس ثوبه يشعر بأنه ينال بذلك مرضاة الله، إذا أكل، أو شرب، أو نام، أو سافر، أو سكت، أو تكلم، أو أحجم، كل ذلك يرى أنه في سبيل الله، في الطريق إلى الله.
لكن الكافر مُتشعِّب؛ ولهذا كان منهجه ظلمات؛ لأنه متشعب، ما هناك هدف واحد يسعى إليه؛ أهدافه كثيرة؛ مغرور في الدنيا، مغرور في رؤسائه، مغرور في الناس، لا يهتم إلا برضاهم نسأل الله السلامة والعافية، ولا يهمه أن يرضى الله عز وجل؛ فلهذا كان مستحقًّا أن تُجعل طريق الكافر على سبيل الجمع لتشتتها وتفرقها، كذا؟
ثالثًا: قال: ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ [فاطر ٢١]، قال المؤلف: (الجنة والنار) يعني المراد بالظل عند المؤلف الجنة، والمراد بالحرور النار، ولكن -كما قلت- الظاهر أن هذا مَثَلٌ بأمر حسي لا يمكن إنكاره، لكن يُنتقل منه إلى أمر معنوي.
الظل والحرور لا يستويان، أيهما أحسن؟
* طلبة: الظل.
* الشيخ: ما فيه شك، الظل، فالظل معروف؛ هو الفيء الذي تقلَّصت عنه الشمس، هذا ظل، وإن شئت فقل: الظل هو المكان الذي ليس فيه أشعة للشمس، وإنما نقول ذلك؛ لأن الجنة ما فيها شمس، وقد قال الله تعالى فيها: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة ٣٠] مع أنه ليس فيها شمس.
وأما الحرور فالحرُور على وزن (فَعُول)، وهو الهواء الحار، وبعضهم يقول: إنه الهواء الحار في النهار، والسَّمُوم الهواء الحار في الليل.
وبعضهم يقول: كلاهما بمعنى واحد، فالحرُور والسَّمُوم هما الهواء الحار، وهذا معروف، يكون في أيام الصيف، وإذا كان معه شمس ازداد شدةً في الحرارة.
الآن عندنا الأعمى والبصير، والظلمات والنور، والظل والحرور، على كلام المؤلف نقول: هذه المنفيات الثلاثة، أو هذا النفي في المواضع الثلاثة؛ الأول يعود إلى ذات المؤمن والكافر، والثاني يعود إلى عمل المؤمن والكافر، والثالث يعود إلى مستقر المؤمن والكافر، ولَّا لا؟ فالأول نفي للذوات، والثاني نفي في الأفعال والمنهج، والثالث للمستقر والمأوى.
﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ [فاطر ١٩ - ٢١].
الرابع: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر ٢٢] (المؤمنون والكافرون). فعلى كلام المؤلف يكون في الآية تكرار؛ لأنه فسر بالأول الأعمى والبصير بالمؤمن والكافر، وهنا قال: ﴿الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر ٢٢] (المؤمنون والكافرون).
ولو أردت أن أسلك مسلكه لقلت: ﴿الْأَحْيَاءُ﴾ ذوو العلم، و﴿الْأَمْوَاتُ﴾ ذوو الجهل؛ لقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام ١٢٢]، ولأن الله تعالى جعل الوحي روحًا تحيا به القلوب والنفوس، ولكنني لا أسلك مسلكه إنما لو أردت أن أسلك مسلكه لقلت: العلماء والجهال.
﴿الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر ٢٢] العلماء والجهال، واضح؟ لأنني إذا سلكت هذا المسلك فعندي على ذلك برهان وهو قوله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا﴾ إلى آخره [الأنعام: ١٢٢]. إذا سلكت هذا المسلك سلمت الآية من التكرار، ونحن نعلم جميعًا أن من القواعد المعروفة في الكلام أنه إذا دار الأمر بين حَمْل الكلام على التأسيس أو على التوكيد وَجَب حمله على التأسيس؛ لأنه هو الأصل، الأصل في الكلام أن يكون مستقلًّا مُؤَسِّسًا لا مُؤَكِّدًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: التأسيس يعني الأصل أساس؛ يعني هذا معنى جديد غير المعنى الأول.
فإذا قال قائل مثلًا: هذه الجملة مؤكِّدة للأولى، وقال الثاني: هذه الجملة مستقلة بنفسها فإنه يُحمل على أنها مستقلة بنفسها.
* طالب: قال في الأول: الكافر والمؤمن، بعدين: الكفار والمؤمنون يعني ما يصير..؟
* الشيخ: لا، ما هو بظاهر جمع ومفرد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى.. أنا أقول: إن الأحياء والأموات يُراد به الحياة الحسية والموت الحسي، كل يعرف الفرق بين الحي والميت ولَّا لا؟ حتى الكفار يعرفون الفرق بين الحي والميت، ما يشابِه هذه المعاني المحسوسة الأربعة من المعاني المعقولة فهو مثلها ولَّا مخالف لها؟ فهو مثلها، فالذي يماثل هذه الأشياء المحسوسة من الأمور المعقولة هو مثلها.
يقول: (وزيادة (لا) في الثلاثة تأكيد) هذه الجملة أفادت أن لدينا زيادة، وأن الفائدة من هذه الزيادة التوكيد، وين الزيادة؟ ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر ١٩]، ما فيها شيء ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ [فاطر ٢٠] (...) ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر ٢١، ٢٢] كم دول؟
* طالب: خمسة.
* الشيخ: طيب ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ﴾، هذه واحدة ﴿وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ ﴿وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾، خمسة لكن جعلها المؤلف ثلاثة؛ لأن المتقابل فيها ثلاثة، شوف (الظلمات والنور) هذه (...) أن تكون واحدة، و(الظل والحرور) واحدة، و(الأحياء والأموات) واحدة.
المهم أن زيادة (لا) في المواضع كلها سواء قلنا: ثلاثة أو خمسة هي للتوكيد؛ إذ لو قيل: وما يستوي الأعمى والبصير والظلمات والنور والظل والحرور والأحياء والأموات؛ استقام الكلام، لكن يؤتى بـ(لا) الزائدة للتوكيد.
* وفيها أيضًا فائدة ثانية: وهي عدم السآمة والملل؛ لأنها لو حُذِفت لطالت المعطوفات بعضها مع بعض، فكُرِّر فيها عامل النفي ليكون أبعد عن السآمة.
فإن قلت: هل لذلك نظير في كتاب الله؟
قلنا: نعم؛ لهذا نظير في مواضع كثيرة منها ما نقرؤه في كل صلاة، وهي: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة ٧]؛ إذ لو قال: غير المغضوب عليهم والضالين؛ استقام لكن زيدت (لا) للتوكيد.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢].
﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾، قال المؤلف: (هدايته فيجيبه -أي المسمع- بالإيمان)؛ يعني أن الله تعالى يدعو إلى دار السلام كما قال في آية أخرى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس ٢٥]، دعاء الله تعالى إلى دار السلام هل يسمعه كل أحد؟ أما من حيث الإدراك الحسي فإن كل أحد يسمعه، أما من حيث الإجابة فلا؛ من الناس من يُجيب ومنهم من لا يجيب؛ ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس ٢٥] فالله تعالى يُسمِع من يشاء يعني بمعنى (...) لاتباع هؤلاء الرسل.
﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢] ﴿مَا﴾ هذه في الإعراب نقول: إنها؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، لها اسم أخص.
* طالب: حجازية.
* الشيخ: حجازية، واسمها الضمير ﴿أَنْتَ﴾، والباء في ﴿بِمُسْمِعٍ﴾ زائدة للتوكيد. ﴿بِمُسْمِعٍ﴾ خبرها منصوب بهذه الفتحة، مُقدَّرة على آخره منع من ظهورها حركة حرف الجر الزائد.
﴿مَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ﴾. وقوله: ﴿مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ﴿مَنْ﴾ هذه مفعول لـ﴿مُسْمِعٍ﴾؛ لأن ﴿مُسْمِعٍ﴾ اسم فاعل.
﴿بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾. قال المؤلف: (أي الكفار شبههم بالموتى فيجيبون) يعني ما أنت بمسمعهم.
* طالب: (فلا يجيبون).
* الشيخ: لا، عندي (فيجيبون).
* طالب آخر: عندي (فيجيبون).
* الشيخ: إي، الصواب عندي، الصحيح عندي، نعم، اللي عندي خطأ؛ لأنها إذا كانت (فيجيبون) فيجب أن تحذف النون؛ لأنه جواب النفي في قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢]، أما النسخة اللي عند الأخ وإخوانه فإنها منفصلة عما قبلها؛ أي: فهم في عدم إسماعهم لا يجيبون.
على كل حال المؤلف رحمه الله يقول: ﴿مَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢] قال: (أي الكفار)، والذي يظهر لي أن المراد به الموت حقيقة، الرسول عليه الصلاة والسلام لا يُسمع الموتى حقيقة كما قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل ٨٠]، فلو أن الرسول عليه الصلاة والسلام ذهب إلى المقبرة مقبرة الكفار وقال: يا أيها الناس، اتقوا الله واعبدوه وما أشبه ذلك، هل يسمعون هذه الموعظة فينتفعون بها؟ لا، ما يسمعونها فينتفعون بها، ولكننا نقول: ننتقل من هذا إلى أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يُسْمِع الموتى، لا يُسمِع الكفار لموت قلوبهم؛ لأن قلوبهم ميتة، ومن قلبه ميت -والعياذ بالله- فإنه لا ينتفع بما يسمع من المواعظ فكأنه لا يسمع.
ثم قال: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣]، فسر المؤلف ﴿إِنْ﴾ بـ(ما)، وهذا يدل على أن ﴿إِنْ﴾ نافية، وقد ذكرنا فيما مضى أن من علامات (إن) النافية الاستثناء بعدها، أن تتبع بـ(إلا)، يعني ما أنت إلا نذير.
قال: (منذر لهم) والنذير -كما سبق- هو الْمُعلِم إعلامًا يتضمن التخويف، فالإعلام المتضمن التخويف يسمى إنذارًا.
وقوله: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣] هل هذا الحصر حقيقي أو إضافي؟ إضافي؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام نذير وبشير ولَّا لا؟ لكن المقام هنا يقتضي أن يُذكر الإنذار فقط؛ لأنه في مقارعة الكفار، ومقارعة الكفار تحتاج إلى الإنذار أكثر مما تحتاج إلى التبشير.
وقوله: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣]، كيف يكون مقابلة بينها وبين الجملة اللي قبلها؟
كأنه يقول: أنت لا تستطيع أن تُوصل الهداية إلى قلوب الكافرين، ولكن تستطيع أن تنذرهم؛ لأن هذا هو المقام؛ مقامك إنذار، أما أن تُوصل الهداية إلى قلوب هؤلاء الكفار الذين يُشبِهون الموتى فهذا ليس إليك.
وصدق الله عز وجل فإن النبي عليه الصلاة والسلام ما استطاع أن يهدي أقرب الناس إليه، وأشفق الناس إليه، وهو عمه أبو طالب ولَّا لا؟ وشاء الله عز وجل أن يهدي أقوامًا من فارس والروم من أبعد الناس عن الرسول عليه الصلاة والسلام نسبًا ومكانًا؛ لأن الأمر بيد الله عز وجل ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية ٢١، ٢٢]. ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣].
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر ٢٤].
﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾ الإرسال بمعنى الأمر بالتبليغ، أو في قضاء الحاجة، فمثلًا تقول: أرسلتُ غلامي يُخبِر فلانًا بكذا وكذا؛ يعني أمرته بالتبليغ، أرسلت غلامي يشتري كذا وكذا، أمرته أن يشتري الحاجة لكنها منفعة؛ يعني الدفع.
وقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ [فاطر ٢٤]، هذه يحتمل أن تكون الباء للتعدية؛ أي: أننا أعطيناك حقًّا وأرسلناك به.
ويحتمل أن تكون وصفًا للرسالة؛ يعني أرسلناك رسالة حق؛ والمعنى يختلف، فعلى المعنى الثاني يكون معنى الآية أن رسالة النبي ﷺ حق، وعلى المعنى الأول يكون معناها أن الرسول ﷺ جاء بالحق، وإن كان المعنيان متلازمين لكنهما مختلفان من حيث المورد، فعلى الأول يكون مورد الوصف نفس الرسالة، وعلى الثاني يكون مورد ذلك -مورد الوصف- الْمُرْسَل به، أفهمتم الآن ولَّا لا؟
﴿أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ أي: أعطيناك حقًّا تبلغه للناس.
﴿أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ يعني أن رسالتنا إليك حق فيكون الوصف للرسالة نفسها؛ يعني: لست بكاذب بل أنت صادق هذا على جعلنا الوصف عائدًا إلى الرسالة، أما إذا جعلناه عائدًا إلى الْمُرْسَل به فالمعنى أن ما جئت به ليس بباطل بل هو صِدْق في الأخبار وعَدْل في الأحكام.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا﴾ [فاطر ٢٤]، قال المؤلف: (بالهدى) (﴿بَشِيرًا﴾ من أجاب إليه ﴿وَنَذِيرًا﴾ من لم يُجِب إليه).
﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ يعني أنك تُبَشِّر وتنذر، لكن تُبَشِّر بالخير من أجاب، وتُنذِر بالعقوبة من لم يُجِب وعصى؛ وذلك لأن الشرع يتضمن أوامر ونواهي، فمن ارتكب النواهي أو ترك الأوامر واجهناه بماذا؟ بالإنذار، ومن فَعَلَ الأوامر واجتنب النواهي واجهناه بماذا؟ بالبشارة.
﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤] ﴿إِنْ﴾ (ما) يعني نافية ﴿مِنْ أُمَّةٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ حرف جر زائد زائد، أو زائد زائدًا؟ يجوز، على أن تكون (زائدًا) حالًا من الضمير المستتر في (زائد) الأولى. المهم أنه زائد لفظًا زائد معنى.
و﴿أُمَّةٍ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ خبر.
ما من أمة، ما هي الأمة؟ هي الطائفة من الناس التي على منهج واحد طائفة على منهج واحد، ودين واحد، أو قومية واحدة، أو ما أشبه ذلك، هذه الأمة، ليست كل طائفة نسميها أمة، فمثلًا أنتم الآن ما نسميكم أمة إلا لأنكم على طريق واحد، لكن لو اجتمعت جماعة في مكان متشتتين، كل واحد له منهج؛ ما نقول: هؤلاء أمة، إلا إذا كانوا من قبيلة واحدة أو ما أشبه ذلك.
(﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا﴾ سلف ﴿فِيهَا نَذِيرٌ﴾ نبي ينذرها)؛ يعني كل الأمم أرسل الله إليهم نذيرهم، لماذا؟ لتقوم عليهم الحجة؛ لأنه إذا لم يكن للناس نذير فإن لهم حجة على ربهم، يقولون: يا ربنا، ما أرسلت إلينا رسولًا.
كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه ١٣٤]، وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥]. وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على ما في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤] من الإشكال والجواب عنها (...)
قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر ١٩].
* في هذه الآية فوائد، منها: بلاغة القرآن، حيث ينتقل بسامعه وقارئه من الأمثال الحسية إلى الأمثال المعنوية؛ ذلك لأن الأمثال الحسية لا يمتري فيها أحد، ولا يمكن لأحد أن يجادل فيها؛ لأنك إذا قلت مثلًا: هذه لمبة وهذا نور؛ ما أحد ينازع فيها، فانتقل من المحسوس إلى المعقول؛ المعنى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة البصر؛ لأن نفي الاستواء بين الأعمى والبصير معناه تفضيل مَن؟ تفضيل البصير؛ ولهذا أكثروا من دعاء الله عز وجل: اللهم مَتِّعْنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أبقيتنا.
وكذلك أيضًا نقول في ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ [فاطر ٢٠]، فإن فيها من بلاغة القرآن ما في قوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر ١٩]، وفيها الانتقال من المثل الحسي إلى المثل المعنوي.
* فيها أيضًا: تفضيل النور على الظلمة؛ لأن نفي الاستواء فيهما معناه: تفضيل النور على الظلمة.
* ومنها أيضًا: إذا انتقلنا من المثل الحسي إلى المعنوي أن طريق الهدى واحد، وطرق الضلال متفرقة؛ لقوله: ﴿الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ [فاطر ٢٠].
وذكرنا شاهدًا من القرآن على هذا وهو قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام ١٥٣]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة ٢٥٧] فيه طاغوت يجرهم إلى نوع من الكفر والفسق، نسأل الله العافية.
* ومنها أيضًا: أنه لا يستوي الظل والحرور، وهذا مَثَل حسي انتقل منه إلى المثل المعنوي وهو ظل الجنة وحر النار لا يستويان، أيهما أفضل؟ ظل الجنة، اللهم اجعلنا منهم وإياكم.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: التحذير من عمل أهل النار؛ لأن نفي الاستواء بين الظل والحرور أمر معلوم، وتأذي الإنسان بالحرور أيضًا أمر معلوم، ففيه التحذير من عمل أهل النار.
هل يؤخذ من الآية الكريمة أنه لا حرج على الإنسان أن يطلب الظل، وأن يطلب النور؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: كذا؟ معلوم؛ لأننا ما دمنا ذكرنا أن هذا النفي معناه تفضيل النور على الظلمات وتفضيل الظل على الحرور فلا حرج على الإنسان أن يطلب الأفضل بل قد يجب أحيانًا؛ ولهذا لما رأى النبي عليه الصلاة والسلام زحامًا ورجلًا قد ظُلِّل عليه بصيام رمضان في السفر ما قال: لا تُظلِّلوا عليه ولكن قال: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٤٦)، ومسلم (١١١٥ / ٩٢) من حديث جابر بن عبد الله.]].
وقوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر ٢٢] فيها أيضًا ما سبق في نظائرها. وفيها فضيلة العلم وهو كذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٩].
والعلم جهاد في سبيل الله، وإن شئت فقل على الأصح: العلم سلاح للجهاد في سبيل الله؛ لأنه قد يحمل العلم من لا ينتفع به ولا ينفع غيره، فهو سلاح لكن إذا نفعت نفسك وغيرك صرت مجاهدًا به، قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان ٥٢]، فالعلم سلاح يتوصل به الإنسان إلى الجهاد في سبيل الله.
* ومن فوائدها أيضًا؛ من فوائد قوله: ﴿الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر ٢٢]: أن فيها الحث على طلب العلم، وأنه حياة الأمة كما أنه حياة الفرد، فلا يمكن أن تحيا الأمة حياة، لا أقول: حياة بهيمية، يمكن أن تحيا حياة بهيمية بدون علم لكن لا يمكن أن تحيا حياة طيبة إلا بالعلم، وكل الناس ينشدون الحياة الطيبة لكن ما طَيِّبها؟ العلم إذا أثمر ثمرته؛ وهو الإيمان والعمل الصالح، قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل ٩٧].
يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢].
* من فوائدها: أن الله عز وجل هو الذي بيده مقاليد الأمور حتى أنت يا محمد لا تستطيع أن تُسمِع أحدًا بل الْمُسمِع هو الله.
وفيه: إثبات المشيئة لله؛ لقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾.
* وفيه: رد على القدَرِية الذين ينكرون أن يكون لأفعال العباد مشيئة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر ٢٢] ولكن هذه المشيئة الْمُطلقة هنا -وفي كل موضع جاءت مطلقة- مُقيَّدة بماذا؟ بالحكمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠].
* ومن فوائدها: أنه ينبغي للإنسان، بل يجب على الإنسان أن يلجأ إلى الله عز وجل وحده في جلب المنافع ودفع المضار؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر ٢٢]، فإذا كان الإسماع من الله فلا تسأله من غيره، لا تسأله إلا من الله؛ ولهذا ينبغي لنا دائمًا أن نكون داعين لله عز وجل ونحن نشعر بأننا مفتقرون إلى الله، وأن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يُحقِّق لنا ما نرجوه وما ندعوه به، لا تعتمد على نفسك وتنسى الله، افزع إلى الله دائمًا في الدعاء، في السجود، وبين الأذان والإقامة، وفي كل مواطن الإجابة الزمنية والمكانية والحالية؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة ١٨٦].
ثم اعلم أيضًا أن الدعاء مع كونك تطلب الحاجة من الله هو نفسه أيضًا عبادة تتقرب به أيضًا، فتكسب بهذا الدعاء تكسب فيه ثمرتين:
الثمرة الأولى: الثواب على هذه العبادة.
والثمرة الثانية: حصول المطلوب أو دفع المكروه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن رسول الله ﷺ لا يستطيع أن يُسمِع مَنْ في القبور؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢]، فلو أن الرسول ﷺ ذهب إلى أهل المقبرة ودعاهم وقال: يا أهل القبور، آمنوا بالله ورسوله، يا أهل القبور، اعملوا صالحًا. يسمعون؟ لا يسمعون.
فإن قلت: ما الجواب عما ثبت في الصحيح من أن الرسول عليه الصلاة والسلام وقف على قتلى المشركين في قليب بدر، وجعل يدعوهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: «يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَ رَبِّي حَقًّا». فقال له عمر: يا رسول الله، ما تكلم من أناس جيفوا، أو كلام من هذا المعنى، فقال: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٩٧٦)، ومسلم (٢٨٧٥ / ٧٨) من حديث أبي طلحة الأنصاري.]]. يعني أنهم يسمعون، فما هو الجواب؟
* طالب: لقول قتادة رحمه الله: «إن الله أحياهم فأسمعهم كلام النبي ﷺ تنكيلًا وتخزية لهم ثم أماتهم»[[ أخرجه البخاري (٣٩٧٦).]]، وتقول عائشة: «إن أهل القليب لا يسمعون الرسول ﷺ ولكن يخاطبهم الرسول لما يجدون من العذاب في القبر»[[أخرجه أحمد في المسند (٢٦٣٦١).]].
* الشيخ: أما ما ذكرت عن عائشة فلا شك أن كلام الرسول عليه الصلاة والسلام ينتقده؛ لأنه قال: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»، وأما ما ذُكر عن قتادة فمعنى كلامه أنه خاص بهؤلاء.
فإن قلت: ما الجواب عما ثبت في الحديث الصحيح أيضًا من «أن الميت إذا دُفِن وتولَّى عنه أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم وهم ينصرفون عنه»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٣٨)، ومسلم (٢٨٧٠ / ٧٠) من حديث أنس بن مالك.]]؟
* طالب: (...).
* الشيخ: هذا عند الدفن وأيضًا لا يلزم من سماع قرْع النعال أن يسمع الكلام والدعوة.
فلو قلت: ما الجواب عما رواه أبو داود وغيره، وصححه ابن عبد البر ووافقه أو لم يخالفه ابن القيم من أنه «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُسَلِّمُ عَلَى قَبْرٍ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ»[[ أخرجه البيهقي في الشعب (٨٨٥٧) من حديث أبي هريرة، وابن عبد البر في الاستذكار (١ / ١٨٥) من حديث ابن عباس، ولم نقف عليه عند أبي داود.]]؟
فالجواب أن يقال: هذا في حال مخصوصة دل عليها الحديث، ولا يلزم من هذا إذا سمع السلام عليه وهو دعاء له أن يرد السلام على من سَلَّم أن يسمع كل من تكلم عنده.
فإن قلت: ما الجواب عما قاله الفقهاء من أن الميت يتأذى بقول المنكر عند قبره أو فِعْل المنكر عند قبره؟
فالجواب: أن قول الواحد من الناس غير الرسول عليه الصلاة والسلام ليس بحجة وإنما يحتج له لا به.
ثم على رأيهم رحمهم الله، يحملون معنى قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢] أي: بِمُسْمع من تدعوهم إلى الإيمان والعمل الصالح فإنك لا تسمعهم سماعًا يستجيبون له، لكنه سماع يحتاج إلى (...).
وهذا هو الجواب الأخير عن قول من يقول: إن الموتى يسمعون ما يقال عندهم، وما يخاطبون به. نقول: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢] أي: سماعًا ينتفعون به ويستجيبون له، والله أعلم.
والواجب على المؤمن نحو هذه الأمور الغيبية أن يؤمن بما جاء به النص فقط والباقي يسأل، بل يجب عليه أن يقول: العِلْم عند الله، فلا يجزم بالنفي، ولا يجزم بالإثبات، نعم، له أن يجزم بالنفي ويجعل ما ثبت فيه الحديث من السماء مخصصًا؛ لأنه قال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢]، وفي الآية الأخرى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل ٨٠].
ثم قال تعالى: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣]
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن محمدًا رسول الله ﷺ ليس إلا مُبلِّغًا ومنذرًا فليس في يده جلب الهداية لأحد ولا دفْع الضرر عنه؛ لأنه قال: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣] يعني ما أنت هاديًا للناس؛ أي: هداية توفيق ورشاد، ولكنك منذر فأنت هادٍ هداية دلالة فقط.
يقول: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣].
ثم قال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤].
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ في هذا دليل على أن رسالة النبي ﷺ حق، وأنه ليس بكاذب؛ لأنه قال: ﴿أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن الرسول عليه الصلاة والسلام أهْل للرسالة إذا جعلنا ﴿بِالْحَقِّ﴾ حالًا من ﴿نَا﴾ الفاعل أي: إنا أرسلناك محقين بذلك فيكون فيه دليل على أن الرسول ﷺ أهل للرسالة، وهذا معلوم من أدلة أخرى كقوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤] لكن نريد أن نأخذها من هذه الآية.
* ومنها أيضا: أن ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام فهو حق ليس بباطل، فإذا نظرت إلى أخباره وجدتها صدقًا، وإذا نظرت إلى أحكامه وجدتها عدلًا، وهذا هو الحق؛ لأن الحق بالنسبة للخبر هو الصدق، والحق بالنسبة للحكم هو العدل.
* ومن فوائدها: أن رسالة النبي عليه الصلاة والسلام جمعت بين البشارة والإنذار؛ لقوله: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر ٢٤].
* ومن فوائدها أيضًا: أن الإنسان يجتمع فيه خصلتان متضادتان في المعنى وإن كانتا متفقتين في المراد، بشير ونذير؛ لأن المبشر هو الذي يعد الناس بالخير ويفتح لهم باب الرجاء، والمنذر هو الذي يخوفهم من (...) فبينهما من حيث المعنى تفاضل، وهما يجتمعا في عين واحدة، هل ننتقل من هذه الفائدة إلى أن الإنسان قد يجتمع فيه خصال إيمان وخصال كفر؟
* طالب: ينذر ويبشر.
* الشيخ: لا، ما هم متلازمان، ما هو متلازم إذا رأيت جيشًا مقبلًا على البلد فأنا أنذرهم ولا أبشرهم، لكن إذا رأيت أن الجيش قد انصرف فأنا أبشرهم.
وعلى كل حال المعلوم من مذهب أهل السنة والجماعة -وهو الحق- أن الإنسان قد يجتمع فيه خصال إيمان وخصال كفر فيكون مؤمنًا من وجه وكافرًا من وجه كقوله عليه الصلاة والسلام: «اثْنَتَاَن ِفي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ؛ الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، والنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ»[[أخرجه مسلم (٦٧ / ١٢١) من حديث أبي هريرة.]]. وقال النبي عليه الصلاة والسلام أيضًا: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤ / ١١٦) من حديث عبد الله بن مسعود.]]. مع أن قتاله لا يخرج من الإيمان؛ لقوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات ٩] إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات ١٠].
* فيها أيضًا من الفوائد: أن الأمر كله لله، ليس لأحد مشاركة فيه حتى أعظم الناس منزلةً لا يُشارك الله تعالى فيما يختص به؛ لقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ [فاطر ٢٤] ومعلوم أن مقام الْمُرسِل أعلى من مقام الْمُرسَل. والله أعلم (...).
وتعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر ٢٤].
الخطاب في قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ للنبي ﷺ.
والإرسال هو تحميل المرسَل شيئًا يُبَلِّغه إلى الْمُرْسَل إليهم.
والجملة كما نشاهد مُؤكَّدة بـ(إن)، وتوكيد الجملة يدل على الاهتمام بها من أجل أن يؤمن بها الإنسان إيمانًا كاملًا.
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ [فاطر ٢٤] الباء هنا إما أن تكون للتعدية، تقول: أرسلته بكذا لبيان المرسَل به، وإما أن تكون للمصاحبة.
والمؤلف رحمه الله يقول: (﴿بِالْحَقِّ﴾ بالْهُدى)، وكأنه أخذ هذا التفسير من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة ٣٣]، ولكن الصحيح في الآية أن المراد ﴿بِالْحَقِّ﴾ ضد الباطل، فيشمل الصِّدْق في الخبر والعَدْل في الأحكام؛ أي: بالصدق في الأخبار والعدل في الأحكام، وليس الْهُدى فقط بل الْهُدى والصلاح والإصلاح وغير ذلك.
أما في قوله تعالى: ﴿بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة ٣٣] فنعم ممكن أن نقول: المراد بالهدى هناك أن نقول: المراد به العلم النافع؛ لأنه ذكر الهدى وذكر الدين، فذكر العِلْم والعَمَل.
أما هنا فلا ينبغي أن نقتصر على قولنا: الحق أي الْهُدى، بل نجعله أعم من ذلك ليشمل الهدى الذي هو العلم، ويشمل دين الحق الذي هو الرشد والصلاح والإصلاح، فالرسول عليه الصلاة والسلام قد تضمنت رسالته العلوم النافعة كلها والصلاح للخلق في معاشهم ومعادهم، وما جاء به فقد تضمن الصِّدْق في الأخبار والعَدْل في الأحكام.قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر ٢٤].
﴿بَشِيرًا﴾ هذه حال بمعنى مُبَشِّر، حال من الكاف في ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾.
قال المؤلف: (﴿بَشِيرًا﴾ من أجاب إليه ﴿وَنَذِيرًا﴾ من لم يجب إليه).
والبشارة هي الإخبار بما يَسُر، وقد تستعمل في الإخبار بما يسوء كما في قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران ٢١].
وأما الإنذار فهو التخويف؛ أي: الإعلام بما يُخوِّف، والنبي عليه الصلاة والسلام كانت رسالته بشارة وإنذار؛ لأنها إما أمر يُبشَّر فاعله بما يقتضيه ذلك الأمر، وإما نهي يُخَوَّف صاحبه من ارتكابه، فالشريعة كلها بشارة ونذارة.
وقول المؤلف رحمه الله: (﴿بَشِيرًا﴾ من أجاب إليه ﴿وَنَذِيرًا﴾ من لم يُجِبْ) قد يقال: إن الأولى إبقاء الآية على عمومها؛ أي: بشيرًا لمن أجاب إليه، ونذيرًا له في نفس الوقت؛ لأن من أجاب أيضًا يحتاج إلى إنذار، فيكون البشارة والإنذار شاملة لمن أجاب ومن لم يُجِب حتى من لم يُجِب يُبَشَّر إن أجاب ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾.
ثم قال: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤] ﴿إِنْ﴾ بمعنى (ما) فهي نافية، وقد ذكرنا لها ضابطًا فيما سبق، أي ذكرنا لـ(إن) النافية ضابطًا لكنه لا يحيط بجميع مواردها وهو أنه إذا أتت بعدها (إلا) فهي نافية، مثل: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣]، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة ١١٠]، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص ٧] ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء ١٣٧]، ومنها أيضًا هذه الآية: ﴿إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤].
وقوله: ﴿مِنْ﴾ زائدة زائدة، زائدة إعرابًا، زائدة معنى.
فإن قلت: كيف تكون زائدة زائدة؟
قلنا: لأن (زاد) يستعمل لازمًا ومتعديًا فيُقال: زاد الطين بلة هذا متعدٍّ. ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة ١٢٤] هذا متعدٍّ أيضًا.
وتقول: زاد المال. هذه لازمة.
فمعنى زائدة زائدة؛ يعني زائدة هذا من الناقص الذي هو الزيادة أي..، من الناقص الذي لا يتعدى، وزائدة الثانية من المتعدي.
و﴿أُمَّةٍ﴾ مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.
﴿إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤]، قال المؤلف رحمه الله: (﴿خَلَا﴾ بمعنى سلف، ﴿فِيهَا نَذِيرٌ﴾ أي: نبي ينذرها).
والأمة هنا بمعنى الطائفة، وتأتي في القرآن على أربعة أوجه:
تكون بمعنى الطائفة كما هنا، وتكون بمعنى الزمن، مثالها: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف ٤٥]، وتكون بمعنى الدِّين والْمِلَّة ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون ٥٢]، وتكون بمعنى الإمام في ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ [النحل ١٢٠].
ما من أمة ﴿إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤] أي سلف ومضى نذير ينذرها، وذلك لتقوم الحجة على العباد؛ لأن العقول مهما بلغت لا يمكن أن تعرف ما يجب لله عز وجل من الحقوق كما لا يمكن أن تعرف ما يجب له من الأسماء والصفات على سبيل التفصيل، وإن كان العقل يدرك أن الإنسان لا بد أن يعبد خالقه، ويدرك أن الخالق لا بد أن يكون متصفًا بصفات الكمال، لكن على سبيل الإجمال لا على سبيل التفصيل، فمن أجل ذلك أرسل الله الرسل لتقوم الحجة على العباد، فما من أمة إلا خلا فيها نذير.
قد تكون الأنبياء في وقتٍ واحد في أمكنة متعددة، وقد يكون الأنبياء في وقت واحد في مكان واحد، أما أن يُوجَد مكان واحد لم يكن فيه نبي فهذا لا يمكن، لا بد أن تكون جميع الأمم قد بعث إليها الرسل، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل ٣٦] بعثنا في كل أمة.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة عدة فوائد:
* منها: ثبوت رسالة النبي ﷺ على وجه مؤكد لا مِرية فيه من قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ [فاطر ٢٤].
* ومنها: فضيلة النبي ﷺ لكونه رسول رب العالمين فإن الرسالة مقام عظيم لا ينالها إلا من هو أهل لها، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، ويقول الله عز وجل: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة ٢٥٣]، وهم -أي الرسل- مفضلون على من سواهم من الخلق، ففي الآية فضيلة ومنقبة لرسول الله ﷺ.
* ومنها: بيان ما يشتمل عليه دين الرسول عليه الصلاة والسلام من الحق الذي ضده الباطل، والباطل إن كان في الأخبار فهو الكذب، وإن كان في الأحكام فهو الجور والظلم، وعليه فرسالة النبي ﷺ متضمنة للحق في الأخبار وبالأحكام.
ففيه بيان أيضًا فضيلة هذه الشريعة الإسلامية التي جاء بها النبي ﷺ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل ما كان حقًّا فإن الشريعة جاءت به، سواء نصَّت عليه بمعناه الخاص أو بالمعنى العام، ومن ثم أثبت بعض الفقهاء، أو بعض الأصوليين ما يُسمَّى بالمصالح المرسَلة، وجعلوها دليلًا مستقلًّا، والصواب أنها ليست دليلًا مستقلًّا؛ لأن هذه المصالح إن شهد الشرع لها فهي من الشرع، ولا حاجة إلى أن نجعلها دليلًا مستقلًّا، وإن لم يشهد لها فليست بمصلحة، وصاحبها الذي زعمها مصلحة يعتبر واهمًا.
فكوننا نثبت دليلًا خامسًا نسميه المصالح المرسلة؛ هذا خطأ، لماذا؟ لما قلت لكم الآن؛ وهو أن هذه المصلحة إن شهد لها الشرع فهي من الشرع دَلَّ عليها الكتاب والسنة، وإن لم يشهد لها فليست بمصلحة، فلا تُعتبر.
ولذلك أيضًا زعم بعضهم إحداث دليل سادس وهو استصحاب الحال بمعنى أن الأمر يبقى على ما كان عليه حتى يتبين ارتفاعه وانتفاؤه، هذا أيضًا ليس بصواب؛ يعني لا يصح أن نجعله دليلًا مستقلًّا، لماذا؟ لأنه قد دلَّت عليه السُّنَّة فقد شُكِي إلى الرسول عليه الصلاة والسلام الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٧)، ومسلم (٣٦١ / ٩٨) من حديث عبد الله بن زيد.]].
إذن نبني على بقاء الأصل، واستصحاب الحال، وحينئذٍ لا يحتاج أن نجعل هذا دليلًا مستقلًّا، وإنما جعل بعض العلماء هذين الدليلين مستقلين؛ لأن الإنسان ينقدح في ذهنه أن هذا شيء منفصل عن دلالة الكتاب والسنة فيذهب ويجعله دليلًا مُستقلًّا، وإلا فلو تأمل لوجد أن ذلك موجود في الكتاب والسُّنَّة، وأنه لا حاجة إلى أن نثبته دليلًا مستقلًّا.
ولقد تجرأ بعض المتأخرين على الدليل الأول وهو المصالح المرسَلة حتى أدخل فيه ما شهد الشرع ببطلانه.
ومن ذلك: قولهم بإجازة الربا البنكي، وأنه يجوز بِناءً على ما توهموه من المصالح المرسَلة.
وقالوا: إن اقتصاديات العالم في العصر الحاضر لا تتم إلا باستعمال هذه الطريقة، فالألفاظ والأساليب إذا جاءت على غير ما جاء في الكتاب والسُّنة يحصل بها مفسدة فهنا أدخلوا شيئًا شهد الشرع ببطلانه، وإذا شهد الشرع ببطلانه فإننا نشهد أنه ليس فيه مصلحة، وأن المصلحة الموهومة منه يخلفها مفاسد كثيرة.
فلهذا نحن نرى ألا..
فلنجعل دليلًا مستقلًّا وإلا فليس من الشرع، وليس فيه مصلحة، والمصالح الموهومة فيه إذا كانت مخالفة للشرع لا بد أن يخلفها مفاسد كثيرة.
* من فوائد الآية الكريمة: أن رسالة النبي عليه الصلاة والسلام تتضمن من حيث الجزاء أمرين: هما البشارة والإنذار، البشارة لمن أطاع، والإنذار لمن خالف سواء كانت تلك الطاعة عامة أو في بعض الأشياء، وكذلك نقول في المخالفة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن مآل الناس إما إلى جنة، وإما إلى نار وليس ثمة دار ثالثة؛ لأن البشارة بالجنة، والإنذار بالنار، وليس هناك دار ثالثة يصل الناس إليها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الترغيب في طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر ٢٤]، والتخويف من مخالفته؛ لقوله: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: لطف الله تعالى بعباده بإرسال الرسل إلى جميع الخلق ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤]، وقد بَيَّن الله سبحانه وتعالى ذلك في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٧]؛ يعني إلا لنرحم بك العالمين، وليس الرسول نفسه هو الرحمة، ولكنه أرسل لرحمة الخلق؛ ليرحم الله الخلق برسالته.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: بطلان الاحتجاج بالقدَر على معصية الله؛ لقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾. ولو كان الاحتجاج بالقدَر على المعاصي والمخالفات، لو كان ثابتًا لم يرتفع بإرسال الرسل؛ لأن القدَر لا يرتفع بإرسال الرسل، فالرسل أرسلهم الله تعالى إقامةً للحجة على الخلق ورحمةً بهم أيضًا، لهذا ولهذا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن النبي ﷺ ليس ببِدْع من الرسل حتى تُنكَر رسالته، ويقال: كيف جاء هذا الرجل برسالة من عند الله؟ ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾، ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف ٩].
* ومن فوائد الآية الكريمة: قصور العقول عن معرفة ما يجب لله تعالى؛ لأنها لو استقلت بذلك ما احتاجت إلى إرسال الرسل.
* ومنها أيضًا: بطلان ما ذهب إليه المتكلمون من أهل البدع الذين بنوا عقيدتهم على ما يقتضيه العقل وقالوا: ما اقتضى العقل إثباته لله أثبتناه سواء كان مذكورًا في الكتاب والسنة أم لم يُذكر، وما نفاه العقل وجب علينا نفيه، وإن ذُكِر في الكتاب والسنة، وما لم يدل العقل على نفيه وإثباته فإننا نتوقف فيه، وأكثرهم قالوا: ننفيه؛ لأنه لا بد من دلالة العقل على إثباته، فإذا لم يدل على إثباته وجب نفيه؛ لعدم وجود الدليل، ويش تقول في هذه الفائدة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: وإثباته، وما لا يقتضي إثباته ولا نفيه؟
* الطالب: يتوقفون وأكثرهم (...).
* الشيخ: تؤخذ من قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾. ووجه ذلك أنه لو كانت العقول هي المرجع ما احتيج إلى إرسال الرسل.
فاطر 35:23
ثم قال الله عز وجل -في الدرس الجديد-: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر ١٩]؛ يعني لا يستويان في إدراك المبصرات، ليس المعنى نفي التساوي مطلقًا؛ لأن الأعمى قد يفضل البصير في أمور أخرى، لكن لا يستويان في إدراك المرئيات أو المبصرات اللي تطابق الآية ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر ١٩]، وهذا ظاهر.
الأعمى إذا قام يمشي وأمامه حُفْرة، أو حَجَر وَقَع في الحفرة وعثر بالحجر.
والبصير بالعكس، فلا يستوي هذا وهذا.
أيهما أكمل؟ البصير، وهذا مَثَل حِسِّي يجب أن ننتقل منه إلى الْمَثَل المعنوي.
وأما قول المؤلف: (المؤمن والكافر) ففيه نظر؛ يعني كأنه يريد أن يقول: إن الأعمى هو الكافر والبصير هو المؤمن.
ولكننا نقول: لا، الآية يُراد بها نفي المساواة في الأمور الحسية الظاهرة التي لا ينكرها أحد؛ إذ إن الكافر والزنديق والمعانِد والمستكبِر لا يمكن أن يدعي تساوي الأعمى والبصير، لكن قد يدَّعي تساوي المؤمن والكافر.
قال: ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ [فاطر ٢٠].
قال: (﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ﴾ الكُفر ﴿وَلَا النُّورُ﴾ الإيمان). وهذا أيضًا فيه نظر، والظاهر أن الله سبحانه وتعالى أراد الظلمات الحسية والنور الحسي؛ لأن نفي الاستواء بين هذين أمر لا يمكن إنكاره؛ لأنه مُدْرَك بالحس.
الظلمات لا تستوي والنور، ولكن لا شك أن المراد بذلك ظلمات الكفر ونور الإيمان؛ يعني أنها إشارة إلى هذا، ولذلك جمع الظلمات وأفرد النور؛ لأن سُبل الكفر كثيرة.
وأما الإيمان فسبيله واحد، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام ١٥٣]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة ٢٥٧].
وإنما كان الكفر ظلمات؛ لأن فيه الجهل بالله عز وجل وبما يجب له.
* وفيه أيضًا: أن الإنسان يسير على غير هُدًى، ويسير في اتجاهات متعددة منحرفة، قلبه متشعب في كل وادٍ؛ ولهذا تجد الكافرين أشد الناس قلقًا وأبعدهم عن الثبات على خط مستقيم، بخلاف المؤمن؛ المؤمن مؤمن على خط مستقيم وعارف أنه يريد الوصول إلى مَنْ؟ إلى الله، فتجده يُحَوِّل جميع الأفعال إلى طريق واحد وهو الوصول إلى الله حتى أنه إذا لبس ثوبه يشعر بأنه ينال بذلك مرضاة الله، إذا أكل، أو شرب، أو نام، أو سافر، أو سكت، أو تكلم، أو أحجم، كل ذلك يرى أنه في سبيل الله، في الطريق إلى الله.
لكن الكافر مُتشعِّب؛ ولهذا كان منهجه ظلمات؛ لأنه متشعب، ما هناك هدف واحد يسعى إليه؛ أهدافه كثيرة؛ مغرور في الدنيا، مغرور في رؤسائه، مغرور في الناس، لا يهتم إلا برضاهم نسأل الله السلامة والعافية، ولا يهمه أن يرضى الله عز وجل؛ فلهذا كان مستحقًّا أن تُجعل طريق الكافر على سبيل الجمع لتشتتها وتفرقها، كذا؟
ثالثًا: قال: ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ [فاطر ٢١]، قال المؤلف: (الجنة والنار) يعني المراد بالظل عند المؤلف الجنة، والمراد بالحرور النار، ولكن -كما قلت- الظاهر أن هذا مَثَلٌ بأمر حسي لا يمكن إنكاره، لكن يُنتقل منه إلى أمر معنوي.
الظل والحرور لا يستويان، أيهما أحسن؟
* طلبة: الظل.
* الشيخ: ما فيه شك، الظل، فالظل معروف؛ هو الفيء الذي تقلَّصت عنه الشمس، هذا ظل، وإن شئت فقل: الظل هو المكان الذي ليس فيه أشعة للشمس، وإنما نقول ذلك؛ لأن الجنة ما فيها شمس، وقد قال الله تعالى فيها: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة ٣٠] مع أنه ليس فيها شمس.
وأما الحرور فالحرُور على وزن (فَعُول)، وهو الهواء الحار، وبعضهم يقول: إنه الهواء الحار في النهار، والسَّمُوم الهواء الحار في الليل.
وبعضهم يقول: كلاهما بمعنى واحد، فالحرُور والسَّمُوم هما الهواء الحار، وهذا معروف، يكون في أيام الصيف، وإذا كان معه شمس ازداد شدةً في الحرارة.
الآن عندنا الأعمى والبصير، والظلمات والنور، والظل والحرور، على كلام المؤلف نقول: هذه المنفيات الثلاثة، أو هذا النفي في المواضع الثلاثة؛ الأول يعود إلى ذات المؤمن والكافر، والثاني يعود إلى عمل المؤمن والكافر، والثالث يعود إلى مستقر المؤمن والكافر، ولَّا لا؟ فالأول نفي للذوات، والثاني نفي في الأفعال والمنهج، والثالث للمستقر والمأوى.
﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ [فاطر ١٩ - ٢١].
الرابع: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر ٢٢] (المؤمنون والكافرون). فعلى كلام المؤلف يكون في الآية تكرار؛ لأنه فسر بالأول الأعمى والبصير بالمؤمن والكافر، وهنا قال: ﴿الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر ٢٢] (المؤمنون والكافرون).
ولو أردت أن أسلك مسلكه لقلت: ﴿الْأَحْيَاءُ﴾ ذوو العلم، و﴿الْأَمْوَاتُ﴾ ذوو الجهل؛ لقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام ١٢٢]، ولأن الله تعالى جعل الوحي روحًا تحيا به القلوب والنفوس، ولكنني لا أسلك مسلكه إنما لو أردت أن أسلك مسلكه لقلت: العلماء والجهال.
﴿الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر ٢٢] العلماء والجهال، واضح؟ لأنني إذا سلكت هذا المسلك فعندي على ذلك برهان وهو قوله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا﴾ إلى آخره [الأنعام: ١٢٢]. إذا سلكت هذا المسلك سلمت الآية من التكرار، ونحن نعلم جميعًا أن من القواعد المعروفة في الكلام أنه إذا دار الأمر بين حَمْل الكلام على التأسيس أو على التوكيد وَجَب حمله على التأسيس؛ لأنه هو الأصل، الأصل في الكلام أن يكون مستقلًّا مُؤَسِّسًا لا مُؤَكِّدًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: التأسيس يعني الأصل أساس؛ يعني هذا معنى جديد غير المعنى الأول.
فإذا قال قائل مثلًا: هذه الجملة مؤكِّدة للأولى، وقال الثاني: هذه الجملة مستقلة بنفسها فإنه يُحمل على أنها مستقلة بنفسها.
* طالب: قال في الأول: الكافر والمؤمن، بعدين: الكفار والمؤمنون يعني ما يصير..؟
* الشيخ: لا، ما هو بظاهر جمع ومفرد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى.. أنا أقول: إن الأحياء والأموات يُراد به الحياة الحسية والموت الحسي، كل يعرف الفرق بين الحي والميت ولَّا لا؟ حتى الكفار يعرفون الفرق بين الحي والميت، ما يشابِه هذه المعاني المحسوسة الأربعة من المعاني المعقولة فهو مثلها ولَّا مخالف لها؟ فهو مثلها، فالذي يماثل هذه الأشياء المحسوسة من الأمور المعقولة هو مثلها.
يقول: (وزيادة (لا) في الثلاثة تأكيد) هذه الجملة أفادت أن لدينا زيادة، وأن الفائدة من هذه الزيادة التوكيد، وين الزيادة؟ ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر ١٩]، ما فيها شيء ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ [فاطر ٢٠] (...) ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر ٢١، ٢٢] كم دول؟
* طالب: خمسة.
* الشيخ: طيب ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ﴾، هذه واحدة ﴿وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ ﴿وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾، خمسة لكن جعلها المؤلف ثلاثة؛ لأن المتقابل فيها ثلاثة، شوف (الظلمات والنور) هذه (...) أن تكون واحدة، و(الظل والحرور) واحدة، و(الأحياء والأموات) واحدة.
المهم أن زيادة (لا) في المواضع كلها سواء قلنا: ثلاثة أو خمسة هي للتوكيد؛ إذ لو قيل: وما يستوي الأعمى والبصير والظلمات والنور والظل والحرور والأحياء والأموات؛ استقام الكلام، لكن يؤتى بـ(لا) الزائدة للتوكيد.
* وفيها أيضًا فائدة ثانية: وهي عدم السآمة والملل؛ لأنها لو حُذِفت لطالت المعطوفات بعضها مع بعض، فكُرِّر فيها عامل النفي ليكون أبعد عن السآمة.
فإن قلت: هل لذلك نظير في كتاب الله؟
قلنا: نعم؛ لهذا نظير في مواضع كثيرة منها ما نقرؤه في كل صلاة، وهي: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة ٧]؛ إذ لو قال: غير المغضوب عليهم والضالين؛ استقام لكن زيدت (لا) للتوكيد.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢].
﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾، قال المؤلف: (هدايته فيجيبه -أي المسمع- بالإيمان)؛ يعني أن الله تعالى يدعو إلى دار السلام كما قال في آية أخرى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس ٢٥]، دعاء الله تعالى إلى دار السلام هل يسمعه كل أحد؟ أما من حيث الإدراك الحسي فإن كل أحد يسمعه، أما من حيث الإجابة فلا؛ من الناس من يُجيب ومنهم من لا يجيب؛ ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس ٢٥] فالله تعالى يُسمِع من يشاء يعني بمعنى (...) لاتباع هؤلاء الرسل.
﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢] ﴿مَا﴾ هذه في الإعراب نقول: إنها؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، لها اسم أخص.
* طالب: حجازية.
* الشيخ: حجازية، واسمها الضمير ﴿أَنْتَ﴾، والباء في ﴿بِمُسْمِعٍ﴾ زائدة للتوكيد. ﴿بِمُسْمِعٍ﴾ خبرها منصوب بهذه الفتحة، مُقدَّرة على آخره منع من ظهورها حركة حرف الجر الزائد.
﴿مَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ﴾. وقوله: ﴿مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ﴿مَنْ﴾ هذه مفعول لـ﴿مُسْمِعٍ﴾؛ لأن ﴿مُسْمِعٍ﴾ اسم فاعل.
﴿بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾. قال المؤلف: (أي الكفار شبههم بالموتى فيجيبون) يعني ما أنت بمسمعهم.
* طالب: (فلا يجيبون).
* الشيخ: لا، عندي (فيجيبون).
* طالب آخر: عندي (فيجيبون).
* الشيخ: إي، الصواب عندي، الصحيح عندي، نعم، اللي عندي خطأ؛ لأنها إذا كانت (فيجيبون) فيجب أن تحذف النون؛ لأنه جواب النفي في قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢]، أما النسخة اللي عند الأخ وإخوانه فإنها منفصلة عما قبلها؛ أي: فهم في عدم إسماعهم لا يجيبون.
على كل حال المؤلف رحمه الله يقول: ﴿مَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢] قال: (أي الكفار)، والذي يظهر لي أن المراد به الموت حقيقة، الرسول عليه الصلاة والسلام لا يُسمع الموتى حقيقة كما قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل ٨٠]، فلو أن الرسول عليه الصلاة والسلام ذهب إلى المقبرة مقبرة الكفار وقال: يا أيها الناس، اتقوا الله واعبدوه وما أشبه ذلك، هل يسمعون هذه الموعظة فينتفعون بها؟ لا، ما يسمعونها فينتفعون بها، ولكننا نقول: ننتقل من هذا إلى أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يُسْمِع الموتى، لا يُسمِع الكفار لموت قلوبهم؛ لأن قلوبهم ميتة، ومن قلبه ميت -والعياذ بالله- فإنه لا ينتفع بما يسمع من المواعظ فكأنه لا يسمع.
ثم قال: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣]، فسر المؤلف ﴿إِنْ﴾ بـ(ما)، وهذا يدل على أن ﴿إِنْ﴾ نافية، وقد ذكرنا فيما مضى أن من علامات (إن) النافية الاستثناء بعدها، أن تتبع بـ(إلا)، يعني ما أنت إلا نذير.
قال: (منذر لهم) والنذير -كما سبق- هو الْمُعلِم إعلامًا يتضمن التخويف، فالإعلام المتضمن التخويف يسمى إنذارًا.
وقوله: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣] هل هذا الحصر حقيقي أو إضافي؟ إضافي؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام نذير وبشير ولَّا لا؟ لكن المقام هنا يقتضي أن يُذكر الإنذار فقط؛ لأنه في مقارعة الكفار، ومقارعة الكفار تحتاج إلى الإنذار أكثر مما تحتاج إلى التبشير.
وقوله: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣]، كيف يكون مقابلة بينها وبين الجملة اللي قبلها؟
كأنه يقول: أنت لا تستطيع أن تُوصل الهداية إلى قلوب الكافرين، ولكن تستطيع أن تنذرهم؛ لأن هذا هو المقام؛ مقامك إنذار، أما أن تُوصل الهداية إلى قلوب هؤلاء الكفار الذين يُشبِهون الموتى فهذا ليس إليك.
وصدق الله عز وجل فإن النبي عليه الصلاة والسلام ما استطاع أن يهدي أقرب الناس إليه، وأشفق الناس إليه، وهو عمه أبو طالب ولَّا لا؟ وشاء الله عز وجل أن يهدي أقوامًا من فارس والروم من أبعد الناس عن الرسول عليه الصلاة والسلام نسبًا ومكانًا؛ لأن الأمر بيد الله عز وجل ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية ٢١، ٢٢]. ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣].
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر ٢٤].
﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾ الإرسال بمعنى الأمر بالتبليغ، أو في قضاء الحاجة، فمثلًا تقول: أرسلتُ غلامي يُخبِر فلانًا بكذا وكذا؛ يعني أمرته بالتبليغ، أرسلت غلامي يشتري كذا وكذا، أمرته أن يشتري الحاجة لكنها منفعة؛ يعني الدفع.
وقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ [فاطر ٢٤]، هذه يحتمل أن تكون الباء للتعدية؛ أي: أننا أعطيناك حقًّا وأرسلناك به.
ويحتمل أن تكون وصفًا للرسالة؛ يعني أرسلناك رسالة حق؛ والمعنى يختلف، فعلى المعنى الثاني يكون معنى الآية أن رسالة النبي ﷺ حق، وعلى المعنى الأول يكون معناها أن الرسول ﷺ جاء بالحق، وإن كان المعنيان متلازمين لكنهما مختلفان من حيث المورد، فعلى الأول يكون مورد الوصف نفس الرسالة، وعلى الثاني يكون مورد ذلك -مورد الوصف- الْمُرْسَل به، أفهمتم الآن ولَّا لا؟
﴿أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ أي: أعطيناك حقًّا تبلغه للناس.
﴿أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ يعني أن رسالتنا إليك حق فيكون الوصف للرسالة نفسها؛ يعني: لست بكاذب بل أنت صادق هذا على جعلنا الوصف عائدًا إلى الرسالة، أما إذا جعلناه عائدًا إلى الْمُرْسَل به فالمعنى أن ما جئت به ليس بباطل بل هو صِدْق في الأخبار وعَدْل في الأحكام.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا﴾ [فاطر ٢٤]، قال المؤلف: (بالهدى) (﴿بَشِيرًا﴾ من أجاب إليه ﴿وَنَذِيرًا﴾ من لم يُجِب إليه).
﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ يعني أنك تُبَشِّر وتنذر، لكن تُبَشِّر بالخير من أجاب، وتُنذِر بالعقوبة من لم يُجِب وعصى؛ وذلك لأن الشرع يتضمن أوامر ونواهي، فمن ارتكب النواهي أو ترك الأوامر واجهناه بماذا؟ بالإنذار، ومن فَعَلَ الأوامر واجتنب النواهي واجهناه بماذا؟ بالبشارة.
﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤] ﴿إِنْ﴾ (ما) يعني نافية ﴿مِنْ أُمَّةٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ حرف جر زائد زائد، أو زائد زائدًا؟ يجوز، على أن تكون (زائدًا) حالًا من الضمير المستتر في (زائد) الأولى. المهم أنه زائد لفظًا زائد معنى.
و﴿أُمَّةٍ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ خبر.
ما من أمة، ما هي الأمة؟ هي الطائفة من الناس التي على منهج واحد طائفة على منهج واحد، ودين واحد، أو قومية واحدة، أو ما أشبه ذلك، هذه الأمة، ليست كل طائفة نسميها أمة، فمثلًا أنتم الآن ما نسميكم أمة إلا لأنكم على طريق واحد، لكن لو اجتمعت جماعة في مكان متشتتين، كل واحد له منهج؛ ما نقول: هؤلاء أمة، إلا إذا كانوا من قبيلة واحدة أو ما أشبه ذلك.
(﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا﴾ سلف ﴿فِيهَا نَذِيرٌ﴾ نبي ينذرها)؛ يعني كل الأمم أرسل الله إليهم نذيرهم، لماذا؟ لتقوم عليهم الحجة؛ لأنه إذا لم يكن للناس نذير فإن لهم حجة على ربهم، يقولون: يا ربنا، ما أرسلت إلينا رسولًا.
كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه ١٣٤]، وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥]. وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على ما في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤] من الإشكال والجواب عنها (...)
قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر ١٩].
* في هذه الآية فوائد، منها: بلاغة القرآن، حيث ينتقل بسامعه وقارئه من الأمثال الحسية إلى الأمثال المعنوية؛ ذلك لأن الأمثال الحسية لا يمتري فيها أحد، ولا يمكن لأحد أن يجادل فيها؛ لأنك إذا قلت مثلًا: هذه لمبة وهذا نور؛ ما أحد ينازع فيها، فانتقل من المحسوس إلى المعقول؛ المعنى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة البصر؛ لأن نفي الاستواء بين الأعمى والبصير معناه تفضيل مَن؟ تفضيل البصير؛ ولهذا أكثروا من دعاء الله عز وجل: اللهم مَتِّعْنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أبقيتنا.
وكذلك أيضًا نقول في ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ [فاطر ٢٠]، فإن فيها من بلاغة القرآن ما في قوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر ١٩]، وفيها الانتقال من المثل الحسي إلى المثل المعنوي.
* فيها أيضًا: تفضيل النور على الظلمة؛ لأن نفي الاستواء فيهما معناه: تفضيل النور على الظلمة.
* ومنها أيضًا: إذا انتقلنا من المثل الحسي إلى المعنوي أن طريق الهدى واحد، وطرق الضلال متفرقة؛ لقوله: ﴿الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ [فاطر ٢٠].
وذكرنا شاهدًا من القرآن على هذا وهو قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام ١٥٣]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة ٢٥٧] فيه طاغوت يجرهم إلى نوع من الكفر والفسق، نسأل الله العافية.
* ومنها أيضًا: أنه لا يستوي الظل والحرور، وهذا مَثَل حسي انتقل منه إلى المثل المعنوي وهو ظل الجنة وحر النار لا يستويان، أيهما أفضل؟ ظل الجنة، اللهم اجعلنا منهم وإياكم.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: التحذير من عمل أهل النار؛ لأن نفي الاستواء بين الظل والحرور أمر معلوم، وتأذي الإنسان بالحرور أيضًا أمر معلوم، ففيه التحذير من عمل أهل النار.
هل يؤخذ من الآية الكريمة أنه لا حرج على الإنسان أن يطلب الظل، وأن يطلب النور؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: كذا؟ معلوم؛ لأننا ما دمنا ذكرنا أن هذا النفي معناه تفضيل النور على الظلمات وتفضيل الظل على الحرور فلا حرج على الإنسان أن يطلب الأفضل بل قد يجب أحيانًا؛ ولهذا لما رأى النبي عليه الصلاة والسلام زحامًا ورجلًا قد ظُلِّل عليه بصيام رمضان في السفر ما قال: لا تُظلِّلوا عليه ولكن قال: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٤٦)، ومسلم (١١١٥ / ٩٢) من حديث جابر بن عبد الله.]].
وقوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر ٢٢] فيها أيضًا ما سبق في نظائرها. وفيها فضيلة العلم وهو كذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٩].
والعلم جهاد في سبيل الله، وإن شئت فقل على الأصح: العلم سلاح للجهاد في سبيل الله؛ لأنه قد يحمل العلم من لا ينتفع به ولا ينفع غيره، فهو سلاح لكن إذا نفعت نفسك وغيرك صرت مجاهدًا به، قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان ٥٢]، فالعلم سلاح يتوصل به الإنسان إلى الجهاد في سبيل الله.
* ومن فوائدها أيضًا؛ من فوائد قوله: ﴿الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر ٢٢]: أن فيها الحث على طلب العلم، وأنه حياة الأمة كما أنه حياة الفرد، فلا يمكن أن تحيا الأمة حياة، لا أقول: حياة بهيمية، يمكن أن تحيا حياة بهيمية بدون علم لكن لا يمكن أن تحيا حياة طيبة إلا بالعلم، وكل الناس ينشدون الحياة الطيبة لكن ما طَيِّبها؟ العلم إذا أثمر ثمرته؛ وهو الإيمان والعمل الصالح، قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل ٩٧].
يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢].
* من فوائدها: أن الله عز وجل هو الذي بيده مقاليد الأمور حتى أنت يا محمد لا تستطيع أن تُسمِع أحدًا بل الْمُسمِع هو الله.
وفيه: إثبات المشيئة لله؛ لقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾.
* وفيه: رد على القدَرِية الذين ينكرون أن يكون لأفعال العباد مشيئة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر ٢٢] ولكن هذه المشيئة الْمُطلقة هنا -وفي كل موضع جاءت مطلقة- مُقيَّدة بماذا؟ بالحكمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠].
* ومن فوائدها: أنه ينبغي للإنسان، بل يجب على الإنسان أن يلجأ إلى الله عز وجل وحده في جلب المنافع ودفع المضار؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر ٢٢]، فإذا كان الإسماع من الله فلا تسأله من غيره، لا تسأله إلا من الله؛ ولهذا ينبغي لنا دائمًا أن نكون داعين لله عز وجل ونحن نشعر بأننا مفتقرون إلى الله، وأن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يُحقِّق لنا ما نرجوه وما ندعوه به، لا تعتمد على نفسك وتنسى الله، افزع إلى الله دائمًا في الدعاء، في السجود، وبين الأذان والإقامة، وفي كل مواطن الإجابة الزمنية والمكانية والحالية؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة ١٨٦].
ثم اعلم أيضًا أن الدعاء مع كونك تطلب الحاجة من الله هو نفسه أيضًا عبادة تتقرب به أيضًا، فتكسب بهذا الدعاء تكسب فيه ثمرتين:
الثمرة الأولى: الثواب على هذه العبادة.
والثمرة الثانية: حصول المطلوب أو دفع المكروه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن رسول الله ﷺ لا يستطيع أن يُسمِع مَنْ في القبور؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢]، فلو أن الرسول ﷺ ذهب إلى أهل المقبرة ودعاهم وقال: يا أهل القبور، آمنوا بالله ورسوله، يا أهل القبور، اعملوا صالحًا. يسمعون؟ لا يسمعون.
فإن قلت: ما الجواب عما ثبت في الصحيح من أن الرسول عليه الصلاة والسلام وقف على قتلى المشركين في قليب بدر، وجعل يدعوهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: «يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَ رَبِّي حَقًّا». فقال له عمر: يا رسول الله، ما تكلم من أناس جيفوا، أو كلام من هذا المعنى، فقال: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٩٧٦)، ومسلم (٢٨٧٥ / ٧٨) من حديث أبي طلحة الأنصاري.]]. يعني أنهم يسمعون، فما هو الجواب؟
* طالب: لقول قتادة رحمه الله: «إن الله أحياهم فأسمعهم كلام النبي ﷺ تنكيلًا وتخزية لهم ثم أماتهم»[[ أخرجه البخاري (٣٩٧٦).]]، وتقول عائشة: «إن أهل القليب لا يسمعون الرسول ﷺ ولكن يخاطبهم الرسول لما يجدون من العذاب في القبر»[[أخرجه أحمد في المسند (٢٦٣٦١).]].
* الشيخ: أما ما ذكرت عن عائشة فلا شك أن كلام الرسول عليه الصلاة والسلام ينتقده؛ لأنه قال: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»، وأما ما ذُكر عن قتادة فمعنى كلامه أنه خاص بهؤلاء.
فإن قلت: ما الجواب عما ثبت في الحديث الصحيح أيضًا من «أن الميت إذا دُفِن وتولَّى عنه أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم وهم ينصرفون عنه»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٣٨)، ومسلم (٢٨٧٠ / ٧٠) من حديث أنس بن مالك.]]؟
* طالب: (...).
* الشيخ: هذا عند الدفن وأيضًا لا يلزم من سماع قرْع النعال أن يسمع الكلام والدعوة.
فلو قلت: ما الجواب عما رواه أبو داود وغيره، وصححه ابن عبد البر ووافقه أو لم يخالفه ابن القيم من أنه «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُسَلِّمُ عَلَى قَبْرٍ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ»[[ أخرجه البيهقي في الشعب (٨٨٥٧) من حديث أبي هريرة، وابن عبد البر في الاستذكار (١ / ١٨٥) من حديث ابن عباس، ولم نقف عليه عند أبي داود.]]؟
فالجواب أن يقال: هذا في حال مخصوصة دل عليها الحديث، ولا يلزم من هذا إذا سمع السلام عليه وهو دعاء له أن يرد السلام على من سَلَّم أن يسمع كل من تكلم عنده.
فإن قلت: ما الجواب عما قاله الفقهاء من أن الميت يتأذى بقول المنكر عند قبره أو فِعْل المنكر عند قبره؟
فالجواب: أن قول الواحد من الناس غير الرسول عليه الصلاة والسلام ليس بحجة وإنما يحتج له لا به.
ثم على رأيهم رحمهم الله، يحملون معنى قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢] أي: بِمُسْمع من تدعوهم إلى الإيمان والعمل الصالح فإنك لا تسمعهم سماعًا يستجيبون له، لكنه سماع يحتاج إلى (...).
وهذا هو الجواب الأخير عن قول من يقول: إن الموتى يسمعون ما يقال عندهم، وما يخاطبون به. نقول: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢] أي: سماعًا ينتفعون به ويستجيبون له، والله أعلم.
والواجب على المؤمن نحو هذه الأمور الغيبية أن يؤمن بما جاء به النص فقط والباقي يسأل، بل يجب عليه أن يقول: العِلْم عند الله، فلا يجزم بالنفي، ولا يجزم بالإثبات، نعم، له أن يجزم بالنفي ويجعل ما ثبت فيه الحديث من السماء مخصصًا؛ لأنه قال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢]، وفي الآية الأخرى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل ٨٠].
ثم قال تعالى: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣]
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن محمدًا رسول الله ﷺ ليس إلا مُبلِّغًا ومنذرًا فليس في يده جلب الهداية لأحد ولا دفْع الضرر عنه؛ لأنه قال: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣] يعني ما أنت هاديًا للناس؛ أي: هداية توفيق ورشاد، ولكنك منذر فأنت هادٍ هداية دلالة فقط.
يقول: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣].
ثم قال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤].
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ في هذا دليل على أن رسالة النبي ﷺ حق، وأنه ليس بكاذب؛ لأنه قال: ﴿أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن الرسول عليه الصلاة والسلام أهْل للرسالة إذا جعلنا ﴿بِالْحَقِّ﴾ حالًا من ﴿نَا﴾ الفاعل أي: إنا أرسلناك محقين بذلك فيكون فيه دليل على أن الرسول ﷺ أهل للرسالة، وهذا معلوم من أدلة أخرى كقوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤] لكن نريد أن نأخذها من هذه الآية.
* ومنها أيضا: أن ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام فهو حق ليس بباطل، فإذا نظرت إلى أخباره وجدتها صدقًا، وإذا نظرت إلى أحكامه وجدتها عدلًا، وهذا هو الحق؛ لأن الحق بالنسبة للخبر هو الصدق، والحق بالنسبة للحكم هو العدل.
* ومن فوائدها: أن رسالة النبي عليه الصلاة والسلام جمعت بين البشارة والإنذار؛ لقوله: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر ٢٤].
* ومن فوائدها أيضًا: أن الإنسان يجتمع فيه خصلتان متضادتان في المعنى وإن كانتا متفقتين في المراد، بشير ونذير؛ لأن المبشر هو الذي يعد الناس بالخير ويفتح لهم باب الرجاء، والمنذر هو الذي يخوفهم من (...) فبينهما من حيث المعنى تفاضل، وهما يجتمعا في عين واحدة، هل ننتقل من هذه الفائدة إلى أن الإنسان قد يجتمع فيه خصال إيمان وخصال كفر؟
* طالب: ينذر ويبشر.
* الشيخ: لا، ما هم متلازمان، ما هو متلازم إذا رأيت جيشًا مقبلًا على البلد فأنا أنذرهم ولا أبشرهم، لكن إذا رأيت أن الجيش قد انصرف فأنا أبشرهم.
وعلى كل حال المعلوم من مذهب أهل السنة والجماعة -وهو الحق- أن الإنسان قد يجتمع فيه خصال إيمان وخصال كفر فيكون مؤمنًا من وجه وكافرًا من وجه كقوله عليه الصلاة والسلام: «اثْنَتَاَن ِفي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ؛ الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، والنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ»[[أخرجه مسلم (٦٧ / ١٢١) من حديث أبي هريرة.]]. وقال النبي عليه الصلاة والسلام أيضًا: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤ / ١١٦) من حديث عبد الله بن مسعود.]]. مع أن قتاله لا يخرج من الإيمان؛ لقوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات ٩] إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات ١٠].
* فيها أيضًا من الفوائد: أن الأمر كله لله، ليس لأحد مشاركة فيه حتى أعظم الناس منزلةً لا يُشارك الله تعالى فيما يختص به؛ لقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ [فاطر ٢٤] ومعلوم أن مقام الْمُرسِل أعلى من مقام الْمُرسَل. والله أعلم (...).
وتعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر ٢٤].
الخطاب في قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ للنبي ﷺ.
والإرسال هو تحميل المرسَل شيئًا يُبَلِّغه إلى الْمُرْسَل إليهم.
والجملة كما نشاهد مُؤكَّدة بـ(إن)، وتوكيد الجملة يدل على الاهتمام بها من أجل أن يؤمن بها الإنسان إيمانًا كاملًا.
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ [فاطر ٢٤] الباء هنا إما أن تكون للتعدية، تقول: أرسلته بكذا لبيان المرسَل به، وإما أن تكون للمصاحبة.
والمؤلف رحمه الله يقول: (﴿بِالْحَقِّ﴾ بالْهُدى)، وكأنه أخذ هذا التفسير من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة ٣٣]، ولكن الصحيح في الآية أن المراد ﴿بِالْحَقِّ﴾ ضد الباطل، فيشمل الصِّدْق في الخبر والعَدْل في الأحكام؛ أي: بالصدق في الأخبار والعدل في الأحكام، وليس الْهُدى فقط بل الْهُدى والصلاح والإصلاح وغير ذلك.
أما في قوله تعالى: ﴿بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة ٣٣] فنعم ممكن أن نقول: المراد بالهدى هناك أن نقول: المراد به العلم النافع؛ لأنه ذكر الهدى وذكر الدين، فذكر العِلْم والعَمَل.
أما هنا فلا ينبغي أن نقتصر على قولنا: الحق أي الْهُدى، بل نجعله أعم من ذلك ليشمل الهدى الذي هو العلم، ويشمل دين الحق الذي هو الرشد والصلاح والإصلاح، فالرسول عليه الصلاة والسلام قد تضمنت رسالته العلوم النافعة كلها والصلاح للخلق في معاشهم ومعادهم، وما جاء به فقد تضمن الصِّدْق في الأخبار والعَدْل في الأحكام.قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر ٢٤].
﴿بَشِيرًا﴾ هذه حال بمعنى مُبَشِّر، حال من الكاف في ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾.
قال المؤلف: (﴿بَشِيرًا﴾ من أجاب إليه ﴿وَنَذِيرًا﴾ من لم يجب إليه).
والبشارة هي الإخبار بما يَسُر، وقد تستعمل في الإخبار بما يسوء كما في قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران ٢١].
وأما الإنذار فهو التخويف؛ أي: الإعلام بما يُخوِّف، والنبي عليه الصلاة والسلام كانت رسالته بشارة وإنذار؛ لأنها إما أمر يُبشَّر فاعله بما يقتضيه ذلك الأمر، وإما نهي يُخَوَّف صاحبه من ارتكابه، فالشريعة كلها بشارة ونذارة.
وقول المؤلف رحمه الله: (﴿بَشِيرًا﴾ من أجاب إليه ﴿وَنَذِيرًا﴾ من لم يُجِبْ) قد يقال: إن الأولى إبقاء الآية على عمومها؛ أي: بشيرًا لمن أجاب إليه، ونذيرًا له في نفس الوقت؛ لأن من أجاب أيضًا يحتاج إلى إنذار، فيكون البشارة والإنذار شاملة لمن أجاب ومن لم يُجِب حتى من لم يُجِب يُبَشَّر إن أجاب ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾.
ثم قال: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤] ﴿إِنْ﴾ بمعنى (ما) فهي نافية، وقد ذكرنا لها ضابطًا فيما سبق، أي ذكرنا لـ(إن) النافية ضابطًا لكنه لا يحيط بجميع مواردها وهو أنه إذا أتت بعدها (إلا) فهي نافية، مثل: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣]، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة ١١٠]، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص ٧] ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء ١٣٧]، ومنها أيضًا هذه الآية: ﴿إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤].
وقوله: ﴿مِنْ﴾ زائدة زائدة، زائدة إعرابًا، زائدة معنى.
فإن قلت: كيف تكون زائدة زائدة؟
قلنا: لأن (زاد) يستعمل لازمًا ومتعديًا فيُقال: زاد الطين بلة هذا متعدٍّ. ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة ١٢٤] هذا متعدٍّ أيضًا.
وتقول: زاد المال. هذه لازمة.
فمعنى زائدة زائدة؛ يعني زائدة هذا من الناقص الذي هو الزيادة أي..، من الناقص الذي لا يتعدى، وزائدة الثانية من المتعدي.
و﴿أُمَّةٍ﴾ مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.
﴿إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤]، قال المؤلف رحمه الله: (﴿خَلَا﴾ بمعنى سلف، ﴿فِيهَا نَذِيرٌ﴾ أي: نبي ينذرها).
والأمة هنا بمعنى الطائفة، وتأتي في القرآن على أربعة أوجه:
تكون بمعنى الطائفة كما هنا، وتكون بمعنى الزمن، مثالها: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف ٤٥]، وتكون بمعنى الدِّين والْمِلَّة ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون ٥٢]، وتكون بمعنى الإمام في ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ [النحل ١٢٠].
ما من أمة ﴿إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤] أي سلف ومضى نذير ينذرها، وذلك لتقوم الحجة على العباد؛ لأن العقول مهما بلغت لا يمكن أن تعرف ما يجب لله عز وجل من الحقوق كما لا يمكن أن تعرف ما يجب له من الأسماء والصفات على سبيل التفصيل، وإن كان العقل يدرك أن الإنسان لا بد أن يعبد خالقه، ويدرك أن الخالق لا بد أن يكون متصفًا بصفات الكمال، لكن على سبيل الإجمال لا على سبيل التفصيل، فمن أجل ذلك أرسل الله الرسل لتقوم الحجة على العباد، فما من أمة إلا خلا فيها نذير.
قد تكون الأنبياء في وقتٍ واحد في أمكنة متعددة، وقد يكون الأنبياء في وقت واحد في مكان واحد، أما أن يُوجَد مكان واحد لم يكن فيه نبي فهذا لا يمكن، لا بد أن تكون جميع الأمم قد بعث إليها الرسل، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل ٣٦] بعثنا في كل أمة.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة عدة فوائد:
* منها: ثبوت رسالة النبي ﷺ على وجه مؤكد لا مِرية فيه من قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ [فاطر ٢٤].
* ومنها: فضيلة النبي ﷺ لكونه رسول رب العالمين فإن الرسالة مقام عظيم لا ينالها إلا من هو أهل لها، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، ويقول الله عز وجل: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة ٢٥٣]، وهم -أي الرسل- مفضلون على من سواهم من الخلق، ففي الآية فضيلة ومنقبة لرسول الله ﷺ.
* ومنها: بيان ما يشتمل عليه دين الرسول عليه الصلاة والسلام من الحق الذي ضده الباطل، والباطل إن كان في الأخبار فهو الكذب، وإن كان في الأحكام فهو الجور والظلم، وعليه فرسالة النبي ﷺ متضمنة للحق في الأخبار وبالأحكام.
ففيه بيان أيضًا فضيلة هذه الشريعة الإسلامية التي جاء بها النبي ﷺ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل ما كان حقًّا فإن الشريعة جاءت به، سواء نصَّت عليه بمعناه الخاص أو بالمعنى العام، ومن ثم أثبت بعض الفقهاء، أو بعض الأصوليين ما يُسمَّى بالمصالح المرسَلة، وجعلوها دليلًا مستقلًّا، والصواب أنها ليست دليلًا مستقلًّا؛ لأن هذه المصالح إن شهد الشرع لها فهي من الشرع، ولا حاجة إلى أن نجعلها دليلًا مستقلًّا، وإن لم يشهد لها فليست بمصلحة، وصاحبها الذي زعمها مصلحة يعتبر واهمًا.
فكوننا نثبت دليلًا خامسًا نسميه المصالح المرسلة؛ هذا خطأ، لماذا؟ لما قلت لكم الآن؛ وهو أن هذه المصلحة إن شهد لها الشرع فهي من الشرع دَلَّ عليها الكتاب والسنة، وإن لم يشهد لها فليست بمصلحة، فلا تُعتبر.
ولذلك أيضًا زعم بعضهم إحداث دليل سادس وهو استصحاب الحال بمعنى أن الأمر يبقى على ما كان عليه حتى يتبين ارتفاعه وانتفاؤه، هذا أيضًا ليس بصواب؛ يعني لا يصح أن نجعله دليلًا مستقلًّا، لماذا؟ لأنه قد دلَّت عليه السُّنَّة فقد شُكِي إلى الرسول عليه الصلاة والسلام الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٧)، ومسلم (٣٦١ / ٩٨) من حديث عبد الله بن زيد.]].
إذن نبني على بقاء الأصل، واستصحاب الحال، وحينئذٍ لا يحتاج أن نجعل هذا دليلًا مستقلًّا، وإنما جعل بعض العلماء هذين الدليلين مستقلين؛ لأن الإنسان ينقدح في ذهنه أن هذا شيء منفصل عن دلالة الكتاب والسنة فيذهب ويجعله دليلًا مُستقلًّا، وإلا فلو تأمل لوجد أن ذلك موجود في الكتاب والسُّنَّة، وأنه لا حاجة إلى أن نثبته دليلًا مستقلًّا.
ولقد تجرأ بعض المتأخرين على الدليل الأول وهو المصالح المرسَلة حتى أدخل فيه ما شهد الشرع ببطلانه.
ومن ذلك: قولهم بإجازة الربا البنكي، وأنه يجوز بِناءً على ما توهموه من المصالح المرسَلة.
وقالوا: إن اقتصاديات العالم في العصر الحاضر لا تتم إلا باستعمال هذه الطريقة، فالألفاظ والأساليب إذا جاءت على غير ما جاء في الكتاب والسُّنة يحصل بها مفسدة فهنا أدخلوا شيئًا شهد الشرع ببطلانه، وإذا شهد الشرع ببطلانه فإننا نشهد أنه ليس فيه مصلحة، وأن المصلحة الموهومة منه يخلفها مفاسد كثيرة.
فلهذا نحن نرى ألا..
فلنجعل دليلًا مستقلًّا وإلا فليس من الشرع، وليس فيه مصلحة، والمصالح الموهومة فيه إذا كانت مخالفة للشرع لا بد أن يخلفها مفاسد كثيرة.
* من فوائد الآية الكريمة: أن رسالة النبي عليه الصلاة والسلام تتضمن من حيث الجزاء أمرين: هما البشارة والإنذار، البشارة لمن أطاع، والإنذار لمن خالف سواء كانت تلك الطاعة عامة أو في بعض الأشياء، وكذلك نقول في المخالفة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن مآل الناس إما إلى جنة، وإما إلى نار وليس ثمة دار ثالثة؛ لأن البشارة بالجنة، والإنذار بالنار، وليس هناك دار ثالثة يصل الناس إليها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الترغيب في طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر ٢٤]، والتخويف من مخالفته؛ لقوله: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: لطف الله تعالى بعباده بإرسال الرسل إلى جميع الخلق ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤]، وقد بَيَّن الله سبحانه وتعالى ذلك في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٧]؛ يعني إلا لنرحم بك العالمين، وليس الرسول نفسه هو الرحمة، ولكنه أرسل لرحمة الخلق؛ ليرحم الله الخلق برسالته.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: بطلان الاحتجاج بالقدَر على معصية الله؛ لقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾. ولو كان الاحتجاج بالقدَر على المعاصي والمخالفات، لو كان ثابتًا لم يرتفع بإرسال الرسل؛ لأن القدَر لا يرتفع بإرسال الرسل، فالرسل أرسلهم الله تعالى إقامةً للحجة على الخلق ورحمةً بهم أيضًا، لهذا ولهذا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن النبي ﷺ ليس ببِدْع من الرسل حتى تُنكَر رسالته، ويقال: كيف جاء هذا الرجل برسالة من عند الله؟ ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾، ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف ٩].
* ومن فوائد الآية الكريمة: قصور العقول عن معرفة ما يجب لله تعالى؛ لأنها لو استقلت بذلك ما احتاجت إلى إرسال الرسل.
* ومنها أيضًا: بطلان ما ذهب إليه المتكلمون من أهل البدع الذين بنوا عقيدتهم على ما يقتضيه العقل وقالوا: ما اقتضى العقل إثباته لله أثبتناه سواء كان مذكورًا في الكتاب والسنة أم لم يُذكر، وما نفاه العقل وجب علينا نفيه، وإن ذُكِر في الكتاب والسنة، وما لم يدل العقل على نفيه وإثباته فإننا نتوقف فيه، وأكثرهم قالوا: ننفيه؛ لأنه لا بد من دلالة العقل على إثباته، فإذا لم يدل على إثباته وجب نفيه؛ لعدم وجود الدليل، ويش تقول في هذه الفائدة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: وإثباته، وما لا يقتضي إثباته ولا نفيه؟
* الطالب: يتوقفون وأكثرهم (...).
* الشيخ: تؤخذ من قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾. ووجه ذلك أنه لو كانت العقول هي المرجع ما احتيج إلى إرسال الرسل.
فاطر 35:24
ثم قال الله عز وجل -في الدرس الجديد-: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر ١٩]؛ يعني لا يستويان في إدراك المبصرات، ليس المعنى نفي التساوي مطلقًا؛ لأن الأعمى قد يفضل البصير في أمور أخرى، لكن لا يستويان في إدراك المرئيات أو المبصرات اللي تطابق الآية ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر ١٩]، وهذا ظاهر.
الأعمى إذا قام يمشي وأمامه حُفْرة، أو حَجَر وَقَع في الحفرة وعثر بالحجر.
والبصير بالعكس، فلا يستوي هذا وهذا.
أيهما أكمل؟ البصير، وهذا مَثَل حِسِّي يجب أن ننتقل منه إلى الْمَثَل المعنوي.
وأما قول المؤلف: (المؤمن والكافر) ففيه نظر؛ يعني كأنه يريد أن يقول: إن الأعمى هو الكافر والبصير هو المؤمن.
ولكننا نقول: لا، الآية يُراد بها نفي المساواة في الأمور الحسية الظاهرة التي لا ينكرها أحد؛ إذ إن الكافر والزنديق والمعانِد والمستكبِر لا يمكن أن يدعي تساوي الأعمى والبصير، لكن قد يدَّعي تساوي المؤمن والكافر.
قال: ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ [فاطر ٢٠].
قال: (﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ﴾ الكُفر ﴿وَلَا النُّورُ﴾ الإيمان). وهذا أيضًا فيه نظر، والظاهر أن الله سبحانه وتعالى أراد الظلمات الحسية والنور الحسي؛ لأن نفي الاستواء بين هذين أمر لا يمكن إنكاره؛ لأنه مُدْرَك بالحس.
الظلمات لا تستوي والنور، ولكن لا شك أن المراد بذلك ظلمات الكفر ونور الإيمان؛ يعني أنها إشارة إلى هذا، ولذلك جمع الظلمات وأفرد النور؛ لأن سُبل الكفر كثيرة.
وأما الإيمان فسبيله واحد، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام ١٥٣]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة ٢٥٧].
وإنما كان الكفر ظلمات؛ لأن فيه الجهل بالله عز وجل وبما يجب له.
* وفيه أيضًا: أن الإنسان يسير على غير هُدًى، ويسير في اتجاهات متعددة منحرفة، قلبه متشعب في كل وادٍ؛ ولهذا تجد الكافرين أشد الناس قلقًا وأبعدهم عن الثبات على خط مستقيم، بخلاف المؤمن؛ المؤمن مؤمن على خط مستقيم وعارف أنه يريد الوصول إلى مَنْ؟ إلى الله، فتجده يُحَوِّل جميع الأفعال إلى طريق واحد وهو الوصول إلى الله حتى أنه إذا لبس ثوبه يشعر بأنه ينال بذلك مرضاة الله، إذا أكل، أو شرب، أو نام، أو سافر، أو سكت، أو تكلم، أو أحجم، كل ذلك يرى أنه في سبيل الله، في الطريق إلى الله.
لكن الكافر مُتشعِّب؛ ولهذا كان منهجه ظلمات؛ لأنه متشعب، ما هناك هدف واحد يسعى إليه؛ أهدافه كثيرة؛ مغرور في الدنيا، مغرور في رؤسائه، مغرور في الناس، لا يهتم إلا برضاهم نسأل الله السلامة والعافية، ولا يهمه أن يرضى الله عز وجل؛ فلهذا كان مستحقًّا أن تُجعل طريق الكافر على سبيل الجمع لتشتتها وتفرقها، كذا؟
ثالثًا: قال: ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ [فاطر ٢١]، قال المؤلف: (الجنة والنار) يعني المراد بالظل عند المؤلف الجنة، والمراد بالحرور النار، ولكن -كما قلت- الظاهر أن هذا مَثَلٌ بأمر حسي لا يمكن إنكاره، لكن يُنتقل منه إلى أمر معنوي.
الظل والحرور لا يستويان، أيهما أحسن؟
* طلبة: الظل.
* الشيخ: ما فيه شك، الظل، فالظل معروف؛ هو الفيء الذي تقلَّصت عنه الشمس، هذا ظل، وإن شئت فقل: الظل هو المكان الذي ليس فيه أشعة للشمس، وإنما نقول ذلك؛ لأن الجنة ما فيها شمس، وقد قال الله تعالى فيها: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة ٣٠] مع أنه ليس فيها شمس.
وأما الحرور فالحرُور على وزن (فَعُول)، وهو الهواء الحار، وبعضهم يقول: إنه الهواء الحار في النهار، والسَّمُوم الهواء الحار في الليل.
وبعضهم يقول: كلاهما بمعنى واحد، فالحرُور والسَّمُوم هما الهواء الحار، وهذا معروف، يكون في أيام الصيف، وإذا كان معه شمس ازداد شدةً في الحرارة.
الآن عندنا الأعمى والبصير، والظلمات والنور، والظل والحرور، على كلام المؤلف نقول: هذه المنفيات الثلاثة، أو هذا النفي في المواضع الثلاثة؛ الأول يعود إلى ذات المؤمن والكافر، والثاني يعود إلى عمل المؤمن والكافر، والثالث يعود إلى مستقر المؤمن والكافر، ولَّا لا؟ فالأول نفي للذوات، والثاني نفي في الأفعال والمنهج، والثالث للمستقر والمأوى.
﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ [فاطر ١٩ - ٢١].
الرابع: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر ٢٢] (المؤمنون والكافرون). فعلى كلام المؤلف يكون في الآية تكرار؛ لأنه فسر بالأول الأعمى والبصير بالمؤمن والكافر، وهنا قال: ﴿الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر ٢٢] (المؤمنون والكافرون).
ولو أردت أن أسلك مسلكه لقلت: ﴿الْأَحْيَاءُ﴾ ذوو العلم، و﴿الْأَمْوَاتُ﴾ ذوو الجهل؛ لقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام ١٢٢]، ولأن الله تعالى جعل الوحي روحًا تحيا به القلوب والنفوس، ولكنني لا أسلك مسلكه إنما لو أردت أن أسلك مسلكه لقلت: العلماء والجهال.
﴿الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر ٢٢] العلماء والجهال، واضح؟ لأنني إذا سلكت هذا المسلك فعندي على ذلك برهان وهو قوله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا﴾ إلى آخره [الأنعام: ١٢٢]. إذا سلكت هذا المسلك سلمت الآية من التكرار، ونحن نعلم جميعًا أن من القواعد المعروفة في الكلام أنه إذا دار الأمر بين حَمْل الكلام على التأسيس أو على التوكيد وَجَب حمله على التأسيس؛ لأنه هو الأصل، الأصل في الكلام أن يكون مستقلًّا مُؤَسِّسًا لا مُؤَكِّدًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: التأسيس يعني الأصل أساس؛ يعني هذا معنى جديد غير المعنى الأول.
فإذا قال قائل مثلًا: هذه الجملة مؤكِّدة للأولى، وقال الثاني: هذه الجملة مستقلة بنفسها فإنه يُحمل على أنها مستقلة بنفسها.
* طالب: قال في الأول: الكافر والمؤمن، بعدين: الكفار والمؤمنون يعني ما يصير..؟
* الشيخ: لا، ما هو بظاهر جمع ومفرد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى.. أنا أقول: إن الأحياء والأموات يُراد به الحياة الحسية والموت الحسي، كل يعرف الفرق بين الحي والميت ولَّا لا؟ حتى الكفار يعرفون الفرق بين الحي والميت، ما يشابِه هذه المعاني المحسوسة الأربعة من المعاني المعقولة فهو مثلها ولَّا مخالف لها؟ فهو مثلها، فالذي يماثل هذه الأشياء المحسوسة من الأمور المعقولة هو مثلها.
يقول: (وزيادة (لا) في الثلاثة تأكيد) هذه الجملة أفادت أن لدينا زيادة، وأن الفائدة من هذه الزيادة التوكيد، وين الزيادة؟ ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر ١٩]، ما فيها شيء ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ [فاطر ٢٠] (...) ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر ٢١، ٢٢] كم دول؟
* طالب: خمسة.
* الشيخ: طيب ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ﴾، هذه واحدة ﴿وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ ﴿وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾، خمسة لكن جعلها المؤلف ثلاثة؛ لأن المتقابل فيها ثلاثة، شوف (الظلمات والنور) هذه (...) أن تكون واحدة، و(الظل والحرور) واحدة، و(الأحياء والأموات) واحدة.
المهم أن زيادة (لا) في المواضع كلها سواء قلنا: ثلاثة أو خمسة هي للتوكيد؛ إذ لو قيل: وما يستوي الأعمى والبصير والظلمات والنور والظل والحرور والأحياء والأموات؛ استقام الكلام، لكن يؤتى بـ(لا) الزائدة للتوكيد.
* وفيها أيضًا فائدة ثانية: وهي عدم السآمة والملل؛ لأنها لو حُذِفت لطالت المعطوفات بعضها مع بعض، فكُرِّر فيها عامل النفي ليكون أبعد عن السآمة.
فإن قلت: هل لذلك نظير في كتاب الله؟
قلنا: نعم؛ لهذا نظير في مواضع كثيرة منها ما نقرؤه في كل صلاة، وهي: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة ٧]؛ إذ لو قال: غير المغضوب عليهم والضالين؛ استقام لكن زيدت (لا) للتوكيد.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢].
﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾، قال المؤلف: (هدايته فيجيبه -أي المسمع- بالإيمان)؛ يعني أن الله تعالى يدعو إلى دار السلام كما قال في آية أخرى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس ٢٥]، دعاء الله تعالى إلى دار السلام هل يسمعه كل أحد؟ أما من حيث الإدراك الحسي فإن كل أحد يسمعه، أما من حيث الإجابة فلا؛ من الناس من يُجيب ومنهم من لا يجيب؛ ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس ٢٥] فالله تعالى يُسمِع من يشاء يعني بمعنى (...) لاتباع هؤلاء الرسل.
﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢] ﴿مَا﴾ هذه في الإعراب نقول: إنها؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، لها اسم أخص.
* طالب: حجازية.
* الشيخ: حجازية، واسمها الضمير ﴿أَنْتَ﴾، والباء في ﴿بِمُسْمِعٍ﴾ زائدة للتوكيد. ﴿بِمُسْمِعٍ﴾ خبرها منصوب بهذه الفتحة، مُقدَّرة على آخره منع من ظهورها حركة حرف الجر الزائد.
﴿مَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ﴾. وقوله: ﴿مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ﴿مَنْ﴾ هذه مفعول لـ﴿مُسْمِعٍ﴾؛ لأن ﴿مُسْمِعٍ﴾ اسم فاعل.
﴿بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾. قال المؤلف: (أي الكفار شبههم بالموتى فيجيبون) يعني ما أنت بمسمعهم.
* طالب: (فلا يجيبون).
* الشيخ: لا، عندي (فيجيبون).
* طالب آخر: عندي (فيجيبون).
* الشيخ: إي، الصواب عندي، الصحيح عندي، نعم، اللي عندي خطأ؛ لأنها إذا كانت (فيجيبون) فيجب أن تحذف النون؛ لأنه جواب النفي في قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢]، أما النسخة اللي عند الأخ وإخوانه فإنها منفصلة عما قبلها؛ أي: فهم في عدم إسماعهم لا يجيبون.
على كل حال المؤلف رحمه الله يقول: ﴿مَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢] قال: (أي الكفار)، والذي يظهر لي أن المراد به الموت حقيقة، الرسول عليه الصلاة والسلام لا يُسمع الموتى حقيقة كما قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل ٨٠]، فلو أن الرسول عليه الصلاة والسلام ذهب إلى المقبرة مقبرة الكفار وقال: يا أيها الناس، اتقوا الله واعبدوه وما أشبه ذلك، هل يسمعون هذه الموعظة فينتفعون بها؟ لا، ما يسمعونها فينتفعون بها، ولكننا نقول: ننتقل من هذا إلى أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يُسْمِع الموتى، لا يُسمِع الكفار لموت قلوبهم؛ لأن قلوبهم ميتة، ومن قلبه ميت -والعياذ بالله- فإنه لا ينتفع بما يسمع من المواعظ فكأنه لا يسمع.
ثم قال: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣]، فسر المؤلف ﴿إِنْ﴾ بـ(ما)، وهذا يدل على أن ﴿إِنْ﴾ نافية، وقد ذكرنا فيما مضى أن من علامات (إن) النافية الاستثناء بعدها، أن تتبع بـ(إلا)، يعني ما أنت إلا نذير.
قال: (منذر لهم) والنذير -كما سبق- هو الْمُعلِم إعلامًا يتضمن التخويف، فالإعلام المتضمن التخويف يسمى إنذارًا.
وقوله: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣] هل هذا الحصر حقيقي أو إضافي؟ إضافي؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام نذير وبشير ولَّا لا؟ لكن المقام هنا يقتضي أن يُذكر الإنذار فقط؛ لأنه في مقارعة الكفار، ومقارعة الكفار تحتاج إلى الإنذار أكثر مما تحتاج إلى التبشير.
وقوله: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣]، كيف يكون مقابلة بينها وبين الجملة اللي قبلها؟
كأنه يقول: أنت لا تستطيع أن تُوصل الهداية إلى قلوب الكافرين، ولكن تستطيع أن تنذرهم؛ لأن هذا هو المقام؛ مقامك إنذار، أما أن تُوصل الهداية إلى قلوب هؤلاء الكفار الذين يُشبِهون الموتى فهذا ليس إليك.
وصدق الله عز وجل فإن النبي عليه الصلاة والسلام ما استطاع أن يهدي أقرب الناس إليه، وأشفق الناس إليه، وهو عمه أبو طالب ولَّا لا؟ وشاء الله عز وجل أن يهدي أقوامًا من فارس والروم من أبعد الناس عن الرسول عليه الصلاة والسلام نسبًا ومكانًا؛ لأن الأمر بيد الله عز وجل ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية ٢١، ٢٢]. ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣].
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر ٢٤].
﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾ الإرسال بمعنى الأمر بالتبليغ، أو في قضاء الحاجة، فمثلًا تقول: أرسلتُ غلامي يُخبِر فلانًا بكذا وكذا؛ يعني أمرته بالتبليغ، أرسلت غلامي يشتري كذا وكذا، أمرته أن يشتري الحاجة لكنها منفعة؛ يعني الدفع.
وقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ [فاطر ٢٤]، هذه يحتمل أن تكون الباء للتعدية؛ أي: أننا أعطيناك حقًّا وأرسلناك به.
ويحتمل أن تكون وصفًا للرسالة؛ يعني أرسلناك رسالة حق؛ والمعنى يختلف، فعلى المعنى الثاني يكون معنى الآية أن رسالة النبي ﷺ حق، وعلى المعنى الأول يكون معناها أن الرسول ﷺ جاء بالحق، وإن كان المعنيان متلازمين لكنهما مختلفان من حيث المورد، فعلى الأول يكون مورد الوصف نفس الرسالة، وعلى الثاني يكون مورد ذلك -مورد الوصف- الْمُرْسَل به، أفهمتم الآن ولَّا لا؟
﴿أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ أي: أعطيناك حقًّا تبلغه للناس.
﴿أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ يعني أن رسالتنا إليك حق فيكون الوصف للرسالة نفسها؛ يعني: لست بكاذب بل أنت صادق هذا على جعلنا الوصف عائدًا إلى الرسالة، أما إذا جعلناه عائدًا إلى الْمُرْسَل به فالمعنى أن ما جئت به ليس بباطل بل هو صِدْق في الأخبار وعَدْل في الأحكام.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا﴾ [فاطر ٢٤]، قال المؤلف: (بالهدى) (﴿بَشِيرًا﴾ من أجاب إليه ﴿وَنَذِيرًا﴾ من لم يُجِب إليه).
﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ يعني أنك تُبَشِّر وتنذر، لكن تُبَشِّر بالخير من أجاب، وتُنذِر بالعقوبة من لم يُجِب وعصى؛ وذلك لأن الشرع يتضمن أوامر ونواهي، فمن ارتكب النواهي أو ترك الأوامر واجهناه بماذا؟ بالإنذار، ومن فَعَلَ الأوامر واجتنب النواهي واجهناه بماذا؟ بالبشارة.
﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤] ﴿إِنْ﴾ (ما) يعني نافية ﴿مِنْ أُمَّةٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ حرف جر زائد زائد، أو زائد زائدًا؟ يجوز، على أن تكون (زائدًا) حالًا من الضمير المستتر في (زائد) الأولى. المهم أنه زائد لفظًا زائد معنى.
و﴿أُمَّةٍ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ خبر.
ما من أمة، ما هي الأمة؟ هي الطائفة من الناس التي على منهج واحد طائفة على منهج واحد، ودين واحد، أو قومية واحدة، أو ما أشبه ذلك، هذه الأمة، ليست كل طائفة نسميها أمة، فمثلًا أنتم الآن ما نسميكم أمة إلا لأنكم على طريق واحد، لكن لو اجتمعت جماعة في مكان متشتتين، كل واحد له منهج؛ ما نقول: هؤلاء أمة، إلا إذا كانوا من قبيلة واحدة أو ما أشبه ذلك.
(﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا﴾ سلف ﴿فِيهَا نَذِيرٌ﴾ نبي ينذرها)؛ يعني كل الأمم أرسل الله إليهم نذيرهم، لماذا؟ لتقوم عليهم الحجة؛ لأنه إذا لم يكن للناس نذير فإن لهم حجة على ربهم، يقولون: يا ربنا، ما أرسلت إلينا رسولًا.
كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه ١٣٤]، وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥]. وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على ما في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤] من الإشكال والجواب عنها (...)
قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر ١٩].
* في هذه الآية فوائد، منها: بلاغة القرآن، حيث ينتقل بسامعه وقارئه من الأمثال الحسية إلى الأمثال المعنوية؛ ذلك لأن الأمثال الحسية لا يمتري فيها أحد، ولا يمكن لأحد أن يجادل فيها؛ لأنك إذا قلت مثلًا: هذه لمبة وهذا نور؛ ما أحد ينازع فيها، فانتقل من المحسوس إلى المعقول؛ المعنى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة البصر؛ لأن نفي الاستواء بين الأعمى والبصير معناه تفضيل مَن؟ تفضيل البصير؛ ولهذا أكثروا من دعاء الله عز وجل: اللهم مَتِّعْنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أبقيتنا.
وكذلك أيضًا نقول في ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ [فاطر ٢٠]، فإن فيها من بلاغة القرآن ما في قوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر ١٩]، وفيها الانتقال من المثل الحسي إلى المثل المعنوي.
* فيها أيضًا: تفضيل النور على الظلمة؛ لأن نفي الاستواء فيهما معناه: تفضيل النور على الظلمة.
* ومنها أيضًا: إذا انتقلنا من المثل الحسي إلى المعنوي أن طريق الهدى واحد، وطرق الضلال متفرقة؛ لقوله: ﴿الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ [فاطر ٢٠].
وذكرنا شاهدًا من القرآن على هذا وهو قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام ١٥٣]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة ٢٥٧] فيه طاغوت يجرهم إلى نوع من الكفر والفسق، نسأل الله العافية.
* ومنها أيضًا: أنه لا يستوي الظل والحرور، وهذا مَثَل حسي انتقل منه إلى المثل المعنوي وهو ظل الجنة وحر النار لا يستويان، أيهما أفضل؟ ظل الجنة، اللهم اجعلنا منهم وإياكم.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: التحذير من عمل أهل النار؛ لأن نفي الاستواء بين الظل والحرور أمر معلوم، وتأذي الإنسان بالحرور أيضًا أمر معلوم، ففيه التحذير من عمل أهل النار.
هل يؤخذ من الآية الكريمة أنه لا حرج على الإنسان أن يطلب الظل، وأن يطلب النور؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: كذا؟ معلوم؛ لأننا ما دمنا ذكرنا أن هذا النفي معناه تفضيل النور على الظلمات وتفضيل الظل على الحرور فلا حرج على الإنسان أن يطلب الأفضل بل قد يجب أحيانًا؛ ولهذا لما رأى النبي عليه الصلاة والسلام زحامًا ورجلًا قد ظُلِّل عليه بصيام رمضان في السفر ما قال: لا تُظلِّلوا عليه ولكن قال: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٤٦)، ومسلم (١١١٥ / ٩٢) من حديث جابر بن عبد الله.]].
وقوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر ٢٢] فيها أيضًا ما سبق في نظائرها. وفيها فضيلة العلم وهو كذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٩].
والعلم جهاد في سبيل الله، وإن شئت فقل على الأصح: العلم سلاح للجهاد في سبيل الله؛ لأنه قد يحمل العلم من لا ينتفع به ولا ينفع غيره، فهو سلاح لكن إذا نفعت نفسك وغيرك صرت مجاهدًا به، قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان ٥٢]، فالعلم سلاح يتوصل به الإنسان إلى الجهاد في سبيل الله.
* ومن فوائدها أيضًا؛ من فوائد قوله: ﴿الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر ٢٢]: أن فيها الحث على طلب العلم، وأنه حياة الأمة كما أنه حياة الفرد، فلا يمكن أن تحيا الأمة حياة، لا أقول: حياة بهيمية، يمكن أن تحيا حياة بهيمية بدون علم لكن لا يمكن أن تحيا حياة طيبة إلا بالعلم، وكل الناس ينشدون الحياة الطيبة لكن ما طَيِّبها؟ العلم إذا أثمر ثمرته؛ وهو الإيمان والعمل الصالح، قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل ٩٧].
يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢].
* من فوائدها: أن الله عز وجل هو الذي بيده مقاليد الأمور حتى أنت يا محمد لا تستطيع أن تُسمِع أحدًا بل الْمُسمِع هو الله.
وفيه: إثبات المشيئة لله؛ لقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾.
* وفيه: رد على القدَرِية الذين ينكرون أن يكون لأفعال العباد مشيئة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر ٢٢] ولكن هذه المشيئة الْمُطلقة هنا -وفي كل موضع جاءت مطلقة- مُقيَّدة بماذا؟ بالحكمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠].
* ومن فوائدها: أنه ينبغي للإنسان، بل يجب على الإنسان أن يلجأ إلى الله عز وجل وحده في جلب المنافع ودفع المضار؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر ٢٢]، فإذا كان الإسماع من الله فلا تسأله من غيره، لا تسأله إلا من الله؛ ولهذا ينبغي لنا دائمًا أن نكون داعين لله عز وجل ونحن نشعر بأننا مفتقرون إلى الله، وأن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يُحقِّق لنا ما نرجوه وما ندعوه به، لا تعتمد على نفسك وتنسى الله، افزع إلى الله دائمًا في الدعاء، في السجود، وبين الأذان والإقامة، وفي كل مواطن الإجابة الزمنية والمكانية والحالية؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة ١٨٦].
ثم اعلم أيضًا أن الدعاء مع كونك تطلب الحاجة من الله هو نفسه أيضًا عبادة تتقرب به أيضًا، فتكسب بهذا الدعاء تكسب فيه ثمرتين:
الثمرة الأولى: الثواب على هذه العبادة.
والثمرة الثانية: حصول المطلوب أو دفع المكروه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن رسول الله ﷺ لا يستطيع أن يُسمِع مَنْ في القبور؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢]، فلو أن الرسول ﷺ ذهب إلى أهل المقبرة ودعاهم وقال: يا أهل القبور، آمنوا بالله ورسوله، يا أهل القبور، اعملوا صالحًا. يسمعون؟ لا يسمعون.
فإن قلت: ما الجواب عما ثبت في الصحيح من أن الرسول عليه الصلاة والسلام وقف على قتلى المشركين في قليب بدر، وجعل يدعوهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: «يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَ رَبِّي حَقًّا». فقال له عمر: يا رسول الله، ما تكلم من أناس جيفوا، أو كلام من هذا المعنى، فقال: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٩٧٦)، ومسلم (٢٨٧٥ / ٧٨) من حديث أبي طلحة الأنصاري.]]. يعني أنهم يسمعون، فما هو الجواب؟
* طالب: لقول قتادة رحمه الله: «إن الله أحياهم فأسمعهم كلام النبي ﷺ تنكيلًا وتخزية لهم ثم أماتهم»[[ أخرجه البخاري (٣٩٧٦).]]، وتقول عائشة: «إن أهل القليب لا يسمعون الرسول ﷺ ولكن يخاطبهم الرسول لما يجدون من العذاب في القبر»[[أخرجه أحمد في المسند (٢٦٣٦١).]].
* الشيخ: أما ما ذكرت عن عائشة فلا شك أن كلام الرسول عليه الصلاة والسلام ينتقده؛ لأنه قال: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»، وأما ما ذُكر عن قتادة فمعنى كلامه أنه خاص بهؤلاء.
فإن قلت: ما الجواب عما ثبت في الحديث الصحيح أيضًا من «أن الميت إذا دُفِن وتولَّى عنه أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم وهم ينصرفون عنه»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٣٨)، ومسلم (٢٨٧٠ / ٧٠) من حديث أنس بن مالك.]]؟
* طالب: (...).
* الشيخ: هذا عند الدفن وأيضًا لا يلزم من سماع قرْع النعال أن يسمع الكلام والدعوة.
فلو قلت: ما الجواب عما رواه أبو داود وغيره، وصححه ابن عبد البر ووافقه أو لم يخالفه ابن القيم من أنه «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُسَلِّمُ عَلَى قَبْرٍ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ»[[ أخرجه البيهقي في الشعب (٨٨٥٧) من حديث أبي هريرة، وابن عبد البر في الاستذكار (١ / ١٨٥) من حديث ابن عباس، ولم نقف عليه عند أبي داود.]]؟
فالجواب أن يقال: هذا في حال مخصوصة دل عليها الحديث، ولا يلزم من هذا إذا سمع السلام عليه وهو دعاء له أن يرد السلام على من سَلَّم أن يسمع كل من تكلم عنده.
فإن قلت: ما الجواب عما قاله الفقهاء من أن الميت يتأذى بقول المنكر عند قبره أو فِعْل المنكر عند قبره؟
فالجواب: أن قول الواحد من الناس غير الرسول عليه الصلاة والسلام ليس بحجة وإنما يحتج له لا به.
ثم على رأيهم رحمهم الله، يحملون معنى قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢] أي: بِمُسْمع من تدعوهم إلى الإيمان والعمل الصالح فإنك لا تسمعهم سماعًا يستجيبون له، لكنه سماع يحتاج إلى (...).
وهذا هو الجواب الأخير عن قول من يقول: إن الموتى يسمعون ما يقال عندهم، وما يخاطبون به. نقول: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢] أي: سماعًا ينتفعون به ويستجيبون له، والله أعلم.
والواجب على المؤمن نحو هذه الأمور الغيبية أن يؤمن بما جاء به النص فقط والباقي يسأل، بل يجب عليه أن يقول: العِلْم عند الله، فلا يجزم بالنفي، ولا يجزم بالإثبات، نعم، له أن يجزم بالنفي ويجعل ما ثبت فيه الحديث من السماء مخصصًا؛ لأنه قال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢]، وفي الآية الأخرى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل ٨٠].
ثم قال تعالى: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣]
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن محمدًا رسول الله ﷺ ليس إلا مُبلِّغًا ومنذرًا فليس في يده جلب الهداية لأحد ولا دفْع الضرر عنه؛ لأنه قال: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣] يعني ما أنت هاديًا للناس؛ أي: هداية توفيق ورشاد، ولكنك منذر فأنت هادٍ هداية دلالة فقط.
يقول: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣].
ثم قال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤].
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ في هذا دليل على أن رسالة النبي ﷺ حق، وأنه ليس بكاذب؛ لأنه قال: ﴿أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن الرسول عليه الصلاة والسلام أهْل للرسالة إذا جعلنا ﴿بِالْحَقِّ﴾ حالًا من ﴿نَا﴾ الفاعل أي: إنا أرسلناك محقين بذلك فيكون فيه دليل على أن الرسول ﷺ أهل للرسالة، وهذا معلوم من أدلة أخرى كقوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤] لكن نريد أن نأخذها من هذه الآية.
* ومنها أيضا: أن ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام فهو حق ليس بباطل، فإذا نظرت إلى أخباره وجدتها صدقًا، وإذا نظرت إلى أحكامه وجدتها عدلًا، وهذا هو الحق؛ لأن الحق بالنسبة للخبر هو الصدق، والحق بالنسبة للحكم هو العدل.
* ومن فوائدها: أن رسالة النبي عليه الصلاة والسلام جمعت بين البشارة والإنذار؛ لقوله: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر ٢٤].
* ومن فوائدها أيضًا: أن الإنسان يجتمع فيه خصلتان متضادتان في المعنى وإن كانتا متفقتين في المراد، بشير ونذير؛ لأن المبشر هو الذي يعد الناس بالخير ويفتح لهم باب الرجاء، والمنذر هو الذي يخوفهم من (...) فبينهما من حيث المعنى تفاضل، وهما يجتمعا في عين واحدة، هل ننتقل من هذه الفائدة إلى أن الإنسان قد يجتمع فيه خصال إيمان وخصال كفر؟
* طالب: ينذر ويبشر.
* الشيخ: لا، ما هم متلازمان، ما هو متلازم إذا رأيت جيشًا مقبلًا على البلد فأنا أنذرهم ولا أبشرهم، لكن إذا رأيت أن الجيش قد انصرف فأنا أبشرهم.
وعلى كل حال المعلوم من مذهب أهل السنة والجماعة -وهو الحق- أن الإنسان قد يجتمع فيه خصال إيمان وخصال كفر فيكون مؤمنًا من وجه وكافرًا من وجه كقوله عليه الصلاة والسلام: «اثْنَتَاَن ِفي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ؛ الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، والنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ»[[أخرجه مسلم (٦٧ / ١٢١) من حديث أبي هريرة.]]. وقال النبي عليه الصلاة والسلام أيضًا: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤ / ١١٦) من حديث عبد الله بن مسعود.]]. مع أن قتاله لا يخرج من الإيمان؛ لقوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات ٩] إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات ١٠].
* فيها أيضًا من الفوائد: أن الأمر كله لله، ليس لأحد مشاركة فيه حتى أعظم الناس منزلةً لا يُشارك الله تعالى فيما يختص به؛ لقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ [فاطر ٢٤] ومعلوم أن مقام الْمُرسِل أعلى من مقام الْمُرسَل. والله أعلم (...).
وتعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر ٢٤].
الخطاب في قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ للنبي ﷺ.
والإرسال هو تحميل المرسَل شيئًا يُبَلِّغه إلى الْمُرْسَل إليهم.
والجملة كما نشاهد مُؤكَّدة بـ(إن)، وتوكيد الجملة يدل على الاهتمام بها من أجل أن يؤمن بها الإنسان إيمانًا كاملًا.
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ [فاطر ٢٤] الباء هنا إما أن تكون للتعدية، تقول: أرسلته بكذا لبيان المرسَل به، وإما أن تكون للمصاحبة.
والمؤلف رحمه الله يقول: (﴿بِالْحَقِّ﴾ بالْهُدى)، وكأنه أخذ هذا التفسير من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة ٣٣]، ولكن الصحيح في الآية أن المراد ﴿بِالْحَقِّ﴾ ضد الباطل، فيشمل الصِّدْق في الخبر والعَدْل في الأحكام؛ أي: بالصدق في الأخبار والعدل في الأحكام، وليس الْهُدى فقط بل الْهُدى والصلاح والإصلاح وغير ذلك.
أما في قوله تعالى: ﴿بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة ٣٣] فنعم ممكن أن نقول: المراد بالهدى هناك أن نقول: المراد به العلم النافع؛ لأنه ذكر الهدى وذكر الدين، فذكر العِلْم والعَمَل.
أما هنا فلا ينبغي أن نقتصر على قولنا: الحق أي الْهُدى، بل نجعله أعم من ذلك ليشمل الهدى الذي هو العلم، ويشمل دين الحق الذي هو الرشد والصلاح والإصلاح، فالرسول عليه الصلاة والسلام قد تضمنت رسالته العلوم النافعة كلها والصلاح للخلق في معاشهم ومعادهم، وما جاء به فقد تضمن الصِّدْق في الأخبار والعَدْل في الأحكام.قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر ٢٤].
﴿بَشِيرًا﴾ هذه حال بمعنى مُبَشِّر، حال من الكاف في ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾.
قال المؤلف: (﴿بَشِيرًا﴾ من أجاب إليه ﴿وَنَذِيرًا﴾ من لم يجب إليه).
والبشارة هي الإخبار بما يَسُر، وقد تستعمل في الإخبار بما يسوء كما في قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران ٢١].
وأما الإنذار فهو التخويف؛ أي: الإعلام بما يُخوِّف، والنبي عليه الصلاة والسلام كانت رسالته بشارة وإنذار؛ لأنها إما أمر يُبشَّر فاعله بما يقتضيه ذلك الأمر، وإما نهي يُخَوَّف صاحبه من ارتكابه، فالشريعة كلها بشارة ونذارة.
وقول المؤلف رحمه الله: (﴿بَشِيرًا﴾ من أجاب إليه ﴿وَنَذِيرًا﴾ من لم يُجِبْ) قد يقال: إن الأولى إبقاء الآية على عمومها؛ أي: بشيرًا لمن أجاب إليه، ونذيرًا له في نفس الوقت؛ لأن من أجاب أيضًا يحتاج إلى إنذار، فيكون البشارة والإنذار شاملة لمن أجاب ومن لم يُجِب حتى من لم يُجِب يُبَشَّر إن أجاب ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾.
ثم قال: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤] ﴿إِنْ﴾ بمعنى (ما) فهي نافية، وقد ذكرنا لها ضابطًا فيما سبق، أي ذكرنا لـ(إن) النافية ضابطًا لكنه لا يحيط بجميع مواردها وهو أنه إذا أتت بعدها (إلا) فهي نافية، مثل: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣]، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة ١١٠]، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص ٧] ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء ١٣٧]، ومنها أيضًا هذه الآية: ﴿إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤].
وقوله: ﴿مِنْ﴾ زائدة زائدة، زائدة إعرابًا، زائدة معنى.
فإن قلت: كيف تكون زائدة زائدة؟
قلنا: لأن (زاد) يستعمل لازمًا ومتعديًا فيُقال: زاد الطين بلة هذا متعدٍّ. ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة ١٢٤] هذا متعدٍّ أيضًا.
وتقول: زاد المال. هذه لازمة.
فمعنى زائدة زائدة؛ يعني زائدة هذا من الناقص الذي هو الزيادة أي..، من الناقص الذي لا يتعدى، وزائدة الثانية من المتعدي.
و﴿أُمَّةٍ﴾ مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.
﴿إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤]، قال المؤلف رحمه الله: (﴿خَلَا﴾ بمعنى سلف، ﴿فِيهَا نَذِيرٌ﴾ أي: نبي ينذرها).
والأمة هنا بمعنى الطائفة، وتأتي في القرآن على أربعة أوجه:
تكون بمعنى الطائفة كما هنا، وتكون بمعنى الزمن، مثالها: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف ٤٥]، وتكون بمعنى الدِّين والْمِلَّة ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون ٥٢]، وتكون بمعنى الإمام في ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ [النحل ١٢٠].
ما من أمة ﴿إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤] أي سلف ومضى نذير ينذرها، وذلك لتقوم الحجة على العباد؛ لأن العقول مهما بلغت لا يمكن أن تعرف ما يجب لله عز وجل من الحقوق كما لا يمكن أن تعرف ما يجب له من الأسماء والصفات على سبيل التفصيل، وإن كان العقل يدرك أن الإنسان لا بد أن يعبد خالقه، ويدرك أن الخالق لا بد أن يكون متصفًا بصفات الكمال، لكن على سبيل الإجمال لا على سبيل التفصيل، فمن أجل ذلك أرسل الله الرسل لتقوم الحجة على العباد، فما من أمة إلا خلا فيها نذير.
قد تكون الأنبياء في وقتٍ واحد في أمكنة متعددة، وقد يكون الأنبياء في وقت واحد في مكان واحد، أما أن يُوجَد مكان واحد لم يكن فيه نبي فهذا لا يمكن، لا بد أن تكون جميع الأمم قد بعث إليها الرسل، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل ٣٦] بعثنا في كل أمة.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة عدة فوائد:
* منها: ثبوت رسالة النبي ﷺ على وجه مؤكد لا مِرية فيه من قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ [فاطر ٢٤].
* ومنها: فضيلة النبي ﷺ لكونه رسول رب العالمين فإن الرسالة مقام عظيم لا ينالها إلا من هو أهل لها، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، ويقول الله عز وجل: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة ٢٥٣]، وهم -أي الرسل- مفضلون على من سواهم من الخلق، ففي الآية فضيلة ومنقبة لرسول الله ﷺ.
* ومنها: بيان ما يشتمل عليه دين الرسول عليه الصلاة والسلام من الحق الذي ضده الباطل، والباطل إن كان في الأخبار فهو الكذب، وإن كان في الأحكام فهو الجور والظلم، وعليه فرسالة النبي ﷺ متضمنة للحق في الأخبار وبالأحكام.
ففيه بيان أيضًا فضيلة هذه الشريعة الإسلامية التي جاء بها النبي ﷺ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل ما كان حقًّا فإن الشريعة جاءت به، سواء نصَّت عليه بمعناه الخاص أو بالمعنى العام، ومن ثم أثبت بعض الفقهاء، أو بعض الأصوليين ما يُسمَّى بالمصالح المرسَلة، وجعلوها دليلًا مستقلًّا، والصواب أنها ليست دليلًا مستقلًّا؛ لأن هذه المصالح إن شهد الشرع لها فهي من الشرع، ولا حاجة إلى أن نجعلها دليلًا مستقلًّا، وإن لم يشهد لها فليست بمصلحة، وصاحبها الذي زعمها مصلحة يعتبر واهمًا.
فكوننا نثبت دليلًا خامسًا نسميه المصالح المرسلة؛ هذا خطأ، لماذا؟ لما قلت لكم الآن؛ وهو أن هذه المصلحة إن شهد لها الشرع فهي من الشرع دَلَّ عليها الكتاب والسنة، وإن لم يشهد لها فليست بمصلحة، فلا تُعتبر.
ولذلك أيضًا زعم بعضهم إحداث دليل سادس وهو استصحاب الحال بمعنى أن الأمر يبقى على ما كان عليه حتى يتبين ارتفاعه وانتفاؤه، هذا أيضًا ليس بصواب؛ يعني لا يصح أن نجعله دليلًا مستقلًّا، لماذا؟ لأنه قد دلَّت عليه السُّنَّة فقد شُكِي إلى الرسول عليه الصلاة والسلام الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٧)، ومسلم (٣٦١ / ٩٨) من حديث عبد الله بن زيد.]].
إذن نبني على بقاء الأصل، واستصحاب الحال، وحينئذٍ لا يحتاج أن نجعل هذا دليلًا مستقلًّا، وإنما جعل بعض العلماء هذين الدليلين مستقلين؛ لأن الإنسان ينقدح في ذهنه أن هذا شيء منفصل عن دلالة الكتاب والسنة فيذهب ويجعله دليلًا مُستقلًّا، وإلا فلو تأمل لوجد أن ذلك موجود في الكتاب والسُّنَّة، وأنه لا حاجة إلى أن نثبته دليلًا مستقلًّا.
ولقد تجرأ بعض المتأخرين على الدليل الأول وهو المصالح المرسَلة حتى أدخل فيه ما شهد الشرع ببطلانه.
ومن ذلك: قولهم بإجازة الربا البنكي، وأنه يجوز بِناءً على ما توهموه من المصالح المرسَلة.
وقالوا: إن اقتصاديات العالم في العصر الحاضر لا تتم إلا باستعمال هذه الطريقة، فالألفاظ والأساليب إذا جاءت على غير ما جاء في الكتاب والسُّنة يحصل بها مفسدة فهنا أدخلوا شيئًا شهد الشرع ببطلانه، وإذا شهد الشرع ببطلانه فإننا نشهد أنه ليس فيه مصلحة، وأن المصلحة الموهومة منه يخلفها مفاسد كثيرة.
فلهذا نحن نرى ألا..
فلنجعل دليلًا مستقلًّا وإلا فليس من الشرع، وليس فيه مصلحة، والمصالح الموهومة فيه إذا كانت مخالفة للشرع لا بد أن يخلفها مفاسد كثيرة.
* من فوائد الآية الكريمة: أن رسالة النبي عليه الصلاة والسلام تتضمن من حيث الجزاء أمرين: هما البشارة والإنذار، البشارة لمن أطاع، والإنذار لمن خالف سواء كانت تلك الطاعة عامة أو في بعض الأشياء، وكذلك نقول في المخالفة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن مآل الناس إما إلى جنة، وإما إلى نار وليس ثمة دار ثالثة؛ لأن البشارة بالجنة، والإنذار بالنار، وليس هناك دار ثالثة يصل الناس إليها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الترغيب في طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر ٢٤]، والتخويف من مخالفته؛ لقوله: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: لطف الله تعالى بعباده بإرسال الرسل إلى جميع الخلق ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤]، وقد بَيَّن الله سبحانه وتعالى ذلك في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٧]؛ يعني إلا لنرحم بك العالمين، وليس الرسول نفسه هو الرحمة، ولكنه أرسل لرحمة الخلق؛ ليرحم الله الخلق برسالته.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: بطلان الاحتجاج بالقدَر على معصية الله؛ لقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾. ولو كان الاحتجاج بالقدَر على المعاصي والمخالفات، لو كان ثابتًا لم يرتفع بإرسال الرسل؛ لأن القدَر لا يرتفع بإرسال الرسل، فالرسل أرسلهم الله تعالى إقامةً للحجة على الخلق ورحمةً بهم أيضًا، لهذا ولهذا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن النبي ﷺ ليس ببِدْع من الرسل حتى تُنكَر رسالته، ويقال: كيف جاء هذا الرجل برسالة من عند الله؟ ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾، ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف ٩].
* ومن فوائد الآية الكريمة: قصور العقول عن معرفة ما يجب لله تعالى؛ لأنها لو استقلت بذلك ما احتاجت إلى إرسال الرسل.
* ومنها أيضًا: بطلان ما ذهب إليه المتكلمون من أهل البدع الذين بنوا عقيدتهم على ما يقتضيه العقل وقالوا: ما اقتضى العقل إثباته لله أثبتناه سواء كان مذكورًا في الكتاب والسنة أم لم يُذكر، وما نفاه العقل وجب علينا نفيه، وإن ذُكِر في الكتاب والسنة، وما لم يدل العقل على نفيه وإثباته فإننا نتوقف فيه، وأكثرهم قالوا: ننفيه؛ لأنه لا بد من دلالة العقل على إثباته، فإذا لم يدل على إثباته وجب نفيه؛ لعدم وجود الدليل، ويش تقول في هذه الفائدة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: وإثباته، وما لا يقتضي إثباته ولا نفيه؟
* الطالب: يتوقفون وأكثرهم (...).
* الشيخ: تؤخذ من قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾. ووجه ذلك أنه لو كانت العقول هي المرجع ما احتيج إلى إرسال الرسل.
فاطر 35:25
ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ أي: أهل مكة، هذا تفسير للواو في قوله: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [فاطر ٢٥]؛ يعني فليس ببدع أن يكذبك قومك؛ لأن الذين من قبلهم كذبوا الرسل كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾ [الأنعام ٣٤]؛ يعني ليس الأمر مقتصرًا على أنه التكذيب فقط بل تكذيب وأذية بالقول وأذية بالفعل، بل أعظم من ذلك القتل، فإن كثيرًا ممن أرسل الله إليهم الرسل قتلوهم.
يقول: (﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ أي أهل مكة)، لماذا نخصهم بأهل مكة؟ الصحيح أنه ليس خاصًّا بأهل مكة، بل أهل مكة وغيرهم، الرسول كذبه أهل مكة، وكذبه أهل الطائف، وغيرهم من المشركين، فالصواب العموم ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، ﴿الَّذِينَ﴾ ويش تعربونه؟
* طلبة: فاعل.
* الشيخ: فاعل، وأين المفعول؟ محذوف؛ أي: فقد كذب الذين من قبلهم رسلهم، قال: ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [فاطر ٢٥] ومع ذلك كفروا.
﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ (الباء) هذه للمصاحبة، ويحتمل أنها للتعدية يعني: أتوا بالبينة التي تبين صدقهم، وقول المؤلف: (المعجزات)، هذا هو تعبير كثير من المتأخرين، ولكن الصواب أن يقال: بالآيات، وأن (البينات) هذه صفة لموصوف محذوف تقديره: بالآيات البينات؛ أي الظاهرة.
والآيات التي جاءت بها الرسل حسية ومعنوية، فمن الآيات الحسية ما جاء به موسى عليه الصلاة والسلام من العصا واليد وغير ذلك، ومن الآيات المعنوية ما جاء به من التوراة، وكذلك عيسى وغيرهما من الرسل، كل رسول لم يأتِ إلا ببينة، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه «مَا مِنْ رَسُولٍ أَرْسَلَهُ اللَّهُ إِلَّا آتَاهُ مِنَ الْآيَاتِ مَا يُؤْمِنُ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٩٨١)، ومسلم (١٥٢ / ٢٣٩) من حديث أبي هريرة.]]، وإنما كان كذلك؛ لأنه ليس من الحكمة، ولا من الحجة، ولا من الرحمة أن يُرسل رسول إلى الخلق يستبيح دماء المخالفين له وأموالهم ونساءهم بدون بينة، حتى لو فُرِض أن أحدًا كذبه وهو لم يأتِ ببينة لكان المكذِّب معذورًا؛ لأن البينة على المدَّعِي فكان من حكمة الله ورحمته وإقامة حُجَّته أن يجعل مع الرسل آيات تشهد بصدق ما جاؤوا به.
وقد ذكر أهل العلم رحمهم الله أن الآيات التي جاءت بها الرسل ولا سيما الآيات الحسية تكون مناسبةً لما كان في عصرهم، أو لأبرز الأمور في عصرهم، وضربوا لذلك مثلًا بأن موسى عليه الصلاة والسلام جاء بالعصا واليد؛ لأنه اشتهر في عصره وبرز في عصره صناعة السحر، فجاء بأمر فوق ما تجيء به السحرة، السحرة إنما يموهِّون ويخيلون وهو جاء بالحقيقة، وألقوا حبالهم وعصيهم، فإذا هو يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، يخيل إليه ولكنه ليس بحقيقة، هو ألقى عصاه فصارت حقيقةً فعلية تلقف ما يأفكون.
قالوا: وعيسى عليه الصلاة والسلام أتى في وقت ترقَّت فيه صناعة الطب، فجاء بأمر يعجز عنه الأطباء ولا يستطيعونه، جاء بإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، وخلق صورة من الطين ينفخ فيها فتطير، تكون طيرًا حقيقيًّا، وهذا يعجز عنه الطب، لا يمكن لأي طبيب يكون أمامه رجل ميت فيقول: قم فيقوم أبدًا، لا يمكن لأي طبيب يأتي إلى المقابر ويقف على القبر ويقول: اخرج؛ فيخرج، وعيسى يفعل ذلك، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ [المائدة ١١٠] تخرجهم من مدافنهم، ولا يمكن لأي إنسان من الأطباء أو غيرهم أن يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيطير، أبدًا، الأكمه والأبرص لا يمكن لأحد أن يبرئه من المرض الذي أصابه بمثل ما يبرئه عيسى عليه الصلاة والسلام، يُؤتَى إليه بذوي العاهات ويمسح بيده عليه ويبرأ يزول؛ يعني هذا البرص الذي قد ملأ الجلد أو أكثره يُمِر يده عليه فلا تتعدى يده مكانًا إلا عاد على طبيعته، هذا لا يستطيع أحد من الأطباء مهما بلغ في الطب أن يصل إلى هذا الحال.
قالوا: ومحمد ﷺ أتى إلى قوم قد بلغوا في البلاغة ذروتها، فجاء بكلام لا يستطيعون مباراته أبدًا وهو كلام الله، وتحداهم الله تعالى في عدة آيات أن يأتوا بسورة مثله، أو بعشر سور مثله، أو بحديث مثله فلم يستطيعوا، المهم أن جميع ما جاءت به الرسل آيات بينات.
يقول: ﴿﴿وَبِالزُّبُرِ﴾ ﴾ قال: (كصحف إبراهيم) (الزُّبُر) جمع (زَبُور) وهو ما يُزْبَر ويُؤْثَر؛ يعني الكتاب، ولو أن المؤلف قال: كزبور داود لكان أنسب للآية؛ لأن صحف إبراهيم ما ذكر الله أنها زبر، ولكن ذكر ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [النساء ١٦٣].
(﴿وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ هو التوراة والإنجيل) الكتاب المنير الصواب أنه ليس التوراة والإنجيل بل كل كتاب بعث الله به الرسول ينير الطريق لأمته، فيشمل التوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم، وغير ذلك، ما من رسول أرسله الله إلا معه كتاب ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد ٢٥]، وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ [البقرة ٢١٣]، فلا يمكن أن نقول: إن نوحًا عليه الصلاة والسلام أُرسل بدون كتاب أبدًا، لا بد أنه أُرسل بكتاب لكن لا يلزم من كونه أُرسل به أن يُذكر لنا هذا الكتاب.
قال: ﴿وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ يقول المؤلف: (فاصبر كما صبروا) هذه الواو حرف عطف، و(الزُّبُر) معطوفة على البينات بإعادة حرف الجر.
* طالب: الباء.
* الشيخ: مثلما قلنا إما أنها للمصاحبة؛ يعني: جاؤوا مصطحبين هذه الأشياء، أو أنها للتعدية كما تقول: أتيته بدرهم، أتيته بطعامه، أتيته بشرابه وما أشبه ذلك. يقول: (فاصبر كما صبروا) وهل صبر الرسول؟ نعم، صبر صبرًا لا يصبره إلا أولو العزم.
قال الله تعالى: (﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بتكذيبهم) الباء للسببية في كلام المؤلف ﴿أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لماذا أخذهم؟ للعقاب، فقوم نوح أغرقهم، وقوم هود أتلفهم بالريح، كذا؟ وقوم صالح بالرجفة والصيحة، وقوم لوط جعل عالي قُراهم سافلها، كل المكذبين أخذهم الله عز وجل؛ ولهذا قال: (﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِير﴾ أي إنكاري عليهم بالعقوبة والإهلاك؛ أي: هو واقع موقعه)؛ يعني أن الاستفهام هنا للتقرير؛ يعني فكان نكيري؛ أي: إنكاري عليهم بالعقوبة كان واقعًا موقعه؛ ولهذا لو سئلت: كيف كان إنكار الله لهم؟ الجواب أن نقول: كان شديدًا، وكان واقعًا موقعه، فهو مطابق للحكمة تمامًا، وهو عقاب شديد لم يُبقِ منهم أحدًا.
* في الآية الكريمة هذه فوائِد، منها: أن تكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام ليس ببدع من البشر، فقد كذبت الأمم قبله ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾.
* ومنها: عناية الله تعالى بالرسول ﷺ بذِكْر ما يسليه ويُهَوِّن عليه الأمر ولَّا لا؟ وذكر المصيبة المماثلة تقتضي تسلية الإنسان وتهوين الأمر عليه؛ ولهذا لو جئت إلى مريض وقلت: والله أنت اليوم طَيِّب، ومرضك أهون من مرض فلان، فلان أُصيب بمرض فيه كذا وكذا. يتسلَّى ولَّا لا؟ يتسلى بلا شك، وكذلك لو أُصِيب بحادث وقلت: إن فلانًا أصيب بحادث أعظم يتسلَّى، إذن ففيه عناية الله تعالى برسوله ﷺ، حيث يذكر له ما يُهَوِّن عليه المصائب ويُسَلِّيه.
* ومن فوائد الآية: إنذار المكذبين لرسول الله ﷺ؛ لأن الله ذكر كيف كان عاقبة الذين من قبلهم، وكان عاقبتهم الدمار والهلاك، وقد أشار الله إلى هذا في قوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد ١٠]؛ يعني: لا تظنوا أن الدمار الذي لحق المكذبين السابقين، لا تظنوا أنه خاص بهم بل إذا كذبتم أصابكم ما أصابهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل لم يترك الرسل هملًا بل آتاهم من البينات ما يؤمن على مثله البشر؛ لقوله: ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾.
* ومنها أيضًا: تمام حكمة الله عز وجل ورحمته وإقامة حجته، لماذا؟ تؤخذ من قوله: ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ لأنه إنما أعطى هؤلاء الرسل البينات لتمام إقامة الحجة والرحمة والحكمة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من أعظم البينات ما جاءت به الرسل من الشرائع التي تضمنتها الكتب، وجه ذلك التنصيص عليها مع أنها من البينات، انتبه، أيضًا هو تنصيص أُعِيد معه العامل ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ﴾ فكأنها مستقلة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكتب السماوية متضمنة للنور، وأن كل من أخذ بها فقد أخذ بنور يمشي به في الظلمات؛ لقوله: ﴿وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾.
* ومنها: أن المفرد إذا أُريد به الجنس صار عامًّا؛ لأن قوله: ﴿بِالْكِتَابِ﴾ هذا مفرد، ولكن هل الكتب التي جاءت الرسل كتاب واحد؟ لا، بل هي كتب كثيرة بحسب الرسل.
فاطر 35:26
ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ أي: أهل مكة، هذا تفسير للواو في قوله: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [فاطر ٢٥]؛ يعني فليس ببدع أن يكذبك قومك؛ لأن الذين من قبلهم كذبوا الرسل كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾ [الأنعام ٣٤]؛ يعني ليس الأمر مقتصرًا على أنه التكذيب فقط بل تكذيب وأذية بالقول وأذية بالفعل، بل أعظم من ذلك القتل، فإن كثيرًا ممن أرسل الله إليهم الرسل قتلوهم.
يقول: (﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ أي أهل مكة)، لماذا نخصهم بأهل مكة؟ الصحيح أنه ليس خاصًّا بأهل مكة، بل أهل مكة وغيرهم، الرسول كذبه أهل مكة، وكذبه أهل الطائف، وغيرهم من المشركين، فالصواب العموم ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، ﴿الَّذِينَ﴾ ويش تعربونه؟
* طلبة: فاعل.
* الشيخ: فاعل، وأين المفعول؟ محذوف؛ أي: فقد كذب الذين من قبلهم رسلهم، قال: ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [فاطر ٢٥] ومع ذلك كفروا.
﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ (الباء) هذه للمصاحبة، ويحتمل أنها للتعدية يعني: أتوا بالبينة التي تبين صدقهم، وقول المؤلف: (المعجزات)، هذا هو تعبير كثير من المتأخرين، ولكن الصواب أن يقال: بالآيات، وأن (البينات) هذه صفة لموصوف محذوف تقديره: بالآيات البينات؛ أي الظاهرة.
والآيات التي جاءت بها الرسل حسية ومعنوية، فمن الآيات الحسية ما جاء به موسى عليه الصلاة والسلام من العصا واليد وغير ذلك، ومن الآيات المعنوية ما جاء به من التوراة، وكذلك عيسى وغيرهما من الرسل، كل رسول لم يأتِ إلا ببينة، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه «مَا مِنْ رَسُولٍ أَرْسَلَهُ اللَّهُ إِلَّا آتَاهُ مِنَ الْآيَاتِ مَا يُؤْمِنُ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٩٨١)، ومسلم (١٥٢ / ٢٣٩) من حديث أبي هريرة.]]، وإنما كان كذلك؛ لأنه ليس من الحكمة، ولا من الحجة، ولا من الرحمة أن يُرسل رسول إلى الخلق يستبيح دماء المخالفين له وأموالهم ونساءهم بدون بينة، حتى لو فُرِض أن أحدًا كذبه وهو لم يأتِ ببينة لكان المكذِّب معذورًا؛ لأن البينة على المدَّعِي فكان من حكمة الله ورحمته وإقامة حُجَّته أن يجعل مع الرسل آيات تشهد بصدق ما جاؤوا به.
وقد ذكر أهل العلم رحمهم الله أن الآيات التي جاءت بها الرسل ولا سيما الآيات الحسية تكون مناسبةً لما كان في عصرهم، أو لأبرز الأمور في عصرهم، وضربوا لذلك مثلًا بأن موسى عليه الصلاة والسلام جاء بالعصا واليد؛ لأنه اشتهر في عصره وبرز في عصره صناعة السحر، فجاء بأمر فوق ما تجيء به السحرة، السحرة إنما يموهِّون ويخيلون وهو جاء بالحقيقة، وألقوا حبالهم وعصيهم، فإذا هو يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، يخيل إليه ولكنه ليس بحقيقة، هو ألقى عصاه فصارت حقيقةً فعلية تلقف ما يأفكون.
قالوا: وعيسى عليه الصلاة والسلام أتى في وقت ترقَّت فيه صناعة الطب، فجاء بأمر يعجز عنه الأطباء ولا يستطيعونه، جاء بإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، وخلق صورة من الطين ينفخ فيها فتطير، تكون طيرًا حقيقيًّا، وهذا يعجز عنه الطب، لا يمكن لأي طبيب يكون أمامه رجل ميت فيقول: قم فيقوم أبدًا، لا يمكن لأي طبيب يأتي إلى المقابر ويقف على القبر ويقول: اخرج؛ فيخرج، وعيسى يفعل ذلك، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ [المائدة ١١٠] تخرجهم من مدافنهم، ولا يمكن لأي إنسان من الأطباء أو غيرهم أن يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيطير، أبدًا، الأكمه والأبرص لا يمكن لأحد أن يبرئه من المرض الذي أصابه بمثل ما يبرئه عيسى عليه الصلاة والسلام، يُؤتَى إليه بذوي العاهات ويمسح بيده عليه ويبرأ يزول؛ يعني هذا البرص الذي قد ملأ الجلد أو أكثره يُمِر يده عليه فلا تتعدى يده مكانًا إلا عاد على طبيعته، هذا لا يستطيع أحد من الأطباء مهما بلغ في الطب أن يصل إلى هذا الحال.
قالوا: ومحمد ﷺ أتى إلى قوم قد بلغوا في البلاغة ذروتها، فجاء بكلام لا يستطيعون مباراته أبدًا وهو كلام الله، وتحداهم الله تعالى في عدة آيات أن يأتوا بسورة مثله، أو بعشر سور مثله، أو بحديث مثله فلم يستطيعوا، المهم أن جميع ما جاءت به الرسل آيات بينات.
يقول: ﴿﴿وَبِالزُّبُرِ﴾ ﴾ قال: (كصحف إبراهيم) (الزُّبُر) جمع (زَبُور) وهو ما يُزْبَر ويُؤْثَر؛ يعني الكتاب، ولو أن المؤلف قال: كزبور داود لكان أنسب للآية؛ لأن صحف إبراهيم ما ذكر الله أنها زبر، ولكن ذكر ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [النساء ١٦٣].
(﴿وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ هو التوراة والإنجيل) الكتاب المنير الصواب أنه ليس التوراة والإنجيل بل كل كتاب بعث الله به الرسول ينير الطريق لأمته، فيشمل التوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم، وغير ذلك، ما من رسول أرسله الله إلا معه كتاب ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد ٢٥]، وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ [البقرة ٢١٣]، فلا يمكن أن نقول: إن نوحًا عليه الصلاة والسلام أُرسل بدون كتاب أبدًا، لا بد أنه أُرسل بكتاب لكن لا يلزم من كونه أُرسل به أن يُذكر لنا هذا الكتاب.
قال: ﴿وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ يقول المؤلف: (فاصبر كما صبروا) هذه الواو حرف عطف، و(الزُّبُر) معطوفة على البينات بإعادة حرف الجر.
* طالب: الباء.
* الشيخ: مثلما قلنا إما أنها للمصاحبة؛ يعني: جاؤوا مصطحبين هذه الأشياء، أو أنها للتعدية كما تقول: أتيته بدرهم، أتيته بطعامه، أتيته بشرابه وما أشبه ذلك. يقول: (فاصبر كما صبروا) وهل صبر الرسول؟ نعم، صبر صبرًا لا يصبره إلا أولو العزم.
قال الله تعالى: (﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بتكذيبهم) الباء للسببية في كلام المؤلف ﴿أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لماذا أخذهم؟ للعقاب، فقوم نوح أغرقهم، وقوم هود أتلفهم بالريح، كذا؟ وقوم صالح بالرجفة والصيحة، وقوم لوط جعل عالي قُراهم سافلها، كل المكذبين أخذهم الله عز وجل؛ ولهذا قال: (﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِير﴾ أي إنكاري عليهم بالعقوبة والإهلاك؛ أي: هو واقع موقعه)؛ يعني أن الاستفهام هنا للتقرير؛ يعني فكان نكيري؛ أي: إنكاري عليهم بالعقوبة كان واقعًا موقعه؛ ولهذا لو سئلت: كيف كان إنكار الله لهم؟ الجواب أن نقول: كان شديدًا، وكان واقعًا موقعه، فهو مطابق للحكمة تمامًا، وهو عقاب شديد لم يُبقِ منهم أحدًا.
* في الآية الكريمة هذه فوائِد، منها: أن تكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام ليس ببدع من البشر، فقد كذبت الأمم قبله ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾.
* ومنها: عناية الله تعالى بالرسول ﷺ بذِكْر ما يسليه ويُهَوِّن عليه الأمر ولَّا لا؟ وذكر المصيبة المماثلة تقتضي تسلية الإنسان وتهوين الأمر عليه؛ ولهذا لو جئت إلى مريض وقلت: والله أنت اليوم طَيِّب، ومرضك أهون من مرض فلان، فلان أُصيب بمرض فيه كذا وكذا. يتسلَّى ولَّا لا؟ يتسلى بلا شك، وكذلك لو أُصِيب بحادث وقلت: إن فلانًا أصيب بحادث أعظم يتسلَّى، إذن ففيه عناية الله تعالى برسوله ﷺ، حيث يذكر له ما يُهَوِّن عليه المصائب ويُسَلِّيه.
* ومن فوائد الآية: إنذار المكذبين لرسول الله ﷺ؛ لأن الله ذكر كيف كان عاقبة الذين من قبلهم، وكان عاقبتهم الدمار والهلاك، وقد أشار الله إلى هذا في قوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد ١٠]؛ يعني: لا تظنوا أن الدمار الذي لحق المكذبين السابقين، لا تظنوا أنه خاص بهم بل إذا كذبتم أصابكم ما أصابهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل لم يترك الرسل هملًا بل آتاهم من البينات ما يؤمن على مثله البشر؛ لقوله: ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾.
* ومنها أيضًا: تمام حكمة الله عز وجل ورحمته وإقامة حجته، لماذا؟ تؤخذ من قوله: ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ لأنه إنما أعطى هؤلاء الرسل البينات لتمام إقامة الحجة والرحمة والحكمة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من أعظم البينات ما جاءت به الرسل من الشرائع التي تضمنتها الكتب، وجه ذلك التنصيص عليها مع أنها من البينات، انتبه، أيضًا هو تنصيص أُعِيد معه العامل ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ﴾ فكأنها مستقلة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكتب السماوية متضمنة للنور، وأن كل من أخذ بها فقد أخذ بنور يمشي به في الظلمات؛ لقوله: ﴿وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾.
* ومنها: أن المفرد إذا أُريد به الجنس صار عامًّا؛ لأن قوله: ﴿بِالْكِتَابِ﴾ هذا مفرد، ولكن هل الكتب التي جاءت الرسل كتاب واحد؟ لا، بل هي كتب كثيرة بحسب الرسل.
فاطر 35:27
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [فاطر: ٢٧] إلى آخره، فيما سبق: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ إلى آخره، الاستفهام هنا للتقرير، وهذا هو الغالب فيما إذا أتى حرف النفي، أو إذا أتت أداة النفي بعد همزة الاستفهام أن يكون للتقرير مثل: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١] ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة ٤٠]، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر ٣٦] وأمثال ذلك، فإذا أتت أداة النفي بعد همزة الاستفهام فالغالب أن يكون الاستفهام للتقرير.
وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ حُذفت الألف للجازم؛ لأن اللام تجزم، والفعل المعتل يُجزم بحذف حرف العلة.
وقوله: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ﴾ [فاطر ٢٧] مبتدأ وخبر، والخبر فيها مُقدَّم، وهو قوله ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ﴾.
وقوله: ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾ صفة لـ﴿جُدَدٌ﴾.
وقوله: ﴿سُودٌ﴾ قيل: إنه على التقديم والتأخير؛ أي: وسود غرابيب، وقيل: إنه على الأصل، وأن ﴿سُودٌ﴾ تقع موقع التوكيد مما قبلها؛ لأن الغِرْبيب هو الشديد السواد.
قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ قال المؤلف: (تعلم) فالرؤية هنا عِلْمية، وعُلِّقت عن العمل بـ(أن) وما دخلت عليه، فإن (أنَّ) وما دخلت عليه تُعَلِّق أفعال القلوب عن العمل، ويحتمل أن تكون الرؤية هنا بصرية؛ يعني: ألم تنظر وتُبصر؛ لأن ما ذُكِر يُرَى بالعين، وما كان يُرَى بالعين فإنه يجوز أن يُراد به الرؤية بالعين، لكن إذا جعلناها علمية كان ذلك أعم؛ لأن هذا الأمر قد لا تراه بعينك، ولكن تسمعه في بلاد أخرى غير بلادك.
وقوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ المراد بالسماء هنا العلو، والمراد بالماء المطر، وليس المراد بالسماء الأجرام السماوية المعروفة؛ لأن الماء إنما ينزل من السحاب، والسحاب عالٍ، ولكنه بين السماء والأرض.
وقوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾. قال: (فيه التفات عن الغيبة) ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ لو كان الكلام على نسق واحد لقال: فأخرج به؛ بضمير الغيبة، لكنه صار فيه التفات عن الغيبة إلى التكلم ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾، والالتفات فيه فائدة بل فوائد؛ فيه فائدة مشتركة في جميع موارده ومواضعه، وهي تنبيه المخاطَب؛ لأن الكلام إذا كان على نسق واحد استمر الإنسان معه، ولم يكن هناك شيء يُوجِب أن ينتبه ويتفطن، فإذا اختلف السياق من غيبة إلى تكلم أو إلى خطاب أو ما أشبه ذلك فإن الإنسان ينتبه؛ يعني كأنه يكون علمًا على تغير الأسلوب لينتبه المخاطَب.
الفائدة الثانية هنا قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ فإن (نا) هذه تفيد التعظيم؛ لأن الإخراج أعظم من الإنزال بالنسبة للنعمة علينا، فإنه لو نزل المطر ولم يخرج النبات؛ لم نستفد من المطر كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم[[(٢٩٠٤ / ٤٤) من حديث أبي هريرة.]] : «لَيْسَتِ السَّنَةُ أَلَّا تُمْطَرُوا، إِنَّمَا السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا فَلَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ شَيْئًا». فلما كان إنعام الله تعالى بإخراج النبات أعظم صار الالتفات إلى التكلم أولى؛ لِعِظَم المنة فيه، قال: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾، وهنا قال: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ﴾، ولم يقل: أخرجنا به نبات، وقد قاله في آية أخرى: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾ [الأنعام ٩٩] لكن هنا قال: ﴿ثَمَرَاتٍ﴾؛ لأن المقصود من هذا الخارج هو الثمرة، فبين الله سبحانه وتعالى الغاية المقصودة وهي الثمرات.
قال: (﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ كأخضر وأحمر وأصفر وغيرها)، وهذا يدل على قُدْرة الله، هذه الثمرات مختلفًا ألوانها، وكلمة ألوان يحتمل أن يكون المراد ما ذكره المؤلف، وهو اللون المختلف بالْحُمرة والصفرة والخضرة وما أشبه ذلك، ويحتمل أن المراد بالألوان الأصناف، فإن الألوان تُطلق على الأصناف كما قال الإمام أحمد رحمه الله في صلاة الليل، في قيام رمضان، قال: رُوِي في ذلك ألوان؛ أي: أنواع وأصناف، وإذا نظرت إلى الخارج من الأرض وجدتَ أنه ذو ألوان في شكله، وذو ألوان في أنواعه وأصنافه ما بين حلو ومُرٍّ ومتوسط وحامض، غير ذلك مما هو معلوم، وهذا الأخير إذا قلنا: إن المراد بالألوان ما يعم الأنواع أشمل مما إذا قلنا: إن المراد بالألوان اختلاف الشكل.
وقد مر علينا قاعدة بأنه كلما كان المعنى أشمل في باب التفسير كان أولى؛ لأن الأشمل يعم الأخص وغيره بخلاف الأخص. قال: ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ﴾ هذه جملة استئنافية يبين الله عز وجل فيها كمال قدرته أيضًا بالنسبة للأرض وطبقاتها.
قال: (﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ﴾ جمع (جُدَّة) طريق في الجبل وغيره) من الجبال جُدَد يعني الطرق؛ يعني شيء يُشبه الطرق لاختلافه عن بقية الجبل وهو مختلِف في اللون، ومختلِف في الماهية أيضًا، نحن نرى بعض الجبال الآن ولا سيما إذا فُتِح الجبل نرى في أثنائه خطوطًا قد تكون سوداء، وقد تكون حمراء، وقد تكون بنية، وقد تكون بيضاء، المهم أننا نجد فيه خطوطًا تُخالِف بقية الجبل، هذه الجدد التي ذكرها الله عز وجل هنا، فالجبال تختلف أيضًا ألوانها، وهذا الاختلاف في اللون يعني الاختلاف في الماهية والحقيقة، ليست الحصاة السوداء كالحصاة البيضاء أو الحمراء، أو ما أشبهها مما يخالفها في اللون، بل لا بد أن يكون هناك اختلاف في طبيعة هذه الحصاة، كما كان اختلاف الثمرات في ألوانها يدل على اختلافها في طعومها وفي ماهيتها.
قال: ﴿جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ﴾ ذكر الله عز وجل ﴿بِيضٌ وَحُمْرٌ﴾ وكان المتوقع أن يقول: بِيض وسُود؛ لأن هذا هو المعروف في مقابلة البياض أن يُقابَل بالسواد، لكنه قال: وحمر؛ لأن الحمر أقرب إلى البياض من السود، وستذكر في قوله: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ هذه الْجُدَد بيض وحُمر، قال المؤلف: (وصفر) ونحن ربما نقول أيضًا: وزُرْق، وغير ذلك من الألوان، والله عز وجل لم يذكر هذين اللونين للحصر، وإنما هو على سبيل التمثيل.
قال: ﴿جُدَدٌ﴾، (﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾ بالشدة والضعف)، هنا فسَّر المؤلف الألوان بماذا؟ بالماهية ولَّا بالأشكال؟ بالماهية؛ لأنه قال: بالشدة والضعف، ولم يقل: باللون اللي هو أحمر وأبيض، على كل حال، الألوان كما قلنا آنفًا تُطلق على الأنواع أحيانًا. هذا الاختلاف في ألوان أحجار الجبال كالاختلاف في ألوان الثمار.
(﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ عطف على ﴿جُدَدٌ﴾ أي صخور شديدة السواد يُقال كثيرًا: أسود غربيب، ويقال قليلًا: غربيب أسود) أولًا: الغرابيب جمع (غِرْبِيب)، والغِرْبيب شديد السواد، وكان مقتضى الترتيب أن يقال: وسُود غرابيب، ولكن الله تعالى قدَّم، قال: غرابيب سود، فعلى هذا زعم بعضهم أن في الكلام تقديمًا وتأخيرًا. وقال بعضهم: بل هو على ترتيبه ليس فيه تقديم وتأخير، ولكن الله سبحانه وتعالى بيَّن الأسود الشديد السواد قبل بيان مطلق السواد، هذا أيضًا مشاهَد ولَّا غير مشاهد؟ نجد في الجبال طُرُقًا يعني كالطريق أو كالخط أسود خالص، وإلى جانبه طريق أبيض أو أحمر أو ما أشبه ذلك، كل هذا دليل على قدرة الله عز وجل.
﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ فنجد نحن أن هذا الاختلاف في الجبال هو كالاختلاف في الثمرات.
* في هذه الآية من الفوائد: التنبيه على أنه ينبغي للإنسان أن يتفكر في خلق الله عز وجل؛ لقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ﴾، فإن هذا تقرير، والتقرير لا يكون إلا بعد أن ينظر المقرَّر فيما قُرِّر به حتى يُقِرَّ به ويعترف.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل وحِكمته ورحمته؛ وذلك بإنزال الماء من السماء، ففيه قدرة عظيمة أن يَنزل هذا الماء الذي يكون بحارًا أحيانًا يُدَمِّر ما مر عليه من البناء، ويجترف الأراضي مع أنه ينزل من هذا السحاب الرقيق الذي تخترقه الطائرة كما نشاهِد، ويتمزق عندما يمر بالجبال وبالبناء، وما أشبه ذلك، تنزل منه هذه المياه العظيمة، هذا تمام القدرة، تمام الرحمة، ما يحصل من هذا المطر من الآثار النافعة للعباد، تمام الحكمة؛ لأن هذا المطر ينزل من أعلى حتى يشمل المرتفع والمنخفض من الأرض، ولو كان يمشي مشيًا كالأنهار لكان الأسفل من الأرض يروى بالماء بل يغرق، وأما الأعلى فلا يصيبه شيء، وهذا من تمام حِكْمة الله عز وجل أنه ينزل من فوق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ﴾ فإن الباء هنا للسببية، ففي الآية إثبات الأسباب، وأن الله سبحانه وتعالى قد قرن الأشياء بأسبابها، وهذا من تمام حِكمته أن تكون الأسباب والمسببات متلازمات، من المعلوم أن الله قادر على أن يُخرِج هذه الثمرات بدون ماء ولكن قد جعل لكل شيء سببًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل بإخراج هذه الثمرات المختلفة الألوان مع أنها في أرض واحدة وتُسقى بماء واحد، ويظهر لك ذلك جليًّا إذا نظرت إلى الزهور، كيف تجد هذا الاختلاف العجيب بينها مع أنها تُسقى بماء واحد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الحكمة في اختلاف هذه الثمرات؛ لأنه لو كانت هذه الثمرات طبيعتها واحدة لملَّ الناس منها، ولم يحصل لهم كمال اللذة، فإذا اختلفت حصل كمال اللذة وعدم الملل والسآمة.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: بيان قدرة الله عز وجل ورحمته وحكمته فيما نرى في الجبال من الجدد المختلفة؛ لأن هذا دليل على القُدرة، حيث جعل هذا بين هذا، ودليل على الحكمة؛ لأن الغالب أن ما في بطون هذه الجبال يكون معادن مفيدة للإنسان، كذلك بيان الرحمة بالخلْق لإيداع هذه الأشياء في بطون هذه الجبال.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: بيان قدرة الله عز وجل، حيث إنه يجعل بعض الجبال فيها السواد الخالص، وقد يكون الجبل كله أسود، وأحيانًا نرى جبلًا أسود وإلى جانبه جبلًا أبيض، فهذا كله من تمام قدرة الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية: ما يترتب على النظر في هذه المخلوقات من الاعتبار والاستدلال بها على ما تتضمنه من صفات الله سبحانه وتعالى.
فاطر 35:28
ثم قال الله عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر ٢٨] جملة ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ جملة خبرية قُدِّم فيها الخبر على المبتدأ. و﴿أَلْوَانُهُ﴾ فاعل ﴿مُخْتَلِفٌ﴾؛ لأن ﴿مُخْتَلِفٌ﴾ اسم فاعل، واسم الفاعل يعمل عمل فعله.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ صفة لقوله: ﴿مُخْتَلِفٌ﴾؛ يعني مختلف كاختلاف ما ذُكِرَ.
وقوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ هي جملة أيضًا مكونة من فعل وفاعل ومفعول به، وفيها حصر، وطريقه ﴿إِنَّمَا﴾، وجملة ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ كالتعليل لما قبلها كما سيأتي إن شاء الله.
قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ﴾ الناس هم البشر، قالوا: وأصلها (أُنَاس)، ولكنها حُذفت الهمزة تخفيفًا لكثرة الاستعمال كما حُذِفت من شر وخير، وأصلهما أشر وأخير، وحُذِفت أيضًا من (الله) على قول كثير من علماء اللغة وأصلها يكون: (الإله)، والمراد بالناس بنو آدم، وسموا بذلك؛ لأنه يأنس بعضهم إلى بعض.
قال: ﴿وَالدَّوَابِّ﴾ جمع (دابَّة)، وتطلق على عدة معانٍ، تطلق على كل ما دب على الأرض، كما في قوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور ٤٥]، وكما في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود ٦]، يشمل كل ما دب على الأرض من إنسان وحيوان وحشرات وغير ذلك، وتُطلق الدابة على ما يدب على بطنه مثل الحيَّات، وتُطلق الدابة على ذوات الأربع كالحمار، فما المراد بها في هذه الآية؟
نقول: المراد بها ما عدا الناس والأنعام، فتشمل كل ما دب على الأرض إلا الناس والأنعام، فإن قلت: لماذا لا تجعلها شاملة، وتجعل هذا من باب عطْف العام على الخاص بالنسبة لـ﴿النَّاسِ﴾، ومن باب عطف الخاص على العام بالنسبة لـ﴿الْأَنْعَامِ﴾؟
يعني لو قال قائل: المراد بالدواب كل ما دب على الأرض، لكنها عُطِفت على الناس من باب عطف العام على الخاص، وعُطفت الأنعام عليها من باب عطف الخاص على العام.
قلنا: هذا ممكن، لكن التقسيم يبعده، فيكون المراد بالدواب ما عدا الناس والأنعام، والمراد بالأنعام ما ينتفع الناس به كما قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ [الزخرف ١٢]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ [يس ٧١ - ٧٣]، فيكون المراد بالأنعام هنا ما ينتفع الناس به كالإبل والبقر والغنم والطيور الحلال وغير ذلك.
﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ﴾. ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ هل المراد اللون، الشكل، أو الصنف أيضًا؟ يشمل، فالناس مثلًا تختلف ألوانهم، هذا أبيض، وهذا أسود، وهذا أحمر، وهذا بين ذلك، واختلاف اللون ظاهر، تختلف أجناسهم أيضًا، هذا ذَكَر، وهذه أنثى، هذا عالِم، وهذا جاهل، هذا أحمق، وهذا حليم، وعلى هذا فقِسْ.
الدواب كذلك تختلف ألوانها بالشكل، وتختلف أصنافها وأنواعها، منها المؤذي، ومنها الضار، ومنها النافع، ومنها ما ليس بضار، ولا نافع، ولا مؤذٍ؛ فهي أربعة أصناف: منها النافع، ومنها الضار، ومنها المؤذي، ولكن لا يضر، ومنها ما ليس مؤذيًا ولا ضارًّا؛ مثال النافع: الأنعام، ومثال الضار: الحيات، والعقارب، والسباع، وما أشبهها، ومثال المؤذي: الصراصر، والخنفساء، والجعلان، وما أشبه ذلك، الناموس قد يكون ضارًّا، ومثال ما ليس بمؤذٍ ولا ضار؛ النمل وغيره أيضًا من الدواب الكثيرة اللي نشوفها، طيور مثلًا تأتي نرى طيورًا تطير في الجو ليست حلالًا مثلًا ولكنها لا تضر.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ قال المؤلف: (كاختلاف الثمار والجبال) فصار الاختلاف في مخلوقات الله تعالى شاملًا للحيوان ولما ينتفع به الحيوان من الثمار وغيرها ولطبقات الأرض كالجبال.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ لما ذكر هذه الأصناف، وفيها ما يدل على كمال الله عز وجل في صفاته التي تتضمنها هذه الأصناف المذكورة بَيَّن أن العالم بذلك هو الذي يخشى الله، فقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ يعني لا يخشى اللهَ إلا العلماء، والخشية هي أعلى الخوف، أو إن شئت فقل: هي الخوف المبني على العِلْم، وبعضهم قال: هي الخوف المبني على عِظَم الْمَخُوف ولا يمتنع أن تكون الخشية هي الخوف بكل الأنواع الثلاثة؛ يعني هي أعلى أنواع الخوف، أو الخوف المبني على العلم، أو الخوف المبني على عِظَم الْمَخُوف، أما الخوف المجرد عن الخشية؛ فهو قد يكون عن جهل يخاف الإنسان من شيء؛ لأنه جاهل به، وإلا فليس أهلًا لأن يُخَاف منه (ككفار مكة)، وصدق المؤلف في قوله: (بخلاف الجهال) وأما التمثيل بكفار مكة، فليس على سبيل الحصر بل هو على سبيل المثال، فكل كافر فهو في الحقيقة جاهل، وهي جهالة العلم ولَّا جهالة التصرف؟ جهالة التصرف في الغالب، وإلا فإن الكافر يكون عنده علم لكنه -والعياذ بالله- يستمر على طغيانه ولا يؤمن.
(...) قال تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ الاستفهام هنا (...) لإثبات الأسباب؛ لزم علينا القول بوجوب الفعل؛ لأن السبب يستلزم وجود المسبَّب، وهذا يقتضي أن نُوجب على الله عز وجل وجود المسبَّب لوجود السبب، علماء الكلام أنكروا الحكمة كالجبرية مثلًا، أنكروا حِكمة الله، يقولون: لأنه لو قلنا بثبوت الحكمة والسببية؛ لزم من ذلك أن نُوجِب على الله تعالى أن يفعل كما قال ذلك خصومهم من المعتزلة، المعتزلة يقولون بوجوب الأصلح، وبعضهم يقول بوجوب الصلاح على الله عز وجل؛ لأن هذا مقتضى الحكمة، وأولئك الجهمية بالعكس يقولون: إن الله عز وجل يخلق الشيء بدون سبب، وبدون حكمة؛ لأنك لو أثبت الحكمة والسبب لزم إيجاب المسبَّب أو الفعل الذي يكون مسببًا لهذا السبب، وهذا يقتضي أن نوجب على الله عز وجل فعل الشيء، فما هو الجواب؟
نقول: إن إثبات الحكمة أو السبب لا يستلزم أن نُوجب على الله، ولكن مقتضى كونه حكيمًا أن يفعل، وأن يوجد المسبَّب عند وجود السبب، ونحن لم نوجبه ولكن الذي أوجبه الله على نفسه بمقتضى اسمه (الحكيم) ووصفه بالحكمة، وإيجاب الله على نفسه ليس بممتنع، كما أن تحريمه على نفسه ليس بممتنع، فقد قال الله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام ٥٤]، وقال تعالى في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر.]]. فلله أن يُحرِّم على نفسه، وأن يُوجِب على نفسه ما شاء، أما نحن فلا، فإذا قيل مثلًا: هذا مصلحة، فيجب أن يكون، فإننا نقول: نعم، نلتزم بهذا، ولكن هل نحن الذين أوجبناه على الله؟ لا، بل الله هو الذي أوجبه على نفسه، وهذا لا ينافي كماله، بل هو من مقتضى كماله، إلا أن المحذور هنا في هذا الباب أن نظن أن المصلحة في كذا، وحقيقة الأمر أن المصلحة في عدمه، هذا هو الذي يُخشى منه، وحينئذٍ نعتقد أن هذا واجب على الله وهو لم يجب، نعتقد أنه واجب على الله بمقتضى فهمنا أن هذا مصلحة وخير، ثم نوجبه على الله، هذا هو المحذور، أما إذا تُحقِّقت المصلحة، فلا مانع من أن نقول: إن الله سبحانه وتعالى أوجب على نفسه أن تكون المصلحة؛ لأن هذا هو مقتضى اسم الله الحكيم، وفي هذه الحال لم يحصل منا أي عدوان أو ظلم، بل قلنا بمقتضى حكمة الله سبحانه وتعالى. هنا قال: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ﴾ (...) وتعالى.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ أي: ذو عزة، قال العلماء: والعزة ثلاثة أنواع: عزة القدْر، وعزة القهْر، وعزة الامتناع؛ فأما عِزَّة القدْر فمعناه أن الله تعالى ذو قدْر عزيز، والقدْر بمعنى المكانة والشرف والسؤدد ونحو ذلك، عزة القهر؛ أي أن الله تعالى غالِب غير مغلوب، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص ٢٣] أي: غلبني.
عزة الامتناع؛ أي: أن الله سبحانه وتعالى يمتنع عليه النقص في ذاته أو في صفاته، ومنه قولهم: أرضٌ عَزَازٌ؛ أي: شديدة صلبة، لا يتجاوزها شيء لصلابتها، ولا يؤثر فيها شيء؛ لقوتها وشدتها، فالعزة إذن ثلاثة معانٍ؛ عزة القدْر، وعزة القهر، وعزة الامتناع.
﴿غَفُورٌ﴾ أي: ذو مغفرة كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد ٦]، والمغفرة سَتْر الذنب والتجاوز عنه، يدل لذلك اشتقاقها، فإنها مشتقة من الْمِغْفَر، وهو ما يُغَطَّى به الرأس، وتُتَّقى به السهام، وفي الْمِغْفَر ستر ووقاية، وعلى هذا فنقول: الغفور ذو المغفرة، وهي سَتر الذنب والتجاوز عنه، ويدل لهذا المعنى زيادةً على دلالة الاشتقاق ما ثبت في الحديث الصحيح: أن الله عز وجل يخلو بعبده المؤمن فيقرره بذنوبه حتى يقر بها، ثم يقول: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث ابن عمر.]]. يعني أتجاوز عنها، وفي الدنيا ستَرَها الله على العبد، ومناسبة ذِكْر العزة والمغفرة هنا بعد ذِكْر الخشية الإشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى أهل لأن يُخشَى؛ لأنه عزيز، وأنه إذا نقص شيء من الخشية فإنه يُقابَل بماذا؟ بالمغفرة فهو عزيز؛ فلذلك كان أهلًا للخشية، وهو غفور إذا نقص شيء مما يجب له من خشيته سبحانه وتعالى.
أما فوائد الآية فإننا نقول وبالله نقول:
* يستفاد من الآية الكريمة: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى باختلاف ألوان الناس والدواب والأنعام؛ أي أصنافها وأشكالها؛ لأن اختلاف هذه الألوان وهي شيء واحد، أو نوع واحد دليل على القدرة، فبنو آدم مثلًا لا يمكن أن يشترك شخصان، أو أن يتماثل شخصان في كل شيء أبدًا إن قُدِّرَ تماثلهما في الخِلْقَة فسيختلفان في الْخُلُق، والتساوي في الخلق أمر مستحيل؛ لأن الناس يتباينون فيه تباينًا عظيمًا، يتباينون فيه تباينًا أشد من التباين الخلقي، وإن كان التباين الخلقي أظهر؛ لأنه يُشاهَد ويُرَى، لكن التباين الخلقي أشد؛ لأنه لا يمكن أن يتفق الناس فيه، أو أن يتساوى الناس فيه أبدًا؛ لأن أي كلمة تحصل من أحدهما دون الآخر يحصل فيها التباين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة خشية الله عز وجل، حيث لا يتصف بها إلا العلماء.
* ومن فوائدها أيضًا: فضيلة العلم؛ لكونه سببًا لخشية الله عز وجل، والخشية صفة لها آثار حميدة؛ لأن الإنسان إذا خشي ربه فإنه يتجنب معاصيه، ويفعل أوامره خوفًا منه سبحانه وتعالى؛ ولهذا لما ذكر الله عز وجل ثواب ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة ٧، ٨]. قال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ وهو دليل على أن الخشية تُوجِب الإيمان والعمل الصالح.
* ومن فوائدها: إثبات اسمين من أسماء الله وهما العزيز والغفور، وإثبات ما تضمناه من الصفة، وهي العزة والمغفرة، وإثبات ما تضمناه من الحُكم وهو الأثر، صح؟ أما الغفور فنعم، لها أثر وحُكم، كما قال تعالى في آخر سورة البقرة: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ٢٨٤].
(العزيز) هل لها حكم؟ ما هو قلنا: إن من معانيها الغَلَبة، وإذا كانت (عَزَّ) بمعنى (غَلَبَ) صارت متعدية فيكون لها حُكم أي أثر، إذن إثبات ما تضمنه الاسمان من الصفة والْحُكم الذي نُعَبِّر عنه أحيانًا بالأثر، ومَرَّ علينا فيما سبق أن أسماء الله عز وجل إما لازمة وإما متعدية؛ فاللازمة يُثبت منها الاسم والصفة، والمتعدية يُثبت منها الاسم والصفة والأثر.
* طالب: قول المؤلف في ملكه.
* الشيخ: (﴿إنَّ اللَّه عَزِيز﴾ في ملكه ﴿غَفُور﴾ لذنوب عباده المؤمنين) ما شرحنا كلام المؤلف.
قوله: (﴿إنَّ اللَّه عَزِيز﴾ في ملكه) هذا مبني على أن العزة بمعني الغلبة كما يفسرها كثير من المفسرين بذلك فيقول: العزيز أي: الغالب، ولكن هذا التفسير الذي ذكرناه ما نطلقها في ملكه، تقول: هو عزيز ولا نقيدها في الملك؛ لأن الله سبحانه وتعالى عزيز في ملكه وعزيز في صفاته كلها، وعزيز في شرعه؛ فالعزة عامة ما دمنا نقول: إنها عزة الامتناع والقدْر والقهر.
وأما (﴿غَفُور﴾ لذنوب عباده المؤمنين) فتقييدها بذلك أيضًا فيه نظر، ولو قال المؤلف: غفور لمن تاب إليه، أو لمن استغفره لكان أشمل؛ لأن الله تعالى يغفر حتى لغير المؤمنين إذا تابوا إلى الله ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال ٣٨] ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر ٥٣]؛ فالتعميم أوْلَى من التخصيص.
فاطر 35:29
ثم قال تعالى: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ [فاطر ٢٩] زكاةً وغيرها ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ تهلك) الإعراب في هذه الآية واضح، ما فيه إشكال إلا أن قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ﴾ تحتاج إلى خبر، فما هو الخبر؟ الخبر جملة ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ فهذا هو الصحيح من أقوال المعربين؛ يعني: إن هؤلاء فعلوا ذلك يرجون تجارةً لن تبور، فجملة ﴿يَرْجُونَ﴾ هي خبر ﴿إِنَّ﴾.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ قال المؤلف: (يقرؤون). والصواب أن التلاوة أعم من القراءة، فالتلاوة نوعان تلاوة لفظية وهي القراءة، وتلاوة عملية وهي اتباع القرآن تصديقًا للخبر وامتثالًا للأمر؛ ولهذا يقال: تلاه بمعنى تبعه؛ أي: جاء بعده، فالتلاوة أعم من القراءة، وهو التلاوة نوعان؛ تلاوة لفظية، وتلاوة عملية: تلاوة لفظية أن يقرأ الإنسان القرآن، والتلاوة العملية أن يتَّبعه بامتثال أوامره وتصديق أخباره أو بموافقته، وتصديق أخباره، التلاوة العملية تستلزم فهم المعنى ولَّا لا؟ نعم؛ لأنه لا يمكن أن يعمل إلا بما يفهم، وعلى هذا يكون فعل الصحابة رضي الله عنهم تطبيقًا لهذه الآية تمامًا؛ لأنهم لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل قالوا: «فَتَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ وَالْعِلْمَ وَالْعَمَلَ جَمِيعًا»[[أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار (١٤٥٢) والفريابي في فضائل القرآن (١٦٩) من حديث أبي عبد الرحمن السلمي.]].
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ﴾ فعل مضارع يدل على الاستمرار بخلاف ما لو قال: إن الذين تلوا في الماضي فإنه لا يفيد المعنى الذي يفيده المضارع ﴿يَتْلُونَ﴾.
وقوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾ هل هو القرآن أو هو أعم من ذلك؟ الجواب: أعم من ذلك.
﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾ الكتب التي أنزلها الله تعالى على الرسل، فيشمل جميع الكتب؛ لأن هذا الحكم يشمل المؤمنين من هذه الأمة والمؤمنين ممن سبقهم، فيكون المراد بالكتاب هنا ﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾ المراد به كل كتاب أنزله الله تعالى على رسله.
﴿يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ معطوفة على ﴿يَتْلُونَ﴾. قال المؤلف: (أداموها)، والصواب خلاف ما قاله المؤلف؛ يعني معناه أننا نختار كلمةً أشد مطابقةً للفظ، أقاموا الصلاة أي أتوا بها مستقيمة، فيشمل فِعْل الصلاة تامةً بشروطها وأركانها وواجباتها ومستحباتها، ويشمل الإدامة ولَّا لا؟ يشمل الإدامة أيضًا؛ لأن الإدامة من الإقامة، وعلى هذا نقول: (أقاموا الصلاة)؛ أي: فعلوها قائمةً أي مستقيمة على الوجه المطلوب منهم، لو أن الإنسان أدام الصلاة لكن يُخِل بأركانها أو واجباتها، فهل يُقال: إنه أقام الصلاة؟ لا، فالرجل الذي جاء يصلي ولا يطمئن كان يصلي هذه الصلاة منذ أسلم والرسول عليه الصلاة والسلام قال له: «صَلِّ؛ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧ / ٤٥) من حديث أبي هريرة.]]. مع أنه يُديم الصلاة ويصلي لكنه لم يُصَلِّ حيث إنه لم يأتِ بها قائمةً على الوجه المطلوب، فالصواب أن الإقامة هنا بمعنى أن يفعلها على الوجه المطلوب منه، والصلاة معروفة للجميع لا تحتاج إلى تعريف؛ لأنها عبادة ذات أقوال وأفعال معلومة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم.
قال: ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ أنفقوا بمعنى بذلوا وأخرجوا. ﴿مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ مما أعطيناهم؛ لأن الرزق بمعنى العطاء.
وقوله: ﴿مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ هل (مِن) لبيان الجنس أو هي للتبعيض؟ الأَوْلى أن نجعلها لبيان الجنس؛ لتشمل ما لو أنفقوا جميع أموالهم على الوجه الذي يرضاه الله ورسوله فإنهم يدخلون في هذا الوصف.
وقوله: ﴿سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ ﴿سِرًّا﴾ مصدر، ولكنها في موضع الحال؛ أي: مُسِرِّين ومعلنين؛ الإسرار أن يخفوا الإنفاق فلا يعلم به إلا الْمُنفَق عليه، والإعلان أن يُظهِروه للناس إما إظهارًا كاملًا شاملًا، وإما أن يكون إظهارًا نسبيًّا يعلم به من حولهم، كل ذلك يمدحون عليه، وسيأتي إن شاء الله في ذكر الفوائد أن هذا يكون بحسب الحال.
قال: (زكاةً وغيرها)، غير الزكاة كالإنفاق الواجب على الأقارب وكصدقات التطوع، فالإنفاق هنا شامل.
قال: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ ﴿يَرْجُونَ﴾ يعني يُؤَمِّلون، ويطلبون منه هذه التجارة.
﴿تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ أي: لن تهلك كما قال المؤلف، ما هذه التجارة؟ التجارة ذكرها الله عز وجل في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الصف ١٠ - ١٢]، فهنا عِوَض ومُعَوَّض؛ العِوَض الإيمان بالله والجهاد في سبيله، الْمُعَوَّض ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ [الصف ١٢]، هذه التجارة لا شك أنها أربح التجارات، وأنها أبقى التجارات، أربح التجارات؛ لأن الربح فيها العشر مئة ولَّا لا؟ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وأبقى كذلك هي أبقى التجارات بلا شك؛ لأنها في جنات عدن؛ أي: في جنات إقامة لا ظعن فيها، والله أعلم.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ إلى آخره، ما المراد بتلاوة (...).
* يستفاد من هذه الآية فوائد، منها: فضل تلاوة كتاب الله عز وجل؛ لقوله: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾.
* ومنها: أن الرجاء ينبغي أن يكون في محله، بحيث يكون الإنسان قد عمل عملًا يرجو الثواب عليه، أما الرجاء بدون عمل فهو من التمني الذي لا ينفع العبد، وفي الحديث: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِيَّ»[[أخرجه الترمذي (٢٤٥٩) وابن ماجه (٤٢٦٠) من حديث شداد بن أوس.]]. فلا رجاء إلا بعمل، وفي الحديث الصحيح أيضًا: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ»[[أخرجه مسلم (٢٨٧٧ / ٨٢) من حديث جابر بن عبد الله.]]، وفي الحديث الصحيح: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]. وكل هذه النصوص وما أشبهها إنما تكون فيمن يعمل ما يمكن أن يرجو به ذلك، وأن يُحسِن به الظن، لو أن أحدًا أساء واستكبر عن عبادة الله وقال: أنا أُحسِن الظن بالله، لكان هذا ظن وهم لا بد من شيء يبني عليه هذا الظن، لو قال: أنا أرجو رحمة الله. قلنا: هذا وَهْم حتى تعمل؛ ولهذا قال تعالى في سورة البقرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [البقرة ٢١٨] هؤلاء هم الذين يرجون، وهنا أيضًا مثلها.
* من فوائد الآية الكريمة: أن الثواب في الآخرة لا ينقطع؛ لقوله: ﴿لَنْ تَبُورَ﴾ بل ربما نقول: إن هذا أعم بحيث يُثاب الإنسان في الدنيا ثوابًا مستمرًّا إلى الآخرة؛ لأن الحسنات قد يرى الإنسان ثوابها في الدنيا، وثوابها في الدنيا يستمر إلى الثواب في الآخرة كما قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [النحل ٣١، ٣٢].
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضْل إقامة الصلاة؛ لقوله: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾، وهو شامل -كما قلنا في التفسير- شامل لفرض الصلاة ونفلها، فما تُقام به الفريضة تُقام به النافلة، وما تقام به النافلة تُقام به الفريضة إلا بدليل يدل على الفرق بينهما، وأظننا قد جمعنا الفروق بين فرْض الصلاة ونفلها فبلغت ثمانيةً وعشرين فرْقًا؛ منها ما هو واضح دلت عليه السنة، ومنها ما هو دون ذلك، المهم أن الأصل أن إقامة الفريضة إقامة للنافلة، وإقامة النافلة إقامة للفريضة، هذا الأصل، فما ثبت في إحداهما ثبت في الثاني إلا بدليل.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: فضيلة الإنفاق؛ لأنه أعقب الصلاة به، ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا﴾، وهو يدل على أن هذا الإنفاق يشمل الزكاة وغير الزكاة؛ لأن الله تعالى يقرن دائمًا في الذكر بين الصلاة والزكاة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المنفِق ليس مانًّا على الله عز وجل؛ لأنه إنما ينفق مما رزقه الله، فمهما بلغت بك نفسك من الإعجاب والكبرياء على إنفاقك فاذكر قوله: ﴿مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ كل شيء تنفقه فليس لك فيه مِنَّة على الله عز وجل، بل لله المنة عليك به في إيجاده وفي إنفاقه؛ في إيجاده؛ لأنه لولا أن الله رزقك ما حصل لك، وفي إنفاقه؛ لأن كثيرًا من الناس يبخلون بما آتاهم الله من فَضْلِه ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ [آل عمران ١٨٠]، فمن نِعمة الله عليك أن يَمُنَّ عليك بالإنفاق بعد أن من عليك بالرزق والعطاء.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الإنفاق، لا نقول: إن الإسرار فيه أفضل ولا إن الإعلان فيه أفضل بل هو بحسب الحال، فتارةً يكون الإنفاق سرًّا أفضل وتارة يكون الإنفاق علنًا أفضل، حسب ما تقتضيه الحال بخلاف الصَّدَقة؛ فالأصل فيها السر، قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة ٢٧١]؛ لأن الصدقة فيها نوع مِنَّة على الْمُعْطَى، فربما ينكسر أمام الناس إذا أُعْلِنت الصدقة له، فصار إخفاؤها أفضل، وفي الحديث الصحيح في الذين يظلهم الله في ظله: «رَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٢٣)، ومسلم (١٠٣١ / ٩١) من حديث أبي هريرة.]].
أما الأشياء العامة والْمُعلَنة كما لو أردنا أن ننفق في مشروع خيري عام، لا يظهر فيه المِنَّة على شخص معين فهنا قد يكون الإعلان فيه أفضل، وكذلك لو أن شخصًا جاء إلينا وقال: أرجو أن تجمعوا لي من الناس، فهنا ربما يكون الإعلان أفضل من أجل أن يقتدي بك غيرك، وهذا الرجل الذي طلب منا أن نجمع له، لا يهمه أن يعلم الناس بأنه يُتصدق عليه أو لا يتصدق.
المهم أن نقول: إن السر والإعلان في الإنفاق كله خير لكن الصدقة الأفضل فيها السر لما في إظهارها من كسر قلب الْمُعْطَى، وأما الأشياء العامة أو الصدقة على شخص معين هو الذي طلب منا أن نجمع له مثلًا فهذا قد يكون الإعلان فيه أفضل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: التنبيه على الإخلاص؛ لقوله: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً﴾ لا يريدون تجارةً تبور وتهلك؛ يعني لا يريدونها سُمْعة؛ لأن السمعة والجاه بين الناس لا شك أنه كسب للمرء، ويُعتبر تجارة، لكن هذه تجارة هالكة تزول بزوال الشخص، أو تزول بزوال ما اشتهر به؛ لأن من حُمِدَ على شيء ذُمَّ على فقده، لكن الذي يرجو ثواب الله ويُحسِن النية والقصد هذا هو الذي حصل على تجارة لن تبور، ففيه التنبيه على الإخلاص، وأنه ينبغي للإنسان أن يكون مخلصًا لله تعالى في عمله اللازم أو القاصر والمتعدي، القاصر كالصلاة، والمتعدي كالصدقة.
فاطر 35:30
ثم قال الله عز وجل: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر ٣٠] قال: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ﴾ أي: يعطيهم أجورهم وافية كاملة، والضمير ضمير الفاعل يعود على الله؛ لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾.
وقوله: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ﴾ اللام هذه للعاقبة. وقيل: للتعليل، فعلى القول بأنها للعاقبة تكون متعلقة بـ﴿يَرْجُونَ﴾. ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ عاقبتهم أن يُوفيهم الله أجورهم، وعلى أنها للتعليل متعلقة بـ﴿يَتْلُونَ﴾، ﴿وَأَقَامُوا﴾، ﴿وَأَنْفَقُوا﴾ يعني يتلون ليوفيهم أجورهم، أقاموا الصلاة ليوفيهم أجورهم، أنفقوا مما رزقناهم ليوفيهم أجورهم؛ يعني قصدوا ما رَتَّب الله على هذه الأعمال من الأجور، وهذا الفعل ينصب مفعولين أحدهما هنا: (الهاء)، والثاني: (أجور) وهو من أخوات؟
* طالب: من أخوات كسا.
* الشيخ: نعم، من أخوات كسا وأعطى؛ لأنه نصب ما لا يصح أن يكون مبتدأً وخبرًا، وكل فعل ينصب مفعولين لا يصح أن يكون أحدهما خبرًا عن الآخر فهو من باب (كسا).
(﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ﴾ أي: ثواب أعمالهم المذكورة) والتوفية هذه معروفة لنا جميعًا وهو أن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، فمثلًا الصلاة حسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومع الجماعة تكون كم حسنة؟ سبعًا وعشرين حسنة، كل حسنة بعشر أمثالها.
قال: ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ معطوفة على (يوفيهم) ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾؛ يعني يزيدهم عطاءً وأجرًا من فضله، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة ٢٦١].
وقوله: ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يشمل الفضل في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإن الإنسان إذا عمل العمل الصالح مخلصًا لله به حَبَّب الله إليه العمل حتى يزيد في العمل، وهذا شيء مُشاهَد، كذلك إذا أعطى وأنفق زاده الله من فضله، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ أي: يأتي بخلفه؛ فالزيادة إذن تشمل زيادة الأجور، وزيادة الأعمال، وزيادة المال الْمُنفَق منه؛ زيادة الأعمال؛ لأني قلت: كلما عمل الإنسان عملًا صالحًا حَبَّب الله إليه العمل، وزاده فيه؛ زيادة المال ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ ٣٩]، ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم ٣٩]، ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي عطائه الذي يتفضل به عليهم.
(﴿إنَّهُ غَفُور﴾ لذنوبهم ﴿شَكُور﴾ لطاعتهم)، هذا تعليل لما سبق من توفية الأجور والزيادة من الفضل؛ يعني أن الله عز وجل لكونه غفورًا رحيمًا صار يوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله، وفي هذا إشارة إلى مغفرة الله سبحانه وتعالى للعامل وإلى شكره إياه.
(الغَفُور) صيغة مبالغة، أو صفة مُشبَّهة مأخوذة من (الغَفْر)، وهو الستر مع الوقاية؛ لأن أصل هذه المادة الْمِغْفَر والْمِغفر يحصل به الستر والوقاية، إذن ما معنى أن الله غفور؟ معناه أن الله يستر الذنوب، ويتجاوز عن العقوبة، وما أدري ما أكثر ما نذنب فيما بيننا وبين ربنا ومع ذلك يسترها الله عز وجل، وإذا كان يوم القيامة عفا عن عقوبتها؛ وبذلك تتحقق المغفرة.
أما الشكور فنقول في تصريفه كما قلنا في (غفور): إنه إما صيغة مبالغة، وإما صفة مشبهة، فهو سبحانه وتعالى شكور أي: يشكر مَنْ عمل العمل الصالح، ومن شكره إياه أنه يُضاعف له الأجر الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وانظر إلى كمال الله عز وجل في صفته أنه هو الذي يمن عليك بالعمل، ثم يشكرك عليه ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن ٦٠] سبحان الله العظيم! ربنا يحسن إلينا ثم يقول: ما جزاء إحسانكم إلا أن نحسن إليكم، وهو الذي تفضل به أولًا ثم ثانيًا، وهذا يدلك على سعة كرم الله، والحمد لله، وأنه عز وجل واسع الكرم.
* في هذه الآية عدة فوائد، أولًا: أن طلب الإنسان للثواب غاية عظيمة؛ لأن اللام كما أشرنا إليه آنفًا لغير العاقبة، اللام للتعليل، هذا إذا قلنا: إنها للتعليل وهي صالحة للتعليل، فكون الإنسان يعمل من أجل الأجر، هذا لا يُعدُّ نقصًا خلافًا للصوفية الذين يقولون: لا تعبد الله لثواب الله، ولكن اعبد الله لله، فنقول لهم: هذا خطأ، فالله تعالى وَصَفَ أشرف هذه الأمة وخير هذه الأمة بأنهم يريدون فضلًا من الله ورضوانًا، قال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح ٢٩].
ومع ذلك لا نقول: إنك لا تعبد الله لله، اعبد الله لله ولثواب الله، فإنك لن تصل إلى الله إلا بعد وصولك إلى ثواب الله؛ فإن لقاء الله، اللقاء الذي هو الرضا التام إنما يحصل متى؟ في الجنة؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران ١٨٥] هذا الفوز الكامل.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [الرعد ٢٢] متى يرون وجه الله؟ إذا دخلوا الجنة، رؤية وجه الله، الرؤية التامة بعد دخول الجنة، الحاصل أن في هذه الآية وأمثالها ما يدل على ضعف ذلك المسلك الذي سلكه أولئك الصوفية بألا تعبد الله لثواب الله ولكن اعبد الله لله، فنقول: ما أكثر الآيات الدالة على أن العبادة تكون لفضل الله وثوابه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: ضمان الثواب؛ يعني أن الثواب مضمون للعامل الذي يتعامل مع الله عز وجل بناءً على أن اللام للعاقبة؛ أي أن هذا العمل سوف يُوفَّى ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ﴾.
وفيه أيضًا وجه آخر لضمان الثواب؛ أن الله سماه أجرًا، والأجر لا بد أن يُدفَع لمن قام بالعمل، بل جاء في الحديث الصحيح القدسي قال الله تعالى: «ثَلَاثةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ»[[أخرجه البخاري (٢٢٢٧) من حديث أبي هريرة.]]. فإذا كان الله خصم هؤلاء؛ لأنهم لم يعطوا الأجر فإنه يدل على أن الأجر الذي ضمنه الله لعباده سوف يحصل قطعًا، ولكن لا بد أن يكون العمل صحيحًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن جزاء الحسنات أكثر مما يجب؛ لقوله: ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾. وزيادة الفضل شرحناها في التفسير.
* ومِن فوائدها: إثبات الاسمين الكريمين (الغفور) و(الشكور)، وما تضمناه من صفة؛ وهي المغفرة والشكر، وما تضمناه أيضًا من أثر وهو الْحُكْم فإن (غفور) يُؤخَذ منها أنه يغفر، وشكور يُؤخَذ منها أنه يشكر من يستحق الشكر.
* وفيه أيضًا في الآية الكريمة: دليل على ثبوت الأفعال الاختيارية لله عز وجل؛ لقوله: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ﴾، ﴿وَيَزِيدَهُمْ﴾، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة أنهم يثبتون لله تعالى الأفعال الاختيارية؛ أي التي تقع بمشيئته، فإنه تعالى فعَّال لما يريد خِلافًا لمن زعم أن الله تعالى لا يُوصف بشيء حادث أبدًا.
فاطر 35:31
يقول: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [فاطر ٣١] الجملة هنا ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ﴾ جاءت بالصيغة الاسمية المحصورة، وطريق حصرها أمران: الأمر الأول: تعريف ركنيها، وهما المبتدأ والخبر، فـ(الذي) مبتدأ و(الحق) خبر.
وقد قال أهل البلاغة: إن تعريف الركنين من الجملة الاسمية يفيد الحصر، الطريق الثاني من طرق الحصر: هو ضمير الفصل وهو قوله: ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾، فضمير الفصل من فوائده الحصر، وله فائدة ثانية: التوكيد، وله فائدة ثالثة: الفصل بين الخبر والصفة.
يقول: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ﴾، ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ الوحي إعلام الله سبحانه وتعالى أنبياءه ورسله بشريعة من شرائعه، هذا هو الوحي شرعًا، أما في اللغة فقالوا: إن الوحي هو الإعلام بسرعة وخفاء؛ يعني مثل الإشارة والهمس وما أشبهه يسمى وحيًا لكنه في الشرع..
ومنها ما ليس بوحي، أحيانًا يسأل النبي عليه الصلاة والسلام عن شيء ولا يجيب، فينزل عليه الوحي فيجيب بحديث نبوي؛ مثل «قصة يعلى بن أمية الذي كان أحرم بالعمرة وهو متضمِّخ بالخَلُوق، فسأل النبي ﷺ عن ذلك ولكنه لم يجبه حتى جاءه الوحي»[[متفق عليه؛ البخاري (١٥٣٦)، ومسلم (١١٨٠ / ٦) من حديث يعلى بن أمية.]]، وأحيانًا يسأل عن الشيء ثم ينزل به الوحي على أنه كلام الله قرآن، فيبلغه النبي ﷺ.
يقول: ﴿الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [فاطر ٣١] والمراد به هنا القرآن قطعًا؛ بدليل قوله: ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾؛ لأن (من) بيانية، تبين الإبهام في الاسم الموصول (الذي)؛ لأن الاسم الموصول فيه إبهام فإذا جاءت (من) بعده بعد اسم الموصول فهي تبينية.
﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [فاطر ٣١] (القرآن) وهو كتاب بمعنى مكتوب؛ لأن هذه الصيغة (فعال) تأتي كثيرًا بمعنى مفعول، وأمثلتها غراس، بناء، فراش، بمعنى مغروس ومبني ومفروش، فالكتاب بمعنى مكتوب، مكتوب في أي شيء؟ مكتوب في اللوح المحفوظ، مكتوب في الصحف التي بأيدي الملائكة ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس ١١ - ١٦] مكتوب في المصاحف التي بأيدينا، إذن هو مكتوب على ثلاثة أوجه: اللوح المحفوظ، الصحف التي بأيدي الملائكة، الصحف التي بأيدينا.
قال: ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾ [فاطر ٣١] (هو) ضمير فصل، و(الحق) خبر (الذي)، فـالذي أوحى الله إلى رسوله ﷺ هو الحق، أكد الله ذلك بكم مؤكد؟ بمؤكدين: ضمير الفصل، وتعريف ركني الجملة ﴿الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ﴾ [فاطر ٣١].
وقوله: ﴿الْحَقُّ﴾ يعني الشيء الثابت صدقًا في الأخبار وعدلًا في الأحكام، فأحكام القرآن كلها عدل، وأخباره كلها صدق، ليس فيها كذب بوجه من الوجوه، وليس في أحكامه جور بوجه من الوجوه؛ لأنك إذا تأملت أحكامه وجدته قد أعطى كل ذي حق حقه؛ فلهذا كان عدلًا في الأحكام، وإذا تأملت أخباره وجدتها كلها صدقًا، وهذا هو الصدق في الأخبار، وقد قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام ١١٥].
قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر ٢٩] أخذنا المناقشة فيها؟
﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [فاطر ٣١]، قوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ قال المؤلف: (تقدمه من الكتب) يعني مصدقًا لما تقدمه من الكتب؛ لأن الكتب التي سبقته تكون بين يديه، ألا ترى إلى الرجل يكون أمامك فهو قد سبق، وتقول: إن الرجل بين يدي، وربما يقال: ما بين اليدين للشيء المستقبل؛ لأنه أمامك أيضًا؛ كما في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة ٢٥٥] أي: مستقبلهم وماضيهم.
وقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ كيفية التصديق للكتب السابقة من وجهين:
الوجه الأول: أنه صدقها، أي: أثبت أنها صادقة، فالقرآن يثبت صحة التوراة والإنجيل والزبور وغير ذلك من الكتب، ويبين أنها صدق.
كذلك الوجه الثاني: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ لأن الكتب السابقة أخبرت به، فنزوله يكون تصديقًا لها، فهو مصدق لما بين يديه من وجهين:
الوجه الأول أنه صدق ما سبقه، أي: قال: إنها كتب صادقة ثابتة، وأوجب الإيمان بها.
والوجه الثاني: أنه صدق ما أخبرت به، أي: نزل مطابقًا لما أخبرت به، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء ١٩٦] القرآن، ﴿زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ كتبهم، يعني أنه موجود في كتبهم، وأنه سوف ينزل كما أن محمدًا ﷺ كذلك قد أخذ العهد والميثاق على كل نبي أن يصدق به، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ [آل عمران ٨١]، المهم أن تصديقه لما بين يديه من وجهين.
قال: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر ٣١] (عالم بالبواطن والظواهر)، هذه الجملة تعلقها بما قبلها أنها تفيد تحذيرًا وإنذارًا وترغيبًا، فهي ترغيب وترهيب لأنه لما أخبر بأن هذا القرآن هو الحق فقد انقسم الناس في هذا الحق إلى قسمين؛ قسم صدق به وقسم كفر به، أليس كذلك؟
كل هؤلاء نقول لهم: إن الله تعالى بكم خبير بصير، فالذين صدقوا به لن يضيع تصديقهم وعملهم بما جاء به؛ لأن الله خبير به، وبصير به، وسوف يجازيهم عليه، والذين كذبوا به أيضًا لن تخفى حالهم على الله عز وجل، فسوف يعاقبهم بما يقتضيه تكذيبهم وإنكارهم واستكبارهم، فالجملة إذن هي باعتبار المصدقين بهذا القرآن للبشارة، وباعتبار المكذبين للإنذار والتحذير.
وقوله: ﴿خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ (خبير) اسم فاعل على صيغة المبالغة، وإن شئت فقل: إنه صفة مشبهة، وهو أحسن بالنسبة لما يتعلق بالعلم، الأحسن في هذا أن نقول: إنه من باب الصفة المشبهة، لماذا؟ لأن الصفة المشبهة تدل على الثبوت، لكن صيغة المبالغة قد تدل على الحدوث، وحدوث الخبرة في جانب الله عز وجل مستحيل ولَّا لا؟ حدوث الخبرة مستحيل؛ لأنه لم يزل ولا يزال خبيرًا.
إذن نعود فنقول: إنه يتعين أن نجعل (خبير) صفةً مشبهة؛ لأننا لو جعلناها صيغة مبالغة من خابر لكانت موهمة لتجدد الخبرة والعلم، وهذا شيء مستحيل في جانب الله عز وجل.
وقوله: ﴿بَصِيرٌ﴾ كلمة (بصير) قد يراد بها العلم، وقد يراد بها الإدراك للرؤية، وكلا الأمرين لا يناقض بعضهما بعضًا. وقد مر علينا في قواعد التفسير أن الآية إذا احتملت معنيين لا يتناقضان فإنها تُحمَل عليهما؛ لأن ذلك أوسع في معناها وأبلغ، فالله عز وجل بصير بعباده من حيث النظر والرؤية ومن حيث العلم. في جانب المعمولات المفعولات الظاهرة تكون الرؤية والعلم أيضًا، وفي جانب المسموعات يكون العلم ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾.
ثم قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر ٣٢]، ﴿أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ﴾ أولًا كلمة (أورث) هنا نصبت مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر أو لا؟ ليس أصلهما المبتدأ والخبر، وعلى هذا فهي من باب كسا وأعطى، أين المفعول الأول وأين المفعول الثاني؟ ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ (الذين) هي الأول، و(الكتاب) هو الثاني؛ لأن الوارث من؟ هل الكتاب وارث الذين ولَّا الذين ورثوا الكتاب؟ الذين هم الذين ورثوا الكتاب، يعني أورثنا الذين اصطفينا من عبادنا الكتاب، ويش معنى أورثناهم إياه؟ أي: جعلناهم يرثونه، فالذين اصطفاهم الله أورثهم الله الكتاب، أي: جعلهم يرثونه.
وكلمة الكتاب قال المؤلف: (القرآن)، وينبغي أن نجعله أعم؛ لأننا لو قلنا: إن الكتاب هو القرآن وقلنا: إنه موروث عمن سبقنا لكان القرآن قد نزل على من سبقنا، وليس الأمر كذلك، فالمراد بالكتاب هنا الجنس، لا خصوص القرآن، يعني أن الكتب السابقة كل ما فيها من الخير موجود في القرآن، فنحن ورثنا عمن سبقنا كل ما أوتوه من خير، فالأصول التي تجب على كل مسلم في أي مكان وزمان موجودة في القرآن، والشرائع التي تختلف باختلاف الأمم وباختلاف الزمان والمكان هذه تختلف عمن سبق، قد يجب علينا ما لا يجب عليهم، وقد يحرم علينا ما لا يحرم عليهم ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨]، أما الأصول فقد ورثناها عنهم، فالأصول التي هي أم الدين قد ورثناها عمن سبقنا.
قال: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر ٣٢]، ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾ أي: اخترنا، وهو مأخوذ من الصفوة، وأصله اصتفينا، لكن لعلة تصريفية قُلبت التاء طاءً فقيل: ﴿اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ أي: اخترناهم.
وقوله: ﴿مِنْ عِبَادِنَا﴾ هل المراد بذلك العبودية العامة أو الخاصة؟
* طالب: الخاصة.
* الشيخ: يعني الذين اصطفيناهم من المؤمنين أو اصطفيناهم من جميع العباد؟ يظهر أنها من العبودية العامة، يعني الذين اختارهم الله تعالى من عباده الذين يخضعون له كونًا، والمراد بهم هذه الأمة، بدليل قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران ١١٠]، فالذين اصطفاهم الله من عباده هم هذه الأمة؛ للآية التي سقناها وهي في آل عمران، ولدليل آخر من هذه الآية نفسها؛ لأن هذه الأمة آخر الأمم، إذن فلا يمكن أن يورث ما عندها من الكتاب، فهي وارثة غير موروثة، إذا كانت وارثة غير موروثة فهي التي اصطفيت.
وقوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر ٣٢] (بالتقصير في العمل به) أي: بالكتاب (﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ يعمل به أغلب الأوقات) ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ يضم إلى العمل التعليم والإرشاد إلى العمل ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣٢]).
قسم الله تعالى هذه الأمة التي أورثها الكتاب إلى ثلاثة أقسام، وبدأ بالأقل فالأقل، الأقل في المرتبة فالأقل، فقال: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر ٣٢] الظالم لنفسه هو الذي ترك شيئًا من الواجبات، أو فعل شيئًا من المحرمات، ترك صلاة الجماعة مع وجوبها عليه، ترك بعض الزكاة لم يخرجه، ترك الحج على الفور مع وجوبه عليه على الفور، هذا نقول: إنه ظالم لنفسه، فعل المحرمات: شرب الخمر، زنى، سرق، نظر نظرًا محرمًا، هذا نقول: إنه ظالم لنفسه.
معنى الظالم في الأصل هو الناقص؛ لأن الظلم هو النقص، قال الله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣] يعني لم تنقص، وكل من أساء فقد نقص مما يجب عليه، ولهذا كل عمل سيئ يعتبر نقصًا فيما يجب عليه؛ لأن الواجب عليك لنفسك أن ترعاها حق رعايتها، فأنت مسؤول أول ما تسأل عن نفسك، قال النبي ﷺ: «إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٧٥)، ومسلم (١١٥٩ / ١٨٢) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]] فبدأ بالنفس، فكما يجب عليك أن ترعى مصالح ولدك ومالك وأهلك يجب عليك أن ترعى مصلحة نفسك، بل هو الواجب الأول من حقوق المخلوقين بعد حق الله ورسوله.
إذن من فعل محرمًا فقد ظلم نفسه، ليش؟ لأنه نقصها حقها في الأمانة، أنت مؤتمن عليها، يجب أن ترعاها حق رعايتها، من ترك واجبًا فقد ظلم نفسه؛ لأن الواجب عليه أن يفعل الواجب ليقوم بحق الأمانة فيما يتعلق في نفسه، هذا الظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، المقتصد هو الذي لم يقع منه ظلم لنفسه ولا تقدم في الخير، أي: قائم بالواجبات، تارك للمحرمات، لكنه لا يكثر من النوافل، ولا يحرص على إكمال الواجبات على الوجه الأكمل، ولا يتجنب المكروهات، مقتصد لا نقص ولا زاد، يصلي مع الجماعة ويزكي بدون نقص، لكن لا يأتي بالنوافل ولا بصدقات التطوع، يؤدي فريضة الحج لكن لا يعود، يصوم رمضان لكن لا يصوم نفلًا، وهكذا يؤدي ما عليه من المعاملات بين الناس على الوجه الواجب فقط، لا يتسامح عن فقير، ولا ينزل من قيمة أو ثمن، لكنه ماش على ما يجب عليه، نقول: هذا مقتصد، هذا لا له ولا عليه، يعني ليس له ثواب إلا ثواب فعل الواجب فقط، الثالث: سابق بالخيرات، هذا يأتي بالواجبات ويزيد ما شاء الله تعالى من الخيرات، ويأتي بالواجبات أيضًا على الوجه الأكمل الأتم، فالصلاة مثلًا لا يقتصر فيها على تسبيحة واحدة، بل يزيد، لا يقتصر على الفاتحة بل يزيد، لا يقتصر على أن يضع يديه مثلًا مطلقة هكذا، بل يضعها في موضعها في حال القيام وفي حال الركوع وفي حال السجود وهكذا، نقول: هذا سابق بالخيرات، يؤدي الزكاة ويتصدق، يحج الواجب ويتطوع، يصوم رمضان ويتنفل بغيره من الصيام، هذا نقول: إنه سابق بالخيرات.
أما قول المؤلف رحمه الله: إن معنى ﴿سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ (يضم إلى العمل التعليم والإرشاد إلى العمل) ففي هذا نظر ظاهر، لماذا؟ لأن التعليم قد يكون واجبًا، وإذا قام بالتعليم الواجب صار من السابق بالخيرات أو من المقتصد؟ من المقتصد، وإن تركه صار من الظالم لنفسه، وكذلك نقول في الإرشاد، الإرشاد الواجب إذا قام به صار مقتصدًا، وإن تركه صار ظالمـًا لنفسه، ولكن ما قلنا هو الصواب.
ما تقولون في اختلاف المفسرين في هذه الآية؟ فمنهم من يقول: فمنهم ظالم لنفسه كالمانع للزكاة، ومنهم مقتصد كالمقتصر عليها، ومنهم سابق بالخيرات كالزائد عليها، وآخر يقول: فمنهم ظالم لنفسه مؤخر للصلاة عن وقتها، ومنهم مقتصد فاعل لها في وقتها، ومنهم سابق بالخيرات فاعل لها في أول وقتها، أي: في الوقت الذي يُستحب أن تقام فيه، هل بين القولين خلاف؟ لا، ليس بينهما خلاف، هذا يُسمى اختلاف تنوع، يعني أن كل واحد منهما -من القائلين- ذكر نوعًا، فيكون هذا على سبيل التمثيل، ولا يُعد هذا خلافًا في الواقع، ولكنه تمثيل، هذا مثل بالزكاة وهذا مثل بالصلاة.
وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣٢] قال المؤلف: (بإرادته) الكونية أو الشرعية؟
الظاهر أننا نغلِّب هنا الكونية، يعني أن هؤلاء الأقسام الثلاثة -الظالم والمقتصد والسابق- كلهم يفعلون هذا بإذن الله، فالله تعالى هو الذي أذن للظالم نفسه أن يظلم نفسه، وللمقتصد أن يقتصر على ما يجب، وللسابق أن يزيد. وتقييد هذا بإذن الله لئلا يفتخر مفتخر بكونه سابقًا بالخيرات فيضيف الشيء إلى نفسه ويمن به على ربه؛ كما قال الله تعالى عن بعض بني آدم: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات ١٧].
فأنت إذا منَّ الله عليك بسبق في الخيرات لا تظن أن هذا من نفسك، لو وُكلت إلى نفسك لكنت ظالمـًا لنفسك؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب ٧٢]، هذه حقيقة الإنسان؛ الظلم والجهالة، لكن من منَّ الله عليه وهداه فهو من فضله سبحانه وتعالى (...).
قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ (﴿ذَلِكَ﴾ أي: إرثهم الكتاب ﴿هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ )، نعم صدق الله، الفضل الكبير الذي لا يدانيه فضل هو منة الله على عبده بالعلم بهذا الكتاب، هذا هو الفضل الكبير، ليس الفضل الكبير بأن يعطَى الإنسان قصورًا أو مراكب فخمة أو زوجات حسناوات أو أبناء كثيرين، لا، الفضل الكبير أن يورث هذا الكتاب، كل من ورث هذا الكتاب علمًا وعملًا ودعوة فهو الذي حاز الفضل الكبير، قال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس ٥٨].
وفي قوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ﴾ فيها أداة حصر، وهو ضمير الفصل ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ﴾، وضمير الفصل نذكره هنا لمن فاته العلم به: ضمير الفصل هو ضمير يأتي مطابقًا للسياق، يأتي بصورة الغائب، كـ(هو)، وبصورة المخاطب، كـ(أنت)، وبصورة المتكلم، كـ(أنا)، قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِين﴾ [الحجر ٨٩]، ﴿إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ﴾ هذا أتى بصيغة المتكلم، وتقول لمن تخاطبه: إنك أنت القائم، ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٩] هذا في صيغة المخاطب، وفي صيغة الغائب كثير، منه هذه الآية ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾.
إذن فضمير الفصل ضمير يؤتى به مطابقًا للسياق من حيث التكلم والخطاب والغيبة، وهو من حيث الإعراب لا محل له، ليس له محل من الإعراب، أما من حيث المعنى فيفيد ثلاثة أمور: يفيد التوكيد والحصر والتمييز بين الخبر والصفة، ثلاثة أمور، ما هي؟
تقول مثلًا: (زيد الفاضل) فيه ضمير فصل ولَّا لا؟ ما فيه ضمير فصل، هنا يحتمل أن تكون (الفاضل) خبرًا، ويحتمل أن تكون صفة والخبر لم يأتِ، ممكن أن نقول: تقدير الكلام: زيد الفاضل قائم، ما يمكن هذا؟ يمكن، فتكون (الفاضل) صفة، فإذا قلت: (زيد هو الفاضل) تعيَّن أن تكون (الفاضل) هنا خبرًا، ما يمكن تكون صفة. إذن فهو يميز بين الصفة والخبر، فيكون ما بعده خبرًا لا صفة، ولولاه لكان محتملًا أن يكون خبرًا أو صفة.
هذا شرح قولنا: التمييز بين الخبر والصفة.
يفيد الحصر: إذا قلت: (زيد فاضل) هل يمنع أن يكون غيره فاضلًا؟ لا يمنع، فإذا قلت: (زيد هو فاضل) أو (زيد هو الفاضل) تعيَّن أن يكون زيد وحده هو الفاضل.
التوكيد: لا شك أن قولك: (زيد الفاضل) تريد المبتدأ والخبر، لا شك أنها جملة تامة ومعناها واضح، لكن إذا قلت: زيد هو الفاضل كأنك اتكأت عليها وزدتها توكيدًا.
قال: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾، الفضل بمعنى العطاء، العطاء ممن؟ من الله، (الكبير) من حيث الحجم، فهو كبير في كيفيته، ونحن نعلم من جهة أخرى أنه كثير في كميته، فيجتمع في هذا العطاء يجتمع فيه الكمية والكيفية، فهو فضل كبير في ذاته وكيفيته وفضل كثير أيضًا في عدده وكميته ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر ٣٢]
قال الله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر ٣٣] هذا بيان لثواب هؤلاء الأصناف الثلاثة (﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ إقامة ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ الثلاثة بالبناء للفاعل والمفعول خبر (جنات) المبتدأ) بالبناء للفاعل: ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾، وبالبناء للمفعول: ﴿﴿يُدْخَلُونَهَا﴾ ﴾، وهم إذا أُدخلوا فقد دخلوا ولَّا لا؟ فكأن القراءتين واحد، لكن يُستفاد من كلمة ﴿﴿يُدْخَلُونَهَا﴾ ﴾ بيان أنهم يُعطَونَها كرامةً، فتُقدَّم إليهم حتى يدخلوها، لكن ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ بدون أن يقال: ﴿﴿يُدْخَلُونَهَا﴾ ﴾ فإن الداخل قد يدخل كرامة وقد يدخل من ذات نفسه، لكن إذا أُدخِلها كأنها قُدِّمت لهم على سبيل الكرامة حتى يدخلوها.
وقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ جنات جمع جنة، قال العلماء: والجنة: البستان الكثير الأشجار، وسُمي بذلك لأنه يستر مَن كان داخله، والله أعلم.
﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ عدن بمعنى إقامة، يعني أن هذه الجنات جنات إقامة لا ظعن فيها، بل هم خالدون فيها أبدًا، ومع ذلك ليس واحد منهم يتمنى أن يتحول عما هو فيه كما قال الله تعالى: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف ١٠٨] بخلاف الجنة؛ فإن الإنسان لو كان في أحسن ما يكون من البساتين لتمنى أن يتحول إلى ما هو أحسن منه وأفضل منه، لكن في الآخرة كل واحد منهم يرى أنه في مكان إقامة لا يريد أن يتحول عنه، وهذا لا شك أنه من كمال النعيم أن يستقر الإنسان وأن يرى أنه في أكمل ما يكون؛ حتى لا تتشوف نفسه إلى نعيم أعلى فيتنغص نعيمه؛ لأنه من المعلوم أن الإنسان إذا رأى أنه دون غيره، وإن كان في مقام أمين، وإن كان في مقام منعم فيه، لكن يتنغص عليه ذلك؛ لكونه يرى أن غيره أفضل منه.
قال: ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ (بالبناء للفاعل وللمفعول خبر جنات) جنات مبتدأ، وجملة ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ أو ﴿﴿يُدْخَلُونَهَا﴾ ﴾ خبر، (﴿يُحَلَّوْنَ﴾ خبر ثانٍ) ولا تصح أن تكون حالًا من الفاعل؛ وذلك لأن تحليتهم بذلك بعد الدخول، ولو قلنا: يُدخلونها حال كونهم يحلون للزِم من ذلك أن يكون التحلية حين الدخول أو قبله.
(﴿يُحَلَّوْنَ﴾ خبر ثانٍ)، وهل يجوز أن يتعدد الخبر؟ الجواب: نعم، وهذا في القرآن كثير، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج ١٤، ١٥]، الخبر العام كم؟ أربعة: الغفور، والودود، وذو العرش، والمجيد، فتعدد الأخبار جائز في اللغة العربية، ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ أي: في هذه الجنات، ﴿مِنْ﴾ قال المؤلف: (بعض) فأفادنا أن (من) هنا ليست بيانية، بل هي تبعيضية، ولو قيل: إنها بيانية لكان له وجه جيد؛ لأن التحلية لا تتعين في الأساور؛ إذ قد يُحَلَّى الإنسانُ بالخروص مثلًا، أو بالقلائد، أو ما أشبه ذلك، فجعلها بيانية أولى من جعلها تبعيضية؛ لأنك إذا قلت: يُحَلَّون بعض أساور لم تكن التحلية بالأساور، وإنما يحلون بعضها، إلا إذا قلت: نعم أقول: إنها تبعيضية لأن الأساور المذكورة هنا نوعان فقط: ذهب ولؤلؤ، مع أن لهم حلية أخرى وهي الفضة؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان ٢١]، فإذا جعلتها تبعيضية باعتبار أن الأساور المذكورة من نوعين، وبقي نوع ثالث لم يُذكَر، صار القول بأنها للتبعيض له وجه، وقد ذكرنا مرارًا كثيرة أنه إذا احتمل اللفظ معنيين لا يتنافيان فإنه يُحمَل عليهما، فيمكن أن نجعل (من) هنا مشتركة بين كونها بيانية وبين كونها تبعيضية، بين كونها بيانية لأن التحلية تكون من الأساور وغيرها، فتكون (من) هنا مبيِّنةً ما يتحلون به، وتبعيضية لأنه ذكر من الأساور هنا نوعين وبقي نوع ثالث لم يذكر، ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [فاطر ٣٣] ويش عندكم؟ (مرصع بالذهب).
﴿﴿من ذهب ولؤلؤٍ﴾ ﴾، أما ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ فهي مجرورة لا شك فيها؛ لأنها دخلت عليها (من)، وأما (لؤلؤ) فهي عندي منصوبة، هي عندكم كذلك؟ ولكن قوله: (مرصع) يدل على أنها مجرورة كما هي القراءة الثانية، ولهذا ينبغي أن نصحح (لؤلؤًا) ونجعلها بالجر بناءً على تفسير الجلال.
﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ مجرورة عندكم ﴿﴿ولؤلؤ﴾ ﴾.
طيب ﴿﴿ولؤلؤ﴾ ﴾ ما الدليل على أنه ﴿﴿ولؤلؤ﴾ ﴾؟ لأنه قال: (مرصع)، لو أنه أراد قراءة النصب لقال: مرصعًا، إذن نقول: (لؤلؤ) فيها قراءتان سبعيتان؛ إحداهما بالنصب ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ وعلى هذا تكون معطوفة على محل أساور، يعي يحلون فيها أساور ولؤلؤًا، أساور من ذهب، ويحلون لؤلؤًا أيضًا، وأما بالجر ﴿﴿ولؤلؤٍ﴾ ﴾ فهي معطوفة على ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ يعني: يحلون فيها أساور من نوعين؛ من ذهب ولؤلؤ، أضف إليها حلوا أساور من فضة تكون أساورهم من ثلاثة أنواع: من الذهب واللؤلؤ والفضة، ولا نشك أن السوار من الذهب مجمَّل، وفيه جمال لذاته، وكذلك السوار من الفضة، وكذلك السوار من اللؤلؤ، فكل واحد منها على حدة فيه جمال وتجميل، فإذا اجتمعت الثلاثة وصُف بعضها إلى بعض تولَّد من ذلك تجميل أكبر، ولا أحد يتصور كيف تجمع هذه الثلاثة هل يكون اللؤلؤ بين الذهب والفضة، أو الذهب بين اللؤلؤ والفضة، أو اللؤلؤ بينهما، المهم أن ترتيبها هذا لا أحد يتصوره الآن، لكن الذي نؤمن به أن هذه الثلاثة تجمع، أما كيف تجمع فالله أعلم به، لكننا أيضًا نعلم بأن جمعها أي الثلاثة له زيادة في التجميل.
واعلم أن الذهب الذي يُذكَر في نعيم الجنة والفضة واللؤلؤ ليس كالذهب الذي نشاهده الآن أو الفضة أو اللؤلؤ، بل هو ذهب أعظم ذهب يليق بنعيم الجنة، كما أن النخل والرمان والفاكهة والعسل واللبن والخمر وما أشبه ذلك ليس كالذي يوجد في الدنيا، لماذا؟ لأن النعيم يناسب الدار، فإذا كانت دار الدنيا لا تشابه دار الآخرة فالنعيم الذي في الآخرة لا يساويه النعيم الذي في الدنيا، هذا من حيث المعقول، أما من حيث المنقول فقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة ١٧]، وفي الحديث القدسي: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]، واضح، وأنتم تشاهدون الآن أنه لو جاءكم رجل فقير وصنع لكم أعلى ما يمكنه من الطعام الذي هو أحسن شيء عنده، ودعاكم رجل غني وصنع لكم أعلى ما يجد من الطعام عنده، لعرفتم الفرق العظيم بين هذا وهذا، مع أن كل واحد منهم أتى بكل ما يستطيع، كذلك الفرق بين نعيم الآخرة ونعيم الدنيا، فالذهب إذن يوافق الذهب في الدنيا في الاسم ولا يوافقه في الحقيقة، قال ابن عباس رضي الله عنهما: «ليس في الآخرة مما في الدنيا إلا الأسماء»[[أخرجه البيهقي في البعث والنشور (٣٣٢)، والزهد لهناد (٣) من حديث ابن عباس.]] فقط، أما الحقائق فتختلف.
يقول: (﴿﴿مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤٍ﴾ ﴾ [فاطر: ٣٣] مرصع بالذهب) وقوله: (مرصع بالذهب) قد يعارَض المؤلف في ذلك؛ إذ قد يقال: إن اللؤلؤ مستقل، حلية مستقلة، ويدل لذلك قراءة النصب: ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾، يعني يحلَّون لؤلؤًا، أما على قراءة الجر فما ذهب إليه المؤلف محتمل غير متعين، أنتم معنا الآن؟ طيب هو يرى رحمه الله أن اللؤلؤ ليس مستقلًّا، بل هو مرصع بالذهب كما يوجد في حلي الدنيا، ولكننا لا نسلم ما قال، بل ظاهر الآية الكريمة أن اللؤلؤ سوار مستقل، ويبين هذا قراءة النصب ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [فاطر ٣٣]، يعني يحلون لؤلؤًا، فجعل حلية اللؤلؤ حليةً مستقلة.
﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر ٣٣] لما ذكر ما يُلبَس في اليد ذكر اللباس العام على جميع البدن، فقال: ﴿حَرِيرٌ﴾ لباسهم في الجنة حرير، وحرير الجنة ليس كحرير الدنيا الذي تفرزه أو تصنعه دودة القز، هو قابل لكل آفة، بل حرير الآخرة حرير لا يماثل شيئًا من حرير الدنيا أبدًا.
﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر ٣٤] (قالوا) يعني أهل الجنة، ومتى يقولون ذلك؟ يقولون ذلك بعد دخول الجنة ﴿الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ الكائن في النفوس، وهو الهم أو الغم لما مضى، والخوف الهم لما يُستقبل، فهنا هل نقول: إن الحزن يشمل الغم مما مضى والهم مما يستقبل؟ نعم، نقول: نعم، كذلك في الجنة جميع ما مضى عليهم من الأحزان والهموم وغيرها ينسونه؛ كما جاء في الحديث الصحيح؛ أن الإنسان يُغمَس في الجنة -يُصبَغ صبغةً واحدةً- يغمس فيها فيقال له: هل رأيت شرًّا قط؟ فيقول: لا[[أخرجه مسلم (٢٨٠٧/ ٥٥) من حديث أنس بن مالك.]]، كل ما مضى من الشرور والأحزان والهموم كلها (...).
الأول: كمال المحمود، والسبب الثاني: إنعام المحمود، بخلاف الشكر، فلأنه ليس له إلا سبب واحد، وهو إنعام المشكور. ولعلنا نتطرق إلى الفرق بين الحمد والشكر:
الحمد قلنا: له سببان، فهو أعم من الشكر من حيث السبب؛ إذ إن سببه كمال المحمود وإنعام المحمود، الشكر ليس له إلا سبب واحد، وهو إنعام المشكور، فأيهما أعم؟ الحمد أعم؛ لأنه يكون على هذا وهذا، الشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح: بالقلب: أن يعترف الإنسان بقلبه بنعمة المـنعم، باللسان: أن يشكره بلسانه ويثني عليه بلسانه، بالجوارح: أن يقوم بطاعته فلا يخالفه، وعليه قول الشاعر:
أَفَادَتْكُــــــمُ النَّعْـــــمَاءُ مِنِّيثَلَاثَةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَالْمُحَجَّبَا
أما الحمد فلا يكون إلا باللسان؛ لأن الحمد وصف المحمود بالكمال، فلا يكون إلا باللسان، فأيهما أعم من هذه الناحية؟
* طالب: الشكر.
* الشيخ: إذن الشكر أعم متعلقًا لأنه تعلق بالقلب واللسان والجوارح.
* طالب: الحمد يتعلق بالقلب؟
* الشيخ: ربما يتعلق بالقلب، لكنه ما يسمى حمدًا، يعني من أضمر في نفسه الثناء على الله عز وجل ما يقال: حمد الله؛ إذ إنه لم يظهر، وربما يقول قائل: إنه يكون بالقلب، لكنه ليس بظاهر.
يقول: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر ٣٤] قال المؤلف: (جميعه) يشير إلى أن (أل) هنا لاستغراق العموم، و(أل) تكون لاستغراق العموم إذا صح أن يحل محلها (كل)، كلْ ولا كلّ؟
* طالب: ما الفرق؟
* الشيخ: الفرق: كلْ يعنى من الطعام، كلّ بالتشديد من الكلية.
إذا صح أن يحل محل (أل): (كل) –بالتشديد- فهي للاستغراق.
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر ٢] هذه للاستغراق.
﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] للاستغراق.
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء ٣٤] لا، ما هي للاستغراق، ما كل رجل قوام، أحيانًا تكون المرأة قوامة على الرجل، فهذه لبيان الحقيقة فقط.
المؤلف أفادنا بقوله: (جميعه) أن (أل) هنا للاستغراق.
(﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ﴾ للذنوب ﴿شَكُورٌ﴾ للطاعة) هذه الجملة كما تشاهدون مؤكَّدة بمؤكدين؛ بـ(إن) واللام، فهم أكدوا بالثناء هذا على الله أنه سبحانه وتعالى غفور للذنوب شكور لها. الغفور هنا صيغة مبالغة ولَّا صفة مشبهة؟ هي تشمل الأمرين جميعًا، هي صيغة مبالغة لكثرة غفران الله تعالى للذنوب وكثرة من يغفر لهم، فهو كثير المغفرة للذنوب؛ إذ إن الذنوب تتكرر من الإنسان عدة مرات فيغفرها الله. والذين يغفر الله لهم كثيرون أو قليلون؟ كثيرون. ومن جهة أخرى باعتبار أن الله تعالى لم يزل غفورًا نقول: هي صفة مشبهة.
* طالب: غفور للذنوب شكور له؟
* الشيخ: للطاعة، شكور للطاعة.
وقوله: ﴿شَكُورٌ﴾ نقول فيها كما قلنا في (غفور) بأنه عز وجل لم يزل شكورًا على طاعة عباده وامتثالهم أمره، ومن شكره أنه يعطي العامل الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وهو أيضًا شكور باعتباره صيغة مبالغة؛ لأنه كلما كثُر العمل كثر الشكر.
في ذكر ثواب أهل الجنة ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر ٣٣] (...).
النصب أن يكون التحلي باللؤلؤ لا يتعين أن يكون أساور؛ لأن تقدير الكلام يكون: يحلون فيها أساور ويحلون فيها لؤلؤًا، ومعلوم أن الحلية تكون بالأساور وتكون بغير ذلك، معلوم الآن؟ فصارت على قراءة النصب يتعين أن تكون منفردة عن الذهب، ثم يحتمل أن تكون أساور ويحتمل أن تكون غير أساور، هذا على قراءة النصب، وعلى قراءة الجر يحتمل أن تكون مركبة مع الذهب ﴿﴿من أساور من ذهب ولؤلؤٍ﴾ ﴾ [فاطر: ٣٣]، فتكون اللؤلؤ مرصعًا كما اختاره المؤلف، ويحتمل أن تكون أساور مستقلة، ما هي متعينة.
قوله: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر ٣٣] وأشباهها من الآيات الدالة على نعيم الجنة، هل (...).
﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر ٣٥]، قوله: ﴿الَّذِي﴾ هنا يجوز أن تكون صفةً لما سبق، وهو الله، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر ٣٤] ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا﴾ [فاطر ٣٥]، ويحتمل أن تكون استئنافًا، يعني أنها في محل رفع على القطع؛ لأن المنعوت إذا علم وتعدد النعت له جاز في النعت الثاني القطع والإتباع، كما قال ابن مالك:
وَإِنْ نُعُوتٌ كَثُرَتْ وَقَدْ تَلَتْ ∗∗∗ مُفْتَـــــــــقِرًا لِذِكْــــــرِهِنَّأُتْبِعَـــــــتْ
وإن لم يكن مفتقرًا جاز القطع ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا﴾ أي: أنزلنا ﴿دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر ٣٥] دار المـقامة، المقامة هنا بمعنى الإقامة، فهي إذن ظرف مكان، أو أنها مصدر ميمي دخلته التاء، ودار المقامة هي دار الجنة، ووُصفت بذلك لأن ساكنيها مقيمون فيها أبدًا، ولأنهم لا يريدون الإقامة بغيرها، كل واحد منهم لا يبغي حولًا عما هو فيه؛ لأنه يرى أنه أكمل أهل الجنة، نعم، بل إن الله أقنعهم بما هم عليه من النعيم حتى لا يتطلعوا إلى نعيم أكبر فيحتقروا ما هم فيه، بخلاف أهل النار؛ فإن أهل النار كل واحد منهم يرى أنه أشد أهل النار عذابًا؛ لأنه لو يرى أن غيره يماثله أو أن غيره أشد منه لهان عليه العذاب، ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (من) سببية هنا، أي: بسبب فضله، أي: تفضله علينا؛ لأنه لولا فضل الله عليهم ما وصلوا إلى هذا المقام العظيم، فكل ما في الإنسان من خير ونعمة فمن الله سبحانه وتعالى؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل ٥٣]، فإحلالهم دار المقامة هو من فضل الله تعالى، وهذا من تمام شكرهم لله، حيث اعترفوا له بالفضل، بخلاف الذي إذا أصابته النعماء قال: هذا لي أو هذا من عندي أو ما أشبه ذلك.
(﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ﴾ تعب ﴿وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر ٣٥] إعياء من التعب) لا يمسنا فيها نصب، أي: تعب، ومعنى يمسنا أي: يصيبنا؛ كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة ٥٠]، فالمس بمعنى الإصابة، وقوله: ﴿نَصَبٌ﴾ (تعب) ﴿لُغُوبٌ﴾ (إعياء)؛ لأن هناك تعبًا مباشرًا ينال الإنسان حين الفعل، وإعياءً يكون أثرًا للتعب، أليس كذلك؟ أنت إذا مارست عملًا شاقًّا فإنك حين ممارسته تتعب، ثم بعد انتهائه تعيى، يعني تضعف وتخلد إلى الراحة وإلى النوم، في الجنة ليس فيها نصب، يعني: تعب بدني حين مزاولة الأعمال، ولا لغوب أي: إعياء وهو الناتج عن التعب.
قال: (إعياء من التعب لعدم التكليف فيها) هذا تعليل عليل؛ لأن التكليف حتى في الدنيا غالبه ليس فيه تعب، بل إن بعضه يكون راحةً للبدن وراحة للقلب وتنشيطًا للبدن وصحةً له، وليس هذا هو المقصود الأول في العبادات، لكنه يحصل من ممارسة العبادة يحصل من ذلك النشاط والصحة، كما هو موجود مثلًا في الصلاة، موجود في الصيام، موجود في الحج، فليس هناك تعب في الأعمال الصالحة، بل نقول: ﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ﴾ هذا من باب الصفات السلبية المتضمنة لكمال ضدها، فلا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيه لغوب لكمال نعيمهم وراحتهم وأنسهم وفرحهم وما أشبه ذلك.
يقول: (لعدم التكليف فيها، وذكر الثاني التابع للأول للتصريح بنفيه) ذكر الثاني وهو اللغوب التابع للأول وهو التعب؛ لأن اللغوب -كما قلنا قبل قليل- نتيجة التعب، فكأن المؤلف أجاب عن سؤال؛ كأنه قيل: إذا انتفى التعب انتفى اللغوب الذي هو نتيجته، فلماذا لم يقتصر على نفي التعب؟ وقيل: لا يمسنا فيها نصب، وإذا انتفى النصب انتفى اللغوب؟ واضح؟
أجاب عن ذلك بأنه ذكر من أجل التصريح بنفيه، هذا ما ذهب إليه المؤلف، ولا شك أنه وجه حسن، لكن ربما نقول: إن الإنسان أحيانًا يجد إعياءً وكسلًا وموتَ قوًى بدون عمل وبدون تعب، وهذا مشاهَد، وعليه فيكون نفي اللغوب أمرًا ليس تأكيدًا وإنما هو أمر أساسي، كيف أمر أساسي؟ لأن الإنسان قد يجد إعياءً أحيانا وهو ما اشتغل، ألم تجدوا ذلك؟
إذن نقول: إن ذكره أساسي وليس من باب التصريح بنفيه الذي لا يقصد منه إلا مجرد التوكيد، المهم أن أهل الجنة لكمال نعيمهم لا يمسهم فيها نصب ولا يمسهم فيها لغوب.
ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ [فاطر ٣٦] فثنَّى بذكر عقاب أهل النار؛ لأن القرآن مثانٍ، كلما ذكر فيه معنًى ذكر فيه ما يقابله.
ولا تكاد تجد آيات في القرآن يُذكر فيها معنًى إلا وذُكر ما يقابله؛ لأن القرآن مثانٍ؛ لئلا تتمادى النفس في الرجاء إذا ذُكر النعيم وحدَه؛ فإن النفس تتمادى في الرجاء وحينئذ تأمن مكر الله، ولو ذُكر الوعيد وحده لتمادت النفس في الخوف فقنطت من رحمة الله، ولكن الله سبحانه وتعالى يذكر هذا تارة وهذا تارة حتى يكون الإنسان سائرًا من غير ميل إلى الرجاء، ومن غير ميل إلى الغلو.
وهذه المسألة اختلف العباد فيها؛ هل الأولى أن يسير الإنسان إلى ربه بين الخوف والرجاء فيكون خائفًا راجيًا، أو الأولى أن يغلب الرجاء إحسانًا للظن بالله عز وجل، أو الأولى أن يغلب الخوف؟ نعم في هذا خلاف بين العلماء؛ الإمام أحمد رُوي عنه أنه قال: ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا، فأيهما غلب هلك صاحبه؛ لأنه إن غلب الرجاء أمن الإنسان من مكر الله، وإن غلب الخوف قنط من رحمة الله، فيكون خوفه ورجاؤه واحدًا، قالوا: فالخوف والرجاء كالجناحين للطائر؛ إن هبط أحدهما مال الطائر إليه واختل توازنه، وإن تساويا استقام الطائر واعتدل توازنه.
وقال بعض أهل العلم: بل هذا يختلف باختلاف الأحوال، فإذا فعل الإنسان الطاعة فليغلب الرجاء وأن الذي وفقه لها سوف يقبلها منه ويثيبه عليها؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر ٦٠]، إذا وُفقت للدعاء وُفقت للإجابة، إذا وُفقت للعمل وُفقت للقبول، وإذا عمل المعصية فليغلِّب جانب الخوف وليرجع إلى ربه؛ لأنه إن غلب جانب الرجاء بعد فعل المعصية فإنه لا يتوب منها، ويقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨]، ويقول: الله غفور رحيم، وما أشبه ذلك. فيكون تغليب الرجاء في حال وتغليب الخوف في حال أخرى.
وقال بعض العلماء: يغلِّب الخوف في حال، والرجاء في حال، لكن لا باعتبار العمل، بل باعتبار الحال، فإذا كان مريضًا فليغلب جانب الرجاء؛ لقول النبي ﷺ: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ»[[أخرجه مسلم (٢٨٧٧ / ٨٢) من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري.]]، وإن كان صحيحًا فليغلب جانب الخوف، والمناسبة قالوا: لأن المريض تضعف نفسه وتنكسر وليس يميل إلى الدنيا ولكنه يهتم بما أمامه، فليغلب جانب الرجاء، ليس هناك نفس تتطلع إلى الدنيا وتنغمس في الترف، بل نفسه قد رقت وآوت إلى الآخرة، وأما إذا كان صحيحًا فإن النفس الآن فيها شره وتطلع للدنيا وإسرافها، فيغلب جانب الخوف.
على كل حال ممكن أن نقول: إذا وُجدت أسباب يخاف الإنسان على نفسه من تغليب جانب الرجاء فليقدم الخوف، وإن وجدت أسباب تقتضي أن يخاف الإنسان وييئس من رحمة الله فليغلب جانب الرجاء، يعني إذا فعل أسباب الرجاء فليغلب الرجاء، وإذا وُجدت أسباب الخوف فليغلب جانب الخوف.
وقبل أن ندخل فيما أعد الله تعالى لأهل النار فيها نرجع لنأخذ الفوائد لأننا لم نأخذ الفوائد فيما سبق، أليس كذلك؟ من ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر ٣١].
* مِن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات أن القرآن كلام الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [فاطر ٣١]، فالوحي إعلام الله سبحانه وتعالى أحد أنبيائه بشريعة من شرائعه، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة؛ أن القرآن كلام الله تعالى، تكلم به حقيقة بحروفه وبصوت مسموع، لكنه لا يشبه أصوات المخلوقين.
* ومن فوائدِها: فضيلة رسول الله صلى لله عليه وسلم، بماذا؟ بما أوحى الله إليه هذا القرآن العظيم ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [فاطر ٣١].
* ومن فوائدِها: اشتمال القرآن الكريم على الحق في أخباره وفي أحكامه، فأخباره كلها صدق، وأحكامه كلها عدل.
* ومن فوائدها: أن ما خالف القرآن فهو باطل؛ لقوله: ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾ فحصر الحق فيه، والحصر: إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، وكل ما خالف القرآن فهو باطل بلا شك.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: إنذار المخالفين لهذا القرآن وبشارة الموافقين له، واستفاد هذه الفائدة من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر ٣١].
* ومِن فوائدها: إثبات هذين الاسمين لله عز وجل وما تضمناه من صفة وحكم: خبير وبصير.
* ومن فوائدها: عموم علم الله وشموله حتى لما يقوم به العباد؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾.
* ومن فوائدها: علم الله تعالى بما تكنه الصدور، من أي الاسمين تؤخذ؟ من قوله: خبير، وربما نقول أيضًا: وبصير؛ لأن البصير بمعنى العليم والـمبصر.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: أن جميع الخلق عابدون لله، كل الخلق، كلهم عباد الله ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر ٣١]، فلا حق لأحد من المخلوقين في شيء من خصائص الرب، بل الكل عبد ذليل لله سبحانه وتعالى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن كتاب، أي: مكتوب، وهو مكتوب في اللوح المحفوظ، ومكتوب في الصحف التي بأيدي الملائكة، ومكتوب في الصحف التي بأيدينا.
ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾ [فاطر ٣٢]
* من فوائد الآية الكريمة: أن هذا القرآن مصدق لما سبقه من الكتب؛ لقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [فاطر ٣١]. ويتفرع على هذه الفائدة أن الذي يؤمن بهذا القرآن مؤمن بالكتب السابقة؛ لأن هذا القرآن مصدق لها، فيكون الإيمان به إيمانًا بما سبق من الكتب.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: الاستشهاد بالأمر الواقع، حتى وإن كان من عند الله، بمعنى أن الله تعالى يستشهد بالأمر الواقع ليزداد إيمان المؤمنين، وجه ذلك ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [فاطر ٣١] على أحد المعنيين، وهما أنه وقع مطابقًا لما أخبرت به، فإنه إذا أخبرت به ثم جاء فهذا دليل على صدقه؛ كما قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ١٩٧]، فاستشهد الله تعالى بعلم علماء بني إسرائيل زيادةً في التثبيت وإقامةً للحجة على المنكرين أهل الكتاب.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: رحمة الله تعالى بعباده، حيث لم يدعهم هملًا، بل أنزل إليهم الكتب التي يستنيرون بها في سيرهم إلى الله عز وجل؛ لقوله: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: سعة التعبير في اللغة العربية، وأن المقصود المعنى دون مجرد اللفظ؛ لقوله: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ لأنه قد يقول قائل: وهل للقرآن يد؟ فالجواب أن هذا من باب التوسع في التعبير في اللغة العربية، عرفتم؟ وأن المقصود هو المعنى، والألفاظ قوالب تدل على المعنى، قوالب الشيء يعني معناه: أوانيه التي يجعل فيها، فأنت مثلًا إذا قدم إليك كرتون مزخرف مزين بالذهب تستدل بهذا على ما في باطنه وأنه شيء غال طيب، فالألفاظ في الواقع قوالب يستدل بها على ما تضمنته من المعاني، وليس لها -أي للألفاظ- معنى ذاتي حتى لا تتغير بأي تركيب كانت، بل هي تتغير بحسب التركيبات والسياق.
ثم قال الله عز وجل: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر ٣٢].
* يُستفاد مِن هذا الآية: فضل الله عز وجل على هذه الأمة، حيث أورثها هذا الكتاب العظيم الذي وصفه الله بأنه الحق وأنه مصدق لما بين يديه أورثه الله تعالى هذه الأمة، ففي ذلك بيان فضل الله علينا بهذا الإرث.
* ومن فوائدها: أن هذه الأمة أفضل الأمم؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ وهم هذه الأمة، واستدللنا لذلك أيضًا بآية أخرى وهي ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران ١١٠].
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى الفترة بين عيسى ومحمد ﷺ، من أين تؤخذ؟ من (ثم) الدالة على التراخي، وهو كذلك، ولا نعلم فترةً أطول منها بالنسبة لما بين الرسالات والكتب المنزلة، فقد قيل: إن أطول ما كان بين آدم ونوح، وهذا أمر قد يشك فيه الإنسان، لكن ما بين عيسى ومحمد عليه الصلاة والسلام حوالي ست مئة سنة، وإنما طالت الفترة لتشتد حال الناس إلى إرسال الرسل، فتأتي الرسالة المحمدية إلى قوم في غاية الضرورة إلى الرسالة والوحي، ويكون لرسالته مزية عظيمة، حيث جاءت كالمطر ينزل على أرض مجدبة، فتكون أشد قابلية له وأشد تأثرًا به (...).
خلقت له، بل معناها يختلف بحسب السياق، وعلى هذا فلا مجال، ما دام أن المعنى مفهوم فلا مجال، ولهذا تجد أن الكلمة في معناها المفهوم بالسياق لو أنك أردت أن تحولها إلى المعنى الأصلي ما صح (...).
في استخراج الفوائد من الآيات السابقة، من الآية (...).
الكريم أيضًا تقسيم هذه الأمة إلى ثلاثة أقسام: ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات.
* ومنها، أي من فوائدها: الرد على الخوارج والمعتزلة؛ لقوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر ٣٢] وجعلهم من الذين اصطفاهم الله تعالى من عباده، ولو خرجوا من الإسلام لم يكونوا من المصطفين، قد يقول قائل: يمكن أن يعارض الخوارج والمعتزلة هذا الاستدلال بأن يقولوا: إن المراد بالظلم هنا ما دون الكبائر، فيقال: إن ما دون الكبائر يقع مغفورًا بفعل الطاعات؛ كالصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان، وحينئذ ينتفي الظلم بمجرد فعل هذه الطاعات.
ثم نقول قولًا آخر بأن الآية مطلقة تشمل الظلم الأصغر والظلم الأكبر، ففيها رد على الخوارج والمعتزلة الذين يكفرون أو يخرجون الإنسان بالكبيرة من الإسلام، وحينئذ لا يكون من العباد الذين اصطفوا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل عمل يقوم به الإنسان فهو بإذن الله عز وجل وإرادته؛ لقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣٢]، وفيها الرد على القدرية الذين يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله؛ يقول ويفعل ويترك بغير إذن الله، بل هو مستقل بمشيئته وفعله.
* ومِن فوائدها أيضًا: كبح النفس عن الاستعلاء والفخر بالطاعة؛ لقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣٢] حتى لا يقول الإنسان: فعلت ذلك من نفسي وأنا الذي فعلت وفعلت، وهذا خلافًا لما يسير عليه بعض الناس، إذا فعل المعصية كان جبريًّا، وإذا فعل الطاعة كان قدريًّا، إذا فعل الطاعة قال: هذا مني وأنا الذي فعلت وأنا الذي فعلت، وإذا فعل المعصية قال: هذا من الله وأنا مجبر عليه، فبعض الناس يسلك هذا المسلك، وهذا مسلك بعيد من العدل.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: إثبات عموم مشيئة الله عز وجل حتى في أفعال العبد؛ لقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣٢].
* ومن فوائدها: تفاضل الناس في العمل، ويتفرع عليه تفاضلهم في الإيمان، أين الدليل على تفاضلهم في العمل؟ تقسيمهم إلى ثلاثة أقسام، ويلزم من تفاضلهم في العلم أن يتفاضلوا في الإيمان، فيكون في ذلك دليل لمذهب أهل السنة والجماعة القائلين بزيادة الإيمان ونقص الإيمان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أكبر فضل يتفضل الله به على عبده أن يوفقه للقيام بطاعته؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر ٣٢]، وقد أشار الله تعالى إلى هذا المعنى في قوله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس ٥٨].
* ومِن فوائدها أيضًا: أن إفضال الله على عباده يتفاضل؛ فمنه الكبير ومنه الصغير، وهذا أمر مشاهد؛ ففضل الله على الرسل أعلى من فضله على الأنبياء، وعلى الأنبياء أعلى من فضله على الصديقين، وعلى الصديقين أعلى من فضله على الشهداء، وعلى الشهداء أعلى من الصالحين، وهذا لا شك فيه.
ثم قال الله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر ٣٣] إلى آخره.
* مِن فوائد الآية الكريمة: أن جزاء أولئك القوم الذين أورثوا الكتاب على اختلاف طبقاتهم الثلاث أن جزاءهم جنات عدن؛ لقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾، أو ﴿يُدْخَلُونها﴾، على قراءتين، ومنها الإشارة إلى كمال نعيم الجنة؛ لكونها جنات بهيجة، وكونها محل إقامة لا ظعن منها أبدًا؛ لقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾.
* ومن فوائدِها أيضًا: ما ينعم الله به على عباده في هذه الجنات من أنواع الفواكه والمطاعم؛ لدخوله في كلمة ﴿جَنَّاتُ﴾، وكذلك من الملابس؛ لقوله: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [فاطر ٣٣].
* ومِن فوائدها: أن الجنة ليست دار تكليف، أي: دارًا يمنع منها العبد مما يتنعم به، بل يتنعم بكل ما شاء؛ لأننا نعلم جميعًا أن تحلي الرجال في الدنيا بالذهب ممنوع وحرام، لكنه في الجنة مباح وممنوح وليس بممنوع؛ لأن الجنة لهم فيها ما يشاءون، بل أكثر مما يشاءون ويريدون.
ومنها ما يحصل من الجمال لتنويع الحلي؛ لكونه من ذهب ولؤلؤ، وفي الآية الأخرى فضة، وهنا لم يذكر الله تعالى تحديد هذه الحلية، لكن جاءت بها السنة، حيث قال النبي عليه الصلاة والسلام: «تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنَ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءَ»[[أخرجه مسلم (٢٥٠ / ٤٠) من حديث أبي هريرة.]]، ومنها نعومة لباسهم وأنه أنعم ما يكون من اللباس؛ لقوله: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر ٣٣] حرير لا يخلق ولا يتدنس، بل هو دائمًا على جدته ونظافته.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر ٣٤].
* مِن فوائد الآية الكريمة: فضيلة أهل الجنة في ثنائهم على ربهم في قولهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن حمد الله تعالى يكون على إنعامه وإفضاله وعلى كمال صفاته، فهنا قالوا: ﴿الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾، فحمدوا الله على إنعامه عليهم وعلى كونه غفورًا شكورًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: كمال الفرح والسرور لأهل الجنة؛ لقولهم: ﴿أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾؛ فإن هذه الصفة السلبية تدل على كمال ضدها، فإذا كان الحزن منفيًّا عنهم كان ذلك دليلًا على كمال سرورهم وأنه سرور لا يشاب بحزن أبدًا، بخلاف سرور الدنيا؛ فإن سرور الدنيا مهما عظم مشوب بالكدر، ولهذا يقول الشاعر الحكيم:
لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً ∗∗∗ لَذَّاتُهُ بِادِّكَــــارِ الْمَــــــوْتِوَالْهَــــــــــرَمِ
نعم، الإنسان مهما كان في الدنيا من النعيم فإنه إذا تذكر أن أمامه شيئين لا بد منهما، لا بد من أحدهما قطعًا، فإن طالت به الحياة فلا بد من الأمرين جميعًا، وهو الهرم والموت، وحينئذ تتنغص عليه حياته. ثم هو أيضًا يعرف أنه كل يوم يمضي عليه فإنه يبعده من الدنيا ويقربه من الآخرة، وهذا تنغيص آخر، ولهذا قال الشاعر:
وَالْمَـــــرْءُ يَفْـــــرَحُ بِالْأَيَّامِيَقْــطَعُهَا ∗∗∗ وَكُلُّ يَوْمٍ مَضَى يُدْنِي مِنَالْأَجَلِ
نعم، على كل حال في الآخرة نعيم لا كدر فيه؛ لقوله: ﴿أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر ٣٤].
* ومِن فوائدِها: أن نعيم الآخرة ينسي كل ما سبقه من حزن؛ لقوله: ﴿أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر ٣٤]، وذهاب الحزن هنا ذهاب لما قد وُجد ولما يُتوقع وجوده، فلا يمكن أن يمسه فيها حزن.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما الغفور والشكور، الغفور في جانب المعاصي والشكور في جانب الطاعات، أما في المعاصي فإنه عز وجل قال في الحديث القدسي: «يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ، ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَغَفَرْتُ لَكَ»[[أخرجه الترمذي (٣٥٤٠)، والطبراني في الأوسط (٤٣٠٥) من حديث أنس بن مالك.]].
أما في الطاعات فإن الله تعالى يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام ١٦٠]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ فَاعِلَ الْحَسَنَةِ تُكْتَبُ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ، إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١ / ٢٠٧) من حديث ابن عباس.]].
ثم قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر ٣٥] فيها فضيلة أهل الجنة بإضافتهم النعيم إلى المــنعم به، من أين؟ ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر ٣٥]، فنسبوا الأمر إلى الله وإلى فضله ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر ٣٥] وهذا غاية الثناء والحمد.
* ومن فوائدها: أن دار الجنة دار إقامة، كل إنسان لا يتمنى أن يزول عن مكانه منها، حتى من كان في الدرجات غير العالية يرون أنهم في أكمل النعيم؛ لقوله: ﴿دَارَ الْمُقَامَةِ﴾، ومنها تأبيد الجنة لإطلاق قوله: ﴿الْمُقَامَةِ﴾ ولم تقيد بزمن.
* ومِنها؛ من فوائد الآية: أن بلوغهم إلى هذه الدار ليس بحولهم وقوتهم، ولكن بفضل الله عز وجل؛ لقوله: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات الأسباب؛ لأن (من) هنا سببية، أي: بفضل الله، ففيها رد على من ينكرون الأسباب ويقولون: إن الأسباب لا تأثير لها، وإنما يحصل الشيء عندها، لا بها.
* ومِن فوائدها: أن الإنسان لا يدخل الجنة بعمله؛ لقوله: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾، ولكن قد يشكل على هذا قوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧] ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل ٣٢] وأشباههما من الآيات.
وقد جمع العلماء بينهما بأن الباء في قوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ الباء للسببية، وأن الباء في قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٧٣)، ومسلم (٢٥٧٤) من حديث أبي هريرة.]] للعوض، يعني أن دخول الإنسان الجنة ليس بعمله؛ إذ لو أنه أريدت المعاوضة لهلك الإنسان، لو أن الإنسان نُوقش في عمله بالإضافة إلى نعمة الله عليه لكانت نعمة واحدة تقابل كل العمل، بل لكان العمل نفسه نعمة يحتاج إلى شكر، ولَّا لا؟ لأن توفيق الله عز وجل للعبد..
فاطر 35:32
يقول: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [فاطر ٣١] الجملة هنا ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ﴾ جاءت بالصيغة الاسمية المحصورة، وطريق حصرها أمران: الأمر الأول: تعريف ركنيها، وهما المبتدأ والخبر، فـ(الذي) مبتدأ و(الحق) خبر.
وقد قال أهل البلاغة: إن تعريف الركنين من الجملة الاسمية يفيد الحصر، الطريق الثاني من طرق الحصر: هو ضمير الفصل وهو قوله: ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾، فضمير الفصل من فوائده الحصر، وله فائدة ثانية: التوكيد، وله فائدة ثالثة: الفصل بين الخبر والصفة.
يقول: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ﴾، ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ الوحي إعلام الله سبحانه وتعالى أنبياءه ورسله بشريعة من شرائعه، هذا هو الوحي شرعًا، أما في اللغة فقالوا: إن الوحي هو الإعلام بسرعة وخفاء؛ يعني مثل الإشارة والهمس وما أشبهه يسمى وحيًا لكنه في الشرع..
ومنها ما ليس بوحي، أحيانًا يسأل النبي عليه الصلاة والسلام عن شيء ولا يجيب، فينزل عليه الوحي فيجيب بحديث نبوي؛ مثل «قصة يعلى بن أمية الذي كان أحرم بالعمرة وهو متضمِّخ بالخَلُوق، فسأل النبي ﷺ عن ذلك ولكنه لم يجبه حتى جاءه الوحي»[[متفق عليه؛ البخاري (١٥٣٦)، ومسلم (١١٨٠ / ٦) من حديث يعلى بن أمية.]]، وأحيانًا يسأل عن الشيء ثم ينزل به الوحي على أنه كلام الله قرآن، فيبلغه النبي ﷺ.
يقول: ﴿الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [فاطر ٣١] والمراد به هنا القرآن قطعًا؛ بدليل قوله: ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾؛ لأن (من) بيانية، تبين الإبهام في الاسم الموصول (الذي)؛ لأن الاسم الموصول فيه إبهام فإذا جاءت (من) بعده بعد اسم الموصول فهي تبينية.
﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [فاطر ٣١] (القرآن) وهو كتاب بمعنى مكتوب؛ لأن هذه الصيغة (فعال) تأتي كثيرًا بمعنى مفعول، وأمثلتها غراس، بناء، فراش، بمعنى مغروس ومبني ومفروش، فالكتاب بمعنى مكتوب، مكتوب في أي شيء؟ مكتوب في اللوح المحفوظ، مكتوب في الصحف التي بأيدي الملائكة ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس ١١ - ١٦] مكتوب في المصاحف التي بأيدينا، إذن هو مكتوب على ثلاثة أوجه: اللوح المحفوظ، الصحف التي بأيدي الملائكة، الصحف التي بأيدينا.
قال: ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾ [فاطر ٣١] (هو) ضمير فصل، و(الحق) خبر (الذي)، فـالذي أوحى الله إلى رسوله ﷺ هو الحق، أكد الله ذلك بكم مؤكد؟ بمؤكدين: ضمير الفصل، وتعريف ركني الجملة ﴿الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ﴾ [فاطر ٣١].
وقوله: ﴿الْحَقُّ﴾ يعني الشيء الثابت صدقًا في الأخبار وعدلًا في الأحكام، فأحكام القرآن كلها عدل، وأخباره كلها صدق، ليس فيها كذب بوجه من الوجوه، وليس في أحكامه جور بوجه من الوجوه؛ لأنك إذا تأملت أحكامه وجدته قد أعطى كل ذي حق حقه؛ فلهذا كان عدلًا في الأحكام، وإذا تأملت أخباره وجدتها كلها صدقًا، وهذا هو الصدق في الأخبار، وقد قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام ١١٥].
قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر ٢٩] أخذنا المناقشة فيها؟
﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [فاطر ٣١]، قوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ قال المؤلف: (تقدمه من الكتب) يعني مصدقًا لما تقدمه من الكتب؛ لأن الكتب التي سبقته تكون بين يديه، ألا ترى إلى الرجل يكون أمامك فهو قد سبق، وتقول: إن الرجل بين يدي، وربما يقال: ما بين اليدين للشيء المستقبل؛ لأنه أمامك أيضًا؛ كما في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة ٢٥٥] أي: مستقبلهم وماضيهم.
وقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ كيفية التصديق للكتب السابقة من وجهين:
الوجه الأول: أنه صدقها، أي: أثبت أنها صادقة، فالقرآن يثبت صحة التوراة والإنجيل والزبور وغير ذلك من الكتب، ويبين أنها صدق.
كذلك الوجه الثاني: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ لأن الكتب السابقة أخبرت به، فنزوله يكون تصديقًا لها، فهو مصدق لما بين يديه من وجهين:
الوجه الأول أنه صدق ما سبقه، أي: قال: إنها كتب صادقة ثابتة، وأوجب الإيمان بها.
والوجه الثاني: أنه صدق ما أخبرت به، أي: نزل مطابقًا لما أخبرت به، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء ١٩٦] القرآن، ﴿زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ كتبهم، يعني أنه موجود في كتبهم، وأنه سوف ينزل كما أن محمدًا ﷺ كذلك قد أخذ العهد والميثاق على كل نبي أن يصدق به، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ [آل عمران ٨١]، المهم أن تصديقه لما بين يديه من وجهين.
قال: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر ٣١] (عالم بالبواطن والظواهر)، هذه الجملة تعلقها بما قبلها أنها تفيد تحذيرًا وإنذارًا وترغيبًا، فهي ترغيب وترهيب لأنه لما أخبر بأن هذا القرآن هو الحق فقد انقسم الناس في هذا الحق إلى قسمين؛ قسم صدق به وقسم كفر به، أليس كذلك؟
كل هؤلاء نقول لهم: إن الله تعالى بكم خبير بصير، فالذين صدقوا به لن يضيع تصديقهم وعملهم بما جاء به؛ لأن الله خبير به، وبصير به، وسوف يجازيهم عليه، والذين كذبوا به أيضًا لن تخفى حالهم على الله عز وجل، فسوف يعاقبهم بما يقتضيه تكذيبهم وإنكارهم واستكبارهم، فالجملة إذن هي باعتبار المصدقين بهذا القرآن للبشارة، وباعتبار المكذبين للإنذار والتحذير.
وقوله: ﴿خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ (خبير) اسم فاعل على صيغة المبالغة، وإن شئت فقل: إنه صفة مشبهة، وهو أحسن بالنسبة لما يتعلق بالعلم، الأحسن في هذا أن نقول: إنه من باب الصفة المشبهة، لماذا؟ لأن الصفة المشبهة تدل على الثبوت، لكن صيغة المبالغة قد تدل على الحدوث، وحدوث الخبرة في جانب الله عز وجل مستحيل ولَّا لا؟ حدوث الخبرة مستحيل؛ لأنه لم يزل ولا يزال خبيرًا.
إذن نعود فنقول: إنه يتعين أن نجعل (خبير) صفةً مشبهة؛ لأننا لو جعلناها صيغة مبالغة من خابر لكانت موهمة لتجدد الخبرة والعلم، وهذا شيء مستحيل في جانب الله عز وجل.
وقوله: ﴿بَصِيرٌ﴾ كلمة (بصير) قد يراد بها العلم، وقد يراد بها الإدراك للرؤية، وكلا الأمرين لا يناقض بعضهما بعضًا. وقد مر علينا في قواعد التفسير أن الآية إذا احتملت معنيين لا يتناقضان فإنها تُحمَل عليهما؛ لأن ذلك أوسع في معناها وأبلغ، فالله عز وجل بصير بعباده من حيث النظر والرؤية ومن حيث العلم. في جانب المعمولات المفعولات الظاهرة تكون الرؤية والعلم أيضًا، وفي جانب المسموعات يكون العلم ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾.
ثم قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر ٣٢]، ﴿أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ﴾ أولًا كلمة (أورث) هنا نصبت مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر أو لا؟ ليس أصلهما المبتدأ والخبر، وعلى هذا فهي من باب كسا وأعطى، أين المفعول الأول وأين المفعول الثاني؟ ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ (الذين) هي الأول، و(الكتاب) هو الثاني؛ لأن الوارث من؟ هل الكتاب وارث الذين ولَّا الذين ورثوا الكتاب؟ الذين هم الذين ورثوا الكتاب، يعني أورثنا الذين اصطفينا من عبادنا الكتاب، ويش معنى أورثناهم إياه؟ أي: جعلناهم يرثونه، فالذين اصطفاهم الله أورثهم الله الكتاب، أي: جعلهم يرثونه.
وكلمة الكتاب قال المؤلف: (القرآن)، وينبغي أن نجعله أعم؛ لأننا لو قلنا: إن الكتاب هو القرآن وقلنا: إنه موروث عمن سبقنا لكان القرآن قد نزل على من سبقنا، وليس الأمر كذلك، فالمراد بالكتاب هنا الجنس، لا خصوص القرآن، يعني أن الكتب السابقة كل ما فيها من الخير موجود في القرآن، فنحن ورثنا عمن سبقنا كل ما أوتوه من خير، فالأصول التي تجب على كل مسلم في أي مكان وزمان موجودة في القرآن، والشرائع التي تختلف باختلاف الأمم وباختلاف الزمان والمكان هذه تختلف عمن سبق، قد يجب علينا ما لا يجب عليهم، وقد يحرم علينا ما لا يحرم عليهم ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨]، أما الأصول فقد ورثناها عنهم، فالأصول التي هي أم الدين قد ورثناها عمن سبقنا.
قال: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر ٣٢]، ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾ أي: اخترنا، وهو مأخوذ من الصفوة، وأصله اصتفينا، لكن لعلة تصريفية قُلبت التاء طاءً فقيل: ﴿اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ أي: اخترناهم.
وقوله: ﴿مِنْ عِبَادِنَا﴾ هل المراد بذلك العبودية العامة أو الخاصة؟
* طالب: الخاصة.
* الشيخ: يعني الذين اصطفيناهم من المؤمنين أو اصطفيناهم من جميع العباد؟ يظهر أنها من العبودية العامة، يعني الذين اختارهم الله تعالى من عباده الذين يخضعون له كونًا، والمراد بهم هذه الأمة، بدليل قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران ١١٠]، فالذين اصطفاهم الله من عباده هم هذه الأمة؛ للآية التي سقناها وهي في آل عمران، ولدليل آخر من هذه الآية نفسها؛ لأن هذه الأمة آخر الأمم، إذن فلا يمكن أن يورث ما عندها من الكتاب، فهي وارثة غير موروثة، إذا كانت وارثة غير موروثة فهي التي اصطفيت.
وقوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر ٣٢] (بالتقصير في العمل به) أي: بالكتاب (﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ يعمل به أغلب الأوقات) ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ يضم إلى العمل التعليم والإرشاد إلى العمل ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣٢]).
قسم الله تعالى هذه الأمة التي أورثها الكتاب إلى ثلاثة أقسام، وبدأ بالأقل فالأقل، الأقل في المرتبة فالأقل، فقال: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر ٣٢] الظالم لنفسه هو الذي ترك شيئًا من الواجبات، أو فعل شيئًا من المحرمات، ترك صلاة الجماعة مع وجوبها عليه، ترك بعض الزكاة لم يخرجه، ترك الحج على الفور مع وجوبه عليه على الفور، هذا نقول: إنه ظالم لنفسه، فعل المحرمات: شرب الخمر، زنى، سرق، نظر نظرًا محرمًا، هذا نقول: إنه ظالم لنفسه.
معنى الظالم في الأصل هو الناقص؛ لأن الظلم هو النقص، قال الله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣] يعني لم تنقص، وكل من أساء فقد نقص مما يجب عليه، ولهذا كل عمل سيئ يعتبر نقصًا فيما يجب عليه؛ لأن الواجب عليك لنفسك أن ترعاها حق رعايتها، فأنت مسؤول أول ما تسأل عن نفسك، قال النبي ﷺ: «إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٧٥)، ومسلم (١١٥٩ / ١٨٢) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]] فبدأ بالنفس، فكما يجب عليك أن ترعى مصالح ولدك ومالك وأهلك يجب عليك أن ترعى مصلحة نفسك، بل هو الواجب الأول من حقوق المخلوقين بعد حق الله ورسوله.
إذن من فعل محرمًا فقد ظلم نفسه، ليش؟ لأنه نقصها حقها في الأمانة، أنت مؤتمن عليها، يجب أن ترعاها حق رعايتها، من ترك واجبًا فقد ظلم نفسه؛ لأن الواجب عليه أن يفعل الواجب ليقوم بحق الأمانة فيما يتعلق في نفسه، هذا الظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، المقتصد هو الذي لم يقع منه ظلم لنفسه ولا تقدم في الخير، أي: قائم بالواجبات، تارك للمحرمات، لكنه لا يكثر من النوافل، ولا يحرص على إكمال الواجبات على الوجه الأكمل، ولا يتجنب المكروهات، مقتصد لا نقص ولا زاد، يصلي مع الجماعة ويزكي بدون نقص، لكن لا يأتي بالنوافل ولا بصدقات التطوع، يؤدي فريضة الحج لكن لا يعود، يصوم رمضان لكن لا يصوم نفلًا، وهكذا يؤدي ما عليه من المعاملات بين الناس على الوجه الواجب فقط، لا يتسامح عن فقير، ولا ينزل من قيمة أو ثمن، لكنه ماش على ما يجب عليه، نقول: هذا مقتصد، هذا لا له ولا عليه، يعني ليس له ثواب إلا ثواب فعل الواجب فقط، الثالث: سابق بالخيرات، هذا يأتي بالواجبات ويزيد ما شاء الله تعالى من الخيرات، ويأتي بالواجبات أيضًا على الوجه الأكمل الأتم، فالصلاة مثلًا لا يقتصر فيها على تسبيحة واحدة، بل يزيد، لا يقتصر على الفاتحة بل يزيد، لا يقتصر على أن يضع يديه مثلًا مطلقة هكذا، بل يضعها في موضعها في حال القيام وفي حال الركوع وفي حال السجود وهكذا، نقول: هذا سابق بالخيرات، يؤدي الزكاة ويتصدق، يحج الواجب ويتطوع، يصوم رمضان ويتنفل بغيره من الصيام، هذا نقول: إنه سابق بالخيرات.
أما قول المؤلف رحمه الله: إن معنى ﴿سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ (يضم إلى العمل التعليم والإرشاد إلى العمل) ففي هذا نظر ظاهر، لماذا؟ لأن التعليم قد يكون واجبًا، وإذا قام بالتعليم الواجب صار من السابق بالخيرات أو من المقتصد؟ من المقتصد، وإن تركه صار من الظالم لنفسه، وكذلك نقول في الإرشاد، الإرشاد الواجب إذا قام به صار مقتصدًا، وإن تركه صار ظالمـًا لنفسه، ولكن ما قلنا هو الصواب.
ما تقولون في اختلاف المفسرين في هذه الآية؟ فمنهم من يقول: فمنهم ظالم لنفسه كالمانع للزكاة، ومنهم مقتصد كالمقتصر عليها، ومنهم سابق بالخيرات كالزائد عليها، وآخر يقول: فمنهم ظالم لنفسه مؤخر للصلاة عن وقتها، ومنهم مقتصد فاعل لها في وقتها، ومنهم سابق بالخيرات فاعل لها في أول وقتها، أي: في الوقت الذي يُستحب أن تقام فيه، هل بين القولين خلاف؟ لا، ليس بينهما خلاف، هذا يُسمى اختلاف تنوع، يعني أن كل واحد منهما -من القائلين- ذكر نوعًا، فيكون هذا على سبيل التمثيل، ولا يُعد هذا خلافًا في الواقع، ولكنه تمثيل، هذا مثل بالزكاة وهذا مثل بالصلاة.
وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣٢] قال المؤلف: (بإرادته) الكونية أو الشرعية؟
الظاهر أننا نغلِّب هنا الكونية، يعني أن هؤلاء الأقسام الثلاثة -الظالم والمقتصد والسابق- كلهم يفعلون هذا بإذن الله، فالله تعالى هو الذي أذن للظالم نفسه أن يظلم نفسه، وللمقتصد أن يقتصر على ما يجب، وللسابق أن يزيد. وتقييد هذا بإذن الله لئلا يفتخر مفتخر بكونه سابقًا بالخيرات فيضيف الشيء إلى نفسه ويمن به على ربه؛ كما قال الله تعالى عن بعض بني آدم: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات ١٧].
فأنت إذا منَّ الله عليك بسبق في الخيرات لا تظن أن هذا من نفسك، لو وُكلت إلى نفسك لكنت ظالمـًا لنفسك؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب ٧٢]، هذه حقيقة الإنسان؛ الظلم والجهالة، لكن من منَّ الله عليه وهداه فهو من فضله سبحانه وتعالى (...).
قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ (﴿ذَلِكَ﴾ أي: إرثهم الكتاب ﴿هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ )، نعم صدق الله، الفضل الكبير الذي لا يدانيه فضل هو منة الله على عبده بالعلم بهذا الكتاب، هذا هو الفضل الكبير، ليس الفضل الكبير بأن يعطَى الإنسان قصورًا أو مراكب فخمة أو زوجات حسناوات أو أبناء كثيرين، لا، الفضل الكبير أن يورث هذا الكتاب، كل من ورث هذا الكتاب علمًا وعملًا ودعوة فهو الذي حاز الفضل الكبير، قال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس ٥٨].
وفي قوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ﴾ فيها أداة حصر، وهو ضمير الفصل ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ﴾، وضمير الفصل نذكره هنا لمن فاته العلم به: ضمير الفصل هو ضمير يأتي مطابقًا للسياق، يأتي بصورة الغائب، كـ(هو)، وبصورة المخاطب، كـ(أنت)، وبصورة المتكلم، كـ(أنا)، قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِين﴾ [الحجر ٨٩]، ﴿إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ﴾ هذا أتى بصيغة المتكلم، وتقول لمن تخاطبه: إنك أنت القائم، ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٩] هذا في صيغة المخاطب، وفي صيغة الغائب كثير، منه هذه الآية ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾.
إذن فضمير الفصل ضمير يؤتى به مطابقًا للسياق من حيث التكلم والخطاب والغيبة، وهو من حيث الإعراب لا محل له، ليس له محل من الإعراب، أما من حيث المعنى فيفيد ثلاثة أمور: يفيد التوكيد والحصر والتمييز بين الخبر والصفة، ثلاثة أمور، ما هي؟
تقول مثلًا: (زيد الفاضل) فيه ضمير فصل ولَّا لا؟ ما فيه ضمير فصل، هنا يحتمل أن تكون (الفاضل) خبرًا، ويحتمل أن تكون صفة والخبر لم يأتِ، ممكن أن نقول: تقدير الكلام: زيد الفاضل قائم، ما يمكن هذا؟ يمكن، فتكون (الفاضل) صفة، فإذا قلت: (زيد هو الفاضل) تعيَّن أن تكون (الفاضل) هنا خبرًا، ما يمكن تكون صفة. إذن فهو يميز بين الصفة والخبر، فيكون ما بعده خبرًا لا صفة، ولولاه لكان محتملًا أن يكون خبرًا أو صفة.
هذا شرح قولنا: التمييز بين الخبر والصفة.
يفيد الحصر: إذا قلت: (زيد فاضل) هل يمنع أن يكون غيره فاضلًا؟ لا يمنع، فإذا قلت: (زيد هو فاضل) أو (زيد هو الفاضل) تعيَّن أن يكون زيد وحده هو الفاضل.
التوكيد: لا شك أن قولك: (زيد الفاضل) تريد المبتدأ والخبر، لا شك أنها جملة تامة ومعناها واضح، لكن إذا قلت: زيد هو الفاضل كأنك اتكأت عليها وزدتها توكيدًا.
قال: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾، الفضل بمعنى العطاء، العطاء ممن؟ من الله، (الكبير) من حيث الحجم، فهو كبير في كيفيته، ونحن نعلم من جهة أخرى أنه كثير في كميته، فيجتمع في هذا العطاء يجتمع فيه الكمية والكيفية، فهو فضل كبير في ذاته وكيفيته وفضل كثير أيضًا في عدده وكميته ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر ٣٢]
قال الله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر ٣٣] هذا بيان لثواب هؤلاء الأصناف الثلاثة (﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ إقامة ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ الثلاثة بالبناء للفاعل والمفعول خبر (جنات) المبتدأ) بالبناء للفاعل: ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾، وبالبناء للمفعول: ﴿﴿يُدْخَلُونَهَا﴾ ﴾، وهم إذا أُدخلوا فقد دخلوا ولَّا لا؟ فكأن القراءتين واحد، لكن يُستفاد من كلمة ﴿﴿يُدْخَلُونَهَا﴾ ﴾ بيان أنهم يُعطَونَها كرامةً، فتُقدَّم إليهم حتى يدخلوها، لكن ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ بدون أن يقال: ﴿﴿يُدْخَلُونَهَا﴾ ﴾ فإن الداخل قد يدخل كرامة وقد يدخل من ذات نفسه، لكن إذا أُدخِلها كأنها قُدِّمت لهم على سبيل الكرامة حتى يدخلوها.
وقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ جنات جمع جنة، قال العلماء: والجنة: البستان الكثير الأشجار، وسُمي بذلك لأنه يستر مَن كان داخله، والله أعلم.
﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ عدن بمعنى إقامة، يعني أن هذه الجنات جنات إقامة لا ظعن فيها، بل هم خالدون فيها أبدًا، ومع ذلك ليس واحد منهم يتمنى أن يتحول عما هو فيه كما قال الله تعالى: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف ١٠٨] بخلاف الجنة؛ فإن الإنسان لو كان في أحسن ما يكون من البساتين لتمنى أن يتحول إلى ما هو أحسن منه وأفضل منه، لكن في الآخرة كل واحد منهم يرى أنه في مكان إقامة لا يريد أن يتحول عنه، وهذا لا شك أنه من كمال النعيم أن يستقر الإنسان وأن يرى أنه في أكمل ما يكون؛ حتى لا تتشوف نفسه إلى نعيم أعلى فيتنغص نعيمه؛ لأنه من المعلوم أن الإنسان إذا رأى أنه دون غيره، وإن كان في مقام أمين، وإن كان في مقام منعم فيه، لكن يتنغص عليه ذلك؛ لكونه يرى أن غيره أفضل منه.
قال: ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ (بالبناء للفاعل وللمفعول خبر جنات) جنات مبتدأ، وجملة ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ أو ﴿﴿يُدْخَلُونَهَا﴾ ﴾ خبر، (﴿يُحَلَّوْنَ﴾ خبر ثانٍ) ولا تصح أن تكون حالًا من الفاعل؛ وذلك لأن تحليتهم بذلك بعد الدخول، ولو قلنا: يُدخلونها حال كونهم يحلون للزِم من ذلك أن يكون التحلية حين الدخول أو قبله.
(﴿يُحَلَّوْنَ﴾ خبر ثانٍ)، وهل يجوز أن يتعدد الخبر؟ الجواب: نعم، وهذا في القرآن كثير، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج ١٤، ١٥]، الخبر العام كم؟ أربعة: الغفور، والودود، وذو العرش، والمجيد، فتعدد الأخبار جائز في اللغة العربية، ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ أي: في هذه الجنات، ﴿مِنْ﴾ قال المؤلف: (بعض) فأفادنا أن (من) هنا ليست بيانية، بل هي تبعيضية، ولو قيل: إنها بيانية لكان له وجه جيد؛ لأن التحلية لا تتعين في الأساور؛ إذ قد يُحَلَّى الإنسانُ بالخروص مثلًا، أو بالقلائد، أو ما أشبه ذلك، فجعلها بيانية أولى من جعلها تبعيضية؛ لأنك إذا قلت: يُحَلَّون بعض أساور لم تكن التحلية بالأساور، وإنما يحلون بعضها، إلا إذا قلت: نعم أقول: إنها تبعيضية لأن الأساور المذكورة هنا نوعان فقط: ذهب ولؤلؤ، مع أن لهم حلية أخرى وهي الفضة؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان ٢١]، فإذا جعلتها تبعيضية باعتبار أن الأساور المذكورة من نوعين، وبقي نوع ثالث لم يُذكَر، صار القول بأنها للتبعيض له وجه، وقد ذكرنا مرارًا كثيرة أنه إذا احتمل اللفظ معنيين لا يتنافيان فإنه يُحمَل عليهما، فيمكن أن نجعل (من) هنا مشتركة بين كونها بيانية وبين كونها تبعيضية، بين كونها بيانية لأن التحلية تكون من الأساور وغيرها، فتكون (من) هنا مبيِّنةً ما يتحلون به، وتبعيضية لأنه ذكر من الأساور هنا نوعين وبقي نوع ثالث لم يذكر، ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [فاطر ٣٣] ويش عندكم؟ (مرصع بالذهب).
﴿﴿من ذهب ولؤلؤٍ﴾ ﴾، أما ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ فهي مجرورة لا شك فيها؛ لأنها دخلت عليها (من)، وأما (لؤلؤ) فهي عندي منصوبة، هي عندكم كذلك؟ ولكن قوله: (مرصع) يدل على أنها مجرورة كما هي القراءة الثانية، ولهذا ينبغي أن نصحح (لؤلؤًا) ونجعلها بالجر بناءً على تفسير الجلال.
﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ مجرورة عندكم ﴿﴿ولؤلؤ﴾ ﴾.
طيب ﴿﴿ولؤلؤ﴾ ﴾ ما الدليل على أنه ﴿﴿ولؤلؤ﴾ ﴾؟ لأنه قال: (مرصع)، لو أنه أراد قراءة النصب لقال: مرصعًا، إذن نقول: (لؤلؤ) فيها قراءتان سبعيتان؛ إحداهما بالنصب ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ وعلى هذا تكون معطوفة على محل أساور، يعي يحلون فيها أساور ولؤلؤًا، أساور من ذهب، ويحلون لؤلؤًا أيضًا، وأما بالجر ﴿﴿ولؤلؤٍ﴾ ﴾ فهي معطوفة على ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ يعني: يحلون فيها أساور من نوعين؛ من ذهب ولؤلؤ، أضف إليها حلوا أساور من فضة تكون أساورهم من ثلاثة أنواع: من الذهب واللؤلؤ والفضة، ولا نشك أن السوار من الذهب مجمَّل، وفيه جمال لذاته، وكذلك السوار من الفضة، وكذلك السوار من اللؤلؤ، فكل واحد منها على حدة فيه جمال وتجميل، فإذا اجتمعت الثلاثة وصُف بعضها إلى بعض تولَّد من ذلك تجميل أكبر، ولا أحد يتصور كيف تجمع هذه الثلاثة هل يكون اللؤلؤ بين الذهب والفضة، أو الذهب بين اللؤلؤ والفضة، أو اللؤلؤ بينهما، المهم أن ترتيبها هذا لا أحد يتصوره الآن، لكن الذي نؤمن به أن هذه الثلاثة تجمع، أما كيف تجمع فالله أعلم به، لكننا أيضًا نعلم بأن جمعها أي الثلاثة له زيادة في التجميل.
واعلم أن الذهب الذي يُذكَر في نعيم الجنة والفضة واللؤلؤ ليس كالذهب الذي نشاهده الآن أو الفضة أو اللؤلؤ، بل هو ذهب أعظم ذهب يليق بنعيم الجنة، كما أن النخل والرمان والفاكهة والعسل واللبن والخمر وما أشبه ذلك ليس كالذي يوجد في الدنيا، لماذا؟ لأن النعيم يناسب الدار، فإذا كانت دار الدنيا لا تشابه دار الآخرة فالنعيم الذي في الآخرة لا يساويه النعيم الذي في الدنيا، هذا من حيث المعقول، أما من حيث المنقول فقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة ١٧]، وفي الحديث القدسي: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]، واضح، وأنتم تشاهدون الآن أنه لو جاءكم رجل فقير وصنع لكم أعلى ما يمكنه من الطعام الذي هو أحسن شيء عنده، ودعاكم رجل غني وصنع لكم أعلى ما يجد من الطعام عنده، لعرفتم الفرق العظيم بين هذا وهذا، مع أن كل واحد منهم أتى بكل ما يستطيع، كذلك الفرق بين نعيم الآخرة ونعيم الدنيا، فالذهب إذن يوافق الذهب في الدنيا في الاسم ولا يوافقه في الحقيقة، قال ابن عباس رضي الله عنهما: «ليس في الآخرة مما في الدنيا إلا الأسماء»[[أخرجه البيهقي في البعث والنشور (٣٣٢)، والزهد لهناد (٣) من حديث ابن عباس.]] فقط، أما الحقائق فتختلف.
يقول: (﴿﴿مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤٍ﴾ ﴾ [فاطر: ٣٣] مرصع بالذهب) وقوله: (مرصع بالذهب) قد يعارَض المؤلف في ذلك؛ إذ قد يقال: إن اللؤلؤ مستقل، حلية مستقلة، ويدل لذلك قراءة النصب: ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾، يعني يحلَّون لؤلؤًا، أما على قراءة الجر فما ذهب إليه المؤلف محتمل غير متعين، أنتم معنا الآن؟ طيب هو يرى رحمه الله أن اللؤلؤ ليس مستقلًّا، بل هو مرصع بالذهب كما يوجد في حلي الدنيا، ولكننا لا نسلم ما قال، بل ظاهر الآية الكريمة أن اللؤلؤ سوار مستقل، ويبين هذا قراءة النصب ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [فاطر ٣٣]، يعني يحلون لؤلؤًا، فجعل حلية اللؤلؤ حليةً مستقلة.
﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر ٣٣] لما ذكر ما يُلبَس في اليد ذكر اللباس العام على جميع البدن، فقال: ﴿حَرِيرٌ﴾ لباسهم في الجنة حرير، وحرير الجنة ليس كحرير الدنيا الذي تفرزه أو تصنعه دودة القز، هو قابل لكل آفة، بل حرير الآخرة حرير لا يماثل شيئًا من حرير الدنيا أبدًا.
﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر ٣٤] (قالوا) يعني أهل الجنة، ومتى يقولون ذلك؟ يقولون ذلك بعد دخول الجنة ﴿الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ الكائن في النفوس، وهو الهم أو الغم لما مضى، والخوف الهم لما يُستقبل، فهنا هل نقول: إن الحزن يشمل الغم مما مضى والهم مما يستقبل؟ نعم، نقول: نعم، كذلك في الجنة جميع ما مضى عليهم من الأحزان والهموم وغيرها ينسونه؛ كما جاء في الحديث الصحيح؛ أن الإنسان يُغمَس في الجنة -يُصبَغ صبغةً واحدةً- يغمس فيها فيقال له: هل رأيت شرًّا قط؟ فيقول: لا[[أخرجه مسلم (٢٨٠٧/ ٥٥) من حديث أنس بن مالك.]]، كل ما مضى من الشرور والأحزان والهموم كلها (...).
الأول: كمال المحمود، والسبب الثاني: إنعام المحمود، بخلاف الشكر، فلأنه ليس له إلا سبب واحد، وهو إنعام المشكور. ولعلنا نتطرق إلى الفرق بين الحمد والشكر:
الحمد قلنا: له سببان، فهو أعم من الشكر من حيث السبب؛ إذ إن سببه كمال المحمود وإنعام المحمود، الشكر ليس له إلا سبب واحد، وهو إنعام المشكور، فأيهما أعم؟ الحمد أعم؛ لأنه يكون على هذا وهذا، الشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح: بالقلب: أن يعترف الإنسان بقلبه بنعمة المـنعم، باللسان: أن يشكره بلسانه ويثني عليه بلسانه، بالجوارح: أن يقوم بطاعته فلا يخالفه، وعليه قول الشاعر:
أَفَادَتْكُــــــمُ النَّعْـــــمَاءُ مِنِّيثَلَاثَةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَالْمُحَجَّبَا
أما الحمد فلا يكون إلا باللسان؛ لأن الحمد وصف المحمود بالكمال، فلا يكون إلا باللسان، فأيهما أعم من هذه الناحية؟
* طالب: الشكر.
* الشيخ: إذن الشكر أعم متعلقًا لأنه تعلق بالقلب واللسان والجوارح.
* طالب: الحمد يتعلق بالقلب؟
* الشيخ: ربما يتعلق بالقلب، لكنه ما يسمى حمدًا، يعني من أضمر في نفسه الثناء على الله عز وجل ما يقال: حمد الله؛ إذ إنه لم يظهر، وربما يقول قائل: إنه يكون بالقلب، لكنه ليس بظاهر.
يقول: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر ٣٤] قال المؤلف: (جميعه) يشير إلى أن (أل) هنا لاستغراق العموم، و(أل) تكون لاستغراق العموم إذا صح أن يحل محلها (كل)، كلْ ولا كلّ؟
* طالب: ما الفرق؟
* الشيخ: الفرق: كلْ يعنى من الطعام، كلّ بالتشديد من الكلية.
إذا صح أن يحل محل (أل): (كل) –بالتشديد- فهي للاستغراق.
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر ٢] هذه للاستغراق.
﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] للاستغراق.
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء ٣٤] لا، ما هي للاستغراق، ما كل رجل قوام، أحيانًا تكون المرأة قوامة على الرجل، فهذه لبيان الحقيقة فقط.
المؤلف أفادنا بقوله: (جميعه) أن (أل) هنا للاستغراق.
(﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ﴾ للذنوب ﴿شَكُورٌ﴾ للطاعة) هذه الجملة كما تشاهدون مؤكَّدة بمؤكدين؛ بـ(إن) واللام، فهم أكدوا بالثناء هذا على الله أنه سبحانه وتعالى غفور للذنوب شكور لها. الغفور هنا صيغة مبالغة ولَّا صفة مشبهة؟ هي تشمل الأمرين جميعًا، هي صيغة مبالغة لكثرة غفران الله تعالى للذنوب وكثرة من يغفر لهم، فهو كثير المغفرة للذنوب؛ إذ إن الذنوب تتكرر من الإنسان عدة مرات فيغفرها الله. والذين يغفر الله لهم كثيرون أو قليلون؟ كثيرون. ومن جهة أخرى باعتبار أن الله تعالى لم يزل غفورًا نقول: هي صفة مشبهة.
* طالب: غفور للذنوب شكور له؟
* الشيخ: للطاعة، شكور للطاعة.
وقوله: ﴿شَكُورٌ﴾ نقول فيها كما قلنا في (غفور) بأنه عز وجل لم يزل شكورًا على طاعة عباده وامتثالهم أمره، ومن شكره أنه يعطي العامل الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وهو أيضًا شكور باعتباره صيغة مبالغة؛ لأنه كلما كثُر العمل كثر الشكر.
في ذكر ثواب أهل الجنة ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر ٣٣] (...).
النصب أن يكون التحلي باللؤلؤ لا يتعين أن يكون أساور؛ لأن تقدير الكلام يكون: يحلون فيها أساور ويحلون فيها لؤلؤًا، ومعلوم أن الحلية تكون بالأساور وتكون بغير ذلك، معلوم الآن؟ فصارت على قراءة النصب يتعين أن تكون منفردة عن الذهب، ثم يحتمل أن تكون أساور ويحتمل أن تكون غير أساور، هذا على قراءة النصب، وعلى قراءة الجر يحتمل أن تكون مركبة مع الذهب ﴿﴿من أساور من ذهب ولؤلؤٍ﴾ ﴾ [فاطر: ٣٣]، فتكون اللؤلؤ مرصعًا كما اختاره المؤلف، ويحتمل أن تكون أساور مستقلة، ما هي متعينة.
قوله: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر ٣٣] وأشباهها من الآيات الدالة على نعيم الجنة، هل (...).
﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر ٣٥]، قوله: ﴿الَّذِي﴾ هنا يجوز أن تكون صفةً لما سبق، وهو الله، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر ٣٤] ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا﴾ [فاطر ٣٥]، ويحتمل أن تكون استئنافًا، يعني أنها في محل رفع على القطع؛ لأن المنعوت إذا علم وتعدد النعت له جاز في النعت الثاني القطع والإتباع، كما قال ابن مالك:
وَإِنْ نُعُوتٌ كَثُرَتْ وَقَدْ تَلَتْ ∗∗∗ مُفْتَـــــــــقِرًا لِذِكْــــــرِهِنَّأُتْبِعَـــــــتْ
وإن لم يكن مفتقرًا جاز القطع ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا﴾ أي: أنزلنا ﴿دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر ٣٥] دار المـقامة، المقامة هنا بمعنى الإقامة، فهي إذن ظرف مكان، أو أنها مصدر ميمي دخلته التاء، ودار المقامة هي دار الجنة، ووُصفت بذلك لأن ساكنيها مقيمون فيها أبدًا، ولأنهم لا يريدون الإقامة بغيرها، كل واحد منهم لا يبغي حولًا عما هو فيه؛ لأنه يرى أنه أكمل أهل الجنة، نعم، بل إن الله أقنعهم بما هم عليه من النعيم حتى لا يتطلعوا إلى نعيم أكبر فيحتقروا ما هم فيه، بخلاف أهل النار؛ فإن أهل النار كل واحد منهم يرى أنه أشد أهل النار عذابًا؛ لأنه لو يرى أن غيره يماثله أو أن غيره أشد منه لهان عليه العذاب، ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (من) سببية هنا، أي: بسبب فضله، أي: تفضله علينا؛ لأنه لولا فضل الله عليهم ما وصلوا إلى هذا المقام العظيم، فكل ما في الإنسان من خير ونعمة فمن الله سبحانه وتعالى؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل ٥٣]، فإحلالهم دار المقامة هو من فضل الله تعالى، وهذا من تمام شكرهم لله، حيث اعترفوا له بالفضل، بخلاف الذي إذا أصابته النعماء قال: هذا لي أو هذا من عندي أو ما أشبه ذلك.
(﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ﴾ تعب ﴿وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر ٣٥] إعياء من التعب) لا يمسنا فيها نصب، أي: تعب، ومعنى يمسنا أي: يصيبنا؛ كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة ٥٠]، فالمس بمعنى الإصابة، وقوله: ﴿نَصَبٌ﴾ (تعب) ﴿لُغُوبٌ﴾ (إعياء)؛ لأن هناك تعبًا مباشرًا ينال الإنسان حين الفعل، وإعياءً يكون أثرًا للتعب، أليس كذلك؟ أنت إذا مارست عملًا شاقًّا فإنك حين ممارسته تتعب، ثم بعد انتهائه تعيى، يعني تضعف وتخلد إلى الراحة وإلى النوم، في الجنة ليس فيها نصب، يعني: تعب بدني حين مزاولة الأعمال، ولا لغوب أي: إعياء وهو الناتج عن التعب.
قال: (إعياء من التعب لعدم التكليف فيها) هذا تعليل عليل؛ لأن التكليف حتى في الدنيا غالبه ليس فيه تعب، بل إن بعضه يكون راحةً للبدن وراحة للقلب وتنشيطًا للبدن وصحةً له، وليس هذا هو المقصود الأول في العبادات، لكنه يحصل من ممارسة العبادة يحصل من ذلك النشاط والصحة، كما هو موجود مثلًا في الصلاة، موجود في الصيام، موجود في الحج، فليس هناك تعب في الأعمال الصالحة، بل نقول: ﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ﴾ هذا من باب الصفات السلبية المتضمنة لكمال ضدها، فلا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيه لغوب لكمال نعيمهم وراحتهم وأنسهم وفرحهم وما أشبه ذلك.
يقول: (لعدم التكليف فيها، وذكر الثاني التابع للأول للتصريح بنفيه) ذكر الثاني وهو اللغوب التابع للأول وهو التعب؛ لأن اللغوب -كما قلنا قبل قليل- نتيجة التعب، فكأن المؤلف أجاب عن سؤال؛ كأنه قيل: إذا انتفى التعب انتفى اللغوب الذي هو نتيجته، فلماذا لم يقتصر على نفي التعب؟ وقيل: لا يمسنا فيها نصب، وإذا انتفى النصب انتفى اللغوب؟ واضح؟
أجاب عن ذلك بأنه ذكر من أجل التصريح بنفيه، هذا ما ذهب إليه المؤلف، ولا شك أنه وجه حسن، لكن ربما نقول: إن الإنسان أحيانًا يجد إعياءً وكسلًا وموتَ قوًى بدون عمل وبدون تعب، وهذا مشاهَد، وعليه فيكون نفي اللغوب أمرًا ليس تأكيدًا وإنما هو أمر أساسي، كيف أمر أساسي؟ لأن الإنسان قد يجد إعياءً أحيانا وهو ما اشتغل، ألم تجدوا ذلك؟
إذن نقول: إن ذكره أساسي وليس من باب التصريح بنفيه الذي لا يقصد منه إلا مجرد التوكيد، المهم أن أهل الجنة لكمال نعيمهم لا يمسهم فيها نصب ولا يمسهم فيها لغوب.
ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ [فاطر ٣٦] فثنَّى بذكر عقاب أهل النار؛ لأن القرآن مثانٍ، كلما ذكر فيه معنًى ذكر فيه ما يقابله.
ولا تكاد تجد آيات في القرآن يُذكر فيها معنًى إلا وذُكر ما يقابله؛ لأن القرآن مثانٍ؛ لئلا تتمادى النفس في الرجاء إذا ذُكر النعيم وحدَه؛ فإن النفس تتمادى في الرجاء وحينئذ تأمن مكر الله، ولو ذُكر الوعيد وحده لتمادت النفس في الخوف فقنطت من رحمة الله، ولكن الله سبحانه وتعالى يذكر هذا تارة وهذا تارة حتى يكون الإنسان سائرًا من غير ميل إلى الرجاء، ومن غير ميل إلى الغلو.
وهذه المسألة اختلف العباد فيها؛ هل الأولى أن يسير الإنسان إلى ربه بين الخوف والرجاء فيكون خائفًا راجيًا، أو الأولى أن يغلب الرجاء إحسانًا للظن بالله عز وجل، أو الأولى أن يغلب الخوف؟ نعم في هذا خلاف بين العلماء؛ الإمام أحمد رُوي عنه أنه قال: ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا، فأيهما غلب هلك صاحبه؛ لأنه إن غلب الرجاء أمن الإنسان من مكر الله، وإن غلب الخوف قنط من رحمة الله، فيكون خوفه ورجاؤه واحدًا، قالوا: فالخوف والرجاء كالجناحين للطائر؛ إن هبط أحدهما مال الطائر إليه واختل توازنه، وإن تساويا استقام الطائر واعتدل توازنه.
وقال بعض أهل العلم: بل هذا يختلف باختلاف الأحوال، فإذا فعل الإنسان الطاعة فليغلب الرجاء وأن الذي وفقه لها سوف يقبلها منه ويثيبه عليها؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر ٦٠]، إذا وُفقت للدعاء وُفقت للإجابة، إذا وُفقت للعمل وُفقت للقبول، وإذا عمل المعصية فليغلِّب جانب الخوف وليرجع إلى ربه؛ لأنه إن غلب جانب الرجاء بعد فعل المعصية فإنه لا يتوب منها، ويقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨]، ويقول: الله غفور رحيم، وما أشبه ذلك. فيكون تغليب الرجاء في حال وتغليب الخوف في حال أخرى.
وقال بعض العلماء: يغلِّب الخوف في حال، والرجاء في حال، لكن لا باعتبار العمل، بل باعتبار الحال، فإذا كان مريضًا فليغلب جانب الرجاء؛ لقول النبي ﷺ: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ»[[أخرجه مسلم (٢٨٧٧ / ٨٢) من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري.]]، وإن كان صحيحًا فليغلب جانب الخوف، والمناسبة قالوا: لأن المريض تضعف نفسه وتنكسر وليس يميل إلى الدنيا ولكنه يهتم بما أمامه، فليغلب جانب الرجاء، ليس هناك نفس تتطلع إلى الدنيا وتنغمس في الترف، بل نفسه قد رقت وآوت إلى الآخرة، وأما إذا كان صحيحًا فإن النفس الآن فيها شره وتطلع للدنيا وإسرافها، فيغلب جانب الخوف.
على كل حال ممكن أن نقول: إذا وُجدت أسباب يخاف الإنسان على نفسه من تغليب جانب الرجاء فليقدم الخوف، وإن وجدت أسباب تقتضي أن يخاف الإنسان وييئس من رحمة الله فليغلب جانب الرجاء، يعني إذا فعل أسباب الرجاء فليغلب الرجاء، وإذا وُجدت أسباب الخوف فليغلب جانب الخوف.
وقبل أن ندخل فيما أعد الله تعالى لأهل النار فيها نرجع لنأخذ الفوائد لأننا لم نأخذ الفوائد فيما سبق، أليس كذلك؟ من ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر ٣١].
* مِن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات أن القرآن كلام الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [فاطر ٣١]، فالوحي إعلام الله سبحانه وتعالى أحد أنبيائه بشريعة من شرائعه، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة؛ أن القرآن كلام الله تعالى، تكلم به حقيقة بحروفه وبصوت مسموع، لكنه لا يشبه أصوات المخلوقين.
* ومن فوائدِها: فضيلة رسول الله صلى لله عليه وسلم، بماذا؟ بما أوحى الله إليه هذا القرآن العظيم ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [فاطر ٣١].
* ومن فوائدِها: اشتمال القرآن الكريم على الحق في أخباره وفي أحكامه، فأخباره كلها صدق، وأحكامه كلها عدل.
* ومن فوائدها: أن ما خالف القرآن فهو باطل؛ لقوله: ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾ فحصر الحق فيه، والحصر: إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، وكل ما خالف القرآن فهو باطل بلا شك.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: إنذار المخالفين لهذا القرآن وبشارة الموافقين له، واستفاد هذه الفائدة من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر ٣١].
* ومِن فوائدها: إثبات هذين الاسمين لله عز وجل وما تضمناه من صفة وحكم: خبير وبصير.
* ومن فوائدها: عموم علم الله وشموله حتى لما يقوم به العباد؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾.
* ومن فوائدها: علم الله تعالى بما تكنه الصدور، من أي الاسمين تؤخذ؟ من قوله: خبير، وربما نقول أيضًا: وبصير؛ لأن البصير بمعنى العليم والـمبصر.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: أن جميع الخلق عابدون لله، كل الخلق، كلهم عباد الله ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر ٣١]، فلا حق لأحد من المخلوقين في شيء من خصائص الرب، بل الكل عبد ذليل لله سبحانه وتعالى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن كتاب، أي: مكتوب، وهو مكتوب في اللوح المحفوظ، ومكتوب في الصحف التي بأيدي الملائكة، ومكتوب في الصحف التي بأيدينا.
ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾ [فاطر ٣٢]
* من فوائد الآية الكريمة: أن هذا القرآن مصدق لما سبقه من الكتب؛ لقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [فاطر ٣١]. ويتفرع على هذه الفائدة أن الذي يؤمن بهذا القرآن مؤمن بالكتب السابقة؛ لأن هذا القرآن مصدق لها، فيكون الإيمان به إيمانًا بما سبق من الكتب.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: الاستشهاد بالأمر الواقع، حتى وإن كان من عند الله، بمعنى أن الله تعالى يستشهد بالأمر الواقع ليزداد إيمان المؤمنين، وجه ذلك ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [فاطر ٣١] على أحد المعنيين، وهما أنه وقع مطابقًا لما أخبرت به، فإنه إذا أخبرت به ثم جاء فهذا دليل على صدقه؛ كما قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ١٩٧]، فاستشهد الله تعالى بعلم علماء بني إسرائيل زيادةً في التثبيت وإقامةً للحجة على المنكرين أهل الكتاب.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: رحمة الله تعالى بعباده، حيث لم يدعهم هملًا، بل أنزل إليهم الكتب التي يستنيرون بها في سيرهم إلى الله عز وجل؛ لقوله: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: سعة التعبير في اللغة العربية، وأن المقصود المعنى دون مجرد اللفظ؛ لقوله: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ لأنه قد يقول قائل: وهل للقرآن يد؟ فالجواب أن هذا من باب التوسع في التعبير في اللغة العربية، عرفتم؟ وأن المقصود هو المعنى، والألفاظ قوالب تدل على المعنى، قوالب الشيء يعني معناه: أوانيه التي يجعل فيها، فأنت مثلًا إذا قدم إليك كرتون مزخرف مزين بالذهب تستدل بهذا على ما في باطنه وأنه شيء غال طيب، فالألفاظ في الواقع قوالب يستدل بها على ما تضمنته من المعاني، وليس لها -أي للألفاظ- معنى ذاتي حتى لا تتغير بأي تركيب كانت، بل هي تتغير بحسب التركيبات والسياق.
ثم قال الله عز وجل: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر ٣٢].
* يُستفاد مِن هذا الآية: فضل الله عز وجل على هذه الأمة، حيث أورثها هذا الكتاب العظيم الذي وصفه الله بأنه الحق وأنه مصدق لما بين يديه أورثه الله تعالى هذه الأمة، ففي ذلك بيان فضل الله علينا بهذا الإرث.
* ومن فوائدها: أن هذه الأمة أفضل الأمم؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ وهم هذه الأمة، واستدللنا لذلك أيضًا بآية أخرى وهي ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران ١١٠].
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى الفترة بين عيسى ومحمد ﷺ، من أين تؤخذ؟ من (ثم) الدالة على التراخي، وهو كذلك، ولا نعلم فترةً أطول منها بالنسبة لما بين الرسالات والكتب المنزلة، فقد قيل: إن أطول ما كان بين آدم ونوح، وهذا أمر قد يشك فيه الإنسان، لكن ما بين عيسى ومحمد عليه الصلاة والسلام حوالي ست مئة سنة، وإنما طالت الفترة لتشتد حال الناس إلى إرسال الرسل، فتأتي الرسالة المحمدية إلى قوم في غاية الضرورة إلى الرسالة والوحي، ويكون لرسالته مزية عظيمة، حيث جاءت كالمطر ينزل على أرض مجدبة، فتكون أشد قابلية له وأشد تأثرًا به (...).
خلقت له، بل معناها يختلف بحسب السياق، وعلى هذا فلا مجال، ما دام أن المعنى مفهوم فلا مجال، ولهذا تجد أن الكلمة في معناها المفهوم بالسياق لو أنك أردت أن تحولها إلى المعنى الأصلي ما صح (...).
في استخراج الفوائد من الآيات السابقة، من الآية (...).
الكريم أيضًا تقسيم هذه الأمة إلى ثلاثة أقسام: ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات.
* ومنها، أي من فوائدها: الرد على الخوارج والمعتزلة؛ لقوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر ٣٢] وجعلهم من الذين اصطفاهم الله تعالى من عباده، ولو خرجوا من الإسلام لم يكونوا من المصطفين، قد يقول قائل: يمكن أن يعارض الخوارج والمعتزلة هذا الاستدلال بأن يقولوا: إن المراد بالظلم هنا ما دون الكبائر، فيقال: إن ما دون الكبائر يقع مغفورًا بفعل الطاعات؛ كالصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان، وحينئذ ينتفي الظلم بمجرد فعل هذه الطاعات.
ثم نقول قولًا آخر بأن الآية مطلقة تشمل الظلم الأصغر والظلم الأكبر، ففيها رد على الخوارج والمعتزلة الذين يكفرون أو يخرجون الإنسان بالكبيرة من الإسلام، وحينئذ لا يكون من العباد الذين اصطفوا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل عمل يقوم به الإنسان فهو بإذن الله عز وجل وإرادته؛ لقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣٢]، وفيها الرد على القدرية الذين يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله؛ يقول ويفعل ويترك بغير إذن الله، بل هو مستقل بمشيئته وفعله.
* ومِن فوائدها أيضًا: كبح النفس عن الاستعلاء والفخر بالطاعة؛ لقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣٢] حتى لا يقول الإنسان: فعلت ذلك من نفسي وأنا الذي فعلت وفعلت، وهذا خلافًا لما يسير عليه بعض الناس، إذا فعل المعصية كان جبريًّا، وإذا فعل الطاعة كان قدريًّا، إذا فعل الطاعة قال: هذا مني وأنا الذي فعلت وأنا الذي فعلت، وإذا فعل المعصية قال: هذا من الله وأنا مجبر عليه، فبعض الناس يسلك هذا المسلك، وهذا مسلك بعيد من العدل.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: إثبات عموم مشيئة الله عز وجل حتى في أفعال العبد؛ لقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣٢].
* ومن فوائدها: تفاضل الناس في العمل، ويتفرع عليه تفاضلهم في الإيمان، أين الدليل على تفاضلهم في العمل؟ تقسيمهم إلى ثلاثة أقسام، ويلزم من تفاضلهم في العلم أن يتفاضلوا في الإيمان، فيكون في ذلك دليل لمذهب أهل السنة والجماعة القائلين بزيادة الإيمان ونقص الإيمان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أكبر فضل يتفضل الله به على عبده أن يوفقه للقيام بطاعته؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر ٣٢]، وقد أشار الله تعالى إلى هذا المعنى في قوله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس ٥٨].
* ومِن فوائدها أيضًا: أن إفضال الله على عباده يتفاضل؛ فمنه الكبير ومنه الصغير، وهذا أمر مشاهد؛ ففضل الله على الرسل أعلى من فضله على الأنبياء، وعلى الأنبياء أعلى من فضله على الصديقين، وعلى الصديقين أعلى من فضله على الشهداء، وعلى الشهداء أعلى من الصالحين، وهذا لا شك فيه.
ثم قال الله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر ٣٣] إلى آخره.
* مِن فوائد الآية الكريمة: أن جزاء أولئك القوم الذين أورثوا الكتاب على اختلاف طبقاتهم الثلاث أن جزاءهم جنات عدن؛ لقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾، أو ﴿يُدْخَلُونها﴾، على قراءتين، ومنها الإشارة إلى كمال نعيم الجنة؛ لكونها جنات بهيجة، وكونها محل إقامة لا ظعن منها أبدًا؛ لقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾.
* ومن فوائدِها أيضًا: ما ينعم الله به على عباده في هذه الجنات من أنواع الفواكه والمطاعم؛ لدخوله في كلمة ﴿جَنَّاتُ﴾، وكذلك من الملابس؛ لقوله: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [فاطر ٣٣].
* ومِن فوائدها: أن الجنة ليست دار تكليف، أي: دارًا يمنع منها العبد مما يتنعم به، بل يتنعم بكل ما شاء؛ لأننا نعلم جميعًا أن تحلي الرجال في الدنيا بالذهب ممنوع وحرام، لكنه في الجنة مباح وممنوح وليس بممنوع؛ لأن الجنة لهم فيها ما يشاءون، بل أكثر مما يشاءون ويريدون.
ومنها ما يحصل من الجمال لتنويع الحلي؛ لكونه من ذهب ولؤلؤ، وفي الآية الأخرى فضة، وهنا لم يذكر الله تعالى تحديد هذه الحلية، لكن جاءت بها السنة، حيث قال النبي عليه الصلاة والسلام: «تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنَ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءَ»[[أخرجه مسلم (٢٥٠ / ٤٠) من حديث أبي هريرة.]]، ومنها نعومة لباسهم وأنه أنعم ما يكون من اللباس؛ لقوله: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر ٣٣] حرير لا يخلق ولا يتدنس، بل هو دائمًا على جدته ونظافته.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر ٣٤].
* مِن فوائد الآية الكريمة: فضيلة أهل الجنة في ثنائهم على ربهم في قولهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن حمد الله تعالى يكون على إنعامه وإفضاله وعلى كمال صفاته، فهنا قالوا: ﴿الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾، فحمدوا الله على إنعامه عليهم وعلى كونه غفورًا شكورًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: كمال الفرح والسرور لأهل الجنة؛ لقولهم: ﴿أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾؛ فإن هذه الصفة السلبية تدل على كمال ضدها، فإذا كان الحزن منفيًّا عنهم كان ذلك دليلًا على كمال سرورهم وأنه سرور لا يشاب بحزن أبدًا، بخلاف سرور الدنيا؛ فإن سرور الدنيا مهما عظم مشوب بالكدر، ولهذا يقول الشاعر الحكيم:
لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً ∗∗∗ لَذَّاتُهُ بِادِّكَــــارِ الْمَــــــوْتِوَالْهَــــــــــرَمِ
نعم، الإنسان مهما كان في الدنيا من النعيم فإنه إذا تذكر أن أمامه شيئين لا بد منهما، لا بد من أحدهما قطعًا، فإن طالت به الحياة فلا بد من الأمرين جميعًا، وهو الهرم والموت، وحينئذ تتنغص عليه حياته. ثم هو أيضًا يعرف أنه كل يوم يمضي عليه فإنه يبعده من الدنيا ويقربه من الآخرة، وهذا تنغيص آخر، ولهذا قال الشاعر:
وَالْمَـــــرْءُ يَفْـــــرَحُ بِالْأَيَّامِيَقْــطَعُهَا ∗∗∗ وَكُلُّ يَوْمٍ مَضَى يُدْنِي مِنَالْأَجَلِ
نعم، على كل حال في الآخرة نعيم لا كدر فيه؛ لقوله: ﴿أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر ٣٤].
* ومِن فوائدِها: أن نعيم الآخرة ينسي كل ما سبقه من حزن؛ لقوله: ﴿أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر ٣٤]، وذهاب الحزن هنا ذهاب لما قد وُجد ولما يُتوقع وجوده، فلا يمكن أن يمسه فيها حزن.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما الغفور والشكور، الغفور في جانب المعاصي والشكور في جانب الطاعات، أما في المعاصي فإنه عز وجل قال في الحديث القدسي: «يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ، ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَغَفَرْتُ لَكَ»[[أخرجه الترمذي (٣٥٤٠)، والطبراني في الأوسط (٤٣٠٥) من حديث أنس بن مالك.]].
أما في الطاعات فإن الله تعالى يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام ١٦٠]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ فَاعِلَ الْحَسَنَةِ تُكْتَبُ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ، إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١ / ٢٠٧) من حديث ابن عباس.]].
ثم قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر ٣٥] فيها فضيلة أهل الجنة بإضافتهم النعيم إلى المــنعم به، من أين؟ ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر ٣٥]، فنسبوا الأمر إلى الله وإلى فضله ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر ٣٥] وهذا غاية الثناء والحمد.
* ومن فوائدها: أن دار الجنة دار إقامة، كل إنسان لا يتمنى أن يزول عن مكانه منها، حتى من كان في الدرجات غير العالية يرون أنهم في أكمل النعيم؛ لقوله: ﴿دَارَ الْمُقَامَةِ﴾، ومنها تأبيد الجنة لإطلاق قوله: ﴿الْمُقَامَةِ﴾ ولم تقيد بزمن.
* ومِنها؛ من فوائد الآية: أن بلوغهم إلى هذه الدار ليس بحولهم وقوتهم، ولكن بفضل الله عز وجل؛ لقوله: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات الأسباب؛ لأن (من) هنا سببية، أي: بفضل الله، ففيها رد على من ينكرون الأسباب ويقولون: إن الأسباب لا تأثير لها، وإنما يحصل الشيء عندها، لا بها.
* ومِن فوائدها: أن الإنسان لا يدخل الجنة بعمله؛ لقوله: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾، ولكن قد يشكل على هذا قوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧] ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل ٣٢] وأشباههما من الآيات.
وقد جمع العلماء بينهما بأن الباء في قوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ الباء للسببية، وأن الباء في قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٧٣)، ومسلم (٢٥٧٤) من حديث أبي هريرة.]] للعوض، يعني أن دخول الإنسان الجنة ليس بعمله؛ إذ لو أنه أريدت المعاوضة لهلك الإنسان، لو أن الإنسان نُوقش في عمله بالإضافة إلى نعمة الله عليه لكانت نعمة واحدة تقابل كل العمل، بل لكان العمل نفسه نعمة يحتاج إلى شكر، ولَّا لا؟ لأن توفيق الله عز وجل للعبد..
فاطر 35:33
يقول: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [فاطر ٣١] الجملة هنا ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ﴾ جاءت بالصيغة الاسمية المحصورة، وطريق حصرها أمران: الأمر الأول: تعريف ركنيها، وهما المبتدأ والخبر، فـ(الذي) مبتدأ و(الحق) خبر.
وقد قال أهل البلاغة: إن تعريف الركنين من الجملة الاسمية يفيد الحصر، الطريق الثاني من طرق الحصر: هو ضمير الفصل وهو قوله: ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾، فضمير الفصل من فوائده الحصر، وله فائدة ثانية: التوكيد، وله فائدة ثالثة: الفصل بين الخبر والصفة.
يقول: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ﴾، ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ الوحي إعلام الله سبحانه وتعالى أنبياءه ورسله بشريعة من شرائعه، هذا هو الوحي شرعًا، أما في اللغة فقالوا: إن الوحي هو الإعلام بسرعة وخفاء؛ يعني مثل الإشارة والهمس وما أشبهه يسمى وحيًا لكنه في الشرع..
ومنها ما ليس بوحي، أحيانًا يسأل النبي عليه الصلاة والسلام عن شيء ولا يجيب، فينزل عليه الوحي فيجيب بحديث نبوي؛ مثل «قصة يعلى بن أمية الذي كان أحرم بالعمرة وهو متضمِّخ بالخَلُوق، فسأل النبي ﷺ عن ذلك ولكنه لم يجبه حتى جاءه الوحي»[[متفق عليه؛ البخاري (١٥٣٦)، ومسلم (١١٨٠ / ٦) من حديث يعلى بن أمية.]]، وأحيانًا يسأل عن الشيء ثم ينزل به الوحي على أنه كلام الله قرآن، فيبلغه النبي ﷺ.
يقول: ﴿الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [فاطر ٣١] والمراد به هنا القرآن قطعًا؛ بدليل قوله: ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾؛ لأن (من) بيانية، تبين الإبهام في الاسم الموصول (الذي)؛ لأن الاسم الموصول فيه إبهام فإذا جاءت (من) بعده بعد اسم الموصول فهي تبينية.
﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [فاطر ٣١] (القرآن) وهو كتاب بمعنى مكتوب؛ لأن هذه الصيغة (فعال) تأتي كثيرًا بمعنى مفعول، وأمثلتها غراس، بناء، فراش، بمعنى مغروس ومبني ومفروش، فالكتاب بمعنى مكتوب، مكتوب في أي شيء؟ مكتوب في اللوح المحفوظ، مكتوب في الصحف التي بأيدي الملائكة ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس ١١ - ١٦] مكتوب في المصاحف التي بأيدينا، إذن هو مكتوب على ثلاثة أوجه: اللوح المحفوظ، الصحف التي بأيدي الملائكة، الصحف التي بأيدينا.
قال: ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾ [فاطر ٣١] (هو) ضمير فصل، و(الحق) خبر (الذي)، فـالذي أوحى الله إلى رسوله ﷺ هو الحق، أكد الله ذلك بكم مؤكد؟ بمؤكدين: ضمير الفصل، وتعريف ركني الجملة ﴿الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ﴾ [فاطر ٣١].
وقوله: ﴿الْحَقُّ﴾ يعني الشيء الثابت صدقًا في الأخبار وعدلًا في الأحكام، فأحكام القرآن كلها عدل، وأخباره كلها صدق، ليس فيها كذب بوجه من الوجوه، وليس في أحكامه جور بوجه من الوجوه؛ لأنك إذا تأملت أحكامه وجدته قد أعطى كل ذي حق حقه؛ فلهذا كان عدلًا في الأحكام، وإذا تأملت أخباره وجدتها كلها صدقًا، وهذا هو الصدق في الأخبار، وقد قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام ١١٥].
قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر ٢٩] أخذنا المناقشة فيها؟
﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [فاطر ٣١]، قوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ قال المؤلف: (تقدمه من الكتب) يعني مصدقًا لما تقدمه من الكتب؛ لأن الكتب التي سبقته تكون بين يديه، ألا ترى إلى الرجل يكون أمامك فهو قد سبق، وتقول: إن الرجل بين يدي، وربما يقال: ما بين اليدين للشيء المستقبل؛ لأنه أمامك أيضًا؛ كما في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة ٢٥٥] أي: مستقبلهم وماضيهم.
وقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ كيفية التصديق للكتب السابقة من وجهين:
الوجه الأول: أنه صدقها، أي: أثبت أنها صادقة، فالقرآن يثبت صحة التوراة والإنجيل والزبور وغير ذلك من الكتب، ويبين أنها صدق.
كذلك الوجه الثاني: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ لأن الكتب السابقة أخبرت به، فنزوله يكون تصديقًا لها، فهو مصدق لما بين يديه من وجهين:
الوجه الأول أنه صدق ما سبقه، أي: قال: إنها كتب صادقة ثابتة، وأوجب الإيمان بها.
والوجه الثاني: أنه صدق ما أخبرت به، أي: نزل مطابقًا لما أخبرت به، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء ١٩٦] القرآن، ﴿زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ كتبهم، يعني أنه موجود في كتبهم، وأنه سوف ينزل كما أن محمدًا ﷺ كذلك قد أخذ العهد والميثاق على كل نبي أن يصدق به، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ [آل عمران ٨١]، المهم أن تصديقه لما بين يديه من وجهين.
قال: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر ٣١] (عالم بالبواطن والظواهر)، هذه الجملة تعلقها بما قبلها أنها تفيد تحذيرًا وإنذارًا وترغيبًا، فهي ترغيب وترهيب لأنه لما أخبر بأن هذا القرآن هو الحق فقد انقسم الناس في هذا الحق إلى قسمين؛ قسم صدق به وقسم كفر به، أليس كذلك؟
كل هؤلاء نقول لهم: إن الله تعالى بكم خبير بصير، فالذين صدقوا به لن يضيع تصديقهم وعملهم بما جاء به؛ لأن الله خبير به، وبصير به، وسوف يجازيهم عليه، والذين كذبوا به أيضًا لن تخفى حالهم على الله عز وجل، فسوف يعاقبهم بما يقتضيه تكذيبهم وإنكارهم واستكبارهم، فالجملة إذن هي باعتبار المصدقين بهذا القرآن للبشارة، وباعتبار المكذبين للإنذار والتحذير.
وقوله: ﴿خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ (خبير) اسم فاعل على صيغة المبالغة، وإن شئت فقل: إنه صفة مشبهة، وهو أحسن بالنسبة لما يتعلق بالعلم، الأحسن في هذا أن نقول: إنه من باب الصفة المشبهة، لماذا؟ لأن الصفة المشبهة تدل على الثبوت، لكن صيغة المبالغة قد تدل على الحدوث، وحدوث الخبرة في جانب الله عز وجل مستحيل ولَّا لا؟ حدوث الخبرة مستحيل؛ لأنه لم يزل ولا يزال خبيرًا.
إذن نعود فنقول: إنه يتعين أن نجعل (خبير) صفةً مشبهة؛ لأننا لو جعلناها صيغة مبالغة من خابر لكانت موهمة لتجدد الخبرة والعلم، وهذا شيء مستحيل في جانب الله عز وجل.
وقوله: ﴿بَصِيرٌ﴾ كلمة (بصير) قد يراد بها العلم، وقد يراد بها الإدراك للرؤية، وكلا الأمرين لا يناقض بعضهما بعضًا. وقد مر علينا في قواعد التفسير أن الآية إذا احتملت معنيين لا يتناقضان فإنها تُحمَل عليهما؛ لأن ذلك أوسع في معناها وأبلغ، فالله عز وجل بصير بعباده من حيث النظر والرؤية ومن حيث العلم. في جانب المعمولات المفعولات الظاهرة تكون الرؤية والعلم أيضًا، وفي جانب المسموعات يكون العلم ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾.
ثم قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر ٣٢]، ﴿أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ﴾ أولًا كلمة (أورث) هنا نصبت مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر أو لا؟ ليس أصلهما المبتدأ والخبر، وعلى هذا فهي من باب كسا وأعطى، أين المفعول الأول وأين المفعول الثاني؟ ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ (الذين) هي الأول، و(الكتاب) هو الثاني؛ لأن الوارث من؟ هل الكتاب وارث الذين ولَّا الذين ورثوا الكتاب؟ الذين هم الذين ورثوا الكتاب، يعني أورثنا الذين اصطفينا من عبادنا الكتاب، ويش معنى أورثناهم إياه؟ أي: جعلناهم يرثونه، فالذين اصطفاهم الله أورثهم الله الكتاب، أي: جعلهم يرثونه.
وكلمة الكتاب قال المؤلف: (القرآن)، وينبغي أن نجعله أعم؛ لأننا لو قلنا: إن الكتاب هو القرآن وقلنا: إنه موروث عمن سبقنا لكان القرآن قد نزل على من سبقنا، وليس الأمر كذلك، فالمراد بالكتاب هنا الجنس، لا خصوص القرآن، يعني أن الكتب السابقة كل ما فيها من الخير موجود في القرآن، فنحن ورثنا عمن سبقنا كل ما أوتوه من خير، فالأصول التي تجب على كل مسلم في أي مكان وزمان موجودة في القرآن، والشرائع التي تختلف باختلاف الأمم وباختلاف الزمان والمكان هذه تختلف عمن سبق، قد يجب علينا ما لا يجب عليهم، وقد يحرم علينا ما لا يحرم عليهم ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨]، أما الأصول فقد ورثناها عنهم، فالأصول التي هي أم الدين قد ورثناها عمن سبقنا.
قال: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر ٣٢]، ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾ أي: اخترنا، وهو مأخوذ من الصفوة، وأصله اصتفينا، لكن لعلة تصريفية قُلبت التاء طاءً فقيل: ﴿اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ أي: اخترناهم.
وقوله: ﴿مِنْ عِبَادِنَا﴾ هل المراد بذلك العبودية العامة أو الخاصة؟
* طالب: الخاصة.
* الشيخ: يعني الذين اصطفيناهم من المؤمنين أو اصطفيناهم من جميع العباد؟ يظهر أنها من العبودية العامة، يعني الذين اختارهم الله تعالى من عباده الذين يخضعون له كونًا، والمراد بهم هذه الأمة، بدليل قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران ١١٠]، فالذين اصطفاهم الله من عباده هم هذه الأمة؛ للآية التي سقناها وهي في آل عمران، ولدليل آخر من هذه الآية نفسها؛ لأن هذه الأمة آخر الأمم، إذن فلا يمكن أن يورث ما عندها من الكتاب، فهي وارثة غير موروثة، إذا كانت وارثة غير موروثة فهي التي اصطفيت.
وقوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر ٣٢] (بالتقصير في العمل به) أي: بالكتاب (﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ يعمل به أغلب الأوقات) ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ يضم إلى العمل التعليم والإرشاد إلى العمل ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣٢]).
قسم الله تعالى هذه الأمة التي أورثها الكتاب إلى ثلاثة أقسام، وبدأ بالأقل فالأقل، الأقل في المرتبة فالأقل، فقال: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر ٣٢] الظالم لنفسه هو الذي ترك شيئًا من الواجبات، أو فعل شيئًا من المحرمات، ترك صلاة الجماعة مع وجوبها عليه، ترك بعض الزكاة لم يخرجه، ترك الحج على الفور مع وجوبه عليه على الفور، هذا نقول: إنه ظالم لنفسه، فعل المحرمات: شرب الخمر، زنى، سرق، نظر نظرًا محرمًا، هذا نقول: إنه ظالم لنفسه.
معنى الظالم في الأصل هو الناقص؛ لأن الظلم هو النقص، قال الله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣] يعني لم تنقص، وكل من أساء فقد نقص مما يجب عليه، ولهذا كل عمل سيئ يعتبر نقصًا فيما يجب عليه؛ لأن الواجب عليك لنفسك أن ترعاها حق رعايتها، فأنت مسؤول أول ما تسأل عن نفسك، قال النبي ﷺ: «إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٧٥)، ومسلم (١١٥٩ / ١٨٢) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]] فبدأ بالنفس، فكما يجب عليك أن ترعى مصالح ولدك ومالك وأهلك يجب عليك أن ترعى مصلحة نفسك، بل هو الواجب الأول من حقوق المخلوقين بعد حق الله ورسوله.
إذن من فعل محرمًا فقد ظلم نفسه، ليش؟ لأنه نقصها حقها في الأمانة، أنت مؤتمن عليها، يجب أن ترعاها حق رعايتها، من ترك واجبًا فقد ظلم نفسه؛ لأن الواجب عليه أن يفعل الواجب ليقوم بحق الأمانة فيما يتعلق في نفسه، هذا الظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، المقتصد هو الذي لم يقع منه ظلم لنفسه ولا تقدم في الخير، أي: قائم بالواجبات، تارك للمحرمات، لكنه لا يكثر من النوافل، ولا يحرص على إكمال الواجبات على الوجه الأكمل، ولا يتجنب المكروهات، مقتصد لا نقص ولا زاد، يصلي مع الجماعة ويزكي بدون نقص، لكن لا يأتي بالنوافل ولا بصدقات التطوع، يؤدي فريضة الحج لكن لا يعود، يصوم رمضان لكن لا يصوم نفلًا، وهكذا يؤدي ما عليه من المعاملات بين الناس على الوجه الواجب فقط، لا يتسامح عن فقير، ولا ينزل من قيمة أو ثمن، لكنه ماش على ما يجب عليه، نقول: هذا مقتصد، هذا لا له ولا عليه، يعني ليس له ثواب إلا ثواب فعل الواجب فقط، الثالث: سابق بالخيرات، هذا يأتي بالواجبات ويزيد ما شاء الله تعالى من الخيرات، ويأتي بالواجبات أيضًا على الوجه الأكمل الأتم، فالصلاة مثلًا لا يقتصر فيها على تسبيحة واحدة، بل يزيد، لا يقتصر على الفاتحة بل يزيد، لا يقتصر على أن يضع يديه مثلًا مطلقة هكذا، بل يضعها في موضعها في حال القيام وفي حال الركوع وفي حال السجود وهكذا، نقول: هذا سابق بالخيرات، يؤدي الزكاة ويتصدق، يحج الواجب ويتطوع، يصوم رمضان ويتنفل بغيره من الصيام، هذا نقول: إنه سابق بالخيرات.
أما قول المؤلف رحمه الله: إن معنى ﴿سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ (يضم إلى العمل التعليم والإرشاد إلى العمل) ففي هذا نظر ظاهر، لماذا؟ لأن التعليم قد يكون واجبًا، وإذا قام بالتعليم الواجب صار من السابق بالخيرات أو من المقتصد؟ من المقتصد، وإن تركه صار من الظالم لنفسه، وكذلك نقول في الإرشاد، الإرشاد الواجب إذا قام به صار مقتصدًا، وإن تركه صار ظالمـًا لنفسه، ولكن ما قلنا هو الصواب.
ما تقولون في اختلاف المفسرين في هذه الآية؟ فمنهم من يقول: فمنهم ظالم لنفسه كالمانع للزكاة، ومنهم مقتصد كالمقتصر عليها، ومنهم سابق بالخيرات كالزائد عليها، وآخر يقول: فمنهم ظالم لنفسه مؤخر للصلاة عن وقتها، ومنهم مقتصد فاعل لها في وقتها، ومنهم سابق بالخيرات فاعل لها في أول وقتها، أي: في الوقت الذي يُستحب أن تقام فيه، هل بين القولين خلاف؟ لا، ليس بينهما خلاف، هذا يُسمى اختلاف تنوع، يعني أن كل واحد منهما -من القائلين- ذكر نوعًا، فيكون هذا على سبيل التمثيل، ولا يُعد هذا خلافًا في الواقع، ولكنه تمثيل، هذا مثل بالزكاة وهذا مثل بالصلاة.
وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣٢] قال المؤلف: (بإرادته) الكونية أو الشرعية؟
الظاهر أننا نغلِّب هنا الكونية، يعني أن هؤلاء الأقسام الثلاثة -الظالم والمقتصد والسابق- كلهم يفعلون هذا بإذن الله، فالله تعالى هو الذي أذن للظالم نفسه أن يظلم نفسه، وللمقتصد أن يقتصر على ما يجب، وللسابق أن يزيد. وتقييد هذا بإذن الله لئلا يفتخر مفتخر بكونه سابقًا بالخيرات فيضيف الشيء إلى نفسه ويمن به على ربه؛ كما قال الله تعالى عن بعض بني آدم: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات ١٧].
فأنت إذا منَّ الله عليك بسبق في الخيرات لا تظن أن هذا من نفسك، لو وُكلت إلى نفسك لكنت ظالمـًا لنفسك؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب ٧٢]، هذه حقيقة الإنسان؛ الظلم والجهالة، لكن من منَّ الله عليه وهداه فهو من فضله سبحانه وتعالى (...).
قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ (﴿ذَلِكَ﴾ أي: إرثهم الكتاب ﴿هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ )، نعم صدق الله، الفضل الكبير الذي لا يدانيه فضل هو منة الله على عبده بالعلم بهذا الكتاب، هذا هو الفضل الكبير، ليس الفضل الكبير بأن يعطَى الإنسان قصورًا أو مراكب فخمة أو زوجات حسناوات أو أبناء كثيرين، لا، الفضل الكبير أن يورث هذا الكتاب، كل من ورث هذا الكتاب علمًا وعملًا ودعوة فهو الذي حاز الفضل الكبير، قال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس ٥٨].
وفي قوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ﴾ فيها أداة حصر، وهو ضمير الفصل ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ﴾، وضمير الفصل نذكره هنا لمن فاته العلم به: ضمير الفصل هو ضمير يأتي مطابقًا للسياق، يأتي بصورة الغائب، كـ(هو)، وبصورة المخاطب، كـ(أنت)، وبصورة المتكلم، كـ(أنا)، قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِين﴾ [الحجر ٨٩]، ﴿إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ﴾ هذا أتى بصيغة المتكلم، وتقول لمن تخاطبه: إنك أنت القائم، ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٩] هذا في صيغة المخاطب، وفي صيغة الغائب كثير، منه هذه الآية ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾.
إذن فضمير الفصل ضمير يؤتى به مطابقًا للسياق من حيث التكلم والخطاب والغيبة، وهو من حيث الإعراب لا محل له، ليس له محل من الإعراب، أما من حيث المعنى فيفيد ثلاثة أمور: يفيد التوكيد والحصر والتمييز بين الخبر والصفة، ثلاثة أمور، ما هي؟
تقول مثلًا: (زيد الفاضل) فيه ضمير فصل ولَّا لا؟ ما فيه ضمير فصل، هنا يحتمل أن تكون (الفاضل) خبرًا، ويحتمل أن تكون صفة والخبر لم يأتِ، ممكن أن نقول: تقدير الكلام: زيد الفاضل قائم، ما يمكن هذا؟ يمكن، فتكون (الفاضل) صفة، فإذا قلت: (زيد هو الفاضل) تعيَّن أن تكون (الفاضل) هنا خبرًا، ما يمكن تكون صفة. إذن فهو يميز بين الصفة والخبر، فيكون ما بعده خبرًا لا صفة، ولولاه لكان محتملًا أن يكون خبرًا أو صفة.
هذا شرح قولنا: التمييز بين الخبر والصفة.
يفيد الحصر: إذا قلت: (زيد فاضل) هل يمنع أن يكون غيره فاضلًا؟ لا يمنع، فإذا قلت: (زيد هو فاضل) أو (زيد هو الفاضل) تعيَّن أن يكون زيد وحده هو الفاضل.
التوكيد: لا شك أن قولك: (زيد الفاضل) تريد المبتدأ والخبر، لا شك أنها جملة تامة ومعناها واضح، لكن إذا قلت: زيد هو الفاضل كأنك اتكأت عليها وزدتها توكيدًا.
قال: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾، الفضل بمعنى العطاء، العطاء ممن؟ من الله، (الكبير) من حيث الحجم، فهو كبير في كيفيته، ونحن نعلم من جهة أخرى أنه كثير في كميته، فيجتمع في هذا العطاء يجتمع فيه الكمية والكيفية، فهو فضل كبير في ذاته وكيفيته وفضل كثير أيضًا في عدده وكميته ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر ٣٢]
قال الله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر ٣٣] هذا بيان لثواب هؤلاء الأصناف الثلاثة (﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ إقامة ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ الثلاثة بالبناء للفاعل والمفعول خبر (جنات) المبتدأ) بالبناء للفاعل: ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾، وبالبناء للمفعول: ﴿﴿يُدْخَلُونَهَا﴾ ﴾، وهم إذا أُدخلوا فقد دخلوا ولَّا لا؟ فكأن القراءتين واحد، لكن يُستفاد من كلمة ﴿﴿يُدْخَلُونَهَا﴾ ﴾ بيان أنهم يُعطَونَها كرامةً، فتُقدَّم إليهم حتى يدخلوها، لكن ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ بدون أن يقال: ﴿﴿يُدْخَلُونَهَا﴾ ﴾ فإن الداخل قد يدخل كرامة وقد يدخل من ذات نفسه، لكن إذا أُدخِلها كأنها قُدِّمت لهم على سبيل الكرامة حتى يدخلوها.
وقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ جنات جمع جنة، قال العلماء: والجنة: البستان الكثير الأشجار، وسُمي بذلك لأنه يستر مَن كان داخله، والله أعلم.
﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ عدن بمعنى إقامة، يعني أن هذه الجنات جنات إقامة لا ظعن فيها، بل هم خالدون فيها أبدًا، ومع ذلك ليس واحد منهم يتمنى أن يتحول عما هو فيه كما قال الله تعالى: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف ١٠٨] بخلاف الجنة؛ فإن الإنسان لو كان في أحسن ما يكون من البساتين لتمنى أن يتحول إلى ما هو أحسن منه وأفضل منه، لكن في الآخرة كل واحد منهم يرى أنه في مكان إقامة لا يريد أن يتحول عنه، وهذا لا شك أنه من كمال النعيم أن يستقر الإنسان وأن يرى أنه في أكمل ما يكون؛ حتى لا تتشوف نفسه إلى نعيم أعلى فيتنغص نعيمه؛ لأنه من المعلوم أن الإنسان إذا رأى أنه دون غيره، وإن كان في مقام أمين، وإن كان في مقام منعم فيه، لكن يتنغص عليه ذلك؛ لكونه يرى أن غيره أفضل منه.
قال: ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ (بالبناء للفاعل وللمفعول خبر جنات) جنات مبتدأ، وجملة ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ أو ﴿﴿يُدْخَلُونَهَا﴾ ﴾ خبر، (﴿يُحَلَّوْنَ﴾ خبر ثانٍ) ولا تصح أن تكون حالًا من الفاعل؛ وذلك لأن تحليتهم بذلك بعد الدخول، ولو قلنا: يُدخلونها حال كونهم يحلون للزِم من ذلك أن يكون التحلية حين الدخول أو قبله.
(﴿يُحَلَّوْنَ﴾ خبر ثانٍ)، وهل يجوز أن يتعدد الخبر؟ الجواب: نعم، وهذا في القرآن كثير، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج ١٤، ١٥]، الخبر العام كم؟ أربعة: الغفور، والودود، وذو العرش، والمجيد، فتعدد الأخبار جائز في اللغة العربية، ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ أي: في هذه الجنات، ﴿مِنْ﴾ قال المؤلف: (بعض) فأفادنا أن (من) هنا ليست بيانية، بل هي تبعيضية، ولو قيل: إنها بيانية لكان له وجه جيد؛ لأن التحلية لا تتعين في الأساور؛ إذ قد يُحَلَّى الإنسانُ بالخروص مثلًا، أو بالقلائد، أو ما أشبه ذلك، فجعلها بيانية أولى من جعلها تبعيضية؛ لأنك إذا قلت: يُحَلَّون بعض أساور لم تكن التحلية بالأساور، وإنما يحلون بعضها، إلا إذا قلت: نعم أقول: إنها تبعيضية لأن الأساور المذكورة هنا نوعان فقط: ذهب ولؤلؤ، مع أن لهم حلية أخرى وهي الفضة؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان ٢١]، فإذا جعلتها تبعيضية باعتبار أن الأساور المذكورة من نوعين، وبقي نوع ثالث لم يُذكَر، صار القول بأنها للتبعيض له وجه، وقد ذكرنا مرارًا كثيرة أنه إذا احتمل اللفظ معنيين لا يتنافيان فإنه يُحمَل عليهما، فيمكن أن نجعل (من) هنا مشتركة بين كونها بيانية وبين كونها تبعيضية، بين كونها بيانية لأن التحلية تكون من الأساور وغيرها، فتكون (من) هنا مبيِّنةً ما يتحلون به، وتبعيضية لأنه ذكر من الأساور هنا نوعين وبقي نوع ثالث لم يذكر، ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [فاطر ٣٣] ويش عندكم؟ (مرصع بالذهب).
﴿﴿من ذهب ولؤلؤٍ﴾ ﴾، أما ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ فهي مجرورة لا شك فيها؛ لأنها دخلت عليها (من)، وأما (لؤلؤ) فهي عندي منصوبة، هي عندكم كذلك؟ ولكن قوله: (مرصع) يدل على أنها مجرورة كما هي القراءة الثانية، ولهذا ينبغي أن نصحح (لؤلؤًا) ونجعلها بالجر بناءً على تفسير الجلال.
﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ مجرورة عندكم ﴿﴿ولؤلؤ﴾ ﴾.
طيب ﴿﴿ولؤلؤ﴾ ﴾ ما الدليل على أنه ﴿﴿ولؤلؤ﴾ ﴾؟ لأنه قال: (مرصع)، لو أنه أراد قراءة النصب لقال: مرصعًا، إذن نقول: (لؤلؤ) فيها قراءتان سبعيتان؛ إحداهما بالنصب ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ وعلى هذا تكون معطوفة على محل أساور، يعي يحلون فيها أساور ولؤلؤًا، أساور من ذهب، ويحلون لؤلؤًا أيضًا، وأما بالجر ﴿﴿ولؤلؤٍ﴾ ﴾ فهي معطوفة على ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ يعني: يحلون فيها أساور من نوعين؛ من ذهب ولؤلؤ، أضف إليها حلوا أساور من فضة تكون أساورهم من ثلاثة أنواع: من الذهب واللؤلؤ والفضة، ولا نشك أن السوار من الذهب مجمَّل، وفيه جمال لذاته، وكذلك السوار من الفضة، وكذلك السوار من اللؤلؤ، فكل واحد منها على حدة فيه جمال وتجميل، فإذا اجتمعت الثلاثة وصُف بعضها إلى بعض تولَّد من ذلك تجميل أكبر، ولا أحد يتصور كيف تجمع هذه الثلاثة هل يكون اللؤلؤ بين الذهب والفضة، أو الذهب بين اللؤلؤ والفضة، أو اللؤلؤ بينهما، المهم أن ترتيبها هذا لا أحد يتصوره الآن، لكن الذي نؤمن به أن هذه الثلاثة تجمع، أما كيف تجمع فالله أعلم به، لكننا أيضًا نعلم بأن جمعها أي الثلاثة له زيادة في التجميل.
واعلم أن الذهب الذي يُذكَر في نعيم الجنة والفضة واللؤلؤ ليس كالذهب الذي نشاهده الآن أو الفضة أو اللؤلؤ، بل هو ذهب أعظم ذهب يليق بنعيم الجنة، كما أن النخل والرمان والفاكهة والعسل واللبن والخمر وما أشبه ذلك ليس كالذي يوجد في الدنيا، لماذا؟ لأن النعيم يناسب الدار، فإذا كانت دار الدنيا لا تشابه دار الآخرة فالنعيم الذي في الآخرة لا يساويه النعيم الذي في الدنيا، هذا من حيث المعقول، أما من حيث المنقول فقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة ١٧]، وفي الحديث القدسي: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]، واضح، وأنتم تشاهدون الآن أنه لو جاءكم رجل فقير وصنع لكم أعلى ما يمكنه من الطعام الذي هو أحسن شيء عنده، ودعاكم رجل غني وصنع لكم أعلى ما يجد من الطعام عنده، لعرفتم الفرق العظيم بين هذا وهذا، مع أن كل واحد منهم أتى بكل ما يستطيع، كذلك الفرق بين نعيم الآخرة ونعيم الدنيا، فالذهب إذن يوافق الذهب في الدنيا في الاسم ولا يوافقه في الحقيقة، قال ابن عباس رضي الله عنهما: «ليس في الآخرة مما في الدنيا إلا الأسماء»[[أخرجه البيهقي في البعث والنشور (٣٣٢)، والزهد لهناد (٣) من حديث ابن عباس.]] فقط، أما الحقائق فتختلف.
يقول: (﴿﴿مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤٍ﴾ ﴾ [فاطر: ٣٣] مرصع بالذهب) وقوله: (مرصع بالذهب) قد يعارَض المؤلف في ذلك؛ إذ قد يقال: إن اللؤلؤ مستقل، حلية مستقلة، ويدل لذلك قراءة النصب: ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾، يعني يحلَّون لؤلؤًا، أما على قراءة الجر فما ذهب إليه المؤلف محتمل غير متعين، أنتم معنا الآن؟ طيب هو يرى رحمه الله أن اللؤلؤ ليس مستقلًّا، بل هو مرصع بالذهب كما يوجد في حلي الدنيا، ولكننا لا نسلم ما قال، بل ظاهر الآية الكريمة أن اللؤلؤ سوار مستقل، ويبين هذا قراءة النصب ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [فاطر ٣٣]، يعني يحلون لؤلؤًا، فجعل حلية اللؤلؤ حليةً مستقلة.
﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر ٣٣] لما ذكر ما يُلبَس في اليد ذكر اللباس العام على جميع البدن، فقال: ﴿حَرِيرٌ﴾ لباسهم في الجنة حرير، وحرير الجنة ليس كحرير الدنيا الذي تفرزه أو تصنعه دودة القز، هو قابل لكل آفة، بل حرير الآخرة حرير لا يماثل شيئًا من حرير الدنيا أبدًا.
﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر ٣٤] (قالوا) يعني أهل الجنة، ومتى يقولون ذلك؟ يقولون ذلك بعد دخول الجنة ﴿الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ الكائن في النفوس، وهو الهم أو الغم لما مضى، والخوف الهم لما يُستقبل، فهنا هل نقول: إن الحزن يشمل الغم مما مضى والهم مما يستقبل؟ نعم، نقول: نعم، كذلك في الجنة جميع ما مضى عليهم من الأحزان والهموم وغيرها ينسونه؛ كما جاء في الحديث الصحيح؛ أن الإنسان يُغمَس في الجنة -يُصبَغ صبغةً واحدةً- يغمس فيها فيقال له: هل رأيت شرًّا قط؟ فيقول: لا[[أخرجه مسلم (٢٨٠٧/ ٥٥) من حديث أنس بن مالك.]]، كل ما مضى من الشرور والأحزان والهموم كلها (...).
الأول: كمال المحمود، والسبب الثاني: إنعام المحمود، بخلاف الشكر، فلأنه ليس له إلا سبب واحد، وهو إنعام المشكور. ولعلنا نتطرق إلى الفرق بين الحمد والشكر:
الحمد قلنا: له سببان، فهو أعم من الشكر من حيث السبب؛ إذ إن سببه كمال المحمود وإنعام المحمود، الشكر ليس له إلا سبب واحد، وهو إنعام المشكور، فأيهما أعم؟ الحمد أعم؛ لأنه يكون على هذا وهذا، الشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح: بالقلب: أن يعترف الإنسان بقلبه بنعمة المـنعم، باللسان: أن يشكره بلسانه ويثني عليه بلسانه، بالجوارح: أن يقوم بطاعته فلا يخالفه، وعليه قول الشاعر:
أَفَادَتْكُــــــمُ النَّعْـــــمَاءُ مِنِّيثَلَاثَةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَالْمُحَجَّبَا
أما الحمد فلا يكون إلا باللسان؛ لأن الحمد وصف المحمود بالكمال، فلا يكون إلا باللسان، فأيهما أعم من هذه الناحية؟
* طالب: الشكر.
* الشيخ: إذن الشكر أعم متعلقًا لأنه تعلق بالقلب واللسان والجوارح.
* طالب: الحمد يتعلق بالقلب؟
* الشيخ: ربما يتعلق بالقلب، لكنه ما يسمى حمدًا، يعني من أضمر في نفسه الثناء على الله عز وجل ما يقال: حمد الله؛ إذ إنه لم يظهر، وربما يقول قائل: إنه يكون بالقلب، لكنه ليس بظاهر.
يقول: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر ٣٤] قال المؤلف: (جميعه) يشير إلى أن (أل) هنا لاستغراق العموم، و(أل) تكون لاستغراق العموم إذا صح أن يحل محلها (كل)، كلْ ولا كلّ؟
* طالب: ما الفرق؟
* الشيخ: الفرق: كلْ يعنى من الطعام، كلّ بالتشديد من الكلية.
إذا صح أن يحل محل (أل): (كل) –بالتشديد- فهي للاستغراق.
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر ٢] هذه للاستغراق.
﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] للاستغراق.
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء ٣٤] لا، ما هي للاستغراق، ما كل رجل قوام، أحيانًا تكون المرأة قوامة على الرجل، فهذه لبيان الحقيقة فقط.
المؤلف أفادنا بقوله: (جميعه) أن (أل) هنا للاستغراق.
(﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ﴾ للذنوب ﴿شَكُورٌ﴾ للطاعة) هذه الجملة كما تشاهدون مؤكَّدة بمؤكدين؛ بـ(إن) واللام، فهم أكدوا بالثناء هذا على الله أنه سبحانه وتعالى غفور للذنوب شكور لها. الغفور هنا صيغة مبالغة ولَّا صفة مشبهة؟ هي تشمل الأمرين جميعًا، هي صيغة مبالغة لكثرة غفران الله تعالى للذنوب وكثرة من يغفر لهم، فهو كثير المغفرة للذنوب؛ إذ إن الذنوب تتكرر من الإنسان عدة مرات فيغفرها الله. والذين يغفر الله لهم كثيرون أو قليلون؟ كثيرون. ومن جهة أخرى باعتبار أن الله تعالى لم يزل غفورًا نقول: هي صفة مشبهة.
* طالب: غفور للذنوب شكور له؟
* الشيخ: للطاعة، شكور للطاعة.
وقوله: ﴿شَكُورٌ﴾ نقول فيها كما قلنا في (غفور) بأنه عز وجل لم يزل شكورًا على طاعة عباده وامتثالهم أمره، ومن شكره أنه يعطي العامل الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وهو أيضًا شكور باعتباره صيغة مبالغة؛ لأنه كلما كثُر العمل كثر الشكر.
في ذكر ثواب أهل الجنة ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر ٣٣] (...).
النصب أن يكون التحلي باللؤلؤ لا يتعين أن يكون أساور؛ لأن تقدير الكلام يكون: يحلون فيها أساور ويحلون فيها لؤلؤًا، ومعلوم أن الحلية تكون بالأساور وتكون بغير ذلك، معلوم الآن؟ فصارت على قراءة النصب يتعين أن تكون منفردة عن الذهب، ثم يحتمل أن تكون أساور ويحتمل أن تكون غير أساور، هذا على قراءة النصب، وعلى قراءة الجر يحتمل أن تكون مركبة مع الذهب ﴿﴿من أساور من ذهب ولؤلؤٍ﴾ ﴾ [فاطر: ٣٣]، فتكون اللؤلؤ مرصعًا كما اختاره المؤلف، ويحتمل أن تكون أساور مستقلة، ما هي متعينة.
قوله: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر ٣٣] وأشباهها من الآيات الدالة على نعيم الجنة، هل (...).
﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر ٣٥]، قوله: ﴿الَّذِي﴾ هنا يجوز أن تكون صفةً لما سبق، وهو الله، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر ٣٤] ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا﴾ [فاطر ٣٥]، ويحتمل أن تكون استئنافًا، يعني أنها في محل رفع على القطع؛ لأن المنعوت إذا علم وتعدد النعت له جاز في النعت الثاني القطع والإتباع، كما قال ابن مالك:
وَإِنْ نُعُوتٌ كَثُرَتْ وَقَدْ تَلَتْ ∗∗∗ مُفْتَـــــــــقِرًا لِذِكْــــــرِهِنَّأُتْبِعَـــــــتْ
وإن لم يكن مفتقرًا جاز القطع ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا﴾ أي: أنزلنا ﴿دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر ٣٥] دار المـقامة، المقامة هنا بمعنى الإقامة، فهي إذن ظرف مكان، أو أنها مصدر ميمي دخلته التاء، ودار المقامة هي دار الجنة، ووُصفت بذلك لأن ساكنيها مقيمون فيها أبدًا، ولأنهم لا يريدون الإقامة بغيرها، كل واحد منهم لا يبغي حولًا عما هو فيه؛ لأنه يرى أنه أكمل أهل الجنة، نعم، بل إن الله أقنعهم بما هم عليه من النعيم حتى لا يتطلعوا إلى نعيم أكبر فيحتقروا ما هم فيه، بخلاف أهل النار؛ فإن أهل النار كل واحد منهم يرى أنه أشد أهل النار عذابًا؛ لأنه لو يرى أن غيره يماثله أو أن غيره أشد منه لهان عليه العذاب، ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (من) سببية هنا، أي: بسبب فضله، أي: تفضله علينا؛ لأنه لولا فضل الله عليهم ما وصلوا إلى هذا المقام العظيم، فكل ما في الإنسان من خير ونعمة فمن الله سبحانه وتعالى؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل ٥٣]، فإحلالهم دار المقامة هو من فضل الله تعالى، وهذا من تمام شكرهم لله، حيث اعترفوا له بالفضل، بخلاف الذي إذا أصابته النعماء قال: هذا لي أو هذا من عندي أو ما أشبه ذلك.
(﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ﴾ تعب ﴿وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر ٣٥] إعياء من التعب) لا يمسنا فيها نصب، أي: تعب، ومعنى يمسنا أي: يصيبنا؛ كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة ٥٠]، فالمس بمعنى الإصابة، وقوله: ﴿نَصَبٌ﴾ (تعب) ﴿لُغُوبٌ﴾ (إعياء)؛ لأن هناك تعبًا مباشرًا ينال الإنسان حين الفعل، وإعياءً يكون أثرًا للتعب، أليس كذلك؟ أنت إذا مارست عملًا شاقًّا فإنك حين ممارسته تتعب، ثم بعد انتهائه تعيى، يعني تضعف وتخلد إلى الراحة وإلى النوم، في الجنة ليس فيها نصب، يعني: تعب بدني حين مزاولة الأعمال، ولا لغوب أي: إعياء وهو الناتج عن التعب.
قال: (إعياء من التعب لعدم التكليف فيها) هذا تعليل عليل؛ لأن التكليف حتى في الدنيا غالبه ليس فيه تعب، بل إن بعضه يكون راحةً للبدن وراحة للقلب وتنشيطًا للبدن وصحةً له، وليس هذا هو المقصود الأول في العبادات، لكنه يحصل من ممارسة العبادة يحصل من ذلك النشاط والصحة، كما هو موجود مثلًا في الصلاة، موجود في الصيام، موجود في الحج، فليس هناك تعب في الأعمال الصالحة، بل نقول: ﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ﴾ هذا من باب الصفات السلبية المتضمنة لكمال ضدها، فلا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيه لغوب لكمال نعيمهم وراحتهم وأنسهم وفرحهم وما أشبه ذلك.
يقول: (لعدم التكليف فيها، وذكر الثاني التابع للأول للتصريح بنفيه) ذكر الثاني وهو اللغوب التابع للأول وهو التعب؛ لأن اللغوب -كما قلنا قبل قليل- نتيجة التعب، فكأن المؤلف أجاب عن سؤال؛ كأنه قيل: إذا انتفى التعب انتفى اللغوب الذي هو نتيجته، فلماذا لم يقتصر على نفي التعب؟ وقيل: لا يمسنا فيها نصب، وإذا انتفى النصب انتفى اللغوب؟ واضح؟
أجاب عن ذلك بأنه ذكر من أجل التصريح بنفيه، هذا ما ذهب إليه المؤلف، ولا شك أنه وجه حسن، لكن ربما نقول: إن الإنسان أحيانًا يجد إعياءً وكسلًا وموتَ قوًى بدون عمل وبدون تعب، وهذا مشاهَد، وعليه فيكون نفي اللغوب أمرًا ليس تأكيدًا وإنما هو أمر أساسي، كيف أمر أساسي؟ لأن الإنسان قد يجد إعياءً أحيانا وهو ما اشتغل، ألم تجدوا ذلك؟
إذن نقول: إن ذكره أساسي وليس من باب التصريح بنفيه الذي لا يقصد منه إلا مجرد التوكيد، المهم أن أهل الجنة لكمال نعيمهم لا يمسهم فيها نصب ولا يمسهم فيها لغوب.
ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ [فاطر ٣٦] فثنَّى بذكر عقاب أهل النار؛ لأن القرآن مثانٍ، كلما ذكر فيه معنًى ذكر فيه ما يقابله.
ولا تكاد تجد آيات في القرآن يُذكر فيها معنًى إلا وذُكر ما يقابله؛ لأن القرآن مثانٍ؛ لئلا تتمادى النفس في الرجاء إذا ذُكر النعيم وحدَه؛ فإن النفس تتمادى في الرجاء وحينئذ تأمن مكر الله، ولو ذُكر الوعيد وحده لتمادت النفس في الخوف فقنطت من رحمة الله، ولكن الله سبحانه وتعالى يذكر هذا تارة وهذا تارة حتى يكون الإنسان سائرًا من غير ميل إلى الرجاء، ومن غير ميل إلى الغلو.
وهذه المسألة اختلف العباد فيها؛ هل الأولى أن يسير الإنسان إلى ربه بين الخوف والرجاء فيكون خائفًا راجيًا، أو الأولى أن يغلب الرجاء إحسانًا للظن بالله عز وجل، أو الأولى أن يغلب الخوف؟ نعم في هذا خلاف بين العلماء؛ الإمام أحمد رُوي عنه أنه قال: ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا، فأيهما غلب هلك صاحبه؛ لأنه إن غلب الرجاء أمن الإنسان من مكر الله، وإن غلب الخوف قنط من رحمة الله، فيكون خوفه ورجاؤه واحدًا، قالوا: فالخوف والرجاء كالجناحين للطائر؛ إن هبط أحدهما مال الطائر إليه واختل توازنه، وإن تساويا استقام الطائر واعتدل توازنه.
وقال بعض أهل العلم: بل هذا يختلف باختلاف الأحوال، فإذا فعل الإنسان الطاعة فليغلب الرجاء وأن الذي وفقه لها سوف يقبلها منه ويثيبه عليها؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر ٦٠]، إذا وُفقت للدعاء وُفقت للإجابة، إذا وُفقت للعمل وُفقت للقبول، وإذا عمل المعصية فليغلِّب جانب الخوف وليرجع إلى ربه؛ لأنه إن غلب جانب الرجاء بعد فعل المعصية فإنه لا يتوب منها، ويقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨]، ويقول: الله غفور رحيم، وما أشبه ذلك. فيكون تغليب الرجاء في حال وتغليب الخوف في حال أخرى.
وقال بعض العلماء: يغلِّب الخوف في حال، والرجاء في حال، لكن لا باعتبار العمل، بل باعتبار الحال، فإذا كان مريضًا فليغلب جانب الرجاء؛ لقول النبي ﷺ: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ»[[أخرجه مسلم (٢٨٧٧ / ٨٢) من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري.]]، وإن كان صحيحًا فليغلب جانب الخوف، والمناسبة قالوا: لأن المريض تضعف نفسه وتنكسر وليس يميل إلى الدنيا ولكنه يهتم بما أمامه، فليغلب جانب الرجاء، ليس هناك نفس تتطلع إلى الدنيا وتنغمس في الترف، بل نفسه قد رقت وآوت إلى الآخرة، وأما إذا كان صحيحًا فإن النفس الآن فيها شره وتطلع للدنيا وإسرافها، فيغلب جانب الخوف.
على كل حال ممكن أن نقول: إذا وُجدت أسباب يخاف الإنسان على نفسه من تغليب جانب الرجاء فليقدم الخوف، وإن وجدت أسباب تقتضي أن يخاف الإنسان وييئس من رحمة الله فليغلب جانب الرجاء، يعني إذا فعل أسباب الرجاء فليغلب الرجاء، وإذا وُجدت أسباب الخوف فليغلب جانب الخوف.
وقبل أن ندخل فيما أعد الله تعالى لأهل النار فيها نرجع لنأخذ الفوائد لأننا لم نأخذ الفوائد فيما سبق، أليس كذلك؟ من ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر ٣١].
* مِن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات أن القرآن كلام الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [فاطر ٣١]، فالوحي إعلام الله سبحانه وتعالى أحد أنبيائه بشريعة من شرائعه، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة؛ أن القرآن كلام الله تعالى، تكلم به حقيقة بحروفه وبصوت مسموع، لكنه لا يشبه أصوات المخلوقين.
* ومن فوائدِها: فضيلة رسول الله صلى لله عليه وسلم، بماذا؟ بما أوحى الله إليه هذا القرآن العظيم ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [فاطر ٣١].
* ومن فوائدِها: اشتمال القرآن الكريم على الحق في أخباره وفي أحكامه، فأخباره كلها صدق، وأحكامه كلها عدل.
* ومن فوائدها: أن ما خالف القرآن فهو باطل؛ لقوله: ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾ فحصر الحق فيه، والحصر: إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، وكل ما خالف القرآن فهو باطل بلا شك.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: إنذار المخالفين لهذا القرآن وبشارة الموافقين له، واستفاد هذه الفائدة من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر ٣١].
* ومِن فوائدها: إثبات هذين الاسمين لله عز وجل وما تضمناه من صفة وحكم: خبير وبصير.
* ومن فوائدها: عموم علم الله وشموله حتى لما يقوم به العباد؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾.
* ومن فوائدها: علم الله تعالى بما تكنه الصدور، من أي الاسمين تؤخذ؟ من قوله: خبير، وربما نقول أيضًا: وبصير؛ لأن البصير بمعنى العليم والـمبصر.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: أن جميع الخلق عابدون لله، كل الخلق، كلهم عباد الله ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر ٣١]، فلا حق لأحد من المخلوقين في شيء من خصائص الرب، بل الكل عبد ذليل لله سبحانه وتعالى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن كتاب، أي: مكتوب، وهو مكتوب في اللوح المحفوظ، ومكتوب في الصحف التي بأيدي الملائكة، ومكتوب في الصحف التي بأيدينا.
ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾ [فاطر ٣٢]
* من فوائد الآية الكريمة: أن هذا القرآن مصدق لما سبقه من الكتب؛ لقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [فاطر ٣١]. ويتفرع على هذه الفائدة أن الذي يؤمن بهذا القرآن مؤمن بالكتب السابقة؛ لأن هذا القرآن مصدق لها، فيكون الإيمان به إيمانًا بما سبق من الكتب.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: الاستشهاد بالأمر الواقع، حتى وإن كان من عند الله، بمعنى أن الله تعالى يستشهد بالأمر الواقع ليزداد إيمان المؤمنين، وجه ذلك ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [فاطر ٣١] على أحد المعنيين، وهما أنه وقع مطابقًا لما أخبرت به، فإنه إذا أخبرت به ثم جاء فهذا دليل على صدقه؛ كما قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ١٩٧]، فاستشهد الله تعالى بعلم علماء بني إسرائيل زيادةً في التثبيت وإقامةً للحجة على المنكرين أهل الكتاب.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: رحمة الله تعالى بعباده، حيث لم يدعهم هملًا، بل أنزل إليهم الكتب التي يستنيرون بها في سيرهم إلى الله عز وجل؛ لقوله: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: سعة التعبير في اللغة العربية، وأن المقصود المعنى دون مجرد اللفظ؛ لقوله: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ لأنه قد يقول قائل: وهل للقرآن يد؟ فالجواب أن هذا من باب التوسع في التعبير في اللغة العربية، عرفتم؟ وأن المقصود هو المعنى، والألفاظ قوالب تدل على المعنى، قوالب الشيء يعني معناه: أوانيه التي يجعل فيها، فأنت مثلًا إذا قدم إليك كرتون مزخرف مزين بالذهب تستدل بهذا على ما في باطنه وأنه شيء غال طيب، فالألفاظ في الواقع قوالب يستدل بها على ما تضمنته من المعاني، وليس لها -أي للألفاظ- معنى ذاتي حتى لا تتغير بأي تركيب كانت، بل هي تتغير بحسب التركيبات والسياق.
ثم قال الله عز وجل: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر ٣٢].
* يُستفاد مِن هذا الآية: فضل الله عز وجل على هذه الأمة، حيث أورثها هذا الكتاب العظيم الذي وصفه الله بأنه الحق وأنه مصدق لما بين يديه أورثه الله تعالى هذه الأمة، ففي ذلك بيان فضل الله علينا بهذا الإرث.
* ومن فوائدها: أن هذه الأمة أفضل الأمم؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ وهم هذه الأمة، واستدللنا لذلك أيضًا بآية أخرى وهي ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران ١١٠].
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى الفترة بين عيسى ومحمد ﷺ، من أين تؤخذ؟ من (ثم) الدالة على التراخي، وهو كذلك، ولا نعلم فترةً أطول منها بالنسبة لما بين الرسالات والكتب المنزلة، فقد قيل: إن أطول ما كان بين آدم ونوح، وهذا أمر قد يشك فيه الإنسان، لكن ما بين عيسى ومحمد عليه الصلاة والسلام حوالي ست مئة سنة، وإنما طالت الفترة لتشتد حال الناس إلى إرسال الرسل، فتأتي الرسالة المحمدية إلى قوم في غاية الضرورة إلى الرسالة والوحي، ويكون لرسالته مزية عظيمة، حيث جاءت كالمطر ينزل على أرض مجدبة، فتكون أشد قابلية له وأشد تأثرًا به (...).
خلقت له، بل معناها يختلف بحسب السياق، وعلى هذا فلا مجال، ما دام أن المعنى مفهوم فلا مجال، ولهذا تجد أن الكلمة في معناها المفهوم بالسياق لو أنك أردت أن تحولها إلى المعنى الأصلي ما صح (...).
في استخراج الفوائد من الآيات السابقة، من الآية (...).
الكريم أيضًا تقسيم هذه الأمة إلى ثلاثة أقسام: ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات.
* ومنها، أي من فوائدها: الرد على الخوارج والمعتزلة؛ لقوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر ٣٢] وجعلهم من الذين اصطفاهم الله تعالى من عباده، ولو خرجوا من الإسلام لم يكونوا من المصطفين، قد يقول قائل: يمكن أن يعارض الخوارج والمعتزلة هذا الاستدلال بأن يقولوا: إن المراد بالظلم هنا ما دون الكبائر، فيقال: إن ما دون الكبائر يقع مغفورًا بفعل الطاعات؛ كالصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان، وحينئذ ينتفي الظلم بمجرد فعل هذه الطاعات.
ثم نقول قولًا آخر بأن الآية مطلقة تشمل الظلم الأصغر والظلم الأكبر، ففيها رد على الخوارج والمعتزلة الذين يكفرون أو يخرجون الإنسان بالكبيرة من الإسلام، وحينئذ لا يكون من العباد الذين اصطفوا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل عمل يقوم به الإنسان فهو بإذن الله عز وجل وإرادته؛ لقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣٢]، وفيها الرد على القدرية الذين يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله؛ يقول ويفعل ويترك بغير إذن الله، بل هو مستقل بمشيئته وفعله.
* ومِن فوائدها أيضًا: كبح النفس عن الاستعلاء والفخر بالطاعة؛ لقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣٢] حتى لا يقول الإنسان: فعلت ذلك من نفسي وأنا الذي فعلت وفعلت، وهذا خلافًا لما يسير عليه بعض الناس، إذا فعل المعصية كان جبريًّا، وإذا فعل الطاعة كان قدريًّا، إذا فعل الطاعة قال: هذا مني وأنا الذي فعلت وأنا الذي فعلت، وإذا فعل المعصية قال: هذا من الله وأنا مجبر عليه، فبعض الناس يسلك هذا المسلك، وهذا مسلك بعيد من العدل.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: إثبات عموم مشيئة الله عز وجل حتى في أفعال العبد؛ لقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣٢].
* ومن فوائدها: تفاضل الناس في العمل، ويتفرع عليه تفاضلهم في الإيمان، أين الدليل على تفاضلهم في العمل؟ تقسيمهم إلى ثلاثة أقسام، ويلزم من تفاضلهم في العلم أن يتفاضلوا في الإيمان، فيكون في ذلك دليل لمذهب أهل السنة والجماعة القائلين بزيادة الإيمان ونقص الإيمان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أكبر فضل يتفضل الله به على عبده أن يوفقه للقيام بطاعته؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر ٣٢]، وقد أشار الله تعالى إلى هذا المعنى في قوله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس ٥٨].
* ومِن فوائدها أيضًا: أن إفضال الله على عباده يتفاضل؛ فمنه الكبير ومنه الصغير، وهذا أمر مشاهد؛ ففضل الله على الرسل أعلى من فضله على الأنبياء، وعلى الأنبياء أعلى من فضله على الصديقين، وعلى الصديقين أعلى من فضله على الشهداء، وعلى الشهداء أعلى من الصالحين، وهذا لا شك فيه.
ثم قال الله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر ٣٣] إلى آخره.
* مِن فوائد الآية الكريمة: أن جزاء أولئك القوم الذين أورثوا الكتاب على اختلاف طبقاتهم الثلاث أن جزاءهم جنات عدن؛ لقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾، أو ﴿يُدْخَلُونها﴾، على قراءتين، ومنها الإشارة إلى كمال نعيم الجنة؛ لكونها جنات بهيجة، وكونها محل إقامة لا ظعن منها أبدًا؛ لقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾.
* ومن فوائدِها أيضًا: ما ينعم الله به على عباده في هذه الجنات من أنواع الفواكه والمطاعم؛ لدخوله في كلمة ﴿جَنَّاتُ﴾، وكذلك من الملابس؛ لقوله: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [فاطر ٣٣].
* ومِن فوائدها: أن الجنة ليست دار تكليف، أي: دارًا يمنع منها العبد مما يتنعم به، بل يتنعم بكل ما شاء؛ لأننا نعلم جميعًا أن تحلي الرجال في الدنيا بالذهب ممنوع وحرام، لكنه في الجنة مباح وممنوح وليس بممنوع؛ لأن الجنة لهم فيها ما يشاءون، بل أكثر مما يشاءون ويريدون.
ومنها ما يحصل من الجمال لتنويع الحلي؛ لكونه من ذهب ولؤلؤ، وفي الآية الأخرى فضة، وهنا لم يذكر الله تعالى تحديد هذه الحلية، لكن جاءت بها السنة، حيث قال النبي عليه الصلاة والسلام: «تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنَ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءَ»[[أخرجه مسلم (٢٥٠ / ٤٠) من حديث أبي هريرة.]]، ومنها نعومة لباسهم وأنه أنعم ما يكون من اللباس؛ لقوله: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر ٣٣] حرير لا يخلق ولا يتدنس، بل هو دائمًا على جدته ونظافته.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر ٣٤].
* مِن فوائد الآية الكريمة: فضيلة أهل الجنة في ثنائهم على ربهم في قولهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن حمد الله تعالى يكون على إنعامه وإفضاله وعلى كمال صفاته، فهنا قالوا: ﴿الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾، فحمدوا الله على إنعامه عليهم وعلى كونه غفورًا شكورًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: كمال الفرح والسرور لأهل الجنة؛ لقولهم: ﴿أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾؛ فإن هذه الصفة السلبية تدل على كمال ضدها، فإذا كان الحزن منفيًّا عنهم كان ذلك دليلًا على كمال سرورهم وأنه سرور لا يشاب بحزن أبدًا، بخلاف سرور الدنيا؛ فإن سرور الدنيا مهما عظم مشوب بالكدر، ولهذا يقول الشاعر الحكيم:
لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً ∗∗∗ لَذَّاتُهُ بِادِّكَــــارِ الْمَــــــوْتِوَالْهَــــــــــرَمِ
نعم، الإنسان مهما كان في الدنيا من النعيم فإنه إذا تذكر أن أمامه شيئين لا بد منهما، لا بد من أحدهما قطعًا، فإن طالت به الحياة فلا بد من الأمرين جميعًا، وهو الهرم والموت، وحينئذ تتنغص عليه حياته. ثم هو أيضًا يعرف أنه كل يوم يمضي عليه فإنه يبعده من الدنيا ويقربه من الآخرة، وهذا تنغيص آخر، ولهذا قال الشاعر:
وَالْمَـــــرْءُ يَفْـــــرَحُ بِالْأَيَّامِيَقْــطَعُهَا ∗∗∗ وَكُلُّ يَوْمٍ مَضَى يُدْنِي مِنَالْأَجَلِ
نعم، على كل حال في الآخرة نعيم لا كدر فيه؛ لقوله: ﴿أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر ٣٤].
* ومِن فوائدِها: أن نعيم الآخرة ينسي كل ما سبقه من حزن؛ لقوله: ﴿أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر ٣٤]، وذهاب الحزن هنا ذهاب لما قد وُجد ولما يُتوقع وجوده، فلا يمكن أن يمسه فيها حزن.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما الغفور والشكور، الغفور في جانب المعاصي والشكور في جانب الطاعات، أما في المعاصي فإنه عز وجل قال في الحديث القدسي: «يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ، ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَغَفَرْتُ لَكَ»[[أخرجه الترمذي (٣٥٤٠)، والطبراني في الأوسط (٤٣٠٥) من حديث أنس بن مالك.]].
أما في الطاعات فإن الله تعالى يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام ١٦٠]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ فَاعِلَ الْحَسَنَةِ تُكْتَبُ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ، إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١ / ٢٠٧) من حديث ابن عباس.]].
ثم قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر ٣٥] فيها فضيلة أهل الجنة بإضافتهم النعيم إلى المــنعم به، من أين؟ ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر ٣٥]، فنسبوا الأمر إلى الله وإلى فضله ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر ٣٥] وهذا غاية الثناء والحمد.
* ومن فوائدها: أن دار الجنة دار إقامة، كل إنسان لا يتمنى أن يزول عن مكانه منها، حتى من كان في الدرجات غير العالية يرون أنهم في أكمل النعيم؛ لقوله: ﴿دَارَ الْمُقَامَةِ﴾، ومنها تأبيد الجنة لإطلاق قوله: ﴿الْمُقَامَةِ﴾ ولم تقيد بزمن.
* ومِنها؛ من فوائد الآية: أن بلوغهم إلى هذه الدار ليس بحولهم وقوتهم، ولكن بفضل الله عز وجل؛ لقوله: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات الأسباب؛ لأن (من) هنا سببية، أي: بفضل الله، ففيها رد على من ينكرون الأسباب ويقولون: إن الأسباب لا تأثير لها، وإنما يحصل الشيء عندها، لا بها.
* ومِن فوائدها: أن الإنسان لا يدخل الجنة بعمله؛ لقوله: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾، ولكن قد يشكل على هذا قوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧] ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل ٣٢] وأشباههما من الآيات.
وقد جمع العلماء بينهما بأن الباء في قوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ الباء للسببية، وأن الباء في قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٧٣)، ومسلم (٢٥٧٤) من حديث أبي هريرة.]] للعوض، يعني أن دخول الإنسان الجنة ليس بعمله؛ إذ لو أنه أريدت المعاوضة لهلك الإنسان، لو أن الإنسان نُوقش في عمله بالإضافة إلى نعمة الله عليه لكانت نعمة واحدة تقابل كل العمل، بل لكان العمل نفسه نعمة يحتاج إلى شكر، ولَّا لا؟ لأن توفيق الله عز وجل للعبد..
فاطر 35:34
يقول: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [فاطر ٣١] الجملة هنا ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ﴾ جاءت بالصيغة الاسمية المحصورة، وطريق حصرها أمران: الأمر الأول: تعريف ركنيها، وهما المبتدأ والخبر، فـ(الذي) مبتدأ و(الحق) خبر.
وقد قال أهل البلاغة: إن تعريف الركنين من الجملة الاسمية يفيد الحصر، الطريق الثاني من طرق الحصر: هو ضمير الفصل وهو قوله: ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾، فضمير الفصل من فوائده الحصر، وله فائدة ثانية: التوكيد، وله فائدة ثالثة: الفصل بين الخبر والصفة.
يقول: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ﴾، ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ الوحي إعلام الله سبحانه وتعالى أنبياءه ورسله بشريعة من شرائعه، هذا هو الوحي شرعًا، أما في اللغة فقالوا: إن الوحي هو الإعلام بسرعة وخفاء؛ يعني مثل الإشارة والهمس وما أشبهه يسمى وحيًا لكنه في الشرع..
ومنها ما ليس بوحي، أحيانًا يسأل النبي عليه الصلاة والسلام عن شيء ولا يجيب، فينزل عليه الوحي فيجيب بحديث نبوي؛ مثل «قصة يعلى بن أمية الذي كان أحرم بالعمرة وهو متضمِّخ بالخَلُوق، فسأل النبي ﷺ عن ذلك ولكنه لم يجبه حتى جاءه الوحي»[[متفق عليه؛ البخاري (١٥٣٦)، ومسلم (١١٨٠ / ٦) من حديث يعلى بن أمية.]]، وأحيانًا يسأل عن الشيء ثم ينزل به الوحي على أنه كلام الله قرآن، فيبلغه النبي ﷺ.
يقول: ﴿الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [فاطر ٣١] والمراد به هنا القرآن قطعًا؛ بدليل قوله: ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾؛ لأن (من) بيانية، تبين الإبهام في الاسم الموصول (الذي)؛ لأن الاسم الموصول فيه إبهام فإذا جاءت (من) بعده بعد اسم الموصول فهي تبينية.
﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [فاطر ٣١] (القرآن) وهو كتاب بمعنى مكتوب؛ لأن هذه الصيغة (فعال) تأتي كثيرًا بمعنى مفعول، وأمثلتها غراس، بناء، فراش، بمعنى مغروس ومبني ومفروش، فالكتاب بمعنى مكتوب، مكتوب في أي شيء؟ مكتوب في اللوح المحفوظ، مكتوب في الصحف التي بأيدي الملائكة ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس ١١ - ١٦] مكتوب في المصاحف التي بأيدينا، إذن هو مكتوب على ثلاثة أوجه: اللوح المحفوظ، الصحف التي بأيدي الملائكة، الصحف التي بأيدينا.
قال: ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾ [فاطر ٣١] (هو) ضمير فصل، و(الحق) خبر (الذي)، فـالذي أوحى الله إلى رسوله ﷺ هو الحق، أكد الله ذلك بكم مؤكد؟ بمؤكدين: ضمير الفصل، وتعريف ركني الجملة ﴿الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ﴾ [فاطر ٣١].
وقوله: ﴿الْحَقُّ﴾ يعني الشيء الثابت صدقًا في الأخبار وعدلًا في الأحكام، فأحكام القرآن كلها عدل، وأخباره كلها صدق، ليس فيها كذب بوجه من الوجوه، وليس في أحكامه جور بوجه من الوجوه؛ لأنك إذا تأملت أحكامه وجدته قد أعطى كل ذي حق حقه؛ فلهذا كان عدلًا في الأحكام، وإذا تأملت أخباره وجدتها كلها صدقًا، وهذا هو الصدق في الأخبار، وقد قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام ١١٥].
قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر ٢٩] أخذنا المناقشة فيها؟
﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [فاطر ٣١]، قوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ قال المؤلف: (تقدمه من الكتب) يعني مصدقًا لما تقدمه من الكتب؛ لأن الكتب التي سبقته تكون بين يديه، ألا ترى إلى الرجل يكون أمامك فهو قد سبق، وتقول: إن الرجل بين يدي، وربما يقال: ما بين اليدين للشيء المستقبل؛ لأنه أمامك أيضًا؛ كما في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة ٢٥٥] أي: مستقبلهم وماضيهم.
وقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ كيفية التصديق للكتب السابقة من وجهين:
الوجه الأول: أنه صدقها، أي: أثبت أنها صادقة، فالقرآن يثبت صحة التوراة والإنجيل والزبور وغير ذلك من الكتب، ويبين أنها صدق.
كذلك الوجه الثاني: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ لأن الكتب السابقة أخبرت به، فنزوله يكون تصديقًا لها، فهو مصدق لما بين يديه من وجهين:
الوجه الأول أنه صدق ما سبقه، أي: قال: إنها كتب صادقة ثابتة، وأوجب الإيمان بها.
والوجه الثاني: أنه صدق ما أخبرت به، أي: نزل مطابقًا لما أخبرت به، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء ١٩٦] القرآن، ﴿زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ كتبهم، يعني أنه موجود في كتبهم، وأنه سوف ينزل كما أن محمدًا ﷺ كذلك قد أخذ العهد والميثاق على كل نبي أن يصدق به، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ [آل عمران ٨١]، المهم أن تصديقه لما بين يديه من وجهين.
قال: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر ٣١] (عالم بالبواطن والظواهر)، هذه الجملة تعلقها بما قبلها أنها تفيد تحذيرًا وإنذارًا وترغيبًا، فهي ترغيب وترهيب لأنه لما أخبر بأن هذا القرآن هو الحق فقد انقسم الناس في هذا الحق إلى قسمين؛ قسم صدق به وقسم كفر به، أليس كذلك؟
كل هؤلاء نقول لهم: إن الله تعالى بكم خبير بصير، فالذين صدقوا به لن يضيع تصديقهم وعملهم بما جاء به؛ لأن الله خبير به، وبصير به، وسوف يجازيهم عليه، والذين كذبوا به أيضًا لن تخفى حالهم على الله عز وجل، فسوف يعاقبهم بما يقتضيه تكذيبهم وإنكارهم واستكبارهم، فالجملة إذن هي باعتبار المصدقين بهذا القرآن للبشارة، وباعتبار المكذبين للإنذار والتحذير.
وقوله: ﴿خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ (خبير) اسم فاعل على صيغة المبالغة، وإن شئت فقل: إنه صفة مشبهة، وهو أحسن بالنسبة لما يتعلق بالعلم، الأحسن في هذا أن نقول: إنه من باب الصفة المشبهة، لماذا؟ لأن الصفة المشبهة تدل على الثبوت، لكن صيغة المبالغة قد تدل على الحدوث، وحدوث الخبرة في جانب الله عز وجل مستحيل ولَّا لا؟ حدوث الخبرة مستحيل؛ لأنه لم يزل ولا يزال خبيرًا.
إذن نعود فنقول: إنه يتعين أن نجعل (خبير) صفةً مشبهة؛ لأننا لو جعلناها صيغة مبالغة من خابر لكانت موهمة لتجدد الخبرة والعلم، وهذا شيء مستحيل في جانب الله عز وجل.
وقوله: ﴿بَصِيرٌ﴾ كلمة (بصير) قد يراد بها العلم، وقد يراد بها الإدراك للرؤية، وكلا الأمرين لا يناقض بعضهما بعضًا. وقد مر علينا في قواعد التفسير أن الآية إذا احتملت معنيين لا يتناقضان فإنها تُحمَل عليهما؛ لأن ذلك أوسع في معناها وأبلغ، فالله عز وجل بصير بعباده من حيث النظر والرؤية ومن حيث العلم. في جانب المعمولات المفعولات الظاهرة تكون الرؤية والعلم أيضًا، وفي جانب المسموعات يكون العلم ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾.
ثم قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر ٣٢]، ﴿أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ﴾ أولًا كلمة (أورث) هنا نصبت مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر أو لا؟ ليس أصلهما المبتدأ والخبر، وعلى هذا فهي من باب كسا وأعطى، أين المفعول الأول وأين المفعول الثاني؟ ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ (الذين) هي الأول، و(الكتاب) هو الثاني؛ لأن الوارث من؟ هل الكتاب وارث الذين ولَّا الذين ورثوا الكتاب؟ الذين هم الذين ورثوا الكتاب، يعني أورثنا الذين اصطفينا من عبادنا الكتاب، ويش معنى أورثناهم إياه؟ أي: جعلناهم يرثونه، فالذين اصطفاهم الله أورثهم الله الكتاب، أي: جعلهم يرثونه.
وكلمة الكتاب قال المؤلف: (القرآن)، وينبغي أن نجعله أعم؛ لأننا لو قلنا: إن الكتاب هو القرآن وقلنا: إنه موروث عمن سبقنا لكان القرآن قد نزل على من سبقنا، وليس الأمر كذلك، فالمراد بالكتاب هنا الجنس، لا خصوص القرآن، يعني أن الكتب السابقة كل ما فيها من الخير موجود في القرآن، فنحن ورثنا عمن سبقنا كل ما أوتوه من خير، فالأصول التي تجب على كل مسلم في أي مكان وزمان موجودة في القرآن، والشرائع التي تختلف باختلاف الأمم وباختلاف الزمان والمكان هذه تختلف عمن سبق، قد يجب علينا ما لا يجب عليهم، وقد يحرم علينا ما لا يحرم عليهم ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨]، أما الأصول فقد ورثناها عنهم، فالأصول التي هي أم الدين قد ورثناها عمن سبقنا.
قال: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر ٣٢]، ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾ أي: اخترنا، وهو مأخوذ من الصفوة، وأصله اصتفينا، لكن لعلة تصريفية قُلبت التاء طاءً فقيل: ﴿اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ أي: اخترناهم.
وقوله: ﴿مِنْ عِبَادِنَا﴾ هل المراد بذلك العبودية العامة أو الخاصة؟
* طالب: الخاصة.
* الشيخ: يعني الذين اصطفيناهم من المؤمنين أو اصطفيناهم من جميع العباد؟ يظهر أنها من العبودية العامة، يعني الذين اختارهم الله تعالى من عباده الذين يخضعون له كونًا، والمراد بهم هذه الأمة، بدليل قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران ١١٠]، فالذين اصطفاهم الله من عباده هم هذه الأمة؛ للآية التي سقناها وهي في آل عمران، ولدليل آخر من هذه الآية نفسها؛ لأن هذه الأمة آخر الأمم، إذن فلا يمكن أن يورث ما عندها من الكتاب، فهي وارثة غير موروثة، إذا كانت وارثة غير موروثة فهي التي اصطفيت.
وقوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر ٣٢] (بالتقصير في العمل به) أي: بالكتاب (﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ يعمل به أغلب الأوقات) ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ يضم إلى العمل التعليم والإرشاد إلى العمل ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣٢]).
قسم الله تعالى هذه الأمة التي أورثها الكتاب إلى ثلاثة أقسام، وبدأ بالأقل فالأقل، الأقل في المرتبة فالأقل، فقال: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر ٣٢] الظالم لنفسه هو الذي ترك شيئًا من الواجبات، أو فعل شيئًا من المحرمات، ترك صلاة الجماعة مع وجوبها عليه، ترك بعض الزكاة لم يخرجه، ترك الحج على الفور مع وجوبه عليه على الفور، هذا نقول: إنه ظالم لنفسه، فعل المحرمات: شرب الخمر، زنى، سرق، نظر نظرًا محرمًا، هذا نقول: إنه ظالم لنفسه.
معنى الظالم في الأصل هو الناقص؛ لأن الظلم هو النقص، قال الله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣] يعني لم تنقص، وكل من أساء فقد نقص مما يجب عليه، ولهذا كل عمل سيئ يعتبر نقصًا فيما يجب عليه؛ لأن الواجب عليك لنفسك أن ترعاها حق رعايتها، فأنت مسؤول أول ما تسأل عن نفسك، قال النبي ﷺ: «إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٧٥)، ومسلم (١١٥٩ / ١٨٢) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]] فبدأ بالنفس، فكما يجب عليك أن ترعى مصالح ولدك ومالك وأهلك يجب عليك أن ترعى مصلحة نفسك، بل هو الواجب الأول من حقوق المخلوقين بعد حق الله ورسوله.
إذن من فعل محرمًا فقد ظلم نفسه، ليش؟ لأنه نقصها حقها في الأمانة، أنت مؤتمن عليها، يجب أن ترعاها حق رعايتها، من ترك واجبًا فقد ظلم نفسه؛ لأن الواجب عليه أن يفعل الواجب ليقوم بحق الأمانة فيما يتعلق في نفسه، هذا الظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، المقتصد هو الذي لم يقع منه ظلم لنفسه ولا تقدم في الخير، أي: قائم بالواجبات، تارك للمحرمات، لكنه لا يكثر من النوافل، ولا يحرص على إكمال الواجبات على الوجه الأكمل، ولا يتجنب المكروهات، مقتصد لا نقص ولا زاد، يصلي مع الجماعة ويزكي بدون نقص، لكن لا يأتي بالنوافل ولا بصدقات التطوع، يؤدي فريضة الحج لكن لا يعود، يصوم رمضان لكن لا يصوم نفلًا، وهكذا يؤدي ما عليه من المعاملات بين الناس على الوجه الواجب فقط، لا يتسامح عن فقير، ولا ينزل من قيمة أو ثمن، لكنه ماش على ما يجب عليه، نقول: هذا مقتصد، هذا لا له ولا عليه، يعني ليس له ثواب إلا ثواب فعل الواجب فقط، الثالث: سابق بالخيرات، هذا يأتي بالواجبات ويزيد ما شاء الله تعالى من الخيرات، ويأتي بالواجبات أيضًا على الوجه الأكمل الأتم، فالصلاة مثلًا لا يقتصر فيها على تسبيحة واحدة، بل يزيد، لا يقتصر على الفاتحة بل يزيد، لا يقتصر على أن يضع يديه مثلًا مطلقة هكذا، بل يضعها في موضعها في حال القيام وفي حال الركوع وفي حال السجود وهكذا، نقول: هذا سابق بالخيرات، يؤدي الزكاة ويتصدق، يحج الواجب ويتطوع، يصوم رمضان ويتنفل بغيره من الصيام، هذا نقول: إنه سابق بالخيرات.
أما قول المؤلف رحمه الله: إن معنى ﴿سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ (يضم إلى العمل التعليم والإرشاد إلى العمل) ففي هذا نظر ظاهر، لماذا؟ لأن التعليم قد يكون واجبًا، وإذا قام بالتعليم الواجب صار من السابق بالخيرات أو من المقتصد؟ من المقتصد، وإن تركه صار من الظالم لنفسه، وكذلك نقول في الإرشاد، الإرشاد الواجب إذا قام به صار مقتصدًا، وإن تركه صار ظالمـًا لنفسه، ولكن ما قلنا هو الصواب.
ما تقولون في اختلاف المفسرين في هذه الآية؟ فمنهم من يقول: فمنهم ظالم لنفسه كالمانع للزكاة، ومنهم مقتصد كالمقتصر عليها، ومنهم سابق بالخيرات كالزائد عليها، وآخر يقول: فمنهم ظالم لنفسه مؤخر للصلاة عن وقتها، ومنهم مقتصد فاعل لها في وقتها، ومنهم سابق بالخيرات فاعل لها في أول وقتها، أي: في الوقت الذي يُستحب أن تقام فيه، هل بين القولين خلاف؟ لا، ليس بينهما خلاف، هذا يُسمى اختلاف تنوع، يعني أن كل واحد منهما -من القائلين- ذكر نوعًا، فيكون هذا على سبيل التمثيل، ولا يُعد هذا خلافًا في الواقع، ولكنه تمثيل، هذا مثل بالزكاة وهذا مثل بالصلاة.
وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣٢] قال المؤلف: (بإرادته) الكونية أو الشرعية؟
الظاهر أننا نغلِّب هنا الكونية، يعني أن هؤلاء الأقسام الثلاثة -الظالم والمقتصد والسابق- كلهم يفعلون هذا بإذن الله، فالله تعالى هو الذي أذن للظالم نفسه أن يظلم نفسه، وللمقتصد أن يقتصر على ما يجب، وللسابق أن يزيد. وتقييد هذا بإذن الله لئلا يفتخر مفتخر بكونه سابقًا بالخيرات فيضيف الشيء إلى نفسه ويمن به على ربه؛ كما قال الله تعالى عن بعض بني آدم: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات ١٧].
فأنت إذا منَّ الله عليك بسبق في الخيرات لا تظن أن هذا من نفسك، لو وُكلت إلى نفسك لكنت ظالمـًا لنفسك؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب ٧٢]، هذه حقيقة الإنسان؛ الظلم والجهالة، لكن من منَّ الله عليه وهداه فهو من فضله سبحانه وتعالى (...).
قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ (﴿ذَلِكَ﴾ أي: إرثهم الكتاب ﴿هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ )، نعم صدق الله، الفضل الكبير الذي لا يدانيه فضل هو منة الله على عبده بالعلم بهذا الكتاب، هذا هو الفضل الكبير، ليس الفضل الكبير بأن يعطَى الإنسان قصورًا أو مراكب فخمة أو زوجات حسناوات أو أبناء كثيرين، لا، الفضل الكبير أن يورث هذا الكتاب، كل من ورث هذا الكتاب علمًا وعملًا ودعوة فهو الذي حاز الفضل الكبير، قال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس ٥٨].
وفي قوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ﴾ فيها أداة حصر، وهو ضمير الفصل ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ﴾، وضمير الفصل نذكره هنا لمن فاته العلم به: ضمير الفصل هو ضمير يأتي مطابقًا للسياق، يأتي بصورة الغائب، كـ(هو)، وبصورة المخاطب، كـ(أنت)، وبصورة المتكلم، كـ(أنا)، قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِين﴾ [الحجر ٨٩]، ﴿إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ﴾ هذا أتى بصيغة المتكلم، وتقول لمن تخاطبه: إنك أنت القائم، ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٩] هذا في صيغة المخاطب، وفي صيغة الغائب كثير، منه هذه الآية ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾.
إذن فضمير الفصل ضمير يؤتى به مطابقًا للسياق من حيث التكلم والخطاب والغيبة، وهو من حيث الإعراب لا محل له، ليس له محل من الإعراب، أما من حيث المعنى فيفيد ثلاثة أمور: يفيد التوكيد والحصر والتمييز بين الخبر والصفة، ثلاثة أمور، ما هي؟
تقول مثلًا: (زيد الفاضل) فيه ضمير فصل ولَّا لا؟ ما فيه ضمير فصل، هنا يحتمل أن تكون (الفاضل) خبرًا، ويحتمل أن تكون صفة والخبر لم يأتِ، ممكن أن نقول: تقدير الكلام: زيد الفاضل قائم، ما يمكن هذا؟ يمكن، فتكون (الفاضل) صفة، فإذا قلت: (زيد هو الفاضل) تعيَّن أن تكون (الفاضل) هنا خبرًا، ما يمكن تكون صفة. إذن فهو يميز بين الصفة والخبر، فيكون ما بعده خبرًا لا صفة، ولولاه لكان محتملًا أن يكون خبرًا أو صفة.
هذا شرح قولنا: التمييز بين الخبر والصفة.
يفيد الحصر: إذا قلت: (زيد فاضل) هل يمنع أن يكون غيره فاضلًا؟ لا يمنع، فإذا قلت: (زيد هو فاضل) أو (زيد هو الفاضل) تعيَّن أن يكون زيد وحده هو الفاضل.
التوكيد: لا شك أن قولك: (زيد الفاضل) تريد المبتدأ والخبر، لا شك أنها جملة تامة ومعناها واضح، لكن إذا قلت: زيد هو الفاضل كأنك اتكأت عليها وزدتها توكيدًا.
قال: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾، الفضل بمعنى العطاء، العطاء ممن؟ من الله، (الكبير) من حيث الحجم، فهو كبير في كيفيته، ونحن نعلم من جهة أخرى أنه كثير في كميته، فيجتمع في هذا العطاء يجتمع فيه الكمية والكيفية، فهو فضل كبير في ذاته وكيفيته وفضل كثير أيضًا في عدده وكميته ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر ٣٢]
قال الله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر ٣٣] هذا بيان لثواب هؤلاء الأصناف الثلاثة (﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ إقامة ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ الثلاثة بالبناء للفاعل والمفعول خبر (جنات) المبتدأ) بالبناء للفاعل: ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾، وبالبناء للمفعول: ﴿﴿يُدْخَلُونَهَا﴾ ﴾، وهم إذا أُدخلوا فقد دخلوا ولَّا لا؟ فكأن القراءتين واحد، لكن يُستفاد من كلمة ﴿﴿يُدْخَلُونَهَا﴾ ﴾ بيان أنهم يُعطَونَها كرامةً، فتُقدَّم إليهم حتى يدخلوها، لكن ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ بدون أن يقال: ﴿﴿يُدْخَلُونَهَا﴾ ﴾ فإن الداخل قد يدخل كرامة وقد يدخل من ذات نفسه، لكن إذا أُدخِلها كأنها قُدِّمت لهم على سبيل الكرامة حتى يدخلوها.
وقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ جنات جمع جنة، قال العلماء: والجنة: البستان الكثير الأشجار، وسُمي بذلك لأنه يستر مَن كان داخله، والله أعلم.
﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ عدن بمعنى إقامة، يعني أن هذه الجنات جنات إقامة لا ظعن فيها، بل هم خالدون فيها أبدًا، ومع ذلك ليس واحد منهم يتمنى أن يتحول عما هو فيه كما قال الله تعالى: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف ١٠٨] بخلاف الجنة؛ فإن الإنسان لو كان في أحسن ما يكون من البساتين لتمنى أن يتحول إلى ما هو أحسن منه وأفضل منه، لكن في الآخرة كل واحد منهم يرى أنه في مكان إقامة لا يريد أن يتحول عنه، وهذا لا شك أنه من كمال النعيم أن يستقر الإنسان وأن يرى أنه في أكمل ما يكون؛ حتى لا تتشوف نفسه إلى نعيم أعلى فيتنغص نعيمه؛ لأنه من المعلوم أن الإنسان إذا رأى أنه دون غيره، وإن كان في مقام أمين، وإن كان في مقام منعم فيه، لكن يتنغص عليه ذلك؛ لكونه يرى أن غيره أفضل منه.
قال: ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ (بالبناء للفاعل وللمفعول خبر جنات) جنات مبتدأ، وجملة ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ أو ﴿﴿يُدْخَلُونَهَا﴾ ﴾ خبر، (﴿يُحَلَّوْنَ﴾ خبر ثانٍ) ولا تصح أن تكون حالًا من الفاعل؛ وذلك لأن تحليتهم بذلك بعد الدخول، ولو قلنا: يُدخلونها حال كونهم يحلون للزِم من ذلك أن يكون التحلية حين الدخول أو قبله.
(﴿يُحَلَّوْنَ﴾ خبر ثانٍ)، وهل يجوز أن يتعدد الخبر؟ الجواب: نعم، وهذا في القرآن كثير، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج ١٤، ١٥]، الخبر العام كم؟ أربعة: الغفور، والودود، وذو العرش، والمجيد، فتعدد الأخبار جائز في اللغة العربية، ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ أي: في هذه الجنات، ﴿مِنْ﴾ قال المؤلف: (بعض) فأفادنا أن (من) هنا ليست بيانية، بل هي تبعيضية، ولو قيل: إنها بيانية لكان له وجه جيد؛ لأن التحلية لا تتعين في الأساور؛ إذ قد يُحَلَّى الإنسانُ بالخروص مثلًا، أو بالقلائد، أو ما أشبه ذلك، فجعلها بيانية أولى من جعلها تبعيضية؛ لأنك إذا قلت: يُحَلَّون بعض أساور لم تكن التحلية بالأساور، وإنما يحلون بعضها، إلا إذا قلت: نعم أقول: إنها تبعيضية لأن الأساور المذكورة هنا نوعان فقط: ذهب ولؤلؤ، مع أن لهم حلية أخرى وهي الفضة؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان ٢١]، فإذا جعلتها تبعيضية باعتبار أن الأساور المذكورة من نوعين، وبقي نوع ثالث لم يُذكَر، صار القول بأنها للتبعيض له وجه، وقد ذكرنا مرارًا كثيرة أنه إذا احتمل اللفظ معنيين لا يتنافيان فإنه يُحمَل عليهما، فيمكن أن نجعل (من) هنا مشتركة بين كونها بيانية وبين كونها تبعيضية، بين كونها بيانية لأن التحلية تكون من الأساور وغيرها، فتكون (من) هنا مبيِّنةً ما يتحلون به، وتبعيضية لأنه ذكر من الأساور هنا نوعين وبقي نوع ثالث لم يذكر، ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [فاطر ٣٣] ويش عندكم؟ (مرصع بالذهب).
﴿﴿من ذهب ولؤلؤٍ﴾ ﴾، أما ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ فهي مجرورة لا شك فيها؛ لأنها دخلت عليها (من)، وأما (لؤلؤ) فهي عندي منصوبة، هي عندكم كذلك؟ ولكن قوله: (مرصع) يدل على أنها مجرورة كما هي القراءة الثانية، ولهذا ينبغي أن نصحح (لؤلؤًا) ونجعلها بالجر بناءً على تفسير الجلال.
﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ مجرورة عندكم ﴿﴿ولؤلؤ﴾ ﴾.
طيب ﴿﴿ولؤلؤ﴾ ﴾ ما الدليل على أنه ﴿﴿ولؤلؤ﴾ ﴾؟ لأنه قال: (مرصع)، لو أنه أراد قراءة النصب لقال: مرصعًا، إذن نقول: (لؤلؤ) فيها قراءتان سبعيتان؛ إحداهما بالنصب ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ وعلى هذا تكون معطوفة على محل أساور، يعي يحلون فيها أساور ولؤلؤًا، أساور من ذهب، ويحلون لؤلؤًا أيضًا، وأما بالجر ﴿﴿ولؤلؤٍ﴾ ﴾ فهي معطوفة على ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ يعني: يحلون فيها أساور من نوعين؛ من ذهب ولؤلؤ، أضف إليها حلوا أساور من فضة تكون أساورهم من ثلاثة أنواع: من الذهب واللؤلؤ والفضة، ولا نشك أن السوار من الذهب مجمَّل، وفيه جمال لذاته، وكذلك السوار من الفضة، وكذلك السوار من اللؤلؤ، فكل واحد منها على حدة فيه جمال وتجميل، فإذا اجتمعت الثلاثة وصُف بعضها إلى بعض تولَّد من ذلك تجميل أكبر، ولا أحد يتصور كيف تجمع هذه الثلاثة هل يكون اللؤلؤ بين الذهب والفضة، أو الذهب بين اللؤلؤ والفضة، أو اللؤلؤ بينهما، المهم أن ترتيبها هذا لا أحد يتصوره الآن، لكن الذي نؤمن به أن هذه الثلاثة تجمع، أما كيف تجمع فالله أعلم به، لكننا أيضًا نعلم بأن جمعها أي الثلاثة له زيادة في التجميل.
واعلم أن الذهب الذي يُذكَر في نعيم الجنة والفضة واللؤلؤ ليس كالذهب الذي نشاهده الآن أو الفضة أو اللؤلؤ، بل هو ذهب أعظم ذهب يليق بنعيم الجنة، كما أن النخل والرمان والفاكهة والعسل واللبن والخمر وما أشبه ذلك ليس كالذي يوجد في الدنيا، لماذا؟ لأن النعيم يناسب الدار، فإذا كانت دار الدنيا لا تشابه دار الآخرة فالنعيم الذي في الآخرة لا يساويه النعيم الذي في الدنيا، هذا من حيث المعقول، أما من حيث المنقول فقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة ١٧]، وفي الحديث القدسي: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]، واضح، وأنتم تشاهدون الآن أنه لو جاءكم رجل فقير وصنع لكم أعلى ما يمكنه من الطعام الذي هو أحسن شيء عنده، ودعاكم رجل غني وصنع لكم أعلى ما يجد من الطعام عنده، لعرفتم الفرق العظيم بين هذا وهذا، مع أن كل واحد منهم أتى بكل ما يستطيع، كذلك الفرق بين نعيم الآخرة ونعيم الدنيا، فالذهب إذن يوافق الذهب في الدنيا في الاسم ولا يوافقه في الحقيقة، قال ابن عباس رضي الله عنهما: «ليس في الآخرة مما في الدنيا إلا الأسماء»[[أخرجه البيهقي في البعث والنشور (٣٣٢)، والزهد لهناد (٣) من حديث ابن عباس.]] فقط، أما الحقائق فتختلف.
يقول: (﴿﴿مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤٍ﴾ ﴾ [فاطر: ٣٣] مرصع بالذهب) وقوله: (مرصع بالذهب) قد يعارَض المؤلف في ذلك؛ إذ قد يقال: إن اللؤلؤ مستقل، حلية مستقلة، ويدل لذلك قراءة النصب: ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾، يعني يحلَّون لؤلؤًا، أما على قراءة الجر فما ذهب إليه المؤلف محتمل غير متعين، أنتم معنا الآن؟ طيب هو يرى رحمه الله أن اللؤلؤ ليس مستقلًّا، بل هو مرصع بالذهب كما يوجد في حلي الدنيا، ولكننا لا نسلم ما قال، بل ظاهر الآية الكريمة أن اللؤلؤ سوار مستقل، ويبين هذا قراءة النصب ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [فاطر ٣٣]، يعني يحلون لؤلؤًا، فجعل حلية اللؤلؤ حليةً مستقلة.
﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر ٣٣] لما ذكر ما يُلبَس في اليد ذكر اللباس العام على جميع البدن، فقال: ﴿حَرِيرٌ﴾ لباسهم في الجنة حرير، وحرير الجنة ليس كحرير الدنيا الذي تفرزه أو تصنعه دودة القز، هو قابل لكل آفة، بل حرير الآخرة حرير لا يماثل شيئًا من حرير الدنيا أبدًا.
﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر ٣٤] (قالوا) يعني أهل الجنة، ومتى يقولون ذلك؟ يقولون ذلك بعد دخول الجنة ﴿الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ الكائن في النفوس، وهو الهم أو الغم لما مضى، والخوف الهم لما يُستقبل، فهنا هل نقول: إن الحزن يشمل الغم مما مضى والهم مما يستقبل؟ نعم، نقول: نعم، كذلك في الجنة جميع ما مضى عليهم من الأحزان والهموم وغيرها ينسونه؛ كما جاء في الحديث الصحيح؛ أن الإنسان يُغمَس في الجنة -يُصبَغ صبغةً واحدةً- يغمس فيها فيقال له: هل رأيت شرًّا قط؟ فيقول: لا[[أخرجه مسلم (٢٨٠٧/ ٥٥) من حديث أنس بن مالك.]]، كل ما مضى من الشرور والأحزان والهموم كلها (...).
الأول: كمال المحمود، والسبب الثاني: إنعام المحمود، بخلاف الشكر، فلأنه ليس له إلا سبب واحد، وهو إنعام المشكور. ولعلنا نتطرق إلى الفرق بين الحمد والشكر:
الحمد قلنا: له سببان، فهو أعم من الشكر من حيث السبب؛ إذ إن سببه كمال المحمود وإنعام المحمود، الشكر ليس له إلا سبب واحد، وهو إنعام المشكور، فأيهما أعم؟ الحمد أعم؛ لأنه يكون على هذا وهذا، الشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح: بالقلب: أن يعترف الإنسان بقلبه بنعمة المـنعم، باللسان: أن يشكره بلسانه ويثني عليه بلسانه، بالجوارح: أن يقوم بطاعته فلا يخالفه، وعليه قول الشاعر:
أَفَادَتْكُــــــمُ النَّعْـــــمَاءُ مِنِّيثَلَاثَةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَالْمُحَجَّبَا
أما الحمد فلا يكون إلا باللسان؛ لأن الحمد وصف المحمود بالكمال، فلا يكون إلا باللسان، فأيهما أعم من هذه الناحية؟
* طالب: الشكر.
* الشيخ: إذن الشكر أعم متعلقًا لأنه تعلق بالقلب واللسان والجوارح.
* طالب: الحمد يتعلق بالقلب؟
* الشيخ: ربما يتعلق بالقلب، لكنه ما يسمى حمدًا، يعني من أضمر في نفسه الثناء على الله عز وجل ما يقال: حمد الله؛ إذ إنه لم يظهر، وربما يقول قائل: إنه يكون بالقلب، لكنه ليس بظاهر.
يقول: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر ٣٤] قال المؤلف: (جميعه) يشير إلى أن (أل) هنا لاستغراق العموم، و(أل) تكون لاستغراق العموم إذا صح أن يحل محلها (كل)، كلْ ولا كلّ؟
* طالب: ما الفرق؟
* الشيخ: الفرق: كلْ يعنى من الطعام، كلّ بالتشديد من الكلية.
إذا صح أن يحل محل (أل): (كل) –بالتشديد- فهي للاستغراق.
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر ٢] هذه للاستغراق.
﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] للاستغراق.
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء ٣٤] لا، ما هي للاستغراق، ما كل رجل قوام، أحيانًا تكون المرأة قوامة على الرجل، فهذه لبيان الحقيقة فقط.
المؤلف أفادنا بقوله: (جميعه) أن (أل) هنا للاستغراق.
(﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ﴾ للذنوب ﴿شَكُورٌ﴾ للطاعة) هذه الجملة كما تشاهدون مؤكَّدة بمؤكدين؛ بـ(إن) واللام، فهم أكدوا بالثناء هذا على الله أنه سبحانه وتعالى غفور للذنوب شكور لها. الغفور هنا صيغة مبالغة ولَّا صفة مشبهة؟ هي تشمل الأمرين جميعًا، هي صيغة مبالغة لكثرة غفران الله تعالى للذنوب وكثرة من يغفر لهم، فهو كثير المغفرة للذنوب؛ إذ إن الذنوب تتكرر من الإنسان عدة مرات فيغفرها الله. والذين يغفر الله لهم كثيرون أو قليلون؟ كثيرون. ومن جهة أخرى باعتبار أن الله تعالى لم يزل غفورًا نقول: هي صفة مشبهة.
* طالب: غفور للذنوب شكور له؟
* الشيخ: للطاعة، شكور للطاعة.
وقوله: ﴿شَكُورٌ﴾ نقول فيها كما قلنا في (غفور) بأنه عز وجل لم يزل شكورًا على طاعة عباده وامتثالهم أمره، ومن شكره أنه يعطي العامل الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وهو أيضًا شكور باعتباره صيغة مبالغة؛ لأنه كلما كثُر العمل كثر الشكر.
في ذكر ثواب أهل الجنة ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر ٣٣] (...).
النصب أن يكون التحلي باللؤلؤ لا يتعين أن يكون أساور؛ لأن تقدير الكلام يكون: يحلون فيها أساور ويحلون فيها لؤلؤًا، ومعلوم أن الحلية تكون بالأساور وتكون بغير ذلك، معلوم الآن؟ فصارت على قراءة النصب يتعين أن تكون منفردة عن الذهب، ثم يحتمل أن تكون أساور ويحتمل أن تكون غير أساور، هذا على قراءة النصب، وعلى قراءة الجر يحتمل أن تكون مركبة مع الذهب ﴿﴿من أساور من ذهب ولؤلؤٍ﴾ ﴾ [فاطر: ٣٣]، فتكون اللؤلؤ مرصعًا كما اختاره المؤلف، ويحتمل أن تكون أساور مستقلة، ما هي متعينة.
قوله: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر ٣٣] وأشباهها من الآيات الدالة على نعيم الجنة، هل (...).
﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر ٣٥]، قوله: ﴿الَّذِي﴾ هنا يجوز أن تكون صفةً لما سبق، وهو الله، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر ٣٤] ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا﴾ [فاطر ٣٥]، ويحتمل أن تكون استئنافًا، يعني أنها في محل رفع على القطع؛ لأن المنعوت إذا علم وتعدد النعت له جاز في النعت الثاني القطع والإتباع، كما قال ابن مالك:
وَإِنْ نُعُوتٌ كَثُرَتْ وَقَدْ تَلَتْ ∗∗∗ مُفْتَـــــــــقِرًا لِذِكْــــــرِهِنَّأُتْبِعَـــــــتْ
وإن لم يكن مفتقرًا جاز القطع ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا﴾ أي: أنزلنا ﴿دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر ٣٥] دار المـقامة، المقامة هنا بمعنى الإقامة، فهي إذن ظرف مكان، أو أنها مصدر ميمي دخلته التاء، ودار المقامة هي دار الجنة، ووُصفت بذلك لأن ساكنيها مقيمون فيها أبدًا، ولأنهم لا يريدون الإقامة بغيرها، كل واحد منهم لا يبغي حولًا عما هو فيه؛ لأنه يرى أنه أكمل أهل الجنة، نعم، بل إن الله أقنعهم بما هم عليه من النعيم حتى لا يتطلعوا إلى نعيم أكبر فيحتقروا ما هم فيه، بخلاف أهل النار؛ فإن أهل النار كل واحد منهم يرى أنه أشد أهل النار عذابًا؛ لأنه لو يرى أن غيره يماثله أو أن غيره أشد منه لهان عليه العذاب، ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (من) سببية هنا، أي: بسبب فضله، أي: تفضله علينا؛ لأنه لولا فضل الله عليهم ما وصلوا إلى هذا المقام العظيم، فكل ما في الإنسان من خير ونعمة فمن الله سبحانه وتعالى؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل ٥٣]، فإحلالهم دار المقامة هو من فضل الله تعالى، وهذا من تمام شكرهم لله، حيث اعترفوا له بالفضل، بخلاف الذي إذا أصابته النعماء قال: هذا لي أو هذا من عندي أو ما أشبه ذلك.
(﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ﴾ تعب ﴿وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر ٣٥] إعياء من التعب) لا يمسنا فيها نصب، أي: تعب، ومعنى يمسنا أي: يصيبنا؛ كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة ٥٠]، فالمس بمعنى الإصابة، وقوله: ﴿نَصَبٌ﴾ (تعب) ﴿لُغُوبٌ﴾ (إعياء)؛ لأن هناك تعبًا مباشرًا ينال الإنسان حين الفعل، وإعياءً يكون أثرًا للتعب، أليس كذلك؟ أنت إذا مارست عملًا شاقًّا فإنك حين ممارسته تتعب، ثم بعد انتهائه تعيى، يعني تضعف وتخلد إلى الراحة وإلى النوم، في الجنة ليس فيها نصب، يعني: تعب بدني حين مزاولة الأعمال، ولا لغوب أي: إعياء وهو الناتج عن التعب.
قال: (إعياء من التعب لعدم التكليف فيها) هذا تعليل عليل؛ لأن التكليف حتى في الدنيا غالبه ليس فيه تعب، بل إن بعضه يكون راحةً للبدن وراحة للقلب وتنشيطًا للبدن وصحةً له، وليس هذا هو المقصود الأول في العبادات، لكنه يحصل من ممارسة العبادة يحصل من ذلك النشاط والصحة، كما هو موجود مثلًا في الصلاة، موجود في الصيام، موجود في الحج، فليس هناك تعب في الأعمال الصالحة، بل نقول: ﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ﴾ هذا من باب الصفات السلبية المتضمنة لكمال ضدها، فلا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيه لغوب لكمال نعيمهم وراحتهم وأنسهم وفرحهم وما أشبه ذلك.
يقول: (لعدم التكليف فيها، وذكر الثاني التابع للأول للتصريح بنفيه) ذكر الثاني وهو اللغوب التابع للأول وهو التعب؛ لأن اللغوب -كما قلنا قبل قليل- نتيجة التعب، فكأن المؤلف أجاب عن سؤال؛ كأنه قيل: إذا انتفى التعب انتفى اللغوب الذي هو نتيجته، فلماذا لم يقتصر على نفي التعب؟ وقيل: لا يمسنا فيها نصب، وإذا انتفى النصب انتفى اللغوب؟ واضح؟
أجاب عن ذلك بأنه ذكر من أجل التصريح بنفيه، هذا ما ذهب إليه المؤلف، ولا شك أنه وجه حسن، لكن ربما نقول: إن الإنسان أحيانًا يجد إعياءً وكسلًا وموتَ قوًى بدون عمل وبدون تعب، وهذا مشاهَد، وعليه فيكون نفي اللغوب أمرًا ليس تأكيدًا وإنما هو أمر أساسي، كيف أمر أساسي؟ لأن الإنسان قد يجد إعياءً أحيانا وهو ما اشتغل، ألم تجدوا ذلك؟
إذن نقول: إن ذكره أساسي وليس من باب التصريح بنفيه الذي لا يقصد منه إلا مجرد التوكيد، المهم أن أهل الجنة لكمال نعيمهم لا يمسهم فيها نصب ولا يمسهم فيها لغوب.
ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ [فاطر ٣٦] فثنَّى بذكر عقاب أهل النار؛ لأن القرآن مثانٍ، كلما ذكر فيه معنًى ذكر فيه ما يقابله.
ولا تكاد تجد آيات في القرآن يُذكر فيها معنًى إلا وذُكر ما يقابله؛ لأن القرآن مثانٍ؛ لئلا تتمادى النفس في الرجاء إذا ذُكر النعيم وحدَه؛ فإن النفس تتمادى في الرجاء وحينئذ تأمن مكر الله، ولو ذُكر الوعيد وحده لتمادت النفس في الخوف فقنطت من رحمة الله، ولكن الله سبحانه وتعالى يذكر هذا تارة وهذا تارة حتى يكون الإنسان سائرًا من غير ميل إلى الرجاء، ومن غير ميل إلى الغلو.
وهذه المسألة اختلف العباد فيها؛ هل الأولى أن يسير الإنسان إلى ربه بين الخوف والرجاء فيكون خائفًا راجيًا، أو الأولى أن يغلب الرجاء إحسانًا للظن بالله عز وجل، أو الأولى أن يغلب الخوف؟ نعم في هذا خلاف بين العلماء؛ الإمام أحمد رُوي عنه أنه قال: ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا، فأيهما غلب هلك صاحبه؛ لأنه إن غلب الرجاء أمن الإنسان من مكر الله، وإن غلب الخوف قنط من رحمة الله، فيكون خوفه ورجاؤه واحدًا، قالوا: فالخوف والرجاء كالجناحين للطائر؛ إن هبط أحدهما مال الطائر إليه واختل توازنه، وإن تساويا استقام الطائر واعتدل توازنه.
وقال بعض أهل العلم: بل هذا يختلف باختلاف الأحوال، فإذا فعل الإنسان الطاعة فليغلب الرجاء وأن الذي وفقه لها سوف يقبلها منه ويثيبه عليها؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر ٦٠]، إذا وُفقت للدعاء وُفقت للإجابة، إذا وُفقت للعمل وُفقت للقبول، وإذا عمل المعصية فليغلِّب جانب الخوف وليرجع إلى ربه؛ لأنه إن غلب جانب الرجاء بعد فعل المعصية فإنه لا يتوب منها، ويقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨]، ويقول: الله غفور رحيم، وما أشبه ذلك. فيكون تغليب الرجاء في حال وتغليب الخوف في حال أخرى.
وقال بعض العلماء: يغلِّب الخوف في حال، والرجاء في حال، لكن لا باعتبار العمل، بل باعتبار الحال، فإذا كان مريضًا فليغلب جانب الرجاء؛ لقول النبي ﷺ: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ»[[أخرجه مسلم (٢٨٧٧ / ٨٢) من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري.]]، وإن كان صحيحًا فليغلب جانب الخوف، والمناسبة قالوا: لأن المريض تضعف نفسه وتنكسر وليس يميل إلى الدنيا ولكنه يهتم بما أمامه، فليغلب جانب الرجاء، ليس هناك نفس تتطلع إلى الدنيا وتنغمس في الترف، بل نفسه قد رقت وآوت إلى الآخرة، وأما إذا كان صحيحًا فإن النفس الآن فيها شره وتطلع للدنيا وإسرافها، فيغلب جانب الخوف.
على كل حال ممكن أن نقول: إذا وُجدت أسباب يخاف الإنسان على نفسه من تغليب جانب الرجاء فليقدم الخوف، وإن وجدت أسباب تقتضي أن يخاف الإنسان وييئس من رحمة الله فليغلب جانب الرجاء، يعني إذا فعل أسباب الرجاء فليغلب الرجاء، وإذا وُجدت أسباب الخوف فليغلب جانب الخوف.
وقبل أن ندخل فيما أعد الله تعالى لأهل النار فيها نرجع لنأخذ الفوائد لأننا لم نأخذ الفوائد فيما سبق، أليس كذلك؟ من ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر ٣١].
* مِن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات أن القرآن كلام الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [فاطر ٣١]، فالوحي إعلام الله سبحانه وتعالى أحد أنبيائه بشريعة من شرائعه، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة؛ أن القرآن كلام الله تعالى، تكلم به حقيقة بحروفه وبصوت مسموع، لكنه لا يشبه أصوات المخلوقين.
* ومن فوائدِها: فضيلة رسول الله صلى لله عليه وسلم، بماذا؟ بما أوحى الله إليه هذا القرآن العظيم ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [فاطر ٣١].
* ومن فوائدِها: اشتمال القرآن الكريم على الحق في أخباره وفي أحكامه، فأخباره كلها صدق، وأحكامه كلها عدل.
* ومن فوائدها: أن ما خالف القرآن فهو باطل؛ لقوله: ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾ فحصر الحق فيه، والحصر: إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، وكل ما خالف القرآن فهو باطل بلا شك.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: إنذار المخالفين لهذا القرآن وبشارة الموافقين له، واستفاد هذه الفائدة من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر ٣١].
* ومِن فوائدها: إثبات هذين الاسمين لله عز وجل وما تضمناه من صفة وحكم: خبير وبصير.
* ومن فوائدها: عموم علم الله وشموله حتى لما يقوم به العباد؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾.
* ومن فوائدها: علم الله تعالى بما تكنه الصدور، من أي الاسمين تؤخذ؟ من قوله: خبير، وربما نقول أيضًا: وبصير؛ لأن البصير بمعنى العليم والـمبصر.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: أن جميع الخلق عابدون لله، كل الخلق، كلهم عباد الله ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر ٣١]، فلا حق لأحد من المخلوقين في شيء من خصائص الرب، بل الكل عبد ذليل لله سبحانه وتعالى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن كتاب، أي: مكتوب، وهو مكتوب في اللوح المحفوظ، ومكتوب في الصحف التي بأيدي الملائكة، ومكتوب في الصحف التي بأيدينا.
ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾ [فاطر ٣٢]
* من فوائد الآية الكريمة: أن هذا القرآن مصدق لما سبقه من الكتب؛ لقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [فاطر ٣١]. ويتفرع على هذه الفائدة أن الذي يؤمن بهذا القرآن مؤمن بالكتب السابقة؛ لأن هذا القرآن مصدق لها، فيكون الإيمان به إيمانًا بما سبق من الكتب.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: الاستشهاد بالأمر الواقع، حتى وإن كان من عند الله، بمعنى أن الله تعالى يستشهد بالأمر الواقع ليزداد إيمان المؤمنين، وجه ذلك ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [فاطر ٣١] على أحد المعنيين، وهما أنه وقع مطابقًا لما أخبرت به، فإنه إذا أخبرت به ثم جاء فهذا دليل على صدقه؛ كما قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ١٩٧]، فاستشهد الله تعالى بعلم علماء بني إسرائيل زيادةً في التثبيت وإقامةً للحجة على المنكرين أهل الكتاب.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: رحمة الله تعالى بعباده، حيث لم يدعهم هملًا، بل أنزل إليهم الكتب التي يستنيرون بها في سيرهم إلى الله عز وجل؛ لقوله: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: سعة التعبير في اللغة العربية، وأن المقصود المعنى دون مجرد اللفظ؛ لقوله: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ لأنه قد يقول قائل: وهل للقرآن يد؟ فالجواب أن هذا من باب التوسع في التعبير في اللغة العربية، عرفتم؟ وأن المقصود هو المعنى، والألفاظ قوالب تدل على المعنى، قوالب الشيء يعني معناه: أوانيه التي يجعل فيها، فأنت مثلًا إذا قدم إليك كرتون مزخرف مزين بالذهب تستدل بهذا على ما في باطنه وأنه شيء غال طيب، فالألفاظ في الواقع قوالب يستدل بها على ما تضمنته من المعاني، وليس لها -أي للألفاظ- معنى ذاتي حتى لا تتغير بأي تركيب كانت، بل هي تتغير بحسب التركيبات والسياق.
ثم قال الله عز وجل: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر ٣٢].
* يُستفاد مِن هذا الآية: فضل الله عز وجل على هذه الأمة، حيث أورثها هذا الكتاب العظيم الذي وصفه الله بأنه الحق وأنه مصدق لما بين يديه أورثه الله تعالى هذه الأمة، ففي ذلك بيان فضل الله علينا بهذا الإرث.
* ومن فوائدها: أن هذه الأمة أفضل الأمم؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ وهم هذه الأمة، واستدللنا لذلك أيضًا بآية أخرى وهي ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران ١١٠].
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى الفترة بين عيسى ومحمد ﷺ، من أين تؤخذ؟ من (ثم) الدالة على التراخي، وهو كذلك، ولا نعلم فترةً أطول منها بالنسبة لما بين الرسالات والكتب المنزلة، فقد قيل: إن أطول ما كان بين آدم ونوح، وهذا أمر قد يشك فيه الإنسان، لكن ما بين عيسى ومحمد عليه الصلاة والسلام حوالي ست مئة سنة، وإنما طالت الفترة لتشتد حال الناس إلى إرسال الرسل، فتأتي الرسالة المحمدية إلى قوم في غاية الضرورة إلى الرسالة والوحي، ويكون لرسالته مزية عظيمة، حيث جاءت كالمطر ينزل على أرض مجدبة، فتكون أشد قابلية له وأشد تأثرًا به (...).
خلقت له، بل معناها يختلف بحسب السياق، وعلى هذا فلا مجال، ما دام أن المعنى مفهوم فلا مجال، ولهذا تجد أن الكلمة في معناها المفهوم بالسياق لو أنك أردت أن تحولها إلى المعنى الأصلي ما صح (...).
في استخراج الفوائد من الآيات السابقة، من الآية (...).
الكريم أيضًا تقسيم هذه الأمة إلى ثلاثة أقسام: ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات.
* ومنها، أي من فوائدها: الرد على الخوارج والمعتزلة؛ لقوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر ٣٢] وجعلهم من الذين اصطفاهم الله تعالى من عباده، ولو خرجوا من الإسلام لم يكونوا من المصطفين، قد يقول قائل: يمكن أن يعارض الخوارج والمعتزلة هذا الاستدلال بأن يقولوا: إن المراد بالظلم هنا ما دون الكبائر، فيقال: إن ما دون الكبائر يقع مغفورًا بفعل الطاعات؛ كالصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان، وحينئذ ينتفي الظلم بمجرد فعل هذه الطاعات.
ثم نقول قولًا آخر بأن الآية مطلقة تشمل الظلم الأصغر والظلم الأكبر، ففيها رد على الخوارج والمعتزلة الذين يكفرون أو يخرجون الإنسان بالكبيرة من الإسلام، وحينئذ لا يكون من العباد الذين اصطفوا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل عمل يقوم به الإنسان فهو بإذن الله عز وجل وإرادته؛ لقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣٢]، وفيها الرد على القدرية الذين يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله؛ يقول ويفعل ويترك بغير إذن الله، بل هو مستقل بمشيئته وفعله.
* ومِن فوائدها أيضًا: كبح النفس عن الاستعلاء والفخر بالطاعة؛ لقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣٢] حتى لا يقول الإنسان: فعلت ذلك من نفسي وأنا الذي فعلت وفعلت، وهذا خلافًا لما يسير عليه بعض الناس، إذا فعل المعصية كان جبريًّا، وإذا فعل الطاعة كان قدريًّا، إذا فعل الطاعة قال: هذا مني وأنا الذي فعلت وأنا الذي فعلت، وإذا فعل المعصية قال: هذا من الله وأنا مجبر عليه، فبعض الناس يسلك هذا المسلك، وهذا مسلك بعيد من العدل.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: إثبات عموم مشيئة الله عز وجل حتى في أفعال العبد؛ لقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣٢].
* ومن فوائدها: تفاضل الناس في العمل، ويتفرع عليه تفاضلهم في الإيمان، أين الدليل على تفاضلهم في العمل؟ تقسيمهم إلى ثلاثة أقسام، ويلزم من تفاضلهم في العلم أن يتفاضلوا في الإيمان، فيكون في ذلك دليل لمذهب أهل السنة والجماعة القائلين بزيادة الإيمان ونقص الإيمان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أكبر فضل يتفضل الله به على عبده أن يوفقه للقيام بطاعته؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر ٣٢]، وقد أشار الله تعالى إلى هذا المعنى في قوله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس ٥٨].
* ومِن فوائدها أيضًا: أن إفضال الله على عباده يتفاضل؛ فمنه الكبير ومنه الصغير، وهذا أمر مشاهد؛ ففضل الله على الرسل أعلى من فضله على الأنبياء، وعلى الأنبياء أعلى من فضله على الصديقين، وعلى الصديقين أعلى من فضله على الشهداء، وعلى الشهداء أعلى من الصالحين، وهذا لا شك فيه.
ثم قال الله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر ٣٣] إلى آخره.
* مِن فوائد الآية الكريمة: أن جزاء أولئك القوم الذين أورثوا الكتاب على اختلاف طبقاتهم الثلاث أن جزاءهم جنات عدن؛ لقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾، أو ﴿يُدْخَلُونها﴾، على قراءتين، ومنها الإشارة إلى كمال نعيم الجنة؛ لكونها جنات بهيجة، وكونها محل إقامة لا ظعن منها أبدًا؛ لقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾.
* ومن فوائدِها أيضًا: ما ينعم الله به على عباده في هذه الجنات من أنواع الفواكه والمطاعم؛ لدخوله في كلمة ﴿جَنَّاتُ﴾، وكذلك من الملابس؛ لقوله: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [فاطر ٣٣].
* ومِن فوائدها: أن الجنة ليست دار تكليف، أي: دارًا يمنع منها العبد مما يتنعم به، بل يتنعم بكل ما شاء؛ لأننا نعلم جميعًا أن تحلي الرجال في الدنيا بالذهب ممنوع وحرام، لكنه في الجنة مباح وممنوح وليس بممنوع؛ لأن الجنة لهم فيها ما يشاءون، بل أكثر مما يشاءون ويريدون.
ومنها ما يحصل من الجمال لتنويع الحلي؛ لكونه من ذهب ولؤلؤ، وفي الآية الأخرى فضة، وهنا لم يذكر الله تعالى تحديد هذه الحلية، لكن جاءت بها السنة، حيث قال النبي عليه الصلاة والسلام: «تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنَ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءَ»[[أخرجه مسلم (٢٥٠ / ٤٠) من حديث أبي هريرة.]]، ومنها نعومة لباسهم وأنه أنعم ما يكون من اللباس؛ لقوله: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر ٣٣] حرير لا يخلق ولا يتدنس، بل هو دائمًا على جدته ونظافته.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر ٣٤].
* مِن فوائد الآية الكريمة: فضيلة أهل الجنة في ثنائهم على ربهم في قولهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن حمد الله تعالى يكون على إنعامه وإفضاله وعلى كمال صفاته، فهنا قالوا: ﴿الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾، فحمدوا الله على إنعامه عليهم وعلى كونه غفورًا شكورًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: كمال الفرح والسرور لأهل الجنة؛ لقولهم: ﴿أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾؛ فإن هذه الصفة السلبية تدل على كمال ضدها، فإذا كان الحزن منفيًّا عنهم كان ذلك دليلًا على كمال سرورهم وأنه سرور لا يشاب بحزن أبدًا، بخلاف سرور الدنيا؛ فإن سرور الدنيا مهما عظم مشوب بالكدر، ولهذا يقول الشاعر الحكيم:
لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً ∗∗∗ لَذَّاتُهُ بِادِّكَــــارِ الْمَــــــوْتِوَالْهَــــــــــرَمِ
نعم، الإنسان مهما كان في الدنيا من النعيم فإنه إذا تذكر أن أمامه شيئين لا بد منهما، لا بد من أحدهما قطعًا، فإن طالت به الحياة فلا بد من الأمرين جميعًا، وهو الهرم والموت، وحينئذ تتنغص عليه حياته. ثم هو أيضًا يعرف أنه كل يوم يمضي عليه فإنه يبعده من الدنيا ويقربه من الآخرة، وهذا تنغيص آخر، ولهذا قال الشاعر:
وَالْمَـــــرْءُ يَفْـــــرَحُ بِالْأَيَّامِيَقْــطَعُهَا ∗∗∗ وَكُلُّ يَوْمٍ مَضَى يُدْنِي مِنَالْأَجَلِ
نعم، على كل حال في الآخرة نعيم لا كدر فيه؛ لقوله: ﴿أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر ٣٤].
* ومِن فوائدِها: أن نعيم الآخرة ينسي كل ما سبقه من حزن؛ لقوله: ﴿أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر ٣٤]، وذهاب الحزن هنا ذهاب لما قد وُجد ولما يُتوقع وجوده، فلا يمكن أن يمسه فيها حزن.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما الغفور والشكور، الغفور في جانب المعاصي والشكور في جانب الطاعات، أما في المعاصي فإنه عز وجل قال في الحديث القدسي: «يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ، ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَغَفَرْتُ لَكَ»[[أخرجه الترمذي (٣٥٤٠)، والطبراني في الأوسط (٤٣٠٥) من حديث أنس بن مالك.]].
أما في الطاعات فإن الله تعالى يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام ١٦٠]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ فَاعِلَ الْحَسَنَةِ تُكْتَبُ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ، إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١ / ٢٠٧) من حديث ابن عباس.]].
ثم قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر ٣٥] فيها فضيلة أهل الجنة بإضافتهم النعيم إلى المــنعم به، من أين؟ ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر ٣٥]، فنسبوا الأمر إلى الله وإلى فضله ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر ٣٥] وهذا غاية الثناء والحمد.
* ومن فوائدها: أن دار الجنة دار إقامة، كل إنسان لا يتمنى أن يزول عن مكانه منها، حتى من كان في الدرجات غير العالية يرون أنهم في أكمل النعيم؛ لقوله: ﴿دَارَ الْمُقَامَةِ﴾، ومنها تأبيد الجنة لإطلاق قوله: ﴿الْمُقَامَةِ﴾ ولم تقيد بزمن.
* ومِنها؛ من فوائد الآية: أن بلوغهم إلى هذه الدار ليس بحولهم وقوتهم، ولكن بفضل الله عز وجل؛ لقوله: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات الأسباب؛ لأن (من) هنا سببية، أي: بفضل الله، ففيها رد على من ينكرون الأسباب ويقولون: إن الأسباب لا تأثير لها، وإنما يحصل الشيء عندها، لا بها.
* ومِن فوائدها: أن الإنسان لا يدخل الجنة بعمله؛ لقوله: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾، ولكن قد يشكل على هذا قوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧] ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل ٣٢] وأشباههما من الآيات.
وقد جمع العلماء بينهما بأن الباء في قوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ الباء للسببية، وأن الباء في قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٧٣)، ومسلم (٢٥٧٤) من حديث أبي هريرة.]] للعوض، يعني أن دخول الإنسان الجنة ليس بعمله؛ إذ لو أنه أريدت المعاوضة لهلك الإنسان، لو أن الإنسان نُوقش في عمله بالإضافة إلى نعمة الله عليه لكانت نعمة واحدة تقابل كل العمل، بل لكان العمل نفسه نعمة يحتاج إلى شكر، ولَّا لا؟ لأن توفيق الله عز وجل للعبد..
فاطر 35:35
يقول: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [فاطر ٣١] الجملة هنا ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ﴾ جاءت بالصيغة الاسمية المحصورة، وطريق حصرها أمران: الأمر الأول: تعريف ركنيها، وهما المبتدأ والخبر، فـ(الذي) مبتدأ و(الحق) خبر.
وقد قال أهل البلاغة: إن تعريف الركنين من الجملة الاسمية يفيد الحصر، الطريق الثاني من طرق الحصر: هو ضمير الفصل وهو قوله: ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾، فضمير الفصل من فوائده الحصر، وله فائدة ثانية: التوكيد، وله فائدة ثالثة: الفصل بين الخبر والصفة.
يقول: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ﴾، ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ الوحي إعلام الله سبحانه وتعالى أنبياءه ورسله بشريعة من شرائعه، هذا هو الوحي شرعًا، أما في اللغة فقالوا: إن الوحي هو الإعلام بسرعة وخفاء؛ يعني مثل الإشارة والهمس وما أشبهه يسمى وحيًا لكنه في الشرع..
ومنها ما ليس بوحي، أحيانًا يسأل النبي عليه الصلاة والسلام عن شيء ولا يجيب، فينزل عليه الوحي فيجيب بحديث نبوي؛ مثل «قصة يعلى بن أمية الذي كان أحرم بالعمرة وهو متضمِّخ بالخَلُوق، فسأل النبي ﷺ عن ذلك ولكنه لم يجبه حتى جاءه الوحي»[[متفق عليه؛ البخاري (١٥٣٦)، ومسلم (١١٨٠ / ٦) من حديث يعلى بن أمية.]]، وأحيانًا يسأل عن الشيء ثم ينزل به الوحي على أنه كلام الله قرآن، فيبلغه النبي ﷺ.
يقول: ﴿الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [فاطر ٣١] والمراد به هنا القرآن قطعًا؛ بدليل قوله: ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾؛ لأن (من) بيانية، تبين الإبهام في الاسم الموصول (الذي)؛ لأن الاسم الموصول فيه إبهام فإذا جاءت (من) بعده بعد اسم الموصول فهي تبينية.
﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [فاطر ٣١] (القرآن) وهو كتاب بمعنى مكتوب؛ لأن هذه الصيغة (فعال) تأتي كثيرًا بمعنى مفعول، وأمثلتها غراس، بناء، فراش، بمعنى مغروس ومبني ومفروش، فالكتاب بمعنى مكتوب، مكتوب في أي شيء؟ مكتوب في اللوح المحفوظ، مكتوب في الصحف التي بأيدي الملائكة ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس ١١ - ١٦] مكتوب في المصاحف التي بأيدينا، إذن هو مكتوب على ثلاثة أوجه: اللوح المحفوظ، الصحف التي بأيدي الملائكة، الصحف التي بأيدينا.
قال: ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾ [فاطر ٣١] (هو) ضمير فصل، و(الحق) خبر (الذي)، فـالذي أوحى الله إلى رسوله ﷺ هو الحق، أكد الله ذلك بكم مؤكد؟ بمؤكدين: ضمير الفصل، وتعريف ركني الجملة ﴿الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ﴾ [فاطر ٣١].
وقوله: ﴿الْحَقُّ﴾ يعني الشيء الثابت صدقًا في الأخبار وعدلًا في الأحكام، فأحكام القرآن كلها عدل، وأخباره كلها صدق، ليس فيها كذب بوجه من الوجوه، وليس في أحكامه جور بوجه من الوجوه؛ لأنك إذا تأملت أحكامه وجدته قد أعطى كل ذي حق حقه؛ فلهذا كان عدلًا في الأحكام، وإذا تأملت أخباره وجدتها كلها صدقًا، وهذا هو الصدق في الأخبار، وقد قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام ١١٥].
قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر ٢٩] أخذنا المناقشة فيها؟
﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [فاطر ٣١]، قوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ قال المؤلف: (تقدمه من الكتب) يعني مصدقًا لما تقدمه من الكتب؛ لأن الكتب التي سبقته تكون بين يديه، ألا ترى إلى الرجل يكون أمامك فهو قد سبق، وتقول: إن الرجل بين يدي، وربما يقال: ما بين اليدين للشيء المستقبل؛ لأنه أمامك أيضًا؛ كما في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة ٢٥٥] أي: مستقبلهم وماضيهم.
وقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ كيفية التصديق للكتب السابقة من وجهين:
الوجه الأول: أنه صدقها، أي: أثبت أنها صادقة، فالقرآن يثبت صحة التوراة والإنجيل والزبور وغير ذلك من الكتب، ويبين أنها صدق.
كذلك الوجه الثاني: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ لأن الكتب السابقة أخبرت به، فنزوله يكون تصديقًا لها، فهو مصدق لما بين يديه من وجهين:
الوجه الأول أنه صدق ما سبقه، أي: قال: إنها كتب صادقة ثابتة، وأوجب الإيمان بها.
والوجه الثاني: أنه صدق ما أخبرت به، أي: نزل مطابقًا لما أخبرت به، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء ١٩٦] القرآن، ﴿زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ كتبهم، يعني أنه موجود في كتبهم، وأنه سوف ينزل كما أن محمدًا ﷺ كذلك قد أخذ العهد والميثاق على كل نبي أن يصدق به، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ [آل عمران ٨١]، المهم أن تصديقه لما بين يديه من وجهين.
قال: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر ٣١] (عالم بالبواطن والظواهر)، هذه الجملة تعلقها بما قبلها أنها تفيد تحذيرًا وإنذارًا وترغيبًا، فهي ترغيب وترهيب لأنه لما أخبر بأن هذا القرآن هو الحق فقد انقسم الناس في هذا الحق إلى قسمين؛ قسم صدق به وقسم كفر به، أليس كذلك؟
كل هؤلاء نقول لهم: إن الله تعالى بكم خبير بصير، فالذين صدقوا به لن يضيع تصديقهم وعملهم بما جاء به؛ لأن الله خبير به، وبصير به، وسوف يجازيهم عليه، والذين كذبوا به أيضًا لن تخفى حالهم على الله عز وجل، فسوف يعاقبهم بما يقتضيه تكذيبهم وإنكارهم واستكبارهم، فالجملة إذن هي باعتبار المصدقين بهذا القرآن للبشارة، وباعتبار المكذبين للإنذار والتحذير.
وقوله: ﴿خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ (خبير) اسم فاعل على صيغة المبالغة، وإن شئت فقل: إنه صفة مشبهة، وهو أحسن بالنسبة لما يتعلق بالعلم، الأحسن في هذا أن نقول: إنه من باب الصفة المشبهة، لماذا؟ لأن الصفة المشبهة تدل على الثبوت، لكن صيغة المبالغة قد تدل على الحدوث، وحدوث الخبرة في جانب الله عز وجل مستحيل ولَّا لا؟ حدوث الخبرة مستحيل؛ لأنه لم يزل ولا يزال خبيرًا.
إذن نعود فنقول: إنه يتعين أن نجعل (خبير) صفةً مشبهة؛ لأننا لو جعلناها صيغة مبالغة من خابر لكانت موهمة لتجدد الخبرة والعلم، وهذا شيء مستحيل في جانب الله عز وجل.
وقوله: ﴿بَصِيرٌ﴾ كلمة (بصير) قد يراد بها العلم، وقد يراد بها الإدراك للرؤية، وكلا الأمرين لا يناقض بعضهما بعضًا. وقد مر علينا في قواعد التفسير أن الآية إذا احتملت معنيين لا يتناقضان فإنها تُحمَل عليهما؛ لأن ذلك أوسع في معناها وأبلغ، فالله عز وجل بصير بعباده من حيث النظر والرؤية ومن حيث العلم. في جانب المعمولات المفعولات الظاهرة تكون الرؤية والعلم أيضًا، وفي جانب المسموعات يكون العلم ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾.
ثم قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر ٣٢]، ﴿أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ﴾ أولًا كلمة (أورث) هنا نصبت مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر أو لا؟ ليس أصلهما المبتدأ والخبر، وعلى هذا فهي من باب كسا وأعطى، أين المفعول الأول وأين المفعول الثاني؟ ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ (الذين) هي الأول، و(الكتاب) هو الثاني؛ لأن الوارث من؟ هل الكتاب وارث الذين ولَّا الذين ورثوا الكتاب؟ الذين هم الذين ورثوا الكتاب، يعني أورثنا الذين اصطفينا من عبادنا الكتاب، ويش معنى أورثناهم إياه؟ أي: جعلناهم يرثونه، فالذين اصطفاهم الله أورثهم الله الكتاب، أي: جعلهم يرثونه.
وكلمة الكتاب قال المؤلف: (القرآن)، وينبغي أن نجعله أعم؛ لأننا لو قلنا: إن الكتاب هو القرآن وقلنا: إنه موروث عمن سبقنا لكان القرآن قد نزل على من سبقنا، وليس الأمر كذلك، فالمراد بالكتاب هنا الجنس، لا خصوص القرآن، يعني أن الكتب السابقة كل ما فيها من الخير موجود في القرآن، فنحن ورثنا عمن سبقنا كل ما أوتوه من خير، فالأصول التي تجب على كل مسلم في أي مكان وزمان موجودة في القرآن، والشرائع التي تختلف باختلاف الأمم وباختلاف الزمان والمكان هذه تختلف عمن سبق، قد يجب علينا ما لا يجب عليهم، وقد يحرم علينا ما لا يحرم عليهم ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨]، أما الأصول فقد ورثناها عنهم، فالأصول التي هي أم الدين قد ورثناها عمن سبقنا.
قال: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر ٣٢]، ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾ أي: اخترنا، وهو مأخوذ من الصفوة، وأصله اصتفينا، لكن لعلة تصريفية قُلبت التاء طاءً فقيل: ﴿اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ أي: اخترناهم.
وقوله: ﴿مِنْ عِبَادِنَا﴾ هل المراد بذلك العبودية العامة أو الخاصة؟
* طالب: الخاصة.
* الشيخ: يعني الذين اصطفيناهم من المؤمنين أو اصطفيناهم من جميع العباد؟ يظهر أنها من العبودية العامة، يعني الذين اختارهم الله تعالى من عباده الذين يخضعون له كونًا، والمراد بهم هذه الأمة، بدليل قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران ١١٠]، فالذين اصطفاهم الله من عباده هم هذه الأمة؛ للآية التي سقناها وهي في آل عمران، ولدليل آخر من هذه الآية نفسها؛ لأن هذه الأمة آخر الأمم، إذن فلا يمكن أن يورث ما عندها من الكتاب، فهي وارثة غير موروثة، إذا كانت وارثة غير موروثة فهي التي اصطفيت.
وقوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر ٣٢] (بالتقصير في العمل به) أي: بالكتاب (﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ يعمل به أغلب الأوقات) ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ يضم إلى العمل التعليم والإرشاد إلى العمل ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣٢]).
قسم الله تعالى هذه الأمة التي أورثها الكتاب إلى ثلاثة أقسام، وبدأ بالأقل فالأقل، الأقل في المرتبة فالأقل، فقال: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر ٣٢] الظالم لنفسه هو الذي ترك شيئًا من الواجبات، أو فعل شيئًا من المحرمات، ترك صلاة الجماعة مع وجوبها عليه، ترك بعض الزكاة لم يخرجه، ترك الحج على الفور مع وجوبه عليه على الفور، هذا نقول: إنه ظالم لنفسه، فعل المحرمات: شرب الخمر، زنى، سرق، نظر نظرًا محرمًا، هذا نقول: إنه ظالم لنفسه.
معنى الظالم في الأصل هو الناقص؛ لأن الظلم هو النقص، قال الله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣] يعني لم تنقص، وكل من أساء فقد نقص مما يجب عليه، ولهذا كل عمل سيئ يعتبر نقصًا فيما يجب عليه؛ لأن الواجب عليك لنفسك أن ترعاها حق رعايتها، فأنت مسؤول أول ما تسأل عن نفسك، قال النبي ﷺ: «إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٧٥)، ومسلم (١١٥٩ / ١٨٢) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]] فبدأ بالنفس، فكما يجب عليك أن ترعى مصالح ولدك ومالك وأهلك يجب عليك أن ترعى مصلحة نفسك، بل هو الواجب الأول من حقوق المخلوقين بعد حق الله ورسوله.
إذن من فعل محرمًا فقد ظلم نفسه، ليش؟ لأنه نقصها حقها في الأمانة، أنت مؤتمن عليها، يجب أن ترعاها حق رعايتها، من ترك واجبًا فقد ظلم نفسه؛ لأن الواجب عليه أن يفعل الواجب ليقوم بحق الأمانة فيما يتعلق في نفسه، هذا الظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، المقتصد هو الذي لم يقع منه ظلم لنفسه ولا تقدم في الخير، أي: قائم بالواجبات، تارك للمحرمات، لكنه لا يكثر من النوافل، ولا يحرص على إكمال الواجبات على الوجه الأكمل، ولا يتجنب المكروهات، مقتصد لا نقص ولا زاد، يصلي مع الجماعة ويزكي بدون نقص، لكن لا يأتي بالنوافل ولا بصدقات التطوع، يؤدي فريضة الحج لكن لا يعود، يصوم رمضان لكن لا يصوم نفلًا، وهكذا يؤدي ما عليه من المعاملات بين الناس على الوجه الواجب فقط، لا يتسامح عن فقير، ولا ينزل من قيمة أو ثمن، لكنه ماش على ما يجب عليه، نقول: هذا مقتصد، هذا لا له ولا عليه، يعني ليس له ثواب إلا ثواب فعل الواجب فقط، الثالث: سابق بالخيرات، هذا يأتي بالواجبات ويزيد ما شاء الله تعالى من الخيرات، ويأتي بالواجبات أيضًا على الوجه الأكمل الأتم، فالصلاة مثلًا لا يقتصر فيها على تسبيحة واحدة، بل يزيد، لا يقتصر على الفاتحة بل يزيد، لا يقتصر على أن يضع يديه مثلًا مطلقة هكذا، بل يضعها في موضعها في حال القيام وفي حال الركوع وفي حال السجود وهكذا، نقول: هذا سابق بالخيرات، يؤدي الزكاة ويتصدق، يحج الواجب ويتطوع، يصوم رمضان ويتنفل بغيره من الصيام، هذا نقول: إنه سابق بالخيرات.
أما قول المؤلف رحمه الله: إن معنى ﴿سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ (يضم إلى العمل التعليم والإرشاد إلى العمل) ففي هذا نظر ظاهر، لماذا؟ لأن التعليم قد يكون واجبًا، وإذا قام بالتعليم الواجب صار من السابق بالخيرات أو من المقتصد؟ من المقتصد، وإن تركه صار من الظالم لنفسه، وكذلك نقول في الإرشاد، الإرشاد الواجب إذا قام به صار مقتصدًا، وإن تركه صار ظالمـًا لنفسه، ولكن ما قلنا هو الصواب.
ما تقولون في اختلاف المفسرين في هذه الآية؟ فمنهم من يقول: فمنهم ظالم لنفسه كالمانع للزكاة، ومنهم مقتصد كالمقتصر عليها، ومنهم سابق بالخيرات كالزائد عليها، وآخر يقول: فمنهم ظالم لنفسه مؤخر للصلاة عن وقتها، ومنهم مقتصد فاعل لها في وقتها، ومنهم سابق بالخيرات فاعل لها في أول وقتها، أي: في الوقت الذي يُستحب أن تقام فيه، هل بين القولين خلاف؟ لا، ليس بينهما خلاف، هذا يُسمى اختلاف تنوع، يعني أن كل واحد منهما -من القائلين- ذكر نوعًا، فيكون هذا على سبيل التمثيل، ولا يُعد هذا خلافًا في الواقع، ولكنه تمثيل، هذا مثل بالزكاة وهذا مثل بالصلاة.
وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣٢] قال المؤلف: (بإرادته) الكونية أو الشرعية؟
الظاهر أننا نغلِّب هنا الكونية، يعني أن هؤلاء الأقسام الثلاثة -الظالم والمقتصد والسابق- كلهم يفعلون هذا بإذن الله، فالله تعالى هو الذي أذن للظالم نفسه أن يظلم نفسه، وللمقتصد أن يقتصر على ما يجب، وللسابق أن يزيد. وتقييد هذا بإذن الله لئلا يفتخر مفتخر بكونه سابقًا بالخيرات فيضيف الشيء إلى نفسه ويمن به على ربه؛ كما قال الله تعالى عن بعض بني آدم: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات ١٧].
فأنت إذا منَّ الله عليك بسبق في الخيرات لا تظن أن هذا من نفسك، لو وُكلت إلى نفسك لكنت ظالمـًا لنفسك؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب ٧٢]، هذه حقيقة الإنسان؛ الظلم والجهالة، لكن من منَّ الله عليه وهداه فهو من فضله سبحانه وتعالى (...).
قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ (﴿ذَلِكَ﴾ أي: إرثهم الكتاب ﴿هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ )، نعم صدق الله، الفضل الكبير الذي لا يدانيه فضل هو منة الله على عبده بالعلم بهذا الكتاب، هذا هو الفضل الكبير، ليس الفضل الكبير بأن يعطَى الإنسان قصورًا أو مراكب فخمة أو زوجات حسناوات أو أبناء كثيرين، لا، الفضل الكبير أن يورث هذا الكتاب، كل من ورث هذا الكتاب علمًا وعملًا ودعوة فهو الذي حاز الفضل الكبير، قال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس ٥٨].
وفي قوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ﴾ فيها أداة حصر، وهو ضمير الفصل ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ﴾، وضمير الفصل نذكره هنا لمن فاته العلم به: ضمير الفصل هو ضمير يأتي مطابقًا للسياق، يأتي بصورة الغائب، كـ(هو)، وبصورة المخاطب، كـ(أنت)، وبصورة المتكلم، كـ(أنا)، قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِين﴾ [الحجر ٨٩]، ﴿إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ﴾ هذا أتى بصيغة المتكلم، وتقول لمن تخاطبه: إنك أنت القائم، ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٩] هذا في صيغة المخاطب، وفي صيغة الغائب كثير، منه هذه الآية ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾.
إذن فضمير الفصل ضمير يؤتى به مطابقًا للسياق من حيث التكلم والخطاب والغيبة، وهو من حيث الإعراب لا محل له، ليس له محل من الإعراب، أما من حيث المعنى فيفيد ثلاثة أمور: يفيد التوكيد والحصر والتمييز بين الخبر والصفة، ثلاثة أمور، ما هي؟
تقول مثلًا: (زيد الفاضل) فيه ضمير فصل ولَّا لا؟ ما فيه ضمير فصل، هنا يحتمل أن تكون (الفاضل) خبرًا، ويحتمل أن تكون صفة والخبر لم يأتِ، ممكن أن نقول: تقدير الكلام: زيد الفاضل قائم، ما يمكن هذا؟ يمكن، فتكون (الفاضل) صفة، فإذا قلت: (زيد هو الفاضل) تعيَّن أن تكون (الفاضل) هنا خبرًا، ما يمكن تكون صفة. إذن فهو يميز بين الصفة والخبر، فيكون ما بعده خبرًا لا صفة، ولولاه لكان محتملًا أن يكون خبرًا أو صفة.
هذا شرح قولنا: التمييز بين الخبر والصفة.
يفيد الحصر: إذا قلت: (زيد فاضل) هل يمنع أن يكون غيره فاضلًا؟ لا يمنع، فإذا قلت: (زيد هو فاضل) أو (زيد هو الفاضل) تعيَّن أن يكون زيد وحده هو الفاضل.
التوكيد: لا شك أن قولك: (زيد الفاضل) تريد المبتدأ والخبر، لا شك أنها جملة تامة ومعناها واضح، لكن إذا قلت: زيد هو الفاضل كأنك اتكأت عليها وزدتها توكيدًا.
قال: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾، الفضل بمعنى العطاء، العطاء ممن؟ من الله، (الكبير) من حيث الحجم، فهو كبير في كيفيته، ونحن نعلم من جهة أخرى أنه كثير في كميته، فيجتمع في هذا العطاء يجتمع فيه الكمية والكيفية، فهو فضل كبير في ذاته وكيفيته وفضل كثير أيضًا في عدده وكميته ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر ٣٢]
قال الله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر ٣٣] هذا بيان لثواب هؤلاء الأصناف الثلاثة (﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ إقامة ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ الثلاثة بالبناء للفاعل والمفعول خبر (جنات) المبتدأ) بالبناء للفاعل: ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾، وبالبناء للمفعول: ﴿﴿يُدْخَلُونَهَا﴾ ﴾، وهم إذا أُدخلوا فقد دخلوا ولَّا لا؟ فكأن القراءتين واحد، لكن يُستفاد من كلمة ﴿﴿يُدْخَلُونَهَا﴾ ﴾ بيان أنهم يُعطَونَها كرامةً، فتُقدَّم إليهم حتى يدخلوها، لكن ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ بدون أن يقال: ﴿﴿يُدْخَلُونَهَا﴾ ﴾ فإن الداخل قد يدخل كرامة وقد يدخل من ذات نفسه، لكن إذا أُدخِلها كأنها قُدِّمت لهم على سبيل الكرامة حتى يدخلوها.
وقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ جنات جمع جنة، قال العلماء: والجنة: البستان الكثير الأشجار، وسُمي بذلك لأنه يستر مَن كان داخله، والله أعلم.
﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ عدن بمعنى إقامة، يعني أن هذه الجنات جنات إقامة لا ظعن فيها، بل هم خالدون فيها أبدًا، ومع ذلك ليس واحد منهم يتمنى أن يتحول عما هو فيه كما قال الله تعالى: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف ١٠٨] بخلاف الجنة؛ فإن الإنسان لو كان في أحسن ما يكون من البساتين لتمنى أن يتحول إلى ما هو أحسن منه وأفضل منه، لكن في الآخرة كل واحد منهم يرى أنه في مكان إقامة لا يريد أن يتحول عنه، وهذا لا شك أنه من كمال النعيم أن يستقر الإنسان وأن يرى أنه في أكمل ما يكون؛ حتى لا تتشوف نفسه إلى نعيم أعلى فيتنغص نعيمه؛ لأنه من المعلوم أن الإنسان إذا رأى أنه دون غيره، وإن كان في مقام أمين، وإن كان في مقام منعم فيه، لكن يتنغص عليه ذلك؛ لكونه يرى أن غيره أفضل منه.
قال: ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ (بالبناء للفاعل وللمفعول خبر جنات) جنات مبتدأ، وجملة ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ أو ﴿﴿يُدْخَلُونَهَا﴾ ﴾ خبر، (﴿يُحَلَّوْنَ﴾ خبر ثانٍ) ولا تصح أن تكون حالًا من الفاعل؛ وذلك لأن تحليتهم بذلك بعد الدخول، ولو قلنا: يُدخلونها حال كونهم يحلون للزِم من ذلك أن يكون التحلية حين الدخول أو قبله.
(﴿يُحَلَّوْنَ﴾ خبر ثانٍ)، وهل يجوز أن يتعدد الخبر؟ الجواب: نعم، وهذا في القرآن كثير، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج ١٤، ١٥]، الخبر العام كم؟ أربعة: الغفور، والودود، وذو العرش، والمجيد، فتعدد الأخبار جائز في اللغة العربية، ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ أي: في هذه الجنات، ﴿مِنْ﴾ قال المؤلف: (بعض) فأفادنا أن (من) هنا ليست بيانية، بل هي تبعيضية، ولو قيل: إنها بيانية لكان له وجه جيد؛ لأن التحلية لا تتعين في الأساور؛ إذ قد يُحَلَّى الإنسانُ بالخروص مثلًا، أو بالقلائد، أو ما أشبه ذلك، فجعلها بيانية أولى من جعلها تبعيضية؛ لأنك إذا قلت: يُحَلَّون بعض أساور لم تكن التحلية بالأساور، وإنما يحلون بعضها، إلا إذا قلت: نعم أقول: إنها تبعيضية لأن الأساور المذكورة هنا نوعان فقط: ذهب ولؤلؤ، مع أن لهم حلية أخرى وهي الفضة؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان ٢١]، فإذا جعلتها تبعيضية باعتبار أن الأساور المذكورة من نوعين، وبقي نوع ثالث لم يُذكَر، صار القول بأنها للتبعيض له وجه، وقد ذكرنا مرارًا كثيرة أنه إذا احتمل اللفظ معنيين لا يتنافيان فإنه يُحمَل عليهما، فيمكن أن نجعل (من) هنا مشتركة بين كونها بيانية وبين كونها تبعيضية، بين كونها بيانية لأن التحلية تكون من الأساور وغيرها، فتكون (من) هنا مبيِّنةً ما يتحلون به، وتبعيضية لأنه ذكر من الأساور هنا نوعين وبقي نوع ثالث لم يذكر، ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [فاطر ٣٣] ويش عندكم؟ (مرصع بالذهب).
﴿﴿من ذهب ولؤلؤٍ﴾ ﴾، أما ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ فهي مجرورة لا شك فيها؛ لأنها دخلت عليها (من)، وأما (لؤلؤ) فهي عندي منصوبة، هي عندكم كذلك؟ ولكن قوله: (مرصع) يدل على أنها مجرورة كما هي القراءة الثانية، ولهذا ينبغي أن نصحح (لؤلؤًا) ونجعلها بالجر بناءً على تفسير الجلال.
﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ مجرورة عندكم ﴿﴿ولؤلؤ﴾ ﴾.
طيب ﴿﴿ولؤلؤ﴾ ﴾ ما الدليل على أنه ﴿﴿ولؤلؤ﴾ ﴾؟ لأنه قال: (مرصع)، لو أنه أراد قراءة النصب لقال: مرصعًا، إذن نقول: (لؤلؤ) فيها قراءتان سبعيتان؛ إحداهما بالنصب ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ وعلى هذا تكون معطوفة على محل أساور، يعي يحلون فيها أساور ولؤلؤًا، أساور من ذهب، ويحلون لؤلؤًا أيضًا، وأما بالجر ﴿﴿ولؤلؤٍ﴾ ﴾ فهي معطوفة على ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ يعني: يحلون فيها أساور من نوعين؛ من ذهب ولؤلؤ، أضف إليها حلوا أساور من فضة تكون أساورهم من ثلاثة أنواع: من الذهب واللؤلؤ والفضة، ولا نشك أن السوار من الذهب مجمَّل، وفيه جمال لذاته، وكذلك السوار من الفضة، وكذلك السوار من اللؤلؤ، فكل واحد منها على حدة فيه جمال وتجميل، فإذا اجتمعت الثلاثة وصُف بعضها إلى بعض تولَّد من ذلك تجميل أكبر، ولا أحد يتصور كيف تجمع هذه الثلاثة هل يكون اللؤلؤ بين الذهب والفضة، أو الذهب بين اللؤلؤ والفضة، أو اللؤلؤ بينهما، المهم أن ترتيبها هذا لا أحد يتصوره الآن، لكن الذي نؤمن به أن هذه الثلاثة تجمع، أما كيف تجمع فالله أعلم به، لكننا أيضًا نعلم بأن جمعها أي الثلاثة له زيادة في التجميل.
واعلم أن الذهب الذي يُذكَر في نعيم الجنة والفضة واللؤلؤ ليس كالذهب الذي نشاهده الآن أو الفضة أو اللؤلؤ، بل هو ذهب أعظم ذهب يليق بنعيم الجنة، كما أن النخل والرمان والفاكهة والعسل واللبن والخمر وما أشبه ذلك ليس كالذي يوجد في الدنيا، لماذا؟ لأن النعيم يناسب الدار، فإذا كانت دار الدنيا لا تشابه دار الآخرة فالنعيم الذي في الآخرة لا يساويه النعيم الذي في الدنيا، هذا من حيث المعقول، أما من حيث المنقول فقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة ١٧]، وفي الحديث القدسي: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]، واضح، وأنتم تشاهدون الآن أنه لو جاءكم رجل فقير وصنع لكم أعلى ما يمكنه من الطعام الذي هو أحسن شيء عنده، ودعاكم رجل غني وصنع لكم أعلى ما يجد من الطعام عنده، لعرفتم الفرق العظيم بين هذا وهذا، مع أن كل واحد منهم أتى بكل ما يستطيع، كذلك الفرق بين نعيم الآخرة ونعيم الدنيا، فالذهب إذن يوافق الذهب في الدنيا في الاسم ولا يوافقه في الحقيقة، قال ابن عباس رضي الله عنهما: «ليس في الآخرة مما في الدنيا إلا الأسماء»[[أخرجه البيهقي في البعث والنشور (٣٣٢)، والزهد لهناد (٣) من حديث ابن عباس.]] فقط، أما الحقائق فتختلف.
يقول: (﴿﴿مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤٍ﴾ ﴾ [فاطر: ٣٣] مرصع بالذهب) وقوله: (مرصع بالذهب) قد يعارَض المؤلف في ذلك؛ إذ قد يقال: إن اللؤلؤ مستقل، حلية مستقلة، ويدل لذلك قراءة النصب: ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾، يعني يحلَّون لؤلؤًا، أما على قراءة الجر فما ذهب إليه المؤلف محتمل غير متعين، أنتم معنا الآن؟ طيب هو يرى رحمه الله أن اللؤلؤ ليس مستقلًّا، بل هو مرصع بالذهب كما يوجد في حلي الدنيا، ولكننا لا نسلم ما قال، بل ظاهر الآية الكريمة أن اللؤلؤ سوار مستقل، ويبين هذا قراءة النصب ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [فاطر ٣٣]، يعني يحلون لؤلؤًا، فجعل حلية اللؤلؤ حليةً مستقلة.
﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر ٣٣] لما ذكر ما يُلبَس في اليد ذكر اللباس العام على جميع البدن، فقال: ﴿حَرِيرٌ﴾ لباسهم في الجنة حرير، وحرير الجنة ليس كحرير الدنيا الذي تفرزه أو تصنعه دودة القز، هو قابل لكل آفة، بل حرير الآخرة حرير لا يماثل شيئًا من حرير الدنيا أبدًا.
﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر ٣٤] (قالوا) يعني أهل الجنة، ومتى يقولون ذلك؟ يقولون ذلك بعد دخول الجنة ﴿الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ الكائن في النفوس، وهو الهم أو الغم لما مضى، والخوف الهم لما يُستقبل، فهنا هل نقول: إن الحزن يشمل الغم مما مضى والهم مما يستقبل؟ نعم، نقول: نعم، كذلك في الجنة جميع ما مضى عليهم من الأحزان والهموم وغيرها ينسونه؛ كما جاء في الحديث الصحيح؛ أن الإنسان يُغمَس في الجنة -يُصبَغ صبغةً واحدةً- يغمس فيها فيقال له: هل رأيت شرًّا قط؟ فيقول: لا[[أخرجه مسلم (٢٨٠٧/ ٥٥) من حديث أنس بن مالك.]]، كل ما مضى من الشرور والأحزان والهموم كلها (...).
الأول: كمال المحمود، والسبب الثاني: إنعام المحمود، بخلاف الشكر، فلأنه ليس له إلا سبب واحد، وهو إنعام المشكور. ولعلنا نتطرق إلى الفرق بين الحمد والشكر:
الحمد قلنا: له سببان، فهو أعم من الشكر من حيث السبب؛ إذ إن سببه كمال المحمود وإنعام المحمود، الشكر ليس له إلا سبب واحد، وهو إنعام المشكور، فأيهما أعم؟ الحمد أعم؛ لأنه يكون على هذا وهذا، الشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح: بالقلب: أن يعترف الإنسان بقلبه بنعمة المـنعم، باللسان: أن يشكره بلسانه ويثني عليه بلسانه، بالجوارح: أن يقوم بطاعته فلا يخالفه، وعليه قول الشاعر:
أَفَادَتْكُــــــمُ النَّعْـــــمَاءُ مِنِّيثَلَاثَةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَالْمُحَجَّبَا
أما الحمد فلا يكون إلا باللسان؛ لأن الحمد وصف المحمود بالكمال، فلا يكون إلا باللسان، فأيهما أعم من هذه الناحية؟
* طالب: الشكر.
* الشيخ: إذن الشكر أعم متعلقًا لأنه تعلق بالقلب واللسان والجوارح.
* طالب: الحمد يتعلق بالقلب؟
* الشيخ: ربما يتعلق بالقلب، لكنه ما يسمى حمدًا، يعني من أضمر في نفسه الثناء على الله عز وجل ما يقال: حمد الله؛ إذ إنه لم يظهر، وربما يقول قائل: إنه يكون بالقلب، لكنه ليس بظاهر.
يقول: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر ٣٤] قال المؤلف: (جميعه) يشير إلى أن (أل) هنا لاستغراق العموم، و(أل) تكون لاستغراق العموم إذا صح أن يحل محلها (كل)، كلْ ولا كلّ؟
* طالب: ما الفرق؟
* الشيخ: الفرق: كلْ يعنى من الطعام، كلّ بالتشديد من الكلية.
إذا صح أن يحل محل (أل): (كل) –بالتشديد- فهي للاستغراق.
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر ٢] هذه للاستغراق.
﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] للاستغراق.
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء ٣٤] لا، ما هي للاستغراق، ما كل رجل قوام، أحيانًا تكون المرأة قوامة على الرجل، فهذه لبيان الحقيقة فقط.
المؤلف أفادنا بقوله: (جميعه) أن (أل) هنا للاستغراق.
(﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ﴾ للذنوب ﴿شَكُورٌ﴾ للطاعة) هذه الجملة كما تشاهدون مؤكَّدة بمؤكدين؛ بـ(إن) واللام، فهم أكدوا بالثناء هذا على الله أنه سبحانه وتعالى غفور للذنوب شكور لها. الغفور هنا صيغة مبالغة ولَّا صفة مشبهة؟ هي تشمل الأمرين جميعًا، هي صيغة مبالغة لكثرة غفران الله تعالى للذنوب وكثرة من يغفر لهم، فهو كثير المغفرة للذنوب؛ إذ إن الذنوب تتكرر من الإنسان عدة مرات فيغفرها الله. والذين يغفر الله لهم كثيرون أو قليلون؟ كثيرون. ومن جهة أخرى باعتبار أن الله تعالى لم يزل غفورًا نقول: هي صفة مشبهة.
* طالب: غفور للذنوب شكور له؟
* الشيخ: للطاعة، شكور للطاعة.
وقوله: ﴿شَكُورٌ﴾ نقول فيها كما قلنا في (غفور) بأنه عز وجل لم يزل شكورًا على طاعة عباده وامتثالهم أمره، ومن شكره أنه يعطي العامل الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وهو أيضًا شكور باعتباره صيغة مبالغة؛ لأنه كلما كثُر العمل كثر الشكر.
في ذكر ثواب أهل الجنة ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر ٣٣] (...).
النصب أن يكون التحلي باللؤلؤ لا يتعين أن يكون أساور؛ لأن تقدير الكلام يكون: يحلون فيها أساور ويحلون فيها لؤلؤًا، ومعلوم أن الحلية تكون بالأساور وتكون بغير ذلك، معلوم الآن؟ فصارت على قراءة النصب يتعين أن تكون منفردة عن الذهب، ثم يحتمل أن تكون أساور ويحتمل أن تكون غير أساور، هذا على قراءة النصب، وعلى قراءة الجر يحتمل أن تكون مركبة مع الذهب ﴿﴿من أساور من ذهب ولؤلؤٍ﴾ ﴾ [فاطر: ٣٣]، فتكون اللؤلؤ مرصعًا كما اختاره المؤلف، ويحتمل أن تكون أساور مستقلة، ما هي متعينة.
قوله: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر ٣٣] وأشباهها من الآيات الدالة على نعيم الجنة، هل (...).
﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر ٣٥]، قوله: ﴿الَّذِي﴾ هنا يجوز أن تكون صفةً لما سبق، وهو الله، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر ٣٤] ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا﴾ [فاطر ٣٥]، ويحتمل أن تكون استئنافًا، يعني أنها في محل رفع على القطع؛ لأن المنعوت إذا علم وتعدد النعت له جاز في النعت الثاني القطع والإتباع، كما قال ابن مالك:
وَإِنْ نُعُوتٌ كَثُرَتْ وَقَدْ تَلَتْ ∗∗∗ مُفْتَـــــــــقِرًا لِذِكْــــــرِهِنَّأُتْبِعَـــــــتْ
وإن لم يكن مفتقرًا جاز القطع ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا﴾ أي: أنزلنا ﴿دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر ٣٥] دار المـقامة، المقامة هنا بمعنى الإقامة، فهي إذن ظرف مكان، أو أنها مصدر ميمي دخلته التاء، ودار المقامة هي دار الجنة، ووُصفت بذلك لأن ساكنيها مقيمون فيها أبدًا، ولأنهم لا يريدون الإقامة بغيرها، كل واحد منهم لا يبغي حولًا عما هو فيه؛ لأنه يرى أنه أكمل أهل الجنة، نعم، بل إن الله أقنعهم بما هم عليه من النعيم حتى لا يتطلعوا إلى نعيم أكبر فيحتقروا ما هم فيه، بخلاف أهل النار؛ فإن أهل النار كل واحد منهم يرى أنه أشد أهل النار عذابًا؛ لأنه لو يرى أن غيره يماثله أو أن غيره أشد منه لهان عليه العذاب، ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (من) سببية هنا، أي: بسبب فضله، أي: تفضله علينا؛ لأنه لولا فضل الله عليهم ما وصلوا إلى هذا المقام العظيم، فكل ما في الإنسان من خير ونعمة فمن الله سبحانه وتعالى؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل ٥٣]، فإحلالهم دار المقامة هو من فضل الله تعالى، وهذا من تمام شكرهم لله، حيث اعترفوا له بالفضل، بخلاف الذي إذا أصابته النعماء قال: هذا لي أو هذا من عندي أو ما أشبه ذلك.
(﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ﴾ تعب ﴿وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر ٣٥] إعياء من التعب) لا يمسنا فيها نصب، أي: تعب، ومعنى يمسنا أي: يصيبنا؛ كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة ٥٠]، فالمس بمعنى الإصابة، وقوله: ﴿نَصَبٌ﴾ (تعب) ﴿لُغُوبٌ﴾ (إعياء)؛ لأن هناك تعبًا مباشرًا ينال الإنسان حين الفعل، وإعياءً يكون أثرًا للتعب، أليس كذلك؟ أنت إذا مارست عملًا شاقًّا فإنك حين ممارسته تتعب، ثم بعد انتهائه تعيى، يعني تضعف وتخلد إلى الراحة وإلى النوم، في الجنة ليس فيها نصب، يعني: تعب بدني حين مزاولة الأعمال، ولا لغوب أي: إعياء وهو الناتج عن التعب.
قال: (إعياء من التعب لعدم التكليف فيها) هذا تعليل عليل؛ لأن التكليف حتى في الدنيا غالبه ليس فيه تعب، بل إن بعضه يكون راحةً للبدن وراحة للقلب وتنشيطًا للبدن وصحةً له، وليس هذا هو المقصود الأول في العبادات، لكنه يحصل من ممارسة العبادة يحصل من ذلك النشاط والصحة، كما هو موجود مثلًا في الصلاة، موجود في الصيام، موجود في الحج، فليس هناك تعب في الأعمال الصالحة، بل نقول: ﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ﴾ هذا من باب الصفات السلبية المتضمنة لكمال ضدها، فلا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيه لغوب لكمال نعيمهم وراحتهم وأنسهم وفرحهم وما أشبه ذلك.
يقول: (لعدم التكليف فيها، وذكر الثاني التابع للأول للتصريح بنفيه) ذكر الثاني وهو اللغوب التابع للأول وهو التعب؛ لأن اللغوب -كما قلنا قبل قليل- نتيجة التعب، فكأن المؤلف أجاب عن سؤال؛ كأنه قيل: إذا انتفى التعب انتفى اللغوب الذي هو نتيجته، فلماذا لم يقتصر على نفي التعب؟ وقيل: لا يمسنا فيها نصب، وإذا انتفى النصب انتفى اللغوب؟ واضح؟
أجاب عن ذلك بأنه ذكر من أجل التصريح بنفيه، هذا ما ذهب إليه المؤلف، ولا شك أنه وجه حسن، لكن ربما نقول: إن الإنسان أحيانًا يجد إعياءً وكسلًا وموتَ قوًى بدون عمل وبدون تعب، وهذا مشاهَد، وعليه فيكون نفي اللغوب أمرًا ليس تأكيدًا وإنما هو أمر أساسي، كيف أمر أساسي؟ لأن الإنسان قد يجد إعياءً أحيانا وهو ما اشتغل، ألم تجدوا ذلك؟
إذن نقول: إن ذكره أساسي وليس من باب التصريح بنفيه الذي لا يقصد منه إلا مجرد التوكيد، المهم أن أهل الجنة لكمال نعيمهم لا يمسهم فيها نصب ولا يمسهم فيها لغوب.
ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ [فاطر ٣٦] فثنَّى بذكر عقاب أهل النار؛ لأن القرآن مثانٍ، كلما ذكر فيه معنًى ذكر فيه ما يقابله.
ولا تكاد تجد آيات في القرآن يُذكر فيها معنًى إلا وذُكر ما يقابله؛ لأن القرآن مثانٍ؛ لئلا تتمادى النفس في الرجاء إذا ذُكر النعيم وحدَه؛ فإن النفس تتمادى في الرجاء وحينئذ تأمن مكر الله، ولو ذُكر الوعيد وحده لتمادت النفس في الخوف فقنطت من رحمة الله، ولكن الله سبحانه وتعالى يذكر هذا تارة وهذا تارة حتى يكون الإنسان سائرًا من غير ميل إلى الرجاء، ومن غير ميل إلى الغلو.
وهذه المسألة اختلف العباد فيها؛ هل الأولى أن يسير الإنسان إلى ربه بين الخوف والرجاء فيكون خائفًا راجيًا، أو الأولى أن يغلب الرجاء إحسانًا للظن بالله عز وجل، أو الأولى أن يغلب الخوف؟ نعم في هذا خلاف بين العلماء؛ الإمام أحمد رُوي عنه أنه قال: ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا، فأيهما غلب هلك صاحبه؛ لأنه إن غلب الرجاء أمن الإنسان من مكر الله، وإن غلب الخوف قنط من رحمة الله، فيكون خوفه ورجاؤه واحدًا، قالوا: فالخوف والرجاء كالجناحين للطائر؛ إن هبط أحدهما مال الطائر إليه واختل توازنه، وإن تساويا استقام الطائر واعتدل توازنه.
وقال بعض أهل العلم: بل هذا يختلف باختلاف الأحوال، فإذا فعل الإنسان الطاعة فليغلب الرجاء وأن الذي وفقه لها سوف يقبلها منه ويثيبه عليها؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر ٦٠]، إذا وُفقت للدعاء وُفقت للإجابة، إذا وُفقت للعمل وُفقت للقبول، وإذا عمل المعصية فليغلِّب جانب الخوف وليرجع إلى ربه؛ لأنه إن غلب جانب الرجاء بعد فعل المعصية فإنه لا يتوب منها، ويقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨]، ويقول: الله غفور رحيم، وما أشبه ذلك. فيكون تغليب الرجاء في حال وتغليب الخوف في حال أخرى.
وقال بعض العلماء: يغلِّب الخوف في حال، والرجاء في حال، لكن لا باعتبار العمل، بل باعتبار الحال، فإذا كان مريضًا فليغلب جانب الرجاء؛ لقول النبي ﷺ: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ»[[أخرجه مسلم (٢٨٧٧ / ٨٢) من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري.]]، وإن كان صحيحًا فليغلب جانب الخوف، والمناسبة قالوا: لأن المريض تضعف نفسه وتنكسر وليس يميل إلى الدنيا ولكنه يهتم بما أمامه، فليغلب جانب الرجاء، ليس هناك نفس تتطلع إلى الدنيا وتنغمس في الترف، بل نفسه قد رقت وآوت إلى الآخرة، وأما إذا كان صحيحًا فإن النفس الآن فيها شره وتطلع للدنيا وإسرافها، فيغلب جانب الخوف.
على كل حال ممكن أن نقول: إذا وُجدت أسباب يخاف الإنسان على نفسه من تغليب جانب الرجاء فليقدم الخوف، وإن وجدت أسباب تقتضي أن يخاف الإنسان وييئس من رحمة الله فليغلب جانب الرجاء، يعني إذا فعل أسباب الرجاء فليغلب الرجاء، وإذا وُجدت أسباب الخوف فليغلب جانب الخوف.
وقبل أن ندخل فيما أعد الله تعالى لأهل النار فيها نرجع لنأخذ الفوائد لأننا لم نأخذ الفوائد فيما سبق، أليس كذلك؟ من ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر ٣١].
* مِن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات أن القرآن كلام الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [فاطر ٣١]، فالوحي إعلام الله سبحانه وتعالى أحد أنبيائه بشريعة من شرائعه، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة؛ أن القرآن كلام الله تعالى، تكلم به حقيقة بحروفه وبصوت مسموع، لكنه لا يشبه أصوات المخلوقين.
* ومن فوائدِها: فضيلة رسول الله صلى لله عليه وسلم، بماذا؟ بما أوحى الله إليه هذا القرآن العظيم ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [فاطر ٣١].
* ومن فوائدِها: اشتمال القرآن الكريم على الحق في أخباره وفي أحكامه، فأخباره كلها صدق، وأحكامه كلها عدل.
* ومن فوائدها: أن ما خالف القرآن فهو باطل؛ لقوله: ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾ فحصر الحق فيه، والحصر: إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، وكل ما خالف القرآن فهو باطل بلا شك.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: إنذار المخالفين لهذا القرآن وبشارة الموافقين له، واستفاد هذه الفائدة من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر ٣١].
* ومِن فوائدها: إثبات هذين الاسمين لله عز وجل وما تضمناه من صفة وحكم: خبير وبصير.
* ومن فوائدها: عموم علم الله وشموله حتى لما يقوم به العباد؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾.
* ومن فوائدها: علم الله تعالى بما تكنه الصدور، من أي الاسمين تؤخذ؟ من قوله: خبير، وربما نقول أيضًا: وبصير؛ لأن البصير بمعنى العليم والـمبصر.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: أن جميع الخلق عابدون لله، كل الخلق، كلهم عباد الله ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر ٣١]، فلا حق لأحد من المخلوقين في شيء من خصائص الرب، بل الكل عبد ذليل لله سبحانه وتعالى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن كتاب، أي: مكتوب، وهو مكتوب في اللوح المحفوظ، ومكتوب في الصحف التي بأيدي الملائكة، ومكتوب في الصحف التي بأيدينا.
ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾ [فاطر ٣٢]
* من فوائد الآية الكريمة: أن هذا القرآن مصدق لما سبقه من الكتب؛ لقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [فاطر ٣١]. ويتفرع على هذه الفائدة أن الذي يؤمن بهذا القرآن مؤمن بالكتب السابقة؛ لأن هذا القرآن مصدق لها، فيكون الإيمان به إيمانًا بما سبق من الكتب.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: الاستشهاد بالأمر الواقع، حتى وإن كان من عند الله، بمعنى أن الله تعالى يستشهد بالأمر الواقع ليزداد إيمان المؤمنين، وجه ذلك ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [فاطر ٣١] على أحد المعنيين، وهما أنه وقع مطابقًا لما أخبرت به، فإنه إذا أخبرت به ثم جاء فهذا دليل على صدقه؛ كما قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ١٩٧]، فاستشهد الله تعالى بعلم علماء بني إسرائيل زيادةً في التثبيت وإقامةً للحجة على المنكرين أهل الكتاب.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: رحمة الله تعالى بعباده، حيث لم يدعهم هملًا، بل أنزل إليهم الكتب التي يستنيرون بها في سيرهم إلى الله عز وجل؛ لقوله: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: سعة التعبير في اللغة العربية، وأن المقصود المعنى دون مجرد اللفظ؛ لقوله: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ لأنه قد يقول قائل: وهل للقرآن يد؟ فالجواب أن هذا من باب التوسع في التعبير في اللغة العربية، عرفتم؟ وأن المقصود هو المعنى، والألفاظ قوالب تدل على المعنى، قوالب الشيء يعني معناه: أوانيه التي يجعل فيها، فأنت مثلًا إذا قدم إليك كرتون مزخرف مزين بالذهب تستدل بهذا على ما في باطنه وأنه شيء غال طيب، فالألفاظ في الواقع قوالب يستدل بها على ما تضمنته من المعاني، وليس لها -أي للألفاظ- معنى ذاتي حتى لا تتغير بأي تركيب كانت، بل هي تتغير بحسب التركيبات والسياق.
ثم قال الله عز وجل: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر ٣٢].
* يُستفاد مِن هذا الآية: فضل الله عز وجل على هذه الأمة، حيث أورثها هذا الكتاب العظيم الذي وصفه الله بأنه الحق وأنه مصدق لما بين يديه أورثه الله تعالى هذه الأمة، ففي ذلك بيان فضل الله علينا بهذا الإرث.
* ومن فوائدها: أن هذه الأمة أفضل الأمم؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ وهم هذه الأمة، واستدللنا لذلك أيضًا بآية أخرى وهي ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران ١١٠].
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى الفترة بين عيسى ومحمد ﷺ، من أين تؤخذ؟ من (ثم) الدالة على التراخي، وهو كذلك، ولا نعلم فترةً أطول منها بالنسبة لما بين الرسالات والكتب المنزلة، فقد قيل: إن أطول ما كان بين آدم ونوح، وهذا أمر قد يشك فيه الإنسان، لكن ما بين عيسى ومحمد عليه الصلاة والسلام حوالي ست مئة سنة، وإنما طالت الفترة لتشتد حال الناس إلى إرسال الرسل، فتأتي الرسالة المحمدية إلى قوم في غاية الضرورة إلى الرسالة والوحي، ويكون لرسالته مزية عظيمة، حيث جاءت كالمطر ينزل على أرض مجدبة، فتكون أشد قابلية له وأشد تأثرًا به (...).
خلقت له، بل معناها يختلف بحسب السياق، وعلى هذا فلا مجال، ما دام أن المعنى مفهوم فلا مجال، ولهذا تجد أن الكلمة في معناها المفهوم بالسياق لو أنك أردت أن تحولها إلى المعنى الأصلي ما صح (...).
في استخراج الفوائد من الآيات السابقة، من الآية (...).
الكريم أيضًا تقسيم هذه الأمة إلى ثلاثة أقسام: ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات.
* ومنها، أي من فوائدها: الرد على الخوارج والمعتزلة؛ لقوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر ٣٢] وجعلهم من الذين اصطفاهم الله تعالى من عباده، ولو خرجوا من الإسلام لم يكونوا من المصطفين، قد يقول قائل: يمكن أن يعارض الخوارج والمعتزلة هذا الاستدلال بأن يقولوا: إن المراد بالظلم هنا ما دون الكبائر، فيقال: إن ما دون الكبائر يقع مغفورًا بفعل الطاعات؛ كالصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان، وحينئذ ينتفي الظلم بمجرد فعل هذه الطاعات.
ثم نقول قولًا آخر بأن الآية مطلقة تشمل الظلم الأصغر والظلم الأكبر، ففيها رد على الخوارج والمعتزلة الذين يكفرون أو يخرجون الإنسان بالكبيرة من الإسلام، وحينئذ لا يكون من العباد الذين اصطفوا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل عمل يقوم به الإنسان فهو بإذن الله عز وجل وإرادته؛ لقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣٢]، وفيها الرد على القدرية الذين يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله؛ يقول ويفعل ويترك بغير إذن الله، بل هو مستقل بمشيئته وفعله.
* ومِن فوائدها أيضًا: كبح النفس عن الاستعلاء والفخر بالطاعة؛ لقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣٢] حتى لا يقول الإنسان: فعلت ذلك من نفسي وأنا الذي فعلت وفعلت، وهذا خلافًا لما يسير عليه بعض الناس، إذا فعل المعصية كان جبريًّا، وإذا فعل الطاعة كان قدريًّا، إذا فعل الطاعة قال: هذا مني وأنا الذي فعلت وأنا الذي فعلت، وإذا فعل المعصية قال: هذا من الله وأنا مجبر عليه، فبعض الناس يسلك هذا المسلك، وهذا مسلك بعيد من العدل.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: إثبات عموم مشيئة الله عز وجل حتى في أفعال العبد؛ لقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣٢].
* ومن فوائدها: تفاضل الناس في العمل، ويتفرع عليه تفاضلهم في الإيمان، أين الدليل على تفاضلهم في العمل؟ تقسيمهم إلى ثلاثة أقسام، ويلزم من تفاضلهم في العلم أن يتفاضلوا في الإيمان، فيكون في ذلك دليل لمذهب أهل السنة والجماعة القائلين بزيادة الإيمان ونقص الإيمان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أكبر فضل يتفضل الله به على عبده أن يوفقه للقيام بطاعته؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر ٣٢]، وقد أشار الله تعالى إلى هذا المعنى في قوله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس ٥٨].
* ومِن فوائدها أيضًا: أن إفضال الله على عباده يتفاضل؛ فمنه الكبير ومنه الصغير، وهذا أمر مشاهد؛ ففضل الله على الرسل أعلى من فضله على الأنبياء، وعلى الأنبياء أعلى من فضله على الصديقين، وعلى الصديقين أعلى من فضله على الشهداء، وعلى الشهداء أعلى من الصالحين، وهذا لا شك فيه.
ثم قال الله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر ٣٣] إلى آخره.
* مِن فوائد الآية الكريمة: أن جزاء أولئك القوم الذين أورثوا الكتاب على اختلاف طبقاتهم الثلاث أن جزاءهم جنات عدن؛ لقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾، أو ﴿يُدْخَلُونها﴾، على قراءتين، ومنها الإشارة إلى كمال نعيم الجنة؛ لكونها جنات بهيجة، وكونها محل إقامة لا ظعن منها أبدًا؛ لقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾.
* ومن فوائدِها أيضًا: ما ينعم الله به على عباده في هذه الجنات من أنواع الفواكه والمطاعم؛ لدخوله في كلمة ﴿جَنَّاتُ﴾، وكذلك من الملابس؛ لقوله: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [فاطر ٣٣].
* ومِن فوائدها: أن الجنة ليست دار تكليف، أي: دارًا يمنع منها العبد مما يتنعم به، بل يتنعم بكل ما شاء؛ لأننا نعلم جميعًا أن تحلي الرجال في الدنيا بالذهب ممنوع وحرام، لكنه في الجنة مباح وممنوح وليس بممنوع؛ لأن الجنة لهم فيها ما يشاءون، بل أكثر مما يشاءون ويريدون.
ومنها ما يحصل من الجمال لتنويع الحلي؛ لكونه من ذهب ولؤلؤ، وفي الآية الأخرى فضة، وهنا لم يذكر الله تعالى تحديد هذه الحلية، لكن جاءت بها السنة، حيث قال النبي عليه الصلاة والسلام: «تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنَ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءَ»[[أخرجه مسلم (٢٥٠ / ٤٠) من حديث أبي هريرة.]]، ومنها نعومة لباسهم وأنه أنعم ما يكون من اللباس؛ لقوله: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر ٣٣] حرير لا يخلق ولا يتدنس، بل هو دائمًا على جدته ونظافته.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر ٣٤].
* مِن فوائد الآية الكريمة: فضيلة أهل الجنة في ثنائهم على ربهم في قولهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن حمد الله تعالى يكون على إنعامه وإفضاله وعلى كمال صفاته، فهنا قالوا: ﴿الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾، فحمدوا الله على إنعامه عليهم وعلى كونه غفورًا شكورًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: كمال الفرح والسرور لأهل الجنة؛ لقولهم: ﴿أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾؛ فإن هذه الصفة السلبية تدل على كمال ضدها، فإذا كان الحزن منفيًّا عنهم كان ذلك دليلًا على كمال سرورهم وأنه سرور لا يشاب بحزن أبدًا، بخلاف سرور الدنيا؛ فإن سرور الدنيا مهما عظم مشوب بالكدر، ولهذا يقول الشاعر الحكيم:
لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً ∗∗∗ لَذَّاتُهُ بِادِّكَــــارِ الْمَــــــوْتِوَالْهَــــــــــرَمِ
نعم، الإنسان مهما كان في الدنيا من النعيم فإنه إذا تذكر أن أمامه شيئين لا بد منهما، لا بد من أحدهما قطعًا، فإن طالت به الحياة فلا بد من الأمرين جميعًا، وهو الهرم والموت، وحينئذ تتنغص عليه حياته. ثم هو أيضًا يعرف أنه كل يوم يمضي عليه فإنه يبعده من الدنيا ويقربه من الآخرة، وهذا تنغيص آخر، ولهذا قال الشاعر:
وَالْمَـــــرْءُ يَفْـــــرَحُ بِالْأَيَّامِيَقْــطَعُهَا ∗∗∗ وَكُلُّ يَوْمٍ مَضَى يُدْنِي مِنَالْأَجَلِ
نعم، على كل حال في الآخرة نعيم لا كدر فيه؛ لقوله: ﴿أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر ٣٤].
* ومِن فوائدِها: أن نعيم الآخرة ينسي كل ما سبقه من حزن؛ لقوله: ﴿أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر ٣٤]، وذهاب الحزن هنا ذهاب لما قد وُجد ولما يُتوقع وجوده، فلا يمكن أن يمسه فيها حزن.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما الغفور والشكور، الغفور في جانب المعاصي والشكور في جانب الطاعات، أما في المعاصي فإنه عز وجل قال في الحديث القدسي: «يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ، ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَغَفَرْتُ لَكَ»[[أخرجه الترمذي (٣٥٤٠)، والطبراني في الأوسط (٤٣٠٥) من حديث أنس بن مالك.]].
أما في الطاعات فإن الله تعالى يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام ١٦٠]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ فَاعِلَ الْحَسَنَةِ تُكْتَبُ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ، إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١ / ٢٠٧) من حديث ابن عباس.]].
ثم قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر ٣٥] فيها فضيلة أهل الجنة بإضافتهم النعيم إلى المــنعم به، من أين؟ ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر ٣٥]، فنسبوا الأمر إلى الله وإلى فضله ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر ٣٥] وهذا غاية الثناء والحمد.
* ومن فوائدها: أن دار الجنة دار إقامة، كل إنسان لا يتمنى أن يزول عن مكانه منها، حتى من كان في الدرجات غير العالية يرون أنهم في أكمل النعيم؛ لقوله: ﴿دَارَ الْمُقَامَةِ﴾، ومنها تأبيد الجنة لإطلاق قوله: ﴿الْمُقَامَةِ﴾ ولم تقيد بزمن.
* ومِنها؛ من فوائد الآية: أن بلوغهم إلى هذه الدار ليس بحولهم وقوتهم، ولكن بفضل الله عز وجل؛ لقوله: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات الأسباب؛ لأن (من) هنا سببية، أي: بفضل الله، ففيها رد على من ينكرون الأسباب ويقولون: إن الأسباب لا تأثير لها، وإنما يحصل الشيء عندها، لا بها.
* ومِن فوائدها: أن الإنسان لا يدخل الجنة بعمله؛ لقوله: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾، ولكن قد يشكل على هذا قوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧] ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل ٣٢] وأشباههما من الآيات.
وقد جمع العلماء بينهما بأن الباء في قوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ الباء للسببية، وأن الباء في قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٧٣)، ومسلم (٢٥٧٤) من حديث أبي هريرة.]] للعوض، يعني أن دخول الإنسان الجنة ليس بعمله؛ إذ لو أنه أريدت المعاوضة لهلك الإنسان، لو أن الإنسان نُوقش في عمله بالإضافة إلى نعمة الله عليه لكانت نعمة واحدة تقابل كل العمل، بل لكان العمل نفسه نعمة يحتاج إلى شكر، ولَّا لا؟ لأن توفيق الله عز وجل للعبد..
فاطر 35:36
يقول: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [فاطر ٣١] الجملة هنا ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ﴾ جاءت بالصيغة الاسمية المحصورة، وطريق حصرها أمران: الأمر الأول: تعريف ركنيها، وهما المبتدأ والخبر، فـ(الذي) مبتدأ و(الحق) خبر.
وقد قال أهل البلاغة: إن تعريف الركنين من الجملة الاسمية يفيد الحصر، الطريق الثاني من طرق الحصر: هو ضمير الفصل وهو قوله: ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾، فضمير الفصل من فوائده الحصر، وله فائدة ثانية: التوكيد، وله فائدة ثالثة: الفصل بين الخبر والصفة.
يقول: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ﴾، ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ الوحي إعلام الله سبحانه وتعالى أنبياءه ورسله بشريعة من شرائعه، هذا هو الوحي شرعًا، أما في اللغة فقالوا: إن الوحي هو الإعلام بسرعة وخفاء؛ يعني مثل الإشارة والهمس وما أشبهه يسمى وحيًا لكنه في الشرع..
ومنها ما ليس بوحي، أحيانًا يسأل النبي عليه الصلاة والسلام عن شيء ولا يجيب، فينزل عليه الوحي فيجيب بحديث نبوي؛ مثل «قصة يعلى بن أمية الذي كان أحرم بالعمرة وهو متضمِّخ بالخَلُوق، فسأل النبي ﷺ عن ذلك ولكنه لم يجبه حتى جاءه الوحي»[[متفق عليه؛ البخاري (١٥٣٦)، ومسلم (١١٨٠ / ٦) من حديث يعلى بن أمية.]]، وأحيانًا يسأل عن الشيء ثم ينزل به الوحي على أنه كلام الله قرآن، فيبلغه النبي ﷺ.
يقول: ﴿الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [فاطر ٣١] والمراد به هنا القرآن قطعًا؛ بدليل قوله: ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾؛ لأن (من) بيانية، تبين الإبهام في الاسم الموصول (الذي)؛ لأن الاسم الموصول فيه إبهام فإذا جاءت (من) بعده بعد اسم الموصول فهي تبينية.
﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [فاطر ٣١] (القرآن) وهو كتاب بمعنى مكتوب؛ لأن هذه الصيغة (فعال) تأتي كثيرًا بمعنى مفعول، وأمثلتها غراس، بناء، فراش، بمعنى مغروس ومبني ومفروش، فالكتاب بمعنى مكتوب، مكتوب في أي شيء؟ مكتوب في اللوح المحفوظ، مكتوب في الصحف التي بأيدي الملائكة ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس ١١ - ١٦] مكتوب في المصاحف التي بأيدينا، إذن هو مكتوب على ثلاثة أوجه: اللوح المحفوظ، الصحف التي بأيدي الملائكة، الصحف التي بأيدينا.
قال: ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾ [فاطر ٣١] (هو) ضمير فصل، و(الحق) خبر (الذي)، فـالذي أوحى الله إلى رسوله ﷺ هو الحق، أكد الله ذلك بكم مؤكد؟ بمؤكدين: ضمير الفصل، وتعريف ركني الجملة ﴿الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ﴾ [فاطر ٣١].
وقوله: ﴿الْحَقُّ﴾ يعني الشيء الثابت صدقًا في الأخبار وعدلًا في الأحكام، فأحكام القرآن كلها عدل، وأخباره كلها صدق، ليس فيها كذب بوجه من الوجوه، وليس في أحكامه جور بوجه من الوجوه؛ لأنك إذا تأملت أحكامه وجدته قد أعطى كل ذي حق حقه؛ فلهذا كان عدلًا في الأحكام، وإذا تأملت أخباره وجدتها كلها صدقًا، وهذا هو الصدق في الأخبار، وقد قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام ١١٥].
قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر ٢٩] أخذنا المناقشة فيها؟
﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [فاطر ٣١]، قوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ قال المؤلف: (تقدمه من الكتب) يعني مصدقًا لما تقدمه من الكتب؛ لأن الكتب التي سبقته تكون بين يديه، ألا ترى إلى الرجل يكون أمامك فهو قد سبق، وتقول: إن الرجل بين يدي، وربما يقال: ما بين اليدين للشيء المستقبل؛ لأنه أمامك أيضًا؛ كما في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة ٢٥٥] أي: مستقبلهم وماضيهم.
وقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ كيفية التصديق للكتب السابقة من وجهين:
الوجه الأول: أنه صدقها، أي: أثبت أنها صادقة، فالقرآن يثبت صحة التوراة والإنجيل والزبور وغير ذلك من الكتب، ويبين أنها صدق.
كذلك الوجه الثاني: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ لأن الكتب السابقة أخبرت به، فنزوله يكون تصديقًا لها، فهو مصدق لما بين يديه من وجهين:
الوجه الأول أنه صدق ما سبقه، أي: قال: إنها كتب صادقة ثابتة، وأوجب الإيمان بها.
والوجه الثاني: أنه صدق ما أخبرت به، أي: نزل مطابقًا لما أخبرت به، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء ١٩٦] القرآن، ﴿زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ كتبهم، يعني أنه موجود في كتبهم، وأنه سوف ينزل كما أن محمدًا ﷺ كذلك قد أخذ العهد والميثاق على كل نبي أن يصدق به، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ [آل عمران ٨١]، المهم أن تصديقه لما بين يديه من وجهين.
قال: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر ٣١] (عالم بالبواطن والظواهر)، هذه الجملة تعلقها بما قبلها أنها تفيد تحذيرًا وإنذارًا وترغيبًا، فهي ترغيب وترهيب لأنه لما أخبر بأن هذا القرآن هو الحق فقد انقسم الناس في هذا الحق إلى قسمين؛ قسم صدق به وقسم كفر به، أليس كذلك؟
كل هؤلاء نقول لهم: إن الله تعالى بكم خبير بصير، فالذين صدقوا به لن يضيع تصديقهم وعملهم بما جاء به؛ لأن الله خبير به، وبصير به، وسوف يجازيهم عليه، والذين كذبوا به أيضًا لن تخفى حالهم على الله عز وجل، فسوف يعاقبهم بما يقتضيه تكذيبهم وإنكارهم واستكبارهم، فالجملة إذن هي باعتبار المصدقين بهذا القرآن للبشارة، وباعتبار المكذبين للإنذار والتحذير.
وقوله: ﴿خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ (خبير) اسم فاعل على صيغة المبالغة، وإن شئت فقل: إنه صفة مشبهة، وهو أحسن بالنسبة لما يتعلق بالعلم، الأحسن في هذا أن نقول: إنه من باب الصفة المشبهة، لماذا؟ لأن الصفة المشبهة تدل على الثبوت، لكن صيغة المبالغة قد تدل على الحدوث، وحدوث الخبرة في جانب الله عز وجل مستحيل ولَّا لا؟ حدوث الخبرة مستحيل؛ لأنه لم يزل ولا يزال خبيرًا.
إذن نعود فنقول: إنه يتعين أن نجعل (خبير) صفةً مشبهة؛ لأننا لو جعلناها صيغة مبالغة من خابر لكانت موهمة لتجدد الخبرة والعلم، وهذا شيء مستحيل في جانب الله عز وجل.
وقوله: ﴿بَصِيرٌ﴾ كلمة (بصير) قد يراد بها العلم، وقد يراد بها الإدراك للرؤية، وكلا الأمرين لا يناقض بعضهما بعضًا. وقد مر علينا في قواعد التفسير أن الآية إذا احتملت معنيين لا يتناقضان فإنها تُحمَل عليهما؛ لأن ذلك أوسع في معناها وأبلغ، فالله عز وجل بصير بعباده من حيث النظر والرؤية ومن حيث العلم. في جانب المعمولات المفعولات الظاهرة تكون الرؤية والعلم أيضًا، وفي جانب المسموعات يكون العلم ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾.
ثم قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر ٣٢]، ﴿أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ﴾ أولًا كلمة (أورث) هنا نصبت مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر أو لا؟ ليس أصلهما المبتدأ والخبر، وعلى هذا فهي من باب كسا وأعطى، أين المفعول الأول وأين المفعول الثاني؟ ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ (الذين) هي الأول، و(الكتاب) هو الثاني؛ لأن الوارث من؟ هل الكتاب وارث الذين ولَّا الذين ورثوا الكتاب؟ الذين هم الذين ورثوا الكتاب، يعني أورثنا الذين اصطفينا من عبادنا الكتاب، ويش معنى أورثناهم إياه؟ أي: جعلناهم يرثونه، فالذين اصطفاهم الله أورثهم الله الكتاب، أي: جعلهم يرثونه.
وكلمة الكتاب قال المؤلف: (القرآن)، وينبغي أن نجعله أعم؛ لأننا لو قلنا: إن الكتاب هو القرآن وقلنا: إنه موروث عمن سبقنا لكان القرآن قد نزل على من سبقنا، وليس الأمر كذلك، فالمراد بالكتاب هنا الجنس، لا خصوص القرآن، يعني أن الكتب السابقة كل ما فيها من الخير موجود في القرآن، فنحن ورثنا عمن سبقنا كل ما أوتوه من خير، فالأصول التي تجب على كل مسلم في أي مكان وزمان موجودة في القرآن، والشرائع التي تختلف باختلاف الأمم وباختلاف الزمان والمكان هذه تختلف عمن سبق، قد يجب علينا ما لا يجب عليهم، وقد يحرم علينا ما لا يحرم عليهم ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨]، أما الأصول فقد ورثناها عنهم، فالأصول التي هي أم الدين قد ورثناها عمن سبقنا.
قال: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر ٣٢]، ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾ أي: اخترنا، وهو مأخوذ من الصفوة، وأصله اصتفينا، لكن لعلة تصريفية قُلبت التاء طاءً فقيل: ﴿اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ أي: اخترناهم.
وقوله: ﴿مِنْ عِبَادِنَا﴾ هل المراد بذلك العبودية العامة أو الخاصة؟
* طالب: الخاصة.
* الشيخ: يعني الذين اصطفيناهم من المؤمنين أو اصطفيناهم من جميع العباد؟ يظهر أنها من العبودية العامة، يعني الذين اختارهم الله تعالى من عباده الذين يخضعون له كونًا، والمراد بهم هذه الأمة، بدليل قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران ١١٠]، فالذين اصطفاهم الله من عباده هم هذه الأمة؛ للآية التي سقناها وهي في آل عمران، ولدليل آخر من هذه الآية نفسها؛ لأن هذه الأمة آخر الأمم، إذن فلا يمكن أن يورث ما عندها من الكتاب، فهي وارثة غير موروثة، إذا كانت وارثة غير موروثة فهي التي اصطفيت.
وقوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر ٣٢] (بالتقصير في العمل به) أي: بالكتاب (﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ يعمل به أغلب الأوقات) ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ يضم إلى العمل التعليم والإرشاد إلى العمل ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣٢]).
قسم الله تعالى هذه الأمة التي أورثها الكتاب إلى ثلاثة أقسام، وبدأ بالأقل فالأقل، الأقل في المرتبة فالأقل، فقال: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر ٣٢] الظالم لنفسه هو الذي ترك شيئًا من الواجبات، أو فعل شيئًا من المحرمات، ترك صلاة الجماعة مع وجوبها عليه، ترك بعض الزكاة لم يخرجه، ترك الحج على الفور مع وجوبه عليه على الفور، هذا نقول: إنه ظالم لنفسه، فعل المحرمات: شرب الخمر، زنى، سرق، نظر نظرًا محرمًا، هذا نقول: إنه ظالم لنفسه.
معنى الظالم في الأصل هو الناقص؛ لأن الظلم هو النقص، قال الله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣] يعني لم تنقص، وكل من أساء فقد نقص مما يجب عليه، ولهذا كل عمل سيئ يعتبر نقصًا فيما يجب عليه؛ لأن الواجب عليك لنفسك أن ترعاها حق رعايتها، فأنت مسؤول أول ما تسأل عن نفسك، قال النبي ﷺ: «إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٧٥)، ومسلم (١١٥٩ / ١٨٢) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]] فبدأ بالنفس، فكما يجب عليك أن ترعى مصالح ولدك ومالك وأهلك يجب عليك أن ترعى مصلحة نفسك، بل هو الواجب الأول من حقوق المخلوقين بعد حق الله ورسوله.
إذن من فعل محرمًا فقد ظلم نفسه، ليش؟ لأنه نقصها حقها في الأمانة، أنت مؤتمن عليها، يجب أن ترعاها حق رعايتها، من ترك واجبًا فقد ظلم نفسه؛ لأن الواجب عليه أن يفعل الواجب ليقوم بحق الأمانة فيما يتعلق في نفسه، هذا الظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، المقتصد هو الذي لم يقع منه ظلم لنفسه ولا تقدم في الخير، أي: قائم بالواجبات، تارك للمحرمات، لكنه لا يكثر من النوافل، ولا يحرص على إكمال الواجبات على الوجه الأكمل، ولا يتجنب المكروهات، مقتصد لا نقص ولا زاد، يصلي مع الجماعة ويزكي بدون نقص، لكن لا يأتي بالنوافل ولا بصدقات التطوع، يؤدي فريضة الحج لكن لا يعود، يصوم رمضان لكن لا يصوم نفلًا، وهكذا يؤدي ما عليه من المعاملات بين الناس على الوجه الواجب فقط، لا يتسامح عن فقير، ولا ينزل من قيمة أو ثمن، لكنه ماش على ما يجب عليه، نقول: هذا مقتصد، هذا لا له ولا عليه، يعني ليس له ثواب إلا ثواب فعل الواجب فقط، الثالث: سابق بالخيرات، هذا يأتي بالواجبات ويزيد ما شاء الله تعالى من الخيرات، ويأتي بالواجبات أيضًا على الوجه الأكمل الأتم، فالصلاة مثلًا لا يقتصر فيها على تسبيحة واحدة، بل يزيد، لا يقتصر على الفاتحة بل يزيد، لا يقتصر على أن يضع يديه مثلًا مطلقة هكذا، بل يضعها في موضعها في حال القيام وفي حال الركوع وفي حال السجود وهكذا، نقول: هذا سابق بالخيرات، يؤدي الزكاة ويتصدق، يحج الواجب ويتطوع، يصوم رمضان ويتنفل بغيره من الصيام، هذا نقول: إنه سابق بالخيرات.
أما قول المؤلف رحمه الله: إن معنى ﴿سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ (يضم إلى العمل التعليم والإرشاد إلى العمل) ففي هذا نظر ظاهر، لماذا؟ لأن التعليم قد يكون واجبًا، وإذا قام بالتعليم الواجب صار من السابق بالخيرات أو من المقتصد؟ من المقتصد، وإن تركه صار من الظالم لنفسه، وكذلك نقول في الإرشاد، الإرشاد الواجب إذا قام به صار مقتصدًا، وإن تركه صار ظالمـًا لنفسه، ولكن ما قلنا هو الصواب.
ما تقولون في اختلاف المفسرين في هذه الآية؟ فمنهم من يقول: فمنهم ظالم لنفسه كالمانع للزكاة، ومنهم مقتصد كالمقتصر عليها، ومنهم سابق بالخيرات كالزائد عليها، وآخر يقول: فمنهم ظالم لنفسه مؤخر للصلاة عن وقتها، ومنهم مقتصد فاعل لها في وقتها، ومنهم سابق بالخيرات فاعل لها في أول وقتها، أي: في الوقت الذي يُستحب أن تقام فيه، هل بين القولين خلاف؟ لا، ليس بينهما خلاف، هذا يُسمى اختلاف تنوع، يعني أن كل واحد منهما -من القائلين- ذكر نوعًا، فيكون هذا على سبيل التمثيل، ولا يُعد هذا خلافًا في الواقع، ولكنه تمثيل، هذا مثل بالزكاة وهذا مثل بالصلاة.
وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣٢] قال المؤلف: (بإرادته) الكونية أو الشرعية؟
الظاهر أننا نغلِّب هنا الكونية، يعني أن هؤلاء الأقسام الثلاثة -الظالم والمقتصد والسابق- كلهم يفعلون هذا بإذن الله، فالله تعالى هو الذي أذن للظالم نفسه أن يظلم نفسه، وللمقتصد أن يقتصر على ما يجب، وللسابق أن يزيد. وتقييد هذا بإذن الله لئلا يفتخر مفتخر بكونه سابقًا بالخيرات فيضيف الشيء إلى نفسه ويمن به على ربه؛ كما قال الله تعالى عن بعض بني آدم: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات ١٧].
فأنت إذا منَّ الله عليك بسبق في الخيرات لا تظن أن هذا من نفسك، لو وُكلت إلى نفسك لكنت ظالمـًا لنفسك؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب ٧٢]، هذه حقيقة الإنسان؛ الظلم والجهالة، لكن من منَّ الله عليه وهداه فهو من فضله سبحانه وتعالى (...).
قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ (﴿ذَلِكَ﴾ أي: إرثهم الكتاب ﴿هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ )، نعم صدق الله، الفضل الكبير الذي لا يدانيه فضل هو منة الله على عبده بالعلم بهذا الكتاب، هذا هو الفضل الكبير، ليس الفضل الكبير بأن يعطَى الإنسان قصورًا أو مراكب فخمة أو زوجات حسناوات أو أبناء كثيرين، لا، الفضل الكبير أن يورث هذا الكتاب، كل من ورث هذا الكتاب علمًا وعملًا ودعوة فهو الذي حاز الفضل الكبير، قال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس ٥٨].
وفي قوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ﴾ فيها أداة حصر، وهو ضمير الفصل ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ﴾، وضمير الفصل نذكره هنا لمن فاته العلم به: ضمير الفصل هو ضمير يأتي مطابقًا للسياق، يأتي بصورة الغائب، كـ(هو)، وبصورة المخاطب، كـ(أنت)، وبصورة المتكلم، كـ(أنا)، قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِين﴾ [الحجر ٨٩]، ﴿إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ﴾ هذا أتى بصيغة المتكلم، وتقول لمن تخاطبه: إنك أنت القائم، ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٩] هذا في صيغة المخاطب، وفي صيغة الغائب كثير، منه هذه الآية ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾.
إذن فضمير الفصل ضمير يؤتى به مطابقًا للسياق من حيث التكلم والخطاب والغيبة، وهو من حيث الإعراب لا محل له، ليس له محل من الإعراب، أما من حيث المعنى فيفيد ثلاثة أمور: يفيد التوكيد والحصر والتمييز بين الخبر والصفة، ثلاثة أمور، ما هي؟
تقول مثلًا: (زيد الفاضل) فيه ضمير فصل ولَّا لا؟ ما فيه ضمير فصل، هنا يحتمل أن تكون (الفاضل) خبرًا، ويحتمل أن تكون صفة والخبر لم يأتِ، ممكن أن نقول: تقدير الكلام: زيد الفاضل قائم، ما يمكن هذا؟ يمكن، فتكون (الفاضل) صفة، فإذا قلت: (زيد هو الفاضل) تعيَّن أن تكون (الفاضل) هنا خبرًا، ما يمكن تكون صفة. إذن فهو يميز بين الصفة والخبر، فيكون ما بعده خبرًا لا صفة، ولولاه لكان محتملًا أن يكون خبرًا أو صفة.
هذا شرح قولنا: التمييز بين الخبر والصفة.
يفيد الحصر: إذا قلت: (زيد فاضل) هل يمنع أن يكون غيره فاضلًا؟ لا يمنع، فإذا قلت: (زيد هو فاضل) أو (زيد هو الفاضل) تعيَّن أن يكون زيد وحده هو الفاضل.
التوكيد: لا شك أن قولك: (زيد الفاضل) تريد المبتدأ والخبر، لا شك أنها جملة تامة ومعناها واضح، لكن إذا قلت: زيد هو الفاضل كأنك اتكأت عليها وزدتها توكيدًا.
قال: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾، الفضل بمعنى العطاء، العطاء ممن؟ من الله، (الكبير) من حيث الحجم، فهو كبير في كيفيته، ونحن نعلم من جهة أخرى أنه كثير في كميته، فيجتمع في هذا العطاء يجتمع فيه الكمية والكيفية، فهو فضل كبير في ذاته وكيفيته وفضل كثير أيضًا في عدده وكميته ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر ٣٢]
قال الله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر ٣٣] هذا بيان لثواب هؤلاء الأصناف الثلاثة (﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ إقامة ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ الثلاثة بالبناء للفاعل والمفعول خبر (جنات) المبتدأ) بالبناء للفاعل: ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾، وبالبناء للمفعول: ﴿﴿يُدْخَلُونَهَا﴾ ﴾، وهم إذا أُدخلوا فقد دخلوا ولَّا لا؟ فكأن القراءتين واحد، لكن يُستفاد من كلمة ﴿﴿يُدْخَلُونَهَا﴾ ﴾ بيان أنهم يُعطَونَها كرامةً، فتُقدَّم إليهم حتى يدخلوها، لكن ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ بدون أن يقال: ﴿﴿يُدْخَلُونَهَا﴾ ﴾ فإن الداخل قد يدخل كرامة وقد يدخل من ذات نفسه، لكن إذا أُدخِلها كأنها قُدِّمت لهم على سبيل الكرامة حتى يدخلوها.
وقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ جنات جمع جنة، قال العلماء: والجنة: البستان الكثير الأشجار، وسُمي بذلك لأنه يستر مَن كان داخله، والله أعلم.
﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ عدن بمعنى إقامة، يعني أن هذه الجنات جنات إقامة لا ظعن فيها، بل هم خالدون فيها أبدًا، ومع ذلك ليس واحد منهم يتمنى أن يتحول عما هو فيه كما قال الله تعالى: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف ١٠٨] بخلاف الجنة؛ فإن الإنسان لو كان في أحسن ما يكون من البساتين لتمنى أن يتحول إلى ما هو أحسن منه وأفضل منه، لكن في الآخرة كل واحد منهم يرى أنه في مكان إقامة لا يريد أن يتحول عنه، وهذا لا شك أنه من كمال النعيم أن يستقر الإنسان وأن يرى أنه في أكمل ما يكون؛ حتى لا تتشوف نفسه إلى نعيم أعلى فيتنغص نعيمه؛ لأنه من المعلوم أن الإنسان إذا رأى أنه دون غيره، وإن كان في مقام أمين، وإن كان في مقام منعم فيه، لكن يتنغص عليه ذلك؛ لكونه يرى أن غيره أفضل منه.
قال: ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ (بالبناء للفاعل وللمفعول خبر جنات) جنات مبتدأ، وجملة ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ أو ﴿﴿يُدْخَلُونَهَا﴾ ﴾ خبر، (﴿يُحَلَّوْنَ﴾ خبر ثانٍ) ولا تصح أن تكون حالًا من الفاعل؛ وذلك لأن تحليتهم بذلك بعد الدخول، ولو قلنا: يُدخلونها حال كونهم يحلون للزِم من ذلك أن يكون التحلية حين الدخول أو قبله.
(﴿يُحَلَّوْنَ﴾ خبر ثانٍ)، وهل يجوز أن يتعدد الخبر؟ الجواب: نعم، وهذا في القرآن كثير، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج ١٤، ١٥]، الخبر العام كم؟ أربعة: الغفور، والودود، وذو العرش، والمجيد، فتعدد الأخبار جائز في اللغة العربية، ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ أي: في هذه الجنات، ﴿مِنْ﴾ قال المؤلف: (بعض) فأفادنا أن (من) هنا ليست بيانية، بل هي تبعيضية، ولو قيل: إنها بيانية لكان له وجه جيد؛ لأن التحلية لا تتعين في الأساور؛ إذ قد يُحَلَّى الإنسانُ بالخروص مثلًا، أو بالقلائد، أو ما أشبه ذلك، فجعلها بيانية أولى من جعلها تبعيضية؛ لأنك إذا قلت: يُحَلَّون بعض أساور لم تكن التحلية بالأساور، وإنما يحلون بعضها، إلا إذا قلت: نعم أقول: إنها تبعيضية لأن الأساور المذكورة هنا نوعان فقط: ذهب ولؤلؤ، مع أن لهم حلية أخرى وهي الفضة؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان ٢١]، فإذا جعلتها تبعيضية باعتبار أن الأساور المذكورة من نوعين، وبقي نوع ثالث لم يُذكَر، صار القول بأنها للتبعيض له وجه، وقد ذكرنا مرارًا كثيرة أنه إذا احتمل اللفظ معنيين لا يتنافيان فإنه يُحمَل عليهما، فيمكن أن نجعل (من) هنا مشتركة بين كونها بيانية وبين كونها تبعيضية، بين كونها بيانية لأن التحلية تكون من الأساور وغيرها، فتكون (من) هنا مبيِّنةً ما يتحلون به، وتبعيضية لأنه ذكر من الأساور هنا نوعين وبقي نوع ثالث لم يذكر، ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [فاطر ٣٣] ويش عندكم؟ (مرصع بالذهب).
﴿﴿من ذهب ولؤلؤٍ﴾ ﴾، أما ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ فهي مجرورة لا شك فيها؛ لأنها دخلت عليها (من)، وأما (لؤلؤ) فهي عندي منصوبة، هي عندكم كذلك؟ ولكن قوله: (مرصع) يدل على أنها مجرورة كما هي القراءة الثانية، ولهذا ينبغي أن نصحح (لؤلؤًا) ونجعلها بالجر بناءً على تفسير الجلال.
﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ مجرورة عندكم ﴿﴿ولؤلؤ﴾ ﴾.
طيب ﴿﴿ولؤلؤ﴾ ﴾ ما الدليل على أنه ﴿﴿ولؤلؤ﴾ ﴾؟ لأنه قال: (مرصع)، لو أنه أراد قراءة النصب لقال: مرصعًا، إذن نقول: (لؤلؤ) فيها قراءتان سبعيتان؛ إحداهما بالنصب ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ وعلى هذا تكون معطوفة على محل أساور، يعي يحلون فيها أساور ولؤلؤًا، أساور من ذهب، ويحلون لؤلؤًا أيضًا، وأما بالجر ﴿﴿ولؤلؤٍ﴾ ﴾ فهي معطوفة على ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ يعني: يحلون فيها أساور من نوعين؛ من ذهب ولؤلؤ، أضف إليها حلوا أساور من فضة تكون أساورهم من ثلاثة أنواع: من الذهب واللؤلؤ والفضة، ولا نشك أن السوار من الذهب مجمَّل، وفيه جمال لذاته، وكذلك السوار من الفضة، وكذلك السوار من اللؤلؤ، فكل واحد منها على حدة فيه جمال وتجميل، فإذا اجتمعت الثلاثة وصُف بعضها إلى بعض تولَّد من ذلك تجميل أكبر، ولا أحد يتصور كيف تجمع هذه الثلاثة هل يكون اللؤلؤ بين الذهب والفضة، أو الذهب بين اللؤلؤ والفضة، أو اللؤلؤ بينهما، المهم أن ترتيبها هذا لا أحد يتصوره الآن، لكن الذي نؤمن به أن هذه الثلاثة تجمع، أما كيف تجمع فالله أعلم به، لكننا أيضًا نعلم بأن جمعها أي الثلاثة له زيادة في التجميل.
واعلم أن الذهب الذي يُذكَر في نعيم الجنة والفضة واللؤلؤ ليس كالذهب الذي نشاهده الآن أو الفضة أو اللؤلؤ، بل هو ذهب أعظم ذهب يليق بنعيم الجنة، كما أن النخل والرمان والفاكهة والعسل واللبن والخمر وما أشبه ذلك ليس كالذي يوجد في الدنيا، لماذا؟ لأن النعيم يناسب الدار، فإذا كانت دار الدنيا لا تشابه دار الآخرة فالنعيم الذي في الآخرة لا يساويه النعيم الذي في الدنيا، هذا من حيث المعقول، أما من حيث المنقول فقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة ١٧]، وفي الحديث القدسي: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]، واضح، وأنتم تشاهدون الآن أنه لو جاءكم رجل فقير وصنع لكم أعلى ما يمكنه من الطعام الذي هو أحسن شيء عنده، ودعاكم رجل غني وصنع لكم أعلى ما يجد من الطعام عنده، لعرفتم الفرق العظيم بين هذا وهذا، مع أن كل واحد منهم أتى بكل ما يستطيع، كذلك الفرق بين نعيم الآخرة ونعيم الدنيا، فالذهب إذن يوافق الذهب في الدنيا في الاسم ولا يوافقه في الحقيقة، قال ابن عباس رضي الله عنهما: «ليس في الآخرة مما في الدنيا إلا الأسماء»[[أخرجه البيهقي في البعث والنشور (٣٣٢)، والزهد لهناد (٣) من حديث ابن عباس.]] فقط، أما الحقائق فتختلف.
يقول: (﴿﴿مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤٍ﴾ ﴾ [فاطر: ٣٣] مرصع بالذهب) وقوله: (مرصع بالذهب) قد يعارَض المؤلف في ذلك؛ إذ قد يقال: إن اللؤلؤ مستقل، حلية مستقلة، ويدل لذلك قراءة النصب: ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾، يعني يحلَّون لؤلؤًا، أما على قراءة الجر فما ذهب إليه المؤلف محتمل غير متعين، أنتم معنا الآن؟ طيب هو يرى رحمه الله أن اللؤلؤ ليس مستقلًّا، بل هو مرصع بالذهب كما يوجد في حلي الدنيا، ولكننا لا نسلم ما قال، بل ظاهر الآية الكريمة أن اللؤلؤ سوار مستقل، ويبين هذا قراءة النصب ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [فاطر ٣٣]، يعني يحلون لؤلؤًا، فجعل حلية اللؤلؤ حليةً مستقلة.
﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر ٣٣] لما ذكر ما يُلبَس في اليد ذكر اللباس العام على جميع البدن، فقال: ﴿حَرِيرٌ﴾ لباسهم في الجنة حرير، وحرير الجنة ليس كحرير الدنيا الذي تفرزه أو تصنعه دودة القز، هو قابل لكل آفة، بل حرير الآخرة حرير لا يماثل شيئًا من حرير الدنيا أبدًا.
﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر ٣٤] (قالوا) يعني أهل الجنة، ومتى يقولون ذلك؟ يقولون ذلك بعد دخول الجنة ﴿الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ الكائن في النفوس، وهو الهم أو الغم لما مضى، والخوف الهم لما يُستقبل، فهنا هل نقول: إن الحزن يشمل الغم مما مضى والهم مما يستقبل؟ نعم، نقول: نعم، كذلك في الجنة جميع ما مضى عليهم من الأحزان والهموم وغيرها ينسونه؛ كما جاء في الحديث الصحيح؛ أن الإنسان يُغمَس في الجنة -يُصبَغ صبغةً واحدةً- يغمس فيها فيقال له: هل رأيت شرًّا قط؟ فيقول: لا[[أخرجه مسلم (٢٨٠٧/ ٥٥) من حديث أنس بن مالك.]]، كل ما مضى من الشرور والأحزان والهموم كلها (...).
الأول: كمال المحمود، والسبب الثاني: إنعام المحمود، بخلاف الشكر، فلأنه ليس له إلا سبب واحد، وهو إنعام المشكور. ولعلنا نتطرق إلى الفرق بين الحمد والشكر:
الحمد قلنا: له سببان، فهو أعم من الشكر من حيث السبب؛ إذ إن سببه كمال المحمود وإنعام المحمود، الشكر ليس له إلا سبب واحد، وهو إنعام المشكور، فأيهما أعم؟ الحمد أعم؛ لأنه يكون على هذا وهذا، الشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح: بالقلب: أن يعترف الإنسان بقلبه بنعمة المـنعم، باللسان: أن يشكره بلسانه ويثني عليه بلسانه، بالجوارح: أن يقوم بطاعته فلا يخالفه، وعليه قول الشاعر:
أَفَادَتْكُــــــمُ النَّعْـــــمَاءُ مِنِّيثَلَاثَةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَالْمُحَجَّبَا
أما الحمد فلا يكون إلا باللسان؛ لأن الحمد وصف المحمود بالكمال، فلا يكون إلا باللسان، فأيهما أعم من هذه الناحية؟
* طالب: الشكر.
* الشيخ: إذن الشكر أعم متعلقًا لأنه تعلق بالقلب واللسان والجوارح.
* طالب: الحمد يتعلق بالقلب؟
* الشيخ: ربما يتعلق بالقلب، لكنه ما يسمى حمدًا، يعني من أضمر في نفسه الثناء على الله عز وجل ما يقال: حمد الله؛ إذ إنه لم يظهر، وربما يقول قائل: إنه يكون بالقلب، لكنه ليس بظاهر.
يقول: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر ٣٤] قال المؤلف: (جميعه) يشير إلى أن (أل) هنا لاستغراق العموم، و(أل) تكون لاستغراق العموم إذا صح أن يحل محلها (كل)، كلْ ولا كلّ؟
* طالب: ما الفرق؟
* الشيخ: الفرق: كلْ يعنى من الطعام، كلّ بالتشديد من الكلية.
إذا صح أن يحل محل (أل): (كل) –بالتشديد- فهي للاستغراق.
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر ٢] هذه للاستغراق.
﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] للاستغراق.
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء ٣٤] لا، ما هي للاستغراق، ما كل رجل قوام، أحيانًا تكون المرأة قوامة على الرجل، فهذه لبيان الحقيقة فقط.
المؤلف أفادنا بقوله: (جميعه) أن (أل) هنا للاستغراق.
(﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ﴾ للذنوب ﴿شَكُورٌ﴾ للطاعة) هذه الجملة كما تشاهدون مؤكَّدة بمؤكدين؛ بـ(إن) واللام، فهم أكدوا بالثناء هذا على الله أنه سبحانه وتعالى غفور للذنوب شكور لها. الغفور هنا صيغة مبالغة ولَّا صفة مشبهة؟ هي تشمل الأمرين جميعًا، هي صيغة مبالغة لكثرة غفران الله تعالى للذنوب وكثرة من يغفر لهم، فهو كثير المغفرة للذنوب؛ إذ إن الذنوب تتكرر من الإنسان عدة مرات فيغفرها الله. والذين يغفر الله لهم كثيرون أو قليلون؟ كثيرون. ومن جهة أخرى باعتبار أن الله تعالى لم يزل غفورًا نقول: هي صفة مشبهة.
* طالب: غفور للذنوب شكور له؟
* الشيخ: للطاعة، شكور للطاعة.
وقوله: ﴿شَكُورٌ﴾ نقول فيها كما قلنا في (غفور) بأنه عز وجل لم يزل شكورًا على طاعة عباده وامتثالهم أمره، ومن شكره أنه يعطي العامل الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وهو أيضًا شكور باعتباره صيغة مبالغة؛ لأنه كلما كثُر العمل كثر الشكر.
في ذكر ثواب أهل الجنة ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر ٣٣] (...).
النصب أن يكون التحلي باللؤلؤ لا يتعين أن يكون أساور؛ لأن تقدير الكلام يكون: يحلون فيها أساور ويحلون فيها لؤلؤًا، ومعلوم أن الحلية تكون بالأساور وتكون بغير ذلك، معلوم الآن؟ فصارت على قراءة النصب يتعين أن تكون منفردة عن الذهب، ثم يحتمل أن تكون أساور ويحتمل أن تكون غير أساور، هذا على قراءة النصب، وعلى قراءة الجر يحتمل أن تكون مركبة مع الذهب ﴿﴿من أساور من ذهب ولؤلؤٍ﴾ ﴾ [فاطر: ٣٣]، فتكون اللؤلؤ مرصعًا كما اختاره المؤلف، ويحتمل أن تكون أساور مستقلة، ما هي متعينة.
قوله: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر ٣٣] وأشباهها من الآيات الدالة على نعيم الجنة، هل (...).
﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر ٣٥]، قوله: ﴿الَّذِي﴾ هنا يجوز أن تكون صفةً لما سبق، وهو الله، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر ٣٤] ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا﴾ [فاطر ٣٥]، ويحتمل أن تكون استئنافًا، يعني أنها في محل رفع على القطع؛ لأن المنعوت إذا علم وتعدد النعت له جاز في النعت الثاني القطع والإتباع، كما قال ابن مالك:
وَإِنْ نُعُوتٌ كَثُرَتْ وَقَدْ تَلَتْ ∗∗∗ مُفْتَـــــــــقِرًا لِذِكْــــــرِهِنَّأُتْبِعَـــــــتْ
وإن لم يكن مفتقرًا جاز القطع ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا﴾ أي: أنزلنا ﴿دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر ٣٥] دار المـقامة، المقامة هنا بمعنى الإقامة، فهي إذن ظرف مكان، أو أنها مصدر ميمي دخلته التاء، ودار المقامة هي دار الجنة، ووُصفت بذلك لأن ساكنيها مقيمون فيها أبدًا، ولأنهم لا يريدون الإقامة بغيرها، كل واحد منهم لا يبغي حولًا عما هو فيه؛ لأنه يرى أنه أكمل أهل الجنة، نعم، بل إن الله أقنعهم بما هم عليه من النعيم حتى لا يتطلعوا إلى نعيم أكبر فيحتقروا ما هم فيه، بخلاف أهل النار؛ فإن أهل النار كل واحد منهم يرى أنه أشد أهل النار عذابًا؛ لأنه لو يرى أن غيره يماثله أو أن غيره أشد منه لهان عليه العذاب، ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (من) سببية هنا، أي: بسبب فضله، أي: تفضله علينا؛ لأنه لولا فضل الله عليهم ما وصلوا إلى هذا المقام العظيم، فكل ما في الإنسان من خير ونعمة فمن الله سبحانه وتعالى؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل ٥٣]، فإحلالهم دار المقامة هو من فضل الله تعالى، وهذا من تمام شكرهم لله، حيث اعترفوا له بالفضل، بخلاف الذي إذا أصابته النعماء قال: هذا لي أو هذا من عندي أو ما أشبه ذلك.
(﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ﴾ تعب ﴿وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر ٣٥] إعياء من التعب) لا يمسنا فيها نصب، أي: تعب، ومعنى يمسنا أي: يصيبنا؛ كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة ٥٠]، فالمس بمعنى الإصابة، وقوله: ﴿نَصَبٌ﴾ (تعب) ﴿لُغُوبٌ﴾ (إعياء)؛ لأن هناك تعبًا مباشرًا ينال الإنسان حين الفعل، وإعياءً يكون أثرًا للتعب، أليس كذلك؟ أنت إذا مارست عملًا شاقًّا فإنك حين ممارسته تتعب، ثم بعد انتهائه تعيى، يعني تضعف وتخلد إلى الراحة وإلى النوم، في الجنة ليس فيها نصب، يعني: تعب بدني حين مزاولة الأعمال، ولا لغوب أي: إعياء وهو الناتج عن التعب.
قال: (إعياء من التعب لعدم التكليف فيها) هذا تعليل عليل؛ لأن التكليف حتى في الدنيا غالبه ليس فيه تعب، بل إن بعضه يكون راحةً للبدن وراحة للقلب وتنشيطًا للبدن وصحةً له، وليس هذا هو المقصود الأول في العبادات، لكنه يحصل من ممارسة العبادة يحصل من ذلك النشاط والصحة، كما هو موجود مثلًا في الصلاة، موجود في الصيام، موجود في الحج، فليس هناك تعب في الأعمال الصالحة، بل نقول: ﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ﴾ هذا من باب الصفات السلبية المتضمنة لكمال ضدها، فلا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيه لغوب لكمال نعيمهم وراحتهم وأنسهم وفرحهم وما أشبه ذلك.
يقول: (لعدم التكليف فيها، وذكر الثاني التابع للأول للتصريح بنفيه) ذكر الثاني وهو اللغوب التابع للأول وهو التعب؛ لأن اللغوب -كما قلنا قبل قليل- نتيجة التعب، فكأن المؤلف أجاب عن سؤال؛ كأنه قيل: إذا انتفى التعب انتفى اللغوب الذي هو نتيجته، فلماذا لم يقتصر على نفي التعب؟ وقيل: لا يمسنا فيها نصب، وإذا انتفى النصب انتفى اللغوب؟ واضح؟
أجاب عن ذلك بأنه ذكر من أجل التصريح بنفيه، هذا ما ذهب إليه المؤلف، ولا شك أنه وجه حسن، لكن ربما نقول: إن الإنسان أحيانًا يجد إعياءً وكسلًا وموتَ قوًى بدون عمل وبدون تعب، وهذا مشاهَد، وعليه فيكون نفي اللغوب أمرًا ليس تأكيدًا وإنما هو أمر أساسي، كيف أمر أساسي؟ لأن الإنسان قد يجد إعياءً أحيانا وهو ما اشتغل، ألم تجدوا ذلك؟
إذن نقول: إن ذكره أساسي وليس من باب التصريح بنفيه الذي لا يقصد منه إلا مجرد التوكيد، المهم أن أهل الجنة لكمال نعيمهم لا يمسهم فيها نصب ولا يمسهم فيها لغوب.
ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ [فاطر ٣٦] فثنَّى بذكر عقاب أهل النار؛ لأن القرآن مثانٍ، كلما ذكر فيه معنًى ذكر فيه ما يقابله.
ولا تكاد تجد آيات في القرآن يُذكر فيها معنًى إلا وذُكر ما يقابله؛ لأن القرآن مثانٍ؛ لئلا تتمادى النفس في الرجاء إذا ذُكر النعيم وحدَه؛ فإن النفس تتمادى في الرجاء وحينئذ تأمن مكر الله، ولو ذُكر الوعيد وحده لتمادت النفس في الخوف فقنطت من رحمة الله، ولكن الله سبحانه وتعالى يذكر هذا تارة وهذا تارة حتى يكون الإنسان سائرًا من غير ميل إلى الرجاء، ومن غير ميل إلى الغلو.
وهذه المسألة اختلف العباد فيها؛ هل الأولى أن يسير الإنسان إلى ربه بين الخوف والرجاء فيكون خائفًا راجيًا، أو الأولى أن يغلب الرجاء إحسانًا للظن بالله عز وجل، أو الأولى أن يغلب الخوف؟ نعم في هذا خلاف بين العلماء؛ الإمام أحمد رُوي عنه أنه قال: ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا، فأيهما غلب هلك صاحبه؛ لأنه إن غلب الرجاء أمن الإنسان من مكر الله، وإن غلب الخوف قنط من رحمة الله، فيكون خوفه ورجاؤه واحدًا، قالوا: فالخوف والرجاء كالجناحين للطائر؛ إن هبط أحدهما مال الطائر إليه واختل توازنه، وإن تساويا استقام الطائر واعتدل توازنه.
وقال بعض أهل العلم: بل هذا يختلف باختلاف الأحوال، فإذا فعل الإنسان الطاعة فليغلب الرجاء وأن الذي وفقه لها سوف يقبلها منه ويثيبه عليها؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر ٦٠]، إذا وُفقت للدعاء وُفقت للإجابة، إذا وُفقت للعمل وُفقت للقبول، وإذا عمل المعصية فليغلِّب جانب الخوف وليرجع إلى ربه؛ لأنه إن غلب جانب الرجاء بعد فعل المعصية فإنه لا يتوب منها، ويقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨]، ويقول: الله غفور رحيم، وما أشبه ذلك. فيكون تغليب الرجاء في حال وتغليب الخوف في حال أخرى.
وقال بعض العلماء: يغلِّب الخوف في حال، والرجاء في حال، لكن لا باعتبار العمل، بل باعتبار الحال، فإذا كان مريضًا فليغلب جانب الرجاء؛ لقول النبي ﷺ: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ»[[أخرجه مسلم (٢٨٧٧ / ٨٢) من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري.]]، وإن كان صحيحًا فليغلب جانب الخوف، والمناسبة قالوا: لأن المريض تضعف نفسه وتنكسر وليس يميل إلى الدنيا ولكنه يهتم بما أمامه، فليغلب جانب الرجاء، ليس هناك نفس تتطلع إلى الدنيا وتنغمس في الترف، بل نفسه قد رقت وآوت إلى الآخرة، وأما إذا كان صحيحًا فإن النفس الآن فيها شره وتطلع للدنيا وإسرافها، فيغلب جانب الخوف.
على كل حال ممكن أن نقول: إذا وُجدت أسباب يخاف الإنسان على نفسه من تغليب جانب الرجاء فليقدم الخوف، وإن وجدت أسباب تقتضي أن يخاف الإنسان وييئس من رحمة الله فليغلب جانب الرجاء، يعني إذا فعل أسباب الرجاء فليغلب الرجاء، وإذا وُجدت أسباب الخوف فليغلب جانب الخوف.
وقبل أن ندخل فيما أعد الله تعالى لأهل النار فيها نرجع لنأخذ الفوائد لأننا لم نأخذ الفوائد فيما سبق، أليس كذلك؟ من ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر ٣١].
* مِن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات أن القرآن كلام الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [فاطر ٣١]، فالوحي إعلام الله سبحانه وتعالى أحد أنبيائه بشريعة من شرائعه، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة؛ أن القرآن كلام الله تعالى، تكلم به حقيقة بحروفه وبصوت مسموع، لكنه لا يشبه أصوات المخلوقين.
* ومن فوائدِها: فضيلة رسول الله صلى لله عليه وسلم، بماذا؟ بما أوحى الله إليه هذا القرآن العظيم ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [فاطر ٣١].
* ومن فوائدِها: اشتمال القرآن الكريم على الحق في أخباره وفي أحكامه، فأخباره كلها صدق، وأحكامه كلها عدل.
* ومن فوائدها: أن ما خالف القرآن فهو باطل؛ لقوله: ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾ فحصر الحق فيه، والحصر: إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، وكل ما خالف القرآن فهو باطل بلا شك.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: إنذار المخالفين لهذا القرآن وبشارة الموافقين له، واستفاد هذه الفائدة من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر ٣١].
* ومِن فوائدها: إثبات هذين الاسمين لله عز وجل وما تضمناه من صفة وحكم: خبير وبصير.
* ومن فوائدها: عموم علم الله وشموله حتى لما يقوم به العباد؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾.
* ومن فوائدها: علم الله تعالى بما تكنه الصدور، من أي الاسمين تؤخذ؟ من قوله: خبير، وربما نقول أيضًا: وبصير؛ لأن البصير بمعنى العليم والـمبصر.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: أن جميع الخلق عابدون لله، كل الخلق، كلهم عباد الله ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر ٣١]، فلا حق لأحد من المخلوقين في شيء من خصائص الرب، بل الكل عبد ذليل لله سبحانه وتعالى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن كتاب، أي: مكتوب، وهو مكتوب في اللوح المحفوظ، ومكتوب في الصحف التي بأيدي الملائكة، ومكتوب في الصحف التي بأيدينا.
ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾ [فاطر ٣٢]
* من فوائد الآية الكريمة: أن هذا القرآن مصدق لما سبقه من الكتب؛ لقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [فاطر ٣١]. ويتفرع على هذه الفائدة أن الذي يؤمن بهذا القرآن مؤمن بالكتب السابقة؛ لأن هذا القرآن مصدق لها، فيكون الإيمان به إيمانًا بما سبق من الكتب.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: الاستشهاد بالأمر الواقع، حتى وإن كان من عند الله، بمعنى أن الله تعالى يستشهد بالأمر الواقع ليزداد إيمان المؤمنين، وجه ذلك ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [فاطر ٣١] على أحد المعنيين، وهما أنه وقع مطابقًا لما أخبرت به، فإنه إذا أخبرت به ثم جاء فهذا دليل على صدقه؛ كما قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ١٩٧]، فاستشهد الله تعالى بعلم علماء بني إسرائيل زيادةً في التثبيت وإقامةً للحجة على المنكرين أهل الكتاب.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: رحمة الله تعالى بعباده، حيث لم يدعهم هملًا، بل أنزل إليهم الكتب التي يستنيرون بها في سيرهم إلى الله عز وجل؛ لقوله: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: سعة التعبير في اللغة العربية، وأن المقصود المعنى دون مجرد اللفظ؛ لقوله: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ لأنه قد يقول قائل: وهل للقرآن يد؟ فالجواب أن هذا من باب التوسع في التعبير في اللغة العربية، عرفتم؟ وأن المقصود هو المعنى، والألفاظ قوالب تدل على المعنى، قوالب الشيء يعني معناه: أوانيه التي يجعل فيها، فأنت مثلًا إذا قدم إليك كرتون مزخرف مزين بالذهب تستدل بهذا على ما في باطنه وأنه شيء غال طيب، فالألفاظ في الواقع قوالب يستدل بها على ما تضمنته من المعاني، وليس لها -أي للألفاظ- معنى ذاتي حتى لا تتغير بأي تركيب كانت، بل هي تتغير بحسب التركيبات والسياق.
ثم قال الله عز وجل: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر ٣٢].
* يُستفاد مِن هذا الآية: فضل الله عز وجل على هذه الأمة، حيث أورثها هذا الكتاب العظيم الذي وصفه الله بأنه الحق وأنه مصدق لما بين يديه أورثه الله تعالى هذه الأمة، ففي ذلك بيان فضل الله علينا بهذا الإرث.
* ومن فوائدها: أن هذه الأمة أفضل الأمم؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ وهم هذه الأمة، واستدللنا لذلك أيضًا بآية أخرى وهي ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران ١١٠].
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى الفترة بين عيسى ومحمد ﷺ، من أين تؤخذ؟ من (ثم) الدالة على التراخي، وهو كذلك، ولا نعلم فترةً أطول منها بالنسبة لما بين الرسالات والكتب المنزلة، فقد قيل: إن أطول ما كان بين آدم ونوح، وهذا أمر قد يشك فيه الإنسان، لكن ما بين عيسى ومحمد عليه الصلاة والسلام حوالي ست مئة سنة، وإنما طالت الفترة لتشتد حال الناس إلى إرسال الرسل، فتأتي الرسالة المحمدية إلى قوم في غاية الضرورة إلى الرسالة والوحي، ويكون لرسالته مزية عظيمة، حيث جاءت كالمطر ينزل على أرض مجدبة، فتكون أشد قابلية له وأشد تأثرًا به (...).
خلقت له، بل معناها يختلف بحسب السياق، وعلى هذا فلا مجال، ما دام أن المعنى مفهوم فلا مجال، ولهذا تجد أن الكلمة في معناها المفهوم بالسياق لو أنك أردت أن تحولها إلى المعنى الأصلي ما صح (...).
في استخراج الفوائد من الآيات السابقة، من الآية (...).
الكريم أيضًا تقسيم هذه الأمة إلى ثلاثة أقسام: ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات.
* ومنها، أي من فوائدها: الرد على الخوارج والمعتزلة؛ لقوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر ٣٢] وجعلهم من الذين اصطفاهم الله تعالى من عباده، ولو خرجوا من الإسلام لم يكونوا من المصطفين، قد يقول قائل: يمكن أن يعارض الخوارج والمعتزلة هذا الاستدلال بأن يقولوا: إن المراد بالظلم هنا ما دون الكبائر، فيقال: إن ما دون الكبائر يقع مغفورًا بفعل الطاعات؛ كالصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان، وحينئذ ينتفي الظلم بمجرد فعل هذه الطاعات.
ثم نقول قولًا آخر بأن الآية مطلقة تشمل الظلم الأصغر والظلم الأكبر، ففيها رد على الخوارج والمعتزلة الذين يكفرون أو يخرجون الإنسان بالكبيرة من الإسلام، وحينئذ لا يكون من العباد الذين اصطفوا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل عمل يقوم به الإنسان فهو بإذن الله عز وجل وإرادته؛ لقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣٢]، وفيها الرد على القدرية الذين يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله؛ يقول ويفعل ويترك بغير إذن الله، بل هو مستقل بمشيئته وفعله.
* ومِن فوائدها أيضًا: كبح النفس عن الاستعلاء والفخر بالطاعة؛ لقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣٢] حتى لا يقول الإنسان: فعلت ذلك من نفسي وأنا الذي فعلت وفعلت، وهذا خلافًا لما يسير عليه بعض الناس، إذا فعل المعصية كان جبريًّا، وإذا فعل الطاعة كان قدريًّا، إذا فعل الطاعة قال: هذا مني وأنا الذي فعلت وأنا الذي فعلت، وإذا فعل المعصية قال: هذا من الله وأنا مجبر عليه، فبعض الناس يسلك هذا المسلك، وهذا مسلك بعيد من العدل.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: إثبات عموم مشيئة الله عز وجل حتى في أفعال العبد؛ لقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣٢].
* ومن فوائدها: تفاضل الناس في العمل، ويتفرع عليه تفاضلهم في الإيمان، أين الدليل على تفاضلهم في العمل؟ تقسيمهم إلى ثلاثة أقسام، ويلزم من تفاضلهم في العلم أن يتفاضلوا في الإيمان، فيكون في ذلك دليل لمذهب أهل السنة والجماعة القائلين بزيادة الإيمان ونقص الإيمان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أكبر فضل يتفضل الله به على عبده أن يوفقه للقيام بطاعته؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر ٣٢]، وقد أشار الله تعالى إلى هذا المعنى في قوله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس ٥٨].
* ومِن فوائدها أيضًا: أن إفضال الله على عباده يتفاضل؛ فمنه الكبير ومنه الصغير، وهذا أمر مشاهد؛ ففضل الله على الرسل أعلى من فضله على الأنبياء، وعلى الأنبياء أعلى من فضله على الصديقين، وعلى الصديقين أعلى من فضله على الشهداء، وعلى الشهداء أعلى من الصالحين، وهذا لا شك فيه.
ثم قال الله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر ٣٣] إلى آخره.
* مِن فوائد الآية الكريمة: أن جزاء أولئك القوم الذين أورثوا الكتاب على اختلاف طبقاتهم الثلاث أن جزاءهم جنات عدن؛ لقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾، أو ﴿يُدْخَلُونها﴾، على قراءتين، ومنها الإشارة إلى كمال نعيم الجنة؛ لكونها جنات بهيجة، وكونها محل إقامة لا ظعن منها أبدًا؛ لقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾.
* ومن فوائدِها أيضًا: ما ينعم الله به على عباده في هذه الجنات من أنواع الفواكه والمطاعم؛ لدخوله في كلمة ﴿جَنَّاتُ﴾، وكذلك من الملابس؛ لقوله: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [فاطر ٣٣].
* ومِن فوائدها: أن الجنة ليست دار تكليف، أي: دارًا يمنع منها العبد مما يتنعم به، بل يتنعم بكل ما شاء؛ لأننا نعلم جميعًا أن تحلي الرجال في الدنيا بالذهب ممنوع وحرام، لكنه في الجنة مباح وممنوح وليس بممنوع؛ لأن الجنة لهم فيها ما يشاءون، بل أكثر مما يشاءون ويريدون.
ومنها ما يحصل من الجمال لتنويع الحلي؛ لكونه من ذهب ولؤلؤ، وفي الآية الأخرى فضة، وهنا لم يذكر الله تعالى تحديد هذه الحلية، لكن جاءت بها السنة، حيث قال النبي عليه الصلاة والسلام: «تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنَ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءَ»[[أخرجه مسلم (٢٥٠ / ٤٠) من حديث أبي هريرة.]]، ومنها نعومة لباسهم وأنه أنعم ما يكون من اللباس؛ لقوله: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر ٣٣] حرير لا يخلق ولا يتدنس، بل هو دائمًا على جدته ونظافته.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر ٣٤].
* مِن فوائد الآية الكريمة: فضيلة أهل الجنة في ثنائهم على ربهم في قولهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن حمد الله تعالى يكون على إنعامه وإفضاله وعلى كمال صفاته، فهنا قالوا: ﴿الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾، فحمدوا الله على إنعامه عليهم وعلى كونه غفورًا شكورًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: كمال الفرح والسرور لأهل الجنة؛ لقولهم: ﴿أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾؛ فإن هذه الصفة السلبية تدل على كمال ضدها، فإذا كان الحزن منفيًّا عنهم كان ذلك دليلًا على كمال سرورهم وأنه سرور لا يشاب بحزن أبدًا، بخلاف سرور الدنيا؛ فإن سرور الدنيا مهما عظم مشوب بالكدر، ولهذا يقول الشاعر الحكيم:
لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً ∗∗∗ لَذَّاتُهُ بِادِّكَــــارِ الْمَــــــوْتِوَالْهَــــــــــرَمِ
نعم، الإنسان مهما كان في الدنيا من النعيم فإنه إذا تذكر أن أمامه شيئين لا بد منهما، لا بد من أحدهما قطعًا، فإن طالت به الحياة فلا بد من الأمرين جميعًا، وهو الهرم والموت، وحينئذ تتنغص عليه حياته. ثم هو أيضًا يعرف أنه كل يوم يمضي عليه فإنه يبعده من الدنيا ويقربه من الآخرة، وهذا تنغيص آخر، ولهذا قال الشاعر:
وَالْمَـــــرْءُ يَفْـــــرَحُ بِالْأَيَّامِيَقْــطَعُهَا ∗∗∗ وَكُلُّ يَوْمٍ مَضَى يُدْنِي مِنَالْأَجَلِ
نعم، على كل حال في الآخرة نعيم لا كدر فيه؛ لقوله: ﴿أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر ٣٤].
* ومِن فوائدِها: أن نعيم الآخرة ينسي كل ما سبقه من حزن؛ لقوله: ﴿أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر ٣٤]، وذهاب الحزن هنا ذهاب لما قد وُجد ولما يُتوقع وجوده، فلا يمكن أن يمسه فيها حزن.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما الغفور والشكور، الغفور في جانب المعاصي والشكور في جانب الطاعات، أما في المعاصي فإنه عز وجل قال في الحديث القدسي: «يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ، ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَغَفَرْتُ لَكَ»[[أخرجه الترمذي (٣٥٤٠)، والطبراني في الأوسط (٤٣٠٥) من حديث أنس بن مالك.]].
أما في الطاعات فإن الله تعالى يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام ١٦٠]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ فَاعِلَ الْحَسَنَةِ تُكْتَبُ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ، إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١ / ٢٠٧) من حديث ابن عباس.]].
ثم قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر ٣٥] فيها فضيلة أهل الجنة بإضافتهم النعيم إلى المــنعم به، من أين؟ ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر ٣٥]، فنسبوا الأمر إلى الله وإلى فضله ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر ٣٥] وهذا غاية الثناء والحمد.
* ومن فوائدها: أن دار الجنة دار إقامة، كل إنسان لا يتمنى أن يزول عن مكانه منها، حتى من كان في الدرجات غير العالية يرون أنهم في أكمل النعيم؛ لقوله: ﴿دَارَ الْمُقَامَةِ﴾، ومنها تأبيد الجنة لإطلاق قوله: ﴿الْمُقَامَةِ﴾ ولم تقيد بزمن.
* ومِنها؛ من فوائد الآية: أن بلوغهم إلى هذه الدار ليس بحولهم وقوتهم، ولكن بفضل الله عز وجل؛ لقوله: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات الأسباب؛ لأن (من) هنا سببية، أي: بفضل الله، ففيها رد على من ينكرون الأسباب ويقولون: إن الأسباب لا تأثير لها، وإنما يحصل الشيء عندها، لا بها.
* ومِن فوائدها: أن الإنسان لا يدخل الجنة بعمله؛ لقوله: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾، ولكن قد يشكل على هذا قوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧] ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل ٣٢] وأشباههما من الآيات.
وقد جمع العلماء بينهما بأن الباء في قوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ الباء للسببية، وأن الباء في قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٧٣)، ومسلم (٢٥٧٤) من حديث أبي هريرة.]] للعوض، يعني أن دخول الإنسان الجنة ليس بعمله؛ إذ لو أنه أريدت المعاوضة لهلك الإنسان، لو أن الإنسان نُوقش في عمله بالإضافة إلى نعمة الله عليه لكانت نعمة واحدة تقابل كل العمل، بل لكان العمل نفسه نعمة يحتاج إلى شكر، ولَّا لا؟ لأن توفيق الله عز وجل للعبد..
فاطر 35:39
وأما قوله: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال ٢٥] فإن هذا من باب تعميم العقوبة التي لا يخلو أهل الإحسان من التقصير، أما لو قاموا بما يجب عليهم فإن العقوبة لا تعمهم؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر ٦١]، ولأن الواقع شاهد بذلك، فنوح وهود وغيرهما من الرسل أنجاهم الله مع أنه أخذ أقوامهم بالعقوبة.
يقول عز وجل: ﴿فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ (أي: وبال كفره) ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا﴾ [فاطر ٣٩]، نعم، كفر الكافرين عند الله لا يزيدهم إلا مقتًا، لا يزيدهم عند الله محاباة لهم أو رحمة بهم؛ لأن الحجة قامت عليهم، فكلما ازدادوا كفرًا ازدادوا بغضًا.
قال المؤلف في ﴿مَقْتًا﴾: (غضبًا) والمعروف أن المقت أشد البغض، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف ٢، ٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر ١٠] وهذا يدل على أن المقت هو البغض، لكنهم قالوا: إنه أشد البغض، فتفسير المؤلف له بالغضب فيه نظر، قال: ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾ [فاطر ٣٩]، فبين هنا أن الكفر سبب لشيئين: الشيء الأول: نزول مرتبة الكافر؛ فإن كفره لا يزيده عند الله إلا بغضًا، والثاني: العقوبة التي تحصل له، وذلك بالخسارة، فماذا يخسر؟
يخسر نفسه وأهله ودنياه وآخرته ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر ١٥]، فهو خسر نفسه لأنه لو آمن لربح ونال ثواب الآخرة بالجنة، وهذا ربح، أما الآن فقد أهلك نفسه ففاتت عليه، خسر أهله لأنه لو آمن واتبعه أهله بالإيمان صاروا في الجنة في منزلة واحدة، خسر دنياه لأنه لم يستفد من وجوده في الدنيا شيئًا، بل استفاد الخسارة والعمل السيئ، خسر الآخرة أيضًا لأنه فاته النعيم المقيم في الآخرة وصار من أصحاب الجحيم، فلا أحد أعظم خسارة من الكافر والعياذ بالله، حتى وإن كان في الدنيا منعَّمًا نعمة جسد فهو في الحقيقة معذب عذاب قلب؛ لأنه ليس عند الكافر انشراح صدر كما عند المسلم، يقول الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر ٢٢] يعني كمن لم يكن كذلك فهو على ظلمة.
نأخذ الفوائد:
يقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ [فاطر ٣٩] إلى آخره.
* يُستفاد منها: تمام قدرة الله عز وجل وسلطانه، حيث إنه هو الذي يدبر خلقه بجعلهم خلائف.
* ومنها: بشارة المؤمنين وإنذار الكافرين؛ لأن من جملة الخلافة أن يخلف المؤمنون الكافرين في أرضهم، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ [الأحزاب ٢٦، ٢٧]، وقال موسى لقومه: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف ١٢٨]، وقال لهم: إن الله استخلفكم الأرض، ففي هذا بشارة للمؤمن، فلا ييئس من أن الله سبحانه وتعالى يجعل له الخلافة في الأرض، وإنذار لمن؟ للكافر، بأن تجتاح أرضه على أيدي المؤمنين.
* ومن فوائدها: أيضًا حكمة الله عز وجل في توارث الأمم بعضها بعضًا، فإنه لولا ذلك لضاقت الأرض بأهلها، لو كان كل من أوجده الله بقي نعم كم يكون عدد العالم؟ ما يُحصَون، وحينئذ تضيق بهم الأرض ويشق عليهم تحصيل الأرزاق، وإن كان الله عز وجل قد يجعل لهم من الرزق ما لا يخطر بالبال، لكن لا شك أن كون الناس يخلف بعضهم بعضًا هذا يموت وهذا يحيا هو الحكمة والرحمة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان شؤم الكفر وعاقبته؛ لقوله: ﴿فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾.
* ومن فوائدها: أن كفر الكافر على نفسه لا على غيره، وهو كقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام ١٦٤] وأوردنا على هذه الجملة إشكالًا وأجبنا عنه.
* ومن فوائدها: إثبات صفة البغض لله عز وجل، بل إثبات صفة المقت الذي هو أشد البغض؛ لقوله: ﴿إِلَّا مَقْتًا﴾، والمقت من صفات الله الذاتية أو الفعلية؟ الفعلية؛ لأن كل صفة تقرن بسبب فهي من الصفات الفعلية؛ لأنها حينئذ تتعلق بمشيئة الله؛ إذ إن السبب واقع بمشيئته، والسبب هو الذي علقت به الصفة، فتكون الصفة إذن واقعة بمشيئته، والقاعدة عند أهل السنة أن الصفات التي تكون بمشيئة الله تسمى صفة فعلية، وذكرنا أن الصفات ذاتية وفعلية وخبرية، فالذاتية هي الصفات التي لا ينفك الله عنها، لم يزل ولا يزال متصفًا بها، مثل الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والعزة والحكمة وغير ذلك كثير، والصفات الفعلية هي التي تتعلق بمشيئته؛ إن شاء فعلها وإن شاء لم يفعلها، سواء كانت صفة ظاهرة أم غير ظاهرة، مثل المحبة والكراهة والرضا والبغض والضحك والاستواء والنزول وغير ذلك، والصفات الخبرية هي التي نظير مسماها أبعاض لنا، مثل الوجه واليدين والعين والساق والإصبع وما أشبهها، وهنا لا نقول: إنها أجزاء بالنسبة لله، هي لنا أجزاء ولكن نتحاشى أن نقول: إنها أجزاء، بل نقول: نظير مسماها أجزاء لنا، ولا يمكن أن نجعل هذه صفات معنوية؛ إذ لو قلنا بأنها صفات معنوية لساوينا أهل التعطيل؛ لأنهم يجعلون هذه الصفات صفات معنوية. طيب اللي معنا الآن ﴿إِلَّا مَقْتًا﴾ من الصفات الفعلية.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: أنه كلما ازداد الإنسان كفرًا ازداد عند الله مقتًا، وجه ذلك القاعدة التي ذكرناها ونكررها دائمًا، وهي أن الحكم المعلق على وصف يزداد بزيادته وينقص بنقصانه، وهنا الحكم معلق على الكفر، فإذن يزداد مقت الله عز وجل على الكافر بزيادة كفره وينقص بنقصان كفره.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكافر أيضًا خاسر في الدنيا والآخرة، ولهذا قال: ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾ [فاطر ٣٩]، ولم يقيد، لم يقل: في الدنيا ولا في الآخرة ولا عند الله، بل أطلق، فأخسر الناس هم الكفار، خسروا-كما قلنا في التفسير- أنفسهم وأهليهم ودنياهم وآخرتهم، وشخص خسر كل هذه الجهات ليس له ربح، فأعظم الناس خسرانًا هم الكافرون.
إذا قال قائل: هل نستعمل هنا قياس العكس؟
فنقول: إذا كان الكافر أخسر الناس فأربح الناس المؤمن؟
الجواب: نعم، نستعمل هنا قياس العكس؛ لأن قياس العكس جاءت به السنة؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ»، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوتَه ويكون له فيها أجر؟ قال: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي الْحَرَامِ، أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟» قالوا: نعم، قال: «كَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ»[[أخرجه مسلم (١٠٠٦ / ٥٣) من حديث أبي ذر.]]، فكل عمل حلال تستغني به عن حرام يكون لك فيه أجر.
إذن المؤمن رابح في مقابل أن الكافر خاسر، وإن شئت تلونا آية صريحة في هذا، قال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني: فليسوا في خسر، بل في ربح ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر ١ - ٣]، وتجارة المؤمنين تجارة رابحة ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر ٢٩] لن تهلك ولن تخسر شيئًا. وقال النبي ﷺ لأبي طلحة لما قال: يا رسول الله، إن الله أنزل قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران ٩٢] وإن أحب مالي إلي بيرحاء، وإني أضعها -يعني عند الرسول عليه الصلاة والسلام- صدقة إلى الله ورسوله، فقال النبي ﷺ: «بَخٍ بَخٍ، ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٦١)، ومسلم (٩٩٨ / ٤٢) من حديث أنس بن مالك.]].
فاطر 35:40
ثم قال تعالى: (﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ تعبدون ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [فاطر ٤٠] أي غيره، وهم الأصنام الذين زعمتم أنهم شركاء لله)، ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ يعني أخبروني، و(شركاء) مفعول أول، يعني (أرأيت) تنصب ثلاثة مفاعيل؛ مفعول أول صريح منطوق به، والمفعول الثاني والثالث معلق بهمزة الاستفهام، فهنا ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ نعم ﴿أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾، لكن هنا قال: ﴿أَرُونِي﴾ من باب التحدي أخبروني عن شركائكم، وقوله: ﴿شُرَكَاءَكُمُ﴾ يعني الذين جعلتموهم شركاء، فالإضافة هنا باعتبار جعلهم، أي: جعل العابدين لها شريكًا مع الله.
وقوله: ﴿الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ قال المؤلف: (تعبدون)، فحول الدعاء إلى معنى العبادة، ولا شك أن الدعاء يأتي بمعنى العبادة؛ كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر ٦٠] ولم يقل: عن دعائي، فهذا دليل على أن الدعاء بمعنى العبادة، ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾.
ولكن لو قال قائل: إن قوله: ﴿تَدْعُونَ﴾ شامل لدعاء المسألة -وهو طلب الحاجة- ودعاء العبادة، لكان أولى؛ لأن هذه الأصنام التي يدعونها أحيانًا يجمعون بين الأمرين فيركعون لها ويسجدون ويذبحون وينذرون، وأحيانًا يدعونها دعاء، وأحيانًا يجمعون بين الأمرين، فالأولى أن نجعل الآية شاملة لدعاء المسألة ودعاء العبادة، والله أعلم.
﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ والخطاب بـ﴿قُلْ﴾ هنا خطاب لمفرد، وإذا جاء مثل هذا في القرآن فإما أن يكون مما يختص به الرسول ﷺ، فالأمر فيه واضح؛ كقوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١]، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ﴾ [المائدة ٦٧] وما أشبهها، فهذا خاص بمن؟ بالرسول، والأمر فيه واضح، إذا جاء مفردًا وليس خاصًّا بالرسول عليه الصلاة والسلام يعني لم يقم دليل على اختصاصه به، فهل نقول: إن الخطاب موجه لكل من يتأتى خطابه، أو إنه موجه إلى الرسول وأمته تبعًا له، وإنما وجه إليه وحده باعتباره الإمام المتبوع؟
في هذا خلاف بين أهل العلم، والخلاف هنا قريب من اللفظي؛ لأن الكل متفقون أن هذا الحكم يشمل الأمة؛ إذ لا دليل على اختصاص الرسول ﷺ به، بخلاف ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ فهذا خاص بالرسول؛ لأنه ليس كل أحد قد شرح الله له صدره، طيب هنا ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ﴾ الخطاب لمفرد، فهل هو للرسول عليه الصلاة والسلام أو لكل من يتأتى خطابه؟ قيل: إنه لكل من يتأتى خطابه، وقيل: للرسول باعتباره الإمام، وغيره مثله، حتى مثلًا في زمننا هذا نقول للمشركين: ﴿أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾.
وسبق أن المؤلف رحمه الله فسر الدعاء هنا بالعبادة، وقلنا: إنه تفسير ناقص؛ لأن الدعاء يكون للعبادة ويكون للمسألة، والمشركون أشركوا بشركائهم بالنوعين جميعًا؛ فقد يدعون هؤلاء الشركاء وقد يعبدونهم، وسبق أنهم يقولون: إن الأصنام شركاء لله عز وجل، حتى «إن المشركين في تلبيتهم يقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكُه وما ملَك»[[أخرجه مسلم (١١٨٥ / ٢٢) من حديث ابن عباس.]].
يقول: ﴿أَرُونِي﴾ (أخبروني) ﴿مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾، قوله: ﴿مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ من حيث الإعراب يجوز فيها وجهان:
الوجه الأول أن نعرب (ماذا) جميعًا على أنها اسم استفهام مفعول مقدم لـ(خلقوا)، والثاني أن نعرب (ما) وحدها على أنها اسم استفهام، و(ذا) بمعنى الذي، وعلى هذا فيكون في ﴿خَلَقُوا﴾ ضمير محذوف هو العائد لاسم الموصول، والتقدير: ماذا خلقوه من الأرض، والمعنى لا يختلف، فهؤلاء يتحدون ويقال: أرونا ماذا خلقوا من الأرض؟ هل خلقوا الجبال؟ هل خلقوا الأشجار؟ هل خلقوا الرمال، الأنهار، البحار؟
الجواب: ما خلقوا شيئًا من هذا، طيب ينتقل إلى أعلى ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾، وهنا ما قال: أم خُلقوا شيئًا من السماوات، قال: ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ﴾؛ لأن السماوات ليست في متناول أيديهم، لكن يحتمل أن يكون لهم فيها مشاركة، نعم، فالذي لهم متناول فيه قيل: ﴿مَاذَا خَلَقُوا﴾؛ لجواز أن يقول قائل: لهم شرك في الأرض، فهذا له مثلًا مساحة يأتي الناس إليه وهي حريم قبره مثلًا، فنقول: طيب، هل خلقوا هذا؟ إذا ادعيتم أن هذه الأرض مثلًا له، وأنه (...) على هذا القبر لزائريه أو ما أشبه ذلك، فهل خلقوها؟ لكن في السماوات ما قال: أم ماذا خلقوا من السماوات قال: ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ﴾، لا على سبيل الخلق ولا على سبيل التملك، ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ﴾ (شركة مع الله) ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾، وقول المؤلف: (﴿فِي﴾ خلق ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ ) فيه نظر، بل الصواب أن نقول: في السماوات، سواء كان ذلك عن طريق التملك أو عن طريق الخلق، ويش الجواب؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، لا هذا ولا هذا ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ﴾ (بأن لهم معي شركة) يعني: أو عندهم إذا قلتم: لم يخلقوا شيئًا من الأرض، وليس لهم شركة في السماوات، نقول: طيب، هل عندهم كتاب وهم على بينة –حجة- منه بأنهم شركاء مع الله؟ ويش الجواب؟
لا، فكل هذه التقسيمات كلها منتفية بالنسبة للأصنام، فلم يخلقوا شيئًا من الأرض، وليس لهم شركة في السماوات، وليس معهم بينة من الله –كتاب- بأنهم شركاء مع الله، وإذا انتفت هذه الأمور الثلاثة لا خلق ولا مشاركة ولا وثيقة تبين أيش؟ تبين بطلانها، قال: ﴿بَلْ إِنْ﴾ (ما)، يعني أن (إن) هنا نافية بمعنى (ما) (﴿يَعِدُ الظَّالِمُونَ﴾ الكافرون ﴿بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾ باطلًا بقولهم: الأصنام تشفع لهم)، يعني أن ما يعد الظالمون بعضهم بعضًا فهو غرور، أي: تغرير وخداع وليس له حقيقة، والوعد الذي يعد به الظالمون بعضهم بعضًا أنهم يقولون: هذه الأصنام تشفع لكم عند الله، اعبدوا محمدًا ﷺ، اعبدوا جبريل، اعبدوا الشجر، اعبدوا اللات، اعبدوا العزى؛ فإنها تشفع لكم ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس ١٨] كيف يعبدونهم ثم يكونون شفعاء؟ الشافع هل ينال درجة المشفوع إليه؟ لا، الشافع درجته دون درجة المشفوع إليه، نعم؛ إذ لو كان مساويًا أو أعلى ما احتاج أن يشفع، إن كان أعلى أمر أمرًا، وإن كان مساويًا غالبه، فأيهما غلب عاد يكون السلطة له.
على كل حال نقول: إن الظالمين يغر بعضهم بعضًا في الباطل حتى يخدعوا ويظنوا أن الباطل حق وأن الحق باطل، التغرير تارة يكون بالأقوال الكاذبة الملفقة التي ليس لها أصل، وتارة يكون بالألقاب السيئة التي تشوه السمعة، فأما الأقوال الكاذبة فمثل قولهم فيما حكى الله عنهم: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف ٢٨]، قولهم: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ هذا كذب وزور، ولهذا قال الله تعالى مبطلًا لهذه الدعوى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، هذا من جملة التغرير أن يدعوا قولًا كذبًا وزورًا، أو بالألقاب السيئة ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص ٤، ٥]، فأتوا بالألقاب السيئة: ساحر أيش بعد؟ وكذاب. العامة إذا قيل لهم، ولا سيما إذا كان القائل زعماء، إذا قيل: هذا ساحر أو كذاب يتبعونه ولَّا لا؟ لا يتبعونه، طيب وإذا قيل لهم، أي للعامة: إنكم إذا عبدتم الولي الفلاني، أو القبر الفلاني، فإن ذلك ينفعكم، فإن العامة تنخدع؛ لأنه ليس عندها علم وليس عندها عقل ولب فتنخدع.
هذه الآية يستفادُ منها عدَّة فوائد:
* أولًا: قوة القرآن في أسلوب المناظرة، وذلك بالترديد والتقسيم، وجهه: أن الله تحداهم بثلاثة أمور: هل خلقوا شيئًا من الأرض؟ هل شاركوا الله في السماء؟ هل عندهم كتاب من الله أن هذه الأصنام تنفعهم، وإن لم تكن شريكة لله في السماوات ولم تخلق شيئا من الأرض؟ الجواب: لا، لو خلقت شيئًا من الأرض لكان لها الحق؛ لأنها تخلق، لو شاركت الله في ملكه في السماء لكان لها الحق؛ لأنها شريك لله عز وجل في ملكه، لو أن الله أنزل كتابًا يقول بأن هذه الأصنام لها الحق أن تُعبَد وتُدعَى من دون الله لكان لهم شبهة أو حجة، فلما انتفت الأمور الثلاثة تبين أنه لا حجة لهم، ثانيًا أنه ينبغي في المناظرة أن تُذكَر جميع الأقسام التي يمكن أن ترد في الذهن ثم تبطل؛ احترازًا من أي شيء؟ مما لو ذكرت شيئًا واحدًا ثم بينت بطلانه، فقد يورد عليك شيء آخر؛ لأنه كما أن القول الحق لا ينحصر إثباته بدليل واحد، فكذلك الباطل لا ينحصر إيراد الشبه فيه في شبهة واحدة، فإذا أردت أن تفحم خصمك لا تأت بشبهة واحدة، ايت بجميع ما يمكن ويَحتمل أن يكون شبهة لتبطلها حتى يكون عندك القوة الكاملة التي لا يمكن أن يورد عليك أحد منها خللًا.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: أنه لا أحد يخلق مع الله ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾، فإن قلت: يرد عليك أن الله أثبت أن هناك خالقين في قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون ١٤]، وفي قول الرسول ﷺ: «يُقَالُ لَهُمْ» أي: المصوِّرين «أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢١٠٥)، ومسلم (٢١٠٧ / ٩٦) من حديث عائشة.]]؟
فالجواب أنهم لم يخلقوا هذا، ولكن حولوه من صورة إلى صورة، فهنا ليس منهم إيجاد، بل تحويل من صورة إلى صورة، فالمصور مثلًا الذي أخذ الطين وجعل منه صورة على صورة إنسان، أو صورة طير، أو صورة دابة، ماذا نقول؟ هل خلق هذا الشيء؟ لا، لكن حوله من كونه كتلة من الطين إلى كونه صورة وليس خلقًا جديدًا، النجار مثلًا إذا أتى على الخشب ونجره على صورة معينة ما نقول: إنه خلقه؛ لأنه لم يوجده، لكن حوله من صورة إلى أخرى.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: بطلان ألوهية هذه الأصنام، ومن باب أولى ربوبيتها، وجه هذا: أن الله تحدى أن تكون هذه الأصنام صالحة للمشاركة بكل وجه من الوجوه أيش؟ الخلق والمشاركة والوثيقة، كل هذه منتفية إذن، فيبطل جعلها إلهًا مع الله.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: أن الظالمين -ويشمل الكافرين ومن دونهم- أن الظالمين لا يعد بعضهم بعضًا إلا غرورًا وخداعًا، فيشمل ذلك الكافرين الذين يزينون الكفر، ويشمل ذلك أهل الخلاعة الذين يزينون الخلاعة، ويشمل أهل اللهو الذين يزينون اللهو، فكل باطل يزينه أصحابه نقول فيه: لا يعد الظالمون بعضهم بعضًا إلا غرورًا.
* ومن فوائد الآية: الحذر من أن يتمنى الإنسان على الله الأماني، بل الذي ينبغي أو يجب أن يكون الإنسان كيسًا فطنًا حازمًا كما يُروى عن النبي عليه الصلاة والسلام: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّى عَلَى اللهِ الْأَمَانِيَّ»[[أخرجه الترمذي (٢٤٥٩) وابن ماجه (٤٢٦٠) من حديث شداد بن أوس.]]، فالوعود التي يُوعَد بها الإنسان من قبل الظالمين أو من قبل نفسه إذا كانت مخالفة للشرع فما هي إلا غرور وباطل، فليحذر الإنسان منها.
فاطر 35:41
(...) الله تبارك وتعالى مبينًا تمام قدرته ومنَّته على عباده، قال: (﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ أي: يمنعهما من الزوال)، قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ الإمساك بمعنى القبض على الشيء والتمكن منه، وفسره المؤلف بالمنع، وهو لازم للإمساك.
وقوله: ﴿أَنْ تَزُولَا﴾ (أن) هذه مصدرية، حذف منها حرف الجر؛ لأنه يطرد حذف حرف الجر مع (أن)، و(أن) نعم إذا أُمن اللبس وهنا اللبس مأمون، وإذا كان الكلام على تقدير (من) فحول (أن) وما دخلت عليها إلى مصدر يكن سبك الكلام: إن الله يمسك السماوات والأرض من الزوال.
وقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ترد هذه العبارة كثيرًا في القرآن، وهي جمع السماوات وإفراد الأرض، ولم تأت الأرض مجموعة في القرآن بلفظها، لكن جاءت بلفظ يدل على التعدد، وهو قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢] فإن المثلية هنا تتعين أن تكون في العدد؛ لأنه لا يمكن أن تكون الأرض مثل السماوات في الحجم، ولا مثلها في الصفة، وإذا امتنع أن تكون مماثلة للسماء في الحجم وفي الصفة تعين أن تكون مماثلة للسماء في العدد، والسنة جاءت في اللفظ الصريح في أن الأرضين سبع أرضين كما في قوله ﷺ: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٥٢)، ومسلم (١٦١٠ / ١٣٧) واللفظ له، من حديث سعيد بن زيد.]].
﴿يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا﴾ قال: (لام قسم)، اللام لام القسم، و(إن) شرطية، و﴿زَالَتَا﴾ الفعل هنا فعل الشرط، و﴿إِنْ أَمْسَكَهُمَا﴾ الجملة جواب الشرط، و(إن) هنا يقول المؤلف: (ما) أي: تكون نافية، ﴿أَمْسَكَهُمَا﴾ قال المؤلف (يمسكهما) إشارة إلى أن ﴿أَمْسَكَهُمَا﴾ فعل ماضٍ، لكنه بمعنى المضارع؛ لأنه وقع جوابًا للشرط، ومعلوم أن جواب الشرط يكون للمستقبل لا يكون للماضي؛ لأنه لا يكون إلا بعد تحقق الشرط، وتحقق الشرط أمر مستقبل. وقوله: ﴿مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾، ﴿مِنْ أَحَدٍ﴾ (من) هذه زائدة زائد، كذا؟ كلام صحيح ولا فيه تناقض، زائدة زائدة، ما فيه تناقض، كيف ذلك؟
* طالب: زائدة في الإعراب.
* الشيخ: أحسنت، زائدة في الإعراب ولكنها تزيد في المعنى، و(زائدة) اسم فاعل من زاد يزيد، ونحن نعرف أن (زاد) يأتي متعديًا ويأتي لازمًا، فإذا قلت: زاد الشيء يعني: ارتفع وكثر وما أشبه ذلك، فهي لازمة، وإذا قلت: زدته خيرًا نعم صارت متعدية، لهذا نقول: هي زائدة زائدة، قد يقول بعض الناس إذا رأى مثل هذا الكلام قال: هذا تناقض، كيف يكون الشيء زائدًا زائدًا، نقول: (من) زائدة إعرابا زائدة معنى؛ لأنها تزيد في المعنى، وهو تأكيد النفي، وقوله: (أحد) فاعل (أمسك) مرفوع بضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائدة، المعنى: لئن قدر أن تزول السماوات والأرض فإنه لا أحد يستطيع أن يمسكهما سوى الله عز وجل، وهو كذلك هذا هو الواقع، بل لو زال ما دون السماوات والأرض من النجوم والكوكب والشمس والقمر ما استطاع أحد أن يمسكه سوى الله عز وجل، بل لا يستطيع أحد أن يصرف شيئًا من هذه الكواكب أو النجوم أو الشمس والقمر أن يصرفه عن جهة سيره إلا الله عز وجل، ولا أن يمنعه من سيره إلا الله عز وجل. في الإعراب هنا قلنا: إن اللام في (لئن) لام القسم، و(إن) شرطية، وإن ﴿أَمْسَكَهُمَا﴾ جواب الشرط ولَّا جواب القسم؟
* طالب: القسم.
* الشيخ: إي جواب القسم، لماذا؟ لأن لدينا قاعدة: إذا اجتمع الشرط والقسم حُذف جواب المتأخر منهما. قال ابن مالك مقررًا هذه القاعدة:
وَاحْذَفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَـــــوَابَ مَـــا أَخَّــــــرْتَ فَهْـــــــوَمُلْـــــــــــتَزَمْ
إذن المؤخر هنا الشرط، فيكون جوابه هو المحذوف، دل عليه جواب القسم.
يقول: (﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ أي: في تأخير عقاب الكفار)، قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا﴾ هذه الجملة مناسبتها لما قبلها أنها تعليل لما قبلها، فارتباطها به ارتباط العلة بالمعلول، يعني أنه في إمساكه للسماوات والأرض كان حليمًا غفورًا، ولولا حلمه ومغفرته لزالت السماوات والأرض وهلك من فيهما.
(الحليم) اسم من أسماء الله، ومعناها ذو الحلم، والحلم هو تأخير العقوبة عن مستحقها، تأخير العقوبة وليس ترك العقوبة؛ لأن ترك العقوبة عفو، ولكن تأخير العقوبة عن المسيء يسمى هذا حلمًا، قال ابن القيم رحمه الله:
وَهُوَ الْحَلِيمُ فَلَا يُعَاجِلُ عَبْدَهُ ∗∗∗ بِعُقُــــوبَةٍ لِيَتُــــوبَ مِنْعِــــصْيَانِ
فبحلمه عز وجل تتأخر العقوبات، لعل الناس يتوبون إلى الله سبحانه وتعالى، ﴿غَفُورًا﴾ هذا يغفر الذنب ويمحو أثره بالكلية، وسبق لنا أن المغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه؛ وذلك لأنها مأخوذة من المـغفر الذي يغطي الرأس ويقيه السهام، وليست كما قيل مجرد الستر؛ لأن مجرد الستر لا تحصل به الوقاية، بل لا بد مع الستر من الوقاية، ويدل لهذا المعنى قوله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي لعبده إذا خلا به وقرره بذنوبه، يقول: «كُنْتُ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث ابن عمر.]]، فإن هذا يدل على أن الستر غير المغفرة وأن المغفرة لا بد فيها من عدم المؤاخذة وعدم العقوبة.
في هذه الآية الكريمة فوائد:
* الفائدة الأولى: بيان قدرة الله عز وجل على إمساك السماوات والأرض، فهذه الأجرام العظيمة أمسكها الله تعالى بقدرته بدون معاناة، وبدون تعب، وإنما يقول للشيء: كن فيكون، ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨] قال الله تعالى: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت ١١].
* ومِن فوائدها أيضًا: بيان رحمة الله عز وجل بعباده، حيث سخر لهم السماوات والأرض، بل سخر لهم ما في السماوات والأرض أيضًا، وهذا من كمال رحمته، فلولا رحمة الله عز وجل بعباده لوقعت السماوات على الأرض وهلك الناس وما تُرك عليها من دابة.
* ومن فوائد هذه الآية: أن السماوات والأرض مخلوقتان من جملة المخلوقات مسخرتان بأمر الله، ففيه رد على الفلاسفة الذين يقولون بقدم العالم وقدم الأفلاك وأن الفلك التاسع كما يزعمون هو المدبر لما تحته، بل نقول: هذه الأفلاك كلها مخلوقة لله مسخرة بأمره، لو شاء الله عز وجل أن تزول لزالت ولم يستطع أحد أن يمسكها.
* طالب: وجه الفائدة؟
* الشيخ: وجه الفائدة أنها مخلوقة من مخلوقات الله فليست قديمة.
* طالب: من أين نأخذه من الآية؟
* الشيخ: ﴿يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ﴾ فإن إمساكها دليل على أنها قائمة بأمره.
* ومِن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أنه لا أحد يستطيع أن يدبر هذه المخلوقات العظيمة الكبيرة؛ لقوله: ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾.
* ومِن فوائد الآية الكريمة أيضًا: توجيه الخلق؛ أنهم إذا رأوا في هذه الآيات في السماوات والأرض إذا رأوا ما يزعجهم ويقلقهم ألا يرجعوا إلى أحد إلا إلى الله عز وجل، فالزلازل والبراكين والكسوف والصواعق وغيرها مما يخوف العالم لا نرجع فيه إلا إلى الله؛ لأنه هو الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا، ولا أحد يمسكهما إذا زالتا إلا الله، ولكن كيف نلجأ إلى الله في هذه الأمور؟ هل نلجأ إليه بالصفة التي أرشدنا إليها النبي عليه الصلاة والسلام في صلاة الكسوف، أو نلجأ إلى الله تعالى بالصفة التي أرشد إليها النبي ﷺ في صلاة الكسوف في الكسوف فقط، وما عداه فإننا نلجأ إلى الله تعالى بالدعاء المطلق، هذا محل خلاف بين العلماء، فمنهم من قال: إنه إذا وُجدت آيات أفقية تخيف العباد فإنه يُشرع للعباد أن يصلوا صلاة الكسوف حتى يذهب ما بهم..
الذين قالوا بالأول: إنه يُصلَّى لكل آية تُخَوِّف العباد استدلوا بقول النبي ﷺ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَر (...) يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا -يعني كَاسِفَتَيْنِ- فَصَلُّوا وَادْعُوا»[[أخرجه البخاري (١٠٤٨) من حديث أبي بكرة.]]. إلى آخره.
قالوا: وتخويف العباد بالصواعق والزلازل أشد وقعًا في نفوسهم من الكسوف، فإذا شُرِعَت الصلاة للكسوف، فمشروعيتها لهذه الآيات من باب أولى، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، «واستدل بفعل ابن عباس رضي الله عنها حين صلى صلاة الكسوف في زلزلة»[[أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٨٤١٠) من حديث ابن عباس.]]، ولكن المذهب يقولون: إنه لا تُصلَّى صلاة الكسوف إلا للكسوف، أو للزلزلة احتجاجًا بفعل ابن عباس رضي الله عنهما، ولكن الصواب ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، فإن هذا الذي ذهب إليه يدل عليه التعليل في الحديث: «آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ»[[أخرجه البخاري (١٠٤٨) من حديث أبي بكرة.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العلة، والسبب في أفعال الله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر ٤١]. وإثبات العلل في أفعال الله أو في أحكامه تدل على كماله لا على نقصه، خلافًا للناقصين الذين زعموا أن إثبات الحكمة في أفعال الله تعالى وأحكامه تدل على النقص؛ ولهذا نفوا الحكمة عن أفعال الله وأحكامه، يقولون: لأن ذلك يقتضى النقص، وأنه فعل لغرض، أو حَكَم لغرض، والفاعل لغرض ناقصٌ بدونه، وعلى هذا فيكون نفي الحكمة عن أفعال الله وأحكامه من تنزيه الله تعالى عن النقص.
وفي الحقيقة أن أي إنسان يعتقد أن إثبات الحكمة في أفعال الله وأحكامه نقص فهو الناقص، حتى إن الإنسان بمجرد ما يتأمل في المسألة يعرف أن من فعل لغير حكمة فقد أتى سفهًا، وإن فعل لحكمة فقد أتى رشدًا؛ لأن الرشيد هو الذي يفعل الشيء لحكمة وحُسن تصرف، والسفيه بالعكس؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء ٥]. وعلى هذا ففي الآية هذه وغيرها من نصوص الكثيرة في الكتاب والسنة والعقل الصريح ما يدل على إثبات الحكمة لله عز وجل، وأن الحكمة من أجل صفات الله سبحانه وتعالى، وبيانها في أحكام الله وأفعاله من أعظم الأمور وأظهرها.
نقول: في الآية إثبات الحكمة؛ لأنه علل إمساك السماوات والأرض بماذا؟ بكون ذلك مقتضى حلمه ومغفرته.
* وفي الآية أيضًا من الفوائد: إثبات هذين الاسمين لله، وهما الحليم والغفور، وإثبات ما تضمناه من الصفة؛ لأن كل اسم من أسماء الله فهو متضمن لصفة، ليس في أسماء الله اسمٌ جامدٌ أبدًا حتى اسم الجلالة (الله)، ليس بجامد بل هو مشتق من الألوهية، وكذلك بقية الأسماء كلها ليست جامدة بل هي مشتقةٌ من معانٍ تدل عليها، والمعاني التي تدل عليها أسماء الله قد تكون متعددة في اسم واحد كما مر عليها في الدلالة أنها تكون دلالة مطابقة ودلالة تضمن ودلالة التزام.