Tafsir Ibn Uthaymeen — الزمر 39:1 – الزمر 39:15
المحتويات
الزمر 39:1
الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا﴾ [الزمر ١ - ٣].
* الشيخ: الأحسن تقول: ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ تقف عليها، الأحسن الوقوف عليها.
* الطالب: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر ٣].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾، هذه السورة تُسَمَّى سورة الزُّمَر؛ لقول الله تبارك وتعالى فيها: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر ٧٣]، ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر ٧١]، وتسمية السور تكون لأَدنى ملابسة وأدنى مناسبة، ولهذا سمِّيَت سورة البقرة دون أن تُسَمَّى سورة الدَّيْن مثلًا أو سورة العِدَد، مع أن ذِكْرَ الدَّين وما يتعلَّق به قد يكون كآيات البقرة، لكن التسمية تكون لأدنى مناسبة وملابسة.
يقول المؤلف: (مكية) يعني أنها من السور المكية، وأصَحُّ ما يقال في السور المكية: إنها ما نزل قبل الهجرة، فما نزل قبل الهجرة فهو مكي، وما نزل بعدها فهو مدني، حتى لو نزل في مكة وهو بعد الهجرة فإنه يُسَمَّى مدنِيًّا، ولهذا نقول: إن قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة ٣] نقول: إنها مدنية مع أنها نزلت في عرفة.
قال المؤلف: (إِلَّا ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر ٥٣] إلى آخره) هذا الاستثناء يحتاج إلى دليل، والقاعدة إن كلَّ مَن استثنَى آياتٍ من سور مكية قال: إنها مدنية فعليه الدليل، والعكس بالعكس: مَن استثنى آياتٍ من سور مدنية وقال: إنها مكية فعليه الدليل؛ لأن الأصل إن السورة إذا كانت مكية فهي مكيةٌ بجميع آياتها، هذا هو الأصل حتى يقوم دليل على الاستثناء، ولا أعلم لهذا الاستثناء الذي ذكره المؤلف دليلًا، بل إن ظاهرَه من حيث المعنى يقتضِي أن يكون من المكيات، ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ إلى آخره كله يتعلق بالتوحيد والتوبة.
(وهي خمس وسبعون آية) خمس وسبعون آية مقسَّمة إلى هذا التقسيم تقسيمًا توقيفِيًّا؛ يعني إن الذي يحَدِّدُ الآيات هو الرسول عليه الصلاة والسلام، فهو يحدد الآيات ويحدِّدُ مكانها وترتيبها، ولهذا نقول: إن ترتيب الآيات توقيفِي، وترتيب السور منه توقيفي ومنه اجتهادي من الصحابة، فمثلًا الجمعة والمنافقون ترتيبها؟
* الطلبة: توقيفي.
* الشيخ: توقيفي؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يقرأ في صلاة الجمعة بالجمعة والمنافقين[[أخرجه مسلم (٨٧٩ / ٦٤) من حديث ابن عباس.]]، و(سبِّح) والغاشية[[أخرجه مسلم (٨٧٨ / ٦٢) من حديث النعمان بن بشير.]] كذلك، البقرة وآل عمران كذلك توقيفي، طيب.
ومنه شيء اجتهادي ثبت باجتهاد الصحابة، قد تختلف فيه مصاحف الصحابة؛ لأنه عن اجتهاد.
ترتيب الآيات حيث قلنا: إنه توقيفي لا يجوز الإِخلال به، فلا يجوز أن تُقَدِّمَ آيةً على آية في التلاوة؛ لأن الذي وضع الآية في مكانها هو الرسول ﷺ.
ترتيب الكلمات أيضًا توقيفي، لا يجوز أن تُقَدِّم كلمةً مكان كلمة.
ترتيب الحروف توقيفي، لا يجوز أن تقَدِّم حرفًا في كلمة على حرف.
فهاهنا الآن ترتيبات: ترتيب الحروف وترتيب الكلمات وترتيب الآيات كله توقيفي لا يجوز الإخلال به، وترتيب السور منه توقيفي ومنه اجتهادي.
قال الله عز وجل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ البسملة آية مستقلة في كتاب الله عز وجل، ليست من الفاتحة ولا من غير الفاتحة على القول الراجح، فهي آية مستقلة يؤْتَى بها للبدَاءَةِ بالسورة، أو نقول: للفصل بين السورتين؟ للبداءة؛ لأننا لو قلنا: للفصل بين السورتين أُورِد علينا سورة الفاتحة؛ لأنها ليس قبلها سورة، إذن للبدء بالسورة. وسقطت بين الأنفال والتوبة؛ لأنها لم ترِدْ عن النبي ﷺ، ولو ثبتَتْ ما أهملَها الصحابة رضي الله عليهم.
والبسملة -كما نشاهد ونقرأ- شبه جملة وليست بجملة؛ لأنها جار ومجرور، والجار والمجرور والظرف يُسَمَّى شبهَ جملة، ولا يسمى جملة؛ لأنها لم توجد فيه أركان الجملة، ولكن الجملة مقدَّرَةٌ فيه، واضح ولَّا لا؟
* طالب: واضح.
* الشيخ: الجار والمجرور والظرف يسمى شبهَ جملة ولا يسمى جملة، لماذا؟ لأنَّه لم تُذْكَر فيه أركان الجملة، ولكنه شبه جملة؛ لأنه لا بد من تقديرٍ تتِمُّ به الجملة، فـ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ جارٌّ ومجرور ومضافٌ إليه وصفة متعلقة بمحذوف، ولا بد، ولهذا قال في نظْمِ الجمل:
لَا بُدَّ لِلْجَـــــــــــــارِ مِــــنَالتَّعَــــــــلُّقِ ∗∗∗ بِفِــــــعْلٍ اوْ مَعْنَـــــــاهُ نَحْــــــــوُمُــــــــرْتَقِي؎وَاسْتَثْنِ كُــــــلَّ زَائِــــــدٍ لَهُعَـــــــمَلْ ∗∗∗ كَالْبَا وَمِِنْ وَالْكَافِ أَيْضًاوَلَعَلْ
(مرتقي) بمعنى الفعل؛ لأنه اسم فاعل.
وَاسْتَثْنِ كُـــــــلَّ زَائِــــــدٍ لَهُعَــــــــمَلْ ∗∗∗ كَالْبَا وَمِِنْ وَالْكَافِ أَيْضًاوَلَعَلْ
وذلك لأن الذي فيه حروف جر زائدة يُقَدَّر كأنه لا حرفَ فيه، لو قلت: ليس زيدٌ بقائم فإنك تقول: (قائم) خبر (ليس)، ما تقول: مجرور بالباء، والجار والمجرور متعلق بمحذوف، لا.
على كل حال البسملة متعلقة بمحذوف، فما هو المحذوف؟ أحسن ما يُقدَّر به هذا المحذوف أن يُقدَّرَ فعلًا متأخِّرًا مناسِبًا للمَبْدُوء به، ويش قلنا؟
* طالب: يقدر فعلًا..
* الشيخ: متأخرًا.
* الطالب: مناسب لموضعه.
* الشيخ: نعم طيب، هذا أحسن شيء، فمثلًا إذا كنت تريد أن تقرأ تقول: التقدير باسم الله أقرَأُ، إذا أردت أن تتوضأ التقدير: باسم الله أتوضأ، أردت أن تدخل: باسم الله أدخُل.. وهكذا.
قدَّرْنَاه فعلًا؛ لأنه الأصل في العمل، الأصل في العمل الأفعال، واسم الفاعل واسم المفعول والمصدر العامل ملْحَق بالفعل، فلذلك اخترنا أن نقدِّرَه فعلًا لا اسمًا؛ لأنه الأصل في العمَل.
اخترنا أن يكون متأخِّرًا لوجهين:
الوجه الأول: التبرك بالابتداء بـ(اسم الله)، أن نجعل أول الجملة ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ تبرُّكًا.
والثاني: إفادة الحصر؛ لأن تأخير العامل يفِيد الحصر.
اختَرْنا أن يكون مناسِبًا للموضوع أو لما ابتُدِئَ به؛ لأنه أدَلُّ على المقصود، حيث يُعَيِّن أن البسملة لهذا الشيء.
طيب لو قلنا: تقدير الكلام: باسم الله أبتدئ، ما الذي فاتنا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، قلنا: باسم الله أبتدئ، فِعْلٌ. ما هو فعل؟
* الطالب: لكنه غير مناسب.
* الشيخ: طيب هذا اللي فاتنا، إذن فاتنا أنه غير مناسب للموضوع.
طيب إذا قدَّرْنا: أقرأُ باسم الله، ما الذي فات؟
* الطالب: (...) أن يقرأ؟
* الشيخ: إي، أنا أريد أن أقرأ فقلت: التقدير: أقرأُ باسم الله.
* الطالب: ما فات شيء.
* الشيخ: ما فات شيء؟ لا.
* طالب: فات الحصر.
* الشيخ: لا.
* طالب: فات التبرُّك بالاسم.
* الشيخ: لا.
* طالب: التقديم (...).
* الشيخ: فات التقديم.. فات التأخير..
* الطالب: قلت (...).
* الشيخ: تقول: ما فات شيء؟
* طالب: أقرأ (...).
* الشيخ: لا، ما في.. كُلٌّ يخطئ.
* طالب: (...) بعض.
* الشيخ: طيب، إذن نقول: إذا قلنا: التقدير: أقرأُ باسم الله، الذي فات التأخيرُ، لكن فائدة التأخير -اللي أشار إليها الإخوان- هي الحصر والتبرُّك بالبداءة بباسم الله.
طيب إذا قلنا: باسم الله قراءتي، ويش الذي فات؟
* الطالب: (...) فات أن يكون فعلًا.
* الشيخ: فات أن يكون فعلًا، صح.
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (اسم) مفرد مضاف، والمفرد المضاف للعموم، وعلى هذا فيكون المعنى: بكلِّ اسمٍ من أسماء الله؛ لأنَّ المفرد المضاف يكون للعموم.
والدليل على أن المفرد المضاف يكون للعموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل ١٨]، فـ﴿نِعْمَةَ﴾ مفرد ومع ذلك قال: (تعدوا) (لا تحصوا)، فدل هذا على أنها عامَّة في كل نعمة.
والباء في قوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ للاستعانة والمصاحبة والملابَسَة؛ يعني: مستعينًا مصطحِبًا متلبِّسًا باسم الله.
و(الله) عَلَمٌ على ذاتِ الله سبحانه وتعالى، خاصٌّ به لا يُسَمَّى به غيره.
واختلف العلماء هل هو مشْتَق أو جامِد؟ والصحيح أنه مشتَقٌّ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف ١٨٠]، ولو جعلناه اسمًا جامدًا لكان غير دالٍّ على الوصف بل كان عَلَمًا محضًا، وحينئذ لا يكون دالًّا على الأحسن، بل لا يكون دالًّا على الحُسْن فضلًا عن الأحسن، فالصحيح الذي لا شك فيه أنه مشْتَقٌّ، مشْتَقٌّ من أي شيء؟
مُشْتَقٌّ من الألوهية؛ وهي التقَرُّب والتَّعَبُّد للمأْلُوه على وجه المحبة والتعظيم.
وأما قوله: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ فهو أيضًا علَم على الله عز وجل، لا يُسَمى به أحدٌ غيره، فهو من أسماء الله الخاصة به، ولا يُوصف به غيره، وهو مشتَقٌّ من الرحمة، وكان بصيغة (فَعْلَان) لدلالة هذه الصيغة على السَّعَة والامْتِلَاء، فهو دالٌّ على سعة رحمة الله عز وجل وشُمُولِها لكل شيء.
وأما ﴿الرَّحِيمِ﴾ فهو اسمٌ من أسماء الله لكن يوصف به غيره، قال الله تعالى عن النبي ﷺ: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة ١٢٨]، وهو مشْتَقٌّ من الرحمة، لكنه إذا قُرِن بالرحمن -أي إذا ذُكِرا جميعًا- كانت (الرحمن) دالَّةً على الوصف و(الرحيم) دالَّةً على الفعل؛ أي: أنه يرحَم برحمتِه عز وجل مَن يشاء.
ثم قال الله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾،﴾ ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ الكتاب هو القرآن، وسُمِّي كتابًا لأنه مكتوبٌ في اللوح المحفوظ، ومكتوب بالصحف التي بأيدينا، ومكتوبٌ في الصحف التي بأيدي الملائكة، قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس ١١ - ١٦].
إذن الكتاب هو القرآن، وسمي كتابًا لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ، في الصحف التي بأيدينا، في الصحف التي بأيدي الملائكة، وعلى هذا فـ(فِعَال) بمعنى (مَفْعُول)، وهذه الصيغة -أعني (فعالًا)- تأتي بمعنى (مفعول) في اللغة العربية كثيرًا، مثال (فِعال) بمعنى (مفعول)؟
* طالب: (...) فِراش بمعنى مفروش، (...).
* الشيخ: وغِرَاس بمعنى مغروس، بناء بمعنى مبْنِي، طيب.
﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ قال المؤلف: (القرآن، مبتدأ) أيُّها المبتدأ؟ هي ﴿تَنْزِيلُ﴾ ولَّا ﴿الْكِتَابِ﴾؟
* طالب: ﴿تَنْزِيلُ﴾.
* الشيخ: ﴿تَنْزِيلُ﴾، قال: (﴿﴿مِنَ اللَّهِ﴾ ﴾ خبرُه) إذن معنى الآية: أن الله يخبر عز وجل بأنَّ تنزيل الكتاب من عندِه، ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أي: أنه نازِلٌ منه، من عند الله؛ لا من جبريل، ولا من محمد، ولا من أيِّ مصدرٍ كان، بل هو نازل من الله سبحانه وتعالى، تكلَّم به وألقاه إلى جبريل، ثم إن جبريل نزلَ به على قلْبِ النبي ﷺ، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء ١٩٢ - ١٩٤]، وتأمل قوله: ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ لِتعلَم أن الرسول ﷺ وعَى القرآن وعيًا تامًّا؛ لأنَّ ما نزل على القلب لا بد أن يَعِيَهُ القلب.
قال: (﴿﴿الْعَزِيزِ﴾ ﴾ في ملكه، ﴿﴿الْحَكِيمِ﴾ ﴾ في صنعه) ﴿الْعَزِيزِ﴾ ما معناها؟ العزيز لها معانٍ:
أولًا: (عزيز) بمعنى غالب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون ٨]، قالها الله تعالى جوابًا على قول المنافقين: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون ٨]، فسَلَّم الله ذلك أن الأعز يخرِج الأذل، لكن قال: العزة لِمَن؟ لله ولرسوله وللمؤمنين، أما المنافقون فلا عِزَّةَ لهم حتى يستطيعوا أن يُخْرِجوا المؤمنين منها، طيب العزيز بمعنى الغالِب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
(عزيز) بمعنى قوِي، شديد القوة، ومنه قولهم: أرض عزَاز؛ يعني: صلبة قوية، ومِن المعلوم أن الله تعالى في صفاتِه كلِّها شديدٌ قوِي، كلُّ الصفات كاملة ليس فيها نقص ولا وهن ولا ضعف.
الثالث: من معنى العِزَّة الامتِنَاع؛ يعني: أنه ممتَنِع عن أن ينالَه سوءٌ، فهذه ثلاثة معانٍ للعزيز: غالب، قوي، ممتنع عن كلِّ نقصٍ.
وأما قول المؤلف: (في ملكه) فإنه قاصر في الحقيقة، قاصر جدًّا؛ لأنه إذا قُيِّدَت العزة في الملك فإنها لا تتناول إلا العزيز بمعنى الغالب أو القوي.
وأما الحكيم فيقول: (الحكيم في صنعه) (في صنعه) أي: فيما صنع، وهل يُوصف الله تعالى بأنه صانع وأن له صنعًا؟ الجواب: نعم، يُوصف بأنه صانع وأنَّ له صُنْعًا، قال الله تبارك وتعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل ٨٨].
لكن يجب أن نعلم أنَّنا إذا وصَفْنا الله بالصنع فليس كصفتنا للمخلوق بالصنع، المخلوق إذا كان صانعًا يحتاج إلى أدوات؛ إن كان نجَّارا يحتاج إلى منشار، قَدُّوم، مِخْرَاق، وما أشبه ذلك، لكن الله عز وجل لا يحتاج، فلما قال الله عز وجل: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات ٤٧] هل بناءُ الله عز وجل كبناء المخلوق؛ يحتاج إلى زِنْبِيل وإلى لبن وإلى طين؟ لا، فالبناءُ غير البناء، والصنع غير الصنع، قد يتوهمُ الانسان أنه إذا وصف الله بالصنع وأنه صانع قد يتوهم أنه يحتاج إلى آلات يُصْنَع بها، ولكن هذا خطأ؛ لأن صنع الله ليس كصنع البشر.
وقول المؤلف: (الحكيم في صنعه) تقييدها في الصنع فيه قصورٌ، والصواب أنه حكيمٌ في صنعه وفي شرعِه، ولهذا يَختِمُ الله أحيانًا آياتِ التشريع بالحكمة، كما في قوله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة ١٠]، فهو حكيمٌ في صُنْعِه، حكيم في شرعِه؛ في صنعه يعني: جميع مصنوعاته كلُّها مُحْكَمَة، قال الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ﴾ [الملك ٣]: قَلِّبْ فَكِّرْ، ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك ٣، ٤] يعني: كرَّةً بعد أخرى، في النهاية ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾، هذا من الإحكام في الصُّنع.
أما في الشرع فيقول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢] وتناقُضًا، القرآن لا يمكن يتناقض أبدًا، وإذا رأيتَ آيةً ظاهرُها يناقض الآيةَ الأخرى فاعلم أن ذلك إما من سُوء فهمِك، أو من قصور علمِك؛ إما من قصور علمِك بأن تكون الآية هذه ناسخَةً للآية وأنت لا تعلم، أو من سوء فهمك بأن تكون كلتا الآيتين محكمة ولكن لم تفهَم الجمع بينهما، وإلا فلا يمكن أبدًا أن يكون في كلام الله تناقُض، ولا فيما صَحَّ عن رسول الله ﷺ تناقض أبدًا، هذا لا يمكن؛ لأنه شرْعُ الله، والله تعالى قد أحكم شرعه.
إذن الله حكيمٌ في صنعه وفي شرعه، وبناءً على هذا تكون (حكيم) بمعنى محكم، لا بمعنى حاكِم، على هذا التفسير أن معنى (حكيم) المحكم لشرعه وصنعه. وهنا نسأل: هل تأتي (فعِيل) في اللغة العربية بمعنى (مُفعِل)؟ والجواب: نعم تأتي (فعيل) بمعنى (مُفعِل)، ومنه قول الشاعر:
أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وَأَصْـحَــــــابِيهُجُـــــــوعُ
(أمن ريحانَةَ الداعي السميعُ)، (السميع) اللي يسمع أو السميع بمعنى المُسمِع؟
* طالب: بمعنى المسمع.
* الشيخ: بمعنى المسمِع.
أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وَأَصْـحَــــــابِيهُجُـــــــوعُ
حينئِذٍ تكون (حكيم) بمعنى مُحْكِم.
وهل يمكن أن تكون بمعنى حاكم؟
الجواب: نعم يمكن أن تكون بمعنى حاكم، وعلى هذا فتكون (حكيم) بمعنى: أن له الحكم.
والحكم المضاف إلى الله عز وجل يشمل الحكم الكوني والحكم الشرعي؛ الحكم الكوني هو إيجاده للأشياء وخلقه للأشياء والحكم عليها بالفناء والبقاء والتحول والتغير، وما أشبه ذلك، كل هذا حكم، الحكم الشرعي هو ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام من أحكام الله التي يُلزَم بها المكلَّف، فقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [الإسراء ٧٨] هذا؟
* طالب: شرعي.
* الشيخ: شرعي، ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ [البقرة ٦٥] هذا كوني.
طيب ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ [المائدة ٥٠]؟
* طالب: شرعي.
* الشيخ: شرعي. ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ١٠]؟
* طالب: شرعي.
* الشيخ: شرعي. ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف ٨٠]؟
* طالب: كوني.
* الشيخ: كوني، تمام.
طيب في هذه الآية يخبر الله عز وجل أن تنزيل الكتاب من عنده، وعلى هذا فتفيد الآية الكريمة أن القرآن مُنَزَّل غير مخلوق.
أما إفادتُها لكونِه منزَّلًا فظاهر ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾، لكن كيف تفيد أنه غير مخلوق؟ لأن هذه الفائدة قد يعارِض فيها مُعارِض ويقول: ليس كلُّ مُنَزَّلٍ غيرَ مخلُوق، بل في المنزل ما هو مخلوق، قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق ٩] والماء مخلوق، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر ٦] وهذه الأنعام مخلوقة، فلا يلزَمُ من الإنزال أو التنزيل أن يكون المنَزَّلُ غيرَ مخلوق، فما هو الجواب عن هذا الإيراد؟ لأن هذا إيراد قوي يُورِدُه الجهمية الذين قالوا: إنَّ كلام الله مخلوق.
الجوابُعن هذا الإيراد سهلٌ: أن يقال: إنَّ الإنزال إذا أُضِيف إلى عينٍ قائمة بنفسِها فهذه العين مخلوقة، وإذا أُضِيفَ إلى وصف كان هذا الوصفُ حسبَ الموصوف. والكلام وصف ولَّا غير وصف؟
* طالب: وصف.
* الشيخ: فإذا كان الله أنزل القرآن -وهو كلام- وأضافه إلى نفسِه، فهو عز وجل هو بصفاته أزليٌّ أبدي ليس بمخلوق واجب الوجود، إذن يتِمُّ الاستدلال أو لا يتم؟ يتم الاستدلال أن نقول: في قوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ﴾ دليل على أن القرآن منَزَّل غير مخلوق.
طيب فيه دليل على علُوِّ الله؟
* طالب: (...).
* الشيخ: وجهُه؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: أنه قال: ﴿مِنْ اللَّهِ﴾، و(مِن) للابتداء، فإذا كان ابتداءُ الكتاب من عند الله وهو منزَّل دلَّ على علو من كان من عنده، وهو الله عز وجل.
* ومِن فوائد هذه الآية: تعظيم القرآن، وجهُه أنه نازِلٌ من عند الله وأنه كلام الله، فيكون عظيمًا كعِظَمِ المتكَلِّم به.
* من فوائد هذه الآية: إثبات ثلاثةِ أسماء من أسماء الله؛ وهي: الله، والعزيز، والحكيم.
* ويتفرع على هذه الفائدة: إثبات ثلاث صفات من صفات الله: الألوهية، والعزة، والحكمة، بل أربع صفاتٍ؛ الحكمة والحُكم.
طيب إذا قيل: كيف استفدنا أربع صفات؟
نقول: لأنَّ لدينا قاعدة؛ وهي أن الأسماء الحسنى كلُّ اسمٍ منها متضَمِّن لصفة، وبقية الفوائد تأتي إن شاء الله.
* طالب: (...) ترتيب السور منها ما هو وتوقيفي ومنها ما هو اجتهادي، كيف يفرق بين التوقيفي والاجتهادي؟
* الشيخ: ما عُلِم أن الرسول رتَّبَه فهو توقيفي.
* * *
* الطالب: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر ١ - ٣].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا أن السورة مكية، فما هو الضابط في السورة المكية؟
* طالب: ما نزل بعد الهجرة فهو مدني، وما نزل قبل الهجرة فهو مكي.
* الشيخ: طيب، استثنى المؤلف آيةً منها؟
* الطالب: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا﴾ [الزمر ٥٣].
* الشيخ: نعم، والصحيح؟
* الطالب: الصحيح أنه لا يُوجد دليل على هذا الاستثناء.
* الشيخ: طيب لنا ضابط في هذه؟
* الطالب: أن (...) أن أي استثناء يحتاج إلى دليل.
* الشيخ: فإذا كانت السورة مكية فالأصل؟
* الطالب: أنها كلها مكية.
* الشيخ: أنها كلها مكية، طيب.
مما سبق استفدنا أن القرآن منزلٌ غير مخلوق؟
* طالب: من قوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ﴾.
* الشيخ: طيب لو قال لك: إن المنزَّل قد يكونُ مخلوقًا، كقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق ٩]؟
* الطالب: الماء إذا أضيف إلى عينٍ بنفسها كان مخلوقًا.
* الشيخ: إذا كان المنزَّل عينًا قائمةً بنفسها كانت مخلوقة، وإن كان وصفًا؟
* الطالب: (...) الموصوف.
* الشيخ: والكلام؟
* الطالب: وصف.
* الشيخ: وصف، أحسنت.
سبق لنا أن العِزَّة ثلاثةُ أقسام؟
* طالب: بمعنى غالب.
* الشيخ: عزة القهر، وعزة؟
* الطالب: عزة الامتناع، وعزة القوة.
* الشيخ: القوة، أحسنت.
طيب (الحكيم) هل هي بمعنى مُحكِم أو بمعنى حاكِم؟
* طالب: تكون بمعنى مُحكِم وتكون بمعنى حاكم.
* الشيخ: تشمل هذا وهذا، إذا كانت بمعنى مُحكِم فهي مشتَقَّة من أيش؟ أنت إذا قلت: ضاربٌ مشتقةٌ من الضرب، مُحكِم؟
* طالب: من حكيم.
* الشيخ: سبحان الله!
* طالب: أحكَمَ.
* الشيخ: من أحْكَمَ؛ أي من الإحكام، طيب اشْتَق من الإحكام، ما هو الإحكام؟
* طالب: هو اسم من أسماء الله.
* الشيخ: سبحان الله، الإحكام اسم من أسماء الله؟! أتيتَ به من كيسِك.
* طالب: الإتقان.
* الشيخ: الإحكام يعني الإتقان، طيب، ويعود إلى معنى الحكمة؛ لأنَّ الحكمة وضْعُ الشيء في موضعه، ووضْعُ الشيءِ في موضعِه إتقان، طيب وإذا كانت (حكيم) مِن؟
* طالب: يعني حاكم.
* الشيخ: معنى حاكم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: مشتقة منين؟
* الطالب: من الحُكم.
* الشيخ: من الحكم، أحسنت، يعني إذن الله له الحكم والإحكام؛ يعني موصوفٌ بالحُكْم والإحكام، تمام.
طيب هل يشارِك اللهَ أحدٌ في الحكم؟
* الطالب: الحكم الشرعي لا يشاركه أحد، ولا الكوني لا يشاركه أحد.
* الشيخ: لا يشاركه أحدٌ لا الشرعي ولا الكوني؟
* طالب: ممكن..
* الشيخ: قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة ٤٢].
* الطالب: (...) حكم الله عز وجل.
* الشيخ: يعني الحكم المطلق؟
* الطالب: لله عز وجل.
* الشيخ: لله عز وجل، والمقيد؟
* الطالب: للمخلوق.
* الشيخ: يكون للمخلوق، تمام.
بسم الله الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: ﴿الْحَكِيمِ﴾ سبق لنا أنه من الإحكام ومن الحُكم، فالإحكام يعني الإتقان، والإتقان هو الحكمة؛ وهي وضع الشيء في موضعِه.
قال العلماء: والحكمة تكون في صورة الشيء وهيئة الشيء وذاتِ الشيء وتكونُ في غايته؛ الحكمة في نفس الشيء يعني أن الشيء نفسَه مشتمل على الحكمة، فإذا تأَمَّلْتَ الشرائع وجدتَ أنها مشتمِلة على الحكمة، وإذا تأمَّلْتَ الغاية منها وجدتها أيضًا في غاية الحكمة، كذلك أيضًا إذا تأملت الصنائع التي صنعها الله عز وجل -وهي الحكمة التي تكون في الكون- وجدت أنها مشتملة على الحكمة، وإذا تأملت الغاية منها وجدتها أنها حكمة أيضًا، فالعبادات المقصود بها إصلاح الخلق، وهي موضوعة على وفق الحكمة، الصلوات كونُها بهذه الهيئة هو الحكمة، الزكاة والحج وبقية العبادات.
الكون؛ السماء الأرض الشمس القمر كونُها على هذا النظام البديع هذا حكمة، والغاية منها أيضًا حكمة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص ٢٧].
الزمر 39:2
ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ [الزمر ٢] لَمَّا بَيَّن أن تنزيل الكتاب من الله؛ بيَّن إلى مَن أُنزِل فقال: (﴿﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ ﴾ يا محمد) ﴿أَنْزَلْنَا﴾ ضمير جمع لكنه إذا كان عائدًا إلى الله فليس للجمع قطعًا بل هو للتعظيم، وقد اشتبه على النصراني مثل هذا الجمع وقال: إن الله ثالث ثلاثة؛ لأن الله تعالى يذكر الضمير عائدًا إليه بصيغة الجمع، وأقل الجمع ثلاثة، فنقول في الرد عليه: إن هذا من زيغ النصارى، ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]، فاتَّبَعُوا المتشابه من القرآن، ولو أنهم ردوا هذا المتشابه إلى المحكم لعلموا أنهم مخطئون غاية الخطأ؛ وذلك أن الله صرَّح في آيات كثيرة بأنه إلهٌ واحد فقال: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة ١٦٣]، وهذا نصٌّ صريح مُحكَم، وأما (نا) التي هي ضمير الجمع فإنها في اللغة العربية التي نزَل بها القرآن صالحة للجمع وللمُعَظِّم نفسَه، إذن هي من المتشابه؛ لأن اللفظ إذا احتمل معنيين فإنه يقال فيه: متشابه، والمتشابه يجب أن يُرَد إلى المحكم.
قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ ﴿إِلَيْكَ﴾ هذا الغاية، والخطاب للرسول ﷺ، ﴿الْكِتَابَ﴾ أي: المكتُوب، وهو القرآن، وسبق وجه كونه كتابًا.
(﴿﴿بِالْحَقِّ﴾ ﴾ متعلِّق بـ(أنزل)) ﴿بِالْحَقِّ﴾ الباء هنا للملابسة وللتعدية؛ يعني: أن الكتاب نفسه نزل حقًّا من عند الله لا من عند غيره، ﴿أَنْزَلْنَا﴾ بالحق؛ يعني بالتأكيد، أننا أنزلناه إليك من عندنا، وقلنا أيضًا: للتعدية؛ بمعنى أن الكتاب نزل بالحق؛ أي أن ما اشتمل عليه القرآن فهو حقٌّ.
فعلى الوجه الأول يكون المراد بالحق تأكيد أنه نزل من الله، وعلى الوجه الثاني يكون المعنى أن كلَّ ما اشتمل عليه القران من أخبار وأوامر ونواهٍ وغيرها فهو حق.
إذن ﴿بِالْحَقِّ﴾ له معنيان:
المعنى الأول: أن القرآن نزَلَ من عند الله حقًّا لا باطلًا.
الثاني: أن ما اشتمل عليه القرآن فهو حق؛ أوامر، نواهٍ، أخبار، قصص، كلها حق.
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ قال: (متعلِّق بـ(أنزل)) ولم يقل: متعلق بـ﴿أَنْزَلْنَا﴾؛ لأنَّ المتعَلِّق إنما يتعَلَّق بالفعل، أما (نا) فهي ضمير خارجة عن الفعل.
قال: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ الفاء للتفريع، وعلامة فاء التفريع أن ما بعدَها يكون مرَتَّبًا على ما قبلها، فالمعنى: فلإنزالِنا إليك الكتاب اعبدِ الله مخلصًا له الدين، (اعْبُد) الخطاب للنبي ﷺ، وقوله: ﴿مُخْلِصًا﴾ حال من فاعل (اعبد)، وإخلاص الشيء تنقِيَتُه من الشوائب وإزالة ما يُخالطه، فإذا كان مخلصًا له الدين فالمعنى أن تُنَقِّىَ دينك من كل شرك، ولهذا قال المؤلف: (﴿﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ﴾ من الشرك) أي: موحِّدًا له؛ أي: لله.
وقوله: ﴿لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿الدِّينَ﴾ يعني: العمَل، والمراد به هنا العمل المخصوص وهو العبادة؛ لقوله: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، ولم يقل: مخلصًا له العبادة؛ لأن الدين هو العمل الذي يريد العامل عليه مكافأةً، هذا الدين، ومنه قولهم: كما تَدِين تُدَان.
واعلم أن (الدِّين) يُطلَق على العمل الذي يُراد به المكافأة، ويُطلقُ على نفس المكافأة وهي الثواب على العمل، فمِن الأول مثل هذه الآية ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، ومثل قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون ٦]، ومثل قوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة ٣]؛ أي عملًا تتعبدون به.
ومثال الثاني قوله تبارك وتعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤] يعني: يوم الجزاء على العمل، ومثل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار ١٧، ١٨] أي: يوم الجزاء على العمل.
قال الله تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر ٣] ﴿أَلَا﴾ إداة استفتاح، وهي حرف يراد به التنبيه. ويش قلنا؟
* طالب: ﴿أَلَا﴾ أداة تنبيه.
* الشيخ: أداة تنبيه، إي نعم.
* الطالب: ﴿أَلَا﴾ أداة استفتاح.
* الشيخ: ﴿أَلَا﴾ أداة استفتاح، وهي حرف يُراد به التنبيه، ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ هذه أداة استفتاح، وهي حرف يراد به التنبيه؛ لأنَّ المتكلم إذا قال: (أَلَا) انتبه المخاطب، وقوله: ﴿لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ الجار والمجرور خبر مقدم، و﴿الدِّينُ﴾ مبتدأ مؤخر، ويفيد تقديم الخبر الحصر؛ أي: لله وحده.
وقوله: ﴿الدِّينُ﴾ يعني: العمل الذي يُراد الثواب عليه، وقوله: ﴿الْخَالِصُ﴾ يعني: النَّقي من الشوائب والشرك؛ أي أنه يجب على العاقل أن يجعل الدين الخالص لله وحدَه؛ إذ كيف يلِيق بالعاقل أن يتعبد بالحقِّ لله من أجلِ التَّقَرُّبِ إلى غيره؟! هذا خلاف العقل، فإذا قام الإنسان يصلِّي من أجل أن يراه الناس فهو سفيه في عقله ضالٌّ في دينه، كيف تجعل الحق الخالص للناس؟ الحق الخالص لله تجعَلُه للناس؟! العمل الذي للناس للناس، لكن العمل الذي لله يجِب أن يكون لله، ولهذا قال: ﴿أَلَا لِلَّهِ﴾ وحده ﴿الدِّينُ الْخَالِصُ﴾، فلا يجوز أن نجعلَه لغيرِه.
ولهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ إلى آخرِه، الواو هنا للاستئناف، و﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، و﴿اتَّخَذُوا﴾ صلة الموصول، وخبر المبتدأ محذوف تقديره: يقولون: ما نعبدهم، أو قالوا: ما نعبدهم.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ ﴿اتَّخَذُوا﴾ بمعنى صيَّرُوا، كقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء ١٢٥] يعني: صيَّرَه، وقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية ٢٣] أي: صيَّرَ إلهَه هواه، إذا كانت (اتخذ) بمعنى صيَّر فإنها تحتاج إلى مفعولين؛ مُصَيَّر ومُصَيَّرٍ إليه.
يقول المؤلف رحمه الله: (الأصنام ﴿﴿أَوْلِيَاءَ﴾ ﴾)، وعليه فيكون المفعول الأول محذوفًا، والثاني ﴿أَوْلِيَاءَ﴾، وحَذْف المفعول إذا دلَّ عليه الدليل جائز، قال ابن مالك رحمه الله في بابِ المبتدأ والخبر قال:
وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ كَمَا ∗∗∗ تَقُولُ (زَيْدٌ) بَعْدَ (مَنْعِنْدَكُمَا)
(حذف ما يعلم جائز) الواقع أن هذا البيت في المبتدأ والخبر لكن هل هو عام؟ نعم هو عام، حذْف ما يعلم جائز، وقد يكون من الفصاحة والبلاغة أن يُحذَف، إنما الأصل أن ما يُعلَم يجوز الحذف، وما لا يعلم لا يجوز الحذف؛ لأن الكلام لا بد أن يكون مُبَيِّنًا لمراد المتكلم، وهذا لا يكون مع حذف ما لا يُعلَم.
طيب إذن المفعول الأول محذوف، والتقدير: الأصنام، والثاني موجود وهو قوله: ﴿أَوْلِيَاءَ﴾، (أولياء) جمع وليٍّ؛ أي يتوَلَّوْنَها ولاية عبادة يتضَرَّعُون إليها، يسجُدُون لها، ينذُرُون لها، يتصَدَّقُون لها، لكن لا يعتقدون أن هذه الأصنام تنفعُهم أو تضرهم بذاتها ولا أنها تخلُق ولا أنها ترزُق لكن يدَّعون أنهم اتَّخَذُوها وسيلة.
ولهذا يقول: (﴿﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ ﴾ وهم كفارُ مكة) وتخصيصها هذا بكفار مكة فيه قصورٌ، ولا ينبغي أن نفَسِّر العامَّ بما هو أخص إلا على سبيل التمثيل، أما على سبيل تحديد المعنى بحيث يأتي اللفظ في القرآن عامًّا ثم نفَسِّرُه بمعنًى أخص فإنَّ هذا قصور في الحقيقة، أليس كذلك؟ لكن إن أراد الإنسان بهذا التفسير، إن أراد التمثيل؛ يعني: مثل كفار مكة فهذا لا بأس به، لكن القارئ الذي يقرأ مثل هذه العبارة من كلام المؤلف لا يشك أن المؤلف أراد بهذا التخصيص، وفي هذا نظرٌ ظاهر، فالواجب إبقاءُ دلالة عموم الآيات وكذلك الأحاديث على ما هي عليه حتى يقوم دليل عقلي أو قرينة لفظِيَّة على أن المراد الخاص.
طيب يقول: (وهم كفار مكة قالوا: ﴿﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ ﴾) (قالوا) هذه الجملة محذوفة؛ لأنها معلومةٌ من السياق، ويصح أن نقدِّر (يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ )، ولعلها أنسَب من قول المؤلف: (قالوا) حكايةً للحال التي هم عليها، وعلى كُلٍّ فالجملة المحذوفة هي خبر المبتدأ، وهو قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾، ولا يجوز أن نجعل جملة ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ هي الخبر؛ لفساد المعنى.
قال: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ هذا حصر لمرادهم بعبادة هذه الأصنام؛ يعني: ما نعبدهم إلا لهذا الغرض ﴿لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، وهذا إقرار منهم واعتراف بأنهم يعبدون الأصنام؛ لقولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾، وأنَّ هذه العبادة وسيلة لغاية أشرف منها وهي القُرْبى إلى الله عز وجل، وهذا من جهلهم؛ لأنه الآن إذا عبَدُوهم جعلوها غاية؛ لأنَّ المقصود هو الوصول إلى الله عز وجل، والوصول إلى الله لا يكون إلا بعبادته، فهم إذا عبدوهم جعلوهم هم الغاية، ولهذا سنبين -إن شاء الله- أن هذا من سفَهِهم.
﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (قُرْبى) مصدر بمعنى: تقريبًا، ﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ﴿زُلْفَى﴾ يقول المؤلف: إنها مصدر لكنَّها مصدرٌ معنوي؛ لموافقته العامل في المعنى دون اللفظ، لأنَّ المصدر قد يكون لفظيًّا وقد يكون معنوِيًّا؛ فإن وافَق عاملَه في اللفظ فإنَّه لفظي، مثل: قمتُ قيامًا، وإن خالفَه في اللفظ دون المعنى صار معنَوِيًّا، كقولك: قمتُ وقوفًا.
قعدتُ قعودًا؟
* طالب: لفظِي.
* الشيخ: لفظي. قعدتُ جلوسًا؟
* طالب: معنوي.
* الشيخ: معنوي، طيب.
يقول: تقرَّبُوا إلى الله زلفى، يقول: إنه بمعنى قربى، وقربي أيضًا يراد بها التقريب، وإنما قال المؤلف: إنه يراد بها التقريب؛ من أجل أن يطابِق الفعل، الفعل (قرَّبَ) مضارِعُه يُقَرِّب، المصدر المطابق أيش؟ تقريبًا لا قُرْبَى.
ولكن من المعلوم أنه قد يوافق المصدر عاملَه في اللفظ ولكنه لا يُطابِقُه في الحروف، ومثل هذا يسمَّى عندهم اسم مصدَر، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح ١٧]، لو كان مصدرًا لقال: إنباتًا، فلما قال: ﴿نَبَاتًا﴾ ونقصت حروفه عن حروف فعلِه سُمِّي اسمَ مصدر. المهم أنهم يقولون: نحن لا نعبد هذه الأصنام إلا من أجل أن تقرِّبَنا إلى الله تعالى قربى.
يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ الجملة استئنافية لبيانِ مآلِ هؤلاء الذين اتَّخَذُوا الأصنام أولياء؛ يعني فماذا تكون نهايتهم؟ يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ طيب ﴿بَيْنَهُمْ﴾ قال المؤلف: (وبين المسلمين)، فأشار إلى أن الطرف الآخر من البينُونة -أو من البَيْنِيَّة على الأصح- محذوف وبين المسلمين، وهذا التقدير ليس في السياق ما يدلُّ عليه، لو قال: (بينكم) لكان صحيحًا أن المراد: بينكم وبينهم، لكن هو قال: ﴿بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين هؤلاء الكفار، ﴿فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ وكأن المؤلف رحمه الله ظنَّ أنه لا اختلافَ بين الكفار، وليس كذلك، بل الخلاف بينهم حاصل في الدنيا وفي الآخرة، قال الله تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ﴾ [الأعراف ٣٨] إلى آخر الآيات، محاورة، منازعة، مخاصمة، فيحكم الله بينهم، وقد ذكر الله ذلك في عدة آيات، فالصواب أن الضمير ﴿بَيْنَهُمْ﴾ أي يعود على الكفار، وأنَّ الخلاف أو الاختلاف حاصل بينهم أنفسهم.
النصارى واليهود بينهم خلاف؛ ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة ١١٣]، وهذا خلاف ثابت بين الأمم الكافرة، فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما هم فيه يختلفون من أمر الدين، فيُدْخِلُ المؤمنين الجنة والكافرين النار، هذا بناءً على ما ذهب إليه المؤلف.
ولكن على القول الذي هو ظاهر الآية الكريمة ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، فيجعل كلَّ إنسان في منزلته، وقد بيَّن الله عز وجل ذلك في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سبأ ٣٣]، لما ذكر المحاورة بين المستضعفين والمستكبرين.
في هاتين الآيتين فوائد:
* أولًا: فضيلة رسول الله ﷺ وعُلُو مرتبتِه، وذلك بإنزال كتاب الله إليه؛ لقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾.
وهنا نسأل هل إنزال القرآن إلى الرسول إنزالٌ إلينا؟ نعم إنزال إلينا؛ لأنه رسولنا، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء ١٧٤]، فالنازل إلى رسول الله نازل إلينا ولكنه هو المباشر لهذا الإنزال ويبَلِّغُه لنا.
* من فوائد الآية: ما سبق من أن القرآن نازِلٌ من عند الله، فيكون كلامَه.
* ومنها: علو الله عز وجل؛ لأنَّ النزول إنما يكون من أعلى (...).
دلَّ عليه الكتاب والسنة والعقل والفطرة، خمسة أنواع من الأدلة كلها تثبت علُوَّ الله على خلقه، وقد خالَف في هذا طائفتان:
الطائفة الأولى: طائفة الحلولية الذين قالوا: إن الله بذاته في كل مكان، يقولون: الله بذاته نفسُه سبحانه وتعالى في كل مكان؛ في المسجد، في السوق، في البيت، في السطح، في الحجرة، في أقبح مكان، والعياذ بالله. وهؤلاء الآن أقول: إنهم كفار، لكن مَن كان متأَوِّلًا وجب إعلامُه وبيانُ الحقيقة له فإن أصَرَّ فهو كافر.
الطائفة الثانية المخالفة: المعطلة الجاحدة الذين يقولون: إن الله تعالى ليس فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا متصل ولا منفصل، هؤلاء وصفوا الله بالعدم، كما قال محمود بن سبكتكين رحمه الله لابن فورك لمَّا قال: إن الله لا موجود ولا معدوم.. إلى آخره، قال له محمود بن سبكتكين: إنك وصفتَ الله تعالى بالعدم. وصدق، لو أردنا أن نصِفَ معدومًا ما وجدنا أشد إحاطةً من هذا الوصف بالمعدوم.
طيب، هدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، وقالوا: إن الله تعالى نفسَه فوق كل شيء كما دلَّ على هذا الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الكتاب حقٌّ من عند الله لم يتقَوَّلْه النبي ﷺ على ربِّه، بل هو من عند الله؛ لقوله: ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ يعني: أنه حقٌّ من عند الله عز وجل، وقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة ٤٤ - ٤٦].
ولا بأس أن نتكلم عن هذه الآية، قال: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا﴾ بعد أن قال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا﴾ [الحاقة ٤٠ - ٤٤] لئلا يتوَهَّم واهم أنه لما قال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ صار القرآن من عند الرسول عليه الصلاة والسلام وأنه هو الذي قاله، فقال: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة ٤٤ - ٤٧].
* ومن فوائد هذه الآية: أن جميع ما في القرآن حق، على الوجه الثاني، أخباره وقصصُه وأوامرُه ونواهيه، إذن أخبارُه ليس فيها كذب بوجه من الوجوه، قصصُه ليس المراد منها إمضاء الوقت وإتلاف الوقت بل هي قصص نافعة، ويأتي -إن شاء الله- البقية (...).
* * *
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣) لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [الزمر ٣ - ٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ ما معنى هذه الجملة من الآية؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ليس كذلك.
* الطالب: (...).
* الشيخ: معنى الآية، ما نريد التفصيل.
* الطالب: تنبيه على أن دين الله تبارك تعالى دينٌ نقيٌّ..
* الشيخ: نقي من الشرك، وأنَّ كلَّ دين صار فيه شرك فإنَّ الله لا يقبله، نعم طيب.
قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ كيف نُعرِب هذه الجملة؟
* طالب: الواو حرف استئناف، و﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ.
* الشيخ: نعم، أين خبره؟
* الطالب: خبرُه مقول قول ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾، التقدير: يقولون (...).
* الشيخ: تقول: الخبر مقول القول، وأنت تقول: محذوف تقديره يقولون، أيش (...)؟
* الطالب: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾ مقول.
* الشيخ: أين خبر (الذين)؟
* الطالب: محذوف.
* الشيخ: ويش التقدير؟
* الطالب: يقولون.
* الشيخ: يقولون، نعم طيب، إذا كانوا يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾ فهنا جعَلُوا الوسيلة؟
* الطالب: هي عبادة الأصنام، جعلوا الوسيلة..
* الشيخ: إي نعم، لكن هنا جعلوا الوسيلة غاية.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: (...) هم يقولون: نحن ما نجعلها (...) بل نجعلها وسيلة.
* الشيخ: يا أخي قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا﴾ فهم عبدوها ليكون ذلك وسيلة ليقربهم إلى الله، فجعلوا الوسيلة جعلوها غاية؛ لأن الغاية من التقرب إلى الله هو عبادته، فهنا قلبوا الواقع فجعلوا الوسيلة غاية.
طيب هل حال بعض الناس عند القبور كحال هؤلاء؟ نعم، فيه ناسٌ يطوفون بالقبور ينذرون لها، يسجدون لها، يقولون: هؤلاء أولياء يقربوننا إلى الله كحال هؤلاء. وهل لهؤلاء القبوريين وجود؟
* طالب: الآن، إي نعم.
* الشيخ: الآن موجود.
* الطالب: الذين يعبدون (...).
* الشيخ: أنا وصفت لك حال الذين يطوفون بالقبور ويعبدونهم، فقلت: هل يشبهون حال المشركين؟ فقلت لي: نعم، فأقول لك الآن: هل لهؤلاء الآن وجود في العالم الإسلامي أو لا؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: لهم وجود.
طيب قال المؤلف: (﴿﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ ﴾ وبين المسلمين)، فما مدى صحة هذا التفسير؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ المؤلف يقول: (وبين المسلمين)، فما مدى صحة هذا التفسير؟
* الطالب: ليس بصحيح.
* الشيخ: ليس بصحيح، ما هو الصحيح؟
* الطالب: الصحيح أنه (...).
* الشيخ: أحسنت، يعني بين الكفار أنفسهم.
طيب هل لك أن تُبَيِّن لي صورة من اختلاف الكفار؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني مثل آية تشهد على أنه يكون بينهم اختلاف.
* الطالب: قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ﴾ [آل عمران ١٩].
* الشيخ: لا، هذا يوم القيامة، اختلافهم يوم القيامة؛ لأن الله يحكم بينهم يوم القيامة.
* الطالب: مثل قوله تعالى (...): ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾ [الأعراف ٣٨].
* الشيخ: أحسنت، مثلما قال: ﴿الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ ٣١]، والآيات في هذا متعددة.
قال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾.
* من فوائد هذه الآية: أن إنزال القرآن حُجَّةٌ على الناس يُلْزِمُهم بعبادة الله؛ لقوله: ﴿فَاعْبُدِ﴾، والفاء هذه للتفريع؛ أي: فلأجل إنزال الكتاب إليك اعبُدِ الله.
* ومن فوائدها: أن من لم يبلُغْه الكتاب لم تلزمْه العبادة، ويدل لهذا آياتٌ أخرى مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء ١٥]، ومثل قوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥]، ومثل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص ٥٩].
ومثل قول النبي ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ لَا يُؤْمِنُ بِمَا جِئْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ»[[أخرجه مسلم (١٥٣ / ٢٤٠) من حديث أبي هريرة.]]، فقال: «لَا يَسْمَعُ بِي»، والنصوص في هذا المعنى كثيرة أن من لم تبلغه دعوةُ الرسل لا تلزمُه العبادة.
والدليل التطبيقي لهذه المسألة عدة شواهد؛ منها: حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه «بعثَه النبي ﷺ في سرية، فأجْنَب فلم يجِدِ الماء، فتمَرَّغ في الصعيد كما تتمرغ الدابة ظنًّا منه أن هذا لازِمٌ له وصلَّى، وأخبر النبيَّ ﷺ بهذا، فبيَّن له النبي ﷺ أنه يكفِيه عن الغُسْل أن يضْرِبَ الأرض بيديه ثم يمسَح وجهَه وكفَّيه، ولم يأمُرْه بإعادة الصلاة»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٨)، ومسلم (٣٦٨ / ١١٢) من حديث عمار.]].
وكذلك «الرجل الذي جاء فصلى ولا يطمَئِنُّ في صلاته فقال له النبي ﷺ: «إِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»، فقال له: والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧ / ٤٥) من حديث أبي هريرة.]]. فعلَّمَه النبي ﷺ ولم يأمره بإعادة ما مضى من صلاته مع أنه كان لا يصَلِّي صلاة لا تجْزِئُه.
وكذلك المرأة التي كانت تُسْتَحَاض فتَظُنُّ أن هذا حيضٌ فلا تصلي فلم يأمُرْها النبي ﷺ بالإعادة[[أخرجه أحمد (٢٧٦٣١) من حديث فاطمة بنت أبي حبيش.]]. وأمثال هذا كثير.
وعليه فلو أن رجلًا أسلم في بلاد الكفر أو في بلاد نائية لا يصِلُها أحكام الشرع وترَك الصلاة مدة ثم علِم بعد ذلك بوجوب الصلاة فإننا لا نأمُرُه بإعادة ما ترك وإنما نأمره بصلاة ما حضَر وقتُه فقط.
وكذلك لو كانت امرأة في محلٍّ ناءٍ بلغَتْ بالحيض وهي صغيرة ولم تصُمْ رمضان ولكنَّها في محلٍّ ليس حولَها علماء تسألهم قد غلب عليها الجهل كالبادية -مثلًا- فإننا لا نأمُرُها بقضاء ما تركَتْ من الصوم؛ للجهل، وهذا هو اللائق بالشريعة الإسلامية المبنِيَّة على اليسر والسهولة، وعلى أن الله تعالى لا يكلِّفُ نفسًا إلا وسْعَها، ولا يكلف نفسًا إلا ما آتاها، وهنا الآية التي معنا يمكن أن يكون فيها إشارة لِمَا ذكر، ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ ﴿فَاعْبُدِ﴾ بعد الإنزال أُمِر بالعبادة.
* ومن فوائد هذه الآية: وجوب الإخلاص لله في العبادة؛ لقوله: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، والإخلاص تنقية الشيء مما يشوبه، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن الله قال: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]، فلو تصدَّق الإنسان بمال لكنه مُرَاءٍ بذلك من أجل أن يُمدَح فإنه لم يعبُدِ الله، وهو آثم وليس بمأجُور، ولو صلَّى لِيُمْدَح فإنه لم يعبد الله وهو آثم وليس بمأجور؛ لأن الله أمر بعبادة خاصة وهي الإخلاص، ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن العبادة دِينٌ يَدِينُ به الإنسان، ومعنى كونِه دينًا أنه يعمل لِيُثَاب.
* ويتفرَّع على هذه الفائدة أنَّه ينبغي للإنسان حين العبادة أن يُلَاحِظ هذا المعنى وهو أنه يعمَل لِيُثَاب؛ لأنه إذا شعر بهذا الشعور فسوف يتقِن العمل؛ إذْ إن العقلَ يهدي الإنسان إلى أن الثواب على قدْر العمل؛ إن أحسنْتَ العمل حسُنَ الثواب، وإن قصَّرْت فالثواب ينقُص، وهذه المسألة -أعني شعور كون الإنسان يعمل من أجل الثواب- أعتقد أنها تفوت كثيرًا من الناس لا ينتبِهُون لها.
* ومِن فوائدها أيضًا: الإشارة إلى نية المعمول له حينما تعمل تريد التقرُّب إلى الله عز وجل بامتثال أمره، فمثلًا عندما تريد تتوضأ تنوي بأنك تتوضأ امتثالًا لأَمْر الله حينما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة ٦]؛ من أجل أن تشعُر بالعبادة ولَذَّة العبادة، لا لأجل أن تبرِئَ ذمَّتَك بفعل ما هو فرْضٌ عليك من الطهارة للصلاة، هذا لا شكَّ أنه نية طيبة، لكن أطيب منها أن تستشعر بأنك تمتثل أمر الله لتشعر بلَذَّةِ العبادة وأنَّك حقيقةً عبدٌ لربك عز وجل، هذه مسائل ينبغي للإنسان أن ينتبه لها في عبادته، ولهذا قال: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾.
ثم قال الله تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾.
* من فوائد هذه الجملة: أن الله لا يقبل إلا دينًا خالصًا ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾، أما ما سواه فليس لله حتى وإن أشرَكْت به مع الله -حطوا بالكم يا جماعة- لأنَّ الدين لله ما هو؟ الخالص النقي من شوائب الشرك.
فإن قال قائل: إذا كان العمل خالصًا في أولِه مُشْرَكًا فيه في آخره فهل يبطل العمل كله، أو يبطل ما فيه الشرك، أم ماذا؟
نقول: في هذا تفصيل؛ إذا كانت العبادة التي وقع الشرك في أثنائها ينبني بعضُها على بعض فإنها تبطل، مثل الصلاة: رجل أحرم بالصلاة مخلِصًا لله، وفي أثنائها سمع حوله أحد فراءَى في ذلك في صلاته في أثناء العبادة، ماذا نقول؟ نقول: الصلاة تبطل، تبطُل كلها؛ لأن أولها وآخرها مبْنِيٌّ بعضُه على بعض.
أما إذا كانت لا ينبني بعضُها على بعض فإن ما كان خالصًا يصِح، وما كان مشوبًا لا يصح؛ مثل رجل كان يتصدَّق عنده ألف رِيال، كلما جاء فقير أعطاه منها، أنفق خمس مئة رِيال خالصة لله، وفي أثناء الإنفاق حضر أناسٌ فراءاهم، فهل تبطل الصدقة الأولى التي بها الإخلاص؟ لا. لماذا؟ لأن بعضها لا ينبني على بعض؛ كل درهم منفصل أو كل رِيال منفصل عن الذي قبله، هذه مسألة مهمة.
المسألة الثانية: أحيانًا يهاجِم الرياءُ القلبَ ويدافعه الإنسان يدافع، فهل يؤثر هذا على إخلاصِه؟
الجواب: لا يؤَثر ما دام يدافعه ويعرض عنه؛ لأنه الآن في جهاد لعدوه، والشيطان دائمًا يأتي الإنسان من كل وجه، قال الله تعالى عنه في سورة الأعراف: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف ١٦]؛ يعني: في كل مكان، يأتي الإنسان يثَبِّطُه عن العبادة، يثَبِّطُه عن طلب العلم، يثَبِّطُه عن صلة الرحم عن برِّ الوالدين، وما أشبه ذلك مما أوجب الله عليك، فإذا رأى منه تصميمًا على القيام بالعبادة أتاه من جهة أخرى وهو الغلو في العبادة والزيادة فيها والتنَطُّع والتكلف، فإذا عجز عنه من هذه الناحية أتاه من جهة النية أنك مراءٍ، ولكن الإنسان يجب عليه أن يدافع الشيطان بقدر ما يستطيع مستعينًا بالله عز وجل.
* من فوائد الآية الكريمة في قوله: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ غِنَى الله عز وجل، غِنى الله الغِنَى التام.
ووجه ذلك أنه إذا كان الله لا يقبَلُ إلا ما كان خالصًا دلَّ على غِناه عن عملِ العباد؛ لأنه -وحاشاه من ذلك- لو كان فقيرًا محتاجًا لذلك لاكتفى بما يأتيه منهم ولو على سبيل المشاركة، كالإنسان المحتاج يقبَل منك ما كان خاصًّا له وما كان مشترَكًا، فلما كان الله لا يقبل إلا ما كان خالصًا عُلِمَ بهذا غناه عن العباد، وإلى هذا يشير قوله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]].
ثم قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية: أن عابدي الأصنام قد توَلَّوا الأصنام واتخَذُوها أولياء.
* ومن فوائدها أنهم -أي عباد الأصنام- يمَوِّهُون على الناس، يقولون: نحن ما نعبدُهم إلا لِغَاية وهي أن يقرِّبُونا إلى الله زلفى.
* ومن فوائدها: أنه يمكن أن نعَدِّيَ هذا الحكم إلى جمِيع أهل الباطل؛ يدَّعون أنهم يحسِنُون صنعًا وهم كذَبَة.
ولنضرب لهذا مثلًا بأهل التعطيل: أهل التعطيل يدَّعون أنهم بتعطيلهم هذا منَزِّهُون لله وأنَّ قصدَهم تنزيهُ الله عز وجل عن النقص وعن مشابهة المخلوقين، وهم كاذبون في هذا؛ لأنهم إذا عطَّلُوه عن كمال صفاته فهو ضد التنزيه، هؤلاء يقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، والحقيقة أن هذه العبادة تبعدهم من الله مسافات كثيرة.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: إقرار المشركين بأنهم يعبدون أصنامهم ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾، فهم يصرحون بأنهم يعبدونهم لكن لا يقولون: نعبدهم لنتقرب إليهم بل ليقربونا.
* ومن فوائدها: أن المشركين في عهد الرسول ﷺ يُقِرُّون بوجود الله، وأنه أعظَم من كل عظيم؛ لقولهم: ﴿لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾، فهم معترِفُون بالله عز وجل وأنه أعظم من أصنامهم، ولهذا جعلوها وسيلة له أو للتقرب إليه.
* ومن فوائدها: أنه سيكون بين هؤلاء المشركين وبين أوليائهم سيكون نزاع وخصومة يوم القيامة؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر ٣].
* ومن فوائدها: أن الحكم لله عز وجل وحده في ذلك اليوم -أعني يوم القيامة- وأنَّ المرجع إليه.
ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر ٣] هذه الجملة مؤَكَّدة، كما تشاهدون مؤكدة بـ﴿إِنَّ﴾. وقوله: ﴿لَا يَهْدِي﴾ المراد بذلك هداية التوفيق، وأما هداية الدَّلالة فإنها حجة الله على خلقه لا بد أن تنال كل أحد، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت ١٧]، هديناهم هداية؟
* طالب: دلالة.
* الشيخ: دلالة، إذن ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي﴾ هداية توفيق لا هداية دلالة، بل هداية الدلالة ثابتة لكل أحد، ﴿لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ ﴿مَنْ هُوَ﴾ أي: الذي هو كاذب.
قال المؤلف: (في نسبة الولد إليه) والذين نسَبُوا الولد إليه هم اليهود والنصارى والمشركون، ثلاثة؛ أما اليهود فقالت: عزيرٌ ابن الله، وأما النصارى فقالوا: المسيحُ ابن الله، وأما المشركون فقالوا: الملائكة بنات الله، والآية كما تشاهدون ﴿مَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ عامة، لكن كأن المؤلف خصَّصَها بنسبة الولد إلى الله؛ لقوله فيما بعد: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الزمر ٤].
* طالب: (...).
* الشيخ: كأن المؤلف خصها بنسبة الولد إليه؛ لقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾، وإلا فلو نظرنا إلى الآية ﴿كَاذِبٌ﴾..
هداية دلالة، إذن ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي﴾ [الزمر ٣] هداية توفيق، لا هداية دلالة، بل هداية الدلالة ثابتة لكل أحد، نعم ﴿لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾، ﴿مَنْ هُوَ﴾ أي الذي هو كاذبٌ.
قال المؤلف: (في نسبة الولد إليه) والذين نسبوا الولد إليه هم اليهود والنصارى والمشركون، ثلاثة، أما اليهود فقالت: عزير ابن الله، وأما النصارى فقالوا: المسيح ابن الله، وأما المشركون فقالوا: الملائكة بنات الله، والآية كما تشاهدون ﴿مَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ عامة، لكن كأن المؤلف خصصها بنسبة الولد إلى الله؛ لقوله فيما بعد: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الزمر ٤].
* طالب: (...).
* الشيخ: كأن المؤلف خصها بنسبة الولد إليه؛ لقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ واضح؟
وإلا فلو نظرنا إلى الآية ﴿كَاذِبٌ﴾ لكانت مطلقة لم تقيد بنسبة الولد إلى الله عز وجل، لكن المؤلف قيدها باعتبار أو بقرينة السياق.
﴿كَفَّارٌ﴾ كفار هذه يحتمل أن تكون صيغة مبالغة، ويحتمل أن تكون للنسبة، فإن كانت النسبة صارت صفة لازمة، كما نقول: نجار وحداد وخشاب وبنَّاء، وما أشبه ذلك، وإن كانت صيغة مبالغة لم تكن صفة لازمة، لكنها تدل على الكثرة، وعلى كل حال فسواء للمبالغة أو للنسبة فالمراد بها الكفور بالله عز وجل.
وقال المؤلف: (بعبادته غير الله) ولا شك أن هذا كفر: عبادة غير الله. وتخصيص الكفر هنا بعبادة غير الله يؤيده السياق، وهو قوله فيما سبق: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر ٣].
قال الله تعالى: (﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ كما قالوا: اتخذ الرحمن ولدًا ﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ ) ﴿لَوْ﴾ هذه شرطية، الشرط الذي فيها ﴿أَرَادَ﴾ وجوابه: ﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾، واعلم أن ﴿لَوْ﴾ الشرطية إذا كان جواب الشرط فيها مثبَتًا فالأكثر اقترانه باللام: لَوْ أَرَادَ اللَّهُ لَاصْطَفَى. وقد يأتي غير مقترن باللام؛ كقوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ [الواقعة ٧٠]، أما إذا كان منفيًّا فإنه لا يقترن باللام، نعم وهو كثير الأمثلة في هذا، لكن قد يقترن باللام؛ كقول الشاعر:
وَلَوْ نُعْطَى الْخِيَارَ لَمَا افْتَرَقْنَا ∗∗∗ وَلَكِنْ لَا خِيَارَ مَعَ اللَّيَالِي
﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ أراد إرادة كونية، فتكون بمعنى المشيئة، يعني: لو شاء الله أن يتخذ ولدًا، يعني أن يجعل لنفسه ولدًا كما قالوا: اتخذ الرحمن ولدًا ﴿لَاصْطَفَى﴾ (اصطفى) من الصفوة، وهو خيار الشيء، فيكون معنى (اصطفى) اختار، ﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ﴾ أي من الذي يخلق ﴿مَا يَشَاءُ﴾، و(ما) هنا مفعول (اصطفى)، أي: لاصطفى ما يشاء مما يخلقه، وقوله: ﴿مِمَّا يَخْلُقُ﴾ هذه اسم موصول أعني (ما)، والعائد؟
* الطالب: محذوف.
* الشيخ: محذوف، والتقدير: مما يخلقه، وعبر بـ(ما) دون (من) مع أنهم قالوا: الملائكة بنات الله، وعزير ابن الله، المسيح ابن الله، فعبر بـ(ما) لأنها أعم من (من)، هذا من وجه، من وجه آخر: أنه إذا أريد ملاحظة الصفة فإنه يعبر بـ(ما) عن (من)، وهنا يراد ملاحظة الصفة وهي العبادة، وانظروا إلى مثال يتضح به ما قلنا: قال الله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء ٣] ولم يقل: (من)؛ لأنه ليس المقصود عين المرأة إنما المقصود الوصف، فلهذا عبر بـ(ما) عن (من).
﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ﴾ أي: من مخلوقاته ذات الإرادة والشعور؛ كعزير والمسيح والملائكة وغيرهم كالجمادات من الأصنام المنحوتة وغيرها، (﴿مَا يَشَاءُ﴾ واتخذه ولدًا)، قوله: ﴿مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ نقول في ﴿مَا يَشَاءُ﴾ كما قلنا في ﴿مِمَّا يَخْلُقُ﴾.
(واتخذه ولدا غير من قالوا من الملائكة بنات الله). (إن) ولَّا (من)؟ (غير من قالوا)؟ كلكم عندكم (إن)؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (غير من قالوا من الملائكة بنات الله وعزير ابن الله والمسيح ابن الله) نعم، يعني أنه عز وجل لو أراد الله أن يتخذ ولدًا ما منعه أحد، لاصطفى مما يخلق ما يشاء مما قالوه أو غيره، فهو عز وجل له الملك الكامل ولكنه لا يتخذ ولدًا؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم ٩٢] يعني: مستحيل غاية الاستحالة أن يتخذ ولدًا، ولهذا قال هنا: (﴿سُبْحَانَهُ﴾ تنزيهًا له عن اتخاذ الولد ﴿هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ لخلقه).
﴿سُبْحَانَهُ﴾ أي تنزيها له، و(سبحان) هذه اسم مصدر من (سبَّح)، والمصدر تسبيح. واعلم أن (سبحان) ملازمة للإضافة دائمًا، ولكن ربما تأتي نادرًا أو شذوذًا بغير إضافة، وربما تقترن بـ(أل) فيقال: ذا السبحان، ولكن الأصل أنها ملازمة للإضافة وأنها منصوبة على المفعولية المطلقة، وعاملها يكون محذوفًا دائمًا، والمراد: تنزيهًا له.
وقول المؤلف: (عن اتخاذ الولد) إنما خصه باتخاذ الولد لأن السياق في ذلك، وإلا فإنه منزه عن اتخاذ الولد وعن كل عيب ونقص.
فإذا قال قائل: هل في اتخاذ الولد من عيب؟
فالجواب: نعم، فيه عيب؛ لأنه يدل على احتياج الوالد للولد، ولهذا تجد الإنسان إذا لم يأته الولد يرى أنه ناقص، ويتمنى كل الأمنية أن يأتيه ولد يساعده على شئون الحياة، ويبقي ذكره بعد موته، فاتخاذ الولد نقص ولهذا نزه الله نفسه عنه.
ثانيًا: الولد إنما يأتي من أجل بقاء النوع الذي تولد منه، والله سبحانه وتعالى غير محتاج لذلك؛ لأنه هو الواحد الباقي عز وجل.
ثالثًا: أن الولد يكون مماثلًا لأبيه، ولا نسمع وما سمعنا أن بشرًا جاءه تيس. أليس كذلك؟
وإنما يأتيه ولد مثله، فلو فرض أن الله اتخذ ولدًا لكان الولد مثل الله عز وجل، والله تعالى منزه عن أن يماثله أحد.
إذن ففي هذه الوجوه الثلاثة يتبين أن الولد ممتنع عن الله غاية الامتناع. ثم إن الله أيضًا ذكر مانعًا رابعًا، وهو أنه ليس له زوجة، فقال تعالى: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام ١٠١]، فبين أنه ليس له زوجة، كيف يأتي الولد؟ وإنما جاء الولد من آدم مثلًا؛ لأنه آية معجزة.
ثم ﴿هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ﴾ هو الله، ولو كان له ولد لشاركه في الألوهية، والألوهية ليست إلا له، ﴿الْوَاحِدُ﴾ ولو كان له ولد لكان اثنين؛ لأنه لا بد أن يكون الولد مماثلًا لوالده، والله واحد لا ثاني له عز وجل، ﴿الْقَهَّارُ﴾ صيغة مبالغة وصيغة نسبة، أي أنه ذو القهر الدائم المتكرر، فكم من ذي جبروت قهره الله عز وجل، ما أكثر الرجال والأمم ذوات الجبروت التي قهرها الله عز وجل.
* من فوائد هذه الآية: أن من كان كاذبًا كفارًا فإن الله لا يوفقه؛ لقولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر ٣].
* ومِن فوائدها: التحذير من الكذب وخصال الكفر، وأن الكذب سبب لمنع الهداية؛ وذلك لأن الحكم إذا عُلق بوصف -هذه القاعدة التي يمكن أن نطبق عليها هذه الفائدة- أن الحكم إذا علق بوصف وجد بوجوده وانتفى بانتفائه، ويدل لهذا أن النبي ﷺ قال: «إِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٩٤)، ومسلم (٢٦٠٧/ ١٠٥) من حديث ابن مسعود.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصدق سبب للهداية، وجهه: أنه إذا كان الكذب سببًا للغواية فضده سبب لضده يكون الصدق سببًا للهداية.
ويتفرع على هذه الفائدة: الترغيب في الصدق، ولكن الصدق مع من؟ الصدق مع الله ومع رسول الله ومع عباد الله، الصدق مع الله بالإخلاص له، ومع الرسول باتباعه، ومع عباد الله بحسن المعاملة، فعليك بالصدق «فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ، وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٩٤)، ومسلم (٢٦٠٧/١٠٣) من حديث ابن مسعود. ]] جعلنا الله وإياكم منهم.
يقول بعض السفهاء: الكذب منجاة، ويقول بعض الباعة: الكذب مسامير السلع، نعم، صح هذا؟ ماذا نقول؟ نقول: الكذب مهلكة، والصدق منجاة، وبالنسبة للسلع الذي يبيعون ويشرون يقول: اكذب لأجل تحكم السلع، مثل المسامير للأبواب، ماذا نقول له؟ نقول: بل اصدق؛ فإن هذا هو المسامير حقيقة، هو الذي يثبت البركة، لكن الكذب منفقة للسلعة ممحقة للكسب.
* من فوائد هذه الآية أيضًا: أن الكفر سبب للغواية؛ لقوله: ﴿مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر ٣]، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥].
* ومن فوائدها: التحذير من خصال الكفر؛ لأن الحكم إذا عُلق بوصف ثبت بوجوده وانتفى بانتفائه، خصال الكفر التي لا تؤدي إلى الكفر المطلق، قد تكون سببًا -والعياذ بالله- للغواية، مثل الطعن في النسب، النياحة على الميت، قتل المعصوم المسلم؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤/١١٦) من حديث ابن مسعود. ]].
* طالب: (...).
* الشيخ: ما غيرناها، سبحان الله، عندي واحد وأربعون (...).
* * *
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥) خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر٥، ٦].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى -في المناقشة-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر ٣] ما المراد بالهداية المنفية هنا؟
* طالب: هداية التوفيق.
* الشيخ: هداية التوفيق، ما هو الدليل؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا.
* الطالب: هداية الدلالة ثابتة لهم (...) هداية التوفيق.
* الشيخ: إي نعم، المنفي هنا هداية التوفيق، لماذا لا نجعلها هداية التوفيق والدلالة؟
* الطالب: (...) الرسول ﷺ (...).
* الشيخ: (...) هل عندك دليل، هذا تعليل؟
* الطالب: ﴿إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى ٥٢].
* الشيخ: قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ [الليل ١٢]، وقال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [البقرة ١٨٥] عموم.
طيب، قوله: ﴿مَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ في أي شيء؟ في أي نسبة الكذب هنا؟
* الطالب: نسبة الولد إلى الله عز وجل.
* الشيخ: لماذا خصصتها؟
* الطالب: نظرًا للآية بعدها.
* الشيخ: يعني بقرينة السياق، طيب قوله: ﴿كَفَّارٌ﴾ معناها؟
* الطالب: الكافر.
* الشيخ: الكافر، لكن لماذا جاءت على صيغة فعَّال؟
* الطالب: للمبالغة.
* الشيخ: مبالغة في الكفر أو نسبة، من باب النسبة، نسبة الكفر إليهم، طيب أظن اللي بعدها أخذناها؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [الزمر ٤] إلى آخره (لو) هنا؟
* الطالب: شرطية.
* الشيخ: شرطية، أين فعل الشرط وجوابه؟
* الطالب: فعل الشرط ﴿أَرَادَ اللَّهُ﴾ وجوابه ﴿لَاصْطَفَى﴾.
* الشيخ: ﴿لَاصْطَفَى﴾ هل اللام واجبة في جواب (لو)؟
* الطالب: (...) في قوله تعالى (...).
* الشيخ: لا، ما هي هكذا الآية، ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ [الواقعة ٧٠] طيب أحسنت.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إذا كان منفيًّا لا يأتي إلا مقترنًا باللام؟
* الطالب: لا يأتي مقترنًا باللام.
* الشيخ: إلا؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: هل هناك شاهد لاقترانه منفيًّا باللام؟
* الطالب: (لو نُعطَى الخيارَ لما افْتَرَقْنا).
* الشيخ: ولكن لا خيار مع الليالي، طيب نأخذ الفوائد أو أخذناها قبل؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: من قوله؟
* الطالب: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ﴾.
* الشيخ: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ﴾، أخذنا اللي قبلها؟
قال الله عز وجل: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الزمر ٤]:
* في هذه الآية الكريمة: بيان كمال سلطان الله سبحانه وتعالى، وأنه لو أراد شيئًا لم يمتنع عليه؛ لقوله: ﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾، ومن وجه آخر أن فيه ردًّا لاقتراحهم أو دعواهم بأن الملائكة بنات الله، أو المسيح أو العزير، فيقول: لو أراد الله أن يتخذ ولدًا لاصطفى ما يشاء دون أن يتخذ ما ادعوه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات إرادة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ﴾ وإرادة الله تعالى في فعله متفق عليها، لا نظن أن أحدًا يخالف في أن الله تعالى يريد فعله، ولكن هل تتعدى إلى فعل المخلوق أو لا؟
في هذا خلاف بين أهل السنة وأهل البدعة؛ فمنهم من قال: إنها تتعدى إلى فعل المخلوق وغلا في ذلك، وقال: إن المخلوق ليس له إرادة، وهذا قول الجهمية الجبرية.
ومنهم من قال: إنها تتعدى إلى فعل المخلوق لكن لا على سبيل الجبر، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة. ومنهم من قال: إنها لا تتعدى إلى فعل المخلوق، وأن المخلوق مستقل بفعله، ولا إرادة لله تعالى فيه، وهذا مذهب القدرية مجوس هذه الأمة، نعم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل؛ لقوله: ﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾، والأفعال الاختيارية لله ثابتة بالسمع والعقل؛ أما السمع فما أكثر الأفعال التي يضيفها الله إلى نفسه، وأما العقل فلأن الفاعل بالاختيار أكمل ممن لا يفعل، وذهبت الأشاعرة وغيرهم من المعطلة إلى أن الأفعال الاختيارية لا تقوم بالله عز وجل، بحجة أن الفعل الحادث يستلزم حدوث الفاعل، ولا شك أن هذا قول باطل يستلزم لوازم باطلة، منها أن الله سبحانه وتعالى غير قادر على الفعل، وهذا تنقص لله عز وجل وتكذيب لأخباره الكثيرة التي لا تحصر في إثبات الفعل له.
* ومن فوائد هذه الآية: إثبات المشيئة لله؛ لقوله: ﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾، والمشيئة نقول فيها كما قلنا في الإرادة من حيث تعلقها، هي تتعلق بأفعال الله، وهل تتعلق بأفعال المخلوق؟
على الخلاف السابق الذي شرحناه في الإرادة، لكن هنا أمر يجب التنبه له، وهي أن الإرادة تنقسم إلى قسمين: إرادة شرعية وإرادة كونية، أما المشيئة فهي قسم واحد فقط، الإرادة الكونية ترادف المشيئة فهي بمعناها، فإذا قلت: ما أراد الله كان، فهو بمعنى: ما شاء الله كان.
أما الإرادة الشرعية فإنها ترادف المحبة، أي أنها تتعلق بما يحبه الله عز وجل، فتقول: إن الله يريد منا أن نشكره، هذه الإرادة شرعية، طيب والفرق بين الإرادة الشرعية والكونية من وجهين:
الوجه الأول: أن الإرادة الكونية شاملة لما يحبه الله وما لا يحبه، الإرادة الكونية، فهو يريد الإيمان ويريد الكفر ويريد الطاعة ويريد الفسق بالإرادة الكونية.
أما الشرعية فإنها لا تتعلق إلا فيما يحبه فقط، فلا يمكن أن تقول: إن الله يريد الفسق، أي: يحبه، هذا مستحيل.
وثانيًا -الفرق الثاني- الإرادة الكونية لا بد فيها من وقوع المراد، يعني إذا أراد شيئًا كونًا لا بد أن يقع، والإرادة الشرعية قد يقع وقد لا يقع، يريد منا سبحانه وتعالى الإيمان والطاعة قد توجد وقد لا توجد، هذا هو الفرق بينهما.
وبهذا تنحل إشكالات أوردها القدرية على أهل السنة فقالوا لهم: إذا أثبتم تعلق إرادة الله بكل شيء حتى في المعاصي لزمكم أن الله يريد الشر، فيكون الله -على تقدير قولهم- شريرًا، نسأل الله العافية، ماذا نقول؟ نقول: أما الإرادة الشرعية فإن الله لا يمكن أن يريد الشر أبدًا، وأما الإرادة الكونية فإنه يريد ما شاء، لكن إرادته كونًا للشر له حكمة بالغة كثيرة معروفة.
يقول: * مِن فوائد هذه الآية: تنزيه الله سبحانه وتعالى عن كل ما وصفه به الكافرون الجاحدون؛ لقوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾.
* ومِن فوائدها: إثبات اسم الله: الله والواحد والقهار، ثلاثة أسماء، وكل اسم يثبته الله لنفسه فإنه يتضمن الصفة التي اشتق منها، فـ(الله) مشتق من الألوهية، ففيه إثبات الألوهية صفة من صفاته، الواحد: الوحدانية، ففيه إثبات الوحدانية لله عز وجل، القهار: القهر، ففيه إثبات القهر لله عز وجل، وأنه القهار الغلاب الغالب لكل شيء.
الزمر 39:3
ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ [الزمر ٢] لَمَّا بَيَّن أن تنزيل الكتاب من الله؛ بيَّن إلى مَن أُنزِل فقال: (﴿﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ ﴾ يا محمد) ﴿أَنْزَلْنَا﴾ ضمير جمع لكنه إذا كان عائدًا إلى الله فليس للجمع قطعًا بل هو للتعظيم، وقد اشتبه على النصراني مثل هذا الجمع وقال: إن الله ثالث ثلاثة؛ لأن الله تعالى يذكر الضمير عائدًا إليه بصيغة الجمع، وأقل الجمع ثلاثة، فنقول في الرد عليه: إن هذا من زيغ النصارى، ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]، فاتَّبَعُوا المتشابه من القرآن، ولو أنهم ردوا هذا المتشابه إلى المحكم لعلموا أنهم مخطئون غاية الخطأ؛ وذلك أن الله صرَّح في آيات كثيرة بأنه إلهٌ واحد فقال: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة ١٦٣]، وهذا نصٌّ صريح مُحكَم، وأما (نا) التي هي ضمير الجمع فإنها في اللغة العربية التي نزَل بها القرآن صالحة للجمع وللمُعَظِّم نفسَه، إذن هي من المتشابه؛ لأن اللفظ إذا احتمل معنيين فإنه يقال فيه: متشابه، والمتشابه يجب أن يُرَد إلى المحكم.
قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ ﴿إِلَيْكَ﴾ هذا الغاية، والخطاب للرسول ﷺ، ﴿الْكِتَابَ﴾ أي: المكتُوب، وهو القرآن، وسبق وجه كونه كتابًا.
(﴿﴿بِالْحَقِّ﴾ ﴾ متعلِّق بـ(أنزل)) ﴿بِالْحَقِّ﴾ الباء هنا للملابسة وللتعدية؛ يعني: أن الكتاب نفسه نزل حقًّا من عند الله لا من عند غيره، ﴿أَنْزَلْنَا﴾ بالحق؛ يعني بالتأكيد، أننا أنزلناه إليك من عندنا، وقلنا أيضًا: للتعدية؛ بمعنى أن الكتاب نزل بالحق؛ أي أن ما اشتمل عليه القرآن فهو حقٌّ.
فعلى الوجه الأول يكون المراد بالحق تأكيد أنه نزل من الله، وعلى الوجه الثاني يكون المعنى أن كلَّ ما اشتمل عليه القران من أخبار وأوامر ونواهٍ وغيرها فهو حق.
إذن ﴿بِالْحَقِّ﴾ له معنيان:
المعنى الأول: أن القرآن نزَلَ من عند الله حقًّا لا باطلًا.
الثاني: أن ما اشتمل عليه القرآن فهو حق؛ أوامر، نواهٍ، أخبار، قصص، كلها حق.
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ قال: (متعلِّق بـ(أنزل)) ولم يقل: متعلق بـ﴿أَنْزَلْنَا﴾؛ لأنَّ المتعَلِّق إنما يتعَلَّق بالفعل، أما (نا) فهي ضمير خارجة عن الفعل.
قال: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ الفاء للتفريع، وعلامة فاء التفريع أن ما بعدَها يكون مرَتَّبًا على ما قبلها، فالمعنى: فلإنزالِنا إليك الكتاب اعبدِ الله مخلصًا له الدين، (اعْبُد) الخطاب للنبي ﷺ، وقوله: ﴿مُخْلِصًا﴾ حال من فاعل (اعبد)، وإخلاص الشيء تنقِيَتُه من الشوائب وإزالة ما يُخالطه، فإذا كان مخلصًا له الدين فالمعنى أن تُنَقِّىَ دينك من كل شرك، ولهذا قال المؤلف: (﴿﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ﴾ من الشرك) أي: موحِّدًا له؛ أي: لله.
وقوله: ﴿لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿الدِّينَ﴾ يعني: العمَل، والمراد به هنا العمل المخصوص وهو العبادة؛ لقوله: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، ولم يقل: مخلصًا له العبادة؛ لأن الدين هو العمل الذي يريد العامل عليه مكافأةً، هذا الدين، ومنه قولهم: كما تَدِين تُدَان.
واعلم أن (الدِّين) يُطلَق على العمل الذي يُراد به المكافأة، ويُطلقُ على نفس المكافأة وهي الثواب على العمل، فمِن الأول مثل هذه الآية ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، ومثل قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون ٦]، ومثل قوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة ٣]؛ أي عملًا تتعبدون به.
ومثال الثاني قوله تبارك وتعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤] يعني: يوم الجزاء على العمل، ومثل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار ١٧، ١٨] أي: يوم الجزاء على العمل.
قال الله تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر ٣] ﴿أَلَا﴾ إداة استفتاح، وهي حرف يراد به التنبيه. ويش قلنا؟
* طالب: ﴿أَلَا﴾ أداة تنبيه.
* الشيخ: أداة تنبيه، إي نعم.
* الطالب: ﴿أَلَا﴾ أداة استفتاح.
* الشيخ: ﴿أَلَا﴾ أداة استفتاح، وهي حرف يُراد به التنبيه، ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ هذه أداة استفتاح، وهي حرف يراد به التنبيه؛ لأنَّ المتكلم إذا قال: (أَلَا) انتبه المخاطب، وقوله: ﴿لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ الجار والمجرور خبر مقدم، و﴿الدِّينُ﴾ مبتدأ مؤخر، ويفيد تقديم الخبر الحصر؛ أي: لله وحده.
وقوله: ﴿الدِّينُ﴾ يعني: العمل الذي يُراد الثواب عليه، وقوله: ﴿الْخَالِصُ﴾ يعني: النَّقي من الشوائب والشرك؛ أي أنه يجب على العاقل أن يجعل الدين الخالص لله وحدَه؛ إذ كيف يلِيق بالعاقل أن يتعبد بالحقِّ لله من أجلِ التَّقَرُّبِ إلى غيره؟! هذا خلاف العقل، فإذا قام الإنسان يصلِّي من أجل أن يراه الناس فهو سفيه في عقله ضالٌّ في دينه، كيف تجعل الحق الخالص للناس؟ الحق الخالص لله تجعَلُه للناس؟! العمل الذي للناس للناس، لكن العمل الذي لله يجِب أن يكون لله، ولهذا قال: ﴿أَلَا لِلَّهِ﴾ وحده ﴿الدِّينُ الْخَالِصُ﴾، فلا يجوز أن نجعلَه لغيرِه.
ولهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ إلى آخرِه، الواو هنا للاستئناف، و﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، و﴿اتَّخَذُوا﴾ صلة الموصول، وخبر المبتدأ محذوف تقديره: يقولون: ما نعبدهم، أو قالوا: ما نعبدهم.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ ﴿اتَّخَذُوا﴾ بمعنى صيَّرُوا، كقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء ١٢٥] يعني: صيَّرَه، وقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية ٢٣] أي: صيَّرَ إلهَه هواه، إذا كانت (اتخذ) بمعنى صيَّر فإنها تحتاج إلى مفعولين؛ مُصَيَّر ومُصَيَّرٍ إليه.
يقول المؤلف رحمه الله: (الأصنام ﴿﴿أَوْلِيَاءَ﴾ ﴾)، وعليه فيكون المفعول الأول محذوفًا، والثاني ﴿أَوْلِيَاءَ﴾، وحَذْف المفعول إذا دلَّ عليه الدليل جائز، قال ابن مالك رحمه الله في بابِ المبتدأ والخبر قال:
وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ كَمَا ∗∗∗ تَقُولُ (زَيْدٌ) بَعْدَ (مَنْعِنْدَكُمَا)
(حذف ما يعلم جائز) الواقع أن هذا البيت في المبتدأ والخبر لكن هل هو عام؟ نعم هو عام، حذْف ما يعلم جائز، وقد يكون من الفصاحة والبلاغة أن يُحذَف، إنما الأصل أن ما يُعلَم يجوز الحذف، وما لا يعلم لا يجوز الحذف؛ لأن الكلام لا بد أن يكون مُبَيِّنًا لمراد المتكلم، وهذا لا يكون مع حذف ما لا يُعلَم.
طيب إذن المفعول الأول محذوف، والتقدير: الأصنام، والثاني موجود وهو قوله: ﴿أَوْلِيَاءَ﴾، (أولياء) جمع وليٍّ؛ أي يتوَلَّوْنَها ولاية عبادة يتضَرَّعُون إليها، يسجُدُون لها، ينذُرُون لها، يتصَدَّقُون لها، لكن لا يعتقدون أن هذه الأصنام تنفعُهم أو تضرهم بذاتها ولا أنها تخلُق ولا أنها ترزُق لكن يدَّعون أنهم اتَّخَذُوها وسيلة.
ولهذا يقول: (﴿﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ ﴾ وهم كفارُ مكة) وتخصيصها هذا بكفار مكة فيه قصورٌ، ولا ينبغي أن نفَسِّر العامَّ بما هو أخص إلا على سبيل التمثيل، أما على سبيل تحديد المعنى بحيث يأتي اللفظ في القرآن عامًّا ثم نفَسِّرُه بمعنًى أخص فإنَّ هذا قصور في الحقيقة، أليس كذلك؟ لكن إن أراد الإنسان بهذا التفسير، إن أراد التمثيل؛ يعني: مثل كفار مكة فهذا لا بأس به، لكن القارئ الذي يقرأ مثل هذه العبارة من كلام المؤلف لا يشك أن المؤلف أراد بهذا التخصيص، وفي هذا نظرٌ ظاهر، فالواجب إبقاءُ دلالة عموم الآيات وكذلك الأحاديث على ما هي عليه حتى يقوم دليل عقلي أو قرينة لفظِيَّة على أن المراد الخاص.
طيب يقول: (وهم كفار مكة قالوا: ﴿﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ ﴾) (قالوا) هذه الجملة محذوفة؛ لأنها معلومةٌ من السياق، ويصح أن نقدِّر (يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ )، ولعلها أنسَب من قول المؤلف: (قالوا) حكايةً للحال التي هم عليها، وعلى كُلٍّ فالجملة المحذوفة هي خبر المبتدأ، وهو قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾، ولا يجوز أن نجعل جملة ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ هي الخبر؛ لفساد المعنى.
قال: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ هذا حصر لمرادهم بعبادة هذه الأصنام؛ يعني: ما نعبدهم إلا لهذا الغرض ﴿لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، وهذا إقرار منهم واعتراف بأنهم يعبدون الأصنام؛ لقولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾، وأنَّ هذه العبادة وسيلة لغاية أشرف منها وهي القُرْبى إلى الله عز وجل، وهذا من جهلهم؛ لأنه الآن إذا عبَدُوهم جعلوها غاية؛ لأنَّ المقصود هو الوصول إلى الله عز وجل، والوصول إلى الله لا يكون إلا بعبادته، فهم إذا عبدوهم جعلوهم هم الغاية، ولهذا سنبين -إن شاء الله- أن هذا من سفَهِهم.
﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (قُرْبى) مصدر بمعنى: تقريبًا، ﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ﴿زُلْفَى﴾ يقول المؤلف: إنها مصدر لكنَّها مصدرٌ معنوي؛ لموافقته العامل في المعنى دون اللفظ، لأنَّ المصدر قد يكون لفظيًّا وقد يكون معنوِيًّا؛ فإن وافَق عاملَه في اللفظ فإنَّه لفظي، مثل: قمتُ قيامًا، وإن خالفَه في اللفظ دون المعنى صار معنَوِيًّا، كقولك: قمتُ وقوفًا.
قعدتُ قعودًا؟
* طالب: لفظِي.
* الشيخ: لفظي. قعدتُ جلوسًا؟
* طالب: معنوي.
* الشيخ: معنوي، طيب.
يقول: تقرَّبُوا إلى الله زلفى، يقول: إنه بمعنى قربى، وقربي أيضًا يراد بها التقريب، وإنما قال المؤلف: إنه يراد بها التقريب؛ من أجل أن يطابِق الفعل، الفعل (قرَّبَ) مضارِعُه يُقَرِّب، المصدر المطابق أيش؟ تقريبًا لا قُرْبَى.
ولكن من المعلوم أنه قد يوافق المصدر عاملَه في اللفظ ولكنه لا يُطابِقُه في الحروف، ومثل هذا يسمَّى عندهم اسم مصدَر، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح ١٧]، لو كان مصدرًا لقال: إنباتًا، فلما قال: ﴿نَبَاتًا﴾ ونقصت حروفه عن حروف فعلِه سُمِّي اسمَ مصدر. المهم أنهم يقولون: نحن لا نعبد هذه الأصنام إلا من أجل أن تقرِّبَنا إلى الله تعالى قربى.
يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ الجملة استئنافية لبيانِ مآلِ هؤلاء الذين اتَّخَذُوا الأصنام أولياء؛ يعني فماذا تكون نهايتهم؟ يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ طيب ﴿بَيْنَهُمْ﴾ قال المؤلف: (وبين المسلمين)، فأشار إلى أن الطرف الآخر من البينُونة -أو من البَيْنِيَّة على الأصح- محذوف وبين المسلمين، وهذا التقدير ليس في السياق ما يدلُّ عليه، لو قال: (بينكم) لكان صحيحًا أن المراد: بينكم وبينهم، لكن هو قال: ﴿بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين هؤلاء الكفار، ﴿فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ وكأن المؤلف رحمه الله ظنَّ أنه لا اختلافَ بين الكفار، وليس كذلك، بل الخلاف بينهم حاصل في الدنيا وفي الآخرة، قال الله تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ﴾ [الأعراف ٣٨] إلى آخر الآيات، محاورة، منازعة، مخاصمة، فيحكم الله بينهم، وقد ذكر الله ذلك في عدة آيات، فالصواب أن الضمير ﴿بَيْنَهُمْ﴾ أي يعود على الكفار، وأنَّ الخلاف أو الاختلاف حاصل بينهم أنفسهم.
النصارى واليهود بينهم خلاف؛ ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة ١١٣]، وهذا خلاف ثابت بين الأمم الكافرة، فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما هم فيه يختلفون من أمر الدين، فيُدْخِلُ المؤمنين الجنة والكافرين النار، هذا بناءً على ما ذهب إليه المؤلف.
ولكن على القول الذي هو ظاهر الآية الكريمة ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، فيجعل كلَّ إنسان في منزلته، وقد بيَّن الله عز وجل ذلك في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سبأ ٣٣]، لما ذكر المحاورة بين المستضعفين والمستكبرين.
في هاتين الآيتين فوائد:
* أولًا: فضيلة رسول الله ﷺ وعُلُو مرتبتِه، وذلك بإنزال كتاب الله إليه؛ لقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾.
وهنا نسأل هل إنزال القرآن إلى الرسول إنزالٌ إلينا؟ نعم إنزال إلينا؛ لأنه رسولنا، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء ١٧٤]، فالنازل إلى رسول الله نازل إلينا ولكنه هو المباشر لهذا الإنزال ويبَلِّغُه لنا.
* من فوائد الآية: ما سبق من أن القرآن نازِلٌ من عند الله، فيكون كلامَه.
* ومنها: علو الله عز وجل؛ لأنَّ النزول إنما يكون من أعلى (...).
دلَّ عليه الكتاب والسنة والعقل والفطرة، خمسة أنواع من الأدلة كلها تثبت علُوَّ الله على خلقه، وقد خالَف في هذا طائفتان:
الطائفة الأولى: طائفة الحلولية الذين قالوا: إن الله بذاته في كل مكان، يقولون: الله بذاته نفسُه سبحانه وتعالى في كل مكان؛ في المسجد، في السوق، في البيت، في السطح، في الحجرة، في أقبح مكان، والعياذ بالله. وهؤلاء الآن أقول: إنهم كفار، لكن مَن كان متأَوِّلًا وجب إعلامُه وبيانُ الحقيقة له فإن أصَرَّ فهو كافر.
الطائفة الثانية المخالفة: المعطلة الجاحدة الذين يقولون: إن الله تعالى ليس فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا متصل ولا منفصل، هؤلاء وصفوا الله بالعدم، كما قال محمود بن سبكتكين رحمه الله لابن فورك لمَّا قال: إن الله لا موجود ولا معدوم.. إلى آخره، قال له محمود بن سبكتكين: إنك وصفتَ الله تعالى بالعدم. وصدق، لو أردنا أن نصِفَ معدومًا ما وجدنا أشد إحاطةً من هذا الوصف بالمعدوم.
طيب، هدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، وقالوا: إن الله تعالى نفسَه فوق كل شيء كما دلَّ على هذا الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الكتاب حقٌّ من عند الله لم يتقَوَّلْه النبي ﷺ على ربِّه، بل هو من عند الله؛ لقوله: ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ يعني: أنه حقٌّ من عند الله عز وجل، وقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة ٤٤ - ٤٦].
ولا بأس أن نتكلم عن هذه الآية، قال: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا﴾ بعد أن قال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا﴾ [الحاقة ٤٠ - ٤٤] لئلا يتوَهَّم واهم أنه لما قال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ صار القرآن من عند الرسول عليه الصلاة والسلام وأنه هو الذي قاله، فقال: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة ٤٤ - ٤٧].
* ومن فوائد هذه الآية: أن جميع ما في القرآن حق، على الوجه الثاني، أخباره وقصصُه وأوامرُه ونواهيه، إذن أخبارُه ليس فيها كذب بوجه من الوجوه، قصصُه ليس المراد منها إمضاء الوقت وإتلاف الوقت بل هي قصص نافعة، ويأتي -إن شاء الله- البقية (...).
* * *
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣) لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [الزمر ٣ - ٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ ما معنى هذه الجملة من الآية؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ليس كذلك.
* الطالب: (...).
* الشيخ: معنى الآية، ما نريد التفصيل.
* الطالب: تنبيه على أن دين الله تبارك تعالى دينٌ نقيٌّ..
* الشيخ: نقي من الشرك، وأنَّ كلَّ دين صار فيه شرك فإنَّ الله لا يقبله، نعم طيب.
قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ كيف نُعرِب هذه الجملة؟
* طالب: الواو حرف استئناف، و﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ.
* الشيخ: نعم، أين خبره؟
* الطالب: خبرُه مقول قول ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾، التقدير: يقولون (...).
* الشيخ: تقول: الخبر مقول القول، وأنت تقول: محذوف تقديره يقولون، أيش (...)؟
* الطالب: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾ مقول.
* الشيخ: أين خبر (الذين)؟
* الطالب: محذوف.
* الشيخ: ويش التقدير؟
* الطالب: يقولون.
* الشيخ: يقولون، نعم طيب، إذا كانوا يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾ فهنا جعَلُوا الوسيلة؟
* الطالب: هي عبادة الأصنام، جعلوا الوسيلة..
* الشيخ: إي نعم، لكن هنا جعلوا الوسيلة غاية.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: (...) هم يقولون: نحن ما نجعلها (...) بل نجعلها وسيلة.
* الشيخ: يا أخي قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا﴾ فهم عبدوها ليكون ذلك وسيلة ليقربهم إلى الله، فجعلوا الوسيلة جعلوها غاية؛ لأن الغاية من التقرب إلى الله هو عبادته، فهنا قلبوا الواقع فجعلوا الوسيلة غاية.
طيب هل حال بعض الناس عند القبور كحال هؤلاء؟ نعم، فيه ناسٌ يطوفون بالقبور ينذرون لها، يسجدون لها، يقولون: هؤلاء أولياء يقربوننا إلى الله كحال هؤلاء. وهل لهؤلاء القبوريين وجود؟
* طالب: الآن، إي نعم.
* الشيخ: الآن موجود.
* الطالب: الذين يعبدون (...).
* الشيخ: أنا وصفت لك حال الذين يطوفون بالقبور ويعبدونهم، فقلت: هل يشبهون حال المشركين؟ فقلت لي: نعم، فأقول لك الآن: هل لهؤلاء الآن وجود في العالم الإسلامي أو لا؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: لهم وجود.
طيب قال المؤلف: (﴿﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ ﴾ وبين المسلمين)، فما مدى صحة هذا التفسير؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ المؤلف يقول: (وبين المسلمين)، فما مدى صحة هذا التفسير؟
* الطالب: ليس بصحيح.
* الشيخ: ليس بصحيح، ما هو الصحيح؟
* الطالب: الصحيح أنه (...).
* الشيخ: أحسنت، يعني بين الكفار أنفسهم.
طيب هل لك أن تُبَيِّن لي صورة من اختلاف الكفار؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني مثل آية تشهد على أنه يكون بينهم اختلاف.
* الطالب: قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ﴾ [آل عمران ١٩].
* الشيخ: لا، هذا يوم القيامة، اختلافهم يوم القيامة؛ لأن الله يحكم بينهم يوم القيامة.
* الطالب: مثل قوله تعالى (...): ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾ [الأعراف ٣٨].
* الشيخ: أحسنت، مثلما قال: ﴿الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ ٣١]، والآيات في هذا متعددة.
قال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾.
* من فوائد هذه الآية: أن إنزال القرآن حُجَّةٌ على الناس يُلْزِمُهم بعبادة الله؛ لقوله: ﴿فَاعْبُدِ﴾، والفاء هذه للتفريع؛ أي: فلأجل إنزال الكتاب إليك اعبُدِ الله.
* ومن فوائدها: أن من لم يبلُغْه الكتاب لم تلزمْه العبادة، ويدل لهذا آياتٌ أخرى مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء ١٥]، ومثل قوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥]، ومثل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص ٥٩].
ومثل قول النبي ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ لَا يُؤْمِنُ بِمَا جِئْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ»[[أخرجه مسلم (١٥٣ / ٢٤٠) من حديث أبي هريرة.]]، فقال: «لَا يَسْمَعُ بِي»، والنصوص في هذا المعنى كثيرة أن من لم تبلغه دعوةُ الرسل لا تلزمُه العبادة.
والدليل التطبيقي لهذه المسألة عدة شواهد؛ منها: حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه «بعثَه النبي ﷺ في سرية، فأجْنَب فلم يجِدِ الماء، فتمَرَّغ في الصعيد كما تتمرغ الدابة ظنًّا منه أن هذا لازِمٌ له وصلَّى، وأخبر النبيَّ ﷺ بهذا، فبيَّن له النبي ﷺ أنه يكفِيه عن الغُسْل أن يضْرِبَ الأرض بيديه ثم يمسَح وجهَه وكفَّيه، ولم يأمُرْه بإعادة الصلاة»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٨)، ومسلم (٣٦٨ / ١١٢) من حديث عمار.]].
وكذلك «الرجل الذي جاء فصلى ولا يطمَئِنُّ في صلاته فقال له النبي ﷺ: «إِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»، فقال له: والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧ / ٤٥) من حديث أبي هريرة.]]. فعلَّمَه النبي ﷺ ولم يأمره بإعادة ما مضى من صلاته مع أنه كان لا يصَلِّي صلاة لا تجْزِئُه.
وكذلك المرأة التي كانت تُسْتَحَاض فتَظُنُّ أن هذا حيضٌ فلا تصلي فلم يأمُرْها النبي ﷺ بالإعادة[[أخرجه أحمد (٢٧٦٣١) من حديث فاطمة بنت أبي حبيش.]]. وأمثال هذا كثير.
وعليه فلو أن رجلًا أسلم في بلاد الكفر أو في بلاد نائية لا يصِلُها أحكام الشرع وترَك الصلاة مدة ثم علِم بعد ذلك بوجوب الصلاة فإننا لا نأمُرُه بإعادة ما ترك وإنما نأمره بصلاة ما حضَر وقتُه فقط.
وكذلك لو كانت امرأة في محلٍّ ناءٍ بلغَتْ بالحيض وهي صغيرة ولم تصُمْ رمضان ولكنَّها في محلٍّ ليس حولَها علماء تسألهم قد غلب عليها الجهل كالبادية -مثلًا- فإننا لا نأمُرُها بقضاء ما تركَتْ من الصوم؛ للجهل، وهذا هو اللائق بالشريعة الإسلامية المبنِيَّة على اليسر والسهولة، وعلى أن الله تعالى لا يكلِّفُ نفسًا إلا وسْعَها، ولا يكلف نفسًا إلا ما آتاها، وهنا الآية التي معنا يمكن أن يكون فيها إشارة لِمَا ذكر، ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ ﴿فَاعْبُدِ﴾ بعد الإنزال أُمِر بالعبادة.
* ومن فوائد هذه الآية: وجوب الإخلاص لله في العبادة؛ لقوله: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، والإخلاص تنقية الشيء مما يشوبه، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن الله قال: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]، فلو تصدَّق الإنسان بمال لكنه مُرَاءٍ بذلك من أجل أن يُمدَح فإنه لم يعبُدِ الله، وهو آثم وليس بمأجُور، ولو صلَّى لِيُمْدَح فإنه لم يعبد الله وهو آثم وليس بمأجور؛ لأن الله أمر بعبادة خاصة وهي الإخلاص، ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن العبادة دِينٌ يَدِينُ به الإنسان، ومعنى كونِه دينًا أنه يعمل لِيُثَاب.
* ويتفرَّع على هذه الفائدة أنَّه ينبغي للإنسان حين العبادة أن يُلَاحِظ هذا المعنى وهو أنه يعمَل لِيُثَاب؛ لأنه إذا شعر بهذا الشعور فسوف يتقِن العمل؛ إذْ إن العقلَ يهدي الإنسان إلى أن الثواب على قدْر العمل؛ إن أحسنْتَ العمل حسُنَ الثواب، وإن قصَّرْت فالثواب ينقُص، وهذه المسألة -أعني شعور كون الإنسان يعمل من أجل الثواب- أعتقد أنها تفوت كثيرًا من الناس لا ينتبِهُون لها.
* ومِن فوائدها أيضًا: الإشارة إلى نية المعمول له حينما تعمل تريد التقرُّب إلى الله عز وجل بامتثال أمره، فمثلًا عندما تريد تتوضأ تنوي بأنك تتوضأ امتثالًا لأَمْر الله حينما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة ٦]؛ من أجل أن تشعُر بالعبادة ولَذَّة العبادة، لا لأجل أن تبرِئَ ذمَّتَك بفعل ما هو فرْضٌ عليك من الطهارة للصلاة، هذا لا شكَّ أنه نية طيبة، لكن أطيب منها أن تستشعر بأنك تمتثل أمر الله لتشعر بلَذَّةِ العبادة وأنَّك حقيقةً عبدٌ لربك عز وجل، هذه مسائل ينبغي للإنسان أن ينتبه لها في عبادته، ولهذا قال: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾.
ثم قال الله تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾.
* من فوائد هذه الجملة: أن الله لا يقبل إلا دينًا خالصًا ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾، أما ما سواه فليس لله حتى وإن أشرَكْت به مع الله -حطوا بالكم يا جماعة- لأنَّ الدين لله ما هو؟ الخالص النقي من شوائب الشرك.
فإن قال قائل: إذا كان العمل خالصًا في أولِه مُشْرَكًا فيه في آخره فهل يبطل العمل كله، أو يبطل ما فيه الشرك، أم ماذا؟
نقول: في هذا تفصيل؛ إذا كانت العبادة التي وقع الشرك في أثنائها ينبني بعضُها على بعض فإنها تبطل، مثل الصلاة: رجل أحرم بالصلاة مخلِصًا لله، وفي أثنائها سمع حوله أحد فراءَى في ذلك في صلاته في أثناء العبادة، ماذا نقول؟ نقول: الصلاة تبطل، تبطُل كلها؛ لأن أولها وآخرها مبْنِيٌّ بعضُه على بعض.
أما إذا كانت لا ينبني بعضُها على بعض فإن ما كان خالصًا يصِح، وما كان مشوبًا لا يصح؛ مثل رجل كان يتصدَّق عنده ألف رِيال، كلما جاء فقير أعطاه منها، أنفق خمس مئة رِيال خالصة لله، وفي أثناء الإنفاق حضر أناسٌ فراءاهم، فهل تبطل الصدقة الأولى التي بها الإخلاص؟ لا. لماذا؟ لأن بعضها لا ينبني على بعض؛ كل درهم منفصل أو كل رِيال منفصل عن الذي قبله، هذه مسألة مهمة.
المسألة الثانية: أحيانًا يهاجِم الرياءُ القلبَ ويدافعه الإنسان يدافع، فهل يؤثر هذا على إخلاصِه؟
الجواب: لا يؤَثر ما دام يدافعه ويعرض عنه؛ لأنه الآن في جهاد لعدوه، والشيطان دائمًا يأتي الإنسان من كل وجه، قال الله تعالى عنه في سورة الأعراف: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف ١٦]؛ يعني: في كل مكان، يأتي الإنسان يثَبِّطُه عن العبادة، يثَبِّطُه عن طلب العلم، يثَبِّطُه عن صلة الرحم عن برِّ الوالدين، وما أشبه ذلك مما أوجب الله عليك، فإذا رأى منه تصميمًا على القيام بالعبادة أتاه من جهة أخرى وهو الغلو في العبادة والزيادة فيها والتنَطُّع والتكلف، فإذا عجز عنه من هذه الناحية أتاه من جهة النية أنك مراءٍ، ولكن الإنسان يجب عليه أن يدافع الشيطان بقدر ما يستطيع مستعينًا بالله عز وجل.
* من فوائد الآية الكريمة في قوله: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ غِنَى الله عز وجل، غِنى الله الغِنَى التام.
ووجه ذلك أنه إذا كان الله لا يقبَلُ إلا ما كان خالصًا دلَّ على غِناه عن عملِ العباد؛ لأنه -وحاشاه من ذلك- لو كان فقيرًا محتاجًا لذلك لاكتفى بما يأتيه منهم ولو على سبيل المشاركة، كالإنسان المحتاج يقبَل منك ما كان خاصًّا له وما كان مشترَكًا، فلما كان الله لا يقبل إلا ما كان خالصًا عُلِمَ بهذا غناه عن العباد، وإلى هذا يشير قوله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]].
ثم قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية: أن عابدي الأصنام قد توَلَّوا الأصنام واتخَذُوها أولياء.
* ومن فوائدها أنهم -أي عباد الأصنام- يمَوِّهُون على الناس، يقولون: نحن ما نعبدُهم إلا لِغَاية وهي أن يقرِّبُونا إلى الله زلفى.
* ومن فوائدها: أنه يمكن أن نعَدِّيَ هذا الحكم إلى جمِيع أهل الباطل؛ يدَّعون أنهم يحسِنُون صنعًا وهم كذَبَة.
ولنضرب لهذا مثلًا بأهل التعطيل: أهل التعطيل يدَّعون أنهم بتعطيلهم هذا منَزِّهُون لله وأنَّ قصدَهم تنزيهُ الله عز وجل عن النقص وعن مشابهة المخلوقين، وهم كاذبون في هذا؛ لأنهم إذا عطَّلُوه عن كمال صفاته فهو ضد التنزيه، هؤلاء يقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، والحقيقة أن هذه العبادة تبعدهم من الله مسافات كثيرة.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: إقرار المشركين بأنهم يعبدون أصنامهم ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾، فهم يصرحون بأنهم يعبدونهم لكن لا يقولون: نعبدهم لنتقرب إليهم بل ليقربونا.
* ومن فوائدها: أن المشركين في عهد الرسول ﷺ يُقِرُّون بوجود الله، وأنه أعظَم من كل عظيم؛ لقولهم: ﴿لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾، فهم معترِفُون بالله عز وجل وأنه أعظم من أصنامهم، ولهذا جعلوها وسيلة له أو للتقرب إليه.
* ومن فوائدها: أنه سيكون بين هؤلاء المشركين وبين أوليائهم سيكون نزاع وخصومة يوم القيامة؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر ٣].
* ومن فوائدها: أن الحكم لله عز وجل وحده في ذلك اليوم -أعني يوم القيامة- وأنَّ المرجع إليه.
ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر ٣] هذه الجملة مؤَكَّدة، كما تشاهدون مؤكدة بـ﴿إِنَّ﴾. وقوله: ﴿لَا يَهْدِي﴾ المراد بذلك هداية التوفيق، وأما هداية الدَّلالة فإنها حجة الله على خلقه لا بد أن تنال كل أحد، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت ١٧]، هديناهم هداية؟
* طالب: دلالة.
* الشيخ: دلالة، إذن ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي﴾ هداية توفيق لا هداية دلالة، بل هداية الدلالة ثابتة لكل أحد، ﴿لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ ﴿مَنْ هُوَ﴾ أي: الذي هو كاذب.
قال المؤلف: (في نسبة الولد إليه) والذين نسَبُوا الولد إليه هم اليهود والنصارى والمشركون، ثلاثة؛ أما اليهود فقالت: عزيرٌ ابن الله، وأما النصارى فقالوا: المسيحُ ابن الله، وأما المشركون فقالوا: الملائكة بنات الله، والآية كما تشاهدون ﴿مَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ عامة، لكن كأن المؤلف خصَّصَها بنسبة الولد إلى الله؛ لقوله فيما بعد: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الزمر ٤].
* طالب: (...).
* الشيخ: كأن المؤلف خصها بنسبة الولد إليه؛ لقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾، وإلا فلو نظرنا إلى الآية ﴿كَاذِبٌ﴾..
هداية دلالة، إذن ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي﴾ [الزمر ٣] هداية توفيق، لا هداية دلالة، بل هداية الدلالة ثابتة لكل أحد، نعم ﴿لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾، ﴿مَنْ هُوَ﴾ أي الذي هو كاذبٌ.
قال المؤلف: (في نسبة الولد إليه) والذين نسبوا الولد إليه هم اليهود والنصارى والمشركون، ثلاثة، أما اليهود فقالت: عزير ابن الله، وأما النصارى فقالوا: المسيح ابن الله، وأما المشركون فقالوا: الملائكة بنات الله، والآية كما تشاهدون ﴿مَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ عامة، لكن كأن المؤلف خصصها بنسبة الولد إلى الله؛ لقوله فيما بعد: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الزمر ٤].
* طالب: (...).
* الشيخ: كأن المؤلف خصها بنسبة الولد إليه؛ لقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ واضح؟
وإلا فلو نظرنا إلى الآية ﴿كَاذِبٌ﴾ لكانت مطلقة لم تقيد بنسبة الولد إلى الله عز وجل، لكن المؤلف قيدها باعتبار أو بقرينة السياق.
﴿كَفَّارٌ﴾ كفار هذه يحتمل أن تكون صيغة مبالغة، ويحتمل أن تكون للنسبة، فإن كانت النسبة صارت صفة لازمة، كما نقول: نجار وحداد وخشاب وبنَّاء، وما أشبه ذلك، وإن كانت صيغة مبالغة لم تكن صفة لازمة، لكنها تدل على الكثرة، وعلى كل حال فسواء للمبالغة أو للنسبة فالمراد بها الكفور بالله عز وجل.
وقال المؤلف: (بعبادته غير الله) ولا شك أن هذا كفر: عبادة غير الله. وتخصيص الكفر هنا بعبادة غير الله يؤيده السياق، وهو قوله فيما سبق: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر ٣].
قال الله تعالى: (﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ كما قالوا: اتخذ الرحمن ولدًا ﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ ) ﴿لَوْ﴾ هذه شرطية، الشرط الذي فيها ﴿أَرَادَ﴾ وجوابه: ﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾، واعلم أن ﴿لَوْ﴾ الشرطية إذا كان جواب الشرط فيها مثبَتًا فالأكثر اقترانه باللام: لَوْ أَرَادَ اللَّهُ لَاصْطَفَى. وقد يأتي غير مقترن باللام؛ كقوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ [الواقعة ٧٠]، أما إذا كان منفيًّا فإنه لا يقترن باللام، نعم وهو كثير الأمثلة في هذا، لكن قد يقترن باللام؛ كقول الشاعر:
وَلَوْ نُعْطَى الْخِيَارَ لَمَا افْتَرَقْنَا ∗∗∗ وَلَكِنْ لَا خِيَارَ مَعَ اللَّيَالِي
﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ أراد إرادة كونية، فتكون بمعنى المشيئة، يعني: لو شاء الله أن يتخذ ولدًا، يعني أن يجعل لنفسه ولدًا كما قالوا: اتخذ الرحمن ولدًا ﴿لَاصْطَفَى﴾ (اصطفى) من الصفوة، وهو خيار الشيء، فيكون معنى (اصطفى) اختار، ﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ﴾ أي من الذي يخلق ﴿مَا يَشَاءُ﴾، و(ما) هنا مفعول (اصطفى)، أي: لاصطفى ما يشاء مما يخلقه، وقوله: ﴿مِمَّا يَخْلُقُ﴾ هذه اسم موصول أعني (ما)، والعائد؟
* الطالب: محذوف.
* الشيخ: محذوف، والتقدير: مما يخلقه، وعبر بـ(ما) دون (من) مع أنهم قالوا: الملائكة بنات الله، وعزير ابن الله، المسيح ابن الله، فعبر بـ(ما) لأنها أعم من (من)، هذا من وجه، من وجه آخر: أنه إذا أريد ملاحظة الصفة فإنه يعبر بـ(ما) عن (من)، وهنا يراد ملاحظة الصفة وهي العبادة، وانظروا إلى مثال يتضح به ما قلنا: قال الله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء ٣] ولم يقل: (من)؛ لأنه ليس المقصود عين المرأة إنما المقصود الوصف، فلهذا عبر بـ(ما) عن (من).
﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ﴾ أي: من مخلوقاته ذات الإرادة والشعور؛ كعزير والمسيح والملائكة وغيرهم كالجمادات من الأصنام المنحوتة وغيرها، (﴿مَا يَشَاءُ﴾ واتخذه ولدًا)، قوله: ﴿مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ نقول في ﴿مَا يَشَاءُ﴾ كما قلنا في ﴿مِمَّا يَخْلُقُ﴾.
(واتخذه ولدا غير من قالوا من الملائكة بنات الله). (إن) ولَّا (من)؟ (غير من قالوا)؟ كلكم عندكم (إن)؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (غير من قالوا من الملائكة بنات الله وعزير ابن الله والمسيح ابن الله) نعم، يعني أنه عز وجل لو أراد الله أن يتخذ ولدًا ما منعه أحد، لاصطفى مما يخلق ما يشاء مما قالوه أو غيره، فهو عز وجل له الملك الكامل ولكنه لا يتخذ ولدًا؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم ٩٢] يعني: مستحيل غاية الاستحالة أن يتخذ ولدًا، ولهذا قال هنا: (﴿سُبْحَانَهُ﴾ تنزيهًا له عن اتخاذ الولد ﴿هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ لخلقه).
﴿سُبْحَانَهُ﴾ أي تنزيها له، و(سبحان) هذه اسم مصدر من (سبَّح)، والمصدر تسبيح. واعلم أن (سبحان) ملازمة للإضافة دائمًا، ولكن ربما تأتي نادرًا أو شذوذًا بغير إضافة، وربما تقترن بـ(أل) فيقال: ذا السبحان، ولكن الأصل أنها ملازمة للإضافة وأنها منصوبة على المفعولية المطلقة، وعاملها يكون محذوفًا دائمًا، والمراد: تنزيهًا له.
وقول المؤلف: (عن اتخاذ الولد) إنما خصه باتخاذ الولد لأن السياق في ذلك، وإلا فإنه منزه عن اتخاذ الولد وعن كل عيب ونقص.
فإذا قال قائل: هل في اتخاذ الولد من عيب؟
فالجواب: نعم، فيه عيب؛ لأنه يدل على احتياج الوالد للولد، ولهذا تجد الإنسان إذا لم يأته الولد يرى أنه ناقص، ويتمنى كل الأمنية أن يأتيه ولد يساعده على شئون الحياة، ويبقي ذكره بعد موته، فاتخاذ الولد نقص ولهذا نزه الله نفسه عنه.
ثانيًا: الولد إنما يأتي من أجل بقاء النوع الذي تولد منه، والله سبحانه وتعالى غير محتاج لذلك؛ لأنه هو الواحد الباقي عز وجل.
ثالثًا: أن الولد يكون مماثلًا لأبيه، ولا نسمع وما سمعنا أن بشرًا جاءه تيس. أليس كذلك؟
وإنما يأتيه ولد مثله، فلو فرض أن الله اتخذ ولدًا لكان الولد مثل الله عز وجل، والله تعالى منزه عن أن يماثله أحد.
إذن ففي هذه الوجوه الثلاثة يتبين أن الولد ممتنع عن الله غاية الامتناع. ثم إن الله أيضًا ذكر مانعًا رابعًا، وهو أنه ليس له زوجة، فقال تعالى: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام ١٠١]، فبين أنه ليس له زوجة، كيف يأتي الولد؟ وإنما جاء الولد من آدم مثلًا؛ لأنه آية معجزة.
ثم ﴿هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ﴾ هو الله، ولو كان له ولد لشاركه في الألوهية، والألوهية ليست إلا له، ﴿الْوَاحِدُ﴾ ولو كان له ولد لكان اثنين؛ لأنه لا بد أن يكون الولد مماثلًا لوالده، والله واحد لا ثاني له عز وجل، ﴿الْقَهَّارُ﴾ صيغة مبالغة وصيغة نسبة، أي أنه ذو القهر الدائم المتكرر، فكم من ذي جبروت قهره الله عز وجل، ما أكثر الرجال والأمم ذوات الجبروت التي قهرها الله عز وجل.
* من فوائد هذه الآية: أن من كان كاذبًا كفارًا فإن الله لا يوفقه؛ لقولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر ٣].
* ومِن فوائدها: التحذير من الكذب وخصال الكفر، وأن الكذب سبب لمنع الهداية؛ وذلك لأن الحكم إذا عُلق بوصف -هذه القاعدة التي يمكن أن نطبق عليها هذه الفائدة- أن الحكم إذا علق بوصف وجد بوجوده وانتفى بانتفائه، ويدل لهذا أن النبي ﷺ قال: «إِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٩٤)، ومسلم (٢٦٠٧/ ١٠٥) من حديث ابن مسعود.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصدق سبب للهداية، وجهه: أنه إذا كان الكذب سببًا للغواية فضده سبب لضده يكون الصدق سببًا للهداية.
ويتفرع على هذه الفائدة: الترغيب في الصدق، ولكن الصدق مع من؟ الصدق مع الله ومع رسول الله ومع عباد الله، الصدق مع الله بالإخلاص له، ومع الرسول باتباعه، ومع عباد الله بحسن المعاملة، فعليك بالصدق «فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ، وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٩٤)، ومسلم (٢٦٠٧/١٠٣) من حديث ابن مسعود. ]] جعلنا الله وإياكم منهم.
يقول بعض السفهاء: الكذب منجاة، ويقول بعض الباعة: الكذب مسامير السلع، نعم، صح هذا؟ ماذا نقول؟ نقول: الكذب مهلكة، والصدق منجاة، وبالنسبة للسلع الذي يبيعون ويشرون يقول: اكذب لأجل تحكم السلع، مثل المسامير للأبواب، ماذا نقول له؟ نقول: بل اصدق؛ فإن هذا هو المسامير حقيقة، هو الذي يثبت البركة، لكن الكذب منفقة للسلعة ممحقة للكسب.
* من فوائد هذه الآية أيضًا: أن الكفر سبب للغواية؛ لقوله: ﴿مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر ٣]، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥].
* ومن فوائدها: التحذير من خصال الكفر؛ لأن الحكم إذا عُلق بوصف ثبت بوجوده وانتفى بانتفائه، خصال الكفر التي لا تؤدي إلى الكفر المطلق، قد تكون سببًا -والعياذ بالله- للغواية، مثل الطعن في النسب، النياحة على الميت، قتل المعصوم المسلم؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤/١١٦) من حديث ابن مسعود. ]].
* طالب: (...).
* الشيخ: ما غيرناها، سبحان الله، عندي واحد وأربعون (...).
* * *
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥) خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر٥، ٦].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى -في المناقشة-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر ٣] ما المراد بالهداية المنفية هنا؟
* طالب: هداية التوفيق.
* الشيخ: هداية التوفيق، ما هو الدليل؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا.
* الطالب: هداية الدلالة ثابتة لهم (...) هداية التوفيق.
* الشيخ: إي نعم، المنفي هنا هداية التوفيق، لماذا لا نجعلها هداية التوفيق والدلالة؟
* الطالب: (...) الرسول ﷺ (...).
* الشيخ: (...) هل عندك دليل، هذا تعليل؟
* الطالب: ﴿إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى ٥٢].
* الشيخ: قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ [الليل ١٢]، وقال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [البقرة ١٨٥] عموم.
طيب، قوله: ﴿مَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ في أي شيء؟ في أي نسبة الكذب هنا؟
* الطالب: نسبة الولد إلى الله عز وجل.
* الشيخ: لماذا خصصتها؟
* الطالب: نظرًا للآية بعدها.
* الشيخ: يعني بقرينة السياق، طيب قوله: ﴿كَفَّارٌ﴾ معناها؟
* الطالب: الكافر.
* الشيخ: الكافر، لكن لماذا جاءت على صيغة فعَّال؟
* الطالب: للمبالغة.
* الشيخ: مبالغة في الكفر أو نسبة، من باب النسبة، نسبة الكفر إليهم، طيب أظن اللي بعدها أخذناها؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [الزمر ٤] إلى آخره (لو) هنا؟
* الطالب: شرطية.
* الشيخ: شرطية، أين فعل الشرط وجوابه؟
* الطالب: فعل الشرط ﴿أَرَادَ اللَّهُ﴾ وجوابه ﴿لَاصْطَفَى﴾.
* الشيخ: ﴿لَاصْطَفَى﴾ هل اللام واجبة في جواب (لو)؟
* الطالب: (...) في قوله تعالى (...).
* الشيخ: لا، ما هي هكذا الآية، ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ [الواقعة ٧٠] طيب أحسنت.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إذا كان منفيًّا لا يأتي إلا مقترنًا باللام؟
* الطالب: لا يأتي مقترنًا باللام.
* الشيخ: إلا؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: هل هناك شاهد لاقترانه منفيًّا باللام؟
* الطالب: (لو نُعطَى الخيارَ لما افْتَرَقْنا).
* الشيخ: ولكن لا خيار مع الليالي، طيب نأخذ الفوائد أو أخذناها قبل؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: من قوله؟
* الطالب: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ﴾.
* الشيخ: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ﴾، أخذنا اللي قبلها؟
قال الله عز وجل: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الزمر ٤]:
* في هذه الآية الكريمة: بيان كمال سلطان الله سبحانه وتعالى، وأنه لو أراد شيئًا لم يمتنع عليه؛ لقوله: ﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾، ومن وجه آخر أن فيه ردًّا لاقتراحهم أو دعواهم بأن الملائكة بنات الله، أو المسيح أو العزير، فيقول: لو أراد الله أن يتخذ ولدًا لاصطفى ما يشاء دون أن يتخذ ما ادعوه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات إرادة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ﴾ وإرادة الله تعالى في فعله متفق عليها، لا نظن أن أحدًا يخالف في أن الله تعالى يريد فعله، ولكن هل تتعدى إلى فعل المخلوق أو لا؟
في هذا خلاف بين أهل السنة وأهل البدعة؛ فمنهم من قال: إنها تتعدى إلى فعل المخلوق وغلا في ذلك، وقال: إن المخلوق ليس له إرادة، وهذا قول الجهمية الجبرية.
ومنهم من قال: إنها تتعدى إلى فعل المخلوق لكن لا على سبيل الجبر، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة. ومنهم من قال: إنها لا تتعدى إلى فعل المخلوق، وأن المخلوق مستقل بفعله، ولا إرادة لله تعالى فيه، وهذا مذهب القدرية مجوس هذه الأمة، نعم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل؛ لقوله: ﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾، والأفعال الاختيارية لله ثابتة بالسمع والعقل؛ أما السمع فما أكثر الأفعال التي يضيفها الله إلى نفسه، وأما العقل فلأن الفاعل بالاختيار أكمل ممن لا يفعل، وذهبت الأشاعرة وغيرهم من المعطلة إلى أن الأفعال الاختيارية لا تقوم بالله عز وجل، بحجة أن الفعل الحادث يستلزم حدوث الفاعل، ولا شك أن هذا قول باطل يستلزم لوازم باطلة، منها أن الله سبحانه وتعالى غير قادر على الفعل، وهذا تنقص لله عز وجل وتكذيب لأخباره الكثيرة التي لا تحصر في إثبات الفعل له.
* ومن فوائد هذه الآية: إثبات المشيئة لله؛ لقوله: ﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾، والمشيئة نقول فيها كما قلنا في الإرادة من حيث تعلقها، هي تتعلق بأفعال الله، وهل تتعلق بأفعال المخلوق؟
على الخلاف السابق الذي شرحناه في الإرادة، لكن هنا أمر يجب التنبه له، وهي أن الإرادة تنقسم إلى قسمين: إرادة شرعية وإرادة كونية، أما المشيئة فهي قسم واحد فقط، الإرادة الكونية ترادف المشيئة فهي بمعناها، فإذا قلت: ما أراد الله كان، فهو بمعنى: ما شاء الله كان.
أما الإرادة الشرعية فإنها ترادف المحبة، أي أنها تتعلق بما يحبه الله عز وجل، فتقول: إن الله يريد منا أن نشكره، هذه الإرادة شرعية، طيب والفرق بين الإرادة الشرعية والكونية من وجهين:
الوجه الأول: أن الإرادة الكونية شاملة لما يحبه الله وما لا يحبه، الإرادة الكونية، فهو يريد الإيمان ويريد الكفر ويريد الطاعة ويريد الفسق بالإرادة الكونية.
أما الشرعية فإنها لا تتعلق إلا فيما يحبه فقط، فلا يمكن أن تقول: إن الله يريد الفسق، أي: يحبه، هذا مستحيل.
وثانيًا -الفرق الثاني- الإرادة الكونية لا بد فيها من وقوع المراد، يعني إذا أراد شيئًا كونًا لا بد أن يقع، والإرادة الشرعية قد يقع وقد لا يقع، يريد منا سبحانه وتعالى الإيمان والطاعة قد توجد وقد لا توجد، هذا هو الفرق بينهما.
وبهذا تنحل إشكالات أوردها القدرية على أهل السنة فقالوا لهم: إذا أثبتم تعلق إرادة الله بكل شيء حتى في المعاصي لزمكم أن الله يريد الشر، فيكون الله -على تقدير قولهم- شريرًا، نسأل الله العافية، ماذا نقول؟ نقول: أما الإرادة الشرعية فإن الله لا يمكن أن يريد الشر أبدًا، وأما الإرادة الكونية فإنه يريد ما شاء، لكن إرادته كونًا للشر له حكمة بالغة كثيرة معروفة.
يقول: * مِن فوائد هذه الآية: تنزيه الله سبحانه وتعالى عن كل ما وصفه به الكافرون الجاحدون؛ لقوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾.
* ومِن فوائدها: إثبات اسم الله: الله والواحد والقهار، ثلاثة أسماء، وكل اسم يثبته الله لنفسه فإنه يتضمن الصفة التي اشتق منها، فـ(الله) مشتق من الألوهية، ففيه إثبات الألوهية صفة من صفاته، الواحد: الوحدانية، ففيه إثبات الوحدانية لله عز وجل، القهار: القهر، ففيه إثبات القهر لله عز وجل، وأنه القهار الغلاب الغالب لكل شيء.
الزمر 39:4
ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ [الزمر ٢] لَمَّا بَيَّن أن تنزيل الكتاب من الله؛ بيَّن إلى مَن أُنزِل فقال: (﴿﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ ﴾ يا محمد) ﴿أَنْزَلْنَا﴾ ضمير جمع لكنه إذا كان عائدًا إلى الله فليس للجمع قطعًا بل هو للتعظيم، وقد اشتبه على النصراني مثل هذا الجمع وقال: إن الله ثالث ثلاثة؛ لأن الله تعالى يذكر الضمير عائدًا إليه بصيغة الجمع، وأقل الجمع ثلاثة، فنقول في الرد عليه: إن هذا من زيغ النصارى، ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]، فاتَّبَعُوا المتشابه من القرآن، ولو أنهم ردوا هذا المتشابه إلى المحكم لعلموا أنهم مخطئون غاية الخطأ؛ وذلك أن الله صرَّح في آيات كثيرة بأنه إلهٌ واحد فقال: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة ١٦٣]، وهذا نصٌّ صريح مُحكَم، وأما (نا) التي هي ضمير الجمع فإنها في اللغة العربية التي نزَل بها القرآن صالحة للجمع وللمُعَظِّم نفسَه، إذن هي من المتشابه؛ لأن اللفظ إذا احتمل معنيين فإنه يقال فيه: متشابه، والمتشابه يجب أن يُرَد إلى المحكم.
قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ ﴿إِلَيْكَ﴾ هذا الغاية، والخطاب للرسول ﷺ، ﴿الْكِتَابَ﴾ أي: المكتُوب، وهو القرآن، وسبق وجه كونه كتابًا.
(﴿﴿بِالْحَقِّ﴾ ﴾ متعلِّق بـ(أنزل)) ﴿بِالْحَقِّ﴾ الباء هنا للملابسة وللتعدية؛ يعني: أن الكتاب نفسه نزل حقًّا من عند الله لا من عند غيره، ﴿أَنْزَلْنَا﴾ بالحق؛ يعني بالتأكيد، أننا أنزلناه إليك من عندنا، وقلنا أيضًا: للتعدية؛ بمعنى أن الكتاب نزل بالحق؛ أي أن ما اشتمل عليه القرآن فهو حقٌّ.
فعلى الوجه الأول يكون المراد بالحق تأكيد أنه نزل من الله، وعلى الوجه الثاني يكون المعنى أن كلَّ ما اشتمل عليه القران من أخبار وأوامر ونواهٍ وغيرها فهو حق.
إذن ﴿بِالْحَقِّ﴾ له معنيان:
المعنى الأول: أن القرآن نزَلَ من عند الله حقًّا لا باطلًا.
الثاني: أن ما اشتمل عليه القرآن فهو حق؛ أوامر، نواهٍ، أخبار، قصص، كلها حق.
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ قال: (متعلِّق بـ(أنزل)) ولم يقل: متعلق بـ﴿أَنْزَلْنَا﴾؛ لأنَّ المتعَلِّق إنما يتعَلَّق بالفعل، أما (نا) فهي ضمير خارجة عن الفعل.
قال: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ الفاء للتفريع، وعلامة فاء التفريع أن ما بعدَها يكون مرَتَّبًا على ما قبلها، فالمعنى: فلإنزالِنا إليك الكتاب اعبدِ الله مخلصًا له الدين، (اعْبُد) الخطاب للنبي ﷺ، وقوله: ﴿مُخْلِصًا﴾ حال من فاعل (اعبد)، وإخلاص الشيء تنقِيَتُه من الشوائب وإزالة ما يُخالطه، فإذا كان مخلصًا له الدين فالمعنى أن تُنَقِّىَ دينك من كل شرك، ولهذا قال المؤلف: (﴿﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ﴾ من الشرك) أي: موحِّدًا له؛ أي: لله.
وقوله: ﴿لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿الدِّينَ﴾ يعني: العمَل، والمراد به هنا العمل المخصوص وهو العبادة؛ لقوله: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، ولم يقل: مخلصًا له العبادة؛ لأن الدين هو العمل الذي يريد العامل عليه مكافأةً، هذا الدين، ومنه قولهم: كما تَدِين تُدَان.
واعلم أن (الدِّين) يُطلَق على العمل الذي يُراد به المكافأة، ويُطلقُ على نفس المكافأة وهي الثواب على العمل، فمِن الأول مثل هذه الآية ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، ومثل قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون ٦]، ومثل قوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة ٣]؛ أي عملًا تتعبدون به.
ومثال الثاني قوله تبارك وتعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤] يعني: يوم الجزاء على العمل، ومثل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار ١٧، ١٨] أي: يوم الجزاء على العمل.
قال الله تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر ٣] ﴿أَلَا﴾ إداة استفتاح، وهي حرف يراد به التنبيه. ويش قلنا؟
* طالب: ﴿أَلَا﴾ أداة تنبيه.
* الشيخ: أداة تنبيه، إي نعم.
* الطالب: ﴿أَلَا﴾ أداة استفتاح.
* الشيخ: ﴿أَلَا﴾ أداة استفتاح، وهي حرف يُراد به التنبيه، ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ هذه أداة استفتاح، وهي حرف يراد به التنبيه؛ لأنَّ المتكلم إذا قال: (أَلَا) انتبه المخاطب، وقوله: ﴿لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ الجار والمجرور خبر مقدم، و﴿الدِّينُ﴾ مبتدأ مؤخر، ويفيد تقديم الخبر الحصر؛ أي: لله وحده.
وقوله: ﴿الدِّينُ﴾ يعني: العمل الذي يُراد الثواب عليه، وقوله: ﴿الْخَالِصُ﴾ يعني: النَّقي من الشوائب والشرك؛ أي أنه يجب على العاقل أن يجعل الدين الخالص لله وحدَه؛ إذ كيف يلِيق بالعاقل أن يتعبد بالحقِّ لله من أجلِ التَّقَرُّبِ إلى غيره؟! هذا خلاف العقل، فإذا قام الإنسان يصلِّي من أجل أن يراه الناس فهو سفيه في عقله ضالٌّ في دينه، كيف تجعل الحق الخالص للناس؟ الحق الخالص لله تجعَلُه للناس؟! العمل الذي للناس للناس، لكن العمل الذي لله يجِب أن يكون لله، ولهذا قال: ﴿أَلَا لِلَّهِ﴾ وحده ﴿الدِّينُ الْخَالِصُ﴾، فلا يجوز أن نجعلَه لغيرِه.
ولهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ إلى آخرِه، الواو هنا للاستئناف، و﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، و﴿اتَّخَذُوا﴾ صلة الموصول، وخبر المبتدأ محذوف تقديره: يقولون: ما نعبدهم، أو قالوا: ما نعبدهم.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ ﴿اتَّخَذُوا﴾ بمعنى صيَّرُوا، كقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء ١٢٥] يعني: صيَّرَه، وقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية ٢٣] أي: صيَّرَ إلهَه هواه، إذا كانت (اتخذ) بمعنى صيَّر فإنها تحتاج إلى مفعولين؛ مُصَيَّر ومُصَيَّرٍ إليه.
يقول المؤلف رحمه الله: (الأصنام ﴿﴿أَوْلِيَاءَ﴾ ﴾)، وعليه فيكون المفعول الأول محذوفًا، والثاني ﴿أَوْلِيَاءَ﴾، وحَذْف المفعول إذا دلَّ عليه الدليل جائز، قال ابن مالك رحمه الله في بابِ المبتدأ والخبر قال:
وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ كَمَا ∗∗∗ تَقُولُ (زَيْدٌ) بَعْدَ (مَنْعِنْدَكُمَا)
(حذف ما يعلم جائز) الواقع أن هذا البيت في المبتدأ والخبر لكن هل هو عام؟ نعم هو عام، حذْف ما يعلم جائز، وقد يكون من الفصاحة والبلاغة أن يُحذَف، إنما الأصل أن ما يُعلَم يجوز الحذف، وما لا يعلم لا يجوز الحذف؛ لأن الكلام لا بد أن يكون مُبَيِّنًا لمراد المتكلم، وهذا لا يكون مع حذف ما لا يُعلَم.
طيب إذن المفعول الأول محذوف، والتقدير: الأصنام، والثاني موجود وهو قوله: ﴿أَوْلِيَاءَ﴾، (أولياء) جمع وليٍّ؛ أي يتوَلَّوْنَها ولاية عبادة يتضَرَّعُون إليها، يسجُدُون لها، ينذُرُون لها، يتصَدَّقُون لها، لكن لا يعتقدون أن هذه الأصنام تنفعُهم أو تضرهم بذاتها ولا أنها تخلُق ولا أنها ترزُق لكن يدَّعون أنهم اتَّخَذُوها وسيلة.
ولهذا يقول: (﴿﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ ﴾ وهم كفارُ مكة) وتخصيصها هذا بكفار مكة فيه قصورٌ، ولا ينبغي أن نفَسِّر العامَّ بما هو أخص إلا على سبيل التمثيل، أما على سبيل تحديد المعنى بحيث يأتي اللفظ في القرآن عامًّا ثم نفَسِّرُه بمعنًى أخص فإنَّ هذا قصور في الحقيقة، أليس كذلك؟ لكن إن أراد الإنسان بهذا التفسير، إن أراد التمثيل؛ يعني: مثل كفار مكة فهذا لا بأس به، لكن القارئ الذي يقرأ مثل هذه العبارة من كلام المؤلف لا يشك أن المؤلف أراد بهذا التخصيص، وفي هذا نظرٌ ظاهر، فالواجب إبقاءُ دلالة عموم الآيات وكذلك الأحاديث على ما هي عليه حتى يقوم دليل عقلي أو قرينة لفظِيَّة على أن المراد الخاص.
طيب يقول: (وهم كفار مكة قالوا: ﴿﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ ﴾) (قالوا) هذه الجملة محذوفة؛ لأنها معلومةٌ من السياق، ويصح أن نقدِّر (يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ )، ولعلها أنسَب من قول المؤلف: (قالوا) حكايةً للحال التي هم عليها، وعلى كُلٍّ فالجملة المحذوفة هي خبر المبتدأ، وهو قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾، ولا يجوز أن نجعل جملة ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ هي الخبر؛ لفساد المعنى.
قال: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ هذا حصر لمرادهم بعبادة هذه الأصنام؛ يعني: ما نعبدهم إلا لهذا الغرض ﴿لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، وهذا إقرار منهم واعتراف بأنهم يعبدون الأصنام؛ لقولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾، وأنَّ هذه العبادة وسيلة لغاية أشرف منها وهي القُرْبى إلى الله عز وجل، وهذا من جهلهم؛ لأنه الآن إذا عبَدُوهم جعلوها غاية؛ لأنَّ المقصود هو الوصول إلى الله عز وجل، والوصول إلى الله لا يكون إلا بعبادته، فهم إذا عبدوهم جعلوهم هم الغاية، ولهذا سنبين -إن شاء الله- أن هذا من سفَهِهم.
﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (قُرْبى) مصدر بمعنى: تقريبًا، ﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ﴿زُلْفَى﴾ يقول المؤلف: إنها مصدر لكنَّها مصدرٌ معنوي؛ لموافقته العامل في المعنى دون اللفظ، لأنَّ المصدر قد يكون لفظيًّا وقد يكون معنوِيًّا؛ فإن وافَق عاملَه في اللفظ فإنَّه لفظي، مثل: قمتُ قيامًا، وإن خالفَه في اللفظ دون المعنى صار معنَوِيًّا، كقولك: قمتُ وقوفًا.
قعدتُ قعودًا؟
* طالب: لفظِي.
* الشيخ: لفظي. قعدتُ جلوسًا؟
* طالب: معنوي.
* الشيخ: معنوي، طيب.
يقول: تقرَّبُوا إلى الله زلفى، يقول: إنه بمعنى قربى، وقربي أيضًا يراد بها التقريب، وإنما قال المؤلف: إنه يراد بها التقريب؛ من أجل أن يطابِق الفعل، الفعل (قرَّبَ) مضارِعُه يُقَرِّب، المصدر المطابق أيش؟ تقريبًا لا قُرْبَى.
ولكن من المعلوم أنه قد يوافق المصدر عاملَه في اللفظ ولكنه لا يُطابِقُه في الحروف، ومثل هذا يسمَّى عندهم اسم مصدَر، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح ١٧]، لو كان مصدرًا لقال: إنباتًا، فلما قال: ﴿نَبَاتًا﴾ ونقصت حروفه عن حروف فعلِه سُمِّي اسمَ مصدر. المهم أنهم يقولون: نحن لا نعبد هذه الأصنام إلا من أجل أن تقرِّبَنا إلى الله تعالى قربى.
يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ الجملة استئنافية لبيانِ مآلِ هؤلاء الذين اتَّخَذُوا الأصنام أولياء؛ يعني فماذا تكون نهايتهم؟ يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ طيب ﴿بَيْنَهُمْ﴾ قال المؤلف: (وبين المسلمين)، فأشار إلى أن الطرف الآخر من البينُونة -أو من البَيْنِيَّة على الأصح- محذوف وبين المسلمين، وهذا التقدير ليس في السياق ما يدلُّ عليه، لو قال: (بينكم) لكان صحيحًا أن المراد: بينكم وبينهم، لكن هو قال: ﴿بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين هؤلاء الكفار، ﴿فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ وكأن المؤلف رحمه الله ظنَّ أنه لا اختلافَ بين الكفار، وليس كذلك، بل الخلاف بينهم حاصل في الدنيا وفي الآخرة، قال الله تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ﴾ [الأعراف ٣٨] إلى آخر الآيات، محاورة، منازعة، مخاصمة، فيحكم الله بينهم، وقد ذكر الله ذلك في عدة آيات، فالصواب أن الضمير ﴿بَيْنَهُمْ﴾ أي يعود على الكفار، وأنَّ الخلاف أو الاختلاف حاصل بينهم أنفسهم.
النصارى واليهود بينهم خلاف؛ ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة ١١٣]، وهذا خلاف ثابت بين الأمم الكافرة، فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما هم فيه يختلفون من أمر الدين، فيُدْخِلُ المؤمنين الجنة والكافرين النار، هذا بناءً على ما ذهب إليه المؤلف.
ولكن على القول الذي هو ظاهر الآية الكريمة ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، فيجعل كلَّ إنسان في منزلته، وقد بيَّن الله عز وجل ذلك في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سبأ ٣٣]، لما ذكر المحاورة بين المستضعفين والمستكبرين.
في هاتين الآيتين فوائد:
* أولًا: فضيلة رسول الله ﷺ وعُلُو مرتبتِه، وذلك بإنزال كتاب الله إليه؛ لقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾.
وهنا نسأل هل إنزال القرآن إلى الرسول إنزالٌ إلينا؟ نعم إنزال إلينا؛ لأنه رسولنا، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء ١٧٤]، فالنازل إلى رسول الله نازل إلينا ولكنه هو المباشر لهذا الإنزال ويبَلِّغُه لنا.
* من فوائد الآية: ما سبق من أن القرآن نازِلٌ من عند الله، فيكون كلامَه.
* ومنها: علو الله عز وجل؛ لأنَّ النزول إنما يكون من أعلى (...).
دلَّ عليه الكتاب والسنة والعقل والفطرة، خمسة أنواع من الأدلة كلها تثبت علُوَّ الله على خلقه، وقد خالَف في هذا طائفتان:
الطائفة الأولى: طائفة الحلولية الذين قالوا: إن الله بذاته في كل مكان، يقولون: الله بذاته نفسُه سبحانه وتعالى في كل مكان؛ في المسجد، في السوق، في البيت، في السطح، في الحجرة، في أقبح مكان، والعياذ بالله. وهؤلاء الآن أقول: إنهم كفار، لكن مَن كان متأَوِّلًا وجب إعلامُه وبيانُ الحقيقة له فإن أصَرَّ فهو كافر.
الطائفة الثانية المخالفة: المعطلة الجاحدة الذين يقولون: إن الله تعالى ليس فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا متصل ولا منفصل، هؤلاء وصفوا الله بالعدم، كما قال محمود بن سبكتكين رحمه الله لابن فورك لمَّا قال: إن الله لا موجود ولا معدوم.. إلى آخره، قال له محمود بن سبكتكين: إنك وصفتَ الله تعالى بالعدم. وصدق، لو أردنا أن نصِفَ معدومًا ما وجدنا أشد إحاطةً من هذا الوصف بالمعدوم.
طيب، هدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، وقالوا: إن الله تعالى نفسَه فوق كل شيء كما دلَّ على هذا الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الكتاب حقٌّ من عند الله لم يتقَوَّلْه النبي ﷺ على ربِّه، بل هو من عند الله؛ لقوله: ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ يعني: أنه حقٌّ من عند الله عز وجل، وقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة ٤٤ - ٤٦].
ولا بأس أن نتكلم عن هذه الآية، قال: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا﴾ بعد أن قال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا﴾ [الحاقة ٤٠ - ٤٤] لئلا يتوَهَّم واهم أنه لما قال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ صار القرآن من عند الرسول عليه الصلاة والسلام وأنه هو الذي قاله، فقال: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة ٤٤ - ٤٧].
* ومن فوائد هذه الآية: أن جميع ما في القرآن حق، على الوجه الثاني، أخباره وقصصُه وأوامرُه ونواهيه، إذن أخبارُه ليس فيها كذب بوجه من الوجوه، قصصُه ليس المراد منها إمضاء الوقت وإتلاف الوقت بل هي قصص نافعة، ويأتي -إن شاء الله- البقية (...).
* * *
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣) لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [الزمر ٣ - ٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ ما معنى هذه الجملة من الآية؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ليس كذلك.
* الطالب: (...).
* الشيخ: معنى الآية، ما نريد التفصيل.
* الطالب: تنبيه على أن دين الله تبارك تعالى دينٌ نقيٌّ..
* الشيخ: نقي من الشرك، وأنَّ كلَّ دين صار فيه شرك فإنَّ الله لا يقبله، نعم طيب.
قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ كيف نُعرِب هذه الجملة؟
* طالب: الواو حرف استئناف، و﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ.
* الشيخ: نعم، أين خبره؟
* الطالب: خبرُه مقول قول ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾، التقدير: يقولون (...).
* الشيخ: تقول: الخبر مقول القول، وأنت تقول: محذوف تقديره يقولون، أيش (...)؟
* الطالب: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾ مقول.
* الشيخ: أين خبر (الذين)؟
* الطالب: محذوف.
* الشيخ: ويش التقدير؟
* الطالب: يقولون.
* الشيخ: يقولون، نعم طيب، إذا كانوا يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾ فهنا جعَلُوا الوسيلة؟
* الطالب: هي عبادة الأصنام، جعلوا الوسيلة..
* الشيخ: إي نعم، لكن هنا جعلوا الوسيلة غاية.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: (...) هم يقولون: نحن ما نجعلها (...) بل نجعلها وسيلة.
* الشيخ: يا أخي قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا﴾ فهم عبدوها ليكون ذلك وسيلة ليقربهم إلى الله، فجعلوا الوسيلة جعلوها غاية؛ لأن الغاية من التقرب إلى الله هو عبادته، فهنا قلبوا الواقع فجعلوا الوسيلة غاية.
طيب هل حال بعض الناس عند القبور كحال هؤلاء؟ نعم، فيه ناسٌ يطوفون بالقبور ينذرون لها، يسجدون لها، يقولون: هؤلاء أولياء يقربوننا إلى الله كحال هؤلاء. وهل لهؤلاء القبوريين وجود؟
* طالب: الآن، إي نعم.
* الشيخ: الآن موجود.
* الطالب: الذين يعبدون (...).
* الشيخ: أنا وصفت لك حال الذين يطوفون بالقبور ويعبدونهم، فقلت: هل يشبهون حال المشركين؟ فقلت لي: نعم، فأقول لك الآن: هل لهؤلاء الآن وجود في العالم الإسلامي أو لا؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: لهم وجود.
طيب قال المؤلف: (﴿﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ ﴾ وبين المسلمين)، فما مدى صحة هذا التفسير؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ المؤلف يقول: (وبين المسلمين)، فما مدى صحة هذا التفسير؟
* الطالب: ليس بصحيح.
* الشيخ: ليس بصحيح، ما هو الصحيح؟
* الطالب: الصحيح أنه (...).
* الشيخ: أحسنت، يعني بين الكفار أنفسهم.
طيب هل لك أن تُبَيِّن لي صورة من اختلاف الكفار؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني مثل آية تشهد على أنه يكون بينهم اختلاف.
* الطالب: قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ﴾ [آل عمران ١٩].
* الشيخ: لا، هذا يوم القيامة، اختلافهم يوم القيامة؛ لأن الله يحكم بينهم يوم القيامة.
* الطالب: مثل قوله تعالى (...): ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾ [الأعراف ٣٨].
* الشيخ: أحسنت، مثلما قال: ﴿الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ ٣١]، والآيات في هذا متعددة.
قال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾.
* من فوائد هذه الآية: أن إنزال القرآن حُجَّةٌ على الناس يُلْزِمُهم بعبادة الله؛ لقوله: ﴿فَاعْبُدِ﴾، والفاء هذه للتفريع؛ أي: فلأجل إنزال الكتاب إليك اعبُدِ الله.
* ومن فوائدها: أن من لم يبلُغْه الكتاب لم تلزمْه العبادة، ويدل لهذا آياتٌ أخرى مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء ١٥]، ومثل قوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥]، ومثل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص ٥٩].
ومثل قول النبي ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ لَا يُؤْمِنُ بِمَا جِئْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ»[[أخرجه مسلم (١٥٣ / ٢٤٠) من حديث أبي هريرة.]]، فقال: «لَا يَسْمَعُ بِي»، والنصوص في هذا المعنى كثيرة أن من لم تبلغه دعوةُ الرسل لا تلزمُه العبادة.
والدليل التطبيقي لهذه المسألة عدة شواهد؛ منها: حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه «بعثَه النبي ﷺ في سرية، فأجْنَب فلم يجِدِ الماء، فتمَرَّغ في الصعيد كما تتمرغ الدابة ظنًّا منه أن هذا لازِمٌ له وصلَّى، وأخبر النبيَّ ﷺ بهذا، فبيَّن له النبي ﷺ أنه يكفِيه عن الغُسْل أن يضْرِبَ الأرض بيديه ثم يمسَح وجهَه وكفَّيه، ولم يأمُرْه بإعادة الصلاة»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٨)، ومسلم (٣٦٨ / ١١٢) من حديث عمار.]].
وكذلك «الرجل الذي جاء فصلى ولا يطمَئِنُّ في صلاته فقال له النبي ﷺ: «إِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»، فقال له: والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧ / ٤٥) من حديث أبي هريرة.]]. فعلَّمَه النبي ﷺ ولم يأمره بإعادة ما مضى من صلاته مع أنه كان لا يصَلِّي صلاة لا تجْزِئُه.
وكذلك المرأة التي كانت تُسْتَحَاض فتَظُنُّ أن هذا حيضٌ فلا تصلي فلم يأمُرْها النبي ﷺ بالإعادة[[أخرجه أحمد (٢٧٦٣١) من حديث فاطمة بنت أبي حبيش.]]. وأمثال هذا كثير.
وعليه فلو أن رجلًا أسلم في بلاد الكفر أو في بلاد نائية لا يصِلُها أحكام الشرع وترَك الصلاة مدة ثم علِم بعد ذلك بوجوب الصلاة فإننا لا نأمُرُه بإعادة ما ترك وإنما نأمره بصلاة ما حضَر وقتُه فقط.
وكذلك لو كانت امرأة في محلٍّ ناءٍ بلغَتْ بالحيض وهي صغيرة ولم تصُمْ رمضان ولكنَّها في محلٍّ ليس حولَها علماء تسألهم قد غلب عليها الجهل كالبادية -مثلًا- فإننا لا نأمُرُها بقضاء ما تركَتْ من الصوم؛ للجهل، وهذا هو اللائق بالشريعة الإسلامية المبنِيَّة على اليسر والسهولة، وعلى أن الله تعالى لا يكلِّفُ نفسًا إلا وسْعَها، ولا يكلف نفسًا إلا ما آتاها، وهنا الآية التي معنا يمكن أن يكون فيها إشارة لِمَا ذكر، ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ ﴿فَاعْبُدِ﴾ بعد الإنزال أُمِر بالعبادة.
* ومن فوائد هذه الآية: وجوب الإخلاص لله في العبادة؛ لقوله: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، والإخلاص تنقية الشيء مما يشوبه، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن الله قال: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]، فلو تصدَّق الإنسان بمال لكنه مُرَاءٍ بذلك من أجل أن يُمدَح فإنه لم يعبُدِ الله، وهو آثم وليس بمأجُور، ولو صلَّى لِيُمْدَح فإنه لم يعبد الله وهو آثم وليس بمأجور؛ لأن الله أمر بعبادة خاصة وهي الإخلاص، ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن العبادة دِينٌ يَدِينُ به الإنسان، ومعنى كونِه دينًا أنه يعمل لِيُثَاب.
* ويتفرَّع على هذه الفائدة أنَّه ينبغي للإنسان حين العبادة أن يُلَاحِظ هذا المعنى وهو أنه يعمَل لِيُثَاب؛ لأنه إذا شعر بهذا الشعور فسوف يتقِن العمل؛ إذْ إن العقلَ يهدي الإنسان إلى أن الثواب على قدْر العمل؛ إن أحسنْتَ العمل حسُنَ الثواب، وإن قصَّرْت فالثواب ينقُص، وهذه المسألة -أعني شعور كون الإنسان يعمل من أجل الثواب- أعتقد أنها تفوت كثيرًا من الناس لا ينتبِهُون لها.
* ومِن فوائدها أيضًا: الإشارة إلى نية المعمول له حينما تعمل تريد التقرُّب إلى الله عز وجل بامتثال أمره، فمثلًا عندما تريد تتوضأ تنوي بأنك تتوضأ امتثالًا لأَمْر الله حينما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة ٦]؛ من أجل أن تشعُر بالعبادة ولَذَّة العبادة، لا لأجل أن تبرِئَ ذمَّتَك بفعل ما هو فرْضٌ عليك من الطهارة للصلاة، هذا لا شكَّ أنه نية طيبة، لكن أطيب منها أن تستشعر بأنك تمتثل أمر الله لتشعر بلَذَّةِ العبادة وأنَّك حقيقةً عبدٌ لربك عز وجل، هذه مسائل ينبغي للإنسان أن ينتبه لها في عبادته، ولهذا قال: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾.
ثم قال الله تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾.
* من فوائد هذه الجملة: أن الله لا يقبل إلا دينًا خالصًا ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾، أما ما سواه فليس لله حتى وإن أشرَكْت به مع الله -حطوا بالكم يا جماعة- لأنَّ الدين لله ما هو؟ الخالص النقي من شوائب الشرك.
فإن قال قائل: إذا كان العمل خالصًا في أولِه مُشْرَكًا فيه في آخره فهل يبطل العمل كله، أو يبطل ما فيه الشرك، أم ماذا؟
نقول: في هذا تفصيل؛ إذا كانت العبادة التي وقع الشرك في أثنائها ينبني بعضُها على بعض فإنها تبطل، مثل الصلاة: رجل أحرم بالصلاة مخلِصًا لله، وفي أثنائها سمع حوله أحد فراءَى في ذلك في صلاته في أثناء العبادة، ماذا نقول؟ نقول: الصلاة تبطل، تبطُل كلها؛ لأن أولها وآخرها مبْنِيٌّ بعضُه على بعض.
أما إذا كانت لا ينبني بعضُها على بعض فإن ما كان خالصًا يصِح، وما كان مشوبًا لا يصح؛ مثل رجل كان يتصدَّق عنده ألف رِيال، كلما جاء فقير أعطاه منها، أنفق خمس مئة رِيال خالصة لله، وفي أثناء الإنفاق حضر أناسٌ فراءاهم، فهل تبطل الصدقة الأولى التي بها الإخلاص؟ لا. لماذا؟ لأن بعضها لا ينبني على بعض؛ كل درهم منفصل أو كل رِيال منفصل عن الذي قبله، هذه مسألة مهمة.
المسألة الثانية: أحيانًا يهاجِم الرياءُ القلبَ ويدافعه الإنسان يدافع، فهل يؤثر هذا على إخلاصِه؟
الجواب: لا يؤَثر ما دام يدافعه ويعرض عنه؛ لأنه الآن في جهاد لعدوه، والشيطان دائمًا يأتي الإنسان من كل وجه، قال الله تعالى عنه في سورة الأعراف: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف ١٦]؛ يعني: في كل مكان، يأتي الإنسان يثَبِّطُه عن العبادة، يثَبِّطُه عن طلب العلم، يثَبِّطُه عن صلة الرحم عن برِّ الوالدين، وما أشبه ذلك مما أوجب الله عليك، فإذا رأى منه تصميمًا على القيام بالعبادة أتاه من جهة أخرى وهو الغلو في العبادة والزيادة فيها والتنَطُّع والتكلف، فإذا عجز عنه من هذه الناحية أتاه من جهة النية أنك مراءٍ، ولكن الإنسان يجب عليه أن يدافع الشيطان بقدر ما يستطيع مستعينًا بالله عز وجل.
* من فوائد الآية الكريمة في قوله: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ غِنَى الله عز وجل، غِنى الله الغِنَى التام.
ووجه ذلك أنه إذا كان الله لا يقبَلُ إلا ما كان خالصًا دلَّ على غِناه عن عملِ العباد؛ لأنه -وحاشاه من ذلك- لو كان فقيرًا محتاجًا لذلك لاكتفى بما يأتيه منهم ولو على سبيل المشاركة، كالإنسان المحتاج يقبَل منك ما كان خاصًّا له وما كان مشترَكًا، فلما كان الله لا يقبل إلا ما كان خالصًا عُلِمَ بهذا غناه عن العباد، وإلى هذا يشير قوله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]].
ثم قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية: أن عابدي الأصنام قد توَلَّوا الأصنام واتخَذُوها أولياء.
* ومن فوائدها أنهم -أي عباد الأصنام- يمَوِّهُون على الناس، يقولون: نحن ما نعبدُهم إلا لِغَاية وهي أن يقرِّبُونا إلى الله زلفى.
* ومن فوائدها: أنه يمكن أن نعَدِّيَ هذا الحكم إلى جمِيع أهل الباطل؛ يدَّعون أنهم يحسِنُون صنعًا وهم كذَبَة.
ولنضرب لهذا مثلًا بأهل التعطيل: أهل التعطيل يدَّعون أنهم بتعطيلهم هذا منَزِّهُون لله وأنَّ قصدَهم تنزيهُ الله عز وجل عن النقص وعن مشابهة المخلوقين، وهم كاذبون في هذا؛ لأنهم إذا عطَّلُوه عن كمال صفاته فهو ضد التنزيه، هؤلاء يقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، والحقيقة أن هذه العبادة تبعدهم من الله مسافات كثيرة.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: إقرار المشركين بأنهم يعبدون أصنامهم ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾، فهم يصرحون بأنهم يعبدونهم لكن لا يقولون: نعبدهم لنتقرب إليهم بل ليقربونا.
* ومن فوائدها: أن المشركين في عهد الرسول ﷺ يُقِرُّون بوجود الله، وأنه أعظَم من كل عظيم؛ لقولهم: ﴿لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾، فهم معترِفُون بالله عز وجل وأنه أعظم من أصنامهم، ولهذا جعلوها وسيلة له أو للتقرب إليه.
* ومن فوائدها: أنه سيكون بين هؤلاء المشركين وبين أوليائهم سيكون نزاع وخصومة يوم القيامة؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر ٣].
* ومن فوائدها: أن الحكم لله عز وجل وحده في ذلك اليوم -أعني يوم القيامة- وأنَّ المرجع إليه.
ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر ٣] هذه الجملة مؤَكَّدة، كما تشاهدون مؤكدة بـ﴿إِنَّ﴾. وقوله: ﴿لَا يَهْدِي﴾ المراد بذلك هداية التوفيق، وأما هداية الدَّلالة فإنها حجة الله على خلقه لا بد أن تنال كل أحد، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت ١٧]، هديناهم هداية؟
* طالب: دلالة.
* الشيخ: دلالة، إذن ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي﴾ هداية توفيق لا هداية دلالة، بل هداية الدلالة ثابتة لكل أحد، ﴿لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ ﴿مَنْ هُوَ﴾ أي: الذي هو كاذب.
قال المؤلف: (في نسبة الولد إليه) والذين نسَبُوا الولد إليه هم اليهود والنصارى والمشركون، ثلاثة؛ أما اليهود فقالت: عزيرٌ ابن الله، وأما النصارى فقالوا: المسيحُ ابن الله، وأما المشركون فقالوا: الملائكة بنات الله، والآية كما تشاهدون ﴿مَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ عامة، لكن كأن المؤلف خصَّصَها بنسبة الولد إلى الله؛ لقوله فيما بعد: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الزمر ٤].
* طالب: (...).
* الشيخ: كأن المؤلف خصها بنسبة الولد إليه؛ لقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾، وإلا فلو نظرنا إلى الآية ﴿كَاذِبٌ﴾..
هداية دلالة، إذن ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي﴾ [الزمر ٣] هداية توفيق، لا هداية دلالة، بل هداية الدلالة ثابتة لكل أحد، نعم ﴿لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾، ﴿مَنْ هُوَ﴾ أي الذي هو كاذبٌ.
قال المؤلف: (في نسبة الولد إليه) والذين نسبوا الولد إليه هم اليهود والنصارى والمشركون، ثلاثة، أما اليهود فقالت: عزير ابن الله، وأما النصارى فقالوا: المسيح ابن الله، وأما المشركون فقالوا: الملائكة بنات الله، والآية كما تشاهدون ﴿مَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ عامة، لكن كأن المؤلف خصصها بنسبة الولد إلى الله؛ لقوله فيما بعد: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الزمر ٤].
* طالب: (...).
* الشيخ: كأن المؤلف خصها بنسبة الولد إليه؛ لقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ واضح؟
وإلا فلو نظرنا إلى الآية ﴿كَاذِبٌ﴾ لكانت مطلقة لم تقيد بنسبة الولد إلى الله عز وجل، لكن المؤلف قيدها باعتبار أو بقرينة السياق.
﴿كَفَّارٌ﴾ كفار هذه يحتمل أن تكون صيغة مبالغة، ويحتمل أن تكون للنسبة، فإن كانت النسبة صارت صفة لازمة، كما نقول: نجار وحداد وخشاب وبنَّاء، وما أشبه ذلك، وإن كانت صيغة مبالغة لم تكن صفة لازمة، لكنها تدل على الكثرة، وعلى كل حال فسواء للمبالغة أو للنسبة فالمراد بها الكفور بالله عز وجل.
وقال المؤلف: (بعبادته غير الله) ولا شك أن هذا كفر: عبادة غير الله. وتخصيص الكفر هنا بعبادة غير الله يؤيده السياق، وهو قوله فيما سبق: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر ٣].
قال الله تعالى: (﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ كما قالوا: اتخذ الرحمن ولدًا ﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ ) ﴿لَوْ﴾ هذه شرطية، الشرط الذي فيها ﴿أَرَادَ﴾ وجوابه: ﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾، واعلم أن ﴿لَوْ﴾ الشرطية إذا كان جواب الشرط فيها مثبَتًا فالأكثر اقترانه باللام: لَوْ أَرَادَ اللَّهُ لَاصْطَفَى. وقد يأتي غير مقترن باللام؛ كقوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ [الواقعة ٧٠]، أما إذا كان منفيًّا فإنه لا يقترن باللام، نعم وهو كثير الأمثلة في هذا، لكن قد يقترن باللام؛ كقول الشاعر:
وَلَوْ نُعْطَى الْخِيَارَ لَمَا افْتَرَقْنَا ∗∗∗ وَلَكِنْ لَا خِيَارَ مَعَ اللَّيَالِي
﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ أراد إرادة كونية، فتكون بمعنى المشيئة، يعني: لو شاء الله أن يتخذ ولدًا، يعني أن يجعل لنفسه ولدًا كما قالوا: اتخذ الرحمن ولدًا ﴿لَاصْطَفَى﴾ (اصطفى) من الصفوة، وهو خيار الشيء، فيكون معنى (اصطفى) اختار، ﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ﴾ أي من الذي يخلق ﴿مَا يَشَاءُ﴾، و(ما) هنا مفعول (اصطفى)، أي: لاصطفى ما يشاء مما يخلقه، وقوله: ﴿مِمَّا يَخْلُقُ﴾ هذه اسم موصول أعني (ما)، والعائد؟
* الطالب: محذوف.
* الشيخ: محذوف، والتقدير: مما يخلقه، وعبر بـ(ما) دون (من) مع أنهم قالوا: الملائكة بنات الله، وعزير ابن الله، المسيح ابن الله، فعبر بـ(ما) لأنها أعم من (من)، هذا من وجه، من وجه آخر: أنه إذا أريد ملاحظة الصفة فإنه يعبر بـ(ما) عن (من)، وهنا يراد ملاحظة الصفة وهي العبادة، وانظروا إلى مثال يتضح به ما قلنا: قال الله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء ٣] ولم يقل: (من)؛ لأنه ليس المقصود عين المرأة إنما المقصود الوصف، فلهذا عبر بـ(ما) عن (من).
﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ﴾ أي: من مخلوقاته ذات الإرادة والشعور؛ كعزير والمسيح والملائكة وغيرهم كالجمادات من الأصنام المنحوتة وغيرها، (﴿مَا يَشَاءُ﴾ واتخذه ولدًا)، قوله: ﴿مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ نقول في ﴿مَا يَشَاءُ﴾ كما قلنا في ﴿مِمَّا يَخْلُقُ﴾.
(واتخذه ولدا غير من قالوا من الملائكة بنات الله). (إن) ولَّا (من)؟ (غير من قالوا)؟ كلكم عندكم (إن)؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (غير من قالوا من الملائكة بنات الله وعزير ابن الله والمسيح ابن الله) نعم، يعني أنه عز وجل لو أراد الله أن يتخذ ولدًا ما منعه أحد، لاصطفى مما يخلق ما يشاء مما قالوه أو غيره، فهو عز وجل له الملك الكامل ولكنه لا يتخذ ولدًا؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم ٩٢] يعني: مستحيل غاية الاستحالة أن يتخذ ولدًا، ولهذا قال هنا: (﴿سُبْحَانَهُ﴾ تنزيهًا له عن اتخاذ الولد ﴿هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ لخلقه).
﴿سُبْحَانَهُ﴾ أي تنزيها له، و(سبحان) هذه اسم مصدر من (سبَّح)، والمصدر تسبيح. واعلم أن (سبحان) ملازمة للإضافة دائمًا، ولكن ربما تأتي نادرًا أو شذوذًا بغير إضافة، وربما تقترن بـ(أل) فيقال: ذا السبحان، ولكن الأصل أنها ملازمة للإضافة وأنها منصوبة على المفعولية المطلقة، وعاملها يكون محذوفًا دائمًا، والمراد: تنزيهًا له.
وقول المؤلف: (عن اتخاذ الولد) إنما خصه باتخاذ الولد لأن السياق في ذلك، وإلا فإنه منزه عن اتخاذ الولد وعن كل عيب ونقص.
فإذا قال قائل: هل في اتخاذ الولد من عيب؟
فالجواب: نعم، فيه عيب؛ لأنه يدل على احتياج الوالد للولد، ولهذا تجد الإنسان إذا لم يأته الولد يرى أنه ناقص، ويتمنى كل الأمنية أن يأتيه ولد يساعده على شئون الحياة، ويبقي ذكره بعد موته، فاتخاذ الولد نقص ولهذا نزه الله نفسه عنه.
ثانيًا: الولد إنما يأتي من أجل بقاء النوع الذي تولد منه، والله سبحانه وتعالى غير محتاج لذلك؛ لأنه هو الواحد الباقي عز وجل.
ثالثًا: أن الولد يكون مماثلًا لأبيه، ولا نسمع وما سمعنا أن بشرًا جاءه تيس. أليس كذلك؟
وإنما يأتيه ولد مثله، فلو فرض أن الله اتخذ ولدًا لكان الولد مثل الله عز وجل، والله تعالى منزه عن أن يماثله أحد.
إذن ففي هذه الوجوه الثلاثة يتبين أن الولد ممتنع عن الله غاية الامتناع. ثم إن الله أيضًا ذكر مانعًا رابعًا، وهو أنه ليس له زوجة، فقال تعالى: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام ١٠١]، فبين أنه ليس له زوجة، كيف يأتي الولد؟ وإنما جاء الولد من آدم مثلًا؛ لأنه آية معجزة.
ثم ﴿هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ﴾ هو الله، ولو كان له ولد لشاركه في الألوهية، والألوهية ليست إلا له، ﴿الْوَاحِدُ﴾ ولو كان له ولد لكان اثنين؛ لأنه لا بد أن يكون الولد مماثلًا لوالده، والله واحد لا ثاني له عز وجل، ﴿الْقَهَّارُ﴾ صيغة مبالغة وصيغة نسبة، أي أنه ذو القهر الدائم المتكرر، فكم من ذي جبروت قهره الله عز وجل، ما أكثر الرجال والأمم ذوات الجبروت التي قهرها الله عز وجل.
* من فوائد هذه الآية: أن من كان كاذبًا كفارًا فإن الله لا يوفقه؛ لقولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر ٣].
* ومِن فوائدها: التحذير من الكذب وخصال الكفر، وأن الكذب سبب لمنع الهداية؛ وذلك لأن الحكم إذا عُلق بوصف -هذه القاعدة التي يمكن أن نطبق عليها هذه الفائدة- أن الحكم إذا علق بوصف وجد بوجوده وانتفى بانتفائه، ويدل لهذا أن النبي ﷺ قال: «إِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٩٤)، ومسلم (٢٦٠٧/ ١٠٥) من حديث ابن مسعود.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصدق سبب للهداية، وجهه: أنه إذا كان الكذب سببًا للغواية فضده سبب لضده يكون الصدق سببًا للهداية.
ويتفرع على هذه الفائدة: الترغيب في الصدق، ولكن الصدق مع من؟ الصدق مع الله ومع رسول الله ومع عباد الله، الصدق مع الله بالإخلاص له، ومع الرسول باتباعه، ومع عباد الله بحسن المعاملة، فعليك بالصدق «فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ، وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٩٤)، ومسلم (٢٦٠٧/١٠٣) من حديث ابن مسعود. ]] جعلنا الله وإياكم منهم.
يقول بعض السفهاء: الكذب منجاة، ويقول بعض الباعة: الكذب مسامير السلع، نعم، صح هذا؟ ماذا نقول؟ نقول: الكذب مهلكة، والصدق منجاة، وبالنسبة للسلع الذي يبيعون ويشرون يقول: اكذب لأجل تحكم السلع، مثل المسامير للأبواب، ماذا نقول له؟ نقول: بل اصدق؛ فإن هذا هو المسامير حقيقة، هو الذي يثبت البركة، لكن الكذب منفقة للسلعة ممحقة للكسب.
* من فوائد هذه الآية أيضًا: أن الكفر سبب للغواية؛ لقوله: ﴿مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر ٣]، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥].
* ومن فوائدها: التحذير من خصال الكفر؛ لأن الحكم إذا عُلق بوصف ثبت بوجوده وانتفى بانتفائه، خصال الكفر التي لا تؤدي إلى الكفر المطلق، قد تكون سببًا -والعياذ بالله- للغواية، مثل الطعن في النسب، النياحة على الميت، قتل المعصوم المسلم؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤/١١٦) من حديث ابن مسعود. ]].
* طالب: (...).
* الشيخ: ما غيرناها، سبحان الله، عندي واحد وأربعون (...).
* * *
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥) خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر٥، ٦].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى -في المناقشة-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر ٣] ما المراد بالهداية المنفية هنا؟
* طالب: هداية التوفيق.
* الشيخ: هداية التوفيق، ما هو الدليل؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا.
* الطالب: هداية الدلالة ثابتة لهم (...) هداية التوفيق.
* الشيخ: إي نعم، المنفي هنا هداية التوفيق، لماذا لا نجعلها هداية التوفيق والدلالة؟
* الطالب: (...) الرسول ﷺ (...).
* الشيخ: (...) هل عندك دليل، هذا تعليل؟
* الطالب: ﴿إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى ٥٢].
* الشيخ: قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ [الليل ١٢]، وقال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [البقرة ١٨٥] عموم.
طيب، قوله: ﴿مَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ في أي شيء؟ في أي نسبة الكذب هنا؟
* الطالب: نسبة الولد إلى الله عز وجل.
* الشيخ: لماذا خصصتها؟
* الطالب: نظرًا للآية بعدها.
* الشيخ: يعني بقرينة السياق، طيب قوله: ﴿كَفَّارٌ﴾ معناها؟
* الطالب: الكافر.
* الشيخ: الكافر، لكن لماذا جاءت على صيغة فعَّال؟
* الطالب: للمبالغة.
* الشيخ: مبالغة في الكفر أو نسبة، من باب النسبة، نسبة الكفر إليهم، طيب أظن اللي بعدها أخذناها؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [الزمر ٤] إلى آخره (لو) هنا؟
* الطالب: شرطية.
* الشيخ: شرطية، أين فعل الشرط وجوابه؟
* الطالب: فعل الشرط ﴿أَرَادَ اللَّهُ﴾ وجوابه ﴿لَاصْطَفَى﴾.
* الشيخ: ﴿لَاصْطَفَى﴾ هل اللام واجبة في جواب (لو)؟
* الطالب: (...) في قوله تعالى (...).
* الشيخ: لا، ما هي هكذا الآية، ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ [الواقعة ٧٠] طيب أحسنت.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إذا كان منفيًّا لا يأتي إلا مقترنًا باللام؟
* الطالب: لا يأتي مقترنًا باللام.
* الشيخ: إلا؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: هل هناك شاهد لاقترانه منفيًّا باللام؟
* الطالب: (لو نُعطَى الخيارَ لما افْتَرَقْنا).
* الشيخ: ولكن لا خيار مع الليالي، طيب نأخذ الفوائد أو أخذناها قبل؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: من قوله؟
* الطالب: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ﴾.
* الشيخ: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ﴾، أخذنا اللي قبلها؟
قال الله عز وجل: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الزمر ٤]:
* في هذه الآية الكريمة: بيان كمال سلطان الله سبحانه وتعالى، وأنه لو أراد شيئًا لم يمتنع عليه؛ لقوله: ﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾، ومن وجه آخر أن فيه ردًّا لاقتراحهم أو دعواهم بأن الملائكة بنات الله، أو المسيح أو العزير، فيقول: لو أراد الله أن يتخذ ولدًا لاصطفى ما يشاء دون أن يتخذ ما ادعوه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات إرادة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ﴾ وإرادة الله تعالى في فعله متفق عليها، لا نظن أن أحدًا يخالف في أن الله تعالى يريد فعله، ولكن هل تتعدى إلى فعل المخلوق أو لا؟
في هذا خلاف بين أهل السنة وأهل البدعة؛ فمنهم من قال: إنها تتعدى إلى فعل المخلوق وغلا في ذلك، وقال: إن المخلوق ليس له إرادة، وهذا قول الجهمية الجبرية.
ومنهم من قال: إنها تتعدى إلى فعل المخلوق لكن لا على سبيل الجبر، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة. ومنهم من قال: إنها لا تتعدى إلى فعل المخلوق، وأن المخلوق مستقل بفعله، ولا إرادة لله تعالى فيه، وهذا مذهب القدرية مجوس هذه الأمة، نعم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل؛ لقوله: ﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾، والأفعال الاختيارية لله ثابتة بالسمع والعقل؛ أما السمع فما أكثر الأفعال التي يضيفها الله إلى نفسه، وأما العقل فلأن الفاعل بالاختيار أكمل ممن لا يفعل، وذهبت الأشاعرة وغيرهم من المعطلة إلى أن الأفعال الاختيارية لا تقوم بالله عز وجل، بحجة أن الفعل الحادث يستلزم حدوث الفاعل، ولا شك أن هذا قول باطل يستلزم لوازم باطلة، منها أن الله سبحانه وتعالى غير قادر على الفعل، وهذا تنقص لله عز وجل وتكذيب لأخباره الكثيرة التي لا تحصر في إثبات الفعل له.
* ومن فوائد هذه الآية: إثبات المشيئة لله؛ لقوله: ﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾، والمشيئة نقول فيها كما قلنا في الإرادة من حيث تعلقها، هي تتعلق بأفعال الله، وهل تتعلق بأفعال المخلوق؟
على الخلاف السابق الذي شرحناه في الإرادة، لكن هنا أمر يجب التنبه له، وهي أن الإرادة تنقسم إلى قسمين: إرادة شرعية وإرادة كونية، أما المشيئة فهي قسم واحد فقط، الإرادة الكونية ترادف المشيئة فهي بمعناها، فإذا قلت: ما أراد الله كان، فهو بمعنى: ما شاء الله كان.
أما الإرادة الشرعية فإنها ترادف المحبة، أي أنها تتعلق بما يحبه الله عز وجل، فتقول: إن الله يريد منا أن نشكره، هذه الإرادة شرعية، طيب والفرق بين الإرادة الشرعية والكونية من وجهين:
الوجه الأول: أن الإرادة الكونية شاملة لما يحبه الله وما لا يحبه، الإرادة الكونية، فهو يريد الإيمان ويريد الكفر ويريد الطاعة ويريد الفسق بالإرادة الكونية.
أما الشرعية فإنها لا تتعلق إلا فيما يحبه فقط، فلا يمكن أن تقول: إن الله يريد الفسق، أي: يحبه، هذا مستحيل.
وثانيًا -الفرق الثاني- الإرادة الكونية لا بد فيها من وقوع المراد، يعني إذا أراد شيئًا كونًا لا بد أن يقع، والإرادة الشرعية قد يقع وقد لا يقع، يريد منا سبحانه وتعالى الإيمان والطاعة قد توجد وقد لا توجد، هذا هو الفرق بينهما.
وبهذا تنحل إشكالات أوردها القدرية على أهل السنة فقالوا لهم: إذا أثبتم تعلق إرادة الله بكل شيء حتى في المعاصي لزمكم أن الله يريد الشر، فيكون الله -على تقدير قولهم- شريرًا، نسأل الله العافية، ماذا نقول؟ نقول: أما الإرادة الشرعية فإن الله لا يمكن أن يريد الشر أبدًا، وأما الإرادة الكونية فإنه يريد ما شاء، لكن إرادته كونًا للشر له حكمة بالغة كثيرة معروفة.
يقول: * مِن فوائد هذه الآية: تنزيه الله سبحانه وتعالى عن كل ما وصفه به الكافرون الجاحدون؛ لقوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾.
* ومِن فوائدها: إثبات اسم الله: الله والواحد والقهار، ثلاثة أسماء، وكل اسم يثبته الله لنفسه فإنه يتضمن الصفة التي اشتق منها، فـ(الله) مشتق من الألوهية، ففيه إثبات الألوهية صفة من صفاته، الواحد: الوحدانية، ففيه إثبات الوحدانية لله عز وجل، القهار: القهر، ففيه إثبات القهر لله عز وجل، وأنه القهار الغلاب الغالب لكل شيء.
الزمر 39:5
ثم قال تعالى: (﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر ٥] متعلق بـ﴿خَلَقَ﴾ )، هذه الآية جاءت عقب رد قول من يقول: إن لله ولدًا؛ ليبين أن الخالق للسماوات والأرض غني عن الولد، ولا يحتاج إليه؛ لأن الكل ملكه، ولا يحتاج للولد إلا من كان غير مالك تمام الـملك.
قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾: السماوات: جمع سماء، والسماء تُطلَق على معنيين:
المعنى الأول: العلو، وإن كان دون السماوات.
والمعنى الثاني: السماوات المعروفة السقف التي بناها الله عز وجل، فمن الأول قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الزمر ٢١]، ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ يعني من السحاب، والسماء ليست لاصقة في السماء السقف، ولكنه في العلو، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج ١٥] أي: إلى العلو، وأما الثاني الذي هو البناء فهو كثير؛ قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت١١، ١٢].
ومنه هذه الآية: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾، وجمعها لأنها جمع سبع سماوات؛ كما في القرآن الكريم وكما في السنة النبوية.
﴿وَالْأَرْضَ﴾ هي الأرض التي وضعها الله عز وجل للخلق، يعيشون عليها كما قال تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ [الرحمن ١٠]، ولم يأتِ في القرآن ذكر عددها صريحًا، يعني ليس في القرآن أن الأرضين سبع، لكن جاء ذكرها بهذا العدد لا على سبيل التصريح؛ كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢] مثلهن في العدد وليس مثلهن في الصفة؛ لتباين ما بين السماوات والأرض في الصفة، أما السنة فصريحة في أن الأرضين سبع؛ قال النبي ﷺ: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ ظُلْمًا طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أرَضِينَ»[[أخرجه مسلم (١٦١٠/١٣٧) من حديث سعيد بن زيد. ]].
والظاهر من النصوص أن هذه الأرَضين متطابقة، يعني بعضها تحت بعض كالسماوات؛ لأن قوله عليه الصلاة والسلام: «طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» لولا أنها متطابقة لم يعذب بما تحت الأرض العليا، فهي متطابقة، ولكن ذكر العلماء الذين يتكلمون على خلق الأرضين هل هذه الأرَضون متباينة منفصل بعضها عن بعض؟ أو هي كتلة واحدة؟ هذا نقول في الجواب عنه أو في الجواب عليه: الله أعلم لا ندري، لكنه يجب أن نؤمن بأن هناك سبع أرضين كما جاء ذلك في النصوص.
وقوله: (﴿بِالْحَقِّ﴾ متعلق بـ﴿خَلَقَ﴾ ) يعني أن خلقه إياها بالحق، الحق أي أنه خلقها حقًّا لا خالق لها غيره، هذه واحدة، والثاني بالحق أي من أجل الحق لا باطلًا، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ [ص ٢٧] السماوات أو السماء؟ ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان ٣٨، ٣٩].
وصدق الله عز وجل؛ فإن في خلق السماوات والأرض من الحق ما هو ظاهر، فبهما يعرف الله عز وجل وتظهر آياته الكونية وآياته الشرعية، وبهما يعيش الخلق، ولا يمكننا في هذا المجلس أن نحصر ما في خلق السماوات والأرض من الحق، ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر ٥].
قال المؤلف: (﴿يُكَوِّرُ﴾ يدخل).
ولا شك أن الله يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل كما في الآيات الأخرى، ولكن هل معنى التكوير هنا الإيلاج أنه يدخل النهار على الليل فيطول، ويدخل النهار على الليل فيطول؟
ظاهر اللفظ يأبى ذلك؛ لأن الله قال: ﴿يُكَوِّرُ﴾، والتكوير: التدوير، التكوير هو التدوير، ومنه كور العمامة أي ليها، لياتها تسمى أكوارًا، فـ﴿يُكَوِّرُ﴾ يعني يدير الليل على النهار، وهذا يشبه قوله تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف ٥٤]، وإذا كان هذا ظاهر اللفظ فإن الواجب أن نجري اللفظ على ظاهره؛ لأنه -أي الظاهر- هو الذي يتبادر إلى ذهن السامع.
فإذا قال قائل: لماذا لا تجعلون الأمر كما قال المؤلف من أجل أن نفسر القران بالقرآن فنجعل ﴿يُكَوِّرُ﴾ يعني (يولج)؟
قلنا: هذا لا يصح؛ لوجهين:
الوجه الأول: أنه خلاف ظاهر اللفظ، ويش ظاهر اللفظ ﴿يُكَوِّرُ﴾؟ يدور ويطوي.
وثانيا: أنه يفوت به المعنى المستفاد من كلمة ﴿يُكَوِّرُ﴾، أما المعنى المستفاد من الإدخال فهذا يعرف من الآيات الثانية، فحينئذ نستفيد فائدة جديدة غير فائدة الإدخال، يرحمك الله.
أما كونه تعالى يدخل الليل في النهار ويدخل النهار في الليل فهذا شيء معروف ودلت عليه آيات أخرى، ﴿وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾.
قال: (فيزيد ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ ) ذللهما، التسخير -يرحمك الله- بمعنى التذليل، يعني ذللهما، لأي شيء؟ لمصالح العباد؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [النحل ١٢].
إذن التذليل هنا لمصلحة العباد، والشمس والقمر معروفان لا يحتاجان إلى تعريف، ولو أننا أردنا أن نعرفهما بما يعرفه أهل الفلك لزدناهما غموضًا، لو قلنا: إن الشمس كتلة نارية ملتهبة إلى آخر ما قالوا لكان الناس يدورون الشمس، ويش هي؟ وينها؟ كتلة؟
القمر أيضًا كتلة صخرية جامدة باردة مظلمة، إلى آخر ما قالوا أيضًا، يذهب الذهن كل مذهب، لكن إذا قلنا: الشمس ما نراها آية النهار والقمر آية الليل كل يعرفها أوضح من كل شيء، ﴿سَخَّرَ﴾ ذللهما في جريانهما وفي اختلاف هذه الجري، فكونهما يدوران على الأرض ويختلفان طولًا وقصرًا هذا لا شك أنه لمصالح العباد، ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾، ﴿كُلٌّ﴾ منين؟
من الشمس والقمر، ﴿يَجْرِي﴾ أي يسير في فلكه، الفلك: الشيء المستدير، وهما يدوران باستدارة واضحة لكنها تختلف باختلاف الليل والنهار.
وقوله: ﴿لِأَجَلٍ﴾ بمعنى إلى أجل، أي: غاية ﴿لِأَجَلٍ﴾ أي لغاية، مسمى معين من قبل من؟ من قبل الله عز وجل، وهذا أجل مسمى، قال المؤلف: (يوم القيامة).
ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير ١ - ٣] إلى أن قال: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير ١٤] ومتى يكون هذا؟ يوم القيامة؛ كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ [آل عمران ٣٠] فهذان يجريان إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة ذهبت حاجة الناس إليهما وذهب (...).
﴿أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [الزمر ٥] ﴿أَلَا﴾ أداة استفتاح وتأتي للتنبيه وقوله: ﴿هُوَ﴾ يعود على الله عز وجل، و﴿الْعَزِيزُ﴾ قال المؤلف: (الغالب على أمره المنتقم من أعدائه)، وهذا أحد معاني العزة التي أثبتها الله لنفسه، وسبق أن لها معنى ثانيًا وثالثًا عزة القدر، وعزة الامتناع بالإضافة إلى عزة القهر.
فالله سبحانه وتعالى متصف بالعزة كاملًا، قال تعالى: ﴿لِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر ١٠]، ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [يونس ٦٥]، فجميع أنواع العزة ثابتة لله سبحانه وتعالى.
وقوله: ﴿الْغَفَّارُ﴾ صيغة مبالغة من الغفر أو نسبة، والغفر أو الغفران ستر الذنب والتجاوز عنه، ولا يكفي أن نقول: إن المغفرة أو الغفران هو التجاوز عن الذنب؛ لأن المعنى المشتق منه يأبى ذلك، فالمغفرة مشتقة من المغفر، والمغفر شيء يوضع على الرأس يقيه من سهام الأعداء، ففي هذا المغفر ستر ووقاية، ولهذا نقول في معنى ﴿الْغَفَّار﴾: هو غافر الذنب، أي الذي يستر الذنب ويتجاوز عنه.
* في هذه الآية الكريمة: إثبات خلق السماوات والأرض، وهذه الفائدة يترتب عليها الرد على الطبائعيين والفلاسفة الذين يقولون بقدم العالم، وأن العالم أزلي، وأن هذه السماوات ليس لها أول، هي موجودة في الأزل، فإن هذه الآية ترد عليهم؛ لأنه يقول: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾ أي أوجدها بعد العدم.
* ومن فوائد الآية: أن السماوات عدد، وجهه الجمع؛ لأن الجمع يدل على العدد، وقد بينت النصوص الأخرى أنها سبع.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: أن خلق السماوات والأرض بالحق، وضده الباطل، فلم تخلقا باطلًا (...) ولعبًا.
* ومن فوائدها أيضًا: أن الخالق للسماوات والأرض هو الله؛ لقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ على أحد المعنيين اللذين أشرنا إليهما.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات كروية الأرض؛ من قوله: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾، ومعلوم أن الليل والنهار يتعاقبان على الأرض، فإذا كان سيرهما تكويرًا دل على أن الأرض كروية.
* ومن فوائدها: إثبات قدرة الله عز وجل بتكوير الليل والنهار، وقد أشار الله إلى ذلك في قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [القصص ٧١، ٧٢].
لو اجتمع الخلق كلهم على أن يأتوا بالليل في موضع النهار أو بالنهار في موضع الليل ما استطاعوا، ففي هذا بيان كمال قدرة الله عز وجل، حيث يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: بيان نعمة الله علينا بتسخير الشمس والقمر؛ لقوله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾.
* ومن فوائدها: أن الشمس والقمر يجريان في فلكهما، ففيه الرد على من زعم أن تعاقب الليل والنهار يكون بدوران الأرض، فإن الآية صريحة في أن الشمس تجري والقمر يجري، وعلى الأقل نقول: هي ظاهرة في ذلك، وإذا كان لدينا ظاهر من الكتاب والسنة فإنه لا يجوز لنا أن نعدو هذا الظاهر إلا بدليل بيِّن يسوغ لنا أن نخالف هذا الظاهر؛ لأن الله خاطبنا بكلامه باللسان العربي، فوجب علينا أن نأخذ بمقتضى هذا اللسان العربي ما لم يوجد دليل على خلافه، هم يقولون الآن: إن الشمس والقمر لا يجريان وإن القمر يدور على الشمس وإن الأرض أيضًا تدور حول الشمس، وإن تعاقب الليل والنهار يكون بدوران الأرض، وكل هذا خلاف ظاهر القرآن، فلا عبرة به، إلا إذا علمنا شيئًا نقابل به الله عز وجل بإخراج كلامه عن ظاهره، وإلا فالواجب إبقاؤه على الظاهر.
حتى لو فرضنا أننا أقررنا بأن الأرض تدور، فإنه لا يلزم من ذلك ألا تكون الشمس تدور عليها؛ لأن بعض الناس يقول: إذا أقررتم أن الأرض تدور فإنه يلزمكم أن يكون اختلاف الليل والنهار بسبب دوران الأرض.
نقول: لا يلزم؛ لأنه إذا اختلفت دورة الأرض مع دورة الشمس حصل التعاقب تعاقب الليل والنهار، ولا مانع.
على كل حال المهم أنه يجب علينا أن نأخذ بظاهر كلام الله؛ لأن الله هو الخالق، وخبره هو الصادق، وقد خاطبنا بما نفهمه من لغتنا؛ لغة العرب، فلا يجوز لنا العدول عن الظاهر إلا بدليل حسي، نخاطب به الله عز وجل يوم القيامة، إذا سألنا: لم اعتقدتم أن الأرض هي اللي تدور وأن الليل والنهار يكون بسبب دورانها؟
يكون لنا حجة، نقول: لأننا لمسنا هذا، طيب فإذا قدر وهو بعيد فيما يظهر إذا قدر أنه ثبت أن الليل والنهار يكون بدوران الأرض لا بدوران الشمس، فكيف نجيب عن الظواهر؟
نقول: تجري بحسب مرأى الإنسان؛ لأن الشيء إذا كان قارًّا وهو يدور فالذي فوقه ساكنًا يظن أنه هو الذي يتحرك ويدور، فإذا ثبت هذا قلنا: إنها تجري بحسب نظر الإنسان، وإن كانت هي ثابتة والأرض هي التي تدور، نعم.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، عمومًا، الظاهر عمومًا؛ لأن الله إذا شرع الشيء لكن لا يمكن أن يشرع الله شيئًا يكرهه.
* الطالب: يكون محبوبًا لغيره، مصلحة لغيره.
* الشيخ: مثل أيش؟
* الطالب: لا أستحضر.
* الشيخ: ما (...) الأمور الشرعية متعلقة بما يحبه.
* الطالب: مثل الجهاد فيه قتل، لكن فيه مصلحة.
* الشيخ: أي هو مكروه لنا ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة ٢١٦] لكن لله ما هو مكروه؛ لأن الله يحب أن عبده يقاتل في سبيله ويقتل.
* طالب: (...) لسان العرب (...) كذلك للتأكيد (...).
* الشيخ: لا ﴿كُلٌّ﴾ مبتدأ.
* الطالب: ﴿كُلٌّ﴾ مبتدأ (...) للتأكيد.
* الشيخ: أي للتأكيد المعنوي.
* الطالب: (...).
* الشيخ: الجملة هنا للعموم أما ﴿كُلٌّ يَجْرِي﴾ فهي استئنافية، ما أظنها في محل نصب، استئنافية، نعم.
* * *
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦) إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الزمر ٦، ٧].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر ٥] ما معنى قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾؟
* طالب: (...) خلقها حقًّا.
* الشيخ: هذا واحد، المعنى الثاني: خلقها حقًّا، يعني لم يخلقها غيره.
* الطالب: أي لأجل الحق.
* الشيخ: من أجل الحق، طيب ما هو الدليل للمعنى الثاني؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، الدليل للمعنى الثاني أن الله خلقها للحق؟
* الطالب: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾.
* الشيخ: ﴿السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ آية أخرى ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان ٣٨، ٣٩] نعم هل في القرآن ما يدل على عدد الأرضين؟
* الطالب: نعم في القرآن قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾.
* الشيخ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢] نعم، لو قال قائل: ﴿مِثْلَهُنَّ﴾ في الصفة؟
* الطالب: يعني هذا سؤال؟
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: نقول: الله عز وجل ما حددها (...) بالعدد (...).
* الشيخ: ما قال ذلك، ما قال: مثلهن في العدد.
* الطالب: لأنه ورد في الحديث.
* الشيخ: لا، نبغي من نفس الآية.
* طالب: لأن الله قال في السماوات العدد قال: سبع سماوات، فيكون المماثلة في الأرض في العدد.
* الشيخ: (...) لو قال قائل: مثلهن في الصفة؛ لأنك إذا قلت: فلان مثل فلان يعني في الصفة.
* الطالب: لأن الله ذكر ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ فتكون (...).
* طالب آخر: (...) في الأصل (...) في العدد والكيفية، ولكن لا يوجد مماثلة بين الأرض والسماء من حيث الصفة، فهي تختلف تمامًا عنها.
* الشيخ: إي نعم، المماثلة في الصفة مستحيلة، السماوات كبيرة ورفيعة ومحيطة بالأرض، ولا يمكن أن تكون الأرض مثلها في الصفة، إذن تعين أن يكون مثلها في العدد؛ لأنه قال: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ أي عددًا لا صفة، طيب، ما حضرت؟
طيب، ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾ ماذا قال المؤلف في ﴿يُكَوِّرُ﴾؟
* طالب: (...) يدور.
* الشيخ: لا، كلام المؤلف.
* الطالب: كلام المؤلف (...).
* الشيخ: لا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: قال: معناه يدخل، يكور الليل على النهار يعني يدخل الليل في النهار فيزيد الليل، ويكور النهار على الليل فيزيد النهار، طيب ما هو المعنى الظاهر؟
* الطالب: أنه يدير.
* الشيخ: أنه يدير، ما الدليل على أن هذا هو المعنى الظاهر؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: معنى التكوير والإدارة، ومنه؟
* الطالب: كوَّر العمامة.
* الشيخ: كور العمامة.
قوله عز وجل: ﴿سَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ ما معنى ﴿سَخَّرَ﴾؟
* طالب: يعني ذلل.
* الشيخ: ذلل، لأي شيء؟
* طالب: للعباد.
* الشيخ: للعباد، ما هو الدليل على أن المراد تذليلها للعباد؟
* الطالب: قوله تعالى في آية أخرى: ﴿سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [النحل ١٢].
* الشيخ: أحسنت ﴿سَخَّرَ لَكُمُ﴾، نعم قوله: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾، ﴿كُلٌّ يَجْرِي﴾، ﴿كُلٌّ﴾ ماذا يعني بـ﴿كُلٌّ﴾؟
* طالب: الشمس والقمر.
* الشيخ: ﴿كُلٌّ﴾ من الشمس والقمر، ومعنى ﴿يَجْرِي﴾؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: يدور أو يسعى يسير، طيب قوله: ﴿لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ ما المراد بالأجل هنا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أجل صحيح معناها غاية، لكن ما المراد بهذه الغاية؟
* الطالب: يوم القيامة.
* الشيخ: يوم القيامة، أحسنت، ما الدليل؟
* الطالب: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير ١ - ٣].
* الشيخ: أحسنت تمام. طيب قوله: ﴿أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾، ﴿أَلَا﴾؟
* طالب: أداة استفتاح يراد بها التنبيه.
* الشيخ: التنبيه أحسنت، وما معنى ﴿الْغَفَّارُ﴾؟
* الطالب: ﴿الْغَفَّارُ﴾ صيغة مبالغة (...).
* الشيخ: من الغفر وهو؟ ما هو الغفر؟
* الطالب: (...) صيغة للمبالغة.
* الشيخ: إي، لكن ما هو الغفر؟ غفر بمعنى؟
* الطالب: يغفر.
* الشيخ: بمعنى (يغفر) لا، ما يصح، المضارع ما يكون بمعنى (...).
* الطالب: ستر الذنب والتجاوز عنه.
* الشيخ: الغفر يا أخ ستر الذنب والتجاوز عنه، لماذا فسرناه بذلك؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لماذا فسرناه بالستر والتجاوز؟ ولم نفسره بالتجاوز فقط؟ هذا يتردد كثيرًا عندنا، نعم.
* طالب: لأن معناه اللغوي يقتضي ذلك؛ لأن الغفر هو من المغفر، وهو ما يستر الرأس، فلا بد..
* الشيخ: ما يستر الرأس؟
* الطالب: ما يغطي الرأس.
* الشيخ: بس فقط؟
* الطالب: ويقيه.
* الشيخ: ويقيه من السهام؛ لأنه مشتق من المغفر، وهو ما يستر به الرأس في الحرب ليقيه من السهام، أظن لم نأخذ فوائد؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أخذنا؟ بس الأخيرة فقط؟
بسم الله الرحمن الرحيم قال الله عز وجل: ﴿أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ * في هذه الآية: بيان أهمية معرفة أسماء الله وصفاته؛ لقوله: ﴿أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾؛ لأن ﴿أَلَا﴾ هنا للتنبيه، ولا يحتاج إلى التنبيه إلا في أمر هام ينبغي التنبه له.
* ومن فوائدها: إثبات هذين الاسمين وما دل عليهما من صفة وحكم، وهما العزيز والغفار، والقاعدة في باب الأصول -أصول العقيدة- أن كل اسم من أسماء الله فهو متضمن لصفة، وقد يتضمن مع الصفة حكمًا، وهو ما يسمى بالأثر إذا كان متعديًا، وإن لم يكن متعديًا ففيه الاسم والصفة.
فمثلًا الحي من أسماء الله متضمن لصفة، وهي الحياة، لكنه لا يتعدى للغير؛ لأن الحي وصف لازم، يعني لا يتعدى الموصوف.
الغفار: اسم من أسماء الله متضمن لصفة، وهي المغفرة، متعد للغير، وهو أنه يغفر الذنوب، فهذه القاعدة في أسماء الله سبحانه وتعالى أن كل اسم منها متضمن لصفة، وقد يكون متضمنًا للحكم الناتج أو النابع من هذه الصفة، متى؟
* طالب: إذا كان متعديًا.
* الشيخ: إذا كان متعديًا، أما إذا كان لازمًا لا يتعدى الموصوف فإنه ليس له حكم، يعني ليس له حكم متعد للغير.
إذن في الآية إثبات العزيز والغفار من أسماء الله، وإثبات ما دل عليه من صفة، وإثبات المغفرة، وهي الحكم من قوله: ﴿الْغَفَّارُ﴾.
الزمر 39:6
ثم قال الله عز وجل: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [الزمر ٦] الخطاب هنا لبني آدم: ﴿خَلَقَكُمْ﴾ يعني يا بني آدم ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ وهي آدم ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ وصفة خلق آدم أن الله سبحانه وتعالى خلقه من تراب، التراب هذا صار طينًا بإذن الله، وبقي حتى صار كالفخار له صلصلة، وصوت عند دقه، ثم بعد ذلك خلق الله منه آدم، وبعد أن خلق جثة آدم نفخ فيه الروح فصار حيًّا سويًّا بشرًا، هذا هو أول خلقة الإنسان كما دل على ذلك كتاب الله عز وجل، وأما القرود الذين زعموا أن أصل الآدمي قرد فنحن نسلم لهم ذلك بالنسبة لهم، أما بالنسبة لنا فنحن -ولله الحمد- من بني آدم بشر، خلق الله تعالى أبانا بيده، وعلمه أسماء كل شيء، وأسجد له ملائكته، وأما هم فلهم ما أحبوا أن يردوا أنفسهم إليه.
﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾، (ثم) للترتيب بمهلة؛ لأن خلق هذه الزوج متأخر عن خلق آدم؛ فإن الله سبحانه وتعالى أبقاه مدة حتى عرف أنه محتاج إلى زوجة ليسكن إليها، فخلق الله له زوجة وجعل هذه الزوجة من نفس آدم، وقول النبي عليه الصلاة والسلام في النساء: «إِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ»[[أخرجه البخاري (٥١٨٦) من حديث أبي هريرة.]] يقتضي أن حواء خلقت من ضلع آدم، والله على كل شيء قدير أن يخلق بشرًا من غير زوجة، بل ومن غير زوج؛ فإن حواء خلقت بلا أم ولا أب.
وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ لا ينافي ما ذكر الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الأعراف ١٨٩]؛ لأن الواو لمطلق الجمع لا تقتضي ترتيبًا، أو لا تستلزم ترتيبًا، لا تستلزم الترتيب فإذا جاءت آية أخرى فيها التصريح بالترتيب حملت الآية التي فيها الواو الدالة على مطلق الجمع حملت على أيش؟ على الترتيب، على أن تقديم الشيء على الشيء في الذكر وإن كان بالواو يقتضي أن يقدم، هذا هو الأصل، ولهذا لما دنا النبي ﷺ من الصفا حين أتى إلى السعي قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ»[[أخرجه مسلم (١٢١٨/١٤٧) من حديث جابر بن عبد الله.]]، فبدأ بالصفا.
وهذا يدل على أن ما قُدم في الذكر فهو متقدم على ما بعده رتبة أو زمنًا أو مكانًا حسب ما يقتضي الحال، لكن ليس هذا بلازم، قد يتقدم ما بعد الواو على ما قبلها، ولا يعد هذا تناقضًا، لكن في قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ لا يمكن أن نقول: إن الجعل هنا قبل خلق آدم، وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا﴾، ﴿مِنْهَا﴾ (من) هذه للابتداء، و﴿مِنْهَا﴾ عينًا أو منها وصفًا؟
* طالب: وصفًا.
* الشيخ: الظاهر الأمران؛ لأنها من آدم خُلقت، وهي مثل آدم أيضًا، فهي من نوعه، وهي أيضًا منه عينًا، فهي جزء منه وبضعة منه، ولهذا خطب النبي ﷺ الناس وأخبر أن فاطمة بَضْعَةٌ منه[[متفق عليه؛ البخاري (٣٧١٤)، ومسلم (٢٤٤٩) من حديث المسور بن مخرمة.]] نعم.
يقول: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾، والزوج يطلق على معانٍ، منها الصنف؛ كقوله تبارك وتعالى: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص ٥٨] أي أصناف.
وكقوله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات ٢٢] أي أصنافهم، ويطلق الزوج على ما سوى الفرد، أي الشفع، فيقال: فرد وزوج، وكلمة ﴿زَوْجَهَا﴾ هنا تشمل المعنيين، فهي صنف من البشر، وهي أيضا زوج تشفع آدم بعد أن كان فريدًا، ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ هذا ابتداء خلق الإنسان.
قال: (﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ﴾ الإبل والبقر والغنم والضأن والمعز ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ ) ﴿أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ﴾ الإنزال هنا بمعنى الخلق؛ لأنها أُضيفت إلى أعيان وهي الأنعام، والأنعام جمع نعم كأسباب جمع سبب، وقوله: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ أي ثمانية أصناف، وقد بيَّن الله هذه الأزواج في سورة الأنعام فقال: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام ١٤٣]، ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام ١٤٤]، الجميع ثمانية، ذكر وأنثى من كل صنف من الأصناف الأربعة، وإذا ضربت اثنين في أربعة صارت ثمانية، ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ قال المؤلف رحمه الله: (من كل زوجان ذكر وأنثى كما بين في سورة الأنعام).
ثم قال: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ لما ذكر الله تعالى ابتداء الخلق الأول، وهو آدم؛ ذكر ابتداء الخلق الثاني، وهو النوع الإنساني، كيف خلق، فقال: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾، (في) للظرفية، والبطون جمع بطن، والأصل أن هذه المادة الباء والطاء والنون خلاف الظهور، فالبطون خفية والظهور ظاهرة. ومن أسماء الله الظاهر الباطن: الظاهر العالي، والباطن الذي لا يحول دونه شيء، فهنا البطون إذن جمع بطن، وهو مشتق من البطون أيضًا، بطن الشيء بطونًا أي: خفي.
وقوله: ﴿أُمَّهَاتِكُمْ﴾ جمع أم أو أمهة، ويقال: أمات لغير العاقل، ويقال في العاقل: أمهات، يقول: ﴿أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا﴾ مصدر يخلق ﴿مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ أي خلقًا متطورًا ينتقل من خلق إلى آخر، قال المؤلف في تفسيره: (أي نطفًا ثم علقًا ثم مضغًا)، وقد أشار الله تعالى إلى هذه الأصول في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج ٥]، ﴿مِنْ تُرَابٍ﴾ باعتبار آدم ﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾ باعتبار النوع الإنسان ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾، المضغة هي قطعة اللحم بقدر ما يمضغ، وقد بيَّن النبي ﷺ مدة هذا التطور في حديث ابن مسعود رضي الله عنه، قال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحُ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ؛ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ»[[أخرجه البخاري (٧٤٥٤) من حديث ابن مسعود.]].
أربعين يومًا نطفة يعني ماء، وهو المني، لكنه في هذه المدة يتطور تطورًا خفيًّا إلى أن يصل إلى الغاية في تمام أربعين يومًا حتى يكون علقة، أي دمًا أحمر، والظاهر أنه ليس المراد أنه يبقى نطفة إلى تمام الأربعين، ثم ينقلب في لحظة إلى دم، بل هو يتطور وينقلب شيئًا فشيئًا إلى أن يتم كونه دمًا في أربعين يومًا، ثم يبقى هكذا علقة، لكنه أيضًا يتجمد شيئًا فشيئًا، وينمو حتى ثمانين يومًا، ثم بعد ذلك يكون مضغة قطعة لحم ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ يحتمل -والله أعلم- أن ﴿مُخَلَّقَةٍ﴾ عند انتهاء الطور الثالث، ﴿غَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ في ابتداء الطور، يعني فيكون في هذا الطور في الابتداء غير مخلقة، وفي النهاية مخلقة، ويحتمل أن تختلف الأجنة في ذلك، فيكون بعضها مخلقًا من حين أن تنتقل إلى مضغة، وبعضها يتأخر، فالله أعلم، ويرجع في هذا إلى العلماء في هذه المسألة.
ثم قال عز وجل: ﴿خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾، ﴿ظُلُمَاتٍ﴾ لا يصل إليها الضوء ﴿ثَلَاثٍ﴾.
فسرها المؤلف بقوله: (هي ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة الـمشيمة) هذه ثلاث ظلمات جعلها الله عز وجل وقاية لهذا الجنين؛ لأن أشعة الضوء لو وصلت إليه لأفسدته، ولكن الله عز وجل جعله في هذه الظلمات الثلاث، ثم إنه سبحانه وتعالى جعل ظهره إلى بطن أمه، ووجهه إلى ظهر الأم، وهذا من أجل ألا يتضرر وجهه بالصدمات التي تكون على بطن الأم؛ ليكون الظهر وقاية للوجه، وخلف الجنين الذي يلي البطن قوي؛ لأن فيه الظهر والأضلاع، فهو قوي يعني متحملًا للصدمات، فإذا أراد الله عز وجل إخراجه انقلب هذا الجنين، تحرك واضطرب بإذن الله عز وجل، ثم انقلب حتى يكون رأسه هو الأسفل ويخرج الرأس أولًا؛ من أجل أن يكون خروجه سهلًا؛ إذ لو خرج من عند قدميه لكان في ذلك ضرر وخطر أيضًا، قد تعلق مثلًا إحدى اليدين في أحد الجوانب، فيحصل في هذا ضرر، وربما يحصل تلف على الجنين، ولله سبحانه وتعالى في خلقه شئون.
المهم أن الله سبحانه وتعالى اعتنى بنا عناية تامة ونحن في بطون أمهاتنا وعند الخروج منها، ولهذا قال: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ ونعم الرب عز وجل ﴿ذَلِكُمُ﴾ المشار إليه (رب)، والمخاطب ﴿ذَلِكُمُ﴾ البشر، ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ وإنما أتى باسم الإشارة المفيد للبعد ﴿ذَلِكُمُ﴾ ولم يقل: هذا؛ إشارة إلى علو مرتبة الله، إلى علو منزلته عز وجل، وأن له العلو؛ علو الذات وعلو القدر وعلو القهر.
وقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ (رب) إما أن تكون صفة، أو بدلًا، وفيه إشارة، يعني ذكر الربوبية بعد الألوهية إلى التربية الخاصة في حال الحمل والعناية التامة؛ لأن الحمل في بطن أمه لا يمكن لأحد أن يصل إليه؛ لا بجلب منفعة ولا بدفع مضرة، ولكن الله سبحانه وتعالى هو الذي يتولى العناية به.
يقول: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾ الجملة هذه جملة خبرية قدم فيها الخبر على المبتدأ؛ لإفادة الحصر ﴿لَهُ﴾ أي: وحده، لا يشاركه أحد، ﴿الْمُلْكُ﴾ يعني الـملك المطلق، ملك الأعيان وملك الأوصاف، فهو مالك الأعيان كلها ومالك أوصافها وتصريفها وتدبيرها.
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ هذا توحيد الألوهية، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ والجملة هذه -كما تشاهدون- مكونة من نفي وإثبات، نفي من أبلغ أنواع النفي؛ لأنه مصدر بـ(لا) النافية للجنس، و(لا) النافية للجنس يقول علماء النحو والبلاغة: إنها نص في العموم، يعني ليست ظاهرة في العموم، بل هي أبلغ من الظاهرة: نص في العموم، ولهذا يقال فيها: نافية للجنس لا للوحدة: للجنس كله، إذن لا يوجد إله إلا الله، ولكن يجب أن نعلم أن المنفي هنا الإله الحق، يعني: لا إله حق إلا الله، أما الآلهة الباطلة فإنها موجودة كما قال الله تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود ١٠١]، ﴿آلِهَتُهُمُ﴾ فسماها آلهة، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [القصص ٨٨] ﴿إِلَهًا آخَرَ﴾ فسماه إلهًا لكنه إله باطل كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج ٦٢].
فإذا سألنا سائل: هل مع الله إله؟ فالجواب يكون بالتفصيل، وهو: إن أردت إلهًا حقًّا فلا، وإن أردت إلهًا باطلًا يسمى إلهًا وليس بإله، فهذا موجود.
وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ إذا قال قائل: أين خبر (لا) هل هو (هو) أم ماذا؟ نقول: لا يمكن أن يكون خبر (لا) (هو)؛ لأن (لا) النافية للجنس لا تعمل إلا في النكرات، قال ابن مالك:
عَمَلَ (إِنَّ) اجْعَلْ لِـ(لَا) فِي نَكِرَةْ ∗∗∗ ............................
لا تعمل إلا في النكرات، و(هو) معرفة، إذن أين الخبر؟ نقول: الخبر محذوف، تقديره: لا إله حق إلا الله، هكذا يجب، وأخطأ من قال: لا إله موجود إلا الله؛ لأن هذا يتضمن أمرًا إمرًا؛ إذ إنك إذا قلت: لا إله موجود إلا الله جعلت الآلهة الموجودة جعلتها الله، وهذا خطأ عظيم، بل الواجب أن نقول: لا إله حق إلا الله، أما في الآية: إلا هو، إذن ما محل (هو) من الإعراب؟ بدل بدل من الخبر المحذوف.
يقول: ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ (أنى) اسم استفهام، والمراد به التوبيخ والتعجب، يعني: كيف تصرفون عن عبادة الله عز وجل وأنتم تعلمون أنه لا إله الا هو؟ هذا خطأ؛ سفه في العقل وضلال في الدين.
وقوله: ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾.
قال المفسر: (عن عبادته إلى عبادة غيره) طيب إذا كان هذا الاستفهام أيش قلنا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ويش؟ والتعجب فإنه يقتضي أن يكون هذا الصرف حرامًا، أو هذا الانصراف حرامًا؛ لأنه لا يوبخ إلا على شيء محرم، والله أعلم.
* طالب: (...).
* الشيخ: لأن أهواءهم هي التي غلبتهم، وكلمة ﴿تُصْرَفُونَ﴾ تدل على الانصراف؛ لأنهم صرفوا لكنهم التي صرفتهم أهواؤهم والشياطين.
* * *
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧) وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر ٧، ٨].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تبارك وتعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ ما المراد بالنفس هنا؟
* طالب: آدم.
* الشيخ: آدم، وما معنى قوله: ﴿جَعَلَ مِنْهَا﴾ (من) هنا؟
* الطالب: يعني لابتداء.
* الشيخ: ابتداء لأن حواء؟
* الطالب: خلق من ضلعه.
* الشيخ: من ضلع آدم.
قوله تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ ما هذه الأزواج؟
* طالب: (...) البقر والإبل.
* الشيخ: والإبل من كل واحد ذكر وأنثى.
قوله تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ صف لنا هذا الخلق من بعد الخلق؟
* طالب: (...) سورة الحج ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ﴾ [الحج ٥].
* الشيخ: نعم صح.
* الطالب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج ٥].
* الشيخ: أحسنت، كم مقدارها كما جاء في السنة؟
* الطالب: كما في حديث ابن مسعود: «يُجْمَعُ خَلْقُ أَحَدِكُمْ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ»[[أخرجه البخاري (٧٤٥٤) من حديث ابن مسعود.]].
* الشيخ: فهذه مئة؟
* الطالب: وعشرون يومًا.
* الشيخ: وعشرون يومًا، أحسنت، بارك الله فيك، طيب قوله عز وجل: ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾ فيها ما يفيد الحصر، فما طريقه؟
* طالب: بتقديم الخبر على المبتدأ.
* الشيخ: تقديم الخبر على المبتدأ، طيب ما هي القاعدة في هذا؟
* الطالب: القاعدة؟
* الشيخ: نعم.
* الطالب: إذا قدم الخبر على المبتدأ فإنه للحصر.
* الشيخ: بس الخبر عل المبتدأ فقط؟ ما هناك قاعدة عامة؟
* الطالب: تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر.
* الشيخ: أحسنت، إذا قدم ما حقه التأخير سواء كان خبرًا أو مفعولًا به أو غير ذلك فإنه يفيد الحصر. طيب الـملك لله كيف تجمع بين هذا وبين قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء ٣] فأثبت ملكًا لغير الله؟
* طالب: نعم يا شيخ أن هذا بالنسبة للآدمي صار ملكًا خاصًّا يعود على الآدمي، أما الملك الذي ذكر في الآية فهو ملك عام (...).
* الشيخ: يعني أن ملك الله سبحانه وتعالى ملك عام مطلق، عام يعني شاملًا لكل شيء، مطلق يتصرف كما شاء، أما ملك الآدمي فهو خاص ومقيد، صح؟
* الطالب: مقيد بما في يده أو بما يملك.
* الشيخ: خاص هذا معناه بما يديه، مقيد يعني بمقتضى الشرع، ولهذا لا يملك الإنسان أن يتلف ماله سدى، طيب إذن هذا الجمع أن ملك الله عام مطلق: عام لكل شيء، مطلق غير مقيد يفعل ما شاء، ملك الآدمي خاص مقيد: خاص بما يملكه فقط، فملكي ليس ملكًا لك مثلًا، مقيد بماذا؟
* الطالب: بالشرع.
* الشيخ: بالشرع، لا يملك الإنسان أن يتصرف كما شاء في ملكه، نعم قوله تعالى: ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ الاستفهام هنا؟
* طالب: (...) للتوبيخ والتعجب.
* الشيخ: للتوبيخ والتعجب، اشرح كيف كان للتوبيخ وكيف كان للتعجب؟
* الطالب: للتعجب: كيف تعبدون غير الله الذي خلقكم ..
* الشيخ: وله الملك.
* الطالب: (...).
* الشيخ: طيب، يعني هذا أمر عجب، طيب التوبيخ؟
* الطالب: (...) يوبخهم على عبادة غيره.
* الشيخ: نعم صحيح يعني يلومهم ويجعل هذا قدحًا فيهم.
* * *
ثم قال الله عز وجل: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ [الزمر ٧].
* طالب: (...).
* الشيخ: ما أخذناها؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: منين؟
* الطالب: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾.
* الشيخ: من أول؟
طيب قال الله عز وجل: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن أصل البشرية من آدم وليس كما يقول القرود: إن أصلها قرد ثم تطور؛ لقوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾، وقد بين الله سبحانه وتعالى كيف خلق هذه النفس في مواضع من القرآن.
* ومن فوائدها: أن البشرية حادثة وليست أزلية؛ لقوله: ﴿خَلَقَكُمْ﴾ والخلق يقتضي الحدوث.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الله جعل أزواج بني آدم من جنسهم؛ لقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ ولو كانت الزوجة من غير الجنس لم تحصل الألفة والمودة، ولكن الله جعلها من الجنس لهذا.
* ومن فوائدها: ما منَّ الله به علينا..
قال الله عز وجل: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [الزمر ٦].
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن أصل البشرية من آدم وليس كما يقول القرود: إن أصلها قرد، ثم تطور؛ لقوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ وقد بَيَّن الله سبحانه وتعالى كيف خلق هذه النفس في مواضع من القرآن.
* ومن فوائدها: أن البشرية حادثة وليست أزلية؛ لقوله: ﴿خَلَقَكُمْ﴾، والخلق يقتضي الحدوث.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الله جعل أزواج بني آدم من جنسه؛ لقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الزمر ٦]، ولو كانت الزوجة من غير الجنس لم تحصل الألفة والمودة لكن الله جعلها من الجنس لهذا.
* ومن فوائدها: ما مَنَّ الله به علينا من إنزال الأنعام الأصناف الثمانية.
* ومنها: أن إنعام الله بهذه الأصناف الثمانية أكثر من إنعامه بغيرها كالظباء والأرانب وما أشبهها؛ لأن الله امتنَّ بهذه الأصناف الثمانية دون غيرها؛ لأنها أشد، نعمة الله أظهر وأبين؛ ولأنها أنعام مألوفة وأليفة بخلاف الأنعام الأخرى.
* ومن فوائدها: الإشارة إلى أن تكوين هذه الخليقة من زوجين كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات ٤٩]، فكل شيء من الخليقة فلا بد لتركيبه من زوجين حتى المياه، وحتى الهواء، وحتى كل شيء ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾، وهنا يقول: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر ٦].
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان حِكمة الله عز وجل في تطوير الخلق؛ لقوله: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ [الزمر ٦]، ولو شاء لخلقنا طورًا واحدًا ولكن حكمته تأبى ذلك بل يتطور الإنسان من طور إلى آخر للتدرج في الخلْق، كما أن التدرج أيضًا في التشريع هو الحكمة، فالشرع لم ينزل جملة واحدة يُكلَّف الناس به من أوله إلى آخره ولكن نزل بالتدريج، وما نحن فيه من الحمل لو أن هذا الحمل نشأ في بطن الأم دفعة واحدة لكان في ذلك ضرر عليها لكن يتطور وينمو شيئًا فشيئًا حتى يتسع البطن شيئًا فشيئًا بدون مشقة على الأم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: مِنَّة الله سبحانه وتعالى على البشر في أنه يُطوِّرهم في هذا الخلق في مكان لا يمكن أن يصل إليه أحد؛ لقوله: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ [الزمر ٦] كما قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [المرسلات ٢١، ٢٢].
* ومن فوائدها: حماية الله الجنين لكونه بهذه الظلمات الثلاث؛ لأن أشعة الضوء ربما تضره، فجعل الله سبحانه وتعالى جعله في هذه الظلمات الثلاث.
* ومن فوائدها: أن القادر على هذا هو المستحق للألوهية والعبادة؛ لقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر ٦].
* ومن فوائدها أيضًا: انفراد الله سبحانه وتعالى بالملك؛ لقوله: ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾ فلا مالك إلا الله، وهل الملك ملك التصرف الكوني أو الكوني والشرعي؟
* طالب: الكوني والشرعي.
* الشيخ: الكوني والشرعي فلا مالك إلا الله كونًا، ولا مالك إلا الله شرعًا؛ ولهذا له الحكم الكوني والشرعي عز وجل.
* ومن فوائدها: النداء الصارخ في تسفيه هؤلاء القوم الذين اتخذوا من دونه أولياء بعد ظهور هذه الآيات العظيمة؛ لقوله: ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ يعني كيف تُصرفون عن الحق مع وضوحه وبيانه.
الزمر 39:7
ثم قال: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ [الزمر ٧] ﴿إِنْ تَكْفُرُوا﴾ تكفروا بمن؟
* طالب: بالله.
* الشيخ: إن تكفروا بالله وبما يجب الايمان به فإنكم لن تضروا الله؛ لأن الله غني عنكم، ولم يأمر الله سبحانه وتعالى العباد بعبادته والإخلاص له لحاجته إليهم، ولكن لمنفعتهم هم؛ لأنهم يُثابون على هذا أعظم الثواب، وينجون به من العقاب، أما الله عز وجل فإنه لا يضره إذا كفر كل الخلق ﴿إِنْ تَكْفُرُوا﴾ ولو كل الخلق ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾، وقد جاء في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ؛ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر. ]]. لو كان الناس كلهم، بل البشر وغير البشر، لو كانوا على أفجر قلب رجل لم ينقص ذلك من ملك الله شيئًا، ولن يضروا الله شيئًا؛ ولهذا قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر ٧] ولا يرضى لهم الكفر أن يكفروا بالله.
وتأمل قوله: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ﴾ يعني أن الكفر أمر لا يليق بالعباد فلا يرضى لهم أن يقوموا به؛ وذلك لأن الله خلقهم فكيف يرى الإنسان العاقل أن يصرف العبادة لغير الخالق؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ﴾ ولم يقل: من عباده، أو: عن عباده؛ لأن اللام أبلغ في كون هذا الشيء لا يليق بهم.
وقوله: ﴿لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ العبودية تنقسم إلى قسمين: عامة وخاصة:
فمن الأول -أي من العام-: قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣] ﴿إِنْ كُلُّ﴾ (إن) هنا بمعنى؟ ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ (إن)؟
* طالب: بمعنى (ما).
* الشيخ: بمعنى (ما)، وعلامة (إن) التي بمعنى (ما) أن يأتي بعدها (إلا) ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣] يعني ما أنت إلا نذير.
﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ هذه من العبودية العامة، حتى الشياطين والكفار كلهم عباد الله بالمعنى العام.
المعنى الخاص، العبادة الخاصة، القسم الخاص في العبادة: عبادة المؤمنين، وهي العبادة الشرعية؛ أي: التعبد لله تعالى شرعًا، وهذه خاصة بمن أطاعه فقط؛ ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان ٦٣]، وقوله في الرسل: إنهم عباد الله: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص ٤٥] هذه عبودية خاصة.
قوله: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ﴾ هنا هل هي من العامة أو من الخاصة؟
* طلبة: من العامة.
* الشيخ: من العامة؛ يعني لا يرضى الكفر لأي واحد من عباد الله.
﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ قال: (وإن أراده من بعضهم) هذا كلام جيد؛ يعني هو لا يرضاه لكن يريده، يريده من بعضهم، يريده بالإرادة الكونية لا الإرادة الشرعية، وهذا رد على قول مبتدَع يقولون: إن الله لا يريد إلا ما يرضى، وأما ما لا يرضاه فلا يريده، وعلى هذا القول الباطل تكون المعاصي واقعة بغير إرادة الله، ولا شك أن هذا قول يبطله نصوص كثيرة مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام ١٢٥] فالله عز وجل مريد لهذا وهذا، لكن بالإرادة الكونية؛ لأن الكل ملكه سبحانه وتعالى؛ ولهذا قال: (وإن أراده من بعضهم) يعني فإرادته من بعضهم لا يقتضي أن يكون راضيًا به؛ إذ قد يريد ما لا يرضى.
فإن قال قائل: كيف يريد ما لا يرضى؟ وهل أحد يُكرِهه؟
قلنا: لا، لا يُكرِهه أحد لكن يريد ما لا يرضى لحكمة بالغة، لو كان الله تعالى لا يريد إلا ما يرضى لأصبح الناس كلهم مؤمنين، ولم يكن هناك ميزة للمؤمن من الكافر، ولم يقم عَلَم الجهاد، ولا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا مُلِئت النار كما وعدها الله عز وجل إلى غير ذلك من المصالح العظيمة التي تنتج عن وجود الكفر في عباد الله.
قال: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا﴾ (الله فتؤمنوا) ﴿يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر ٧].
﴿إِنْ تَشْكُرُوا﴾ مقابل ﴿إِنْ تَكْفُرُوا﴾ [الزمر ٧]؛ لأن الإنسان في نعم الله بين كافر وشاكر.
﴿إِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ وهو لا يرضى لعباده الكفر، وتأمل كيف قال في الكفر: إن الله ﴿غَنِيٌّ﴾ ﴿وَلَا يَرْضَى﴾، وهنا قال: ﴿إِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ فبدأ في جواب الشرط في ﴿إِنْ تَكْفُرُوا﴾ ببيان غناه عن الخلق عز وجل.
أما الشكر فإنه هو الذي يُثِيب عليه؛ ولهذا قال: ﴿إِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾، فإذا رضيه فسوف يثيبك قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة ٧-٨]؛ ولهذا أثابهم الجنات، أسال الله أن يجعلني وإياكم منهم.
قال: ﴿يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ في هذا الفعل إشكال من الناحية النحوية، فإنه جواب الشرط، ومع ذلك فهو مفتوح، أجب عن هذا الإشكال: كيف كان مفتوحًا وهو جواب الشرط؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، ﴿إِنْ تَشْكُرُوا﴾ هذا فعل الشرط ﴿يَرْضَهُ﴾ جواب الشرط، فلماذا كان مفتوحًا وهو جواب الشرط؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، هو الفعل المضارع ما يكون مرفوعًا ولَّا مجزومًا؟
* طالب: إذا جاء فعل مضارع والفعل الأول فعل ماضٍ يجوز..
* الشيخ: الأول ليس فعلًا ماضيًا يا شيخ.
* طالب: ﴿تَشْكُرُوا﴾.
* الشيخ: ﴿تَشْكُرُوا﴾ فعل ماضٍ؟ فعل الماضي (شكرتم)، مع العلم بأن التفريع اللي أنت فرعت عليه هذا خطأ أيضًا هو ليس فعلًا ماضيًا، والتفريع خطأ.
* الطالب: (...).
* الشيخ: أبطلت عمله من أول الدنيا إلى اليوم لا تجزم إلا فعلًا واحدًا؟ أو على رأي من يقول: الدِّين صالح لكل زمان ومكان، ثم يلوي أعناق النصوص علشان توافق هواه وزمانه؟
* طالب: مجزوم بحذف حرف الياء.
* الشيخ: الياء، وين الياء؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: آخرها ياء، يرضي يعني؟ يرضيه لكم؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: هل حذف الياء ولا غير الياء؟ أنت الآن أجبت بالنصف.
* الطالب: هو ألف مكسورة.
* الشيخ: إي، الذي حُذف الألف، إذن هو مجزوم بحذف الألف، صحيح يا جماعة؟
* طلبة: صحيح.
* الشيخ: إي نعم، إذن (يرضى) هذه جواب الشرط، وهو مجزوم بحذف الألف، وأصلها (يرضى) ولكن حذفت الألف للجزم.
قال: ﴿يَرْضَهُ﴾ (بسكون الهاء) أقرأ ﴿يَرْضَهْ لَكُمْ﴾ ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهْ لَكُمْ﴾ وهذا خفيف جدًّا تسكينها يعني تقرؤه بخفة.
الثاني يقول: (وضمها) ﴿يَرْضَهُ﴾ في حال الضم (مع إشباع ودونه).
(إشباع): ﴿يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ تشبعها حتى يخرج منها واو، و(دونه) تحذف الواو.
إذن نقرأ: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهْ لَكُمْ﴾ ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ كل هذا جائز، قراءة سبعية متواترة.
وكما مر علينا -ونعيده من أجل الإخوان الجدد- أنه ينبغي للإنسان أن يقرأ القرآن بجميع القراءات؛ لأن الكل حق، فلا ينبغي أن يهجر حقًّا من الحقوق ولكن بشرط أن يكون متيقنًا القراءة فلا يكفي غلبة الظن، لا بد يتيقن وإلا قرأ في المتيقَّن عنده.
شرط آخر: ألا يكون عند العامة؛ لأن العامة إذا قرأت عندهم قراءة تخالف مصحفهم صار في ذلك تشويشًا عليهم بالنسبة للقرآن وسوء ظن بالنسبة إليك، ورحم الله امرأ كف الريبة عن نفسه.
أما في مقام التعليم، أو في القراءة بينك وبين نفسك فإنه ينبغي إذا كنت عالِمًا بالقراءة أن تقرأ بها أحيانًا، بهذا أحيانًا، وبهذا أحيانًا.
فمثلًا: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٣، ٤] فيها قراءة: ﴿مَلِكِ﴾ ، وقراءة ﴿مَالِكِ﴾ اقرأ بها، مرة بهذا ومرة بهذا.
يقول: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ ﴿يَرْضَهُ﴾ قال المؤلف: أي الشكر، فما هو الشكر؟
الشكر حدَّهُ بعضهم بحد جامع مانع فقال: الشكر هو القيام بطاعة المنعِم اعترافًا له بالجميل، ويكون بالقلب واللسان والجوارح وعلى هذا قول الشاعر:
أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَالْمُحَجَّبَا
نعم، إذن الشكر يا أخ؟
* طالب: القيام بطاعة الله.
* الشيخ: بطاعة المنعِم.
* الطالب: بطاعة الْمُنعِم على وجه..
* الشيخ: اعترافًا له بالجميل، طيب أين محله؟
* الطالب: محله القلب واللسان والجوارح.
* الشيخ: القلب أن يؤمن الإنسان بقلبه بأن هذه النعمة، أو هذه النِّعم من الله عز وجل تفضُّلًا منه، ولا يقول: هذا لي أوتيته على عِلم عندي بل يقول: هذا من فضل ربي.
الثاني: باللسان أن يتعبد لله تعالى بكل قول شرعه، ومن ذلك: أن يتحدث بنعمة الله، فإن هذا من الشُّكر؛ لأنه قول مشروع، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى ١١].
وأما الجوارح فظاهر أن تُظهِر نعمة الله عليك بالجوارح، فمثلًا إذا أعطاك الله قوة وشجاعة تُظهِر ذلك بالقوة في ذات الله من جهاد الكفار والمنافقين وغيرهم.
المهم أن تظهر عليك أثر النعمة في أفعالك فتقوم بعبادة المنعِم عز وجل.
قال: ﴿إِنْ تَشْكُرُوا﴾ (الله فتؤمنوا) يعني فتؤمنوا الإيمان المستلزم للعمل الصالح لا مجرد الإيمان بالله عز وجل؛ الإيمان بالله لا يكون إيمانًا حقيقيًّا حتى يستلزم القبول والإذعان.
كثير من العامة يظنون أن الإيمان بالله أن تؤمن بوجود الله فقط، هذا خطأ، بل الإيمان بالله هو الإيمان المستلزِم للقبول والإذعان؛ القبول: لما أمر به وانشراح الصدر به، والإذعان: الانقياد التام، قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء ٦٥].
على رأي من يقول: إن الإيمان هو الإيمان بوجود الله، يظنون أن اليهود والنصارى مؤمنون، وقد يصرحون بهذا، يقول: النصراني مؤمن، يؤمن بالله، وإذا مات له شخص قال: رحمه الله، واليهود كذلك.
نقول: هذا ليس هو الإيمان بالله؛ الإيمان بالله لا يصح، ما هو لا يتم فقط، لا يصح إلا بالقبول والإذعان، القبول لما جاء به الوحي، والإذعان الانقياد التام.
يقول: ﴿يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الزمر ٧].
قال المؤلف التفسير: (﴿وَلَا تَزِرُ﴾ نفس ﴿وَازِرَةٌ وِزْرَ﴾ نفس ﴿أُخْرَى﴾ أي: لا تحمله)
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ﴾ (لا) نافية (وازرة) فاعل، وهو نكرة في سياق النفي، فيعم كل وازرة، ولكن ما معنى الوازرة؟
الوازرة التي تتحمل الإثم وتقوم به، هذه الوازرة، وعلى هذا فمن دون البلوغ ليس نفسًا وازرة لماذا؟ لأنها لا تتحمل الإثم، ومن كان بالغًا ولم يفعل الإثم فليس بوازر، إذن فالوازرة يعني القابلة للوِزْر وهي النفس المكلفة.
وإذا أردنا أن نقول: وازرة بالفعل نقول: هي الفاعلة للإثم.
فـ﴿وَازِرَةٌ﴾ هنا تشمل الوازرة حكمًا، وقد تشمل الوازرة فعلًا أيضًا، الوازرة حكمًا وحقيقة.
الوازرة حكمًا هي القابلة للإثم؛ يعني التي يمكن أن تتحمل الإثم وإن لم تعمل الوزر.
الوازرة حقيقة: هي التي فَعَلت الإثم، مثال ذلك: رجل بالِغ عاقل لكنه صالح، نقول: هذا وازِر حُكمًا، ورجل آخر زَنَى أو سَرَق، نقول: هذا وازِر فِعْلًا إذا كان بالغًا عاقلًا.
إذن وهذا هو السر في أن الله قال: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ﴾ ولم يقل: ولا تزر نفس وِزْر أخرى، بل قال: ﴿لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ﴾؛ لأن من ليست وازرة لا تزر شيئًا لا عن نفسها ولا عن غيرها.
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ﴾ طيب ﴿وِزْرَ أُخْرَى﴾ أي إثم نفس أخرى.
ومعنى (لا تزر) أي: لا يلحقها وزرُه، أي: الإثم، ولهذا فسره المؤلف بقوله: (أي: لا تحمله) لا تحمل وازرةٌ وِزرَ أخرى.
ثم قال: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ﴾ [الزمر ٧] ﴿ثُمَّ﴾ يعني: بعد الشكر من الشاكر والكفر من الكافر يكون إلى الله وحده المرجع.
﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ﴾، وفي هذه الجملة حصر طريقه تقديم ما حقه التأخير؛ لأن قوله: ﴿إِلَى رَبِّكُمْ﴾ خبر مقدم، و﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ مبتدأ مؤخر.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ﴾ ولم يقل إلى الله؛ لأن المقام هنا مقام ربوبية؛ لأن الرب هو المالك المتصرِّف الخالق فكان المناسب أن يقول: إلى ربكم، ولو قال: إلى الله مرجعكم لصح؛ لأن الله تعالى أيضًا هو المستحق للعبادة، ولا يستحق العبادة إلا من كان ربًّا.
وقوله: ﴿إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ﴾ متى؟ يوم القيامة.
ولكن اعلموا أن كل من مات فقد قامت قيامته؛ لأنه انتقل من دار العمل إلى دار الجزاء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في العقيدة الواسطية: ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، مع أن الذي يكون بعد الموت قبل قيام الساعة، لكن من مات فقد قامت قيامته.
﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزمر ٧]
﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ يخبركم.
لكن قد قيل: إن النبأ لا يكون إلا في الأمر الهام، بخلاف الخبر فيكون حتى في الأمور التوافه.
وقال بعض العلماء: هما بمعنى واحد.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿بِمَا﴾ (ما) اسم موصول بمعنى الذي، وعائدها محذوف وهو المفعول به في قوله: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ أي بما كنتم تعملونه.
و(ما) الموصولية بل وجميع الأسماء الموصولة تفيد العموم.
والدليل على أن الأسماء الموصولة تفيد العموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر ٣٣] فأعاد الإشارة إليه جمعًا مع أنه مفرد، وهذا يدل على أنه يفيد العموم.
إذن كل ما نعمل من خير وشر وصغير وكبير وسابق ولاحق فإن الله تعالى ينبئنا به؛ أي يخبرنا به، وتأمل اللطف والإحسان حيث قال: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ ولم يقل: يؤاخذكم؛ لأنه ثبت في الصحيح أن الله عز وجل يخلو بعبده المؤمن فيقرره بذنوبه ويقول: «عَمِلْتُ كَذَا فِي يَوْمِ كَذَا، وَعَمِلْتُ كَذَا فِي يَوْمِ كَذَا». حتى يعترف، ثم يقول الله له: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث ابن عمر.]]. شوفوا يا إخوان إنباء بدون مؤاخذة؛ ولهذا قال هنا: ﴿يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، ثم المؤاخذة إليه، الإنباء وعد عليه والمؤاخذة إليه ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨]؛ ولهذا كان الكفار لا ينبئون بعملهم كما ينبأ المؤمن؛ يعني أن الله يخلو به، ويستر عليه، ويقرره بذنوبه معه وحده بل إنهم -والعياذ بالله- ينادى على رؤوس الأشهاد ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود ١٨] والله أعلم.
* طالب: أحسن الله إليك، شكر النعم باللسان أن يتحدث بها المرء يعني مثلًا..
* الشيخ: لا، من جملتها أن يتحدث.
* الطالب: كيف يتحدث بها أمام الناس؟ هل يفتخر بها ولَّا؟
* الشيخ: لا، يخبرهم، مثل أن يقول: كنت فقيرًا فأغناني الله، الحمد لله أنا عندي ولد، عندي زوجة، عندي بيت، عندي سيارة، الحمد لله أنا أطلب العلم، أنا حصَّلت كثيرًا من العلم وهكذا.
* الطالب: هل يكون هذا من شكر نعمة الله؟
* الشيخ: هذا من الشكر بشرط ألا يكون الحامل على ذلك الفخر أو الرياء؛ لأن بعض الناس يتحدث بالنِّعم من باب الثناء على الله أن الله أعطاه، ومنَّ عليه، وتفضل عليه.
* طالب: (...).
* الشيخ: يصلح، لكن الموصول أحسن، يصلح.
* طالب: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الزمر ٦] من العلماء يقول: إنه لا يجوز نكاح الإنس والجن وبالعكس؟
* الشيخ: لا، هذه الآية ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ تعود على حواء، ما هي على الجنس، هذه لو كانت على الجنس.
* طالب: الغلام إذا بلغ عشر سنين يؤمر بالصلاة..
* الشيخ: ومسألة زواج الإنس بالجن هذه مسألة تعود عاد إلى المأذون الشرعي في الجن إن زوجك توكل على الله.
* طالب: الغلام إذا بلغ عشر سنين فيكلف بالصلاة، هل يكون وازرًا؟
* الشيخ: لا ما يكلف.
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم، يضرب عليها لعشر لكن من باب التأديب على التمرن على الطاعة وإلا لو تركها فإنه لا يأثم.
* طالب: إذا قرأ الإنسان مثلًا في الركعة الأولى قرأ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤]، وفي الركعة الثانية قرأ ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ هل يعتبر صحيحًا؟
* الشيخ: لا، لا بأس ما فيه مانع، لا حرج (...).
تبارك وتعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر ٧]
يقول عز وجل: ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الزمر ٧].
قوله: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي الله عز وجل ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ وهي القلوب ودليل هذا: قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦] فالمراد بذات الصدور أي صاحبة الصدور القلوب.
وإنما ذكر الله هذه الجملة بعد قوله: ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ للإشارة إلى أن الحساب يكون على ما في القلب كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق ٨، ٩]، وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات ٩-١٠] فالمدار يوم القيامة على ما في القلب، أما في الدنيا فالمدار على الأعمال الظاهرة؛ ولهذا كان النبي ﷺ يعامل المنافقين معاملة المسلمين؛ لأنهم كانوا يتظاهرون بالإسلام، ونحن نحاسِب الناس في الدنيا على ما يظهر من أعمالهم ونكل سرائرهم إلى الله، أما في الآخرة فإن الحساب على ما في القلب، ولهذا يجب على الإنسان أن يعتني بصلاح قلبه قبل صلاح جسمه؛ لأن صلاح الجسم واجهة أمام الخلق، لكن صلاح القلب هو الذي يكون بين الإنسان وبين ربه عز وجل.
* في هذه الآية من الفوائد: بيان أن الله عز وجل إنما أمر العباد بعبادته لحاجتهم لذلك ومنفعتهم به وليس لحاجته إلى ذلك؛ لقوله: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ [الزمر ٧].
* ومن فوائدها: إثبات اسم الغني لله عز وجل، وإثبات ما دل عليه من صفة؛ لأن كل اسم من أسماء الله متضمن لصفة، وليست كل صفة متضمنة لاسم، ولهذا نقول: إن صفات الله أوسع من أسماء الله بمعنى أنها أكثر، ووجه ذلك ظاهر: إذا قلنا: كل اسم متضمن لصفة تساوت الأسماء والصفات على أن الاسم الواحد يمكن أن يتضمن عدة صفات لكن لنقل على أدنى تقدير: إنه لم يتضمن إلا صفة واحدة، فإذا قلنا: كل اسم متضمن لصفة تساوت الأسماء والصفات، هناك صفات لا يمكن أن يُشتق منها أسماء، كثيرة جدًّا، وبهذا تبين أن الصفات أوسع وأكثر من الأسماء.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الله عز وجل لا يرضى الكفر لعباده؛ لأنه غير لائق بهم؛ إذ هم عباد الله؛ فاللائق بهم أن يقوموا بطاعته وعبادته، ولا يليق بهم أن يكفروا به.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الرضى لله؛ لقوله: ﴿وَلَا يَرْضَى﴾. وقوله فيما بعدها: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ والرضا صفة من صفات الله الفعلية؛ لأنه متعلق بمشيئته، وكل وصف يتعلق بمشيئة الله فإنه يسمى عند أهل السنة صفة فعلية، وكل وصف مُعلَّق بسبب فإنه من الصفات الفعلية؛ لأنه يوجد عند وجود السبب.
والحق أن الرضا صفة حقيقية لله عز وجل كالفرح والعجب والضحك وما أشبه ذلك، وزعم أهل التعطيل أن المراد بالرضا الثواب، ففسروه بشيء بائن عن الله منفصل عنه؛ مخافة أن تتعلق به الأفعال الاختيارية، وهذا من جهلهم؛ وذلك لأننا إذا فسرناه بالثواب فالثواب لا يقع إلا بإرادة، والإرادة لا تقوم إلا حين يوجد سبب الرضا، وحينئذٍ تكون الإرادة حادثة، فهم فروا من شيء ووقعوا في مثله مع تحريفهم للنصوص بصرفها عن ظاهرها، وتعطيلهم للصفة التي دلَّ عليها النص، فهذه ثلاثة محاذير، شوف كيف الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، يقعون في ثلاثة أمور، ثلاثة محاذير:
المحذور الأول: أنهم وقعوا في مثل ما فروا منه، فإن كان ما فروا منه محذورًا فما وقعوا فيه محذور.
الثاني: أنهم حرفوا النص عن ظاهره، صرفوه إلى معنى آخر.
الثالث: أنهم عطَّلوا الله عن الصفة التي دل عليها النص الذي حرفوه؛ فهم مثلًا عطلوا الله عن صفة الرضا، وحرَّفوا النص عن ظاهره، ووقعوا فيما فروا منه، وهكذا في جميع الصفات التي حرفوها عن ظاهرها.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا تلازم بين الرضا والإرادة، وجهه أنه قال: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ مع أنه أخبر في آيات كثيرة أن الكفر واقع بإرادته، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا﴾ [الأنعام ١٢٥].
فإذا جمعنا بين هذا وهذا عرفنا بأنه لا تلازم بين الرضا والإرادة، فقد يريد ما لا يرضاه، وقد يرضى ما لا يريده، قد لا يرضى ما لا يريده، فهو مثلًا يرضى من كل واحد من الناس أن يشكر لله، وهل أراد ذلك؟ لا.
يقول: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن الكفر غير مرضي لله؛ لقوله: ﴿لِعِبَادِهِ﴾ والعبد يجب أن يكون مؤمنًا بسيده مطيعًا له، فكيف يكون عبدًا، ثم يكفر به؟!
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الشكر، وأن الشاكر ينال رضا ربه؛ لقوله: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر ٧] وقد جاء في الحديث: «إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ يَأْكُلُ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا وَيَشْرَبُ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا»[[أخرجه مسلم (٢٧٣٤ / ٨٩) من حديث أنس بن مالك.]] «يَأْكُلُ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا» الأكلة هل المراد الوجبة من الطعام أو المراد كل لقمة؟
* طالب: الوجبة.
* الشيخ: فيه من يرى أن المراد الوجبة، وفيه من يرى أن المراد اللقمة، وكان الإمام أحمد-رحمه الله يأكل كلما أكل لقمة حمد الله، فقيل له في ذلك فقال: أكل وحمد خير من أكل وصمت؛ لأن لفظ الحديث: «يَأْكُلُ الْأَكْلَةَ». » محتمل لأن يكون المراد به اللقمة، أو الوجبة من الطعام، وكذلك يقال في الشرب، والإنسان ينبغي له في الشرب أن يشرب بثلاثة أنفاس كل نفس يحمد الله عليه إذا قلنا المراد بالشربة النفس.
قال: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر ٧].
* فمن فوائدها: فضيلة الشكر.
* ومن فوائدها: أن الله يرضى الشكر لعباده، وإذا رضي الله عن العبد كان ذلك سببًا في إرضاء العبد، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة ١١٩] فيرضى الله عنهم بعبادتهم إياه، ويرضون عنه بما أثابهم، نسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم، أن الإنسان يرضى عن ربه ويرضى الله عنه.
﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية: أنه لا تحمل نفس إثم نفس أخرى حتى وإن ضمنت النفس الأخرى ذلك الذنب، وإن ضمن ذلك الذنب يعني مثلًا لو قال شخص لآخر: افعل كذا من الذنوب والإثم عليَّ، هل يصح؟ يقول: أنا ضامن، أرأيتم لو ضمن دَيْنًا على شخص يصح؟ يصح، وهو يُحَمِّل نفسه بهذا الضمان يُحمِّل نفسه دَينًا، فإذا كان كذلك لماذا لا يصح أن يضمن إثم مَنْ فعل الإثم؟ نقول: لقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت ١٢] نحن نشيل العذاب عنكم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [العنكبوت ١٢]، بل إنه يوم القيامة يكون الأمر أشد ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة ١٦٦] يتبرؤون منهم، ويتحاجون في النار، كل طائفة تتبرأ من الأخرى، فلا يمكن لأحد أن يحمل إثم أحد أبدًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة..
بقي علينا نسأل قبل أن نأخذ الفائدة هذه.
إذا قال قائل: كيف يُجمع بين هذه الآية الكريمة وبين قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٠١٧/ ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله.]]. وإخباره أنه: «مَا قُتِلَتْ نَفْسٌ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ -الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ- كِفْلٌ مِنْ ذَلِكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٣٢١)، ومسلم (١٦٧٧ / ٢٧) من حديث ابن مسعود.]]؟
فالجواب: أن من سَنَّ السنة السيئة فإن آثام من استن به عليه؛ لأن هذا من فِعْلِه هو السبب، فهو بالحقيقة لم يحمل إثم غيره إلا لأنه هو السبب الذي جر الناس إلى هذا الاثم.
قد يكون الناس مستوحشين من هذا الإثم، يخشون منه ويهابونه، فإذا فعله شخص هان عليهم الأمر، واقتدوا به لا سيما إذا كان الشخص ذا كلمة مطاعَة كالأمير والعالم، وما أشبه ذلك.
إذن لا تعارُض بين الآية والحديث، وجهه أن من سَنَّ السُّنة السيئة فإنه عمل العمل الذي به الإثم، والسبب اقتداء الناس به.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن الإثم إنما يتحمله من كان قابلًا له؛ لقوله: ﴿وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الزمر ٧] والوازِرة هي التي تكون أهلًا لتحمل الوِزْر، والذي يكون أهلًا لتحمُّل الوِزر هو من جمع وصفين: البلوغ والعقل؛ لقوله في الحديث الصحيح: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَبْلُغَ»[[أخرجه أبو داود (٤٣٩٨)، والنسائي في المجتبى (٣٤٣٢)، وابن ماجه (٢٠٤١) من حديث عائشة.]]. صححه كثير من أهل العلم.
فإن قال قائل: أليس الأب الراعي على أولاده إذا أهملوا شيئًا كان عليه إثم من إهمالهم؟
فالجواب: بلى، ولكن إهماله إياهم وِزْر وإثم؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم ٦]، ولأن النبي ﷺ قال: «الرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٥٥٤)، ومسلم (١٨٢٩ / ٢٠) من حديث ابن عمر.]].
ثم قال عز وجل: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ﴾ إلى آخره [الزمر: ٧].
* من فوائد هذه الجملة: أن المرجع إلى الله يوم القيامة.
* ويتفرع على هذه الفائدة: وجوب الاستعداد لهذا اللقاء وهذا المرجع، والاستعداد له يكون بترْك المعاصي وفِعل الطاعات، هذا الاستعداد، ما دام المرجع إلى الله لا يمكن أن ترجع إلى غيره مهما كان، مرجعك إلى الله عز وجل فهو منه المبتدأ وإليه الْمُنتهى.
* ومن فوائدها: بيان شمول علم الله؛ لقوله: ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزمر ٧] بالذي كنتم تعملون كله صغيره وكبيره، والخطاب لجميع الناس، وهذا يدل على شمول عِلْم الله عز وجل، وهو كذلك، فعِلْم الله تعالى واسع محيط بكل شيء.
وقد نبَّه الله سبحانه وتعالى على بيان كيف كان واسعًا فقال: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك ١٤] ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ يعني إذا كان الله هو الخالق -وهذا شيء مُقرٌّ به- لزم أن يكون عالِمًا بما خلق؛ إذ كيف يمكن أن يخلق ما لا يعلم؟ هذا مستحيل.
﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ نأخذ عليها جملة اعتراضية (مَنْ) هذه فاعِل أو مفعول؟
* طالب: فاعِل.
* الشيخ: يجوز فيها الوجهان أن تكون فاعلًا يعني: ألا يعلم الذي خلق مَنْ خلقه؟
ويجوز أن تكون مفعولًا به؛ أي: ألا يعلم الله من خلقه؟ ومعلوم أن الخالق والمخلوق بينهما تلازم فلا خالق إلا بخلْق ومخلوق، ولا مخلوق إلا بخالِق.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى عالِم بأسرار العبد؛ لقوله: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الزمر ٧]، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦] بل يعلم ما يستقبل للمرء، الإنسان يعلم ما توسوس به نفسه لكن لا يعلم ماذا يكسب غدًا، والله عز وجل يعلم ماذا يكسبه العبد غدًا.
* ومن فوائد الآية: الإشارة إلى أن الحساب يوم القيامة يكون على ما في الصدور؛ لأنه لما ذكر الإنباء قال: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ يعني فالمرجع في الحساب إلى ما في القلب، فصحِّح ما في قلبك؛ لأن المدار عليه، ولهذا شواهد من الآيات ذكرناها أثناء التفسير.
* ومن فوائدها: الإشارة إلى أن القلب هو الذي عليه مدار الصلاح؛ لأنه إذا كان الحساب على ما في القلب فهو عليه مدار الصلاح، ويؤيده قول النبي ﷺ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير.]].
الزمر 39:8
ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ [الزمر ٨].
﴿إِذَا مَسَّ﴾ أي: أصاب.
و﴿الْإِنْسَانَ﴾ يقول المؤلف: المراد به (الكافر).
وإنما جُعِل هذا العام خاصًّا؛ لظاهر سياق الآية كما يتبين، وإلا فالأصل أن الإنسان من ألفاظ العموم، الإنسان من ألفاظ العموم، فـ(أل) فيه لاستغراق الجنس، وعلامة (أل) التي لاستغراق الجنس أن يحل محلها (كل) أي: كل إنسان.
لكن المؤلف -رحمه الله- جعله عامًّا أُريد به الخاص بقرينة السياق، فإن السياق يدل على أن المراد به الكافر؛ لأنه لا يمكن أن يتأتَّى ما يدل عليه السياق من مؤمن.
﴿إِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ﴾ ﴿ضُرٌّ﴾ نكرة في سياق الشرط فتكون عامة؛ أي ضر يكون؛ في بدنه، في أهله، في ماله، عام، خاص، أي ضر يكون يدخل في قوله: ﴿ضُرٌّ﴾.
﴿دَعَا رَبَّهُ﴾ انظر إلى قوله: ﴿دَعَا رَبَّهُ﴾ ولم يقل: دعا الله ففي هذه الحال، أي في إصابة الضر عرف ربه، وأنه لا ملجأ منه إلا إليه، فيدعو ربه معتقدًا أنه ربه يملك ما شاء ويتصرف فيما شاء.
قال المؤلف: (تضرع) يعني فسر ﴿دَعَا﴾ بمعنى (تضرع)؛ لقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا﴾ [الأعراف ٥٥] والتضرع هو الاستكانة والذل أمام الله عز وجل.
(﴿مُنِيبًا﴾ راجعًا ﴿إِلَيْهِ﴾ ) فإذا دعا ربه منيبًا إليه كشف الله ضره؛ لأنه سبحانه وتعالى قال: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ [النمل ٦٢].
وإجابة الله للمضطر تشمل الكافر والمسلم حتى الكافر الذي يعلم الله أنه سيكفر بعد زوال اضطراره يجيب دعوته ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت ٦٥] فهو يعلم عز وجل أنهم سيشركون بعد النجاة، ومع ذلك يجيبهم؛ لأن رحمته سبقت غضبه، ففي حال الضرورة يصدق لجوء الإنسان إلى ربه؛ لأنه يعلم أنه لا يكشف الضر إلا الله، فإذا رجع إلى ربه سبحانه وتعالى فإن رحمته سبقت غضبه يجيبه رحمةً به.
فهنا يقول عز وجل: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ﴾ إلى آخره [الزمر: ٨].
قال: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ﴾ يعني كأن هذا -والله أعلم- إشارة إلى أنه بعد أن تغمره النعمة ويستمر فيها وقتًا ينعم به بعد ذلك يكفر.
وقوله: ﴿إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً﴾ قال: (أعطاه) تفسير لـ﴿خَوَّلَهُ﴾.
(إنعامًا) تفسير لـ﴿نِعْمَةً﴾.
أما تفسير ﴿خَوَّلَهُ﴾ بـ(أعطاه) فواضح، وأما تفسير ﴿نِعْمَةً﴾ بـ(إنعام) فلا وجْه له؛ لأن الْمُعطَى ليس الإنعام وإنما المعطى النعمة وعلى هذا فإبقاء الآية على ظاهرها أولى مما ذهب إليه المؤلف رحمه الله.
إذا اعطيناه إنعامًا لا يستقيم الكلام لماذا؟ لأن الإنعام فعل الله، والمعطَى هو النعمة وليس فعل الله، فإبقاء الآية على ظاهرها لا شك أنه هو الموافق للواقع.
يقول: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ﴾ ﴿مِنْهُ﴾ (مِنْ) هنا للابتداء؛ أي: نعمة صادرة من الله عز وجل، يتبين بها أنها فضْل محض من الله.
(﴿نَسِيَ﴾ ترك ﴿مَا كَانَ يَدْعُو﴾ يتضرع ﴿إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ وهو الله) انظر يا أخي، كان يتضرع إلى الله عز وجل في أن يكشف عنه الضر، كشف الله عنه الضر، وأعطاه نعمة زائدة على كشف الضر، ماذا تكون حاله؟
قال: ﴿نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ والنسيان هنا بمعنى الغفلة، وليس المراد به ذهول القلب، وإنما المراد الغفْلة المتضمنة للترك، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون ٤، ٥] أي: غافلون عن صلاتهم.
﴿نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ يقول: (﴿مَا كَانَ يَدْعُو﴾ يتضرع ﴿إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ )
﴿إِلَيْهِ﴾ الضمير يعود على الله عز وجل.
و﴿مَا﴾ تعود على الله، ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (فـ(ما) في موضع (من)). (ما) في قوله: ﴿مَا كَانَ يَدْعُو﴾ في موضع (من) يعني مراد المؤلف أن (ما) بمعنى (من) أي: نسي من كان يدعو إليه من قبل، يعني من يدعو إليه من يوجه الدعاء إليه، أو كما قال المؤلف: (يتضرع إليه وهو الله عز وجل) فغفل، و(ما)، كأن الله أنعم عليه بكشف الضر وتخويله النعمة.
﴿نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [الزمر ٨].
الأنداد ما غفل عنهم، والواحد القهار غفل عنه -والعياذ بالله- مع أن الأنداد لم تنفعه ولم يتضرع إليها حين أصابه الضر ومع ذلك يُقبِل عليها ويدع من أنعم عليه.
﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ (شركاء).
والأنداد جمع: (نِد)، والند هو المسامي لنِدِّه المماثل له، فيجعل لله أندادًا بماذا؟ في العبادة، يعبد هذه الأصنام كما يعبد الله عز وجل، ينذر لها كما ينذر لله، يذبح لها كما يذبح لله، وهكذا.
قال تعالى: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (بفتح الياء وضمها) ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (دين الإسلام).
﴿أَنْدَادًا لِيُضِلَّ﴾ اللام هذه إما أن تكون للتعليل، وإما أن تكون للعاقبة، فعلى قراءة الفتْح ﴿لِيَضِلَّ﴾ هو فاللام للعاقبة، يعني جعل لله أندادًا أدت به إلى الضلال، وإن كانت بضم الياء ﴿لِيُضِلَّ﴾ فاللام للتعليل يعني جعل لله أندادًا ليقتدي به الناس فيضلوا، والآية فيها قراءتان: ﴿يَضِلَّ﴾ و﴿يُضِلَّ﴾، فـ﴿يَضِلَّ﴾ تعود إلى نفسه و﴿يُضِلَّ﴾ تعود إلى غيره، وهاتان القراءتان كلاهما صحيح أو كلتاهما صحيح، وكل واحدة تفيد معنى يكمل معنى الأخرى فهو يضل بنفسه ويضل غيره أيضًا. اللام قلنا: إنها للعاقبة متى؟ على أي قراءة؟
* طلبة: ﴿لِيَضِلَّ﴾ .
* الشيخ: على قراءة الفتح؛ يعني أنه إذا اتخذ أندادًا صار عاقبته الضلال، وتكون للتعليل على أي القراءتين؟
* طلبة: الضم.
* الشيخ: على الضم؛ يعني جعل لله أندادًا ليُقتدَى به فيضل غيره.
لام العاقبة هل تأتي في اللغة العربية؟ نعم، تأتي، قال الله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨] هل آل فرعون التقطوا موسى من أجل أن يكون لهم عدوًّا وحزنًا؟ أبدًا. يقولون: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [القصص ٩]، لكن العاقبة: صار عدوًّا وحزنًا.
وتأتي زائدة -تأتي اللام زائدة- كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ [الأحزاب ٣٣] ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ﴾ أي: أن يذهب، وكما في قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء ٢٦] ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ﴾ أي: أن يبين، وإنما قالوا إنها زائدة؛ لأن (أراد) تتعدى بنفسها لا باللام، ولا تصلح أن تكون للتعليل؛ لأن التعليل مستفاد من الإرادة، وعلى هذا فيعربونها على أنها زائدة، فتبين أن اللام التي تدخل على المضارع تكون زائدة، وتكون تعليلية وهي الأكثر، وتكون للعاقبة.
* طالب: (...).
* الشيخ: ليس خلافًا؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم، صح.
* الطالب: (...) في بعض الأشياء إرادة (...) بدون إرادة (...).
* الشيخ: نعم، صح.
* الطالب: (...).
* الشيخ: أحسنت، هو يرضى من الكافر أن يُسلِم، ولكنه لم يُرِد أن يُسلم؛ فهنا..
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذا هو، هذا وجه ألا تلازم أنه قد يُوجد الرضا بلا إرادة، وتوجد الإرادة بلا رضا، ويوجد رضا وإرادة.
* الطالب: (...).
* الشيخ: الكافر ما الذي يرضى الله منه؟ أن يُسلم، لا يرضى الكفر، الله ما يرضى الكفر، يرضى الشكر فيرضى من هذا الكافر أن يشكر ويُؤمن، لكن هل أراد الله أن يشكر ويؤمن؟ لو أراد الله لوقع.
* طالب: يا شيخ، أحسن الله إليك يا شيخ، كيف نجمع بين ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الزمر ٧] وبين ما ورد «أنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ »[[متفق عليه؛ البخاري (١٢٩٠)، ومسلم (٩٢٧ / ١٩) من حديث ابن عمر.]]؟
* الشيخ: نعم، هذا أيضًا صحيح ينبغي أن يُورَد على الآية، وهو أن الرسول عليه الصلاة والسلام ثبت عنه «أن الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ، » عائشة رضي الله عنها قالت: «إن المراد بذلك الكافر »[[متفق عليه؛ البخاري (١٢٨٨)، ومسلم (٩٢٩).]]. ولا شك أنها رضي الله عنها بشر تخطئ وتصيب، وذلك لأن الكافر يعذب سواء بكى عليه أهله أم لا، لكن هي أرادت أن تقول: إن معنى الحديث أن الكافر ليعذب وأهله يبكون عليه، جعلت هذا معنى الحديث، واستدلت بالآية.
ولكنا نقول: لا يستقيم هذا التأويل بل معنى الآية: أن المراد بالعذاب التألم النفسي، وليس التألم البدني، ونظير هذا قول الرسول ﷺ: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٠٤)، ومسلم (١٩٢٧ / ١٧٩) من حديث أبي هريرة.]]. مع أن المسافر لا يتعذب تعذبًا بدنيًّا، قد يكون من آنس ما يكون إذا كانت الأرض مُخصِبة والإبل طيبة، والرفاق أصحاب، ويش يكون السفر؟ نُزهة، ومع ذلك فهو قطعة من العذاب القلبي، صح؟
نحن بالطائرة مستريحون، مُكندَشة، دفء في الشتاء، وبرودة في الصيف، ونشرب القهوة والعصير، ونأكل التمر، وكل ما طلبنا يأتي، ومع ذلك القلب متألم، ما هو مثل الإنسان المستقر في بيته، فالعذاب الذي في القبر هو هذا النوع من العذاب.
وقال بعض العلماء: يُعذَّب عذابًا بدنيًّا، يعاقَب عقوبة بدنية ولكن هذا في من أوصى أهله أن ينوحوا عليه، وإن كان هذا لم يُذكر بالحديث لكن يُحمل الحديث على ما تقتضيه النصوص الأخرى.
وقال بعضهم: هذا في الرجل الذي يعلم من أهله أن ينوحوا عليه ولم ينههم، والفرق بين القول هذا واللي قبله واضح: الذي قبله أوصاهم، وهذا لم ينههم، ما أوصاهم لكن يعلم أنهم يفعلون فلم ينههم، فهذه أربعة أقوال في الحديث، وأصحها أن المراد بالعذاب العذاب النفسي، وليس العذاب البدني؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الزمر ٧].
* * *
* طالب: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩) قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر ٩، ١٠].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ [الزمر ٨] ما المراد بالإنسان هنا؟
* طالب: الكافر.
* الشيخ: الكافر، لماذا لا نحمله على العموم كما حملنا قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] على العموم؟
* طالب: (...) بقرينة السياق.
* الشيخ: ما هو السياق؟
* الطالب: قرينة السياق في الكافر ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [الزمر ٨].
* الشيخ: ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ أحسنت.
هل يسوغ في اللغة العربية أن يُستعمل العام بمعنى الخاص؟
* طالب: نعم، كثير.
* الشيخ: كثير، ومنه غير الآية هذه؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران ١٧٣].
* الشيخ: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ فـ(الناس) الأولى رجل واحد، والثانية طائفة من الناس، وليس كل الناس.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ﴾ [الزمر ٨] ما معنى (خوله)؟
* طالب: أعطاه.
* الشيخ: أعطاه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ﴾ [الأنعام ٩٤]. نعمة؟
* طالب: المؤلف فسرها بالإنعام، وهذا خاطئ؛ لأن الإنعام هو فِعل الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: والصحيح أحسن من قولك هذا خاطئ، والصحيح أن المعنى أعطاه نعمة؛ لأنه خوله الْمُنعم به وليس الإنعام؛ الإنعام من فِعْل الله.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ﴾ [الزمر ٨] فيها قراءتان؟
* طالب: بفتح الياء، وبضم الياء، بضمها وفتحها.
* الشيخ: اقرأهما.
* الطالب: ﴿لِيُضِلَّ﴾، و﴿لِيَضِلَّ﴾ .
* الشيخ: نعم، أحسنت.
ماذا يكون معنى اللام على كلتا القراءتين؟
* الطالب: في حال فتح الياء تكون للعاقبة، إذا كانت ضم الياء تكون..
* الشيخ: للتعليل.
الأخ يبين لنا اللام الداخلة على المضارع تكون للعاقبة وللتعليل كما في هذه الآية، وهل لها معنى ثالث؟ يلَّا يا أخ، نحن نظنك صاحب نحو.
* طالب: زائدة.
* الشيخ: زائدة، مثل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، التي تدخل على المضارع ما هي باللام التي تدخل على الاسم.
* طالب: على المضارع؟
* الشيخ: إي، تأتي زائدة لكن نريد المثال الآن.
* الطالب: تأتي بمعنى (أل).
* الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله!
* طالب: مثل ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء ٢٦].
* الشيخ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ اللام هنا؟
* الطالب: زائدة.
* الشيخ: زائدة، ليش؟ لأن الإرادة تدل على معناها، لو قال الله عز وجل: يريد الله أن يبين لكم.
* طالب: صح.
* الشيخ: صح، استقام الكلام.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾ [الزمر ٨] وقفنا على (يضل)؟
قال الله تعالى: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أو ﴿لِيَضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الزمر: ٨] ﴿سَبِيلِهِ﴾ أي دينه، أي طريقه الموصِل إليه، طريق الله الموصل إليه، هذه سبيل الله.
والسبيل يُضاف إلى الله تارةً كما في هذه الآية، وكما في آيات أُخرى كثيرة، ويضاف إلى المخلوق كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف ١٠٨] فما هو الجمع بينهما؟
الجمع بينهما أنه يُضاف إلى الله باعتبار أنه هو الذي وضعه، وأنه مُوصِل إليه باعتبار أن الله هو الذي وضعه، وأنه مُوصِل إليه، ويُضاف إلى غير الله للمخلوق باعتبار أنه هو السالك له.
إذن فسبيل الله يعني هو الذي شرع هذا السبيل ووضعه للعباد وهو يُوصِل إلى الله، سبيل الرسول ﴿هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف ١٠٨] أي: طريقي الذي أسلكه، ومثل ذلك يُقال في الصراط ﴿صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى ٥٣] و﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧] فصراط الله باعتبار أنه هو الذي وضعه، وأنه مُوصِل إليه، و﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ باعتبار أنهم هم الذين يسلكونه.
وقوله: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ قال المؤلف: (دِين الإسلام) وهذا تفسير للكلمة بمرادها؛ لأن التفسير للقرآن أحيانًا يكون تفسيرًا لفظيًّا وأحيانًا يكون تفسيرًا معنويًّا.
التفسير اللفظي: أن تُفسِّر اللفظ بمعناها، والتفسير المعنوي: أن تفسر اللفظ بالمراد بها.
فمثلًا: دين الإسلام لا يُطابِق في المعنى اللفظي لـ(سبيل)؛ لأن السبيل في اللغة الطريق، هذا في اللغة لو قيل لك: فسِّر سبيل تقول: يعني طريق.
لكن السبيل المراد به دِين الإسلام؛ لأن دين الإسلام وهو شرائع الإسلام يُوصِل إلى الله عز وجل، والذي وضعه هو الله سبحانه وتعالى.
إذن المؤلف فسَّر السبيل هنا بالمعنى اللفظي أو بالمعنى المرادي؟ يعني أن المراد بذلك كذا وكذا.
وقوله: (دين الإسلام) واضح أنه هو سبيل الله؛ لأن الله هو الذي شرعه سبحانه وتعالى؛ ولأن من سلكه أوصله إلى الله.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ (بقية أجلك) ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر ٨] أعوذ بالله.
﴿قُلْ﴾ الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، ويحتمل أن يكون الخطاب لكل من يصح خطابه، أي: قل أيها الإنسان لهذا الكافر أو لهذا الإنسان الموصوف بهذه الصفات: ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾.
﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ هذي أمر لكنه ليس على ظاهره بل المراد بالأمر هنا التهديد كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف ٢٩] معلوم أن الإنسان ليس بالخيار بين الإيمان والكفر لكن هذا من باب التهديد.
فهنا ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ ليس معناه أننا نبيح له أن يتمتع بالكفر، أو نأمره أن يتمتع بكفره بل نهدده، فالأمر هنا للتهديد.
فإن قال قائل: ما الذي أخرجه عن المعنى الأصلي؟
فالجواب: أنه أخرجه عن المعنى الأصلي قرينة السياق ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾ أي: اكفر وتمتَّع بالكفر؛ لأن الكافر يتمتع بكُفْره تمتع البهائم كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد ١٢]، فالكافر -والعياذ بالله- لا يُقيِّد نفسه بعبادة، لا بصلاة، ولا زكاة، ولا صوم، ولا حج، ولا غير ذلك من العبادات، بل هو قد اتبع هواه وتمتع كما يتمتع الحمار، وفي النهاية قال: ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ كقوله تعالى: ﴿يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد ١٢]، وما أسرع وصوله إلى النار؛ لأن الدنيا قليل؛ أي: زمن قليل، مهما طال بك العمر فإنه إذا وافاك الأجل كأن لم تلبث إلا ساعة من نهار، وإذا شئت تصديق هذا فاعتبر ما مضى من عمرك بما بقي، اعتبر ما مضى، الآن كلنا يختلف سِنُّه عن الآخر لكن كلنا كأننا ولادة هذه الساعة؛ يعني كل اللي مضى كأنه لم يكن، هكذا يكون بقية العمر مهما طال بالإنسان العمر فإنه إذا جاء أجله كأنه لم يكن؛ ولهذا قال: ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ وإن طال بك العمر، يقول: (بقية أجلك).
﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر ٨] الجملة هذه مؤكدة بـ(إن)، يعني ومهما تمتعت فمآلك إلى النار ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾، وأصحاب النار إنما تُطلق على الذين يُخلَّدون فيها، فالمؤمن العاصي وإن كان يستحق العذاب بالنار فإنه لا يسمى من أصحاب النار؛ لأن الأصل في الصُّحبة طول الملازمة هذا أصل الصحبة طول الملازمة إلا في مسألة واحدة ما هي؟
* طلبة: الصحابة.
* الشيخ: مَنْ؟ الصحابة، الصحابة مع الرسول ﷺ، لو اجتمع بالرسول الله صلى الله وسلم مؤمنًا به ولو لحظة صار من أصحابه.
يقول: ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ النار هي الدار التي أعدها الله عز وجل للكافرين، وقد بَيَّن الله تعالى في الكتاب، وبَيَّن رسوله ﷺ في السنة ما فيها من أنواع العذاب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء ٥٦]، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان ٤٣ - ٤٨] أعوذ بالله، يصب فوق رأسه من عذاب الحميم الماء الحار الشديد الحرارة، ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٩] وهذا من باب التهكم به ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ يعني وأين عزتك وأين كرمك؟ في الدنيا يرى نفسه سيدًا شريفًا ولكنه في الآخرة يهان إلى هذه الإهانة.
المهم: أن أنواع العذاب -والعياذ بالله- -نعوذ بالله من النار، نعوذ بالله من النار، نعوذ بالله من النار- أنواع العذاب في النار شيء -والعياذ بالله- إذا تصوره الإنسان فإنه يتبين له شدة ما يلاقيه هؤلاء من العقوبة الشديدة.
يقول عز وجل: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ إلى آخره [الزمر: ٩]
﴿أَمَّنْ هُوَ﴾ قال: (﴿أَمَنْ﴾ بتخفيف الميم) أمن وعلى هذا فتكون الكلمة مركبة من همزة الاستفهام و(مَن)، من الاستفهامية، يقول: بل (مَن) الموصولة، همزة الاستفهام و(مَن) الموصولة أي: آلذي هو قانت إلى الآخر.
(﴿هُوَ قَانِتٌ﴾ قائم بوظائف الطاعات) القنوت يطلق على معانٍ متعددة:
منها: الخشوع كقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة ٢٣٨].
ومنها: الدعاء في الوتر أو في الفرائض عند النوازل.
ومنها: دوام الطاعة كقوله تعالى: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم ١٢].
ومثال الأول: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة ٢٣٨] أي: خاشعين؛ ولهذا لما نزلت هذه الآية أُمِر الصحابة بالسكوت، ونُهُوا عن الكلام.
فهنا ﴿قَانِتٌ﴾ من أي المعاني الثلاثة؟
* طالب: دوام الطاعة.
* الشيخ: من دوام الطاعة، ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ [الزمر ٩] قال المؤلف: (قائم بوظائف الطاعات) يعني مديم لها.
(﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ يعني: ساعاته ﴿سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ في الصلاة).
﴿سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ نص على السجود، وعلى القيام دون الركوع والقعود؛ لأن السجود شريف بهيئته والقيام شريف بذِكْره، كيف؟
السجود شريف بهيئته: أفضل هيئة للمصلي أن يكون ساجدًا؛ ولهذا كان أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.
والقيام شريف بذِكْره: ما هو ذِكْره؟ القرآن كلام الله، وكلام الله تعالى أشرف الكلام؛ فلهذا نص على هذين الأمرين، أو على هذين الركنين من أركان الصلاة؛ القيام والسجود، وكان الرسول عليه الصلاة والسلام «إذا سجد يُسْمع لصدره أَزِيزٌ كأزيز الْمِرْجَل»[[أخرجه في المسند (١٦٣١٢)، والنسائي في المجتبى (١٢١٤) من حديث عبد الله بن الشخير.]]. القِدر الذي يغلي، وكان عليه الصلاة والسلام« إذا قام لا يمر بآية رحمة إلا سأل، ولا بآية وعيد إلا تَعَوَّذَ، ولا بآية تسبيح إلا سَبَّحَ»[[أخرجه أبو داود (٨٧٣)، والنسائي في المجتبى (١١٣٢)، وأحمد في المسند (٢٣٩٨٠) من حديث عوف بن مالك الأشجعي.]]. وهذا يدل على أن القائم في الليل ينبغي له أن يلاحظ هذا، يلاحظ قوة الخشوع في حال السجود والبكاء، ويلاحظ أيضًا حضور القلب أثناء القراءة ليتابع إذا مر بآية رحمة سأل، وبآية وعيد تعوذ، وبآية تسبيح سبَّح، قائمًا وقاعدًا ساجدًا وقائمًا.
(﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾ أي يخاف عذابها ﴿وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ جنة ﴿رَبِّهِ﴾ ).
هنا قوله: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾ هذه حال، حال كونه يحذر الآخرة، وحال مقارِنة لقوله: ﴿سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ يعني حال كونه في سجوده وقيامه يحذر الآخرة؛ أي: يخافها وليس يخاف وقوعها؛ لأن وقوعها لا بد لكن يخاف عذابها، يخاف أن يُعذَّب.
﴿وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ يقول المؤلف: جَنَّتَه، ولا شك أن الرحمة يُراد بها الجنة كما قال الله تعالى للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦ / ٣٦) من حديث أبي هريرة.]].
ولكن يراد بالرحمة معنى آخر وهي فِعْل الله بالعبد؛ أي رحمته للعبد، فأيهما أولى في هذه الآية؟
* طالب: الرحمة بمعنى الجنة، ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾ أي يحذر عذاب الآخرة، ويرجو رحمة الله يعني يحذر النار ويرجو الجنة.
* الشيخ: إي نعم، هذا ما ذهب إليه المؤلف، لكن لماذا لا نقول: يرجو أن يرحمه الله، ويكون المراد بالرحمة هنا رحمة الله التي هي فِعْله؛ يعني يرجو أن يرحمه الله بالأمرين بالنجاة من النار، وبدخول الجنة، هذا المعنى أحسن؛ لأن المتبادِر في الغالب لمعنى الرحمة أن تكون فِعْل الله؛ يعني أن الله يرحمك.
وأيضًا إذا قلنا رحمة الله: صار يرجو أن ينجوَ من النار، أو من عذاب الآخرة، وأن يفوز بالجنة.
﴿وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ قال: (كمن هو عاصٍ بالكفر أو غيره)..
.. الله تعالى للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠) ومسلم (٢٨٤٦ / ٣٦) من حديث أبي هريرة]]، ولكن يُرَاد بالرحمة معنًى آخر؛ وهي فعل الله بالعبد؛ أي رحمتُه للعبد، فأيُّهما أولى في هذه الآية؟
* طالب: (...) الرحمة بمعنى الجنة.
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾ [الزمر ٩] أي: يحذر عذاب الآخرة، ويرجو رحمة الله؛ يعني يحذر النار ويرجو الجنة.
* الشيخ: إي نعم، هذا ما ذهب إليه المؤلف.
لكن لماذا لا نقول: يرجو أن يرحمه الله، ويكون المراد بالرحمة هنا رحمة الله التي هي فِعْلُه؛ يعني يرجو أن يرحمه اللهُ بالأمرين؛ بالنجاة من النار وبدخول الجنة، هذا المعنى أحسن؛ لأن المتبادر في الغالب لمعنى الرحمة أن تكون فعل الله؛ يعني أن الله يرحمك.
وأيضًا إذا قلنا: (رحمة الله) صار يرجو أن ينجو من النار أو من عذاب الآخرة وأن يفوز بالجنة.
﴿وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر ٩] قال: (كمَن هو عاصٍ بالكفر أو غيره).
أفادنا المؤلف رحمه الله بهذا التقدير أن الآية يُبَيِّنُ الله فيها أنه لا يستوي هذا وهذا، هل يستوي مَن هو قانت آناءَ الليل ساجِدًا وقائمًا كمن هو عاصٍ بالكفر وغيرِه؟
الجواب: لا. وهذا مِن بلاغة القرآن؛ القرآن فيه أشياء كثيرة تُحذَف لدلالة المذكور على المحذوف، وهذا مِن البلاغة، كيف يكون من البلاغة؟ لأنه إذا حُذِفَ الشيء استفاد المخاطَب فائدتين:
الفائدة الأولى: اختصار الكلام.
الفائدة الثانية: قوة الانتباه؛ لأنَّ الآية إذا كان فيها شيء محذوف فإنَّ الذهن يتطلع إلى هذا الشيء المحذوف، فتجد الإنسان يتوقف يفكر يتأمل؛ ما الذي حُذِف؟ وما تقديره؟ لكن لو جاء الكلامُ مرسلًا هكذا لم يحصُل له هذا التوقف وهذا التفكير، أنت الآن لو قرأت الآية الكريمة: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ﴾ [الزمر ٩] لوجدت نفسك متشوِّفًا إلى أيش؟ إلى شيءٍ آخَر، الكلام ما تم، لا بد أن هناك شيئًا آخر، وحينئِذٍ يشتَدُّ انتباهك وتزدادُ تأمُّلًا في المعنى، فصار وجهُ البلاغة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني الاختصار، والثاني؟
* الطالب: التركيز.
* الشيخ: أيش التركيز؟
* طالب: شد الانتباه.
* الشيخ: إي، شدة الانتباه، كيف؟ الأول فهمنا الاختصار واضح؛ أن حذْف الشيء من الكلام يقتَضِي قلة الكلام واختصار الكلام، لكن الثاني؟
* الطالب: لأنه إذا كانت العبارة قليلة كان أسهل (...) المخاطب وأشد.
* الشيخ: لا.
* طالب: أنَّه لما حذف (...)، إنما لو كان الكلام تامًّا (...) مرَّ عليه بدون ملاحظة تامة.
* الشيخ: لأن هذا المحذوف لا بد منه، فالإنسان يتطلَّع ما هذا المحذوف؟ الكلام الآن ناقص؛ بمعنى أن الكلام يحتاج إلى شيء، فيتطلع الإنسان إلى معرفة هذا الشيء، وحينئِذٍ يزدادُ في التدبر، فهذه من بلاغة القرآن؛ أعني أنه يُحذَف أحيانًا، يحذِف الله عز وجل أشياء يحتاج المخاطب إليها مِن أجل هذه الفائدة، بل من أجل هاتين الفائدتين.
قال المؤلف رحمه الله: (وفي قراءَةٍ ﴿أَمْ مَنْ﴾ ) ويش تزيد هذه القراءة عن الأولى؟ (أم).
وقول المؤلف: (في قراءة) من اصطلاح المؤلف رحمه الله أنه إذا قال: في قراءة، أو قال: بفتح كذا وضم كذا، أو قال: بالتاء والياء؛ فالقراءة سبعية، وأما إذا قال: وقرئ، أحيانًا يعَبِّر فيقول: وقرئ، فالقراءة شاذة غير سبعية، انتبهوا لهذا الاصطلاح: إذا أتى بقراءتين متساويتين، مثل يقول: في قراءة، أو بالضم والفتح، أو بالياء والتاء، وما أشبه ذلك من العبارات؛ فالقراءة سبعية، أما إذا قال: وقُرِئَ -بصيغة المبني للمجهول- فالقراءَة شاذَّة.
بناءً على هذه القاعدة تكون القراءة ﴿أَمْ مَنْ﴾ ؟
* طلبة: سبعية.
* الشيخ: سبعية؛ لأنه قال: (وفي قراءة ﴿أَمْ مَنْ﴾ فـ(أم) بمعنى (بل) والهمزة) أي: بل أَمَن هو، بل أَمَن هو قانت آناءَ الليل، فتكون للإضراب. والإضراب هنا إبطالي أو انتقالي؟
* طالب: انتقالي.
* الشيخ: انتقالي، مؤكد يا جماعة؟ مؤكَّد أنه إضراب انتقالي، والفرق بين الإضراب الانتقالي والإضراب الإبطالي أنه في الإضراب الإبطالي يكون الأول ملغًى، والعمدة على الثاني، وأما في الانتقالي فالأول باقٍ على ما هو عليه، والثاني استئنافي لا علاقة له بالأول.
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٩] (قل) مَن؟ يا محمد، أو قل يا مَن يصح منه الخطاب.
﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ استفهام بمعنى النفي، ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾؟
الجواب: لا، لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وهذا عامٌّ في كل علم، فلا يستوي العالم والجاهل، حتى في علم النِّجَارة والحِدَادَة والكيمياء وغيرها لا يستوي الذي يعلم والذي لا يعلم، لكن هذا لا يقتضي أن يكون العالم ممدوحًا؛ لأنَّ مِن العلوم مَن جهلُه خيرٌ مِن علمه، فإذا كان العلمُ مذمومًا وقلنا: لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون صار غيرُ العالِم أفضل، وإذا كان العِلْم ممدوحًا وقلنا: هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون صار العالِم أفضل.
طيب إذا جاءت هذه الكلمة أو هذه الجملة في عِلْمِ الشريعة؟
* الطلبة: العالِم أفضل.
* الشيخ: العالِم أفضل. في علم النحو؟
* الطلبة: العالِم أفضل.
* الشيخ: طيب، في علم الكلام؟
* الطلبة: الجاهل أفضل.
* الشيخ: الجاهل أفضل نعم، كما قال بعض السلف: الجهلُ بالكلام عِلْم؛ لأنَّ علمَ الكلام أدَّى بأصحابِه إلى مهالِك، حتى إن فَطَاحِل عُلمائهم يتَمَنَّوْن وهم في سياق الموت أنهم ماتوا على دين العجائز، ودين العجائز أسلم وإن كان جهلًا لكنَّه أسلم من عِلْمٍ يؤَدِّي بهم -والعياذ بالله- إلى الشك والحيرة.
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وهذه مِن الآيات القليلة اللَّفظ الكثيرة المعنى؛ لأنه يمكن أن تُطَبِّقَها على كل علمٍ. لكن هل هو هذا العلم محمود أو مذموم؟ على حسب الحال.
(أي: لا يستويان كما لا يستوي العالم والجاهل) ويش الكلام هذا؟ لو قال: العلم والجهل كان أوضح.
* طالب: ما ذكر يا شيخ، ما تكلم يا شيخ.
* الشيخ: لا، لا بد يتكلم عليه.
* طالب: بس ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾.
قوله: (بتخفيف الميم) أي: فالهمزة للاستفهام الإنكاري، كما سيشير له بقوله: (أي: لا يستويان)، و(مَن) اسم موصول بمعنى (الذي) مبتدأٌ في محل رفْعٍ، خبرُه محذوف قَدَّرَه بقوله: (كمن هو عاصٍ).
وقوله: ﴿قَانِتٌ﴾ جملة اسمية صلة الموصول، وقوله: ﴿سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ حالان مِن ﴿قَانِتٌ﴾.
وقوله: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾ حال أخرى متداخلة أو مترادفة أو جملة استئنافية معترِضَة.
وقوله: (بمعنى بل) أي: التي للإضراب الانتقالي، و(الهمزة) أي: التي للاستفهام الإنكاري، وعلى هذه القراءة تُرسَم ميمٌ في النون كرسمها على قراءة التخفِيف، وهذا اتِّباعًا لخَط مصحف الإمام، كما يؤخذ من الجزرية وشرحِها لشيخ الاسلام، وهذا بالنظر لرسم المصحف، وأما في غيرِه فتُرْسَم ميمُ (أم) مفصولةً عن ميم (مَن)، كما في عبارة الشارح، و(مَن) على هذه القراءة مبتدأ أيضًا، والخبر مقدَّرٌ كما تقدم في الإعراب بعينه على القراءتين لم يختلف.
وقوله: (أي: لا يستويان) أي: القانت والعاصي، فهذا تفسيرٌ للنفي المستفاد من همزة الإنكار في قوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾، سوَاءٌ مصَرَّح بها على القراءة الأولى والتي في ضمن (أم) على الثانية.
وقوله: (كما لا يستوى العالم والجاهل) تفسير لقوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ إلى آخره، والاستفهام فيه أيضًا إنكاري. انتهى.
وعبارة السَّمِين: قوله: (أمن هو قانت) قرأ الحرمِيَّان نافع وابن كثير بتخفيف الميم، والباقون بتشديدها، فأما الأولى ففيها وجهان:
أحدهما: أنها همزة الاستفهام دخلت على (مَن) بمعنى (الذي)، والاستفهام للتقرير، ومقابله محذوف تقديره: أمن هو قانت كمن جعل لله أندادًا، أو أمن هو قانت كغيرِه، أو التقدير: أهذا القانت خيرٌ أم الكافر المخاطب بقوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ [الزمر ٨]، ويدل عليه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، فحَذَفَ خبرَ المبتدأ وما يعادل المستفْهَمَ عنه، والتقدير: أن الأَوَّلَان أولى؛ لقلة الحذف، والثاني أي تكون الهمزة للنداء، و(مَن) مُنَادَى، ويكون المنادَى هو النبي ﷺ، وهو المأمور بقوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾، كأنه قيل: يا مَن هو قانت قل: كيت وكيت. وأما القراءة الثانية فهي (أم) داخلة على (مَن) الموصولة أيضًا، فأُدْغِمَتِ الميمُ في الميم.
وفي (أم) حينئِذٍ قولان: أحدهما: أنها متَّصِلَة، ومعادِلُها محذوف تقديره: الكافر خيرٌ أم الذي هو قانت؟
والثاني: أنها منقطعة، فتُقَدَّرُ بـ(بل) والهمزة؛ أي: بل أَمَن هو قانِتٌ كغيره أو كالكافر المَقُولِ له ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾؟ انتهى.
طيب على كل حال، تبين لنا مِن هذا البحث أن قوله: (لا يستويان) أي: القانِت والكافر، كما لا يستوي العالم والجاهل، فيكون قوله: (لا يستَوِيان) ليس عائدًا على قوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٩]؛ عائِد على ما سبق، وهو أمَن هو قانت آناء الليل ساجِدًا وقائِمًا كمَن هو عَاصٍ لا يَسْتَوِيَان كما لا يسْتَوِي الذين يعلمون والذين لا يعلمون.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: الإنكار والنَّفْي.
﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ يعني: ساعات الليل؛ لأَنَّه أحيانًا يُطْلَب مِن الإنسان أن يقوم كل الليل، كما في عشر رمضان الأخيرة؛ فإن السنة أن يُحْيِيَ الليل كله.
فلو قال: (في) لتعين أن يكون هناك متَّسَع، فإذا قال: ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ شمل هذه وهذا.
* طالب: ما نقول: إنه من باب الاستعداد للعبادة لو نام بنية قيام الليل وهو يتوَضَّأ ويصلي (...)؟
* الشيخ: ربما يكون، لكن في بعض الأحيان قد لا يكون عملُه هذا اسْتَعْدَادًا للعبادة، قد يعمل أعمالًا لا يستعد للعبادة، ولهذا ليس من المشروع أن الإنسان يقوم الليل كله في كل أحيانه، لكن أحيانًا.
* طالب: يا شيخ، ذكر أي لا يستويان العالم (...)؟
* الشيخ: يعني كأنَّ هذه الجملة صارت كالدليل لِمَا سبقها؛ يعني كما أنه من المعلوم أنه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون فإنه لا يستوي القانت والعاصي.
ثم قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (إنما) أداة حصر، والحصر هو إثبات الحكم بالمحصور فيه ونفيُه عما سواه، فإذا قيل: إنما القائم زيد فهو كقولنا: لا قائم إلا زيد.
﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ﴾ يقول المؤلف: (يَتَّعِظ، ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أصحاب العقول)
(أصحاب) تفسير لـ﴿أُولُو﴾، و(العقول) تفسير لـ﴿الْأَلْبَابِ﴾ جمع لُبٍّ وهو العقل؛ لأن الإنسان بلا عَقْل قشور، ولا يكون إنسانًا حقيقةً إلا بالعقل، وعلى هذا فالكفار بجميع أنواعهم قشور لا خيرَ فيهم؛ لأنهم ليسوا بعقلاء، كما قال الله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ١٧١]، والعقل الذي يُحمَد فاعله هو عقْل الرُّشْد؛ أي الذي يحجِزُك عما يضرُّك، أما عقل الإدراك فإنه يستوي فيه المحمود والمذموم، عقل الإدراك الذي يترَتَّب عليه التكليف، وهو الذي يأتي في كلام الفقهاء يقولون: مِن شروط العبادة العَقْل، يعني عقل أيش؟ يعني عقْل الإدراك، أما عقل الرُّشْد الذي يحجِز صاحبه عما يضُرُّه فهذا لا علاقة للتكليف به، بل إنما يقال: مَن حجَزَه عقلُه عما يضُرُّه فهو العاقل حقًّا، ومَن لا فلا.
﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: ما يتذَكَّر إلَّا هؤلاء.
* نأخذ فوائد الآية: من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ﴾ إلى آخره [الزمر: ٨].
* من فوائد هذه الآية: أن الكافر لا يعرف ربَّه إلا عند الضرورة؛ لقوله: إِذَا مَسَّه ضُرٌّ ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ﴾ إلى آخره.
* ومن فوائدها: أن عبادة الضرورة لا تنفع غالبًا؛ أي أن الإنسان إذا عرف ربه عند الضرورة فقط فالغالب أنه لا ينتفع بهذه العبادة؛ لأنها ليست عبادةً عن رغبة ولكنها عبادة من أجل إنجاء الإنسان من الهَلَكة وإن كان أحيانًا ينتفع، ربما يكون هذا سببًا لفتح الله عليه، كما يوجد الآن من الناس -مثلًا- مَن يصاب بمرض شديد ويخاف منه الهلاك، فيُنِيب إلى الله عز وجل ويدعو الله سبحانه وتعالى، ثم يمُنُّ الله عليه بالاستمرار، لكن الغالب أن التعبُّدَ ضرورةً لا يفيد.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الكافر يؤمن بالله، وأن إيمانه بالله لا يخرجه من الكفر؛ لقوله: ﴿دَعَا رَبَّهُ﴾، فالإيمان بالله وبربوبيته لا يكفي ولا يُخرِج الإنسان من الكفر.
ودليل ذلك أن المشركين الذين بُعِث فيهم رسول الله ﷺ كانوا يُقِرُّون بالله؛ ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف ٨٧]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف ٩] يعني: يقرُّون بأن الذي خلق هو الله ويصفونه بالصفات الكاملة ومع ذلك فهم كفار استباح النبي ﷺ دماءهم ونساءهم وأموالهم وذريتهم.
وبه نعرف أن مَن قال عن النصارى: إنهم مؤمنون فهو جاهل، بل إن كان عالِمًا بما يدل عليه الشرع مِن كفرهم فهو مرتدٌّ؛ لأنَّ مَن حكم بالإيمان لِمَن كفَّره الله فإنه مرْتَدٌّ مكَذِّب لله عز وجل، وكذلك مَن قال عن اليهود: إنهم مؤمنون بالله فإن هذا الكلام صادر إما عن جهل، وإما عن ردة والعياذُ بالله.
فإذا قال: إنهم يؤمنون بالله، يقولون لك: الله عز وجل هو الكاشف للضر، وهو المدبر للأُمور؟
قلنا: هذا لا ينفعهم، ولهذا تجد عند العامة لما التبس على بعضهم هذا الأمر تجدهم إذا قيل لهم: إن تارك الصلاة كافر، قالوا: كيف يكون كافرًا وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؟ أين الكفر؟ فيقال: ليس كل مَن شَهِدَ بهذا يكون مؤمنًا؛ المنافقون يأتون إلى رسول الله ﷺ يقولون: نشهد إنك لرسول الله ويؤكدون هذا، فيؤكد الله عز وجل كذبَهم فيقول: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون ١]، وإن شهدوا بألسنتهم فهم كاذبون بقلوبهم.
على كل حال هذه الآية تدل على أن مجرد اعتراف الإنسان بالرب لا يخرجه عن الكفر.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الله عز وجل يجيب دعوة المضطر ولو كان كافرًا؛ لقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ﴾ [الزمر ٨].
فإن قال قائل: كيف يجيب الله دعوتَه وهو كافر؟
قلنا: هذا من آثار سبْقِ رحمتِه لغضبِه؛ فإنَّ رحمتَه سبقت غضبَه، فالكفر موجِبٌ للغضب والضرورة موجِبَةٌ للرحمة، فتسبق الرحمةُ الغضبَ، فيجيبُه الله عز وجل، وهذا كإجابة المظلوم ولو كان كافرًا، المظلوم تجاب دعوته ولو كان كافرًا؛ إقامةً للعدل وانتصارًا للحَق، قال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل: «اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٩٦)، ومسلم (١٩ / ٢٩) من حديث ابن عباس.]].
إذن فهذان شخصان تُجابُ دعوتهما مع الكفر؛ هما: المظلوم، ومَن وقع في ضرورة إذا دعا الله.
لماذا؟ لا بد أن نعَلِّل كيف يخرج هذا عن القاعدة بأن الكافر مغضوبٌ عليه؟
نقول: أما إجابة المظلوم فمِن أجل العدل والانتصار للحق، وأما إجابة المضطر فلِأَن المضطر اجتمع في حقِّه سببان: سببٌ موجِبٌ للرحمة وهو الضرورة، وسبب موجِب للغَضَب والانتقام وهو الكفر، ورحمةُ الله تعالى قد سبقت غضبَه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النعمة محْضُ فضْلٍ مِن الله؛ لقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً﴾، فالنعمة محْضُ فضْلٍ مِن الله عز وجل؛ لأنها لا يمكن أن تكون مكافَأَةً عن عمل، فإن الإنسان لو حُوسِب على عملِه محاسبةً دقيقة لكان عملُه لا يقابِل واحِد بالملايين منين؟ مِن نِعَم الله عز وجل، فيخرُج مغلوبًا.
بل أن بعض العلماء رحمهم الله يقولون: إن العمل الصالح مِن نعمة الله؛ نفْس العمل من النعمة، فإذا شكَرَ العمل صار الشكرُ نعمةً، وإن شكرَ الشكرَ صَار نعمةً أخرى، وعلى هذا قولُ الشاعر:
إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَةً ∗∗∗ عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ؎فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ ∗∗∗ وَإِنْ طَالِتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَالْعُمْرُ
صحيح هذه ولَّا لا؟ صحيح.
إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَةً ∗∗∗ عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ؎فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ ∗∗∗ وَإِنْ طَالِتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَالْعُمْرُ
لأنك إذا أنعم الله عليك نعمة ثم شكرْته فشكرُك إياه نعمة، ثم إن شكرْتَه على الشكر فهو نعمةٌ أخرى، وهلم جرًّا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكافر -وإن شئت فقل: الإنسان- ينسى النعمة، إذا أنعم الله عليه نعمةً بعد ضرورة نسِي، ثم عاد إلى غيِّه.
وهذا خطير جدًّا على الإنسان، هذا هو واقع الإنسان؛ واقع الإنسان أن الله إذا أنعَم عليه نعمة بإنجائه من ضرورة نسِي ذلك ثم عاد إلى غيِّه، وهذا يقع؛ نجد الأحداث الآن تمُر بالناس، يمكن في حال حُلُول هذه الأحداث يمكن أن يكون لهم رجعة بعض الشيء، ولكن إذا زالت الضرورة عادوا إلى ما كانوا عليه من قبل، بل ربما يحملُهم الأشر والبطر على أن يزيدوا في غيِّهم، وهذا له خطورته؛ فإنَّ الله تعالى ذكَرَ في القرآن أن الإنسان إذا عاد إلى غيِّه بعد إنقاذه من الهلاك فإن الله يصيبُه بعذابٍ أشَدَّ من الأول.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكافر يعود إلى كفره ولا يذكُر ما دعا اللهَ إليه من قبل وهو إنقاذه من الضرورة؛ لقوله تعالى: ﴿نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [الزمر ٨]
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل لا نِدَّ له؛ لأن الله أنكر على من جعل له أندادًا، فيكون في هذا رَدٌّ على أهل التمثيل الذين أثبتوا لله الصفات مع التَّمثيل، فقالوا: إن الله تعالى له وجه كوجوهنا، ويد كأيدينا، وعين كأعيننا، وساق كسُوقِنا، وهكذا، نقول: كلامكم هذا كذب، وأنتم وأهل التعطيل سواء؛ لأنكم أنتم عطلْتُم النص عن مدلوله الصحيح؛ إذ إن مدلول النصوص في صفات الله صفاتٌ لائقة بالله عز وجل، فإذا جعلتموها للتمثيل حَرَّفتموها.
وعلى هذا فيكون في الآية ردٌّ على من؟ على أهل التمثيل الذين أثبتوا الصفات لله عز وجل مع التمثيل، نقول: هذا الفعل منكم تعطِيل في الحقيقة، تعطيل لماذا؟ لمدلول النص الصحيح؛ لأن مدلول النص فيما يتعلق بالصفات صفاتٌ لائقة بالله عز وجل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الكفار يحرصون على أن يَضِلَّ الناس بفعلهم؛ لقوله: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (لِيُضِلَّ) على قراءة الضم، ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾.
* ومن فوائدها: أنه كما يكون الاقتداء بالقول يكون الاقتداء بالفعل. كيف ذلك؟ لأن هذا الكافر جعل لله أندادًا، وكان جعلُه الأنداد سببًا لضلَالِ غيرِه.
* ويتفرع على هذا فائدة: وهي تحذير الإنسان -ولا سيما القدوة- من المخالَفَة؛ لأن الناس سوف يقتدون به ويحتَجُّون بفعلِه.
فمثلًا: طالبُ العلم إذا قام إلى الصلاة يكثر الحركة؛ مرة يحُك رأسه، ومرة يحك ظهره، ومرة يحك بطنه، ومرة يعرِك عينه، ومرة ينظُر ساعتَه، ومرة يكتب ما تذَكَّر في صلاتِه، إذا كان هذا طالب العلم يفعَل هذا الشيء فإن الناس سوف يقتَدُون به، لو أُنْكِر على واحدٍ من الناس كثرةُ الحركة لقال: فلان يفعَل.
ولهذا أحيانًا نُنْكر على بعض الناس المعاملات الرِّبوية التَّحَيُّلِيَّة، فيقولون: فلان يفعل كذا مِن الناس ممن هو من طلبة العلم، فالناس يحتجُّون، وهذه الآية تدل على أن الاقتداء يكون بالفعل؛ لقوله: ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ولم يقل: ودعا الناس ليَضِلُّوا عن سبيله، بل جعلَ فعلَه سببًا لِضَلال الناس، وهذا يدل على الاقتداء بالفعل كالقول.
وأما على قراءة الفتح* فيُؤْخذ منه فائدة، وهي: أن جَعْلَ الأنداد لله ضلال؛ لقولِه: ﴿لِيَضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ .
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تهديد هؤلاء الكفار الذين اتخذوا من دون الله أندادًا، تؤخذ من قوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾، وقد بيَّن الله سبحانه وتعالى صفةَ هذا التمتع فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾ البهائم، ﴿وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد ١٢].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الدنيا مهما طالت فهي قليلة ولا تُنْسَب للآخرة، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى ٤] يقول للرسول ﷺ، ويقول للعموم: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى ١٦، ١٧]، وقال النبي ﷺ: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه البخاري (٢٨٩٢) من حديث سهل بن سعد الساعدي.]]، موضِع السوط، السوط عصا قصيرة خيرٌ من الدنيا وما فيها، «مِنَ الدُّنْيَا» أيُّ دنيا؟ كلها منذ نشأَتْ إلى قيام الساعة بما فيها من الزَّخارف واللهو والزينة، «خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»، ولهذا قال: ﴿تَمَتَّعْ قَلِيلًا﴾، فهذه المتعة للكافر وإن كان ينالُ شهوتَه هي قليلة زمنًا، وقليلة كَمِّيَّة، وقليلة كيفية.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكفار ملازمون للنار لا يخرجون منها؛ لقوله: ﴿أَصْحَابِ النَّارِ﴾؛ لأن الصاحِب هو الملازِم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: مخاطبة الإنسان بما يليق بحاله، فهذا الكافر المعانِد الذي بدَّل نعمةَ الله كفرًا يخاطب بهذا الخطاب القاسي وهو ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾، بينما لو كانت المسألة مسألة دعوة ما قابلناه هذه المقابلة، لا نقول لمن ندعوه للإسلام: تمتع بكفرك قليلًا إنك من أصحاب النار، لكن نقوله لِمَن عانَدَ وكابَر وبدَّل نعمة الله كفرًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات النار؛ لقوله: ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾.
ويجب علينا في إثبات النار شيئان:
الأول: إثباتُ وجودِها الآن وأنها موجودة؛ فإن النبي ﷺ عُرِضَت عليه الجنة وعُرِضت عليه النار في صلاة الكسوف وشاهدَها، ورأى مَن يُعَذَّبُ فيها؛ رأى فيها امرأةً تعذَّب بهرةٍ حبستها حتى ماتت، ورأى فيها صاحبَ الِمحْجَن يُعذَّب[[أخرجه مسلم (٩٠٤ / ١٠) من حديث جابر بن عبد الله.]]، صاحب المحجن رجل معه مِحْجَن، والمحجَن تعرفونه؟
* الطلبة: عصا.
* الشيخ: هو عندنا في اللغة العامية مِحْجَان، مِحْجَن: عصا محنِيَّة الرأس، هذا الرجل يمُر بالحجاج فيشبِك المتاع -متاع الحاج- برأس المحجن، فإن تَفَطَّنَ له صاحب المتاع قال: والله هذا المحجن، المحجَن أمسك به، سامحني، يمكن يقول: سامحني أو ما يقولها، لكن يمكن بعض الناس يقول هكذا، وإن لم يَتَفَطَّن له أخذَه، فرآه النبي عليه الصلاة والسلام يعذَّب في النار بمحجنه وهو يصلِّي صلاة الكسوف، ثم تأَخَّر النبي عليه الصلاة والسلام؛ تأَخَّر مخافةَ أن يصِيبَه من لَفْح النار، إذن فرؤيتُه إياها حِسِّيَّة. طيب هذا واحد.
الشيء الثاني: يجب أن نؤمن بأنَّ النار مؤَبَّدَة أبد الآبدين، يعذَّب فيها أهلُها ما هم عنها بمخرجين، وهي مؤبَّدَة دائمًا؛ لأن الله تعالى ذكَر تأبيدَها في ثلاثة مواضع مِن القرآن: الموضع الأول في سورة النساء، والموضع الثاني في سورة الأحزاب، والموضع الثالث في سورة الجن. والأخ يبين لنا الموضع الأول في سورة الأحزاب.
* طالب: الآية..
* الشيخ: في سورة النساء قصدي؟
* الطالب: حق أيش؟
* الشيخ: أن الله ذكر أن النار مؤبدة.
* الطالب: ما أدري.
* طالب آخر: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ﴾ [الأحزاب ٦٤]
* الشيخ: لا، في سورة النساء.
* طالب: بعد آية التيمم.
* طالب آخر: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ [النساء ١٤].
* الشيخ: لا.
* طالب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩].
* الشيخ: أحسنت، تمام، هذه صريحة ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾.
الموضع الثاني في سورة الاحزاب، مَن؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥].
* الشيخ: نعم، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾.
الموضع الثالث في سورة الجن؟
* طالب: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الجن ٢٣].
* الشيخ: وين التأبيد؟
* الطالب: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾..
* الشيخ: ﴿فَإِنَّ لَهُ﴾..
* الطالب: ﴿فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾..
* الشيخ: نعم، وين التأبيد؟
* الطالب: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾.
* الشيخ: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ تمام.
بعد هذا لا يمكن أن نقبل قولًا من أيِّ عالم قال بأن النار غير مؤبدة، ولا نقابل هذا النص الصَّرِيح بقياسات؛ لأن قولَه تعالى: «إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٢٢)، ومسلم (٢٧٥١ / ١٥) واللفظ للبخاري من حديث أبي هريرة.]]، هذا صحيح نصٌّ محكَمٌ وخبرٌ صادِق، لكن الخبر يجوز تخصيصه فنقول: أهل النار ليسوا أهلًا للرحمة، وعقوبة الله إيَّاهم على التأبيد هي من كمال عدلِه وحكمتِه، فكما أمضَوا أعمارهم بالكفر؛ كل الدنيا أفنوها بالكفر، فالآخرة أيضًا تذهب عليهم بالجزاء والعقوبة، هذا هو العدل وهذه الحكمة، أليس كذلك؟
نقول: عمرك في الدنيا كله مضى في الكفر، إذن حياتك في الآخرة تمضِي بالجزاء والعقوبة، لا حياةَ لك في الآخرة كما أنه لم يكن لك حياةٌ في الدنيا بطاعة الله.
ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ إلى آخره [الزمر: ٩].
* من فوائد هذه الآية: أن القرآن الكريم يفتَح للإنسان الاستدْلَال العقلي؛ يعني بأنَّه يعرض الأشياء عرضًا عقلِيًّا، وذلك بطلب التَّدَبُّر والتفهم.
فمثلًا مَن هو قانت ومَن هو عاصٍ، بكل بساطة إذا عُرِضَت حالُ هذا وحالُ هذا على العاقل ماذا يقول؟ يقول: لا يستويان؛ مَن هو قانت آناء الليل ليس كمن هو عاصٍ.
وهذه من الطرق التي ينبغي لطالب العلم عند المناظرة أن يتخذها سبيلًا إلى إفحام الخصم؛ لأنَّ كثيرًا من الخصوم قد لا يقتنعون بمجرد الدليل الأَثَرِي فنسوق إليهم الدليل النظري، ولا سِيَّما في الوقت الحاضر؛ حيث اتخذ كثيرٌ من الناس -إن لم أقل أكثرهم- طريق إبليسَ سبيلًا، وهو معارضَةُ السمْع بِمَا يظنُّه عقلًا؛ يعني معارضة النصوص بما يظنُّون أنه عقل، ونحن نعلم علم اليقين أنه ليس في النصوص ما يخالف العقل الصريح أبدًا، بل في النصوص ما يؤيدُه العقل الصريح ويكون هذا شاهدًا لهذا، كلٌّ منهما يقوى بالآخر.
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في النونية أن لدينا أربعة أدلة كلها يشهد بعضُها لبعض؛ هي: الكتاب، والسنة، والعقل، والفطرة. هذه الأدلة الأربعة لا يمكن أن تتناقض أو تتنافى، بل بعضُها يؤيد بعضًا ويشهَد له، والله أعلم.
* طالب: في قوله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ [الفرقان ٤٤] هل يدل على (...)؟
* الشيخ: لا، فيه مَن سمع وعقل، ولَّا كل كافر لا يسمع ولا يعقل.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: بعض الناس اللي مَنَّ الله عليهم بالهداية، إذا مَنَّ الله عليه بالهداية خرجوا عن الكفر.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، يعني في المستقبل؛ يعني ﴿يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ [الفرقان ٤٤] في المستقبل، قد يكون يَمُن الله عليهم، لكن ما داموا في هذه الحال فإنهم لا يسمعون ولا يعقلون، ولهذا قال: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان ٤٤]، فالآية التي ذكرْت موافقة للآية هذه؛ أن الكافر ليس عنده سمْع ولا عقل.
* طالب: ما قيل عن شيخ الإسلام أنه قال بفناء النار؟
* الشيخ: ما هو صحيح، ولنفرِض أن الذي قال بفناء النار -وحاشَاه من ذلك- أبو بكر أفضَل مِن شيخ الاسلام ألف مرة، هل نقبله مع وجود الآيات؟ لا نقبله، الحقيقة إذا وجدْنَا قولًا مخالفًا للكتاب والسنة من أي قائلٍ به فإن موقِفَنا أن نعتَذِر عنه لا أن نجعَل قولَه حجَّة على كلام الله ورسوله مهما كان؛ يعني ما فيه أحد معصوم، ليس فيه أحد معصوم من الخطأ أبدًا إلا مَن عصمه الله عز وجل؛ كالرسل.
* طالب: يمكن نقول: إن قراءة ﴿لِيُضِلَّ﴾ أبلغ من قراءة ﴿لِيَضِلَّ﴾ ؟
* الشيخ: لا، لكن يمكن أن نقول: إنه أضَلَّ؛ لأنه ضَلَّ.
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذا متعَدٍّ لا شك، (يُضِل) متعدٍّ ضررُه للغير، لكن إذا قلنا: إنه ضَلَّ أوَّلًا فأَضَلَّ ثانيًا يكون مجموع القراءتين فيهما فائدة ما تحصل بانفراد أحدهما (...).
* * *
* طالب: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠) قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر ١٠ - ١٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
قال الله عز وجل: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر ٩] إلى آخره.
* في هذه الآية بيانُ الفَرْق بين الناس في عبادة الله عز وجل، وأنه لا سواء بين مَن هو قانت آناء الليل ساجدًا وقائمًا إلى آخره ومَن هو عاص بعيدٌ عن الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية: أن ظاهرها دوام الطاعة؛ آناءَ الليل في السُّجود، والقيام أي في الصلاة، ولكن السنة بيَّنَت ذلك وأن الأفضل في قيام الليل أن ينام نصفه ويقوم ثلثه وينامَ سُدُسَه، وهذا من تقييد القرآن بالسنة.
* ومن فوائد الآية: فضيلة صلاة الليل؛ لقوله: ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾، وقد دَلَّت على ذلك السنة، فقال النبي ﷺ: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ»[[أخرجه مسلم (١١٦٣ / ٢٠٢) من حديث أبي هريرة.]].
* ومن فوائد هذه الآية: فضيلَةُ القيام والسجود من بين أركان الصلاة، وقد بَيَّنا وجْهَ ذلك أثناءَ التفسير أن القيامَ شرِيفٌ بذِكْرِه والسُّجُودَ شريفٌ بهيئَتِه.
* ومن فوائد الآية: أنه ينبغي للإنسان أن يكون في سيرِه إلى الله جامِعًا بين الخوف والرَّجاء؛ لقوله: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾.
ولكن هل يكونان سواءً أو يُغَلِّبُ جانب الرجاء أو يغَلِّب جانب الخوف؟
في هذا أقوال لأرباب السلوك؛ فمنهم من قال: ينبغي أن يكون رجاؤه وخوفه واحدًا؛ كجناحي الطير إذا مال أحدهما اختل طيرانه، قال الإمام أحمد رحمه الله: ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا فأيهما غَلَبَ هلَكَ صاحبُه؛ لأنه إن غلَّبَ جانب الخوف أدخله في اليأس والقنوط، وإن غَلَّب جانب الرجاء أدخلَه في الأمْن مِن مكر الله.
وقال بعض أرباب السلوك: ينبغي أن يُغَلِّب جانب الرجاء؛ لقول الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي؛ فَإِنْ ظَنَّ بِي خَيْرًا فَلَهُ، وَإِنْ ظَنَّ بِي شَرًّا فَلَهُ»[[أخرجه أحمد في المسند (٩٠٧٦) من حديث أبي هريرة، وأصله في الصحيحين.]]، وعلى هذا فيُغَلِّب جانب الرجاء.
وقال بعض العلماء: يُغَلِّب عند فعلِ الطاعات جانب الرجاء، فإذا فعَلَ طاعة فلْيُغَلِّب جانب القبول دون جانِبِ الرد، أما في فعل المعصية فإن الأَولى أن يُغَلِّب جَانِب الخوف؛ لئلا يقَع في المعصية.
وقال بعضهم: في حال المرض يغلِّب جانب الرجاء، وفي حال الصِّحة يغلب جانب الخوف؛ لأن النبي ﷺ قال: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ»[[أخرجه مسلم (٢٨٧٧ / ٨١) من حديث جابر بن عبد الله.]]، والمريض قد وُجِد فيه سببُ الموت؛ وهو المرَض، فيُغَلِّب جانب الرجاء؛ لِيَمُوت وهو يحسن الظَّن بالله.
ولو قال قائل: إنه يُرجَع في ذلك إلى نفس الإنسان، والإنسان هو طَبِيبُ نفسِه؛ إن رأَي مِن نفسه جُنُوحًا إلى انتهاك المعاصي والمحرمات فليُعِدْها بل فليَتَوَعَّدها بالعذاب حتى يرْتَدِع، وإن رأى مِن نفسه قوَّة على طاعة الله ومثابَرَةً عليها وقيامًا بها فليغَلِّب جانب الرجاء حتى يُحْسِنَ الظن بالله، وهذا يرجع إلى الإنسان نفسه، والإنسان في بعض الأحيان يكون يغلب هذا وفي بعض الأحيان يغَلِّب هذا.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: نعم، يعني لو قيل بهذا لكان أحسن.
* من فوائد الآيات: إثبات عذاب الآخرة؛ لقوله: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾، ولا يُحذَر الشيءُ إلا بثبوتِه، أما ما ليس بثابت فلا يُحذَر.
* ومن فوائد الآية: أنه في باب الجزاء والأَحكام يُغَلَّب جانِبُ الربوبية؛ لقوله: ﴿وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾، لأن الربوبية هي التي بها التَّصَرُّف والسلطان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يستوون الذين يعلمون والذين لا يعلمون؛ لقوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
* ومن فوائدها: أن هذا النفي أمر معْتَرَفٌ به؛ لأنه جاء بصيغة الاستفهام، ونحن ذكرنا أنه إذا جاء الاستفهامُ مُرَادًا به النفي صارَ مُشْرَبًا معنى التَّحَدِّي.
* ومن فوائد الآية: فضيلة العلم.
ولكن يجب أن نعلم أن العلم يشرف بشرف موضوعه، وعلى هذا فأفضل العلوم العِلم بأسماء الله وصفاته؛ لأن هذا أشرف موضوعات العلم، ثم العلم بأحكامه «مَنْ يُرِدْ بِهِ اللَّهُ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧١)، ومسلم (١٠٣٧ / ٩٨) من حديث معاوية.]]، ثم تتلو العلوم حسب مراتبها، وأخس العلوم ما يَصُدُّ عن سبيل الله وعن طريق السلف الصالح؛ مثل علم الفلسفة علم الكلام وما أشبهها، إلا إذا تعلمَه الإنسان من أجل أن يرُدَّ به على أهله فهنا قد يكون تعلُّمُه واجبًا؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام زيدَ بن ثابت رضي الله عنه أن يتعَلَّم لغة اليهود[[أخرجه البخاري (٧١٩٥) من حديث زيد بن ثابت.]]، مع أن تعلم اللغات الأجنبية ليس محمودًا ولا مأمُورًا به، لكن لَمَّا كان وسيلة إلى معرفة ما يأتي من الكتابات من اليهود والرَّدِّ عليهم بِلُغَتِهم أَمره النبي ﷺ أن يتعَلَّم لغة اليهود، وتعلَّم لغة اليهود في خلال ستة عشر يومًا؛ لأن زَيْدَ بن ثابت رضي الله عنه من الأذكياء فتعَلَّمَها، ثم إن اللغة العِبْرِيَّة قريبة من اللغة العربية فسَهُلَ تعلُّمُها.
* من فوائد الآية الكريمة: أن أصحاب العقول هم أهلُ الاتِّعَاظ؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
* ومن فوائدها: أن من لا يتذكر فهو ناقص العقل؛ لأنه إذا كان لا يتذكر إلا أصحاب العقول فمَن لا يتذكر يكون ناقِصَ العقل ولا شك، ونُقْصَانُ عقلِه بحسب نقصِه في التَّذَكُّر.
ووجْه ذلك من الناحية العقلية النظرية أن الإنسان العاقل لا يمكن أن يختَارَ لنفسه إلا ما فيه النجاة، ولا نجاة مِن عذاب الله إلا بالتذكر والاتِّعاظ، فلهذا كان العقل السليم يستلزم أن يتَذَكَّر الإنسان ويتَّعِظ من أجل طلب ما هو أحَظ للنفس وأنفع، ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى ٤].
* ومن فوائد الآية: الثناء على ذوي العقول؛ حيث جعلَهم هم المتذكرِين المتَّعِظِين المنتفعين بما يسمعون.
الزمر 39:9
ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ [الزمر ٨].
﴿إِذَا مَسَّ﴾ أي: أصاب.
و﴿الْإِنْسَانَ﴾ يقول المؤلف: المراد به (الكافر).
وإنما جُعِل هذا العام خاصًّا؛ لظاهر سياق الآية كما يتبين، وإلا فالأصل أن الإنسان من ألفاظ العموم، الإنسان من ألفاظ العموم، فـ(أل) فيه لاستغراق الجنس، وعلامة (أل) التي لاستغراق الجنس أن يحل محلها (كل) أي: كل إنسان.
لكن المؤلف -رحمه الله- جعله عامًّا أُريد به الخاص بقرينة السياق، فإن السياق يدل على أن المراد به الكافر؛ لأنه لا يمكن أن يتأتَّى ما يدل عليه السياق من مؤمن.
﴿إِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ﴾ ﴿ضُرٌّ﴾ نكرة في سياق الشرط فتكون عامة؛ أي ضر يكون؛ في بدنه، في أهله، في ماله، عام، خاص، أي ضر يكون يدخل في قوله: ﴿ضُرٌّ﴾.
﴿دَعَا رَبَّهُ﴾ انظر إلى قوله: ﴿دَعَا رَبَّهُ﴾ ولم يقل: دعا الله ففي هذه الحال، أي في إصابة الضر عرف ربه، وأنه لا ملجأ منه إلا إليه، فيدعو ربه معتقدًا أنه ربه يملك ما شاء ويتصرف فيما شاء.
قال المؤلف: (تضرع) يعني فسر ﴿دَعَا﴾ بمعنى (تضرع)؛ لقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا﴾ [الأعراف ٥٥] والتضرع هو الاستكانة والذل أمام الله عز وجل.
(﴿مُنِيبًا﴾ راجعًا ﴿إِلَيْهِ﴾ ) فإذا دعا ربه منيبًا إليه كشف الله ضره؛ لأنه سبحانه وتعالى قال: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ [النمل ٦٢].
وإجابة الله للمضطر تشمل الكافر والمسلم حتى الكافر الذي يعلم الله أنه سيكفر بعد زوال اضطراره يجيب دعوته ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت ٦٥] فهو يعلم عز وجل أنهم سيشركون بعد النجاة، ومع ذلك يجيبهم؛ لأن رحمته سبقت غضبه، ففي حال الضرورة يصدق لجوء الإنسان إلى ربه؛ لأنه يعلم أنه لا يكشف الضر إلا الله، فإذا رجع إلى ربه سبحانه وتعالى فإن رحمته سبقت غضبه يجيبه رحمةً به.
فهنا يقول عز وجل: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ﴾ إلى آخره [الزمر: ٨].
قال: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ﴾ يعني كأن هذا -والله أعلم- إشارة إلى أنه بعد أن تغمره النعمة ويستمر فيها وقتًا ينعم به بعد ذلك يكفر.
وقوله: ﴿إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً﴾ قال: (أعطاه) تفسير لـ﴿خَوَّلَهُ﴾.
(إنعامًا) تفسير لـ﴿نِعْمَةً﴾.
أما تفسير ﴿خَوَّلَهُ﴾ بـ(أعطاه) فواضح، وأما تفسير ﴿نِعْمَةً﴾ بـ(إنعام) فلا وجْه له؛ لأن الْمُعطَى ليس الإنعام وإنما المعطى النعمة وعلى هذا فإبقاء الآية على ظاهرها أولى مما ذهب إليه المؤلف رحمه الله.
إذا اعطيناه إنعامًا لا يستقيم الكلام لماذا؟ لأن الإنعام فعل الله، والمعطَى هو النعمة وليس فعل الله، فإبقاء الآية على ظاهرها لا شك أنه هو الموافق للواقع.
يقول: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ﴾ ﴿مِنْهُ﴾ (مِنْ) هنا للابتداء؛ أي: نعمة صادرة من الله عز وجل، يتبين بها أنها فضْل محض من الله.
(﴿نَسِيَ﴾ ترك ﴿مَا كَانَ يَدْعُو﴾ يتضرع ﴿إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ وهو الله) انظر يا أخي، كان يتضرع إلى الله عز وجل في أن يكشف عنه الضر، كشف الله عنه الضر، وأعطاه نعمة زائدة على كشف الضر، ماذا تكون حاله؟
قال: ﴿نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ والنسيان هنا بمعنى الغفلة، وليس المراد به ذهول القلب، وإنما المراد الغفْلة المتضمنة للترك، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون ٤، ٥] أي: غافلون عن صلاتهم.
﴿نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ يقول: (﴿مَا كَانَ يَدْعُو﴾ يتضرع ﴿إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ )
﴿إِلَيْهِ﴾ الضمير يعود على الله عز وجل.
و﴿مَا﴾ تعود على الله، ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (فـ(ما) في موضع (من)). (ما) في قوله: ﴿مَا كَانَ يَدْعُو﴾ في موضع (من) يعني مراد المؤلف أن (ما) بمعنى (من) أي: نسي من كان يدعو إليه من قبل، يعني من يدعو إليه من يوجه الدعاء إليه، أو كما قال المؤلف: (يتضرع إليه وهو الله عز وجل) فغفل، و(ما)، كأن الله أنعم عليه بكشف الضر وتخويله النعمة.
﴿نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [الزمر ٨].
الأنداد ما غفل عنهم، والواحد القهار غفل عنه -والعياذ بالله- مع أن الأنداد لم تنفعه ولم يتضرع إليها حين أصابه الضر ومع ذلك يُقبِل عليها ويدع من أنعم عليه.
﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ (شركاء).
والأنداد جمع: (نِد)، والند هو المسامي لنِدِّه المماثل له، فيجعل لله أندادًا بماذا؟ في العبادة، يعبد هذه الأصنام كما يعبد الله عز وجل، ينذر لها كما ينذر لله، يذبح لها كما يذبح لله، وهكذا.
قال تعالى: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (بفتح الياء وضمها) ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (دين الإسلام).
﴿أَنْدَادًا لِيُضِلَّ﴾ اللام هذه إما أن تكون للتعليل، وإما أن تكون للعاقبة، فعلى قراءة الفتْح ﴿لِيَضِلَّ﴾ هو فاللام للعاقبة، يعني جعل لله أندادًا أدت به إلى الضلال، وإن كانت بضم الياء ﴿لِيُضِلَّ﴾ فاللام للتعليل يعني جعل لله أندادًا ليقتدي به الناس فيضلوا، والآية فيها قراءتان: ﴿يَضِلَّ﴾ و﴿يُضِلَّ﴾، فـ﴿يَضِلَّ﴾ تعود إلى نفسه و﴿يُضِلَّ﴾ تعود إلى غيره، وهاتان القراءتان كلاهما صحيح أو كلتاهما صحيح، وكل واحدة تفيد معنى يكمل معنى الأخرى فهو يضل بنفسه ويضل غيره أيضًا. اللام قلنا: إنها للعاقبة متى؟ على أي قراءة؟
* طلبة: ﴿لِيَضِلَّ﴾ .
* الشيخ: على قراءة الفتح؛ يعني أنه إذا اتخذ أندادًا صار عاقبته الضلال، وتكون للتعليل على أي القراءتين؟
* طلبة: الضم.
* الشيخ: على الضم؛ يعني جعل لله أندادًا ليُقتدَى به فيضل غيره.
لام العاقبة هل تأتي في اللغة العربية؟ نعم، تأتي، قال الله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨] هل آل فرعون التقطوا موسى من أجل أن يكون لهم عدوًّا وحزنًا؟ أبدًا. يقولون: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [القصص ٩]، لكن العاقبة: صار عدوًّا وحزنًا.
وتأتي زائدة -تأتي اللام زائدة- كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ [الأحزاب ٣٣] ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ﴾ أي: أن يذهب، وكما في قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء ٢٦] ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ﴾ أي: أن يبين، وإنما قالوا إنها زائدة؛ لأن (أراد) تتعدى بنفسها لا باللام، ولا تصلح أن تكون للتعليل؛ لأن التعليل مستفاد من الإرادة، وعلى هذا فيعربونها على أنها زائدة، فتبين أن اللام التي تدخل على المضارع تكون زائدة، وتكون تعليلية وهي الأكثر، وتكون للعاقبة.
* طالب: (...).
* الشيخ: ليس خلافًا؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم، صح.
* الطالب: (...) في بعض الأشياء إرادة (...) بدون إرادة (...).
* الشيخ: نعم، صح.
* الطالب: (...).
* الشيخ: أحسنت، هو يرضى من الكافر أن يُسلِم، ولكنه لم يُرِد أن يُسلم؛ فهنا..
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذا هو، هذا وجه ألا تلازم أنه قد يُوجد الرضا بلا إرادة، وتوجد الإرادة بلا رضا، ويوجد رضا وإرادة.
* الطالب: (...).
* الشيخ: الكافر ما الذي يرضى الله منه؟ أن يُسلم، لا يرضى الكفر، الله ما يرضى الكفر، يرضى الشكر فيرضى من هذا الكافر أن يشكر ويُؤمن، لكن هل أراد الله أن يشكر ويؤمن؟ لو أراد الله لوقع.
* طالب: يا شيخ، أحسن الله إليك يا شيخ، كيف نجمع بين ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الزمر ٧] وبين ما ورد «أنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ »[[متفق عليه؛ البخاري (١٢٩٠)، ومسلم (٩٢٧ / ١٩) من حديث ابن عمر.]]؟
* الشيخ: نعم، هذا أيضًا صحيح ينبغي أن يُورَد على الآية، وهو أن الرسول عليه الصلاة والسلام ثبت عنه «أن الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ، » عائشة رضي الله عنها قالت: «إن المراد بذلك الكافر »[[متفق عليه؛ البخاري (١٢٨٨)، ومسلم (٩٢٩).]]. ولا شك أنها رضي الله عنها بشر تخطئ وتصيب، وذلك لأن الكافر يعذب سواء بكى عليه أهله أم لا، لكن هي أرادت أن تقول: إن معنى الحديث أن الكافر ليعذب وأهله يبكون عليه، جعلت هذا معنى الحديث، واستدلت بالآية.
ولكنا نقول: لا يستقيم هذا التأويل بل معنى الآية: أن المراد بالعذاب التألم النفسي، وليس التألم البدني، ونظير هذا قول الرسول ﷺ: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٠٤)، ومسلم (١٩٢٧ / ١٧٩) من حديث أبي هريرة.]]. مع أن المسافر لا يتعذب تعذبًا بدنيًّا، قد يكون من آنس ما يكون إذا كانت الأرض مُخصِبة والإبل طيبة، والرفاق أصحاب، ويش يكون السفر؟ نُزهة، ومع ذلك فهو قطعة من العذاب القلبي، صح؟
نحن بالطائرة مستريحون، مُكندَشة، دفء في الشتاء، وبرودة في الصيف، ونشرب القهوة والعصير، ونأكل التمر، وكل ما طلبنا يأتي، ومع ذلك القلب متألم، ما هو مثل الإنسان المستقر في بيته، فالعذاب الذي في القبر هو هذا النوع من العذاب.
وقال بعض العلماء: يُعذَّب عذابًا بدنيًّا، يعاقَب عقوبة بدنية ولكن هذا في من أوصى أهله أن ينوحوا عليه، وإن كان هذا لم يُذكر بالحديث لكن يُحمل الحديث على ما تقتضيه النصوص الأخرى.
وقال بعضهم: هذا في الرجل الذي يعلم من أهله أن ينوحوا عليه ولم ينههم، والفرق بين القول هذا واللي قبله واضح: الذي قبله أوصاهم، وهذا لم ينههم، ما أوصاهم لكن يعلم أنهم يفعلون فلم ينههم، فهذه أربعة أقوال في الحديث، وأصحها أن المراد بالعذاب العذاب النفسي، وليس العذاب البدني؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الزمر ٧].
* * *
* طالب: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩) قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر ٩، ١٠].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ [الزمر ٨] ما المراد بالإنسان هنا؟
* طالب: الكافر.
* الشيخ: الكافر، لماذا لا نحمله على العموم كما حملنا قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] على العموم؟
* طالب: (...) بقرينة السياق.
* الشيخ: ما هو السياق؟
* الطالب: قرينة السياق في الكافر ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [الزمر ٨].
* الشيخ: ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ أحسنت.
هل يسوغ في اللغة العربية أن يُستعمل العام بمعنى الخاص؟
* طالب: نعم، كثير.
* الشيخ: كثير، ومنه غير الآية هذه؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران ١٧٣].
* الشيخ: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ فـ(الناس) الأولى رجل واحد، والثانية طائفة من الناس، وليس كل الناس.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ﴾ [الزمر ٨] ما معنى (خوله)؟
* طالب: أعطاه.
* الشيخ: أعطاه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ﴾ [الأنعام ٩٤]. نعمة؟
* طالب: المؤلف فسرها بالإنعام، وهذا خاطئ؛ لأن الإنعام هو فِعل الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: والصحيح أحسن من قولك هذا خاطئ، والصحيح أن المعنى أعطاه نعمة؛ لأنه خوله الْمُنعم به وليس الإنعام؛ الإنعام من فِعْل الله.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ﴾ [الزمر ٨] فيها قراءتان؟
* طالب: بفتح الياء، وبضم الياء، بضمها وفتحها.
* الشيخ: اقرأهما.
* الطالب: ﴿لِيُضِلَّ﴾، و﴿لِيَضِلَّ﴾ .
* الشيخ: نعم، أحسنت.
ماذا يكون معنى اللام على كلتا القراءتين؟
* الطالب: في حال فتح الياء تكون للعاقبة، إذا كانت ضم الياء تكون..
* الشيخ: للتعليل.
الأخ يبين لنا اللام الداخلة على المضارع تكون للعاقبة وللتعليل كما في هذه الآية، وهل لها معنى ثالث؟ يلَّا يا أخ، نحن نظنك صاحب نحو.
* طالب: زائدة.
* الشيخ: زائدة، مثل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، التي تدخل على المضارع ما هي باللام التي تدخل على الاسم.
* طالب: على المضارع؟
* الشيخ: إي، تأتي زائدة لكن نريد المثال الآن.
* الطالب: تأتي بمعنى (أل).
* الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله!
* طالب: مثل ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء ٢٦].
* الشيخ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ اللام هنا؟
* الطالب: زائدة.
* الشيخ: زائدة، ليش؟ لأن الإرادة تدل على معناها، لو قال الله عز وجل: يريد الله أن يبين لكم.
* طالب: صح.
* الشيخ: صح، استقام الكلام.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾ [الزمر ٨] وقفنا على (يضل)؟
قال الله تعالى: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أو ﴿لِيَضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الزمر: ٨] ﴿سَبِيلِهِ﴾ أي دينه، أي طريقه الموصِل إليه، طريق الله الموصل إليه، هذه سبيل الله.
والسبيل يُضاف إلى الله تارةً كما في هذه الآية، وكما في آيات أُخرى كثيرة، ويضاف إلى المخلوق كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف ١٠٨] فما هو الجمع بينهما؟
الجمع بينهما أنه يُضاف إلى الله باعتبار أنه هو الذي وضعه، وأنه مُوصِل إليه باعتبار أن الله هو الذي وضعه، وأنه مُوصِل إليه، ويُضاف إلى غير الله للمخلوق باعتبار أنه هو السالك له.
إذن فسبيل الله يعني هو الذي شرع هذا السبيل ووضعه للعباد وهو يُوصِل إلى الله، سبيل الرسول ﴿هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف ١٠٨] أي: طريقي الذي أسلكه، ومثل ذلك يُقال في الصراط ﴿صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى ٥٣] و﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧] فصراط الله باعتبار أنه هو الذي وضعه، وأنه مُوصِل إليه، و﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ باعتبار أنهم هم الذين يسلكونه.
وقوله: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ قال المؤلف: (دِين الإسلام) وهذا تفسير للكلمة بمرادها؛ لأن التفسير للقرآن أحيانًا يكون تفسيرًا لفظيًّا وأحيانًا يكون تفسيرًا معنويًّا.
التفسير اللفظي: أن تُفسِّر اللفظ بمعناها، والتفسير المعنوي: أن تفسر اللفظ بالمراد بها.
فمثلًا: دين الإسلام لا يُطابِق في المعنى اللفظي لـ(سبيل)؛ لأن السبيل في اللغة الطريق، هذا في اللغة لو قيل لك: فسِّر سبيل تقول: يعني طريق.
لكن السبيل المراد به دِين الإسلام؛ لأن دين الإسلام وهو شرائع الإسلام يُوصِل إلى الله عز وجل، والذي وضعه هو الله سبحانه وتعالى.
إذن المؤلف فسَّر السبيل هنا بالمعنى اللفظي أو بالمعنى المرادي؟ يعني أن المراد بذلك كذا وكذا.
وقوله: (دين الإسلام) واضح أنه هو سبيل الله؛ لأن الله هو الذي شرعه سبحانه وتعالى؛ ولأن من سلكه أوصله إلى الله.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ (بقية أجلك) ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر ٨] أعوذ بالله.
﴿قُلْ﴾ الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، ويحتمل أن يكون الخطاب لكل من يصح خطابه، أي: قل أيها الإنسان لهذا الكافر أو لهذا الإنسان الموصوف بهذه الصفات: ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾.
﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ هذي أمر لكنه ليس على ظاهره بل المراد بالأمر هنا التهديد كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف ٢٩] معلوم أن الإنسان ليس بالخيار بين الإيمان والكفر لكن هذا من باب التهديد.
فهنا ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ ليس معناه أننا نبيح له أن يتمتع بالكفر، أو نأمره أن يتمتع بكفره بل نهدده، فالأمر هنا للتهديد.
فإن قال قائل: ما الذي أخرجه عن المعنى الأصلي؟
فالجواب: أنه أخرجه عن المعنى الأصلي قرينة السياق ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾ أي: اكفر وتمتَّع بالكفر؛ لأن الكافر يتمتع بكُفْره تمتع البهائم كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد ١٢]، فالكافر -والعياذ بالله- لا يُقيِّد نفسه بعبادة، لا بصلاة، ولا زكاة، ولا صوم، ولا حج، ولا غير ذلك من العبادات، بل هو قد اتبع هواه وتمتع كما يتمتع الحمار، وفي النهاية قال: ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ كقوله تعالى: ﴿يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد ١٢]، وما أسرع وصوله إلى النار؛ لأن الدنيا قليل؛ أي: زمن قليل، مهما طال بك العمر فإنه إذا وافاك الأجل كأن لم تلبث إلا ساعة من نهار، وإذا شئت تصديق هذا فاعتبر ما مضى من عمرك بما بقي، اعتبر ما مضى، الآن كلنا يختلف سِنُّه عن الآخر لكن كلنا كأننا ولادة هذه الساعة؛ يعني كل اللي مضى كأنه لم يكن، هكذا يكون بقية العمر مهما طال بالإنسان العمر فإنه إذا جاء أجله كأنه لم يكن؛ ولهذا قال: ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ وإن طال بك العمر، يقول: (بقية أجلك).
﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر ٨] الجملة هذه مؤكدة بـ(إن)، يعني ومهما تمتعت فمآلك إلى النار ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾، وأصحاب النار إنما تُطلق على الذين يُخلَّدون فيها، فالمؤمن العاصي وإن كان يستحق العذاب بالنار فإنه لا يسمى من أصحاب النار؛ لأن الأصل في الصُّحبة طول الملازمة هذا أصل الصحبة طول الملازمة إلا في مسألة واحدة ما هي؟
* طلبة: الصحابة.
* الشيخ: مَنْ؟ الصحابة، الصحابة مع الرسول ﷺ، لو اجتمع بالرسول الله صلى الله وسلم مؤمنًا به ولو لحظة صار من أصحابه.
يقول: ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ النار هي الدار التي أعدها الله عز وجل للكافرين، وقد بَيَّن الله تعالى في الكتاب، وبَيَّن رسوله ﷺ في السنة ما فيها من أنواع العذاب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء ٥٦]، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان ٤٣ - ٤٨] أعوذ بالله، يصب فوق رأسه من عذاب الحميم الماء الحار الشديد الحرارة، ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٩] وهذا من باب التهكم به ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ يعني وأين عزتك وأين كرمك؟ في الدنيا يرى نفسه سيدًا شريفًا ولكنه في الآخرة يهان إلى هذه الإهانة.
المهم: أن أنواع العذاب -والعياذ بالله- -نعوذ بالله من النار، نعوذ بالله من النار، نعوذ بالله من النار- أنواع العذاب في النار شيء -والعياذ بالله- إذا تصوره الإنسان فإنه يتبين له شدة ما يلاقيه هؤلاء من العقوبة الشديدة.
يقول عز وجل: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ إلى آخره [الزمر: ٩]
﴿أَمَّنْ هُوَ﴾ قال: (﴿أَمَنْ﴾ بتخفيف الميم) أمن وعلى هذا فتكون الكلمة مركبة من همزة الاستفهام و(مَن)، من الاستفهامية، يقول: بل (مَن) الموصولة، همزة الاستفهام و(مَن) الموصولة أي: آلذي هو قانت إلى الآخر.
(﴿هُوَ قَانِتٌ﴾ قائم بوظائف الطاعات) القنوت يطلق على معانٍ متعددة:
منها: الخشوع كقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة ٢٣٨].
ومنها: الدعاء في الوتر أو في الفرائض عند النوازل.
ومنها: دوام الطاعة كقوله تعالى: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم ١٢].
ومثال الأول: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة ٢٣٨] أي: خاشعين؛ ولهذا لما نزلت هذه الآية أُمِر الصحابة بالسكوت، ونُهُوا عن الكلام.
فهنا ﴿قَانِتٌ﴾ من أي المعاني الثلاثة؟
* طالب: دوام الطاعة.
* الشيخ: من دوام الطاعة، ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ [الزمر ٩] قال المؤلف: (قائم بوظائف الطاعات) يعني مديم لها.
(﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ يعني: ساعاته ﴿سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ في الصلاة).
﴿سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ نص على السجود، وعلى القيام دون الركوع والقعود؛ لأن السجود شريف بهيئته والقيام شريف بذِكْره، كيف؟
السجود شريف بهيئته: أفضل هيئة للمصلي أن يكون ساجدًا؛ ولهذا كان أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.
والقيام شريف بذِكْره: ما هو ذِكْره؟ القرآن كلام الله، وكلام الله تعالى أشرف الكلام؛ فلهذا نص على هذين الأمرين، أو على هذين الركنين من أركان الصلاة؛ القيام والسجود، وكان الرسول عليه الصلاة والسلام «إذا سجد يُسْمع لصدره أَزِيزٌ كأزيز الْمِرْجَل»[[أخرجه في المسند (١٦٣١٢)، والنسائي في المجتبى (١٢١٤) من حديث عبد الله بن الشخير.]]. القِدر الذي يغلي، وكان عليه الصلاة والسلام« إذا قام لا يمر بآية رحمة إلا سأل، ولا بآية وعيد إلا تَعَوَّذَ، ولا بآية تسبيح إلا سَبَّحَ»[[أخرجه أبو داود (٨٧٣)، والنسائي في المجتبى (١١٣٢)، وأحمد في المسند (٢٣٩٨٠) من حديث عوف بن مالك الأشجعي.]]. وهذا يدل على أن القائم في الليل ينبغي له أن يلاحظ هذا، يلاحظ قوة الخشوع في حال السجود والبكاء، ويلاحظ أيضًا حضور القلب أثناء القراءة ليتابع إذا مر بآية رحمة سأل، وبآية وعيد تعوذ، وبآية تسبيح سبَّح، قائمًا وقاعدًا ساجدًا وقائمًا.
(﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾ أي يخاف عذابها ﴿وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ جنة ﴿رَبِّهِ﴾ ).
هنا قوله: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾ هذه حال، حال كونه يحذر الآخرة، وحال مقارِنة لقوله: ﴿سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ يعني حال كونه في سجوده وقيامه يحذر الآخرة؛ أي: يخافها وليس يخاف وقوعها؛ لأن وقوعها لا بد لكن يخاف عذابها، يخاف أن يُعذَّب.
﴿وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ يقول المؤلف: جَنَّتَه، ولا شك أن الرحمة يُراد بها الجنة كما قال الله تعالى للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦ / ٣٦) من حديث أبي هريرة.]].
ولكن يراد بالرحمة معنى آخر وهي فِعْل الله بالعبد؛ أي رحمته للعبد، فأيهما أولى في هذه الآية؟
* طالب: الرحمة بمعنى الجنة، ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾ أي يحذر عذاب الآخرة، ويرجو رحمة الله يعني يحذر النار ويرجو الجنة.
* الشيخ: إي نعم، هذا ما ذهب إليه المؤلف، لكن لماذا لا نقول: يرجو أن يرحمه الله، ويكون المراد بالرحمة هنا رحمة الله التي هي فِعْله؛ يعني يرجو أن يرحمه الله بالأمرين بالنجاة من النار، وبدخول الجنة، هذا المعنى أحسن؛ لأن المتبادِر في الغالب لمعنى الرحمة أن تكون فِعْل الله؛ يعني أن الله يرحمك.
وأيضًا إذا قلنا رحمة الله: صار يرجو أن ينجوَ من النار، أو من عذاب الآخرة، وأن يفوز بالجنة.
﴿وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ قال: (كمن هو عاصٍ بالكفر أو غيره)..
.. الله تعالى للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠) ومسلم (٢٨٤٦ / ٣٦) من حديث أبي هريرة]]، ولكن يُرَاد بالرحمة معنًى آخر؛ وهي فعل الله بالعبد؛ أي رحمتُه للعبد، فأيُّهما أولى في هذه الآية؟
* طالب: (...) الرحمة بمعنى الجنة.
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾ [الزمر ٩] أي: يحذر عذاب الآخرة، ويرجو رحمة الله؛ يعني يحذر النار ويرجو الجنة.
* الشيخ: إي نعم، هذا ما ذهب إليه المؤلف.
لكن لماذا لا نقول: يرجو أن يرحمه الله، ويكون المراد بالرحمة هنا رحمة الله التي هي فِعْلُه؛ يعني يرجو أن يرحمه اللهُ بالأمرين؛ بالنجاة من النار وبدخول الجنة، هذا المعنى أحسن؛ لأن المتبادر في الغالب لمعنى الرحمة أن تكون فعل الله؛ يعني أن الله يرحمك.
وأيضًا إذا قلنا: (رحمة الله) صار يرجو أن ينجو من النار أو من عذاب الآخرة وأن يفوز بالجنة.
﴿وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر ٩] قال: (كمَن هو عاصٍ بالكفر أو غيره).
أفادنا المؤلف رحمه الله بهذا التقدير أن الآية يُبَيِّنُ الله فيها أنه لا يستوي هذا وهذا، هل يستوي مَن هو قانت آناءَ الليل ساجِدًا وقائمًا كمن هو عاصٍ بالكفر وغيرِه؟
الجواب: لا. وهذا مِن بلاغة القرآن؛ القرآن فيه أشياء كثيرة تُحذَف لدلالة المذكور على المحذوف، وهذا مِن البلاغة، كيف يكون من البلاغة؟ لأنه إذا حُذِفَ الشيء استفاد المخاطَب فائدتين:
الفائدة الأولى: اختصار الكلام.
الفائدة الثانية: قوة الانتباه؛ لأنَّ الآية إذا كان فيها شيء محذوف فإنَّ الذهن يتطلع إلى هذا الشيء المحذوف، فتجد الإنسان يتوقف يفكر يتأمل؛ ما الذي حُذِف؟ وما تقديره؟ لكن لو جاء الكلامُ مرسلًا هكذا لم يحصُل له هذا التوقف وهذا التفكير، أنت الآن لو قرأت الآية الكريمة: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ﴾ [الزمر ٩] لوجدت نفسك متشوِّفًا إلى أيش؟ إلى شيءٍ آخَر، الكلام ما تم، لا بد أن هناك شيئًا آخر، وحينئِذٍ يشتَدُّ انتباهك وتزدادُ تأمُّلًا في المعنى، فصار وجهُ البلاغة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني الاختصار، والثاني؟
* الطالب: التركيز.
* الشيخ: أيش التركيز؟
* طالب: شد الانتباه.
* الشيخ: إي، شدة الانتباه، كيف؟ الأول فهمنا الاختصار واضح؛ أن حذْف الشيء من الكلام يقتَضِي قلة الكلام واختصار الكلام، لكن الثاني؟
* الطالب: لأنه إذا كانت العبارة قليلة كان أسهل (...) المخاطب وأشد.
* الشيخ: لا.
* طالب: أنَّه لما حذف (...)، إنما لو كان الكلام تامًّا (...) مرَّ عليه بدون ملاحظة تامة.
* الشيخ: لأن هذا المحذوف لا بد منه، فالإنسان يتطلَّع ما هذا المحذوف؟ الكلام الآن ناقص؛ بمعنى أن الكلام يحتاج إلى شيء، فيتطلع الإنسان إلى معرفة هذا الشيء، وحينئِذٍ يزدادُ في التدبر، فهذه من بلاغة القرآن؛ أعني أنه يُحذَف أحيانًا، يحذِف الله عز وجل أشياء يحتاج المخاطب إليها مِن أجل هذه الفائدة، بل من أجل هاتين الفائدتين.
قال المؤلف رحمه الله: (وفي قراءَةٍ ﴿أَمْ مَنْ﴾ ) ويش تزيد هذه القراءة عن الأولى؟ (أم).
وقول المؤلف: (في قراءة) من اصطلاح المؤلف رحمه الله أنه إذا قال: في قراءة، أو قال: بفتح كذا وضم كذا، أو قال: بالتاء والياء؛ فالقراءة سبعية، وأما إذا قال: وقرئ، أحيانًا يعَبِّر فيقول: وقرئ، فالقراءة شاذة غير سبعية، انتبهوا لهذا الاصطلاح: إذا أتى بقراءتين متساويتين، مثل يقول: في قراءة، أو بالضم والفتح، أو بالياء والتاء، وما أشبه ذلك من العبارات؛ فالقراءة سبعية، أما إذا قال: وقُرِئَ -بصيغة المبني للمجهول- فالقراءَة شاذَّة.
بناءً على هذه القاعدة تكون القراءة ﴿أَمْ مَنْ﴾ ؟
* طلبة: سبعية.
* الشيخ: سبعية؛ لأنه قال: (وفي قراءة ﴿أَمْ مَنْ﴾ فـ(أم) بمعنى (بل) والهمزة) أي: بل أَمَن هو، بل أَمَن هو قانت آناءَ الليل، فتكون للإضراب. والإضراب هنا إبطالي أو انتقالي؟
* طالب: انتقالي.
* الشيخ: انتقالي، مؤكد يا جماعة؟ مؤكَّد أنه إضراب انتقالي، والفرق بين الإضراب الانتقالي والإضراب الإبطالي أنه في الإضراب الإبطالي يكون الأول ملغًى، والعمدة على الثاني، وأما في الانتقالي فالأول باقٍ على ما هو عليه، والثاني استئنافي لا علاقة له بالأول.
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٩] (قل) مَن؟ يا محمد، أو قل يا مَن يصح منه الخطاب.
﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ استفهام بمعنى النفي، ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾؟
الجواب: لا، لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وهذا عامٌّ في كل علم، فلا يستوي العالم والجاهل، حتى في علم النِّجَارة والحِدَادَة والكيمياء وغيرها لا يستوي الذي يعلم والذي لا يعلم، لكن هذا لا يقتضي أن يكون العالم ممدوحًا؛ لأنَّ مِن العلوم مَن جهلُه خيرٌ مِن علمه، فإذا كان العلمُ مذمومًا وقلنا: لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون صار غيرُ العالِم أفضل، وإذا كان العِلْم ممدوحًا وقلنا: هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون صار العالِم أفضل.
طيب إذا جاءت هذه الكلمة أو هذه الجملة في عِلْمِ الشريعة؟
* الطلبة: العالِم أفضل.
* الشيخ: العالِم أفضل. في علم النحو؟
* الطلبة: العالِم أفضل.
* الشيخ: طيب، في علم الكلام؟
* الطلبة: الجاهل أفضل.
* الشيخ: الجاهل أفضل نعم، كما قال بعض السلف: الجهلُ بالكلام عِلْم؛ لأنَّ علمَ الكلام أدَّى بأصحابِه إلى مهالِك، حتى إن فَطَاحِل عُلمائهم يتَمَنَّوْن وهم في سياق الموت أنهم ماتوا على دين العجائز، ودين العجائز أسلم وإن كان جهلًا لكنَّه أسلم من عِلْمٍ يؤَدِّي بهم -والعياذ بالله- إلى الشك والحيرة.
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وهذه مِن الآيات القليلة اللَّفظ الكثيرة المعنى؛ لأنه يمكن أن تُطَبِّقَها على كل علمٍ. لكن هل هو هذا العلم محمود أو مذموم؟ على حسب الحال.
(أي: لا يستويان كما لا يستوي العالم والجاهل) ويش الكلام هذا؟ لو قال: العلم والجهل كان أوضح.
* طالب: ما ذكر يا شيخ، ما تكلم يا شيخ.
* الشيخ: لا، لا بد يتكلم عليه.
* طالب: بس ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾.
قوله: (بتخفيف الميم) أي: فالهمزة للاستفهام الإنكاري، كما سيشير له بقوله: (أي: لا يستويان)، و(مَن) اسم موصول بمعنى (الذي) مبتدأٌ في محل رفْعٍ، خبرُه محذوف قَدَّرَه بقوله: (كمن هو عاصٍ).
وقوله: ﴿قَانِتٌ﴾ جملة اسمية صلة الموصول، وقوله: ﴿سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ حالان مِن ﴿قَانِتٌ﴾.
وقوله: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾ حال أخرى متداخلة أو مترادفة أو جملة استئنافية معترِضَة.
وقوله: (بمعنى بل) أي: التي للإضراب الانتقالي، و(الهمزة) أي: التي للاستفهام الإنكاري، وعلى هذه القراءة تُرسَم ميمٌ في النون كرسمها على قراءة التخفِيف، وهذا اتِّباعًا لخَط مصحف الإمام، كما يؤخذ من الجزرية وشرحِها لشيخ الاسلام، وهذا بالنظر لرسم المصحف، وأما في غيرِه فتُرْسَم ميمُ (أم) مفصولةً عن ميم (مَن)، كما في عبارة الشارح، و(مَن) على هذه القراءة مبتدأ أيضًا، والخبر مقدَّرٌ كما تقدم في الإعراب بعينه على القراءتين لم يختلف.
وقوله: (أي: لا يستويان) أي: القانت والعاصي، فهذا تفسيرٌ للنفي المستفاد من همزة الإنكار في قوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾، سوَاءٌ مصَرَّح بها على القراءة الأولى والتي في ضمن (أم) على الثانية.
وقوله: (كما لا يستوى العالم والجاهل) تفسير لقوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ إلى آخره، والاستفهام فيه أيضًا إنكاري. انتهى.
وعبارة السَّمِين: قوله: (أمن هو قانت) قرأ الحرمِيَّان نافع وابن كثير بتخفيف الميم، والباقون بتشديدها، فأما الأولى ففيها وجهان:
أحدهما: أنها همزة الاستفهام دخلت على (مَن) بمعنى (الذي)، والاستفهام للتقرير، ومقابله محذوف تقديره: أمن هو قانت كمن جعل لله أندادًا، أو أمن هو قانت كغيرِه، أو التقدير: أهذا القانت خيرٌ أم الكافر المخاطب بقوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ [الزمر ٨]، ويدل عليه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، فحَذَفَ خبرَ المبتدأ وما يعادل المستفْهَمَ عنه، والتقدير: أن الأَوَّلَان أولى؛ لقلة الحذف، والثاني أي تكون الهمزة للنداء، و(مَن) مُنَادَى، ويكون المنادَى هو النبي ﷺ، وهو المأمور بقوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾، كأنه قيل: يا مَن هو قانت قل: كيت وكيت. وأما القراءة الثانية فهي (أم) داخلة على (مَن) الموصولة أيضًا، فأُدْغِمَتِ الميمُ في الميم.
وفي (أم) حينئِذٍ قولان: أحدهما: أنها متَّصِلَة، ومعادِلُها محذوف تقديره: الكافر خيرٌ أم الذي هو قانت؟
والثاني: أنها منقطعة، فتُقَدَّرُ بـ(بل) والهمزة؛ أي: بل أَمَن هو قانِتٌ كغيره أو كالكافر المَقُولِ له ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾؟ انتهى.
طيب على كل حال، تبين لنا مِن هذا البحث أن قوله: (لا يستويان) أي: القانِت والكافر، كما لا يستوي العالم والجاهل، فيكون قوله: (لا يستَوِيان) ليس عائدًا على قوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٩]؛ عائِد على ما سبق، وهو أمَن هو قانت آناء الليل ساجِدًا وقائِمًا كمَن هو عَاصٍ لا يَسْتَوِيَان كما لا يسْتَوِي الذين يعلمون والذين لا يعلمون.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: الإنكار والنَّفْي.
﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ يعني: ساعات الليل؛ لأَنَّه أحيانًا يُطْلَب مِن الإنسان أن يقوم كل الليل، كما في عشر رمضان الأخيرة؛ فإن السنة أن يُحْيِيَ الليل كله.
فلو قال: (في) لتعين أن يكون هناك متَّسَع، فإذا قال: ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ شمل هذه وهذا.
* طالب: ما نقول: إنه من باب الاستعداد للعبادة لو نام بنية قيام الليل وهو يتوَضَّأ ويصلي (...)؟
* الشيخ: ربما يكون، لكن في بعض الأحيان قد لا يكون عملُه هذا اسْتَعْدَادًا للعبادة، قد يعمل أعمالًا لا يستعد للعبادة، ولهذا ليس من المشروع أن الإنسان يقوم الليل كله في كل أحيانه، لكن أحيانًا.
* طالب: يا شيخ، ذكر أي لا يستويان العالم (...)؟
* الشيخ: يعني كأنَّ هذه الجملة صارت كالدليل لِمَا سبقها؛ يعني كما أنه من المعلوم أنه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون فإنه لا يستوي القانت والعاصي.
ثم قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (إنما) أداة حصر، والحصر هو إثبات الحكم بالمحصور فيه ونفيُه عما سواه، فإذا قيل: إنما القائم زيد فهو كقولنا: لا قائم إلا زيد.
﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ﴾ يقول المؤلف: (يَتَّعِظ، ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أصحاب العقول)
(أصحاب) تفسير لـ﴿أُولُو﴾، و(العقول) تفسير لـ﴿الْأَلْبَابِ﴾ جمع لُبٍّ وهو العقل؛ لأن الإنسان بلا عَقْل قشور، ولا يكون إنسانًا حقيقةً إلا بالعقل، وعلى هذا فالكفار بجميع أنواعهم قشور لا خيرَ فيهم؛ لأنهم ليسوا بعقلاء، كما قال الله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ١٧١]، والعقل الذي يُحمَد فاعله هو عقْل الرُّشْد؛ أي الذي يحجِزُك عما يضرُّك، أما عقل الإدراك فإنه يستوي فيه المحمود والمذموم، عقل الإدراك الذي يترَتَّب عليه التكليف، وهو الذي يأتي في كلام الفقهاء يقولون: مِن شروط العبادة العَقْل، يعني عقل أيش؟ يعني عقْل الإدراك، أما عقل الرُّشْد الذي يحجِز صاحبه عما يضُرُّه فهذا لا علاقة للتكليف به، بل إنما يقال: مَن حجَزَه عقلُه عما يضُرُّه فهو العاقل حقًّا، ومَن لا فلا.
﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: ما يتذَكَّر إلَّا هؤلاء.
* نأخذ فوائد الآية: من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ﴾ إلى آخره [الزمر: ٨].
* من فوائد هذه الآية: أن الكافر لا يعرف ربَّه إلا عند الضرورة؛ لقوله: إِذَا مَسَّه ضُرٌّ ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ﴾ إلى آخره.
* ومن فوائدها: أن عبادة الضرورة لا تنفع غالبًا؛ أي أن الإنسان إذا عرف ربه عند الضرورة فقط فالغالب أنه لا ينتفع بهذه العبادة؛ لأنها ليست عبادةً عن رغبة ولكنها عبادة من أجل إنجاء الإنسان من الهَلَكة وإن كان أحيانًا ينتفع، ربما يكون هذا سببًا لفتح الله عليه، كما يوجد الآن من الناس -مثلًا- مَن يصاب بمرض شديد ويخاف منه الهلاك، فيُنِيب إلى الله عز وجل ويدعو الله سبحانه وتعالى، ثم يمُنُّ الله عليه بالاستمرار، لكن الغالب أن التعبُّدَ ضرورةً لا يفيد.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الكافر يؤمن بالله، وأن إيمانه بالله لا يخرجه من الكفر؛ لقوله: ﴿دَعَا رَبَّهُ﴾، فالإيمان بالله وبربوبيته لا يكفي ولا يُخرِج الإنسان من الكفر.
ودليل ذلك أن المشركين الذين بُعِث فيهم رسول الله ﷺ كانوا يُقِرُّون بالله؛ ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف ٨٧]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف ٩] يعني: يقرُّون بأن الذي خلق هو الله ويصفونه بالصفات الكاملة ومع ذلك فهم كفار استباح النبي ﷺ دماءهم ونساءهم وأموالهم وذريتهم.
وبه نعرف أن مَن قال عن النصارى: إنهم مؤمنون فهو جاهل، بل إن كان عالِمًا بما يدل عليه الشرع مِن كفرهم فهو مرتدٌّ؛ لأنَّ مَن حكم بالإيمان لِمَن كفَّره الله فإنه مرْتَدٌّ مكَذِّب لله عز وجل، وكذلك مَن قال عن اليهود: إنهم مؤمنون بالله فإن هذا الكلام صادر إما عن جهل، وإما عن ردة والعياذُ بالله.
فإذا قال: إنهم يؤمنون بالله، يقولون لك: الله عز وجل هو الكاشف للضر، وهو المدبر للأُمور؟
قلنا: هذا لا ينفعهم، ولهذا تجد عند العامة لما التبس على بعضهم هذا الأمر تجدهم إذا قيل لهم: إن تارك الصلاة كافر، قالوا: كيف يكون كافرًا وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؟ أين الكفر؟ فيقال: ليس كل مَن شَهِدَ بهذا يكون مؤمنًا؛ المنافقون يأتون إلى رسول الله ﷺ يقولون: نشهد إنك لرسول الله ويؤكدون هذا، فيؤكد الله عز وجل كذبَهم فيقول: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون ١]، وإن شهدوا بألسنتهم فهم كاذبون بقلوبهم.
على كل حال هذه الآية تدل على أن مجرد اعتراف الإنسان بالرب لا يخرجه عن الكفر.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الله عز وجل يجيب دعوة المضطر ولو كان كافرًا؛ لقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ﴾ [الزمر ٨].
فإن قال قائل: كيف يجيب الله دعوتَه وهو كافر؟
قلنا: هذا من آثار سبْقِ رحمتِه لغضبِه؛ فإنَّ رحمتَه سبقت غضبَه، فالكفر موجِبٌ للغضب والضرورة موجِبَةٌ للرحمة، فتسبق الرحمةُ الغضبَ، فيجيبُه الله عز وجل، وهذا كإجابة المظلوم ولو كان كافرًا، المظلوم تجاب دعوته ولو كان كافرًا؛ إقامةً للعدل وانتصارًا للحَق، قال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل: «اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٩٦)، ومسلم (١٩ / ٢٩) من حديث ابن عباس.]].
إذن فهذان شخصان تُجابُ دعوتهما مع الكفر؛ هما: المظلوم، ومَن وقع في ضرورة إذا دعا الله.
لماذا؟ لا بد أن نعَلِّل كيف يخرج هذا عن القاعدة بأن الكافر مغضوبٌ عليه؟
نقول: أما إجابة المظلوم فمِن أجل العدل والانتصار للحق، وأما إجابة المضطر فلِأَن المضطر اجتمع في حقِّه سببان: سببٌ موجِبٌ للرحمة وهو الضرورة، وسبب موجِب للغَضَب والانتقام وهو الكفر، ورحمةُ الله تعالى قد سبقت غضبَه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النعمة محْضُ فضْلٍ مِن الله؛ لقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً﴾، فالنعمة محْضُ فضْلٍ مِن الله عز وجل؛ لأنها لا يمكن أن تكون مكافَأَةً عن عمل، فإن الإنسان لو حُوسِب على عملِه محاسبةً دقيقة لكان عملُه لا يقابِل واحِد بالملايين منين؟ مِن نِعَم الله عز وجل، فيخرُج مغلوبًا.
بل أن بعض العلماء رحمهم الله يقولون: إن العمل الصالح مِن نعمة الله؛ نفْس العمل من النعمة، فإذا شكَرَ العمل صار الشكرُ نعمةً، وإن شكرَ الشكرَ صَار نعمةً أخرى، وعلى هذا قولُ الشاعر:
إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَةً ∗∗∗ عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ؎فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ ∗∗∗ وَإِنْ طَالِتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَالْعُمْرُ
صحيح هذه ولَّا لا؟ صحيح.
إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَةً ∗∗∗ عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ؎فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ ∗∗∗ وَإِنْ طَالِتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَالْعُمْرُ
لأنك إذا أنعم الله عليك نعمة ثم شكرْته فشكرُك إياه نعمة، ثم إن شكرْتَه على الشكر فهو نعمةٌ أخرى، وهلم جرًّا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكافر -وإن شئت فقل: الإنسان- ينسى النعمة، إذا أنعم الله عليه نعمةً بعد ضرورة نسِي، ثم عاد إلى غيِّه.
وهذا خطير جدًّا على الإنسان، هذا هو واقع الإنسان؛ واقع الإنسان أن الله إذا أنعَم عليه نعمة بإنجائه من ضرورة نسِي ذلك ثم عاد إلى غيِّه، وهذا يقع؛ نجد الأحداث الآن تمُر بالناس، يمكن في حال حُلُول هذه الأحداث يمكن أن يكون لهم رجعة بعض الشيء، ولكن إذا زالت الضرورة عادوا إلى ما كانوا عليه من قبل، بل ربما يحملُهم الأشر والبطر على أن يزيدوا في غيِّهم، وهذا له خطورته؛ فإنَّ الله تعالى ذكَرَ في القرآن أن الإنسان إذا عاد إلى غيِّه بعد إنقاذه من الهلاك فإن الله يصيبُه بعذابٍ أشَدَّ من الأول.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكافر يعود إلى كفره ولا يذكُر ما دعا اللهَ إليه من قبل وهو إنقاذه من الضرورة؛ لقوله تعالى: ﴿نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [الزمر ٨]
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل لا نِدَّ له؛ لأن الله أنكر على من جعل له أندادًا، فيكون في هذا رَدٌّ على أهل التمثيل الذين أثبتوا لله الصفات مع التَّمثيل، فقالوا: إن الله تعالى له وجه كوجوهنا، ويد كأيدينا، وعين كأعيننا، وساق كسُوقِنا، وهكذا، نقول: كلامكم هذا كذب، وأنتم وأهل التعطيل سواء؛ لأنكم أنتم عطلْتُم النص عن مدلوله الصحيح؛ إذ إن مدلول النصوص في صفات الله صفاتٌ لائقة بالله عز وجل، فإذا جعلتموها للتمثيل حَرَّفتموها.
وعلى هذا فيكون في الآية ردٌّ على من؟ على أهل التمثيل الذين أثبتوا الصفات لله عز وجل مع التمثيل، نقول: هذا الفعل منكم تعطِيل في الحقيقة، تعطيل لماذا؟ لمدلول النص الصحيح؛ لأن مدلول النص فيما يتعلق بالصفات صفاتٌ لائقة بالله عز وجل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الكفار يحرصون على أن يَضِلَّ الناس بفعلهم؛ لقوله: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (لِيُضِلَّ) على قراءة الضم، ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾.
* ومن فوائدها: أنه كما يكون الاقتداء بالقول يكون الاقتداء بالفعل. كيف ذلك؟ لأن هذا الكافر جعل لله أندادًا، وكان جعلُه الأنداد سببًا لضلَالِ غيرِه.
* ويتفرع على هذا فائدة: وهي تحذير الإنسان -ولا سيما القدوة- من المخالَفَة؛ لأن الناس سوف يقتدون به ويحتَجُّون بفعلِه.
فمثلًا: طالبُ العلم إذا قام إلى الصلاة يكثر الحركة؛ مرة يحُك رأسه، ومرة يحك ظهره، ومرة يحك بطنه، ومرة يعرِك عينه، ومرة ينظُر ساعتَه، ومرة يكتب ما تذَكَّر في صلاتِه، إذا كان هذا طالب العلم يفعَل هذا الشيء فإن الناس سوف يقتَدُون به، لو أُنْكِر على واحدٍ من الناس كثرةُ الحركة لقال: فلان يفعَل.
ولهذا أحيانًا نُنْكر على بعض الناس المعاملات الرِّبوية التَّحَيُّلِيَّة، فيقولون: فلان يفعل كذا مِن الناس ممن هو من طلبة العلم، فالناس يحتجُّون، وهذه الآية تدل على أن الاقتداء يكون بالفعل؛ لقوله: ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ولم يقل: ودعا الناس ليَضِلُّوا عن سبيله، بل جعلَ فعلَه سببًا لِضَلال الناس، وهذا يدل على الاقتداء بالفعل كالقول.
وأما على قراءة الفتح* فيُؤْخذ منه فائدة، وهي: أن جَعْلَ الأنداد لله ضلال؛ لقولِه: ﴿لِيَضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ .
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تهديد هؤلاء الكفار الذين اتخذوا من دون الله أندادًا، تؤخذ من قوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾، وقد بيَّن الله سبحانه وتعالى صفةَ هذا التمتع فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾ البهائم، ﴿وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد ١٢].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الدنيا مهما طالت فهي قليلة ولا تُنْسَب للآخرة، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى ٤] يقول للرسول ﷺ، ويقول للعموم: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى ١٦، ١٧]، وقال النبي ﷺ: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه البخاري (٢٨٩٢) من حديث سهل بن سعد الساعدي.]]، موضِع السوط، السوط عصا قصيرة خيرٌ من الدنيا وما فيها، «مِنَ الدُّنْيَا» أيُّ دنيا؟ كلها منذ نشأَتْ إلى قيام الساعة بما فيها من الزَّخارف واللهو والزينة، «خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»، ولهذا قال: ﴿تَمَتَّعْ قَلِيلًا﴾، فهذه المتعة للكافر وإن كان ينالُ شهوتَه هي قليلة زمنًا، وقليلة كَمِّيَّة، وقليلة كيفية.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكفار ملازمون للنار لا يخرجون منها؛ لقوله: ﴿أَصْحَابِ النَّارِ﴾؛ لأن الصاحِب هو الملازِم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: مخاطبة الإنسان بما يليق بحاله، فهذا الكافر المعانِد الذي بدَّل نعمةَ الله كفرًا يخاطب بهذا الخطاب القاسي وهو ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾، بينما لو كانت المسألة مسألة دعوة ما قابلناه هذه المقابلة، لا نقول لمن ندعوه للإسلام: تمتع بكفرك قليلًا إنك من أصحاب النار، لكن نقوله لِمَن عانَدَ وكابَر وبدَّل نعمة الله كفرًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات النار؛ لقوله: ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾.
ويجب علينا في إثبات النار شيئان:
الأول: إثباتُ وجودِها الآن وأنها موجودة؛ فإن النبي ﷺ عُرِضَت عليه الجنة وعُرِضت عليه النار في صلاة الكسوف وشاهدَها، ورأى مَن يُعَذَّبُ فيها؛ رأى فيها امرأةً تعذَّب بهرةٍ حبستها حتى ماتت، ورأى فيها صاحبَ الِمحْجَن يُعذَّب[[أخرجه مسلم (٩٠٤ / ١٠) من حديث جابر بن عبد الله.]]، صاحب المحجن رجل معه مِحْجَن، والمحجَن تعرفونه؟
* الطلبة: عصا.
* الشيخ: هو عندنا في اللغة العامية مِحْجَان، مِحْجَن: عصا محنِيَّة الرأس، هذا الرجل يمُر بالحجاج فيشبِك المتاع -متاع الحاج- برأس المحجن، فإن تَفَطَّنَ له صاحب المتاع قال: والله هذا المحجن، المحجَن أمسك به، سامحني، يمكن يقول: سامحني أو ما يقولها، لكن يمكن بعض الناس يقول هكذا، وإن لم يَتَفَطَّن له أخذَه، فرآه النبي عليه الصلاة والسلام يعذَّب في النار بمحجنه وهو يصلِّي صلاة الكسوف، ثم تأَخَّر النبي عليه الصلاة والسلام؛ تأَخَّر مخافةَ أن يصِيبَه من لَفْح النار، إذن فرؤيتُه إياها حِسِّيَّة. طيب هذا واحد.
الشيء الثاني: يجب أن نؤمن بأنَّ النار مؤَبَّدَة أبد الآبدين، يعذَّب فيها أهلُها ما هم عنها بمخرجين، وهي مؤبَّدَة دائمًا؛ لأن الله تعالى ذكَر تأبيدَها في ثلاثة مواضع مِن القرآن: الموضع الأول في سورة النساء، والموضع الثاني في سورة الأحزاب، والموضع الثالث في سورة الجن. والأخ يبين لنا الموضع الأول في سورة الأحزاب.
* طالب: الآية..
* الشيخ: في سورة النساء قصدي؟
* الطالب: حق أيش؟
* الشيخ: أن الله ذكر أن النار مؤبدة.
* الطالب: ما أدري.
* طالب آخر: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ﴾ [الأحزاب ٦٤]
* الشيخ: لا، في سورة النساء.
* طالب: بعد آية التيمم.
* طالب آخر: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ [النساء ١٤].
* الشيخ: لا.
* طالب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩].
* الشيخ: أحسنت، تمام، هذه صريحة ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾.
الموضع الثاني في سورة الاحزاب، مَن؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥].
* الشيخ: نعم، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾.
الموضع الثالث في سورة الجن؟
* طالب: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الجن ٢٣].
* الشيخ: وين التأبيد؟
* الطالب: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾..
* الشيخ: ﴿فَإِنَّ لَهُ﴾..
* الطالب: ﴿فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾..
* الشيخ: نعم، وين التأبيد؟
* الطالب: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾.
* الشيخ: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ تمام.
بعد هذا لا يمكن أن نقبل قولًا من أيِّ عالم قال بأن النار غير مؤبدة، ولا نقابل هذا النص الصَّرِيح بقياسات؛ لأن قولَه تعالى: «إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٢٢)، ومسلم (٢٧٥١ / ١٥) واللفظ للبخاري من حديث أبي هريرة.]]، هذا صحيح نصٌّ محكَمٌ وخبرٌ صادِق، لكن الخبر يجوز تخصيصه فنقول: أهل النار ليسوا أهلًا للرحمة، وعقوبة الله إيَّاهم على التأبيد هي من كمال عدلِه وحكمتِه، فكما أمضَوا أعمارهم بالكفر؛ كل الدنيا أفنوها بالكفر، فالآخرة أيضًا تذهب عليهم بالجزاء والعقوبة، هذا هو العدل وهذه الحكمة، أليس كذلك؟
نقول: عمرك في الدنيا كله مضى في الكفر، إذن حياتك في الآخرة تمضِي بالجزاء والعقوبة، لا حياةَ لك في الآخرة كما أنه لم يكن لك حياةٌ في الدنيا بطاعة الله.
ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ إلى آخره [الزمر: ٩].
* من فوائد هذه الآية: أن القرآن الكريم يفتَح للإنسان الاستدْلَال العقلي؛ يعني بأنَّه يعرض الأشياء عرضًا عقلِيًّا، وذلك بطلب التَّدَبُّر والتفهم.
فمثلًا مَن هو قانت ومَن هو عاصٍ، بكل بساطة إذا عُرِضَت حالُ هذا وحالُ هذا على العاقل ماذا يقول؟ يقول: لا يستويان؛ مَن هو قانت آناء الليل ليس كمن هو عاصٍ.
وهذه من الطرق التي ينبغي لطالب العلم عند المناظرة أن يتخذها سبيلًا إلى إفحام الخصم؛ لأنَّ كثيرًا من الخصوم قد لا يقتنعون بمجرد الدليل الأَثَرِي فنسوق إليهم الدليل النظري، ولا سِيَّما في الوقت الحاضر؛ حيث اتخذ كثيرٌ من الناس -إن لم أقل أكثرهم- طريق إبليسَ سبيلًا، وهو معارضَةُ السمْع بِمَا يظنُّه عقلًا؛ يعني معارضة النصوص بما يظنُّون أنه عقل، ونحن نعلم علم اليقين أنه ليس في النصوص ما يخالف العقل الصريح أبدًا، بل في النصوص ما يؤيدُه العقل الصريح ويكون هذا شاهدًا لهذا، كلٌّ منهما يقوى بالآخر.
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في النونية أن لدينا أربعة أدلة كلها يشهد بعضُها لبعض؛ هي: الكتاب، والسنة، والعقل، والفطرة. هذه الأدلة الأربعة لا يمكن أن تتناقض أو تتنافى، بل بعضُها يؤيد بعضًا ويشهَد له، والله أعلم.
* طالب: في قوله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ [الفرقان ٤٤] هل يدل على (...)؟
* الشيخ: لا، فيه مَن سمع وعقل، ولَّا كل كافر لا يسمع ولا يعقل.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: بعض الناس اللي مَنَّ الله عليهم بالهداية، إذا مَنَّ الله عليه بالهداية خرجوا عن الكفر.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، يعني في المستقبل؛ يعني ﴿يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ [الفرقان ٤٤] في المستقبل، قد يكون يَمُن الله عليهم، لكن ما داموا في هذه الحال فإنهم لا يسمعون ولا يعقلون، ولهذا قال: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان ٤٤]، فالآية التي ذكرْت موافقة للآية هذه؛ أن الكافر ليس عنده سمْع ولا عقل.
* طالب: ما قيل عن شيخ الإسلام أنه قال بفناء النار؟
* الشيخ: ما هو صحيح، ولنفرِض أن الذي قال بفناء النار -وحاشَاه من ذلك- أبو بكر أفضَل مِن شيخ الاسلام ألف مرة، هل نقبله مع وجود الآيات؟ لا نقبله، الحقيقة إذا وجدْنَا قولًا مخالفًا للكتاب والسنة من أي قائلٍ به فإن موقِفَنا أن نعتَذِر عنه لا أن نجعَل قولَه حجَّة على كلام الله ورسوله مهما كان؛ يعني ما فيه أحد معصوم، ليس فيه أحد معصوم من الخطأ أبدًا إلا مَن عصمه الله عز وجل؛ كالرسل.
* طالب: يمكن نقول: إن قراءة ﴿لِيُضِلَّ﴾ أبلغ من قراءة ﴿لِيَضِلَّ﴾ ؟
* الشيخ: لا، لكن يمكن أن نقول: إنه أضَلَّ؛ لأنه ضَلَّ.
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذا متعَدٍّ لا شك، (يُضِل) متعدٍّ ضررُه للغير، لكن إذا قلنا: إنه ضَلَّ أوَّلًا فأَضَلَّ ثانيًا يكون مجموع القراءتين فيهما فائدة ما تحصل بانفراد أحدهما (...).
* * *
* طالب: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠) قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر ١٠ - ١٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
قال الله عز وجل: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر ٩] إلى آخره.
* في هذه الآية بيانُ الفَرْق بين الناس في عبادة الله عز وجل، وأنه لا سواء بين مَن هو قانت آناء الليل ساجدًا وقائمًا إلى آخره ومَن هو عاص بعيدٌ عن الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية: أن ظاهرها دوام الطاعة؛ آناءَ الليل في السُّجود، والقيام أي في الصلاة، ولكن السنة بيَّنَت ذلك وأن الأفضل في قيام الليل أن ينام نصفه ويقوم ثلثه وينامَ سُدُسَه، وهذا من تقييد القرآن بالسنة.
* ومن فوائد الآية: فضيلة صلاة الليل؛ لقوله: ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾، وقد دَلَّت على ذلك السنة، فقال النبي ﷺ: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ»[[أخرجه مسلم (١١٦٣ / ٢٠٢) من حديث أبي هريرة.]].
* ومن فوائد هذه الآية: فضيلَةُ القيام والسجود من بين أركان الصلاة، وقد بَيَّنا وجْهَ ذلك أثناءَ التفسير أن القيامَ شرِيفٌ بذِكْرِه والسُّجُودَ شريفٌ بهيئَتِه.
* ومن فوائد الآية: أنه ينبغي للإنسان أن يكون في سيرِه إلى الله جامِعًا بين الخوف والرَّجاء؛ لقوله: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾.
ولكن هل يكونان سواءً أو يُغَلِّبُ جانب الرجاء أو يغَلِّب جانب الخوف؟
في هذا أقوال لأرباب السلوك؛ فمنهم من قال: ينبغي أن يكون رجاؤه وخوفه واحدًا؛ كجناحي الطير إذا مال أحدهما اختل طيرانه، قال الإمام أحمد رحمه الله: ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا فأيهما غَلَبَ هلَكَ صاحبُه؛ لأنه إن غلَّبَ جانب الخوف أدخله في اليأس والقنوط، وإن غَلَّب جانب الرجاء أدخلَه في الأمْن مِن مكر الله.
وقال بعض أرباب السلوك: ينبغي أن يُغَلِّب جانب الرجاء؛ لقول الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي؛ فَإِنْ ظَنَّ بِي خَيْرًا فَلَهُ، وَإِنْ ظَنَّ بِي شَرًّا فَلَهُ»[[أخرجه أحمد في المسند (٩٠٧٦) من حديث أبي هريرة، وأصله في الصحيحين.]]، وعلى هذا فيُغَلِّب جانب الرجاء.
وقال بعض العلماء: يُغَلِّب عند فعلِ الطاعات جانب الرجاء، فإذا فعَلَ طاعة فلْيُغَلِّب جانب القبول دون جانِبِ الرد، أما في فعل المعصية فإن الأَولى أن يُغَلِّب جَانِب الخوف؛ لئلا يقَع في المعصية.
وقال بعضهم: في حال المرض يغلِّب جانب الرجاء، وفي حال الصِّحة يغلب جانب الخوف؛ لأن النبي ﷺ قال: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ»[[أخرجه مسلم (٢٨٧٧ / ٨١) من حديث جابر بن عبد الله.]]، والمريض قد وُجِد فيه سببُ الموت؛ وهو المرَض، فيُغَلِّب جانب الرجاء؛ لِيَمُوت وهو يحسن الظَّن بالله.
ولو قال قائل: إنه يُرجَع في ذلك إلى نفس الإنسان، والإنسان هو طَبِيبُ نفسِه؛ إن رأَي مِن نفسه جُنُوحًا إلى انتهاك المعاصي والمحرمات فليُعِدْها بل فليَتَوَعَّدها بالعذاب حتى يرْتَدِع، وإن رأى مِن نفسه قوَّة على طاعة الله ومثابَرَةً عليها وقيامًا بها فليغَلِّب جانب الرجاء حتى يُحْسِنَ الظن بالله، وهذا يرجع إلى الإنسان نفسه، والإنسان في بعض الأحيان يكون يغلب هذا وفي بعض الأحيان يغَلِّب هذا.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: نعم، يعني لو قيل بهذا لكان أحسن.
* من فوائد الآيات: إثبات عذاب الآخرة؛ لقوله: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾، ولا يُحذَر الشيءُ إلا بثبوتِه، أما ما ليس بثابت فلا يُحذَر.
* ومن فوائد الآية: أنه في باب الجزاء والأَحكام يُغَلَّب جانِبُ الربوبية؛ لقوله: ﴿وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾، لأن الربوبية هي التي بها التَّصَرُّف والسلطان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يستوون الذين يعلمون والذين لا يعلمون؛ لقوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
* ومن فوائدها: أن هذا النفي أمر معْتَرَفٌ به؛ لأنه جاء بصيغة الاستفهام، ونحن ذكرنا أنه إذا جاء الاستفهامُ مُرَادًا به النفي صارَ مُشْرَبًا معنى التَّحَدِّي.
* ومن فوائد الآية: فضيلة العلم.
ولكن يجب أن نعلم أن العلم يشرف بشرف موضوعه، وعلى هذا فأفضل العلوم العِلم بأسماء الله وصفاته؛ لأن هذا أشرف موضوعات العلم، ثم العلم بأحكامه «مَنْ يُرِدْ بِهِ اللَّهُ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧١)، ومسلم (١٠٣٧ / ٩٨) من حديث معاوية.]]، ثم تتلو العلوم حسب مراتبها، وأخس العلوم ما يَصُدُّ عن سبيل الله وعن طريق السلف الصالح؛ مثل علم الفلسفة علم الكلام وما أشبهها، إلا إذا تعلمَه الإنسان من أجل أن يرُدَّ به على أهله فهنا قد يكون تعلُّمُه واجبًا؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام زيدَ بن ثابت رضي الله عنه أن يتعَلَّم لغة اليهود[[أخرجه البخاري (٧١٩٥) من حديث زيد بن ثابت.]]، مع أن تعلم اللغات الأجنبية ليس محمودًا ولا مأمُورًا به، لكن لَمَّا كان وسيلة إلى معرفة ما يأتي من الكتابات من اليهود والرَّدِّ عليهم بِلُغَتِهم أَمره النبي ﷺ أن يتعَلَّم لغة اليهود، وتعلَّم لغة اليهود في خلال ستة عشر يومًا؛ لأن زَيْدَ بن ثابت رضي الله عنه من الأذكياء فتعَلَّمَها، ثم إن اللغة العِبْرِيَّة قريبة من اللغة العربية فسَهُلَ تعلُّمُها.
* من فوائد الآية الكريمة: أن أصحاب العقول هم أهلُ الاتِّعَاظ؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
* ومن فوائدها: أن من لا يتذكر فهو ناقص العقل؛ لأنه إذا كان لا يتذكر إلا أصحاب العقول فمَن لا يتذكر يكون ناقِصَ العقل ولا شك، ونُقْصَانُ عقلِه بحسب نقصِه في التَّذَكُّر.
ووجْه ذلك من الناحية العقلية النظرية أن الإنسان العاقل لا يمكن أن يختَارَ لنفسه إلا ما فيه النجاة، ولا نجاة مِن عذاب الله إلا بالتذكر والاتِّعاظ، فلهذا كان العقل السليم يستلزم أن يتَذَكَّر الإنسان ويتَّعِظ من أجل طلب ما هو أحَظ للنفس وأنفع، ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى ٤].
* ومن فوائد الآية: الثناء على ذوي العقول؛ حيث جعلَهم هم المتذكرِين المتَّعِظِين المنتفعين بما يسمعون.
الزمر 39:10
ثم قال الله عز وجل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ [الزمر ١٠].
﴿قُلْ﴾ الخطاب للرسول ﷺ أو لكل مَن يَصِحُّ توجِيه الخطاب إليه؛ فعلى الأول يكون التقدير: قل يا محمد، وعلى الثاني يكون التقدير: قل أيها الإنسان.
﴿يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ ﴿عِبَادِ﴾ هنا فيها شيءٌ محذوف وهو الياء التي دلَّت عليها الكسرة في قوله: ﴿يَا عِبَادِ﴾، وحُذفِت الياءُ تخفيفًا.
﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ (الذين) عطف بيان أو وصْف، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (آمنوا) الإيمان في اللغة التصديق أو الإقرار بل نقول: الإقرار؛ لأنه هو المطابق للإيمان في التعَدِّي والعمَل، يقال: أقَرَّ بكذا وآمَن بكذا، التصديق لا يطابقُه تمامًا، وعلى هذا فنقول: الإيمان هو الإقرار، لكنه ليس مجرَّد الإقرار كما قاله بعض طوائف المبتدعة، من هم؟
* طالب: المرجئة.
* الشيخ: أي المرجئة؟ الجهمية؛ مرجئة الجهمية، نقول: هو الإقرار المستلزم للقبول والإذعان، هذا الإيمان، إذا لم يستلزم للقبول والإذعان فإنه ليس بإيمان.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ قال المؤلف: (أي عَذَابَه)، وفي هذا نظَرٌ، بل المراد تقوى الله عز وجل، والله سبحانه وتعالى يضيف التَّقوى أحيانًا إلى نفسه وأحيانًا إلى النار وأحيانًا إلى يوم الجزاء، فقد قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٣١] بعد أن قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ﴾ [آل عمران ١٣٠، ١٣١]، فلو فُسِّرَت تقوى الله بتقوى عذابِه لكان في الآية تَكْرَار، فالصواب أن الله يضيف التقوى أحيانًا إلى نفسِه وأحيانًا إلى النار وأحيانًا إلى يوم الجزاء، كما في قوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٨١].
والصحيح أنها تُفَسَّر بما تضاف إليه، قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: اتقوا الله نفسَه؛ لعظمته وكمال سلطانه عز وجل.
﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ (أي عذابَه بأن تطيعوه)، (أي عذابه) نقول الصحيح: أي اللهَ نفسَه، وقوله: (بأن تطيعوه) هذا تفسير للتقوى، وعلى هذا فنقول: التقوى طاعة الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه؛ لأن أصل التقوى مأخوذ من الوِقاية، ولهذا يقولون: إن أصلها (وَقْوَى) من الوِقاية، والوِقاية هي اتخاذ ما يقِي الإنسان، ولا يقي الإنسان من عذاب الله إلا طاعة الله، ولهذا نقول: إن أجمع ما قيل في التقوى أنها طاعة الله، كما قال المؤلف رحمه الله، أو اتخاذ وقايةٍ من عذابه بفعل أوامره واجتناب نواهيه، ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾.
ثم قال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ ﴿لِلَّذِينَ﴾ خبر مقدم و﴿حَسَنَةٌ﴾ مبتدأ مؤخَّر.
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ أحسنوا بماذا؟ الإحسان يكون في عبادة الله، ويكون إلى عباد الله، أما الإحسان في عبادة الله فلا أجمع ولا أصدق من تفسير النبي ﷺ لها حين سأله جبريل عن الإحسان فقال: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]، إذا عبد الإنسان ربَّه كأنه يراه فسوف يعبده حقَّ العبادة؛ لأنه يعبد الله كأنه يرى الله، وهذا يعني تكون عبادتُه مبنيةً على كمال اليقين، وإذا كانت كذلك فلا بد أن تكون موافقة للأمر، ولا بد أن تكون خالصة.
إذن الإحسان تمام الإخلاص وتمام المتابعة، من أين عرفنا أن هذا حده؟ لقوله: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ»، » وعبادة الله على هذا الوجه مبنية على تمام أيش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، على تمام اليقين «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ»، » وهذه مرتبة أعلى من المرتبة الثانية، «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» » يعني: فإن لم تعبده على هذا الوجه فاعلم أنه يراك.
ويقال: إن الأول إحسان في الطلب والثاني إحسانٌ في الهرب؛ يعني العابد طلبًا أكمل حالًا من العابد هربًا.
إذن الاحسان في عبادة الله بأي شيء نحدُّه؟ بما حدَّه النبي ﷺ في قوله لجبريل: «الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» » أي: أن تعبدَه عبادةً مبنِيَّةً على تمام اليقين، وهذا يلزَم منه أن تكونَ العبادة خالصة لله متابعًا فيها شريعة الله.
الإحسان إلى عباد الله يكون بالمال والبَدَن، وهو كثير، قد تُحسِن إلى عباد الله بالمال كالصدقات والهدايا والهبات، وقد تحسن إلى عباد الله بالبَدَن كالمساعدة وما أشبه ذلك؛ تُعِين الرجل في دابتِه فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه، تُعِين عباد الله بالجاه والشفاعة عند الحاجة إلى ذلك، المهم أن الاحسان إلى عباد الله متنوعٌ كثير.
وقد فسَّره بعضهم بأنه كفُّ الأذى وبذل الندى وطلاقة الوجه.
كفُّ الأذى عن الناس؛ لأن من لم يكُفَّ أذاه فإنه لم يُحْسِن. والثاني: بذل النَّدَى؛ أي: المعروف، والثالث: طلاقة الوجه بأن تلقى الناس بوجهٍ منطلِقٍ منشرِحٍ لا بوجه مُقَطب معَبِّس.
طيب الإحسان إذن أيش؟ إحسان في عبادة الله، وإحسان إلى عباد الله، ولهذا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ أي: في عبادة الله وإلى عباد الله.
وقوله: ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ هل نجعل ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾ متعلِّقًا بـ﴿أَحْسَنُوا﴾، أو نقول: هو خبر مقدم، و﴿حَسَنَةٌ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة مِن المبتدأ والخبر خبر (للذين)؟
* طالب: الأول.
* الشيخ: طيب نشوف، هل بينهما فرق في المعنى؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إذا قلنا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾ متعلقة بـ﴿أَحْسَنُوا﴾، و﴿حَسَنَةٌ﴾ مبتدأ خبرُه ﴿لِلَّذِينَ﴾، هذا وجه.
الوجه الثاني: ﴿قُلْ يَا عِبَادِ﴾ ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ انتهى الكلام، ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ مبتدأ وخبر.
* طلبة: الأول.
* الشيخ: الأول أحسن، طيب الفرق بينهما؟
* طالب: إذا وقفنا هنا يعني ما كملنا إلى آخر الآية فإنه يكون ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ وقفنا ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ تكون الحسنةُ في هذه الدنيا فقط، ما كملنا الآية.
* الشيخ: تمام.
* الطالب: إذا خلينا الوجه الثاني تصبح ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ تشمل الحسنة في الدنيا وفي الآخرة.
* الشيخ: ويكون إحسانهم في الدنيا؟
* الطالب: إحسانهم في الدنيا يتطلب الحسنة.
* الشيخ: يعني أن إحسانَهم في الدنيا وجزاءهم حسنة، طيب هذا ما مشى عليه المؤلف يقول: (﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾ بالطاعة)، يعني إذن ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾ متعلقة بـ﴿أَحْسَنُوا﴾.
طيب وقول المؤلف: (بالطاعة) فيه قصورٌ، وجهُه أننا قلنا: إن الإحسان يشمل الإحسان في عبادة الله والإحسان إلى عباد الله، وعلى كلام المؤلف في العبادة فقط ولكن الصحيح ما ذكَرْنا.
﴿حَسَنَةٌ﴾ لهم حسنة، قال المؤلف: (هي الجنة)، ولعله اعتمد في هذا التفسير على قول الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦]؛ فإن الحسنى هي الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله.
ولكن سنسأل هل (حسنة) هنا تطابق (الحسنى) هناك؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لماذا؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: بس؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، هذه ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾.
* طالب: (حُسْنَى) أفعل تفضيل.
* الشيخ: نعم أحسنت، وهنا نكرَة لا تدُلُّ على التفضيل، فعندي أن في تفسير هذه الآية بما تُفَسَّر به تلك الآية نظر، بل نقول: لهم حَسَنَة، وهذا مُطلَق، فيحتمل أن المعنى ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ أي جزاءً على إحسانهم؛ أي لكُلِّ إحسانٍ يحسنونه حسنة؛ لأن الله تعالى لم يعرِّف الكلمة الحسنة حتى نقول: إنها دخلت عليها (أل) التي للعهد، وأيضًا الجنة وصفَها الله باسم التفضيل ﴿الْحُسْنَى﴾ التي ليس شيء أحسن منها بخِلاف حَسنة، وهذه تُشبِه قولَ الله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة ٢٠١]؛ لأنها مطابقة لها.
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ ﴿أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾، كيف المناسبة بين ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ وبين ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾؟
المناسبة أن من جملة الإحسان في الدنيا الهجرة لا شك؛ لأن الهجرة من أكبر ما يدل على صِدْقِ العامل؛ إذ إن المهاجر يدَع أهله ووطنه وعشيرته وماله لأي شيء؟ لله، يهاجرون إلى الله، فهذه المناسبة.
وقوله تعالى: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ فهاجِرُوا إليها من بين الكفار ومشاهدة المنكرَات، صدق الله عز وجل ﴿أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾، إذا ضاقت بك الأرض يومًا فثَمَّ السَّعَة، اخْرُجْ تسلَمْ في دينك وعرضك، ولا تشُح بمالك ودارك وأهلك وعشيرتك؛ فإن الدين أغلى من ذلك كله.
وقوله: ﴿أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ طيب والدار التي كانوا فيها ضيقة؟ نعم، هي ضيقة لكنَّ ضيقَها ضيقٌ معنوي؛ لأن السَّعة والضيق في الحقيقة إنما يكون بالقلب، كم من إنسان في بيتٍ ضيِّق حُجَرُه بقدْر فراشِه وتجده مسرورًا منشرح الصدر، وكم من إنسان في قصور مشيدة ولكنه في ضيق وغَمٍّ، فسَعَةُ الأرض في الحقيقة بالنسبة للمهاجر واضحة جدًّا؛ لأن بقاءَه يشاهد المنكرات ويشاهد ما يؤذيه وما يؤلمه لا شك أن هذا ضيق.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى﴾ أي: يُعْطَى، و(إنما) أداة حصر، والمعنى: ما يُوَفَّى الصابرون أجرهم إلا بغير حساب؛ أي أجرًا كثيرًا أكثر من الأعمال.
وقوله: ﴿يُوَفَّى الصَّابِرُونَ﴾ لماذا قال: ﴿الصَّابِرُونَ﴾ وهم مُوَفَّوْن ولم يقل: الصابرين؟
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي، في الإعراب.
* الطالب: فاعل.
* الشيخ: فاعل، هو فاعل ولَّا مفعول به؟ هو مُوَفًّي ولَّا مُوَفٍّ؟
* الطالب: مُوَفًّى.
* الشيخ: طيب ليش قال: ﴿الصَّابِرُونَ﴾ والمعروف أن المفعول به يكون منصوبًا فيقال الصابرين؟ أجبْ.
* طالب: لأنَّها نائب فاعل.
* الشيخ: لأنَّها نائب فاعل.
* الطالب: ﴿يُوَفَّى﴾ مبني للمجهول.
* الشيخ: إذن نائب فاعل، ونائب الفاعل مفعولٌ به في المعنى فاعل في اللفظ؛ يعني معناه أنه يعرب إعراب الفاعل ولكنه في المعنى مفعول به، قال ابن مالك:
يَنُوبُ مَفْعُولٌ بِهِ عَنْ فَاعِلِ ∗∗∗ فِيمَا لَهُ كَـ(نِيلَ خيرُ نَائِلِ)
وقوله: ﴿الصَّابِرُونَ﴾ قال المؤلف: (على الطاعة وما يُبْتَلون به)، فذكر نوعين من أنواع الصبر، وبقي عليه واحد وهو الصبر عن معصية الله، إلا أن يقال: إن الطاعة بالمعنى الأعم تشمل امتثال الأمر واجتناب النهي، فيكون قد وَفَّى المؤلف أنواع الصبر.
أنواع الصبر ثلاثة: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة، ثلاثة، أعلاها الصبر على طاعة الله، ثم الصبر عن معصية الله، ثم الصبر على أقدار الله، هذا من حيث نوع الصبر نفسه.
أما من حيث الصَّابِر فإن الإنسان أحيانًا يعاني من الصبر عن المعصية أكثر مما يعاني من الصبر على الطاعة، وكذلك الصبر على البلاء قد يعاني منه أكثر مما يعاني من الصبر عن المعصية وعلى الطاعة، لكن نقول: من حيث النَّوع -نوعُ الصبر بقطْعِ النظر عن الصابر- أفضلُه الصبر على الطاعة، ثم عن المعصية، ثم على الأقدار. لماذا؟ لأن الصبر على الطاعة يحتاج إلى جهد نفسِيٍّ وجهد بدَنِي، صح؟ كيف يا أخ؟
* طالب: جهد بدني بفعل الطاعة وامتثالها.
* الشيخ: تمام، بفعل الطاعة نفسها.
* الطالب: والنفسي الصبر على فعل الطاعة.
* الشيخ: يعني معالجة النفس، ولَّا لا؟ يؤَذِّن الفجر وأنت في الفراش، تبدأ تمغط وتسهو وتقول: تَوُّنَا مبكرين حتى تفوت الصلاة، يحتاج إلى جُهْد عالج نفسك، قُم.
الصبر عن المعصية يحتاج إلى جهد نفسي فقط، لماذا؟
* طالب: لأنه كفٌّ.
* الشيخ: لأنَّه كفٌّ، كَفْ يَدٍ؟
* الطالب: النفس.
* الشيخ: إي نعم؛ لأنَّه تَرْك، المعصية ترْك، اتْرُك المعصية، ما عليك أي تعب، لكن النفس تتعب؛ إذا كانت المعصية مما تدعو إليه النفس وكففت عنها تعِبَت النفس لا شك.
إذن ليس فيه إلا تعب واحد؛ الصبر عن المعصية، ما هو؟
* طالب: المعصية.
* الشيخ: إي، الصبر على المعصية ما فيه إلا مجاهدة واحدة من جانب..
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي يعني مجاهدة النفس على الترك؟ اجزم.
* الطالب: مجاهدة النفس على الترك.
* الشيخ: على الترك، طيب لكن الجهد البدني ما فيه جهد بدني.
الصبر على أقدار الله المؤلمة هو أدناها لماذا؟ لأن الأمر ليس إليك، الأمر تَمَّ، فهو كما قال بعض السلف: إما أن تصبر صبر الكرام، إما أن تسْلُوَ سُلُوَّ البهائم، ليس منك أي عمل، شيءٌ لا بد أن يصيبك فأصابك.
يقول: إن يوسف عليه الصلاة والسلام إنه ابتُلِي بأنواع الصبر الثلاثة، ابْتُلِي يوسف بن يعقوب ابْتُلِي بأنواع الصبر الثلاثة، الصبر على الطاعة؟
* طالب: صبر على الطاعة، وصبر على الأقدار المؤلمة..
* الشيخ: لا، تروح.. الصبر على الطاعة بماذا؟
* الطالب: الصبر على الطاعة.. الذي دخل.. زليخة في الغرفة وغلقت، هذا صبر على..
* الشيخ: لا.
* طالب: صبرٌ على الطاعة هو نبي عليه السلام، فلا بد أن يعبد الله (...).
* الشيخ: يعني هذا استنتاج عقلي لكن نريد شيئًا واضِحًا.
* طالب: (...) ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ [يوسف ١٠١].
* الشيخ: الدعاء يعني؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: أليس هو قد دعا إلى الله وهو في السجن، ولَّا لا؟ دعا إلى الله وهو في السجن ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ [يوسف ٣٩، ٤٠]، هذا لا شك صبر؛ إنسان مسجون ويدعو الناس إلى التوحيد.
طيب الصبر عن المعصية؟
* طالب: امتناعه عن موافقة امرأة العزيز.
* الشيخ: أحسنت، امتناعه عن موافقة امرأة العزيز حين راودته عن نفسها.
طيب الصبر على..
* طالب: ما حصل له من إخوته ومن سجنه.
* الشيخ: إي نعم، أحسنت، تمام.
وقوله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ﴿أَجْرَهُمْ﴾ أي: ثوابهم، والله عز وجل بكرمِه سمَّى الثواب أجرًا من باب اطمئنان العامل الى استيفَائِه. ليش؟ لأن الأجر مقابل عمل لا بد أن يُسْلَّم، كأن العمل والجزاء معاوَضة وعقْد بين الله وبين العابد أن الله يعطيه الثمن الأجر، مع أن الله سبحانه وتعالى هو المتفضِّل أوَّلًا وآخرًا؛ هو المتفضل أولًا بالتوفيق للعمل، ولولا أن الله أعانك وسدَّدك ما قدرت، ثم المتفضل ثانيًا بالأَجر.
وقوله: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ يقول: (بغير مكيال ولا ميزان) يعني أن الأجر الذي يعطيه الله عز وجل على العمل ليس على سبيل التَّدقيق والمعاوضة التي تكون بين العباد، المعاوضة بين العباد عدل؛ يعني ما يعطيك أكثر مما تستحق، وأما ثواب الله عز وجل على الصبر فهو أكثر بدون حساب، فالحسنة بعشر أمثالها، إلى سبع مئة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، والصبر لا حساب له. إذن يتوقع الصابر بأن له جزاءً لا يدركه عقلُه من كثرته؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
كما أن الصبر فيه فائدة عظيمة للإنسان نفسه وهي ترويض النفس على التحَمُّل، كثير من الناس يريد أن تكون الأمور بسرعة؛ يدعو الله عز وجل بكَشْف ضُرٍّ وتتأخر الإجابة، فيقول: ليش؟ وييأس، نقول: اصبر.
يحصل للناس مصائِب عامَّة، فتجده يريد السرعة في انجلائه، فنقول: اصبر، اصبر، وَطِّن نفسك على الصبر، هذه تربية أَن تُوَطِّن نفسك على الصبر، والصَّبْر مع انتظار الفرج يعتبر من أعظم العبادات؛ لأنك إذا كنت تنتظر الفرج فأنت تنتظر الفرج من الله، هذه عبادة، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ»[[أخرجه الترمذي (٢٥١٦)، وأحمد في المسند (٢٨٠٣) واللفظ له من حديث ابن عباس.]]. «النَّصْر» » قال: «مَعَ الصَّبْرِ»، «وَالْفَرَج مَعَ الْكَرْبِ» » فكُلما اكتَرَبَتِ الأمور فإن الفرَج أقرب اليك، وإنَّ مع العسر يسرًا.
* طالب: (...) ﴿قُلْ يَا عِبَادِ﴾ (...)؟
* الشيخ: هذا الإشكال سيكون الجواب عليه -إن شاء الله- عندما نستنبط الفوائد (...).
* * *
* طالب: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ (١٦) وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر ١١ - ١٨].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ إلى آخره، ونحن تكلمنا على ما سبق.
قال الله عز وجل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾.
* في هذه الآية: أَمْرُ النبي ﷺ بأن يقول للناس: يا عبادِ الذين آمنوا اتَّقُوا ربكم.
* وفيها أيضًا؛ يعني من فوائدها: أنه لا بد مع الإيمان من التقوى؛ لقوله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾.
وهذه الصيغة: ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ لم يقلُها الرسول ﷺ بهذا اللفظ، لكن سيقول: يا عباد الله، أو كلمةً نحوها، ولكن الله تعالى أضاف ذلك إلى نفسه ليبيِّن الإخلاص لله عز وجل في هذه العبادة.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الرب -وهو الخالق المالك المدبِّر- هو أهل التقوى دون غيرِه، كما قال تعالى في سورة المدثر: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر ٥٦].
* ومن فوائدها: أن للمحسنين في هذه الدنيا حسنة؛ لقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾.
* ومن فوائدها: أن الله بفضلِه وكرمِه يعَجِّل الثَّوَاب لمن يستَحِقُّ الثواب في الدنيا قبل الآخرة؛ لأن حسنة الدنيا دون حسنَةِ الآخرة بكثير.
* ومن فوائد هذه الآية: وجوب المهاجرة إلى الله ورسوله إذا كان الإنسان في بلد كُفْرٍ لا يقدر على إظهار دينه؛ لقوله: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾.
* ومن فوائدها: أنه من الدعوة إلى الله ومن حُسْنِ الدعوة إقامة الحجة؛ لقوله: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾، فإنه لا عُذْرَ لأحد أن يقول: لا أجد ملجَأً أو لا أَجِدُ مهاجرًا.
* ومن فوائدها: أن الأرض لله؛ لقوله: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾، وهذا كما قال موسى لقومه: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف ١٢٨].
* ومن فوائدها: فضيلة الصبر، وأن صاحِبَه يوَفَّى أجرَه بغير حساب؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
* ومن فوائدها: كَرَمُ الله عز وجل؛ حيث جعل الثواب بمنزلة الأجر كأنه معاوضة يُعَاوَض به المُعَامِل؛ لقوله: ﴿أَجْرَهُمْ﴾.
الزمر 39:11
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ١١] ﴿قُلْ﴾ يعني: يا محمد، ﴿إِنِّي أُمِرْتُ﴾ أي: أمرني ربي، وهذه الصيغة تأتي بالبناء للمجهول؛ لأن الفاعل معلوم، وهذا يشْبِه حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن الرسول ﷺ قال: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨١٢)، ومسلم (٤٩٠ / ٢٢٧) من حديث ابن عباس.]].
أنَّ الأرض لله؛ لقوله: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ [الزمر ١٠]، وهذا كما قال موسى لقومه: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف ١٢٨].
* ومن فوائدها: فضيلة الصبر وأنَّ صاحبه يُوَفَّى أجرَه بغير حساب؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر ١٠].
* ومن فوائدها: كرمُ الله عز وجل حيث جعل الثواب بمنزلة الأجر، كأنَّه معاوَضة يُعاوَض به الْمُعامل؛ لقوله: ﴿أَجْرَهُمْ﴾.
* * *
ثم قال تعالى -في ابتداء درس اليوم-: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ١١].
﴿قُلْ﴾ يعني: يا محمد، ﴿إِنِّي أُمِرْتُ﴾ أي: أمَرني ربِّي، وهذه الصيغة تأتي بالبناء للمجهول لأنَّ الفاعل معلومٌ، وهذا يُشْبه حديثَ ابن عباس رضي الله عنهما أن الرسول ﷺ قال: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨١٢)، ومسلم (٤٩٠ / ٢٢٧)، من حديث ابن عباس.]]، «أُمِرْتُ»؛ لأن الآمِر معلومٌ وهو الله.
﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ وجاءت بكلمة: ﴿أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ﴾ للإشارة إلى مقام النبي ﷺ وأنَّه عبدٌ يُؤمَر ويُنهَى، وليس له من حقِّ الربوبية شيء.
وقال: ﴿أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ﴾ أي: أتذلَّل له، والعبادة تُطلق على معنيين:
المعنى الأول: التذلُّل لله الذي هو فِعْل العابد.
والأمر الثاني: المتعبَّد به، وهي العبادات على جميع أنواعها.
وعلى هذا يكون تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية للعبادة في قوله: العبادة اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يحبُّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. وذلك لأن العبادة -كما قلتُ- تُطلق على معنيين.
* طالب: التذلُّل اللي هو فعل العبد.
* الشيخ: التعبد وهو؟
* الطالب: التذلل.
* الشيخ: على معنيين: المعنى الأول؟
* الطالب: التذلُّل (...)، المعني الثاني ..
* الشيخ: يعني التعبد، الذي هو فِعل العبد، والثاني؟
* الطالب: العبادات.
* الشيخ: إي، المتعبَّد به وهي العبادات، وعلى هذا المعنى تفسير شيخ الإسلام ابن تيمية في قوله: العبادة..
* طالب: (...).
* طالب آخر: العبادة اسمٌ جامعٌ لكل ما يحبُّه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.
* الشيخ: أحسنت، تمام.
وهنا ﴿أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا﴾ يشمل المعنيين؛ يعني أنْ أتعبَّد له بالعبادة.
وقوله: ﴿مُخْلِصًا﴾ حالٌ من فاعل ﴿أَعْبُدَ﴾؛ أي: حالَ كوني مخلصًا لله، من أيِّ شيء؟ من الشرك؛ لأن الإخلاص يعني التنقية، ويُنَقَّى من أيِّ شيء؟ يُنَقَّى من الشرك؛ لأن العمل إذا شابَهُ الشركُ أفسده وأبطله؛ قال الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]].
وقوله: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ قال: (من الشرك)، والمرادُ بالدين هنا العملُ الذي يفعله الإنسان ليُدانَ به. لاحظوا التفسير: العمل الذي يعمله الإنسان لأجْل أن يُدان به. وأمَّا عملٌ لا يؤمَّل أن يُدان به فهذا لا يُسَمَّى دينًا وإنْ كان عملًا، لا بدَّ أن يكون عاملًا من أجْل أن يُدان بهذا العمل.
يقول عز وجل: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، ومرَّ علينا كثيرًا أنَّ الدين يُطلَق على العمل ويُطلَق على الجزاء؛ ففي قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤] الجزاء، وفي قوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون ٦] أي: العمل.
﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر ١٢] قال المؤلف -المفسِّر-: (أي: بأنْ)، فجعل اللام بمعنى الباء؛ وذلك لأن (أَمَرَ) إنما تتعدَّى بالباء ولا تتعدَّى باللام، فلهذا فسَّرها المؤلف بالباء، وهذا أحد المسلكين للنُّحاة فيما إذا تلا الفعلَ حرفٌ لا يتعدَّى به غالبًا، فإنهم يجعلون هذا الحرف بمعنى الحرف الذي يتعدَّى به العامل –أي: الفعل أو غير الفعل- غالبًا، فهمتم؟ فمثلًا هنا: ﴿أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ﴾ يجعلون اللام بمعنى الباء، وفي قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان ٦] يجعلون الباء بمعنى (مِنْ)؛ أي: يشرب منها.
والمسلك الثاني للنُّحاة أنهم يحوِّلون الفعل إلى فعلٍ مناسبٍ للمتعلِّق ويُسَمُّون هذا تضمينًا؛ أي إنَّ الفعل ضُمِّن؛ الفعلُ المذكورُ ضُمِّن فعلًا يتعدَّى بالحرف المذكور؛ فمثلًا: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ يقولون: المعنى: يَرْوَى بها، فضُمِّن الشُّرب معنى الرِّيِّ، ولا شكَّ أن هذا يعطي الآية أو النص معنًى أكثر؛ لأنه يُبقي الحرفَ على ما هو عليه ويعطي الفعلَ المذكورَ معنًى زائدًا على ما يدلُّ عليه لفظُه، فيكون هذا المسلك أولى.
لكن أحيانًا يصعب على طالب العلم -ولا سيَّما المبتدئ- يصعب أن يقدِّر الفعل المناسب الذي يكون مضمونًا للفعل المذكور، حينئذٍ يلجأ إلى الأسهل وهو تحويل الحرف إلى حرفٍ يناسب الفعلَ المذكور.
فهنا ﴿أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ﴾ لا شكَّ أنه من السهل أن أقول: إنَّ اللام بمعنى الباء، وأمشي؛ يعني: أُمِرتُ بأنْ أكون.
لكنْ لو أردنا أن نُضَمِّن ﴿أُمِرْتُ﴾ معنًى يناسب اللام ﴿أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ﴾ يحتاج إلى تأمُّل وتفكير في المعنى، لماذا قال: ﴿أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ﴾؟ ممكن أن نقدِّر: أُمِرتُ أنْ أعبُدَ اللَّهَ لأنْ أكون أولَّ المسلمين، فتكون اللام تعليلًا للفعل المحذوف، وهو: أنْ أعبُدَ اللَّهَ لأن أكون أول المسلمين؛ يعني: وُجِّهَ الأمرُ إليَّ أولًا لأكون أولَ المسلمين؛ أي: المنقادين لأمر الله، وحينئذٍ نستفيد من هذا معنيين: معنى الأمر، ومعنى العبادة التي حُذفت ليصحَّ تعليق الحرف بها.
قال: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (من هذه الأُمَّة)، ﴿لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ قال المؤلف: (من هذه الأُمَّة).
وكلمة ﴿أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ الإسلام يُطلَق على الانقياد؛ لأنه مأخوذٌ من: أَسْلمَ أمْرَهُ إلى غيره، ومنه الاستسلام في الحرب؛ لأن المستسلم ينقاد للغالب الذي غلبه.
فالإسلام هو الانقياد ظاهرًا، وبناءً على هذا يكون المنافقون أيش؟ مسلمين ظاهرًا، ولهذا يُطلَق الإسلامُ على ضعيف الإيمان؛ كما قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات ١٤].
أحيانًا يُطلَق الإسلام على الشريعة كلِّها فيشمل الاستسلامَ ظاهرًا وباطنًا، وهو الإيمان، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة ٣]، ليس المراد الاستسلام الظاهر، وإنما المراد الشرائع كلُّها، شرائع الإسلام كلُّها؛ ﴿رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ﴾ أي: شرائع الإسلام كلُّها ﴿دِينًا﴾.
يقول أهل العلم: الإسلام إذا قُرِنَ بالإيمان فُسِّر الإسلامُ بالأعمال الظاهرة، والإيمانُ بالأعمال الباطنة. قالوا: ومن ذلك حديثُ جبريل لَمَّا سأل النبيَّ ﷺ عن الإسلام قال: «أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ»، ولَمَّا سأله عن الإيمان قال:« أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[[أخرجه مسلم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب.]].
أمَّا إذا أُفْرِد أحدُهما فإنه يشمل الآخَر؛ فالإسلامُ إذا ذُكِر وحده شَمِلَ جميعَ الشرائع ومنها الإيمان، والإيمانُ إذا ذُكِرَ وحده شَمِلَ جميعَ الشرائع ومنها الإسلام.
يقول هنا: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر ١٢] قال: (من هذه الأُمَّة). لماذا قيَّد الآية مع أنها مطْلقة ﴿أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾؟ قيَّدها لأنه -رحمه الله- فَهِم أنَّ الأوَّلية هنا أوَّلية الزمن، وإذا كانت أوَّلية الزمن فإنه لا يصح أن يكون النبيُّ ﷺ أولَ المسلمين، لماذا؟ لأنَّ قبله أُمَم مسلمة كثيرة، فكان لا بدَّ أن نقيِّد هذا بأول المسلمين من هذه الأُمَّة، ومنه قوله تعالى في سورة الأنعام، اتْلُ الآية: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام ١٦٢، ١٦٣] على ما مشى عليه المؤلف من الفهم نقول: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ من هذه الأُمَّة.
فيه احتمال آخَر أنَّ الأولية هنا أولية الصِّفة؛ يعني أنني أسبق المسلمين من حيث التقدُّم إلى الإسلام، كما تقول مثلًا لمن يخاطبك: إن كان هذا الذي قُلتَه حقًّا فأنا أول مَن يساهم، مثلًا لو قال: إنَّه فُتح مشروع في البلد خيري فقلت: إذا كان حقًّا فأنا أول مَن يساهم؛ يعني: (أوَّل) من حيث الانقياد والصِّفة، هذا فيه احتمال، وإذا كان هذا المعنى في الآية الكريمة فإننا لا نحتاج إلى أيش؟ إلى القيد الذي قاله المؤلف؛ لأننا نعلم أن رسول الله ﷺ هو أول مَن ينقاد لله سبحانه وتعالى، وأنه أعظمُ الناسِ انقيادًا وأشدُّهم.
ثم قال: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر ١٣]، ﴿عَذَابَ﴾ مفعول لأيش؟ لـ﴿عَصَيْتُ﴾؟
* طالب: أو لـ﴿أَخَافُ﴾.
* الشيخ: أو ﴿إِنْ عَصَيْتُ﴾؟
* الطالب: أصله: أخافُ عذابَ.
* الشيخ: أخافُ عذابَ، وليست مفعولًا لـ﴿عَصَيْتُ﴾ ليش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: العذاب لا يُعصى، المعنى يفسد.
﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ﴾ الخوف لا يمكن أن نُعَرِّفه بأَبْين من لفظه، كلُّنا يعرف الخوف، أليس كذلك؟ ولهذا نقول: إن الانفعالات النفسية لا يمكن لأحد أن يُعَرِّفها؛ لأنه ليس أَبْين من لفظها، ليس هناك شيءٌ أَبْين من لفظها أبدًا.
لو قال إنسان: عرِّفْ لي الكراهة، ويش تقول؟ تقول: الكراهة معروفة، الكراهة هي الكراهة.
عرِّف لي المحبة. ما تقدر تقول، المحبة هي المحبة.
* طالب: الْمَيْل.
* الشيخ: لا، الْمَيْل آثار المحبة، بعدما يحب يميل، ولهذا يقول ابن القيم رحمه الله في روضة المحبِّين -والله أعلم هل هي له أمْ لا- يقول: لا يمكن أن نحدَّ المحبَّة بأَبْين من لفظها أبدًا، كلُّ الذين عرَّفوها -فيها أكثر من عشرين تعريفًا- كلُّهم إنما يفسرونها بلوازمها ونتائجها. وصدق رحمه الله، الانفعالات النفسية ما يستطيع الإنسان يعرِّفها بأكثر من لفظها.
﴿أَخَافُ﴾ لو تسأل صبيًّا لا يعرف التعريفات تقول: ويش معنى الخوف؟ يقول: الخوف أني أرتعش، أتنافض. لا يمكن، هذا من آثاره. الخوف أنْ أهرب، هذا من آثاره. إذَنْ نقول: الخوفُ أيش؟ معروفٌ، هو الخوف.
﴿أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾، ﴿عَصَيْتُ﴾ المعصية: المخالَفة، وتكون بأمرين؛ إمَّا بتركِ مأمورٍ وإمَّا بفعلِ محظورٍ، هذا إذا أُفردتْ عن الطاعة، فإن قُرِنتْ بالطاعة صارت الطاعةُ فِعْلَ المأمورِ والمعصيةُ ارتكابَ المحظورِ.
هنا نقول: ﴿عَصَيْتُ﴾ مفردة عن الطاعة، فماذا يكون المعنى؟
* طالب: تشمل معنيين.
* الشيخ: تشمل معنيين: مخالفته؛ ﴿عَصَيْتُ رَبِّي﴾ أي: خالفتُه بفعل المنهي عنه أو بترك المأمور به.
وفي قوله: ﴿رَبِّي﴾ إشارةٌ إلى أنه عز وجل هو الذي له الأمر والنهي؛ لأنه ربٌّ، والربُّ خالقٌ مالكٌ مدبِّر.
﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ هو يوم القيامة، ووصَفه الله تعالى في القرآن الكريم بعدَّة أوصاف منها: العِظَم؛ وذلك لشدَّته وشدَّة أهواله، وشدَّة ما يكون فيه، وإذا سمعت الأوصاف التي ذكرها الله عز وجل لهذا اليوم العظيم فإنه لا شكَّ يعتريك من الخوف بقدر ما أنت مؤمنٌ به. لاحِظُوا، كلَّما كان الإنسان أقوى إيمانًا باليوم الآخِر كان منه أشدَّ خوفًا، وكلَّما ضَعُف إيمانه باليوم الآخِر ضَعُف خوفه منه، ولهذا لدينا عبارة مأثورة: كلُّ مَن كان بالله أعرَف كان منه أخوَف. وكلُّ مَن كان -أيضًا- باليوم الآخِر أعرَف وأقوى إيمانًا كان أقوى مخافةً.
يقول عز وجل: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر ١٣، ١٤] في الأول قال: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ٢] أمْر، في الثاني: أَمَره أن يُعلن بأنه مخلصٌ لله الدينَ، أن يعلن، ففي الأول يفعلُ هو؛ يعبد الله مخلصًا له الدين، في الثاني: أُمِر أن يعلن للملأ أنه مخلصٌ، وإعلانه أنه مخلصٌ يعني أنه متبرئٌ من شركهم لأنه مخلصٌ لله.
﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ﴾ إعرابها؟ اسم الجلالة؟
* طالب: ﴿قُلِ اللَّهَ﴾؟
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: فاعل.
* الشيخ: فاعل! كمِّل.
* الطالب: مفعول به.
* الشيخ: فاعلٌ مفعولٌ به! ما يمكن، إمَّا فاعلٌ وإمَّا مفعولٌ به.
* الطالب: مفعول به.
* الشيخ: مفعول به لأيش؟
* الطالب: لـ﴿قُلِ﴾.
* الشيخ: لـ﴿قُلِ﴾، ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ﴾ !
* الطالب: لـ﴿أَعْبُدُ﴾.
* الشيخ: مفعول به لـ﴿أَعْبُدُ﴾؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: طيب، صح، ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ﴾ قدَّم المفعولَ به للحصر؛ يعني: لا أعبد غيره.
ونظيره من حيث التركيب قولُه تعالى في سورة الفاتحة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة ٥] فقدَّم المفعولَ به.
هنا ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ﴾ قدَّم المفعولَ به لإفادة الحصر، ثم أكَّد هذا بقوله: ﴿مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾؛ يعني لا أعبد غير الله، وفي عبادتي له أيضًا أكون مخلصًا له، لا يشوب عبادتي إيَّاه شيءٌ من الشرك، ﴿مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾.
وقوله: ﴿دِينِي﴾ يعني: عملي. قال المؤلف: (من الشرك).
إذا جمعت بين الآيتين: الآية الأولى وهي: ﴿إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ١١]، والثانية، عرفْتَ شدَّة امتثال الرسول عليه الصلاة والسلام لأمْر ربِّه، وأنَّه عَبَدَ اللَّهَ مخلصًا له الدين، وأعلن ذلك للملأ غير مبالٍ بمخالفتهم.
﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر ١٥]، ﴿فَاعْبُدُوا﴾ هذا يحتمل أن يكون تهديدًا ويحتمل أن يكون تحدِّيًا، المؤلف يقول: (فيه تهديد)، ويمكن أن يكون تحدِّيًا.
أمَّا كونُه تهديدًا فظاهر، ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾؛ لأنه قال بعده: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾ إلى آخره [الزمر: ١٥].
وأمَّا كونُه تحدِّيًا فلأنَّه لَمَّا ذكر أنه يعبد الله وحده مخلصًا تحدَّاهم؛ قال: أنا لا أُبالي، أنتم اعبدوا ما شئتم وأنا لا أُبالي بكم، فسوف لا أشرك بالله، سوف أعبد الله وحده مخلصًا.
والقاعدة عندنا في التفسير أنه إذا كانت الآية تحتمل معنيين لا يتنافيان يُحمَل عليهما جميعًا.
قال تعالى: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾، ﴿مَا شِئْتُمْ﴾ يعني: الذي شئتم، ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي: من سواه؛ اعبدوا ما تشاؤون من سواه؛ ملكًا، وليًّا، شجرًا، حَجَرًا، شمسًا، قمرًا، أيُّ أحد تعبدونه لا يهمني، أنا سوف أبقى مخلصًا لله وأنتم اعبدوا ما شئتم.
يقول المؤلف: (﴿مِنْ دُونِهِ﴾ غيره) أي: سواه (فيه تهديدٌ لهم وإيذانٌ بأنهم لا يعبدون الله). (إيذان) يعني إعلان، أي إنَّ هذه الجملة فيها التهديد، وفيها أنهم لا يعبدون الله وإنما يعبدون غيره.
﴿قُلْ﴾ يعني: قُل لهم مع تحدِّيك إيَّاهم وتهديدك إيَّاهم ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الزمر ١٥]. الجملة فيها تأكيدٌ وفيها حصرٌ، أين التأكيد؟
* طلبة: ﴿إِنَّ﴾.
* الشيخ: ﴿إِنَّ﴾، ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾.
الحصر: أنَّ طرفَيِ الجملة معرفتان: ﴿الْخَاسِرِينَ﴾، ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا﴾؛ فكأنَّه قال: إن الخاسرين هم الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة. فإذَنْ فيها تأكيدٌ وحصرٌ.
﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾ مَن الخاسر؟ الخاسر بيَّنه الله عز وجل في قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر ٢، ٣] يعني الْخُسران ضدُّ الرِّبح؛ وذلك أن الْمُعامل إمَّا أن يأخذ رأسَ ماله، وإمَّا أن يخسر فيأتيه أقلُّ من رأس ماله، وإمَّا أن يربح فيأتيه أكثر.
الْخُسران الحقيقي ما ذكره الله هنا: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ١٥] هؤلاء هم الذين خسروا، ليس الخاسر مَن فقدَ ملايين الدراهم، وليس الخاسر مَن فقدَ أهلَه في الدنيا، وليس الخاسر مَن فقدَ نفسَه في الدنيا، الخاسرُ مَن خسر نفسَه وأهلَه متى؟ يوم القيامة، خسر نفسَه وأهلَه.
يقول: (بتخليد الأنفسِ في النار، وبعدم وُصُولهم إلى الحور المعَدَّة لهم في الجنة لو آمنوا).
قوله: (بتخليد الأنفسِ في النار) هذا بيانٌ لِخُسرانهم أنفسهم؛ لأنه خسر نفسَه في الحقيقة، ما وجْه الخسران؟
وجه الخسران أنَّ حياته في الدنيا لم يستفدْ منها في الآخرة إطلاقًا، فخسر نفسَه، خسر عمرَه، كله راح هباءً منثورًا، خسر نفسَه، لو أنه مؤمنٌ مخلصٌ لَاستفاد؛ لَكان كل حياته الدنيا ربحًا؛ لأنه سوف يخلد في الجنة التي فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بَشَر، أمَّا الآن فسيخلد في النار، هذا خسارةُ النفس.
خسارة الأهل فسَّرها المؤلف بأنه يفوته الحور العِين في الجنة لو آمن، وهذا وإنْ كان له وجهٌ لكنَّه بعيدٌ من الصواب، وذلك لأن الحور في الجنة لم تكن أهلًا له حتى يُقال: خسرها، وإنما المراد خسروا أهليهم؛ لأن أهليهم إنْ كانوا مؤمنين فهُم في الجنة، ولن يجتمعوا بهم، وإن كانوا كفَّارًا فهُم في النار ولن يجتمعوا بهم أيضًا، ولو كانوا مؤمنين وذُرِّيتهم مؤمنةً لَكانوا كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور ٢١]، يعني لنْ يجتمع أحدٌ مع أهله في الدنيا، لن يجتمع في الآخرة إلا إذا كان هو وهُم مؤمنين فسيجتمعون اجتماعًا لا فراق بعده، أمَّا مَن لم يكن كذلك فلا اجتماع.
على كلِّ حالٍ الصحيحُ أن المراد بـ﴿أَهْلِيهِمْ﴾ يعني أهليهم الذين في الدنيا حيث خسروا الاجتماعَ بهم في الآخرة، ووجْه الخسران؟
* طالب: أنه إذا كانوا مؤمنين وهم كفارٌ فلنْ يلتقوا بهم.
* الشيخ: لأن الأهل في الجنة وهؤلاء في النار، تمام.
* الطالب: وإذا كانوا كافرين فكذلك لن يلتقوا بهم.
* الشيخ: نعم، لأن كلَّ واحدٍ مشغولٌ بنفسه، تمام.
قال الله عز وجل: ﴿أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر ١٥] إي واللهِ. ﴿أَلَا ذَلِكَ﴾ شوف التأكيد البالغ، ﴿أَلَا﴾ أداة استفتاح، والفائدة منها: التوكيد والتنبيه.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارة لبُعده؛ لأنه خُسرانٌ سحيقٌ -والعياذ بالله- يعني لم يقُل: ألَا هذا، مع أن ذِكْره قريب، لكنَّه خُسرانٌ سحيقٌ، فأُشير إليه بإشارة البُعد، ثم حُصِر؛ قال: ﴿هُوَ الْخُسْرَانُ﴾ يعني لا غير، ثم أُكِّد بفداحته؛ قال: ﴿الْمُبِينُ﴾ أي: البيِّن الذي لا يخفى على أحد، نسأل الله أن يجعلني وإيَّاكم من الرابحين (...).
* * *
فيه مناقشة.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ١١]
قوله: ﴿إِنِّي أُمِرْتُ﴾، مَن هو الآمر؟
* طالب: الله عز وجل.
* الشيخ: حُذِف؟
* الطالب: لأنه معلوم.
* الشيخ: نعم، للعلم به.
قوله: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، إعراب مخلصًا؟
* طالب: حال.
* الشيخ: من أين؟
* الطالب: من فاعل ﴿أَعْبُدَ﴾.
* الشيخ: من فاعل ﴿أَعْبُدَ﴾. و﴿الدِّينَ﴾؟
* الطالب: و﴿الدِّينَ﴾ مفعول به لـ﴿مُخْلِصًا﴾.
* الشيخ: مفعول به لـ﴿مُخْلِصًا﴾. ما معنى إخلاص الدين؟
* طالب: يعني إخلاص الدين لله سبحانه وتعالى؛ يعني توجيه العبادة له سبحانه وتعالى ليس لغيره (...).
* طالب آخر: (...).
* طالب آخر: تنقيته من الشوائب الشركية.
* الشيخ: نعم، الإخلاص .. إخلاصُ الشيء تنقيته من الشوائب، والشوائب هنا شوائبُ الشرك.
﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر ١٢] ما معنى اللام هنا؟
* طالب: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ﴾ (...) الباء، يعني..
* الشيخ: بمعنى الباء؛ أي: بأن أكون. طيب، فيه وجه آخَر؟
* طالب: إي نعم، هو أن يكون الفعل متضمِّنًا لفعل آخَر يُعدَّى بهذا الحرف.
* الشيخ: التقدير؟
* الطالب: وأُمِرتُ أن أعبُدَ الله لأن أكون أول المسلمين.
* الشيخ: أن أعبد الله مخلصًا له لأن أكون..؟
* الطالب: أول المسلمين.
* الشيخ: أي: لأجْل أن أكون أول المسلمين. الأوَّلية هنا؟
* طالب: أولية سبق.
* الشيخ: سبق. وعلى ما ذهب إليه المؤلف؟
* الطالب: هو قال: (من هذه الأُمَّة)؛ لكي يحترز من أن قَبْل الرسول ﷺ ناسًا مسلمين.
* الشيخ: إي، لكن هذا .. على رأي المؤلف ماذا تكون الأوَّلية هنا؟
* الطالب: أوَّلية سبْق وعطاء.
* الشيخ: (سبْق) ذكرتَها أنت في الأول.
* الطالب: قبل.
* طالب: أوَّلية زمن، على رأي المؤلف.
* الشيخ: على رأي المؤلف: أوَّلية زمن.
* الطالب: والثاني: أوَّلية الصفة.
* الشيخ: إي نعم، أوَّلية الصفة يعني معناه؟
* الطالب: يعني: أول مَن سَبَق للانقياد للإسلام.
* الشيخ: نعم، أحسنت.
قوله: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر ١٣] ما الذي نَصَبها؟
* طالب: لأنها مفعول به.
* الشيخ: مفعول به لأيش؟
* الطالب: لـ﴿أَخَافُ﴾.
* الشيخ: لـ﴿أَخَافُ﴾. ما المراد باليوم؟
* طالب: يوم القيامة.
* الشيخ: قال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر ١٥] المراد بالأمر هنا؟
* طالب: (...).
* طالب آخر: التهديد والتحدي.
* الشيخ: كيف التهديد والتحدي؟
* الطالب: يقول المؤلف: (...) التهديد (...) التحدي.
* الشيخ: كيف التهديد وكيف التحدي؟
* الطالب: وجه التهديد أنَّه لا يمكن أن يكون الرسول ﷺ يأمرهم أن يعبدوا من دون الله سبحانه وتعالى شيئًا، لكن يهدِّدهم أن يعبدوا من دونه ما شاؤوا، والله عز وجل سيحاسبهم على هذه العبادة ويعاقبهم عليها.
ووجه التحدي أنَّه لا يبالي أنه يعبد الله عز وجل، وأنتم اعبدوا ما شئتم من دونه، وهو لا يبالي بما يعبدونه.
* الشيخ: تمام. طيب، قوله: ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ١٥] كيف ذلك؟
* طالب: على قول المؤلف هو خَسِر ما أعدَّ له في الجنة من حورٍ عينٍ (...).
* الشيخ: يعني أهليهم اللي في الجنة لو أنَّهم آمنوا.
* طالب: (...) خسر أهله ما اجتمع معهم في الجنة.
* الشيخ: وجْه ذلك؟ يعني وجْه الخسران في أهله إذا كان المراد أهله الذين في الدنيا، كيف يخسرهم يوم القيامة؟
* الطالب: يعني تفرق، ما اجتمع معهم، (...) ذهب إلى الجنة (...) يجمعهم وذريتهم (...).
* الشيخ: كيف خُسران النفس؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني خسروا أنفسَهم يوم القيامة، كيف خسرها؟
* الطالب: (...) يخسر ما عند الله من (...).
* طالب آخر: (...).
* طالب آخر: يعني ما يستفيد من عمره.
* الشيخ: يعني:لم يستفِدْ من عمره في الدنيا، فخَسِره في الآخرة، وأمَّا المؤمنون فإنهم ربحوا، أحسنت.
﴿أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر ١٥] ﴿أَلَا﴾؟
* طالب: ﴿أَلَا﴾ أداة استفتاح تفيد التنبيه.
* الشيخ: هل في الجملة حَصْر؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما طريقه؟
* الطالب: ضمير الفصل ﴿هُوَ﴾.
* الشيخ: ضمير الفصل ﴿هُوَ﴾.
طيب، ﴿الْمُبِينُ﴾ (...) بمعنى؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ﴿الْمُبِينُ﴾ ما معناه؟ ما معنى ﴿الْمُبِينُ﴾؟
* الطالب: معناه البيِّن.
* الشيخ: البيِّن؟ هل تأتي (أبانَ) الرباعية بمعنى البيِّن؟ لأن (بيِّن) من الثلاثي، و(مُبين) من الرباعي.
* طالب: تأتي.
* الشيخ: تأتي؛ يعني يقال: بانَ الصبحُ، وأبانَ الصبحُ.
* * *
أخذنا الفوائد؟
* طالب: ما أخذنا الفوائد.
* الشيخ: ما أخذناها، إذَن إن شاء الله نأخذها.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ١١]
* من فوائد هذه الآية: أن الإنسان مأمورٌ بأن يُعلن ما أَمَر الله به من عبادته؛ ﴿أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، ولهذا فائدتان:
* الفائدة الأولى: الحثُّ على اتِّباعه في هذا.
* والفائدة الثانية: بيان استحقاق الله سبحانه وتعالى لذلك، وأنَّه هو المستحقُّ لأن يُعبَد وحده؛ ﴿إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا﴾.
* ومن فوائد هذه الآية: أنه يجب في العبادة الإخلاص؛ لأنه أُمِر بأن يعبد الله على هذا الوصف: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾.
* ومن فوائدها: أنَّ مَن لم يُخلص لم يكن قد أتى بالأمر.
* ويتفرع على هذه القاعدة: أنَّ عمله يكون مردودًا عليه؛ لقوله..، فإذا أشركَ يكون قد عمل عملًا ليس عليه أمْر الله ورسوله، وقد قال النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) واللفظ له، من حديث عائشة.]].
* ومن فوائد قوله تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر ١٢] أنه يجب المبادرة بالإسلام من غير توقُّف؛ لأن الله أَمَر بذلك، وهذا بناءً على أنَّ المراد بالأوَّلية هنا أوَّلية الصفة؛ يعني: السبق.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الرسول ﷺ عبدٌ مأمورٌ.
ويتفرَّع على هذا أنَّه ليس له من الأمر شيء، وقد صرَّح الله بذلك في قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران ١٢٨].
ويتفرَّع عليه أيضًا ضلالُ أولئك القوم الذين يدعون رسول الله ﷺ أن يُغيثهم، أو أن يجلب لهم الخير ويدفع عنهم الشر.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر ١٣].
* من فوائدها: أنه ينبغي، بل يجب على الرسول عليه الصلاة والسلام أن يُعْلم هذا الإعلان للملأ؛ أنَّه يخاف عذابَ يومٍ عظيمٍ إن عصى الله، وفائدته ما ذكرنا قبل قليل: من أجْل التأسِّي به في ذلك، ومن أجْل بيان عظمة الله وأنه مستحقٌّ لأنْ يُخاف منه.
* ومن فوائدها: إثبات اليوم الآخِر؛ لقوله: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
* وهل يمكن أن يُستفاد منها أن النبي ﷺ تجوز عليه المعصية؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: لقوله: ﴿إِنْ عَصَيْتُ﴾.
ولكن قد يقول قائل: في هذا نظر؛ لأن الشرط قد يتحقَّق وقد لا يتحقَّق، وقد يكون تحقُّقه ممتنعًا مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف ٨١]، وقوله تعالى لرسوله: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ [الزمر ٦٥، ٦٦].
إذَن هذه الفائدة فيها نظر؛ لأن قوله: ﴿إِنْ عَصَيْتُ﴾ لا يدلُّ على أن المعصية تقع منه، لكن على فَرْض أن تقع فإني أخاف.
وقد يقول قائل: إنَّ كَوْنه يخاف أمْرٌ محقَّق؛ ﴿إِنِّي أَخَافُ﴾، وإذا كان أمرًا محقَّقًا فإن المعلَّق عليه وهو المعصية يكون كذلك؛ أي: يمكن أن يكون معناه أنني إنْ عصيتُ فإني أخاف.
وعلى كل حال فإنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام ثبت عنه أنَّه كان يدعو اللَّهَ أنْ يغفر اللَّهُ له ذنْبَه أولَه وآخِرَه[[أخرجه مسلم (٤٨٣ / ٢١٦) من حديث أبي هريرة.]]، وثبت أنه ﷺ يقول: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ»، «اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ»، «اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٤)، ومسلم (٥٩٨ / ١٤٧)، من حديث أبي هريرة.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: تعظيمُ يوم القيامة وأنه يومٌ عظيمٌ، ويتفرَّع على هذا أنه ينبغي للعاقل أن يحذر منه.
* ومن فوائدها: جواز وصْف غير الله بالعِظَم؛ لقوله: ﴿يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، وقد قال الله تعالى عن ملكة سبأ: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل ٢٣]، ووَصَف الإفكَ بأنه عظيمٌ ... إلى غير ذلك، فوصْف غير الله بالعِظَم لا بأس به، لكن العِظَم المطْلق إنما يكون لله عز وجل.
ثم قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر ١٤، ١٥].
* يُستفاد من هاتين الآيتين: أنه ينبغي للإنسان أن يُعلن بالحقِّ الذي هو عليه ولا يُبالي بمن خالَفه؛ لقوله: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾؛ يعني: فلا أُبالي بكم، أنا سأعبد اللَّهَ وأسير على الطريقة السليمة، وأنتم سيروا على ما شئتم.
* ومن فوائد الآيتين: أنَّ النبي ﷺ من أشدِّ الناس امتثالًا لأمْر الله؛ لأنه قال فيما سبق: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ١١]، ثم قال هنا: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر ١٤].
* ومن فوائد الآيتين: أن النبي ﷺ محتاجٌ إلى العمل الذي يُنجيه من عذاب الله؛ لقوله: ﴿مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ بالياء؛ بالإضافة، وهو كذلك، ولَمَّا حدَّث أصحابَه بأنه لن يدخل الجنةَ أحدٌ بعمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٤٦٣)، ومسلم (٢٨١٦ / ٧١)، من حديث أبي هريرة.]].
* ومن فوائد الآيتين: تحريم عبادة غير الله؛ تؤخذ من قوله: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر ١٥] لأنَّا ذكرنا أن الأمر هنا للتهديد، ولا تهديد إلا على شيءٍ مخالفٍ ومعصية.
* ومن فوائد الآية الكريمة -قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الزمر ١٥] إلى آخره- بيان أنَّ الخسارة الفادحة التي ليس معها رِبْح هي خسارة هؤلاء ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
* وفي الآية هذه: الإشارة إلى أنَّ الشرك هو سببُ هذه الخسارة؛ لأنه تلا قولَه: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِه﴾ ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾.
* ومن فوائدها: أنَّ أهل الشرك يوم القيامة لا يجتمعون بأهليهم؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ﴾.
* ومن فوائد الآية: أنَّ عُمر الإنسانِ حقيقةً هو ما أمضاه في طاعة الله، ولهذا وصَف الله هؤلاء بأنَّهم قد خسروا أنفسَهم؛ لأنهم لم يعملوا خيرًا.
* ومن فوائد الآية: أنَّ هذه الخسارة أعظمُ خسارةٍ تكون؛ لقوله: ﴿أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾.
* * *
نحن لم نتكلَّم في الأمس على ضمير الفصل، ولكن لا بدَّ أن يكون عندكم عِلمٌ منه، فضمير الفصل ضميرٌ، ليس اسمًا على القول الراجح، فليس له محلٌّ من الإعراب، لكنه يُؤتَى به لفوائد ثلاث:
الأولى؟
* طالب: حتى لا يشبه الخبر مع الصفة.
* الشيخ: حتى لا يشتبه الخبر بالصفة؛ يعني: فيَفْصِل بين الخبر والصفة، ويظهر هذا بالمثال؛ لو قلت: (زيدٌ الفاضلُ) فهنا يحتمل أن يكون (الفاضل) صفةً وأنَّ الخبر محذوفٌ؛ أي: زيدٌ الفاضلُ في البيت، مثلًا. فإذا قلت: (زيدٌ هو الفاضل) تعيَّن أن تكون (الفاضل) خبرًا.
الفائدة الثانية لضمير الفصل؟
* طالب: الحصر.
* الشيخ: الحصر، لأنك إذا قلت: (زيدٌ هو الفاضل) يعني: لا غيرُه، بخلاف لو قلت: (زيدٌ الفاضل)، فهو فاضلٌ وقد يكون غيرُه فاضلًا أيضًا.
الفائدة الثالثة؟
* طالب: التوكيد.
* الشيخ: التوكيد؛ لأن قول القائل: (زيدٌ هو الفاضل) أوكد من قوله: (زيدٌ الفاضل).
أما (هو) فليس له محلٌّ من الإعراب، ودليل ذلك في القرآن؛ قال الله تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء ٤٠]، ولو كان له محلٌّ من الإعراب لكان مبتدأً ولَرُفِع الذي بعده، ولَكانت الآية: لعلَّنا نتبع السحرة إنْ كانوا هم الغالبون.
الزمر 39:12
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ١١] ﴿قُلْ﴾ يعني: يا محمد، ﴿إِنِّي أُمِرْتُ﴾ أي: أمرني ربي، وهذه الصيغة تأتي بالبناء للمجهول؛ لأن الفاعل معلوم، وهذا يشْبِه حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن الرسول ﷺ قال: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨١٢)، ومسلم (٤٩٠ / ٢٢٧) من حديث ابن عباس.]].
أنَّ الأرض لله؛ لقوله: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ [الزمر ١٠]، وهذا كما قال موسى لقومه: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف ١٢٨].
* ومن فوائدها: فضيلة الصبر وأنَّ صاحبه يُوَفَّى أجرَه بغير حساب؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر ١٠].
* ومن فوائدها: كرمُ الله عز وجل حيث جعل الثواب بمنزلة الأجر، كأنَّه معاوَضة يُعاوَض به الْمُعامل؛ لقوله: ﴿أَجْرَهُمْ﴾.
* * *
ثم قال تعالى -في ابتداء درس اليوم-: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ١١].
﴿قُلْ﴾ يعني: يا محمد، ﴿إِنِّي أُمِرْتُ﴾ أي: أمَرني ربِّي، وهذه الصيغة تأتي بالبناء للمجهول لأنَّ الفاعل معلومٌ، وهذا يُشْبه حديثَ ابن عباس رضي الله عنهما أن الرسول ﷺ قال: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨١٢)، ومسلم (٤٩٠ / ٢٢٧)، من حديث ابن عباس.]]، «أُمِرْتُ»؛ لأن الآمِر معلومٌ وهو الله.
﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ وجاءت بكلمة: ﴿أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ﴾ للإشارة إلى مقام النبي ﷺ وأنَّه عبدٌ يُؤمَر ويُنهَى، وليس له من حقِّ الربوبية شيء.
وقال: ﴿أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ﴾ أي: أتذلَّل له، والعبادة تُطلق على معنيين:
المعنى الأول: التذلُّل لله الذي هو فِعْل العابد.
والأمر الثاني: المتعبَّد به، وهي العبادات على جميع أنواعها.
وعلى هذا يكون تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية للعبادة في قوله: العبادة اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يحبُّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. وذلك لأن العبادة -كما قلتُ- تُطلق على معنيين.
* طالب: التذلُّل اللي هو فعل العبد.
* الشيخ: التعبد وهو؟
* الطالب: التذلل.
* الشيخ: على معنيين: المعنى الأول؟
* الطالب: التذلُّل (...)، المعني الثاني ..
* الشيخ: يعني التعبد، الذي هو فِعل العبد، والثاني؟
* الطالب: العبادات.
* الشيخ: إي، المتعبَّد به وهي العبادات، وعلى هذا المعنى تفسير شيخ الإسلام ابن تيمية في قوله: العبادة..
* طالب: (...).
* طالب آخر: العبادة اسمٌ جامعٌ لكل ما يحبُّه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.
* الشيخ: أحسنت، تمام.
وهنا ﴿أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا﴾ يشمل المعنيين؛ يعني أنْ أتعبَّد له بالعبادة.
وقوله: ﴿مُخْلِصًا﴾ حالٌ من فاعل ﴿أَعْبُدَ﴾؛ أي: حالَ كوني مخلصًا لله، من أيِّ شيء؟ من الشرك؛ لأن الإخلاص يعني التنقية، ويُنَقَّى من أيِّ شيء؟ يُنَقَّى من الشرك؛ لأن العمل إذا شابَهُ الشركُ أفسده وأبطله؛ قال الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]].
وقوله: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ قال: (من الشرك)، والمرادُ بالدين هنا العملُ الذي يفعله الإنسان ليُدانَ به. لاحظوا التفسير: العمل الذي يعمله الإنسان لأجْل أن يُدان به. وأمَّا عملٌ لا يؤمَّل أن يُدان به فهذا لا يُسَمَّى دينًا وإنْ كان عملًا، لا بدَّ أن يكون عاملًا من أجْل أن يُدان بهذا العمل.
يقول عز وجل: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، ومرَّ علينا كثيرًا أنَّ الدين يُطلَق على العمل ويُطلَق على الجزاء؛ ففي قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤] الجزاء، وفي قوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون ٦] أي: العمل.
﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر ١٢] قال المؤلف -المفسِّر-: (أي: بأنْ)، فجعل اللام بمعنى الباء؛ وذلك لأن (أَمَرَ) إنما تتعدَّى بالباء ولا تتعدَّى باللام، فلهذا فسَّرها المؤلف بالباء، وهذا أحد المسلكين للنُّحاة فيما إذا تلا الفعلَ حرفٌ لا يتعدَّى به غالبًا، فإنهم يجعلون هذا الحرف بمعنى الحرف الذي يتعدَّى به العامل –أي: الفعل أو غير الفعل- غالبًا، فهمتم؟ فمثلًا هنا: ﴿أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ﴾ يجعلون اللام بمعنى الباء، وفي قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان ٦] يجعلون الباء بمعنى (مِنْ)؛ أي: يشرب منها.
والمسلك الثاني للنُّحاة أنهم يحوِّلون الفعل إلى فعلٍ مناسبٍ للمتعلِّق ويُسَمُّون هذا تضمينًا؛ أي إنَّ الفعل ضُمِّن؛ الفعلُ المذكورُ ضُمِّن فعلًا يتعدَّى بالحرف المذكور؛ فمثلًا: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ يقولون: المعنى: يَرْوَى بها، فضُمِّن الشُّرب معنى الرِّيِّ، ولا شكَّ أن هذا يعطي الآية أو النص معنًى أكثر؛ لأنه يُبقي الحرفَ على ما هو عليه ويعطي الفعلَ المذكورَ معنًى زائدًا على ما يدلُّ عليه لفظُه، فيكون هذا المسلك أولى.
لكن أحيانًا يصعب على طالب العلم -ولا سيَّما المبتدئ- يصعب أن يقدِّر الفعل المناسب الذي يكون مضمونًا للفعل المذكور، حينئذٍ يلجأ إلى الأسهل وهو تحويل الحرف إلى حرفٍ يناسب الفعلَ المذكور.
فهنا ﴿أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ﴾ لا شكَّ أنه من السهل أن أقول: إنَّ اللام بمعنى الباء، وأمشي؛ يعني: أُمِرتُ بأنْ أكون.
لكنْ لو أردنا أن نُضَمِّن ﴿أُمِرْتُ﴾ معنًى يناسب اللام ﴿أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ﴾ يحتاج إلى تأمُّل وتفكير في المعنى، لماذا قال: ﴿أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ﴾؟ ممكن أن نقدِّر: أُمِرتُ أنْ أعبُدَ اللَّهَ لأنْ أكون أولَّ المسلمين، فتكون اللام تعليلًا للفعل المحذوف، وهو: أنْ أعبُدَ اللَّهَ لأن أكون أول المسلمين؛ يعني: وُجِّهَ الأمرُ إليَّ أولًا لأكون أولَ المسلمين؛ أي: المنقادين لأمر الله، وحينئذٍ نستفيد من هذا معنيين: معنى الأمر، ومعنى العبادة التي حُذفت ليصحَّ تعليق الحرف بها.
قال: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (من هذه الأُمَّة)، ﴿لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ قال المؤلف: (من هذه الأُمَّة).
وكلمة ﴿أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ الإسلام يُطلَق على الانقياد؛ لأنه مأخوذٌ من: أَسْلمَ أمْرَهُ إلى غيره، ومنه الاستسلام في الحرب؛ لأن المستسلم ينقاد للغالب الذي غلبه.
فالإسلام هو الانقياد ظاهرًا، وبناءً على هذا يكون المنافقون أيش؟ مسلمين ظاهرًا، ولهذا يُطلَق الإسلامُ على ضعيف الإيمان؛ كما قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات ١٤].
أحيانًا يُطلَق الإسلام على الشريعة كلِّها فيشمل الاستسلامَ ظاهرًا وباطنًا، وهو الإيمان، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة ٣]، ليس المراد الاستسلام الظاهر، وإنما المراد الشرائع كلُّها، شرائع الإسلام كلُّها؛ ﴿رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ﴾ أي: شرائع الإسلام كلُّها ﴿دِينًا﴾.
يقول أهل العلم: الإسلام إذا قُرِنَ بالإيمان فُسِّر الإسلامُ بالأعمال الظاهرة، والإيمانُ بالأعمال الباطنة. قالوا: ومن ذلك حديثُ جبريل لَمَّا سأل النبيَّ ﷺ عن الإسلام قال: «أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ»، ولَمَّا سأله عن الإيمان قال:« أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[[أخرجه مسلم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب.]].
أمَّا إذا أُفْرِد أحدُهما فإنه يشمل الآخَر؛ فالإسلامُ إذا ذُكِر وحده شَمِلَ جميعَ الشرائع ومنها الإيمان، والإيمانُ إذا ذُكِرَ وحده شَمِلَ جميعَ الشرائع ومنها الإسلام.
يقول هنا: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر ١٢] قال: (من هذه الأُمَّة). لماذا قيَّد الآية مع أنها مطْلقة ﴿أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾؟ قيَّدها لأنه -رحمه الله- فَهِم أنَّ الأوَّلية هنا أوَّلية الزمن، وإذا كانت أوَّلية الزمن فإنه لا يصح أن يكون النبيُّ ﷺ أولَ المسلمين، لماذا؟ لأنَّ قبله أُمَم مسلمة كثيرة، فكان لا بدَّ أن نقيِّد هذا بأول المسلمين من هذه الأُمَّة، ومنه قوله تعالى في سورة الأنعام، اتْلُ الآية: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام ١٦٢، ١٦٣] على ما مشى عليه المؤلف من الفهم نقول: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ من هذه الأُمَّة.
فيه احتمال آخَر أنَّ الأولية هنا أولية الصِّفة؛ يعني أنني أسبق المسلمين من حيث التقدُّم إلى الإسلام، كما تقول مثلًا لمن يخاطبك: إن كان هذا الذي قُلتَه حقًّا فأنا أول مَن يساهم، مثلًا لو قال: إنَّه فُتح مشروع في البلد خيري فقلت: إذا كان حقًّا فأنا أول مَن يساهم؛ يعني: (أوَّل) من حيث الانقياد والصِّفة، هذا فيه احتمال، وإذا كان هذا المعنى في الآية الكريمة فإننا لا نحتاج إلى أيش؟ إلى القيد الذي قاله المؤلف؛ لأننا نعلم أن رسول الله ﷺ هو أول مَن ينقاد لله سبحانه وتعالى، وأنه أعظمُ الناسِ انقيادًا وأشدُّهم.
ثم قال: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر ١٣]، ﴿عَذَابَ﴾ مفعول لأيش؟ لـ﴿عَصَيْتُ﴾؟
* طالب: أو لـ﴿أَخَافُ﴾.
* الشيخ: أو ﴿إِنْ عَصَيْتُ﴾؟
* الطالب: أصله: أخافُ عذابَ.
* الشيخ: أخافُ عذابَ، وليست مفعولًا لـ﴿عَصَيْتُ﴾ ليش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: العذاب لا يُعصى، المعنى يفسد.
﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ﴾ الخوف لا يمكن أن نُعَرِّفه بأَبْين من لفظه، كلُّنا يعرف الخوف، أليس كذلك؟ ولهذا نقول: إن الانفعالات النفسية لا يمكن لأحد أن يُعَرِّفها؛ لأنه ليس أَبْين من لفظها، ليس هناك شيءٌ أَبْين من لفظها أبدًا.
لو قال إنسان: عرِّفْ لي الكراهة، ويش تقول؟ تقول: الكراهة معروفة، الكراهة هي الكراهة.
عرِّف لي المحبة. ما تقدر تقول، المحبة هي المحبة.
* طالب: الْمَيْل.
* الشيخ: لا، الْمَيْل آثار المحبة، بعدما يحب يميل، ولهذا يقول ابن القيم رحمه الله في روضة المحبِّين -والله أعلم هل هي له أمْ لا- يقول: لا يمكن أن نحدَّ المحبَّة بأَبْين من لفظها أبدًا، كلُّ الذين عرَّفوها -فيها أكثر من عشرين تعريفًا- كلُّهم إنما يفسرونها بلوازمها ونتائجها. وصدق رحمه الله، الانفعالات النفسية ما يستطيع الإنسان يعرِّفها بأكثر من لفظها.
﴿أَخَافُ﴾ لو تسأل صبيًّا لا يعرف التعريفات تقول: ويش معنى الخوف؟ يقول: الخوف أني أرتعش، أتنافض. لا يمكن، هذا من آثاره. الخوف أنْ أهرب، هذا من آثاره. إذَنْ نقول: الخوفُ أيش؟ معروفٌ، هو الخوف.
﴿أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾، ﴿عَصَيْتُ﴾ المعصية: المخالَفة، وتكون بأمرين؛ إمَّا بتركِ مأمورٍ وإمَّا بفعلِ محظورٍ، هذا إذا أُفردتْ عن الطاعة، فإن قُرِنتْ بالطاعة صارت الطاعةُ فِعْلَ المأمورِ والمعصيةُ ارتكابَ المحظورِ.
هنا نقول: ﴿عَصَيْتُ﴾ مفردة عن الطاعة، فماذا يكون المعنى؟
* طالب: تشمل معنيين.
* الشيخ: تشمل معنيين: مخالفته؛ ﴿عَصَيْتُ رَبِّي﴾ أي: خالفتُه بفعل المنهي عنه أو بترك المأمور به.
وفي قوله: ﴿رَبِّي﴾ إشارةٌ إلى أنه عز وجل هو الذي له الأمر والنهي؛ لأنه ربٌّ، والربُّ خالقٌ مالكٌ مدبِّر.
﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ هو يوم القيامة، ووصَفه الله تعالى في القرآن الكريم بعدَّة أوصاف منها: العِظَم؛ وذلك لشدَّته وشدَّة أهواله، وشدَّة ما يكون فيه، وإذا سمعت الأوصاف التي ذكرها الله عز وجل لهذا اليوم العظيم فإنه لا شكَّ يعتريك من الخوف بقدر ما أنت مؤمنٌ به. لاحِظُوا، كلَّما كان الإنسان أقوى إيمانًا باليوم الآخِر كان منه أشدَّ خوفًا، وكلَّما ضَعُف إيمانه باليوم الآخِر ضَعُف خوفه منه، ولهذا لدينا عبارة مأثورة: كلُّ مَن كان بالله أعرَف كان منه أخوَف. وكلُّ مَن كان -أيضًا- باليوم الآخِر أعرَف وأقوى إيمانًا كان أقوى مخافةً.
يقول عز وجل: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر ١٣، ١٤] في الأول قال: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ٢] أمْر، في الثاني: أَمَره أن يُعلن بأنه مخلصٌ لله الدينَ، أن يعلن، ففي الأول يفعلُ هو؛ يعبد الله مخلصًا له الدين، في الثاني: أُمِر أن يعلن للملأ أنه مخلصٌ، وإعلانه أنه مخلصٌ يعني أنه متبرئٌ من شركهم لأنه مخلصٌ لله.
﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ﴾ إعرابها؟ اسم الجلالة؟
* طالب: ﴿قُلِ اللَّهَ﴾؟
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: فاعل.
* الشيخ: فاعل! كمِّل.
* الطالب: مفعول به.
* الشيخ: فاعلٌ مفعولٌ به! ما يمكن، إمَّا فاعلٌ وإمَّا مفعولٌ به.
* الطالب: مفعول به.
* الشيخ: مفعول به لأيش؟
* الطالب: لـ﴿قُلِ﴾.
* الشيخ: لـ﴿قُلِ﴾، ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ﴾ !
* الطالب: لـ﴿أَعْبُدُ﴾.
* الشيخ: مفعول به لـ﴿أَعْبُدُ﴾؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: طيب، صح، ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ﴾ قدَّم المفعولَ به للحصر؛ يعني: لا أعبد غيره.
ونظيره من حيث التركيب قولُه تعالى في سورة الفاتحة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة ٥] فقدَّم المفعولَ به.
هنا ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ﴾ قدَّم المفعولَ به لإفادة الحصر، ثم أكَّد هذا بقوله: ﴿مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾؛ يعني لا أعبد غير الله، وفي عبادتي له أيضًا أكون مخلصًا له، لا يشوب عبادتي إيَّاه شيءٌ من الشرك، ﴿مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾.
وقوله: ﴿دِينِي﴾ يعني: عملي. قال المؤلف: (من الشرك).
إذا جمعت بين الآيتين: الآية الأولى وهي: ﴿إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ١١]، والثانية، عرفْتَ شدَّة امتثال الرسول عليه الصلاة والسلام لأمْر ربِّه، وأنَّه عَبَدَ اللَّهَ مخلصًا له الدين، وأعلن ذلك للملأ غير مبالٍ بمخالفتهم.
﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر ١٥]، ﴿فَاعْبُدُوا﴾ هذا يحتمل أن يكون تهديدًا ويحتمل أن يكون تحدِّيًا، المؤلف يقول: (فيه تهديد)، ويمكن أن يكون تحدِّيًا.
أمَّا كونُه تهديدًا فظاهر، ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾؛ لأنه قال بعده: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾ إلى آخره [الزمر: ١٥].
وأمَّا كونُه تحدِّيًا فلأنَّه لَمَّا ذكر أنه يعبد الله وحده مخلصًا تحدَّاهم؛ قال: أنا لا أُبالي، أنتم اعبدوا ما شئتم وأنا لا أُبالي بكم، فسوف لا أشرك بالله، سوف أعبد الله وحده مخلصًا.
والقاعدة عندنا في التفسير أنه إذا كانت الآية تحتمل معنيين لا يتنافيان يُحمَل عليهما جميعًا.
قال تعالى: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾، ﴿مَا شِئْتُمْ﴾ يعني: الذي شئتم، ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي: من سواه؛ اعبدوا ما تشاؤون من سواه؛ ملكًا، وليًّا، شجرًا، حَجَرًا، شمسًا، قمرًا، أيُّ أحد تعبدونه لا يهمني، أنا سوف أبقى مخلصًا لله وأنتم اعبدوا ما شئتم.
يقول المؤلف: (﴿مِنْ دُونِهِ﴾ غيره) أي: سواه (فيه تهديدٌ لهم وإيذانٌ بأنهم لا يعبدون الله). (إيذان) يعني إعلان، أي إنَّ هذه الجملة فيها التهديد، وفيها أنهم لا يعبدون الله وإنما يعبدون غيره.
﴿قُلْ﴾ يعني: قُل لهم مع تحدِّيك إيَّاهم وتهديدك إيَّاهم ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الزمر ١٥]. الجملة فيها تأكيدٌ وفيها حصرٌ، أين التأكيد؟
* طلبة: ﴿إِنَّ﴾.
* الشيخ: ﴿إِنَّ﴾، ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾.
الحصر: أنَّ طرفَيِ الجملة معرفتان: ﴿الْخَاسِرِينَ﴾، ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا﴾؛ فكأنَّه قال: إن الخاسرين هم الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة. فإذَنْ فيها تأكيدٌ وحصرٌ.
﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾ مَن الخاسر؟ الخاسر بيَّنه الله عز وجل في قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر ٢، ٣] يعني الْخُسران ضدُّ الرِّبح؛ وذلك أن الْمُعامل إمَّا أن يأخذ رأسَ ماله، وإمَّا أن يخسر فيأتيه أقلُّ من رأس ماله، وإمَّا أن يربح فيأتيه أكثر.
الْخُسران الحقيقي ما ذكره الله هنا: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ١٥] هؤلاء هم الذين خسروا، ليس الخاسر مَن فقدَ ملايين الدراهم، وليس الخاسر مَن فقدَ أهلَه في الدنيا، وليس الخاسر مَن فقدَ نفسَه في الدنيا، الخاسرُ مَن خسر نفسَه وأهلَه متى؟ يوم القيامة، خسر نفسَه وأهلَه.
يقول: (بتخليد الأنفسِ في النار، وبعدم وُصُولهم إلى الحور المعَدَّة لهم في الجنة لو آمنوا).
قوله: (بتخليد الأنفسِ في النار) هذا بيانٌ لِخُسرانهم أنفسهم؛ لأنه خسر نفسَه في الحقيقة، ما وجْه الخسران؟
وجه الخسران أنَّ حياته في الدنيا لم يستفدْ منها في الآخرة إطلاقًا، فخسر نفسَه، خسر عمرَه، كله راح هباءً منثورًا، خسر نفسَه، لو أنه مؤمنٌ مخلصٌ لَاستفاد؛ لَكان كل حياته الدنيا ربحًا؛ لأنه سوف يخلد في الجنة التي فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بَشَر، أمَّا الآن فسيخلد في النار، هذا خسارةُ النفس.
خسارة الأهل فسَّرها المؤلف بأنه يفوته الحور العِين في الجنة لو آمن، وهذا وإنْ كان له وجهٌ لكنَّه بعيدٌ من الصواب، وذلك لأن الحور في الجنة لم تكن أهلًا له حتى يُقال: خسرها، وإنما المراد خسروا أهليهم؛ لأن أهليهم إنْ كانوا مؤمنين فهُم في الجنة، ولن يجتمعوا بهم، وإن كانوا كفَّارًا فهُم في النار ولن يجتمعوا بهم أيضًا، ولو كانوا مؤمنين وذُرِّيتهم مؤمنةً لَكانوا كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور ٢١]، يعني لنْ يجتمع أحدٌ مع أهله في الدنيا، لن يجتمع في الآخرة إلا إذا كان هو وهُم مؤمنين فسيجتمعون اجتماعًا لا فراق بعده، أمَّا مَن لم يكن كذلك فلا اجتماع.
على كلِّ حالٍ الصحيحُ أن المراد بـ﴿أَهْلِيهِمْ﴾ يعني أهليهم الذين في الدنيا حيث خسروا الاجتماعَ بهم في الآخرة، ووجْه الخسران؟
* طالب: أنه إذا كانوا مؤمنين وهم كفارٌ فلنْ يلتقوا بهم.
* الشيخ: لأن الأهل في الجنة وهؤلاء في النار، تمام.
* الطالب: وإذا كانوا كافرين فكذلك لن يلتقوا بهم.
* الشيخ: نعم، لأن كلَّ واحدٍ مشغولٌ بنفسه، تمام.
قال الله عز وجل: ﴿أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر ١٥] إي واللهِ. ﴿أَلَا ذَلِكَ﴾ شوف التأكيد البالغ، ﴿أَلَا﴾ أداة استفتاح، والفائدة منها: التوكيد والتنبيه.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارة لبُعده؛ لأنه خُسرانٌ سحيقٌ -والعياذ بالله- يعني لم يقُل: ألَا هذا، مع أن ذِكْره قريب، لكنَّه خُسرانٌ سحيقٌ، فأُشير إليه بإشارة البُعد، ثم حُصِر؛ قال: ﴿هُوَ الْخُسْرَانُ﴾ يعني لا غير، ثم أُكِّد بفداحته؛ قال: ﴿الْمُبِينُ﴾ أي: البيِّن الذي لا يخفى على أحد، نسأل الله أن يجعلني وإيَّاكم من الرابحين (...).
* * *
فيه مناقشة.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ١١]
قوله: ﴿إِنِّي أُمِرْتُ﴾، مَن هو الآمر؟
* طالب: الله عز وجل.
* الشيخ: حُذِف؟
* الطالب: لأنه معلوم.
* الشيخ: نعم، للعلم به.
قوله: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، إعراب مخلصًا؟
* طالب: حال.
* الشيخ: من أين؟
* الطالب: من فاعل ﴿أَعْبُدَ﴾.
* الشيخ: من فاعل ﴿أَعْبُدَ﴾. و﴿الدِّينَ﴾؟
* الطالب: و﴿الدِّينَ﴾ مفعول به لـ﴿مُخْلِصًا﴾.
* الشيخ: مفعول به لـ﴿مُخْلِصًا﴾. ما معنى إخلاص الدين؟
* طالب: يعني إخلاص الدين لله سبحانه وتعالى؛ يعني توجيه العبادة له سبحانه وتعالى ليس لغيره (...).
* طالب آخر: (...).
* طالب آخر: تنقيته من الشوائب الشركية.
* الشيخ: نعم، الإخلاص .. إخلاصُ الشيء تنقيته من الشوائب، والشوائب هنا شوائبُ الشرك.
﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر ١٢] ما معنى اللام هنا؟
* طالب: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ﴾ (...) الباء، يعني..
* الشيخ: بمعنى الباء؛ أي: بأن أكون. طيب، فيه وجه آخَر؟
* طالب: إي نعم، هو أن يكون الفعل متضمِّنًا لفعل آخَر يُعدَّى بهذا الحرف.
* الشيخ: التقدير؟
* الطالب: وأُمِرتُ أن أعبُدَ الله لأن أكون أول المسلمين.
* الشيخ: أن أعبد الله مخلصًا له لأن أكون..؟
* الطالب: أول المسلمين.
* الشيخ: أي: لأجْل أن أكون أول المسلمين. الأوَّلية هنا؟
* طالب: أولية سبق.
* الشيخ: سبق. وعلى ما ذهب إليه المؤلف؟
* الطالب: هو قال: (من هذه الأُمَّة)؛ لكي يحترز من أن قَبْل الرسول ﷺ ناسًا مسلمين.
* الشيخ: إي، لكن هذا .. على رأي المؤلف ماذا تكون الأوَّلية هنا؟
* الطالب: أوَّلية سبْق وعطاء.
* الشيخ: (سبْق) ذكرتَها أنت في الأول.
* الطالب: قبل.
* طالب: أوَّلية زمن، على رأي المؤلف.
* الشيخ: على رأي المؤلف: أوَّلية زمن.
* الطالب: والثاني: أوَّلية الصفة.
* الشيخ: إي نعم، أوَّلية الصفة يعني معناه؟
* الطالب: يعني: أول مَن سَبَق للانقياد للإسلام.
* الشيخ: نعم، أحسنت.
قوله: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر ١٣] ما الذي نَصَبها؟
* طالب: لأنها مفعول به.
* الشيخ: مفعول به لأيش؟
* الطالب: لـ﴿أَخَافُ﴾.
* الشيخ: لـ﴿أَخَافُ﴾. ما المراد باليوم؟
* طالب: يوم القيامة.
* الشيخ: قال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر ١٥] المراد بالأمر هنا؟
* طالب: (...).
* طالب آخر: التهديد والتحدي.
* الشيخ: كيف التهديد والتحدي؟
* الطالب: يقول المؤلف: (...) التهديد (...) التحدي.
* الشيخ: كيف التهديد وكيف التحدي؟
* الطالب: وجه التهديد أنَّه لا يمكن أن يكون الرسول ﷺ يأمرهم أن يعبدوا من دون الله سبحانه وتعالى شيئًا، لكن يهدِّدهم أن يعبدوا من دونه ما شاؤوا، والله عز وجل سيحاسبهم على هذه العبادة ويعاقبهم عليها.
ووجه التحدي أنَّه لا يبالي أنه يعبد الله عز وجل، وأنتم اعبدوا ما شئتم من دونه، وهو لا يبالي بما يعبدونه.
* الشيخ: تمام. طيب، قوله: ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ١٥] كيف ذلك؟
* طالب: على قول المؤلف هو خَسِر ما أعدَّ له في الجنة من حورٍ عينٍ (...).
* الشيخ: يعني أهليهم اللي في الجنة لو أنَّهم آمنوا.
* طالب: (...) خسر أهله ما اجتمع معهم في الجنة.
* الشيخ: وجْه ذلك؟ يعني وجْه الخسران في أهله إذا كان المراد أهله الذين في الدنيا، كيف يخسرهم يوم القيامة؟
* الطالب: يعني تفرق، ما اجتمع معهم، (...) ذهب إلى الجنة (...) يجمعهم وذريتهم (...).
* الشيخ: كيف خُسران النفس؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني خسروا أنفسَهم يوم القيامة، كيف خسرها؟
* الطالب: (...) يخسر ما عند الله من (...).
* طالب آخر: (...).
* طالب آخر: يعني ما يستفيد من عمره.
* الشيخ: يعني:لم يستفِدْ من عمره في الدنيا، فخَسِره في الآخرة، وأمَّا المؤمنون فإنهم ربحوا، أحسنت.
﴿أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر ١٥] ﴿أَلَا﴾؟
* طالب: ﴿أَلَا﴾ أداة استفتاح تفيد التنبيه.
* الشيخ: هل في الجملة حَصْر؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما طريقه؟
* الطالب: ضمير الفصل ﴿هُوَ﴾.
* الشيخ: ضمير الفصل ﴿هُوَ﴾.
طيب، ﴿الْمُبِينُ﴾ (...) بمعنى؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ﴿الْمُبِينُ﴾ ما معناه؟ ما معنى ﴿الْمُبِينُ﴾؟
* الطالب: معناه البيِّن.
* الشيخ: البيِّن؟ هل تأتي (أبانَ) الرباعية بمعنى البيِّن؟ لأن (بيِّن) من الثلاثي، و(مُبين) من الرباعي.
* طالب: تأتي.
* الشيخ: تأتي؛ يعني يقال: بانَ الصبحُ، وأبانَ الصبحُ.
* * *
أخذنا الفوائد؟
* طالب: ما أخذنا الفوائد.
* الشيخ: ما أخذناها، إذَن إن شاء الله نأخذها.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ١١]
* من فوائد هذه الآية: أن الإنسان مأمورٌ بأن يُعلن ما أَمَر الله به من عبادته؛ ﴿أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، ولهذا فائدتان:
* الفائدة الأولى: الحثُّ على اتِّباعه في هذا.
* والفائدة الثانية: بيان استحقاق الله سبحانه وتعالى لذلك، وأنَّه هو المستحقُّ لأن يُعبَد وحده؛ ﴿إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا﴾.
* ومن فوائد هذه الآية: أنه يجب في العبادة الإخلاص؛ لأنه أُمِر بأن يعبد الله على هذا الوصف: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾.
* ومن فوائدها: أنَّ مَن لم يُخلص لم يكن قد أتى بالأمر.
* ويتفرع على هذه القاعدة: أنَّ عمله يكون مردودًا عليه؛ لقوله..، فإذا أشركَ يكون قد عمل عملًا ليس عليه أمْر الله ورسوله، وقد قال النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) واللفظ له، من حديث عائشة.]].
* ومن فوائد قوله تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر ١٢] أنه يجب المبادرة بالإسلام من غير توقُّف؛ لأن الله أَمَر بذلك، وهذا بناءً على أنَّ المراد بالأوَّلية هنا أوَّلية الصفة؛ يعني: السبق.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الرسول ﷺ عبدٌ مأمورٌ.
ويتفرَّع على هذا أنَّه ليس له من الأمر شيء، وقد صرَّح الله بذلك في قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران ١٢٨].
ويتفرَّع عليه أيضًا ضلالُ أولئك القوم الذين يدعون رسول الله ﷺ أن يُغيثهم، أو أن يجلب لهم الخير ويدفع عنهم الشر.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر ١٣].
* من فوائدها: أنه ينبغي، بل يجب على الرسول عليه الصلاة والسلام أن يُعْلم هذا الإعلان للملأ؛ أنَّه يخاف عذابَ يومٍ عظيمٍ إن عصى الله، وفائدته ما ذكرنا قبل قليل: من أجْل التأسِّي به في ذلك، ومن أجْل بيان عظمة الله وأنه مستحقٌّ لأنْ يُخاف منه.
* ومن فوائدها: إثبات اليوم الآخِر؛ لقوله: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
* وهل يمكن أن يُستفاد منها أن النبي ﷺ تجوز عليه المعصية؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: لقوله: ﴿إِنْ عَصَيْتُ﴾.
ولكن قد يقول قائل: في هذا نظر؛ لأن الشرط قد يتحقَّق وقد لا يتحقَّق، وقد يكون تحقُّقه ممتنعًا مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف ٨١]، وقوله تعالى لرسوله: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ [الزمر ٦٥، ٦٦].
إذَن هذه الفائدة فيها نظر؛ لأن قوله: ﴿إِنْ عَصَيْتُ﴾ لا يدلُّ على أن المعصية تقع منه، لكن على فَرْض أن تقع فإني أخاف.
وقد يقول قائل: إنَّ كَوْنه يخاف أمْرٌ محقَّق؛ ﴿إِنِّي أَخَافُ﴾، وإذا كان أمرًا محقَّقًا فإن المعلَّق عليه وهو المعصية يكون كذلك؛ أي: يمكن أن يكون معناه أنني إنْ عصيتُ فإني أخاف.
وعلى كل حال فإنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام ثبت عنه أنَّه كان يدعو اللَّهَ أنْ يغفر اللَّهُ له ذنْبَه أولَه وآخِرَه[[أخرجه مسلم (٤٨٣ / ٢١٦) من حديث أبي هريرة.]]، وثبت أنه ﷺ يقول: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ»، «اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ»، «اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٤)، ومسلم (٥٩٨ / ١٤٧)، من حديث أبي هريرة.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: تعظيمُ يوم القيامة وأنه يومٌ عظيمٌ، ويتفرَّع على هذا أنه ينبغي للعاقل أن يحذر منه.
* ومن فوائدها: جواز وصْف غير الله بالعِظَم؛ لقوله: ﴿يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، وقد قال الله تعالى عن ملكة سبأ: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل ٢٣]، ووَصَف الإفكَ بأنه عظيمٌ ... إلى غير ذلك، فوصْف غير الله بالعِظَم لا بأس به، لكن العِظَم المطْلق إنما يكون لله عز وجل.
ثم قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر ١٤، ١٥].
* يُستفاد من هاتين الآيتين: أنه ينبغي للإنسان أن يُعلن بالحقِّ الذي هو عليه ولا يُبالي بمن خالَفه؛ لقوله: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾؛ يعني: فلا أُبالي بكم، أنا سأعبد اللَّهَ وأسير على الطريقة السليمة، وأنتم سيروا على ما شئتم.
* ومن فوائد الآيتين: أنَّ النبي ﷺ من أشدِّ الناس امتثالًا لأمْر الله؛ لأنه قال فيما سبق: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ١١]، ثم قال هنا: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر ١٤].
* ومن فوائد الآيتين: أن النبي ﷺ محتاجٌ إلى العمل الذي يُنجيه من عذاب الله؛ لقوله: ﴿مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ بالياء؛ بالإضافة، وهو كذلك، ولَمَّا حدَّث أصحابَه بأنه لن يدخل الجنةَ أحدٌ بعمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٤٦٣)، ومسلم (٢٨١٦ / ٧١)، من حديث أبي هريرة.]].
* ومن فوائد الآيتين: تحريم عبادة غير الله؛ تؤخذ من قوله: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر ١٥] لأنَّا ذكرنا أن الأمر هنا للتهديد، ولا تهديد إلا على شيءٍ مخالفٍ ومعصية.
* ومن فوائد الآية الكريمة -قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الزمر ١٥] إلى آخره- بيان أنَّ الخسارة الفادحة التي ليس معها رِبْح هي خسارة هؤلاء ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
* وفي الآية هذه: الإشارة إلى أنَّ الشرك هو سببُ هذه الخسارة؛ لأنه تلا قولَه: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِه﴾ ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾.
* ومن فوائدها: أنَّ أهل الشرك يوم القيامة لا يجتمعون بأهليهم؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ﴾.
* ومن فوائد الآية: أنَّ عُمر الإنسانِ حقيقةً هو ما أمضاه في طاعة الله، ولهذا وصَف الله هؤلاء بأنَّهم قد خسروا أنفسَهم؛ لأنهم لم يعملوا خيرًا.
* ومن فوائد الآية: أنَّ هذه الخسارة أعظمُ خسارةٍ تكون؛ لقوله: ﴿أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾.
* * *
نحن لم نتكلَّم في الأمس على ضمير الفصل، ولكن لا بدَّ أن يكون عندكم عِلمٌ منه، فضمير الفصل ضميرٌ، ليس اسمًا على القول الراجح، فليس له محلٌّ من الإعراب، لكنه يُؤتَى به لفوائد ثلاث:
الأولى؟
* طالب: حتى لا يشبه الخبر مع الصفة.
* الشيخ: حتى لا يشتبه الخبر بالصفة؛ يعني: فيَفْصِل بين الخبر والصفة، ويظهر هذا بالمثال؛ لو قلت: (زيدٌ الفاضلُ) فهنا يحتمل أن يكون (الفاضل) صفةً وأنَّ الخبر محذوفٌ؛ أي: زيدٌ الفاضلُ في البيت، مثلًا. فإذا قلت: (زيدٌ هو الفاضل) تعيَّن أن تكون (الفاضل) خبرًا.
الفائدة الثانية لضمير الفصل؟
* طالب: الحصر.
* الشيخ: الحصر، لأنك إذا قلت: (زيدٌ هو الفاضل) يعني: لا غيرُه، بخلاف لو قلت: (زيدٌ الفاضل)، فهو فاضلٌ وقد يكون غيرُه فاضلًا أيضًا.
الفائدة الثالثة؟
* طالب: التوكيد.
* الشيخ: التوكيد؛ لأن قول القائل: (زيدٌ هو الفاضل) أوكد من قوله: (زيدٌ الفاضل).
أما (هو) فليس له محلٌّ من الإعراب، ودليل ذلك في القرآن؛ قال الله تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء ٤٠]، ولو كان له محلٌّ من الإعراب لكان مبتدأً ولَرُفِع الذي بعده، ولَكانت الآية: لعلَّنا نتبع السحرة إنْ كانوا هم الغالبون.
الزمر 39:13
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ١١] ﴿قُلْ﴾ يعني: يا محمد، ﴿إِنِّي أُمِرْتُ﴾ أي: أمرني ربي، وهذه الصيغة تأتي بالبناء للمجهول؛ لأن الفاعل معلوم، وهذا يشْبِه حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن الرسول ﷺ قال: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨١٢)، ومسلم (٤٩٠ / ٢٢٧) من حديث ابن عباس.]].
أنَّ الأرض لله؛ لقوله: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ [الزمر ١٠]، وهذا كما قال موسى لقومه: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف ١٢٨].
* ومن فوائدها: فضيلة الصبر وأنَّ صاحبه يُوَفَّى أجرَه بغير حساب؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر ١٠].
* ومن فوائدها: كرمُ الله عز وجل حيث جعل الثواب بمنزلة الأجر، كأنَّه معاوَضة يُعاوَض به الْمُعامل؛ لقوله: ﴿أَجْرَهُمْ﴾.
* * *
ثم قال تعالى -في ابتداء درس اليوم-: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ١١].
﴿قُلْ﴾ يعني: يا محمد، ﴿إِنِّي أُمِرْتُ﴾ أي: أمَرني ربِّي، وهذه الصيغة تأتي بالبناء للمجهول لأنَّ الفاعل معلومٌ، وهذا يُشْبه حديثَ ابن عباس رضي الله عنهما أن الرسول ﷺ قال: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨١٢)، ومسلم (٤٩٠ / ٢٢٧)، من حديث ابن عباس.]]، «أُمِرْتُ»؛ لأن الآمِر معلومٌ وهو الله.
﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ وجاءت بكلمة: ﴿أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ﴾ للإشارة إلى مقام النبي ﷺ وأنَّه عبدٌ يُؤمَر ويُنهَى، وليس له من حقِّ الربوبية شيء.
وقال: ﴿أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ﴾ أي: أتذلَّل له، والعبادة تُطلق على معنيين:
المعنى الأول: التذلُّل لله الذي هو فِعْل العابد.
والأمر الثاني: المتعبَّد به، وهي العبادات على جميع أنواعها.
وعلى هذا يكون تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية للعبادة في قوله: العبادة اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يحبُّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. وذلك لأن العبادة -كما قلتُ- تُطلق على معنيين.
* طالب: التذلُّل اللي هو فعل العبد.
* الشيخ: التعبد وهو؟
* الطالب: التذلل.
* الشيخ: على معنيين: المعنى الأول؟
* الطالب: التذلُّل (...)، المعني الثاني ..
* الشيخ: يعني التعبد، الذي هو فِعل العبد، والثاني؟
* الطالب: العبادات.
* الشيخ: إي، المتعبَّد به وهي العبادات، وعلى هذا المعنى تفسير شيخ الإسلام ابن تيمية في قوله: العبادة..
* طالب: (...).
* طالب آخر: العبادة اسمٌ جامعٌ لكل ما يحبُّه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.
* الشيخ: أحسنت، تمام.
وهنا ﴿أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا﴾ يشمل المعنيين؛ يعني أنْ أتعبَّد له بالعبادة.
وقوله: ﴿مُخْلِصًا﴾ حالٌ من فاعل ﴿أَعْبُدَ﴾؛ أي: حالَ كوني مخلصًا لله، من أيِّ شيء؟ من الشرك؛ لأن الإخلاص يعني التنقية، ويُنَقَّى من أيِّ شيء؟ يُنَقَّى من الشرك؛ لأن العمل إذا شابَهُ الشركُ أفسده وأبطله؛ قال الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]].
وقوله: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ قال: (من الشرك)، والمرادُ بالدين هنا العملُ الذي يفعله الإنسان ليُدانَ به. لاحظوا التفسير: العمل الذي يعمله الإنسان لأجْل أن يُدان به. وأمَّا عملٌ لا يؤمَّل أن يُدان به فهذا لا يُسَمَّى دينًا وإنْ كان عملًا، لا بدَّ أن يكون عاملًا من أجْل أن يُدان بهذا العمل.
يقول عز وجل: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، ومرَّ علينا كثيرًا أنَّ الدين يُطلَق على العمل ويُطلَق على الجزاء؛ ففي قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤] الجزاء، وفي قوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون ٦] أي: العمل.
﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر ١٢] قال المؤلف -المفسِّر-: (أي: بأنْ)، فجعل اللام بمعنى الباء؛ وذلك لأن (أَمَرَ) إنما تتعدَّى بالباء ولا تتعدَّى باللام، فلهذا فسَّرها المؤلف بالباء، وهذا أحد المسلكين للنُّحاة فيما إذا تلا الفعلَ حرفٌ لا يتعدَّى به غالبًا، فإنهم يجعلون هذا الحرف بمعنى الحرف الذي يتعدَّى به العامل –أي: الفعل أو غير الفعل- غالبًا، فهمتم؟ فمثلًا هنا: ﴿أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ﴾ يجعلون اللام بمعنى الباء، وفي قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان ٦] يجعلون الباء بمعنى (مِنْ)؛ أي: يشرب منها.
والمسلك الثاني للنُّحاة أنهم يحوِّلون الفعل إلى فعلٍ مناسبٍ للمتعلِّق ويُسَمُّون هذا تضمينًا؛ أي إنَّ الفعل ضُمِّن؛ الفعلُ المذكورُ ضُمِّن فعلًا يتعدَّى بالحرف المذكور؛ فمثلًا: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ يقولون: المعنى: يَرْوَى بها، فضُمِّن الشُّرب معنى الرِّيِّ، ولا شكَّ أن هذا يعطي الآية أو النص معنًى أكثر؛ لأنه يُبقي الحرفَ على ما هو عليه ويعطي الفعلَ المذكورَ معنًى زائدًا على ما يدلُّ عليه لفظُه، فيكون هذا المسلك أولى.
لكن أحيانًا يصعب على طالب العلم -ولا سيَّما المبتدئ- يصعب أن يقدِّر الفعل المناسب الذي يكون مضمونًا للفعل المذكور، حينئذٍ يلجأ إلى الأسهل وهو تحويل الحرف إلى حرفٍ يناسب الفعلَ المذكور.
فهنا ﴿أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ﴾ لا شكَّ أنه من السهل أن أقول: إنَّ اللام بمعنى الباء، وأمشي؛ يعني: أُمِرتُ بأنْ أكون.
لكنْ لو أردنا أن نُضَمِّن ﴿أُمِرْتُ﴾ معنًى يناسب اللام ﴿أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ﴾ يحتاج إلى تأمُّل وتفكير في المعنى، لماذا قال: ﴿أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ﴾؟ ممكن أن نقدِّر: أُمِرتُ أنْ أعبُدَ اللَّهَ لأنْ أكون أولَّ المسلمين، فتكون اللام تعليلًا للفعل المحذوف، وهو: أنْ أعبُدَ اللَّهَ لأن أكون أول المسلمين؛ يعني: وُجِّهَ الأمرُ إليَّ أولًا لأكون أولَ المسلمين؛ أي: المنقادين لأمر الله، وحينئذٍ نستفيد من هذا معنيين: معنى الأمر، ومعنى العبادة التي حُذفت ليصحَّ تعليق الحرف بها.
قال: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (من هذه الأُمَّة)، ﴿لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ قال المؤلف: (من هذه الأُمَّة).
وكلمة ﴿أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ الإسلام يُطلَق على الانقياد؛ لأنه مأخوذٌ من: أَسْلمَ أمْرَهُ إلى غيره، ومنه الاستسلام في الحرب؛ لأن المستسلم ينقاد للغالب الذي غلبه.
فالإسلام هو الانقياد ظاهرًا، وبناءً على هذا يكون المنافقون أيش؟ مسلمين ظاهرًا، ولهذا يُطلَق الإسلامُ على ضعيف الإيمان؛ كما قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات ١٤].
أحيانًا يُطلَق الإسلام على الشريعة كلِّها فيشمل الاستسلامَ ظاهرًا وباطنًا، وهو الإيمان، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة ٣]، ليس المراد الاستسلام الظاهر، وإنما المراد الشرائع كلُّها، شرائع الإسلام كلُّها؛ ﴿رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ﴾ أي: شرائع الإسلام كلُّها ﴿دِينًا﴾.
يقول أهل العلم: الإسلام إذا قُرِنَ بالإيمان فُسِّر الإسلامُ بالأعمال الظاهرة، والإيمانُ بالأعمال الباطنة. قالوا: ومن ذلك حديثُ جبريل لَمَّا سأل النبيَّ ﷺ عن الإسلام قال: «أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ»، ولَمَّا سأله عن الإيمان قال:« أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[[أخرجه مسلم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب.]].
أمَّا إذا أُفْرِد أحدُهما فإنه يشمل الآخَر؛ فالإسلامُ إذا ذُكِر وحده شَمِلَ جميعَ الشرائع ومنها الإيمان، والإيمانُ إذا ذُكِرَ وحده شَمِلَ جميعَ الشرائع ومنها الإسلام.
يقول هنا: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر ١٢] قال: (من هذه الأُمَّة). لماذا قيَّد الآية مع أنها مطْلقة ﴿أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾؟ قيَّدها لأنه -رحمه الله- فَهِم أنَّ الأوَّلية هنا أوَّلية الزمن، وإذا كانت أوَّلية الزمن فإنه لا يصح أن يكون النبيُّ ﷺ أولَ المسلمين، لماذا؟ لأنَّ قبله أُمَم مسلمة كثيرة، فكان لا بدَّ أن نقيِّد هذا بأول المسلمين من هذه الأُمَّة، ومنه قوله تعالى في سورة الأنعام، اتْلُ الآية: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام ١٦٢، ١٦٣] على ما مشى عليه المؤلف من الفهم نقول: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ من هذه الأُمَّة.
فيه احتمال آخَر أنَّ الأولية هنا أولية الصِّفة؛ يعني أنني أسبق المسلمين من حيث التقدُّم إلى الإسلام، كما تقول مثلًا لمن يخاطبك: إن كان هذا الذي قُلتَه حقًّا فأنا أول مَن يساهم، مثلًا لو قال: إنَّه فُتح مشروع في البلد خيري فقلت: إذا كان حقًّا فأنا أول مَن يساهم؛ يعني: (أوَّل) من حيث الانقياد والصِّفة، هذا فيه احتمال، وإذا كان هذا المعنى في الآية الكريمة فإننا لا نحتاج إلى أيش؟ إلى القيد الذي قاله المؤلف؛ لأننا نعلم أن رسول الله ﷺ هو أول مَن ينقاد لله سبحانه وتعالى، وأنه أعظمُ الناسِ انقيادًا وأشدُّهم.
ثم قال: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر ١٣]، ﴿عَذَابَ﴾ مفعول لأيش؟ لـ﴿عَصَيْتُ﴾؟
* طالب: أو لـ﴿أَخَافُ﴾.
* الشيخ: أو ﴿إِنْ عَصَيْتُ﴾؟
* الطالب: أصله: أخافُ عذابَ.
* الشيخ: أخافُ عذابَ، وليست مفعولًا لـ﴿عَصَيْتُ﴾ ليش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: العذاب لا يُعصى، المعنى يفسد.
﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ﴾ الخوف لا يمكن أن نُعَرِّفه بأَبْين من لفظه، كلُّنا يعرف الخوف، أليس كذلك؟ ولهذا نقول: إن الانفعالات النفسية لا يمكن لأحد أن يُعَرِّفها؛ لأنه ليس أَبْين من لفظها، ليس هناك شيءٌ أَبْين من لفظها أبدًا.
لو قال إنسان: عرِّفْ لي الكراهة، ويش تقول؟ تقول: الكراهة معروفة، الكراهة هي الكراهة.
عرِّف لي المحبة. ما تقدر تقول، المحبة هي المحبة.
* طالب: الْمَيْل.
* الشيخ: لا، الْمَيْل آثار المحبة، بعدما يحب يميل، ولهذا يقول ابن القيم رحمه الله في روضة المحبِّين -والله أعلم هل هي له أمْ لا- يقول: لا يمكن أن نحدَّ المحبَّة بأَبْين من لفظها أبدًا، كلُّ الذين عرَّفوها -فيها أكثر من عشرين تعريفًا- كلُّهم إنما يفسرونها بلوازمها ونتائجها. وصدق رحمه الله، الانفعالات النفسية ما يستطيع الإنسان يعرِّفها بأكثر من لفظها.
﴿أَخَافُ﴾ لو تسأل صبيًّا لا يعرف التعريفات تقول: ويش معنى الخوف؟ يقول: الخوف أني أرتعش، أتنافض. لا يمكن، هذا من آثاره. الخوف أنْ أهرب، هذا من آثاره. إذَنْ نقول: الخوفُ أيش؟ معروفٌ، هو الخوف.
﴿أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾، ﴿عَصَيْتُ﴾ المعصية: المخالَفة، وتكون بأمرين؛ إمَّا بتركِ مأمورٍ وإمَّا بفعلِ محظورٍ، هذا إذا أُفردتْ عن الطاعة، فإن قُرِنتْ بالطاعة صارت الطاعةُ فِعْلَ المأمورِ والمعصيةُ ارتكابَ المحظورِ.
هنا نقول: ﴿عَصَيْتُ﴾ مفردة عن الطاعة، فماذا يكون المعنى؟
* طالب: تشمل معنيين.
* الشيخ: تشمل معنيين: مخالفته؛ ﴿عَصَيْتُ رَبِّي﴾ أي: خالفتُه بفعل المنهي عنه أو بترك المأمور به.
وفي قوله: ﴿رَبِّي﴾ إشارةٌ إلى أنه عز وجل هو الذي له الأمر والنهي؛ لأنه ربٌّ، والربُّ خالقٌ مالكٌ مدبِّر.
﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ هو يوم القيامة، ووصَفه الله تعالى في القرآن الكريم بعدَّة أوصاف منها: العِظَم؛ وذلك لشدَّته وشدَّة أهواله، وشدَّة ما يكون فيه، وإذا سمعت الأوصاف التي ذكرها الله عز وجل لهذا اليوم العظيم فإنه لا شكَّ يعتريك من الخوف بقدر ما أنت مؤمنٌ به. لاحِظُوا، كلَّما كان الإنسان أقوى إيمانًا باليوم الآخِر كان منه أشدَّ خوفًا، وكلَّما ضَعُف إيمانه باليوم الآخِر ضَعُف خوفه منه، ولهذا لدينا عبارة مأثورة: كلُّ مَن كان بالله أعرَف كان منه أخوَف. وكلُّ مَن كان -أيضًا- باليوم الآخِر أعرَف وأقوى إيمانًا كان أقوى مخافةً.
يقول عز وجل: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر ١٣، ١٤] في الأول قال: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ٢] أمْر، في الثاني: أَمَره أن يُعلن بأنه مخلصٌ لله الدينَ، أن يعلن، ففي الأول يفعلُ هو؛ يعبد الله مخلصًا له الدين، في الثاني: أُمِر أن يعلن للملأ أنه مخلصٌ، وإعلانه أنه مخلصٌ يعني أنه متبرئٌ من شركهم لأنه مخلصٌ لله.
﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ﴾ إعرابها؟ اسم الجلالة؟
* طالب: ﴿قُلِ اللَّهَ﴾؟
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: فاعل.
* الشيخ: فاعل! كمِّل.
* الطالب: مفعول به.
* الشيخ: فاعلٌ مفعولٌ به! ما يمكن، إمَّا فاعلٌ وإمَّا مفعولٌ به.
* الطالب: مفعول به.
* الشيخ: مفعول به لأيش؟
* الطالب: لـ﴿قُلِ﴾.
* الشيخ: لـ﴿قُلِ﴾، ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ﴾ !
* الطالب: لـ﴿أَعْبُدُ﴾.
* الشيخ: مفعول به لـ﴿أَعْبُدُ﴾؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: طيب، صح، ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ﴾ قدَّم المفعولَ به للحصر؛ يعني: لا أعبد غيره.
ونظيره من حيث التركيب قولُه تعالى في سورة الفاتحة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة ٥] فقدَّم المفعولَ به.
هنا ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ﴾ قدَّم المفعولَ به لإفادة الحصر، ثم أكَّد هذا بقوله: ﴿مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾؛ يعني لا أعبد غير الله، وفي عبادتي له أيضًا أكون مخلصًا له، لا يشوب عبادتي إيَّاه شيءٌ من الشرك، ﴿مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾.
وقوله: ﴿دِينِي﴾ يعني: عملي. قال المؤلف: (من الشرك).
إذا جمعت بين الآيتين: الآية الأولى وهي: ﴿إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ١١]، والثانية، عرفْتَ شدَّة امتثال الرسول عليه الصلاة والسلام لأمْر ربِّه، وأنَّه عَبَدَ اللَّهَ مخلصًا له الدين، وأعلن ذلك للملأ غير مبالٍ بمخالفتهم.
﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر ١٥]، ﴿فَاعْبُدُوا﴾ هذا يحتمل أن يكون تهديدًا ويحتمل أن يكون تحدِّيًا، المؤلف يقول: (فيه تهديد)، ويمكن أن يكون تحدِّيًا.
أمَّا كونُه تهديدًا فظاهر، ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾؛ لأنه قال بعده: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾ إلى آخره [الزمر: ١٥].
وأمَّا كونُه تحدِّيًا فلأنَّه لَمَّا ذكر أنه يعبد الله وحده مخلصًا تحدَّاهم؛ قال: أنا لا أُبالي، أنتم اعبدوا ما شئتم وأنا لا أُبالي بكم، فسوف لا أشرك بالله، سوف أعبد الله وحده مخلصًا.
والقاعدة عندنا في التفسير أنه إذا كانت الآية تحتمل معنيين لا يتنافيان يُحمَل عليهما جميعًا.
قال تعالى: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾، ﴿مَا شِئْتُمْ﴾ يعني: الذي شئتم، ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي: من سواه؛ اعبدوا ما تشاؤون من سواه؛ ملكًا، وليًّا، شجرًا، حَجَرًا، شمسًا، قمرًا، أيُّ أحد تعبدونه لا يهمني، أنا سوف أبقى مخلصًا لله وأنتم اعبدوا ما شئتم.
يقول المؤلف: (﴿مِنْ دُونِهِ﴾ غيره) أي: سواه (فيه تهديدٌ لهم وإيذانٌ بأنهم لا يعبدون الله). (إيذان) يعني إعلان، أي إنَّ هذه الجملة فيها التهديد، وفيها أنهم لا يعبدون الله وإنما يعبدون غيره.
﴿قُلْ﴾ يعني: قُل لهم مع تحدِّيك إيَّاهم وتهديدك إيَّاهم ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الزمر ١٥]. الجملة فيها تأكيدٌ وفيها حصرٌ، أين التأكيد؟
* طلبة: ﴿إِنَّ﴾.
* الشيخ: ﴿إِنَّ﴾، ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾.
الحصر: أنَّ طرفَيِ الجملة معرفتان: ﴿الْخَاسِرِينَ﴾، ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا﴾؛ فكأنَّه قال: إن الخاسرين هم الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة. فإذَنْ فيها تأكيدٌ وحصرٌ.
﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾ مَن الخاسر؟ الخاسر بيَّنه الله عز وجل في قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر ٢، ٣] يعني الْخُسران ضدُّ الرِّبح؛ وذلك أن الْمُعامل إمَّا أن يأخذ رأسَ ماله، وإمَّا أن يخسر فيأتيه أقلُّ من رأس ماله، وإمَّا أن يربح فيأتيه أكثر.
الْخُسران الحقيقي ما ذكره الله هنا: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ١٥] هؤلاء هم الذين خسروا، ليس الخاسر مَن فقدَ ملايين الدراهم، وليس الخاسر مَن فقدَ أهلَه في الدنيا، وليس الخاسر مَن فقدَ نفسَه في الدنيا، الخاسرُ مَن خسر نفسَه وأهلَه متى؟ يوم القيامة، خسر نفسَه وأهلَه.
يقول: (بتخليد الأنفسِ في النار، وبعدم وُصُولهم إلى الحور المعَدَّة لهم في الجنة لو آمنوا).
قوله: (بتخليد الأنفسِ في النار) هذا بيانٌ لِخُسرانهم أنفسهم؛ لأنه خسر نفسَه في الحقيقة، ما وجْه الخسران؟
وجه الخسران أنَّ حياته في الدنيا لم يستفدْ منها في الآخرة إطلاقًا، فخسر نفسَه، خسر عمرَه، كله راح هباءً منثورًا، خسر نفسَه، لو أنه مؤمنٌ مخلصٌ لَاستفاد؛ لَكان كل حياته الدنيا ربحًا؛ لأنه سوف يخلد في الجنة التي فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بَشَر، أمَّا الآن فسيخلد في النار، هذا خسارةُ النفس.
خسارة الأهل فسَّرها المؤلف بأنه يفوته الحور العِين في الجنة لو آمن، وهذا وإنْ كان له وجهٌ لكنَّه بعيدٌ من الصواب، وذلك لأن الحور في الجنة لم تكن أهلًا له حتى يُقال: خسرها، وإنما المراد خسروا أهليهم؛ لأن أهليهم إنْ كانوا مؤمنين فهُم في الجنة، ولن يجتمعوا بهم، وإن كانوا كفَّارًا فهُم في النار ولن يجتمعوا بهم أيضًا، ولو كانوا مؤمنين وذُرِّيتهم مؤمنةً لَكانوا كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور ٢١]، يعني لنْ يجتمع أحدٌ مع أهله في الدنيا، لن يجتمع في الآخرة إلا إذا كان هو وهُم مؤمنين فسيجتمعون اجتماعًا لا فراق بعده، أمَّا مَن لم يكن كذلك فلا اجتماع.
على كلِّ حالٍ الصحيحُ أن المراد بـ﴿أَهْلِيهِمْ﴾ يعني أهليهم الذين في الدنيا حيث خسروا الاجتماعَ بهم في الآخرة، ووجْه الخسران؟
* طالب: أنه إذا كانوا مؤمنين وهم كفارٌ فلنْ يلتقوا بهم.
* الشيخ: لأن الأهل في الجنة وهؤلاء في النار، تمام.
* الطالب: وإذا كانوا كافرين فكذلك لن يلتقوا بهم.
* الشيخ: نعم، لأن كلَّ واحدٍ مشغولٌ بنفسه، تمام.
قال الله عز وجل: ﴿أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر ١٥] إي واللهِ. ﴿أَلَا ذَلِكَ﴾ شوف التأكيد البالغ، ﴿أَلَا﴾ أداة استفتاح، والفائدة منها: التوكيد والتنبيه.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارة لبُعده؛ لأنه خُسرانٌ سحيقٌ -والعياذ بالله- يعني لم يقُل: ألَا هذا، مع أن ذِكْره قريب، لكنَّه خُسرانٌ سحيقٌ، فأُشير إليه بإشارة البُعد، ثم حُصِر؛ قال: ﴿هُوَ الْخُسْرَانُ﴾ يعني لا غير، ثم أُكِّد بفداحته؛ قال: ﴿الْمُبِينُ﴾ أي: البيِّن الذي لا يخفى على أحد، نسأل الله أن يجعلني وإيَّاكم من الرابحين (...).
* * *
فيه مناقشة.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ١١]
قوله: ﴿إِنِّي أُمِرْتُ﴾، مَن هو الآمر؟
* طالب: الله عز وجل.
* الشيخ: حُذِف؟
* الطالب: لأنه معلوم.
* الشيخ: نعم، للعلم به.
قوله: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، إعراب مخلصًا؟
* طالب: حال.
* الشيخ: من أين؟
* الطالب: من فاعل ﴿أَعْبُدَ﴾.
* الشيخ: من فاعل ﴿أَعْبُدَ﴾. و﴿الدِّينَ﴾؟
* الطالب: و﴿الدِّينَ﴾ مفعول به لـ﴿مُخْلِصًا﴾.
* الشيخ: مفعول به لـ﴿مُخْلِصًا﴾. ما معنى إخلاص الدين؟
* طالب: يعني إخلاص الدين لله سبحانه وتعالى؛ يعني توجيه العبادة له سبحانه وتعالى ليس لغيره (...).
* طالب آخر: (...).
* طالب آخر: تنقيته من الشوائب الشركية.
* الشيخ: نعم، الإخلاص .. إخلاصُ الشيء تنقيته من الشوائب، والشوائب هنا شوائبُ الشرك.
﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر ١٢] ما معنى اللام هنا؟
* طالب: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ﴾ (...) الباء، يعني..
* الشيخ: بمعنى الباء؛ أي: بأن أكون. طيب، فيه وجه آخَر؟
* طالب: إي نعم، هو أن يكون الفعل متضمِّنًا لفعل آخَر يُعدَّى بهذا الحرف.
* الشيخ: التقدير؟
* الطالب: وأُمِرتُ أن أعبُدَ الله لأن أكون أول المسلمين.
* الشيخ: أن أعبد الله مخلصًا له لأن أكون..؟
* الطالب: أول المسلمين.
* الشيخ: أي: لأجْل أن أكون أول المسلمين. الأوَّلية هنا؟
* طالب: أولية سبق.
* الشيخ: سبق. وعلى ما ذهب إليه المؤلف؟
* الطالب: هو قال: (من هذه الأُمَّة)؛ لكي يحترز من أن قَبْل الرسول ﷺ ناسًا مسلمين.
* الشيخ: إي، لكن هذا .. على رأي المؤلف ماذا تكون الأوَّلية هنا؟
* الطالب: أوَّلية سبْق وعطاء.
* الشيخ: (سبْق) ذكرتَها أنت في الأول.
* الطالب: قبل.
* طالب: أوَّلية زمن، على رأي المؤلف.
* الشيخ: على رأي المؤلف: أوَّلية زمن.
* الطالب: والثاني: أوَّلية الصفة.
* الشيخ: إي نعم، أوَّلية الصفة يعني معناه؟
* الطالب: يعني: أول مَن سَبَق للانقياد للإسلام.
* الشيخ: نعم، أحسنت.
قوله: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر ١٣] ما الذي نَصَبها؟
* طالب: لأنها مفعول به.
* الشيخ: مفعول به لأيش؟
* الطالب: لـ﴿أَخَافُ﴾.
* الشيخ: لـ﴿أَخَافُ﴾. ما المراد باليوم؟
* طالب: يوم القيامة.
* الشيخ: قال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر ١٥] المراد بالأمر هنا؟
* طالب: (...).
* طالب آخر: التهديد والتحدي.
* الشيخ: كيف التهديد والتحدي؟
* الطالب: يقول المؤلف: (...) التهديد (...) التحدي.
* الشيخ: كيف التهديد وكيف التحدي؟
* الطالب: وجه التهديد أنَّه لا يمكن أن يكون الرسول ﷺ يأمرهم أن يعبدوا من دون الله سبحانه وتعالى شيئًا، لكن يهدِّدهم أن يعبدوا من دونه ما شاؤوا، والله عز وجل سيحاسبهم على هذه العبادة ويعاقبهم عليها.
ووجه التحدي أنَّه لا يبالي أنه يعبد الله عز وجل، وأنتم اعبدوا ما شئتم من دونه، وهو لا يبالي بما يعبدونه.
* الشيخ: تمام. طيب، قوله: ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ١٥] كيف ذلك؟
* طالب: على قول المؤلف هو خَسِر ما أعدَّ له في الجنة من حورٍ عينٍ (...).
* الشيخ: يعني أهليهم اللي في الجنة لو أنَّهم آمنوا.
* طالب: (...) خسر أهله ما اجتمع معهم في الجنة.
* الشيخ: وجْه ذلك؟ يعني وجْه الخسران في أهله إذا كان المراد أهله الذين في الدنيا، كيف يخسرهم يوم القيامة؟
* الطالب: يعني تفرق، ما اجتمع معهم، (...) ذهب إلى الجنة (...) يجمعهم وذريتهم (...).
* الشيخ: كيف خُسران النفس؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني خسروا أنفسَهم يوم القيامة، كيف خسرها؟
* الطالب: (...) يخسر ما عند الله من (...).
* طالب آخر: (...).
* طالب آخر: يعني ما يستفيد من عمره.
* الشيخ: يعني:لم يستفِدْ من عمره في الدنيا، فخَسِره في الآخرة، وأمَّا المؤمنون فإنهم ربحوا، أحسنت.
﴿أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر ١٥] ﴿أَلَا﴾؟
* طالب: ﴿أَلَا﴾ أداة استفتاح تفيد التنبيه.
* الشيخ: هل في الجملة حَصْر؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما طريقه؟
* الطالب: ضمير الفصل ﴿هُوَ﴾.
* الشيخ: ضمير الفصل ﴿هُوَ﴾.
طيب، ﴿الْمُبِينُ﴾ (...) بمعنى؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ﴿الْمُبِينُ﴾ ما معناه؟ ما معنى ﴿الْمُبِينُ﴾؟
* الطالب: معناه البيِّن.
* الشيخ: البيِّن؟ هل تأتي (أبانَ) الرباعية بمعنى البيِّن؟ لأن (بيِّن) من الثلاثي، و(مُبين) من الرباعي.
* طالب: تأتي.
* الشيخ: تأتي؛ يعني يقال: بانَ الصبحُ، وأبانَ الصبحُ.
* * *
أخذنا الفوائد؟
* طالب: ما أخذنا الفوائد.
* الشيخ: ما أخذناها، إذَن إن شاء الله نأخذها.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ١١]
* من فوائد هذه الآية: أن الإنسان مأمورٌ بأن يُعلن ما أَمَر الله به من عبادته؛ ﴿أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، ولهذا فائدتان:
* الفائدة الأولى: الحثُّ على اتِّباعه في هذا.
* والفائدة الثانية: بيان استحقاق الله سبحانه وتعالى لذلك، وأنَّه هو المستحقُّ لأن يُعبَد وحده؛ ﴿إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا﴾.
* ومن فوائد هذه الآية: أنه يجب في العبادة الإخلاص؛ لأنه أُمِر بأن يعبد الله على هذا الوصف: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾.
* ومن فوائدها: أنَّ مَن لم يُخلص لم يكن قد أتى بالأمر.
* ويتفرع على هذه القاعدة: أنَّ عمله يكون مردودًا عليه؛ لقوله..، فإذا أشركَ يكون قد عمل عملًا ليس عليه أمْر الله ورسوله، وقد قال النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) واللفظ له، من حديث عائشة.]].
* ومن فوائد قوله تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر ١٢] أنه يجب المبادرة بالإسلام من غير توقُّف؛ لأن الله أَمَر بذلك، وهذا بناءً على أنَّ المراد بالأوَّلية هنا أوَّلية الصفة؛ يعني: السبق.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الرسول ﷺ عبدٌ مأمورٌ.
ويتفرَّع على هذا أنَّه ليس له من الأمر شيء، وقد صرَّح الله بذلك في قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران ١٢٨].
ويتفرَّع عليه أيضًا ضلالُ أولئك القوم الذين يدعون رسول الله ﷺ أن يُغيثهم، أو أن يجلب لهم الخير ويدفع عنهم الشر.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر ١٣].
* من فوائدها: أنه ينبغي، بل يجب على الرسول عليه الصلاة والسلام أن يُعْلم هذا الإعلان للملأ؛ أنَّه يخاف عذابَ يومٍ عظيمٍ إن عصى الله، وفائدته ما ذكرنا قبل قليل: من أجْل التأسِّي به في ذلك، ومن أجْل بيان عظمة الله وأنه مستحقٌّ لأنْ يُخاف منه.
* ومن فوائدها: إثبات اليوم الآخِر؛ لقوله: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
* وهل يمكن أن يُستفاد منها أن النبي ﷺ تجوز عليه المعصية؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: لقوله: ﴿إِنْ عَصَيْتُ﴾.
ولكن قد يقول قائل: في هذا نظر؛ لأن الشرط قد يتحقَّق وقد لا يتحقَّق، وقد يكون تحقُّقه ممتنعًا مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف ٨١]، وقوله تعالى لرسوله: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ [الزمر ٦٥، ٦٦].
إذَن هذه الفائدة فيها نظر؛ لأن قوله: ﴿إِنْ عَصَيْتُ﴾ لا يدلُّ على أن المعصية تقع منه، لكن على فَرْض أن تقع فإني أخاف.
وقد يقول قائل: إنَّ كَوْنه يخاف أمْرٌ محقَّق؛ ﴿إِنِّي أَخَافُ﴾، وإذا كان أمرًا محقَّقًا فإن المعلَّق عليه وهو المعصية يكون كذلك؛ أي: يمكن أن يكون معناه أنني إنْ عصيتُ فإني أخاف.
وعلى كل حال فإنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام ثبت عنه أنَّه كان يدعو اللَّهَ أنْ يغفر اللَّهُ له ذنْبَه أولَه وآخِرَه[[أخرجه مسلم (٤٨٣ / ٢١٦) من حديث أبي هريرة.]]، وثبت أنه ﷺ يقول: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ»، «اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ»، «اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٤)، ومسلم (٥٩٨ / ١٤٧)، من حديث أبي هريرة.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: تعظيمُ يوم القيامة وأنه يومٌ عظيمٌ، ويتفرَّع على هذا أنه ينبغي للعاقل أن يحذر منه.
* ومن فوائدها: جواز وصْف غير الله بالعِظَم؛ لقوله: ﴿يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، وقد قال الله تعالى عن ملكة سبأ: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل ٢٣]، ووَصَف الإفكَ بأنه عظيمٌ ... إلى غير ذلك، فوصْف غير الله بالعِظَم لا بأس به، لكن العِظَم المطْلق إنما يكون لله عز وجل.
ثم قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر ١٤، ١٥].
* يُستفاد من هاتين الآيتين: أنه ينبغي للإنسان أن يُعلن بالحقِّ الذي هو عليه ولا يُبالي بمن خالَفه؛ لقوله: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾؛ يعني: فلا أُبالي بكم، أنا سأعبد اللَّهَ وأسير على الطريقة السليمة، وأنتم سيروا على ما شئتم.
* ومن فوائد الآيتين: أنَّ النبي ﷺ من أشدِّ الناس امتثالًا لأمْر الله؛ لأنه قال فيما سبق: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ١١]، ثم قال هنا: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر ١٤].
* ومن فوائد الآيتين: أن النبي ﷺ محتاجٌ إلى العمل الذي يُنجيه من عذاب الله؛ لقوله: ﴿مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ بالياء؛ بالإضافة، وهو كذلك، ولَمَّا حدَّث أصحابَه بأنه لن يدخل الجنةَ أحدٌ بعمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٤٦٣)، ومسلم (٢٨١٦ / ٧١)، من حديث أبي هريرة.]].
* ومن فوائد الآيتين: تحريم عبادة غير الله؛ تؤخذ من قوله: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر ١٥] لأنَّا ذكرنا أن الأمر هنا للتهديد، ولا تهديد إلا على شيءٍ مخالفٍ ومعصية.
* ومن فوائد الآية الكريمة -قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الزمر ١٥] إلى آخره- بيان أنَّ الخسارة الفادحة التي ليس معها رِبْح هي خسارة هؤلاء ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
* وفي الآية هذه: الإشارة إلى أنَّ الشرك هو سببُ هذه الخسارة؛ لأنه تلا قولَه: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِه﴾ ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾.
* ومن فوائدها: أنَّ أهل الشرك يوم القيامة لا يجتمعون بأهليهم؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ﴾.
* ومن فوائد الآية: أنَّ عُمر الإنسانِ حقيقةً هو ما أمضاه في طاعة الله، ولهذا وصَف الله هؤلاء بأنَّهم قد خسروا أنفسَهم؛ لأنهم لم يعملوا خيرًا.
* ومن فوائد الآية: أنَّ هذه الخسارة أعظمُ خسارةٍ تكون؛ لقوله: ﴿أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾.
* * *
نحن لم نتكلَّم في الأمس على ضمير الفصل، ولكن لا بدَّ أن يكون عندكم عِلمٌ منه، فضمير الفصل ضميرٌ، ليس اسمًا على القول الراجح، فليس له محلٌّ من الإعراب، لكنه يُؤتَى به لفوائد ثلاث:
الأولى؟
* طالب: حتى لا يشبه الخبر مع الصفة.
* الشيخ: حتى لا يشتبه الخبر بالصفة؛ يعني: فيَفْصِل بين الخبر والصفة، ويظهر هذا بالمثال؛ لو قلت: (زيدٌ الفاضلُ) فهنا يحتمل أن يكون (الفاضل) صفةً وأنَّ الخبر محذوفٌ؛ أي: زيدٌ الفاضلُ في البيت، مثلًا. فإذا قلت: (زيدٌ هو الفاضل) تعيَّن أن تكون (الفاضل) خبرًا.
الفائدة الثانية لضمير الفصل؟
* طالب: الحصر.
* الشيخ: الحصر، لأنك إذا قلت: (زيدٌ هو الفاضل) يعني: لا غيرُه، بخلاف لو قلت: (زيدٌ الفاضل)، فهو فاضلٌ وقد يكون غيرُه فاضلًا أيضًا.
الفائدة الثالثة؟
* طالب: التوكيد.
* الشيخ: التوكيد؛ لأن قول القائل: (زيدٌ هو الفاضل) أوكد من قوله: (زيدٌ الفاضل).
أما (هو) فليس له محلٌّ من الإعراب، ودليل ذلك في القرآن؛ قال الله تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء ٤٠]، ولو كان له محلٌّ من الإعراب لكان مبتدأً ولَرُفِع الذي بعده، ولَكانت الآية: لعلَّنا نتبع السحرة إنْ كانوا هم الغالبون.
الزمر 39:14
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ١١] ﴿قُلْ﴾ يعني: يا محمد، ﴿إِنِّي أُمِرْتُ﴾ أي: أمرني ربي، وهذه الصيغة تأتي بالبناء للمجهول؛ لأن الفاعل معلوم، وهذا يشْبِه حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن الرسول ﷺ قال: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨١٢)، ومسلم (٤٩٠ / ٢٢٧) من حديث ابن عباس.]].
أنَّ الأرض لله؛ لقوله: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ [الزمر ١٠]، وهذا كما قال موسى لقومه: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف ١٢٨].
* ومن فوائدها: فضيلة الصبر وأنَّ صاحبه يُوَفَّى أجرَه بغير حساب؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر ١٠].
* ومن فوائدها: كرمُ الله عز وجل حيث جعل الثواب بمنزلة الأجر، كأنَّه معاوَضة يُعاوَض به الْمُعامل؛ لقوله: ﴿أَجْرَهُمْ﴾.
* * *
ثم قال تعالى -في ابتداء درس اليوم-: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ١١].
﴿قُلْ﴾ يعني: يا محمد، ﴿إِنِّي أُمِرْتُ﴾ أي: أمَرني ربِّي، وهذه الصيغة تأتي بالبناء للمجهول لأنَّ الفاعل معلومٌ، وهذا يُشْبه حديثَ ابن عباس رضي الله عنهما أن الرسول ﷺ قال: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨١٢)، ومسلم (٤٩٠ / ٢٢٧)، من حديث ابن عباس.]]، «أُمِرْتُ»؛ لأن الآمِر معلومٌ وهو الله.
﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ وجاءت بكلمة: ﴿أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ﴾ للإشارة إلى مقام النبي ﷺ وأنَّه عبدٌ يُؤمَر ويُنهَى، وليس له من حقِّ الربوبية شيء.
وقال: ﴿أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ﴾ أي: أتذلَّل له، والعبادة تُطلق على معنيين:
المعنى الأول: التذلُّل لله الذي هو فِعْل العابد.
والأمر الثاني: المتعبَّد به، وهي العبادات على جميع أنواعها.
وعلى هذا يكون تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية للعبادة في قوله: العبادة اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يحبُّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. وذلك لأن العبادة -كما قلتُ- تُطلق على معنيين.
* طالب: التذلُّل اللي هو فعل العبد.
* الشيخ: التعبد وهو؟
* الطالب: التذلل.
* الشيخ: على معنيين: المعنى الأول؟
* الطالب: التذلُّل (...)، المعني الثاني ..
* الشيخ: يعني التعبد، الذي هو فِعل العبد، والثاني؟
* الطالب: العبادات.
* الشيخ: إي، المتعبَّد به وهي العبادات، وعلى هذا المعنى تفسير شيخ الإسلام ابن تيمية في قوله: العبادة..
* طالب: (...).
* طالب آخر: العبادة اسمٌ جامعٌ لكل ما يحبُّه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.
* الشيخ: أحسنت، تمام.
وهنا ﴿أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا﴾ يشمل المعنيين؛ يعني أنْ أتعبَّد له بالعبادة.
وقوله: ﴿مُخْلِصًا﴾ حالٌ من فاعل ﴿أَعْبُدَ﴾؛ أي: حالَ كوني مخلصًا لله، من أيِّ شيء؟ من الشرك؛ لأن الإخلاص يعني التنقية، ويُنَقَّى من أيِّ شيء؟ يُنَقَّى من الشرك؛ لأن العمل إذا شابَهُ الشركُ أفسده وأبطله؛ قال الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]].
وقوله: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ قال: (من الشرك)، والمرادُ بالدين هنا العملُ الذي يفعله الإنسان ليُدانَ به. لاحظوا التفسير: العمل الذي يعمله الإنسان لأجْل أن يُدان به. وأمَّا عملٌ لا يؤمَّل أن يُدان به فهذا لا يُسَمَّى دينًا وإنْ كان عملًا، لا بدَّ أن يكون عاملًا من أجْل أن يُدان بهذا العمل.
يقول عز وجل: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، ومرَّ علينا كثيرًا أنَّ الدين يُطلَق على العمل ويُطلَق على الجزاء؛ ففي قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤] الجزاء، وفي قوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون ٦] أي: العمل.
﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر ١٢] قال المؤلف -المفسِّر-: (أي: بأنْ)، فجعل اللام بمعنى الباء؛ وذلك لأن (أَمَرَ) إنما تتعدَّى بالباء ولا تتعدَّى باللام، فلهذا فسَّرها المؤلف بالباء، وهذا أحد المسلكين للنُّحاة فيما إذا تلا الفعلَ حرفٌ لا يتعدَّى به غالبًا، فإنهم يجعلون هذا الحرف بمعنى الحرف الذي يتعدَّى به العامل –أي: الفعل أو غير الفعل- غالبًا، فهمتم؟ فمثلًا هنا: ﴿أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ﴾ يجعلون اللام بمعنى الباء، وفي قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان ٦] يجعلون الباء بمعنى (مِنْ)؛ أي: يشرب منها.
والمسلك الثاني للنُّحاة أنهم يحوِّلون الفعل إلى فعلٍ مناسبٍ للمتعلِّق ويُسَمُّون هذا تضمينًا؛ أي إنَّ الفعل ضُمِّن؛ الفعلُ المذكورُ ضُمِّن فعلًا يتعدَّى بالحرف المذكور؛ فمثلًا: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ يقولون: المعنى: يَرْوَى بها، فضُمِّن الشُّرب معنى الرِّيِّ، ولا شكَّ أن هذا يعطي الآية أو النص معنًى أكثر؛ لأنه يُبقي الحرفَ على ما هو عليه ويعطي الفعلَ المذكورَ معنًى زائدًا على ما يدلُّ عليه لفظُه، فيكون هذا المسلك أولى.
لكن أحيانًا يصعب على طالب العلم -ولا سيَّما المبتدئ- يصعب أن يقدِّر الفعل المناسب الذي يكون مضمونًا للفعل المذكور، حينئذٍ يلجأ إلى الأسهل وهو تحويل الحرف إلى حرفٍ يناسب الفعلَ المذكور.
فهنا ﴿أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ﴾ لا شكَّ أنه من السهل أن أقول: إنَّ اللام بمعنى الباء، وأمشي؛ يعني: أُمِرتُ بأنْ أكون.
لكنْ لو أردنا أن نُضَمِّن ﴿أُمِرْتُ﴾ معنًى يناسب اللام ﴿أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ﴾ يحتاج إلى تأمُّل وتفكير في المعنى، لماذا قال: ﴿أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ﴾؟ ممكن أن نقدِّر: أُمِرتُ أنْ أعبُدَ اللَّهَ لأنْ أكون أولَّ المسلمين، فتكون اللام تعليلًا للفعل المحذوف، وهو: أنْ أعبُدَ اللَّهَ لأن أكون أول المسلمين؛ يعني: وُجِّهَ الأمرُ إليَّ أولًا لأكون أولَ المسلمين؛ أي: المنقادين لأمر الله، وحينئذٍ نستفيد من هذا معنيين: معنى الأمر، ومعنى العبادة التي حُذفت ليصحَّ تعليق الحرف بها.
قال: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (من هذه الأُمَّة)، ﴿لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ قال المؤلف: (من هذه الأُمَّة).
وكلمة ﴿أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ الإسلام يُطلَق على الانقياد؛ لأنه مأخوذٌ من: أَسْلمَ أمْرَهُ إلى غيره، ومنه الاستسلام في الحرب؛ لأن المستسلم ينقاد للغالب الذي غلبه.
فالإسلام هو الانقياد ظاهرًا، وبناءً على هذا يكون المنافقون أيش؟ مسلمين ظاهرًا، ولهذا يُطلَق الإسلامُ على ضعيف الإيمان؛ كما قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات ١٤].
أحيانًا يُطلَق الإسلام على الشريعة كلِّها فيشمل الاستسلامَ ظاهرًا وباطنًا، وهو الإيمان، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة ٣]، ليس المراد الاستسلام الظاهر، وإنما المراد الشرائع كلُّها، شرائع الإسلام كلُّها؛ ﴿رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ﴾ أي: شرائع الإسلام كلُّها ﴿دِينًا﴾.
يقول أهل العلم: الإسلام إذا قُرِنَ بالإيمان فُسِّر الإسلامُ بالأعمال الظاهرة، والإيمانُ بالأعمال الباطنة. قالوا: ومن ذلك حديثُ جبريل لَمَّا سأل النبيَّ ﷺ عن الإسلام قال: «أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ»، ولَمَّا سأله عن الإيمان قال:« أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[[أخرجه مسلم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب.]].
أمَّا إذا أُفْرِد أحدُهما فإنه يشمل الآخَر؛ فالإسلامُ إذا ذُكِر وحده شَمِلَ جميعَ الشرائع ومنها الإيمان، والإيمانُ إذا ذُكِرَ وحده شَمِلَ جميعَ الشرائع ومنها الإسلام.
يقول هنا: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر ١٢] قال: (من هذه الأُمَّة). لماذا قيَّد الآية مع أنها مطْلقة ﴿أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾؟ قيَّدها لأنه -رحمه الله- فَهِم أنَّ الأوَّلية هنا أوَّلية الزمن، وإذا كانت أوَّلية الزمن فإنه لا يصح أن يكون النبيُّ ﷺ أولَ المسلمين، لماذا؟ لأنَّ قبله أُمَم مسلمة كثيرة، فكان لا بدَّ أن نقيِّد هذا بأول المسلمين من هذه الأُمَّة، ومنه قوله تعالى في سورة الأنعام، اتْلُ الآية: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام ١٦٢، ١٦٣] على ما مشى عليه المؤلف من الفهم نقول: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ من هذه الأُمَّة.
فيه احتمال آخَر أنَّ الأولية هنا أولية الصِّفة؛ يعني أنني أسبق المسلمين من حيث التقدُّم إلى الإسلام، كما تقول مثلًا لمن يخاطبك: إن كان هذا الذي قُلتَه حقًّا فأنا أول مَن يساهم، مثلًا لو قال: إنَّه فُتح مشروع في البلد خيري فقلت: إذا كان حقًّا فأنا أول مَن يساهم؛ يعني: (أوَّل) من حيث الانقياد والصِّفة، هذا فيه احتمال، وإذا كان هذا المعنى في الآية الكريمة فإننا لا نحتاج إلى أيش؟ إلى القيد الذي قاله المؤلف؛ لأننا نعلم أن رسول الله ﷺ هو أول مَن ينقاد لله سبحانه وتعالى، وأنه أعظمُ الناسِ انقيادًا وأشدُّهم.
ثم قال: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر ١٣]، ﴿عَذَابَ﴾ مفعول لأيش؟ لـ﴿عَصَيْتُ﴾؟
* طالب: أو لـ﴿أَخَافُ﴾.
* الشيخ: أو ﴿إِنْ عَصَيْتُ﴾؟
* الطالب: أصله: أخافُ عذابَ.
* الشيخ: أخافُ عذابَ، وليست مفعولًا لـ﴿عَصَيْتُ﴾ ليش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: العذاب لا يُعصى، المعنى يفسد.
﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ﴾ الخوف لا يمكن أن نُعَرِّفه بأَبْين من لفظه، كلُّنا يعرف الخوف، أليس كذلك؟ ولهذا نقول: إن الانفعالات النفسية لا يمكن لأحد أن يُعَرِّفها؛ لأنه ليس أَبْين من لفظها، ليس هناك شيءٌ أَبْين من لفظها أبدًا.
لو قال إنسان: عرِّفْ لي الكراهة، ويش تقول؟ تقول: الكراهة معروفة، الكراهة هي الكراهة.
عرِّف لي المحبة. ما تقدر تقول، المحبة هي المحبة.
* طالب: الْمَيْل.
* الشيخ: لا، الْمَيْل آثار المحبة، بعدما يحب يميل، ولهذا يقول ابن القيم رحمه الله في روضة المحبِّين -والله أعلم هل هي له أمْ لا- يقول: لا يمكن أن نحدَّ المحبَّة بأَبْين من لفظها أبدًا، كلُّ الذين عرَّفوها -فيها أكثر من عشرين تعريفًا- كلُّهم إنما يفسرونها بلوازمها ونتائجها. وصدق رحمه الله، الانفعالات النفسية ما يستطيع الإنسان يعرِّفها بأكثر من لفظها.
﴿أَخَافُ﴾ لو تسأل صبيًّا لا يعرف التعريفات تقول: ويش معنى الخوف؟ يقول: الخوف أني أرتعش، أتنافض. لا يمكن، هذا من آثاره. الخوف أنْ أهرب، هذا من آثاره. إذَنْ نقول: الخوفُ أيش؟ معروفٌ، هو الخوف.
﴿أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾، ﴿عَصَيْتُ﴾ المعصية: المخالَفة، وتكون بأمرين؛ إمَّا بتركِ مأمورٍ وإمَّا بفعلِ محظورٍ، هذا إذا أُفردتْ عن الطاعة، فإن قُرِنتْ بالطاعة صارت الطاعةُ فِعْلَ المأمورِ والمعصيةُ ارتكابَ المحظورِ.
هنا نقول: ﴿عَصَيْتُ﴾ مفردة عن الطاعة، فماذا يكون المعنى؟
* طالب: تشمل معنيين.
* الشيخ: تشمل معنيين: مخالفته؛ ﴿عَصَيْتُ رَبِّي﴾ أي: خالفتُه بفعل المنهي عنه أو بترك المأمور به.
وفي قوله: ﴿رَبِّي﴾ إشارةٌ إلى أنه عز وجل هو الذي له الأمر والنهي؛ لأنه ربٌّ، والربُّ خالقٌ مالكٌ مدبِّر.
﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ هو يوم القيامة، ووصَفه الله تعالى في القرآن الكريم بعدَّة أوصاف منها: العِظَم؛ وذلك لشدَّته وشدَّة أهواله، وشدَّة ما يكون فيه، وإذا سمعت الأوصاف التي ذكرها الله عز وجل لهذا اليوم العظيم فإنه لا شكَّ يعتريك من الخوف بقدر ما أنت مؤمنٌ به. لاحِظُوا، كلَّما كان الإنسان أقوى إيمانًا باليوم الآخِر كان منه أشدَّ خوفًا، وكلَّما ضَعُف إيمانه باليوم الآخِر ضَعُف خوفه منه، ولهذا لدينا عبارة مأثورة: كلُّ مَن كان بالله أعرَف كان منه أخوَف. وكلُّ مَن كان -أيضًا- باليوم الآخِر أعرَف وأقوى إيمانًا كان أقوى مخافةً.
يقول عز وجل: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر ١٣، ١٤] في الأول قال: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ٢] أمْر، في الثاني: أَمَره أن يُعلن بأنه مخلصٌ لله الدينَ، أن يعلن، ففي الأول يفعلُ هو؛ يعبد الله مخلصًا له الدين، في الثاني: أُمِر أن يعلن للملأ أنه مخلصٌ، وإعلانه أنه مخلصٌ يعني أنه متبرئٌ من شركهم لأنه مخلصٌ لله.
﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ﴾ إعرابها؟ اسم الجلالة؟
* طالب: ﴿قُلِ اللَّهَ﴾؟
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: فاعل.
* الشيخ: فاعل! كمِّل.
* الطالب: مفعول به.
* الشيخ: فاعلٌ مفعولٌ به! ما يمكن، إمَّا فاعلٌ وإمَّا مفعولٌ به.
* الطالب: مفعول به.
* الشيخ: مفعول به لأيش؟
* الطالب: لـ﴿قُلِ﴾.
* الشيخ: لـ﴿قُلِ﴾، ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ﴾ !
* الطالب: لـ﴿أَعْبُدُ﴾.
* الشيخ: مفعول به لـ﴿أَعْبُدُ﴾؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: طيب، صح، ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ﴾ قدَّم المفعولَ به للحصر؛ يعني: لا أعبد غيره.
ونظيره من حيث التركيب قولُه تعالى في سورة الفاتحة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة ٥] فقدَّم المفعولَ به.
هنا ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ﴾ قدَّم المفعولَ به لإفادة الحصر، ثم أكَّد هذا بقوله: ﴿مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾؛ يعني لا أعبد غير الله، وفي عبادتي له أيضًا أكون مخلصًا له، لا يشوب عبادتي إيَّاه شيءٌ من الشرك، ﴿مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾.
وقوله: ﴿دِينِي﴾ يعني: عملي. قال المؤلف: (من الشرك).
إذا جمعت بين الآيتين: الآية الأولى وهي: ﴿إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ١١]، والثانية، عرفْتَ شدَّة امتثال الرسول عليه الصلاة والسلام لأمْر ربِّه، وأنَّه عَبَدَ اللَّهَ مخلصًا له الدين، وأعلن ذلك للملأ غير مبالٍ بمخالفتهم.
﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر ١٥]، ﴿فَاعْبُدُوا﴾ هذا يحتمل أن يكون تهديدًا ويحتمل أن يكون تحدِّيًا، المؤلف يقول: (فيه تهديد)، ويمكن أن يكون تحدِّيًا.
أمَّا كونُه تهديدًا فظاهر، ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾؛ لأنه قال بعده: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾ إلى آخره [الزمر: ١٥].
وأمَّا كونُه تحدِّيًا فلأنَّه لَمَّا ذكر أنه يعبد الله وحده مخلصًا تحدَّاهم؛ قال: أنا لا أُبالي، أنتم اعبدوا ما شئتم وأنا لا أُبالي بكم، فسوف لا أشرك بالله، سوف أعبد الله وحده مخلصًا.
والقاعدة عندنا في التفسير أنه إذا كانت الآية تحتمل معنيين لا يتنافيان يُحمَل عليهما جميعًا.
قال تعالى: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾، ﴿مَا شِئْتُمْ﴾ يعني: الذي شئتم، ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي: من سواه؛ اعبدوا ما تشاؤون من سواه؛ ملكًا، وليًّا، شجرًا، حَجَرًا، شمسًا، قمرًا، أيُّ أحد تعبدونه لا يهمني، أنا سوف أبقى مخلصًا لله وأنتم اعبدوا ما شئتم.
يقول المؤلف: (﴿مِنْ دُونِهِ﴾ غيره) أي: سواه (فيه تهديدٌ لهم وإيذانٌ بأنهم لا يعبدون الله). (إيذان) يعني إعلان، أي إنَّ هذه الجملة فيها التهديد، وفيها أنهم لا يعبدون الله وإنما يعبدون غيره.
﴿قُلْ﴾ يعني: قُل لهم مع تحدِّيك إيَّاهم وتهديدك إيَّاهم ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الزمر ١٥]. الجملة فيها تأكيدٌ وفيها حصرٌ، أين التأكيد؟
* طلبة: ﴿إِنَّ﴾.
* الشيخ: ﴿إِنَّ﴾، ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾.
الحصر: أنَّ طرفَيِ الجملة معرفتان: ﴿الْخَاسِرِينَ﴾، ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا﴾؛ فكأنَّه قال: إن الخاسرين هم الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة. فإذَنْ فيها تأكيدٌ وحصرٌ.
﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾ مَن الخاسر؟ الخاسر بيَّنه الله عز وجل في قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر ٢، ٣] يعني الْخُسران ضدُّ الرِّبح؛ وذلك أن الْمُعامل إمَّا أن يأخذ رأسَ ماله، وإمَّا أن يخسر فيأتيه أقلُّ من رأس ماله، وإمَّا أن يربح فيأتيه أكثر.
الْخُسران الحقيقي ما ذكره الله هنا: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ١٥] هؤلاء هم الذين خسروا، ليس الخاسر مَن فقدَ ملايين الدراهم، وليس الخاسر مَن فقدَ أهلَه في الدنيا، وليس الخاسر مَن فقدَ نفسَه في الدنيا، الخاسرُ مَن خسر نفسَه وأهلَه متى؟ يوم القيامة، خسر نفسَه وأهلَه.
يقول: (بتخليد الأنفسِ في النار، وبعدم وُصُولهم إلى الحور المعَدَّة لهم في الجنة لو آمنوا).
قوله: (بتخليد الأنفسِ في النار) هذا بيانٌ لِخُسرانهم أنفسهم؛ لأنه خسر نفسَه في الحقيقة، ما وجْه الخسران؟
وجه الخسران أنَّ حياته في الدنيا لم يستفدْ منها في الآخرة إطلاقًا، فخسر نفسَه، خسر عمرَه، كله راح هباءً منثورًا، خسر نفسَه، لو أنه مؤمنٌ مخلصٌ لَاستفاد؛ لَكان كل حياته الدنيا ربحًا؛ لأنه سوف يخلد في الجنة التي فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بَشَر، أمَّا الآن فسيخلد في النار، هذا خسارةُ النفس.
خسارة الأهل فسَّرها المؤلف بأنه يفوته الحور العِين في الجنة لو آمن، وهذا وإنْ كان له وجهٌ لكنَّه بعيدٌ من الصواب، وذلك لأن الحور في الجنة لم تكن أهلًا له حتى يُقال: خسرها، وإنما المراد خسروا أهليهم؛ لأن أهليهم إنْ كانوا مؤمنين فهُم في الجنة، ولن يجتمعوا بهم، وإن كانوا كفَّارًا فهُم في النار ولن يجتمعوا بهم أيضًا، ولو كانوا مؤمنين وذُرِّيتهم مؤمنةً لَكانوا كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور ٢١]، يعني لنْ يجتمع أحدٌ مع أهله في الدنيا، لن يجتمع في الآخرة إلا إذا كان هو وهُم مؤمنين فسيجتمعون اجتماعًا لا فراق بعده، أمَّا مَن لم يكن كذلك فلا اجتماع.
على كلِّ حالٍ الصحيحُ أن المراد بـ﴿أَهْلِيهِمْ﴾ يعني أهليهم الذين في الدنيا حيث خسروا الاجتماعَ بهم في الآخرة، ووجْه الخسران؟
* طالب: أنه إذا كانوا مؤمنين وهم كفارٌ فلنْ يلتقوا بهم.
* الشيخ: لأن الأهل في الجنة وهؤلاء في النار، تمام.
* الطالب: وإذا كانوا كافرين فكذلك لن يلتقوا بهم.
* الشيخ: نعم، لأن كلَّ واحدٍ مشغولٌ بنفسه، تمام.
قال الله عز وجل: ﴿أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر ١٥] إي واللهِ. ﴿أَلَا ذَلِكَ﴾ شوف التأكيد البالغ، ﴿أَلَا﴾ أداة استفتاح، والفائدة منها: التوكيد والتنبيه.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارة لبُعده؛ لأنه خُسرانٌ سحيقٌ -والعياذ بالله- يعني لم يقُل: ألَا هذا، مع أن ذِكْره قريب، لكنَّه خُسرانٌ سحيقٌ، فأُشير إليه بإشارة البُعد، ثم حُصِر؛ قال: ﴿هُوَ الْخُسْرَانُ﴾ يعني لا غير، ثم أُكِّد بفداحته؛ قال: ﴿الْمُبِينُ﴾ أي: البيِّن الذي لا يخفى على أحد، نسأل الله أن يجعلني وإيَّاكم من الرابحين (...).
* * *
فيه مناقشة.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ١١]
قوله: ﴿إِنِّي أُمِرْتُ﴾، مَن هو الآمر؟
* طالب: الله عز وجل.
* الشيخ: حُذِف؟
* الطالب: لأنه معلوم.
* الشيخ: نعم، للعلم به.
قوله: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، إعراب مخلصًا؟
* طالب: حال.
* الشيخ: من أين؟
* الطالب: من فاعل ﴿أَعْبُدَ﴾.
* الشيخ: من فاعل ﴿أَعْبُدَ﴾. و﴿الدِّينَ﴾؟
* الطالب: و﴿الدِّينَ﴾ مفعول به لـ﴿مُخْلِصًا﴾.
* الشيخ: مفعول به لـ﴿مُخْلِصًا﴾. ما معنى إخلاص الدين؟
* طالب: يعني إخلاص الدين لله سبحانه وتعالى؛ يعني توجيه العبادة له سبحانه وتعالى ليس لغيره (...).
* طالب آخر: (...).
* طالب آخر: تنقيته من الشوائب الشركية.
* الشيخ: نعم، الإخلاص .. إخلاصُ الشيء تنقيته من الشوائب، والشوائب هنا شوائبُ الشرك.
﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر ١٢] ما معنى اللام هنا؟
* طالب: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ﴾ (...) الباء، يعني..
* الشيخ: بمعنى الباء؛ أي: بأن أكون. طيب، فيه وجه آخَر؟
* طالب: إي نعم، هو أن يكون الفعل متضمِّنًا لفعل آخَر يُعدَّى بهذا الحرف.
* الشيخ: التقدير؟
* الطالب: وأُمِرتُ أن أعبُدَ الله لأن أكون أول المسلمين.
* الشيخ: أن أعبد الله مخلصًا له لأن أكون..؟
* الطالب: أول المسلمين.
* الشيخ: أي: لأجْل أن أكون أول المسلمين. الأوَّلية هنا؟
* طالب: أولية سبق.
* الشيخ: سبق. وعلى ما ذهب إليه المؤلف؟
* الطالب: هو قال: (من هذه الأُمَّة)؛ لكي يحترز من أن قَبْل الرسول ﷺ ناسًا مسلمين.
* الشيخ: إي، لكن هذا .. على رأي المؤلف ماذا تكون الأوَّلية هنا؟
* الطالب: أوَّلية سبْق وعطاء.
* الشيخ: (سبْق) ذكرتَها أنت في الأول.
* الطالب: قبل.
* طالب: أوَّلية زمن، على رأي المؤلف.
* الشيخ: على رأي المؤلف: أوَّلية زمن.
* الطالب: والثاني: أوَّلية الصفة.
* الشيخ: إي نعم، أوَّلية الصفة يعني معناه؟
* الطالب: يعني: أول مَن سَبَق للانقياد للإسلام.
* الشيخ: نعم، أحسنت.
قوله: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر ١٣] ما الذي نَصَبها؟
* طالب: لأنها مفعول به.
* الشيخ: مفعول به لأيش؟
* الطالب: لـ﴿أَخَافُ﴾.
* الشيخ: لـ﴿أَخَافُ﴾. ما المراد باليوم؟
* طالب: يوم القيامة.
* الشيخ: قال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر ١٥] المراد بالأمر هنا؟
* طالب: (...).
* طالب آخر: التهديد والتحدي.
* الشيخ: كيف التهديد والتحدي؟
* الطالب: يقول المؤلف: (...) التهديد (...) التحدي.
* الشيخ: كيف التهديد وكيف التحدي؟
* الطالب: وجه التهديد أنَّه لا يمكن أن يكون الرسول ﷺ يأمرهم أن يعبدوا من دون الله سبحانه وتعالى شيئًا، لكن يهدِّدهم أن يعبدوا من دونه ما شاؤوا، والله عز وجل سيحاسبهم على هذه العبادة ويعاقبهم عليها.
ووجه التحدي أنَّه لا يبالي أنه يعبد الله عز وجل، وأنتم اعبدوا ما شئتم من دونه، وهو لا يبالي بما يعبدونه.
* الشيخ: تمام. طيب، قوله: ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ١٥] كيف ذلك؟
* طالب: على قول المؤلف هو خَسِر ما أعدَّ له في الجنة من حورٍ عينٍ (...).
* الشيخ: يعني أهليهم اللي في الجنة لو أنَّهم آمنوا.
* طالب: (...) خسر أهله ما اجتمع معهم في الجنة.
* الشيخ: وجْه ذلك؟ يعني وجْه الخسران في أهله إذا كان المراد أهله الذين في الدنيا، كيف يخسرهم يوم القيامة؟
* الطالب: يعني تفرق، ما اجتمع معهم، (...) ذهب إلى الجنة (...) يجمعهم وذريتهم (...).
* الشيخ: كيف خُسران النفس؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني خسروا أنفسَهم يوم القيامة، كيف خسرها؟
* الطالب: (...) يخسر ما عند الله من (...).
* طالب آخر: (...).
* طالب آخر: يعني ما يستفيد من عمره.
* الشيخ: يعني:لم يستفِدْ من عمره في الدنيا، فخَسِره في الآخرة، وأمَّا المؤمنون فإنهم ربحوا، أحسنت.
﴿أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر ١٥] ﴿أَلَا﴾؟
* طالب: ﴿أَلَا﴾ أداة استفتاح تفيد التنبيه.
* الشيخ: هل في الجملة حَصْر؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما طريقه؟
* الطالب: ضمير الفصل ﴿هُوَ﴾.
* الشيخ: ضمير الفصل ﴿هُوَ﴾.
طيب، ﴿الْمُبِينُ﴾ (...) بمعنى؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ﴿الْمُبِينُ﴾ ما معناه؟ ما معنى ﴿الْمُبِينُ﴾؟
* الطالب: معناه البيِّن.
* الشيخ: البيِّن؟ هل تأتي (أبانَ) الرباعية بمعنى البيِّن؟ لأن (بيِّن) من الثلاثي، و(مُبين) من الرباعي.
* طالب: تأتي.
* الشيخ: تأتي؛ يعني يقال: بانَ الصبحُ، وأبانَ الصبحُ.
* * *
أخذنا الفوائد؟
* طالب: ما أخذنا الفوائد.
* الشيخ: ما أخذناها، إذَن إن شاء الله نأخذها.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ١١]
* من فوائد هذه الآية: أن الإنسان مأمورٌ بأن يُعلن ما أَمَر الله به من عبادته؛ ﴿أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، ولهذا فائدتان:
* الفائدة الأولى: الحثُّ على اتِّباعه في هذا.
* والفائدة الثانية: بيان استحقاق الله سبحانه وتعالى لذلك، وأنَّه هو المستحقُّ لأن يُعبَد وحده؛ ﴿إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا﴾.
* ومن فوائد هذه الآية: أنه يجب في العبادة الإخلاص؛ لأنه أُمِر بأن يعبد الله على هذا الوصف: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾.
* ومن فوائدها: أنَّ مَن لم يُخلص لم يكن قد أتى بالأمر.
* ويتفرع على هذه القاعدة: أنَّ عمله يكون مردودًا عليه؛ لقوله..، فإذا أشركَ يكون قد عمل عملًا ليس عليه أمْر الله ورسوله، وقد قال النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) واللفظ له، من حديث عائشة.]].
* ومن فوائد قوله تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر ١٢] أنه يجب المبادرة بالإسلام من غير توقُّف؛ لأن الله أَمَر بذلك، وهذا بناءً على أنَّ المراد بالأوَّلية هنا أوَّلية الصفة؛ يعني: السبق.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الرسول ﷺ عبدٌ مأمورٌ.
ويتفرَّع على هذا أنَّه ليس له من الأمر شيء، وقد صرَّح الله بذلك في قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران ١٢٨].
ويتفرَّع عليه أيضًا ضلالُ أولئك القوم الذين يدعون رسول الله ﷺ أن يُغيثهم، أو أن يجلب لهم الخير ويدفع عنهم الشر.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر ١٣].
* من فوائدها: أنه ينبغي، بل يجب على الرسول عليه الصلاة والسلام أن يُعْلم هذا الإعلان للملأ؛ أنَّه يخاف عذابَ يومٍ عظيمٍ إن عصى الله، وفائدته ما ذكرنا قبل قليل: من أجْل التأسِّي به في ذلك، ومن أجْل بيان عظمة الله وأنه مستحقٌّ لأنْ يُخاف منه.
* ومن فوائدها: إثبات اليوم الآخِر؛ لقوله: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
* وهل يمكن أن يُستفاد منها أن النبي ﷺ تجوز عليه المعصية؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: لقوله: ﴿إِنْ عَصَيْتُ﴾.
ولكن قد يقول قائل: في هذا نظر؛ لأن الشرط قد يتحقَّق وقد لا يتحقَّق، وقد يكون تحقُّقه ممتنعًا مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف ٨١]، وقوله تعالى لرسوله: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ [الزمر ٦٥، ٦٦].
إذَن هذه الفائدة فيها نظر؛ لأن قوله: ﴿إِنْ عَصَيْتُ﴾ لا يدلُّ على أن المعصية تقع منه، لكن على فَرْض أن تقع فإني أخاف.
وقد يقول قائل: إنَّ كَوْنه يخاف أمْرٌ محقَّق؛ ﴿إِنِّي أَخَافُ﴾، وإذا كان أمرًا محقَّقًا فإن المعلَّق عليه وهو المعصية يكون كذلك؛ أي: يمكن أن يكون معناه أنني إنْ عصيتُ فإني أخاف.
وعلى كل حال فإنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام ثبت عنه أنَّه كان يدعو اللَّهَ أنْ يغفر اللَّهُ له ذنْبَه أولَه وآخِرَه[[أخرجه مسلم (٤٨٣ / ٢١٦) من حديث أبي هريرة.]]، وثبت أنه ﷺ يقول: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ»، «اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ»، «اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٤)، ومسلم (٥٩٨ / ١٤٧)، من حديث أبي هريرة.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: تعظيمُ يوم القيامة وأنه يومٌ عظيمٌ، ويتفرَّع على هذا أنه ينبغي للعاقل أن يحذر منه.
* ومن فوائدها: جواز وصْف غير الله بالعِظَم؛ لقوله: ﴿يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، وقد قال الله تعالى عن ملكة سبأ: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل ٢٣]، ووَصَف الإفكَ بأنه عظيمٌ ... إلى غير ذلك، فوصْف غير الله بالعِظَم لا بأس به، لكن العِظَم المطْلق إنما يكون لله عز وجل.
ثم قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر ١٤، ١٥].
* يُستفاد من هاتين الآيتين: أنه ينبغي للإنسان أن يُعلن بالحقِّ الذي هو عليه ولا يُبالي بمن خالَفه؛ لقوله: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾؛ يعني: فلا أُبالي بكم، أنا سأعبد اللَّهَ وأسير على الطريقة السليمة، وأنتم سيروا على ما شئتم.
* ومن فوائد الآيتين: أنَّ النبي ﷺ من أشدِّ الناس امتثالًا لأمْر الله؛ لأنه قال فيما سبق: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ١١]، ثم قال هنا: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر ١٤].
* ومن فوائد الآيتين: أن النبي ﷺ محتاجٌ إلى العمل الذي يُنجيه من عذاب الله؛ لقوله: ﴿مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ بالياء؛ بالإضافة، وهو كذلك، ولَمَّا حدَّث أصحابَه بأنه لن يدخل الجنةَ أحدٌ بعمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٤٦٣)، ومسلم (٢٨١٦ / ٧١)، من حديث أبي هريرة.]].
* ومن فوائد الآيتين: تحريم عبادة غير الله؛ تؤخذ من قوله: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر ١٥] لأنَّا ذكرنا أن الأمر هنا للتهديد، ولا تهديد إلا على شيءٍ مخالفٍ ومعصية.
* ومن فوائد الآية الكريمة -قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الزمر ١٥] إلى آخره- بيان أنَّ الخسارة الفادحة التي ليس معها رِبْح هي خسارة هؤلاء ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
* وفي الآية هذه: الإشارة إلى أنَّ الشرك هو سببُ هذه الخسارة؛ لأنه تلا قولَه: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِه﴾ ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾.
* ومن فوائدها: أنَّ أهل الشرك يوم القيامة لا يجتمعون بأهليهم؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ﴾.
* ومن فوائد الآية: أنَّ عُمر الإنسانِ حقيقةً هو ما أمضاه في طاعة الله، ولهذا وصَف الله هؤلاء بأنَّهم قد خسروا أنفسَهم؛ لأنهم لم يعملوا خيرًا.
* ومن فوائد الآية: أنَّ هذه الخسارة أعظمُ خسارةٍ تكون؛ لقوله: ﴿أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾.
* * *
نحن لم نتكلَّم في الأمس على ضمير الفصل، ولكن لا بدَّ أن يكون عندكم عِلمٌ منه، فضمير الفصل ضميرٌ، ليس اسمًا على القول الراجح، فليس له محلٌّ من الإعراب، لكنه يُؤتَى به لفوائد ثلاث:
الأولى؟
* طالب: حتى لا يشبه الخبر مع الصفة.
* الشيخ: حتى لا يشتبه الخبر بالصفة؛ يعني: فيَفْصِل بين الخبر والصفة، ويظهر هذا بالمثال؛ لو قلت: (زيدٌ الفاضلُ) فهنا يحتمل أن يكون (الفاضل) صفةً وأنَّ الخبر محذوفٌ؛ أي: زيدٌ الفاضلُ في البيت، مثلًا. فإذا قلت: (زيدٌ هو الفاضل) تعيَّن أن تكون (الفاضل) خبرًا.
الفائدة الثانية لضمير الفصل؟
* طالب: الحصر.
* الشيخ: الحصر، لأنك إذا قلت: (زيدٌ هو الفاضل) يعني: لا غيرُه، بخلاف لو قلت: (زيدٌ الفاضل)، فهو فاضلٌ وقد يكون غيرُه فاضلًا أيضًا.
الفائدة الثالثة؟
* طالب: التوكيد.
* الشيخ: التوكيد؛ لأن قول القائل: (زيدٌ هو الفاضل) أوكد من قوله: (زيدٌ الفاضل).
أما (هو) فليس له محلٌّ من الإعراب، ودليل ذلك في القرآن؛ قال الله تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء ٤٠]، ولو كان له محلٌّ من الإعراب لكان مبتدأً ولَرُفِع الذي بعده، ولَكانت الآية: لعلَّنا نتبع السحرة إنْ كانوا هم الغالبون.
الزمر 39:15
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ١١] ﴿قُلْ﴾ يعني: يا محمد، ﴿إِنِّي أُمِرْتُ﴾ أي: أمرني ربي، وهذه الصيغة تأتي بالبناء للمجهول؛ لأن الفاعل معلوم، وهذا يشْبِه حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن الرسول ﷺ قال: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨١٢)، ومسلم (٤٩٠ / ٢٢٧) من حديث ابن عباس.]].
أنَّ الأرض لله؛ لقوله: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ [الزمر ١٠]، وهذا كما قال موسى لقومه: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف ١٢٨].
* ومن فوائدها: فضيلة الصبر وأنَّ صاحبه يُوَفَّى أجرَه بغير حساب؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر ١٠].
* ومن فوائدها: كرمُ الله عز وجل حيث جعل الثواب بمنزلة الأجر، كأنَّه معاوَضة يُعاوَض به الْمُعامل؛ لقوله: ﴿أَجْرَهُمْ﴾.
* * *
ثم قال تعالى -في ابتداء درس اليوم-: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ١١].
﴿قُلْ﴾ يعني: يا محمد، ﴿إِنِّي أُمِرْتُ﴾ أي: أمَرني ربِّي، وهذه الصيغة تأتي بالبناء للمجهول لأنَّ الفاعل معلومٌ، وهذا يُشْبه حديثَ ابن عباس رضي الله عنهما أن الرسول ﷺ قال: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨١٢)، ومسلم (٤٩٠ / ٢٢٧)، من حديث ابن عباس.]]، «أُمِرْتُ»؛ لأن الآمِر معلومٌ وهو الله.
﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ وجاءت بكلمة: ﴿أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ﴾ للإشارة إلى مقام النبي ﷺ وأنَّه عبدٌ يُؤمَر ويُنهَى، وليس له من حقِّ الربوبية شيء.
وقال: ﴿أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ﴾ أي: أتذلَّل له، والعبادة تُطلق على معنيين:
المعنى الأول: التذلُّل لله الذي هو فِعْل العابد.
والأمر الثاني: المتعبَّد به، وهي العبادات على جميع أنواعها.
وعلى هذا يكون تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية للعبادة في قوله: العبادة اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يحبُّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. وذلك لأن العبادة -كما قلتُ- تُطلق على معنيين.
* طالب: التذلُّل اللي هو فعل العبد.
* الشيخ: التعبد وهو؟
* الطالب: التذلل.
* الشيخ: على معنيين: المعنى الأول؟
* الطالب: التذلُّل (...)، المعني الثاني ..
* الشيخ: يعني التعبد، الذي هو فِعل العبد، والثاني؟
* الطالب: العبادات.
* الشيخ: إي، المتعبَّد به وهي العبادات، وعلى هذا المعنى تفسير شيخ الإسلام ابن تيمية في قوله: العبادة..
* طالب: (...).
* طالب آخر: العبادة اسمٌ جامعٌ لكل ما يحبُّه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.
* الشيخ: أحسنت، تمام.
وهنا ﴿أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا﴾ يشمل المعنيين؛ يعني أنْ أتعبَّد له بالعبادة.
وقوله: ﴿مُخْلِصًا﴾ حالٌ من فاعل ﴿أَعْبُدَ﴾؛ أي: حالَ كوني مخلصًا لله، من أيِّ شيء؟ من الشرك؛ لأن الإخلاص يعني التنقية، ويُنَقَّى من أيِّ شيء؟ يُنَقَّى من الشرك؛ لأن العمل إذا شابَهُ الشركُ أفسده وأبطله؛ قال الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]].
وقوله: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ قال: (من الشرك)، والمرادُ بالدين هنا العملُ الذي يفعله الإنسان ليُدانَ به. لاحظوا التفسير: العمل الذي يعمله الإنسان لأجْل أن يُدان به. وأمَّا عملٌ لا يؤمَّل أن يُدان به فهذا لا يُسَمَّى دينًا وإنْ كان عملًا، لا بدَّ أن يكون عاملًا من أجْل أن يُدان بهذا العمل.
يقول عز وجل: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، ومرَّ علينا كثيرًا أنَّ الدين يُطلَق على العمل ويُطلَق على الجزاء؛ ففي قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤] الجزاء، وفي قوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون ٦] أي: العمل.
﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر ١٢] قال المؤلف -المفسِّر-: (أي: بأنْ)، فجعل اللام بمعنى الباء؛ وذلك لأن (أَمَرَ) إنما تتعدَّى بالباء ولا تتعدَّى باللام، فلهذا فسَّرها المؤلف بالباء، وهذا أحد المسلكين للنُّحاة فيما إذا تلا الفعلَ حرفٌ لا يتعدَّى به غالبًا، فإنهم يجعلون هذا الحرف بمعنى الحرف الذي يتعدَّى به العامل –أي: الفعل أو غير الفعل- غالبًا، فهمتم؟ فمثلًا هنا: ﴿أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ﴾ يجعلون اللام بمعنى الباء، وفي قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان ٦] يجعلون الباء بمعنى (مِنْ)؛ أي: يشرب منها.
والمسلك الثاني للنُّحاة أنهم يحوِّلون الفعل إلى فعلٍ مناسبٍ للمتعلِّق ويُسَمُّون هذا تضمينًا؛ أي إنَّ الفعل ضُمِّن؛ الفعلُ المذكورُ ضُمِّن فعلًا يتعدَّى بالحرف المذكور؛ فمثلًا: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ يقولون: المعنى: يَرْوَى بها، فضُمِّن الشُّرب معنى الرِّيِّ، ولا شكَّ أن هذا يعطي الآية أو النص معنًى أكثر؛ لأنه يُبقي الحرفَ على ما هو عليه ويعطي الفعلَ المذكورَ معنًى زائدًا على ما يدلُّ عليه لفظُه، فيكون هذا المسلك أولى.
لكن أحيانًا يصعب على طالب العلم -ولا سيَّما المبتدئ- يصعب أن يقدِّر الفعل المناسب الذي يكون مضمونًا للفعل المذكور، حينئذٍ يلجأ إلى الأسهل وهو تحويل الحرف إلى حرفٍ يناسب الفعلَ المذكور.
فهنا ﴿أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ﴾ لا شكَّ أنه من السهل أن أقول: إنَّ اللام بمعنى الباء، وأمشي؛ يعني: أُمِرتُ بأنْ أكون.
لكنْ لو أردنا أن نُضَمِّن ﴿أُمِرْتُ﴾ معنًى يناسب اللام ﴿أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ﴾ يحتاج إلى تأمُّل وتفكير في المعنى، لماذا قال: ﴿أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ﴾؟ ممكن أن نقدِّر: أُمِرتُ أنْ أعبُدَ اللَّهَ لأنْ أكون أولَّ المسلمين، فتكون اللام تعليلًا للفعل المحذوف، وهو: أنْ أعبُدَ اللَّهَ لأن أكون أول المسلمين؛ يعني: وُجِّهَ الأمرُ إليَّ أولًا لأكون أولَ المسلمين؛ أي: المنقادين لأمر الله، وحينئذٍ نستفيد من هذا معنيين: معنى الأمر، ومعنى العبادة التي حُذفت ليصحَّ تعليق الحرف بها.
قال: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (من هذه الأُمَّة)، ﴿لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ قال المؤلف: (من هذه الأُمَّة).
وكلمة ﴿أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ الإسلام يُطلَق على الانقياد؛ لأنه مأخوذٌ من: أَسْلمَ أمْرَهُ إلى غيره، ومنه الاستسلام في الحرب؛ لأن المستسلم ينقاد للغالب الذي غلبه.
فالإسلام هو الانقياد ظاهرًا، وبناءً على هذا يكون المنافقون أيش؟ مسلمين ظاهرًا، ولهذا يُطلَق الإسلامُ على ضعيف الإيمان؛ كما قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات ١٤].
أحيانًا يُطلَق الإسلام على الشريعة كلِّها فيشمل الاستسلامَ ظاهرًا وباطنًا، وهو الإيمان، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة ٣]، ليس المراد الاستسلام الظاهر، وإنما المراد الشرائع كلُّها، شرائع الإسلام كلُّها؛ ﴿رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ﴾ أي: شرائع الإسلام كلُّها ﴿دِينًا﴾.
يقول أهل العلم: الإسلام إذا قُرِنَ بالإيمان فُسِّر الإسلامُ بالأعمال الظاهرة، والإيمانُ بالأعمال الباطنة. قالوا: ومن ذلك حديثُ جبريل لَمَّا سأل النبيَّ ﷺ عن الإسلام قال: «أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ»، ولَمَّا سأله عن الإيمان قال:« أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[[أخرجه مسلم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب.]].
أمَّا إذا أُفْرِد أحدُهما فإنه يشمل الآخَر؛ فالإسلامُ إذا ذُكِر وحده شَمِلَ جميعَ الشرائع ومنها الإيمان، والإيمانُ إذا ذُكِرَ وحده شَمِلَ جميعَ الشرائع ومنها الإسلام.
يقول هنا: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر ١٢] قال: (من هذه الأُمَّة). لماذا قيَّد الآية مع أنها مطْلقة ﴿أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾؟ قيَّدها لأنه -رحمه الله- فَهِم أنَّ الأوَّلية هنا أوَّلية الزمن، وإذا كانت أوَّلية الزمن فإنه لا يصح أن يكون النبيُّ ﷺ أولَ المسلمين، لماذا؟ لأنَّ قبله أُمَم مسلمة كثيرة، فكان لا بدَّ أن نقيِّد هذا بأول المسلمين من هذه الأُمَّة، ومنه قوله تعالى في سورة الأنعام، اتْلُ الآية: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام ١٦٢، ١٦٣] على ما مشى عليه المؤلف من الفهم نقول: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ من هذه الأُمَّة.
فيه احتمال آخَر أنَّ الأولية هنا أولية الصِّفة؛ يعني أنني أسبق المسلمين من حيث التقدُّم إلى الإسلام، كما تقول مثلًا لمن يخاطبك: إن كان هذا الذي قُلتَه حقًّا فأنا أول مَن يساهم، مثلًا لو قال: إنَّه فُتح مشروع في البلد خيري فقلت: إذا كان حقًّا فأنا أول مَن يساهم؛ يعني: (أوَّل) من حيث الانقياد والصِّفة، هذا فيه احتمال، وإذا كان هذا المعنى في الآية الكريمة فإننا لا نحتاج إلى أيش؟ إلى القيد الذي قاله المؤلف؛ لأننا نعلم أن رسول الله ﷺ هو أول مَن ينقاد لله سبحانه وتعالى، وأنه أعظمُ الناسِ انقيادًا وأشدُّهم.
ثم قال: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر ١٣]، ﴿عَذَابَ﴾ مفعول لأيش؟ لـ﴿عَصَيْتُ﴾؟
* طالب: أو لـ﴿أَخَافُ﴾.
* الشيخ: أو ﴿إِنْ عَصَيْتُ﴾؟
* الطالب: أصله: أخافُ عذابَ.
* الشيخ: أخافُ عذابَ، وليست مفعولًا لـ﴿عَصَيْتُ﴾ ليش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: العذاب لا يُعصى، المعنى يفسد.
﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ﴾ الخوف لا يمكن أن نُعَرِّفه بأَبْين من لفظه، كلُّنا يعرف الخوف، أليس كذلك؟ ولهذا نقول: إن الانفعالات النفسية لا يمكن لأحد أن يُعَرِّفها؛ لأنه ليس أَبْين من لفظها، ليس هناك شيءٌ أَبْين من لفظها أبدًا.
لو قال إنسان: عرِّفْ لي الكراهة، ويش تقول؟ تقول: الكراهة معروفة، الكراهة هي الكراهة.
عرِّف لي المحبة. ما تقدر تقول، المحبة هي المحبة.
* طالب: الْمَيْل.
* الشيخ: لا، الْمَيْل آثار المحبة، بعدما يحب يميل، ولهذا يقول ابن القيم رحمه الله في روضة المحبِّين -والله أعلم هل هي له أمْ لا- يقول: لا يمكن أن نحدَّ المحبَّة بأَبْين من لفظها أبدًا، كلُّ الذين عرَّفوها -فيها أكثر من عشرين تعريفًا- كلُّهم إنما يفسرونها بلوازمها ونتائجها. وصدق رحمه الله، الانفعالات النفسية ما يستطيع الإنسان يعرِّفها بأكثر من لفظها.
﴿أَخَافُ﴾ لو تسأل صبيًّا لا يعرف التعريفات تقول: ويش معنى الخوف؟ يقول: الخوف أني أرتعش، أتنافض. لا يمكن، هذا من آثاره. الخوف أنْ أهرب، هذا من آثاره. إذَنْ نقول: الخوفُ أيش؟ معروفٌ، هو الخوف.
﴿أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾، ﴿عَصَيْتُ﴾ المعصية: المخالَفة، وتكون بأمرين؛ إمَّا بتركِ مأمورٍ وإمَّا بفعلِ محظورٍ، هذا إذا أُفردتْ عن الطاعة، فإن قُرِنتْ بالطاعة صارت الطاعةُ فِعْلَ المأمورِ والمعصيةُ ارتكابَ المحظورِ.
هنا نقول: ﴿عَصَيْتُ﴾ مفردة عن الطاعة، فماذا يكون المعنى؟
* طالب: تشمل معنيين.
* الشيخ: تشمل معنيين: مخالفته؛ ﴿عَصَيْتُ رَبِّي﴾ أي: خالفتُه بفعل المنهي عنه أو بترك المأمور به.
وفي قوله: ﴿رَبِّي﴾ إشارةٌ إلى أنه عز وجل هو الذي له الأمر والنهي؛ لأنه ربٌّ، والربُّ خالقٌ مالكٌ مدبِّر.
﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ هو يوم القيامة، ووصَفه الله تعالى في القرآن الكريم بعدَّة أوصاف منها: العِظَم؛ وذلك لشدَّته وشدَّة أهواله، وشدَّة ما يكون فيه، وإذا سمعت الأوصاف التي ذكرها الله عز وجل لهذا اليوم العظيم فإنه لا شكَّ يعتريك من الخوف بقدر ما أنت مؤمنٌ به. لاحِظُوا، كلَّما كان الإنسان أقوى إيمانًا باليوم الآخِر كان منه أشدَّ خوفًا، وكلَّما ضَعُف إيمانه باليوم الآخِر ضَعُف خوفه منه، ولهذا لدينا عبارة مأثورة: كلُّ مَن كان بالله أعرَف كان منه أخوَف. وكلُّ مَن كان -أيضًا- باليوم الآخِر أعرَف وأقوى إيمانًا كان أقوى مخافةً.
يقول عز وجل: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر ١٣، ١٤] في الأول قال: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ٢] أمْر، في الثاني: أَمَره أن يُعلن بأنه مخلصٌ لله الدينَ، أن يعلن، ففي الأول يفعلُ هو؛ يعبد الله مخلصًا له الدين، في الثاني: أُمِر أن يعلن للملأ أنه مخلصٌ، وإعلانه أنه مخلصٌ يعني أنه متبرئٌ من شركهم لأنه مخلصٌ لله.
﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ﴾ إعرابها؟ اسم الجلالة؟
* طالب: ﴿قُلِ اللَّهَ﴾؟
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: فاعل.
* الشيخ: فاعل! كمِّل.
* الطالب: مفعول به.
* الشيخ: فاعلٌ مفعولٌ به! ما يمكن، إمَّا فاعلٌ وإمَّا مفعولٌ به.
* الطالب: مفعول به.
* الشيخ: مفعول به لأيش؟
* الطالب: لـ﴿قُلِ﴾.
* الشيخ: لـ﴿قُلِ﴾، ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ﴾ !
* الطالب: لـ﴿أَعْبُدُ﴾.
* الشيخ: مفعول به لـ﴿أَعْبُدُ﴾؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: طيب، صح، ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ﴾ قدَّم المفعولَ به للحصر؛ يعني: لا أعبد غيره.
ونظيره من حيث التركيب قولُه تعالى في سورة الفاتحة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة ٥] فقدَّم المفعولَ به.
هنا ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ﴾ قدَّم المفعولَ به لإفادة الحصر، ثم أكَّد هذا بقوله: ﴿مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾؛ يعني لا أعبد غير الله، وفي عبادتي له أيضًا أكون مخلصًا له، لا يشوب عبادتي إيَّاه شيءٌ من الشرك، ﴿مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾.
وقوله: ﴿دِينِي﴾ يعني: عملي. قال المؤلف: (من الشرك).
إذا جمعت بين الآيتين: الآية الأولى وهي: ﴿إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ١١]، والثانية، عرفْتَ شدَّة امتثال الرسول عليه الصلاة والسلام لأمْر ربِّه، وأنَّه عَبَدَ اللَّهَ مخلصًا له الدين، وأعلن ذلك للملأ غير مبالٍ بمخالفتهم.
﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر ١٥]، ﴿فَاعْبُدُوا﴾ هذا يحتمل أن يكون تهديدًا ويحتمل أن يكون تحدِّيًا، المؤلف يقول: (فيه تهديد)، ويمكن أن يكون تحدِّيًا.
أمَّا كونُه تهديدًا فظاهر، ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾؛ لأنه قال بعده: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾ إلى آخره [الزمر: ١٥].
وأمَّا كونُه تحدِّيًا فلأنَّه لَمَّا ذكر أنه يعبد الله وحده مخلصًا تحدَّاهم؛ قال: أنا لا أُبالي، أنتم اعبدوا ما شئتم وأنا لا أُبالي بكم، فسوف لا أشرك بالله، سوف أعبد الله وحده مخلصًا.
والقاعدة عندنا في التفسير أنه إذا كانت الآية تحتمل معنيين لا يتنافيان يُحمَل عليهما جميعًا.
قال تعالى: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾، ﴿مَا شِئْتُمْ﴾ يعني: الذي شئتم، ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي: من سواه؛ اعبدوا ما تشاؤون من سواه؛ ملكًا، وليًّا، شجرًا، حَجَرًا، شمسًا، قمرًا، أيُّ أحد تعبدونه لا يهمني، أنا سوف أبقى مخلصًا لله وأنتم اعبدوا ما شئتم.
يقول المؤلف: (﴿مِنْ دُونِهِ﴾ غيره) أي: سواه (فيه تهديدٌ لهم وإيذانٌ بأنهم لا يعبدون الله). (إيذان) يعني إعلان، أي إنَّ هذه الجملة فيها التهديد، وفيها أنهم لا يعبدون الله وإنما يعبدون غيره.
﴿قُلْ﴾ يعني: قُل لهم مع تحدِّيك إيَّاهم وتهديدك إيَّاهم ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الزمر ١٥]. الجملة فيها تأكيدٌ وفيها حصرٌ، أين التأكيد؟
* طلبة: ﴿إِنَّ﴾.
* الشيخ: ﴿إِنَّ﴾، ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾.
الحصر: أنَّ طرفَيِ الجملة معرفتان: ﴿الْخَاسِرِينَ﴾، ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا﴾؛ فكأنَّه قال: إن الخاسرين هم الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة. فإذَنْ فيها تأكيدٌ وحصرٌ.
﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾ مَن الخاسر؟ الخاسر بيَّنه الله عز وجل في قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر ٢، ٣] يعني الْخُسران ضدُّ الرِّبح؛ وذلك أن الْمُعامل إمَّا أن يأخذ رأسَ ماله، وإمَّا أن يخسر فيأتيه أقلُّ من رأس ماله، وإمَّا أن يربح فيأتيه أكثر.
الْخُسران الحقيقي ما ذكره الله هنا: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ١٥] هؤلاء هم الذين خسروا، ليس الخاسر مَن فقدَ ملايين الدراهم، وليس الخاسر مَن فقدَ أهلَه في الدنيا، وليس الخاسر مَن فقدَ نفسَه في الدنيا، الخاسرُ مَن خسر نفسَه وأهلَه متى؟ يوم القيامة، خسر نفسَه وأهلَه.
يقول: (بتخليد الأنفسِ في النار، وبعدم وُصُولهم إلى الحور المعَدَّة لهم في الجنة لو آمنوا).
قوله: (بتخليد الأنفسِ في النار) هذا بيانٌ لِخُسرانهم أنفسهم؛ لأنه خسر نفسَه في الحقيقة، ما وجْه الخسران؟
وجه الخسران أنَّ حياته في الدنيا لم يستفدْ منها في الآخرة إطلاقًا، فخسر نفسَه، خسر عمرَه، كله راح هباءً منثورًا، خسر نفسَه، لو أنه مؤمنٌ مخلصٌ لَاستفاد؛ لَكان كل حياته الدنيا ربحًا؛ لأنه سوف يخلد في الجنة التي فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بَشَر، أمَّا الآن فسيخلد في النار، هذا خسارةُ النفس.
خسارة الأهل فسَّرها المؤلف بأنه يفوته الحور العِين في الجنة لو آمن، وهذا وإنْ كان له وجهٌ لكنَّه بعيدٌ من الصواب، وذلك لأن الحور في الجنة لم تكن أهلًا له حتى يُقال: خسرها، وإنما المراد خسروا أهليهم؛ لأن أهليهم إنْ كانوا مؤمنين فهُم في الجنة، ولن يجتمعوا بهم، وإن كانوا كفَّارًا فهُم في النار ولن يجتمعوا بهم أيضًا، ولو كانوا مؤمنين وذُرِّيتهم مؤمنةً لَكانوا كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور ٢١]، يعني لنْ يجتمع أحدٌ مع أهله في الدنيا، لن يجتمع في الآخرة إلا إذا كان هو وهُم مؤمنين فسيجتمعون اجتماعًا لا فراق بعده، أمَّا مَن لم يكن كذلك فلا اجتماع.
على كلِّ حالٍ الصحيحُ أن المراد بـ﴿أَهْلِيهِمْ﴾ يعني أهليهم الذين في الدنيا حيث خسروا الاجتماعَ بهم في الآخرة، ووجْه الخسران؟
* طالب: أنه إذا كانوا مؤمنين وهم كفارٌ فلنْ يلتقوا بهم.
* الشيخ: لأن الأهل في الجنة وهؤلاء في النار، تمام.
* الطالب: وإذا كانوا كافرين فكذلك لن يلتقوا بهم.
* الشيخ: نعم، لأن كلَّ واحدٍ مشغولٌ بنفسه، تمام.
قال الله عز وجل: ﴿أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر ١٥] إي واللهِ. ﴿أَلَا ذَلِكَ﴾ شوف التأكيد البالغ، ﴿أَلَا﴾ أداة استفتاح، والفائدة منها: التوكيد والتنبيه.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارة لبُعده؛ لأنه خُسرانٌ سحيقٌ -والعياذ بالله- يعني لم يقُل: ألَا هذا، مع أن ذِكْره قريب، لكنَّه خُسرانٌ سحيقٌ، فأُشير إليه بإشارة البُعد، ثم حُصِر؛ قال: ﴿هُوَ الْخُسْرَانُ﴾ يعني لا غير، ثم أُكِّد بفداحته؛ قال: ﴿الْمُبِينُ﴾ أي: البيِّن الذي لا يخفى على أحد، نسأل الله أن يجعلني وإيَّاكم من الرابحين (...).
* * *
فيه مناقشة.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ١١]
قوله: ﴿إِنِّي أُمِرْتُ﴾، مَن هو الآمر؟
* طالب: الله عز وجل.
* الشيخ: حُذِف؟
* الطالب: لأنه معلوم.
* الشيخ: نعم، للعلم به.
قوله: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، إعراب مخلصًا؟
* طالب: حال.
* الشيخ: من أين؟
* الطالب: من فاعل ﴿أَعْبُدَ﴾.
* الشيخ: من فاعل ﴿أَعْبُدَ﴾. و﴿الدِّينَ﴾؟
* الطالب: و﴿الدِّينَ﴾ مفعول به لـ﴿مُخْلِصًا﴾.
* الشيخ: مفعول به لـ﴿مُخْلِصًا﴾. ما معنى إخلاص الدين؟
* طالب: يعني إخلاص الدين لله سبحانه وتعالى؛ يعني توجيه العبادة له سبحانه وتعالى ليس لغيره (...).
* طالب آخر: (...).
* طالب آخر: تنقيته من الشوائب الشركية.
* الشيخ: نعم، الإخلاص .. إخلاصُ الشيء تنقيته من الشوائب، والشوائب هنا شوائبُ الشرك.
﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر ١٢] ما معنى اللام هنا؟
* طالب: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ﴾ (...) الباء، يعني..
* الشيخ: بمعنى الباء؛ أي: بأن أكون. طيب، فيه وجه آخَر؟
* طالب: إي نعم، هو أن يكون الفعل متضمِّنًا لفعل آخَر يُعدَّى بهذا الحرف.
* الشيخ: التقدير؟
* الطالب: وأُمِرتُ أن أعبُدَ الله لأن أكون أول المسلمين.
* الشيخ: أن أعبد الله مخلصًا له لأن أكون..؟
* الطالب: أول المسلمين.
* الشيخ: أي: لأجْل أن أكون أول المسلمين. الأوَّلية هنا؟
* طالب: أولية سبق.
* الشيخ: سبق. وعلى ما ذهب إليه المؤلف؟
* الطالب: هو قال: (من هذه الأُمَّة)؛ لكي يحترز من أن قَبْل الرسول ﷺ ناسًا مسلمين.
* الشيخ: إي، لكن هذا .. على رأي المؤلف ماذا تكون الأوَّلية هنا؟
* الطالب: أوَّلية سبْق وعطاء.
* الشيخ: (سبْق) ذكرتَها أنت في الأول.
* الطالب: قبل.
* طالب: أوَّلية زمن، على رأي المؤلف.
* الشيخ: على رأي المؤلف: أوَّلية زمن.
* الطالب: والثاني: أوَّلية الصفة.
* الشيخ: إي نعم، أوَّلية الصفة يعني معناه؟
* الطالب: يعني: أول مَن سَبَق للانقياد للإسلام.
* الشيخ: نعم، أحسنت.
قوله: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر ١٣] ما الذي نَصَبها؟
* طالب: لأنها مفعول به.
* الشيخ: مفعول به لأيش؟
* الطالب: لـ﴿أَخَافُ﴾.
* الشيخ: لـ﴿أَخَافُ﴾. ما المراد باليوم؟
* طالب: يوم القيامة.
* الشيخ: قال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر ١٥] المراد بالأمر هنا؟
* طالب: (...).
* طالب آخر: التهديد والتحدي.
* الشيخ: كيف التهديد والتحدي؟
* الطالب: يقول المؤلف: (...) التهديد (...) التحدي.
* الشيخ: كيف التهديد وكيف التحدي؟
* الطالب: وجه التهديد أنَّه لا يمكن أن يكون الرسول ﷺ يأمرهم أن يعبدوا من دون الله سبحانه وتعالى شيئًا، لكن يهدِّدهم أن يعبدوا من دونه ما شاؤوا، والله عز وجل سيحاسبهم على هذه العبادة ويعاقبهم عليها.
ووجه التحدي أنَّه لا يبالي أنه يعبد الله عز وجل، وأنتم اعبدوا ما شئتم من دونه، وهو لا يبالي بما يعبدونه.
* الشيخ: تمام. طيب، قوله: ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ١٥] كيف ذلك؟
* طالب: على قول المؤلف هو خَسِر ما أعدَّ له في الجنة من حورٍ عينٍ (...).
* الشيخ: يعني أهليهم اللي في الجنة لو أنَّهم آمنوا.
* طالب: (...) خسر أهله ما اجتمع معهم في الجنة.
* الشيخ: وجْه ذلك؟ يعني وجْه الخسران في أهله إذا كان المراد أهله الذين في الدنيا، كيف يخسرهم يوم القيامة؟
* الطالب: يعني تفرق، ما اجتمع معهم، (...) ذهب إلى الجنة (...) يجمعهم وذريتهم (...).
* الشيخ: كيف خُسران النفس؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني خسروا أنفسَهم يوم القيامة، كيف خسرها؟
* الطالب: (...) يخسر ما عند الله من (...).
* طالب آخر: (...).
* طالب آخر: يعني ما يستفيد من عمره.
* الشيخ: يعني:لم يستفِدْ من عمره في الدنيا، فخَسِره في الآخرة، وأمَّا المؤمنون فإنهم ربحوا، أحسنت.
﴿أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر ١٥] ﴿أَلَا﴾؟
* طالب: ﴿أَلَا﴾ أداة استفتاح تفيد التنبيه.
* الشيخ: هل في الجملة حَصْر؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما طريقه؟
* الطالب: ضمير الفصل ﴿هُوَ﴾.
* الشيخ: ضمير الفصل ﴿هُوَ﴾.
طيب، ﴿الْمُبِينُ﴾ (...) بمعنى؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ﴿الْمُبِينُ﴾ ما معناه؟ ما معنى ﴿الْمُبِينُ﴾؟
* الطالب: معناه البيِّن.
* الشيخ: البيِّن؟ هل تأتي (أبانَ) الرباعية بمعنى البيِّن؟ لأن (بيِّن) من الثلاثي، و(مُبين) من الرباعي.
* طالب: تأتي.
* الشيخ: تأتي؛ يعني يقال: بانَ الصبحُ، وأبانَ الصبحُ.
* * *
أخذنا الفوائد؟
* طالب: ما أخذنا الفوائد.
* الشيخ: ما أخذناها، إذَن إن شاء الله نأخذها.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ١١]
* من فوائد هذه الآية: أن الإنسان مأمورٌ بأن يُعلن ما أَمَر الله به من عبادته؛ ﴿أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، ولهذا فائدتان:
* الفائدة الأولى: الحثُّ على اتِّباعه في هذا.
* والفائدة الثانية: بيان استحقاق الله سبحانه وتعالى لذلك، وأنَّه هو المستحقُّ لأن يُعبَد وحده؛ ﴿إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا﴾.
* ومن فوائد هذه الآية: أنه يجب في العبادة الإخلاص؛ لأنه أُمِر بأن يعبد الله على هذا الوصف: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾.
* ومن فوائدها: أنَّ مَن لم يُخلص لم يكن قد أتى بالأمر.
* ويتفرع على هذه القاعدة: أنَّ عمله يكون مردودًا عليه؛ لقوله..، فإذا أشركَ يكون قد عمل عملًا ليس عليه أمْر الله ورسوله، وقد قال النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) واللفظ له، من حديث عائشة.]].
* ومن فوائد قوله تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر ١٢] أنه يجب المبادرة بالإسلام من غير توقُّف؛ لأن الله أَمَر بذلك، وهذا بناءً على أنَّ المراد بالأوَّلية هنا أوَّلية الصفة؛ يعني: السبق.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الرسول ﷺ عبدٌ مأمورٌ.
ويتفرَّع على هذا أنَّه ليس له من الأمر شيء، وقد صرَّح الله بذلك في قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران ١٢٨].
ويتفرَّع عليه أيضًا ضلالُ أولئك القوم الذين يدعون رسول الله ﷺ أن يُغيثهم، أو أن يجلب لهم الخير ويدفع عنهم الشر.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر ١٣].
* من فوائدها: أنه ينبغي، بل يجب على الرسول عليه الصلاة والسلام أن يُعْلم هذا الإعلان للملأ؛ أنَّه يخاف عذابَ يومٍ عظيمٍ إن عصى الله، وفائدته ما ذكرنا قبل قليل: من أجْل التأسِّي به في ذلك، ومن أجْل بيان عظمة الله وأنه مستحقٌّ لأنْ يُخاف منه.
* ومن فوائدها: إثبات اليوم الآخِر؛ لقوله: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
* وهل يمكن أن يُستفاد منها أن النبي ﷺ تجوز عليه المعصية؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: لقوله: ﴿إِنْ عَصَيْتُ﴾.
ولكن قد يقول قائل: في هذا نظر؛ لأن الشرط قد يتحقَّق وقد لا يتحقَّق، وقد يكون تحقُّقه ممتنعًا مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف ٨١]، وقوله تعالى لرسوله: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ [الزمر ٦٥، ٦٦].
إذَن هذه الفائدة فيها نظر؛ لأن قوله: ﴿إِنْ عَصَيْتُ﴾ لا يدلُّ على أن المعصية تقع منه، لكن على فَرْض أن تقع فإني أخاف.
وقد يقول قائل: إنَّ كَوْنه يخاف أمْرٌ محقَّق؛ ﴿إِنِّي أَخَافُ﴾، وإذا كان أمرًا محقَّقًا فإن المعلَّق عليه وهو المعصية يكون كذلك؛ أي: يمكن أن يكون معناه أنني إنْ عصيتُ فإني أخاف.
وعلى كل حال فإنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام ثبت عنه أنَّه كان يدعو اللَّهَ أنْ يغفر اللَّهُ له ذنْبَه أولَه وآخِرَه[[أخرجه مسلم (٤٨٣ / ٢١٦) من حديث أبي هريرة.]]، وثبت أنه ﷺ يقول: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ»، «اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ»، «اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٤)، ومسلم (٥٩٨ / ١٤٧)، من حديث أبي هريرة.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: تعظيمُ يوم القيامة وأنه يومٌ عظيمٌ، ويتفرَّع على هذا أنه ينبغي للعاقل أن يحذر منه.
* ومن فوائدها: جواز وصْف غير الله بالعِظَم؛ لقوله: ﴿يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، وقد قال الله تعالى عن ملكة سبأ: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل ٢٣]، ووَصَف الإفكَ بأنه عظيمٌ ... إلى غير ذلك، فوصْف غير الله بالعِظَم لا بأس به، لكن العِظَم المطْلق إنما يكون لله عز وجل.
ثم قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر ١٤، ١٥].
* يُستفاد من هاتين الآيتين: أنه ينبغي للإنسان أن يُعلن بالحقِّ الذي هو عليه ولا يُبالي بمن خالَفه؛ لقوله: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾؛ يعني: فلا أُبالي بكم، أنا سأعبد اللَّهَ وأسير على الطريقة السليمة، وأنتم سيروا على ما شئتم.
* ومن فوائد الآيتين: أنَّ النبي ﷺ من أشدِّ الناس امتثالًا لأمْر الله؛ لأنه قال فيما سبق: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ١١]، ثم قال هنا: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر ١٤].
* ومن فوائد الآيتين: أن النبي ﷺ محتاجٌ إلى العمل الذي يُنجيه من عذاب الله؛ لقوله: ﴿مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ بالياء؛ بالإضافة، وهو كذلك، ولَمَّا حدَّث أصحابَه بأنه لن يدخل الجنةَ أحدٌ بعمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٤٦٣)، ومسلم (٢٨١٦ / ٧١)، من حديث أبي هريرة.]].
* ومن فوائد الآيتين: تحريم عبادة غير الله؛ تؤخذ من قوله: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر ١٥] لأنَّا ذكرنا أن الأمر هنا للتهديد، ولا تهديد إلا على شيءٍ مخالفٍ ومعصية.
* ومن فوائد الآية الكريمة -قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الزمر ١٥] إلى آخره- بيان أنَّ الخسارة الفادحة التي ليس معها رِبْح هي خسارة هؤلاء ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
* وفي الآية هذه: الإشارة إلى أنَّ الشرك هو سببُ هذه الخسارة؛ لأنه تلا قولَه: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِه﴾ ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾.
* ومن فوائدها: أنَّ أهل الشرك يوم القيامة لا يجتمعون بأهليهم؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ﴾.
* ومن فوائد الآية: أنَّ عُمر الإنسانِ حقيقةً هو ما أمضاه في طاعة الله، ولهذا وصَف الله هؤلاء بأنَّهم قد خسروا أنفسَهم؛ لأنهم لم يعملوا خيرًا.
* ومن فوائد الآية: أنَّ هذه الخسارة أعظمُ خسارةٍ تكون؛ لقوله: ﴿أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾.
* * *
نحن لم نتكلَّم في الأمس على ضمير الفصل، ولكن لا بدَّ أن يكون عندكم عِلمٌ منه، فضمير الفصل ضميرٌ، ليس اسمًا على القول الراجح، فليس له محلٌّ من الإعراب، لكنه يُؤتَى به لفوائد ثلاث:
الأولى؟
* طالب: حتى لا يشبه الخبر مع الصفة.
* الشيخ: حتى لا يشتبه الخبر بالصفة؛ يعني: فيَفْصِل بين الخبر والصفة، ويظهر هذا بالمثال؛ لو قلت: (زيدٌ الفاضلُ) فهنا يحتمل أن يكون (الفاضل) صفةً وأنَّ الخبر محذوفٌ؛ أي: زيدٌ الفاضلُ في البيت، مثلًا. فإذا قلت: (زيدٌ هو الفاضل) تعيَّن أن تكون (الفاضل) خبرًا.
الفائدة الثانية لضمير الفصل؟
* طالب: الحصر.
* الشيخ: الحصر، لأنك إذا قلت: (زيدٌ هو الفاضل) يعني: لا غيرُه، بخلاف لو قلت: (زيدٌ الفاضل)، فهو فاضلٌ وقد يكون غيرُه فاضلًا أيضًا.
الفائدة الثالثة؟
* طالب: التوكيد.
* الشيخ: التوكيد؛ لأن قول القائل: (زيدٌ هو الفاضل) أوكد من قوله: (زيدٌ الفاضل).
أما (هو) فليس له محلٌّ من الإعراب، ودليل ذلك في القرآن؛ قال الله تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء ٤٠]، ولو كان له محلٌّ من الإعراب لكان مبتدأً ولَرُفِع الذي بعده، ولَكانت الآية: لعلَّنا نتبع السحرة إنْ كانوا هم الغالبون.