Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — الزمر 39:16 – الزمر 39:25

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. الزمر 39:16
  2. الزمر 39:17
  3. الزمر 39:18
  4. الزمر 39:19
  5. الزمر 39:20
  6. الزمر 39:21
  7. الزمر 39:22
  8. الزمر 39:23
  9. الزمر 39:24
  10. الزمر 39:25

الزمر 39:16

ثم قال الله تعالى -ونحن نبتدئ بذلك الدرس-: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر ١٦]، ﴿لَهُمْ﴾ الضمير يعود على ﴿الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ١٥] وهم الكفار. ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ﴾ من فوق رؤوسِهم، وكلمة ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ تدلُّ على أن هذه الظُّلَل محيطةٌ بهم. وقوله: ﴿ظُلَلٌ﴾ قال المؤلف: (طِبَاقٌ ﴿مِنَ النَّارِ﴾ )، وهذه الطِّباق من النَّار لا نعلم كيفيَّتها، لا نعلم هل هي حديدٌ مُحمى أو حجارة أو غير ذلك، لكن إذا تأمَّلْنا قولَه تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة ٢٤] فقد نقول: إنها من الحجارة، وليست أيضًا كحجارتنا، بل هي حجارةٌ لا تُعلم كيفيَّتها. وقوله: ﴿وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ أي: (مِن النار) كما قال المؤلف، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف ٤١] أي: شيءٌ يغشاهم؛ أي: يغطِّيهم. ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ [الزمر ١٦] ﴿ذَلِكَ﴾ أي: المشار إليه مِن ذكْر هذه الظُّلَل ﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾، ﴿بِهِ﴾ الضمير يعود على العذاب المذكور، والباء للسببية؛ أي يُخَوِّف بسببه، ويجوز أن تكون للتعدية؛ أي: يُخَوِّف به نفسه. ﴿عِبَادَهُ﴾ قال: (أي: المؤمنين ليتَّقوه، يدُلُّ عليه ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر ١٦]). المؤلف -رحمه الله- سَلَك في تفسير الآية أنَّ المراد بالعِباد هنا شيءٌ خاصٌّ وهم المؤمنون، مع أنَّ ظاهر الآية العموم وأنَّ المراد بالعِباد هنا مَن يتعبَّدون لله بالمعنى العام، وهي العبودية الكونية؛ لأنَّ العبادة نوعان: عبادةٌ يتعبَّد الإنسانُ بالشرع، يتعبَّد لله بالشرع، وهذه خاصة بِمَن؟ بالمؤمنين، وعبادةٌ يعني يتعبَّد الإنسانُ لله بالكون أي: يكون عبدًا لله كونًا وقدَرًا يفعل الله فيه ما يشاء، وهذه عامة؛ كما قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣]، فهل المراد بالآية هنا العبادة العامَّة وأنَّ الله يوجِّه الخطابَ إلى جميع العباد؛ جميع الناس، أن يتَّقُوه، أو هي خاصَّة؟ يرى المؤلف -رحمه الله- أنها خاصَّة، ولكن لا دليل على ذلك، وإذا لم يكن هناك دليلٌ فالأَولى إبقاءُ النص على عمومه، فكما أن المؤمن يُخَوَّف بهذا الوعيد فكذلك الكافر، الكافر أيضًا يُخَوَّف، بل إنَّ تخويف الكافر أوكد من تخويف المؤمن؛ لأنَّ مع المؤمن ما يُنجيه من الخلود في النار، لكن الكافر ليس معه ما يُنجيه من الخلود في النار. إذَن المراد بذلك العموم أو الخصوص؟ * طالب: العموم. * الشيخ: ويش وجهه؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ما وجه أنَّ الأرجح العموم؟ * طالب: لا دليل للمؤلف، والأَولى أن يبقى النص على ظاهره. * الشيخ: أن هذا هو ظاهر النَّص، كذا؟ ثانيًا: أنَّ الكافر أَوْلى أن يُخَوَّف بالنار من المؤمن؛ لأنَّ مع المؤمن ما ينجو به من الخلود في النار، وليس مع الكافر شيءٌ ينجو به، فكيف نصرف التخويف عمَّن هو أحقُّ بالتخويف. إذَنْ فالصحيح أنَّ المراد بالعباد العموم؛ يعني: يُخَوِّف الله بهذا العذاب جميعَ الناس. ثم وجَّهَ الله الخطابَ إلى الناس عمومًا فقال: ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾، ﴿يَا عِبَادِ﴾ يعني جميع العباد؛ كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ [لقمان ٣٣]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء ١]، والآيات كثيرةٌ في توجيه الأمر بالتقوى إلى جميع الناس، والكافر محتاجٌ إلى التقوى كما أنَّ المؤمن كذلك. فقول المؤلف: (يدلُّ عليه) فيه نظر؛ ففي حُكم المؤلف نظر، وفي الاستدلال لهذا الحكم نظر. ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ غريبٌ أن تأتي النون مع فِعل الأمر، والمعروف أنَّ فعل الأمر المقرون بواو الجماعة أو ألف الاثنين أو ياء المخاطَبة تُحذف منه النون. * طالب: هذه نون الوقاية. * الشيخ: هذه نون الوقاية؟ ما الذي أدراك أنها نون الوقاية؟ * الطالب: لأن أصلها (اتَّقُونني). * الشيخ: اتقوني؟ * الطالب: (فاتَّقونني). * الشيخ: نعم، (فاتَّقونني) أصله؟ * الطالب: (...). * الشيخ: هذا اللفظ ﴿فَاتَّقُونِ﴾ أنتَ قلت: إن النون هنا ليست نون الرفع ولكن نون الوقاية، فما الذي أدراك؟ * الطالب: (...) فأصلها (اتَّقونني). * الشيخ: اتقونني؟! لا، هذا أصلًا ليس بأصل؟ * طالب: لأنه يدلُّ على حذف الياء كسرتُه، وأصله (فاتَّقوا) هذا الأمر، و(نِ) نون الوقاية مع ياء المتكلم، وبعدها حُذفت الياء للتخفيف، وبعدُ بقيت الكسرة حتى تدل على حذفها. * الشيخ: صحيح، الدليل واضح يا جماعة كَسْر النون؛ لأنها لو كانت نون الرفع لكانت بفتح النون، فإنَّ نون الرفع تكون مفتوحة. ومن مثال ذلك أيضًا قوله تعالى في سورة الذاريات: ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾، ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الذاريات ٥٩]. ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ هذا لفظ الآية، إذا وصلتَ كيف تقول؟ ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ﴾ [الذاريات ٥٩، ٦٠]، فالنون هنا للوقاية وليست نون الرفع. ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ وقد سبق معنى التقوى مِرارًا فلا حاجة لإعادته. ثم قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر ١٧]. ﴿الَّذِينَ اجْتَنَبُوا﴾ أي: أبعدوا عن الطاغوت؛ لأنه مأخوذٌ من الجَنْب، وهو الشيء المنفصل عن الشيء، تقول: إلى جانب فلان؛ أي إنَّه منفصلٌ غير متَّصل، ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾ أي: ابتعَدوا عنها. و﴿الطَّاغُوتَ﴾ اسمٌ من الطُّغيان، والتاء فيه للمبالغة، فما هو الطاغوت الذي اشتقَّ من الطغيان؟ يقول ابن القيم رحمه الله: الطاغوت كلُّ ما تَجاوز به العبدُ حدَّه من معبودٍ أو متبوعٍ أو مُطاعٍ. كلُّ ما تجاوز به الإنسانُ حدَّه -وإنما قال: ما تجاوز به حدَّه، من أجْل أن يَصْدُق عليه أنه طغيان- من معبود أو متبوع أو مطاع. فمثلًا الأصنام التي يعبدها الكفار تُسَمَّى طواغيت، المتبوعون من العلماء طواغيت، المطاعون من الأمراء كذلك أيضًا طواغيت، لكنَّه ليس على ظاهره، كلامُ ابن القيم ليس على ظاهره؛ المراد به المعبود الذي لا إرادة له كالأصنام من الجمادات أو المعبود الذي رضي بعبادته، وأمَّا المعبود الذي عُبِد وهو لا يرضى بالعبادة فلا يُسمَّى طاغوتًا، ولهذا لا يمكن أن نُسمِّي عيسى بن مريم طاغوتًا. وكذلك أيضًا المتبوع؛ العلماء الذين لا يرضون أن يعبدهم الناسُ ليسوا طواغيت، المطاعُ أيضًا؛ الأمراء الذين لا يرضون أن يعبدهم الناس لا يُسمَّون طواغيت، فكلام ابن القيم ليس على إطلاقه. ويمكن أن نقول: إن قول ابن القيم: ما تجاوز به العبدُ حدَّه من معبودٍ أو متبوعٍ أو مطاعٍ، أنَّه عائدٌ على العمل؛ يعني أن الطاغوت عمَلُ الإنسان في معبوداته أو مَن يطيعهم أو مَن يتَّبعهم؛ يعني معصية الله في طاعة هؤلاء، فيكون الوصف بالطغيان عائدًا على الفعل لا على المفعول، وحينئذٍ نَسْلَم من الإشكال الذي قُلنا: إنَّه لا بد أن يُقَيَّد المعبود والمتبوع والمطاع بأنه راضٍ. على كل حال إنَّ ﴿الطَّاغُوتَ﴾ مأخوذٌ من الطغيان وهو مجاوزة الحد، والصيغة فيه صيغة مبالغة. قال المؤلف: (الأوثان)، ففسَّر الطاغوت بالمعبودات وهي الأوثان، ولهذا قال: ﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾. ﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ (أنْ) هذه مصدرية، والمصدر المؤول منصوبٌ على أنه بدلٌ من الطاغوت. مِن أيِّ أنواع البدل؟ * طالب: بدل كل من كل. * الشيخ: لا * طالب: بدل بعض من كل. * الشيخ: ولا بعض؛ لأن العبادة ما هي ببعض الأوثان. * طالب: بدل اشتمال. * الشيخ: بدل اشتمال، طيب إذَنْ نقول: ﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ في محل نصب بدل من ﴿الطَّاغُوتَ﴾. وقوله: ﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ هم يعبدون الأصنامَ بدُعائها، ولكنهم يدَّعون أنهم لا يعبدونها إلا لتُقرِّبهم إلى الله. ثم قال: ﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ إلى آخِره في الدرس القادم إن شاء الله. * * * * طالب: الهيبة التي تأتي (...). * الشيخ: نعم، إي، ويش فيها؟ * الطالب: الهيبة هذه ماذا تكون؟ * الشيخ: ما هي خوف عبادة هذه، هذه ليست خوف عبادة، ولكنَّها خوف هيبة واحترام. * طالب: قال المصنف رحمه الله تعالى: ﴿يَا عِبَادِ﴾ والمراد بالعباد المؤمنون، (...). * الشيخ: طيب الكافر ما يُؤْمَر بالتقوى؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، من جملة التقوى ترْك الكفر؛ لأنَّ التقوى اتِّخاذ وقايةٍ من عذاب الله، ومن جملتها الإيمان، ولهذا جاءت الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ [لقمان ٣٣]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ عمومًا، وجاءت آيةٌ أخرى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج ١]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء ١]. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨) أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (٢٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر ١٧ - ٢١] * الشيخ: بس، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾. ﴿الَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾، ما معنى ﴿اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾؟ * طالب: اجتنبوا عبادة الطاغوت، وهو ما عُبِدَ من دون الله وهو راضٍ. * الشيخ: نعم، طيب وما معنى ﴿اجْتَنَبُوا﴾؟ * الطالب: ابتعَدوا. * الشيخ: ابتعَدوا عنها. ما موقع ﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ من الإعراب؟ ﴿اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾. * طالب: بدل اشتمال. * الشيخ: بدل اشتمال. كم أنواع البدل؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ما هي؟ * الطالب: اشتمال، بعض، بيان. * الشيخ: لا. * طالب: بدل الغلط، وبدل الاشتمال، وبدل الكل من الكل، وبدل البعض من الكل. * الشيخ: كم هذه؟ * الطالب: أربعة. * الشيخ: خمسة؛ قال ابن مالك: مُطَابِقًا أَوْ بَعْضًا اوْ مَا يَشْتَمِلْ ∗∗∗ عَلَيْهِ يُلْفَى أَوْ كَمَعْطُوفٍبِـ(بَلْ) أربعة، فيه بدل كُلٍّ من بعض؟ * طالب: على قول. * الشيخ: على قول. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم. ......................... ∗∗∗ بِسِجِسْتَانَ طَلْحَةَ الطَّلْحَاتِ * * * قوله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر ١٧].يقول: (﴿أَنَابُوا﴾ أقبلوا ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ )، والإنابة تكون بمعنى الإقبال كما قال المؤلف، وتكون بمعنى الرجوع؛ رجعوا إلى الله، والرجوع إلى الله يستلزم الإقبالَ عليه؛ لأن الإنسان يفِرُّ بالمعصية بعيدًا عن الله، فإذا تابَ وأنابَ ورجعَ إلى الله فهو مُقبل. ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ [الزمر ١٧] الجملة هذه خبريَّة، قُدِّم فيها الخبر ﴿لَهُمُ﴾ لإفادة الحصر؛ لأنَّ ما كان حقُّه التأخير إذا قُدِّم أفادَ الحصر. وقوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ الجملة هذه خبر ﴿الَّذِينَ﴾؛ الذين اجتنبوا الطاغوت لهم البشرى، واضح؟ فتكون هذه الجملة في موضع رفْعٍ على الخبر، فما هي البُشرى؟ البُشرى ما تَحْصل به البشارة، والبشارة هي في الأصل الخبرُ السَّارُّ، وسُمِّي الخبرُ السَّارُّ بشارة لأنه يظهر أثرُه على البشرة التي هي الجلدُ؛ فإنَّ الإنسان إذا أُخبر بما يسرُّه استنار وجهه وتغيَّر، فسُمِّيتْ بُشْرى. وقول المؤلف: (الجنة) هذا لا شك أنه مِمَّا يدخل في البُشرى، لكنه أعَمُّ مِمَّا قال المؤلف؛ كما قال تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس ٦٤] فمِن البُشرى الرؤيا الصالحة يراها الإنسانُ لنفسه أو يراها له مؤمن، فإن هذه من البُشرى كما قال النبي ﷺ: «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ»[[أخرجه مسلم (٢٦٤٢ / ١٦٦) من حديث أبي ذر الغفاري.]]؛ الرؤيا الصالحة يراها أو تُرى له؛ مثل أن يرى مَن يبشِّره بالجنة، أن يرى أنه في نعيم، وما أشبهَ ذلك، هذه من البشرى. ومن البُشرى أيضًا أن يُوَفَّق للعمل الصالح؛ إذا رأيتَ اللَّهَ سبحانه وتعالى وفَّقك للعمل الصالحِ المبنيِّ على الإخلاص والمتابعة لرسول الله ﷺ فإنَّ هذه من البُشرى. ومن البُشرى أيضًا أن يوفِّقك الله عز وجل لمصاحبة الأخيار؛« فإنَّ «الْمَرْء عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ» » كما جاء في الحديث «فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ»[[أخرجه أبو داود (٤٨٣٣)، والترمذي (٢٣٧٨)، من حديث أبي هريرة.]]، فإذا وجدتَ أن الله وفَّقك لمصاحبة الأخيار فإنَّ هذا عنوانٌ على السعادة. ومن البُشرى أيضًا أن يحبَّ الإنسانُ من يحبُّه الله؛ فإن النبي ﷺ سُئِل عن الرجل يحبُّ القومَ ولَمَّا يلحقْ بهم، فقال ﷺ:« «مَنْ أَحَبَّ قَوْمًا فَهُوَ مِنْهُمْ». » قال أنس بن مالك رضي الله عنه«: ما فرِحْنا بعد الإسلام بشيءٍ أحَبَّ إلينا من هذا الحديث. » ثم قال: «فأنا أُحِبُّ النبيَّ ﷺ وأُحِبُّ أبا بكر وعمر»[[هذه ثلاثة أحاديث ذُكِرت في سياق حديث واحد؛ الأول: ما أخرجه الشيخان -البخاري (٦١٧٠)، ومسلم (٢٦٤٠ / ١٦٥)- من حديث أبي موسى قال: قيل للنبي ﷺ: الرجُل يحبُّ القومَ ولَمَّا يلحقْ بهم؟ قال: «المرءُ مع مَن أحبَّ». وأمَّا حديث «مَن أحبَّ قومًا ...» فأخرجه الطبراني (٢٥١٩) من حديث أبي قرصافة الكناني رضي الله عنه بلفظ: «مَن أحبَّ قومًا حشره الله في زُمرتهم». والثالث هو حديث أنس الذي أخرجه الشيخان –البخاري (٣٦٨٨) ومسلم (٢٦٣٩)- بسنديهما عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال: «وما أعددتَ للساعة؟». قال: حبَّ الله ورسوله. قال: «فإنك مع مَن أحببتَ». قال أنس: فما فرِحْنا بعد الإسلام فرحًا أشدَّ من قول النبي ﷺ: «فإنَّك مع مَن أحببتَ». قال أنس: فأنا أحبُّ اللَّهَ ورسولَه، وأبا بكرٍ وعمرَ، فأرجو أن أكون معهم وإنْ لم أعمل بأعمالهم.]]، فهذه من البُشرى. المهم أن البُشرى كلُّ خبرٍ سارٍّ، فيشمل ما قاله المؤلف؛ (الجنة)، وهي الغاية لكلِّ إنسانٍ، ويشمل ما كان علامةً على ذلك، ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾. قال: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزمر ١٧] أَمَر اللُّه النبيَّ ﷺ أن يبشِّر عباد الله، بَشِّرْهم بماذا؟ بشِّرْهم بالجنة وبكُلِّ ما يسُرُّهم، حتى في الدنيا المؤمن مسرورٌ دائمًا، وإنْ أُصِيب ببلاءٍ فإنه مسرور؛ لأنه إذا أُصِيب بالبلاء فصبر كان خيرًا له. قوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ الدال مكسورة مع أنها مفعولٌ به، لِماذا؟ * طالب: (...). * الشيخ: لأنَّ أصلها (عبادي) فحُذفت الياء للتخفيف كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد ١١] أي: من والِي، وإنْ كانت الياء في ﴿مِنْ وَالٍ﴾ غير الياء في (عبادي)؛ لأن الياء ﴿مِنْ وَالٍ﴾ من أصل الكلمة، وأمَّا هنا فهي كلمةٌ أخرى؛ الياء. ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ مَن المراد بالعباد هنا؟ المراد خصوصيَّة العبودية؛ أي: عباد الله الصالحين لا كُل عبد. ثم بيَّن من صفاتهم قال: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر ١٨] هذا من علامات عباد الله عز وجل أنهم لا يُضيعون الفُرَص. ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ أي: يُصْغُون إليه، ولم يقُل: يسمعون؛ لأنَّ الاستماع هو متابعة المتكلِّم والإنصاتُ إليه، بخلاف السَّماع، ونضرب مثلًا لرجُلٍ مَرَّ بقارئٍ فسمعه يقرأ، ورجُلٍ آخَر مَرَّ بقارئٍ يقرأ فجلس إليه يُنْصِت، الأول سامع، والثاني مستمع. ولهذا قال العلماء بناءً على هذا الفرق: إذا قرأ القارئُ آيةً فيها سجدةٌ وسَجَد فإنَّ السامع لا يسجد والمستمع يسجد؛ لأن المستمع متابِع والسامع ليس بمتابع. إذَنْ هؤلاء يستمعون القولَ، لا يُضيعون فرصة. ﴿الْقَوْلَ﴾ (أل) هنا للعهد، وتُشبه أن تكون للعهد الذِّكْري؛ لقوله: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾؛ أي إنهم يستمعون القولَ الحَسَن ليس كُلَّ قول، فـ(أل) هنا نقول: إنها للعهد، ويُشبه أن تكون للعهد الذِّكْري؛ لقوله: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾. إذَن ما المراد بالقول هنا؟ القول الحَسَن، أمَّا اللغْو أو السيِّئ فإن الله يقول: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان ٧٢]، ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [القصص ٥٥] فإذا كانوا يُعرضون عن اللغو لأنه لا فائدة فيه، فالمحرَّم من باب أَوْلى. إذَنْ هؤلاء قومٌ عندهم حَزْم، عندهم شُحٌّ في الوقت، لا يستمعون إلا إلى القول الحَسَن. طيب، إذا استمعوا إلى القول الحسن، فنحن نعلم أنَّ الحسن فيه ما هو أحسن وما هو حَسَن، فما الذي يتَّبعون؟ يقول: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾؛ فمثلًا إذا سمعوا الترغيب في صلاة الليل وأنَّ أكثرها -مثلًا- إحدى عشرة ركعة وأدناها ركعة واحدة، ما الذي يتَّبعون؟ * طلبة: إحدى عشرة. * الشيخ: الإحدى عشرة؛ لأنها أحسن. إذا سمعوا الإنفاق في طلب العلم والإنفاق على فقيرٍ ليس في ضرورة، ماذا يتَّبعون؟ * طالب: على طلب العلم. * الشيخ: على طلب العلم؛ لأنهم يتَّبعون الأحسن، إذَنْ لم يفرِّطوا في الوقت، ولم يفرِّطوا في الأفضل، بل كانوا يستمعون كلَّ قولٍ حَسَن ويتَّبعون الأحسن منه. طيب، فإن تَبِعوا الحسن وتركوا الأحسن فإنهم لا يُلامون على ذلك، لكنَّهم ليسوا في قمَّة الكمال، الذي في قمَّة الكمال هو الذي يتَّبع الأحسن. قال الله تعالى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (وهو ما فيه صلاحُهم) لكن الأصلح؛ يتَّبِعون الأصلح فالأصلح. قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ [الزمر ١٨]. أوَّلًا: ﴿أُولَئِكَ﴾ الإشارة للبعيد، وإنما أشار إليهم إشارةَ البعيدِ مع قُرب ذِكرهم للدلالة على عُلُوِّ منزلتهم، وهذا يقع كثيرًا في القرآن؛ يشير الله إلى الشيء القريب بصيغة البعيد لعُلُوِّ مرتبته؛ كما قال الله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة ١، ٢] مع أنه يقول ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ الكتاب قريب، لكن إشارة لأيش؟ لعُلُوِّ مرتبتِه، أحيانًا يُشير إليه بالقريب لقُربه من مُريده؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام ٩٢] يعني ليس بعيدًا عليهم، قريبٌ لهم. هنا يقول: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ أشار إليهم إشارةَ البعيد؟ إشارةً إلى عُلُوِّ مرتبتهم. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ هذه الجملة خبرية طرفاها معرفة، وقد قال العلماء: إنَّ الجملة الخبرية إذا كان طرفاها معرفة فإنها تفيد الحصر؛ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ يعني لا غير. وقوله: ﴿هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ يشمل هداية الدلالة وهداية التوفيق؛ يعني بيَّن لهم الحقَّ وعلِمُوه ثم اهتدَوا به، والناسُ في هذا المقام ثلاثة أقسام: قِسمٌ ضلُّوا عن الهدى علمًا وعملًا، وقِسمٌ هُدُوا إلى الحقِّ علمًا وعملًا، وقِسمٌ هُدُوا إلى الحقِّ علمًا ولم يهتدوا إليه عملًا. عرفتم؟ هل يمكن أن أقول: وقِسمٌ اهتدوا إلى الحق عملًا ولم يهتدوا إليه علمًا؟ * الطلبة: لا يمكن. * الشيخ: لا يمكن، لماذا؟ لأنه لا عمل بالحق إلا بعلمٍ بالحق، فالقسمة رُباعية، لكن الطرف الرابع منها غير واقع، ممتنع. إذَن ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ هداية دلالةٍ وتوفيقٍ، وإنْ شئتَ فقلْ: هداية عِلم وعمل، أيُّهما الدلالة؟ * الطلبة: العلم. * الشيخ: العلم. والتوفيق؟ * الطلبة: العمل. * الشيخ: العمل. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر ١٨]، ﴿وَأُولَئِكَ﴾ كرَّر اسم الإشارة تنويهًا بعُلُوِّ مرتبتهم. ﴿هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: (أصحاب العقول)؛ لأنَّ الإنسان كلَّما كان للحقِّ أَتْبَع كان أكمَلَ عقلًا، وكلَّما نقص اتِّباعُ الحقِّ في حقِّه كان أَدَلَّ على قِلَّة عقلِه، فأعقلُ الناسِ أتْبَعُهم لدين الله لا شك؛ لأنهم هم الذين عندهم الحزمُ وانتهازُ الفُرَص وحِفْظُ الوقت، ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (أصحاب العقول). فإن قال قائل: أليس الكفَّار ذوي عقل؟ فالجواب: بلى، لكنَّهم ذَوُوا عقلٍ إدراكيٍّ لا عقلٍ رُشْديٍّ، ولهذا كانوا مكلَّفين مُلزَمين لأنَّ عندهم عقلًا إدراكيًّا، لكنَّهم غير موفَّقين لأنهم فقدوا عقلَ الرُّشد. قال الله تعالى في بيان عقوبة الخاسرين الذين خَسِروا أنفسَهم وأهليهم يوم القيامة، قال في بيان عقوبتهم: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر ١٦]. * من فوائد هذه الآية: شِدَّة العذاب على أهل النار؛ لأن العذاب يغشاهم من فوقهم ومن تحت أرجُلهم، وإذا كان الإنسان لا يتحمَّل النارَ إذا أتَتْه من وجهٍ ولو بعيد، فكيف إذا أتَتْه من الوجهين: الفوق والتحت! * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّه يجب على الإنسان أن يخاف مما خوَّفه الله حتى يحقِّق العبودية؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّه ينبغي للإنسان أن يسير إلى الله عز وجل على جانبٍ من الخوف، الخوف من العذاب، وقد مَرَّ علينا كثيرًا: هل يُغَلِّب السائرُ إلى الله جانبَ الخوف أو جانبَ الرجاء، على ما سبق. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ الله عز وجل رَبُّ كلِّ شيء، وأنَّ كلَّ شيءٍ فهو عابدٌ لله؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوبُ التقوى؛ لقوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾. ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ إلى آخره [الزمر: ١٧]. * من فوائدها: الثَّناء على مجتنب الطاغوت. * ومن فوائدها: أنَّ لهم هذا الثواب العظيم؛ وهو قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾. * ومن فوائدها: أن التوحيد لا يتِمُّ إلا باجتناب الطاغوت والإخلاص لله؛ لقوله: ﴿اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾. * ومن فوائد هذه الآية: أنَّ الذين اتَّصَفوا بهذه الصفة: اجتناب الطاغوت والإنابة إلى الله، هم أهل البُشرى؛ ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾، ولم يُبَيِّن الله وقتَ البُشرى، فهو شاملٌ للبُشرى في الدنيا وفي الآخرة. * ومن فوائدها: حرمانُ مَن أشركَ بالله مِن هذه البُشرى؛ لأنه جعل البُشرى لِمَن؟ لِمَن اجتنبوا الطاغوتَ أن يعبدوها وأنابوا الى الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثباتُ العبودية الخاصة؛ لقوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾، والعبودية الخاصة تكون منقسمة إلى خاصَّةٍ أخَصَّ، وإلى خاصَّةٍ ليست بأخَصَّ؛ فالمؤمنون جميعًا كلُّهم عبادُ الله، والرُّسُل عبوديتهم أخصُّ. طيب، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء ١] هذه من الخاصة أو الأخَصِّ؟ * الطلبة: الأخص. * الشيخ: من الأخص. ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ﴾ [ص ٤٥]؟ * الطلبة: الأخص. * الشيخ: هذه من العبادة الأخص. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ عباد الله حريصون على استماع ما فيه المصلحة والمنفعة؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ [الزمر ١٨]. * ومن فوائدها: أنَّ هؤلاء السادة لا يضيِّعون وقتًا، حتى إنهم يستمعون إلى عمل غيرهم، وهو قولُ غيرِهم، فكيف (...)، لا بد أن يكونوا قائمين به. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ عباد الله عز وجل الذين وصفهم الله بما ذُكِر؛ يأخذون من القول بأحسنه؛ لقوله؟ * طالب: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر ١٨]. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: لقوله: ﴿أَحْسَنَهُ﴾. * الشيخ: لقوله: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ هؤلاء القوم هم الذين هداهم الله؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ [الزمر ١٨]. ويتفرَّع على هذه القاعدة أنك إذا رأيتَ من نفسك الحرصَ على استماع قول الخير واتِّباع أحسنه فاعلم أن هذا من هداية الله لك؛ لأنه قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾، وإذا رأيتَ من نفسك كراهةَ الاستماع إلى القول الحسن فاتَّهِم نفسَك؛ لأنَّ الله جعل الهداية في هؤلاء القوم، فإذا لم يحصل لك هذا فاتَّهِم نفسَك، صحِّح الخطأ، أَقْبِل إلى الله عز وجل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ أفعال العباد واقعةٌ بتقدير الله وأنهم لا يستقلُّون بها، من أين تؤخذ؟ ﴿هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾، ولهذا ذهب أهل السُّنة والجماعة إلى أن أفعال العباد مخلوقةٌ لله مُرادةٌ له، خلافًا لِمَن قال: إن أفعال العباد ليست مُرادةً لله ولا مخلوقةً له، وهم القدَريَّة مجوس هذه الأُمَّة. * من فوائد الآية الكريمة: بيانُ مِنَّة الله عز وجل على هؤلاء الذين وُفِّقوا لاستماع القول واتِّباع أحسنه؛ يعني إظهار مِنَّة الله عليهم في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾. * ومن فوائدها: أنَّه يجب عقلًا أن تحمد الله سبحانه وتعالى إذا هداك إلى مثل هذا؛ لأنَّك إذا علمتَ أنَّ الهداية من الله فالعقل يقتضي أيش؟ أن تحمده وتشكره، وهذه النعمة أبلَغُ من الإنعام بالأكل والشرب؛ لأنَّ الأكل والشرب كلٌّ يأكل ويشرب حتى البهائم، لكن الهداية ما كلُّ أحدٍ يهتدي، فإنعامُ الله على الإنسان بالهداية العِلمية والعملية أعظم من إنعامه عليه بالأكل والشرب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ المتمسِّكين بدين الله المتَّبعين لأحسن القول هم أصحاب العقول. من المتعارَف عند الناس الآن أنهم إذا رأوا الإنسانَ ذكيًّا مُتأنِّيًا في الأمور يقولون: هذا عاقل، ما شاء الله، عاقل. ولو كان من أفجَر الناس، والحقيقة أنَّا نقول: العاقل مَن وفَّقه الله تعالى للعلم والعمل ولو كان من أبلد الناس باعتبار الذكاء. * ومن فوائد هذه الآية: أنَّه لا تلازُم بين الذكاء والعقل: الذكاء شيءٌ والعقل شيءٌ آخَر، حتى في عقل الإدراك لا تلازُم بين الذكاء وعقل الإدراك؛ لأنَّ من الناس مَن تجده ذكيًّا شديد الملاحظة يفهم الشيء بسرعة ويعطي الجواب بسرعة، لكنَّه في التصرُّف أحمق. وهذه النعمة أبلغ من الإنعام بالأكل والشرب لأن الأكل والشرب كل يأكل ويشرب حتى البهائم، لكن الهداية ما كل أحد يهتدي، فإنعام الله على الإنسان بالهداية العلمية والعملية أعظم من إنعامه عليه بالأكل والشرب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المتمسكين بدين الله المتبعين لأحسن القول هم أصحاب العقول، من المتعارف عند الناس الآن أنهم إذا رأوا إنسانًا ذكيًّا متأنيًا في الأمور يقولون: هذا عاقل -ما شاء الله- عاقل. ولو كان من أفجر الناس، والحقيقة أننا نقول: العاقل من وفقه الله تعالى للعلم والعمل ولو كان من أبلد الناس، باعتبار الذكاء. * ومن فوائد هذه الآية: أنه لا تلازم بين الذكاء والعقل، الذكاء شيء، والعقل شيء آخر، حتى في عقل الإدراك لا تلازم بين الذكاء وعقل الإدراك؛ لأن من الناس من تجده ذكيًّا شديد الملاحظة، يفهم الشيء بسرعة ويعطي الجواب بسرعة، لكنه في التصرف أحمق ليس عنده عقل، ومن الناس من يكون –بالعكس- عنده شيء من البلادة ولكنه في التصرف عاقل متأنٍ، ولكن أعقل الناس أطوع الناس لله، لا شك أن أعقل الناس أطوعهم لله سبحانه وتعالى، ولهذا قال: ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر ١٨]. * ومن فوائد الآية: الإشارة إلى انقسام الناس إلى قسمين: موفق، ومخفق؛ لأن قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ يدل على أن هناك قسمًا آخر، وهم الذين لم يوفقوا ولم يهديهم الله، والأمر كذلك، الواقع كذلك، الآية أشارت إلى هذا، والواقع يشهد له. فإن قال قائل: لماذا لم يجعل الله سبحانه وتعالى الناس على دين واحد؟ أمة واحدة؟ قلنا: لأن هذا ينافي الحكمة، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٨، ١١٩]. لو لم يوجد هذا الانقسام ما ملئت النار بل ولا دخلها أحد، لو لم يوجد هذا الانقسام ما عرف الإنسان قدر نعمة الله عليه بالإيمان والعمل الصالح، لو لم يوجد هذا الإيمان ما مدح من آمن وعمل صالحًا، لماذا؟ لأن الناس هكذا، ما يستطيع أن يخرج عما عليه الناس، لو لم يوجد هذا لم يكن هناك سوق للجهاد؛ لأنك لا يمكن أن تجاهد من هو مثلك في الإيمان والعمل الصالح، لو لم يوجد هذا لم يقم سوق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لو لم يوجد هذا لم يقم سوق الدعوة إلى الله إلى غير ذلك من المصالح الكثيرة التي تفوت بفوات هذا الانقسام. أما من حيث القدرة الإلهية فإن الله قادر على أن يجعل الناس أمة واحدة على الدين الحق، ولكن الحكمة الإلهية تأبى ذلك، وقد علمتم شيئًا من كثير كثير من حكمة تفرق الناس إلى مؤمن وكافر. ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر ١٩]، ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ ما هي كلمة العذاب؟ قال المؤلف هي قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٩]، هذا ما ذهب إليه. وقيل: كلمة العذاب هي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس ٩٦، ٩٧]، وهذا القول أقرب للصواب؛ لأن هذا القول أخص مما قال المؤلف؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ لا تدل على شخص بعينه، تدل على أن كلمة الله عز وجل اقتضت أن تُملأ النارُ، لكن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ هؤلاء قوم بأعيانهم، لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية، فالصحيح أن المراد بكلمة الله هي ما ذكره الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ أنهم من أهل النار هؤلاء لا يمكن أن يؤمنوا. ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ أي: لأملأن جنهم من الجنة والناس أجمعين، هذا قول، القول الثاني: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ يعني أن المراد بكلمة (العذاب) هي أن الله تعالى قضى بأن هؤلاء من أهل النار، فلا يمكن أن يؤمنوا. ﴿أَفَمَنْ حَقَّ﴾ كلمة ﴿أَفَمَنْ﴾ فيها ثلاث كلمات: الهمزة والفاء ومن، فالهمزة للاستفهام، والفاء عاطفة، و(من) يقول المؤلف: إنها شرطية، ويقول آخرون: إنها موصولة؛ أفالذي حق عليه كلمة العذاب، وعلى كلام المؤلف تكون شرطية، ويأتي إن شاء الله بقية الكلام عليها. * طالب: (...). * الشيخ: كيف؟ * الطالب: (...) الرسول ﷺ قال: «خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ»[[أخرجه البخاري (٤٦٨٩) من حديث أبي هريرة.]]، يعني لو قلنا مثلًا: إن صاحب العقل في الجاهلية لو اهتدى وأصبح أكمل عقلًا فهل يصح أن نقول هكذا؟ * الشيخ: لا؛ لأن معنى قوله: «خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ»؛ يعني مثلًا العرب كانوا قبائل، بعض القبائل أشهر من بعض، فيقول عليه الصلاة والسلام إن من كان له حسب وشرف في الجاهلية فهذا فحسبه وشرفه له إذا فقه في دين الله. * الطالب: ما ينطبق عليه القرآن (...)؟ * الشيخ: لا، ما ينطبق، بس المعنى اللي أنت قلته ما ينطبق على هذا الحديث؛ لأن كونه ذكيًّا ثم يكون عاقلًا قد يُحمد وقد لا يُحمد؛ يعني المشكل بعد أحيانًا يكون الذكاء المفرط سببًا للضلال؛ لأن هذا الذكي يورد على نفسه أشياء ويفتِّح على نفسه أشياء لو كان غافلًا لكان أحسن له، ولهذا ما ضر أصحاب أهل الكلام والمنطق والفلاسفة إلا حدة ذكائهم، تجد الإنسان بذكائه يورد إذا كان كذا ولمَ كذا؟ لكن السليم هو الذى يستمر، وقد تمنى بعض أهل الكلام أن يموت على؟ * الطلبة: دين عجائز نيسابور. * الشيخ: دين عجائز نيسابور، دين العجائز اللي ما تعرف. * طالب: ما الفرق بين الشعور وعقل الإدراك؟ * الشيخ: لا، فيه عقل الإدراك وعقل الرشد. * الطالب: ما الفرق بين الشعور وعقل الإدراك؟ * الشيخ: ما أظن أن هناك فرقًا قويًّا، لكن الشعور يرمي إلى قوة الملاحظة، أن الإنسان حي قلبه. * طالب: شيخ، الشعور أنقص من الإدراك؛ لأن الشعور يوجد (...)، والإدراك هو الذي يفهم به الأشياء، لكن ليس فهمه فهم رشد، ويفهم يعني مثلًا (...) مثل هذا الشيء (...) والشعور هو أنقص من الإدراك. * الشيخ: لا، هو يمكن أنقص، وأكمل من وجه، أحيانًا يكون الإنسان من قوة ملاحظته يشعر بما لا يشعر به الآخرون، وأحيانًا يكون -مثل ما قلت- الشعور الإحساس، مجرد الإحساس، والإحساس يكون في البهائم وفي العقلاء، لكن هو من جهة أكمل، ومن جهة ثانية الشعور أكمل؛ لأن بعض الناس يكون عنده الشعور إحساس نفسي ما يدركه الآخرون (...). * * * * طالب: ﴿رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (٢٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر ٢٠، ٢١]. * الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى في سياق الآيات –انتبه- التي بها الكلام على أهل الحق وأهل الباطل، قال: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ [الزمر ١٩]، هذا مبتدأ المناقشة، ما المراد بـ﴿كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾؟ * طالب: (...). * الشيخ: ما المراد بـ﴿كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾؟ * الطالب: هذا ما أخذناه. * الشيخ: أخذناها، وذكرنا الصحيح في هذا. * الطالب: (...). * الشيخ: كيف لا؟ أخذناه. * طالب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ [يونس ٩٦]. * الشيخ: ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾. * الطالب: قوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٩]. * الشيخ: المؤلف مشى على أن المراد بها قوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾، والظاهر أن المراد بها ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ٩٦]. طيب، الذى قبلها ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ﴾ [الزمر ١٧، ١٨] هذا؟ * طالب: (...). * الشيخ: قوله تعالى: ﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ [الزمر ١٧] الجملة هذه معطوفة على أي شيء؟ على أي شيء معطوفة؟ * الطالب: ﴿الْبُشْرَى﴾. * الشيخ: لا، ﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾. * الطالب: ﴿اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾. * الشيخ: على قوله: ﴿اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾؛ يعني: جمعوا بين هذا وهذا. قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ الجملة في محل؟ * الطالب: في محل رفع خبر، خبر (الذين). * الشيخ: خبر ﴿الَّذِينَ اجْتَنَبُوا﴾. ما المراد بـ﴿الْبُشْرَى﴾؟ * طالب: المراد بـ﴿الْبُشْرَى﴾ هنا: ما يسر. * الشيخ: كلام المؤلف؟ * الطالب: الجنة. * الشيخ: المراد بها الجنة، والصحيح؟ * الطالب: أنها تشمل الجنة، وتشمل كل ما كان علامة للبشرى. * الشيخ: ما هو الدليل على أن هذا هو الصحيح؛ العموم؟ * الطالب: الدليل (أل) للاستغراق. * الشيخ: هو قد يكون المراد بـ(أل) العهد. * طالب: (...) تفيد معنى أكثر للعموم. * الشيخ: لكن نريد دليلًا. * طالب: (...). * الشيخ: وغيرها؟ * الطالب: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦]. * طالب آخر: شيخ، نقول: (الْبُشْرَى) الخبر السار، فهو يعم جميع البشر. * طالب آخر: يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ مِنْ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ الرُّؤْيَا الصَّالَحِةَ»[[أخرجه مسلم (٤٧٩ / ٢٠٧) من حديث ابن عباس.]]. * الشيخ: في القرآن ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس ٦٤]. وأفضل ما يُفسر القرآن بالقرآن. قوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزمر ١٧] كيف كانت مكسورة وهي مفعول به؟ * الطالب: هنا حذف الياء؛ ياء المتكلم. * الشيخ: وأصلها؟ * الطالب: أصلها: بشر عبادي. * الشيخ: نعم، ما المراد بالعباد هنا؟ مَن تعبدوا بالخصوص أو بالعموم؟ * الطالب: بالخصوص. * الشيخ: بالخصوص، لماذا؟ * الطالب: لأن هنا ذكر ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ التبشير لا يكون إلا للعباد، ثانيًا.. * الشيخ: إلا للعباد بالمعنى الخاص. * الطالب: وكذلك أضاف إليها ياء المتكلم أو ياء النفس. * الشيخ: لا، هذه قلنا: إذا صارت جمعًا قد تشمل، لكن الذين يستمعون القول هذا يُخصص أيضًا، أولًا أنه من جهة البشارة، والثاني: الذين يستمعون القول. يقول: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر ١٨] ماذا تفيد؟ * طالب: القول الحسن. * الشيخ: الحسن؟! كيف نقول: الحسن، وهو أحسن؟ * الطالب: أحسن (...). * الشيخ: نعم. * طالب آخر: لأنهم يستمعون القول الحسن فيتبعون الأحسن. * الشيخ: نعم، يعني أنهم لا يرضون بدون الكمال، أو بدون الأكمل على الأصح. القول ذكرنا أنه ينقسم إلى أربعه أقسام؟ ما هي؟ * طالب: هي يتبعون القول. * الشيخ: نعم. * الطالب: يستمعون القول يشمل.. * الشيخ: قلنا: إنه ينقسم إلى أربعة أقسام. * الطالب: نعم، الذكر. * الشيخ: لا. * طالب: تقسيم من جهة الطاعة، ومن جهة اتباع القول، والعمل. * الشيخ: لا، القول ينقسم إلى أربعة أقسام. * طلبة: (...). * الشيخ: لا، (...) إذا أجبت تعرفون (...). * الطالب: مذكور يا شيخ. * الشيخ: نعم. * الطالب: حسن، وأحسن، وغير حسن ولا سيئ، وسيئ. * الشيخ: ما ذكرنا هذا؟ * طلبة: لا. * الشيخ: لا ذكرناه، قلنا: سيء، وأسوأ، ولغو، وحسن، وأحسن، خمسة أقسام. * طالب: هذه ذكرنا قبل، ما هو في نفس الآية. * الشيخ: على كل حال المهم أنه مر عليكم (...) إقامة الحجة تكفي مرة واحدة. على كل حال القول ينقسم إلى خمسة أقسام: سيء، وأسوأ، ولغو، وحسن، وأحسن هم يتبعون الأحسن، واستدللنا بالآية: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان ٧٢]، نعم ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص ٥٥]. قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ [الزمر ١٨] لماذا جاءت باسم الإشارة للبعيد؟ * طالب: إشارة إلى علو مرتبتهم. * الشيخ: نعم، إلى علو مرتبتهم، تمام؛ لأنهم يتبعون الأحسن فهم أعلى مرتبة، هل في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ حصر؟ * طالب: نعم. * الشيخ: طريقه؟ * الطالب: معرفة، إذا كانت الجملة طرفاها معرفة فإنها تفيد الحصر. * الشيخ: تمام، قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر ١٨] ﴿أُولُو﴾ بمعنى؟ * طالب: (...). * الشيخ: و﴿الْأَلْبَابِ﴾. * الطالب: ﴿الْأَلْبَابِ﴾ بمعنى العقول. * الشيخ: معناها العقول، ولّا ذوو العقول؟ * الطالب: العقول. * الشيخ: العقول، طيب لماذا سمي العقل لبًّا؟ * الطالب: لأن هو (...) غيره (...). * الشيخ: يعني جُعل لبًّا، يعني مَن ليس له عقل فهو قشور ما يحصِّل شيء طيب، لو قال قائل: هناك عقلاء لا يتبعون أحسن القول؟ * طالب: هذا عقل إدراك، وليس عقل رشد. * الشيخ: وليس عقل رشد، والثناء على أي العقلين؟ * الطالب: على عقل الرشد. * الشيخ: على عقل الرشد، تمام، بارك الله فيك، أما الفوائد فأخذناها أظن. * طالب: نعم، أخذناها. * الشيخ: إلى؟ * طالب: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾. * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ [الزمر ١٩] الهمزة هنا للاستفهام، ويحتمل أن المراد به الاستفهام الحقيقي أو أن المراد به الإنكار؛ يعني النفي، ويتبين من تفسيرها. وقوله: ﴿حَقَّ عَلَيْهِ﴾ أي وجب عليه وذُكّر الفعل مع أن كلمة مؤنث لوجهين: الوجه الأول: أن تأنيث كلمة تأنيث مجازي. والثاني: أنه منفصل عن عامله، ولا يجب تأنيث الفعل إلا إذا كان الفاعل مؤنثًا حقيقيًّا متصلًا كما قال ابن مالك: وَإِنَّمَا تَلْزَمُ فِعْلَ مُضْمَرِ ∗∗∗ مُتَّصِلٍ أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حِرِ يقول: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ أي: وجب عليه كلمة العذاب، وهي أنهم لا يؤمنون، ولو جاءتهم كل آية أو -كما قال المؤلف-: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٩]، والأول أظهر. وقوله: ﴿كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ يعني الكلمة التي يستحقون بها العذاب، وهي أن كل من خالف أمر الله فإنه مستحق للعذاب، قال الله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر ١٩]، ﴿أَفَأَنْتَ﴾ فالخطاب للرسول ﷺ؛ يعني: هل تنقذه إذا حقت عليه كلمة العذاب؟ والجواب: لا، وإذا كان الجواب لا، إذا كان جواب الاستفهام (لا) فهو علامة على أن الاستفهام للنفي، وهنا نسأل الهمزة في: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ﴾، والهمزة في ﴿أَفَأَنْتَ﴾ هل لكل واحدة معنى مستقل أو أن الثانية توكيد للأولى؟ * طالب: توكيد للأولى. * الشيخ: إن جعلنا الجملتين جملة واحدة يعني إن جعلنا الكلام واحدًا في الجملتين، فالثانية توكيد للأولى، وإن جعلنا كل كلمة مستقلة كل جملة مستقلة عن الأخرى، فالثانية أصلية، يعني تأسيسية لا توكيدية، وعلى كلٍّ فإن مثل هذا التركيب -أعني إذا أتت همزة الاستفهام وبعدها حرف عطف- قد سبق لنا مرارًا أن لعلماء النحو في ذلك قولين في الإعراب، فمنهم من يرى أن الهمزة داخلة على جملة مقدرة تناسب المقام والفاء وحرف العطف على تلك الجملة المحذوفة. ومنهم من يرى أن الهمزة داخلة على الجملة التي بعد حرف العطف، فيكون حرف العطف على ما سبق، وإنما قُدمت الهمزة لأن لها الصدارة، وذكرنا أن القول الثاني أيسر، وذلك لأن القول الأول قد يتعذر على الإنسان معرفة المناسب للسياق، أو ربما يقدر ما يظنه مناسبًا وليس بمناسب. يقول الله عز وجل: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ﴾ الخطاب قلت لمن؟ للنبى ﷺ، ﴿تُنْقِذُ﴾: تُخرج، ولكن تفسير ﴿تُنْقِذُ﴾ بـ(تخرج) قاصر؛ لأن كلمة تخرج لا تدل على أنه مُنقَذ من هلكة، لكن (تنقذ) تدل على معنى أخص من (تخرج)، أليس كذلك؟ إذن لا ينبغي أن نفسر الأخص بالأعم؛ لأنك إذا فسرت الأخص بالأعم نقصت التفسير، فالإخراج يكون إنقاذًا ويكون غير إنقاذ، لكن الإنقاذ يكون عن هَلَكة، ولهذا لو فسرت تنقذ: تنجي، لكان أوضح؛ لأن الإنجاء أيضًا يكون من الهلكة، ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ﴾ أي: تنجي ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ من عذابها، ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ (مَن) بمعنى الذي، وهو مفعول به لـ(تنقذ)، ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾، ﴿فِي النَّارِ﴾ جار ومجرور متعلق؟ * طالب: (...). * الشيخ: التقدير؟ * الطالب: كأنه استقر في النار. * طالب آخر: ثبت في النار. * الشيخ: من دخل في النار. * الطالب: ثبت ولّا دخل؟ * الشيخ: يُقدر بما يناسب. * طالب: داخل. * الشيخ: لا، داخل لا يصلح في صلة الموصول، حطوا بالكم. * الطالب: (...). * الشيخ: داخل لا يصلح في صلة الموصول؛ لأنك إذا قدرت (داخل) تحتاج إلى تقدير مبتدأ؛ لتكون جملة، لكن لو قدرت فعلًا ما احتجنا إلى شيء آخر، فنقول مثلًا في جميع صلة الموصول: لا يقدر فيها إلا فعل؛ لأنك لو قدرت الاسم احتجت إلى تقدير مبتدأ لتتم الجملة، فيكون التقدير مرتين، أما إذا قدرت فعلًا صار التقدير مرة واحدة. ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ أي: من استقر في النار، أو من دخل في النار، أو من كان في النار، حسب، يعني المعنى متقارب. قال المؤلف: (جواب الشرط) أين الشرط؟ الشرط هو (مَن) في قوله: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ﴾، وهذا أحد الوجهين في (مَن) أنها اسم شرط، وقال بعض العلماء: إن (مَن) اسم موصول؛ يعني: أفالذي حق عليه كلمة العذاب تنقذه؟ ودائمًا اسم الشرط والموصول يتعاوران؛ أي: يُستعار بعضهما مكان بعض البعض الآخر. يقول: (جواب الشرط، وأُقيم فيه الظاهر مقام المضمر) أُقيم فيه الظاهر الذي هو (مَن) مقام المضمر الذى يكون لولا الظاهر على هذا الوجه: أفأنت تنقذه، أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذه؟ وهذا كلام المؤلف يوحي بأن جملتين مرتبط بعضهما ببعض، وليس كل واحدة مستقلة عن الأخرى (أفانت تنقذه). ولكن نقول: هناك احتمال آخر خلاف ما قاله المؤلف، وهو أن الثانية منفصلة عن الأولى، وأن تقدير الأولى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ تدفع عن أو كلمة نحوها، يعني: أفتدفع عن مَن حق عليه كلمة العذاب؟ ثم استأنف فقال: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ يعني الأول تجعله مؤمنًا بحيث لا يستحق النار، والثاني تنقذه من النار إذا دخل فيها، هذا وجه للمفسرين. الوجه الثاني أن تكون الجملتان واحدة، يكون معنى ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ فهو في النار أفأنت تنقذه منها؟ وهذا هو الذى مشى عليه المؤلف. ومؤدى الجملتين واحد في النهاية؛ أن من حق عليه كلمة العذاب فإنه لا يمكن لا للرسول ﷺ ولا لغيره أن ينقذه من النار. يقول المؤلف: (وأُقيم فيه الظاهر مقام المضمر) وإقامة الظاهر مقام المضمر هنا تفيد معاني، منها: أن من حق عليه كلمة العذاب فهو في النار؛ لأنه لو قال: أفأنت تنقذه؟ لكان الإنسان يقول: من أي شيء أنقذه؟ فإذا قال: أفأنت تنقذ مَن في النار؟ علمنا أن هذا الذى حق عليه كلمة العذاب في النار. يقول: (والهمزة للإنكار) الهمزة في ﴿أَفَمَنْ﴾ وفي ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ﴾ وهما همزة واحدة، على القول بأن الجملتين واحدة، فتكون الثانية توكيدًا للأولى، والحاصل أن الله يقول للرسول عليه الصلاة والسلام: هل من حقت كلمة العذاب يمكن أن تمنعه من استحقاقها؟ هل مَن دخل النار يمكن أن تنقذه؟ الجواب: لا يمكن، لا هذا ولا هذا؛ لأن النبى ﷺ لا يملك أن يهدي أحدًا حتى لا تحق عليه كلمة العذاب، ولا يمكن أن ينقذ أحدًا من النار. يقول عليه الصلاة السلام «حين نزل قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء ٢١٤]» جمع أقاربه وصار يخصصهم «يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا»، إلى أن قال «يَا فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا» [[متفق عليه؛ البخاري (٣٥٢٧)، ومسلم (٢٠٤ / ٣٤٨) من حديث أبي هريرة.]]، وهي ابنته، يقول: المال أستطيع أن أنفعك به، ولكن لا أغني عنكِ من الله شيئًا، وإذا كان لا يُغني عن ابنته شيئًا فمَن سواها من باب أولى. فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذا وبين شفاعة النبى ﷺ لعمه أبي طالب «حتى كان في ضحضاح من نار وعليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٨٣)، ومسلم (٢٠٩ / ٣٥٧) من حديث العباس بن عبد المطلب.]]، كيف؟ هنا أغني، وهنا شفع ونفعت الشفاعة، فيقال: أولًا الرسول عليه الصلاة والسلام لم يتمكن من إخراجه من النار، وإذا لم يتمكن من إخراجه من النار لم يكن معارضًا للآية؛ لأن الله قال: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ ما أنقذه. ثانيًا: أن التخفيف عن أبي طالب ليس من أجل أنه عم الرسول ﷺ فهذا أبو لهب عمه ولكن لم يغنِ عنه شيئًا، لكن من أجل ما قام به من الدفاع العظيم عن الإسلام وعن رسول الإسلام، فإنه دافع عنه مدافعة عظيمة، بل إنه كان يمدح الرسول ﷺ في المحافل، بل شهد له بالرسالة، فقال: لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ ∗∗∗ لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَوْلِالْأَبَاطِلِ هذا بيت من لاميته المشهورة، التي قال عنها ابن كثير -رحمه الله- قال: هذه ينبغي أن تكون من المعلقات، بل هي أبلغ من المعلقات. المعلقات قصائد اختارها العرب سموها المعلقات السبع، وأضافوا إليها ثلاثًا سموها المعلقات العشر، هذه القصائد علقوها في جوف الكعبة حفاظًا عليها وتنويهًا بها، لكن لامية أبي طالب أشد وأشد؛ يعني: وأحسن وأعذب، فشهد للرسول ﷺ بأنه غير مكذب، وأنه لا يُعْنَى بقول الأباطل السحرة، بل إنه عليه الصلاة والسلام أصدق الناس وأنزه الناس، ثم يقول في قصيدة أخرى: وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينَا؎لَوْلَا الْمَلَامَةُ أَوْ حِذَارُ مَسَبَّةٍ ∗∗∗ لَرَأَيْتَنِي سَمْحًا بِذَاكَ مُبِيـــنَا مثل هذا الكلام إذا سمعه الناس آمنوا، فهو في الحقيقة داعٍ إلى الإسلام، لكنه ليس مسلمًا، نسأل الله العافية. إذن التخفيف عنه ليس من أجل أنه عم الرسول، ولكن من أجل أنه دافع عن الإسلام وحمى النبى ﷺ حماية تامة، وأعاله أيضًا، فإنه بعد موت جده عبد المطلب كان عند عمه أبي طالب، وهذا معروف، فمِن عَدْلِ الله عز وجل أن الله شكره على العمل وخفف عنه بشفاعة النبي ﷺ حتى صار -فيما سمعتم- في ضحضاح من نار، وعليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه، أعاذني الله وإياكم من النار، ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾. قال: (والمعنى: لا تقدر على هدايته فتنقذه من النار) هذا المعنى، وصدق الله سبحانه وتعالى، الإنسان لا يمكن أن ينقذ أحدًا من النار أبدًا، فإذا كان نبي الله ﷺ لا يمكن لا يقدر على ذلك، فمَن دونه من باب أولى. ثم قال تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ هذا الاستدراك من أحسن ما يكون لمَّا قال: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ استدرك هذه الحال، حال مَن لا يدخل النار؛ فقال: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الزمر ٢٠] إلى آخره، (لكن) هنا لا تعمل لأنها؟ * طالب: مخففة. * الشيخ: مخففة، و(لكن) إذا خُفِّفَت تكون لمجرد العطف فقط، ومعناها الاستدراك، فإذن ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، خبره جملة ﴿لَهُمْ غُرَفٌ﴾ هذا الخبر. قال: (﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ بأن أطاعوه)، أفادنا المفسر -رحمه الله- بأن التقوى هي الطاعة، وهذا أجمع ما قيل في التقوى؛ أنها طاعة الله عز وجل بامتثال أمره واجتناب نهيه؛ لأنه أمر ونهى، لا للهوى، ولهذا مَن أطاع الله لمجرد الهوى لا يكون كمن أطاع الله لأن الله أمر أو نهى، كثير من الناس يطيع الله لأن نفسه تهوى ذلك، ولكن الطاعة الحقيقة هي التي يكون الباعث عليها امتثال أمر الله تركًا للمنهيات وفعلًا للمأمورات. ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ قال: ﴿اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ إشارة إلى أن تقواهم لله مبنية على أساس؛ لأنه ربهم، والربوبية هنا تشمل الربوبيه القدرية، والربوبيه الشرعية؛ لأن الله رب مالك للكون قَدَرًا ومالك للحكم شرعًا، فهم يتقون ربهم؛ لأنه الذى خلقهم ورزقهم وأعدهم وأمدهم، يعبدون ربهم؛ لأنه الحاكم فيهم، والذي يأمرهم وينهاهم، فيقومون بأمره ويدعون نهيه. ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ [الزمر ٢٠] غُرَف: جمع غرفة، والغرفة هي البناء العالي، إذا كان في الأسفل يُسمى حُجرة، وإذا كان فوق يُسمى غرفة، فالبناء العالي يسمى غُرفة، هذه الغرف غرف مبنية، يقول: ﴿مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ يعني: طبقات، قصور عالية شامخة، مبنيَّة من لَبِنَات من الذهب والفضة، جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، هذه الغرف المبنية من الذهب والفضة أيضًا ليست على ما يُشاهد في الدنيا من اللمعان والحسن الجذاب، بل هي أشد وأعظم، لا يمكن أن نتصور حسن هذه الغرف ولا مواد بنائها أبدًا، لماذا؟ لأن الله يقول: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]، ويقول في الحديث القدسى: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة. ]]. وهي -أي الجنة- ليس فيها شيء مما في الدنيا إلا الأسماء فقط، لكن الحقائق تختلف اختلافًا عظيمًا فيها عنب، نخل، رمان، لكن ليست كالموجود عندنا في الدنيا، بل هي شيء لا يمكن أن يتصوره الإنسان، هذه الجنة مُعَدَّة للمتقين الذين اتقوا ربهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران ١٣٣] العمل يسير والعوض كثير، لكن العمل يسير يا إخواني على من يسره الله عليه، والله ييسره على من صدق النية في التوجه إلى الله، ولم يركن إلى الدنيا؛ لأن الركون إلى الدنيا -ولا سيما ممن أعطاه الله العلم- ذُل وانحطاط ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف ١٧٥، ١٧٦]. والمثل -أخس الأمثال: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأعراف ١٧٦] كذا؟ ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ﴾ إلى آخره. إذن نقول: هذه الغرف التي أعدها الله للمتقين الذين أخلصوا النية لله رجاء الوصول إلى ثوابه، والذين لا يفعلون طاعة إلا وهم يؤمنون بأن لها ثوابًا في هذه الجنة؛ لأن هذه العقيدة وهذا الشعور يحملك على إحسان العبادة، إذا علمت أنه ما من عبادة تقوم بها إلا من أجل الوصول إلى هذا الثواب سوف تحرص على العمل، وتتقن العمل. ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا﴾ أي: من تحت هذه الغرف العليا وما تحتها، ﴿الْأَنْهَارُ﴾ جمع نَهَر أو نَهْر؛ لأن نَهَر أو نَهْر الحلقية الذي ثانيها حرف حلق؛ نَهَر وبحر، يجوز فيها تسكين الحرف الثاني وفتحه، تقول: نَهَر ونَهْر، وبَحَر وبَحْر، هنا نقول: أنهار جمع نَهْر، وهي أربعة أنواع بينها الله تعالى في سورة القتال فقال: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ﴾ [محمد ١٥]، اقرأ. * طالب: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ﴾. * الشيخ: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ﴾ قبلها. * الطالب: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفَّى﴾ [محمد ١٥]. * الشيخ: نعم، هذه أربعة أنواع فيها أنهار من ماء غير آسن يعني غير قابل لأن يكون آسنا، والآسن هو المتغير، وأنتم تعلمون أن الماء إذا بقي في الإناء مدة أو في مقره في البئر مدة فإنه يتغير، ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ ولا فيها سَكر. ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفَّى﴾ أنهار، ما هي تُحلب من الضروع، ولا تأتي من نحل، أنهار تمشي على الأرض، تجري، وقد جاء في الأثر أنها تجري بلا أخدود، تعرفون الأخدود؟ أيش تسمونها؟ * طلبة: مجرى. * الشيخ: إي، تبقى مجاري على وجه الأرض لا تحتاج إلى حفر سواقي ولا إلى جدارن تمنع من سيلان الماء، بل هي تجري بدون شيء وورد أيضًا أنها تجري باختيار الإنسان يوجه النهر حيث شاء، يوجهه حيث شاء، ويمسكه حيث شاء؛ لأن الله يقول: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف ٧١]، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، في قول يقولون: إن نهر النيل وسيحون وجيحون والفرات أنه من الجنة؟ * الشيخ: إي نعم، صحيح ورد فيه حديث. * الطالب: نعم. * الشيخ: ورد فيه الحديث، لكن قالوا: إنها تشبه أنهار الجنة بالصفاء، هو ليس معناه أنها نزلت من السماء. * طالب: تشبيه بليغ. * الشيخ: نعم، تشبيه بليغ. * طالب: الربوبية القدرية والشرعية؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: القدرية والشرعية. * الشيخ: ما أدري ويش تقول؟ * الطالب: الربوبية. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: القدرية والشرعية. * الشيخ: نعم. * الطالب: ما فهمناها. * الشيخ: ما فهمتوها، نعم الربوبية الشرعية هو التصرف في الناس بالشرع. * الطالب: يعني (...). * الشيخ: الأمر والنهي، والقدرية معروفة، ولهذا مر علينا مثل هذا، الحكم كونيّ.. * الطالب: (...). * الشيخ: وشرعي نفس التصرف بمقتضى الربوبية كوني وشرعي. * الطالب: (...) يا شيخ. * الشيخ: مثل الإرادة، كونية وشرعية. * طالب: (...). * الشيخ: نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: التفسير يعني التَّقَوِّي بالطاعة، نعم. * طالب: بعض الناس (...). * الشيخ: نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: إي. * الطالب: هل يؤجر على فعله هذا؟ * الشيخ: والله -على كل حال- تبرأ الذمة بذلك، لكنه لن يصل إلى درجة الكمال، ولهذا نحن نقول دائما ينبغي للإنسان عند فعل العبادة أن تكون له نيَّتان، نيتان: نية العمل، ونية المعمول له، نية العمل هذه كل الناس يعمل، ينوون، هذا يأتي يصلي الظهر ينوي صلاة الظهر، لكن نية المعمول له أنه يريد بذلك التقرب إلى الله عز وجل، هذا كثيرًا ما يغفل الإنسان عنه، يصده الشيطان عن ذلك. هنا -بعد- نية ثالثة؛ نية المتابعة للرسول ﷺ، نية المتابعة، فكل هذه المعاني -نسأل الله أن يعفو عنا- هذه تغيب عنا كثيرًا، لا نية امتثال الأمر، وهي نية المعمول له، ولا نية المتابعة للرسول ﷺ؛ لأنك إذا نويت أو إذا شعرت بهذه النية أحببت الله عز وجل وأحببت الرسول، وشعرت بأنك عبد لله متبع لرسول الله، وتجد للعبادة طعمًا لا تجده إذا أتيت بها على سبيل العادة، ولهذا نقول: عادات الموفَّق عبادات، وعبادات الغافل عادات، إي نعم (...). * طالب: (...). * الشيخ: (مَن)؟ * الطالب: (مَن) الموصولة (...). * الشيخ: ما فيها رأي آخر؟ * الطالب: أو شرطية. * الشيخ: أو شرطية. ما المراد بقوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر ١٩] الخطاب لمن؟ * طالب: الخطاب للنبي ﷺ. * الشيخ: نعم. * الطالب: الاستفهام للنفي. * الشيخ: للنفي، كالأول. * الطالب: نعم. * الشيخ: هل الهمزة الثانية أصلية مؤسسة أو زائدة للتوكيد؟ * طالب: زائدة. * الشيخ: ما فيها رأي آخر؟ * الطالب: فيها رأي آخر، جملة (...) أو جعلنا (...) خاصة (...). * الشيخ: أحسنت، قوله: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ هذا الاستدراك أيش فائدته؟ * طالب: العطف. * الشيخ: إي نعم، العطف، لكن الاستدراك من أي شيء؟ * الطالب: الاستدراك، بَيَّن أن العذاب يحصل لبعض الناس فاستدرك بهذه الآية، يخرج الناس.. * الشيخ: يعني لما قال مثلًا: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ [الزمر ١٩]، استدرك فقال: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [الزمر ٢٠] يعني: أنهم لم يحق عليهم، ما إعراب ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾؟ * طالب: ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الإعراب؟ * الشيخ: إي نعم ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾. * الطالب: ﴿اتَّقَوْا﴾؟ * الشيخ: ﴿الَّذِينَ﴾. * الطالب: ﴿الَّذِينَ﴾ اسم من أسماء الإشارة. * الشيخ: ﴿الَّذِينَ﴾ اسم إشارة؟! * الطالب: ﴿لَكِنِ﴾.. * الشيخ: ﴿لَكِن﴾ حرف استدراك، لكِنَّ ﴿الَّذِينَ﴾؟ * الطالب: ﴿الَّذِينَ﴾ اسم إشارة. * الشيخ: اسم الإشارة ﴿الَّذِينَ﴾؟! اسم الإشارة: هذا هذه هؤلاء. * الطالب: ﴿الَّذِينَ﴾.. * الشيخ: ما قرأت النحو؟ * طالب: ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. * الشيخ: نعم ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، أين خبره؟ خبر ﴿الَّذِينَ﴾؟ * طالب: ﴿اتَّقَوْا﴾. * الشيخ: لا، ﴿اتَّقَوْا﴾ صلة الموصول. * الطالب: (...). * الشيخ: وينه؟ الجار والمجرور خبرها ولّا لا؟ * طالب: (...). * الشيخ: الجار والمجرور، الظاهر أنه معارض، نعم. * طالب: جملة: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ﴾ [الزمر ٢٠]. * الشيخ: جملة ﴿لَهُمْ غُرَفٌ﴾ جار ومجرور خبر مقدم لـ(غرف). * نأخذ الفوائد، قال الله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ [الزمر ٢٠]، ﴿وَعْدَ﴾ يقول المؤلف: (منصوب بفعل مقدر) أي: وُعِدوا وعد الله، أو على رأي آخر محتمل تقدير: أُنْجِزُوا وعد الله، يعني: أنجز الله لهم وعده وعلى هذا فيكون منصوبًا بفعل مقدر من غير فعله، أما رأي المؤلف فهو مصدر محذوف العامل. يقول -رحمه الله- قال الله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾، قال المفسر: (وعده) فأفاد بأن (أل) هنا نائبة مناب الضمير، وأن الميعاد بمعنى الوعد، وقوله: ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ أي أنه لا يخلف ما وعده بشيء آخر؛ لأن (أخلف) تدل على إبدال شيء بشيء، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ ٣٩]، بخلاف (خَلَف) فإنها تدل على خلف شيء بشيء، فيُقال: خَلَفَه؛ أي: أتى بعده، أخلفه: بمعنى جعل له بديلًا، ولهذا يقول المصاب: اللهم آجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها، يعني أعطني بدلًا عنها. وقوله: ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ إنما كان كذلك لكمال صدقه وكمال قدرته؛ لأن إخلاف الميعاد إما أن يكون لكذب الواعد وإما أن يكون لعجزه، والله عز وجل منزه عن هذا وهذا، فهو كامل الصدق، كامل القدرة. في هذه الآية: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ إلى آخره فيها دليل، * من فوائدها: أن من حقت عليه كلمة العذاب فلا هادي له، ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف ١٨٦]. * ومن فوائدها: إثبات كلام الله؛ لأن الذي يقضي بالعذاب هو الله عز وجل لا غيره، فكلمة العذاب صادرة من الله، وفي هذا إثبات الكلام لله عز وجل، والقرآن كله -كل حرف منه- فيه إثبات كلام الله، لماذا؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، في كل حرف من القرآن إثبات كلام الله. * طالب: لأنه باللفظ والصوت والحرف. * الشيخ: لأنه كلام الله، فكل حرف منه فهو كلام الله، إذ إن كلام الله حرف وصوت. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة أن النبي ﷺ لا يستطيع أن يُنقذ مَن في النار، وإذا كان هذا للرسول ﷺ فغيره من باب أولى. * ومن فوائدها أن من حقت عليه كلمة العذاب فإنه في النار؛ لأننا قلنا: إن الظاهر هنا نائب مناب المضمر، وأن التقدير: أفانت تنقذه؟ * ومن فوائد هذه الآية: بلاغة القران، وشدة زواجره، حيث يأتي بمثل هذا الأسلوب الشديد الذي يصرم القلب الواعي الحي ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر ١٩]، أسلوب شديد جدًّا، ولا شك أن الأسلوب الشديد في موضعه يعتبر من البلاغة؛ لأن البلاغة أن يأتي الكلام مطابقًا لمقتضى الحال، أي لما تقتضيه الحال من لين وشدة وتطويل وإيجاز. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات النار، والنار هي الدار الثانية التي يستقر فيها الإنس والجن، وهي دار من اعتدى وكفر، وهي موجودة الآن، وستبقى أبد الآبدين. ثم قال تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ إلى آخره، في هذا بيان علو منزلة المتقين؛ لأن الاستدراك هنا كأنه انتشال لهم مما سبق ذكره من الوعيد الشديد لهؤلاء الذين حقت عليهم كلمة العذاب. * ومن فوائدها أن التقوى سبب لدخول الجنة لقوله: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ﴾ إلى آخره. * ومن فوائدها أن تقواهم لله له سبب سابق ولاحق، فالربوبية الخاصة في قوله: ﴿رَبَّهُمْ﴾ اقتضت أن يتقوه، وهم يتقون ربهم الذي سيثيبهم، فالتقوى لها سبب، وهو عنايه الله عز وجل بهم، هذا سابق، ولها سبب لاحق، وهو ما يرجونه من ثواب الله عز وجل، كل هذا يُحمل على التقوى، فهو ربهم حيث وفقهم للتقوى، وربهم حيث أثابهم عليها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة أن منازل الجنة غُرَف مبنية بعضها فوق بعض لقوله: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ [الزمر ٢٠]، وهل هذه الغرف تختلف بحسب العامل؟ الجواب: نعم، «وقد بَيَّن الرسول عليه الصلاة والسلام أن جنتين من جنات الخلد من ذهب آنيتهما وما فيهما وأن جنتين من فضه آنيتهما وما فيهما»[[أخرج البخاري (٤٨٧٨) ومسلم (١٨٠ / ٢٩٦) بسنديهما عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «جنتان من فضة آنيتهما، وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما...». الحديث.]]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة تمام النعيم، حيث كانت هذه الغرف تجري من تحتها الأنهار، وفيها الأشجار وفيها من كل ما يتمناه الإنسان، بل فوق ذلك. * من فوائد الآية الكريمة أن هذا النعيم ثابت بوعد الله لقوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾. * ومن فوائدها إثبات أن الله لا يخلف الميعاد لكمال صدقه وقدرته، ففيها إثبات كمال الصدق وإثبات كمال القدرة.

الزمر 39:17

ثم قال الله تعالى -ونحن نبتدئ بذلك الدرس-: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر ١٦]، ﴿لَهُمْ﴾ الضمير يعود على ﴿الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ١٥] وهم الكفار. ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ﴾ من فوق رؤوسِهم، وكلمة ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ تدلُّ على أن هذه الظُّلَل محيطةٌ بهم. وقوله: ﴿ظُلَلٌ﴾ قال المؤلف: (طِبَاقٌ ﴿مِنَ النَّارِ﴾ )، وهذه الطِّباق من النَّار لا نعلم كيفيَّتها، لا نعلم هل هي حديدٌ مُحمى أو حجارة أو غير ذلك، لكن إذا تأمَّلْنا قولَه تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة ٢٤] فقد نقول: إنها من الحجارة، وليست أيضًا كحجارتنا، بل هي حجارةٌ لا تُعلم كيفيَّتها. وقوله: ﴿وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ أي: (مِن النار) كما قال المؤلف، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف ٤١] أي: شيءٌ يغشاهم؛ أي: يغطِّيهم. ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ [الزمر ١٦] ﴿ذَلِكَ﴾ أي: المشار إليه مِن ذكْر هذه الظُّلَل ﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾، ﴿بِهِ﴾ الضمير يعود على العذاب المذكور، والباء للسببية؛ أي يُخَوِّف بسببه، ويجوز أن تكون للتعدية؛ أي: يُخَوِّف به نفسه. ﴿عِبَادَهُ﴾ قال: (أي: المؤمنين ليتَّقوه، يدُلُّ عليه ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر ١٦]). المؤلف -رحمه الله- سَلَك في تفسير الآية أنَّ المراد بالعِباد هنا شيءٌ خاصٌّ وهم المؤمنون، مع أنَّ ظاهر الآية العموم وأنَّ المراد بالعِباد هنا مَن يتعبَّدون لله بالمعنى العام، وهي العبودية الكونية؛ لأنَّ العبادة نوعان: عبادةٌ يتعبَّد الإنسانُ بالشرع، يتعبَّد لله بالشرع، وهذه خاصة بِمَن؟ بالمؤمنين، وعبادةٌ يعني يتعبَّد الإنسانُ لله بالكون أي: يكون عبدًا لله كونًا وقدَرًا يفعل الله فيه ما يشاء، وهذه عامة؛ كما قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣]، فهل المراد بالآية هنا العبادة العامَّة وأنَّ الله يوجِّه الخطابَ إلى جميع العباد؛ جميع الناس، أن يتَّقُوه، أو هي خاصَّة؟ يرى المؤلف -رحمه الله- أنها خاصَّة، ولكن لا دليل على ذلك، وإذا لم يكن هناك دليلٌ فالأَولى إبقاءُ النص على عمومه، فكما أن المؤمن يُخَوَّف بهذا الوعيد فكذلك الكافر، الكافر أيضًا يُخَوَّف، بل إنَّ تخويف الكافر أوكد من تخويف المؤمن؛ لأنَّ مع المؤمن ما يُنجيه من الخلود في النار، لكن الكافر ليس معه ما يُنجيه من الخلود في النار. إذَن المراد بذلك العموم أو الخصوص؟ * طالب: العموم. * الشيخ: ويش وجهه؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ما وجه أنَّ الأرجح العموم؟ * طالب: لا دليل للمؤلف، والأَولى أن يبقى النص على ظاهره. * الشيخ: أن هذا هو ظاهر النَّص، كذا؟ ثانيًا: أنَّ الكافر أَوْلى أن يُخَوَّف بالنار من المؤمن؛ لأنَّ مع المؤمن ما ينجو به من الخلود في النار، وليس مع الكافر شيءٌ ينجو به، فكيف نصرف التخويف عمَّن هو أحقُّ بالتخويف. إذَنْ فالصحيح أنَّ المراد بالعباد العموم؛ يعني: يُخَوِّف الله بهذا العذاب جميعَ الناس. ثم وجَّهَ الله الخطابَ إلى الناس عمومًا فقال: ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾، ﴿يَا عِبَادِ﴾ يعني جميع العباد؛ كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ [لقمان ٣٣]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء ١]، والآيات كثيرةٌ في توجيه الأمر بالتقوى إلى جميع الناس، والكافر محتاجٌ إلى التقوى كما أنَّ المؤمن كذلك. فقول المؤلف: (يدلُّ عليه) فيه نظر؛ ففي حُكم المؤلف نظر، وفي الاستدلال لهذا الحكم نظر. ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ غريبٌ أن تأتي النون مع فِعل الأمر، والمعروف أنَّ فعل الأمر المقرون بواو الجماعة أو ألف الاثنين أو ياء المخاطَبة تُحذف منه النون. * طالب: هذه نون الوقاية. * الشيخ: هذه نون الوقاية؟ ما الذي أدراك أنها نون الوقاية؟ * الطالب: لأن أصلها (اتَّقُونني). * الشيخ: اتقوني؟ * الطالب: (فاتَّقونني). * الشيخ: نعم، (فاتَّقونني) أصله؟ * الطالب: (...). * الشيخ: هذا اللفظ ﴿فَاتَّقُونِ﴾ أنتَ قلت: إن النون هنا ليست نون الرفع ولكن نون الوقاية، فما الذي أدراك؟ * الطالب: (...) فأصلها (اتَّقونني). * الشيخ: اتقونني؟! لا، هذا أصلًا ليس بأصل؟ * طالب: لأنه يدلُّ على حذف الياء كسرتُه، وأصله (فاتَّقوا) هذا الأمر، و(نِ) نون الوقاية مع ياء المتكلم، وبعدها حُذفت الياء للتخفيف، وبعدُ بقيت الكسرة حتى تدل على حذفها. * الشيخ: صحيح، الدليل واضح يا جماعة كَسْر النون؛ لأنها لو كانت نون الرفع لكانت بفتح النون، فإنَّ نون الرفع تكون مفتوحة. ومن مثال ذلك أيضًا قوله تعالى في سورة الذاريات: ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾، ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الذاريات ٥٩]. ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ هذا لفظ الآية، إذا وصلتَ كيف تقول؟ ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ﴾ [الذاريات ٥٩، ٦٠]، فالنون هنا للوقاية وليست نون الرفع. ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ وقد سبق معنى التقوى مِرارًا فلا حاجة لإعادته. ثم قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر ١٧]. ﴿الَّذِينَ اجْتَنَبُوا﴾ أي: أبعدوا عن الطاغوت؛ لأنه مأخوذٌ من الجَنْب، وهو الشيء المنفصل عن الشيء، تقول: إلى جانب فلان؛ أي إنَّه منفصلٌ غير متَّصل، ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾ أي: ابتعَدوا عنها. و﴿الطَّاغُوتَ﴾ اسمٌ من الطُّغيان، والتاء فيه للمبالغة، فما هو الطاغوت الذي اشتقَّ من الطغيان؟ يقول ابن القيم رحمه الله: الطاغوت كلُّ ما تَجاوز به العبدُ حدَّه من معبودٍ أو متبوعٍ أو مُطاعٍ. كلُّ ما تجاوز به الإنسانُ حدَّه -وإنما قال: ما تجاوز به حدَّه، من أجْل أن يَصْدُق عليه أنه طغيان- من معبود أو متبوع أو مطاع. فمثلًا الأصنام التي يعبدها الكفار تُسَمَّى طواغيت، المتبوعون من العلماء طواغيت، المطاعون من الأمراء كذلك أيضًا طواغيت، لكنَّه ليس على ظاهره، كلامُ ابن القيم ليس على ظاهره؛ المراد به المعبود الذي لا إرادة له كالأصنام من الجمادات أو المعبود الذي رضي بعبادته، وأمَّا المعبود الذي عُبِد وهو لا يرضى بالعبادة فلا يُسمَّى طاغوتًا، ولهذا لا يمكن أن نُسمِّي عيسى بن مريم طاغوتًا. وكذلك أيضًا المتبوع؛ العلماء الذين لا يرضون أن يعبدهم الناسُ ليسوا طواغيت، المطاعُ أيضًا؛ الأمراء الذين لا يرضون أن يعبدهم الناس لا يُسمَّون طواغيت، فكلام ابن القيم ليس على إطلاقه. ويمكن أن نقول: إن قول ابن القيم: ما تجاوز به العبدُ حدَّه من معبودٍ أو متبوعٍ أو مطاعٍ، أنَّه عائدٌ على العمل؛ يعني أن الطاغوت عمَلُ الإنسان في معبوداته أو مَن يطيعهم أو مَن يتَّبعهم؛ يعني معصية الله في طاعة هؤلاء، فيكون الوصف بالطغيان عائدًا على الفعل لا على المفعول، وحينئذٍ نَسْلَم من الإشكال الذي قُلنا: إنَّه لا بد أن يُقَيَّد المعبود والمتبوع والمطاع بأنه راضٍ. على كل حال إنَّ ﴿الطَّاغُوتَ﴾ مأخوذٌ من الطغيان وهو مجاوزة الحد، والصيغة فيه صيغة مبالغة. قال المؤلف: (الأوثان)، ففسَّر الطاغوت بالمعبودات وهي الأوثان، ولهذا قال: ﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾. ﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ (أنْ) هذه مصدرية، والمصدر المؤول منصوبٌ على أنه بدلٌ من الطاغوت. مِن أيِّ أنواع البدل؟ * طالب: بدل كل من كل. * الشيخ: لا * طالب: بدل بعض من كل. * الشيخ: ولا بعض؛ لأن العبادة ما هي ببعض الأوثان. * طالب: بدل اشتمال. * الشيخ: بدل اشتمال، طيب إذَنْ نقول: ﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ في محل نصب بدل من ﴿الطَّاغُوتَ﴾. وقوله: ﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ هم يعبدون الأصنامَ بدُعائها، ولكنهم يدَّعون أنهم لا يعبدونها إلا لتُقرِّبهم إلى الله. ثم قال: ﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ إلى آخِره في الدرس القادم إن شاء الله. * * * * طالب: الهيبة التي تأتي (...). * الشيخ: نعم، إي، ويش فيها؟ * الطالب: الهيبة هذه ماذا تكون؟ * الشيخ: ما هي خوف عبادة هذه، هذه ليست خوف عبادة، ولكنَّها خوف هيبة واحترام. * طالب: قال المصنف رحمه الله تعالى: ﴿يَا عِبَادِ﴾ والمراد بالعباد المؤمنون، (...). * الشيخ: طيب الكافر ما يُؤْمَر بالتقوى؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، من جملة التقوى ترْك الكفر؛ لأنَّ التقوى اتِّخاذ وقايةٍ من عذاب الله، ومن جملتها الإيمان، ولهذا جاءت الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ [لقمان ٣٣]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ عمومًا، وجاءت آيةٌ أخرى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج ١]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء ١]. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨) أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (٢٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر ١٧ - ٢١] * الشيخ: بس، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾. ﴿الَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾، ما معنى ﴿اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾؟ * طالب: اجتنبوا عبادة الطاغوت، وهو ما عُبِدَ من دون الله وهو راضٍ. * الشيخ: نعم، طيب وما معنى ﴿اجْتَنَبُوا﴾؟ * الطالب: ابتعَدوا. * الشيخ: ابتعَدوا عنها. ما موقع ﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ من الإعراب؟ ﴿اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾. * طالب: بدل اشتمال. * الشيخ: بدل اشتمال. كم أنواع البدل؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ما هي؟ * الطالب: اشتمال، بعض، بيان. * الشيخ: لا. * طالب: بدل الغلط، وبدل الاشتمال، وبدل الكل من الكل، وبدل البعض من الكل. * الشيخ: كم هذه؟ * الطالب: أربعة. * الشيخ: خمسة؛ قال ابن مالك: مُطَابِقًا أَوْ بَعْضًا اوْ مَا يَشْتَمِلْ ∗∗∗ عَلَيْهِ يُلْفَى أَوْ كَمَعْطُوفٍبِـ(بَلْ) أربعة، فيه بدل كُلٍّ من بعض؟ * طالب: على قول. * الشيخ: على قول. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم. ......................... ∗∗∗ بِسِجِسْتَانَ طَلْحَةَ الطَّلْحَاتِ * * * قوله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر ١٧].يقول: (﴿أَنَابُوا﴾ أقبلوا ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ )، والإنابة تكون بمعنى الإقبال كما قال المؤلف، وتكون بمعنى الرجوع؛ رجعوا إلى الله، والرجوع إلى الله يستلزم الإقبالَ عليه؛ لأن الإنسان يفِرُّ بالمعصية بعيدًا عن الله، فإذا تابَ وأنابَ ورجعَ إلى الله فهو مُقبل. ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ [الزمر ١٧] الجملة هذه خبريَّة، قُدِّم فيها الخبر ﴿لَهُمُ﴾ لإفادة الحصر؛ لأنَّ ما كان حقُّه التأخير إذا قُدِّم أفادَ الحصر. وقوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ الجملة هذه خبر ﴿الَّذِينَ﴾؛ الذين اجتنبوا الطاغوت لهم البشرى، واضح؟ فتكون هذه الجملة في موضع رفْعٍ على الخبر، فما هي البُشرى؟ البُشرى ما تَحْصل به البشارة، والبشارة هي في الأصل الخبرُ السَّارُّ، وسُمِّي الخبرُ السَّارُّ بشارة لأنه يظهر أثرُه على البشرة التي هي الجلدُ؛ فإنَّ الإنسان إذا أُخبر بما يسرُّه استنار وجهه وتغيَّر، فسُمِّيتْ بُشْرى. وقول المؤلف: (الجنة) هذا لا شك أنه مِمَّا يدخل في البُشرى، لكنه أعَمُّ مِمَّا قال المؤلف؛ كما قال تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس ٦٤] فمِن البُشرى الرؤيا الصالحة يراها الإنسانُ لنفسه أو يراها له مؤمن، فإن هذه من البُشرى كما قال النبي ﷺ: «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ»[[أخرجه مسلم (٢٦٤٢ / ١٦٦) من حديث أبي ذر الغفاري.]]؛ الرؤيا الصالحة يراها أو تُرى له؛ مثل أن يرى مَن يبشِّره بالجنة، أن يرى أنه في نعيم، وما أشبهَ ذلك، هذه من البشرى. ومن البُشرى أيضًا أن يُوَفَّق للعمل الصالح؛ إذا رأيتَ اللَّهَ سبحانه وتعالى وفَّقك للعمل الصالحِ المبنيِّ على الإخلاص والمتابعة لرسول الله ﷺ فإنَّ هذه من البُشرى. ومن البُشرى أيضًا أن يوفِّقك الله عز وجل لمصاحبة الأخيار؛« فإنَّ «الْمَرْء عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ» » كما جاء في الحديث «فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ»[[أخرجه أبو داود (٤٨٣٣)، والترمذي (٢٣٧٨)، من حديث أبي هريرة.]]، فإذا وجدتَ أن الله وفَّقك لمصاحبة الأخيار فإنَّ هذا عنوانٌ على السعادة. ومن البُشرى أيضًا أن يحبَّ الإنسانُ من يحبُّه الله؛ فإن النبي ﷺ سُئِل عن الرجل يحبُّ القومَ ولَمَّا يلحقْ بهم، فقال ﷺ:« «مَنْ أَحَبَّ قَوْمًا فَهُوَ مِنْهُمْ». » قال أنس بن مالك رضي الله عنه«: ما فرِحْنا بعد الإسلام بشيءٍ أحَبَّ إلينا من هذا الحديث. » ثم قال: «فأنا أُحِبُّ النبيَّ ﷺ وأُحِبُّ أبا بكر وعمر»[[هذه ثلاثة أحاديث ذُكِرت في سياق حديث واحد؛ الأول: ما أخرجه الشيخان -البخاري (٦١٧٠)، ومسلم (٢٦٤٠ / ١٦٥)- من حديث أبي موسى قال: قيل للنبي ﷺ: الرجُل يحبُّ القومَ ولَمَّا يلحقْ بهم؟ قال: «المرءُ مع مَن أحبَّ». وأمَّا حديث «مَن أحبَّ قومًا ...» فأخرجه الطبراني (٢٥١٩) من حديث أبي قرصافة الكناني رضي الله عنه بلفظ: «مَن أحبَّ قومًا حشره الله في زُمرتهم». والثالث هو حديث أنس الذي أخرجه الشيخان –البخاري (٣٦٨٨) ومسلم (٢٦٣٩)- بسنديهما عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال: «وما أعددتَ للساعة؟». قال: حبَّ الله ورسوله. قال: «فإنك مع مَن أحببتَ». قال أنس: فما فرِحْنا بعد الإسلام فرحًا أشدَّ من قول النبي ﷺ: «فإنَّك مع مَن أحببتَ». قال أنس: فأنا أحبُّ اللَّهَ ورسولَه، وأبا بكرٍ وعمرَ، فأرجو أن أكون معهم وإنْ لم أعمل بأعمالهم.]]، فهذه من البُشرى. المهم أن البُشرى كلُّ خبرٍ سارٍّ، فيشمل ما قاله المؤلف؛ (الجنة)، وهي الغاية لكلِّ إنسانٍ، ويشمل ما كان علامةً على ذلك، ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾. قال: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزمر ١٧] أَمَر اللُّه النبيَّ ﷺ أن يبشِّر عباد الله، بَشِّرْهم بماذا؟ بشِّرْهم بالجنة وبكُلِّ ما يسُرُّهم، حتى في الدنيا المؤمن مسرورٌ دائمًا، وإنْ أُصِيب ببلاءٍ فإنه مسرور؛ لأنه إذا أُصِيب بالبلاء فصبر كان خيرًا له. قوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ الدال مكسورة مع أنها مفعولٌ به، لِماذا؟ * طالب: (...). * الشيخ: لأنَّ أصلها (عبادي) فحُذفت الياء للتخفيف كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد ١١] أي: من والِي، وإنْ كانت الياء في ﴿مِنْ وَالٍ﴾ غير الياء في (عبادي)؛ لأن الياء ﴿مِنْ وَالٍ﴾ من أصل الكلمة، وأمَّا هنا فهي كلمةٌ أخرى؛ الياء. ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ مَن المراد بالعباد هنا؟ المراد خصوصيَّة العبودية؛ أي: عباد الله الصالحين لا كُل عبد. ثم بيَّن من صفاتهم قال: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر ١٨] هذا من علامات عباد الله عز وجل أنهم لا يُضيعون الفُرَص. ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ أي: يُصْغُون إليه، ولم يقُل: يسمعون؛ لأنَّ الاستماع هو متابعة المتكلِّم والإنصاتُ إليه، بخلاف السَّماع، ونضرب مثلًا لرجُلٍ مَرَّ بقارئٍ فسمعه يقرأ، ورجُلٍ آخَر مَرَّ بقارئٍ يقرأ فجلس إليه يُنْصِت، الأول سامع، والثاني مستمع. ولهذا قال العلماء بناءً على هذا الفرق: إذا قرأ القارئُ آيةً فيها سجدةٌ وسَجَد فإنَّ السامع لا يسجد والمستمع يسجد؛ لأن المستمع متابِع والسامع ليس بمتابع. إذَنْ هؤلاء يستمعون القولَ، لا يُضيعون فرصة. ﴿الْقَوْلَ﴾ (أل) هنا للعهد، وتُشبه أن تكون للعهد الذِّكْري؛ لقوله: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾؛ أي إنهم يستمعون القولَ الحَسَن ليس كُلَّ قول، فـ(أل) هنا نقول: إنها للعهد، ويُشبه أن تكون للعهد الذِّكْري؛ لقوله: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾. إذَن ما المراد بالقول هنا؟ القول الحَسَن، أمَّا اللغْو أو السيِّئ فإن الله يقول: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان ٧٢]، ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [القصص ٥٥] فإذا كانوا يُعرضون عن اللغو لأنه لا فائدة فيه، فالمحرَّم من باب أَوْلى. إذَنْ هؤلاء قومٌ عندهم حَزْم، عندهم شُحٌّ في الوقت، لا يستمعون إلا إلى القول الحَسَن. طيب، إذا استمعوا إلى القول الحسن، فنحن نعلم أنَّ الحسن فيه ما هو أحسن وما هو حَسَن، فما الذي يتَّبعون؟ يقول: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾؛ فمثلًا إذا سمعوا الترغيب في صلاة الليل وأنَّ أكثرها -مثلًا- إحدى عشرة ركعة وأدناها ركعة واحدة، ما الذي يتَّبعون؟ * طلبة: إحدى عشرة. * الشيخ: الإحدى عشرة؛ لأنها أحسن. إذا سمعوا الإنفاق في طلب العلم والإنفاق على فقيرٍ ليس في ضرورة، ماذا يتَّبعون؟ * طالب: على طلب العلم. * الشيخ: على طلب العلم؛ لأنهم يتَّبعون الأحسن، إذَنْ لم يفرِّطوا في الوقت، ولم يفرِّطوا في الأفضل، بل كانوا يستمعون كلَّ قولٍ حَسَن ويتَّبعون الأحسن منه. طيب، فإن تَبِعوا الحسن وتركوا الأحسن فإنهم لا يُلامون على ذلك، لكنَّهم ليسوا في قمَّة الكمال، الذي في قمَّة الكمال هو الذي يتَّبع الأحسن. قال الله تعالى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (وهو ما فيه صلاحُهم) لكن الأصلح؛ يتَّبِعون الأصلح فالأصلح. قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ [الزمر ١٨]. أوَّلًا: ﴿أُولَئِكَ﴾ الإشارة للبعيد، وإنما أشار إليهم إشارةَ البعيدِ مع قُرب ذِكرهم للدلالة على عُلُوِّ منزلتهم، وهذا يقع كثيرًا في القرآن؛ يشير الله إلى الشيء القريب بصيغة البعيد لعُلُوِّ مرتبته؛ كما قال الله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة ١، ٢] مع أنه يقول ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ الكتاب قريب، لكن إشارة لأيش؟ لعُلُوِّ مرتبتِه، أحيانًا يُشير إليه بالقريب لقُربه من مُريده؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام ٩٢] يعني ليس بعيدًا عليهم، قريبٌ لهم. هنا يقول: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ أشار إليهم إشارةَ البعيد؟ إشارةً إلى عُلُوِّ مرتبتهم. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ هذه الجملة خبرية طرفاها معرفة، وقد قال العلماء: إنَّ الجملة الخبرية إذا كان طرفاها معرفة فإنها تفيد الحصر؛ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ يعني لا غير. وقوله: ﴿هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ يشمل هداية الدلالة وهداية التوفيق؛ يعني بيَّن لهم الحقَّ وعلِمُوه ثم اهتدَوا به، والناسُ في هذا المقام ثلاثة أقسام: قِسمٌ ضلُّوا عن الهدى علمًا وعملًا، وقِسمٌ هُدُوا إلى الحقِّ علمًا وعملًا، وقِسمٌ هُدُوا إلى الحقِّ علمًا ولم يهتدوا إليه عملًا. عرفتم؟ هل يمكن أن أقول: وقِسمٌ اهتدوا إلى الحق عملًا ولم يهتدوا إليه علمًا؟ * الطلبة: لا يمكن. * الشيخ: لا يمكن، لماذا؟ لأنه لا عمل بالحق إلا بعلمٍ بالحق، فالقسمة رُباعية، لكن الطرف الرابع منها غير واقع، ممتنع. إذَن ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ هداية دلالةٍ وتوفيقٍ، وإنْ شئتَ فقلْ: هداية عِلم وعمل، أيُّهما الدلالة؟ * الطلبة: العلم. * الشيخ: العلم. والتوفيق؟ * الطلبة: العمل. * الشيخ: العمل. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر ١٨]، ﴿وَأُولَئِكَ﴾ كرَّر اسم الإشارة تنويهًا بعُلُوِّ مرتبتهم. ﴿هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: (أصحاب العقول)؛ لأنَّ الإنسان كلَّما كان للحقِّ أَتْبَع كان أكمَلَ عقلًا، وكلَّما نقص اتِّباعُ الحقِّ في حقِّه كان أَدَلَّ على قِلَّة عقلِه، فأعقلُ الناسِ أتْبَعُهم لدين الله لا شك؛ لأنهم هم الذين عندهم الحزمُ وانتهازُ الفُرَص وحِفْظُ الوقت، ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (أصحاب العقول). فإن قال قائل: أليس الكفَّار ذوي عقل؟ فالجواب: بلى، لكنَّهم ذَوُوا عقلٍ إدراكيٍّ لا عقلٍ رُشْديٍّ، ولهذا كانوا مكلَّفين مُلزَمين لأنَّ عندهم عقلًا إدراكيًّا، لكنَّهم غير موفَّقين لأنهم فقدوا عقلَ الرُّشد. قال الله تعالى في بيان عقوبة الخاسرين الذين خَسِروا أنفسَهم وأهليهم يوم القيامة، قال في بيان عقوبتهم: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر ١٦]. * من فوائد هذه الآية: شِدَّة العذاب على أهل النار؛ لأن العذاب يغشاهم من فوقهم ومن تحت أرجُلهم، وإذا كان الإنسان لا يتحمَّل النارَ إذا أتَتْه من وجهٍ ولو بعيد، فكيف إذا أتَتْه من الوجهين: الفوق والتحت! * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّه يجب على الإنسان أن يخاف مما خوَّفه الله حتى يحقِّق العبودية؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّه ينبغي للإنسان أن يسير إلى الله عز وجل على جانبٍ من الخوف، الخوف من العذاب، وقد مَرَّ علينا كثيرًا: هل يُغَلِّب السائرُ إلى الله جانبَ الخوف أو جانبَ الرجاء، على ما سبق. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ الله عز وجل رَبُّ كلِّ شيء، وأنَّ كلَّ شيءٍ فهو عابدٌ لله؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوبُ التقوى؛ لقوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾. ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ إلى آخره [الزمر: ١٧]. * من فوائدها: الثَّناء على مجتنب الطاغوت. * ومن فوائدها: أنَّ لهم هذا الثواب العظيم؛ وهو قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾. * ومن فوائدها: أن التوحيد لا يتِمُّ إلا باجتناب الطاغوت والإخلاص لله؛ لقوله: ﴿اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾. * ومن فوائد هذه الآية: أنَّ الذين اتَّصَفوا بهذه الصفة: اجتناب الطاغوت والإنابة إلى الله، هم أهل البُشرى؛ ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾، ولم يُبَيِّن الله وقتَ البُشرى، فهو شاملٌ للبُشرى في الدنيا وفي الآخرة. * ومن فوائدها: حرمانُ مَن أشركَ بالله مِن هذه البُشرى؛ لأنه جعل البُشرى لِمَن؟ لِمَن اجتنبوا الطاغوتَ أن يعبدوها وأنابوا الى الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثباتُ العبودية الخاصة؛ لقوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾، والعبودية الخاصة تكون منقسمة إلى خاصَّةٍ أخَصَّ، وإلى خاصَّةٍ ليست بأخَصَّ؛ فالمؤمنون جميعًا كلُّهم عبادُ الله، والرُّسُل عبوديتهم أخصُّ. طيب، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء ١] هذه من الخاصة أو الأخَصِّ؟ * الطلبة: الأخص. * الشيخ: من الأخص. ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ﴾ [ص ٤٥]؟ * الطلبة: الأخص. * الشيخ: هذه من العبادة الأخص. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ عباد الله حريصون على استماع ما فيه المصلحة والمنفعة؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ [الزمر ١٨]. * ومن فوائدها: أنَّ هؤلاء السادة لا يضيِّعون وقتًا، حتى إنهم يستمعون إلى عمل غيرهم، وهو قولُ غيرِهم، فكيف (...)، لا بد أن يكونوا قائمين به. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ عباد الله عز وجل الذين وصفهم الله بما ذُكِر؛ يأخذون من القول بأحسنه؛ لقوله؟ * طالب: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر ١٨]. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: لقوله: ﴿أَحْسَنَهُ﴾. * الشيخ: لقوله: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ هؤلاء القوم هم الذين هداهم الله؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ [الزمر ١٨]. ويتفرَّع على هذه القاعدة أنك إذا رأيتَ من نفسك الحرصَ على استماع قول الخير واتِّباع أحسنه فاعلم أن هذا من هداية الله لك؛ لأنه قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾، وإذا رأيتَ من نفسك كراهةَ الاستماع إلى القول الحسن فاتَّهِم نفسَك؛ لأنَّ الله جعل الهداية في هؤلاء القوم، فإذا لم يحصل لك هذا فاتَّهِم نفسَك، صحِّح الخطأ، أَقْبِل إلى الله عز وجل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ أفعال العباد واقعةٌ بتقدير الله وأنهم لا يستقلُّون بها، من أين تؤخذ؟ ﴿هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾، ولهذا ذهب أهل السُّنة والجماعة إلى أن أفعال العباد مخلوقةٌ لله مُرادةٌ له، خلافًا لِمَن قال: إن أفعال العباد ليست مُرادةً لله ولا مخلوقةً له، وهم القدَريَّة مجوس هذه الأُمَّة. * من فوائد الآية الكريمة: بيانُ مِنَّة الله عز وجل على هؤلاء الذين وُفِّقوا لاستماع القول واتِّباع أحسنه؛ يعني إظهار مِنَّة الله عليهم في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾. * ومن فوائدها: أنَّه يجب عقلًا أن تحمد الله سبحانه وتعالى إذا هداك إلى مثل هذا؛ لأنَّك إذا علمتَ أنَّ الهداية من الله فالعقل يقتضي أيش؟ أن تحمده وتشكره، وهذه النعمة أبلَغُ من الإنعام بالأكل والشرب؛ لأنَّ الأكل والشرب كلٌّ يأكل ويشرب حتى البهائم، لكن الهداية ما كلُّ أحدٍ يهتدي، فإنعامُ الله على الإنسان بالهداية العِلمية والعملية أعظم من إنعامه عليه بالأكل والشرب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ المتمسِّكين بدين الله المتَّبعين لأحسن القول هم أصحاب العقول. من المتعارَف عند الناس الآن أنهم إذا رأوا الإنسانَ ذكيًّا مُتأنِّيًا في الأمور يقولون: هذا عاقل، ما شاء الله، عاقل. ولو كان من أفجَر الناس، والحقيقة أنَّا نقول: العاقل مَن وفَّقه الله تعالى للعلم والعمل ولو كان من أبلد الناس باعتبار الذكاء. * ومن فوائد هذه الآية: أنَّه لا تلازُم بين الذكاء والعقل: الذكاء شيءٌ والعقل شيءٌ آخَر، حتى في عقل الإدراك لا تلازُم بين الذكاء وعقل الإدراك؛ لأنَّ من الناس مَن تجده ذكيًّا شديد الملاحظة يفهم الشيء بسرعة ويعطي الجواب بسرعة، لكنَّه في التصرُّف أحمق. وهذه النعمة أبلغ من الإنعام بالأكل والشرب لأن الأكل والشرب كل يأكل ويشرب حتى البهائم، لكن الهداية ما كل أحد يهتدي، فإنعام الله على الإنسان بالهداية العلمية والعملية أعظم من إنعامه عليه بالأكل والشرب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المتمسكين بدين الله المتبعين لأحسن القول هم أصحاب العقول، من المتعارف عند الناس الآن أنهم إذا رأوا إنسانًا ذكيًّا متأنيًا في الأمور يقولون: هذا عاقل -ما شاء الله- عاقل. ولو كان من أفجر الناس، والحقيقة أننا نقول: العاقل من وفقه الله تعالى للعلم والعمل ولو كان من أبلد الناس، باعتبار الذكاء. * ومن فوائد هذه الآية: أنه لا تلازم بين الذكاء والعقل، الذكاء شيء، والعقل شيء آخر، حتى في عقل الإدراك لا تلازم بين الذكاء وعقل الإدراك؛ لأن من الناس من تجده ذكيًّا شديد الملاحظة، يفهم الشيء بسرعة ويعطي الجواب بسرعة، لكنه في التصرف أحمق ليس عنده عقل، ومن الناس من يكون –بالعكس- عنده شيء من البلادة ولكنه في التصرف عاقل متأنٍ، ولكن أعقل الناس أطوع الناس لله، لا شك أن أعقل الناس أطوعهم لله سبحانه وتعالى، ولهذا قال: ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر ١٨]. * ومن فوائد الآية: الإشارة إلى انقسام الناس إلى قسمين: موفق، ومخفق؛ لأن قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ يدل على أن هناك قسمًا آخر، وهم الذين لم يوفقوا ولم يهديهم الله، والأمر كذلك، الواقع كذلك، الآية أشارت إلى هذا، والواقع يشهد له. فإن قال قائل: لماذا لم يجعل الله سبحانه وتعالى الناس على دين واحد؟ أمة واحدة؟ قلنا: لأن هذا ينافي الحكمة، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٨، ١١٩]. لو لم يوجد هذا الانقسام ما ملئت النار بل ولا دخلها أحد، لو لم يوجد هذا الانقسام ما عرف الإنسان قدر نعمة الله عليه بالإيمان والعمل الصالح، لو لم يوجد هذا الإيمان ما مدح من آمن وعمل صالحًا، لماذا؟ لأن الناس هكذا، ما يستطيع أن يخرج عما عليه الناس، لو لم يوجد هذا لم يكن هناك سوق للجهاد؛ لأنك لا يمكن أن تجاهد من هو مثلك في الإيمان والعمل الصالح، لو لم يوجد هذا لم يقم سوق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لو لم يوجد هذا لم يقم سوق الدعوة إلى الله إلى غير ذلك من المصالح الكثيرة التي تفوت بفوات هذا الانقسام. أما من حيث القدرة الإلهية فإن الله قادر على أن يجعل الناس أمة واحدة على الدين الحق، ولكن الحكمة الإلهية تأبى ذلك، وقد علمتم شيئًا من كثير كثير من حكمة تفرق الناس إلى مؤمن وكافر. ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر ١٩]، ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ ما هي كلمة العذاب؟ قال المؤلف هي قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٩]، هذا ما ذهب إليه. وقيل: كلمة العذاب هي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس ٩٦، ٩٧]، وهذا القول أقرب للصواب؛ لأن هذا القول أخص مما قال المؤلف؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ لا تدل على شخص بعينه، تدل على أن كلمة الله عز وجل اقتضت أن تُملأ النارُ، لكن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ هؤلاء قوم بأعيانهم، لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية، فالصحيح أن المراد بكلمة الله هي ما ذكره الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ أنهم من أهل النار هؤلاء لا يمكن أن يؤمنوا. ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ أي: لأملأن جنهم من الجنة والناس أجمعين، هذا قول، القول الثاني: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ يعني أن المراد بكلمة (العذاب) هي أن الله تعالى قضى بأن هؤلاء من أهل النار، فلا يمكن أن يؤمنوا. ﴿أَفَمَنْ حَقَّ﴾ كلمة ﴿أَفَمَنْ﴾ فيها ثلاث كلمات: الهمزة والفاء ومن، فالهمزة للاستفهام، والفاء عاطفة، و(من) يقول المؤلف: إنها شرطية، ويقول آخرون: إنها موصولة؛ أفالذي حق عليه كلمة العذاب، وعلى كلام المؤلف تكون شرطية، ويأتي إن شاء الله بقية الكلام عليها. * طالب: (...). * الشيخ: كيف؟ * الطالب: (...) الرسول ﷺ قال: «خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ»[[أخرجه البخاري (٤٦٨٩) من حديث أبي هريرة.]]، يعني لو قلنا مثلًا: إن صاحب العقل في الجاهلية لو اهتدى وأصبح أكمل عقلًا فهل يصح أن نقول هكذا؟ * الشيخ: لا؛ لأن معنى قوله: «خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ»؛ يعني مثلًا العرب كانوا قبائل، بعض القبائل أشهر من بعض، فيقول عليه الصلاة والسلام إن من كان له حسب وشرف في الجاهلية فهذا فحسبه وشرفه له إذا فقه في دين الله. * الطالب: ما ينطبق عليه القرآن (...)؟ * الشيخ: لا، ما ينطبق، بس المعنى اللي أنت قلته ما ينطبق على هذا الحديث؛ لأن كونه ذكيًّا ثم يكون عاقلًا قد يُحمد وقد لا يُحمد؛ يعني المشكل بعد أحيانًا يكون الذكاء المفرط سببًا للضلال؛ لأن هذا الذكي يورد على نفسه أشياء ويفتِّح على نفسه أشياء لو كان غافلًا لكان أحسن له، ولهذا ما ضر أصحاب أهل الكلام والمنطق والفلاسفة إلا حدة ذكائهم، تجد الإنسان بذكائه يورد إذا كان كذا ولمَ كذا؟ لكن السليم هو الذى يستمر، وقد تمنى بعض أهل الكلام أن يموت على؟ * الطلبة: دين عجائز نيسابور. * الشيخ: دين عجائز نيسابور، دين العجائز اللي ما تعرف. * طالب: ما الفرق بين الشعور وعقل الإدراك؟ * الشيخ: لا، فيه عقل الإدراك وعقل الرشد. * الطالب: ما الفرق بين الشعور وعقل الإدراك؟ * الشيخ: ما أظن أن هناك فرقًا قويًّا، لكن الشعور يرمي إلى قوة الملاحظة، أن الإنسان حي قلبه. * طالب: شيخ، الشعور أنقص من الإدراك؛ لأن الشعور يوجد (...)، والإدراك هو الذي يفهم به الأشياء، لكن ليس فهمه فهم رشد، ويفهم يعني مثلًا (...) مثل هذا الشيء (...) والشعور هو أنقص من الإدراك. * الشيخ: لا، هو يمكن أنقص، وأكمل من وجه، أحيانًا يكون الإنسان من قوة ملاحظته يشعر بما لا يشعر به الآخرون، وأحيانًا يكون -مثل ما قلت- الشعور الإحساس، مجرد الإحساس، والإحساس يكون في البهائم وفي العقلاء، لكن هو من جهة أكمل، ومن جهة ثانية الشعور أكمل؛ لأن بعض الناس يكون عنده الشعور إحساس نفسي ما يدركه الآخرون (...). * * * * طالب: ﴿رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (٢٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر ٢٠، ٢١]. * الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى في سياق الآيات –انتبه- التي بها الكلام على أهل الحق وأهل الباطل، قال: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ [الزمر ١٩]، هذا مبتدأ المناقشة، ما المراد بـ﴿كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾؟ * طالب: (...). * الشيخ: ما المراد بـ﴿كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾؟ * الطالب: هذا ما أخذناه. * الشيخ: أخذناها، وذكرنا الصحيح في هذا. * الطالب: (...). * الشيخ: كيف لا؟ أخذناه. * طالب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ [يونس ٩٦]. * الشيخ: ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾. * الطالب: قوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٩]. * الشيخ: المؤلف مشى على أن المراد بها قوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾، والظاهر أن المراد بها ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ٩٦]. طيب، الذى قبلها ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ﴾ [الزمر ١٧، ١٨] هذا؟ * طالب: (...). * الشيخ: قوله تعالى: ﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ [الزمر ١٧] الجملة هذه معطوفة على أي شيء؟ على أي شيء معطوفة؟ * الطالب: ﴿الْبُشْرَى﴾. * الشيخ: لا، ﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾. * الطالب: ﴿اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾. * الشيخ: على قوله: ﴿اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾؛ يعني: جمعوا بين هذا وهذا. قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ الجملة في محل؟ * الطالب: في محل رفع خبر، خبر (الذين). * الشيخ: خبر ﴿الَّذِينَ اجْتَنَبُوا﴾. ما المراد بـ﴿الْبُشْرَى﴾؟ * طالب: المراد بـ﴿الْبُشْرَى﴾ هنا: ما يسر. * الشيخ: كلام المؤلف؟ * الطالب: الجنة. * الشيخ: المراد بها الجنة، والصحيح؟ * الطالب: أنها تشمل الجنة، وتشمل كل ما كان علامة للبشرى. * الشيخ: ما هو الدليل على أن هذا هو الصحيح؛ العموم؟ * الطالب: الدليل (أل) للاستغراق. * الشيخ: هو قد يكون المراد بـ(أل) العهد. * طالب: (...) تفيد معنى أكثر للعموم. * الشيخ: لكن نريد دليلًا. * طالب: (...). * الشيخ: وغيرها؟ * الطالب: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦]. * طالب آخر: شيخ، نقول: (الْبُشْرَى) الخبر السار، فهو يعم جميع البشر. * طالب آخر: يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ مِنْ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ الرُّؤْيَا الصَّالَحِةَ»[[أخرجه مسلم (٤٧٩ / ٢٠٧) من حديث ابن عباس.]]. * الشيخ: في القرآن ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس ٦٤]. وأفضل ما يُفسر القرآن بالقرآن. قوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزمر ١٧] كيف كانت مكسورة وهي مفعول به؟ * الطالب: هنا حذف الياء؛ ياء المتكلم. * الشيخ: وأصلها؟ * الطالب: أصلها: بشر عبادي. * الشيخ: نعم، ما المراد بالعباد هنا؟ مَن تعبدوا بالخصوص أو بالعموم؟ * الطالب: بالخصوص. * الشيخ: بالخصوص، لماذا؟ * الطالب: لأن هنا ذكر ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ التبشير لا يكون إلا للعباد، ثانيًا.. * الشيخ: إلا للعباد بالمعنى الخاص. * الطالب: وكذلك أضاف إليها ياء المتكلم أو ياء النفس. * الشيخ: لا، هذه قلنا: إذا صارت جمعًا قد تشمل، لكن الذين يستمعون القول هذا يُخصص أيضًا، أولًا أنه من جهة البشارة، والثاني: الذين يستمعون القول. يقول: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر ١٨] ماذا تفيد؟ * طالب: القول الحسن. * الشيخ: الحسن؟! كيف نقول: الحسن، وهو أحسن؟ * الطالب: أحسن (...). * الشيخ: نعم. * طالب آخر: لأنهم يستمعون القول الحسن فيتبعون الأحسن. * الشيخ: نعم، يعني أنهم لا يرضون بدون الكمال، أو بدون الأكمل على الأصح. القول ذكرنا أنه ينقسم إلى أربعه أقسام؟ ما هي؟ * طالب: هي يتبعون القول. * الشيخ: نعم. * الطالب: يستمعون القول يشمل.. * الشيخ: قلنا: إنه ينقسم إلى أربعة أقسام. * الطالب: نعم، الذكر. * الشيخ: لا. * طالب: تقسيم من جهة الطاعة، ومن جهة اتباع القول، والعمل. * الشيخ: لا، القول ينقسم إلى أربعة أقسام. * طلبة: (...). * الشيخ: لا، (...) إذا أجبت تعرفون (...). * الطالب: مذكور يا شيخ. * الشيخ: نعم. * الطالب: حسن، وأحسن، وغير حسن ولا سيئ، وسيئ. * الشيخ: ما ذكرنا هذا؟ * طلبة: لا. * الشيخ: لا ذكرناه، قلنا: سيء، وأسوأ، ولغو، وحسن، وأحسن، خمسة أقسام. * طالب: هذه ذكرنا قبل، ما هو في نفس الآية. * الشيخ: على كل حال المهم أنه مر عليكم (...) إقامة الحجة تكفي مرة واحدة. على كل حال القول ينقسم إلى خمسة أقسام: سيء، وأسوأ، ولغو، وحسن، وأحسن هم يتبعون الأحسن، واستدللنا بالآية: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان ٧٢]، نعم ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص ٥٥]. قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ [الزمر ١٨] لماذا جاءت باسم الإشارة للبعيد؟ * طالب: إشارة إلى علو مرتبتهم. * الشيخ: نعم، إلى علو مرتبتهم، تمام؛ لأنهم يتبعون الأحسن فهم أعلى مرتبة، هل في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ حصر؟ * طالب: نعم. * الشيخ: طريقه؟ * الطالب: معرفة، إذا كانت الجملة طرفاها معرفة فإنها تفيد الحصر. * الشيخ: تمام، قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر ١٨] ﴿أُولُو﴾ بمعنى؟ * طالب: (...). * الشيخ: و﴿الْأَلْبَابِ﴾. * الطالب: ﴿الْأَلْبَابِ﴾ بمعنى العقول. * الشيخ: معناها العقول، ولّا ذوو العقول؟ * الطالب: العقول. * الشيخ: العقول، طيب لماذا سمي العقل لبًّا؟ * الطالب: لأن هو (...) غيره (...). * الشيخ: يعني جُعل لبًّا، يعني مَن ليس له عقل فهو قشور ما يحصِّل شيء طيب، لو قال قائل: هناك عقلاء لا يتبعون أحسن القول؟ * طالب: هذا عقل إدراك، وليس عقل رشد. * الشيخ: وليس عقل رشد، والثناء على أي العقلين؟ * الطالب: على عقل الرشد. * الشيخ: على عقل الرشد، تمام، بارك الله فيك، أما الفوائد فأخذناها أظن. * طالب: نعم، أخذناها. * الشيخ: إلى؟ * طالب: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾. * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ [الزمر ١٩] الهمزة هنا للاستفهام، ويحتمل أن المراد به الاستفهام الحقيقي أو أن المراد به الإنكار؛ يعني النفي، ويتبين من تفسيرها. وقوله: ﴿حَقَّ عَلَيْهِ﴾ أي وجب عليه وذُكّر الفعل مع أن كلمة مؤنث لوجهين: الوجه الأول: أن تأنيث كلمة تأنيث مجازي. والثاني: أنه منفصل عن عامله، ولا يجب تأنيث الفعل إلا إذا كان الفاعل مؤنثًا حقيقيًّا متصلًا كما قال ابن مالك: وَإِنَّمَا تَلْزَمُ فِعْلَ مُضْمَرِ ∗∗∗ مُتَّصِلٍ أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حِرِ يقول: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ أي: وجب عليه كلمة العذاب، وهي أنهم لا يؤمنون، ولو جاءتهم كل آية أو -كما قال المؤلف-: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٩]، والأول أظهر. وقوله: ﴿كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ يعني الكلمة التي يستحقون بها العذاب، وهي أن كل من خالف أمر الله فإنه مستحق للعذاب، قال الله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر ١٩]، ﴿أَفَأَنْتَ﴾ فالخطاب للرسول ﷺ؛ يعني: هل تنقذه إذا حقت عليه كلمة العذاب؟ والجواب: لا، وإذا كان الجواب لا، إذا كان جواب الاستفهام (لا) فهو علامة على أن الاستفهام للنفي، وهنا نسأل الهمزة في: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ﴾، والهمزة في ﴿أَفَأَنْتَ﴾ هل لكل واحدة معنى مستقل أو أن الثانية توكيد للأولى؟ * طالب: توكيد للأولى. * الشيخ: إن جعلنا الجملتين جملة واحدة يعني إن جعلنا الكلام واحدًا في الجملتين، فالثانية توكيد للأولى، وإن جعلنا كل كلمة مستقلة كل جملة مستقلة عن الأخرى، فالثانية أصلية، يعني تأسيسية لا توكيدية، وعلى كلٍّ فإن مثل هذا التركيب -أعني إذا أتت همزة الاستفهام وبعدها حرف عطف- قد سبق لنا مرارًا أن لعلماء النحو في ذلك قولين في الإعراب، فمنهم من يرى أن الهمزة داخلة على جملة مقدرة تناسب المقام والفاء وحرف العطف على تلك الجملة المحذوفة. ومنهم من يرى أن الهمزة داخلة على الجملة التي بعد حرف العطف، فيكون حرف العطف على ما سبق، وإنما قُدمت الهمزة لأن لها الصدارة، وذكرنا أن القول الثاني أيسر، وذلك لأن القول الأول قد يتعذر على الإنسان معرفة المناسب للسياق، أو ربما يقدر ما يظنه مناسبًا وليس بمناسب. يقول الله عز وجل: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ﴾ الخطاب قلت لمن؟ للنبى ﷺ، ﴿تُنْقِذُ﴾: تُخرج، ولكن تفسير ﴿تُنْقِذُ﴾ بـ(تخرج) قاصر؛ لأن كلمة تخرج لا تدل على أنه مُنقَذ من هلكة، لكن (تنقذ) تدل على معنى أخص من (تخرج)، أليس كذلك؟ إذن لا ينبغي أن نفسر الأخص بالأعم؛ لأنك إذا فسرت الأخص بالأعم نقصت التفسير، فالإخراج يكون إنقاذًا ويكون غير إنقاذ، لكن الإنقاذ يكون عن هَلَكة، ولهذا لو فسرت تنقذ: تنجي، لكان أوضح؛ لأن الإنجاء أيضًا يكون من الهلكة، ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ﴾ أي: تنجي ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ من عذابها، ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ (مَن) بمعنى الذي، وهو مفعول به لـ(تنقذ)، ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾، ﴿فِي النَّارِ﴾ جار ومجرور متعلق؟ * طالب: (...). * الشيخ: التقدير؟ * الطالب: كأنه استقر في النار. * طالب آخر: ثبت في النار. * الشيخ: من دخل في النار. * الطالب: ثبت ولّا دخل؟ * الشيخ: يُقدر بما يناسب. * طالب: داخل. * الشيخ: لا، داخل لا يصلح في صلة الموصول، حطوا بالكم. * الطالب: (...). * الشيخ: داخل لا يصلح في صلة الموصول؛ لأنك إذا قدرت (داخل) تحتاج إلى تقدير مبتدأ؛ لتكون جملة، لكن لو قدرت فعلًا ما احتجنا إلى شيء آخر، فنقول مثلًا في جميع صلة الموصول: لا يقدر فيها إلا فعل؛ لأنك لو قدرت الاسم احتجت إلى تقدير مبتدأ لتتم الجملة، فيكون التقدير مرتين، أما إذا قدرت فعلًا صار التقدير مرة واحدة. ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ أي: من استقر في النار، أو من دخل في النار، أو من كان في النار، حسب، يعني المعنى متقارب. قال المؤلف: (جواب الشرط) أين الشرط؟ الشرط هو (مَن) في قوله: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ﴾، وهذا أحد الوجهين في (مَن) أنها اسم شرط، وقال بعض العلماء: إن (مَن) اسم موصول؛ يعني: أفالذي حق عليه كلمة العذاب تنقذه؟ ودائمًا اسم الشرط والموصول يتعاوران؛ أي: يُستعار بعضهما مكان بعض البعض الآخر. يقول: (جواب الشرط، وأُقيم فيه الظاهر مقام المضمر) أُقيم فيه الظاهر الذي هو (مَن) مقام المضمر الذى يكون لولا الظاهر على هذا الوجه: أفأنت تنقذه، أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذه؟ وهذا كلام المؤلف يوحي بأن جملتين مرتبط بعضهما ببعض، وليس كل واحدة مستقلة عن الأخرى (أفانت تنقذه). ولكن نقول: هناك احتمال آخر خلاف ما قاله المؤلف، وهو أن الثانية منفصلة عن الأولى، وأن تقدير الأولى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ تدفع عن أو كلمة نحوها، يعني: أفتدفع عن مَن حق عليه كلمة العذاب؟ ثم استأنف فقال: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ يعني الأول تجعله مؤمنًا بحيث لا يستحق النار، والثاني تنقذه من النار إذا دخل فيها، هذا وجه للمفسرين. الوجه الثاني أن تكون الجملتان واحدة، يكون معنى ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ فهو في النار أفأنت تنقذه منها؟ وهذا هو الذى مشى عليه المؤلف. ومؤدى الجملتين واحد في النهاية؛ أن من حق عليه كلمة العذاب فإنه لا يمكن لا للرسول ﷺ ولا لغيره أن ينقذه من النار. يقول المؤلف: (وأُقيم فيه الظاهر مقام المضمر) وإقامة الظاهر مقام المضمر هنا تفيد معاني، منها: أن من حق عليه كلمة العذاب فهو في النار؛ لأنه لو قال: أفأنت تنقذه؟ لكان الإنسان يقول: من أي شيء أنقذه؟ فإذا قال: أفأنت تنقذ مَن في النار؟ علمنا أن هذا الذى حق عليه كلمة العذاب في النار. يقول: (والهمزة للإنكار) الهمزة في ﴿أَفَمَنْ﴾ وفي ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ﴾ وهما همزة واحدة، على القول بأن الجملتين واحدة، فتكون الثانية توكيدًا للأولى، والحاصل أن الله يقول للرسول عليه الصلاة والسلام: هل من حقت كلمة العذاب يمكن أن تمنعه من استحقاقها؟ هل مَن دخل النار يمكن أن تنقذه؟ الجواب: لا يمكن، لا هذا ولا هذا؛ لأن النبى ﷺ لا يملك أن يهدي أحدًا حتى لا تحق عليه كلمة العذاب، ولا يمكن أن ينقذ أحدًا من النار. يقول عليه الصلاة السلام «حين نزل قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء ٢١٤]» جمع أقاربه وصار يخصصهم «يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا»، إلى أن قال «يَا فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا» [[متفق عليه؛ البخاري (٣٥٢٧)، ومسلم (٢٠٤ / ٣٤٨) من حديث أبي هريرة.]]، وهي ابنته، يقول: المال أستطيع أن أنفعك به، ولكن لا أغني عنكِ من الله شيئًا، وإذا كان لا يُغني عن ابنته شيئًا فمَن سواها من باب أولى. فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذا وبين شفاعة النبى ﷺ لعمه أبي طالب «حتى كان في ضحضاح من نار وعليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٨٣)، ومسلم (٢٠٩ / ٣٥٧) من حديث العباس بن عبد المطلب.]]، كيف؟ هنا أغني، وهنا شفع ونفعت الشفاعة، فيقال: أولًا الرسول عليه الصلاة والسلام لم يتمكن من إخراجه من النار، وإذا لم يتمكن من إخراجه من النار لم يكن معارضًا للآية؛ لأن الله قال: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ ما أنقذه. ثانيًا: أن التخفيف عن أبي طالب ليس من أجل أنه عم الرسول ﷺ فهذا أبو لهب عمه ولكن لم يغنِ عنه شيئًا، لكن من أجل ما قام به من الدفاع العظيم عن الإسلام وعن رسول الإسلام، فإنه دافع عنه مدافعة عظيمة، بل إنه كان يمدح الرسول ﷺ في المحافل، بل شهد له بالرسالة، فقال: لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ ∗∗∗ لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَوْلِالْأَبَاطِلِ هذا بيت من لاميته المشهورة، التي قال عنها ابن كثير -رحمه الله- قال: هذه ينبغي أن تكون من المعلقات، بل هي أبلغ من المعلقات. المعلقات قصائد اختارها العرب سموها المعلقات السبع، وأضافوا إليها ثلاثًا سموها المعلقات العشر، هذه القصائد علقوها في جوف الكعبة حفاظًا عليها وتنويهًا بها، لكن لامية أبي طالب أشد وأشد؛ يعني: وأحسن وأعذب، فشهد للرسول ﷺ بأنه غير مكذب، وأنه لا يُعْنَى بقول الأباطل السحرة، بل إنه عليه الصلاة والسلام أصدق الناس وأنزه الناس، ثم يقول في قصيدة أخرى: وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينَا؎لَوْلَا الْمَلَامَةُ أَوْ حِذَارُ مَسَبَّةٍ ∗∗∗ لَرَأَيْتَنِي سَمْحًا بِذَاكَ مُبِيـــنَا مثل هذا الكلام إذا سمعه الناس آمنوا، فهو في الحقيقة داعٍ إلى الإسلام، لكنه ليس مسلمًا، نسأل الله العافية. إذن التخفيف عنه ليس من أجل أنه عم الرسول، ولكن من أجل أنه دافع عن الإسلام وحمى النبى ﷺ حماية تامة، وأعاله أيضًا، فإنه بعد موت جده عبد المطلب كان عند عمه أبي طالب، وهذا معروف، فمِن عَدْلِ الله عز وجل أن الله شكره على العمل وخفف عنه بشفاعة النبي ﷺ حتى صار -فيما سمعتم- في ضحضاح من نار، وعليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه، أعاذني الله وإياكم من النار، ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾. قال: (والمعنى: لا تقدر على هدايته فتنقذه من النار) هذا المعنى، وصدق الله سبحانه وتعالى، الإنسان لا يمكن أن ينقذ أحدًا من النار أبدًا، فإذا كان نبي الله ﷺ لا يمكن لا يقدر على ذلك، فمَن دونه من باب أولى. ثم قال تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ هذا الاستدراك من أحسن ما يكون لمَّا قال: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ استدرك هذه الحال، حال مَن لا يدخل النار؛ فقال: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الزمر ٢٠] إلى آخره، (لكن) هنا لا تعمل لأنها؟ * طالب: مخففة. * الشيخ: مخففة، و(لكن) إذا خُفِّفَت تكون لمجرد العطف فقط، ومعناها الاستدراك، فإذن ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، خبره جملة ﴿لَهُمْ غُرَفٌ﴾ هذا الخبر. قال: (﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ بأن أطاعوه)، أفادنا المفسر -رحمه الله- بأن التقوى هي الطاعة، وهذا أجمع ما قيل في التقوى؛ أنها طاعة الله عز وجل بامتثال أمره واجتناب نهيه؛ لأنه أمر ونهى، لا للهوى، ولهذا مَن أطاع الله لمجرد الهوى لا يكون كمن أطاع الله لأن الله أمر أو نهى، كثير من الناس يطيع الله لأن نفسه تهوى ذلك، ولكن الطاعة الحقيقة هي التي يكون الباعث عليها امتثال أمر الله تركًا للمنهيات وفعلًا للمأمورات. ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ قال: ﴿اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ إشارة إلى أن تقواهم لله مبنية على أساس؛ لأنه ربهم، والربوبية هنا تشمل الربوبيه القدرية، والربوبيه الشرعية؛ لأن الله رب مالك للكون قَدَرًا ومالك للحكم شرعًا، فهم يتقون ربهم؛ لأنه الذى خلقهم ورزقهم وأعدهم وأمدهم، يعبدون ربهم؛ لأنه الحاكم فيهم، والذي يأمرهم وينهاهم، فيقومون بأمره ويدعون نهيه. ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ [الزمر ٢٠] غُرَف: جمع غرفة، والغرفة هي البناء العالي، إذا كان في الأسفل يُسمى حُجرة، وإذا كان فوق يُسمى غرفة، فالبناء العالي يسمى غُرفة، هذه الغرف غرف مبنية، يقول: ﴿مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ يعني: طبقات، قصور عالية شامخة، مبنيَّة من لَبِنَات من الذهب والفضة، جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، هذه الغرف المبنية من الذهب والفضة أيضًا ليست على ما يُشاهد في الدنيا من اللمعان والحسن الجذاب، بل هي أشد وأعظم، لا يمكن أن نتصور حسن هذه الغرف ولا مواد بنائها أبدًا، لماذا؟ لأن الله يقول: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]، ويقول في الحديث القدسى: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة. ]]. وهي -أي الجنة- ليس فيها شيء مما في الدنيا إلا الأسماء فقط، لكن الحقائق تختلف اختلافًا عظيمًا فيها عنب، نخل، رمان، لكن ليست كالموجود عندنا في الدنيا، بل هي شيء لا يمكن أن يتصوره الإنسان، هذه الجنة مُعَدَّة للمتقين الذين اتقوا ربهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران ١٣٣] العمل يسير والعوض كثير، لكن العمل يسير يا إخواني على من يسره الله عليه، والله ييسره على من صدق النية في التوجه إلى الله، ولم يركن إلى الدنيا؛ لأن الركون إلى الدنيا -ولا سيما ممن أعطاه الله العلم- ذُل وانحطاط ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف ١٧٥، ١٧٦]. والمثل -أخس الأمثال: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأعراف ١٧٦] كذا؟ ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ﴾ إلى آخره. إذن نقول: هذه الغرف التي أعدها الله للمتقين الذين أخلصوا النية لله رجاء الوصول إلى ثوابه، والذين لا يفعلون طاعة إلا وهم يؤمنون بأن لها ثوابًا في هذه الجنة؛ لأن هذه العقيدة وهذا الشعور يحملك على إحسان العبادة، إذا علمت أنه ما من عبادة تقوم بها إلا من أجل الوصول إلى هذا الثواب سوف تحرص على العمل، وتتقن العمل. ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا﴾ أي: من تحت هذه الغرف العليا وما تحتها، ﴿الْأَنْهَارُ﴾ جمع نَهَر أو نَهْر؛ لأن نَهَر أو نَهْر الحلقية الذي ثانيها حرف حلق؛ نَهَر وبحر، يجوز فيها تسكين الحرف الثاني وفتحه، تقول: نَهَر ونَهْر، وبَحَر وبَحْر، هنا نقول: أنهار جمع نَهْر، وهي أربعة أنواع بينها الله تعالى في سورة القتال فقال: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ﴾ [محمد ١٥]، اقرأ. * طالب: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ﴾. * الشيخ: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ﴾ قبلها. * الطالب: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفَّى﴾ [محمد ١٥]. * الشيخ: نعم، هذه أربعة أنواع فيها أنهار من ماء غير آسن يعني غير قابل لأن يكون آسنا، والآسن هو المتغير، وأنتم تعلمون أن الماء إذا بقي في الإناء مدة أو في مقره في البئر مدة فإنه يتغير، ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ ولا فيها سَكر. ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفَّى﴾ أنهار، ما هي تُحلب من الضروع، ولا تأتي من نحل، أنهار تمشي على الأرض، تجري، وقد جاء في الأثر أنها تجري بلا أخدود، تعرفون الأخدود؟ أيش تسمونها؟ * طلبة: مجرى. * الشيخ: إي، تبقى مجاري على وجه الأرض لا تحتاج إلى حفر سواقي ولا إلى جدارن تمنع من سيلان الماء، بل هي تجري بدون شيء وورد أيضًا أنها تجري باختيار الإنسان يوجه النهر حيث شاء، يوجهه حيث شاء، ويمسكه حيث شاء؛ لأن الله يقول: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف ٧١]، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، في قول يقولون: إن نهر النيل وسيحون وجيحون والفرات أنه من الجنة؟ * الشيخ: إي نعم، صحيح ورد فيه حديث. * الطالب: نعم. * الشيخ: ورد فيه الحديث، لكن قالوا: إنها تشبه أنهار الجنة بالصفاء، هو ليس معناه أنها نزلت من السماء. * طالب: تشبيه بليغ. * الشيخ: نعم، تشبيه بليغ. * طالب: الربوبية القدرية والشرعية؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: القدرية والشرعية. * الشيخ: ما أدري ويش تقول؟ * الطالب: الربوبية. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: القدرية والشرعية. * الشيخ: نعم. * الطالب: ما فهمناها. * الشيخ: ما فهمتوها، نعم الربوبية الشرعية هو التصرف في الناس بالشرع. * الطالب: يعني (...). * الشيخ: الأمر والنهي، والقدرية معروفة، ولهذا مر علينا مثل هذا، الحكم كونيّ.. * الطالب: (...). * الشيخ: وشرعي نفس التصرف بمقتضى الربوبية كوني وشرعي. * الطالب: (...) يا شيخ. * الشيخ: مثل الإرادة، كونية وشرعية. * طالب: (...). * الشيخ: نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: التفسير يعني التَّقَوِّي بالطاعة، نعم. * طالب: بعض الناس (...). * الشيخ: نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: إي. * الطالب: هل يؤجر على فعله هذا؟ * الشيخ: والله -على كل حال- تبرأ الذمة بذلك، لكنه لن يصل إلى درجة الكمال، ولهذا نحن نقول دائما ينبغي للإنسان عند فعل العبادة أن تكون له نيَّتان، نيتان: نية العمل، ونية المعمول له، نية العمل هذه كل الناس يعمل، ينوون، هذا يأتي يصلي الظهر ينوي صلاة الظهر، لكن نية المعمول له أنه يريد بذلك التقرب إلى الله عز وجل، هذا كثيرًا ما يغفل الإنسان عنه، يصده الشيطان عن ذلك. هنا -بعد- نية ثالثة؛ نية المتابعة للرسول ﷺ، نية المتابعة، فكل هذه المعاني -نسأل الله أن يعفو عنا- هذه تغيب عنا كثيرًا، لا نية امتثال الأمر، وهي نية المعمول له، ولا نية المتابعة للرسول ﷺ؛ لأنك إذا نويت أو إذا شعرت بهذه النية أحببت الله عز وجل وأحببت الرسول، وشعرت بأنك عبد لله متبع لرسول الله، وتجد للعبادة طعمًا لا تجده إذا أتيت بها على سبيل العادة، ولهذا نقول: عادات الموفَّق عبادات، وعبادات الغافل عادات، إي نعم (...). * طالب: (...). * الشيخ: (مَن)؟ * الطالب: (مَن) الموصولة (...). * الشيخ: ما فيها رأي آخر؟ * الطالب: أو شرطية. * الشيخ: أو شرطية. ما المراد بقوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر ١٩] الخطاب لمن؟ * طالب: الخطاب للنبي ﷺ. * الشيخ: نعم. * الطالب: الاستفهام للنفي. * الشيخ: للنفي، كالأول. * الطالب: نعم. * الشيخ: هل الهمزة الثانية أصلية مؤسسة أو زائدة للتوكيد؟ * طالب: زائدة. * الشيخ: ما فيها رأي آخر؟ * الطالب: فيها رأي آخر، جملة (...) أو جعلنا (...) خاصة (...). * الشيخ: أحسنت، قوله: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ هذا الاستدراك أيش فائدته؟ * طالب: العطف. * الشيخ: إي نعم، العطف، لكن الاستدراك من أي شيء؟ * الطالب: الاستدراك، بَيَّن أن العذاب يحصل لبعض الناس فاستدرك بهذه الآية، يخرج الناس.. * الشيخ: يعني لما قال مثلًا: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ [الزمر ١٩]، استدرك فقال: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [الزمر ٢٠] يعني: أنهم لم يحق عليهم، ما إعراب ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾؟ * طالب: ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الإعراب؟ * الشيخ: إي نعم ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾. * الطالب: ﴿اتَّقَوْا﴾؟ * الشيخ: ﴿الَّذِينَ﴾. * الطالب: ﴿الَّذِينَ﴾ اسم من أسماء الإشارة. * الشيخ: ﴿الَّذِينَ﴾ اسم إشارة؟! * الطالب: ﴿لَكِنِ﴾.. * الشيخ: ﴿لَكِن﴾ حرف استدراك، لكِنَّ ﴿الَّذِينَ﴾؟ * الطالب: ﴿الَّذِينَ﴾ اسم إشارة. * الشيخ: اسم الإشارة ﴿الَّذِينَ﴾؟! اسم الإشارة: هذا هذه هؤلاء. * الطالب: ﴿الَّذِينَ﴾.. * الشيخ: ما قرأت النحو؟ * طالب: ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. * الشيخ: نعم ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، أين خبره؟ خبر ﴿الَّذِينَ﴾؟ * طالب: ﴿اتَّقَوْا﴾. * الشيخ: لا، ﴿اتَّقَوْا﴾ صلة الموصول. * الطالب: (...). * الشيخ: وينه؟ الجار والمجرور خبرها ولّا لا؟ * طالب: (...). * الشيخ: الجار والمجرور، الظاهر أنه معارض، نعم. * طالب: جملة: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ﴾ [الزمر ٢٠]. * الشيخ: جملة ﴿لَهُمْ غُرَفٌ﴾ جار ومجرور خبر مقدم لـ(غرف). * نأخذ الفوائد، قال الله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ [الزمر ٢٠]، ﴿وَعْدَ﴾ يقول المؤلف: (منصوب بفعل مقدر) أي: وُعِدوا وعد الله، أو على رأي آخر محتمل تقدير: أُنْجِزُوا وعد الله، يعني: أنجز الله لهم وعده وعلى هذا فيكون منصوبًا بفعل مقدر من غير فعله، أما رأي المؤلف فهو مصدر محذوف العامل. يقول -رحمه الله- قال الله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾، قال المفسر: (وعده) فأفاد بأن (أل) هنا نائبة مناب الضمير، وأن الميعاد بمعنى الوعد، وقوله: ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ أي أنه لا يخلف ما وعده بشيء آخر؛ لأن (أخلف) تدل على إبدال شيء بشيء، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ ٣٩]، بخلاف (خَلَف) فإنها تدل على خلف شيء بشيء، فيُقال: خَلَفَه؛ أي: أتى بعده، أخلفه: بمعنى جعل له بديلًا، ولهذا يقول المصاب: اللهم آجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها، يعني أعطني بدلًا عنها. وقوله: ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ إنما كان كذلك لكمال صدقه وكمال قدرته؛ لأن إخلاف الميعاد إما أن يكون لكذب الواعد وإما أن يكون لعجزه، والله عز وجل منزه عن هذا وهذا، فهو كامل الصدق، كامل القدرة. في هذه الآية: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ إلى آخره فيها دليل، * من فوائدها: أن من حقت عليه كلمة العذاب فلا هادي له، ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف ١٨٦]. * ومن فوائدها: إثبات كلام الله؛ لأن الذي يقضي بالعذاب هو الله عز وجل لا غيره، فكلمة العذاب صادرة من الله، وفي هذا إثبات الكلام لله عز وجل، والقرآن كله -كل حرف منه- فيه إثبات كلام الله، لماذا؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، في كل حرف من القرآن إثبات كلام الله. * طالب: لأنه باللفظ والصوت والحرف. * الشيخ: لأنه كلام الله، فكل حرف منه فهو كلام الله، إذ إن كلام الله حرف وصوت. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة أن النبي ﷺ لا يستطيع أن يُنقذ مَن في النار، وإذا كان هذا للرسول ﷺ فغيره من باب أولى. * ومن فوائدها أن من حقت عليه كلمة العذاب فإنه في النار؛ لأننا قلنا: إن الظاهر هنا نائب مناب المضمر، وأن التقدير: أفانت تنقذه؟ * ومن فوائد هذه الآية: بلاغة القران، وشدة زواجره، حيث يأتي بمثل هذا الأسلوب الشديد الذي يصرم القلب الواعي الحي ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر ١٩]، أسلوب شديد جدًّا، ولا شك أن الأسلوب الشديد في موضعه يعتبر من البلاغة؛ لأن البلاغة أن يأتي الكلام مطابقًا لمقتضى الحال، أي لما تقتضيه الحال من لين وشدة وتطويل وإيجاز. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات النار، والنار هي الدار الثانية التي يستقر فيها الإنس والجن، وهي دار من اعتدى وكفر، وهي موجودة الآن، وستبقى أبد الآبدين. ثم قال تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ إلى آخره، في هذا بيان علو منزلة المتقين؛ لأن الاستدراك هنا كأنه انتشال لهم مما سبق ذكره من الوعيد الشديد لهؤلاء الذين حقت عليهم كلمة العذاب. * ومن فوائدها أن التقوى سبب لدخول الجنة لقوله: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ﴾ إلى آخره. * ومن فوائدها أن تقواهم لله له سبب سابق ولاحق، فالربوبية الخاصة في قوله: ﴿رَبَّهُمْ﴾ اقتضت أن يتقوه، وهم يتقون ربهم الذي سيثيبهم، فالتقوى لها سبب، وهو عنايه الله عز وجل بهم، هذا سابق، ولها سبب لاحق، وهو ما يرجونه من ثواب الله عز وجل، كل هذا يُحمل على التقوى، فهو ربهم حيث وفقهم للتقوى، وربهم حيث أثابهم عليها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة أن منازل الجنة غُرَف مبنية بعضها فوق بعض لقوله: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ [الزمر ٢٠]، وهل هذه الغرف تختلف بحسب العامل؟ الجواب: نعم، «وقد بَيَّن الرسول عليه الصلاة والسلام أن جنتين من جنات الخلد من ذهب آنيتهما وما فيهما وأن جنتين من فضه آنيتهما وما فيهما»[[أخرج البخاري (٤٨٧٨) ومسلم (١٨٠ / ٢٩٦) بسنديهما عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «جنتان من فضة آنيتهما، وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما...». الحديث.]]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة تمام النعيم، حيث كانت هذه الغرف تجري من تحتها الأنهار، وفيها الأشجار وفيها من كل ما يتمناه الإنسان، بل فوق ذلك. * من فوائد الآية الكريمة أن هذا النعيم ثابت بوعد الله لقوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾. * ومن فوائدها إثبات أن الله لا يخلف الميعاد لكمال صدقه وقدرته، ففيها إثبات كمال الصدق وإثبات كمال القدرة.

الزمر 39:18

ثم قال الله تعالى -ونحن نبتدئ بذلك الدرس-: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر ١٦]، ﴿لَهُمْ﴾ الضمير يعود على ﴿الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ١٥] وهم الكفار. ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ﴾ من فوق رؤوسِهم، وكلمة ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ تدلُّ على أن هذه الظُّلَل محيطةٌ بهم. وقوله: ﴿ظُلَلٌ﴾ قال المؤلف: (طِبَاقٌ ﴿مِنَ النَّارِ﴾ )، وهذه الطِّباق من النَّار لا نعلم كيفيَّتها، لا نعلم هل هي حديدٌ مُحمى أو حجارة أو غير ذلك، لكن إذا تأمَّلْنا قولَه تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة ٢٤] فقد نقول: إنها من الحجارة، وليست أيضًا كحجارتنا، بل هي حجارةٌ لا تُعلم كيفيَّتها. وقوله: ﴿وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ أي: (مِن النار) كما قال المؤلف، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف ٤١] أي: شيءٌ يغشاهم؛ أي: يغطِّيهم. ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ [الزمر ١٦] ﴿ذَلِكَ﴾ أي: المشار إليه مِن ذكْر هذه الظُّلَل ﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾، ﴿بِهِ﴾ الضمير يعود على العذاب المذكور، والباء للسببية؛ أي يُخَوِّف بسببه، ويجوز أن تكون للتعدية؛ أي: يُخَوِّف به نفسه. ﴿عِبَادَهُ﴾ قال: (أي: المؤمنين ليتَّقوه، يدُلُّ عليه ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر ١٦]). المؤلف -رحمه الله- سَلَك في تفسير الآية أنَّ المراد بالعِباد هنا شيءٌ خاصٌّ وهم المؤمنون، مع أنَّ ظاهر الآية العموم وأنَّ المراد بالعِباد هنا مَن يتعبَّدون لله بالمعنى العام، وهي العبودية الكونية؛ لأنَّ العبادة نوعان: عبادةٌ يتعبَّد الإنسانُ بالشرع، يتعبَّد لله بالشرع، وهذه خاصة بِمَن؟ بالمؤمنين، وعبادةٌ يعني يتعبَّد الإنسانُ لله بالكون أي: يكون عبدًا لله كونًا وقدَرًا يفعل الله فيه ما يشاء، وهذه عامة؛ كما قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣]، فهل المراد بالآية هنا العبادة العامَّة وأنَّ الله يوجِّه الخطابَ إلى جميع العباد؛ جميع الناس، أن يتَّقُوه، أو هي خاصَّة؟ يرى المؤلف -رحمه الله- أنها خاصَّة، ولكن لا دليل على ذلك، وإذا لم يكن هناك دليلٌ فالأَولى إبقاءُ النص على عمومه، فكما أن المؤمن يُخَوَّف بهذا الوعيد فكذلك الكافر، الكافر أيضًا يُخَوَّف، بل إنَّ تخويف الكافر أوكد من تخويف المؤمن؛ لأنَّ مع المؤمن ما يُنجيه من الخلود في النار، لكن الكافر ليس معه ما يُنجيه من الخلود في النار. إذَن المراد بذلك العموم أو الخصوص؟ * طالب: العموم. * الشيخ: ويش وجهه؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ما وجه أنَّ الأرجح العموم؟ * طالب: لا دليل للمؤلف، والأَولى أن يبقى النص على ظاهره. * الشيخ: أن هذا هو ظاهر النَّص، كذا؟ ثانيًا: أنَّ الكافر أَوْلى أن يُخَوَّف بالنار من المؤمن؛ لأنَّ مع المؤمن ما ينجو به من الخلود في النار، وليس مع الكافر شيءٌ ينجو به، فكيف نصرف التخويف عمَّن هو أحقُّ بالتخويف. إذَنْ فالصحيح أنَّ المراد بالعباد العموم؛ يعني: يُخَوِّف الله بهذا العذاب جميعَ الناس. ثم وجَّهَ الله الخطابَ إلى الناس عمومًا فقال: ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾، ﴿يَا عِبَادِ﴾ يعني جميع العباد؛ كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ [لقمان ٣٣]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء ١]، والآيات كثيرةٌ في توجيه الأمر بالتقوى إلى جميع الناس، والكافر محتاجٌ إلى التقوى كما أنَّ المؤمن كذلك. فقول المؤلف: (يدلُّ عليه) فيه نظر؛ ففي حُكم المؤلف نظر، وفي الاستدلال لهذا الحكم نظر. ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ غريبٌ أن تأتي النون مع فِعل الأمر، والمعروف أنَّ فعل الأمر المقرون بواو الجماعة أو ألف الاثنين أو ياء المخاطَبة تُحذف منه النون. * طالب: هذه نون الوقاية. * الشيخ: هذه نون الوقاية؟ ما الذي أدراك أنها نون الوقاية؟ * الطالب: لأن أصلها (اتَّقُونني). * الشيخ: اتقوني؟ * الطالب: (فاتَّقونني). * الشيخ: نعم، (فاتَّقونني) أصله؟ * الطالب: (...). * الشيخ: هذا اللفظ ﴿فَاتَّقُونِ﴾ أنتَ قلت: إن النون هنا ليست نون الرفع ولكن نون الوقاية، فما الذي أدراك؟ * الطالب: (...) فأصلها (اتَّقونني). * الشيخ: اتقونني؟! لا، هذا أصلًا ليس بأصل؟ * طالب: لأنه يدلُّ على حذف الياء كسرتُه، وأصله (فاتَّقوا) هذا الأمر، و(نِ) نون الوقاية مع ياء المتكلم، وبعدها حُذفت الياء للتخفيف، وبعدُ بقيت الكسرة حتى تدل على حذفها. * الشيخ: صحيح، الدليل واضح يا جماعة كَسْر النون؛ لأنها لو كانت نون الرفع لكانت بفتح النون، فإنَّ نون الرفع تكون مفتوحة. ومن مثال ذلك أيضًا قوله تعالى في سورة الذاريات: ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾، ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الذاريات ٥٩]. ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ هذا لفظ الآية، إذا وصلتَ كيف تقول؟ ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ﴾ [الذاريات ٥٩، ٦٠]، فالنون هنا للوقاية وليست نون الرفع. ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ وقد سبق معنى التقوى مِرارًا فلا حاجة لإعادته. ثم قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر ١٧]. ﴿الَّذِينَ اجْتَنَبُوا﴾ أي: أبعدوا عن الطاغوت؛ لأنه مأخوذٌ من الجَنْب، وهو الشيء المنفصل عن الشيء، تقول: إلى جانب فلان؛ أي إنَّه منفصلٌ غير متَّصل، ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾ أي: ابتعَدوا عنها. و﴿الطَّاغُوتَ﴾ اسمٌ من الطُّغيان، والتاء فيه للمبالغة، فما هو الطاغوت الذي اشتقَّ من الطغيان؟ يقول ابن القيم رحمه الله: الطاغوت كلُّ ما تَجاوز به العبدُ حدَّه من معبودٍ أو متبوعٍ أو مُطاعٍ. كلُّ ما تجاوز به الإنسانُ حدَّه -وإنما قال: ما تجاوز به حدَّه، من أجْل أن يَصْدُق عليه أنه طغيان- من معبود أو متبوع أو مطاع. فمثلًا الأصنام التي يعبدها الكفار تُسَمَّى طواغيت، المتبوعون من العلماء طواغيت، المطاعون من الأمراء كذلك أيضًا طواغيت، لكنَّه ليس على ظاهره، كلامُ ابن القيم ليس على ظاهره؛ المراد به المعبود الذي لا إرادة له كالأصنام من الجمادات أو المعبود الذي رضي بعبادته، وأمَّا المعبود الذي عُبِد وهو لا يرضى بالعبادة فلا يُسمَّى طاغوتًا، ولهذا لا يمكن أن نُسمِّي عيسى بن مريم طاغوتًا. وكذلك أيضًا المتبوع؛ العلماء الذين لا يرضون أن يعبدهم الناسُ ليسوا طواغيت، المطاعُ أيضًا؛ الأمراء الذين لا يرضون أن يعبدهم الناس لا يُسمَّون طواغيت، فكلام ابن القيم ليس على إطلاقه. ويمكن أن نقول: إن قول ابن القيم: ما تجاوز به العبدُ حدَّه من معبودٍ أو متبوعٍ أو مطاعٍ، أنَّه عائدٌ على العمل؛ يعني أن الطاغوت عمَلُ الإنسان في معبوداته أو مَن يطيعهم أو مَن يتَّبعهم؛ يعني معصية الله في طاعة هؤلاء، فيكون الوصف بالطغيان عائدًا على الفعل لا على المفعول، وحينئذٍ نَسْلَم من الإشكال الذي قُلنا: إنَّه لا بد أن يُقَيَّد المعبود والمتبوع والمطاع بأنه راضٍ. على كل حال إنَّ ﴿الطَّاغُوتَ﴾ مأخوذٌ من الطغيان وهو مجاوزة الحد، والصيغة فيه صيغة مبالغة. قال المؤلف: (الأوثان)، ففسَّر الطاغوت بالمعبودات وهي الأوثان، ولهذا قال: ﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾. ﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ (أنْ) هذه مصدرية، والمصدر المؤول منصوبٌ على أنه بدلٌ من الطاغوت. مِن أيِّ أنواع البدل؟ * طالب: بدل كل من كل. * الشيخ: لا * طالب: بدل بعض من كل. * الشيخ: ولا بعض؛ لأن العبادة ما هي ببعض الأوثان. * طالب: بدل اشتمال. * الشيخ: بدل اشتمال، طيب إذَنْ نقول: ﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ في محل نصب بدل من ﴿الطَّاغُوتَ﴾. وقوله: ﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ هم يعبدون الأصنامَ بدُعائها، ولكنهم يدَّعون أنهم لا يعبدونها إلا لتُقرِّبهم إلى الله. ثم قال: ﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ إلى آخِره في الدرس القادم إن شاء الله. * * * * طالب: الهيبة التي تأتي (...). * الشيخ: نعم، إي، ويش فيها؟ * الطالب: الهيبة هذه ماذا تكون؟ * الشيخ: ما هي خوف عبادة هذه، هذه ليست خوف عبادة، ولكنَّها خوف هيبة واحترام. * طالب: قال المصنف رحمه الله تعالى: ﴿يَا عِبَادِ﴾ والمراد بالعباد المؤمنون، (...). * الشيخ: طيب الكافر ما يُؤْمَر بالتقوى؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، من جملة التقوى ترْك الكفر؛ لأنَّ التقوى اتِّخاذ وقايةٍ من عذاب الله، ومن جملتها الإيمان، ولهذا جاءت الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ [لقمان ٣٣]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ عمومًا، وجاءت آيةٌ أخرى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج ١]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء ١]. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨) أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (٢٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر ١٧ - ٢١] * الشيخ: بس، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾. ﴿الَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾، ما معنى ﴿اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾؟ * طالب: اجتنبوا عبادة الطاغوت، وهو ما عُبِدَ من دون الله وهو راضٍ. * الشيخ: نعم، طيب وما معنى ﴿اجْتَنَبُوا﴾؟ * الطالب: ابتعَدوا. * الشيخ: ابتعَدوا عنها. ما موقع ﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ من الإعراب؟ ﴿اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾. * طالب: بدل اشتمال. * الشيخ: بدل اشتمال. كم أنواع البدل؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ما هي؟ * الطالب: اشتمال، بعض، بيان. * الشيخ: لا. * طالب: بدل الغلط، وبدل الاشتمال، وبدل الكل من الكل، وبدل البعض من الكل. * الشيخ: كم هذه؟ * الطالب: أربعة. * الشيخ: خمسة؛ قال ابن مالك: مُطَابِقًا أَوْ بَعْضًا اوْ مَا يَشْتَمِلْ ∗∗∗ عَلَيْهِ يُلْفَى أَوْ كَمَعْطُوفٍبِـ(بَلْ) أربعة، فيه بدل كُلٍّ من بعض؟ * طالب: على قول. * الشيخ: على قول. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم. ......................... ∗∗∗ بِسِجِسْتَانَ طَلْحَةَ الطَّلْحَاتِ * * * قوله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر ١٧].يقول: (﴿أَنَابُوا﴾ أقبلوا ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ )، والإنابة تكون بمعنى الإقبال كما قال المؤلف، وتكون بمعنى الرجوع؛ رجعوا إلى الله، والرجوع إلى الله يستلزم الإقبالَ عليه؛ لأن الإنسان يفِرُّ بالمعصية بعيدًا عن الله، فإذا تابَ وأنابَ ورجعَ إلى الله فهو مُقبل. ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ [الزمر ١٧] الجملة هذه خبريَّة، قُدِّم فيها الخبر ﴿لَهُمُ﴾ لإفادة الحصر؛ لأنَّ ما كان حقُّه التأخير إذا قُدِّم أفادَ الحصر. وقوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ الجملة هذه خبر ﴿الَّذِينَ﴾؛ الذين اجتنبوا الطاغوت لهم البشرى، واضح؟ فتكون هذه الجملة في موضع رفْعٍ على الخبر، فما هي البُشرى؟ البُشرى ما تَحْصل به البشارة، والبشارة هي في الأصل الخبرُ السَّارُّ، وسُمِّي الخبرُ السَّارُّ بشارة لأنه يظهر أثرُه على البشرة التي هي الجلدُ؛ فإنَّ الإنسان إذا أُخبر بما يسرُّه استنار وجهه وتغيَّر، فسُمِّيتْ بُشْرى. وقول المؤلف: (الجنة) هذا لا شك أنه مِمَّا يدخل في البُشرى، لكنه أعَمُّ مِمَّا قال المؤلف؛ كما قال تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس ٦٤] فمِن البُشرى الرؤيا الصالحة يراها الإنسانُ لنفسه أو يراها له مؤمن، فإن هذه من البُشرى كما قال النبي ﷺ: «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ»[[أخرجه مسلم (٢٦٤٢ / ١٦٦) من حديث أبي ذر الغفاري.]]؛ الرؤيا الصالحة يراها أو تُرى له؛ مثل أن يرى مَن يبشِّره بالجنة، أن يرى أنه في نعيم، وما أشبهَ ذلك، هذه من البشرى. ومن البُشرى أيضًا أن يُوَفَّق للعمل الصالح؛ إذا رأيتَ اللَّهَ سبحانه وتعالى وفَّقك للعمل الصالحِ المبنيِّ على الإخلاص والمتابعة لرسول الله ﷺ فإنَّ هذه من البُشرى. ومن البُشرى أيضًا أن يوفِّقك الله عز وجل لمصاحبة الأخيار؛« فإنَّ «الْمَرْء عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ» » كما جاء في الحديث «فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ»[[أخرجه أبو داود (٤٨٣٣)، والترمذي (٢٣٧٨)، من حديث أبي هريرة.]]، فإذا وجدتَ أن الله وفَّقك لمصاحبة الأخيار فإنَّ هذا عنوانٌ على السعادة. ومن البُشرى أيضًا أن يحبَّ الإنسانُ من يحبُّه الله؛ فإن النبي ﷺ سُئِل عن الرجل يحبُّ القومَ ولَمَّا يلحقْ بهم، فقال ﷺ:« «مَنْ أَحَبَّ قَوْمًا فَهُوَ مِنْهُمْ». » قال أنس بن مالك رضي الله عنه«: ما فرِحْنا بعد الإسلام بشيءٍ أحَبَّ إلينا من هذا الحديث. » ثم قال: «فأنا أُحِبُّ النبيَّ ﷺ وأُحِبُّ أبا بكر وعمر»[[هذه ثلاثة أحاديث ذُكِرت في سياق حديث واحد؛ الأول: ما أخرجه الشيخان -البخاري (٦١٧٠)، ومسلم (٢٦٤٠ / ١٦٥)- من حديث أبي موسى قال: قيل للنبي ﷺ: الرجُل يحبُّ القومَ ولَمَّا يلحقْ بهم؟ قال: «المرءُ مع مَن أحبَّ». وأمَّا حديث «مَن أحبَّ قومًا ...» فأخرجه الطبراني (٢٥١٩) من حديث أبي قرصافة الكناني رضي الله عنه بلفظ: «مَن أحبَّ قومًا حشره الله في زُمرتهم». والثالث هو حديث أنس الذي أخرجه الشيخان –البخاري (٣٦٨٨) ومسلم (٢٦٣٩)- بسنديهما عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال: «وما أعددتَ للساعة؟». قال: حبَّ الله ورسوله. قال: «فإنك مع مَن أحببتَ». قال أنس: فما فرِحْنا بعد الإسلام فرحًا أشدَّ من قول النبي ﷺ: «فإنَّك مع مَن أحببتَ». قال أنس: فأنا أحبُّ اللَّهَ ورسولَه، وأبا بكرٍ وعمرَ، فأرجو أن أكون معهم وإنْ لم أعمل بأعمالهم.]]، فهذه من البُشرى. المهم أن البُشرى كلُّ خبرٍ سارٍّ، فيشمل ما قاله المؤلف؛ (الجنة)، وهي الغاية لكلِّ إنسانٍ، ويشمل ما كان علامةً على ذلك، ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾. قال: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزمر ١٧] أَمَر اللُّه النبيَّ ﷺ أن يبشِّر عباد الله، بَشِّرْهم بماذا؟ بشِّرْهم بالجنة وبكُلِّ ما يسُرُّهم، حتى في الدنيا المؤمن مسرورٌ دائمًا، وإنْ أُصِيب ببلاءٍ فإنه مسرور؛ لأنه إذا أُصِيب بالبلاء فصبر كان خيرًا له. قوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ الدال مكسورة مع أنها مفعولٌ به، لِماذا؟ * طالب: (...). * الشيخ: لأنَّ أصلها (عبادي) فحُذفت الياء للتخفيف كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد ١١] أي: من والِي، وإنْ كانت الياء في ﴿مِنْ وَالٍ﴾ غير الياء في (عبادي)؛ لأن الياء ﴿مِنْ وَالٍ﴾ من أصل الكلمة، وأمَّا هنا فهي كلمةٌ أخرى؛ الياء. ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ مَن المراد بالعباد هنا؟ المراد خصوصيَّة العبودية؛ أي: عباد الله الصالحين لا كُل عبد. ثم بيَّن من صفاتهم قال: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر ١٨] هذا من علامات عباد الله عز وجل أنهم لا يُضيعون الفُرَص. ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ أي: يُصْغُون إليه، ولم يقُل: يسمعون؛ لأنَّ الاستماع هو متابعة المتكلِّم والإنصاتُ إليه، بخلاف السَّماع، ونضرب مثلًا لرجُلٍ مَرَّ بقارئٍ فسمعه يقرأ، ورجُلٍ آخَر مَرَّ بقارئٍ يقرأ فجلس إليه يُنْصِت، الأول سامع، والثاني مستمع. ولهذا قال العلماء بناءً على هذا الفرق: إذا قرأ القارئُ آيةً فيها سجدةٌ وسَجَد فإنَّ السامع لا يسجد والمستمع يسجد؛ لأن المستمع متابِع والسامع ليس بمتابع. إذَنْ هؤلاء يستمعون القولَ، لا يُضيعون فرصة. ﴿الْقَوْلَ﴾ (أل) هنا للعهد، وتُشبه أن تكون للعهد الذِّكْري؛ لقوله: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾؛ أي إنهم يستمعون القولَ الحَسَن ليس كُلَّ قول، فـ(أل) هنا نقول: إنها للعهد، ويُشبه أن تكون للعهد الذِّكْري؛ لقوله: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾. إذَن ما المراد بالقول هنا؟ القول الحَسَن، أمَّا اللغْو أو السيِّئ فإن الله يقول: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان ٧٢]، ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [القصص ٥٥] فإذا كانوا يُعرضون عن اللغو لأنه لا فائدة فيه، فالمحرَّم من باب أَوْلى. إذَنْ هؤلاء قومٌ عندهم حَزْم، عندهم شُحٌّ في الوقت، لا يستمعون إلا إلى القول الحَسَن. طيب، إذا استمعوا إلى القول الحسن، فنحن نعلم أنَّ الحسن فيه ما هو أحسن وما هو حَسَن، فما الذي يتَّبعون؟ يقول: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾؛ فمثلًا إذا سمعوا الترغيب في صلاة الليل وأنَّ أكثرها -مثلًا- إحدى عشرة ركعة وأدناها ركعة واحدة، ما الذي يتَّبعون؟ * طلبة: إحدى عشرة. * الشيخ: الإحدى عشرة؛ لأنها أحسن. إذا سمعوا الإنفاق في طلب العلم والإنفاق على فقيرٍ ليس في ضرورة، ماذا يتَّبعون؟ * طالب: على طلب العلم. * الشيخ: على طلب العلم؛ لأنهم يتَّبعون الأحسن، إذَنْ لم يفرِّطوا في الوقت، ولم يفرِّطوا في الأفضل، بل كانوا يستمعون كلَّ قولٍ حَسَن ويتَّبعون الأحسن منه. طيب، فإن تَبِعوا الحسن وتركوا الأحسن فإنهم لا يُلامون على ذلك، لكنَّهم ليسوا في قمَّة الكمال، الذي في قمَّة الكمال هو الذي يتَّبع الأحسن. قال الله تعالى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (وهو ما فيه صلاحُهم) لكن الأصلح؛ يتَّبِعون الأصلح فالأصلح. قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ [الزمر ١٨]. أوَّلًا: ﴿أُولَئِكَ﴾ الإشارة للبعيد، وإنما أشار إليهم إشارةَ البعيدِ مع قُرب ذِكرهم للدلالة على عُلُوِّ منزلتهم، وهذا يقع كثيرًا في القرآن؛ يشير الله إلى الشيء القريب بصيغة البعيد لعُلُوِّ مرتبته؛ كما قال الله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة ١، ٢] مع أنه يقول ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ الكتاب قريب، لكن إشارة لأيش؟ لعُلُوِّ مرتبتِه، أحيانًا يُشير إليه بالقريب لقُربه من مُريده؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام ٩٢] يعني ليس بعيدًا عليهم، قريبٌ لهم. هنا يقول: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ أشار إليهم إشارةَ البعيد؟ إشارةً إلى عُلُوِّ مرتبتهم. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ هذه الجملة خبرية طرفاها معرفة، وقد قال العلماء: إنَّ الجملة الخبرية إذا كان طرفاها معرفة فإنها تفيد الحصر؛ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ يعني لا غير. وقوله: ﴿هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ يشمل هداية الدلالة وهداية التوفيق؛ يعني بيَّن لهم الحقَّ وعلِمُوه ثم اهتدَوا به، والناسُ في هذا المقام ثلاثة أقسام: قِسمٌ ضلُّوا عن الهدى علمًا وعملًا، وقِسمٌ هُدُوا إلى الحقِّ علمًا وعملًا، وقِسمٌ هُدُوا إلى الحقِّ علمًا ولم يهتدوا إليه عملًا. عرفتم؟ هل يمكن أن أقول: وقِسمٌ اهتدوا إلى الحق عملًا ولم يهتدوا إليه علمًا؟ * الطلبة: لا يمكن. * الشيخ: لا يمكن، لماذا؟ لأنه لا عمل بالحق إلا بعلمٍ بالحق، فالقسمة رُباعية، لكن الطرف الرابع منها غير واقع، ممتنع. إذَن ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ هداية دلالةٍ وتوفيقٍ، وإنْ شئتَ فقلْ: هداية عِلم وعمل، أيُّهما الدلالة؟ * الطلبة: العلم. * الشيخ: العلم. والتوفيق؟ * الطلبة: العمل. * الشيخ: العمل. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر ١٨]، ﴿وَأُولَئِكَ﴾ كرَّر اسم الإشارة تنويهًا بعُلُوِّ مرتبتهم. ﴿هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: (أصحاب العقول)؛ لأنَّ الإنسان كلَّما كان للحقِّ أَتْبَع كان أكمَلَ عقلًا، وكلَّما نقص اتِّباعُ الحقِّ في حقِّه كان أَدَلَّ على قِلَّة عقلِه، فأعقلُ الناسِ أتْبَعُهم لدين الله لا شك؛ لأنهم هم الذين عندهم الحزمُ وانتهازُ الفُرَص وحِفْظُ الوقت، ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (أصحاب العقول). فإن قال قائل: أليس الكفَّار ذوي عقل؟ فالجواب: بلى، لكنَّهم ذَوُوا عقلٍ إدراكيٍّ لا عقلٍ رُشْديٍّ، ولهذا كانوا مكلَّفين مُلزَمين لأنَّ عندهم عقلًا إدراكيًّا، لكنَّهم غير موفَّقين لأنهم فقدوا عقلَ الرُّشد. قال الله تعالى في بيان عقوبة الخاسرين الذين خَسِروا أنفسَهم وأهليهم يوم القيامة، قال في بيان عقوبتهم: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر ١٦]. * من فوائد هذه الآية: شِدَّة العذاب على أهل النار؛ لأن العذاب يغشاهم من فوقهم ومن تحت أرجُلهم، وإذا كان الإنسان لا يتحمَّل النارَ إذا أتَتْه من وجهٍ ولو بعيد، فكيف إذا أتَتْه من الوجهين: الفوق والتحت! * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّه يجب على الإنسان أن يخاف مما خوَّفه الله حتى يحقِّق العبودية؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّه ينبغي للإنسان أن يسير إلى الله عز وجل على جانبٍ من الخوف، الخوف من العذاب، وقد مَرَّ علينا كثيرًا: هل يُغَلِّب السائرُ إلى الله جانبَ الخوف أو جانبَ الرجاء، على ما سبق. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ الله عز وجل رَبُّ كلِّ شيء، وأنَّ كلَّ شيءٍ فهو عابدٌ لله؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوبُ التقوى؛ لقوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾. ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ إلى آخره [الزمر: ١٧]. * من فوائدها: الثَّناء على مجتنب الطاغوت. * ومن فوائدها: أنَّ لهم هذا الثواب العظيم؛ وهو قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾. * ومن فوائدها: أن التوحيد لا يتِمُّ إلا باجتناب الطاغوت والإخلاص لله؛ لقوله: ﴿اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾. * ومن فوائد هذه الآية: أنَّ الذين اتَّصَفوا بهذه الصفة: اجتناب الطاغوت والإنابة إلى الله، هم أهل البُشرى؛ ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾، ولم يُبَيِّن الله وقتَ البُشرى، فهو شاملٌ للبُشرى في الدنيا وفي الآخرة. * ومن فوائدها: حرمانُ مَن أشركَ بالله مِن هذه البُشرى؛ لأنه جعل البُشرى لِمَن؟ لِمَن اجتنبوا الطاغوتَ أن يعبدوها وأنابوا الى الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثباتُ العبودية الخاصة؛ لقوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾، والعبودية الخاصة تكون منقسمة إلى خاصَّةٍ أخَصَّ، وإلى خاصَّةٍ ليست بأخَصَّ؛ فالمؤمنون جميعًا كلُّهم عبادُ الله، والرُّسُل عبوديتهم أخصُّ. طيب، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء ١] هذه من الخاصة أو الأخَصِّ؟ * الطلبة: الأخص. * الشيخ: من الأخص. ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ﴾ [ص ٤٥]؟ * الطلبة: الأخص. * الشيخ: هذه من العبادة الأخص. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ عباد الله حريصون على استماع ما فيه المصلحة والمنفعة؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ [الزمر ١٨]. * ومن فوائدها: أنَّ هؤلاء السادة لا يضيِّعون وقتًا، حتى إنهم يستمعون إلى عمل غيرهم، وهو قولُ غيرِهم، فكيف (...)، لا بد أن يكونوا قائمين به. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ عباد الله عز وجل الذين وصفهم الله بما ذُكِر؛ يأخذون من القول بأحسنه؛ لقوله؟ * طالب: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر ١٨]. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: لقوله: ﴿أَحْسَنَهُ﴾. * الشيخ: لقوله: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ هؤلاء القوم هم الذين هداهم الله؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ [الزمر ١٨]. ويتفرَّع على هذه القاعدة أنك إذا رأيتَ من نفسك الحرصَ على استماع قول الخير واتِّباع أحسنه فاعلم أن هذا من هداية الله لك؛ لأنه قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾، وإذا رأيتَ من نفسك كراهةَ الاستماع إلى القول الحسن فاتَّهِم نفسَك؛ لأنَّ الله جعل الهداية في هؤلاء القوم، فإذا لم يحصل لك هذا فاتَّهِم نفسَك، صحِّح الخطأ، أَقْبِل إلى الله عز وجل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ أفعال العباد واقعةٌ بتقدير الله وأنهم لا يستقلُّون بها، من أين تؤخذ؟ ﴿هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾، ولهذا ذهب أهل السُّنة والجماعة إلى أن أفعال العباد مخلوقةٌ لله مُرادةٌ له، خلافًا لِمَن قال: إن أفعال العباد ليست مُرادةً لله ولا مخلوقةً له، وهم القدَريَّة مجوس هذه الأُمَّة. * من فوائد الآية الكريمة: بيانُ مِنَّة الله عز وجل على هؤلاء الذين وُفِّقوا لاستماع القول واتِّباع أحسنه؛ يعني إظهار مِنَّة الله عليهم في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾. * ومن فوائدها: أنَّه يجب عقلًا أن تحمد الله سبحانه وتعالى إذا هداك إلى مثل هذا؛ لأنَّك إذا علمتَ أنَّ الهداية من الله فالعقل يقتضي أيش؟ أن تحمده وتشكره، وهذه النعمة أبلَغُ من الإنعام بالأكل والشرب؛ لأنَّ الأكل والشرب كلٌّ يأكل ويشرب حتى البهائم، لكن الهداية ما كلُّ أحدٍ يهتدي، فإنعامُ الله على الإنسان بالهداية العِلمية والعملية أعظم من إنعامه عليه بالأكل والشرب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ المتمسِّكين بدين الله المتَّبعين لأحسن القول هم أصحاب العقول. من المتعارَف عند الناس الآن أنهم إذا رأوا الإنسانَ ذكيًّا مُتأنِّيًا في الأمور يقولون: هذا عاقل، ما شاء الله، عاقل. ولو كان من أفجَر الناس، والحقيقة أنَّا نقول: العاقل مَن وفَّقه الله تعالى للعلم والعمل ولو كان من أبلد الناس باعتبار الذكاء. * ومن فوائد هذه الآية: أنَّه لا تلازُم بين الذكاء والعقل: الذكاء شيءٌ والعقل شيءٌ آخَر، حتى في عقل الإدراك لا تلازُم بين الذكاء وعقل الإدراك؛ لأنَّ من الناس مَن تجده ذكيًّا شديد الملاحظة يفهم الشيء بسرعة ويعطي الجواب بسرعة، لكنَّه في التصرُّف أحمق. وهذه النعمة أبلغ من الإنعام بالأكل والشرب لأن الأكل والشرب كل يأكل ويشرب حتى البهائم، لكن الهداية ما كل أحد يهتدي، فإنعام الله على الإنسان بالهداية العلمية والعملية أعظم من إنعامه عليه بالأكل والشرب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المتمسكين بدين الله المتبعين لأحسن القول هم أصحاب العقول، من المتعارف عند الناس الآن أنهم إذا رأوا إنسانًا ذكيًّا متأنيًا في الأمور يقولون: هذا عاقل -ما شاء الله- عاقل. ولو كان من أفجر الناس، والحقيقة أننا نقول: العاقل من وفقه الله تعالى للعلم والعمل ولو كان من أبلد الناس، باعتبار الذكاء. * ومن فوائد هذه الآية: أنه لا تلازم بين الذكاء والعقل، الذكاء شيء، والعقل شيء آخر، حتى في عقل الإدراك لا تلازم بين الذكاء وعقل الإدراك؛ لأن من الناس من تجده ذكيًّا شديد الملاحظة، يفهم الشيء بسرعة ويعطي الجواب بسرعة، لكنه في التصرف أحمق ليس عنده عقل، ومن الناس من يكون –بالعكس- عنده شيء من البلادة ولكنه في التصرف عاقل متأنٍ، ولكن أعقل الناس أطوع الناس لله، لا شك أن أعقل الناس أطوعهم لله سبحانه وتعالى، ولهذا قال: ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر ١٨]. * ومن فوائد الآية: الإشارة إلى انقسام الناس إلى قسمين: موفق، ومخفق؛ لأن قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ يدل على أن هناك قسمًا آخر، وهم الذين لم يوفقوا ولم يهديهم الله، والأمر كذلك، الواقع كذلك، الآية أشارت إلى هذا، والواقع يشهد له. فإن قال قائل: لماذا لم يجعل الله سبحانه وتعالى الناس على دين واحد؟ أمة واحدة؟ قلنا: لأن هذا ينافي الحكمة، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٨، ١١٩]. لو لم يوجد هذا الانقسام ما ملئت النار بل ولا دخلها أحد، لو لم يوجد هذا الانقسام ما عرف الإنسان قدر نعمة الله عليه بالإيمان والعمل الصالح، لو لم يوجد هذا الإيمان ما مدح من آمن وعمل صالحًا، لماذا؟ لأن الناس هكذا، ما يستطيع أن يخرج عما عليه الناس، لو لم يوجد هذا لم يكن هناك سوق للجهاد؛ لأنك لا يمكن أن تجاهد من هو مثلك في الإيمان والعمل الصالح، لو لم يوجد هذا لم يقم سوق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لو لم يوجد هذا لم يقم سوق الدعوة إلى الله إلى غير ذلك من المصالح الكثيرة التي تفوت بفوات هذا الانقسام. أما من حيث القدرة الإلهية فإن الله قادر على أن يجعل الناس أمة واحدة على الدين الحق، ولكن الحكمة الإلهية تأبى ذلك، وقد علمتم شيئًا من كثير كثير من حكمة تفرق الناس إلى مؤمن وكافر. ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر ١٩]، ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ ما هي كلمة العذاب؟ قال المؤلف هي قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٩]، هذا ما ذهب إليه. وقيل: كلمة العذاب هي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس ٩٦، ٩٧]، وهذا القول أقرب للصواب؛ لأن هذا القول أخص مما قال المؤلف؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ لا تدل على شخص بعينه، تدل على أن كلمة الله عز وجل اقتضت أن تُملأ النارُ، لكن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ هؤلاء قوم بأعيانهم، لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية، فالصحيح أن المراد بكلمة الله هي ما ذكره الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ أنهم من أهل النار هؤلاء لا يمكن أن يؤمنوا. ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ أي: لأملأن جنهم من الجنة والناس أجمعين، هذا قول، القول الثاني: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ يعني أن المراد بكلمة (العذاب) هي أن الله تعالى قضى بأن هؤلاء من أهل النار، فلا يمكن أن يؤمنوا. ﴿أَفَمَنْ حَقَّ﴾ كلمة ﴿أَفَمَنْ﴾ فيها ثلاث كلمات: الهمزة والفاء ومن، فالهمزة للاستفهام، والفاء عاطفة، و(من) يقول المؤلف: إنها شرطية، ويقول آخرون: إنها موصولة؛ أفالذي حق عليه كلمة العذاب، وعلى كلام المؤلف تكون شرطية، ويأتي إن شاء الله بقية الكلام عليها. * طالب: (...). * الشيخ: كيف؟ * الطالب: (...) الرسول ﷺ قال: «خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ»[[أخرجه البخاري (٤٦٨٩) من حديث أبي هريرة.]]، يعني لو قلنا مثلًا: إن صاحب العقل في الجاهلية لو اهتدى وأصبح أكمل عقلًا فهل يصح أن نقول هكذا؟ * الشيخ: لا؛ لأن معنى قوله: «خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ»؛ يعني مثلًا العرب كانوا قبائل، بعض القبائل أشهر من بعض، فيقول عليه الصلاة والسلام إن من كان له حسب وشرف في الجاهلية فهذا فحسبه وشرفه له إذا فقه في دين الله. * الطالب: ما ينطبق عليه القرآن (...)؟ * الشيخ: لا، ما ينطبق، بس المعنى اللي أنت قلته ما ينطبق على هذا الحديث؛ لأن كونه ذكيًّا ثم يكون عاقلًا قد يُحمد وقد لا يُحمد؛ يعني المشكل بعد أحيانًا يكون الذكاء المفرط سببًا للضلال؛ لأن هذا الذكي يورد على نفسه أشياء ويفتِّح على نفسه أشياء لو كان غافلًا لكان أحسن له، ولهذا ما ضر أصحاب أهل الكلام والمنطق والفلاسفة إلا حدة ذكائهم، تجد الإنسان بذكائه يورد إذا كان كذا ولمَ كذا؟ لكن السليم هو الذى يستمر، وقد تمنى بعض أهل الكلام أن يموت على؟ * الطلبة: دين عجائز نيسابور. * الشيخ: دين عجائز نيسابور، دين العجائز اللي ما تعرف. * طالب: ما الفرق بين الشعور وعقل الإدراك؟ * الشيخ: لا، فيه عقل الإدراك وعقل الرشد. * الطالب: ما الفرق بين الشعور وعقل الإدراك؟ * الشيخ: ما أظن أن هناك فرقًا قويًّا، لكن الشعور يرمي إلى قوة الملاحظة، أن الإنسان حي قلبه. * طالب: شيخ، الشعور أنقص من الإدراك؛ لأن الشعور يوجد (...)، والإدراك هو الذي يفهم به الأشياء، لكن ليس فهمه فهم رشد، ويفهم يعني مثلًا (...) مثل هذا الشيء (...) والشعور هو أنقص من الإدراك. * الشيخ: لا، هو يمكن أنقص، وأكمل من وجه، أحيانًا يكون الإنسان من قوة ملاحظته يشعر بما لا يشعر به الآخرون، وأحيانًا يكون -مثل ما قلت- الشعور الإحساس، مجرد الإحساس، والإحساس يكون في البهائم وفي العقلاء، لكن هو من جهة أكمل، ومن جهة ثانية الشعور أكمل؛ لأن بعض الناس يكون عنده الشعور إحساس نفسي ما يدركه الآخرون (...). * * * * طالب: ﴿رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (٢٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر ٢٠، ٢١]. * الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى في سياق الآيات –انتبه- التي بها الكلام على أهل الحق وأهل الباطل، قال: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ [الزمر ١٩]، هذا مبتدأ المناقشة، ما المراد بـ﴿كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾؟ * طالب: (...). * الشيخ: ما المراد بـ﴿كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾؟ * الطالب: هذا ما أخذناه. * الشيخ: أخذناها، وذكرنا الصحيح في هذا. * الطالب: (...). * الشيخ: كيف لا؟ أخذناه. * طالب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ [يونس ٩٦]. * الشيخ: ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾. * الطالب: قوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٩]. * الشيخ: المؤلف مشى على أن المراد بها قوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾، والظاهر أن المراد بها ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ٩٦]. طيب، الذى قبلها ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ﴾ [الزمر ١٧، ١٨] هذا؟ * طالب: (...). * الشيخ: قوله تعالى: ﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ [الزمر ١٧] الجملة هذه معطوفة على أي شيء؟ على أي شيء معطوفة؟ * الطالب: ﴿الْبُشْرَى﴾. * الشيخ: لا، ﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾. * الطالب: ﴿اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾. * الشيخ: على قوله: ﴿اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾؛ يعني: جمعوا بين هذا وهذا. قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ الجملة في محل؟ * الطالب: في محل رفع خبر، خبر (الذين). * الشيخ: خبر ﴿الَّذِينَ اجْتَنَبُوا﴾. ما المراد بـ﴿الْبُشْرَى﴾؟ * طالب: المراد بـ﴿الْبُشْرَى﴾ هنا: ما يسر. * الشيخ: كلام المؤلف؟ * الطالب: الجنة. * الشيخ: المراد بها الجنة، والصحيح؟ * الطالب: أنها تشمل الجنة، وتشمل كل ما كان علامة للبشرى. * الشيخ: ما هو الدليل على أن هذا هو الصحيح؛ العموم؟ * الطالب: الدليل (أل) للاستغراق. * الشيخ: هو قد يكون المراد بـ(أل) العهد. * طالب: (...) تفيد معنى أكثر للعموم. * الشيخ: لكن نريد دليلًا. * طالب: (...). * الشيخ: وغيرها؟ * الطالب: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦]. * طالب آخر: شيخ، نقول: (الْبُشْرَى) الخبر السار، فهو يعم جميع البشر. * طالب آخر: يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ مِنْ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ الرُّؤْيَا الصَّالَحِةَ»[[أخرجه مسلم (٤٧٩ / ٢٠٧) من حديث ابن عباس.]]. * الشيخ: في القرآن ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس ٦٤]. وأفضل ما يُفسر القرآن بالقرآن. قوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزمر ١٧] كيف كانت مكسورة وهي مفعول به؟ * الطالب: هنا حذف الياء؛ ياء المتكلم. * الشيخ: وأصلها؟ * الطالب: أصلها: بشر عبادي. * الشيخ: نعم، ما المراد بالعباد هنا؟ مَن تعبدوا بالخصوص أو بالعموم؟ * الطالب: بالخصوص. * الشيخ: بالخصوص، لماذا؟ * الطالب: لأن هنا ذكر ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ التبشير لا يكون إلا للعباد، ثانيًا.. * الشيخ: إلا للعباد بالمعنى الخاص. * الطالب: وكذلك أضاف إليها ياء المتكلم أو ياء النفس. * الشيخ: لا، هذه قلنا: إذا صارت جمعًا قد تشمل، لكن الذين يستمعون القول هذا يُخصص أيضًا، أولًا أنه من جهة البشارة، والثاني: الذين يستمعون القول. يقول: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر ١٨] ماذا تفيد؟ * طالب: القول الحسن. * الشيخ: الحسن؟! كيف نقول: الحسن، وهو أحسن؟ * الطالب: أحسن (...). * الشيخ: نعم. * طالب آخر: لأنهم يستمعون القول الحسن فيتبعون الأحسن. * الشيخ: نعم، يعني أنهم لا يرضون بدون الكمال، أو بدون الأكمل على الأصح. القول ذكرنا أنه ينقسم إلى أربعه أقسام؟ ما هي؟ * طالب: هي يتبعون القول. * الشيخ: نعم. * الطالب: يستمعون القول يشمل.. * الشيخ: قلنا: إنه ينقسم إلى أربعة أقسام. * الطالب: نعم، الذكر. * الشيخ: لا. * طالب: تقسيم من جهة الطاعة، ومن جهة اتباع القول، والعمل. * الشيخ: لا، القول ينقسم إلى أربعة أقسام. * طلبة: (...). * الشيخ: لا، (...) إذا أجبت تعرفون (...). * الطالب: مذكور يا شيخ. * الشيخ: نعم. * الطالب: حسن، وأحسن، وغير حسن ولا سيئ، وسيئ. * الشيخ: ما ذكرنا هذا؟ * طلبة: لا. * الشيخ: لا ذكرناه، قلنا: سيء، وأسوأ، ولغو، وحسن، وأحسن، خمسة أقسام. * طالب: هذه ذكرنا قبل، ما هو في نفس الآية. * الشيخ: على كل حال المهم أنه مر عليكم (...) إقامة الحجة تكفي مرة واحدة. على كل حال القول ينقسم إلى خمسة أقسام: سيء، وأسوأ، ولغو، وحسن، وأحسن هم يتبعون الأحسن، واستدللنا بالآية: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان ٧٢]، نعم ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص ٥٥]. قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ [الزمر ١٨] لماذا جاءت باسم الإشارة للبعيد؟ * طالب: إشارة إلى علو مرتبتهم. * الشيخ: نعم، إلى علو مرتبتهم، تمام؛ لأنهم يتبعون الأحسن فهم أعلى مرتبة، هل في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ حصر؟ * طالب: نعم. * الشيخ: طريقه؟ * الطالب: معرفة، إذا كانت الجملة طرفاها معرفة فإنها تفيد الحصر. * الشيخ: تمام، قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر ١٨] ﴿أُولُو﴾ بمعنى؟ * طالب: (...). * الشيخ: و﴿الْأَلْبَابِ﴾. * الطالب: ﴿الْأَلْبَابِ﴾ بمعنى العقول. * الشيخ: معناها العقول، ولّا ذوو العقول؟ * الطالب: العقول. * الشيخ: العقول، طيب لماذا سمي العقل لبًّا؟ * الطالب: لأن هو (...) غيره (...). * الشيخ: يعني جُعل لبًّا، يعني مَن ليس له عقل فهو قشور ما يحصِّل شيء طيب، لو قال قائل: هناك عقلاء لا يتبعون أحسن القول؟ * طالب: هذا عقل إدراك، وليس عقل رشد. * الشيخ: وليس عقل رشد، والثناء على أي العقلين؟ * الطالب: على عقل الرشد. * الشيخ: على عقل الرشد، تمام، بارك الله فيك، أما الفوائد فأخذناها أظن. * طالب: نعم، أخذناها. * الشيخ: إلى؟ * طالب: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾. * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ [الزمر ١٩] الهمزة هنا للاستفهام، ويحتمل أن المراد به الاستفهام الحقيقي أو أن المراد به الإنكار؛ يعني النفي، ويتبين من تفسيرها. وقوله: ﴿حَقَّ عَلَيْهِ﴾ أي وجب عليه وذُكّر الفعل مع أن كلمة مؤنث لوجهين: الوجه الأول: أن تأنيث كلمة تأنيث مجازي. والثاني: أنه منفصل عن عامله، ولا يجب تأنيث الفعل إلا إذا كان الفاعل مؤنثًا حقيقيًّا متصلًا كما قال ابن مالك: وَإِنَّمَا تَلْزَمُ فِعْلَ مُضْمَرِ ∗∗∗ مُتَّصِلٍ أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حِرِ يقول: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ أي: وجب عليه كلمة العذاب، وهي أنهم لا يؤمنون، ولو جاءتهم كل آية أو -كما قال المؤلف-: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٩]، والأول أظهر. وقوله: ﴿كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ يعني الكلمة التي يستحقون بها العذاب، وهي أن كل من خالف أمر الله فإنه مستحق للعذاب، قال الله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر ١٩]، ﴿أَفَأَنْتَ﴾ فالخطاب للرسول ﷺ؛ يعني: هل تنقذه إذا حقت عليه كلمة العذاب؟ والجواب: لا، وإذا كان الجواب لا، إذا كان جواب الاستفهام (لا) فهو علامة على أن الاستفهام للنفي، وهنا نسأل الهمزة في: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ﴾، والهمزة في ﴿أَفَأَنْتَ﴾ هل لكل واحدة معنى مستقل أو أن الثانية توكيد للأولى؟ * طالب: توكيد للأولى. * الشيخ: إن جعلنا الجملتين جملة واحدة يعني إن جعلنا الكلام واحدًا في الجملتين، فالثانية توكيد للأولى، وإن جعلنا كل كلمة مستقلة كل جملة مستقلة عن الأخرى، فالثانية أصلية، يعني تأسيسية لا توكيدية، وعلى كلٍّ فإن مثل هذا التركيب -أعني إذا أتت همزة الاستفهام وبعدها حرف عطف- قد سبق لنا مرارًا أن لعلماء النحو في ذلك قولين في الإعراب، فمنهم من يرى أن الهمزة داخلة على جملة مقدرة تناسب المقام والفاء وحرف العطف على تلك الجملة المحذوفة. ومنهم من يرى أن الهمزة داخلة على الجملة التي بعد حرف العطف، فيكون حرف العطف على ما سبق، وإنما قُدمت الهمزة لأن لها الصدارة، وذكرنا أن القول الثاني أيسر، وذلك لأن القول الأول قد يتعذر على الإنسان معرفة المناسب للسياق، أو ربما يقدر ما يظنه مناسبًا وليس بمناسب. يقول الله عز وجل: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ﴾ الخطاب قلت لمن؟ للنبى ﷺ، ﴿تُنْقِذُ﴾: تُخرج، ولكن تفسير ﴿تُنْقِذُ﴾ بـ(تخرج) قاصر؛ لأن كلمة تخرج لا تدل على أنه مُنقَذ من هلكة، لكن (تنقذ) تدل على معنى أخص من (تخرج)، أليس كذلك؟ إذن لا ينبغي أن نفسر الأخص بالأعم؛ لأنك إذا فسرت الأخص بالأعم نقصت التفسير، فالإخراج يكون إنقاذًا ويكون غير إنقاذ، لكن الإنقاذ يكون عن هَلَكة، ولهذا لو فسرت تنقذ: تنجي، لكان أوضح؛ لأن الإنجاء أيضًا يكون من الهلكة، ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ﴾ أي: تنجي ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ من عذابها، ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ (مَن) بمعنى الذي، وهو مفعول به لـ(تنقذ)، ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾، ﴿فِي النَّارِ﴾ جار ومجرور متعلق؟ * طالب: (...). * الشيخ: التقدير؟ * الطالب: كأنه استقر في النار. * طالب آخر: ثبت في النار. * الشيخ: من دخل في النار. * الطالب: ثبت ولّا دخل؟ * الشيخ: يُقدر بما يناسب. * طالب: داخل. * الشيخ: لا، داخل لا يصلح في صلة الموصول، حطوا بالكم. * الطالب: (...). * الشيخ: داخل لا يصلح في صلة الموصول؛ لأنك إذا قدرت (داخل) تحتاج إلى تقدير مبتدأ؛ لتكون جملة، لكن لو قدرت فعلًا ما احتجنا إلى شيء آخر، فنقول مثلًا في جميع صلة الموصول: لا يقدر فيها إلا فعل؛ لأنك لو قدرت الاسم احتجت إلى تقدير مبتدأ لتتم الجملة، فيكون التقدير مرتين، أما إذا قدرت فعلًا صار التقدير مرة واحدة. ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ أي: من استقر في النار، أو من دخل في النار، أو من كان في النار، حسب، يعني المعنى متقارب. قال المؤلف: (جواب الشرط) أين الشرط؟ الشرط هو (مَن) في قوله: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ﴾، وهذا أحد الوجهين في (مَن) أنها اسم شرط، وقال بعض العلماء: إن (مَن) اسم موصول؛ يعني: أفالذي حق عليه كلمة العذاب تنقذه؟ ودائمًا اسم الشرط والموصول يتعاوران؛ أي: يُستعار بعضهما مكان بعض البعض الآخر. يقول: (جواب الشرط، وأُقيم فيه الظاهر مقام المضمر) أُقيم فيه الظاهر الذي هو (مَن) مقام المضمر الذى يكون لولا الظاهر على هذا الوجه: أفأنت تنقذه، أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذه؟ وهذا كلام المؤلف يوحي بأن جملتين مرتبط بعضهما ببعض، وليس كل واحدة مستقلة عن الأخرى (أفانت تنقذه). ولكن نقول: هناك احتمال آخر خلاف ما قاله المؤلف، وهو أن الثانية منفصلة عن الأولى، وأن تقدير الأولى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ تدفع عن أو كلمة نحوها، يعني: أفتدفع عن مَن حق عليه كلمة العذاب؟ ثم استأنف فقال: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ يعني الأول تجعله مؤمنًا بحيث لا يستحق النار، والثاني تنقذه من النار إذا دخل فيها، هذا وجه للمفسرين. الوجه الثاني أن تكون الجملتان واحدة، يكون معنى ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ فهو في النار أفأنت تنقذه منها؟ وهذا هو الذى مشى عليه المؤلف. ومؤدى الجملتين واحد في النهاية؛ أن من حق عليه كلمة العذاب فإنه لا يمكن لا للرسول ﷺ ولا لغيره أن ينقذه من النار. يقول المؤلف: (وأُقيم فيه الظاهر مقام المضمر) وإقامة الظاهر مقام المضمر هنا تفيد معاني، منها: أن من حق عليه كلمة العذاب فهو في النار؛ لأنه لو قال: أفأنت تنقذه؟ لكان الإنسان يقول: من أي شيء أنقذه؟ فإذا قال: أفأنت تنقذ مَن في النار؟ علمنا أن هذا الذى حق عليه كلمة العذاب في النار. يقول: (والهمزة للإنكار) الهمزة في ﴿أَفَمَنْ﴾ وفي ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ﴾ وهما همزة واحدة، على القول بأن الجملتين واحدة، فتكون الثانية توكيدًا للأولى، والحاصل أن الله يقول للرسول عليه الصلاة والسلام: هل من حقت كلمة العذاب يمكن أن تمنعه من استحقاقها؟ هل مَن دخل النار يمكن أن تنقذه؟ الجواب: لا يمكن، لا هذا ولا هذا؛ لأن النبى ﷺ لا يملك أن يهدي أحدًا حتى لا تحق عليه كلمة العذاب، ولا يمكن أن ينقذ أحدًا من النار. يقول عليه الصلاة السلام «حين نزل قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء ٢١٤]» جمع أقاربه وصار يخصصهم «يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا»، إلى أن قال «يَا فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا» [[متفق عليه؛ البخاري (٣٥٢٧)، ومسلم (٢٠٤ / ٣٤٨) من حديث أبي هريرة.]]، وهي ابنته، يقول: المال أستطيع أن أنفعك به، ولكن لا أغني عنكِ من الله شيئًا، وإذا كان لا يُغني عن ابنته شيئًا فمَن سواها من باب أولى. فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذا وبين شفاعة النبى ﷺ لعمه أبي طالب «حتى كان في ضحضاح من نار وعليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٨٣)، ومسلم (٢٠٩ / ٣٥٧) من حديث العباس بن عبد المطلب.]]، كيف؟ هنا أغني، وهنا شفع ونفعت الشفاعة، فيقال: أولًا الرسول عليه الصلاة والسلام لم يتمكن من إخراجه من النار، وإذا لم يتمكن من إخراجه من النار لم يكن معارضًا للآية؛ لأن الله قال: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ ما أنقذه. ثانيًا: أن التخفيف عن أبي طالب ليس من أجل أنه عم الرسول ﷺ فهذا أبو لهب عمه ولكن لم يغنِ عنه شيئًا، لكن من أجل ما قام به من الدفاع العظيم عن الإسلام وعن رسول الإسلام، فإنه دافع عنه مدافعة عظيمة، بل إنه كان يمدح الرسول ﷺ في المحافل، بل شهد له بالرسالة، فقال: لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ ∗∗∗ لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَوْلِالْأَبَاطِلِ هذا بيت من لاميته المشهورة، التي قال عنها ابن كثير -رحمه الله- قال: هذه ينبغي أن تكون من المعلقات، بل هي أبلغ من المعلقات. المعلقات قصائد اختارها العرب سموها المعلقات السبع، وأضافوا إليها ثلاثًا سموها المعلقات العشر، هذه القصائد علقوها في جوف الكعبة حفاظًا عليها وتنويهًا بها، لكن لامية أبي طالب أشد وأشد؛ يعني: وأحسن وأعذب، فشهد للرسول ﷺ بأنه غير مكذب، وأنه لا يُعْنَى بقول الأباطل السحرة، بل إنه عليه الصلاة والسلام أصدق الناس وأنزه الناس، ثم يقول في قصيدة أخرى: وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينَا؎لَوْلَا الْمَلَامَةُ أَوْ حِذَارُ مَسَبَّةٍ ∗∗∗ لَرَأَيْتَنِي سَمْحًا بِذَاكَ مُبِيـــنَا مثل هذا الكلام إذا سمعه الناس آمنوا، فهو في الحقيقة داعٍ إلى الإسلام، لكنه ليس مسلمًا، نسأل الله العافية. إذن التخفيف عنه ليس من أجل أنه عم الرسول، ولكن من أجل أنه دافع عن الإسلام وحمى النبى ﷺ حماية تامة، وأعاله أيضًا، فإنه بعد موت جده عبد المطلب كان عند عمه أبي طالب، وهذا معروف، فمِن عَدْلِ الله عز وجل أن الله شكره على العمل وخفف عنه بشفاعة النبي ﷺ حتى صار -فيما سمعتم- في ضحضاح من نار، وعليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه، أعاذني الله وإياكم من النار، ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾. قال: (والمعنى: لا تقدر على هدايته فتنقذه من النار) هذا المعنى، وصدق الله سبحانه وتعالى، الإنسان لا يمكن أن ينقذ أحدًا من النار أبدًا، فإذا كان نبي الله ﷺ لا يمكن لا يقدر على ذلك، فمَن دونه من باب أولى. ثم قال تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ هذا الاستدراك من أحسن ما يكون لمَّا قال: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ استدرك هذه الحال، حال مَن لا يدخل النار؛ فقال: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الزمر ٢٠] إلى آخره، (لكن) هنا لا تعمل لأنها؟ * طالب: مخففة. * الشيخ: مخففة، و(لكن) إذا خُفِّفَت تكون لمجرد العطف فقط، ومعناها الاستدراك، فإذن ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، خبره جملة ﴿لَهُمْ غُرَفٌ﴾ هذا الخبر. قال: (﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ بأن أطاعوه)، أفادنا المفسر -رحمه الله- بأن التقوى هي الطاعة، وهذا أجمع ما قيل في التقوى؛ أنها طاعة الله عز وجل بامتثال أمره واجتناب نهيه؛ لأنه أمر ونهى، لا للهوى، ولهذا مَن أطاع الله لمجرد الهوى لا يكون كمن أطاع الله لأن الله أمر أو نهى، كثير من الناس يطيع الله لأن نفسه تهوى ذلك، ولكن الطاعة الحقيقة هي التي يكون الباعث عليها امتثال أمر الله تركًا للمنهيات وفعلًا للمأمورات. ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ قال: ﴿اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ إشارة إلى أن تقواهم لله مبنية على أساس؛ لأنه ربهم، والربوبية هنا تشمل الربوبيه القدرية، والربوبيه الشرعية؛ لأن الله رب مالك للكون قَدَرًا ومالك للحكم شرعًا، فهم يتقون ربهم؛ لأنه الذى خلقهم ورزقهم وأعدهم وأمدهم، يعبدون ربهم؛ لأنه الحاكم فيهم، والذي يأمرهم وينهاهم، فيقومون بأمره ويدعون نهيه. ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ [الزمر ٢٠] غُرَف: جمع غرفة، والغرفة هي البناء العالي، إذا كان في الأسفل يُسمى حُجرة، وإذا كان فوق يُسمى غرفة، فالبناء العالي يسمى غُرفة، هذه الغرف غرف مبنية، يقول: ﴿مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ يعني: طبقات، قصور عالية شامخة، مبنيَّة من لَبِنَات من الذهب والفضة، جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، هذه الغرف المبنية من الذهب والفضة أيضًا ليست على ما يُشاهد في الدنيا من اللمعان والحسن الجذاب، بل هي أشد وأعظم، لا يمكن أن نتصور حسن هذه الغرف ولا مواد بنائها أبدًا، لماذا؟ لأن الله يقول: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]، ويقول في الحديث القدسى: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة. ]]. وهي -أي الجنة- ليس فيها شيء مما في الدنيا إلا الأسماء فقط، لكن الحقائق تختلف اختلافًا عظيمًا فيها عنب، نخل، رمان، لكن ليست كالموجود عندنا في الدنيا، بل هي شيء لا يمكن أن يتصوره الإنسان، هذه الجنة مُعَدَّة للمتقين الذين اتقوا ربهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران ١٣٣] العمل يسير والعوض كثير، لكن العمل يسير يا إخواني على من يسره الله عليه، والله ييسره على من صدق النية في التوجه إلى الله، ولم يركن إلى الدنيا؛ لأن الركون إلى الدنيا -ولا سيما ممن أعطاه الله العلم- ذُل وانحطاط ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف ١٧٥، ١٧٦]. والمثل -أخس الأمثال: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأعراف ١٧٦] كذا؟ ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ﴾ إلى آخره. إذن نقول: هذه الغرف التي أعدها الله للمتقين الذين أخلصوا النية لله رجاء الوصول إلى ثوابه، والذين لا يفعلون طاعة إلا وهم يؤمنون بأن لها ثوابًا في هذه الجنة؛ لأن هذه العقيدة وهذا الشعور يحملك على إحسان العبادة، إذا علمت أنه ما من عبادة تقوم بها إلا من أجل الوصول إلى هذا الثواب سوف تحرص على العمل، وتتقن العمل. ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا﴾ أي: من تحت هذه الغرف العليا وما تحتها، ﴿الْأَنْهَارُ﴾ جمع نَهَر أو نَهْر؛ لأن نَهَر أو نَهْر الحلقية الذي ثانيها حرف حلق؛ نَهَر وبحر، يجوز فيها تسكين الحرف الثاني وفتحه، تقول: نَهَر ونَهْر، وبَحَر وبَحْر، هنا نقول: أنهار جمع نَهْر، وهي أربعة أنواع بينها الله تعالى في سورة القتال فقال: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ﴾ [محمد ١٥]، اقرأ. * طالب: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ﴾. * الشيخ: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ﴾ قبلها. * الطالب: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفَّى﴾ [محمد ١٥]. * الشيخ: نعم، هذه أربعة أنواع فيها أنهار من ماء غير آسن يعني غير قابل لأن يكون آسنا، والآسن هو المتغير، وأنتم تعلمون أن الماء إذا بقي في الإناء مدة أو في مقره في البئر مدة فإنه يتغير، ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ ولا فيها سَكر. ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفَّى﴾ أنهار، ما هي تُحلب من الضروع، ولا تأتي من نحل، أنهار تمشي على الأرض، تجري، وقد جاء في الأثر أنها تجري بلا أخدود، تعرفون الأخدود؟ أيش تسمونها؟ * طلبة: مجرى. * الشيخ: إي، تبقى مجاري على وجه الأرض لا تحتاج إلى حفر سواقي ولا إلى جدارن تمنع من سيلان الماء، بل هي تجري بدون شيء وورد أيضًا أنها تجري باختيار الإنسان يوجه النهر حيث شاء، يوجهه حيث شاء، ويمسكه حيث شاء؛ لأن الله يقول: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف ٧١]، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، في قول يقولون: إن نهر النيل وسيحون وجيحون والفرات أنه من الجنة؟ * الشيخ: إي نعم، صحيح ورد فيه حديث. * الطالب: نعم. * الشيخ: ورد فيه الحديث، لكن قالوا: إنها تشبه أنهار الجنة بالصفاء، هو ليس معناه أنها نزلت من السماء. * طالب: تشبيه بليغ. * الشيخ: نعم، تشبيه بليغ. * طالب: الربوبية القدرية والشرعية؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: القدرية والشرعية. * الشيخ: ما أدري ويش تقول؟ * الطالب: الربوبية. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: القدرية والشرعية. * الشيخ: نعم. * الطالب: ما فهمناها. * الشيخ: ما فهمتوها، نعم الربوبية الشرعية هو التصرف في الناس بالشرع. * الطالب: يعني (...). * الشيخ: الأمر والنهي، والقدرية معروفة، ولهذا مر علينا مثل هذا، الحكم كونيّ.. * الطالب: (...). * الشيخ: وشرعي نفس التصرف بمقتضى الربوبية كوني وشرعي. * الطالب: (...) يا شيخ. * الشيخ: مثل الإرادة، كونية وشرعية. * طالب: (...). * الشيخ: نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: التفسير يعني التَّقَوِّي بالطاعة، نعم. * طالب: بعض الناس (...). * الشيخ: نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: إي. * الطالب: هل يؤجر على فعله هذا؟ * الشيخ: والله -على كل حال- تبرأ الذمة بذلك، لكنه لن يصل إلى درجة الكمال، ولهذا نحن نقول دائما ينبغي للإنسان عند فعل العبادة أن تكون له نيَّتان، نيتان: نية العمل، ونية المعمول له، نية العمل هذه كل الناس يعمل، ينوون، هذا يأتي يصلي الظهر ينوي صلاة الظهر، لكن نية المعمول له أنه يريد بذلك التقرب إلى الله عز وجل، هذا كثيرًا ما يغفل الإنسان عنه، يصده الشيطان عن ذلك. هنا -بعد- نية ثالثة؛ نية المتابعة للرسول ﷺ، نية المتابعة، فكل هذه المعاني -نسأل الله أن يعفو عنا- هذه تغيب عنا كثيرًا، لا نية امتثال الأمر، وهي نية المعمول له، ولا نية المتابعة للرسول ﷺ؛ لأنك إذا نويت أو إذا شعرت بهذه النية أحببت الله عز وجل وأحببت الرسول، وشعرت بأنك عبد لله متبع لرسول الله، وتجد للعبادة طعمًا لا تجده إذا أتيت بها على سبيل العادة، ولهذا نقول: عادات الموفَّق عبادات، وعبادات الغافل عادات، إي نعم (...). * طالب: (...). * الشيخ: (مَن)؟ * الطالب: (مَن) الموصولة (...). * الشيخ: ما فيها رأي آخر؟ * الطالب: أو شرطية. * الشيخ: أو شرطية. ما المراد بقوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر ١٩] الخطاب لمن؟ * طالب: الخطاب للنبي ﷺ. * الشيخ: نعم. * الطالب: الاستفهام للنفي. * الشيخ: للنفي، كالأول. * الطالب: نعم. * الشيخ: هل الهمزة الثانية أصلية مؤسسة أو زائدة للتوكيد؟ * طالب: زائدة. * الشيخ: ما فيها رأي آخر؟ * الطالب: فيها رأي آخر، جملة (...) أو جعلنا (...) خاصة (...). * الشيخ: أحسنت، قوله: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ هذا الاستدراك أيش فائدته؟ * طالب: العطف. * الشيخ: إي نعم، العطف، لكن الاستدراك من أي شيء؟ * الطالب: الاستدراك، بَيَّن أن العذاب يحصل لبعض الناس فاستدرك بهذه الآية، يخرج الناس.. * الشيخ: يعني لما قال مثلًا: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ [الزمر ١٩]، استدرك فقال: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [الزمر ٢٠] يعني: أنهم لم يحق عليهم، ما إعراب ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾؟ * طالب: ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الإعراب؟ * الشيخ: إي نعم ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾. * الطالب: ﴿اتَّقَوْا﴾؟ * الشيخ: ﴿الَّذِينَ﴾. * الطالب: ﴿الَّذِينَ﴾ اسم من أسماء الإشارة. * الشيخ: ﴿الَّذِينَ﴾ اسم إشارة؟! * الطالب: ﴿لَكِنِ﴾.. * الشيخ: ﴿لَكِن﴾ حرف استدراك، لكِنَّ ﴿الَّذِينَ﴾؟ * الطالب: ﴿الَّذِينَ﴾ اسم إشارة. * الشيخ: اسم الإشارة ﴿الَّذِينَ﴾؟! اسم الإشارة: هذا هذه هؤلاء. * الطالب: ﴿الَّذِينَ﴾.. * الشيخ: ما قرأت النحو؟ * طالب: ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. * الشيخ: نعم ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، أين خبره؟ خبر ﴿الَّذِينَ﴾؟ * طالب: ﴿اتَّقَوْا﴾. * الشيخ: لا، ﴿اتَّقَوْا﴾ صلة الموصول. * الطالب: (...). * الشيخ: وينه؟ الجار والمجرور خبرها ولّا لا؟ * طالب: (...). * الشيخ: الجار والمجرور، الظاهر أنه معارض، نعم. * طالب: جملة: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ﴾ [الزمر ٢٠]. * الشيخ: جملة ﴿لَهُمْ غُرَفٌ﴾ جار ومجرور خبر مقدم لـ(غرف). * نأخذ الفوائد، قال الله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ [الزمر ٢٠]، ﴿وَعْدَ﴾ يقول المؤلف: (منصوب بفعل مقدر) أي: وُعِدوا وعد الله، أو على رأي آخر محتمل تقدير: أُنْجِزُوا وعد الله، يعني: أنجز الله لهم وعده وعلى هذا فيكون منصوبًا بفعل مقدر من غير فعله، أما رأي المؤلف فهو مصدر محذوف العامل. يقول -رحمه الله- قال الله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾، قال المفسر: (وعده) فأفاد بأن (أل) هنا نائبة مناب الضمير، وأن الميعاد بمعنى الوعد، وقوله: ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ أي أنه لا يخلف ما وعده بشيء آخر؛ لأن (أخلف) تدل على إبدال شيء بشيء، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ ٣٩]، بخلاف (خَلَف) فإنها تدل على خلف شيء بشيء، فيُقال: خَلَفَه؛ أي: أتى بعده، أخلفه: بمعنى جعل له بديلًا، ولهذا يقول المصاب: اللهم آجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها، يعني أعطني بدلًا عنها. وقوله: ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ إنما كان كذلك لكمال صدقه وكمال قدرته؛ لأن إخلاف الميعاد إما أن يكون لكذب الواعد وإما أن يكون لعجزه، والله عز وجل منزه عن هذا وهذا، فهو كامل الصدق، كامل القدرة. في هذه الآية: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ إلى آخره فيها دليل، * من فوائدها: أن من حقت عليه كلمة العذاب فلا هادي له، ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف ١٨٦]. * ومن فوائدها: إثبات كلام الله؛ لأن الذي يقضي بالعذاب هو الله عز وجل لا غيره، فكلمة العذاب صادرة من الله، وفي هذا إثبات الكلام لله عز وجل، والقرآن كله -كل حرف منه- فيه إثبات كلام الله، لماذا؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، في كل حرف من القرآن إثبات كلام الله. * طالب: لأنه باللفظ والصوت والحرف. * الشيخ: لأنه كلام الله، فكل حرف منه فهو كلام الله، إذ إن كلام الله حرف وصوت. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة أن النبي ﷺ لا يستطيع أن يُنقذ مَن في النار، وإذا كان هذا للرسول ﷺ فغيره من باب أولى. * ومن فوائدها أن من حقت عليه كلمة العذاب فإنه في النار؛ لأننا قلنا: إن الظاهر هنا نائب مناب المضمر، وأن التقدير: أفانت تنقذه؟ * ومن فوائد هذه الآية: بلاغة القران، وشدة زواجره، حيث يأتي بمثل هذا الأسلوب الشديد الذي يصرم القلب الواعي الحي ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر ١٩]، أسلوب شديد جدًّا، ولا شك أن الأسلوب الشديد في موضعه يعتبر من البلاغة؛ لأن البلاغة أن يأتي الكلام مطابقًا لمقتضى الحال، أي لما تقتضيه الحال من لين وشدة وتطويل وإيجاز. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات النار، والنار هي الدار الثانية التي يستقر فيها الإنس والجن، وهي دار من اعتدى وكفر، وهي موجودة الآن، وستبقى أبد الآبدين. ثم قال تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ إلى آخره، في هذا بيان علو منزلة المتقين؛ لأن الاستدراك هنا كأنه انتشال لهم مما سبق ذكره من الوعيد الشديد لهؤلاء الذين حقت عليهم كلمة العذاب. * ومن فوائدها أن التقوى سبب لدخول الجنة لقوله: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ﴾ إلى آخره. * ومن فوائدها أن تقواهم لله له سبب سابق ولاحق، فالربوبية الخاصة في قوله: ﴿رَبَّهُمْ﴾ اقتضت أن يتقوه، وهم يتقون ربهم الذي سيثيبهم، فالتقوى لها سبب، وهو عنايه الله عز وجل بهم، هذا سابق، ولها سبب لاحق، وهو ما يرجونه من ثواب الله عز وجل، كل هذا يُحمل على التقوى، فهو ربهم حيث وفقهم للتقوى، وربهم حيث أثابهم عليها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة أن منازل الجنة غُرَف مبنية بعضها فوق بعض لقوله: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ [الزمر ٢٠]، وهل هذه الغرف تختلف بحسب العامل؟ الجواب: نعم، «وقد بَيَّن الرسول عليه الصلاة والسلام أن جنتين من جنات الخلد من ذهب آنيتهما وما فيهما وأن جنتين من فضه آنيتهما وما فيهما»[[أخرج البخاري (٤٨٧٨) ومسلم (١٨٠ / ٢٩٦) بسنديهما عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «جنتان من فضة آنيتهما، وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما...». الحديث.]]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة تمام النعيم، حيث كانت هذه الغرف تجري من تحتها الأنهار، وفيها الأشجار وفيها من كل ما يتمناه الإنسان، بل فوق ذلك. * من فوائد الآية الكريمة أن هذا النعيم ثابت بوعد الله لقوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾. * ومن فوائدها إثبات أن الله لا يخلف الميعاد لكمال صدقه وقدرته، ففيها إثبات كمال الصدق وإثبات كمال القدرة.

الزمر 39:19

ثم قال الله تعالى -ونحن نبتدئ بذلك الدرس-: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر ١٦]، ﴿لَهُمْ﴾ الضمير يعود على ﴿الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ١٥] وهم الكفار. ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ﴾ من فوق رؤوسِهم، وكلمة ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ تدلُّ على أن هذه الظُّلَل محيطةٌ بهم. وقوله: ﴿ظُلَلٌ﴾ قال المؤلف: (طِبَاقٌ ﴿مِنَ النَّارِ﴾ )، وهذه الطِّباق من النَّار لا نعلم كيفيَّتها، لا نعلم هل هي حديدٌ مُحمى أو حجارة أو غير ذلك، لكن إذا تأمَّلْنا قولَه تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة ٢٤] فقد نقول: إنها من الحجارة، وليست أيضًا كحجارتنا، بل هي حجارةٌ لا تُعلم كيفيَّتها. وقوله: ﴿وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ أي: (مِن النار) كما قال المؤلف، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف ٤١] أي: شيءٌ يغشاهم؛ أي: يغطِّيهم. ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ [الزمر ١٦] ﴿ذَلِكَ﴾ أي: المشار إليه مِن ذكْر هذه الظُّلَل ﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾، ﴿بِهِ﴾ الضمير يعود على العذاب المذكور، والباء للسببية؛ أي يُخَوِّف بسببه، ويجوز أن تكون للتعدية؛ أي: يُخَوِّف به نفسه. ﴿عِبَادَهُ﴾ قال: (أي: المؤمنين ليتَّقوه، يدُلُّ عليه ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر ١٦]). المؤلف -رحمه الله- سَلَك في تفسير الآية أنَّ المراد بالعِباد هنا شيءٌ خاصٌّ وهم المؤمنون، مع أنَّ ظاهر الآية العموم وأنَّ المراد بالعِباد هنا مَن يتعبَّدون لله بالمعنى العام، وهي العبودية الكونية؛ لأنَّ العبادة نوعان: عبادةٌ يتعبَّد الإنسانُ بالشرع، يتعبَّد لله بالشرع، وهذه خاصة بِمَن؟ بالمؤمنين، وعبادةٌ يعني يتعبَّد الإنسانُ لله بالكون أي: يكون عبدًا لله كونًا وقدَرًا يفعل الله فيه ما يشاء، وهذه عامة؛ كما قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣]، فهل المراد بالآية هنا العبادة العامَّة وأنَّ الله يوجِّه الخطابَ إلى جميع العباد؛ جميع الناس، أن يتَّقُوه، أو هي خاصَّة؟ يرى المؤلف -رحمه الله- أنها خاصَّة، ولكن لا دليل على ذلك، وإذا لم يكن هناك دليلٌ فالأَولى إبقاءُ النص على عمومه، فكما أن المؤمن يُخَوَّف بهذا الوعيد فكذلك الكافر، الكافر أيضًا يُخَوَّف، بل إنَّ تخويف الكافر أوكد من تخويف المؤمن؛ لأنَّ مع المؤمن ما يُنجيه من الخلود في النار، لكن الكافر ليس معه ما يُنجيه من الخلود في النار. إذَن المراد بذلك العموم أو الخصوص؟ * طالب: العموم. * الشيخ: ويش وجهه؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ما وجه أنَّ الأرجح العموم؟ * طالب: لا دليل للمؤلف، والأَولى أن يبقى النص على ظاهره. * الشيخ: أن هذا هو ظاهر النَّص، كذا؟ ثانيًا: أنَّ الكافر أَوْلى أن يُخَوَّف بالنار من المؤمن؛ لأنَّ مع المؤمن ما ينجو به من الخلود في النار، وليس مع الكافر شيءٌ ينجو به، فكيف نصرف التخويف عمَّن هو أحقُّ بالتخويف. إذَنْ فالصحيح أنَّ المراد بالعباد العموم؛ يعني: يُخَوِّف الله بهذا العذاب جميعَ الناس. ثم وجَّهَ الله الخطابَ إلى الناس عمومًا فقال: ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾، ﴿يَا عِبَادِ﴾ يعني جميع العباد؛ كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ [لقمان ٣٣]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء ١]، والآيات كثيرةٌ في توجيه الأمر بالتقوى إلى جميع الناس، والكافر محتاجٌ إلى التقوى كما أنَّ المؤمن كذلك. فقول المؤلف: (يدلُّ عليه) فيه نظر؛ ففي حُكم المؤلف نظر، وفي الاستدلال لهذا الحكم نظر. ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ غريبٌ أن تأتي النون مع فِعل الأمر، والمعروف أنَّ فعل الأمر المقرون بواو الجماعة أو ألف الاثنين أو ياء المخاطَبة تُحذف منه النون. * طالب: هذه نون الوقاية. * الشيخ: هذه نون الوقاية؟ ما الذي أدراك أنها نون الوقاية؟ * الطالب: لأن أصلها (اتَّقُونني). * الشيخ: اتقوني؟ * الطالب: (فاتَّقونني). * الشيخ: نعم، (فاتَّقونني) أصله؟ * الطالب: (...). * الشيخ: هذا اللفظ ﴿فَاتَّقُونِ﴾ أنتَ قلت: إن النون هنا ليست نون الرفع ولكن نون الوقاية، فما الذي أدراك؟ * الطالب: (...) فأصلها (اتَّقونني). * الشيخ: اتقونني؟! لا، هذا أصلًا ليس بأصل؟ * طالب: لأنه يدلُّ على حذف الياء كسرتُه، وأصله (فاتَّقوا) هذا الأمر، و(نِ) نون الوقاية مع ياء المتكلم، وبعدها حُذفت الياء للتخفيف، وبعدُ بقيت الكسرة حتى تدل على حذفها. * الشيخ: صحيح، الدليل واضح يا جماعة كَسْر النون؛ لأنها لو كانت نون الرفع لكانت بفتح النون، فإنَّ نون الرفع تكون مفتوحة. ومن مثال ذلك أيضًا قوله تعالى في سورة الذاريات: ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾، ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الذاريات ٥٩]. ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ هذا لفظ الآية، إذا وصلتَ كيف تقول؟ ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ﴾ [الذاريات ٥٩، ٦٠]، فالنون هنا للوقاية وليست نون الرفع. ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ وقد سبق معنى التقوى مِرارًا فلا حاجة لإعادته. ثم قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر ١٧]. ﴿الَّذِينَ اجْتَنَبُوا﴾ أي: أبعدوا عن الطاغوت؛ لأنه مأخوذٌ من الجَنْب، وهو الشيء المنفصل عن الشيء، تقول: إلى جانب فلان؛ أي إنَّه منفصلٌ غير متَّصل، ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾ أي: ابتعَدوا عنها. و﴿الطَّاغُوتَ﴾ اسمٌ من الطُّغيان، والتاء فيه للمبالغة، فما هو الطاغوت الذي اشتقَّ من الطغيان؟ يقول ابن القيم رحمه الله: الطاغوت كلُّ ما تَجاوز به العبدُ حدَّه من معبودٍ أو متبوعٍ أو مُطاعٍ. كلُّ ما تجاوز به الإنسانُ حدَّه -وإنما قال: ما تجاوز به حدَّه، من أجْل أن يَصْدُق عليه أنه طغيان- من معبود أو متبوع أو مطاع. فمثلًا الأصنام التي يعبدها الكفار تُسَمَّى طواغيت، المتبوعون من العلماء طواغيت، المطاعون من الأمراء كذلك أيضًا طواغيت، لكنَّه ليس على ظاهره، كلامُ ابن القيم ليس على ظاهره؛ المراد به المعبود الذي لا إرادة له كالأصنام من الجمادات أو المعبود الذي رضي بعبادته، وأمَّا المعبود الذي عُبِد وهو لا يرضى بالعبادة فلا يُسمَّى طاغوتًا، ولهذا لا يمكن أن نُسمِّي عيسى بن مريم طاغوتًا. وكذلك أيضًا المتبوع؛ العلماء الذين لا يرضون أن يعبدهم الناسُ ليسوا طواغيت، المطاعُ أيضًا؛ الأمراء الذين لا يرضون أن يعبدهم الناس لا يُسمَّون طواغيت، فكلام ابن القيم ليس على إطلاقه. ويمكن أن نقول: إن قول ابن القيم: ما تجاوز به العبدُ حدَّه من معبودٍ أو متبوعٍ أو مطاعٍ، أنَّه عائدٌ على العمل؛ يعني أن الطاغوت عمَلُ الإنسان في معبوداته أو مَن يطيعهم أو مَن يتَّبعهم؛ يعني معصية الله في طاعة هؤلاء، فيكون الوصف بالطغيان عائدًا على الفعل لا على المفعول، وحينئذٍ نَسْلَم من الإشكال الذي قُلنا: إنَّه لا بد أن يُقَيَّد المعبود والمتبوع والمطاع بأنه راضٍ. على كل حال إنَّ ﴿الطَّاغُوتَ﴾ مأخوذٌ من الطغيان وهو مجاوزة الحد، والصيغة فيه صيغة مبالغة. قال المؤلف: (الأوثان)، ففسَّر الطاغوت بالمعبودات وهي الأوثان، ولهذا قال: ﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾. ﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ (أنْ) هذه مصدرية، والمصدر المؤول منصوبٌ على أنه بدلٌ من الطاغوت. مِن أيِّ أنواع البدل؟ * طالب: بدل كل من كل. * الشيخ: لا * طالب: بدل بعض من كل. * الشيخ: ولا بعض؛ لأن العبادة ما هي ببعض الأوثان. * طالب: بدل اشتمال. * الشيخ: بدل اشتمال، طيب إذَنْ نقول: ﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ في محل نصب بدل من ﴿الطَّاغُوتَ﴾. وقوله: ﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ هم يعبدون الأصنامَ بدُعائها، ولكنهم يدَّعون أنهم لا يعبدونها إلا لتُقرِّبهم إلى الله. ثم قال: ﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ إلى آخِره في الدرس القادم إن شاء الله. * * * * طالب: الهيبة التي تأتي (...). * الشيخ: نعم، إي، ويش فيها؟ * الطالب: الهيبة هذه ماذا تكون؟ * الشيخ: ما هي خوف عبادة هذه، هذه ليست خوف عبادة، ولكنَّها خوف هيبة واحترام. * طالب: قال المصنف رحمه الله تعالى: ﴿يَا عِبَادِ﴾ والمراد بالعباد المؤمنون، (...). * الشيخ: طيب الكافر ما يُؤْمَر بالتقوى؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، من جملة التقوى ترْك الكفر؛ لأنَّ التقوى اتِّخاذ وقايةٍ من عذاب الله، ومن جملتها الإيمان، ولهذا جاءت الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ [لقمان ٣٣]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ عمومًا، وجاءت آيةٌ أخرى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج ١]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء ١]. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨) أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (٢٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر ١٧ - ٢١] * الشيخ: بس، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾. ﴿الَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾، ما معنى ﴿اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾؟ * طالب: اجتنبوا عبادة الطاغوت، وهو ما عُبِدَ من دون الله وهو راضٍ. * الشيخ: نعم، طيب وما معنى ﴿اجْتَنَبُوا﴾؟ * الطالب: ابتعَدوا. * الشيخ: ابتعَدوا عنها. ما موقع ﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ من الإعراب؟ ﴿اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾. * طالب: بدل اشتمال. * الشيخ: بدل اشتمال. كم أنواع البدل؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ما هي؟ * الطالب: اشتمال، بعض، بيان. * الشيخ: لا. * طالب: بدل الغلط، وبدل الاشتمال، وبدل الكل من الكل، وبدل البعض من الكل. * الشيخ: كم هذه؟ * الطالب: أربعة. * الشيخ: خمسة؛ قال ابن مالك: مُطَابِقًا أَوْ بَعْضًا اوْ مَا يَشْتَمِلْ ∗∗∗ عَلَيْهِ يُلْفَى أَوْ كَمَعْطُوفٍبِـ(بَلْ) أربعة، فيه بدل كُلٍّ من بعض؟ * طالب: على قول. * الشيخ: على قول. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم. ......................... ∗∗∗ بِسِجِسْتَانَ طَلْحَةَ الطَّلْحَاتِ * * * قوله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر ١٧].يقول: (﴿أَنَابُوا﴾ أقبلوا ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ )، والإنابة تكون بمعنى الإقبال كما قال المؤلف، وتكون بمعنى الرجوع؛ رجعوا إلى الله، والرجوع إلى الله يستلزم الإقبالَ عليه؛ لأن الإنسان يفِرُّ بالمعصية بعيدًا عن الله، فإذا تابَ وأنابَ ورجعَ إلى الله فهو مُقبل. ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ [الزمر ١٧] الجملة هذه خبريَّة، قُدِّم فيها الخبر ﴿لَهُمُ﴾ لإفادة الحصر؛ لأنَّ ما كان حقُّه التأخير إذا قُدِّم أفادَ الحصر. وقوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ الجملة هذه خبر ﴿الَّذِينَ﴾؛ الذين اجتنبوا الطاغوت لهم البشرى، واضح؟ فتكون هذه الجملة في موضع رفْعٍ على الخبر، فما هي البُشرى؟ البُشرى ما تَحْصل به البشارة، والبشارة هي في الأصل الخبرُ السَّارُّ، وسُمِّي الخبرُ السَّارُّ بشارة لأنه يظهر أثرُه على البشرة التي هي الجلدُ؛ فإنَّ الإنسان إذا أُخبر بما يسرُّه استنار وجهه وتغيَّر، فسُمِّيتْ بُشْرى. وقول المؤلف: (الجنة) هذا لا شك أنه مِمَّا يدخل في البُشرى، لكنه أعَمُّ مِمَّا قال المؤلف؛ كما قال تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس ٦٤] فمِن البُشرى الرؤيا الصالحة يراها الإنسانُ لنفسه أو يراها له مؤمن، فإن هذه من البُشرى كما قال النبي ﷺ: «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ»[[أخرجه مسلم (٢٦٤٢ / ١٦٦) من حديث أبي ذر الغفاري.]]؛ الرؤيا الصالحة يراها أو تُرى له؛ مثل أن يرى مَن يبشِّره بالجنة، أن يرى أنه في نعيم، وما أشبهَ ذلك، هذه من البشرى. ومن البُشرى أيضًا أن يُوَفَّق للعمل الصالح؛ إذا رأيتَ اللَّهَ سبحانه وتعالى وفَّقك للعمل الصالحِ المبنيِّ على الإخلاص والمتابعة لرسول الله ﷺ فإنَّ هذه من البُشرى. ومن البُشرى أيضًا أن يوفِّقك الله عز وجل لمصاحبة الأخيار؛« فإنَّ «الْمَرْء عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ» » كما جاء في الحديث «فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ»[[أخرجه أبو داود (٤٨٣٣)، والترمذي (٢٣٧٨)، من حديث أبي هريرة.]]، فإذا وجدتَ أن الله وفَّقك لمصاحبة الأخيار فإنَّ هذا عنوانٌ على السعادة. ومن البُشرى أيضًا أن يحبَّ الإنسانُ من يحبُّه الله؛ فإن النبي ﷺ سُئِل عن الرجل يحبُّ القومَ ولَمَّا يلحقْ بهم، فقال ﷺ:« «مَنْ أَحَبَّ قَوْمًا فَهُوَ مِنْهُمْ». » قال أنس بن مالك رضي الله عنه«: ما فرِحْنا بعد الإسلام بشيءٍ أحَبَّ إلينا من هذا الحديث. » ثم قال: «فأنا أُحِبُّ النبيَّ ﷺ وأُحِبُّ أبا بكر وعمر»[[هذه ثلاثة أحاديث ذُكِرت في سياق حديث واحد؛ الأول: ما أخرجه الشيخان -البخاري (٦١٧٠)، ومسلم (٢٦٤٠ / ١٦٥)- من حديث أبي موسى قال: قيل للنبي ﷺ: الرجُل يحبُّ القومَ ولَمَّا يلحقْ بهم؟ قال: «المرءُ مع مَن أحبَّ». وأمَّا حديث «مَن أحبَّ قومًا ...» فأخرجه الطبراني (٢٥١٩) من حديث أبي قرصافة الكناني رضي الله عنه بلفظ: «مَن أحبَّ قومًا حشره الله في زُمرتهم». والثالث هو حديث أنس الذي أخرجه الشيخان –البخاري (٣٦٨٨) ومسلم (٢٦٣٩)- بسنديهما عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال: «وما أعددتَ للساعة؟». قال: حبَّ الله ورسوله. قال: «فإنك مع مَن أحببتَ». قال أنس: فما فرِحْنا بعد الإسلام فرحًا أشدَّ من قول النبي ﷺ: «فإنَّك مع مَن أحببتَ». قال أنس: فأنا أحبُّ اللَّهَ ورسولَه، وأبا بكرٍ وعمرَ، فأرجو أن أكون معهم وإنْ لم أعمل بأعمالهم.]]، فهذه من البُشرى. المهم أن البُشرى كلُّ خبرٍ سارٍّ، فيشمل ما قاله المؤلف؛ (الجنة)، وهي الغاية لكلِّ إنسانٍ، ويشمل ما كان علامةً على ذلك، ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾. قال: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزمر ١٧] أَمَر اللُّه النبيَّ ﷺ أن يبشِّر عباد الله، بَشِّرْهم بماذا؟ بشِّرْهم بالجنة وبكُلِّ ما يسُرُّهم، حتى في الدنيا المؤمن مسرورٌ دائمًا، وإنْ أُصِيب ببلاءٍ فإنه مسرور؛ لأنه إذا أُصِيب بالبلاء فصبر كان خيرًا له. قوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ الدال مكسورة مع أنها مفعولٌ به، لِماذا؟ * طالب: (...). * الشيخ: لأنَّ أصلها (عبادي) فحُذفت الياء للتخفيف كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد ١١] أي: من والِي، وإنْ كانت الياء في ﴿مِنْ وَالٍ﴾ غير الياء في (عبادي)؛ لأن الياء ﴿مِنْ وَالٍ﴾ من أصل الكلمة، وأمَّا هنا فهي كلمةٌ أخرى؛ الياء. ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ مَن المراد بالعباد هنا؟ المراد خصوصيَّة العبودية؛ أي: عباد الله الصالحين لا كُل عبد. ثم بيَّن من صفاتهم قال: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر ١٨] هذا من علامات عباد الله عز وجل أنهم لا يُضيعون الفُرَص. ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ أي: يُصْغُون إليه، ولم يقُل: يسمعون؛ لأنَّ الاستماع هو متابعة المتكلِّم والإنصاتُ إليه، بخلاف السَّماع، ونضرب مثلًا لرجُلٍ مَرَّ بقارئٍ فسمعه يقرأ، ورجُلٍ آخَر مَرَّ بقارئٍ يقرأ فجلس إليه يُنْصِت، الأول سامع، والثاني مستمع. ولهذا قال العلماء بناءً على هذا الفرق: إذا قرأ القارئُ آيةً فيها سجدةٌ وسَجَد فإنَّ السامع لا يسجد والمستمع يسجد؛ لأن المستمع متابِع والسامع ليس بمتابع. إذَنْ هؤلاء يستمعون القولَ، لا يُضيعون فرصة. ﴿الْقَوْلَ﴾ (أل) هنا للعهد، وتُشبه أن تكون للعهد الذِّكْري؛ لقوله: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾؛ أي إنهم يستمعون القولَ الحَسَن ليس كُلَّ قول، فـ(أل) هنا نقول: إنها للعهد، ويُشبه أن تكون للعهد الذِّكْري؛ لقوله: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾. إذَن ما المراد بالقول هنا؟ القول الحَسَن، أمَّا اللغْو أو السيِّئ فإن الله يقول: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان ٧٢]، ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [القصص ٥٥] فإذا كانوا يُعرضون عن اللغو لأنه لا فائدة فيه، فالمحرَّم من باب أَوْلى. إذَنْ هؤلاء قومٌ عندهم حَزْم، عندهم شُحٌّ في الوقت، لا يستمعون إلا إلى القول الحَسَن. طيب، إذا استمعوا إلى القول الحسن، فنحن نعلم أنَّ الحسن فيه ما هو أحسن وما هو حَسَن، فما الذي يتَّبعون؟ يقول: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾؛ فمثلًا إذا سمعوا الترغيب في صلاة الليل وأنَّ أكثرها -مثلًا- إحدى عشرة ركعة وأدناها ركعة واحدة، ما الذي يتَّبعون؟ * طلبة: إحدى عشرة. * الشيخ: الإحدى عشرة؛ لأنها أحسن. إذا سمعوا الإنفاق في طلب العلم والإنفاق على فقيرٍ ليس في ضرورة، ماذا يتَّبعون؟ * طالب: على طلب العلم. * الشيخ: على طلب العلم؛ لأنهم يتَّبعون الأحسن، إذَنْ لم يفرِّطوا في الوقت، ولم يفرِّطوا في الأفضل، بل كانوا يستمعون كلَّ قولٍ حَسَن ويتَّبعون الأحسن منه. طيب، فإن تَبِعوا الحسن وتركوا الأحسن فإنهم لا يُلامون على ذلك، لكنَّهم ليسوا في قمَّة الكمال، الذي في قمَّة الكمال هو الذي يتَّبع الأحسن. قال الله تعالى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (وهو ما فيه صلاحُهم) لكن الأصلح؛ يتَّبِعون الأصلح فالأصلح. قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ [الزمر ١٨]. أوَّلًا: ﴿أُولَئِكَ﴾ الإشارة للبعيد، وإنما أشار إليهم إشارةَ البعيدِ مع قُرب ذِكرهم للدلالة على عُلُوِّ منزلتهم، وهذا يقع كثيرًا في القرآن؛ يشير الله إلى الشيء القريب بصيغة البعيد لعُلُوِّ مرتبته؛ كما قال الله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة ١، ٢] مع أنه يقول ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ الكتاب قريب، لكن إشارة لأيش؟ لعُلُوِّ مرتبتِه، أحيانًا يُشير إليه بالقريب لقُربه من مُريده؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام ٩٢] يعني ليس بعيدًا عليهم، قريبٌ لهم. هنا يقول: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ أشار إليهم إشارةَ البعيد؟ إشارةً إلى عُلُوِّ مرتبتهم. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ هذه الجملة خبرية طرفاها معرفة، وقد قال العلماء: إنَّ الجملة الخبرية إذا كان طرفاها معرفة فإنها تفيد الحصر؛ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ يعني لا غير. وقوله: ﴿هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ يشمل هداية الدلالة وهداية التوفيق؛ يعني بيَّن لهم الحقَّ وعلِمُوه ثم اهتدَوا به، والناسُ في هذا المقام ثلاثة أقسام: قِسمٌ ضلُّوا عن الهدى علمًا وعملًا، وقِسمٌ هُدُوا إلى الحقِّ علمًا وعملًا، وقِسمٌ هُدُوا إلى الحقِّ علمًا ولم يهتدوا إليه عملًا. عرفتم؟ هل يمكن أن أقول: وقِسمٌ اهتدوا إلى الحق عملًا ولم يهتدوا إليه علمًا؟ * الطلبة: لا يمكن. * الشيخ: لا يمكن، لماذا؟ لأنه لا عمل بالحق إلا بعلمٍ بالحق، فالقسمة رُباعية، لكن الطرف الرابع منها غير واقع، ممتنع. إذَن ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ هداية دلالةٍ وتوفيقٍ، وإنْ شئتَ فقلْ: هداية عِلم وعمل، أيُّهما الدلالة؟ * الطلبة: العلم. * الشيخ: العلم. والتوفيق؟ * الطلبة: العمل. * الشيخ: العمل. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر ١٨]، ﴿وَأُولَئِكَ﴾ كرَّر اسم الإشارة تنويهًا بعُلُوِّ مرتبتهم. ﴿هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: (أصحاب العقول)؛ لأنَّ الإنسان كلَّما كان للحقِّ أَتْبَع كان أكمَلَ عقلًا، وكلَّما نقص اتِّباعُ الحقِّ في حقِّه كان أَدَلَّ على قِلَّة عقلِه، فأعقلُ الناسِ أتْبَعُهم لدين الله لا شك؛ لأنهم هم الذين عندهم الحزمُ وانتهازُ الفُرَص وحِفْظُ الوقت، ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (أصحاب العقول). فإن قال قائل: أليس الكفَّار ذوي عقل؟ فالجواب: بلى، لكنَّهم ذَوُوا عقلٍ إدراكيٍّ لا عقلٍ رُشْديٍّ، ولهذا كانوا مكلَّفين مُلزَمين لأنَّ عندهم عقلًا إدراكيًّا، لكنَّهم غير موفَّقين لأنهم فقدوا عقلَ الرُّشد. قال الله تعالى في بيان عقوبة الخاسرين الذين خَسِروا أنفسَهم وأهليهم يوم القيامة، قال في بيان عقوبتهم: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر ١٦]. * من فوائد هذه الآية: شِدَّة العذاب على أهل النار؛ لأن العذاب يغشاهم من فوقهم ومن تحت أرجُلهم، وإذا كان الإنسان لا يتحمَّل النارَ إذا أتَتْه من وجهٍ ولو بعيد، فكيف إذا أتَتْه من الوجهين: الفوق والتحت! * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّه يجب على الإنسان أن يخاف مما خوَّفه الله حتى يحقِّق العبودية؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّه ينبغي للإنسان أن يسير إلى الله عز وجل على جانبٍ من الخوف، الخوف من العذاب، وقد مَرَّ علينا كثيرًا: هل يُغَلِّب السائرُ إلى الله جانبَ الخوف أو جانبَ الرجاء، على ما سبق. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ الله عز وجل رَبُّ كلِّ شيء، وأنَّ كلَّ شيءٍ فهو عابدٌ لله؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوبُ التقوى؛ لقوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾. ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ إلى آخره [الزمر: ١٧]. * من فوائدها: الثَّناء على مجتنب الطاغوت. * ومن فوائدها: أنَّ لهم هذا الثواب العظيم؛ وهو قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾. * ومن فوائدها: أن التوحيد لا يتِمُّ إلا باجتناب الطاغوت والإخلاص لله؛ لقوله: ﴿اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾. * ومن فوائد هذه الآية: أنَّ الذين اتَّصَفوا بهذه الصفة: اجتناب الطاغوت والإنابة إلى الله، هم أهل البُشرى؛ ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾، ولم يُبَيِّن الله وقتَ البُشرى، فهو شاملٌ للبُشرى في الدنيا وفي الآخرة. * ومن فوائدها: حرمانُ مَن أشركَ بالله مِن هذه البُشرى؛ لأنه جعل البُشرى لِمَن؟ لِمَن اجتنبوا الطاغوتَ أن يعبدوها وأنابوا الى الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثباتُ العبودية الخاصة؛ لقوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾، والعبودية الخاصة تكون منقسمة إلى خاصَّةٍ أخَصَّ، وإلى خاصَّةٍ ليست بأخَصَّ؛ فالمؤمنون جميعًا كلُّهم عبادُ الله، والرُّسُل عبوديتهم أخصُّ. طيب، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء ١] هذه من الخاصة أو الأخَصِّ؟ * الطلبة: الأخص. * الشيخ: من الأخص. ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ﴾ [ص ٤٥]؟ * الطلبة: الأخص. * الشيخ: هذه من العبادة الأخص. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ عباد الله حريصون على استماع ما فيه المصلحة والمنفعة؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ [الزمر ١٨]. * ومن فوائدها: أنَّ هؤلاء السادة لا يضيِّعون وقتًا، حتى إنهم يستمعون إلى عمل غيرهم، وهو قولُ غيرِهم، فكيف (...)، لا بد أن يكونوا قائمين به. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ عباد الله عز وجل الذين وصفهم الله بما ذُكِر؛ يأخذون من القول بأحسنه؛ لقوله؟ * طالب: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر ١٨]. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: لقوله: ﴿أَحْسَنَهُ﴾. * الشيخ: لقوله: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ هؤلاء القوم هم الذين هداهم الله؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ [الزمر ١٨]. ويتفرَّع على هذه القاعدة أنك إذا رأيتَ من نفسك الحرصَ على استماع قول الخير واتِّباع أحسنه فاعلم أن هذا من هداية الله لك؛ لأنه قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾، وإذا رأيتَ من نفسك كراهةَ الاستماع إلى القول الحسن فاتَّهِم نفسَك؛ لأنَّ الله جعل الهداية في هؤلاء القوم، فإذا لم يحصل لك هذا فاتَّهِم نفسَك، صحِّح الخطأ، أَقْبِل إلى الله عز وجل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ أفعال العباد واقعةٌ بتقدير الله وأنهم لا يستقلُّون بها، من أين تؤخذ؟ ﴿هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾، ولهذا ذهب أهل السُّنة والجماعة إلى أن أفعال العباد مخلوقةٌ لله مُرادةٌ له، خلافًا لِمَن قال: إن أفعال العباد ليست مُرادةً لله ولا مخلوقةً له، وهم القدَريَّة مجوس هذه الأُمَّة. * من فوائد الآية الكريمة: بيانُ مِنَّة الله عز وجل على هؤلاء الذين وُفِّقوا لاستماع القول واتِّباع أحسنه؛ يعني إظهار مِنَّة الله عليهم في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾. * ومن فوائدها: أنَّه يجب عقلًا أن تحمد الله سبحانه وتعالى إذا هداك إلى مثل هذا؛ لأنَّك إذا علمتَ أنَّ الهداية من الله فالعقل يقتضي أيش؟ أن تحمده وتشكره، وهذه النعمة أبلَغُ من الإنعام بالأكل والشرب؛ لأنَّ الأكل والشرب كلٌّ يأكل ويشرب حتى البهائم، لكن الهداية ما كلُّ أحدٍ يهتدي، فإنعامُ الله على الإنسان بالهداية العِلمية والعملية أعظم من إنعامه عليه بالأكل والشرب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ المتمسِّكين بدين الله المتَّبعين لأحسن القول هم أصحاب العقول. من المتعارَف عند الناس الآن أنهم إذا رأوا الإنسانَ ذكيًّا مُتأنِّيًا في الأمور يقولون: هذا عاقل، ما شاء الله، عاقل. ولو كان من أفجَر الناس، والحقيقة أنَّا نقول: العاقل مَن وفَّقه الله تعالى للعلم والعمل ولو كان من أبلد الناس باعتبار الذكاء. * ومن فوائد هذه الآية: أنَّه لا تلازُم بين الذكاء والعقل: الذكاء شيءٌ والعقل شيءٌ آخَر، حتى في عقل الإدراك لا تلازُم بين الذكاء وعقل الإدراك؛ لأنَّ من الناس مَن تجده ذكيًّا شديد الملاحظة يفهم الشيء بسرعة ويعطي الجواب بسرعة، لكنَّه في التصرُّف أحمق. وهذه النعمة أبلغ من الإنعام بالأكل والشرب لأن الأكل والشرب كل يأكل ويشرب حتى البهائم، لكن الهداية ما كل أحد يهتدي، فإنعام الله على الإنسان بالهداية العلمية والعملية أعظم من إنعامه عليه بالأكل والشرب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المتمسكين بدين الله المتبعين لأحسن القول هم أصحاب العقول، من المتعارف عند الناس الآن أنهم إذا رأوا إنسانًا ذكيًّا متأنيًا في الأمور يقولون: هذا عاقل -ما شاء الله- عاقل. ولو كان من أفجر الناس، والحقيقة أننا نقول: العاقل من وفقه الله تعالى للعلم والعمل ولو كان من أبلد الناس، باعتبار الذكاء. * ومن فوائد هذه الآية: أنه لا تلازم بين الذكاء والعقل، الذكاء شيء، والعقل شيء آخر، حتى في عقل الإدراك لا تلازم بين الذكاء وعقل الإدراك؛ لأن من الناس من تجده ذكيًّا شديد الملاحظة، يفهم الشيء بسرعة ويعطي الجواب بسرعة، لكنه في التصرف أحمق ليس عنده عقل، ومن الناس من يكون –بالعكس- عنده شيء من البلادة ولكنه في التصرف عاقل متأنٍ، ولكن أعقل الناس أطوع الناس لله، لا شك أن أعقل الناس أطوعهم لله سبحانه وتعالى، ولهذا قال: ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر ١٨]. * ومن فوائد الآية: الإشارة إلى انقسام الناس إلى قسمين: موفق، ومخفق؛ لأن قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ يدل على أن هناك قسمًا آخر، وهم الذين لم يوفقوا ولم يهديهم الله، والأمر كذلك، الواقع كذلك، الآية أشارت إلى هذا، والواقع يشهد له. فإن قال قائل: لماذا لم يجعل الله سبحانه وتعالى الناس على دين واحد؟ أمة واحدة؟ قلنا: لأن هذا ينافي الحكمة، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٨، ١١٩]. لو لم يوجد هذا الانقسام ما ملئت النار بل ولا دخلها أحد، لو لم يوجد هذا الانقسام ما عرف الإنسان قدر نعمة الله عليه بالإيمان والعمل الصالح، لو لم يوجد هذا الإيمان ما مدح من آمن وعمل صالحًا، لماذا؟ لأن الناس هكذا، ما يستطيع أن يخرج عما عليه الناس، لو لم يوجد هذا لم يكن هناك سوق للجهاد؛ لأنك لا يمكن أن تجاهد من هو مثلك في الإيمان والعمل الصالح، لو لم يوجد هذا لم يقم سوق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لو لم يوجد هذا لم يقم سوق الدعوة إلى الله إلى غير ذلك من المصالح الكثيرة التي تفوت بفوات هذا الانقسام. أما من حيث القدرة الإلهية فإن الله قادر على أن يجعل الناس أمة واحدة على الدين الحق، ولكن الحكمة الإلهية تأبى ذلك، وقد علمتم شيئًا من كثير كثير من حكمة تفرق الناس إلى مؤمن وكافر. ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر ١٩]، ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ ما هي كلمة العذاب؟ قال المؤلف هي قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٩]، هذا ما ذهب إليه. وقيل: كلمة العذاب هي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس ٩٦، ٩٧]، وهذا القول أقرب للصواب؛ لأن هذا القول أخص مما قال المؤلف؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ لا تدل على شخص بعينه، تدل على أن كلمة الله عز وجل اقتضت أن تُملأ النارُ، لكن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ هؤلاء قوم بأعيانهم، لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية، فالصحيح أن المراد بكلمة الله هي ما ذكره الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ أنهم من أهل النار هؤلاء لا يمكن أن يؤمنوا. ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ أي: لأملأن جنهم من الجنة والناس أجمعين، هذا قول، القول الثاني: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ يعني أن المراد بكلمة (العذاب) هي أن الله تعالى قضى بأن هؤلاء من أهل النار، فلا يمكن أن يؤمنوا. ﴿أَفَمَنْ حَقَّ﴾ كلمة ﴿أَفَمَنْ﴾ فيها ثلاث كلمات: الهمزة والفاء ومن، فالهمزة للاستفهام، والفاء عاطفة، و(من) يقول المؤلف: إنها شرطية، ويقول آخرون: إنها موصولة؛ أفالذي حق عليه كلمة العذاب، وعلى كلام المؤلف تكون شرطية، ويأتي إن شاء الله بقية الكلام عليها. * طالب: (...). * الشيخ: كيف؟ * الطالب: (...) الرسول ﷺ قال: «خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ»[[أخرجه البخاري (٤٦٨٩) من حديث أبي هريرة.]]، يعني لو قلنا مثلًا: إن صاحب العقل في الجاهلية لو اهتدى وأصبح أكمل عقلًا فهل يصح أن نقول هكذا؟ * الشيخ: لا؛ لأن معنى قوله: «خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ»؛ يعني مثلًا العرب كانوا قبائل، بعض القبائل أشهر من بعض، فيقول عليه الصلاة والسلام إن من كان له حسب وشرف في الجاهلية فهذا فحسبه وشرفه له إذا فقه في دين الله. * الطالب: ما ينطبق عليه القرآن (...)؟ * الشيخ: لا، ما ينطبق، بس المعنى اللي أنت قلته ما ينطبق على هذا الحديث؛ لأن كونه ذكيًّا ثم يكون عاقلًا قد يُحمد وقد لا يُحمد؛ يعني المشكل بعد أحيانًا يكون الذكاء المفرط سببًا للضلال؛ لأن هذا الذكي يورد على نفسه أشياء ويفتِّح على نفسه أشياء لو كان غافلًا لكان أحسن له، ولهذا ما ضر أصحاب أهل الكلام والمنطق والفلاسفة إلا حدة ذكائهم، تجد الإنسان بذكائه يورد إذا كان كذا ولمَ كذا؟ لكن السليم هو الذى يستمر، وقد تمنى بعض أهل الكلام أن يموت على؟ * الطلبة: دين عجائز نيسابور. * الشيخ: دين عجائز نيسابور، دين العجائز اللي ما تعرف. * طالب: ما الفرق بين الشعور وعقل الإدراك؟ * الشيخ: لا، فيه عقل الإدراك وعقل الرشد. * الطالب: ما الفرق بين الشعور وعقل الإدراك؟ * الشيخ: ما أظن أن هناك فرقًا قويًّا، لكن الشعور يرمي إلى قوة الملاحظة، أن الإنسان حي قلبه. * طالب: شيخ، الشعور أنقص من الإدراك؛ لأن الشعور يوجد (...)، والإدراك هو الذي يفهم به الأشياء، لكن ليس فهمه فهم رشد، ويفهم يعني مثلًا (...) مثل هذا الشيء (...) والشعور هو أنقص من الإدراك. * الشيخ: لا، هو يمكن أنقص، وأكمل من وجه، أحيانًا يكون الإنسان من قوة ملاحظته يشعر بما لا يشعر به الآخرون، وأحيانًا يكون -مثل ما قلت- الشعور الإحساس، مجرد الإحساس، والإحساس يكون في البهائم وفي العقلاء، لكن هو من جهة أكمل، ومن جهة ثانية الشعور أكمل؛ لأن بعض الناس يكون عنده الشعور إحساس نفسي ما يدركه الآخرون (...). * * * * طالب: ﴿رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (٢٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر ٢٠، ٢١]. * الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى في سياق الآيات –انتبه- التي بها الكلام على أهل الحق وأهل الباطل، قال: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ [الزمر ١٩]، هذا مبتدأ المناقشة، ما المراد بـ﴿كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾؟ * طالب: (...). * الشيخ: ما المراد بـ﴿كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾؟ * الطالب: هذا ما أخذناه. * الشيخ: أخذناها، وذكرنا الصحيح في هذا. * الطالب: (...). * الشيخ: كيف لا؟ أخذناه. * طالب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ [يونس ٩٦]. * الشيخ: ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾. * الطالب: قوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٩]. * الشيخ: المؤلف مشى على أن المراد بها قوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾، والظاهر أن المراد بها ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ٩٦]. طيب، الذى قبلها ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ﴾ [الزمر ١٧، ١٨] هذا؟ * طالب: (...). * الشيخ: قوله تعالى: ﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ [الزمر ١٧] الجملة هذه معطوفة على أي شيء؟ على أي شيء معطوفة؟ * الطالب: ﴿الْبُشْرَى﴾. * الشيخ: لا، ﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾. * الطالب: ﴿اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾. * الشيخ: على قوله: ﴿اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾؛ يعني: جمعوا بين هذا وهذا. قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ الجملة في محل؟ * الطالب: في محل رفع خبر، خبر (الذين). * الشيخ: خبر ﴿الَّذِينَ اجْتَنَبُوا﴾. ما المراد بـ﴿الْبُشْرَى﴾؟ * طالب: المراد بـ﴿الْبُشْرَى﴾ هنا: ما يسر. * الشيخ: كلام المؤلف؟ * الطالب: الجنة. * الشيخ: المراد بها الجنة، والصحيح؟ * الطالب: أنها تشمل الجنة، وتشمل كل ما كان علامة للبشرى. * الشيخ: ما هو الدليل على أن هذا هو الصحيح؛ العموم؟ * الطالب: الدليل (أل) للاستغراق. * الشيخ: هو قد يكون المراد بـ(أل) العهد. * طالب: (...) تفيد معنى أكثر للعموم. * الشيخ: لكن نريد دليلًا. * طالب: (...). * الشيخ: وغيرها؟ * الطالب: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦]. * طالب آخر: شيخ، نقول: (الْبُشْرَى) الخبر السار، فهو يعم جميع البشر. * طالب آخر: يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ مِنْ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ الرُّؤْيَا الصَّالَحِةَ»[[أخرجه مسلم (٤٧٩ / ٢٠٧) من حديث ابن عباس.]]. * الشيخ: في القرآن ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس ٦٤]. وأفضل ما يُفسر القرآن بالقرآن. قوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزمر ١٧] كيف كانت مكسورة وهي مفعول به؟ * الطالب: هنا حذف الياء؛ ياء المتكلم. * الشيخ: وأصلها؟ * الطالب: أصلها: بشر عبادي. * الشيخ: نعم، ما المراد بالعباد هنا؟ مَن تعبدوا بالخصوص أو بالعموم؟ * الطالب: بالخصوص. * الشيخ: بالخصوص، لماذا؟ * الطالب: لأن هنا ذكر ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ التبشير لا يكون إلا للعباد، ثانيًا.. * الشيخ: إلا للعباد بالمعنى الخاص. * الطالب: وكذلك أضاف إليها ياء المتكلم أو ياء النفس. * الشيخ: لا، هذه قلنا: إذا صارت جمعًا قد تشمل، لكن الذين يستمعون القول هذا يُخصص أيضًا، أولًا أنه من جهة البشارة، والثاني: الذين يستمعون القول. يقول: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر ١٨] ماذا تفيد؟ * طالب: القول الحسن. * الشيخ: الحسن؟! كيف نقول: الحسن، وهو أحسن؟ * الطالب: أحسن (...). * الشيخ: نعم. * طالب آخر: لأنهم يستمعون القول الحسن فيتبعون الأحسن. * الشيخ: نعم، يعني أنهم لا يرضون بدون الكمال، أو بدون الأكمل على الأصح. القول ذكرنا أنه ينقسم إلى أربعه أقسام؟ ما هي؟ * طالب: هي يتبعون القول. * الشيخ: نعم. * الطالب: يستمعون القول يشمل.. * الشيخ: قلنا: إنه ينقسم إلى أربعة أقسام. * الطالب: نعم، الذكر. * الشيخ: لا. * طالب: تقسيم من جهة الطاعة، ومن جهة اتباع القول، والعمل. * الشيخ: لا، القول ينقسم إلى أربعة أقسام. * طلبة: (...). * الشيخ: لا، (...) إذا أجبت تعرفون (...). * الطالب: مذكور يا شيخ. * الشيخ: نعم. * الطالب: حسن، وأحسن، وغير حسن ولا سيئ، وسيئ. * الشيخ: ما ذكرنا هذا؟ * طلبة: لا. * الشيخ: لا ذكرناه، قلنا: سيء، وأسوأ، ولغو، وحسن، وأحسن، خمسة أقسام. * طالب: هذه ذكرنا قبل، ما هو في نفس الآية. * الشيخ: على كل حال المهم أنه مر عليكم (...) إقامة الحجة تكفي مرة واحدة. على كل حال القول ينقسم إلى خمسة أقسام: سيء، وأسوأ، ولغو، وحسن، وأحسن هم يتبعون الأحسن، واستدللنا بالآية: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان ٧٢]، نعم ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص ٥٥]. قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ [الزمر ١٨] لماذا جاءت باسم الإشارة للبعيد؟ * طالب: إشارة إلى علو مرتبتهم. * الشيخ: نعم، إلى علو مرتبتهم، تمام؛ لأنهم يتبعون الأحسن فهم أعلى مرتبة، هل في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ حصر؟ * طالب: نعم. * الشيخ: طريقه؟ * الطالب: معرفة، إذا كانت الجملة طرفاها معرفة فإنها تفيد الحصر. * الشيخ: تمام، قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر ١٨] ﴿أُولُو﴾ بمعنى؟ * طالب: (...). * الشيخ: و﴿الْأَلْبَابِ﴾. * الطالب: ﴿الْأَلْبَابِ﴾ بمعنى العقول. * الشيخ: معناها العقول، ولّا ذوو العقول؟ * الطالب: العقول. * الشيخ: العقول، طيب لماذا سمي العقل لبًّا؟ * الطالب: لأن هو (...) غيره (...). * الشيخ: يعني جُعل لبًّا، يعني مَن ليس له عقل فهو قشور ما يحصِّل شيء طيب، لو قال قائل: هناك عقلاء لا يتبعون أحسن القول؟ * طالب: هذا عقل إدراك، وليس عقل رشد. * الشيخ: وليس عقل رشد، والثناء على أي العقلين؟ * الطالب: على عقل الرشد. * الشيخ: على عقل الرشد، تمام، بارك الله فيك، أما الفوائد فأخذناها أظن. * طالب: نعم، أخذناها. * الشيخ: إلى؟ * طالب: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾. * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ [الزمر ١٩] الهمزة هنا للاستفهام، ويحتمل أن المراد به الاستفهام الحقيقي أو أن المراد به الإنكار؛ يعني النفي، ويتبين من تفسيرها. وقوله: ﴿حَقَّ عَلَيْهِ﴾ أي وجب عليه وذُكّر الفعل مع أن كلمة مؤنث لوجهين: الوجه الأول: أن تأنيث كلمة تأنيث مجازي. والثاني: أنه منفصل عن عامله، ولا يجب تأنيث الفعل إلا إذا كان الفاعل مؤنثًا حقيقيًّا متصلًا كما قال ابن مالك: وَإِنَّمَا تَلْزَمُ فِعْلَ مُضْمَرِ ∗∗∗ مُتَّصِلٍ أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حِرِ يقول: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ أي: وجب عليه كلمة العذاب، وهي أنهم لا يؤمنون، ولو جاءتهم كل آية أو -كما قال المؤلف-: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٩]، والأول أظهر. وقوله: ﴿كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ يعني الكلمة التي يستحقون بها العذاب، وهي أن كل من خالف أمر الله فإنه مستحق للعذاب، قال الله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر ١٩]، ﴿أَفَأَنْتَ﴾ فالخطاب للرسول ﷺ؛ يعني: هل تنقذه إذا حقت عليه كلمة العذاب؟ والجواب: لا، وإذا كان الجواب لا، إذا كان جواب الاستفهام (لا) فهو علامة على أن الاستفهام للنفي، وهنا نسأل الهمزة في: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ﴾، والهمزة في ﴿أَفَأَنْتَ﴾ هل لكل واحدة معنى مستقل أو أن الثانية توكيد للأولى؟ * طالب: توكيد للأولى. * الشيخ: إن جعلنا الجملتين جملة واحدة يعني إن جعلنا الكلام واحدًا في الجملتين، فالثانية توكيد للأولى، وإن جعلنا كل كلمة مستقلة كل جملة مستقلة عن الأخرى، فالثانية أصلية، يعني تأسيسية لا توكيدية، وعلى كلٍّ فإن مثل هذا التركيب -أعني إذا أتت همزة الاستفهام وبعدها حرف عطف- قد سبق لنا مرارًا أن لعلماء النحو في ذلك قولين في الإعراب، فمنهم من يرى أن الهمزة داخلة على جملة مقدرة تناسب المقام والفاء وحرف العطف على تلك الجملة المحذوفة. ومنهم من يرى أن الهمزة داخلة على الجملة التي بعد حرف العطف، فيكون حرف العطف على ما سبق، وإنما قُدمت الهمزة لأن لها الصدارة، وذكرنا أن القول الثاني أيسر، وذلك لأن القول الأول قد يتعذر على الإنسان معرفة المناسب للسياق، أو ربما يقدر ما يظنه مناسبًا وليس بمناسب. يقول الله عز وجل: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ﴾ الخطاب قلت لمن؟ للنبى ﷺ، ﴿تُنْقِذُ﴾: تُخرج، ولكن تفسير ﴿تُنْقِذُ﴾ بـ(تخرج) قاصر؛ لأن كلمة تخرج لا تدل على أنه مُنقَذ من هلكة، لكن (تنقذ) تدل على معنى أخص من (تخرج)، أليس كذلك؟ إذن لا ينبغي أن نفسر الأخص بالأعم؛ لأنك إذا فسرت الأخص بالأعم نقصت التفسير، فالإخراج يكون إنقاذًا ويكون غير إنقاذ، لكن الإنقاذ يكون عن هَلَكة، ولهذا لو فسرت تنقذ: تنجي، لكان أوضح؛ لأن الإنجاء أيضًا يكون من الهلكة، ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ﴾ أي: تنجي ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ من عذابها، ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ (مَن) بمعنى الذي، وهو مفعول به لـ(تنقذ)، ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾، ﴿فِي النَّارِ﴾ جار ومجرور متعلق؟ * طالب: (...). * الشيخ: التقدير؟ * الطالب: كأنه استقر في النار. * طالب آخر: ثبت في النار. * الشيخ: من دخل في النار. * الطالب: ثبت ولّا دخل؟ * الشيخ: يُقدر بما يناسب. * طالب: داخل. * الشيخ: لا، داخل لا يصلح في صلة الموصول، حطوا بالكم. * الطالب: (...). * الشيخ: داخل لا يصلح في صلة الموصول؛ لأنك إذا قدرت (داخل) تحتاج إلى تقدير مبتدأ؛ لتكون جملة، لكن لو قدرت فعلًا ما احتجنا إلى شيء آخر، فنقول مثلًا في جميع صلة الموصول: لا يقدر فيها إلا فعل؛ لأنك لو قدرت الاسم احتجت إلى تقدير مبتدأ لتتم الجملة، فيكون التقدير مرتين، أما إذا قدرت فعلًا صار التقدير مرة واحدة. ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ أي: من استقر في النار، أو من دخل في النار، أو من كان في النار، حسب، يعني المعنى متقارب. قال المؤلف: (جواب الشرط) أين الشرط؟ الشرط هو (مَن) في قوله: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ﴾، وهذا أحد الوجهين في (مَن) أنها اسم شرط، وقال بعض العلماء: إن (مَن) اسم موصول؛ يعني: أفالذي حق عليه كلمة العذاب تنقذه؟ ودائمًا اسم الشرط والموصول يتعاوران؛ أي: يُستعار بعضهما مكان بعض البعض الآخر. يقول: (جواب الشرط، وأُقيم فيه الظاهر مقام المضمر) أُقيم فيه الظاهر الذي هو (مَن) مقام المضمر الذى يكون لولا الظاهر على هذا الوجه: أفأنت تنقذه، أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذه؟ وهذا كلام المؤلف يوحي بأن جملتين مرتبط بعضهما ببعض، وليس كل واحدة مستقلة عن الأخرى (أفانت تنقذه). ولكن نقول: هناك احتمال آخر خلاف ما قاله المؤلف، وهو أن الثانية منفصلة عن الأولى، وأن تقدير الأولى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ تدفع عن أو كلمة نحوها، يعني: أفتدفع عن مَن حق عليه كلمة العذاب؟ ثم استأنف فقال: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ يعني الأول تجعله مؤمنًا بحيث لا يستحق النار، والثاني تنقذه من النار إذا دخل فيها، هذا وجه للمفسرين. الوجه الثاني أن تكون الجملتان واحدة، يكون معنى ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ فهو في النار أفأنت تنقذه منها؟ وهذا هو الذى مشى عليه المؤلف. ومؤدى الجملتين واحد في النهاية؛ أن من حق عليه كلمة العذاب فإنه لا يمكن لا للرسول ﷺ ولا لغيره أن ينقذه من النار. يقول المؤلف: (وأُقيم فيه الظاهر مقام المضمر) وإقامة الظاهر مقام المضمر هنا تفيد معاني، منها: أن من حق عليه كلمة العذاب فهو في النار؛ لأنه لو قال: أفأنت تنقذه؟ لكان الإنسان يقول: من أي شيء أنقذه؟ فإذا قال: أفأنت تنقذ مَن في النار؟ علمنا أن هذا الذى حق عليه كلمة العذاب في النار. يقول: (والهمزة للإنكار) الهمزة في ﴿أَفَمَنْ﴾ وفي ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ﴾ وهما همزة واحدة، على القول بأن الجملتين واحدة، فتكون الثانية توكيدًا للأولى، والحاصل أن الله يقول للرسول عليه الصلاة والسلام: هل من حقت كلمة العذاب يمكن أن تمنعه من استحقاقها؟ هل مَن دخل النار يمكن أن تنقذه؟ الجواب: لا يمكن، لا هذا ولا هذا؛ لأن النبى ﷺ لا يملك أن يهدي أحدًا حتى لا تحق عليه كلمة العذاب، ولا يمكن أن ينقذ أحدًا من النار. يقول عليه الصلاة السلام «حين نزل قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء ٢١٤]» جمع أقاربه وصار يخصصهم «يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا»، إلى أن قال «يَا فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا» [[متفق عليه؛ البخاري (٣٥٢٧)، ومسلم (٢٠٤ / ٣٤٨) من حديث أبي هريرة.]]، وهي ابنته، يقول: المال أستطيع أن أنفعك به، ولكن لا أغني عنكِ من الله شيئًا، وإذا كان لا يُغني عن ابنته شيئًا فمَن سواها من باب أولى. فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذا وبين شفاعة النبى ﷺ لعمه أبي طالب «حتى كان في ضحضاح من نار وعليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٨٣)، ومسلم (٢٠٩ / ٣٥٧) من حديث العباس بن عبد المطلب.]]، كيف؟ هنا أغني، وهنا شفع ونفعت الشفاعة، فيقال: أولًا الرسول عليه الصلاة والسلام لم يتمكن من إخراجه من النار، وإذا لم يتمكن من إخراجه من النار لم يكن معارضًا للآية؛ لأن الله قال: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ ما أنقذه. ثانيًا: أن التخفيف عن أبي طالب ليس من أجل أنه عم الرسول ﷺ فهذا أبو لهب عمه ولكن لم يغنِ عنه شيئًا، لكن من أجل ما قام به من الدفاع العظيم عن الإسلام وعن رسول الإسلام، فإنه دافع عنه مدافعة عظيمة، بل إنه كان يمدح الرسول ﷺ في المحافل، بل شهد له بالرسالة، فقال: لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ ∗∗∗ لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَوْلِالْأَبَاطِلِ هذا بيت من لاميته المشهورة، التي قال عنها ابن كثير -رحمه الله- قال: هذه ينبغي أن تكون من المعلقات، بل هي أبلغ من المعلقات. المعلقات قصائد اختارها العرب سموها المعلقات السبع، وأضافوا إليها ثلاثًا سموها المعلقات العشر، هذه القصائد علقوها في جوف الكعبة حفاظًا عليها وتنويهًا بها، لكن لامية أبي طالب أشد وأشد؛ يعني: وأحسن وأعذب، فشهد للرسول ﷺ بأنه غير مكذب، وأنه لا يُعْنَى بقول الأباطل السحرة، بل إنه عليه الصلاة والسلام أصدق الناس وأنزه الناس، ثم يقول في قصيدة أخرى: وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينَا؎لَوْلَا الْمَلَامَةُ أَوْ حِذَارُ مَسَبَّةٍ ∗∗∗ لَرَأَيْتَنِي سَمْحًا بِذَاكَ مُبِيـــنَا مثل هذا الكلام إذا سمعه الناس آمنوا، فهو في الحقيقة داعٍ إلى الإسلام، لكنه ليس مسلمًا، نسأل الله العافية. إذن التخفيف عنه ليس من أجل أنه عم الرسول، ولكن من أجل أنه دافع عن الإسلام وحمى النبى ﷺ حماية تامة، وأعاله أيضًا، فإنه بعد موت جده عبد المطلب كان عند عمه أبي طالب، وهذا معروف، فمِن عَدْلِ الله عز وجل أن الله شكره على العمل وخفف عنه بشفاعة النبي ﷺ حتى صار -فيما سمعتم- في ضحضاح من نار، وعليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه، أعاذني الله وإياكم من النار، ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾. قال: (والمعنى: لا تقدر على هدايته فتنقذه من النار) هذا المعنى، وصدق الله سبحانه وتعالى، الإنسان لا يمكن أن ينقذ أحدًا من النار أبدًا، فإذا كان نبي الله ﷺ لا يمكن لا يقدر على ذلك، فمَن دونه من باب أولى. ثم قال تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ هذا الاستدراك من أحسن ما يكون لمَّا قال: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ استدرك هذه الحال، حال مَن لا يدخل النار؛ فقال: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الزمر ٢٠] إلى آخره، (لكن) هنا لا تعمل لأنها؟ * طالب: مخففة. * الشيخ: مخففة، و(لكن) إذا خُفِّفَت تكون لمجرد العطف فقط، ومعناها الاستدراك، فإذن ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، خبره جملة ﴿لَهُمْ غُرَفٌ﴾ هذا الخبر. قال: (﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ بأن أطاعوه)، أفادنا المفسر -رحمه الله- بأن التقوى هي الطاعة، وهذا أجمع ما قيل في التقوى؛ أنها طاعة الله عز وجل بامتثال أمره واجتناب نهيه؛ لأنه أمر ونهى، لا للهوى، ولهذا مَن أطاع الله لمجرد الهوى لا يكون كمن أطاع الله لأن الله أمر أو نهى، كثير من الناس يطيع الله لأن نفسه تهوى ذلك، ولكن الطاعة الحقيقة هي التي يكون الباعث عليها امتثال أمر الله تركًا للمنهيات وفعلًا للمأمورات. ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ قال: ﴿اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ إشارة إلى أن تقواهم لله مبنية على أساس؛ لأنه ربهم، والربوبية هنا تشمل الربوبيه القدرية، والربوبيه الشرعية؛ لأن الله رب مالك للكون قَدَرًا ومالك للحكم شرعًا، فهم يتقون ربهم؛ لأنه الذى خلقهم ورزقهم وأعدهم وأمدهم، يعبدون ربهم؛ لأنه الحاكم فيهم، والذي يأمرهم وينهاهم، فيقومون بأمره ويدعون نهيه. ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ [الزمر ٢٠] غُرَف: جمع غرفة، والغرفة هي البناء العالي، إذا كان في الأسفل يُسمى حُجرة، وإذا كان فوق يُسمى غرفة، فالبناء العالي يسمى غُرفة، هذه الغرف غرف مبنية، يقول: ﴿مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ يعني: طبقات، قصور عالية شامخة، مبنيَّة من لَبِنَات من الذهب والفضة، جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، هذه الغرف المبنية من الذهب والفضة أيضًا ليست على ما يُشاهد في الدنيا من اللمعان والحسن الجذاب، بل هي أشد وأعظم، لا يمكن أن نتصور حسن هذه الغرف ولا مواد بنائها أبدًا، لماذا؟ لأن الله يقول: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]، ويقول في الحديث القدسى: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة. ]]. وهي -أي الجنة- ليس فيها شيء مما في الدنيا إلا الأسماء فقط، لكن الحقائق تختلف اختلافًا عظيمًا فيها عنب، نخل، رمان، لكن ليست كالموجود عندنا في الدنيا، بل هي شيء لا يمكن أن يتصوره الإنسان، هذه الجنة مُعَدَّة للمتقين الذين اتقوا ربهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران ١٣٣] العمل يسير والعوض كثير، لكن العمل يسير يا إخواني على من يسره الله عليه، والله ييسره على من صدق النية في التوجه إلى الله، ولم يركن إلى الدنيا؛ لأن الركون إلى الدنيا -ولا سيما ممن أعطاه الله العلم- ذُل وانحطاط ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف ١٧٥، ١٧٦]. والمثل -أخس الأمثال: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأعراف ١٧٦] كذا؟ ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ﴾ إلى آخره. إذن نقول: هذه الغرف التي أعدها الله للمتقين الذين أخلصوا النية لله رجاء الوصول إلى ثوابه، والذين لا يفعلون طاعة إلا وهم يؤمنون بأن لها ثوابًا في هذه الجنة؛ لأن هذه العقيدة وهذا الشعور يحملك على إحسان العبادة، إذا علمت أنه ما من عبادة تقوم بها إلا من أجل الوصول إلى هذا الثواب سوف تحرص على العمل، وتتقن العمل. ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا﴾ أي: من تحت هذه الغرف العليا وما تحتها، ﴿الْأَنْهَارُ﴾ جمع نَهَر أو نَهْر؛ لأن نَهَر أو نَهْر الحلقية الذي ثانيها حرف حلق؛ نَهَر وبحر، يجوز فيها تسكين الحرف الثاني وفتحه، تقول: نَهَر ونَهْر، وبَحَر وبَحْر، هنا نقول: أنهار جمع نَهْر، وهي أربعة أنواع بينها الله تعالى في سورة القتال فقال: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ﴾ [محمد ١٥]، اقرأ. * طالب: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ﴾. * الشيخ: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ﴾ قبلها. * الطالب: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفَّى﴾ [محمد ١٥]. * الشيخ: نعم، هذه أربعة أنواع فيها أنهار من ماء غير آسن يعني غير قابل لأن يكون آسنا، والآسن هو المتغير، وأنتم تعلمون أن الماء إذا بقي في الإناء مدة أو في مقره في البئر مدة فإنه يتغير، ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ ولا فيها سَكر. ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفَّى﴾ أنهار، ما هي تُحلب من الضروع، ولا تأتي من نحل، أنهار تمشي على الأرض، تجري، وقد جاء في الأثر أنها تجري بلا أخدود، تعرفون الأخدود؟ أيش تسمونها؟ * طلبة: مجرى. * الشيخ: إي، تبقى مجاري على وجه الأرض لا تحتاج إلى حفر سواقي ولا إلى جدارن تمنع من سيلان الماء، بل هي تجري بدون شيء وورد أيضًا أنها تجري باختيار الإنسان يوجه النهر حيث شاء، يوجهه حيث شاء، ويمسكه حيث شاء؛ لأن الله يقول: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف ٧١]، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، في قول يقولون: إن نهر النيل وسيحون وجيحون والفرات أنه من الجنة؟ * الشيخ: إي نعم، صحيح ورد فيه حديث. * الطالب: نعم. * الشيخ: ورد فيه الحديث، لكن قالوا: إنها تشبه أنهار الجنة بالصفاء، هو ليس معناه أنها نزلت من السماء. * طالب: تشبيه بليغ. * الشيخ: نعم، تشبيه بليغ. * طالب: الربوبية القدرية والشرعية؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: القدرية والشرعية. * الشيخ: ما أدري ويش تقول؟ * الطالب: الربوبية. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: القدرية والشرعية. * الشيخ: نعم. * الطالب: ما فهمناها. * الشيخ: ما فهمتوها، نعم الربوبية الشرعية هو التصرف في الناس بالشرع. * الطالب: يعني (...). * الشيخ: الأمر والنهي، والقدرية معروفة، ولهذا مر علينا مثل هذا، الحكم كونيّ.. * الطالب: (...). * الشيخ: وشرعي نفس التصرف بمقتضى الربوبية كوني وشرعي. * الطالب: (...) يا شيخ. * الشيخ: مثل الإرادة، كونية وشرعية. * طالب: (...). * الشيخ: نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: التفسير يعني التَّقَوِّي بالطاعة، نعم. * طالب: بعض الناس (...). * الشيخ: نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: إي. * الطالب: هل يؤجر على فعله هذا؟ * الشيخ: والله -على كل حال- تبرأ الذمة بذلك، لكنه لن يصل إلى درجة الكمال، ولهذا نحن نقول دائما ينبغي للإنسان عند فعل العبادة أن تكون له نيَّتان، نيتان: نية العمل، ونية المعمول له، نية العمل هذه كل الناس يعمل، ينوون، هذا يأتي يصلي الظهر ينوي صلاة الظهر، لكن نية المعمول له أنه يريد بذلك التقرب إلى الله عز وجل، هذا كثيرًا ما يغفل الإنسان عنه، يصده الشيطان عن ذلك. هنا -بعد- نية ثالثة؛ نية المتابعة للرسول ﷺ، نية المتابعة، فكل هذه المعاني -نسأل الله أن يعفو عنا- هذه تغيب عنا كثيرًا، لا نية امتثال الأمر، وهي نية المعمول له، ولا نية المتابعة للرسول ﷺ؛ لأنك إذا نويت أو إذا شعرت بهذه النية أحببت الله عز وجل وأحببت الرسول، وشعرت بأنك عبد لله متبع لرسول الله، وتجد للعبادة طعمًا لا تجده إذا أتيت بها على سبيل العادة، ولهذا نقول: عادات الموفَّق عبادات، وعبادات الغافل عادات، إي نعم (...). * طالب: (...). * الشيخ: (مَن)؟ * الطالب: (مَن) الموصولة (...). * الشيخ: ما فيها رأي آخر؟ * الطالب: أو شرطية. * الشيخ: أو شرطية. ما المراد بقوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر ١٩] الخطاب لمن؟ * طالب: الخطاب للنبي ﷺ. * الشيخ: نعم. * الطالب: الاستفهام للنفي. * الشيخ: للنفي، كالأول. * الطالب: نعم. * الشيخ: هل الهمزة الثانية أصلية مؤسسة أو زائدة للتوكيد؟ * طالب: زائدة. * الشيخ: ما فيها رأي آخر؟ * الطالب: فيها رأي آخر، جملة (...) أو جعلنا (...) خاصة (...). * الشيخ: أحسنت، قوله: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ هذا الاستدراك أيش فائدته؟ * طالب: العطف. * الشيخ: إي نعم، العطف، لكن الاستدراك من أي شيء؟ * الطالب: الاستدراك، بَيَّن أن العذاب يحصل لبعض الناس فاستدرك بهذه الآية، يخرج الناس.. * الشيخ: يعني لما قال مثلًا: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ [الزمر ١٩]، استدرك فقال: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [الزمر ٢٠] يعني: أنهم لم يحق عليهم، ما إعراب ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾؟ * طالب: ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الإعراب؟ * الشيخ: إي نعم ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾. * الطالب: ﴿اتَّقَوْا﴾؟ * الشيخ: ﴿الَّذِينَ﴾. * الطالب: ﴿الَّذِينَ﴾ اسم من أسماء الإشارة. * الشيخ: ﴿الَّذِينَ﴾ اسم إشارة؟! * الطالب: ﴿لَكِنِ﴾.. * الشيخ: ﴿لَكِن﴾ حرف استدراك، لكِنَّ ﴿الَّذِينَ﴾؟ * الطالب: ﴿الَّذِينَ﴾ اسم إشارة. * الشيخ: اسم الإشارة ﴿الَّذِينَ﴾؟! اسم الإشارة: هذا هذه هؤلاء. * الطالب: ﴿الَّذِينَ﴾.. * الشيخ: ما قرأت النحو؟ * طالب: ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. * الشيخ: نعم ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، أين خبره؟ خبر ﴿الَّذِينَ﴾؟ * طالب: ﴿اتَّقَوْا﴾. * الشيخ: لا، ﴿اتَّقَوْا﴾ صلة الموصول. * الطالب: (...). * الشيخ: وينه؟ الجار والمجرور خبرها ولّا لا؟ * طالب: (...). * الشيخ: الجار والمجرور، الظاهر أنه معارض، نعم. * طالب: جملة: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ﴾ [الزمر ٢٠]. * الشيخ: جملة ﴿لَهُمْ غُرَفٌ﴾ جار ومجرور خبر مقدم لـ(غرف). * نأخذ الفوائد، قال الله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ [الزمر ٢٠]، ﴿وَعْدَ﴾ يقول المؤلف: (منصوب بفعل مقدر) أي: وُعِدوا وعد الله، أو على رأي آخر محتمل تقدير: أُنْجِزُوا وعد الله، يعني: أنجز الله لهم وعده وعلى هذا فيكون منصوبًا بفعل مقدر من غير فعله، أما رأي المؤلف فهو مصدر محذوف العامل. يقول -رحمه الله- قال الله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾، قال المفسر: (وعده) فأفاد بأن (أل) هنا نائبة مناب الضمير، وأن الميعاد بمعنى الوعد، وقوله: ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ أي أنه لا يخلف ما وعده بشيء آخر؛ لأن (أخلف) تدل على إبدال شيء بشيء، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ ٣٩]، بخلاف (خَلَف) فإنها تدل على خلف شيء بشيء، فيُقال: خَلَفَه؛ أي: أتى بعده، أخلفه: بمعنى جعل له بديلًا، ولهذا يقول المصاب: اللهم آجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها، يعني أعطني بدلًا عنها. وقوله: ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ إنما كان كذلك لكمال صدقه وكمال قدرته؛ لأن إخلاف الميعاد إما أن يكون لكذب الواعد وإما أن يكون لعجزه، والله عز وجل منزه عن هذا وهذا، فهو كامل الصدق، كامل القدرة. في هذه الآية: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ إلى آخره فيها دليل، * من فوائدها: أن من حقت عليه كلمة العذاب فلا هادي له، ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف ١٨٦]. * ومن فوائدها: إثبات كلام الله؛ لأن الذي يقضي بالعذاب هو الله عز وجل لا غيره، فكلمة العذاب صادرة من الله، وفي هذا إثبات الكلام لله عز وجل، والقرآن كله -كل حرف منه- فيه إثبات كلام الله، لماذا؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، في كل حرف من القرآن إثبات كلام الله. * طالب: لأنه باللفظ والصوت والحرف. * الشيخ: لأنه كلام الله، فكل حرف منه فهو كلام الله، إذ إن كلام الله حرف وصوت. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة أن النبي ﷺ لا يستطيع أن يُنقذ مَن في النار، وإذا كان هذا للرسول ﷺ فغيره من باب أولى. * ومن فوائدها أن من حقت عليه كلمة العذاب فإنه في النار؛ لأننا قلنا: إن الظاهر هنا نائب مناب المضمر، وأن التقدير: أفانت تنقذه؟ * ومن فوائد هذه الآية: بلاغة القران، وشدة زواجره، حيث يأتي بمثل هذا الأسلوب الشديد الذي يصرم القلب الواعي الحي ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر ١٩]، أسلوب شديد جدًّا، ولا شك أن الأسلوب الشديد في موضعه يعتبر من البلاغة؛ لأن البلاغة أن يأتي الكلام مطابقًا لمقتضى الحال، أي لما تقتضيه الحال من لين وشدة وتطويل وإيجاز. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات النار، والنار هي الدار الثانية التي يستقر فيها الإنس والجن، وهي دار من اعتدى وكفر، وهي موجودة الآن، وستبقى أبد الآبدين. ثم قال تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ إلى آخره، في هذا بيان علو منزلة المتقين؛ لأن الاستدراك هنا كأنه انتشال لهم مما سبق ذكره من الوعيد الشديد لهؤلاء الذين حقت عليهم كلمة العذاب. * ومن فوائدها أن التقوى سبب لدخول الجنة لقوله: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ﴾ إلى آخره. * ومن فوائدها أن تقواهم لله له سبب سابق ولاحق، فالربوبية الخاصة في قوله: ﴿رَبَّهُمْ﴾ اقتضت أن يتقوه، وهم يتقون ربهم الذي سيثيبهم، فالتقوى لها سبب، وهو عنايه الله عز وجل بهم، هذا سابق، ولها سبب لاحق، وهو ما يرجونه من ثواب الله عز وجل، كل هذا يُحمل على التقوى، فهو ربهم حيث وفقهم للتقوى، وربهم حيث أثابهم عليها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة أن منازل الجنة غُرَف مبنية بعضها فوق بعض لقوله: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ [الزمر ٢٠]، وهل هذه الغرف تختلف بحسب العامل؟ الجواب: نعم، «وقد بَيَّن الرسول عليه الصلاة والسلام أن جنتين من جنات الخلد من ذهب آنيتهما وما فيهما وأن جنتين من فضه آنيتهما وما فيهما»[[أخرج البخاري (٤٨٧٨) ومسلم (١٨٠ / ٢٩٦) بسنديهما عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «جنتان من فضة آنيتهما، وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما...». الحديث.]]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة تمام النعيم، حيث كانت هذه الغرف تجري من تحتها الأنهار، وفيها الأشجار وفيها من كل ما يتمناه الإنسان، بل فوق ذلك. * من فوائد الآية الكريمة أن هذا النعيم ثابت بوعد الله لقوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾. * ومن فوائدها إثبات أن الله لا يخلف الميعاد لكمال صدقه وقدرته، ففيها إثبات كمال الصدق وإثبات كمال القدرة.

الزمر 39:20

ثم قال الله تعالى -ونحن نبتدئ بذلك الدرس-: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر ١٦]، ﴿لَهُمْ﴾ الضمير يعود على ﴿الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ١٥] وهم الكفار. ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ﴾ من فوق رؤوسِهم، وكلمة ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ تدلُّ على أن هذه الظُّلَل محيطةٌ بهم. وقوله: ﴿ظُلَلٌ﴾ قال المؤلف: (طِبَاقٌ ﴿مِنَ النَّارِ﴾ )، وهذه الطِّباق من النَّار لا نعلم كيفيَّتها، لا نعلم هل هي حديدٌ مُحمى أو حجارة أو غير ذلك، لكن إذا تأمَّلْنا قولَه تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة ٢٤] فقد نقول: إنها من الحجارة، وليست أيضًا كحجارتنا، بل هي حجارةٌ لا تُعلم كيفيَّتها. وقوله: ﴿وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ أي: (مِن النار) كما قال المؤلف، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف ٤١] أي: شيءٌ يغشاهم؛ أي: يغطِّيهم. ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ [الزمر ١٦] ﴿ذَلِكَ﴾ أي: المشار إليه مِن ذكْر هذه الظُّلَل ﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾، ﴿بِهِ﴾ الضمير يعود على العذاب المذكور، والباء للسببية؛ أي يُخَوِّف بسببه، ويجوز أن تكون للتعدية؛ أي: يُخَوِّف به نفسه. ﴿عِبَادَهُ﴾ قال: (أي: المؤمنين ليتَّقوه، يدُلُّ عليه ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر ١٦]). المؤلف -رحمه الله- سَلَك في تفسير الآية أنَّ المراد بالعِباد هنا شيءٌ خاصٌّ وهم المؤمنون، مع أنَّ ظاهر الآية العموم وأنَّ المراد بالعِباد هنا مَن يتعبَّدون لله بالمعنى العام، وهي العبودية الكونية؛ لأنَّ العبادة نوعان: عبادةٌ يتعبَّد الإنسانُ بالشرع، يتعبَّد لله بالشرع، وهذه خاصة بِمَن؟ بالمؤمنين، وعبادةٌ يعني يتعبَّد الإنسانُ لله بالكون أي: يكون عبدًا لله كونًا وقدَرًا يفعل الله فيه ما يشاء، وهذه عامة؛ كما قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣]، فهل المراد بالآية هنا العبادة العامَّة وأنَّ الله يوجِّه الخطابَ إلى جميع العباد؛ جميع الناس، أن يتَّقُوه، أو هي خاصَّة؟ يرى المؤلف -رحمه الله- أنها خاصَّة، ولكن لا دليل على ذلك، وإذا لم يكن هناك دليلٌ فالأَولى إبقاءُ النص على عمومه، فكما أن المؤمن يُخَوَّف بهذا الوعيد فكذلك الكافر، الكافر أيضًا يُخَوَّف، بل إنَّ تخويف الكافر أوكد من تخويف المؤمن؛ لأنَّ مع المؤمن ما يُنجيه من الخلود في النار، لكن الكافر ليس معه ما يُنجيه من الخلود في النار. إذَن المراد بذلك العموم أو الخصوص؟ * طالب: العموم. * الشيخ: ويش وجهه؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ما وجه أنَّ الأرجح العموم؟ * طالب: لا دليل للمؤلف، والأَولى أن يبقى النص على ظاهره. * الشيخ: أن هذا هو ظاهر النَّص، كذا؟ ثانيًا: أنَّ الكافر أَوْلى أن يُخَوَّف بالنار من المؤمن؛ لأنَّ مع المؤمن ما ينجو به من الخلود في النار، وليس مع الكافر شيءٌ ينجو به، فكيف نصرف التخويف عمَّن هو أحقُّ بالتخويف. إذَنْ فالصحيح أنَّ المراد بالعباد العموم؛ يعني: يُخَوِّف الله بهذا العذاب جميعَ الناس. ثم وجَّهَ الله الخطابَ إلى الناس عمومًا فقال: ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾، ﴿يَا عِبَادِ﴾ يعني جميع العباد؛ كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ [لقمان ٣٣]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء ١]، والآيات كثيرةٌ في توجيه الأمر بالتقوى إلى جميع الناس، والكافر محتاجٌ إلى التقوى كما أنَّ المؤمن كذلك. فقول المؤلف: (يدلُّ عليه) فيه نظر؛ ففي حُكم المؤلف نظر، وفي الاستدلال لهذا الحكم نظر. ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ غريبٌ أن تأتي النون مع فِعل الأمر، والمعروف أنَّ فعل الأمر المقرون بواو الجماعة أو ألف الاثنين أو ياء المخاطَبة تُحذف منه النون. * طالب: هذه نون الوقاية. * الشيخ: هذه نون الوقاية؟ ما الذي أدراك أنها نون الوقاية؟ * الطالب: لأن أصلها (اتَّقُونني). * الشيخ: اتقوني؟ * الطالب: (فاتَّقونني). * الشيخ: نعم، (فاتَّقونني) أصله؟ * الطالب: (...). * الشيخ: هذا اللفظ ﴿فَاتَّقُونِ﴾ أنتَ قلت: إن النون هنا ليست نون الرفع ولكن نون الوقاية، فما الذي أدراك؟ * الطالب: (...) فأصلها (اتَّقونني). * الشيخ: اتقونني؟! لا، هذا أصلًا ليس بأصل؟ * طالب: لأنه يدلُّ على حذف الياء كسرتُه، وأصله (فاتَّقوا) هذا الأمر، و(نِ) نون الوقاية مع ياء المتكلم، وبعدها حُذفت الياء للتخفيف، وبعدُ بقيت الكسرة حتى تدل على حذفها. * الشيخ: صحيح، الدليل واضح يا جماعة كَسْر النون؛ لأنها لو كانت نون الرفع لكانت بفتح النون، فإنَّ نون الرفع تكون مفتوحة. ومن مثال ذلك أيضًا قوله تعالى في سورة الذاريات: ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾، ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الذاريات ٥٩]. ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ هذا لفظ الآية، إذا وصلتَ كيف تقول؟ ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ﴾ [الذاريات ٥٩، ٦٠]، فالنون هنا للوقاية وليست نون الرفع. ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ وقد سبق معنى التقوى مِرارًا فلا حاجة لإعادته. ثم قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر ١٧]. ﴿الَّذِينَ اجْتَنَبُوا﴾ أي: أبعدوا عن الطاغوت؛ لأنه مأخوذٌ من الجَنْب، وهو الشيء المنفصل عن الشيء، تقول: إلى جانب فلان؛ أي إنَّه منفصلٌ غير متَّصل، ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾ أي: ابتعَدوا عنها. و﴿الطَّاغُوتَ﴾ اسمٌ من الطُّغيان، والتاء فيه للمبالغة، فما هو الطاغوت الذي اشتقَّ من الطغيان؟ يقول ابن القيم رحمه الله: الطاغوت كلُّ ما تَجاوز به العبدُ حدَّه من معبودٍ أو متبوعٍ أو مُطاعٍ. كلُّ ما تجاوز به الإنسانُ حدَّه -وإنما قال: ما تجاوز به حدَّه، من أجْل أن يَصْدُق عليه أنه طغيان- من معبود أو متبوع أو مطاع. فمثلًا الأصنام التي يعبدها الكفار تُسَمَّى طواغيت، المتبوعون من العلماء طواغيت، المطاعون من الأمراء كذلك أيضًا طواغيت، لكنَّه ليس على ظاهره، كلامُ ابن القيم ليس على ظاهره؛ المراد به المعبود الذي لا إرادة له كالأصنام من الجمادات أو المعبود الذي رضي بعبادته، وأمَّا المعبود الذي عُبِد وهو لا يرضى بالعبادة فلا يُسمَّى طاغوتًا، ولهذا لا يمكن أن نُسمِّي عيسى بن مريم طاغوتًا. وكذلك أيضًا المتبوع؛ العلماء الذين لا يرضون أن يعبدهم الناسُ ليسوا طواغيت، المطاعُ أيضًا؛ الأمراء الذين لا يرضون أن يعبدهم الناس لا يُسمَّون طواغيت، فكلام ابن القيم ليس على إطلاقه. ويمكن أن نقول: إن قول ابن القيم: ما تجاوز به العبدُ حدَّه من معبودٍ أو متبوعٍ أو مطاعٍ، أنَّه عائدٌ على العمل؛ يعني أن الطاغوت عمَلُ الإنسان في معبوداته أو مَن يطيعهم أو مَن يتَّبعهم؛ يعني معصية الله في طاعة هؤلاء، فيكون الوصف بالطغيان عائدًا على الفعل لا على المفعول، وحينئذٍ نَسْلَم من الإشكال الذي قُلنا: إنَّه لا بد أن يُقَيَّد المعبود والمتبوع والمطاع بأنه راضٍ. على كل حال إنَّ ﴿الطَّاغُوتَ﴾ مأخوذٌ من الطغيان وهو مجاوزة الحد، والصيغة فيه صيغة مبالغة. قال المؤلف: (الأوثان)، ففسَّر الطاغوت بالمعبودات وهي الأوثان، ولهذا قال: ﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾. ﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ (أنْ) هذه مصدرية، والمصدر المؤول منصوبٌ على أنه بدلٌ من الطاغوت. مِن أيِّ أنواع البدل؟ * طالب: بدل كل من كل. * الشيخ: لا * طالب: بدل بعض من كل. * الشيخ: ولا بعض؛ لأن العبادة ما هي ببعض الأوثان. * طالب: بدل اشتمال. * الشيخ: بدل اشتمال، طيب إذَنْ نقول: ﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ في محل نصب بدل من ﴿الطَّاغُوتَ﴾. وقوله: ﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ هم يعبدون الأصنامَ بدُعائها، ولكنهم يدَّعون أنهم لا يعبدونها إلا لتُقرِّبهم إلى الله. ثم قال: ﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ إلى آخِره في الدرس القادم إن شاء الله. * * * * طالب: الهيبة التي تأتي (...). * الشيخ: نعم، إي، ويش فيها؟ * الطالب: الهيبة هذه ماذا تكون؟ * الشيخ: ما هي خوف عبادة هذه، هذه ليست خوف عبادة، ولكنَّها خوف هيبة واحترام. * طالب: قال المصنف رحمه الله تعالى: ﴿يَا عِبَادِ﴾ والمراد بالعباد المؤمنون، (...). * الشيخ: طيب الكافر ما يُؤْمَر بالتقوى؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، من جملة التقوى ترْك الكفر؛ لأنَّ التقوى اتِّخاذ وقايةٍ من عذاب الله، ومن جملتها الإيمان، ولهذا جاءت الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ [لقمان ٣٣]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ عمومًا، وجاءت آيةٌ أخرى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج ١]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء ١]. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨) أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (٢٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر ١٧ - ٢١] * الشيخ: بس، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾. ﴿الَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾، ما معنى ﴿اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾؟ * طالب: اجتنبوا عبادة الطاغوت، وهو ما عُبِدَ من دون الله وهو راضٍ. * الشيخ: نعم، طيب وما معنى ﴿اجْتَنَبُوا﴾؟ * الطالب: ابتعَدوا. * الشيخ: ابتعَدوا عنها. ما موقع ﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ من الإعراب؟ ﴿اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾. * طالب: بدل اشتمال. * الشيخ: بدل اشتمال. كم أنواع البدل؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ما هي؟ * الطالب: اشتمال، بعض، بيان. * الشيخ: لا. * طالب: بدل الغلط، وبدل الاشتمال، وبدل الكل من الكل، وبدل البعض من الكل. * الشيخ: كم هذه؟ * الطالب: أربعة. * الشيخ: خمسة؛ قال ابن مالك: مُطَابِقًا أَوْ بَعْضًا اوْ مَا يَشْتَمِلْ ∗∗∗ عَلَيْهِ يُلْفَى أَوْ كَمَعْطُوفٍبِـ(بَلْ) أربعة، فيه بدل كُلٍّ من بعض؟ * طالب: على قول. * الشيخ: على قول. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم. ......................... ∗∗∗ بِسِجِسْتَانَ طَلْحَةَ الطَّلْحَاتِ * * * قوله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر ١٧].يقول: (﴿أَنَابُوا﴾ أقبلوا ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ )، والإنابة تكون بمعنى الإقبال كما قال المؤلف، وتكون بمعنى الرجوع؛ رجعوا إلى الله، والرجوع إلى الله يستلزم الإقبالَ عليه؛ لأن الإنسان يفِرُّ بالمعصية بعيدًا عن الله، فإذا تابَ وأنابَ ورجعَ إلى الله فهو مُقبل. ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ [الزمر ١٧] الجملة هذه خبريَّة، قُدِّم فيها الخبر ﴿لَهُمُ﴾ لإفادة الحصر؛ لأنَّ ما كان حقُّه التأخير إذا قُدِّم أفادَ الحصر. وقوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ الجملة هذه خبر ﴿الَّذِينَ﴾؛ الذين اجتنبوا الطاغوت لهم البشرى، واضح؟ فتكون هذه الجملة في موضع رفْعٍ على الخبر، فما هي البُشرى؟ البُشرى ما تَحْصل به البشارة، والبشارة هي في الأصل الخبرُ السَّارُّ، وسُمِّي الخبرُ السَّارُّ بشارة لأنه يظهر أثرُه على البشرة التي هي الجلدُ؛ فإنَّ الإنسان إذا أُخبر بما يسرُّه استنار وجهه وتغيَّر، فسُمِّيتْ بُشْرى. وقول المؤلف: (الجنة) هذا لا شك أنه مِمَّا يدخل في البُشرى، لكنه أعَمُّ مِمَّا قال المؤلف؛ كما قال تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس ٦٤] فمِن البُشرى الرؤيا الصالحة يراها الإنسانُ لنفسه أو يراها له مؤمن، فإن هذه من البُشرى كما قال النبي ﷺ: «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ»[[أخرجه مسلم (٢٦٤٢ / ١٦٦) من حديث أبي ذر الغفاري.]]؛ الرؤيا الصالحة يراها أو تُرى له؛ مثل أن يرى مَن يبشِّره بالجنة، أن يرى أنه في نعيم، وما أشبهَ ذلك، هذه من البشرى. ومن البُشرى أيضًا أن يُوَفَّق للعمل الصالح؛ إذا رأيتَ اللَّهَ سبحانه وتعالى وفَّقك للعمل الصالحِ المبنيِّ على الإخلاص والمتابعة لرسول الله ﷺ فإنَّ هذه من البُشرى. ومن البُشرى أيضًا أن يوفِّقك الله عز وجل لمصاحبة الأخيار؛« فإنَّ «الْمَرْء عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ» » كما جاء في الحديث «فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ»[[أخرجه أبو داود (٤٨٣٣)، والترمذي (٢٣٧٨)، من حديث أبي هريرة.]]، فإذا وجدتَ أن الله وفَّقك لمصاحبة الأخيار فإنَّ هذا عنوانٌ على السعادة. ومن البُشرى أيضًا أن يحبَّ الإنسانُ من يحبُّه الله؛ فإن النبي ﷺ سُئِل عن الرجل يحبُّ القومَ ولَمَّا يلحقْ بهم، فقال ﷺ:« «مَنْ أَحَبَّ قَوْمًا فَهُوَ مِنْهُمْ». » قال أنس بن مالك رضي الله عنه«: ما فرِحْنا بعد الإسلام بشيءٍ أحَبَّ إلينا من هذا الحديث. » ثم قال: «فأنا أُحِبُّ النبيَّ ﷺ وأُحِبُّ أبا بكر وعمر»[[هذه ثلاثة أحاديث ذُكِرت في سياق حديث واحد؛ الأول: ما أخرجه الشيخان -البخاري (٦١٧٠)، ومسلم (٢٦٤٠ / ١٦٥)- من حديث أبي موسى قال: قيل للنبي ﷺ: الرجُل يحبُّ القومَ ولَمَّا يلحقْ بهم؟ قال: «المرءُ مع مَن أحبَّ». وأمَّا حديث «مَن أحبَّ قومًا ...» فأخرجه الطبراني (٢٥١٩) من حديث أبي قرصافة الكناني رضي الله عنه بلفظ: «مَن أحبَّ قومًا حشره الله في زُمرتهم». والثالث هو حديث أنس الذي أخرجه الشيخان –البخاري (٣٦٨٨) ومسلم (٢٦٣٩)- بسنديهما عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال: «وما أعددتَ للساعة؟». قال: حبَّ الله ورسوله. قال: «فإنك مع مَن أحببتَ». قال أنس: فما فرِحْنا بعد الإسلام فرحًا أشدَّ من قول النبي ﷺ: «فإنَّك مع مَن أحببتَ». قال أنس: فأنا أحبُّ اللَّهَ ورسولَه، وأبا بكرٍ وعمرَ، فأرجو أن أكون معهم وإنْ لم أعمل بأعمالهم.]]، فهذه من البُشرى. المهم أن البُشرى كلُّ خبرٍ سارٍّ، فيشمل ما قاله المؤلف؛ (الجنة)، وهي الغاية لكلِّ إنسانٍ، ويشمل ما كان علامةً على ذلك، ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾. قال: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزمر ١٧] أَمَر اللُّه النبيَّ ﷺ أن يبشِّر عباد الله، بَشِّرْهم بماذا؟ بشِّرْهم بالجنة وبكُلِّ ما يسُرُّهم، حتى في الدنيا المؤمن مسرورٌ دائمًا، وإنْ أُصِيب ببلاءٍ فإنه مسرور؛ لأنه إذا أُصِيب بالبلاء فصبر كان خيرًا له. قوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ الدال مكسورة مع أنها مفعولٌ به، لِماذا؟ * طالب: (...). * الشيخ: لأنَّ أصلها (عبادي) فحُذفت الياء للتخفيف كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد ١١] أي: من والِي، وإنْ كانت الياء في ﴿مِنْ وَالٍ﴾ غير الياء في (عبادي)؛ لأن الياء ﴿مِنْ وَالٍ﴾ من أصل الكلمة، وأمَّا هنا فهي كلمةٌ أخرى؛ الياء. ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ مَن المراد بالعباد هنا؟ المراد خصوصيَّة العبودية؛ أي: عباد الله الصالحين لا كُل عبد. ثم بيَّن من صفاتهم قال: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر ١٨] هذا من علامات عباد الله عز وجل أنهم لا يُضيعون الفُرَص. ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ أي: يُصْغُون إليه، ولم يقُل: يسمعون؛ لأنَّ الاستماع هو متابعة المتكلِّم والإنصاتُ إليه، بخلاف السَّماع، ونضرب مثلًا لرجُلٍ مَرَّ بقارئٍ فسمعه يقرأ، ورجُلٍ آخَر مَرَّ بقارئٍ يقرأ فجلس إليه يُنْصِت، الأول سامع، والثاني مستمع. ولهذا قال العلماء بناءً على هذا الفرق: إذا قرأ القارئُ آيةً فيها سجدةٌ وسَجَد فإنَّ السامع لا يسجد والمستمع يسجد؛ لأن المستمع متابِع والسامع ليس بمتابع. إذَنْ هؤلاء يستمعون القولَ، لا يُضيعون فرصة. ﴿الْقَوْلَ﴾ (أل) هنا للعهد، وتُشبه أن تكون للعهد الذِّكْري؛ لقوله: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾؛ أي إنهم يستمعون القولَ الحَسَن ليس كُلَّ قول، فـ(أل) هنا نقول: إنها للعهد، ويُشبه أن تكون للعهد الذِّكْري؛ لقوله: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾. إذَن ما المراد بالقول هنا؟ القول الحَسَن، أمَّا اللغْو أو السيِّئ فإن الله يقول: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان ٧٢]، ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [القصص ٥٥] فإذا كانوا يُعرضون عن اللغو لأنه لا فائدة فيه، فالمحرَّم من باب أَوْلى. إذَنْ هؤلاء قومٌ عندهم حَزْم، عندهم شُحٌّ في الوقت، لا يستمعون إلا إلى القول الحَسَن. طيب، إذا استمعوا إلى القول الحسن، فنحن نعلم أنَّ الحسن فيه ما هو أحسن وما هو حَسَن، فما الذي يتَّبعون؟ يقول: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾؛ فمثلًا إذا سمعوا الترغيب في صلاة الليل وأنَّ أكثرها -مثلًا- إحدى عشرة ركعة وأدناها ركعة واحدة، ما الذي يتَّبعون؟ * طلبة: إحدى عشرة. * الشيخ: الإحدى عشرة؛ لأنها أحسن. إذا سمعوا الإنفاق في طلب العلم والإنفاق على فقيرٍ ليس في ضرورة، ماذا يتَّبعون؟ * طالب: على طلب العلم. * الشيخ: على طلب العلم؛ لأنهم يتَّبعون الأحسن، إذَنْ لم يفرِّطوا في الوقت، ولم يفرِّطوا في الأفضل، بل كانوا يستمعون كلَّ قولٍ حَسَن ويتَّبعون الأحسن منه. طيب، فإن تَبِعوا الحسن وتركوا الأحسن فإنهم لا يُلامون على ذلك، لكنَّهم ليسوا في قمَّة الكمال، الذي في قمَّة الكمال هو الذي يتَّبع الأحسن. قال الله تعالى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (وهو ما فيه صلاحُهم) لكن الأصلح؛ يتَّبِعون الأصلح فالأصلح. قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ [الزمر ١٨]. أوَّلًا: ﴿أُولَئِكَ﴾ الإشارة للبعيد، وإنما أشار إليهم إشارةَ البعيدِ مع قُرب ذِكرهم للدلالة على عُلُوِّ منزلتهم، وهذا يقع كثيرًا في القرآن؛ يشير الله إلى الشيء القريب بصيغة البعيد لعُلُوِّ مرتبته؛ كما قال الله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة ١، ٢] مع أنه يقول ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ الكتاب قريب، لكن إشارة لأيش؟ لعُلُوِّ مرتبتِه، أحيانًا يُشير إليه بالقريب لقُربه من مُريده؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام ٩٢] يعني ليس بعيدًا عليهم، قريبٌ لهم. هنا يقول: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ أشار إليهم إشارةَ البعيد؟ إشارةً إلى عُلُوِّ مرتبتهم. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ هذه الجملة خبرية طرفاها معرفة، وقد قال العلماء: إنَّ الجملة الخبرية إذا كان طرفاها معرفة فإنها تفيد الحصر؛ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ يعني لا غير. وقوله: ﴿هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ يشمل هداية الدلالة وهداية التوفيق؛ يعني بيَّن لهم الحقَّ وعلِمُوه ثم اهتدَوا به، والناسُ في هذا المقام ثلاثة أقسام: قِسمٌ ضلُّوا عن الهدى علمًا وعملًا، وقِسمٌ هُدُوا إلى الحقِّ علمًا وعملًا، وقِسمٌ هُدُوا إلى الحقِّ علمًا ولم يهتدوا إليه عملًا. عرفتم؟ هل يمكن أن أقول: وقِسمٌ اهتدوا إلى الحق عملًا ولم يهتدوا إليه علمًا؟ * الطلبة: لا يمكن. * الشيخ: لا يمكن، لماذا؟ لأنه لا عمل بالحق إلا بعلمٍ بالحق، فالقسمة رُباعية، لكن الطرف الرابع منها غير واقع، ممتنع. إذَن ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ هداية دلالةٍ وتوفيقٍ، وإنْ شئتَ فقلْ: هداية عِلم وعمل، أيُّهما الدلالة؟ * الطلبة: العلم. * الشيخ: العلم. والتوفيق؟ * الطلبة: العمل. * الشيخ: العمل. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر ١٨]، ﴿وَأُولَئِكَ﴾ كرَّر اسم الإشارة تنويهًا بعُلُوِّ مرتبتهم. ﴿هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: (أصحاب العقول)؛ لأنَّ الإنسان كلَّما كان للحقِّ أَتْبَع كان أكمَلَ عقلًا، وكلَّما نقص اتِّباعُ الحقِّ في حقِّه كان أَدَلَّ على قِلَّة عقلِه، فأعقلُ الناسِ أتْبَعُهم لدين الله لا شك؛ لأنهم هم الذين عندهم الحزمُ وانتهازُ الفُرَص وحِفْظُ الوقت، ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (أصحاب العقول). فإن قال قائل: أليس الكفَّار ذوي عقل؟ فالجواب: بلى، لكنَّهم ذَوُوا عقلٍ إدراكيٍّ لا عقلٍ رُشْديٍّ، ولهذا كانوا مكلَّفين مُلزَمين لأنَّ عندهم عقلًا إدراكيًّا، لكنَّهم غير موفَّقين لأنهم فقدوا عقلَ الرُّشد. قال الله تعالى في بيان عقوبة الخاسرين الذين خَسِروا أنفسَهم وأهليهم يوم القيامة، قال في بيان عقوبتهم: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر ١٦]. * من فوائد هذه الآية: شِدَّة العذاب على أهل النار؛ لأن العذاب يغشاهم من فوقهم ومن تحت أرجُلهم، وإذا كان الإنسان لا يتحمَّل النارَ إذا أتَتْه من وجهٍ ولو بعيد، فكيف إذا أتَتْه من الوجهين: الفوق والتحت! * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّه يجب على الإنسان أن يخاف مما خوَّفه الله حتى يحقِّق العبودية؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّه ينبغي للإنسان أن يسير إلى الله عز وجل على جانبٍ من الخوف، الخوف من العذاب، وقد مَرَّ علينا كثيرًا: هل يُغَلِّب السائرُ إلى الله جانبَ الخوف أو جانبَ الرجاء، على ما سبق. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ الله عز وجل رَبُّ كلِّ شيء، وأنَّ كلَّ شيءٍ فهو عابدٌ لله؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوبُ التقوى؛ لقوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾. ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ إلى آخره [الزمر: ١٧]. * من فوائدها: الثَّناء على مجتنب الطاغوت. * ومن فوائدها: أنَّ لهم هذا الثواب العظيم؛ وهو قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾. * ومن فوائدها: أن التوحيد لا يتِمُّ إلا باجتناب الطاغوت والإخلاص لله؛ لقوله: ﴿اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾. * ومن فوائد هذه الآية: أنَّ الذين اتَّصَفوا بهذه الصفة: اجتناب الطاغوت والإنابة إلى الله، هم أهل البُشرى؛ ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾، ولم يُبَيِّن الله وقتَ البُشرى، فهو شاملٌ للبُشرى في الدنيا وفي الآخرة. * ومن فوائدها: حرمانُ مَن أشركَ بالله مِن هذه البُشرى؛ لأنه جعل البُشرى لِمَن؟ لِمَن اجتنبوا الطاغوتَ أن يعبدوها وأنابوا الى الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثباتُ العبودية الخاصة؛ لقوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾، والعبودية الخاصة تكون منقسمة إلى خاصَّةٍ أخَصَّ، وإلى خاصَّةٍ ليست بأخَصَّ؛ فالمؤمنون جميعًا كلُّهم عبادُ الله، والرُّسُل عبوديتهم أخصُّ. طيب، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء ١] هذه من الخاصة أو الأخَصِّ؟ * الطلبة: الأخص. * الشيخ: من الأخص. ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ﴾ [ص ٤٥]؟ * الطلبة: الأخص. * الشيخ: هذه من العبادة الأخص. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ عباد الله حريصون على استماع ما فيه المصلحة والمنفعة؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ [الزمر ١٨]. * ومن فوائدها: أنَّ هؤلاء السادة لا يضيِّعون وقتًا، حتى إنهم يستمعون إلى عمل غيرهم، وهو قولُ غيرِهم، فكيف (...)، لا بد أن يكونوا قائمين به. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ عباد الله عز وجل الذين وصفهم الله بما ذُكِر؛ يأخذون من القول بأحسنه؛ لقوله؟ * طالب: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر ١٨]. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: لقوله: ﴿أَحْسَنَهُ﴾. * الشيخ: لقوله: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ هؤلاء القوم هم الذين هداهم الله؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ [الزمر ١٨]. ويتفرَّع على هذه القاعدة أنك إذا رأيتَ من نفسك الحرصَ على استماع قول الخير واتِّباع أحسنه فاعلم أن هذا من هداية الله لك؛ لأنه قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾، وإذا رأيتَ من نفسك كراهةَ الاستماع إلى القول الحسن فاتَّهِم نفسَك؛ لأنَّ الله جعل الهداية في هؤلاء القوم، فإذا لم يحصل لك هذا فاتَّهِم نفسَك، صحِّح الخطأ، أَقْبِل إلى الله عز وجل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ أفعال العباد واقعةٌ بتقدير الله وأنهم لا يستقلُّون بها، من أين تؤخذ؟ ﴿هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾، ولهذا ذهب أهل السُّنة والجماعة إلى أن أفعال العباد مخلوقةٌ لله مُرادةٌ له، خلافًا لِمَن قال: إن أفعال العباد ليست مُرادةً لله ولا مخلوقةً له، وهم القدَريَّة مجوس هذه الأُمَّة. * من فوائد الآية الكريمة: بيانُ مِنَّة الله عز وجل على هؤلاء الذين وُفِّقوا لاستماع القول واتِّباع أحسنه؛ يعني إظهار مِنَّة الله عليهم في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾. * ومن فوائدها: أنَّه يجب عقلًا أن تحمد الله سبحانه وتعالى إذا هداك إلى مثل هذا؛ لأنَّك إذا علمتَ أنَّ الهداية من الله فالعقل يقتضي أيش؟ أن تحمده وتشكره، وهذه النعمة أبلَغُ من الإنعام بالأكل والشرب؛ لأنَّ الأكل والشرب كلٌّ يأكل ويشرب حتى البهائم، لكن الهداية ما كلُّ أحدٍ يهتدي، فإنعامُ الله على الإنسان بالهداية العِلمية والعملية أعظم من إنعامه عليه بالأكل والشرب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ المتمسِّكين بدين الله المتَّبعين لأحسن القول هم أصحاب العقول. من المتعارَف عند الناس الآن أنهم إذا رأوا الإنسانَ ذكيًّا مُتأنِّيًا في الأمور يقولون: هذا عاقل، ما شاء الله، عاقل. ولو كان من أفجَر الناس، والحقيقة أنَّا نقول: العاقل مَن وفَّقه الله تعالى للعلم والعمل ولو كان من أبلد الناس باعتبار الذكاء. * ومن فوائد هذه الآية: أنَّه لا تلازُم بين الذكاء والعقل: الذكاء شيءٌ والعقل شيءٌ آخَر، حتى في عقل الإدراك لا تلازُم بين الذكاء وعقل الإدراك؛ لأنَّ من الناس مَن تجده ذكيًّا شديد الملاحظة يفهم الشيء بسرعة ويعطي الجواب بسرعة، لكنَّه في التصرُّف أحمق. وهذه النعمة أبلغ من الإنعام بالأكل والشرب لأن الأكل والشرب كل يأكل ويشرب حتى البهائم، لكن الهداية ما كل أحد يهتدي، فإنعام الله على الإنسان بالهداية العلمية والعملية أعظم من إنعامه عليه بالأكل والشرب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المتمسكين بدين الله المتبعين لأحسن القول هم أصحاب العقول، من المتعارف عند الناس الآن أنهم إذا رأوا إنسانًا ذكيًّا متأنيًا في الأمور يقولون: هذا عاقل -ما شاء الله- عاقل. ولو كان من أفجر الناس، والحقيقة أننا نقول: العاقل من وفقه الله تعالى للعلم والعمل ولو كان من أبلد الناس، باعتبار الذكاء. * ومن فوائد هذه الآية: أنه لا تلازم بين الذكاء والعقل، الذكاء شيء، والعقل شيء آخر، حتى في عقل الإدراك لا تلازم بين الذكاء وعقل الإدراك؛ لأن من الناس من تجده ذكيًّا شديد الملاحظة، يفهم الشيء بسرعة ويعطي الجواب بسرعة، لكنه في التصرف أحمق ليس عنده عقل، ومن الناس من يكون –بالعكس- عنده شيء من البلادة ولكنه في التصرف عاقل متأنٍ، ولكن أعقل الناس أطوع الناس لله، لا شك أن أعقل الناس أطوعهم لله سبحانه وتعالى، ولهذا قال: ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر ١٨]. * ومن فوائد الآية: الإشارة إلى انقسام الناس إلى قسمين: موفق، ومخفق؛ لأن قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ يدل على أن هناك قسمًا آخر، وهم الذين لم يوفقوا ولم يهديهم الله، والأمر كذلك، الواقع كذلك، الآية أشارت إلى هذا، والواقع يشهد له. فإن قال قائل: لماذا لم يجعل الله سبحانه وتعالى الناس على دين واحد؟ أمة واحدة؟ قلنا: لأن هذا ينافي الحكمة، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٨، ١١٩]. لو لم يوجد هذا الانقسام ما ملئت النار بل ولا دخلها أحد، لو لم يوجد هذا الانقسام ما عرف الإنسان قدر نعمة الله عليه بالإيمان والعمل الصالح، لو لم يوجد هذا الإيمان ما مدح من آمن وعمل صالحًا، لماذا؟ لأن الناس هكذا، ما يستطيع أن يخرج عما عليه الناس، لو لم يوجد هذا لم يكن هناك سوق للجهاد؛ لأنك لا يمكن أن تجاهد من هو مثلك في الإيمان والعمل الصالح، لو لم يوجد هذا لم يقم سوق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لو لم يوجد هذا لم يقم سوق الدعوة إلى الله إلى غير ذلك من المصالح الكثيرة التي تفوت بفوات هذا الانقسام. أما من حيث القدرة الإلهية فإن الله قادر على أن يجعل الناس أمة واحدة على الدين الحق، ولكن الحكمة الإلهية تأبى ذلك، وقد علمتم شيئًا من كثير كثير من حكمة تفرق الناس إلى مؤمن وكافر. ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر ١٩]، ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ ما هي كلمة العذاب؟ قال المؤلف هي قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٩]، هذا ما ذهب إليه. وقيل: كلمة العذاب هي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس ٩٦، ٩٧]، وهذا القول أقرب للصواب؛ لأن هذا القول أخص مما قال المؤلف؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ لا تدل على شخص بعينه، تدل على أن كلمة الله عز وجل اقتضت أن تُملأ النارُ، لكن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ هؤلاء قوم بأعيانهم، لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية، فالصحيح أن المراد بكلمة الله هي ما ذكره الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ أنهم من أهل النار هؤلاء لا يمكن أن يؤمنوا. ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ أي: لأملأن جنهم من الجنة والناس أجمعين، هذا قول، القول الثاني: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ يعني أن المراد بكلمة (العذاب) هي أن الله تعالى قضى بأن هؤلاء من أهل النار، فلا يمكن أن يؤمنوا. ﴿أَفَمَنْ حَقَّ﴾ كلمة ﴿أَفَمَنْ﴾ فيها ثلاث كلمات: الهمزة والفاء ومن، فالهمزة للاستفهام، والفاء عاطفة، و(من) يقول المؤلف: إنها شرطية، ويقول آخرون: إنها موصولة؛ أفالذي حق عليه كلمة العذاب، وعلى كلام المؤلف تكون شرطية، ويأتي إن شاء الله بقية الكلام عليها. * طالب: (...). * الشيخ: كيف؟ * الطالب: (...) الرسول ﷺ قال: «خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ»[[أخرجه البخاري (٤٦٨٩) من حديث أبي هريرة.]]، يعني لو قلنا مثلًا: إن صاحب العقل في الجاهلية لو اهتدى وأصبح أكمل عقلًا فهل يصح أن نقول هكذا؟ * الشيخ: لا؛ لأن معنى قوله: «خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ»؛ يعني مثلًا العرب كانوا قبائل، بعض القبائل أشهر من بعض، فيقول عليه الصلاة والسلام إن من كان له حسب وشرف في الجاهلية فهذا فحسبه وشرفه له إذا فقه في دين الله. * الطالب: ما ينطبق عليه القرآن (...)؟ * الشيخ: لا، ما ينطبق، بس المعنى اللي أنت قلته ما ينطبق على هذا الحديث؛ لأن كونه ذكيًّا ثم يكون عاقلًا قد يُحمد وقد لا يُحمد؛ يعني المشكل بعد أحيانًا يكون الذكاء المفرط سببًا للضلال؛ لأن هذا الذكي يورد على نفسه أشياء ويفتِّح على نفسه أشياء لو كان غافلًا لكان أحسن له، ولهذا ما ضر أصحاب أهل الكلام والمنطق والفلاسفة إلا حدة ذكائهم، تجد الإنسان بذكائه يورد إذا كان كذا ولمَ كذا؟ لكن السليم هو الذى يستمر، وقد تمنى بعض أهل الكلام أن يموت على؟ * الطلبة: دين عجائز نيسابور. * الشيخ: دين عجائز نيسابور، دين العجائز اللي ما تعرف. * طالب: ما الفرق بين الشعور وعقل الإدراك؟ * الشيخ: لا، فيه عقل الإدراك وعقل الرشد. * الطالب: ما الفرق بين الشعور وعقل الإدراك؟ * الشيخ: ما أظن أن هناك فرقًا قويًّا، لكن الشعور يرمي إلى قوة الملاحظة، أن الإنسان حي قلبه. * طالب: شيخ، الشعور أنقص من الإدراك؛ لأن الشعور يوجد (...)، والإدراك هو الذي يفهم به الأشياء، لكن ليس فهمه فهم رشد، ويفهم يعني مثلًا (...) مثل هذا الشيء (...) والشعور هو أنقص من الإدراك. * الشيخ: لا، هو يمكن أنقص، وأكمل من وجه، أحيانًا يكون الإنسان من قوة ملاحظته يشعر بما لا يشعر به الآخرون، وأحيانًا يكون -مثل ما قلت- الشعور الإحساس، مجرد الإحساس، والإحساس يكون في البهائم وفي العقلاء، لكن هو من جهة أكمل، ومن جهة ثانية الشعور أكمل؛ لأن بعض الناس يكون عنده الشعور إحساس نفسي ما يدركه الآخرون (...). * * * * طالب: ﴿رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (٢٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر ٢٠، ٢١]. * الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى في سياق الآيات –انتبه- التي بها الكلام على أهل الحق وأهل الباطل، قال: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ [الزمر ١٩]، هذا مبتدأ المناقشة، ما المراد بـ﴿كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾؟ * طالب: (...). * الشيخ: ما المراد بـ﴿كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾؟ * الطالب: هذا ما أخذناه. * الشيخ: أخذناها، وذكرنا الصحيح في هذا. * الطالب: (...). * الشيخ: كيف لا؟ أخذناه. * طالب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ [يونس ٩٦]. * الشيخ: ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾. * الطالب: قوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٩]. * الشيخ: المؤلف مشى على أن المراد بها قوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾، والظاهر أن المراد بها ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ٩٦]. طيب، الذى قبلها ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ﴾ [الزمر ١٧، ١٨] هذا؟ * طالب: (...). * الشيخ: قوله تعالى: ﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ [الزمر ١٧] الجملة هذه معطوفة على أي شيء؟ على أي شيء معطوفة؟ * الطالب: ﴿الْبُشْرَى﴾. * الشيخ: لا، ﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾. * الطالب: ﴿اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾. * الشيخ: على قوله: ﴿اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾؛ يعني: جمعوا بين هذا وهذا. قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ الجملة في محل؟ * الطالب: في محل رفع خبر، خبر (الذين). * الشيخ: خبر ﴿الَّذِينَ اجْتَنَبُوا﴾. ما المراد بـ﴿الْبُشْرَى﴾؟ * طالب: المراد بـ﴿الْبُشْرَى﴾ هنا: ما يسر. * الشيخ: كلام المؤلف؟ * الطالب: الجنة. * الشيخ: المراد بها الجنة، والصحيح؟ * الطالب: أنها تشمل الجنة، وتشمل كل ما كان علامة للبشرى. * الشيخ: ما هو الدليل على أن هذا هو الصحيح؛ العموم؟ * الطالب: الدليل (أل) للاستغراق. * الشيخ: هو قد يكون المراد بـ(أل) العهد. * طالب: (...) تفيد معنى أكثر للعموم. * الشيخ: لكن نريد دليلًا. * طالب: (...). * الشيخ: وغيرها؟ * الطالب: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦]. * طالب آخر: شيخ، نقول: (الْبُشْرَى) الخبر السار، فهو يعم جميع البشر. * طالب آخر: يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ مِنْ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ الرُّؤْيَا الصَّالَحِةَ»[[أخرجه مسلم (٤٧٩ / ٢٠٧) من حديث ابن عباس.]]. * الشيخ: في القرآن ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس ٦٤]. وأفضل ما يُفسر القرآن بالقرآن. قوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزمر ١٧] كيف كانت مكسورة وهي مفعول به؟ * الطالب: هنا حذف الياء؛ ياء المتكلم. * الشيخ: وأصلها؟ * الطالب: أصلها: بشر عبادي. * الشيخ: نعم، ما المراد بالعباد هنا؟ مَن تعبدوا بالخصوص أو بالعموم؟ * الطالب: بالخصوص. * الشيخ: بالخصوص، لماذا؟ * الطالب: لأن هنا ذكر ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ التبشير لا يكون إلا للعباد، ثانيًا.. * الشيخ: إلا للعباد بالمعنى الخاص. * الطالب: وكذلك أضاف إليها ياء المتكلم أو ياء النفس. * الشيخ: لا، هذه قلنا: إذا صارت جمعًا قد تشمل، لكن الذين يستمعون القول هذا يُخصص أيضًا، أولًا أنه من جهة البشارة، والثاني: الذين يستمعون القول. يقول: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر ١٨] ماذا تفيد؟ * طالب: القول الحسن. * الشيخ: الحسن؟! كيف نقول: الحسن، وهو أحسن؟ * الطالب: أحسن (...). * الشيخ: نعم. * طالب آخر: لأنهم يستمعون القول الحسن فيتبعون الأحسن. * الشيخ: نعم، يعني أنهم لا يرضون بدون الكمال، أو بدون الأكمل على الأصح. القول ذكرنا أنه ينقسم إلى أربعه أقسام؟ ما هي؟ * طالب: هي يتبعون القول. * الشيخ: نعم. * الطالب: يستمعون القول يشمل.. * الشيخ: قلنا: إنه ينقسم إلى أربعة أقسام. * الطالب: نعم، الذكر. * الشيخ: لا. * طالب: تقسيم من جهة الطاعة، ومن جهة اتباع القول، والعمل. * الشيخ: لا، القول ينقسم إلى أربعة أقسام. * طلبة: (...). * الشيخ: لا، (...) إذا أجبت تعرفون (...). * الطالب: مذكور يا شيخ. * الشيخ: نعم. * الطالب: حسن، وأحسن، وغير حسن ولا سيئ، وسيئ. * الشيخ: ما ذكرنا هذا؟ * طلبة: لا. * الشيخ: لا ذكرناه، قلنا: سيء، وأسوأ، ولغو، وحسن، وأحسن، خمسة أقسام. * طالب: هذه ذكرنا قبل، ما هو في نفس الآية. * الشيخ: على كل حال المهم أنه مر عليكم (...) إقامة الحجة تكفي مرة واحدة. على كل حال القول ينقسم إلى خمسة أقسام: سيء، وأسوأ، ولغو، وحسن، وأحسن هم يتبعون الأحسن، واستدللنا بالآية: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان ٧٢]، نعم ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص ٥٥]. قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ [الزمر ١٨] لماذا جاءت باسم الإشارة للبعيد؟ * طالب: إشارة إلى علو مرتبتهم. * الشيخ: نعم، إلى علو مرتبتهم، تمام؛ لأنهم يتبعون الأحسن فهم أعلى مرتبة، هل في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ حصر؟ * طالب: نعم. * الشيخ: طريقه؟ * الطالب: معرفة، إذا كانت الجملة طرفاها معرفة فإنها تفيد الحصر. * الشيخ: تمام، قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر ١٨] ﴿أُولُو﴾ بمعنى؟ * طالب: (...). * الشيخ: و﴿الْأَلْبَابِ﴾. * الطالب: ﴿الْأَلْبَابِ﴾ بمعنى العقول. * الشيخ: معناها العقول، ولّا ذوو العقول؟ * الطالب: العقول. * الشيخ: العقول، طيب لماذا سمي العقل لبًّا؟ * الطالب: لأن هو (...) غيره (...). * الشيخ: يعني جُعل لبًّا، يعني مَن ليس له عقل فهو قشور ما يحصِّل شيء طيب، لو قال قائل: هناك عقلاء لا يتبعون أحسن القول؟ * طالب: هذا عقل إدراك، وليس عقل رشد. * الشيخ: وليس عقل رشد، والثناء على أي العقلين؟ * الطالب: على عقل الرشد. * الشيخ: على عقل الرشد، تمام، بارك الله فيك، أما الفوائد فأخذناها أظن. * طالب: نعم، أخذناها. * الشيخ: إلى؟ * طالب: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾. * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ [الزمر ١٩] الهمزة هنا للاستفهام، ويحتمل أن المراد به الاستفهام الحقيقي أو أن المراد به الإنكار؛ يعني النفي، ويتبين من تفسيرها. وقوله: ﴿حَقَّ عَلَيْهِ﴾ أي وجب عليه وذُكّر الفعل مع أن كلمة مؤنث لوجهين: الوجه الأول: أن تأنيث كلمة تأنيث مجازي. والثاني: أنه منفصل عن عامله، ولا يجب تأنيث الفعل إلا إذا كان الفاعل مؤنثًا حقيقيًّا متصلًا كما قال ابن مالك: وَإِنَّمَا تَلْزَمُ فِعْلَ مُضْمَرِ ∗∗∗ مُتَّصِلٍ أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حِرِ يقول: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ أي: وجب عليه كلمة العذاب، وهي أنهم لا يؤمنون، ولو جاءتهم كل آية أو -كما قال المؤلف-: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٩]، والأول أظهر. وقوله: ﴿كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ يعني الكلمة التي يستحقون بها العذاب، وهي أن كل من خالف أمر الله فإنه مستحق للعذاب، قال الله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر ١٩]، ﴿أَفَأَنْتَ﴾ فالخطاب للرسول ﷺ؛ يعني: هل تنقذه إذا حقت عليه كلمة العذاب؟ والجواب: لا، وإذا كان الجواب لا، إذا كان جواب الاستفهام (لا) فهو علامة على أن الاستفهام للنفي، وهنا نسأل الهمزة في: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ﴾، والهمزة في ﴿أَفَأَنْتَ﴾ هل لكل واحدة معنى مستقل أو أن الثانية توكيد للأولى؟ * طالب: توكيد للأولى. * الشيخ: إن جعلنا الجملتين جملة واحدة يعني إن جعلنا الكلام واحدًا في الجملتين، فالثانية توكيد للأولى، وإن جعلنا كل كلمة مستقلة كل جملة مستقلة عن الأخرى، فالثانية أصلية، يعني تأسيسية لا توكيدية، وعلى كلٍّ فإن مثل هذا التركيب -أعني إذا أتت همزة الاستفهام وبعدها حرف عطف- قد سبق لنا مرارًا أن لعلماء النحو في ذلك قولين في الإعراب، فمنهم من يرى أن الهمزة داخلة على جملة مقدرة تناسب المقام والفاء وحرف العطف على تلك الجملة المحذوفة. ومنهم من يرى أن الهمزة داخلة على الجملة التي بعد حرف العطف، فيكون حرف العطف على ما سبق، وإنما قُدمت الهمزة لأن لها الصدارة، وذكرنا أن القول الثاني أيسر، وذلك لأن القول الأول قد يتعذر على الإنسان معرفة المناسب للسياق، أو ربما يقدر ما يظنه مناسبًا وليس بمناسب. يقول الله عز وجل: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ﴾ الخطاب قلت لمن؟ للنبى ﷺ، ﴿تُنْقِذُ﴾: تُخرج، ولكن تفسير ﴿تُنْقِذُ﴾ بـ(تخرج) قاصر؛ لأن كلمة تخرج لا تدل على أنه مُنقَذ من هلكة، لكن (تنقذ) تدل على معنى أخص من (تخرج)، أليس كذلك؟ إذن لا ينبغي أن نفسر الأخص بالأعم؛ لأنك إذا فسرت الأخص بالأعم نقصت التفسير، فالإخراج يكون إنقاذًا ويكون غير إنقاذ، لكن الإنقاذ يكون عن هَلَكة، ولهذا لو فسرت تنقذ: تنجي، لكان أوضح؛ لأن الإنجاء أيضًا يكون من الهلكة، ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ﴾ أي: تنجي ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ من عذابها، ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ (مَن) بمعنى الذي، وهو مفعول به لـ(تنقذ)، ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾، ﴿فِي النَّارِ﴾ جار ومجرور متعلق؟ * طالب: (...). * الشيخ: التقدير؟ * الطالب: كأنه استقر في النار. * طالب آخر: ثبت في النار. * الشيخ: من دخل في النار. * الطالب: ثبت ولّا دخل؟ * الشيخ: يُقدر بما يناسب. * طالب: داخل. * الشيخ: لا، داخل لا يصلح في صلة الموصول، حطوا بالكم. * الطالب: (...). * الشيخ: داخل لا يصلح في صلة الموصول؛ لأنك إذا قدرت (داخل) تحتاج إلى تقدير مبتدأ؛ لتكون جملة، لكن لو قدرت فعلًا ما احتجنا إلى شيء آخر، فنقول مثلًا في جميع صلة الموصول: لا يقدر فيها إلا فعل؛ لأنك لو قدرت الاسم احتجت إلى تقدير مبتدأ لتتم الجملة، فيكون التقدير مرتين، أما إذا قدرت فعلًا صار التقدير مرة واحدة. ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ أي: من استقر في النار، أو من دخل في النار، أو من كان في النار، حسب، يعني المعنى متقارب. قال المؤلف: (جواب الشرط) أين الشرط؟ الشرط هو (مَن) في قوله: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ﴾، وهذا أحد الوجهين في (مَن) أنها اسم شرط، وقال بعض العلماء: إن (مَن) اسم موصول؛ يعني: أفالذي حق عليه كلمة العذاب تنقذه؟ ودائمًا اسم الشرط والموصول يتعاوران؛ أي: يُستعار بعضهما مكان بعض البعض الآخر. يقول: (جواب الشرط، وأُقيم فيه الظاهر مقام المضمر) أُقيم فيه الظاهر الذي هو (مَن) مقام المضمر الذى يكون لولا الظاهر على هذا الوجه: أفأنت تنقذه، أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذه؟ وهذا كلام المؤلف يوحي بأن جملتين مرتبط بعضهما ببعض، وليس كل واحدة مستقلة عن الأخرى (أفانت تنقذه). ولكن نقول: هناك احتمال آخر خلاف ما قاله المؤلف، وهو أن الثانية منفصلة عن الأولى، وأن تقدير الأولى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ تدفع عن أو كلمة نحوها، يعني: أفتدفع عن مَن حق عليه كلمة العذاب؟ ثم استأنف فقال: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ يعني الأول تجعله مؤمنًا بحيث لا يستحق النار، والثاني تنقذه من النار إذا دخل فيها، هذا وجه للمفسرين. الوجه الثاني أن تكون الجملتان واحدة، يكون معنى ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ فهو في النار أفأنت تنقذه منها؟ وهذا هو الذى مشى عليه المؤلف. ومؤدى الجملتين واحد في النهاية؛ أن من حق عليه كلمة العذاب فإنه لا يمكن لا للرسول ﷺ ولا لغيره أن ينقذه من النار. يقول المؤلف: (وأُقيم فيه الظاهر مقام المضمر) وإقامة الظاهر مقام المضمر هنا تفيد معاني، منها: أن من حق عليه كلمة العذاب فهو في النار؛ لأنه لو قال: أفأنت تنقذه؟ لكان الإنسان يقول: من أي شيء أنقذه؟ فإذا قال: أفأنت تنقذ مَن في النار؟ علمنا أن هذا الذى حق عليه كلمة العذاب في النار. يقول: (والهمزة للإنكار) الهمزة في ﴿أَفَمَنْ﴾ وفي ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ﴾ وهما همزة واحدة، على القول بأن الجملتين واحدة، فتكون الثانية توكيدًا للأولى، والحاصل أن الله يقول للرسول عليه الصلاة والسلام: هل من حقت كلمة العذاب يمكن أن تمنعه من استحقاقها؟ هل مَن دخل النار يمكن أن تنقذه؟ الجواب: لا يمكن، لا هذا ولا هذا؛ لأن النبى ﷺ لا يملك أن يهدي أحدًا حتى لا تحق عليه كلمة العذاب، ولا يمكن أن ينقذ أحدًا من النار. يقول عليه الصلاة السلام «حين نزل قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء ٢١٤]» جمع أقاربه وصار يخصصهم «يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا»، إلى أن قال «يَا فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا» [[متفق عليه؛ البخاري (٣٥٢٧)، ومسلم (٢٠٤ / ٣٤٨) من حديث أبي هريرة.]]، وهي ابنته، يقول: المال أستطيع أن أنفعك به، ولكن لا أغني عنكِ من الله شيئًا، وإذا كان لا يُغني عن ابنته شيئًا فمَن سواها من باب أولى. فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذا وبين شفاعة النبى ﷺ لعمه أبي طالب «حتى كان في ضحضاح من نار وعليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٨٣)، ومسلم (٢٠٩ / ٣٥٧) من حديث العباس بن عبد المطلب.]]، كيف؟ هنا أغني، وهنا شفع ونفعت الشفاعة، فيقال: أولًا الرسول عليه الصلاة والسلام لم يتمكن من إخراجه من النار، وإذا لم يتمكن من إخراجه من النار لم يكن معارضًا للآية؛ لأن الله قال: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ ما أنقذه. ثانيًا: أن التخفيف عن أبي طالب ليس من أجل أنه عم الرسول ﷺ فهذا أبو لهب عمه ولكن لم يغنِ عنه شيئًا، لكن من أجل ما قام به من الدفاع العظيم عن الإسلام وعن رسول الإسلام، فإنه دافع عنه مدافعة عظيمة، بل إنه كان يمدح الرسول ﷺ في المحافل، بل شهد له بالرسالة، فقال: لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ ∗∗∗ لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَوْلِالْأَبَاطِلِ هذا بيت من لاميته المشهورة، التي قال عنها ابن كثير -رحمه الله- قال: هذه ينبغي أن تكون من المعلقات، بل هي أبلغ من المعلقات. المعلقات قصائد اختارها العرب سموها المعلقات السبع، وأضافوا إليها ثلاثًا سموها المعلقات العشر، هذه القصائد علقوها في جوف الكعبة حفاظًا عليها وتنويهًا بها، لكن لامية أبي طالب أشد وأشد؛ يعني: وأحسن وأعذب، فشهد للرسول ﷺ بأنه غير مكذب، وأنه لا يُعْنَى بقول الأباطل السحرة، بل إنه عليه الصلاة والسلام أصدق الناس وأنزه الناس، ثم يقول في قصيدة أخرى: وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينَا؎لَوْلَا الْمَلَامَةُ أَوْ حِذَارُ مَسَبَّةٍ ∗∗∗ لَرَأَيْتَنِي سَمْحًا بِذَاكَ مُبِيـــنَا مثل هذا الكلام إذا سمعه الناس آمنوا، فهو في الحقيقة داعٍ إلى الإسلام، لكنه ليس مسلمًا، نسأل الله العافية. إذن التخفيف عنه ليس من أجل أنه عم الرسول، ولكن من أجل أنه دافع عن الإسلام وحمى النبى ﷺ حماية تامة، وأعاله أيضًا، فإنه بعد موت جده عبد المطلب كان عند عمه أبي طالب، وهذا معروف، فمِن عَدْلِ الله عز وجل أن الله شكره على العمل وخفف عنه بشفاعة النبي ﷺ حتى صار -فيما سمعتم- في ضحضاح من نار، وعليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه، أعاذني الله وإياكم من النار، ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾. قال: (والمعنى: لا تقدر على هدايته فتنقذه من النار) هذا المعنى، وصدق الله سبحانه وتعالى، الإنسان لا يمكن أن ينقذ أحدًا من النار أبدًا، فإذا كان نبي الله ﷺ لا يمكن لا يقدر على ذلك، فمَن دونه من باب أولى. ثم قال تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ هذا الاستدراك من أحسن ما يكون لمَّا قال: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ استدرك هذه الحال، حال مَن لا يدخل النار؛ فقال: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الزمر ٢٠] إلى آخره، (لكن) هنا لا تعمل لأنها؟ * طالب: مخففة. * الشيخ: مخففة، و(لكن) إذا خُفِّفَت تكون لمجرد العطف فقط، ومعناها الاستدراك، فإذن ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، خبره جملة ﴿لَهُمْ غُرَفٌ﴾ هذا الخبر. قال: (﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ بأن أطاعوه)، أفادنا المفسر -رحمه الله- بأن التقوى هي الطاعة، وهذا أجمع ما قيل في التقوى؛ أنها طاعة الله عز وجل بامتثال أمره واجتناب نهيه؛ لأنه أمر ونهى، لا للهوى، ولهذا مَن أطاع الله لمجرد الهوى لا يكون كمن أطاع الله لأن الله أمر أو نهى، كثير من الناس يطيع الله لأن نفسه تهوى ذلك، ولكن الطاعة الحقيقة هي التي يكون الباعث عليها امتثال أمر الله تركًا للمنهيات وفعلًا للمأمورات. ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ قال: ﴿اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ إشارة إلى أن تقواهم لله مبنية على أساس؛ لأنه ربهم، والربوبية هنا تشمل الربوبيه القدرية، والربوبيه الشرعية؛ لأن الله رب مالك للكون قَدَرًا ومالك للحكم شرعًا، فهم يتقون ربهم؛ لأنه الذى خلقهم ورزقهم وأعدهم وأمدهم، يعبدون ربهم؛ لأنه الحاكم فيهم، والذي يأمرهم وينهاهم، فيقومون بأمره ويدعون نهيه. ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ [الزمر ٢٠] غُرَف: جمع غرفة، والغرفة هي البناء العالي، إذا كان في الأسفل يُسمى حُجرة، وإذا كان فوق يُسمى غرفة، فالبناء العالي يسمى غُرفة، هذه الغرف غرف مبنية، يقول: ﴿مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ يعني: طبقات، قصور عالية شامخة، مبنيَّة من لَبِنَات من الذهب والفضة، جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، هذه الغرف المبنية من الذهب والفضة أيضًا ليست على ما يُشاهد في الدنيا من اللمعان والحسن الجذاب، بل هي أشد وأعظم، لا يمكن أن نتصور حسن هذه الغرف ولا مواد بنائها أبدًا، لماذا؟ لأن الله يقول: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]، ويقول في الحديث القدسى: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة. ]]. وهي -أي الجنة- ليس فيها شيء مما في الدنيا إلا الأسماء فقط، لكن الحقائق تختلف اختلافًا عظيمًا فيها عنب، نخل، رمان، لكن ليست كالموجود عندنا في الدنيا، بل هي شيء لا يمكن أن يتصوره الإنسان، هذه الجنة مُعَدَّة للمتقين الذين اتقوا ربهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران ١٣٣] العمل يسير والعوض كثير، لكن العمل يسير يا إخواني على من يسره الله عليه، والله ييسره على من صدق النية في التوجه إلى الله، ولم يركن إلى الدنيا؛ لأن الركون إلى الدنيا -ولا سيما ممن أعطاه الله العلم- ذُل وانحطاط ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف ١٧٥، ١٧٦]. والمثل -أخس الأمثال: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأعراف ١٧٦] كذا؟ ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ﴾ إلى آخره. إذن نقول: هذه الغرف التي أعدها الله للمتقين الذين أخلصوا النية لله رجاء الوصول إلى ثوابه، والذين لا يفعلون طاعة إلا وهم يؤمنون بأن لها ثوابًا في هذه الجنة؛ لأن هذه العقيدة وهذا الشعور يحملك على إحسان العبادة، إذا علمت أنه ما من عبادة تقوم بها إلا من أجل الوصول إلى هذا الثواب سوف تحرص على العمل، وتتقن العمل. ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا﴾ أي: من تحت هذه الغرف العليا وما تحتها، ﴿الْأَنْهَارُ﴾ جمع نَهَر أو نَهْر؛ لأن نَهَر أو نَهْر الحلقية الذي ثانيها حرف حلق؛ نَهَر وبحر، يجوز فيها تسكين الحرف الثاني وفتحه، تقول: نَهَر ونَهْر، وبَحَر وبَحْر، هنا نقول: أنهار جمع نَهْر، وهي أربعة أنواع بينها الله تعالى في سورة القتال فقال: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ﴾ [محمد ١٥]، اقرأ. * طالب: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ﴾. * الشيخ: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ﴾ قبلها. * الطالب: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفَّى﴾ [محمد ١٥]. * الشيخ: نعم، هذه أربعة أنواع فيها أنهار من ماء غير آسن يعني غير قابل لأن يكون آسنا، والآسن هو المتغير، وأنتم تعلمون أن الماء إذا بقي في الإناء مدة أو في مقره في البئر مدة فإنه يتغير، ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ ولا فيها سَكر. ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفَّى﴾ أنهار، ما هي تُحلب من الضروع، ولا تأتي من نحل، أنهار تمشي على الأرض، تجري، وقد جاء في الأثر أنها تجري بلا أخدود، تعرفون الأخدود؟ أيش تسمونها؟ * طلبة: مجرى. * الشيخ: إي، تبقى مجاري على وجه الأرض لا تحتاج إلى حفر سواقي ولا إلى جدارن تمنع من سيلان الماء، بل هي تجري بدون شيء وورد أيضًا أنها تجري باختيار الإنسان يوجه النهر حيث شاء، يوجهه حيث شاء، ويمسكه حيث شاء؛ لأن الله يقول: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف ٧١]، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، في قول يقولون: إن نهر النيل وسيحون وجيحون والفرات أنه من الجنة؟ * الشيخ: إي نعم، صحيح ورد فيه حديث. * الطالب: نعم. * الشيخ: ورد فيه الحديث، لكن قالوا: إنها تشبه أنهار الجنة بالصفاء، هو ليس معناه أنها نزلت من السماء. * طالب: تشبيه بليغ. * الشيخ: نعم، تشبيه بليغ. * طالب: الربوبية القدرية والشرعية؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: القدرية والشرعية. * الشيخ: ما أدري ويش تقول؟ * الطالب: الربوبية. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: القدرية والشرعية. * الشيخ: نعم. * الطالب: ما فهمناها. * الشيخ: ما فهمتوها، نعم الربوبية الشرعية هو التصرف في الناس بالشرع. * الطالب: يعني (...). * الشيخ: الأمر والنهي، والقدرية معروفة، ولهذا مر علينا مثل هذا، الحكم كونيّ.. * الطالب: (...). * الشيخ: وشرعي نفس التصرف بمقتضى الربوبية كوني وشرعي. * الطالب: (...) يا شيخ. * الشيخ: مثل الإرادة، كونية وشرعية. * طالب: (...). * الشيخ: نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: التفسير يعني التَّقَوِّي بالطاعة، نعم. * طالب: بعض الناس (...). * الشيخ: نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: إي. * الطالب: هل يؤجر على فعله هذا؟ * الشيخ: والله -على كل حال- تبرأ الذمة بذلك، لكنه لن يصل إلى درجة الكمال، ولهذا نحن نقول دائما ينبغي للإنسان عند فعل العبادة أن تكون له نيَّتان، نيتان: نية العمل، ونية المعمول له، نية العمل هذه كل الناس يعمل، ينوون، هذا يأتي يصلي الظهر ينوي صلاة الظهر، لكن نية المعمول له أنه يريد بذلك التقرب إلى الله عز وجل، هذا كثيرًا ما يغفل الإنسان عنه، يصده الشيطان عن ذلك. هنا -بعد- نية ثالثة؛ نية المتابعة للرسول ﷺ، نية المتابعة، فكل هذه المعاني -نسأل الله أن يعفو عنا- هذه تغيب عنا كثيرًا، لا نية امتثال الأمر، وهي نية المعمول له، ولا نية المتابعة للرسول ﷺ؛ لأنك إذا نويت أو إذا شعرت بهذه النية أحببت الله عز وجل وأحببت الرسول، وشعرت بأنك عبد لله متبع لرسول الله، وتجد للعبادة طعمًا لا تجده إذا أتيت بها على سبيل العادة، ولهذا نقول: عادات الموفَّق عبادات، وعبادات الغافل عادات، إي نعم (...). * طالب: (...). * الشيخ: (مَن)؟ * الطالب: (مَن) الموصولة (...). * الشيخ: ما فيها رأي آخر؟ * الطالب: أو شرطية. * الشيخ: أو شرطية. ما المراد بقوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر ١٩] الخطاب لمن؟ * طالب: الخطاب للنبي ﷺ. * الشيخ: نعم. * الطالب: الاستفهام للنفي. * الشيخ: للنفي، كالأول. * الطالب: نعم. * الشيخ: هل الهمزة الثانية أصلية مؤسسة أو زائدة للتوكيد؟ * طالب: زائدة. * الشيخ: ما فيها رأي آخر؟ * الطالب: فيها رأي آخر، جملة (...) أو جعلنا (...) خاصة (...). * الشيخ: أحسنت، قوله: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ هذا الاستدراك أيش فائدته؟ * طالب: العطف. * الشيخ: إي نعم، العطف، لكن الاستدراك من أي شيء؟ * الطالب: الاستدراك، بَيَّن أن العذاب يحصل لبعض الناس فاستدرك بهذه الآية، يخرج الناس.. * الشيخ: يعني لما قال مثلًا: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ [الزمر ١٩]، استدرك فقال: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [الزمر ٢٠] يعني: أنهم لم يحق عليهم، ما إعراب ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾؟ * طالب: ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الإعراب؟ * الشيخ: إي نعم ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾. * الطالب: ﴿اتَّقَوْا﴾؟ * الشيخ: ﴿الَّذِينَ﴾. * الطالب: ﴿الَّذِينَ﴾ اسم من أسماء الإشارة. * الشيخ: ﴿الَّذِينَ﴾ اسم إشارة؟! * الطالب: ﴿لَكِنِ﴾.. * الشيخ: ﴿لَكِن﴾ حرف استدراك، لكِنَّ ﴿الَّذِينَ﴾؟ * الطالب: ﴿الَّذِينَ﴾ اسم إشارة. * الشيخ: اسم الإشارة ﴿الَّذِينَ﴾؟! اسم الإشارة: هذا هذه هؤلاء. * الطالب: ﴿الَّذِينَ﴾.. * الشيخ: ما قرأت النحو؟ * طالب: ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. * الشيخ: نعم ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، أين خبره؟ خبر ﴿الَّذِينَ﴾؟ * طالب: ﴿اتَّقَوْا﴾. * الشيخ: لا، ﴿اتَّقَوْا﴾ صلة الموصول. * الطالب: (...). * الشيخ: وينه؟ الجار والمجرور خبرها ولّا لا؟ * طالب: (...). * الشيخ: الجار والمجرور، الظاهر أنه معارض، نعم. * طالب: جملة: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ﴾ [الزمر ٢٠]. * الشيخ: جملة ﴿لَهُمْ غُرَفٌ﴾ جار ومجرور خبر مقدم لـ(غرف). * نأخذ الفوائد، قال الله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ [الزمر ٢٠]، ﴿وَعْدَ﴾ يقول المؤلف: (منصوب بفعل مقدر) أي: وُعِدوا وعد الله، أو على رأي آخر محتمل تقدير: أُنْجِزُوا وعد الله، يعني: أنجز الله لهم وعده وعلى هذا فيكون منصوبًا بفعل مقدر من غير فعله، أما رأي المؤلف فهو مصدر محذوف العامل. يقول -رحمه الله- قال الله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾، قال المفسر: (وعده) فأفاد بأن (أل) هنا نائبة مناب الضمير، وأن الميعاد بمعنى الوعد، وقوله: ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ أي أنه لا يخلف ما وعده بشيء آخر؛ لأن (أخلف) تدل على إبدال شيء بشيء، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ ٣٩]، بخلاف (خَلَف) فإنها تدل على خلف شيء بشيء، فيُقال: خَلَفَه؛ أي: أتى بعده، أخلفه: بمعنى جعل له بديلًا، ولهذا يقول المصاب: اللهم آجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها، يعني أعطني بدلًا عنها. وقوله: ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ إنما كان كذلك لكمال صدقه وكمال قدرته؛ لأن إخلاف الميعاد إما أن يكون لكذب الواعد وإما أن يكون لعجزه، والله عز وجل منزه عن هذا وهذا، فهو كامل الصدق، كامل القدرة. في هذه الآية: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ إلى آخره فيها دليل، * من فوائدها: أن من حقت عليه كلمة العذاب فلا هادي له، ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف ١٨٦]. * ومن فوائدها: إثبات كلام الله؛ لأن الذي يقضي بالعذاب هو الله عز وجل لا غيره، فكلمة العذاب صادرة من الله، وفي هذا إثبات الكلام لله عز وجل، والقرآن كله -كل حرف منه- فيه إثبات كلام الله، لماذا؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، في كل حرف من القرآن إثبات كلام الله. * طالب: لأنه باللفظ والصوت والحرف. * الشيخ: لأنه كلام الله، فكل حرف منه فهو كلام الله، إذ إن كلام الله حرف وصوت. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة أن النبي ﷺ لا يستطيع أن يُنقذ مَن في النار، وإذا كان هذا للرسول ﷺ فغيره من باب أولى. * ومن فوائدها أن من حقت عليه كلمة العذاب فإنه في النار؛ لأننا قلنا: إن الظاهر هنا نائب مناب المضمر، وأن التقدير: أفانت تنقذه؟ * ومن فوائد هذه الآية: بلاغة القران، وشدة زواجره، حيث يأتي بمثل هذا الأسلوب الشديد الذي يصرم القلب الواعي الحي ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر ١٩]، أسلوب شديد جدًّا، ولا شك أن الأسلوب الشديد في موضعه يعتبر من البلاغة؛ لأن البلاغة أن يأتي الكلام مطابقًا لمقتضى الحال، أي لما تقتضيه الحال من لين وشدة وتطويل وإيجاز. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات النار، والنار هي الدار الثانية التي يستقر فيها الإنس والجن، وهي دار من اعتدى وكفر، وهي موجودة الآن، وستبقى أبد الآبدين. ثم قال تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ إلى آخره، في هذا بيان علو منزلة المتقين؛ لأن الاستدراك هنا كأنه انتشال لهم مما سبق ذكره من الوعيد الشديد لهؤلاء الذين حقت عليهم كلمة العذاب. * ومن فوائدها أن التقوى سبب لدخول الجنة لقوله: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ﴾ إلى آخره. * ومن فوائدها أن تقواهم لله له سبب سابق ولاحق، فالربوبية الخاصة في قوله: ﴿رَبَّهُمْ﴾ اقتضت أن يتقوه، وهم يتقون ربهم الذي سيثيبهم، فالتقوى لها سبب، وهو عنايه الله عز وجل بهم، هذا سابق، ولها سبب لاحق، وهو ما يرجونه من ثواب الله عز وجل، كل هذا يُحمل على التقوى، فهو ربهم حيث وفقهم للتقوى، وربهم حيث أثابهم عليها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة أن منازل الجنة غُرَف مبنية بعضها فوق بعض لقوله: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ [الزمر ٢٠]، وهل هذه الغرف تختلف بحسب العامل؟ الجواب: نعم، «وقد بَيَّن الرسول عليه الصلاة والسلام أن جنتين من جنات الخلد من ذهب آنيتهما وما فيهما وأن جنتين من فضه آنيتهما وما فيهما»[[أخرج البخاري (٤٨٧٨) ومسلم (١٨٠ / ٢٩٦) بسنديهما عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «جنتان من فضة آنيتهما، وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما...». الحديث.]]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة تمام النعيم، حيث كانت هذه الغرف تجري من تحتها الأنهار، وفيها الأشجار وفيها من كل ما يتمناه الإنسان، بل فوق ذلك. * من فوائد الآية الكريمة أن هذا النعيم ثابت بوعد الله لقوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾. * ومن فوائدها إثبات أن الله لا يخلف الميعاد لكمال صدقه وقدرته، ففيها إثبات كمال الصدق وإثبات كمال القدرة.

الزمر 39:21

ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ [الزمر ٢١] تعلم، ﴿أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ إلى آخره، الهمزة هنا للاستفهام، والغالب أن الهمزة -همزة الاستفهام- إذا دخلت على نفي أن تكون للتقرير، فمعنى ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أي: قد رأيت، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١] أي: قد شرحنا لك صدرك، فيكون الاستفهام هنا للتقرير، أما (لم) فهي حرف جزم ونفي وقلب. وتفسير المؤلف (ترى) بـ(تعلم) هذا فيه احتمال أن الرؤيا هنا رؤية العلم، وفيه احتمال أن الرؤية رؤية البصر، فإن كان شيئًا مشاهدًا للإنسان، حيث يكون حوله فهي رؤية بصر تتبعها رؤية العلم، وإن كان بعيدًا يسمع عنه سماعًا فهي رؤية علم، والخطاب في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ إما للنبي ﷺ، وإما لكل من يتأتَّى خطابه؛ أي: من يصح منه الخطاب. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الزمر ٢١]، ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: من العلو، وليس المراد بذلك السماء السقف المحفوظ؛ لأن من المعلوم أن المطر ينزل من السحاب، والسحاب قد بيَّن الله في آية أخرى أنه مسخر بين السماء والأرض، وعلى هذا فيكون المراد بالسماء العلو، وقوله: ﴿مَاءً﴾ هو المطر. ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر ٢١]، (سلكه) بمعنى أدخله، ومنه سِلْك الخرز يدخل فيها حتى ينظمها، وقوله: ﴿يَنَابِيعَ﴾ جمع ينبوع، يقول المؤلف: أي أدخله في أمكنة نبع، أدخله في الأرض ينابيع؛ يعني ينبع متى أراده الإنسان، وذلك من تمام الحكمة وتمام الرحمة؛ لأن هذا الماء لو بقي على ظهر الأرض لأنتن وفسد، ولأفسد غيره أيضًا، فكان من رحمة الله أن يدخله في الأرض يخزنه، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المؤمنون ١٨]، ﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر ٢٢]. وقوله: ﴿يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ [الزمر ٢١]، ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ﴾ ﴿ثُمَّ﴾ تدل على الترتيب بمهلة؛ لأن هذا الذى يخرج بالمطر لا يخرج فورًا، ولكنه يخرج بالتدريج؛ لأن هذه سنة الله سبحانه وتعالى أن تكون الأشياء بالتدريج؛ لئلا يحصل التصادم في الكون. ﴿يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا﴾ ﴿بِهِ﴾ الباء للسببية؛ أي: بسببه، وليس المطر هو الذى يخلق هذا النبات، ولكنه سبب له. ﴿زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ ﴿مُخْتَلِفًا﴾ هذه صفة لـ(زرع)، ولكن هل المختلف الزرع ولّا لونه؟ * طالب: لا لونه. * الشيخ: ﴿أَلْوَانُهُ﴾ فهنا الصفة عادت إلى غير الموصوف معنى، ويسمي العلماء -علماء النحو- يسمون هذا النعت نعتًا سببيًّا؛ لأن معناه يعود إلى غير المنعوت، فهو تابع للمنعوت في الإعراب، ولكن معناه لغيره، كما لو قلت: رأيت رجلًا كريمًا أبوه، من الكريم؟ * طالب: أبوه. * الشيخ: الأب، والصفة يعني إجراء من حيث الإعراب على مَن؟ * الطالب: أبوه. * الشيخ: لا، على الرجل، ولذلك تقول: (كريمًا) نعت لـ(رجل) أو صفة لـ(رجل) مع أن حقيقة الوصف في غيره، يُسمى هذا نعتًا سببيًّا ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ كيف اختلاف هذه الألوان؟ هل المراد بالألوان الأشكال أو الألوان التلوين؟ أو يشمل؟ * طالب: يشمل. * الشيخ: يشمل هذا أو هذا، فألوانه يعني أصنافه، ويعني أيضًا اللون، فهذا الزرع الذى يخرج من الأرض بالمطر تشاهدونه يختلف في ألوانه، ويختلف في أشكاله، واخرجوا -إن شئتم- إلى أدنى شارع من هنا تجدون الاختلاف العجيب، شجرتان إلى جنب ومع ذلك تجد هذه أوراقها مختلفة عن هذه وتجد لونها مختلفًا عن الأخرى، وتجد الزهرات التي فيها أيضًا تختلف، وتجد الثمر الذى يخرج منها يختلف، مع أن الماء واحد والأرض واحدة. يقول: (﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ﴾ [الزمر ٢١] ييبس، فتراه بعد الخضرة مثلًا مصفرًّا) هذا النبات الذى خرج يسر الناظرين مختلف الألوان أصابه ريح أو حر شديد، أو مع طول الزمن يهيج يعنى ييبس ﴿فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾ بعد أن كان أخضر ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا﴾ فتاتًا متحطمًا؛ لأنه إذا ييبس تكسر، ثم تحطم. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾ [الزمر ٢١] تذكيرًا لأولي الألباب، يعني العقول يتذكرون به لدلالته على وحدانية الله وقدرته، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المشار إليه كل ما سبق إنزال المطر من السماء، إدخاله ينابيع في الأرض، إخراج الزرع به، عود الزرع إلى الاصفرار والتحطم، هذه عدة أشياء تذكِّر الإنسان إنزاله من السماء وإدخاله في الأرض وإخراج الزرع به واختلاف الألوان، هذا كله ذكرى يتذكر به أولو الألباب على قدرة الله عز وجل وعلى رحمته وعلى حكمته. ﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾ [الزمر ٢١] إلى آخره، يتذكر به أولو الألباب على أن كل ما كمل من الدنيا عاد ناقصًا، ويدل على أن هذا من المراد قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ [يونس ٢٤]. إذن الذكرى هنا ليست مجرد الدلالة على وحدانية الله وقدرته، بل هي أشمل، ومن أهمها الدلالة على أن ما كمل في الدنيا فمآلها إلى النقص، فالصحة مآلها إلى المرض، والحياة مآلها إلى الموت، وهكذا قِسْ كل ما في الدنيا على هذا المثال. ثم قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر ٢٢] كمن طُبِع على قلبه؟! ﴿أَفَمَنْ﴾ الهمزة للاستفهام والفاء عاطفة على إما شيء مقدر، أو على ما سبق، على حسب ما فصلنا أمس. ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾، ﴿شَرَحَ﴾ بمعنى وسَّع، ومنه قولنا: فلان شرح كتاب فلان؛ يعني: وسعه، ﴿شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ المراد بالصدر ما في الصدر أو المراد الصدر نفسه ينشرح؟ * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، يحتمل أن يُراد ما في الصدر، أن الله يوسع القلب فيجعله منفتحًا، فيجعله منفتحًا للإسلام لا يضيق به ذرعًا، ويحتمل أنه الصدر نفسه؛ لأن الإنسان يحس بالشيء إذا غمه أن صدره يضيق، نفس الصدر يضيق، وإذا جاءه ما يفرحه نفس الصدر ينشرح وإن كان أصل القلب، لكن نفس المكان -مكان القلب- يكون فيه اتساع وضيق، وهذا الشيء مشاهد، فإبقاء الآية على ظاهرها، وهو أن المراد بالصدر حقيقته، حقيقة الصدر أولى، فينشرح الصدر للإسلام، ويتقبل جميع شرائعه، يتقبل الشرائع، إن أُمِر بالشيء انشرح لقبوله والعمل به، وإن نُهي عن شيء انشرح لقبوله واجتنابه، وإن أُخبر عن شيء انشرح لقبوله وتصديقه، وهكذا. وقس هذا برجل فاسد، إذا أمرته بالصلاة تجده يضيق صدره، وربما يقول: أنا مانا بصلي ليك، دعني. وما أشبه ذلك، وبعض الناس إذا أمرته وذكرته فرح وانشرح صدره، وقد بيَّن الله في سورة الأنعام صورة قريبة مُقربة لهذا المعنى، فقال سبحانه وتعالى في سورة الأنعام: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام ١٢٥] يعني شديد الضيق ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام ١٢٥] يعني كأنه إذا عُرِض عليه الإسلام يصعَّد في السماء؛ أي يتكلف الصعود. وقد اختلف العلماء في معنى ﴿يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾، هل معناه ما اشتهر الآن من أن الإنسان كلما ارتفع في الجو كثر عليه الضغط، أو أن المعنى يصعد جبلًا عاليًا شامخًا يتعب في رُقِيِّه؟ المفسرون السابقون لا شك أنهم لا يعرفون مسألة الضغط، المتأخرون يعرفون، والله عز وجل يعلم هذا وهذا، والآية صالحة للأمرين؛ لأنك لو تصورت جبلًا صعب الرقي وعاليًا -يعني: في السماء، معناه عالٍ- وصعده الإنسان يتكلف أو لا؟ يتكلف لا شك، يتكلف، لا سيما كان عنده ضعف، يتعب جدًّا. وإذا قلنا بأنه المراد بذلك؛ أن الإنسان يصعد في السماء فوق الغلاف الجوي، فهو واضح أيضًا، فيقول عز وجل: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الزمر ٢٢]. قلنا: علامة شرح الصدر قبول الخبر، والتصديق قبول الأمر وامتثاله، قبول النهي واجتنابه، لا يكون عنده تردد، فهذا لا شك أن الله سبحانه وتعالى يجعله كما قال: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر ٢٢]، قال المؤلف: (فاهتدى) ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ﴾ فأفادنا المؤلف أن في الآية حذفًا تقديره: فاهتدى، ويؤيده: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ﴾، ولكن الواقع أنه لا حاجة إلى هذا التقدير، فمن شرح الله صدره للإسلام ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾، مجرد أن يشرح الله صدره للإسلام فهو على نور، وهو إذا شرح الله صدره للإسلام فهو سيهتدي قطعًا، وقوله: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ نور حسي أو معنوي؟ * طالب: معنوي يا شيخ. * الشيخ: معنوي فهو معنوي فهو على نور ولو كان في حجرة مظلمة وعلى نور يعني يجد نفسه أنه يمشي على نور وقوله: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ يشمل نور الدنيا ونور الآخرة قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [الحديد ١٢]. وقوله: ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾ الربوبية هنا مضافة إلى هذا الذى شرح الله صدره للإسلام، وهي ربوبية خاصة؛ لأنها أضيفت إلى من هداه الله، في الآية شيء محذوف دلت عليه الهمزة، وقدره المفسر -رحمه الله- بقوله: (كمن طبع على قلبه). ولو أن المؤلف قال كمن ضاق صدره بالإسلام لكان هذا أنسب في المقابلة؛ لأنه ينبغي أن تجعل مقابل الشيء مضادًا له، ولا تأتي بشيء آخر، فمثلًا لو قال الله تعالى: أفمن وسع الله قلبه، لكان المناسب أن يكون المقدر كما قال المؤلف، لكن ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ﴾ نقول: كمن ضيق الله صدره بالإسلام فضاق به ذرعًا؟ والجواب لا، فيكون الاستفهام مع المقدر للنفي. من لم يشرح له صدره فهو على ظلمة؟ نعم، من لم يشرح الله صدره للإسلام فإن قلبه مظلم، والعياذ بالله، ليس فيه نور، لا نور علم، ولا نور إيمان. قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ﴾ كلمة عذاب ﴿لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾، ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ﴾ (ويل) مبتدأ، و﴿لِلْقَاسِيَةِ﴾ خبره، و﴿مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ متعلق بـ(القاسية)، (ويل) قال المؤلف: إنها (كلمة عذاب)، وما قاله المؤلف أصح مما قيل إنها واد في جهنم؛ لأن الإنسان يقال له: ويل لك من كذا في غير النار، ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة ٧٩]، فهي كلمة عذاب ووعيد. ﴿لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (القاسية): اسم فاعل، و﴿قُلُوبُهُمْ﴾ فاعل به، والقاسي ضد الليِّن، والليِّن قلب المؤمن، والقاسي قلب الكافر، وقوله: ﴿مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: عن قبول القرآن، فأفاد المفسر -رحمه الله- أن (من) بمعنى (عن)، وأن المراد بذكر الله القرآن؛ يعني: فويل للذين تقسو قلوبهم عن القرآن، ولكن الأولى إبقاء الآية على ظاهرها، وأن قوله: ﴿مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: أن (مِنْ) للسببية؛ أي: تقسو قلوبهم بسبب ذكر الله، وأن المراد بذكر الله ما هو أعم من القرآن، ويكون المعنى أن هؤلاء كلما ذكر الله قست قلوبهم، ووجه ذلك أنهم لا يريدون ذكر الله، فإذا كرهوا ذكر الله قسا القلب عقوبة لهم، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة ١٢٤، ١٢٥]. فتجد هؤلاء القوم -أعني المؤمنين- تزيدهم السورة إيمانًا، والآخرون -الذين في قلوبهم مرض- تزيدهم رجسًا إلى رجسهم. إذن نقول: القاسية قلوبهم من ذكر الله؛ يعني: الذين إذا ذُكِر الله قست قلوبهم عن قبوله، يعني لا يقبلونه، فإذا لم يقبلوه ازدادت قلوبهم قسوة من ذكر الله، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر ٢٢]، ﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليهم؟ * طالب: القاسية قلوبهم. * الشيخ: القاسية قلوبهم ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، قال المؤلف: (بَيِّن)، وقوله: ﴿فِي ضَلَالٍ﴾، ﴿فِي﴾ للظرفية، وما أحسنها في هذا الموضع إشارة إلى أن الضلال قد أحاط بهم من كل جانب كما تحيط الحجرة بساكنها، وإذا كان الضلال قد أحاط بهم من كل جانب فإنه لا يرجى لهم خير، والعياذ بالله؛ لأنهم في ضلال مبين. قابل هذه: ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ بقوله: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ يتبين لك أن النور في الآية نور العلم، ونور الإيمان، وضد العلم الضلال. * نأخذ الفوائد، يقول الله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الزمر ٢١] إلى آخره، * من فوائد هذه الآية: بيان قدرة الله عز وجل في إنزال هذا المطر من السماء، لأنه لا يمكن لأحد أن يستطيع إنزاله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [لقمان ٣٤]. * ومن فوائدها: حكمة الله ورحمته حيث جعل هذا الماء ينزل من السماء؛ لأنه لو كان ينبع من الأرض لم تستفد به عامة الأرض من وجه، ولم يصعد إلى قمم الجبال إلا إذا أغرق الناس الذين تحت الجبال، فكان من الحكمة أنه ينزل من السماء ليعم المرتفع والمنخفض، وليشمل الأرض كلها. * ومن فوائد هذه الآية أيضًا: بيان حكمه الله عز وجل في كيفية نزول هذا الماء كيف ينزل؟ ينزل قطرات، لو نزل صبًّا كما تصب أفواه القرب لأهلك الناس وهدم البناء، ولكن من رحمة الله عز وجل أنه ينزل قطرات. * من فوائد هذه الآية: أن (السماء) يطلق على العلو، ويترتب على هذه الفائدة أن قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك ١٦] يمكن أن يُراد به مَن في العلو. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله ورحمته بالعباد، حيث سلك هذا الماء ينابيع في الأرض، ولم يبق راكدًا على ظهرها لما في ذلك من الحكمة والرحمة، يكون مخزونًا في الأرض متى أراده الناس استخرجوه. * ومن فوائد الآية: بيان قدرة الله، حيث أخرج بهذا الماء ذلك الزرع المختلف الألوان. * ومن فوائدها: إثبات الأسباب، ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ﴾ إثبات الأسباب. * ومن فوائدها: أن السبب لا يستقل بالتأثير في المسبَّب؛ لقوله: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ﴾، فأضاف الإخراج إلى الله، وهذا هو الذي عليه سلف الأمة وأئمتها؛ أن الأسباب لها تأثير في المسببات، ولكن تأثيرها بفعل الله لا يرجع إليها استقلالًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل، حيث أخرج هذا الزرع المختلف الألوان مع أنه يتغذى بماء واحد ومن طينة واحدة؛ لقوله: ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾. * ومن فوائدها: أن كمال الدنيا مؤذن بنقصها؛ لأن الله ضرب ذلك مثلًا للدنيا، كما في الآية التي سقناها في التفسير. * من فوائد هذه الآية: أن الذين يتذكرون بآيات الله الكونية هم أولو العقول، وأما من لا يتذكر بها ويقول: هذه طبيعة تتفاعل وتتجارى فإنه لا عقل له. * ومن فوائد هذه الآية: أنه ينبغي للإنسان أن يستعمل عقله في مخلوقات الله عز وجل؛ ليتذكر به في ما لهذه المخلوقات أو فيما في هذه المخلوقات من عظمة الخالق؛ لأنه قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر ٢١]. ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الزمر ٢٢] إلى آخره، في هذه الآية نفي التساوي بين الفريقين؛ من شرح الله صدره للإسلام ومن لم يشرح؛ لأن الاستفهام هنا بمعنى النفي. * ومن فوائدها: أن الهداية بيد الله لقوله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ﴾، ويتفرع على هذه الفائدة أنه متى علم الإنسان أن الهداية بيد الله فإنه لا يلتفت في طلب الهداية إلا إلى الله. وأيضًا إذا عَلم أن الهداية بيد الله لا يُعجب بنفسه إذا اهتدى، بل يقول لنفسه: لولا أن الله هداها لكان ضالًا، فلا يقول: إنما أوتيته على علم عندي، أو يقول: هذا لي، بل يعترف بفضل الله عليه، وأنه لولا هداية الله ما انتفع. * * * (...) إلى يوم الدين، نفتتح جلساتنا الصيفية هذا العام في هذا اليوم السبت الثامن عشر من شهر محرم عام ثلاثة عشر وأربع مائة وألف، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك لنا في عملنا وفي علمنا، ودراستنا متنوعة فيها التفسير والحديث والفقه والتوحيد وأصول الفقه وهي موزعة بين الأيام ما عدا التفسير والحديث والفقه، فإن هذه الثلاثة ثابتة في كل يوم. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣) أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٥) فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٢٢ - ٢٦]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ الهمزة هنا للاستفهام، والفاء حرف عطف، والمعطوف عليه ما سبق، على أحد الوجهين عند علماء النحو، وقيل: إن الفاء عاطفة على مُقدر بعد الهمزة، والتقدير: أغفلتم فلم تدركوا هذا الأمر؟ فمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ليس كمن لم يكن كذلك. ونحن (...). * طالب: ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٥) فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٢٥، ٢٦]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾. طالب: ﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٢٦]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر ٢٢] الهمزة هنا للاستفهام، والفاء حرف عطف، والمعطوف عليه ما سبق على أحد الوجهين عند علماء النحو. وقيل: إن الفاء عاطفة على مقدَّر بعد الهمزة، والتقدير: أغفلتم فلم تدركوا هذا الأمر؟ فمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ليس كمن لم يكن كذلك. ونحن لدينا قاعدة: أنه إذا اختلف النحاة في أمر فإننا نتبع الأسهل؛ لأن المسألة اجتهادية، وإذا كان كذلك فإننا نرى أن الهمزة للاستفهام، والفاء عاطفة على ما سبق، وأن محل الهمزة بعد فاء العطف، والتقدير: فأَمَنْ شرح الله صدره. وقوله جل وعلا: ﴿شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ﴾ شرح بمعنى وسَّع، ومنه: شَرْح الكتاب، لأنه يُوَسَّع ويُبْسَط. وقوله: ﴿شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ المراد بالصدر هنا القلب؛ لأنه محله، فعبَّر به عنه، وقد يقال: إن المراد بالصدر حقيقة الصدر، بدليل أن الإنسان إذا اغتم يجد صدره وكأن عليه حصى الرحى من الضيق دون أن يشعر أن هذا يمس قلبه، فيكون المراد بالشرح هنا شرح الصدر نفسه، والمؤدَّى واحد. وقوله: ﴿لِلْإِسْلَامِ﴾ أي: لقبوله والتزامه، والإسلام له معنيان: المعنى الأول عام، والثاني خاص. فالعامّ يشمل كل مَن استسلم لله سبحانه وتعالى بطاعته (...). حين كان الشرع قائمًا، يشمل كل مَن استسلم لله بطاعته حين كان الشرع قائمًا، وعلى هذا فاليهود في زمن موسى مسلمون، وفي زمن عيسى كافرون، والنصارى في زمن عيسى مسلمون، وفي زمن محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم كافرون، ولذلك نجد أن الله عز وجل يصف بالإسلام قوم نوح فمَن بعدهم. أما المعنى الخاص للإسلام فهو ما كان خاصًّا بشرع محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فالناس بعد بعثة محمد صلى الله عليه وآله وسلم إما مسلمون وإما كافرون فالمسلمون مَن اتبع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم دون غيره، وهذا يسمى الإسلام الخاص. فقوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران ١٩]، ماذا يعني به؟ يعني به الإسلام الذي بعث به محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يمكن لأحد أن يدعي أنه مسلم بعد بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إلا إذا كان متَّبِعًا له؛ لأن الإسلام بعد بعثته صار خاصًّا بمن اتبع شريعته، فهنا ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ هل نفسره بالمعنى العام أو بالمعنى الخاص؟ * طلبة: الخاص. * الشيخ: إذا فسَّرناه بالمعنى العام شمل حتى مَن شرح الله صدره للإسلام في عهد الأنبياء السابقين، ومن شرح الله صدره للإسلام في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فأيهما ترون؟ * طالب: الخاص. * طلبة: العام. * الشيخ: العام؛ لأن ممن سبق مَن شرح الله صدره للإسلام، قال موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ [طه ٢٥، ٢٦]. لكن إذا كان الخطاب موجهًا إلى ما بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فإنه يتعين أن يكون المراد به الخاص. وقوله: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾، الفاء هذه عاطفة للتفريع، يعني: فهو إذا شرح الله صدره على نور من ربه. نور معنوي يسير الإنسان فيه على شرع الله، وكأن بيده قنديلًا يهتدي به إلى الطريق؛ لأن الله شرح صدره للإسلام فلا يضيق به. ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾، يبقى عندنا الهمزة في: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ للاستفهام، فأين مقابل ذلك؟ مقابله ما يقابل في المعنى، الذي يقابل انشراح الصدر في المعنى كمن ضاق صدره بالإسلام، أفمن شرح الله صدره للإسلام كمن ضاق صدره به؟ والجواب: نعم أو لا؟ يعني هل يستوي مَن شرح الله صدره للإسلام ومَن ضاق صدره به؟ لا. إذن: فالمقابل أو المعادل -إن شئت- المعادل محذوف دلَّ عليه السياق، والمعنى: أفمن كان كذلك كمن لم يكن كذلك؟ فمن شرح الله صدره ليس كمن لم يشرح الله له صدره، ولا شك أن الفرق بينهما عظيم أبعد مما بين السماء والأرض؛ لأن من شرح الله صدره للإسلام -وأسال الله أن يجعلني وإياكم منهم- يجد نفسه قابلًا لشرائع الإسلام مسرورًا بها، يفرح إذا أدى طاعة من طاعات الله، ويحزن إذا فعل معصية من معصية الله، حتى إن الذين بلغوا الغاية في هذا يغتمُّون لما حصل منهم من خلل، وإن لم يكن عن قصد، يعني إذا فاتته عبادة يجد نفسه في غم وحزن وهو لا يشعر بذلك. وأضرب لهذا مثلًا بالنبي صلوات الله وسلامه عليه، لما سلّم من ركعتين من صلاة الظهر ماذا صنع؟ انفتل من صلاته وكأنه مغموم، قام على غير عادته إلى خشبة في قبلي المسجد واتكأ عليها ووضع يديه هكذا، كأنه مُغْضَب، لماذا؟ لأن صلاته لم تتم، فانقبضت نفسه من حيث لا يشعر، لكن هذا لكمال درجاته عليه الصلاة والسلام أن الله عز وجل يجعل في نفس الإنسان انقباضًا وإن كان لا يشعر؛ لأنه لم يُتِمّ العبادة المطلوبة منه، اتكأ عليها وشبَّك بين أصابعه كذا كجلسة المهموم حتى ذكر[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٢)، ومسلم (٥٧٣ / ٩٧) من حديث أبي هريرة.]]. إذن مَن شرح الله صدره للإسلام يجد نفسه مرتاحًا مسرورًا للقيام بشرائع الإسلام، وبالعكس، إذا أخل بشيء منها أو انتهك معصية من معاصي الله. وقوله: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر ٢٢]. قال المؤلف رحمه الله المفسر: (﴿﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ ﴾ فاهتدى ﴿﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ ﴾ كمن طبع على قلبه دلّ على هذا قوله: ﴿﴿فَوَيْلٌ﴾ ﴾) إلى آخره. هكذا ذهب المؤلف -رحمه الله- في تفسيره، أي أنه استدل على المحذوف بما ذكر بعد، ولو أردنا أن نستدل على المحذوف بما ذكر بعد على سبيل المطابقة لقلنا: كمن قَسَا قلبه، ولا نقول: كمن طبع على قلبه؛ لأن الله قال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ﴾، وإذا كنت تريد أن تستنبط الجواب مما ذكر فاجعله مطابقًا له، وحينئذٍ نقول: كمن قَسَا، لكن ما ذكرناه أولًا هو الصواب؛ أن يذكر المعادل على خلاف المذكور، فيكون المعنى: أفمن شرح الله صدره للإسلام كمن ضيَّق الله صدره للإسلام، أو كمن لم يشرح الله صدره للإسلام. ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾، قال المؤلف: ﴿فَوَيْلٌ﴾، هنا لعلنا نشرح أو نفسِّر حسب ما عندنا ثم نعود إلى كلام المؤلف حتى لا يتقطع علينا. قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾، ﴿وَيْلٌ﴾ مبتدأ، و﴿لِلْقَاسِيَةِ﴾ خبره، ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ﴾. و(الويل) على ما هو الراجح: كلمة وعيد، وقيل: إنها وادٍ في جهنم؛ والأصح: أنها كلمة وعيد، وسَوَّغ الابتداء بها وهي نكرة كونها وعيدًا، وربما يقال: إنه سَوَّغَ الابتداء بها وهي نكرة كونُها دالة على وصف شديد، أي: فويل عظيم، أو شديد للقاسية قلوبهم من ذكر الله. وقوله: ﴿لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾، القسوة الشدة بحيث إذا لمست الشيء لم ينضغط بضغطك عليه، مثل؟ الحجر، وقد ضرب الله عز وجل قسوة القلب بالحجارة، فقال: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أو أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة ٧٤]. وهنا يسأل السائل يقول: لماذا لم يقل: فهي كالحديد؛ لأن الحديد يكسر الحجارة، والحجارة لا تكسر الحديد؟ والجواب عن ذلك أن نقول: الحديد يلين، بماذا؟ بإحمائه على النار، والحجارة لا تلين، فلهذا شُبِّهَت قسوة القلوب بالحجارة. القاسية قلوبهم يعني معناه: التي قست فلم تَلِنْ للحق، نسال الله العافية. وقوله: ﴿مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (من) قيل: إنها بمعنى (عن)؛ للقاسية عن، ولكن الأظهر أنها على بابها، وأن المعنى: أن قلوبهم تقسو من الذكر بدل أن كان المفروض أن تلين، ويدل لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة ١٢٤، ١٢٥] أي: زادتهم صلابة وقسوة. وعلى هذا فنقول: للقاسية قلوبهم مِن الذِّكْر، أي: كلما ذُكِرَ الله قست قلوبهم، عكس المؤمن؛ فإنه كلما ذُكِرَ الله لَانَ قلبه، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد ١٦]. ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، ﴿أُولَئِكَ﴾: المشار إليه القاسية قلوبهم، وأشار إليهم بإشارة البعيد للتنويه بسُفُولِهم وانحطاط مرتبتهم؛ لأن الإشارة بالبعيد تارة تكون إشارة إلى عُلُوّ المرتبة، وتارة تكون إشارة إلى انحطاط المرتبة. ففي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة ٢] لعُلُوّ المرتبة، وفي قوله هنا: ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ لانحطاط المرتبة. فإن قال قائل: هذه المعاني التي تختلف واللفظ واحد، ما الذي يُعَيِّن أحد المعنيين؟ نقول: يُعَيِّنه السياق وحال المتحدث عنه؛ لأن السياق والقرائن كل منهما يعيِّن المراد: ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، ﴿فِي ضَلَالٍ﴾، الضلال: بمعنى التِّيهِ وعدم إصابة الحق، فهؤلاء في ضلال أي تائهون لم يصيبوا الحق. و(المبين) هنا تحتمل أن تكون من (أَبَانَ) اللازم، ومن (أَبَانَ) المتعدي -خليكم معنا- فيه كلمتان: (بَانَ) و(أَبَانَ)، (بَانَ) لازم أم متعدٍّ؟ * طلبة: لازم. * الشيخ: لازم، تقول: بَانَ الأمر، بَانَ الصبح، بَانَ المعنى. بالهمز: تَصِحُّ أن تكون متعدية، وأن تكون لازمة، حسب السياق. تقول –مثلًا-: أَبَانَ الفجر، بمعنى: بَانَ، أي: ظهر، وتقول: أَبَانَ الرجل الحقَّ، بمعنى: أظهره. فهنا ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، هل هي من اللازم أو من المتعدي؟ * طالب: من اللازم. * الشيخ: الظاهر أنها من اللازم، أي في ضلال بَيِّن ظاهر. نرجع إلى كلام المؤلف، يقول رحمه الله: (﴿﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ ﴾ فاهتدى ﴿﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ ﴾ كمن طُبِعَ على قلبه، دَلَّ على هذا ﴿﴿فَوَيْلٌ﴾ ﴾ كلمة عذاب) إلى آخره. كلام المؤلف في قوله: (كمن طُبِعَ على قلبه)، فيه نظر؛ لأننا إذا أردنا أن نقول: إن المحذوف دَلَّ عليه المذكور، فإنه يجب أن نقدِّره بما يطابق المذكور، فنقول: كمن قَسَا قلبُه، على أن القول الراجح ما سبق أن قرَّرْناه، وهو أن يذكر المعادل بمعنى المقابل لأيش؟ للمذكور، فيقال: فمن شرح الله صدره كمن لم يكن كذلك. ثم قال المؤلف: (﴿﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ﴾ ﴾ كلمة عذاب)، ولو قال: كلمة وعيد، لكان أحسن؛ لأنه يتوعد بها، حتى في عرفنا الآن تقول: ويل لك، أي تتوعده بهذا بما تريد. وقوله: ﴿لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: عن قبول القرآن، فجعل المؤلف رحمه الله الذِّكْر مرادًا به القرآن، وجعل (مِن) بمعنى (عن). أما كون الذِّكْر بمعنى القرآن فلا شك أن القرآن ذِكْر، قال الله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس ٦٩]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف ٤٤]. ولكن الأولى أن نفسِّر ذِكْر الله هنا بما هو أعم، فنقول: المراد به القرآن لا شك؛ لأنه من ذِكْر الله وما هو أعم من ذلك، بحيث نقول: إنه إذا ذُكِرَ الله قَسَت قلوبهم، سواء بالقرآن أو بغير القرآن، هذا هو الأصح. وأما كون (من) بمعنى (عن) فقد سبق أن قلنا: إن الصواب أنها على بابها. وقوله: إن (من) بدل (عن)، هذا مبنيّ على مسألة خلافية بين النحويين الكوفيين والبصريين، إذا جاء الحرف في غير موضعه فهل هو نائب عن حرف يكون مناسبًا للسياق، أو أن المتعلق به يقدَّر بمعنى يناسب الحرف؟ أنتم فاهمون؟ تمام. قال الله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان ٦]، العين لا يُشْرَب بها، العين يُشْرَب منها، فهنا اختلف النحويون: هل الباء بمعنى (من) فيكون حرفٌ ناب عن حرف، أو ﴿يَشْرَبُ﴾ بمعنى يَرْوَى؛ يروى بها عباد الله، فيكون الشرب مضمَّنًا معنى الرِّيّ، والرِّيّ يتضمن الشرب، وأيش؟ وزيادة، يتضمن الشرب وزيادة، في هذا خلاف بين النحويين الكوفيين والبصريين؛ وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يرجِّح القول الثاني؛ أن الفعل مضمَّن معنى يتناسب مع أيش؟ مع الحرف؛ لأننا إذا قلنا بالتضمين استفدنا فائدتين: استفدنا مدلول المذكور، ومدلول المضمَّن؛ لأنك إذا قلت: يَرْوَى بها، استفدنا أنهم يشربون، وأيش؟ ويَرْوون، لكن إذا قلنا: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾: يشرب منها، لم نستفد إلا؟ إلا معنى واحدًا، فالتضمين فيه زيادة معنى، لكن جَعْل حرف بدل حرف لا نستفيد به معنى زائدًا، فصار القول الراجح في هذه المسالة ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو أيش؟ أن الفعل يُضَمَّن معنى يناسب الحرف، ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾. قال المؤلف: قال الله تعالى: (﴿﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ ﴾ بَيِّن)، فجعل المبين هنا من اللازم أو من المتعدِّي؟ * طلبة: من اللازم. * الشيخ: من اللازم. ثم قال: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا﴾ [الزمر ٢٣]، الفوائد صح؟ * من فوائد الآية الكريمة: بيان تفاضل الناس في قبول الحق، وأن منهم مَن يقبل الحق بانشراح، ومنهم مَن ليس كذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن مَن شرح الله صدره للإسلام فقَبِل الحق فإنه على نور من الله. * ويتفرع على هذا: زيادة علمه؛ لأن العلم نور كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء ١٧٤]. * ويتفرع عليها أيضًا -على هذه الفائدة-: قوة الفراسة؛ أن الله تعالى يعطي الإنسان فراسة بحيث يعلم ما في قلوب الناس من لمحات وجوههم، بل أكثر من ذلك، يستدل بالحاضر على الغائب، ويعطيه الله تعالى استنتاجات لا تكون لغيره، وقد ذكر ابن القيم -رحمه الله- في كتاب مدارج السالكين على كلامه على الفراسة، ذكر عن شيخ الإسلام ابن تيمية كلامًا عجيبًا في فراسته -رحمه الله- وإن كان ذكر أشياء قد لا تكون مقبولة، ولكنه ذكر شيئًا كثيرًا، ويستدل لذلك بقوله: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾. * ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أن مَن شرح الله صدره للإسلام فإن له ربوبية خاصة وعناية خاصة من الله، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾، فإن هذه الربوبية خاصة غير الربوبية العامة، فربوبية الله سبحانه وتعالى لخلقه نوعان: عامة، وخاصة. فالعامة كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة ٢]. والخاصة كقول الله تبارك وتعالى عن أولي الألباب الذين يتفكَّرون في خلق السماوات والأرض يقولون: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ [آل عمران ١٩١] إلى آخره. وقد اجتمع النوعان في قوله تعالى عن سحرة آل فرعون: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢] فالأول عامّ، والثاني خاصّ. * ومن فوائد الآية الكريمة: الوعيد الشديد لمن قَسَا قلبه عن ذِكْر الله؛ لقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾. * ومن فوائدها: أنك إذا رأيت من قلبك عدم لِين لذِكْر الله فعالِجْ نفسك، عالجها لتسلم من هذا الوعيد، وهذا يشكو منه الناس كثيرًا، ونشكو منه نحن أيضًا، أحيانًا يقسو القلب ولا يلين، يقرأ الآيات العظيمة الرادعة ولكنه لا يتأثر، وأحيانًا يقرأ نفس الآيات ثم يتأثر، فإذا عرفت من نفسك قسوة القلب فالجأ إلى الله عز وجل واسأله أن يُلِينَ قلبك لذِكْرِه، وتأهَّب للوعيد إذا لم يتداركك الله بلطفه ومغفرته. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القلوب تنقسم إلى قسمين: قلوب تلين من ذِكْر الله، وقلوب تقسو منه. فإن قال قائل: كيف يكون الشيء الواحد مؤثِّرًا لنتيجتين متباينتين؟ واضح السؤال؟ شيء واحد يؤثِّر نتيجتين متقابلتين، قلنا: هذا ممكن، وذلك لاختلاف المحل الوارد عليه هذا الشيء، وليس هذا بغريب لا في المعنويات ولا في الحسيات. أما في المعنويات كما رأيتم كلام الله عز وجل، وكما أن الإنسان يلقي الدرس على جماعة بعضهم يلتهمه التهامًا ويفهمه فهمًا تامًّا ويجده لذيذًا، والبعض الآخر يُغلَق عليه ولا يفهمه، ثم إذا أغلقت عليه كلمة واحدة انغلق عليه جميع الدرس، وعجز أن يفهم، والمعلِّم واحد والموضوع واحد. كذلك أيضًا: نجد التمر –وهو تمر النخل معروف- يأكله رجلان أحدهما يكون داءً عليه، والثاني يكون غذاءً، أليس كذلك؟ المصاب بالسكري لو أكل التمر صار داءً عليه، والصحيح لا يكون داءً عليه، نجد الماء يجري على الأرض، أرض تقبله وتشربه وتنبت، وأرض لا تقبله، يسحّ عليها ولا تنتفع به، فهذا ذِكْر الله عز وجل يَرِد على القلب اللَّيِّن فينتفع به، وعلى القاسي فيزداد قسوة، والعياذ بالله. * ومن فوائد هذه الآية: أن القاسية قلوبهم من ذِكْر الله على عكس مَن شرح الله صدره للإسلام، مَن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور، ومَن قَسَا قلبه من ذِكْر الله فهو في ضلال مبين. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين قَسَت قلوبهم مِن ذِكْر الله قد انغمسوا انغماسًا تامًّا في الضلال، من أين يؤخذ؟ * طلبة: (...). * الشيخ: لأن (في) أيش؟ للظرفية، والظرف محيط بالمظروف، المظروف دون الظرف، في جوفه، فكأن هؤلاء انغمروا في أيش؟ في الضلال وأحاط بهم إحاطة الظرف بمظروفه، ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، نسأل الله لنا ولكم الهداية والنور (...).

الزمر 39:22

ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ [الزمر ٢١] تعلم، ﴿أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ إلى آخره، الهمزة هنا للاستفهام، والغالب أن الهمزة -همزة الاستفهام- إذا دخلت على نفي أن تكون للتقرير، فمعنى ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أي: قد رأيت، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١] أي: قد شرحنا لك صدرك، فيكون الاستفهام هنا للتقرير، أما (لم) فهي حرف جزم ونفي وقلب. وتفسير المؤلف (ترى) بـ(تعلم) هذا فيه احتمال أن الرؤيا هنا رؤية العلم، وفيه احتمال أن الرؤية رؤية البصر، فإن كان شيئًا مشاهدًا للإنسان، حيث يكون حوله فهي رؤية بصر تتبعها رؤية العلم، وإن كان بعيدًا يسمع عنه سماعًا فهي رؤية علم، والخطاب في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ إما للنبي ﷺ، وإما لكل من يتأتَّى خطابه؛ أي: من يصح منه الخطاب. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الزمر ٢١]، ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: من العلو، وليس المراد بذلك السماء السقف المحفوظ؛ لأن من المعلوم أن المطر ينزل من السحاب، والسحاب قد بيَّن الله في آية أخرى أنه مسخر بين السماء والأرض، وعلى هذا فيكون المراد بالسماء العلو، وقوله: ﴿مَاءً﴾ هو المطر. ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر ٢١]، (سلكه) بمعنى أدخله، ومنه سِلْك الخرز يدخل فيها حتى ينظمها، وقوله: ﴿يَنَابِيعَ﴾ جمع ينبوع، يقول المؤلف: أي أدخله في أمكنة نبع، أدخله في الأرض ينابيع؛ يعني ينبع متى أراده الإنسان، وذلك من تمام الحكمة وتمام الرحمة؛ لأن هذا الماء لو بقي على ظهر الأرض لأنتن وفسد، ولأفسد غيره أيضًا، فكان من رحمة الله أن يدخله في الأرض يخزنه، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المؤمنون ١٨]، ﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر ٢٢]. وقوله: ﴿يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ [الزمر ٢١]، ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ﴾ ﴿ثُمَّ﴾ تدل على الترتيب بمهلة؛ لأن هذا الذى يخرج بالمطر لا يخرج فورًا، ولكنه يخرج بالتدريج؛ لأن هذه سنة الله سبحانه وتعالى أن تكون الأشياء بالتدريج؛ لئلا يحصل التصادم في الكون. ﴿يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا﴾ ﴿بِهِ﴾ الباء للسببية؛ أي: بسببه، وليس المطر هو الذى يخلق هذا النبات، ولكنه سبب له. ﴿زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ ﴿مُخْتَلِفًا﴾ هذه صفة لـ(زرع)، ولكن هل المختلف الزرع ولّا لونه؟ * طالب: لا لونه. * الشيخ: ﴿أَلْوَانُهُ﴾ فهنا الصفة عادت إلى غير الموصوف معنى، ويسمي العلماء -علماء النحو- يسمون هذا النعت نعتًا سببيًّا؛ لأن معناه يعود إلى غير المنعوت، فهو تابع للمنعوت في الإعراب، ولكن معناه لغيره، كما لو قلت: رأيت رجلًا كريمًا أبوه، من الكريم؟ * طالب: أبوه. * الشيخ: الأب، والصفة يعني إجراء من حيث الإعراب على مَن؟ * الطالب: أبوه. * الشيخ: لا، على الرجل، ولذلك تقول: (كريمًا) نعت لـ(رجل) أو صفة لـ(رجل) مع أن حقيقة الوصف في غيره، يُسمى هذا نعتًا سببيًّا ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ كيف اختلاف هذه الألوان؟ هل المراد بالألوان الأشكال أو الألوان التلوين؟ أو يشمل؟ * طالب: يشمل. * الشيخ: يشمل هذا أو هذا، فألوانه يعني أصنافه، ويعني أيضًا اللون، فهذا الزرع الذى يخرج من الأرض بالمطر تشاهدونه يختلف في ألوانه، ويختلف في أشكاله، واخرجوا -إن شئتم- إلى أدنى شارع من هنا تجدون الاختلاف العجيب، شجرتان إلى جنب ومع ذلك تجد هذه أوراقها مختلفة عن هذه وتجد لونها مختلفًا عن الأخرى، وتجد الزهرات التي فيها أيضًا تختلف، وتجد الثمر الذى يخرج منها يختلف، مع أن الماء واحد والأرض واحدة. يقول: (﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ﴾ [الزمر ٢١] ييبس، فتراه بعد الخضرة مثلًا مصفرًّا) هذا النبات الذى خرج يسر الناظرين مختلف الألوان أصابه ريح أو حر شديد، أو مع طول الزمن يهيج يعنى ييبس ﴿فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾ بعد أن كان أخضر ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا﴾ فتاتًا متحطمًا؛ لأنه إذا ييبس تكسر، ثم تحطم. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾ [الزمر ٢١] تذكيرًا لأولي الألباب، يعني العقول يتذكرون به لدلالته على وحدانية الله وقدرته، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المشار إليه كل ما سبق إنزال المطر من السماء، إدخاله ينابيع في الأرض، إخراج الزرع به، عود الزرع إلى الاصفرار والتحطم، هذه عدة أشياء تذكِّر الإنسان إنزاله من السماء وإدخاله في الأرض وإخراج الزرع به واختلاف الألوان، هذا كله ذكرى يتذكر به أولو الألباب على قدرة الله عز وجل وعلى رحمته وعلى حكمته. ﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾ [الزمر ٢١] إلى آخره، يتذكر به أولو الألباب على أن كل ما كمل من الدنيا عاد ناقصًا، ويدل على أن هذا من المراد قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ [يونس ٢٤]. إذن الذكرى هنا ليست مجرد الدلالة على وحدانية الله وقدرته، بل هي أشمل، ومن أهمها الدلالة على أن ما كمل في الدنيا فمآلها إلى النقص، فالصحة مآلها إلى المرض، والحياة مآلها إلى الموت، وهكذا قِسْ كل ما في الدنيا على هذا المثال. ثم قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر ٢٢] كمن طُبِع على قلبه؟! ﴿أَفَمَنْ﴾ الهمزة للاستفهام والفاء عاطفة على إما شيء مقدر، أو على ما سبق، على حسب ما فصلنا أمس. ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾، ﴿شَرَحَ﴾ بمعنى وسَّع، ومنه قولنا: فلان شرح كتاب فلان؛ يعني: وسعه، ﴿شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ المراد بالصدر ما في الصدر أو المراد الصدر نفسه ينشرح؟ * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، يحتمل أن يُراد ما في الصدر، أن الله يوسع القلب فيجعله منفتحًا، فيجعله منفتحًا للإسلام لا يضيق به ذرعًا، ويحتمل أنه الصدر نفسه؛ لأن الإنسان يحس بالشيء إذا غمه أن صدره يضيق، نفس الصدر يضيق، وإذا جاءه ما يفرحه نفس الصدر ينشرح وإن كان أصل القلب، لكن نفس المكان -مكان القلب- يكون فيه اتساع وضيق، وهذا الشيء مشاهد، فإبقاء الآية على ظاهرها، وهو أن المراد بالصدر حقيقته، حقيقة الصدر أولى، فينشرح الصدر للإسلام، ويتقبل جميع شرائعه، يتقبل الشرائع، إن أُمِر بالشيء انشرح لقبوله والعمل به، وإن نُهي عن شيء انشرح لقبوله واجتنابه، وإن أُخبر عن شيء انشرح لقبوله وتصديقه، وهكذا. وقس هذا برجل فاسد، إذا أمرته بالصلاة تجده يضيق صدره، وربما يقول: أنا مانا بصلي ليك، دعني. وما أشبه ذلك، وبعض الناس إذا أمرته وذكرته فرح وانشرح صدره، وقد بيَّن الله في سورة الأنعام صورة قريبة مُقربة لهذا المعنى، فقال سبحانه وتعالى في سورة الأنعام: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام ١٢٥] يعني شديد الضيق ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام ١٢٥] يعني كأنه إذا عُرِض عليه الإسلام يصعَّد في السماء؛ أي يتكلف الصعود. وقد اختلف العلماء في معنى ﴿يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾، هل معناه ما اشتهر الآن من أن الإنسان كلما ارتفع في الجو كثر عليه الضغط، أو أن المعنى يصعد جبلًا عاليًا شامخًا يتعب في رُقِيِّه؟ المفسرون السابقون لا شك أنهم لا يعرفون مسألة الضغط، المتأخرون يعرفون، والله عز وجل يعلم هذا وهذا، والآية صالحة للأمرين؛ لأنك لو تصورت جبلًا صعب الرقي وعاليًا -يعني: في السماء، معناه عالٍ- وصعده الإنسان يتكلف أو لا؟ يتكلف لا شك، يتكلف، لا سيما كان عنده ضعف، يتعب جدًّا. وإذا قلنا بأنه المراد بذلك؛ أن الإنسان يصعد في السماء فوق الغلاف الجوي، فهو واضح أيضًا، فيقول عز وجل: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الزمر ٢٢]. قلنا: علامة شرح الصدر قبول الخبر، والتصديق قبول الأمر وامتثاله، قبول النهي واجتنابه، لا يكون عنده تردد، فهذا لا شك أن الله سبحانه وتعالى يجعله كما قال: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر ٢٢]، قال المؤلف: (فاهتدى) ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ﴾ فأفادنا المؤلف أن في الآية حذفًا تقديره: فاهتدى، ويؤيده: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ﴾، ولكن الواقع أنه لا حاجة إلى هذا التقدير، فمن شرح الله صدره للإسلام ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾، مجرد أن يشرح الله صدره للإسلام فهو على نور، وهو إذا شرح الله صدره للإسلام فهو سيهتدي قطعًا، وقوله: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ نور حسي أو معنوي؟ * طالب: معنوي يا شيخ. * الشيخ: معنوي فهو معنوي فهو على نور ولو كان في حجرة مظلمة وعلى نور يعني يجد نفسه أنه يمشي على نور وقوله: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ يشمل نور الدنيا ونور الآخرة قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [الحديد ١٢]. وقوله: ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾ الربوبية هنا مضافة إلى هذا الذى شرح الله صدره للإسلام، وهي ربوبية خاصة؛ لأنها أضيفت إلى من هداه الله، في الآية شيء محذوف دلت عليه الهمزة، وقدره المفسر -رحمه الله- بقوله: (كمن طبع على قلبه). ولو أن المؤلف قال كمن ضاق صدره بالإسلام لكان هذا أنسب في المقابلة؛ لأنه ينبغي أن تجعل مقابل الشيء مضادًا له، ولا تأتي بشيء آخر، فمثلًا لو قال الله تعالى: أفمن وسع الله قلبه، لكان المناسب أن يكون المقدر كما قال المؤلف، لكن ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ﴾ نقول: كمن ضيق الله صدره بالإسلام فضاق به ذرعًا؟ والجواب لا، فيكون الاستفهام مع المقدر للنفي. من لم يشرح له صدره فهو على ظلمة؟ نعم، من لم يشرح الله صدره للإسلام فإن قلبه مظلم، والعياذ بالله، ليس فيه نور، لا نور علم، ولا نور إيمان. قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ﴾ كلمة عذاب ﴿لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾، ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ﴾ (ويل) مبتدأ، و﴿لِلْقَاسِيَةِ﴾ خبره، و﴿مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ متعلق بـ(القاسية)، (ويل) قال المؤلف: إنها (كلمة عذاب)، وما قاله المؤلف أصح مما قيل إنها واد في جهنم؛ لأن الإنسان يقال له: ويل لك من كذا في غير النار، ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة ٧٩]، فهي كلمة عذاب ووعيد. ﴿لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (القاسية): اسم فاعل، و﴿قُلُوبُهُمْ﴾ فاعل به، والقاسي ضد الليِّن، والليِّن قلب المؤمن، والقاسي قلب الكافر، وقوله: ﴿مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: عن قبول القرآن، فأفاد المفسر -رحمه الله- أن (من) بمعنى (عن)، وأن المراد بذكر الله القرآن؛ يعني: فويل للذين تقسو قلوبهم عن القرآن، ولكن الأولى إبقاء الآية على ظاهرها، وأن قوله: ﴿مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: أن (مِنْ) للسببية؛ أي: تقسو قلوبهم بسبب ذكر الله، وأن المراد بذكر الله ما هو أعم من القرآن، ويكون المعنى أن هؤلاء كلما ذكر الله قست قلوبهم، ووجه ذلك أنهم لا يريدون ذكر الله، فإذا كرهوا ذكر الله قسا القلب عقوبة لهم، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة ١٢٤، ١٢٥]. فتجد هؤلاء القوم -أعني المؤمنين- تزيدهم السورة إيمانًا، والآخرون -الذين في قلوبهم مرض- تزيدهم رجسًا إلى رجسهم. إذن نقول: القاسية قلوبهم من ذكر الله؛ يعني: الذين إذا ذُكِر الله قست قلوبهم عن قبوله، يعني لا يقبلونه، فإذا لم يقبلوه ازدادت قلوبهم قسوة من ذكر الله، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر ٢٢]، ﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليهم؟ * طالب: القاسية قلوبهم. * الشيخ: القاسية قلوبهم ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، قال المؤلف: (بَيِّن)، وقوله: ﴿فِي ضَلَالٍ﴾، ﴿فِي﴾ للظرفية، وما أحسنها في هذا الموضع إشارة إلى أن الضلال قد أحاط بهم من كل جانب كما تحيط الحجرة بساكنها، وإذا كان الضلال قد أحاط بهم من كل جانب فإنه لا يرجى لهم خير، والعياذ بالله؛ لأنهم في ضلال مبين. قابل هذه: ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ بقوله: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ يتبين لك أن النور في الآية نور العلم، ونور الإيمان، وضد العلم الضلال. * نأخذ الفوائد، يقول الله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الزمر ٢١] إلى آخره، * من فوائد هذه الآية: بيان قدرة الله عز وجل في إنزال هذا المطر من السماء، لأنه لا يمكن لأحد أن يستطيع إنزاله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [لقمان ٣٤]. * ومن فوائدها: حكمة الله ورحمته حيث جعل هذا الماء ينزل من السماء؛ لأنه لو كان ينبع من الأرض لم تستفد به عامة الأرض من وجه، ولم يصعد إلى قمم الجبال إلا إذا أغرق الناس الذين تحت الجبال، فكان من الحكمة أنه ينزل من السماء ليعم المرتفع والمنخفض، وليشمل الأرض كلها. * ومن فوائد هذه الآية أيضًا: بيان حكمه الله عز وجل في كيفية نزول هذا الماء كيف ينزل؟ ينزل قطرات، لو نزل صبًّا كما تصب أفواه القرب لأهلك الناس وهدم البناء، ولكن من رحمة الله عز وجل أنه ينزل قطرات. * من فوائد هذه الآية: أن (السماء) يطلق على العلو، ويترتب على هذه الفائدة أن قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك ١٦] يمكن أن يُراد به مَن في العلو. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله ورحمته بالعباد، حيث سلك هذا الماء ينابيع في الأرض، ولم يبق راكدًا على ظهرها لما في ذلك من الحكمة والرحمة، يكون مخزونًا في الأرض متى أراده الناس استخرجوه. * ومن فوائد الآية: بيان قدرة الله، حيث أخرج بهذا الماء ذلك الزرع المختلف الألوان. * ومن فوائدها: إثبات الأسباب، ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ﴾ إثبات الأسباب. * ومن فوائدها: أن السبب لا يستقل بالتأثير في المسبَّب؛ لقوله: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ﴾، فأضاف الإخراج إلى الله، وهذا هو الذي عليه سلف الأمة وأئمتها؛ أن الأسباب لها تأثير في المسببات، ولكن تأثيرها بفعل الله لا يرجع إليها استقلالًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل، حيث أخرج هذا الزرع المختلف الألوان مع أنه يتغذى بماء واحد ومن طينة واحدة؛ لقوله: ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾. * ومن فوائدها: أن كمال الدنيا مؤذن بنقصها؛ لأن الله ضرب ذلك مثلًا للدنيا، كما في الآية التي سقناها في التفسير. * من فوائد هذه الآية: أن الذين يتذكرون بآيات الله الكونية هم أولو العقول، وأما من لا يتذكر بها ويقول: هذه طبيعة تتفاعل وتتجارى فإنه لا عقل له. * ومن فوائد هذه الآية: أنه ينبغي للإنسان أن يستعمل عقله في مخلوقات الله عز وجل؛ ليتذكر به في ما لهذه المخلوقات أو فيما في هذه المخلوقات من عظمة الخالق؛ لأنه قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر ٢١]. ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الزمر ٢٢] إلى آخره، في هذه الآية نفي التساوي بين الفريقين؛ من شرح الله صدره للإسلام ومن لم يشرح؛ لأن الاستفهام هنا بمعنى النفي. * ومن فوائدها: أن الهداية بيد الله لقوله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ﴾، ويتفرع على هذه الفائدة أنه متى علم الإنسان أن الهداية بيد الله فإنه لا يلتفت في طلب الهداية إلا إلى الله. وأيضًا إذا عَلم أن الهداية بيد الله لا يُعجب بنفسه إذا اهتدى، بل يقول لنفسه: لولا أن الله هداها لكان ضالًا، فلا يقول: إنما أوتيته على علم عندي، أو يقول: هذا لي، بل يعترف بفضل الله عليه، وأنه لولا هداية الله ما انتفع. * * * (...) إلى يوم الدين، نفتتح جلساتنا الصيفية هذا العام في هذا اليوم السبت الثامن عشر من شهر محرم عام ثلاثة عشر وأربع مائة وألف، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك لنا في عملنا وفي علمنا، ودراستنا متنوعة فيها التفسير والحديث والفقه والتوحيد وأصول الفقه وهي موزعة بين الأيام ما عدا التفسير والحديث والفقه، فإن هذه الثلاثة ثابتة في كل يوم. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣) أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٥) فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٢٢ - ٢٦]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ الهمزة هنا للاستفهام، والفاء حرف عطف، والمعطوف عليه ما سبق، على أحد الوجهين عند علماء النحو، وقيل: إن الفاء عاطفة على مُقدر بعد الهمزة، والتقدير: أغفلتم فلم تدركوا هذا الأمر؟ فمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ليس كمن لم يكن كذلك. ونحن (...). * طالب: ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٥) فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٢٥، ٢٦]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾. طالب: ﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٢٦]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر ٢٢] الهمزة هنا للاستفهام، والفاء حرف عطف، والمعطوف عليه ما سبق على أحد الوجهين عند علماء النحو. وقيل: إن الفاء عاطفة على مقدَّر بعد الهمزة، والتقدير: أغفلتم فلم تدركوا هذا الأمر؟ فمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ليس كمن لم يكن كذلك. ونحن لدينا قاعدة: أنه إذا اختلف النحاة في أمر فإننا نتبع الأسهل؛ لأن المسألة اجتهادية، وإذا كان كذلك فإننا نرى أن الهمزة للاستفهام، والفاء عاطفة على ما سبق، وأن محل الهمزة بعد فاء العطف، والتقدير: فأَمَنْ شرح الله صدره. وقوله جل وعلا: ﴿شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ﴾ شرح بمعنى وسَّع، ومنه: شَرْح الكتاب، لأنه يُوَسَّع ويُبْسَط. وقوله: ﴿شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ المراد بالصدر هنا القلب؛ لأنه محله، فعبَّر به عنه، وقد يقال: إن المراد بالصدر حقيقة الصدر، بدليل أن الإنسان إذا اغتم يجد صدره وكأن عليه حصى الرحى من الضيق دون أن يشعر أن هذا يمس قلبه، فيكون المراد بالشرح هنا شرح الصدر نفسه، والمؤدَّى واحد. وقوله: ﴿لِلْإِسْلَامِ﴾ أي: لقبوله والتزامه، والإسلام له معنيان: المعنى الأول عام، والثاني خاص. فالعامّ يشمل كل مَن استسلم لله سبحانه وتعالى بطاعته (...). حين كان الشرع قائمًا، يشمل كل مَن استسلم لله بطاعته حين كان الشرع قائمًا، وعلى هذا فاليهود في زمن موسى مسلمون، وفي زمن عيسى كافرون، والنصارى في زمن عيسى مسلمون، وفي زمن محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم كافرون، ولذلك نجد أن الله عز وجل يصف بالإسلام قوم نوح فمَن بعدهم. أما المعنى الخاص للإسلام فهو ما كان خاصًّا بشرع محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فالناس بعد بعثة محمد صلى الله عليه وآله وسلم إما مسلمون وإما كافرون فالمسلمون مَن اتبع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم دون غيره، وهذا يسمى الإسلام الخاص. فقوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران ١٩]، ماذا يعني به؟ يعني به الإسلام الذي بعث به محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يمكن لأحد أن يدعي أنه مسلم بعد بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إلا إذا كان متَّبِعًا له؛ لأن الإسلام بعد بعثته صار خاصًّا بمن اتبع شريعته، فهنا ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ هل نفسره بالمعنى العام أو بالمعنى الخاص؟ * طلبة: الخاص. * الشيخ: إذا فسَّرناه بالمعنى العام شمل حتى مَن شرح الله صدره للإسلام في عهد الأنبياء السابقين، ومن شرح الله صدره للإسلام في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فأيهما ترون؟ * طالب: الخاص. * طلبة: العام. * الشيخ: العام؛ لأن ممن سبق مَن شرح الله صدره للإسلام، قال موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ [طه ٢٥، ٢٦]. لكن إذا كان الخطاب موجهًا إلى ما بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فإنه يتعين أن يكون المراد به الخاص. وقوله: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾، الفاء هذه عاطفة للتفريع، يعني: فهو إذا شرح الله صدره على نور من ربه. نور معنوي يسير الإنسان فيه على شرع الله، وكأن بيده قنديلًا يهتدي به إلى الطريق؛ لأن الله شرح صدره للإسلام فلا يضيق به. ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾، يبقى عندنا الهمزة في: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ للاستفهام، فأين مقابل ذلك؟ مقابله ما يقابل في المعنى، الذي يقابل انشراح الصدر في المعنى كمن ضاق صدره بالإسلام، أفمن شرح الله صدره للإسلام كمن ضاق صدره به؟ والجواب: نعم أو لا؟ يعني هل يستوي مَن شرح الله صدره للإسلام ومَن ضاق صدره به؟ لا. إذن: فالمقابل أو المعادل -إن شئت- المعادل محذوف دلَّ عليه السياق، والمعنى: أفمن كان كذلك كمن لم يكن كذلك؟ فمن شرح الله صدره ليس كمن لم يشرح الله له صدره، ولا شك أن الفرق بينهما عظيم أبعد مما بين السماء والأرض؛ لأن من شرح الله صدره للإسلام -وأسال الله أن يجعلني وإياكم منهم- يجد نفسه قابلًا لشرائع الإسلام مسرورًا بها، يفرح إذا أدى طاعة من طاعات الله، ويحزن إذا فعل معصية من معصية الله، حتى إن الذين بلغوا الغاية في هذا يغتمُّون لما حصل منهم من خلل، وإن لم يكن عن قصد، يعني إذا فاتته عبادة يجد نفسه في غم وحزن وهو لا يشعر بذلك. وأضرب لهذا مثلًا بالنبي صلوات الله وسلامه عليه، لما سلّم من ركعتين من صلاة الظهر ماذا صنع؟ انفتل من صلاته وكأنه مغموم، قام على غير عادته إلى خشبة في قبلي المسجد واتكأ عليها ووضع يديه هكذا، كأنه مُغْضَب، لماذا؟ لأن صلاته لم تتم، فانقبضت نفسه من حيث لا يشعر، لكن هذا لكمال درجاته عليه الصلاة والسلام أن الله عز وجل يجعل في نفس الإنسان انقباضًا وإن كان لا يشعر؛ لأنه لم يُتِمّ العبادة المطلوبة منه، اتكأ عليها وشبَّك بين أصابعه كذا كجلسة المهموم حتى ذكر[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٢)، ومسلم (٥٧٣ / ٩٧) من حديث أبي هريرة.]]. إذن مَن شرح الله صدره للإسلام يجد نفسه مرتاحًا مسرورًا للقيام بشرائع الإسلام، وبالعكس، إذا أخل بشيء منها أو انتهك معصية من معاصي الله. وقوله: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر ٢٢]. قال المؤلف رحمه الله المفسر: (﴿﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ ﴾ فاهتدى ﴿﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ ﴾ كمن طبع على قلبه دلّ على هذا قوله: ﴿﴿فَوَيْلٌ﴾ ﴾) إلى آخره. هكذا ذهب المؤلف -رحمه الله- في تفسيره، أي أنه استدل على المحذوف بما ذكر بعد، ولو أردنا أن نستدل على المحذوف بما ذكر بعد على سبيل المطابقة لقلنا: كمن قَسَا قلبه، ولا نقول: كمن طبع على قلبه؛ لأن الله قال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ﴾، وإذا كنت تريد أن تستنبط الجواب مما ذكر فاجعله مطابقًا له، وحينئذٍ نقول: كمن قَسَا، لكن ما ذكرناه أولًا هو الصواب؛ أن يذكر المعادل على خلاف المذكور، فيكون المعنى: أفمن شرح الله صدره للإسلام كمن ضيَّق الله صدره للإسلام، أو كمن لم يشرح الله صدره للإسلام. ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾، قال المؤلف: ﴿فَوَيْلٌ﴾، هنا لعلنا نشرح أو نفسِّر حسب ما عندنا ثم نعود إلى كلام المؤلف حتى لا يتقطع علينا. قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾، ﴿وَيْلٌ﴾ مبتدأ، و﴿لِلْقَاسِيَةِ﴾ خبره، ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ﴾. و(الويل) على ما هو الراجح: كلمة وعيد، وقيل: إنها وادٍ في جهنم؛ والأصح: أنها كلمة وعيد، وسَوَّغ الابتداء بها وهي نكرة كونها وعيدًا، وربما يقال: إنه سَوَّغَ الابتداء بها وهي نكرة كونُها دالة على وصف شديد، أي: فويل عظيم، أو شديد للقاسية قلوبهم من ذكر الله. وقوله: ﴿لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾، القسوة الشدة بحيث إذا لمست الشيء لم ينضغط بضغطك عليه، مثل؟ الحجر، وقد ضرب الله عز وجل قسوة القلب بالحجارة، فقال: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أو أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة ٧٤]. وهنا يسأل السائل يقول: لماذا لم يقل: فهي كالحديد؛ لأن الحديد يكسر الحجارة، والحجارة لا تكسر الحديد؟ والجواب عن ذلك أن نقول: الحديد يلين، بماذا؟ بإحمائه على النار، والحجارة لا تلين، فلهذا شُبِّهَت قسوة القلوب بالحجارة. القاسية قلوبهم يعني معناه: التي قست فلم تَلِنْ للحق، نسال الله العافية. وقوله: ﴿مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (من) قيل: إنها بمعنى (عن)؛ للقاسية عن، ولكن الأظهر أنها على بابها، وأن المعنى: أن قلوبهم تقسو من الذكر بدل أن كان المفروض أن تلين، ويدل لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة ١٢٤، ١٢٥] أي: زادتهم صلابة وقسوة. وعلى هذا فنقول: للقاسية قلوبهم مِن الذِّكْر، أي: كلما ذُكِرَ الله قست قلوبهم، عكس المؤمن؛ فإنه كلما ذُكِرَ الله لَانَ قلبه، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد ١٦]. ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، ﴿أُولَئِكَ﴾: المشار إليه القاسية قلوبهم، وأشار إليهم بإشارة البعيد للتنويه بسُفُولِهم وانحطاط مرتبتهم؛ لأن الإشارة بالبعيد تارة تكون إشارة إلى عُلُوّ المرتبة، وتارة تكون إشارة إلى انحطاط المرتبة. ففي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة ٢] لعُلُوّ المرتبة، وفي قوله هنا: ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ لانحطاط المرتبة. فإن قال قائل: هذه المعاني التي تختلف واللفظ واحد، ما الذي يُعَيِّن أحد المعنيين؟ نقول: يُعَيِّنه السياق وحال المتحدث عنه؛ لأن السياق والقرائن كل منهما يعيِّن المراد: ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، ﴿فِي ضَلَالٍ﴾، الضلال: بمعنى التِّيهِ وعدم إصابة الحق، فهؤلاء في ضلال أي تائهون لم يصيبوا الحق. و(المبين) هنا تحتمل أن تكون من (أَبَانَ) اللازم، ومن (أَبَانَ) المتعدي -خليكم معنا- فيه كلمتان: (بَانَ) و(أَبَانَ)، (بَانَ) لازم أم متعدٍّ؟ * طلبة: لازم. * الشيخ: لازم، تقول: بَانَ الأمر، بَانَ الصبح، بَانَ المعنى. بالهمز: تَصِحُّ أن تكون متعدية، وأن تكون لازمة، حسب السياق. تقول –مثلًا-: أَبَانَ الفجر، بمعنى: بَانَ، أي: ظهر، وتقول: أَبَانَ الرجل الحقَّ، بمعنى: أظهره. فهنا ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، هل هي من اللازم أو من المتعدي؟ * طالب: من اللازم. * الشيخ: الظاهر أنها من اللازم، أي في ضلال بَيِّن ظاهر. نرجع إلى كلام المؤلف، يقول رحمه الله: (﴿﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ ﴾ فاهتدى ﴿﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ ﴾ كمن طُبِعَ على قلبه، دَلَّ على هذا ﴿﴿فَوَيْلٌ﴾ ﴾ كلمة عذاب) إلى آخره. كلام المؤلف في قوله: (كمن طُبِعَ على قلبه)، فيه نظر؛ لأننا إذا أردنا أن نقول: إن المحذوف دَلَّ عليه المذكور، فإنه يجب أن نقدِّره بما يطابق المذكور، فنقول: كمن قَسَا قلبُه، على أن القول الراجح ما سبق أن قرَّرْناه، وهو أن يذكر المعادل بمعنى المقابل لأيش؟ للمذكور، فيقال: فمن شرح الله صدره كمن لم يكن كذلك. ثم قال المؤلف: (﴿﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ﴾ ﴾ كلمة عذاب)، ولو قال: كلمة وعيد، لكان أحسن؛ لأنه يتوعد بها، حتى في عرفنا الآن تقول: ويل لك، أي تتوعده بهذا بما تريد. وقوله: ﴿لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: عن قبول القرآن، فجعل المؤلف رحمه الله الذِّكْر مرادًا به القرآن، وجعل (مِن) بمعنى (عن). أما كون الذِّكْر بمعنى القرآن فلا شك أن القرآن ذِكْر، قال الله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس ٦٩]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف ٤٤]. ولكن الأولى أن نفسِّر ذِكْر الله هنا بما هو أعم، فنقول: المراد به القرآن لا شك؛ لأنه من ذِكْر الله وما هو أعم من ذلك، بحيث نقول: إنه إذا ذُكِرَ الله قَسَت قلوبهم، سواء بالقرآن أو بغير القرآن، هذا هو الأصح. وأما كون (من) بمعنى (عن) فقد سبق أن قلنا: إن الصواب أنها على بابها. وقوله: إن (من) بدل (عن)، هذا مبنيّ على مسألة خلافية بين النحويين الكوفيين والبصريين، إذا جاء الحرف في غير موضعه فهل هو نائب عن حرف يكون مناسبًا للسياق، أو أن المتعلق به يقدَّر بمعنى يناسب الحرف؟ أنتم فاهمون؟ تمام. قال الله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان ٦]، العين لا يُشْرَب بها، العين يُشْرَب منها، فهنا اختلف النحويون: هل الباء بمعنى (من) فيكون حرفٌ ناب عن حرف، أو ﴿يَشْرَبُ﴾ بمعنى يَرْوَى؛ يروى بها عباد الله، فيكون الشرب مضمَّنًا معنى الرِّيّ، والرِّيّ يتضمن الشرب، وأيش؟ وزيادة، يتضمن الشرب وزيادة، في هذا خلاف بين النحويين الكوفيين والبصريين؛ وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يرجِّح القول الثاني؛ أن الفعل مضمَّن معنى يتناسب مع أيش؟ مع الحرف؛ لأننا إذا قلنا بالتضمين استفدنا فائدتين: استفدنا مدلول المذكور، ومدلول المضمَّن؛ لأنك إذا قلت: يَرْوَى بها، استفدنا أنهم يشربون، وأيش؟ ويَرْوون، لكن إذا قلنا: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾: يشرب منها، لم نستفد إلا؟ إلا معنى واحدًا، فالتضمين فيه زيادة معنى، لكن جَعْل حرف بدل حرف لا نستفيد به معنى زائدًا، فصار القول الراجح في هذه المسالة ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو أيش؟ أن الفعل يُضَمَّن معنى يناسب الحرف، ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾. قال المؤلف: قال الله تعالى: (﴿﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ ﴾ بَيِّن)، فجعل المبين هنا من اللازم أو من المتعدِّي؟ * طلبة: من اللازم. * الشيخ: من اللازم. ثم قال: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا﴾ [الزمر ٢٣]، الفوائد صح؟ * من فوائد الآية الكريمة: بيان تفاضل الناس في قبول الحق، وأن منهم مَن يقبل الحق بانشراح، ومنهم مَن ليس كذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن مَن شرح الله صدره للإسلام فقَبِل الحق فإنه على نور من الله. * ويتفرع على هذا: زيادة علمه؛ لأن العلم نور كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء ١٧٤]. * ويتفرع عليها أيضًا -على هذه الفائدة-: قوة الفراسة؛ أن الله تعالى يعطي الإنسان فراسة بحيث يعلم ما في قلوب الناس من لمحات وجوههم، بل أكثر من ذلك، يستدل بالحاضر على الغائب، ويعطيه الله تعالى استنتاجات لا تكون لغيره، وقد ذكر ابن القيم -رحمه الله- في كتاب مدارج السالكين على كلامه على الفراسة، ذكر عن شيخ الإسلام ابن تيمية كلامًا عجيبًا في فراسته -رحمه الله- وإن كان ذكر أشياء قد لا تكون مقبولة، ولكنه ذكر شيئًا كثيرًا، ويستدل لذلك بقوله: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾. * ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أن مَن شرح الله صدره للإسلام فإن له ربوبية خاصة وعناية خاصة من الله، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾، فإن هذه الربوبية خاصة غير الربوبية العامة، فربوبية الله سبحانه وتعالى لخلقه نوعان: عامة، وخاصة. فالعامة كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة ٢]. والخاصة كقول الله تبارك وتعالى عن أولي الألباب الذين يتفكَّرون في خلق السماوات والأرض يقولون: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ [آل عمران ١٩١] إلى آخره. وقد اجتمع النوعان في قوله تعالى عن سحرة آل فرعون: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢] فالأول عامّ، والثاني خاصّ. * ومن فوائد الآية الكريمة: الوعيد الشديد لمن قَسَا قلبه عن ذِكْر الله؛ لقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾. * ومن فوائدها: أنك إذا رأيت من قلبك عدم لِين لذِكْر الله فعالِجْ نفسك، عالجها لتسلم من هذا الوعيد، وهذا يشكو منه الناس كثيرًا، ونشكو منه نحن أيضًا، أحيانًا يقسو القلب ولا يلين، يقرأ الآيات العظيمة الرادعة ولكنه لا يتأثر، وأحيانًا يقرأ نفس الآيات ثم يتأثر، فإذا عرفت من نفسك قسوة القلب فالجأ إلى الله عز وجل واسأله أن يُلِينَ قلبك لذِكْرِه، وتأهَّب للوعيد إذا لم يتداركك الله بلطفه ومغفرته. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القلوب تنقسم إلى قسمين: قلوب تلين من ذِكْر الله، وقلوب تقسو منه. فإن قال قائل: كيف يكون الشيء الواحد مؤثِّرًا لنتيجتين متباينتين؟ واضح السؤال؟ شيء واحد يؤثِّر نتيجتين متقابلتين، قلنا: هذا ممكن، وذلك لاختلاف المحل الوارد عليه هذا الشيء، وليس هذا بغريب لا في المعنويات ولا في الحسيات. أما في المعنويات كما رأيتم كلام الله عز وجل، وكما أن الإنسان يلقي الدرس على جماعة بعضهم يلتهمه التهامًا ويفهمه فهمًا تامًّا ويجده لذيذًا، والبعض الآخر يُغلَق عليه ولا يفهمه، ثم إذا أغلقت عليه كلمة واحدة انغلق عليه جميع الدرس، وعجز أن يفهم، والمعلِّم واحد والموضوع واحد. كذلك أيضًا: نجد التمر –وهو تمر النخل معروف- يأكله رجلان أحدهما يكون داءً عليه، والثاني يكون غذاءً، أليس كذلك؟ المصاب بالسكري لو أكل التمر صار داءً عليه، والصحيح لا يكون داءً عليه، نجد الماء يجري على الأرض، أرض تقبله وتشربه وتنبت، وأرض لا تقبله، يسحّ عليها ولا تنتفع به، فهذا ذِكْر الله عز وجل يَرِد على القلب اللَّيِّن فينتفع به، وعلى القاسي فيزداد قسوة، والعياذ بالله. * ومن فوائد هذه الآية: أن القاسية قلوبهم من ذِكْر الله على عكس مَن شرح الله صدره للإسلام، مَن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور، ومَن قَسَا قلبه من ذِكْر الله فهو في ضلال مبين. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين قَسَت قلوبهم مِن ذِكْر الله قد انغمسوا انغماسًا تامًّا في الضلال، من أين يؤخذ؟ * طلبة: (...). * الشيخ: لأن (في) أيش؟ للظرفية، والظرف محيط بالمظروف، المظروف دون الظرف، في جوفه، فكأن هؤلاء انغمروا في أيش؟ في الضلال وأحاط بهم إحاطة الظرف بمظروفه، ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، نسأل الله لنا ولكم الهداية والنور (...).

الزمر 39:23

طالب: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣) أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٥) فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٢٣ - ٢٦]. * الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر ٢٣]. في مناقشة الدرس الماضي ما معنى الهمزة في قوله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ﴾؟ * طالب: الهمزة للاستفهام. * الشيخ: والفاء؟ * الطالب: الفاء عاطفة. * الشيخ: والمعطوف عليه؟ * الطالب: قيل: إن المعطوف على ما سبق، وقيل: إن المعطوف على مقدَّر بعد الهمزة. * الشيخ: وعلى الأول؟ * الطالب: معطوف على ما سبق * الشيخ: إي نعم، تكون الهمزة تقدَّر مؤخرة عن العطف، والتقدير؟ * الطالب: أَفَمَن شرح الله صدره للإسلام (...). * الشيخ: لا، ما هو تقدير المعادِل، إذا قلنا: المعطوف على ما سبق، فكيف يكون التقدير؟ * طالب: (...). * الشيخ: فَأَمَنْ؟ * طالب: فَأَمَنْ شَرَحَ. * الشيخ: فَأَمَنْ شرح الله صدره. قوله: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾، هل المراد النور الحسي أو المعنوي؟ * طالب: المعنوي. * الشيخ: المعنوي، ماذا يتضمن؟ * الطالب: (...). * الشيخ: هذا النور ما هو؟ هل هو العلم أو العلم وشيء آخر؟ * الطالب: البصيرة والهدى. * الشيخ: طيب. * طالب: يجعل صدره واسعًا. * الشيخ: لا. * طالب: العلم. * الشيخ: العلم، وغيره؟ * طالب: الفراسة. * الشيخ: الفراسة ومعرفة الأمور. قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾، (مِن) هنا؟ * طالب: قيل: إنها بمعنى (عن)، أو أنها على بابها، أي هذه القلوب قاسية من ذكر الله، أي: بسبب ذكر الله. * الشيخ: وهل يمكن أن يكون ذِكْر الله سببًا للقسوة؟ * طالب: نعم، قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة ١٢٤، ١٢٥] * الشيخ: نعم. قوله: ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، ما معنى ﴿مُبِينٍ﴾؟ * طالب: بَيِّن. * الشيخ: أي: بَيِّن، ذكرنا أن ﴿مُبِينٍ﴾ فِعْلها رباعي أو ثلاثي؟ * طالب: فِعْلُها ممكن أن يكون (بَانَ) أو (أَبَانَ).. * الشيخ: هل هو فعلها ثلاثي أو رباعي؟ * طالب: ثلاثي. * الشيخ: ثلاثي، يعني: بَانَ، الثلاثي بَانَ، الباء والألف والنون، أو رباعي؟ * الطالب: الرباعي أَبَانَ. * الشيخ: الآن (مبين) هل فعلها ثلاثي ولَّا رباعي؟ كلمة مُبِين التي معنا هل فعلها ثلاثي أو رباعي؟ ما عندك علم بالنحو؟ * طالب: ثلاثي. * الشيخ: أيش يقول؟ * طلبة: ثلاثي. * الشيخ: ثلاثي؟ خطأ. * طالب: (...). * الشيخ: لا، مُبِين. * الطالب: من الثلاثي. * الشيخ: من الثلاثي، خطأ. * طالب: من الثلاثي والرباعي. * الشيخ: خطأ. * طالب: من الرباعي، ولكن جاءت لازمة. * الشيخ: نعم، صح، من الرباعي، ولكن جاءت لازمة (مُبِين) مُفْعِل، لا يمكن أن تكون من الثلاثي، (مُكْرِم) من الثلاثي ولَّا الرباعي؟ * طالب: رباعي. * الشيخ: رباعي، هذه نفس الشيء؛ لأن (مُبِين) أصلها (مُبْيِن). إذن (مُبِين) من الرباعي، لكن الرباعي يأتي لازمًا ويأتي متعديًا، بخلاف الثلاثي فإنه لا يأتي إلا لازمًا، أعرفتم؟ -سبحان الله! أنا يعني كنت ظننت أن هذا مفهوم تمامًا. (مُبِين) مِن (أَبَانَ) الرباعي، لكن من (أَبَانَ) اللازم أو المتعدي؟ * طلبة: اللازم. * الشيخ: اللازم؛ لأن (أَبَانَ) تأتي لازمًا وتأتي متعديًا، فقل: أَبَانَ الحقَّ بمعنى أظهره، فهي متعدية، وتقول: أَبَانَ الصبح، بمعنى ظهر الصبح. * * * ثم قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾، هذا بَدْء درس اليوم. ﴿اللَّهُ نَزَّلَ﴾ جملة خبرية اسمية الصدر فعلية العَجُز. ﴿نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا﴾، (نَزَّل) من المضعَّف، ويأتي التعبير أحيانًا بـ(أنزل) من الرباعي الْمَزِيد بالهمزة. واختلف العلماء هل هما بمعنى واحد، يعني: (أنزل) و(نَزَّلَ) معناهما واحد، أو يختلف المعنى؟ والصحيح أن معناهما واحد، إلا مع وجود قرينة، فمع وجود القرينة يكون التنزيل لِمَا ينزل شيئًا فشيئًا، والإنزال لما ينزل جملة واحدة، لكن هذا لا يكون إلا مع القرينة، أما مع عدم القرينة فنَزَّلَ وأنزل بمعنى واحد، ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان ٤٨]، ويقول: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق ٩]، وهما بمعنى واحد، وكذلك في القرآن أحيانًا يقول الله: ﴿أَنْزَلْنَا﴾، وأحيانًا يقول: ﴿نَزَّلْنَا﴾، وهما بمعنى واحد، لكن مع وجود قرينة يكون التنزيل شيئًا فشيئًا، كما في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾، بعدها: ﴿نَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء ١٠٦]، هنا نَزَّلْنَا تختلف عن أَنْزَلْنَا، فهي بمعنى التنزيل شيئًا فشيئًا، بدليل قوله: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾. يقول: ﴿نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا﴾، ﴿أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ (أحسن) اسم تفضيل من الْحُسْن، والْحُسْن يتضمن حُسْن الأسلوب وحُسْن الموضوع. ويشمل قوله: ﴿أَحْسَنَ﴾ هذا وهذا، يعني: أحسن في أسلوبه، وأحسن في موضوعه. أما الأسلوب: فأن يكون مطابقًا للبلاغة في غايتها، إيجاز في موضع الإيجاز، إطناب في موضع الإطناب، توكيد في موضع التوكيد، تخليه من التوكيد في موضع يقتضي ذلك، وهلم جَرّا. كذلك أحسن في الموضوع: موضوعه أخبار وأحكام، فالأخبار أحسنها أصدقها، وأنفعها في العبرة. والأحكام أحسنها أعدلها وأَقْوَمها بمصالح العباد، والقرآن الكريم متضمِّن للأَحْسَنَيْن. الأسلوب أيش بعد؟ والموضوع ﴿أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾. ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾، ﴿كِتَابًا﴾ بدل من ﴿أَحْسَنَ﴾ أو عطف بيان، إذا جعلنا ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ شيئًا واحد، أما إذا جعلنا ﴿كِتَابًا﴾ مستقلًّا عن ﴿مُتَشَابِهًا﴾ فإنه يكون بدلًا ولا يكون عطف بيان. ﴿كِتَابًا﴾ أي: مكتوبًا؛ لأن فِعَال تأتي بمعنى مفعول كثيرًا، ومنه الغِرَاس والبِنَاء والكِسَاء والفِرَاش والغِطَاء، وأمثلة هذا كثيرة في اللغة العربية؛ أن يأتي فِعَال بمعنى أيش؟ مفعول، فإنّ غِرَاسًا بمعنى مَغْرُوس، وبِناءً بمعنى مَبْنِيّ. ﴿كِتَابًا﴾ بمعنى مكتوب، وفي أي شيء هو مكتوب؟ مكتوب في ثلاثة أشياء: في اللوح المحفوظ، وفي الصحف التي بأيدي الملائكة، وفي الصحف التي بأيدينا، القرآن الكريم مكتوب بهذا وهذا وهذا. وقوله: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ يعني يشبه بعضه بعضًا، في أي شيء؟ في الكمال والجودة وحسن الموضوع، لا تجده متناقضًا أبدًا، ولا تجده مختلفًا أبدًا، لكن بحسب المقام؛ تارة يكون المقام يقتضي الاختصار، وتارة يكون المقام يقتضي البسط، فإذا نظرنا إلى سورة (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) والسورة التي قبلها وجدنا بينهما تشابهًا في الحسن، حيث إن كل سورة كانت مناسبة للحديث أو للمتحدَّث عنه، (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) تتحدث عن الرب عز وجل وأسمائه وصفاته، فجاءت بالأسلوب المناسب، و(تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ) تتحدث عن رجل كافر، فصارت بالأسلوب المناسب، لا يقول قائل: أين التشابه بين: (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) وبين (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ)؟ نقول: التشابه معناه أن كل كلام جاء على الوجه المناسب لموضوعه، هذا وجه التشابه، واضح يا جماعة؟ إذن متشابه في أيش؟ في الكمال والجودة وحسن الموضوع، ومن الكمال والجودة أن يكون الكلام مناسبًا لموضوعه، بسط في موضع البسط، وإجمال في موضع الإجمال، وتفصيل في موضع التفصيل، وبسط وتطويل في موضع البسط والتطويل، حسب ما تقتضيه البلاغة. وقال عز وجل: ﴿مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾، ﴿مَثَانِيَ﴾ مأخوذ من التثنية، يعني القرآن مثاني، يعني: من اثنين اثنين. والمثاني أنه يقرن المعنى وما يقابله، فتأمل الآيات الكريمة تجد أنه إذا ذُكِرَت النار ذُكِرَت بعدها الجنة، وإذا ذُكِرَ أهل النار ذُكِرَ بعدهم أهل الجنة، وهكذا، وذلك من أجل ألَّا يَمَلَّ السامع من موضوع واحد، ومن أجل أن يتنقل من تخويف إلى ترغيب، فينشط لفعل الواجبات، ويحذر من فعل المحرَّمات، وهذا من أساليب البلاغة التامة أو الكاملة. ﴿مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾، ﴿تَقْشَعِرُّ﴾ أي: ترتعد عندما تسمع آيات الوعيد والتخويف، ترتعد وتخاف وتضطرب، وقد كان بعض السلف يمرض أيامًا حتى يُعَاد إذا سمع بعض الآيات، كما جرى ذلك لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين تلا قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور ٧، ٨] فمرض أيامًا حتى عاده الناس. وقوله: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾، ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ﴾ أي: يخافونه مع العلم بعظمته وجلاله؛ لأن الخشية لا تكون إلا بعلم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨]، وقد فَرَّقَ العلماء بين الخشية والخوف بوجوه: أولًا: أن الخشية تكون مقرونة بعلم. وثانيًا: أن الخشية تكون من عظمة المخشيّ وإن كان الخاشي عظيمًا. أما الخوف فيكون من ضعف الخائف، وإن كان الْمَخُوف منه غير عظيم، هذان فرقان بين الخشية وبين الخوف؛ أن الخشية تكون بعلم، والخوف قد يكون بِوَهْم، قد يرى الإنسان شبحًا من بُعْد فيخافه وهو ليس بشيء، والثاني أن الخشية تكون أيش؟ لعِظَم الْمَخْشِيّ وإن كان الخاشي عظيمًا، لكن المخشيّ أعظم منه، وأما الخوف فيكون من ضعف الخائف وإن كان الْمَخُوف ليس عظيمًا. ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾، وقوله: ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ هذه الربوبية من الربوبية الخاصة التي مَنَّ الله عليهم بها بالخشية التي ألقاها في قلوبهم. ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، ﴿تَلِينُ﴾ بعد الاقشعرار أو القشعريرة، ﴿تَلِينُ﴾ أي: تطمئن وتهدأ، ﴿إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ أي: منقادة إلى ذِكْرِه، فتكون هذه الليونة غايتها ذِكْر الله عز وجل. ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، يحتمل أن يكون المشار إليه ما حصل لهم من خشية، وعلى هذا فيكون المراد به -المراد بالهداية- هداية التوفيق؛ لأن الخشية عمل، ويحتمل أن يكون المشار إليه ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ﴾، الكتاب الذي هو أحسن الحديث، فتكون الهداية هداية دلالة؛ لأن الكتاب يهدي بمعنى يدل، والتوفيق بِيَدِ مَن؟ بيد الله عز وجل، ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾، هذه الجملة الشرطية بَيَّنَ الله فيها أن مَنْ كَتَبَهُ ضالًّا فما أحد يهديه. وقوله: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ أصلها: هادي، بالياء، لكن حُذِفَت الياء لالتقاء الساكنين، أين الساكنان؟ التنوين في الدال، والياء الساكنة المحذوفة، ويجوز إبقاؤها، فيقال: هادي، لكنها تُحْذَف كثيرًا للتخفيف والتقاء الساكنين. نرجع إلى كلام المؤلف رحمه الله، يقول: (﴿﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا﴾ ﴾ بدل من ﴿﴿أَحْسَنَ﴾ ﴾ أي قرآنًا). قوله: (بدلًا من ﴿﴿أَحْسَنَ﴾ ﴾) مَرَّ علينا أنه يَصِحّ أن يكون بدلًا أو عطف بيان، بشرط أن يوصَل بما بعده، ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾، وذلك لأن عطف البيان يكون مُبَيِّنًا للمعطوف عليه، ولهذا سُمِّيَ عطف بيان، ولا يكون مُبَيَّنًا إلا إذا جعلنا ﴿مُتَشَابِهًا﴾ صفة لازمة. وقوله: (أي: قرآنًا)، هذا التفسير تفسير لفظي أو معنوي؟ * طالب: تفسير لفظي. * الشيخ: إذا أردنا أن نفسِّر تفسيرًا لفظيًّا أتينا باللفظ نفسه، أو معنويًّا أتينا بالمعنى، فهنا هل أتى بتفسير اللفظ نفسه فقال: كتابًا أي مكتوبًا، أو أتى بالمعنى؟ * طلبة: بالمعنى. * الشيخ: بالمعنى، فالمراد بالكتاب هنا القرآن، فالمؤلف رحمه الله فسَّرها تفسيرًا معنويًّا، أي فسَّرها بالمراد منها. ﴿مُتَشَابِهًا﴾ قال: (أي يشبه بعضه بعضًا في النَّظْم وغيره)، لا يراد بالنَّظْم هنا ما يقابل النثر، فإن القرآن ليس شعرًا، لكن في النَّظْم أي نَظْم الكلام وتنظيمه حتى يكون مشبهًا بعضه لبعض. يقول: ﴿مَثَانِيَ﴾ (ثُنِّيَ فيه بالوعد والوعيد وغيرهما) يعني: يؤتَى بالوعد ثم يعقبه الوعيد، يؤتَى بذِكْر النار ثم يعقبه ذِكْر الجنة، يُؤْتَى بصفات المؤمنين ثم يُؤْتَى بصفات غيرهم، انظر إلى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة ٢٥٧]، مَن ضدهم؟ الذين كفروا، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة ٢٥٧]، وانظر إلى قوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود ١٠٥]، وانظر إلى قوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران ١٠٦]، وانظر إلى قوله في سورة الكهف لما ذكر ما للمؤمنين من الثواب في الجنة ذَكَر ما للكفار من العقاب في النار، والأمثال في هذا كثيرة جدًّا. ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾، قال المؤلف: (﴿﴿تَقْشَعِرُّ﴾ ﴾ ترتعد عند ذِكْر وعيده). ﴿جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾: يخافون ربهم. قوله: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ﴾ أي: عند ذِكْر الوعيد، أو ذِكْر النار، أو ما يوجِب الخوف والفزع كذِكْر ما حَلَّ بقوم نوح وقوم لوط وغيرهم. ثم يقول: (﴿﴿يَخْشَوْنَ﴾ ﴾: يخافون)، وهذا التفسير ضعيف؛ لأنه فسَّر المعنى بما دونه؛ إذ قلنا: إن الخشية هي الخوف مع العلم، واستدللنا لذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨]، فلو أن المؤلف قال: يخشون ربهم خوفًا مَبْنِيًّا على العلم بعظمته، لكان التفسير صوابًا، لكن الآن نعتبر التفسير قاصرًا. (﴿﴿ثُمَّ تَلِينُ﴾ ﴾: تطمئن)، ولكن لا شك أن ذِكْر اللِّين أبلغ من ذِكْر الطمأنينة؛ لأن القشعريرة تقتضي نشوذ الجلد وارتفاعه وتصلُّبه، والذي يقابل ذلك اللين والهدوء والطمأنينة، فتفسير المؤلف أيضا اللين بالطمأنينة تفسير باللازم في الواقع، وإلا فإن اللين غير الطمأنينة؛ لأن الجلد إذا اقشعر يتصلب، ولهذا تجد أطراف الإنسان تبرُد لانحسار الدم عنها بعض الشيء، فإذا هدأ الرَّوْع فإنه يلين ويزول بذلك التصلب. ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، لين القلب ضد قسوته، يعني عندما يسمعون الوعيد تقشعر الجلود وتنفر القلوب، ثم بعد ذلك تلين الجلود والقلوب ﴿إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، قال المؤلف: (أي: عند ذكر وعده)، ولكن الصواب أنها إلى ذِكْر الله مطلقًا، حتى الوعيد إذا تأمل الإنسان وهدأت نفسه بعد أن ورد عليه ما يُخَوِّفه فإنه يلين حتى للوعيد. فتخصيص المؤلف ذلك بذِكْر الوعد في النفس منه شيء، ومع ذلك فله وجه إذا كان القرآن مثاني ثم جاء ذِكْر النار وجاء بعده ذِكْر الجنة لانت القلوب، أو ذِكْر أهل النار وجاء بعده ذِكْر أهل الجنة لانت القلوب أيضًا. وقوله: ﴿إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، لم يقل: لِذِكْر الله، بل قال: (إلى) ﴿إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، وكأن هذا اللين صار له وقاية وهو ذِكْر الله عز وجل. وقوله: ﴿إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ هل هو من باب إضافة المصدر إلى الفاعل، يعني: إلى ما ذَكَّرَهُم الله به، أو من باب إضافة المصدر إلى المفعول به، أي: إلى ذِكْرِهِم اللهَ؟ الجواب: هذا وهذا، الكلمة صالحة لهذا وهذا، أي إلى ذِكْرِهم لله، أو إلى ما ذَكَّرَهُم الله به وهو القرآن الذي جعله الله مثاني. ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ﴾، ﴿ذَلِكَ﴾ أي: (الكتاب) ﴿هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، أفادنا المؤلف رحمه الله أن الإشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ تعود إلى الكتاب، وعلى هذا فيكون المراد بالهداية هنا هداية الدلالة، فإن القرآن هدى، بمعنى أنه دَالٌّ على كل خير، بل على كل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]. وقوله: ﴿يَهْدِي بِهِ﴾ هنا الهداية هداية الدلالة والتوفيق؛ لأنها أضيفت إلى الله عز وجل، والله سبحانه وتعالى بيده الهدايتان، والباء في قوله: ﴿يَهْدِي بِهِ﴾ لم يُبَيِّن المؤلف معناها، ولكن معناها السببية، أي بسبب ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾. ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾، * في هذه الآية فوائد: * أولًا: إثبات أن القرآن نزل من عند الله؛ لقوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾. * ثانيًا: إثبات عُلُوّ الله، وجهه: أنه إذا كان القرآن كلامه، ووَصْف القرآن بأنه مُنَزَّل دَلّ على أن المتكلِّم به عالٍ؛ وعُلُوّ الله عز وجل ينقسم إلى قسمين: عُلُوّ ذات، وعُلُوّ صفات؛ فأما عُلُوّ الصفة فمتفَق عليه بين أهل السنة وأهل البدعة، وأما علو الذات فمختلَف فيه، فأهل السنة يؤمنون بأن الله تعالى عالٍ فوق خلقه بذاته، وأهل التعطيل ينكرون ذلك، ثم انقسموا إلى قسمين: منهم مَن قال: إنه بذاته في كل مكان، وليس فوق السماوات، بل هو فوق السماوات، وفي السماوات، وفي الأرض، وفي البيوت، وفي المساجد، وفي الأسواق، وفي كل شيء، حتى توصلت الحال في بعضهم إلى أن قالوا: أنه حالٌّ حتى في الأجسام، حتى في البشر، حتى في الكلاب، حتى في الحمير -والعياذ بالله- وهؤلاء هم حلولية الجهمية الذين فتحوا الباب لحلول الاتحاد. والقسم الثانى قالوا: إن الله لا يوصَف بعلو ولا نزول، فهو ليس فوق العالم ولا تحته، ولا متصل بالعالم، ولا منفصل عن العالم، ولا داخل العالم، ولا خارج العالم، هذا تعطيل محض، أليس كذلك؟ ولهذا قال بعض العلماء: لو قيل لنا: صِفُوا لنا العدم، ما وجدنا أدق من هذا الوصف، أن العدم كل مَن ليس في داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق ولا تحت، ولا متصل ولا منفصل. ولهذا قال محمود بن سبكتكين رحمه الله لابن فورك، قال له: يعني بَيِّن لنا ربك إذا كنت تصفه بهذا الوصف، أين الرب الذي تعبده؟ وصدق، فصار المنكِرون لعُلُوّ الذات انقسموا إلى؟ * طلبة: قسمين. * الشيخ: حلولية، ومُعَطِّلة تعطيلًا محضًا. * طالب: النبي ﷺ قال: «أَلَا إِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير.]]، إن النص هنا ذَكَرَ لِينَ الجلود ولِينَ القلوب، ما الفائدة من لِين الجلود؟ * الشيخ: أقول: لا مانع من أن أقول: صلح قلبي وعملي. * الطالب: لا مانع لكن .. * الشيخ: هذا أيضًا لا مانع، وأيضًا لأن الله وصف الجلود نفسها، قال: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ﴾، واقشعرار الجلود مَبْنِيّ على خوف القلب، فذكر الله أن هذه القشعريرة تزول، وأنها تتحول إلى لِين، وكذلك القلب الذي هو أصلها. * طالب: قوله تعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾، شيخ الإسلام ذم الذين يعني يصعقون عند سماع الآيات. * الشيخ: ذَمَّهُم؟ * الطالب: وذكر أن الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا كذلك. * الشيخ: إي، فرق بين قشعريرة الجلد وبين الذي يصعق، الذي يصعق يُغْشَى عليه. * الطالب: الخشية المطلوبة. * الشيخ: لا، الخشية المطلوبة هي اللي يكون عند الإنسان علم بالله وعظمته وخوف منه، أما أن يعجز عن تحمُّل ما ورد على قلبه حتى يصعق ويموت، أو يفعل فعل المجانين، فيه أيضًا ناس على خلاف ذلك، ما تقشعر جلوده، لكن تجده يقول: الله الله الله، يقعد يخبط، هذا صحيح ولَّا لا؟ أقول: هذا العمل جيد؟ * طلبة: لا. * الشيخ: أبدًا، هذا خلاف ما كان عليه السلف، ولذلك عند الصوفية تسبيحة يسمونها الغُبَيْرَة، يأتون بأسواط معهم ثم يجلسون حِلَقًا، ثم يتكلم الذي يذكر الله، فإذا زعق: لا إله الا الله وسبحان الله، خبَّطوا بالأسواط على الأرض، والجيد منهم الذي يُثِير غبارًا أكثر؛ لأنه يكون عنده انفعال بقوة وشدة، يسمون هذه الغُبَيْرَة، أظن بعضهم يقول لبعض: هل غَبَّرْت اليوم؟ * طالب: شيخ، ﴿مَثَانِيَ﴾ ما يحتمل يعني يُثَنَّى به ذِكْر الوعيد وذكر التوحيد وذكر القصص، والأنبياء؟ * الشيخ: لا، عام. * طالب: قوله: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ﴾، لين القلوب يا شيخ هل فيه مجاز، يعني القائلين بذلك؟ * الشيخ: أبدًا، ما فيه مجاز. * الطالب: لكن هل الأمر حسي ولَّا معنوي؟ * الشيخ: لا، معنوي. * الطالب: طيب، الأمر المعنوي أُخِذَ من الأمر الحسي. * الشيخ: لا، ما أُخِذَ؛ لأن لين القلب اللي هو لين الملمس ما هو بوارد هنا، القلب الظاهر إنه ما يكون كالجلد يقف ويتصلب، الظاهر، فإن كان يقف ويتصلب فيُسْأَل عن هذا علماء التشريح، إذا قالوا: إنه عند الخوف يتصلَّب صار اللين حسيًّا (...). * * * * طالب: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٥) فإذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٢٦) وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر ٢٤ - ٢٧] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾. ما معنى قوله: ﴿مُتَشَابِهًا﴾؟ * طالب: يشبه بعضه بعضًا. * الشيخ: في أيش؟ * الطالب: يشبه بعضه بعضًا في الأسلوب و(...). * الشيخ: نعم في الكمال والجودة، كله كامل، وكله جيد، وكله بليغ. ما معنى ﴿مَثَانِيَ﴾؟ * طالب: إذا ذكر الجنة ذكر النار تثنية. * الشيخ: تُثَنَّى فيه الأمور والأشياء، إذا ذُكِرَت الجنة ذُكِرَت النار، والوعد والوعيد، والمؤمن والكافر. ما معنى قوله: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾. * طالب: تبتعد وتنشز جلود الذين آمنوا. * الشيخ: من أي شيء، فرحًا ولَّا أيش؟ * الطالب: عند ذِكْر الوعيد. * الشيخ: يعني خوفًا وخشية. قوله: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ﴾ المراد به؟ * طالب: (...). * الشيخ: اقشعرار الجلود ثم لين القلوب والجلود إلى ذِكْر الله هذاية توفيق. قوله: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ ما معناها؟ * طالب: (...). * الشيخ: من كان ضالًّا في علم الله فإنه لا يستطيع أحد أن يهديه. * نأخذ فوائد هذه الآية: لأننا لم نأخذها، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾، وقد سبق بيان أظن فائدة أو فائدتين؛ أن القرآن؟ * طالب: مُنَزَّل من عند الله. * الشيخ: مُنَزَّل من عند الله. * طالب: إثبات العُلُوّ. * الشيخ: وإثبات العُلُوّ. ومن المعلوم أنه * يتفرع على الفائدة الأولى: أن القرآن كلام الله إذا كان نازلًا من عنده، والقرآن كلام الله عز وجل لفظًا ومعنى، تكلَّم به لفظًا ومعنى هو عنده عز وجل، خلافًا للأشاعرة الذين يقولون: إن الكلام هو المعنى القائم بالنفس، وليس صوتًا يُسْمَع ولا حروفًا تُرَى، ولكنه المعنى القائم بنفسه. وما كُتِبَ في المصاحف أو سُمِع بالآذان فإنه عبارة عن كلام الله وليس هو كلام الله، وحقيقة الأمر أن قولهم هذا يتضمن إنكار الكلام لله عز وجل؛ لأنهم يقولون: هذا القرآن الذي نسمع الآن هو مخلوق، عبارة عن كلام الله، وليس هو كلام الله، كلام الله هو المعنى القائم بنفسه فقط. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذا القرآن أحسن الحديث؛ لقوله تعالى: ﴿أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾، وهكذا حديث الله عز وجل هو أحسن الحديث، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء ٨٧]. * ومن فوائد هذه الآية: أن القرآن مكتوب؛ لقوله: ﴿كِتَابًا﴾، وسبق أنه يُكْتَب في؟ * طلبة: ثلاثة مواضع. * الشيخ: في ثلاثة مواضع: اللوح المحفوظ، والصحف التي بأيدي الملائكة، والصحف التي بأيدينا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن متشابه؛ لقوله تعالى: ﴿مُتَشَابِهًا﴾، وحينئذٍ يطلب الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران ٧]، فهي هذه الآية، جعل الله القرآن نوعين: محكمًا ومتشابهًا، وفي الآية التي في الزُّمَر جعله نوعًا واحد متشابهًا. والجمع بينهما أن يقال: إن التشابه المذكور في الزُّمَر غير التشابه المذكور في آل عمران؛ التشابه المذكور في الزُّمَر أنه يشبه بعضه بعضًا في الكمال والجودة، والتشابه المذكور في آل عمران هو اشتباه المعنى وخفاؤه، فالقرآن بهذا الوجه ينقسم إلى قسمين: محكم، أي: واضح المعنى، والثانى: متشابه، أي: خَفِيّ المعنى، أعرفتم؟ إذن الجمع أن نقول: إن التشابه في آل عمران غير التشابه في الزُّمَر؛ التشابه في الزُّمَر أن بعضه يشبه بعضه، كل القرآن متشابه، وأما في آل عمران فهو الخفاء، ﴿مُتَشَابِهَاتٌ﴾ أي: خَفِيَّات المعنى، فالقرآن بعضه مُحْكَم بَيِّن، وبعضه متشابه لا يعرفه إلا الراسخون في العلم. في بعض الآيات وُصِفَ القرآن بأنه حكيم، بدون أن يُذْكَر التشابه، مثل قوله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس ١]، وهذا بمعنى المحكَم الْمُتْقَن الذي لا يتناقض، فهو عكس المتشابه، الْمُحْكَم الذي لا يتناقض -قِف على هذا- فالقرآن إذن وُصِفَ أنه مُحْكَم كله، وأنه متشابه كله، وأن بعضه مُحْكَم وبعضه متشابه، فوَصْفُه بالإحكام كله أنه كله مُحْكَم مُتْقَن لا يتناقض، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢]. وَصْفه بأنه كله متشابه، أي: يشبه بعضه بعضًا في الكمال والجودة، وَصْفه بأن بعضه مُحْكَم وبعضه متشابه، أي أن بعضه واضح المعنى وبعضه خَفِي المعنى، تمام. مثال الواضح المعنى: السماء، والأرض، والنجوم، والشمس، والقمر، والإنسان، وما أشبهه، هذا واضح. مثال المتشابه: أن توجد آياتان ظاهرهما التعارض، مثل قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء ٤٢]، وفي آية أخرى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣]، فكيف تجمع؟ في هذه الآية ينكرون، وفي الآية التي ذكرناها قبل لا يكتمون الله حديثًا؟ فيأتي إنسان يقول: أنا ما أعرف وجه التناقض، ولكن الراسخون في العلم يعلمون كيف يجمعون بين هذه وهذه. الجمع بينهما أنّ يوم القيامة للناس فيه أحوال؛ لأنه يوم مقداره خمسون ألف سنة، فمرة يكتمون، ومرة يُقِرُّون، ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾. كذلك أيضًا ذكر الله أنه يحشر المجرمين يوم القيامة زُرْقًا، وقال: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران ١٠٦]، فيكف نجمع، مرة يقول: ﴿تَسْوَدُّ﴾، ومرة ﴿زُرْقًا﴾ [طه ١٠٢]؟ الجواب أن يقال: إن بعضهم كذا وبعضهم كذا، أو إنهم في وقت يكونون زُرْقًا، وفي وقت يكونون سودًا، أو أن الأزرق الداكن يكون مائلًا إلى السواد فيطلق أنه أسود، أو أن الزُّرْقة في عيونهم والسواد في بقية الجسم، وما أشبه ذلك. المهم أن الراسخين في العلم يعرفون كيف يجمعون، لكن غيرهم يكون خفيًّا عليهم. ولهذا يقول العلماء: إن القرآن وُصِفَ بالتشابه على سبيل العموم، وبالإحكام على سبيل العموم، ووُصِف بأن بعضه مُحْكَم وبعضه متشابه، والجمع كما سمعتم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن قد بلغ في البلاغة غاية أكمل البلاغة؛ لكونه يأتي مثاني. * ويتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي لمن تكلم في موعظة الناس ألا يأتي بالترغيب المطلق، ولا بالترهيب المطلق، وذلك لأنه إذا أتى بالترغيب المطلق حملهم على الرجاء فتهاونوا، وإذا أتى بالترهيب المطلق حملهم على اليأس فقنطوا من رحمة الله، فالذي ينبغي للإنسان الذي يتكلم مع الناس في المواعظ، الذي ينبغي له أن يكون دائمًا يتكلم أحيانًا بهذا وأحيانًا بهذا، حتى لا يحمل الناس على القنوط أو على الرجاء الذي يوجب الأمن من مكر الله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المؤمن يتأثر بالقرآن، يقشعر منه جلده ويخاف، ثم بعد ذلك ترجع إليه الطمأنينة ولِين القلب. * ويتفرع على هذه الفائدة: أنك إذا رأيت نفسك على غير هذه الحال فاعلم أن إيمانك ضعيف؛ لأن هذا الخبر خبر مَن؟ خبر الله عز وجل، فلا يمكن أن يتخلف مخبره، فكل مؤمن يقشعر جلده مما يسمع من القرآن الكريم في الوعيد، وإذا لم تكن كذلك فإن إيمانك ضعيف. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ذِكْر الله عز وجل سبب للين القلوب وطمأنينتها؛ لقوله: ﴿تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد ٢٨]. * ومن فوائد الآية الكريمة: امتنان الله عز وجل على هؤلاء بالهداية؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. * ومن فوائدها: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿يَهْدِي بِهِ﴾، الباء للسببية كما مَرَّ علينا في التفسير، وإثبات الأسباب هو الموافق للمنقول والمعقول؛ أما المنقول فما أكثر الآيات التي فيها إثبات الأسباب: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج ٦٣]، ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أو دِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد ١٧]، ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق ٩]، والآيات في ذلك كثيرة. والمعقول كذلك يدل على إثبات الأسباب، وأن لها تاثيرًا في مسبباتها، فكلنا يعرف أن ضرب الزجاج بالحجر يكسره، وأن الزجاج انكسر بضرب الحجر، خلافًا لمن أنكر الأسباب وقال: إنه لا أثر للأسباب في مسبباتها، فإن قوله خلاف الشرع وخلاف العقل، حتى إنه قيل لهم: أليست الورق تحترق بالنار؟ فقالوا: لا، تحترق عند النار لا بالنار، وقيل لهم: أليس الزجاج ينكسر بالحجر يُرْمَى به؟ فقالوا: لا، ينكسر عند الحجر لا بالحجر، لماذا؟ قالوا: لأننا لو أثبتنا تأثير الأسباب في أسبابها لأشركنا بالله وجعلنا معه فاعلًا مؤثرًا، ولا أحد يرضى أن يشرك بالله شيئًا. وجوابنا على هذه الشبهة أن نقول: إن الأسباب لم تؤثر بذاتها، وإنما أثرت بما أودع الله فيها من القوى. والدليل على هذا أن الله قال لنار إبرابهيم: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾ [الأنبياء ٦٩]، فكانت بردًا وسلامًا ولم تحرق، فإذا قلنا: إن هذه الآثار المترتِّبة على الأسباب إنما هي بما أودع الله في هذه الأسباب من القوى المؤثرة، فإننا بذلك لم نشرك بالله. وتطرَّف آخرون من وجه آخر فقالوا: إن للأسباب تأثيرًا بذاتها، وإننا نحن نعلم أن الحجر إذا أرسل على الزجاج كسره بنفسه، ولكن هؤلاء هم الذين جعلوا مع الله شركاء، فإننا نقول: هذا الحجر لو شاء الله ألَّا يكسر الزجاجة لم يكسرها، كما أن الله لما شاء أن لا تحرق النار إبراهيم لم تحرقه، فأهل السنة والجماعة وسط بين هاتين الطائفتين المتطرفتين؛ الغالية في الأسباب، والغالية في مشيئة الله، نحن نقول: الأسباب مؤثرة لكن بمشيئة الله. * ومن فوائد هذه الأية الكريمة: إثبات أن الهداية بمشيئة الله؛ لقوله: ﴿يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، وهذه الآية فرد من أفراد أدلة كثيرة تدل على أن فعل العبد واقع بمشيئة الله، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير ٢٨، ٢٩]، وهذا الْمَوْطِن حصل فيه معترَك عظيم جدًّا بين ثلاث طوائف: طائفتان متطرفتان، وطائفة معتدلة. الطائفتان المتطرفتان إحداهما قالت: إن الإنسان يشاء عمله ولا علاقة لله به، فالإنسان حر يتصرف كما يشاء وليس لله فيه تدخل إطلاقًا، هو يهدي نفسه وهو يُضِلُّ نفسه، قالوا: ولولا ذلك لكان تعذيب الله للعاصي ظلمًا، وثوابه للطائع عبثًا؛ لأنك إذا قلت: إن الإنسان ليس بحر فهو مدبَّر، والمدبَّر لا يُحْمَد على فضل ولا يُذَمّ على سوء، ومن المعلوم أن الله تعالى رَتَّب الذم على العاصي، والمدح على المطيع، فهذا يدل على أن فعل العبد فعل مستقل. أما المتطرفون الآخرون فقالوا: إن الإنسان لا مشيئة له، ولا قدرة له، ولا اختيار له في فعله، بل هو مُجْبَر عليه عاجز عن المخالفة، يُجْبَر جبرًا، يأكل جبرًا، ويشرب جبرًا، ويُقْدِم جبرًا، ويتأخر جبرًا، وليس له اختيار على أي حال، وتعذيب الله للظالم ليس ظلمًا وإن كان الظالم يفعل بغير اختياره؛ لأن تعذيب الله له تصرُّف في ملكه، والله عز وجل يفعل ما يشاء لا مُعَقِّب لحكمه. فحينئذٍ لا يرد علينا ما استدل به الطرف الأول الذي قال: لو كان الإنسان غير مطلق الحرية لكان تعذيب العاصي ظلمًا وإثابة الطائع لغوًا. نحن نقول: إن تعذيب الظالم ليس بظلم وإن كان مُجْبَرًا، ليش؟ لأن الله مالكه، يفعل فيه ما يشاء، كما أنت تفعل في ملكك ما تشاء، تهدم البيت، تبني البيت، تبيع السيارة، تشتري بدلها، وما أشبه ذلك، الطرف هذا هم الجبرية يسمون الجبرية، والطرف الأول يسمون القدرية، فسُمِّيَ الطرف الأول القدرية؛ لأنهم يُنْكِرون قَدَر الله عز وجل فيما يتعلق بفعل العبد، وسُمِّي هؤلاء جبرية؛ لأنهم يرون أن العبد مُجْبَر على عمله. يتساوى عند هؤلاء مَن نزل من السلم بتؤدة وطمأنينة درجةً درجةً، ومَن دُفِع من أعلى السلم حتى انزخّ على وجهه، يقولون: الكل سواء، كلٌّ مُجْبَر. أما أهل السنة والجماعه فإنهم توسطوا في هذا وقالوا: إننا نثبت الأدلة الدالة على أن كل شيء واقع بمشيئة الله، ونثبت الأدلة الدالَّة على أن للإنسان اختيارًا وإرادة، وبذلك نجمع بين الأدلة. فنقول: فِعْل العبد واقع بمشيئته، لكن مشيئته تحت مشيئة الله، فإذا شئتُ أنا شيئًا فإنني أعلم أن الله شاءه، إذا شئت شيئًا علمت بأن الله شاءه، ولا يمكن أن أعلم بأن الله شاء شيئًا إلا بعد أن يقع؛ إذ إن قضاء الله مكتوم، سر مكتوم لا نعلم عنه، لكن إذا وقع علمنا أن الله شاءه، فأنا لا أشاء إلا ما شاء الله، ولكني في نفس الوقت لي حرية أن أشاء ما شئت، إلا أنني أؤمن بأن مشيئتي هذه كانت أيش؟ كانت بمشيئة الله. ويدل لهذا أن الإنسان أحيانًا يعزم على فعل شيء، وبينما هو متجه له إذ انتقضت عزيمته إلى اتجاه آخر، أو إلى إلغاء العمل، ألستم تدركون هذا؟ إذن هناك سلطة فوق سلطتي، لكن هذه السلطة غير معلومة، لا تُعْلَم إلا بآثارها. وقد قيل لأعرابي: بما عرفت ربك؟ قال: بنقض العزائم وصَرْف الْهِمَم. أعرابي بدوي أجاب بهذا الجواب العجيب: عرفتُ ربي بنقض العزائم، يعني أعزم هذا الشيء ثم تنتقض عزيمتي بدون سبب، وصرف الهمم: أهمّ بشيء إلى اليمين ثم أجدني منصرفًا إلى اليسار بدون سبب إلا من الله عز وجل. إلا أنني أؤمن بأن مشيئتي هذه كانت بمشيئة الله، ويدل لهذا أن الإنسان أحيانًا يعزم على فعل شيء، وبينما هو متجه له إذ انتقضت عزيمته إلى اتجاه آخر أو إلى إلغاء العمل، ألستم تدركون هذا؟ إذن هناك سلطة فوق سلطتي، لكن هذه السلطة غير معلومة، لا تُعلم إلا بآثارها. وقد قيل لأعرابي: بِمَ عرفت ربَّك؟ قال: بنقض العزائم، وصرْف الهمم. أعرابي بدوي أجاب بهذا الجواب العجيب، عرفت ربي بنقض العزائم؛ يعني أعزم على الشيء، ثم تنتقض عزيمتي بدون سبب وصرف الهمم؛ أهم بشيء إلى اليمين، ثم أجدني منصرفًا إلى اليسار بدون سبب إلا من الله عز وجل. فأهل السنة والجماعة يقولون: الإنسان يشاء ويختار، وليس مُجْبرًا، لكن أي شيء يشاؤه فهو بعد مشيئة الله، نعلم أن ذلك بمشيئة الله، وهذا هو الذي تطمئن إليه النفس، وتجتمع به الأدلة. فإن قال قائل: إذن يكون قول المشركين: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل ٣٥]؛ لأننا لما عبدنا غير الله علمنا أن الله شاء ذلك، وليس لنا قدرة في مخالفة المشيئة، ما تقولون في هذه الحجة؟ حجة داحضة، أبطلها الله عز وجل، ويبطلها العقل؛ أبطلها الله بقوله: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ [الأنعام ١٤٨]، وفي آية أخرى: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل ٣٥] أبطلها الله. فلما أبطلها الله شرعًا ننظر هل هي باطلة عقلًا أو لا؟ نقول: هي أيضًا باطلة عقلًا؛ لأنك لم تعلم أن الله قضى عليك بعبادة الأصنام إلا بعد العبادة، فلماذا لم تعدل عن عبادة الأصنام وتقدِّر أن الله قضى عليك بترك عبادة الأصنام؟ لماذا لم تفعل؟ فإقدامك على عبادة الأصنام وأنت لم تعلم أن الله كتب ذلك هو منك وأنت الذي أردته، ولو أنك قدَّرْت الأفضل والأحسن، وأن الله قدَّر أن تكون موحدًا مجتنبًا لعبادة الأصنام لحصل لك ذلك، واضح؟ ثم إنَّا نقول: هناك أيضًا دليل حسي لو خُيِّر الإنسان بين شيئين أحدهما أفضل من الآخر، ماذا يختار؟ يختار الأفضل، وهل يمكن لشخص أن يختار الأردأ ويقول: هذا الذي قُدِّر لي؟ أبدًا، لو قيل له: لِمَكة طريقان؛ طريق آمِن وطريق مَخُوف، فقال: نذهب مع الطريق المخوف؛ لأن الله كتب علينا هذا؟ هل يمكن أو لا يمكن؟ لا يمكن أبدًا، سيسلك الطريق الآمن بلا شك. لو عُرض عليه عملان في وظيفة مثلًا، أحد العملين شاق وأجرتُه قليلة، والثاني خفيف وأجرته كثيرة، ماذا يختار؟ * طالب: الثاني. * الشيخ: يختار الثاني لا شك، وهذه أدلة محسوسة تدل على أن الاحتجاج بالقَدَر على المعاصي أو على ترْك الواجبات احتجاج باطل لا يستقيم لا شرعًا، ولا عقلًا، ولا حِسًّا، فهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، يقولون: نحن نفعل باختيارنا، ولكن اختيارنا نعلم أن الله قد اختاره لنا قبل أن نختاره نحن إلا أنه لا حُجَّة لنا في أن نقول: هذا مختار الله لنا، فلا نستطيع أن نتخلص منه؛ لأننا حين الفعل لم نعلم ما قُدِّر، ولا يمكن لأي إنسان يدري أن الله قدَّر شيئًا إلا بعد الوقوع، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]، فجعلهم هم السبب في ذلك. * من فوائد الآية أيضًا: أنه ينبغي للإنسان -وهذه فائدة مَسْلكِيَّة- أن يلجأ إلى الله وحده في طلب الهداية؛ لقوله: ﴿يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الزمر ٢٣]، فأنت لا تعتمد على نفسك فتهلك، اعتمد على ربك، اتجه إليه دائمًا في سؤال الهداية حتى يهديك الله، وكان النبي عليه الصلاة والسلام وهو الهادي المهدي يستفتح فيقول: «عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ؛ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ»[[أخرجه مسلم (٧٧٠ / ٢٠٠) من حديث عائشة.]]. هذا وهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فكيف بنا نحن؟ فأنت الجأ إلى ربك في طلب الهداية، لا تعتمد على نفسك، اعتمد على الله عز وجل؛ فإن الله تعالى هو مرجعك. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من يضله الله فلا هادي له؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر ٢٣]، وفي آية أخرى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ [الزمر ٣٧]. فإن قال قائل: أفلا يُوجِب لنا هذا الحكم أن نتوقف عن دعوة الناس إلى الحق؛ لأن الله قال: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر ٢٣]؟ فالجواب: لا يُوجِب لكن الفائدة من ذلك أننا إذا دعونا أحدًا للحق ولكنه لم يَقْبل فإننا لا نهلك أنفسنا من أجله، بل نقول: هذا قد قضى الله عليه بالضلال، وليس لنا في أمره من شأن؛ ولهذا نجد الله عز وجل يقول لنبيه محمد ﷺ: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٣] أي مهلك. * طالب: (...). * الشيخ: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء ٣]. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٣] في (طسم)، ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أي: مهلك نفسك ألا يكونوا مؤمنين، لا تهلك نفسك، وأَنْزَل الله تعالى عليه تسلية حين دعا عمه أبا طالب ولكنه لم يهتدِ، قال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص ٥٦]. وحينئذٍ لا يمنعنا مثل هذا الحكم أن ندعو إلى الله، ولكن إذا دعونا إلى الله ولم نجد الناس اهتدوا فإننا لا نكلف أنفسنا، لا نهلك أنفسنا بالهم والغم؛ لأن الإنسان إذا نَظَرَ إلى هذه النظرة سوف تتكدر عليه دنياه بل سوف يضيع عمله الصالح؛ لأن الناس ليسوا بمهتدين على ما يريد، فإذا أتعب نفسَه وراء الناس وصار يلهث وراءهم تعب، يبذل ما يجب عليه والباقي على مَنْ؟ على الله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن اسم (الهادي) يطلق على غير الله؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر ٢٣]، وكما قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد ٧]، فالهادي تُطلق على الله وعلى غيره لكن الذي يمتنع إطلاقه على غيره هو هداية التوفيق، فإن هداية التوفيق لا تكون إلا لله وحده، أما هداية الدلالة فإنها تكون لله ولغيره. * طالب: (...) يستمرون؟ * الشيخ: لا، يستمرون؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد يُؤخِّر هدايتهم إلى أجل مسمى. * طالب: (...) أن الإنسان يُخيَّر بين طريقين؛ إما خير وإما شر، ولكن فيه كفرة لم يصلهم الإسلام، ولا يعلمون شيئًا عن الإسلام، إذا ماتوا لم يروا الخير ولكن رأوا الشر، فهل هؤلاء كفرة؟ * الشيخ: نعم، هؤلاء كفار هؤلاء كفار.. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، هؤلاء كفار لكن لعُذرهم بعدم وصول الرسالة إليهم يكلفهم الله يوم القيامة بما شاء من أنواع التكليف، ثم إن اهتدوا في ذلك الوقت فهم من أهل الجنة، وإن ضلوا فهم من أهل النار، هذا أصح ما قيل في الجواب عن هؤلاء. يعني أهل الفَتْرة والذين بعد الرسالة ولكن لم تبلغهم الصحيح أنهم يُمتحنون يوم القيامة بما شاء الله من التكاليف التي لا نعلمها، ثم إن اهتدوا نجوا وإلا (...).

الزمر 39:24

المتقي للعذاب يحاول النجاة منه لكن الملاقي للشيء قد يلاقيه ببشرى وفرح وسرور، فتفسير ﴿يَتَّقِي﴾ [الزمر ٢٤] بـ(يلقى) لا شك أنه قاصر، ولكنه بعض الأحيان يُفسِّر المؤلف القرآن بما يقاربه. قال: (يلقى ﴿بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ٢٤] أي أَشُدَّه) ففسر (سوء) بـ(أسوأ)، و(أسوأ) لا شك أنه اسم تفضيل، و(سوء) ليس اسم تفضيل، وعلى هذا فيكون المؤلف فسر الكتاب بما هو أعلى منه، والواجب أن يكون المفسِّر مطابقًا للمُفَسَّر، ولو قال المؤلف رحمه الله: العذاب السيئ لكان أبلغ مطابقة للقرآن. يقول: (بأن يُلقى في النار مغلولة يده إلى عنقه)، وكأنه أخذه من كونه يتقي العذاب بوجهه؛ لأنه لو كانت يده مطلقة لاتقى العذاب بيده، ولكني أقول: لا يلزم من اتقاء العذاب بوجهه أن تُغلَّ يده؛ لأن يده قد تكون مرسلة غير مقيده ولكن لا يستطيع، أو يظن أن مدافعته بوجهه أشد، فيدافع بوجهه. قال المؤلف في ذكر المعادل: (كمن أمِنَ منه بدخول الجنة). والجواب: لا، وحينئذٍ يكون الاستفهام للنفي؛ يعني لا يستوي من يتقي بوجهه سوء العذاب مع من أَمِن من العذاب ولم يتقه. (﴿وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ﴾ [الزمر ٢٤] أي كفار مكة ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ أي جزاءه). قوله: (﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ أي كفار مكة)كأنه أخذه من قوله: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الزمر ٢٥] وإلا فإن (الظالمين) هنا عام، لفظ عام يشمل كفار مكة وغيرهم، وهذا هو الأولى. فإن قيل: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يدل على أن هذا في المتأخرين. قلنا: نعم، هو يدل على أنه في المتأخرين، لكن كل رسول فقد سبقه رسول. فـ(عاد)، نقول: كذبت قبلهم قوم نوح، وثمود كذبت قبلهم قوم عاد، وهلمَّ جرًّا، فيكون (الظالمون) عامًّا لكفار مكة ولغيرهم، لكن أول من يدخل فيهم -بلا شك- كفار مكة؛ لأن القرآن نزل توبيخًا لهم وإنكارًا ودعوة. قال المؤلف: (﴿فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [الزمر ٢٥] من جهة لا تخطر ببالهم) وهذا كما قلنا تفسير أشد وأبلغ من أن يأتيهم العذاب وهم على أهبة الاستعداد له. قال الله تعالى: (﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ﴾ [الزمر ٢٦] الذل والهوان من المسْخ والقَتْل وغيره ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ). ﴿أَذَاقَهُمُ اللَّهُ﴾ أي مسهم به حتى كأنهم طعموه وذاقوه بمذاقاتهم. وقول المؤلف رحمه الله: (من المسْخ والقتل وغيره) المسْخ مثل اليهود الذين قال الله لهم: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة ٦٥] والقتل، قتال بني إسرائيل مع مَنْ؟ * طالب: مع أنفسهم. * الشيخ: هم قتلوا أنفسهم حينما أُمِرُوا بالتوبة، وقيل لهم: إن كنتم صادقين في التوبة فاقتلوا أنفسكم، ولكن ذكر الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة جالوت وطالوت وفيه قتال. وكذلك أيضًا يقول المؤلف: (وغيره) كالإهلاك بالصاعقة والرجفة وما أشبهه، فالمهم أن المكذبين للرسل كلهم أهلكهم الله عز وجل. فإن قال قائل: أليس من الرسل مَنْ قُتِل؟ الجواب: بلى، ولكن هؤلاء الذين قُتلوا إما أن يكونوا لم يُؤمَروا بالقتال فاعتدى عليهم من اعتدى بدون قتال، وإما أنهم أُوتوا على غِرَّة دون أن يجاهروا بالقتل، ثم إذا قُتِلوا هل معنى ذلك أن ما دعوا إليه يموت بموتهم؟ قد يبقى، فيكون هذا نصرًا لهم ولو بعد وفاتهم. (﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ﴾ الذل والهوان من المسْخ والقتل وغيره في الحياة الدنيا ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿لَوْ كَانُوا﴾ أي: المكذبون يعلمون عذابها ما كذبوا) قوله: (ما كذبوا) هذه جواب (لو) محذوفًا. ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر ٢٧]. ﴿ضَرَبْنَا﴾ يقول المؤلف: (جعلنا) ولعل الضرب أخص من الجعل؛ أي: بيَّنَّا للناس في هذا القرآن من كل مثل، والجملة هنا مؤكدة بمؤكدات ثلاثة، وهي: اللام، و(قد)، والقسم المقدَّر؛ لأن تقدير الكلام في مثل هذا التركيب: والله لقد، فيكون مؤكدًا بمؤكدات ثلاثة. وقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ﴾، إذا قال قائل: كيف يؤكد هذا وهو أمر معلوم، والغالب أن التأكيد إنما يُصار إليه للحاجة إليه؟ فالجواب: أن التأكيد قد يكون للحاجة إليه عندما يكون المخاطب شاكًّا أو مُنكِرًا، وقد يكون التأكيد لأهمية المؤكَّد وإن لم يكن ثَمَّ إنكار أو تردد، ومنه هذه الآية، فإن ضَرْب الله الأمثال للناس في القرآن أمر محسوس مُدرَك، ولكن لأهميته أكَّدَه الله عز وجل. ﴿لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر ٢٧] أي: من كل شَبَهٍ، فيضرب الله تعالى الأشباه والنظائر ليحذر من كان على مثل هذا النظير وهذا الشبيه حتى لا يقوم بمثل ما فَعَلَ. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: يتعظون، و(لَعَلَّ) هنا للتعليل، وهو أحد معانيها، ومن معانيها الترجي، مثل: لعلَّ الحبيبَ قادمٌ، ومن معانيها الإشفاق، مثل: لعلَّ الحبيبَ هالكٌ؛ ففي الأول: (لعلَّ الحبيبَ قادمٌ) رجاء، وفي الثاني إشفاق، يعني أخشى أن يكون هالكًا، وتأتي للتعليل كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة ١٨٣] وهل من مثال ثالث؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * الطالب: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾. * الشيخ: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق ١] قد يكون هذا للتوقع. * الطالب: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾. * الشيخ: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ﴾ [الشعراء ٣] للتوقع أيضًا، هي في القرآن كثير. * طالب: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾. * الشيخ: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ [غافر ٣٦] للترجي، ويحتمل أن تكون للتعليل، إنما هو كثير في القرآن (لعلَّ)، فيظن بعض الناس أنها للترجي في كل مكان، فيقول: كيف يترجى الله عز وجل الشيء وهو قادر على كل شيء؟ نقول: (لَعَلَّ) إذا جاءت في كلام الله فهي للتعليل. وقوله: (﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر ٢٧] يعني يتعظون)؛ لأن هذا هو الغرض من ضرب الأمثال. ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر ٢٨] ﴿قُرْآنًا﴾ هذه حال، و﴿عَرَبِيًّا﴾ حال أخرى؛ يعني هذا القرآن الذي فيه من كل مَثَل هو قرآن، والقرآن تأتي بمعنى المصدر، وتأتي بمعنى اسم الفاعل أو المفعول، فمن إتيانها مصدرًا (الغُفْران والشُّكْران)، وأنا أقصد بهذا وزن (فُعْلَان) تأتي مصدرًا مثل: (الغُفْران، والشُّكْران، والقُرآن)، وهذا المصدر في لفظ القرآن يحتمل أنه بمعنى اسم المفعول، فقرآن بمعنى (مَقْرُوء)، وعلى هذا فيكون بمعنى (مَتْلوٍّ)، ويحتمل أن يكون اسم فاعل بمعنى (قارِئ)، وهو من قَرَأَ الماء إذا جَمَعَهُ في الحوْض، والقرآن إذا تأملتَ وجدت أن الوصفين ينطبقان عليه فهو متلوٌّ وجامِع؛ ولهذا قال العلماء في أصول التفسير: إنه يصح أن يكون بمعنى اسم الفاعل، ويصح أن يكون بمعنى اسم المفعول. وقوله: ﴿عَرَبِيًّا﴾ أي: باللغة العربية التي هي لسان محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولسان القوم الذين بُعِثَ فيهم. والعربية هي أفضل الألسُن وأعربها وأفصحها وأبينُها؛ ولهذا اختارها الله عز وجل لرسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فإن قيل: أليس في القرآن من الكلمات ما أصله أعجمي في القرآن؟ بلى، فيه، ولكن هذه الألفاظ التي أصلها غير عربي لما نطق بها العرب عَرَّبوها وصارت عربية؛ ولهذا لا تخلو هذه الكلمات المعرَّبة من تغيير بعض الشيء، لا بد أن يكون فيها شيء من التغيير في الغالب، فإذا نَطَقَ بها العرب واستخدموها، وسادت في ألسنتهم صارت عربية، عارِبَة ولا مُستعرِبة؟ * طالب: مُسْتَعْرِبة. * الشيخ: مُسْتعرِبَة، إذن فهي كلمات مستعرِبة من قوم مستعرِبين أيضًا؛ يعني أصل العرب مستعربين؛ لأنهم ليسوا عربًا في الأصل، فإسماعيل هو ابن إبراهيم، وليست لغته عربية، لكن لما جاء العرب جُرهم إلى أم إسماعيل، ونزلوا عندها صار عربيًّا، واستمرت العروبة إلى يومنا هذا. يقول: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر ٢٨]، هذا الوصف سلبي وليس ثبوتيًّا ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾، واعلم أنه لا يوجد في أوصاف القرآن ما هو سلبي محض؛ لأن السلبي المحض ليس فيه مدح بل كل شيء وُصِف به القرآن على وجه النفي فإن ذلك لكمال ضده، فإذا قال: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ أي لكمال استقامته، بل قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء ٩]، فالقرآن الكريم يهدي للتي هي أقوم في أمور الدين وفي أمور الدنيا على وجهٍ ليس فيه اعوجاج بوجهٍ من الوجوه؛ ولهذا قال: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي: لأجل أن يتقوا، فبيَّن الله لنا في هذا القرآن وجعله غير ذي عوج من أجل تقواه عز وجل. يقول الشارح رحمه الله: (﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر ٢٧] أي جعلنا)، وهذا التفسير تفسيرٌ بما هو أعم؛ لأن ضرب المثل ليس مجرد جَعْل له بل ضرب المثل للاعتبار به، فضربته مثلًا؛ أي جعلته شبهًا حتى يُعتبر به. وقوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾، ﴿مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ يشمل كل الناس؛ المؤمن والكافر؛ لأجل أن يتذكر هؤلاء وهؤلاء. * طالب: (...). * الشيخ: لا، الذل، والهوان، والعار، والفضيحة، كلها. * الطالب: (...). * الشيخ: أي: لا تذلنا ولا تفضحنا. * طالب: (...) اللغة العربية هي أفضل اللغات (...)؟ * الشيخ: لا، أيهما أفضل رسالة محمد عليه الصلاة والسلام وأمته أو الرسالات الأخرى وأمهاتهم؟ * الطالب: رسالة النبي ﷺ. * الشيخ: إذن أفضل ما فيه شك؛ ولهذا ورد أحاديث لكنها فيها نظر أن اللغة العربية لغة أهل الجنة. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، كون الله اختار هذه الرسالة العظيمة في اللغة العربية يكفي؛ لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤] فصار هذا المكان صالحًا لهذه الرسالة العظيمة؛ لأنه عظيم. * طالب: (...). * الشيخ: معلوم البيان، لو جاء بغير باللغة العربية ما بان، لكن كونه اختار أن يكون في هؤلاء العرب وبِلُغتهم هذا دليل على فضله. * طالب: (...) قال قائل: يعني الرسول ﷺ خاص بالعرب؛ لأن القرآن عربي، نرد بنفس الجواب هذا؟ * الشيخ: لا، إذا قال: إنه هو خاص بالعرب، قلنا: نعم، هو بعث في الأُمِّيين لكن لجميع الناس، كما لو أن أحدًا صار في الشرق أو في الغرب وهو أمير على جميع القارة التي هو فيها، فهذا محمد عليه الصلاة والسلام بُعِثَ في هؤلاء القوم لكن إلى جميع الناس، ومعلوم أنه لا بد أن يُبعث في قومه، افرض أنه بُعِث في العجم وهو رسول إلى الناس، نفس الشيء. * طالب: هل العذاب له لون وطعم؟ * الشيخ: إي نعم، الشيء الذي يُصيب الإنسان إصابة مباشرة يقال: ذَاقَهُ، لكن ليس باللسان، إنما لما أنه أصابه مباشرة صار كالمطعوم الذي يُدخله الإنسان في جوفه. * طالب: قلنا: إن الوصف بالسلب يعني ليس دليلًا في المدح كقول الله تبارك وتعالى (...). * الشيخ: نعم، إن قلنا: لا بد أن يتضمن الكمال، لم يلد ولم يولد لكمال وحدانيته. * طالب: (...) سوء العذاب يوم القيامة (...)، فهل يدل على الوجه؟ يأتيه العذاب الأشد من بقية البدن؟ * الشيخ: هو على كل حال إحساس الوجه بالعذاب أشد من إحساس بقية الجسم. * الطالب: (...). * الشيخ: هو إذا كان أسوأ العذاب، ويكون في الوجه صار أشد على الإنسان مما لو كان في طرف آخر، لكن اللي يظهر لنا ما قلنا: إن سوء العذاب ليس على اسم تفضيل، ولكنه من باب إضافة الصفة إلى موصوفها؛ يعني العذاب السيئ. * طالب: (...) خير وشر، أليست من باب خير وشر؟ * الشيخ: خير وشر أيضًا تُطلق على اسم التفضيل، إذا قلت: هذا خير من هذا، وهذا شر من هذا، وقد تطلق ويراد بها الوصف في الشر فقط، كما تقول: هذا شر، هذا خير. * * * * الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٩) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٢٩ - ٣١]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ [الزمر ٢٩]، لما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر ٢٧] ذكر هذا المثل، ضرب مثلًا. بَيَّن الله عز وجل هذا المثل العظيم فقال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ ﴿رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾، ﴿فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ أي متنازعون مختلفون، كل واحد منهم يقول: أنا صاحبه، أنا الذي أريد أن أستخدمه وما أشبه ذلك، فهم دائمًا في نزاع وفي خصومة؛ لأن كل واحد منهم يريد أن ينفرد به عن الآخر، والرجل الثاني ﴿رَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ سَلَمًا أي سالِمًا لهذا الرجل، لا يشركه فيه أحد. فإن قال قائل: بما عرفتم أن ﴿سَلَمًا﴾ بمعنى (سالِمًا) من الشركاء؟ قلنا: عرفنا ذلك بذكر المقابل، وهو قوله: ﴿فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾؛ لأن الكلمة تُعرف بالسياق، وبذكر المقابل، ومن أبرز مثال على ذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء ٧١]. لو قال لك قائل: ما معنى ثُبَاتٍ؟ لفهمت معناها مما بعدها ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾، فيكون الثُّبات ضد المجتمعين؛ أي: فُرادى، انفروا فُرادى، أو انفروا جميعًا، وهذه من قواعد التفسير أن يُعرف تفسير الكلمة بذكر ما يقابلها، فهنا نقول: رجلًا سَلَم ﴿سَلَمًا﴾ أي: خالصًا لمالكه لا يُشاركه فيه أحد، فإن قال قائل: بمَ عرفتم ذلك؟ قلنا: بما ذكرنا من القاعدة أن المقابل للشيء؛ أي الذي جُعل مُعادلًا له يكون مقابلًا له في المعنى، هذا الرجل الذي كان سَلَمًا لرجل، هل أحد يشاركه في ملكه له؟ لا، هل أحد يُنازعه؟ لا. إذن يجب أن نعرف الفَرْق بين المملوك الذي فيه الشركاء المتشاكسون والمملوك الذي ليس فيه شركاء، ثم نقيس عليه المخلص لله الذي يعبد الله وحده والذي يعبد مع الله غيره؛ ولهذا قال: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر ٢٩] أي: هل يستوي الرجلان أحدهما فيه شركاء متشاكسون والآخر سَلَمٌ لرجل؟ هل يستوي هذان؟ الجواب: لا، فالاستفهام حينئذٍ بمعنى النفي؛ يعني لا يستويان. والاستفهام يأتي لمعانٍ كثيرة كما هو معروف في علم البلاغة، ولكنه إذا أتى في موضع النفي فإنه يكون مُشْربًا معنى التحدي؛ لأنه لو قيل: لا يستويان؛ لفهمنا انتفاء استوائهما، لكن إذا قيل: هل يستويان؟ فهما أمران: الأمر الأول: انتفاء الاستواء. والأمر الثاني: التحدي. نقول: هل عندك شيء تثبت أنهما يستويان فيكون تحويل النفي إلى استفهام أبلغ في النفي وأَبْيَن؟ ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ الجواب: لا. قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الزمر ٢٩] حمد نفسه عز وجل؛ لكمال صفاته، وكمال إنعامه، ومن إنعامه أنه يضرب الأمثال للناس في القرآن لعلهم يتذكرون مع أنه عز وجل غني عنهم، ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران ٩٧]، كلهم لكن رحمته تأبى إلا أن يُبيِّن لعباده ما يحتاجون إليه في أمور دينهم ودنياهم؛ ولهذا قال بعد هذا البيان التام في المثل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. ثم قال: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٢٩] ﴿بَلْ﴾ هنا للإضراب، والإضراب له معنيان: المعنى الأول: إضراب انتقال ينتقل من شيء إلى آخر. والمعنى الثاني: إضراب إبطال، يُبطل الأول، ويثبت الثاني، فإذا قلت: ما قام زيد بل عمروٌ، فهذا إضْراب إبطال، أبطلت الأول وأثبت الثاني. وفي قوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل ٦٦] هذا انتقال من معنى إلى معنى أشد منه. في هذه الآية: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، هل هي إضراب إبطال أم هي إضراب انتقال؟ إضراب انتقال؛ لأنه لم يسبق شيء أبطلته، وقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ المراد بـ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ هنا أكثر الناس كما جاء ذلك في آيات أخرى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف ١٨٧]. وانتفاء العلم هنا لانتفاء لازمه وهو العمل والامتثال، فأكثر الناس في جهل، وأكثر الناس في غي، في جهل لا يعرفون الحق، وفي غي لا يقبلون الحق ولا يعملون به، وكلهم يصح أن ننفي عنه العِلْم، أما من كان في جهل فنفي العلم عنه واضح، وأما من كان في غي مع العلم فنفي العلم عنه؛ لأنه لم ينتفع به ولم يعمل به. ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣٠، ٣١] ﴿إِنَّكَ﴾ الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ﴿مَيِّتٌ﴾ وَصْف له في المستقبل. ﴿وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ كذلك، وأكد الموت مع العلم به يَقينًا من أجل أن عمل هؤلاء الذين كذَّبوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم عمل من لم يُوقِن بالموت؛ لأن من أيقن بالموت حقيقة فلا بد أن يعمل له لكنهم هم لا يعملون له فكان عدم عَمَلِهم له كالمنكر، أو بمنزلة المنكر؛ فلهذا أُكِّد. وقوله: ﴿مَيِّتٌ﴾ بتشديد الياء، يُقال لمن سيموت وهو حي، وأما (مَيْت) فيقال لمن وقع به الموت؛ أي بعد فراق حياته يقال: (مَيْت)، وربما يقال: (مَيِّت)، لكن الأكثر (مَيْت)، فعلى هذا يُفَرَّق بين أن يُوصَف الحي بالموت، ويقال فيه: (مَيِّت)، وبين أن يوصف الميِّت بالموت فيقال: (مَيْت). ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣٠، ٣١]. ﴿إِنَّكُمْ﴾ الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام ومن عانَدَهُ وكَفَرَ به. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ سبق تفسيره. ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ عند ربكم الذي خلقكم أول مرة، وأعادكم ثاني مرة، تختصمون عنده أيكم على الحق، ونحن نعلم الآن نتيجة هذه الخصومة من سيغلب؟ * طلبة: المؤمنون. * الشيخ: المؤمنون لا شك، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء ١٤١]، فالكافر لا سبيل له على المؤمن، فالنتيجة -والحمد لله- معلومة أن المؤمنين هم الغالبون يوم القيامة، وهم الخاصمون لأعدائهم. نرجع الآن إلى كلام المؤلف، ثم نأخذ الفوائد جميعًا إن شاء الله. يقول المؤلف رحمه الله عز وجل: (ضرب الله للمشرك والموحِّد مثلًا)، وتقييده المؤلف بالمشرك والموحِّد واضح؛ لأن المثل المضروب وهو العبد المملوك بين شركاء والعبد الخالص ينطبق تمامًا على المشرك والموحِّد. يقول: (ضرب الله للمشرك والموحِّد مثلًا ﴿رَجُلًا﴾ [الزمر ٢٩]) بدل من ﴿مَثَلًا﴾، والبدل يقول الإمام ابن مالك رحمه الله فيه: التَّابِعُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا ∗∗∗ وَاسِطَةٍ............ هذا البدل. فقوله: (هو التابع المقصود بالحكم)، خرج به من بقية التوابع. وقوله: (بِلا واسطة)، خرج به المعطوف بـ(بل)، فإن المعطوف بـ(بل) يكون إذا كان للإضراب الإبطالي يكون هو المقصود بالحكم، لكنه بواسِطة فلا يُسمَّى بدلًا. فهنا قال: ﴿مَثَلًا رَجُلًا﴾ لو حُذِفت ﴿مَثَلًا﴾، وقال: ضرب الله رجلًا، أيصح الكلام أو لا؟ يصح؛ لأن المقصود هو كلمة رجل، وأنت لو قلت: رأيت محمدًا عليًّا، عليًّا بدل؛ لأن المقصود هو عليٌّ، إذا خطب مخاطب وقال: رأيت عليًّا محمدًا؟ عرفت أنه أراد محمدًا ولم يرد عليًّا؛ لأن محمدًا بدل من عليٍّ، والبدل هو المقصود بالحكم لكن قد يكون سببه الغلط، وقد يكون سببه النسيان أو غير ذلك من الأسباب، المهم أن البدل هو ما حده ابن مالك بقوله: التَّابِعُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا ∗∗∗ وَاسِطَةٍ هُوَ الْمُسَمَّى بَدَلَا يقول: (﴿فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ متنازعون، سيئة أخلاقهم) من أين أخذ سوء الخلق؟ من قوله: ﴿مُتَشَاكِسُونَ﴾؛ لأن المشاكسة تُنبِئ عن سوء الخلق؛ إذ إن حَسَن الخلق يتنازل عن حقه ولو كان في ذلك أذية له أو ضرر عليه؛ لأن حُسْن أخلاقه يتغلب على أخذه بحقه، وهكذا ينبغي للإنسان أن يكون حَسَن الأخلاق، وأن يتغاضى عن بعض حقه ولو كان في ذلك أذية لنفسه، وليعلم أنه وإن قالت له نفسُه: إن تواضعك وعفوك عن حقك ذُلٌّ لك ليعلم أن هذا من وساوس الشيطان؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزَّةً، وَمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ»[[أخرجه مسلم (٢٥٨٨ / ٦٩) من حديث أبي هريرة.]]. فلا تغلبك نفسك وتأخذك العزة بالإثم فتقول: لا يمكن أسكت عن هذا الرجل، أنا من أنا حتى يعتدي عليَّ، أنا فلان بن فلان! فإن هذا من الشيطان ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ٤٠]، ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت ٣٤]، ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾ [فصلت ٣٥] أي: ما يُوفَّق لها ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. يقول: (متنازعون سيئة أخلاقهم ﴿وَرَجُلًا سَالِمًا﴾ ) عندي ﴿سَالِمًا﴾ ، وهي قراءة والمفسِّر فسَّر عليها. والسالم يعني الخالص كما فسرها (خالصًا ﴿لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ ) يقول: (﴿مَثَلًا﴾ تمييز) ما هو التمييز؟ التمييز: مِنْ مَيَّزَ إذا بَيَّنَ، وقد حدَّهُ ابن مالك بالألفية فقال: اسْمٌ بِمَعْنَى (مِنْ) مُبِينٌ نَكِرَهْ ∗∗∗ يُنْصَبُ تَمْيِيزًا بِمَا قَدْ فَسَّرَهْ هذا التمييز، اسم نكرة، يُبيِّن المبهم الذي فسَّره، وهو بمعنى (مِنْ)، ومثاله: قولهم: تصبب زيدٌ عَرَقًا، عرقًا هذه تمييز، طبِّقْها على التعريف نجد أنها اسم بمعنى (مِن)؛ لأنك تقول: تصبَّب من العرق، مُبِين: أي مُفَسِّر لكلمة تَصَبَّب؛ لأن تصبب بمعنى تصبب دمًا، تصبب ماءً، تصبب عرقًا، فبينت المتصبِّب، نكرة أو معرفة؟ نكرة، هذا هو التمييز: اسْمٌ بِمَعْنَى (مِنْ) مُبِينٌ نَكِرَهْ ∗∗∗ يُنْصَبُ تَمْيِيزًا بِمَا قَدْ فَسَّرَهْ الآن أمليت عليكم بيتين من ألفية ابن مالك، فاللي يحفظهم الآن يسقط عنه من حفظها بيتان البيت الأول؟ * طالب: التَّابِعُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا ∗∗∗ وَاسِطَةٍ هُوَ الْمُسَمَّى بَدَلَا * الشيخ: نعم، البدل: التَّابِعُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا ∗∗∗ وَاسِطَةٍ هُوَ الْمُسَمَّى بَدَلَا وهذا الثاني، التمييز؟ * طالب: اسْمٌ بِمَعْنَى (مِنْ) مُبِينٌ نَكِرَهْ ∗∗∗ يُنْصَبُ تَمْيِيزًا بِمَا قَدْ فَسَّرَهْ * الشيخ: يقول: (﴿مَثَلًا﴾ تمييز، أي لا يستوي العبد لجماعة والعبد لواحد، فإن الأول إذا طلب منه كل من مالكيه خدمته في وقت واحد تحيَّر في من يخدمه منهم). يقول: (لا يستوي) فبيَّن رحمه الله أن الاستفهام في قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ﴾ للنفي حيث فسره بنفي. وقوله: (لا يستوي العبد لجماعة والعبد لواحد)، صحيح لا يستويان، العبد لواحد يتصرف فيه متى شاء، متى شاء قال: اخدمني، ومتى شاء قال: استرح، متى شاء باعه، متى شاء أجَّره، لكن العبد لجماعه وجماعة متشاكسون، أخلاق سيئة، تنازع دائم، هل يستويان؟ أبدًا، لو قال أحدهم: تعالَ اخدمني، وقال الثاني: اخدمني أنا، وقال الثالث: اخدمني أنا، وقال الرابع: اخدمني أنا، صار أحدهم أخذ باليد اليمنى، والثاني باليد اليسرى، والثالث بالرجل اليمنى، والرابع بالرجل اليسرى، ثم مزَّعوا العبد؛ لأن كل واحد يريد أن يكون عنده، هو الذي يخدمه، كذلك أيضًا في البيع لو أراد أحدهم، قال: أنا أريد بيعه، وقال الثاني: لا أريد، والثالث قال: أريد تأجيره، والرابع قال: أريد إعارته، كيف يكون هذا؟ دائمًا في نزاع وشقاق، فالعبد نفسه في قلق، وفي حيرة، وفي بلاء، والشركاء أيضًا كذلك متشاكسون دائمًا، لا يمكن أن يستوي هذا مع رجل، وهذا لا شك أنه مثل تقريبي، وإلا فالفرق عظيم بين عبادة الله عز وجل وعبادة غيره معه؛ يعني أنه أعظم، ولكن الله تعالى يُقرِّب هذا للعباد، كما قرَّب المعاد بالماء ينزل من السماء، ثم تُنبت به الأرض كم يبقى؟ نبات الأرض بعد نزول المطر؟ يبقى مدة على حسب طيب الأرض، وحسب كثرة المطر، وحسب الجو المناسب، وحسب الفصل لكن يبقى. البعث ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣، ١٤] ﴿زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ فالأمثال قد لا تكون مطابقة تمامًا، قد يكون مورد المثل قد يكون أسرع من المثل، لكن يُذْكر على سبيل التقريب، ولا شك أن عبادة الله عز وجل وحده، وعبادة غيره معه لا شك أن بينهما فرقًا أعظم من الفرق بين الرجل السالِم لرجل والرجل المشترَك بين شركاء متشاكسين. يقول المؤلف رحمه الله: (هذا مَثَلٌ لِلْمُشرك، والثاني مَثَلٌ للموحِّد) ما هو الثاني؟ رجل سالِمًا لرجل هذا للموحِّد، والأول للمشرك، وما هو المقصود من ضرب هذا المثل؟ المقصود التحذير من الشِّرْك بالله عز وجل. ثم اعلم أن الشركاء في العبد متشاكسون لكن مع الله عز وجل يقول الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]. الشركاء المتشاكسون لا يمكن أن يتنازل أحدهم عن نصيبه، لكن الشرك بالله يدع الله المشرك وشركه. «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ». ولهذا قال: (﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الزمر ٢٩] وحده، وإذا كان الحمد له وحده وجب أن تكون العبادة له وحده؛ لأنه أهل الحمد وأهل العبادة سبحانه وتعالى فهو وحده المستحق لأن يُعبد). (﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ﴾ أي أهل مكة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ ما يصيرون إليه من العذاب فيُشركون). قوله: (﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ﴾ أي أهل مكة)، المؤلف رحمه الله دائمًا ولا سيما في الآيات والسور المكية يجعل مثل هذا الخطاب مُنصَبًّا على أهل مكة، ولكن الذي ينبغي أن نجعل دلالة القرآن عامة دائمًا إلا عند الضرورة؛ لأن القرآن نزل لجميع الخلق إلى يوم القيامة، فتخصيصه بأهل مكة يعني أنه لا يتناول غيرهم إلا بالقياس، لكن إذا أخذنا بلفظه العام شمل أهل مكة وغيرهم بالنص. وهناك فرْق بين شمول الحكم بالنص وشموله بالقياس، فالصحيح أن الضمير في ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ يعود على جميع الخلق، أكثر الخلق لا يعلمون؛ ولهذا ثبت في الحديث الصحيح أن الله يقول: «يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ. فَيَقُولُ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ أَوْ: بَعْثَ النَّارِ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعةٌ وَتِسْعُونَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]]. وهؤلاء هم الأكثر أو الأقل؟ الأكثر، فأكثر الخلق لا يعلمون إما لجهلهم أو لِغيِّهم، إن كانوا لجهلهم -فكما قلت لكم من قَبْل- فهم قد انتفى عنهم العِلْم، وإن كان لغيهم فإن العِلم انتفى عنهم لانتفاء فائدته، حيث لم يسترشدوا به. قال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾. (﴿إِنَّكَ﴾ خطاب للنبي ﷺ ﴿مَيِّتٌ﴾ [الزمر ٣٠] أي ستموت). قال: (﴿وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ ) قال: (فستموت ويموتون)، وكما يقول العامة عندنا: الوعد قُدَّام، (قُدَّام) يعني يوم القيامة؛ لأن الله يوم القيامة يفصل بين العباد، سوف يتنازع الناس في أعمالهم ودياناتهم، ويتنازعون في حقوقهم الخاصة، فيفصل الله بينهم يوم القيامة. يقول: (فلا شماتة بالموت) يعني أنك إذا مت فلا شماتة عليك؛ لأنهم سيموتون مثلك. (نزلت لما استبطؤوا موته ﷺ) هكذا قال المؤلف: إن سبب نزولها أن قريشًا استبطؤوا موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فنزلت هذه الآية تخبره أنه سيموت، وإذا مات فهم أيضًا سيموتون ويختصمون يوم القيامة، ولكن هذه الدعوة تحتاج إلى دليل، لننظر في سبب النزول لا نجد هذا، فإذا كان كذلك فلا ينبغي أن نتخيل سببًا للنزول في معنى آية من كتاب الله؛ لأن سبب النزول خبر محض، والخبر المحض لا مدخل للعقل فيه، ولكننا نقول: ذكر الله هذه الجملة إشارة إلى أنه لن يضيع عملك ولا عملهم، لن يُضيع عملك بدعوتك إلى التوحيد، ولن يضيع عملهم بالإشراك، فإن لكم موعدًا ستجتمعون فيه، وتختصمون فيه عند الله عز وجل، فيكون في هذا تسلية للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه تحذير للمشركين، فهو من وَجْه تسلية وتطمين للرسول عليه الصلاة والسلام، وهو من وجه آخر تحذير للمشركين بأنهم سيموتون، وسيكون أيضًا موتهم عن قُرْب، وسيكون مؤكدًا لا إشكال فيه. (﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ٣١] ثم إنكم أيها الناس فيما بينكم من المظالم) هذا عجب من المؤلف رحمه الله الخطاب ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ﴾ [الزمر ٣٠، ٣١] صرفه المؤلف إلى عموم الناس فقال: (أيها الناس). ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ﴾ يقول: (أيها الناس فيما بينكم من المظالم)، والسياق يأبى هذا التفسير بل الخطاب للنبي ﷺ، ومن كفر به، هذا هو المتعين، وتختصمون في المظالم التي بينكم أو فيما بينكم من الحق والباطل؟ الثاني، من الحق والباطل، أنت تدعو إلى التوحيد وهم ينكرون ذلك، ولكم موعد تختصمون فيه ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ﴾ أي الرسول عليه الصلاة والسلام ومن كذَّبه يوم القيامة عند ربكم تختصمون. وفي قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر ٣١] إشارة إلى أن هذا الاختصام من مقتضى ربوبيته عز وجل؛ لأنه حَكَمٌ عدْل، ومن عدْله أنه يفصل بين المتنازِعِين فيه يوم القيامة كما يفصل بين المتنازِعِين في الحقوق الخاصة. * طالب: (...) على إثبات القياس بالآية. * الشيخ: هو -بارك الله فيك- كل مَثَل في القرآن فإن فيه دليلًا على إثبات القياس. * طالب: الإنسان اللي يأخذ حقه (...). * الشيخ: لا، إن كان تركه للاختصام عند الله فهذا لم يتركه، لكن إن تركه للثواب عند الله فقد تركه. * الطالب: (...) ثقة بالله.. * الشيخ: إي، لكن ثقة بأنه سيختصم مع خصمه؟ أسألك؟ * الطالب: (...). * الشيخ: هل عفا عنه في هذه الحال؟ * الطالب: (...) الربوبية. * الشيخ: لا، أنا أسألك الآن، هل تركه للاختصام عند الله يوم القيامة أو لا؟ هل عفا عنه في هذه الحال؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا بأس، أنا أرى في هذه الحال أن يُطالِب بحقه في الدنيا، أو يتركه لله؛ لأنه إذا طالَب به في الدنيا وأُخِذ حقُّه سلمت حسنات هذا الذي ظلمه يوم القيامة، فكان عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، ويكون بذلك مُحسِنًا إليه، أو يترك للأحسن وهو العفو وانتظار الأجر من الله عز وجل ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ٤٠] عرفت الآن؟ فالأحوال ثلاث؛ إما أن يأخذ بحقه في الدنيا، أو يُؤجِّل حقه للآخرة، أو يعفو. والمراتب من الأشد إلى الأخف نقول: أشدها أن يؤخر ذلك للآخرة، ثم أن يأخذ به في الدنيا، ثم أن يعفو، مع أن العفو لا بد فيه من قيد؛ أن يكون في العفو إصلاح، فإن كان في العفو إفساد؛ بحيث إذا عفونا عن هذا الرجل زاد في شره وطغيانه، فهنا الأخْذ بالحق أولى من العفو، أما إذا علمنا أن هذا الرجل سينظر إلى العفو نظرةَ إكْبار ويحسن خلقه بعد ذلك؛ فلا شك أن العفو أفضل. * طالب: لو أن ظالِمًا قويًّا ولا أحد يستطيع أن يأخذ حقه منه، هل نقول اعفُ عنه، أو نقول: أجِّلْ أمرك إلى الآخرة؟ * الشيخ: لا، معنى ذلك أن هذا الرجل لو عفونا عنه لن يصلح، فأجِّل حقه في الآخرة؛ لأن الله قَيَّد ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ [الشورى ٤٠] لكن أخْبِرْه قل له: أنت الآن ظلمتني في كذا وكذا وكذا، وأنا سأُؤَجل أخذي ليوم القيامة، لا يظن إنك عفوت. * طالب: العفو يكون مع القدرة. * الشيخ: إي نعم، لا، ومع عدم القدرة، لكن العفو المحمود هو العفو مع القدرة. * طالب: (...) لا أعفو عن الرجل حتى آخذ من حسناته يوم القيامة. * الشيخ: نعم، نقول: هذا لك الحق. * الطالب: أيهما الأفضل يا شيخ ألا يعفو عنه؟ * الشيخ: لا، الأفضل أن يعفو عنه، لكن كما قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ [الشورى ٤٠] إذا كان في العفو إصلاح، أما إذا كان هذا الرجل إذا عفوت عنه، عن قتل ابنه مثلًا ذهب غدًا ليقتل ابن الآخرين. * * * * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٣٢) وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر ٣٢ - ٣٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر ٢٧]. * من فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى أنزل هذا القرآن تبيانًا لكل شيء، ومنه -أي من التبيان- ضرْب الأمثال؛ لأنها تُقرِّب المعنى، وتضع المعقول في صورة المحسوس، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت ٤١]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: رحمة الله سبحانه وتعالى بالعباد حيث بَيَّن لهم هذا البيان التام. * ومن فوائدها: أنه ينبغي للمُعَلِّم غَيْرَهُ أن يُكْثِرَ له من ضرْب الأمثال التي تُعينُه على فهم المعنى؛ لأن هذا هو أسلوب القرآن. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العِلَل والحِكَم في أفعال الله وشَرْعه؛ لقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر ٢٧]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على الجهمية وأشباههم ممن أنكروا حكمة الله وقالوا: إن الله سبحانه وتعالى يفعل الشيء لا لِعِلَّة وحكمة ولكن لمجرد المشيئة، وجه ذلك أن (لَعَلَّ) هنا للتعليل، والتعليل يعني إثبات الحكمة. ثم قال الله عز وجل: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر ٢٨]. * يُستفاد من هذه الآية الكريمة: أن القرآن عربيٌّ؛ أي نازل بلغة العرب. * ومن فوائدها: أنه لا يوجد في القرآن لفظ أعجمي؛ لأن الله وصف القرآن كله بأنه عربي، وهذا يقتضي أن ليس فيه شيء من لغة العجم، ولا شك أن هذا هو الواقع، فليس في القرآن لفظ عجمي، لكن اختلف العلماء المفسرون وغيرهم هل في القرآن كلمة أصلها أعجمي، ثم عُرِّبت فمنهم من يقول: نعم، ومنهم من يقول: لا، فالذين قالوا: نعم، قالوا: هناك كلمات في القرآن الكريم لا تنطبق عليها قواعد اللغة العربية، ويعني هذا أنها أعجمية، وهذا لا ينافي أن يكون القرآن عربيًّا؛ لأن العرب لما عرَّبتها صارت عربية بالاستعراب، كما أن العرب أصلهم مستعربون وإلا فلغة أبيهم إسماعيل ليست عربية. ومنهم من قال: هذه الكلمات التي هي كلمات أعجمية إنما جاءت بلسان العرب من باب توارد اللغتين، ولا مانع من أن تتوارد اللغتان على كلمة واحدة، والخلاف في هذا قريب من اللفظي، وذلك لأنهم متفقون على أنه لا يوجد في القرآن لفظ أعجمي هو أعجمي حتى نزول القرآن أبدًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان حِكمة الله عز وجل في إنزاله القرآن باللسان العربي؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بُعِث في قوم عرب، فكانت الحكمة أن يكون لسانه عربيًّا كما هو الشأن في جميع الرسل، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم ٤]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن فهم المعنى مُعِين على التقوى؛ لقوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزمر ٢٨] ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، وهذا أمر واضح أن فهم المعنى من أسباب التقوى؛ لأنك لو تكلم لك إنسان بما لا تفهم معناه لم يؤثر فيك شيء، إنما يؤثر فيك ما تفهم معناه، ولهذا قال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. * ونستفيد من هذه الجملة: ما استفدنا من الجملة السابقة وهي قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر ٢٧]. ثم قال الله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ إلى آخره [الزمر: ٢٩]. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذه الآية تطبيق لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر ٢٧] فإن هذا مثل. * ومن فوائدها: أن مثل من يعبد مع الله غيره كمثل عبدٍ فيه شركاء متشاكسون متنازعون متخاصمون، وجه ذلك أن هذا العابد مع الله غيره لم يكن قلبه خالصًا لله تتنازعه الشركاء من يمين وشمال حتى ضاع بينهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى يأتي بالخبر أو غيره، ثم يُقرِّر ذلك للمخاطَب بأحسن وجه؛ وذلك في قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر ٢٩] فإن هذا الاستفهام الذي يُراد به النفي الغرض منه تقرير ما ذُكِر وإلزام المخاطَب به. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى مُستحِق للحمد لكمال توحيده؛ لقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. * ومن فوائدها: أن الحمد المطلق إنما يكون لله عز وجل، أما غيره فهو إن حُمِدَ فليس حمده على الإطلاق بل يُحْمَد على شيء معين وجزء معين مما يُحمد عليه، أما الحمد على الإطلاق فهو لله رب العالمين عز وجل؛ لأنه هو المحمود على كل حال، وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا أتاه ما يُسَرُّ به قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ». » وإذا أتاه ما يسوءه قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ»[[أخرجه ابن ماجه (٣٨٠٣) من حديث عائشة.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أكثر بني آدم لا يعلمون الحقائق على ما هي عليه، وإن علموها لم ينتفعوا بها؛ لقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٢٩]. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣٠، ٣١]. * من فوائدها: أن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم لن يُخلَّد أبد الآبدين بل هو ميت كما أن خصومه أموات، وهذا كقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء ٣٤]. * ومن فوائدها: تسلية النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لقوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣٠، ٣١]. * ومن فوائدها: إنذار هؤلاء المكذبين بأن لهم موعدًا مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهو الاختصام يوم القيامة. * ومن فوائدها: أن أهل الشِّرْك والكفر خُصوم لأهل التوحيد والإيمان في الآخرة كما أنهم خصوم في الدنيا، ففي الدنيا لا شك في خصومتهم وعداوة بعضهم لبعض، وفي الآخرة أشد وأعظم. * ومن فوائدها: أن الخلق يختصمون عند الله يوم القيامة، ومن المعلوم أن الخاصِم إذا كانت الخصومة بين المؤمن والكافر هو المؤمن قال الله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء ١٤١]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات البعث والحساب؛ لقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣١].

الزمر 39:25

المتقي للعذاب يحاول النجاة منه لكن الملاقي للشيء قد يلاقيه ببشرى وفرح وسرور، فتفسير ﴿يَتَّقِي﴾ [الزمر ٢٤] بـ(يلقى) لا شك أنه قاصر، ولكنه بعض الأحيان يُفسِّر المؤلف القرآن بما يقاربه. قال: (يلقى ﴿بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ٢٤] أي أَشُدَّه) ففسر (سوء) بـ(أسوأ)، و(أسوأ) لا شك أنه اسم تفضيل، و(سوء) ليس اسم تفضيل، وعلى هذا فيكون المؤلف فسر الكتاب بما هو أعلى منه، والواجب أن يكون المفسِّر مطابقًا للمُفَسَّر، ولو قال المؤلف رحمه الله: العذاب السيئ لكان أبلغ مطابقة للقرآن. يقول: (بأن يُلقى في النار مغلولة يده إلى عنقه)، وكأنه أخذه من كونه يتقي العذاب بوجهه؛ لأنه لو كانت يده مطلقة لاتقى العذاب بيده، ولكني أقول: لا يلزم من اتقاء العذاب بوجهه أن تُغلَّ يده؛ لأن يده قد تكون مرسلة غير مقيده ولكن لا يستطيع، أو يظن أن مدافعته بوجهه أشد، فيدافع بوجهه. قال المؤلف في ذكر المعادل: (كمن أمِنَ منه بدخول الجنة). والجواب: لا، وحينئذٍ يكون الاستفهام للنفي؛ يعني لا يستوي من يتقي بوجهه سوء العذاب مع من أَمِن من العذاب ولم يتقه. (﴿وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ﴾ [الزمر ٢٤] أي كفار مكة ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ أي جزاءه). قوله: (﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ أي كفار مكة)كأنه أخذه من قوله: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الزمر ٢٥] وإلا فإن (الظالمين) هنا عام، لفظ عام يشمل كفار مكة وغيرهم، وهذا هو الأولى. فإن قيل: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يدل على أن هذا في المتأخرين. قلنا: نعم، هو يدل على أنه في المتأخرين، لكن كل رسول فقد سبقه رسول. فـ(عاد)، نقول: كذبت قبلهم قوم نوح، وثمود كذبت قبلهم قوم عاد، وهلمَّ جرًّا، فيكون (الظالمون) عامًّا لكفار مكة ولغيرهم، لكن أول من يدخل فيهم -بلا شك- كفار مكة؛ لأن القرآن نزل توبيخًا لهم وإنكارًا ودعوة. قال المؤلف: (﴿فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [الزمر ٢٥] من جهة لا تخطر ببالهم) وهذا كما قلنا تفسير أشد وأبلغ من أن يأتيهم العذاب وهم على أهبة الاستعداد له. قال الله تعالى: (﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ﴾ [الزمر ٢٦] الذل والهوان من المسْخ والقَتْل وغيره ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ). ﴿أَذَاقَهُمُ اللَّهُ﴾ أي مسهم به حتى كأنهم طعموه وذاقوه بمذاقاتهم. وقول المؤلف رحمه الله: (من المسْخ والقتل وغيره) المسْخ مثل اليهود الذين قال الله لهم: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة ٦٥] والقتل، قتال بني إسرائيل مع مَنْ؟ * طالب: مع أنفسهم. * الشيخ: هم قتلوا أنفسهم حينما أُمِرُوا بالتوبة، وقيل لهم: إن كنتم صادقين في التوبة فاقتلوا أنفسكم، ولكن ذكر الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة جالوت وطالوت وفيه قتال. وكذلك أيضًا يقول المؤلف: (وغيره) كالإهلاك بالصاعقة والرجفة وما أشبهه، فالمهم أن المكذبين للرسل كلهم أهلكهم الله عز وجل. فإن قال قائل: أليس من الرسل مَنْ قُتِل؟ الجواب: بلى، ولكن هؤلاء الذين قُتلوا إما أن يكونوا لم يُؤمَروا بالقتال فاعتدى عليهم من اعتدى بدون قتال، وإما أنهم أُوتوا على غِرَّة دون أن يجاهروا بالقتل، ثم إذا قُتِلوا هل معنى ذلك أن ما دعوا إليه يموت بموتهم؟ قد يبقى، فيكون هذا نصرًا لهم ولو بعد وفاتهم. (﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ﴾ الذل والهوان من المسْخ والقتل وغيره في الحياة الدنيا ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿لَوْ كَانُوا﴾ أي: المكذبون يعلمون عذابها ما كذبوا) قوله: (ما كذبوا) هذه جواب (لو) محذوفًا. ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر ٢٧]. ﴿ضَرَبْنَا﴾ يقول المؤلف: (جعلنا) ولعل الضرب أخص من الجعل؛ أي: بيَّنَّا للناس في هذا القرآن من كل مثل، والجملة هنا مؤكدة بمؤكدات ثلاثة، وهي: اللام، و(قد)، والقسم المقدَّر؛ لأن تقدير الكلام في مثل هذا التركيب: والله لقد، فيكون مؤكدًا بمؤكدات ثلاثة. وقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ﴾، إذا قال قائل: كيف يؤكد هذا وهو أمر معلوم، والغالب أن التأكيد إنما يُصار إليه للحاجة إليه؟ فالجواب: أن التأكيد قد يكون للحاجة إليه عندما يكون المخاطب شاكًّا أو مُنكِرًا، وقد يكون التأكيد لأهمية المؤكَّد وإن لم يكن ثَمَّ إنكار أو تردد، ومنه هذه الآية، فإن ضَرْب الله الأمثال للناس في القرآن أمر محسوس مُدرَك، ولكن لأهميته أكَّدَه الله عز وجل. ﴿لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر ٢٧] أي: من كل شَبَهٍ، فيضرب الله تعالى الأشباه والنظائر ليحذر من كان على مثل هذا النظير وهذا الشبيه حتى لا يقوم بمثل ما فَعَلَ. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: يتعظون، و(لَعَلَّ) هنا للتعليل، وهو أحد معانيها، ومن معانيها الترجي، مثل: لعلَّ الحبيبَ قادمٌ، ومن معانيها الإشفاق، مثل: لعلَّ الحبيبَ هالكٌ؛ ففي الأول: (لعلَّ الحبيبَ قادمٌ) رجاء، وفي الثاني إشفاق، يعني أخشى أن يكون هالكًا، وتأتي للتعليل كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة ١٨٣] وهل من مثال ثالث؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * الطالب: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾. * الشيخ: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق ١] قد يكون هذا للتوقع. * الطالب: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾. * الشيخ: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ﴾ [الشعراء ٣] للتوقع أيضًا، هي في القرآن كثير. * طالب: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾. * الشيخ: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ [غافر ٣٦] للترجي، ويحتمل أن تكون للتعليل، إنما هو كثير في القرآن (لعلَّ)، فيظن بعض الناس أنها للترجي في كل مكان، فيقول: كيف يترجى الله عز وجل الشيء وهو قادر على كل شيء؟ نقول: (لَعَلَّ) إذا جاءت في كلام الله فهي للتعليل. وقوله: (﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر ٢٧] يعني يتعظون)؛ لأن هذا هو الغرض من ضرب الأمثال. ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر ٢٨] ﴿قُرْآنًا﴾ هذه حال، و﴿عَرَبِيًّا﴾ حال أخرى؛ يعني هذا القرآن الذي فيه من كل مَثَل هو قرآن، والقرآن تأتي بمعنى المصدر، وتأتي بمعنى اسم الفاعل أو المفعول، فمن إتيانها مصدرًا (الغُفْران والشُّكْران)، وأنا أقصد بهذا وزن (فُعْلَان) تأتي مصدرًا مثل: (الغُفْران، والشُّكْران، والقُرآن)، وهذا المصدر في لفظ القرآن يحتمل أنه بمعنى اسم المفعول، فقرآن بمعنى (مَقْرُوء)، وعلى هذا فيكون بمعنى (مَتْلوٍّ)، ويحتمل أن يكون اسم فاعل بمعنى (قارِئ)، وهو من قَرَأَ الماء إذا جَمَعَهُ في الحوْض، والقرآن إذا تأملتَ وجدت أن الوصفين ينطبقان عليه فهو متلوٌّ وجامِع؛ ولهذا قال العلماء في أصول التفسير: إنه يصح أن يكون بمعنى اسم الفاعل، ويصح أن يكون بمعنى اسم المفعول. وقوله: ﴿عَرَبِيًّا﴾ أي: باللغة العربية التي هي لسان محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولسان القوم الذين بُعِثَ فيهم. والعربية هي أفضل الألسُن وأعربها وأفصحها وأبينُها؛ ولهذا اختارها الله عز وجل لرسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فإن قيل: أليس في القرآن من الكلمات ما أصله أعجمي في القرآن؟ بلى، فيه، ولكن هذه الألفاظ التي أصلها غير عربي لما نطق بها العرب عَرَّبوها وصارت عربية؛ ولهذا لا تخلو هذه الكلمات المعرَّبة من تغيير بعض الشيء، لا بد أن يكون فيها شيء من التغيير في الغالب، فإذا نَطَقَ بها العرب واستخدموها، وسادت في ألسنتهم صارت عربية، عارِبَة ولا مُستعرِبة؟ * طالب: مُسْتَعْرِبة. * الشيخ: مُسْتعرِبَة، إذن فهي كلمات مستعرِبة من قوم مستعرِبين أيضًا؛ يعني أصل العرب مستعربين؛ لأنهم ليسوا عربًا في الأصل، فإسماعيل هو ابن إبراهيم، وليست لغته عربية، لكن لما جاء العرب جُرهم إلى أم إسماعيل، ونزلوا عندها صار عربيًّا، واستمرت العروبة إلى يومنا هذا. يقول: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر ٢٨]، هذا الوصف سلبي وليس ثبوتيًّا ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾، واعلم أنه لا يوجد في أوصاف القرآن ما هو سلبي محض؛ لأن السلبي المحض ليس فيه مدح بل كل شيء وُصِف به القرآن على وجه النفي فإن ذلك لكمال ضده، فإذا قال: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ أي لكمال استقامته، بل قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء ٩]، فالقرآن الكريم يهدي للتي هي أقوم في أمور الدين وفي أمور الدنيا على وجهٍ ليس فيه اعوجاج بوجهٍ من الوجوه؛ ولهذا قال: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي: لأجل أن يتقوا، فبيَّن الله لنا في هذا القرآن وجعله غير ذي عوج من أجل تقواه عز وجل. يقول الشارح رحمه الله: (﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر ٢٧] أي جعلنا)، وهذا التفسير تفسيرٌ بما هو أعم؛ لأن ضرب المثل ليس مجرد جَعْل له بل ضرب المثل للاعتبار به، فضربته مثلًا؛ أي جعلته شبهًا حتى يُعتبر به. وقوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾، ﴿مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ يشمل كل الناس؛ المؤمن والكافر؛ لأجل أن يتذكر هؤلاء وهؤلاء. * طالب: (...). * الشيخ: لا، الذل، والهوان، والعار، والفضيحة، كلها. * الطالب: (...). * الشيخ: أي: لا تذلنا ولا تفضحنا. * طالب: (...) اللغة العربية هي أفضل اللغات (...)؟ * الشيخ: لا، أيهما أفضل رسالة محمد عليه الصلاة والسلام وأمته أو الرسالات الأخرى وأمهاتهم؟ * الطالب: رسالة النبي ﷺ. * الشيخ: إذن أفضل ما فيه شك؛ ولهذا ورد أحاديث لكنها فيها نظر أن اللغة العربية لغة أهل الجنة. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، كون الله اختار هذه الرسالة العظيمة في اللغة العربية يكفي؛ لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤] فصار هذا المكان صالحًا لهذه الرسالة العظيمة؛ لأنه عظيم. * طالب: (...). * الشيخ: معلوم البيان، لو جاء بغير باللغة العربية ما بان، لكن كونه اختار أن يكون في هؤلاء العرب وبِلُغتهم هذا دليل على فضله. * طالب: (...) قال قائل: يعني الرسول ﷺ خاص بالعرب؛ لأن القرآن عربي، نرد بنفس الجواب هذا؟ * الشيخ: لا، إذا قال: إنه هو خاص بالعرب، قلنا: نعم، هو بعث في الأُمِّيين لكن لجميع الناس، كما لو أن أحدًا صار في الشرق أو في الغرب وهو أمير على جميع القارة التي هو فيها، فهذا محمد عليه الصلاة والسلام بُعِثَ في هؤلاء القوم لكن إلى جميع الناس، ومعلوم أنه لا بد أن يُبعث في قومه، افرض أنه بُعِث في العجم وهو رسول إلى الناس، نفس الشيء. * طالب: هل العذاب له لون وطعم؟ * الشيخ: إي نعم، الشيء الذي يُصيب الإنسان إصابة مباشرة يقال: ذَاقَهُ، لكن ليس باللسان، إنما لما أنه أصابه مباشرة صار كالمطعوم الذي يُدخله الإنسان في جوفه. * طالب: قلنا: إن الوصف بالسلب يعني ليس دليلًا في المدح كقول الله تبارك وتعالى (...). * الشيخ: نعم، إن قلنا: لا بد أن يتضمن الكمال، لم يلد ولم يولد لكمال وحدانيته. * طالب: (...) سوء العذاب يوم القيامة (...)، فهل يدل على الوجه؟ يأتيه العذاب الأشد من بقية البدن؟ * الشيخ: هو على كل حال إحساس الوجه بالعذاب أشد من إحساس بقية الجسم. * الطالب: (...). * الشيخ: هو إذا كان أسوأ العذاب، ويكون في الوجه صار أشد على الإنسان مما لو كان في طرف آخر، لكن اللي يظهر لنا ما قلنا: إن سوء العذاب ليس على اسم تفضيل، ولكنه من باب إضافة الصفة إلى موصوفها؛ يعني العذاب السيئ. * طالب: (...) خير وشر، أليست من باب خير وشر؟ * الشيخ: خير وشر أيضًا تُطلق على اسم التفضيل، إذا قلت: هذا خير من هذا، وهذا شر من هذا، وقد تطلق ويراد بها الوصف في الشر فقط، كما تقول: هذا شر، هذا خير. * * * * الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٩) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٢٩ - ٣١]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ [الزمر ٢٩]، لما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر ٢٧] ذكر هذا المثل، ضرب مثلًا. بَيَّن الله عز وجل هذا المثل العظيم فقال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ ﴿رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾، ﴿فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ أي متنازعون مختلفون، كل واحد منهم يقول: أنا صاحبه، أنا الذي أريد أن أستخدمه وما أشبه ذلك، فهم دائمًا في نزاع وفي خصومة؛ لأن كل واحد منهم يريد أن ينفرد به عن الآخر، والرجل الثاني ﴿رَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ سَلَمًا أي سالِمًا لهذا الرجل، لا يشركه فيه أحد. فإن قال قائل: بما عرفتم أن ﴿سَلَمًا﴾ بمعنى (سالِمًا) من الشركاء؟ قلنا: عرفنا ذلك بذكر المقابل، وهو قوله: ﴿فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾؛ لأن الكلمة تُعرف بالسياق، وبذكر المقابل، ومن أبرز مثال على ذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء ٧١]. لو قال لك قائل: ما معنى ثُبَاتٍ؟ لفهمت معناها مما بعدها ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾، فيكون الثُّبات ضد المجتمعين؛ أي: فُرادى، انفروا فُرادى، أو انفروا جميعًا، وهذه من قواعد التفسير أن يُعرف تفسير الكلمة بذكر ما يقابلها، فهنا نقول: رجلًا سَلَم ﴿سَلَمًا﴾ أي: خالصًا لمالكه لا يُشاركه فيه أحد، فإن قال قائل: بمَ عرفتم ذلك؟ قلنا: بما ذكرنا من القاعدة أن المقابل للشيء؛ أي الذي جُعل مُعادلًا له يكون مقابلًا له في المعنى، هذا الرجل الذي كان سَلَمًا لرجل، هل أحد يشاركه في ملكه له؟ لا، هل أحد يُنازعه؟ لا. إذن يجب أن نعرف الفَرْق بين المملوك الذي فيه الشركاء المتشاكسون والمملوك الذي ليس فيه شركاء، ثم نقيس عليه المخلص لله الذي يعبد الله وحده والذي يعبد مع الله غيره؛ ولهذا قال: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر ٢٩] أي: هل يستوي الرجلان أحدهما فيه شركاء متشاكسون والآخر سَلَمٌ لرجل؟ هل يستوي هذان؟ الجواب: لا، فالاستفهام حينئذٍ بمعنى النفي؛ يعني لا يستويان. والاستفهام يأتي لمعانٍ كثيرة كما هو معروف في علم البلاغة، ولكنه إذا أتى في موضع النفي فإنه يكون مُشْربًا معنى التحدي؛ لأنه لو قيل: لا يستويان؛ لفهمنا انتفاء استوائهما، لكن إذا قيل: هل يستويان؟ فهما أمران: الأمر الأول: انتفاء الاستواء. والأمر الثاني: التحدي. نقول: هل عندك شيء تثبت أنهما يستويان فيكون تحويل النفي إلى استفهام أبلغ في النفي وأَبْيَن؟ ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ الجواب: لا. قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الزمر ٢٩] حمد نفسه عز وجل؛ لكمال صفاته، وكمال إنعامه، ومن إنعامه أنه يضرب الأمثال للناس في القرآن لعلهم يتذكرون مع أنه عز وجل غني عنهم، ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران ٩٧]، كلهم لكن رحمته تأبى إلا أن يُبيِّن لعباده ما يحتاجون إليه في أمور دينهم ودنياهم؛ ولهذا قال بعد هذا البيان التام في المثل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. ثم قال: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٢٩] ﴿بَلْ﴾ هنا للإضراب، والإضراب له معنيان: المعنى الأول: إضراب انتقال ينتقل من شيء إلى آخر. والمعنى الثاني: إضراب إبطال، يُبطل الأول، ويثبت الثاني، فإذا قلت: ما قام زيد بل عمروٌ، فهذا إضْراب إبطال، أبطلت الأول وأثبت الثاني. وفي قوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل ٦٦] هذا انتقال من معنى إلى معنى أشد منه. في هذه الآية: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، هل هي إضراب إبطال أم هي إضراب انتقال؟ إضراب انتقال؛ لأنه لم يسبق شيء أبطلته، وقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ المراد بـ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ هنا أكثر الناس كما جاء ذلك في آيات أخرى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف ١٨٧]. وانتفاء العلم هنا لانتفاء لازمه وهو العمل والامتثال، فأكثر الناس في جهل، وأكثر الناس في غي، في جهل لا يعرفون الحق، وفي غي لا يقبلون الحق ولا يعملون به، وكلهم يصح أن ننفي عنه العِلْم، أما من كان في جهل فنفي العلم عنه واضح، وأما من كان في غي مع العلم فنفي العلم عنه؛ لأنه لم ينتفع به ولم يعمل به. ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣٠، ٣١] ﴿إِنَّكَ﴾ الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ﴿مَيِّتٌ﴾ وَصْف له في المستقبل. ﴿وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ كذلك، وأكد الموت مع العلم به يَقينًا من أجل أن عمل هؤلاء الذين كذَّبوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم عمل من لم يُوقِن بالموت؛ لأن من أيقن بالموت حقيقة فلا بد أن يعمل له لكنهم هم لا يعملون له فكان عدم عَمَلِهم له كالمنكر، أو بمنزلة المنكر؛ فلهذا أُكِّد. وقوله: ﴿مَيِّتٌ﴾ بتشديد الياء، يُقال لمن سيموت وهو حي، وأما (مَيْت) فيقال لمن وقع به الموت؛ أي بعد فراق حياته يقال: (مَيْت)، وربما يقال: (مَيِّت)، لكن الأكثر (مَيْت)، فعلى هذا يُفَرَّق بين أن يُوصَف الحي بالموت، ويقال فيه: (مَيِّت)، وبين أن يوصف الميِّت بالموت فيقال: (مَيْت). ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣٠، ٣١]. ﴿إِنَّكُمْ﴾ الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام ومن عانَدَهُ وكَفَرَ به. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ سبق تفسيره. ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ عند ربكم الذي خلقكم أول مرة، وأعادكم ثاني مرة، تختصمون عنده أيكم على الحق، ونحن نعلم الآن نتيجة هذه الخصومة من سيغلب؟ * طلبة: المؤمنون. * الشيخ: المؤمنون لا شك، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء ١٤١]، فالكافر لا سبيل له على المؤمن، فالنتيجة -والحمد لله- معلومة أن المؤمنين هم الغالبون يوم القيامة، وهم الخاصمون لأعدائهم. نرجع الآن إلى كلام المؤلف، ثم نأخذ الفوائد جميعًا إن شاء الله. يقول المؤلف رحمه الله عز وجل: (ضرب الله للمشرك والموحِّد مثلًا)، وتقييده المؤلف بالمشرك والموحِّد واضح؛ لأن المثل المضروب وهو العبد المملوك بين شركاء والعبد الخالص ينطبق تمامًا على المشرك والموحِّد. يقول: (ضرب الله للمشرك والموحِّد مثلًا ﴿رَجُلًا﴾ [الزمر ٢٩]) بدل من ﴿مَثَلًا﴾، والبدل يقول الإمام ابن مالك رحمه الله فيه: التَّابِعُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا ∗∗∗ وَاسِطَةٍ............ هذا البدل. فقوله: (هو التابع المقصود بالحكم)، خرج به من بقية التوابع. وقوله: (بِلا واسطة)، خرج به المعطوف بـ(بل)، فإن المعطوف بـ(بل) يكون إذا كان للإضراب الإبطالي يكون هو المقصود بالحكم، لكنه بواسِطة فلا يُسمَّى بدلًا. فهنا قال: ﴿مَثَلًا رَجُلًا﴾ لو حُذِفت ﴿مَثَلًا﴾، وقال: ضرب الله رجلًا، أيصح الكلام أو لا؟ يصح؛ لأن المقصود هو كلمة رجل، وأنت لو قلت: رأيت محمدًا عليًّا، عليًّا بدل؛ لأن المقصود هو عليٌّ، إذا خطب مخاطب وقال: رأيت عليًّا محمدًا؟ عرفت أنه أراد محمدًا ولم يرد عليًّا؛ لأن محمدًا بدل من عليٍّ، والبدل هو المقصود بالحكم لكن قد يكون سببه الغلط، وقد يكون سببه النسيان أو غير ذلك من الأسباب، المهم أن البدل هو ما حده ابن مالك بقوله: التَّابِعُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا ∗∗∗ وَاسِطَةٍ هُوَ الْمُسَمَّى بَدَلَا يقول: (﴿فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ متنازعون، سيئة أخلاقهم) من أين أخذ سوء الخلق؟ من قوله: ﴿مُتَشَاكِسُونَ﴾؛ لأن المشاكسة تُنبِئ عن سوء الخلق؛ إذ إن حَسَن الخلق يتنازل عن حقه ولو كان في ذلك أذية له أو ضرر عليه؛ لأن حُسْن أخلاقه يتغلب على أخذه بحقه، وهكذا ينبغي للإنسان أن يكون حَسَن الأخلاق، وأن يتغاضى عن بعض حقه ولو كان في ذلك أذية لنفسه، وليعلم أنه وإن قالت له نفسُه: إن تواضعك وعفوك عن حقك ذُلٌّ لك ليعلم أن هذا من وساوس الشيطان؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزَّةً، وَمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ»[[أخرجه مسلم (٢٥٨٨ / ٦٩) من حديث أبي هريرة.]]. فلا تغلبك نفسك وتأخذك العزة بالإثم فتقول: لا يمكن أسكت عن هذا الرجل، أنا من أنا حتى يعتدي عليَّ، أنا فلان بن فلان! فإن هذا من الشيطان ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ٤٠]، ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت ٣٤]، ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾ [فصلت ٣٥] أي: ما يُوفَّق لها ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. يقول: (متنازعون سيئة أخلاقهم ﴿وَرَجُلًا سَالِمًا﴾ ) عندي ﴿سَالِمًا﴾ ، وهي قراءة والمفسِّر فسَّر عليها. والسالم يعني الخالص كما فسرها (خالصًا ﴿لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ ) يقول: (﴿مَثَلًا﴾ تمييز) ما هو التمييز؟ التمييز: مِنْ مَيَّزَ إذا بَيَّنَ، وقد حدَّهُ ابن مالك بالألفية فقال: اسْمٌ بِمَعْنَى (مِنْ) مُبِينٌ نَكِرَهْ ∗∗∗ يُنْصَبُ تَمْيِيزًا بِمَا قَدْ فَسَّرَهْ هذا التمييز، اسم نكرة، يُبيِّن المبهم الذي فسَّره، وهو بمعنى (مِنْ)، ومثاله: قولهم: تصبب زيدٌ عَرَقًا، عرقًا هذه تمييز، طبِّقْها على التعريف نجد أنها اسم بمعنى (مِن)؛ لأنك تقول: تصبَّب من العرق، مُبِين: أي مُفَسِّر لكلمة تَصَبَّب؛ لأن تصبب بمعنى تصبب دمًا، تصبب ماءً، تصبب عرقًا، فبينت المتصبِّب، نكرة أو معرفة؟ نكرة، هذا هو التمييز: اسْمٌ بِمَعْنَى (مِنْ) مُبِينٌ نَكِرَهْ ∗∗∗ يُنْصَبُ تَمْيِيزًا بِمَا قَدْ فَسَّرَهْ الآن أمليت عليكم بيتين من ألفية ابن مالك، فاللي يحفظهم الآن يسقط عنه من حفظها بيتان البيت الأول؟ * طالب: التَّابِعُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا ∗∗∗ وَاسِطَةٍ هُوَ الْمُسَمَّى بَدَلَا * الشيخ: نعم، البدل: التَّابِعُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا ∗∗∗ وَاسِطَةٍ هُوَ الْمُسَمَّى بَدَلَا وهذا الثاني، التمييز؟ * طالب: اسْمٌ بِمَعْنَى (مِنْ) مُبِينٌ نَكِرَهْ ∗∗∗ يُنْصَبُ تَمْيِيزًا بِمَا قَدْ فَسَّرَهْ * الشيخ: يقول: (﴿مَثَلًا﴾ تمييز، أي لا يستوي العبد لجماعة والعبد لواحد، فإن الأول إذا طلب منه كل من مالكيه خدمته في وقت واحد تحيَّر في من يخدمه منهم). يقول: (لا يستوي) فبيَّن رحمه الله أن الاستفهام في قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ﴾ للنفي حيث فسره بنفي. وقوله: (لا يستوي العبد لجماعة والعبد لواحد)، صحيح لا يستويان، العبد لواحد يتصرف فيه متى شاء، متى شاء قال: اخدمني، ومتى شاء قال: استرح، متى شاء باعه، متى شاء أجَّره، لكن العبد لجماعه وجماعة متشاكسون، أخلاق سيئة، تنازع دائم، هل يستويان؟ أبدًا، لو قال أحدهم: تعالَ اخدمني، وقال الثاني: اخدمني أنا، وقال الثالث: اخدمني أنا، وقال الرابع: اخدمني أنا، صار أحدهم أخذ باليد اليمنى، والثاني باليد اليسرى، والثالث بالرجل اليمنى، والرابع بالرجل اليسرى، ثم مزَّعوا العبد؛ لأن كل واحد يريد أن يكون عنده، هو الذي يخدمه، كذلك أيضًا في البيع لو أراد أحدهم، قال: أنا أريد بيعه، وقال الثاني: لا أريد، والثالث قال: أريد تأجيره، والرابع قال: أريد إعارته، كيف يكون هذا؟ دائمًا في نزاع وشقاق، فالعبد نفسه في قلق، وفي حيرة، وفي بلاء، والشركاء أيضًا كذلك متشاكسون دائمًا، لا يمكن أن يستوي هذا مع رجل، وهذا لا شك أنه مثل تقريبي، وإلا فالفرق عظيم بين عبادة الله عز وجل وعبادة غيره معه؛ يعني أنه أعظم، ولكن الله تعالى يُقرِّب هذا للعباد، كما قرَّب المعاد بالماء ينزل من السماء، ثم تُنبت به الأرض كم يبقى؟ نبات الأرض بعد نزول المطر؟ يبقى مدة على حسب طيب الأرض، وحسب كثرة المطر، وحسب الجو المناسب، وحسب الفصل لكن يبقى. البعث ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣، ١٤] ﴿زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ فالأمثال قد لا تكون مطابقة تمامًا، قد يكون مورد المثل قد يكون أسرع من المثل، لكن يُذْكر على سبيل التقريب، ولا شك أن عبادة الله عز وجل وحده، وعبادة غيره معه لا شك أن بينهما فرقًا أعظم من الفرق بين الرجل السالِم لرجل والرجل المشترَك بين شركاء متشاكسين. يقول المؤلف رحمه الله: (هذا مَثَلٌ لِلْمُشرك، والثاني مَثَلٌ للموحِّد) ما هو الثاني؟ رجل سالِمًا لرجل هذا للموحِّد، والأول للمشرك، وما هو المقصود من ضرب هذا المثل؟ المقصود التحذير من الشِّرْك بالله عز وجل. ثم اعلم أن الشركاء في العبد متشاكسون لكن مع الله عز وجل يقول الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]. الشركاء المتشاكسون لا يمكن أن يتنازل أحدهم عن نصيبه، لكن الشرك بالله يدع الله المشرك وشركه. «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ». ولهذا قال: (﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الزمر ٢٩] وحده، وإذا كان الحمد له وحده وجب أن تكون العبادة له وحده؛ لأنه أهل الحمد وأهل العبادة سبحانه وتعالى فهو وحده المستحق لأن يُعبد). (﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ﴾ أي أهل مكة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ ما يصيرون إليه من العذاب فيُشركون). قوله: (﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ﴾ أي أهل مكة)، المؤلف رحمه الله دائمًا ولا سيما في الآيات والسور المكية يجعل مثل هذا الخطاب مُنصَبًّا على أهل مكة، ولكن الذي ينبغي أن نجعل دلالة القرآن عامة دائمًا إلا عند الضرورة؛ لأن القرآن نزل لجميع الخلق إلى يوم القيامة، فتخصيصه بأهل مكة يعني أنه لا يتناول غيرهم إلا بالقياس، لكن إذا أخذنا بلفظه العام شمل أهل مكة وغيرهم بالنص. وهناك فرْق بين شمول الحكم بالنص وشموله بالقياس، فالصحيح أن الضمير في ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ يعود على جميع الخلق، أكثر الخلق لا يعلمون؛ ولهذا ثبت في الحديث الصحيح أن الله يقول: «يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ. فَيَقُولُ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ أَوْ: بَعْثَ النَّارِ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعةٌ وَتِسْعُونَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]]. وهؤلاء هم الأكثر أو الأقل؟ الأكثر، فأكثر الخلق لا يعلمون إما لجهلهم أو لِغيِّهم، إن كانوا لجهلهم -فكما قلت لكم من قَبْل- فهم قد انتفى عنهم العِلْم، وإن كان لغيهم فإن العِلم انتفى عنهم لانتفاء فائدته، حيث لم يسترشدوا به. قال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾. (﴿إِنَّكَ﴾ خطاب للنبي ﷺ ﴿مَيِّتٌ﴾ [الزمر ٣٠] أي ستموت). قال: (﴿وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ ) قال: (فستموت ويموتون)، وكما يقول العامة عندنا: الوعد قُدَّام، (قُدَّام) يعني يوم القيامة؛ لأن الله يوم القيامة يفصل بين العباد، سوف يتنازع الناس في أعمالهم ودياناتهم، ويتنازعون في حقوقهم الخاصة، فيفصل الله بينهم يوم القيامة. يقول: (فلا شماتة بالموت) يعني أنك إذا مت فلا شماتة عليك؛ لأنهم سيموتون مثلك. (نزلت لما استبطؤوا موته ﷺ) هكذا قال المؤلف: إن سبب نزولها أن قريشًا استبطؤوا موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فنزلت هذه الآية تخبره أنه سيموت، وإذا مات فهم أيضًا سيموتون ويختصمون يوم القيامة، ولكن هذه الدعوة تحتاج إلى دليل، لننظر في سبب النزول لا نجد هذا، فإذا كان كذلك فلا ينبغي أن نتخيل سببًا للنزول في معنى آية من كتاب الله؛ لأن سبب النزول خبر محض، والخبر المحض لا مدخل للعقل فيه، ولكننا نقول: ذكر الله هذه الجملة إشارة إلى أنه لن يضيع عملك ولا عملهم، لن يُضيع عملك بدعوتك إلى التوحيد، ولن يضيع عملهم بالإشراك، فإن لكم موعدًا ستجتمعون فيه، وتختصمون فيه عند الله عز وجل، فيكون في هذا تسلية للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه تحذير للمشركين، فهو من وَجْه تسلية وتطمين للرسول عليه الصلاة والسلام، وهو من وجه آخر تحذير للمشركين بأنهم سيموتون، وسيكون أيضًا موتهم عن قُرْب، وسيكون مؤكدًا لا إشكال فيه. (﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ٣١] ثم إنكم أيها الناس فيما بينكم من المظالم) هذا عجب من المؤلف رحمه الله الخطاب ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ﴾ [الزمر ٣٠، ٣١] صرفه المؤلف إلى عموم الناس فقال: (أيها الناس). ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ﴾ يقول: (أيها الناس فيما بينكم من المظالم)، والسياق يأبى هذا التفسير بل الخطاب للنبي ﷺ، ومن كفر به، هذا هو المتعين، وتختصمون في المظالم التي بينكم أو فيما بينكم من الحق والباطل؟ الثاني، من الحق والباطل، أنت تدعو إلى التوحيد وهم ينكرون ذلك، ولكم موعد تختصمون فيه ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ﴾ أي الرسول عليه الصلاة والسلام ومن كذَّبه يوم القيامة عند ربكم تختصمون. وفي قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر ٣١] إشارة إلى أن هذا الاختصام من مقتضى ربوبيته عز وجل؛ لأنه حَكَمٌ عدْل، ومن عدْله أنه يفصل بين المتنازِعِين فيه يوم القيامة كما يفصل بين المتنازِعِين في الحقوق الخاصة. * طالب: (...) على إثبات القياس بالآية. * الشيخ: هو -بارك الله فيك- كل مَثَل في القرآن فإن فيه دليلًا على إثبات القياس. * طالب: الإنسان اللي يأخذ حقه (...). * الشيخ: لا، إن كان تركه للاختصام عند الله فهذا لم يتركه، لكن إن تركه للثواب عند الله فقد تركه. * الطالب: (...) ثقة بالله.. * الشيخ: إي، لكن ثقة بأنه سيختصم مع خصمه؟ أسألك؟ * الطالب: (...). * الشيخ: هل عفا عنه في هذه الحال؟ * الطالب: (...) الربوبية. * الشيخ: لا، أنا أسألك الآن، هل تركه للاختصام عند الله يوم القيامة أو لا؟ هل عفا عنه في هذه الحال؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا بأس، أنا أرى في هذه الحال أن يُطالِب بحقه في الدنيا، أو يتركه لله؛ لأنه إذا طالَب به في الدنيا وأُخِذ حقُّه سلمت حسنات هذا الذي ظلمه يوم القيامة، فكان عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، ويكون بذلك مُحسِنًا إليه، أو يترك للأحسن وهو العفو وانتظار الأجر من الله عز وجل ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ٤٠] عرفت الآن؟ فالأحوال ثلاث؛ إما أن يأخذ بحقه في الدنيا، أو يُؤجِّل حقه للآخرة، أو يعفو. والمراتب من الأشد إلى الأخف نقول: أشدها أن يؤخر ذلك للآخرة، ثم أن يأخذ به في الدنيا، ثم أن يعفو، مع أن العفو لا بد فيه من قيد؛ أن يكون في العفو إصلاح، فإن كان في العفو إفساد؛ بحيث إذا عفونا عن هذا الرجل زاد في شره وطغيانه، فهنا الأخْذ بالحق أولى من العفو، أما إذا علمنا أن هذا الرجل سينظر إلى العفو نظرةَ إكْبار ويحسن خلقه بعد ذلك؛ فلا شك أن العفو أفضل. * طالب: لو أن ظالِمًا قويًّا ولا أحد يستطيع أن يأخذ حقه منه، هل نقول اعفُ عنه، أو نقول: أجِّلْ أمرك إلى الآخرة؟ * الشيخ: لا، معنى ذلك أن هذا الرجل لو عفونا عنه لن يصلح، فأجِّل حقه في الآخرة؛ لأن الله قَيَّد ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ [الشورى ٤٠] لكن أخْبِرْه قل له: أنت الآن ظلمتني في كذا وكذا وكذا، وأنا سأُؤَجل أخذي ليوم القيامة، لا يظن إنك عفوت. * طالب: العفو يكون مع القدرة. * الشيخ: إي نعم، لا، ومع عدم القدرة، لكن العفو المحمود هو العفو مع القدرة. * طالب: (...) لا أعفو عن الرجل حتى آخذ من حسناته يوم القيامة. * الشيخ: نعم، نقول: هذا لك الحق. * الطالب: أيهما الأفضل يا شيخ ألا يعفو عنه؟ * الشيخ: لا، الأفضل أن يعفو عنه، لكن كما قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ [الشورى ٤٠] إذا كان في العفو إصلاح، أما إذا كان هذا الرجل إذا عفوت عنه، عن قتل ابنه مثلًا ذهب غدًا ليقتل ابن الآخرين. * * * * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٣٢) وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر ٣٢ - ٣٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر ٢٧]. * من فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى أنزل هذا القرآن تبيانًا لكل شيء، ومنه -أي من التبيان- ضرْب الأمثال؛ لأنها تُقرِّب المعنى، وتضع المعقول في صورة المحسوس، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت ٤١]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: رحمة الله سبحانه وتعالى بالعباد حيث بَيَّن لهم هذا البيان التام. * ومن فوائدها: أنه ينبغي للمُعَلِّم غَيْرَهُ أن يُكْثِرَ له من ضرْب الأمثال التي تُعينُه على فهم المعنى؛ لأن هذا هو أسلوب القرآن. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العِلَل والحِكَم في أفعال الله وشَرْعه؛ لقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر ٢٧]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على الجهمية وأشباههم ممن أنكروا حكمة الله وقالوا: إن الله سبحانه وتعالى يفعل الشيء لا لِعِلَّة وحكمة ولكن لمجرد المشيئة، وجه ذلك أن (لَعَلَّ) هنا للتعليل، والتعليل يعني إثبات الحكمة. ثم قال الله عز وجل: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر ٢٨]. * يُستفاد من هذه الآية الكريمة: أن القرآن عربيٌّ؛ أي نازل بلغة العرب. * ومن فوائدها: أنه لا يوجد في القرآن لفظ أعجمي؛ لأن الله وصف القرآن كله بأنه عربي، وهذا يقتضي أن ليس فيه شيء من لغة العجم، ولا شك أن هذا هو الواقع، فليس في القرآن لفظ عجمي، لكن اختلف العلماء المفسرون وغيرهم هل في القرآن كلمة أصلها أعجمي، ثم عُرِّبت فمنهم من يقول: نعم، ومنهم من يقول: لا، فالذين قالوا: نعم، قالوا: هناك كلمات في القرآن الكريم لا تنطبق عليها قواعد اللغة العربية، ويعني هذا أنها أعجمية، وهذا لا ينافي أن يكون القرآن عربيًّا؛ لأن العرب لما عرَّبتها صارت عربية بالاستعراب، كما أن العرب أصلهم مستعربون وإلا فلغة أبيهم إسماعيل ليست عربية. ومنهم من قال: هذه الكلمات التي هي كلمات أعجمية إنما جاءت بلسان العرب من باب توارد اللغتين، ولا مانع من أن تتوارد اللغتان على كلمة واحدة، والخلاف في هذا قريب من اللفظي، وذلك لأنهم متفقون على أنه لا يوجد في القرآن لفظ أعجمي هو أعجمي حتى نزول القرآن أبدًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان حِكمة الله عز وجل في إنزاله القرآن باللسان العربي؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بُعِث في قوم عرب، فكانت الحكمة أن يكون لسانه عربيًّا كما هو الشأن في جميع الرسل، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم ٤]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن فهم المعنى مُعِين على التقوى؛ لقوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزمر ٢٨] ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، وهذا أمر واضح أن فهم المعنى من أسباب التقوى؛ لأنك لو تكلم لك إنسان بما لا تفهم معناه لم يؤثر فيك شيء، إنما يؤثر فيك ما تفهم معناه، ولهذا قال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. * ونستفيد من هذه الجملة: ما استفدنا من الجملة السابقة وهي قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر ٢٧]. ثم قال الله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ إلى آخره [الزمر: ٢٩]. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذه الآية تطبيق لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر ٢٧] فإن هذا مثل. * ومن فوائدها: أن مثل من يعبد مع الله غيره كمثل عبدٍ فيه شركاء متشاكسون متنازعون متخاصمون، وجه ذلك أن هذا العابد مع الله غيره لم يكن قلبه خالصًا لله تتنازعه الشركاء من يمين وشمال حتى ضاع بينهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى يأتي بالخبر أو غيره، ثم يُقرِّر ذلك للمخاطَب بأحسن وجه؛ وذلك في قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر ٢٩] فإن هذا الاستفهام الذي يُراد به النفي الغرض منه تقرير ما ذُكِر وإلزام المخاطَب به. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى مُستحِق للحمد لكمال توحيده؛ لقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. * ومن فوائدها: أن الحمد المطلق إنما يكون لله عز وجل، أما غيره فهو إن حُمِدَ فليس حمده على الإطلاق بل يُحْمَد على شيء معين وجزء معين مما يُحمد عليه، أما الحمد على الإطلاق فهو لله رب العالمين عز وجل؛ لأنه هو المحمود على كل حال، وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا أتاه ما يُسَرُّ به قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ». » وإذا أتاه ما يسوءه قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ»[[أخرجه ابن ماجه (٣٨٠٣) من حديث عائشة.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أكثر بني آدم لا يعلمون الحقائق على ما هي عليه، وإن علموها لم ينتفعوا بها؛ لقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٢٩]. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣٠، ٣١]. * من فوائدها: أن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم لن يُخلَّد أبد الآبدين بل هو ميت كما أن خصومه أموات، وهذا كقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء ٣٤]. * ومن فوائدها: تسلية النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لقوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣٠، ٣١]. * ومن فوائدها: إنذار هؤلاء المكذبين بأن لهم موعدًا مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهو الاختصام يوم القيامة. * ومن فوائدها: أن أهل الشِّرْك والكفر خُصوم لأهل التوحيد والإيمان في الآخرة كما أنهم خصوم في الدنيا، ففي الدنيا لا شك في خصومتهم وعداوة بعضهم لبعض، وفي الآخرة أشد وأعظم. * ومن فوائدها: أن الخلق يختصمون عند الله يوم القيامة، ومن المعلوم أن الخاصِم إذا كانت الخصومة بين المؤمن والكافر هو المؤمن قال الله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء ١٤١]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات البعث والحساب؛ لقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣١].