Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — الزمر 39:26 – الزمر 39:43

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. الزمر 39:26
  2. الزمر 39:27
  3. الزمر 39:28
  4. الزمر 39:29
  5. الزمر 39:30
  6. الزمر 39:31
  7. الزمر 39:32
  8. الزمر 39:33
  9. الزمر 39:34
  10. الزمر 39:35
  11. الزمر 39:36
  12. الزمر 39:37
  13. الزمر 39:38
  14. الزمر 39:39
  15. الزمر 39:40
  16. الزمر 39:41
  17. الزمر 39:42
  18. الزمر 39:43

الزمر 39:26

المتقي للعذاب يحاول النجاة منه لكن الملاقي للشيء قد يلاقيه ببشرى وفرح وسرور، فتفسير ﴿يَتَّقِي﴾ [الزمر ٢٤] بـ(يلقى) لا شك أنه قاصر، ولكنه بعض الأحيان يُفسِّر المؤلف القرآن بما يقاربه. قال: (يلقى ﴿بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ٢٤] أي أَشُدَّه) ففسر (سوء) بـ(أسوأ)، و(أسوأ) لا شك أنه اسم تفضيل، و(سوء) ليس اسم تفضيل، وعلى هذا فيكون المؤلف فسر الكتاب بما هو أعلى منه، والواجب أن يكون المفسِّر مطابقًا للمُفَسَّر، ولو قال المؤلف رحمه الله: العذاب السيئ لكان أبلغ مطابقة للقرآن. يقول: (بأن يُلقى في النار مغلولة يده إلى عنقه)، وكأنه أخذه من كونه يتقي العذاب بوجهه؛ لأنه لو كانت يده مطلقة لاتقى العذاب بيده، ولكني أقول: لا يلزم من اتقاء العذاب بوجهه أن تُغلَّ يده؛ لأن يده قد تكون مرسلة غير مقيده ولكن لا يستطيع، أو يظن أن مدافعته بوجهه أشد، فيدافع بوجهه. قال المؤلف في ذكر المعادل: (كمن أمِنَ منه بدخول الجنة). والجواب: لا، وحينئذٍ يكون الاستفهام للنفي؛ يعني لا يستوي من يتقي بوجهه سوء العذاب مع من أَمِن من العذاب ولم يتقه. (﴿وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ﴾ [الزمر ٢٤] أي كفار مكة ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ أي جزاءه). قوله: (﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ أي كفار مكة)كأنه أخذه من قوله: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الزمر ٢٥] وإلا فإن (الظالمين) هنا عام، لفظ عام يشمل كفار مكة وغيرهم، وهذا هو الأولى. فإن قيل: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يدل على أن هذا في المتأخرين. قلنا: نعم، هو يدل على أنه في المتأخرين، لكن كل رسول فقد سبقه رسول. فـ(عاد)، نقول: كذبت قبلهم قوم نوح، وثمود كذبت قبلهم قوم عاد، وهلمَّ جرًّا، فيكون (الظالمون) عامًّا لكفار مكة ولغيرهم، لكن أول من يدخل فيهم -بلا شك- كفار مكة؛ لأن القرآن نزل توبيخًا لهم وإنكارًا ودعوة. قال المؤلف: (﴿فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [الزمر ٢٥] من جهة لا تخطر ببالهم) وهذا كما قلنا تفسير أشد وأبلغ من أن يأتيهم العذاب وهم على أهبة الاستعداد له. قال الله تعالى: (﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ﴾ [الزمر ٢٦] الذل والهوان من المسْخ والقَتْل وغيره ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ). ﴿أَذَاقَهُمُ اللَّهُ﴾ أي مسهم به حتى كأنهم طعموه وذاقوه بمذاقاتهم. وقول المؤلف رحمه الله: (من المسْخ والقتل وغيره) المسْخ مثل اليهود الذين قال الله لهم: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة ٦٥] والقتل، قتال بني إسرائيل مع مَنْ؟ * طالب: مع أنفسهم. * الشيخ: هم قتلوا أنفسهم حينما أُمِرُوا بالتوبة، وقيل لهم: إن كنتم صادقين في التوبة فاقتلوا أنفسكم، ولكن ذكر الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة جالوت وطالوت وفيه قتال. وكذلك أيضًا يقول المؤلف: (وغيره) كالإهلاك بالصاعقة والرجفة وما أشبهه، فالمهم أن المكذبين للرسل كلهم أهلكهم الله عز وجل. فإن قال قائل: أليس من الرسل مَنْ قُتِل؟ الجواب: بلى، ولكن هؤلاء الذين قُتلوا إما أن يكونوا لم يُؤمَروا بالقتال فاعتدى عليهم من اعتدى بدون قتال، وإما أنهم أُوتوا على غِرَّة دون أن يجاهروا بالقتل، ثم إذا قُتِلوا هل معنى ذلك أن ما دعوا إليه يموت بموتهم؟ قد يبقى، فيكون هذا نصرًا لهم ولو بعد وفاتهم. (﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ﴾ الذل والهوان من المسْخ والقتل وغيره في الحياة الدنيا ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿لَوْ كَانُوا﴾ أي: المكذبون يعلمون عذابها ما كذبوا) قوله: (ما كذبوا) هذه جواب (لو) محذوفًا. ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر ٢٧]. ﴿ضَرَبْنَا﴾ يقول المؤلف: (جعلنا) ولعل الضرب أخص من الجعل؛ أي: بيَّنَّا للناس في هذا القرآن من كل مثل، والجملة هنا مؤكدة بمؤكدات ثلاثة، وهي: اللام، و(قد)، والقسم المقدَّر؛ لأن تقدير الكلام في مثل هذا التركيب: والله لقد، فيكون مؤكدًا بمؤكدات ثلاثة. وقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ﴾، إذا قال قائل: كيف يؤكد هذا وهو أمر معلوم، والغالب أن التأكيد إنما يُصار إليه للحاجة إليه؟ فالجواب: أن التأكيد قد يكون للحاجة إليه عندما يكون المخاطب شاكًّا أو مُنكِرًا، وقد يكون التأكيد لأهمية المؤكَّد وإن لم يكن ثَمَّ إنكار أو تردد، ومنه هذه الآية، فإن ضَرْب الله الأمثال للناس في القرآن أمر محسوس مُدرَك، ولكن لأهميته أكَّدَه الله عز وجل. ﴿لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر ٢٧] أي: من كل شَبَهٍ، فيضرب الله تعالى الأشباه والنظائر ليحذر من كان على مثل هذا النظير وهذا الشبيه حتى لا يقوم بمثل ما فَعَلَ. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: يتعظون، و(لَعَلَّ) هنا للتعليل، وهو أحد معانيها، ومن معانيها الترجي، مثل: لعلَّ الحبيبَ قادمٌ، ومن معانيها الإشفاق، مثل: لعلَّ الحبيبَ هالكٌ؛ ففي الأول: (لعلَّ الحبيبَ قادمٌ) رجاء، وفي الثاني إشفاق، يعني أخشى أن يكون هالكًا، وتأتي للتعليل كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة ١٨٣] وهل من مثال ثالث؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * الطالب: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾. * الشيخ: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق ١] قد يكون هذا للتوقع. * الطالب: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾. * الشيخ: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ﴾ [الشعراء ٣] للتوقع أيضًا، هي في القرآن كثير. * طالب: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾. * الشيخ: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ [غافر ٣٦] للترجي، ويحتمل أن تكون للتعليل، إنما هو كثير في القرآن (لعلَّ)، فيظن بعض الناس أنها للترجي في كل مكان، فيقول: كيف يترجى الله عز وجل الشيء وهو قادر على كل شيء؟ نقول: (لَعَلَّ) إذا جاءت في كلام الله فهي للتعليل. وقوله: (﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر ٢٧] يعني يتعظون)؛ لأن هذا هو الغرض من ضرب الأمثال. ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر ٢٨] ﴿قُرْآنًا﴾ هذه حال، و﴿عَرَبِيًّا﴾ حال أخرى؛ يعني هذا القرآن الذي فيه من كل مَثَل هو قرآن، والقرآن تأتي بمعنى المصدر، وتأتي بمعنى اسم الفاعل أو المفعول، فمن إتيانها مصدرًا (الغُفْران والشُّكْران)، وأنا أقصد بهذا وزن (فُعْلَان) تأتي مصدرًا مثل: (الغُفْران، والشُّكْران، والقُرآن)، وهذا المصدر في لفظ القرآن يحتمل أنه بمعنى اسم المفعول، فقرآن بمعنى (مَقْرُوء)، وعلى هذا فيكون بمعنى (مَتْلوٍّ)، ويحتمل أن يكون اسم فاعل بمعنى (قارِئ)، وهو من قَرَأَ الماء إذا جَمَعَهُ في الحوْض، والقرآن إذا تأملتَ وجدت أن الوصفين ينطبقان عليه فهو متلوٌّ وجامِع؛ ولهذا قال العلماء في أصول التفسير: إنه يصح أن يكون بمعنى اسم الفاعل، ويصح أن يكون بمعنى اسم المفعول. وقوله: ﴿عَرَبِيًّا﴾ أي: باللغة العربية التي هي لسان محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولسان القوم الذين بُعِثَ فيهم. والعربية هي أفضل الألسُن وأعربها وأفصحها وأبينُها؛ ولهذا اختارها الله عز وجل لرسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فإن قيل: أليس في القرآن من الكلمات ما أصله أعجمي في القرآن؟ بلى، فيه، ولكن هذه الألفاظ التي أصلها غير عربي لما نطق بها العرب عَرَّبوها وصارت عربية؛ ولهذا لا تخلو هذه الكلمات المعرَّبة من تغيير بعض الشيء، لا بد أن يكون فيها شيء من التغيير في الغالب، فإذا نَطَقَ بها العرب واستخدموها، وسادت في ألسنتهم صارت عربية، عارِبَة ولا مُستعرِبة؟ * طالب: مُسْتَعْرِبة. * الشيخ: مُسْتعرِبَة، إذن فهي كلمات مستعرِبة من قوم مستعرِبين أيضًا؛ يعني أصل العرب مستعربين؛ لأنهم ليسوا عربًا في الأصل، فإسماعيل هو ابن إبراهيم، وليست لغته عربية، لكن لما جاء العرب جُرهم إلى أم إسماعيل، ونزلوا عندها صار عربيًّا، واستمرت العروبة إلى يومنا هذا. يقول: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر ٢٨]، هذا الوصف سلبي وليس ثبوتيًّا ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾، واعلم أنه لا يوجد في أوصاف القرآن ما هو سلبي محض؛ لأن السلبي المحض ليس فيه مدح بل كل شيء وُصِف به القرآن على وجه النفي فإن ذلك لكمال ضده، فإذا قال: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ أي لكمال استقامته، بل قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء ٩]، فالقرآن الكريم يهدي للتي هي أقوم في أمور الدين وفي أمور الدنيا على وجهٍ ليس فيه اعوجاج بوجهٍ من الوجوه؛ ولهذا قال: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي: لأجل أن يتقوا، فبيَّن الله لنا في هذا القرآن وجعله غير ذي عوج من أجل تقواه عز وجل. يقول الشارح رحمه الله: (﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر ٢٧] أي جعلنا)، وهذا التفسير تفسيرٌ بما هو أعم؛ لأن ضرب المثل ليس مجرد جَعْل له بل ضرب المثل للاعتبار به، فضربته مثلًا؛ أي جعلته شبهًا حتى يُعتبر به. وقوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾، ﴿مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ يشمل كل الناس؛ المؤمن والكافر؛ لأجل أن يتذكر هؤلاء وهؤلاء. * طالب: (...). * الشيخ: لا، الذل، والهوان، والعار، والفضيحة، كلها. * الطالب: (...). * الشيخ: أي: لا تذلنا ولا تفضحنا. * طالب: (...) اللغة العربية هي أفضل اللغات (...)؟ * الشيخ: لا، أيهما أفضل رسالة محمد عليه الصلاة والسلام وأمته أو الرسالات الأخرى وأمهاتهم؟ * الطالب: رسالة النبي ﷺ. * الشيخ: إذن أفضل ما فيه شك؛ ولهذا ورد أحاديث لكنها فيها نظر أن اللغة العربية لغة أهل الجنة. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، كون الله اختار هذه الرسالة العظيمة في اللغة العربية يكفي؛ لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤] فصار هذا المكان صالحًا لهذه الرسالة العظيمة؛ لأنه عظيم. * طالب: (...). * الشيخ: معلوم البيان، لو جاء بغير باللغة العربية ما بان، لكن كونه اختار أن يكون في هؤلاء العرب وبِلُغتهم هذا دليل على فضله. * طالب: (...) قال قائل: يعني الرسول ﷺ خاص بالعرب؛ لأن القرآن عربي، نرد بنفس الجواب هذا؟ * الشيخ: لا، إذا قال: إنه هو خاص بالعرب، قلنا: نعم، هو بعث في الأُمِّيين لكن لجميع الناس، كما لو أن أحدًا صار في الشرق أو في الغرب وهو أمير على جميع القارة التي هو فيها، فهذا محمد عليه الصلاة والسلام بُعِثَ في هؤلاء القوم لكن إلى جميع الناس، ومعلوم أنه لا بد أن يُبعث في قومه، افرض أنه بُعِث في العجم وهو رسول إلى الناس، نفس الشيء. * طالب: هل العذاب له لون وطعم؟ * الشيخ: إي نعم، الشيء الذي يُصيب الإنسان إصابة مباشرة يقال: ذَاقَهُ، لكن ليس باللسان، إنما لما أنه أصابه مباشرة صار كالمطعوم الذي يُدخله الإنسان في جوفه. * طالب: قلنا: إن الوصف بالسلب يعني ليس دليلًا في المدح كقول الله تبارك وتعالى (...). * الشيخ: نعم، إن قلنا: لا بد أن يتضمن الكمال، لم يلد ولم يولد لكمال وحدانيته. * طالب: (...) سوء العذاب يوم القيامة (...)، فهل يدل على الوجه؟ يأتيه العذاب الأشد من بقية البدن؟ * الشيخ: هو على كل حال إحساس الوجه بالعذاب أشد من إحساس بقية الجسم. * الطالب: (...). * الشيخ: هو إذا كان أسوأ العذاب، ويكون في الوجه صار أشد على الإنسان مما لو كان في طرف آخر، لكن اللي يظهر لنا ما قلنا: إن سوء العذاب ليس على اسم تفضيل، ولكنه من باب إضافة الصفة إلى موصوفها؛ يعني العذاب السيئ. * طالب: (...) خير وشر، أليست من باب خير وشر؟ * الشيخ: خير وشر أيضًا تُطلق على اسم التفضيل، إذا قلت: هذا خير من هذا، وهذا شر من هذا، وقد تطلق ويراد بها الوصف في الشر فقط، كما تقول: هذا شر، هذا خير. * * * * الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٩) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٢٩ - ٣١]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ [الزمر ٢٩]، لما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر ٢٧] ذكر هذا المثل، ضرب مثلًا. بَيَّن الله عز وجل هذا المثل العظيم فقال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ ﴿رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾، ﴿فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ أي متنازعون مختلفون، كل واحد منهم يقول: أنا صاحبه، أنا الذي أريد أن أستخدمه وما أشبه ذلك، فهم دائمًا في نزاع وفي خصومة؛ لأن كل واحد منهم يريد أن ينفرد به عن الآخر، والرجل الثاني ﴿رَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ سَلَمًا أي سالِمًا لهذا الرجل، لا يشركه فيه أحد. فإن قال قائل: بما عرفتم أن ﴿سَلَمًا﴾ بمعنى (سالِمًا) من الشركاء؟ قلنا: عرفنا ذلك بذكر المقابل، وهو قوله: ﴿فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾؛ لأن الكلمة تُعرف بالسياق، وبذكر المقابل، ومن أبرز مثال على ذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء ٧١]. لو قال لك قائل: ما معنى ثُبَاتٍ؟ لفهمت معناها مما بعدها ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾، فيكون الثُّبات ضد المجتمعين؛ أي: فُرادى، انفروا فُرادى، أو انفروا جميعًا، وهذه من قواعد التفسير أن يُعرف تفسير الكلمة بذكر ما يقابلها، فهنا نقول: رجلًا سَلَم ﴿سَلَمًا﴾ أي: خالصًا لمالكه لا يُشاركه فيه أحد، فإن قال قائل: بمَ عرفتم ذلك؟ قلنا: بما ذكرنا من القاعدة أن المقابل للشيء؛ أي الذي جُعل مُعادلًا له يكون مقابلًا له في المعنى، هذا الرجل الذي كان سَلَمًا لرجل، هل أحد يشاركه في ملكه له؟ لا، هل أحد يُنازعه؟ لا. إذن يجب أن نعرف الفَرْق بين المملوك الذي فيه الشركاء المتشاكسون والمملوك الذي ليس فيه شركاء، ثم نقيس عليه المخلص لله الذي يعبد الله وحده والذي يعبد مع الله غيره؛ ولهذا قال: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر ٢٩] أي: هل يستوي الرجلان أحدهما فيه شركاء متشاكسون والآخر سَلَمٌ لرجل؟ هل يستوي هذان؟ الجواب: لا، فالاستفهام حينئذٍ بمعنى النفي؛ يعني لا يستويان. والاستفهام يأتي لمعانٍ كثيرة كما هو معروف في علم البلاغة، ولكنه إذا أتى في موضع النفي فإنه يكون مُشْربًا معنى التحدي؛ لأنه لو قيل: لا يستويان؛ لفهمنا انتفاء استوائهما، لكن إذا قيل: هل يستويان؟ فهما أمران: الأمر الأول: انتفاء الاستواء. والأمر الثاني: التحدي. نقول: هل عندك شيء تثبت أنهما يستويان فيكون تحويل النفي إلى استفهام أبلغ في النفي وأَبْيَن؟ ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ الجواب: لا. قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الزمر ٢٩] حمد نفسه عز وجل؛ لكمال صفاته، وكمال إنعامه، ومن إنعامه أنه يضرب الأمثال للناس في القرآن لعلهم يتذكرون مع أنه عز وجل غني عنهم، ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران ٩٧]، كلهم لكن رحمته تأبى إلا أن يُبيِّن لعباده ما يحتاجون إليه في أمور دينهم ودنياهم؛ ولهذا قال بعد هذا البيان التام في المثل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. ثم قال: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٢٩] ﴿بَلْ﴾ هنا للإضراب، والإضراب له معنيان: المعنى الأول: إضراب انتقال ينتقل من شيء إلى آخر. والمعنى الثاني: إضراب إبطال، يُبطل الأول، ويثبت الثاني، فإذا قلت: ما قام زيد بل عمروٌ، فهذا إضْراب إبطال، أبطلت الأول وأثبت الثاني. وفي قوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل ٦٦] هذا انتقال من معنى إلى معنى أشد منه. في هذه الآية: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، هل هي إضراب إبطال أم هي إضراب انتقال؟ إضراب انتقال؛ لأنه لم يسبق شيء أبطلته، وقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ المراد بـ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ هنا أكثر الناس كما جاء ذلك في آيات أخرى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف ١٨٧]. وانتفاء العلم هنا لانتفاء لازمه وهو العمل والامتثال، فأكثر الناس في جهل، وأكثر الناس في غي، في جهل لا يعرفون الحق، وفي غي لا يقبلون الحق ولا يعملون به، وكلهم يصح أن ننفي عنه العِلْم، أما من كان في جهل فنفي العلم عنه واضح، وأما من كان في غي مع العلم فنفي العلم عنه؛ لأنه لم ينتفع به ولم يعمل به. ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣٠، ٣١] ﴿إِنَّكَ﴾ الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ﴿مَيِّتٌ﴾ وَصْف له في المستقبل. ﴿وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ كذلك، وأكد الموت مع العلم به يَقينًا من أجل أن عمل هؤلاء الذين كذَّبوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم عمل من لم يُوقِن بالموت؛ لأن من أيقن بالموت حقيقة فلا بد أن يعمل له لكنهم هم لا يعملون له فكان عدم عَمَلِهم له كالمنكر، أو بمنزلة المنكر؛ فلهذا أُكِّد. وقوله: ﴿مَيِّتٌ﴾ بتشديد الياء، يُقال لمن سيموت وهو حي، وأما (مَيْت) فيقال لمن وقع به الموت؛ أي بعد فراق حياته يقال: (مَيْت)، وربما يقال: (مَيِّت)، لكن الأكثر (مَيْت)، فعلى هذا يُفَرَّق بين أن يُوصَف الحي بالموت، ويقال فيه: (مَيِّت)، وبين أن يوصف الميِّت بالموت فيقال: (مَيْت). ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣٠، ٣١]. ﴿إِنَّكُمْ﴾ الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام ومن عانَدَهُ وكَفَرَ به. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ سبق تفسيره. ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ عند ربكم الذي خلقكم أول مرة، وأعادكم ثاني مرة، تختصمون عنده أيكم على الحق، ونحن نعلم الآن نتيجة هذه الخصومة من سيغلب؟ * طلبة: المؤمنون. * الشيخ: المؤمنون لا شك، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء ١٤١]، فالكافر لا سبيل له على المؤمن، فالنتيجة -والحمد لله- معلومة أن المؤمنين هم الغالبون يوم القيامة، وهم الخاصمون لأعدائهم. نرجع الآن إلى كلام المؤلف، ثم نأخذ الفوائد جميعًا إن شاء الله. يقول المؤلف رحمه الله عز وجل: (ضرب الله للمشرك والموحِّد مثلًا)، وتقييده المؤلف بالمشرك والموحِّد واضح؛ لأن المثل المضروب وهو العبد المملوك بين شركاء والعبد الخالص ينطبق تمامًا على المشرك والموحِّد. يقول: (ضرب الله للمشرك والموحِّد مثلًا ﴿رَجُلًا﴾ [الزمر ٢٩]) بدل من ﴿مَثَلًا﴾، والبدل يقول الإمام ابن مالك رحمه الله فيه: التَّابِعُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا ∗∗∗ وَاسِطَةٍ............ هذا البدل. فقوله: (هو التابع المقصود بالحكم)، خرج به من بقية التوابع. وقوله: (بِلا واسطة)، خرج به المعطوف بـ(بل)، فإن المعطوف بـ(بل) يكون إذا كان للإضراب الإبطالي يكون هو المقصود بالحكم، لكنه بواسِطة فلا يُسمَّى بدلًا. فهنا قال: ﴿مَثَلًا رَجُلًا﴾ لو حُذِفت ﴿مَثَلًا﴾، وقال: ضرب الله رجلًا، أيصح الكلام أو لا؟ يصح؛ لأن المقصود هو كلمة رجل، وأنت لو قلت: رأيت محمدًا عليًّا، عليًّا بدل؛ لأن المقصود هو عليٌّ، إذا خطب مخاطب وقال: رأيت عليًّا محمدًا؟ عرفت أنه أراد محمدًا ولم يرد عليًّا؛ لأن محمدًا بدل من عليٍّ، والبدل هو المقصود بالحكم لكن قد يكون سببه الغلط، وقد يكون سببه النسيان أو غير ذلك من الأسباب، المهم أن البدل هو ما حده ابن مالك بقوله: التَّابِعُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا ∗∗∗ وَاسِطَةٍ هُوَ الْمُسَمَّى بَدَلَا يقول: (﴿فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ متنازعون، سيئة أخلاقهم) من أين أخذ سوء الخلق؟ من قوله: ﴿مُتَشَاكِسُونَ﴾؛ لأن المشاكسة تُنبِئ عن سوء الخلق؛ إذ إن حَسَن الخلق يتنازل عن حقه ولو كان في ذلك أذية له أو ضرر عليه؛ لأن حُسْن أخلاقه يتغلب على أخذه بحقه، وهكذا ينبغي للإنسان أن يكون حَسَن الأخلاق، وأن يتغاضى عن بعض حقه ولو كان في ذلك أذية لنفسه، وليعلم أنه وإن قالت له نفسُه: إن تواضعك وعفوك عن حقك ذُلٌّ لك ليعلم أن هذا من وساوس الشيطان؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزَّةً، وَمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ»[[أخرجه مسلم (٢٥٨٨ / ٦٩) من حديث أبي هريرة.]]. فلا تغلبك نفسك وتأخذك العزة بالإثم فتقول: لا يمكن أسكت عن هذا الرجل، أنا من أنا حتى يعتدي عليَّ، أنا فلان بن فلان! فإن هذا من الشيطان ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ٤٠]، ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت ٣٤]، ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾ [فصلت ٣٥] أي: ما يُوفَّق لها ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. يقول: (متنازعون سيئة أخلاقهم ﴿وَرَجُلًا سَالِمًا﴾ ) عندي ﴿سَالِمًا﴾ ، وهي قراءة والمفسِّر فسَّر عليها. والسالم يعني الخالص كما فسرها (خالصًا ﴿لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ ) يقول: (﴿مَثَلًا﴾ تمييز) ما هو التمييز؟ التمييز: مِنْ مَيَّزَ إذا بَيَّنَ، وقد حدَّهُ ابن مالك بالألفية فقال: اسْمٌ بِمَعْنَى (مِنْ) مُبِينٌ نَكِرَهْ ∗∗∗ يُنْصَبُ تَمْيِيزًا بِمَا قَدْ فَسَّرَهْ هذا التمييز، اسم نكرة، يُبيِّن المبهم الذي فسَّره، وهو بمعنى (مِنْ)، ومثاله: قولهم: تصبب زيدٌ عَرَقًا، عرقًا هذه تمييز، طبِّقْها على التعريف نجد أنها اسم بمعنى (مِن)؛ لأنك تقول: تصبَّب من العرق، مُبِين: أي مُفَسِّر لكلمة تَصَبَّب؛ لأن تصبب بمعنى تصبب دمًا، تصبب ماءً، تصبب عرقًا، فبينت المتصبِّب، نكرة أو معرفة؟ نكرة، هذا هو التمييز: اسْمٌ بِمَعْنَى (مِنْ) مُبِينٌ نَكِرَهْ ∗∗∗ يُنْصَبُ تَمْيِيزًا بِمَا قَدْ فَسَّرَهْ الآن أمليت عليكم بيتين من ألفية ابن مالك، فاللي يحفظهم الآن يسقط عنه من حفظها بيتان البيت الأول؟ * طالب: التَّابِعُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا ∗∗∗ وَاسِطَةٍ هُوَ الْمُسَمَّى بَدَلَا * الشيخ: نعم، البدل: التَّابِعُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا ∗∗∗ وَاسِطَةٍ هُوَ الْمُسَمَّى بَدَلَا وهذا الثاني، التمييز؟ * طالب: اسْمٌ بِمَعْنَى (مِنْ) مُبِينٌ نَكِرَهْ ∗∗∗ يُنْصَبُ تَمْيِيزًا بِمَا قَدْ فَسَّرَهْ * الشيخ: يقول: (﴿مَثَلًا﴾ تمييز، أي لا يستوي العبد لجماعة والعبد لواحد، فإن الأول إذا طلب منه كل من مالكيه خدمته في وقت واحد تحيَّر في من يخدمه منهم). يقول: (لا يستوي) فبيَّن رحمه الله أن الاستفهام في قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ﴾ للنفي حيث فسره بنفي. وقوله: (لا يستوي العبد لجماعة والعبد لواحد)، صحيح لا يستويان، العبد لواحد يتصرف فيه متى شاء، متى شاء قال: اخدمني، ومتى شاء قال: استرح، متى شاء باعه، متى شاء أجَّره، لكن العبد لجماعه وجماعة متشاكسون، أخلاق سيئة، تنازع دائم، هل يستويان؟ أبدًا، لو قال أحدهم: تعالَ اخدمني، وقال الثاني: اخدمني أنا، وقال الثالث: اخدمني أنا، وقال الرابع: اخدمني أنا، صار أحدهم أخذ باليد اليمنى، والثاني باليد اليسرى، والثالث بالرجل اليمنى، والرابع بالرجل اليسرى، ثم مزَّعوا العبد؛ لأن كل واحد يريد أن يكون عنده، هو الذي يخدمه، كذلك أيضًا في البيع لو أراد أحدهم، قال: أنا أريد بيعه، وقال الثاني: لا أريد، والثالث قال: أريد تأجيره، والرابع قال: أريد إعارته، كيف يكون هذا؟ دائمًا في نزاع وشقاق، فالعبد نفسه في قلق، وفي حيرة، وفي بلاء، والشركاء أيضًا كذلك متشاكسون دائمًا، لا يمكن أن يستوي هذا مع رجل، وهذا لا شك أنه مثل تقريبي، وإلا فالفرق عظيم بين عبادة الله عز وجل وعبادة غيره معه؛ يعني أنه أعظم، ولكن الله تعالى يُقرِّب هذا للعباد، كما قرَّب المعاد بالماء ينزل من السماء، ثم تُنبت به الأرض كم يبقى؟ نبات الأرض بعد نزول المطر؟ يبقى مدة على حسب طيب الأرض، وحسب كثرة المطر، وحسب الجو المناسب، وحسب الفصل لكن يبقى. البعث ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣، ١٤] ﴿زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ فالأمثال قد لا تكون مطابقة تمامًا، قد يكون مورد المثل قد يكون أسرع من المثل، لكن يُذْكر على سبيل التقريب، ولا شك أن عبادة الله عز وجل وحده، وعبادة غيره معه لا شك أن بينهما فرقًا أعظم من الفرق بين الرجل السالِم لرجل والرجل المشترَك بين شركاء متشاكسين. يقول المؤلف رحمه الله: (هذا مَثَلٌ لِلْمُشرك، والثاني مَثَلٌ للموحِّد) ما هو الثاني؟ رجل سالِمًا لرجل هذا للموحِّد، والأول للمشرك، وما هو المقصود من ضرب هذا المثل؟ المقصود التحذير من الشِّرْك بالله عز وجل. ثم اعلم أن الشركاء في العبد متشاكسون لكن مع الله عز وجل يقول الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]. الشركاء المتشاكسون لا يمكن أن يتنازل أحدهم عن نصيبه، لكن الشرك بالله يدع الله المشرك وشركه. «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ». ولهذا قال: (﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الزمر ٢٩] وحده، وإذا كان الحمد له وحده وجب أن تكون العبادة له وحده؛ لأنه أهل الحمد وأهل العبادة سبحانه وتعالى فهو وحده المستحق لأن يُعبد). (﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ﴾ أي أهل مكة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ ما يصيرون إليه من العذاب فيُشركون). قوله: (﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ﴾ أي أهل مكة)، المؤلف رحمه الله دائمًا ولا سيما في الآيات والسور المكية يجعل مثل هذا الخطاب مُنصَبًّا على أهل مكة، ولكن الذي ينبغي أن نجعل دلالة القرآن عامة دائمًا إلا عند الضرورة؛ لأن القرآن نزل لجميع الخلق إلى يوم القيامة، فتخصيصه بأهل مكة يعني أنه لا يتناول غيرهم إلا بالقياس، لكن إذا أخذنا بلفظه العام شمل أهل مكة وغيرهم بالنص. وهناك فرْق بين شمول الحكم بالنص وشموله بالقياس، فالصحيح أن الضمير في ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ يعود على جميع الخلق، أكثر الخلق لا يعلمون؛ ولهذا ثبت في الحديث الصحيح أن الله يقول: «يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ. فَيَقُولُ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ أَوْ: بَعْثَ النَّارِ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعةٌ وَتِسْعُونَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]]. وهؤلاء هم الأكثر أو الأقل؟ الأكثر، فأكثر الخلق لا يعلمون إما لجهلهم أو لِغيِّهم، إن كانوا لجهلهم -فكما قلت لكم من قَبْل- فهم قد انتفى عنهم العِلْم، وإن كان لغيهم فإن العِلم انتفى عنهم لانتفاء فائدته، حيث لم يسترشدوا به. قال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾. (﴿إِنَّكَ﴾ خطاب للنبي ﷺ ﴿مَيِّتٌ﴾ [الزمر ٣٠] أي ستموت). قال: (﴿وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ ) قال: (فستموت ويموتون)، وكما يقول العامة عندنا: الوعد قُدَّام، (قُدَّام) يعني يوم القيامة؛ لأن الله يوم القيامة يفصل بين العباد، سوف يتنازع الناس في أعمالهم ودياناتهم، ويتنازعون في حقوقهم الخاصة، فيفصل الله بينهم يوم القيامة. يقول: (فلا شماتة بالموت) يعني أنك إذا مت فلا شماتة عليك؛ لأنهم سيموتون مثلك. (نزلت لما استبطؤوا موته ﷺ) هكذا قال المؤلف: إن سبب نزولها أن قريشًا استبطؤوا موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فنزلت هذه الآية تخبره أنه سيموت، وإذا مات فهم أيضًا سيموتون ويختصمون يوم القيامة، ولكن هذه الدعوة تحتاج إلى دليل، لننظر في سبب النزول لا نجد هذا، فإذا كان كذلك فلا ينبغي أن نتخيل سببًا للنزول في معنى آية من كتاب الله؛ لأن سبب النزول خبر محض، والخبر المحض لا مدخل للعقل فيه، ولكننا نقول: ذكر الله هذه الجملة إشارة إلى أنه لن يضيع عملك ولا عملهم، لن يُضيع عملك بدعوتك إلى التوحيد، ولن يضيع عملهم بالإشراك، فإن لكم موعدًا ستجتمعون فيه، وتختصمون فيه عند الله عز وجل، فيكون في هذا تسلية للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه تحذير للمشركين، فهو من وَجْه تسلية وتطمين للرسول عليه الصلاة والسلام، وهو من وجه آخر تحذير للمشركين بأنهم سيموتون، وسيكون أيضًا موتهم عن قُرْب، وسيكون مؤكدًا لا إشكال فيه. (﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ٣١] ثم إنكم أيها الناس فيما بينكم من المظالم) هذا عجب من المؤلف رحمه الله الخطاب ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ﴾ [الزمر ٣٠، ٣١] صرفه المؤلف إلى عموم الناس فقال: (أيها الناس). ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ﴾ يقول: (أيها الناس فيما بينكم من المظالم)، والسياق يأبى هذا التفسير بل الخطاب للنبي ﷺ، ومن كفر به، هذا هو المتعين، وتختصمون في المظالم التي بينكم أو فيما بينكم من الحق والباطل؟ الثاني، من الحق والباطل، أنت تدعو إلى التوحيد وهم ينكرون ذلك، ولكم موعد تختصمون فيه ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ﴾ أي الرسول عليه الصلاة والسلام ومن كذَّبه يوم القيامة عند ربكم تختصمون. وفي قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر ٣١] إشارة إلى أن هذا الاختصام من مقتضى ربوبيته عز وجل؛ لأنه حَكَمٌ عدْل، ومن عدْله أنه يفصل بين المتنازِعِين فيه يوم القيامة كما يفصل بين المتنازِعِين في الحقوق الخاصة. * طالب: (...) على إثبات القياس بالآية. * الشيخ: هو -بارك الله فيك- كل مَثَل في القرآن فإن فيه دليلًا على إثبات القياس. * طالب: الإنسان اللي يأخذ حقه (...). * الشيخ: لا، إن كان تركه للاختصام عند الله فهذا لم يتركه، لكن إن تركه للثواب عند الله فقد تركه. * الطالب: (...) ثقة بالله.. * الشيخ: إي، لكن ثقة بأنه سيختصم مع خصمه؟ أسألك؟ * الطالب: (...). * الشيخ: هل عفا عنه في هذه الحال؟ * الطالب: (...) الربوبية. * الشيخ: لا، أنا أسألك الآن، هل تركه للاختصام عند الله يوم القيامة أو لا؟ هل عفا عنه في هذه الحال؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا بأس، أنا أرى في هذه الحال أن يُطالِب بحقه في الدنيا، أو يتركه لله؛ لأنه إذا طالَب به في الدنيا وأُخِذ حقُّه سلمت حسنات هذا الذي ظلمه يوم القيامة، فكان عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، ويكون بذلك مُحسِنًا إليه، أو يترك للأحسن وهو العفو وانتظار الأجر من الله عز وجل ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ٤٠] عرفت الآن؟ فالأحوال ثلاث؛ إما أن يأخذ بحقه في الدنيا، أو يُؤجِّل حقه للآخرة، أو يعفو. والمراتب من الأشد إلى الأخف نقول: أشدها أن يؤخر ذلك للآخرة، ثم أن يأخذ به في الدنيا، ثم أن يعفو، مع أن العفو لا بد فيه من قيد؛ أن يكون في العفو إصلاح، فإن كان في العفو إفساد؛ بحيث إذا عفونا عن هذا الرجل زاد في شره وطغيانه، فهنا الأخْذ بالحق أولى من العفو، أما إذا علمنا أن هذا الرجل سينظر إلى العفو نظرةَ إكْبار ويحسن خلقه بعد ذلك؛ فلا شك أن العفو أفضل. * طالب: لو أن ظالِمًا قويًّا ولا أحد يستطيع أن يأخذ حقه منه، هل نقول اعفُ عنه، أو نقول: أجِّلْ أمرك إلى الآخرة؟ * الشيخ: لا، معنى ذلك أن هذا الرجل لو عفونا عنه لن يصلح، فأجِّل حقه في الآخرة؛ لأن الله قَيَّد ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ [الشورى ٤٠] لكن أخْبِرْه قل له: أنت الآن ظلمتني في كذا وكذا وكذا، وأنا سأُؤَجل أخذي ليوم القيامة، لا يظن إنك عفوت. * طالب: العفو يكون مع القدرة. * الشيخ: إي نعم، لا، ومع عدم القدرة، لكن العفو المحمود هو العفو مع القدرة. * طالب: (...) لا أعفو عن الرجل حتى آخذ من حسناته يوم القيامة. * الشيخ: نعم، نقول: هذا لك الحق. * الطالب: أيهما الأفضل يا شيخ ألا يعفو عنه؟ * الشيخ: لا، الأفضل أن يعفو عنه، لكن كما قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ [الشورى ٤٠] إذا كان في العفو إصلاح، أما إذا كان هذا الرجل إذا عفوت عنه، عن قتل ابنه مثلًا ذهب غدًا ليقتل ابن الآخرين. * * * * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٣٢) وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر ٣٢ - ٣٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر ٢٧]. * من فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى أنزل هذا القرآن تبيانًا لكل شيء، ومنه -أي من التبيان- ضرْب الأمثال؛ لأنها تُقرِّب المعنى، وتضع المعقول في صورة المحسوس، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت ٤١]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: رحمة الله سبحانه وتعالى بالعباد حيث بَيَّن لهم هذا البيان التام. * ومن فوائدها: أنه ينبغي للمُعَلِّم غَيْرَهُ أن يُكْثِرَ له من ضرْب الأمثال التي تُعينُه على فهم المعنى؛ لأن هذا هو أسلوب القرآن. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العِلَل والحِكَم في أفعال الله وشَرْعه؛ لقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر ٢٧]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على الجهمية وأشباههم ممن أنكروا حكمة الله وقالوا: إن الله سبحانه وتعالى يفعل الشيء لا لِعِلَّة وحكمة ولكن لمجرد المشيئة، وجه ذلك أن (لَعَلَّ) هنا للتعليل، والتعليل يعني إثبات الحكمة. ثم قال الله عز وجل: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر ٢٨]. * يُستفاد من هذه الآية الكريمة: أن القرآن عربيٌّ؛ أي نازل بلغة العرب. * ومن فوائدها: أنه لا يوجد في القرآن لفظ أعجمي؛ لأن الله وصف القرآن كله بأنه عربي، وهذا يقتضي أن ليس فيه شيء من لغة العجم، ولا شك أن هذا هو الواقع، فليس في القرآن لفظ عجمي، لكن اختلف العلماء المفسرون وغيرهم هل في القرآن كلمة أصلها أعجمي، ثم عُرِّبت فمنهم من يقول: نعم، ومنهم من يقول: لا، فالذين قالوا: نعم، قالوا: هناك كلمات في القرآن الكريم لا تنطبق عليها قواعد اللغة العربية، ويعني هذا أنها أعجمية، وهذا لا ينافي أن يكون القرآن عربيًّا؛ لأن العرب لما عرَّبتها صارت عربية بالاستعراب، كما أن العرب أصلهم مستعربون وإلا فلغة أبيهم إسماعيل ليست عربية. ومنهم من قال: هذه الكلمات التي هي كلمات أعجمية إنما جاءت بلسان العرب من باب توارد اللغتين، ولا مانع من أن تتوارد اللغتان على كلمة واحدة، والخلاف في هذا قريب من اللفظي، وذلك لأنهم متفقون على أنه لا يوجد في القرآن لفظ أعجمي هو أعجمي حتى نزول القرآن أبدًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان حِكمة الله عز وجل في إنزاله القرآن باللسان العربي؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بُعِث في قوم عرب، فكانت الحكمة أن يكون لسانه عربيًّا كما هو الشأن في جميع الرسل، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم ٤]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن فهم المعنى مُعِين على التقوى؛ لقوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزمر ٢٨] ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، وهذا أمر واضح أن فهم المعنى من أسباب التقوى؛ لأنك لو تكلم لك إنسان بما لا تفهم معناه لم يؤثر فيك شيء، إنما يؤثر فيك ما تفهم معناه، ولهذا قال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. * ونستفيد من هذه الجملة: ما استفدنا من الجملة السابقة وهي قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر ٢٧]. ثم قال الله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ إلى آخره [الزمر: ٢٩]. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذه الآية تطبيق لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر ٢٧] فإن هذا مثل. * ومن فوائدها: أن مثل من يعبد مع الله غيره كمثل عبدٍ فيه شركاء متشاكسون متنازعون متخاصمون، وجه ذلك أن هذا العابد مع الله غيره لم يكن قلبه خالصًا لله تتنازعه الشركاء من يمين وشمال حتى ضاع بينهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى يأتي بالخبر أو غيره، ثم يُقرِّر ذلك للمخاطَب بأحسن وجه؛ وذلك في قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر ٢٩] فإن هذا الاستفهام الذي يُراد به النفي الغرض منه تقرير ما ذُكِر وإلزام المخاطَب به. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى مُستحِق للحمد لكمال توحيده؛ لقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. * ومن فوائدها: أن الحمد المطلق إنما يكون لله عز وجل، أما غيره فهو إن حُمِدَ فليس حمده على الإطلاق بل يُحْمَد على شيء معين وجزء معين مما يُحمد عليه، أما الحمد على الإطلاق فهو لله رب العالمين عز وجل؛ لأنه هو المحمود على كل حال، وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا أتاه ما يُسَرُّ به قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ». » وإذا أتاه ما يسوءه قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ»[[أخرجه ابن ماجه (٣٨٠٣) من حديث عائشة.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أكثر بني آدم لا يعلمون الحقائق على ما هي عليه، وإن علموها لم ينتفعوا بها؛ لقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٢٩]. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣٠، ٣١]. * من فوائدها: أن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم لن يُخلَّد أبد الآبدين بل هو ميت كما أن خصومه أموات، وهذا كقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء ٣٤]. * ومن فوائدها: تسلية النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لقوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣٠، ٣١]. * ومن فوائدها: إنذار هؤلاء المكذبين بأن لهم موعدًا مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهو الاختصام يوم القيامة. * ومن فوائدها: أن أهل الشِّرْك والكفر خُصوم لأهل التوحيد والإيمان في الآخرة كما أنهم خصوم في الدنيا، ففي الدنيا لا شك في خصومتهم وعداوة بعضهم لبعض، وفي الآخرة أشد وأعظم. * ومن فوائدها: أن الخلق يختصمون عند الله يوم القيامة، ومن المعلوم أن الخاصِم إذا كانت الخصومة بين المؤمن والكافر هو المؤمن قال الله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء ١٤١]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات البعث والحساب؛ لقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣١].

الزمر 39:27

المتقي للعذاب يحاول النجاة منه لكن الملاقي للشيء قد يلاقيه ببشرى وفرح وسرور، فتفسير ﴿يَتَّقِي﴾ [الزمر ٢٤] بـ(يلقى) لا شك أنه قاصر، ولكنه بعض الأحيان يُفسِّر المؤلف القرآن بما يقاربه. قال: (يلقى ﴿بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ٢٤] أي أَشُدَّه) ففسر (سوء) بـ(أسوأ)، و(أسوأ) لا شك أنه اسم تفضيل، و(سوء) ليس اسم تفضيل، وعلى هذا فيكون المؤلف فسر الكتاب بما هو أعلى منه، والواجب أن يكون المفسِّر مطابقًا للمُفَسَّر، ولو قال المؤلف رحمه الله: العذاب السيئ لكان أبلغ مطابقة للقرآن. يقول: (بأن يُلقى في النار مغلولة يده إلى عنقه)، وكأنه أخذه من كونه يتقي العذاب بوجهه؛ لأنه لو كانت يده مطلقة لاتقى العذاب بيده، ولكني أقول: لا يلزم من اتقاء العذاب بوجهه أن تُغلَّ يده؛ لأن يده قد تكون مرسلة غير مقيده ولكن لا يستطيع، أو يظن أن مدافعته بوجهه أشد، فيدافع بوجهه. قال المؤلف في ذكر المعادل: (كمن أمِنَ منه بدخول الجنة). والجواب: لا، وحينئذٍ يكون الاستفهام للنفي؛ يعني لا يستوي من يتقي بوجهه سوء العذاب مع من أَمِن من العذاب ولم يتقه. (﴿وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ﴾ [الزمر ٢٤] أي كفار مكة ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ أي جزاءه). قوله: (﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ أي كفار مكة)كأنه أخذه من قوله: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الزمر ٢٥] وإلا فإن (الظالمين) هنا عام، لفظ عام يشمل كفار مكة وغيرهم، وهذا هو الأولى. فإن قيل: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يدل على أن هذا في المتأخرين. قلنا: نعم، هو يدل على أنه في المتأخرين، لكن كل رسول فقد سبقه رسول. فـ(عاد)، نقول: كذبت قبلهم قوم نوح، وثمود كذبت قبلهم قوم عاد، وهلمَّ جرًّا، فيكون (الظالمون) عامًّا لكفار مكة ولغيرهم، لكن أول من يدخل فيهم -بلا شك- كفار مكة؛ لأن القرآن نزل توبيخًا لهم وإنكارًا ودعوة. قال المؤلف: (﴿فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [الزمر ٢٥] من جهة لا تخطر ببالهم) وهذا كما قلنا تفسير أشد وأبلغ من أن يأتيهم العذاب وهم على أهبة الاستعداد له. قال الله تعالى: (﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ﴾ [الزمر ٢٦] الذل والهوان من المسْخ والقَتْل وغيره ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ). ﴿أَذَاقَهُمُ اللَّهُ﴾ أي مسهم به حتى كأنهم طعموه وذاقوه بمذاقاتهم. وقول المؤلف رحمه الله: (من المسْخ والقتل وغيره) المسْخ مثل اليهود الذين قال الله لهم: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة ٦٥] والقتل، قتال بني إسرائيل مع مَنْ؟ * طالب: مع أنفسهم. * الشيخ: هم قتلوا أنفسهم حينما أُمِرُوا بالتوبة، وقيل لهم: إن كنتم صادقين في التوبة فاقتلوا أنفسكم، ولكن ذكر الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة جالوت وطالوت وفيه قتال. وكذلك أيضًا يقول المؤلف: (وغيره) كالإهلاك بالصاعقة والرجفة وما أشبهه، فالمهم أن المكذبين للرسل كلهم أهلكهم الله عز وجل. فإن قال قائل: أليس من الرسل مَنْ قُتِل؟ الجواب: بلى، ولكن هؤلاء الذين قُتلوا إما أن يكونوا لم يُؤمَروا بالقتال فاعتدى عليهم من اعتدى بدون قتال، وإما أنهم أُوتوا على غِرَّة دون أن يجاهروا بالقتل، ثم إذا قُتِلوا هل معنى ذلك أن ما دعوا إليه يموت بموتهم؟ قد يبقى، فيكون هذا نصرًا لهم ولو بعد وفاتهم. (﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ﴾ الذل والهوان من المسْخ والقتل وغيره في الحياة الدنيا ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿لَوْ كَانُوا﴾ أي: المكذبون يعلمون عذابها ما كذبوا) قوله: (ما كذبوا) هذه جواب (لو) محذوفًا. ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر ٢٧]. ﴿ضَرَبْنَا﴾ يقول المؤلف: (جعلنا) ولعل الضرب أخص من الجعل؛ أي: بيَّنَّا للناس في هذا القرآن من كل مثل، والجملة هنا مؤكدة بمؤكدات ثلاثة، وهي: اللام، و(قد)، والقسم المقدَّر؛ لأن تقدير الكلام في مثل هذا التركيب: والله لقد، فيكون مؤكدًا بمؤكدات ثلاثة. وقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ﴾، إذا قال قائل: كيف يؤكد هذا وهو أمر معلوم، والغالب أن التأكيد إنما يُصار إليه للحاجة إليه؟ فالجواب: أن التأكيد قد يكون للحاجة إليه عندما يكون المخاطب شاكًّا أو مُنكِرًا، وقد يكون التأكيد لأهمية المؤكَّد وإن لم يكن ثَمَّ إنكار أو تردد، ومنه هذه الآية، فإن ضَرْب الله الأمثال للناس في القرآن أمر محسوس مُدرَك، ولكن لأهميته أكَّدَه الله عز وجل. ﴿لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر ٢٧] أي: من كل شَبَهٍ، فيضرب الله تعالى الأشباه والنظائر ليحذر من كان على مثل هذا النظير وهذا الشبيه حتى لا يقوم بمثل ما فَعَلَ. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: يتعظون، و(لَعَلَّ) هنا للتعليل، وهو أحد معانيها، ومن معانيها الترجي، مثل: لعلَّ الحبيبَ قادمٌ، ومن معانيها الإشفاق، مثل: لعلَّ الحبيبَ هالكٌ؛ ففي الأول: (لعلَّ الحبيبَ قادمٌ) رجاء، وفي الثاني إشفاق، يعني أخشى أن يكون هالكًا، وتأتي للتعليل كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة ١٨٣] وهل من مثال ثالث؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * الطالب: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾. * الشيخ: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق ١] قد يكون هذا للتوقع. * الطالب: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾. * الشيخ: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ﴾ [الشعراء ٣] للتوقع أيضًا، هي في القرآن كثير. * طالب: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾. * الشيخ: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ [غافر ٣٦] للترجي، ويحتمل أن تكون للتعليل، إنما هو كثير في القرآن (لعلَّ)، فيظن بعض الناس أنها للترجي في كل مكان، فيقول: كيف يترجى الله عز وجل الشيء وهو قادر على كل شيء؟ نقول: (لَعَلَّ) إذا جاءت في كلام الله فهي للتعليل. وقوله: (﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر ٢٧] يعني يتعظون)؛ لأن هذا هو الغرض من ضرب الأمثال. ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر ٢٨] ﴿قُرْآنًا﴾ هذه حال، و﴿عَرَبِيًّا﴾ حال أخرى؛ يعني هذا القرآن الذي فيه من كل مَثَل هو قرآن، والقرآن تأتي بمعنى المصدر، وتأتي بمعنى اسم الفاعل أو المفعول، فمن إتيانها مصدرًا (الغُفْران والشُّكْران)، وأنا أقصد بهذا وزن (فُعْلَان) تأتي مصدرًا مثل: (الغُفْران، والشُّكْران، والقُرآن)، وهذا المصدر في لفظ القرآن يحتمل أنه بمعنى اسم المفعول، فقرآن بمعنى (مَقْرُوء)، وعلى هذا فيكون بمعنى (مَتْلوٍّ)، ويحتمل أن يكون اسم فاعل بمعنى (قارِئ)، وهو من قَرَأَ الماء إذا جَمَعَهُ في الحوْض، والقرآن إذا تأملتَ وجدت أن الوصفين ينطبقان عليه فهو متلوٌّ وجامِع؛ ولهذا قال العلماء في أصول التفسير: إنه يصح أن يكون بمعنى اسم الفاعل، ويصح أن يكون بمعنى اسم المفعول. وقوله: ﴿عَرَبِيًّا﴾ أي: باللغة العربية التي هي لسان محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولسان القوم الذين بُعِثَ فيهم. والعربية هي أفضل الألسُن وأعربها وأفصحها وأبينُها؛ ولهذا اختارها الله عز وجل لرسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فإن قيل: أليس في القرآن من الكلمات ما أصله أعجمي في القرآن؟ بلى، فيه، ولكن هذه الألفاظ التي أصلها غير عربي لما نطق بها العرب عَرَّبوها وصارت عربية؛ ولهذا لا تخلو هذه الكلمات المعرَّبة من تغيير بعض الشيء، لا بد أن يكون فيها شيء من التغيير في الغالب، فإذا نَطَقَ بها العرب واستخدموها، وسادت في ألسنتهم صارت عربية، عارِبَة ولا مُستعرِبة؟ * طالب: مُسْتَعْرِبة. * الشيخ: مُسْتعرِبَة، إذن فهي كلمات مستعرِبة من قوم مستعرِبين أيضًا؛ يعني أصل العرب مستعربين؛ لأنهم ليسوا عربًا في الأصل، فإسماعيل هو ابن إبراهيم، وليست لغته عربية، لكن لما جاء العرب جُرهم إلى أم إسماعيل، ونزلوا عندها صار عربيًّا، واستمرت العروبة إلى يومنا هذا. يقول: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر ٢٨]، هذا الوصف سلبي وليس ثبوتيًّا ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾، واعلم أنه لا يوجد في أوصاف القرآن ما هو سلبي محض؛ لأن السلبي المحض ليس فيه مدح بل كل شيء وُصِف به القرآن على وجه النفي فإن ذلك لكمال ضده، فإذا قال: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ أي لكمال استقامته، بل قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء ٩]، فالقرآن الكريم يهدي للتي هي أقوم في أمور الدين وفي أمور الدنيا على وجهٍ ليس فيه اعوجاج بوجهٍ من الوجوه؛ ولهذا قال: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي: لأجل أن يتقوا، فبيَّن الله لنا في هذا القرآن وجعله غير ذي عوج من أجل تقواه عز وجل. يقول الشارح رحمه الله: (﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر ٢٧] أي جعلنا)، وهذا التفسير تفسيرٌ بما هو أعم؛ لأن ضرب المثل ليس مجرد جَعْل له بل ضرب المثل للاعتبار به، فضربته مثلًا؛ أي جعلته شبهًا حتى يُعتبر به. وقوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾، ﴿مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ يشمل كل الناس؛ المؤمن والكافر؛ لأجل أن يتذكر هؤلاء وهؤلاء. * طالب: (...). * الشيخ: لا، الذل، والهوان، والعار، والفضيحة، كلها. * الطالب: (...). * الشيخ: أي: لا تذلنا ولا تفضحنا. * طالب: (...) اللغة العربية هي أفضل اللغات (...)؟ * الشيخ: لا، أيهما أفضل رسالة محمد عليه الصلاة والسلام وأمته أو الرسالات الأخرى وأمهاتهم؟ * الطالب: رسالة النبي ﷺ. * الشيخ: إذن أفضل ما فيه شك؛ ولهذا ورد أحاديث لكنها فيها نظر أن اللغة العربية لغة أهل الجنة. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، كون الله اختار هذه الرسالة العظيمة في اللغة العربية يكفي؛ لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤] فصار هذا المكان صالحًا لهذه الرسالة العظيمة؛ لأنه عظيم. * طالب: (...). * الشيخ: معلوم البيان، لو جاء بغير باللغة العربية ما بان، لكن كونه اختار أن يكون في هؤلاء العرب وبِلُغتهم هذا دليل على فضله. * طالب: (...) قال قائل: يعني الرسول ﷺ خاص بالعرب؛ لأن القرآن عربي، نرد بنفس الجواب هذا؟ * الشيخ: لا، إذا قال: إنه هو خاص بالعرب، قلنا: نعم، هو بعث في الأُمِّيين لكن لجميع الناس، كما لو أن أحدًا صار في الشرق أو في الغرب وهو أمير على جميع القارة التي هو فيها، فهذا محمد عليه الصلاة والسلام بُعِثَ في هؤلاء القوم لكن إلى جميع الناس، ومعلوم أنه لا بد أن يُبعث في قومه، افرض أنه بُعِث في العجم وهو رسول إلى الناس، نفس الشيء. * طالب: هل العذاب له لون وطعم؟ * الشيخ: إي نعم، الشيء الذي يُصيب الإنسان إصابة مباشرة يقال: ذَاقَهُ، لكن ليس باللسان، إنما لما أنه أصابه مباشرة صار كالمطعوم الذي يُدخله الإنسان في جوفه. * طالب: قلنا: إن الوصف بالسلب يعني ليس دليلًا في المدح كقول الله تبارك وتعالى (...). * الشيخ: نعم، إن قلنا: لا بد أن يتضمن الكمال، لم يلد ولم يولد لكمال وحدانيته. * طالب: (...) سوء العذاب يوم القيامة (...)، فهل يدل على الوجه؟ يأتيه العذاب الأشد من بقية البدن؟ * الشيخ: هو على كل حال إحساس الوجه بالعذاب أشد من إحساس بقية الجسم. * الطالب: (...). * الشيخ: هو إذا كان أسوأ العذاب، ويكون في الوجه صار أشد على الإنسان مما لو كان في طرف آخر، لكن اللي يظهر لنا ما قلنا: إن سوء العذاب ليس على اسم تفضيل، ولكنه من باب إضافة الصفة إلى موصوفها؛ يعني العذاب السيئ. * طالب: (...) خير وشر، أليست من باب خير وشر؟ * الشيخ: خير وشر أيضًا تُطلق على اسم التفضيل، إذا قلت: هذا خير من هذا، وهذا شر من هذا، وقد تطلق ويراد بها الوصف في الشر فقط، كما تقول: هذا شر، هذا خير. * * * * الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٩) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٢٩ - ٣١]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ [الزمر ٢٩]، لما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر ٢٧] ذكر هذا المثل، ضرب مثلًا. بَيَّن الله عز وجل هذا المثل العظيم فقال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ ﴿رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾، ﴿فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ أي متنازعون مختلفون، كل واحد منهم يقول: أنا صاحبه، أنا الذي أريد أن أستخدمه وما أشبه ذلك، فهم دائمًا في نزاع وفي خصومة؛ لأن كل واحد منهم يريد أن ينفرد به عن الآخر، والرجل الثاني ﴿رَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ سَلَمًا أي سالِمًا لهذا الرجل، لا يشركه فيه أحد. فإن قال قائل: بما عرفتم أن ﴿سَلَمًا﴾ بمعنى (سالِمًا) من الشركاء؟ قلنا: عرفنا ذلك بذكر المقابل، وهو قوله: ﴿فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾؛ لأن الكلمة تُعرف بالسياق، وبذكر المقابل، ومن أبرز مثال على ذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء ٧١]. لو قال لك قائل: ما معنى ثُبَاتٍ؟ لفهمت معناها مما بعدها ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾، فيكون الثُّبات ضد المجتمعين؛ أي: فُرادى، انفروا فُرادى، أو انفروا جميعًا، وهذه من قواعد التفسير أن يُعرف تفسير الكلمة بذكر ما يقابلها، فهنا نقول: رجلًا سَلَم ﴿سَلَمًا﴾ أي: خالصًا لمالكه لا يُشاركه فيه أحد، فإن قال قائل: بمَ عرفتم ذلك؟ قلنا: بما ذكرنا من القاعدة أن المقابل للشيء؛ أي الذي جُعل مُعادلًا له يكون مقابلًا له في المعنى، هذا الرجل الذي كان سَلَمًا لرجل، هل أحد يشاركه في ملكه له؟ لا، هل أحد يُنازعه؟ لا. إذن يجب أن نعرف الفَرْق بين المملوك الذي فيه الشركاء المتشاكسون والمملوك الذي ليس فيه شركاء، ثم نقيس عليه المخلص لله الذي يعبد الله وحده والذي يعبد مع الله غيره؛ ولهذا قال: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر ٢٩] أي: هل يستوي الرجلان أحدهما فيه شركاء متشاكسون والآخر سَلَمٌ لرجل؟ هل يستوي هذان؟ الجواب: لا، فالاستفهام حينئذٍ بمعنى النفي؛ يعني لا يستويان. والاستفهام يأتي لمعانٍ كثيرة كما هو معروف في علم البلاغة، ولكنه إذا أتى في موضع النفي فإنه يكون مُشْربًا معنى التحدي؛ لأنه لو قيل: لا يستويان؛ لفهمنا انتفاء استوائهما، لكن إذا قيل: هل يستويان؟ فهما أمران: الأمر الأول: انتفاء الاستواء. والأمر الثاني: التحدي. نقول: هل عندك شيء تثبت أنهما يستويان فيكون تحويل النفي إلى استفهام أبلغ في النفي وأَبْيَن؟ ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ الجواب: لا. قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الزمر ٢٩] حمد نفسه عز وجل؛ لكمال صفاته، وكمال إنعامه، ومن إنعامه أنه يضرب الأمثال للناس في القرآن لعلهم يتذكرون مع أنه عز وجل غني عنهم، ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران ٩٧]، كلهم لكن رحمته تأبى إلا أن يُبيِّن لعباده ما يحتاجون إليه في أمور دينهم ودنياهم؛ ولهذا قال بعد هذا البيان التام في المثل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. ثم قال: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٢٩] ﴿بَلْ﴾ هنا للإضراب، والإضراب له معنيان: المعنى الأول: إضراب انتقال ينتقل من شيء إلى آخر. والمعنى الثاني: إضراب إبطال، يُبطل الأول، ويثبت الثاني، فإذا قلت: ما قام زيد بل عمروٌ، فهذا إضْراب إبطال، أبطلت الأول وأثبت الثاني. وفي قوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل ٦٦] هذا انتقال من معنى إلى معنى أشد منه. في هذه الآية: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، هل هي إضراب إبطال أم هي إضراب انتقال؟ إضراب انتقال؛ لأنه لم يسبق شيء أبطلته، وقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ المراد بـ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ هنا أكثر الناس كما جاء ذلك في آيات أخرى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف ١٨٧]. وانتفاء العلم هنا لانتفاء لازمه وهو العمل والامتثال، فأكثر الناس في جهل، وأكثر الناس في غي، في جهل لا يعرفون الحق، وفي غي لا يقبلون الحق ولا يعملون به، وكلهم يصح أن ننفي عنه العِلْم، أما من كان في جهل فنفي العلم عنه واضح، وأما من كان في غي مع العلم فنفي العلم عنه؛ لأنه لم ينتفع به ولم يعمل به. ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣٠، ٣١] ﴿إِنَّكَ﴾ الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ﴿مَيِّتٌ﴾ وَصْف له في المستقبل. ﴿وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ كذلك، وأكد الموت مع العلم به يَقينًا من أجل أن عمل هؤلاء الذين كذَّبوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم عمل من لم يُوقِن بالموت؛ لأن من أيقن بالموت حقيقة فلا بد أن يعمل له لكنهم هم لا يعملون له فكان عدم عَمَلِهم له كالمنكر، أو بمنزلة المنكر؛ فلهذا أُكِّد. وقوله: ﴿مَيِّتٌ﴾ بتشديد الياء، يُقال لمن سيموت وهو حي، وأما (مَيْت) فيقال لمن وقع به الموت؛ أي بعد فراق حياته يقال: (مَيْت)، وربما يقال: (مَيِّت)، لكن الأكثر (مَيْت)، فعلى هذا يُفَرَّق بين أن يُوصَف الحي بالموت، ويقال فيه: (مَيِّت)، وبين أن يوصف الميِّت بالموت فيقال: (مَيْت). ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣٠، ٣١]. ﴿إِنَّكُمْ﴾ الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام ومن عانَدَهُ وكَفَرَ به. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ سبق تفسيره. ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ عند ربكم الذي خلقكم أول مرة، وأعادكم ثاني مرة، تختصمون عنده أيكم على الحق، ونحن نعلم الآن نتيجة هذه الخصومة من سيغلب؟ * طلبة: المؤمنون. * الشيخ: المؤمنون لا شك، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء ١٤١]، فالكافر لا سبيل له على المؤمن، فالنتيجة -والحمد لله- معلومة أن المؤمنين هم الغالبون يوم القيامة، وهم الخاصمون لأعدائهم. نرجع الآن إلى كلام المؤلف، ثم نأخذ الفوائد جميعًا إن شاء الله. يقول المؤلف رحمه الله عز وجل: (ضرب الله للمشرك والموحِّد مثلًا)، وتقييده المؤلف بالمشرك والموحِّد واضح؛ لأن المثل المضروب وهو العبد المملوك بين شركاء والعبد الخالص ينطبق تمامًا على المشرك والموحِّد. يقول: (ضرب الله للمشرك والموحِّد مثلًا ﴿رَجُلًا﴾ [الزمر ٢٩]) بدل من ﴿مَثَلًا﴾، والبدل يقول الإمام ابن مالك رحمه الله فيه: التَّابِعُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا ∗∗∗ وَاسِطَةٍ............ هذا البدل. فقوله: (هو التابع المقصود بالحكم)، خرج به من بقية التوابع. وقوله: (بِلا واسطة)، خرج به المعطوف بـ(بل)، فإن المعطوف بـ(بل) يكون إذا كان للإضراب الإبطالي يكون هو المقصود بالحكم، لكنه بواسِطة فلا يُسمَّى بدلًا. فهنا قال: ﴿مَثَلًا رَجُلًا﴾ لو حُذِفت ﴿مَثَلًا﴾، وقال: ضرب الله رجلًا، أيصح الكلام أو لا؟ يصح؛ لأن المقصود هو كلمة رجل، وأنت لو قلت: رأيت محمدًا عليًّا، عليًّا بدل؛ لأن المقصود هو عليٌّ، إذا خطب مخاطب وقال: رأيت عليًّا محمدًا؟ عرفت أنه أراد محمدًا ولم يرد عليًّا؛ لأن محمدًا بدل من عليٍّ، والبدل هو المقصود بالحكم لكن قد يكون سببه الغلط، وقد يكون سببه النسيان أو غير ذلك من الأسباب، المهم أن البدل هو ما حده ابن مالك بقوله: التَّابِعُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا ∗∗∗ وَاسِطَةٍ هُوَ الْمُسَمَّى بَدَلَا يقول: (﴿فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ متنازعون، سيئة أخلاقهم) من أين أخذ سوء الخلق؟ من قوله: ﴿مُتَشَاكِسُونَ﴾؛ لأن المشاكسة تُنبِئ عن سوء الخلق؛ إذ إن حَسَن الخلق يتنازل عن حقه ولو كان في ذلك أذية له أو ضرر عليه؛ لأن حُسْن أخلاقه يتغلب على أخذه بحقه، وهكذا ينبغي للإنسان أن يكون حَسَن الأخلاق، وأن يتغاضى عن بعض حقه ولو كان في ذلك أذية لنفسه، وليعلم أنه وإن قالت له نفسُه: إن تواضعك وعفوك عن حقك ذُلٌّ لك ليعلم أن هذا من وساوس الشيطان؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزَّةً، وَمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ»[[أخرجه مسلم (٢٥٨٨ / ٦٩) من حديث أبي هريرة.]]. فلا تغلبك نفسك وتأخذك العزة بالإثم فتقول: لا يمكن أسكت عن هذا الرجل، أنا من أنا حتى يعتدي عليَّ، أنا فلان بن فلان! فإن هذا من الشيطان ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ٤٠]، ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت ٣٤]، ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾ [فصلت ٣٥] أي: ما يُوفَّق لها ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. يقول: (متنازعون سيئة أخلاقهم ﴿وَرَجُلًا سَالِمًا﴾ ) عندي ﴿سَالِمًا﴾ ، وهي قراءة والمفسِّر فسَّر عليها. والسالم يعني الخالص كما فسرها (خالصًا ﴿لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ ) يقول: (﴿مَثَلًا﴾ تمييز) ما هو التمييز؟ التمييز: مِنْ مَيَّزَ إذا بَيَّنَ، وقد حدَّهُ ابن مالك بالألفية فقال: اسْمٌ بِمَعْنَى (مِنْ) مُبِينٌ نَكِرَهْ ∗∗∗ يُنْصَبُ تَمْيِيزًا بِمَا قَدْ فَسَّرَهْ هذا التمييز، اسم نكرة، يُبيِّن المبهم الذي فسَّره، وهو بمعنى (مِنْ)، ومثاله: قولهم: تصبب زيدٌ عَرَقًا، عرقًا هذه تمييز، طبِّقْها على التعريف نجد أنها اسم بمعنى (مِن)؛ لأنك تقول: تصبَّب من العرق، مُبِين: أي مُفَسِّر لكلمة تَصَبَّب؛ لأن تصبب بمعنى تصبب دمًا، تصبب ماءً، تصبب عرقًا، فبينت المتصبِّب، نكرة أو معرفة؟ نكرة، هذا هو التمييز: اسْمٌ بِمَعْنَى (مِنْ) مُبِينٌ نَكِرَهْ ∗∗∗ يُنْصَبُ تَمْيِيزًا بِمَا قَدْ فَسَّرَهْ الآن أمليت عليكم بيتين من ألفية ابن مالك، فاللي يحفظهم الآن يسقط عنه من حفظها بيتان البيت الأول؟ * طالب: التَّابِعُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا ∗∗∗ وَاسِطَةٍ هُوَ الْمُسَمَّى بَدَلَا * الشيخ: نعم، البدل: التَّابِعُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا ∗∗∗ وَاسِطَةٍ هُوَ الْمُسَمَّى بَدَلَا وهذا الثاني، التمييز؟ * طالب: اسْمٌ بِمَعْنَى (مِنْ) مُبِينٌ نَكِرَهْ ∗∗∗ يُنْصَبُ تَمْيِيزًا بِمَا قَدْ فَسَّرَهْ * الشيخ: يقول: (﴿مَثَلًا﴾ تمييز، أي لا يستوي العبد لجماعة والعبد لواحد، فإن الأول إذا طلب منه كل من مالكيه خدمته في وقت واحد تحيَّر في من يخدمه منهم). يقول: (لا يستوي) فبيَّن رحمه الله أن الاستفهام في قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ﴾ للنفي حيث فسره بنفي. وقوله: (لا يستوي العبد لجماعة والعبد لواحد)، صحيح لا يستويان، العبد لواحد يتصرف فيه متى شاء، متى شاء قال: اخدمني، ومتى شاء قال: استرح، متى شاء باعه، متى شاء أجَّره، لكن العبد لجماعه وجماعة متشاكسون، أخلاق سيئة، تنازع دائم، هل يستويان؟ أبدًا، لو قال أحدهم: تعالَ اخدمني، وقال الثاني: اخدمني أنا، وقال الثالث: اخدمني أنا، وقال الرابع: اخدمني أنا، صار أحدهم أخذ باليد اليمنى، والثاني باليد اليسرى، والثالث بالرجل اليمنى، والرابع بالرجل اليسرى، ثم مزَّعوا العبد؛ لأن كل واحد يريد أن يكون عنده، هو الذي يخدمه، كذلك أيضًا في البيع لو أراد أحدهم، قال: أنا أريد بيعه، وقال الثاني: لا أريد، والثالث قال: أريد تأجيره، والرابع قال: أريد إعارته، كيف يكون هذا؟ دائمًا في نزاع وشقاق، فالعبد نفسه في قلق، وفي حيرة، وفي بلاء، والشركاء أيضًا كذلك متشاكسون دائمًا، لا يمكن أن يستوي هذا مع رجل، وهذا لا شك أنه مثل تقريبي، وإلا فالفرق عظيم بين عبادة الله عز وجل وعبادة غيره معه؛ يعني أنه أعظم، ولكن الله تعالى يُقرِّب هذا للعباد، كما قرَّب المعاد بالماء ينزل من السماء، ثم تُنبت به الأرض كم يبقى؟ نبات الأرض بعد نزول المطر؟ يبقى مدة على حسب طيب الأرض، وحسب كثرة المطر، وحسب الجو المناسب، وحسب الفصل لكن يبقى. البعث ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣، ١٤] ﴿زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ فالأمثال قد لا تكون مطابقة تمامًا، قد يكون مورد المثل قد يكون أسرع من المثل، لكن يُذْكر على سبيل التقريب، ولا شك أن عبادة الله عز وجل وحده، وعبادة غيره معه لا شك أن بينهما فرقًا أعظم من الفرق بين الرجل السالِم لرجل والرجل المشترَك بين شركاء متشاكسين. يقول المؤلف رحمه الله: (هذا مَثَلٌ لِلْمُشرك، والثاني مَثَلٌ للموحِّد) ما هو الثاني؟ رجل سالِمًا لرجل هذا للموحِّد، والأول للمشرك، وما هو المقصود من ضرب هذا المثل؟ المقصود التحذير من الشِّرْك بالله عز وجل. ثم اعلم أن الشركاء في العبد متشاكسون لكن مع الله عز وجل يقول الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]. الشركاء المتشاكسون لا يمكن أن يتنازل أحدهم عن نصيبه، لكن الشرك بالله يدع الله المشرك وشركه. «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ». ولهذا قال: (﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الزمر ٢٩] وحده، وإذا كان الحمد له وحده وجب أن تكون العبادة له وحده؛ لأنه أهل الحمد وأهل العبادة سبحانه وتعالى فهو وحده المستحق لأن يُعبد). (﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ﴾ أي أهل مكة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ ما يصيرون إليه من العذاب فيُشركون). قوله: (﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ﴾ أي أهل مكة)، المؤلف رحمه الله دائمًا ولا سيما في الآيات والسور المكية يجعل مثل هذا الخطاب مُنصَبًّا على أهل مكة، ولكن الذي ينبغي أن نجعل دلالة القرآن عامة دائمًا إلا عند الضرورة؛ لأن القرآن نزل لجميع الخلق إلى يوم القيامة، فتخصيصه بأهل مكة يعني أنه لا يتناول غيرهم إلا بالقياس، لكن إذا أخذنا بلفظه العام شمل أهل مكة وغيرهم بالنص. وهناك فرْق بين شمول الحكم بالنص وشموله بالقياس، فالصحيح أن الضمير في ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ يعود على جميع الخلق، أكثر الخلق لا يعلمون؛ ولهذا ثبت في الحديث الصحيح أن الله يقول: «يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ. فَيَقُولُ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ أَوْ: بَعْثَ النَّارِ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعةٌ وَتِسْعُونَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]]. وهؤلاء هم الأكثر أو الأقل؟ الأكثر، فأكثر الخلق لا يعلمون إما لجهلهم أو لِغيِّهم، إن كانوا لجهلهم -فكما قلت لكم من قَبْل- فهم قد انتفى عنهم العِلْم، وإن كان لغيهم فإن العِلم انتفى عنهم لانتفاء فائدته، حيث لم يسترشدوا به. قال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾. (﴿إِنَّكَ﴾ خطاب للنبي ﷺ ﴿مَيِّتٌ﴾ [الزمر ٣٠] أي ستموت). قال: (﴿وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ ) قال: (فستموت ويموتون)، وكما يقول العامة عندنا: الوعد قُدَّام، (قُدَّام) يعني يوم القيامة؛ لأن الله يوم القيامة يفصل بين العباد، سوف يتنازع الناس في أعمالهم ودياناتهم، ويتنازعون في حقوقهم الخاصة، فيفصل الله بينهم يوم القيامة. يقول: (فلا شماتة بالموت) يعني أنك إذا مت فلا شماتة عليك؛ لأنهم سيموتون مثلك. (نزلت لما استبطؤوا موته ﷺ) هكذا قال المؤلف: إن سبب نزولها أن قريشًا استبطؤوا موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فنزلت هذه الآية تخبره أنه سيموت، وإذا مات فهم أيضًا سيموتون ويختصمون يوم القيامة، ولكن هذه الدعوة تحتاج إلى دليل، لننظر في سبب النزول لا نجد هذا، فإذا كان كذلك فلا ينبغي أن نتخيل سببًا للنزول في معنى آية من كتاب الله؛ لأن سبب النزول خبر محض، والخبر المحض لا مدخل للعقل فيه، ولكننا نقول: ذكر الله هذه الجملة إشارة إلى أنه لن يضيع عملك ولا عملهم، لن يُضيع عملك بدعوتك إلى التوحيد، ولن يضيع عملهم بالإشراك، فإن لكم موعدًا ستجتمعون فيه، وتختصمون فيه عند الله عز وجل، فيكون في هذا تسلية للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه تحذير للمشركين، فهو من وَجْه تسلية وتطمين للرسول عليه الصلاة والسلام، وهو من وجه آخر تحذير للمشركين بأنهم سيموتون، وسيكون أيضًا موتهم عن قُرْب، وسيكون مؤكدًا لا إشكال فيه. (﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ٣١] ثم إنكم أيها الناس فيما بينكم من المظالم) هذا عجب من المؤلف رحمه الله الخطاب ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ﴾ [الزمر ٣٠، ٣١] صرفه المؤلف إلى عموم الناس فقال: (أيها الناس). ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ﴾ يقول: (أيها الناس فيما بينكم من المظالم)، والسياق يأبى هذا التفسير بل الخطاب للنبي ﷺ، ومن كفر به، هذا هو المتعين، وتختصمون في المظالم التي بينكم أو فيما بينكم من الحق والباطل؟ الثاني، من الحق والباطل، أنت تدعو إلى التوحيد وهم ينكرون ذلك، ولكم موعد تختصمون فيه ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ﴾ أي الرسول عليه الصلاة والسلام ومن كذَّبه يوم القيامة عند ربكم تختصمون. وفي قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر ٣١] إشارة إلى أن هذا الاختصام من مقتضى ربوبيته عز وجل؛ لأنه حَكَمٌ عدْل، ومن عدْله أنه يفصل بين المتنازِعِين فيه يوم القيامة كما يفصل بين المتنازِعِين في الحقوق الخاصة. * طالب: (...) على إثبات القياس بالآية. * الشيخ: هو -بارك الله فيك- كل مَثَل في القرآن فإن فيه دليلًا على إثبات القياس. * طالب: الإنسان اللي يأخذ حقه (...). * الشيخ: لا، إن كان تركه للاختصام عند الله فهذا لم يتركه، لكن إن تركه للثواب عند الله فقد تركه. * الطالب: (...) ثقة بالله.. * الشيخ: إي، لكن ثقة بأنه سيختصم مع خصمه؟ أسألك؟ * الطالب: (...). * الشيخ: هل عفا عنه في هذه الحال؟ * الطالب: (...) الربوبية. * الشيخ: لا، أنا أسألك الآن، هل تركه للاختصام عند الله يوم القيامة أو لا؟ هل عفا عنه في هذه الحال؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا بأس، أنا أرى في هذه الحال أن يُطالِب بحقه في الدنيا، أو يتركه لله؛ لأنه إذا طالَب به في الدنيا وأُخِذ حقُّه سلمت حسنات هذا الذي ظلمه يوم القيامة، فكان عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، ويكون بذلك مُحسِنًا إليه، أو يترك للأحسن وهو العفو وانتظار الأجر من الله عز وجل ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ٤٠] عرفت الآن؟ فالأحوال ثلاث؛ إما أن يأخذ بحقه في الدنيا، أو يُؤجِّل حقه للآخرة، أو يعفو. والمراتب من الأشد إلى الأخف نقول: أشدها أن يؤخر ذلك للآخرة، ثم أن يأخذ به في الدنيا، ثم أن يعفو، مع أن العفو لا بد فيه من قيد؛ أن يكون في العفو إصلاح، فإن كان في العفو إفساد؛ بحيث إذا عفونا عن هذا الرجل زاد في شره وطغيانه، فهنا الأخْذ بالحق أولى من العفو، أما إذا علمنا أن هذا الرجل سينظر إلى العفو نظرةَ إكْبار ويحسن خلقه بعد ذلك؛ فلا شك أن العفو أفضل. * طالب: لو أن ظالِمًا قويًّا ولا أحد يستطيع أن يأخذ حقه منه، هل نقول اعفُ عنه، أو نقول: أجِّلْ أمرك إلى الآخرة؟ * الشيخ: لا، معنى ذلك أن هذا الرجل لو عفونا عنه لن يصلح، فأجِّل حقه في الآخرة؛ لأن الله قَيَّد ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ [الشورى ٤٠] لكن أخْبِرْه قل له: أنت الآن ظلمتني في كذا وكذا وكذا، وأنا سأُؤَجل أخذي ليوم القيامة، لا يظن إنك عفوت. * طالب: العفو يكون مع القدرة. * الشيخ: إي نعم، لا، ومع عدم القدرة، لكن العفو المحمود هو العفو مع القدرة. * طالب: (...) لا أعفو عن الرجل حتى آخذ من حسناته يوم القيامة. * الشيخ: نعم، نقول: هذا لك الحق. * الطالب: أيهما الأفضل يا شيخ ألا يعفو عنه؟ * الشيخ: لا، الأفضل أن يعفو عنه، لكن كما قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ [الشورى ٤٠] إذا كان في العفو إصلاح، أما إذا كان هذا الرجل إذا عفوت عنه، عن قتل ابنه مثلًا ذهب غدًا ليقتل ابن الآخرين. * * * * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٣٢) وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر ٣٢ - ٣٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر ٢٧]. * من فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى أنزل هذا القرآن تبيانًا لكل شيء، ومنه -أي من التبيان- ضرْب الأمثال؛ لأنها تُقرِّب المعنى، وتضع المعقول في صورة المحسوس، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت ٤١]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: رحمة الله سبحانه وتعالى بالعباد حيث بَيَّن لهم هذا البيان التام. * ومن فوائدها: أنه ينبغي للمُعَلِّم غَيْرَهُ أن يُكْثِرَ له من ضرْب الأمثال التي تُعينُه على فهم المعنى؛ لأن هذا هو أسلوب القرآن. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العِلَل والحِكَم في أفعال الله وشَرْعه؛ لقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر ٢٧]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على الجهمية وأشباههم ممن أنكروا حكمة الله وقالوا: إن الله سبحانه وتعالى يفعل الشيء لا لِعِلَّة وحكمة ولكن لمجرد المشيئة، وجه ذلك أن (لَعَلَّ) هنا للتعليل، والتعليل يعني إثبات الحكمة. ثم قال الله عز وجل: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر ٢٨]. * يُستفاد من هذه الآية الكريمة: أن القرآن عربيٌّ؛ أي نازل بلغة العرب. * ومن فوائدها: أنه لا يوجد في القرآن لفظ أعجمي؛ لأن الله وصف القرآن كله بأنه عربي، وهذا يقتضي أن ليس فيه شيء من لغة العجم، ولا شك أن هذا هو الواقع، فليس في القرآن لفظ عجمي، لكن اختلف العلماء المفسرون وغيرهم هل في القرآن كلمة أصلها أعجمي، ثم عُرِّبت فمنهم من يقول: نعم، ومنهم من يقول: لا، فالذين قالوا: نعم، قالوا: هناك كلمات في القرآن الكريم لا تنطبق عليها قواعد اللغة العربية، ويعني هذا أنها أعجمية، وهذا لا ينافي أن يكون القرآن عربيًّا؛ لأن العرب لما عرَّبتها صارت عربية بالاستعراب، كما أن العرب أصلهم مستعربون وإلا فلغة أبيهم إسماعيل ليست عربية. ومنهم من قال: هذه الكلمات التي هي كلمات أعجمية إنما جاءت بلسان العرب من باب توارد اللغتين، ولا مانع من أن تتوارد اللغتان على كلمة واحدة، والخلاف في هذا قريب من اللفظي، وذلك لأنهم متفقون على أنه لا يوجد في القرآن لفظ أعجمي هو أعجمي حتى نزول القرآن أبدًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان حِكمة الله عز وجل في إنزاله القرآن باللسان العربي؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بُعِث في قوم عرب، فكانت الحكمة أن يكون لسانه عربيًّا كما هو الشأن في جميع الرسل، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم ٤]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن فهم المعنى مُعِين على التقوى؛ لقوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزمر ٢٨] ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، وهذا أمر واضح أن فهم المعنى من أسباب التقوى؛ لأنك لو تكلم لك إنسان بما لا تفهم معناه لم يؤثر فيك شيء، إنما يؤثر فيك ما تفهم معناه، ولهذا قال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. * ونستفيد من هذه الجملة: ما استفدنا من الجملة السابقة وهي قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر ٢٧]. ثم قال الله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ إلى آخره [الزمر: ٢٩]. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذه الآية تطبيق لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر ٢٧] فإن هذا مثل. * ومن فوائدها: أن مثل من يعبد مع الله غيره كمثل عبدٍ فيه شركاء متشاكسون متنازعون متخاصمون، وجه ذلك أن هذا العابد مع الله غيره لم يكن قلبه خالصًا لله تتنازعه الشركاء من يمين وشمال حتى ضاع بينهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى يأتي بالخبر أو غيره، ثم يُقرِّر ذلك للمخاطَب بأحسن وجه؛ وذلك في قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر ٢٩] فإن هذا الاستفهام الذي يُراد به النفي الغرض منه تقرير ما ذُكِر وإلزام المخاطَب به. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى مُستحِق للحمد لكمال توحيده؛ لقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. * ومن فوائدها: أن الحمد المطلق إنما يكون لله عز وجل، أما غيره فهو إن حُمِدَ فليس حمده على الإطلاق بل يُحْمَد على شيء معين وجزء معين مما يُحمد عليه، أما الحمد على الإطلاق فهو لله رب العالمين عز وجل؛ لأنه هو المحمود على كل حال، وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا أتاه ما يُسَرُّ به قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ». » وإذا أتاه ما يسوءه قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ»[[أخرجه ابن ماجه (٣٨٠٣) من حديث عائشة.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أكثر بني آدم لا يعلمون الحقائق على ما هي عليه، وإن علموها لم ينتفعوا بها؛ لقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٢٩]. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣٠، ٣١]. * من فوائدها: أن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم لن يُخلَّد أبد الآبدين بل هو ميت كما أن خصومه أموات، وهذا كقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء ٣٤]. * ومن فوائدها: تسلية النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لقوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣٠، ٣١]. * ومن فوائدها: إنذار هؤلاء المكذبين بأن لهم موعدًا مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهو الاختصام يوم القيامة. * ومن فوائدها: أن أهل الشِّرْك والكفر خُصوم لأهل التوحيد والإيمان في الآخرة كما أنهم خصوم في الدنيا، ففي الدنيا لا شك في خصومتهم وعداوة بعضهم لبعض، وفي الآخرة أشد وأعظم. * ومن فوائدها: أن الخلق يختصمون عند الله يوم القيامة، ومن المعلوم أن الخاصِم إذا كانت الخصومة بين المؤمن والكافر هو المؤمن قال الله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء ١٤١]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات البعث والحساب؛ لقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣١].

الزمر 39:28

المتقي للعذاب يحاول النجاة منه لكن الملاقي للشيء قد يلاقيه ببشرى وفرح وسرور، فتفسير ﴿يَتَّقِي﴾ [الزمر ٢٤] بـ(يلقى) لا شك أنه قاصر، ولكنه بعض الأحيان يُفسِّر المؤلف القرآن بما يقاربه. قال: (يلقى ﴿بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ٢٤] أي أَشُدَّه) ففسر (سوء) بـ(أسوأ)، و(أسوأ) لا شك أنه اسم تفضيل، و(سوء) ليس اسم تفضيل، وعلى هذا فيكون المؤلف فسر الكتاب بما هو أعلى منه، والواجب أن يكون المفسِّر مطابقًا للمُفَسَّر، ولو قال المؤلف رحمه الله: العذاب السيئ لكان أبلغ مطابقة للقرآن. يقول: (بأن يُلقى في النار مغلولة يده إلى عنقه)، وكأنه أخذه من كونه يتقي العذاب بوجهه؛ لأنه لو كانت يده مطلقة لاتقى العذاب بيده، ولكني أقول: لا يلزم من اتقاء العذاب بوجهه أن تُغلَّ يده؛ لأن يده قد تكون مرسلة غير مقيده ولكن لا يستطيع، أو يظن أن مدافعته بوجهه أشد، فيدافع بوجهه. قال المؤلف في ذكر المعادل: (كمن أمِنَ منه بدخول الجنة). والجواب: لا، وحينئذٍ يكون الاستفهام للنفي؛ يعني لا يستوي من يتقي بوجهه سوء العذاب مع من أَمِن من العذاب ولم يتقه. (﴿وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ﴾ [الزمر ٢٤] أي كفار مكة ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ أي جزاءه). قوله: (﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ أي كفار مكة)كأنه أخذه من قوله: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الزمر ٢٥] وإلا فإن (الظالمين) هنا عام، لفظ عام يشمل كفار مكة وغيرهم، وهذا هو الأولى. فإن قيل: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يدل على أن هذا في المتأخرين. قلنا: نعم، هو يدل على أنه في المتأخرين، لكن كل رسول فقد سبقه رسول. فـ(عاد)، نقول: كذبت قبلهم قوم نوح، وثمود كذبت قبلهم قوم عاد، وهلمَّ جرًّا، فيكون (الظالمون) عامًّا لكفار مكة ولغيرهم، لكن أول من يدخل فيهم -بلا شك- كفار مكة؛ لأن القرآن نزل توبيخًا لهم وإنكارًا ودعوة. قال المؤلف: (﴿فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [الزمر ٢٥] من جهة لا تخطر ببالهم) وهذا كما قلنا تفسير أشد وأبلغ من أن يأتيهم العذاب وهم على أهبة الاستعداد له. قال الله تعالى: (﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ﴾ [الزمر ٢٦] الذل والهوان من المسْخ والقَتْل وغيره ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ). ﴿أَذَاقَهُمُ اللَّهُ﴾ أي مسهم به حتى كأنهم طعموه وذاقوه بمذاقاتهم. وقول المؤلف رحمه الله: (من المسْخ والقتل وغيره) المسْخ مثل اليهود الذين قال الله لهم: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة ٦٥] والقتل، قتال بني إسرائيل مع مَنْ؟ * طالب: مع أنفسهم. * الشيخ: هم قتلوا أنفسهم حينما أُمِرُوا بالتوبة، وقيل لهم: إن كنتم صادقين في التوبة فاقتلوا أنفسكم، ولكن ذكر الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة جالوت وطالوت وفيه قتال. وكذلك أيضًا يقول المؤلف: (وغيره) كالإهلاك بالصاعقة والرجفة وما أشبهه، فالمهم أن المكذبين للرسل كلهم أهلكهم الله عز وجل. فإن قال قائل: أليس من الرسل مَنْ قُتِل؟ الجواب: بلى، ولكن هؤلاء الذين قُتلوا إما أن يكونوا لم يُؤمَروا بالقتال فاعتدى عليهم من اعتدى بدون قتال، وإما أنهم أُوتوا على غِرَّة دون أن يجاهروا بالقتل، ثم إذا قُتِلوا هل معنى ذلك أن ما دعوا إليه يموت بموتهم؟ قد يبقى، فيكون هذا نصرًا لهم ولو بعد وفاتهم. (﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ﴾ الذل والهوان من المسْخ والقتل وغيره في الحياة الدنيا ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿لَوْ كَانُوا﴾ أي: المكذبون يعلمون عذابها ما كذبوا) قوله: (ما كذبوا) هذه جواب (لو) محذوفًا. ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر ٢٧]. ﴿ضَرَبْنَا﴾ يقول المؤلف: (جعلنا) ولعل الضرب أخص من الجعل؛ أي: بيَّنَّا للناس في هذا القرآن من كل مثل، والجملة هنا مؤكدة بمؤكدات ثلاثة، وهي: اللام، و(قد)، والقسم المقدَّر؛ لأن تقدير الكلام في مثل هذا التركيب: والله لقد، فيكون مؤكدًا بمؤكدات ثلاثة. وقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ﴾، إذا قال قائل: كيف يؤكد هذا وهو أمر معلوم، والغالب أن التأكيد إنما يُصار إليه للحاجة إليه؟ فالجواب: أن التأكيد قد يكون للحاجة إليه عندما يكون المخاطب شاكًّا أو مُنكِرًا، وقد يكون التأكيد لأهمية المؤكَّد وإن لم يكن ثَمَّ إنكار أو تردد، ومنه هذه الآية، فإن ضَرْب الله الأمثال للناس في القرآن أمر محسوس مُدرَك، ولكن لأهميته أكَّدَه الله عز وجل. ﴿لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر ٢٧] أي: من كل شَبَهٍ، فيضرب الله تعالى الأشباه والنظائر ليحذر من كان على مثل هذا النظير وهذا الشبيه حتى لا يقوم بمثل ما فَعَلَ. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: يتعظون، و(لَعَلَّ) هنا للتعليل، وهو أحد معانيها، ومن معانيها الترجي، مثل: لعلَّ الحبيبَ قادمٌ، ومن معانيها الإشفاق، مثل: لعلَّ الحبيبَ هالكٌ؛ ففي الأول: (لعلَّ الحبيبَ قادمٌ) رجاء، وفي الثاني إشفاق، يعني أخشى أن يكون هالكًا، وتأتي للتعليل كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة ١٨٣] وهل من مثال ثالث؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * الطالب: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾. * الشيخ: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق ١] قد يكون هذا للتوقع. * الطالب: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾. * الشيخ: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ﴾ [الشعراء ٣] للتوقع أيضًا، هي في القرآن كثير. * طالب: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾. * الشيخ: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ [غافر ٣٦] للترجي، ويحتمل أن تكون للتعليل، إنما هو كثير في القرآن (لعلَّ)، فيظن بعض الناس أنها للترجي في كل مكان، فيقول: كيف يترجى الله عز وجل الشيء وهو قادر على كل شيء؟ نقول: (لَعَلَّ) إذا جاءت في كلام الله فهي للتعليل. وقوله: (﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر ٢٧] يعني يتعظون)؛ لأن هذا هو الغرض من ضرب الأمثال. ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر ٢٨] ﴿قُرْآنًا﴾ هذه حال، و﴿عَرَبِيًّا﴾ حال أخرى؛ يعني هذا القرآن الذي فيه من كل مَثَل هو قرآن، والقرآن تأتي بمعنى المصدر، وتأتي بمعنى اسم الفاعل أو المفعول، فمن إتيانها مصدرًا (الغُفْران والشُّكْران)، وأنا أقصد بهذا وزن (فُعْلَان) تأتي مصدرًا مثل: (الغُفْران، والشُّكْران، والقُرآن)، وهذا المصدر في لفظ القرآن يحتمل أنه بمعنى اسم المفعول، فقرآن بمعنى (مَقْرُوء)، وعلى هذا فيكون بمعنى (مَتْلوٍّ)، ويحتمل أن يكون اسم فاعل بمعنى (قارِئ)، وهو من قَرَأَ الماء إذا جَمَعَهُ في الحوْض، والقرآن إذا تأملتَ وجدت أن الوصفين ينطبقان عليه فهو متلوٌّ وجامِع؛ ولهذا قال العلماء في أصول التفسير: إنه يصح أن يكون بمعنى اسم الفاعل، ويصح أن يكون بمعنى اسم المفعول. وقوله: ﴿عَرَبِيًّا﴾ أي: باللغة العربية التي هي لسان محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولسان القوم الذين بُعِثَ فيهم. والعربية هي أفضل الألسُن وأعربها وأفصحها وأبينُها؛ ولهذا اختارها الله عز وجل لرسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فإن قيل: أليس في القرآن من الكلمات ما أصله أعجمي في القرآن؟ بلى، فيه، ولكن هذه الألفاظ التي أصلها غير عربي لما نطق بها العرب عَرَّبوها وصارت عربية؛ ولهذا لا تخلو هذه الكلمات المعرَّبة من تغيير بعض الشيء، لا بد أن يكون فيها شيء من التغيير في الغالب، فإذا نَطَقَ بها العرب واستخدموها، وسادت في ألسنتهم صارت عربية، عارِبَة ولا مُستعرِبة؟ * طالب: مُسْتَعْرِبة. * الشيخ: مُسْتعرِبَة، إذن فهي كلمات مستعرِبة من قوم مستعرِبين أيضًا؛ يعني أصل العرب مستعربين؛ لأنهم ليسوا عربًا في الأصل، فإسماعيل هو ابن إبراهيم، وليست لغته عربية، لكن لما جاء العرب جُرهم إلى أم إسماعيل، ونزلوا عندها صار عربيًّا، واستمرت العروبة إلى يومنا هذا. يقول: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر ٢٨]، هذا الوصف سلبي وليس ثبوتيًّا ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾، واعلم أنه لا يوجد في أوصاف القرآن ما هو سلبي محض؛ لأن السلبي المحض ليس فيه مدح بل كل شيء وُصِف به القرآن على وجه النفي فإن ذلك لكمال ضده، فإذا قال: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ أي لكمال استقامته، بل قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء ٩]، فالقرآن الكريم يهدي للتي هي أقوم في أمور الدين وفي أمور الدنيا على وجهٍ ليس فيه اعوجاج بوجهٍ من الوجوه؛ ولهذا قال: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي: لأجل أن يتقوا، فبيَّن الله لنا في هذا القرآن وجعله غير ذي عوج من أجل تقواه عز وجل. يقول الشارح رحمه الله: (﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر ٢٧] أي جعلنا)، وهذا التفسير تفسيرٌ بما هو أعم؛ لأن ضرب المثل ليس مجرد جَعْل له بل ضرب المثل للاعتبار به، فضربته مثلًا؛ أي جعلته شبهًا حتى يُعتبر به. وقوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾، ﴿مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ يشمل كل الناس؛ المؤمن والكافر؛ لأجل أن يتذكر هؤلاء وهؤلاء. * طالب: (...). * الشيخ: لا، الذل، والهوان، والعار، والفضيحة، كلها. * الطالب: (...). * الشيخ: أي: لا تذلنا ولا تفضحنا. * طالب: (...) اللغة العربية هي أفضل اللغات (...)؟ * الشيخ: لا، أيهما أفضل رسالة محمد عليه الصلاة والسلام وأمته أو الرسالات الأخرى وأمهاتهم؟ * الطالب: رسالة النبي ﷺ. * الشيخ: إذن أفضل ما فيه شك؛ ولهذا ورد أحاديث لكنها فيها نظر أن اللغة العربية لغة أهل الجنة. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، كون الله اختار هذه الرسالة العظيمة في اللغة العربية يكفي؛ لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤] فصار هذا المكان صالحًا لهذه الرسالة العظيمة؛ لأنه عظيم. * طالب: (...). * الشيخ: معلوم البيان، لو جاء بغير باللغة العربية ما بان، لكن كونه اختار أن يكون في هؤلاء العرب وبِلُغتهم هذا دليل على فضله. * طالب: (...) قال قائل: يعني الرسول ﷺ خاص بالعرب؛ لأن القرآن عربي، نرد بنفس الجواب هذا؟ * الشيخ: لا، إذا قال: إنه هو خاص بالعرب، قلنا: نعم، هو بعث في الأُمِّيين لكن لجميع الناس، كما لو أن أحدًا صار في الشرق أو في الغرب وهو أمير على جميع القارة التي هو فيها، فهذا محمد عليه الصلاة والسلام بُعِثَ في هؤلاء القوم لكن إلى جميع الناس، ومعلوم أنه لا بد أن يُبعث في قومه، افرض أنه بُعِث في العجم وهو رسول إلى الناس، نفس الشيء. * طالب: هل العذاب له لون وطعم؟ * الشيخ: إي نعم، الشيء الذي يُصيب الإنسان إصابة مباشرة يقال: ذَاقَهُ، لكن ليس باللسان، إنما لما أنه أصابه مباشرة صار كالمطعوم الذي يُدخله الإنسان في جوفه. * طالب: قلنا: إن الوصف بالسلب يعني ليس دليلًا في المدح كقول الله تبارك وتعالى (...). * الشيخ: نعم، إن قلنا: لا بد أن يتضمن الكمال، لم يلد ولم يولد لكمال وحدانيته. * طالب: (...) سوء العذاب يوم القيامة (...)، فهل يدل على الوجه؟ يأتيه العذاب الأشد من بقية البدن؟ * الشيخ: هو على كل حال إحساس الوجه بالعذاب أشد من إحساس بقية الجسم. * الطالب: (...). * الشيخ: هو إذا كان أسوأ العذاب، ويكون في الوجه صار أشد على الإنسان مما لو كان في طرف آخر، لكن اللي يظهر لنا ما قلنا: إن سوء العذاب ليس على اسم تفضيل، ولكنه من باب إضافة الصفة إلى موصوفها؛ يعني العذاب السيئ. * طالب: (...) خير وشر، أليست من باب خير وشر؟ * الشيخ: خير وشر أيضًا تُطلق على اسم التفضيل، إذا قلت: هذا خير من هذا، وهذا شر من هذا، وقد تطلق ويراد بها الوصف في الشر فقط، كما تقول: هذا شر، هذا خير. * * * * الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٩) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٢٩ - ٣١]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ [الزمر ٢٩]، لما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر ٢٧] ذكر هذا المثل، ضرب مثلًا. بَيَّن الله عز وجل هذا المثل العظيم فقال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ ﴿رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾، ﴿فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ أي متنازعون مختلفون، كل واحد منهم يقول: أنا صاحبه، أنا الذي أريد أن أستخدمه وما أشبه ذلك، فهم دائمًا في نزاع وفي خصومة؛ لأن كل واحد منهم يريد أن ينفرد به عن الآخر، والرجل الثاني ﴿رَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ سَلَمًا أي سالِمًا لهذا الرجل، لا يشركه فيه أحد. فإن قال قائل: بما عرفتم أن ﴿سَلَمًا﴾ بمعنى (سالِمًا) من الشركاء؟ قلنا: عرفنا ذلك بذكر المقابل، وهو قوله: ﴿فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾؛ لأن الكلمة تُعرف بالسياق، وبذكر المقابل، ومن أبرز مثال على ذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء ٧١]. لو قال لك قائل: ما معنى ثُبَاتٍ؟ لفهمت معناها مما بعدها ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾، فيكون الثُّبات ضد المجتمعين؛ أي: فُرادى، انفروا فُرادى، أو انفروا جميعًا، وهذه من قواعد التفسير أن يُعرف تفسير الكلمة بذكر ما يقابلها، فهنا نقول: رجلًا سَلَم ﴿سَلَمًا﴾ أي: خالصًا لمالكه لا يُشاركه فيه أحد، فإن قال قائل: بمَ عرفتم ذلك؟ قلنا: بما ذكرنا من القاعدة أن المقابل للشيء؛ أي الذي جُعل مُعادلًا له يكون مقابلًا له في المعنى، هذا الرجل الذي كان سَلَمًا لرجل، هل أحد يشاركه في ملكه له؟ لا، هل أحد يُنازعه؟ لا. إذن يجب أن نعرف الفَرْق بين المملوك الذي فيه الشركاء المتشاكسون والمملوك الذي ليس فيه شركاء، ثم نقيس عليه المخلص لله الذي يعبد الله وحده والذي يعبد مع الله غيره؛ ولهذا قال: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر ٢٩] أي: هل يستوي الرجلان أحدهما فيه شركاء متشاكسون والآخر سَلَمٌ لرجل؟ هل يستوي هذان؟ الجواب: لا، فالاستفهام حينئذٍ بمعنى النفي؛ يعني لا يستويان. والاستفهام يأتي لمعانٍ كثيرة كما هو معروف في علم البلاغة، ولكنه إذا أتى في موضع النفي فإنه يكون مُشْربًا معنى التحدي؛ لأنه لو قيل: لا يستويان؛ لفهمنا انتفاء استوائهما، لكن إذا قيل: هل يستويان؟ فهما أمران: الأمر الأول: انتفاء الاستواء. والأمر الثاني: التحدي. نقول: هل عندك شيء تثبت أنهما يستويان فيكون تحويل النفي إلى استفهام أبلغ في النفي وأَبْيَن؟ ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ الجواب: لا. قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الزمر ٢٩] حمد نفسه عز وجل؛ لكمال صفاته، وكمال إنعامه، ومن إنعامه أنه يضرب الأمثال للناس في القرآن لعلهم يتذكرون مع أنه عز وجل غني عنهم، ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران ٩٧]، كلهم لكن رحمته تأبى إلا أن يُبيِّن لعباده ما يحتاجون إليه في أمور دينهم ودنياهم؛ ولهذا قال بعد هذا البيان التام في المثل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. ثم قال: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٢٩] ﴿بَلْ﴾ هنا للإضراب، والإضراب له معنيان: المعنى الأول: إضراب انتقال ينتقل من شيء إلى آخر. والمعنى الثاني: إضراب إبطال، يُبطل الأول، ويثبت الثاني، فإذا قلت: ما قام زيد بل عمروٌ، فهذا إضْراب إبطال، أبطلت الأول وأثبت الثاني. وفي قوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل ٦٦] هذا انتقال من معنى إلى معنى أشد منه. في هذه الآية: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، هل هي إضراب إبطال أم هي إضراب انتقال؟ إضراب انتقال؛ لأنه لم يسبق شيء أبطلته، وقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ المراد بـ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ هنا أكثر الناس كما جاء ذلك في آيات أخرى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف ١٨٧]. وانتفاء العلم هنا لانتفاء لازمه وهو العمل والامتثال، فأكثر الناس في جهل، وأكثر الناس في غي، في جهل لا يعرفون الحق، وفي غي لا يقبلون الحق ولا يعملون به، وكلهم يصح أن ننفي عنه العِلْم، أما من كان في جهل فنفي العلم عنه واضح، وأما من كان في غي مع العلم فنفي العلم عنه؛ لأنه لم ينتفع به ولم يعمل به. ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣٠، ٣١] ﴿إِنَّكَ﴾ الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ﴿مَيِّتٌ﴾ وَصْف له في المستقبل. ﴿وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ كذلك، وأكد الموت مع العلم به يَقينًا من أجل أن عمل هؤلاء الذين كذَّبوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم عمل من لم يُوقِن بالموت؛ لأن من أيقن بالموت حقيقة فلا بد أن يعمل له لكنهم هم لا يعملون له فكان عدم عَمَلِهم له كالمنكر، أو بمنزلة المنكر؛ فلهذا أُكِّد. وقوله: ﴿مَيِّتٌ﴾ بتشديد الياء، يُقال لمن سيموت وهو حي، وأما (مَيْت) فيقال لمن وقع به الموت؛ أي بعد فراق حياته يقال: (مَيْت)، وربما يقال: (مَيِّت)، لكن الأكثر (مَيْت)، فعلى هذا يُفَرَّق بين أن يُوصَف الحي بالموت، ويقال فيه: (مَيِّت)، وبين أن يوصف الميِّت بالموت فيقال: (مَيْت). ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣٠، ٣١]. ﴿إِنَّكُمْ﴾ الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام ومن عانَدَهُ وكَفَرَ به. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ سبق تفسيره. ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ عند ربكم الذي خلقكم أول مرة، وأعادكم ثاني مرة، تختصمون عنده أيكم على الحق، ونحن نعلم الآن نتيجة هذه الخصومة من سيغلب؟ * طلبة: المؤمنون. * الشيخ: المؤمنون لا شك، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء ١٤١]، فالكافر لا سبيل له على المؤمن، فالنتيجة -والحمد لله- معلومة أن المؤمنين هم الغالبون يوم القيامة، وهم الخاصمون لأعدائهم. نرجع الآن إلى كلام المؤلف، ثم نأخذ الفوائد جميعًا إن شاء الله. يقول المؤلف رحمه الله عز وجل: (ضرب الله للمشرك والموحِّد مثلًا)، وتقييده المؤلف بالمشرك والموحِّد واضح؛ لأن المثل المضروب وهو العبد المملوك بين شركاء والعبد الخالص ينطبق تمامًا على المشرك والموحِّد. يقول: (ضرب الله للمشرك والموحِّد مثلًا ﴿رَجُلًا﴾ [الزمر ٢٩]) بدل من ﴿مَثَلًا﴾، والبدل يقول الإمام ابن مالك رحمه الله فيه: التَّابِعُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا ∗∗∗ وَاسِطَةٍ............ هذا البدل. فقوله: (هو التابع المقصود بالحكم)، خرج به من بقية التوابع. وقوله: (بِلا واسطة)، خرج به المعطوف بـ(بل)، فإن المعطوف بـ(بل) يكون إذا كان للإضراب الإبطالي يكون هو المقصود بالحكم، لكنه بواسِطة فلا يُسمَّى بدلًا. فهنا قال: ﴿مَثَلًا رَجُلًا﴾ لو حُذِفت ﴿مَثَلًا﴾، وقال: ضرب الله رجلًا، أيصح الكلام أو لا؟ يصح؛ لأن المقصود هو كلمة رجل، وأنت لو قلت: رأيت محمدًا عليًّا، عليًّا بدل؛ لأن المقصود هو عليٌّ، إذا خطب مخاطب وقال: رأيت عليًّا محمدًا؟ عرفت أنه أراد محمدًا ولم يرد عليًّا؛ لأن محمدًا بدل من عليٍّ، والبدل هو المقصود بالحكم لكن قد يكون سببه الغلط، وقد يكون سببه النسيان أو غير ذلك من الأسباب، المهم أن البدل هو ما حده ابن مالك بقوله: التَّابِعُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا ∗∗∗ وَاسِطَةٍ هُوَ الْمُسَمَّى بَدَلَا يقول: (﴿فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ متنازعون، سيئة أخلاقهم) من أين أخذ سوء الخلق؟ من قوله: ﴿مُتَشَاكِسُونَ﴾؛ لأن المشاكسة تُنبِئ عن سوء الخلق؛ إذ إن حَسَن الخلق يتنازل عن حقه ولو كان في ذلك أذية له أو ضرر عليه؛ لأن حُسْن أخلاقه يتغلب على أخذه بحقه، وهكذا ينبغي للإنسان أن يكون حَسَن الأخلاق، وأن يتغاضى عن بعض حقه ولو كان في ذلك أذية لنفسه، وليعلم أنه وإن قالت له نفسُه: إن تواضعك وعفوك عن حقك ذُلٌّ لك ليعلم أن هذا من وساوس الشيطان؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزَّةً، وَمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ»[[أخرجه مسلم (٢٥٨٨ / ٦٩) من حديث أبي هريرة.]]. فلا تغلبك نفسك وتأخذك العزة بالإثم فتقول: لا يمكن أسكت عن هذا الرجل، أنا من أنا حتى يعتدي عليَّ، أنا فلان بن فلان! فإن هذا من الشيطان ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ٤٠]، ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت ٣٤]، ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾ [فصلت ٣٥] أي: ما يُوفَّق لها ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. يقول: (متنازعون سيئة أخلاقهم ﴿وَرَجُلًا سَالِمًا﴾ ) عندي ﴿سَالِمًا﴾ ، وهي قراءة والمفسِّر فسَّر عليها. والسالم يعني الخالص كما فسرها (خالصًا ﴿لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ ) يقول: (﴿مَثَلًا﴾ تمييز) ما هو التمييز؟ التمييز: مِنْ مَيَّزَ إذا بَيَّنَ، وقد حدَّهُ ابن مالك بالألفية فقال: اسْمٌ بِمَعْنَى (مِنْ) مُبِينٌ نَكِرَهْ ∗∗∗ يُنْصَبُ تَمْيِيزًا بِمَا قَدْ فَسَّرَهْ هذا التمييز، اسم نكرة، يُبيِّن المبهم الذي فسَّره، وهو بمعنى (مِنْ)، ومثاله: قولهم: تصبب زيدٌ عَرَقًا، عرقًا هذه تمييز، طبِّقْها على التعريف نجد أنها اسم بمعنى (مِن)؛ لأنك تقول: تصبَّب من العرق، مُبِين: أي مُفَسِّر لكلمة تَصَبَّب؛ لأن تصبب بمعنى تصبب دمًا، تصبب ماءً، تصبب عرقًا، فبينت المتصبِّب، نكرة أو معرفة؟ نكرة، هذا هو التمييز: اسْمٌ بِمَعْنَى (مِنْ) مُبِينٌ نَكِرَهْ ∗∗∗ يُنْصَبُ تَمْيِيزًا بِمَا قَدْ فَسَّرَهْ الآن أمليت عليكم بيتين من ألفية ابن مالك، فاللي يحفظهم الآن يسقط عنه من حفظها بيتان البيت الأول؟ * طالب: التَّابِعُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا ∗∗∗ وَاسِطَةٍ هُوَ الْمُسَمَّى بَدَلَا * الشيخ: نعم، البدل: التَّابِعُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا ∗∗∗ وَاسِطَةٍ هُوَ الْمُسَمَّى بَدَلَا وهذا الثاني، التمييز؟ * طالب: اسْمٌ بِمَعْنَى (مِنْ) مُبِينٌ نَكِرَهْ ∗∗∗ يُنْصَبُ تَمْيِيزًا بِمَا قَدْ فَسَّرَهْ * الشيخ: يقول: (﴿مَثَلًا﴾ تمييز، أي لا يستوي العبد لجماعة والعبد لواحد، فإن الأول إذا طلب منه كل من مالكيه خدمته في وقت واحد تحيَّر في من يخدمه منهم). يقول: (لا يستوي) فبيَّن رحمه الله أن الاستفهام في قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ﴾ للنفي حيث فسره بنفي. وقوله: (لا يستوي العبد لجماعة والعبد لواحد)، صحيح لا يستويان، العبد لواحد يتصرف فيه متى شاء، متى شاء قال: اخدمني، ومتى شاء قال: استرح، متى شاء باعه، متى شاء أجَّره، لكن العبد لجماعه وجماعة متشاكسون، أخلاق سيئة، تنازع دائم، هل يستويان؟ أبدًا، لو قال أحدهم: تعالَ اخدمني، وقال الثاني: اخدمني أنا، وقال الثالث: اخدمني أنا، وقال الرابع: اخدمني أنا، صار أحدهم أخذ باليد اليمنى، والثاني باليد اليسرى، والثالث بالرجل اليمنى، والرابع بالرجل اليسرى، ثم مزَّعوا العبد؛ لأن كل واحد يريد أن يكون عنده، هو الذي يخدمه، كذلك أيضًا في البيع لو أراد أحدهم، قال: أنا أريد بيعه، وقال الثاني: لا أريد، والثالث قال: أريد تأجيره، والرابع قال: أريد إعارته، كيف يكون هذا؟ دائمًا في نزاع وشقاق، فالعبد نفسه في قلق، وفي حيرة، وفي بلاء، والشركاء أيضًا كذلك متشاكسون دائمًا، لا يمكن أن يستوي هذا مع رجل، وهذا لا شك أنه مثل تقريبي، وإلا فالفرق عظيم بين عبادة الله عز وجل وعبادة غيره معه؛ يعني أنه أعظم، ولكن الله تعالى يُقرِّب هذا للعباد، كما قرَّب المعاد بالماء ينزل من السماء، ثم تُنبت به الأرض كم يبقى؟ نبات الأرض بعد نزول المطر؟ يبقى مدة على حسب طيب الأرض، وحسب كثرة المطر، وحسب الجو المناسب، وحسب الفصل لكن يبقى. البعث ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣، ١٤] ﴿زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ فالأمثال قد لا تكون مطابقة تمامًا، قد يكون مورد المثل قد يكون أسرع من المثل، لكن يُذْكر على سبيل التقريب، ولا شك أن عبادة الله عز وجل وحده، وعبادة غيره معه لا شك أن بينهما فرقًا أعظم من الفرق بين الرجل السالِم لرجل والرجل المشترَك بين شركاء متشاكسين. يقول المؤلف رحمه الله: (هذا مَثَلٌ لِلْمُشرك، والثاني مَثَلٌ للموحِّد) ما هو الثاني؟ رجل سالِمًا لرجل هذا للموحِّد، والأول للمشرك، وما هو المقصود من ضرب هذا المثل؟ المقصود التحذير من الشِّرْك بالله عز وجل. ثم اعلم أن الشركاء في العبد متشاكسون لكن مع الله عز وجل يقول الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]. الشركاء المتشاكسون لا يمكن أن يتنازل أحدهم عن نصيبه، لكن الشرك بالله يدع الله المشرك وشركه. «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ». ولهذا قال: (﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الزمر ٢٩] وحده، وإذا كان الحمد له وحده وجب أن تكون العبادة له وحده؛ لأنه أهل الحمد وأهل العبادة سبحانه وتعالى فهو وحده المستحق لأن يُعبد). (﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ﴾ أي أهل مكة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ ما يصيرون إليه من العذاب فيُشركون). قوله: (﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ﴾ أي أهل مكة)، المؤلف رحمه الله دائمًا ولا سيما في الآيات والسور المكية يجعل مثل هذا الخطاب مُنصَبًّا على أهل مكة، ولكن الذي ينبغي أن نجعل دلالة القرآن عامة دائمًا إلا عند الضرورة؛ لأن القرآن نزل لجميع الخلق إلى يوم القيامة، فتخصيصه بأهل مكة يعني أنه لا يتناول غيرهم إلا بالقياس، لكن إذا أخذنا بلفظه العام شمل أهل مكة وغيرهم بالنص. وهناك فرْق بين شمول الحكم بالنص وشموله بالقياس، فالصحيح أن الضمير في ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ يعود على جميع الخلق، أكثر الخلق لا يعلمون؛ ولهذا ثبت في الحديث الصحيح أن الله يقول: «يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ. فَيَقُولُ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ أَوْ: بَعْثَ النَّارِ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعةٌ وَتِسْعُونَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]]. وهؤلاء هم الأكثر أو الأقل؟ الأكثر، فأكثر الخلق لا يعلمون إما لجهلهم أو لِغيِّهم، إن كانوا لجهلهم -فكما قلت لكم من قَبْل- فهم قد انتفى عنهم العِلْم، وإن كان لغيهم فإن العِلم انتفى عنهم لانتفاء فائدته، حيث لم يسترشدوا به. قال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾. (﴿إِنَّكَ﴾ خطاب للنبي ﷺ ﴿مَيِّتٌ﴾ [الزمر ٣٠] أي ستموت). قال: (﴿وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ ) قال: (فستموت ويموتون)، وكما يقول العامة عندنا: الوعد قُدَّام، (قُدَّام) يعني يوم القيامة؛ لأن الله يوم القيامة يفصل بين العباد، سوف يتنازع الناس في أعمالهم ودياناتهم، ويتنازعون في حقوقهم الخاصة، فيفصل الله بينهم يوم القيامة. يقول: (فلا شماتة بالموت) يعني أنك إذا مت فلا شماتة عليك؛ لأنهم سيموتون مثلك. (نزلت لما استبطؤوا موته ﷺ) هكذا قال المؤلف: إن سبب نزولها أن قريشًا استبطؤوا موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فنزلت هذه الآية تخبره أنه سيموت، وإذا مات فهم أيضًا سيموتون ويختصمون يوم القيامة، ولكن هذه الدعوة تحتاج إلى دليل، لننظر في سبب النزول لا نجد هذا، فإذا كان كذلك فلا ينبغي أن نتخيل سببًا للنزول في معنى آية من كتاب الله؛ لأن سبب النزول خبر محض، والخبر المحض لا مدخل للعقل فيه، ولكننا نقول: ذكر الله هذه الجملة إشارة إلى أنه لن يضيع عملك ولا عملهم، لن يُضيع عملك بدعوتك إلى التوحيد، ولن يضيع عملهم بالإشراك، فإن لكم موعدًا ستجتمعون فيه، وتختصمون فيه عند الله عز وجل، فيكون في هذا تسلية للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه تحذير للمشركين، فهو من وَجْه تسلية وتطمين للرسول عليه الصلاة والسلام، وهو من وجه آخر تحذير للمشركين بأنهم سيموتون، وسيكون أيضًا موتهم عن قُرْب، وسيكون مؤكدًا لا إشكال فيه. (﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ٣١] ثم إنكم أيها الناس فيما بينكم من المظالم) هذا عجب من المؤلف رحمه الله الخطاب ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ﴾ [الزمر ٣٠، ٣١] صرفه المؤلف إلى عموم الناس فقال: (أيها الناس). ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ﴾ يقول: (أيها الناس فيما بينكم من المظالم)، والسياق يأبى هذا التفسير بل الخطاب للنبي ﷺ، ومن كفر به، هذا هو المتعين، وتختصمون في المظالم التي بينكم أو فيما بينكم من الحق والباطل؟ الثاني، من الحق والباطل، أنت تدعو إلى التوحيد وهم ينكرون ذلك، ولكم موعد تختصمون فيه ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ﴾ أي الرسول عليه الصلاة والسلام ومن كذَّبه يوم القيامة عند ربكم تختصمون. وفي قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر ٣١] إشارة إلى أن هذا الاختصام من مقتضى ربوبيته عز وجل؛ لأنه حَكَمٌ عدْل، ومن عدْله أنه يفصل بين المتنازِعِين فيه يوم القيامة كما يفصل بين المتنازِعِين في الحقوق الخاصة. * طالب: (...) على إثبات القياس بالآية. * الشيخ: هو -بارك الله فيك- كل مَثَل في القرآن فإن فيه دليلًا على إثبات القياس. * طالب: الإنسان اللي يأخذ حقه (...). * الشيخ: لا، إن كان تركه للاختصام عند الله فهذا لم يتركه، لكن إن تركه للثواب عند الله فقد تركه. * الطالب: (...) ثقة بالله.. * الشيخ: إي، لكن ثقة بأنه سيختصم مع خصمه؟ أسألك؟ * الطالب: (...). * الشيخ: هل عفا عنه في هذه الحال؟ * الطالب: (...) الربوبية. * الشيخ: لا، أنا أسألك الآن، هل تركه للاختصام عند الله يوم القيامة أو لا؟ هل عفا عنه في هذه الحال؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا بأس، أنا أرى في هذه الحال أن يُطالِب بحقه في الدنيا، أو يتركه لله؛ لأنه إذا طالَب به في الدنيا وأُخِذ حقُّه سلمت حسنات هذا الذي ظلمه يوم القيامة، فكان عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، ويكون بذلك مُحسِنًا إليه، أو يترك للأحسن وهو العفو وانتظار الأجر من الله عز وجل ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ٤٠] عرفت الآن؟ فالأحوال ثلاث؛ إما أن يأخذ بحقه في الدنيا، أو يُؤجِّل حقه للآخرة، أو يعفو. والمراتب من الأشد إلى الأخف نقول: أشدها أن يؤخر ذلك للآخرة، ثم أن يأخذ به في الدنيا، ثم أن يعفو، مع أن العفو لا بد فيه من قيد؛ أن يكون في العفو إصلاح، فإن كان في العفو إفساد؛ بحيث إذا عفونا عن هذا الرجل زاد في شره وطغيانه، فهنا الأخْذ بالحق أولى من العفو، أما إذا علمنا أن هذا الرجل سينظر إلى العفو نظرةَ إكْبار ويحسن خلقه بعد ذلك؛ فلا شك أن العفو أفضل. * طالب: لو أن ظالِمًا قويًّا ولا أحد يستطيع أن يأخذ حقه منه، هل نقول اعفُ عنه، أو نقول: أجِّلْ أمرك إلى الآخرة؟ * الشيخ: لا، معنى ذلك أن هذا الرجل لو عفونا عنه لن يصلح، فأجِّل حقه في الآخرة؛ لأن الله قَيَّد ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ [الشورى ٤٠] لكن أخْبِرْه قل له: أنت الآن ظلمتني في كذا وكذا وكذا، وأنا سأُؤَجل أخذي ليوم القيامة، لا يظن إنك عفوت. * طالب: العفو يكون مع القدرة. * الشيخ: إي نعم، لا، ومع عدم القدرة، لكن العفو المحمود هو العفو مع القدرة. * طالب: (...) لا أعفو عن الرجل حتى آخذ من حسناته يوم القيامة. * الشيخ: نعم، نقول: هذا لك الحق. * الطالب: أيهما الأفضل يا شيخ ألا يعفو عنه؟ * الشيخ: لا، الأفضل أن يعفو عنه، لكن كما قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ [الشورى ٤٠] إذا كان في العفو إصلاح، أما إذا كان هذا الرجل إذا عفوت عنه، عن قتل ابنه مثلًا ذهب غدًا ليقتل ابن الآخرين. * * * * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٣٢) وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر ٣٢ - ٣٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر ٢٧]. * من فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى أنزل هذا القرآن تبيانًا لكل شيء، ومنه -أي من التبيان- ضرْب الأمثال؛ لأنها تُقرِّب المعنى، وتضع المعقول في صورة المحسوس، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت ٤١]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: رحمة الله سبحانه وتعالى بالعباد حيث بَيَّن لهم هذا البيان التام. * ومن فوائدها: أنه ينبغي للمُعَلِّم غَيْرَهُ أن يُكْثِرَ له من ضرْب الأمثال التي تُعينُه على فهم المعنى؛ لأن هذا هو أسلوب القرآن. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العِلَل والحِكَم في أفعال الله وشَرْعه؛ لقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر ٢٧]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على الجهمية وأشباههم ممن أنكروا حكمة الله وقالوا: إن الله سبحانه وتعالى يفعل الشيء لا لِعِلَّة وحكمة ولكن لمجرد المشيئة، وجه ذلك أن (لَعَلَّ) هنا للتعليل، والتعليل يعني إثبات الحكمة. ثم قال الله عز وجل: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر ٢٨]. * يُستفاد من هذه الآية الكريمة: أن القرآن عربيٌّ؛ أي نازل بلغة العرب. * ومن فوائدها: أنه لا يوجد في القرآن لفظ أعجمي؛ لأن الله وصف القرآن كله بأنه عربي، وهذا يقتضي أن ليس فيه شيء من لغة العجم، ولا شك أن هذا هو الواقع، فليس في القرآن لفظ عجمي، لكن اختلف العلماء المفسرون وغيرهم هل في القرآن كلمة أصلها أعجمي، ثم عُرِّبت فمنهم من يقول: نعم، ومنهم من يقول: لا، فالذين قالوا: نعم، قالوا: هناك كلمات في القرآن الكريم لا تنطبق عليها قواعد اللغة العربية، ويعني هذا أنها أعجمية، وهذا لا ينافي أن يكون القرآن عربيًّا؛ لأن العرب لما عرَّبتها صارت عربية بالاستعراب، كما أن العرب أصلهم مستعربون وإلا فلغة أبيهم إسماعيل ليست عربية. ومنهم من قال: هذه الكلمات التي هي كلمات أعجمية إنما جاءت بلسان العرب من باب توارد اللغتين، ولا مانع من أن تتوارد اللغتان على كلمة واحدة، والخلاف في هذا قريب من اللفظي، وذلك لأنهم متفقون على أنه لا يوجد في القرآن لفظ أعجمي هو أعجمي حتى نزول القرآن أبدًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان حِكمة الله عز وجل في إنزاله القرآن باللسان العربي؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بُعِث في قوم عرب، فكانت الحكمة أن يكون لسانه عربيًّا كما هو الشأن في جميع الرسل، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم ٤]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن فهم المعنى مُعِين على التقوى؛ لقوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزمر ٢٨] ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، وهذا أمر واضح أن فهم المعنى من أسباب التقوى؛ لأنك لو تكلم لك إنسان بما لا تفهم معناه لم يؤثر فيك شيء، إنما يؤثر فيك ما تفهم معناه، ولهذا قال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. * ونستفيد من هذه الجملة: ما استفدنا من الجملة السابقة وهي قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر ٢٧]. ثم قال الله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ إلى آخره [الزمر: ٢٩]. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذه الآية تطبيق لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر ٢٧] فإن هذا مثل. * ومن فوائدها: أن مثل من يعبد مع الله غيره كمثل عبدٍ فيه شركاء متشاكسون متنازعون متخاصمون، وجه ذلك أن هذا العابد مع الله غيره لم يكن قلبه خالصًا لله تتنازعه الشركاء من يمين وشمال حتى ضاع بينهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى يأتي بالخبر أو غيره، ثم يُقرِّر ذلك للمخاطَب بأحسن وجه؛ وذلك في قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر ٢٩] فإن هذا الاستفهام الذي يُراد به النفي الغرض منه تقرير ما ذُكِر وإلزام المخاطَب به. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى مُستحِق للحمد لكمال توحيده؛ لقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. * ومن فوائدها: أن الحمد المطلق إنما يكون لله عز وجل، أما غيره فهو إن حُمِدَ فليس حمده على الإطلاق بل يُحْمَد على شيء معين وجزء معين مما يُحمد عليه، أما الحمد على الإطلاق فهو لله رب العالمين عز وجل؛ لأنه هو المحمود على كل حال، وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا أتاه ما يُسَرُّ به قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ». » وإذا أتاه ما يسوءه قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ»[[أخرجه ابن ماجه (٣٨٠٣) من حديث عائشة.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أكثر بني آدم لا يعلمون الحقائق على ما هي عليه، وإن علموها لم ينتفعوا بها؛ لقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٢٩]. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣٠، ٣١]. * من فوائدها: أن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم لن يُخلَّد أبد الآبدين بل هو ميت كما أن خصومه أموات، وهذا كقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء ٣٤]. * ومن فوائدها: تسلية النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لقوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣٠، ٣١]. * ومن فوائدها: إنذار هؤلاء المكذبين بأن لهم موعدًا مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهو الاختصام يوم القيامة. * ومن فوائدها: أن أهل الشِّرْك والكفر خُصوم لأهل التوحيد والإيمان في الآخرة كما أنهم خصوم في الدنيا، ففي الدنيا لا شك في خصومتهم وعداوة بعضهم لبعض، وفي الآخرة أشد وأعظم. * ومن فوائدها: أن الخلق يختصمون عند الله يوم القيامة، ومن المعلوم أن الخاصِم إذا كانت الخصومة بين المؤمن والكافر هو المؤمن قال الله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء ١٤١]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات البعث والحساب؛ لقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣١].

الزمر 39:29

المتقي للعذاب يحاول النجاة منه لكن الملاقي للشيء قد يلاقيه ببشرى وفرح وسرور، فتفسير ﴿يَتَّقِي﴾ [الزمر ٢٤] بـ(يلقى) لا شك أنه قاصر، ولكنه بعض الأحيان يُفسِّر المؤلف القرآن بما يقاربه. قال: (يلقى ﴿بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ٢٤] أي أَشُدَّه) ففسر (سوء) بـ(أسوأ)، و(أسوأ) لا شك أنه اسم تفضيل، و(سوء) ليس اسم تفضيل، وعلى هذا فيكون المؤلف فسر الكتاب بما هو أعلى منه، والواجب أن يكون المفسِّر مطابقًا للمُفَسَّر، ولو قال المؤلف رحمه الله: العذاب السيئ لكان أبلغ مطابقة للقرآن. يقول: (بأن يُلقى في النار مغلولة يده إلى عنقه)، وكأنه أخذه من كونه يتقي العذاب بوجهه؛ لأنه لو كانت يده مطلقة لاتقى العذاب بيده، ولكني أقول: لا يلزم من اتقاء العذاب بوجهه أن تُغلَّ يده؛ لأن يده قد تكون مرسلة غير مقيده ولكن لا يستطيع، أو يظن أن مدافعته بوجهه أشد، فيدافع بوجهه. قال المؤلف في ذكر المعادل: (كمن أمِنَ منه بدخول الجنة). والجواب: لا، وحينئذٍ يكون الاستفهام للنفي؛ يعني لا يستوي من يتقي بوجهه سوء العذاب مع من أَمِن من العذاب ولم يتقه. (﴿وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ﴾ [الزمر ٢٤] أي كفار مكة ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ أي جزاءه). قوله: (﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ أي كفار مكة)كأنه أخذه من قوله: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الزمر ٢٥] وإلا فإن (الظالمين) هنا عام، لفظ عام يشمل كفار مكة وغيرهم، وهذا هو الأولى. فإن قيل: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يدل على أن هذا في المتأخرين. قلنا: نعم، هو يدل على أنه في المتأخرين، لكن كل رسول فقد سبقه رسول. فـ(عاد)، نقول: كذبت قبلهم قوم نوح، وثمود كذبت قبلهم قوم عاد، وهلمَّ جرًّا، فيكون (الظالمون) عامًّا لكفار مكة ولغيرهم، لكن أول من يدخل فيهم -بلا شك- كفار مكة؛ لأن القرآن نزل توبيخًا لهم وإنكارًا ودعوة. قال المؤلف: (﴿فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [الزمر ٢٥] من جهة لا تخطر ببالهم) وهذا كما قلنا تفسير أشد وأبلغ من أن يأتيهم العذاب وهم على أهبة الاستعداد له. قال الله تعالى: (﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ﴾ [الزمر ٢٦] الذل والهوان من المسْخ والقَتْل وغيره ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ). ﴿أَذَاقَهُمُ اللَّهُ﴾ أي مسهم به حتى كأنهم طعموه وذاقوه بمذاقاتهم. وقول المؤلف رحمه الله: (من المسْخ والقتل وغيره) المسْخ مثل اليهود الذين قال الله لهم: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة ٦٥] والقتل، قتال بني إسرائيل مع مَنْ؟ * طالب: مع أنفسهم. * الشيخ: هم قتلوا أنفسهم حينما أُمِرُوا بالتوبة، وقيل لهم: إن كنتم صادقين في التوبة فاقتلوا أنفسكم، ولكن ذكر الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة جالوت وطالوت وفيه قتال. وكذلك أيضًا يقول المؤلف: (وغيره) كالإهلاك بالصاعقة والرجفة وما أشبهه، فالمهم أن المكذبين للرسل كلهم أهلكهم الله عز وجل. فإن قال قائل: أليس من الرسل مَنْ قُتِل؟ الجواب: بلى، ولكن هؤلاء الذين قُتلوا إما أن يكونوا لم يُؤمَروا بالقتال فاعتدى عليهم من اعتدى بدون قتال، وإما أنهم أُوتوا على غِرَّة دون أن يجاهروا بالقتل، ثم إذا قُتِلوا هل معنى ذلك أن ما دعوا إليه يموت بموتهم؟ قد يبقى، فيكون هذا نصرًا لهم ولو بعد وفاتهم. (﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ﴾ الذل والهوان من المسْخ والقتل وغيره في الحياة الدنيا ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿لَوْ كَانُوا﴾ أي: المكذبون يعلمون عذابها ما كذبوا) قوله: (ما كذبوا) هذه جواب (لو) محذوفًا. ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر ٢٧]. ﴿ضَرَبْنَا﴾ يقول المؤلف: (جعلنا) ولعل الضرب أخص من الجعل؛ أي: بيَّنَّا للناس في هذا القرآن من كل مثل، والجملة هنا مؤكدة بمؤكدات ثلاثة، وهي: اللام، و(قد)، والقسم المقدَّر؛ لأن تقدير الكلام في مثل هذا التركيب: والله لقد، فيكون مؤكدًا بمؤكدات ثلاثة. وقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ﴾، إذا قال قائل: كيف يؤكد هذا وهو أمر معلوم، والغالب أن التأكيد إنما يُصار إليه للحاجة إليه؟ فالجواب: أن التأكيد قد يكون للحاجة إليه عندما يكون المخاطب شاكًّا أو مُنكِرًا، وقد يكون التأكيد لأهمية المؤكَّد وإن لم يكن ثَمَّ إنكار أو تردد، ومنه هذه الآية، فإن ضَرْب الله الأمثال للناس في القرآن أمر محسوس مُدرَك، ولكن لأهميته أكَّدَه الله عز وجل. ﴿لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر ٢٧] أي: من كل شَبَهٍ، فيضرب الله تعالى الأشباه والنظائر ليحذر من كان على مثل هذا النظير وهذا الشبيه حتى لا يقوم بمثل ما فَعَلَ. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: يتعظون، و(لَعَلَّ) هنا للتعليل، وهو أحد معانيها، ومن معانيها الترجي، مثل: لعلَّ الحبيبَ قادمٌ، ومن معانيها الإشفاق، مثل: لعلَّ الحبيبَ هالكٌ؛ ففي الأول: (لعلَّ الحبيبَ قادمٌ) رجاء، وفي الثاني إشفاق، يعني أخشى أن يكون هالكًا، وتأتي للتعليل كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة ١٨٣] وهل من مثال ثالث؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * الطالب: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾. * الشيخ: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق ١] قد يكون هذا للتوقع. * الطالب: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾. * الشيخ: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ﴾ [الشعراء ٣] للتوقع أيضًا، هي في القرآن كثير. * طالب: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾. * الشيخ: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ [غافر ٣٦] للترجي، ويحتمل أن تكون للتعليل، إنما هو كثير في القرآن (لعلَّ)، فيظن بعض الناس أنها للترجي في كل مكان، فيقول: كيف يترجى الله عز وجل الشيء وهو قادر على كل شيء؟ نقول: (لَعَلَّ) إذا جاءت في كلام الله فهي للتعليل. وقوله: (﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر ٢٧] يعني يتعظون)؛ لأن هذا هو الغرض من ضرب الأمثال. ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر ٢٨] ﴿قُرْآنًا﴾ هذه حال، و﴿عَرَبِيًّا﴾ حال أخرى؛ يعني هذا القرآن الذي فيه من كل مَثَل هو قرآن، والقرآن تأتي بمعنى المصدر، وتأتي بمعنى اسم الفاعل أو المفعول، فمن إتيانها مصدرًا (الغُفْران والشُّكْران)، وأنا أقصد بهذا وزن (فُعْلَان) تأتي مصدرًا مثل: (الغُفْران، والشُّكْران، والقُرآن)، وهذا المصدر في لفظ القرآن يحتمل أنه بمعنى اسم المفعول، فقرآن بمعنى (مَقْرُوء)، وعلى هذا فيكون بمعنى (مَتْلوٍّ)، ويحتمل أن يكون اسم فاعل بمعنى (قارِئ)، وهو من قَرَأَ الماء إذا جَمَعَهُ في الحوْض، والقرآن إذا تأملتَ وجدت أن الوصفين ينطبقان عليه فهو متلوٌّ وجامِع؛ ولهذا قال العلماء في أصول التفسير: إنه يصح أن يكون بمعنى اسم الفاعل، ويصح أن يكون بمعنى اسم المفعول. وقوله: ﴿عَرَبِيًّا﴾ أي: باللغة العربية التي هي لسان محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولسان القوم الذين بُعِثَ فيهم. والعربية هي أفضل الألسُن وأعربها وأفصحها وأبينُها؛ ولهذا اختارها الله عز وجل لرسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فإن قيل: أليس في القرآن من الكلمات ما أصله أعجمي في القرآن؟ بلى، فيه، ولكن هذه الألفاظ التي أصلها غير عربي لما نطق بها العرب عَرَّبوها وصارت عربية؛ ولهذا لا تخلو هذه الكلمات المعرَّبة من تغيير بعض الشيء، لا بد أن يكون فيها شيء من التغيير في الغالب، فإذا نَطَقَ بها العرب واستخدموها، وسادت في ألسنتهم صارت عربية، عارِبَة ولا مُستعرِبة؟ * طالب: مُسْتَعْرِبة. * الشيخ: مُسْتعرِبَة، إذن فهي كلمات مستعرِبة من قوم مستعرِبين أيضًا؛ يعني أصل العرب مستعربين؛ لأنهم ليسوا عربًا في الأصل، فإسماعيل هو ابن إبراهيم، وليست لغته عربية، لكن لما جاء العرب جُرهم إلى أم إسماعيل، ونزلوا عندها صار عربيًّا، واستمرت العروبة إلى يومنا هذا. يقول: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر ٢٨]، هذا الوصف سلبي وليس ثبوتيًّا ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾، واعلم أنه لا يوجد في أوصاف القرآن ما هو سلبي محض؛ لأن السلبي المحض ليس فيه مدح بل كل شيء وُصِف به القرآن على وجه النفي فإن ذلك لكمال ضده، فإذا قال: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ أي لكمال استقامته، بل قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء ٩]، فالقرآن الكريم يهدي للتي هي أقوم في أمور الدين وفي أمور الدنيا على وجهٍ ليس فيه اعوجاج بوجهٍ من الوجوه؛ ولهذا قال: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي: لأجل أن يتقوا، فبيَّن الله لنا في هذا القرآن وجعله غير ذي عوج من أجل تقواه عز وجل. يقول الشارح رحمه الله: (﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر ٢٧] أي جعلنا)، وهذا التفسير تفسيرٌ بما هو أعم؛ لأن ضرب المثل ليس مجرد جَعْل له بل ضرب المثل للاعتبار به، فضربته مثلًا؛ أي جعلته شبهًا حتى يُعتبر به. وقوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾، ﴿مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ يشمل كل الناس؛ المؤمن والكافر؛ لأجل أن يتذكر هؤلاء وهؤلاء. * طالب: (...). * الشيخ: لا، الذل، والهوان، والعار، والفضيحة، كلها. * الطالب: (...). * الشيخ: أي: لا تذلنا ولا تفضحنا. * طالب: (...) اللغة العربية هي أفضل اللغات (...)؟ * الشيخ: لا، أيهما أفضل رسالة محمد عليه الصلاة والسلام وأمته أو الرسالات الأخرى وأمهاتهم؟ * الطالب: رسالة النبي ﷺ. * الشيخ: إذن أفضل ما فيه شك؛ ولهذا ورد أحاديث لكنها فيها نظر أن اللغة العربية لغة أهل الجنة. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، كون الله اختار هذه الرسالة العظيمة في اللغة العربية يكفي؛ لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤] فصار هذا المكان صالحًا لهذه الرسالة العظيمة؛ لأنه عظيم. * طالب: (...). * الشيخ: معلوم البيان، لو جاء بغير باللغة العربية ما بان، لكن كونه اختار أن يكون في هؤلاء العرب وبِلُغتهم هذا دليل على فضله. * طالب: (...) قال قائل: يعني الرسول ﷺ خاص بالعرب؛ لأن القرآن عربي، نرد بنفس الجواب هذا؟ * الشيخ: لا، إذا قال: إنه هو خاص بالعرب، قلنا: نعم، هو بعث في الأُمِّيين لكن لجميع الناس، كما لو أن أحدًا صار في الشرق أو في الغرب وهو أمير على جميع القارة التي هو فيها، فهذا محمد عليه الصلاة والسلام بُعِثَ في هؤلاء القوم لكن إلى جميع الناس، ومعلوم أنه لا بد أن يُبعث في قومه، افرض أنه بُعِث في العجم وهو رسول إلى الناس، نفس الشيء. * طالب: هل العذاب له لون وطعم؟ * الشيخ: إي نعم، الشيء الذي يُصيب الإنسان إصابة مباشرة يقال: ذَاقَهُ، لكن ليس باللسان، إنما لما أنه أصابه مباشرة صار كالمطعوم الذي يُدخله الإنسان في جوفه. * طالب: قلنا: إن الوصف بالسلب يعني ليس دليلًا في المدح كقول الله تبارك وتعالى (...). * الشيخ: نعم، إن قلنا: لا بد أن يتضمن الكمال، لم يلد ولم يولد لكمال وحدانيته. * طالب: (...) سوء العذاب يوم القيامة (...)، فهل يدل على الوجه؟ يأتيه العذاب الأشد من بقية البدن؟ * الشيخ: هو على كل حال إحساس الوجه بالعذاب أشد من إحساس بقية الجسم. * الطالب: (...). * الشيخ: هو إذا كان أسوأ العذاب، ويكون في الوجه صار أشد على الإنسان مما لو كان في طرف آخر، لكن اللي يظهر لنا ما قلنا: إن سوء العذاب ليس على اسم تفضيل، ولكنه من باب إضافة الصفة إلى موصوفها؛ يعني العذاب السيئ. * طالب: (...) خير وشر، أليست من باب خير وشر؟ * الشيخ: خير وشر أيضًا تُطلق على اسم التفضيل، إذا قلت: هذا خير من هذا، وهذا شر من هذا، وقد تطلق ويراد بها الوصف في الشر فقط، كما تقول: هذا شر، هذا خير. * * * * الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٩) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٢٩ - ٣١]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ [الزمر ٢٩]، لما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر ٢٧] ذكر هذا المثل، ضرب مثلًا. بَيَّن الله عز وجل هذا المثل العظيم فقال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ ﴿رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾، ﴿فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ أي متنازعون مختلفون، كل واحد منهم يقول: أنا صاحبه، أنا الذي أريد أن أستخدمه وما أشبه ذلك، فهم دائمًا في نزاع وفي خصومة؛ لأن كل واحد منهم يريد أن ينفرد به عن الآخر، والرجل الثاني ﴿رَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ سَلَمًا أي سالِمًا لهذا الرجل، لا يشركه فيه أحد. فإن قال قائل: بما عرفتم أن ﴿سَلَمًا﴾ بمعنى (سالِمًا) من الشركاء؟ قلنا: عرفنا ذلك بذكر المقابل، وهو قوله: ﴿فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾؛ لأن الكلمة تُعرف بالسياق، وبذكر المقابل، ومن أبرز مثال على ذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء ٧١]. لو قال لك قائل: ما معنى ثُبَاتٍ؟ لفهمت معناها مما بعدها ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾، فيكون الثُّبات ضد المجتمعين؛ أي: فُرادى، انفروا فُرادى، أو انفروا جميعًا، وهذه من قواعد التفسير أن يُعرف تفسير الكلمة بذكر ما يقابلها، فهنا نقول: رجلًا سَلَم ﴿سَلَمًا﴾ أي: خالصًا لمالكه لا يُشاركه فيه أحد، فإن قال قائل: بمَ عرفتم ذلك؟ قلنا: بما ذكرنا من القاعدة أن المقابل للشيء؛ أي الذي جُعل مُعادلًا له يكون مقابلًا له في المعنى، هذا الرجل الذي كان سَلَمًا لرجل، هل أحد يشاركه في ملكه له؟ لا، هل أحد يُنازعه؟ لا. إذن يجب أن نعرف الفَرْق بين المملوك الذي فيه الشركاء المتشاكسون والمملوك الذي ليس فيه شركاء، ثم نقيس عليه المخلص لله الذي يعبد الله وحده والذي يعبد مع الله غيره؛ ولهذا قال: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر ٢٩] أي: هل يستوي الرجلان أحدهما فيه شركاء متشاكسون والآخر سَلَمٌ لرجل؟ هل يستوي هذان؟ الجواب: لا، فالاستفهام حينئذٍ بمعنى النفي؛ يعني لا يستويان. والاستفهام يأتي لمعانٍ كثيرة كما هو معروف في علم البلاغة، ولكنه إذا أتى في موضع النفي فإنه يكون مُشْربًا معنى التحدي؛ لأنه لو قيل: لا يستويان؛ لفهمنا انتفاء استوائهما، لكن إذا قيل: هل يستويان؟ فهما أمران: الأمر الأول: انتفاء الاستواء. والأمر الثاني: التحدي. نقول: هل عندك شيء تثبت أنهما يستويان فيكون تحويل النفي إلى استفهام أبلغ في النفي وأَبْيَن؟ ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ الجواب: لا. قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الزمر ٢٩] حمد نفسه عز وجل؛ لكمال صفاته، وكمال إنعامه، ومن إنعامه أنه يضرب الأمثال للناس في القرآن لعلهم يتذكرون مع أنه عز وجل غني عنهم، ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران ٩٧]، كلهم لكن رحمته تأبى إلا أن يُبيِّن لعباده ما يحتاجون إليه في أمور دينهم ودنياهم؛ ولهذا قال بعد هذا البيان التام في المثل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. ثم قال: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٢٩] ﴿بَلْ﴾ هنا للإضراب، والإضراب له معنيان: المعنى الأول: إضراب انتقال ينتقل من شيء إلى آخر. والمعنى الثاني: إضراب إبطال، يُبطل الأول، ويثبت الثاني، فإذا قلت: ما قام زيد بل عمروٌ، فهذا إضْراب إبطال، أبطلت الأول وأثبت الثاني. وفي قوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل ٦٦] هذا انتقال من معنى إلى معنى أشد منه. في هذه الآية: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، هل هي إضراب إبطال أم هي إضراب انتقال؟ إضراب انتقال؛ لأنه لم يسبق شيء أبطلته، وقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ المراد بـ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ هنا أكثر الناس كما جاء ذلك في آيات أخرى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف ١٨٧]. وانتفاء العلم هنا لانتفاء لازمه وهو العمل والامتثال، فأكثر الناس في جهل، وأكثر الناس في غي، في جهل لا يعرفون الحق، وفي غي لا يقبلون الحق ولا يعملون به، وكلهم يصح أن ننفي عنه العِلْم، أما من كان في جهل فنفي العلم عنه واضح، وأما من كان في غي مع العلم فنفي العلم عنه؛ لأنه لم ينتفع به ولم يعمل به. ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣٠، ٣١] ﴿إِنَّكَ﴾ الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ﴿مَيِّتٌ﴾ وَصْف له في المستقبل. ﴿وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ كذلك، وأكد الموت مع العلم به يَقينًا من أجل أن عمل هؤلاء الذين كذَّبوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم عمل من لم يُوقِن بالموت؛ لأن من أيقن بالموت حقيقة فلا بد أن يعمل له لكنهم هم لا يعملون له فكان عدم عَمَلِهم له كالمنكر، أو بمنزلة المنكر؛ فلهذا أُكِّد. وقوله: ﴿مَيِّتٌ﴾ بتشديد الياء، يُقال لمن سيموت وهو حي، وأما (مَيْت) فيقال لمن وقع به الموت؛ أي بعد فراق حياته يقال: (مَيْت)، وربما يقال: (مَيِّت)، لكن الأكثر (مَيْت)، فعلى هذا يُفَرَّق بين أن يُوصَف الحي بالموت، ويقال فيه: (مَيِّت)، وبين أن يوصف الميِّت بالموت فيقال: (مَيْت). ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣٠، ٣١]. ﴿إِنَّكُمْ﴾ الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام ومن عانَدَهُ وكَفَرَ به. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ سبق تفسيره. ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ عند ربكم الذي خلقكم أول مرة، وأعادكم ثاني مرة، تختصمون عنده أيكم على الحق، ونحن نعلم الآن نتيجة هذه الخصومة من سيغلب؟ * طلبة: المؤمنون. * الشيخ: المؤمنون لا شك، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء ١٤١]، فالكافر لا سبيل له على المؤمن، فالنتيجة -والحمد لله- معلومة أن المؤمنين هم الغالبون يوم القيامة، وهم الخاصمون لأعدائهم. نرجع الآن إلى كلام المؤلف، ثم نأخذ الفوائد جميعًا إن شاء الله. يقول المؤلف رحمه الله عز وجل: (ضرب الله للمشرك والموحِّد مثلًا)، وتقييده المؤلف بالمشرك والموحِّد واضح؛ لأن المثل المضروب وهو العبد المملوك بين شركاء والعبد الخالص ينطبق تمامًا على المشرك والموحِّد. يقول: (ضرب الله للمشرك والموحِّد مثلًا ﴿رَجُلًا﴾ [الزمر ٢٩]) بدل من ﴿مَثَلًا﴾، والبدل يقول الإمام ابن مالك رحمه الله فيه: التَّابِعُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا ∗∗∗ وَاسِطَةٍ............ هذا البدل. فقوله: (هو التابع المقصود بالحكم)، خرج به من بقية التوابع. وقوله: (بِلا واسطة)، خرج به المعطوف بـ(بل)، فإن المعطوف بـ(بل) يكون إذا كان للإضراب الإبطالي يكون هو المقصود بالحكم، لكنه بواسِطة فلا يُسمَّى بدلًا. فهنا قال: ﴿مَثَلًا رَجُلًا﴾ لو حُذِفت ﴿مَثَلًا﴾، وقال: ضرب الله رجلًا، أيصح الكلام أو لا؟ يصح؛ لأن المقصود هو كلمة رجل، وأنت لو قلت: رأيت محمدًا عليًّا، عليًّا بدل؛ لأن المقصود هو عليٌّ، إذا خطب مخاطب وقال: رأيت عليًّا محمدًا؟ عرفت أنه أراد محمدًا ولم يرد عليًّا؛ لأن محمدًا بدل من عليٍّ، والبدل هو المقصود بالحكم لكن قد يكون سببه الغلط، وقد يكون سببه النسيان أو غير ذلك من الأسباب، المهم أن البدل هو ما حده ابن مالك بقوله: التَّابِعُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا ∗∗∗ وَاسِطَةٍ هُوَ الْمُسَمَّى بَدَلَا يقول: (﴿فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ متنازعون، سيئة أخلاقهم) من أين أخذ سوء الخلق؟ من قوله: ﴿مُتَشَاكِسُونَ﴾؛ لأن المشاكسة تُنبِئ عن سوء الخلق؛ إذ إن حَسَن الخلق يتنازل عن حقه ولو كان في ذلك أذية له أو ضرر عليه؛ لأن حُسْن أخلاقه يتغلب على أخذه بحقه، وهكذا ينبغي للإنسان أن يكون حَسَن الأخلاق، وأن يتغاضى عن بعض حقه ولو كان في ذلك أذية لنفسه، وليعلم أنه وإن قالت له نفسُه: إن تواضعك وعفوك عن حقك ذُلٌّ لك ليعلم أن هذا من وساوس الشيطان؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزَّةً، وَمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ»[[أخرجه مسلم (٢٥٨٨ / ٦٩) من حديث أبي هريرة.]]. فلا تغلبك نفسك وتأخذك العزة بالإثم فتقول: لا يمكن أسكت عن هذا الرجل، أنا من أنا حتى يعتدي عليَّ، أنا فلان بن فلان! فإن هذا من الشيطان ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ٤٠]، ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت ٣٤]، ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾ [فصلت ٣٥] أي: ما يُوفَّق لها ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. يقول: (متنازعون سيئة أخلاقهم ﴿وَرَجُلًا سَالِمًا﴾ ) عندي ﴿سَالِمًا﴾ ، وهي قراءة والمفسِّر فسَّر عليها. والسالم يعني الخالص كما فسرها (خالصًا ﴿لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ ) يقول: (﴿مَثَلًا﴾ تمييز) ما هو التمييز؟ التمييز: مِنْ مَيَّزَ إذا بَيَّنَ، وقد حدَّهُ ابن مالك بالألفية فقال: اسْمٌ بِمَعْنَى (مِنْ) مُبِينٌ نَكِرَهْ ∗∗∗ يُنْصَبُ تَمْيِيزًا بِمَا قَدْ فَسَّرَهْ هذا التمييز، اسم نكرة، يُبيِّن المبهم الذي فسَّره، وهو بمعنى (مِنْ)، ومثاله: قولهم: تصبب زيدٌ عَرَقًا، عرقًا هذه تمييز، طبِّقْها على التعريف نجد أنها اسم بمعنى (مِن)؛ لأنك تقول: تصبَّب من العرق، مُبِين: أي مُفَسِّر لكلمة تَصَبَّب؛ لأن تصبب بمعنى تصبب دمًا، تصبب ماءً، تصبب عرقًا، فبينت المتصبِّب، نكرة أو معرفة؟ نكرة، هذا هو التمييز: اسْمٌ بِمَعْنَى (مِنْ) مُبِينٌ نَكِرَهْ ∗∗∗ يُنْصَبُ تَمْيِيزًا بِمَا قَدْ فَسَّرَهْ الآن أمليت عليكم بيتين من ألفية ابن مالك، فاللي يحفظهم الآن يسقط عنه من حفظها بيتان البيت الأول؟ * طالب: التَّابِعُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا ∗∗∗ وَاسِطَةٍ هُوَ الْمُسَمَّى بَدَلَا * الشيخ: نعم، البدل: التَّابِعُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا ∗∗∗ وَاسِطَةٍ هُوَ الْمُسَمَّى بَدَلَا وهذا الثاني، التمييز؟ * طالب: اسْمٌ بِمَعْنَى (مِنْ) مُبِينٌ نَكِرَهْ ∗∗∗ يُنْصَبُ تَمْيِيزًا بِمَا قَدْ فَسَّرَهْ * الشيخ: يقول: (﴿مَثَلًا﴾ تمييز، أي لا يستوي العبد لجماعة والعبد لواحد، فإن الأول إذا طلب منه كل من مالكيه خدمته في وقت واحد تحيَّر في من يخدمه منهم). يقول: (لا يستوي) فبيَّن رحمه الله أن الاستفهام في قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ﴾ للنفي حيث فسره بنفي. وقوله: (لا يستوي العبد لجماعة والعبد لواحد)، صحيح لا يستويان، العبد لواحد يتصرف فيه متى شاء، متى شاء قال: اخدمني، ومتى شاء قال: استرح، متى شاء باعه، متى شاء أجَّره، لكن العبد لجماعه وجماعة متشاكسون، أخلاق سيئة، تنازع دائم، هل يستويان؟ أبدًا، لو قال أحدهم: تعالَ اخدمني، وقال الثاني: اخدمني أنا، وقال الثالث: اخدمني أنا، وقال الرابع: اخدمني أنا، صار أحدهم أخذ باليد اليمنى، والثاني باليد اليسرى، والثالث بالرجل اليمنى، والرابع بالرجل اليسرى، ثم مزَّعوا العبد؛ لأن كل واحد يريد أن يكون عنده، هو الذي يخدمه، كذلك أيضًا في البيع لو أراد أحدهم، قال: أنا أريد بيعه، وقال الثاني: لا أريد، والثالث قال: أريد تأجيره، والرابع قال: أريد إعارته، كيف يكون هذا؟ دائمًا في نزاع وشقاق، فالعبد نفسه في قلق، وفي حيرة، وفي بلاء، والشركاء أيضًا كذلك متشاكسون دائمًا، لا يمكن أن يستوي هذا مع رجل، وهذا لا شك أنه مثل تقريبي، وإلا فالفرق عظيم بين عبادة الله عز وجل وعبادة غيره معه؛ يعني أنه أعظم، ولكن الله تعالى يُقرِّب هذا للعباد، كما قرَّب المعاد بالماء ينزل من السماء، ثم تُنبت به الأرض كم يبقى؟ نبات الأرض بعد نزول المطر؟ يبقى مدة على حسب طيب الأرض، وحسب كثرة المطر، وحسب الجو المناسب، وحسب الفصل لكن يبقى. البعث ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣، ١٤] ﴿زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ فالأمثال قد لا تكون مطابقة تمامًا، قد يكون مورد المثل قد يكون أسرع من المثل، لكن يُذْكر على سبيل التقريب، ولا شك أن عبادة الله عز وجل وحده، وعبادة غيره معه لا شك أن بينهما فرقًا أعظم من الفرق بين الرجل السالِم لرجل والرجل المشترَك بين شركاء متشاكسين. يقول المؤلف رحمه الله: (هذا مَثَلٌ لِلْمُشرك، والثاني مَثَلٌ للموحِّد) ما هو الثاني؟ رجل سالِمًا لرجل هذا للموحِّد، والأول للمشرك، وما هو المقصود من ضرب هذا المثل؟ المقصود التحذير من الشِّرْك بالله عز وجل. ثم اعلم أن الشركاء في العبد متشاكسون لكن مع الله عز وجل يقول الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]. الشركاء المتشاكسون لا يمكن أن يتنازل أحدهم عن نصيبه، لكن الشرك بالله يدع الله المشرك وشركه. «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ». ولهذا قال: (﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الزمر ٢٩] وحده، وإذا كان الحمد له وحده وجب أن تكون العبادة له وحده؛ لأنه أهل الحمد وأهل العبادة سبحانه وتعالى فهو وحده المستحق لأن يُعبد). (﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ﴾ أي أهل مكة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ ما يصيرون إليه من العذاب فيُشركون). قوله: (﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ﴾ أي أهل مكة)، المؤلف رحمه الله دائمًا ولا سيما في الآيات والسور المكية يجعل مثل هذا الخطاب مُنصَبًّا على أهل مكة، ولكن الذي ينبغي أن نجعل دلالة القرآن عامة دائمًا إلا عند الضرورة؛ لأن القرآن نزل لجميع الخلق إلى يوم القيامة، فتخصيصه بأهل مكة يعني أنه لا يتناول غيرهم إلا بالقياس، لكن إذا أخذنا بلفظه العام شمل أهل مكة وغيرهم بالنص. وهناك فرْق بين شمول الحكم بالنص وشموله بالقياس، فالصحيح أن الضمير في ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ يعود على جميع الخلق، أكثر الخلق لا يعلمون؛ ولهذا ثبت في الحديث الصحيح أن الله يقول: «يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ. فَيَقُولُ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ أَوْ: بَعْثَ النَّارِ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعةٌ وَتِسْعُونَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]]. وهؤلاء هم الأكثر أو الأقل؟ الأكثر، فأكثر الخلق لا يعلمون إما لجهلهم أو لِغيِّهم، إن كانوا لجهلهم -فكما قلت لكم من قَبْل- فهم قد انتفى عنهم العِلْم، وإن كان لغيهم فإن العِلم انتفى عنهم لانتفاء فائدته، حيث لم يسترشدوا به. قال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾. (﴿إِنَّكَ﴾ خطاب للنبي ﷺ ﴿مَيِّتٌ﴾ [الزمر ٣٠] أي ستموت). قال: (﴿وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ ) قال: (فستموت ويموتون)، وكما يقول العامة عندنا: الوعد قُدَّام، (قُدَّام) يعني يوم القيامة؛ لأن الله يوم القيامة يفصل بين العباد، سوف يتنازع الناس في أعمالهم ودياناتهم، ويتنازعون في حقوقهم الخاصة، فيفصل الله بينهم يوم القيامة. يقول: (فلا شماتة بالموت) يعني أنك إذا مت فلا شماتة عليك؛ لأنهم سيموتون مثلك. (نزلت لما استبطؤوا موته ﷺ) هكذا قال المؤلف: إن سبب نزولها أن قريشًا استبطؤوا موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فنزلت هذه الآية تخبره أنه سيموت، وإذا مات فهم أيضًا سيموتون ويختصمون يوم القيامة، ولكن هذه الدعوة تحتاج إلى دليل، لننظر في سبب النزول لا نجد هذا، فإذا كان كذلك فلا ينبغي أن نتخيل سببًا للنزول في معنى آية من كتاب الله؛ لأن سبب النزول خبر محض، والخبر المحض لا مدخل للعقل فيه، ولكننا نقول: ذكر الله هذه الجملة إشارة إلى أنه لن يضيع عملك ولا عملهم، لن يُضيع عملك بدعوتك إلى التوحيد، ولن يضيع عملهم بالإشراك، فإن لكم موعدًا ستجتمعون فيه، وتختصمون فيه عند الله عز وجل، فيكون في هذا تسلية للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه تحذير للمشركين، فهو من وَجْه تسلية وتطمين للرسول عليه الصلاة والسلام، وهو من وجه آخر تحذير للمشركين بأنهم سيموتون، وسيكون أيضًا موتهم عن قُرْب، وسيكون مؤكدًا لا إشكال فيه. (﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ٣١] ثم إنكم أيها الناس فيما بينكم من المظالم) هذا عجب من المؤلف رحمه الله الخطاب ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ﴾ [الزمر ٣٠، ٣١] صرفه المؤلف إلى عموم الناس فقال: (أيها الناس). ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ﴾ يقول: (أيها الناس فيما بينكم من المظالم)، والسياق يأبى هذا التفسير بل الخطاب للنبي ﷺ، ومن كفر به، هذا هو المتعين، وتختصمون في المظالم التي بينكم أو فيما بينكم من الحق والباطل؟ الثاني، من الحق والباطل، أنت تدعو إلى التوحيد وهم ينكرون ذلك، ولكم موعد تختصمون فيه ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ﴾ أي الرسول عليه الصلاة والسلام ومن كذَّبه يوم القيامة عند ربكم تختصمون. وفي قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر ٣١] إشارة إلى أن هذا الاختصام من مقتضى ربوبيته عز وجل؛ لأنه حَكَمٌ عدْل، ومن عدْله أنه يفصل بين المتنازِعِين فيه يوم القيامة كما يفصل بين المتنازِعِين في الحقوق الخاصة. * طالب: (...) على إثبات القياس بالآية. * الشيخ: هو -بارك الله فيك- كل مَثَل في القرآن فإن فيه دليلًا على إثبات القياس. * طالب: الإنسان اللي يأخذ حقه (...). * الشيخ: لا، إن كان تركه للاختصام عند الله فهذا لم يتركه، لكن إن تركه للثواب عند الله فقد تركه. * الطالب: (...) ثقة بالله.. * الشيخ: إي، لكن ثقة بأنه سيختصم مع خصمه؟ أسألك؟ * الطالب: (...). * الشيخ: هل عفا عنه في هذه الحال؟ * الطالب: (...) الربوبية. * الشيخ: لا، أنا أسألك الآن، هل تركه للاختصام عند الله يوم القيامة أو لا؟ هل عفا عنه في هذه الحال؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا بأس، أنا أرى في هذه الحال أن يُطالِب بحقه في الدنيا، أو يتركه لله؛ لأنه إذا طالَب به في الدنيا وأُخِذ حقُّه سلمت حسنات هذا الذي ظلمه يوم القيامة، فكان عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، ويكون بذلك مُحسِنًا إليه، أو يترك للأحسن وهو العفو وانتظار الأجر من الله عز وجل ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ٤٠] عرفت الآن؟ فالأحوال ثلاث؛ إما أن يأخذ بحقه في الدنيا، أو يُؤجِّل حقه للآخرة، أو يعفو. والمراتب من الأشد إلى الأخف نقول: أشدها أن يؤخر ذلك للآخرة، ثم أن يأخذ به في الدنيا، ثم أن يعفو، مع أن العفو لا بد فيه من قيد؛ أن يكون في العفو إصلاح، فإن كان في العفو إفساد؛ بحيث إذا عفونا عن هذا الرجل زاد في شره وطغيانه، فهنا الأخْذ بالحق أولى من العفو، أما إذا علمنا أن هذا الرجل سينظر إلى العفو نظرةَ إكْبار ويحسن خلقه بعد ذلك؛ فلا شك أن العفو أفضل. * طالب: لو أن ظالِمًا قويًّا ولا أحد يستطيع أن يأخذ حقه منه، هل نقول اعفُ عنه، أو نقول: أجِّلْ أمرك إلى الآخرة؟ * الشيخ: لا، معنى ذلك أن هذا الرجل لو عفونا عنه لن يصلح، فأجِّل حقه في الآخرة؛ لأن الله قَيَّد ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ [الشورى ٤٠] لكن أخْبِرْه قل له: أنت الآن ظلمتني في كذا وكذا وكذا، وأنا سأُؤَجل أخذي ليوم القيامة، لا يظن إنك عفوت. * طالب: العفو يكون مع القدرة. * الشيخ: إي نعم، لا، ومع عدم القدرة، لكن العفو المحمود هو العفو مع القدرة. * طالب: (...) لا أعفو عن الرجل حتى آخذ من حسناته يوم القيامة. * الشيخ: نعم، نقول: هذا لك الحق. * الطالب: أيهما الأفضل يا شيخ ألا يعفو عنه؟ * الشيخ: لا، الأفضل أن يعفو عنه، لكن كما قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ [الشورى ٤٠] إذا كان في العفو إصلاح، أما إذا كان هذا الرجل إذا عفوت عنه، عن قتل ابنه مثلًا ذهب غدًا ليقتل ابن الآخرين. * * * * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٣٢) وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر ٣٢ - ٣٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر ٢٧]. * من فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى أنزل هذا القرآن تبيانًا لكل شيء، ومنه -أي من التبيان- ضرْب الأمثال؛ لأنها تُقرِّب المعنى، وتضع المعقول في صورة المحسوس، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت ٤١]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: رحمة الله سبحانه وتعالى بالعباد حيث بَيَّن لهم هذا البيان التام. * ومن فوائدها: أنه ينبغي للمُعَلِّم غَيْرَهُ أن يُكْثِرَ له من ضرْب الأمثال التي تُعينُه على فهم المعنى؛ لأن هذا هو أسلوب القرآن. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العِلَل والحِكَم في أفعال الله وشَرْعه؛ لقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر ٢٧]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على الجهمية وأشباههم ممن أنكروا حكمة الله وقالوا: إن الله سبحانه وتعالى يفعل الشيء لا لِعِلَّة وحكمة ولكن لمجرد المشيئة، وجه ذلك أن (لَعَلَّ) هنا للتعليل، والتعليل يعني إثبات الحكمة. ثم قال الله عز وجل: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر ٢٨]. * يُستفاد من هذه الآية الكريمة: أن القرآن عربيٌّ؛ أي نازل بلغة العرب. * ومن فوائدها: أنه لا يوجد في القرآن لفظ أعجمي؛ لأن الله وصف القرآن كله بأنه عربي، وهذا يقتضي أن ليس فيه شيء من لغة العجم، ولا شك أن هذا هو الواقع، فليس في القرآن لفظ عجمي، لكن اختلف العلماء المفسرون وغيرهم هل في القرآن كلمة أصلها أعجمي، ثم عُرِّبت فمنهم من يقول: نعم، ومنهم من يقول: لا، فالذين قالوا: نعم، قالوا: هناك كلمات في القرآن الكريم لا تنطبق عليها قواعد اللغة العربية، ويعني هذا أنها أعجمية، وهذا لا ينافي أن يكون القرآن عربيًّا؛ لأن العرب لما عرَّبتها صارت عربية بالاستعراب، كما أن العرب أصلهم مستعربون وإلا فلغة أبيهم إسماعيل ليست عربية. ومنهم من قال: هذه الكلمات التي هي كلمات أعجمية إنما جاءت بلسان العرب من باب توارد اللغتين، ولا مانع من أن تتوارد اللغتان على كلمة واحدة، والخلاف في هذا قريب من اللفظي، وذلك لأنهم متفقون على أنه لا يوجد في القرآن لفظ أعجمي هو أعجمي حتى نزول القرآن أبدًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان حِكمة الله عز وجل في إنزاله القرآن باللسان العربي؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بُعِث في قوم عرب، فكانت الحكمة أن يكون لسانه عربيًّا كما هو الشأن في جميع الرسل، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم ٤]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن فهم المعنى مُعِين على التقوى؛ لقوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزمر ٢٨] ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، وهذا أمر واضح أن فهم المعنى من أسباب التقوى؛ لأنك لو تكلم لك إنسان بما لا تفهم معناه لم يؤثر فيك شيء، إنما يؤثر فيك ما تفهم معناه، ولهذا قال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. * ونستفيد من هذه الجملة: ما استفدنا من الجملة السابقة وهي قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر ٢٧]. ثم قال الله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ إلى آخره [الزمر: ٢٩]. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذه الآية تطبيق لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر ٢٧] فإن هذا مثل. * ومن فوائدها: أن مثل من يعبد مع الله غيره كمثل عبدٍ فيه شركاء متشاكسون متنازعون متخاصمون، وجه ذلك أن هذا العابد مع الله غيره لم يكن قلبه خالصًا لله تتنازعه الشركاء من يمين وشمال حتى ضاع بينهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى يأتي بالخبر أو غيره، ثم يُقرِّر ذلك للمخاطَب بأحسن وجه؛ وذلك في قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر ٢٩] فإن هذا الاستفهام الذي يُراد به النفي الغرض منه تقرير ما ذُكِر وإلزام المخاطَب به. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى مُستحِق للحمد لكمال توحيده؛ لقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. * ومن فوائدها: أن الحمد المطلق إنما يكون لله عز وجل، أما غيره فهو إن حُمِدَ فليس حمده على الإطلاق بل يُحْمَد على شيء معين وجزء معين مما يُحمد عليه، أما الحمد على الإطلاق فهو لله رب العالمين عز وجل؛ لأنه هو المحمود على كل حال، وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا أتاه ما يُسَرُّ به قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ». » وإذا أتاه ما يسوءه قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ»[[أخرجه ابن ماجه (٣٨٠٣) من حديث عائشة.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أكثر بني آدم لا يعلمون الحقائق على ما هي عليه، وإن علموها لم ينتفعوا بها؛ لقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٢٩]. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣٠، ٣١]. * من فوائدها: أن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم لن يُخلَّد أبد الآبدين بل هو ميت كما أن خصومه أموات، وهذا كقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء ٣٤]. * ومن فوائدها: تسلية النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لقوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣٠، ٣١]. * ومن فوائدها: إنذار هؤلاء المكذبين بأن لهم موعدًا مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهو الاختصام يوم القيامة. * ومن فوائدها: أن أهل الشِّرْك والكفر خُصوم لأهل التوحيد والإيمان في الآخرة كما أنهم خصوم في الدنيا، ففي الدنيا لا شك في خصومتهم وعداوة بعضهم لبعض، وفي الآخرة أشد وأعظم. * ومن فوائدها: أن الخلق يختصمون عند الله يوم القيامة، ومن المعلوم أن الخاصِم إذا كانت الخصومة بين المؤمن والكافر هو المؤمن قال الله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء ١٤١]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات البعث والحساب؛ لقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣١].

الزمر 39:30

المتقي للعذاب يحاول النجاة منه لكن الملاقي للشيء قد يلاقيه ببشرى وفرح وسرور، فتفسير ﴿يَتَّقِي﴾ [الزمر ٢٤] بـ(يلقى) لا شك أنه قاصر، ولكنه بعض الأحيان يُفسِّر المؤلف القرآن بما يقاربه. قال: (يلقى ﴿بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ٢٤] أي أَشُدَّه) ففسر (سوء) بـ(أسوأ)، و(أسوأ) لا شك أنه اسم تفضيل، و(سوء) ليس اسم تفضيل، وعلى هذا فيكون المؤلف فسر الكتاب بما هو أعلى منه، والواجب أن يكون المفسِّر مطابقًا للمُفَسَّر، ولو قال المؤلف رحمه الله: العذاب السيئ لكان أبلغ مطابقة للقرآن. يقول: (بأن يُلقى في النار مغلولة يده إلى عنقه)، وكأنه أخذه من كونه يتقي العذاب بوجهه؛ لأنه لو كانت يده مطلقة لاتقى العذاب بيده، ولكني أقول: لا يلزم من اتقاء العذاب بوجهه أن تُغلَّ يده؛ لأن يده قد تكون مرسلة غير مقيده ولكن لا يستطيع، أو يظن أن مدافعته بوجهه أشد، فيدافع بوجهه. قال المؤلف في ذكر المعادل: (كمن أمِنَ منه بدخول الجنة). والجواب: لا، وحينئذٍ يكون الاستفهام للنفي؛ يعني لا يستوي من يتقي بوجهه سوء العذاب مع من أَمِن من العذاب ولم يتقه. (﴿وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ﴾ [الزمر ٢٤] أي كفار مكة ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ أي جزاءه). قوله: (﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ أي كفار مكة)كأنه أخذه من قوله: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الزمر ٢٥] وإلا فإن (الظالمين) هنا عام، لفظ عام يشمل كفار مكة وغيرهم، وهذا هو الأولى. فإن قيل: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يدل على أن هذا في المتأخرين. قلنا: نعم، هو يدل على أنه في المتأخرين، لكن كل رسول فقد سبقه رسول. فـ(عاد)، نقول: كذبت قبلهم قوم نوح، وثمود كذبت قبلهم قوم عاد، وهلمَّ جرًّا، فيكون (الظالمون) عامًّا لكفار مكة ولغيرهم، لكن أول من يدخل فيهم -بلا شك- كفار مكة؛ لأن القرآن نزل توبيخًا لهم وإنكارًا ودعوة. قال المؤلف: (﴿فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [الزمر ٢٥] من جهة لا تخطر ببالهم) وهذا كما قلنا تفسير أشد وأبلغ من أن يأتيهم العذاب وهم على أهبة الاستعداد له. قال الله تعالى: (﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ﴾ [الزمر ٢٦] الذل والهوان من المسْخ والقَتْل وغيره ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ). ﴿أَذَاقَهُمُ اللَّهُ﴾ أي مسهم به حتى كأنهم طعموه وذاقوه بمذاقاتهم. وقول المؤلف رحمه الله: (من المسْخ والقتل وغيره) المسْخ مثل اليهود الذين قال الله لهم: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة ٦٥] والقتل، قتال بني إسرائيل مع مَنْ؟ * طالب: مع أنفسهم. * الشيخ: هم قتلوا أنفسهم حينما أُمِرُوا بالتوبة، وقيل لهم: إن كنتم صادقين في التوبة فاقتلوا أنفسكم، ولكن ذكر الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة جالوت وطالوت وفيه قتال. وكذلك أيضًا يقول المؤلف: (وغيره) كالإهلاك بالصاعقة والرجفة وما أشبهه، فالمهم أن المكذبين للرسل كلهم أهلكهم الله عز وجل. فإن قال قائل: أليس من الرسل مَنْ قُتِل؟ الجواب: بلى، ولكن هؤلاء الذين قُتلوا إما أن يكونوا لم يُؤمَروا بالقتال فاعتدى عليهم من اعتدى بدون قتال، وإما أنهم أُوتوا على غِرَّة دون أن يجاهروا بالقتل، ثم إذا قُتِلوا هل معنى ذلك أن ما دعوا إليه يموت بموتهم؟ قد يبقى، فيكون هذا نصرًا لهم ولو بعد وفاتهم. (﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ﴾ الذل والهوان من المسْخ والقتل وغيره في الحياة الدنيا ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿لَوْ كَانُوا﴾ أي: المكذبون يعلمون عذابها ما كذبوا) قوله: (ما كذبوا) هذه جواب (لو) محذوفًا. ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر ٢٧]. ﴿ضَرَبْنَا﴾ يقول المؤلف: (جعلنا) ولعل الضرب أخص من الجعل؛ أي: بيَّنَّا للناس في هذا القرآن من كل مثل، والجملة هنا مؤكدة بمؤكدات ثلاثة، وهي: اللام، و(قد)، والقسم المقدَّر؛ لأن تقدير الكلام في مثل هذا التركيب: والله لقد، فيكون مؤكدًا بمؤكدات ثلاثة. وقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ﴾، إذا قال قائل: كيف يؤكد هذا وهو أمر معلوم، والغالب أن التأكيد إنما يُصار إليه للحاجة إليه؟ فالجواب: أن التأكيد قد يكون للحاجة إليه عندما يكون المخاطب شاكًّا أو مُنكِرًا، وقد يكون التأكيد لأهمية المؤكَّد وإن لم يكن ثَمَّ إنكار أو تردد، ومنه هذه الآية، فإن ضَرْب الله الأمثال للناس في القرآن أمر محسوس مُدرَك، ولكن لأهميته أكَّدَه الله عز وجل. ﴿لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر ٢٧] أي: من كل شَبَهٍ، فيضرب الله تعالى الأشباه والنظائر ليحذر من كان على مثل هذا النظير وهذا الشبيه حتى لا يقوم بمثل ما فَعَلَ. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: يتعظون، و(لَعَلَّ) هنا للتعليل، وهو أحد معانيها، ومن معانيها الترجي، مثل: لعلَّ الحبيبَ قادمٌ، ومن معانيها الإشفاق، مثل: لعلَّ الحبيبَ هالكٌ؛ ففي الأول: (لعلَّ الحبيبَ قادمٌ) رجاء، وفي الثاني إشفاق، يعني أخشى أن يكون هالكًا، وتأتي للتعليل كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة ١٨٣] وهل من مثال ثالث؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * الطالب: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾. * الشيخ: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق ١] قد يكون هذا للتوقع. * الطالب: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾. * الشيخ: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ﴾ [الشعراء ٣] للتوقع أيضًا، هي في القرآن كثير. * طالب: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾. * الشيخ: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ [غافر ٣٦] للترجي، ويحتمل أن تكون للتعليل، إنما هو كثير في القرآن (لعلَّ)، فيظن بعض الناس أنها للترجي في كل مكان، فيقول: كيف يترجى الله عز وجل الشيء وهو قادر على كل شيء؟ نقول: (لَعَلَّ) إذا جاءت في كلام الله فهي للتعليل. وقوله: (﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر ٢٧] يعني يتعظون)؛ لأن هذا هو الغرض من ضرب الأمثال. ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر ٢٨] ﴿قُرْآنًا﴾ هذه حال، و﴿عَرَبِيًّا﴾ حال أخرى؛ يعني هذا القرآن الذي فيه من كل مَثَل هو قرآن، والقرآن تأتي بمعنى المصدر، وتأتي بمعنى اسم الفاعل أو المفعول، فمن إتيانها مصدرًا (الغُفْران والشُّكْران)، وأنا أقصد بهذا وزن (فُعْلَان) تأتي مصدرًا مثل: (الغُفْران، والشُّكْران، والقُرآن)، وهذا المصدر في لفظ القرآن يحتمل أنه بمعنى اسم المفعول، فقرآن بمعنى (مَقْرُوء)، وعلى هذا فيكون بمعنى (مَتْلوٍّ)، ويحتمل أن يكون اسم فاعل بمعنى (قارِئ)، وهو من قَرَأَ الماء إذا جَمَعَهُ في الحوْض، والقرآن إذا تأملتَ وجدت أن الوصفين ينطبقان عليه فهو متلوٌّ وجامِع؛ ولهذا قال العلماء في أصول التفسير: إنه يصح أن يكون بمعنى اسم الفاعل، ويصح أن يكون بمعنى اسم المفعول. وقوله: ﴿عَرَبِيًّا﴾ أي: باللغة العربية التي هي لسان محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولسان القوم الذين بُعِثَ فيهم. والعربية هي أفضل الألسُن وأعربها وأفصحها وأبينُها؛ ولهذا اختارها الله عز وجل لرسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فإن قيل: أليس في القرآن من الكلمات ما أصله أعجمي في القرآن؟ بلى، فيه، ولكن هذه الألفاظ التي أصلها غير عربي لما نطق بها العرب عَرَّبوها وصارت عربية؛ ولهذا لا تخلو هذه الكلمات المعرَّبة من تغيير بعض الشيء، لا بد أن يكون فيها شيء من التغيير في الغالب، فإذا نَطَقَ بها العرب واستخدموها، وسادت في ألسنتهم صارت عربية، عارِبَة ولا مُستعرِبة؟ * طالب: مُسْتَعْرِبة. * الشيخ: مُسْتعرِبَة، إذن فهي كلمات مستعرِبة من قوم مستعرِبين أيضًا؛ يعني أصل العرب مستعربين؛ لأنهم ليسوا عربًا في الأصل، فإسماعيل هو ابن إبراهيم، وليست لغته عربية، لكن لما جاء العرب جُرهم إلى أم إسماعيل، ونزلوا عندها صار عربيًّا، واستمرت العروبة إلى يومنا هذا. يقول: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر ٢٨]، هذا الوصف سلبي وليس ثبوتيًّا ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾، واعلم أنه لا يوجد في أوصاف القرآن ما هو سلبي محض؛ لأن السلبي المحض ليس فيه مدح بل كل شيء وُصِف به القرآن على وجه النفي فإن ذلك لكمال ضده، فإذا قال: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ أي لكمال استقامته، بل قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء ٩]، فالقرآن الكريم يهدي للتي هي أقوم في أمور الدين وفي أمور الدنيا على وجهٍ ليس فيه اعوجاج بوجهٍ من الوجوه؛ ولهذا قال: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي: لأجل أن يتقوا، فبيَّن الله لنا في هذا القرآن وجعله غير ذي عوج من أجل تقواه عز وجل. يقول الشارح رحمه الله: (﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر ٢٧] أي جعلنا)، وهذا التفسير تفسيرٌ بما هو أعم؛ لأن ضرب المثل ليس مجرد جَعْل له بل ضرب المثل للاعتبار به، فضربته مثلًا؛ أي جعلته شبهًا حتى يُعتبر به. وقوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾، ﴿مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ يشمل كل الناس؛ المؤمن والكافر؛ لأجل أن يتذكر هؤلاء وهؤلاء. * طالب: (...). * الشيخ: لا، الذل، والهوان، والعار، والفضيحة، كلها. * الطالب: (...). * الشيخ: أي: لا تذلنا ولا تفضحنا. * طالب: (...) اللغة العربية هي أفضل اللغات (...)؟ * الشيخ: لا، أيهما أفضل رسالة محمد عليه الصلاة والسلام وأمته أو الرسالات الأخرى وأمهاتهم؟ * الطالب: رسالة النبي ﷺ. * الشيخ: إذن أفضل ما فيه شك؛ ولهذا ورد أحاديث لكنها فيها نظر أن اللغة العربية لغة أهل الجنة. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، كون الله اختار هذه الرسالة العظيمة في اللغة العربية يكفي؛ لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤] فصار هذا المكان صالحًا لهذه الرسالة العظيمة؛ لأنه عظيم. * طالب: (...). * الشيخ: معلوم البيان، لو جاء بغير باللغة العربية ما بان، لكن كونه اختار أن يكون في هؤلاء العرب وبِلُغتهم هذا دليل على فضله. * طالب: (...) قال قائل: يعني الرسول ﷺ خاص بالعرب؛ لأن القرآن عربي، نرد بنفس الجواب هذا؟ * الشيخ: لا، إذا قال: إنه هو خاص بالعرب، قلنا: نعم، هو بعث في الأُمِّيين لكن لجميع الناس، كما لو أن أحدًا صار في الشرق أو في الغرب وهو أمير على جميع القارة التي هو فيها، فهذا محمد عليه الصلاة والسلام بُعِثَ في هؤلاء القوم لكن إلى جميع الناس، ومعلوم أنه لا بد أن يُبعث في قومه، افرض أنه بُعِث في العجم وهو رسول إلى الناس، نفس الشيء. * طالب: هل العذاب له لون وطعم؟ * الشيخ: إي نعم، الشيء الذي يُصيب الإنسان إصابة مباشرة يقال: ذَاقَهُ، لكن ليس باللسان، إنما لما أنه أصابه مباشرة صار كالمطعوم الذي يُدخله الإنسان في جوفه. * طالب: قلنا: إن الوصف بالسلب يعني ليس دليلًا في المدح كقول الله تبارك وتعالى (...). * الشيخ: نعم، إن قلنا: لا بد أن يتضمن الكمال، لم يلد ولم يولد لكمال وحدانيته. * طالب: (...) سوء العذاب يوم القيامة (...)، فهل يدل على الوجه؟ يأتيه العذاب الأشد من بقية البدن؟ * الشيخ: هو على كل حال إحساس الوجه بالعذاب أشد من إحساس بقية الجسم. * الطالب: (...). * الشيخ: هو إذا كان أسوأ العذاب، ويكون في الوجه صار أشد على الإنسان مما لو كان في طرف آخر، لكن اللي يظهر لنا ما قلنا: إن سوء العذاب ليس على اسم تفضيل، ولكنه من باب إضافة الصفة إلى موصوفها؛ يعني العذاب السيئ. * طالب: (...) خير وشر، أليست من باب خير وشر؟ * الشيخ: خير وشر أيضًا تُطلق على اسم التفضيل، إذا قلت: هذا خير من هذا، وهذا شر من هذا، وقد تطلق ويراد بها الوصف في الشر فقط، كما تقول: هذا شر، هذا خير. * * * * الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٩) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٢٩ - ٣١]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ [الزمر ٢٩]، لما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر ٢٧] ذكر هذا المثل، ضرب مثلًا. بَيَّن الله عز وجل هذا المثل العظيم فقال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ ﴿رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾، ﴿فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ أي متنازعون مختلفون، كل واحد منهم يقول: أنا صاحبه، أنا الذي أريد أن أستخدمه وما أشبه ذلك، فهم دائمًا في نزاع وفي خصومة؛ لأن كل واحد منهم يريد أن ينفرد به عن الآخر، والرجل الثاني ﴿رَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ سَلَمًا أي سالِمًا لهذا الرجل، لا يشركه فيه أحد. فإن قال قائل: بما عرفتم أن ﴿سَلَمًا﴾ بمعنى (سالِمًا) من الشركاء؟ قلنا: عرفنا ذلك بذكر المقابل، وهو قوله: ﴿فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾؛ لأن الكلمة تُعرف بالسياق، وبذكر المقابل، ومن أبرز مثال على ذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء ٧١]. لو قال لك قائل: ما معنى ثُبَاتٍ؟ لفهمت معناها مما بعدها ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾، فيكون الثُّبات ضد المجتمعين؛ أي: فُرادى، انفروا فُرادى، أو انفروا جميعًا، وهذه من قواعد التفسير أن يُعرف تفسير الكلمة بذكر ما يقابلها، فهنا نقول: رجلًا سَلَم ﴿سَلَمًا﴾ أي: خالصًا لمالكه لا يُشاركه فيه أحد، فإن قال قائل: بمَ عرفتم ذلك؟ قلنا: بما ذكرنا من القاعدة أن المقابل للشيء؛ أي الذي جُعل مُعادلًا له يكون مقابلًا له في المعنى، هذا الرجل الذي كان سَلَمًا لرجل، هل أحد يشاركه في ملكه له؟ لا، هل أحد يُنازعه؟ لا. إذن يجب أن نعرف الفَرْق بين المملوك الذي فيه الشركاء المتشاكسون والمملوك الذي ليس فيه شركاء، ثم نقيس عليه المخلص لله الذي يعبد الله وحده والذي يعبد مع الله غيره؛ ولهذا قال: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر ٢٩] أي: هل يستوي الرجلان أحدهما فيه شركاء متشاكسون والآخر سَلَمٌ لرجل؟ هل يستوي هذان؟ الجواب: لا، فالاستفهام حينئذٍ بمعنى النفي؛ يعني لا يستويان. والاستفهام يأتي لمعانٍ كثيرة كما هو معروف في علم البلاغة، ولكنه إذا أتى في موضع النفي فإنه يكون مُشْربًا معنى التحدي؛ لأنه لو قيل: لا يستويان؛ لفهمنا انتفاء استوائهما، لكن إذا قيل: هل يستويان؟ فهما أمران: الأمر الأول: انتفاء الاستواء. والأمر الثاني: التحدي. نقول: هل عندك شيء تثبت أنهما يستويان فيكون تحويل النفي إلى استفهام أبلغ في النفي وأَبْيَن؟ ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ الجواب: لا. قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الزمر ٢٩] حمد نفسه عز وجل؛ لكمال صفاته، وكمال إنعامه، ومن إنعامه أنه يضرب الأمثال للناس في القرآن لعلهم يتذكرون مع أنه عز وجل غني عنهم، ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران ٩٧]، كلهم لكن رحمته تأبى إلا أن يُبيِّن لعباده ما يحتاجون إليه في أمور دينهم ودنياهم؛ ولهذا قال بعد هذا البيان التام في المثل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. ثم قال: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٢٩] ﴿بَلْ﴾ هنا للإضراب، والإضراب له معنيان: المعنى الأول: إضراب انتقال ينتقل من شيء إلى آخر. والمعنى الثاني: إضراب إبطال، يُبطل الأول، ويثبت الثاني، فإذا قلت: ما قام زيد بل عمروٌ، فهذا إضْراب إبطال، أبطلت الأول وأثبت الثاني. وفي قوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل ٦٦] هذا انتقال من معنى إلى معنى أشد منه. في هذه الآية: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، هل هي إضراب إبطال أم هي إضراب انتقال؟ إضراب انتقال؛ لأنه لم يسبق شيء أبطلته، وقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ المراد بـ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ هنا أكثر الناس كما جاء ذلك في آيات أخرى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف ١٨٧]. وانتفاء العلم هنا لانتفاء لازمه وهو العمل والامتثال، فأكثر الناس في جهل، وأكثر الناس في غي، في جهل لا يعرفون الحق، وفي غي لا يقبلون الحق ولا يعملون به، وكلهم يصح أن ننفي عنه العِلْم، أما من كان في جهل فنفي العلم عنه واضح، وأما من كان في غي مع العلم فنفي العلم عنه؛ لأنه لم ينتفع به ولم يعمل به. ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣٠، ٣١] ﴿إِنَّكَ﴾ الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ﴿مَيِّتٌ﴾ وَصْف له في المستقبل. ﴿وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ كذلك، وأكد الموت مع العلم به يَقينًا من أجل أن عمل هؤلاء الذين كذَّبوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم عمل من لم يُوقِن بالموت؛ لأن من أيقن بالموت حقيقة فلا بد أن يعمل له لكنهم هم لا يعملون له فكان عدم عَمَلِهم له كالمنكر، أو بمنزلة المنكر؛ فلهذا أُكِّد. وقوله: ﴿مَيِّتٌ﴾ بتشديد الياء، يُقال لمن سيموت وهو حي، وأما (مَيْت) فيقال لمن وقع به الموت؛ أي بعد فراق حياته يقال: (مَيْت)، وربما يقال: (مَيِّت)، لكن الأكثر (مَيْت)، فعلى هذا يُفَرَّق بين أن يُوصَف الحي بالموت، ويقال فيه: (مَيِّت)، وبين أن يوصف الميِّت بالموت فيقال: (مَيْت). ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣٠، ٣١]. ﴿إِنَّكُمْ﴾ الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام ومن عانَدَهُ وكَفَرَ به. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ سبق تفسيره. ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ عند ربكم الذي خلقكم أول مرة، وأعادكم ثاني مرة، تختصمون عنده أيكم على الحق، ونحن نعلم الآن نتيجة هذه الخصومة من سيغلب؟ * طلبة: المؤمنون. * الشيخ: المؤمنون لا شك، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء ١٤١]، فالكافر لا سبيل له على المؤمن، فالنتيجة -والحمد لله- معلومة أن المؤمنين هم الغالبون يوم القيامة، وهم الخاصمون لأعدائهم. نرجع الآن إلى كلام المؤلف، ثم نأخذ الفوائد جميعًا إن شاء الله. يقول المؤلف رحمه الله عز وجل: (ضرب الله للمشرك والموحِّد مثلًا)، وتقييده المؤلف بالمشرك والموحِّد واضح؛ لأن المثل المضروب وهو العبد المملوك بين شركاء والعبد الخالص ينطبق تمامًا على المشرك والموحِّد. يقول: (ضرب الله للمشرك والموحِّد مثلًا ﴿رَجُلًا﴾ [الزمر ٢٩]) بدل من ﴿مَثَلًا﴾، والبدل يقول الإمام ابن مالك رحمه الله فيه: التَّابِعُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا ∗∗∗ وَاسِطَةٍ............ هذا البدل. فقوله: (هو التابع المقصود بالحكم)، خرج به من بقية التوابع. وقوله: (بِلا واسطة)، خرج به المعطوف بـ(بل)، فإن المعطوف بـ(بل) يكون إذا كان للإضراب الإبطالي يكون هو المقصود بالحكم، لكنه بواسِطة فلا يُسمَّى بدلًا. فهنا قال: ﴿مَثَلًا رَجُلًا﴾ لو حُذِفت ﴿مَثَلًا﴾، وقال: ضرب الله رجلًا، أيصح الكلام أو لا؟ يصح؛ لأن المقصود هو كلمة رجل، وأنت لو قلت: رأيت محمدًا عليًّا، عليًّا بدل؛ لأن المقصود هو عليٌّ، إذا خطب مخاطب وقال: رأيت عليًّا محمدًا؟ عرفت أنه أراد محمدًا ولم يرد عليًّا؛ لأن محمدًا بدل من عليٍّ، والبدل هو المقصود بالحكم لكن قد يكون سببه الغلط، وقد يكون سببه النسيان أو غير ذلك من الأسباب، المهم أن البدل هو ما حده ابن مالك بقوله: التَّابِعُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا ∗∗∗ وَاسِطَةٍ هُوَ الْمُسَمَّى بَدَلَا يقول: (﴿فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ متنازعون، سيئة أخلاقهم) من أين أخذ سوء الخلق؟ من قوله: ﴿مُتَشَاكِسُونَ﴾؛ لأن المشاكسة تُنبِئ عن سوء الخلق؛ إذ إن حَسَن الخلق يتنازل عن حقه ولو كان في ذلك أذية له أو ضرر عليه؛ لأن حُسْن أخلاقه يتغلب على أخذه بحقه، وهكذا ينبغي للإنسان أن يكون حَسَن الأخلاق، وأن يتغاضى عن بعض حقه ولو كان في ذلك أذية لنفسه، وليعلم أنه وإن قالت له نفسُه: إن تواضعك وعفوك عن حقك ذُلٌّ لك ليعلم أن هذا من وساوس الشيطان؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزَّةً، وَمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ»[[أخرجه مسلم (٢٥٨٨ / ٦٩) من حديث أبي هريرة.]]. فلا تغلبك نفسك وتأخذك العزة بالإثم فتقول: لا يمكن أسكت عن هذا الرجل، أنا من أنا حتى يعتدي عليَّ، أنا فلان بن فلان! فإن هذا من الشيطان ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ٤٠]، ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت ٣٤]، ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾ [فصلت ٣٥] أي: ما يُوفَّق لها ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. يقول: (متنازعون سيئة أخلاقهم ﴿وَرَجُلًا سَالِمًا﴾ ) عندي ﴿سَالِمًا﴾ ، وهي قراءة والمفسِّر فسَّر عليها. والسالم يعني الخالص كما فسرها (خالصًا ﴿لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ ) يقول: (﴿مَثَلًا﴾ تمييز) ما هو التمييز؟ التمييز: مِنْ مَيَّزَ إذا بَيَّنَ، وقد حدَّهُ ابن مالك بالألفية فقال: اسْمٌ بِمَعْنَى (مِنْ) مُبِينٌ نَكِرَهْ ∗∗∗ يُنْصَبُ تَمْيِيزًا بِمَا قَدْ فَسَّرَهْ هذا التمييز، اسم نكرة، يُبيِّن المبهم الذي فسَّره، وهو بمعنى (مِنْ)، ومثاله: قولهم: تصبب زيدٌ عَرَقًا، عرقًا هذه تمييز، طبِّقْها على التعريف نجد أنها اسم بمعنى (مِن)؛ لأنك تقول: تصبَّب من العرق، مُبِين: أي مُفَسِّر لكلمة تَصَبَّب؛ لأن تصبب بمعنى تصبب دمًا، تصبب ماءً، تصبب عرقًا، فبينت المتصبِّب، نكرة أو معرفة؟ نكرة، هذا هو التمييز: اسْمٌ بِمَعْنَى (مِنْ) مُبِينٌ نَكِرَهْ ∗∗∗ يُنْصَبُ تَمْيِيزًا بِمَا قَدْ فَسَّرَهْ الآن أمليت عليكم بيتين من ألفية ابن مالك، فاللي يحفظهم الآن يسقط عنه من حفظها بيتان البيت الأول؟ * طالب: التَّابِعُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا ∗∗∗ وَاسِطَةٍ هُوَ الْمُسَمَّى بَدَلَا * الشيخ: نعم، البدل: التَّابِعُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا ∗∗∗ وَاسِطَةٍ هُوَ الْمُسَمَّى بَدَلَا وهذا الثاني، التمييز؟ * طالب: اسْمٌ بِمَعْنَى (مِنْ) مُبِينٌ نَكِرَهْ ∗∗∗ يُنْصَبُ تَمْيِيزًا بِمَا قَدْ فَسَّرَهْ * الشيخ: يقول: (﴿مَثَلًا﴾ تمييز، أي لا يستوي العبد لجماعة والعبد لواحد، فإن الأول إذا طلب منه كل من مالكيه خدمته في وقت واحد تحيَّر في من يخدمه منهم). يقول: (لا يستوي) فبيَّن رحمه الله أن الاستفهام في قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ﴾ للنفي حيث فسره بنفي. وقوله: (لا يستوي العبد لجماعة والعبد لواحد)، صحيح لا يستويان، العبد لواحد يتصرف فيه متى شاء، متى شاء قال: اخدمني، ومتى شاء قال: استرح، متى شاء باعه، متى شاء أجَّره، لكن العبد لجماعه وجماعة متشاكسون، أخلاق سيئة، تنازع دائم، هل يستويان؟ أبدًا، لو قال أحدهم: تعالَ اخدمني، وقال الثاني: اخدمني أنا، وقال الثالث: اخدمني أنا، وقال الرابع: اخدمني أنا، صار أحدهم أخذ باليد اليمنى، والثاني باليد اليسرى، والثالث بالرجل اليمنى، والرابع بالرجل اليسرى، ثم مزَّعوا العبد؛ لأن كل واحد يريد أن يكون عنده، هو الذي يخدمه، كذلك أيضًا في البيع لو أراد أحدهم، قال: أنا أريد بيعه، وقال الثاني: لا أريد، والثالث قال: أريد تأجيره، والرابع قال: أريد إعارته، كيف يكون هذا؟ دائمًا في نزاع وشقاق، فالعبد نفسه في قلق، وفي حيرة، وفي بلاء، والشركاء أيضًا كذلك متشاكسون دائمًا، لا يمكن أن يستوي هذا مع رجل، وهذا لا شك أنه مثل تقريبي، وإلا فالفرق عظيم بين عبادة الله عز وجل وعبادة غيره معه؛ يعني أنه أعظم، ولكن الله تعالى يُقرِّب هذا للعباد، كما قرَّب المعاد بالماء ينزل من السماء، ثم تُنبت به الأرض كم يبقى؟ نبات الأرض بعد نزول المطر؟ يبقى مدة على حسب طيب الأرض، وحسب كثرة المطر، وحسب الجو المناسب، وحسب الفصل لكن يبقى. البعث ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣، ١٤] ﴿زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ فالأمثال قد لا تكون مطابقة تمامًا، قد يكون مورد المثل قد يكون أسرع من المثل، لكن يُذْكر على سبيل التقريب، ولا شك أن عبادة الله عز وجل وحده، وعبادة غيره معه لا شك أن بينهما فرقًا أعظم من الفرق بين الرجل السالِم لرجل والرجل المشترَك بين شركاء متشاكسين. يقول المؤلف رحمه الله: (هذا مَثَلٌ لِلْمُشرك، والثاني مَثَلٌ للموحِّد) ما هو الثاني؟ رجل سالِمًا لرجل هذا للموحِّد، والأول للمشرك، وما هو المقصود من ضرب هذا المثل؟ المقصود التحذير من الشِّرْك بالله عز وجل. ثم اعلم أن الشركاء في العبد متشاكسون لكن مع الله عز وجل يقول الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]. الشركاء المتشاكسون لا يمكن أن يتنازل أحدهم عن نصيبه، لكن الشرك بالله يدع الله المشرك وشركه. «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ». ولهذا قال: (﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الزمر ٢٩] وحده، وإذا كان الحمد له وحده وجب أن تكون العبادة له وحده؛ لأنه أهل الحمد وأهل العبادة سبحانه وتعالى فهو وحده المستحق لأن يُعبد). (﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ﴾ أي أهل مكة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ ما يصيرون إليه من العذاب فيُشركون). قوله: (﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ﴾ أي أهل مكة)، المؤلف رحمه الله دائمًا ولا سيما في الآيات والسور المكية يجعل مثل هذا الخطاب مُنصَبًّا على أهل مكة، ولكن الذي ينبغي أن نجعل دلالة القرآن عامة دائمًا إلا عند الضرورة؛ لأن القرآن نزل لجميع الخلق إلى يوم القيامة، فتخصيصه بأهل مكة يعني أنه لا يتناول غيرهم إلا بالقياس، لكن إذا أخذنا بلفظه العام شمل أهل مكة وغيرهم بالنص. وهناك فرْق بين شمول الحكم بالنص وشموله بالقياس، فالصحيح أن الضمير في ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ يعود على جميع الخلق، أكثر الخلق لا يعلمون؛ ولهذا ثبت في الحديث الصحيح أن الله يقول: «يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ. فَيَقُولُ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ أَوْ: بَعْثَ النَّارِ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعةٌ وَتِسْعُونَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]]. وهؤلاء هم الأكثر أو الأقل؟ الأكثر، فأكثر الخلق لا يعلمون إما لجهلهم أو لِغيِّهم، إن كانوا لجهلهم -فكما قلت لكم من قَبْل- فهم قد انتفى عنهم العِلْم، وإن كان لغيهم فإن العِلم انتفى عنهم لانتفاء فائدته، حيث لم يسترشدوا به. قال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾. (﴿إِنَّكَ﴾ خطاب للنبي ﷺ ﴿مَيِّتٌ﴾ [الزمر ٣٠] أي ستموت). قال: (﴿وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ ) قال: (فستموت ويموتون)، وكما يقول العامة عندنا: الوعد قُدَّام، (قُدَّام) يعني يوم القيامة؛ لأن الله يوم القيامة يفصل بين العباد، سوف يتنازع الناس في أعمالهم ودياناتهم، ويتنازعون في حقوقهم الخاصة، فيفصل الله بينهم يوم القيامة. يقول: (فلا شماتة بالموت) يعني أنك إذا مت فلا شماتة عليك؛ لأنهم سيموتون مثلك. (نزلت لما استبطؤوا موته ﷺ) هكذا قال المؤلف: إن سبب نزولها أن قريشًا استبطؤوا موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فنزلت هذه الآية تخبره أنه سيموت، وإذا مات فهم أيضًا سيموتون ويختصمون يوم القيامة، ولكن هذه الدعوة تحتاج إلى دليل، لننظر في سبب النزول لا نجد هذا، فإذا كان كذلك فلا ينبغي أن نتخيل سببًا للنزول في معنى آية من كتاب الله؛ لأن سبب النزول خبر محض، والخبر المحض لا مدخل للعقل فيه، ولكننا نقول: ذكر الله هذه الجملة إشارة إلى أنه لن يضيع عملك ولا عملهم، لن يُضيع عملك بدعوتك إلى التوحيد، ولن يضيع عملهم بالإشراك، فإن لكم موعدًا ستجتمعون فيه، وتختصمون فيه عند الله عز وجل، فيكون في هذا تسلية للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه تحذير للمشركين، فهو من وَجْه تسلية وتطمين للرسول عليه الصلاة والسلام، وهو من وجه آخر تحذير للمشركين بأنهم سيموتون، وسيكون أيضًا موتهم عن قُرْب، وسيكون مؤكدًا لا إشكال فيه. (﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ٣١] ثم إنكم أيها الناس فيما بينكم من المظالم) هذا عجب من المؤلف رحمه الله الخطاب ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ﴾ [الزمر ٣٠، ٣١] صرفه المؤلف إلى عموم الناس فقال: (أيها الناس). ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ﴾ يقول: (أيها الناس فيما بينكم من المظالم)، والسياق يأبى هذا التفسير بل الخطاب للنبي ﷺ، ومن كفر به، هذا هو المتعين، وتختصمون في المظالم التي بينكم أو فيما بينكم من الحق والباطل؟ الثاني، من الحق والباطل، أنت تدعو إلى التوحيد وهم ينكرون ذلك، ولكم موعد تختصمون فيه ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ﴾ أي الرسول عليه الصلاة والسلام ومن كذَّبه يوم القيامة عند ربكم تختصمون. وفي قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر ٣١] إشارة إلى أن هذا الاختصام من مقتضى ربوبيته عز وجل؛ لأنه حَكَمٌ عدْل، ومن عدْله أنه يفصل بين المتنازِعِين فيه يوم القيامة كما يفصل بين المتنازِعِين في الحقوق الخاصة. * طالب: (...) على إثبات القياس بالآية. * الشيخ: هو -بارك الله فيك- كل مَثَل في القرآن فإن فيه دليلًا على إثبات القياس. * طالب: الإنسان اللي يأخذ حقه (...). * الشيخ: لا، إن كان تركه للاختصام عند الله فهذا لم يتركه، لكن إن تركه للثواب عند الله فقد تركه. * الطالب: (...) ثقة بالله.. * الشيخ: إي، لكن ثقة بأنه سيختصم مع خصمه؟ أسألك؟ * الطالب: (...). * الشيخ: هل عفا عنه في هذه الحال؟ * الطالب: (...) الربوبية. * الشيخ: لا، أنا أسألك الآن، هل تركه للاختصام عند الله يوم القيامة أو لا؟ هل عفا عنه في هذه الحال؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا بأس، أنا أرى في هذه الحال أن يُطالِب بحقه في الدنيا، أو يتركه لله؛ لأنه إذا طالَب به في الدنيا وأُخِذ حقُّه سلمت حسنات هذا الذي ظلمه يوم القيامة، فكان عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، ويكون بذلك مُحسِنًا إليه، أو يترك للأحسن وهو العفو وانتظار الأجر من الله عز وجل ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ٤٠] عرفت الآن؟ فالأحوال ثلاث؛ إما أن يأخذ بحقه في الدنيا، أو يُؤجِّل حقه للآخرة، أو يعفو. والمراتب من الأشد إلى الأخف نقول: أشدها أن يؤخر ذلك للآخرة، ثم أن يأخذ به في الدنيا، ثم أن يعفو، مع أن العفو لا بد فيه من قيد؛ أن يكون في العفو إصلاح، فإن كان في العفو إفساد؛ بحيث إذا عفونا عن هذا الرجل زاد في شره وطغيانه، فهنا الأخْذ بالحق أولى من العفو، أما إذا علمنا أن هذا الرجل سينظر إلى العفو نظرةَ إكْبار ويحسن خلقه بعد ذلك؛ فلا شك أن العفو أفضل. * طالب: لو أن ظالِمًا قويًّا ولا أحد يستطيع أن يأخذ حقه منه، هل نقول اعفُ عنه، أو نقول: أجِّلْ أمرك إلى الآخرة؟ * الشيخ: لا، معنى ذلك أن هذا الرجل لو عفونا عنه لن يصلح، فأجِّل حقه في الآخرة؛ لأن الله قَيَّد ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ [الشورى ٤٠] لكن أخْبِرْه قل له: أنت الآن ظلمتني في كذا وكذا وكذا، وأنا سأُؤَجل أخذي ليوم القيامة، لا يظن إنك عفوت. * طالب: العفو يكون مع القدرة. * الشيخ: إي نعم، لا، ومع عدم القدرة، لكن العفو المحمود هو العفو مع القدرة. * طالب: (...) لا أعفو عن الرجل حتى آخذ من حسناته يوم القيامة. * الشيخ: نعم، نقول: هذا لك الحق. * الطالب: أيهما الأفضل يا شيخ ألا يعفو عنه؟ * الشيخ: لا، الأفضل أن يعفو عنه، لكن كما قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ [الشورى ٤٠] إذا كان في العفو إصلاح، أما إذا كان هذا الرجل إذا عفوت عنه، عن قتل ابنه مثلًا ذهب غدًا ليقتل ابن الآخرين. * * * * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٣٢) وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر ٣٢ - ٣٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر ٢٧]. * من فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى أنزل هذا القرآن تبيانًا لكل شيء، ومنه -أي من التبيان- ضرْب الأمثال؛ لأنها تُقرِّب المعنى، وتضع المعقول في صورة المحسوس، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت ٤١]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: رحمة الله سبحانه وتعالى بالعباد حيث بَيَّن لهم هذا البيان التام. * ومن فوائدها: أنه ينبغي للمُعَلِّم غَيْرَهُ أن يُكْثِرَ له من ضرْب الأمثال التي تُعينُه على فهم المعنى؛ لأن هذا هو أسلوب القرآن. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العِلَل والحِكَم في أفعال الله وشَرْعه؛ لقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر ٢٧]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على الجهمية وأشباههم ممن أنكروا حكمة الله وقالوا: إن الله سبحانه وتعالى يفعل الشيء لا لِعِلَّة وحكمة ولكن لمجرد المشيئة، وجه ذلك أن (لَعَلَّ) هنا للتعليل، والتعليل يعني إثبات الحكمة. ثم قال الله عز وجل: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر ٢٨]. * يُستفاد من هذه الآية الكريمة: أن القرآن عربيٌّ؛ أي نازل بلغة العرب. * ومن فوائدها: أنه لا يوجد في القرآن لفظ أعجمي؛ لأن الله وصف القرآن كله بأنه عربي، وهذا يقتضي أن ليس فيه شيء من لغة العجم، ولا شك أن هذا هو الواقع، فليس في القرآن لفظ عجمي، لكن اختلف العلماء المفسرون وغيرهم هل في القرآن كلمة أصلها أعجمي، ثم عُرِّبت فمنهم من يقول: نعم، ومنهم من يقول: لا، فالذين قالوا: نعم، قالوا: هناك كلمات في القرآن الكريم لا تنطبق عليها قواعد اللغة العربية، ويعني هذا أنها أعجمية، وهذا لا ينافي أن يكون القرآن عربيًّا؛ لأن العرب لما عرَّبتها صارت عربية بالاستعراب، كما أن العرب أصلهم مستعربون وإلا فلغة أبيهم إسماعيل ليست عربية. ومنهم من قال: هذه الكلمات التي هي كلمات أعجمية إنما جاءت بلسان العرب من باب توارد اللغتين، ولا مانع من أن تتوارد اللغتان على كلمة واحدة، والخلاف في هذا قريب من اللفظي، وذلك لأنهم متفقون على أنه لا يوجد في القرآن لفظ أعجمي هو أعجمي حتى نزول القرآن أبدًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان حِكمة الله عز وجل في إنزاله القرآن باللسان العربي؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بُعِث في قوم عرب، فكانت الحكمة أن يكون لسانه عربيًّا كما هو الشأن في جميع الرسل، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم ٤]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن فهم المعنى مُعِين على التقوى؛ لقوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزمر ٢٨] ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، وهذا أمر واضح أن فهم المعنى من أسباب التقوى؛ لأنك لو تكلم لك إنسان بما لا تفهم معناه لم يؤثر فيك شيء، إنما يؤثر فيك ما تفهم معناه، ولهذا قال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. * ونستفيد من هذه الجملة: ما استفدنا من الجملة السابقة وهي قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر ٢٧]. ثم قال الله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ إلى آخره [الزمر: ٢٩]. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذه الآية تطبيق لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر ٢٧] فإن هذا مثل. * ومن فوائدها: أن مثل من يعبد مع الله غيره كمثل عبدٍ فيه شركاء متشاكسون متنازعون متخاصمون، وجه ذلك أن هذا العابد مع الله غيره لم يكن قلبه خالصًا لله تتنازعه الشركاء من يمين وشمال حتى ضاع بينهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى يأتي بالخبر أو غيره، ثم يُقرِّر ذلك للمخاطَب بأحسن وجه؛ وذلك في قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر ٢٩] فإن هذا الاستفهام الذي يُراد به النفي الغرض منه تقرير ما ذُكِر وإلزام المخاطَب به. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى مُستحِق للحمد لكمال توحيده؛ لقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. * ومن فوائدها: أن الحمد المطلق إنما يكون لله عز وجل، أما غيره فهو إن حُمِدَ فليس حمده على الإطلاق بل يُحْمَد على شيء معين وجزء معين مما يُحمد عليه، أما الحمد على الإطلاق فهو لله رب العالمين عز وجل؛ لأنه هو المحمود على كل حال، وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا أتاه ما يُسَرُّ به قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ». » وإذا أتاه ما يسوءه قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ»[[أخرجه ابن ماجه (٣٨٠٣) من حديث عائشة.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أكثر بني آدم لا يعلمون الحقائق على ما هي عليه، وإن علموها لم ينتفعوا بها؛ لقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٢٩]. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣٠، ٣١]. * من فوائدها: أن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم لن يُخلَّد أبد الآبدين بل هو ميت كما أن خصومه أموات، وهذا كقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء ٣٤]. * ومن فوائدها: تسلية النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لقوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣٠، ٣١]. * ومن فوائدها: إنذار هؤلاء المكذبين بأن لهم موعدًا مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهو الاختصام يوم القيامة. * ومن فوائدها: أن أهل الشِّرْك والكفر خُصوم لأهل التوحيد والإيمان في الآخرة كما أنهم خصوم في الدنيا، ففي الدنيا لا شك في خصومتهم وعداوة بعضهم لبعض، وفي الآخرة أشد وأعظم. * ومن فوائدها: أن الخلق يختصمون عند الله يوم القيامة، ومن المعلوم أن الخاصِم إذا كانت الخصومة بين المؤمن والكافر هو المؤمن قال الله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء ١٤١]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات البعث والحساب؛ لقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣١].

الزمر 39:31

المتقي للعذاب يحاول النجاة منه لكن الملاقي للشيء قد يلاقيه ببشرى وفرح وسرور، فتفسير ﴿يَتَّقِي﴾ [الزمر ٢٤] بـ(يلقى) لا شك أنه قاصر، ولكنه بعض الأحيان يُفسِّر المؤلف القرآن بما يقاربه. قال: (يلقى ﴿بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ٢٤] أي أَشُدَّه) ففسر (سوء) بـ(أسوأ)، و(أسوأ) لا شك أنه اسم تفضيل، و(سوء) ليس اسم تفضيل، وعلى هذا فيكون المؤلف فسر الكتاب بما هو أعلى منه، والواجب أن يكون المفسِّر مطابقًا للمُفَسَّر، ولو قال المؤلف رحمه الله: العذاب السيئ لكان أبلغ مطابقة للقرآن. يقول: (بأن يُلقى في النار مغلولة يده إلى عنقه)، وكأنه أخذه من كونه يتقي العذاب بوجهه؛ لأنه لو كانت يده مطلقة لاتقى العذاب بيده، ولكني أقول: لا يلزم من اتقاء العذاب بوجهه أن تُغلَّ يده؛ لأن يده قد تكون مرسلة غير مقيده ولكن لا يستطيع، أو يظن أن مدافعته بوجهه أشد، فيدافع بوجهه. قال المؤلف في ذكر المعادل: (كمن أمِنَ منه بدخول الجنة). والجواب: لا، وحينئذٍ يكون الاستفهام للنفي؛ يعني لا يستوي من يتقي بوجهه سوء العذاب مع من أَمِن من العذاب ولم يتقه. (﴿وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ﴾ [الزمر ٢٤] أي كفار مكة ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ أي جزاءه). قوله: (﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ أي كفار مكة)كأنه أخذه من قوله: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الزمر ٢٥] وإلا فإن (الظالمين) هنا عام، لفظ عام يشمل كفار مكة وغيرهم، وهذا هو الأولى. فإن قيل: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يدل على أن هذا في المتأخرين. قلنا: نعم، هو يدل على أنه في المتأخرين، لكن كل رسول فقد سبقه رسول. فـ(عاد)، نقول: كذبت قبلهم قوم نوح، وثمود كذبت قبلهم قوم عاد، وهلمَّ جرًّا، فيكون (الظالمون) عامًّا لكفار مكة ولغيرهم، لكن أول من يدخل فيهم -بلا شك- كفار مكة؛ لأن القرآن نزل توبيخًا لهم وإنكارًا ودعوة. قال المؤلف: (﴿فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [الزمر ٢٥] من جهة لا تخطر ببالهم) وهذا كما قلنا تفسير أشد وأبلغ من أن يأتيهم العذاب وهم على أهبة الاستعداد له. قال الله تعالى: (﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ﴾ [الزمر ٢٦] الذل والهوان من المسْخ والقَتْل وغيره ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ). ﴿أَذَاقَهُمُ اللَّهُ﴾ أي مسهم به حتى كأنهم طعموه وذاقوه بمذاقاتهم. وقول المؤلف رحمه الله: (من المسْخ والقتل وغيره) المسْخ مثل اليهود الذين قال الله لهم: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة ٦٥] والقتل، قتال بني إسرائيل مع مَنْ؟ * طالب: مع أنفسهم. * الشيخ: هم قتلوا أنفسهم حينما أُمِرُوا بالتوبة، وقيل لهم: إن كنتم صادقين في التوبة فاقتلوا أنفسكم، ولكن ذكر الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة جالوت وطالوت وفيه قتال. وكذلك أيضًا يقول المؤلف: (وغيره) كالإهلاك بالصاعقة والرجفة وما أشبهه، فالمهم أن المكذبين للرسل كلهم أهلكهم الله عز وجل. فإن قال قائل: أليس من الرسل مَنْ قُتِل؟ الجواب: بلى، ولكن هؤلاء الذين قُتلوا إما أن يكونوا لم يُؤمَروا بالقتال فاعتدى عليهم من اعتدى بدون قتال، وإما أنهم أُوتوا على غِرَّة دون أن يجاهروا بالقتل، ثم إذا قُتِلوا هل معنى ذلك أن ما دعوا إليه يموت بموتهم؟ قد يبقى، فيكون هذا نصرًا لهم ولو بعد وفاتهم. (﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ﴾ الذل والهوان من المسْخ والقتل وغيره في الحياة الدنيا ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿لَوْ كَانُوا﴾ أي: المكذبون يعلمون عذابها ما كذبوا) قوله: (ما كذبوا) هذه جواب (لو) محذوفًا. ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر ٢٧]. ﴿ضَرَبْنَا﴾ يقول المؤلف: (جعلنا) ولعل الضرب أخص من الجعل؛ أي: بيَّنَّا للناس في هذا القرآن من كل مثل، والجملة هنا مؤكدة بمؤكدات ثلاثة، وهي: اللام، و(قد)، والقسم المقدَّر؛ لأن تقدير الكلام في مثل هذا التركيب: والله لقد، فيكون مؤكدًا بمؤكدات ثلاثة. وقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ﴾، إذا قال قائل: كيف يؤكد هذا وهو أمر معلوم، والغالب أن التأكيد إنما يُصار إليه للحاجة إليه؟ فالجواب: أن التأكيد قد يكون للحاجة إليه عندما يكون المخاطب شاكًّا أو مُنكِرًا، وقد يكون التأكيد لأهمية المؤكَّد وإن لم يكن ثَمَّ إنكار أو تردد، ومنه هذه الآية، فإن ضَرْب الله الأمثال للناس في القرآن أمر محسوس مُدرَك، ولكن لأهميته أكَّدَه الله عز وجل. ﴿لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر ٢٧] أي: من كل شَبَهٍ، فيضرب الله تعالى الأشباه والنظائر ليحذر من كان على مثل هذا النظير وهذا الشبيه حتى لا يقوم بمثل ما فَعَلَ. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: يتعظون، و(لَعَلَّ) هنا للتعليل، وهو أحد معانيها، ومن معانيها الترجي، مثل: لعلَّ الحبيبَ قادمٌ، ومن معانيها الإشفاق، مثل: لعلَّ الحبيبَ هالكٌ؛ ففي الأول: (لعلَّ الحبيبَ قادمٌ) رجاء، وفي الثاني إشفاق، يعني أخشى أن يكون هالكًا، وتأتي للتعليل كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة ١٨٣] وهل من مثال ثالث؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * الطالب: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾. * الشيخ: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق ١] قد يكون هذا للتوقع. * الطالب: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾. * الشيخ: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ﴾ [الشعراء ٣] للتوقع أيضًا، هي في القرآن كثير. * طالب: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾. * الشيخ: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ [غافر ٣٦] للترجي، ويحتمل أن تكون للتعليل، إنما هو كثير في القرآن (لعلَّ)، فيظن بعض الناس أنها للترجي في كل مكان، فيقول: كيف يترجى الله عز وجل الشيء وهو قادر على كل شيء؟ نقول: (لَعَلَّ) إذا جاءت في كلام الله فهي للتعليل. وقوله: (﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر ٢٧] يعني يتعظون)؛ لأن هذا هو الغرض من ضرب الأمثال. ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر ٢٨] ﴿قُرْآنًا﴾ هذه حال، و﴿عَرَبِيًّا﴾ حال أخرى؛ يعني هذا القرآن الذي فيه من كل مَثَل هو قرآن، والقرآن تأتي بمعنى المصدر، وتأتي بمعنى اسم الفاعل أو المفعول، فمن إتيانها مصدرًا (الغُفْران والشُّكْران)، وأنا أقصد بهذا وزن (فُعْلَان) تأتي مصدرًا مثل: (الغُفْران، والشُّكْران، والقُرآن)، وهذا المصدر في لفظ القرآن يحتمل أنه بمعنى اسم المفعول، فقرآن بمعنى (مَقْرُوء)، وعلى هذا فيكون بمعنى (مَتْلوٍّ)، ويحتمل أن يكون اسم فاعل بمعنى (قارِئ)، وهو من قَرَأَ الماء إذا جَمَعَهُ في الحوْض، والقرآن إذا تأملتَ وجدت أن الوصفين ينطبقان عليه فهو متلوٌّ وجامِع؛ ولهذا قال العلماء في أصول التفسير: إنه يصح أن يكون بمعنى اسم الفاعل، ويصح أن يكون بمعنى اسم المفعول. وقوله: ﴿عَرَبِيًّا﴾ أي: باللغة العربية التي هي لسان محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولسان القوم الذين بُعِثَ فيهم. والعربية هي أفضل الألسُن وأعربها وأفصحها وأبينُها؛ ولهذا اختارها الله عز وجل لرسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فإن قيل: أليس في القرآن من الكلمات ما أصله أعجمي في القرآن؟ بلى، فيه، ولكن هذه الألفاظ التي أصلها غير عربي لما نطق بها العرب عَرَّبوها وصارت عربية؛ ولهذا لا تخلو هذه الكلمات المعرَّبة من تغيير بعض الشيء، لا بد أن يكون فيها شيء من التغيير في الغالب، فإذا نَطَقَ بها العرب واستخدموها، وسادت في ألسنتهم صارت عربية، عارِبَة ولا مُستعرِبة؟ * طالب: مُسْتَعْرِبة. * الشيخ: مُسْتعرِبَة، إذن فهي كلمات مستعرِبة من قوم مستعرِبين أيضًا؛ يعني أصل العرب مستعربين؛ لأنهم ليسوا عربًا في الأصل، فإسماعيل هو ابن إبراهيم، وليست لغته عربية، لكن لما جاء العرب جُرهم إلى أم إسماعيل، ونزلوا عندها صار عربيًّا، واستمرت العروبة إلى يومنا هذا. يقول: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر ٢٨]، هذا الوصف سلبي وليس ثبوتيًّا ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾، واعلم أنه لا يوجد في أوصاف القرآن ما هو سلبي محض؛ لأن السلبي المحض ليس فيه مدح بل كل شيء وُصِف به القرآن على وجه النفي فإن ذلك لكمال ضده، فإذا قال: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ أي لكمال استقامته، بل قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء ٩]، فالقرآن الكريم يهدي للتي هي أقوم في أمور الدين وفي أمور الدنيا على وجهٍ ليس فيه اعوجاج بوجهٍ من الوجوه؛ ولهذا قال: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي: لأجل أن يتقوا، فبيَّن الله لنا في هذا القرآن وجعله غير ذي عوج من أجل تقواه عز وجل. يقول الشارح رحمه الله: (﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر ٢٧] أي جعلنا)، وهذا التفسير تفسيرٌ بما هو أعم؛ لأن ضرب المثل ليس مجرد جَعْل له بل ضرب المثل للاعتبار به، فضربته مثلًا؛ أي جعلته شبهًا حتى يُعتبر به. وقوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾، ﴿مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ يشمل كل الناس؛ المؤمن والكافر؛ لأجل أن يتذكر هؤلاء وهؤلاء. * طالب: (...). * الشيخ: لا، الذل، والهوان، والعار، والفضيحة، كلها. * الطالب: (...). * الشيخ: أي: لا تذلنا ولا تفضحنا. * طالب: (...) اللغة العربية هي أفضل اللغات (...)؟ * الشيخ: لا، أيهما أفضل رسالة محمد عليه الصلاة والسلام وأمته أو الرسالات الأخرى وأمهاتهم؟ * الطالب: رسالة النبي ﷺ. * الشيخ: إذن أفضل ما فيه شك؛ ولهذا ورد أحاديث لكنها فيها نظر أن اللغة العربية لغة أهل الجنة. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، كون الله اختار هذه الرسالة العظيمة في اللغة العربية يكفي؛ لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤] فصار هذا المكان صالحًا لهذه الرسالة العظيمة؛ لأنه عظيم. * طالب: (...). * الشيخ: معلوم البيان، لو جاء بغير باللغة العربية ما بان، لكن كونه اختار أن يكون في هؤلاء العرب وبِلُغتهم هذا دليل على فضله. * طالب: (...) قال قائل: يعني الرسول ﷺ خاص بالعرب؛ لأن القرآن عربي، نرد بنفس الجواب هذا؟ * الشيخ: لا، إذا قال: إنه هو خاص بالعرب، قلنا: نعم، هو بعث في الأُمِّيين لكن لجميع الناس، كما لو أن أحدًا صار في الشرق أو في الغرب وهو أمير على جميع القارة التي هو فيها، فهذا محمد عليه الصلاة والسلام بُعِثَ في هؤلاء القوم لكن إلى جميع الناس، ومعلوم أنه لا بد أن يُبعث في قومه، افرض أنه بُعِث في العجم وهو رسول إلى الناس، نفس الشيء. * طالب: هل العذاب له لون وطعم؟ * الشيخ: إي نعم، الشيء الذي يُصيب الإنسان إصابة مباشرة يقال: ذَاقَهُ، لكن ليس باللسان، إنما لما أنه أصابه مباشرة صار كالمطعوم الذي يُدخله الإنسان في جوفه. * طالب: قلنا: إن الوصف بالسلب يعني ليس دليلًا في المدح كقول الله تبارك وتعالى (...). * الشيخ: نعم، إن قلنا: لا بد أن يتضمن الكمال، لم يلد ولم يولد لكمال وحدانيته. * طالب: (...) سوء العذاب يوم القيامة (...)، فهل يدل على الوجه؟ يأتيه العذاب الأشد من بقية البدن؟ * الشيخ: هو على كل حال إحساس الوجه بالعذاب أشد من إحساس بقية الجسم. * الطالب: (...). * الشيخ: هو إذا كان أسوأ العذاب، ويكون في الوجه صار أشد على الإنسان مما لو كان في طرف آخر، لكن اللي يظهر لنا ما قلنا: إن سوء العذاب ليس على اسم تفضيل، ولكنه من باب إضافة الصفة إلى موصوفها؛ يعني العذاب السيئ. * طالب: (...) خير وشر، أليست من باب خير وشر؟ * الشيخ: خير وشر أيضًا تُطلق على اسم التفضيل، إذا قلت: هذا خير من هذا، وهذا شر من هذا، وقد تطلق ويراد بها الوصف في الشر فقط، كما تقول: هذا شر، هذا خير. * * * * الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٩) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٢٩ - ٣١]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ [الزمر ٢٩]، لما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر ٢٧] ذكر هذا المثل، ضرب مثلًا. بَيَّن الله عز وجل هذا المثل العظيم فقال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ ﴿رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾، ﴿فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ أي متنازعون مختلفون، كل واحد منهم يقول: أنا صاحبه، أنا الذي أريد أن أستخدمه وما أشبه ذلك، فهم دائمًا في نزاع وفي خصومة؛ لأن كل واحد منهم يريد أن ينفرد به عن الآخر، والرجل الثاني ﴿رَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ سَلَمًا أي سالِمًا لهذا الرجل، لا يشركه فيه أحد. فإن قال قائل: بما عرفتم أن ﴿سَلَمًا﴾ بمعنى (سالِمًا) من الشركاء؟ قلنا: عرفنا ذلك بذكر المقابل، وهو قوله: ﴿فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾؛ لأن الكلمة تُعرف بالسياق، وبذكر المقابل، ومن أبرز مثال على ذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء ٧١]. لو قال لك قائل: ما معنى ثُبَاتٍ؟ لفهمت معناها مما بعدها ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾، فيكون الثُّبات ضد المجتمعين؛ أي: فُرادى، انفروا فُرادى، أو انفروا جميعًا، وهذه من قواعد التفسير أن يُعرف تفسير الكلمة بذكر ما يقابلها، فهنا نقول: رجلًا سَلَم ﴿سَلَمًا﴾ أي: خالصًا لمالكه لا يُشاركه فيه أحد، فإن قال قائل: بمَ عرفتم ذلك؟ قلنا: بما ذكرنا من القاعدة أن المقابل للشيء؛ أي الذي جُعل مُعادلًا له يكون مقابلًا له في المعنى، هذا الرجل الذي كان سَلَمًا لرجل، هل أحد يشاركه في ملكه له؟ لا، هل أحد يُنازعه؟ لا. إذن يجب أن نعرف الفَرْق بين المملوك الذي فيه الشركاء المتشاكسون والمملوك الذي ليس فيه شركاء، ثم نقيس عليه المخلص لله الذي يعبد الله وحده والذي يعبد مع الله غيره؛ ولهذا قال: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر ٢٩] أي: هل يستوي الرجلان أحدهما فيه شركاء متشاكسون والآخر سَلَمٌ لرجل؟ هل يستوي هذان؟ الجواب: لا، فالاستفهام حينئذٍ بمعنى النفي؛ يعني لا يستويان. والاستفهام يأتي لمعانٍ كثيرة كما هو معروف في علم البلاغة، ولكنه إذا أتى في موضع النفي فإنه يكون مُشْربًا معنى التحدي؛ لأنه لو قيل: لا يستويان؛ لفهمنا انتفاء استوائهما، لكن إذا قيل: هل يستويان؟ فهما أمران: الأمر الأول: انتفاء الاستواء. والأمر الثاني: التحدي. نقول: هل عندك شيء تثبت أنهما يستويان فيكون تحويل النفي إلى استفهام أبلغ في النفي وأَبْيَن؟ ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ الجواب: لا. قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الزمر ٢٩] حمد نفسه عز وجل؛ لكمال صفاته، وكمال إنعامه، ومن إنعامه أنه يضرب الأمثال للناس في القرآن لعلهم يتذكرون مع أنه عز وجل غني عنهم، ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران ٩٧]، كلهم لكن رحمته تأبى إلا أن يُبيِّن لعباده ما يحتاجون إليه في أمور دينهم ودنياهم؛ ولهذا قال بعد هذا البيان التام في المثل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. ثم قال: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٢٩] ﴿بَلْ﴾ هنا للإضراب، والإضراب له معنيان: المعنى الأول: إضراب انتقال ينتقل من شيء إلى آخر. والمعنى الثاني: إضراب إبطال، يُبطل الأول، ويثبت الثاني، فإذا قلت: ما قام زيد بل عمروٌ، فهذا إضْراب إبطال، أبطلت الأول وأثبت الثاني. وفي قوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل ٦٦] هذا انتقال من معنى إلى معنى أشد منه. في هذه الآية: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، هل هي إضراب إبطال أم هي إضراب انتقال؟ إضراب انتقال؛ لأنه لم يسبق شيء أبطلته، وقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ المراد بـ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ هنا أكثر الناس كما جاء ذلك في آيات أخرى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف ١٨٧]. وانتفاء العلم هنا لانتفاء لازمه وهو العمل والامتثال، فأكثر الناس في جهل، وأكثر الناس في غي، في جهل لا يعرفون الحق، وفي غي لا يقبلون الحق ولا يعملون به، وكلهم يصح أن ننفي عنه العِلْم، أما من كان في جهل فنفي العلم عنه واضح، وأما من كان في غي مع العلم فنفي العلم عنه؛ لأنه لم ينتفع به ولم يعمل به. ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣٠، ٣١] ﴿إِنَّكَ﴾ الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ﴿مَيِّتٌ﴾ وَصْف له في المستقبل. ﴿وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ كذلك، وأكد الموت مع العلم به يَقينًا من أجل أن عمل هؤلاء الذين كذَّبوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم عمل من لم يُوقِن بالموت؛ لأن من أيقن بالموت حقيقة فلا بد أن يعمل له لكنهم هم لا يعملون له فكان عدم عَمَلِهم له كالمنكر، أو بمنزلة المنكر؛ فلهذا أُكِّد. وقوله: ﴿مَيِّتٌ﴾ بتشديد الياء، يُقال لمن سيموت وهو حي، وأما (مَيْت) فيقال لمن وقع به الموت؛ أي بعد فراق حياته يقال: (مَيْت)، وربما يقال: (مَيِّت)، لكن الأكثر (مَيْت)، فعلى هذا يُفَرَّق بين أن يُوصَف الحي بالموت، ويقال فيه: (مَيِّت)، وبين أن يوصف الميِّت بالموت فيقال: (مَيْت). ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣٠، ٣١]. ﴿إِنَّكُمْ﴾ الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام ومن عانَدَهُ وكَفَرَ به. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ سبق تفسيره. ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ عند ربكم الذي خلقكم أول مرة، وأعادكم ثاني مرة، تختصمون عنده أيكم على الحق، ونحن نعلم الآن نتيجة هذه الخصومة من سيغلب؟ * طلبة: المؤمنون. * الشيخ: المؤمنون لا شك، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء ١٤١]، فالكافر لا سبيل له على المؤمن، فالنتيجة -والحمد لله- معلومة أن المؤمنين هم الغالبون يوم القيامة، وهم الخاصمون لأعدائهم. نرجع الآن إلى كلام المؤلف، ثم نأخذ الفوائد جميعًا إن شاء الله. يقول المؤلف رحمه الله عز وجل: (ضرب الله للمشرك والموحِّد مثلًا)، وتقييده المؤلف بالمشرك والموحِّد واضح؛ لأن المثل المضروب وهو العبد المملوك بين شركاء والعبد الخالص ينطبق تمامًا على المشرك والموحِّد. يقول: (ضرب الله للمشرك والموحِّد مثلًا ﴿رَجُلًا﴾ [الزمر ٢٩]) بدل من ﴿مَثَلًا﴾، والبدل يقول الإمام ابن مالك رحمه الله فيه: التَّابِعُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا ∗∗∗ وَاسِطَةٍ............ هذا البدل. فقوله: (هو التابع المقصود بالحكم)، خرج به من بقية التوابع. وقوله: (بِلا واسطة)، خرج به المعطوف بـ(بل)، فإن المعطوف بـ(بل) يكون إذا كان للإضراب الإبطالي يكون هو المقصود بالحكم، لكنه بواسِطة فلا يُسمَّى بدلًا. فهنا قال: ﴿مَثَلًا رَجُلًا﴾ لو حُذِفت ﴿مَثَلًا﴾، وقال: ضرب الله رجلًا، أيصح الكلام أو لا؟ يصح؛ لأن المقصود هو كلمة رجل، وأنت لو قلت: رأيت محمدًا عليًّا، عليًّا بدل؛ لأن المقصود هو عليٌّ، إذا خطب مخاطب وقال: رأيت عليًّا محمدًا؟ عرفت أنه أراد محمدًا ولم يرد عليًّا؛ لأن محمدًا بدل من عليٍّ، والبدل هو المقصود بالحكم لكن قد يكون سببه الغلط، وقد يكون سببه النسيان أو غير ذلك من الأسباب، المهم أن البدل هو ما حده ابن مالك بقوله: التَّابِعُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا ∗∗∗ وَاسِطَةٍ هُوَ الْمُسَمَّى بَدَلَا يقول: (﴿فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ متنازعون، سيئة أخلاقهم) من أين أخذ سوء الخلق؟ من قوله: ﴿مُتَشَاكِسُونَ﴾؛ لأن المشاكسة تُنبِئ عن سوء الخلق؛ إذ إن حَسَن الخلق يتنازل عن حقه ولو كان في ذلك أذية له أو ضرر عليه؛ لأن حُسْن أخلاقه يتغلب على أخذه بحقه، وهكذا ينبغي للإنسان أن يكون حَسَن الأخلاق، وأن يتغاضى عن بعض حقه ولو كان في ذلك أذية لنفسه، وليعلم أنه وإن قالت له نفسُه: إن تواضعك وعفوك عن حقك ذُلٌّ لك ليعلم أن هذا من وساوس الشيطان؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزَّةً، وَمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ»[[أخرجه مسلم (٢٥٨٨ / ٦٩) من حديث أبي هريرة.]]. فلا تغلبك نفسك وتأخذك العزة بالإثم فتقول: لا يمكن أسكت عن هذا الرجل، أنا من أنا حتى يعتدي عليَّ، أنا فلان بن فلان! فإن هذا من الشيطان ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ٤٠]، ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت ٣٤]، ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾ [فصلت ٣٥] أي: ما يُوفَّق لها ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. يقول: (متنازعون سيئة أخلاقهم ﴿وَرَجُلًا سَالِمًا﴾ ) عندي ﴿سَالِمًا﴾ ، وهي قراءة والمفسِّر فسَّر عليها. والسالم يعني الخالص كما فسرها (خالصًا ﴿لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ ) يقول: (﴿مَثَلًا﴾ تمييز) ما هو التمييز؟ التمييز: مِنْ مَيَّزَ إذا بَيَّنَ، وقد حدَّهُ ابن مالك بالألفية فقال: اسْمٌ بِمَعْنَى (مِنْ) مُبِينٌ نَكِرَهْ ∗∗∗ يُنْصَبُ تَمْيِيزًا بِمَا قَدْ فَسَّرَهْ هذا التمييز، اسم نكرة، يُبيِّن المبهم الذي فسَّره، وهو بمعنى (مِنْ)، ومثاله: قولهم: تصبب زيدٌ عَرَقًا، عرقًا هذه تمييز، طبِّقْها على التعريف نجد أنها اسم بمعنى (مِن)؛ لأنك تقول: تصبَّب من العرق، مُبِين: أي مُفَسِّر لكلمة تَصَبَّب؛ لأن تصبب بمعنى تصبب دمًا، تصبب ماءً، تصبب عرقًا، فبينت المتصبِّب، نكرة أو معرفة؟ نكرة، هذا هو التمييز: اسْمٌ بِمَعْنَى (مِنْ) مُبِينٌ نَكِرَهْ ∗∗∗ يُنْصَبُ تَمْيِيزًا بِمَا قَدْ فَسَّرَهْ الآن أمليت عليكم بيتين من ألفية ابن مالك، فاللي يحفظهم الآن يسقط عنه من حفظها بيتان البيت الأول؟ * طالب: التَّابِعُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا ∗∗∗ وَاسِطَةٍ هُوَ الْمُسَمَّى بَدَلَا * الشيخ: نعم، البدل: التَّابِعُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا ∗∗∗ وَاسِطَةٍ هُوَ الْمُسَمَّى بَدَلَا وهذا الثاني، التمييز؟ * طالب: اسْمٌ بِمَعْنَى (مِنْ) مُبِينٌ نَكِرَهْ ∗∗∗ يُنْصَبُ تَمْيِيزًا بِمَا قَدْ فَسَّرَهْ * الشيخ: يقول: (﴿مَثَلًا﴾ تمييز، أي لا يستوي العبد لجماعة والعبد لواحد، فإن الأول إذا طلب منه كل من مالكيه خدمته في وقت واحد تحيَّر في من يخدمه منهم). يقول: (لا يستوي) فبيَّن رحمه الله أن الاستفهام في قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ﴾ للنفي حيث فسره بنفي. وقوله: (لا يستوي العبد لجماعة والعبد لواحد)، صحيح لا يستويان، العبد لواحد يتصرف فيه متى شاء، متى شاء قال: اخدمني، ومتى شاء قال: استرح، متى شاء باعه، متى شاء أجَّره، لكن العبد لجماعه وجماعة متشاكسون، أخلاق سيئة، تنازع دائم، هل يستويان؟ أبدًا، لو قال أحدهم: تعالَ اخدمني، وقال الثاني: اخدمني أنا، وقال الثالث: اخدمني أنا، وقال الرابع: اخدمني أنا، صار أحدهم أخذ باليد اليمنى، والثاني باليد اليسرى، والثالث بالرجل اليمنى، والرابع بالرجل اليسرى، ثم مزَّعوا العبد؛ لأن كل واحد يريد أن يكون عنده، هو الذي يخدمه، كذلك أيضًا في البيع لو أراد أحدهم، قال: أنا أريد بيعه، وقال الثاني: لا أريد، والثالث قال: أريد تأجيره، والرابع قال: أريد إعارته، كيف يكون هذا؟ دائمًا في نزاع وشقاق، فالعبد نفسه في قلق، وفي حيرة، وفي بلاء، والشركاء أيضًا كذلك متشاكسون دائمًا، لا يمكن أن يستوي هذا مع رجل، وهذا لا شك أنه مثل تقريبي، وإلا فالفرق عظيم بين عبادة الله عز وجل وعبادة غيره معه؛ يعني أنه أعظم، ولكن الله تعالى يُقرِّب هذا للعباد، كما قرَّب المعاد بالماء ينزل من السماء، ثم تُنبت به الأرض كم يبقى؟ نبات الأرض بعد نزول المطر؟ يبقى مدة على حسب طيب الأرض، وحسب كثرة المطر، وحسب الجو المناسب، وحسب الفصل لكن يبقى. البعث ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣، ١٤] ﴿زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ فالأمثال قد لا تكون مطابقة تمامًا، قد يكون مورد المثل قد يكون أسرع من المثل، لكن يُذْكر على سبيل التقريب، ولا شك أن عبادة الله عز وجل وحده، وعبادة غيره معه لا شك أن بينهما فرقًا أعظم من الفرق بين الرجل السالِم لرجل والرجل المشترَك بين شركاء متشاكسين. يقول المؤلف رحمه الله: (هذا مَثَلٌ لِلْمُشرك، والثاني مَثَلٌ للموحِّد) ما هو الثاني؟ رجل سالِمًا لرجل هذا للموحِّد، والأول للمشرك، وما هو المقصود من ضرب هذا المثل؟ المقصود التحذير من الشِّرْك بالله عز وجل. ثم اعلم أن الشركاء في العبد متشاكسون لكن مع الله عز وجل يقول الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]. الشركاء المتشاكسون لا يمكن أن يتنازل أحدهم عن نصيبه، لكن الشرك بالله يدع الله المشرك وشركه. «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ». ولهذا قال: (﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الزمر ٢٩] وحده، وإذا كان الحمد له وحده وجب أن تكون العبادة له وحده؛ لأنه أهل الحمد وأهل العبادة سبحانه وتعالى فهو وحده المستحق لأن يُعبد). (﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ﴾ أي أهل مكة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ ما يصيرون إليه من العذاب فيُشركون). قوله: (﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ﴾ أي أهل مكة)، المؤلف رحمه الله دائمًا ولا سيما في الآيات والسور المكية يجعل مثل هذا الخطاب مُنصَبًّا على أهل مكة، ولكن الذي ينبغي أن نجعل دلالة القرآن عامة دائمًا إلا عند الضرورة؛ لأن القرآن نزل لجميع الخلق إلى يوم القيامة، فتخصيصه بأهل مكة يعني أنه لا يتناول غيرهم إلا بالقياس، لكن إذا أخذنا بلفظه العام شمل أهل مكة وغيرهم بالنص. وهناك فرْق بين شمول الحكم بالنص وشموله بالقياس، فالصحيح أن الضمير في ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ يعود على جميع الخلق، أكثر الخلق لا يعلمون؛ ولهذا ثبت في الحديث الصحيح أن الله يقول: «يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ. فَيَقُولُ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ أَوْ: بَعْثَ النَّارِ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعةٌ وَتِسْعُونَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]]. وهؤلاء هم الأكثر أو الأقل؟ الأكثر، فأكثر الخلق لا يعلمون إما لجهلهم أو لِغيِّهم، إن كانوا لجهلهم -فكما قلت لكم من قَبْل- فهم قد انتفى عنهم العِلْم، وإن كان لغيهم فإن العِلم انتفى عنهم لانتفاء فائدته، حيث لم يسترشدوا به. قال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾. (﴿إِنَّكَ﴾ خطاب للنبي ﷺ ﴿مَيِّتٌ﴾ [الزمر ٣٠] أي ستموت). قال: (﴿وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ ) قال: (فستموت ويموتون)، وكما يقول العامة عندنا: الوعد قُدَّام، (قُدَّام) يعني يوم القيامة؛ لأن الله يوم القيامة يفصل بين العباد، سوف يتنازع الناس في أعمالهم ودياناتهم، ويتنازعون في حقوقهم الخاصة، فيفصل الله بينهم يوم القيامة. يقول: (فلا شماتة بالموت) يعني أنك إذا مت فلا شماتة عليك؛ لأنهم سيموتون مثلك. (نزلت لما استبطؤوا موته ﷺ) هكذا قال المؤلف: إن سبب نزولها أن قريشًا استبطؤوا موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فنزلت هذه الآية تخبره أنه سيموت، وإذا مات فهم أيضًا سيموتون ويختصمون يوم القيامة، ولكن هذه الدعوة تحتاج إلى دليل، لننظر في سبب النزول لا نجد هذا، فإذا كان كذلك فلا ينبغي أن نتخيل سببًا للنزول في معنى آية من كتاب الله؛ لأن سبب النزول خبر محض، والخبر المحض لا مدخل للعقل فيه، ولكننا نقول: ذكر الله هذه الجملة إشارة إلى أنه لن يضيع عملك ولا عملهم، لن يُضيع عملك بدعوتك إلى التوحيد، ولن يضيع عملهم بالإشراك، فإن لكم موعدًا ستجتمعون فيه، وتختصمون فيه عند الله عز وجل، فيكون في هذا تسلية للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه تحذير للمشركين، فهو من وَجْه تسلية وتطمين للرسول عليه الصلاة والسلام، وهو من وجه آخر تحذير للمشركين بأنهم سيموتون، وسيكون أيضًا موتهم عن قُرْب، وسيكون مؤكدًا لا إشكال فيه. (﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ٣١] ثم إنكم أيها الناس فيما بينكم من المظالم) هذا عجب من المؤلف رحمه الله الخطاب ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ﴾ [الزمر ٣٠، ٣١] صرفه المؤلف إلى عموم الناس فقال: (أيها الناس). ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ﴾ يقول: (أيها الناس فيما بينكم من المظالم)، والسياق يأبى هذا التفسير بل الخطاب للنبي ﷺ، ومن كفر به، هذا هو المتعين، وتختصمون في المظالم التي بينكم أو فيما بينكم من الحق والباطل؟ الثاني، من الحق والباطل، أنت تدعو إلى التوحيد وهم ينكرون ذلك، ولكم موعد تختصمون فيه ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ﴾ أي الرسول عليه الصلاة والسلام ومن كذَّبه يوم القيامة عند ربكم تختصمون. وفي قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر ٣١] إشارة إلى أن هذا الاختصام من مقتضى ربوبيته عز وجل؛ لأنه حَكَمٌ عدْل، ومن عدْله أنه يفصل بين المتنازِعِين فيه يوم القيامة كما يفصل بين المتنازِعِين في الحقوق الخاصة. * طالب: (...) على إثبات القياس بالآية. * الشيخ: هو -بارك الله فيك- كل مَثَل في القرآن فإن فيه دليلًا على إثبات القياس. * طالب: الإنسان اللي يأخذ حقه (...). * الشيخ: لا، إن كان تركه للاختصام عند الله فهذا لم يتركه، لكن إن تركه للثواب عند الله فقد تركه. * الطالب: (...) ثقة بالله.. * الشيخ: إي، لكن ثقة بأنه سيختصم مع خصمه؟ أسألك؟ * الطالب: (...). * الشيخ: هل عفا عنه في هذه الحال؟ * الطالب: (...) الربوبية. * الشيخ: لا، أنا أسألك الآن، هل تركه للاختصام عند الله يوم القيامة أو لا؟ هل عفا عنه في هذه الحال؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا بأس، أنا أرى في هذه الحال أن يُطالِب بحقه في الدنيا، أو يتركه لله؛ لأنه إذا طالَب به في الدنيا وأُخِذ حقُّه سلمت حسنات هذا الذي ظلمه يوم القيامة، فكان عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، ويكون بذلك مُحسِنًا إليه، أو يترك للأحسن وهو العفو وانتظار الأجر من الله عز وجل ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ٤٠] عرفت الآن؟ فالأحوال ثلاث؛ إما أن يأخذ بحقه في الدنيا، أو يُؤجِّل حقه للآخرة، أو يعفو. والمراتب من الأشد إلى الأخف نقول: أشدها أن يؤخر ذلك للآخرة، ثم أن يأخذ به في الدنيا، ثم أن يعفو، مع أن العفو لا بد فيه من قيد؛ أن يكون في العفو إصلاح، فإن كان في العفو إفساد؛ بحيث إذا عفونا عن هذا الرجل زاد في شره وطغيانه، فهنا الأخْذ بالحق أولى من العفو، أما إذا علمنا أن هذا الرجل سينظر إلى العفو نظرةَ إكْبار ويحسن خلقه بعد ذلك؛ فلا شك أن العفو أفضل. * طالب: لو أن ظالِمًا قويًّا ولا أحد يستطيع أن يأخذ حقه منه، هل نقول اعفُ عنه، أو نقول: أجِّلْ أمرك إلى الآخرة؟ * الشيخ: لا، معنى ذلك أن هذا الرجل لو عفونا عنه لن يصلح، فأجِّل حقه في الآخرة؛ لأن الله قَيَّد ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ [الشورى ٤٠] لكن أخْبِرْه قل له: أنت الآن ظلمتني في كذا وكذا وكذا، وأنا سأُؤَجل أخذي ليوم القيامة، لا يظن إنك عفوت. * طالب: العفو يكون مع القدرة. * الشيخ: إي نعم، لا، ومع عدم القدرة، لكن العفو المحمود هو العفو مع القدرة. * طالب: (...) لا أعفو عن الرجل حتى آخذ من حسناته يوم القيامة. * الشيخ: نعم، نقول: هذا لك الحق. * الطالب: أيهما الأفضل يا شيخ ألا يعفو عنه؟ * الشيخ: لا، الأفضل أن يعفو عنه، لكن كما قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ [الشورى ٤٠] إذا كان في العفو إصلاح، أما إذا كان هذا الرجل إذا عفوت عنه، عن قتل ابنه مثلًا ذهب غدًا ليقتل ابن الآخرين. * * * * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٣٢) وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر ٣٢ - ٣٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر ٢٧]. * من فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى أنزل هذا القرآن تبيانًا لكل شيء، ومنه -أي من التبيان- ضرْب الأمثال؛ لأنها تُقرِّب المعنى، وتضع المعقول في صورة المحسوس، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت ٤١]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: رحمة الله سبحانه وتعالى بالعباد حيث بَيَّن لهم هذا البيان التام. * ومن فوائدها: أنه ينبغي للمُعَلِّم غَيْرَهُ أن يُكْثِرَ له من ضرْب الأمثال التي تُعينُه على فهم المعنى؛ لأن هذا هو أسلوب القرآن. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العِلَل والحِكَم في أفعال الله وشَرْعه؛ لقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر ٢٧]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على الجهمية وأشباههم ممن أنكروا حكمة الله وقالوا: إن الله سبحانه وتعالى يفعل الشيء لا لِعِلَّة وحكمة ولكن لمجرد المشيئة، وجه ذلك أن (لَعَلَّ) هنا للتعليل، والتعليل يعني إثبات الحكمة. ثم قال الله عز وجل: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر ٢٨]. * يُستفاد من هذه الآية الكريمة: أن القرآن عربيٌّ؛ أي نازل بلغة العرب. * ومن فوائدها: أنه لا يوجد في القرآن لفظ أعجمي؛ لأن الله وصف القرآن كله بأنه عربي، وهذا يقتضي أن ليس فيه شيء من لغة العجم، ولا شك أن هذا هو الواقع، فليس في القرآن لفظ عجمي، لكن اختلف العلماء المفسرون وغيرهم هل في القرآن كلمة أصلها أعجمي، ثم عُرِّبت فمنهم من يقول: نعم، ومنهم من يقول: لا، فالذين قالوا: نعم، قالوا: هناك كلمات في القرآن الكريم لا تنطبق عليها قواعد اللغة العربية، ويعني هذا أنها أعجمية، وهذا لا ينافي أن يكون القرآن عربيًّا؛ لأن العرب لما عرَّبتها صارت عربية بالاستعراب، كما أن العرب أصلهم مستعربون وإلا فلغة أبيهم إسماعيل ليست عربية. ومنهم من قال: هذه الكلمات التي هي كلمات أعجمية إنما جاءت بلسان العرب من باب توارد اللغتين، ولا مانع من أن تتوارد اللغتان على كلمة واحدة، والخلاف في هذا قريب من اللفظي، وذلك لأنهم متفقون على أنه لا يوجد في القرآن لفظ أعجمي هو أعجمي حتى نزول القرآن أبدًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان حِكمة الله عز وجل في إنزاله القرآن باللسان العربي؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بُعِث في قوم عرب، فكانت الحكمة أن يكون لسانه عربيًّا كما هو الشأن في جميع الرسل، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم ٤]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن فهم المعنى مُعِين على التقوى؛ لقوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزمر ٢٨] ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، وهذا أمر واضح أن فهم المعنى من أسباب التقوى؛ لأنك لو تكلم لك إنسان بما لا تفهم معناه لم يؤثر فيك شيء، إنما يؤثر فيك ما تفهم معناه، ولهذا قال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. * ونستفيد من هذه الجملة: ما استفدنا من الجملة السابقة وهي قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر ٢٧]. ثم قال الله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ إلى آخره [الزمر: ٢٩]. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذه الآية تطبيق لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر ٢٧] فإن هذا مثل. * ومن فوائدها: أن مثل من يعبد مع الله غيره كمثل عبدٍ فيه شركاء متشاكسون متنازعون متخاصمون، وجه ذلك أن هذا العابد مع الله غيره لم يكن قلبه خالصًا لله تتنازعه الشركاء من يمين وشمال حتى ضاع بينهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى يأتي بالخبر أو غيره، ثم يُقرِّر ذلك للمخاطَب بأحسن وجه؛ وذلك في قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر ٢٩] فإن هذا الاستفهام الذي يُراد به النفي الغرض منه تقرير ما ذُكِر وإلزام المخاطَب به. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى مُستحِق للحمد لكمال توحيده؛ لقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. * ومن فوائدها: أن الحمد المطلق إنما يكون لله عز وجل، أما غيره فهو إن حُمِدَ فليس حمده على الإطلاق بل يُحْمَد على شيء معين وجزء معين مما يُحمد عليه، أما الحمد على الإطلاق فهو لله رب العالمين عز وجل؛ لأنه هو المحمود على كل حال، وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا أتاه ما يُسَرُّ به قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ». » وإذا أتاه ما يسوءه قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ»[[أخرجه ابن ماجه (٣٨٠٣) من حديث عائشة.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أكثر بني آدم لا يعلمون الحقائق على ما هي عليه، وإن علموها لم ينتفعوا بها؛ لقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٢٩]. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣٠، ٣١]. * من فوائدها: أن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم لن يُخلَّد أبد الآبدين بل هو ميت كما أن خصومه أموات، وهذا كقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء ٣٤]. * ومن فوائدها: تسلية النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لقوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣٠، ٣١]. * ومن فوائدها: إنذار هؤلاء المكذبين بأن لهم موعدًا مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهو الاختصام يوم القيامة. * ومن فوائدها: أن أهل الشِّرْك والكفر خُصوم لأهل التوحيد والإيمان في الآخرة كما أنهم خصوم في الدنيا، ففي الدنيا لا شك في خصومتهم وعداوة بعضهم لبعض، وفي الآخرة أشد وأعظم. * ومن فوائدها: أن الخلق يختصمون عند الله يوم القيامة، ومن المعلوم أن الخاصِم إذا كانت الخصومة بين المؤمن والكافر هو المؤمن قال الله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء ١٤١]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات البعث والحساب؛ لقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣١].

الزمر 39:32

قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ [الزمر ٣٢] (مَنْ) هذه استفهامية، وقوله: (﴿إِذْ جَاءَهُ﴾ ﴿إِذْ﴾ ظرف بمعنى حين، والاستفهام في قوله: ﴿أَلَيْسَ﴾ للتقرير). يقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾، هذا الاستفهام هنا بمعنى النفي؛ أي: لا أحد أظلم ممن كذب على الله، وقوله: ﴿كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: افترى عليه الكذب؛ إما بنسبة الشريك إليه، أو بأنه حرم شيئًا ولم يحرمه، أو أحلَّ شيئًا ولم يحله، أو أوجب شيئًا ولم يوجبه، أو عطل صفة من صفاته، أو أثبت له ما لم يصف به نفسه أو غير ذلك مما يكون فيه الكذب على الله، فلا أحد أظلم ممن كذب على الله، والكذب على الله ليس كالكذب على البشر، والكذب على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ليس كالكذب على غيره من البشر، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٢٩١)، ومسلم (٤ / ٤) من حديث المغيرة بن شعبة.]]. وقوله: ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ [الزمر ٣٢]، فجَمَعَ بين الأمرين ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾ أي نسب الصدق إلى الكذب وقال: هذا كذب، ومن ذلك تكذيب قريش للرسول صلى الله عليه وآله وسلم حيث قالوا: إنه ساحر كذاب. قال الله تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾، هذا الاستفهام للتقرير، والغالب أن همزة الاستفهام إذا دخلت على ما يفيد النفي الغالب أن تكون للتقرير، وجوابها يكون (بلى)، جوابها بالإثبات يكون (بلى)، مثل: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١] الاستفهام هنا للتقرير، ومعناه قد شرحنا لك صدرك. ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ [التغابن ٥]، المعنى (قد أتاكم)، وأمثلة هذا في القرآن كثير. وقوله: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [الزمر ٣٢] أظهر في مقام الإضمار، وكان مقتضى السياق أن يقول: أليس في جهنم مثوى له، والإظهار في مقام الإضمار له فوائد ذكرناها لكم سابقًا، فمن يستحضرها؟ الإظهار في مقام الإضمار؟ * طالب: تفيد في العموم. * الشيخ: هذه واحدة، فائدة العموم؛ يعني مثوى له ولغيره من الكافرين. * طالب: التوبيخ. * الشيخ: لا؛ لأنه قد لا يكون المسألة فيها توبيخ. * طالب: شد الانتباه. * الشيخ: لا، هذا في الالتفات، وربما يكون هذا أيضًا يزيد في الانتباه. * طالب: تسجيل الوصف على هؤلاء الكافرين. * الشيخ: نعم، تسجيل الوصف على هؤلاء بأنهم كفار؛ يعني إثبات أن هؤلاء كفار، الثالث؟ * طالب: التوكيد. * الشيخ: لا، الثالث التعليل، أفادت التعليل، لو قال: ليس في جهنم مثوى له لم نستفد ما هي العلة في أن مثواه جهنم، لكن إذا قال: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [الزمر ٣٢] عرفنا أن العلة كفرهم، ففيه بيان العلة، فصار الإظهار في موضع الإضمار له ثلاث فوائد، الفائدة الأولى ما هي؟ سبحان الله العظيم، نوم اليقظان عجيب!! * طالب: التعليل يا شيخ. * الشيخ: النيل يجري ولو كنت هاهنا. * الطالب: التعليل. * طالب آخر: ذكرنا أنه يفيد العموم، إفادة العموم. * الشيخ: نعم، هذه واحدة، الثاني؟ * الطالب: الثاني: ثبوت الوصف على هؤلاء الموصوفين، وإفادة التعليل. * الشيخ: الثالث: إفادة التعليل هذا من فوائد الإظهار في موضع الإضمار. ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [الزمر ٣٢] إذن هؤلاء الكفار الذين كذبوا على الله، وكذبوا بالصدق هم كفار ومثواهم جهنم والعياذ بالله، و(جهنم) قيل: إنها من الأسماء المعربة، وأصلها في اللغة الفارسية (جهنَّام)، وقيل: إنها اسم عربي، وأنها مأخوذة من (الْجُهْمَة) يعني الظلمة. والنار لبُعْد قعرها أعاذني الله وإياكم منها سودة مظلمة، فالله أعلم، سواء هذا أو هذا، المهم أنها تُستعمل في لغة العرب للنار العظيمة المسودة. يقول المؤلف رحمه الله: (﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾ ﴿فَمَنْ﴾ أي لا أحد) وتحويل المؤلف الاستفهام إلى النفي يفيد أن معنى الاستفهام أيش يا جماعة؟ * طلبة: التقرير. * الشيخ: لا، النفي، لا أحد أظلم ممن كذب على الله؛ أي: قال عليه الكذب، قال المؤلف: (بنسبة الشريك والولد إليه، وهذا على سبيل التمثيل لا الحصر)، فمن قال: إن لله ولدًا فقد كذب على الله، إن لله شريكًا؛ فقد كذب على الله، إن الله لا يُوصف بهذه الصفات التي وصف بها نفسه؛ فقد كذب على الله، إن الله مماثِل لخلقه؛ فقد كذب على الله، إن الله حرم السائبة والوصيلة والحامية؛ فقد كذب على الله. المهم أن ذكر المؤلف رحمه الله لهذين الأمرين فقط المراد به التمثيل لا الحصر، الكذب على الله كثير، وبعضها أشد من بعض. قال: (﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾ [الزمر ٣٢] بالقرآن إذ جاءه) لا شك أن القرآن صِدْق، بل إنه صدق وعدل، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥] فهو باعتبار الأخبار صدق، وباعتبار الأحكام عدل لكن المسألة أعم مما قال المؤلف ﴿بِالصِّدْقِ﴾ أي بما كان صادقًا سواء في القرآن أو في السنة فإنه داخل في قوله: ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾. وقوله: ﴿إِذْ جَاءَهُ﴾ يعني إذ أتاه، وليس شيئًا منقولًا له بل هو قد أتاه مباشرة، وأُخْبِر به على لسان الصادق فيُكَذِّب به، لو أن أحدًا حدثنا عن شيخه، وشيخه عن شيخه، وشيخه عن شيخه حتى وصل إلى الرسول ﷺ، فهل يمكن أن نُكذِّب هذا إذا كان في أحد الرواة من هو متهم بالكذب؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: نعم، يمكن، لكن إذا كان جاءنا الخبر من الرسول مباشرةً فإن تكذيبه كُفْر؛ ولهذا لو أن أحدًا من الناس كذَّب حديثًا في أحد كتب الحديث، كذَّب به، فقلنا له: لِمَ كذَّبت؟ هل عندك شك في أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قاله؟ قال: لا شك عندي أنه قاله، لكنه كذب. ماذا نقول له؟ نقول: هذا كافر؛ لأن الصِّدْق جاءه بإقراره على نفسه، أما لو قال: هذا كذب؛ لأن أحد الرواة كاذب أو كذَّاب فأنا أنكره لهذا، فماذا نقول؟ يكفر أو لا يكفر؟ لا يكفر بل قد يكون هذا هو الواجب عليه إذا كان هذا مؤدى اجتهاده. ففائدة قوله: ﴿إِذْ جَاءَهُ﴾ [الزمر ٣٢] أنه لا واسطة بينه وبين من جاء بالصدق حتى يقال: (لَعَلَّ لَهَا عُذْرًا وَأَنْتَ تَلُومُ)، ليس هناك واسطة. قال: (﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى﴾ مَأْوًى ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ [الزمر ٣٢]) قال: بلى، وهذا هو جواب أليس وأشباهها، إذا دخلت همزة الاستفهام على ما يفيد النفي فجواب التقرير فيها (بلى)، ولو قلت: (نعم) لكان نفيًا، فإذا قلت: ألم يقم زيد؟ فقال المخاطب: نعم، يعني لم يقم، وإذا قلت: ألم يقم زيد؟ فقال المخاطب: بلى، أي قد قام؛ ولهذا يُروى عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف ١٧٢] قال: لو قالوا: نعم لكفروا؛ يعني هم إذا قالوا: نعم يعني لست ربنا، هذا هو المشهور في اللغة العربية، لكن ربما يأتي الجواب بـ(نعم) مرادًا به الإثبات، ومنه قول الشاعر: أَلَيْسَ اللَّيْلُ يَجْمَعُ أُمَّ عَمْـرٍو ∗∗∗ وَإِيَّانَا فَـذَاكَ لَنــــــَاتَـــــــــــــــدَانِي؎نَعَمْ وَتَرَى الْهِلَالَ كَمَا أَرَاهُ ∗∗∗ وَيَعْلُوهَا النَّهَارُ كَمَا عَلَانِي أنتم معنا؟ من ينشدني البيت؟ ما حفظته من قبل؟ * طالب: (...). * الشيخ: أعيده مرة ثانية وثالثة: أَلَيْسَ اللَّيْلُ يَجْمَعُ أُمَّ عَمْـرٍو ∗∗∗ وَإِيَّانَا فَـذَاكَ لَنــــــَاتَـــــــــــــــدَانِي؎نَعَمْ وَتَرَى الْهِلَالَ كَمَا أَرَاهُ ∗∗∗ وَيَعْلُوهَا النَّهَارُ كَمَا عَلَانِي ثالثة: أَلَيْسَ اللَّيْلُ يَجْمَعُ أُمَّ عَمْـرٍو ∗∗∗ وَإِيَّانَا فَـذَاكَ لَنــــــَاتَـــــــــــــــدَانِي؎نَعَمْ وَتَرَى الْهِلَالَ كَمَا أَرَاهُ ∗∗∗ وَيَعْلُوهَا النَّهَارُ كَمَا عَلَانِي الواحد من العرب بيُلقي قصيدة خمسين ستين بيتًا مرة الواحد وينصرف وقد حفظها الناس. * طالب: أَلَيْسَ اللَّيْلُ يَجْمَعُ أُمَّ عَمْـرٍو ∗∗∗ وَإِيَّانَا فَـذَاكَ لَنــــــَاتَـــــــــــــــدَانِي؎نَعَمْ وَتَرَى الْهِلَالَ كَمَا أَرَاهُ ∗∗∗ وَيَعْلُوهَا النَّهَارُ كَمَا عَلَانِي نَعَمْ وَتَرَى الْهِلَالَ كَمَا أَرَاهُ ∗∗∗ وَيَعْلُوهَا النَّهَارُ كَمَا عَلَانِي الواحد من العرب بيلقي القصيدة خمسين ستين بيتًا مرّة واحدة وينصرف وقد حفظها الناس. * طالب: أَلَيْسَ اللَّيْلُ يَجْمَعُ أُمَّ عَمْرٍو ∗∗∗ وَإِيَّانَا فَذَاكَ لَنَا تَدَانِي * الشيخ: نعم. * الطالب: نَعَمْ وَتَرَى الْهِلَالَ ..... ∗∗∗ .................................. * الشيخ: كَمَا أَرَاهُ. * الطالب: كَمَا أَرَاهُ. * الشيخ: ................................... ∗∗∗ وَيَعْلُوهَا النَّهَارُ كَمَا عَلَانِي مسكين هذا، يكفيه مع أم عمرو أن الليل يجمعهم، وأنها ترى الهلال كما يراه، ويعلوها النهار كما علاه. * طالب: (...). * الشيخ: لو قال قائل: لعل هذه ضرورة، قلنا: لا؛ لأنه لو أتى بـ(بلى) بدل (نعم) استقام البيت، لو قال: بَلَى وَتَرَى الْهِلَالَ كَمَا أَرَاهُ ∗∗∗ .................................. استقام البيت. على كل حال المؤلف أجاب: (بلى) أي: لإثبات ما ذكر أن ﴿فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [الزمر ٣٢]. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا أحد أظلم ﴿مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾ لجمعه بين سيئتين؛ السيئة الأولى: الكذب على الغير، والسيئة الثانية: تكذيب الغير الصادق، فإن انفرد أحدهما فهل يستحق هذا الوصف أن يكون أظلم الناس؟ لو كذب على الله وصدّق بالصدق هل يستحق هذا الوصف؟ لا؛ لأن الوصف أو الحكم المرتَّب على مجموع صفات لا يثبت إلا بثبوتها، ولكن مع ذلك إذا تفرقت الأوصاف فله نصيب من هذا الوصف، فقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون ٤ - ٧] أحد هذه الأوصاف له نصيب من الويل، لكن الويل كله لا يكون إلا باجتماع الأوصاف: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر ٤٢ - ٤٦] أربعة أوصاف هي سبب دخولهم النار، إذا انفرد واحد منها لم يكن دخولهم النار مستحقًّا لكن له نصيب من هذا الوعيد. هنا: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾ [الزمر ٣٢] كم الأوصاف؟ * طالب: وصفان. * الشيخ: هما؟ * طالب: افترى على الله وكَذَّب بالصِّدق. * الشيخ: وكَذَّب بالصِّدق، لو افترى بدون أن يكذب بالصدق؟ * طالب: لا ينطبق عليه. * الشيخ: لم ينطبق عليه الوصف؛ الأظلمية، لكنه ظالم، ولو كذَّب بالصدق ولم يكذب على الله كذلك. فإن قال قائل: هذه الآية تدل على أن من اتصف بهذين الوصفين هو أظلم الناس، فكيف نجمع بينها وبين نصوص أخرى تدل على مثل هذه الدلالة؟ مثل: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ [البقرة ١١٤]، وفي الحديث: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٥٣)، ومسلم (٢١١١ / ١٠١) من حديث أبي هريرة.]]، ونصوص متعددة. فالجواب أن نقول: إن هذه كلها تشترك في الأظلمية، نقول هذه الأمور اشتركت في وصف الأظلمية، ولا مانع في أن تشترك، فتقول مثلًا: فلان أصدق الناس، والثاني أيضًا: فلان أصدق الناس، والثالث: فلان أصدق الناس، يعني اشتركوا في هذه المرتبة العالية التي أعلى شيء؛ لأن اسم التفضيل يدل على الكمال في هذه الصفة. أو نقول: إن الأظلمية باعتبار جنس هذا الذنب، فمثلًا: مَن أشد الناس ظلمًا في الكذب على الغير؟ من كذب على الله، من أشد الناس ظلمًا في تكذيب الغير؟ من كَذَّب بالصدق، وهذا الوجه أقرب؛ وذلك لأن الاشتراك في الأظلمية قد يمنع اسم التفضيل في الجنس الآخر؛ يعني أنه ليس الإنسان يتصور تصورًا تامًّا بأن اشتراك هذه الأعمال في الأظلمية يقتضي أن لا يكون بعضها أظلم من بعض، فإذا قلنا: إن الأظلمية هنا باعتبار جنس المفضل عليه؛ يعني: فمن أظلم ممن كذب على الله في الكاذبين على الغير، فالكاذب على الله أشد ظلمًا من الكاذب على زيد وعمرو، أليس كذلك؟ والمكذب بما يحتمل الصدق والكذب ليس كالمكذب بما يعلم أنه الصدق ﴿كَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ [الزمر ٣٢]. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة ١١٤]، من منع مساجد الله فهو أظلم ممن منع الغير حقه، لو منعت رجلًا أن يدخل بيته لكان منعي لهذا الرجل أن يدخل مساجد الله ويذكر فيها اسمه أعظم، «مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي» »[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٥٣)، ومسلم (٢١١١ / ١٠١) من حديث أبي هريرة.]] لو أن أحدًا ذهب يخلق كخلق فلان أو فلان ممن يحرم عليه مزاحمته في صنعته لكان الذي ذهب يخلق كخلق الله أظلم، وهلمّ جرًّا، وهذا الجواب جواب -كما ترون- سديد، ولا يرد عليه إشكال. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكذب على الله أظلم أنواع الكذب؛ لقوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾، وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدِكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٢٩١)، ومسلم (٤/ ٤) من حديث المغيرة بن شعبة.]]، فما بالكم بالكذب على الله الذي أرسله، إذا كان هذا الكذب على الرسول بهذه المثابة فما بالك بمن كذب على الله؟! * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب التحرّي في تفسير القرآن؛ لأن المفسّر للقرآن شاهد على الله بأنه أراد كذا وكذا، وقد يكون الأمر على خلاف ذلك فيكون كاذبًا على الله، ولهذا كان الصحابة الأجلاء يتحرزون من تفسير القرآن، وهو نزل بلغتهم وفي عصرهم ومشاهدتهم ومع ذلك يتحرزون، سُئل أبو بكر عن قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس ٣١] «ما الأبُّ؟ قال: أي أرض تُقلّني، وأي سماء تُظلني إن قلت في كلام الله ما لا أعلم»[[أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٠٦٠٩).]]. يعني أنه لا يعلم، ويقول: «أي أرض تُقلُّني، وأي سماء تُظلني». وما شاء الله عندنا الآن أناس يُفسر الآية وكأنه ابن عباس، وهو من أجهل عباد الله، ولا يبالي أن يفسر، هو لو فسر كلام زيد وعمرو ما همنا به، وأي شيء يهمنا؟! لكن إذا فسر كلام الله هو شهد على الله أنه أراد كذا وكذا، ولذلك نجد أن من أخطر ما يكون أن يؤوَّل كلام الله عن ظاهره إلى معنى يخالف الظاهر بلا دليل بيّن، وبه نعرف ضلال أهل التعطيل الذين قالوا: استوى على العرش؛ يعني: استولى عليه، تشهد على الله أنه أراد هذا؟ ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص ٧٥]: بقوتي أو بنعمتي أو ما أشبه ذلك، هذا كذب على الله؛ لأن الله خاطبنا في القرآن باللسان العربي فيجب أن نحمل هذا القرآن على اللسان العربي بدون أن نحرف. * طالب: أحيانًا يا شيخ تمر آية ويُسأل عنها الإنسان، ويكون معناها واضح جدًا؛ يعني واضحة له، مع العلم أنه لم يسبق أن قرأ تفسيرًا فيها، هل له أن يقول معناها الظاهر هكذا؟ أو يقول: والله أنا لا أدري؛ لأني ما قرأت تفسيرا عن هذه الآية؟ * الشيخ: لو الشيء الواضح تفسيره مقتضى اللغة لا بأس به، لو قال قائل: ما معنى قوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة ٤٣]، لو جاء عامّي قال: أقم الصلاة؛ يعني: قل: الله أكبر الله أكبر قد قامت الصلاة إلى آخره، هذا حرام، لكن: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ سُئل عنها طالب علم يعرف معنى الإقامة، إقامة الشيء؛ يعني فعله على وجه مستقيم، فقال: معنى ﴿أَقِيمُوا﴾ ائتوا بها كاملة، ما فيه مانع هذا. * طالب: شيخ، عفا الله عنك، النبي ﷺ قال: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ»[[أخرجه مسلم (٢٣٦٣ / ١٤١) من حديث عائشة وأنس بن مالك.]] في مسألة تأبير النخل، فلو قال قائل: إن مسألة النبي ﷺ إذا تكلم في أمور الدنيا كالطب وغيره، لنا أن نأخذ بذلك أو نرده على حسب ما يوافق التجربة، فهل هذا يكون من رد حكم النبي ﷺ أو لا؟ * الشيخ: إذا قال النبي ﷺ قولًا ولم يثبت في حياته أنه رجع عنه فقوله باقٍ ولا يجوز أن نخالفه، ولو كان في مسائل الطب، ولهذا لما قال: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ ثُمَّ لْيَنْزِعْهُ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الْآخَرِ دَوَاءً» » أو قال:« «شِفَاءً»[[أخرجه البخاري (٣٣٢٠) من حديث أبي هريرة.]]، لا يجوز أن نقول: والله هذا يخالف الطب، بل يجب علينا أن نقول: هذا حق، ثم نعلم أن الطب لم يصل إلى هذا العلم، أما إذا كان في حياته ثم هو نفسه تراجع عنه فهذا لا بأس. يعني الآن -مثلًا- النجارون أعلم منّا بالنجارة، أليس كذلك؟ أعلم منا بالنجارة، يعرف كيف ينجر نحن ما نعرف، المهندسون الذين يصنعون السيارات، والذين يصنعون (...)، والذين يصنعون الساعات أعلم منا بها، فقوله: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ»[[أخرجه مسلم (٢٣٦٣ / ١٤١) من حديث عائشة وأنس بن مالك.]]؛ يعني ما تصنعونه وتباشرونه على وجه محسوس فأنتم أعلم به، أما أحكام دنيانا فهي إلى الله ورسوله، هما أعلم بذلك. * طالب: يا شيخ خبر أبو بكر: «أي سماء تظلني»، هل هذا صحيح؟ * الشيخ: هذا مشهور عند المفسرين وعند غيرهم، حتى شيخ الإسلام نقله في المقدمة. * طالب: قول المؤلف: (﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر ٢٨] أي: لبس واختلاف) (...)؟ * الشيخ: هذا في درس أمس. * طالب: إي نعم، ما ذكرناها. * الشيخ: لا، ذكرناه، فسرناه. * طالب: (...). * الشيخ: لا، فسرناه، ما فسرناه أمس؟ وقلنا إنه يهدي للتي هي أقوم * طالب: لا كلام المؤلف أقصد (...). * الشيخ: لا، هو ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ مو بس لبس واختلاق ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ في أحكامه وأخباره (...). * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥) أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾ [الزمر ٣٣ - ٣٧]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ الاستفهام هنا ما معناه؟ * طالب: النفي. * الشيخ: معناه النفي. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، وما الفائدة من إتيان النفي بصيغة الاستفهام؟ * طالب: التوكيد (...). * طالب آخر: التقريب. * الشيخ: التقريب؟ كون النفي يأتي بصيغة الاستفهام معناه التقريب؟ * طالب: التقرير. * الشيخ: أو التقرير. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، فائدته أنه متضمن للتحدي؛ لأن قول: لا أحد أظلم دون قوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾ لأن هذا يكون مشربًا معنى التحدي فيكون نفيًا وزيادة. ما معنى قوله: ﴿كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾؟ * طالب: ﴿كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: افترى على الله. * الشيخ: افترى على الله في أي شيء؟ * طالب: بنسبة شريك (...). * الشيخ: وغير؟ * طالب: وغير ذلك. * الشيخ: غير مثل؟ * طالب: نسبة الكذب إلى كلامه (...). * الشيخ: وغير؟ * طالب: وتكذيب رسوله. * الشيخ: لا، ما هو التكذيب؟ التكذيب غير الكذب. * طالب: نفي الأسماء والصفات لله سبحانه وتعالى، تعطيلها. * الشيخ: كالتعطيل، تعطيل أسمائه وصفاته. * طالب: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة ٧٩]. * الشيخ: إي نعم، الكذب على الشرع أن نقول هذا حلال وهذا حرام. وقوله: ﴿كَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾، ما الفائدة من قوله: ﴿إِذْ جَاءَهُ﴾؟ * طالب: أنه لم يسمع فقط، بل تأكد منه. * الشيخ: يعني جاءه مباشرة بدون واسطة، أحسنت. قوله: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ هذه الجملة فيها نكتة بلاغية؟ * طالب: الإظهار في موضع الإضمار. * الشيخ: الإظهار في موضع الإضمار، ما الفائدة من الإظهار في موضع الإضمار؟ * طالب: (...). * الشيخ: (...) ما سمعنا إلا اثنين. * طالب: إفادته العموم. * الشيخ: إي نعم، إفادة العموم. * طالب: إفادة التعليل. * الشيخ: التعليل. * طالب: إفادة (...) الوصف على ما وصف (...). * الشيخ: الاستفهام في قوله: ﴿أَلَيْسَ﴾ ما المراد به؟ * طالب: ﴿أَلَيْسَ﴾ للاستفهام. * الشيخ: إي نعم، ما المراد به؟ * الطالب: المراد (...). * الشيخ: ﴿أَلَيْسَ﴾؟ * طالب: (...). * الشيخ: المراد به هنا التقرير، لماذا؟ * طالب: لأن (...). * الشيخ: لأن الاستفهام إذا دخل على ما يفيد النفي صار للتقرير. ما الجمع بين هذه الآية وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة ١١٤]؟ * طالب: (...) أظلم شيء (...)، فإنه أظلم شيء أن يكذب على الله، ويكذب بالصدق إذ جاءه. * الشيخ: يعني أن أفعل التفضيل بالنسبة لهذا النوع من؟ * طالب: الظلم. * الشيخ: فالكذب على الناس ليس كالكذب على الله ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة ١١٤]. * طالب: ﴿أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ في منع الناس من حقوقهم. * الشيخ: أن أظلم ما مُنع من الحقوق أن يمنع مساجد الله أن يُذْكَر فيها اسمه، هذا وجه، الوجه الثاني؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، أن تكون كل هذه الأحكام الأظلمية يشترك فيها كل ما ذُكر أيهما أرجح؟ * طالب: الأول هو الأرجح. * الشيخ: الأول هو الأرجح؛ لأنه أقل تكلفًا وأبعد عن الإشكال. ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ﴾ [الزمر ٣٣].. * طالب: ما كملنا الفوائد. * الشيخ: ما كملناها؟ * من الفوائد: أن الكذب على الله أعظم أنواع الكذب. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب التحري في تفسير القرآن؛ لأن تفسير القرآن ترجمة لما قال الله عز وجل، فإذا فسره بغير مراد الله صار كاذبًا على الله. * ومن فوائد هذه الآية: اختلاف مراتب الذنوب، أن الذنوب مراتب تتفاضل، كما أن الحسنات مراتب تتفاضل. * ومن فوائدها: أنه ينبني على هذه الفائدة زيادة الإيمان ونقصه؛ لأنه كلما كان الذنب أعظم كان نقص الإيمان به أكبر. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب تصديق من قامت البينة على صدقه لقوله: ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ فدل هذا على أن من كذب بالصدق فهو داخل في هذا الوصف؛ الذي هو أظلم من قام بهذا العمل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على الصادقين، وجه ذلك أن من كذبهم فهو داخل في هذا الجرم الذي هو أظلم ما يكون. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من كذب بالشيء المباشر له فهو أعظم ممن كذب بما سمع؛ لأن الواسطة بينه وبين الواقع قد تُضعف مقام الصدق عنده لقوله: ﴿إِذْ جَاءَهُ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تقرير كون النار مثوى للكافرين. * ومن فوائدها: بيان أن ما يطلقه كثير من الناس اليوم إذا مات الإنسان قالوا: ذهب؟ * طلبة: إلى مثواه الأخير. * الشيخ: إلى مثواه الأخير، فإن هذه الكلمة لو أخذناها بظاهرها لكانت تتضمن إنكار البعث إذا جُعل القبر هو المثوى الأخير، فلا بعث، والمثوى الأخير إما الجنة وإما النار، وعلى هذا فيجب التنبه والتنبيه لهذه العبارة، وأن يقال إن هذه عبارة متلقاة ممن ينكرون البعث، ولكن كثيرًا من العامة عامة يأخذون الكلمات لا يفكرون في معناها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا يُخلّد المؤمن في النار لقوله: ﴿مَثْوًى﴾ لمن؟ ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ والمؤمن ليست النار مثوى له، بل إن عُذِّب في النار على قدر ذنبه فمآله إلى الجنة.

الزمر 39:33

ثم قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ ﴿الَّذِي﴾ مبتدأ وخبره جملة: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾، فتضمنت هذه الجملة جملتين: جملة كبرى وجملة صغرى، الجملة الكبرى هي المكونة من المبتدأ والخبر، والصغرى هي الخبر المكون من مبتدأ وخبر، فالجملة الصغرى ما وقعت خبرًا تُسمى جملة صغرى؛ لأنها في مقام المفرد، والجملة الكبرى هي المكونة من مبتدأ وخبر أو فعل ومعموله. وقوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ فيه شيء من الإشكال يتبادر إلى الذهن، وهو أنه أخبر عن: ﴿الَّذِي﴾ -وهو اسم مفرد- بجمع -وهو قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ - ولم يقل: أولئك هو المتقي، ووجه ذلك أن: (الَّذِي) اسم موصول، والاسم الموصول يفيد العموم، حتى وإن كان مفردًا، فإنه يفيد العموم، ولهذا صح الإخبار عنه بالجمع مع كونه مفردًا. يقول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ ﴿الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ عام يشمل كل من جاء بالصدق من الرسل عليهم الصلاة والسلام والأنبياء والصادقين من غيرهم كل من جاء بالصدق، ومن ذلك مثلًا كعب بن مالك رضي الله عنه، فقد جاء بالصدق حين تخلف عن غزوة تبوك، وأخبر بالصدق، وأمرنا الله عز وجل أن نكون معهم لما ذكر قصتهم، قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة ١١٩]. وقوله: ﴿صَدَّقَ بِهِ﴾ أي صدق بالصدق الذي قامت البينة على صدقه، وأظننا لسنا بحاجة إلى أن نبين معنى الصدق والكذب، الصدق: مطابقة الواقع للخبر، والكذب: مخالفته، يعني من أخبر بما يُطابق الواقع فهو صادق ومن أخبر بما يخالف الواقع فهو كاذب، وقوله: صدَّق بالصدق، أي بما قامت البينة على صدقه ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ يعني الذين اتقوا الله عز وجل فلم يقولوا كذبًا، واتقوا الله عز وجل فلم يردّوا صدقًا. يقول الشارح -رحمه الله- والمفسر يقول: (﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ وهو النبي ﷺ) وهذا كما ترون تخصيص للعموم بما لا دليل عليه، والذي ينبغي إذا جاء القرآن عامًّا إبقاؤه على عمومه، بل هو الواجب أن يبقى على عمومه إلا بدليل، وهنا ليس هناك دليل يجعل هذا خاصًّا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فالواجب أن نجعله عامًّا؛ لأن حمله على الخاص بلا دليل قصور في مدلول القرآن، إذن يشمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغيره. (﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ هم المؤمنون) سبحان الله، هذا أيضًا خطأ؛ لأننا لو فسرنا الآية بما فسر به المؤلف لزم من ذلك تشتيت الضمائر وعدم انسجام الكلام ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ ﴿صَدَّقَ بِهِ﴾ هذه معطوفة على الجملة التي هي صلة الموصول، وإذا كانت معطوفة على الجملة التي هي صلة الموصول لزِم أن يكون المتصف بها الموصول، ما دامت معطوفة على الصلة فهي من جملة الصلة، والصلة وصف للموصول، والمؤلف -رحمه الله وعفا عنه- شتت الضمائر، جعل الضمير الأول للرسول ﷺ، والضمير الثاني للمؤمنين، والحق أنهما يرجعان إلى شيء واحد، وهو الموصول؛ لأن صلة الموصول صفة له، والمعطوف على الصلة صفة له أيضًا. إذن ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ من؟ يشمل كل أحد حتى النبي عليه الصلاة والسلام، صدق بأنه رسول الله، فكان يقول أحيانًا: «أَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ»[[أخرجه البخاري (٢٤٨٤) من حديث سلمة بن الأكوع. ]]، فقد صدق بأنه رسول الله، وأن ما أنزل إليه من ربه هو الحق، وأول من يدخل في هذه الآية بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أبو بكر الصديق، فإن أبا بكر الصديق صدّق، جاء بالصدق -رضي الله عنه- وصدّق به، حتى أنه في أضيق حال للرسول عليه الصلاة والسلام «ليلة الإسراء حينما أشاعت قريش بأن الرسول عليه الصلاة والسلام كذب وصار يخرف ويقول ما لا يمكن، فلما بلغه الخبر قال: إن كان قد قال ذلك فهو صادق»[[أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٩٧١٩) عن الزهري.]]، فمن ذلك اليوم سُمِّي بالصديق رضي الله عنه. قال: (هم المؤمنون فالذي بمعنى الذين) يعني أنها اسم مفرد لكن بمعنى الجمع؛ لكونها دالة على العموم. (﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ الشِّرْك) ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ أتى باسم الإشارة للبعيد لعلو مرتبتهم، ولم يقل: هؤلاء، بل قال: أولئك، و(أولئك) يُشار بها للبعيد، وإنما أشير لهم إشارة البعيد مع دنو في التحدث عنهم، لعلو مرتبتهم. وقول المؤلف: (﴿الْمُتَّقُونَ﴾ الشِّرْك) من أغرب ما يكون، الحديث الآن عن الصدق والتصديق بالصدق، فأين الشرك؟ لم يتقدم له ذكر، ولو أردنا أن نخصص لقلنا: أولئك هم المتقون الكذبَ والتكذيبَ بالحق، هكذا نقول، مع أن الذي يدل عليه الدليل أن المعنى: أولئك هم المتقون الله؛ وذلك لأن التقوى إذا أطلقت فإنما يُراد بها تقوى الله، أما إذا قُيِّدت فهي حسب ما قيدت به. فقوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٨١] هذا لليوم، وقوله: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٣١] هذا للنار، وقوله: (واتقوا الله) هذا لله وعند الإطلاق لمن؟ له لأن الله أحق أن يُتقى عز وجل، هنا نقول: أولئك هم المتقون الله، ولهذا جاءوا بالصدق وصدقوا به، اتقوا لله عز وجل. * يُستفاد من هذه الآية الكريمة: الثناء على من قال بالصدق، والصدق واجب، والكذب محرَّم، وقد يقول قائل: إنه من كبائر الذنوب؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعله من آيات النفاق[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣)، ومسلم (٥٩ / ١٠٧) من حديث أبي هريرة.]]، والمنافق ليس من المؤمنين، فلو قال قائل: إن الكذب من كبائر الذنوب. لم يكن قوله بعيدًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على من صدَّق بمن قامت البينة على صدقه، صدَّق بالصدق، وأما من لم يُصدّق بما يشك فيه فلا حرج عليه، والأخبار التي ترد على المرء تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما دل الدليل على صدقه فيُصدّق. والثاني: ما دل الدليل على كذبه، إما لكون ناقله معروفًا بالكذب وإما لكونه مستحيل الوقوع أو ما أشبه ذلك، فهذا يُكذّب ولا حرج على من كذبه. والثالث: ما يحتمل الصدق ويحتمل الكذب فهذا يُتوقف فيه، لا يُرد لعدم قيام الدليل على رده، ولا يُقبل لعدم قيام الدليل على قبوله، ودليل هذا القسم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات ٦]، ولهذا في الآية التي قبل هذه قال: ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾، وهنا قال: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ فذمَّ الأولين وأثنى على الآخرين. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الصدق من التقوى، وتصديق من قامت البينة على صدقه هو أيضًا من التقوى، لقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾. * ومن فوائدها الأصولية للحكم الفقهي: أن الموصول من صيغ العموم لقوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾.

الزمر 39:34

ثم قال الله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿لَهُمْ﴾ أي لهؤلاء المتقين ﴿مَا يَشَاءُونَ﴾ أي الذي يشاؤونه عند ربهم، وهو الله عز وجل، وأضاف الربوبية إليهم على وجه الخصوص؛ لأن الربوبية للمتقين ربوبية خاصة، ليست كالربوبية العامة التي تشمل الكافر والمؤمن والبر والفاجر، وإنما هي ربوبية خاصة. ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾، ﴿ذَلِكَ﴾ أي: كون جزائهم مَا يَشَاءُونَ ﴿جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ المحسنين الذين أحسنوا في عبادة الله وأحسنوا إلى عباد الله، فالإحسان في عبادة الله يُفسَّر بما فسره به النبي صلى الله عليه وآله وسلم بـ«أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩/ ٥) من حديث أبي هريرة.]]، والإحسان في معاملة الخلق أن تأتي إليهم ما تحب أن يُؤتى إليك، تحب لهم ما تحبه لنفسك، ما هو الإحسان في عبادة الله؟ * طالب: كما عرفها النبي ﷺ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». * الشيخ: وفي معاملة الخلق؟ * طالب: أن تأتي إليهم ما تحب أن يُؤتى إليك. * الشيخ: ما تُحب أن يُؤتى إليك، أحسنت. ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر ٣٥]، اللام هنا للعاقبة فيما يظهر؛ لأن لام التعليل تأتي أحيانًا للتعليل وأحيانًا لبيان العاقبة، فإن كان ما قبلها سببًا لما بعدها فهي للتعليل، وإن كان ما بعدها عاقبة لما قبلها وليس مرادًا فهي للعاقبة، هذا هو الفرق بينهما، فإذا قلت: جئت لأقرأ. فـ(اللام) هنا؟ * طلبة: للتعليل. * الشيخ: للتعليل، وإذا قال القائل: سافرت ليحصل لي الحادث. * طلبة: للعاقبة. * الشيخ: فهذه للعاقبة. ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨]. * طلبة: للعاقبة. * الشيخ: هذه للعاقبة، فالفرق بينهما إن كان ما قبلها سببًا لما بعدها فهي للتعليل، وإذا كان ما بعدها عاقبة لما قبلها غير فهي للعاقبة، يقول عز وجل: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ يعني عاقبة التقوى أن يكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا، ويحتمل أن تكون للتعليل، بمعنى أنهم اتقوا الله من أجل التكفير، قال: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾، وذلك بأن ينعم عليهم بالعفو عنه. والغالب أن التكفير يأتي مكفرًا بأعمال مقابلة، فالسيئات تكفَّر بالحسنات، انظر إلى الظهار، إذا ظاهر الإنسان كفّر بما ذكر الله عز وجل، يعني أتى بحسنات تغطي ما فعل من الذنوب، اليمين إذا حنث كفّر، فالغالب أن التكفير يكون بحسنات تغطي السيئات، ويجوز أن يكون التكفير مجرد فضل من الله عز وجل، يستر الله على عبده الذنب تفضلًا منه. وقوله: ﴿أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ ﴿أَسْوَأَ﴾ اسم تفضيل، وهو على بابه، فإذا كان الله يكفر عنهم أسوأ ما عملوا فما دونه من باب أولى، ويكون التعبير بالأسوأ من باب البشارة لهم. ﴿وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ أي ثوابهم على ما عملوا من حسنات ﴿بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: بأحسن الجزاء، فقوله: ﴿بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: بأحسن جزاء الذي كانوا يعملون، وذلك أن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وأحسن هنا على بابها؛ أي: إنها اسم تفضيل، فلا يجازيهم الحسنة بحسنة، بل بأحسن منها، كما سمعتم الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. وقوله: ﴿بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لا يخفى أن قوله: ﴿كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ صلة للموصول ﴿الَّذِي﴾ وصلة الموصول تحتاج إلى عائد يعود على الموصول ليربط الصلة به فما هو العائد هنا؟ محذوف، والتقدير؟ يعملونه. قال: (أسوأ وأحسن بمعنى السيئ والحسن) يعني (أسوأ) بمعنى السيئ (وأحسن) بمعنى الحسن، هكذا قال المؤلف، لكنه قول غير صحيح؛ لأنه يعتبر تحريفًا للقرآن؛ لأن كل واحد يعرف أن (أسوأ) اسم تفضيل، وسيئ وصف ليس فيه التفضيل، وكذلك أحسن اسم تفضيل، وحسن وصف ليس فيه تفضيل، فما بالنا ننزل المرتبة من التفضيل إلى ما هو أدنى؟ هذا يعتبر خطأ وتحريفًا، فالصواب ما شرحناه لكم أولًا، أن اسم التفضيل هنا على بابه، وأن الله بشرهم بأنه يكفّر الأسوأ، ومن كفر الأسوأ كفّر ما دونه، وبشرهم بأنه يجزيهم أحسن ما كانوا يعملون، لا أنه يجزيهم الحسنة بمثلها، بل أحسن، وهذا فرق عظيم بين الحسن والأحسن والسيئ والأسوأ. * من فوائد هذه الآية هاتان الآيتان: أولًا: قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. * من فوائدها: أن هؤلاء المتقين لهم ما يشاءون عند الله، متى؟ في الآخرة، في الجنة، وقد بين الله في آية أخرى أن لهم زيادة على ذلك، فقال: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق ٣٥] وقد فُسّرت الزيادة بأنها النظر إلى وجه الله عز وجل، والذي يظهر أن النظر من ذلك، وإلا فالزيادة أشمل من هذا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عناية الله تعالى بهؤلاء القوم، وذلك بإضافة الربوبية إليهم. * ومن فوائد هذه الآية: أن التقوى من الإحسان لقوله: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ ولم يقل المتقين، والمراد بهم المتقون، لكن المتقي محسن؛ لأن المتقي عند الإطلاق هو من قام بمأمور وترك المحظور وهذا هو الإحسان. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على الإحسان لقوله: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ والحث على الإحسان والأمر به كثير في الكتاب والسنة، والإحسان يتضمن -كما قلت لكم- الإحسان في عبادة الله، والإحسان إلى عباد الله، والإحسان إلى عباد الله يكون بالقول وبالفعل وبالجاه وغير ذلك من أنواع الإحسان، فلا تدخر وسعًا في بذل الإحسان لإخوانك، فإن ذلك مما يكون سببًا لدخول الجنة، ويكون أيضًا سببًا في عون الله لك، فإن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. * ومن فوائد الآية الثانية: أنهم بتقواهم يكفّر الله عنهم أسوأ أعمالهم لقوله: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾. * ومن فوائدها: أن الله يجزيهم بأحسن جزاء، وقد بُيّن ذلك في الكتاب والسنة بأن من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الخطرات التي تخطر على القلوب لا حكم لها؛ لقوله: ﴿الَّذِي عَمِلُوا﴾ ولقوله: ﴿الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وقد جاء الحديث مؤيدًا لذلك، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٥٢٨)، ومسلم (١٢٧ / ٢٠١) من حديث أبي هريرة.]]، ولكن يجب على من كان له خطرات سيئة أن يدافعها بما يستطيع، ومن مدافعتها أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وينتهي؛ يعني يُعرِض عن هذه التقديرات، فإن ذلك يزول، أما إن خضع لها واستكان لها واستمر فإنها تهلكه؛ لأن الشيطان يقيس قلب المرء إذا رآه لينًا هشًّا تسلط عليه حتى يخرجه من دينه ودنياه والعياذ بالله، وإذا كان صلبًا لا يقدر الشيطان أن ينفذ فيه، فإنه حينئذ يكون قويًّا تتكسر عليه عظام الشيطان، وقد أوصى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تلميذه ابن القيم حينما كان يعرض عليه بعض الشبهات، قال: لا تجعل قلبك كالإسفنجة تتشرب الماء ثم لا يخرج منها إلا بعصر، اجعل قلبك كالزجاجة صافية يُرى من ورائها ولا ينفذ إليها شيء -يُرى ما فيها يعني- ولا ينفذ إليها شيء. يعني من هذه الشبهات تكون صافية نقية خالية من الشبهات ولا ينفذ إليها شيء وهكذا ينبغي للإنسان ألّا يخضع للشيطان في هذه الوساوس التي ترد عليه. فإذا قال قائل: هل الإرادة عمل أو لا؟ ماذا تقولون؟ الإرادة عمل، لكنها عمل القلب بخلاف التحديث؛ لأن تحديث النفس لا يعني الخضوع للشيء وإقرار الشيء لكن الإرادة لا تكون إلا بعد تقرير هذا الشيء، ولهذا «قال النبي عليه الصلاة والسلام في الرجلين المسلمين يلتقيان بسيفيهما فيقتل أحدهما الآخر، قال: كِلَاهُمَا فِي النَّارِ «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بَسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ»، قالوا: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: «لِأَنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١)، ومسلم (٢٨٨٨ / ١٤) من حديث أبي بكرة. ]] ولما ذكر الرجال الأربعة، ومنهم: «رَجُلٌ أَعْطَاهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْمَالَ فَهُوَ يُنْفِقُهُ فِي غَيْرِ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَقَالَ الرَّجُلُ الْفَقِيرُ لَيْتَ لِي مَالَ فُلَانٍ فَأَعْمَلَ فِيهِ كَعَمَلِ فُلَانٍ قَالَ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَهُمَا فِي الْوِزْرِ سَوَاءٌ»[[أخرجه الترمذي (٢٣٢٥)، وابن ماجه (٤٢٢٨) من حديث أبي كبشة الأنماري.]] مع أنه لم يعمل، لكن تمنى وأراد، والله أعلم. * طالب: إذا أخبر (...) مطابق للواقع، وكان مخالفًا للواقع هل يُسمى كاذبًا؟ * الشيخ: يسمى كاذبًا، لكن ليس عليه إثم الكاذب. * طالب: الذي يتقي الله ليكفر عنه سيئاته أو نقول: لا بد أن يتقي الله ويرضي الله، ثم (...). * الشيخ: كل هذا صحيح، وأما قول الصوفية: أعبد الله لله، فهذا خطأ، لكن أعبد الله لهذا ولهذا. قال الله تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ [المائدة ٢]، فبدأ بالفضل، وهذا في وصف الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح ٢٩]. * طالب: أنا أخلص لكي أتعلم. * الشيخ: أُخلص لكي أتعلم، ولّا: أتعلم مخلصًا؟ * طالب: لا (...). * الشيخ: أيش؟ * طالب: أخلص لله يجيك العلم. * الشيخ: هو لا شك أن الإخلاص لله يعني معونة وسببًا لتحصيل العلم وبركة العلم، الإخلاص سبب لحصول المفقود والبركة في الموجود (...). * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ (٣٧) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر ٣٦ - ٣٨]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر ٣٣]، من المراد بـ﴿الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾؟ * طالب: ﴿الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾؟ * الشيخ: من المراد به؟ * طالب: كل من صدق. * الشيخ: كل من جاء بالصدق، كل من صدق في مقاله وفعاله وقصده فهو داخل في الآية. تخصيص ذلك بالرسول ﷺ ماذا تقول فيه؟ * طالب: (...). * الشيخ: أقول تخصيصه بالرسول؟ * طالب: (...) ﴿جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾. * الشيخ: نعم، إذن هذا من باب القصور في تفسير الآية. * طالب: نعم. * الشيخ: الصدق هنا يختص بصدق النية والمقال والفعال؟ * طالب: يشمل جميعها. * الشيخ: يشمل الجميع، صدق النية بماذا؟ * طالب: بالإخلاص. * الشيخ: بالإخلاص لله، والمقال؟ * طالب: والمقال لا يخالف الواقع. * الشيخ: الإخبار بما يوافق الواقع، والفعال أن تكون على الشريعة. قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ كيف جمع الخبر مع أن المبتدأ مفرد؟ ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾؟ * طالب: (...). * الشيخ: لأن اسم الموصول ولو مفردًا يفيد؟ * طالب: يفيد العموم. * الشيخ: يفيد العموم، قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ هل جاء في القرآن ما يدل على أن لهم أكثر من ذلك؟ * طالب: نعم، قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦]. * الشيخ: لا نريد، المشيئة ما يشاءون. * طالب: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق ٣٥]. * الشيخ: هل في الآية ما يدل على الحث على الإحسان؟ * طالب: قوله تعالى: (...). * الشيخ: كم أنواع الإحسان؟ * الطالب: إحسان للعباد وإحسان لرب العباد. * الشيخ:إحسان في عبادة الله، وإحسان في معاملة عباد الله، الإحسان في عبادة الله ما معناه؟ * طالب: الإحسان في عبادة الله أن تؤدي العبادات على أكمل وجه. * الشيخ: لا أريد تفسيرًا أحسن من تفسير من فسرها به أو من فسره به. * طالب: هو فسرها النبي ﷺ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩/ ٥) من حديث أبي هريرة.]]. * الشيخ: تمام، واضح؟ عليك بالدليل. الإحسان في معاملة العباد؟ * طالب: الإحسان في معاملة العباد أن يعاملهم كما يحب أن يعاملونه. * الشيخ: أن يعاملون به، هل مخالفة هذا هل فيها وعيد؟ يعني أن تعامل الناس على خلاف هذا الواقع هل فيه وعيد؟ الإحسان في معاملة الخلق أن تعاملهم كما تحب أن يعاملوك به، هل هناك وعيد يدل على أنك لو عاملتهم على خلاف ذلك.. * طالب: (...). * الشيخ: ما بعد كملت الآية. * طالب: (...). * الشيخ: تمام، وفي السنة: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣)، ومسلم (٤٥/ ٧١) من حديث أنس بن مالك.]]، فسر المؤلف قوله تعالى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ بتفسير مخالف لظاهرها، فما هو التفسير الذي فسرها به؟ * طالب: فسر أسوأ وأحسن، قال (...) حسن وسيئ. * الشيخ: بمعنى سيئ وحسن، ما الفرق بين أسوأ وسيئ؟ * طالب: أسوأ من صيغ التفضيل. * الشيخ: وأما سيئ؟ * طالب: سيئ، فهي ليست من صيغ التفضيل. * الشيخ: وكذلك أحسن وحسن، أحسن من صيغ التفضيل، وحسن ليست كذلك، هل ما ذهب إليه صحيح؟ * طالب: لا، غير صحيح. * الشيخ: غير صحيح، لماذا؟ * طالب: يا شيخ، تفسيره فيه قصور، (...). * الشيخ: أولًا: لأنه مخالف لظاهر اللفظ، والثاني؟ * طالب: (...). * الشيخ: تمام؛ لأن تكفيره الأسوأ، وجزاؤه بالأحسن أبلغ مما لو كفّر السيئ وجزى بالحسن. في قوله: ﴿بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فيها حذف؟ * طالب: يعني حذف (...) الذي كانوا يعملونه. * الشيخ: المحذوف هو العائد على الصلة. المؤلف قال: (﴿الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ هو النبي ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ هم المؤمنون) وذكرنا أن هذا التفسير يتنافى تمامًا مع سياق الآية، وجهه؟ * طالب: وجهه أن قلنا: إن.. هذه ما قلناها. * الشيخ: لا قلناها، قلنا: إن هذا التفسير يتنافى تمامًا مع الآية. * طالب: (...) المتقون. * الشيخ: لا، هذا. * طالب: (...) سياق الآية أن الذي جاء بالصدق وصدق به (...). * الشيخ: الآية ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾، ﴿صَدَّقَ﴾: معطوف على ﴿جَاءَ﴾ على صلة الموصول، والمعطوف على الصلة من الصلة، وعلى هذا فيكون الموصوف واحدًا؛ لأن صلة الموصول صفة، فإذا قلت: الذي أكرمني وأعطاني المال محبوب إليَّ. مثلًا، هل نقول: أعطاني المال غير الأول ولّا هو الأول؟ * طالب: الأول. * الشيخ: هذا نفس الشيء.

الزمر 39:35

ثم قال الله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿لَهُمْ﴾ أي لهؤلاء المتقين ﴿مَا يَشَاءُونَ﴾ أي الذي يشاؤونه عند ربهم، وهو الله عز وجل، وأضاف الربوبية إليهم على وجه الخصوص؛ لأن الربوبية للمتقين ربوبية خاصة، ليست كالربوبية العامة التي تشمل الكافر والمؤمن والبر والفاجر، وإنما هي ربوبية خاصة. ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾، ﴿ذَلِكَ﴾ أي: كون جزائهم مَا يَشَاءُونَ ﴿جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ المحسنين الذين أحسنوا في عبادة الله وأحسنوا إلى عباد الله، فالإحسان في عبادة الله يُفسَّر بما فسره به النبي صلى الله عليه وآله وسلم بـ«أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩/ ٥) من حديث أبي هريرة.]]، والإحسان في معاملة الخلق أن تأتي إليهم ما تحب أن يُؤتى إليك، تحب لهم ما تحبه لنفسك، ما هو الإحسان في عبادة الله؟ * طالب: كما عرفها النبي ﷺ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». * الشيخ: وفي معاملة الخلق؟ * طالب: أن تأتي إليهم ما تحب أن يُؤتى إليك. * الشيخ: ما تُحب أن يُؤتى إليك، أحسنت. ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر ٣٥]، اللام هنا للعاقبة فيما يظهر؛ لأن لام التعليل تأتي أحيانًا للتعليل وأحيانًا لبيان العاقبة، فإن كان ما قبلها سببًا لما بعدها فهي للتعليل، وإن كان ما بعدها عاقبة لما قبلها وليس مرادًا فهي للعاقبة، هذا هو الفرق بينهما، فإذا قلت: جئت لأقرأ. فـ(اللام) هنا؟ * طلبة: للتعليل. * الشيخ: للتعليل، وإذا قال القائل: سافرت ليحصل لي الحادث. * طلبة: للعاقبة. * الشيخ: فهذه للعاقبة. ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨]. * طلبة: للعاقبة. * الشيخ: هذه للعاقبة، فالفرق بينهما إن كان ما قبلها سببًا لما بعدها فهي للتعليل، وإذا كان ما بعدها عاقبة لما قبلها غير فهي للعاقبة، يقول عز وجل: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ يعني عاقبة التقوى أن يكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا، ويحتمل أن تكون للتعليل، بمعنى أنهم اتقوا الله من أجل التكفير، قال: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾، وذلك بأن ينعم عليهم بالعفو عنه. والغالب أن التكفير يأتي مكفرًا بأعمال مقابلة، فالسيئات تكفَّر بالحسنات، انظر إلى الظهار، إذا ظاهر الإنسان كفّر بما ذكر الله عز وجل، يعني أتى بحسنات تغطي ما فعل من الذنوب، اليمين إذا حنث كفّر، فالغالب أن التكفير يكون بحسنات تغطي السيئات، ويجوز أن يكون التكفير مجرد فضل من الله عز وجل، يستر الله على عبده الذنب تفضلًا منه. وقوله: ﴿أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ ﴿أَسْوَأَ﴾ اسم تفضيل، وهو على بابه، فإذا كان الله يكفر عنهم أسوأ ما عملوا فما دونه من باب أولى، ويكون التعبير بالأسوأ من باب البشارة لهم. ﴿وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ أي ثوابهم على ما عملوا من حسنات ﴿بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: بأحسن الجزاء، فقوله: ﴿بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: بأحسن جزاء الذي كانوا يعملون، وذلك أن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وأحسن هنا على بابها؛ أي: إنها اسم تفضيل، فلا يجازيهم الحسنة بحسنة، بل بأحسن منها، كما سمعتم الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. وقوله: ﴿بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لا يخفى أن قوله: ﴿كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ صلة للموصول ﴿الَّذِي﴾ وصلة الموصول تحتاج إلى عائد يعود على الموصول ليربط الصلة به فما هو العائد هنا؟ محذوف، والتقدير؟ يعملونه. قال: (أسوأ وأحسن بمعنى السيئ والحسن) يعني (أسوأ) بمعنى السيئ (وأحسن) بمعنى الحسن، هكذا قال المؤلف، لكنه قول غير صحيح؛ لأنه يعتبر تحريفًا للقرآن؛ لأن كل واحد يعرف أن (أسوأ) اسم تفضيل، وسيئ وصف ليس فيه التفضيل، وكذلك أحسن اسم تفضيل، وحسن وصف ليس فيه تفضيل، فما بالنا ننزل المرتبة من التفضيل إلى ما هو أدنى؟ هذا يعتبر خطأ وتحريفًا، فالصواب ما شرحناه لكم أولًا، أن اسم التفضيل هنا على بابه، وأن الله بشرهم بأنه يكفّر الأسوأ، ومن كفر الأسوأ كفّر ما دونه، وبشرهم بأنه يجزيهم أحسن ما كانوا يعملون، لا أنه يجزيهم الحسنة بمثلها، بل أحسن، وهذا فرق عظيم بين الحسن والأحسن والسيئ والأسوأ. * من فوائد هذه الآية هاتان الآيتان: أولًا: قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. * من فوائدها: أن هؤلاء المتقين لهم ما يشاءون عند الله، متى؟ في الآخرة، في الجنة، وقد بين الله في آية أخرى أن لهم زيادة على ذلك، فقال: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق ٣٥] وقد فُسّرت الزيادة بأنها النظر إلى وجه الله عز وجل، والذي يظهر أن النظر من ذلك، وإلا فالزيادة أشمل من هذا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عناية الله تعالى بهؤلاء القوم، وذلك بإضافة الربوبية إليهم. * ومن فوائد هذه الآية: أن التقوى من الإحسان لقوله: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ ولم يقل المتقين، والمراد بهم المتقون، لكن المتقي محسن؛ لأن المتقي عند الإطلاق هو من قام بمأمور وترك المحظور وهذا هو الإحسان. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على الإحسان لقوله: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ والحث على الإحسان والأمر به كثير في الكتاب والسنة، والإحسان يتضمن -كما قلت لكم- الإحسان في عبادة الله، والإحسان إلى عباد الله، والإحسان إلى عباد الله يكون بالقول وبالفعل وبالجاه وغير ذلك من أنواع الإحسان، فلا تدخر وسعًا في بذل الإحسان لإخوانك، فإن ذلك مما يكون سببًا لدخول الجنة، ويكون أيضًا سببًا في عون الله لك، فإن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. * ومن فوائد الآية الثانية: أنهم بتقواهم يكفّر الله عنهم أسوأ أعمالهم لقوله: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾. * ومن فوائدها: أن الله يجزيهم بأحسن جزاء، وقد بُيّن ذلك في الكتاب والسنة بأن من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الخطرات التي تخطر على القلوب لا حكم لها؛ لقوله: ﴿الَّذِي عَمِلُوا﴾ ولقوله: ﴿الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وقد جاء الحديث مؤيدًا لذلك، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٥٢٨)، ومسلم (١٢٧ / ٢٠١) من حديث أبي هريرة.]]، ولكن يجب على من كان له خطرات سيئة أن يدافعها بما يستطيع، ومن مدافعتها أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وينتهي؛ يعني يُعرِض عن هذه التقديرات، فإن ذلك يزول، أما إن خضع لها واستكان لها واستمر فإنها تهلكه؛ لأن الشيطان يقيس قلب المرء إذا رآه لينًا هشًّا تسلط عليه حتى يخرجه من دينه ودنياه والعياذ بالله، وإذا كان صلبًا لا يقدر الشيطان أن ينفذ فيه، فإنه حينئذ يكون قويًّا تتكسر عليه عظام الشيطان، وقد أوصى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تلميذه ابن القيم حينما كان يعرض عليه بعض الشبهات، قال: لا تجعل قلبك كالإسفنجة تتشرب الماء ثم لا يخرج منها إلا بعصر، اجعل قلبك كالزجاجة صافية يُرى من ورائها ولا ينفذ إليها شيء -يُرى ما فيها يعني- ولا ينفذ إليها شيء. يعني من هذه الشبهات تكون صافية نقية خالية من الشبهات ولا ينفذ إليها شيء وهكذا ينبغي للإنسان ألّا يخضع للشيطان في هذه الوساوس التي ترد عليه. فإذا قال قائل: هل الإرادة عمل أو لا؟ ماذا تقولون؟ الإرادة عمل، لكنها عمل القلب بخلاف التحديث؛ لأن تحديث النفس لا يعني الخضوع للشيء وإقرار الشيء لكن الإرادة لا تكون إلا بعد تقرير هذا الشيء، ولهذا «قال النبي عليه الصلاة والسلام في الرجلين المسلمين يلتقيان بسيفيهما فيقتل أحدهما الآخر، قال: كِلَاهُمَا فِي النَّارِ «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بَسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ»، قالوا: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: «لِأَنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١)، ومسلم (٢٨٨٨ / ١٤) من حديث أبي بكرة. ]] ولما ذكر الرجال الأربعة، ومنهم: «رَجُلٌ أَعْطَاهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْمَالَ فَهُوَ يُنْفِقُهُ فِي غَيْرِ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَقَالَ الرَّجُلُ الْفَقِيرُ لَيْتَ لِي مَالَ فُلَانٍ فَأَعْمَلَ فِيهِ كَعَمَلِ فُلَانٍ قَالَ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَهُمَا فِي الْوِزْرِ سَوَاءٌ»[[أخرجه الترمذي (٢٣٢٥)، وابن ماجه (٤٢٢٨) من حديث أبي كبشة الأنماري.]] مع أنه لم يعمل، لكن تمنى وأراد، والله أعلم. * طالب: إذا أخبر (...) مطابق للواقع، وكان مخالفًا للواقع هل يُسمى كاذبًا؟ * الشيخ: يسمى كاذبًا، لكن ليس عليه إثم الكاذب. * طالب: الذي يتقي الله ليكفر عنه سيئاته أو نقول: لا بد أن يتقي الله ويرضي الله، ثم (...). * الشيخ: كل هذا صحيح، وأما قول الصوفية: أعبد الله لله، فهذا خطأ، لكن أعبد الله لهذا ولهذا. قال الله تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ [المائدة ٢]، فبدأ بالفضل، وهذا في وصف الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح ٢٩]. * طالب: أنا أخلص لكي أتعلم. * الشيخ: أُخلص لكي أتعلم، ولّا: أتعلم مخلصًا؟ * طالب: لا (...). * الشيخ: أيش؟ * طالب: أخلص لله يجيك العلم. * الشيخ: هو لا شك أن الإخلاص لله يعني معونة وسببًا لتحصيل العلم وبركة العلم، الإخلاص سبب لحصول المفقود والبركة في الموجود (...). * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ (٣٧) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر ٣٦ - ٣٨]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر ٣٣]، من المراد بـ﴿الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾؟ * طالب: ﴿الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾؟ * الشيخ: من المراد به؟ * طالب: كل من صدق. * الشيخ: كل من جاء بالصدق، كل من صدق في مقاله وفعاله وقصده فهو داخل في الآية. تخصيص ذلك بالرسول ﷺ ماذا تقول فيه؟ * طالب: (...). * الشيخ: أقول تخصيصه بالرسول؟ * طالب: (...) ﴿جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾. * الشيخ: نعم، إذن هذا من باب القصور في تفسير الآية. * طالب: نعم. * الشيخ: الصدق هنا يختص بصدق النية والمقال والفعال؟ * طالب: يشمل جميعها. * الشيخ: يشمل الجميع، صدق النية بماذا؟ * طالب: بالإخلاص. * الشيخ: بالإخلاص لله، والمقال؟ * طالب: والمقال لا يخالف الواقع. * الشيخ: الإخبار بما يوافق الواقع، والفعال أن تكون على الشريعة. قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ كيف جمع الخبر مع أن المبتدأ مفرد؟ ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾؟ * طالب: (...). * الشيخ: لأن اسم الموصول ولو مفردًا يفيد؟ * طالب: يفيد العموم. * الشيخ: يفيد العموم، قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ هل جاء في القرآن ما يدل على أن لهم أكثر من ذلك؟ * طالب: نعم، قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦]. * الشيخ: لا نريد، المشيئة ما يشاءون. * طالب: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق ٣٥]. * الشيخ: هل في الآية ما يدل على الحث على الإحسان؟ * طالب: قوله تعالى: (...). * الشيخ: كم أنواع الإحسان؟ * الطالب: إحسان للعباد وإحسان لرب العباد. * الشيخ:إحسان في عبادة الله، وإحسان في معاملة عباد الله، الإحسان في عبادة الله ما معناه؟ * طالب: الإحسان في عبادة الله أن تؤدي العبادات على أكمل وجه. * الشيخ: لا أريد تفسيرًا أحسن من تفسير من فسرها به أو من فسره به. * طالب: هو فسرها النبي ﷺ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩/ ٥) من حديث أبي هريرة.]]. * الشيخ: تمام، واضح؟ عليك بالدليل. الإحسان في معاملة العباد؟ * طالب: الإحسان في معاملة العباد أن يعاملهم كما يحب أن يعاملونه. * الشيخ: أن يعاملون به، هل مخالفة هذا هل فيها وعيد؟ يعني أن تعامل الناس على خلاف هذا الواقع هل فيه وعيد؟ الإحسان في معاملة الخلق أن تعاملهم كما تحب أن يعاملوك به، هل هناك وعيد يدل على أنك لو عاملتهم على خلاف ذلك.. * طالب: (...). * الشيخ: ما بعد كملت الآية. * طالب: (...). * الشيخ: تمام، وفي السنة: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣)، ومسلم (٤٥/ ٧١) من حديث أنس بن مالك.]]، فسر المؤلف قوله تعالى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ بتفسير مخالف لظاهرها، فما هو التفسير الذي فسرها به؟ * طالب: فسر أسوأ وأحسن، قال (...) حسن وسيئ. * الشيخ: بمعنى سيئ وحسن، ما الفرق بين أسوأ وسيئ؟ * طالب: أسوأ من صيغ التفضيل. * الشيخ: وأما سيئ؟ * طالب: سيئ، فهي ليست من صيغ التفضيل. * الشيخ: وكذلك أحسن وحسن، أحسن من صيغ التفضيل، وحسن ليست كذلك، هل ما ذهب إليه صحيح؟ * طالب: لا، غير صحيح. * الشيخ: غير صحيح، لماذا؟ * طالب: يا شيخ، تفسيره فيه قصور، (...). * الشيخ: أولًا: لأنه مخالف لظاهر اللفظ، والثاني؟ * طالب: (...). * الشيخ: تمام؛ لأن تكفيره الأسوأ، وجزاؤه بالأحسن أبلغ مما لو كفّر السيئ وجزى بالحسن. في قوله: ﴿بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فيها حذف؟ * طالب: يعني حذف (...) الذي كانوا يعملونه. * الشيخ: المحذوف هو العائد على الصلة. المؤلف قال: (﴿الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ هو النبي ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ هم المؤمنون) وذكرنا أن هذا التفسير يتنافى تمامًا مع سياق الآية، وجهه؟ * طالب: وجهه أن قلنا: إن.. هذه ما قلناها. * الشيخ: لا قلناها، قلنا: إن هذا التفسير يتنافى تمامًا مع الآية. * طالب: (...) المتقون. * الشيخ: لا، هذا. * طالب: (...) سياق الآية أن الذي جاء بالصدق وصدق به (...). * الشيخ: الآية ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾، ﴿صَدَّقَ﴾: معطوف على ﴿جَاءَ﴾ على صلة الموصول، والمعطوف على الصلة من الصلة، وعلى هذا فيكون الموصوف واحدًا؛ لأن صلة الموصول صفة، فإذا قلت: الذي أكرمني وأعطاني المال محبوب إليَّ. مثلًا، هل نقول: أعطاني المال غير الأول ولّا هو الأول؟ * طالب: الأول. * الشيخ: هذا نفس الشيء.

الزمر 39:36

ثم قال الله عز وجل: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ الاستفهام هنا للتقرير بناء على القاعدة التي ذكرناها من قبل، وهي أن همزة الاستفهام إذا دخلت على ما يفيد النفي أفادت التقرير ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١]، يعني قد شرحنا لك صدرك ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المؤمنون ١٠٥] يعني: قد كانت. وهكذا ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ يعني: قد كفى الله عبده، وقوله: ﴿بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ الذي نصب (عبده) قوله: ﴿كَافٍ﴾؛ لأن ﴿كَافٍ﴾ اسم فاعل، وفاعله مستتر، و﴿عَبْدَهُ﴾ مفعول به، وقوله: ﴿بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ (عبد): مفرد مضاف فيكون عامًّا لجميع من اتصف بهذا الوصف، فكل من كان عبدًا لله حقًّا فإن الله كافيه، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣]، ومثله قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة ١٣٧] فالعبد هنا وصف شامل لا يختص بواحد دون الآخر فكل من انطبقت عليه العبودية حقًّا فالله تعالى كافيه ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ والجواب على هذه الجملة أن يقال؟ بلى. ثم قال: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ هنا الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ﴿يُخَوِّفُونَكَ﴾ وعطف ﴿يُخَوِّفُونَكَ﴾ الخاص بالرسول لايقتضي تخصيص اللفظ العام قبله وقد مر علينا مثل هذا كثيرًا، يُذكر لفظ عام ثم يُذكر حكم يختص ببعض أفراده، قلنا: إن هذا لا يقتضي التخصيص، وأقرب مثال مرّ علينا في ذلك ما هو؟ مر علينا أمثلة أقربها؟ * طالب: ﴿الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾. * الشيخ: لا، هذا عامٌّ، مر علينا في الحديث، ما أسرع أن نسيانكم.. هذه القواعد لا ينبغي أن تُنسى يا جماعة، لا ينبغي أن تُنسى؛ لأن لو أنك الآن حفظت القاعدة مثلًا حفظت هذه القاعدة: أنه إذا جاء لفظ عام ثم جاء بعده حكم يختص ببعض أفراده فإن هذا لا يقتضي التخصيص، هذه قاعدة واضحة، لكن لو قال لك قائل أعطني مثالا ينطبق على هذا، إذا نسيت المثال قال لك: هذه القاعدة غير مقبولة، بل أنا أقول: إذا جاء حكم يختص ببعض الأفراد دل على أن المراد بالعموم الأول الخصوص، فيقلب عليك القاعدة. وطالب العلم يقيّد الفوائد الشرائد، الفوائد اللي تشرُد من الذهن ينبغي لطالب العلم أن يعتني بها ويقيدها وإلا ضاعت عليه. * طالب: إذا ما جاء حديث (...)؟ * الشيخ: لا، هذان نصان منفردان، إحنا نريد في سياق واحد، مر علينا في القرآن مثال، ومر علينا في السنة مثال، أقرب مما مر علينا في القرآن، وإلا كلٌّ مرت علينا. * طالب: حديث ابن عباس (...). * الشيخ: لا، «قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل ما لم يُقسم » هذا عامٌّ ولّا لا؟ أجيبوا يا جماعة؟ «قضى في كل ما لم يُقْسم»، كل الذي لم يُقسم، عامٌّ،« فإذا وقعت الحدود وصُرِّفت الطرق فلا شُفعة»[[أخرجه البخاري (٢٢١٤).]] هذا حكم يختص ببعض أفراد العام، بماذا يختص؟ بالعقار، بالأراضي، فهل نقول إن العام الأول يُراد به الخصوص؟ أو نقول الأول عام وذكر حكم يختص ببعض أفراد العام لا يقتضي التخصيص؟ هذا هو الثاني. وفي القرآن: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ إلى أن قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة ٢٢٨]، ﴿الْمُطَلَّقَاتُ﴾ عام ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ حكم يختص ببعض أفراد هذا العام، ما الفرد الذي يختص به؟ الرجعية فهل نقول إن قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ هذا خاص بالرجعيات؟ أو نقول هو عام؟ معروف عند أهل العلم أنه عام في المطلقات اللاتي طلُقن بطلاق بائن أو بطلاق رجعي. الآن أخذتم مثالين؟ هنا هذا المثال اللي معنا في القرآن هل ينطبق عليه أو لا؟ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾. * طالب: ينطبق. * الشيخ: ينطبق عليه؟ الأول ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ عام، لم يقل: أليس الله بكافيك؟ عام، ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ﴾ هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، على أن لواحد منكم أن يقول لي: لماذا لا يصح أن يكون الخطاب موجهًا لكل من يصح خطابه، أي: يخوفونك أيها المخاطب، قد يقول القائل منكم لي هكذا كما قد جرت به العادة في كثير من النصوص، فالجواب على هذا أن نقول: إنه لا يصح أن يكون موجهًا لكل مخاطب؛ لأن كل مخاطب لا يتأتَّى عليه هذا الوصف، هل كل مخاطب خُوّف بالذين من دون الله؟ لا، إنما الذي خوِّف من دون الله هو النبي ﷺ، الذي خوّف بالذي من دون الله هو النبي؛ لأنهم يتوعدونه بآلهتهم. على كل حال هذا المثال ينطبق على ما ذكرناه من القاعدة أنه إذا ورد لفظ عامّ ثم أُتِي بعده بحكم يختص ببعض أفراده فإن ذلك لا يقتضي التخصيص، بل يبقى العام على عمومه ويثبت الحكم لهذا الفرد. قال: (﴿وَيُخَوِّفُونَكَ﴾ الخطاب له) يعني للنبي صلى الله عليه وآله وسلم (﴿بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: الأصنام؛ أي تقتله أو تخبله)، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ١٧٥]، هم يخوفون النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالذين من دون الله، وتخصيص هذا بالأصنام كما خصصه المؤلف فيه نظر، بل يخوفونه بالذين من دون الله من الأصنام وغير الأصنام حتى من ذوي السلطان، فيقول مثلًا: يفعل بك فلان، أو: تفعل بك الجن، أو: يفعل بك كذا أو كذا، فينبغي أن نحمل ﴿بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ على العموم، لا على خصوص الأصنام؛ لأن التخويف أعم من ذلك. الآن مثلًا في وقتنا هذا لو قال قائل لشخص: أنت إن نهيت عن هذا المنكر سأرفع بك إلى فلان ممن يُخشى شره هل هذا مخوف بالذين من دون الله؟ نعم، هذا مخوف بالذين من دون الله، فالآية عامة، ولا ينبغي أن يخصصها كما ذهب إليه المؤلف رحمه الله. ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾، ﴿مَنْ﴾ شرطية، فتفيد العموم، فمن يضلل الله فما له من هادٍ يهديه، وقوله: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ الجملة هذه اسمية مكونة من مبتدأ وخبر، وعجبًا أن نقول: إنها مكونة من مبتدأ وخبر، ونحن لا نجد فيها لا مبتدأ ولا خبر، أين الاسم المرفوع؟ والمعروف أن المبتدأ والخبر يكونان مرفوعين، وهنا ليس هناك شيء مرفوع، فالجواب أن نقول: (ما) نافية و﴿لَهُ﴾ جار ومجرور خبر مقدم، و﴿مِنْ هَادٍ﴾ مبتدأ مؤخر، وكيف نعرب ﴿مِنْ هَادٍ﴾؟ نقول: ﴿مِنْ﴾ حرف جر زائد، و﴿هَادٍ﴾ اسم مجرور بـ﴿مِنْ﴾، صح؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: (...). * الشيخ: ﴿هَادٍ﴾ مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة منع من ظهورها؟ * طالب: اشتغال المحل بحركة.. * الشيخ: ما في حركة، الياء ما هي متحركة هنا؛ لأنها ما تتحرك بالجر، على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، والتي قُدرت عليها الكسرة لمناسبة حرف الجر الزائد، هذا إذا أردنا أن نتمحل في الإعراب للقواعد النحوية، وإلا يكفي أن نقول: ﴿مِنْ﴾ حرف جر زائد، و﴿هَادٍ﴾ مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، وننتهي؛ لأن حركة الحرف الجر الزائد في مثل هذه الكلمة لا تظهر. وقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ يعني من يُقدر الله الضلالة فإنه لا أحد يهديه مهما اجتمعت عليه الأمة، وها هو أعظم الخلق في الهداية والدلالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، حرص غاية الحرص لهداية عمه أبي طالب إلى آخر أنفاسه، ولكن لم يهتدِ؛ لأن الله عز وجل كتب عليه الضلالة، فكان آخر ما قال أن شهد شهادة الكفر فقال: «هو على ملة عبد المطلب»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٦٠)، ومسلم (٢٤ / ٣٩) من حديث المسيب بن حزن.]]، «ولكن النبي صلى لله عليه وآله وسلم لحسن أخلاقه؛ ولأن عمه قام قيامًا نصر به الإسلام، شفع له عند الله، فكان في ضحضاح من نار، وعليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٨٥)، ومسلم (٢١٠ / ٣٦٠) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، أعلى ما فيه، والنعال في أسفل ما فيه، والدماغ يغلي، فما بالك بما دونه من الجسم أشد غليانًا، وإنه لأهون أهل النار عذابًا[[أخرجه مسلم (٢١٢ / ٣٦٢) من حديث عبد الله بن عباس.]]، ويرى أنه أشدهم عذابًا، لماذا يريه الله أنه أشدهم عذابًا؟ لئلا يتسلّى بغيره؛ لأن صاحب النار لو علم أن غيره أشد منه أو مثله لتسلى وهان عليه الأمر، وقد أشار الله إلى ذلك في قوله: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف ٣٩]، مع أنكم لو اشتركتم في العذاب في الدنيا لهان عليكم، انظر إلى كعب بن مالك رضي الله عنه لما قيل له: إنه تخلف عن غزوة تبوك فلان وفلان، هان عليه الأمر[[متفق عليه؛ البخاري (٤٤١٨)، ومسلم (٢٧٦٩ / ٥٣) من حديث كعب بن مالك.]]، وهذا شيء مُسلّم، والخنساء ترثي أخاها صخرًا وتقول: وَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَاكِينَ حَوْلِي ∗∗∗ عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي؎وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ ∗∗∗ أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّي إذن نقول: من قدر الله ضلاله فلن يهديه أحد مهما أوتي من الآيات، فإنها: ﴿مَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ١٠١]. * في هذه الآية الكريمة من الفوائد أولًا: كفاية الله لعبده. * ومنها من الفوائد: الحث على تحقيق العبودية لله؛ لأنك إذا حققت العبودية تحققت لك الكفاية، إذ إن الحكم المعلق على وصف يقوى بقوة ذلك الوصف ويضعف بضعف ذلك الوصف، فإذا كانت الكفاية مرتبة على العبودية حصل للعابد من هذه الكفاية بقدر عبوديته، على القاعدة أن الحكم المعلق بوصف يقوى بقوته ويضعف بضعفه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: دفاع الله عز وجل عن المؤمنين؛ لأن الله إذا كان كافيه فسوف يدافع عنه، ويحقق ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج ٣٨]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أعداء الله يخوفون عباد الله بما دون الله؛ لقوله: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾. * ومن فوائد هذه الآية: أن الشيطان -وهو زعيم أعداء الله- يخوف المؤمن العابد لله مما دون الله، فتجده يأتي إلى الشخص الذي يريد أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، يقول: لا تفعل، إن الناس يبغضونك، إن الناس يرمونك بالتشدد، إن السلطان ربما يؤدبك، وما أشبه ذلك، ولكن المؤمن لا يخاف من هذا أبدًا؛ لأنه معتصم بالله عز وجل، هو عبد الله، واثق بأن الله سينصره، فلا يهمه هؤلاء، ولكن هل يعني ذلك أن الإنسان يتجشم الأمور بالعاطفة العاصفة أو يستعمل الحكمة ويمضي في الحق؟ * طالب: الثاني. * الشيخ: الثاني، ولذلك نحن ننتقد على بعض الناس الذين عندهم غيره في دين الله، ولكنهم لا يأتون البيوت من أبوابها، يريدون أن يأتوا الأمور بالعنف والقوة، مع أنه ليس لهم قوة، فنحن نقول: امض فيما أمرك الله به، لكن مستعملًا بذلك الحكمة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن كل من سوى الله فهو دون الله لقوله: ﴿يُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ فليس هنا إلا الله أو مَن دون الله. * ويتفرع على هذه الفائدة: أن كل من سوى الله فهو مغلوب، وإذا كان الله كافيًا عبده وكل من سوى الله فهو مغلوب فهذا يعني أن الانسان سيغلب إذا حقق العبودية، ولكن قد يورد علينا موردًا أن الله تعالى ذكر أن من الناس من قتل الأنبياء، فكيف يُجمع بين هذه الآية وبين ما ثبت من قتل بعض الأنبياء؟ والجواب على هذا أو الجواب عنه أن قتل الأنبياء لا يعني قتل ماجاءوا به من الحق، والأنبياء إنما تكلموا من أجل إثبات الحق لا من أجل إثبات شخصيتهم، من أجل إثبات الحق، ثم إنه إذا فاتهم الانتصار في الدنيا -الانتصار الذي تشاهدونه- لم يفتهم ذلك في الآخرة؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١]، والله أعلم. * طالب: (...) تعريف (...)؟ * الشيخ: لا، تعريفه، تعريف الإحسان. * طالب: بالنسبة للخطاب ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ لِمَ يجعل (...) الخوف من دون الله عز وجل. * الشيخ: قلنا: إن هذا ما كل أحد، إذا قلنا إنه عام لكل إنسان. * طالب: (...) الخوف يا شيخ. * الشيخ: إي، ممكن نجعله لكل من خُوِّف، ممكن أن نجعله، لكن الظاهر أنه خاص بالرسول. * طالب: الرسول ﷺ شفع لعمه أبي طالب، وقال: «لَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٨٣)، ومسلم (٢٠٩ / ٣٥٧) من حديث العباس بن عبد المطلب.]]، وهو يرى نفسه أنه أشد الناس عذابًا؛ لأنه لو رأى أنه أقلهم يتسلى به؛ يعني معنى ذلك أنه ما علم بشفاعة النبي ﷺ له أنه في هذا الضحضاح؟ أم علم ولكنه يرى أنه أشد الناس؟ * الشيخ: سواء علم ولا ما علم هو يرى أنه أشد الناس، وكون الله أعلمه أنه كان يستحق الدرك الأسفل من النار ولكن الله بشفاعة الرسول قد يكون الله أعلمه بهذا ليعلمه أن الله قد جازاه وكافأه على ما صنع بالرسول عليه الصلاة والسلام وقد لا يكون، والله أعلم. * طالب: قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ هل ينطبق سياقهم على أن قال -سابقوهم-: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [هود ٥٤]. * الشيخ: هذا الذي نقله من؟ * طالب: سابقو قوم شعيب. * الشيخ: لا، الذين قالوه عاد لهود. * طالب: نعم، هل هو نفس الـ..، يعني: المشركون خوفوا النبي ﷺ بأنه سيعتريه سوء من الآلهه إذا تعرّض.. * الشيخ: لا، أولئك قالوا: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [هود ٥٤] يعني معناه: خبلوك وجعلوك مجنونًا، أما هؤلاء فقالوا: إن آلهتنا ستخبلك توعدوه في المستقبل (...). * * * * طالب: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ (٣٧) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨) قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [الزمر ٣٧ - ٤٠]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ ذكرنا أن الاستفهام في قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾؟ * طالب: أن همزة الاستفهام إذا أتت في موضع النفي فإنها تفيد التقرير. * الشيخ: نعم، إنه للتقرير، أن الاستفهام في قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ للتقرير، بناء على القاعدة أنه إذا أتى بعد همزة الاستفهام ما يفيد النفي فهو للتقرير، وله أمثلة كثيرة في القرآن، وذكرنا المراد بـ﴿عَبْدَهُ﴾. * طالب: النبي ﷺ (...). * الشيخ: والمؤلف ماذا يرى؟ * طالب: (...) النبي ﷺ. * الشيخ: ما الذي أوجب للمؤلف أن يجعله عائدًا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ * طالب: قوله بعده: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾. * الشيخ: نعم، والصحيح العموم، ﴿يُخَوِّفُونَكَ﴾ معناها؟ * طالب: يهددونك. * طالب آخر: يخوفونك، ذكر المؤلف أنها يُقصد بها الأصنام، ولكن هي تفيد العموم. * الشيخ: لا، هذا تفسير لـ﴿الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ لكن كلمة ﴿يُخَوِّفُونَكَ﴾ ما معناها؟ يلقون في قلبك الخوف منهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران ١٧٥]، قوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ هذه؟ * طالب: (...). * الشيخ: أين جواب الشرط؟ * طالب: (...). * الشيخ: ما معنى قوله: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾؟ * طالب: يعني الذي الله عز وجل لم يرد أن يهديه. * الشيخ: لا. * طالب: (...). * الشيخ: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾؟ * طالب: (...) الله عز وجل للضلال، مهما بذل الإنسان في هدايته لا يستطيع، كما فعل النبي ﷺ بعمه. * الشيخ: تمام، ما المراد بالهداية في قوله: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾؟ * طالب: هداية الدلالة، هداية إرشاد، هداية توفيق. * الشيخ: هداية الدلالة، وهداية الإرشاد، وهداية التوفيق. * طالب: الأخير يا شيخ. * الشيخ: الأخير هداية التوفيق، ما هو الدليل على أن المراد بالهداية هنا هداية التوفيق؟ * طالب: لأن هداية التوفيق (...) إلا الله. * الشيخ: لكن ما الدليل على أن ما معنى ﴿فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ أي: فما له من موفق للهداية، قد يقول قائل: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ أي: من دال على الحق؟ * طالب: (...) ﴿فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (...). * الشيخ: ما يكفي كلمة يفهم منه، لا بد من دليل. * طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص ٥٦]، فدل هذا أن النبي ﷺ لا يهدي إلا (...). * طالب آخر: (...) أن العباد لا يملكون هذا الشيء الذي يملكه الله عز وجل. * الشيخ: إي، ما فيه شك، لكن ما هو الدليل على أن هذا هو المراد؟ لأن الهداية هدايتان: هداية توفيق وهداية دلالة. * طالب: قوله ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ حيث نسب الضلال إلى الله عز وجل. * طالب آخر: لأن الله سبحانه وتعالى هداهم هداية الدلالة؛ يعني أرشدهم لهداية الدلالة. * الشيخ: لأن هؤلاء الذين أضلهم الله قد هُدوا هداية الدلالة ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت ١٧]، والرسل أُرسلوا إلى قوم كفار حقت عليهم كلمة العذاب، فهنا يتعين أن المراد بالهادي هداية التوفيق ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من كتب الله ضلاله فلا أحد يستطيع هدايته؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾. * ومن فوائدها: أن الإنسان لا يطلب الهداية إلا من الله؛ لأنه وحده هو الذي يضل ويهدي، فتُطلب الهداية منه؛ لأنه ليس المراد بهذه الآية التيئيس من هداية الخلق، ولكن المراد الرجوع إلى الله عز وجل في هداية الخلق. * ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على المعتزلة الذين يقولون إن الانسان مستقل بعمله، يهدي نفسه ويضل نفسه، ولا علاقة لمشيئة الله في فعله لقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾. * ومن فوائدها: إثبات الهداية لغير الله التي هي هداية الدلالة وأما التوفيق فإلى الله عز وجل. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ أخذناها أظن. * طالب: (...). * الشيخ: ما شُرحت، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ أي: من يقدِّر الله هدايته فما له من مضل. أن الإنسان لا يطلب الهداية إلا من الله؛ لأنه وحده هو الذى يضل ويهدي، فتطلب الهداية منه؛ لأنه ليس المراد بهذه الآية التيئيس من هداية الخلق، ولكن المراد الرجوع إلى الله عز وجل في هداية الخلق. * ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على المعتزلة الذين يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله، يهدي نفسه ويضل نفسه، ولا علاقة لمشيئة الله في فعله؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر ٣٦]. * ومن فوائدها: إثبات الهداية لغير الله التي هي هداية الدلالة، وأما التوفيق فإلى الله عز وجل. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ [الزمر ٣٧] أخذناها، ما شرح؟ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ أي: من يقدر الله هدايته فما له من مضل، فلا أحد يستطيع أن يضله مهما كثرت الشبهات وكثرت الشهوات، إذا قدر الله على العبد الهداية فلن يضله شهوة ولا شبهة؛ لأنه عند الشهوة يغلب العقل فيمتنع منها، وعند الشبهة يغلب العلم فيهتدى به منها، هذا من يهديه الله فما له من مضل. وفي هذه الجملة من تشجيع الإنسان على الاستمرار في الهداية ما هو ظاهر، فهذه * من فوائد الآية: تشجيع المرء المهتدي على الهداية؛ لأن الله هو الذي هداه، ولا أحد يستطيع أن يضله. * ومن فوائدها: اللجوء إلى الله عز وجل في طلب الهداية منه والاستمرار عليها. ثم قال: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾ [الزمر ٣٧]؟ الجواب: بلى، وقوله: ﴿بِعَزِيزٍ﴾ هذه خبر (ليس) دخلت عليها الباء الزائدة لفظًا، الزائدة معنًى؛ لأنها تفيد توكيد العموم في النفي؛ إذ إن النفي يفيد العموم إذا أتى بعده اسم نكرة، لكن إذا دخلت الباء فإن حروف الزيادة من أحرف التوكيد كما ذكر ذلك علماء البلاغة. وقوله: ﴿بِعَزِيزٍ﴾ قال المفسرون لأسماء الله الحسنى: العزيز له ثلاثة معان: المعنى الأول: عزة القدر، والمعنى الثاني: عزة القهر، والمعنى الثالث: عزة الامتناع. أما عزة القدر فمعناها أن الله ذو قدر عظيم وشرف كبير، لا أحد يماثله، ولا أحد يساويه أو يقاربه، وأما عزة القهر فمعناها أن الله تعالى قاهر لكل شيء، غالب لكل شيء، وأما عزة الامتناع فمعناها أن الله تعالى يمتنع عليه كل عيب ونقص، وهذا معروف في اللغة العربية. فالمعنى الثاني الذي هو الغلبة قال فيه الشاعر: أَيْنَ الْمَفَرُّ وَالإِلَهُ الطَّالِبُ ∗∗∗ وَالأَشْرَمُ المَغْلُوبُ لَيْسَالْغَالِبُ وأما الأول الذي هو عزة القدر فيقال: هذا عزيز، أي: نادر لا يوجد؛ لشرفه وكرمه، وأما الثالث فقولهم: أرض عزاز، أي قوية صلبة يمتنع أو تمتنع أن تحفرها المعاول، فالله عز وجل عزيز بهذه المعاني الثلاثة، الأول الأخ؟ * طالب: الأول عزة الغلبة، عزة.. * الشيخ: عزة الغلبة والقهر. * الطالب: الأول عزة الغلبة، والثانية عزة القهر، والثالثة عزة الامتناع. * الشيخ: الامتناع طيب. وقوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾ [الزمر ٣٧] ذي بمعنى صاحب، وانتقام نكرة، والنكرة في سياق الإثبات لا تفيد العموم، ولكنها هنا في سياق؟ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾ أي: صاحب انتقام، فكلما كانت الحكمة في الانتقام انتقم، وتأمل قوله: ﴿ذِي انْتِقَامٍ﴾، ولم يقل: منتقم؛ لأنه ليس من أسماء الله المنتقم، ولم تأت المنتقم في أسماء الله في حديث صحيح، وإنما جاءت باسم الفاعل مقيدًا، فقال تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة ٢٢] ولم يقل: إنا منتقمون، وقال: ذي انتقام، أي: صاحب انتقام في موضعه، فالمنتقم ليس من أسماء الله، حتى وإن قرنت بالعفو، خلافًا لما ذهب إليه بعض العلماء من أنه إذا قُرنت بالعفو فلا بأس، بل نقول: المنتقم ليس من أسماء الله؛ لا مقرونًا بالعفو ولا منفردًا عنه، لكنه يُوصف بالانتقام مقيدًا: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ ويوصف بأن الانتقام يصدر منه، لا أنه منتقم؛ لقوله: ﴿بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾. * من فوائد هذه الآية: إثبات عزة الله عز وجل بجميع معانيها. * ومن فوائدها: تهديد هؤلاء المكذبين لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، تهديدهم بهذين الوصفين: وصف العزة المستفاد من العزيز، والانتقام المستفاد من قوله: ﴿ذِي انْتِقَامٍ﴾، فكأن الله يهددهم بعزته وانتقامه من تكذيب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. نأخذ شرح المؤلف رحمه الله، قال: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ﴾ [الزمر ٣٦، ٣٧] (غالب على أمره). وتفسيره العزيز بالغالب على الأمر يُعتبر قاصرًا؛ لأن العزة لها ثلاثة معانٍ كما شرحنا. قال: ﴿ذِي انْتِقَامٍ﴾ (من أعدائه) والانتقام أخذ المجرم بجريمته، وقوله: (بلى) هذا جواب الاستفهام في قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾.

الزمر 39:37

ثم قال الله عز وجل: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ الاستفهام هنا للتقرير بناء على القاعدة التي ذكرناها من قبل، وهي أن همزة الاستفهام إذا دخلت على ما يفيد النفي أفادت التقرير ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١]، يعني قد شرحنا لك صدرك ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المؤمنون ١٠٥] يعني: قد كانت. وهكذا ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ يعني: قد كفى الله عبده، وقوله: ﴿بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ الذي نصب (عبده) قوله: ﴿كَافٍ﴾؛ لأن ﴿كَافٍ﴾ اسم فاعل، وفاعله مستتر، و﴿عَبْدَهُ﴾ مفعول به، وقوله: ﴿بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ (عبد): مفرد مضاف فيكون عامًّا لجميع من اتصف بهذا الوصف، فكل من كان عبدًا لله حقًّا فإن الله كافيه، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣]، ومثله قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة ١٣٧] فالعبد هنا وصف شامل لا يختص بواحد دون الآخر فكل من انطبقت عليه العبودية حقًّا فالله تعالى كافيه ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ والجواب على هذه الجملة أن يقال؟ بلى. ثم قال: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ هنا الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ﴿يُخَوِّفُونَكَ﴾ وعطف ﴿يُخَوِّفُونَكَ﴾ الخاص بالرسول لايقتضي تخصيص اللفظ العام قبله وقد مر علينا مثل هذا كثيرًا، يُذكر لفظ عام ثم يُذكر حكم يختص ببعض أفراده، قلنا: إن هذا لا يقتضي التخصيص، وأقرب مثال مرّ علينا في ذلك ما هو؟ مر علينا أمثلة أقربها؟ * طالب: ﴿الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾. * الشيخ: لا، هذا عامٌّ، مر علينا في الحديث، ما أسرع أن نسيانكم.. هذه القواعد لا ينبغي أن تُنسى يا جماعة، لا ينبغي أن تُنسى؛ لأن لو أنك الآن حفظت القاعدة مثلًا حفظت هذه القاعدة: أنه إذا جاء لفظ عام ثم جاء بعده حكم يختص ببعض أفراده فإن هذا لا يقتضي التخصيص، هذه قاعدة واضحة، لكن لو قال لك قائل أعطني مثالا ينطبق على هذا، إذا نسيت المثال قال لك: هذه القاعدة غير مقبولة، بل أنا أقول: إذا جاء حكم يختص ببعض الأفراد دل على أن المراد بالعموم الأول الخصوص، فيقلب عليك القاعدة. وطالب العلم يقيّد الفوائد الشرائد، الفوائد اللي تشرُد من الذهن ينبغي لطالب العلم أن يعتني بها ويقيدها وإلا ضاعت عليه. * طالب: إذا ما جاء حديث (...)؟ * الشيخ: لا، هذان نصان منفردان، إحنا نريد في سياق واحد، مر علينا في القرآن مثال، ومر علينا في السنة مثال، أقرب مما مر علينا في القرآن، وإلا كلٌّ مرت علينا. * طالب: حديث ابن عباس (...). * الشيخ: لا، «قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل ما لم يُقسم » هذا عامٌّ ولّا لا؟ أجيبوا يا جماعة؟ «قضى في كل ما لم يُقْسم»، كل الذي لم يُقسم، عامٌّ،« فإذا وقعت الحدود وصُرِّفت الطرق فلا شُفعة»[[أخرجه البخاري (٢٢١٤).]] هذا حكم يختص ببعض أفراد العام، بماذا يختص؟ بالعقار، بالأراضي، فهل نقول إن العام الأول يُراد به الخصوص؟ أو نقول الأول عام وذكر حكم يختص ببعض أفراد العام لا يقتضي التخصيص؟ هذا هو الثاني. وفي القرآن: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ إلى أن قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة ٢٢٨]، ﴿الْمُطَلَّقَاتُ﴾ عام ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ حكم يختص ببعض أفراد هذا العام، ما الفرد الذي يختص به؟ الرجعية فهل نقول إن قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ هذا خاص بالرجعيات؟ أو نقول هو عام؟ معروف عند أهل العلم أنه عام في المطلقات اللاتي طلُقن بطلاق بائن أو بطلاق رجعي. الآن أخذتم مثالين؟ هنا هذا المثال اللي معنا في القرآن هل ينطبق عليه أو لا؟ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾. * طالب: ينطبق. * الشيخ: ينطبق عليه؟ الأول ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ عام، لم يقل: أليس الله بكافيك؟ عام، ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ﴾ هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، على أن لواحد منكم أن يقول لي: لماذا لا يصح أن يكون الخطاب موجهًا لكل من يصح خطابه، أي: يخوفونك أيها المخاطب، قد يقول القائل منكم لي هكذا كما قد جرت به العادة في كثير من النصوص، فالجواب على هذا أن نقول: إنه لا يصح أن يكون موجهًا لكل مخاطب؛ لأن كل مخاطب لا يتأتَّى عليه هذا الوصف، هل كل مخاطب خُوّف بالذين من دون الله؟ لا، إنما الذي خوِّف من دون الله هو النبي ﷺ، الذي خوّف بالذي من دون الله هو النبي؛ لأنهم يتوعدونه بآلهتهم. على كل حال هذا المثال ينطبق على ما ذكرناه من القاعدة أنه إذا ورد لفظ عامّ ثم أُتِي بعده بحكم يختص ببعض أفراده فإن ذلك لا يقتضي التخصيص، بل يبقى العام على عمومه ويثبت الحكم لهذا الفرد. قال: (﴿وَيُخَوِّفُونَكَ﴾ الخطاب له) يعني للنبي صلى الله عليه وآله وسلم (﴿بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: الأصنام؛ أي تقتله أو تخبله)، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ١٧٥]، هم يخوفون النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالذين من دون الله، وتخصيص هذا بالأصنام كما خصصه المؤلف فيه نظر، بل يخوفونه بالذين من دون الله من الأصنام وغير الأصنام حتى من ذوي السلطان، فيقول مثلًا: يفعل بك فلان، أو: تفعل بك الجن، أو: يفعل بك كذا أو كذا، فينبغي أن نحمل ﴿بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ على العموم، لا على خصوص الأصنام؛ لأن التخويف أعم من ذلك. الآن مثلًا في وقتنا هذا لو قال قائل لشخص: أنت إن نهيت عن هذا المنكر سأرفع بك إلى فلان ممن يُخشى شره هل هذا مخوف بالذين من دون الله؟ نعم، هذا مخوف بالذين من دون الله، فالآية عامة، ولا ينبغي أن يخصصها كما ذهب إليه المؤلف رحمه الله. ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾، ﴿مَنْ﴾ شرطية، فتفيد العموم، فمن يضلل الله فما له من هادٍ يهديه، وقوله: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ الجملة هذه اسمية مكونة من مبتدأ وخبر، وعجبًا أن نقول: إنها مكونة من مبتدأ وخبر، ونحن لا نجد فيها لا مبتدأ ولا خبر، أين الاسم المرفوع؟ والمعروف أن المبتدأ والخبر يكونان مرفوعين، وهنا ليس هناك شيء مرفوع، فالجواب أن نقول: (ما) نافية و﴿لَهُ﴾ جار ومجرور خبر مقدم، و﴿مِنْ هَادٍ﴾ مبتدأ مؤخر، وكيف نعرب ﴿مِنْ هَادٍ﴾؟ نقول: ﴿مِنْ﴾ حرف جر زائد، و﴿هَادٍ﴾ اسم مجرور بـ﴿مِنْ﴾، صح؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: (...). * الشيخ: ﴿هَادٍ﴾ مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة منع من ظهورها؟ * طالب: اشتغال المحل بحركة.. * الشيخ: ما في حركة، الياء ما هي متحركة هنا؛ لأنها ما تتحرك بالجر، على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، والتي قُدرت عليها الكسرة لمناسبة حرف الجر الزائد، هذا إذا أردنا أن نتمحل في الإعراب للقواعد النحوية، وإلا يكفي أن نقول: ﴿مِنْ﴾ حرف جر زائد، و﴿هَادٍ﴾ مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، وننتهي؛ لأن حركة الحرف الجر الزائد في مثل هذه الكلمة لا تظهر. وقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ يعني من يُقدر الله الضلالة فإنه لا أحد يهديه مهما اجتمعت عليه الأمة، وها هو أعظم الخلق في الهداية والدلالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، حرص غاية الحرص لهداية عمه أبي طالب إلى آخر أنفاسه، ولكن لم يهتدِ؛ لأن الله عز وجل كتب عليه الضلالة، فكان آخر ما قال أن شهد شهادة الكفر فقال: «هو على ملة عبد المطلب»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٦٠)، ومسلم (٢٤ / ٣٩) من حديث المسيب بن حزن.]]، «ولكن النبي صلى لله عليه وآله وسلم لحسن أخلاقه؛ ولأن عمه قام قيامًا نصر به الإسلام، شفع له عند الله، فكان في ضحضاح من نار، وعليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٨٥)، ومسلم (٢١٠ / ٣٦٠) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، أعلى ما فيه، والنعال في أسفل ما فيه، والدماغ يغلي، فما بالك بما دونه من الجسم أشد غليانًا، وإنه لأهون أهل النار عذابًا[[أخرجه مسلم (٢١٢ / ٣٦٢) من حديث عبد الله بن عباس.]]، ويرى أنه أشدهم عذابًا، لماذا يريه الله أنه أشدهم عذابًا؟ لئلا يتسلّى بغيره؛ لأن صاحب النار لو علم أن غيره أشد منه أو مثله لتسلى وهان عليه الأمر، وقد أشار الله إلى ذلك في قوله: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف ٣٩]، مع أنكم لو اشتركتم في العذاب في الدنيا لهان عليكم، انظر إلى كعب بن مالك رضي الله عنه لما قيل له: إنه تخلف عن غزوة تبوك فلان وفلان، هان عليه الأمر[[متفق عليه؛ البخاري (٤٤١٨)، ومسلم (٢٧٦٩ / ٥٣) من حديث كعب بن مالك.]]، وهذا شيء مُسلّم، والخنساء ترثي أخاها صخرًا وتقول: وَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَاكِينَ حَوْلِي ∗∗∗ عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي؎وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ ∗∗∗ أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّي إذن نقول: من قدر الله ضلاله فلن يهديه أحد مهما أوتي من الآيات، فإنها: ﴿مَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ١٠١]. * في هذه الآية الكريمة من الفوائد أولًا: كفاية الله لعبده. * ومنها من الفوائد: الحث على تحقيق العبودية لله؛ لأنك إذا حققت العبودية تحققت لك الكفاية، إذ إن الحكم المعلق على وصف يقوى بقوة ذلك الوصف ويضعف بضعف ذلك الوصف، فإذا كانت الكفاية مرتبة على العبودية حصل للعابد من هذه الكفاية بقدر عبوديته، على القاعدة أن الحكم المعلق بوصف يقوى بقوته ويضعف بضعفه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: دفاع الله عز وجل عن المؤمنين؛ لأن الله إذا كان كافيه فسوف يدافع عنه، ويحقق ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج ٣٨]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أعداء الله يخوفون عباد الله بما دون الله؛ لقوله: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾. * ومن فوائد هذه الآية: أن الشيطان -وهو زعيم أعداء الله- يخوف المؤمن العابد لله مما دون الله، فتجده يأتي إلى الشخص الذي يريد أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، يقول: لا تفعل، إن الناس يبغضونك، إن الناس يرمونك بالتشدد، إن السلطان ربما يؤدبك، وما أشبه ذلك، ولكن المؤمن لا يخاف من هذا أبدًا؛ لأنه معتصم بالله عز وجل، هو عبد الله، واثق بأن الله سينصره، فلا يهمه هؤلاء، ولكن هل يعني ذلك أن الإنسان يتجشم الأمور بالعاطفة العاصفة أو يستعمل الحكمة ويمضي في الحق؟ * طالب: الثاني. * الشيخ: الثاني، ولذلك نحن ننتقد على بعض الناس الذين عندهم غيره في دين الله، ولكنهم لا يأتون البيوت من أبوابها، يريدون أن يأتوا الأمور بالعنف والقوة، مع أنه ليس لهم قوة، فنحن نقول: امض فيما أمرك الله به، لكن مستعملًا بذلك الحكمة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن كل من سوى الله فهو دون الله لقوله: ﴿يُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ فليس هنا إلا الله أو مَن دون الله. * ويتفرع على هذه الفائدة: أن كل من سوى الله فهو مغلوب، وإذا كان الله كافيًا عبده وكل من سوى الله فهو مغلوب فهذا يعني أن الانسان سيغلب إذا حقق العبودية، ولكن قد يورد علينا موردًا أن الله تعالى ذكر أن من الناس من قتل الأنبياء، فكيف يُجمع بين هذه الآية وبين ما ثبت من قتل بعض الأنبياء؟ والجواب على هذا أو الجواب عنه أن قتل الأنبياء لا يعني قتل ماجاءوا به من الحق، والأنبياء إنما تكلموا من أجل إثبات الحق لا من أجل إثبات شخصيتهم، من أجل إثبات الحق، ثم إنه إذا فاتهم الانتصار في الدنيا -الانتصار الذي تشاهدونه- لم يفتهم ذلك في الآخرة؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١]، والله أعلم. * طالب: (...) تعريف (...)؟ * الشيخ: لا، تعريفه، تعريف الإحسان. * طالب: بالنسبة للخطاب ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ لِمَ يجعل (...) الخوف من دون الله عز وجل. * الشيخ: قلنا: إن هذا ما كل أحد، إذا قلنا إنه عام لكل إنسان. * طالب: (...) الخوف يا شيخ. * الشيخ: إي، ممكن نجعله لكل من خُوِّف، ممكن أن نجعله، لكن الظاهر أنه خاص بالرسول. * طالب: الرسول ﷺ شفع لعمه أبي طالب، وقال: «لَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٨٣)، ومسلم (٢٠٩ / ٣٥٧) من حديث العباس بن عبد المطلب.]]، وهو يرى نفسه أنه أشد الناس عذابًا؛ لأنه لو رأى أنه أقلهم يتسلى به؛ يعني معنى ذلك أنه ما علم بشفاعة النبي ﷺ له أنه في هذا الضحضاح؟ أم علم ولكنه يرى أنه أشد الناس؟ * الشيخ: سواء علم ولا ما علم هو يرى أنه أشد الناس، وكون الله أعلمه أنه كان يستحق الدرك الأسفل من النار ولكن الله بشفاعة الرسول قد يكون الله أعلمه بهذا ليعلمه أن الله قد جازاه وكافأه على ما صنع بالرسول عليه الصلاة والسلام وقد لا يكون، والله أعلم. * طالب: قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ هل ينطبق سياقهم على أن قال -سابقوهم-: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [هود ٥٤]. * الشيخ: هذا الذي نقله من؟ * طالب: سابقو قوم شعيب. * الشيخ: لا، الذين قالوه عاد لهود. * طالب: نعم، هل هو نفس الـ..، يعني: المشركون خوفوا النبي ﷺ بأنه سيعتريه سوء من الآلهه إذا تعرّض.. * الشيخ: لا، أولئك قالوا: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [هود ٥٤] يعني معناه: خبلوك وجعلوك مجنونًا، أما هؤلاء فقالوا: إن آلهتنا ستخبلك توعدوه في المستقبل (...). * * * * طالب: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ (٣٧) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨) قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [الزمر ٣٧ - ٤٠]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ ذكرنا أن الاستفهام في قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾؟ * طالب: أن همزة الاستفهام إذا أتت في موضع النفي فإنها تفيد التقرير. * الشيخ: نعم، إنه للتقرير، أن الاستفهام في قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ للتقرير، بناء على القاعدة أنه إذا أتى بعد همزة الاستفهام ما يفيد النفي فهو للتقرير، وله أمثلة كثيرة في القرآن، وذكرنا المراد بـ﴿عَبْدَهُ﴾. * طالب: النبي ﷺ (...). * الشيخ: والمؤلف ماذا يرى؟ * طالب: (...) النبي ﷺ. * الشيخ: ما الذي أوجب للمؤلف أن يجعله عائدًا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ * طالب: قوله بعده: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾. * الشيخ: نعم، والصحيح العموم، ﴿يُخَوِّفُونَكَ﴾ معناها؟ * طالب: يهددونك. * طالب آخر: يخوفونك، ذكر المؤلف أنها يُقصد بها الأصنام، ولكن هي تفيد العموم. * الشيخ: لا، هذا تفسير لـ﴿الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ لكن كلمة ﴿يُخَوِّفُونَكَ﴾ ما معناها؟ يلقون في قلبك الخوف منهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران ١٧٥]، قوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ هذه؟ * طالب: (...). * الشيخ: أين جواب الشرط؟ * طالب: (...). * الشيخ: ما معنى قوله: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾؟ * طالب: يعني الذي الله عز وجل لم يرد أن يهديه. * الشيخ: لا. * طالب: (...). * الشيخ: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾؟ * طالب: (...) الله عز وجل للضلال، مهما بذل الإنسان في هدايته لا يستطيع، كما فعل النبي ﷺ بعمه. * الشيخ: تمام، ما المراد بالهداية في قوله: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾؟ * طالب: هداية الدلالة، هداية إرشاد، هداية توفيق. * الشيخ: هداية الدلالة، وهداية الإرشاد، وهداية التوفيق. * طالب: الأخير يا شيخ. * الشيخ: الأخير هداية التوفيق، ما هو الدليل على أن المراد بالهداية هنا هداية التوفيق؟ * طالب: لأن هداية التوفيق (...) إلا الله. * الشيخ: لكن ما الدليل على أن ما معنى ﴿فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ أي: فما له من موفق للهداية، قد يقول قائل: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ أي: من دال على الحق؟ * طالب: (...) ﴿فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (...). * الشيخ: ما يكفي كلمة يفهم منه، لا بد من دليل. * طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص ٥٦]، فدل هذا أن النبي ﷺ لا يهدي إلا (...). * طالب آخر: (...) أن العباد لا يملكون هذا الشيء الذي يملكه الله عز وجل. * الشيخ: إي، ما فيه شك، لكن ما هو الدليل على أن هذا هو المراد؟ لأن الهداية هدايتان: هداية توفيق وهداية دلالة. * طالب: قوله ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ حيث نسب الضلال إلى الله عز وجل. * طالب آخر: لأن الله سبحانه وتعالى هداهم هداية الدلالة؛ يعني أرشدهم لهداية الدلالة. * الشيخ: لأن هؤلاء الذين أضلهم الله قد هُدوا هداية الدلالة ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت ١٧]، والرسل أُرسلوا إلى قوم كفار حقت عليهم كلمة العذاب، فهنا يتعين أن المراد بالهادي هداية التوفيق ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من كتب الله ضلاله فلا أحد يستطيع هدايته؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾. * ومن فوائدها: أن الإنسان لا يطلب الهداية إلا من الله؛ لأنه وحده هو الذي يضل ويهدي، فتُطلب الهداية منه؛ لأنه ليس المراد بهذه الآية التيئيس من هداية الخلق، ولكن المراد الرجوع إلى الله عز وجل في هداية الخلق. * ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على المعتزلة الذين يقولون إن الانسان مستقل بعمله، يهدي نفسه ويضل نفسه، ولا علاقة لمشيئة الله في فعله لقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾. * ومن فوائدها: إثبات الهداية لغير الله التي هي هداية الدلالة وأما التوفيق فإلى الله عز وجل. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ أخذناها أظن. * طالب: (...). * الشيخ: ما شُرحت، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ أي: من يقدِّر الله هدايته فما له من مضل. أن الإنسان لا يطلب الهداية إلا من الله؛ لأنه وحده هو الذى يضل ويهدي، فتطلب الهداية منه؛ لأنه ليس المراد بهذه الآية التيئيس من هداية الخلق، ولكن المراد الرجوع إلى الله عز وجل في هداية الخلق. * ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على المعتزلة الذين يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله، يهدي نفسه ويضل نفسه، ولا علاقة لمشيئة الله في فعله؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر ٣٦]. * ومن فوائدها: إثبات الهداية لغير الله التي هي هداية الدلالة، وأما التوفيق فإلى الله عز وجل. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ [الزمر ٣٧] أخذناها، ما شرح؟ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ أي: من يقدر الله هدايته فما له من مضل، فلا أحد يستطيع أن يضله مهما كثرت الشبهات وكثرت الشهوات، إذا قدر الله على العبد الهداية فلن يضله شهوة ولا شبهة؛ لأنه عند الشهوة يغلب العقل فيمتنع منها، وعند الشبهة يغلب العلم فيهتدى به منها، هذا من يهديه الله فما له من مضل. وفي هذه الجملة من تشجيع الإنسان على الاستمرار في الهداية ما هو ظاهر، فهذه * من فوائد الآية: تشجيع المرء المهتدي على الهداية؛ لأن الله هو الذي هداه، ولا أحد يستطيع أن يضله. * ومن فوائدها: اللجوء إلى الله عز وجل في طلب الهداية منه والاستمرار عليها. ثم قال: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾ [الزمر ٣٧]؟ الجواب: بلى، وقوله: ﴿بِعَزِيزٍ﴾ هذه خبر (ليس) دخلت عليها الباء الزائدة لفظًا، الزائدة معنًى؛ لأنها تفيد توكيد العموم في النفي؛ إذ إن النفي يفيد العموم إذا أتى بعده اسم نكرة، لكن إذا دخلت الباء فإن حروف الزيادة من أحرف التوكيد كما ذكر ذلك علماء البلاغة. وقوله: ﴿بِعَزِيزٍ﴾ قال المفسرون لأسماء الله الحسنى: العزيز له ثلاثة معان: المعنى الأول: عزة القدر، والمعنى الثاني: عزة القهر، والمعنى الثالث: عزة الامتناع. أما عزة القدر فمعناها أن الله ذو قدر عظيم وشرف كبير، لا أحد يماثله، ولا أحد يساويه أو يقاربه، وأما عزة القهر فمعناها أن الله تعالى قاهر لكل شيء، غالب لكل شيء، وأما عزة الامتناع فمعناها أن الله تعالى يمتنع عليه كل عيب ونقص، وهذا معروف في اللغة العربية. فالمعنى الثاني الذي هو الغلبة قال فيه الشاعر: أَيْنَ الْمَفَرُّ وَالإِلَهُ الطَّالِبُ ∗∗∗ وَالأَشْرَمُ المَغْلُوبُ لَيْسَالْغَالِبُ وأما الأول الذي هو عزة القدر فيقال: هذا عزيز، أي: نادر لا يوجد؛ لشرفه وكرمه، وأما الثالث فقولهم: أرض عزاز، أي قوية صلبة يمتنع أو تمتنع أن تحفرها المعاول، فالله عز وجل عزيز بهذه المعاني الثلاثة، الأول الأخ؟ * طالب: الأول عزة الغلبة، عزة.. * الشيخ: عزة الغلبة والقهر. * الطالب: الأول عزة الغلبة، والثانية عزة القهر، والثالثة عزة الامتناع. * الشيخ: الامتناع طيب. وقوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾ [الزمر ٣٧] ذي بمعنى صاحب، وانتقام نكرة، والنكرة في سياق الإثبات لا تفيد العموم، ولكنها هنا في سياق؟ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾ أي: صاحب انتقام، فكلما كانت الحكمة في الانتقام انتقم، وتأمل قوله: ﴿ذِي انْتِقَامٍ﴾، ولم يقل: منتقم؛ لأنه ليس من أسماء الله المنتقم، ولم تأت المنتقم في أسماء الله في حديث صحيح، وإنما جاءت باسم الفاعل مقيدًا، فقال تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة ٢٢] ولم يقل: إنا منتقمون، وقال: ذي انتقام، أي: صاحب انتقام في موضعه، فالمنتقم ليس من أسماء الله، حتى وإن قرنت بالعفو، خلافًا لما ذهب إليه بعض العلماء من أنه إذا قُرنت بالعفو فلا بأس، بل نقول: المنتقم ليس من أسماء الله؛ لا مقرونًا بالعفو ولا منفردًا عنه، لكنه يُوصف بالانتقام مقيدًا: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ ويوصف بأن الانتقام يصدر منه، لا أنه منتقم؛ لقوله: ﴿بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾. * من فوائد هذه الآية: إثبات عزة الله عز وجل بجميع معانيها. * ومن فوائدها: تهديد هؤلاء المكذبين لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، تهديدهم بهذين الوصفين: وصف العزة المستفاد من العزيز، والانتقام المستفاد من قوله: ﴿ذِي انْتِقَامٍ﴾، فكأن الله يهددهم بعزته وانتقامه من تكذيب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. نأخذ شرح المؤلف رحمه الله، قال: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ﴾ [الزمر ٣٦، ٣٧] (غالب على أمره). وتفسيره العزيز بالغالب على الأمر يُعتبر قاصرًا؛ لأن العزة لها ثلاثة معانٍ كما شرحنا. قال: ﴿ذِي انْتِقَامٍ﴾ (من أعدائه) والانتقام أخذ المجرم بجريمته، وقوله: (بلى) هذا جواب الاستفهام في قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾.

الزمر 39:38

ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر ٣٨] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ الخطاب إما للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، أو لكل من يتوجه إليه الخطاب. واللام في قوله: ﴿وَلَئِنْ﴾ موطِّئة للقسم، و(إن) شرطية، والجواب في قوله: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ جواب الشرط أو جواب القسم؟ جواب القسم؛ لأنه قُرن باللام، والذي يجاب باللام هو القسم وليس الشرط، والقاعدة أنه إذا اجتمع شرط وقسم فالجواب للسابق منهما، قال ابن مالك في الألفية: وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ والمؤخر هنا القسم ولَّا الشرط؟ * طالب: الشرط. * الشيخ: الشرط، فيحذف جوابه، ويكون جوابه معلومًا من جواب القسم. قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ سؤال استفهام، من خلق السماوات والأرض؟ يعنى: من أوجدهما على هذه الصنعة البديعة، والأرض والسماوات مأخوذة من السمو، وهو العلو؛ لعلوها وارتفاعها، وجمعها لأنها سبع سماوات طباقًا متطابقة، كل واحدة فوق الأخرى، وعلى هذا فتكون الثانية أوسع من الأولى، والثالثة أوسع من الثانية، والرابعة أوسع من الثالثة، وهلم جرًّا، وإذا كان بينهما مسيرة خمس مئة عام عرفت سعة كل سماء بالنسبة لما تحتها، وأن سعتها عظيمة، ومع هذا فهذه السماوات التي بهذه السعة العظيمة هي بالنسبة للكرسي كحلقة أُلقيت في فلاة من الأرض، الحلقة حلقة المغفر الصغيرة، ألقيت في فلاة من الأرض، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة، والرب عز وجل لا يقدر قدره إلا الله عز وجل. إذن السماوات سبع متطابقة، والأرض واحدة؛ لأنه قال: ﴿وَالْأَرْضَ﴾، ولم يقل: والأرَضين؟ نقول: المراد بها الجنس، المراد بالأرض هنا الجنس، فلا ينافي أن تكون سبعًا، وقد أشار الله تعالى في القرآن إلى أنها سبع في قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢]، وجاءت السنة صريحة في ذلك في مثل قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ ظُلْمًا؛ طَوَّقَهُ اللهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[أخرجه مسلم (١٦١٠/ ١٣٧) من حديث سعيد بن زيد.]]. ﴿لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ هذا جواب سؤال، يقولن: الله هو الذي خلق السماوات والأرض، ولم يدعِ المشركون أن السماوات والأرض كانت قديمة غير محدثة، ولم يدعوا أن أحدًا خلقها سوى الله، بل أقروا بأن الخالق هو الله وحده، كما أنهم إذا سئلوا: من خلقهم؟ ليقولن الله، فكلما سئلوا عن شيء يتعلق بالربوبية نسبوه إلى من؟ إلى الله عز وجل من غير شريك، فهم مقرون بتوحيد الربوبية غاية الإقرار، يعلمون أن الله هو الخالق. وقوله: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ سأورد عليكم إشكالًا في ضم هذا الفعل مع اتصال نون التوكيد به، والمعروف أن المضارع يُبنى في موضعين: إذا اتصلت به نون التوكيد يبنى على الفتح، أو نون النسوة يبنى على السكون، فلماذا هنا صار مضموًما؟ * طالب: (...) يا شيخ حذفت وعوضت عنها الضمة (...). * الشيخ: عوضت عنها الضمة؟ * الطالب: (...) محذوف * الشيخ: فقط طيب كمل. * طالب: نون الفعل ليقولن. * الشيخ: إذن النون غير مباشرة للفعل، على هذا التقدير يكون بينها وبين الفعل واو الجماعة ونون الرفع، فهي غير مباشرة حقيقة، مباشرة لفظًا، والفعل يُبنى مع نون التوكيد المباشرة لفظًا وتقديرًا، أما هذه فهي في التقدير غير مباشرة ولهذا بقي الفعل معربًا، فيقال: إنه مرفوع بالنون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل، هكذا يعرب. ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر ٣٨] الله بالرفع خبر مبتدأ محذوف، أي هو الله، ويجوز أن تكون فاعلًا لفعل محذوف، أي خلقهما الله، ويجوز أن تكون مبتدأ والخبر محذوف، التقدير: الله خالقهما، والأمر في هذا واسع، باب الإعراب له وجوه. ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِه﴾ [الزمر ٣٨] يعني: اسألهم سؤالًا آخر، إذا أقروا بأن الخالق هو الله قل لهم: أخبروني ما تدعون من دون الله؛ ﴿تَدْعُونَ﴾ يقول المؤلف: (تعبدون) ويحتمل أن يكون المراد به دعاء المسألة؛ لأن الدعاء يطلق على معنين: المعنى الأول: دعاء المسألة، والثاني: دعاء العبادة. فمن الأول قوله تعالى: «هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟»[[أخرجه مسلم (٧٥٨ / ١٧٠) من حديث أبي هريرة.]]؛ وقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة ١٨٦] هذا دعاء مسألة. ومن الثاني وهو دعاء العبادة قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر ٦٠] هؤلاء القوم يدعون من دون الله، يدعون من دون الله دعاء مسألة أو دعاء عبادة؟ * طالب: عام. * الشيخ: نعم عام، يدعون من دون الله دعاء مسألة ودعاء عبادة؛ أخبرونا عن هذه الأصنام التي تدعونها من دون الله هل ينفعن من دعاهن؟ هل يجلبن النفع أو يدفعن الضر؟ ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ [الزمر ٣٨] إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره؟ الجواب: لا، لا يدفعن الضرر إذا أراد الله ﴿أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ [الزمر ٣٨] الجواب: لا. إذن كيف تعبد من دون الله؟ كيف تدعو من دون الله؟ والله -عز وجل- إذا أراد بي ضرًّا لم يملكن دفعه، وإذا أرادني برحمة لم يملكن إمساك هذه الرحمة. الجواب: يقول: (لا). ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر ٣٨] يعني لا يهمني أن تهددوني بهذه الأصنام؛ فإن حسبي الله أي كافيني عمن سواه. والجملة في حسبي الله يجوز أن يكون فيها تقديم وتأخير، فنعرب (حسبي) خبرًا مقدمًا، و(الله) مبتدأ مؤخر، ويجوز أن نقول: (حسبي) مبتدأ و(الله) خبر، ويختلف المعنى، يختلف هذا الإعراب باختلاف المعنى، فإن أردت أن تخبر عن الحسب بأنه الله فاجعل الحسب، إن أردت أن تخبر عن الحسب بأنه الله فاجعل الحسب مبتدأ. وإن أردت أن تخبر عن الله بأنه الحسب فاجعل (حسبي) خبرًا مقدمًا. والآية من حيث المعنى صالحة لهذا وهذا، فالله هو الحسب، والحسب هو الله، ليس لنا حسب سوى الله، والله سبحانه وتعالى حسبنا وكافينا. ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر ٣٨] التوكل: هو الاعتماد على الله عز وجل في جلب المنافع ودفع المضار، مع الثقة بالله سبحانه وتعالى، هذا هو التوكل، الاعتماد على الله اعتمادًا حقيقيًّا صادقًا في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة به، هذا هو التوكل. وهو من العبادة الخاصة بالله؛ كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران ١٢٢] أي: على الله وحده، وأما توكل غير العبادة فإنه يجوز للإنسان أن يتوكل على غيره فيما وكله فيه، كما لو قلت لفلان: وكلتك تشتري لي كذا وكذا، فأعتمد عليه في الشراء، وهذا ليس توكلَ عبادة؛ لأن المتوكل في هذه الصورة لا يشعر بأنه أدنى مرتبة من الوكيل، بل قد يشعر بأنه أعلى مرتبة، لأنه جعل ذلك خادمًا له، منفذًا لما يقول، أما التوكل على الله فإنك تتوكل على الله معتقدًا في نفسك أنك مضطر إليه، وأنه سبحانه وتعالى هو الذى بيده تصريف أمورك، فتتوكل عليه رغبة ورهبة وتقربًا إليه. ولهذا نقول: هل يجوز أن أقول: توكلت على فلان؟ الجواب: إن كان ذلك على وجه العبادة فهذا حرام شرك، وإن كان على وجه الإنابة، أي: أنبته منابي فيما وكلته فيه فهذا لا بأس به ولا حرج، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يوكل أصحابه في قبض الزكوات وتصريفها وغير ذلك. نرجع إلى كلام المؤلف رحمه الله، يقول المؤلف: (﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ لام قسم ﴿مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ﴾ [الزمر ٣٨]) يعني إذا أقروا بهذا الإقرار (﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ﴾ تعبدون ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: الأصنام) يعني أخبرونا عنها ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ الجواب؟ يقول: (لا ﴿أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتٌ رَحْمَتَهُ﴾ لا، وفي قراءة بالإضافة فيهما) أي في قوله: ﴿كَاشِفَاتُ﴾. وفي قوله: ﴿مُمْسِكَاتُ﴾ فنقرأ على هذه القراءة: ﴿هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ ﴿هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ والقراءتان سبعيتان، ومن قاعدة المؤلف في هذا الكتاب أنه إذا قال: وقرئ فهي شاذة؛ وإذا قال: وفي قراءة فهي سبعية؛ فليعرف هذا الاصطلاح حتى لا يلتبس، إذا قال: قرئ فهي قراءة شاذة لا يقرأ بها، وإذا قال: وفي قراءة فهي سبعية يقرأ بها. قال: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر ٣٨] قال: (يثق الواثقون). * في هذه الآية فوائد أولًا: إقرار هؤلاء المشركين بالربوبية؛ لقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر ٣٨]. * ومن فوائدها: أن الإقرار بالربوبية لا ينفع العبد ولا يدخله في الإسلام، ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قاتل هؤلاء المقرين بالربوبية واستباح دماءهم ونساءهم وأموالهم، ولو كان إقراره بالربوبية نافعًا لكانت دماؤهم معصومةً، وأموالهم معصومة، وأهلوهم معصومين. * ومن فوائد هذه الآية: الرد، بل الإبطال، لما عرف المتكلمون به التوحيد؛ لأن عامة المتكلمين إذا فسروا التوحيد قالوا: إنه ثلاثة أنواع؛ التوحيد في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله، هكذا يقولون، توحيد الله ثلاثة أنواع: توحيده في ذاته وتوحيده في صفاته وتوحيده في أفعاله، فيقولون هو واحد في ذاته، لا قسيم له، ويعنون بذلك أنه ليس له وجه، وليس له يد، وليس له عين وما أشبه ذلك. يقولون: لو قلنا: إن له هذه الصفات لزم أن يكون ذا أعضاء، وهو سبحانه وتعالى لا يتقسم، فهو واحد في ذاته لا قسيم له، واحد في أفعاله لا شريك له، ثم يجعلون هذا النوع من التوحيد هو توحيد الألوهية، فيقولون: معنى قول القائل: لا إله إلا الله أي: لا قادر على الخلق والاختراع إلا الله. الثالث: واحد في صفاته لا شبيه له، كلام ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قبله العذاب، ماذا يعنون بقولهم: لا شبيه له؟ أي لا صفات له؛ لأنهم يعتقدون أن كل من أثبت لله صفه فهو مشبِّه، فهو واحد في صفاته لا شبيه له، هذا التنويع لو قرأته على عامي ماذا يقول عنه؟ يقول: ما أحسنه، ما أجمله. واحد في ذاته لا قسيم له سبحانه وتعالى، ويسبح ويهلل، واحد في أفعاله لا شريك له كذلك، واحد في صفاته لا شبيه له كذلك، لكن لا يُدرى أن وراء الأكمة ما وراءها، يريدون بقولهم: واحد في ذاته لا قسيم له، أي: ليس له صفات هي بالنسبة إلينا أعضاء، مثل اليد والوجه والعين والقدم والساق. واحد في أفعاله لا شريك له، يريدون بذلك أن هذا هو معنى لا إله إلا الله، ولو كان هذا معنى لا إله إلا الله لكان المشركون الذين قاتلهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مؤمنين موحدين، وهم كانوا إذا قيل لهم: لا إله إلا الله يستكبرون ولا يقبلون هذا، ويقولون: أجعل الآلهة إلهًا واحدًا، فتأمل كيف كان المشركون في الجاهلية يفهمون من التوحيد ما لا يفهمه هؤلاء المتكلمون. وقد ذكر العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره هذا المعنى، وقالوا: المشركون خير في فهم التوحيد من هؤلاء المتكلمين؛ لأن هؤلاء المتكلمين جعلوا التوحيد هو توحيد الربوبية فقط، وهذا لا ينكره المشركون، يقرون به وينكرون توحيد الألوهية؛ لأنهم يعرفون أن معنى لا إله إلا الله: لا معبود حق إلا الله، يعرفون هذا، أما أولئك المتكلمون فإنهم لا يقيمون للألوهية وزنًا، يجعلونها بره، لا يدخلونها في أنواع التوحيد. واحد في صفاته لا شبيه له، ماذا يعنون؟ يعنون تعطيل الصفات؛ لأنهم يدعون أن كل من أثبت لله صفة فهو مشبِّه، فتبين بهذه الآية تبين بها الرد على أولئك المتكلمين الذين يجعلون توحيد الألوهية هو توحيد الربوبية، ويأتى إن شاء الله بقيه الكلام عليها. * طالب: (...) يا شيخ أن الدليل على توحيد الربوبية لا يفيده شيء أن مقاتلة النبي ﷺ (...) أنه يجوز استحلال دم المسلم.. * الشيخ: لا، مقاتلة المسلم ليست كمقاتلة الكافر، مقاتلة المسلم تقاتله لأنه أخل بشعيرة من شعائر الإسلام ولا تستبيح نساءه وذريته وأرضه، لكن مقاتلة الكافر تقاتله لأنه ترك الإسلام كله، ولهذا تستبيح نساءه وذريته وأرضه. * طالب: قلنا: أسماء الله توقيفية (...) هذه قاعدة ما يطبق عليها أن الله سبحانه وتعالى يطلق عليه المنتقم. * الشيخ: المنتقم لا؛ لأن الله قيد الانتقام، لما وصف نفسه باسم الفاعل قيده. وهنا نقول: الأسماء -أسماء الله تعالى- كلها متضمنة للصفات، كل اسم فهو متضمن لصفة أو أكثر من صفة، هل كل صفة تتضمن اسمًا؟ لا، طيب إذن الصفات صارت أوسع من الأسماء، هذه واحدة. ثانيًا: الصفات منها ما وصف الله به نفسه، فهذا لا شك في أنه جائز، ولكننا نصف الله به على حسب ما وصف به نفسه، فقال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [إبراهيم ٤٧] هنا لا نقول: إن الله منتقم، بل نقول: ذو انتقام، أي له انتقام، وفرق بين أن أسمي الرجل بالنجار؛ لأن مهنته النجارة، أو أقول: له نجارة، يعني ينجر إذا دعت الحاجة إلى ذلك، أليس كذلك؟ طيب. ما وصف الله به نفسه من الصفات يُوصَف على حسب ما وصف به نفسه، ما لم يصف به نفسه؛ إن كان دالًّا على معنى يليق بالله جاز أن يخبر به عن الله، وإن كان دالًّا على معنى لا يليق بالله حرم أن يوصف به الله؛ لا خبرًا ولا وصفًا لازمًا، وهذه مسألة مهمة، يعني ما لا يليق بالله، لا يجوز أن نصفه به لا على سبيل الفعل، ولا على سبيل الوصف اللازم، وما كان لا يخالف ما يليق بالله جاز أن نخبر به عنه، وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله هذا التقسيم، أظنه في كتاب الفتاوى في قسم التوحيد. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم. * الشيخ: البسملة غير مشروعة إلا في أول السورة، هذا الصحيح. * الطالب: ﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٤٠) إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١) اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر ٣٩-٤٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ﴾ إلى آخره. نأخذ المناقشة أولًا. في قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾ [الزمر ٣٧] تقرير لصفتين من صفات الله، ما هما؟ * طالب: صفة العزة وصفة الانتقام. * الشيخ: نعم أحسنت. هل يوصف الله بالانتقام على سبيل الإطلاق؟ * طالب: يوصف مقيدًا. * الشيخ: هل يوصف على سبيل الإطلاق؟ * الطالب: لا. * الشيخ: لا. وإنما يُوصف مقيدًا طيب، هات لي آية فيها تقييد الانتقام. عندك. * طالب: قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾ [الزمر ٣٧]. * الشيخ: لا. * طالب: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة ٢٢]. * الشيخ: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة ٢٢] فقيد انتقامه بالمجرمين. وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الزمر ٣٨] فيها قسم وشرط، أين القسم؟ * الطالب: قسم (...). * الشيخ: لا، أظنك ما عندك نحو، عندك نحو ولَّا لا؟ (إن) شرطية، هذا الشرط، أين القسم؟ * طالب: ليقولن. * الشيخ: لا. * طالب: اللام في (ليقولن). * الشيخ: اللام قسم، هذا القسم. * طالب: (...). * الشيخ: الواو حرف عطف. * طالب: (ليقولن) يا شيخ. * الشيخ: هذا جواب القسم. * طالب: اللام موطئة للقسم. * الشيخ: نعم، إذن فالقسم مقدر كذا، التقدير: والله لئن، طيب ما الذي وجد؟ جواب الشرط أم جواب القسم؟ * طالب: الذي وجد جواب الشرط. * الشيخ: جواب الشرط، الدليل؟ * الطالب: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾. * الشيخ: لا، أين الجواب؟ أين الجواب حتى نعرف ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر ٣٨] أين الجواب؟ * الطالب: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾. * الشيخ: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ طيب الذي وجد الآن تقول: إنه جواب الشرط، فما دليلك على أنه جواب الشرط؟ * الطالب: أن قدم لام القسم وأخر جواب الشرط. * الشيخ: نعم الأخ. * طالب: طبعًا جواب القسم هو الوارد وليس جواب الشرط. * الشيخ: الموجود جواب القسم، ما دليلك على أنه جواب القسم؟ * الطالب: لأنه هو المتقدم، فابن مالك يقول: واحذف.. * الشيخ: لا، إلى الآن ما بعد؛ لأنه هو المتقدم، هذا الحكم، لكن ما الدليل على أن الموجود ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ هو جواب القسم؟ * طالب: لأن اللام الموطئة للقسم سبقت جواب الشرط، وهو (إن). * طالب آخر: لأن جواب الشرط لا يكون مقترنًا باللام، جواب القسم يكون مقترنًا باللام. * الشيخ: أحسنت، الدليل أن الجواب مقترن باللام، ولا يقترن باللام إلا جواب القسم، أما جواب الشرط فيقترن بأيش؟ * طالب: بالفاء. * الشيخ: بالفاء، هل لديك علم؛ لأنك أنت ترى بأنك تذكر الشاهد من كلام ابن مالك؟ ماذا قال ابن مالك؟ * طالب: يقول: وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ * الشيخ: طيب قوله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ﴾ [الزمر ٣٨] الرؤية هنا بمعنى؟ * طالب: بمعنى أعلمتم. * الشيخ: لا. * طالب: بمعنى الإخبار. * الشيخ: بمعنى الإخبار، يعني أخبروني ما تدعون من دون الله، إن أرادني الله بضر إلى آخره. قوله: ﴿هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ [الزمر ٣٨] فيها قراءتان؟ * طالب: ﴿كاشفاتٌ ضرَه﴾ ﴿كاشفاتُ ضرِّه﴾. * الشيخ: طيب على القراءة الأولى ما موقع (ضر) من الإعراب؟ * الطالب: مفعول به (...). * الشيخ: مفعول لاسم فاعل (كاشفات)، و(ممسكات)؟ فيها القراءتان. * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: (...). * الشيخ: قوله تعالى: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ [الزمر ٣٨] الجملة هنا اسمية أو فعلية؟ * طالب: فعلية يا شيخ. * الشيخ: فعلية لأنها؟ * الطالب: مبدوءة بفعل أمر. * الشيخ: مبدوءة بفعل (حسبي الله). * الطالب: (قل حسبي).. * الشيخ: لا، ما هو (قل). * الطالب: هي آية اسمية. * الشيخ: اسمية؟ أين المبتدأ فيها والخبر؟ * الطالب: (عليه) جار ومجرور متعلق بمحذوف. * الشيخ: وين؟ * الطالب: (حسبي الله) فعلية (...). * الشيخ: تقول: (حسبي الله) و(عليه). * طالب: (الله) مبتدأ و(حسبي) خبر مقدم. * الشيخ: نعم، ما فيها وجه آخر؟ * طالب: أو (حسبي) هذه مبتدأ و(الله) خبرها. * الشيخ: طيب كيف تجعل هذا خبرًا مرة، وتجعله مبتدأ مرة؟ إن أردت. * الطالب: إن أردنا (...) الله سيكفيني (...). * الشيخ: لا، ما هو هذا. * طالب: إن أردنا الإخبار بأن الحسب هو الله عز وجل، يصير (حسب) مبتدأ، والله خبر. * الشيخ: يعني إن أردنا الإخبار عن الحسب بأنه هو الله صارت (حسب)؟ * الطالب: مبتدأ ولفظ الجلالة خبر. * الشيخ: نعم، وإن أردنا الإخبار؟ * الطالب: (...) هو الحسب، يصير لفظ الجلالة هو المبتدأ (...). * الشيخ: أحسنت صح، هل تفيد الآية وجوب إفراد الله بالتوكل؟ * طالب: تفيد. * الشيخ: بأي طريق؟ * الطالب: قول الله: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ [الزمر ٣٨] (...) الضر والنفع بيد الله. * الشيخ: لا، أنا أريد التوكل، هل تدل الآية على وجوب إفراد الله بالتوكل؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: بأي طريق؟ * الطالب: قوله: على الله فليتوكل المتوكلون. * الشيخ: (على الله)، ما أمامي (على الله). * الطالب: ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر ٣٨]. * الشيخ: ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ طيب ما طريق ذلك؟ لأن الحصر له طرق؟ * الطالب: (...) تقديم المعمول يفيد الحصر. * الشيخ: أحسنت، تقديم المعمول ﴿عَلَيْهِ﴾، تمام. * طالب: (...). * الشيخ: * من فوائد الآية الكريمة: أن ما يُعبد من دون الله لا ينفع عابده بجلب نفع ولا بدفع ضر؛ لقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ [الزمر ٣٨]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الإرادة لله في قوله: ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ﴾، ﴿أَوْ أَرَادَنِي﴾، وإرادة الله عز وجل تنقسم إلى قسمين: إرادة شرعية وإرادة كونية قدرية. أنا أرجو من الإخوة ألا يعلق أحد على كتاب التفسير نفسه؛ لأن التعليق على الكتاب يفسد الكتاب، وربما يكون التعليق أكثر من التفسير، خصوصًا متى إذا أردنا نتكلم على تقسيم الإرادة وشبهها، أما إذا أردنا نفسر كلمة ويكتب على الهامش هذه أهون، لكن الأشياء اللي فيها تفصيل تفسدون كتبكم، ما تقرأ بعدكم أبدًا، وربما أنتم مع طول الزمن ما تنتفعون بها، فنأمل الذي يريد أن يكتب مثل هذا الكلام الطويل يكتبه خارج الكتاب أحسن. طيب الإرادة قلنا: كونية وشرعية، الكونية هي التي بمعنى المشيئة، والشرعية هي التي بمعنى المحبة، فإذا كانت (يريد) بمعنى (يشاء) فهي إرادة كونية، وإذا كانت (يريد) بمعنى (يحب) فهي إرادة شرعية. طيب إذن الفرق بينهما أن الإرادة الكونية يَلزم منها وقوع المراد، يلزم منها وقوع المراد لأنها كونية، لا أحد يعقب حكم الله، والإرادة الشرعية لا يلزم منها وقوع المراد. ثانيًا: الإرادة الشرعية لا تكون إلا فيما يحبه الله، والإرادة الكونية شاملة لما يحبه الله وما لا يحبه الله، ونأخذ على هذا تمارين، لو قال لك قائل: هل الله يريد المعاصي؟ إن قلت: نعم أخطأت، وإن قلت: لا أخطأت، فماذا تقول؟ نقول: بالإرادة الكونية نعم يريدها ولم تقع المعاصي إلا بإرادته، وبالإرادة الشرعية لا؛ لأن الله يكره المعاصي، أفهمتم الآن؟ وبهذا التفصيل تزول إشكالات كثيرة في المعاصي هل هي مرادة لله أو غير مرادة؟ نقول هي مرادة بالإرادة الكونية، غير مرادة بالإرادة الشرعية، فإن قال قائل: كيف يريدها الله وهو لا يحبها؟ قلنا: نعم هي مرادة لغيرها، بمعنى محبوبة لغيرها، أي لما تؤدي إليه من المصالح العظيمة. طيب إذن ليست مرادة بالإرادة الشرعية وإنما هي مرادة بالإرادة الكونية. فإذا أورد علينا مورد: كيف يريدها الله عز وجل وهو يكرهها؟ فالجواب أن نقول: يريدها ويكرهها لكونها مرادة لغيرها، فالله عز وجل يوقع المعاصي، يريد المعاصي من أجل خير كثير لفاعلها إذا تاب إلى الله؛ لأن العاصي إذا تاب إلى الله كان خيرًا منه قبل المعصية، والدليل على هذا أن آدم عصى ربه وغوى وتاب إلى الله وبعد توبته اجتباه وهداه، ولولا هذه المعصية لم يحصل له الاجتباء والهداية التي حصلت بعد المعصية، فكانت المعصية الآن خيرًا لآدم، ثم إن فيها خيرًا آخر؛ الإنسان العاصي إذا عصى الله عرف قدر نفسه، وخجل من ربه، واستصغر كل عمل خير يفعله؛ لأنه يذكر معصيته دائمًا بين عينيه، لكن إذا لم يعص ربما يشمخر ويعلو بأنفه ويعجب بنفسه، ويقول: أنا ما عصيت الله أبدًا وما أشبه ذلك، ثم يحبط عمله من حيث لا يشعر. طيب هاتان اثنتان مصلحتهما لمن؟ للعاصي، هناك مصلحة ثالثة لعامة الناس، لولا العصيان ما قام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن الناس لو كانوا كلهم على البر والمعروف فبأي شيء نأمر؟ وعن أي شيء ننهى؟ فلا يقوم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر إلا بوجود أسبابه، وهي المعاصي. رابعًا: لولا المعاصي ما عرف الإنسان قدر الإيمان الذي أنعم الله به عليه ولذته؛ لأن الناس لو كانوا على حد سواء؛ ما عرف الإنسان قدر نعمة الله عليه، ولهذا لا يعرف قدر العافية إلا من ابتلي بمرض، أليس كذلك؟ كذلك أيضًا المعصية لا يعرف العبد قدر نعمة الله عليه بالطاعة، إلا إذا عرف آثار المعاصي على فاعلها. خمسة أخذنا خمسة؟ الخامسة: لولا المعاصي التي أعظمها الكفر ما قام سوق الجهاد؛ لأننا لو كنا كلنا مسلمين فمن نجاهد؟ لا أحد، لكن إذا كان فيه كافر ومؤمن قام سوق الجهاد، ولا يخفى لكم ما في الجهاد من الخير والفضل العظيم. سادسًا: لولا المعاصي لفاتت الحكمة من خلق الخلق كلهم، قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ يعني على الهدى ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٨- ١١٩]. سابعًا: لولا المعاصي لم يكن لخلق الجنة والنار حكمة؛ لأن النار لمن عصى، ولو لم يكن عصاة، لكان خلق النار عبثًا، ولهذا قال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٩]. فتبين الآن أن ما يقدره الله عز وجل مما يكرهه له فوائد كبيرة عظيمة، وحينئذ يكون مرادًا لله لغيره، وهو من هذه الناحية محبوب إلى الله، فتبين بهذا سقوط الإيراد الذي أوردناه أولًا، وهو كيف يريد الله المعاصي وهو يكرهها، أعرفتم؟ ومثل هذه الفوائد قد لا تجدونها في كتاب، ولذلك أحثكم على الاحتفاظ بها وتقييدها، طيب نظير ذلك فى الأمور المحسوسة أن الأب أو الأم يأتي إلى ابنه المريض فيكويه بالنار، وتؤلمه، وتحرق جلده، لكن لماذا؟ لطلب الشفاء، فكيه مكروه غير محبوب له، لكنه محبوب ليش؟ محبوب لغيره، أي: لما ينتج عنه من المصالح، وبهذا تبين أنه لا مانع من أن يكون الشيء مكروهًا من وجه أيش؟ محبوبًا، من وجه، طيب الفرق نرجع إلى الفرق بين الإرادتين الشرعية والكونية، ما هي التي يلزم فيها وقوع المراد؟ * طلبة: الشرعية الكونية. * الشيخ: الكونية الشرعية. * طلبة: الكونية الشرعية. * الشيخ: الكونية الشرعية، على أي شيء نستقر؟ * طلبة: الكونية. * الشيخ: الكونية؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: نعم، هي التي يلزم منها وقوع المراد، وعلى هذا فالكافر مراد منه أن يؤمن ولم يؤمن، مراد منه أن يكفر وقد كفر، مراد منه أن يؤمن بأي الإرادتين؟ * طلبة: الشرعية. * الشيخ: مراد منه أن يكفر بالإرادة الكونية، فكفر المؤمن الذي آمن مراد منه أن يؤمن بالإرادة الشرعية، ومراد منه أن يؤمن بالإرادة الكونية؛ لأنه آمن، وعلى هذا فالمؤمن اجتمع في حقه الإرادتان الكونية والشرعية. صح، متأكدون؟ * طلبة: صحيح. * الشيخ: المؤمن اجتمع في حقه الإرادتان الكونية والشرعية، والكافر في حقه الإرادة الكونية دون الشرعية، أليس كذلك؟ الكافر في حقه الإرادة الكونية دون الشرعية، طيب هنا إن أرادني الله بضر أو أرادني برحمة أي الإرادتين؟ * طلبة: الكونية. * الشيخ: الإرادة الكونية. * من فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل يبتلي الإنسان بالضر وبالرحمة نعم، وهو كذلك يبتليهم بالضر ويبتليه بالرحمة، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم ٣٣] فالله عز وجل يبتلي بالضر ويبتلي بالرحمة. * ومن فوائد الآية الكريمة: الفرق بين الضر وبين الرحمة قال فيها: ﴿هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِه﴾ [الزمر ٣٨]، والضر ﴿هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ [الزمر ٣٨]؛ لأن الرحمة تحتاج إلى بقاء، فإذا أبقى الله الرحمة فهل هذه الأصنام هي التي تمسك الرحمة أو الله؟ الله عز وجل، الله هو الذي يمسك الرحمة وليست هذه الأصنام. ويحتمل في الآيات وجه آخر: هل هن ممسكات رحمته أن تصل إلى المرحوم، فيكون ممسكات بمعنى مانعات للرحمة؛ ليكون ذلك في مقابل ﴿هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ [الزمر ٣٨]. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب اعتماد الإنسان على الله؛ لقوله: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّه﴾ [الزمر ٣٨] أي: قلها باللسان معتقدًا إياها بقلبك. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أحق من يتوكل عليه هو الله؛ لقوله: ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر ٣٨]. فإن قال قائل: هل تحقيق التوكل ينافي فعل الأسباب؟ فالجواب: لا، إلا إذا تعذرت الأسباب ولم يبق إلا التوكل فحينئذ يكون هو سبب الأسباب، فالإنسان مأمور بفعل السبب، فإذا فعله ولم يفده، أو لم يكن السبب موجودًا مقدورًا عليه؛ لم يبق إلا التوكل، فإن قال: ما هو الدليل على أن فعل الأسباب لا ينافي التوكل؟ قلنا: وقوع ذلك من سيد المتوكلين محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ فإنه عليه الصلاة والسلام كان يأخذ بالأسباب؛ يأكل ليندفع عنه الجوع، ويشرب ليندفع عنه العطش، ويتدرع بالدروع في الحرب ليتقي بذلك السهام، بل إنه عليه الصلاة والسلام فى أُحُد ظاهر بين درعين[[أخرجه ابن ماجه (٢٨٠٦) وأحمد (١٥٧٢٢) من حديث السائب بن يزيد.]]؛ لأن ذلك أقوى في الصيانة والحماية، وشق الخندق على المدينة في غزوة الأحزاب منعًا للعدو من دخول المدينة، والشواهد على هذا كثيرة، ولكن نقيد الأسباب بأن يثبت كونها سببًا شرعًا أو حسًّا، لا بد أن يثبت كونها سببًا إما عن طريق الشرع، وإما عن طريق الحس والتجارب، فأما مجرد توهم كون هذا سببًا فإن ذلك من الشرك. انتبهوا لهذه النقطة، فمن دلالة كون الشيء سببًا شرعًا أن القرآن شفاء لما فى الصدور، وهو مرض الشبهات والشهوات، وشفاء لما في الأبدان؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم للذي قرأ بالفاتحة على اللديغ: «وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٧٦) ومسلم (٢٢٠١ / ٦٥) من حديث أبي سعيد الخدري.]] من أين علمنا ذلك أن القرآن شفاء؟ من الشرع، وقد يكون بالتجارب، مثل أن نعرف أن السَّنا مُسهِّل، من أين عرفنا؟ هل في القرآن والسنة أن السنا مُسهِّل؟ * طالب: بالتجارِب. * الشيخ: لكن بالتجارب. السنا يسمى بلغتنا ما أدري أنتم عن لغتكم في القصيم، يسمونه السناوين، مثنى، وهو سنا واحد، لكنه نوع من الأوراق، أوراق الشجر المعروف، يشبه السِّدر، إذا دُقَّ ونُقع في الماء لمدة عشرين ساعة أو نحوها، وشربه الإنسان، فإنه يسلت ما في بطنه من الأذى ويسهل، وله رائحة كريهة، لكن الناس يجعلون معه بصلًا ليعمي رائحته، وإن كان البصل خبيثًا، لكن أهون. * طالب: أخف الضررين. * الشيخ: إي نعم، أخف الضررين، على كل حال من أين عرفنا أن هذا مسهِّل؟ من التجارب، وغالب الأدوية الموجودة الآن غالبها من هذا النوع من التجارب، أما شيء موهوم فهذا لا يجوز اعتماده، بل هو نوع من الشرك. التولة شرك، لماذا؟ لأنه لم يثبت كونها سببًا لمحبة الرجل لزوجته، أو الزوجة لزوجها، لا شرعًا ولا حِسًّا، فيكون إثبات كونها سببًا شركًا؛ لأنك أثبت ما لم يثبت الله، فكأنك جعلت نفسك مثل الله في إثبات الأسباب ومفعولاتها. إذن قوله تعالى: ﴿عَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف ٦٧] لا ينافي فعل الأسباب، بل الأسباب من التوكل في الواقع، ولهذا «قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأبي عُبيدة بن الجرَّاح لما قال: أفرارًا من قدر الله؟ قال: نَفِرُّ مِن قَدَر الله إلى قَدَر الله»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٢٩)، ومسلم (٢٢١٩ / ٩٨) من حديث عبد الرحمن بن عوف.]]. والله أعلم. * طالب: هل العاصي الذي يتوب إلى الله أفضل أم الذي لم يعصِ الله عز وجل. * الشيخ: لا، الذي لم يعص الله أحسن؛ لأن العاصي ربما لا يوفَّق للتوبة، أقول: ربما لا يوفق للتوبة، لكن الإنسان يشعر من نفسه أنه إذا عصى ثم تاب وجد من نفسه أنه خجل من الله ورجع إليه، واستحيا منه، لكن إذا كان سائرًا على الطاعة مستمرًّا لا يجد لذة التوبة، وهذا شيء مجرب ومشاهد. * طالب: الأدوية الموجودة الآن هل هي ثابتة (...). * الشيخ: إي، ما فيه شك. * الطالب: لكن المريض ما يعلم أنها ثابتة، بدليل أنه يستعمل كثيرًا منها.. الشيخ: كيف ما يعلم؟ لا؛ لأنه واثق بأهل الطب، ويدري أنها مفيدة، هم الآن لا يمكن ينزلون للسوق أدوية إلا بعد أخذ تجارب عليها كثيرًا يجربونها على الفئران، على الأرانب، على الكلاب، يجرون تجارب، خصوصًا في الأمراض المستعصية، أنت لا تظن أن الواحد منهم يعجن ها الحبوب هذه ويعطيك إياها على طول. * الطالب: لكن أحيانًا ما يجد الإنسان نتيجة يستعمل.. * الشيخ: ها، أحسنت، أصلها الدواء لا بد أن يصيب محلًّا قابلًا، إذا لم يصب محلًّا قابلًا ما نفع، حتى القراءة اللي ثابت بأنها سبب ولا شك فيها كثيرًا ما تقرأ على المريض ولا يستفيد؛ لأن المحل غير قابل، تجده تقرأ عليه ويقول: ها ويش هانطول ما عنده علم ما يستفيد. * الطالب: في الحالة دي يحرم استعماله يا شيخ؟ * الشيخ: لا، ما يحرم الاستعمال، لكن إذا كان يؤدي إلى ضرر، مثل بعض المضاد الحيوية هذه يمكن تضر الإنسان أكثر مما تنفعه، فإذا لم يجد نفعًا فهنا يجب عليه أن يمسك حتى لو قال له الطبيب: استمر، وهو ما وجد نفعًا، وهي من الأدوية المضادة اللي يسمونها المضادات الحيوية، هذه خطر على الإنسان.

الزمر 39:39

قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ﴾ [الزمر ٣٩] الخطاب هنا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقوله: ﴿قُلْ يَا قَوْمِ﴾ المراد به من كذبوه وعاندوه، وقوله: ﴿يَا قَوْمِ﴾ هذه مناداة، وأصلها: يا قومي، ولكنها حُذفت الياء للتخفيف، وبقيت الكسرة دليلًا عليها، وعليه فنقول في إعرابها: قوم منادى منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف ﴿يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ﴾ اعملوا على مكانتكم يعني على ما أنتم عليه من الكفر والعداوة والإيذاء، فإن ذلك لا يهمني ولن يمنعني من أن أستمر في عملي، ولهذا أكد قوله: إنى عامل يعني: عامل على ما أنا عليه، فأنتم اعملوا ونحن سنعمل، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ [هود ١٢٢]، ﴿إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ [الزمر ٣٩، ٤٠] سوف تعلمون: هذه جملة محقَّقة لدخول (سوف) عليها؛ فإن (سوف) تحقق الجملة كما تحققها السين، لكن الفرق أن السين تفيد ذلك عن قرب، و(سوف) تفيده عن مهلة، ولهذا يقال: السين للتنفيس، و(سوف) للتسويف -أي: التأخير- والتنفيس؛ القرب ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ﴾ [الزمر ٣٩، ٤٠]، (من) هذه مفعول (تعلمون)، والعلم هنا بمعنى المعرفة، ولهذا لا تنصِب إلا مفعولًا واحدًا؛ كما قال ابن مالك: لِعِلْمِ عِرْفَانٍ وَظَنِّ تُهَمَهْ ∗∗∗ تَعْدِيَةٌ لِوَاحِدٍ مُلْتَزَمَهْ يقول: ﴿تَعْلَمُونَ﴾ أي: تعرفون ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ أي: ستعلمون الذي يأتيه عذاب يخزيه، العذاب هنا العقوبة، والخزي معناه الذل والعار، ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [الزمر ٤٠] أي: ينزل عليه عذاب مقيم لا يفارقه، سوف تعلمون هذا، هل هو نحن أم أنتم، ولكنهم سوف يعلمون ذلك في وقت لا يتمكنون فيه من الخلاص، وإنما ينادون بالويل والثبور والعياذ بالله. إذن (من) نعربها على أنها مفعول (تعلمون) الأول أو الثاني؟ ليس فيه أول ولا ثانٍ؛ لأن (يعلمون) هنا بمعنى (يعرفون)، ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [الزمر ٣٩، ٤٠]. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر ٤١] تأمل ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ﴾، وفي بعض الآيات ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ [الزمر ٢] فهل الحرفان بمعنى واحد، أو هما يختلفان؟ الجواب: الأصل فيما اختلف لفظه أن يختلف معناه، هذا الأصل؛ لأن اللفظ للمعاني بمنزلة الثوب للأجسام، فإذا وجدنا لفظينِ تعديتهما واحدة، لكنهما مختلفان لفظًا، فالأصل اختلافهما معنًى، فقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ يفيد أن غاية الإنزال إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يتجاوزه إلى غيره، وقوله: ﴿عَلَيْكَ﴾ يفيد أن الإنزال استعلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى تشربه، كأنه نزل في نفس الرسول عليه الصلاة والسلام، ألم تقرأ قول الله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء ١٩٣، ١٩٤] ولم يقل: إلى قلبك، هذا هو الفرق. وقوله: ﴿عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ الكتاب هنا هو القرآن الكريم، وسمي كتابًا لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ وفي الصحف التي بأيدي الملائكة، وفي الصحف التي بين أيدينا، وعلى هذا يكون (فِعال) بمعنى (مفعول)، وهذا الوزن أعني فعالًا بمعنى مفعول يأتي كثيرًا في اللغة العربية، ومنه. * طالب: فراش بمعنى مفروش. * الشيخ: فراش بمعنى مفروش، كساء؟ * الطالب: بمعنى مكسي. * الشيخ: وبناء بمعنى مبني، وغراس بمعنى مغروس، وله أمثلة. طيب يقول: ﴿الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ اللام هنا للاختصاص أو للتعدية، جائز هذا وهذا، فالمعنى أن الله أنزل الكتاب على محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ليهتدي به الناس وينتفعوا به، والأمر كذلك، فإن الناس انتفعوا بهذا القرآن انتفاعًا لا يماثله انتفاع، فالأمة القرشية كانت لا تساوي شيئًا عند الأمم، وكانوا أذلة، وكانوا فقراء لهم رحلة إلى الشام في الصيف، وإلى اليمن في الشتاء؛ لأنهم ليس عندهم حركة ولا تجارة ولا أموال، وببعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبهذا القرآن صاروا سادة الأمم ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ [الضحى ٦]، آوى يعني آواك وآوى بك، فكنت أبًا للناس بعد أن كنت يتيمًا لا أبَ لك، ولهذا نقول: آوى حذف المفعول به من أجل العموم، يعني آواك وآوى بك ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى ٧] هدى من؟ هداك وهدى بك، ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى ٨] يعنى أغناك وأغنى بك، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام للأنصار: «وَكُنْتُمْ عَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللهُ بِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٣٠)، ومسلم (١٠٦١ / ١٣٩) من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم.]]، فالنبي عليه الصلاة والسلام جاء بالبركة لأمته، ولهذا قال: ﴿عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ﴾، وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ لها معنيان: بالحق يعني أن ما جاء به هذا القرآن فهو حق، والحق هو الصدق في الأخبار، والعدل في الأحكام، قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]، يعنى أن هذا القرآن نزل بالحق، أتى بالحق، وهو أيش؟ صدق الأخبار، وعدل الأحكام، والمعنى الثاني بالحق يعني أنه مصحوب بالحق، أي: أنه نزول حق، ليس فيه باطل؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء ٢١٠ - ٢١٢]، فإذن بالحق له معنيان؛ الأول. * طالب: صدق الأخبار والعدل في الأحكام. * الشيخ: يعني أن ما جاء به الحق والثاني. * الطالب: مصحوبًا بالحق. * الشيخ: يعني. * الطالب: يعني أنه نزل معه (...). * الشيخ: لا، هذا يعود على المعنى الأول. * الطالب: نزوله حق. * الشيخ: يعني أن نزوله حق، ليس بباطل، فإنه لا يعتريه الباطل ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت ٤٢]، وتلوت عليكم قوله تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ بخلاف أخبار الكهان، أخبار الكهان كلها من الشياطين. ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ﴾ [الزمر ٤١] الفاء هذه مفرعة على ما سبق، يعني بعد نزول هذا القرآن انقسم الناس فيه إلى قسمين: قسم اهتدى به فانتفع، وقسم ضل عنه فهلك. وقوله: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ (من) هذه شرطية، فعل الشرط فيها اهتدى وجوابه جملة، فلنفسه؛ لأن الجملة هنا اسميه، ولهذا اقترنت بالفاء ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ﴾، وقوله: ﴿اهْتَدَى﴾، أي: هداية علمية وهداية عملية، هداية علمية بأن حرص على هذا القرآن، فحفظه وتدبره وتأمله، وهداية عملية بأن أيش؟ طبق هذا القرآن وعمل به عقيدة وقولًا وفعلًا، وقوله: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ﴾ يعني فلنفسه اهتداؤه، أو فهو لنفسه، المهم أن المحذوف هنا المبتدأ ولا بد، لماذا نقول: ولا بد؟ لأن المذكور جار ومجرور، والجار والمجرور لا يمكن أبدًا أن يكون مبتدأ، إذن فالمحذوف هو المبتدأ هنا، فإن شئت قدِّر: فلنفسه اهتداؤه، وإن شئت قدر: فهو لنفسه. ونسأل الآن لماذا اقترنت جملة الجواب بالفاء؟ * الطالب: (...) اسمية. * الشيخ: لأنها اسمية، وإذا وقعت جملة الجواب اسمية وجب اقترانها بالفاء، وربما تحذف الفاء لكن قليلًا، ومنه قول الشاعر: مَنْ يَفْعَلِ الحَسَنَاتِ اللهُ يَشْكُرُهَا ∗∗∗ .......................... ولم يقل: فالله يشكرها، لكن هذا قليل. ولنتعرض الآن لما يجب قرنه بالفاء من الجمل إذا وقع جوابًا، وهو مذكور فى بيت. * طالب: الأسماء الخمسة. * الشيخ: طيب. * الطالب: اسم جامد، و(سوف) والسين والجملة الاسمية، وإذا كانت طلبية (...) جملة فعلية فعلها طلبي (...). * الشيخ: طيب، هذا خمسة، لكن فاضل بيت علشان تكمل. * الطالب: قال الشاعر: اسمية طلبية وبجامد وبما ولن وقد والتنفيس * الشيخ: اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدِ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [الزمر ٤١]: ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ فلم يهتدِ لا علمًا ولا عملًا، ﴿فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ أي: على نفسه ولا يضر الله شيئًا، ولا يضر غيره شيئًا أيضًا ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾، (ما) هذه حجازية، أي: لا ينطق بها إلا أهل الحجاز -إن أخطأت فقولوا: خطأ- (ما) هذه حجازية، أي: لا ينطق بها إلا أهل الحجاز؟ * طالب: خطأ. * الشيخ: خطأ؛ لأنه ينطق بها أهل الحجاز وغيرهم، لكنها لا تعمل عمل (ليس) إلا عند أهل الحجاز، ولذلك سُميت حجازية، هي عند أهل الحجاز تعمل عمل (ليس)؛ ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف ٣١]، وعند بني تميم لا تعمل عمل (ليس)، مهملة فيقولون في قوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ يعني في غير القرآن: ما هذا بشرٌ. الآن سأتكلم فقولوا: أنت حجازي أو تميمي: ما زيد قائم. * طلبة: تميمي. * الشيخ: تميمى. ما زيد قائمًا. * طلبة: حجازي. * الشيخ: حجاز إذن لغة قريش، وهم أهل الحجاز، يقولون: ما هذا بشرًا، وبنو تميم يقولون: ما هذا بشر، وكانوا يقرؤون القرآن: ما هذا بشرٌ، قبل أن يوحد على لغة قريش؛ لأن القرآن أنزل على سبعة أحرف. وفي بيت طريف قال فيه الشاعر: وَمُهَفْهَفِ الأَعْطَافِ قُلْتُ لَهُ: انْتَسِبْ ∗∗∗ فَأَجَابَ: مَا قَتْلُ المُحِبِّ حَرَامُ (ومهفهف الأعطاف قلت له: انتسب) يعني: من أين أنت؟ فأجاب ما قال: أنا من آل فلان أو آل فلان، فأجاب: ما قتل المحب حرام. ويش يكون هذه المرأة؟ تميمية؛ لأنها قالت: ما قتل المحب حرام إذن عرف أنها تميمية. في وقتنا الآن هل نعرف التميمي من القرشي؟ اندمج الآن كل تميمي وكل قرشي، فتجد هذا يقول: ما هذا بشر، وهذا يقول: ما هذا بشر، يختلفون كلهم، اختلطوا. طيب، يقول الله عز وجل: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الزمر ٤١] هل نعرب الآن (ما) على لغة بني تميم أو على لغة قريش؟ على لغة قريش، مع أن اللفظ لا يختلف في هذا التركيب، لا يختلف اللفظ؛ لأن بني تميم يقولون: ما أنت عليهم بوكيل، وكذلك قريش، لكن لعلمنا أن القرآن على لغة قريش نقول: إن (ما) هنا حجازية، و(أن) اسمها، والتاء للخطاب، والباء حرف جر زائد، (وكيل) خبرها منصوب بفتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. فإن قال قائل: قلت: إن الباء حرف جر زائد ونحن نعلم أن القرآن الكريم ليس فيه لغو، والزيادة لغو. فالجواب على هذا أن نقول: الزيادة لغو إذا لم تفد معنى، فإن أفادت معنى فليست لغوًا، والمعنى الذي تفيده هنا توكيد النفي، وعلى هذا فليست لغوًا، بل هي زائدة لفظًا، زائدة معنى، يعنى تزيد المعنى. لكن قد يقول قائل: كيف زائدة؟ نقول: زائدة، الأولى من (زاد) اللازم، وزائدة الثانية من (زاد) المتعدي؛ لأن (زاد) مثل (نقص) تستعمل لازمة، لا تتعدى للمفعول، وتستعمل متعدية للمفعول، قال الله تعالى: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران ١٧٣] متعدية ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة ٤] متعدية، وتقول: زاد إيمان الرجل، لازمة، وتقول: نقص الماء، لازمة. ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الزمر ٤١] يعنى لست عليهم بمراقب تراقبهم وتحافظ عليهم، وإنما ذلك إلى الله، أنت عليك البلاغ، والحساب على رب العباد عز وجل. نرجع الآن إلى كلام المفسر رحمه الله، يقول: ﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ [الزمر ٣٩] (على حالتكم)، فالمكانة بمعنى الحالة. وكما ذكرنا في التفسير المكانة أي: ما كنتم عليه، وهي بمعنى الحالة فى كلام المفسر ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾ (على حالتي)، من أين فهم أن التقدير: على حالتي؟ لأنها مقابل لقوله: ﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ يعنى أني عامل على مكانتي، طيب إني عامل ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ [الزمر ٣٩، ٤٠] * طالب: (...) * الشيخ: كيف؟ * الطالب: إني عامل على مكانتي. * الشيخ: لا، هو على حالتي. * الطالب: لا التقدير.. * الشيخ: التقدير على مكانتي ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ يقول: من موصولة، مفعول للعلم، كيف؟ * الطالب: مفعول (...). * الشيخ: لا، مفعول العلم بالتاء عندكم. * الطالب: (...) العلم (...). * الشيخ: طيب ويش أنا قلت؟ * طالب: للعلم. * الشيخ: أنا قلت: مفعول للعلم وهي عندك. * الطالب: مفعول العلم. * الشيخ: إي نعم، لا أنا ظننتها للعلم موصولة، مفعول العلم، أين العلم؟ لو قال المؤلف: مفعول تعلمون لكان أوضح؛ لأن الذي في الآية ليس المصدر ولكنه الفعل، وكان عليه أن يقول: مفعول تعلمون، لكن الكتاب في الحقيقة مؤلف لطلبة علم، ولهذا نحن لا ننصح بقراءة هذا الكتاب للمبتدئ؛ لأن هذا الكتاب وإن كان صغيرًا أكبر من فهم المبتدئ، طيب.. * طالب: ويش يقرأ يا شيخ؟ * الشيخ: دقيقة الآن، الجواب محفوظ إن شاء الله. (من) موصولة مفعول لـ(علم)، ﴿يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ إذا كانت (من) موصولة، فجملة (يأتيه) لا محل لها من الإعراب، صلة الموصول، ﴿عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾، ماذا قلنا بـ(عذاب)؟ عقوبة، وجملة (يخزيه) صفة لـ(عذاب)، وليست جوابًا لـ(من)؛ لأن (من) اسم موصول، لا تحتاج إلى جواب. ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ﴾ [الزمر ٤٠] (ينزل عليه ﴿عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [الزمر ٤٠] دائم، وهو عذاب النار، وقد أخزاهم الله ببدر). (مَن) موصولة مفعول لـ(علم)، ﴿يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ [الزمر ٤٠] إذا كانت (من) موصولة فجملة ﴿يَأْتِيهِ﴾ لا محل لها من الإعراب؛ صلة الموصول. ﴿عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ ماذا قلنا بعذاب؟ عقوبة، وجملة ﴿يُخْزِيهِ﴾ صفة لعذاب، وليست جوابًا لـ(من)؛ لأن (من) اسم موصول، لا تحتاج إلى جواب. (﴿يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ﴾ ينزل ﴿عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [الزمر ٤٠] دائم، هو عذاب النار، وقد أخزاهم الله ببدر)، يعني أن أكبر ذلّ حصل لقريش ما حصل في بدر؛ لأن الله سبحانه وتعالى جمع زعمائهم وكبراءهم وأشرافهم، جمعهم حتى خرجوا في ذلك اليوم، وقُتل هؤلاء الأشراف والكبراء، قتلوا وسحبوا وألقوا في قَليب من قُلب بدر، قليب خبيثة منتنة، فكان جزاؤهم والعياذ بالله هذا الجزاء، وهذا من أعظم الخزي، حتى «وقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليهم يوبخهم ويندّمهم يقول: «يَا فُلانَ بْنَ فُلَانٍ» بأسمائهم وأسماء آبائهم «يَا فُلانَ بْنَ فُلانٍ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا»، فقالوا: يا رسولَ الله، ما تكلم من أُناس جَيَّفوا -كيف تكلم جِيَفًا؟- قال: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْجَوَابَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٩٧٦)، ومسلم (٢٨٧٥ / ٧٨) من حديث أبي طلحة،.]]، وصدق الرسول عليه الصلاة والسلام، هم يسمعون كلام الرسول ولا يزيدهم هذا الكلام إلا حسرة وندامةً. ولهذا «قال أحدهم لعبد الله بن مسعود، وهو أبو جهل، حينما جاء إليه وفيه رَمَق من حياة، قال له: من أنت؟ قال: ابن مسعود. قال: لقدِ ارتقيتَ مُرْتَقى صعبًا يا رُوَيْعِيَّ الغَنَمِ. كيف تطأ على رأس شريف من أشراف قريش. ثم قال: لمن الدائرة اليوم؟ قال: لله ورسوله »[[أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (١٠٢٠) من حديث ابن عباس.]]. المهم أن الرسول وبخهم على هذا الذي حصل. ثم قال: (﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر ٤١] متعلِّق بأنزل)، لماذا لم يقل: بأنزلنا؟ لأن العامل هو الفعل، و(نا) اسم بتقدير الانفصال عن الفعل، وهذا تعليم من المؤلف لكم إذا أردتم أن تقولوا: هذا متعلق فلا تذكروا إلا العامل فقط، لا تذكروا الفاعل معه، ولا المفعول إن كان المفعول متصلًا به، فهذا متعلق بـ(أنزل). ونحن في الحقيقة في إعرابنا في القرآن نتجاوز، نقول في مثل هذا: متعلق بـ(أنزلنا) وهذا غير محرر، الصواب أن تقول: متعلق بـ(أنزل)، الذي هو العامل فقط، دون ما اتصل به من فاعل أو مفعول. (﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِه﴾ [الزمر ٤١] اهتداؤه ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الزمر ٤١] فتجبرهم على الهدى)، وهذا كقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ [ق ٤٥]، فالرسول عليه الصلاة والسلام ليس بجابر لهم على الاهتداء، وليس بموكل بهم يحافظهم ويحافظ عليهم. نرجع للفوائد الآن: ﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ إلى آخره [الزمر: ٣٩]. * من فوائد هذه الآية: أنه ينبغي لمن معه الحق أن يكون قويًّا متحديًا لخصمه، فلا يقف موقف الضعف، من أين يؤخذ؟ ﴿اعْمَلُوا﴾ ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾ [الزمر ٣٩] يعني ولا تهمونني. * ومن فوائدها: تسلية النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ فإن الله أمره بذلك تبشيرًا له وتسلية بأنه ستكون العاقبة له. * ومن فوائدها: أنه لا بأس بإقرار الكفار على كفرهم تهديدًا، وهذا أسلوبٌ متبع حتى في تأديب الوالد ابنه، ماذا يقول له إذا خالف؟ يقول: استمر على معصيتي، استمر في اللعب، لا تحضر للضيوف مثلًا، ماذا يقصد؟ يقصد التهديد. وأظننا لا يمكن أن نأتي بها جميعا، ونجعلها غدًا إن شاء الله. (...) * * * * طالب: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر ٤٢ - ٤٤]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام ١٣٥] إلى آخره. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يريد من نبيه أن يكون عاليًا على قومه، يتكلم عليهم أو يتكلم معهم من علو، وذلك بقوله: ﴿يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ﴾، وهذا يشبه التحدي، التحدي لهم أني لا يهمني أن تعملوا ما علمتم؛ فإني سوف أعمل ما يضاد ذلك. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أظننا ذكرنا هذه الفائدة أنه ينبغي لصاحب الحق أن يكون قويًّا على خصمه متعليًا عليه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تهديد أولئك المكذبين لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنهم سوف يعلمون من هو أحق بالعذاب ومن يأتيه العذاب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن عذاب الكفر عذاب مخز عارٌ في الآخرة وذلٌّ في الدنيا، بل ذل في الدنيا والآخرة والعياذ بالله؛ لقوله: ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ [الزمر ٤٠]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن عذاب أهل النار مقيم لا ينفك عنهم، ويتفرع على هذه الآية الكريمة ما دلَّ عليه القرآن والسنة؛ من أن أهل النار مخلدون فيها أبدًا وأنها لا تفنى، وأن القول بفنائها قول ضعيف، بل باطل، لمخالفته للكتاب والسنة. ثم قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ إلى آخره [الزمر: ٤١]. * من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان أن القرآن كلام الله؛ لأن الله أنزله، وهو كلام ليس ذاتًا معينة كالحديد الذي قال الله فيه: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد ٢٥] وكالمواشي: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر ٦] فالقرآن كلام، فإذا كان كلامًا فإنه لا يكون مخلوقًا؛ لأن الكلام صفة المتكلم، والمتكلم به وهو الله هو الأول والآخر والظاهر والباطن. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علوّ الله، منين؟ * طالب: ﴿أَنْزَلْنَا﴾. * الشيخ: والإنزال لا يكون؟ * الطالب: إلا من علو. * الشيخ: إلا من علو، وهذا هو الذي دلَّ عليه الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة. علو الله عز وجل دل عليه الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، الكتاب دلالته على علوّ الله متنوعة بأنواع كثيرة، والسنة كذلك اتفقت: السنة: القولية والفعلية والإقرارية على أن الله سبحانه وتعالى عال فوق عرشه فوق خلقه. والإجماع: أجمع السلف على ذلك، ما منهم من أحد قال بخلافه أبدًا، والقاعدة في هذا أنه إذا دل الكتاب والسنة على شيء، ولم يُعلم أن أحدًا من السلف الصحابة والتابعين قال بخلافه؛ فإنهم لا يقولون بسواه، وهذه فائدة مهمة، يعني قد يقول قائل: أين الدليل على أن الصحابة يرون أن الله استوى على العرش، أي: علا عليه؟ هل أحد فسره بذلك؟ فماذا نقول؟ نقول: ما دام القرآن قال به ولم يرد عنهم خلافه، فهم قد قالوا به؛ لأنهم هم يأخذون بدلالة القرآن التي أُمروا أن يأخذوا بها. إذن نأخذ من هذا إجماع الصحابة على علو الله، وكذلك التابعون لهم بإحسان والأئمة من بعدهم، لم يأت حرف واحد عن أحد منهم أنه قال بخلاف ذلك. * من فوائد هذه الآية: فضيلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حيث قال أيش؟ الأدلة العقلية على علو الله عز وجل أن يقال: العلوّ إما صفة نقص أو كمال، ولا أحد يشك أنه صفة كمال، فوجب ثبوته لله عز وجل؛ لأن الرب قد وجبت له صفات الكمال عقلًا. وأما الفطرة فإن الناس مفطورون على أنهم إذا سألوا الله شيئًا، إنما ترتفع قلوبهم نحو السماء، وهذا أمر لا ينكره أحد. * من فوائد الآية الكريمة: فضيلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حيث كان إنزال هذا القرآن العظيم عليه، وقد قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]. * ومن فوائدها: أن القرآن نزل لمصلحة الخلق؛ لقوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾، فالقرآن لم ينزل ضد مصالح الخلق، بل نزل لمصالح الخلق، ولهذا قال: أنزلناه عليك للناس. * ومن فوائد الآية الكريمة: عموم رسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لقوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾ ولم يقل: لقومك، مثلًا للناس عمومًا. * ومن فوائدها: أن القرآن نزل بالحق على وجهي التفسير اللذين سبقَا، وهو أنه هو حق وآتٍ بالحقّ، حق فيما جاء به حيث كانت أحكامه عدلًا وأخباره صدقًا، وهو نفسه حق ليس بباطل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن حُجة؛ لقوله: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [الزمر ٤١]. * ومن فوائدها: أن الناس ينقسمون نحو هذا القرآن إلى مهتدٍ وضالٍّ؛ لقوله: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مُجبَر على عمله، ووجه ذلك أنه أضاف الاهتداء والضلال إلى العبد، فدل هذا على أنه فعله الذي اختاره. * ومن فوائد الآية الكريمة: شؤم المعاصي وأنها تكون على العبد لا له. * ومن فوائد الآية الكريمة: بركة الاهتداء وأنه كسب للعبد؛ لقوله: ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾. * ومن فوائدها: تسلية النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا ضل من ضلَّ من الناس؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾، فالله وحده هو الوكيل عليهم، أما أنت فأنت مبلِّغ، فإذا قمت بواجب البلاغ فالحساب على الله. * ومن فوائدها: الرد على من تعلَّقوا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم خوفًا ورجاءً ورغبة ورهبة، حتى صاروا يدعونه من دون الله؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾. * ومن فوائدها: أن الداعي المبلغ لشريعة الله إذا بلغ على الوجه الذي أُمر به فقد برأت ذمته، ولا يلزمه شيء وراء ذلك، وجه الدلالة منها أنه إذا كان إمام الداعين المبلغين محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليس وكيلًا على الناس، ولا حفيظًا عليهم، فمن دونه من باب أولى.

الزمر 39:40

قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ﴾ [الزمر ٣٩] الخطاب هنا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقوله: ﴿قُلْ يَا قَوْمِ﴾ المراد به من كذبوه وعاندوه، وقوله: ﴿يَا قَوْمِ﴾ هذه مناداة، وأصلها: يا قومي، ولكنها حُذفت الياء للتخفيف، وبقيت الكسرة دليلًا عليها، وعليه فنقول في إعرابها: قوم منادى منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف ﴿يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ﴾ اعملوا على مكانتكم يعني على ما أنتم عليه من الكفر والعداوة والإيذاء، فإن ذلك لا يهمني ولن يمنعني من أن أستمر في عملي، ولهذا أكد قوله: إنى عامل يعني: عامل على ما أنا عليه، فأنتم اعملوا ونحن سنعمل، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ [هود ١٢٢]، ﴿إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ [الزمر ٣٩، ٤٠] سوف تعلمون: هذه جملة محقَّقة لدخول (سوف) عليها؛ فإن (سوف) تحقق الجملة كما تحققها السين، لكن الفرق أن السين تفيد ذلك عن قرب، و(سوف) تفيده عن مهلة، ولهذا يقال: السين للتنفيس، و(سوف) للتسويف -أي: التأخير- والتنفيس؛ القرب ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ﴾ [الزمر ٣٩، ٤٠]، (من) هذه مفعول (تعلمون)، والعلم هنا بمعنى المعرفة، ولهذا لا تنصِب إلا مفعولًا واحدًا؛ كما قال ابن مالك: لِعِلْمِ عِرْفَانٍ وَظَنِّ تُهَمَهْ ∗∗∗ تَعْدِيَةٌ لِوَاحِدٍ مُلْتَزَمَهْ يقول: ﴿تَعْلَمُونَ﴾ أي: تعرفون ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ أي: ستعلمون الذي يأتيه عذاب يخزيه، العذاب هنا العقوبة، والخزي معناه الذل والعار، ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [الزمر ٤٠] أي: ينزل عليه عذاب مقيم لا يفارقه، سوف تعلمون هذا، هل هو نحن أم أنتم، ولكنهم سوف يعلمون ذلك في وقت لا يتمكنون فيه من الخلاص، وإنما ينادون بالويل والثبور والعياذ بالله. إذن (من) نعربها على أنها مفعول (تعلمون) الأول أو الثاني؟ ليس فيه أول ولا ثانٍ؛ لأن (يعلمون) هنا بمعنى (يعرفون)، ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [الزمر ٣٩، ٤٠]. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر ٤١] تأمل ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ﴾، وفي بعض الآيات ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ [الزمر ٢] فهل الحرفان بمعنى واحد، أو هما يختلفان؟ الجواب: الأصل فيما اختلف لفظه أن يختلف معناه، هذا الأصل؛ لأن اللفظ للمعاني بمنزلة الثوب للأجسام، فإذا وجدنا لفظينِ تعديتهما واحدة، لكنهما مختلفان لفظًا، فالأصل اختلافهما معنًى، فقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ يفيد أن غاية الإنزال إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يتجاوزه إلى غيره، وقوله: ﴿عَلَيْكَ﴾ يفيد أن الإنزال استعلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى تشربه، كأنه نزل في نفس الرسول عليه الصلاة والسلام، ألم تقرأ قول الله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء ١٩٣، ١٩٤] ولم يقل: إلى قلبك، هذا هو الفرق. وقوله: ﴿عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ الكتاب هنا هو القرآن الكريم، وسمي كتابًا لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ وفي الصحف التي بأيدي الملائكة، وفي الصحف التي بين أيدينا، وعلى هذا يكون (فِعال) بمعنى (مفعول)، وهذا الوزن أعني فعالًا بمعنى مفعول يأتي كثيرًا في اللغة العربية، ومنه. * طالب: فراش بمعنى مفروش. * الشيخ: فراش بمعنى مفروش، كساء؟ * الطالب: بمعنى مكسي. * الشيخ: وبناء بمعنى مبني، وغراس بمعنى مغروس، وله أمثلة. طيب يقول: ﴿الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ اللام هنا للاختصاص أو للتعدية، جائز هذا وهذا، فالمعنى أن الله أنزل الكتاب على محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ليهتدي به الناس وينتفعوا به، والأمر كذلك، فإن الناس انتفعوا بهذا القرآن انتفاعًا لا يماثله انتفاع، فالأمة القرشية كانت لا تساوي شيئًا عند الأمم، وكانوا أذلة، وكانوا فقراء لهم رحلة إلى الشام في الصيف، وإلى اليمن في الشتاء؛ لأنهم ليس عندهم حركة ولا تجارة ولا أموال، وببعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبهذا القرآن صاروا سادة الأمم ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ [الضحى ٦]، آوى يعني آواك وآوى بك، فكنت أبًا للناس بعد أن كنت يتيمًا لا أبَ لك، ولهذا نقول: آوى حذف المفعول به من أجل العموم، يعني آواك وآوى بك ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى ٧] هدى من؟ هداك وهدى بك، ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى ٨] يعنى أغناك وأغنى بك، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام للأنصار: «وَكُنْتُمْ عَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللهُ بِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٣٠)، ومسلم (١٠٦١ / ١٣٩) من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم.]]، فالنبي عليه الصلاة والسلام جاء بالبركة لأمته، ولهذا قال: ﴿عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ﴾، وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ لها معنيان: بالحق يعني أن ما جاء به هذا القرآن فهو حق، والحق هو الصدق في الأخبار، والعدل في الأحكام، قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]، يعنى أن هذا القرآن نزل بالحق، أتى بالحق، وهو أيش؟ صدق الأخبار، وعدل الأحكام، والمعنى الثاني بالحق يعني أنه مصحوب بالحق، أي: أنه نزول حق، ليس فيه باطل؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء ٢١٠ - ٢١٢]، فإذن بالحق له معنيان؛ الأول. * طالب: صدق الأخبار والعدل في الأحكام. * الشيخ: يعني أن ما جاء به الحق والثاني. * الطالب: مصحوبًا بالحق. * الشيخ: يعني. * الطالب: يعني أنه نزل معه (...). * الشيخ: لا، هذا يعود على المعنى الأول. * الطالب: نزوله حق. * الشيخ: يعني أن نزوله حق، ليس بباطل، فإنه لا يعتريه الباطل ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت ٤٢]، وتلوت عليكم قوله تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ بخلاف أخبار الكهان، أخبار الكهان كلها من الشياطين. ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ﴾ [الزمر ٤١] الفاء هذه مفرعة على ما سبق، يعني بعد نزول هذا القرآن انقسم الناس فيه إلى قسمين: قسم اهتدى به فانتفع، وقسم ضل عنه فهلك. وقوله: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ (من) هذه شرطية، فعل الشرط فيها اهتدى وجوابه جملة، فلنفسه؛ لأن الجملة هنا اسميه، ولهذا اقترنت بالفاء ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ﴾، وقوله: ﴿اهْتَدَى﴾، أي: هداية علمية وهداية عملية، هداية علمية بأن حرص على هذا القرآن، فحفظه وتدبره وتأمله، وهداية عملية بأن أيش؟ طبق هذا القرآن وعمل به عقيدة وقولًا وفعلًا، وقوله: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ﴾ يعني فلنفسه اهتداؤه، أو فهو لنفسه، المهم أن المحذوف هنا المبتدأ ولا بد، لماذا نقول: ولا بد؟ لأن المذكور جار ومجرور، والجار والمجرور لا يمكن أبدًا أن يكون مبتدأ، إذن فالمحذوف هو المبتدأ هنا، فإن شئت قدِّر: فلنفسه اهتداؤه، وإن شئت قدر: فهو لنفسه. ونسأل الآن لماذا اقترنت جملة الجواب بالفاء؟ * الطالب: (...) اسمية. * الشيخ: لأنها اسمية، وإذا وقعت جملة الجواب اسمية وجب اقترانها بالفاء، وربما تحذف الفاء لكن قليلًا، ومنه قول الشاعر: مَنْ يَفْعَلِ الحَسَنَاتِ اللهُ يَشْكُرُهَا ∗∗∗ .......................... ولم يقل: فالله يشكرها، لكن هذا قليل. ولنتعرض الآن لما يجب قرنه بالفاء من الجمل إذا وقع جوابًا، وهو مذكور فى بيت. * طالب: الأسماء الخمسة. * الشيخ: طيب. * الطالب: اسم جامد، و(سوف) والسين والجملة الاسمية، وإذا كانت طلبية (...) جملة فعلية فعلها طلبي (...). * الشيخ: طيب، هذا خمسة، لكن فاضل بيت علشان تكمل. * الطالب: قال الشاعر: اسمية طلبية وبجامد وبما ولن وقد والتنفيس * الشيخ: اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدِ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [الزمر ٤١]: ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ فلم يهتدِ لا علمًا ولا عملًا، ﴿فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ أي: على نفسه ولا يضر الله شيئًا، ولا يضر غيره شيئًا أيضًا ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾، (ما) هذه حجازية، أي: لا ينطق بها إلا أهل الحجاز -إن أخطأت فقولوا: خطأ- (ما) هذه حجازية، أي: لا ينطق بها إلا أهل الحجاز؟ * طالب: خطأ. * الشيخ: خطأ؛ لأنه ينطق بها أهل الحجاز وغيرهم، لكنها لا تعمل عمل (ليس) إلا عند أهل الحجاز، ولذلك سُميت حجازية، هي عند أهل الحجاز تعمل عمل (ليس)؛ ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف ٣١]، وعند بني تميم لا تعمل عمل (ليس)، مهملة فيقولون في قوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ يعني في غير القرآن: ما هذا بشرٌ. الآن سأتكلم فقولوا: أنت حجازي أو تميمي: ما زيد قائم. * طلبة: تميمي. * الشيخ: تميمى. ما زيد قائمًا. * طلبة: حجازي. * الشيخ: حجاز إذن لغة قريش، وهم أهل الحجاز، يقولون: ما هذا بشرًا، وبنو تميم يقولون: ما هذا بشر، وكانوا يقرؤون القرآن: ما هذا بشرٌ، قبل أن يوحد على لغة قريش؛ لأن القرآن أنزل على سبعة أحرف. وفي بيت طريف قال فيه الشاعر: وَمُهَفْهَفِ الأَعْطَافِ قُلْتُ لَهُ: انْتَسِبْ ∗∗∗ فَأَجَابَ: مَا قَتْلُ المُحِبِّ حَرَامُ (ومهفهف الأعطاف قلت له: انتسب) يعني: من أين أنت؟ فأجاب ما قال: أنا من آل فلان أو آل فلان، فأجاب: ما قتل المحب حرام. ويش يكون هذه المرأة؟ تميمية؛ لأنها قالت: ما قتل المحب حرام إذن عرف أنها تميمية. في وقتنا الآن هل نعرف التميمي من القرشي؟ اندمج الآن كل تميمي وكل قرشي، فتجد هذا يقول: ما هذا بشر، وهذا يقول: ما هذا بشر، يختلفون كلهم، اختلطوا. طيب، يقول الله عز وجل: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الزمر ٤١] هل نعرب الآن (ما) على لغة بني تميم أو على لغة قريش؟ على لغة قريش، مع أن اللفظ لا يختلف في هذا التركيب، لا يختلف اللفظ؛ لأن بني تميم يقولون: ما أنت عليهم بوكيل، وكذلك قريش، لكن لعلمنا أن القرآن على لغة قريش نقول: إن (ما) هنا حجازية، و(أن) اسمها، والتاء للخطاب، والباء حرف جر زائد، (وكيل) خبرها منصوب بفتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. فإن قال قائل: قلت: إن الباء حرف جر زائد ونحن نعلم أن القرآن الكريم ليس فيه لغو، والزيادة لغو. فالجواب على هذا أن نقول: الزيادة لغو إذا لم تفد معنى، فإن أفادت معنى فليست لغوًا، والمعنى الذي تفيده هنا توكيد النفي، وعلى هذا فليست لغوًا، بل هي زائدة لفظًا، زائدة معنى، يعنى تزيد المعنى. لكن قد يقول قائل: كيف زائدة؟ نقول: زائدة، الأولى من (زاد) اللازم، وزائدة الثانية من (زاد) المتعدي؛ لأن (زاد) مثل (نقص) تستعمل لازمة، لا تتعدى للمفعول، وتستعمل متعدية للمفعول، قال الله تعالى: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران ١٧٣] متعدية ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة ٤] متعدية، وتقول: زاد إيمان الرجل، لازمة، وتقول: نقص الماء، لازمة. ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الزمر ٤١] يعنى لست عليهم بمراقب تراقبهم وتحافظ عليهم، وإنما ذلك إلى الله، أنت عليك البلاغ، والحساب على رب العباد عز وجل. نرجع الآن إلى كلام المفسر رحمه الله، يقول: ﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ [الزمر ٣٩] (على حالتكم)، فالمكانة بمعنى الحالة. وكما ذكرنا في التفسير المكانة أي: ما كنتم عليه، وهي بمعنى الحالة فى كلام المفسر ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾ (على حالتي)، من أين فهم أن التقدير: على حالتي؟ لأنها مقابل لقوله: ﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ يعنى أني عامل على مكانتي، طيب إني عامل ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ [الزمر ٣٩، ٤٠] * طالب: (...) * الشيخ: كيف؟ * الطالب: إني عامل على مكانتي. * الشيخ: لا، هو على حالتي. * الطالب: لا التقدير.. * الشيخ: التقدير على مكانتي ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ يقول: من موصولة، مفعول للعلم، كيف؟ * الطالب: مفعول (...). * الشيخ: لا، مفعول العلم بالتاء عندكم. * الطالب: (...) العلم (...). * الشيخ: طيب ويش أنا قلت؟ * طالب: للعلم. * الشيخ: أنا قلت: مفعول للعلم وهي عندك. * الطالب: مفعول العلم. * الشيخ: إي نعم، لا أنا ظننتها للعلم موصولة، مفعول العلم، أين العلم؟ لو قال المؤلف: مفعول تعلمون لكان أوضح؛ لأن الذي في الآية ليس المصدر ولكنه الفعل، وكان عليه أن يقول: مفعول تعلمون، لكن الكتاب في الحقيقة مؤلف لطلبة علم، ولهذا نحن لا ننصح بقراءة هذا الكتاب للمبتدئ؛ لأن هذا الكتاب وإن كان صغيرًا أكبر من فهم المبتدئ، طيب.. * طالب: ويش يقرأ يا شيخ؟ * الشيخ: دقيقة الآن، الجواب محفوظ إن شاء الله. (من) موصولة مفعول لـ(علم)، ﴿يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ إذا كانت (من) موصولة، فجملة (يأتيه) لا محل لها من الإعراب، صلة الموصول، ﴿عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾، ماذا قلنا بـ(عذاب)؟ عقوبة، وجملة (يخزيه) صفة لـ(عذاب)، وليست جوابًا لـ(من)؛ لأن (من) اسم موصول، لا تحتاج إلى جواب. ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ﴾ [الزمر ٤٠] (ينزل عليه ﴿عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [الزمر ٤٠] دائم، وهو عذاب النار، وقد أخزاهم الله ببدر). (مَن) موصولة مفعول لـ(علم)، ﴿يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ [الزمر ٤٠] إذا كانت (من) موصولة فجملة ﴿يَأْتِيهِ﴾ لا محل لها من الإعراب؛ صلة الموصول. ﴿عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ ماذا قلنا بعذاب؟ عقوبة، وجملة ﴿يُخْزِيهِ﴾ صفة لعذاب، وليست جوابًا لـ(من)؛ لأن (من) اسم موصول، لا تحتاج إلى جواب. (﴿يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ﴾ ينزل ﴿عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [الزمر ٤٠] دائم، هو عذاب النار، وقد أخزاهم الله ببدر)، يعني أن أكبر ذلّ حصل لقريش ما حصل في بدر؛ لأن الله سبحانه وتعالى جمع زعمائهم وكبراءهم وأشرافهم، جمعهم حتى خرجوا في ذلك اليوم، وقُتل هؤلاء الأشراف والكبراء، قتلوا وسحبوا وألقوا في قَليب من قُلب بدر، قليب خبيثة منتنة، فكان جزاؤهم والعياذ بالله هذا الجزاء، وهذا من أعظم الخزي، حتى «وقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليهم يوبخهم ويندّمهم يقول: «يَا فُلانَ بْنَ فُلَانٍ» بأسمائهم وأسماء آبائهم «يَا فُلانَ بْنَ فُلانٍ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا»، فقالوا: يا رسولَ الله، ما تكلم من أُناس جَيَّفوا -كيف تكلم جِيَفًا؟- قال: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْجَوَابَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٩٧٦)، ومسلم (٢٨٧٥ / ٧٨) من حديث أبي طلحة،.]]، وصدق الرسول عليه الصلاة والسلام، هم يسمعون كلام الرسول ولا يزيدهم هذا الكلام إلا حسرة وندامةً. ولهذا «قال أحدهم لعبد الله بن مسعود، وهو أبو جهل، حينما جاء إليه وفيه رَمَق من حياة، قال له: من أنت؟ قال: ابن مسعود. قال: لقدِ ارتقيتَ مُرْتَقى صعبًا يا رُوَيْعِيَّ الغَنَمِ. كيف تطأ على رأس شريف من أشراف قريش. ثم قال: لمن الدائرة اليوم؟ قال: لله ورسوله »[[أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (١٠٢٠) من حديث ابن عباس.]]. المهم أن الرسول وبخهم على هذا الذي حصل. ثم قال: (﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر ٤١] متعلِّق بأنزل)، لماذا لم يقل: بأنزلنا؟ لأن العامل هو الفعل، و(نا) اسم بتقدير الانفصال عن الفعل، وهذا تعليم من المؤلف لكم إذا أردتم أن تقولوا: هذا متعلق فلا تذكروا إلا العامل فقط، لا تذكروا الفاعل معه، ولا المفعول إن كان المفعول متصلًا به، فهذا متعلق بـ(أنزل). ونحن في الحقيقة في إعرابنا في القرآن نتجاوز، نقول في مثل هذا: متعلق بـ(أنزلنا) وهذا غير محرر، الصواب أن تقول: متعلق بـ(أنزل)، الذي هو العامل فقط، دون ما اتصل به من فاعل أو مفعول. (﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِه﴾ [الزمر ٤١] اهتداؤه ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الزمر ٤١] فتجبرهم على الهدى)، وهذا كقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ [ق ٤٥]، فالرسول عليه الصلاة والسلام ليس بجابر لهم على الاهتداء، وليس بموكل بهم يحافظهم ويحافظ عليهم. نرجع للفوائد الآن: ﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ إلى آخره [الزمر: ٣٩]. * من فوائد هذه الآية: أنه ينبغي لمن معه الحق أن يكون قويًّا متحديًا لخصمه، فلا يقف موقف الضعف، من أين يؤخذ؟ ﴿اعْمَلُوا﴾ ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾ [الزمر ٣٩] يعني ولا تهمونني. * ومن فوائدها: تسلية النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ فإن الله أمره بذلك تبشيرًا له وتسلية بأنه ستكون العاقبة له. * ومن فوائدها: أنه لا بأس بإقرار الكفار على كفرهم تهديدًا، وهذا أسلوبٌ متبع حتى في تأديب الوالد ابنه، ماذا يقول له إذا خالف؟ يقول: استمر على معصيتي، استمر في اللعب، لا تحضر للضيوف مثلًا، ماذا يقصد؟ يقصد التهديد. وأظننا لا يمكن أن نأتي بها جميعا، ونجعلها غدًا إن شاء الله. (...) * * * * طالب: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر ٤٢ - ٤٤]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام ١٣٥] إلى آخره. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يريد من نبيه أن يكون عاليًا على قومه، يتكلم عليهم أو يتكلم معهم من علو، وذلك بقوله: ﴿يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ﴾، وهذا يشبه التحدي، التحدي لهم أني لا يهمني أن تعملوا ما علمتم؛ فإني سوف أعمل ما يضاد ذلك. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أظننا ذكرنا هذه الفائدة أنه ينبغي لصاحب الحق أن يكون قويًّا على خصمه متعليًا عليه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تهديد أولئك المكذبين لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنهم سوف يعلمون من هو أحق بالعذاب ومن يأتيه العذاب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن عذاب الكفر عذاب مخز عارٌ في الآخرة وذلٌّ في الدنيا، بل ذل في الدنيا والآخرة والعياذ بالله؛ لقوله: ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ [الزمر ٤٠]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن عذاب أهل النار مقيم لا ينفك عنهم، ويتفرع على هذه الآية الكريمة ما دلَّ عليه القرآن والسنة؛ من أن أهل النار مخلدون فيها أبدًا وأنها لا تفنى، وأن القول بفنائها قول ضعيف، بل باطل، لمخالفته للكتاب والسنة. ثم قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ إلى آخره [الزمر: ٤١]. * من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان أن القرآن كلام الله؛ لأن الله أنزله، وهو كلام ليس ذاتًا معينة كالحديد الذي قال الله فيه: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد ٢٥] وكالمواشي: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر ٦] فالقرآن كلام، فإذا كان كلامًا فإنه لا يكون مخلوقًا؛ لأن الكلام صفة المتكلم، والمتكلم به وهو الله هو الأول والآخر والظاهر والباطن. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علوّ الله، منين؟ * طالب: ﴿أَنْزَلْنَا﴾. * الشيخ: والإنزال لا يكون؟ * الطالب: إلا من علو. * الشيخ: إلا من علو، وهذا هو الذي دلَّ عليه الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة. علو الله عز وجل دل عليه الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، الكتاب دلالته على علوّ الله متنوعة بأنواع كثيرة، والسنة كذلك اتفقت: السنة: القولية والفعلية والإقرارية على أن الله سبحانه وتعالى عال فوق عرشه فوق خلقه. والإجماع: أجمع السلف على ذلك، ما منهم من أحد قال بخلافه أبدًا، والقاعدة في هذا أنه إذا دل الكتاب والسنة على شيء، ولم يُعلم أن أحدًا من السلف الصحابة والتابعين قال بخلافه؛ فإنهم لا يقولون بسواه، وهذه فائدة مهمة، يعني قد يقول قائل: أين الدليل على أن الصحابة يرون أن الله استوى على العرش، أي: علا عليه؟ هل أحد فسره بذلك؟ فماذا نقول؟ نقول: ما دام القرآن قال به ولم يرد عنهم خلافه، فهم قد قالوا به؛ لأنهم هم يأخذون بدلالة القرآن التي أُمروا أن يأخذوا بها. إذن نأخذ من هذا إجماع الصحابة على علو الله، وكذلك التابعون لهم بإحسان والأئمة من بعدهم، لم يأت حرف واحد عن أحد منهم أنه قال بخلاف ذلك. * من فوائد هذه الآية: فضيلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حيث قال أيش؟ الأدلة العقلية على علو الله عز وجل أن يقال: العلوّ إما صفة نقص أو كمال، ولا أحد يشك أنه صفة كمال، فوجب ثبوته لله عز وجل؛ لأن الرب قد وجبت له صفات الكمال عقلًا. وأما الفطرة فإن الناس مفطورون على أنهم إذا سألوا الله شيئًا، إنما ترتفع قلوبهم نحو السماء، وهذا أمر لا ينكره أحد. * من فوائد الآية الكريمة: فضيلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حيث كان إنزال هذا القرآن العظيم عليه، وقد قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]. * ومن فوائدها: أن القرآن نزل لمصلحة الخلق؛ لقوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾، فالقرآن لم ينزل ضد مصالح الخلق، بل نزل لمصالح الخلق، ولهذا قال: أنزلناه عليك للناس. * ومن فوائد الآية الكريمة: عموم رسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لقوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾ ولم يقل: لقومك، مثلًا للناس عمومًا. * ومن فوائدها: أن القرآن نزل بالحق على وجهي التفسير اللذين سبقَا، وهو أنه هو حق وآتٍ بالحقّ، حق فيما جاء به حيث كانت أحكامه عدلًا وأخباره صدقًا، وهو نفسه حق ليس بباطل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن حُجة؛ لقوله: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [الزمر ٤١]. * ومن فوائدها: أن الناس ينقسمون نحو هذا القرآن إلى مهتدٍ وضالٍّ؛ لقوله: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مُجبَر على عمله، ووجه ذلك أنه أضاف الاهتداء والضلال إلى العبد، فدل هذا على أنه فعله الذي اختاره. * ومن فوائد الآية الكريمة: شؤم المعاصي وأنها تكون على العبد لا له. * ومن فوائد الآية الكريمة: بركة الاهتداء وأنه كسب للعبد؛ لقوله: ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾. * ومن فوائدها: تسلية النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا ضل من ضلَّ من الناس؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾، فالله وحده هو الوكيل عليهم، أما أنت فأنت مبلِّغ، فإذا قمت بواجب البلاغ فالحساب على الله. * ومن فوائدها: الرد على من تعلَّقوا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم خوفًا ورجاءً ورغبة ورهبة، حتى صاروا يدعونه من دون الله؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾. * ومن فوائدها: أن الداعي المبلغ لشريعة الله إذا بلغ على الوجه الذي أُمر به فقد برأت ذمته، ولا يلزمه شيء وراء ذلك، وجه الدلالة منها أنه إذا كان إمام الداعين المبلغين محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليس وكيلًا على الناس، ولا حفيظًا عليهم، فمن دونه من باب أولى.

الزمر 39:41

قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ﴾ [الزمر ٣٩] الخطاب هنا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقوله: ﴿قُلْ يَا قَوْمِ﴾ المراد به من كذبوه وعاندوه، وقوله: ﴿يَا قَوْمِ﴾ هذه مناداة، وأصلها: يا قومي، ولكنها حُذفت الياء للتخفيف، وبقيت الكسرة دليلًا عليها، وعليه فنقول في إعرابها: قوم منادى منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف ﴿يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ﴾ اعملوا على مكانتكم يعني على ما أنتم عليه من الكفر والعداوة والإيذاء، فإن ذلك لا يهمني ولن يمنعني من أن أستمر في عملي، ولهذا أكد قوله: إنى عامل يعني: عامل على ما أنا عليه، فأنتم اعملوا ونحن سنعمل، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ [هود ١٢٢]، ﴿إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ [الزمر ٣٩، ٤٠] سوف تعلمون: هذه جملة محقَّقة لدخول (سوف) عليها؛ فإن (سوف) تحقق الجملة كما تحققها السين، لكن الفرق أن السين تفيد ذلك عن قرب، و(سوف) تفيده عن مهلة، ولهذا يقال: السين للتنفيس، و(سوف) للتسويف -أي: التأخير- والتنفيس؛ القرب ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ﴾ [الزمر ٣٩، ٤٠]، (من) هذه مفعول (تعلمون)، والعلم هنا بمعنى المعرفة، ولهذا لا تنصِب إلا مفعولًا واحدًا؛ كما قال ابن مالك: لِعِلْمِ عِرْفَانٍ وَظَنِّ تُهَمَهْ ∗∗∗ تَعْدِيَةٌ لِوَاحِدٍ مُلْتَزَمَهْ يقول: ﴿تَعْلَمُونَ﴾ أي: تعرفون ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ أي: ستعلمون الذي يأتيه عذاب يخزيه، العذاب هنا العقوبة، والخزي معناه الذل والعار، ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [الزمر ٤٠] أي: ينزل عليه عذاب مقيم لا يفارقه، سوف تعلمون هذا، هل هو نحن أم أنتم، ولكنهم سوف يعلمون ذلك في وقت لا يتمكنون فيه من الخلاص، وإنما ينادون بالويل والثبور والعياذ بالله. إذن (من) نعربها على أنها مفعول (تعلمون) الأول أو الثاني؟ ليس فيه أول ولا ثانٍ؛ لأن (يعلمون) هنا بمعنى (يعرفون)، ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [الزمر ٣٩، ٤٠]. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر ٤١] تأمل ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ﴾، وفي بعض الآيات ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ [الزمر ٢] فهل الحرفان بمعنى واحد، أو هما يختلفان؟ الجواب: الأصل فيما اختلف لفظه أن يختلف معناه، هذا الأصل؛ لأن اللفظ للمعاني بمنزلة الثوب للأجسام، فإذا وجدنا لفظينِ تعديتهما واحدة، لكنهما مختلفان لفظًا، فالأصل اختلافهما معنًى، فقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ يفيد أن غاية الإنزال إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يتجاوزه إلى غيره، وقوله: ﴿عَلَيْكَ﴾ يفيد أن الإنزال استعلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى تشربه، كأنه نزل في نفس الرسول عليه الصلاة والسلام، ألم تقرأ قول الله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء ١٩٣، ١٩٤] ولم يقل: إلى قلبك، هذا هو الفرق. وقوله: ﴿عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ الكتاب هنا هو القرآن الكريم، وسمي كتابًا لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ وفي الصحف التي بأيدي الملائكة، وفي الصحف التي بين أيدينا، وعلى هذا يكون (فِعال) بمعنى (مفعول)، وهذا الوزن أعني فعالًا بمعنى مفعول يأتي كثيرًا في اللغة العربية، ومنه. * طالب: فراش بمعنى مفروش. * الشيخ: فراش بمعنى مفروش، كساء؟ * الطالب: بمعنى مكسي. * الشيخ: وبناء بمعنى مبني، وغراس بمعنى مغروس، وله أمثلة. طيب يقول: ﴿الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ اللام هنا للاختصاص أو للتعدية، جائز هذا وهذا، فالمعنى أن الله أنزل الكتاب على محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ليهتدي به الناس وينتفعوا به، والأمر كذلك، فإن الناس انتفعوا بهذا القرآن انتفاعًا لا يماثله انتفاع، فالأمة القرشية كانت لا تساوي شيئًا عند الأمم، وكانوا أذلة، وكانوا فقراء لهم رحلة إلى الشام في الصيف، وإلى اليمن في الشتاء؛ لأنهم ليس عندهم حركة ولا تجارة ولا أموال، وببعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبهذا القرآن صاروا سادة الأمم ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ [الضحى ٦]، آوى يعني آواك وآوى بك، فكنت أبًا للناس بعد أن كنت يتيمًا لا أبَ لك، ولهذا نقول: آوى حذف المفعول به من أجل العموم، يعني آواك وآوى بك ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى ٧] هدى من؟ هداك وهدى بك، ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى ٨] يعنى أغناك وأغنى بك، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام للأنصار: «وَكُنْتُمْ عَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللهُ بِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٣٠)، ومسلم (١٠٦١ / ١٣٩) من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم.]]، فالنبي عليه الصلاة والسلام جاء بالبركة لأمته، ولهذا قال: ﴿عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ﴾، وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ لها معنيان: بالحق يعني أن ما جاء به هذا القرآن فهو حق، والحق هو الصدق في الأخبار، والعدل في الأحكام، قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]، يعنى أن هذا القرآن نزل بالحق، أتى بالحق، وهو أيش؟ صدق الأخبار، وعدل الأحكام، والمعنى الثاني بالحق يعني أنه مصحوب بالحق، أي: أنه نزول حق، ليس فيه باطل؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء ٢١٠ - ٢١٢]، فإذن بالحق له معنيان؛ الأول. * طالب: صدق الأخبار والعدل في الأحكام. * الشيخ: يعني أن ما جاء به الحق والثاني. * الطالب: مصحوبًا بالحق. * الشيخ: يعني. * الطالب: يعني أنه نزل معه (...). * الشيخ: لا، هذا يعود على المعنى الأول. * الطالب: نزوله حق. * الشيخ: يعني أن نزوله حق، ليس بباطل، فإنه لا يعتريه الباطل ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت ٤٢]، وتلوت عليكم قوله تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ بخلاف أخبار الكهان، أخبار الكهان كلها من الشياطين. ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ﴾ [الزمر ٤١] الفاء هذه مفرعة على ما سبق، يعني بعد نزول هذا القرآن انقسم الناس فيه إلى قسمين: قسم اهتدى به فانتفع، وقسم ضل عنه فهلك. وقوله: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ (من) هذه شرطية، فعل الشرط فيها اهتدى وجوابه جملة، فلنفسه؛ لأن الجملة هنا اسميه، ولهذا اقترنت بالفاء ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ﴾، وقوله: ﴿اهْتَدَى﴾، أي: هداية علمية وهداية عملية، هداية علمية بأن حرص على هذا القرآن، فحفظه وتدبره وتأمله، وهداية عملية بأن أيش؟ طبق هذا القرآن وعمل به عقيدة وقولًا وفعلًا، وقوله: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ﴾ يعني فلنفسه اهتداؤه، أو فهو لنفسه، المهم أن المحذوف هنا المبتدأ ولا بد، لماذا نقول: ولا بد؟ لأن المذكور جار ومجرور، والجار والمجرور لا يمكن أبدًا أن يكون مبتدأ، إذن فالمحذوف هو المبتدأ هنا، فإن شئت قدِّر: فلنفسه اهتداؤه، وإن شئت قدر: فهو لنفسه. ونسأل الآن لماذا اقترنت جملة الجواب بالفاء؟ * الطالب: (...) اسمية. * الشيخ: لأنها اسمية، وإذا وقعت جملة الجواب اسمية وجب اقترانها بالفاء، وربما تحذف الفاء لكن قليلًا، ومنه قول الشاعر: مَنْ يَفْعَلِ الحَسَنَاتِ اللهُ يَشْكُرُهَا ∗∗∗ .......................... ولم يقل: فالله يشكرها، لكن هذا قليل. ولنتعرض الآن لما يجب قرنه بالفاء من الجمل إذا وقع جوابًا، وهو مذكور فى بيت. * طالب: الأسماء الخمسة. * الشيخ: طيب. * الطالب: اسم جامد، و(سوف) والسين والجملة الاسمية، وإذا كانت طلبية (...) جملة فعلية فعلها طلبي (...). * الشيخ: طيب، هذا خمسة، لكن فاضل بيت علشان تكمل. * الطالب: قال الشاعر: اسمية طلبية وبجامد وبما ولن وقد والتنفيس * الشيخ: اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدِ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [الزمر ٤١]: ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ فلم يهتدِ لا علمًا ولا عملًا، ﴿فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ أي: على نفسه ولا يضر الله شيئًا، ولا يضر غيره شيئًا أيضًا ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾، (ما) هذه حجازية، أي: لا ينطق بها إلا أهل الحجاز -إن أخطأت فقولوا: خطأ- (ما) هذه حجازية، أي: لا ينطق بها إلا أهل الحجاز؟ * طالب: خطأ. * الشيخ: خطأ؛ لأنه ينطق بها أهل الحجاز وغيرهم، لكنها لا تعمل عمل (ليس) إلا عند أهل الحجاز، ولذلك سُميت حجازية، هي عند أهل الحجاز تعمل عمل (ليس)؛ ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف ٣١]، وعند بني تميم لا تعمل عمل (ليس)، مهملة فيقولون في قوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ يعني في غير القرآن: ما هذا بشرٌ. الآن سأتكلم فقولوا: أنت حجازي أو تميمي: ما زيد قائم. * طلبة: تميمي. * الشيخ: تميمى. ما زيد قائمًا. * طلبة: حجازي. * الشيخ: حجاز إذن لغة قريش، وهم أهل الحجاز، يقولون: ما هذا بشرًا، وبنو تميم يقولون: ما هذا بشر، وكانوا يقرؤون القرآن: ما هذا بشرٌ، قبل أن يوحد على لغة قريش؛ لأن القرآن أنزل على سبعة أحرف. وفي بيت طريف قال فيه الشاعر: وَمُهَفْهَفِ الأَعْطَافِ قُلْتُ لَهُ: انْتَسِبْ ∗∗∗ فَأَجَابَ: مَا قَتْلُ المُحِبِّ حَرَامُ (ومهفهف الأعطاف قلت له: انتسب) يعني: من أين أنت؟ فأجاب ما قال: أنا من آل فلان أو آل فلان، فأجاب: ما قتل المحب حرام. ويش يكون هذه المرأة؟ تميمية؛ لأنها قالت: ما قتل المحب حرام إذن عرف أنها تميمية. في وقتنا الآن هل نعرف التميمي من القرشي؟ اندمج الآن كل تميمي وكل قرشي، فتجد هذا يقول: ما هذا بشر، وهذا يقول: ما هذا بشر، يختلفون كلهم، اختلطوا. طيب، يقول الله عز وجل: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الزمر ٤١] هل نعرب الآن (ما) على لغة بني تميم أو على لغة قريش؟ على لغة قريش، مع أن اللفظ لا يختلف في هذا التركيب، لا يختلف اللفظ؛ لأن بني تميم يقولون: ما أنت عليهم بوكيل، وكذلك قريش، لكن لعلمنا أن القرآن على لغة قريش نقول: إن (ما) هنا حجازية، و(أن) اسمها، والتاء للخطاب، والباء حرف جر زائد، (وكيل) خبرها منصوب بفتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. فإن قال قائل: قلت: إن الباء حرف جر زائد ونحن نعلم أن القرآن الكريم ليس فيه لغو، والزيادة لغو. فالجواب على هذا أن نقول: الزيادة لغو إذا لم تفد معنى، فإن أفادت معنى فليست لغوًا، والمعنى الذي تفيده هنا توكيد النفي، وعلى هذا فليست لغوًا، بل هي زائدة لفظًا، زائدة معنى، يعنى تزيد المعنى. لكن قد يقول قائل: كيف زائدة؟ نقول: زائدة، الأولى من (زاد) اللازم، وزائدة الثانية من (زاد) المتعدي؛ لأن (زاد) مثل (نقص) تستعمل لازمة، لا تتعدى للمفعول، وتستعمل متعدية للمفعول، قال الله تعالى: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران ١٧٣] متعدية ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة ٤] متعدية، وتقول: زاد إيمان الرجل، لازمة، وتقول: نقص الماء، لازمة. ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الزمر ٤١] يعنى لست عليهم بمراقب تراقبهم وتحافظ عليهم، وإنما ذلك إلى الله، أنت عليك البلاغ، والحساب على رب العباد عز وجل. نرجع الآن إلى كلام المفسر رحمه الله، يقول: ﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ [الزمر ٣٩] (على حالتكم)، فالمكانة بمعنى الحالة. وكما ذكرنا في التفسير المكانة أي: ما كنتم عليه، وهي بمعنى الحالة فى كلام المفسر ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾ (على حالتي)، من أين فهم أن التقدير: على حالتي؟ لأنها مقابل لقوله: ﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ يعنى أني عامل على مكانتي، طيب إني عامل ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ [الزمر ٣٩، ٤٠] * طالب: (...) * الشيخ: كيف؟ * الطالب: إني عامل على مكانتي. * الشيخ: لا، هو على حالتي. * الطالب: لا التقدير.. * الشيخ: التقدير على مكانتي ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ يقول: من موصولة، مفعول للعلم، كيف؟ * الطالب: مفعول (...). * الشيخ: لا، مفعول العلم بالتاء عندكم. * الطالب: (...) العلم (...). * الشيخ: طيب ويش أنا قلت؟ * طالب: للعلم. * الشيخ: أنا قلت: مفعول للعلم وهي عندك. * الطالب: مفعول العلم. * الشيخ: إي نعم، لا أنا ظننتها للعلم موصولة، مفعول العلم، أين العلم؟ لو قال المؤلف: مفعول تعلمون لكان أوضح؛ لأن الذي في الآية ليس المصدر ولكنه الفعل، وكان عليه أن يقول: مفعول تعلمون، لكن الكتاب في الحقيقة مؤلف لطلبة علم، ولهذا نحن لا ننصح بقراءة هذا الكتاب للمبتدئ؛ لأن هذا الكتاب وإن كان صغيرًا أكبر من فهم المبتدئ، طيب.. * طالب: ويش يقرأ يا شيخ؟ * الشيخ: دقيقة الآن، الجواب محفوظ إن شاء الله. (من) موصولة مفعول لـ(علم)، ﴿يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ إذا كانت (من) موصولة، فجملة (يأتيه) لا محل لها من الإعراب، صلة الموصول، ﴿عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾، ماذا قلنا بـ(عذاب)؟ عقوبة، وجملة (يخزيه) صفة لـ(عذاب)، وليست جوابًا لـ(من)؛ لأن (من) اسم موصول، لا تحتاج إلى جواب. ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ﴾ [الزمر ٤٠] (ينزل عليه ﴿عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [الزمر ٤٠] دائم، وهو عذاب النار، وقد أخزاهم الله ببدر). (مَن) موصولة مفعول لـ(علم)، ﴿يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ [الزمر ٤٠] إذا كانت (من) موصولة فجملة ﴿يَأْتِيهِ﴾ لا محل لها من الإعراب؛ صلة الموصول. ﴿عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ ماذا قلنا بعذاب؟ عقوبة، وجملة ﴿يُخْزِيهِ﴾ صفة لعذاب، وليست جوابًا لـ(من)؛ لأن (من) اسم موصول، لا تحتاج إلى جواب. (﴿يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ﴾ ينزل ﴿عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [الزمر ٤٠] دائم، هو عذاب النار، وقد أخزاهم الله ببدر)، يعني أن أكبر ذلّ حصل لقريش ما حصل في بدر؛ لأن الله سبحانه وتعالى جمع زعمائهم وكبراءهم وأشرافهم، جمعهم حتى خرجوا في ذلك اليوم، وقُتل هؤلاء الأشراف والكبراء، قتلوا وسحبوا وألقوا في قَليب من قُلب بدر، قليب خبيثة منتنة، فكان جزاؤهم والعياذ بالله هذا الجزاء، وهذا من أعظم الخزي، حتى «وقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليهم يوبخهم ويندّمهم يقول: «يَا فُلانَ بْنَ فُلَانٍ» بأسمائهم وأسماء آبائهم «يَا فُلانَ بْنَ فُلانٍ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا»، فقالوا: يا رسولَ الله، ما تكلم من أُناس جَيَّفوا -كيف تكلم جِيَفًا؟- قال: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْجَوَابَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٩٧٦)، ومسلم (٢٨٧٥ / ٧٨) من حديث أبي طلحة،.]]، وصدق الرسول عليه الصلاة والسلام، هم يسمعون كلام الرسول ولا يزيدهم هذا الكلام إلا حسرة وندامةً. ولهذا «قال أحدهم لعبد الله بن مسعود، وهو أبو جهل، حينما جاء إليه وفيه رَمَق من حياة، قال له: من أنت؟ قال: ابن مسعود. قال: لقدِ ارتقيتَ مُرْتَقى صعبًا يا رُوَيْعِيَّ الغَنَمِ. كيف تطأ على رأس شريف من أشراف قريش. ثم قال: لمن الدائرة اليوم؟ قال: لله ورسوله »[[أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (١٠٢٠) من حديث ابن عباس.]]. المهم أن الرسول وبخهم على هذا الذي حصل. ثم قال: (﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر ٤١] متعلِّق بأنزل)، لماذا لم يقل: بأنزلنا؟ لأن العامل هو الفعل، و(نا) اسم بتقدير الانفصال عن الفعل، وهذا تعليم من المؤلف لكم إذا أردتم أن تقولوا: هذا متعلق فلا تذكروا إلا العامل فقط، لا تذكروا الفاعل معه، ولا المفعول إن كان المفعول متصلًا به، فهذا متعلق بـ(أنزل). ونحن في الحقيقة في إعرابنا في القرآن نتجاوز، نقول في مثل هذا: متعلق بـ(أنزلنا) وهذا غير محرر، الصواب أن تقول: متعلق بـ(أنزل)، الذي هو العامل فقط، دون ما اتصل به من فاعل أو مفعول. (﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِه﴾ [الزمر ٤١] اهتداؤه ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الزمر ٤١] فتجبرهم على الهدى)، وهذا كقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ [ق ٤٥]، فالرسول عليه الصلاة والسلام ليس بجابر لهم على الاهتداء، وليس بموكل بهم يحافظهم ويحافظ عليهم. نرجع للفوائد الآن: ﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ إلى آخره [الزمر: ٣٩]. * من فوائد هذه الآية: أنه ينبغي لمن معه الحق أن يكون قويًّا متحديًا لخصمه، فلا يقف موقف الضعف، من أين يؤخذ؟ ﴿اعْمَلُوا﴾ ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾ [الزمر ٣٩] يعني ولا تهمونني. * ومن فوائدها: تسلية النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ فإن الله أمره بذلك تبشيرًا له وتسلية بأنه ستكون العاقبة له. * ومن فوائدها: أنه لا بأس بإقرار الكفار على كفرهم تهديدًا، وهذا أسلوبٌ متبع حتى في تأديب الوالد ابنه، ماذا يقول له إذا خالف؟ يقول: استمر على معصيتي، استمر في اللعب، لا تحضر للضيوف مثلًا، ماذا يقصد؟ يقصد التهديد. وأظننا لا يمكن أن نأتي بها جميعا، ونجعلها غدًا إن شاء الله. (...) * * * * طالب: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر ٤٢ - ٤٤]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام ١٣٥] إلى آخره. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يريد من نبيه أن يكون عاليًا على قومه، يتكلم عليهم أو يتكلم معهم من علو، وذلك بقوله: ﴿يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ﴾، وهذا يشبه التحدي، التحدي لهم أني لا يهمني أن تعملوا ما علمتم؛ فإني سوف أعمل ما يضاد ذلك. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أظننا ذكرنا هذه الفائدة أنه ينبغي لصاحب الحق أن يكون قويًّا على خصمه متعليًا عليه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تهديد أولئك المكذبين لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنهم سوف يعلمون من هو أحق بالعذاب ومن يأتيه العذاب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن عذاب الكفر عذاب مخز عارٌ في الآخرة وذلٌّ في الدنيا، بل ذل في الدنيا والآخرة والعياذ بالله؛ لقوله: ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ [الزمر ٤٠]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن عذاب أهل النار مقيم لا ينفك عنهم، ويتفرع على هذه الآية الكريمة ما دلَّ عليه القرآن والسنة؛ من أن أهل النار مخلدون فيها أبدًا وأنها لا تفنى، وأن القول بفنائها قول ضعيف، بل باطل، لمخالفته للكتاب والسنة. ثم قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ إلى آخره [الزمر: ٤١]. * من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان أن القرآن كلام الله؛ لأن الله أنزله، وهو كلام ليس ذاتًا معينة كالحديد الذي قال الله فيه: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد ٢٥] وكالمواشي: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر ٦] فالقرآن كلام، فإذا كان كلامًا فإنه لا يكون مخلوقًا؛ لأن الكلام صفة المتكلم، والمتكلم به وهو الله هو الأول والآخر والظاهر والباطن. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علوّ الله، منين؟ * طالب: ﴿أَنْزَلْنَا﴾. * الشيخ: والإنزال لا يكون؟ * الطالب: إلا من علو. * الشيخ: إلا من علو، وهذا هو الذي دلَّ عليه الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة. علو الله عز وجل دل عليه الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، الكتاب دلالته على علوّ الله متنوعة بأنواع كثيرة، والسنة كذلك اتفقت: السنة: القولية والفعلية والإقرارية على أن الله سبحانه وتعالى عال فوق عرشه فوق خلقه. والإجماع: أجمع السلف على ذلك، ما منهم من أحد قال بخلافه أبدًا، والقاعدة في هذا أنه إذا دل الكتاب والسنة على شيء، ولم يُعلم أن أحدًا من السلف الصحابة والتابعين قال بخلافه؛ فإنهم لا يقولون بسواه، وهذه فائدة مهمة، يعني قد يقول قائل: أين الدليل على أن الصحابة يرون أن الله استوى على العرش، أي: علا عليه؟ هل أحد فسره بذلك؟ فماذا نقول؟ نقول: ما دام القرآن قال به ولم يرد عنهم خلافه، فهم قد قالوا به؛ لأنهم هم يأخذون بدلالة القرآن التي أُمروا أن يأخذوا بها. إذن نأخذ من هذا إجماع الصحابة على علو الله، وكذلك التابعون لهم بإحسان والأئمة من بعدهم، لم يأت حرف واحد عن أحد منهم أنه قال بخلاف ذلك. * من فوائد هذه الآية: فضيلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حيث قال أيش؟ الأدلة العقلية على علو الله عز وجل أن يقال: العلوّ إما صفة نقص أو كمال، ولا أحد يشك أنه صفة كمال، فوجب ثبوته لله عز وجل؛ لأن الرب قد وجبت له صفات الكمال عقلًا. وأما الفطرة فإن الناس مفطورون على أنهم إذا سألوا الله شيئًا، إنما ترتفع قلوبهم نحو السماء، وهذا أمر لا ينكره أحد. * من فوائد الآية الكريمة: فضيلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حيث كان إنزال هذا القرآن العظيم عليه، وقد قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]. * ومن فوائدها: أن القرآن نزل لمصلحة الخلق؛ لقوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾، فالقرآن لم ينزل ضد مصالح الخلق، بل نزل لمصالح الخلق، ولهذا قال: أنزلناه عليك للناس. * ومن فوائد الآية الكريمة: عموم رسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لقوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾ ولم يقل: لقومك، مثلًا للناس عمومًا. * ومن فوائدها: أن القرآن نزل بالحق على وجهي التفسير اللذين سبقَا، وهو أنه هو حق وآتٍ بالحقّ، حق فيما جاء به حيث كانت أحكامه عدلًا وأخباره صدقًا، وهو نفسه حق ليس بباطل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن حُجة؛ لقوله: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [الزمر ٤١]. * ومن فوائدها: أن الناس ينقسمون نحو هذا القرآن إلى مهتدٍ وضالٍّ؛ لقوله: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مُجبَر على عمله، ووجه ذلك أنه أضاف الاهتداء والضلال إلى العبد، فدل هذا على أنه فعله الذي اختاره. * ومن فوائد الآية الكريمة: شؤم المعاصي وأنها تكون على العبد لا له. * ومن فوائد الآية الكريمة: بركة الاهتداء وأنه كسب للعبد؛ لقوله: ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾. * ومن فوائدها: تسلية النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا ضل من ضلَّ من الناس؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾، فالله وحده هو الوكيل عليهم، أما أنت فأنت مبلِّغ، فإذا قمت بواجب البلاغ فالحساب على الله. * ومن فوائدها: الرد على من تعلَّقوا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم خوفًا ورجاءً ورغبة ورهبة، حتى صاروا يدعونه من دون الله؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾. * ومن فوائدها: أن الداعي المبلغ لشريعة الله إذا بلغ على الوجه الذي أُمر به فقد برأت ذمته، ولا يلزمه شيء وراء ذلك، وجه الدلالة منها أنه إذا كان إمام الداعين المبلغين محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليس وكيلًا على الناس، ولا حفيظًا عليهم، فمن دونه من باب أولى.

الزمر 39:42

ثم قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر ٤٢]، ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يَتَوَفَّى﴾ خبره، والتوفِّي بمعنى القبض،كما يقال: توفَّى الرجل حقه من غريمه، أي: قبضه منه، والأنفس: جمع نفس، وهي الأرواح، الأرواح التي بها تحيا الأجساد، والنفس تطلق في القرآن على معانٍ متعددة، منها هذا أنها الروح التي بها حياة الإنسان، فهو يقبض الأرواح ﴿حِينَ مَوْتِهَا﴾، أي حين الموت، وهي مفارقة الروح للبدن المفارقة التي تزول بها الحياة. ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر ٤٢] ﴿وَالَّتِي﴾: الواو حرف عطف و(التي) معطوفة على الأنفس، يعني: ويتوفَّى التي لم تمت، ولك الخيار في مثل هذا التركيب أن تقول: الواو حرف عطف، و(التي) صفة لمعطوفٍ على ما سبق وتقديره: والأنفس التي لم تمت، ولك أن تعطف الصفة رأسًا على ما سبق فتقول: ﴿الَّتِي لَمْ تَمُتْ﴾ عطف على قوله: ﴿الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾، ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ﴾ يتوفاها ﴿فِي مَنَامِهَا﴾ أي يقبضُها لكنه ليس قبضًا تامًّا، بل قبضًا مقيَّدًا، ولهذا تجد النائم له إحساسٌ من وجه وليس له إحساس من وجه آخر، فباعتبار القوى الظاهرة لا إحساس له، لا يرى ولا يسمع، وباعتبار القوى الباطنة، وأنه لو نُبِّه لانتبه يكون حيًّا، فصلة الروح بالنائم غير صلتها باليقظان وغير صلتها بالميت، فهي وسط بين الحي اليقظان وبين الميت. يقول: ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ وقد سمَّى الله تعالى النوم وفاة فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام ٦٠]. ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر ٤٢] يمسك التي قضى عليها الموت فلا ترجع إلى جسدها، يمسكها إلى أن يأتي البعث، وقوله: ﴿قَضَى﴾ أي حكم، كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء ٢٣] أي: حكم ألا تعبدوا إلا إياه، والقضاء هنا قضاء كوني، وأقول: قضاء كوني؛ لأن قضاء الله ينقسم إلى قسمين: شرعي وكوني. فالشرعي: ما أمر به، مثل قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء ٢٣] ومثل قوله: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ [غافر ٢٠] أي يحكم به. والقضاء الكوني: مثل قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ﴾ [الإسراء ٤] فإن الله لا يقضي بالفساد في الأرض، لا يقضي بالفساد في الأرض قضاء شرعيًّا، إنما هو قضاء كوني، وهنا يقول: ﴿قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ [الزمر ٤٢] قضاء كونيًّا، طيب ﴿قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى﴾ [الزمر ٤٢] وهي التي توفاها في منامها يرسلها، ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي؛ إلى أجل معين، ما هو الأجل المسمى؟ هو الموت، بأن يرسلها تذهب إلى جسدها وتبقى فيه إلى أجل مسمى، أي معين محدد. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر ٤٢] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ يعني الوفاة للنفسين، والإرسال لإحداهما، وإمساك الأخرى فيه آيات، والآيات التي الآن معنا واضحة جدًّا، أربعة: وفاة الموت، وفاة النوم، إمساك الميّتة، إرسال النائمة، أربع كلها من آيات الله عز وجل، وإنك لتأتي إلى القوم جماعة نائمين فتقول: سبحان الله ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [الروم ٢٣] قوم كأنهم جثث لا يسمعون، اللهم إلا من كان خفيف النوم‌، ‌لكن الأصل أنهم جثث، فتقول: سبحان الذي أماتهم ثم أحياهم بعد أن كانوا شبه أموات، فهي آيات، وهي آية أيضًا على البعث، فإن النوم وفاة صغرى يبعث الله فيه النائم حتى يحيا يستيقظ تمامًا، كذلك الإحياء بعد الموت يقضيه الله عز وجل، وهو قادر عليه، والعاقل يقيس الغائب على الشاهد والمستقبل على الحاضر ويتبين له الأمر. وقوله: ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر 42] يتفكرون، التفكر: إعمال الفكر، إعماله بحيث يدور كارًّا وراجعًا يمينًا وشمالًا حتى يتبين له ما يتبين بالتفكُّر، وضد التفكر: الغفلة، وأن يكون القلب حجرًا أملس لا يقر عليه شيء، لو قر عليه حبة من تراب أطارتها الرياح وجرت بها المياه، فالإنسان المتفكر هو الذي ليس بغافل، بل يدير فكره يمينًا وشمالًا ذاهبًا وراجعًا حتى يتبين له الأمر. ثم نرجع الآن إلى كلام المفسر رحمه الله، يقول: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر ٤٢] (ويتوفى) ﴿الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر ٤٢]، قدَّر الفعل بعد حرف العطف إشارة إلى أنه معطوف على ما كان هذا عامله، وما الذي هذا عامله؟ الأنفس. ويتوفى الأنفس ﴿الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ (أي يتوفاها وقت النوم) فيتبين بهذا أن النوم وفاة. ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر ٤٢] (أي وقت موتها) هذا الأجل المسمى (والمرسلة نفس التمييز تبقى بدونها نفس الحياة بخلاف العكس) كأن المؤلف يقول: إن الأنفس نوعان: نفس تمييز ونفس حياة، نفس التمييز هي المرسلة ﴿وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وتبقى بدونها الحياة أو لا؟ تبقى، فالنائم فيه حياة ما فيه شك، فنفس التمييز تبقى بعدها الحياة، والعكس لا، ولهذا قال: (بخلاف العكس) فإن نفس الحياة إذا قُبضت لا تبقى بعدها نفس التمييز، فأفادنا رحمه الله أن الأنفس في قوله: ﴿الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ أنفس إيش؟ أنفس الحياة ويتبعها أنفس التمييز ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ أنفس التمييز. قال: (﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المذكور ﴿لَآيَاتٍ﴾ دلالات ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر ٤٢] فيعلمون أن القادر على ذلك قادر على البعث، وقريش لم يتفكروا في ذلك). في هذا المذكور آيات، ونحن ذكرنا أربعًا ظاهرة. ولو تأملنا لوجدنا أكثر من ذلك بكثير، ولكنها تحتاج إلى تفكير وتدبر وتأمل فتتضح. * في هذه الآيات الكريمة من الفوائد: بيان قوة سلطان الله عز وجل وعمومه، من أين تؤخذ؟ من كونه يتصرف هذا التصرف حتى في الأنفس يتوفاها جميعًا، ويرسل هذه ويمسك هذه، وهذا دليل على كمال الملك والسلطان. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المتوفِّي للأنفس حين موتها هو الله عز وجل ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر ٤٢] أليس هذا هو الواقع؟ نعم. هذا هو ما تدل عليه الآية. ولكن هذه الدلالة ربما يعارضها بعض الآيات في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام ٦١، ٦٢] وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُون﴾ [السجدة ١١] فنجد أنه في آية الزمر أضاف الوفاة إلى من؟ إلى نفسه عز وجل، وفي آية الم تنزيل السجدة إلى ملك الموت، وفي سورة الأنعام إلى الرسل ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾، فكيف نجمع بين هذه الآيات؟ الجواب على ذلك أن نقول: يجب أن نعلم قاعدة مهمة جدًّا، هو أنه لا يمكن أن يتعارض دليلان قطعيان أبدًا، لا يمكن أن يتعارض دليلان قطعيان أبدًا لا من القرآن ولا من السنة ولا من العقل؛ لأنهما لو تعارضا لكان أحدهما ثابتًا والآخر منتفيًا، وإذا قلنا: الآخر مُنتفٍ زال عنه اسم القطعي، وهذه القاعدة تفيدك في مسائل كثيرة. فمثلًا لو قال لك قائل: القرآن يدل على كذا ثم ثبت حسًّا أن الأمر الواقع على خلاف هذا المدلول، الأمر الحسي تكذيبه غير ممكن، لكن نقول: إن فهمك للقرآن هذا خطأ، فمثلًا لو قال: ليست الأرض كروية لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية ٢٠] واعتقاد أنها كروية يكذب دلالة الآية، القرآن قطعي الثبوت، ويش معنى قطعي الثبوت؟ يعني ثابت قطعًا ما فيه إشكال، والله يقول: ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية ٢٠] وكروية الأرض حسًّا ثابتة ولَّا لا؟ * طلبة: ثابتة. * الشيخ: قطعًا ولا غير قطعًا؟ * طلبة: غير قطعًا. * الشيخ: لا، قطعًا، كروية الأرض ثابتة قطعًا لا شك فيه. * طالب: (...). * الشيخ: حسًّا، إي نعم، الآن لو تقوم طائرة من مطار جدة متجهة نحو الغرب على خط مستقيم رجعت إلى مطارها، لا يردها شيء، إذن فهي كروية لا إشكال فيها، الآية؟ نقول: الآية لفظها قطعي ثابت، لكن دلالتها على أنها سطح واحد ما هو صحيح، ما هي صريحة، ليست صريحة، وإذا لم تكن الدلالة صريحة فهي غير قطعية، وحينئذ نقول: التعارض الآن بين مدلول ظني ومحسوس قطعي، ما هو المدلول الظني؟ أن الآية تدل على أن الأرض سطح واحد. والمحسوس القطعي أن الأرض كروية، نقول: الحمد لله التعارض الآن بين ظني وقطعي، وإذا تعارض ظني قطعي ما الذي يقدَّم؟ القطعي، ونقول: سطح الأرض باعتبار القطعة المواجهة، القطعة أو الجانب المواجه من الأرض سطح، أليس كذلك؟ لكن على البعد يكون فيه انحناء، والدليل على ذلك أنه لو كانت سفينة تسير في البحر ولها أعمدة طويلة إذا أبعدت عنك، كلما أبعدت اختفت غابت مرت، ما الذي يغيبها ؟ لأن الأرض مستديرة، الأرض مستديرة فتغيب، لو كانت سطحًا لكان تراها حتى كفراتها إن كان لها كفرات، نعم، تراها من بُعد كما تراها من قُرب على السطح، والأمر ظاهر ما فيه إشكال يعني. الخلاصة الآن لا يمكن أن يتعارض دليلان قطعيان في الثبوت والدلالة، عرفت؟ ولا يمكن أن يتعارض قطعي وظني. * طلبة: يمكن. * الشيخ: يا جماعة كم بقيتم في بطون أمهاتكم؟ أعطوني تسع دقائق، لا يمكن؛ لأن الظني لا يقاوم القطعي، الظني لا يقاوم القطعي، وإذا لم يقاومه سقط فلا معارض، صح؟ ويبقى الآن التعارض بين الظني والظني، وإذا وجد تعارض بين ظنيين حينئذ اطلب الترجيح، أو إذا كان يمكن النسخ اعمل بالنسخ، وهذه القاعدة ذكرها شيخ الإسلام رحمه الله في كتابه العظيم درء تعارض العقل والنقل، وهذا الكتاب أثنى عليه ابن القيم رحمه الله في النونية فقال: وَلَهُ كِتَابُ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ الَّذِي ∗∗∗ مَا فِي الْوُجُودِ لَهُ نَظِيرٌ ثَانِ يعني مما رد به على الفلاسفة هذا الكتاب، ذَكر فيه هذه القاعدة المفيدة. التعارض بين قطعيين محال، صح؟ * طلبة: صح. * الشيخ: صح؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: ليش؟ * طلبة: (...). * الشيخ: إي نعم؛ لأنه لو حصل التعارض لكان أحدهما غير قطعي، ما يمكن، طيب. ثانيًا: التعارض بين القطعي والظني محال. * طالب: وارد. * الشيخ: واردة، لكن لا مقاومة، يعني بمعنى أن نسقط التعارض، ونقول الحكم؟ بالقطعي، التعارض بين الظنيين واقع، ويجب النظر إليه، والعمل بالترجيح، أو العمل بالنسخ إذا كان مما يمكن نسخه، واضح؟ طيب. نحن الآن نتكلم على إيه؟ على الجمع بين الوفاة المضافة إلى الله، والوفاة المضافة إلى الرسل، والمضافة إلى ملك الموت. نقول: لا تعارض الدلالة، تختلف، ففي هذه الآيات في الزمر أضاف الله الوفاة إليه لأنها بأمره، وقد يضاف الشيء إلى آخر لوقوعه بأمره، كما تقول: بنى الملك قصرًا، الملك رأيته يعمل بيديه بالإسمنت والرمل، ويا ولد هات الزمبيل هات كذا هات كذا؟ الجواب: لا، ولكنه أمر، ومنه المثل المشهور في البلاغة: بنى عمرو بن العاص مدينة الفسطاط. أين تقع مدينة الفسطاط؟ * طالب: في مصر * الشيخ: في مصر؟ * طالب: القاهرة. * الشيخ: طيب، هل عمرو بن العاص بناها بيده؟ * طالب: لا. * الشيخ: لا، أمر. إذن فإضافة الوفاة إلى الله لأنها بأمره، طيب بقي عندنا الآن إضافتها إلى ملك الموت، وإلى الرسل، والجمع أن نقول: إما أن الرسل يراد بهم الجنس: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام ٦١] يعني ملك الموت؛ لأن ملك الموت رسول، ومنه الحديث: «يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَنِي رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ»[[أخرجه مسلم (٢٤٠٨ / ٣٦) من حديث زيد بن أرقم.]] طيب. أو نقول: إن وفاة ملك الموت غير وفاة الرسل، وذلك لما جاء في الحديث «من أن ملك الموت يجلس إلى المحتضر ويأمر روحه أن تخرج، فيأخذها بيده، ثم يسلمها فورًا إلى الملائكة الذين نزلوا من السماء معهم الحنوط والكفن المناسب لها، إن كانت مؤمنة » -وأسأل الله أن يجعل لي روحي وأرواحكم مؤمنة- «فإنها تُجعل في الكفن الذي من الجنة والحنوط الذي من الجنة، وإن كانت الأخرى فكفن من نار وحنوط من نار»[[أخرجه الإمام أحمد (١٨٥٣٤)، والحاكم في المستدرك (١٠٧)، والطيالسي (٧٨٩)، وعبد الرزاق في مصنفه (٦٧٣٧)، وابن أبي شيبة في مصنفه (١٢١٧٥) من حديث البراء بن عازب.]]؛ نعوذ بالله من ذلك. (...) هذا الكفن، والصعود بها إلى السماء تتولاه الملائكة، ولهذا قال: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام ٦١، ٦٢] تحملها إلى الله عز وجل، إن كانت مؤمنه تجاوزت السماوات إلى الله؛ لأن الله غاية نفس المؤمن في الحياة وبعد الممات، المؤمن قلبه ونفسه معلق بالله عز وجل، دائمًا ينظر إلى الله عز وجل بعين البصيرة، إن قام فبالله، ولله، وفي الله، وإن قعد فبالله، ولله، وفي الله. وكذلك إن ذهب وجاء فهو لله، وبالله، وفي الله، ونريد من الأخ التفريق بين هذه الكلمات الثلاث، فهو لله، وبالله، وفي الله. * طالب: لله أي من أجل الله.. * الشيخ: الإخلاص طيب. * الطالب: وبالله يعني بعون الله. * الشيخ: الاستعانة. * الطالب: الاستعانة، ولله. * الشيخ: في الله؟ * الطالب: في الله يعني في سبيل الله. * الشيخ: أي في شرعه وحكمه كذا. وانظر إلى الفاتحة تضمنت الثلاث بالتسلسل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة ٥] هذا أيش؟ * طلبة: لله. * الشيخ: لله، إخلاص. ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة ٥]؟ * طلبة: بالله. * الشيخ: بالله. ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة ٦]؟ * طلبة: في الله. * الشيخ: في الله، في الشرع، أن نكون في الصراط المستقيم لا نتجاوزه (...). * * * * طالب: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر ٤٥]. * الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، بقي علينا في كلام المؤلف. بل.. * طالب: في الآيات. * الشيخ: في الآيات بيان الفوائد من قوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر ٤٢] أو الآية اللي قبلها؟ * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يتوفى الأنفس حين موتها، وقد ذكرنا أن ظاهر الآية معارَضٌ بآيتين في كتاب الله، هما ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة ١١] و﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام ٦١] وبيَّنَّا وجه الجمع بين هذه الآيات الثلاث، فقلنا: إضافة الوفاة إلى الله لأنه هو الآمر بها، والآمر بالشيء يُنسَب الشيء إليه، وذكرنا لهذا مثالًا فقلنا: لو قيل: بنى الملك قصرًا شامخًا لم يفهم أحد أن الملك هو الذي باشرَ البناءَ، ولكنه أمر به. وأما على الجمع بين قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾، وقوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾، فمن أحد وجهين: إما أن يكون المراد بالرسل الجنس، ويكون واحدًا، وهو ملك الموت، أو أن ملك الموت يقبضها من الجسد ثم يسلمها للملائكة الذين حضروا فيقبضونها. وبيَّنَّا قاعدة مفيدة حول هذا الموضوع، وهي أنه لا تعارض بين قطعيينِ ولا بين قطعيٍّ وظنيٍّ، أما القطعيانِ فلأنهما لو تعارَضا لكان أحدُهما غيرَ قطعيٍّ، وأما القطعيُّ والظني فلا تعارض لأنه قدم القطعي؛ إذن يبقى التعارض بين؟ * طالب: بين الظني والقطعي. * الشيخ: لا. * الطالب: بين الظني والظني. * الشيخ: بين الظنيين فقط. وبيَّنَّا أيضًا أن القطع يكون في الثبوت ويكون في الدلالة، فمن الأدلة ما هو قطعي الثبوت ظني الدلالة، ومنها ما هو قطعي الثبوت والدلالة، ومنه ما هو قطعي الدلالة ظني الثبوت. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن النوم يُسمَّى وفاةً؛ لقوله: ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر ٤٢]، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام ٦٠]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الوقت يذهب سريعًا بالنسبة للأموات، ولو طالت الأيام والدهور؛ لأننا إذا قسنا الوفاة الصغرى أو إذا نظرنا الوفاة الصغرى وسرعة ذهاب الوقت فيها، فالوفاة الكبرى من باب أولى، ولكن لا شك أن من كان يعذب في قبره فسوف يستطيل الوقت، ومن كان ينعم فسوف يكون الوقت في حقه قصيرًا، ومع ذلك فإن المنعم يقول: رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي، والمعذَّب يقول: ربِّ لا تُقِم الساعة؛ وذلك لأنه يرى أن عذاب القبر أهون من عذاب يوم القيامة، نسأل الله العافية. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النائم لا يؤاخَذ بعمله، لا له ولا عليه، من أين يؤخذ؟ لأن الله لما سمى النوم وفاة فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلاثٍ»[[أخرجه مسلم (١٦٣١ / ١٤) من حديث أبي هريرة.]] وعلى هذا فلو رأى النائم أنه يصلي فهل يُكتَب له أجر الصلاة؟ لا، ولو رأى أنه يُقتَل لم يُكتب عليه إثمُ القتلِ؛ لأنه غيرُ مكلَّف. * ومن فوائد الآية الكريمة: وصفُ اللهِ بالإمساكِ والإرسالِ، يُمسِك ويُرسِل. وقد بيَّنَّا فيما سبق أن صفات الله عز وجل تنقسم أقسامًا: أحدها ما عُلم من أسمائه كالمغفرةِ من الغفور والرحمة من الرحيم. والثاني: ما نص عليه بذاته وليس من الأسماء، مثل؟ * طالب: الاستواء على العرش. * الشيخ: مثل الاستواء، العرش، هذا نص عليه، لكن ليس من أسمائه، صفة وليس من أسماء الله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤] ومثل: الصنع ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل ٨٨] والفعل ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود ١٠٧] وما أشبهها. ومنها ما يخبر به عنه وإن لم يذكر في الكتاب والسنة، لكن يخبر به عنه، هذا أيضًا يقول العلماء: ينقسم إلى قسمين: قسم لا يليق بالله، فهذا لا يجوز الخبر به عنه. وقسم لا ينافي كماله، فهذا لا بأس به؛ لأن باب الخبر أوسع من باب الإنشاء، فمثلًا لو قال قائل: إن الله مريد قلنا: نعم، لك أن تصف الله به، أولًا لأن الله وصف نفسه بالإرادة في قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة ١٨٥]، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾ [يس ٨٢]، وثانيًا: أن الإرادة وصف لا ينافي كمالُه كمال الله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة: كمال أفعال الله، حيث إنها تكون منتظمة محددة؛ لقوله: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر ٤٢]. * ومن فوائدها: أنه لا يمكن أن يخلد أحد في الدنيا، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ محدد، لا إلى شيء لا غاية له. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا الحاصل من الوفاتين فيه آيات تدل على كمال الله، كمال وحدانيته، كمال سلطانه، كمال تدبيره؛ لقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر ٤٢]. * ومن فوائدها: الحث على التفكر، وأنه مفتاح العلم؛ لقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ لمن؟ ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، والتفكر إنما يكون في آيات الله ومعاني أسمائه وصفاته، أما في حقيقة الصفات أو في حقيقة الذات فلا تتفكر، ولهذا يروى: «تَفَكَّرُوا فِي آلاءِ اللهِ» أي: نِعَمِه «ولا تَتَفَكَّرُوا فِي ذَاتِه»[[أخرجه الطبراني في الأوسط (٦٣١٩) من حديث ابن عمر.]]، وذلك لأن التفكر في ذات الله يؤدي إلى غياهب من الظلم، ويؤدي أحيانًا إلى التشكيك، وأحيانًا إلى التعطيل، وهذا هو الذي ضر أهل التعطيل؛ التفكر في الذات، الذات لا يمكن الإحاطة بها، وما لا يمكن الإحاطة به فالتفكير فيه مضيعة للوقت، وهو في جانب الربوبية خطير على عقيدة الإنسان، فأنت تفكر في آيات الله، في أسمائه، في صفاته من حيث المعنى، أما في نفس الذات العلية ما تستطيع تتفكر، ماذا تتصور؟ ولهذا يجب الإعراض عن هذه المسألة.

الزمر 39:43

ثم قال الله عز وجل: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ [الزمر ٤٣] (أم) هنا منقطعة، ولهذا تقدر بـ (بل) والهمزة، أي أنها بمعنى بل والهمزة، وقولنا: منقطعة يفيد أن هناك مقابلًا لهذا المعنى، وهو كذلك، والمقابل لهذا المعنى أن تكون متصلة، وحينئذ نحتاج إلى الفرق بين المنقطعة والمتصلة، الفرق بينهما من وجهين، بل تأتي في اللغة العربية على وجهين متصلة ومنقطعة، الفرق بينهما أن (أم) المنقطعة لا معادل فيها، بمعنى أنه لا يُذكر فيها معادل، بخلاف (أم) المتصلة فإنها تحتاج إلى معادل، فقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة ٦] هذه أيش؟ متصلة، لماذا؟ لذكر المعادل ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾، طيب. ومثل قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور ٣٣] هذه منقطعة؛ لأنها بمعنى (بل): بل أيقولون تقوله؛ لأنه لم يُذكر فيها المعادل فتكون منقطعة. الفرق الثاني بينهما: أن (أم) المتصلة بمعنى (أو)، و(أم) المنقطعة بمعنى (بل) والهمزة ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة ٦]، لو جعل بعدها (أو) لكان هذا هو المعنى: أنذرتهم أو لم تنذرهم؛ المنقطعة بمعنى (بل) والهمزة، وليست بمعنى (أو)، نطبق هذا الفرق على ما معنا ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ [الزمر ٤٣]، فماذا تكون؟ تكون منقطعة. أولًا: لأنه لم يذكر المعادل. والثاني: لأنها تقدر بـ(بل) والهمزة. ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: سواه، (دون) بمعنى (سوى)، لا بمعنى دون الرتبة، بل دون: سوى، ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي من سوى الله. و(اتخذ) هنا تنصب مفعولين؛ الأول: شفعاء، والثاني: من دون، يعني اتخذوا من دون الله آلهة شفعاء، ويجوز أن نقول: إن المفعول الأول محذوف تقديره آلهة، والثاني: شفعاء، يعني أنهم اتخذوا معبودات يعبدونها يدَّعون أنها شفعاء لهم عند الله، قال الله تعالى عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر ٣] فصرحوا بأنهم يعبدون هذه الآلهة، ولكنهم يريدون أن تكون مقربة لهم إلى الله عز وجل، ويا سبحان الله! كيف تتخذ بمن عصيت الله فيهم وسيلة ليقربوك إلى الله؟! وهذا من سفههم. يقول الله عز وجل: (﴿شُفَعَاءَ﴾ عند الله بزعمهم) والشفعاء جمع شفيع، والشفيع: مَن يتوسط لغيره بجلب منفعة أو دفع مضرة، فالشفاعة لأهل الموقف إذا أصابهم الهم والغم أن يقضي الله بينهم من باب دفع المضرة، والشفاعة لأهل الجنة أن يدخلوها من باب جلب المنفعة، هذه الشفاعة، الشفاعة أن تتوسط لغيرك بماذا؟ بجلب منفعة أو دفع مضرة، وهي -أعني الشفاعة- لا شك أنها خير ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ [النساء ٨٥] إلا في بعض المواطن؛ كالشفاعة في الحد بعد أن يصل إلى السلطان، فإن من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره، وإذا بلغت الحدود السلطان فلعن الله الشافع والمشفَّع له؛ فهؤلاء الجماعة الذين يعبدون الأصنام يقولون: إنها شفعاء، قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر ٤٣] يعني: اتتخذونهم شفعاء وهم لا يملكون شيئًا، لا شفاعة ولا غير شفاعة، وهنا قال: ﴿لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا﴾، وشيئًا نكرة في سياق النفي، فتكون للعموم، وكان مقتضى السياق أن يقول: أولو كانوا لا يملكون الشفاعة، ولكنه أتى بالعموم ليدل على أن هذه الأصنام لا تفيد شيئًا أبدًا، لا تشفع ولا تدفع، وهي قد سلبت الشفاعة لدخولها في العموم، يعني: لا يملكون الشفاعة ولا غيرها، نعم. ﴿أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر ٤٣] وهنا ﴿أَوَلَوْ كَانُوا﴾ فيها حرف عطف بعد الهمزة، وقد ذكرنا مرارًا ما يقوله علماء النحو في مثل هذا التركيب، فمن يستحضر ما قلنا؟ إذا جاء حرف العطف بعد همزة الاستفهام فماذا يقول علماء النحو في إعرابه؟ سبق لنا مرارًا وتكرارًا. * طالب: قلنا: إن تكون الواو عاطفة على الجملة.. * الشيخ: أن حرف العطف عاطفًا على ما سبق. * الطالب: والتقدير: وألو. * الشيخ: (وألو)؟ أو. * طالب: (...). * الشيخ: هذا هو هذا اللي قاله. * الطالب: (...) بفعل مقدر. * الشيخ: أو تكون الهمزة في مكانها، حرف العطف على شيء مقدر يناسب المقام، وذكرنا أن الثاني رأي البصريين والأول رأي الكوفيين، وذكرنا أن القول بأن حرف العطف عاطف على ما سبق أولى، لأنه يكفيك التقدير، ولأنه أحيانًا لا يستطيع الإنسان أن يقدِّر الشيء المناسب، فإذا قال: الهمزة للاستفهام والواو حرف عطف، وما بعدها معطوف على ما سبق استراح. قال هنا: ﴿أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا﴾ [الزمر ٤٣] على رأي من يرى أن حرف العطف على مقدر، يقول: أيتخذونهم شفعاء ولو كانوا لا يملكون. على الرأي الثاني يقول: الواو حرف عطف، والمعطوف عليه ما سبق من الجملة. ﴿أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر ٤٣] ماذا لا يعقلون؟ يعني لا يعقلون أنكم تعبدونها، فالأصنام أحجار لا تدري، ولا يعقلون أيضًا شيئا من الشفاعة يدخلون منه، فهم جهلة في حالكم وجهلة فيما تستحقون. قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر ٤٤] ﴿قُلْ﴾ الخطاب لمن؟ للرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو لكل من يتأتى خطابه ويصح، وهذا الأخير أعم من الأول؛ لأنه يشمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغيره. طيب يقول: ﴿قُلْ﴾ أيها المخاطب الأهل للخطاب ﴿لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ لله الشفاعة جملة خبرية تفيد الحصر، وطريقه الأخ؟ * طالب: العامل تقدم. * الشيخ: لا، ما هو ما في عامل. * الطالب: (...) جار ومجرور. أن الخبر تقدم.. * الشيخ: أن الخبر تقدم وحقه التأخير، وكل تقديم لما حقه التأخير يفيد الحصر، طيب لله الشفاعة لا لغيره، فهو الذي يملكها، واللام في قوله: ﴿لِلَّهِ﴾ للملك، يعني هو الذي يملك الشفاعة، أي: يملك أن يأذن فيها، وقد بين الله سبحانه وتعالى أن للشفاعة ثلاثة شروط: الشرط الأول: إذنه، قال الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة ٢٥٥]. الشرط الثاني: رضاه عن الشافع، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ ٣٨]. الثالث: رضاه عن المشفوع له؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم ٢٦]، وهذه تكون أيضًا دليلًا على أنه يُشترط رضا الله عن الشافع، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء ٢٨]، فشروط قبول الله الشفاعة ثلاثة، عدها لنا يا أخ. * طالب: الإذن للشافع، الرضا عن المشفوع. * الشيخ: نعم. * الطالب: الإذن للمشفوع له. * الشيخ: لا. * طالب: الإذن بالشفاعة، والرضا عنهما الشافع والمشفوع.. * الشيخ: عن الشافع والمشفوع، هذه ثلاث، وعرفتم أدلتها ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر ٤٤]. طيب الآن لو أقول: يا رسول الله، اشفع لي عند الله، هل يجوز؟ لا يجوز؛ لأنه لا يملك ذلك، هو لا يشفع لا لك ولا لغيرك إلا بإذن الله، ومن ذلك ما يفعله بعض الإخوان المجاهدين في أفغانستان، يقول الواحد منهم للثاني: اشفع لي عند الله؛ لأن المجاهد له شفاعة إذا قتل شهيدًا، فتجد بعض أقاربه أو بعض أصحابه يقول: اشفع لي عند الله، هذا لا يجوز؛ لأنه سأله ما لا يملكه، إذا قال: اشفع لي، يقول: الشفاعة لمن؟ لله، قل: اللهم شفعه في، لا بأس، اسأل الشفاعة ممن يملك الشفاعة، أما ممن لا يملك فلا تسأل، هذا سؤال في غير محله، فالشفاعة إذن لله، وإذا كانت لله فلا تُسأل إلا من الله. وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر ٤٤] (جميعًا) حال من الشفاعة، فما معنى الجمع هنا؟ هل الشفاعة متعددة؟ الجواب: نعم الشفاعة متعددة، شفاعة في الدنيا، شفاعة في الآخرة، شفاعة في جلب نفع، شفاعة في دفع ضرر، فلا شفاعة إلا لله عز وجل، كل الشفاعات تكون لله، الشفاعة في الدنيا كأن يدعو الإنسان لشخص، إذا دعا الإنسان لشخص فهذه شفاعة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيَقُومُ عَلَى جِنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يُشْرِكُونَ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا شَفَّعَهُمُ اللهُ فِيهِ»[[أخرجه مسلم (٩٤٨ / ٥٩) من حديث عبد الله بن عباس.]]، فدعاء الإنسان لأخيه شفاعة له عند الله، هذه شفاعة في الدنيا. شفاعة في الآخرة معروف، الشفاعة في الآخرة أو الشفاعة العظمى، وهذه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا تكون لأحد سواه، وما هي الشفاعة العظمى؟ هي أن الناس في ذلك المحشر كما علمتم من النصوص حفاة عراة غُرْل، شاخصة أبصارهم، أفئدتهم هواء، الشمس تدنو منهم قدر ميل، العرق يلجم بعضهم، لا يلوي أحد على أحد، ولا يستغيث أحد بأحد، لمن الملك اليوم؟ لله الواحد القهار؛ فيلحقهم من الغم والكرب ما لا يطيقون، فيقول بعضهم لبعض: انظروا من يشفع لنا إلى الله لنستريح من هذا الموقف، راحة، فيذهبون إلى آدم، ثم إلى نوح، ثم إلى إبراهيم، ثم إلى موسى، ثم إلى عيسى، ولا يحصلون على شيء، ثم يأتون إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيستأذن، يطلبون منه الشفاعة فلا يشفع، يستأذن من الله أولًا؛ لأن الملك عظيم، والسلطان تام، يسأل الله أن يأذن له بالشفاعة فيأذن له، ثم يسجد عليه الصلاة والسلام تحت العرش سجودًا طويلًا، يفتح الله عليه فيه من المحامد ما لم يكن يعرفه من قبل، ثم يشفع إلى الله أن يقضي بين الخلق ويريحهم من هذا الموقف، فيقبل الله شفاعته. هذه الشفاعة تسمى الشفاعة العظمى؛ لعمومها وشدة الحاجة إليها، ولا تكون إلا للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وهي داخلة في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء ٧٩] لأن هذا المقام يحمده فيه الأولون والآخرون، الذين من أمته والذين من غير أمته. وفيه شفاعة فيمن دخل النار أن يخرج منها، وفيمن استحقها ألا يدخلها، هذه الشفاعة نوعان: شفاعة فيمن دخلها أن يخرج منها، وفيمن استحقها ألا يدخلها، وهذه عامة، عامة للرسل والصديقين والشهداء والصالحين والملائكة والبشر عامة. لكن ينكرها طائفتان من طوائف الضلال من هذه الأمة، من؟ المعتزلة والخوارج، لماذا؟ لأنهم يقولون: إن فاعل الكبيرة مخلد في النار، محكوم عليه بذلك قضاء وقدرًا، وإذا كان كذلك فلن يتخلف هذا القضاء ولا يمكن أن يخرجوا من النار، أعرفتم؟ طيب. الشفاعة العظمى فيمن استحق النار لا يدخل، فيمن دخل أن يخرج. الشفاعة الرابعة: في دخول الجنة، إذا عبر الناس الصراط -أسأل الله أن يجعلني وإياكم ممن يعبره سليمًا- إذا عبروا الصراط لا يدخلون الجنة مباشرة، بل يوقفون عند قنطرة، وهي طرف الجسر الذي على النار أو غيرها، الله أعلم، فيقتص لبعضهم من بعض، وهذا قصاص تنقية، والقصاص السابق في عرصات القيامة قصاص تخلية، يعني اليوم في عرصات القيامة يقتص بالعدل للمظلوم من الظالم، أما هذا فهو قصاص تنقية، أيش معنى تنقية؟ حتى يزول ما في قلوبهم من غل وحقد؛ لأنه ليس القضاء للشخص بحقه مزيلًا للحقد والبغضاء، صح؟ القضاء للإنسان في حقه هل يزيل ما في قلبه من عداوة وبغضاء؟ نعم ربما وربما، قد أقول أنا: اعتدى علي وأخذت حقي الآن منه، لكن بقي أثر هذا العدوان في قلبي، أليس كذلك؟ هذا موجود يا إخوان ما أحد ينكره، لكن الموفَّق يسعى في زواله، إنما لا بد أن يبقى، أثر الجرح لا بد أن يبقى حتى لو برئ، هل إذا برئ الجرح يعود الشيء كما كان؟ يصير فيه بقع، لا بد أن يؤثر العدوان ولو اقتص الإنسان لنفسه من قلب الإنسان، فهم إذا اقتص لبعضهم من بعض في عرصات القيامة، وعبروا الصراط، يحتاجون إلى تنقية، تُنقى وتُصفى قلوبهم، حتى يدخلوا الجنة وما في قلوبهم من غل، على أكمل وجه. طيب اقتص لبعضهم من بعض أيضًا لا يدخلون الجنة مباشرة، يجدون الجنة مغلقة الأبواب، فيطلبون من يشفع لهم، فيشفع النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة، هذه خاصة بالرسول، لكن ليست عظمى، ما هي كبرى، لأنها لمن؟ لأهل الجنة خاصة، فيشفع أن تفتح أبواب الجنة فيؤذن له، فتفتح أبواب الجنة، وأول من يدخلها هو عليه الصلاة والسلام، أول من يدخل الجنة من الخلائق هو، وأول من يدخلها من الأمم أمته بعد الأنبياء مباشرة، النبيون أولًا ثم الأمم، قائد النبيين محمد صلى الله عليه وآله وسلم، قائد الأمم هذه الأمة؛ لأن هذه الأمة ولله الحمد متأخرة في الزمن في الدنيا، لكنها سابقة في كل المواقف في الآخرة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٧٦)، ومسلم (٨٥٥ / ١٩) من حديث أبي هريرة.]]، ففي كل العرصات ولله الحمد نحن السابقون في العبور على الصراط، في القضاء بين الناس، في عرصات القيامة، في دخول الجنة، في كل شيء، السابقون يوم القيامة في كل شيء، فيدخلون الجنة. وتأمل هذا في كتاب الله عز وجل، قال الله في أهل النار: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر ٧١] وهم كارهون لها، من حين أن يصلوا إليها تفتح الأبواب، يلا دعوهم دعًّا؛ الجنة لا، قال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ [الزمر ٧٣]، فأفاد قوله: ﴿وَفُتِحَتْ﴾ أن هناك شيئًا بين مجيئهم وبين الفتح، ولقد أخطأ من قال من أهل العلم: إن الواو هنا زائدة وإن التقدير: حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها، وأنا أقول: سبحان الله، أنتم أعلم بكلام الله من الله؟! الله عز وجل يفرق في النار، يقول: ﴿إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ﴾ [الزمر ٧١] وفي الجنة يقول: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ﴾ وأنتم تقولون: هذه الواو زائدة، هذا خطير، وكذلك أخطر؛ من قال: إن الواو للثمانية، الواو واو الثمانية، وادعى أن في اللغة واوًا تسمى واو الثمانية، وهذه الدعوى باطلة، قال: لا، عندي دليل ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم ٥] الواو واو الثمانية، هذه ثمانية؛ نقول: من قال هذا؟ أجل قل: جاء زيد وبكر، الواو؟ واو الاثنين، وخالد واو الثلاثة وامش؛ من قال لك هذا؟ فالصواب أن الواو هنا عاطفة، وأن المعطوف عليه محذوف، بينت هذا المعطوف عليه، بينته من السنة، وعلى هذا فيكون للرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم شفاعتان خاصتان؛ الشفاعة العظمى، والشفاعة في دخول الجنة. هناك أيضا شفاعة خاصة به لم تكن لغيره، وهي شفاعته في عمه أبي طالب، عمه أبو طالب مات على الكفر والشرك والعياذ بالله، وهو في النار، لكن «الله أذِن لنبيه أن يشفع فيه، فكان في ضَحْضَاح من نار وعليه نعلان يغلي منهما دماغه»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٨٥) ومسلم (٢١٠ / ٣٦٠) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، وهو أهون أهل النار عذابًا، إذن الشفاعة الخاصة بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم كم؟ ثلاثة أنواع، فالله عز وجل يقول: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر ٤٤] هو الذي يعطيها من يشاء ويمنعها ممن يشاء، وقد بين أن الشروط؟ * طالب: الإذن، ورضاه عن الشافع، ورضاه عن المشفوع. * الشيخ: الإذن ورضاه عن الشافع ورضاه عن المشفوع له. * طالب: قلنا: يا شيخ، إن إطلاق الاسم على الله عز وجل بغير نص ما يجوز، وأما بلفظ (...). * الشيخ: فيجوز إلا ما لا يليق بالله. * الطالب: لكن يا شيخ إطلاق (...) الله عز وجل تعدي على الله. * الشيخ: لا، الخبر أوسع من الإنشاء، أنا ما أريد أن أصف الله بهذا على وجه الإطلاق. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، ما على وجه الإطلاق، إلا ما وصف الله به نفسه على وجه الإطلاق. * الطالب: يعني ما نصفه (...). * الشيخ: ما نصفه على وجه الإطلاق، لكن نخبر عنه، يعني كلمة موجود مثلًا، موجود ما هي موجودة، لا في القرآن ولا في السنة، هل يصح أن تقول: إن الله موجود؟ نعم يصح لا شك، مع أنه لم يوجد إلا حي قيوم سميع بصير، والعجيب أن أكثر ما يستنصر به الناس، أو بعض الناس نعم: الله موجود، إذا اعتدى عليه أحد قال: الله موجود، ما هو هذا الصواب. * طالب: يا ساتر. * الشيخ: إي نعم، ويا ساتر، الله موجود، هل هذا مما ينصر؟ الله حكم عدل هذا هو اللي ينصر، وإلا مثلًا السلطان موجود هل ينصرك؟ قد ينصرك وقد لا ينصرك، فكلمة موجود لا تعني النصر، ولذلك نحن نقول لبعض الناس: انتبه لهذه الكلمة، لا تقل: الله موجود، قل: الله حكم عدل، الله غير غافل عما تعمل، الله ينتقم من الظالم وما أشبه ذلك. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥) قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦) وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الزمر ٤٥-٤٨]. * الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر ٤٣] ماذا تكون (أم) هنا؟ * طالب: (أم) هنا منقطعة بمعنى (بل). * الشيخ: منقطعة بمعنى (بل) والهمزة نعم. ما الفرق بين (أم) المنقطعة وعديلتها؟ * طالب: أم المنقطعة لا يذكر فيها المعاصي وتكون على بر، و(أم) المتصلة تذكر فيها المعاصي. * الشيخ: وتكون بمعنى. * الطالب: أو. * الشيخ: وتكون بمعنى (أو)، مثل المنقطعة. * الطالب: (...)، * الشيخ: وغيرها. * الطالب: (...). * الشيخ: ويش اللي قبلها ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا﴾ [الطور ٤٠]. * الطالب: (...). * الشيخ: هذه منقطعة، طيب متصلة، مثال للمتصلة. * طالب: قول الله عز وجل: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة ٦]. * الشيخ: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة ٦]. قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر ٤٤] هذه الجملة فيها حصر، ما طريقه؟ * طالب: طريقه أن الله سبحانه وتعالى.. * الشيخ: ما يحتاج، ما هي بخطبة، كلمة واحدة. * الطالب: لأن الخبر. * الشيخ: سبحان الله! * طالب: تقديم المعمول (...). * الشيخ: ما فيه معمول. * الطالب: لله الشفاعة، لله هي الخبر. * الشيخ: إي، تقديم الخبر، طيب لماذا كان تقديم الخبر مفيدًا للحصر؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، عندكم قاعدة في هذا، فيه قاعدة يعتبر هذا مثالًا لها. * طالب: قلنا: إن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر. * الشيخ: تقديم ما حقه التأخير، يفيد الحصر، طيب. قوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر ٤٤] كلمة جميعًا تفيد أن هناك شفاعات، الأخ؟ * طالب: فيه أنواع للشفاعة؛ الشفاعة العظمى.. * الشيخ: ما هي الشفاعة الخاصة بالرسول ﷺ؟ * الطالب: هي شفاعته في أمته لدخول الجنة. * الشيخ: شفاعته في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، هذه واحدة، والثانية؟ * طالب: الشفاعة لأهل الموقف للفصل بينهم، وهي الشفاعة العظمى. * الشيخ: أحسنت، وهي الشفاعة العظمى في أهل الموقف أن يقضى بينهم. * طالب: الشفاعة لعمه أبي طالب. * الشيخ: الشفاعة لعمه أبي طالب، طيب هذه خاصة بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ما هو دليلنا على أن الشفاعة في عمه خاصة به؟ * طالب: لأنه ورد عن النبي ﷺ أنه شفع لعمه. * الشيخ: ما يكفي. * طالب: قول الرسول ﷺ: «لَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٢٠٨)، ومسلم (٢٠٩ / ٣٥٧) من حديث العباس.]]. * الشيخ: إي، هذا دليل على أنه شفع فيه، لكن ما هو الدليل على أنه خاص به؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء ٢٨] والله رضي شفاعته. * الشيخ: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء ٢٨] والله لا يرتضي أن يشفع للكافر، فيستثنى هذا. وقوله: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر ٤٨]، وهذا مستثنى، إذن فهو خاص به. * * * قال الله تعالى: ونحن الآن في ابتداء الدرس الجديد: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر ٤٤] هذه الجملة فيها حصر، وهو تقديم ما حقه التأخير، فهنا قدم الخبر ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ يعني لا لغيره. وقوله: ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يشمل ملك الذوات، أي ملك ذات السماوات والأرض وملك التصرف فيهما، يتصرف فيهما كما يشاء، فهو الذي أوجدهما، وهو الذي يمسكهما أن تزولا، وهو الذي يدبر ما فيهما، وهو الذي يتلفهما ويفنيهما عند قيام الساعة. قوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء ٢٨] والله لا يرتضي أن يشفع للكافر فيُستثنى هذا. وقوله: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر ٤٨]، وهذا مستثنى، إذن فهو خاص بهم. قوله تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر ٤٤]، هذه الجملة فيها حصْر وهو تقديم ما حقه التأخير، فهنا قدم الخبر ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ يعني لا لغيره. وقوله: ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يشمل ملك الذوات؛ أي: ملك ذات السماوات والأرض وملك التصرف فيهما، يتصرف فيهما كما يشاء، فهو الذي أوجدهما، وهو الذي يمسكهما أن تزولا، وهو الذي يُدبِّر ما فيهما، وهو الذي يتلفهما ويفنيهما عند قيام الساعة، فلله ملك السماوات والأرض خلقًا وتدبيرًا وتصرفًا، وكل شيء يؤول إليه سبحانه وتعالى، وهذه الآلهة لا تملك شيئًا من ذلك. إذن ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ أي: ملك الذوات والتصرف كما يشاء، ثم نفصل فنقول: خلقهما أولًا وأمسكهما أن تزولا، ويطوي السماء كطي السجل للكتب، ويقبض الأرَضين يوم القيامة، فكل هذه من جملة تصرفاته في هذه المملوكات ملك السماوات والأرض، وإذا كان له ملك السماوات والأرض فلا أحد يشفع إلا بإذنه، ولا أحد يستحق العبادة إلا هو. ثم قال: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ متى؟ يوم القيامة، نُرجَع إلى الله عز وجل فيحاسبنا على حسب أعمالنا، والله تعالى قد بَيَّن لنا ووضَّح وأقام الحجة، «وبيَّن أن الحسنة بعشْر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وأن السيئة بمثلها»[[أخرجه البخاري (٤١) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، وبين الأشياء التي تُعتبر حسنات حتى نعملها، وتُعتبر سيئات حتى نتجنبها، وحينئذٍ يكون رجوعنا إليه عز وجل رجوعًا عن بصيرة، لا حُجَّة لنا في مخالفته. نرجع الآن إلى فوائد هذه الآية الكريمة، وقبلها أيضًا وين؟ ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ [الزمر ٤٣]. * في هذه الآية: الإنكار على هؤلاء الذين يعبدون الأصنام، الإنكار على مَنْ عَبَدَ الأصنام واتخذها شفعاء، من أين نأخذ الإنكار؟ من الهمزة التي تضمنتها (أم)؛ لأن (أم) بمعنى بل والهمزة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الخطأ الفظيع في هؤلاء المشركين حيث عبدوا الأصنام، وظنوها شفعاء، مع أنها لا تزيدهم من الله إلا بُعْدًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إقامة الحجة العقلية في مجادلة الخصم وهي قوله: ﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا﴾ [الزمر ٤٣]، فإذا كانوا لا يملكون شيئًا فكيف تتخذونهم شفعاء تعبدونهم من دون الله؟ واعلم أن الأدلة العقلية نحتاج إليها حاجة ماسة إذا ضعف الإيمان، كلما ضعف الإيمان احتجنا إلى الأدلة العقلية، وذلك لأن المؤمن يكفيه النقل، يكفيه السمع، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب ٣٦]، واحتجت عائشة رضي الله عنها على التي سألتها: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: «كان يُصيبنا ذلك فنُؤْمَر بقضاء الصوم، ولا نُؤمر بقضاء الصلاة»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢١)، ومسلم (٣٣٥ / ٦٩)، واللفظ له من حديث عائشة.]]. فإذا قوي الإيمان كفى الاستدلال بالسنة والقرآن، وإذا ضعف الإيمان فلا بد من استعمال الدليل العقلي المقنِع، ولهذا نجد الله سبحانه وتعالى في الكتاب العزيز يحتج كثيرًا بالأمور العقلية الحسية على المعاني التي يريد عز وجل تقريرها وإثباتها كإحياء الموتى وما أشبه ذلك، ونحن الآن في زمن الإيمان فيه ضعيف والجدل فيه كثير، نحتاج إلى فهم الأدلة العقلية حتى نتمكن من إقناع خصومنا، فأنتم تعرفون الآن أن كثيرًا من الناس لو أُتي بكل آية ما تبعها، فإذا أُتي بدليل عقلي اقتنع به، هذا واحد. وتعلمون أيضًا أن الأعداء أعداء الإسلام والمسلمين يتحيَّنون الفُرص في إدحاض حُجج المسلمين، فتجدهم في كل مجلس يتكلمون في أشياء يُشبِّهون بها على الشباب المسلم، فإذا لم يكن لدى الإنسان حُجَّة عقلية تدحض حجته فإنه ربما ينقطع ويظهر ذلك الخصم الألد عليه، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة ٢٠٤]، فأنا أحثكم على أن تتخذوا من الأدلة العقلية ما ينجيكم من خصم أولئك الألداء حتى تخصموهم وتحاجوهم وتغلبوهم بالحجة، وها هو إبراهيم عليه الصلاة والسلام حاج قومه بالعقل، بماذا؟ لما جن عليه الليل رأى كوكبًا قال: هذا ربي، فأفل الكوكب وغاب قال: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأنعام ٧٦]، لا أحب إلَهًا يغيب عني، ولا يعلم بحالي، فلما رأى القمر بازغًا قال: هذا ربي، فلما أفل، أقام الحجة على ضلال من عَبَدَ الكواكب قال: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام ٧٧، ٧٨]. وكذلك احتج على الذي حاجَّه ﴿حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ آخر الآية: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة ٢٥٨] إلى غير ذلك، فنحن في حاجة اليوم إلى إعمال عقولنا في الأدلة العقلية حتى نحتج بها على من ضعف إيمانه بالأدلة السمعية، أو على من فُقِد إيمانه بالأدلة السمعية. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأصنام لا تملك شيئًا لعابديها، لا جلب نفع ولا دفع ضرر. فإن قال قائل: إن من الناس من يدعو الصنم فيُستجاب له كما نسمع عن ذلك كثيرًا، فكيف الجواب عن هذه الآية؟ الجواب عن هذه الآية: أن كلام الله حق وصِدْق، مطابق للواقع تمامًا، وقد بيَّن الله تعالى في آية أخرى أنه لا أحد أضل عقلًا ولا أسفه طريقًا ﴿مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف ٥، ٦]، لكن ما حصل من مثل هذه الأمور من كون الرجل دعا وليًّا أو صاحب قبر، أو ما أشبه ذلك فزال عنه ضره، فإنما هو امتحان من الله عز وجل، امتحان حصل عند الشيء لا بالشيء. فمثلًا: لو أن رجلًا دعا قبرًا، وكُشِفَ عنه الضر، هل نقول: إن صاحب القبر هو الذي كشفه؟ لا أبدًا، نجزم مثل الشمس أن صاحب القبر لم ينفعه، ولكن ابتلى الله عابد هذا القبر بأن حصل الشيء عنده لا به، وفرق بين الشيء الذي يحصل بالشيء والشيء الذي يحصل عند الشيء، والله عز وجل قد يبتلي الإنسان بمثل هذا، قد ييسر الله له أسباب المعصية والشِّرْك ابتلاء وامتحانًا. أرأيتم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين حرم الله عليهم الصيد في حال الإحرام، ابتلاهم الله بأيش؟ ابتلاهم الله بصيد تناله أيديهم ورماحهم، الطائر يناله الرمح، والساعي العادي تناله الأيدي، يعني الظباء والأرانب وما أشبهها يمسكونه بأيديهم، والطيور برماحهم لا بسهامهم، ما يحتاجون إلى سهام، ابتلاهم الله بذلك ليعلم الله من يخافه بالغيب؛ فقد يبتلي الله العبد بتيسير أسباب المعصية له حتى يعلم سبحانه وتعالى هل يصبر أو يقدم؟ لأن بعض الناس قد يخفف عليه ترك المعصية صعوبتها عليه، أليس كذلك؟ يعني بعض الناس يترك المعصية؛ لأنها صعبة عليه تحتاج إلى عمل، تحتاج إلى مال، لكن إذا سهلت، ثم تركها عُلِم أن الرجل صادق في إيمانه. إذن فهمنا الجواب على قوله: ﴿أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر ٤٣] أن ما وقع مما يُظن أنه بسبب هذه الآلهة فقد حصل عندها لا بها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: انتفاء العقل عن هذه المعبودات، وهذا فيمن يعبُد من لا عقل له كالأصنام والأشجار؛ لقوله: ﴿وَلَا يَعْقِلُونَ﴾. وعليه إذا قيدنا المسألة بمن يعبد الأصنام والأشجار وما أشبهها لا يرد علينا أن قومًا عبدوا المسيح، والمسيح عليه الصلاة والسلام من أكمل الناس عقلًا؛ لأنه أحد أولي العزم من الرسل لأن نقول: يريد الله بهذا الأصنام التي أيش؟ الجماد التي لا تعقل. ثم قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر ٤٤] إلى آخره. * من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الشفاعة ﴿لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، ووجه إثباتها أنه لولا وجودها ما صح أن يقول: ﴿لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على المعتزلة والخوارج؛ لأن المعتزلة والخوارج ينفون من الشفاعة؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، المعتزلة والخوارج ينكرون الشفاعة في أهل الكبائر سواء دخلوا النار أم لم يدخلوها؛ وذلك لأن أهل الكبائر عند المعتزلة والخوارج مُخلَّدون في النار، لكنهم عند الخوارج كفار، وعند المعتزلة لا مؤمنون ولا كافرون، في منزلة بين منزلتين. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات شفاعات متعددة؛ لقوله: ﴿جَمِيعًا﴾؛ لأن ﴿جَمِيعًا﴾ تقتضي أن يكون هناك شيء مجموع. * ومن فوائدها: أنه لا أحد يشفع إلا بإذن الله، وجهه أنه إذا كانت الشفاعة خاصة بالله فإنها لا تكون إلا منه وإليه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات ملك الله للسماوات والأرض، وانفراده بالملك؛ لقوله: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. * ومن فوائدها: إثبات البعث والرجوع إلى الله؛ لقوله: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإنذار والبشارة؛ لقوله: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فإن المؤمن يُسَرُّ بلقاء الله بلا شك، ويحب لقاء الله، والكافر بالعكس، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٠٧)، ومسلم (٢٦٨٣ / ١٤) من حديث عبادة بن الصامت.]]. فإذا علمنا أننا نرجع إلى الله فإننا نحب لقاء الله، والكافر يكره لقاء الله. ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يذكر الشيء منذرًا بلازمه؛ لأن مجرد الرجوع ليس فيه شيء يُذكَر، لكن المراد الرجوع الذي يحصل به الحساب والجزاء. قال الله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ [الزمر ٤٣] قال: (﴿﴿أَمِ﴾ ﴾ بل ﴿﴿اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ﴾) لكننا لا نقرأ (أَتَّخَذوا) بهمزة القطع؛ لأن القرآن ليست الهمزة فيه همزة قطع، لكن لو كان التركيب في غير القرآن لقلنا: (بل أَتَّخَذوا من دونه)، وإذا قلنا: (أَتَّخَذوا)، سيسأل سائل: أين ذهبت همزة الوصل في ﴿اتَّخَذُوا﴾؟ نقول: لأنه لما دخلت همزة القطع على الفعل استغنينا بها عن همزة الوصل؛ لأن همزة الوصل إنما يؤتى بها لسهولة البدء بالساكن، فإذا لم نبدأ به وبدأنا بهمزة قطع استغنينا عنها وحذفناها، اقرأ: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات ١٥٣] ﴿أَصْطَفَى﴾، هذه أصلها اصطفى دخلت عليها الهمزة، لما دخلت عليها الهمزة صِرْنا في غنى عن همزة الوصل؛ لأن همزة الوصل يُؤتى بها للضرورة؛ ولهذا سُمِّيت همزة وصل، يُؤتى بها للضرورة لئلا نبتدئ بالساكن، فإذا زالت الضرورة هذه سقطت. قال: (﴿﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ ﴾ [الزمر: ٤٣] أي الأصنام آلهة ﴿﴿شُفَعَاءَ﴾ ﴾ عِنْد اللَّه بِزَعْمِهِمْ) يعني هم صيروا هذه الأصنام آلهة تشفع لهم عند الله. وقول المؤلف: (بِزَعْمِهِمْ) يعني لا بحسب الواقع؛ لأن هذه الأصنام لا تشفع لهم، بل إنه في يوم القيامة يكفر من اتخذ إلهًا مع الله، يكفر بعبادة من عَبَدَهُ، صحيح؟ من أين نأخذ هذا؟ ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف ٥، ٦] وكذلك ما ذكرتم: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر ١٤] بل حتى الذين اتخذوا غير الرسل اتخذوهم متبوعين من أهل الضلال يتبرؤون منهم ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة ١٦٦]، شوف سبحان الله في القرآن كفر من جُعِلوا شركاء في الرسالة، وكُفر من جُعلوا شركاء في العبادة؛ لأن كُلًّا منهم لم يحقق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، الذين اتخذوا شركاء بالعبادة سمعتم: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾، ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ والذين اتخذوا شركاء في الرسالة: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾؛ لأن المقلد لغير الرسل المعارضة لأقوال الرسل بأقوالهم قد أشرك مع الرسل في الرسالة. من الذي يجب اتباعه من البشر؟ الرسل، فإذا جعل هذا الرجل متبوعه بمنزلة الرسول عليه الصلاة والسلام يأخذ بقوله فعلًا وتركًا وتصديقًا فقد جعله رسولًا؛ ولهذا بعض العلماء يقول: إن التوحيد نوعان: توحيد عبادة، وتوحيد رسالة؛ توحيد عبادة فيما يتعلق بحق الله، توحيد رسالة فيما يتعلق بحق الرسول ﷺ، والله تعالى يقرن بين هذا وهذا في القرآن: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المؤمنون ٦٨، ٦٩]. فالحاصل أن هؤلاء الذين اتخذوا شفعاء قد ضلوا ضلالًا مبينًا؛ لأنها لا تنفعهم. قال: (﴿﴿قُلْ﴾ ﴾ لهم أيشفعون و﴿﴿لَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾ ﴾) أيشفعون ولو كانوا؟ المؤلف -رحمه الله- مشى في هذا التفسير على أحد الرأيين المشهورين فيما إذا دخلت همزة الاستفهام على حرف العطف، ما هما؟ * طالب: (...) قبل الهمزة أو قبل حرف الاستفهام. الثاني: أن يكون العاطف على ما بعد همزة الاستفهام أو حرف الاستفهام. * الشيخ: فيه وجهان: الوجه الأول: أن يكون العطف على ما سبق، وعلى هذا يكون تقدير الهمزة بعد حرف العطف. والوجه الثاني: أن العطف على جملة مقدرة يكون تقديرها حسب السياق، المؤلف مشى على الأول ولَّا على الثاني؟ * طالب: على الأول. * طالب آخر: على الثاني. * الشيخ: شوفوا يا جماعة، أيشفعون ولو؟ * طلبة: على الثاني. * الشيخ: إذن على الثاني؛ لأنه قدَّر المعطوف عليه بين الهمزة وحرف العطف، أيشفعون ولو كانوا لا يملكون شيئًا ولا يعقلون (﴿﴿لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا﴾ ﴾ مِن الشَّفَاعَة وَغَيْرهَا ﴿﴿وَلَا يَعْقِلُونَ﴾ ﴾ أَنَّكُمْ تَعْبُدُونَهُمْ وَلَا غَيْر ذَلِكَ) الجواب: لا، هذه لا تشفع؛ لأنها لا تعقل، ولا تملك، فهي لا تعقل عبادة من عبدها، ولا تملك له شيئًا لا شفاعة ولا غيرها. ثم قال: (﴿﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَة جَمِيعًا﴾ ﴾ أَيْ هُوَ مُخْتَصٌّ بها) من أين أخذ هو مختص بها؟ من الحصر، وهو تقديم الخبر، (وهو مختص بها فلا يشفع أحد إلا بإذنه)، وهذا أحد شرطي الشفاعة، والثاني: رضا الله عن الشافع ورضاه عن المشفوع له. ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ذكر عموم ملكه وانفراده بالملك بعد ذكر الشفاعة؛ لأن الشفاعة من الملك في الواقع، فهي داخلة في عموم ملك الله للسماوات والأرض. ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ولم يفسرها لوضوحها.