Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — الزمر 39:57 – الزمر 39:70

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. الزمر 39:57
  2. الزمر 39:58
  3. الزمر 39:59
  4. الزمر 39:60
  5. الزمر 39:61
  6. الزمر 39:62
  7. الزمر 39:63
  8. الزمر 39:64
  9. الزمر 39:65
  10. الزمر 39:66
  11. الزمر 39:67
  12. الزمر 39:68
  13. الزمر 39:69
  14. الزمر 39:70

الزمر 39:57

نأخذ الفوائد من قوله: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ﴾ [الزمر ٤٩] إلى آخره. * من فوائد هذه الآية: أن الإنسان يلجأ إلى الله تعالى عند الشدائد، وهذه طبيعة فطرية لا يتخلف عنها إلا من نكس قلبه. * ومن فوائدها: أن المشركين في زماننا الذين يدعون مع الله غيره أشد شركًا من السابقين؛ لأن السابقين إنما يشركون في الرخاء، وإذا مسهم الضر لجئوا إلى الله، أما اللاحقون فإنهم يشركون في حال الشدة كما يشركون في حال الرخاء، إذا أصابهم الضر نادوا: يا فلان، يا فلان، يا فلان، نعم هذا أشد شركًا من الأولين، وهذا أيضًا مخالف للفطرة التي فطر الناس عليها؛ لأن الإنسان لا يلجأ عند الشدائد إلا بمن يؤمن أنه يكشف هذه الشدائد. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان إذا أصيب بالنعمة نسي نعمة الله وأضافها إلى غيرها. * ومن فوائد الآية الكريمة: ضرر الإعجاب بالنفس، حيث يقول: إنما أوتيته على علم عندي. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى يبتلي بالنعم كما يبتلي بالنقم؛ لقوله: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ وقد قال سليمان عليه الصلاة والسلام: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل ٤٠]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أكثر الناس غافلون عن هذه المسألة، أي: عن كون الله سبحانه وتعالى يبتليهم بالنعم فيظنون أن النعم دليل على الرضا، فيستمرون في معاصيهم ويقولون: لو كان الله غاضبًا علينا ما أعطانا، ولكن من العامة من يقول العبارة المشهورة: عطاه لا يدل على رضاه، عطاء الله لا يدل على رضاه، قد يكون هذا من باب الاستدراج بالنعم حتى يهلك الإنسان، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران ١٧٨]، وصح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «إِنَّ اللهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ، حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٦٨٦)، ومسلم (٢٥٨٣ / ٦١) من حديث أبي موسى الأشعري.]]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من الناس من منَّ الله عليهم بالعلم والفراسة والتدبر والتأمل، فعرفوا الأمور على حقائقها، يؤخذ هذا من قوله: ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾ فإن الأكثر ضد الأقل. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة العلم؛ لقوله: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لأن الذين يعلمون يعرفون مثل هذه الأمور وأنها ابتلاء وامتحان فيتعظون بها. ثم قال تعالى: ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الزمر ٥٠]. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الشر يتبع بعضه بعضًا؛ لقوله: ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. * ومن فوائدها: تسلية الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن هؤلاء الذين قالوا هذا في عصره قد قاله من سبق. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن لأهل الشر قدوة يقتدون بها كما أن لأهل الخير قدوة يقتدون بها، ولهذا جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله البجلي.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل ما كسبه الإنسان من مال أو جاه فإنه لا يغنيه من الله شيئًا؛ لقوله: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، حتى لو كسب أقوى صنعة في الأرض، فإنها لا تغني عنه من الله شيئًا، إذا أراد الله عز وجل أن يتلف هذه القوة أتلفها بكلمة واحدة منه ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب على الإنسان اللجوء إلى الله، حيث إن جميع ما كسبه من مال أو جاه أو ولد أو زوجة أو غيره لا تغني عنه من الله شيئًا، إذن إلى من يرجع؟ إلى الله عز وجل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على الجبرية؛ لقوله: ﴿مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ فإن عمل الإنسان كسب له، أما الجبرية فيقولون: إن عمل الإنسان ليس كسبًا له؛ لأنه مرغم عليه ومجبر عليه، فلا يكون كسبًا له ولا يضاف إليه. ثم قال الله تعالى: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الزمر ٥١]. * في هذه الآية من الفوائد: أن العقوبة تكون على قدر العمل؛ لقوله: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ﴾ مع أن الذي أصابهم ليست السيئات ولكن جزاؤها، إلا أنه لما كان الجزاء من جنس العمل صح أن يعبر بالعمل عنه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تهديد هؤلاء الذين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يصيبهم ما أصاب الأولين؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾. * ومن فوائد هذه الآية: شؤم الظلم؛ لأنه يوقع صاحبه في الهلاك. * ومن فوائدها: أن من عصا الله فهو ظالم، ظالم لمن؟ * طلبة: لنفسه. * الشيخ: ظالم لنفسه وكذلك لغيره إن تعدت معصيته إلى الغير، فلو جنى على أحد محترم من مسلم أو يهودي، ذمي أو نصراني، ذمي أو غيرهم من أهل الكفر الذميين، فإنه يكون ظالمًا لنفسه وظالمًا لغيره. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا أحد يفوت الله ويعجزه؛ لقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ وقد قال الشاعر الجاهلي: أَيْنَ الْمَفَرُّ وَالإِلَهُ الطَّالِبُ ∗∗∗ وَالأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ لَيْسَ الْغَالِبُ فلا أحد يعجز الله عز وجل، أو يفوت الله، لا في السماء ولا في الأرض. ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الزمر ٥٢] إلى آخره. ارتباط هذه الآية بما قبلها ظاهر؛ لأنه تكلم عن الإنسان إذا أصابه الضر، وإذا أصابته النعمة، ثم عقب ذلك بأن هذا الأمر كله بيد الله. * من فوائد الآية الكريمة: تقرير هؤلاء بأن كل شيء من عند الله، بسط الرزق وتضييقه من عند الله، وهم يعلمون ذلك؛ لقوله: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ فإن مثل هذا التركيب يفيد التقرير. * ومن فوائدها: إثبات المشيئة لله؛ لقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وليعلم أن كل شيء علقه الله بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة، أي أنه ليست مشيئة الله مشيئة مجردة هكذا تأتي عفوًا، لا، هي مشيئة مقرونة بالحكمة. والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠] فلما بين أن مشيئتهم بمشيئة الله بين أن ذلك مبني على علم وحكمة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الرزق لا يحصل بالشطارة والحذق، وإنما هو من عند الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر. فإذا قلنا بهذه الفائدة أشكل علينا هل معنى ذلك أن نبطل الأسباب؟ لا، بل نفعل أسباب بسط الرزق لنتحاشى تضييقه، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك ١٥] فأمر أن نمشي بمناكبها وأن نأكل من رزقه؛ لأنا إذا مشينا في المناكب وسعينا في أسباب الرزق حصل فأكلنا من رزقه. * ومن فوائد الآية الكريمة: تمام ملك الله وسلطانه؛ لقوله: ﴿يَبْسُطُ﴾ ﴿وَيَقْدِرُ﴾ وهذا يدل على كمال الملك والسلطان، وأنه لا معارض له سبحانه وتعالى. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان وسيلة للاهتداء ومعرفة الآيات؛ لقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الزمر ٥٢] وإذا كان هذا الحكم معلقًا على هذا الوصف، فإن القاعدة أن ما علق على وصف فإنه يقوى بقوته، ويضعف بضعفه، هذه القاعدة، كل حكم علق على وصف فإنه يقوى بقوته، ويضعف بضعفه، إذن كلما قوي الإيمان ظهر للإنسان من آيات الله ما لم يظهر له مع ضعف الإيمان، وكلما ضعف الإيمان ضعفت معرفة الإنسان وإدراكه للآيات التي ينزلها الله عز وجل من الوحي والتي يقدرها من القضاء. ثم قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر ٥٣] ﴿قُلْ﴾ يعني أبلغ عبادي بذلك، أبلغهم بأني أقول: يا عبادي، ولا يصح أن نقول: قل أنت يا محمد: يا عبادي، فتضيف العبادة إلى نفسك، لا، المعنى أبلغ عبادي أني أقول: يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم. ولماذا قلنا بهذا التفسير؟ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لو قال للناس: يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم، فإنه لا يستقيم الكلام، ولكن المعنى: قل للناس أي: أبلغهم بأني أقول: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ وقراءة أخرى: ﴿لا تقنِطوا﴾ ، وقوله: ﴿يَا عِبَادِيَ﴾ يشمل العباد بالمعنى الخاص والعباد بالمعنى العام، يعني حتى الكفار يقال لهم مثل هذا القول. وقوله: ﴿الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: جاوزوا الحد في رعاية الأنفس، والواجب على الإنسان في رعاية نفسه أن يرعاها حق رعايتها، بحيث يقوم بما يصلحها ويتجنب ما يفسدها، فإذا لم يفعل فقد أسرف على نفسه، مثال ذلك: رجل سرق، السرقة هذه إسراف على النفس؛ لأن الواجب حماية النفس من السرقة، رجل شرب الخمر هذا إسراف على النفس، رجل سجد لصنم إسراف على النفس لأنه مجاوزة للحد. ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ القنوط واليأس معناهما متقارب، لكنهم فرقوا بينهما بأن القنوط أشد اليأس، وأما اليأس فمعروف أنه عدم الرجاء وعدم الأمل في حصول الشيء ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ من رحمة الله لكم، فـ(رحمة) هنا مضافة إلى الفاعل أو إلى المفعول؟ * طلبة: إلى الفاعل. * الشيخ: إلى الفاعل، أي من رحمة الله إياكم، وبماذا تكون الرحمة؟ تكون الرحمة بأن يهدي الله عز وجل رجل إلى التوبة والاستغفار ويتوب عليه، فأنت لا تقنط من رحمة الله لا بنفسك ولا بغيرك، ولكن افعل السبب، فلو قال قائل مسرف على نفسه: أنا لا أقنط من رحمة الله، ولكنه يفعل المعصية مستمر عليها، نقول: هذا غلط؛ لأنك إذا استمررت على المعصية فأنت آمن من مكر الله، وكلا الطرفين ذميم، لا القنوط من رحمة الله ولا الأمن من مكر الله، لكن نقول: افعل السبب، افعل السبب ولا تقنط من رحمة الله. (﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ لمن تاب من الشرك ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ) ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾، ﴿يَغْفِرُ﴾ أي يسترها ويتجاوز عنها؛ وذلك لأن المغفرة مشتقة من أيش؟ * طلبة: من الغفر. * الشيخ: من الغفر. * طالب: (...) مشتقة. * الشيخ: (...) مشتقة المغفرة. * طالب: (...). * الشيخ: نعم من المغفر، المغفر هو الذي يوضع على الرأس في وقت القتال من أجل أن يقيه السهام، ومعلوم أن هذا المغفر فيه ستر وفيه وقاية، وعلى هذا فأنت إذا قلت: رب اغفر لي، لست تسأل الله أن يستر ذنوبك فقط، بل تسأل الله أن يسترها وأن يتجاوز عنها، فقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾ أي يسترها ويتجاوز عنها، وقوله: الذنوب، هذه صيغة عموم أو خصوص؟ * الطالب: عموم. * الشيخ: عموم، الذنوب، وأكد هذا العموم بقوله: ﴿جَمِيعًا﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ وهذه المغفرة التي أثبتها الله عز وجل هل هي شاملة لكل ذنب؟ الجواب: نعم، شاملة لكل ذنب فيمن تاب، فكل من تاب تاب الله عليه، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان ٦٨ - ٧٠] فهؤلاء جمعوا بين الشرك وقتل النفس، وهو اعتداء على النفوس، والزنا وهو اعتداء على الأعراض والأخلاق، ومع ذلك إذا تابوا تاب الله عليهم. وهذه الآية أجمع العلماء على أنها في التائبين؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ ولم يقيد، فهي في التائبين، أما غير التائبين فقال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨] فغير التائبين نجزم بأن الله لا يغفر الشرك في حقهم، وما دون الشرك تحت المشيئة؛ إن شاء عذب وإن شاء غفر، فللإنسان حالتان: الحال الأولى: التوبة، فما حكم ذنبه حينئذ؟ * طالب: الغفران. * الشيخ: الغفران مهما عظم الذنب، الحال الثانية: عدم التوبة. * طالب: عدم التوبة (...) لقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء ٤٨] وأما بقية الذنوب (...). * الشيخ: كيف ما فهمنا إلى الآن الجواب غير مرتب. * الطالب: الكبائر (...) فيغفرها الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: الكبائر ولو دون الشرك؟ * الطالب: الشرك. * الشيخ: نعم. * الطالب: أما ما دون الشرك فهي تحت المشيئة. * الشيخ: تحت المشيئة تمام، يعني بدون التوبة نقول: الشرك لا يغفر قطعًا، وما دون الشرك تحت المشيئة، ويستدل بالآية التي ذكرناها استشهادًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ يستدل بها المسرفون على أنفسهم بالمعاصي، فإذا نهيتهم عن معصية قالوا لك: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. نقول له بكل بساطة: وهل تجزم أنت أنك ممن شاء الله أن يغفر له؟ الجواب: لا، إذن أنت على خطر، وأنت الآن فعلت سبب العقوبة، وكونك يغفر لك هذا أمر راجع إلى مشيئة الله عز وجل. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أولًا في الجملة كلمة ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ لو حذفت هذه الكلمة لاستقام الكلام بدونها، فما هي الكلمة؟ * طلبة: (هو). * الشيخ: (هو)، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ﴾ كلمة (هو) يسميها النحويون ضمير فصل، وبعضهم يسميها عمادًا. * طالب: ضمير الشأن؟ * الشيخ: لا، ما هو ضمير الشأن، فما هو فائدة هذا الضمير؟ يقولون: إن في هذا الضمير ثلاث فوائد: الفائدة الأولى: التوكيد، والفائدة الثانية: الحصر، والفائدة الثالثة: التمييز بين الخبر والصفة، مثاله: إذا قلت: زيد هو الفاضل، الضمير في (هو) ضمير فصل، لو قلت: زيد الفاضل وحذفت الضمير. * طلبة: استقام. * الشيخ: استقام الكلام، لكن يحتمل أن يكون (الفاضل) صفة والخبر منتظر، ويحتمل أن يكون (الفاضل) هو الخبر، أليس كذلك؟ فإذا قلت: زيد هو الفاضل، ارتفع الاحتمال الأول وهو أن تكون (الفاضل) صفة، وتعين الاحتمال الثاني، وهي أن تكون خبرًا، واضح يا جماعة؟ طيب ما الذي استفدنا من هذا التركيب؟ زيد هو الفاضل، استفدنا أولًا توكيد الفضل في زيد، وثانيًا: حصر الفضل فيه، زيد هو الفاضل، وثالثًا؟ * طالب: التمييز بين الصفة والخبر. * الشيخ: التمييز بين الصفة والخبر، يعني الآن ليس عندنا احتمال أن تكون صفة، هذا من حيث المعنى في ضمير الفصل، من حيث الإعراب هل هو اسم أو حرف؟ الصحيح أنه حرف لا محل له من الإعراب، حرف جاء بصورة الاسم، وليس له محل من الإعراب، نعم والدليل على أنه لا محل له من الإعراب كثير في القرآن وغير القرآن، قال الله تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء ٤٠]؛ لأنه إذا كان له من الإعراب صار محله الرفع وما بعده خبر، ولكنه ليس له محل من الإعراب، بل هو جاء عمادًا أو جاء فصلًا. * طالب: قوله تعالى السابق: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يقول في الحاشية: إن فيه دلالة على أن المراد بالإنسان الجنس، فكيف استدل بهذا؟ * الشيخ: أي وجه أنه لما قال: أكثرهم لا يعلمون؛ لأن فيه من يعلم وهم المؤمنون، فيكون ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾ يدل على أن المراد الجنس، لأن غير المؤمن كلهم لا يعلمون. * طالب: الراجح يا شيخ؟ * الشيخ: سبق لنا القول في هذا أن الراجح هو الكافر، والجواب عن هذا أن نقول: من الكفار من يعلم لكنه مستكبر. * طالب: ما هو ضمير الشأن؟ * الشيخ: ضمير الشأن هو الضمير الذي يدل على القصة وليس موجودًا، ضمير الشأن في الغالب يكون محذوفًا. * طالب: فيه ناس من المؤمنين إذا جاءتهم النعمة قال: إنما أوتيته على علم عندي، من المؤمنين ولكن ناقصون الإيمان، ما يؤيد أن الإنسان المقصود به الجنس. * الشيخ: نعم؟ * الطالب: المقصود بالإنسان الجنس المؤمن والكافر، يعني حتى المؤمن يقول: إنما أوتيته على علم عندي، لكن يكون. * الشيخ: إي لكن هو كافر بهذه المقالة، ما هو كافر كفرًا مخرجًا عن الملة، نقول: هو بهذه المقالة كافر، وقد يكون كافرًا كفرًا مخرجًا عن الملة، إذا اعتقد أن الله ليس له سبب في حصول هذه النعمة، وأنه هو الذي حصلت به، لا أنه سبب، فهو كفر؛ لأن إضافة النعم إلى أسبابها بالإعراض عن المسبب وهو الله، وادعاء أو اعتقاد أن هذه النعمة ليس لله فيها علاقة هذا كفر بالربوبية. * طالب: هل يجزم الإنسان إذا تاب من الذنب بأن الله عز وجل تاب عليه فلا (...) أن يكون موانع التوبة؟ * الشيخ: نقول: نعم، إذا تبت توبة نصوحًا فإن الله يقبلها، لكن من الذين يقول: إن توبته نصوحة؛ لأن المشكل الذي سيكون من فعل العبد، لا من فعل الرب، فالرب إذا وقع فعل العبد على ما يرضى حصل موعوده؛ لأن الله لا يخلف الميعاد، لكن الذي يكون محل إشكال هو فعل العبد، هل هذه التوبة توبة نصوح على حسب ما رسم في الشرع؟ فنحن نجزم، لكن قد يكون في قلب الإنسان بلاء، يكون عنده شيء من الرياء، يكون عنده شيء من المن على الله عز وجل، وغير ذلك من الأسباب، تكون التوبة غير نصوح، يتوب الإنسان مثلا من نظر المرأة الأجنبية، لكنه لا يتوب من غمز المرأة الأجنبية، التوبة الأولى تقبل ولَّا ما تقبل؟ * طالب: لا، ما تقبل. * الشيخ: لا، ما تقبل؛ لأنه ما تاب من الذنب الذي هو من جنس ذنبه، يتوب الإنسان مثلًا من أكل الربا، ربا النسيئة، ولكنه يرابي ربا الفضل، هذه غير نصوح، ولهذا نقول: من تاب إلى الله توبة نصوحًا فإنه مقبول التوبة، ومن اختل فيه النصح فليس مقبول التوبة (...) * * * قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر 53] ما المراد بالإسراف؟ أسرفوا على أنفسهم. * الطالب: جنوا. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: جنوا. * الشيخ: جنوا. * طالب: ظلموا. * الشيخ: ظلموا نعم. * طالب: جاوزا الحد في رعايتها. * الشيخ: صحيح، جاوزا الحد في رعايتها، وذلك بأن أوقعوها في المعاصي أو جنبوها الطاعات. * الشيخ: قوله: ﴿لَا تَقْنَطُوا﴾ معناها؟ * طالب: القنوط أشد اليأس. * الشيخ: القنوط أشد اليأس، طيب يعني: ما تيئسوا من رحمة الله. جملة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ موقعها مما قبلها؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، أظن ما ذكرناها؟ طيب، هل هذه الآية في عموم العصاة؟ * طالب: هذا في التائبين. * الشيخ: في التائبين، أي أجمع المفسرون على أنها في التائبين، غير التائبين ما حالهم يا أخ؟ * طالب: غير التائبين؟ * الشيخ: نعم ما حالهم؟ * الطالب: هي تختلف. * الشيخ: إي نعم هي تختلف، كيف الاختلاف؟ * الطالب: حالهم في الآية التي ذكرناها في سورة النساء، قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾. * الشيخ: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أحسنت، هذه حالهم. قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ الغفور معناه؟ * طالب: الغفور الذي يستر الذنب ويتجاوز عنه. * الشيخ: أحسنت، لماذا زدت: ويتجاوز عنه؟ * الطالب: (...). * الشيخ: بارك الله فيك. نأخذ الدرس الآن الجديد: قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ﴾ أوردنا إشكالًا أمس على قوله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ﴾ يعني أمر الله الرسول أن يقول: يا عبادي؟ * طالب: (...). * الشيخ: أبلغهم بأن الله يقول: يا عبادي الذين أسرفوا. * طالب: (...). * الشيخ: طيب. قول الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر 53]، هذه الجملة موقعها مما قبلها أنها تعليل للنهي عن القنوت، يعني لا تقنطوا فإن الله يغفر الذنوب جميعًا إذا استغفرتموه ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ سبق لنا تفسير هذه الآية، نأخذ فوائدها الآن. * طالب: (...). * الشيخ: طيب، نرجع إلى كلام المفسر، قال المفسر رحمه الله: (﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنِطُوا﴾ بكسر النون وفتحها) قراءتان سبعيتان، وقاعدة المؤلف رحمه الله أنه إذا قال مثل هذا القول يعني بالوجهين أو قال: وفي قراءة، فالقراءة سبعية، أما إذا قال: وقرئ فالقراءة شاذة، إذن فيها قراءتان سبعيتان بفتح النون وبكسر النون. ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ نعم. * طالب: وقرئ بضمها. * الشيخ: وقرئ بضمها (لا تقنُطوا)، وهذه القراءة شاذة، يعني ليست سبعية. واختلف العلماء في القراءة غير السبعية هل يجوز أن يقرأ بها الإنسان أو لا، والصحيح أنها إذا صحت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإن القراءة بها جائزة؛ لأن القرآن كله حق، فإذا ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ بهذه القراءة فهي صحيحة، سواء جاءت عن طريق القراء السبعة أم لم تأتِ. قال: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ (﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ لمن تاب من الشرك)، نعم لمن تاب من الشرك، وكذلك من تاب من غيره مما دونه، لكن ذكر المؤلف الشرك لأنه أعظم الذنوب، ولأنه لا يُغفر إلا بتوبة، وإذا تاب الإنسان من الشرك وبقي على شيء من المعاصي كان يقوم بها في حال كفره، فهل تغفر هذه المعاصي أو لا بد لها من توبة؟ الصحيح أنه لا بد لها من توبة كما لو كان يشرب الخمر وهو كافر، ثم أسلم وبقي على شرب الخمر، فإن إسلامه لا يوجب أن يسقط عنه إثم شرب الخمر؛ لأنه أيش؟ لم يتب منه، لكن إذا تاب من الشرك ولم يصر على المعاصي الأخرى ولم تطرأ له على بال، فإن جميع ذنوبه تغفر، فالتائب من الشرك في الحقيقة له ثلاث حالات: إما أن يستحضر أنه تاب من الشرك ومن جميع المعاصي التي كان يعملها، فهذا لا شك بأن توبته تعم كل ذنب، وإما أن يتوب من الشرك مع الإصرار على بعض المعاصي التي كان يفعلها في حال الشرك، فهنا لا تغفر له هذه المعاصي التي أصر عليها، لأنه استمر فيها، مثل أن يكون معتادًا لشرب الخمر في حال كفره، فيسلم وهو مصِر على شرب الخمر، فإنه لا يغفر له ما قد سلف من الذنوب ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال ٣٨]. الحالة الثالثة: أن يتوب من الشرك ولم يطرأ على باله بقية المعاصي، لكنه لم يفعلها بعد إسلامه، فهنا أيش؟ يغفر له، يغفر له جميع الذنوب؛ لأنها تندمج الصغار بالكبار فيغفر له جميع الذنوب. ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ انتهت الآية، وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ تعليل لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ و ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ تعليل لقوله: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ فهو تعليل لتعليل. * من فوائد هذه الآية الكريمة: عناية الله عز وجل بهذا الأمر، أي بإبلاغ عباده أنه يغفر الذنوب جميعًا نعم. عناية الله تعالى بهذه الجملة أو بهذا الأمر، حيث أمر نبيه أمرًا خاصًّا بأن يبلغ الناس هذه القضية، انتبهوا، القرآن كله قد أمر النبي ﷺ أن يبلغه ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧] لكن هناك أشياء خاصة ينص الله عليها أن يبلغها، وهذا يقتضي العناية بها، مثل: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور ٣٠]، ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور ٣١]، ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ هذه توصية خاصة بأن يبلغها الرسول ﷺ إلى الأمة، فيقتضي ذلك العناية بها، انتبهوا لهذه النقطة، قد لا تكون مرت عليكم من زمان قريب، أقول: إذا صدر الله الحكم بـ(قل) فهو دليل على أيش؟ * طلبة: على العناية. * الشيخ: على العناية به؛ لأن هذا أمر بإبلاغه على وجه الخصوص، أما القرآن فقد أمر أن يبلغه على سبيل العموم ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾. * من فوائد الآية الكريمة: أن الخلق كلهم عباد الله ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ لأن العباد هنا المراد بها العبادة العامة. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن من تاب إلى الله تاب الله عليه من الشرك فما دونه، وهذا أمر مجمع عليه. لكن اختلف العلماء فيمن قتل نفسًا عمدًا هل له من توبة؟ فروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه لا توبة لقاتل، فأخذ بها بعض العلماء وقالوا: إن القاتل لا توبة له ولو تاب، ولكن هذا ليس بصحيح؛ لأنه مخالف للآيات والأحاديث الدالة على قبول توبة التائب من الشرك فما دونه، ويدل على بطلان هذا القول قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان ٦٨ - ٧٠] فهنا ذكر الله القتل وذكر الشرك وذكر الزنا، وأخبر أن من تاب وآمن وعمل عملًا صالحًا فيعطى زيادة على توبته بأن يبدل الله سيئاته حسنات. ومن السنة ما قصه علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن رجل أسرف على نفسه فقتل تسعًا وتسعين نفسا، ثم سأل عابدًا من العُبَّاد: هل له من توبة؟ وقد قتل تسعة وتسعين نفسًا؟ فاستعظم العابد هذا الذنب وقال: ما لك توبة، تقتل تسعة وتسعين نفسًا ثم تأتي وتقول: لي توبة! ما لك توبة. قال: نكمل بك المئة. فقتله أتم به المئة، ثم دُلَّ على عالم فسأله قال: إني قاتل مئة نفس فهل له من توبة؟ قال: نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة! وهذا يدلكم على فضل العلم وعلى قبح الجهل، شف الجهل جنى على نفسه الجاهل، جنى على نفسه وأيس هذا الآخر من رحمة الله، فكان جزاؤه أن قتل، فقال له العالم: نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة، ولكن أنت في قرية أهلها ظالمون، اذهب إلى القرية الفلانية يعني فإنها مرتع خصب لك، فذهب وفي أثناء الطريق جاءه الموت، فأرسل الله إليه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فتنازعوا، ملائكة الرحمة تقول: أنا أقبض الروح لأن الرجل جاء تائبًا مهاجرًا، وملائكة العذاب قالت: لا، أنا أقبض روحه لأنه رجل مسرف ولم يصل إلى بلده التي يهاجر إليها، فأرسل الله إليهم حكمًا يحكم بينهم وقال: قيسوا ما بين القريتين، فإلى أيتهما كان أقرب فهو من أهلها، فقاسوا فوجدوه أقرب إلى القرية الصالحة بقليل بنحو شبر[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٧٠)، ومسلم (٢٧٦٦ / ٤٦) من حديث أبي سعيد الخدري. ]]، وقد قيل: إنه كان إلى غير الصالحة أقرب، لكنه في أثناء الموت في سياق الموت لشدة رغبته في الأرض الصالحة أهلها كان يزحزح نفسه وهو في سياق الموت، فقبضته ملائكة الرحمة، قالوا: فإذا كان هذا في الأمم السابقة، فهذه الأمة أكرم على الله منها من الأمم السابقة، كيف لا يكون للقاتل توبة؟ إذن القول الراجح أن الآية هذه عامة، حتى للقاتل له توبة، وقد حمل ابن القيم رحمه الله ما روي عن ابن عباس محملًا حسنًا، فقال: إن القتل العمد تتعلق به ثلاثة حقوق: حق الله وحق الميت وحق أوليائه. أما حق الله فإنه يسقط بالتوبة بلا إشكال، ولا يخفى مثل هذا عن ابن عباس رضي الله عنه، وأما حق الميت فلا يمكن إسقاطه الآن في الدنيا؛ لأنه انتقل عن الدنيا، وسيطالب بحقه يوم القيامة وأما حق أولياء المقتول فبأن يسلم نفسه لهم، إذا سلم نفسه لهم فهذا دليل على صدق توبته وتبرأ ذمته، هذا ما وجه ابن القيم كلام ابن عباس إليه. وعندي أنه إذا تاب تاب الله عليه حتى عن حق الميت المقتول، والله عز وجل يتحمل حق المقتول يوم القيامة ويرضيه، وذلك لعموم الأدلة الدالة على أن من تاب من الذنب وإن عظم فإن الله يتوب عليه، فإذا جاء هذا الرجل تائبًا وسلم نفسه لأولياء المقتول وقال: أنا الآن بين أيديكم إن شئتم القصاص أو الدية أو العفو، هذا أعلى ما يقدر عليه، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦] فالقول الصحيح عندي أنه يُعفى عنه حتى حق المقتول، وذلك بأن يتحمله الله تعالى يوم القيامة. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن رحمة الله سبقت غضبه، وذلك بكونه يغفر الذنوب جميعًا بالتوبة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أحكام الله تعالى من مقتضى أسمائه وصفاته، أحكامه هنا أحكام جزائية ولَّا قدرية ولَّا شرعية؟ * طلبة: جزائية. * الشيخ: جزائية، من مقتضى أسمائه وصفاته، فلكونه غفورًا رحيمًا كان ذا مغفرة فغفر لمن تاب. * ومن فوائدها: الإشارة إلى أن الإنسان بعد التوبة قد يكون خيرًا منه قبلها وقبل فعل الذنب؛ لقوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾؛ لأن الرحمة تقتضي عطاء جديدًا، وهذا هو المشاهد، فإن الله عز وجل ذكر عن آدم أنه لما عصى ربه وغوى وتاب قال: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه ١٢٢]، وهذه المنقبة الاجتباء والهداية لم تذكر له قبل، والإنسان يحس بنفسه أيضًا، أنه إذا أناب وندم يحس من نفسه رجوعًا إلى الله وشدة افتقاره إليه، بخلاف ما إذا كان مستقيمًا على طاعة الله، فإنه لا يحس بالرجوع إلى الله عز وجل والإنابة إليه، وربما يصاب بالغرور بأنه لم يذنب، ولهذا جاء في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم: «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ ثُمَّ جَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ وَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ»[[(٢٧٤٩ /١١) من حديث أبي هريرة.]]. إذن نقول: إن الإنسان إذا تاب إلى الله، فقد يكون بعد التوبة خيرًا منه قبلها، نعم، وقد يكون بالعكس، لكن هذا أمر حصل قدرًا في آدم، وكذلك شرعًا كما تدل عليه هذه الآية ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. قال: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾: أنيبوا إلى ربكم: الإنابة بمعنى الرجوع التام إلى الله، بماذا نرجع إلى الله؟ بالإقلاع عن المعصية والانضمام في سلك الطائعين، يعني إنابة لا يصدق الاتصاف بها إلا بالرجوع إلى الله من المعصية إلى الطاعة، أنيبوا إلى ربكم، وفي قوله: ﴿إِلَى رَبِّكُمْ﴾ هنا الربوبية يحتمل أن تكون عامة، ويحتمل أن تكون خاصة، فهي بعد الإنابة من الربوبية الخاصة. ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ يقول: أسلموا له أي: انقادوا له، فالإنابة تكون بالقلب، بالرجوع إلى الله، ينيب الإنسان: يرجع إلى الله، أسلموا له أي: انقادوا له؛ لأن الإسلام والاستسلام وهذه المادة كلها تدل على الانقياد، وقوله: ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ (له): اللام هذه للاختصاص، وسنذكر أنها تفيد وجوب الإخلاص. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ أسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب في الدنيا قبل أن تتوقعوا ذلك، ثم إذا أتاكم لا تُنصرون، أي: لا تُمنَعون من هذا العذاب؛ لأن الله تعالى: ﴿إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد ١١] أي: من متولٍّ ينصرهم ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾. ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ اتبعوا أي: الزموا بالعمل، أو الزموا العمل بأحسن ما أنزل إليكم من ربكم، والعمل يقتضي العمل القلبي والعمل اللساني والعمل الجوارحي، يعني اتبعوا عقيدةً وقولًا وعملًا. وقوله: ﴿أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ هل الأحسن هنا وصف للعمل الذي يقوم به الإنسان أو وصف للنازل؟ * طلبة: وصف للنازل. * الشيخ: الظاهر أنه وصف للنازل، أحسن ما أنزل إليكم، ونحن إذا تأملنا لن نجد أحسن من القرآن، كما هو ظاهر في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة ٤٨] أي: مسيطرًا وذا سلطة، فعلى هذا تكون الأحسنية هنا راجعة إلى الكتاب المتبوع، وحينئذٍ لا إشكال فيها، فإذا قلنا: ﴿اتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ أي: افعلوا أحسن ما شرع لكم. يبقى فيه إشكال، وهو أننا مأمورون بأحسن ما شرع لنا، فهل يعني ذلك أننا لو فعلنا الحسن دون الأحسن نكون مقصرين؟ نقول: هذا ظاهر الآية إذا فسرناها بما ذكرنا، ولكن دلت النصوص على أن من اقتصر على الواجب فقد قام بالواجب، وإن لم يأتِ بالأكمل، وإن لم يأتِ بالأحسن، بل إن الرسول عليه الصلاة والسلام قال للرجل الأعرابي الذي ذكر له شرائع الإسلام قال: «إِنْ صَدَقَ هَذَا دَخَلَ الْجَنَّةَ»[[أخرجه البخاري (١٨٩١) من حديث طلحة بن عبيد الله.]]، وعليه -أي: على هذا الاحتمال في الآية الكريمة- نقول: إن النصوص دلت على أن اتباع الحسن مبرئ للذمة، لكن الأكمل اتباع الأحسن. ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً﴾ أي: مفاجئًا، بغتة هنا بمعنى: مفاجئًا، ويحتمل أن تكون مصدرًا مبينًا للنوع، أي أن يأتيكم إتيان بغتة، ويحتمل أن تكون مصدرًا بمعنى في موضع الحال، أي: مباغتًا، والمراد المفاجأة، يأتيكم العذاب مفاجأة ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ أي: لا تحتسبون أن يقع بكم العذاب؛ لأنكم غافلون، وليس عندكم شعور، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف ٩٧ - ٩٩] والغالب أن من انهمك بالمعاصي نسي الخالق ونسي العذاب، فيأتيه العذاب وهو في أشد ما يكون انغماسًا في المعاصي والترف. * في الآية الكريمة فوائد: أولا: وجوب الإنابة إلى الله لقوله: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾. * ومن فوائدها: وجوب الإخلاص له؛ لقوله: ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾، وكذلك ﴿أَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾. * ومن فوائدها: أنه لا بد من الإسلام لله ظاهرًا وباطنًا، فمن أسلم قلبه لله لزِم أن يسلم جوارحه لله؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير.]]، ومن أسلم ظاهرًا لا باطنًا فإن إسلامه لا ينفعه كإسلام المنافقين، فالإسلام يكون في الباطن ويتبعه الإسلام في الظاهر، ويكون في الظاهر دون الباطن، وهل يكون في الباطن دون الظاهر؟ لا، كيف يكون في الباطن دون الظاهر؟ لأنه إذا أسلم لله قلبه أسلمت جوارحه «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ»، وأما المكره فهو لا حُكم لفعله؛ لأنه سقط عنه التكليف. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحذر من المخالفة، الحذر من نزول العذاب عند المخالفة؛ لقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾ ومن يأمن من عذاب الله؟ لا أحد يأمن، فأنت إذا لم تتب إلى الله مبادرةً فإن العذاب ربما ينزل بك. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه إذا نزل العذاب من عند الله فلا أحد يمنعه؛ لقوله: ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾، وتأمل قوله: ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾، (ثم) أتى بـ(ثم) الدالة على المهلة، يعني مهما طلبتم من ناصر وطالت مدة طلبكم للناصر، فإنكم لن تجدوا من ينصركم من عذاب الله. * ومن فوائد الآية الثانية: وجوب اتباع القرآن؛ لقوله: ﴿اتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. * ومن فوائدها: تحريم إتباع غير القرآن؛ لأنه إذا وجب اتباع القرآن فضده حرام. ولكن إذا قال قائل: هل تقولون: إن شرع من قبلنا شرع لنا؟ فالجواب أن في ذلك خلافًا بين أهل العلم من أهل الأصول، والصحيح أنه شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه، ونحن نتبع شرع من قبلنا لا لأنه شرع من قبلنا، ولكن لأن شرعنا دلنا على العمل به، وأدلة ذلك معروفة في أصول الفقه، منها قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام ٩٠]. ومنها قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]. ومنها قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة ٤]. المهم أن القول الراجح أن شريعة من قبلنا شرع لنا بشرعنا ما لم يرد شرعنا بخلافه، فإن ورد شرعنا بخلافه فهو مطرح. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن أحسن ما أنزل؛ لأن الله أمرنا باتباع أحسن ما أُنزل، ونحن نعلم جميعًا أننا نتبع القرآن. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من خالف ذلك ولم يتبع القرآن، فإنه ربما يأتيه العذاب بغتة وهو لا يشعر. وهنا نسأل: هل العذاب هو العذاب الحسي الذي به فساد البلاد، أو يشمل العذاب الحسي والعذاب المعنوي؟ يشمل الأمرين لا شك، والإنسان قد يُعذب عذابًا معنويًّا بحيث تفسد عليه أموره، أمور الدين وأمور الدنيا، قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة ١٣] وهذه عقوبة من العقوبات التي هي أشد من عقوبات الدنيا؛ أن يصد الإنسان عن ذكر الله وعن الصلاة، فإن هذا أشد من أن يفقد الإنسان ماله وولده. وقد كان بعض السلف إذا نام عن صلاة الليل قال: إنني ما حرمت صلاة الليل إلا بذنب، فجعل عدم القيام في الليل جعله عقوبة على ذنبٍ عمِله، وكلما كثرت المعاصي والعياذ بالله كثر الإعراض عن ذكر الله عز وجل، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف ٢٨]. أظن نقرأ كلام المؤلف، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (﴿وَأَنِيبُوا﴾ ارجعوا ﴿إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا﴾ أخلصوا العمل ﴿لَهُ﴾ ) وفي تفسيره الإسلام بالإخلاص نظر، والإسلام هو الانقياد وهو الاستسلام لله تعالى ظاهرًا وباطنًا. وقوله: (﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ بمنعه إن لم تتوبوا) إن لم تتوبوا راجع إلى قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾ لأننا إذا تبنا رفع الله عز وجل العذاب عنا. (﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وهو القرآن) ولم يذكر الاحتمال الذي ذكرنا، بل جعل المراد بالأحسن هنا أيش؟ أحسن ما نزل لا أحسن ما شرع، نعم. (﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ قبل إتيانه بوقته، فبادروا قبل ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ ) [الزمر: ٥٦] إلى آخره. * طالب: (...). * * * * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر ٥٣] ﴿قُلْ﴾ الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه هو الذي أوحي إليه هذا القرآن، واعلم أن القرآن كله قد قيل للنبي ﷺ فيه: قل، لكن بعضه يصرح فيه بقل، وبعضه لا يصرح؛ لأن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧] يعم القرآن كله، فيجب عليه أن يقول للناس القرآن كله، لكن بعض الآيات أو بعض الأحكام تصدر بـ(قل) للعناية بذلك، أي بذلك الحكم المصدَّر بـ(قل)، فهنا يقول الله تعالى: ﴿قُلْ﴾ أي: قل يا محمد ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: قل لهم مبلِّغًا عن الله أن الله قال: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾، (عبادي) هنا يراد بها العبودية العامة، وليست العبودية الخاصة؛ لأنها تشمل المؤمن والكافر. وقوله: ﴿الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: جاوزوا الحد في أعمالهم، وذلك بالكفر فما دونه، وأصل الإسراف مجاوزة الحد، فالإسراف على النفس أن تتجاوز الحد فيما يجب عليك لله عز وجل أو لغيره من الخلق. (﴿لَا تَقْنَطُوا﴾ بكسر النون وفتحها، وقرئ بضمها) ففيها ثلاث قراءات: قراءتان سبعيتان وقراءة شاذة ليست سبعية؛ لأن مصطلح مؤلف الجلالين إذا قال: في قراءة، فهي سبعية، وإذا قال: قرئ فهي شاذة، وإذا قال: بفتح وضم فهما سبعيتان، إذا قال: وقرئ فهي شاذة، ففيها الآن (تقنطوا) في النون ثلاث حركات: ﴿تقنِطوا﴾ ﴿تَقْنَطُوا﴾ وهاتان؟ * طلبة: سبعيتان. * الشيخ: سبعيتان، ﴿تقنُطوا﴾ هذه شاذة، والقراءة الشاذة لا يُقرأ بها في الصلاة، لكن يُستدل بها في الأحكام إذا صحت، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: بل إذا صحت فإنه يُقرَأ بها في الصلاة، كما يُستدل بها في الأحكام. فإذا قال قائل: ما الفرق بين الشاذة والسبعية؟ قلنا: إن العلماء اصطلحوا فما جاء عن طريق القراء السبعة المشهورين فهي سبعية، وما جاء عن طريق آخر ولو صح فهو عندهم شاذ، فالشاذ إذن ما خرج عن القراءات السبع، ولكنه يُحتج به في الأحكام، ولا يقرأ به في الصلاة، إلا على رأي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فإنه يقول: متى صحت القراءة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإنها تقرأ في الصلاة؛ وإن لم تكن من القراءات السبع. وقال المؤلف في تفسير ﴿تَقْنَطُوا﴾ قال: (تيئسوا) والصحيح أن هذا التفسير تقريب، لأن القنوط أشد اليأس، فهو أعلى درجات اليأس، فمعنى تقنطوا أي: يبلغ بكم اليأس أشده ﴿مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ يعني من أن يرحمكم الله عز وجل؛ لأن الإنسان إذا قنط من رحمة الله وأيس لم يتعرض للرحمة لأنه آيس، ولهذا يقال: اليأس مفتاح الترك، أضرب لكم مثلًا: حاول أن تحل عقدة من خيط، فإذا أعيتك ماذا تصنع؟ * طلبة: تتركها. * الشيخ: تتركها، إذا أيست منها تركتها، لكن بالنسبة لرحمة الله عز وجل لا تيئس، مهما عملت من الذنوب والمعاصي فلا تيئس. نعم من رحمة الله قلنا: معناها من أن يرحمك الله، لا تيئس من أن يرحمك الله، بل حاول أن تتعرض لرحمته، فهنا نهي وتعليل، النهي ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ التعليل ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ يغفر مأخوذ من المغفرة، وهي ستر الذنب والتجاوز عنه، هذه المغفرة، ستر الذنب والتجاوز عنه، وليست مجرد الستر؛ لأنها مأخوذة من المغفر، وهو ما يُوضَع على الرأس عند الجهاد للوقاية، فهو جامع لأمرين: الستر والوقاية. فمثلا: الغُترة هذه لا نسميها مغفرًا، الطاقية لا، مع أنها ساترة لكنها ليست واقية، لكن بيضة الحديد التي تُوضع على الرأس عند القتال نسميها مغفرًا، ليش؟ لأنها ساترة واقية، فمغفرة الذنوب سترها والتجاوز عنها، فأنت إذا قلت: اللهم اغفر لي، تسأل الله شيئين: أن يستر ذنوبك عن غيرك، والثانية: أن يتجاوز الله عنها. وقوله: ﴿يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ شامل للصغائر والكبائر، ولهذا قال العلماء: إن هذه الآية في التائبين، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨] في غير التائبين وهذا صحيح؛ لأن الشرك لا يغفره الله تعالى إلا بتوبة، فإذا قلنا بالعموم في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ فلا بد أن نقول: إن هذه في من؟ في التائبين، ما هي في كل إنسان، المشرك لا يغفر الله له قطعًا، لكن إذا تاب غفر الله له مهما عظم شركه. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ الجملة تعليل للحكم الذي قبلها وهو ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ والجملة هنا مؤكدة بمؤكدين هما: (إن) و(هو)، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، أما كون (إن) مؤكدة فظاهر؛ لأن (إن) من أدوات التأكيد. وأما (هو) فهو أيضًا من أدوات التوكيد؛ لأنه ضمير فصل، ما معنى قول: ضمير فصل؟ ضمير فصل يفصل بين المبتدأ والخبر، ويفيد التوكيد، ويفيد أيضًا الحصر، ويفيد الفصل الذي هو التمييز بين الخبر والصفة، فهو مفيد لثلاثة أمور، يعني ضمير الفصل له ثلاث فوائد: الأولى: التوكيد، والثانية: الحصر، والثالثة: التمييز بين الصفة والخبر، فوائد ما هي؟ * طالب: التوكيد والحصر والتمييز بين الصفة والخبر. * الشيخ: طيب يظهر هذا بالمثال، فإذا قلت: زيد الفاضل، فهنا يحتمل أن تكون (الفاضل) صفة لـ(زيد)، وأن نتلقى الخبر فيما بعد فيقال: زيد الفاضل في المسجد، فإذا قلت: زيد هو الفاضل تعين أن تكون خبرًا، فتميز الآن الخبر من الصفة بواسطة (هو)، كذلك إذا قلت: زيد هو الفاضل، فإنك لما أتيت بـ(هو) زدت ذلك توكيدًا، كذلك لما أتيت بـ(هو) حصرت الفضل فيه دون غيره، فقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ فيها فائدتان: الفائدة الأولى: التوكيد، والفائدة الثانية: الحصر، أما التمييز بين المبتدأ والخبر فهنا لا حاجة؛ لأن الضمير (إنه) يقولون: إنه لا ينعت ولا ينعت به، الضمير لا ينعت ولا ينعت به، واضح؟ وعليه فيكون الفائدة في قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ الحصر والتوكيد. وقوله: ﴿الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ سبق معنى المغفرة ستر الذنب والتجاوز عنه، ﴿الرَّحِيمُ﴾: أي ذو الرحمة التي يحصل بها المطلوب، والمغفرة يزول بها المرهوب، فالجمع بين الاسمين الكريمين يفيد أيش؟ يفيد السعادة الكاملة، النجاة من المرهوب في قوله؟ * طالب: ﴿الْغَفُورُ﴾. * الشيخ: ﴿الْغَفُورُ﴾ لأن هذا مغفرة الذنب، حصول المطلوب في قوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾ لأن الرحمة يحصل بها المطلوب والخيرات والنعم. فالجمع بين الاسمين الكريمين يفيد أيش؟ يفيد السعادة الكاملة، النجاة من المرهوب في قوله؟ * طالب: ﴿الْغَفُورُ﴾ [الزمر ٥٣]. * الشيخ: ﴿الْغَفُورُ﴾؛ لأن هذا مغفرة الذنب، حصول المطلوب في قوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾؛ لأن الرحمة يحصل بها المطلوب والخيرات والنعم، وبزوال المرهوب وحصول المطلوب يتم الفوز. قال الله جل وعلا: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران ١٨٥] ﴿زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ﴾ ما الذي بها؟ * طلبة: النجاة من المرهوب. * الشيخ: النجاة من المرهوب، ﴿وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ﴾ حصول المطلوب ﴿فَقَدْ فَازَ﴾. نرجع الآن إلى فوائد الآية: * من فوائد الآية الكريمة: وجوب إبلاغ الرسول ﷺ عن الله هذا القول، من أين يؤخذ؟ * طلبة: من ﴿قُلْ﴾ [الزمر ٥٣]. * الشيخ: من قوله: ﴿قُلْ﴾؛ لأن الأصل في الأمر الوجوب، لاسيما وأن هذا إبلاغ للرسالة، وإبلاغ الرسالة واجب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أهمية هذا البلاغ لئلا نقنط من رحمة الله، وأن نعلم أنه جل وعلا يغفر الذنوب جميعًا، من أين أخذنا أهميتها؟ من تصديره بـ ﴿قُلْ﴾ لأن هذا أمر بإبلاغ خاص. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المذنب مسرف على نفسه ظالم لها؛ لقوله: ﴿أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر ٥٣] ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [هود ١٠١]. والعجيب أن الظالم لنفسه بالمعصية إذا قيل له: لماذا؟ قال: هذا القضاء والقدر، عسى الله أن يهديني، عرفتم؟ وإذا ضربه أحد ظلمه بالضرب فقال: لم تضربني؟ قال: والله يا أخي هذا قضاء وقدر، هل يرضى بهذه الحجة؟ * طالب: لا يرضى. * الشيخ: لا يرضى، وهو بظلمه لنفسه يرضى، وهذا تناقض عجيب، يعني إذا ظلمت نفسك أبحت أن تحتج بالقدر، وإذا ظلمك غيرك لم تبح له أن يحتج بالقدر، وهذا جور في الحكم وتناقض، يقال: كيف ترضى أن تظلم نفسك ولا ترضى أن يظلمك غيرك ويحتج بالقدر؟ * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم القنوط من رحمة الله؛ لقوله: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ وجه الدلالة أن الأصل في النهي التحريم، وقد دلت السنة على أن القنوط من رحمة الله من كبائر الذنوب؛ لأنه ظن ما لا يليق بالله جل وعلا؛ فإن اللائق بالله سبحانه وتعالى أن من لجأ إليه فإنه أكرم الأكرمين لا يخيبه، فإذا قنطت من رحمته فقد استهنت في حقه سبحانه وتعالى، ولهذا كان القنوط من رحمة الله من كبائر الذنوب. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرحمة لله لقوله: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾. والرحمة نوعان: مخلوقة وغير مخلوقة، فما كان من الإنعام والإحسان فهو مخلوق، وما كان صفة للرب فهو غير مخلوق، ولهذا قال الله تعالى في الجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦ / ٣٥) من حديث أبي هريرة. ]] أنت رحمتي مع أن الجنة مخلوقة لكنها من آثار الرحمة، إذا وُلد لشخص ولد أو عاد إليه ضال من ماله أو ضائع من ماله، قال: والله هذه رحمة الله، هل هذه الرحمة مخلوقة ولَّا غير مخلوقة؟ * طلبة: مخلوقة. * الشيخ: مخلوقة؛ لأنها إحسان وإنعام، فإذا أطلقت الرحمة على الإحسان والإنعام فهي مخلوقة، وإذا أطلقت على صفة الله فهي غير مخلوقة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الذنوب مهما عظمت؛ فإن الله يغفرها ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ كل الذنوب؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: نعم؛ لأن الله ذكرها بـ(أل) الذنوب، وأكد هذا العموم بقوله: ﴿جَمِيعًا﴾ كل الذنوب، لكن هذا في حق من؟ في حق التائبين. * ومن فوائدها: أن ظاهرها مغفرة الذنوب للتائبين وإن كان الذنب للمخلوق، يعني لو اعتديت على شخص ثم تبت إلى الله، فإن الله يتوب عليك، ولو كان الذنب للمخلوق، عرفت؟ لكننا اشترطنا أن تتوب، ومن تمام التوبة أن توفي للمخلوق حقه إن قدرت عليه، فإن لم تقدر عليه فأوفه ولو بظهر الغيب. ونحن نضرب لهذا مثلًا أو مثلين أو ثلاثة حسب ما يتضح به المقام: إذا أخذت من شخص مالًا بغير حق فهذا ذنب، فإذا تبت إلى الله يغفر الله لك الذنب أو لا؟ يغفر الله لك الذنب لا شك، لكن من تمام التوبة أن توصل المال إلى صاحبه، فإن مات فإلى ورثته، إذا أديت إلى ورثته برئت ذمتك منه، لكن بقي ظلمك للميت الذي حلت بينه وبين ماله، هل تحاسب عليه أو لا تحاسب؟ إن قلت: لا تحاسب، فسيقول لك قائل: كيف يتخلص الإنسان من ظلم الميت الذي حال بينه وبين ماله؟ وهذا صحيح ولَّا غير صحيح؟ * طلبة: صحيح. * الشيخ: صحيح، ذمته برئت؛ لأنه أدى المال إلى مستحقه بعد موت صاحبه، لكن المشكل أن صاحبه حيل بينه وبينه في حال الحياة، لو كان عنده لاشترى بيتًا، لاشترى سيارة، لتزوج، فحلت بينه وبينه، فهل يسقط عنك حقه بتوبتك أو لا؟ نقول: ظاهر الآيات الكريمة أنه يسقط حقه عنك أنت، لكن الله تعالى يوفيه من عنده، أفهمتم أو لا؟ طيب لماذا؟ لأنك الآن لا تستطيع أن تتوصل إلى هذا الميت لتعطيه حقه، والذي تستطيعه أن أيش؟ أن تؤديه إلى ورثته، وقد فعلت. مثال آخر: أخذت مالًا من شخص ثم نسيت الشخص، نسيته، ثم تبت، فما هو الطريق إلى التوبة أو الخروج من حق الرجل؟ أتصدق به عنه، وإذا تصدقت به عنه استفاد من هذا المال متى؟ في الآخرة ولَّا في الدنيا؟ * طلبة: في الآخرة. * الشيخ: في الآخرة، لكن قد يقول قائل: لكنك حلت بينه وبينه في الدنيا، وقد يكون له غرض في المال في الدنيا، فأقول: نعم، أنا حلت بينه وبينه في الدنيا، لكن عجزًا مني أن أصل إليه، والذي قدرت عليه من التوبة فعلته، وهو أيش؟ * طالب: تصدقت. * الشيخ: الصدقة به عنه، فهل يبرأ براءة تامة بحيث لا يطالبه صاحب المال في الآخرة؟ الجواب نقول: ظاهر النصوص نعم، يبرأ. طيب قتلت نفسًا ثم تبت إلى الله عز وجل من قتل النفس، من تمام توبتك أن تسلم نفسك لورثة المقتول، تقول: أنا الذي قتلت صاحبكم، وأنا الآن بين أيديكم، إذا سلمت نفسك لهم برئت ذمتك، لكن يبقى عندنا حق من؟ * طالب: المقتول. * الشيخ: حق المقتول الذي حلت بينه وبين بقائه في الدنيا، فهل تبرأ منه بالتوبة؟ الجواب: نعم تبرأ منه بالتوبة لعموم الآية هذه وأمثالها، تبرأ منه بالتوبة، لكن هل يضيع حق المقتول أو لا؟ لا يضيع، يتحمله الله سبحانه وتعالى عنك له، وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى أن يعفوا عن حقه ويتحمل عنك حق الآخرين. فإذا قال قائل: ما هو الدليل على ما قلتم؟ وكيف يسقط عنه حق الآدمي؟ قلنا: الدليل على هذا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان ٦٨] هنا فيها حق لله، حق للمخلوق بالدم، حق للمخلوق بالعرض إن كان قد زنا مكرهًا بالمزني بها، وقد قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان ٦٨ - ٧٠] حتى في القاتل يبدل الله سيئاته حسنات. فإذا قيل: كيف يضيع حق المقتول؟ فالجواب؟ * طالب: ما يضيع. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: لأن الله سبحانه وتعالى يتحمله عنه. * الشيخ: نعم أحسنت، نقول: لا يضيع؛ لأن الله يتحمله عنه، وهذا من فضله تبارك وتعالى، إذن نقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ ظاهر الآية العموم يغفر الذنوب جميعًا، سواء مما يتعلق بحق الله أو بحق العباد، لكن ما يتعلق بحق العباد إذا تعذر إيصاله إليهم في الدنيا، فإن الله تعالى أيش؟ يتحمله في الآخرة. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله عظيمين يقترنان كثيرًا في القرآن هما الغفور الرحيم، ووجه اقترانهما أن في الأول زوال المكروه، وفي الثاني حصول المطلوب، فيتكون من اجتماعهما وصف زائد على الوصف عند انفرادهما؛ لأنه إذا انفردا استفدنا المغفرة إن انفرد الغفور، أو الرحمة إن انفرد الرحيم، لكن إذا اجتمعا استفدنا فائدة جديدة، وهي أن مغفرة الله عز وجل مقرونة برحمته، فهو جامع بين المغفرة والرحمة، هذان الاسمان من الأسماء اللازمة أو من الأسماء المتعدية؟ * طلبة: المتعدية. * الشيخ: المتعدية ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾، إذن متعدية، طيب ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت ٢١] إذن متعدية. الأسماء المتعدية قال العلماء: لا يتم الإيمان بها إلا بثلاثة أمور، الإيمان بالاسم، والإيمان بما تضمنه من صفة، والإيمان بالحكم المترتب على تلك الصفة، الذي يطلق عليه بعضهم الأثر، الإيمان بالاسم هنا الغفور، نؤمن بأن الغفور من أسماء الله، نؤمن بأن لله مغفرة دل عليها اسم الغفور، كذا؟ طيب ونؤمن أيضًا بما يتضمنه ذلك، يدل على المغفرة ويدل على العلم؛ لأنه لا يغفر ما لا يعلمه، ودلالته على العلم من باب دلالة التضمن أو الالتزام؟ * طلبة: الالتزام. * الشيخ: الالتزام؛ لأن المادة (غ ف ر) ما فيها (ع ل م) فيكون هذا من باب الالتزام، طيب الرحيم نعم قلنا: الغفور اسمًا المغفرة وصفًا يغفر الذنوب حكمًا، الرحيم كذلك الرحيم اسمًا نؤمن بالرحيم اسمًا، وبالرحمة صفة، وبأنه يرحم حكمًا، غفر الله لنا ولكم ورحمنا وإياكم. * طالب: لو سرق شخص من كافر ولم يعلم به فماذا يصنع؟ * الشيخ: نعم، هذا يسأل سؤالًا مهمًّا، يقول: لو سرق شخص من كافر وذهب الكافر ولم يعلم به فماذا يصنع؟ الجواب: إن كان الكافر حربيًّا فالمال له، وإن كان له عهد فإنه يسلمه إلى بيت المال؛ لأن بيت المال يتقبل الأموال التي لا يعرف مالكها، فإن لم يكن بيت مال، فليتخلص منه بالصدقة، لكن الكافر لا يثاب على هذه الصدقة إلا إن أسلم. * طالب: (...). * الشيخ: نعم يقال: إن قول ابن عباس رضي الله عنهما رأي رآه مخالف لظاهر النصوص، والعبرة بظاهر النصوص، وبهذا القول نستريح، ووجه ابن القيم رحمه الله ما رُوي عن ابن عباس بأن القتل يتعلق به ثلاثة أمور: حق لله، حق لأولياء المقتول، حق للمقتول، أما حق الله فيسقط بالتوبة، فإذا تاب الإنسان قبل الله توبته ومحي عنه الإثم، حق أولياء المقتول يكون بتسليمه نفسه إليهم، حق المقتول يقول ابن القيم: لا بد من أخذه من هذا القاتل، لكن يقال: الصواب ألا نعبر هذا التعبير، بل نقول: لا بد من إيفائه إياه، ومن الذي يوفيه؟ الله عز وجل، هذا هو الصواب، نعم. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ (...) تمام التوبة أم شرط التوبة. * الشيخ: المراد بالتمام هنا ما هو التمام الأولوي، التمام الواجب، يعني لا تتم التوبة إلا بذلك. * طالب: (...). * الشيخ: لا، أما قلنا في التفسير، قل مبلغًا عني: ﴿يَا عِبَادِيَ﴾، نعم فيقول الرسول مثلًا: قال ربكم: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾، هذا كيفية إبلاغ هذه الآية، أعرفت؟ نعم. * طالب: (...). * الشيخ: يعني مع القدرة. * الطالب: مع القدرة؟ * الشيخ: إي مع القدرة، هذا صحيح، لكنهم بعضهم قال: إذا اغتبت شخصًا فلا بد أن تذهب إليه وتستحله مطلقًا، وبعضهم فصل قال: إن كان قد علم فلا بد أن تستحله؛ لأنه حمل عليك في نفسه، وإن لم يكن علم فأثن عليه في المواطن التي كنت تغتابه فيها ويكفي، وهذا التفصيل جيد؛ لأنك لو ذهبت إليه وقلت: أنا اغتبتك وهو لم يعلم، أنشأت في نفسه عليك ما تنشئه، لكن إذا استغفرت له وأثنيت عليه في المكان الذي أنت اغتبته فيه حصل المقصود. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)﴾ [الزمر ٥٤ - ٥٨]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا أن الله سبحانه وتعالى أمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول للناس عن الله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ وسبق الكلام على هذه الآية تفسيرًا واستنباطًا. ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا﴾ قال المؤلف المفسر: (﴿وَأَنِيبُوا﴾ ارجعوا ﴿إِلَى رَبِّكُمْ﴾ ) يعني ارجعوا إلى ربكم من معاصيه إلى طاعته ومن البعد عنه إلى القرب، وهذه الإنابة هي عمل القلب، رجوع القلب إلى الله سبحانه وتعالى. ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ أي: استسلموا له واخضعوا لشرعه، وهذا عمل الظاهر، عمل الجوارح، فالإنابة بالقلب والإسلام بالجوارح. (﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ أخلصوا العمل)، وأخذ المؤلف الإخلاص من قوله: ﴿لَهُ﴾ أي لله، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران ٢٠] فهذه الآية فيها الأمر بالإنابة وهي في القلب، والأمر بالاستسلام له، وهي بالجوارح، والإخلاص مستفاد من اللام المذكورة في قوله: ﴿لَهُ﴾. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾ متعلقة بـ (أنيبوا) و(أسلموا)، فقد تنازعها العاملان، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾ يعني من الله ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ يعني لا تمنعون من عذاب الله. وقول المؤلف: (إن لم تتوبوا) لا حاجة إليه؛ لأن الله قال: أنيبوا وأسلموا من قبل هذا الشيء، وإذا أناب وأسلم من قبل هذا الشيء فقد تاب، وحينئذٍ لا ينزل عليه العذاب. ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: ﴿وَاتَّبِعُوا﴾ أي كونوا تبعًا ﴿أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، (أحسن) اسم تفضيل من الحسن، ويشمل الأحسن في ذاته، والأحسن في العمل، الإنسان مأمور أن يتبع الأحسن، أحسن ما أنزل إلينا في ذاته، ولو فتشت الكتب السماوية التي نزلت لوجدت أحسن ما نزل هو القرآن، ولهذا فسره المؤلف بقوله: (وهو القرآن) كذلك أحسن ما أنزل إلينا إذا كانت عبادة قام بها الإنسان على وجه ناقص، وعبادة قام بها على وجه كامل، فالتي على وجه كامل هي الأحسن، فإذا وُجد أعمال تتفاضل فالإنسان مأمور بأن يتبع الأحسن منها. ﴿أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، وقوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فيها إشارة إلى وجوب اتباع الأحسن؛ لأن هذا الأحسن نازل من الله سبحانه وتعالى، من الرب، والرب هو الذي له التصرف في العباد تدبيرًا وتشريعا وحكما. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ في الآية الأولى ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ ثم هذا قال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً﴾ أي مفاجأة، وأنتم لا تشعرون أنه يأتيكم العذاب، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨)﴾ [الأعراف ٩٧، ٩٨] فالنائم لا يشعر بالعذاب إلا بغتة، والذي يلعب كذلك لا يشعر بالعذاب إلا بغتة، يقول عز وجل: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ قوله: ﴿أَنْ تَقُولَ﴾ يقول المؤلف رحمه الله الشارح المفسر: (﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ قبل إتيانه بوقته) يعني لا تشعرون بوقته قبل إتيانه، بل قد ضربتم الأمل الطويل والتفاؤل الذي ليس في محله حتى أتاكم العذاب. قال: (فبادوا قبل ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ ) قدَّر المؤلف هذا الذي ذكر لدلالة السياق عليه، وهذا الذي قام به المؤلف رحمه الله يسمى عند البلاغيين إيجاز الحذف؛ لأن الإيجاز عندهم نوعان: إيجاز قصر وإيجاز حذف، فإيجاز القصر أن تكون العبارة القصيرة تتضمن معاني كثيرة، وإيجاز الحذف أن تكون العبارة موجودة قد حُذف منها ما هو معلوم، مثل قوله تعالى: ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ [القصص ٢٤، ٢٥] هذه الآية حُذف منها شيء كثير؛ لأن تقديره أن المرأتين ذهبتا إلى أبيهما وأخبرتاه بالخبر، ثم أرسل إحداهما إلى موسى فجاءت إحداهما تمشي على استحياء، فصار عندنا الإيجاز نوعان: إيجاز قصر بأن تكون العبارة قصيرة تتضمن معاني كثيرة، وإيجاز حذف بأن يحذف من الكلام ما يدل عليه السياق، وكلاهما فصيح عربي. قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة ١٧٩]، هذا إيجاز قصر ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء ١٢٣] هذا إيجاز قصر؛ لأنك لو أردت أن تبسط هذه الجملة ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾ وتذكر أنواع السوء وتذكر أنواع المجازاة، لكان الكلام طويلًا، لكنه اقتصر على هاتين الكلمتين ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ وهما تشملان كل ما يمكن أن يدخل في هذه الجملة من التفاصيل. طيب هنا على كلام المؤلف: (فبادروا قبل ﴿أَنْ تَقُولَ﴾ ) نقول: هذا من باب إيجاز الحذف؛ لأنه حذف من الكلام ما يدل عليه السياق، ويمكن أن نقدر ما هو دون ذلك بأن نقول: خشية أن تقول نفس، يعني: اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم خشية أن تقول نفس: يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله، وهذا الذي ذكرناه أخصر من كلام المؤلف. ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا﴾ (نفس) هنا نكرة في سياق الإثبات، والنكرة في سياق الإثبات لا تدل على العموم، وإنما تدل على العموم إذا كانت في سياق النفي أو الشرط، أو الاستفهام الاستنكاري أو ما أشبه ذلك مما ذكره العلماء، لكنهم قالوا: إن نفس هنا نكرة يراد بها العموم، يعني أن تقول كل نفس: فرطت يا حسرتا. (أصله يا حسرتي، أي: ندامتي) فالحسرة هي الندامة، وقال: (يا حسرتا) الألف هذه منقلبة عن ياء، وأصلها ياء المتكلم: يا حسرتي، لكن في اللغة العربية يجوز أن تقلب الياء ألفا، فيقال: يا حسرتا بدل يا حسرتي، ومنه قوله تعالى: ﴿يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ [هود ٧٢] التقدير: يا ويلتي. (﴿يَا حَسْرَتَا﴾ أي ندامتي ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ﴾ ) التفريط معناه الإهمال والإضاعة، وعكسه الإفراط، الإفراط: التجاوز، والتفريط: القصور عن الشيء، فالمفرط هو المهمل المقصر، والمفرط هو المتجاوز للحد، وكلاهما مذموم، والخيار هو الوسط. ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ قال: (أي: طاعته) ففسر الجنب هنا بالطاعة، وذلك لأنه لا يمكن أن يراد به جنب الله الذي هو جنب ذاته؛ لأن الإنسان يشعر بأنه لم يفرط في نفس الجنب الذي هو جنب الله ذاته، لكن بعض العلماء يقول: الجنب بمعنى الجانب لغة، وإذا كان بمعنى الجانب لغة فلا حاجة إلى التأويل، يكون المعنى: في جنب الله أي في جانب الله، وجانب الله يعني حقه، وهذا التفصيل الذي ذكرناه هو مؤداه كما قال المؤلف رحمه الله: (يعني طاعته) لكن إذا فسرنا الجنب بالطاعة خرجنا به عن المعنى المطابق للفظ، أما إذا قلنا: الجنب لغة بمعنى الجانب فإننا فسرناه بما دلت عليه الكلمة لغة، والجانب من المعلوم أن جانب الله عز وجل أي حقه وشرعه. ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ (إن مخففة من الثقيلة، أي: وإني) (إن) في اللغة العربية تأتي لمعانٍ: الأول: الشرطية، والثاني: النافية، والثالث: مؤكدة، والرابع: زائدة، أربعة معانٍ. (إن) تأتي في اللغة العربية بمعنى أربعة معانٍ، بعضهم زاد معنى خامسًا أن تكون بمعنى نعم لكنه قليل. (إن) شرطية، مثاله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات ٦] هذه (إن) شرطية. تكون نافية مثل قول الكافرين: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة ١١٠] و(إن) النافية هي التي يعقبها دائمًا (إلا). وتأتي مؤكدة، وهي المخففة من الثقيلة كما هنا، وعلامتها أن يحل محلها (إن)، مثل: ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ هذه مخففة من الثقيلة تفيد التوكيد؛ لأن الثقيلة (إنَّ) معروفة أنها للتوكيد، فإذا كانت هذه مخففة منها فهي للتوكيد. الرابع: زائدة، ومن ذلك قول الشاعر: بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ وَلا صَرِيفٌ وَلَكِنْ أَنْتُمُ الْخَزَفُ الشاهد قوله: (ما إن أنتم ذهب). لأن معنى الكلام: ما أنتم ذهب، فهي إذن زائدة، طيب الذهب معروف، الصريف: الفضة، وسُميت صريفًا لأنها يسمع لها صريف عند العدد أو الوزن، (ولكن أنتم الخزف) ما هو الخزف؟ الطين المشوي، يعني أنكم أصلكم رديء، وعلامة (إن) الزائدة أن يصح الكلام مع حذفها، فإذا صح الكلام مع حذفها فهي زائدة، طيب. ﴿إِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ قال المؤلف: (وإني ﴿كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ ) فقدر اسم (إن) ضميرًا مطابقًا للسياق، فقال: إني كنت. وهذا الذي ذهب إليه المؤلف هو الصحيح، أما عند جمهور النحويين فإنهم يقولون: إن اسم (إن) محذوف ضمير الشأن، فيقدرون: إن كنت وإنه أي الشأن، لكن الصحيح أننا نقدر ضميرًا مطابقًا للسياق، ولا حرج أن نقول: إنه محذوف، ولو لم يكن ضمير الشأن. فعليه نقول: ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ التقدير: وإني كنت لمن الساخرين. واللام في قوله: ﴿لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ هذه للتوكيد، وهي أيضًا دليل على أن (إن) مخففة من الثقيلة. طيب وهل تلزم لام التوكيد مع (إن) المخففة من الثقيلة؟ الجواب: لا تلزم، إلا إذا كان يخشى من الالتباس بالنافية، فإن كان يخشى الالتباس بالنافية فإنه يجب أن تذكر اللام، والحاصل أن اللام تأتي كثيرًا في خبر (إن) المخففة من الثقيلة، وقد تحذف إلا إذا خيف الالتباس فإنه يجب أن تُذكر اللام، إذا خيف الالتباس بأيش؟ إذا خيف أن تلتبس بـ(إن) النافية، فإنه يجب أن يؤتى باللام؛ لأنه إذا أتت اللام تعين أن تكون (إن) مخففة من الثقيلة، ومحل هذا البحث في النحو. يقول: ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ الساخر بمعنى المستهزئ، ساخرين بمن؟ ساخرين بمن يدعو إلى الله؛ كما قال تعالى: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ [ص ٦٣] ساخرين بدين الله، ساخرين بكتب الله، ساخرين برسل الله ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة ٦٥]، ولهذا حذف المفعول في الساخرين لإفادة العموم، أي: الساخرين بالله وآياته ورسله وأوليائه فهو عام، ويأتي إن شاء الله تعالى بقية الكلام على الآية. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٥٩)﴾ [الزمر ٥٥ - ٥٩]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾. ما المراد بقوله: ﴿أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؟ * طالب: المراد به القرآن. * الشيخ: القرآن ، ما وجه حسنه؟ * طالب: حسنه في ذاته وفي (...). * الشيخ: في ذاته؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: طيب، وفي أخباره وفي أحكامه وفي آثاره، أربعة أشياء، طيب قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ كيف تقدر أن تقول: نفس؟ * طالب: خشية أن تقول: نفس. * الشيخ: نعم، خشية أن تقول: نفس، ما الذي قدره المؤلف؟ * الطالب: الذي قدره المؤلف قال: بادروا. * الشيخ: قال: بادروا. * الطالب: قبل أن تقول: نفس. * الشيخ: قبل أن تقول، أيهما أرجح؟ * الطالب: قبل أن تقول: نفس. * الشيخ: لماذا؟ * الطالب: لأنه أخصر. * الشيخ: أخصر، أقل تقديرًا، وكلما كان أقل تقديرًا فهو أوضح. طيب قوله: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ هذه نكرة في سياق؟ * طالب: الإثبات. * الشيخ: فهل هي للإطلاق أو للعموم؟ * الطالب: (...). * الشيخ: نعم تعم، يعني أي نفس. طيب قوله: ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ يا حسرتا أصلها نعم؟ * طالب: يا حسرتي. * الشيخ: فقلبت؟ * الطالب: فقلبت الياء إلى ألف. * الشيخ: إلى ألف لأنها للندبة. طيب قوله: ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ ما المراد بجنب الله؟ * طالب: المراد بجنب الله؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: بجانب الله. * الشيخ: بجانب الله، كذا؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: والمؤلف فسرها؟ * طالب: المؤلف فسرها بطاعة الله. * الشيخ: بطاعة الله، طيب. * الطالب: (...) جانب الله (...). * الشيخ: يعني متى أمكن حمل اللفظ على معناه اللغوي فهو أولى، طيب ألا يمكن أن يراد بها جنب الله الذي هو جنبه؟ * طالب: (...). * الشيخ: والتفريط من الإنسان ليس في جنب الله ذاته، لكنه في حق الله يعني جانب الله الذي هو حقه، طيب، ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ (إن) هذه؟ * طالب: شرطية. * الشيخ: (إن) شرطية، لا. * طالب: (إن) مخففة من الثقيلة. * الشيخ: مخففة من الثقيلة، أيش تقتضي؟ التوكيد، ذكرنا استطرادًا أن (إن) تأتي لمعانٍ. * طالب: أربعة، أو خمسة، تأتي زائدة، تأتي مؤكدة، تأتي شرطية، تأتي نافية، قد تأتي بمعنى نعم. * الشيخ: ما الذي يعين هذه المعاني؟ * طالب: السياق. * الشيخ: السياق طيب، المخففة من الثقيلة مثالها؟ * طالب: مثل هذه الآيات ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾. * الشيخ: التقدير؟ * الطالب: إني كنت لمن الساخرين. * الشيخ: إني كنت لمن الساخرين، طيب، وتأتي نافية، مثالها؟ * طالب: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣]. * الشيخ: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ المعنى؟ * الطالب: ما أنت إلا نذير. * الشيخ: ما أنت إلا نذير وعلامة هذه. * طالب: (إن) نافية. * الشيخ: أي لكن ما علامتها؟ * طالب: صحة تعويضها بالنفي. * الشيخ: أن يحل محلها (ما)، وغالبًا تأتي بعدها (إلا)، طيب وتأتي أيضًا؟ إي نعم. * طالب: زائدة. * الشيخ: مثالها؟ * طالب: بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ وَلا صَرِيفٌ .............. * الشيخ: بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ ...................... طيب، ما علامتها؟ * الطالب: علامتها (...) صح السياق (...). * الشيخ: نعم أنها إذا حذفت صح السياق بدونها، الأخ تأتي؟ * طالب: شرطية. * الشيخ: شرطية. * الطالب: (...). * الشيخ: أحسنت، طيب، والشرطية علامتها ظاهرة أنها تحتاج إلى؟ * طلبة: جواب. * الشيخ: جواب. نأخذ الدرس الجديد، قال الله عز وجل: ﴿أَوْ تَقُولَ﴾: (أو) حرف عطف، ﴿تَقُولَ﴾ معطوف على قوله: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾. * طالب: ما أخدنا. * الشيخ: ما أخذناه؟ * الطالب: (...). * الشيخ: من أي مكان؟ ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ أخذنا هذه؟ طلبة : (...). * الشيخ: طيب إلى؟ * طلبة: (...). * الشيخ: نعم أخذنا الفوائد إلى؟ * طالب: (...). * الشيخ: أنتم الآن تقولون: لم نأخذ الفوائد، فمن أين لم نأخذ الفوائد؟ طيب قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ إلى آخره، فيها فوائد: * أولًا: وجوب الإنابة إلى الله؛ لقوله: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ والأصل في الأمر الوجوب إلا بدليل. * ومن فوائدها: وجوب الإسلام له، أي الاستسلام التام مع الإخلاص؛ لقوله: ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾. * ومن فوائدها: التحذير من عدم المبادرة بالإنابة والإسلام؛ لقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: عقوبة من لم ينب إلى ربه ويسلم له؛ إذ إن العذاب عقوبة. * ومن فوائدها: أنه إذا أتى عذاب الله فإنه لا دافع له؛ لقوله: ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾. * ومن فوائد الآية التي بعدها: وجوب اتباع القرآن الكريم؛ لقوله: ﴿اتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. * ومن فوائدها: الثناء على القرآن الكريم بأنه أحسن ما أنزل إلى العباد، وعرفتم أنه أحسن في ذاته وفي أخباره وفي أحكامه وفي آثاره، فلم تنل أمة العزة والكرامة كما نالته هذه الأمة بما آتاها الله من القرآن. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن كلام الله؛ لقوله: ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. فإن قال قائل: هذا لا نسلمه لكم؛ لأن مما أنزل الله ما لا يكون كلامًا له، كقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الزمر ٢١]، ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر ٦]، ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد ٢٥] وأمثالها، فلا نسلم لكم أن القرآن كلام الله، بل نقول: هو كغيره من المخلوقات التي أنزلها الله، فإن الحديد مخلوق، والمطر مخلوق والأنعام مخلوقة. فالجواب عن هذا أن نقول: ما أنزله الله ينقسم إلى قسمين: الأول: أن يكون عينًا قائمة بنفسه، فهذا مخلوق، والثاني: ألا يكون وصفًا لا يقوم إلا بغيره، فهذا غير مخلوق، فلننظر إلى القرآن هل هو عين قائمة بنفسها أو وصف لا يقوم إلا بغيره؟ الثاني، إذن هو غير مخلوق، كلام الله غير مخلوق، واضح يا جماعة؟ طيب. * من فوائد هذه الآية الكريمة إثبات علو الله؛ لقوله: ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر ٥٥] وجه ذلك أن النزول لا يكون إلا من أعلى. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة هذه الأمة حيث كانت الغاية في إنزال القرآن، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿إِلَيْكُمْ﴾ فإن الإنزال غايته إلينا، إذن فهذا شرف لنا أن نكون غاية إنزال القرآن. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الربوبية لله عز وجل؛ لقوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾. * ومن فوائدها، من فوائد هذه الآية الكريمة: أن إنزال القرآن إلينا من كمال ربوبيته، حيث أضاف إنزاله إلى نفسه بوصف الربوبية، فمن كمال ربوبيته لخلقه وتربيته لهم أن نزل عليهم هذا القرآن. * ومن فوائدها أيضًا: وجوب العمل بما في القرآن؛ لأنه نزل من الرب، والرب له السلطان الكامل على خلقه، أرأيتم لو أن ملكًا من الملوك أصدر مرسومًا ملكيًّا، أفلا يكون مقتضى سلطانه أن نعمل بهذا المرسوم؟ بلى، إذن مقتضى ربوبية الله لنا أن نعمل بما أنزل إلينا؛ لأن هذا القرآن بمنزلة المراسيم الملكية التي لا بد من تنفيذها، بل وأعظم كما هو معروف، ولا إشكال فيه. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحذر من أن يأتي عذاب الله بغتة؛ لقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً﴾ [الزمر ٥٥] والعذاب المباغت أشد من العذاب الذي لم يباغت؛ لأن العذاب الذي لم يباغت يكون الإنسان قد تهيأ له، لكن الذي يأتي بغتة يأتي الإنسان وهو في غاية ما يكون من الغفلة وغاية ما يكون من السرور، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨)﴾ [الأعراف ٩٧، ٩٨] فتأمل الآن، غفلة وهدوء واطمئنان أتاهم العذاب في هذا الوقت يكون أشد وقعًا والعياذ بالله مما لو أتى والإنسان متهيئًا. وأضرب لكم مثلًا حسيًّا واضحًا، لو كنت تنزل مع الدرج فغفلت ثم زلت رجلك على إحدى الدرجات، هل يكون مثلما لو كنت تنزل وأنت ترى كل درجة وتضع قدمك عليها؟ أجيبوا، إذن المباغت أشد مما يأتي إنسان متهيأ له. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المباغت يأتي بغير شعور من العبد؛ لأنه غافل، وليس يفكر في أن يأتيه العذاب؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ والجملة هذه يسميها علماء النحو جملة حالية، يعني والحال أنكم لا تشعرون. ثم قال تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ إلخ. * من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان مآل المفرط، وهو التحسر، وهو التندم مع الغم، التحسر والتندم مع الغم. * ومن فوائدها، من فوائد الآية الكريمة: أن المفرط سيتحسر على تفريطه، وينبني على هذه فائدة أنه ينبغي أن يكون الإنسان حازمًا ذا نشاط وقوة، حتى لا تفوته الأمور ثم بعد ذلك يندم. * ويتفرع على ذلك فائدة ثالثة: أنه ينبغي انتهاز الفرص فمتى واتتك الفرصة فلا تضيعها. * ويترتب على هذا أيضًا رابعة: أنه إذا صار أمامك حاجتان فابدأ بما أنت تريد أولًا، وبادر إليها، واجعل الثانية نافلة، وهذا يظهر في سنة الرسول ﷺ في أمثلة متعددة، منها أن عتبان بن مالك رضي الله عنه لما ضعف بصره، وصار لا يتمكن من الوصول إلى مسجد قومه، دعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيته ليصلي في مكان يتخذه مصلى، فخرج النبي ﷺ إليه ومعه جماعة من أصحابه، فلما وصل البيت، وإذا الرجل قد هيأ لهم طعامًا، ولكن الرسول ﷺ لم يشأ أن يبدأ بالطعام، بل بدأ بما أتى إليه، أي بالقصد الأول فقال له: «أَيْنَ تُرِيدُ أَنْ أُصَلِّيَ؟» فأراه المكان فصلى فيه[[متفق عليه؛ البخاري (٤٢٤)، ومسلم (٣٣ / ٢٦٣) من حديث عتبان بن مالك. ]]. هذا مثال، وبناء على ذلك ينبغي لكم أنتم طلبة العلم إذا أردتم أن تراجعوا فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مسألة معينة فتستعرض الفهرس، ثم يمر بك مسألة تشوقك إلى أن تراجعها فتذهب وتراجعها، ثم تترك الذي كنت تراجع من أجلها، وهذا لا شك أنه يضر طالب العلم، يشتت عليه الفكر ويشتت عليه الوقت؛ لأن فكره أول ما طالع الكتاب منصب على أيش؟ على المسألة التي يطلبها، فإذا عرضت له هذه العارضة واتجه إليها وانشغل بها، وهي ليست مقصودًا له بالذات، تشتت ذهنه، ثم يتشتت وقته أيضًا، ربما يكون وقت مراجعته في خلال ربع ساعة، فتذهب ربع الساعة هذه وهو لم يراجع المسألة التي كانت من أجلها يفتش، وهذا جربناه، جرى علينا، نراجع لمسألة ما ثم يمر بنا عنوان شيق ونأخذ به، يضيع علينا الوقت، فالإنسان ينبغي أن يكون حازمًا، وأن يبدأ بالأهم قبل المهم. ومن ذلك -أي من الحزم- أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يبادر بإزالة المؤذيات ولا يتأخر؛ لأن التأخير له آفة، بل آفات، «لما بال الأعرابي في المسجد أمر في الحال أن يصب عليه ماء ليطهره»[[أخرجه البخاري (٢٢٠ من حديث أبي هريرة. ]]، «ولما بال الصبي في حجره دعا في الحال بماء فأتبعه إياه»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٣)، ومسلم (٢٨٧ / ١٠٣) من حديث أم قيس بنت محصن. ]]، وكان من الممكن أن يترك المكان في المسجد حتى يأتي وقت الصلاة ويحتاج الناس إلى الصلاة في هذا المكان، لكنه بادر، وكذلك من الممكن أن يدع ثوبه حتى يحضر وقت الصلاة ثم يطهره لكنه بادر، فالمهم أن مثل هذه الوقائع ينبغي للإنسان أن يتخذ منها تربية لنفسه، لا تمر به على أنها مسألة فقهية عرفها فقط، بل لا بد أن يظهر علمه في عمله. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الجهة لله عز وجل؛ لقوله أيش؟ ﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ وقلنا: إن جنب بمعنى جانب، لكن الذين لا يثبتون الجهة يفرون من هذا، ويفسرونه بأمر آخر، كما فسره المؤلف بقوله: (في طاعة الله) مع أن هذا التفسير يعني قد يقال: إنه تفسير صحيح، وإن جانب الله تعالى هو طاعته وحقه وما أشبه ذلك، لكن نحن نعلم أن كثيرًا من الناس ينكرون أن يكون الله في جهة، ويقولون: لا يجوز أن تقول: إن الله في جهة، لا فوق ولا تحت، وعكس قوم آخرون فقالوا: إن الله في كل جهة بذاته، وبين الأمرين أو بين الطائفتين كما بين السماء والأرض. وتوسط آخرون فقالوا: إن الله في كل جهة لكنه فوق كل شيء ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة ١١٥] إن اتجهتم شرقًا أو غربًا، أو شمالًا أو جنوبًا فثم وجه الله، لكن ليس الله نفسه في تلك الجهات، ولكنه فوق، وفوقيته لا تناقض أن يكون في كل جهة استقبلته، واضح يا جماعة؟ طيب. فلو قال قائل: كيف يجتمع أن يكون في جهة المشرق مثلًا أو المغرب أو الشمال أو الجنوب وهو فوق كل شيء؟ نقول: (كيف) اجعلها فيما يمكن تكييفه، وصفات الله لا يمكن تكييفها، عليك أن تسلم، ثم نقول: إن هذا ممكن لو كانت الشمس عند الشروق أو عند الغروب واستقبلتها كانت في جهة المشرق أو في جهة المغرب وهي أين مكانها؟ في السماء، هذا في المخلوق، فما بالك بالخالق المحيط بكل شيء. فالصواب أن الله سبحانه وتعالى في جهة، وهي جهة العلو، لكنه عز وجل من اتجه إليه في أي مكان فالله تعالى قبل وجهه أي مكان ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ أما ذاته عز وجل فإنه فوق كل شيء. * من فوائد الآية الكريمة: إقرار المكذبين على أنفسهم بما هم عليه من التكذيب، لكن في وقت لا ينفعهم، من أين يؤخذ؟ ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ يعني: إن كنت من الساخرين هذه تأكيد وإثبات أنه كان في الدنيا من الساخرين بشرع الله المستهزئين به. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم السخرية بالله عز وجل، من أين يؤخذ؟ من كون هذا الساخر ندم، وتحسر على ذلك، ولولا أنه أصيب بعذاب عليه لم يندم. فإن قال قائل: ما حكم السخرية بالله؟ قلنا: حكمها الكفر، فمن سخر بالله أو آياته أو رسوله فإنه كافر، كل من سخر بالله أو آياته أو رسوله فهو كافر. فإن قال قائل: هل تكفرونه ولو كان يمزح؟ فالجواب: نعم نكفره ولو كان يمزح؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ يعني ما قصدنا ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة ٦٥، ٦٦]. فإن قيل: ما الدواء لمن ابتُلي بهذا؟ أي: سخر بالله أو آياته أو رسوله، فما هو الدواء؟ قلنا: الدواء في هذه السورة: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر ٥٣] الدواء أن يتوب إلى الله، فإذا تاب إلى الله عز وجل وقلع من قلبه هذه السخرية والاستهزاء، وأثبت مكانها التعظيم والمحبة، فحينئذ يرتفع عنه حكم الكفر. ثم قال الله عز وجل، وهو بدء الدرس اليوم: ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر ٥٧] يعني أو تقول نفس، وهذه معطوفة على قوله: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾، أو تقول: أي النفس (﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي﴾ بالطاعة فاهتديت ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ ). ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (لو) هذه شرطية، فعل الشرط فيها محذوف، وجواب الشرط فيها قوله: ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾، وتقديره، أي: تقدير المحذوف وهو فعل الشرط، لو ثبت أن الله هداني لكنت من المتقين، وهذا احتجاج بالقدر، يعني لو أن الله هداني ووفقني فاهتديت لكنت من المتقين، فهي تندم وتحتج، يعني جمعت بين الندم على عدم التقوى والهداية وبين الاحتجاج، كقول القائل: لو أعطيتني أجرة لعملت لك، لو أطعمتني لشبعت، يعني: فلم تطعمني ولم تعطني أجرة، فهم يقولون: لو أن الله هداني لاهتديت وكنت من المتقين، وعلى هذا فالمراد بالهداية هنا هداية التوفيق، ويكون هذا احتجاجًا من النفس بقدر الله على الضلال والعياذ بالله. يقول: ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ قال المؤلف المفسر: (عذابه) وهذا مفعول المتقين، ولكن الصواب أن نقدر: لكنت من المتقين الله؛ لأن الأصل هو تقوى الله عز وجل، وتقوى عذاب الله من تقوى الله، فينبغي أن نقدر الأصل أي: لكنت من المتقين الله. وما هي تقوى الله؟ نعرف تقوى الله بمعرفة الأصل، أصل التقوى مأخوذة من الوقاية، فأصلها وقوى بالواو، لكن قُلبت الواو تاء لعلة تصريفية، فإذا كانت من الوقاية فسرناها بأنها اتخاذ ما يقي من عذاب الله، ولا يقي من عذاب الله إلا فعل أوامره واجتناب نواهيه، ولهذا نقول: إن أجمع ما قيل في التقوى أنها فعل الأوامر واجتناب النواهي. وقيل: إن التقوى أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله، على نور من الله، تخشى عقاب الله، وهذا المعنى أطول مما قلنا، لكن ما قلنا مشتمل عليه، وقيل في التقوى: خَلِّ الذُّنُوبَ صَـــــــغِيرَهَا ∗∗∗ وَكَبِـــــــــــــــــيرَهَـا ذَاكَالـــــــــتُّقَى؎وَاعْمَلْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَرْ ∗∗∗ ضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى؎لَا تَحْقِــــــــــرَنَّ صَـــــــــــــــغِيرَةً ∗∗∗ إِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الْحَــــــــــصَى وهذا أيضًا تعريف شيق لأنه منظوم، (خَلِّ الذُّنُوبَ صَغِيرَهَا وَكَبِيرَهَـا) والذنوب إما فعل محرم أو ترك واجب، (ذَاكَ التُّقَى، وَاعْمَلْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَرْضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى) الذي يمشي على أرض الشوك يمشي بسرعة ولَّا ببطء؟ * طلبة: ببطء. * الشيخ: ببطء لَا تَحْقِرَنَّ صَغِيرَةً ∗∗∗ إِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الْحَصَى الجبال العظيمة الضخمة حصى متجمعة، إما كتل أو صغار أو كبار. ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. ﴿أَوْ تَقُولَ﴾ هذه معطوفة على أيش؟ * طلبة: على ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾. * الشيخ: على ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾، يعني: أو تقول نفس حين ترى العذاب، ترى العذاب بعينها، فيكون الموعود مشهودًا، تراه بالعين، ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾، والرؤية بالعين تُعتبَر عين اليقين، والوعد بالعذاب علم اليقين، ومس العذاب حق اليقين، ولهذا قالوا: اليقين ثلاثة: علم وعين وحق، وكلها في القرآن: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر ٥ - ٧] مشاهدة، وقال تعالى في آخر الواقعة: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة ٩٥] الذي يكون عند الاحتضار حق اليقين، وأيها أعلى في اليقين؟ * طلبة: حق اليقين. * الشيخ: حق اليقين أعلى؛ لأن عين اليقين قد تشاهد الشيء على خلاف ما هو عليه، كما ترى، ولا سيما إن كان نظرك ضعيفًا، ترى الشيء الساكن متحركًا، أو المتحرك ساكنًا، إي نعم، فعلى كل حال حق اليقين أعلاه. وهنا ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ﴾ المراد أيش؟ * طلبة: عين اليقين. * الشيخ: عين اليقين ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، (لو) هنا ليست شرطية، ولكنها للتمني، يعني ليت لي كرة. ونستطرد فنقول: (لو) تأتي شرطية، وتأتي للتمني، وتأتي مصدرية، ثلاثة معانٍ، شرطية، تمنية، مصدرية، فتأتي شرطية فيما إذا قلت: لو زرتني لأكرمتك، وعلامتها أن يحل محلها (إن) الشرطية، لو زرتني لأكرمتك، اجعل بدلها (إن)، إن زرتني أكرمتك. والثانية التي للتمني هي التي تأتي غالبًا بعد ود، في قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩] وعلامتها أن يحل محلها (أن) المصدرية، ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ﴾ لو وضعت بدلها (أن): ودوا أن تدهن، يصح الكلام أو لا؟ طيب، وهل يصح أن تضع بدلها (أن) في القرآن؟ * طلبة: لا يصح. * الشيخ: لا يصح، تقديرًا يصح ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ لو جعلت بدلها (أن) استقام الكلام، لكن لا يجوز في القرآن أن تجعل بدلها (أن)، طيب لو قلت: وددت لو زرتني، صحيح؟ طيب، لكن هنا إذا حولتها إلى (أن) حول الفعل إلى مضارع، (وددت أن تزورني)، طيب. الثالثة للتمني. * طلبة: مصدرية. * الشيخ: مصدرية؟ لا، أنا أقول: مصدرية التي تأتي بعد (ود)، والشرطية، بقي عندنا التمنية التي للتمني، المصدرية هي التي تأتي في الغالب بعد ود، وعلامتها أن يحل محلها (أن). التي للتمني تكون بمعنى أتمنى، يعني يعين معناها السياق، فهنا ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ﴾ ضع بدلها أتمنى، أتمنى أن يكون لي كرة فأكون من المؤمنين، واضح؟ ويدلك لهذا قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ [الأنعام ٢٧] فصار معاني (لو) ثلاثة: شرطية ومصدرية وللتمني. ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾ قال المفسر: (رجعة إلى الدنيا ﴿فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ) يعني يتمنى أن يكون له رجعة ليكون من المحسنين. وقوله: ﴿فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ولم يقل: من المتقين؛ لأن الإحسان درجة فوق التقوى، فكل محسن متقٍ، وليس كل متقٍ محسنًا، الإحسان درجة عالية، قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]، ولكن هذا التمني هل هذه النفس صادقة في أنها تتمنى لتكون من المحسنين؟ قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام ٢٨] لكن عند العذاب ليس لها إلا أن تقول هكذا ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. * طالب: أحسن الله إليك، سئل رجل فقالوا له: ما آخر نكتة سمعتها، قال: إن اثنين من المتطرفين قالوا: استو واعتدل في الصف، هل يدخل هذا في السخرية بالله وسنة النبي ﷺ؟ * الشيخ: هذا يسأل يقول: إن آخر نكتة إي نعم سمعتها أنه سمع رجل يقول: استووا اعتدلوا كذا؟ * الطالب: (...) استووا اعتدلوا (...). * الشيخ: لكن كان الإمام قال هكذا؟ الإمام قال: استووا اعتدلوا؟ لا، ما يصير. * الطالب: (...) آخر نكتة سمعتها يقول: استووا واعتدلوا (...). * الشيخ: لا، هل هو صحيح ما حكاه عن هذا الإمام، أن الإمام يقول: استووا واعتدلوا؟ * طلبة: هو نفسه بيسأل. * الشيخ: لا، على كل حال دعونا من كونه صورها ملاكمة، لكن لو قال إنسان في إمام قال: استووا واعتدلوا: إن هذه نكتة، ووصفه بالتطرف، فهل يكون كافرًا أو لا؟ الواقع أن هذه المسألة مهمة جدًّا، الاستهزاء بالشخص الذي يفعل طاعة أو يتجنب معصية، تارة يغلب عليه الجانب الشخصي، فهذا لا يكفر، وتارة يغلب عليه الجانب الحكمي، بمعنى أنه يسخر بالحكم من أي مصدر جاء، فهذا كفر، ويوضح هذا المثال: بعض الناس لو رأى مثلًا عالمًا من العلماء المعتبرين المحبوبين عند الناس الموثوقين، رأى ثوبه إلى نصف الساق، لا يسخر به أبدًا، ولا يمكن أن يسخر، لكن لو رأى شابًّا فربما يسخر به، إذن هنا السخرية منصبة على أيش؟ * طلبة: على الشخص. * الشيخ: على الشخص، مغلب فيها جانب الشخصية، فهذا لا يكفر؛ لأنه لم يكره الحكم، لكن كره هذا الذي قام بالحكم. والثاني: أن يكره الحكم الشرعي، ويسخر بالحكم الشرعي فهذا كافر، ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ ولم يقل: والمؤمنين، الرسول معلوم أي إنسان يسخر به فهو كافر، حتى وإن كان قد غلب الجانب الشخصي؛ لأن الرسول مشرع عليه الصلاة والسلام، فكل شيء صدر منه فهو تشريع، لكن اللي يصدر من غير الرسول، إن كان محل ثقة عند الناس اعتبروه حكمًا شرعيًّا ولم يسخروا به، وإن كان غير ثقة سخروا به مغلبين جانب الشخصية؛ لأنهم مثلًا لا يثقون به الثقة التامة، أو يرون أنه متزمت أو متنطع أو ما أشبه ذلك، وهذه المسألة يجب على الإنسان أن يدرك الفرق بين الأمرين؛ لأن هذه المسائل دقيقة جدًّا. ولهذا ذكر شيخ الإسلام رحمه الله أن الإمام أحمد يكفر الجهمية، لكن لا يكفر أعيانهم؛ لأن هناك فرقًا بين التكفير باعتبار الحكم والتكفير باعتبار الشخص. ومن ثم نحذر طلبة العلم من التسرع في التكفير الشخصي العيني؛ لأن المسألة ما هي هينة، لو كفَّرت شخصًا والله عز وجل لم يحكم بكفره عاد التكفير إليك، وصار يخشى عليك من الضلال ولو في المستقبل إذا لم تتب. [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

الزمر 39:58

نأخذ الفوائد من قوله: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ﴾ [الزمر ٤٩] إلى آخره. * من فوائد هذه الآية: أن الإنسان يلجأ إلى الله تعالى عند الشدائد، وهذه طبيعة فطرية لا يتخلف عنها إلا من نكس قلبه. * ومن فوائدها: أن المشركين في زماننا الذين يدعون مع الله غيره أشد شركًا من السابقين؛ لأن السابقين إنما يشركون في الرخاء، وإذا مسهم الضر لجئوا إلى الله، أما اللاحقون فإنهم يشركون في حال الشدة كما يشركون في حال الرخاء، إذا أصابهم الضر نادوا: يا فلان، يا فلان، يا فلان، نعم هذا أشد شركًا من الأولين، وهذا أيضًا مخالف للفطرة التي فطر الناس عليها؛ لأن الإنسان لا يلجأ عند الشدائد إلا بمن يؤمن أنه يكشف هذه الشدائد. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان إذا أصيب بالنعمة نسي نعمة الله وأضافها إلى غيرها. * ومن فوائد الآية الكريمة: ضرر الإعجاب بالنفس، حيث يقول: إنما أوتيته على علم عندي. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى يبتلي بالنعم كما يبتلي بالنقم؛ لقوله: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ وقد قال سليمان عليه الصلاة والسلام: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل ٤٠]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أكثر الناس غافلون عن هذه المسألة، أي: عن كون الله سبحانه وتعالى يبتليهم بالنعم فيظنون أن النعم دليل على الرضا، فيستمرون في معاصيهم ويقولون: لو كان الله غاضبًا علينا ما أعطانا، ولكن من العامة من يقول العبارة المشهورة: عطاه لا يدل على رضاه، عطاء الله لا يدل على رضاه، قد يكون هذا من باب الاستدراج بالنعم حتى يهلك الإنسان، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران ١٧٨]، وصح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «إِنَّ اللهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ، حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٦٨٦)، ومسلم (٢٥٨٣ / ٦١) من حديث أبي موسى الأشعري.]]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من الناس من منَّ الله عليهم بالعلم والفراسة والتدبر والتأمل، فعرفوا الأمور على حقائقها، يؤخذ هذا من قوله: ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾ فإن الأكثر ضد الأقل. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة العلم؛ لقوله: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لأن الذين يعلمون يعرفون مثل هذه الأمور وأنها ابتلاء وامتحان فيتعظون بها. ثم قال تعالى: ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الزمر ٥٠]. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الشر يتبع بعضه بعضًا؛ لقوله: ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. * ومن فوائدها: تسلية الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن هؤلاء الذين قالوا هذا في عصره قد قاله من سبق. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن لأهل الشر قدوة يقتدون بها كما أن لأهل الخير قدوة يقتدون بها، ولهذا جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله البجلي.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل ما كسبه الإنسان من مال أو جاه فإنه لا يغنيه من الله شيئًا؛ لقوله: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، حتى لو كسب أقوى صنعة في الأرض، فإنها لا تغني عنه من الله شيئًا، إذا أراد الله عز وجل أن يتلف هذه القوة أتلفها بكلمة واحدة منه ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب على الإنسان اللجوء إلى الله، حيث إن جميع ما كسبه من مال أو جاه أو ولد أو زوجة أو غيره لا تغني عنه من الله شيئًا، إذن إلى من يرجع؟ إلى الله عز وجل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على الجبرية؛ لقوله: ﴿مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ فإن عمل الإنسان كسب له، أما الجبرية فيقولون: إن عمل الإنسان ليس كسبًا له؛ لأنه مرغم عليه ومجبر عليه، فلا يكون كسبًا له ولا يضاف إليه. ثم قال الله تعالى: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الزمر ٥١]. * في هذه الآية من الفوائد: أن العقوبة تكون على قدر العمل؛ لقوله: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ﴾ مع أن الذي أصابهم ليست السيئات ولكن جزاؤها، إلا أنه لما كان الجزاء من جنس العمل صح أن يعبر بالعمل عنه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تهديد هؤلاء الذين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يصيبهم ما أصاب الأولين؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾. * ومن فوائد هذه الآية: شؤم الظلم؛ لأنه يوقع صاحبه في الهلاك. * ومن فوائدها: أن من عصا الله فهو ظالم، ظالم لمن؟ * طلبة: لنفسه. * الشيخ: ظالم لنفسه وكذلك لغيره إن تعدت معصيته إلى الغير، فلو جنى على أحد محترم من مسلم أو يهودي، ذمي أو نصراني، ذمي أو غيرهم من أهل الكفر الذميين، فإنه يكون ظالمًا لنفسه وظالمًا لغيره. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا أحد يفوت الله ويعجزه؛ لقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ وقد قال الشاعر الجاهلي: أَيْنَ الْمَفَرُّ وَالإِلَهُ الطَّالِبُ ∗∗∗ وَالأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ لَيْسَ الْغَالِبُ فلا أحد يعجز الله عز وجل، أو يفوت الله، لا في السماء ولا في الأرض. ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الزمر ٥٢] إلى آخره. ارتباط هذه الآية بما قبلها ظاهر؛ لأنه تكلم عن الإنسان إذا أصابه الضر، وإذا أصابته النعمة، ثم عقب ذلك بأن هذا الأمر كله بيد الله. * من فوائد الآية الكريمة: تقرير هؤلاء بأن كل شيء من عند الله، بسط الرزق وتضييقه من عند الله، وهم يعلمون ذلك؛ لقوله: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ فإن مثل هذا التركيب يفيد التقرير. * ومن فوائدها: إثبات المشيئة لله؛ لقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وليعلم أن كل شيء علقه الله بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة، أي أنه ليست مشيئة الله مشيئة مجردة هكذا تأتي عفوًا، لا، هي مشيئة مقرونة بالحكمة. والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠] فلما بين أن مشيئتهم بمشيئة الله بين أن ذلك مبني على علم وحكمة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الرزق لا يحصل بالشطارة والحذق، وإنما هو من عند الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر. فإذا قلنا بهذه الفائدة أشكل علينا هل معنى ذلك أن نبطل الأسباب؟ لا، بل نفعل أسباب بسط الرزق لنتحاشى تضييقه، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك ١٥] فأمر أن نمشي بمناكبها وأن نأكل من رزقه؛ لأنا إذا مشينا في المناكب وسعينا في أسباب الرزق حصل فأكلنا من رزقه. * ومن فوائد الآية الكريمة: تمام ملك الله وسلطانه؛ لقوله: ﴿يَبْسُطُ﴾ ﴿وَيَقْدِرُ﴾ وهذا يدل على كمال الملك والسلطان، وأنه لا معارض له سبحانه وتعالى. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان وسيلة للاهتداء ومعرفة الآيات؛ لقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الزمر ٥٢] وإذا كان هذا الحكم معلقًا على هذا الوصف، فإن القاعدة أن ما علق على وصف فإنه يقوى بقوته، ويضعف بضعفه، هذه القاعدة، كل حكم علق على وصف فإنه يقوى بقوته، ويضعف بضعفه، إذن كلما قوي الإيمان ظهر للإنسان من آيات الله ما لم يظهر له مع ضعف الإيمان، وكلما ضعف الإيمان ضعفت معرفة الإنسان وإدراكه للآيات التي ينزلها الله عز وجل من الوحي والتي يقدرها من القضاء. ثم قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر ٥٣] ﴿قُلْ﴾ يعني أبلغ عبادي بذلك، أبلغهم بأني أقول: يا عبادي، ولا يصح أن نقول: قل أنت يا محمد: يا عبادي، فتضيف العبادة إلى نفسك، لا، المعنى أبلغ عبادي أني أقول: يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم. ولماذا قلنا بهذا التفسير؟ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لو قال للناس: يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم، فإنه لا يستقيم الكلام، ولكن المعنى: قل للناس أي: أبلغهم بأني أقول: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ وقراءة أخرى: ﴿لا تقنِطوا﴾ ، وقوله: ﴿يَا عِبَادِيَ﴾ يشمل العباد بالمعنى الخاص والعباد بالمعنى العام، يعني حتى الكفار يقال لهم مثل هذا القول. وقوله: ﴿الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: جاوزوا الحد في رعاية الأنفس، والواجب على الإنسان في رعاية نفسه أن يرعاها حق رعايتها، بحيث يقوم بما يصلحها ويتجنب ما يفسدها، فإذا لم يفعل فقد أسرف على نفسه، مثال ذلك: رجل سرق، السرقة هذه إسراف على النفس؛ لأن الواجب حماية النفس من السرقة، رجل شرب الخمر هذا إسراف على النفس، رجل سجد لصنم إسراف على النفس لأنه مجاوزة للحد. ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ القنوط واليأس معناهما متقارب، لكنهم فرقوا بينهما بأن القنوط أشد اليأس، وأما اليأس فمعروف أنه عدم الرجاء وعدم الأمل في حصول الشيء ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ من رحمة الله لكم، فـ(رحمة) هنا مضافة إلى الفاعل أو إلى المفعول؟ * طلبة: إلى الفاعل. * الشيخ: إلى الفاعل، أي من رحمة الله إياكم، وبماذا تكون الرحمة؟ تكون الرحمة بأن يهدي الله عز وجل رجل إلى التوبة والاستغفار ويتوب عليه، فأنت لا تقنط من رحمة الله لا بنفسك ولا بغيرك، ولكن افعل السبب، فلو قال قائل مسرف على نفسه: أنا لا أقنط من رحمة الله، ولكنه يفعل المعصية مستمر عليها، نقول: هذا غلط؛ لأنك إذا استمررت على المعصية فأنت آمن من مكر الله، وكلا الطرفين ذميم، لا القنوط من رحمة الله ولا الأمن من مكر الله، لكن نقول: افعل السبب، افعل السبب ولا تقنط من رحمة الله. (﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ لمن تاب من الشرك ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ) ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾، ﴿يَغْفِرُ﴾ أي يسترها ويتجاوز عنها؛ وذلك لأن المغفرة مشتقة من أيش؟ * طلبة: من الغفر. * الشيخ: من الغفر. * طالب: (...) مشتقة. * الشيخ: (...) مشتقة المغفرة. * طالب: (...). * الشيخ: نعم من المغفر، المغفر هو الذي يوضع على الرأس في وقت القتال من أجل أن يقيه السهام، ومعلوم أن هذا المغفر فيه ستر وفيه وقاية، وعلى هذا فأنت إذا قلت: رب اغفر لي، لست تسأل الله أن يستر ذنوبك فقط، بل تسأل الله أن يسترها وأن يتجاوز عنها، فقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾ أي يسترها ويتجاوز عنها، وقوله: الذنوب، هذه صيغة عموم أو خصوص؟ * الطالب: عموم. * الشيخ: عموم، الذنوب، وأكد هذا العموم بقوله: ﴿جَمِيعًا﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ وهذه المغفرة التي أثبتها الله عز وجل هل هي شاملة لكل ذنب؟ الجواب: نعم، شاملة لكل ذنب فيمن تاب، فكل من تاب تاب الله عليه، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان ٦٨ - ٧٠] فهؤلاء جمعوا بين الشرك وقتل النفس، وهو اعتداء على النفوس، والزنا وهو اعتداء على الأعراض والأخلاق، ومع ذلك إذا تابوا تاب الله عليهم. وهذه الآية أجمع العلماء على أنها في التائبين؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ ولم يقيد، فهي في التائبين، أما غير التائبين فقال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨] فغير التائبين نجزم بأن الله لا يغفر الشرك في حقهم، وما دون الشرك تحت المشيئة؛ إن شاء عذب وإن شاء غفر، فللإنسان حالتان: الحال الأولى: التوبة، فما حكم ذنبه حينئذ؟ * طالب: الغفران. * الشيخ: الغفران مهما عظم الذنب، الحال الثانية: عدم التوبة. * طالب: عدم التوبة (...) لقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء ٤٨] وأما بقية الذنوب (...). * الشيخ: كيف ما فهمنا إلى الآن الجواب غير مرتب. * الطالب: الكبائر (...) فيغفرها الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: الكبائر ولو دون الشرك؟ * الطالب: الشرك. * الشيخ: نعم. * الطالب: أما ما دون الشرك فهي تحت المشيئة. * الشيخ: تحت المشيئة تمام، يعني بدون التوبة نقول: الشرك لا يغفر قطعًا، وما دون الشرك تحت المشيئة، ويستدل بالآية التي ذكرناها استشهادًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ يستدل بها المسرفون على أنفسهم بالمعاصي، فإذا نهيتهم عن معصية قالوا لك: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. نقول له بكل بساطة: وهل تجزم أنت أنك ممن شاء الله أن يغفر له؟ الجواب: لا، إذن أنت على خطر، وأنت الآن فعلت سبب العقوبة، وكونك يغفر لك هذا أمر راجع إلى مشيئة الله عز وجل. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أولًا في الجملة كلمة ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ لو حذفت هذه الكلمة لاستقام الكلام بدونها، فما هي الكلمة؟ * طلبة: (هو). * الشيخ: (هو)، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ﴾ كلمة (هو) يسميها النحويون ضمير فصل، وبعضهم يسميها عمادًا. * طالب: ضمير الشأن؟ * الشيخ: لا، ما هو ضمير الشأن، فما هو فائدة هذا الضمير؟ يقولون: إن في هذا الضمير ثلاث فوائد: الفائدة الأولى: التوكيد، والفائدة الثانية: الحصر، والفائدة الثالثة: التمييز بين الخبر والصفة، مثاله: إذا قلت: زيد هو الفاضل، الضمير في (هو) ضمير فصل، لو قلت: زيد الفاضل وحذفت الضمير. * طلبة: استقام. * الشيخ: استقام الكلام، لكن يحتمل أن يكون (الفاضل) صفة والخبر منتظر، ويحتمل أن يكون (الفاضل) هو الخبر، أليس كذلك؟ فإذا قلت: زيد هو الفاضل، ارتفع الاحتمال الأول وهو أن تكون (الفاضل) صفة، وتعين الاحتمال الثاني، وهي أن تكون خبرًا، واضح يا جماعة؟ طيب ما الذي استفدنا من هذا التركيب؟ زيد هو الفاضل، استفدنا أولًا توكيد الفضل في زيد، وثانيًا: حصر الفضل فيه، زيد هو الفاضل، وثالثًا؟ * طالب: التمييز بين الصفة والخبر. * الشيخ: التمييز بين الصفة والخبر، يعني الآن ليس عندنا احتمال أن تكون صفة، هذا من حيث المعنى في ضمير الفصل، من حيث الإعراب هل هو اسم أو حرف؟ الصحيح أنه حرف لا محل له من الإعراب، حرف جاء بصورة الاسم، وليس له محل من الإعراب، نعم والدليل على أنه لا محل له من الإعراب كثير في القرآن وغير القرآن، قال الله تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء ٤٠]؛ لأنه إذا كان له من الإعراب صار محله الرفع وما بعده خبر، ولكنه ليس له محل من الإعراب، بل هو جاء عمادًا أو جاء فصلًا. * طالب: قوله تعالى السابق: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يقول في الحاشية: إن فيه دلالة على أن المراد بالإنسان الجنس، فكيف استدل بهذا؟ * الشيخ: أي وجه أنه لما قال: أكثرهم لا يعلمون؛ لأن فيه من يعلم وهم المؤمنون، فيكون ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾ يدل على أن المراد الجنس، لأن غير المؤمن كلهم لا يعلمون. * طالب: الراجح يا شيخ؟ * الشيخ: سبق لنا القول في هذا أن الراجح هو الكافر، والجواب عن هذا أن نقول: من الكفار من يعلم لكنه مستكبر. * طالب: ما هو ضمير الشأن؟ * الشيخ: ضمير الشأن هو الضمير الذي يدل على القصة وليس موجودًا، ضمير الشأن في الغالب يكون محذوفًا. * طالب: فيه ناس من المؤمنين إذا جاءتهم النعمة قال: إنما أوتيته على علم عندي، من المؤمنين ولكن ناقصون الإيمان، ما يؤيد أن الإنسان المقصود به الجنس. * الشيخ: نعم؟ * الطالب: المقصود بالإنسان الجنس المؤمن والكافر، يعني حتى المؤمن يقول: إنما أوتيته على علم عندي، لكن يكون. * الشيخ: إي لكن هو كافر بهذه المقالة، ما هو كافر كفرًا مخرجًا عن الملة، نقول: هو بهذه المقالة كافر، وقد يكون كافرًا كفرًا مخرجًا عن الملة، إذا اعتقد أن الله ليس له سبب في حصول هذه النعمة، وأنه هو الذي حصلت به، لا أنه سبب، فهو كفر؛ لأن إضافة النعم إلى أسبابها بالإعراض عن المسبب وهو الله، وادعاء أو اعتقاد أن هذه النعمة ليس لله فيها علاقة هذا كفر بالربوبية. * طالب: هل يجزم الإنسان إذا تاب من الذنب بأن الله عز وجل تاب عليه فلا (...) أن يكون موانع التوبة؟ * الشيخ: نقول: نعم، إذا تبت توبة نصوحًا فإن الله يقبلها، لكن من الذين يقول: إن توبته نصوحة؛ لأن المشكل الذي سيكون من فعل العبد، لا من فعل الرب، فالرب إذا وقع فعل العبد على ما يرضى حصل موعوده؛ لأن الله لا يخلف الميعاد، لكن الذي يكون محل إشكال هو فعل العبد، هل هذه التوبة توبة نصوح على حسب ما رسم في الشرع؟ فنحن نجزم، لكن قد يكون في قلب الإنسان بلاء، يكون عنده شيء من الرياء، يكون عنده شيء من المن على الله عز وجل، وغير ذلك من الأسباب، تكون التوبة غير نصوح، يتوب الإنسان مثلا من نظر المرأة الأجنبية، لكنه لا يتوب من غمز المرأة الأجنبية، التوبة الأولى تقبل ولَّا ما تقبل؟ * طالب: لا، ما تقبل. * الشيخ: لا، ما تقبل؛ لأنه ما تاب من الذنب الذي هو من جنس ذنبه، يتوب الإنسان مثلًا من أكل الربا، ربا النسيئة، ولكنه يرابي ربا الفضل، هذه غير نصوح، ولهذا نقول: من تاب إلى الله توبة نصوحًا فإنه مقبول التوبة، ومن اختل فيه النصح فليس مقبول التوبة (...) * * * قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر 53] ما المراد بالإسراف؟ أسرفوا على أنفسهم. * الطالب: جنوا. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: جنوا. * الشيخ: جنوا. * طالب: ظلموا. * الشيخ: ظلموا نعم. * طالب: جاوزا الحد في رعايتها. * الشيخ: صحيح، جاوزا الحد في رعايتها، وذلك بأن أوقعوها في المعاصي أو جنبوها الطاعات. * الشيخ: قوله: ﴿لَا تَقْنَطُوا﴾ معناها؟ * طالب: القنوط أشد اليأس. * الشيخ: القنوط أشد اليأس، طيب يعني: ما تيئسوا من رحمة الله. جملة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ موقعها مما قبلها؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، أظن ما ذكرناها؟ طيب، هل هذه الآية في عموم العصاة؟ * طالب: هذا في التائبين. * الشيخ: في التائبين، أي أجمع المفسرون على أنها في التائبين، غير التائبين ما حالهم يا أخ؟ * طالب: غير التائبين؟ * الشيخ: نعم ما حالهم؟ * الطالب: هي تختلف. * الشيخ: إي نعم هي تختلف، كيف الاختلاف؟ * الطالب: حالهم في الآية التي ذكرناها في سورة النساء، قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾. * الشيخ: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أحسنت، هذه حالهم. قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ الغفور معناه؟ * طالب: الغفور الذي يستر الذنب ويتجاوز عنه. * الشيخ: أحسنت، لماذا زدت: ويتجاوز عنه؟ * الطالب: (...). * الشيخ: بارك الله فيك. نأخذ الدرس الآن الجديد: قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ﴾ أوردنا إشكالًا أمس على قوله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ﴾ يعني أمر الله الرسول أن يقول: يا عبادي؟ * طالب: (...). * الشيخ: أبلغهم بأن الله يقول: يا عبادي الذين أسرفوا. * طالب: (...). * الشيخ: طيب. قول الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر 53]، هذه الجملة موقعها مما قبلها أنها تعليل للنهي عن القنوت، يعني لا تقنطوا فإن الله يغفر الذنوب جميعًا إذا استغفرتموه ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ سبق لنا تفسير هذه الآية، نأخذ فوائدها الآن. * طالب: (...). * الشيخ: طيب، نرجع إلى كلام المفسر، قال المفسر رحمه الله: (﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنِطُوا﴾ بكسر النون وفتحها) قراءتان سبعيتان، وقاعدة المؤلف رحمه الله أنه إذا قال مثل هذا القول يعني بالوجهين أو قال: وفي قراءة، فالقراءة سبعية، أما إذا قال: وقرئ فالقراءة شاذة، إذن فيها قراءتان سبعيتان بفتح النون وبكسر النون. ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ نعم. * طالب: وقرئ بضمها. * الشيخ: وقرئ بضمها (لا تقنُطوا)، وهذه القراءة شاذة، يعني ليست سبعية. واختلف العلماء في القراءة غير السبعية هل يجوز أن يقرأ بها الإنسان أو لا، والصحيح أنها إذا صحت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإن القراءة بها جائزة؛ لأن القرآن كله حق، فإذا ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ بهذه القراءة فهي صحيحة، سواء جاءت عن طريق القراء السبعة أم لم تأتِ. قال: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ (﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ لمن تاب من الشرك)، نعم لمن تاب من الشرك، وكذلك من تاب من غيره مما دونه، لكن ذكر المؤلف الشرك لأنه أعظم الذنوب، ولأنه لا يُغفر إلا بتوبة، وإذا تاب الإنسان من الشرك وبقي على شيء من المعاصي كان يقوم بها في حال كفره، فهل تغفر هذه المعاصي أو لا بد لها من توبة؟ الصحيح أنه لا بد لها من توبة كما لو كان يشرب الخمر وهو كافر، ثم أسلم وبقي على شرب الخمر، فإن إسلامه لا يوجب أن يسقط عنه إثم شرب الخمر؛ لأنه أيش؟ لم يتب منه، لكن إذا تاب من الشرك ولم يصر على المعاصي الأخرى ولم تطرأ له على بال، فإن جميع ذنوبه تغفر، فالتائب من الشرك في الحقيقة له ثلاث حالات: إما أن يستحضر أنه تاب من الشرك ومن جميع المعاصي التي كان يعملها، فهذا لا شك بأن توبته تعم كل ذنب، وإما أن يتوب من الشرك مع الإصرار على بعض المعاصي التي كان يفعلها في حال الشرك، فهنا لا تغفر له هذه المعاصي التي أصر عليها، لأنه استمر فيها، مثل أن يكون معتادًا لشرب الخمر في حال كفره، فيسلم وهو مصِر على شرب الخمر، فإنه لا يغفر له ما قد سلف من الذنوب ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال ٣٨]. الحالة الثالثة: أن يتوب من الشرك ولم يطرأ على باله بقية المعاصي، لكنه لم يفعلها بعد إسلامه، فهنا أيش؟ يغفر له، يغفر له جميع الذنوب؛ لأنها تندمج الصغار بالكبار فيغفر له جميع الذنوب. ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ انتهت الآية، وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ تعليل لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ و ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ تعليل لقوله: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ فهو تعليل لتعليل. * من فوائد هذه الآية الكريمة: عناية الله عز وجل بهذا الأمر، أي بإبلاغ عباده أنه يغفر الذنوب جميعًا نعم. عناية الله تعالى بهذه الجملة أو بهذا الأمر، حيث أمر نبيه أمرًا خاصًّا بأن يبلغ الناس هذه القضية، انتبهوا، القرآن كله قد أمر النبي ﷺ أن يبلغه ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧] لكن هناك أشياء خاصة ينص الله عليها أن يبلغها، وهذا يقتضي العناية بها، مثل: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور ٣٠]، ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور ٣١]، ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ هذه توصية خاصة بأن يبلغها الرسول ﷺ إلى الأمة، فيقتضي ذلك العناية بها، انتبهوا لهذه النقطة، قد لا تكون مرت عليكم من زمان قريب، أقول: إذا صدر الله الحكم بـ(قل) فهو دليل على أيش؟ * طلبة: على العناية. * الشيخ: على العناية به؛ لأن هذا أمر بإبلاغه على وجه الخصوص، أما القرآن فقد أمر أن يبلغه على سبيل العموم ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾. * من فوائد الآية الكريمة: أن الخلق كلهم عباد الله ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ لأن العباد هنا المراد بها العبادة العامة. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن من تاب إلى الله تاب الله عليه من الشرك فما دونه، وهذا أمر مجمع عليه. لكن اختلف العلماء فيمن قتل نفسًا عمدًا هل له من توبة؟ فروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه لا توبة لقاتل، فأخذ بها بعض العلماء وقالوا: إن القاتل لا توبة له ولو تاب، ولكن هذا ليس بصحيح؛ لأنه مخالف للآيات والأحاديث الدالة على قبول توبة التائب من الشرك فما دونه، ويدل على بطلان هذا القول قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان ٦٨ - ٧٠] فهنا ذكر الله القتل وذكر الشرك وذكر الزنا، وأخبر أن من تاب وآمن وعمل عملًا صالحًا فيعطى زيادة على توبته بأن يبدل الله سيئاته حسنات. ومن السنة ما قصه علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن رجل أسرف على نفسه فقتل تسعًا وتسعين نفسا، ثم سأل عابدًا من العُبَّاد: هل له من توبة؟ وقد قتل تسعة وتسعين نفسًا؟ فاستعظم العابد هذا الذنب وقال: ما لك توبة، تقتل تسعة وتسعين نفسًا ثم تأتي وتقول: لي توبة! ما لك توبة. قال: نكمل بك المئة. فقتله أتم به المئة، ثم دُلَّ على عالم فسأله قال: إني قاتل مئة نفس فهل له من توبة؟ قال: نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة! وهذا يدلكم على فضل العلم وعلى قبح الجهل، شف الجهل جنى على نفسه الجاهل، جنى على نفسه وأيس هذا الآخر من رحمة الله، فكان جزاؤه أن قتل، فقال له العالم: نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة، ولكن أنت في قرية أهلها ظالمون، اذهب إلى القرية الفلانية يعني فإنها مرتع خصب لك، فذهب وفي أثناء الطريق جاءه الموت، فأرسل الله إليه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فتنازعوا، ملائكة الرحمة تقول: أنا أقبض الروح لأن الرجل جاء تائبًا مهاجرًا، وملائكة العذاب قالت: لا، أنا أقبض روحه لأنه رجل مسرف ولم يصل إلى بلده التي يهاجر إليها، فأرسل الله إليهم حكمًا يحكم بينهم وقال: قيسوا ما بين القريتين، فإلى أيتهما كان أقرب فهو من أهلها، فقاسوا فوجدوه أقرب إلى القرية الصالحة بقليل بنحو شبر[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٧٠)، ومسلم (٢٧٦٦ / ٤٦) من حديث أبي سعيد الخدري. ]]، وقد قيل: إنه كان إلى غير الصالحة أقرب، لكنه في أثناء الموت في سياق الموت لشدة رغبته في الأرض الصالحة أهلها كان يزحزح نفسه وهو في سياق الموت، فقبضته ملائكة الرحمة، قالوا: فإذا كان هذا في الأمم السابقة، فهذه الأمة أكرم على الله منها من الأمم السابقة، كيف لا يكون للقاتل توبة؟ إذن القول الراجح أن الآية هذه عامة، حتى للقاتل له توبة، وقد حمل ابن القيم رحمه الله ما روي عن ابن عباس محملًا حسنًا، فقال: إن القتل العمد تتعلق به ثلاثة حقوق: حق الله وحق الميت وحق أوليائه. أما حق الله فإنه يسقط بالتوبة بلا إشكال، ولا يخفى مثل هذا عن ابن عباس رضي الله عنه، وأما حق الميت فلا يمكن إسقاطه الآن في الدنيا؛ لأنه انتقل عن الدنيا، وسيطالب بحقه يوم القيامة وأما حق أولياء المقتول فبأن يسلم نفسه لهم، إذا سلم نفسه لهم فهذا دليل على صدق توبته وتبرأ ذمته، هذا ما وجه ابن القيم كلام ابن عباس إليه. وعندي أنه إذا تاب تاب الله عليه حتى عن حق الميت المقتول، والله عز وجل يتحمل حق المقتول يوم القيامة ويرضيه، وذلك لعموم الأدلة الدالة على أن من تاب من الذنب وإن عظم فإن الله يتوب عليه، فإذا جاء هذا الرجل تائبًا وسلم نفسه لأولياء المقتول وقال: أنا الآن بين أيديكم إن شئتم القصاص أو الدية أو العفو، هذا أعلى ما يقدر عليه، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦] فالقول الصحيح عندي أنه يُعفى عنه حتى حق المقتول، وذلك بأن يتحمله الله تعالى يوم القيامة. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن رحمة الله سبقت غضبه، وذلك بكونه يغفر الذنوب جميعًا بالتوبة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أحكام الله تعالى من مقتضى أسمائه وصفاته، أحكامه هنا أحكام جزائية ولَّا قدرية ولَّا شرعية؟ * طلبة: جزائية. * الشيخ: جزائية، من مقتضى أسمائه وصفاته، فلكونه غفورًا رحيمًا كان ذا مغفرة فغفر لمن تاب. * ومن فوائدها: الإشارة إلى أن الإنسان بعد التوبة قد يكون خيرًا منه قبلها وقبل فعل الذنب؛ لقوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾؛ لأن الرحمة تقتضي عطاء جديدًا، وهذا هو المشاهد، فإن الله عز وجل ذكر عن آدم أنه لما عصى ربه وغوى وتاب قال: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه ١٢٢]، وهذه المنقبة الاجتباء والهداية لم تذكر له قبل، والإنسان يحس بنفسه أيضًا، أنه إذا أناب وندم يحس من نفسه رجوعًا إلى الله وشدة افتقاره إليه، بخلاف ما إذا كان مستقيمًا على طاعة الله، فإنه لا يحس بالرجوع إلى الله عز وجل والإنابة إليه، وربما يصاب بالغرور بأنه لم يذنب، ولهذا جاء في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم: «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ ثُمَّ جَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ وَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ»[[(٢٧٤٩ /١١) من حديث أبي هريرة.]]. إذن نقول: إن الإنسان إذا تاب إلى الله، فقد يكون بعد التوبة خيرًا منه قبلها، نعم، وقد يكون بالعكس، لكن هذا أمر حصل قدرًا في آدم، وكذلك شرعًا كما تدل عليه هذه الآية ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. قال: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾: أنيبوا إلى ربكم: الإنابة بمعنى الرجوع التام إلى الله، بماذا نرجع إلى الله؟ بالإقلاع عن المعصية والانضمام في سلك الطائعين، يعني إنابة لا يصدق الاتصاف بها إلا بالرجوع إلى الله من المعصية إلى الطاعة، أنيبوا إلى ربكم، وفي قوله: ﴿إِلَى رَبِّكُمْ﴾ هنا الربوبية يحتمل أن تكون عامة، ويحتمل أن تكون خاصة، فهي بعد الإنابة من الربوبية الخاصة. ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ يقول: أسلموا له أي: انقادوا له، فالإنابة تكون بالقلب، بالرجوع إلى الله، ينيب الإنسان: يرجع إلى الله، أسلموا له أي: انقادوا له؛ لأن الإسلام والاستسلام وهذه المادة كلها تدل على الانقياد، وقوله: ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ (له): اللام هذه للاختصاص، وسنذكر أنها تفيد وجوب الإخلاص. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ أسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب في الدنيا قبل أن تتوقعوا ذلك، ثم إذا أتاكم لا تُنصرون، أي: لا تُمنَعون من هذا العذاب؛ لأن الله تعالى: ﴿إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد ١١] أي: من متولٍّ ينصرهم ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾. ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ اتبعوا أي: الزموا بالعمل، أو الزموا العمل بأحسن ما أنزل إليكم من ربكم، والعمل يقتضي العمل القلبي والعمل اللساني والعمل الجوارحي، يعني اتبعوا عقيدةً وقولًا وعملًا. وقوله: ﴿أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ هل الأحسن هنا وصف للعمل الذي يقوم به الإنسان أو وصف للنازل؟ * طلبة: وصف للنازل. * الشيخ: الظاهر أنه وصف للنازل، أحسن ما أنزل إليكم، ونحن إذا تأملنا لن نجد أحسن من القرآن، كما هو ظاهر في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة ٤٨] أي: مسيطرًا وذا سلطة، فعلى هذا تكون الأحسنية هنا راجعة إلى الكتاب المتبوع، وحينئذٍ لا إشكال فيها، فإذا قلنا: ﴿اتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ أي: افعلوا أحسن ما شرع لكم. يبقى فيه إشكال، وهو أننا مأمورون بأحسن ما شرع لنا، فهل يعني ذلك أننا لو فعلنا الحسن دون الأحسن نكون مقصرين؟ نقول: هذا ظاهر الآية إذا فسرناها بما ذكرنا، ولكن دلت النصوص على أن من اقتصر على الواجب فقد قام بالواجب، وإن لم يأتِ بالأكمل، وإن لم يأتِ بالأحسن، بل إن الرسول عليه الصلاة والسلام قال للرجل الأعرابي الذي ذكر له شرائع الإسلام قال: «إِنْ صَدَقَ هَذَا دَخَلَ الْجَنَّةَ»[[أخرجه البخاري (١٨٩١) من حديث طلحة بن عبيد الله.]]، وعليه -أي: على هذا الاحتمال في الآية الكريمة- نقول: إن النصوص دلت على أن اتباع الحسن مبرئ للذمة، لكن الأكمل اتباع الأحسن. ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً﴾ أي: مفاجئًا، بغتة هنا بمعنى: مفاجئًا، ويحتمل أن تكون مصدرًا مبينًا للنوع، أي أن يأتيكم إتيان بغتة، ويحتمل أن تكون مصدرًا بمعنى في موضع الحال، أي: مباغتًا، والمراد المفاجأة، يأتيكم العذاب مفاجأة ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ أي: لا تحتسبون أن يقع بكم العذاب؛ لأنكم غافلون، وليس عندكم شعور، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف ٩٧ - ٩٩] والغالب أن من انهمك بالمعاصي نسي الخالق ونسي العذاب، فيأتيه العذاب وهو في أشد ما يكون انغماسًا في المعاصي والترف. * في الآية الكريمة فوائد: أولا: وجوب الإنابة إلى الله لقوله: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾. * ومن فوائدها: وجوب الإخلاص له؛ لقوله: ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾، وكذلك ﴿أَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾. * ومن فوائدها: أنه لا بد من الإسلام لله ظاهرًا وباطنًا، فمن أسلم قلبه لله لزِم أن يسلم جوارحه لله؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير.]]، ومن أسلم ظاهرًا لا باطنًا فإن إسلامه لا ينفعه كإسلام المنافقين، فالإسلام يكون في الباطن ويتبعه الإسلام في الظاهر، ويكون في الظاهر دون الباطن، وهل يكون في الباطن دون الظاهر؟ لا، كيف يكون في الباطن دون الظاهر؟ لأنه إذا أسلم لله قلبه أسلمت جوارحه «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ»، وأما المكره فهو لا حُكم لفعله؛ لأنه سقط عنه التكليف. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحذر من المخالفة، الحذر من نزول العذاب عند المخالفة؛ لقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾ ومن يأمن من عذاب الله؟ لا أحد يأمن، فأنت إذا لم تتب إلى الله مبادرةً فإن العذاب ربما ينزل بك. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه إذا نزل العذاب من عند الله فلا أحد يمنعه؛ لقوله: ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾، وتأمل قوله: ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾، (ثم) أتى بـ(ثم) الدالة على المهلة، يعني مهما طلبتم من ناصر وطالت مدة طلبكم للناصر، فإنكم لن تجدوا من ينصركم من عذاب الله. * ومن فوائد الآية الثانية: وجوب اتباع القرآن؛ لقوله: ﴿اتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. * ومن فوائدها: تحريم إتباع غير القرآن؛ لأنه إذا وجب اتباع القرآن فضده حرام. ولكن إذا قال قائل: هل تقولون: إن شرع من قبلنا شرع لنا؟ فالجواب أن في ذلك خلافًا بين أهل العلم من أهل الأصول، والصحيح أنه شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه، ونحن نتبع شرع من قبلنا لا لأنه شرع من قبلنا، ولكن لأن شرعنا دلنا على العمل به، وأدلة ذلك معروفة في أصول الفقه، منها قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام ٩٠]. ومنها قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]. ومنها قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة ٤]. المهم أن القول الراجح أن شريعة من قبلنا شرع لنا بشرعنا ما لم يرد شرعنا بخلافه، فإن ورد شرعنا بخلافه فهو مطرح. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن أحسن ما أنزل؛ لأن الله أمرنا باتباع أحسن ما أُنزل، ونحن نعلم جميعًا أننا نتبع القرآن. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من خالف ذلك ولم يتبع القرآن، فإنه ربما يأتيه العذاب بغتة وهو لا يشعر. وهنا نسأل: هل العذاب هو العذاب الحسي الذي به فساد البلاد، أو يشمل العذاب الحسي والعذاب المعنوي؟ يشمل الأمرين لا شك، والإنسان قد يُعذب عذابًا معنويًّا بحيث تفسد عليه أموره، أمور الدين وأمور الدنيا، قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة ١٣] وهذه عقوبة من العقوبات التي هي أشد من عقوبات الدنيا؛ أن يصد الإنسان عن ذكر الله وعن الصلاة، فإن هذا أشد من أن يفقد الإنسان ماله وولده. وقد كان بعض السلف إذا نام عن صلاة الليل قال: إنني ما حرمت صلاة الليل إلا بذنب، فجعل عدم القيام في الليل جعله عقوبة على ذنبٍ عمِله، وكلما كثرت المعاصي والعياذ بالله كثر الإعراض عن ذكر الله عز وجل، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف ٢٨]. أظن نقرأ كلام المؤلف، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (﴿وَأَنِيبُوا﴾ ارجعوا ﴿إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا﴾ أخلصوا العمل ﴿لَهُ﴾ ) وفي تفسيره الإسلام بالإخلاص نظر، والإسلام هو الانقياد وهو الاستسلام لله تعالى ظاهرًا وباطنًا. وقوله: (﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ بمنعه إن لم تتوبوا) إن لم تتوبوا راجع إلى قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾ لأننا إذا تبنا رفع الله عز وجل العذاب عنا. (﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وهو القرآن) ولم يذكر الاحتمال الذي ذكرنا، بل جعل المراد بالأحسن هنا أيش؟ أحسن ما نزل لا أحسن ما شرع، نعم. (﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ قبل إتيانه بوقته، فبادروا قبل ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ ) [الزمر: ٥٦] إلى آخره. * طالب: (...). * * * * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر ٥٣] ﴿قُلْ﴾ الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه هو الذي أوحي إليه هذا القرآن، واعلم أن القرآن كله قد قيل للنبي ﷺ فيه: قل، لكن بعضه يصرح فيه بقل، وبعضه لا يصرح؛ لأن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧] يعم القرآن كله، فيجب عليه أن يقول للناس القرآن كله، لكن بعض الآيات أو بعض الأحكام تصدر بـ(قل) للعناية بذلك، أي بذلك الحكم المصدَّر بـ(قل)، فهنا يقول الله تعالى: ﴿قُلْ﴾ أي: قل يا محمد ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: قل لهم مبلِّغًا عن الله أن الله قال: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾، (عبادي) هنا يراد بها العبودية العامة، وليست العبودية الخاصة؛ لأنها تشمل المؤمن والكافر. وقوله: ﴿الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: جاوزوا الحد في أعمالهم، وذلك بالكفر فما دونه، وأصل الإسراف مجاوزة الحد، فالإسراف على النفس أن تتجاوز الحد فيما يجب عليك لله عز وجل أو لغيره من الخلق. (﴿لَا تَقْنَطُوا﴾ بكسر النون وفتحها، وقرئ بضمها) ففيها ثلاث قراءات: قراءتان سبعيتان وقراءة شاذة ليست سبعية؛ لأن مصطلح مؤلف الجلالين إذا قال: في قراءة، فهي سبعية، وإذا قال: قرئ فهي شاذة، وإذا قال: بفتح وضم فهما سبعيتان، إذا قال: وقرئ فهي شاذة، ففيها الآن (تقنطوا) في النون ثلاث حركات: ﴿تقنِطوا﴾ ﴿تَقْنَطُوا﴾ وهاتان؟ * طلبة: سبعيتان. * الشيخ: سبعيتان، ﴿تقنُطوا﴾ هذه شاذة، والقراءة الشاذة لا يُقرأ بها في الصلاة، لكن يُستدل بها في الأحكام إذا صحت، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: بل إذا صحت فإنه يُقرَأ بها في الصلاة، كما يُستدل بها في الأحكام. فإذا قال قائل: ما الفرق بين الشاذة والسبعية؟ قلنا: إن العلماء اصطلحوا فما جاء عن طريق القراء السبعة المشهورين فهي سبعية، وما جاء عن طريق آخر ولو صح فهو عندهم شاذ، فالشاذ إذن ما خرج عن القراءات السبع، ولكنه يُحتج به في الأحكام، ولا يقرأ به في الصلاة، إلا على رأي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فإنه يقول: متى صحت القراءة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإنها تقرأ في الصلاة؛ وإن لم تكن من القراءات السبع. وقال المؤلف في تفسير ﴿تَقْنَطُوا﴾ قال: (تيئسوا) والصحيح أن هذا التفسير تقريب، لأن القنوط أشد اليأس، فهو أعلى درجات اليأس، فمعنى تقنطوا أي: يبلغ بكم اليأس أشده ﴿مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ يعني من أن يرحمكم الله عز وجل؛ لأن الإنسان إذا قنط من رحمة الله وأيس لم يتعرض للرحمة لأنه آيس، ولهذا يقال: اليأس مفتاح الترك، أضرب لكم مثلًا: حاول أن تحل عقدة من خيط، فإذا أعيتك ماذا تصنع؟ * طلبة: تتركها. * الشيخ: تتركها، إذا أيست منها تركتها، لكن بالنسبة لرحمة الله عز وجل لا تيئس، مهما عملت من الذنوب والمعاصي فلا تيئس. نعم من رحمة الله قلنا: معناها من أن يرحمك الله، لا تيئس من أن يرحمك الله، بل حاول أن تتعرض لرحمته، فهنا نهي وتعليل، النهي ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ التعليل ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ يغفر مأخوذ من المغفرة، وهي ستر الذنب والتجاوز عنه، هذه المغفرة، ستر الذنب والتجاوز عنه، وليست مجرد الستر؛ لأنها مأخوذة من المغفر، وهو ما يُوضَع على الرأس عند الجهاد للوقاية، فهو جامع لأمرين: الستر والوقاية. فمثلا: الغُترة هذه لا نسميها مغفرًا، الطاقية لا، مع أنها ساترة لكنها ليست واقية، لكن بيضة الحديد التي تُوضع على الرأس عند القتال نسميها مغفرًا، ليش؟ لأنها ساترة واقية، فمغفرة الذنوب سترها والتجاوز عنها، فأنت إذا قلت: اللهم اغفر لي، تسأل الله شيئين: أن يستر ذنوبك عن غيرك، والثانية: أن يتجاوز الله عنها. وقوله: ﴿يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ شامل للصغائر والكبائر، ولهذا قال العلماء: إن هذه الآية في التائبين، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨] في غير التائبين وهذا صحيح؛ لأن الشرك لا يغفره الله تعالى إلا بتوبة، فإذا قلنا بالعموم في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ فلا بد أن نقول: إن هذه في من؟ في التائبين، ما هي في كل إنسان، المشرك لا يغفر الله له قطعًا، لكن إذا تاب غفر الله له مهما عظم شركه. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ الجملة تعليل للحكم الذي قبلها وهو ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ والجملة هنا مؤكدة بمؤكدين هما: (إن) و(هو)، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، أما كون (إن) مؤكدة فظاهر؛ لأن (إن) من أدوات التأكيد. وأما (هو) فهو أيضًا من أدوات التوكيد؛ لأنه ضمير فصل، ما معنى قول: ضمير فصل؟ ضمير فصل يفصل بين المبتدأ والخبر، ويفيد التوكيد، ويفيد أيضًا الحصر، ويفيد الفصل الذي هو التمييز بين الخبر والصفة، فهو مفيد لثلاثة أمور، يعني ضمير الفصل له ثلاث فوائد: الأولى: التوكيد، والثانية: الحصر، والثالثة: التمييز بين الصفة والخبر، فوائد ما هي؟ * طالب: التوكيد والحصر والتمييز بين الصفة والخبر. * الشيخ: طيب يظهر هذا بالمثال، فإذا قلت: زيد الفاضل، فهنا يحتمل أن تكون (الفاضل) صفة لـ(زيد)، وأن نتلقى الخبر فيما بعد فيقال: زيد الفاضل في المسجد، فإذا قلت: زيد هو الفاضل تعين أن تكون خبرًا، فتميز الآن الخبر من الصفة بواسطة (هو)، كذلك إذا قلت: زيد هو الفاضل، فإنك لما أتيت بـ(هو) زدت ذلك توكيدًا، كذلك لما أتيت بـ(هو) حصرت الفضل فيه دون غيره، فقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ فيها فائدتان: الفائدة الأولى: التوكيد، والفائدة الثانية: الحصر، أما التمييز بين المبتدأ والخبر فهنا لا حاجة؛ لأن الضمير (إنه) يقولون: إنه لا ينعت ولا ينعت به، الضمير لا ينعت ولا ينعت به، واضح؟ وعليه فيكون الفائدة في قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ الحصر والتوكيد. وقوله: ﴿الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ سبق معنى المغفرة ستر الذنب والتجاوز عنه، ﴿الرَّحِيمُ﴾: أي ذو الرحمة التي يحصل بها المطلوب، والمغفرة يزول بها المرهوب، فالجمع بين الاسمين الكريمين يفيد أيش؟ يفيد السعادة الكاملة، النجاة من المرهوب في قوله؟ * طالب: ﴿الْغَفُورُ﴾. * الشيخ: ﴿الْغَفُورُ﴾ لأن هذا مغفرة الذنب، حصول المطلوب في قوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾ لأن الرحمة يحصل بها المطلوب والخيرات والنعم. فالجمع بين الاسمين الكريمين يفيد أيش؟ يفيد السعادة الكاملة، النجاة من المرهوب في قوله؟ * طالب: ﴿الْغَفُورُ﴾ [الزمر ٥٣]. * الشيخ: ﴿الْغَفُورُ﴾؛ لأن هذا مغفرة الذنب، حصول المطلوب في قوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾؛ لأن الرحمة يحصل بها المطلوب والخيرات والنعم، وبزوال المرهوب وحصول المطلوب يتم الفوز. قال الله جل وعلا: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران ١٨٥] ﴿زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ﴾ ما الذي بها؟ * طلبة: النجاة من المرهوب. * الشيخ: النجاة من المرهوب، ﴿وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ﴾ حصول المطلوب ﴿فَقَدْ فَازَ﴾. نرجع الآن إلى فوائد الآية: * من فوائد الآية الكريمة: وجوب إبلاغ الرسول ﷺ عن الله هذا القول، من أين يؤخذ؟ * طلبة: من ﴿قُلْ﴾ [الزمر ٥٣]. * الشيخ: من قوله: ﴿قُلْ﴾؛ لأن الأصل في الأمر الوجوب، لاسيما وأن هذا إبلاغ للرسالة، وإبلاغ الرسالة واجب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أهمية هذا البلاغ لئلا نقنط من رحمة الله، وأن نعلم أنه جل وعلا يغفر الذنوب جميعًا، من أين أخذنا أهميتها؟ من تصديره بـ ﴿قُلْ﴾ لأن هذا أمر بإبلاغ خاص. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المذنب مسرف على نفسه ظالم لها؛ لقوله: ﴿أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر ٥٣] ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [هود ١٠١]. والعجيب أن الظالم لنفسه بالمعصية إذا قيل له: لماذا؟ قال: هذا القضاء والقدر، عسى الله أن يهديني، عرفتم؟ وإذا ضربه أحد ظلمه بالضرب فقال: لم تضربني؟ قال: والله يا أخي هذا قضاء وقدر، هل يرضى بهذه الحجة؟ * طالب: لا يرضى. * الشيخ: لا يرضى، وهو بظلمه لنفسه يرضى، وهذا تناقض عجيب، يعني إذا ظلمت نفسك أبحت أن تحتج بالقدر، وإذا ظلمك غيرك لم تبح له أن يحتج بالقدر، وهذا جور في الحكم وتناقض، يقال: كيف ترضى أن تظلم نفسك ولا ترضى أن يظلمك غيرك ويحتج بالقدر؟ * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم القنوط من رحمة الله؛ لقوله: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ وجه الدلالة أن الأصل في النهي التحريم، وقد دلت السنة على أن القنوط من رحمة الله من كبائر الذنوب؛ لأنه ظن ما لا يليق بالله جل وعلا؛ فإن اللائق بالله سبحانه وتعالى أن من لجأ إليه فإنه أكرم الأكرمين لا يخيبه، فإذا قنطت من رحمته فقد استهنت في حقه سبحانه وتعالى، ولهذا كان القنوط من رحمة الله من كبائر الذنوب. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرحمة لله لقوله: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾. والرحمة نوعان: مخلوقة وغير مخلوقة، فما كان من الإنعام والإحسان فهو مخلوق، وما كان صفة للرب فهو غير مخلوق، ولهذا قال الله تعالى في الجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦ / ٣٥) من حديث أبي هريرة. ]] أنت رحمتي مع أن الجنة مخلوقة لكنها من آثار الرحمة، إذا وُلد لشخص ولد أو عاد إليه ضال من ماله أو ضائع من ماله، قال: والله هذه رحمة الله، هل هذه الرحمة مخلوقة ولَّا غير مخلوقة؟ * طلبة: مخلوقة. * الشيخ: مخلوقة؛ لأنها إحسان وإنعام، فإذا أطلقت الرحمة على الإحسان والإنعام فهي مخلوقة، وإذا أطلقت على صفة الله فهي غير مخلوقة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الذنوب مهما عظمت؛ فإن الله يغفرها ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ كل الذنوب؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: نعم؛ لأن الله ذكرها بـ(أل) الذنوب، وأكد هذا العموم بقوله: ﴿جَمِيعًا﴾ كل الذنوب، لكن هذا في حق من؟ في حق التائبين. * ومن فوائدها: أن ظاهرها مغفرة الذنوب للتائبين وإن كان الذنب للمخلوق، يعني لو اعتديت على شخص ثم تبت إلى الله، فإن الله يتوب عليك، ولو كان الذنب للمخلوق، عرفت؟ لكننا اشترطنا أن تتوب، ومن تمام التوبة أن توفي للمخلوق حقه إن قدرت عليه، فإن لم تقدر عليه فأوفه ولو بظهر الغيب. ونحن نضرب لهذا مثلًا أو مثلين أو ثلاثة حسب ما يتضح به المقام: إذا أخذت من شخص مالًا بغير حق فهذا ذنب، فإذا تبت إلى الله يغفر الله لك الذنب أو لا؟ يغفر الله لك الذنب لا شك، لكن من تمام التوبة أن توصل المال إلى صاحبه، فإن مات فإلى ورثته، إذا أديت إلى ورثته برئت ذمتك منه، لكن بقي ظلمك للميت الذي حلت بينه وبين ماله، هل تحاسب عليه أو لا تحاسب؟ إن قلت: لا تحاسب، فسيقول لك قائل: كيف يتخلص الإنسان من ظلم الميت الذي حال بينه وبين ماله؟ وهذا صحيح ولَّا غير صحيح؟ * طلبة: صحيح. * الشيخ: صحيح، ذمته برئت؛ لأنه أدى المال إلى مستحقه بعد موت صاحبه، لكن المشكل أن صاحبه حيل بينه وبينه في حال الحياة، لو كان عنده لاشترى بيتًا، لاشترى سيارة، لتزوج، فحلت بينه وبينه، فهل يسقط عنك حقه بتوبتك أو لا؟ نقول: ظاهر الآيات الكريمة أنه يسقط حقه عنك أنت، لكن الله تعالى يوفيه من عنده، أفهمتم أو لا؟ طيب لماذا؟ لأنك الآن لا تستطيع أن تتوصل إلى هذا الميت لتعطيه حقه، والذي تستطيعه أن أيش؟ أن تؤديه إلى ورثته، وقد فعلت. مثال آخر: أخذت مالًا من شخص ثم نسيت الشخص، نسيته، ثم تبت، فما هو الطريق إلى التوبة أو الخروج من حق الرجل؟ أتصدق به عنه، وإذا تصدقت به عنه استفاد من هذا المال متى؟ في الآخرة ولَّا في الدنيا؟ * طلبة: في الآخرة. * الشيخ: في الآخرة، لكن قد يقول قائل: لكنك حلت بينه وبينه في الدنيا، وقد يكون له غرض في المال في الدنيا، فأقول: نعم، أنا حلت بينه وبينه في الدنيا، لكن عجزًا مني أن أصل إليه، والذي قدرت عليه من التوبة فعلته، وهو أيش؟ * طالب: تصدقت. * الشيخ: الصدقة به عنه، فهل يبرأ براءة تامة بحيث لا يطالبه صاحب المال في الآخرة؟ الجواب نقول: ظاهر النصوص نعم، يبرأ. طيب قتلت نفسًا ثم تبت إلى الله عز وجل من قتل النفس، من تمام توبتك أن تسلم نفسك لورثة المقتول، تقول: أنا الذي قتلت صاحبكم، وأنا الآن بين أيديكم، إذا سلمت نفسك لهم برئت ذمتك، لكن يبقى عندنا حق من؟ * طالب: المقتول. * الشيخ: حق المقتول الذي حلت بينه وبين بقائه في الدنيا، فهل تبرأ منه بالتوبة؟ الجواب: نعم تبرأ منه بالتوبة لعموم الآية هذه وأمثالها، تبرأ منه بالتوبة، لكن هل يضيع حق المقتول أو لا؟ لا يضيع، يتحمله الله سبحانه وتعالى عنك له، وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى أن يعفوا عن حقه ويتحمل عنك حق الآخرين. فإذا قال قائل: ما هو الدليل على ما قلتم؟ وكيف يسقط عنه حق الآدمي؟ قلنا: الدليل على هذا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان ٦٨] هنا فيها حق لله، حق للمخلوق بالدم، حق للمخلوق بالعرض إن كان قد زنا مكرهًا بالمزني بها، وقد قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان ٦٨ - ٧٠] حتى في القاتل يبدل الله سيئاته حسنات. فإذا قيل: كيف يضيع حق المقتول؟ فالجواب؟ * طالب: ما يضيع. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: لأن الله سبحانه وتعالى يتحمله عنه. * الشيخ: نعم أحسنت، نقول: لا يضيع؛ لأن الله يتحمله عنه، وهذا من فضله تبارك وتعالى، إذن نقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ ظاهر الآية العموم يغفر الذنوب جميعًا، سواء مما يتعلق بحق الله أو بحق العباد، لكن ما يتعلق بحق العباد إذا تعذر إيصاله إليهم في الدنيا، فإن الله تعالى أيش؟ يتحمله في الآخرة. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله عظيمين يقترنان كثيرًا في القرآن هما الغفور الرحيم، ووجه اقترانهما أن في الأول زوال المكروه، وفي الثاني حصول المطلوب، فيتكون من اجتماعهما وصف زائد على الوصف عند انفرادهما؛ لأنه إذا انفردا استفدنا المغفرة إن انفرد الغفور، أو الرحمة إن انفرد الرحيم، لكن إذا اجتمعا استفدنا فائدة جديدة، وهي أن مغفرة الله عز وجل مقرونة برحمته، فهو جامع بين المغفرة والرحمة، هذان الاسمان من الأسماء اللازمة أو من الأسماء المتعدية؟ * طلبة: المتعدية. * الشيخ: المتعدية ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾، إذن متعدية، طيب ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت ٢١] إذن متعدية. الأسماء المتعدية قال العلماء: لا يتم الإيمان بها إلا بثلاثة أمور، الإيمان بالاسم، والإيمان بما تضمنه من صفة، والإيمان بالحكم المترتب على تلك الصفة، الذي يطلق عليه بعضهم الأثر، الإيمان بالاسم هنا الغفور، نؤمن بأن الغفور من أسماء الله، نؤمن بأن لله مغفرة دل عليها اسم الغفور، كذا؟ طيب ونؤمن أيضًا بما يتضمنه ذلك، يدل على المغفرة ويدل على العلم؛ لأنه لا يغفر ما لا يعلمه، ودلالته على العلم من باب دلالة التضمن أو الالتزام؟ * طلبة: الالتزام. * الشيخ: الالتزام؛ لأن المادة (غ ف ر) ما فيها (ع ل م) فيكون هذا من باب الالتزام، طيب الرحيم نعم قلنا: الغفور اسمًا المغفرة وصفًا يغفر الذنوب حكمًا، الرحيم كذلك الرحيم اسمًا نؤمن بالرحيم اسمًا، وبالرحمة صفة، وبأنه يرحم حكمًا، غفر الله لنا ولكم ورحمنا وإياكم. * طالب: لو سرق شخص من كافر ولم يعلم به فماذا يصنع؟ * الشيخ: نعم، هذا يسأل سؤالًا مهمًّا، يقول: لو سرق شخص من كافر وذهب الكافر ولم يعلم به فماذا يصنع؟ الجواب: إن كان الكافر حربيًّا فالمال له، وإن كان له عهد فإنه يسلمه إلى بيت المال؛ لأن بيت المال يتقبل الأموال التي لا يعرف مالكها، فإن لم يكن بيت مال، فليتخلص منه بالصدقة، لكن الكافر لا يثاب على هذه الصدقة إلا إن أسلم. * طالب: (...). * الشيخ: نعم يقال: إن قول ابن عباس رضي الله عنهما رأي رآه مخالف لظاهر النصوص، والعبرة بظاهر النصوص، وبهذا القول نستريح، ووجه ابن القيم رحمه الله ما رُوي عن ابن عباس بأن القتل يتعلق به ثلاثة أمور: حق لله، حق لأولياء المقتول، حق للمقتول، أما حق الله فيسقط بالتوبة، فإذا تاب الإنسان قبل الله توبته ومحي عنه الإثم، حق أولياء المقتول يكون بتسليمه نفسه إليهم، حق المقتول يقول ابن القيم: لا بد من أخذه من هذا القاتل، لكن يقال: الصواب ألا نعبر هذا التعبير، بل نقول: لا بد من إيفائه إياه، ومن الذي يوفيه؟ الله عز وجل، هذا هو الصواب، نعم. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ (...) تمام التوبة أم شرط التوبة. * الشيخ: المراد بالتمام هنا ما هو التمام الأولوي، التمام الواجب، يعني لا تتم التوبة إلا بذلك. * طالب: (...). * الشيخ: لا، أما قلنا في التفسير، قل مبلغًا عني: ﴿يَا عِبَادِيَ﴾، نعم فيقول الرسول مثلًا: قال ربكم: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾، هذا كيفية إبلاغ هذه الآية، أعرفت؟ نعم. * طالب: (...). * الشيخ: يعني مع القدرة. * الطالب: مع القدرة؟ * الشيخ: إي مع القدرة، هذا صحيح، لكنهم بعضهم قال: إذا اغتبت شخصًا فلا بد أن تذهب إليه وتستحله مطلقًا، وبعضهم فصل قال: إن كان قد علم فلا بد أن تستحله؛ لأنه حمل عليك في نفسه، وإن لم يكن علم فأثن عليه في المواطن التي كنت تغتابه فيها ويكفي، وهذا التفصيل جيد؛ لأنك لو ذهبت إليه وقلت: أنا اغتبتك وهو لم يعلم، أنشأت في نفسه عليك ما تنشئه، لكن إذا استغفرت له وأثنيت عليه في المكان الذي أنت اغتبته فيه حصل المقصود. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)﴾ [الزمر ٥٤ - ٥٨]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا أن الله سبحانه وتعالى أمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول للناس عن الله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ وسبق الكلام على هذه الآية تفسيرًا واستنباطًا. ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا﴾ قال المؤلف المفسر: (﴿وَأَنِيبُوا﴾ ارجعوا ﴿إِلَى رَبِّكُمْ﴾ ) يعني ارجعوا إلى ربكم من معاصيه إلى طاعته ومن البعد عنه إلى القرب، وهذه الإنابة هي عمل القلب، رجوع القلب إلى الله سبحانه وتعالى. ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ أي: استسلموا له واخضعوا لشرعه، وهذا عمل الظاهر، عمل الجوارح، فالإنابة بالقلب والإسلام بالجوارح. (﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ أخلصوا العمل)، وأخذ المؤلف الإخلاص من قوله: ﴿لَهُ﴾ أي لله، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران ٢٠] فهذه الآية فيها الأمر بالإنابة وهي في القلب، والأمر بالاستسلام له، وهي بالجوارح، والإخلاص مستفاد من اللام المذكورة في قوله: ﴿لَهُ﴾. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾ متعلقة بـ (أنيبوا) و(أسلموا)، فقد تنازعها العاملان، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾ يعني من الله ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ يعني لا تمنعون من عذاب الله. وقول المؤلف: (إن لم تتوبوا) لا حاجة إليه؛ لأن الله قال: أنيبوا وأسلموا من قبل هذا الشيء، وإذا أناب وأسلم من قبل هذا الشيء فقد تاب، وحينئذٍ لا ينزل عليه العذاب. ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: ﴿وَاتَّبِعُوا﴾ أي كونوا تبعًا ﴿أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، (أحسن) اسم تفضيل من الحسن، ويشمل الأحسن في ذاته، والأحسن في العمل، الإنسان مأمور أن يتبع الأحسن، أحسن ما أنزل إلينا في ذاته، ولو فتشت الكتب السماوية التي نزلت لوجدت أحسن ما نزل هو القرآن، ولهذا فسره المؤلف بقوله: (وهو القرآن) كذلك أحسن ما أنزل إلينا إذا كانت عبادة قام بها الإنسان على وجه ناقص، وعبادة قام بها على وجه كامل، فالتي على وجه كامل هي الأحسن، فإذا وُجد أعمال تتفاضل فالإنسان مأمور بأن يتبع الأحسن منها. ﴿أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، وقوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فيها إشارة إلى وجوب اتباع الأحسن؛ لأن هذا الأحسن نازل من الله سبحانه وتعالى، من الرب، والرب هو الذي له التصرف في العباد تدبيرًا وتشريعا وحكما. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ في الآية الأولى ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ ثم هذا قال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً﴾ أي مفاجأة، وأنتم لا تشعرون أنه يأتيكم العذاب، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨)﴾ [الأعراف ٩٧، ٩٨] فالنائم لا يشعر بالعذاب إلا بغتة، والذي يلعب كذلك لا يشعر بالعذاب إلا بغتة، يقول عز وجل: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ قوله: ﴿أَنْ تَقُولَ﴾ يقول المؤلف رحمه الله الشارح المفسر: (﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ قبل إتيانه بوقته) يعني لا تشعرون بوقته قبل إتيانه، بل قد ضربتم الأمل الطويل والتفاؤل الذي ليس في محله حتى أتاكم العذاب. قال: (فبادوا قبل ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ ) قدَّر المؤلف هذا الذي ذكر لدلالة السياق عليه، وهذا الذي قام به المؤلف رحمه الله يسمى عند البلاغيين إيجاز الحذف؛ لأن الإيجاز عندهم نوعان: إيجاز قصر وإيجاز حذف، فإيجاز القصر أن تكون العبارة القصيرة تتضمن معاني كثيرة، وإيجاز الحذف أن تكون العبارة موجودة قد حُذف منها ما هو معلوم، مثل قوله تعالى: ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ [القصص ٢٤، ٢٥] هذه الآية حُذف منها شيء كثير؛ لأن تقديره أن المرأتين ذهبتا إلى أبيهما وأخبرتاه بالخبر، ثم أرسل إحداهما إلى موسى فجاءت إحداهما تمشي على استحياء، فصار عندنا الإيجاز نوعان: إيجاز قصر بأن تكون العبارة قصيرة تتضمن معاني كثيرة، وإيجاز حذف بأن يحذف من الكلام ما يدل عليه السياق، وكلاهما فصيح عربي. قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة ١٧٩]، هذا إيجاز قصر ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء ١٢٣] هذا إيجاز قصر؛ لأنك لو أردت أن تبسط هذه الجملة ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾ وتذكر أنواع السوء وتذكر أنواع المجازاة، لكان الكلام طويلًا، لكنه اقتصر على هاتين الكلمتين ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ وهما تشملان كل ما يمكن أن يدخل في هذه الجملة من التفاصيل. طيب هنا على كلام المؤلف: (فبادروا قبل ﴿أَنْ تَقُولَ﴾ ) نقول: هذا من باب إيجاز الحذف؛ لأنه حذف من الكلام ما يدل عليه السياق، ويمكن أن نقدر ما هو دون ذلك بأن نقول: خشية أن تقول نفس، يعني: اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم خشية أن تقول نفس: يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله، وهذا الذي ذكرناه أخصر من كلام المؤلف. ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا﴾ (نفس) هنا نكرة في سياق الإثبات، والنكرة في سياق الإثبات لا تدل على العموم، وإنما تدل على العموم إذا كانت في سياق النفي أو الشرط، أو الاستفهام الاستنكاري أو ما أشبه ذلك مما ذكره العلماء، لكنهم قالوا: إن نفس هنا نكرة يراد بها العموم، يعني أن تقول كل نفس: فرطت يا حسرتا. (أصله يا حسرتي، أي: ندامتي) فالحسرة هي الندامة، وقال: (يا حسرتا) الألف هذه منقلبة عن ياء، وأصلها ياء المتكلم: يا حسرتي، لكن في اللغة العربية يجوز أن تقلب الياء ألفا، فيقال: يا حسرتا بدل يا حسرتي، ومنه قوله تعالى: ﴿يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ [هود ٧٢] التقدير: يا ويلتي. (﴿يَا حَسْرَتَا﴾ أي ندامتي ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ﴾ ) التفريط معناه الإهمال والإضاعة، وعكسه الإفراط، الإفراط: التجاوز، والتفريط: القصور عن الشيء، فالمفرط هو المهمل المقصر، والمفرط هو المتجاوز للحد، وكلاهما مذموم، والخيار هو الوسط. ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ قال: (أي: طاعته) ففسر الجنب هنا بالطاعة، وذلك لأنه لا يمكن أن يراد به جنب الله الذي هو جنب ذاته؛ لأن الإنسان يشعر بأنه لم يفرط في نفس الجنب الذي هو جنب الله ذاته، لكن بعض العلماء يقول: الجنب بمعنى الجانب لغة، وإذا كان بمعنى الجانب لغة فلا حاجة إلى التأويل، يكون المعنى: في جنب الله أي في جانب الله، وجانب الله يعني حقه، وهذا التفصيل الذي ذكرناه هو مؤداه كما قال المؤلف رحمه الله: (يعني طاعته) لكن إذا فسرنا الجنب بالطاعة خرجنا به عن المعنى المطابق للفظ، أما إذا قلنا: الجنب لغة بمعنى الجانب فإننا فسرناه بما دلت عليه الكلمة لغة، والجانب من المعلوم أن جانب الله عز وجل أي حقه وشرعه. ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ (إن مخففة من الثقيلة، أي: وإني) (إن) في اللغة العربية تأتي لمعانٍ: الأول: الشرطية، والثاني: النافية، والثالث: مؤكدة، والرابع: زائدة، أربعة معانٍ. (إن) تأتي في اللغة العربية بمعنى أربعة معانٍ، بعضهم زاد معنى خامسًا أن تكون بمعنى نعم لكنه قليل. (إن) شرطية، مثاله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات ٦] هذه (إن) شرطية. تكون نافية مثل قول الكافرين: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة ١١٠] و(إن) النافية هي التي يعقبها دائمًا (إلا). وتأتي مؤكدة، وهي المخففة من الثقيلة كما هنا، وعلامتها أن يحل محلها (إن)، مثل: ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ هذه مخففة من الثقيلة تفيد التوكيد؛ لأن الثقيلة (إنَّ) معروفة أنها للتوكيد، فإذا كانت هذه مخففة منها فهي للتوكيد. الرابع: زائدة، ومن ذلك قول الشاعر: بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ وَلا صَرِيفٌ وَلَكِنْ أَنْتُمُ الْخَزَفُ الشاهد قوله: (ما إن أنتم ذهب). لأن معنى الكلام: ما أنتم ذهب، فهي إذن زائدة، طيب الذهب معروف، الصريف: الفضة، وسُميت صريفًا لأنها يسمع لها صريف عند العدد أو الوزن، (ولكن أنتم الخزف) ما هو الخزف؟ الطين المشوي، يعني أنكم أصلكم رديء، وعلامة (إن) الزائدة أن يصح الكلام مع حذفها، فإذا صح الكلام مع حذفها فهي زائدة، طيب. ﴿إِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ قال المؤلف: (وإني ﴿كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ ) فقدر اسم (إن) ضميرًا مطابقًا للسياق، فقال: إني كنت. وهذا الذي ذهب إليه المؤلف هو الصحيح، أما عند جمهور النحويين فإنهم يقولون: إن اسم (إن) محذوف ضمير الشأن، فيقدرون: إن كنت وإنه أي الشأن، لكن الصحيح أننا نقدر ضميرًا مطابقًا للسياق، ولا حرج أن نقول: إنه محذوف، ولو لم يكن ضمير الشأن. فعليه نقول: ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ التقدير: وإني كنت لمن الساخرين. واللام في قوله: ﴿لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ هذه للتوكيد، وهي أيضًا دليل على أن (إن) مخففة من الثقيلة. طيب وهل تلزم لام التوكيد مع (إن) المخففة من الثقيلة؟ الجواب: لا تلزم، إلا إذا كان يخشى من الالتباس بالنافية، فإن كان يخشى الالتباس بالنافية فإنه يجب أن تذكر اللام، والحاصل أن اللام تأتي كثيرًا في خبر (إن) المخففة من الثقيلة، وقد تحذف إلا إذا خيف الالتباس فإنه يجب أن تُذكر اللام، إذا خيف الالتباس بأيش؟ إذا خيف أن تلتبس بـ(إن) النافية، فإنه يجب أن يؤتى باللام؛ لأنه إذا أتت اللام تعين أن تكون (إن) مخففة من الثقيلة، ومحل هذا البحث في النحو. يقول: ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ الساخر بمعنى المستهزئ، ساخرين بمن؟ ساخرين بمن يدعو إلى الله؛ كما قال تعالى: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ [ص ٦٣] ساخرين بدين الله، ساخرين بكتب الله، ساخرين برسل الله ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة ٦٥]، ولهذا حذف المفعول في الساخرين لإفادة العموم، أي: الساخرين بالله وآياته ورسله وأوليائه فهو عام، ويأتي إن شاء الله تعالى بقية الكلام على الآية. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٥٩)﴾ [الزمر ٥٥ - ٥٩]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾. ما المراد بقوله: ﴿أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؟ * طالب: المراد به القرآن. * الشيخ: القرآن ، ما وجه حسنه؟ * طالب: حسنه في ذاته وفي (...). * الشيخ: في ذاته؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: طيب، وفي أخباره وفي أحكامه وفي آثاره، أربعة أشياء، طيب قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ كيف تقدر أن تقول: نفس؟ * طالب: خشية أن تقول: نفس. * الشيخ: نعم، خشية أن تقول: نفس، ما الذي قدره المؤلف؟ * الطالب: الذي قدره المؤلف قال: بادروا. * الشيخ: قال: بادروا. * الطالب: قبل أن تقول: نفس. * الشيخ: قبل أن تقول، أيهما أرجح؟ * الطالب: قبل أن تقول: نفس. * الشيخ: لماذا؟ * الطالب: لأنه أخصر. * الشيخ: أخصر، أقل تقديرًا، وكلما كان أقل تقديرًا فهو أوضح. طيب قوله: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ هذه نكرة في سياق؟ * طالب: الإثبات. * الشيخ: فهل هي للإطلاق أو للعموم؟ * الطالب: (...). * الشيخ: نعم تعم، يعني أي نفس. طيب قوله: ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ يا حسرتا أصلها نعم؟ * طالب: يا حسرتي. * الشيخ: فقلبت؟ * الطالب: فقلبت الياء إلى ألف. * الشيخ: إلى ألف لأنها للندبة. طيب قوله: ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ ما المراد بجنب الله؟ * طالب: المراد بجنب الله؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: بجانب الله. * الشيخ: بجانب الله، كذا؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: والمؤلف فسرها؟ * طالب: المؤلف فسرها بطاعة الله. * الشيخ: بطاعة الله، طيب. * الطالب: (...) جانب الله (...). * الشيخ: يعني متى أمكن حمل اللفظ على معناه اللغوي فهو أولى، طيب ألا يمكن أن يراد بها جنب الله الذي هو جنبه؟ * طالب: (...). * الشيخ: والتفريط من الإنسان ليس في جنب الله ذاته، لكنه في حق الله يعني جانب الله الذي هو حقه، طيب، ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ (إن) هذه؟ * طالب: شرطية. * الشيخ: (إن) شرطية، لا. * طالب: (إن) مخففة من الثقيلة. * الشيخ: مخففة من الثقيلة، أيش تقتضي؟ التوكيد، ذكرنا استطرادًا أن (إن) تأتي لمعانٍ. * طالب: أربعة، أو خمسة، تأتي زائدة، تأتي مؤكدة، تأتي شرطية، تأتي نافية، قد تأتي بمعنى نعم. * الشيخ: ما الذي يعين هذه المعاني؟ * طالب: السياق. * الشيخ: السياق طيب، المخففة من الثقيلة مثالها؟ * طالب: مثل هذه الآيات ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾. * الشيخ: التقدير؟ * الطالب: إني كنت لمن الساخرين. * الشيخ: إني كنت لمن الساخرين، طيب، وتأتي نافية، مثالها؟ * طالب: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣]. * الشيخ: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ المعنى؟ * الطالب: ما أنت إلا نذير. * الشيخ: ما أنت إلا نذير وعلامة هذه. * طالب: (إن) نافية. * الشيخ: أي لكن ما علامتها؟ * طالب: صحة تعويضها بالنفي. * الشيخ: أن يحل محلها (ما)، وغالبًا تأتي بعدها (إلا)، طيب وتأتي أيضًا؟ إي نعم. * طالب: زائدة. * الشيخ: مثالها؟ * طالب: بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ وَلا صَرِيفٌ .............. * الشيخ: بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ ...................... طيب، ما علامتها؟ * الطالب: علامتها (...) صح السياق (...). * الشيخ: نعم أنها إذا حذفت صح السياق بدونها، الأخ تأتي؟ * طالب: شرطية. * الشيخ: شرطية. * الطالب: (...). * الشيخ: أحسنت، طيب، والشرطية علامتها ظاهرة أنها تحتاج إلى؟ * طلبة: جواب. * الشيخ: جواب. نأخذ الدرس الجديد، قال الله عز وجل: ﴿أَوْ تَقُولَ﴾: (أو) حرف عطف، ﴿تَقُولَ﴾ معطوف على قوله: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾. * طالب: ما أخدنا. * الشيخ: ما أخذناه؟ * الطالب: (...). * الشيخ: من أي مكان؟ ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ أخذنا هذه؟ طلبة : (...). * الشيخ: طيب إلى؟ * طلبة: (...). * الشيخ: نعم أخذنا الفوائد إلى؟ * طالب: (...). * الشيخ: أنتم الآن تقولون: لم نأخذ الفوائد، فمن أين لم نأخذ الفوائد؟ طيب قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ إلى آخره، فيها فوائد: * أولًا: وجوب الإنابة إلى الله؛ لقوله: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ والأصل في الأمر الوجوب إلا بدليل. * ومن فوائدها: وجوب الإسلام له، أي الاستسلام التام مع الإخلاص؛ لقوله: ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾. * ومن فوائدها: التحذير من عدم المبادرة بالإنابة والإسلام؛ لقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: عقوبة من لم ينب إلى ربه ويسلم له؛ إذ إن العذاب عقوبة. * ومن فوائدها: أنه إذا أتى عذاب الله فإنه لا دافع له؛ لقوله: ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾. * ومن فوائد الآية التي بعدها: وجوب اتباع القرآن الكريم؛ لقوله: ﴿اتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. * ومن فوائدها: الثناء على القرآن الكريم بأنه أحسن ما أنزل إلى العباد، وعرفتم أنه أحسن في ذاته وفي أخباره وفي أحكامه وفي آثاره، فلم تنل أمة العزة والكرامة كما نالته هذه الأمة بما آتاها الله من القرآن. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن كلام الله؛ لقوله: ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. فإن قال قائل: هذا لا نسلمه لكم؛ لأن مما أنزل الله ما لا يكون كلامًا له، كقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الزمر ٢١]، ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر ٦]، ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد ٢٥] وأمثالها، فلا نسلم لكم أن القرآن كلام الله، بل نقول: هو كغيره من المخلوقات التي أنزلها الله، فإن الحديد مخلوق، والمطر مخلوق والأنعام مخلوقة. فالجواب عن هذا أن نقول: ما أنزله الله ينقسم إلى قسمين: الأول: أن يكون عينًا قائمة بنفسه، فهذا مخلوق، والثاني: ألا يكون وصفًا لا يقوم إلا بغيره، فهذا غير مخلوق، فلننظر إلى القرآن هل هو عين قائمة بنفسها أو وصف لا يقوم إلا بغيره؟ الثاني، إذن هو غير مخلوق، كلام الله غير مخلوق، واضح يا جماعة؟ طيب. * من فوائد هذه الآية الكريمة إثبات علو الله؛ لقوله: ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر ٥٥] وجه ذلك أن النزول لا يكون إلا من أعلى. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة هذه الأمة حيث كانت الغاية في إنزال القرآن، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿إِلَيْكُمْ﴾ فإن الإنزال غايته إلينا، إذن فهذا شرف لنا أن نكون غاية إنزال القرآن. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الربوبية لله عز وجل؛ لقوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾. * ومن فوائدها، من فوائد هذه الآية الكريمة: أن إنزال القرآن إلينا من كمال ربوبيته، حيث أضاف إنزاله إلى نفسه بوصف الربوبية، فمن كمال ربوبيته لخلقه وتربيته لهم أن نزل عليهم هذا القرآن. * ومن فوائدها أيضًا: وجوب العمل بما في القرآن؛ لأنه نزل من الرب، والرب له السلطان الكامل على خلقه، أرأيتم لو أن ملكًا من الملوك أصدر مرسومًا ملكيًّا، أفلا يكون مقتضى سلطانه أن نعمل بهذا المرسوم؟ بلى، إذن مقتضى ربوبية الله لنا أن نعمل بما أنزل إلينا؛ لأن هذا القرآن بمنزلة المراسيم الملكية التي لا بد من تنفيذها، بل وأعظم كما هو معروف، ولا إشكال فيه. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحذر من أن يأتي عذاب الله بغتة؛ لقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً﴾ [الزمر ٥٥] والعذاب المباغت أشد من العذاب الذي لم يباغت؛ لأن العذاب الذي لم يباغت يكون الإنسان قد تهيأ له، لكن الذي يأتي بغتة يأتي الإنسان وهو في غاية ما يكون من الغفلة وغاية ما يكون من السرور، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨)﴾ [الأعراف ٩٧، ٩٨] فتأمل الآن، غفلة وهدوء واطمئنان أتاهم العذاب في هذا الوقت يكون أشد وقعًا والعياذ بالله مما لو أتى والإنسان متهيئًا. وأضرب لكم مثلًا حسيًّا واضحًا، لو كنت تنزل مع الدرج فغفلت ثم زلت رجلك على إحدى الدرجات، هل يكون مثلما لو كنت تنزل وأنت ترى كل درجة وتضع قدمك عليها؟ أجيبوا، إذن المباغت أشد مما يأتي إنسان متهيأ له. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المباغت يأتي بغير شعور من العبد؛ لأنه غافل، وليس يفكر في أن يأتيه العذاب؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ والجملة هذه يسميها علماء النحو جملة حالية، يعني والحال أنكم لا تشعرون. ثم قال تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ إلخ. * من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان مآل المفرط، وهو التحسر، وهو التندم مع الغم، التحسر والتندم مع الغم. * ومن فوائدها، من فوائد الآية الكريمة: أن المفرط سيتحسر على تفريطه، وينبني على هذه فائدة أنه ينبغي أن يكون الإنسان حازمًا ذا نشاط وقوة، حتى لا تفوته الأمور ثم بعد ذلك يندم. * ويتفرع على ذلك فائدة ثالثة: أنه ينبغي انتهاز الفرص فمتى واتتك الفرصة فلا تضيعها. * ويترتب على هذا أيضًا رابعة: أنه إذا صار أمامك حاجتان فابدأ بما أنت تريد أولًا، وبادر إليها، واجعل الثانية نافلة، وهذا يظهر في سنة الرسول ﷺ في أمثلة متعددة، منها أن عتبان بن مالك رضي الله عنه لما ضعف بصره، وصار لا يتمكن من الوصول إلى مسجد قومه، دعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيته ليصلي في مكان يتخذه مصلى، فخرج النبي ﷺ إليه ومعه جماعة من أصحابه، فلما وصل البيت، وإذا الرجل قد هيأ لهم طعامًا، ولكن الرسول ﷺ لم يشأ أن يبدأ بالطعام، بل بدأ بما أتى إليه، أي بالقصد الأول فقال له: «أَيْنَ تُرِيدُ أَنْ أُصَلِّيَ؟» فأراه المكان فصلى فيه[[متفق عليه؛ البخاري (٤٢٤)، ومسلم (٣٣ / ٢٦٣) من حديث عتبان بن مالك. ]]. هذا مثال، وبناء على ذلك ينبغي لكم أنتم طلبة العلم إذا أردتم أن تراجعوا فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مسألة معينة فتستعرض الفهرس، ثم يمر بك مسألة تشوقك إلى أن تراجعها فتذهب وتراجعها، ثم تترك الذي كنت تراجع من أجلها، وهذا لا شك أنه يضر طالب العلم، يشتت عليه الفكر ويشتت عليه الوقت؛ لأن فكره أول ما طالع الكتاب منصب على أيش؟ على المسألة التي يطلبها، فإذا عرضت له هذه العارضة واتجه إليها وانشغل بها، وهي ليست مقصودًا له بالذات، تشتت ذهنه، ثم يتشتت وقته أيضًا، ربما يكون وقت مراجعته في خلال ربع ساعة، فتذهب ربع الساعة هذه وهو لم يراجع المسألة التي كانت من أجلها يفتش، وهذا جربناه، جرى علينا، نراجع لمسألة ما ثم يمر بنا عنوان شيق ونأخذ به، يضيع علينا الوقت، فالإنسان ينبغي أن يكون حازمًا، وأن يبدأ بالأهم قبل المهم. ومن ذلك -أي من الحزم- أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يبادر بإزالة المؤذيات ولا يتأخر؛ لأن التأخير له آفة، بل آفات، «لما بال الأعرابي في المسجد أمر في الحال أن يصب عليه ماء ليطهره»[[أخرجه البخاري (٢٢٠ من حديث أبي هريرة. ]]، «ولما بال الصبي في حجره دعا في الحال بماء فأتبعه إياه»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٣)، ومسلم (٢٨٧ / ١٠٣) من حديث أم قيس بنت محصن. ]]، وكان من الممكن أن يترك المكان في المسجد حتى يأتي وقت الصلاة ويحتاج الناس إلى الصلاة في هذا المكان، لكنه بادر، وكذلك من الممكن أن يدع ثوبه حتى يحضر وقت الصلاة ثم يطهره لكنه بادر، فالمهم أن مثل هذه الوقائع ينبغي للإنسان أن يتخذ منها تربية لنفسه، لا تمر به على أنها مسألة فقهية عرفها فقط، بل لا بد أن يظهر علمه في عمله. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الجهة لله عز وجل؛ لقوله أيش؟ ﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ وقلنا: إن جنب بمعنى جانب، لكن الذين لا يثبتون الجهة يفرون من هذا، ويفسرونه بأمر آخر، كما فسره المؤلف بقوله: (في طاعة الله) مع أن هذا التفسير يعني قد يقال: إنه تفسير صحيح، وإن جانب الله تعالى هو طاعته وحقه وما أشبه ذلك، لكن نحن نعلم أن كثيرًا من الناس ينكرون أن يكون الله في جهة، ويقولون: لا يجوز أن تقول: إن الله في جهة، لا فوق ولا تحت، وعكس قوم آخرون فقالوا: إن الله في كل جهة بذاته، وبين الأمرين أو بين الطائفتين كما بين السماء والأرض. وتوسط آخرون فقالوا: إن الله في كل جهة لكنه فوق كل شيء ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة ١١٥] إن اتجهتم شرقًا أو غربًا، أو شمالًا أو جنوبًا فثم وجه الله، لكن ليس الله نفسه في تلك الجهات، ولكنه فوق، وفوقيته لا تناقض أن يكون في كل جهة استقبلته، واضح يا جماعة؟ طيب. فلو قال قائل: كيف يجتمع أن يكون في جهة المشرق مثلًا أو المغرب أو الشمال أو الجنوب وهو فوق كل شيء؟ نقول: (كيف) اجعلها فيما يمكن تكييفه، وصفات الله لا يمكن تكييفها، عليك أن تسلم، ثم نقول: إن هذا ممكن لو كانت الشمس عند الشروق أو عند الغروب واستقبلتها كانت في جهة المشرق أو في جهة المغرب وهي أين مكانها؟ في السماء، هذا في المخلوق، فما بالك بالخالق المحيط بكل شيء. فالصواب أن الله سبحانه وتعالى في جهة، وهي جهة العلو، لكنه عز وجل من اتجه إليه في أي مكان فالله تعالى قبل وجهه أي مكان ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ أما ذاته عز وجل فإنه فوق كل شيء. * من فوائد الآية الكريمة: إقرار المكذبين على أنفسهم بما هم عليه من التكذيب، لكن في وقت لا ينفعهم، من أين يؤخذ؟ ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ يعني: إن كنت من الساخرين هذه تأكيد وإثبات أنه كان في الدنيا من الساخرين بشرع الله المستهزئين به. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم السخرية بالله عز وجل، من أين يؤخذ؟ من كون هذا الساخر ندم، وتحسر على ذلك، ولولا أنه أصيب بعذاب عليه لم يندم. فإن قال قائل: ما حكم السخرية بالله؟ قلنا: حكمها الكفر، فمن سخر بالله أو آياته أو رسوله فإنه كافر، كل من سخر بالله أو آياته أو رسوله فهو كافر. فإن قال قائل: هل تكفرونه ولو كان يمزح؟ فالجواب: نعم نكفره ولو كان يمزح؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ يعني ما قصدنا ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة ٦٥، ٦٦]. فإن قيل: ما الدواء لمن ابتُلي بهذا؟ أي: سخر بالله أو آياته أو رسوله، فما هو الدواء؟ قلنا: الدواء في هذه السورة: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر ٥٣] الدواء أن يتوب إلى الله، فإذا تاب إلى الله عز وجل وقلع من قلبه هذه السخرية والاستهزاء، وأثبت مكانها التعظيم والمحبة، فحينئذ يرتفع عنه حكم الكفر. ثم قال الله عز وجل، وهو بدء الدرس اليوم: ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر ٥٧] يعني أو تقول نفس، وهذه معطوفة على قوله: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾، أو تقول: أي النفس (﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي﴾ بالطاعة فاهتديت ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ ). ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (لو) هذه شرطية، فعل الشرط فيها محذوف، وجواب الشرط فيها قوله: ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾، وتقديره، أي: تقدير المحذوف وهو فعل الشرط، لو ثبت أن الله هداني لكنت من المتقين، وهذا احتجاج بالقدر، يعني لو أن الله هداني ووفقني فاهتديت لكنت من المتقين، فهي تندم وتحتج، يعني جمعت بين الندم على عدم التقوى والهداية وبين الاحتجاج، كقول القائل: لو أعطيتني أجرة لعملت لك، لو أطعمتني لشبعت، يعني: فلم تطعمني ولم تعطني أجرة، فهم يقولون: لو أن الله هداني لاهتديت وكنت من المتقين، وعلى هذا فالمراد بالهداية هنا هداية التوفيق، ويكون هذا احتجاجًا من النفس بقدر الله على الضلال والعياذ بالله. يقول: ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ قال المؤلف المفسر: (عذابه) وهذا مفعول المتقين، ولكن الصواب أن نقدر: لكنت من المتقين الله؛ لأن الأصل هو تقوى الله عز وجل، وتقوى عذاب الله من تقوى الله، فينبغي أن نقدر الأصل أي: لكنت من المتقين الله. وما هي تقوى الله؟ نعرف تقوى الله بمعرفة الأصل، أصل التقوى مأخوذة من الوقاية، فأصلها وقوى بالواو، لكن قُلبت الواو تاء لعلة تصريفية، فإذا كانت من الوقاية فسرناها بأنها اتخاذ ما يقي من عذاب الله، ولا يقي من عذاب الله إلا فعل أوامره واجتناب نواهيه، ولهذا نقول: إن أجمع ما قيل في التقوى أنها فعل الأوامر واجتناب النواهي. وقيل: إن التقوى أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله، على نور من الله، تخشى عقاب الله، وهذا المعنى أطول مما قلنا، لكن ما قلنا مشتمل عليه، وقيل في التقوى: خَلِّ الذُّنُوبَ صَـــــــغِيرَهَا ∗∗∗ وَكَبِـــــــــــــــــيرَهَـا ذَاكَالـــــــــتُّقَى؎وَاعْمَلْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَرْ ∗∗∗ ضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى؎لَا تَحْقِــــــــــرَنَّ صَـــــــــــــــغِيرَةً ∗∗∗ إِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الْحَــــــــــصَى وهذا أيضًا تعريف شيق لأنه منظوم، (خَلِّ الذُّنُوبَ صَغِيرَهَا وَكَبِيرَهَـا) والذنوب إما فعل محرم أو ترك واجب، (ذَاكَ التُّقَى، وَاعْمَلْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَرْضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى) الذي يمشي على أرض الشوك يمشي بسرعة ولَّا ببطء؟ * طلبة: ببطء. * الشيخ: ببطء لَا تَحْقِرَنَّ صَغِيرَةً ∗∗∗ إِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الْحَصَى الجبال العظيمة الضخمة حصى متجمعة، إما كتل أو صغار أو كبار. ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. ﴿أَوْ تَقُولَ﴾ هذه معطوفة على أيش؟ * طلبة: على ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾. * الشيخ: على ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾، يعني: أو تقول نفس حين ترى العذاب، ترى العذاب بعينها، فيكون الموعود مشهودًا، تراه بالعين، ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾، والرؤية بالعين تُعتبَر عين اليقين، والوعد بالعذاب علم اليقين، ومس العذاب حق اليقين، ولهذا قالوا: اليقين ثلاثة: علم وعين وحق، وكلها في القرآن: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر ٥ - ٧] مشاهدة، وقال تعالى في آخر الواقعة: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة ٩٥] الذي يكون عند الاحتضار حق اليقين، وأيها أعلى في اليقين؟ * طلبة: حق اليقين. * الشيخ: حق اليقين أعلى؛ لأن عين اليقين قد تشاهد الشيء على خلاف ما هو عليه، كما ترى، ولا سيما إن كان نظرك ضعيفًا، ترى الشيء الساكن متحركًا، أو المتحرك ساكنًا، إي نعم، فعلى كل حال حق اليقين أعلاه. وهنا ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ﴾ المراد أيش؟ * طلبة: عين اليقين. * الشيخ: عين اليقين ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، (لو) هنا ليست شرطية، ولكنها للتمني، يعني ليت لي كرة. ونستطرد فنقول: (لو) تأتي شرطية، وتأتي للتمني، وتأتي مصدرية، ثلاثة معانٍ، شرطية، تمنية، مصدرية، فتأتي شرطية فيما إذا قلت: لو زرتني لأكرمتك، وعلامتها أن يحل محلها (إن) الشرطية، لو زرتني لأكرمتك، اجعل بدلها (إن)، إن زرتني أكرمتك. والثانية التي للتمني هي التي تأتي غالبًا بعد ود، في قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩] وعلامتها أن يحل محلها (أن) المصدرية، ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ﴾ لو وضعت بدلها (أن): ودوا أن تدهن، يصح الكلام أو لا؟ طيب، وهل يصح أن تضع بدلها (أن) في القرآن؟ * طلبة: لا يصح. * الشيخ: لا يصح، تقديرًا يصح ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ لو جعلت بدلها (أن) استقام الكلام، لكن لا يجوز في القرآن أن تجعل بدلها (أن)، طيب لو قلت: وددت لو زرتني، صحيح؟ طيب، لكن هنا إذا حولتها إلى (أن) حول الفعل إلى مضارع، (وددت أن تزورني)، طيب. الثالثة للتمني. * طلبة: مصدرية. * الشيخ: مصدرية؟ لا، أنا أقول: مصدرية التي تأتي بعد (ود)، والشرطية، بقي عندنا التمنية التي للتمني، المصدرية هي التي تأتي في الغالب بعد ود، وعلامتها أن يحل محلها (أن). التي للتمني تكون بمعنى أتمنى، يعني يعين معناها السياق، فهنا ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ﴾ ضع بدلها أتمنى، أتمنى أن يكون لي كرة فأكون من المؤمنين، واضح؟ ويدلك لهذا قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ [الأنعام ٢٧] فصار معاني (لو) ثلاثة: شرطية ومصدرية وللتمني. ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾ قال المفسر: (رجعة إلى الدنيا ﴿فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ) يعني يتمنى أن يكون له رجعة ليكون من المحسنين. وقوله: ﴿فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ولم يقل: من المتقين؛ لأن الإحسان درجة فوق التقوى، فكل محسن متقٍ، وليس كل متقٍ محسنًا، الإحسان درجة عالية، قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]، ولكن هذا التمني هل هذه النفس صادقة في أنها تتمنى لتكون من المحسنين؟ قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام ٢٨] لكن عند العذاب ليس لها إلا أن تقول هكذا ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. * طالب: أحسن الله إليك، سئل رجل فقالوا له: ما آخر نكتة سمعتها، قال: إن اثنين من المتطرفين قالوا: استو واعتدل في الصف، هل يدخل هذا في السخرية بالله وسنة النبي ﷺ؟ * الشيخ: هذا يسأل يقول: إن آخر نكتة إي نعم سمعتها أنه سمع رجل يقول: استووا اعتدلوا كذا؟ * الطالب: (...) استووا اعتدلوا (...). * الشيخ: لكن كان الإمام قال هكذا؟ الإمام قال: استووا اعتدلوا؟ لا، ما يصير. * الطالب: (...) آخر نكتة سمعتها يقول: استووا واعتدلوا (...). * الشيخ: لا، هل هو صحيح ما حكاه عن هذا الإمام، أن الإمام يقول: استووا واعتدلوا؟ * طلبة: هو نفسه بيسأل. * الشيخ: لا، على كل حال دعونا من كونه صورها ملاكمة، لكن لو قال إنسان في إمام قال: استووا واعتدلوا: إن هذه نكتة، ووصفه بالتطرف، فهل يكون كافرًا أو لا؟ الواقع أن هذه المسألة مهمة جدًّا، الاستهزاء بالشخص الذي يفعل طاعة أو يتجنب معصية، تارة يغلب عليه الجانب الشخصي، فهذا لا يكفر، وتارة يغلب عليه الجانب الحكمي، بمعنى أنه يسخر بالحكم من أي مصدر جاء، فهذا كفر، ويوضح هذا المثال: بعض الناس لو رأى مثلًا عالمًا من العلماء المعتبرين المحبوبين عند الناس الموثوقين، رأى ثوبه إلى نصف الساق، لا يسخر به أبدًا، ولا يمكن أن يسخر، لكن لو رأى شابًّا فربما يسخر به، إذن هنا السخرية منصبة على أيش؟ * طلبة: على الشخص. * الشيخ: على الشخص، مغلب فيها جانب الشخصية، فهذا لا يكفر؛ لأنه لم يكره الحكم، لكن كره هذا الذي قام بالحكم. والثاني: أن يكره الحكم الشرعي، ويسخر بالحكم الشرعي فهذا كافر، ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ ولم يقل: والمؤمنين، الرسول معلوم أي إنسان يسخر به فهو كافر، حتى وإن كان قد غلب الجانب الشخصي؛ لأن الرسول مشرع عليه الصلاة والسلام، فكل شيء صدر منه فهو تشريع، لكن اللي يصدر من غير الرسول، إن كان محل ثقة عند الناس اعتبروه حكمًا شرعيًّا ولم يسخروا به، وإن كان غير ثقة سخروا به مغلبين جانب الشخصية؛ لأنهم مثلًا لا يثقون به الثقة التامة، أو يرون أنه متزمت أو متنطع أو ما أشبه ذلك، وهذه المسألة يجب على الإنسان أن يدرك الفرق بين الأمرين؛ لأن هذه المسائل دقيقة جدًّا. ولهذا ذكر شيخ الإسلام رحمه الله أن الإمام أحمد يكفر الجهمية، لكن لا يكفر أعيانهم؛ لأن هناك فرقًا بين التكفير باعتبار الحكم والتكفير باعتبار الشخص. ومن ثم نحذر طلبة العلم من التسرع في التكفير الشخصي العيني؛ لأن المسألة ما هي هينة، لو كفَّرت شخصًا والله عز وجل لم يحكم بكفره عاد التكفير إليك، وصار يخشى عليك من الضلال ولو في المستقبل إذا لم تتب. [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

الزمر 39:59

نأخذ الفوائد من قوله: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ﴾ [الزمر ٤٩] إلى آخره. * من فوائد هذه الآية: أن الإنسان يلجأ إلى الله تعالى عند الشدائد، وهذه طبيعة فطرية لا يتخلف عنها إلا من نكس قلبه. * ومن فوائدها: أن المشركين في زماننا الذين يدعون مع الله غيره أشد شركًا من السابقين؛ لأن السابقين إنما يشركون في الرخاء، وإذا مسهم الضر لجئوا إلى الله، أما اللاحقون فإنهم يشركون في حال الشدة كما يشركون في حال الرخاء، إذا أصابهم الضر نادوا: يا فلان، يا فلان، يا فلان، نعم هذا أشد شركًا من الأولين، وهذا أيضًا مخالف للفطرة التي فطر الناس عليها؛ لأن الإنسان لا يلجأ عند الشدائد إلا بمن يؤمن أنه يكشف هذه الشدائد. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان إذا أصيب بالنعمة نسي نعمة الله وأضافها إلى غيرها. * ومن فوائد الآية الكريمة: ضرر الإعجاب بالنفس، حيث يقول: إنما أوتيته على علم عندي. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى يبتلي بالنعم كما يبتلي بالنقم؛ لقوله: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ وقد قال سليمان عليه الصلاة والسلام: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل ٤٠]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أكثر الناس غافلون عن هذه المسألة، أي: عن كون الله سبحانه وتعالى يبتليهم بالنعم فيظنون أن النعم دليل على الرضا، فيستمرون في معاصيهم ويقولون: لو كان الله غاضبًا علينا ما أعطانا، ولكن من العامة من يقول العبارة المشهورة: عطاه لا يدل على رضاه، عطاء الله لا يدل على رضاه، قد يكون هذا من باب الاستدراج بالنعم حتى يهلك الإنسان، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران ١٧٨]، وصح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «إِنَّ اللهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ، حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٦٨٦)، ومسلم (٢٥٨٣ / ٦١) من حديث أبي موسى الأشعري.]]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من الناس من منَّ الله عليهم بالعلم والفراسة والتدبر والتأمل، فعرفوا الأمور على حقائقها، يؤخذ هذا من قوله: ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾ فإن الأكثر ضد الأقل. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة العلم؛ لقوله: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لأن الذين يعلمون يعرفون مثل هذه الأمور وأنها ابتلاء وامتحان فيتعظون بها. ثم قال تعالى: ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الزمر ٥٠]. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الشر يتبع بعضه بعضًا؛ لقوله: ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. * ومن فوائدها: تسلية الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن هؤلاء الذين قالوا هذا في عصره قد قاله من سبق. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن لأهل الشر قدوة يقتدون بها كما أن لأهل الخير قدوة يقتدون بها، ولهذا جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله البجلي.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل ما كسبه الإنسان من مال أو جاه فإنه لا يغنيه من الله شيئًا؛ لقوله: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، حتى لو كسب أقوى صنعة في الأرض، فإنها لا تغني عنه من الله شيئًا، إذا أراد الله عز وجل أن يتلف هذه القوة أتلفها بكلمة واحدة منه ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب على الإنسان اللجوء إلى الله، حيث إن جميع ما كسبه من مال أو جاه أو ولد أو زوجة أو غيره لا تغني عنه من الله شيئًا، إذن إلى من يرجع؟ إلى الله عز وجل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على الجبرية؛ لقوله: ﴿مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ فإن عمل الإنسان كسب له، أما الجبرية فيقولون: إن عمل الإنسان ليس كسبًا له؛ لأنه مرغم عليه ومجبر عليه، فلا يكون كسبًا له ولا يضاف إليه. ثم قال الله تعالى: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الزمر ٥١]. * في هذه الآية من الفوائد: أن العقوبة تكون على قدر العمل؛ لقوله: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ﴾ مع أن الذي أصابهم ليست السيئات ولكن جزاؤها، إلا أنه لما كان الجزاء من جنس العمل صح أن يعبر بالعمل عنه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تهديد هؤلاء الذين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يصيبهم ما أصاب الأولين؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾. * ومن فوائد هذه الآية: شؤم الظلم؛ لأنه يوقع صاحبه في الهلاك. * ومن فوائدها: أن من عصا الله فهو ظالم، ظالم لمن؟ * طلبة: لنفسه. * الشيخ: ظالم لنفسه وكذلك لغيره إن تعدت معصيته إلى الغير، فلو جنى على أحد محترم من مسلم أو يهودي، ذمي أو نصراني، ذمي أو غيرهم من أهل الكفر الذميين، فإنه يكون ظالمًا لنفسه وظالمًا لغيره. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا أحد يفوت الله ويعجزه؛ لقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ وقد قال الشاعر الجاهلي: أَيْنَ الْمَفَرُّ وَالإِلَهُ الطَّالِبُ ∗∗∗ وَالأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ لَيْسَ الْغَالِبُ فلا أحد يعجز الله عز وجل، أو يفوت الله، لا في السماء ولا في الأرض. ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الزمر ٥٢] إلى آخره. ارتباط هذه الآية بما قبلها ظاهر؛ لأنه تكلم عن الإنسان إذا أصابه الضر، وإذا أصابته النعمة، ثم عقب ذلك بأن هذا الأمر كله بيد الله. * من فوائد الآية الكريمة: تقرير هؤلاء بأن كل شيء من عند الله، بسط الرزق وتضييقه من عند الله، وهم يعلمون ذلك؛ لقوله: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ فإن مثل هذا التركيب يفيد التقرير. * ومن فوائدها: إثبات المشيئة لله؛ لقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وليعلم أن كل شيء علقه الله بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة، أي أنه ليست مشيئة الله مشيئة مجردة هكذا تأتي عفوًا، لا، هي مشيئة مقرونة بالحكمة. والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠] فلما بين أن مشيئتهم بمشيئة الله بين أن ذلك مبني على علم وحكمة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الرزق لا يحصل بالشطارة والحذق، وإنما هو من عند الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر. فإذا قلنا بهذه الفائدة أشكل علينا هل معنى ذلك أن نبطل الأسباب؟ لا، بل نفعل أسباب بسط الرزق لنتحاشى تضييقه، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك ١٥] فأمر أن نمشي بمناكبها وأن نأكل من رزقه؛ لأنا إذا مشينا في المناكب وسعينا في أسباب الرزق حصل فأكلنا من رزقه. * ومن فوائد الآية الكريمة: تمام ملك الله وسلطانه؛ لقوله: ﴿يَبْسُطُ﴾ ﴿وَيَقْدِرُ﴾ وهذا يدل على كمال الملك والسلطان، وأنه لا معارض له سبحانه وتعالى. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان وسيلة للاهتداء ومعرفة الآيات؛ لقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الزمر ٥٢] وإذا كان هذا الحكم معلقًا على هذا الوصف، فإن القاعدة أن ما علق على وصف فإنه يقوى بقوته، ويضعف بضعفه، هذه القاعدة، كل حكم علق على وصف فإنه يقوى بقوته، ويضعف بضعفه، إذن كلما قوي الإيمان ظهر للإنسان من آيات الله ما لم يظهر له مع ضعف الإيمان، وكلما ضعف الإيمان ضعفت معرفة الإنسان وإدراكه للآيات التي ينزلها الله عز وجل من الوحي والتي يقدرها من القضاء. ثم قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر ٥٣] ﴿قُلْ﴾ يعني أبلغ عبادي بذلك، أبلغهم بأني أقول: يا عبادي، ولا يصح أن نقول: قل أنت يا محمد: يا عبادي، فتضيف العبادة إلى نفسك، لا، المعنى أبلغ عبادي أني أقول: يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم. ولماذا قلنا بهذا التفسير؟ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لو قال للناس: يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم، فإنه لا يستقيم الكلام، ولكن المعنى: قل للناس أي: أبلغهم بأني أقول: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ وقراءة أخرى: ﴿لا تقنِطوا﴾ ، وقوله: ﴿يَا عِبَادِيَ﴾ يشمل العباد بالمعنى الخاص والعباد بالمعنى العام، يعني حتى الكفار يقال لهم مثل هذا القول. وقوله: ﴿الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: جاوزوا الحد في رعاية الأنفس، والواجب على الإنسان في رعاية نفسه أن يرعاها حق رعايتها، بحيث يقوم بما يصلحها ويتجنب ما يفسدها، فإذا لم يفعل فقد أسرف على نفسه، مثال ذلك: رجل سرق، السرقة هذه إسراف على النفس؛ لأن الواجب حماية النفس من السرقة، رجل شرب الخمر هذا إسراف على النفس، رجل سجد لصنم إسراف على النفس لأنه مجاوزة للحد. ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ القنوط واليأس معناهما متقارب، لكنهم فرقوا بينهما بأن القنوط أشد اليأس، وأما اليأس فمعروف أنه عدم الرجاء وعدم الأمل في حصول الشيء ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ من رحمة الله لكم، فـ(رحمة) هنا مضافة إلى الفاعل أو إلى المفعول؟ * طلبة: إلى الفاعل. * الشيخ: إلى الفاعل، أي من رحمة الله إياكم، وبماذا تكون الرحمة؟ تكون الرحمة بأن يهدي الله عز وجل رجل إلى التوبة والاستغفار ويتوب عليه، فأنت لا تقنط من رحمة الله لا بنفسك ولا بغيرك، ولكن افعل السبب، فلو قال قائل مسرف على نفسه: أنا لا أقنط من رحمة الله، ولكنه يفعل المعصية مستمر عليها، نقول: هذا غلط؛ لأنك إذا استمررت على المعصية فأنت آمن من مكر الله، وكلا الطرفين ذميم، لا القنوط من رحمة الله ولا الأمن من مكر الله، لكن نقول: افعل السبب، افعل السبب ولا تقنط من رحمة الله. (﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ لمن تاب من الشرك ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ) ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾، ﴿يَغْفِرُ﴾ أي يسترها ويتجاوز عنها؛ وذلك لأن المغفرة مشتقة من أيش؟ * طلبة: من الغفر. * الشيخ: من الغفر. * طالب: (...) مشتقة. * الشيخ: (...) مشتقة المغفرة. * طالب: (...). * الشيخ: نعم من المغفر، المغفر هو الذي يوضع على الرأس في وقت القتال من أجل أن يقيه السهام، ومعلوم أن هذا المغفر فيه ستر وفيه وقاية، وعلى هذا فأنت إذا قلت: رب اغفر لي، لست تسأل الله أن يستر ذنوبك فقط، بل تسأل الله أن يسترها وأن يتجاوز عنها، فقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾ أي يسترها ويتجاوز عنها، وقوله: الذنوب، هذه صيغة عموم أو خصوص؟ * الطالب: عموم. * الشيخ: عموم، الذنوب، وأكد هذا العموم بقوله: ﴿جَمِيعًا﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ وهذه المغفرة التي أثبتها الله عز وجل هل هي شاملة لكل ذنب؟ الجواب: نعم، شاملة لكل ذنب فيمن تاب، فكل من تاب تاب الله عليه، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان ٦٨ - ٧٠] فهؤلاء جمعوا بين الشرك وقتل النفس، وهو اعتداء على النفوس، والزنا وهو اعتداء على الأعراض والأخلاق، ومع ذلك إذا تابوا تاب الله عليهم. وهذه الآية أجمع العلماء على أنها في التائبين؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ ولم يقيد، فهي في التائبين، أما غير التائبين فقال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨] فغير التائبين نجزم بأن الله لا يغفر الشرك في حقهم، وما دون الشرك تحت المشيئة؛ إن شاء عذب وإن شاء غفر، فللإنسان حالتان: الحال الأولى: التوبة، فما حكم ذنبه حينئذ؟ * طالب: الغفران. * الشيخ: الغفران مهما عظم الذنب، الحال الثانية: عدم التوبة. * طالب: عدم التوبة (...) لقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء ٤٨] وأما بقية الذنوب (...). * الشيخ: كيف ما فهمنا إلى الآن الجواب غير مرتب. * الطالب: الكبائر (...) فيغفرها الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: الكبائر ولو دون الشرك؟ * الطالب: الشرك. * الشيخ: نعم. * الطالب: أما ما دون الشرك فهي تحت المشيئة. * الشيخ: تحت المشيئة تمام، يعني بدون التوبة نقول: الشرك لا يغفر قطعًا، وما دون الشرك تحت المشيئة، ويستدل بالآية التي ذكرناها استشهادًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ يستدل بها المسرفون على أنفسهم بالمعاصي، فإذا نهيتهم عن معصية قالوا لك: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. نقول له بكل بساطة: وهل تجزم أنت أنك ممن شاء الله أن يغفر له؟ الجواب: لا، إذن أنت على خطر، وأنت الآن فعلت سبب العقوبة، وكونك يغفر لك هذا أمر راجع إلى مشيئة الله عز وجل. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أولًا في الجملة كلمة ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ لو حذفت هذه الكلمة لاستقام الكلام بدونها، فما هي الكلمة؟ * طلبة: (هو). * الشيخ: (هو)، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ﴾ كلمة (هو) يسميها النحويون ضمير فصل، وبعضهم يسميها عمادًا. * طالب: ضمير الشأن؟ * الشيخ: لا، ما هو ضمير الشأن، فما هو فائدة هذا الضمير؟ يقولون: إن في هذا الضمير ثلاث فوائد: الفائدة الأولى: التوكيد، والفائدة الثانية: الحصر، والفائدة الثالثة: التمييز بين الخبر والصفة، مثاله: إذا قلت: زيد هو الفاضل، الضمير في (هو) ضمير فصل، لو قلت: زيد الفاضل وحذفت الضمير. * طلبة: استقام. * الشيخ: استقام الكلام، لكن يحتمل أن يكون (الفاضل) صفة والخبر منتظر، ويحتمل أن يكون (الفاضل) هو الخبر، أليس كذلك؟ فإذا قلت: زيد هو الفاضل، ارتفع الاحتمال الأول وهو أن تكون (الفاضل) صفة، وتعين الاحتمال الثاني، وهي أن تكون خبرًا، واضح يا جماعة؟ طيب ما الذي استفدنا من هذا التركيب؟ زيد هو الفاضل، استفدنا أولًا توكيد الفضل في زيد، وثانيًا: حصر الفضل فيه، زيد هو الفاضل، وثالثًا؟ * طالب: التمييز بين الصفة والخبر. * الشيخ: التمييز بين الصفة والخبر، يعني الآن ليس عندنا احتمال أن تكون صفة، هذا من حيث المعنى في ضمير الفصل، من حيث الإعراب هل هو اسم أو حرف؟ الصحيح أنه حرف لا محل له من الإعراب، حرف جاء بصورة الاسم، وليس له محل من الإعراب، نعم والدليل على أنه لا محل له من الإعراب كثير في القرآن وغير القرآن، قال الله تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء ٤٠]؛ لأنه إذا كان له من الإعراب صار محله الرفع وما بعده خبر، ولكنه ليس له محل من الإعراب، بل هو جاء عمادًا أو جاء فصلًا. * طالب: قوله تعالى السابق: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يقول في الحاشية: إن فيه دلالة على أن المراد بالإنسان الجنس، فكيف استدل بهذا؟ * الشيخ: أي وجه أنه لما قال: أكثرهم لا يعلمون؛ لأن فيه من يعلم وهم المؤمنون، فيكون ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾ يدل على أن المراد الجنس، لأن غير المؤمن كلهم لا يعلمون. * طالب: الراجح يا شيخ؟ * الشيخ: سبق لنا القول في هذا أن الراجح هو الكافر، والجواب عن هذا أن نقول: من الكفار من يعلم لكنه مستكبر. * طالب: ما هو ضمير الشأن؟ * الشيخ: ضمير الشأن هو الضمير الذي يدل على القصة وليس موجودًا، ضمير الشأن في الغالب يكون محذوفًا. * طالب: فيه ناس من المؤمنين إذا جاءتهم النعمة قال: إنما أوتيته على علم عندي، من المؤمنين ولكن ناقصون الإيمان، ما يؤيد أن الإنسان المقصود به الجنس. * الشيخ: نعم؟ * الطالب: المقصود بالإنسان الجنس المؤمن والكافر، يعني حتى المؤمن يقول: إنما أوتيته على علم عندي، لكن يكون. * الشيخ: إي لكن هو كافر بهذه المقالة، ما هو كافر كفرًا مخرجًا عن الملة، نقول: هو بهذه المقالة كافر، وقد يكون كافرًا كفرًا مخرجًا عن الملة، إذا اعتقد أن الله ليس له سبب في حصول هذه النعمة، وأنه هو الذي حصلت به، لا أنه سبب، فهو كفر؛ لأن إضافة النعم إلى أسبابها بالإعراض عن المسبب وهو الله، وادعاء أو اعتقاد أن هذه النعمة ليس لله فيها علاقة هذا كفر بالربوبية. * طالب: هل يجزم الإنسان إذا تاب من الذنب بأن الله عز وجل تاب عليه فلا (...) أن يكون موانع التوبة؟ * الشيخ: نقول: نعم، إذا تبت توبة نصوحًا فإن الله يقبلها، لكن من الذين يقول: إن توبته نصوحة؛ لأن المشكل الذي سيكون من فعل العبد، لا من فعل الرب، فالرب إذا وقع فعل العبد على ما يرضى حصل موعوده؛ لأن الله لا يخلف الميعاد، لكن الذي يكون محل إشكال هو فعل العبد، هل هذه التوبة توبة نصوح على حسب ما رسم في الشرع؟ فنحن نجزم، لكن قد يكون في قلب الإنسان بلاء، يكون عنده شيء من الرياء، يكون عنده شيء من المن على الله عز وجل، وغير ذلك من الأسباب، تكون التوبة غير نصوح، يتوب الإنسان مثلا من نظر المرأة الأجنبية، لكنه لا يتوب من غمز المرأة الأجنبية، التوبة الأولى تقبل ولَّا ما تقبل؟ * طالب: لا، ما تقبل. * الشيخ: لا، ما تقبل؛ لأنه ما تاب من الذنب الذي هو من جنس ذنبه، يتوب الإنسان مثلًا من أكل الربا، ربا النسيئة، ولكنه يرابي ربا الفضل، هذه غير نصوح، ولهذا نقول: من تاب إلى الله توبة نصوحًا فإنه مقبول التوبة، ومن اختل فيه النصح فليس مقبول التوبة (...) * * * قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر 53] ما المراد بالإسراف؟ أسرفوا على أنفسهم. * الطالب: جنوا. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: جنوا. * الشيخ: جنوا. * طالب: ظلموا. * الشيخ: ظلموا نعم. * طالب: جاوزا الحد في رعايتها. * الشيخ: صحيح، جاوزا الحد في رعايتها، وذلك بأن أوقعوها في المعاصي أو جنبوها الطاعات. * الشيخ: قوله: ﴿لَا تَقْنَطُوا﴾ معناها؟ * طالب: القنوط أشد اليأس. * الشيخ: القنوط أشد اليأس، طيب يعني: ما تيئسوا من رحمة الله. جملة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ موقعها مما قبلها؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، أظن ما ذكرناها؟ طيب، هل هذه الآية في عموم العصاة؟ * طالب: هذا في التائبين. * الشيخ: في التائبين، أي أجمع المفسرون على أنها في التائبين، غير التائبين ما حالهم يا أخ؟ * طالب: غير التائبين؟ * الشيخ: نعم ما حالهم؟ * الطالب: هي تختلف. * الشيخ: إي نعم هي تختلف، كيف الاختلاف؟ * الطالب: حالهم في الآية التي ذكرناها في سورة النساء، قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾. * الشيخ: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أحسنت، هذه حالهم. قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ الغفور معناه؟ * طالب: الغفور الذي يستر الذنب ويتجاوز عنه. * الشيخ: أحسنت، لماذا زدت: ويتجاوز عنه؟ * الطالب: (...). * الشيخ: بارك الله فيك. نأخذ الدرس الآن الجديد: قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ﴾ أوردنا إشكالًا أمس على قوله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ﴾ يعني أمر الله الرسول أن يقول: يا عبادي؟ * طالب: (...). * الشيخ: أبلغهم بأن الله يقول: يا عبادي الذين أسرفوا. * طالب: (...). * الشيخ: طيب. قول الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر 53]، هذه الجملة موقعها مما قبلها أنها تعليل للنهي عن القنوت، يعني لا تقنطوا فإن الله يغفر الذنوب جميعًا إذا استغفرتموه ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ سبق لنا تفسير هذه الآية، نأخذ فوائدها الآن. * طالب: (...). * الشيخ: طيب، نرجع إلى كلام المفسر، قال المفسر رحمه الله: (﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنِطُوا﴾ بكسر النون وفتحها) قراءتان سبعيتان، وقاعدة المؤلف رحمه الله أنه إذا قال مثل هذا القول يعني بالوجهين أو قال: وفي قراءة، فالقراءة سبعية، أما إذا قال: وقرئ فالقراءة شاذة، إذن فيها قراءتان سبعيتان بفتح النون وبكسر النون. ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ نعم. * طالب: وقرئ بضمها. * الشيخ: وقرئ بضمها (لا تقنُطوا)، وهذه القراءة شاذة، يعني ليست سبعية. واختلف العلماء في القراءة غير السبعية هل يجوز أن يقرأ بها الإنسان أو لا، والصحيح أنها إذا صحت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإن القراءة بها جائزة؛ لأن القرآن كله حق، فإذا ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ بهذه القراءة فهي صحيحة، سواء جاءت عن طريق القراء السبعة أم لم تأتِ. قال: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ (﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ لمن تاب من الشرك)، نعم لمن تاب من الشرك، وكذلك من تاب من غيره مما دونه، لكن ذكر المؤلف الشرك لأنه أعظم الذنوب، ولأنه لا يُغفر إلا بتوبة، وإذا تاب الإنسان من الشرك وبقي على شيء من المعاصي كان يقوم بها في حال كفره، فهل تغفر هذه المعاصي أو لا بد لها من توبة؟ الصحيح أنه لا بد لها من توبة كما لو كان يشرب الخمر وهو كافر، ثم أسلم وبقي على شرب الخمر، فإن إسلامه لا يوجب أن يسقط عنه إثم شرب الخمر؛ لأنه أيش؟ لم يتب منه، لكن إذا تاب من الشرك ولم يصر على المعاصي الأخرى ولم تطرأ له على بال، فإن جميع ذنوبه تغفر، فالتائب من الشرك في الحقيقة له ثلاث حالات: إما أن يستحضر أنه تاب من الشرك ومن جميع المعاصي التي كان يعملها، فهذا لا شك بأن توبته تعم كل ذنب، وإما أن يتوب من الشرك مع الإصرار على بعض المعاصي التي كان يفعلها في حال الشرك، فهنا لا تغفر له هذه المعاصي التي أصر عليها، لأنه استمر فيها، مثل أن يكون معتادًا لشرب الخمر في حال كفره، فيسلم وهو مصِر على شرب الخمر، فإنه لا يغفر له ما قد سلف من الذنوب ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال ٣٨]. الحالة الثالثة: أن يتوب من الشرك ولم يطرأ على باله بقية المعاصي، لكنه لم يفعلها بعد إسلامه، فهنا أيش؟ يغفر له، يغفر له جميع الذنوب؛ لأنها تندمج الصغار بالكبار فيغفر له جميع الذنوب. ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ انتهت الآية، وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ تعليل لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ و ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ تعليل لقوله: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ فهو تعليل لتعليل. * من فوائد هذه الآية الكريمة: عناية الله عز وجل بهذا الأمر، أي بإبلاغ عباده أنه يغفر الذنوب جميعًا نعم. عناية الله تعالى بهذه الجملة أو بهذا الأمر، حيث أمر نبيه أمرًا خاصًّا بأن يبلغ الناس هذه القضية، انتبهوا، القرآن كله قد أمر النبي ﷺ أن يبلغه ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧] لكن هناك أشياء خاصة ينص الله عليها أن يبلغها، وهذا يقتضي العناية بها، مثل: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور ٣٠]، ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور ٣١]، ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ هذه توصية خاصة بأن يبلغها الرسول ﷺ إلى الأمة، فيقتضي ذلك العناية بها، انتبهوا لهذه النقطة، قد لا تكون مرت عليكم من زمان قريب، أقول: إذا صدر الله الحكم بـ(قل) فهو دليل على أيش؟ * طلبة: على العناية. * الشيخ: على العناية به؛ لأن هذا أمر بإبلاغه على وجه الخصوص، أما القرآن فقد أمر أن يبلغه على سبيل العموم ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾. * من فوائد الآية الكريمة: أن الخلق كلهم عباد الله ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ لأن العباد هنا المراد بها العبادة العامة. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن من تاب إلى الله تاب الله عليه من الشرك فما دونه، وهذا أمر مجمع عليه. لكن اختلف العلماء فيمن قتل نفسًا عمدًا هل له من توبة؟ فروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه لا توبة لقاتل، فأخذ بها بعض العلماء وقالوا: إن القاتل لا توبة له ولو تاب، ولكن هذا ليس بصحيح؛ لأنه مخالف للآيات والأحاديث الدالة على قبول توبة التائب من الشرك فما دونه، ويدل على بطلان هذا القول قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان ٦٨ - ٧٠] فهنا ذكر الله القتل وذكر الشرك وذكر الزنا، وأخبر أن من تاب وآمن وعمل عملًا صالحًا فيعطى زيادة على توبته بأن يبدل الله سيئاته حسنات. ومن السنة ما قصه علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن رجل أسرف على نفسه فقتل تسعًا وتسعين نفسا، ثم سأل عابدًا من العُبَّاد: هل له من توبة؟ وقد قتل تسعة وتسعين نفسًا؟ فاستعظم العابد هذا الذنب وقال: ما لك توبة، تقتل تسعة وتسعين نفسًا ثم تأتي وتقول: لي توبة! ما لك توبة. قال: نكمل بك المئة. فقتله أتم به المئة، ثم دُلَّ على عالم فسأله قال: إني قاتل مئة نفس فهل له من توبة؟ قال: نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة! وهذا يدلكم على فضل العلم وعلى قبح الجهل، شف الجهل جنى على نفسه الجاهل، جنى على نفسه وأيس هذا الآخر من رحمة الله، فكان جزاؤه أن قتل، فقال له العالم: نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة، ولكن أنت في قرية أهلها ظالمون، اذهب إلى القرية الفلانية يعني فإنها مرتع خصب لك، فذهب وفي أثناء الطريق جاءه الموت، فأرسل الله إليه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فتنازعوا، ملائكة الرحمة تقول: أنا أقبض الروح لأن الرجل جاء تائبًا مهاجرًا، وملائكة العذاب قالت: لا، أنا أقبض روحه لأنه رجل مسرف ولم يصل إلى بلده التي يهاجر إليها، فأرسل الله إليهم حكمًا يحكم بينهم وقال: قيسوا ما بين القريتين، فإلى أيتهما كان أقرب فهو من أهلها، فقاسوا فوجدوه أقرب إلى القرية الصالحة بقليل بنحو شبر[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٧٠)، ومسلم (٢٧٦٦ / ٤٦) من حديث أبي سعيد الخدري. ]]، وقد قيل: إنه كان إلى غير الصالحة أقرب، لكنه في أثناء الموت في سياق الموت لشدة رغبته في الأرض الصالحة أهلها كان يزحزح نفسه وهو في سياق الموت، فقبضته ملائكة الرحمة، قالوا: فإذا كان هذا في الأمم السابقة، فهذه الأمة أكرم على الله منها من الأمم السابقة، كيف لا يكون للقاتل توبة؟ إذن القول الراجح أن الآية هذه عامة، حتى للقاتل له توبة، وقد حمل ابن القيم رحمه الله ما روي عن ابن عباس محملًا حسنًا، فقال: إن القتل العمد تتعلق به ثلاثة حقوق: حق الله وحق الميت وحق أوليائه. أما حق الله فإنه يسقط بالتوبة بلا إشكال، ولا يخفى مثل هذا عن ابن عباس رضي الله عنه، وأما حق الميت فلا يمكن إسقاطه الآن في الدنيا؛ لأنه انتقل عن الدنيا، وسيطالب بحقه يوم القيامة وأما حق أولياء المقتول فبأن يسلم نفسه لهم، إذا سلم نفسه لهم فهذا دليل على صدق توبته وتبرأ ذمته، هذا ما وجه ابن القيم كلام ابن عباس إليه. وعندي أنه إذا تاب تاب الله عليه حتى عن حق الميت المقتول، والله عز وجل يتحمل حق المقتول يوم القيامة ويرضيه، وذلك لعموم الأدلة الدالة على أن من تاب من الذنب وإن عظم فإن الله يتوب عليه، فإذا جاء هذا الرجل تائبًا وسلم نفسه لأولياء المقتول وقال: أنا الآن بين أيديكم إن شئتم القصاص أو الدية أو العفو، هذا أعلى ما يقدر عليه، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦] فالقول الصحيح عندي أنه يُعفى عنه حتى حق المقتول، وذلك بأن يتحمله الله تعالى يوم القيامة. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن رحمة الله سبقت غضبه، وذلك بكونه يغفر الذنوب جميعًا بالتوبة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أحكام الله تعالى من مقتضى أسمائه وصفاته، أحكامه هنا أحكام جزائية ولَّا قدرية ولَّا شرعية؟ * طلبة: جزائية. * الشيخ: جزائية، من مقتضى أسمائه وصفاته، فلكونه غفورًا رحيمًا كان ذا مغفرة فغفر لمن تاب. * ومن فوائدها: الإشارة إلى أن الإنسان بعد التوبة قد يكون خيرًا منه قبلها وقبل فعل الذنب؛ لقوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾؛ لأن الرحمة تقتضي عطاء جديدًا، وهذا هو المشاهد، فإن الله عز وجل ذكر عن آدم أنه لما عصى ربه وغوى وتاب قال: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه ١٢٢]، وهذه المنقبة الاجتباء والهداية لم تذكر له قبل، والإنسان يحس بنفسه أيضًا، أنه إذا أناب وندم يحس من نفسه رجوعًا إلى الله وشدة افتقاره إليه، بخلاف ما إذا كان مستقيمًا على طاعة الله، فإنه لا يحس بالرجوع إلى الله عز وجل والإنابة إليه، وربما يصاب بالغرور بأنه لم يذنب، ولهذا جاء في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم: «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ ثُمَّ جَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ وَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ»[[(٢٧٤٩ /١١) من حديث أبي هريرة.]]. إذن نقول: إن الإنسان إذا تاب إلى الله، فقد يكون بعد التوبة خيرًا منه قبلها، نعم، وقد يكون بالعكس، لكن هذا أمر حصل قدرًا في آدم، وكذلك شرعًا كما تدل عليه هذه الآية ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. قال: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾: أنيبوا إلى ربكم: الإنابة بمعنى الرجوع التام إلى الله، بماذا نرجع إلى الله؟ بالإقلاع عن المعصية والانضمام في سلك الطائعين، يعني إنابة لا يصدق الاتصاف بها إلا بالرجوع إلى الله من المعصية إلى الطاعة، أنيبوا إلى ربكم، وفي قوله: ﴿إِلَى رَبِّكُمْ﴾ هنا الربوبية يحتمل أن تكون عامة، ويحتمل أن تكون خاصة، فهي بعد الإنابة من الربوبية الخاصة. ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ يقول: أسلموا له أي: انقادوا له، فالإنابة تكون بالقلب، بالرجوع إلى الله، ينيب الإنسان: يرجع إلى الله، أسلموا له أي: انقادوا له؛ لأن الإسلام والاستسلام وهذه المادة كلها تدل على الانقياد، وقوله: ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ (له): اللام هذه للاختصاص، وسنذكر أنها تفيد وجوب الإخلاص. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ أسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب في الدنيا قبل أن تتوقعوا ذلك، ثم إذا أتاكم لا تُنصرون، أي: لا تُمنَعون من هذا العذاب؛ لأن الله تعالى: ﴿إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد ١١] أي: من متولٍّ ينصرهم ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾. ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ اتبعوا أي: الزموا بالعمل، أو الزموا العمل بأحسن ما أنزل إليكم من ربكم، والعمل يقتضي العمل القلبي والعمل اللساني والعمل الجوارحي، يعني اتبعوا عقيدةً وقولًا وعملًا. وقوله: ﴿أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ هل الأحسن هنا وصف للعمل الذي يقوم به الإنسان أو وصف للنازل؟ * طلبة: وصف للنازل. * الشيخ: الظاهر أنه وصف للنازل، أحسن ما أنزل إليكم، ونحن إذا تأملنا لن نجد أحسن من القرآن، كما هو ظاهر في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة ٤٨] أي: مسيطرًا وذا سلطة، فعلى هذا تكون الأحسنية هنا راجعة إلى الكتاب المتبوع، وحينئذٍ لا إشكال فيها، فإذا قلنا: ﴿اتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ أي: افعلوا أحسن ما شرع لكم. يبقى فيه إشكال، وهو أننا مأمورون بأحسن ما شرع لنا، فهل يعني ذلك أننا لو فعلنا الحسن دون الأحسن نكون مقصرين؟ نقول: هذا ظاهر الآية إذا فسرناها بما ذكرنا، ولكن دلت النصوص على أن من اقتصر على الواجب فقد قام بالواجب، وإن لم يأتِ بالأكمل، وإن لم يأتِ بالأحسن، بل إن الرسول عليه الصلاة والسلام قال للرجل الأعرابي الذي ذكر له شرائع الإسلام قال: «إِنْ صَدَقَ هَذَا دَخَلَ الْجَنَّةَ»[[أخرجه البخاري (١٨٩١) من حديث طلحة بن عبيد الله.]]، وعليه -أي: على هذا الاحتمال في الآية الكريمة- نقول: إن النصوص دلت على أن اتباع الحسن مبرئ للذمة، لكن الأكمل اتباع الأحسن. ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً﴾ أي: مفاجئًا، بغتة هنا بمعنى: مفاجئًا، ويحتمل أن تكون مصدرًا مبينًا للنوع، أي أن يأتيكم إتيان بغتة، ويحتمل أن تكون مصدرًا بمعنى في موضع الحال، أي: مباغتًا، والمراد المفاجأة، يأتيكم العذاب مفاجأة ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ أي: لا تحتسبون أن يقع بكم العذاب؛ لأنكم غافلون، وليس عندكم شعور، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف ٩٧ - ٩٩] والغالب أن من انهمك بالمعاصي نسي الخالق ونسي العذاب، فيأتيه العذاب وهو في أشد ما يكون انغماسًا في المعاصي والترف. * في الآية الكريمة فوائد: أولا: وجوب الإنابة إلى الله لقوله: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾. * ومن فوائدها: وجوب الإخلاص له؛ لقوله: ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾، وكذلك ﴿أَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾. * ومن فوائدها: أنه لا بد من الإسلام لله ظاهرًا وباطنًا، فمن أسلم قلبه لله لزِم أن يسلم جوارحه لله؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير.]]، ومن أسلم ظاهرًا لا باطنًا فإن إسلامه لا ينفعه كإسلام المنافقين، فالإسلام يكون في الباطن ويتبعه الإسلام في الظاهر، ويكون في الظاهر دون الباطن، وهل يكون في الباطن دون الظاهر؟ لا، كيف يكون في الباطن دون الظاهر؟ لأنه إذا أسلم لله قلبه أسلمت جوارحه «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ»، وأما المكره فهو لا حُكم لفعله؛ لأنه سقط عنه التكليف. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحذر من المخالفة، الحذر من نزول العذاب عند المخالفة؛ لقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾ ومن يأمن من عذاب الله؟ لا أحد يأمن، فأنت إذا لم تتب إلى الله مبادرةً فإن العذاب ربما ينزل بك. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه إذا نزل العذاب من عند الله فلا أحد يمنعه؛ لقوله: ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾، وتأمل قوله: ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾، (ثم) أتى بـ(ثم) الدالة على المهلة، يعني مهما طلبتم من ناصر وطالت مدة طلبكم للناصر، فإنكم لن تجدوا من ينصركم من عذاب الله. * ومن فوائد الآية الثانية: وجوب اتباع القرآن؛ لقوله: ﴿اتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. * ومن فوائدها: تحريم إتباع غير القرآن؛ لأنه إذا وجب اتباع القرآن فضده حرام. ولكن إذا قال قائل: هل تقولون: إن شرع من قبلنا شرع لنا؟ فالجواب أن في ذلك خلافًا بين أهل العلم من أهل الأصول، والصحيح أنه شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه، ونحن نتبع شرع من قبلنا لا لأنه شرع من قبلنا، ولكن لأن شرعنا دلنا على العمل به، وأدلة ذلك معروفة في أصول الفقه، منها قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام ٩٠]. ومنها قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]. ومنها قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة ٤]. المهم أن القول الراجح أن شريعة من قبلنا شرع لنا بشرعنا ما لم يرد شرعنا بخلافه، فإن ورد شرعنا بخلافه فهو مطرح. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن أحسن ما أنزل؛ لأن الله أمرنا باتباع أحسن ما أُنزل، ونحن نعلم جميعًا أننا نتبع القرآن. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من خالف ذلك ولم يتبع القرآن، فإنه ربما يأتيه العذاب بغتة وهو لا يشعر. وهنا نسأل: هل العذاب هو العذاب الحسي الذي به فساد البلاد، أو يشمل العذاب الحسي والعذاب المعنوي؟ يشمل الأمرين لا شك، والإنسان قد يُعذب عذابًا معنويًّا بحيث تفسد عليه أموره، أمور الدين وأمور الدنيا، قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة ١٣] وهذه عقوبة من العقوبات التي هي أشد من عقوبات الدنيا؛ أن يصد الإنسان عن ذكر الله وعن الصلاة، فإن هذا أشد من أن يفقد الإنسان ماله وولده. وقد كان بعض السلف إذا نام عن صلاة الليل قال: إنني ما حرمت صلاة الليل إلا بذنب، فجعل عدم القيام في الليل جعله عقوبة على ذنبٍ عمِله، وكلما كثرت المعاصي والعياذ بالله كثر الإعراض عن ذكر الله عز وجل، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف ٢٨]. أظن نقرأ كلام المؤلف، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (﴿وَأَنِيبُوا﴾ ارجعوا ﴿إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا﴾ أخلصوا العمل ﴿لَهُ﴾ ) وفي تفسيره الإسلام بالإخلاص نظر، والإسلام هو الانقياد وهو الاستسلام لله تعالى ظاهرًا وباطنًا. وقوله: (﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ بمنعه إن لم تتوبوا) إن لم تتوبوا راجع إلى قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾ لأننا إذا تبنا رفع الله عز وجل العذاب عنا. (﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وهو القرآن) ولم يذكر الاحتمال الذي ذكرنا، بل جعل المراد بالأحسن هنا أيش؟ أحسن ما نزل لا أحسن ما شرع، نعم. (﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ قبل إتيانه بوقته، فبادروا قبل ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ ) [الزمر: ٥٦] إلى آخره. * طالب: (...). * * * * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر ٥٣] ﴿قُلْ﴾ الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه هو الذي أوحي إليه هذا القرآن، واعلم أن القرآن كله قد قيل للنبي ﷺ فيه: قل، لكن بعضه يصرح فيه بقل، وبعضه لا يصرح؛ لأن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧] يعم القرآن كله، فيجب عليه أن يقول للناس القرآن كله، لكن بعض الآيات أو بعض الأحكام تصدر بـ(قل) للعناية بذلك، أي بذلك الحكم المصدَّر بـ(قل)، فهنا يقول الله تعالى: ﴿قُلْ﴾ أي: قل يا محمد ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: قل لهم مبلِّغًا عن الله أن الله قال: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾، (عبادي) هنا يراد بها العبودية العامة، وليست العبودية الخاصة؛ لأنها تشمل المؤمن والكافر. وقوله: ﴿الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: جاوزوا الحد في أعمالهم، وذلك بالكفر فما دونه، وأصل الإسراف مجاوزة الحد، فالإسراف على النفس أن تتجاوز الحد فيما يجب عليك لله عز وجل أو لغيره من الخلق. (﴿لَا تَقْنَطُوا﴾ بكسر النون وفتحها، وقرئ بضمها) ففيها ثلاث قراءات: قراءتان سبعيتان وقراءة شاذة ليست سبعية؛ لأن مصطلح مؤلف الجلالين إذا قال: في قراءة، فهي سبعية، وإذا قال: قرئ فهي شاذة، وإذا قال: بفتح وضم فهما سبعيتان، إذا قال: وقرئ فهي شاذة، ففيها الآن (تقنطوا) في النون ثلاث حركات: ﴿تقنِطوا﴾ ﴿تَقْنَطُوا﴾ وهاتان؟ * طلبة: سبعيتان. * الشيخ: سبعيتان، ﴿تقنُطوا﴾ هذه شاذة، والقراءة الشاذة لا يُقرأ بها في الصلاة، لكن يُستدل بها في الأحكام إذا صحت، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: بل إذا صحت فإنه يُقرَأ بها في الصلاة، كما يُستدل بها في الأحكام. فإذا قال قائل: ما الفرق بين الشاذة والسبعية؟ قلنا: إن العلماء اصطلحوا فما جاء عن طريق القراء السبعة المشهورين فهي سبعية، وما جاء عن طريق آخر ولو صح فهو عندهم شاذ، فالشاذ إذن ما خرج عن القراءات السبع، ولكنه يُحتج به في الأحكام، ولا يقرأ به في الصلاة، إلا على رأي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فإنه يقول: متى صحت القراءة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإنها تقرأ في الصلاة؛ وإن لم تكن من القراءات السبع. وقال المؤلف في تفسير ﴿تَقْنَطُوا﴾ قال: (تيئسوا) والصحيح أن هذا التفسير تقريب، لأن القنوط أشد اليأس، فهو أعلى درجات اليأس، فمعنى تقنطوا أي: يبلغ بكم اليأس أشده ﴿مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ يعني من أن يرحمكم الله عز وجل؛ لأن الإنسان إذا قنط من رحمة الله وأيس لم يتعرض للرحمة لأنه آيس، ولهذا يقال: اليأس مفتاح الترك، أضرب لكم مثلًا: حاول أن تحل عقدة من خيط، فإذا أعيتك ماذا تصنع؟ * طلبة: تتركها. * الشيخ: تتركها، إذا أيست منها تركتها، لكن بالنسبة لرحمة الله عز وجل لا تيئس، مهما عملت من الذنوب والمعاصي فلا تيئس. نعم من رحمة الله قلنا: معناها من أن يرحمك الله، لا تيئس من أن يرحمك الله، بل حاول أن تتعرض لرحمته، فهنا نهي وتعليل، النهي ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ التعليل ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ يغفر مأخوذ من المغفرة، وهي ستر الذنب والتجاوز عنه، هذه المغفرة، ستر الذنب والتجاوز عنه، وليست مجرد الستر؛ لأنها مأخوذة من المغفر، وهو ما يُوضَع على الرأس عند الجهاد للوقاية، فهو جامع لأمرين: الستر والوقاية. فمثلا: الغُترة هذه لا نسميها مغفرًا، الطاقية لا، مع أنها ساترة لكنها ليست واقية، لكن بيضة الحديد التي تُوضع على الرأس عند القتال نسميها مغفرًا، ليش؟ لأنها ساترة واقية، فمغفرة الذنوب سترها والتجاوز عنها، فأنت إذا قلت: اللهم اغفر لي، تسأل الله شيئين: أن يستر ذنوبك عن غيرك، والثانية: أن يتجاوز الله عنها. وقوله: ﴿يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ شامل للصغائر والكبائر، ولهذا قال العلماء: إن هذه الآية في التائبين، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨] في غير التائبين وهذا صحيح؛ لأن الشرك لا يغفره الله تعالى إلا بتوبة، فإذا قلنا بالعموم في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ فلا بد أن نقول: إن هذه في من؟ في التائبين، ما هي في كل إنسان، المشرك لا يغفر الله له قطعًا، لكن إذا تاب غفر الله له مهما عظم شركه. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ الجملة تعليل للحكم الذي قبلها وهو ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ والجملة هنا مؤكدة بمؤكدين هما: (إن) و(هو)، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، أما كون (إن) مؤكدة فظاهر؛ لأن (إن) من أدوات التأكيد. وأما (هو) فهو أيضًا من أدوات التوكيد؛ لأنه ضمير فصل، ما معنى قول: ضمير فصل؟ ضمير فصل يفصل بين المبتدأ والخبر، ويفيد التوكيد، ويفيد أيضًا الحصر، ويفيد الفصل الذي هو التمييز بين الخبر والصفة، فهو مفيد لثلاثة أمور، يعني ضمير الفصل له ثلاث فوائد: الأولى: التوكيد، والثانية: الحصر، والثالثة: التمييز بين الصفة والخبر، فوائد ما هي؟ * طالب: التوكيد والحصر والتمييز بين الصفة والخبر. * الشيخ: طيب يظهر هذا بالمثال، فإذا قلت: زيد الفاضل، فهنا يحتمل أن تكون (الفاضل) صفة لـ(زيد)، وأن نتلقى الخبر فيما بعد فيقال: زيد الفاضل في المسجد، فإذا قلت: زيد هو الفاضل تعين أن تكون خبرًا، فتميز الآن الخبر من الصفة بواسطة (هو)، كذلك إذا قلت: زيد هو الفاضل، فإنك لما أتيت بـ(هو) زدت ذلك توكيدًا، كذلك لما أتيت بـ(هو) حصرت الفضل فيه دون غيره، فقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ فيها فائدتان: الفائدة الأولى: التوكيد، والفائدة الثانية: الحصر، أما التمييز بين المبتدأ والخبر فهنا لا حاجة؛ لأن الضمير (إنه) يقولون: إنه لا ينعت ولا ينعت به، الضمير لا ينعت ولا ينعت به، واضح؟ وعليه فيكون الفائدة في قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ الحصر والتوكيد. وقوله: ﴿الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ سبق معنى المغفرة ستر الذنب والتجاوز عنه، ﴿الرَّحِيمُ﴾: أي ذو الرحمة التي يحصل بها المطلوب، والمغفرة يزول بها المرهوب، فالجمع بين الاسمين الكريمين يفيد أيش؟ يفيد السعادة الكاملة، النجاة من المرهوب في قوله؟ * طالب: ﴿الْغَفُورُ﴾. * الشيخ: ﴿الْغَفُورُ﴾ لأن هذا مغفرة الذنب، حصول المطلوب في قوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾ لأن الرحمة يحصل بها المطلوب والخيرات والنعم. فالجمع بين الاسمين الكريمين يفيد أيش؟ يفيد السعادة الكاملة، النجاة من المرهوب في قوله؟ * طالب: ﴿الْغَفُورُ﴾ [الزمر ٥٣]. * الشيخ: ﴿الْغَفُورُ﴾؛ لأن هذا مغفرة الذنب، حصول المطلوب في قوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾؛ لأن الرحمة يحصل بها المطلوب والخيرات والنعم، وبزوال المرهوب وحصول المطلوب يتم الفوز. قال الله جل وعلا: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران ١٨٥] ﴿زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ﴾ ما الذي بها؟ * طلبة: النجاة من المرهوب. * الشيخ: النجاة من المرهوب، ﴿وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ﴾ حصول المطلوب ﴿فَقَدْ فَازَ﴾. نرجع الآن إلى فوائد الآية: * من فوائد الآية الكريمة: وجوب إبلاغ الرسول ﷺ عن الله هذا القول، من أين يؤخذ؟ * طلبة: من ﴿قُلْ﴾ [الزمر ٥٣]. * الشيخ: من قوله: ﴿قُلْ﴾؛ لأن الأصل في الأمر الوجوب، لاسيما وأن هذا إبلاغ للرسالة، وإبلاغ الرسالة واجب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أهمية هذا البلاغ لئلا نقنط من رحمة الله، وأن نعلم أنه جل وعلا يغفر الذنوب جميعًا، من أين أخذنا أهميتها؟ من تصديره بـ ﴿قُلْ﴾ لأن هذا أمر بإبلاغ خاص. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المذنب مسرف على نفسه ظالم لها؛ لقوله: ﴿أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر ٥٣] ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [هود ١٠١]. والعجيب أن الظالم لنفسه بالمعصية إذا قيل له: لماذا؟ قال: هذا القضاء والقدر، عسى الله أن يهديني، عرفتم؟ وإذا ضربه أحد ظلمه بالضرب فقال: لم تضربني؟ قال: والله يا أخي هذا قضاء وقدر، هل يرضى بهذه الحجة؟ * طالب: لا يرضى. * الشيخ: لا يرضى، وهو بظلمه لنفسه يرضى، وهذا تناقض عجيب، يعني إذا ظلمت نفسك أبحت أن تحتج بالقدر، وإذا ظلمك غيرك لم تبح له أن يحتج بالقدر، وهذا جور في الحكم وتناقض، يقال: كيف ترضى أن تظلم نفسك ولا ترضى أن يظلمك غيرك ويحتج بالقدر؟ * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم القنوط من رحمة الله؛ لقوله: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ وجه الدلالة أن الأصل في النهي التحريم، وقد دلت السنة على أن القنوط من رحمة الله من كبائر الذنوب؛ لأنه ظن ما لا يليق بالله جل وعلا؛ فإن اللائق بالله سبحانه وتعالى أن من لجأ إليه فإنه أكرم الأكرمين لا يخيبه، فإذا قنطت من رحمته فقد استهنت في حقه سبحانه وتعالى، ولهذا كان القنوط من رحمة الله من كبائر الذنوب. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرحمة لله لقوله: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾. والرحمة نوعان: مخلوقة وغير مخلوقة، فما كان من الإنعام والإحسان فهو مخلوق، وما كان صفة للرب فهو غير مخلوق، ولهذا قال الله تعالى في الجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦ / ٣٥) من حديث أبي هريرة. ]] أنت رحمتي مع أن الجنة مخلوقة لكنها من آثار الرحمة، إذا وُلد لشخص ولد أو عاد إليه ضال من ماله أو ضائع من ماله، قال: والله هذه رحمة الله، هل هذه الرحمة مخلوقة ولَّا غير مخلوقة؟ * طلبة: مخلوقة. * الشيخ: مخلوقة؛ لأنها إحسان وإنعام، فإذا أطلقت الرحمة على الإحسان والإنعام فهي مخلوقة، وإذا أطلقت على صفة الله فهي غير مخلوقة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الذنوب مهما عظمت؛ فإن الله يغفرها ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ كل الذنوب؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: نعم؛ لأن الله ذكرها بـ(أل) الذنوب، وأكد هذا العموم بقوله: ﴿جَمِيعًا﴾ كل الذنوب، لكن هذا في حق من؟ في حق التائبين. * ومن فوائدها: أن ظاهرها مغفرة الذنوب للتائبين وإن كان الذنب للمخلوق، يعني لو اعتديت على شخص ثم تبت إلى الله، فإن الله يتوب عليك، ولو كان الذنب للمخلوق، عرفت؟ لكننا اشترطنا أن تتوب، ومن تمام التوبة أن توفي للمخلوق حقه إن قدرت عليه، فإن لم تقدر عليه فأوفه ولو بظهر الغيب. ونحن نضرب لهذا مثلًا أو مثلين أو ثلاثة حسب ما يتضح به المقام: إذا أخذت من شخص مالًا بغير حق فهذا ذنب، فإذا تبت إلى الله يغفر الله لك الذنب أو لا؟ يغفر الله لك الذنب لا شك، لكن من تمام التوبة أن توصل المال إلى صاحبه، فإن مات فإلى ورثته، إذا أديت إلى ورثته برئت ذمتك منه، لكن بقي ظلمك للميت الذي حلت بينه وبين ماله، هل تحاسب عليه أو لا تحاسب؟ إن قلت: لا تحاسب، فسيقول لك قائل: كيف يتخلص الإنسان من ظلم الميت الذي حال بينه وبين ماله؟ وهذا صحيح ولَّا غير صحيح؟ * طلبة: صحيح. * الشيخ: صحيح، ذمته برئت؛ لأنه أدى المال إلى مستحقه بعد موت صاحبه، لكن المشكل أن صاحبه حيل بينه وبينه في حال الحياة، لو كان عنده لاشترى بيتًا، لاشترى سيارة، لتزوج، فحلت بينه وبينه، فهل يسقط عنك حقه بتوبتك أو لا؟ نقول: ظاهر الآيات الكريمة أنه يسقط حقه عنك أنت، لكن الله تعالى يوفيه من عنده، أفهمتم أو لا؟ طيب لماذا؟ لأنك الآن لا تستطيع أن تتوصل إلى هذا الميت لتعطيه حقه، والذي تستطيعه أن أيش؟ أن تؤديه إلى ورثته، وقد فعلت. مثال آخر: أخذت مالًا من شخص ثم نسيت الشخص، نسيته، ثم تبت، فما هو الطريق إلى التوبة أو الخروج من حق الرجل؟ أتصدق به عنه، وإذا تصدقت به عنه استفاد من هذا المال متى؟ في الآخرة ولَّا في الدنيا؟ * طلبة: في الآخرة. * الشيخ: في الآخرة، لكن قد يقول قائل: لكنك حلت بينه وبينه في الدنيا، وقد يكون له غرض في المال في الدنيا، فأقول: نعم، أنا حلت بينه وبينه في الدنيا، لكن عجزًا مني أن أصل إليه، والذي قدرت عليه من التوبة فعلته، وهو أيش؟ * طالب: تصدقت. * الشيخ: الصدقة به عنه، فهل يبرأ براءة تامة بحيث لا يطالبه صاحب المال في الآخرة؟ الجواب نقول: ظاهر النصوص نعم، يبرأ. طيب قتلت نفسًا ثم تبت إلى الله عز وجل من قتل النفس، من تمام توبتك أن تسلم نفسك لورثة المقتول، تقول: أنا الذي قتلت صاحبكم، وأنا الآن بين أيديكم، إذا سلمت نفسك لهم برئت ذمتك، لكن يبقى عندنا حق من؟ * طالب: المقتول. * الشيخ: حق المقتول الذي حلت بينه وبين بقائه في الدنيا، فهل تبرأ منه بالتوبة؟ الجواب: نعم تبرأ منه بالتوبة لعموم الآية هذه وأمثالها، تبرأ منه بالتوبة، لكن هل يضيع حق المقتول أو لا؟ لا يضيع، يتحمله الله سبحانه وتعالى عنك له، وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى أن يعفوا عن حقه ويتحمل عنك حق الآخرين. فإذا قال قائل: ما هو الدليل على ما قلتم؟ وكيف يسقط عنه حق الآدمي؟ قلنا: الدليل على هذا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان ٦٨] هنا فيها حق لله، حق للمخلوق بالدم، حق للمخلوق بالعرض إن كان قد زنا مكرهًا بالمزني بها، وقد قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان ٦٨ - ٧٠] حتى في القاتل يبدل الله سيئاته حسنات. فإذا قيل: كيف يضيع حق المقتول؟ فالجواب؟ * طالب: ما يضيع. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: لأن الله سبحانه وتعالى يتحمله عنه. * الشيخ: نعم أحسنت، نقول: لا يضيع؛ لأن الله يتحمله عنه، وهذا من فضله تبارك وتعالى، إذن نقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ ظاهر الآية العموم يغفر الذنوب جميعًا، سواء مما يتعلق بحق الله أو بحق العباد، لكن ما يتعلق بحق العباد إذا تعذر إيصاله إليهم في الدنيا، فإن الله تعالى أيش؟ يتحمله في الآخرة. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله عظيمين يقترنان كثيرًا في القرآن هما الغفور الرحيم، ووجه اقترانهما أن في الأول زوال المكروه، وفي الثاني حصول المطلوب، فيتكون من اجتماعهما وصف زائد على الوصف عند انفرادهما؛ لأنه إذا انفردا استفدنا المغفرة إن انفرد الغفور، أو الرحمة إن انفرد الرحيم، لكن إذا اجتمعا استفدنا فائدة جديدة، وهي أن مغفرة الله عز وجل مقرونة برحمته، فهو جامع بين المغفرة والرحمة، هذان الاسمان من الأسماء اللازمة أو من الأسماء المتعدية؟ * طلبة: المتعدية. * الشيخ: المتعدية ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾، إذن متعدية، طيب ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت ٢١] إذن متعدية. الأسماء المتعدية قال العلماء: لا يتم الإيمان بها إلا بثلاثة أمور، الإيمان بالاسم، والإيمان بما تضمنه من صفة، والإيمان بالحكم المترتب على تلك الصفة، الذي يطلق عليه بعضهم الأثر، الإيمان بالاسم هنا الغفور، نؤمن بأن الغفور من أسماء الله، نؤمن بأن لله مغفرة دل عليها اسم الغفور، كذا؟ طيب ونؤمن أيضًا بما يتضمنه ذلك، يدل على المغفرة ويدل على العلم؛ لأنه لا يغفر ما لا يعلمه، ودلالته على العلم من باب دلالة التضمن أو الالتزام؟ * طلبة: الالتزام. * الشيخ: الالتزام؛ لأن المادة (غ ف ر) ما فيها (ع ل م) فيكون هذا من باب الالتزام، طيب الرحيم نعم قلنا: الغفور اسمًا المغفرة وصفًا يغفر الذنوب حكمًا، الرحيم كذلك الرحيم اسمًا نؤمن بالرحيم اسمًا، وبالرحمة صفة، وبأنه يرحم حكمًا، غفر الله لنا ولكم ورحمنا وإياكم. * طالب: لو سرق شخص من كافر ولم يعلم به فماذا يصنع؟ * الشيخ: نعم، هذا يسأل سؤالًا مهمًّا، يقول: لو سرق شخص من كافر وذهب الكافر ولم يعلم به فماذا يصنع؟ الجواب: إن كان الكافر حربيًّا فالمال له، وإن كان له عهد فإنه يسلمه إلى بيت المال؛ لأن بيت المال يتقبل الأموال التي لا يعرف مالكها، فإن لم يكن بيت مال، فليتخلص منه بالصدقة، لكن الكافر لا يثاب على هذه الصدقة إلا إن أسلم. * طالب: (...). * الشيخ: نعم يقال: إن قول ابن عباس رضي الله عنهما رأي رآه مخالف لظاهر النصوص، والعبرة بظاهر النصوص، وبهذا القول نستريح، ووجه ابن القيم رحمه الله ما رُوي عن ابن عباس بأن القتل يتعلق به ثلاثة أمور: حق لله، حق لأولياء المقتول، حق للمقتول، أما حق الله فيسقط بالتوبة، فإذا تاب الإنسان قبل الله توبته ومحي عنه الإثم، حق أولياء المقتول يكون بتسليمه نفسه إليهم، حق المقتول يقول ابن القيم: لا بد من أخذه من هذا القاتل، لكن يقال: الصواب ألا نعبر هذا التعبير، بل نقول: لا بد من إيفائه إياه، ومن الذي يوفيه؟ الله عز وجل، هذا هو الصواب، نعم. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ (...) تمام التوبة أم شرط التوبة. * الشيخ: المراد بالتمام هنا ما هو التمام الأولوي، التمام الواجب، يعني لا تتم التوبة إلا بذلك. * طالب: (...). * الشيخ: لا، أما قلنا في التفسير، قل مبلغًا عني: ﴿يَا عِبَادِيَ﴾، نعم فيقول الرسول مثلًا: قال ربكم: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾، هذا كيفية إبلاغ هذه الآية، أعرفت؟ نعم. * طالب: (...). * الشيخ: يعني مع القدرة. * الطالب: مع القدرة؟ * الشيخ: إي مع القدرة، هذا صحيح، لكنهم بعضهم قال: إذا اغتبت شخصًا فلا بد أن تذهب إليه وتستحله مطلقًا، وبعضهم فصل قال: إن كان قد علم فلا بد أن تستحله؛ لأنه حمل عليك في نفسه، وإن لم يكن علم فأثن عليه في المواطن التي كنت تغتابه فيها ويكفي، وهذا التفصيل جيد؛ لأنك لو ذهبت إليه وقلت: أنا اغتبتك وهو لم يعلم، أنشأت في نفسه عليك ما تنشئه، لكن إذا استغفرت له وأثنيت عليه في المكان الذي أنت اغتبته فيه حصل المقصود. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)﴾ [الزمر ٥٤ - ٥٨]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا أن الله سبحانه وتعالى أمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول للناس عن الله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ وسبق الكلام على هذه الآية تفسيرًا واستنباطًا. ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا﴾ قال المؤلف المفسر: (﴿وَأَنِيبُوا﴾ ارجعوا ﴿إِلَى رَبِّكُمْ﴾ ) يعني ارجعوا إلى ربكم من معاصيه إلى طاعته ومن البعد عنه إلى القرب، وهذه الإنابة هي عمل القلب، رجوع القلب إلى الله سبحانه وتعالى. ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ أي: استسلموا له واخضعوا لشرعه، وهذا عمل الظاهر، عمل الجوارح، فالإنابة بالقلب والإسلام بالجوارح. (﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ أخلصوا العمل)، وأخذ المؤلف الإخلاص من قوله: ﴿لَهُ﴾ أي لله، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران ٢٠] فهذه الآية فيها الأمر بالإنابة وهي في القلب، والأمر بالاستسلام له، وهي بالجوارح، والإخلاص مستفاد من اللام المذكورة في قوله: ﴿لَهُ﴾. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾ متعلقة بـ (أنيبوا) و(أسلموا)، فقد تنازعها العاملان، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾ يعني من الله ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ يعني لا تمنعون من عذاب الله. وقول المؤلف: (إن لم تتوبوا) لا حاجة إليه؛ لأن الله قال: أنيبوا وأسلموا من قبل هذا الشيء، وإذا أناب وأسلم من قبل هذا الشيء فقد تاب، وحينئذٍ لا ينزل عليه العذاب. ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: ﴿وَاتَّبِعُوا﴾ أي كونوا تبعًا ﴿أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، (أحسن) اسم تفضيل من الحسن، ويشمل الأحسن في ذاته، والأحسن في العمل، الإنسان مأمور أن يتبع الأحسن، أحسن ما أنزل إلينا في ذاته، ولو فتشت الكتب السماوية التي نزلت لوجدت أحسن ما نزل هو القرآن، ولهذا فسره المؤلف بقوله: (وهو القرآن) كذلك أحسن ما أنزل إلينا إذا كانت عبادة قام بها الإنسان على وجه ناقص، وعبادة قام بها على وجه كامل، فالتي على وجه كامل هي الأحسن، فإذا وُجد أعمال تتفاضل فالإنسان مأمور بأن يتبع الأحسن منها. ﴿أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، وقوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فيها إشارة إلى وجوب اتباع الأحسن؛ لأن هذا الأحسن نازل من الله سبحانه وتعالى، من الرب، والرب هو الذي له التصرف في العباد تدبيرًا وتشريعا وحكما. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ في الآية الأولى ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ ثم هذا قال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً﴾ أي مفاجأة، وأنتم لا تشعرون أنه يأتيكم العذاب، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨)﴾ [الأعراف ٩٧، ٩٨] فالنائم لا يشعر بالعذاب إلا بغتة، والذي يلعب كذلك لا يشعر بالعذاب إلا بغتة، يقول عز وجل: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ قوله: ﴿أَنْ تَقُولَ﴾ يقول المؤلف رحمه الله الشارح المفسر: (﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ قبل إتيانه بوقته) يعني لا تشعرون بوقته قبل إتيانه، بل قد ضربتم الأمل الطويل والتفاؤل الذي ليس في محله حتى أتاكم العذاب. قال: (فبادوا قبل ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ ) قدَّر المؤلف هذا الذي ذكر لدلالة السياق عليه، وهذا الذي قام به المؤلف رحمه الله يسمى عند البلاغيين إيجاز الحذف؛ لأن الإيجاز عندهم نوعان: إيجاز قصر وإيجاز حذف، فإيجاز القصر أن تكون العبارة القصيرة تتضمن معاني كثيرة، وإيجاز الحذف أن تكون العبارة موجودة قد حُذف منها ما هو معلوم، مثل قوله تعالى: ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ [القصص ٢٤، ٢٥] هذه الآية حُذف منها شيء كثير؛ لأن تقديره أن المرأتين ذهبتا إلى أبيهما وأخبرتاه بالخبر، ثم أرسل إحداهما إلى موسى فجاءت إحداهما تمشي على استحياء، فصار عندنا الإيجاز نوعان: إيجاز قصر بأن تكون العبارة قصيرة تتضمن معاني كثيرة، وإيجاز حذف بأن يحذف من الكلام ما يدل عليه السياق، وكلاهما فصيح عربي. قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة ١٧٩]، هذا إيجاز قصر ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء ١٢٣] هذا إيجاز قصر؛ لأنك لو أردت أن تبسط هذه الجملة ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾ وتذكر أنواع السوء وتذكر أنواع المجازاة، لكان الكلام طويلًا، لكنه اقتصر على هاتين الكلمتين ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ وهما تشملان كل ما يمكن أن يدخل في هذه الجملة من التفاصيل. طيب هنا على كلام المؤلف: (فبادروا قبل ﴿أَنْ تَقُولَ﴾ ) نقول: هذا من باب إيجاز الحذف؛ لأنه حذف من الكلام ما يدل عليه السياق، ويمكن أن نقدر ما هو دون ذلك بأن نقول: خشية أن تقول نفس، يعني: اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم خشية أن تقول نفس: يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله، وهذا الذي ذكرناه أخصر من كلام المؤلف. ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا﴾ (نفس) هنا نكرة في سياق الإثبات، والنكرة في سياق الإثبات لا تدل على العموم، وإنما تدل على العموم إذا كانت في سياق النفي أو الشرط، أو الاستفهام الاستنكاري أو ما أشبه ذلك مما ذكره العلماء، لكنهم قالوا: إن نفس هنا نكرة يراد بها العموم، يعني أن تقول كل نفس: فرطت يا حسرتا. (أصله يا حسرتي، أي: ندامتي) فالحسرة هي الندامة، وقال: (يا حسرتا) الألف هذه منقلبة عن ياء، وأصلها ياء المتكلم: يا حسرتي، لكن في اللغة العربية يجوز أن تقلب الياء ألفا، فيقال: يا حسرتا بدل يا حسرتي، ومنه قوله تعالى: ﴿يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ [هود ٧٢] التقدير: يا ويلتي. (﴿يَا حَسْرَتَا﴾ أي ندامتي ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ﴾ ) التفريط معناه الإهمال والإضاعة، وعكسه الإفراط، الإفراط: التجاوز، والتفريط: القصور عن الشيء، فالمفرط هو المهمل المقصر، والمفرط هو المتجاوز للحد، وكلاهما مذموم، والخيار هو الوسط. ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ قال: (أي: طاعته) ففسر الجنب هنا بالطاعة، وذلك لأنه لا يمكن أن يراد به جنب الله الذي هو جنب ذاته؛ لأن الإنسان يشعر بأنه لم يفرط في نفس الجنب الذي هو جنب الله ذاته، لكن بعض العلماء يقول: الجنب بمعنى الجانب لغة، وإذا كان بمعنى الجانب لغة فلا حاجة إلى التأويل، يكون المعنى: في جنب الله أي في جانب الله، وجانب الله يعني حقه، وهذا التفصيل الذي ذكرناه هو مؤداه كما قال المؤلف رحمه الله: (يعني طاعته) لكن إذا فسرنا الجنب بالطاعة خرجنا به عن المعنى المطابق للفظ، أما إذا قلنا: الجنب لغة بمعنى الجانب فإننا فسرناه بما دلت عليه الكلمة لغة، والجانب من المعلوم أن جانب الله عز وجل أي حقه وشرعه. ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ (إن مخففة من الثقيلة، أي: وإني) (إن) في اللغة العربية تأتي لمعانٍ: الأول: الشرطية، والثاني: النافية، والثالث: مؤكدة، والرابع: زائدة، أربعة معانٍ. (إن) تأتي في اللغة العربية بمعنى أربعة معانٍ، بعضهم زاد معنى خامسًا أن تكون بمعنى نعم لكنه قليل. (إن) شرطية، مثاله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات ٦] هذه (إن) شرطية. تكون نافية مثل قول الكافرين: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة ١١٠] و(إن) النافية هي التي يعقبها دائمًا (إلا). وتأتي مؤكدة، وهي المخففة من الثقيلة كما هنا، وعلامتها أن يحل محلها (إن)، مثل: ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ هذه مخففة من الثقيلة تفيد التوكيد؛ لأن الثقيلة (إنَّ) معروفة أنها للتوكيد، فإذا كانت هذه مخففة منها فهي للتوكيد. الرابع: زائدة، ومن ذلك قول الشاعر: بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ وَلا صَرِيفٌ وَلَكِنْ أَنْتُمُ الْخَزَفُ الشاهد قوله: (ما إن أنتم ذهب). لأن معنى الكلام: ما أنتم ذهب، فهي إذن زائدة، طيب الذهب معروف، الصريف: الفضة، وسُميت صريفًا لأنها يسمع لها صريف عند العدد أو الوزن، (ولكن أنتم الخزف) ما هو الخزف؟ الطين المشوي، يعني أنكم أصلكم رديء، وعلامة (إن) الزائدة أن يصح الكلام مع حذفها، فإذا صح الكلام مع حذفها فهي زائدة، طيب. ﴿إِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ قال المؤلف: (وإني ﴿كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ ) فقدر اسم (إن) ضميرًا مطابقًا للسياق، فقال: إني كنت. وهذا الذي ذهب إليه المؤلف هو الصحيح، أما عند جمهور النحويين فإنهم يقولون: إن اسم (إن) محذوف ضمير الشأن، فيقدرون: إن كنت وإنه أي الشأن، لكن الصحيح أننا نقدر ضميرًا مطابقًا للسياق، ولا حرج أن نقول: إنه محذوف، ولو لم يكن ضمير الشأن. فعليه نقول: ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ التقدير: وإني كنت لمن الساخرين. واللام في قوله: ﴿لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ هذه للتوكيد، وهي أيضًا دليل على أن (إن) مخففة من الثقيلة. طيب وهل تلزم لام التوكيد مع (إن) المخففة من الثقيلة؟ الجواب: لا تلزم، إلا إذا كان يخشى من الالتباس بالنافية، فإن كان يخشى الالتباس بالنافية فإنه يجب أن تذكر اللام، والحاصل أن اللام تأتي كثيرًا في خبر (إن) المخففة من الثقيلة، وقد تحذف إلا إذا خيف الالتباس فإنه يجب أن تُذكر اللام، إذا خيف الالتباس بأيش؟ إذا خيف أن تلتبس بـ(إن) النافية، فإنه يجب أن يؤتى باللام؛ لأنه إذا أتت اللام تعين أن تكون (إن) مخففة من الثقيلة، ومحل هذا البحث في النحو. يقول: ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ الساخر بمعنى المستهزئ، ساخرين بمن؟ ساخرين بمن يدعو إلى الله؛ كما قال تعالى: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ [ص ٦٣] ساخرين بدين الله، ساخرين بكتب الله، ساخرين برسل الله ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة ٦٥]، ولهذا حذف المفعول في الساخرين لإفادة العموم، أي: الساخرين بالله وآياته ورسله وأوليائه فهو عام، ويأتي إن شاء الله تعالى بقية الكلام على الآية. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٥٩)﴾ [الزمر ٥٥ - ٥٩]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾. ما المراد بقوله: ﴿أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؟ * طالب: المراد به القرآن. * الشيخ: القرآن ، ما وجه حسنه؟ * طالب: حسنه في ذاته وفي (...). * الشيخ: في ذاته؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: طيب، وفي أخباره وفي أحكامه وفي آثاره، أربعة أشياء، طيب قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ كيف تقدر أن تقول: نفس؟ * طالب: خشية أن تقول: نفس. * الشيخ: نعم، خشية أن تقول: نفس، ما الذي قدره المؤلف؟ * الطالب: الذي قدره المؤلف قال: بادروا. * الشيخ: قال: بادروا. * الطالب: قبل أن تقول: نفس. * الشيخ: قبل أن تقول، أيهما أرجح؟ * الطالب: قبل أن تقول: نفس. * الشيخ: لماذا؟ * الطالب: لأنه أخصر. * الشيخ: أخصر، أقل تقديرًا، وكلما كان أقل تقديرًا فهو أوضح. طيب قوله: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ هذه نكرة في سياق؟ * طالب: الإثبات. * الشيخ: فهل هي للإطلاق أو للعموم؟ * الطالب: (...). * الشيخ: نعم تعم، يعني أي نفس. طيب قوله: ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ يا حسرتا أصلها نعم؟ * طالب: يا حسرتي. * الشيخ: فقلبت؟ * الطالب: فقلبت الياء إلى ألف. * الشيخ: إلى ألف لأنها للندبة. طيب قوله: ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ ما المراد بجنب الله؟ * طالب: المراد بجنب الله؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: بجانب الله. * الشيخ: بجانب الله، كذا؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: والمؤلف فسرها؟ * طالب: المؤلف فسرها بطاعة الله. * الشيخ: بطاعة الله، طيب. * الطالب: (...) جانب الله (...). * الشيخ: يعني متى أمكن حمل اللفظ على معناه اللغوي فهو أولى، طيب ألا يمكن أن يراد بها جنب الله الذي هو جنبه؟ * طالب: (...). * الشيخ: والتفريط من الإنسان ليس في جنب الله ذاته، لكنه في حق الله يعني جانب الله الذي هو حقه، طيب، ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ (إن) هذه؟ * طالب: شرطية. * الشيخ: (إن) شرطية، لا. * طالب: (إن) مخففة من الثقيلة. * الشيخ: مخففة من الثقيلة، أيش تقتضي؟ التوكيد، ذكرنا استطرادًا أن (إن) تأتي لمعانٍ. * طالب: أربعة، أو خمسة، تأتي زائدة، تأتي مؤكدة، تأتي شرطية، تأتي نافية، قد تأتي بمعنى نعم. * الشيخ: ما الذي يعين هذه المعاني؟ * طالب: السياق. * الشيخ: السياق طيب، المخففة من الثقيلة مثالها؟ * طالب: مثل هذه الآيات ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾. * الشيخ: التقدير؟ * الطالب: إني كنت لمن الساخرين. * الشيخ: إني كنت لمن الساخرين، طيب، وتأتي نافية، مثالها؟ * طالب: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣]. * الشيخ: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ المعنى؟ * الطالب: ما أنت إلا نذير. * الشيخ: ما أنت إلا نذير وعلامة هذه. * طالب: (إن) نافية. * الشيخ: أي لكن ما علامتها؟ * طالب: صحة تعويضها بالنفي. * الشيخ: أن يحل محلها (ما)، وغالبًا تأتي بعدها (إلا)، طيب وتأتي أيضًا؟ إي نعم. * طالب: زائدة. * الشيخ: مثالها؟ * طالب: بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ وَلا صَرِيفٌ .............. * الشيخ: بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ ...................... طيب، ما علامتها؟ * الطالب: علامتها (...) صح السياق (...). * الشيخ: نعم أنها إذا حذفت صح السياق بدونها، الأخ تأتي؟ * طالب: شرطية. * الشيخ: شرطية. * الطالب: (...). * الشيخ: أحسنت، طيب، والشرطية علامتها ظاهرة أنها تحتاج إلى؟ * طلبة: جواب. * الشيخ: جواب. نأخذ الدرس الجديد، قال الله عز وجل: ﴿أَوْ تَقُولَ﴾: (أو) حرف عطف، ﴿تَقُولَ﴾ معطوف على قوله: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾. * طالب: ما أخدنا. * الشيخ: ما أخذناه؟ * الطالب: (...). * الشيخ: من أي مكان؟ ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ أخذنا هذه؟ طلبة : (...). * الشيخ: طيب إلى؟ * طلبة: (...). * الشيخ: نعم أخذنا الفوائد إلى؟ * طالب: (...). * الشيخ: أنتم الآن تقولون: لم نأخذ الفوائد، فمن أين لم نأخذ الفوائد؟ طيب قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ إلى آخره، فيها فوائد: * أولًا: وجوب الإنابة إلى الله؛ لقوله: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ والأصل في الأمر الوجوب إلا بدليل. * ومن فوائدها: وجوب الإسلام له، أي الاستسلام التام مع الإخلاص؛ لقوله: ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾. * ومن فوائدها: التحذير من عدم المبادرة بالإنابة والإسلام؛ لقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: عقوبة من لم ينب إلى ربه ويسلم له؛ إذ إن العذاب عقوبة. * ومن فوائدها: أنه إذا أتى عذاب الله فإنه لا دافع له؛ لقوله: ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾. * ومن فوائد الآية التي بعدها: وجوب اتباع القرآن الكريم؛ لقوله: ﴿اتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. * ومن فوائدها: الثناء على القرآن الكريم بأنه أحسن ما أنزل إلى العباد، وعرفتم أنه أحسن في ذاته وفي أخباره وفي أحكامه وفي آثاره، فلم تنل أمة العزة والكرامة كما نالته هذه الأمة بما آتاها الله من القرآن. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن كلام الله؛ لقوله: ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. فإن قال قائل: هذا لا نسلمه لكم؛ لأن مما أنزل الله ما لا يكون كلامًا له، كقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الزمر ٢١]، ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر ٦]، ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد ٢٥] وأمثالها، فلا نسلم لكم أن القرآن كلام الله، بل نقول: هو كغيره من المخلوقات التي أنزلها الله، فإن الحديد مخلوق، والمطر مخلوق والأنعام مخلوقة. فالجواب عن هذا أن نقول: ما أنزله الله ينقسم إلى قسمين: الأول: أن يكون عينًا قائمة بنفسه، فهذا مخلوق، والثاني: ألا يكون وصفًا لا يقوم إلا بغيره، فهذا غير مخلوق، فلننظر إلى القرآن هل هو عين قائمة بنفسها أو وصف لا يقوم إلا بغيره؟ الثاني، إذن هو غير مخلوق، كلام الله غير مخلوق، واضح يا جماعة؟ طيب. * من فوائد هذه الآية الكريمة إثبات علو الله؛ لقوله: ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر ٥٥] وجه ذلك أن النزول لا يكون إلا من أعلى. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة هذه الأمة حيث كانت الغاية في إنزال القرآن، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿إِلَيْكُمْ﴾ فإن الإنزال غايته إلينا، إذن فهذا شرف لنا أن نكون غاية إنزال القرآن. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الربوبية لله عز وجل؛ لقوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾. * ومن فوائدها، من فوائد هذه الآية الكريمة: أن إنزال القرآن إلينا من كمال ربوبيته، حيث أضاف إنزاله إلى نفسه بوصف الربوبية، فمن كمال ربوبيته لخلقه وتربيته لهم أن نزل عليهم هذا القرآن. * ومن فوائدها أيضًا: وجوب العمل بما في القرآن؛ لأنه نزل من الرب، والرب له السلطان الكامل على خلقه، أرأيتم لو أن ملكًا من الملوك أصدر مرسومًا ملكيًّا، أفلا يكون مقتضى سلطانه أن نعمل بهذا المرسوم؟ بلى، إذن مقتضى ربوبية الله لنا أن نعمل بما أنزل إلينا؛ لأن هذا القرآن بمنزلة المراسيم الملكية التي لا بد من تنفيذها، بل وأعظم كما هو معروف، ولا إشكال فيه. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحذر من أن يأتي عذاب الله بغتة؛ لقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً﴾ [الزمر ٥٥] والعذاب المباغت أشد من العذاب الذي لم يباغت؛ لأن العذاب الذي لم يباغت يكون الإنسان قد تهيأ له، لكن الذي يأتي بغتة يأتي الإنسان وهو في غاية ما يكون من الغفلة وغاية ما يكون من السرور، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨)﴾ [الأعراف ٩٧، ٩٨] فتأمل الآن، غفلة وهدوء واطمئنان أتاهم العذاب في هذا الوقت يكون أشد وقعًا والعياذ بالله مما لو أتى والإنسان متهيئًا. وأضرب لكم مثلًا حسيًّا واضحًا، لو كنت تنزل مع الدرج فغفلت ثم زلت رجلك على إحدى الدرجات، هل يكون مثلما لو كنت تنزل وأنت ترى كل درجة وتضع قدمك عليها؟ أجيبوا، إذن المباغت أشد مما يأتي إنسان متهيأ له. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المباغت يأتي بغير شعور من العبد؛ لأنه غافل، وليس يفكر في أن يأتيه العذاب؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ والجملة هذه يسميها علماء النحو جملة حالية، يعني والحال أنكم لا تشعرون. ثم قال تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ إلخ. * من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان مآل المفرط، وهو التحسر، وهو التندم مع الغم، التحسر والتندم مع الغم. * ومن فوائدها، من فوائد الآية الكريمة: أن المفرط سيتحسر على تفريطه، وينبني على هذه فائدة أنه ينبغي أن يكون الإنسان حازمًا ذا نشاط وقوة، حتى لا تفوته الأمور ثم بعد ذلك يندم. * ويتفرع على ذلك فائدة ثالثة: أنه ينبغي انتهاز الفرص فمتى واتتك الفرصة فلا تضيعها. * ويترتب على هذا أيضًا رابعة: أنه إذا صار أمامك حاجتان فابدأ بما أنت تريد أولًا، وبادر إليها، واجعل الثانية نافلة، وهذا يظهر في سنة الرسول ﷺ في أمثلة متعددة، منها أن عتبان بن مالك رضي الله عنه لما ضعف بصره، وصار لا يتمكن من الوصول إلى مسجد قومه، دعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيته ليصلي في مكان يتخذه مصلى، فخرج النبي ﷺ إليه ومعه جماعة من أصحابه، فلما وصل البيت، وإذا الرجل قد هيأ لهم طعامًا، ولكن الرسول ﷺ لم يشأ أن يبدأ بالطعام، بل بدأ بما أتى إليه، أي بالقصد الأول فقال له: «أَيْنَ تُرِيدُ أَنْ أُصَلِّيَ؟» فأراه المكان فصلى فيه[[متفق عليه؛ البخاري (٤٢٤)، ومسلم (٣٣ / ٢٦٣) من حديث عتبان بن مالك. ]]. هذا مثال، وبناء على ذلك ينبغي لكم أنتم طلبة العلم إذا أردتم أن تراجعوا فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مسألة معينة فتستعرض الفهرس، ثم يمر بك مسألة تشوقك إلى أن تراجعها فتذهب وتراجعها، ثم تترك الذي كنت تراجع من أجلها، وهذا لا شك أنه يضر طالب العلم، يشتت عليه الفكر ويشتت عليه الوقت؛ لأن فكره أول ما طالع الكتاب منصب على أيش؟ على المسألة التي يطلبها، فإذا عرضت له هذه العارضة واتجه إليها وانشغل بها، وهي ليست مقصودًا له بالذات، تشتت ذهنه، ثم يتشتت وقته أيضًا، ربما يكون وقت مراجعته في خلال ربع ساعة، فتذهب ربع الساعة هذه وهو لم يراجع المسألة التي كانت من أجلها يفتش، وهذا جربناه، جرى علينا، نراجع لمسألة ما ثم يمر بنا عنوان شيق ونأخذ به، يضيع علينا الوقت، فالإنسان ينبغي أن يكون حازمًا، وأن يبدأ بالأهم قبل المهم. ومن ذلك -أي من الحزم- أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يبادر بإزالة المؤذيات ولا يتأخر؛ لأن التأخير له آفة، بل آفات، «لما بال الأعرابي في المسجد أمر في الحال أن يصب عليه ماء ليطهره»[[أخرجه البخاري (٢٢٠ من حديث أبي هريرة. ]]، «ولما بال الصبي في حجره دعا في الحال بماء فأتبعه إياه»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٣)، ومسلم (٢٨٧ / ١٠٣) من حديث أم قيس بنت محصن. ]]، وكان من الممكن أن يترك المكان في المسجد حتى يأتي وقت الصلاة ويحتاج الناس إلى الصلاة في هذا المكان، لكنه بادر، وكذلك من الممكن أن يدع ثوبه حتى يحضر وقت الصلاة ثم يطهره لكنه بادر، فالمهم أن مثل هذه الوقائع ينبغي للإنسان أن يتخذ منها تربية لنفسه، لا تمر به على أنها مسألة فقهية عرفها فقط، بل لا بد أن يظهر علمه في عمله. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الجهة لله عز وجل؛ لقوله أيش؟ ﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ وقلنا: إن جنب بمعنى جانب، لكن الذين لا يثبتون الجهة يفرون من هذا، ويفسرونه بأمر آخر، كما فسره المؤلف بقوله: (في طاعة الله) مع أن هذا التفسير يعني قد يقال: إنه تفسير صحيح، وإن جانب الله تعالى هو طاعته وحقه وما أشبه ذلك، لكن نحن نعلم أن كثيرًا من الناس ينكرون أن يكون الله في جهة، ويقولون: لا يجوز أن تقول: إن الله في جهة، لا فوق ولا تحت، وعكس قوم آخرون فقالوا: إن الله في كل جهة بذاته، وبين الأمرين أو بين الطائفتين كما بين السماء والأرض. وتوسط آخرون فقالوا: إن الله في كل جهة لكنه فوق كل شيء ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة ١١٥] إن اتجهتم شرقًا أو غربًا، أو شمالًا أو جنوبًا فثم وجه الله، لكن ليس الله نفسه في تلك الجهات، ولكنه فوق، وفوقيته لا تناقض أن يكون في كل جهة استقبلته، واضح يا جماعة؟ طيب. فلو قال قائل: كيف يجتمع أن يكون في جهة المشرق مثلًا أو المغرب أو الشمال أو الجنوب وهو فوق كل شيء؟ نقول: (كيف) اجعلها فيما يمكن تكييفه، وصفات الله لا يمكن تكييفها، عليك أن تسلم، ثم نقول: إن هذا ممكن لو كانت الشمس عند الشروق أو عند الغروب واستقبلتها كانت في جهة المشرق أو في جهة المغرب وهي أين مكانها؟ في السماء، هذا في المخلوق، فما بالك بالخالق المحيط بكل شيء. فالصواب أن الله سبحانه وتعالى في جهة، وهي جهة العلو، لكنه عز وجل من اتجه إليه في أي مكان فالله تعالى قبل وجهه أي مكان ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ أما ذاته عز وجل فإنه فوق كل شيء. * من فوائد الآية الكريمة: إقرار المكذبين على أنفسهم بما هم عليه من التكذيب، لكن في وقت لا ينفعهم، من أين يؤخذ؟ ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ يعني: إن كنت من الساخرين هذه تأكيد وإثبات أنه كان في الدنيا من الساخرين بشرع الله المستهزئين به. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم السخرية بالله عز وجل، من أين يؤخذ؟ من كون هذا الساخر ندم، وتحسر على ذلك، ولولا أنه أصيب بعذاب عليه لم يندم. فإن قال قائل: ما حكم السخرية بالله؟ قلنا: حكمها الكفر، فمن سخر بالله أو آياته أو رسوله فإنه كافر، كل من سخر بالله أو آياته أو رسوله فهو كافر. فإن قال قائل: هل تكفرونه ولو كان يمزح؟ فالجواب: نعم نكفره ولو كان يمزح؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ يعني ما قصدنا ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة ٦٥، ٦٦]. فإن قيل: ما الدواء لمن ابتُلي بهذا؟ أي: سخر بالله أو آياته أو رسوله، فما هو الدواء؟ قلنا: الدواء في هذه السورة: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر ٥٣] الدواء أن يتوب إلى الله، فإذا تاب إلى الله عز وجل وقلع من قلبه هذه السخرية والاستهزاء، وأثبت مكانها التعظيم والمحبة، فحينئذ يرتفع عنه حكم الكفر. ثم قال الله عز وجل، وهو بدء الدرس اليوم: ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر ٥٧] يعني أو تقول نفس، وهذه معطوفة على قوله: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾، أو تقول: أي النفس (﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي﴾ بالطاعة فاهتديت ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ ). ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (لو) هذه شرطية، فعل الشرط فيها محذوف، وجواب الشرط فيها قوله: ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾، وتقديره، أي: تقدير المحذوف وهو فعل الشرط، لو ثبت أن الله هداني لكنت من المتقين، وهذا احتجاج بالقدر، يعني لو أن الله هداني ووفقني فاهتديت لكنت من المتقين، فهي تندم وتحتج، يعني جمعت بين الندم على عدم التقوى والهداية وبين الاحتجاج، كقول القائل: لو أعطيتني أجرة لعملت لك، لو أطعمتني لشبعت، يعني: فلم تطعمني ولم تعطني أجرة، فهم يقولون: لو أن الله هداني لاهتديت وكنت من المتقين، وعلى هذا فالمراد بالهداية هنا هداية التوفيق، ويكون هذا احتجاجًا من النفس بقدر الله على الضلال والعياذ بالله. يقول: ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ قال المؤلف المفسر: (عذابه) وهذا مفعول المتقين، ولكن الصواب أن نقدر: لكنت من المتقين الله؛ لأن الأصل هو تقوى الله عز وجل، وتقوى عذاب الله من تقوى الله، فينبغي أن نقدر الأصل أي: لكنت من المتقين الله. وما هي تقوى الله؟ نعرف تقوى الله بمعرفة الأصل، أصل التقوى مأخوذة من الوقاية، فأصلها وقوى بالواو، لكن قُلبت الواو تاء لعلة تصريفية، فإذا كانت من الوقاية فسرناها بأنها اتخاذ ما يقي من عذاب الله، ولا يقي من عذاب الله إلا فعل أوامره واجتناب نواهيه، ولهذا نقول: إن أجمع ما قيل في التقوى أنها فعل الأوامر واجتناب النواهي. وقيل: إن التقوى أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله، على نور من الله، تخشى عقاب الله، وهذا المعنى أطول مما قلنا، لكن ما قلنا مشتمل عليه، وقيل في التقوى: خَلِّ الذُّنُوبَ صَـــــــغِيرَهَا ∗∗∗ وَكَبِـــــــــــــــــيرَهَـا ذَاكَالـــــــــتُّقَى؎وَاعْمَلْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَرْ ∗∗∗ ضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى؎لَا تَحْقِــــــــــرَنَّ صَـــــــــــــــغِيرَةً ∗∗∗ إِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الْحَــــــــــصَى وهذا أيضًا تعريف شيق لأنه منظوم، (خَلِّ الذُّنُوبَ صَغِيرَهَا وَكَبِيرَهَـا) والذنوب إما فعل محرم أو ترك واجب، (ذَاكَ التُّقَى، وَاعْمَلْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَرْضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى) الذي يمشي على أرض الشوك يمشي بسرعة ولَّا ببطء؟ * طلبة: ببطء. * الشيخ: ببطء لَا تَحْقِرَنَّ صَغِيرَةً ∗∗∗ إِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الْحَصَى الجبال العظيمة الضخمة حصى متجمعة، إما كتل أو صغار أو كبار. ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. ﴿أَوْ تَقُولَ﴾ هذه معطوفة على أيش؟ * طلبة: على ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾. * الشيخ: على ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾، يعني: أو تقول نفس حين ترى العذاب، ترى العذاب بعينها، فيكون الموعود مشهودًا، تراه بالعين، ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾، والرؤية بالعين تُعتبَر عين اليقين، والوعد بالعذاب علم اليقين، ومس العذاب حق اليقين، ولهذا قالوا: اليقين ثلاثة: علم وعين وحق، وكلها في القرآن: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر ٥ - ٧] مشاهدة، وقال تعالى في آخر الواقعة: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة ٩٥] الذي يكون عند الاحتضار حق اليقين، وأيها أعلى في اليقين؟ * طلبة: حق اليقين. * الشيخ: حق اليقين أعلى؛ لأن عين اليقين قد تشاهد الشيء على خلاف ما هو عليه، كما ترى، ولا سيما إن كان نظرك ضعيفًا، ترى الشيء الساكن متحركًا، أو المتحرك ساكنًا، إي نعم، فعلى كل حال حق اليقين أعلاه. وهنا ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ﴾ المراد أيش؟ * طلبة: عين اليقين. * الشيخ: عين اليقين ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، (لو) هنا ليست شرطية، ولكنها للتمني، يعني ليت لي كرة. ونستطرد فنقول: (لو) تأتي شرطية، وتأتي للتمني، وتأتي مصدرية، ثلاثة معانٍ، شرطية، تمنية، مصدرية، فتأتي شرطية فيما إذا قلت: لو زرتني لأكرمتك، وعلامتها أن يحل محلها (إن) الشرطية، لو زرتني لأكرمتك، اجعل بدلها (إن)، إن زرتني أكرمتك. والثانية التي للتمني هي التي تأتي غالبًا بعد ود، في قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩] وعلامتها أن يحل محلها (أن) المصدرية، ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ﴾ لو وضعت بدلها (أن): ودوا أن تدهن، يصح الكلام أو لا؟ طيب، وهل يصح أن تضع بدلها (أن) في القرآن؟ * طلبة: لا يصح. * الشيخ: لا يصح، تقديرًا يصح ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ لو جعلت بدلها (أن) استقام الكلام، لكن لا يجوز في القرآن أن تجعل بدلها (أن)، طيب لو قلت: وددت لو زرتني، صحيح؟ طيب، لكن هنا إذا حولتها إلى (أن) حول الفعل إلى مضارع، (وددت أن تزورني)، طيب. الثالثة للتمني. * طلبة: مصدرية. * الشيخ: مصدرية؟ لا، أنا أقول: مصدرية التي تأتي بعد (ود)، والشرطية، بقي عندنا التمنية التي للتمني، المصدرية هي التي تأتي في الغالب بعد ود، وعلامتها أن يحل محلها (أن). التي للتمني تكون بمعنى أتمنى، يعني يعين معناها السياق، فهنا ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ﴾ ضع بدلها أتمنى، أتمنى أن يكون لي كرة فأكون من المؤمنين، واضح؟ ويدلك لهذا قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ [الأنعام ٢٧] فصار معاني (لو) ثلاثة: شرطية ومصدرية وللتمني. ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾ قال المفسر: (رجعة إلى الدنيا ﴿فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ) يعني يتمنى أن يكون له رجعة ليكون من المحسنين. وقوله: ﴿فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ولم يقل: من المتقين؛ لأن الإحسان درجة فوق التقوى، فكل محسن متقٍ، وليس كل متقٍ محسنًا، الإحسان درجة عالية، قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]، ولكن هذا التمني هل هذه النفس صادقة في أنها تتمنى لتكون من المحسنين؟ قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام ٢٨] لكن عند العذاب ليس لها إلا أن تقول هكذا ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. * طالب: أحسن الله إليك، سئل رجل فقالوا له: ما آخر نكتة سمعتها، قال: إن اثنين من المتطرفين قالوا: استو واعتدل في الصف، هل يدخل هذا في السخرية بالله وسنة النبي ﷺ؟ * الشيخ: هذا يسأل يقول: إن آخر نكتة إي نعم سمعتها أنه سمع رجل يقول: استووا اعتدلوا كذا؟ * الطالب: (...) استووا اعتدلوا (...). * الشيخ: لكن كان الإمام قال هكذا؟ الإمام قال: استووا اعتدلوا؟ لا، ما يصير. * الطالب: (...) آخر نكتة سمعتها يقول: استووا واعتدلوا (...). * الشيخ: لا، هل هو صحيح ما حكاه عن هذا الإمام، أن الإمام يقول: استووا واعتدلوا؟ * طلبة: هو نفسه بيسأل. * الشيخ: لا، على كل حال دعونا من كونه صورها ملاكمة، لكن لو قال إنسان في إمام قال: استووا واعتدلوا: إن هذه نكتة، ووصفه بالتطرف، فهل يكون كافرًا أو لا؟ الواقع أن هذه المسألة مهمة جدًّا، الاستهزاء بالشخص الذي يفعل طاعة أو يتجنب معصية، تارة يغلب عليه الجانب الشخصي، فهذا لا يكفر، وتارة يغلب عليه الجانب الحكمي، بمعنى أنه يسخر بالحكم من أي مصدر جاء، فهذا كفر، ويوضح هذا المثال: بعض الناس لو رأى مثلًا عالمًا من العلماء المعتبرين المحبوبين عند الناس الموثوقين، رأى ثوبه إلى نصف الساق، لا يسخر به أبدًا، ولا يمكن أن يسخر، لكن لو رأى شابًّا فربما يسخر به، إذن هنا السخرية منصبة على أيش؟ * طلبة: على الشخص. * الشيخ: على الشخص، مغلب فيها جانب الشخصية، فهذا لا يكفر؛ لأنه لم يكره الحكم، لكن كره هذا الذي قام بالحكم. والثاني: أن يكره الحكم الشرعي، ويسخر بالحكم الشرعي فهذا كافر، ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ ولم يقل: والمؤمنين، الرسول معلوم أي إنسان يسخر به فهو كافر، حتى وإن كان قد غلب الجانب الشخصي؛ لأن الرسول مشرع عليه الصلاة والسلام، فكل شيء صدر منه فهو تشريع، لكن اللي يصدر من غير الرسول، إن كان محل ثقة عند الناس اعتبروه حكمًا شرعيًّا ولم يسخروا به، وإن كان غير ثقة سخروا به مغلبين جانب الشخصية؛ لأنهم مثلًا لا يثقون به الثقة التامة، أو يرون أنه متزمت أو متنطع أو ما أشبه ذلك، وهذه المسألة يجب على الإنسان أن يدرك الفرق بين الأمرين؛ لأن هذه المسائل دقيقة جدًّا. ولهذا ذكر شيخ الإسلام رحمه الله أن الإمام أحمد يكفر الجهمية، لكن لا يكفر أعيانهم؛ لأن هناك فرقًا بين التكفير باعتبار الحكم والتكفير باعتبار الشخص. ومن ثم نحذر طلبة العلم من التسرع في التكفير الشخصي العيني؛ لأن المسألة ما هي هينة، لو كفَّرت شخصًا والله عز وجل لم يحكم بكفره عاد التكفير إليك، وصار يخشى عليك من الضلال ولو في المستقبل إذا لم تتب. [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

الزمر 39:60

نأخذ الفوائد من قوله: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ﴾ [الزمر ٤٩] إلى آخره. * من فوائد هذه الآية: أن الإنسان يلجأ إلى الله تعالى عند الشدائد، وهذه طبيعة فطرية لا يتخلف عنها إلا من نكس قلبه. * ومن فوائدها: أن المشركين في زماننا الذين يدعون مع الله غيره أشد شركًا من السابقين؛ لأن السابقين إنما يشركون في الرخاء، وإذا مسهم الضر لجئوا إلى الله، أما اللاحقون فإنهم يشركون في حال الشدة كما يشركون في حال الرخاء، إذا أصابهم الضر نادوا: يا فلان، يا فلان، يا فلان، نعم هذا أشد شركًا من الأولين، وهذا أيضًا مخالف للفطرة التي فطر الناس عليها؛ لأن الإنسان لا يلجأ عند الشدائد إلا بمن يؤمن أنه يكشف هذه الشدائد. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان إذا أصيب بالنعمة نسي نعمة الله وأضافها إلى غيرها. * ومن فوائد الآية الكريمة: ضرر الإعجاب بالنفس، حيث يقول: إنما أوتيته على علم عندي. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى يبتلي بالنعم كما يبتلي بالنقم؛ لقوله: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ وقد قال سليمان عليه الصلاة والسلام: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل ٤٠]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أكثر الناس غافلون عن هذه المسألة، أي: عن كون الله سبحانه وتعالى يبتليهم بالنعم فيظنون أن النعم دليل على الرضا، فيستمرون في معاصيهم ويقولون: لو كان الله غاضبًا علينا ما أعطانا، ولكن من العامة من يقول العبارة المشهورة: عطاه لا يدل على رضاه، عطاء الله لا يدل على رضاه، قد يكون هذا من باب الاستدراج بالنعم حتى يهلك الإنسان، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران ١٧٨]، وصح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «إِنَّ اللهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ، حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٦٨٦)، ومسلم (٢٥٨٣ / ٦١) من حديث أبي موسى الأشعري.]]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من الناس من منَّ الله عليهم بالعلم والفراسة والتدبر والتأمل، فعرفوا الأمور على حقائقها، يؤخذ هذا من قوله: ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾ فإن الأكثر ضد الأقل. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة العلم؛ لقوله: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لأن الذين يعلمون يعرفون مثل هذه الأمور وأنها ابتلاء وامتحان فيتعظون بها. ثم قال تعالى: ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الزمر ٥٠]. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الشر يتبع بعضه بعضًا؛ لقوله: ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. * ومن فوائدها: تسلية الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن هؤلاء الذين قالوا هذا في عصره قد قاله من سبق. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن لأهل الشر قدوة يقتدون بها كما أن لأهل الخير قدوة يقتدون بها، ولهذا جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله البجلي.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل ما كسبه الإنسان من مال أو جاه فإنه لا يغنيه من الله شيئًا؛ لقوله: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، حتى لو كسب أقوى صنعة في الأرض، فإنها لا تغني عنه من الله شيئًا، إذا أراد الله عز وجل أن يتلف هذه القوة أتلفها بكلمة واحدة منه ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب على الإنسان اللجوء إلى الله، حيث إن جميع ما كسبه من مال أو جاه أو ولد أو زوجة أو غيره لا تغني عنه من الله شيئًا، إذن إلى من يرجع؟ إلى الله عز وجل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على الجبرية؛ لقوله: ﴿مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ فإن عمل الإنسان كسب له، أما الجبرية فيقولون: إن عمل الإنسان ليس كسبًا له؛ لأنه مرغم عليه ومجبر عليه، فلا يكون كسبًا له ولا يضاف إليه. ثم قال الله تعالى: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الزمر ٥١]. * في هذه الآية من الفوائد: أن العقوبة تكون على قدر العمل؛ لقوله: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ﴾ مع أن الذي أصابهم ليست السيئات ولكن جزاؤها، إلا أنه لما كان الجزاء من جنس العمل صح أن يعبر بالعمل عنه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تهديد هؤلاء الذين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يصيبهم ما أصاب الأولين؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾. * ومن فوائد هذه الآية: شؤم الظلم؛ لأنه يوقع صاحبه في الهلاك. * ومن فوائدها: أن من عصا الله فهو ظالم، ظالم لمن؟ * طلبة: لنفسه. * الشيخ: ظالم لنفسه وكذلك لغيره إن تعدت معصيته إلى الغير، فلو جنى على أحد محترم من مسلم أو يهودي، ذمي أو نصراني، ذمي أو غيرهم من أهل الكفر الذميين، فإنه يكون ظالمًا لنفسه وظالمًا لغيره. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا أحد يفوت الله ويعجزه؛ لقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ وقد قال الشاعر الجاهلي: أَيْنَ الْمَفَرُّ وَالإِلَهُ الطَّالِبُ ∗∗∗ وَالأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ لَيْسَ الْغَالِبُ فلا أحد يعجز الله عز وجل، أو يفوت الله، لا في السماء ولا في الأرض. ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الزمر ٥٢] إلى آخره. ارتباط هذه الآية بما قبلها ظاهر؛ لأنه تكلم عن الإنسان إذا أصابه الضر، وإذا أصابته النعمة، ثم عقب ذلك بأن هذا الأمر كله بيد الله. * من فوائد الآية الكريمة: تقرير هؤلاء بأن كل شيء من عند الله، بسط الرزق وتضييقه من عند الله، وهم يعلمون ذلك؛ لقوله: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ فإن مثل هذا التركيب يفيد التقرير. * ومن فوائدها: إثبات المشيئة لله؛ لقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وليعلم أن كل شيء علقه الله بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة، أي أنه ليست مشيئة الله مشيئة مجردة هكذا تأتي عفوًا، لا، هي مشيئة مقرونة بالحكمة. والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠] فلما بين أن مشيئتهم بمشيئة الله بين أن ذلك مبني على علم وحكمة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الرزق لا يحصل بالشطارة والحذق، وإنما هو من عند الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر. فإذا قلنا بهذه الفائدة أشكل علينا هل معنى ذلك أن نبطل الأسباب؟ لا، بل نفعل أسباب بسط الرزق لنتحاشى تضييقه، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك ١٥] فأمر أن نمشي بمناكبها وأن نأكل من رزقه؛ لأنا إذا مشينا في المناكب وسعينا في أسباب الرزق حصل فأكلنا من رزقه. * ومن فوائد الآية الكريمة: تمام ملك الله وسلطانه؛ لقوله: ﴿يَبْسُطُ﴾ ﴿وَيَقْدِرُ﴾ وهذا يدل على كمال الملك والسلطان، وأنه لا معارض له سبحانه وتعالى. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان وسيلة للاهتداء ومعرفة الآيات؛ لقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الزمر ٥٢] وإذا كان هذا الحكم معلقًا على هذا الوصف، فإن القاعدة أن ما علق على وصف فإنه يقوى بقوته، ويضعف بضعفه، هذه القاعدة، كل حكم علق على وصف فإنه يقوى بقوته، ويضعف بضعفه، إذن كلما قوي الإيمان ظهر للإنسان من آيات الله ما لم يظهر له مع ضعف الإيمان، وكلما ضعف الإيمان ضعفت معرفة الإنسان وإدراكه للآيات التي ينزلها الله عز وجل من الوحي والتي يقدرها من القضاء. ثم قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر ٥٣] ﴿قُلْ﴾ يعني أبلغ عبادي بذلك، أبلغهم بأني أقول: يا عبادي، ولا يصح أن نقول: قل أنت يا محمد: يا عبادي، فتضيف العبادة إلى نفسك، لا، المعنى أبلغ عبادي أني أقول: يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم. ولماذا قلنا بهذا التفسير؟ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لو قال للناس: يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم، فإنه لا يستقيم الكلام، ولكن المعنى: قل للناس أي: أبلغهم بأني أقول: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ وقراءة أخرى: ﴿لا تقنِطوا﴾ ، وقوله: ﴿يَا عِبَادِيَ﴾ يشمل العباد بالمعنى الخاص والعباد بالمعنى العام، يعني حتى الكفار يقال لهم مثل هذا القول. وقوله: ﴿الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: جاوزوا الحد في رعاية الأنفس، والواجب على الإنسان في رعاية نفسه أن يرعاها حق رعايتها، بحيث يقوم بما يصلحها ويتجنب ما يفسدها، فإذا لم يفعل فقد أسرف على نفسه، مثال ذلك: رجل سرق، السرقة هذه إسراف على النفس؛ لأن الواجب حماية النفس من السرقة، رجل شرب الخمر هذا إسراف على النفس، رجل سجد لصنم إسراف على النفس لأنه مجاوزة للحد. ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ القنوط واليأس معناهما متقارب، لكنهم فرقوا بينهما بأن القنوط أشد اليأس، وأما اليأس فمعروف أنه عدم الرجاء وعدم الأمل في حصول الشيء ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ من رحمة الله لكم، فـ(رحمة) هنا مضافة إلى الفاعل أو إلى المفعول؟ * طلبة: إلى الفاعل. * الشيخ: إلى الفاعل، أي من رحمة الله إياكم، وبماذا تكون الرحمة؟ تكون الرحمة بأن يهدي الله عز وجل رجل إلى التوبة والاستغفار ويتوب عليه، فأنت لا تقنط من رحمة الله لا بنفسك ولا بغيرك، ولكن افعل السبب، فلو قال قائل مسرف على نفسه: أنا لا أقنط من رحمة الله، ولكنه يفعل المعصية مستمر عليها، نقول: هذا غلط؛ لأنك إذا استمررت على المعصية فأنت آمن من مكر الله، وكلا الطرفين ذميم، لا القنوط من رحمة الله ولا الأمن من مكر الله، لكن نقول: افعل السبب، افعل السبب ولا تقنط من رحمة الله. (﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ لمن تاب من الشرك ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ) ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾، ﴿يَغْفِرُ﴾ أي يسترها ويتجاوز عنها؛ وذلك لأن المغفرة مشتقة من أيش؟ * طلبة: من الغفر. * الشيخ: من الغفر. * طالب: (...) مشتقة. * الشيخ: (...) مشتقة المغفرة. * طالب: (...). * الشيخ: نعم من المغفر، المغفر هو الذي يوضع على الرأس في وقت القتال من أجل أن يقيه السهام، ومعلوم أن هذا المغفر فيه ستر وفيه وقاية، وعلى هذا فأنت إذا قلت: رب اغفر لي، لست تسأل الله أن يستر ذنوبك فقط، بل تسأل الله أن يسترها وأن يتجاوز عنها، فقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾ أي يسترها ويتجاوز عنها، وقوله: الذنوب، هذه صيغة عموم أو خصوص؟ * الطالب: عموم. * الشيخ: عموم، الذنوب، وأكد هذا العموم بقوله: ﴿جَمِيعًا﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ وهذه المغفرة التي أثبتها الله عز وجل هل هي شاملة لكل ذنب؟ الجواب: نعم، شاملة لكل ذنب فيمن تاب، فكل من تاب تاب الله عليه، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان ٦٨ - ٧٠] فهؤلاء جمعوا بين الشرك وقتل النفس، وهو اعتداء على النفوس، والزنا وهو اعتداء على الأعراض والأخلاق، ومع ذلك إذا تابوا تاب الله عليهم. وهذه الآية أجمع العلماء على أنها في التائبين؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ ولم يقيد، فهي في التائبين، أما غير التائبين فقال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨] فغير التائبين نجزم بأن الله لا يغفر الشرك في حقهم، وما دون الشرك تحت المشيئة؛ إن شاء عذب وإن شاء غفر، فللإنسان حالتان: الحال الأولى: التوبة، فما حكم ذنبه حينئذ؟ * طالب: الغفران. * الشيخ: الغفران مهما عظم الذنب، الحال الثانية: عدم التوبة. * طالب: عدم التوبة (...) لقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء ٤٨] وأما بقية الذنوب (...). * الشيخ: كيف ما فهمنا إلى الآن الجواب غير مرتب. * الطالب: الكبائر (...) فيغفرها الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: الكبائر ولو دون الشرك؟ * الطالب: الشرك. * الشيخ: نعم. * الطالب: أما ما دون الشرك فهي تحت المشيئة. * الشيخ: تحت المشيئة تمام، يعني بدون التوبة نقول: الشرك لا يغفر قطعًا، وما دون الشرك تحت المشيئة، ويستدل بالآية التي ذكرناها استشهادًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ يستدل بها المسرفون على أنفسهم بالمعاصي، فإذا نهيتهم عن معصية قالوا لك: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. نقول له بكل بساطة: وهل تجزم أنت أنك ممن شاء الله أن يغفر له؟ الجواب: لا، إذن أنت على خطر، وأنت الآن فعلت سبب العقوبة، وكونك يغفر لك هذا أمر راجع إلى مشيئة الله عز وجل. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أولًا في الجملة كلمة ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ لو حذفت هذه الكلمة لاستقام الكلام بدونها، فما هي الكلمة؟ * طلبة: (هو). * الشيخ: (هو)، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ﴾ كلمة (هو) يسميها النحويون ضمير فصل، وبعضهم يسميها عمادًا. * طالب: ضمير الشأن؟ * الشيخ: لا، ما هو ضمير الشأن، فما هو فائدة هذا الضمير؟ يقولون: إن في هذا الضمير ثلاث فوائد: الفائدة الأولى: التوكيد، والفائدة الثانية: الحصر، والفائدة الثالثة: التمييز بين الخبر والصفة، مثاله: إذا قلت: زيد هو الفاضل، الضمير في (هو) ضمير فصل، لو قلت: زيد الفاضل وحذفت الضمير. * طلبة: استقام. * الشيخ: استقام الكلام، لكن يحتمل أن يكون (الفاضل) صفة والخبر منتظر، ويحتمل أن يكون (الفاضل) هو الخبر، أليس كذلك؟ فإذا قلت: زيد هو الفاضل، ارتفع الاحتمال الأول وهو أن تكون (الفاضل) صفة، وتعين الاحتمال الثاني، وهي أن تكون خبرًا، واضح يا جماعة؟ طيب ما الذي استفدنا من هذا التركيب؟ زيد هو الفاضل، استفدنا أولًا توكيد الفضل في زيد، وثانيًا: حصر الفضل فيه، زيد هو الفاضل، وثالثًا؟ * طالب: التمييز بين الصفة والخبر. * الشيخ: التمييز بين الصفة والخبر، يعني الآن ليس عندنا احتمال أن تكون صفة، هذا من حيث المعنى في ضمير الفصل، من حيث الإعراب هل هو اسم أو حرف؟ الصحيح أنه حرف لا محل له من الإعراب، حرف جاء بصورة الاسم، وليس له محل من الإعراب، نعم والدليل على أنه لا محل له من الإعراب كثير في القرآن وغير القرآن، قال الله تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء ٤٠]؛ لأنه إذا كان له من الإعراب صار محله الرفع وما بعده خبر، ولكنه ليس له محل من الإعراب، بل هو جاء عمادًا أو جاء فصلًا. * طالب: قوله تعالى السابق: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يقول في الحاشية: إن فيه دلالة على أن المراد بالإنسان الجنس، فكيف استدل بهذا؟ * الشيخ: أي وجه أنه لما قال: أكثرهم لا يعلمون؛ لأن فيه من يعلم وهم المؤمنون، فيكون ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾ يدل على أن المراد الجنس، لأن غير المؤمن كلهم لا يعلمون. * طالب: الراجح يا شيخ؟ * الشيخ: سبق لنا القول في هذا أن الراجح هو الكافر، والجواب عن هذا أن نقول: من الكفار من يعلم لكنه مستكبر. * طالب: ما هو ضمير الشأن؟ * الشيخ: ضمير الشأن هو الضمير الذي يدل على القصة وليس موجودًا، ضمير الشأن في الغالب يكون محذوفًا. * طالب: فيه ناس من المؤمنين إذا جاءتهم النعمة قال: إنما أوتيته على علم عندي، من المؤمنين ولكن ناقصون الإيمان، ما يؤيد أن الإنسان المقصود به الجنس. * الشيخ: نعم؟ * الطالب: المقصود بالإنسان الجنس المؤمن والكافر، يعني حتى المؤمن يقول: إنما أوتيته على علم عندي، لكن يكون. * الشيخ: إي لكن هو كافر بهذه المقالة، ما هو كافر كفرًا مخرجًا عن الملة، نقول: هو بهذه المقالة كافر، وقد يكون كافرًا كفرًا مخرجًا عن الملة، إذا اعتقد أن الله ليس له سبب في حصول هذه النعمة، وأنه هو الذي حصلت به، لا أنه سبب، فهو كفر؛ لأن إضافة النعم إلى أسبابها بالإعراض عن المسبب وهو الله، وادعاء أو اعتقاد أن هذه النعمة ليس لله فيها علاقة هذا كفر بالربوبية. * طالب: هل يجزم الإنسان إذا تاب من الذنب بأن الله عز وجل تاب عليه فلا (...) أن يكون موانع التوبة؟ * الشيخ: نقول: نعم، إذا تبت توبة نصوحًا فإن الله يقبلها، لكن من الذين يقول: إن توبته نصوحة؛ لأن المشكل الذي سيكون من فعل العبد، لا من فعل الرب، فالرب إذا وقع فعل العبد على ما يرضى حصل موعوده؛ لأن الله لا يخلف الميعاد، لكن الذي يكون محل إشكال هو فعل العبد، هل هذه التوبة توبة نصوح على حسب ما رسم في الشرع؟ فنحن نجزم، لكن قد يكون في قلب الإنسان بلاء، يكون عنده شيء من الرياء، يكون عنده شيء من المن على الله عز وجل، وغير ذلك من الأسباب، تكون التوبة غير نصوح، يتوب الإنسان مثلا من نظر المرأة الأجنبية، لكنه لا يتوب من غمز المرأة الأجنبية، التوبة الأولى تقبل ولَّا ما تقبل؟ * طالب: لا، ما تقبل. * الشيخ: لا، ما تقبل؛ لأنه ما تاب من الذنب الذي هو من جنس ذنبه، يتوب الإنسان مثلًا من أكل الربا، ربا النسيئة، ولكنه يرابي ربا الفضل، هذه غير نصوح، ولهذا نقول: من تاب إلى الله توبة نصوحًا فإنه مقبول التوبة، ومن اختل فيه النصح فليس مقبول التوبة (...) * * * قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر 53] ما المراد بالإسراف؟ أسرفوا على أنفسهم. * الطالب: جنوا. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: جنوا. * الشيخ: جنوا. * طالب: ظلموا. * الشيخ: ظلموا نعم. * طالب: جاوزا الحد في رعايتها. * الشيخ: صحيح، جاوزا الحد في رعايتها، وذلك بأن أوقعوها في المعاصي أو جنبوها الطاعات. * الشيخ: قوله: ﴿لَا تَقْنَطُوا﴾ معناها؟ * طالب: القنوط أشد اليأس. * الشيخ: القنوط أشد اليأس، طيب يعني: ما تيئسوا من رحمة الله. جملة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ موقعها مما قبلها؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، أظن ما ذكرناها؟ طيب، هل هذه الآية في عموم العصاة؟ * طالب: هذا في التائبين. * الشيخ: في التائبين، أي أجمع المفسرون على أنها في التائبين، غير التائبين ما حالهم يا أخ؟ * طالب: غير التائبين؟ * الشيخ: نعم ما حالهم؟ * الطالب: هي تختلف. * الشيخ: إي نعم هي تختلف، كيف الاختلاف؟ * الطالب: حالهم في الآية التي ذكرناها في سورة النساء، قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾. * الشيخ: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أحسنت، هذه حالهم. قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ الغفور معناه؟ * طالب: الغفور الذي يستر الذنب ويتجاوز عنه. * الشيخ: أحسنت، لماذا زدت: ويتجاوز عنه؟ * الطالب: (...). * الشيخ: بارك الله فيك. نأخذ الدرس الآن الجديد: قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ﴾ أوردنا إشكالًا أمس على قوله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ﴾ يعني أمر الله الرسول أن يقول: يا عبادي؟ * طالب: (...). * الشيخ: أبلغهم بأن الله يقول: يا عبادي الذين أسرفوا. * طالب: (...). * الشيخ: طيب. قول الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر 53]، هذه الجملة موقعها مما قبلها أنها تعليل للنهي عن القنوت، يعني لا تقنطوا فإن الله يغفر الذنوب جميعًا إذا استغفرتموه ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ سبق لنا تفسير هذه الآية، نأخذ فوائدها الآن. * طالب: (...). * الشيخ: طيب، نرجع إلى كلام المفسر، قال المفسر رحمه الله: (﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنِطُوا﴾ بكسر النون وفتحها) قراءتان سبعيتان، وقاعدة المؤلف رحمه الله أنه إذا قال مثل هذا القول يعني بالوجهين أو قال: وفي قراءة، فالقراءة سبعية، أما إذا قال: وقرئ فالقراءة شاذة، إذن فيها قراءتان سبعيتان بفتح النون وبكسر النون. ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ نعم. * طالب: وقرئ بضمها. * الشيخ: وقرئ بضمها (لا تقنُطوا)، وهذه القراءة شاذة، يعني ليست سبعية. واختلف العلماء في القراءة غير السبعية هل يجوز أن يقرأ بها الإنسان أو لا، والصحيح أنها إذا صحت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإن القراءة بها جائزة؛ لأن القرآن كله حق، فإذا ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ بهذه القراءة فهي صحيحة، سواء جاءت عن طريق القراء السبعة أم لم تأتِ. قال: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ (﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ لمن تاب من الشرك)، نعم لمن تاب من الشرك، وكذلك من تاب من غيره مما دونه، لكن ذكر المؤلف الشرك لأنه أعظم الذنوب، ولأنه لا يُغفر إلا بتوبة، وإذا تاب الإنسان من الشرك وبقي على شيء من المعاصي كان يقوم بها في حال كفره، فهل تغفر هذه المعاصي أو لا بد لها من توبة؟ الصحيح أنه لا بد لها من توبة كما لو كان يشرب الخمر وهو كافر، ثم أسلم وبقي على شرب الخمر، فإن إسلامه لا يوجب أن يسقط عنه إثم شرب الخمر؛ لأنه أيش؟ لم يتب منه، لكن إذا تاب من الشرك ولم يصر على المعاصي الأخرى ولم تطرأ له على بال، فإن جميع ذنوبه تغفر، فالتائب من الشرك في الحقيقة له ثلاث حالات: إما أن يستحضر أنه تاب من الشرك ومن جميع المعاصي التي كان يعملها، فهذا لا شك بأن توبته تعم كل ذنب، وإما أن يتوب من الشرك مع الإصرار على بعض المعاصي التي كان يفعلها في حال الشرك، فهنا لا تغفر له هذه المعاصي التي أصر عليها، لأنه استمر فيها، مثل أن يكون معتادًا لشرب الخمر في حال كفره، فيسلم وهو مصِر على شرب الخمر، فإنه لا يغفر له ما قد سلف من الذنوب ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال ٣٨]. الحالة الثالثة: أن يتوب من الشرك ولم يطرأ على باله بقية المعاصي، لكنه لم يفعلها بعد إسلامه، فهنا أيش؟ يغفر له، يغفر له جميع الذنوب؛ لأنها تندمج الصغار بالكبار فيغفر له جميع الذنوب. ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ انتهت الآية، وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ تعليل لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ و ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ تعليل لقوله: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ فهو تعليل لتعليل. * من فوائد هذه الآية الكريمة: عناية الله عز وجل بهذا الأمر، أي بإبلاغ عباده أنه يغفر الذنوب جميعًا نعم. عناية الله تعالى بهذه الجملة أو بهذا الأمر، حيث أمر نبيه أمرًا خاصًّا بأن يبلغ الناس هذه القضية، انتبهوا، القرآن كله قد أمر النبي ﷺ أن يبلغه ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧] لكن هناك أشياء خاصة ينص الله عليها أن يبلغها، وهذا يقتضي العناية بها، مثل: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور ٣٠]، ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور ٣١]، ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ هذه توصية خاصة بأن يبلغها الرسول ﷺ إلى الأمة، فيقتضي ذلك العناية بها، انتبهوا لهذه النقطة، قد لا تكون مرت عليكم من زمان قريب، أقول: إذا صدر الله الحكم بـ(قل) فهو دليل على أيش؟ * طلبة: على العناية. * الشيخ: على العناية به؛ لأن هذا أمر بإبلاغه على وجه الخصوص، أما القرآن فقد أمر أن يبلغه على سبيل العموم ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾. * من فوائد الآية الكريمة: أن الخلق كلهم عباد الله ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ لأن العباد هنا المراد بها العبادة العامة. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن من تاب إلى الله تاب الله عليه من الشرك فما دونه، وهذا أمر مجمع عليه. لكن اختلف العلماء فيمن قتل نفسًا عمدًا هل له من توبة؟ فروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه لا توبة لقاتل، فأخذ بها بعض العلماء وقالوا: إن القاتل لا توبة له ولو تاب، ولكن هذا ليس بصحيح؛ لأنه مخالف للآيات والأحاديث الدالة على قبول توبة التائب من الشرك فما دونه، ويدل على بطلان هذا القول قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان ٦٨ - ٧٠] فهنا ذكر الله القتل وذكر الشرك وذكر الزنا، وأخبر أن من تاب وآمن وعمل عملًا صالحًا فيعطى زيادة على توبته بأن يبدل الله سيئاته حسنات. ومن السنة ما قصه علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن رجل أسرف على نفسه فقتل تسعًا وتسعين نفسا، ثم سأل عابدًا من العُبَّاد: هل له من توبة؟ وقد قتل تسعة وتسعين نفسًا؟ فاستعظم العابد هذا الذنب وقال: ما لك توبة، تقتل تسعة وتسعين نفسًا ثم تأتي وتقول: لي توبة! ما لك توبة. قال: نكمل بك المئة. فقتله أتم به المئة، ثم دُلَّ على عالم فسأله قال: إني قاتل مئة نفس فهل له من توبة؟ قال: نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة! وهذا يدلكم على فضل العلم وعلى قبح الجهل، شف الجهل جنى على نفسه الجاهل، جنى على نفسه وأيس هذا الآخر من رحمة الله، فكان جزاؤه أن قتل، فقال له العالم: نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة، ولكن أنت في قرية أهلها ظالمون، اذهب إلى القرية الفلانية يعني فإنها مرتع خصب لك، فذهب وفي أثناء الطريق جاءه الموت، فأرسل الله إليه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فتنازعوا، ملائكة الرحمة تقول: أنا أقبض الروح لأن الرجل جاء تائبًا مهاجرًا، وملائكة العذاب قالت: لا، أنا أقبض روحه لأنه رجل مسرف ولم يصل إلى بلده التي يهاجر إليها، فأرسل الله إليهم حكمًا يحكم بينهم وقال: قيسوا ما بين القريتين، فإلى أيتهما كان أقرب فهو من أهلها، فقاسوا فوجدوه أقرب إلى القرية الصالحة بقليل بنحو شبر[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٧٠)، ومسلم (٢٧٦٦ / ٤٦) من حديث أبي سعيد الخدري. ]]، وقد قيل: إنه كان إلى غير الصالحة أقرب، لكنه في أثناء الموت في سياق الموت لشدة رغبته في الأرض الصالحة أهلها كان يزحزح نفسه وهو في سياق الموت، فقبضته ملائكة الرحمة، قالوا: فإذا كان هذا في الأمم السابقة، فهذه الأمة أكرم على الله منها من الأمم السابقة، كيف لا يكون للقاتل توبة؟ إذن القول الراجح أن الآية هذه عامة، حتى للقاتل له توبة، وقد حمل ابن القيم رحمه الله ما روي عن ابن عباس محملًا حسنًا، فقال: إن القتل العمد تتعلق به ثلاثة حقوق: حق الله وحق الميت وحق أوليائه. أما حق الله فإنه يسقط بالتوبة بلا إشكال، ولا يخفى مثل هذا عن ابن عباس رضي الله عنه، وأما حق الميت فلا يمكن إسقاطه الآن في الدنيا؛ لأنه انتقل عن الدنيا، وسيطالب بحقه يوم القيامة وأما حق أولياء المقتول فبأن يسلم نفسه لهم، إذا سلم نفسه لهم فهذا دليل على صدق توبته وتبرأ ذمته، هذا ما وجه ابن القيم كلام ابن عباس إليه. وعندي أنه إذا تاب تاب الله عليه حتى عن حق الميت المقتول، والله عز وجل يتحمل حق المقتول يوم القيامة ويرضيه، وذلك لعموم الأدلة الدالة على أن من تاب من الذنب وإن عظم فإن الله يتوب عليه، فإذا جاء هذا الرجل تائبًا وسلم نفسه لأولياء المقتول وقال: أنا الآن بين أيديكم إن شئتم القصاص أو الدية أو العفو، هذا أعلى ما يقدر عليه، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦] فالقول الصحيح عندي أنه يُعفى عنه حتى حق المقتول، وذلك بأن يتحمله الله تعالى يوم القيامة. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن رحمة الله سبقت غضبه، وذلك بكونه يغفر الذنوب جميعًا بالتوبة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أحكام الله تعالى من مقتضى أسمائه وصفاته، أحكامه هنا أحكام جزائية ولَّا قدرية ولَّا شرعية؟ * طلبة: جزائية. * الشيخ: جزائية، من مقتضى أسمائه وصفاته، فلكونه غفورًا رحيمًا كان ذا مغفرة فغفر لمن تاب. * ومن فوائدها: الإشارة إلى أن الإنسان بعد التوبة قد يكون خيرًا منه قبلها وقبل فعل الذنب؛ لقوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾؛ لأن الرحمة تقتضي عطاء جديدًا، وهذا هو المشاهد، فإن الله عز وجل ذكر عن آدم أنه لما عصى ربه وغوى وتاب قال: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه ١٢٢]، وهذه المنقبة الاجتباء والهداية لم تذكر له قبل، والإنسان يحس بنفسه أيضًا، أنه إذا أناب وندم يحس من نفسه رجوعًا إلى الله وشدة افتقاره إليه، بخلاف ما إذا كان مستقيمًا على طاعة الله، فإنه لا يحس بالرجوع إلى الله عز وجل والإنابة إليه، وربما يصاب بالغرور بأنه لم يذنب، ولهذا جاء في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم: «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ ثُمَّ جَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ وَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ»[[(٢٧٤٩ /١١) من حديث أبي هريرة.]]. إذن نقول: إن الإنسان إذا تاب إلى الله، فقد يكون بعد التوبة خيرًا منه قبلها، نعم، وقد يكون بالعكس، لكن هذا أمر حصل قدرًا في آدم، وكذلك شرعًا كما تدل عليه هذه الآية ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. قال: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾: أنيبوا إلى ربكم: الإنابة بمعنى الرجوع التام إلى الله، بماذا نرجع إلى الله؟ بالإقلاع عن المعصية والانضمام في سلك الطائعين، يعني إنابة لا يصدق الاتصاف بها إلا بالرجوع إلى الله من المعصية إلى الطاعة، أنيبوا إلى ربكم، وفي قوله: ﴿إِلَى رَبِّكُمْ﴾ هنا الربوبية يحتمل أن تكون عامة، ويحتمل أن تكون خاصة، فهي بعد الإنابة من الربوبية الخاصة. ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ يقول: أسلموا له أي: انقادوا له، فالإنابة تكون بالقلب، بالرجوع إلى الله، ينيب الإنسان: يرجع إلى الله، أسلموا له أي: انقادوا له؛ لأن الإسلام والاستسلام وهذه المادة كلها تدل على الانقياد، وقوله: ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ (له): اللام هذه للاختصاص، وسنذكر أنها تفيد وجوب الإخلاص. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ أسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب في الدنيا قبل أن تتوقعوا ذلك، ثم إذا أتاكم لا تُنصرون، أي: لا تُمنَعون من هذا العذاب؛ لأن الله تعالى: ﴿إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد ١١] أي: من متولٍّ ينصرهم ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾. ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ اتبعوا أي: الزموا بالعمل، أو الزموا العمل بأحسن ما أنزل إليكم من ربكم، والعمل يقتضي العمل القلبي والعمل اللساني والعمل الجوارحي، يعني اتبعوا عقيدةً وقولًا وعملًا. وقوله: ﴿أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ هل الأحسن هنا وصف للعمل الذي يقوم به الإنسان أو وصف للنازل؟ * طلبة: وصف للنازل. * الشيخ: الظاهر أنه وصف للنازل، أحسن ما أنزل إليكم، ونحن إذا تأملنا لن نجد أحسن من القرآن، كما هو ظاهر في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة ٤٨] أي: مسيطرًا وذا سلطة، فعلى هذا تكون الأحسنية هنا راجعة إلى الكتاب المتبوع، وحينئذٍ لا إشكال فيها، فإذا قلنا: ﴿اتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ أي: افعلوا أحسن ما شرع لكم. يبقى فيه إشكال، وهو أننا مأمورون بأحسن ما شرع لنا، فهل يعني ذلك أننا لو فعلنا الحسن دون الأحسن نكون مقصرين؟ نقول: هذا ظاهر الآية إذا فسرناها بما ذكرنا، ولكن دلت النصوص على أن من اقتصر على الواجب فقد قام بالواجب، وإن لم يأتِ بالأكمل، وإن لم يأتِ بالأحسن، بل إن الرسول عليه الصلاة والسلام قال للرجل الأعرابي الذي ذكر له شرائع الإسلام قال: «إِنْ صَدَقَ هَذَا دَخَلَ الْجَنَّةَ»[[أخرجه البخاري (١٨٩١) من حديث طلحة بن عبيد الله.]]، وعليه -أي: على هذا الاحتمال في الآية الكريمة- نقول: إن النصوص دلت على أن اتباع الحسن مبرئ للذمة، لكن الأكمل اتباع الأحسن. ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً﴾ أي: مفاجئًا، بغتة هنا بمعنى: مفاجئًا، ويحتمل أن تكون مصدرًا مبينًا للنوع، أي أن يأتيكم إتيان بغتة، ويحتمل أن تكون مصدرًا بمعنى في موضع الحال، أي: مباغتًا، والمراد المفاجأة، يأتيكم العذاب مفاجأة ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ أي: لا تحتسبون أن يقع بكم العذاب؛ لأنكم غافلون، وليس عندكم شعور، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف ٩٧ - ٩٩] والغالب أن من انهمك بالمعاصي نسي الخالق ونسي العذاب، فيأتيه العذاب وهو في أشد ما يكون انغماسًا في المعاصي والترف. * في الآية الكريمة فوائد: أولا: وجوب الإنابة إلى الله لقوله: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾. * ومن فوائدها: وجوب الإخلاص له؛ لقوله: ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾، وكذلك ﴿أَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾. * ومن فوائدها: أنه لا بد من الإسلام لله ظاهرًا وباطنًا، فمن أسلم قلبه لله لزِم أن يسلم جوارحه لله؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير.]]، ومن أسلم ظاهرًا لا باطنًا فإن إسلامه لا ينفعه كإسلام المنافقين، فالإسلام يكون في الباطن ويتبعه الإسلام في الظاهر، ويكون في الظاهر دون الباطن، وهل يكون في الباطن دون الظاهر؟ لا، كيف يكون في الباطن دون الظاهر؟ لأنه إذا أسلم لله قلبه أسلمت جوارحه «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ»، وأما المكره فهو لا حُكم لفعله؛ لأنه سقط عنه التكليف. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحذر من المخالفة، الحذر من نزول العذاب عند المخالفة؛ لقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾ ومن يأمن من عذاب الله؟ لا أحد يأمن، فأنت إذا لم تتب إلى الله مبادرةً فإن العذاب ربما ينزل بك. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه إذا نزل العذاب من عند الله فلا أحد يمنعه؛ لقوله: ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾، وتأمل قوله: ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾، (ثم) أتى بـ(ثم) الدالة على المهلة، يعني مهما طلبتم من ناصر وطالت مدة طلبكم للناصر، فإنكم لن تجدوا من ينصركم من عذاب الله. * ومن فوائد الآية الثانية: وجوب اتباع القرآن؛ لقوله: ﴿اتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. * ومن فوائدها: تحريم إتباع غير القرآن؛ لأنه إذا وجب اتباع القرآن فضده حرام. ولكن إذا قال قائل: هل تقولون: إن شرع من قبلنا شرع لنا؟ فالجواب أن في ذلك خلافًا بين أهل العلم من أهل الأصول، والصحيح أنه شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه، ونحن نتبع شرع من قبلنا لا لأنه شرع من قبلنا، ولكن لأن شرعنا دلنا على العمل به، وأدلة ذلك معروفة في أصول الفقه، منها قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام ٩٠]. ومنها قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]. ومنها قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة ٤]. المهم أن القول الراجح أن شريعة من قبلنا شرع لنا بشرعنا ما لم يرد شرعنا بخلافه، فإن ورد شرعنا بخلافه فهو مطرح. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن أحسن ما أنزل؛ لأن الله أمرنا باتباع أحسن ما أُنزل، ونحن نعلم جميعًا أننا نتبع القرآن. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من خالف ذلك ولم يتبع القرآن، فإنه ربما يأتيه العذاب بغتة وهو لا يشعر. وهنا نسأل: هل العذاب هو العذاب الحسي الذي به فساد البلاد، أو يشمل العذاب الحسي والعذاب المعنوي؟ يشمل الأمرين لا شك، والإنسان قد يُعذب عذابًا معنويًّا بحيث تفسد عليه أموره، أمور الدين وأمور الدنيا، قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة ١٣] وهذه عقوبة من العقوبات التي هي أشد من عقوبات الدنيا؛ أن يصد الإنسان عن ذكر الله وعن الصلاة، فإن هذا أشد من أن يفقد الإنسان ماله وولده. وقد كان بعض السلف إذا نام عن صلاة الليل قال: إنني ما حرمت صلاة الليل إلا بذنب، فجعل عدم القيام في الليل جعله عقوبة على ذنبٍ عمِله، وكلما كثرت المعاصي والعياذ بالله كثر الإعراض عن ذكر الله عز وجل، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف ٢٨]. أظن نقرأ كلام المؤلف، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (﴿وَأَنِيبُوا﴾ ارجعوا ﴿إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا﴾ أخلصوا العمل ﴿لَهُ﴾ ) وفي تفسيره الإسلام بالإخلاص نظر، والإسلام هو الانقياد وهو الاستسلام لله تعالى ظاهرًا وباطنًا. وقوله: (﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ بمنعه إن لم تتوبوا) إن لم تتوبوا راجع إلى قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾ لأننا إذا تبنا رفع الله عز وجل العذاب عنا. (﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وهو القرآن) ولم يذكر الاحتمال الذي ذكرنا، بل جعل المراد بالأحسن هنا أيش؟ أحسن ما نزل لا أحسن ما شرع، نعم. (﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ قبل إتيانه بوقته، فبادروا قبل ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ ) [الزمر: ٥٦] إلى آخره. * طالب: (...). * * * * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر ٥٣] ﴿قُلْ﴾ الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه هو الذي أوحي إليه هذا القرآن، واعلم أن القرآن كله قد قيل للنبي ﷺ فيه: قل، لكن بعضه يصرح فيه بقل، وبعضه لا يصرح؛ لأن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧] يعم القرآن كله، فيجب عليه أن يقول للناس القرآن كله، لكن بعض الآيات أو بعض الأحكام تصدر بـ(قل) للعناية بذلك، أي بذلك الحكم المصدَّر بـ(قل)، فهنا يقول الله تعالى: ﴿قُلْ﴾ أي: قل يا محمد ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: قل لهم مبلِّغًا عن الله أن الله قال: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾، (عبادي) هنا يراد بها العبودية العامة، وليست العبودية الخاصة؛ لأنها تشمل المؤمن والكافر. وقوله: ﴿الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: جاوزوا الحد في أعمالهم، وذلك بالكفر فما دونه، وأصل الإسراف مجاوزة الحد، فالإسراف على النفس أن تتجاوز الحد فيما يجب عليك لله عز وجل أو لغيره من الخلق. (﴿لَا تَقْنَطُوا﴾ بكسر النون وفتحها، وقرئ بضمها) ففيها ثلاث قراءات: قراءتان سبعيتان وقراءة شاذة ليست سبعية؛ لأن مصطلح مؤلف الجلالين إذا قال: في قراءة، فهي سبعية، وإذا قال: قرئ فهي شاذة، وإذا قال: بفتح وضم فهما سبعيتان، إذا قال: وقرئ فهي شاذة، ففيها الآن (تقنطوا) في النون ثلاث حركات: ﴿تقنِطوا﴾ ﴿تَقْنَطُوا﴾ وهاتان؟ * طلبة: سبعيتان. * الشيخ: سبعيتان، ﴿تقنُطوا﴾ هذه شاذة، والقراءة الشاذة لا يُقرأ بها في الصلاة، لكن يُستدل بها في الأحكام إذا صحت، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: بل إذا صحت فإنه يُقرَأ بها في الصلاة، كما يُستدل بها في الأحكام. فإذا قال قائل: ما الفرق بين الشاذة والسبعية؟ قلنا: إن العلماء اصطلحوا فما جاء عن طريق القراء السبعة المشهورين فهي سبعية، وما جاء عن طريق آخر ولو صح فهو عندهم شاذ، فالشاذ إذن ما خرج عن القراءات السبع، ولكنه يُحتج به في الأحكام، ولا يقرأ به في الصلاة، إلا على رأي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فإنه يقول: متى صحت القراءة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإنها تقرأ في الصلاة؛ وإن لم تكن من القراءات السبع. وقال المؤلف في تفسير ﴿تَقْنَطُوا﴾ قال: (تيئسوا) والصحيح أن هذا التفسير تقريب، لأن القنوط أشد اليأس، فهو أعلى درجات اليأس، فمعنى تقنطوا أي: يبلغ بكم اليأس أشده ﴿مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ يعني من أن يرحمكم الله عز وجل؛ لأن الإنسان إذا قنط من رحمة الله وأيس لم يتعرض للرحمة لأنه آيس، ولهذا يقال: اليأس مفتاح الترك، أضرب لكم مثلًا: حاول أن تحل عقدة من خيط، فإذا أعيتك ماذا تصنع؟ * طلبة: تتركها. * الشيخ: تتركها، إذا أيست منها تركتها، لكن بالنسبة لرحمة الله عز وجل لا تيئس، مهما عملت من الذنوب والمعاصي فلا تيئس. نعم من رحمة الله قلنا: معناها من أن يرحمك الله، لا تيئس من أن يرحمك الله، بل حاول أن تتعرض لرحمته، فهنا نهي وتعليل، النهي ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ التعليل ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ يغفر مأخوذ من المغفرة، وهي ستر الذنب والتجاوز عنه، هذه المغفرة، ستر الذنب والتجاوز عنه، وليست مجرد الستر؛ لأنها مأخوذة من المغفر، وهو ما يُوضَع على الرأس عند الجهاد للوقاية، فهو جامع لأمرين: الستر والوقاية. فمثلا: الغُترة هذه لا نسميها مغفرًا، الطاقية لا، مع أنها ساترة لكنها ليست واقية، لكن بيضة الحديد التي تُوضع على الرأس عند القتال نسميها مغفرًا، ليش؟ لأنها ساترة واقية، فمغفرة الذنوب سترها والتجاوز عنها، فأنت إذا قلت: اللهم اغفر لي، تسأل الله شيئين: أن يستر ذنوبك عن غيرك، والثانية: أن يتجاوز الله عنها. وقوله: ﴿يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ شامل للصغائر والكبائر، ولهذا قال العلماء: إن هذه الآية في التائبين، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨] في غير التائبين وهذا صحيح؛ لأن الشرك لا يغفره الله تعالى إلا بتوبة، فإذا قلنا بالعموم في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ فلا بد أن نقول: إن هذه في من؟ في التائبين، ما هي في كل إنسان، المشرك لا يغفر الله له قطعًا، لكن إذا تاب غفر الله له مهما عظم شركه. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ الجملة تعليل للحكم الذي قبلها وهو ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ والجملة هنا مؤكدة بمؤكدين هما: (إن) و(هو)، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، أما كون (إن) مؤكدة فظاهر؛ لأن (إن) من أدوات التأكيد. وأما (هو) فهو أيضًا من أدوات التوكيد؛ لأنه ضمير فصل، ما معنى قول: ضمير فصل؟ ضمير فصل يفصل بين المبتدأ والخبر، ويفيد التوكيد، ويفيد أيضًا الحصر، ويفيد الفصل الذي هو التمييز بين الخبر والصفة، فهو مفيد لثلاثة أمور، يعني ضمير الفصل له ثلاث فوائد: الأولى: التوكيد، والثانية: الحصر، والثالثة: التمييز بين الصفة والخبر، فوائد ما هي؟ * طالب: التوكيد والحصر والتمييز بين الصفة والخبر. * الشيخ: طيب يظهر هذا بالمثال، فإذا قلت: زيد الفاضل، فهنا يحتمل أن تكون (الفاضل) صفة لـ(زيد)، وأن نتلقى الخبر فيما بعد فيقال: زيد الفاضل في المسجد، فإذا قلت: زيد هو الفاضل تعين أن تكون خبرًا، فتميز الآن الخبر من الصفة بواسطة (هو)، كذلك إذا قلت: زيد هو الفاضل، فإنك لما أتيت بـ(هو) زدت ذلك توكيدًا، كذلك لما أتيت بـ(هو) حصرت الفضل فيه دون غيره، فقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ فيها فائدتان: الفائدة الأولى: التوكيد، والفائدة الثانية: الحصر، أما التمييز بين المبتدأ والخبر فهنا لا حاجة؛ لأن الضمير (إنه) يقولون: إنه لا ينعت ولا ينعت به، الضمير لا ينعت ولا ينعت به، واضح؟ وعليه فيكون الفائدة في قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ الحصر والتوكيد. وقوله: ﴿الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ سبق معنى المغفرة ستر الذنب والتجاوز عنه، ﴿الرَّحِيمُ﴾: أي ذو الرحمة التي يحصل بها المطلوب، والمغفرة يزول بها المرهوب، فالجمع بين الاسمين الكريمين يفيد أيش؟ يفيد السعادة الكاملة، النجاة من المرهوب في قوله؟ * طالب: ﴿الْغَفُورُ﴾. * الشيخ: ﴿الْغَفُورُ﴾ لأن هذا مغفرة الذنب، حصول المطلوب في قوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾ لأن الرحمة يحصل بها المطلوب والخيرات والنعم. فالجمع بين الاسمين الكريمين يفيد أيش؟ يفيد السعادة الكاملة، النجاة من المرهوب في قوله؟ * طالب: ﴿الْغَفُورُ﴾ [الزمر ٥٣]. * الشيخ: ﴿الْغَفُورُ﴾؛ لأن هذا مغفرة الذنب، حصول المطلوب في قوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾؛ لأن الرحمة يحصل بها المطلوب والخيرات والنعم، وبزوال المرهوب وحصول المطلوب يتم الفوز. قال الله جل وعلا: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران ١٨٥] ﴿زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ﴾ ما الذي بها؟ * طلبة: النجاة من المرهوب. * الشيخ: النجاة من المرهوب، ﴿وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ﴾ حصول المطلوب ﴿فَقَدْ فَازَ﴾. نرجع الآن إلى فوائد الآية: * من فوائد الآية الكريمة: وجوب إبلاغ الرسول ﷺ عن الله هذا القول، من أين يؤخذ؟ * طلبة: من ﴿قُلْ﴾ [الزمر ٥٣]. * الشيخ: من قوله: ﴿قُلْ﴾؛ لأن الأصل في الأمر الوجوب، لاسيما وأن هذا إبلاغ للرسالة، وإبلاغ الرسالة واجب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أهمية هذا البلاغ لئلا نقنط من رحمة الله، وأن نعلم أنه جل وعلا يغفر الذنوب جميعًا، من أين أخذنا أهميتها؟ من تصديره بـ ﴿قُلْ﴾ لأن هذا أمر بإبلاغ خاص. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المذنب مسرف على نفسه ظالم لها؛ لقوله: ﴿أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر ٥٣] ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [هود ١٠١]. والعجيب أن الظالم لنفسه بالمعصية إذا قيل له: لماذا؟ قال: هذا القضاء والقدر، عسى الله أن يهديني، عرفتم؟ وإذا ضربه أحد ظلمه بالضرب فقال: لم تضربني؟ قال: والله يا أخي هذا قضاء وقدر، هل يرضى بهذه الحجة؟ * طالب: لا يرضى. * الشيخ: لا يرضى، وهو بظلمه لنفسه يرضى، وهذا تناقض عجيب، يعني إذا ظلمت نفسك أبحت أن تحتج بالقدر، وإذا ظلمك غيرك لم تبح له أن يحتج بالقدر، وهذا جور في الحكم وتناقض، يقال: كيف ترضى أن تظلم نفسك ولا ترضى أن يظلمك غيرك ويحتج بالقدر؟ * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم القنوط من رحمة الله؛ لقوله: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ وجه الدلالة أن الأصل في النهي التحريم، وقد دلت السنة على أن القنوط من رحمة الله من كبائر الذنوب؛ لأنه ظن ما لا يليق بالله جل وعلا؛ فإن اللائق بالله سبحانه وتعالى أن من لجأ إليه فإنه أكرم الأكرمين لا يخيبه، فإذا قنطت من رحمته فقد استهنت في حقه سبحانه وتعالى، ولهذا كان القنوط من رحمة الله من كبائر الذنوب. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرحمة لله لقوله: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾. والرحمة نوعان: مخلوقة وغير مخلوقة، فما كان من الإنعام والإحسان فهو مخلوق، وما كان صفة للرب فهو غير مخلوق، ولهذا قال الله تعالى في الجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦ / ٣٥) من حديث أبي هريرة. ]] أنت رحمتي مع أن الجنة مخلوقة لكنها من آثار الرحمة، إذا وُلد لشخص ولد أو عاد إليه ضال من ماله أو ضائع من ماله، قال: والله هذه رحمة الله، هل هذه الرحمة مخلوقة ولَّا غير مخلوقة؟ * طلبة: مخلوقة. * الشيخ: مخلوقة؛ لأنها إحسان وإنعام، فإذا أطلقت الرحمة على الإحسان والإنعام فهي مخلوقة، وإذا أطلقت على صفة الله فهي غير مخلوقة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الذنوب مهما عظمت؛ فإن الله يغفرها ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ كل الذنوب؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: نعم؛ لأن الله ذكرها بـ(أل) الذنوب، وأكد هذا العموم بقوله: ﴿جَمِيعًا﴾ كل الذنوب، لكن هذا في حق من؟ في حق التائبين. * ومن فوائدها: أن ظاهرها مغفرة الذنوب للتائبين وإن كان الذنب للمخلوق، يعني لو اعتديت على شخص ثم تبت إلى الله، فإن الله يتوب عليك، ولو كان الذنب للمخلوق، عرفت؟ لكننا اشترطنا أن تتوب، ومن تمام التوبة أن توفي للمخلوق حقه إن قدرت عليه، فإن لم تقدر عليه فأوفه ولو بظهر الغيب. ونحن نضرب لهذا مثلًا أو مثلين أو ثلاثة حسب ما يتضح به المقام: إذا أخذت من شخص مالًا بغير حق فهذا ذنب، فإذا تبت إلى الله يغفر الله لك الذنب أو لا؟ يغفر الله لك الذنب لا شك، لكن من تمام التوبة أن توصل المال إلى صاحبه، فإن مات فإلى ورثته، إذا أديت إلى ورثته برئت ذمتك منه، لكن بقي ظلمك للميت الذي حلت بينه وبين ماله، هل تحاسب عليه أو لا تحاسب؟ إن قلت: لا تحاسب، فسيقول لك قائل: كيف يتخلص الإنسان من ظلم الميت الذي حال بينه وبين ماله؟ وهذا صحيح ولَّا غير صحيح؟ * طلبة: صحيح. * الشيخ: صحيح، ذمته برئت؛ لأنه أدى المال إلى مستحقه بعد موت صاحبه، لكن المشكل أن صاحبه حيل بينه وبينه في حال الحياة، لو كان عنده لاشترى بيتًا، لاشترى سيارة، لتزوج، فحلت بينه وبينه، فهل يسقط عنك حقه بتوبتك أو لا؟ نقول: ظاهر الآيات الكريمة أنه يسقط حقه عنك أنت، لكن الله تعالى يوفيه من عنده، أفهمتم أو لا؟ طيب لماذا؟ لأنك الآن لا تستطيع أن تتوصل إلى هذا الميت لتعطيه حقه، والذي تستطيعه أن أيش؟ أن تؤديه إلى ورثته، وقد فعلت. مثال آخر: أخذت مالًا من شخص ثم نسيت الشخص، نسيته، ثم تبت، فما هو الطريق إلى التوبة أو الخروج من حق الرجل؟ أتصدق به عنه، وإذا تصدقت به عنه استفاد من هذا المال متى؟ في الآخرة ولَّا في الدنيا؟ * طلبة: في الآخرة. * الشيخ: في الآخرة، لكن قد يقول قائل: لكنك حلت بينه وبينه في الدنيا، وقد يكون له غرض في المال في الدنيا، فأقول: نعم، أنا حلت بينه وبينه في الدنيا، لكن عجزًا مني أن أصل إليه، والذي قدرت عليه من التوبة فعلته، وهو أيش؟ * طالب: تصدقت. * الشيخ: الصدقة به عنه، فهل يبرأ براءة تامة بحيث لا يطالبه صاحب المال في الآخرة؟ الجواب نقول: ظاهر النصوص نعم، يبرأ. طيب قتلت نفسًا ثم تبت إلى الله عز وجل من قتل النفس، من تمام توبتك أن تسلم نفسك لورثة المقتول، تقول: أنا الذي قتلت صاحبكم، وأنا الآن بين أيديكم، إذا سلمت نفسك لهم برئت ذمتك، لكن يبقى عندنا حق من؟ * طالب: المقتول. * الشيخ: حق المقتول الذي حلت بينه وبين بقائه في الدنيا، فهل تبرأ منه بالتوبة؟ الجواب: نعم تبرأ منه بالتوبة لعموم الآية هذه وأمثالها، تبرأ منه بالتوبة، لكن هل يضيع حق المقتول أو لا؟ لا يضيع، يتحمله الله سبحانه وتعالى عنك له، وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى أن يعفوا عن حقه ويتحمل عنك حق الآخرين. فإذا قال قائل: ما هو الدليل على ما قلتم؟ وكيف يسقط عنه حق الآدمي؟ قلنا: الدليل على هذا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان ٦٨] هنا فيها حق لله، حق للمخلوق بالدم، حق للمخلوق بالعرض إن كان قد زنا مكرهًا بالمزني بها، وقد قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان ٦٨ - ٧٠] حتى في القاتل يبدل الله سيئاته حسنات. فإذا قيل: كيف يضيع حق المقتول؟ فالجواب؟ * طالب: ما يضيع. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: لأن الله سبحانه وتعالى يتحمله عنه. * الشيخ: نعم أحسنت، نقول: لا يضيع؛ لأن الله يتحمله عنه، وهذا من فضله تبارك وتعالى، إذن نقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ ظاهر الآية العموم يغفر الذنوب جميعًا، سواء مما يتعلق بحق الله أو بحق العباد، لكن ما يتعلق بحق العباد إذا تعذر إيصاله إليهم في الدنيا، فإن الله تعالى أيش؟ يتحمله في الآخرة. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله عظيمين يقترنان كثيرًا في القرآن هما الغفور الرحيم، ووجه اقترانهما أن في الأول زوال المكروه، وفي الثاني حصول المطلوب، فيتكون من اجتماعهما وصف زائد على الوصف عند انفرادهما؛ لأنه إذا انفردا استفدنا المغفرة إن انفرد الغفور، أو الرحمة إن انفرد الرحيم، لكن إذا اجتمعا استفدنا فائدة جديدة، وهي أن مغفرة الله عز وجل مقرونة برحمته، فهو جامع بين المغفرة والرحمة، هذان الاسمان من الأسماء اللازمة أو من الأسماء المتعدية؟ * طلبة: المتعدية. * الشيخ: المتعدية ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾، إذن متعدية، طيب ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت ٢١] إذن متعدية. الأسماء المتعدية قال العلماء: لا يتم الإيمان بها إلا بثلاثة أمور، الإيمان بالاسم، والإيمان بما تضمنه من صفة، والإيمان بالحكم المترتب على تلك الصفة، الذي يطلق عليه بعضهم الأثر، الإيمان بالاسم هنا الغفور، نؤمن بأن الغفور من أسماء الله، نؤمن بأن لله مغفرة دل عليها اسم الغفور، كذا؟ طيب ونؤمن أيضًا بما يتضمنه ذلك، يدل على المغفرة ويدل على العلم؛ لأنه لا يغفر ما لا يعلمه، ودلالته على العلم من باب دلالة التضمن أو الالتزام؟ * طلبة: الالتزام. * الشيخ: الالتزام؛ لأن المادة (غ ف ر) ما فيها (ع ل م) فيكون هذا من باب الالتزام، طيب الرحيم نعم قلنا: الغفور اسمًا المغفرة وصفًا يغفر الذنوب حكمًا، الرحيم كذلك الرحيم اسمًا نؤمن بالرحيم اسمًا، وبالرحمة صفة، وبأنه يرحم حكمًا، غفر الله لنا ولكم ورحمنا وإياكم. * طالب: لو سرق شخص من كافر ولم يعلم به فماذا يصنع؟ * الشيخ: نعم، هذا يسأل سؤالًا مهمًّا، يقول: لو سرق شخص من كافر وذهب الكافر ولم يعلم به فماذا يصنع؟ الجواب: إن كان الكافر حربيًّا فالمال له، وإن كان له عهد فإنه يسلمه إلى بيت المال؛ لأن بيت المال يتقبل الأموال التي لا يعرف مالكها، فإن لم يكن بيت مال، فليتخلص منه بالصدقة، لكن الكافر لا يثاب على هذه الصدقة إلا إن أسلم. * طالب: (...). * الشيخ: نعم يقال: إن قول ابن عباس رضي الله عنهما رأي رآه مخالف لظاهر النصوص، والعبرة بظاهر النصوص، وبهذا القول نستريح، ووجه ابن القيم رحمه الله ما رُوي عن ابن عباس بأن القتل يتعلق به ثلاثة أمور: حق لله، حق لأولياء المقتول، حق للمقتول، أما حق الله فيسقط بالتوبة، فإذا تاب الإنسان قبل الله توبته ومحي عنه الإثم، حق أولياء المقتول يكون بتسليمه نفسه إليهم، حق المقتول يقول ابن القيم: لا بد من أخذه من هذا القاتل، لكن يقال: الصواب ألا نعبر هذا التعبير، بل نقول: لا بد من إيفائه إياه، ومن الذي يوفيه؟ الله عز وجل، هذا هو الصواب، نعم. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ (...) تمام التوبة أم شرط التوبة. * الشيخ: المراد بالتمام هنا ما هو التمام الأولوي، التمام الواجب، يعني لا تتم التوبة إلا بذلك. * طالب: (...). * الشيخ: لا، أما قلنا في التفسير، قل مبلغًا عني: ﴿يَا عِبَادِيَ﴾، نعم فيقول الرسول مثلًا: قال ربكم: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾، هذا كيفية إبلاغ هذه الآية، أعرفت؟ نعم. * طالب: (...). * الشيخ: يعني مع القدرة. * الطالب: مع القدرة؟ * الشيخ: إي مع القدرة، هذا صحيح، لكنهم بعضهم قال: إذا اغتبت شخصًا فلا بد أن تذهب إليه وتستحله مطلقًا، وبعضهم فصل قال: إن كان قد علم فلا بد أن تستحله؛ لأنه حمل عليك في نفسه، وإن لم يكن علم فأثن عليه في المواطن التي كنت تغتابه فيها ويكفي، وهذا التفصيل جيد؛ لأنك لو ذهبت إليه وقلت: أنا اغتبتك وهو لم يعلم، أنشأت في نفسه عليك ما تنشئه، لكن إذا استغفرت له وأثنيت عليه في المكان الذي أنت اغتبته فيه حصل المقصود. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)﴾ [الزمر ٥٤ - ٥٨]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا أن الله سبحانه وتعالى أمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول للناس عن الله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ وسبق الكلام على هذه الآية تفسيرًا واستنباطًا. ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا﴾ قال المؤلف المفسر: (﴿وَأَنِيبُوا﴾ ارجعوا ﴿إِلَى رَبِّكُمْ﴾ ) يعني ارجعوا إلى ربكم من معاصيه إلى طاعته ومن البعد عنه إلى القرب، وهذه الإنابة هي عمل القلب، رجوع القلب إلى الله سبحانه وتعالى. ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ أي: استسلموا له واخضعوا لشرعه، وهذا عمل الظاهر، عمل الجوارح، فالإنابة بالقلب والإسلام بالجوارح. (﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ أخلصوا العمل)، وأخذ المؤلف الإخلاص من قوله: ﴿لَهُ﴾ أي لله، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران ٢٠] فهذه الآية فيها الأمر بالإنابة وهي في القلب، والأمر بالاستسلام له، وهي بالجوارح، والإخلاص مستفاد من اللام المذكورة في قوله: ﴿لَهُ﴾. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾ متعلقة بـ (أنيبوا) و(أسلموا)، فقد تنازعها العاملان، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾ يعني من الله ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ يعني لا تمنعون من عذاب الله. وقول المؤلف: (إن لم تتوبوا) لا حاجة إليه؛ لأن الله قال: أنيبوا وأسلموا من قبل هذا الشيء، وإذا أناب وأسلم من قبل هذا الشيء فقد تاب، وحينئذٍ لا ينزل عليه العذاب. ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: ﴿وَاتَّبِعُوا﴾ أي كونوا تبعًا ﴿أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، (أحسن) اسم تفضيل من الحسن، ويشمل الأحسن في ذاته، والأحسن في العمل، الإنسان مأمور أن يتبع الأحسن، أحسن ما أنزل إلينا في ذاته، ولو فتشت الكتب السماوية التي نزلت لوجدت أحسن ما نزل هو القرآن، ولهذا فسره المؤلف بقوله: (وهو القرآن) كذلك أحسن ما أنزل إلينا إذا كانت عبادة قام بها الإنسان على وجه ناقص، وعبادة قام بها على وجه كامل، فالتي على وجه كامل هي الأحسن، فإذا وُجد أعمال تتفاضل فالإنسان مأمور بأن يتبع الأحسن منها. ﴿أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، وقوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فيها إشارة إلى وجوب اتباع الأحسن؛ لأن هذا الأحسن نازل من الله سبحانه وتعالى، من الرب، والرب هو الذي له التصرف في العباد تدبيرًا وتشريعا وحكما. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ في الآية الأولى ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ ثم هذا قال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً﴾ أي مفاجأة، وأنتم لا تشعرون أنه يأتيكم العذاب، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨)﴾ [الأعراف ٩٧، ٩٨] فالنائم لا يشعر بالعذاب إلا بغتة، والذي يلعب كذلك لا يشعر بالعذاب إلا بغتة، يقول عز وجل: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ قوله: ﴿أَنْ تَقُولَ﴾ يقول المؤلف رحمه الله الشارح المفسر: (﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ قبل إتيانه بوقته) يعني لا تشعرون بوقته قبل إتيانه، بل قد ضربتم الأمل الطويل والتفاؤل الذي ليس في محله حتى أتاكم العذاب. قال: (فبادوا قبل ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ ) قدَّر المؤلف هذا الذي ذكر لدلالة السياق عليه، وهذا الذي قام به المؤلف رحمه الله يسمى عند البلاغيين إيجاز الحذف؛ لأن الإيجاز عندهم نوعان: إيجاز قصر وإيجاز حذف، فإيجاز القصر أن تكون العبارة القصيرة تتضمن معاني كثيرة، وإيجاز الحذف أن تكون العبارة موجودة قد حُذف منها ما هو معلوم، مثل قوله تعالى: ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ [القصص ٢٤، ٢٥] هذه الآية حُذف منها شيء كثير؛ لأن تقديره أن المرأتين ذهبتا إلى أبيهما وأخبرتاه بالخبر، ثم أرسل إحداهما إلى موسى فجاءت إحداهما تمشي على استحياء، فصار عندنا الإيجاز نوعان: إيجاز قصر بأن تكون العبارة قصيرة تتضمن معاني كثيرة، وإيجاز حذف بأن يحذف من الكلام ما يدل عليه السياق، وكلاهما فصيح عربي. قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة ١٧٩]، هذا إيجاز قصر ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء ١٢٣] هذا إيجاز قصر؛ لأنك لو أردت أن تبسط هذه الجملة ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾ وتذكر أنواع السوء وتذكر أنواع المجازاة، لكان الكلام طويلًا، لكنه اقتصر على هاتين الكلمتين ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ وهما تشملان كل ما يمكن أن يدخل في هذه الجملة من التفاصيل. طيب هنا على كلام المؤلف: (فبادروا قبل ﴿أَنْ تَقُولَ﴾ ) نقول: هذا من باب إيجاز الحذف؛ لأنه حذف من الكلام ما يدل عليه السياق، ويمكن أن نقدر ما هو دون ذلك بأن نقول: خشية أن تقول نفس، يعني: اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم خشية أن تقول نفس: يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله، وهذا الذي ذكرناه أخصر من كلام المؤلف. ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا﴾ (نفس) هنا نكرة في سياق الإثبات، والنكرة في سياق الإثبات لا تدل على العموم، وإنما تدل على العموم إذا كانت في سياق النفي أو الشرط، أو الاستفهام الاستنكاري أو ما أشبه ذلك مما ذكره العلماء، لكنهم قالوا: إن نفس هنا نكرة يراد بها العموم، يعني أن تقول كل نفس: فرطت يا حسرتا. (أصله يا حسرتي، أي: ندامتي) فالحسرة هي الندامة، وقال: (يا حسرتا) الألف هذه منقلبة عن ياء، وأصلها ياء المتكلم: يا حسرتي، لكن في اللغة العربية يجوز أن تقلب الياء ألفا، فيقال: يا حسرتا بدل يا حسرتي، ومنه قوله تعالى: ﴿يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ [هود ٧٢] التقدير: يا ويلتي. (﴿يَا حَسْرَتَا﴾ أي ندامتي ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ﴾ ) التفريط معناه الإهمال والإضاعة، وعكسه الإفراط، الإفراط: التجاوز، والتفريط: القصور عن الشيء، فالمفرط هو المهمل المقصر، والمفرط هو المتجاوز للحد، وكلاهما مذموم، والخيار هو الوسط. ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ قال: (أي: طاعته) ففسر الجنب هنا بالطاعة، وذلك لأنه لا يمكن أن يراد به جنب الله الذي هو جنب ذاته؛ لأن الإنسان يشعر بأنه لم يفرط في نفس الجنب الذي هو جنب الله ذاته، لكن بعض العلماء يقول: الجنب بمعنى الجانب لغة، وإذا كان بمعنى الجانب لغة فلا حاجة إلى التأويل، يكون المعنى: في جنب الله أي في جانب الله، وجانب الله يعني حقه، وهذا التفصيل الذي ذكرناه هو مؤداه كما قال المؤلف رحمه الله: (يعني طاعته) لكن إذا فسرنا الجنب بالطاعة خرجنا به عن المعنى المطابق للفظ، أما إذا قلنا: الجنب لغة بمعنى الجانب فإننا فسرناه بما دلت عليه الكلمة لغة، والجانب من المعلوم أن جانب الله عز وجل أي حقه وشرعه. ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ (إن مخففة من الثقيلة، أي: وإني) (إن) في اللغة العربية تأتي لمعانٍ: الأول: الشرطية، والثاني: النافية، والثالث: مؤكدة، والرابع: زائدة، أربعة معانٍ. (إن) تأتي في اللغة العربية بمعنى أربعة معانٍ، بعضهم زاد معنى خامسًا أن تكون بمعنى نعم لكنه قليل. (إن) شرطية، مثاله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات ٦] هذه (إن) شرطية. تكون نافية مثل قول الكافرين: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة ١١٠] و(إن) النافية هي التي يعقبها دائمًا (إلا). وتأتي مؤكدة، وهي المخففة من الثقيلة كما هنا، وعلامتها أن يحل محلها (إن)، مثل: ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ هذه مخففة من الثقيلة تفيد التوكيد؛ لأن الثقيلة (إنَّ) معروفة أنها للتوكيد، فإذا كانت هذه مخففة منها فهي للتوكيد. الرابع: زائدة، ومن ذلك قول الشاعر: بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ وَلا صَرِيفٌ وَلَكِنْ أَنْتُمُ الْخَزَفُ الشاهد قوله: (ما إن أنتم ذهب). لأن معنى الكلام: ما أنتم ذهب، فهي إذن زائدة، طيب الذهب معروف، الصريف: الفضة، وسُميت صريفًا لأنها يسمع لها صريف عند العدد أو الوزن، (ولكن أنتم الخزف) ما هو الخزف؟ الطين المشوي، يعني أنكم أصلكم رديء، وعلامة (إن) الزائدة أن يصح الكلام مع حذفها، فإذا صح الكلام مع حذفها فهي زائدة، طيب. ﴿إِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ قال المؤلف: (وإني ﴿كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ ) فقدر اسم (إن) ضميرًا مطابقًا للسياق، فقال: إني كنت. وهذا الذي ذهب إليه المؤلف هو الصحيح، أما عند جمهور النحويين فإنهم يقولون: إن اسم (إن) محذوف ضمير الشأن، فيقدرون: إن كنت وإنه أي الشأن، لكن الصحيح أننا نقدر ضميرًا مطابقًا للسياق، ولا حرج أن نقول: إنه محذوف، ولو لم يكن ضمير الشأن. فعليه نقول: ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ التقدير: وإني كنت لمن الساخرين. واللام في قوله: ﴿لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ هذه للتوكيد، وهي أيضًا دليل على أن (إن) مخففة من الثقيلة. طيب وهل تلزم لام التوكيد مع (إن) المخففة من الثقيلة؟ الجواب: لا تلزم، إلا إذا كان يخشى من الالتباس بالنافية، فإن كان يخشى الالتباس بالنافية فإنه يجب أن تذكر اللام، والحاصل أن اللام تأتي كثيرًا في خبر (إن) المخففة من الثقيلة، وقد تحذف إلا إذا خيف الالتباس فإنه يجب أن تُذكر اللام، إذا خيف الالتباس بأيش؟ إذا خيف أن تلتبس بـ(إن) النافية، فإنه يجب أن يؤتى باللام؛ لأنه إذا أتت اللام تعين أن تكون (إن) مخففة من الثقيلة، ومحل هذا البحث في النحو. يقول: ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ الساخر بمعنى المستهزئ، ساخرين بمن؟ ساخرين بمن يدعو إلى الله؛ كما قال تعالى: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ [ص ٦٣] ساخرين بدين الله، ساخرين بكتب الله، ساخرين برسل الله ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة ٦٥]، ولهذا حذف المفعول في الساخرين لإفادة العموم، أي: الساخرين بالله وآياته ورسله وأوليائه فهو عام، ويأتي إن شاء الله تعالى بقية الكلام على الآية. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٥٩)﴾ [الزمر ٥٥ - ٥٩]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾. ما المراد بقوله: ﴿أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؟ * طالب: المراد به القرآن. * الشيخ: القرآن ، ما وجه حسنه؟ * طالب: حسنه في ذاته وفي (...). * الشيخ: في ذاته؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: طيب، وفي أخباره وفي أحكامه وفي آثاره، أربعة أشياء، طيب قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ كيف تقدر أن تقول: نفس؟ * طالب: خشية أن تقول: نفس. * الشيخ: نعم، خشية أن تقول: نفس، ما الذي قدره المؤلف؟ * الطالب: الذي قدره المؤلف قال: بادروا. * الشيخ: قال: بادروا. * الطالب: قبل أن تقول: نفس. * الشيخ: قبل أن تقول، أيهما أرجح؟ * الطالب: قبل أن تقول: نفس. * الشيخ: لماذا؟ * الطالب: لأنه أخصر. * الشيخ: أخصر، أقل تقديرًا، وكلما كان أقل تقديرًا فهو أوضح. طيب قوله: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ هذه نكرة في سياق؟ * طالب: الإثبات. * الشيخ: فهل هي للإطلاق أو للعموم؟ * الطالب: (...). * الشيخ: نعم تعم، يعني أي نفس. طيب قوله: ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ يا حسرتا أصلها نعم؟ * طالب: يا حسرتي. * الشيخ: فقلبت؟ * الطالب: فقلبت الياء إلى ألف. * الشيخ: إلى ألف لأنها للندبة. طيب قوله: ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ ما المراد بجنب الله؟ * طالب: المراد بجنب الله؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: بجانب الله. * الشيخ: بجانب الله، كذا؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: والمؤلف فسرها؟ * طالب: المؤلف فسرها بطاعة الله. * الشيخ: بطاعة الله، طيب. * الطالب: (...) جانب الله (...). * الشيخ: يعني متى أمكن حمل اللفظ على معناه اللغوي فهو أولى، طيب ألا يمكن أن يراد بها جنب الله الذي هو جنبه؟ * طالب: (...). * الشيخ: والتفريط من الإنسان ليس في جنب الله ذاته، لكنه في حق الله يعني جانب الله الذي هو حقه، طيب، ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ (إن) هذه؟ * طالب: شرطية. * الشيخ: (إن) شرطية، لا. * طالب: (إن) مخففة من الثقيلة. * الشيخ: مخففة من الثقيلة، أيش تقتضي؟ التوكيد، ذكرنا استطرادًا أن (إن) تأتي لمعانٍ. * طالب: أربعة، أو خمسة، تأتي زائدة، تأتي مؤكدة، تأتي شرطية، تأتي نافية، قد تأتي بمعنى نعم. * الشيخ: ما الذي يعين هذه المعاني؟ * طالب: السياق. * الشيخ: السياق طيب، المخففة من الثقيلة مثالها؟ * طالب: مثل هذه الآيات ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾. * الشيخ: التقدير؟ * الطالب: إني كنت لمن الساخرين. * الشيخ: إني كنت لمن الساخرين، طيب، وتأتي نافية، مثالها؟ * طالب: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣]. * الشيخ: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ المعنى؟ * الطالب: ما أنت إلا نذير. * الشيخ: ما أنت إلا نذير وعلامة هذه. * طالب: (إن) نافية. * الشيخ: أي لكن ما علامتها؟ * طالب: صحة تعويضها بالنفي. * الشيخ: أن يحل محلها (ما)، وغالبًا تأتي بعدها (إلا)، طيب وتأتي أيضًا؟ إي نعم. * طالب: زائدة. * الشيخ: مثالها؟ * طالب: بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ وَلا صَرِيفٌ .............. * الشيخ: بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ ...................... طيب، ما علامتها؟ * الطالب: علامتها (...) صح السياق (...). * الشيخ: نعم أنها إذا حذفت صح السياق بدونها، الأخ تأتي؟ * طالب: شرطية. * الشيخ: شرطية. * الطالب: (...). * الشيخ: أحسنت، طيب، والشرطية علامتها ظاهرة أنها تحتاج إلى؟ * طلبة: جواب. * الشيخ: جواب. نأخذ الدرس الجديد، قال الله عز وجل: ﴿أَوْ تَقُولَ﴾: (أو) حرف عطف، ﴿تَقُولَ﴾ معطوف على قوله: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾. * طالب: ما أخدنا. * الشيخ: ما أخذناه؟ * الطالب: (...). * الشيخ: من أي مكان؟ ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ أخذنا هذه؟ طلبة : (...). * الشيخ: طيب إلى؟ * طلبة: (...). * الشيخ: نعم أخذنا الفوائد إلى؟ * طالب: (...). * الشيخ: أنتم الآن تقولون: لم نأخذ الفوائد، فمن أين لم نأخذ الفوائد؟ طيب قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ إلى آخره، فيها فوائد: * أولًا: وجوب الإنابة إلى الله؛ لقوله: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ والأصل في الأمر الوجوب إلا بدليل. * ومن فوائدها: وجوب الإسلام له، أي الاستسلام التام مع الإخلاص؛ لقوله: ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾. * ومن فوائدها: التحذير من عدم المبادرة بالإنابة والإسلام؛ لقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: عقوبة من لم ينب إلى ربه ويسلم له؛ إذ إن العذاب عقوبة. * ومن فوائدها: أنه إذا أتى عذاب الله فإنه لا دافع له؛ لقوله: ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾. * ومن فوائد الآية التي بعدها: وجوب اتباع القرآن الكريم؛ لقوله: ﴿اتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. * ومن فوائدها: الثناء على القرآن الكريم بأنه أحسن ما أنزل إلى العباد، وعرفتم أنه أحسن في ذاته وفي أخباره وفي أحكامه وفي آثاره، فلم تنل أمة العزة والكرامة كما نالته هذه الأمة بما آتاها الله من القرآن. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن كلام الله؛ لقوله: ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. فإن قال قائل: هذا لا نسلمه لكم؛ لأن مما أنزل الله ما لا يكون كلامًا له، كقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الزمر ٢١]، ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر ٦]، ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد ٢٥] وأمثالها، فلا نسلم لكم أن القرآن كلام الله، بل نقول: هو كغيره من المخلوقات التي أنزلها الله، فإن الحديد مخلوق، والمطر مخلوق والأنعام مخلوقة. فالجواب عن هذا أن نقول: ما أنزله الله ينقسم إلى قسمين: الأول: أن يكون عينًا قائمة بنفسه، فهذا مخلوق، والثاني: ألا يكون وصفًا لا يقوم إلا بغيره، فهذا غير مخلوق، فلننظر إلى القرآن هل هو عين قائمة بنفسها أو وصف لا يقوم إلا بغيره؟ الثاني، إذن هو غير مخلوق، كلام الله غير مخلوق، واضح يا جماعة؟ طيب. * من فوائد هذه الآية الكريمة إثبات علو الله؛ لقوله: ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر ٥٥] وجه ذلك أن النزول لا يكون إلا من أعلى. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة هذه الأمة حيث كانت الغاية في إنزال القرآن، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿إِلَيْكُمْ﴾ فإن الإنزال غايته إلينا، إذن فهذا شرف لنا أن نكون غاية إنزال القرآن. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الربوبية لله عز وجل؛ لقوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾. * ومن فوائدها، من فوائد هذه الآية الكريمة: أن إنزال القرآن إلينا من كمال ربوبيته، حيث أضاف إنزاله إلى نفسه بوصف الربوبية، فمن كمال ربوبيته لخلقه وتربيته لهم أن نزل عليهم هذا القرآن. * ومن فوائدها أيضًا: وجوب العمل بما في القرآن؛ لأنه نزل من الرب، والرب له السلطان الكامل على خلقه، أرأيتم لو أن ملكًا من الملوك أصدر مرسومًا ملكيًّا، أفلا يكون مقتضى سلطانه أن نعمل بهذا المرسوم؟ بلى، إذن مقتضى ربوبية الله لنا أن نعمل بما أنزل إلينا؛ لأن هذا القرآن بمنزلة المراسيم الملكية التي لا بد من تنفيذها، بل وأعظم كما هو معروف، ولا إشكال فيه. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحذر من أن يأتي عذاب الله بغتة؛ لقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً﴾ [الزمر ٥٥] والعذاب المباغت أشد من العذاب الذي لم يباغت؛ لأن العذاب الذي لم يباغت يكون الإنسان قد تهيأ له، لكن الذي يأتي بغتة يأتي الإنسان وهو في غاية ما يكون من الغفلة وغاية ما يكون من السرور، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨)﴾ [الأعراف ٩٧، ٩٨] فتأمل الآن، غفلة وهدوء واطمئنان أتاهم العذاب في هذا الوقت يكون أشد وقعًا والعياذ بالله مما لو أتى والإنسان متهيئًا. وأضرب لكم مثلًا حسيًّا واضحًا، لو كنت تنزل مع الدرج فغفلت ثم زلت رجلك على إحدى الدرجات، هل يكون مثلما لو كنت تنزل وأنت ترى كل درجة وتضع قدمك عليها؟ أجيبوا، إذن المباغت أشد مما يأتي إنسان متهيأ له. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المباغت يأتي بغير شعور من العبد؛ لأنه غافل، وليس يفكر في أن يأتيه العذاب؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ والجملة هذه يسميها علماء النحو جملة حالية، يعني والحال أنكم لا تشعرون. ثم قال تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ إلخ. * من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان مآل المفرط، وهو التحسر، وهو التندم مع الغم، التحسر والتندم مع الغم. * ومن فوائدها، من فوائد الآية الكريمة: أن المفرط سيتحسر على تفريطه، وينبني على هذه فائدة أنه ينبغي أن يكون الإنسان حازمًا ذا نشاط وقوة، حتى لا تفوته الأمور ثم بعد ذلك يندم. * ويتفرع على ذلك فائدة ثالثة: أنه ينبغي انتهاز الفرص فمتى واتتك الفرصة فلا تضيعها. * ويترتب على هذا أيضًا رابعة: أنه إذا صار أمامك حاجتان فابدأ بما أنت تريد أولًا، وبادر إليها، واجعل الثانية نافلة، وهذا يظهر في سنة الرسول ﷺ في أمثلة متعددة، منها أن عتبان بن مالك رضي الله عنه لما ضعف بصره، وصار لا يتمكن من الوصول إلى مسجد قومه، دعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيته ليصلي في مكان يتخذه مصلى، فخرج النبي ﷺ إليه ومعه جماعة من أصحابه، فلما وصل البيت، وإذا الرجل قد هيأ لهم طعامًا، ولكن الرسول ﷺ لم يشأ أن يبدأ بالطعام، بل بدأ بما أتى إليه، أي بالقصد الأول فقال له: «أَيْنَ تُرِيدُ أَنْ أُصَلِّيَ؟» فأراه المكان فصلى فيه[[متفق عليه؛ البخاري (٤٢٤)، ومسلم (٣٣ / ٢٦٣) من حديث عتبان بن مالك. ]]. هذا مثال، وبناء على ذلك ينبغي لكم أنتم طلبة العلم إذا أردتم أن تراجعوا فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مسألة معينة فتستعرض الفهرس، ثم يمر بك مسألة تشوقك إلى أن تراجعها فتذهب وتراجعها، ثم تترك الذي كنت تراجع من أجلها، وهذا لا شك أنه يضر طالب العلم، يشتت عليه الفكر ويشتت عليه الوقت؛ لأن فكره أول ما طالع الكتاب منصب على أيش؟ على المسألة التي يطلبها، فإذا عرضت له هذه العارضة واتجه إليها وانشغل بها، وهي ليست مقصودًا له بالذات، تشتت ذهنه، ثم يتشتت وقته أيضًا، ربما يكون وقت مراجعته في خلال ربع ساعة، فتذهب ربع الساعة هذه وهو لم يراجع المسألة التي كانت من أجلها يفتش، وهذا جربناه، جرى علينا، نراجع لمسألة ما ثم يمر بنا عنوان شيق ونأخذ به، يضيع علينا الوقت، فالإنسان ينبغي أن يكون حازمًا، وأن يبدأ بالأهم قبل المهم. ومن ذلك -أي من الحزم- أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يبادر بإزالة المؤذيات ولا يتأخر؛ لأن التأخير له آفة، بل آفات، «لما بال الأعرابي في المسجد أمر في الحال أن يصب عليه ماء ليطهره»[[أخرجه البخاري (٢٢٠ من حديث أبي هريرة. ]]، «ولما بال الصبي في حجره دعا في الحال بماء فأتبعه إياه»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٣)، ومسلم (٢٨٧ / ١٠٣) من حديث أم قيس بنت محصن. ]]، وكان من الممكن أن يترك المكان في المسجد حتى يأتي وقت الصلاة ويحتاج الناس إلى الصلاة في هذا المكان، لكنه بادر، وكذلك من الممكن أن يدع ثوبه حتى يحضر وقت الصلاة ثم يطهره لكنه بادر، فالمهم أن مثل هذه الوقائع ينبغي للإنسان أن يتخذ منها تربية لنفسه، لا تمر به على أنها مسألة فقهية عرفها فقط، بل لا بد أن يظهر علمه في عمله. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الجهة لله عز وجل؛ لقوله أيش؟ ﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ وقلنا: إن جنب بمعنى جانب، لكن الذين لا يثبتون الجهة يفرون من هذا، ويفسرونه بأمر آخر، كما فسره المؤلف بقوله: (في طاعة الله) مع أن هذا التفسير يعني قد يقال: إنه تفسير صحيح، وإن جانب الله تعالى هو طاعته وحقه وما أشبه ذلك، لكن نحن نعلم أن كثيرًا من الناس ينكرون أن يكون الله في جهة، ويقولون: لا يجوز أن تقول: إن الله في جهة، لا فوق ولا تحت، وعكس قوم آخرون فقالوا: إن الله في كل جهة بذاته، وبين الأمرين أو بين الطائفتين كما بين السماء والأرض. وتوسط آخرون فقالوا: إن الله في كل جهة لكنه فوق كل شيء ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة ١١٥] إن اتجهتم شرقًا أو غربًا، أو شمالًا أو جنوبًا فثم وجه الله، لكن ليس الله نفسه في تلك الجهات، ولكنه فوق، وفوقيته لا تناقض أن يكون في كل جهة استقبلته، واضح يا جماعة؟ طيب. فلو قال قائل: كيف يجتمع أن يكون في جهة المشرق مثلًا أو المغرب أو الشمال أو الجنوب وهو فوق كل شيء؟ نقول: (كيف) اجعلها فيما يمكن تكييفه، وصفات الله لا يمكن تكييفها، عليك أن تسلم، ثم نقول: إن هذا ممكن لو كانت الشمس عند الشروق أو عند الغروب واستقبلتها كانت في جهة المشرق أو في جهة المغرب وهي أين مكانها؟ في السماء، هذا في المخلوق، فما بالك بالخالق المحيط بكل شيء. فالصواب أن الله سبحانه وتعالى في جهة، وهي جهة العلو، لكنه عز وجل من اتجه إليه في أي مكان فالله تعالى قبل وجهه أي مكان ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ أما ذاته عز وجل فإنه فوق كل شيء. * من فوائد الآية الكريمة: إقرار المكذبين على أنفسهم بما هم عليه من التكذيب، لكن في وقت لا ينفعهم، من أين يؤخذ؟ ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ يعني: إن كنت من الساخرين هذه تأكيد وإثبات أنه كان في الدنيا من الساخرين بشرع الله المستهزئين به. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم السخرية بالله عز وجل، من أين يؤخذ؟ من كون هذا الساخر ندم، وتحسر على ذلك، ولولا أنه أصيب بعذاب عليه لم يندم. فإن قال قائل: ما حكم السخرية بالله؟ قلنا: حكمها الكفر، فمن سخر بالله أو آياته أو رسوله فإنه كافر، كل من سخر بالله أو آياته أو رسوله فهو كافر. فإن قال قائل: هل تكفرونه ولو كان يمزح؟ فالجواب: نعم نكفره ولو كان يمزح؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ يعني ما قصدنا ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة ٦٥، ٦٦]. فإن قيل: ما الدواء لمن ابتُلي بهذا؟ أي: سخر بالله أو آياته أو رسوله، فما هو الدواء؟ قلنا: الدواء في هذه السورة: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر ٥٣] الدواء أن يتوب إلى الله، فإذا تاب إلى الله عز وجل وقلع من قلبه هذه السخرية والاستهزاء، وأثبت مكانها التعظيم والمحبة، فحينئذ يرتفع عنه حكم الكفر. ثم قال الله عز وجل، وهو بدء الدرس اليوم: ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر ٥٧] يعني أو تقول نفس، وهذه معطوفة على قوله: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾، أو تقول: أي النفس (﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي﴾ بالطاعة فاهتديت ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ ). ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (لو) هذه شرطية، فعل الشرط فيها محذوف، وجواب الشرط فيها قوله: ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾، وتقديره، أي: تقدير المحذوف وهو فعل الشرط، لو ثبت أن الله هداني لكنت من المتقين، وهذا احتجاج بالقدر، يعني لو أن الله هداني ووفقني فاهتديت لكنت من المتقين، فهي تندم وتحتج، يعني جمعت بين الندم على عدم التقوى والهداية وبين الاحتجاج، كقول القائل: لو أعطيتني أجرة لعملت لك، لو أطعمتني لشبعت، يعني: فلم تطعمني ولم تعطني أجرة، فهم يقولون: لو أن الله هداني لاهتديت وكنت من المتقين، وعلى هذا فالمراد بالهداية هنا هداية التوفيق، ويكون هذا احتجاجًا من النفس بقدر الله على الضلال والعياذ بالله. يقول: ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ قال المؤلف المفسر: (عذابه) وهذا مفعول المتقين، ولكن الصواب أن نقدر: لكنت من المتقين الله؛ لأن الأصل هو تقوى الله عز وجل، وتقوى عذاب الله من تقوى الله، فينبغي أن نقدر الأصل أي: لكنت من المتقين الله. وما هي تقوى الله؟ نعرف تقوى الله بمعرفة الأصل، أصل التقوى مأخوذة من الوقاية، فأصلها وقوى بالواو، لكن قُلبت الواو تاء لعلة تصريفية، فإذا كانت من الوقاية فسرناها بأنها اتخاذ ما يقي من عذاب الله، ولا يقي من عذاب الله إلا فعل أوامره واجتناب نواهيه، ولهذا نقول: إن أجمع ما قيل في التقوى أنها فعل الأوامر واجتناب النواهي. وقيل: إن التقوى أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله، على نور من الله، تخشى عقاب الله، وهذا المعنى أطول مما قلنا، لكن ما قلنا مشتمل عليه، وقيل في التقوى: خَلِّ الذُّنُوبَ صَـــــــغِيرَهَا ∗∗∗ وَكَبِـــــــــــــــــيرَهَـا ذَاكَالـــــــــتُّقَى؎وَاعْمَلْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَرْ ∗∗∗ ضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى؎لَا تَحْقِــــــــــرَنَّ صَـــــــــــــــغِيرَةً ∗∗∗ إِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الْحَــــــــــصَى وهذا أيضًا تعريف شيق لأنه منظوم، (خَلِّ الذُّنُوبَ صَغِيرَهَا وَكَبِيرَهَـا) والذنوب إما فعل محرم أو ترك واجب، (ذَاكَ التُّقَى، وَاعْمَلْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَرْضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى) الذي يمشي على أرض الشوك يمشي بسرعة ولَّا ببطء؟ * طلبة: ببطء. * الشيخ: ببطء لَا تَحْقِرَنَّ صَغِيرَةً ∗∗∗ إِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الْحَصَى الجبال العظيمة الضخمة حصى متجمعة، إما كتل أو صغار أو كبار. ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. ﴿أَوْ تَقُولَ﴾ هذه معطوفة على أيش؟ * طلبة: على ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾. * الشيخ: على ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾، يعني: أو تقول نفس حين ترى العذاب، ترى العذاب بعينها، فيكون الموعود مشهودًا، تراه بالعين، ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾، والرؤية بالعين تُعتبَر عين اليقين، والوعد بالعذاب علم اليقين، ومس العذاب حق اليقين، ولهذا قالوا: اليقين ثلاثة: علم وعين وحق، وكلها في القرآن: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر ٥ - ٧] مشاهدة، وقال تعالى في آخر الواقعة: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة ٩٥] الذي يكون عند الاحتضار حق اليقين، وأيها أعلى في اليقين؟ * طلبة: حق اليقين. * الشيخ: حق اليقين أعلى؛ لأن عين اليقين قد تشاهد الشيء على خلاف ما هو عليه، كما ترى، ولا سيما إن كان نظرك ضعيفًا، ترى الشيء الساكن متحركًا، أو المتحرك ساكنًا، إي نعم، فعلى كل حال حق اليقين أعلاه. وهنا ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ﴾ المراد أيش؟ * طلبة: عين اليقين. * الشيخ: عين اليقين ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، (لو) هنا ليست شرطية، ولكنها للتمني، يعني ليت لي كرة. ونستطرد فنقول: (لو) تأتي شرطية، وتأتي للتمني، وتأتي مصدرية، ثلاثة معانٍ، شرطية، تمنية، مصدرية، فتأتي شرطية فيما إذا قلت: لو زرتني لأكرمتك، وعلامتها أن يحل محلها (إن) الشرطية، لو زرتني لأكرمتك، اجعل بدلها (إن)، إن زرتني أكرمتك. والثانية التي للتمني هي التي تأتي غالبًا بعد ود، في قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩] وعلامتها أن يحل محلها (أن) المصدرية، ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ﴾ لو وضعت بدلها (أن): ودوا أن تدهن، يصح الكلام أو لا؟ طيب، وهل يصح أن تضع بدلها (أن) في القرآن؟ * طلبة: لا يصح. * الشيخ: لا يصح، تقديرًا يصح ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ لو جعلت بدلها (أن) استقام الكلام، لكن لا يجوز في القرآن أن تجعل بدلها (أن)، طيب لو قلت: وددت لو زرتني، صحيح؟ طيب، لكن هنا إذا حولتها إلى (أن) حول الفعل إلى مضارع، (وددت أن تزورني)، طيب. الثالثة للتمني. * طلبة: مصدرية. * الشيخ: مصدرية؟ لا، أنا أقول: مصدرية التي تأتي بعد (ود)، والشرطية، بقي عندنا التمنية التي للتمني، المصدرية هي التي تأتي في الغالب بعد ود، وعلامتها أن يحل محلها (أن). التي للتمني تكون بمعنى أتمنى، يعني يعين معناها السياق، فهنا ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ﴾ ضع بدلها أتمنى، أتمنى أن يكون لي كرة فأكون من المؤمنين، واضح؟ ويدلك لهذا قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ [الأنعام ٢٧] فصار معاني (لو) ثلاثة: شرطية ومصدرية وللتمني. ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾ قال المفسر: (رجعة إلى الدنيا ﴿فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ) يعني يتمنى أن يكون له رجعة ليكون من المحسنين. وقوله: ﴿فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ولم يقل: من المتقين؛ لأن الإحسان درجة فوق التقوى، فكل محسن متقٍ، وليس كل متقٍ محسنًا، الإحسان درجة عالية، قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]، ولكن هذا التمني هل هذه النفس صادقة في أنها تتمنى لتكون من المحسنين؟ قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام ٢٨] لكن عند العذاب ليس لها إلا أن تقول هكذا ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. * طالب: أحسن الله إليك، سئل رجل فقالوا له: ما آخر نكتة سمعتها، قال: إن اثنين من المتطرفين قالوا: استو واعتدل في الصف، هل يدخل هذا في السخرية بالله وسنة النبي ﷺ؟ * الشيخ: هذا يسأل يقول: إن آخر نكتة إي نعم سمعتها أنه سمع رجل يقول: استووا اعتدلوا كذا؟ * الطالب: (...) استووا اعتدلوا (...). * الشيخ: لكن كان الإمام قال هكذا؟ الإمام قال: استووا اعتدلوا؟ لا، ما يصير. * الطالب: (...) آخر نكتة سمعتها يقول: استووا واعتدلوا (...). * الشيخ: لا، هل هو صحيح ما حكاه عن هذا الإمام، أن الإمام يقول: استووا واعتدلوا؟ * طلبة: هو نفسه بيسأل. * الشيخ: لا، على كل حال دعونا من كونه صورها ملاكمة، لكن لو قال إنسان في إمام قال: استووا واعتدلوا: إن هذه نكتة، ووصفه بالتطرف، فهل يكون كافرًا أو لا؟ الواقع أن هذه المسألة مهمة جدًّا، الاستهزاء بالشخص الذي يفعل طاعة أو يتجنب معصية، تارة يغلب عليه الجانب الشخصي، فهذا لا يكفر، وتارة يغلب عليه الجانب الحكمي، بمعنى أنه يسخر بالحكم من أي مصدر جاء، فهذا كفر، ويوضح هذا المثال: بعض الناس لو رأى مثلًا عالمًا من العلماء المعتبرين المحبوبين عند الناس الموثوقين، رأى ثوبه إلى نصف الساق، لا يسخر به أبدًا، ولا يمكن أن يسخر، لكن لو رأى شابًّا فربما يسخر به، إذن هنا السخرية منصبة على أيش؟ * طلبة: على الشخص. * الشيخ: على الشخص، مغلب فيها جانب الشخصية، فهذا لا يكفر؛ لأنه لم يكره الحكم، لكن كره هذا الذي قام بالحكم. والثاني: أن يكره الحكم الشرعي، ويسخر بالحكم الشرعي فهذا كافر، ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ ولم يقل: والمؤمنين، الرسول معلوم أي إنسان يسخر به فهو كافر، حتى وإن كان قد غلب الجانب الشخصي؛ لأن الرسول مشرع عليه الصلاة والسلام، فكل شيء صدر منه فهو تشريع، لكن اللي يصدر من غير الرسول، إن كان محل ثقة عند الناس اعتبروه حكمًا شرعيًّا ولم يسخروا به، وإن كان غير ثقة سخروا به مغلبين جانب الشخصية؛ لأنهم مثلًا لا يثقون به الثقة التامة، أو يرون أنه متزمت أو متنطع أو ما أشبه ذلك، وهذه المسألة يجب على الإنسان أن يدرك الفرق بين الأمرين؛ لأن هذه المسائل دقيقة جدًّا. ولهذا ذكر شيخ الإسلام رحمه الله أن الإمام أحمد يكفر الجهمية، لكن لا يكفر أعيانهم؛ لأن هناك فرقًا بين التكفير باعتبار الحكم والتكفير باعتبار الشخص. ومن ثم نحذر طلبة العلم من التسرع في التكفير الشخصي العيني؛ لأن المسألة ما هي هينة، لو كفَّرت شخصًا والله عز وجل لم يحكم بكفره عاد التكفير إليك، وصار يخشى عليك من الضلال ولو في المستقبل إذا لم تتب. [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

الزمر 39:61

لما ذَكر الله سبحانه وتعالى عقاب الذين كَذَبوا على الله بَيَّن ثوابَ الذين اتقوا الله عز وجل، وهذا دَأْبُ القرآنِ الكريم؛ أنه إذا ذَكَر الشيءَ ذَكَر مقابلَه، وهو من معنى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر ٢٣] قال العلماء: ﴿مَثَانِيَ﴾ أي: تُثَنَّى فيه المعاني، فإذا جاء وصف المؤمنين جاء وصف الكافرين، إذا جاء ثواب المؤمنين جاء ثواب الكافرين، وكذلك بالعكس، وذلك من أجل ألا يستغرق الإنسان في جانب الرجاء إذا ذُكِرَ وصفُ المؤمنين وثوابهم. وكذلك لا يَيْأَس إذا ذُكِرَ وصفُ الكافرين وعقابهم. هنا يقول الله عز وجل: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ [الزمر ٦١] يقول: ﴿يُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ من أي شيء؟ من عقاب الكافرين، فلا تكون وجوههم مسودة ولا تكون مثواهم جهنم، وقد بَيَّن الله سبحانه وتعالى في آيات أخرى أن يوم القيامة تَبْيَضُّ وجوهٌ وتسودُّ وجوه؛ تسود وجوه الكافرين، وتبيض وجوه المؤمنين، فينجي الله الذين اتقوا من عقاب الكافرين في هذا وفي هذا. وقول المؤلف: (ينجي الله من جهنم) صحيح، لكن لو قال: من عقاب الكافرين كان أعمَّ؛ لتشمل النجاةُ نجاتَهم من جهنم ومن أن تكون وجوههم مسودة ومن غير ذلك. قال: (﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الشرك) والصواب أن يقال في هذا: اتقوا الله؛ لأن التقوى عند الإطلاق إنما يراد بها تقوى الله عز وجل، وقد تُذْكَر في غير الله مثل: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٨١] ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٣١] وأشباه ذلك، لكن عند الإطلاق لا يُرَاد بها إلا تقوى الله عز وجل. (﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾ [الزمر ٦١] أي: بمكان فوزهم من الجنة بأن يُجْعَلوا فيه) قال: بمكان فوزهم من الجنة بأن يُجْعَلوا فيه؛ فأفادنا رحمه الله بهذا التفسير أن الباء بمعنى (في)؛ أي: ينجي الله الذين اتقوا من العذاب في مكان فوزهم وهو الجنة، والباء تأتي بمعنى (في) في اللغة العربية، ومنه قوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات ١٣٧، ١٣٨] ﴿بِاللَّيْلِ﴾ يعني: في الليل. قال: ﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر ٦١] هذا من نجاتهم؛ أنه لا يمسهم السوء، أي: لا يمسهم شيء يسوؤهم، لا من عقاب ولا من توبيخ ولا غير ذلك؛ ولهذا إذا دخل أهل الجنةِ الجنةَ يقال: «يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٧٣٠)، ومسلم (٢٨٤٩ / ٤٠).]]، ويقال: «إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيُوا» - يعني فلا تموتوا-« وَلَا تَسْقَمُوا وَلَا تَبْأَسُوا»[[أخرجه أحمد (١١٩٠٥) من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري.]] دائمًا هم في نعيم؛ ولهذا قال: ﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: لا يحزنون على ما سبق؛ لأن الحزن يكون على ما مضى، والغم يكون للمستقبل، أما المستقبل فقال: ﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾، وأما الماضي فقال: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: لا يحزنون على ما مضى؛ لأنهم لم يُفَرِّطوا فيه، بل عرفوا قَدْرَ الزمن وعملوا فيه ما نَجَوْا به من عذاب الله عز وجل. * في هذه الآية الكريمة فوائد: * منها: فضل الله سبحانه وتعالى على المتقين؛ حيث ينجيهم إلى مكان الفوز. * ومنها: فضيلة التقوى وآثارها وثمراتها، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم من ثمراتها شيئًا كثيرًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الناجين لا يمسهم سوءٌ في المستقبل ولا يحزنون على شيء مضى، وبذلك يتم نعيمهم؛ لأن النعيم ينقُص إذا أصاب الإنسان هَمُّ أو غَمٌّ للمستقبل، وينقص أيضًا إذا أصابه حزن على الماضي، أما إذا عرف أنه كسب الماضي وأنه لن يناله سوء في المستقبل فسوف يتم له النعيم.

الزمر 39:62

ثم قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر ٦٢] الجملة ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ جملة اسمية تفيد الثبوت والاستمرار وأن الله تعالى دائمًا وأبدًا هو الخالق. وقوله: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ معناها: موجده على الصورة التي أرادها الله عز وجل، والخلق في الأصل بمعنى التقدير، ولكنه يُطْلَق على الإيجاد المقرون بالتقدير والتسوية والإحكام والنظام، فهنا الخلق يُرَادُ به الإيجادُ على وجه كامل بتقديره وتسويته وتنظيمه. وقوله: ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾، قال بعض الناس: يُسْتَثْنَى من ذلك نفسه، ولكن هذا ليس بصواب؛ لأنه من المعلوم أن الفاعل ليس المفعول، وحينئذ لا يحتاج إلى استثناء، الاستثناء يحتاج في جملة يكون فيها المستثنى داخلًا فيها لولا الاستثناء، أما هنا فلا يمكن أن يكون داخلًا فيها، لماذا؟ لأن الفاعل غير المفعول، فالخالق غير المخلوق، ولا يمكن أن يوجد مخلوق ويوجد بعده خالقه مثلًا، حتى نقول: إن الجملة تحتاج إلى استثناء. قال: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ وهو يعني الله عز وجل، ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ قال: (متصرف فيه كيف يشاء)، ولو قال: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ أي: حفيظ عليه مدبر له لكان أعم؛ لأن الوكيل في اللغة: هو الذي وُكِلَ إليه الشيء حفظًا وتدبيرًا، والله عز وجل على كل شيء وكيل حفظًا وتدبيرًا، وهنا لا يقال: كيف كان وكيلًا، ومن الذي وَكَّله؟ نقول: إذا كان الوكيل بمعنى الحفيظ المدبر فلا حاجة إلى استحفاظه، بل هو الذي تولى ذلك بنفسه. * في هذه الآية فوائد: * أولًا: عموم خَلْقِ الله عز وجل لكل شيء؛ لقوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. * ومنها: الردُّ على القدرية الذين قالوا: إن الإنسان خالقٌ أفعالَه، ووجه ذلك أن أفعال العباد داخلة في العموم فهي شيء من الأشياء فتكون داخلة في العموم. * ومنها: أن الله خالق للأعيان والأوصاف؛ لأن الأعيان شيء يعني تسمى شيئًا، والأوصاف تُسَمَّى أيضًا شيئًا. * ومنها: أن القرآن مخلوق؛ لقوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ والقرآن شيء. * ومنها: أن الله مخلوق، لأنه شيء قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ [الأنعام ١٩]. فما تقولون في هاتين الفائدتين أن القرآن مخلوق وأن الله مخلوق؟ نقول: هذا ليس بصحيح، أما كون الله مخلوقًا فقد عرفتموه قبل قليل، وهو ضرورة أن الفاعل ليس هو المفعول هذا واحد. وأما أن القرآن غير مخلوق؛ فلأن القرآن وصف الله عز وجل، والرب بصفاته ليس مخلوقًا، بل هو لم يزل ولا يزال بصفاته، فكلامُه غيرُ مخلوق ومنه القرآن، وعلى كل حال فيكون الرب عز وجل وصفاته ليس داخلًا في هذا العموم بالضرورة؛ لأن الخالق غير المخلوق. وقول الذين استدلوا بهذه الآية على خلق القرآن أن هذا عام، نقول: إن العام قد يُرَاد به الخصوص، هذا إذا صَحَّ أن الذهن ينتقل من هذا العموم إلى كل شيء، نقول: إن كلمة ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ تأتي ولا يُراد بها العموم مثل قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف ٢٥]، ومعلوم أنها لم تُدَمِّر السموات ولا الأرض بل ولا مساكن القوم كما قال تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُم﴾ [الأحقاف ٢٥]. * ومن فوائد الآية الكريمة: عناية الله سبحانه وتعالى بما خلق؛ لأنه لما ذكر أنه خلق كل شيء بَيَّن أنه على كل شيء وكيل، وهذا يدل على عناية الله بخلقه تبارك وتعالى. * ومنها: أن ما يصيب الناس من البلاء والفتن فإنه من الله، ومن مقتضى وَكَالَتِهِمْ؛ لعموم قوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر ٦٢]، ومعلوم أن الإنسان إذا آمن هذا الإيمان فإنه سيسهل عليه كل ما صَعُب، وإذا آمن أيضًا أنه بالصبر والاحتساب تنقلب هذه المصائب نعمًا هانت عليه أيضًا، ولهذا لا نجد أحدًا أعظمَ راحة ممن آمن بالقدَرِ خيرِهِ وشرِّه، فإنك تجد الإنسان وإن تَقَلَّبَتْ به الأحوال تجده راضيًا مطمئنًا، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له.

الزمر 39:63

ثم قال الله عز وجل: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر ٦٣] أي: مفاتيح خزائنهم من المطر والنبات وغيرهم، ﴿لَهُ مَقَالِيدُ﴾: المقاليد جمع مقلاد وهو ما يُقَلَّد به الشيء، هذا الأصل، والمؤلف جعل المقاليد هنا بمعنى المفاتيح، ولو أنه قال: له مقاليد السماوات والأرض أي: تدبير السماوات والأرض لكان أولى؛ لأن كلمة مفاتيح قد يَظنُّ الظانِّ أنه يملك المفاتيح دون التدبير، ولكن الأمر ليس كذلك، فهو بيده مقاليد السماوات والأرض أي: تدابيرهما كما يشاء. ثم قال عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الزمر ٦٣] ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مبتدأ، وجملة ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ خبرها، وعلى هذا فتكون هذه الجملة تتضمن جملتين كبرى وصغرى؛ الكبرى هي المكونة من المبتدأ والخبر، والصغرى هي التي وقعت خبرًا، انتبه ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مبتدأ، (أولاء) مبتدأ آخر ﴿الْخَاسِرُونَ﴾ خبر المبتدأ الآخر، والجملة من المبتدأ الثاني وخبرِه خبرُ المبتدأ الأول. وفائدة الإتيان بهذا التركيب فائدته أنه أُسْنِدَت الجملة الثانية إلى الأولى حتى صارت الجملة جملتين في المعنى. أما قوله: ﴿هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ فـ﴿هُمُ﴾ ضمير فصل لا محل له من الإعراب، وفائدته: أولًا التوكيد، والثاني الحصر، والثالث التمييز أو إن شئت قل: الفصل بين كون ما بعده خبرًا أو وصفًا، فإنك إذا قلت: زيد هو الفاضل، فإن كلمة (الفاضل) تحتمل أن تكون خبرًا أو أن تكون صفة إذا حذفت (...)، إذا قلت: زيد الفاضل، فربما يترقب الإنسان كلمة أخرى تتم بها الجملة، ويعتقد أن (الفاضل) صفة، فإذا قلت: هو الفاضل زال هذا التوقع، وعلم أن ما بعده (هو) خبر المبتدأ. قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ (القرآن)، وهذا فيه شيء من القصور؛ لأن آيات الله عز وجل في القرآن وفي غير القرآن، ثم الآيات كونية وشرعية، والكفر يكون بهما جميعًا أي: بالآيات الكونية والآيات الشرعية، ويكون بالقرآن وبالتوراة وبالإنجيل وبغيرهما من الكتب التي أنزلها الله عز وجل، فالأولى العموم أن يقال: كفروا بآيات الله الكونية والشرعية، القرآن وغير القرآن. وأصل الكفر أصله الجحد، ومنه (الكُفُرَّى) الذي هو وعاء طلع النخلة؛ لأنه يَسْتُر الطلع ولا يتبين، والكافر جاحد ساتر لحق الله عز وجل ولنِعَمِ الله عز وجل، وكفرهم بآيات الله يكون تارة بالتكذيب وتارة بالاستكبار، ففي مقابل الأخبار يكون بالتكذيب، وفي مقابل الأمر والنهي يكون بالاستكبار. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الزمر ٦٣] (أولاء) اسم إشارة كما تعرفون، وهنا المشار إليه بعيد أو قريب؟ المشار إليه بعيد؛ لأن الكاف لا تأتي إلا إذا كان المشار إليه بعيدًا، فإنها تأتي الكاف لتنبيه المخاطب إلى المشار إليه لبُعْدِه، أما إذا كان المشار إليه قريبًا فإنه لا يؤتى بالكاف، بل يقال: أولاء مثل هؤلاء، ويقال: هذا، لكن إذا كان بعيدًا فإنه يؤتى بالكاف، لماذا؟ تنبيه المخاطب إلى المشار إليه؛ لأنه لا شك أن الإنسان إذا خُوِطب كان ذلك أبلغ في تنبيهه، (أولئك) إذا قلت: الكاف سينتبه وينظر من هذا المشار إليه، فإذا كان لا يكون إلا البعيد، فالبُعْدُ إما عُلُوٌّ أو سُفْل، وإما حسي وإما معنوي، فالأقسام إذن أربعة: فما هو القِسم الذي ينطبق على الذين كفروا هنا؟ البعيد سُفولًا. معنوي ولا حسي؟ معنوي. وفي النار؟ حسي. لكن في الدنيا معنوي؛ لأنه قد يكون كافرًا وهو في قمة الجبل. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ إذن الكفر قلنا: إنه يتضمن شيئين إما الجحود وإما استكبار ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الزمر ٦٣] هم لا غيرهم، الخاسرون الذين خسروا الدنيا والآخرة، أما خسران الآخرة فظاهر، وأما خسران الدنيا فإنهم إنما خُلِقُوا لعبادة الله، وهل قاموا بعبادة الله؟ لا، إذن خسروها أو لا؟ خسروا المعنى الذي من أجله خُلِقُوا؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦]، وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِين﴾ [الزمر ١٥]. قال المفسر: (متصل بقوله: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ وما بينهما اعتراض) متصل يعني معنى، نعم لقوله: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ [الزمر ٦١] هذا ما ذهب إليه رحمه الله، ولكن هذا قد يُنازَع، قد يقال: إن قوله: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ [الزمر ٦١] هو المتصل بما قبله، ارجعوا إلى القرآن الآن ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ [الزمر ٦١] الصواب أن ﴿يُنَجِّي﴾ متصل بما قبله، لما ذكر الذين كذبوا على الله أن وجوههم مسودة قال: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [الزمر ٦١] أما هذا فليس له صلة بما ذُكِرَ، بل صلته بما قبله مباشرة أبين وأظهر؛ لأن الله قال: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر ٦٢، ٦٣] يعني؛ فبَعْدَ هذا البيان وبعد الإقرار -إقرار الكفار بأن الله خالق كل شيء- لا يبقى لهم ربح إذا كفروا، بل هم الخاسرون، فيكون هذه الآية متصلة بما قبلها مباشرة، وليست متصلة بقوله: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ [الزمر ٦١]؛ لأن هذه الآية ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ﴾ متصلة بما قبلها، وهذا هو مقتضى النَّظْم القرآني، أما أن نشتت الآيات ونقول: كل هذه الجملة ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر ٦٢، ٦٣] كل هذا جملة اعتراضية أو كل هذا اعتراض لا محل له هنا، فلا شك أن هذا خلاف ما يقتضيه النَّظْم والسياق القرآني، فالصواب أن هذه الجملة متصلة بما قبلها، ووجه الاتصال؟ ما وجه الاتصال؟ المؤلف قال: إن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ متصل بقوله: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ ونحن ذكرنا أن في هذا نظرًا، وأن الصواب أنه متصل بما قبله، وبينَّا وجه الصواب، فما هو؟ * طالب: (...). لا يمكن ينتبه الإنسان وهو ينظر يمين وشمال، القلب يتبع النظر، يأمر النظر فينظر ثم يتبع النظر ولا يهتم بما أمامه، من اللي يعرف؟ * طالب: لأن الله عز وجل قال: بيده مقاليد السماوات والأرض. * الشيخ: وأنه خالق كل شيء وهم يُقِرُّون به. * الطالب: فلم يكن لهم حجة فترتب على (...). * الشيخ: فصار هؤلاء الذين يُقِرُّون بأن الله خالق كل شيء وأن له مقاليد السماوات والأرض وكفروا به يكونون خاسرين لا شك، هم أخسر الناس، كيف يقرون بأن الله خالق كل شيء؟! وأن له مقاليد السماوات والأرض ثم يكفرون بآياته؟! كان مقتضى هذا الإقرار أن يؤمنوا بآيات الله، ولكنهم خَسِروا فكفروا بآيات الله، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الزمر ٦٣]. * في هذه الآية ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر ٦٣]* فوائد منها: أن المدبر للسماوات والأرض هو الله وحده، ووجه كونه وحده أنه قَدَّم الخبر في قوله: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ﴾ وتقديم الخبر يفيد الحصر. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: لفت نظر الإنسان إلى ألَّا يستعين إلا بالله، ولا يسأل إلَّا الله، ولا يتوكل إلا على الله، وجه ذلك؟ أنه هو الذي له مقاليد السماوات والأرض، فإذن لا تلتفتْ إلى غيره، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عباس: «إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ»[[أخرجه الترمذي (٢٥١٦)، وأحمد (٢٧٦٣) من حديث ابن عباس.]]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكافرين هم الخاسرون وإن كانوا في الدنيا قد ربحوا الجولة، فإنهم خاسرون دنيا وأخرى؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. * ومن فوائدها: وجوب الإيمان بآيات الله، ووجه الدلالة أنه إذا كان الوعيد على مَنْ كفر بها دَلَّ ذلك على وجوب الإيمان. * ومنها أيضًا: تحريم الكفر، لكونه سببًا للخسارة. فإذا قال قائل: أين في الآية لفظ (يحرم)؟ قلنا: التحريم يُسْتَفاد بعدة طرق؛ منها النهي مثل: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء ٣٢]، ومنها التصريح بالتحريم مثل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة ٣]، ومنها: نفي الحل مثل قوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة ٢٢٨]، ومنها: الوعيد على الشيء، ومنها: بيان فوات الخير. وطرق إفادة التحريم متعددة، لكن مِنْ جُمْلَتِها ترتيب الخسران على فعل الشيء يدل على أنه حرام. * ومن فوائد الآية الكريمة: رِبْحُ الذين آمنوا وأنهم هم الرابحون، من أين يُؤْخَذ؟ من مفهوم خسارة الكافرين أن يكون الربح للمؤمنين، وقد صرَّح الله بذلك في قوله: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر ١ - ٣].

الزمر 39:64

ثم قال الله عز وجل: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر ٦٤]. الإعراب: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي﴾ الهمزة للاستفهام، والفاء حرف عطف، وهنا يُشْكِل على هذا الإعراب ما اشتهر من أن همزة الاستفهام لها الصدارة، وهنا قال: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي﴾ فإذا كان لها الصدارة فكيف تأتي الفاء بعدها الدالة على أن الجملة معطوفة؟ فالجواب: أن في ذلك لعلماء النحو وجهين: الوجه الأول: أن الهمزة للاستفهام وأنها داخلة على جملة معطوف عليها، وتُقَدَّر هذه الجملة بما يناسب السياق، وعلى هذا فيكون التقدير في هذه الآية، قل: أتجهلون فغيرَ الله تأمرونِّي أعبد أيها الجاهلون، ويُقَدَّر في كل موضع ما يناسب. ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [يوسف ١٠٩] التقدير: أَغَفَلُوا فلم يسيروا في الأرض. وقيل: إن الهمزة للاستفهام وأن الفاء مزحلقة عن مكانها والتقدير: فأغير الله، فتكون هذه الجملة معطوفة على ما سبق، ولكن المعنى الأول إذا تَيَسَّر وأمكن أن يُقَدَّر شيء مناسب فإنه أولى. يقول المؤلف في إعرابه: (﴿غَيْرَ﴾ منصوب بـ﴿أَعْبُدُ﴾ المعمول لـ﴿تَأْمُرُونِّي﴾ بتقدير أن، بنون واحد وبنونين بإدغام وفك) هذه على قوله تأمرونِّي، يقول المؤلف في الإعراب: إن غير منصوبة بأعبد، والتقدير: أأعبد غير الله بأمركم هذا معنى الآية، وقوله: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي﴾ فيها قراءات: أولًا: قراءتها بنون واحدة ﴿تَأْمُرُونِي﴾ ، ثانيًا: قراءتها بنونين بإدغام ﴿تَأْمُرُونِّي﴾، ثالثًا: قراءتها بنونين بدون إدغام ﴿تَأْمُرُونَنِي﴾ . ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ يعني: أتمرونني أعبد غير الله؟ ﴿أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ أي: الجاهلون بحقيقة ما يجب لله عز وجل، وبحقيقة عبادة الأصنام، ويحتمل أن المعنى المراد بقوله: ﴿الْجَاهِلُونَ﴾ أي: السفهاء؛ لأن الجهل تارة يُرادُ به السفه، وتارة يُرادُ به عدم العلم، وإذا كان المراد به السفه فإنه يُسَمَّى جهالة كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء ١٧]. وقوله: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي﴾ [الزمر ٦٤] يشمل كل مَنْ سوى الله من حي وميت وصالح وفاسد وجماد وحيوان. ﴿أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ ﴿أَيُّ﴾ منادى، و﴿الْجَاهِلُونَ﴾ وصف لـ(أَيُّ)؛ ولهذا جاءت مرفوعة، والاستفهام هنا للتوبيخ والإنكار بدليل قوله: أيها الجاهلون. * يستفاد من هذه الآية فوائد: * أولًا: جهالة أولئك الذين يأمرون بعبادة الأصنام. * ومنها: أن هؤلاء الجاهلين حاولوا أن الرسول نفسه يعبد الأصنام مع أنه إنما جاء لتوحيد الله عز وجل وحده. * ثالثًا: من فوائد هذه الآية: أن الرب عز وجل عبادته علم وعبادته رُشْدٌ؛ لأنه إذا كانت عبادة غيره جهلًا، فعبادته عِلْمٌ ورُشْد. * ومن فوائدها: أنه إذا كان المشركون يحاولون أن يُشْرِك النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فما بالك بأتباع الرسول عليه الصلاة والسلام؟! إنهم سوف يحاولون أن يشركوا أكثر من محاولتهم إشراك النبي صلى الله عليه وآله وسلم. * ويتفرع على هذه الفائدة: الحذر من دعاة الشرك والكفر، مثل دعاة النصرانية اليوم؛ فإن النصارى -عليهم لعنة الله إلى يوم القيامة- يحاولون بكل ما يستطيعون أن يضللوا المسلمين وأن يُنَصِّروهم، وإذا عجزوا عن ذلك فعلى الأقل أن يُخْرِجوهم من دينهم وإن لم يدخلوا دين النصرانية، وهذا الآن واضح فتجدهم ينشِئون الإذاعات القوية الواضحة من أجل دعوة المسلمين إلى النصرانية، وتجدهم يكتبون الكتابات الكثيرة من رسائل وكتب أكبر يبثونها بين المسلمين، وتجدهم أيضًا يكتبون الإنجيل كتابة ككتابة المصحف تمامًا مُفَصَّلًا مُعْرَبًا مُشَكَّلًا، حتى يظنه العامي من الناس الذي لم يعرف القرآن يظنه هو القرآن، وتجدهم أيضًا يذهبون إلى البلاد الفقيرة العاجزة وينشئون فيها المدارس والمرافق، ثم الكنائس من أجل (...) الناس، فالمهم أن أعداء المسلمين لا يَأْلُون جُهْدًا في إخراج المسلمين عن دينهم إلى مِلَّتِهِم التي كانوا عليها. والله أعلم. * * * * طالب: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦) وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٧٧) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر ٦٥ - ٦٨].

الزمر 39:65

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر ٦٥] ذكرنا بالأمس أن هذه الجملة مؤكدة بكم مُؤَكِّدًا؟ * طالب: بثلاثة. * الشيخ: ما هي؟ * الطالب: اللام. * الشيخ: اللام. * الطالب: القسم المضمر. * الشيخ: القسم المقدر، والتقدير؟ لا، المُقَدَّر هذا الصواب، والتقدير؟ * الطالب: والله (...). * الشيخ: قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر ٦٥] في هذا إشكال، ما هو؟ * الطالب: في إشكال كيف يكون النبي عليه الصلاة والسلام يشرك (...) والجواب عليه.. * الشيخ: الإشكال كيف يقول الله في حقه: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر ٦٥]، وهل يجوز أن يُشْرِك؟ طيب ما هو الجواب؟ * الطالب: قيل: إنه (...) والثاني أنه.. * الشيخ: ما فهمنا الجواب الأول. * الطالب: أن هذا مُوَجَّه للأمة؛ أمة النبي ﷺ. * الشيخ: إن المراد بهذا الأمة، وإن كان الخطاب مُوَجَّهًا للرسول فالمراد به الأمة، كقوله: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام ٨٨]. الوجه الثاني؟ * الطالب: الوجه الثاني (...) لا يلزم منه وقوع المحتمل. * الشيخ: نعم، أن التعليق بالشرط لا يلزم منه وقوعُ المشروط، هل له نظير؟ * طالب: قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾. * الشيخ: نظيره قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف ٨١]، ومعلوم أنه يمتنع أن يتخذ الله ولدًا. قوله: ﴿وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر ٦٥] مُؤَكَّدَة بكم مؤكد؟ * الطالب: باللام، ونون التوكيد. * الشيخ: نعم. * طالب: والقَسَمِ المقَدَّر. * الشيخ: والقَسَم المقدر؛ لأن اللام هذه تكون جوابًا للقسم. * نأخذ فوائد هذه الآية: * من فوائد هذه الآية: أن الشرك محبط للعمل ولو وقع من أفضل الخلق؛ لقوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾. * ومن فوائدها: أن هذا الحكم ثابت في جميع الشرائع؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الزمر ٦٥]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عِظَمُ الشرك وأنه أفسد أنواع المعاصي؛ ولهذا يحبط العمل كله. * ومن فوائدها: إثبات الوحي للرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولمن سَبَقَهُ من الرسل عليهم الصلاة والسلام. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الشرك سبب للخسران في الدنيا والآخرة؛ لقوله: ﴿وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية: أن الكفار وإن رَبِحُوا في الدنيا فإنهم في الحقيقة خاسرون للدنيا وللآخرة؛ لأنهم لم ينتفعوا في الدنيا بما خُلِقُوا له، فلذلك كانوا خاسرين، وقد قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر ١٥].

الزمر 39:66

ثم قال الله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر ٦٦]. ﴿بَلِ﴾: هذه للإضراب؛ إضراب الإبطال أو الانتقال؟ إضراب الإبطال؛ لأن الإضراب عندهم نوعان: نوع يراد به إبطال ما سبق وإثبات ما لحق، ونوع يراد به الانتقال من شيء إلى آخر. مثال الأول: هذه الآية، ومثال الثاني: قوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل ٦٦] فهنا انتقالات مِنْ سَيِّء إلى أسوأ، ﴿بَلِ ادَّارَكَ﴾ أي: بَعُد ﴿عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾، وهنا يقول: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ [الزمر ٦٦] هذا إضراب إبطال لما سبق من الشرك؛ يعني: بل دَعِ الشرك فإنه باطل واعبد الله. وقوله: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ قال المؤلف: (وحده) فمن أين أَخَذ هذه الوحدانية المفيدة للحصر؟ أخذها من تقديم المعمول، والقاعدة في البلاغة أن تقديم ما حَقُّه التأخير يفيدُ الحصرَ والاختصاصَ؛ كل شيء حَقُّه التأخير إذا قُدِّمَ فإن الحكم يختص به، ومعلوم أن المفعول به حَقُّه التأخير، فإذا قُدِّم على عامله أفاد الاختصاصَ والحصرَ، أي: بل الله وحده. ﴿فَاعْبُدْ﴾ الفاء يقولون: إنه جيء بها لتحسين اللفظ، ولو حُذِفَت في غير القرآن لاستقام الكلام، لكنها في القرآن لا تُحْذَف لأنه نزل من عند الله ولا يمكن تَغْيِيرُه، وإنما التعبير بمثل ذلك يُسَمُّون هذه الفاء فاء التزيين، ولها نظير؛ مثل قولهم: عندي كذا وكذا فقط، أي: قط، والفاء زائدة لتحسين اللفظ. قال: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ ﴿اعْبُدْ﴾ فعل أمر، أي: تَذَلَّلْ له، تذلل لله، واعلم أن العبادة تُطْلَق على معنيين: المعنى الأول التَّعَبُّد، والمعنى الثاني المُتَعَبَّد به. أما التعبد فمعناه التذلل لله تعالى محبة وتعظيمًا بالقيام بأوامره واجتناب نواهيه، فإذا رأينا شخصًا يُصَلِّي مثلًا قلنا: هذا يتعبد؛ أي: يتذلل لله تعالى بفعل الصلاة، وتُطْلَق على المتعبد به أي: على نفس المفعول، وعرَّفها شيخُ الإسلام على هذا المعنى بقوله: العبادةُ اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة؛ وعلى هذا فالصلاة نفسها نسميها عبادة، والصدقة عبادة، والصوم عبادة، والحج عبادة، وبر الوالدين عبادة، وصلة الأرحام عبادة، والإحسان إلى الفقراء عبادة وهكذا، فقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْ﴾ أي: تذلَّلْ له بفعل عبادته بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. (﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ إنعامَه عليك) ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ﴿كُنْ﴾ فعل أمر، و﴿مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ أي: من الذين يشكرون الله. واعلم أن (أل) إذا اتصلت بمشتق فإنها تكون اسمًا موصولًا من أسماء الموصول العامة، فهي بمنزلة (مَنْ) وبمنزلة (ما) إذا اتصلت بماذا؟ بمشتق، مثل: الشاكر والمشكور والأحسن وما أشبهها؛ فعلى هذا يكون قوله: ﴿مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ مفيدة للعموم؛ أي: من القائمين بشكر الله. فإن قيل: ما هو الشكر؟ قيل: إن الشكر القيام بطاعة المُنْعِم عقيدةً وقولًا وفعلًا؛ هذا الشكر؛ ولهذا قال الشاعر: أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَالْمُحَجَّبَا يعني: أنكم ملكتم بإنعامكم عليَّ ملكتم قلبي ولساني وجوارحي. فإن قال قائل: هل الشكر هو الحمد أو غيرُه؟ قلنا: بينهما عموم وخصوص، يجتمعان فيما إذا كانا في مُقابَلَةِ نعمة، فإن الحمد هو الشكر؛ لأنه ثناء على الله باللسان، فإذا أكل الإنسان أو شرب فقال: الحمد لله، كان بذلك شاكرًا وحامدًا، وينفرد الحمد بوصف الله تعالى بالكمال دون مقابلة نعمة؛ فإذا أثنيت على الله بأنه الحي العظيم وما أشبه ذلك فهو حَمْدٌ، وليس شُكْرًا؛ لأنه ليس في مقابل نعمة، لكن ربما نعتبره شكرًا باعتبار أنه عباده، والقيام بطاعة المنعم من الشكر. وإذا أثنيت على الله عز وجل، بل وإذا قمت بطاعة الله سبحانه وتعالى جزاء على نعمته، ولم يكن في ذهنك (...) الكمال صار ذلك شكرًا له، وعلى كل حال قد يَعْسُر انفراد أحدهما عن الآخر؛ وذلك لأن الثناء نفسه وإن لم يكن في مقابلة نعمة يعتبر شكرًا؛ لأنه قيام بطاعة المنعم. ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر ٦٦]. ثم قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر ٦٧] ﴿مَا﴾ نافية، و﴿قَدَرُوا﴾ بمعنى: عَظَّموا، ولفظ الجلالة مفعول لـ﴿قَدَرُوا﴾، و﴿حَقَّ قَدْرِهِ﴾ مفعول مطلق؛ لأنه أُضِيفَ إلى المصدر، والمضاف إلى المصدر يُسَمَّى مفعولًا مطلقًا لأنه بمنزلة المصدر؛ وعلى هذا فنقول: ﴿حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي: حق تعظيمه. قال المفسر: (ما عرفوه حق معرفته، أو ما عَظَّموه حقَّ عظمته حين أشركوا به غيره) الصواب: الثاني؛ أن المعنى مَا عَظَّمُوه حَقَّ عَظَمَتِهِ حين أشركوا به غيره، ودليل ذلك أن هؤلاء عرفوا الله ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف ٨٧]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر ٣٨] لكن هل عظموا مَنْ عرفوه حق تعظيمه؟ لا، وهذا هو الذي (...). فالصواب: الاحتمال الثاني وهو ما عظموه حق عظمته، بماذا؟ بالإشراك به؛ لأن من عظم الله حق تعظيمه لا يمكن أن يشرك به أحدًا. ثم قال: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الواو للحال، ويجوز أن تكون استئنافية لبيان عظمة الله. وقوله: ﴿وَالْأَرْضُ﴾ مبتدأ و﴿جَمِيعًا﴾ حال، و﴿قَبْضَتُهُ﴾ خبر المبتدأ، يعني: أن الأرض كلها جميعًا كل الأرضين السبع تكون يوم القيامة قبضته. قال المفسر: (﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا﴾ حال أي: السبع) جميعًا حال من أين؟ من الأرض، وبهذا نعرف أنه يجوز مجيء الحال من المبتدأ قبل الإتيان بالخبر، فتقول مثلًا: زيد قائمًا خيرٌ منه قاعدًا. يقول: (﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ﴾ أي: مقبوضة له، أي: في مُلْكِه وتَصَرُّفِه) ففسَّر المؤلف القبضَ بمعنى الملك والتَّصَرُّف. وفي هذا نظر ظاهر، بل هذا تحريف؛ لأن الملك والتصرف، كل شيء في ملكه وتصرفه، الأرض والسماء يوم القيامة وقبلَ يوم القيامة، لكن القَبْضَة بمعنى المقبوضة التي تكون في اليد تُحيطُ بها اليد هذه هي القبضة، فيقال مثلًا: قبضة مِنْ طعام، ما معنى قبضة من طعام؟ يعني أن الإنسان يقبض الطعام بيده هكذا، فالأرض يوم القيامة قبضة الله عز وجل، وقد جاء ذلك مبينًا في حديث عبد الله بن مسعود في قصة النبي ﷺ مع حَبْرٍ من أحبار اليهود: «أَنَّ الله يجعل الأرض على إصبع والشجر على إصبع والجبال على إصبع »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٨١١)، ومسلم (٢٧٨٦ / ١٩) من حديث عبد الله بن مسعود.]] إلى آخره، فالصواب المتعيِّن أن يُقال: المراد بالقبضة أنها في قبضة يده عز وجل. فإن قال قائل: وهل يجوز لنا أن نُمَثِّل هذه القبضة، بحيث نأخذ تَمْرَةً أو تفاحة ونضعها في أيدينا، ونقول: ﴿قَبْضَتُهُ﴾، ثم نقبض على التفاحة أو التمرة؟ الجواب: لا؛ لأننا لو فعلنا ذلك لكان هذا تمثيلًا لقبضة الله سبحانه وتعالى للأرض، وهذا لا يجوز. أما أن نبين معنى القبضة فلا بأس، بأن نقول: القبضة هي وضع الشيء في اليد ثم قبضه بها، لكن نُكَيِّف كيف قبض الله عز وجل على الأرض هذا خلاف معتقد أهل السنة والجماعة، كما هو معروف للجميع. وقوله: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ هذه ظرف للقبضة؛ أي: أنها تكون قبضة له يوم القيامة، ويوم القيامة هو اليوم الذي يُبْعَث فيه الناس من قبورهم لله عز وجل، وسُمِّيَ بهذا الاسم لوجوه ثلاثة. عُدَّها لنا. ذكرناها قريبًا. * طالب: قيام الناس لرب العالمين. * الشيخ: لقيام الناس من قبورهم لرب العالمين. * الطالب: إقامة العدل يوم القيامة. * الشيخ: إقامة العدل يوم القيامة. * طالب: (...). * الشيخ: أيش ؟ لا. * الطالب: قيام الروح الملائكة. * الشيخ: لا. * الطالب: يقوم الأشهاد. * الشيخ: يوم يقوم الأشهاد. ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ﴾ قال المؤلف: (مجموعات ﴿بِيَمِينِهِ﴾ بقدرته) السموات مطويات، الطي معروف؛ عَطْفُ الثوب بعضه على بعض يُسَمَّى طَيًّا، ومنه: طَيُّ الورقة: إذا فرغ الكاتب منها طواها؛ يعني عطف بعضها على بعض، وقد شَبَّه الله عز وجل طيه للسماوات بطي السجل للكتب فقال جل وعلا: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء ١٠٤]، فتبارك الله رب العالمين، هذه السماء العظيمة الواسعة الأرجاء التي ورد أنَّ سُمْكَها خمس مئة عام، يطوي الله عز وجل هذه السماوات كما يطوي السجل للكتب، أو كما يُطوَى السجل الكتب ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء ١٠٤] يعني: كما يَطْوِي السجل وهو كاتب القاضي، أو كما يُطْوَى السجلُ الذي تكتب فيه القضايا، والطي معروف، قلنا: إنه عَطْفُ الثوب بعضه على بعض أو الورق أو ما أشبه ذلك. يقول: ﴿السَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ﴾ وحَذَف الفاعل أو أتى بصيغة اسم المفعول للعلم بالطاوي، من هو الطاوي؟ الله، كما تُفَسِّرُه الآية الأخرى ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾. قال المؤلف: (مجموعات) وهذا فيه نظر؛ لأننا نقول: هي مجموعة طيًّا، وإذا فسرناها بالمجموعات فإننا لم نُفَسِّر تفسيرًا دقيقًا، لأن الشيء قد يكون مجموعًا بلا طي، ولكن إذا كان مطويًّا فهذا معنى زائد على مجرد أيش؟ على مجرد الجمع، فالصواب أن يقال: ﴿مَطْوِيَّاتٌ﴾ أي: ملفوف بعضها إلى بعض. ﴿مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ قال: (بقدرته) وهذا تحريف على مذهب مَنْ لا يؤمنون بصفات الله سبحانه وتعالى الخَبَرِيَّة، والصواب أن المراد باليمين اليد اليمنى. أنه عطف أيش؟ الثوب بعضه على بعض أو الورق وما أشبه ذلك، يقول: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ﴾ [الزمر ٦٧] وحذف الفاعل، أو أتى بصيغة اسم المفعول للعلم بالطاوي، من هو الطاوي؟ الله كما تفسره الآيات الأخرى ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء ١٠٤]. قال المؤلف: (مجموعات)، وهذا فيه نظر؛ لأننا نقول: هي مجموعة طيًّا، وإذا فسرناها بالمجموعات فإننا لم نفسر تفسيرًا دقيقًا؛ لأن الشيء قد يكون مجموعًا بلا طي، ولكن إذا كان مطويًّا فهذا معنى زائد على مجرد أيش؟ على مجرد الجمع، فالصواب أن يقال: ﴿مَطْوِيَّاتٌ﴾ أي ملفوف بعضها إلى بعض. ﴿مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر ٦٧] قال: (بقدرته) وهذا تحريف على مذهب من لا يؤمنون بصفات الله سبحانه وتعالى الخبرية، والصواب أن المراد باليمين اليد اليمنى، يطويها جل وعلا بيده اليمنى. قال: ﴿مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر ٦٧] سبحان: اسم مصدر، وفعله سبح، والمصدر من سبح تسبيحًا، واسم المصدر سبحان، وهو منصوب على المفعولية المطلقة دائمًا، وملازم للإضافة غالبًا، وعلى هذا فلا يخطئ المرء في إعرابه، يعربه دائمًا على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف، والتقدير: يسبح تسبيحًا. ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر ٦٧] أي: تنزيهًا له، فما معنى التسبيح؟ إحنا الآن فسرنا الكلمة من حيث التصريف، لكن ما معنى التسبيح؟ قالوا: معنى التسبيح: التنزيه؛ لأنه من سبح يسبح إذا بعد في الماء، فالتنزيه: الإبعاد عن السوء، وعلى هذا فمعنى (سبحان الله) أي: تنزيهًا له، وعما يُنزَّه الله؟ ينزه عن شيئين: عن مماثلة المخلوق، وعن كل نقص وعيب في صفاته، فقدرته مثلًا منزهة عن العجز، وعلمه منزه عن الجهل والنسيان، وقوته منزهة عن الضعف، وهلم جرًّا، يده منزهة عن مماثلة المخلوقين، وجهه كذلك، فالتنزيه إذن تنزيه الله عز وجل يعود إلى شيئين: الأول: مماثلة المخلوق، والثاني: العيب والنقص. وقوله: ﴿تَعَالَى﴾ أي ترفع لعظمته عما يشركون به، أو عما يشركون معه، ولا شك أن هذا هو الواقع. نأخذ من الآيتين الكريمتين فوائد: * أولًا: وجوب إخلاص العبادة لله؛ لقوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ [الزمر ٦٦]. ويتفرع على هذه القاعدة أن الإنسان لو أشرك بالله لحبط عمله، لماذا؟ لأنه إذا أشرك بالله عمل عملًا ليس عليه أمر الله ورسوله، وقد قال النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٧) من حديث عائشة. ]]، وهذا بقطع النظر عن الآية السابقة ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر ٦٥] فهذا نص صريح، لكن إذا أردنا أن نأخذ من قوله: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ [الزمر ٦٦] نقول: * من فوائدها: أن من أشرك مع الله أحدًا فعمله حابط مردود، الدليل قوله ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٧) من حديث عائشة. ]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الشكر على كل أحد؛ لقوله: ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر ٦٦]، وإذا وجب الشكر حرم ضده، وهو الكفر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإخلاص لله تعالى من شكره؛ لأنه أعقب قوله: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ [الزمر ٦٦]، بقوله: ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر ٦٦]. أما الآية الثانية * فمن فوائدها: بيان عظمة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ﴾ ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر ٦٧]. * ومن فوائدها: أن من أشرك بالله فإنه لم يعظم الله حق تعظيمه، بل بالعكس؛ لقوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر ٦٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: حسن التعريف بالقرآن الكريم؛ لأنه لما نفى عنهم أنهم قدروا الله حق قدره، بيَّن وجه ذلك، أنه عز وجل أعظم من كل شيء ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر ٦٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب أن يعظم الله حق تعظيمه، ولكن قد يقول قائل: إن هذا فيه مشقة عظيمة؛ لأن الله تعالى أعظم وأجل من أن يحيط به عمل العبد، ولهذا لما نزل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران ١٠٢] صعب ذلك على الصحابة، من الذي يتقي الله حق تقاته؟ فيقال: إن هذه الآية الكريمة مقيدة بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦]، وإلا فمن الذي يحصي أن يعظم الله حق تعظيمه على الوجه الذي أراد الله عز وجل، ولكن نقول: إن تعظيم الله حق تعظيمه يكون بامتثال أمره، وهذا حاصل بقدر المستطاع؛ لقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، ولقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اليد لله؛ لقوله: ﴿قَبْضَتُهُ﴾ [الزمر ٦٧]، وقوله: ﴿بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر ٦٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأرض يوم القيامة يقبضها الله عز وجل بيده؛ لقوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ٦٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن السماوات تطوى يوم القيامة؛ لقوله: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر ٦٧]. * ومنها، من فوائدها: بيان قدرة الله عز وجل، حيث يطوي هذه السماوات على عظمها كطي السجل للكتب. * ومن فوائد الآية الكريمة: تنزيه الله عز وجل عن كل نقص وعيب؛ لقوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ [الزمر ٦٧]، وكذلك تنزيهه عن مماثلة المخلوقين؛ لأن مماثلة المخلوقين عيب، فإن تمثيل الكامل بالناقص يجعله ناقصًا، قال الشاعر: أَلَمْ تَرَ أَنَّ السَّيْفَ يَنْقُصُ قَدْرُهُ ∗∗∗ إِذَا قِيلَ: إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِنَالْعَصَا فكيف إذا قيل: إن السيف مثل العصا؟ فتمثيل الله عز وجل بالمخلوق تنقُّص له عز وجل، تنقص له لأن تمثل الكامل بالناقص يجعله ناقصًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علو الله؛ لقوله: ﴿تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر ٦٧]. وعلو الله سبحانه ينقسم إلى قسمين: علو ذات وعلو صفة، أما علو الصفة فلم يختلف فيه أحد من أهل القبلة، حتى أهل التعطيل يثبتون لله علو الصفة، لكن على اختلاف بينهم وبين أهل السنة في كون هذا الشيء علوًّا أو نزولًا؛ لأنهم يرون أن من علو الله في صفته نفي الصفات عنه، أما أهل السنة والجماعة فيرون أن من علوه إثبات جميع صفات الكمال له على حسب ما ورد في الكتاب والسنة، إذا اتفق أهل القبلة على إثبات أيش؟ علو الصفة، لكن اختلفوا كيف يكون علو الصفة؟ أما علو الذات فقد اختلفوا اختلافًا عظيمًا، حتى قال بعض من ينتسب للإسلام: إثبات علو الذات كفر، وقال أهل السنة والجماعة: إثبات علو الذات واجب، ولا بد أن نثبت لله علو الذات كما أثبتنا له علو الصفات. * ومن فوائد الآية الكريمة: التباين العظيم بين الرب الخالق العظيم وبين الأصنام المعبودة التي يشرك بها مع الله؛ لقوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر ٦٧] أي: تنزيهًا له وتعاظمًا ورفعة عما يشرك به هؤلاء، ولهذا جاء استفهام التوبيخ والاحتقار لهذه الأصنام في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨) أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم ١٨ - ٢٠]، يعني أخبروني ما الذي لهذه الأصنام بالنسبة لآيات الله العظيمة الكبرى التي رآها النبي ﷺ؟ أي بعد أن تقررت هذه الآيات الكبيرة أخبروني ما لهذه الأصنام؟ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم ١٩، ٢٠] ماذا تكون أمام هذه الآيات الكبيرة تكون أيش؟ لا شيء، ولهذا قال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر ٦٧] وقد بين الله تعالى في القرآن الكريم انحطاط رتبة هذه الأصنام أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧] ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [المائدة ٧٦] والآيات في هذا كثيرة تحط من قدر هذه الأصنام، وتبين أن الرب عز وجل منزه متعال عن هذه الأصنام، والله أعلم. * طالب: (...) قال مثلًا الله سميعًا بصيرًا.. * الشيخ: وضع أصبعه على العين والأذن. * طالب: (...). * الشيخ: الجمع بينهما أن ما جاءت به السنة نأخذ به، وما لا فالأصل المنع، وأنت إذا قلت مثلًا إذا أخذت الساعة هذه وقلت: قبضته، واضح أنك كيفت، لكن نقول: قبضته أن تكون هذه الأرض جميعًا في يد الله عز وجل، أما كيف الله أعلم. * طالب: (...). * الشيخ: نجيب بأن الرسول فعل هذا تحقيقًا لا تكييفًا، يحقق معنى السمع والبصر، أنه سمعٌ وبصرٌ حقيقي، على كل حال نقتصر في هذا على ما ورد مهما كان الأمر. * طالب: (...) يقول: إن لله صفة الطوي والقبض. * الشيخ: إي نعم، نقول: يطوي ويقبض، ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ [البقرة ٢٤٥] و﴿نَطْوِي السَّمَاءَ﴾ [الأنبياء ١٠٤]. * طالب: قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن نقول هكذا؟ * الشيخ: أيش بيقول؟ بين أصبعين، بين أصبعين، بين أصبعين، بين أصبعين، بين أصبعين، بين أصبعين، بين أصبعين، أين الأصابع؟ ما يستطيع، ثم إذا أشار هكذا قد يفهم الرائي أن أصابع الرحمن عز وجل مباشرة للقلب، وليس كذلك، هي القلب بين أصبعين من أصابع الرحمن، لكن ما نقول: إنها مباشرة، لا أنها مباشرة. فإذا قال قائل: كيف يعقل أن يكون القلب بين أصبعين من أصابع الرحمن بدون مباشرة؟ قلنا: استمع ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [البقرة ١٦٤] إلى قوله: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ١٦٤] سحاب مسخر بين السماء والأرض، وهل هو يباشر السماء والأرض؟ لا، فلا يلزم من البينية المباشرة، واضح؟ * طالب: (...) * الشيخ: لا أبدًا ما يجوز، إذا قال هكذا لزم من ذلك أنه جزم بأنه بين هذين الأصبعين. * طالب: (...) كلتا يدي الله عز وجل يمين (...)؟ * الشيخ: ما مرت علينا هذه؟ مرت علينا هذه، وقلنا: لله يد يمين ويد شمال، لكن الرسول قال: «كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ»[[أخرجه مسلم (١٨٢٧ / ١٨) من حديث عبد الله بن عمرو.]]، يعني: يمين من اليُمن، وهو البركة، ولدفع توهم أن تكون اليد الأخرى ناقصة؛ لأن اليد الشمال بالنسبة لنا ناقصة عن اليد اليمين، وقد ذكر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في آخر كتاب التوحيد قال: وفيه التصريح بالشمال لله عز وجل، انتهى. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (٧٠) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر ٦٨ - ٧٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ما معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر ٦٧]؟ * طالب: (...) من تعظيم. * الشيخ: بماذا؟ * الطالب: بأن جعل له أندادًا ولم (...). * الشيخ: الدليل على أن المعنى بالإشراك؟ اتل الآية. * الطالب: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر ٦٧]. * الشيخ: هذا الدليل، أن المعنى ﴿وَمَا قَدَرُوا﴾ حيث جعلوا معه شريكًا. * الشيخ: قوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ٦٧] الجملة هذه حالية؟ * طالب: (...). * الشيخ: يعني ﴿وَمَا قَدَرُوا﴾، والحال أن الأرض قبضته، أو ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر ٦٧]، ثم أخبر فقال: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. * الشيخ: ما معنى ﴿قَبْضَتُهُ﴾ على ما ذهب إليه المؤلف وعلى ما هو الراجح؟ * طالب: الراجح أنها في قبضة يمينه. * الشيخ: أيش معنى في قبضة يمينه؟ يعني يقبضها حقيقة بيده؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: والمؤلف؟ * الطالب: (...). * الشيخ: فقال. * الطالب: (...). * الشيخ: قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾. * الطالب: أي أن الله تعالى يطوي السماوات بيده اليمنى، يعني يجمع بعضها على بعض، يلف بعضها على بعض كطي السجل للكتب. * الشيخ: وما معنى ﴿بِيَمِينِهِ﴾؟ * الطالب: أي بيده اليمنى. * الشيخ: أي بيده اليمنى تمام، والمؤلف؟ * الطالب: المؤلف قال: إنها مطويات يعني مجموعات. * الشيخ: لا، دعنا من مجموعات أو ملفوفات، لكن بيمينه أيش قال؟ * الطالب: بقدرته. * الشيخ: بقدرته. التسبيح معناه؟ * طالب: (...) تنزيه (...) الله عز وجل. * الشيخ: وعما ينزَّه الله؟ * طالب: عن العيب والنقائص واتخاذ الشريك له. * طالب آخر: وعن المثيل. * الشيخ: عن كل عيب ونقص وعن مماثلة المخلوقين. ما هو الدليل على تنزه الله عز وجل عن النقص؟ * طالب: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١]. * الشيخ: عن النقص. * طالب: (...). * الشيخ: هذا دليل، دليل آخر؟ * الطالب: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨]. * الشيخ: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ أي: من تعب وإعياء، الدليل على تنزهه عن المماثلة؟ * الطالب: (...). * الشيخ: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١]؟

الزمر 39:67

ثم قال الله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر ٦٦]. ﴿بَلِ﴾: هذه للإضراب؛ إضراب الإبطال أو الانتقال؟ إضراب الإبطال؛ لأن الإضراب عندهم نوعان: نوع يراد به إبطال ما سبق وإثبات ما لحق، ونوع يراد به الانتقال من شيء إلى آخر. مثال الأول: هذه الآية، ومثال الثاني: قوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل ٦٦] فهنا انتقالات مِنْ سَيِّء إلى أسوأ، ﴿بَلِ ادَّارَكَ﴾ أي: بَعُد ﴿عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾، وهنا يقول: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ [الزمر ٦٦] هذا إضراب إبطال لما سبق من الشرك؛ يعني: بل دَعِ الشرك فإنه باطل واعبد الله. وقوله: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ قال المؤلف: (وحده) فمن أين أَخَذ هذه الوحدانية المفيدة للحصر؟ أخذها من تقديم المعمول، والقاعدة في البلاغة أن تقديم ما حَقُّه التأخير يفيدُ الحصرَ والاختصاصَ؛ كل شيء حَقُّه التأخير إذا قُدِّمَ فإن الحكم يختص به، ومعلوم أن المفعول به حَقُّه التأخير، فإذا قُدِّم على عامله أفاد الاختصاصَ والحصرَ، أي: بل الله وحده. ﴿فَاعْبُدْ﴾ الفاء يقولون: إنه جيء بها لتحسين اللفظ، ولو حُذِفَت في غير القرآن لاستقام الكلام، لكنها في القرآن لا تُحْذَف لأنه نزل من عند الله ولا يمكن تَغْيِيرُه، وإنما التعبير بمثل ذلك يُسَمُّون هذه الفاء فاء التزيين، ولها نظير؛ مثل قولهم: عندي كذا وكذا فقط، أي: قط، والفاء زائدة لتحسين اللفظ. قال: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ ﴿اعْبُدْ﴾ فعل أمر، أي: تَذَلَّلْ له، تذلل لله، واعلم أن العبادة تُطْلَق على معنيين: المعنى الأول التَّعَبُّد، والمعنى الثاني المُتَعَبَّد به. أما التعبد فمعناه التذلل لله تعالى محبة وتعظيمًا بالقيام بأوامره واجتناب نواهيه، فإذا رأينا شخصًا يُصَلِّي مثلًا قلنا: هذا يتعبد؛ أي: يتذلل لله تعالى بفعل الصلاة، وتُطْلَق على المتعبد به أي: على نفس المفعول، وعرَّفها شيخُ الإسلام على هذا المعنى بقوله: العبادةُ اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة؛ وعلى هذا فالصلاة نفسها نسميها عبادة، والصدقة عبادة، والصوم عبادة، والحج عبادة، وبر الوالدين عبادة، وصلة الأرحام عبادة، والإحسان إلى الفقراء عبادة وهكذا، فقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْ﴾ أي: تذلَّلْ له بفعل عبادته بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. (﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ إنعامَه عليك) ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ﴿كُنْ﴾ فعل أمر، و﴿مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ أي: من الذين يشكرون الله. واعلم أن (أل) إذا اتصلت بمشتق فإنها تكون اسمًا موصولًا من أسماء الموصول العامة، فهي بمنزلة (مَنْ) وبمنزلة (ما) إذا اتصلت بماذا؟ بمشتق، مثل: الشاكر والمشكور والأحسن وما أشبهها؛ فعلى هذا يكون قوله: ﴿مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ مفيدة للعموم؛ أي: من القائمين بشكر الله. فإن قيل: ما هو الشكر؟ قيل: إن الشكر القيام بطاعة المُنْعِم عقيدةً وقولًا وفعلًا؛ هذا الشكر؛ ولهذا قال الشاعر: أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَالْمُحَجَّبَا يعني: أنكم ملكتم بإنعامكم عليَّ ملكتم قلبي ولساني وجوارحي. فإن قال قائل: هل الشكر هو الحمد أو غيرُه؟ قلنا: بينهما عموم وخصوص، يجتمعان فيما إذا كانا في مُقابَلَةِ نعمة، فإن الحمد هو الشكر؛ لأنه ثناء على الله باللسان، فإذا أكل الإنسان أو شرب فقال: الحمد لله، كان بذلك شاكرًا وحامدًا، وينفرد الحمد بوصف الله تعالى بالكمال دون مقابلة نعمة؛ فإذا أثنيت على الله بأنه الحي العظيم وما أشبه ذلك فهو حَمْدٌ، وليس شُكْرًا؛ لأنه ليس في مقابل نعمة، لكن ربما نعتبره شكرًا باعتبار أنه عباده، والقيام بطاعة المنعم من الشكر. وإذا أثنيت على الله عز وجل، بل وإذا قمت بطاعة الله سبحانه وتعالى جزاء على نعمته، ولم يكن في ذهنك (...) الكمال صار ذلك شكرًا له، وعلى كل حال قد يَعْسُر انفراد أحدهما عن الآخر؛ وذلك لأن الثناء نفسه وإن لم يكن في مقابلة نعمة يعتبر شكرًا؛ لأنه قيام بطاعة المنعم. ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر ٦٦]. ثم قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر ٦٧] ﴿مَا﴾ نافية، و﴿قَدَرُوا﴾ بمعنى: عَظَّموا، ولفظ الجلالة مفعول لـ﴿قَدَرُوا﴾، و﴿حَقَّ قَدْرِهِ﴾ مفعول مطلق؛ لأنه أُضِيفَ إلى المصدر، والمضاف إلى المصدر يُسَمَّى مفعولًا مطلقًا لأنه بمنزلة المصدر؛ وعلى هذا فنقول: ﴿حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي: حق تعظيمه. قال المفسر: (ما عرفوه حق معرفته، أو ما عَظَّموه حقَّ عظمته حين أشركوا به غيره) الصواب: الثاني؛ أن المعنى مَا عَظَّمُوه حَقَّ عَظَمَتِهِ حين أشركوا به غيره، ودليل ذلك أن هؤلاء عرفوا الله ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف ٨٧]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر ٣٨] لكن هل عظموا مَنْ عرفوه حق تعظيمه؟ لا، وهذا هو الذي (...). فالصواب: الاحتمال الثاني وهو ما عظموه حق عظمته، بماذا؟ بالإشراك به؛ لأن من عظم الله حق تعظيمه لا يمكن أن يشرك به أحدًا. ثم قال: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الواو للحال، ويجوز أن تكون استئنافية لبيان عظمة الله. وقوله: ﴿وَالْأَرْضُ﴾ مبتدأ و﴿جَمِيعًا﴾ حال، و﴿قَبْضَتُهُ﴾ خبر المبتدأ، يعني: أن الأرض كلها جميعًا كل الأرضين السبع تكون يوم القيامة قبضته. قال المفسر: (﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا﴾ حال أي: السبع) جميعًا حال من أين؟ من الأرض، وبهذا نعرف أنه يجوز مجيء الحال من المبتدأ قبل الإتيان بالخبر، فتقول مثلًا: زيد قائمًا خيرٌ منه قاعدًا. يقول: (﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ﴾ أي: مقبوضة له، أي: في مُلْكِه وتَصَرُّفِه) ففسَّر المؤلف القبضَ بمعنى الملك والتَّصَرُّف. وفي هذا نظر ظاهر، بل هذا تحريف؛ لأن الملك والتصرف، كل شيء في ملكه وتصرفه، الأرض والسماء يوم القيامة وقبلَ يوم القيامة، لكن القَبْضَة بمعنى المقبوضة التي تكون في اليد تُحيطُ بها اليد هذه هي القبضة، فيقال مثلًا: قبضة مِنْ طعام، ما معنى قبضة من طعام؟ يعني أن الإنسان يقبض الطعام بيده هكذا، فالأرض يوم القيامة قبضة الله عز وجل، وقد جاء ذلك مبينًا في حديث عبد الله بن مسعود في قصة النبي ﷺ مع حَبْرٍ من أحبار اليهود: «أَنَّ الله يجعل الأرض على إصبع والشجر على إصبع والجبال على إصبع »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٨١١)، ومسلم (٢٧٨٦ / ١٩) من حديث عبد الله بن مسعود.]] إلى آخره، فالصواب المتعيِّن أن يُقال: المراد بالقبضة أنها في قبضة يده عز وجل. فإن قال قائل: وهل يجوز لنا أن نُمَثِّل هذه القبضة، بحيث نأخذ تَمْرَةً أو تفاحة ونضعها في أيدينا، ونقول: ﴿قَبْضَتُهُ﴾، ثم نقبض على التفاحة أو التمرة؟ الجواب: لا؛ لأننا لو فعلنا ذلك لكان هذا تمثيلًا لقبضة الله سبحانه وتعالى للأرض، وهذا لا يجوز. أما أن نبين معنى القبضة فلا بأس، بأن نقول: القبضة هي وضع الشيء في اليد ثم قبضه بها، لكن نُكَيِّف كيف قبض الله عز وجل على الأرض هذا خلاف معتقد أهل السنة والجماعة، كما هو معروف للجميع. وقوله: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ هذه ظرف للقبضة؛ أي: أنها تكون قبضة له يوم القيامة، ويوم القيامة هو اليوم الذي يُبْعَث فيه الناس من قبورهم لله عز وجل، وسُمِّيَ بهذا الاسم لوجوه ثلاثة. عُدَّها لنا. ذكرناها قريبًا. * طالب: قيام الناس لرب العالمين. * الشيخ: لقيام الناس من قبورهم لرب العالمين. * الطالب: إقامة العدل يوم القيامة. * الشيخ: إقامة العدل يوم القيامة. * طالب: (...). * الشيخ: أيش ؟ لا. * الطالب: قيام الروح الملائكة. * الشيخ: لا. * الطالب: يقوم الأشهاد. * الشيخ: يوم يقوم الأشهاد. ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ﴾ قال المؤلف: (مجموعات ﴿بِيَمِينِهِ﴾ بقدرته) السموات مطويات، الطي معروف؛ عَطْفُ الثوب بعضه على بعض يُسَمَّى طَيًّا، ومنه: طَيُّ الورقة: إذا فرغ الكاتب منها طواها؛ يعني عطف بعضها على بعض، وقد شَبَّه الله عز وجل طيه للسماوات بطي السجل للكتب فقال جل وعلا: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء ١٠٤]، فتبارك الله رب العالمين، هذه السماء العظيمة الواسعة الأرجاء التي ورد أنَّ سُمْكَها خمس مئة عام، يطوي الله عز وجل هذه السماوات كما يطوي السجل للكتب، أو كما يُطوَى السجل الكتب ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء ١٠٤] يعني: كما يَطْوِي السجل وهو كاتب القاضي، أو كما يُطْوَى السجلُ الذي تكتب فيه القضايا، والطي معروف، قلنا: إنه عَطْفُ الثوب بعضه على بعض أو الورق أو ما أشبه ذلك. يقول: ﴿السَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ﴾ وحَذَف الفاعل أو أتى بصيغة اسم المفعول للعلم بالطاوي، من هو الطاوي؟ الله، كما تُفَسِّرُه الآية الأخرى ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾. قال المؤلف: (مجموعات) وهذا فيه نظر؛ لأننا نقول: هي مجموعة طيًّا، وإذا فسرناها بالمجموعات فإننا لم نُفَسِّر تفسيرًا دقيقًا، لأن الشيء قد يكون مجموعًا بلا طي، ولكن إذا كان مطويًّا فهذا معنى زائد على مجرد أيش؟ على مجرد الجمع، فالصواب أن يقال: ﴿مَطْوِيَّاتٌ﴾ أي: ملفوف بعضها إلى بعض. ﴿مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ قال: (بقدرته) وهذا تحريف على مذهب مَنْ لا يؤمنون بصفات الله سبحانه وتعالى الخَبَرِيَّة، والصواب أن المراد باليمين اليد اليمنى. أنه عطف أيش؟ الثوب بعضه على بعض أو الورق وما أشبه ذلك، يقول: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ﴾ [الزمر ٦٧] وحذف الفاعل، أو أتى بصيغة اسم المفعول للعلم بالطاوي، من هو الطاوي؟ الله كما تفسره الآيات الأخرى ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء ١٠٤]. قال المؤلف: (مجموعات)، وهذا فيه نظر؛ لأننا نقول: هي مجموعة طيًّا، وإذا فسرناها بالمجموعات فإننا لم نفسر تفسيرًا دقيقًا؛ لأن الشيء قد يكون مجموعًا بلا طي، ولكن إذا كان مطويًّا فهذا معنى زائد على مجرد أيش؟ على مجرد الجمع، فالصواب أن يقال: ﴿مَطْوِيَّاتٌ﴾ أي ملفوف بعضها إلى بعض. ﴿مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر ٦٧] قال: (بقدرته) وهذا تحريف على مذهب من لا يؤمنون بصفات الله سبحانه وتعالى الخبرية، والصواب أن المراد باليمين اليد اليمنى، يطويها جل وعلا بيده اليمنى. قال: ﴿مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر ٦٧] سبحان: اسم مصدر، وفعله سبح، والمصدر من سبح تسبيحًا، واسم المصدر سبحان، وهو منصوب على المفعولية المطلقة دائمًا، وملازم للإضافة غالبًا، وعلى هذا فلا يخطئ المرء في إعرابه، يعربه دائمًا على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف، والتقدير: يسبح تسبيحًا. ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر ٦٧] أي: تنزيهًا له، فما معنى التسبيح؟ إحنا الآن فسرنا الكلمة من حيث التصريف، لكن ما معنى التسبيح؟ قالوا: معنى التسبيح: التنزيه؛ لأنه من سبح يسبح إذا بعد في الماء، فالتنزيه: الإبعاد عن السوء، وعلى هذا فمعنى (سبحان الله) أي: تنزيهًا له، وعما يُنزَّه الله؟ ينزه عن شيئين: عن مماثلة المخلوق، وعن كل نقص وعيب في صفاته، فقدرته مثلًا منزهة عن العجز، وعلمه منزه عن الجهل والنسيان، وقوته منزهة عن الضعف، وهلم جرًّا، يده منزهة عن مماثلة المخلوقين، وجهه كذلك، فالتنزيه إذن تنزيه الله عز وجل يعود إلى شيئين: الأول: مماثلة المخلوق، والثاني: العيب والنقص. وقوله: ﴿تَعَالَى﴾ أي ترفع لعظمته عما يشركون به، أو عما يشركون معه، ولا شك أن هذا هو الواقع. نأخذ من الآيتين الكريمتين فوائد: * أولًا: وجوب إخلاص العبادة لله؛ لقوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ [الزمر ٦٦]. ويتفرع على هذه القاعدة أن الإنسان لو أشرك بالله لحبط عمله، لماذا؟ لأنه إذا أشرك بالله عمل عملًا ليس عليه أمر الله ورسوله، وقد قال النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٧) من حديث عائشة. ]]، وهذا بقطع النظر عن الآية السابقة ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر ٦٥] فهذا نص صريح، لكن إذا أردنا أن نأخذ من قوله: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ [الزمر ٦٦] نقول: * من فوائدها: أن من أشرك مع الله أحدًا فعمله حابط مردود، الدليل قوله ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٧) من حديث عائشة. ]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الشكر على كل أحد؛ لقوله: ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر ٦٦]، وإذا وجب الشكر حرم ضده، وهو الكفر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإخلاص لله تعالى من شكره؛ لأنه أعقب قوله: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ [الزمر ٦٦]، بقوله: ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر ٦٦]. أما الآية الثانية * فمن فوائدها: بيان عظمة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ﴾ ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر ٦٧]. * ومن فوائدها: أن من أشرك بالله فإنه لم يعظم الله حق تعظيمه، بل بالعكس؛ لقوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر ٦٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: حسن التعريف بالقرآن الكريم؛ لأنه لما نفى عنهم أنهم قدروا الله حق قدره، بيَّن وجه ذلك، أنه عز وجل أعظم من كل شيء ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر ٦٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب أن يعظم الله حق تعظيمه، ولكن قد يقول قائل: إن هذا فيه مشقة عظيمة؛ لأن الله تعالى أعظم وأجل من أن يحيط به عمل العبد، ولهذا لما نزل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران ١٠٢] صعب ذلك على الصحابة، من الذي يتقي الله حق تقاته؟ فيقال: إن هذه الآية الكريمة مقيدة بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦]، وإلا فمن الذي يحصي أن يعظم الله حق تعظيمه على الوجه الذي أراد الله عز وجل، ولكن نقول: إن تعظيم الله حق تعظيمه يكون بامتثال أمره، وهذا حاصل بقدر المستطاع؛ لقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، ولقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اليد لله؛ لقوله: ﴿قَبْضَتُهُ﴾ [الزمر ٦٧]، وقوله: ﴿بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر ٦٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأرض يوم القيامة يقبضها الله عز وجل بيده؛ لقوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ٦٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن السماوات تطوى يوم القيامة؛ لقوله: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر ٦٧]. * ومنها، من فوائدها: بيان قدرة الله عز وجل، حيث يطوي هذه السماوات على عظمها كطي السجل للكتب. * ومن فوائد الآية الكريمة: تنزيه الله عز وجل عن كل نقص وعيب؛ لقوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ [الزمر ٦٧]، وكذلك تنزيهه عن مماثلة المخلوقين؛ لأن مماثلة المخلوقين عيب، فإن تمثيل الكامل بالناقص يجعله ناقصًا، قال الشاعر: أَلَمْ تَرَ أَنَّ السَّيْفَ يَنْقُصُ قَدْرُهُ ∗∗∗ إِذَا قِيلَ: إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِنَالْعَصَا فكيف إذا قيل: إن السيف مثل العصا؟ فتمثيل الله عز وجل بالمخلوق تنقُّص له عز وجل، تنقص له لأن تمثل الكامل بالناقص يجعله ناقصًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علو الله؛ لقوله: ﴿تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر ٦٧]. وعلو الله سبحانه ينقسم إلى قسمين: علو ذات وعلو صفة، أما علو الصفة فلم يختلف فيه أحد من أهل القبلة، حتى أهل التعطيل يثبتون لله علو الصفة، لكن على اختلاف بينهم وبين أهل السنة في كون هذا الشيء علوًّا أو نزولًا؛ لأنهم يرون أن من علو الله في صفته نفي الصفات عنه، أما أهل السنة والجماعة فيرون أن من علوه إثبات جميع صفات الكمال له على حسب ما ورد في الكتاب والسنة، إذا اتفق أهل القبلة على إثبات أيش؟ علو الصفة، لكن اختلفوا كيف يكون علو الصفة؟ أما علو الذات فقد اختلفوا اختلافًا عظيمًا، حتى قال بعض من ينتسب للإسلام: إثبات علو الذات كفر، وقال أهل السنة والجماعة: إثبات علو الذات واجب، ولا بد أن نثبت لله علو الذات كما أثبتنا له علو الصفات. * ومن فوائد الآية الكريمة: التباين العظيم بين الرب الخالق العظيم وبين الأصنام المعبودة التي يشرك بها مع الله؛ لقوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر ٦٧] أي: تنزيهًا له وتعاظمًا ورفعة عما يشرك به هؤلاء، ولهذا جاء استفهام التوبيخ والاحتقار لهذه الأصنام في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨) أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم ١٨ - ٢٠]، يعني أخبروني ما الذي لهذه الأصنام بالنسبة لآيات الله العظيمة الكبرى التي رآها النبي ﷺ؟ أي بعد أن تقررت هذه الآيات الكبيرة أخبروني ما لهذه الأصنام؟ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم ١٩، ٢٠] ماذا تكون أمام هذه الآيات الكبيرة تكون أيش؟ لا شيء، ولهذا قال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر ٦٧] وقد بين الله تعالى في القرآن الكريم انحطاط رتبة هذه الأصنام أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧] ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [المائدة ٧٦] والآيات في هذا كثيرة تحط من قدر هذه الأصنام، وتبين أن الرب عز وجل منزه متعال عن هذه الأصنام، والله أعلم. * طالب: (...) قال مثلًا الله سميعًا بصيرًا.. * الشيخ: وضع أصبعه على العين والأذن. * طالب: (...). * الشيخ: الجمع بينهما أن ما جاءت به السنة نأخذ به، وما لا فالأصل المنع، وأنت إذا قلت مثلًا إذا أخذت الساعة هذه وقلت: قبضته، واضح أنك كيفت، لكن نقول: قبضته أن تكون هذه الأرض جميعًا في يد الله عز وجل، أما كيف الله أعلم. * طالب: (...). * الشيخ: نجيب بأن الرسول فعل هذا تحقيقًا لا تكييفًا، يحقق معنى السمع والبصر، أنه سمعٌ وبصرٌ حقيقي، على كل حال نقتصر في هذا على ما ورد مهما كان الأمر. * طالب: (...) يقول: إن لله صفة الطوي والقبض. * الشيخ: إي نعم، نقول: يطوي ويقبض، ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ [البقرة ٢٤٥] و﴿نَطْوِي السَّمَاءَ﴾ [الأنبياء ١٠٤]. * طالب: قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن نقول هكذا؟ * الشيخ: أيش بيقول؟ بين أصبعين، بين أصبعين، بين أصبعين، بين أصبعين، بين أصبعين، بين أصبعين، بين أصبعين، أين الأصابع؟ ما يستطيع، ثم إذا أشار هكذا قد يفهم الرائي أن أصابع الرحمن عز وجل مباشرة للقلب، وليس كذلك، هي القلب بين أصبعين من أصابع الرحمن، لكن ما نقول: إنها مباشرة، لا أنها مباشرة. فإذا قال قائل: كيف يعقل أن يكون القلب بين أصبعين من أصابع الرحمن بدون مباشرة؟ قلنا: استمع ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [البقرة ١٦٤] إلى قوله: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ١٦٤] سحاب مسخر بين السماء والأرض، وهل هو يباشر السماء والأرض؟ لا، فلا يلزم من البينية المباشرة، واضح؟ * طالب: (...) * الشيخ: لا أبدًا ما يجوز، إذا قال هكذا لزم من ذلك أنه جزم بأنه بين هذين الأصبعين. * طالب: (...) كلتا يدي الله عز وجل يمين (...)؟ * الشيخ: ما مرت علينا هذه؟ مرت علينا هذه، وقلنا: لله يد يمين ويد شمال، لكن الرسول قال: «كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ»[[أخرجه مسلم (١٨٢٧ / ١٨) من حديث عبد الله بن عمرو.]]، يعني: يمين من اليُمن، وهو البركة، ولدفع توهم أن تكون اليد الأخرى ناقصة؛ لأن اليد الشمال بالنسبة لنا ناقصة عن اليد اليمين، وقد ذكر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في آخر كتاب التوحيد قال: وفيه التصريح بالشمال لله عز وجل، انتهى. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (٧٠) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر ٦٨ - ٧٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ما معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر ٦٧]؟ * طالب: (...) من تعظيم. * الشيخ: بماذا؟ * الطالب: بأن جعل له أندادًا ولم (...). * الشيخ: الدليل على أن المعنى بالإشراك؟ اتل الآية. * الطالب: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر ٦٧]. * الشيخ: هذا الدليل، أن المعنى ﴿وَمَا قَدَرُوا﴾ حيث جعلوا معه شريكًا. * الشيخ: قوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ٦٧] الجملة هذه حالية؟ * طالب: (...). * الشيخ: يعني ﴿وَمَا قَدَرُوا﴾، والحال أن الأرض قبضته، أو ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر ٦٧]، ثم أخبر فقال: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. * الشيخ: ما معنى ﴿قَبْضَتُهُ﴾ على ما ذهب إليه المؤلف وعلى ما هو الراجح؟ * طالب: الراجح أنها في قبضة يمينه. * الشيخ: أيش معنى في قبضة يمينه؟ يعني يقبضها حقيقة بيده؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: والمؤلف؟ * الطالب: (...). * الشيخ: فقال. * الطالب: (...). * الشيخ: قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾. * الطالب: أي أن الله تعالى يطوي السماوات بيده اليمنى، يعني يجمع بعضها على بعض، يلف بعضها على بعض كطي السجل للكتب. * الشيخ: وما معنى ﴿بِيَمِينِهِ﴾؟ * الطالب: أي بيده اليمنى. * الشيخ: أي بيده اليمنى تمام، والمؤلف؟ * الطالب: المؤلف قال: إنها مطويات يعني مجموعات. * الشيخ: لا، دعنا من مجموعات أو ملفوفات، لكن بيمينه أيش قال؟ * الطالب: بقدرته. * الشيخ: بقدرته. التسبيح معناه؟ * طالب: (...) تنزيه (...) الله عز وجل. * الشيخ: وعما ينزَّه الله؟ * طالب: عن العيب والنقائص واتخاذ الشريك له. * طالب آخر: وعن المثيل. * الشيخ: عن كل عيب ونقص وعن مماثلة المخلوقين. ما هو الدليل على تنزه الله عز وجل عن النقص؟ * طالب: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١]. * الشيخ: عن النقص. * طالب: (...). * الشيخ: هذا دليل، دليل آخر؟ * الطالب: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨]. * الشيخ: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ أي: من تعب وإعياء، الدليل على تنزهه عن المماثلة؟ * الطالب: (...). * الشيخ: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١]؟

الزمر 39:68

ثم قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر ٦٨] نفخ، النفخ معروف، والنافخ إسرافيل، وأبهمه للتعظيم؛ لأن الإبهام يأتي للتعظيم كما في قوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه ٧٨] فإن هذا يدل على عظم ما غشيهم، النفخ لا شك أنه أمر عظيم، ولهذا لم يبين من النافخ، كل ما في القرآن من النفخ في الصور يأتي بصيغة اسم المفعول ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ﴾ [النمل ٨٧]. ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [الزمر ٦٨]. وقوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ الصيغة هنا صيغة ماض مع أنه مستقبل، لكن عبر عنه بالماضي لتحقق وقوعه كما في قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل ١] مع أنه لم يأت بعد. وقوله: ﴿فِي الصُّورِ﴾ الصور قرن عظيم، قيل: إن سعة دائرته كما بين السماء والأرض، وهذا الصور ينفخ فيه إسرافيل. يقول المؤلف: (النفخة الأولى) ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر ٦٨] قال المؤلف: (النفخة الأولى) وهذا بناء على أن النفخ في الصور يكون مرتين، وقيل: بل النفخ في الصور ثلاث مرات، وقد دل على هذا حديث الصور الذي ذكره ابن كثير رحمه الله بطوله في سورة الأنعام، وأن هذه الثلاث هي نفخة الفزع ونفخة الصعق ونفخة البعث؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النمل ٨٧] في سورة النمل، وهنا قال: ﴿فَصَعِقَ﴾ [الزمر ٦٨]. ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾ [الزمر ٦٨] وقيل: بل النفخ مرتان، وهو ما مشى عليه المؤلف رحمه الله، وأن نفخة الفزع هي نفخة الصعق، وأن الناس إذا سمعوه أول مرة فزعوا، ثم يطيل في النفخ فيصعقون، يموتون بعد الفزع، وعلى هذا فيكون النفخ مرتين: الأولى: فزع ثم صعق؛ لأنه يطيل النفخ ثم يصعق الناس، ولا شك أن شيئًا يصعق الناس منه لا بد أن يكون شيئًا عظيمًا مزعجًا مرعبًا، وهو كذلك. وقوله: ﴿فَصَعِقَ﴾ [الزمر ٦٨] قال: (مات ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨]) (مَن) اسم موصول تفيد العموم، وتُستعمل غالبًا في العاقل، وقد تُستعمَل في غيره تبعًا أو للشمول؛ مثالها تبعًا ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ [النور ٤٥] ومعلوم أن الذي يمشي على بطنه أو على أربع ليس من ذوي العقول، لكن أُتي بـ(من) تبعًا، وقد يكون للعموم كما في هذه الآية: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر ٦٨]، فكل من في السماوات والأرض من آدميين أو بهائم أو غيرها كلها تموت. يقول: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر ٦٨] ألا يصعق فإنه لا يصعق، وقد اختلف العلماء من هذا المستثنى، فذهب المؤلف وجماعة إلى أن المستثنى (الحور والولدان) وهم في الجنة، وقيل: الحور والولدان والملائكة، ولا يمنع منه كلام المؤلف؛ لقوله: (وغيرهما) وقيل: الله أعلم. نقول: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ كما أبهم الله عز وجل ولا نتعرض للتفصيل؛ لأنه ليس هناك دليل صحيح صريح في تعيين هؤلاء المستثنين. ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾ [الزمر ٦٨] والنافخ من؟ إسرافيل. وقوله: ﴿أُخْرَى﴾ مفعول مطلق، أي: نفخة أخرى، نعم ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾ أو نقول: إنها وصف لموصوف محذوف، والتقدير نفخة أخرى، كما في قوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة ١٣]. ( ﴿فَإِذَا هُمْ﴾ أي جميع الخلائق الموتى ﴿قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر ٦٨] ينتظرون ما يفعل بهم). قوله: ﴿فَإِذَا هُمْ﴾ الفاء حرف عطف، وإذا فجائية، والفجائية تدل على حصول ما بعدها مفاجأة، بمعنى أنه يأتي بسرعة، و﴿هُمْ قِيَامٌ﴾ [الزمر ٦٨] جملة اسمية كما هو ظاهر، والغرض منها الثبوت والاستمرار، وهي أبلغ من قوله لو قال: فقاموا؛ لأن قوله: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ﴾ تدل على أن هذا الوصف لهم كأنه أمر ثابت من قديم مستقر، مع أنهم لم يقوموا إلا في النفخة الواحدة الأخيرة. وقوله: ﴿يَنْظُرُونَ﴾ قال: (ينتظرون ماذا يُفعل بهم) ويحتمل أن يكون المعنى: ينظرون ما حدث، من النظر بالعين، وهذا الاحتمال لا ينافي ما ذكره المؤلف أو المفسر، فتكون الآية شاملة لهذا وهذا، أي: ينظرون بأعينهم ما حصل، وينتظرون ماذا يفعل بهم. * في هذه الآية الكريمة فوائد: * منها: إثبات النفخ في الصور، وأنه واقع لا محالة، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿وَنُفِخَ﴾ [الزمر ٦٨] حيث عبر عنه بالماضي. * ومنها: عظم هذا النفخ، ويؤخذ من إبهام الفاعل. * ومنها: أن هذا النفخ عظيم في تأثيره، حيث يفزع الناس منه ثم يصعقون، أي: يموتون. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضا: أن الصعق شامل لكل من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، وهم أقل ممن يصعق؛ لأن الغالب أن الاستثناء يكون أقل من المستثنى منه. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة لله عز وجل، وهي كثيرة في كتاب الله سبحانه وتعالى، ولم ينكرها أحد من الناس إلا فيما يتعلق بأفعال العباد، حيث أنكرها القدرية. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينفخ في الصور مرتين؛ لقوله: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾ [الزمر ٦٨]. * ومن فوائدها: أن النفخ في الآخرة أو الأخرى يكون بها البعث؛ لقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر ٦٨]. * ومن فوائد الآية: أن القيام من القبور يلي النفخ في الصور مباشرة، نأخذها من (إذا) الفجائية. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنهم -أي: الذين يقومون- يقومون وكأن لهم زمنًا طويلًا في القيام، بدليل أنه أتى في ذلك بالصيغة الاسمية. * ومن فوائدها: تمام قدرة الله جل وعلا، حيث إن الخلائق كلها تقوم مرة واحدة بهذه النفخة، وقد قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣، ١٤] أي: على سطح الأرض وظهر الأرض. فإذا قال قائل: ما علاقة نفخ في الصور بحياة الناس، وبعثهم من القبور؟ فالجواب أن هذا الصور مجتمع الأرواح، تجمع فيه أرواح الخلائق ثم إذا حصل نفخ تطايرت الأرواح ودخلت كل روح في جسدها الذي كانت تعمره في الدنيا، لا تخطئه أبدًا، على كثرة الخلق وتفرقهم، فإن أرواحهم لا تخطئ أجسامهم، كل روح تدخل في جسدها الذي كانت تعمره في الدنيا. ثم قال الله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر ٦٩] أشرقت، قال المؤلف: ( أضاءت)، ومنه أشرقت الشمس إذا انتشر ضوءها، وشرقت إذا برزت، يقال: شرقت الشمس إذا ظهرت على الأفق، وأشرقت إذا ارتفعت واستطال أو استطار ضوءها، ولهذا تُسمى الصلاة التي بعد ارتفاعها قِيد رمح تسمى صلاة الإشراق، لا صلاة الشروق، الشروق ظهور الشمس في الأفق، والإشراق ارتفاعها واتساع ضوئها. فهنا يقول: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر ٦٩] بنور الله الذي هو نوره، وليس بنور مخلوق، فإضافة النور إلى الرب عز وجل من باب إضافة الصفة إلى موصوفها، أي أن الله جل وعلا ينير الأرض بنوره. (﴿بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر ٦٩] حين يتجلى لفصل القضاء) حين يتجلى أي: يظهر لفصل القضاء، ويأتي عز وجل للقضاء بين العباد، وقد ورد أن الله سبحانه وتعالى ينزل ملائكة في السماء الدنيا حتى تحيط بالخلق، ثم تنزل ملائكة السماء الثانية حتى تحيط بأهل السماء الدنيا؛ لأن أهل السماء الثانية أكثر من أهل السماء الدنيا؛ إذ إن السماء الثانية أوسع من السماء الدنيا، فيكون سكانها أكثر، ثم ينزل أهل السماء الثالثة فيحيطون بمن قبلهم، وهم أكثر من أهل السماء الثانية وهلم جرًّا إلى السماء السابعة، قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر ٢٢] وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان ٢٥] نُزل أي: نزلوا شيئًا فشيئًا، أهل السماء الدنيا ثم الثانية ثم الثالثة إلى السابعة، وتشقق السماء بالغمام، قال أهل العلم: إن هذا الغمام هو الذي يأتي بين يدي إتيان الله عز وجل، غمام عظيم لا نعلم قدره ولا نعلم كيفيته. ولهذا قال: ﴿تَشَقَّقُ السَّمَاءُ﴾ [الفرقان ٢٥] ولم يقل: تنشق، بل تشقق، كأنه شيء ينبعث منها شيئًا فشيئًا، وسيكون هذا عظيمًا، وذلك بين يدي مجيء الرب جل وعلا، ثم ينزل سبحانه وتعالى للقضاء بين العباد، وحينئذ تشرق الأرض بنور ربها. ولا نستطيع الآن أن نتصور كيف هذا الإشراق، وكيف هذا النور، وكيف هذا الغمام، هو أمر لا تدركه عقولنا الآن. يقول: (﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ [الزمر ٦٩] كتاب الأعمال للحساب)، ﴿وَوُضِعَ﴾ أي وضع بين أيدي الناس، قال الله تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ [الإسراء ١٣] هذا الكتاب كُتب فيه أعمال العباد من خير أو شر، إلا ما انمحى بالمغفرة أو بالتوبة، فإنه لا يوجد في الكتاب، فالصغائر مثلًا تُكتب، فإذا صلى الإنسان فإن الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا، وربما يتوب الإنسان من سيئات (...) لا يوجد في الكتاب إلا ما واجه الإنسان به ربه، وكان ختم عليه في حياته. وقوله: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ [الزمر ٦٩] (أل) هنا هل هي للعموم أو للجنس؟ هل المعنى: وُوضع كل كتاب، أو الكتاب من حيث الجنس؟ الظاهر أنها للعموم أحسن، يعني: ووُضع كل كتاب فأخذه صاحبه، الكتاب هذا الذي تكتب فيه الأعمال يقال لصاحبه: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾ أنت بنفسك ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء ١٤]، وإذا قرأه فهل يمكن أن ينكر ما فيه؟ لا يمكن، لا بد أن يقر، إلا المشركين، فإنهم ينكرون ويقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣]؛ لأنهم إذا رأوا أن الموحدين المخلصين نجوا من العذاب، سولت لهم أنفسهم أن ينكروا الشرك، لعلهم ينجون من العذاب، ولكن هذا لا ينفعهم، إذا قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون، وحينئذٍ يود الذين كفروا لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثًا. قال: (﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ كتاب الأعمال للحساب)، وكيف يوزع الكتاب؟ يوزع على وجهين: الوجه الأول: أن يعطى باليمين، والثاني: أن يعطى بالشمال. فالمؤمن يعطى باليمين ويقول للناس: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة ١٩] انظروا اقرؤوا، يقول هذا ابتهاجًا بنعمة الله، وتحدثًا بنعمة الله، كما لو أُعطي الواحد منكم نتيجته وإذا فيها التقدير ممتاز مئة بالمئة، ماذا يفعل؟ كل واحد من الطلاب يوريها إياه: انظر، وإذا كان كل رقم عليه دائرة حمراء ماذا يقول؟ يمزقه، لكن في القيامة ما يمكن يمزقه، أما في الدنيا يمكن يمزقه أو يخفيه، على كل حال هذا أمر جبلي طبيعي أن الإنسان يفخر بنعمة الله عز وجل ويريها للناس ويقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة ١٩، ٢٠] الظن هنا بمعنى اليقين، يعني: أيقنت أني ملاق حسابي وأن الله سبحانه وتعالى سيحاسبني، ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ والعياذ بالله ﴿فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة ٢٥، ٢٦] كما يقول القائل للزائر الثقيل أيش؟ ليته لم يأتِ، ليتني ما رأيت وجهه، الكتاب الذي يكون بالشمال والعياذ بالله يعرف صاحبه ما فيه، يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة ٢٥، ٢٦]. في القرآن الكريم ذكر الله سبحانه وتعالى أن من لم يؤتَ كتابه بيمينه يأخذه بشماله، وفي آية أخرى من وراء ظهره، فهل هما صفتان أو صفة واحدة؟ قال بعض العلماء: إنهما صفتان، وقال بعض العلماء: إنهما صفة واحدة، يعني أنه يعطى الكتاب بالشمال، من وراء الظهر، ما هو من الأمام، يعطاه من وجهه، بل من وراء ظهره، فيكون في هذا تنبيه له وتذكير له بما فعل بكتاب الله في الدنيا. أين وضعه؟ * طالب: (...). * الشيخ: ويش ما هو؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، ما هذا، قلنا: يكون تذكيرًا له بحاله في الدنيا أنه نبذ كتاب الله وراء ظهره ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران ١٨٧]، كأنه يقال له: جزاؤك من جنس عملك. وقيل: بل إن من الناس من يأخذه بشماله من قبل الشمال، ومن الناس من يأخذه من وراء ظهره، فتكون صفتين، والله أعلم.

الزمر 39:69

يقول: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [الزمر ٦٩] جيء بالنبيين، من جاء بهم؟ الله عز وجل؛ لأن الملك في ذلك الوقت لله، له التصرف، فيؤتى بالنبيين، و(النبيين) هنا يشمل النبيين الذين أرسلوا والنبيين الذين لم يرسلوا، فهو عام، ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾ الشهداء جمع شهيد، وهل المراد بالشهداء الذين قتلوا في سبيل الله؟ أو المراد بالشهداء الذين يستشهدون يوم القيامة؟ الثاني هو المراد، فمن الشهداء؟ قال المؤلف رحمه الله: (أي: بمحمد ﷺ وأمته يشهدون للرسل بالبلاغ). أما قوله: (أي: بمحمد) فظاهره أنه يريد أن يفسر النبيين بمحمد، فيكون على تفسيره عامًّا أريد به الخاص، وهذا غير مسلم، بل الصواب أنه عام باقٍ على عمومه، أي: يُؤتَى بالنبيين كلهم يشهدون على أممهم بأنهم بلغوهم. أما قوله: الشهداء فهو من باب عطف العام على الخاص، والمراد بهم الذين يشهدون على الأمم وللرسل، وهم هذه الأمة، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة ١٤٣] محمد ﷺ شهيدًا عليكم، فالرسل شهداء على أممهم، يقولون: يا ربنا نشهد أنك أرسلتنا إلى أقوامنا وأننا بلغناهم، ولا يمكن أن يقول أحد في ذلك اليوم: هذه دعوى، فأين البينة؟ يعني لو قال مثل هذا القول من يشهد؟ أعضاؤك تشهد، والله يشهد قبل كل شيء، أما الشهداء فنعم، نقول: هم أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ لقوله ﴿كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة ١٤٣]، وهذه الأمة ولله الحمد تشهد على الناس في الدنيا وفي الآخرة، نحن الآن نشهد أن الله أرسل نوحًا إلى قومه، ونشهد أن قومه أبلغوا على الوجه الأكمل، ونشهد أنه بقي فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، كل هذا نشهد به بما علمنا الله عز وجل في كتابه، فيوم القيامة تكون الشهادة لنا على الأمم. وقول المؤلف رحمه الله: (يشهدون للرسل بالبلاغ)، لو قال: وعلى الأمم بإقامة الحجة، لكان هذا خيرًا، كذلك أيضًا نحن نشهد على أمم بأنهم بلغوا، وأُقيمت عليهم الحجة، فلنا شهادتان: شهادة للرسل وشهادة على الأمم. قال: (﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر ٦٩] أي العدل) قضي بينهم، من القاضي؟ الله عز وجل، لكن أبهمه للتعظيم، وهو معلوم، يعني ليس هناك ضرورة إلى التعيين؛ لأنه معلوم أن القاضي هو الله رب العالمين. ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أي بين الناس (﴿بِالْحَقِّ﴾ أي العدل ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر ٦٩] شيئًا) يُقضَى بين الناس يوم القيامة بالعدل، بل ليس القضاء بين الناس بالعدل، بل بين البهائم بالعدل، حتى إن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أخبر «بأنه يقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء»[[أخرجه مسلم (٢٥٨٢/ ٢٠) من حديث أبي هريرة.]] سبحان الله! ثم بعد ذلك تكون ترابًا؛ لأنها ليس لها جنة ولا نار، لكن إظهارًا للعدل، وشفاء لما في الصدور؛ لأن الشاة الجلحاء إذا نطحتها الشاة القرناء صار في قلبها شيء، لكنها لا تستطيع أن تقتص؛ لأن هذه لها قرون وهذه ليس لها قرون، لكن يوم القيامة يعطي الله سبحانه وتعالى الشاة الجلحاء قدرة حتى تقتص، أو يُريها الله عز وجل كيف يقتص لها من الشاة القرناء، ولهذا قضي بينهم بالحق، يقول المؤلف: (أي: العدل)، لماذا فسر الحق هنا بالعدل، ولم يفسره بالصدق؟ لأن المقام مقام حكم وقضاء، والمناسب فيه العدل، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر ٦٩]، (هم) الضمير يعود على الناس، لا يظلمون شيئًا أي: لا ينقصون من حقوقهم شيئًا، بل يُعطَى كل إنسان حقه على وجه الكمال. والله أعلم. نأخذ الفوائد: قال الله عز وجل: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ [الزمر ٦٩] في هذا، فوائدها: * منها: إثبات النور صفة لله؛ لقوله: ﴿بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر ٦٩]. * ومنها، فوائد الآية: إثبات الربوبية الخاصة لله في ذلك اليوم، حيث أضاف الربوبية إلى الأرض، مع أنه رب كل شيء. وإضافة ربوبية الله تعالى إلى شيء معين تقتضي تعظيم هذا الشيء ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ [النمل ٩١]، لما كان قوله: ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ قد يوهم أنه رب لهذه البلدة دون غيرها، قال: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الكتاب الذي كُتبت فيه الأعمال؛ لقوله: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ [الزمر ٦٩]. * ومن فوائدها: إثبات الشهداء على الناس بما عملوا؛ لقوله: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [الزمر ٦٩]. * ومن فوائدها: أنه يقضى بين الأنبياء وبين من كذبوهم؛ لقوله: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر ٦٩]. * ومن فوائدها: أنه يُقضَى بين العالم وأمته؛ لقوله: ﴿بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾، والعلماء شهداء لا شك، بل هم رؤوس الشهداء بعد الأنبياء ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ فالعالم مبلغ عن الرسل، فيقضى بينه وبين من بلغته الرسالة بواسطته. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات القضاء بين الخلق في ذلك اليوم؛ لقوله: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن القضاء لا حيف فيه ولا جور؛ لقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ فيعطى الإنسان حقه كاملًا. * ومن فوائدها أيضًا: انتفاء الظلم في ذلك اليوم؛ لقوله: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر ٦٩]، وانتفاء الظلم هنا ليس المراد به نفي الظلم فقط، بل المراد به إثبات كمال العدل الذي ليس فيه ظلم بوجه من الوجوه؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر ٦٩]. * طالب: (...). * الشيخ: سمعتم السؤال؟ يقول: لماذا قلنا: ننزه الله عن كل نقص وعن المماثلة، أليست المماثلة نقصًا؟ بلى نقص، وأشرنا إلى هذا، لكنك أحيانًا تسهو. * طالب: ألا يكون (...) الكفار أن يأخذوا كتابهم بيسراهم من وراء ظهورهم. * الشيخ: لا، جواب السؤال، نقول: إن النقص شيء والمماثلة شيء آخر، مثلًا لله قدرة، نقول: ليست كقدرة المخلوق، لكن هل يمكن أن يلحقها النقص؟ إذن لا بد أن نقول: عن كل نقص، ما يكفي نفي المماثلة، نعم ربما يكفي (عن كل نقص) عن نفي المماثلة؛ لأن المماثلة نقص، ولكن نقول: إذا كان الله قد نص على ذلك فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١] فينبغي أن ننبه عليه. * طالب: ألا يكون وجيهًا أن يكون اتصاف الكفار المعرضين عن كتاب الله تبارك وتعالى وآياته أن يأخذوا كتابهم بيسراهم من وراء ظهورهم ولا يستووا مع المؤمنين العصاة الذين يأخذنا كتابهم بيسراهم (...)؟ * الشيخ: بس من يقول هذا؟ يعني من يقول: إن عصاة المؤمنين يأخذون كتبهم بشمالهم؟ * طالب: قول الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٩] ما تأتي من هذا (...). * الشيخ: لا، ما تأتي من هذا، نعم لو ثبت أن عصاة المؤمنين يأخذون بالشمال، لكان لا بأس، لكن الآية تدل: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ [الحاقة ٢٥ - ٣٣] وهذا كافر. * طالب: ذكرتم أن الأرواح تكون داخل الصور في النفخة الأخرى، ولذلك بعد النفخ تُبعث الأجساد وتبعث كل روح في الجسد، وهذا لا شك من الأمور الغيبية، فما حجتهم على هذا؟ * الشيخ: هذا حديث الصور الطويل، وهذا حديث فيه أشياء منكرة، لكن فيه أشياء تشهد لها النصوص الأخرى الصحيحة، وفيه أشياء ليست منكرة، وليس فيها ما يشهد لها الأحاديث الصحيحة، لكن العلماء تلقوه بالقبول. * طالب: إحنا قلنا: إذا الفجائية (...) تعقب (...) حديث أبي هريرة يا شيخ يقول: إن بينهما أربعين، كيف نجمع بين أنها مباشرة وأنها..؟ * الشيخ: أتدري ما تقول الآن؟ عِ ما تقول لأجل أن نجيب، ذكرنا أن قوله: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر ٦٨] للمفاجأة، والمفاجأة تدل على وقوع الشيء مباشرة، فأنت الآن أوردت علينا حديث أبي هريرة، حديث أبي هريرة: «بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨١٤)، ومسلم (٢٩٥٥ / ١٤١) من حديث أبي هريرة. ]]، لكن الآية في النفخة الثانية، أيش؟ واضح؟ * طالب: بارك الله فيكم، ذكرت (...) أن النفخ في الصور مرتين (...) ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ﴾ إلى آخر الآيات [الزمر: ٦٨] فهل يعني (...)؟ * الشيخ: ويش تقول في هذا السؤال؟ * طالب: (...). * الشيخ: بيَّنا هذا، هو لو جاء ذكر النفخ في الصور بصعق فإذا هم قيام، لكن جاء بثلاثة تعبيرات ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ﴾ [النمل ٨٧] ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ﴾ [الزمر ٦٨]، فقيل: إن الفزع نفخة أولى، ثم الصعق الثانية، ثم البعث الثالثة. وقيل: إن الفزع والصعق نفخة واحدة، ينفخ فيه فيفزع الناس: ما الذي حصل؟ ما الذي حصل؟ ثم يطول النفخ فيصعق الناس، وعلى هذا تكون النفخة واحدة، لكنها تمتد، أولها فزع وآخرها صعق، عرفت؟ وعلى هذا فقول المؤلف: (النفخة الأولى) لأنه يرى أن نفخة الفزع هي نفخة الصعق.* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم. * الشيخ: ما فيه بسملة، ما كملنا السورة. * الطالب: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (٧٠) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر ٦٩ - ٧٣]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر ٦٨]، أخذنا مناقشة فيها؟ طيب من هو النافخ في السور؟ * طالب: إسرافيل عليه السلام. * الشيخ: نعم، ولماذا عبر بالماضي وهو لم يأتِ بعد؟ * طالب: لتحقق (...). * الشيخ: لتحقق وقوعه، هل لك أن تأتي بمثال؟ * الطالب: قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل ١]. * الشيخ: مثل قوله الله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ مع أنه لم يأتِ بعد. * الشيخ: ما هو الصور؟ * طالب: الصور هو (...). * الشيخ: بيت يعني حجرة. * الطالب: لا (...) البوق. * الشيخ: قرن عظيم يشبه البوق من بعض الوجوه، لكنه دائرته كما بين السماء والأرض. قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ﴾ [الزمر ٦٨] أي نفخة هذه؟ * طالب: نفخة الفزع. * الشيخ: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ﴾. * الطالب: نفخة الصور. * الشيخ: أي نفخة الصور، لكن أي نفخة؟ الثالثة أو الرابعة؟ * الطالب: الأولى. * الشيخ: الأولى. * الطالب: بدليل قوله: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾ [الزمر ٦٨]. * الشيخ: بدليل قوله: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾. هل هناك خلاف؟ * طالب: فيه خلاف، قالوا: ﴿يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل ٨٧]. * الشيخ: أيش؟ ما هو الخلاف؟ * الطالب: قالوا: إن فيه نفخة ثالثة. * الشيخ: فيه نفخة ثالثة وهي؟ * الطالب: نفخة الفزع. * الشيخ: الفزع. * الطالب: ونفخة الصعق. * الشيخ: ونفخة الصعق. * الطالب: ونفخة البعث. * الشيخ: البعث. وما هو الراجح: ثنتان أو ثلاثة؟ * الطالب: ثنتان. * الشيخ: كيف تجيب عن قوله: ﴿فَفَزِعَ﴾ [النمل ٨٧]؟ * الطالب: تشمل الصعق والفزع، أولًا يكون الفزع ثم تستمر حتى يصعق (...). * الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك. قوله الله تبارك وتعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر ٦٨] ﴿فَإِذَا﴾ ما معناها؟ * الطالب: إذا الفجائية. * الشيخ: الفجائية، أيش معنى الفجائية؟ * الطالب: تشديد الهول؛ لأنهم في غفلة عن هذا الأمر.. * الشيخ: لا، ما هم في غفلة؛ لأنهم أموات. * طالب: أي أن القيام حصل.. * الشيخ: فجائية؛ لأن ما بعدها يأتي مفاجأة؟ * الطالب: لما قبلها. * الشيخ: لما قبلها، نعم. * الشيخ: قوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر ٦٩] ما معنى أشرقت؟ * طالب: أشرقت أي: أضاءت. * الشيخ: أي: أضاءت. ﴿بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر ٦٩] هل هو نور المخلوق أو نور الله؟ * الطالب: نور الله (...). * الشيخ: نعم، لو قال لك: إنه نور مخلوق، فأضافه الله إلى نفسه إضافة مخلوق إلى خالقه؛ كقوله: ناقة الله وبيت الله؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لكن لو قال لك هكذا؟ لو قال إنسان: إضافة مخلوق إلى خالقه، مثل: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ﴾ [الشمس ١٣] هو ما له ناقة؟ * الطالب: (...) غير مخلوق. * الشيخ: لكن لو ادعى واحد، لو ادعى إنسان أن نور مخلوق يخلقه الله عز وجل في الجو؟ * طالب: إن ثبت هذا باللفظ الصحيح فلا مانع. * الشيخ: ما أجبت. * طالب: الشيء الذي (...). * الشيخ: لكن لو قال لك قائل: هذه الآية إضافة مخلوق إلى خالقه، ما هو الجواب؟ * طالب: أنه ثبت أن لله ملكًا. * طالب آخر: (...). * الشيخ: لا. * طالب: أن (...). * الشيخ: خلاص (...). * طالب: (...) الأصل أن يكون إضافة صفة إلى موصوف إذا كان.. * طالب آخر: (...). * الشيخ: لأنه خلاف الظاهر يا إخواني ﴿بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر ٦٩]، إذا قال قائل: نور خلقه الله، قلنا: هذا خلاف الظاهر الله، يقول: ﴿بِنُورِ رَبِّهَا﴾، والله له نور ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور ٣٥]، كل إنسان يحرف الكلم عن ظاهره نجيبه بهذا، نقول: هذا غير مقبول؛ لأنه خلاف ظاهر اللفظ، فإن أتيت بدليل يخرجه عن ظاهره فعلى العين والرأس، وإن لم تأتِ بدليل صحيح يخرجه عن ظاهره فعلى العين والرأس، وإلا فقولك مردود، أعرفتم يا جماعة؟ * الشيخ: قوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ [الزمر ٦٩] ما المراد بالكتاب؟ * طالب: (...). * الشيخ: كتاب أعمال التي يعملونها، صح؟ ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [الزمر ٦٩] من الشهداء؟ * طالب: الشهداء، النبي ﷺ يشهد على الأمم. * الشيخ: السابقة. * الطالب: السابقة (...). * طالب آخر: (...). * الشيخ: أنه أعم من أمة محمد، طيب الأنبياء والعلماء وغيرهم، ما هو الدليل على أن هذه الأمة شهداء؟ طالب: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ﴾ [البقرة ١٤٣] * الشيخ: قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة ١٤٣] نعم. قوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر ٦٩] ما معنى قضي بينهم بالحق؟ * طالب: يعني فصل بينهم بالعدل. * الشيخ: حكم بينهم بالعدل، أحسنت. ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر ٦٩]؟ * الطالب: أي: وهم لا يظلمون شيئًا. * الشيخ: محل الجملة من الإعراب؟ * الطالب: حالية. * الشيخ: حالية، يعني والحال أنهم لا يظلمون شيئًا. * * * ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ [الزمر ٧٠] وفيت: أي أعطيت وفاء، كما تقول: وفيته حقه، أي: أعطيته إياه وفاءً. ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ [الزمر ٧٠] ﴿كُلُّ﴾ بالضم على أنها نائب فاعل. ﴿كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ [الزمر ٧٠] أي: الذي عملت، فـ (ما) هنا اسم موصول، وهو مفعول ثان لوفيت، والمفعول الأول هو (كل)، وإن كانت بالضم، لكن نائب الفاعل ينوب مناب المفعول، فلهذا صارت (كل) في محل المفعول الأول و(ما عملت) في محل المفعول الثاني. قال المفسر: (أي جزاءه) حمله على هذا التأويل أن العمل قد مضى في الدنيا، والذي توفى النفس هو الجزاء؛ كما قال الله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة ٢٤]. فإذا قال قائل: الأمر واضح كما قال المفسر، لكن الحكمة في أن الله عز وجل عبر بالعمل عن جزاء العمل؟ الحكمة في ذلك إشارة إلى أن الجزاء لا يتجاوز العمل، ولا ينقص عن العمل، فكأنه هو العمل، إذا كان لا يتجاوزه ولا ينقص عنه، فكأنه هو العمل، وهذا هو كمال العدل، وكما تدين تدان. ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [الزمر ٧٠] (هو) الضمير يعود على الله عز وجل، يعني كأن قائلًا يقول: كيف يعلم ما عملت النفس وقد مضت دهور ودهور؟ وفي العمل الدقيق والجليل؟ فقال: ﴿وَهُوَ﴾ [الزمر ٧٠] أي الله ﴿أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [الزمر ٧٠] يعني: لا يخفى عليه شيء، وهو سبحانه وتعالى لا يضل ولا ينسى، فلا يمكن أن يفوت شيء من عمل الإنسان. وقول المفسر: (أي عالم ﴿بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ ) تفسيره (أعلم) بـ(عالم) يعتبر تفسيرًا قاصرًا؛ لأن (أعلم) أعلى درجة من (عالم)، فإنك تقول: زيد عالم وعمرو عالم، فيتساويان في العلم، وتقول: زيد أعلم من عمرو، فيكون زيد أعلم وأعلى درجة من عمرو، المؤلف الآن إذا قال: (﴿أَعْلَمُ﴾ أي عالم) نقص من علم الله؛ لأن كلمة عالم لا تمنع المشاركة، لكن أعلم تمنع المشاركة؛ لأنه لا يستوي الأفضل والمفضول. والعجب أننا لو سألنا سائل: لماذا عدل المؤلف عن اسم التفضيل إلى اسم الفاعل؟ قال: لأنه لا ينبغي أن يكون هناك تناسب أو مفاضلة بين الخالق والمخلوق، إذا قلت: أعلم، معناها أنك فضلت الخالق على المخلوق، فنقول له: سبحان الله، وإذا قلت: عالم فقد سويت الخالق بالمخلوق، فانظر كيف عدل عن ظاهر اللفظ إلى فساد المعنى، فجنى جنايتين، عفا الله عنه، الأولى: مخالفة ظاهر اللفظ، الثاني: تنقيص الخالق في علمه، فنحن نقول: إن الله أعلم وأرحم، في القرآن الكريم: ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأعراف ١٥١] وأحكم ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين ٨]، بل أبلغ من ذلك أن الله قال: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل ٥٩] مع العلم بأنه لا أحد يظن أو يقدر أن الأصنام مثل الخالق، لكن قال هذا من أجل إفحام الخصم، وبيان ضلاله، أن نقول له: آلله خير أم الذي تشرك به؟ فالحاصل أن الواجب علينا أن نجري ﴿أَعْلَمُ﴾ على أيش؟ على ظاهرها من أن المراد بها تفضيل الله في علمه على عباده، فهو أعلم بما يفعلون. فإن قال قائل: إن المؤلف عدل عن (أعلم) إلى (عالم)؛ لأن الناس لا يعلمون ما يفعلون، فالعلم منتفٍ، وحينئذ لا يكون تفسيره (أعلم) بـ(عالم) لا يكون ضارًّا، قلنا: هذا خطأ أيضًا، بل العالم يعلمون ما يفعلون، كل إنسان يعلم ما فعل، وكل من شاهد غيره أنه يفعل علم ما فعل. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [الزمر ٧٠] تارة تأتي يفعلون، وتارة تأتي يعملون، وتارة تأتي يكسبون، فهل بينها فرق؟ نقول: لا، ليس بينها فرق؛ لأن مؤداها واحد، لكن إذا قيل: قول وفعل، صار القول باللسان والفعل بالجوارح، وإذا قيل: عمل صار شاملًا للقول والفعل، وإذا قيل: قول فإنه يكون شاملًا للقول والفعل، ومنه -أي من إطلاق القول على الفعل- قول الرسول عليه الصلاة والسلام لعمار بن ياسر: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ هَكَذَا» ثم ضرب يده بالأرض»[[أخرجه مسلم (٣٦٨ / ١١٠) من حديث عبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر.]]، ومعلوم أن هذا ليس قولًا بل هو فعل. ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [الزمر ٧٠] قال: (فلا يحتاج إلى شاهد) نعم لا يحتاج إلى شاهد، كفى بالله شهيدًا، لكنه سبحانه وتعالى يقيم الشهود إظهارًا للعدل وتوبيخًا للفاعل، أعرفتم؟ لأنه إذا أقيم عليه الشهود بعد أن أنكر صار ذلك أشد توبيخًا. ثم قال: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر ٧١]. نعم الفوائد.

الزمر 39:70

قال الله تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ إلى آخره [الزمر: ٧٠]. * من فوائد هذه الآية: أن الناس يستوفون أعمالهم يوم القيامة؛ لقوله: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ [الزمر ٧٠] بعد أن قال: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ إلى آخره [الزمر: ٦٩]. ويدل لهذا -أن استيفاء العمل يكون يوم القيامة- قوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران ١٨٥]، أما في الدنيا فإن الإنسان قد يوفى عمله وقد لا يوفاه، فالكافر مثلًا لا يمكن أن يوفى جزاء عمله في الآخرة، وأريد جزاء عمله الصالح، يعني لو أن الكافر تصدق أو أصلح شيئًا ينفع المسلمين، أو فعل أي شيء يتعدى نفعه، فإنه لن يُجازَى عليه في الآخرة، ولكن يطعم به في الدنيا، يجازى عليه في الدنيا، ثم قد يجازى وقد لا يجازى، قد يجازى عليه في الدنيا ويطعم إياه، وقد لا يجازى، أما المؤمن فإنه وإن جُوزي في الدنيا على عمله الصالح فإنه لن يُحرَم الجزاء في الآخرة، قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل ٩٧]، هذا جزاء دنيوي ولَّا أخروي؟ دنيوي، ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل ٩٧] هذا أخروي، المهم أن منتهى الجزاء هو يوم القيامة ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ [الزمر ٧٠]. * ومن فوائد هذه الآية: العدل، عدل الله تعالى في جزائه لقوله: ﴿مَا عَمِلَتْ﴾ [الزمر ٧٠] لا زيادة ولا نقص. ويؤكد ذلك قوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [الزمر ٧٠] فإذا كان أعلم بما يفعلون، وهو حكم عدل، علم أنه لن ينقص الإنسان من أجره شيئًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العلم لله؛ لقوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ﴾ [الزمر ٧٠]. * ومن فوائدها: أن الله يعلم أعمال العباد كما يعلم أعمال نفسه؛ لقوله: ﴿أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [الزمر ٧٠]. * ومن فوائدها: احتراز الإنسان من العمل بما لا يرضي الله، وأنه يجب عليه أن يحذر منه، لماذا؟ لأن الله يعلم ذلك، والإنسان الحي القلب لا شك أنه سيخجل إذا علم أن الله يعلم عمله فعمل ما لا يرضيه. ثم قال الله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر ٧١] (سيق) فعل ماضٍ مبني للمجهول أو لا؟ هل الأولى أن نقول: مبني للمجهول أو مبني لما لم يسمَّ فاعله، نعم؟ قالوا: إنه الثاني؛ لأنه قد يكون الفاعل معلومًا لكن حُذف لغرض آخر، ولهذا كان تعبير المحققين من النحويين أن يقولوا: ما لم يسمَّ فاعله. وفي هذا الفعل يقول: مبني لما لم يُسَمَّ فاعله، إذن من السائق؟ الظاهر أن السائق الملائكة، يسوقونهم إهانة. وقول المفسر: (بعنف) دليله قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور ١٣] معنى الدع الدفع بشدة وقوة، فهذا كيفية سوق الذين كفروا. وقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الزمر ٧١] حذف المفعول ليعم كل ما يكفر به مما يجب الإيمان به، فإذا كفروا بالملائكة فهم داخلون في هذا؛ بالنبيين، بالكتاب، باليوم الآخر، بالقدر، فهم داخلون في هذه الآية، وكذلك إذا استكبروا عما يجب عليهم الإذعان به فإنهم يكفرون؛ لأن الكفر نوعان: كفر جحود وكفر استكبار، فالتكذيب كفر جحود، وترك العمل كفر استكبار، والآية تشمل هذا وهذا. (﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بعنف ﴿إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر ٧١]) جهنم سبق الكلام عليها، وأن العلماء اختلفوا فيها هل هي معربة أو عربية أصلية؟ وقوله: ﴿زُمَرًا﴾ قال: (جماعات متفرقة) وما وجه التفريق في هذه الجماعات؟ هل هي باعتبار الأمم أو باعتبار الأعمال، بحيث تكون الزمرة الأولى هي الكافرة المشركة، والثانية ما دونها، والثالثة فما دونها، وهكذا؟ فيه احتمال، فإن قلنا بالأول، أي أن هذه الزمر باعتبار الأمم، فإن دليله قوله تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ﴾ [الأعراف ٣٨] فإن هذا يدل على أنهم يُذهَب بهم إلى النار أممًا، وإن قلنا بالثاني فدليله ما يُصنع بأهل الجنة أن أول زمرة تدخل الجنة وجوههم كالقمر ليلة البدر، أو على صورة القمر ليلة البدر، فإن هذا يقتضي أن يكون الزمر باعتبار العمل، فالله أعلم، المهم أن نعرف أنهم يُساقون زمرًا. يقول: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر ٧١] جواب ﴿إِذَا﴾، وأين شرطها؟ شرطها ﴿جَاءُوهَا﴾، وجوابها ﴿فُتِحَتْ﴾، يعني من حين أن يصلوا إليها تفتح، وفتحها أكره شيء إليهم، نسأل الله العافية؛ لأنهم يودون أن يقفوا ولو على شفيرها دون أن يدخلوا فيها، ولكنهم يفاجؤون بفتحها من أجل مبادرتهم بالعذاب والعياذ بالله. ﴿فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر ٧١]، وقوله: ﴿أَبْوَابُهَا﴾ جمع باب، وقد بيَّن الله تعالى في كتابه أن أبوابها سبعة، فقال: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر ٤٣، ٤٤] حسب عمله. ﴿فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ [الزمر ٧١] خزنتها أي: القائمون عليها، الموكلون بها، وهم ملائكة غلاظ شداد، غلاظ الطباع، شداد الأجسا،م هؤلاء هم خزنة النار، فيهم رحمة ولَّا ما فيهم رحمة؟ ما فيهم رحمة إلا امتثال أمر الله عز وجل، والله سبحانه وتعالى في يوم القيامة لا يرحم الكافر، بل يقول جل وعلا: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨] فهم أبعد الناس عن رحمة الله، ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ [الزمر ٧١] موبخين ومقررين: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الزمر ٧١]، والاستفهام هنا لأيش؟ * طلبة: للتقرير. * الشيخ: أنا قلت لكم الآن: موبخين ومقررين، للتوبيخ والتقرير، يعني يقررون إتيان الرسل، ويوبخون هؤلاء على الكفر بهم، ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الزمر ٧١] يعني لا من غيركم، لو أرسل الله إلى البشر ملائكة لكانوا ينفرون ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾ [الإسراء ٩٥] لما قالوا: أين الملائكة؟ قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء ٩٥] لكن ليس من الحكمة أن ينزل للبشر ملك، ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا﴾ [الأنعام ٩]، لو أنزل الله ملك، لو فرض أن الله يرسل للبشر ملكًا ﴿لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام ٩] أي: على صورة الرجل، حتى لا ينفروا منه. وهنا يقول: ﴿يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الزمر ٧١]، وهذا أبلغ من أنفسكم ﴿مِنْكُمْ﴾، فمحمد عليه الصلاة والسلام ممن؟ من قريش من بني هاشم يعرفونه ويعرفون أباه، ويعرفون أجداده، ويصفونه بالأمين، ويثقون به، وحكموه حين اختصموا في وضع الحجر في مكانه بالكعبة، حتى حكم فيهم ذلك الحكم العدل، ولما جاءهم بالبينات قالوا: هذا الساحر، هذا الكذاب، هذا المجنون، هذا الكاهن، هذا الشاعر، سبحان الله! فهو رجل منهم يعرفونه، لكن الاستكبار يأبى أن يقول الحق ﴿يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر ٧١] أعوذ بالله! نؤجل الكلام عليها إن شاء الله في الدرس القادم. * طالب: بارك الله فيكم، الفعل المبنى للمجهول هل الأولى دائمًا أن نقول: مبني لما لم يُسمَّ فاعله، أم في هذا السياق؟ * الشيخ: لا، دائمًا يكون الأولى: لما لم يسم فاعله، وأنت إذا قلت: لما لم يسم سواء كان مجهولًا أو غير مجهول، ثم إن الفعل المبني لما لم يسم فاعله إذا كان الله هو الذي تكلم به هل يصح أن نقول: إن هذا مجهول لله؟ لا يمكن، يعني في القرآن لا يمكن أن تقول: مبني للمجهول؛ لأن الله لا يجهل ذلك، في غيره ربما يقول القائل مثلًا لما أصبح صاح، ويش بلاك؟ قال: سرق متاعي، هذا أيش؟ مبني للمجهول، ولا يريد الستر على السارق؟ * الطالب: احتمال. * الشيخ: لا، ما فيه احتمال أبدًا، جعله يصيح، ولهذا قلنا لكم: يصيح؟ * طالب: ألا يمنع من كون المعنى زمرًا أن يكون جماعات باعتبار العمل؛ لقول النبي ﷺ: «أَوَّلُ مَنْ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ ثَلَاثَةٌ» »[[أخرجه الترمذي (٢٣٨٢) من حديث أبي هريرة.]]؟ * الشيخ: نعم هذا يؤيد أن المراد باعتبار العمل. * طالب: (...). * الشيخ: أي نعم؛ لأن هؤلاء الثلاثة يكون في الأمم من قبلنا وفينا. * طالب: الآية ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر ٧٣] والحديث في صحيح البخاري، ذكرنا أنه« تُصوَّر لهم النار كأنها سراب فيأتون مسرعين»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١٨٣ / ٣٠٢) من حديث أبي سعيد الخدري.]] كيف (...) بين السوق وبين الذهاب (...)؟ * الشيخ: أيش تقولون؟ يقول: جاء في البخاري وغير البخاري أن النار تمثل وكأنها السراب لأهلها، وهم عطاش، فيتسابقون إليها، فما هو الجمع بين قول: سيق وكونهم هم يتبادرونها؟ الجمع من أحد وجهين: إما أنهم يُجمع لهم بين السوق وبين انطلاقهم ولا مانع، لا مانع من أن الإنسان يركض وفيه واحد وراه يدفعه، ما فيه مانع، أو يقال: إنهم إذا وصلوا إلى حولها ورأى المجرمون النار هابوا ووقفوا، وعلموا أنها ليست بماء، فسوف ينكصون، وحينئذ أيش؟ يساقون ويدعون إلى جهنم دعًّا. * طالب: هذا الحديث أليس هو (...) المسيح الدجال. * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: الكفار حينما يرون المسيح الدجال يصور لهم النار على.. * الشيخ: لا. * طالب: (...) الأشاعرة (...)؟ * الشيخ: أنهم لا يرون أن الكسب عمل، هم في الحقيقة كمذهب الجبرية تمامًا، لكنهم يضيفون العمل للإنسان على أنه كسب. * طالب: هل يُعذَّب الجن كما يعذب الإنسان في جهنم. * الشيخ: إي نعم. طالب: عذابهم سواء؟ * الشيخ: هو الظاهر أن الجن يعذَّبون كما يعذب الإنس، اقرأ الآية: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف ٣٨]. * طالب: شيخ بارك الله فيكم ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ إلى آخر الآيات [عبس: ٣٤ - ٣٦] فهل في هذا الموقف العظيم هل يمكن للإنسان أن يتنازل بشيء من الحسنات لأمه أو أبيه؟ * الشيخ: ما هو بالظاهر، الظاهر أنه لا يمكن. * الطالب: (...). * الشيخ: لأن العمل انتهى وقته. * الطالب: ورد الحديث في هذا الباب. * الشيخ: ما أعرف إن ورد حديث صحيح أخذنا به. طالب: هل يُعذَّب الجن كما يُعذَّب الإنسان في جهنم؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: سواء بسواء؟ * الشيخ: هو الظاهر أن الجن يعذَّبون كما يعذَّب الإنس، اقرأ الآية: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف ٣٨]. * طالب: شيخ بارك الله فيك، (...) فهل في هذا الموقف العظيم يمكن للإنسان أن يتنازل بشيء من الحسنات لأمه أو أبيه؟ * الشيخ: ما هو بالظاهر، الظاهر أنه لا يمكن؛ لأن العمل انتهى وقته. * الطالب: ما ورد حديث في هذا الباب؟ * الشيخ: ما أعرف، إن ورد حديث صحيح أخذنا به. (...). * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم. * الشيخ: لا تقل بسم الله الرحمن الرحيم إلا في أول السورة؛ لأن الله قال في القرآن: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل ٩٨]، ولم يقل: وبَسْمِل. * الطالب: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٧٤) تَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر ٧٢ - ٧٥].