Tafsir Ibn Uthaymeen — الزمر 39:71 – غافر 40:18
المحتويات
الزمر 39:71
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر ٧١] كيف يساقون؟
* طالب: يدَعُّون دعًّا.
* الشيخ: ما دليلك على هذا؟
* الطالب: قوله تبارك وتعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور ١٣].
* الشيخ: نعم، قوله: ﴿زُمَرًا﴾ معناها؟
* طالب: جماعات.
* الشيخ: جماعات متفرقة، كيف توزيع هذه الجماعات، هل هو بحسب الذنب وعِظَمه أو بحسب الأمم، يعني كل أمة وحدها؟
* الطالب: (...) جماعات بحسب الأمم، وأن غيرهم بالأعمال.
* الشيخ: يعني: قولان، أيهما أرجح؟
* الطالب: بالأعمال.
* الشيخ: الدليل؟
* الطالب: قوله ﷺ: «أَوَّلُ فَوْجٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٦)، ومسلم (٢٨٣٤ / ١٤) من حديث أبي هريرة.]].
* الشيخ: نعم، فالنار مثلها، يعني الأسبق إلى النار الأشد جرمًا، كالأسبق إلى دخول الجنة الأفضل عملًا.
قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر ٧١] من الفاتح؟
* طالب: خزنتها.
* الشيخ: خزنتها.
قوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الزمر ٧١] الاستفهام هنا أيش؟
* طالب: للتقرير والتوبيخ.
* الشيخ: للتقرير والتوبيخ.
ما الفائدة في قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾؟
* طالب: الفائدة في قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ أنها أبلغ مِنْ لو قال: من عندكم؛ لأن (منكم) رد عليهم أنه إذا كان ملك فإنهم لا يقبلونه.
* الشيخ: إحنا قلنا: هذا أبلغ من قوله: من أنفسكم؛ كيف ذلك؟
* الطالب: لأن (منكم) دلالة (...).
* الشيخ: يعني من قبائلكم التي تعرفونها، ولهذا قال: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران ١٦٤]؛ من جنسهم؛ لأن الرسول ليس من كل قبيلة من المؤمنين، وفي الأميين: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة ٢] لأنه من العرب.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ تقريرًا وتوبيخًا وتقريعًا ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر ٧١]، جملة ﴿يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾ يجوز أن تكون حالًا ويجوز أن تكون صفة أخرى؛ لأن قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ صفة، والنكرة إذا وُصِفت جاز وقوع الحال منها، وجاز أن تكون الجملة صفة أخرى؛ لأنه لا مانع من تعدد الصفة، على أن الحال في الواقع صفة كما قال ابن مالك رحمه الله:
الْحَالُ وَصْفٌ فَضْلَةٌ مُنْتَصِبُ ∗∗∗ مُفْهِمُ (فِي حَالِ) كَـ(فَرْدًاأَذْهَبُ)
يقول: ﴿رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾ يتلون عليكم: أي يقرؤون عليكم آيات ربكم، والمراد بالآيات هنا الآيات الشرعية؛ لأن المراد بها ما نزل من الوحي.
وقول المؤلف: (القرآن وغيره) يعني أنه يشمل كل الكتب التي أنزلت.
﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الزمر ٧١] يخوفونكم لقاء هذا اليوم حيث أخبروكم به، وأخبروكم بما فيه من الأهوال العظام، فلم يبقَ لكم عذر، ولهذا أقروا ﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر ٧١]، قالوا: بلى؛ يعني قد أتانا رسل منا يتلون علينا آيات ربنا وينذروننا لقاء يومنا هذا، ولكن حقت كلمت العذاب على الكافرين، وهذا هو الذي منعنا من طاعة الرسل.
﴿حَقَّتْ﴾ بمعنى وجبت وثبتت، وكلمة: ﴿الْعَذَابِ﴾ هي الكلمة التي يستوجبون بها العذاب، وما هذه الكلمة؟ قال المؤلف: هي قوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٩]، هذه هي الكلمة، أن الله سبحانه وتعالى التزم لجهنم بملئِها، من الجنة والناس أجمعين، فإذا كان قد التزم للنار بملئِها فلا بد أن يخلق لها أقوامًا يكذبون الرسل ليستحقوا نار جهنم، والعياذ بالله.
وقيل: إن الكلمة هي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس ٩٦، ٩٧]؛ لأنها لما حقت عليهم كلمة الله امتنع إيمانهم.
ولكن هنا يقول الإنسان: هل هذا من باب الاحتجاج بالقدر أو من باب الاعتراف بالواقع؟
الجواب: الثاني؛ لأنه لا يمكن أن يحتجوا بالقدر في ذلك الموضع.
﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ [الزمر ٧٢] قيل: فعل ماض مبني لما لم يُسم فاعله، فمن القائل؟
قال بعض العلماء: إنه أبهم الفاعل ليفيد أن كل الكون يقول لهم هذا، قيل: يعني من قِبَل الملائكة، من قبل أهل الجنة، من قبل كل من شاهد.
﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الزمر ٧٢] ادخلوا: فعل أمر للإهانة وليس للإكرام؛ لأن من قيل له: ادخل النار. فإنه ليس بمكرم -أعوذ بالله- ولكنه مهان.
﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أبواب جهنم سبق لنا أنها بنص القرآن سبعة أبواب، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ حال من الواو في قوله: ﴿ادْخُلُوا﴾ يعني حال كونكم خالدين فيها.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ مقدرين الخلود؛ يعني معناه أن الحال مقدرة؛ لأن الخلود يأتي بعد الدخول، يدخلون أولًا ثم يُخلدون ثانيًا، فالحال إذا لم تكن مصاحبة تكون حالًا مُقدرة.
والخلود في الأصل المكث الطويل، وقيل: المكث الدائم.
فعلى القول الأول: يكون ذكر التأبيد بعد الخلود تأسيسًا.
وعلى القول الثاني: أن الخلود هو البقاء الدائم: يكون ذكر التأبيد بعد الخلود توكيدًا، وأيًّا كان، فإن الله تعالى قد صرح في ثلاث آيات من القرآن أن خلود أهل النار فيها أبدي.
﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر ٧٢]، بئس: فعل ماضٍ جامد لا يتصرف، وهو محتاج إلى فاعل وإلى مخصوص، فما هو فاعله؟ فاعله مثوى ومخصوصه محذوف قدره المفسر بقوله: (جهنم)، والمثوى: المأوى، والمتكبر: فسره أعلم الناس به محمد صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: «الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ»[[أخرجه مسلم (٩١ / ١٤٧) من حديث ابن مسعود.]] فالمتكبرون هم الذين يردون الحق، ويعلون على الخلق، هؤلاء هم المتكبرون.
﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ ثم قال: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ [الزمر ٧٣].
* نستفيد من الآية الكريمة: بيان إهانة الكفار عند دخولهم النار، لكونهم يساقون بعنف ويدعون دعًّا.
* ومن فوائدها: أنهم يدخلون النار زمرًا، والحكمة من ذلك أشار الله إليها في قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف ٣٨].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أهل النار يفاجئون بها، فمن حين إتيانهم تفتح؛ ليكون ذلك أشد مباغتة وأشد حرارة -والعياذ بالله- فىلا يمكنون من الصبر عنها طرفة عين، مع أنهم يودون أنها لا تُفتح، ولكن الأمر على خلاف ما يودون تُفتح فورًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن للنار أبوابًا لقوله: ﴿فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر ٧١].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن النار مظلمة بعيدة القعر يؤخذ من اسمها في قوله: ﴿جَهَنَّمَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: كمال تنظيم الله سبحانه وتعالى للخلق حيث جعل للنار خزنة وللجنة خزنة وهنا يقول: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾ [الزمر ٧١].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الخزنة ينطقون كما ينطق البشر بخطاب مفهوم.
وهل يُستفاد من هذه الآية أن لغة أهل النار واحدة؟ ربما يُقال ذلك، وربما يُقال: إن لغاتهم مختلفة، وأن الملائكة لكثرتهم كلٌّ يخاطب القوم بما يفهمون من اللغة، والله أعلم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: اجتماع العذاب القلبي والبدني على أهل النار؛ أما البدني: فظاهر، وأما القلبي: فما يحصل لهم من التوبيخ والتقريع في قوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ﴾ [الزمر ٧١]، وأنتم تعلمون أن من الناس من يحب أن يُوسع جلده ضربًا ولا يُوبخ بكلمة واحدة، فالتوبيخ ليس بالأمر الهين، لا سيما في مثل هذه الحال؛ لأنهم إذا ذكروا بهذه النعمة في حال لا يتمكنون من استدراك ما فات كان ذلك أشد حسرة، والعياذ بالله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تمام الحجة على بني آدم بإرسال الرسل منهم لقوله: ﴿رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾؛ لأنهم لو كانوا من غير الجنس لم تتم الحجة، لكن إذا كانوا من الجنس، بل من القبيلة تمت الحجة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرسل صلى الله عليهم وسلم كانوا قد بلَّغوا البلاغ المبين؛ لقوله: ﴿يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما جاءت به الرسل من الوحي حُجة ملزمة؛ لأن الله سماه آيات، والآية: العلامة المعينة لما دلت عليه، فهي حُجة ملزمة لكل من سمعها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ما من رسول إلا وقد أتى بكتاب لقوله: ﴿رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر ٧١] ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد ٢٥]، وقوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة ٢١٣].
ولكن هل نحن نعلم كل كتاب أوتيه رسول؟ لا، ما الذي نعرف؟ التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم والقرآن، ولا عجب ألا نعلم إلا هذه الخمسة، كما أننا لا نعلم من الرسل إلا خمسة وعشرين، والباقون لا نعلمهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر ٧٨] يعني ليس كل الرسل قُصُّوا علينا.
قال بعض العلماء: ولم يقص علينا إلا من كانوا في الجزيرة العربية أو ما حولها؛ يعني لم يقص علينا الرسل اللي في أمريكا أو في أقصى آسيا أو ما أشبه ذلك، إنما قص علينا من كانوا حولنا؛ لأن هؤلاء هم الذين يمكن أن نعتبر بهم أكثر من الآخرين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان مقتضى الربوبية، أعني ربوبية الله، أنها ربوبية مبنية على الرحمة في قوله: ﴿يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾، وما ظنكم لو أن الله تركنا هملًا هل تكون ربوبيته تامة؟ لا، لكنه سبحانه وتعالى لم يتركنا هملًا، بل أرسل إلينا الرسل، فتمت بذلك الربوبية التي كان مقتضاها هداية الخلق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: اعتناء الرسل باليوم الآخر، حيث ينذرون الناس به، ووجه ذلك: أنه إذا لم يكن يوم يرجع فيه الناس إلى الله وتُوفى كل نفس ما عملت فإن الناس لا يعملون ولا يهتمون بالعمل، إذا كان الوضع أن الناس يعيشون في الدنيا ما شاء الله أن يعيشوا ثم يموتون ولا يرجعون فهل يمكن لأحد أن يستقيم؟
الجواب: لا، إلا بما أملاه عليه ضميره أما أن يستقيم على ما أمر به فهذا بعيد جدًا؛ لأن الإنسان يقول: إنه سيعيش ثم يموت ولا شيء، لكن إذا علم وأيقين بأنه سيكون يومٌ يُبعَث فيه ويُجازى على علمه فحينئذٍ لا بد أن يحرص للاستعداد لهذا اليوم، ولهذا قال: ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ﴾ [الزمر ٧١].
* ومن فوائد الآية الكريمة: إقرار المكذبين في ذلك اليوم إقرارًا كاملًا بقولهم: ﴿بَلَى﴾ [الزمر ٧١]، وبلى هذه حرف جواب لإثبات النفي المتقدم أو لإثبات النفي المصدر بالاستفهام؟
فمثلًا إذا قلت: أليس زيد قائمًا؟ فقيل: بلى؛ أي: إنه قائم، لكن لو قلت: نعم، لكان المعنى لم يكن قائمًا، ولهذا يُذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف ١٧٢]، لو قالوا: نعم. لكفروا؛ لأنهم إذا قالوا: نعم، فالمعنى: لست بربنا، وهذا كفر، فالنفي المسبوق بالاستفهام يُجاب بالإثبات بـ(بلى)، وبالنفي بـ(نعم)، لكن مع ذلك تأتي (نعم) في محل (بلى) لكنه قليل في اللغة العربية، قالوا: ومنه قول الشاعر:
أَلَيْسَ اللَّيْلُ يَجْمَعُ أُمَّ عَمْرٍو ∗∗∗ وَإِيَّانَا فَذَاكَ لَنَا تَدَانِي؎نَعَمْ وَتَرَى الْهِلَالَ كَمَا أَرَاهُ ∗∗∗ وَيَعْلُوهَا النَّهَارُ كَمَا عَلَانِي
البيتان معروفان، هذا الرجل يقرر أنه قريب من معشوقته؛ لأن الليل يجمعهما، فما دام الليل يجمعها فكأنما الفراش يجمعهما.
أَلَيْسَ اللَّيْلُ يَجْمَعُ أُمَّ عَمْرٍو ∗∗∗ وَإِيَّانَا فَذَاكَ لَنَا تَدَانِي
هذا دليل على التقارب بيننا أن الليل يجمع بينهم.
الدليل الثاني: وَتَرَى الْهِلَالَ كَمَا أَرَاهُ، وما دامت رؤيتنا كلها تتفق في رؤية الهلال فهذا اجتماع.
الدليل الثالث:
.......................... ∗∗∗ وَيَعْلُوهَا النَّهَارُ كَمَا عَلَانِي
ما دام النهار يعلوها كما علاني فنهارنا واحد وليلنا واحد وهلالنا واحد، هذا ممن يرى اتفاق مطالع الهلال، فإننا أيش؟ متدانون.
.......................... ∗∗∗ ... فَذَاكَ لَنَا تَدَانِي
وهذا المسكين إذا كان يقتنع بهذا التداني فهو قنوع جدًّا.
الشاهد من البيتين قوله: (نعم) يعني: نعم أن الليل يجمع أم عمرو، وهذه (نعم) في محل (بلى).
* من فوائد الآية الكريمة: أن من حقت عليه كلمة العذاب فقد أوجب لقولهم: ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر ٧١].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المكذبين للرسل يبصرون في ذلك اليوم بصرًا شديدًا، ويعلمون الحق علمًا أكيدًا لقولهم: ﴿بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، لو كان هذا الإقرار في الدنيا لنجوا من العذاب، قال الله تبارك وتعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ﴾ يعني يوم القيامة ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق ٢٢]، أما في الدنيا فبصرك أعشى، لكن في الآخرة البصر حديد قوي جدًّا يرى، يرى أكثر مما يرى في الدنيا أضعافًا مضاعفة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكلمة إنما تحق على الكافرين لقوله: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
* ويتفرع على هذه الفائدة فائدة: أن هؤلاء لم تحق عليهم الكلمة إلا لكفرهم فهو كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]، وعلى هذا يندفع الإشكال، فيقال: كيف حَقَّت كلمة الله على هؤلاء دون غيرهم؟
والجواب على ذلك: أن الله علم من هؤلاء أنهم ليسوا أهلًا للهداية ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥] أعاذني الله وإياكم من زيغ القلوب، هذا وجه.
الوجه الثاني أن يُقال: هل ظلم الله هؤلاء حيث منعهم فضله؟ لا، ففضل الله يؤتيه من يشاء، وقد مر علينا في الحديث في صحيح البخاري قريبًا أن: «مَثَلُنَا وَمَثَلُ مَنْ قَبْلَنَا كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ وَإِلَى الْعَصْرِ وَإِلَى الْغُرُوبِ، فَأَعْطَى الْأَوَّلِينِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ وَالْآخَرِينَ عَلَى قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، فَاحْتَجَّ الْأَوَّلُونَ فَقَالَ: أَظَلَمْتُكُمْ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ»[[أخرجه البخاري (٢٢٦٩) من حديث ابن عمر.]].
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ إلى آخره [الزمر: ٧٢].
* في هذه الآية من الفوائد: أن هؤلاء المكذبين إذا وصلوا جهنم كأنهم -والله أعلم- يترددون أو يتوقفون، فيقال لهم إهانة: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ ففيه إهانة هؤلاء الكافرين عند دخولهم جهنم، حيث يقال: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الخلود؛ أي: خلود أهل النار فيها لقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الزمر ٧٢].
وهل هذا الخلود مؤبد أو إلى أمد؟ مؤبد دل عليه آيات ثلاث من كتاب الله في سورة النساء وفي سورة الأحزاب وفي سورة الجن.
ففي سورة النساء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩]، وفي سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥]، وفي سورة الجن: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تقبيح مسكن النار وخبث سكنها؛ لقوله: ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر ٧٢].
* ومن فوائدها: أن النار مثوى أهل الكبر، وأما أهل التواضع فمأواهم الجنة، المتواضعون للحق وللخلق هؤلاء في الجنة، والمتكبرون عن الحق وعلى الخلق هؤلاء مثواهم النار.
* ومن فوائد الآية: التحذير من الكبر؛ لئلا يكون الإنسان من أصحاب النار.
* ومن فوائدها: أن الكبر قد يصل بصاحبه إلى عمل أهل النار، وإن كان يبدو قليلًا في قلبه؛ يعني إذا رأيت من نفسك تكبرًا على أحد فعالج هذا الداء، عالج هذا المرض قبل أن يستشري؛ لأن هذا المرض للقلب بمنزلة السرطان للبدن، إن لم تبادر بعلاجه فإنه يقضي عليك، ولا تتهاون بالكبر، الكبر خلق رذيل ذميم، جَرِّب نفسك إذا تواضعت تجد راحة طمأنينة، تجد أنك لن تندم، لكن لو استكبرت على أحد ثم عدت إلى عقلك لندمت واستغفرت، أما إذا تواضعت فإنك تجد راحة وطمأنينة، ويحصل لك في قلوب العباد محبة وألفة، فإياك والكبرياء، وعليك بالتواضع ولين الجانب، وإذا انضم إلى ذلك أنك تريد بهذا الوصول إلى كرامة الله عز وجل والخضوع لله فإنك تزداد ثوابًا ورفعة.
قال النبي ﷺ: «مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ»[[أخرجه ابن ماجه (٤١٧٦)، وأحمد في المسند (١١٧٢٤) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، ومعنى: «تَوَاضَعَ لِلَّهِ» وجهان؛ يعني لها معنيان:
المعنى الأول: تواضع للخلق من أجل الله؛ لأن الإنسان قد يتواضع للخلق لا لله، ولكن لطمع يتواضع له ويتخضع له؛ لأجل أن ينال منه لقمة عيش، ولكن إذا تواضع لله امتثالًا لأمره فإن ذلك هو الذي يكون سببًا للرفعة.
المعنى الثاني: من تواضع لله نفسه، والتواضع لله نفسه هو التواضع لدينه، بحيث يقبله الإنسان وهو يشعر أنه محتاج إليه ومضطر إليه، وأن مقام الدين أعلى منه.
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الزمر ٧٣]
* الشيخ: (...).
* طالب: ﴿طِبْتُمْ﴾، ما المقصود بـ(طبتم) هنا، طِيب المقام في الجنة؟
* الشيخ: لم نصل إليه، قرأناه ولم نفسره (...).
* طالب: يعني بالالتزام بالدين والصلاة، يقول: هي النار سيرسل لها حطب.
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: يقول النار هذه سيبعث لها حطب؛ يعني المعنى يظن أنه سيذهب إلى النار، ما حُكم قول هذا؟
* الشيخ: يقول: إذا نصح بعض الناس قال: إن النار لها حطب؛ يعني أنه هو من حطب جهنم، هذا يوشك أن يكون كما قال، مثل الشيخ الكبير الذي عاده النبي ﷺ وهو مريض فقال له: «لَا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» فقال الرجل: طَهُور؟ بل حمى تفور، على شيخ كبير، تُزيره القبور، فقال النبي ﷺ: «أَوْ ذَاكَ» فما أصبح الرجل إلا ميتًا»[[أخرجه البخاري (٣٦١٦) من حديث ابن عباس.]]، يعني أنه عُومل بما أراد لنفسه، ولو قبل هذا الرجاء من الرسول ﷺ لأوشك أن يُعافى، فهذا الرجل -والعياذ بالله- الذي يقول: إن لجهنم حطبًا هذا يوشك أن يكون من حطبها؛ لأن هذا يدل على أحد أمرين: إما السخرية، وإما عدم المبالاة، وكلاهما كفر، فعليه أن يتوب إلى الله، وأن يرجع إلى الإسلام بعد أن خرج منه.
* الطالب: يعني يُحكم بكفره يا شيخ؟
* الشيخ: نعم.
* طالب: يمكن قصد هذا الرجل (...).
* الشيخ: نعم ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن ١٥].
* الطالب: (...).
* الشيخ: يعني أنه هو من حطبها، هو لما نُصح عن المعاصي قال: جهنم لها حطب، يعني أنه من حطب جهنم، هل يقول هذا إنسان جاد أو مؤمن بالنار؟! أبدًا.
* طالب: (...) دخول بلا خلود (...)؟
* الشيخ: هذا غير صحيح، هذا ليس بصحيح، وليس هذا مذهب أهل السنة والجماعة إلا في أهل الكبائر، أهل الكبائر صحيح دخول بلا خلود، أما أهل النار الذين هم أهل النار فإنه دخول بخلود.
والآن قررنا عليكم قلنا: بعض العلماء يقولون: الخلود هو المكث الدائم، وبعضهم يقول: هو المكث غير الدائم، ولكن على هذا القول يكون هذا الخلود مقيدًا بالآيات الأخرى الدالة على الدوام.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ما قال الله: خالدين فيها أبدًا إلا ما شاء ربك؛ هذه من كيسك، ما علق بالمشيئة، هات لي آية من كتاب الله: خالدين فيها أبدًا إلا ما شاء ربك، هاتها: خالدين فيها إلا ما شاء ربك، يا جماعة أنا أكلم واحدا، هات، أعطوه المصحف، كم صفحة؟ مائتين وثلاثة وثلاثين.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لماذا أسقطت ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود ١٠٧]، أنت تقول: خالدين فيها إلا ما شاء ربك، والآية: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ وبينهما فرق؛ لأن ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ عائدة على دوام السماوات والأرض؛ يعني: إلا ما شاء ربك، مما فوق ذلك؛ لأن دوام السماء والأرض مؤقت، لكن عذاب هؤلاء غير مؤقت، ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك مما فوق ذلك، إلى ما لا نهاية له، عرفت؟
﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ يعني: معناه: خالدين فيها مدة دوام السماء والأرض ولَّا لا؟ مفهوم المعنى؟ مدة دوام السماء والأرض.
﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ يعني إلا الذي زاد على مدة دوام السماء والأرض، وهو ما شاءه الله، أعرفت؟ هذا إذا جعلنا الاستنثاء متصلًا، أما إذا جعلناه منقطعًا وصار المعنى: خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض، لكن ما شاء الله، فلا حد له، فأيضًا واضح المعنى، فأنت أسقطت: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾، فتلوت الآية على وجهين: الوجه الأول: خالدين فيها أبدًا إلا ما شاء الله، ولما عرفت أن هذا لا يمكنك حذفت (أبدًا)، وقلت: خالدين فيها إلا ما شاء الله، وأما: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ فليست في ذهنك.
إذن ماذا نقول؟ لا بد أن نتلو الآية على ما هي عليه ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود ١٠٧]، وكل إنسان ينسى، ولكن لا مانع، أنا ما قلت هكذا إلا لأجل أنه نعطيه مهلة من المداعبة، وإلا كل ينسى (...).
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر ٧٢ - ٧٤].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أخذنا إلى أي مكان؟ وأخذنا الفوائد؟
قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر ٧٣]، نقول في (سِيقَ) ما قلنا فيما سبق أنها فعل ماضٍ مبني للمجهول أو مبني لما لم يُسَم فاعله، وجاءت بصيغة الماضي مع أنها للمستقبل تحقيقًا لوقوعه في قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل ١] فالماضي يأتي بصورة المضارع أحيانًا حكاية للحال، والمستقبل يأتي بصيغة الماضي تحقيقًا لوقوعه كأنه شيء وقع ويتحدث عنه.
وقوله: ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾، التقوى أن يتخذ الإنسان وقاية من عذاب الله، وذلك بفعل أوامره واجتناب نواهيه؛ لأنك لو سألت ما الذي يقي من عذاب الله؟ لقيل لك: طاعته بامتثال أمره واجتناب نهيه.
وقيل في التقوى: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله على نور من الله تخشى عقاب الله.
وقيل في التقوى:
خَلِّ الذُّنُوبَ صَغِيرَهَا ∗∗∗ وَكَبِيرَهَا ذَاكَ التُّقَى؎وَاعْمَلْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَرْ ∗∗∗ ضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى؎لَا تَحْقِرَنَّ صَغِيرَةً ∗∗∗ إِنَّ الْجِبَالِ مِنَ الْحَصَى ولكن ما ذكرناه أولًا هو الجامع المانع أن يتخذ الإنسان وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، فإن خالف وترك شيئًا من الأوامر أو فعل شيئًا من النواهي فإنه ينقص من تقواه بقدر ما أخل به، وحينئذٍ يجتمع في الإنسان تقوى وعصيان، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، أن الإنسان يجتمع فيه خصال إيمان وكفر، خصال تقوى وفسق ولا مانع، ولكلٍّ حُكمه.
وقوله: ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ أضاف الربوبية إليهم؛ لأن ربوبية الله للمتقين ربوبية خاصة ليست كالربوبية العامة لجميع العاملين، بل هي ربوبية خاصة، رباهم حتى اتقوا ربهم.
وقول المؤلف: (بلطف) مقابل قوله في أهل النار: (بعنف) لأن الله صرح بأن أهل النار يُدفعون دفعًا إلى نار جهنم، أما المؤمنون فإنهم يساقون سوق إكرام كأن الملائكة تحتفُّ بهم إكرامًا لهم وإجلالًا لهم.
وقوله: ﴿إِلَى الْجَنَّةِ﴾ الجنة في اللغة: البستان الكثير الأشجار، وسُمِّي بذلك؛ لأنه يَجُنُّ من فيه؛ أي: يَستره، وأصل المادة الجيم والنون، أصلها من الستر، ولهذا سُمِّي القلب جنانًا؛ لأنه مستتر، وسمي الجن جنًّا؛ لأنهم مستترون، وسميت الجنة جنة؛ لأنها تستر من فيها لكثرة أشجارها، هذا في الأصل.
أما في الشرع: فالجنة هي الدار التي أعدها الله تعالى لأوليائه، التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
قال: ﴿زُمَرًا﴾ جمع زمرة، وسبق معنى قوله: ﴿زُمَرًا﴾ أنهم الجماعات المتفرقون، وهذه الزمر على حسب أعمالهم، وقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ وُجُوهُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، ثُمَّ يَتَتَابَعُ النَّاسُ عَلَى حَسَبِ أَعْمَالِهِمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٦)، ومسلم (٢٨٣٤ / ١٤) من حديث أبي هريرة.]].
﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر ٧٣] حتى: للغاية، إذا جاءوها: أي: جاؤوا الجنة ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر ٧٣]، إذا قرأت الآية هكذا سيبقى قلبك معلقًا، ستقول: أين جواب إذا؟ ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ كلها جمل متعاطفة، فأين جواب (إذا)؟
اختلف المعربون في ذلك، فمنهم من قال: إن جواب (إذا): (فُتِحت)، وإن الواو زائدة، ولكن هذا قول ضعيف؛ لأن زيادة الواو لم يعهد في اللغة العربية.
ومنهم من قال: إن الواو للحال بتقدير: قد؛ أي حتى إذا جاءوها وقد فُتِحت أبوابها، ويكون الجواب على هذا محذوفًا، وهذا ما ذهب إليه المؤلف المفسر.
وقيل: الواو حرف عطف، والجواب محذوف مقدر قبلها، والتقدير: حتى إذا جاءوها هُذِّبوا ونُقُّوا وفُتِحت أبوابها، وهذا القول أصح الأقوال أن (الواو) للعطف وليست للحال، وأن الجواب محذوف مُقدر قبل الواو، التقدير: حتى إذا جاءوها هُذِّبوا ونُقُّوا وفُتحت أبوابها، وهذا القول هو الراجح لدلالة الأحاديث عليه، فإنه قد ورد في الأحاديث الصحيحة «أنهم إذا عبروا الجسر -الصراط الممدود على جهنم- وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض، حتى إذا هُذِّبوا ونُقُّوا أُذِن لهم في دخول الجنة»[[أخرجه البخاري (٢٢٤٠)، (٦٢٣٥) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «يخلُصُ المؤمنون من النار فيُحبسون على قنطرةٍ بين الجنة والنار، فيُقصُّ لبعضِهم من بعضٍ مظالمُ كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذِّبوا ونُقُّوا أُذِن لهم في دخول الجنة».]]، ثم إنهم أيضًا «إذا وصلوا الجنة لا يجدون أبوابها مفتوحة، بل يجدونها مغلقة حتى يشفع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيفتح الله أبوابها»[[أخرجه مسلم (١٩٧ / ٣٣٣) عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: «آتِي بابَ الجنَّةِ يومَ القيامة فأستفتحُ، فيقولُ الخازن: مَن أنت؟ فأقول: محمَّدٌ، فيقول: بكَ أُمرْتُ لا أفتح لأحدٍ قبلَك».]]، هذا القول هو الراجح المتعين لدلالة السنة عليه.
وقوله: ﴿أَبْوَابُهَا﴾ قد عُلِم أن أبوابها ثمانية؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الوضوء: «فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ»[[أخرجه مسلم (٢٣٤ / ١٧) من حديث عمر بن الخطاب وعقبة بن عامر.]].
والعجب أن بعض النحويين قال: إن (الواو) هنا واو الثمانية، فأحدث للواو معنى جديدًا، واستدل لقوله بأمر عجيب، قال: إن الله قال في القرآن: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف ٢٢] فالواو للثمانية، فيُقال: سبحان الله، من أين جاءك؟ الفائدة في قوله: ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ تقرير ما ذُكِر؛ لأن الله قال: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف ٢٢].
قال العلماء: إنه قال: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ تقديرًا لهذا القول، ولهذا قال فيما قبله ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ [الكهف ٢٢] وهذا لم يقل رجمًا بالغيب؛ لأن الواو عاطفة تدل على أن ما قبلها ثابت متقرر.
﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ خزنتها الموكلون بها، وهم ملائكة، يقولون لأهل الجنة: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ (سلام عليكم) هذا خبر، وليس دعاء فيما يظهر؛ لأنه لو كان دعاء لكان القادمون هم الذين يسلمون، وهنا الملائكة هي التي تقول: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ فكأنها تخبرهم بأنه حل عليهم السلام؛ لأن الجنة دار السلام.
﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾، حال ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ يعني: سلام عليكم حال كونكم طيبين، فالجملة إذن حال من الكاف في قوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾.
﴿طِبْتُمْ﴾ من أي شيء أو في أي شيء؟ طبتم في كل شيء، في الأبدان والعقول والتصرف وكل شيء، فهم طيبون، حلُّوا مكانًا طيبًا، طابوا من الغل والحقد ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر ٤٧] طابوا من كل مرض، لا يمكن أن يصيبهم مرض، طابوا من كل كلام فاحش ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ [الواقعة ٢٥، ٢٦] فالطيب هنا قدَّره في كل شيء.
﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ (ادخلوا) فعل أمر يُراد به الإكرام، ليس أمرًا حقيقيًّا يُراد به إلزام المخاطب، ولكنه أمر للإكرام، كما تقول لمن استأذن عليك في بيتك: ادخل.
قال: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ (خالدين) حال من الواو في (ادخلوها)؛ أي: حال كونكم خالدين، والحال هنا مقدرة ولا مقارنة؟ مقدرة؛ لأن الخلود بعد الدخول.
قال: (مقدرين الخلود فيها، وجواب إذا مقدر؛ أي: دخولها، وسوقهم وفتح الأبواب قبل مجيئهم تكرمة لهم، وسوق الكفار وفتح أبواب جهنم عند مجيئهم ليبقى حرها إليهم إهانة لهم).
﴿وَقَالُوا﴾ [الزمر ٧٤] عطف على (دخلوها) المقدر.
(وجواب إذا مقدر) بعد قوله: (وجواب إذا مقدر) في الأول (أي دُخولها)، أو: (أي دَخلوها)؟ لا: أي دُخولها غلط، أي دَخلوها هذا الصواب، أنا عندي أي دخلوها.
الواو على رأي المؤلف للحال : حتَّى إذا جاؤوها وقد فُتِحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلامٌ عليكم طبتم فادخلوها خالدينَ، فدخلوها، تجد أن الكلام على هذا الوجه فيه ركاكة. ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ يعني: وقد فُتِحت أبوابها ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ أي: دخلوها، لا يستقيم، لكن ما ذكرنا أنه الراجح هو المطابق تمامًا لما جاءت به السنة، والسنة تفسر القرآن.
وقول المؤلف: (وسوقهم وفتح الأبواب قبل مجيئهم تكرمة لهم) سوقهم المستفاد من قوله: ﴿وَسِيقَ﴾.
(وفتح الأبواب قبل مجيئهم) لأنه يقول: الواو للحال، وقد فُتِحت أبوابها تكرمة لهم.
لكن يُقال: إن دعوى أن أبوابها فُتِحت قبل مجيئهم دعوى لا يسعفها الدليل، بل الدليل على خلافها؛ لأنهم إذا جاءوها لا يجدونها مفتوحة، بل يجدونها مغلقة، ثم يشفع النبي ﷺ أن تفتح الأبواب لأهلها، (...)، وهذه مسألة عقدية في الواقع؛ لأننا نؤمن ونعتقد أن للنبي ﷺ شفاعة خاصة به، وهي الشفاعة لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة، وعلى كلام المؤلف لا شفاعة؛ لأنهم يجدون الأبواب مفتوحة.
ثم قال: (وسوق الكفار وفتح أبواب جهنم عند مجيئهم ليبقى حرهم إليهم إهانة لهم) العبارة فيها نظر (ليبقى حرها إليهم) ما فيه نسخة مختلفة؟ أقول: نسخكم كلها متفقة؟
على كل حال، على كلام المؤلف أنها تُفتح عند مجيئهم من أجل أن يباشرهم حرها مباشرة بدون تأخر.
﴿وَقَالُوا﴾ (عطف على دخلوها المقدر).
فعلى كلام المؤلف: ﴿وَقَالُوا﴾ الواو حرف عطف، والفعل (قالوا) معطوف على دخلوها ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الزمر ٧٤].
والصواب: أن الواو للاستئناف، وأنهم بعد أن دخلوا واستقروا قالوا هذا الكلام.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر ٧٤] (بالجنة) حمدوا الله عز وجل هنا على إنعامه وعلى كماله؛ لأن صدق الله إياهم وعده بالجنة يتضمن شيئين:
الشيء الأول: وصف الله بالصدق، وهذا حمد له على كمال صفته.
والثاني: تحقيق ذلك لهم؛ أي: أنه حق لهم فيكون حمدًا على الشكر، فحمدهم لله الآن على أمرين: على الكمال وعلى الإنعام أو على الكمال وعلى الإفضال، الكمال في أيش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ما هي الصفة هنا؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الصدق ﴿الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾، ولا شك أن الصدق كمال.
الثاني: الإفضال، حيث أسكنهم الجنة، فيكون الحمد هنا شاملًا للأمرين؛ لأن الله يُحمد على ما له من صفات الكمال، وعلى ما له من تمام الإفضال.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ صدق المخفف غير صَدَّق المشدد؛ لأن صَدَق؛ يعني: أخبر بالصدق، وصَدَّق: صَدَّق من أخبر بالصدق، يُقال: حدثني فصدقني، المعنى: أخبرني بالصدق، ويُقال: حدثته فصدقني؛ يعني قال: إني صادق.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر ٣٣]، فالذي جاء بالصدق هو الذي صَدَق، وصَدَّق من أخبر بالصدق.
(﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ الجنة ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ أي: أرض الجنة ﴿نَتَبَوَّأُ﴾ ننزل ﴿مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ [الزمر ٧٤] لأنها كلها لا يُختار فيها مكان على مكان).
قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ أي: جعلنا نرثها، والأرض هنا -كما تعلمون- دخلت عليها الألف واللام أو دخلت عليها (أل)، فهل المراد بها الأرض المعهودة أو المراد بها أرض الجنة؟ يرى المفسر أن المراد بها أرض الجنة، وهذا التفسير يرد عليه أمران:
الأمر الأول: أن الأرض إذا أطلقت فهي الأرض المقابلة للسماء، وهي أرضنا هذه.
وثانيًا: أنه قال: ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ وكان مقتضى السياق إذا كانت الأرض هي الجنة أن يُقال: وأورثنا الأرض نتبوأ منها حيث نشاء، فلا يأتي بالظاهر؛ لأن الظاهر في هذا المثال لا معنى له.
ما المراد عند المؤلف بقوله الأرض؟ أرض الجنة، قلنا: على هذا التقدير يرد عليه شيئان:
الشيء الأول: أن الأرض عند الإطلاق يُراد بها ما يقابل السماء وهي أرضنا التي نسكنها.
وثانيًا: أنه قال: نتبوأ من الجنة، ولو كان المراد بالأرض هنا أرض الجنة لقال: نتبوأ منها حيث نشاء، وعلى هذا فالقول الصحيح أن المراد بالأرض هنا الأرض المقابلة للسماء، فتكون (أل) هنا للعهد، العهد أي العهود؟
* طالب: الذكري.
* الشيخ: الذكري، ما ذُكِر؟ إذن العهد الذهني، لا الحضوري ولا الذكري.
﴿نَتَبَوَّأُ﴾ منها؛ أي: من الجنة، فإذا قال قائل: كيف أورثهم الأرض؟ نقول: إن الله تعالى قال في كتابه: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥] فتوريث الله الأرض للمؤمنين في الدينا أنهم يقاتلون الكفار ويستولون على أراضيهم، هذه واحدة.
ثانيًا: أن وجودهم على الأرض وسكناهم فيها وعمرانهم إياها كالميراث بالنسبة للكفار؛ وذلك لأن الكفار لا يتمتعون بنعمة في الدنيا إلا كانت عليهم نقمة، اللقمة إذا رفعها الكافر إلى فمه هل يُعاقب عليها؟ يُعاقب عليها، نعم يُعاقب عليها؛ لأن الله تعالى قال: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة ٩٣]، مفهومه: من لم يكن كذلك فعليه جناح فيما طعم، ويقول عز وجل في اللباس: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف ٣٢] الكفار ليست لهم في الدنيا ولا خالصة لهم يوم القيامة، هم يكتسون بغير حق؛ لأنهم يتنعمون بنعمة الله ويكفرون الله.
على كل حال نقول: إيراث الأرض في الدنيا ما يستولي عليه المسلمون من أراضي الكفار، وإيراث آخر أن وجودهم على الأرض بحق، ووجود الكفار بغير حق، لكن الله أبقاهم لحكمة.
قال: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾، وقوله: ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ أي: نسكن حيث نشاء، وهل هذا على ظاهره بمعنى أن الإنسان الذي في أدنى الجنة نزلًا يستطيع أن يصعد إلى أعلى شيء؟ لا يستطيع هذا، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ الْغُرَفَ» يعني التي فوقهم «كَمَا يَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ فِي الْأُفُقِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٥٦)، ومسلم (٢٨٣٠ / ١١) من حديث أبي سعيد الخدري.]] يعني: بعيدًا وله إضاءة، هؤلاء يتراءون أصحاب الغرف، وقال تعالى: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ [الزمر ٢٠].
ولكن يُقال في توجيه هذه الآية الكريمة: ﴿حَيْثُ نَشَاءُ﴾ إما أن المعنى: نتبوأ من الجنة حيث نشاء في الدنيا؛ يعني: نعمل في الدنيا ما نشاء من الأعمال التي تبوئنا النزل التي هي ثواب لأعمالنا.
في الدنيا الإنسان ممكن أن يكون مع الأبرار الأخيار، وممكن أن يكون مع المقتصدين، ويمكن أن يكون من الظالمين أنفسهم: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر ٣٢] فالإنسان في الدنيا يمكن أن يتبوأ من الجنة حيث يشاء بأعماله الصالحة المختلفة، ظالم لنفسه، مقتصد، سابق بالخيرات، هذا واحد.
الوجه الثاني: أن نقول: ﴿حَيْثُ نَشَاءُ﴾ أن كل واحد من أهل الجنة لا يشاء سوى الذي هو فيه، يعني لا يقع في قلبه أن يتمنى أنه فوق، بل هو مطمئن تمامًا في مكانه الذي هو فيه لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف ١٠٧، ١٠٨] يعني لا يطلبون تحولًا كل واحد منهم راض بما هو فيه، ولا يرى أن أحدًا أنعم منه، حتى لو رآه حسًّا لم يره قلبًا؛ لأنه لو رأى أن أحدًا من الناس أعلى منه لكان في قلبه شيء من الحسرة واللوعة، وهذا منتفٍ في الجنة.
إذن يتوجه قوله: ﴿حَيْثُ نَشَاءُ﴾ بوجهين، الوجه الأول؟
* طالب: (...).
* الشيخ: اتضح الجواب ولّا جواب أعرج؟ أعرج الرجل مكسور الجناح، انتبه، إما أن المعنى ﴿حَيْثُ نَشَاءُ﴾ في الدنيا، بمعنى أن الإنسان في الدنيا له أن يعمل العمل الذي يؤهله إلى أعلى الدرجات، أو العمل الذي يجعله في الوسط، أو العمل الذي يجعله في الأدنى، أليس كذلك؟
الثاني: ﴿حَيْثُ نَشَاءُ﴾ في الجنة؛ يعني: أننا في الجنة لا نشاء سوى ما نحن فيه، بمعنى أن كل واحد منا يقتنع بمكانه الذي سكنه ولا يريد غيره، ودليل هذا قوله تعالى: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف ١٠٨].
استمع إلى كلام المفسر يقول: (لأنها كلها لا يُختار فيها مكان على مكان) جنح المؤلف إلى أي الاحتمالين؟ إلى الاحتمال الثاني، أن كل إنسان في مكانه لا يختار مكانًا غيره.
يقول: (﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ الجنة) حركوا الجنة؟ ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر ٧٤] الجنة بالضم ولّا بالكسر ولّا بالفتح؟
* طالب: بالضم.
* الشيخ: بالضم، على أنها؟
* طالب: فاعل.
* الشيخ: لا ما هي فاعل، على أنها المخصوص، الفاعل (أجر)، و(نِعْم أجر) و(بئس) -كما أسلفنا لكم- يحتاجان إلى شيئين؛ فاعل ومخصوص، الفاعل واضح والمخصوص دائمًا يكون محذوفًا في الغالب.
﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ نِعْم: فعل جامد لإنشاء المدح، وأجر: بمعنى ثواب، الأجر هنا بمعنى الثواب، ولكن الله تعالى سماه أجرًا تفضلًا منه ومِنَّة، كأننا استحققنا ذلك وجوبًا كما يستحق العامل أجرته وجوبًا.
فإن قال قائل: وهل يجب على الله أن يثيبنا؟
الجواب: يجب بوعده، فإنه وعد أن يثيبنا، وما وعد فإنه لا يمكن إخلافه.
إذن فالوجوب هنا ليس منًّا على الله، بل مَنّ الله على نفسه ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام ٥٤]، فتسمية الثواب أجرًا من باب التفضل على الله عز وجل أنه جعل هذا الثواب على نفسه كالأجرة للعامل؛ الأجرة الثابتة اللازمة، فكذلك ثواب المحسن أجر ثابت واجب على الله بإيجابه هو سبحانه وتعالى على نفسه تفضلًا منه وإحسانًا.
وفي مثل هذا يقول ابن القيم رحمه الله:
مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِبٌ ∗∗∗ هُوَ أَوْجَبَ الْأَجْرَ الْعَظِيمَ الشَّانِ؎إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُعِّمُوا ∗∗∗ فَبِفَضْلِهِ وَالْفَضْلُ لِلْمَنَّانِإذن فهو سبحانه وتعالى الذي مَنَّ علينا في الواقع مرتين: المرة الأولى: بتوفيقنا للعمل، والمرة الثانية: بجزائنا على هذا العمل الحسنة بعشر أمثالها، وانظر إلى الفضل أيضًا، والمنة الثالثة: هل جزاء الإحسان إلا الإحسان، فكأننا نحن الذين أحسنا فأحسن إلينا، مع أن الإنسان لله أولًا وآخرًا، فالحمد لله رب العالمين.
قال: (﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ الجنة).
وقوله: ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ هل هو كلام مبتدأ من الله أو هو بقية كلام أهل الجنة حين قالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾، إن كان من أهل الجنة فهو زيادة ثناء على الله عز وجل، وإن كان من الله ابتداء فهو حث لنا على أن نعمل هذا العمل الذي يكون هذا جزاؤه، انتهى الوقت؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، هذا إشكال جيد يقول: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ و﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ يقول: لماذا لم يقل: ونتبوأ، ليكون العطف يقتضي المغايرة؟
يقال: إن جملة (نتبوأ) حال ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ﴾ يعني: حال كوننا متبوئين، وهي حال مُقدرة، والحال المقدرة هي التي يتصف بها صاحبها بعد؛ يعني لا حالَ الفعل أو حال التلبس بها، فنقول: الحال هنا صحيح أننا لسنا نتبوأ من الجنة في نفس الدنيا، لكنها حال مقدرة، والحال المقدرة هي أن الحال تقع بعد عاملها.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا يدل، نحن ذكرنا لكم شيئين يمتنع أن يكون المراد بها أرض الجنة.
* طالب: (...).
* الشيخ: أنا ظننت أنك ستورد إشكالًا غير هذا، القنطرة التي يوقفون عليها بعد العبور على الصراط، قيل: إنها طرف الصراط، فهي قنطرة وإن لم يكن تحتها شيء، وقيل: إنها قنطرة أخرى للعبور عليها، فالله أعلم.
لكن الذي كنت أظن أن تورده أن تقول: كيف يُقتض لبعضهم من بعض والقصاص كان في عرصات القيامة قبل العبور على الصراط؟
فيُقال: هذا الاقتصاص غير الاقتصاص الأول، الاقتصاص الأول للجزاء والمعادلة، وهذا الاقتصاص لإزالة ما بقي في النفوس من أجل إزالة الغل والحقد، ولهذا لعلكم تذكرون أننا قلنا: «إذا هُذِّبوا ونُقُّوا دخلوا الجنة»[[أخرجه البخاري (٢٢٤٠)، (٦٢٣٥) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «يخلُصُ المؤمنون من النار فيُحبسون على قنطرةٍ بين الجنة والنار، فيُقصُّ لبعضِهم من بعضٍ مظالمُ كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذِّبوا ونُقُّوا أُذِن لهم في دخول الجنة».]] كما جاء في الحديث، أفهمت الآن؟ فهمت الإشكال والجواب ولّا بس الإشكال؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: على أحد القولين: القول الأول إن هذا الصراط هو طرف الصراط الكبير اللي يمر الناس عليه، وقفوا على القنطرة؛ أي على جانب الصراط الكبير.
* طالب: أنه من عمل سوءًا بجهالة..
* الشيخ: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الأنعام ٥٤].
* الطالب: إذا كان الإنسان يعمل سوءًا وهو يعلم..
* الشيخ: المراد بالجهالة -بارك الله فيك- السفه، ليس الجهالة التي هي ضد العلم، الذي ضد العلم يقال فيه: جَهْل ما يقال: جهالة، الجهالة هي السفه كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء ١٧] انتهى الوقت (...).
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر ٧٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ ما محل ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ من الإعراب؟
* طالب: نائب فاعل.
* الشيخ: نائب فاعل، ما الفرق بين سياق هؤلاء وسياقهم؟
* الطالب: سياق أهل النار بعنف، وأما سياق أهل الجنة سياق إكرام.
* الشيخ: قوله: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾، وفي النار قال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ فما هو الفرق؟ لماذا قال: ﴿وَفُتِحَتْ﴾ وهناك قال: ﴿فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني تفتح من حين مجيئهم مباشرة، وأما هذا؟
* الطالب: (...).
* طالب آخر: (...).
* الشيخ: تكون مفتوحة قبل أن يأتوا، هذا على رأي من؟
* طالب: أنها مقارنة لمجيئهم.
* الشيخ: على رأي من أنها مقارنة لمجيئهم؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: بناء على أيش؟ على أن الواو؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: عاطفة، أن الواو عاطفة ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ﴾ تكون للعطف.
وعلى رأي المؤلف؟
* طالب: (...).
* الشيخ: تُفتَح قبل أن يأتوا؛ لأنه قال: جعل الواو للحال بتقدير قد، حتى إذا جاءوها وقد فُتِحت أبوابها.
ما هو القول الراجح في هذا؟
* طالب: الواو للعطف والجواب تقديره..
* الشيخ: محذوف قبل العطف، التقدير؟
* الطالب: حتى إذا جاءوها وهُذِّبوا ونُقُّوا وفُتِحَت أبوابها.
* الشيخ: تمام، فيه رأي آخر أو رأي ثالث على الأصح في الواو؟
* طالب: (...).
* الشيخ: للحال، وقيل: إنها زائدة، وما رأيك في هذا القول؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، هل ترى هذا مقبولًا أو لا؟
* الطالب: (...).
* طالب آخر: (...).
* الشيخ: نقول: هذا غير صحيح؛ لأنه لم تعهد زيادتها في اللغة العربية.
قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ هل هذا دعاء أو خبر؟
* طالب: هذا خبر.
* الشيخ: خبر، و﴿طِبْتُمْ﴾؟
* الطالب: (طبتم) حال تفيد كل ما يطيبكم.
* الشيخ: حال منين؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، حال من أين؟ الحال تحتاج إلى عامل وصاحب؟ ما فيه؟
* طالب: (...).
* الشيخ: المعنى العموم، لكن حال من أين؟ من حيث الإعراب؟
* طالب: من الكاف.
* الشيخ: من الكاف في قوله: ﴿عَلَيْكُمْ﴾، صحيح.
قوله: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ أعربها المؤلف؟ ويش إعراب (خالدين)؟
* طالب: حال.
* الشيخ: منين؟
* الطالب: من الواو.
* الشيخ: من الواو في قوله: ﴿ادْخُلُوهَا﴾، هذه الحال مقارِنَة ولا مُقدَّرة؟
* الطالب: مقدرة.
* الشيخ: مقدرة.
قوله تعالى: ﴿صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ معناه؟
* طالب: ﴿صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ وفانا ما وعد.
* الشيخ: وفاهم ما وعد، فكان وعده صدقًا لنا.
﴿أَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾؟
* طالب: (...).
* الشيخ: قيل المراد بها؟
* الطالب: قيل المراد بها: يرث الأرض.
* الشيخ: أي أرض؟
* الطالب: أرض الكافرين.
* الشيخ: والثاني؟
* الطالب: والثاني يشارك الكافرين في..
* الشيخ: لا.
* طالب: أولًا: قال: أرض الجنة.
* الشيخ: قيل: المراد بالأرض أرض الجنة؟ وقيل؟
* الطالب: القول الثاني: إنها الأرض التي نحن (...).
* الشيخ: وكيف أورثهم إياها؟
* طالب: هذه الأرض؟ بأن جعلها خالصة لهم من دون الكفار (...).
* الشيخ: بماذا؟
* الطالب: بالعلو عليهم في الدنيا، جعلهم عالين عليهم في الدنيا (...).
* طالب آخر: قلنا ميراث الأرض من وجهين: الأول مقاتلة الكفار وسكنى أراضيهم، والثاني: أنهم وارثوها بحق، بخلاف الكفار، فإنهم سكنوا الأرض بالباطل.
* الشيخ: صار أرض الدنيا، أيهما أرجح؟
* طالب: الراجح هو أن الأرض هي أرض الدنيا.
* الشيخ: بماذا ترجحه؟
* الطالب: بأمرين: أولهما: أنه إذا أطلق الأرض فيقصد بها الأرض المقابلة للسماء.
الأمر الثاني: هو ذكر الله عز وجل الجنة بعد الأرض، ولو كانت الجنة ما صح ذكرها.
* الشيخ: كيف ذكر بعدها؟
* الطالب: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ لو كانت الأرض أرض الجنة ما يُقال: أرض الجنة نتبوأ؛ يعني كأن فيها..
* طالب آخر: الجواب من وجهين: الأول: أن الأرض إذا أُطلقت أُريد بها الأرض التي مقابلة السماء.
وثانيًا: لو كانت الأرض المرادة هنا أرض الجنة لما قال الله عز وجل ﴿مِنَ الْجَنَّةِ﴾.
* الشيخ: ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ﴾، لقال: منها، نتبوأ منها حيث نشاء.
لكن كيف يقول: ﴿أَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ﴾؟ كيف يكون ميراثهم الأرض سببًا لتبوئهم من الجنة؟
* طالب: قيل لأمرين: بالعمل الصالح في الدنيا (...) الجنة، وقيل: تبوؤهم الجنة: الطمأنينة في المكان الذي يريدون.
* الشيخ: يعني يتخذون مكانًا من الجنة بعملهم الصالح في الدنيا، أو حيث نشاء من مكانهم في الجنة.
قوله تعالى: ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ هل هذا من كلام أهل الجنة أو من كلام الله؟
* طالب: هذا إذا كان من الله سبحانه وتعالى فهو يكون (...).
* الشيخ: لا، أقول أسأل: هل هو من كلام الله أو أنه بقية كلام أهل الجنة الذين قالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾؟
* الطالب: بقية كلام أهل الجنة.
* الشيخ: هو بقية كلام أهل الجنة، فيه قول آخر؟
* الطالب: إذا كان من الله..
* الشيخ: ما هو إذا كان، أسألك هل فيه قول آخر أو لا؟
* الطالب: ما أعرف.
* طالب آخر: القول الثاني: أنه ابتداء من الله عز وجل فيكون فيه الحث لنا على العمل والاجتهاد في الطاعة.
* الشيخ: وأما إذا كان من قول أهل الجنة فهو من تتمة كلامهم وهو من باب التحدث بنعم الله.
ثم قال الله عز وجل وهو ابتداء درس اليوم ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ﴾ [الزمر ٧٥] ما أخذنا الفوائد؟ منين؟ سبحان الله.
قال الله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ إلى آخره [الزمر: ٧٣].
طالب: القول الثاني: أنه هداية من الله عز وجل، فيكون فيه حث على العمل واجتهاد الطاعة.
* الشيخ: وأما إذا كان من قول أهل الجنة فهو من تتمة كلامهم، وهو من باب التحدث بنِعَم الله.
الزمر 39:72
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر ٧١] كيف يساقون؟
* طالب: يدَعُّون دعًّا.
* الشيخ: ما دليلك على هذا؟
* الطالب: قوله تبارك وتعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور ١٣].
* الشيخ: نعم، قوله: ﴿زُمَرًا﴾ معناها؟
* طالب: جماعات.
* الشيخ: جماعات متفرقة، كيف توزيع هذه الجماعات، هل هو بحسب الذنب وعِظَمه أو بحسب الأمم، يعني كل أمة وحدها؟
* الطالب: (...) جماعات بحسب الأمم، وأن غيرهم بالأعمال.
* الشيخ: يعني: قولان، أيهما أرجح؟
* الطالب: بالأعمال.
* الشيخ: الدليل؟
* الطالب: قوله ﷺ: «أَوَّلُ فَوْجٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٦)، ومسلم (٢٨٣٤ / ١٤) من حديث أبي هريرة.]].
* الشيخ: نعم، فالنار مثلها، يعني الأسبق إلى النار الأشد جرمًا، كالأسبق إلى دخول الجنة الأفضل عملًا.
قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر ٧١] من الفاتح؟
* طالب: خزنتها.
* الشيخ: خزنتها.
قوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الزمر ٧١] الاستفهام هنا أيش؟
* طالب: للتقرير والتوبيخ.
* الشيخ: للتقرير والتوبيخ.
ما الفائدة في قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾؟
* طالب: الفائدة في قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ أنها أبلغ مِنْ لو قال: من عندكم؛ لأن (منكم) رد عليهم أنه إذا كان ملك فإنهم لا يقبلونه.
* الشيخ: إحنا قلنا: هذا أبلغ من قوله: من أنفسكم؛ كيف ذلك؟
* الطالب: لأن (منكم) دلالة (...).
* الشيخ: يعني من قبائلكم التي تعرفونها، ولهذا قال: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران ١٦٤]؛ من جنسهم؛ لأن الرسول ليس من كل قبيلة من المؤمنين، وفي الأميين: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة ٢] لأنه من العرب.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ تقريرًا وتوبيخًا وتقريعًا ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر ٧١]، جملة ﴿يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾ يجوز أن تكون حالًا ويجوز أن تكون صفة أخرى؛ لأن قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ صفة، والنكرة إذا وُصِفت جاز وقوع الحال منها، وجاز أن تكون الجملة صفة أخرى؛ لأنه لا مانع من تعدد الصفة، على أن الحال في الواقع صفة كما قال ابن مالك رحمه الله:
الْحَالُ وَصْفٌ فَضْلَةٌ مُنْتَصِبُ ∗∗∗ مُفْهِمُ (فِي حَالِ) كَـ(فَرْدًاأَذْهَبُ)
يقول: ﴿رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾ يتلون عليكم: أي يقرؤون عليكم آيات ربكم، والمراد بالآيات هنا الآيات الشرعية؛ لأن المراد بها ما نزل من الوحي.
وقول المؤلف: (القرآن وغيره) يعني أنه يشمل كل الكتب التي أنزلت.
﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الزمر ٧١] يخوفونكم لقاء هذا اليوم حيث أخبروكم به، وأخبروكم بما فيه من الأهوال العظام، فلم يبقَ لكم عذر، ولهذا أقروا ﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر ٧١]، قالوا: بلى؛ يعني قد أتانا رسل منا يتلون علينا آيات ربنا وينذروننا لقاء يومنا هذا، ولكن حقت كلمت العذاب على الكافرين، وهذا هو الذي منعنا من طاعة الرسل.
﴿حَقَّتْ﴾ بمعنى وجبت وثبتت، وكلمة: ﴿الْعَذَابِ﴾ هي الكلمة التي يستوجبون بها العذاب، وما هذه الكلمة؟ قال المؤلف: هي قوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٩]، هذه هي الكلمة، أن الله سبحانه وتعالى التزم لجهنم بملئِها، من الجنة والناس أجمعين، فإذا كان قد التزم للنار بملئِها فلا بد أن يخلق لها أقوامًا يكذبون الرسل ليستحقوا نار جهنم، والعياذ بالله.
وقيل: إن الكلمة هي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس ٩٦، ٩٧]؛ لأنها لما حقت عليهم كلمة الله امتنع إيمانهم.
ولكن هنا يقول الإنسان: هل هذا من باب الاحتجاج بالقدر أو من باب الاعتراف بالواقع؟
الجواب: الثاني؛ لأنه لا يمكن أن يحتجوا بالقدر في ذلك الموضع.
﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ [الزمر ٧٢] قيل: فعل ماض مبني لما لم يُسم فاعله، فمن القائل؟
قال بعض العلماء: إنه أبهم الفاعل ليفيد أن كل الكون يقول لهم هذا، قيل: يعني من قِبَل الملائكة، من قبل أهل الجنة، من قبل كل من شاهد.
﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الزمر ٧٢] ادخلوا: فعل أمر للإهانة وليس للإكرام؛ لأن من قيل له: ادخل النار. فإنه ليس بمكرم -أعوذ بالله- ولكنه مهان.
﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أبواب جهنم سبق لنا أنها بنص القرآن سبعة أبواب، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ حال من الواو في قوله: ﴿ادْخُلُوا﴾ يعني حال كونكم خالدين فيها.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ مقدرين الخلود؛ يعني معناه أن الحال مقدرة؛ لأن الخلود يأتي بعد الدخول، يدخلون أولًا ثم يُخلدون ثانيًا، فالحال إذا لم تكن مصاحبة تكون حالًا مُقدرة.
والخلود في الأصل المكث الطويل، وقيل: المكث الدائم.
فعلى القول الأول: يكون ذكر التأبيد بعد الخلود تأسيسًا.
وعلى القول الثاني: أن الخلود هو البقاء الدائم: يكون ذكر التأبيد بعد الخلود توكيدًا، وأيًّا كان، فإن الله تعالى قد صرح في ثلاث آيات من القرآن أن خلود أهل النار فيها أبدي.
﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر ٧٢]، بئس: فعل ماضٍ جامد لا يتصرف، وهو محتاج إلى فاعل وإلى مخصوص، فما هو فاعله؟ فاعله مثوى ومخصوصه محذوف قدره المفسر بقوله: (جهنم)، والمثوى: المأوى، والمتكبر: فسره أعلم الناس به محمد صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: «الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ»[[أخرجه مسلم (٩١ / ١٤٧) من حديث ابن مسعود.]] فالمتكبرون هم الذين يردون الحق، ويعلون على الخلق، هؤلاء هم المتكبرون.
﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ ثم قال: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ [الزمر ٧٣].
* نستفيد من الآية الكريمة: بيان إهانة الكفار عند دخولهم النار، لكونهم يساقون بعنف ويدعون دعًّا.
* ومن فوائدها: أنهم يدخلون النار زمرًا، والحكمة من ذلك أشار الله إليها في قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف ٣٨].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أهل النار يفاجئون بها، فمن حين إتيانهم تفتح؛ ليكون ذلك أشد مباغتة وأشد حرارة -والعياذ بالله- فىلا يمكنون من الصبر عنها طرفة عين، مع أنهم يودون أنها لا تُفتح، ولكن الأمر على خلاف ما يودون تُفتح فورًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن للنار أبوابًا لقوله: ﴿فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر ٧١].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن النار مظلمة بعيدة القعر يؤخذ من اسمها في قوله: ﴿جَهَنَّمَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: كمال تنظيم الله سبحانه وتعالى للخلق حيث جعل للنار خزنة وللجنة خزنة وهنا يقول: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾ [الزمر ٧١].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الخزنة ينطقون كما ينطق البشر بخطاب مفهوم.
وهل يُستفاد من هذه الآية أن لغة أهل النار واحدة؟ ربما يُقال ذلك، وربما يُقال: إن لغاتهم مختلفة، وأن الملائكة لكثرتهم كلٌّ يخاطب القوم بما يفهمون من اللغة، والله أعلم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: اجتماع العذاب القلبي والبدني على أهل النار؛ أما البدني: فظاهر، وأما القلبي: فما يحصل لهم من التوبيخ والتقريع في قوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ﴾ [الزمر ٧١]، وأنتم تعلمون أن من الناس من يحب أن يُوسع جلده ضربًا ولا يُوبخ بكلمة واحدة، فالتوبيخ ليس بالأمر الهين، لا سيما في مثل هذه الحال؛ لأنهم إذا ذكروا بهذه النعمة في حال لا يتمكنون من استدراك ما فات كان ذلك أشد حسرة، والعياذ بالله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تمام الحجة على بني آدم بإرسال الرسل منهم لقوله: ﴿رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾؛ لأنهم لو كانوا من غير الجنس لم تتم الحجة، لكن إذا كانوا من الجنس، بل من القبيلة تمت الحجة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرسل صلى الله عليهم وسلم كانوا قد بلَّغوا البلاغ المبين؛ لقوله: ﴿يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما جاءت به الرسل من الوحي حُجة ملزمة؛ لأن الله سماه آيات، والآية: العلامة المعينة لما دلت عليه، فهي حُجة ملزمة لكل من سمعها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ما من رسول إلا وقد أتى بكتاب لقوله: ﴿رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر ٧١] ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد ٢٥]، وقوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة ٢١٣].
ولكن هل نحن نعلم كل كتاب أوتيه رسول؟ لا، ما الذي نعرف؟ التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم والقرآن، ولا عجب ألا نعلم إلا هذه الخمسة، كما أننا لا نعلم من الرسل إلا خمسة وعشرين، والباقون لا نعلمهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر ٧٨] يعني ليس كل الرسل قُصُّوا علينا.
قال بعض العلماء: ولم يقص علينا إلا من كانوا في الجزيرة العربية أو ما حولها؛ يعني لم يقص علينا الرسل اللي في أمريكا أو في أقصى آسيا أو ما أشبه ذلك، إنما قص علينا من كانوا حولنا؛ لأن هؤلاء هم الذين يمكن أن نعتبر بهم أكثر من الآخرين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان مقتضى الربوبية، أعني ربوبية الله، أنها ربوبية مبنية على الرحمة في قوله: ﴿يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾، وما ظنكم لو أن الله تركنا هملًا هل تكون ربوبيته تامة؟ لا، لكنه سبحانه وتعالى لم يتركنا هملًا، بل أرسل إلينا الرسل، فتمت بذلك الربوبية التي كان مقتضاها هداية الخلق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: اعتناء الرسل باليوم الآخر، حيث ينذرون الناس به، ووجه ذلك: أنه إذا لم يكن يوم يرجع فيه الناس إلى الله وتُوفى كل نفس ما عملت فإن الناس لا يعملون ولا يهتمون بالعمل، إذا كان الوضع أن الناس يعيشون في الدنيا ما شاء الله أن يعيشوا ثم يموتون ولا يرجعون فهل يمكن لأحد أن يستقيم؟
الجواب: لا، إلا بما أملاه عليه ضميره أما أن يستقيم على ما أمر به فهذا بعيد جدًا؛ لأن الإنسان يقول: إنه سيعيش ثم يموت ولا شيء، لكن إذا علم وأيقين بأنه سيكون يومٌ يُبعَث فيه ويُجازى على علمه فحينئذٍ لا بد أن يحرص للاستعداد لهذا اليوم، ولهذا قال: ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ﴾ [الزمر ٧١].
* ومن فوائد الآية الكريمة: إقرار المكذبين في ذلك اليوم إقرارًا كاملًا بقولهم: ﴿بَلَى﴾ [الزمر ٧١]، وبلى هذه حرف جواب لإثبات النفي المتقدم أو لإثبات النفي المصدر بالاستفهام؟
فمثلًا إذا قلت: أليس زيد قائمًا؟ فقيل: بلى؛ أي: إنه قائم، لكن لو قلت: نعم، لكان المعنى لم يكن قائمًا، ولهذا يُذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف ١٧٢]، لو قالوا: نعم. لكفروا؛ لأنهم إذا قالوا: نعم، فالمعنى: لست بربنا، وهذا كفر، فالنفي المسبوق بالاستفهام يُجاب بالإثبات بـ(بلى)، وبالنفي بـ(نعم)، لكن مع ذلك تأتي (نعم) في محل (بلى) لكنه قليل في اللغة العربية، قالوا: ومنه قول الشاعر:
أَلَيْسَ اللَّيْلُ يَجْمَعُ أُمَّ عَمْرٍو ∗∗∗ وَإِيَّانَا فَذَاكَ لَنَا تَدَانِي؎نَعَمْ وَتَرَى الْهِلَالَ كَمَا أَرَاهُ ∗∗∗ وَيَعْلُوهَا النَّهَارُ كَمَا عَلَانِي
البيتان معروفان، هذا الرجل يقرر أنه قريب من معشوقته؛ لأن الليل يجمعهما، فما دام الليل يجمعها فكأنما الفراش يجمعهما.
أَلَيْسَ اللَّيْلُ يَجْمَعُ أُمَّ عَمْرٍو ∗∗∗ وَإِيَّانَا فَذَاكَ لَنَا تَدَانِي
هذا دليل على التقارب بيننا أن الليل يجمع بينهم.
الدليل الثاني: وَتَرَى الْهِلَالَ كَمَا أَرَاهُ، وما دامت رؤيتنا كلها تتفق في رؤية الهلال فهذا اجتماع.
الدليل الثالث:
.......................... ∗∗∗ وَيَعْلُوهَا النَّهَارُ كَمَا عَلَانِي
ما دام النهار يعلوها كما علاني فنهارنا واحد وليلنا واحد وهلالنا واحد، هذا ممن يرى اتفاق مطالع الهلال، فإننا أيش؟ متدانون.
.......................... ∗∗∗ ... فَذَاكَ لَنَا تَدَانِي
وهذا المسكين إذا كان يقتنع بهذا التداني فهو قنوع جدًّا.
الشاهد من البيتين قوله: (نعم) يعني: نعم أن الليل يجمع أم عمرو، وهذه (نعم) في محل (بلى).
* من فوائد الآية الكريمة: أن من حقت عليه كلمة العذاب فقد أوجب لقولهم: ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر ٧١].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المكذبين للرسل يبصرون في ذلك اليوم بصرًا شديدًا، ويعلمون الحق علمًا أكيدًا لقولهم: ﴿بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، لو كان هذا الإقرار في الدنيا لنجوا من العذاب، قال الله تبارك وتعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ﴾ يعني يوم القيامة ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق ٢٢]، أما في الدنيا فبصرك أعشى، لكن في الآخرة البصر حديد قوي جدًّا يرى، يرى أكثر مما يرى في الدنيا أضعافًا مضاعفة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكلمة إنما تحق على الكافرين لقوله: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
* ويتفرع على هذه الفائدة فائدة: أن هؤلاء لم تحق عليهم الكلمة إلا لكفرهم فهو كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]، وعلى هذا يندفع الإشكال، فيقال: كيف حَقَّت كلمة الله على هؤلاء دون غيرهم؟
والجواب على ذلك: أن الله علم من هؤلاء أنهم ليسوا أهلًا للهداية ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥] أعاذني الله وإياكم من زيغ القلوب، هذا وجه.
الوجه الثاني أن يُقال: هل ظلم الله هؤلاء حيث منعهم فضله؟ لا، ففضل الله يؤتيه من يشاء، وقد مر علينا في الحديث في صحيح البخاري قريبًا أن: «مَثَلُنَا وَمَثَلُ مَنْ قَبْلَنَا كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ وَإِلَى الْعَصْرِ وَإِلَى الْغُرُوبِ، فَأَعْطَى الْأَوَّلِينِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ وَالْآخَرِينَ عَلَى قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، فَاحْتَجَّ الْأَوَّلُونَ فَقَالَ: أَظَلَمْتُكُمْ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ»[[أخرجه البخاري (٢٢٦٩) من حديث ابن عمر.]].
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ إلى آخره [الزمر: ٧٢].
* في هذه الآية من الفوائد: أن هؤلاء المكذبين إذا وصلوا جهنم كأنهم -والله أعلم- يترددون أو يتوقفون، فيقال لهم إهانة: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ ففيه إهانة هؤلاء الكافرين عند دخولهم جهنم، حيث يقال: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الخلود؛ أي: خلود أهل النار فيها لقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الزمر ٧٢].
وهل هذا الخلود مؤبد أو إلى أمد؟ مؤبد دل عليه آيات ثلاث من كتاب الله في سورة النساء وفي سورة الأحزاب وفي سورة الجن.
ففي سورة النساء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩]، وفي سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥]، وفي سورة الجن: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تقبيح مسكن النار وخبث سكنها؛ لقوله: ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر ٧٢].
* ومن فوائدها: أن النار مثوى أهل الكبر، وأما أهل التواضع فمأواهم الجنة، المتواضعون للحق وللخلق هؤلاء في الجنة، والمتكبرون عن الحق وعلى الخلق هؤلاء مثواهم النار.
* ومن فوائد الآية: التحذير من الكبر؛ لئلا يكون الإنسان من أصحاب النار.
* ومن فوائدها: أن الكبر قد يصل بصاحبه إلى عمل أهل النار، وإن كان يبدو قليلًا في قلبه؛ يعني إذا رأيت من نفسك تكبرًا على أحد فعالج هذا الداء، عالج هذا المرض قبل أن يستشري؛ لأن هذا المرض للقلب بمنزلة السرطان للبدن، إن لم تبادر بعلاجه فإنه يقضي عليك، ولا تتهاون بالكبر، الكبر خلق رذيل ذميم، جَرِّب نفسك إذا تواضعت تجد راحة طمأنينة، تجد أنك لن تندم، لكن لو استكبرت على أحد ثم عدت إلى عقلك لندمت واستغفرت، أما إذا تواضعت فإنك تجد راحة وطمأنينة، ويحصل لك في قلوب العباد محبة وألفة، فإياك والكبرياء، وعليك بالتواضع ولين الجانب، وإذا انضم إلى ذلك أنك تريد بهذا الوصول إلى كرامة الله عز وجل والخضوع لله فإنك تزداد ثوابًا ورفعة.
قال النبي ﷺ: «مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ»[[أخرجه ابن ماجه (٤١٧٦)، وأحمد في المسند (١١٧٢٤) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، ومعنى: «تَوَاضَعَ لِلَّهِ» وجهان؛ يعني لها معنيان:
المعنى الأول: تواضع للخلق من أجل الله؛ لأن الإنسان قد يتواضع للخلق لا لله، ولكن لطمع يتواضع له ويتخضع له؛ لأجل أن ينال منه لقمة عيش، ولكن إذا تواضع لله امتثالًا لأمره فإن ذلك هو الذي يكون سببًا للرفعة.
المعنى الثاني: من تواضع لله نفسه، والتواضع لله نفسه هو التواضع لدينه، بحيث يقبله الإنسان وهو يشعر أنه محتاج إليه ومضطر إليه، وأن مقام الدين أعلى منه.
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الزمر ٧٣]
* الشيخ: (...).
* طالب: ﴿طِبْتُمْ﴾، ما المقصود بـ(طبتم) هنا، طِيب المقام في الجنة؟
* الشيخ: لم نصل إليه، قرأناه ولم نفسره (...).
* طالب: يعني بالالتزام بالدين والصلاة، يقول: هي النار سيرسل لها حطب.
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: يقول النار هذه سيبعث لها حطب؛ يعني المعنى يظن أنه سيذهب إلى النار، ما حُكم قول هذا؟
* الشيخ: يقول: إذا نصح بعض الناس قال: إن النار لها حطب؛ يعني أنه هو من حطب جهنم، هذا يوشك أن يكون كما قال، مثل الشيخ الكبير الذي عاده النبي ﷺ وهو مريض فقال له: «لَا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» فقال الرجل: طَهُور؟ بل حمى تفور، على شيخ كبير، تُزيره القبور، فقال النبي ﷺ: «أَوْ ذَاكَ» فما أصبح الرجل إلا ميتًا»[[أخرجه البخاري (٣٦١٦) من حديث ابن عباس.]]، يعني أنه عُومل بما أراد لنفسه، ولو قبل هذا الرجاء من الرسول ﷺ لأوشك أن يُعافى، فهذا الرجل -والعياذ بالله- الذي يقول: إن لجهنم حطبًا هذا يوشك أن يكون من حطبها؛ لأن هذا يدل على أحد أمرين: إما السخرية، وإما عدم المبالاة، وكلاهما كفر، فعليه أن يتوب إلى الله، وأن يرجع إلى الإسلام بعد أن خرج منه.
* الطالب: يعني يُحكم بكفره يا شيخ؟
* الشيخ: نعم.
* طالب: يمكن قصد هذا الرجل (...).
* الشيخ: نعم ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن ١٥].
* الطالب: (...).
* الشيخ: يعني أنه هو من حطبها، هو لما نُصح عن المعاصي قال: جهنم لها حطب، يعني أنه من حطب جهنم، هل يقول هذا إنسان جاد أو مؤمن بالنار؟! أبدًا.
* طالب: (...) دخول بلا خلود (...)؟
* الشيخ: هذا غير صحيح، هذا ليس بصحيح، وليس هذا مذهب أهل السنة والجماعة إلا في أهل الكبائر، أهل الكبائر صحيح دخول بلا خلود، أما أهل النار الذين هم أهل النار فإنه دخول بخلود.
والآن قررنا عليكم قلنا: بعض العلماء يقولون: الخلود هو المكث الدائم، وبعضهم يقول: هو المكث غير الدائم، ولكن على هذا القول يكون هذا الخلود مقيدًا بالآيات الأخرى الدالة على الدوام.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ما قال الله: خالدين فيها أبدًا إلا ما شاء ربك؛ هذه من كيسك، ما علق بالمشيئة، هات لي آية من كتاب الله: خالدين فيها أبدًا إلا ما شاء ربك، هاتها: خالدين فيها إلا ما شاء ربك، يا جماعة أنا أكلم واحدا، هات، أعطوه المصحف، كم صفحة؟ مائتين وثلاثة وثلاثين.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لماذا أسقطت ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود ١٠٧]، أنت تقول: خالدين فيها إلا ما شاء ربك، والآية: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ وبينهما فرق؛ لأن ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ عائدة على دوام السماوات والأرض؛ يعني: إلا ما شاء ربك، مما فوق ذلك؛ لأن دوام السماء والأرض مؤقت، لكن عذاب هؤلاء غير مؤقت، ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك مما فوق ذلك، إلى ما لا نهاية له، عرفت؟
﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ يعني: معناه: خالدين فيها مدة دوام السماء والأرض ولَّا لا؟ مفهوم المعنى؟ مدة دوام السماء والأرض.
﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ يعني إلا الذي زاد على مدة دوام السماء والأرض، وهو ما شاءه الله، أعرفت؟ هذا إذا جعلنا الاستنثاء متصلًا، أما إذا جعلناه منقطعًا وصار المعنى: خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض، لكن ما شاء الله، فلا حد له، فأيضًا واضح المعنى، فأنت أسقطت: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾، فتلوت الآية على وجهين: الوجه الأول: خالدين فيها أبدًا إلا ما شاء الله، ولما عرفت أن هذا لا يمكنك حذفت (أبدًا)، وقلت: خالدين فيها إلا ما شاء الله، وأما: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ فليست في ذهنك.
إذن ماذا نقول؟ لا بد أن نتلو الآية على ما هي عليه ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود ١٠٧]، وكل إنسان ينسى، ولكن لا مانع، أنا ما قلت هكذا إلا لأجل أنه نعطيه مهلة من المداعبة، وإلا كل ينسى (...).
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر ٧٢ - ٧٤].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أخذنا إلى أي مكان؟ وأخذنا الفوائد؟
قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر ٧٣]، نقول في (سِيقَ) ما قلنا فيما سبق أنها فعل ماضٍ مبني للمجهول أو مبني لما لم يُسَم فاعله، وجاءت بصيغة الماضي مع أنها للمستقبل تحقيقًا لوقوعه في قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل ١] فالماضي يأتي بصورة المضارع أحيانًا حكاية للحال، والمستقبل يأتي بصيغة الماضي تحقيقًا لوقوعه كأنه شيء وقع ويتحدث عنه.
وقوله: ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾، التقوى أن يتخذ الإنسان وقاية من عذاب الله، وذلك بفعل أوامره واجتناب نواهيه؛ لأنك لو سألت ما الذي يقي من عذاب الله؟ لقيل لك: طاعته بامتثال أمره واجتناب نهيه.
وقيل في التقوى: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله على نور من الله تخشى عقاب الله.
وقيل في التقوى:
خَلِّ الذُّنُوبَ صَغِيرَهَا ∗∗∗ وَكَبِيرَهَا ذَاكَ التُّقَى؎وَاعْمَلْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَرْ ∗∗∗ ضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى؎لَا تَحْقِرَنَّ صَغِيرَةً ∗∗∗ إِنَّ الْجِبَالِ مِنَ الْحَصَى ولكن ما ذكرناه أولًا هو الجامع المانع أن يتخذ الإنسان وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، فإن خالف وترك شيئًا من الأوامر أو فعل شيئًا من النواهي فإنه ينقص من تقواه بقدر ما أخل به، وحينئذٍ يجتمع في الإنسان تقوى وعصيان، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، أن الإنسان يجتمع فيه خصال إيمان وكفر، خصال تقوى وفسق ولا مانع، ولكلٍّ حُكمه.
وقوله: ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ أضاف الربوبية إليهم؛ لأن ربوبية الله للمتقين ربوبية خاصة ليست كالربوبية العامة لجميع العاملين، بل هي ربوبية خاصة، رباهم حتى اتقوا ربهم.
وقول المؤلف: (بلطف) مقابل قوله في أهل النار: (بعنف) لأن الله صرح بأن أهل النار يُدفعون دفعًا إلى نار جهنم، أما المؤمنون فإنهم يساقون سوق إكرام كأن الملائكة تحتفُّ بهم إكرامًا لهم وإجلالًا لهم.
وقوله: ﴿إِلَى الْجَنَّةِ﴾ الجنة في اللغة: البستان الكثير الأشجار، وسُمِّي بذلك؛ لأنه يَجُنُّ من فيه؛ أي: يَستره، وأصل المادة الجيم والنون، أصلها من الستر، ولهذا سُمِّي القلب جنانًا؛ لأنه مستتر، وسمي الجن جنًّا؛ لأنهم مستترون، وسميت الجنة جنة؛ لأنها تستر من فيها لكثرة أشجارها، هذا في الأصل.
أما في الشرع: فالجنة هي الدار التي أعدها الله تعالى لأوليائه، التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
قال: ﴿زُمَرًا﴾ جمع زمرة، وسبق معنى قوله: ﴿زُمَرًا﴾ أنهم الجماعات المتفرقون، وهذه الزمر على حسب أعمالهم، وقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ وُجُوهُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، ثُمَّ يَتَتَابَعُ النَّاسُ عَلَى حَسَبِ أَعْمَالِهِمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٦)، ومسلم (٢٨٣٤ / ١٤) من حديث أبي هريرة.]].
﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر ٧٣] حتى: للغاية، إذا جاءوها: أي: جاؤوا الجنة ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر ٧٣]، إذا قرأت الآية هكذا سيبقى قلبك معلقًا، ستقول: أين جواب إذا؟ ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ كلها جمل متعاطفة، فأين جواب (إذا)؟
اختلف المعربون في ذلك، فمنهم من قال: إن جواب (إذا): (فُتِحت)، وإن الواو زائدة، ولكن هذا قول ضعيف؛ لأن زيادة الواو لم يعهد في اللغة العربية.
ومنهم من قال: إن الواو للحال بتقدير: قد؛ أي حتى إذا جاءوها وقد فُتِحت أبوابها، ويكون الجواب على هذا محذوفًا، وهذا ما ذهب إليه المؤلف المفسر.
وقيل: الواو حرف عطف، والجواب محذوف مقدر قبلها، والتقدير: حتى إذا جاءوها هُذِّبوا ونُقُّوا وفُتِحت أبوابها، وهذا القول أصح الأقوال أن (الواو) للعطف وليست للحال، وأن الجواب محذوف مُقدر قبل الواو، التقدير: حتى إذا جاءوها هُذِّبوا ونُقُّوا وفُتحت أبوابها، وهذا القول هو الراجح لدلالة الأحاديث عليه، فإنه قد ورد في الأحاديث الصحيحة «أنهم إذا عبروا الجسر -الصراط الممدود على جهنم- وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض، حتى إذا هُذِّبوا ونُقُّوا أُذِن لهم في دخول الجنة»[[أخرجه البخاري (٢٢٤٠)، (٦٢٣٥) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «يخلُصُ المؤمنون من النار فيُحبسون على قنطرةٍ بين الجنة والنار، فيُقصُّ لبعضِهم من بعضٍ مظالمُ كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذِّبوا ونُقُّوا أُذِن لهم في دخول الجنة».]]، ثم إنهم أيضًا «إذا وصلوا الجنة لا يجدون أبوابها مفتوحة، بل يجدونها مغلقة حتى يشفع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيفتح الله أبوابها»[[أخرجه مسلم (١٩٧ / ٣٣٣) عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: «آتِي بابَ الجنَّةِ يومَ القيامة فأستفتحُ، فيقولُ الخازن: مَن أنت؟ فأقول: محمَّدٌ، فيقول: بكَ أُمرْتُ لا أفتح لأحدٍ قبلَك».]]، هذا القول هو الراجح المتعين لدلالة السنة عليه.
وقوله: ﴿أَبْوَابُهَا﴾ قد عُلِم أن أبوابها ثمانية؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الوضوء: «فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ»[[أخرجه مسلم (٢٣٤ / ١٧) من حديث عمر بن الخطاب وعقبة بن عامر.]].
والعجب أن بعض النحويين قال: إن (الواو) هنا واو الثمانية، فأحدث للواو معنى جديدًا، واستدل لقوله بأمر عجيب، قال: إن الله قال في القرآن: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف ٢٢] فالواو للثمانية، فيُقال: سبحان الله، من أين جاءك؟ الفائدة في قوله: ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ تقرير ما ذُكِر؛ لأن الله قال: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف ٢٢].
قال العلماء: إنه قال: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ تقديرًا لهذا القول، ولهذا قال فيما قبله ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ [الكهف ٢٢] وهذا لم يقل رجمًا بالغيب؛ لأن الواو عاطفة تدل على أن ما قبلها ثابت متقرر.
﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ خزنتها الموكلون بها، وهم ملائكة، يقولون لأهل الجنة: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ (سلام عليكم) هذا خبر، وليس دعاء فيما يظهر؛ لأنه لو كان دعاء لكان القادمون هم الذين يسلمون، وهنا الملائكة هي التي تقول: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ فكأنها تخبرهم بأنه حل عليهم السلام؛ لأن الجنة دار السلام.
﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾، حال ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ يعني: سلام عليكم حال كونكم طيبين، فالجملة إذن حال من الكاف في قوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾.
﴿طِبْتُمْ﴾ من أي شيء أو في أي شيء؟ طبتم في كل شيء، في الأبدان والعقول والتصرف وكل شيء، فهم طيبون، حلُّوا مكانًا طيبًا، طابوا من الغل والحقد ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر ٤٧] طابوا من كل مرض، لا يمكن أن يصيبهم مرض، طابوا من كل كلام فاحش ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ [الواقعة ٢٥، ٢٦] فالطيب هنا قدَّره في كل شيء.
﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ (ادخلوا) فعل أمر يُراد به الإكرام، ليس أمرًا حقيقيًّا يُراد به إلزام المخاطب، ولكنه أمر للإكرام، كما تقول لمن استأذن عليك في بيتك: ادخل.
قال: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ (خالدين) حال من الواو في (ادخلوها)؛ أي: حال كونكم خالدين، والحال هنا مقدرة ولا مقارنة؟ مقدرة؛ لأن الخلود بعد الدخول.
قال: (مقدرين الخلود فيها، وجواب إذا مقدر؛ أي: دخولها، وسوقهم وفتح الأبواب قبل مجيئهم تكرمة لهم، وسوق الكفار وفتح أبواب جهنم عند مجيئهم ليبقى حرها إليهم إهانة لهم).
﴿وَقَالُوا﴾ [الزمر ٧٤] عطف على (دخلوها) المقدر.
(وجواب إذا مقدر) بعد قوله: (وجواب إذا مقدر) في الأول (أي دُخولها)، أو: (أي دَخلوها)؟ لا: أي دُخولها غلط، أي دَخلوها هذا الصواب، أنا عندي أي دخلوها.
الواو على رأي المؤلف للحال : حتَّى إذا جاؤوها وقد فُتِحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلامٌ عليكم طبتم فادخلوها خالدينَ، فدخلوها، تجد أن الكلام على هذا الوجه فيه ركاكة. ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ يعني: وقد فُتِحت أبوابها ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ أي: دخلوها، لا يستقيم، لكن ما ذكرنا أنه الراجح هو المطابق تمامًا لما جاءت به السنة، والسنة تفسر القرآن.
وقول المؤلف: (وسوقهم وفتح الأبواب قبل مجيئهم تكرمة لهم) سوقهم المستفاد من قوله: ﴿وَسِيقَ﴾.
(وفتح الأبواب قبل مجيئهم) لأنه يقول: الواو للحال، وقد فُتِحت أبوابها تكرمة لهم.
لكن يُقال: إن دعوى أن أبوابها فُتِحت قبل مجيئهم دعوى لا يسعفها الدليل، بل الدليل على خلافها؛ لأنهم إذا جاءوها لا يجدونها مفتوحة، بل يجدونها مغلقة، ثم يشفع النبي ﷺ أن تفتح الأبواب لأهلها، (...)، وهذه مسألة عقدية في الواقع؛ لأننا نؤمن ونعتقد أن للنبي ﷺ شفاعة خاصة به، وهي الشفاعة لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة، وعلى كلام المؤلف لا شفاعة؛ لأنهم يجدون الأبواب مفتوحة.
ثم قال: (وسوق الكفار وفتح أبواب جهنم عند مجيئهم ليبقى حرهم إليهم إهانة لهم) العبارة فيها نظر (ليبقى حرها إليهم) ما فيه نسخة مختلفة؟ أقول: نسخكم كلها متفقة؟
على كل حال، على كلام المؤلف أنها تُفتح عند مجيئهم من أجل أن يباشرهم حرها مباشرة بدون تأخر.
﴿وَقَالُوا﴾ (عطف على دخلوها المقدر).
فعلى كلام المؤلف: ﴿وَقَالُوا﴾ الواو حرف عطف، والفعل (قالوا) معطوف على دخلوها ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الزمر ٧٤].
والصواب: أن الواو للاستئناف، وأنهم بعد أن دخلوا واستقروا قالوا هذا الكلام.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر ٧٤] (بالجنة) حمدوا الله عز وجل هنا على إنعامه وعلى كماله؛ لأن صدق الله إياهم وعده بالجنة يتضمن شيئين:
الشيء الأول: وصف الله بالصدق، وهذا حمد له على كمال صفته.
والثاني: تحقيق ذلك لهم؛ أي: أنه حق لهم فيكون حمدًا على الشكر، فحمدهم لله الآن على أمرين: على الكمال وعلى الإنعام أو على الكمال وعلى الإفضال، الكمال في أيش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ما هي الصفة هنا؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الصدق ﴿الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾، ولا شك أن الصدق كمال.
الثاني: الإفضال، حيث أسكنهم الجنة، فيكون الحمد هنا شاملًا للأمرين؛ لأن الله يُحمد على ما له من صفات الكمال، وعلى ما له من تمام الإفضال.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ صدق المخفف غير صَدَّق المشدد؛ لأن صَدَق؛ يعني: أخبر بالصدق، وصَدَّق: صَدَّق من أخبر بالصدق، يُقال: حدثني فصدقني، المعنى: أخبرني بالصدق، ويُقال: حدثته فصدقني؛ يعني قال: إني صادق.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر ٣٣]، فالذي جاء بالصدق هو الذي صَدَق، وصَدَّق من أخبر بالصدق.
(﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ الجنة ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ أي: أرض الجنة ﴿نَتَبَوَّأُ﴾ ننزل ﴿مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ [الزمر ٧٤] لأنها كلها لا يُختار فيها مكان على مكان).
قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ أي: جعلنا نرثها، والأرض هنا -كما تعلمون- دخلت عليها الألف واللام أو دخلت عليها (أل)، فهل المراد بها الأرض المعهودة أو المراد بها أرض الجنة؟ يرى المفسر أن المراد بها أرض الجنة، وهذا التفسير يرد عليه أمران:
الأمر الأول: أن الأرض إذا أطلقت فهي الأرض المقابلة للسماء، وهي أرضنا هذه.
وثانيًا: أنه قال: ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ وكان مقتضى السياق إذا كانت الأرض هي الجنة أن يُقال: وأورثنا الأرض نتبوأ منها حيث نشاء، فلا يأتي بالظاهر؛ لأن الظاهر في هذا المثال لا معنى له.
ما المراد عند المؤلف بقوله الأرض؟ أرض الجنة، قلنا: على هذا التقدير يرد عليه شيئان:
الشيء الأول: أن الأرض عند الإطلاق يُراد بها ما يقابل السماء وهي أرضنا التي نسكنها.
وثانيًا: أنه قال: نتبوأ من الجنة، ولو كان المراد بالأرض هنا أرض الجنة لقال: نتبوأ منها حيث نشاء، وعلى هذا فالقول الصحيح أن المراد بالأرض هنا الأرض المقابلة للسماء، فتكون (أل) هنا للعهد، العهد أي العهود؟
* طالب: الذكري.
* الشيخ: الذكري، ما ذُكِر؟ إذن العهد الذهني، لا الحضوري ولا الذكري.
﴿نَتَبَوَّأُ﴾ منها؛ أي: من الجنة، فإذا قال قائل: كيف أورثهم الأرض؟ نقول: إن الله تعالى قال في كتابه: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥] فتوريث الله الأرض للمؤمنين في الدينا أنهم يقاتلون الكفار ويستولون على أراضيهم، هذه واحدة.
ثانيًا: أن وجودهم على الأرض وسكناهم فيها وعمرانهم إياها كالميراث بالنسبة للكفار؛ وذلك لأن الكفار لا يتمتعون بنعمة في الدنيا إلا كانت عليهم نقمة، اللقمة إذا رفعها الكافر إلى فمه هل يُعاقب عليها؟ يُعاقب عليها، نعم يُعاقب عليها؛ لأن الله تعالى قال: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة ٩٣]، مفهومه: من لم يكن كذلك فعليه جناح فيما طعم، ويقول عز وجل في اللباس: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف ٣٢] الكفار ليست لهم في الدنيا ولا خالصة لهم يوم القيامة، هم يكتسون بغير حق؛ لأنهم يتنعمون بنعمة الله ويكفرون الله.
على كل حال نقول: إيراث الأرض في الدنيا ما يستولي عليه المسلمون من أراضي الكفار، وإيراث آخر أن وجودهم على الأرض بحق، ووجود الكفار بغير حق، لكن الله أبقاهم لحكمة.
قال: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾، وقوله: ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ أي: نسكن حيث نشاء، وهل هذا على ظاهره بمعنى أن الإنسان الذي في أدنى الجنة نزلًا يستطيع أن يصعد إلى أعلى شيء؟ لا يستطيع هذا، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ الْغُرَفَ» يعني التي فوقهم «كَمَا يَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ فِي الْأُفُقِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٥٦)، ومسلم (٢٨٣٠ / ١١) من حديث أبي سعيد الخدري.]] يعني: بعيدًا وله إضاءة، هؤلاء يتراءون أصحاب الغرف، وقال تعالى: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ [الزمر ٢٠].
ولكن يُقال في توجيه هذه الآية الكريمة: ﴿حَيْثُ نَشَاءُ﴾ إما أن المعنى: نتبوأ من الجنة حيث نشاء في الدنيا؛ يعني: نعمل في الدنيا ما نشاء من الأعمال التي تبوئنا النزل التي هي ثواب لأعمالنا.
في الدنيا الإنسان ممكن أن يكون مع الأبرار الأخيار، وممكن أن يكون مع المقتصدين، ويمكن أن يكون من الظالمين أنفسهم: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر ٣٢] فالإنسان في الدنيا يمكن أن يتبوأ من الجنة حيث يشاء بأعماله الصالحة المختلفة، ظالم لنفسه، مقتصد، سابق بالخيرات، هذا واحد.
الوجه الثاني: أن نقول: ﴿حَيْثُ نَشَاءُ﴾ أن كل واحد من أهل الجنة لا يشاء سوى الذي هو فيه، يعني لا يقع في قلبه أن يتمنى أنه فوق، بل هو مطمئن تمامًا في مكانه الذي هو فيه لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف ١٠٧، ١٠٨] يعني لا يطلبون تحولًا كل واحد منهم راض بما هو فيه، ولا يرى أن أحدًا أنعم منه، حتى لو رآه حسًّا لم يره قلبًا؛ لأنه لو رأى أن أحدًا من الناس أعلى منه لكان في قلبه شيء من الحسرة واللوعة، وهذا منتفٍ في الجنة.
إذن يتوجه قوله: ﴿حَيْثُ نَشَاءُ﴾ بوجهين، الوجه الأول؟
* طالب: (...).
* الشيخ: اتضح الجواب ولّا جواب أعرج؟ أعرج الرجل مكسور الجناح، انتبه، إما أن المعنى ﴿حَيْثُ نَشَاءُ﴾ في الدنيا، بمعنى أن الإنسان في الدنيا له أن يعمل العمل الذي يؤهله إلى أعلى الدرجات، أو العمل الذي يجعله في الوسط، أو العمل الذي يجعله في الأدنى، أليس كذلك؟
الثاني: ﴿حَيْثُ نَشَاءُ﴾ في الجنة؛ يعني: أننا في الجنة لا نشاء سوى ما نحن فيه، بمعنى أن كل واحد منا يقتنع بمكانه الذي سكنه ولا يريد غيره، ودليل هذا قوله تعالى: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف ١٠٨].
استمع إلى كلام المفسر يقول: (لأنها كلها لا يُختار فيها مكان على مكان) جنح المؤلف إلى أي الاحتمالين؟ إلى الاحتمال الثاني، أن كل إنسان في مكانه لا يختار مكانًا غيره.
يقول: (﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ الجنة) حركوا الجنة؟ ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر ٧٤] الجنة بالضم ولّا بالكسر ولّا بالفتح؟
* طالب: بالضم.
* الشيخ: بالضم، على أنها؟
* طالب: فاعل.
* الشيخ: لا ما هي فاعل، على أنها المخصوص، الفاعل (أجر)، و(نِعْم أجر) و(بئس) -كما أسلفنا لكم- يحتاجان إلى شيئين؛ فاعل ومخصوص، الفاعل واضح والمخصوص دائمًا يكون محذوفًا في الغالب.
﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ نِعْم: فعل جامد لإنشاء المدح، وأجر: بمعنى ثواب، الأجر هنا بمعنى الثواب، ولكن الله تعالى سماه أجرًا تفضلًا منه ومِنَّة، كأننا استحققنا ذلك وجوبًا كما يستحق العامل أجرته وجوبًا.
فإن قال قائل: وهل يجب على الله أن يثيبنا؟
الجواب: يجب بوعده، فإنه وعد أن يثيبنا، وما وعد فإنه لا يمكن إخلافه.
إذن فالوجوب هنا ليس منًّا على الله، بل مَنّ الله على نفسه ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام ٥٤]، فتسمية الثواب أجرًا من باب التفضل على الله عز وجل أنه جعل هذا الثواب على نفسه كالأجرة للعامل؛ الأجرة الثابتة اللازمة، فكذلك ثواب المحسن أجر ثابت واجب على الله بإيجابه هو سبحانه وتعالى على نفسه تفضلًا منه وإحسانًا.
وفي مثل هذا يقول ابن القيم رحمه الله:
مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِبٌ ∗∗∗ هُوَ أَوْجَبَ الْأَجْرَ الْعَظِيمَ الشَّانِ؎إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُعِّمُوا ∗∗∗ فَبِفَضْلِهِ وَالْفَضْلُ لِلْمَنَّانِإذن فهو سبحانه وتعالى الذي مَنَّ علينا في الواقع مرتين: المرة الأولى: بتوفيقنا للعمل، والمرة الثانية: بجزائنا على هذا العمل الحسنة بعشر أمثالها، وانظر إلى الفضل أيضًا، والمنة الثالثة: هل جزاء الإحسان إلا الإحسان، فكأننا نحن الذين أحسنا فأحسن إلينا، مع أن الإنسان لله أولًا وآخرًا، فالحمد لله رب العالمين.
قال: (﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ الجنة).
وقوله: ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ هل هو كلام مبتدأ من الله أو هو بقية كلام أهل الجنة حين قالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾، إن كان من أهل الجنة فهو زيادة ثناء على الله عز وجل، وإن كان من الله ابتداء فهو حث لنا على أن نعمل هذا العمل الذي يكون هذا جزاؤه، انتهى الوقت؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، هذا إشكال جيد يقول: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ و﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ يقول: لماذا لم يقل: ونتبوأ، ليكون العطف يقتضي المغايرة؟
يقال: إن جملة (نتبوأ) حال ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ﴾ يعني: حال كوننا متبوئين، وهي حال مُقدرة، والحال المقدرة هي التي يتصف بها صاحبها بعد؛ يعني لا حالَ الفعل أو حال التلبس بها، فنقول: الحال هنا صحيح أننا لسنا نتبوأ من الجنة في نفس الدنيا، لكنها حال مقدرة، والحال المقدرة هي أن الحال تقع بعد عاملها.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا يدل، نحن ذكرنا لكم شيئين يمتنع أن يكون المراد بها أرض الجنة.
* طالب: (...).
* الشيخ: أنا ظننت أنك ستورد إشكالًا غير هذا، القنطرة التي يوقفون عليها بعد العبور على الصراط، قيل: إنها طرف الصراط، فهي قنطرة وإن لم يكن تحتها شيء، وقيل: إنها قنطرة أخرى للعبور عليها، فالله أعلم.
لكن الذي كنت أظن أن تورده أن تقول: كيف يُقتض لبعضهم من بعض والقصاص كان في عرصات القيامة قبل العبور على الصراط؟
فيُقال: هذا الاقتصاص غير الاقتصاص الأول، الاقتصاص الأول للجزاء والمعادلة، وهذا الاقتصاص لإزالة ما بقي في النفوس من أجل إزالة الغل والحقد، ولهذا لعلكم تذكرون أننا قلنا: «إذا هُذِّبوا ونُقُّوا دخلوا الجنة»[[أخرجه البخاري (٢٢٤٠)، (٦٢٣٥) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «يخلُصُ المؤمنون من النار فيُحبسون على قنطرةٍ بين الجنة والنار، فيُقصُّ لبعضِهم من بعضٍ مظالمُ كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذِّبوا ونُقُّوا أُذِن لهم في دخول الجنة».]] كما جاء في الحديث، أفهمت الآن؟ فهمت الإشكال والجواب ولّا بس الإشكال؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: على أحد القولين: القول الأول إن هذا الصراط هو طرف الصراط الكبير اللي يمر الناس عليه، وقفوا على القنطرة؛ أي على جانب الصراط الكبير.
* طالب: أنه من عمل سوءًا بجهالة..
* الشيخ: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الأنعام ٥٤].
* الطالب: إذا كان الإنسان يعمل سوءًا وهو يعلم..
* الشيخ: المراد بالجهالة -بارك الله فيك- السفه، ليس الجهالة التي هي ضد العلم، الذي ضد العلم يقال فيه: جَهْل ما يقال: جهالة، الجهالة هي السفه كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء ١٧] انتهى الوقت (...).
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر ٧٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ ما محل ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ من الإعراب؟
* طالب: نائب فاعل.
* الشيخ: نائب فاعل، ما الفرق بين سياق هؤلاء وسياقهم؟
* الطالب: سياق أهل النار بعنف، وأما سياق أهل الجنة سياق إكرام.
* الشيخ: قوله: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾، وفي النار قال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ فما هو الفرق؟ لماذا قال: ﴿وَفُتِحَتْ﴾ وهناك قال: ﴿فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني تفتح من حين مجيئهم مباشرة، وأما هذا؟
* الطالب: (...).
* طالب آخر: (...).
* الشيخ: تكون مفتوحة قبل أن يأتوا، هذا على رأي من؟
* طالب: أنها مقارنة لمجيئهم.
* الشيخ: على رأي من أنها مقارنة لمجيئهم؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: بناء على أيش؟ على أن الواو؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: عاطفة، أن الواو عاطفة ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ﴾ تكون للعطف.
وعلى رأي المؤلف؟
* طالب: (...).
* الشيخ: تُفتَح قبل أن يأتوا؛ لأنه قال: جعل الواو للحال بتقدير قد، حتى إذا جاءوها وقد فُتِحت أبوابها.
ما هو القول الراجح في هذا؟
* طالب: الواو للعطف والجواب تقديره..
* الشيخ: محذوف قبل العطف، التقدير؟
* الطالب: حتى إذا جاءوها وهُذِّبوا ونُقُّوا وفُتِحَت أبوابها.
* الشيخ: تمام، فيه رأي آخر أو رأي ثالث على الأصح في الواو؟
* طالب: (...).
* الشيخ: للحال، وقيل: إنها زائدة، وما رأيك في هذا القول؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، هل ترى هذا مقبولًا أو لا؟
* الطالب: (...).
* طالب آخر: (...).
* الشيخ: نقول: هذا غير صحيح؛ لأنه لم تعهد زيادتها في اللغة العربية.
قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ هل هذا دعاء أو خبر؟
* طالب: هذا خبر.
* الشيخ: خبر، و﴿طِبْتُمْ﴾؟
* الطالب: (طبتم) حال تفيد كل ما يطيبكم.
* الشيخ: حال منين؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، حال من أين؟ الحال تحتاج إلى عامل وصاحب؟ ما فيه؟
* طالب: (...).
* الشيخ: المعنى العموم، لكن حال من أين؟ من حيث الإعراب؟
* طالب: من الكاف.
* الشيخ: من الكاف في قوله: ﴿عَلَيْكُمْ﴾، صحيح.
قوله: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ أعربها المؤلف؟ ويش إعراب (خالدين)؟
* طالب: حال.
* الشيخ: منين؟
* الطالب: من الواو.
* الشيخ: من الواو في قوله: ﴿ادْخُلُوهَا﴾، هذه الحال مقارِنَة ولا مُقدَّرة؟
* الطالب: مقدرة.
* الشيخ: مقدرة.
قوله تعالى: ﴿صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ معناه؟
* طالب: ﴿صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ وفانا ما وعد.
* الشيخ: وفاهم ما وعد، فكان وعده صدقًا لنا.
﴿أَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾؟
* طالب: (...).
* الشيخ: قيل المراد بها؟
* الطالب: قيل المراد بها: يرث الأرض.
* الشيخ: أي أرض؟
* الطالب: أرض الكافرين.
* الشيخ: والثاني؟
* الطالب: والثاني يشارك الكافرين في..
* الشيخ: لا.
* طالب: أولًا: قال: أرض الجنة.
* الشيخ: قيل: المراد بالأرض أرض الجنة؟ وقيل؟
* الطالب: القول الثاني: إنها الأرض التي نحن (...).
* الشيخ: وكيف أورثهم إياها؟
* طالب: هذه الأرض؟ بأن جعلها خالصة لهم من دون الكفار (...).
* الشيخ: بماذا؟
* الطالب: بالعلو عليهم في الدنيا، جعلهم عالين عليهم في الدنيا (...).
* طالب آخر: قلنا ميراث الأرض من وجهين: الأول مقاتلة الكفار وسكنى أراضيهم، والثاني: أنهم وارثوها بحق، بخلاف الكفار، فإنهم سكنوا الأرض بالباطل.
* الشيخ: صار أرض الدنيا، أيهما أرجح؟
* طالب: الراجح هو أن الأرض هي أرض الدنيا.
* الشيخ: بماذا ترجحه؟
* الطالب: بأمرين: أولهما: أنه إذا أطلق الأرض فيقصد بها الأرض المقابلة للسماء.
الأمر الثاني: هو ذكر الله عز وجل الجنة بعد الأرض، ولو كانت الجنة ما صح ذكرها.
* الشيخ: كيف ذكر بعدها؟
* الطالب: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ لو كانت الأرض أرض الجنة ما يُقال: أرض الجنة نتبوأ؛ يعني كأن فيها..
* طالب آخر: الجواب من وجهين: الأول: أن الأرض إذا أُطلقت أُريد بها الأرض التي مقابلة السماء.
وثانيًا: لو كانت الأرض المرادة هنا أرض الجنة لما قال الله عز وجل ﴿مِنَ الْجَنَّةِ﴾.
* الشيخ: ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ﴾، لقال: منها، نتبوأ منها حيث نشاء.
لكن كيف يقول: ﴿أَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ﴾؟ كيف يكون ميراثهم الأرض سببًا لتبوئهم من الجنة؟
* طالب: قيل لأمرين: بالعمل الصالح في الدنيا (...) الجنة، وقيل: تبوؤهم الجنة: الطمأنينة في المكان الذي يريدون.
* الشيخ: يعني يتخذون مكانًا من الجنة بعملهم الصالح في الدنيا، أو حيث نشاء من مكانهم في الجنة.
قوله تعالى: ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ هل هذا من كلام أهل الجنة أو من كلام الله؟
* طالب: هذا إذا كان من الله سبحانه وتعالى فهو يكون (...).
* الشيخ: لا، أقول أسأل: هل هو من كلام الله أو أنه بقية كلام أهل الجنة الذين قالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾؟
* الطالب: بقية كلام أهل الجنة.
* الشيخ: هو بقية كلام أهل الجنة، فيه قول آخر؟
* الطالب: إذا كان من الله..
* الشيخ: ما هو إذا كان، أسألك هل فيه قول آخر أو لا؟
* الطالب: ما أعرف.
* طالب آخر: القول الثاني: أنه ابتداء من الله عز وجل فيكون فيه الحث لنا على العمل والاجتهاد في الطاعة.
* الشيخ: وأما إذا كان من قول أهل الجنة فهو من تتمة كلامهم وهو من باب التحدث بنعم الله.
ثم قال الله عز وجل وهو ابتداء درس اليوم ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ﴾ [الزمر ٧٥] ما أخذنا الفوائد؟ منين؟ سبحان الله.
قال الله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ إلى آخره [الزمر: ٧٣].
طالب: القول الثاني: أنه هداية من الله عز وجل، فيكون فيه حث على العمل واجتهاد الطاعة.
* الشيخ: وأما إذا كان من قول أهل الجنة فهو من تتمة كلامهم، وهو من باب التحدث بنِعَم الله.
الزمر 39:73
قال الله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر ٧٣] إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية: أن المتقين يُساقون إلى الجنة كما يُساق أهل النار إلى النار، لكن تختلف الكيفية.
وما هو الدليل على اختلاف الكيفية؟
الدليل قوله تعالى في أهل النار: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور ١٣]، وقوله في أهل الجنة هنا: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر ٧٣]، فهذا يدل على أنهم يساقون سَوْق إكرام.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن التقوى سبب لدخول الجنة؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾. ووجه ذلك أن ترتيب الْحُكْم على الوصف يدل على عِلِّيَّته؛ يعني إذا رُتِّب الحكم على وصف دل ذلك على أن هذا الوصف هو عِلَّة الْحُكم، فالسياق إلى الجنة هنا سببه التقوى، إذن تفيد الآية أن التقوى سبب لدخول الجنة، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [آل عمران ١٣٣، ١٣٤] إلى آخره.
* ومن فوائد هذه الآية: أن أهل الجنة يدخلونها جماعات متفرقة؛ لقوله: ﴿زُمَرًا﴾. وهذه الجماعات يترتب تقديمها على حسب أعمالهم الصالحة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أهل الجنة إذا جاؤوها لا يجدونها مفتوحة الأبواب؛ لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر ٧٣] ولكن يجدونها مغلقة حتى يشفع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في فتح أبواب الجنة لداخليها.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن للجنة أبوابًا، وقد ثبت في الصحيح[[أخرجه البخاري (٣٢٥٧) من حديث سهل بن سعد الساعدي.]] «أن أبوابها ثمانية».
ويترتب على هذه الفائدة ما ثبت من أن رحمة الله تعالى سبقت غضبه، وأن عطاءه أكبر وأعظم من منعه؛ لأن أبواب النار سبعة، وأبواب الجنة ثمانية.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات أن للجنة خزنة؛ لقوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾.
* يتفرع على هذه الفائدة: كمال تقدير الله سبحانه وتعالى للأشياء، وأن كل الأشياء منظمة محفوظة مرتبة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن الملائكة ينطقون ويتكلمون؛ لقوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾.
* ومن فوائدها: أن الجنة دار السلام، السلام من كل آفة؛ لقول الخزنة: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: أن الله جمع لهم -أي لأهل الجنة- بين السلامة من الآفات وطِيب الأحوال والأوقات؛ لقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ [الزمر ٧٣] فجُمِعَ لهم بين نفي الآفات وطِيب الأحوال والأوقات.
* ومن فوائدها؛ أي فوائد الآية الكريمة: الإذن لهم على وجْه الإكرام بدخول الجنة؛ لقوله: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر ٧٣].
* ومن فوائدها: الفرق التام والتباين العظيم بين ما يُقابَل به أهل الجنة وأهل النار، أهل النار يقابلون بالتوبيخ ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر ٧١] إلى آخره، وأهل الجنة يُقابَلون بالتكريم والعِناية والبُشْرى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر ٧٣].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إزعاج النفوس وإغراؤها على العمل بعمل أهل الجنة؛ لأن الإنسان إذا تبين له الفرق العظيم والتباين الكبير بين أهل النار وأهل الجنة فلا بد أن يكون عنده ما يحثه بل يزعجه إزعاجًا إلى العمل بعمل أهل الجنة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: خلود أهل الجنة فيها؛ لقوله: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾. والخلود هذا خلود أبدي سواء قلنا: إن الخلود هو المكث الدائم، أو إن الخلود هو المكث زمنًا طويلًا، وذلك لأنه قد تكرر ذِكْر التأبيد لأهل الجنة في عدة آيات.
﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر ٧٤].
* من فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على الله عز وجل بالكمال والإفضال؛ لقوله: ﴿الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ فإن صِدْق الوعد كمال، ثم إن إيراثهم الجنة إفضال.
فجمعوا في هذا الحمد بين الحمد على الكمال والحمد على الإفضال؛ لأن الله تعالى يُحمد على الأمرين جميعًا؛ على كماله، وعلى إفضاله، فيكون هذا الحمد جامِعًا بين الحمد والشكر.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: صِدْق الله وعده؛ لقوله: ﴿الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ وقد أخبر الله تعالى في آيات متعددة أنه لا يُخلف الميعاد، وذلك لكمال صدقه وكمال قدرته، فإن إخلاف الوعد إما أن يكون لكذب الواعد، وإما أن يكون لعجز الواعد، وكلاهما مما ينزه الله عنه فيكون فيه كمال الصدق وكمال القدرة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: شُكر أهل الجنة على إيراثهم الأرض ونصرهم وظهورهم على الكافرين؛ لقوله: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان يتبوأ بنفسه من الجنة حيث يشاء، وذلك بعمله؛ لقوله: ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مُجبَر على عمله، وليس له فيه اختيار؛ وذلك لقوله: ﴿نَتَبَوَّأُ﴾ فإن الفعل هنا ظاهر بالنسبة إليهم، فيكون باختيارهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أهل الجنة في منازلهم لا يريدون غيرها؛ لقوله: ﴿حَيْثُ نَشَاءُ﴾ وهذا من تمام النعيم؛ لأن الإنسان لو تطلع إلى منازل غيره لرأى أنه لم يَكمل له النعيم، يقول مثلًا: فلان أحسن مني قصرًا، فلان أكثر مني مالًا، فيتنغص عليه النعيم، لكن إذا رأى أنه في المكان الذي يشاؤه ولا يريد التحول عنه، فإن هذا من كمال النعيم، قال الله تعالى: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف ١٠٨].
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة للعبد. فيكون فيها رد على مَنْ؟ على الجبرية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على هذا الثواب الذي حصل لأهل الجنة في قوله: ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر ٧٤].
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان مِنَّة الله سبحانه وتعالى بالجزاء، حيث جعله أجرًا، وكأنه أجر مفروض على الله عز وجل.
فإن قال قائل: كيف تجعلون على الله تعالى شيئًا مفروضًا؟ قلنا: لم نجعله نحن ولكن هو الذي جعله على نفسه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على العمل، ولكن أي عمل هو؟ العمل الصالح الذي يُورِث الجنة، وأن الإنسان لا ينبغي أن يكون كسولًا متراخيًا في الأعمال الصالحة.
الزمر 39:74
قال الله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر ٧٣] إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية: أن المتقين يُساقون إلى الجنة كما يُساق أهل النار إلى النار، لكن تختلف الكيفية.
وما هو الدليل على اختلاف الكيفية؟
الدليل قوله تعالى في أهل النار: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور ١٣]، وقوله في أهل الجنة هنا: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر ٧٣]، فهذا يدل على أنهم يساقون سَوْق إكرام.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن التقوى سبب لدخول الجنة؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾. ووجه ذلك أن ترتيب الْحُكْم على الوصف يدل على عِلِّيَّته؛ يعني إذا رُتِّب الحكم على وصف دل ذلك على أن هذا الوصف هو عِلَّة الْحُكم، فالسياق إلى الجنة هنا سببه التقوى، إذن تفيد الآية أن التقوى سبب لدخول الجنة، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [آل عمران ١٣٣، ١٣٤] إلى آخره.
* ومن فوائد هذه الآية: أن أهل الجنة يدخلونها جماعات متفرقة؛ لقوله: ﴿زُمَرًا﴾. وهذه الجماعات يترتب تقديمها على حسب أعمالهم الصالحة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أهل الجنة إذا جاؤوها لا يجدونها مفتوحة الأبواب؛ لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر ٧٣] ولكن يجدونها مغلقة حتى يشفع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في فتح أبواب الجنة لداخليها.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن للجنة أبوابًا، وقد ثبت في الصحيح[[أخرجه البخاري (٣٢٥٧) من حديث سهل بن سعد الساعدي.]] «أن أبوابها ثمانية».
ويترتب على هذه الفائدة ما ثبت من أن رحمة الله تعالى سبقت غضبه، وأن عطاءه أكبر وأعظم من منعه؛ لأن أبواب النار سبعة، وأبواب الجنة ثمانية.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات أن للجنة خزنة؛ لقوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾.
* يتفرع على هذه الفائدة: كمال تقدير الله سبحانه وتعالى للأشياء، وأن كل الأشياء منظمة محفوظة مرتبة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن الملائكة ينطقون ويتكلمون؛ لقوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾.
* ومن فوائدها: أن الجنة دار السلام، السلام من كل آفة؛ لقول الخزنة: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: أن الله جمع لهم -أي لأهل الجنة- بين السلامة من الآفات وطِيب الأحوال والأوقات؛ لقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ [الزمر ٧٣] فجُمِعَ لهم بين نفي الآفات وطِيب الأحوال والأوقات.
* ومن فوائدها؛ أي فوائد الآية الكريمة: الإذن لهم على وجْه الإكرام بدخول الجنة؛ لقوله: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر ٧٣].
* ومن فوائدها: الفرق التام والتباين العظيم بين ما يُقابَل به أهل الجنة وأهل النار، أهل النار يقابلون بالتوبيخ ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر ٧١] إلى آخره، وأهل الجنة يُقابَلون بالتكريم والعِناية والبُشْرى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر ٧٣].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إزعاج النفوس وإغراؤها على العمل بعمل أهل الجنة؛ لأن الإنسان إذا تبين له الفرق العظيم والتباين الكبير بين أهل النار وأهل الجنة فلا بد أن يكون عنده ما يحثه بل يزعجه إزعاجًا إلى العمل بعمل أهل الجنة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: خلود أهل الجنة فيها؛ لقوله: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾. والخلود هذا خلود أبدي سواء قلنا: إن الخلود هو المكث الدائم، أو إن الخلود هو المكث زمنًا طويلًا، وذلك لأنه قد تكرر ذِكْر التأبيد لأهل الجنة في عدة آيات.
﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر ٧٤].
* من فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على الله عز وجل بالكمال والإفضال؛ لقوله: ﴿الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ فإن صِدْق الوعد كمال، ثم إن إيراثهم الجنة إفضال.
فجمعوا في هذا الحمد بين الحمد على الكمال والحمد على الإفضال؛ لأن الله تعالى يُحمد على الأمرين جميعًا؛ على كماله، وعلى إفضاله، فيكون هذا الحمد جامِعًا بين الحمد والشكر.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: صِدْق الله وعده؛ لقوله: ﴿الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ وقد أخبر الله تعالى في آيات متعددة أنه لا يُخلف الميعاد، وذلك لكمال صدقه وكمال قدرته، فإن إخلاف الوعد إما أن يكون لكذب الواعد، وإما أن يكون لعجز الواعد، وكلاهما مما ينزه الله عنه فيكون فيه كمال الصدق وكمال القدرة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: شُكر أهل الجنة على إيراثهم الأرض ونصرهم وظهورهم على الكافرين؛ لقوله: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان يتبوأ بنفسه من الجنة حيث يشاء، وذلك بعمله؛ لقوله: ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مُجبَر على عمله، وليس له فيه اختيار؛ وذلك لقوله: ﴿نَتَبَوَّأُ﴾ فإن الفعل هنا ظاهر بالنسبة إليهم، فيكون باختيارهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أهل الجنة في منازلهم لا يريدون غيرها؛ لقوله: ﴿حَيْثُ نَشَاءُ﴾ وهذا من تمام النعيم؛ لأن الإنسان لو تطلع إلى منازل غيره لرأى أنه لم يَكمل له النعيم، يقول مثلًا: فلان أحسن مني قصرًا، فلان أكثر مني مالًا، فيتنغص عليه النعيم، لكن إذا رأى أنه في المكان الذي يشاؤه ولا يريد التحول عنه، فإن هذا من كمال النعيم، قال الله تعالى: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف ١٠٨].
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة للعبد. فيكون فيها رد على مَنْ؟ على الجبرية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على هذا الثواب الذي حصل لأهل الجنة في قوله: ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر ٧٤].
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان مِنَّة الله سبحانه وتعالى بالجزاء، حيث جعله أجرًا، وكأنه أجر مفروض على الله عز وجل.
فإن قال قائل: كيف تجعلون على الله تعالى شيئًا مفروضًا؟ قلنا: لم نجعله نحن ولكن هو الذي جعله على نفسه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على العمل، ولكن أي عمل هو؟ العمل الصالح الذي يُورِث الجنة، وأن الإنسان لا ينبغي أن يكون كسولًا متراخيًا في الأعمال الصالحة.
الزمر 39:75
ثم قال الله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر ٧٥].
﴿تَرَى الْمَلَائِكَةَ﴾ ﴿تَرَى﴾ أيها المخاطب، ويحتمل أن المراد به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن القول الأول أولى؛ لأن القول الأول يشمل القول الثاني ولا عكس، فإنك إذا قلت: وترى يا محمد؛ حجبت هذا الخطاب عن بقية الأمة، وإذا قلت: وترى أيها المخاطَب؛ صار عامًّا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولغيره من الأمة، والقاعدة أنه إذا دار اللفظ بين معنى عام ومعنى خاص، فإنه يحمل على المعنى العام؛ لأنك إذا حملته على المعنى العام دخل فيه الخاص ولا عكس.
وقوله: ﴿الْمَلَائِكَةَ﴾ جمع (مَلَك)، والملَك في الأصل هو الرسول، والملائكة جعلهم الله تعالى رسلًا وهم عالم غيبي قائمون بأمر الله عز وجل، مخلوقون من نور؛ ولهذا ليس فيهم معصية؛ لأنهم خُلِقوا من النور، والجن خُلِقُوا من النار؛ ولهذا كان الأصل أنه ليس فيهم طاعة، فإن أباهم أو زعيمهم استكبر عن أمر الله الذي خاطبَه به مشافهة.
﴿الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ﴾ يقول المؤلف: (حال)، وإنما جعلها حالًا؛ لأن الرؤية هنا بصرية، والرؤية البصرية لا تنصب إلا مفعولًا واحدًا، فما يأتي بعده منصوبًا يكون منصوبًا على الحال، بخلاف الرؤية العلمية فإنها تنصب كم؟ تنصب مفعولين. إذن الرؤية هنا بصرية؛ ولهذا أعرب المؤلف قوله: ﴿حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ أعربها حالًا.
وقوله: ﴿حَافِّينَ مِنْ﴾ أي محيطين به. و﴿الْعَرْشِ﴾ هو عرش الله عز وجل الذي استوى عليه، وهو أعظم المخلوقات وأعلاها وأوسعها، فإن الكرسي وسع السماوات والأرض؛ يعني أحاط بها وشملها، والعرش أعظم من الكرسي، وقد جاء في الحديث: «أَنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ فِي الْكُرْسِيِّ كَحَلْقَةٍ أُلْقِيَتْ فِي فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ»[[أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٨٦١) من حديث أبي ذر.]]. حلقة كحلقة المغفر وهي حلقة ضيفة أُلْقِيت في فلاة من الأرض. «وَإِنَّ فَضْلَ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الْفَلَاةِ عَلَى هَذِهِ الْحَلْقَةِ». إذن فيكون هذا العرش عظيمًا لا يقدر قدره إلا الله عز وجل.
(﴿حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر ٧٥] من كل جانب). ووجه هذا التفسير أنه من كل جانب؛ لأنه أطلق قوله: ﴿حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ وحينئذٍ لا بد أن يكون هذا الحول من كل جانب؛ لأنهم لو أحاطوا من جانب واحد لم يكونوا حول العرش من الجانب الخالي، فإذا كانوا حافين من حوله فلا بد أن يحيطوا بجميع جوانبه؛ ولهذا قال: (من كل جانب).
﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر ٧٥] قال: (﴿يُسَبِّحُونَ﴾ حال) يعني الجملة هذه حالية من ضمير ﴿حَافِّينَ﴾، يعني حافين اسم فاعل، واسم الفاعل يتحمل الضمير كما يتحمله الفعل.
(﴿حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ حال من ضمير ﴿حَافِّينَ﴾، ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ ملابسين للحمد) يعني جعل الباء في قوله: ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ للملابسة، وإن شئت فقل: للمصاحبة؛ أي يسبحون تسبيحًا مصحوبًا بالحمد. (أي يقولون: سبحان الله وبحمده) والجمع بين التسبيح والحمد هو كمال المسبَّح والمحمود؛ لأن بالتسبيح زوال النقائص والعيوب، وبالحمد إثبات الكمال، فيكون الجمع بين التسبيح والحمد مفيدًا لمعنى أكثر مما لو انفرد التسبيح، أو انفرد الحمد.
(﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بين جميع الخلائق ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي العدل) ﴿قُضِيَ﴾ ﴾ أي: حُكِم؛ يعني القضاء معناه الحكم.
وقوله: (﴿بَيْنَهُمْ﴾ أي بين جميع الخلق ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بالعدل، فيدخل المؤمنون الجنة والكافرون النار).
﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر ٧٥] قيل: أبهم الفاعل ليكون أعم؛ يعني أن الله تعالى في تلك الحال يُحمَد من كل أحد، ومن كل جانب، ومن كل جهة، والحمد هنا مقرون بـ(أل) المفيدة للاستغراق، واللام في قوله: ﴿لِلَّهِ﴾ للاختصاص والاستحقاق، إذا جعلنا الحمد للاستغراق شملت كل أنواع الحمد، سواء كان على كمال الصفات أو على الإفضال والإحسان والإنعام، وإذا قلنا: اللام ﴿لِلَّهِ﴾ أنها للاستحقاق والاختصاص تَبين أن الحمد المطلق لا يستحقه إلا الله، ولا يكون إلا لله، لا يكون إلا لله اختصاصًا، ولا يحمد به إلا الله استحقاقًا.
والفرق بين الحمد والمدح مع تساويهما في الحروف؛ أن المدح وصف بالكمال لكن لا يستلزم المحبة، فالله تعالى يُحمد ويُمدح، لكن الحمد أخص من المدح؛ لأن المدح هو مطلق الثناء، وأما الحمد فهو ثناء مقرون بمحبة وتعظيم.
وقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: خالق العالمين، ومالكهم، ومدبرهم، والْعَالَمُ كل من سوى الله.
(ختم استقرار الفريقين بالحمد من الملائكة) وهذا فيه نظر، وليس من الملائكة، بل من الملائكة وغيرهم؛ ولهذا أبهم الفاعل قال: ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
* في هذه الآية الكريمة عدة فوائد:
* أولًا: إثبات الملائكة؛ لقوله: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر ٧٥].
* ومن فوائدها: إظهار عظمة الله في ذلك اليوم، حيث تحف جنوده بعرشه، وهذا من مظاهر العظمة وكمال السلطان أن يُرَى الجنود حافِّين بمالكهم وخالقهم وسيدهم سبحانه وتعالى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العرش؛ لقوله: ﴿مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على الملائكة؛ وذلك بحُسن انتظامهم بحفهم من حول العرش، وهذا حُسْن فِعْلي، وبكونهم يُسبِّحون الله بحمده، وهذا حُسْن قولي، فيجمعون بين تعظيم الله تعالى بالفعل وتعظيمه بالقول.
* ومن فوائد الآية الكريمة: اختيار الجمع بين التسبيح والحمد؛ لقوله: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾؛ وذلك لأن بالتسبيح زوال النقص والعيب، وبالحمد إثبات الكمال.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى رب لهؤلاء الملائكة مع عظمهم؛ لقوله: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ وأن ربوبيته للملائكة ربوبية خاصة بدليل الإضافة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى يقضي بعد هذا كله بين الخلق بالعدل؛ لقوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي: حُكِم بينهم.
والقضاء؛ قضاء الله تعالى نوعان: كوني وشرعي؛ فالشرعي مثل قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء ٢٣] يعني: وَصَّى ألا نعبد إلا الله، وقضاء كوني مثل قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء ٤]، فإن هذا لا يمكن أن يكون قضاء شرعيًّا؛ لأن الله لا يقضي بالفساد، ولكنه قضاء كوني.
وبهذا نعرف الفرق بين القضاء الكوني والشرعي؛ فالكوني فيما يحب وما لا يحب، والشرعي فيما يحب، والفرق الثاني أن الكوني لا بد من وقوع المقْضِيِّ، والشرعي لا يلزم منه وقوع المقضي؛ إذ قد يقع وقد لا يقع.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن القضاء في ذلك اليوم قضاء بالعدل ليس فيه جور بوجه من الوجوه؛ لقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾.
* ومن فوائدها: حَمْد الله سبحانه وتعالى في ذلك اليوم الذي يتم فيه الأمر ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وإذا قارنت بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام ١] تبيَّن لك أن الله تعالى محمود في أول الأمر وآخره، في أول الأمر في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، وفي آخره بعد أن قُضِيَ بين الخلائق بالحق قيل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان استحقاق الله تعالى للحمد كله؛ لقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. و(أل) ذكرنا أنها للاستغراق، واللام للاختصاص والاستحقاق.
* ومن فوائدها: إثبات عموم الربوبية؛ لقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. والعالَمون كل من سِوَى الله، قال بعض العلماء: إنما سموا بهذا؛ لأنهم عَلَم على خالقهم.
فَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ∗∗∗ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِــــــدُ
* الطالب: أحسن الله إليك، قال: (...) قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ إن التسبيح هنا للتلذذ لا للتعبد؛ لأن لا تكليف في ذلك اليوم، ما رأيكم؟
* الشيخ: رأينا أن هذا قول باطل، بل وللتعبد، ولكنهم يتلذذون بالعبادة؛ يعني يشعرون بأنهم خاضعون لله متذللون له، وأما قوله: (لا تكليف في ذلك اليوم)، فهو أيضًا باطل؛ ففي ذلك اليوم تكليف، أليس الله يقول: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم ٤٢]؟ ففيه تكليف، ومن نفى التكليف في ذلك اليوم فقد أخطأ، وغفل عن النصوص الدالة على أن فيه تكليفًا.
* طالب: ورد عن بعض السلف أن الكرسي موضع قدم الله عز وجل كالإمام أحمد وغيره؟
* الشيخ: نعم، وعن ابن عباس أيضًا ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الكرسي موضع القدمين، وقال بعض العلماء: إنه بالنسبة للعرش كالدرجة.
* طالب: شيخ -بارك الله فيكم- يرد معنا كثيرًا القَدَر الكوني، والحكم الكوني والشرعي هنا كثيرًا، والفروق بينهم ليست فروقًا؟
* الشيخ: نعم، صحيح.
* الطالب: فما هذا؟
* الشيخ: هو هذا، نعم هو هذا، القضاء والحكم والإرادة.
* الطالب: كلها واحدة؟
* الشيخ: لا، معنى الإرادة غير الْحُكم، الحكم قد يكون بمعنى القضاء، لكن الإرادة غيره، إنما هي تنقسم هذا التقسيم كما هو واضح، ما فيه إشكال.
* الطالب: (...).
* الشيخ: كل (...) جسم، نقول: صدق، كيف الدليل؟
ما هو عرضها السماوات والأرض؟ والله يضع رجله على النار حتى ينزوي بعضها إلى بعض؟
أليس الإنسان ينظر إلى ملكه في الجنة مسيرة ألفي عام ينظر أقصاه كما ينظر أدناه؟
إذا لم يجعلها جسمًا، ماذا نكون؟ بالهواء؟
* الطالب: تكون جسمًا.
* الشيخ: ما أدري والله، أنا ما سمعتها إلا منك الآن.
* الطالب: هل الملائكة يقال لهم: إنهم مكلفون؟
* الشيخ: نعم؛ لأنهم يستجيبون لله عز وجل: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم ٦]، فنفي العصيان عنهم يدل على أنهم يُكلَّفون بالشيء، وعلى أن العصيان منهم ممكن عقلًا، لكنهم لا يعصون الله ما أمرهم.
* طالب: ذكرتم -عفا الله عنكم- أن أهل الجنة في الجنة في نعيم تام، فهم راضون بمكانهم في الجنة، فما توجيهكم لقول ابن القيم بأن ذكر الله أمان من الحسرة يوم القيامة، واستدل بحديث: «أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا يَتَحَسَّرُونَ إِلَّا عَلَى سَاعَةٍ مَرَّتْ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهَا»[[رواه الطبراني في المعجم الكبير (١٨٢) والبيهقي في الشعب (٥٠٩)، (٥١٠) من حديث معاذ بن جبل.]]. فهل هذه الحسرة تتوجه مع قولنا: إنهم في النعيم؟
* الشيخ: لا.
* الطالب: ذكروا هذه الحسرة؛ لأنهم ينظرون فيما سبقهم ومن هو أعلى منهم؟
* الشيخ: لا، هذا ليس حسرة، هذا تمنٍّ، يعني يتمنون أنهم فعلوا ذلك، وتمني الشيء لا يدل على الحسرة، ولا يمكن أن يكون في الجنة حسرة بمعنى الندم والانقباض مثلًا؛ لأن هذا يُنافي كمال النعيم.
* طالب: قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ ألا يدل هذا على أن للعرش جوانب وأركانًا؟
* الشيخ: بلى، وهو كذلك، والحديث الثابت في الصحيحين[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤١٢)، ومسلم (٢٣٧٤/١٦٢) من حديث أبي سعيد الخدري.]] أيضًا «أن مُوسى يَكُونُ آخِذًا بقوائم العَرْش».
* * *
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾ [غافر ١ - ٤].
* الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ البسملة آية من كتاب الله عز وجل مستقلة، ليست من السورة التي قبلها، ولا من السورة التي بعدها، ولكن يُؤتَى بها في ابتداء السور، إلا سورة واحدة وهي سورة براءة، فإنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه جعل فيها بسملة؛ ولهذا تركها الصحابة رضي الله عنهم بدون بسملة لعدم ثبوت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وأما ما قيل: إنها تُرِكت بلا بسملة؛ لأنها نزلت بالسيف فإنه قول باطل، ليس هذا هو السبب، والسيف إذا كان رحمةً فإنه غنيمة، ومعلوم أن السيف على الكفار رحمة يُقصد به إعلاء كلمة الله عز وجل.
ثم البسملة -كما تشاهدون- جملة ليس فيها فِعْل ولا اسم فاعل، لكنها جار ومجرور، ومضاف ومضاف إليه، وصفة وموصوف، الجار هو الباء، والمجرور اسم، والمضاف اسم، والمضاف إليه لفظ الجلالة، وموصوف وهو الله، وصفة وهو الرحمن الرحيم، فأين المتعلَّق؟ لأنه لا بد لكل جار ومجرور أو ظرف لا بد له من متعلق، كما قال الناظم ناظم الجمل أنشدنا:
* الطالب:
لَا بُدَّ لِلْجَـــــارِ مِــــــنَالتَّــــعَــلُّقِ ∗∗∗ بِفِعْــــــــلٍ اوْ مَعْـــــــــــنَاهُنَحْـــــــــــــوُ مُـــــــــرْتَقِي؎وَاسْـــتَثْنِ كُــلَّ زَائِــــدٍ لَهُ عَـــمَلْ ∗∗∗ كَـ(الْبَا وَمِنْ وَالْكَافِ) أَيْضًاوَ(لَعَلْ)
* الشيخ:
لَا بُدَّ لِلْجَــــــارِ مِــــنَ التَّـــعَــلُّق ∗∗∗ بِفِعْــــــــــلٍ اوْ مَعْـــــــــنَاهُنَحْــــــــــــوُ مُــــــــــرْتَقِي؎وَاسْــــتَثْنِ كُـلَّ زَائِدٍ لَهُ عَـــمَل ∗∗∗ كَـ(الْبَا وَمِنْ وَالْكَافِ) أَيْضًاوَ(لَعَلْ)
فأين متعلقها؟ أين متعلق البسملة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؟ أحسن ما يقال: إن متعلَّقها فعل متأخر مناسب لما ابتدئ بالبسملة من أجله، فنحن الآن نريد أن نقرأ نقول: المتعلَّق تقديره باسم الله أقرأ، نريد أن نتوضأ نقول: التقدير باسم الله أتوضأ، نريد أن نذبح، نقول: التقدير: باسم الله أذبح، وإنما قدَّرناه فعلًا لا اسم فاعل؛ لأن الأصل في العمل هو الفعل، وإنما قدَّرناه متأخرًا لوجهين:
الوجه الأول: التيمن بالبداءة باسم الله.
والثاني: إفادة الحصر؛ لأنك إذا أخَّرت العامل وقدَّمت المعمول كان ذلك دليلًا على الحصر؛ إذ إن القاعدة المعروفة في البلاغة هي أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، وإنما قدرناه مناسبًا لما ابتدئ به؛ لأنه أدل على المقصود، فمثلًا لو قلت: إن التقدير باسم الله ابتدئ؛ صح، لكن ابتدئ بأي شيء؟ فإذا قلنا: نُقدِّره فعلًا خاصًّا مناسبًا لما ابتُدئ به؛ صار ذلك أدل على المقصود، ومعلوم أن ما كان أدل على المقصود كان أبين في المراد، هذا هو إعراب هذه البسملة.
أما معناها، فإن (اسم) مفرد مضاف، وكل مفرد مضاف فإنه للعموم، أرأيتم قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل ١٨] فإن ﴿نِعْمَةَ﴾ مفرد مضاف، لكن ليست نعمة واحدة؛ لأن النعمة الواحدة تُحصى، لكنها نِعَمٌ كثيرة، فتشمل كل ما أنعم الله به على العبد، إذا كان المفرد المضاف يُفيد العموم، فما معنى قولنا: بسم الله الرحمن الرحيم؟ معناها بكل اسم من أسماء الله أفعل كذا وكذا، بكل اسم، فتكون أنت الآن مستعينًا بكل اسم من أسماء الله على هذا الفعل الذي بسملت من أجله.
وأما (اسم) فقيل: إنه مشتق من السموِّ وهو الارتفاع؛ وذلك لأن الاسم يرفع المسمى ويبينه، وقيل: إنه مشتق من السِّمة؛ وهي العلامة، قال الله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ [الفتح ٢٩] أي: علامتهم في وجوههم، وأيًّا كان فالاسم يُعيِّن مُسمَّاه ويميزه من غيره.
وأسماء الله سبحانه وتعالى -كما مر علينا في التوحيد- غير محصورة بعدد، كما جاء في الحديث الصحيح: «أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ»[[أخرجه أحمد (٣٧١٢)، وابن حبان (٩٧٢)، والحاكم (١٨٩٨) من حديث ابن مسعود.]].
وأما ﴿اللَّه﴾ فهو عَلَم على الذات المقدَّسة العلية، وهو الله سبحانه وتعالى، قال النحويون: وهو أعرف المعارف، أعرف المعارف هذا العَلَم، وقد رتبوا المعارف -كما تعرفون- بأن أعرفها الضمير، ثم الأعلام، لكن هذا العَلَم هو أعرفها؛ إذ لا تحتمل المشاركة فيه، وغيره من المعارف يمكن المشاركة فيه.
وأما قوله: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ فهو اسم من أسماء الله دال على الرحمة الواسعة، و﴿الرَّحِيمِ﴾ اسم من أسماء الله دال على الرحمة التي تقع بالفعل، فـ﴿الرَّحْمَنِ﴾ للوصف، و﴿الرَّحِيمِ﴾ للفعل؛ يعني أنه رحمن يرحم، وبذلك تبين فائدة الجمع بينهما، فإن فائدة الجمع بينهما هو الدلالة على أن رحمة الله واسعة، وذلك في قوله: ﴿الرَّحْمَنِ﴾؛ لأن (فَعْلان) يدل على الامتلاء والسعة، كما تقول: (شبعان وريَّان) وما أشبهها. وأما ﴿الرَّحِيمِ﴾ فهو باعتبار الفعل، أي إيصال الرحمة إلى من قدر الله أن يرحمه.
والبسملة لها أحكام منها: أنها تكون أحيانًا شرطًا في الحِلِّ كالتسمية على الذبيحة؛ فإن التسمية على الذبيحة شرط لِحِلِّها، حتى إنه لو ترك التسمية ولو نسيانًا لم تحل الذبيحة، وقد تكون واجبة لا شرطًا، كما في الوضوء عند بعض العلماء، فإن التسمية في الوضوء واجبة ولكنها ليست شرطًا للصحة، إذ لو تركها نسيانًا صح وضوؤه، وقد تكون مستحبة في كل أمر ذي شأن، كما جاء في الحديث: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي شَأْنٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِاسْمِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ». أو: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ»[[أخرجه أحمد (٨٧١٢)، وابن ماجه (١٨٩٤) من حديث أبي هريرة.]]. يعني ذي شأن مهم لا يبدأ فيه بباسم الله «فَهُوَ أَبْتَرُ» أي: منزوع البركة؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبتدئ بها في المكاتبات إلى الملوك وغيرهم، وكذلك الأنبياء من قبله كما جاء في القرآن الكريم: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل ٣٠، ٣١].
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿حم﴾ [غافر ١] هذه كلمة مُكوَّنة من حرفين مهملين هجائيين (الحاء والميم)؛ ولهذا ننطق بها باسمهما لا بلفظهما، فلا نقول: حم، بل نقول: (حاء ميم) باسمهما، فهما إذن حرفان مهملان هجائيان، يتركب منهما كلام الناس.
فهل لهذين الحرفين معنى؟ يقول المؤلف: (الله أعلم بمراده به) يعني ما ندري ماذا أراد؟
هل أراد إثبات معنى، أو لم يُرد إثبات معنى؟ وهل أراد معنًى معينًا أم ماذا؟ المهم أننا نُفوِّض، فموقفنا من هذا التفويض كغيره من الحروف الهجائية التي ابتُدئت بها بعض السور.
ولكن مقتضى كون القرآن باللسان العربي أن نقول: إنهما حرفانِ هجائيانِ مهملانِ، ليس لهما معنى؛ يعني نجزم بأنه لا معنى لهما؛ لأن القرآن نزل باللغة العربية، واللغة العربية لا تجعل للحروف الهجائية معنى، وهذا مروي عن مجاهد إمام المفسرين في زمن التابعين، وهو الحق؛ لأن الله تعالى قال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٣ - ١٩٥].
فإن قال قائل: يرد على هذا القول أن في القرآن ما ليس له معنى وليس له فائدة، وإنما هي حروف مقطعة ليس لها فائدة؟
قلنا: الجواب عن هذا الإيراد أن الله سبحانه وتعالى تكلم بذلك لمغزى لا لمعنى؛ أي: لحكمة بالغة، وهي أن هذا القرآن الذي أعجزكم أيها البلغاء من العرب لم يكن أتى بشيء جديد من الحروف، بل أتى بالحروف التي تُركِّبون منها كلامكم، ومع ذلك أعجزكم، عجزتم عن صف الحروف حتى تكون مثل القرآن، فإذا كنتم عجزتم عن ذلك، فعجزكم عن معنى هذه الكلمات من باب أوْلى، وهذا الذي ذكره الزمخشري في تفسيره، وارتضاه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وذكره أيضًا إما ابتداءً أو تقليدًا، المهم أن هذا هو الصواب عند المحققين، وهو أن الله تعالى أنزلها لتمام..
غافر 40:1
الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾ [غافر ١ - ٤].
* الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ البسملة آية من كتاب الله عز وجل مستقلة، ليست من السورة التي قبلها ولا من السورة التي بعدها، ولكن يؤتى بها في ابتداء السور إلا سورة واحدة وهي سورة براءة، فإنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه جعل فيها بسملة؛ ولهذا تركها الصحابة رضي الله عنهم بدون بسملة لعدم ثبوت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وأما ما قيل: إنها تُرِكَت بلا بسملة لأنها نزلت بالسيف فإنه قول باطل، ليس هذا هو السبب، والسيف إذا كان رحمة فإنه غنيمة، ومعلوم أن السيف على الكفار رحمة يُقْصَد به إعلاء كلمة الله عز وجل.
ثم البسملة -كما تشاهدون- جملة ليس فيها فعل ولا اسم فاعل، لكنها جار ومجرور، ومضاف ومضاف إليه، وصفة وموصوف.
الجار هو الباء، والمجرور اسم، والمضاف اسم، والمضاف إليه لفظ الجلالة، وموصوف وهو الله، وصفة وهو الرحمن الرحيم. فأين المتعلَّق لأنه لا بد لكل جار ومجرور أو ظرف لا بد له من متعلق كما قال الناظم ناظم الجمل:
لَا بُدَّ لِلْجَارِّ مِنَ التَّــــــعَلُّقِ ∗∗∗ بِفِعْلٍ أَوْ مَعْــــــــــــــــــــــــنَاهُنَحْـــــــــــــوُ مُــــــــــــــرْتَقِ؎وَاسْتَثْنِ كُلَّ زَائِدٍ لَهُ عَمَلْ ∗∗∗ كَالبْا و(مِنْ) وَالْكَافِ أَيْضًاوَ(لَعَلْ)
فأين متعلق البسملة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؟ أحسن ما يقال: إن مُتعلَّقها فعل متأخر مناسب لما ابتُدئ بالبسملة من أجله، فنحن الآن نريد أن نقرأ نقول: المتعلق تقديره بسم الله أقرأ، نريد أن نتوضأ نقول: التقدير باسم الله أتوضأ، نريد أن نذبح نقول: التقدير باسم الله أذبح. وإنما قدرناه فعلًا لا اسم فاعل؛ لأن الأصل في العمل هو الفعل، وإنما قدَّرْناه متأخرًا لوجهين:
الوجه الأول: التَّيَمُّن بالبَداءة باسم الله.
والثاني: إفادة الحصر؛ لأنك إذا أخَّرتَ العامل وقدمتَ المعمول كان ذلك دليلًا على الحصر؛ إذ إن القاعدة المعروفة في البلاغة هي أن تقديم ما حقُّه التأخير يفيد الحصر، وإنما قدَّرْناه مناسبًا لما ابتُدِئ به؛ لأنه أدل على المقصود، فمثلًا لو قلت: إن التقدير باسم الله أبتدئ، صح. لكن أبتدئ بأي شيء؟ فإذا قلنا: نقدِّره فعلًا خاصًّا مناسبًا لما ابتدئ به صار ذلك أدل على المقصود، ومعلوم أن ما كان أدل على المقصود كان أبين في المراد، هذا هو إعراب هذه البسملة.
أما معناها فإن (اسم) مفرد مضاف، وكل مفرد مضاف فإنه للعموم، أرأيتم قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل ١٨] فإن نعمة مفرد مضاف، لكن ليست نعمة واحدة؛ لأن النعمة الواحدة تُحْصَى، لكنها نعم كثيرة فتشمل كل ما أنعم الله به على العبد.
إذا كان المفرد المضاف يفيد العموم فما معنى قولنا: بسم الله الرحمن الرحيم؟ معناها بكل اسم من أسماء الله أفعل كذا وكذا، فتكون أنت الآن مستعينًا بكل اسم من أسماء الله على هذا الفعل الذي بَسْمَلْتَ من أجله.
وأما (اسم) فقيل: إنه مشتق من السمو وهو الارتفاع؛ وذلك لأن الاسم يَرفَعُ المُسمَّى ويُبَيِّنُه، وقيل: إنه مشتق من السمة وهي العلامة، قال الله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ [الفتح ٢٩] أي: علامتهم في وجوههم، وأيًّا كان فالاسم يُعيِّن مسماه ويميزه من غيره.
وأسماء الله سبحانه وتعالى -كما مر علينا في التوحيد- غير محصورة بعدد كما جاء في الحديث الصحيح: «أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ» »[[أخرجه أحمد (٤٣١٨) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.]]، وأما الله فهو علم على الذات المقدسة العليَّة وهو الله سبحانه وتعالى. قال النحويون: وهو أعرف المعارف. أعرف المعارف هذا العلم، وقد رتبوا المعارف كما تعرفون بأن أَعْرَفها الضمير ثم الأعلام، لكن هذا العلم هو أعرفها؛ إذ لا تحتمل المشاركة فيه، وغيره من المعارف يمكن المشاركة فيه.
وأما قوله: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ فهو اسم من أسماء الله دال على الرحمة الواسعة؛ والرحيم اسم من أسماء لله دال على الرحمة التي تقع بالفعل، فالرحمن للوصف، والرحيم للفعل؛ يعني أنه رحمان يرحم، وبذلك تَبَيَّن فائدة الجمع بينهما، فإن فائدة الجمع بينهما هو الدلالة على أن رحمة الله واسعة وذلك في قوله: ﴿الرَّحْمَنِ﴾؛ لأن (فعلان) يدل على الامتلاء والسعة، كما تقول: شبعان وريان، وما أشبهها، وأما ﴿الرَّحِيمِ﴾ فهو باعتبار الفعل؛ أي: إيصال الرحمة إلى مَنْ قَدَّر الله أن يرحمه.
والبسملة لها أحكام؛ منها أنها تكون أحيانًا شرطًا في الحلِّ كالتسمية على الذبيحة، فإن التسمية على الذبيحة شرط لحلها حتى إنه لو تَرَك التسمية ولو نسيانًا لم تحلَّ الذبيحة، وقد تكون واجبة لا شرطًا كما في الوضوء عند بعض العلماء، فإن التسمية في الوضوء واجبة ولكنها ليست شرطًا للصحة؛ إذ لو تركها نسيانًا صح وضوؤه، وقد تكون مستحبة في كل أمر ذي شأن كما جاء في الحديث: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي شَأَنٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِاسْمِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ» » أو: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ»[[أخرجه الخطيب في الجامع (١٢١٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] يعني: ذي شأن مهم لا يُبدَأ فيه بباسم الله فهو أبتر، أي منزوع البركة؛ ولهذا كان النبي ﷺ يَبْتَدِئ بها في المكاتَبات إلى الملوك وغيرهم، وكذلك الأنبياء مِنْ قبله كما جاء في القرآن الكريم: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل ٣٠، ٣١].
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿حم﴾ [غافر ١] هذه كلمة مُكوَّنة من حرفين مهملين هجائيين الحاء والميم؛ ولهذا ننطق بها باسمهما لا بلفظهما، فلا نقول: حم، بل نقول: حاء ميم باسمهما، فهما إذن حرفان مهملان هجائيَّان يتركَّب منهما كلام الناس، فهل لهذين الحرفين معنى؟
يقول المؤلف: (الله أعلم بمراده به) يعني: ما ندري ماذا أراد؛ هل أراد إثبات معنى، أم لم يرد إثبات معنى؟ وهل أراد معنى معينًا أم ماذا؟ المهم أننا نفوِّض، فموقفنا من هذا التفويض كغيره من الحروف الهجائية التي ابْتُدِئت بها بعض السور.
ولكن مقتضى كون القرآن باللسان العربي أن نقول: إنهما حرفان هجائيان مهملان ليس لهما معنى؛ يعني نجزم بأنه لا معنى لهما، لأن القرآن نزل باللغة العربية، واللغة العربية لا تجعل للحروف الهجائية معنى، وهذا مروي عن مجاهد إمام المفسرين في زمنه زمن التابعين، وهو الحق؛ لأن الله تعالى قال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٣ - ١٩٥].
فإن قال قائل: يَرِد على هذا القول أن في القرآن ما ليس له معنى وليس له فائدة، وإنما هو حروف مُقَطَّعة ليس لها فائدة.
قلنا: الجواب عن هذا الإيراد أن الله سبحانه وتعالى تَكَلَّم بذلك لمغزى لا لمعنى؛ أي: لحكمة بالغة وهي أن هذا القرآن الذي أعجزكم أيها البلغاء من العرب لم يكن أتى بشيء جديد من حروف، بل أتى بالحروف التي تُرَكِّبون منها كلامكم ومع ذلك أعجزكم، عَجَزْتُم عن صفِّ الحروف حتى تكون مثل القرآن، فإذا كنتم عجزتم عن ذلك فعجزكم عن معنى هذه الكلمات من باب أولى، وهذا الذي ذكره الزمخشري في تفسيره وارتضاه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وذكره أيضًا إما ابتداء أو تقليدًا، المهم أن هذا هو الصواب عند المحققين؛ وهو أن الله تعالى أنزلها لتمام التحدي لهؤلاء البلغاء الذين عجزوا أن يأتوا بمثل القرآن أو بمثل بعضه، وأَيَّدوا قولهم هذا بأن الله تعالى لم يبتدأ سورة بحروف هجائية إلا ذَكَر بعدها القرآن إلا نادرًا.
ثم قال الله عز وجل: (﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ [غافر ٢] القرآن) يعني المراد بالكتاب هنا القرآن، مع أن الكتاب اسم جنس يحتمل أن تكون فيه (أل) للجنس فيشمل كل كتاب، ولكن الظاهر ما ذهب إليه المؤلف؛ لأن المقصود بذلك تقرير كون هذا القرآن الذي نزل على المكذبين من عند الله عز وجل.
وقوله: (مبتدأ) يريد قوله: ﴿تَنْزِيلُ﴾ أي أنها مبتدأ، والمبتدأ يحتاج إلى خبر، والخبر قوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ ولهذا قال المفسر: (﴿مِنَ اللَّهِ﴾ خبره) تنزيل الكتاب من الله لا من غيره.
﴿الْعَزِيزِ﴾ قال: (في ملكه ﴿الْعَلِيمِ﴾ بخلقه) العزيز ذو العزة، وقد سبق أن عزة الله تنقسم إلى كم؟ ثلاثة أقسام: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع. وهو كذلك في كل موضع جاء العزيز فهذا هو معناه؛ أي أنه ذو عزة. والعزة ثلاثة أقسام: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع؛ أما عزة القدر فمعناها أنه ذو شرف وسيادة. وأما عزة القهر فمعناها أنه ذو غلبة وسلطان. وأما عزة الامتناع فمعناه أنه ذو امتناع عن كل نقص وعيب. وقد سبق الاستشهاد على هذه المعاني الثلاثة وبيان اشتقاقها؛ فيكون قول المؤلف: (﴿الْعَزِيزِ﴾ في مُلْكِه) فيه قصور؛ لأنه جعله بمعنى الغالب فقط، والصواب ما ذكرنا لكم.
﴿الْعَلِيمِ﴾ قال: (بخلقه) والعليم أي ذو العلم. وعلم الله سبحانه وتعالى ليس بمحدود لا أولًا ولا آخرًا ولا مقدارًا، علم الله تعالى واسع شامل لكل شيء. علم الله تعالى أَزَلِيٌّ أي: لم يَسْبِقْه جهل، علم الله تعالى أبدي أي: لا يلحقه نسيان، فصار علم الله تعالى واسعًا شاملًا زَمَنًا وكَيْفًا؛ أي: زَمَنًا أي: في المستقبل وفي الماضي، وكيفًا أي أنه شامل لكل ما من شأنه أن يُعْلَم.
(﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ [غافر ٣] للمؤمنين ﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ لهم ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ للكافرين) قوله: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ الغَفْر هو الستر مع الوقاية، ومنه المِغْفَر ما يوضع على الرأس عند الحرب لاتقاء السهام، وكما ترون أن المِغْفَر ساتر فهو جامع بين السَّتْرِ والوقاية، والذنب المعصية، يقال: أَذْنَب الرجل إذا عَصَى، ومعنى غافر الذنب أي: ساتره المتجاوز عنه، وقول المؤلف: (للمؤمنين) فيه نظر واضح؛ لأن مغفرة الذنب شامل للمؤمنين وغير المؤمنين؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال ٣٨] فهو غافر الذنب لكل من تاب إلى الله وسأل المغفرة.
﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ قابله معناها أن مَنْ تاب إلى الله قَبِل الله توبته، والتوب بمعنى الرجوع إلى الله عز وجل من معصيته إلى طاعته، وقال المؤلف: (لهم) لمن؟ (للمؤمنين) وهذا أيضًا ليس بصحيح، فالتوبة مقبولة من المؤمنين والكافرين، قال الله تبارك وتعالى عن المشركين: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة ١١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء ١٧، ١٨] قال: ﴿يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ إذن لو تابوا قبل ذلك لقُبِلَت، فتبيَّن بهذا أن ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله من تخصيص ذلك بالمؤمنين يُعْتَبر قصورًا.
قال: (مصدر) أيهما قابل أو التوب؟ (قابل) اسم فاعل، إذن فالمصدر هو التوب.
(﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ للكافرين) المؤلف رحمه الله كأنه خص الغافر والقابل بالمؤمنين؛ لقوله: ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾؛ لأن شِدَّة العقاب إنما هي للكافرين. ولكن في هذا نظرًا؛ لأن المقصود هنا ذكر صفة الله سبحانه وتعالى أنه جمع بين الفضل والعدل؛ بين الفضل في كونه غافر الذنب وقابل التوب، والعدل في كونه شديد العقاب، لأن شدة العقاب من الله عز وجل لِمَنِ استحقها عدل؛ إذ إن الله أخبرنا وبيَّن لنا أن مَنْ فعل كذا عاقبه بالعقوبة الشديدة، فإذا فعل الإنسان ما تُوُعِّد عليه بالعقوبة الشديدة فهو الذي اختار لنفسه هذا فتكون معاملة الله له به تكون عدلًا.
وقوله: (أي: مُشَدِّدِه) انتبهوا لهذا التفسير (أي: مُشَدِّدِه)، لماذا عَدَل عن ظاهر الآية التي تُفيد أنه نفسه شديد العقاب؟ نعم، لأنهم ينفون الصفات؛ الأشاعرة، والتشديد فعل بائن عن الله عز وجل. فلننظر الآن؛ على كلام المؤلف تكون شديد بمعنى مشدِّد، ولنا أن نطالب فنقول: هل (فعيل) تأتي بمعنى (مفعل)؟
الجواب: نعم، تأتي (فعيل) بمعنى (مفعل) كقول الشاعر:
أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ
السميع هنا بمعنى المسمع، الداعي الذي يسمعني يؤرقني فلا أنام وأصحابي هجوع نائمون، فمن حيث اللفظ لا اعتراض على المؤلف أي من حيث جعله (فعيل) بمعنى (مفعل) لا اعتراض عليه؛ لأن ذلك وارد في اللغة العربية، لكن من حيث المعنى فيه نظر؛ لأن ظاهر قوله: ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ أنه هو نفسه عقابه شديد وهو كذلك، فإذا كان العقاب شديدًا لزم أن يكون الألم -ألم من عوقب- شديدًا أيضًا.
والعقاب مأخوذ من المعاقبة وهي المجازاة؛ وسميت المجازاة عقابًا لأنها تَعْقُب العمل، لكنها تُذْكَر غالبًا فيما يسوء لا فيما يسر.
﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (ذي) بمعنى صاحب، وهي مجرورة بالياء نيابة عن الكسرة؛ لأنها من الأسماء الخمسة، و﴿الطَّوْلِ﴾ يقول: (أي: الإنعام الواسع) هذا الطول؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء ٢٥] إلى آخره، فالطَّوْل هو الغنى الواسع، ومن تمام الغنى أن يكون مُنْعِمًا، والله سبحانه وتعالى مُنعِم واسع الغنى ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾.
قال: (وهو موصوف على الدوام بكلٍّ من هذه الصفات، فإضافة المشتق منها للتعريف كالأخيرة) عندنا فيه عدة صفات ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ كم هذه؟ هذه أربعة، الأخيرة غير مشتق فإن ﴿ذِي﴾ بمعنى صاحب غير مشتقة لكنها مؤولة بمشتق، أما ما قبلها شديد العقاب قابل التوب غافر الذنب فهي مشتقة، وجعل المؤلف رحمه الله هذه الصفات لا يُراد بها إثبات المعنى المشتق منه، ولكنها للتعريف فقط، ولا يخفى ما في هذا الكلام من القصور التام، كيف نجعل المشتق لمجرد التعريف؟ كيف نقول: غافر الذنب المراد بذلك التعريف بالله عز وجل لا أنه غافر ولا أن قابل ولا أنه شديد العقاب؟ فهو قاصر جدًّا، ولا يصح أن نُفَسِّر كلام الله تعالى بهذا الكلام، بل نقول: غافر مشتق من الغَفْر وهو صفة مقصودة، ليس المقصود بها التعريف، وكذلك نقول في قابل التوب، وفي شديد العقاب.
وقول المؤلف: (موصوف على الدوام بكل من هذه الصفات) قال ذلك هربًا من إثبات صفات الأفعال، لأنك إذا قلت: غافر بمعنى يغفر صارت صفة فِعْلٍ يتعلق بالمشيئة.
وعند الأشاعرة وغيرهم من المتكلمين يمتنع أن يوصف اللهُ تعالى بوصف هو فِعْل، لا يمكن، لماذا؟ قالوا: لأن الفعل يدل على الحدوث، والحدوث لا يكون في القديم، لا يكون الحدوث إلا بحادث، وقد سبق لنا بيان بطلان هذا القول، فالصواب إِذَن أن غافر وقابل صفتان من صفات الأفعال، وأما (شديد العقاب) فهي أيضًا صفة من صفات الأفعال لأن التقدير عقابه شديد، فهو من باب إضافة الصفة إلى الموصوف أي أن عقابه شديد فتكون كما سبق من الصفات الفعلية.
وأما ذي الطول فإذا قلنا: إن معناه ذي الغنى الواسع فهي من صفات الذات، وإذا قلنا: إنها بمعنى الإنعام الواسع فهي من صفات الأفعال.
(﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ المرجع) الجملة خبرية مكونة من مبتدأ وخبر، والخبر فيها مُقَدَّم أو مؤخر؟ مقدم، وإذا قُدِّمَ الخبر أفاد التخصيص والحصر.
﴿إِلَيْهِ﴾ أي: إلى الله وحده ﴿الْمَصِيرُ﴾ المرجع، وهل المراد بقوله: ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أي المرجع في كل شيء، أو إليه المصير بعد الموت؟ الجواب إليه المصير في كل شيء، فإليه المرجع في الحُكْم بين الناس، إليه المرجع في تدبير الأمور، إليه المرجع بعد الموت، إليه المرجع في كل شيء ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد ٣].
* طالب: ذكرنا أن (شديد) صفة فعل.
* الشيخ: كيف صفة فعل؟
* الطالب: لأن المؤلف هرب من (...).
* الشيخ: لا هي صفةٌ لفعله، ما هي صفة فعل، صفة لفعل الله؛ يعني: نفس العقاب شديد، وهو جعلها مشدِّد شيئًا منفصلًا عن الله عز وجل.
* طالب: شيخ، بارك الله فيك، ما نقول: إن الحروف المقطعة هذه في أوائل السور تدخل فيما قاله ابن عباس: إن القرآن أربعة أقسام، القسم الرابع أنه ما لا يعلمه إلا الله؟
* الشيخ: لا، هذه تدخل على رأي المؤلف، أما على القول الذي رجحنا فإنه معلوم أنه ليس لها معنى، يعني مما يدخل تحت علمنا أنه ليس لها معنى.
* طالب: قول المؤلف: مشدِّد (...).
* الشيخ: لا؛ لأن مشدد أي: جاعله شديدًا، فهي مثل القادر يعني تعود الصفة على مذهب الأشاعرة إلى القدرة وتعود على مذهب الماتريدية إلى الخلق، لأن الماتريدية يثبتون الخلق والتكوين بخلاف الأشاعرة.
* طالب: بالنسبة يا شيخ قوله: ﴿قَابِلِ التَّوْبِ﴾ (...).
* الشيخ: لا، هذه أوصاف، و﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ وصف، ولهذا جاءت باسم الفاعل، وجاء الغفور الذي هو اسمه على صيغة المبالغة.
* الطالب: (...).
* الشيخ: سمعتم السؤال؟ يقول: كيف نجمع بين القول بأن أسماء الله تعالى لا تُحْصى وبين قول النبي ﷺ: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٧٣٦)، ومسلم (٢٦٧٧ / ٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]؟
والجواب عن ذلك أن نقول.. الجواب عن ذلك ولَّا على ذلك؟ إذا كان السائل مستفهِمًا فقل: الجواب على ذلك. وإذا كان مُورِدًا أي مناقضًا فقل: الجواب عن ذلك؛ ولهذا يكون الجواب عن ذلك في مقام الرد على مَنْ اعترض عليك، والجواب على ذلك في جواب مَنِ استرشد، فالآن هل نقول بالنسبة لسؤال الأخ الجواب على ذلك أو عن ذلك؟ على ذلك إحسانًا للظن، وإلَّا لو جاء واحد يبغي يعترض قلنا: الجواب عن ذلك، أما الآن فنقول: الجواب على ذلك أن كلام النبي ﷺ ككلام الله لا يتناقض أبدًا، فإذا كان قد ثبت عنه أنه قال: «أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ» » علمنا أن مِنْ أسماء الله ما لا يمكن الوصول إليه، ولا يمكن إدراكه؛ لأن ما استأثر الله به لا يمكن أن نعلمه، فحينئذ يتعين أن نقول: إن معنى قوله: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ» » أي: من أسمائه تسعة وتسعين مَنْ أحصاها دخل الجنة، فتكون جملة «مَنْ أَحْصَاهَا» » وصفًا لكلمة «اسْمًا» » وليست جملة مستقلة مستأنفة، تكون معنى «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا» » موصوفة بأن مَنْ أحصاها دخل الجنة، وله أسماء أخرى لكن اختر منها تسعة وتسعين فإذا أحصيتها دخلتَ الجنة، وما معنى إحصائها هل معناها أن تقرأها لفظًا؟ لا، إحصاؤها هو معرفتها لفظًا ومعنى، والتعبد لله بمقتضاها، أي معرفة لفظها ومعناها والتعبد لله تعالى بمقتضاها.
* طالب: شيخ، عقاب الله منه النار وكأنها هي التي وُصِفَت بالشدة، فكيف وصفنا بها الله سبحانه وتعالى؟
* الشيخ: هو نفسه شديد العقاب، أنا مثلًا إذا قلت: فلان قوي الضرب، يعني ضربه هو الواقع منه قوي، العقاب الواقع منه شديد.
* الطالب: (...) الموصوف العقاب؟
* الشيخ: الموصوف الله عز وجل شدة عقابه هو، أما المعاقَب به فهذا شيء آخر، عندنا عقاب ومعاقَب به ومعاقب وارد عليه العقاب، فإذا عاقبتَ شخصًا بالضرب فهذا الضرب معاقَب به، وأما ضرب الضارب فهو وصفه الذي هو عقابه.
* * *
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (٤) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٥) وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر ١ - ٦].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿حم﴾ إلى آخره البسملة جار ومجرور، ومضاف ومضاف إليه، وصفة وموصوف فأين مُتعلَّقه؟ يعني بأي شيء تعلقت.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، من جهة الإعراب؟
* طالب: (...).
* الشيخ: متعلقة بفعل محذوف مؤخَّر مناسب للمقام، طيب الآن إذا كنتُ أريد أن أقرأ فكيف تقدر هذا المحذوف؟
* طالب: باسم الله أقرأ.
* الشيخ: باسم الله أقرأ، أحسنت، في القرآن الكريم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق ١]، فأتى بـ(اقرأ)، الذين قدروا (أبتدئ) هل تقديرهم صحيح أو مرجوح؟
* الطالب: لا.
* الشيخ: لماذا؟
* الطالب: لأن الفعل المقدر لا بد أن يكون مناسبًا للمقام.
* الشيخ: ما هو لا بد، ما هو هذا.
* طالب: ليكون أنسب.
* الشيخ: ليكون أنسب بمعنى مناسب للمقام.
* طالب: تقديرهم صحيح، لكن الأولى أن يكون تقديرهم أدل.
* الشيخ: تمام، تقديرهم صحيح، لكن كون الفعل مناسبًا أدل على المقصود؛ لأنك إذا قلت: أبتدئ، بأي شيء؟ لكن إذا قدرتَه: أقرأ، أتوضأ، أغتسل، وما أشبه ذلك صار أدل على المقصود.
فيه أيضًا وجه آخر تبيَّن لنا، وهو أنك إذا قلت: باسم الله أبتدئ صارت البسملة على الابتداء فقط، إذا قلت: باسم الله أقرأ صارت البسملة على كل الفعل، وهذه فائدة أكبر بكثير من مناسبة التعيين، إذا قلت: باسم الله أبتدئ صارت البسملة على الابتداء فقط، إذا قلت: باسم الله أقرأ صارت البسملة على كل الفعل، وكذلك: إذا قلت: باسم الله أتوضأ صارت البسملة على كل الفعل من أوله إلى آخره، بخلاف ما إذا قلت: باسم الله أبتدئ فإن البسملة تكون على الابتداء فقط.
هل سورة غافر مكيَّة أو مدنية؟
* طالب: مكيَّة نستدل من سياق السورة نفسها (...).
* الشيخ: هي مكية، وكل السور المُبتدَأَة بحروف الهجاء مكيَّة إلا البقرة وآل عمران.
فما هو المكي والمدني؟
* طالب: المكي ما نزل بمكة.
* الشيخ: إذن ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة ٣] مكية وهي نزلت يوم عرفة؟
* طالب: (...) نزل قبل الهجرة.
* الشيخ: ما نزل قبل الهجرة فهو مكي وما نزل بعدها فهو مدني، هذا هو أرجح الأقوال؛ أن ما نزل قبل الهجرة فهو مكي وما نزل بعدها مدني حتى وإن نزل بمكة.
ما هو القول الراجح في الحروف الهجائية التي تُبْتَدَأ بها السور؟ ﴿حم﴾ ويش القول الراجح فيها؟
* طالب: قال المؤلف: (الله أعلم بمراده).
.. تمام قال المؤلف: (الله أعلم بمراده بها)، لكن ما قلنا نحن: إنه أرجح؟
* طالب: مقتضى اللغة أنهما حرفان هجائيان.
* الشيخ: وليس لهما معنى في حَدِّ ذاتهما.
ما وجه ترجيحنا لهذا القول؛ أن القرآن عربي نزل باللغة العربية، مقتضي الكلام العربي أن هذه الحروف بهذه السياق ليس لها معنى دلالي؛ أن القرآن نزل بلغة العرب، ولغة العرب تقتضي أن هذه الحروف ليس لها معنى؟ لكن ذكرنا أن لها مغزى، ما هو؟
* طالب: هو تحدي العرب بأن القرآن نزل وأُلِّف بنفس الحروف التي تتكلمون بها، ومع ذلك عجزوا عن الإتيان بمثله مما يدل على أنه من عند الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: تمام؛ ولهذا نجد أن كل سورة ابتُدِئت بهذه الحروف يُؤْتَى بعدها بذكر القرآن، تمام.
ما معنى قوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [غافر ٢]؟
* الطالب: هذا الكتاب القرآن نزل من عند الله عز وجل.
* الشيخ: إي نعم، تنزيله من الله لا من غيره.
اختيار لفظ ﴿الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ أو اختيار هذين الاسمين على غيرهما من الأسماء في هذه السورة، يعني في سورة فُصِّلَت قال: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت ٢]، هنا قال: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾.
* طالب: (...).
* الشيخ: وفصلت مَكِّيَّة.
* طالب: لأن هذا مناسب من باب التغيير في القوة أحيانًا والرحمة أحيانًا.
* الشيخ: نخليها في الفوائد أحسن.
ما معنى قوله: ﴿ذِي الطَّوْل﴾؟
* طالب: ﴿ذِي الطَّوْل﴾ ذي بمعنى صاحب الغنى الواسع.
* الشيخ: الغنى الواسع، ويترتب عليه الإفضال والإحسان.
قوله: ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أي مصير هو؟
* طالب: (...).
* الشيخ: مصير كل شيء، طيب، هل هناك شاهد لكون المصير هنا مصير كل شيء؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: أن الله سبحانه وتعالى..
* الشيخ: لا، أنا ما أريد تعليلًا، أنا أريد شاهدا للآية على أن مصير كل شيء إلى الله.
* طالب: وإليه تصير الأمور.
* الشيخ: نفس الشيء.
* طالب: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾.
* الشيخ: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود ١٢٣]، ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [البقرة ٢١٠].
نرجع الآن إلى فوائد هاتين الآيتين؛ يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿حم﴾ [غافر ١].
* من فوائدها: أن القرآن الكريم حروف تكلم الله به بحروف، ففيه الرد على الأشاعرة ومَنْ سلك سبيلهم الذين يقولون: إن كلام الله هو المعنى القائم بالنفس، وإن الله لا يتكلم بحرف وصوت، لكن يخلق حروفًا وأصواتًا تُسْمَع تعبيرًا عما في نفسه، وحقيقة هذا القول نفي الكلام؛ لأن ما في النفس من المعلومات المرتبة ليست كلامًا ولكنها معلومات، علم، وليست كلامًا، مفهوم؟
والرد عليهم معلوم من كتب العقائد؛ منها أن القول إذا أُطْلِق فهو قول اللسان، وإذا أريد به قول النفس حُدِّد مثل: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة ٨] ومثل: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٦٩)، ومسلم (١٢٧ / ٢٠١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: علو الله عز وجل؛ يؤخذ من قوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ﴾ [غافر ٢] لأن النزول لا يكون إلا من أعلى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن كلام الله لا كلام غيره؛ لقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ﴾ [غافر ٢] وذلك أن ما ذكر الله أنه نزله ينقسم إلى قسمين: إما أن يكون أعيانًا قائمة بنفسها فهذه مخلوقة، أو تكون أوصافًا لا تقوم إلا بالغير فهذا غير مخلوق، عرفتم؟ مثال الذي أضاف الله إنزاله إلى نفسه وهو عين قائمة بنفسها قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد ٢٥] الحديد مخلوق ولَّا غير مخلوق؟ طيب ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر ٦] أعيان قائمة بنفسها مخلوقة، ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا﴾ [الأعراف ٢٦] مخلوق، إذن فما أضاف الله إنزاله إليه وهو عين قائمة بنفسه فهو مخلوق وإلَّا فهو غير مخلوق، القرآن هل هو عين قائمة بنفسها أو كلام لا يقوم إلا بالغير؟ الثاني، إذن هو غير مخلوق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وصف القرآن الكريم بالكتاب، فلماذا وُصِفَ بالكتاب؟
نقول: أولًا لأنه يُكْتَب فهو مكتوب بالمصاحف التي بأيدينا.
ثانيًا: أنه في صُحُفٍ بأيدي الملائكة: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ [عبس ١٢، ١٣].
ثالثًا: أنه مكتوب في اللوح المحفوظ: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج ٢١، ٢٢]؛ وعليه فكتاب بمعنى مكتوب، وحينئذ نسأل هل يأتي فعال بمعنى مفعول، نقول كثيرًا؛ كغراس بمعنى مغروس، وبناء بمعنى مبني، وفراش بمعنى مفروش، وما أشبهه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات ثلاثة أسماء من أسماء الله: الله، والعزيز، والعليم؛ ﴿مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [غافر ٢]، وإثبات ما دلت عليه هذه الأسماء من الصفات؛ فالله دلَّ على الألوهية، والعزيز على العزة، والعليم على العلم.
واعلم أن كل اسم من أسماء الله فإنه متضمن لصفة، وليس كل صفة يُشْتَق منها اسم؛ ولهذا قلنا: إن الصفات أوسع من الأسماء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: ذِكْر الأسماء المناسبة للمقام؛ يعني أن الله جل وعلا يذكر من أسمائه ما يناسب المقام، فهذه السورة تتحدث عن المكذبين للرسل وما جرى عليهم من الهلاك والانتقام. فما الذي يناسبه من الأسماء؟ العزة التي فيها الغلبة والأخذ؛ فلهذا جاءت هنا العزيز، وجاء العليم ليُفيد أنه لعزته أخذ هؤلاء المكذبين، ولعلمه أنزل الكتب وعلم كيف يأخذ هؤلاء المكذبين.
* ومن فوائد الآية الكريمة التي بعدها الآية الثانية: أن الله جل وعلا يغفر الذنوب جميعًا؛ لقوله: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ [غافر ٣]، والذنب هنا مفرد محلى بـ(أل) فيكون عامًّا؛ لأن المفرد المحلى بـ(أل) يكون عامًّا؛ مثل: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر ٢] أي: إن كل إنسان.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الحث على فعل ما تكون به المغفرة؛ وجه ذلك أن الله لم يخبرنا بأنه غافر الذنب من أجل أن نعلم أنه غافر فقط، لكن من أجل أن نتعرض لمغفرته. فما هي الأسباب التي تكون بها المغفرة؟
الأسباب كثيرة؛ منها الاستغفار اللهم اغفر لي، ومنها أعمال صالحة يُكَفِّر الله بها الخطايا، ومنها إحسان إلى الخلق حتى أن الله عز وجل غَفَر لامرأة بَغِيٍّ بسقيها كلبًا عطشان، فأسباب المغفرة كثيرة، وغفر لرجل وجد شجرة في الطريق تؤذي الناس فأزالها فغفر الله له، المهم أن نتعرض لأسباب المغفرة؛ لأن ذلك مقتضى قوله: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يقبل التوبة من عباده، ولكن لا يُقْبَل الشيء حتى يكون جاريًا على مقتضى الشريعة؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري بنحوه (٢٦٩٧)، ومسلم واللفظ له (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة رضي الله عنها.]] فما هي التوبة الجارية على مقتضى الشريعة؟
التوبة الجارية على مقتضى الشريعة ما جمعت خمسة أمور وهي ما يُعْرَف بشروط التوبة:
الأول: الإخلاص لله عز وجل بأن يكون الحامل للإنسان على التوبة هو إخلاصه لله عز وجل، حب التقرب إليه والفرار من عقوبته، فلا يحمله على التوبة مراعاة الخلق ولا حصول الجاه والرئاسة وإنما يحمله الإخلاص لله.
الثاني: الندم على فعل المعصية؛ أن يشعر الإنسان بانفعال ندم وحسرة على ما وقع منه، فلا بد مِنْ نَدَمٍ؛ لأن الندم الذي يتبين به حقيقة رجوع الإنسان إلى الله وأن هذه المعصية أَثَّرت في نفسه فندم على ما جرى منه، لا يقال: إن الندم انفعال، والانفعال يأتي بغير الاختيار؛ كالغضب مثلًا، والحزن من الواقع، يقال: المراد بالندم هنا تحسُّر القلب فهو انفعال يقع من الإنسان ليس كالانفعال الذي يأتي سببه من الخارج هذا ربما لا يستطيع الإنسان أن يُغَيِّر ما وقع.
الشرط الثالث: التخلِّي عن المعصية والانفصال عنها، فإن تاب وهو مُصِرٌّ فإن توبته أشبه ما تكون بالاستهزاء. كيف يقول الذي يأكل لحم الخنزير: أستغفر الله تعالى وأسأل الله أن يجعل طعامي طيبًا؟! أيش هذا؟! يصلح هذا أو ما يصلح؟ وهو يأكل، هو يمضغ اللحمة جيدًا ويقول: أستغفر الله من أكل لحم الخنزير وأسأل الله أن يجعل طعامي طيبًا، هذا أشبه ما يكون بالمستهزئ.
لو أن رجلًا نهاك عن شيء ووجدك تعمل هذا الشيء وأنت تقول: أرجو منك أن تعذرني، وما أشبه ذلك، وهو يأكل، وقال له: لا تأكل. ويأكل. هذا الذي يخاطبه سوف يقول: إنك تستهزئ بي وتسخر بي، فلا توبة مع الإصرار، لا بد أن يتخلى عن الذنب.
إذا كان الذنب لله فالتخلِّي عنه سهل، لكن إذا كان الذنب لغير الله؛ يعني: أذنب في حقِّ غير الله فكيف يتخلى منه؟
نقول: إذا كان مالًا فالتخلي عنه بإيصاله إلى صاحبه بأي وسيلة كانت، فإن كان قد مات فإلى ورثته، فإن جَهِلَهم فإلى بيت المال، أو إذا كان بيت المال غير منتظم أو يخشى عليه أن يضيع فليتصدق به هو لصاحبه، كم مرحلة الآن؟ أربع؛ لصاحبه، لورثته، لبيت المال إن جهلهم، يتصدق به، وأيهما أولى بيت المال أو الصدقة؟ الغالب أن الصدقة أولى لا سيما في زماننا هذا حيث أن بيت المال قد لا يتصرف فيه ولي الأمر التصرف الذي يُرْضِي.
إذا كان عدوانًا على النفس، ما هو مال، فالتوبة منه أن يُمَكِّن صاحب الحق من الاقتصاص منه، فمثلًا إذا كان قد اعتدى على شخص بضرب فليذهب إليه ويقول: أنا اعتديت عليك بالضرب، اضربني كما ضربتك، كما فعل النبي ﷺ مع الرجل الذي ضربه النبي ﷺ حينما رآه متقدِّمًا في الصف فقال الرجل: أقدني يا رسول الله، فكشف النبي ﷺ عن بطنه ليُقيدَه[[أخرج البيهقي (١٦٠٢٠) عن سواد بن عمرو رضي الله عنه قال: أتيت النبي ﷺ، وأنا متخلق بخلوق، فلما رآني قال لي: «يا سواد بن عمرو، خَلوق ورس؟ أَوَلَمْ أنهَ عن الخلوق؟»، ونخسني بقضيب في يده في بطني فأوجعني، فقلت: يا رسول الله القصاصَ، قال: «القَصاصَ» فكشف لي عن بطنه فجعلت أقبله، ثم قلت: يا رسول الله! أَدَعُهُ شفاعة لي يوم القيامة.]]، فماذا فعل الرجل؟ قَبَّله، فهذا النبي ﷺ وهو أشرف الخلق وأحب الناس إلى أتباعه مَكَّن من الاقتصاص منه، هذا اثنان، المال والبدن.
إذا كان في العرض اعتديت على شخص بعرضه؛ يعني بأن اغتبته أو سَبَبْتَه، والفرق بين الغيبة والسب أن السب مواجهة والغيبة مع الغَيْبَة، فذكرك أخاك بما يكره إن كان غائبًا فهي غيبة، وإن كان حاضرًا فهو سب، التوبة من هذا أن تَسْتَحِلَّه، فهل لو قلت: سُبَّني كما سببتُك يصح أو لا يصح؟ لا يصح؛ لأن هذا جناية على نفسك، ولكن استحلَّه، هذا إذا كان سبًّا؛ لأنه قد علم بذلك، إذا كان غيبة فهل تستحله تذهب إليه وتقول: إني اغتبتك، فاعذرني، اسمح لي؟
الجواب: قال بعض العلماء: نعم، يجب أن تذهب إليه وتقول: أنا اغتبتك فاعذرني حلِّلْنِي. وقال بعض أهل العلم: لا يلزم استحلاله، بل يكفي أن تَسْتَغْفِر له كما جاء في الحديث وإن كان ضعيفًا: «كَفَّارَةُ مَنِ اغْتَبْتَهُ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُ»[[أخرج البيهقي في الدعوات (٥٧٥) من حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبتَه؛ تقول: اللهم اغفر لنا وله». قال البيهقي: في هذا الإسناد ضعف، والله أعلم.]] استغفر له وأثنِ عليه بما هو أهله في الأماكن التي اغتبتَه فيها، تكون الحسنات يذهبن السيئات. وهذا القول أصح؛ لأن هذا فيه البراءة وعدم التشويش؛ لأنه ربما لو تذهب إليه تقول: اغتبتك فحلِّلْني، مهما أتيتَ به من صيغة الغيبة قد لا يقتنع بها، إذا قلتَ: إني قلتُ فيكَ: إنك بخيل. قد يقول: إنك قلتَ: بخيل وجبان. أليس كذلك؟ ربما يقول له الشيطان هكذا، ويأبى أن يُحَلِّلَكَ، فإذا كان لم يعلم فاحمد الله على ذلك واستغفر له، وأثنِ عليه بما هو أهلُه في الأماكن التي كنتَ اغتبتَه فيها وبذلك تَسْلَم من الإثم، هذه صفة التخلي من الذنب إذا كان في حق غير الله.
هنا سؤال: بعض الناس يكون عليه حقٌّ ماليٌّ لشخص إما سرقه أو جحده أو ما أشبه ذلك، ثم يتوب هذا الفاعل ويذهب إلى صاحب الحق ويقول: خذ حقك فيأبى صاحب الحق، يأبى أن يأخذه، فماذا يصنع؟ وهذا يَرِدُ كثيرًا؛ يكون صاحب الحق قد حمل في نفسه على هذا الظالم الذي ظلمه ويأبى أن يَقْبَل، فماذا يصنع هل نقول: إنه حينئذ سقط حقُّه وصحَّت توبة المعتدي، ويبقى إن طلب حقه مرة أخرى أُعْطِيَ وإن لم يطلب فإن المعتدي برئ؟ نقول: ننزل هذه الحال على القواعد الشرعية، القواعد الشرعية تقتضي أن هذا الذي عليه الحق قد بَرِئ؛ لأن الله يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، وهذا ما يسعه، قَدَّم الحق لصاحبه وقال: خذ. قال: لا، لا آخذه، أنت اعتديت عليَّ بالأول ولا أقبل منك، هذا الذي أبى أن يقبل هو الذي أخطأ وجنى؛ لأنه ينبغي للإنسان إذا اعتذر إليه أخوه أن يَقْبَل عذرَه، لكن هذا هو الذي جنى الآن. فهذا الرجل نقول: أنت الآن برئت ذمتُك، خلِّ الدراهم عندك إن جاء يومًا من الدهر أعطها إياه، وإن مات فهل يلزمه أن يعطيه الورثة؟
الجواب: في هذا نظر، وذلك أن الرجل الذي اعتُدِيَ عليه لم يقبل هذا المال ولم يدخل في ملكه، فإذا كان لم يقبله ولم يدخل في ملكه فكيف ينتقل إلى الورثة، ومن شرط الإرث انتقال المال عن الموروث، وهذا الموروث لم يقبل هذا المال؟
وقد يقال: إن الأصل أنه ملكه فيلزم الرد إلى ورثته، وهذا الأخير أحوط لكن في وجوبه نظر؛ لأن الذي اعتدى وأراد أن يرد يقول: أنا أعطيت الرجل وأبى أن يتملكه، فكيف ينتقل إلى الورثة؟ ولكن نقول: الأحوط والأولى أن يَرُدَّه إلى الورثة ليسلم منه، لكن لو فُرِضَ أنه لا ورثة له أو أن ورثته مجهولون فإن هذا التائب قد أدى ما عليه. هذه ثلاثة شروط.
الشرط الرابع: أن يعزم على ألا يعود إلى الذنب أو ألا يعود إلى الذنب. الأول أو الثاني؟ الأول أن يعزم على ألا يعود إلى الذنب، أو الشرط ألا يعود إلى الذنب؟
الأول؟ ما الفرق بينهما؟ الفرق بينهما أننا إذا قلنا: الشرط ألا يعود ثم عاد بطلت التوبة الأولى، وإذا قلنا: الشرط العزم على ألا يعود وقد عزم ألا يعود، ثم عاد فالتوبة الأولى تبقى صحيحة، وعليه أن يتوب توبة ثانية للذنب الجديد، وعلى كل حال فالشرط هو العزم ألا يعود في المستقبل، فإن عاد فعليه توبة أخرى، فتاب وعاد يتوب، عاد يتوب، فعاد يتوب.
فإن قال قائل: أليس قد ثَبَت في الصحيح أن الرسول ﷺ أخبر «أَنَّ رَجُلًا أَذْنَبَ فَتَابَ، ثُمَّ أَذْنَبَ فَتَابَ، ثُمَّ أَذْنَبَ فَتَابَ، ثُمَّ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ»[[أخرج البخاري (٧٥٠٧) ومسلم واللفظ له (٢٧٥٨ / ٢٩) بسنديهما عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ فيما يحكي عن ربه عز وجل قال: «أذنب عبد ذنبًا فقال: اللهم اغفر لي ذنبي. فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب فقال: أي ربِّ اغفر لي ذنبي. فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنبًا فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب فقال: أي ربِّ اغفر لي ذنبي. فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرتُ لك».]]؟ فهل هذا يعني أن الإنسان إذا تكرر منه الذنب وهو يستغفر يُغْفَر له؟
الجواب: نعم مهما أذنب ثم استغفر يُغْفَر له.
لكن لو قال قائل: إن ظاهر الحديث «فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ» » يعني فليعصِ الله، قلنا: لا يستقيم هذا؛ لأنه يخالف الأدلة الكثيرة الدالة على أنه لا بد لكل ذنب من توبة إلا طائفة واحدة من هذه الأمة هم الذين لا يحتاجون إلى توبة من الذنب وهم أهل بدر، فإن الله اطلع إليهم وقال: «اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٩٠) ومسلم (٢٤٩٤ / ١٦١) من حديث عليٍّ رضي الله عنه.]].
الشرط الخامس: أن تكون التوبة في الوقت الذي تُقْبَل فيه التوبة، وهو أن تكون التوبة قبل طلوع الشمس من مغربها وقبل حضور الأجل، الأول عام لكل أحد، لا توبة لأحد إذا طلعت الشمس من مغربها؛ لقول النبي ﷺ: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَخْرُجَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا»[[أخرجه أبو داود (٢٤٧٩) من حديث معاوية رضي الله عنه، ولفظه: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها».]]، وهذا يؤيده قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام ١٥٨] والمراد ببعض الآيات طلوع الشمس من مغربها.
الثاني: أن تكون قبل حضور الأجل، فإذا حضر الأجل لم تنفع التوبة؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨]، هذا ليس لهم توبة، وتطبيق هذا عمليًّا أن فرعون لما أدركه الغرق قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس ٩٠] فقيل له: ﴿آلْآنَ﴾ تؤمن ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس ٩١، ٩٢] لا رحمة بك، ولكن ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾، وأما روحك فلا نجاة لها، وإنما نجاه الله ببدنه؛ لأنه قد أرعب بني إسرائيل ولا يكادون يصدقون بأنه هلك حتى يشاهدوه فيطمئنوا، فلهذا نجاه الله ببدنه ليشاهدوه.
هل يُشْتَرَط ألا يكون مُصرًا على ذنب آخر؟ يعني: لنفرض أنه تاب من شرب الخمر، لكنه باق على الزنا، والعياذ بالله، فهل تصح توبته من شرب الخمر؟
في هذا خلاف، فمن العلماء من يقول: لا تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على ذنب آخر.
ومنهم من قال: بل تصح؛ لأن كل ذنب له جُرْمُه. ومنهم من قال: إذا كان الذنب الذي أصر عليه من جنس الذي تاب منه فإن التوبة لا تصح، كرجل تاب من الزنا لكنه يُطْلِق بصره في النظر المُحَرَّم؛ فإن توبته من الزنا لا تصح، أو رجل تاب من النظر المحرم، ولكنه لم يتب من المسِّ المحرم هذا أيضًا لا تُقْبَل توبته.
ومن العلماء من قال: تُقْبَل مطلقًا، إذا تاب من ذنب تاب الله عليه من هذا الذنب؛ لأن الله عز وجل حَكَمٌ عَدْل، ورحمته سبقت غضبه، وهذا الرجل عنده جنايات متعددة تاب من واحدة منها فليكن تائبًا. وهذا القول أصح، ولكن لا يُطْلَق على هذا التائب وصف التوبة المطلق؛ لأن توبته هذا مُقَيَّدة؛ يعني: لا يستحق وصف التائبين على الإطلاق، فلا يدخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة ٢٢٢]؛ لأن هذا الرجل لا يصدق عليه أنه تائب على وجه الإطلاق لكنه تائب من ذنب واقعٌ في ذنب آخر، وهذا القول هو الذي تجتمع فيه الأدلة؛ فيقال: استحقاق الوصف المطلق فيمن تاب من ذنب مع الإصرار على غيره لا يكون، وأما وصفه بتوبة مُقَيَّدة فهذا صحيح.
* طالب: (...) كالزنا.
* الشيخ: لا، الزنا ما يدخل في هذا. قل: كالسرقة.
* طالب: وقُطِعَت يدُه (...).
* الشيخ: إذا قُطِعَت يده فلا بد من رد المال إلى صاحبه، نقول: هذا بالنسبة لحق الله سقط في إقامة الحد عليه، لكن لا بد من أن يوصل المال إلى صاحبه.
* الطالب: طيب يا شيخ الزنا ما يشترك فيه..
* الشيخ: الواقع أن الزنا يشترك فيه الفاعل والمفعول به، حتى المفعول به يتلذذ ويجد شهوة، نعم إذا قلنا بالإكراه فهذا صحيح عدوان لا بد من استحلاله.
* الطالب: (...) حق الله؟
* الشيخ: حق الله نقيم عليه الحد، وحق العباد وهو الإكراه والعدوان عليه لا بد من استحلاله.
* طالب: القاعدة التي ذكرتها أن ما أنزل من الأعيان يكون (...) من غير الأعيان (...) طيب السكينة (...) الأعيان نفسها؟
* الشيخ: وصفٌ في الغير ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح ٤]، وصف في الغير، السكينة في قلوبهم.
* طالب: (...).
* الشيخ: يسأل يقول: رجل سرق من شخص مالًا ثم ردَّه عليه وقال: هذه هدية هل يبرَأ منه؟
لا ما يبرأ، إذا كان رده على أنه هديه وهذا قبله على أنه هديه، وأن المهدي له عليه منة وأنه يحتاج إلى مكافأة فرق.
* طالب: (...).
* الشيخ: لو وضع ريالًا وقال: هذه هدية؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: لكان مخادعًا، ألف ريال يحط معها ريالًا ويقول: هذه هدية علشان ريال من ألف! لا لا بد، لكن الحمد لله يقول: والله أنا في حالة سفه حصل، وهذه تقع كثيرًا في حال الصغر وإلا عدد كبير ما هو سارق إن شاء الله، لكن وهو صغير يسرق من دكان ولَّا من صاحب له يأخذ قلمًا يأخذ ساعة، لا بد أن يوصله إليه ويقول: هذه حق لك عليَّ، ولكن لو قال مثلًا: هذه من إنسان تاب وقد سرقها منك، ولا قال: أنا ولا غيره، هل يصح أو لا؟ هذا يصح، والظاهر أنه ينبني عليه استحلال المجهول.
* طالب: في الدرس الماضي (...) المؤلف رحمه الله تعالى الله بالمشدد يعني يتهرب من إثبات الصفات الفعلية (...) قال هنا: (﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ الْإِنْعَام الْوَاسِع وهو موصوف على الدوام بكل من هذه الصفات) فهو أثبت الصفات هنا؟
* الشيخ: أي، لكن على أنها صفات ذاتية، ثم هو أيضًا المؤلف لاحظ شيئًا آخر من جهة النحو، وهو أن (غافر الذنب) و(قابل التوب) و(شديد العقاب) هذه صفات مضافة، وإضافتها ليست محضة، إضافتها إضافة لفظية، والإضافة اللفظية لا تقتضي التعريف، أعرفت؟
* الطالب: لكن سماها صفات.
* الشيخ: إي ما يخالف هي صفات، لكن ما هو قصده؟ شف عبارة المؤلف: (وهو موصوف على الدوام بكل من هذه الصفات) إذا كان موصوفًا بها الدوام ماذا تكون؟ صفات ذاتية، ثم يقول: (فإضافة المشتق منها للتعريف كالأخيرة) المشتق غافر وقابل وشديد، يقول: (للتعريف) يعني: أن إضافتها أفادت التعريف (كالأخيرة) ما هي الأخيرة؟ (ذي الطول) فإن هذه الإضافة أفادت التعريف لا شك؛ لأنها إضافة اسم جامد إلى معرفة فيكون معرفة.
انتبهوا، اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة إذا أضيفت فإنها لا تفيد التعريف، إضافتها لا تفيد التعريف، ويُسَمُّون هذه الإضافة إضافة لفظية، لا معنوية، وبعضهم يقول: محضة وغير محضة، أتى المؤلف بهذا الكلام؛ لأنه يُورد عليه مسألة، الله العزيز العليم هذه معارف ولَّا غير معارف؟ معارف.
إذا قلنا: (غافر) صفة لله، وقلنا: إن إضافتها لفظية ورد علينا إشكال؛ الإضافة اللفظية لا تقتضي التعريف فتكون الصفة نكرة وُصِفَ بها معرفة، ووصْفُ المعرفة بالنكرة غير جائز، أو لا؟ لا يجوز أن تقول: جاء زيد فاضل، لا يجوز، يجب أن تقول: جاء زيد الفاضل، فإذا كانت الإضافة في (غافر) و(قابل) و(شديد) لا تفيد التعريف وأعربناها على أنها صفة صار في هذا إشكال وهو أننا وصفنا معرفةً بنكرة وهذا غير جائز. أراد المؤلف أن يُصَحِّحَ الموضوع فقال: إن هذه الصفات لا يراد بها الحدوث وإنما هي صفات على الدوام، وإذا كانت الصفات على الدوام خرجت عن مشابَهة الفعل وصارت الإضافة للتعريف؛ لأجل أن يصح وصف اسم الجلالة أو لفظ الجلالة بهذه الصفات لما كانت إضافتها محضة معنوية.
لكن للمعربين قول آخر بل قول ثالث؛ القول الآخر يقولون: إن (غافر) و(قابل) و(شديد) بدل من الله، والبدل لا يُشتَرَط فيه موافقة المبدل منه، لكن القول بأنها بدل غير صحيح؛ لأن علامة البدل أن يَحِلَّ مَحَلَّ المُبْدَل منه وهذا لا يصح، هذا وصف زائد على الموصوف.
فيه رأي ثالث لإخواننا الكوفيين السهلين الْمُيَسِّرين يقولون: يجوز أن تُنْعَت المعرفة بمثل هذا التركيب، ولو كانت الإضافة لفظية غير محضة؛ يعني يقولون: ما أضيف إلى المعرفة ولو كانت الإضافة غير محضة يجوز أن يكون نعتًا للمعرفة اعتبارًا باللفظ؛ لأن لفظ (غافر الذنب) معرفة ولَّا نكرة؟ معرفة؛ لأنه أُضيفَ إلى معرفة، وإن كانت الإضافة عندهم غير حقيقية، وإنما هي لفظية، فالنحويين يقولون: لا يهم، لفظية أو معنوية، ما دام ظاهر اللفظ منسجم الصفة مع الموصوف فهذا يكفي، والقاعدة المُتَّبَعة عندنا فيما إذا ورد خلاف بين النحويين أن نتبع الأسهل اقتداء بالرسول عليه الصلاة والسلام« أنه ما خُيِّرَ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا»[[أخرج البخاري (٦٧٨٦)، ومسلم واللفظ له (٢٣٢٧) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «ما خُيِّرَ رسولُ الله ﷺ بين أمرين أحدهما أيسر من الآخر إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه».]]، ونحن لا نأثم إذا اتبعنا الكوفيين في رأيهم؛ لأن ما هي مسائل شرعية.
طيب، على كل حال، على رأي الكوفيين لا حاجة إلى كلام المؤلف، نقول: الإضافة لفظية لكن صورتها أنها إضافة معنوية؛ لأنه أُضيف إلى معرفة فصَحَّ أن يُوصَف به المعرفة.
على كل حال هذا البحث لا يدركه الإنسان تمامًا إلا إذا عرف أن الإضافة نوعان: محضة معنوية، ولفظية غير محضة.
* * *
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، تكلمنا بالأمس على شروط التوبة اذكرها بالإجمال؟
* الطالب: خمسة شروط: الشرط الأول الإخلاص، الشرط الثاني ترك الذنب والتخلي عنه، الشرط الثالث التخلي عن..
* الشيخ: لا.
* الطالب: العزم على..
* الشيخ: لا.
* طالب: أولًا الإخلاص، ثانيًا: الإقلاع..
* الشيخ: لا.
* طالب: الندم..
* الشيخ: الندم على ما فات من الذنب.
* طالب: الإقلاع عن المعصية والعزم على ألا يعود عليها وأن تكون في زمن التوبة (...) قبل الموت، وقبل إتيان شروط الساعة.
* الشيخ: أو قبل طلوع الشمس من مغربها، تمام.
إذا كانت التوبة من حق آدمي؟ ذكرنا أنه أقسام.
* الطالب: في المال أو البدن أو العِرض، إذا كان في المال فلا بد أن يوصل المال إليه أو إلى ورثته أو إلى بيت المال في حالة العجز، وإذا كان في البدن يمكنه منه.
* الشيخ: يمكنه من القصاص. وإذا كان في العرض؟
* الطالب: إن كان قد سبه مثلًا أمامه فممكن أن يستسمحه، وإن كان في غيبته فلعدم وجود الضغينة..
* الشيخ: إن كان في غيبته ففيه التفصيل، ما هو التفصيل؟
* الطالب: التفصيل إن كان هذا الأمر سيسبب في قلبه ضغينة أو..
* الشيخ: إذا كان في غيبته ففيه التفصيل، ما هو؟
* طالب: إن كان في غيبته؛ إن كان وصلت إليه..
* الشيخ: فإن كان قد بلغه..
* طالب: إن كان بلغه هذا يذهب إليه ويستحله، ويشترط أيضًا ألا يكون عندما يستسمحه ألا يثور عليه أو..
* الشيخ: لا.
* طالب: ذكر العلماء شيئين في هذا: الأمر الأول -كما ذكر إخواننا- أن يذهب إلى هذا الرجل..
* الشيخ: إذا علم بها، إذا كان قد بلغه أنه اغتابه فلا بد أن يذهب ويستحله هذه واحدة، وإن لم؟
* طالب: شيء آخر والذي رجحتموه -بارك الله فيكم- وهو ألا يخبره أنه قد اغتابه..
* الشيخ: لا.
* الطالب: ويستسمحه.
* طالب آخر: (...).
* الشيخ: إذا كان قد بلغه.. الآن تتكلمون على إذا كان قد بلغه.
* طالب: إذا كان قد بلغه يجب أن يستحله.
* الشيخ: يجب أن يستحله. طيب، وإذا لم يبلغه؟
أن يستغفر له ويمدحه في المواضع..
ففيه قولان للعلماء: القول الأول؟
* الطالب: أن يستغفر له ويمدحه في المواضع التي كان يسبه فيها. القول الثاني..
* الشيخ: أن يذهب إليه ويبلغه ويقول: حللني، والصحيح الأول.
هل يُشْتَرط لصحة التوبة ألا يُصِرَّ على ذنب آخر، بمعنى هل تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على آخر؟
* طالب: للعلماء في ذلك قولان: القول الأول: لا تصح، القول الثاني: أنها تصح ولكن لا يستحق التوبة المطلقة.
* الشيخ: وصف التوبة المطلقة. أيهما أصح؟
* الطالب: الثاني.
* الشيخ: الثاني أصح؛ أنها تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره، لكنه لا يَصْدُق عليه وصف التائب على سبيل الإطلاق. نستمر الآن في استنباط الفوائد من الآية.
* الطالب: فيه قول ثالث.
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: أن الذنب إذا كان من جنس الذنب..
* الشيخ: قول ثالث هذا، إي نعم. لكن صححنا أنه يصح مطلقًا..
* من فوائد الآية الكريمة ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾.. ذكرنا الحث على التوبة؟ طيب.
* من فوائدها: أن عقاب الله تعالى شديد؛ لقوله تعالى: ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾.
* ويتفرع على هذه الفائدة: الحذر من التعرض لعقابه، وقد قال الله عز وجل لنبيه: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر ٤٩، ٥٠]، وقال في آية أخرى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٩٨].
* ومن فوائد الآية التي بعدها ﴿ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر ٣]: بيان كمال غنى الله؛ لقوله: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ أي: صاحبه، والطول هو الغنى كما شرحناه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: انفراد الله تعالى بالألوهية؛ لقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، وانفراد الله تعالى بالألوهية أحد أقسام التوحيد الثلاثة التي هي توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، ويُسَمَّى توحيد العبادة فهو باعتبار العبد توحيد عبادة وباعتبار المعبود توحيد ألوهية.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان أنه لا معبود إلا الله، كذا؟ لا بد أن نُقَيِّد لا معبود حق إلا الله؛ لأن هناك ما يُعْبَد من دون الله وتُسَمَّى آلهة، وقد سماها الله تعالى آلهة ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [المؤمنون ١١٧]، ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود ١٠١] لكنها آلهة باطلة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المصير إلى الله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾.
* ومن فوائدها: وجوب التحاكم إلى شريعة الله، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿إِلَيْهِ﴾ حيث قَدَّم الخبر وتقديم الخبر يفيد الحصر والاختصاص.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الجمع بين الخوف والرجاء في السير إلى الله، وجه ذلك أن الإنسان إذا علم أن المصير إلى الله وأنه غافر الذنب وقابل التوب وشديد العقاب يرجو من وجه ويخاف من وجه آخر، ما دام المصير إلى مَنْ هذا وصفه فإنه لا شك أنه يرجوا تارة ويخاف أخرى، وأيهما يُغلِّب؟
قال بعض العلماء: يجب أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا، لا يغلب الرجاء فيقع في الأمن مِنْ مكر الله، ولا يُغلِّب الخوف فيقع في القنوط من رحمة الله، بل يكون خوفه ورجاؤه واحدًا، قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا فأيهما غَلَب هَلَك صاحبُه.
وقال بعضهم: ينبغي أن يسير الإنسان إلى الله تعالى سير الطير جناحاه متساويان فإن مال أحد جناحيه جنح إلى الجانب الذي مال إليه.
وقال بعض العلماء: ينبغي في جانب الطاعة أن يُغَلِّب جانب الرجاء وأن الله تعالى يقبلها، وفي جانب المعصية أن يُغَلِّب جانب الخوف لئلا يقع فيها، فإذا هَمَّ بسيئة ذكر شدة العقاب فخاف فارتدع، وإذا عمل صالحًا ذكر الثواب والجزاء وقبول الله عز وجل فغَلَّب جانب الرجاء.
وقال بعض العلماء: ينبغي أن يُغَلِّب جانب الخوف في حال الصحة، وجانب الرجاء في حال المرض حتى يأتيه الموت وهو يحسن الظن بالله؛ لقول النبي ﷺ: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ»[[أخرجه مسلم (٢٨٧٧ / ٨٢) من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما.]].
فالأقوال إذن أربعة؛ أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا.
والثاني: أن يُغَلِّب جانب الرجاء في العمل الصالح وجانب الخوف إذا هَمَّ بالمعصية.
والثالث: أن يُغَلِّب جانب الرجاء في حال المرض وجانب الخوف في حال الصحة.
* طلبة: ثلاثة.
* الشيخ: ثلاثة. إي نعم، ما ذكرنا أربعة؟
طيب إذن، هذه أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا، طيب هذه ثلاثة أقوال، والذي يظهر أن القول بأنه يغلِّب جانب الرجاء في حالة فعل الطاعة وجانب الخوف إذا هَمَّ بمعصية هو أقرب الأقوال، من أجل أن يردع نفسه إذا هَمَّ بمعصية خوفًا من الله، وأن يُؤَمِّل القبول من الله والثواب إذا فعل الطاعة فيُغَلِّب جانب الرجاء. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الحث على التوكل على الله، كيف كانت دليلًا على الحث على التوكل على الله؟
* طالب: تفويض الأمر إلى الله.
* الشيخ: أنه لما كان المصير إلى الله كان ينبغي أن يتعلق الإنسان بربه لا بغيره، ما دام المصير إلى الله فتوكلْ على الله لا على غيره.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: اللجوء إلى الله تعالى عند الشدائد وعند طلب المحبوب، تؤخذ مِن؟ ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ فإذا اشتدت بك شدة فلا تلتفت إلى زيد أو عمرو، عليك بالله عز وجل، حتى الشدائد التي أسبابها خفية لا ينفعك إلا الله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت ٣٦].
غافر 40:2
الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾ [غافر ١ - ٤].
* الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ البسملة آية من كتاب الله عز وجل مستقلة، ليست من السورة التي قبلها ولا من السورة التي بعدها، ولكن يؤتى بها في ابتداء السور إلا سورة واحدة وهي سورة براءة، فإنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه جعل فيها بسملة؛ ولهذا تركها الصحابة رضي الله عنهم بدون بسملة لعدم ثبوت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وأما ما قيل: إنها تُرِكَت بلا بسملة لأنها نزلت بالسيف فإنه قول باطل، ليس هذا هو السبب، والسيف إذا كان رحمة فإنه غنيمة، ومعلوم أن السيف على الكفار رحمة يُقْصَد به إعلاء كلمة الله عز وجل.
ثم البسملة -كما تشاهدون- جملة ليس فيها فعل ولا اسم فاعل، لكنها جار ومجرور، ومضاف ومضاف إليه، وصفة وموصوف.
الجار هو الباء، والمجرور اسم، والمضاف اسم، والمضاف إليه لفظ الجلالة، وموصوف وهو الله، وصفة وهو الرحمن الرحيم. فأين المتعلَّق لأنه لا بد لكل جار ومجرور أو ظرف لا بد له من متعلق كما قال الناظم ناظم الجمل:
لَا بُدَّ لِلْجَارِّ مِنَ التَّــــــعَلُّقِ ∗∗∗ بِفِعْلٍ أَوْ مَعْــــــــــــــــــــــــنَاهُنَحْـــــــــــــوُ مُــــــــــــــرْتَقِ؎وَاسْتَثْنِ كُلَّ زَائِدٍ لَهُ عَمَلْ ∗∗∗ كَالبْا و(مِنْ) وَالْكَافِ أَيْضًاوَ(لَعَلْ)
فأين متعلق البسملة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؟ أحسن ما يقال: إن مُتعلَّقها فعل متأخر مناسب لما ابتُدئ بالبسملة من أجله، فنحن الآن نريد أن نقرأ نقول: المتعلق تقديره بسم الله أقرأ، نريد أن نتوضأ نقول: التقدير باسم الله أتوضأ، نريد أن نذبح نقول: التقدير باسم الله أذبح. وإنما قدرناه فعلًا لا اسم فاعل؛ لأن الأصل في العمل هو الفعل، وإنما قدَّرْناه متأخرًا لوجهين:
الوجه الأول: التَّيَمُّن بالبَداءة باسم الله.
والثاني: إفادة الحصر؛ لأنك إذا أخَّرتَ العامل وقدمتَ المعمول كان ذلك دليلًا على الحصر؛ إذ إن القاعدة المعروفة في البلاغة هي أن تقديم ما حقُّه التأخير يفيد الحصر، وإنما قدَّرْناه مناسبًا لما ابتُدِئ به؛ لأنه أدل على المقصود، فمثلًا لو قلت: إن التقدير باسم الله أبتدئ، صح. لكن أبتدئ بأي شيء؟ فإذا قلنا: نقدِّره فعلًا خاصًّا مناسبًا لما ابتدئ به صار ذلك أدل على المقصود، ومعلوم أن ما كان أدل على المقصود كان أبين في المراد، هذا هو إعراب هذه البسملة.
أما معناها فإن (اسم) مفرد مضاف، وكل مفرد مضاف فإنه للعموم، أرأيتم قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل ١٨] فإن نعمة مفرد مضاف، لكن ليست نعمة واحدة؛ لأن النعمة الواحدة تُحْصَى، لكنها نعم كثيرة فتشمل كل ما أنعم الله به على العبد.
إذا كان المفرد المضاف يفيد العموم فما معنى قولنا: بسم الله الرحمن الرحيم؟ معناها بكل اسم من أسماء الله أفعل كذا وكذا، فتكون أنت الآن مستعينًا بكل اسم من أسماء الله على هذا الفعل الذي بَسْمَلْتَ من أجله.
وأما (اسم) فقيل: إنه مشتق من السمو وهو الارتفاع؛ وذلك لأن الاسم يَرفَعُ المُسمَّى ويُبَيِّنُه، وقيل: إنه مشتق من السمة وهي العلامة، قال الله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ [الفتح ٢٩] أي: علامتهم في وجوههم، وأيًّا كان فالاسم يُعيِّن مسماه ويميزه من غيره.
وأسماء الله سبحانه وتعالى -كما مر علينا في التوحيد- غير محصورة بعدد كما جاء في الحديث الصحيح: «أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ» »[[أخرجه أحمد (٤٣١٨) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.]]، وأما الله فهو علم على الذات المقدسة العليَّة وهو الله سبحانه وتعالى. قال النحويون: وهو أعرف المعارف. أعرف المعارف هذا العلم، وقد رتبوا المعارف كما تعرفون بأن أَعْرَفها الضمير ثم الأعلام، لكن هذا العلم هو أعرفها؛ إذ لا تحتمل المشاركة فيه، وغيره من المعارف يمكن المشاركة فيه.
وأما قوله: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ فهو اسم من أسماء الله دال على الرحمة الواسعة؛ والرحيم اسم من أسماء لله دال على الرحمة التي تقع بالفعل، فالرحمن للوصف، والرحيم للفعل؛ يعني أنه رحمان يرحم، وبذلك تَبَيَّن فائدة الجمع بينهما، فإن فائدة الجمع بينهما هو الدلالة على أن رحمة الله واسعة وذلك في قوله: ﴿الرَّحْمَنِ﴾؛ لأن (فعلان) يدل على الامتلاء والسعة، كما تقول: شبعان وريان، وما أشبهها، وأما ﴿الرَّحِيمِ﴾ فهو باعتبار الفعل؛ أي: إيصال الرحمة إلى مَنْ قَدَّر الله أن يرحمه.
والبسملة لها أحكام؛ منها أنها تكون أحيانًا شرطًا في الحلِّ كالتسمية على الذبيحة، فإن التسمية على الذبيحة شرط لحلها حتى إنه لو تَرَك التسمية ولو نسيانًا لم تحلَّ الذبيحة، وقد تكون واجبة لا شرطًا كما في الوضوء عند بعض العلماء، فإن التسمية في الوضوء واجبة ولكنها ليست شرطًا للصحة؛ إذ لو تركها نسيانًا صح وضوؤه، وقد تكون مستحبة في كل أمر ذي شأن كما جاء في الحديث: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي شَأَنٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِاسْمِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ» » أو: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ»[[أخرجه الخطيب في الجامع (١٢١٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] يعني: ذي شأن مهم لا يُبدَأ فيه بباسم الله فهو أبتر، أي منزوع البركة؛ ولهذا كان النبي ﷺ يَبْتَدِئ بها في المكاتَبات إلى الملوك وغيرهم، وكذلك الأنبياء مِنْ قبله كما جاء في القرآن الكريم: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل ٣٠، ٣١].
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿حم﴾ [غافر ١] هذه كلمة مُكوَّنة من حرفين مهملين هجائيين الحاء والميم؛ ولهذا ننطق بها باسمهما لا بلفظهما، فلا نقول: حم، بل نقول: حاء ميم باسمهما، فهما إذن حرفان مهملان هجائيَّان يتركَّب منهما كلام الناس، فهل لهذين الحرفين معنى؟
يقول المؤلف: (الله أعلم بمراده به) يعني: ما ندري ماذا أراد؛ هل أراد إثبات معنى، أم لم يرد إثبات معنى؟ وهل أراد معنى معينًا أم ماذا؟ المهم أننا نفوِّض، فموقفنا من هذا التفويض كغيره من الحروف الهجائية التي ابْتُدِئت بها بعض السور.
ولكن مقتضى كون القرآن باللسان العربي أن نقول: إنهما حرفان هجائيان مهملان ليس لهما معنى؛ يعني نجزم بأنه لا معنى لهما، لأن القرآن نزل باللغة العربية، واللغة العربية لا تجعل للحروف الهجائية معنى، وهذا مروي عن مجاهد إمام المفسرين في زمنه زمن التابعين، وهو الحق؛ لأن الله تعالى قال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٣ - ١٩٥].
فإن قال قائل: يَرِد على هذا القول أن في القرآن ما ليس له معنى وليس له فائدة، وإنما هو حروف مُقَطَّعة ليس لها فائدة.
قلنا: الجواب عن هذا الإيراد أن الله سبحانه وتعالى تَكَلَّم بذلك لمغزى لا لمعنى؛ أي: لحكمة بالغة وهي أن هذا القرآن الذي أعجزكم أيها البلغاء من العرب لم يكن أتى بشيء جديد من حروف، بل أتى بالحروف التي تُرَكِّبون منها كلامكم ومع ذلك أعجزكم، عَجَزْتُم عن صفِّ الحروف حتى تكون مثل القرآن، فإذا كنتم عجزتم عن ذلك فعجزكم عن معنى هذه الكلمات من باب أولى، وهذا الذي ذكره الزمخشري في تفسيره وارتضاه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وذكره أيضًا إما ابتداء أو تقليدًا، المهم أن هذا هو الصواب عند المحققين؛ وهو أن الله تعالى أنزلها لتمام التحدي لهؤلاء البلغاء الذين عجزوا أن يأتوا بمثل القرآن أو بمثل بعضه، وأَيَّدوا قولهم هذا بأن الله تعالى لم يبتدأ سورة بحروف هجائية إلا ذَكَر بعدها القرآن إلا نادرًا.
ثم قال الله عز وجل: (﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ [غافر ٢] القرآن) يعني المراد بالكتاب هنا القرآن، مع أن الكتاب اسم جنس يحتمل أن تكون فيه (أل) للجنس فيشمل كل كتاب، ولكن الظاهر ما ذهب إليه المؤلف؛ لأن المقصود بذلك تقرير كون هذا القرآن الذي نزل على المكذبين من عند الله عز وجل.
وقوله: (مبتدأ) يريد قوله: ﴿تَنْزِيلُ﴾ أي أنها مبتدأ، والمبتدأ يحتاج إلى خبر، والخبر قوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ ولهذا قال المفسر: (﴿مِنَ اللَّهِ﴾ خبره) تنزيل الكتاب من الله لا من غيره.
﴿الْعَزِيزِ﴾ قال: (في ملكه ﴿الْعَلِيمِ﴾ بخلقه) العزيز ذو العزة، وقد سبق أن عزة الله تنقسم إلى كم؟ ثلاثة أقسام: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع. وهو كذلك في كل موضع جاء العزيز فهذا هو معناه؛ أي أنه ذو عزة. والعزة ثلاثة أقسام: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع؛ أما عزة القدر فمعناها أنه ذو شرف وسيادة. وأما عزة القهر فمعناها أنه ذو غلبة وسلطان. وأما عزة الامتناع فمعناه أنه ذو امتناع عن كل نقص وعيب. وقد سبق الاستشهاد على هذه المعاني الثلاثة وبيان اشتقاقها؛ فيكون قول المؤلف: (﴿الْعَزِيزِ﴾ في مُلْكِه) فيه قصور؛ لأنه جعله بمعنى الغالب فقط، والصواب ما ذكرنا لكم.
﴿الْعَلِيمِ﴾ قال: (بخلقه) والعليم أي ذو العلم. وعلم الله سبحانه وتعالى ليس بمحدود لا أولًا ولا آخرًا ولا مقدارًا، علم الله تعالى واسع شامل لكل شيء. علم الله تعالى أَزَلِيٌّ أي: لم يَسْبِقْه جهل، علم الله تعالى أبدي أي: لا يلحقه نسيان، فصار علم الله تعالى واسعًا شاملًا زَمَنًا وكَيْفًا؛ أي: زَمَنًا أي: في المستقبل وفي الماضي، وكيفًا أي أنه شامل لكل ما من شأنه أن يُعْلَم.
(﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ [غافر ٣] للمؤمنين ﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ لهم ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ للكافرين) قوله: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ الغَفْر هو الستر مع الوقاية، ومنه المِغْفَر ما يوضع على الرأس عند الحرب لاتقاء السهام، وكما ترون أن المِغْفَر ساتر فهو جامع بين السَّتْرِ والوقاية، والذنب المعصية، يقال: أَذْنَب الرجل إذا عَصَى، ومعنى غافر الذنب أي: ساتره المتجاوز عنه، وقول المؤلف: (للمؤمنين) فيه نظر واضح؛ لأن مغفرة الذنب شامل للمؤمنين وغير المؤمنين؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال ٣٨] فهو غافر الذنب لكل من تاب إلى الله وسأل المغفرة.
﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ قابله معناها أن مَنْ تاب إلى الله قَبِل الله توبته، والتوب بمعنى الرجوع إلى الله عز وجل من معصيته إلى طاعته، وقال المؤلف: (لهم) لمن؟ (للمؤمنين) وهذا أيضًا ليس بصحيح، فالتوبة مقبولة من المؤمنين والكافرين، قال الله تبارك وتعالى عن المشركين: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة ١١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء ١٧، ١٨] قال: ﴿يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ إذن لو تابوا قبل ذلك لقُبِلَت، فتبيَّن بهذا أن ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله من تخصيص ذلك بالمؤمنين يُعْتَبر قصورًا.
قال: (مصدر) أيهما قابل أو التوب؟ (قابل) اسم فاعل، إذن فالمصدر هو التوب.
(﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ للكافرين) المؤلف رحمه الله كأنه خص الغافر والقابل بالمؤمنين؛ لقوله: ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾؛ لأن شِدَّة العقاب إنما هي للكافرين. ولكن في هذا نظرًا؛ لأن المقصود هنا ذكر صفة الله سبحانه وتعالى أنه جمع بين الفضل والعدل؛ بين الفضل في كونه غافر الذنب وقابل التوب، والعدل في كونه شديد العقاب، لأن شدة العقاب من الله عز وجل لِمَنِ استحقها عدل؛ إذ إن الله أخبرنا وبيَّن لنا أن مَنْ فعل كذا عاقبه بالعقوبة الشديدة، فإذا فعل الإنسان ما تُوُعِّد عليه بالعقوبة الشديدة فهو الذي اختار لنفسه هذا فتكون معاملة الله له به تكون عدلًا.
وقوله: (أي: مُشَدِّدِه) انتبهوا لهذا التفسير (أي: مُشَدِّدِه)، لماذا عَدَل عن ظاهر الآية التي تُفيد أنه نفسه شديد العقاب؟ نعم، لأنهم ينفون الصفات؛ الأشاعرة، والتشديد فعل بائن عن الله عز وجل. فلننظر الآن؛ على كلام المؤلف تكون شديد بمعنى مشدِّد، ولنا أن نطالب فنقول: هل (فعيل) تأتي بمعنى (مفعل)؟
الجواب: نعم، تأتي (فعيل) بمعنى (مفعل) كقول الشاعر:
أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ
السميع هنا بمعنى المسمع، الداعي الذي يسمعني يؤرقني فلا أنام وأصحابي هجوع نائمون، فمن حيث اللفظ لا اعتراض على المؤلف أي من حيث جعله (فعيل) بمعنى (مفعل) لا اعتراض عليه؛ لأن ذلك وارد في اللغة العربية، لكن من حيث المعنى فيه نظر؛ لأن ظاهر قوله: ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ أنه هو نفسه عقابه شديد وهو كذلك، فإذا كان العقاب شديدًا لزم أن يكون الألم -ألم من عوقب- شديدًا أيضًا.
والعقاب مأخوذ من المعاقبة وهي المجازاة؛ وسميت المجازاة عقابًا لأنها تَعْقُب العمل، لكنها تُذْكَر غالبًا فيما يسوء لا فيما يسر.
﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (ذي) بمعنى صاحب، وهي مجرورة بالياء نيابة عن الكسرة؛ لأنها من الأسماء الخمسة، و﴿الطَّوْلِ﴾ يقول: (أي: الإنعام الواسع) هذا الطول؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء ٢٥] إلى آخره، فالطَّوْل هو الغنى الواسع، ومن تمام الغنى أن يكون مُنْعِمًا، والله سبحانه وتعالى مُنعِم واسع الغنى ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾.
قال: (وهو موصوف على الدوام بكلٍّ من هذه الصفات، فإضافة المشتق منها للتعريف كالأخيرة) عندنا فيه عدة صفات ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ كم هذه؟ هذه أربعة، الأخيرة غير مشتق فإن ﴿ذِي﴾ بمعنى صاحب غير مشتقة لكنها مؤولة بمشتق، أما ما قبلها شديد العقاب قابل التوب غافر الذنب فهي مشتقة، وجعل المؤلف رحمه الله هذه الصفات لا يُراد بها إثبات المعنى المشتق منه، ولكنها للتعريف فقط، ولا يخفى ما في هذا الكلام من القصور التام، كيف نجعل المشتق لمجرد التعريف؟ كيف نقول: غافر الذنب المراد بذلك التعريف بالله عز وجل لا أنه غافر ولا أن قابل ولا أنه شديد العقاب؟ فهو قاصر جدًّا، ولا يصح أن نُفَسِّر كلام الله تعالى بهذا الكلام، بل نقول: غافر مشتق من الغَفْر وهو صفة مقصودة، ليس المقصود بها التعريف، وكذلك نقول في قابل التوب، وفي شديد العقاب.
وقول المؤلف: (موصوف على الدوام بكل من هذه الصفات) قال ذلك هربًا من إثبات صفات الأفعال، لأنك إذا قلت: غافر بمعنى يغفر صارت صفة فِعْلٍ يتعلق بالمشيئة.
وعند الأشاعرة وغيرهم من المتكلمين يمتنع أن يوصف اللهُ تعالى بوصف هو فِعْل، لا يمكن، لماذا؟ قالوا: لأن الفعل يدل على الحدوث، والحدوث لا يكون في القديم، لا يكون الحدوث إلا بحادث، وقد سبق لنا بيان بطلان هذا القول، فالصواب إِذَن أن غافر وقابل صفتان من صفات الأفعال، وأما (شديد العقاب) فهي أيضًا صفة من صفات الأفعال لأن التقدير عقابه شديد، فهو من باب إضافة الصفة إلى الموصوف أي أن عقابه شديد فتكون كما سبق من الصفات الفعلية.
وأما ذي الطول فإذا قلنا: إن معناه ذي الغنى الواسع فهي من صفات الذات، وإذا قلنا: إنها بمعنى الإنعام الواسع فهي من صفات الأفعال.
(﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ المرجع) الجملة خبرية مكونة من مبتدأ وخبر، والخبر فيها مُقَدَّم أو مؤخر؟ مقدم، وإذا قُدِّمَ الخبر أفاد التخصيص والحصر.
﴿إِلَيْهِ﴾ أي: إلى الله وحده ﴿الْمَصِيرُ﴾ المرجع، وهل المراد بقوله: ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أي المرجع في كل شيء، أو إليه المصير بعد الموت؟ الجواب إليه المصير في كل شيء، فإليه المرجع في الحُكْم بين الناس، إليه المرجع في تدبير الأمور، إليه المرجع بعد الموت، إليه المرجع في كل شيء ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد ٣].
* طالب: ذكرنا أن (شديد) صفة فعل.
* الشيخ: كيف صفة فعل؟
* الطالب: لأن المؤلف هرب من (...).
* الشيخ: لا هي صفةٌ لفعله، ما هي صفة فعل، صفة لفعل الله؛ يعني: نفس العقاب شديد، وهو جعلها مشدِّد شيئًا منفصلًا عن الله عز وجل.
* طالب: شيخ، بارك الله فيك، ما نقول: إن الحروف المقطعة هذه في أوائل السور تدخل فيما قاله ابن عباس: إن القرآن أربعة أقسام، القسم الرابع أنه ما لا يعلمه إلا الله؟
* الشيخ: لا، هذه تدخل على رأي المؤلف، أما على القول الذي رجحنا فإنه معلوم أنه ليس لها معنى، يعني مما يدخل تحت علمنا أنه ليس لها معنى.
* طالب: قول المؤلف: مشدِّد (...).
* الشيخ: لا؛ لأن مشدد أي: جاعله شديدًا، فهي مثل القادر يعني تعود الصفة على مذهب الأشاعرة إلى القدرة وتعود على مذهب الماتريدية إلى الخلق، لأن الماتريدية يثبتون الخلق والتكوين بخلاف الأشاعرة.
* طالب: بالنسبة يا شيخ قوله: ﴿قَابِلِ التَّوْبِ﴾ (...).
* الشيخ: لا، هذه أوصاف، و﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ وصف، ولهذا جاءت باسم الفاعل، وجاء الغفور الذي هو اسمه على صيغة المبالغة.
* الطالب: (...).
* الشيخ: سمعتم السؤال؟ يقول: كيف نجمع بين القول بأن أسماء الله تعالى لا تُحْصى وبين قول النبي ﷺ: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٧٣٦)، ومسلم (٢٦٧٧ / ٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]؟
والجواب عن ذلك أن نقول.. الجواب عن ذلك ولَّا على ذلك؟ إذا كان السائل مستفهِمًا فقل: الجواب على ذلك. وإذا كان مُورِدًا أي مناقضًا فقل: الجواب عن ذلك؛ ولهذا يكون الجواب عن ذلك في مقام الرد على مَنْ اعترض عليك، والجواب على ذلك في جواب مَنِ استرشد، فالآن هل نقول بالنسبة لسؤال الأخ الجواب على ذلك أو عن ذلك؟ على ذلك إحسانًا للظن، وإلَّا لو جاء واحد يبغي يعترض قلنا: الجواب عن ذلك، أما الآن فنقول: الجواب على ذلك أن كلام النبي ﷺ ككلام الله لا يتناقض أبدًا، فإذا كان قد ثبت عنه أنه قال: «أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ» » علمنا أن مِنْ أسماء الله ما لا يمكن الوصول إليه، ولا يمكن إدراكه؛ لأن ما استأثر الله به لا يمكن أن نعلمه، فحينئذ يتعين أن نقول: إن معنى قوله: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ» » أي: من أسمائه تسعة وتسعين مَنْ أحصاها دخل الجنة، فتكون جملة «مَنْ أَحْصَاهَا» » وصفًا لكلمة «اسْمًا» » وليست جملة مستقلة مستأنفة، تكون معنى «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا» » موصوفة بأن مَنْ أحصاها دخل الجنة، وله أسماء أخرى لكن اختر منها تسعة وتسعين فإذا أحصيتها دخلتَ الجنة، وما معنى إحصائها هل معناها أن تقرأها لفظًا؟ لا، إحصاؤها هو معرفتها لفظًا ومعنى، والتعبد لله بمقتضاها، أي معرفة لفظها ومعناها والتعبد لله تعالى بمقتضاها.
* طالب: شيخ، عقاب الله منه النار وكأنها هي التي وُصِفَت بالشدة، فكيف وصفنا بها الله سبحانه وتعالى؟
* الشيخ: هو نفسه شديد العقاب، أنا مثلًا إذا قلت: فلان قوي الضرب، يعني ضربه هو الواقع منه قوي، العقاب الواقع منه شديد.
* الطالب: (...) الموصوف العقاب؟
* الشيخ: الموصوف الله عز وجل شدة عقابه هو، أما المعاقَب به فهذا شيء آخر، عندنا عقاب ومعاقَب به ومعاقب وارد عليه العقاب، فإذا عاقبتَ شخصًا بالضرب فهذا الضرب معاقَب به، وأما ضرب الضارب فهو وصفه الذي هو عقابه.
* * *
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (٤) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٥) وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر ١ - ٦].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿حم﴾ إلى آخره البسملة جار ومجرور، ومضاف ومضاف إليه، وصفة وموصوف فأين مُتعلَّقه؟ يعني بأي شيء تعلقت.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، من جهة الإعراب؟
* طالب: (...).
* الشيخ: متعلقة بفعل محذوف مؤخَّر مناسب للمقام، طيب الآن إذا كنتُ أريد أن أقرأ فكيف تقدر هذا المحذوف؟
* طالب: باسم الله أقرأ.
* الشيخ: باسم الله أقرأ، أحسنت، في القرآن الكريم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق ١]، فأتى بـ(اقرأ)، الذين قدروا (أبتدئ) هل تقديرهم صحيح أو مرجوح؟
* الطالب: لا.
* الشيخ: لماذا؟
* الطالب: لأن الفعل المقدر لا بد أن يكون مناسبًا للمقام.
* الشيخ: ما هو لا بد، ما هو هذا.
* طالب: ليكون أنسب.
* الشيخ: ليكون أنسب بمعنى مناسب للمقام.
* طالب: تقديرهم صحيح، لكن الأولى أن يكون تقديرهم أدل.
* الشيخ: تمام، تقديرهم صحيح، لكن كون الفعل مناسبًا أدل على المقصود؛ لأنك إذا قلت: أبتدئ، بأي شيء؟ لكن إذا قدرتَه: أقرأ، أتوضأ، أغتسل، وما أشبه ذلك صار أدل على المقصود.
فيه أيضًا وجه آخر تبيَّن لنا، وهو أنك إذا قلت: باسم الله أبتدئ صارت البسملة على الابتداء فقط، إذا قلت: باسم الله أقرأ صارت البسملة على كل الفعل، وهذه فائدة أكبر بكثير من مناسبة التعيين، إذا قلت: باسم الله أبتدئ صارت البسملة على الابتداء فقط، إذا قلت: باسم الله أقرأ صارت البسملة على كل الفعل، وكذلك: إذا قلت: باسم الله أتوضأ صارت البسملة على كل الفعل من أوله إلى آخره، بخلاف ما إذا قلت: باسم الله أبتدئ فإن البسملة تكون على الابتداء فقط.
هل سورة غافر مكيَّة أو مدنية؟
* طالب: مكيَّة نستدل من سياق السورة نفسها (...).
* الشيخ: هي مكية، وكل السور المُبتدَأَة بحروف الهجاء مكيَّة إلا البقرة وآل عمران.
فما هو المكي والمدني؟
* طالب: المكي ما نزل بمكة.
* الشيخ: إذن ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة ٣] مكية وهي نزلت يوم عرفة؟
* طالب: (...) نزل قبل الهجرة.
* الشيخ: ما نزل قبل الهجرة فهو مكي وما نزل بعدها فهو مدني، هذا هو أرجح الأقوال؛ أن ما نزل قبل الهجرة فهو مكي وما نزل بعدها مدني حتى وإن نزل بمكة.
ما هو القول الراجح في الحروف الهجائية التي تُبْتَدَأ بها السور؟ ﴿حم﴾ ويش القول الراجح فيها؟
* طالب: قال المؤلف: (الله أعلم بمراده).
.. تمام قال المؤلف: (الله أعلم بمراده بها)، لكن ما قلنا نحن: إنه أرجح؟
* طالب: مقتضى اللغة أنهما حرفان هجائيان.
* الشيخ: وليس لهما معنى في حَدِّ ذاتهما.
ما وجه ترجيحنا لهذا القول؛ أن القرآن عربي نزل باللغة العربية، مقتضي الكلام العربي أن هذه الحروف بهذه السياق ليس لها معنى دلالي؛ أن القرآن نزل بلغة العرب، ولغة العرب تقتضي أن هذه الحروف ليس لها معنى؟ لكن ذكرنا أن لها مغزى، ما هو؟
* طالب: هو تحدي العرب بأن القرآن نزل وأُلِّف بنفس الحروف التي تتكلمون بها، ومع ذلك عجزوا عن الإتيان بمثله مما يدل على أنه من عند الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: تمام؛ ولهذا نجد أن كل سورة ابتُدِئت بهذه الحروف يُؤْتَى بعدها بذكر القرآن، تمام.
ما معنى قوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [غافر ٢]؟
* الطالب: هذا الكتاب القرآن نزل من عند الله عز وجل.
* الشيخ: إي نعم، تنزيله من الله لا من غيره.
اختيار لفظ ﴿الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ أو اختيار هذين الاسمين على غيرهما من الأسماء في هذه السورة، يعني في سورة فُصِّلَت قال: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت ٢]، هنا قال: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾.
* طالب: (...).
* الشيخ: وفصلت مَكِّيَّة.
* طالب: لأن هذا مناسب من باب التغيير في القوة أحيانًا والرحمة أحيانًا.
* الشيخ: نخليها في الفوائد أحسن.
ما معنى قوله: ﴿ذِي الطَّوْل﴾؟
* طالب: ﴿ذِي الطَّوْل﴾ ذي بمعنى صاحب الغنى الواسع.
* الشيخ: الغنى الواسع، ويترتب عليه الإفضال والإحسان.
قوله: ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أي مصير هو؟
* طالب: (...).
* الشيخ: مصير كل شيء، طيب، هل هناك شاهد لكون المصير هنا مصير كل شيء؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: أن الله سبحانه وتعالى..
* الشيخ: لا، أنا ما أريد تعليلًا، أنا أريد شاهدا للآية على أن مصير كل شيء إلى الله.
* طالب: وإليه تصير الأمور.
* الشيخ: نفس الشيء.
* طالب: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾.
* الشيخ: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود ١٢٣]، ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [البقرة ٢١٠].
نرجع الآن إلى فوائد هاتين الآيتين؛ يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿حم﴾ [غافر ١].
* من فوائدها: أن القرآن الكريم حروف تكلم الله به بحروف، ففيه الرد على الأشاعرة ومَنْ سلك سبيلهم الذين يقولون: إن كلام الله هو المعنى القائم بالنفس، وإن الله لا يتكلم بحرف وصوت، لكن يخلق حروفًا وأصواتًا تُسْمَع تعبيرًا عما في نفسه، وحقيقة هذا القول نفي الكلام؛ لأن ما في النفس من المعلومات المرتبة ليست كلامًا ولكنها معلومات، علم، وليست كلامًا، مفهوم؟
والرد عليهم معلوم من كتب العقائد؛ منها أن القول إذا أُطْلِق فهو قول اللسان، وإذا أريد به قول النفس حُدِّد مثل: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة ٨] ومثل: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٦٩)، ومسلم (١٢٧ / ٢٠١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: علو الله عز وجل؛ يؤخذ من قوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ﴾ [غافر ٢] لأن النزول لا يكون إلا من أعلى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن كلام الله لا كلام غيره؛ لقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ﴾ [غافر ٢] وذلك أن ما ذكر الله أنه نزله ينقسم إلى قسمين: إما أن يكون أعيانًا قائمة بنفسها فهذه مخلوقة، أو تكون أوصافًا لا تقوم إلا بالغير فهذا غير مخلوق، عرفتم؟ مثال الذي أضاف الله إنزاله إلى نفسه وهو عين قائمة بنفسها قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد ٢٥] الحديد مخلوق ولَّا غير مخلوق؟ طيب ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر ٦] أعيان قائمة بنفسها مخلوقة، ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا﴾ [الأعراف ٢٦] مخلوق، إذن فما أضاف الله إنزاله إليه وهو عين قائمة بنفسه فهو مخلوق وإلَّا فهو غير مخلوق، القرآن هل هو عين قائمة بنفسها أو كلام لا يقوم إلا بالغير؟ الثاني، إذن هو غير مخلوق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وصف القرآن الكريم بالكتاب، فلماذا وُصِفَ بالكتاب؟
نقول: أولًا لأنه يُكْتَب فهو مكتوب بالمصاحف التي بأيدينا.
ثانيًا: أنه في صُحُفٍ بأيدي الملائكة: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ [عبس ١٢، ١٣].
ثالثًا: أنه مكتوب في اللوح المحفوظ: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج ٢١، ٢٢]؛ وعليه فكتاب بمعنى مكتوب، وحينئذ نسأل هل يأتي فعال بمعنى مفعول، نقول كثيرًا؛ كغراس بمعنى مغروس، وبناء بمعنى مبني، وفراش بمعنى مفروش، وما أشبهه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات ثلاثة أسماء من أسماء الله: الله، والعزيز، والعليم؛ ﴿مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [غافر ٢]، وإثبات ما دلت عليه هذه الأسماء من الصفات؛ فالله دلَّ على الألوهية، والعزيز على العزة، والعليم على العلم.
واعلم أن كل اسم من أسماء الله فإنه متضمن لصفة، وليس كل صفة يُشْتَق منها اسم؛ ولهذا قلنا: إن الصفات أوسع من الأسماء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: ذِكْر الأسماء المناسبة للمقام؛ يعني أن الله جل وعلا يذكر من أسمائه ما يناسب المقام، فهذه السورة تتحدث عن المكذبين للرسل وما جرى عليهم من الهلاك والانتقام. فما الذي يناسبه من الأسماء؟ العزة التي فيها الغلبة والأخذ؛ فلهذا جاءت هنا العزيز، وجاء العليم ليُفيد أنه لعزته أخذ هؤلاء المكذبين، ولعلمه أنزل الكتب وعلم كيف يأخذ هؤلاء المكذبين.
* ومن فوائد الآية الكريمة التي بعدها الآية الثانية: أن الله جل وعلا يغفر الذنوب جميعًا؛ لقوله: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ [غافر ٣]، والذنب هنا مفرد محلى بـ(أل) فيكون عامًّا؛ لأن المفرد المحلى بـ(أل) يكون عامًّا؛ مثل: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر ٢] أي: إن كل إنسان.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الحث على فعل ما تكون به المغفرة؛ وجه ذلك أن الله لم يخبرنا بأنه غافر الذنب من أجل أن نعلم أنه غافر فقط، لكن من أجل أن نتعرض لمغفرته. فما هي الأسباب التي تكون بها المغفرة؟
الأسباب كثيرة؛ منها الاستغفار اللهم اغفر لي، ومنها أعمال صالحة يُكَفِّر الله بها الخطايا، ومنها إحسان إلى الخلق حتى أن الله عز وجل غَفَر لامرأة بَغِيٍّ بسقيها كلبًا عطشان، فأسباب المغفرة كثيرة، وغفر لرجل وجد شجرة في الطريق تؤذي الناس فأزالها فغفر الله له، المهم أن نتعرض لأسباب المغفرة؛ لأن ذلك مقتضى قوله: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يقبل التوبة من عباده، ولكن لا يُقْبَل الشيء حتى يكون جاريًا على مقتضى الشريعة؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري بنحوه (٢٦٩٧)، ومسلم واللفظ له (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة رضي الله عنها.]] فما هي التوبة الجارية على مقتضى الشريعة؟
التوبة الجارية على مقتضى الشريعة ما جمعت خمسة أمور وهي ما يُعْرَف بشروط التوبة:
الأول: الإخلاص لله عز وجل بأن يكون الحامل للإنسان على التوبة هو إخلاصه لله عز وجل، حب التقرب إليه والفرار من عقوبته، فلا يحمله على التوبة مراعاة الخلق ولا حصول الجاه والرئاسة وإنما يحمله الإخلاص لله.
الثاني: الندم على فعل المعصية؛ أن يشعر الإنسان بانفعال ندم وحسرة على ما وقع منه، فلا بد مِنْ نَدَمٍ؛ لأن الندم الذي يتبين به حقيقة رجوع الإنسان إلى الله وأن هذه المعصية أَثَّرت في نفسه فندم على ما جرى منه، لا يقال: إن الندم انفعال، والانفعال يأتي بغير الاختيار؛ كالغضب مثلًا، والحزن من الواقع، يقال: المراد بالندم هنا تحسُّر القلب فهو انفعال يقع من الإنسان ليس كالانفعال الذي يأتي سببه من الخارج هذا ربما لا يستطيع الإنسان أن يُغَيِّر ما وقع.
الشرط الثالث: التخلِّي عن المعصية والانفصال عنها، فإن تاب وهو مُصِرٌّ فإن توبته أشبه ما تكون بالاستهزاء. كيف يقول الذي يأكل لحم الخنزير: أستغفر الله تعالى وأسأل الله أن يجعل طعامي طيبًا؟! أيش هذا؟! يصلح هذا أو ما يصلح؟ وهو يأكل، هو يمضغ اللحمة جيدًا ويقول: أستغفر الله من أكل لحم الخنزير وأسأل الله أن يجعل طعامي طيبًا، هذا أشبه ما يكون بالمستهزئ.
لو أن رجلًا نهاك عن شيء ووجدك تعمل هذا الشيء وأنت تقول: أرجو منك أن تعذرني، وما أشبه ذلك، وهو يأكل، وقال له: لا تأكل. ويأكل. هذا الذي يخاطبه سوف يقول: إنك تستهزئ بي وتسخر بي، فلا توبة مع الإصرار، لا بد أن يتخلى عن الذنب.
إذا كان الذنب لله فالتخلِّي عنه سهل، لكن إذا كان الذنب لغير الله؛ يعني: أذنب في حقِّ غير الله فكيف يتخلى منه؟
نقول: إذا كان مالًا فالتخلي عنه بإيصاله إلى صاحبه بأي وسيلة كانت، فإن كان قد مات فإلى ورثته، فإن جَهِلَهم فإلى بيت المال، أو إذا كان بيت المال غير منتظم أو يخشى عليه أن يضيع فليتصدق به هو لصاحبه، كم مرحلة الآن؟ أربع؛ لصاحبه، لورثته، لبيت المال إن جهلهم، يتصدق به، وأيهما أولى بيت المال أو الصدقة؟ الغالب أن الصدقة أولى لا سيما في زماننا هذا حيث أن بيت المال قد لا يتصرف فيه ولي الأمر التصرف الذي يُرْضِي.
إذا كان عدوانًا على النفس، ما هو مال، فالتوبة منه أن يُمَكِّن صاحب الحق من الاقتصاص منه، فمثلًا إذا كان قد اعتدى على شخص بضرب فليذهب إليه ويقول: أنا اعتديت عليك بالضرب، اضربني كما ضربتك، كما فعل النبي ﷺ مع الرجل الذي ضربه النبي ﷺ حينما رآه متقدِّمًا في الصف فقال الرجل: أقدني يا رسول الله، فكشف النبي ﷺ عن بطنه ليُقيدَه[[أخرج البيهقي (١٦٠٢٠) عن سواد بن عمرو رضي الله عنه قال: أتيت النبي ﷺ، وأنا متخلق بخلوق، فلما رآني قال لي: «يا سواد بن عمرو، خَلوق ورس؟ أَوَلَمْ أنهَ عن الخلوق؟»، ونخسني بقضيب في يده في بطني فأوجعني، فقلت: يا رسول الله القصاصَ، قال: «القَصاصَ» فكشف لي عن بطنه فجعلت أقبله، ثم قلت: يا رسول الله! أَدَعُهُ شفاعة لي يوم القيامة.]]، فماذا فعل الرجل؟ قَبَّله، فهذا النبي ﷺ وهو أشرف الخلق وأحب الناس إلى أتباعه مَكَّن من الاقتصاص منه، هذا اثنان، المال والبدن.
إذا كان في العرض اعتديت على شخص بعرضه؛ يعني بأن اغتبته أو سَبَبْتَه، والفرق بين الغيبة والسب أن السب مواجهة والغيبة مع الغَيْبَة، فذكرك أخاك بما يكره إن كان غائبًا فهي غيبة، وإن كان حاضرًا فهو سب، التوبة من هذا أن تَسْتَحِلَّه، فهل لو قلت: سُبَّني كما سببتُك يصح أو لا يصح؟ لا يصح؛ لأن هذا جناية على نفسك، ولكن استحلَّه، هذا إذا كان سبًّا؛ لأنه قد علم بذلك، إذا كان غيبة فهل تستحله تذهب إليه وتقول: إني اغتبتك، فاعذرني، اسمح لي؟
الجواب: قال بعض العلماء: نعم، يجب أن تذهب إليه وتقول: أنا اغتبتك فاعذرني حلِّلْنِي. وقال بعض أهل العلم: لا يلزم استحلاله، بل يكفي أن تَسْتَغْفِر له كما جاء في الحديث وإن كان ضعيفًا: «كَفَّارَةُ مَنِ اغْتَبْتَهُ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُ»[[أخرج البيهقي في الدعوات (٥٧٥) من حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبتَه؛ تقول: اللهم اغفر لنا وله». قال البيهقي: في هذا الإسناد ضعف، والله أعلم.]] استغفر له وأثنِ عليه بما هو أهله في الأماكن التي اغتبتَه فيها، تكون الحسنات يذهبن السيئات. وهذا القول أصح؛ لأن هذا فيه البراءة وعدم التشويش؛ لأنه ربما لو تذهب إليه تقول: اغتبتك فحلِّلْني، مهما أتيتَ به من صيغة الغيبة قد لا يقتنع بها، إذا قلتَ: إني قلتُ فيكَ: إنك بخيل. قد يقول: إنك قلتَ: بخيل وجبان. أليس كذلك؟ ربما يقول له الشيطان هكذا، ويأبى أن يُحَلِّلَكَ، فإذا كان لم يعلم فاحمد الله على ذلك واستغفر له، وأثنِ عليه بما هو أهلُه في الأماكن التي كنتَ اغتبتَه فيها وبذلك تَسْلَم من الإثم، هذه صفة التخلي من الذنب إذا كان في حق غير الله.
هنا سؤال: بعض الناس يكون عليه حقٌّ ماليٌّ لشخص إما سرقه أو جحده أو ما أشبه ذلك، ثم يتوب هذا الفاعل ويذهب إلى صاحب الحق ويقول: خذ حقك فيأبى صاحب الحق، يأبى أن يأخذه، فماذا يصنع؟ وهذا يَرِدُ كثيرًا؛ يكون صاحب الحق قد حمل في نفسه على هذا الظالم الذي ظلمه ويأبى أن يَقْبَل، فماذا يصنع هل نقول: إنه حينئذ سقط حقُّه وصحَّت توبة المعتدي، ويبقى إن طلب حقه مرة أخرى أُعْطِيَ وإن لم يطلب فإن المعتدي برئ؟ نقول: ننزل هذه الحال على القواعد الشرعية، القواعد الشرعية تقتضي أن هذا الذي عليه الحق قد بَرِئ؛ لأن الله يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، وهذا ما يسعه، قَدَّم الحق لصاحبه وقال: خذ. قال: لا، لا آخذه، أنت اعتديت عليَّ بالأول ولا أقبل منك، هذا الذي أبى أن يقبل هو الذي أخطأ وجنى؛ لأنه ينبغي للإنسان إذا اعتذر إليه أخوه أن يَقْبَل عذرَه، لكن هذا هو الذي جنى الآن. فهذا الرجل نقول: أنت الآن برئت ذمتُك، خلِّ الدراهم عندك إن جاء يومًا من الدهر أعطها إياه، وإن مات فهل يلزمه أن يعطيه الورثة؟
الجواب: في هذا نظر، وذلك أن الرجل الذي اعتُدِيَ عليه لم يقبل هذا المال ولم يدخل في ملكه، فإذا كان لم يقبله ولم يدخل في ملكه فكيف ينتقل إلى الورثة، ومن شرط الإرث انتقال المال عن الموروث، وهذا الموروث لم يقبل هذا المال؟
وقد يقال: إن الأصل أنه ملكه فيلزم الرد إلى ورثته، وهذا الأخير أحوط لكن في وجوبه نظر؛ لأن الذي اعتدى وأراد أن يرد يقول: أنا أعطيت الرجل وأبى أن يتملكه، فكيف ينتقل إلى الورثة؟ ولكن نقول: الأحوط والأولى أن يَرُدَّه إلى الورثة ليسلم منه، لكن لو فُرِضَ أنه لا ورثة له أو أن ورثته مجهولون فإن هذا التائب قد أدى ما عليه. هذه ثلاثة شروط.
الشرط الرابع: أن يعزم على ألا يعود إلى الذنب أو ألا يعود إلى الذنب. الأول أو الثاني؟ الأول أن يعزم على ألا يعود إلى الذنب، أو الشرط ألا يعود إلى الذنب؟
الأول؟ ما الفرق بينهما؟ الفرق بينهما أننا إذا قلنا: الشرط ألا يعود ثم عاد بطلت التوبة الأولى، وإذا قلنا: الشرط العزم على ألا يعود وقد عزم ألا يعود، ثم عاد فالتوبة الأولى تبقى صحيحة، وعليه أن يتوب توبة ثانية للذنب الجديد، وعلى كل حال فالشرط هو العزم ألا يعود في المستقبل، فإن عاد فعليه توبة أخرى، فتاب وعاد يتوب، عاد يتوب، فعاد يتوب.
فإن قال قائل: أليس قد ثَبَت في الصحيح أن الرسول ﷺ أخبر «أَنَّ رَجُلًا أَذْنَبَ فَتَابَ، ثُمَّ أَذْنَبَ فَتَابَ، ثُمَّ أَذْنَبَ فَتَابَ، ثُمَّ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ»[[أخرج البخاري (٧٥٠٧) ومسلم واللفظ له (٢٧٥٨ / ٢٩) بسنديهما عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ فيما يحكي عن ربه عز وجل قال: «أذنب عبد ذنبًا فقال: اللهم اغفر لي ذنبي. فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب فقال: أي ربِّ اغفر لي ذنبي. فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنبًا فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب فقال: أي ربِّ اغفر لي ذنبي. فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرتُ لك».]]؟ فهل هذا يعني أن الإنسان إذا تكرر منه الذنب وهو يستغفر يُغْفَر له؟
الجواب: نعم مهما أذنب ثم استغفر يُغْفَر له.
لكن لو قال قائل: إن ظاهر الحديث «فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ» » يعني فليعصِ الله، قلنا: لا يستقيم هذا؛ لأنه يخالف الأدلة الكثيرة الدالة على أنه لا بد لكل ذنب من توبة إلا طائفة واحدة من هذه الأمة هم الذين لا يحتاجون إلى توبة من الذنب وهم أهل بدر، فإن الله اطلع إليهم وقال: «اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٩٠) ومسلم (٢٤٩٤ / ١٦١) من حديث عليٍّ رضي الله عنه.]].
الشرط الخامس: أن تكون التوبة في الوقت الذي تُقْبَل فيه التوبة، وهو أن تكون التوبة قبل طلوع الشمس من مغربها وقبل حضور الأجل، الأول عام لكل أحد، لا توبة لأحد إذا طلعت الشمس من مغربها؛ لقول النبي ﷺ: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَخْرُجَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا»[[أخرجه أبو داود (٢٤٧٩) من حديث معاوية رضي الله عنه، ولفظه: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها».]]، وهذا يؤيده قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام ١٥٨] والمراد ببعض الآيات طلوع الشمس من مغربها.
الثاني: أن تكون قبل حضور الأجل، فإذا حضر الأجل لم تنفع التوبة؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨]، هذا ليس لهم توبة، وتطبيق هذا عمليًّا أن فرعون لما أدركه الغرق قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس ٩٠] فقيل له: ﴿آلْآنَ﴾ تؤمن ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس ٩١، ٩٢] لا رحمة بك، ولكن ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾، وأما روحك فلا نجاة لها، وإنما نجاه الله ببدنه؛ لأنه قد أرعب بني إسرائيل ولا يكادون يصدقون بأنه هلك حتى يشاهدوه فيطمئنوا، فلهذا نجاه الله ببدنه ليشاهدوه.
هل يُشْتَرَط ألا يكون مُصرًا على ذنب آخر؟ يعني: لنفرض أنه تاب من شرب الخمر، لكنه باق على الزنا، والعياذ بالله، فهل تصح توبته من شرب الخمر؟
في هذا خلاف، فمن العلماء من يقول: لا تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على ذنب آخر.
ومنهم من قال: بل تصح؛ لأن كل ذنب له جُرْمُه. ومنهم من قال: إذا كان الذنب الذي أصر عليه من جنس الذي تاب منه فإن التوبة لا تصح، كرجل تاب من الزنا لكنه يُطْلِق بصره في النظر المُحَرَّم؛ فإن توبته من الزنا لا تصح، أو رجل تاب من النظر المحرم، ولكنه لم يتب من المسِّ المحرم هذا أيضًا لا تُقْبَل توبته.
ومن العلماء من قال: تُقْبَل مطلقًا، إذا تاب من ذنب تاب الله عليه من هذا الذنب؛ لأن الله عز وجل حَكَمٌ عَدْل، ورحمته سبقت غضبه، وهذا الرجل عنده جنايات متعددة تاب من واحدة منها فليكن تائبًا. وهذا القول أصح، ولكن لا يُطْلَق على هذا التائب وصف التوبة المطلق؛ لأن توبته هذا مُقَيَّدة؛ يعني: لا يستحق وصف التائبين على الإطلاق، فلا يدخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة ٢٢٢]؛ لأن هذا الرجل لا يصدق عليه أنه تائب على وجه الإطلاق لكنه تائب من ذنب واقعٌ في ذنب آخر، وهذا القول هو الذي تجتمع فيه الأدلة؛ فيقال: استحقاق الوصف المطلق فيمن تاب من ذنب مع الإصرار على غيره لا يكون، وأما وصفه بتوبة مُقَيَّدة فهذا صحيح.
* طالب: (...) كالزنا.
* الشيخ: لا، الزنا ما يدخل في هذا. قل: كالسرقة.
* طالب: وقُطِعَت يدُه (...).
* الشيخ: إذا قُطِعَت يده فلا بد من رد المال إلى صاحبه، نقول: هذا بالنسبة لحق الله سقط في إقامة الحد عليه، لكن لا بد من أن يوصل المال إلى صاحبه.
* الطالب: طيب يا شيخ الزنا ما يشترك فيه..
* الشيخ: الواقع أن الزنا يشترك فيه الفاعل والمفعول به، حتى المفعول به يتلذذ ويجد شهوة، نعم إذا قلنا بالإكراه فهذا صحيح عدوان لا بد من استحلاله.
* الطالب: (...) حق الله؟
* الشيخ: حق الله نقيم عليه الحد، وحق العباد وهو الإكراه والعدوان عليه لا بد من استحلاله.
* طالب: القاعدة التي ذكرتها أن ما أنزل من الأعيان يكون (...) من غير الأعيان (...) طيب السكينة (...) الأعيان نفسها؟
* الشيخ: وصفٌ في الغير ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح ٤]، وصف في الغير، السكينة في قلوبهم.
* طالب: (...).
* الشيخ: يسأل يقول: رجل سرق من شخص مالًا ثم ردَّه عليه وقال: هذه هدية هل يبرَأ منه؟
لا ما يبرأ، إذا كان رده على أنه هديه وهذا قبله على أنه هديه، وأن المهدي له عليه منة وأنه يحتاج إلى مكافأة فرق.
* طالب: (...).
* الشيخ: لو وضع ريالًا وقال: هذه هدية؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: لكان مخادعًا، ألف ريال يحط معها ريالًا ويقول: هذه هدية علشان ريال من ألف! لا لا بد، لكن الحمد لله يقول: والله أنا في حالة سفه حصل، وهذه تقع كثيرًا في حال الصغر وإلا عدد كبير ما هو سارق إن شاء الله، لكن وهو صغير يسرق من دكان ولَّا من صاحب له يأخذ قلمًا يأخذ ساعة، لا بد أن يوصله إليه ويقول: هذه حق لك عليَّ، ولكن لو قال مثلًا: هذه من إنسان تاب وقد سرقها منك، ولا قال: أنا ولا غيره، هل يصح أو لا؟ هذا يصح، والظاهر أنه ينبني عليه استحلال المجهول.
* طالب: في الدرس الماضي (...) المؤلف رحمه الله تعالى الله بالمشدد يعني يتهرب من إثبات الصفات الفعلية (...) قال هنا: (﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ الْإِنْعَام الْوَاسِع وهو موصوف على الدوام بكل من هذه الصفات) فهو أثبت الصفات هنا؟
* الشيخ: أي، لكن على أنها صفات ذاتية، ثم هو أيضًا المؤلف لاحظ شيئًا آخر من جهة النحو، وهو أن (غافر الذنب) و(قابل التوب) و(شديد العقاب) هذه صفات مضافة، وإضافتها ليست محضة، إضافتها إضافة لفظية، والإضافة اللفظية لا تقتضي التعريف، أعرفت؟
* الطالب: لكن سماها صفات.
* الشيخ: إي ما يخالف هي صفات، لكن ما هو قصده؟ شف عبارة المؤلف: (وهو موصوف على الدوام بكل من هذه الصفات) إذا كان موصوفًا بها الدوام ماذا تكون؟ صفات ذاتية، ثم يقول: (فإضافة المشتق منها للتعريف كالأخيرة) المشتق غافر وقابل وشديد، يقول: (للتعريف) يعني: أن إضافتها أفادت التعريف (كالأخيرة) ما هي الأخيرة؟ (ذي الطول) فإن هذه الإضافة أفادت التعريف لا شك؛ لأنها إضافة اسم جامد إلى معرفة فيكون معرفة.
انتبهوا، اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة إذا أضيفت فإنها لا تفيد التعريف، إضافتها لا تفيد التعريف، ويُسَمُّون هذه الإضافة إضافة لفظية، لا معنوية، وبعضهم يقول: محضة وغير محضة، أتى المؤلف بهذا الكلام؛ لأنه يُورد عليه مسألة، الله العزيز العليم هذه معارف ولَّا غير معارف؟ معارف.
إذا قلنا: (غافر) صفة لله، وقلنا: إن إضافتها لفظية ورد علينا إشكال؛ الإضافة اللفظية لا تقتضي التعريف فتكون الصفة نكرة وُصِفَ بها معرفة، ووصْفُ المعرفة بالنكرة غير جائز، أو لا؟ لا يجوز أن تقول: جاء زيد فاضل، لا يجوز، يجب أن تقول: جاء زيد الفاضل، فإذا كانت الإضافة في (غافر) و(قابل) و(شديد) لا تفيد التعريف وأعربناها على أنها صفة صار في هذا إشكال وهو أننا وصفنا معرفةً بنكرة وهذا غير جائز. أراد المؤلف أن يُصَحِّحَ الموضوع فقال: إن هذه الصفات لا يراد بها الحدوث وإنما هي صفات على الدوام، وإذا كانت الصفات على الدوام خرجت عن مشابَهة الفعل وصارت الإضافة للتعريف؛ لأجل أن يصح وصف اسم الجلالة أو لفظ الجلالة بهذه الصفات لما كانت إضافتها محضة معنوية.
لكن للمعربين قول آخر بل قول ثالث؛ القول الآخر يقولون: إن (غافر) و(قابل) و(شديد) بدل من الله، والبدل لا يُشتَرَط فيه موافقة المبدل منه، لكن القول بأنها بدل غير صحيح؛ لأن علامة البدل أن يَحِلَّ مَحَلَّ المُبْدَل منه وهذا لا يصح، هذا وصف زائد على الموصوف.
فيه رأي ثالث لإخواننا الكوفيين السهلين الْمُيَسِّرين يقولون: يجوز أن تُنْعَت المعرفة بمثل هذا التركيب، ولو كانت الإضافة لفظية غير محضة؛ يعني يقولون: ما أضيف إلى المعرفة ولو كانت الإضافة غير محضة يجوز أن يكون نعتًا للمعرفة اعتبارًا باللفظ؛ لأن لفظ (غافر الذنب) معرفة ولَّا نكرة؟ معرفة؛ لأنه أُضيفَ إلى معرفة، وإن كانت الإضافة عندهم غير حقيقية، وإنما هي لفظية، فالنحويين يقولون: لا يهم، لفظية أو معنوية، ما دام ظاهر اللفظ منسجم الصفة مع الموصوف فهذا يكفي، والقاعدة المُتَّبَعة عندنا فيما إذا ورد خلاف بين النحويين أن نتبع الأسهل اقتداء بالرسول عليه الصلاة والسلام« أنه ما خُيِّرَ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا»[[أخرج البخاري (٦٧٨٦)، ومسلم واللفظ له (٢٣٢٧) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «ما خُيِّرَ رسولُ الله ﷺ بين أمرين أحدهما أيسر من الآخر إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه».]]، ونحن لا نأثم إذا اتبعنا الكوفيين في رأيهم؛ لأن ما هي مسائل شرعية.
طيب، على كل حال، على رأي الكوفيين لا حاجة إلى كلام المؤلف، نقول: الإضافة لفظية لكن صورتها أنها إضافة معنوية؛ لأنه أُضيف إلى معرفة فصَحَّ أن يُوصَف به المعرفة.
على كل حال هذا البحث لا يدركه الإنسان تمامًا إلا إذا عرف أن الإضافة نوعان: محضة معنوية، ولفظية غير محضة.
* * *
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، تكلمنا بالأمس على شروط التوبة اذكرها بالإجمال؟
* الطالب: خمسة شروط: الشرط الأول الإخلاص، الشرط الثاني ترك الذنب والتخلي عنه، الشرط الثالث التخلي عن..
* الشيخ: لا.
* الطالب: العزم على..
* الشيخ: لا.
* طالب: أولًا الإخلاص، ثانيًا: الإقلاع..
* الشيخ: لا.
* طالب: الندم..
* الشيخ: الندم على ما فات من الذنب.
* طالب: الإقلاع عن المعصية والعزم على ألا يعود عليها وأن تكون في زمن التوبة (...) قبل الموت، وقبل إتيان شروط الساعة.
* الشيخ: أو قبل طلوع الشمس من مغربها، تمام.
إذا كانت التوبة من حق آدمي؟ ذكرنا أنه أقسام.
* الطالب: في المال أو البدن أو العِرض، إذا كان في المال فلا بد أن يوصل المال إليه أو إلى ورثته أو إلى بيت المال في حالة العجز، وإذا كان في البدن يمكنه منه.
* الشيخ: يمكنه من القصاص. وإذا كان في العرض؟
* الطالب: إن كان قد سبه مثلًا أمامه فممكن أن يستسمحه، وإن كان في غيبته فلعدم وجود الضغينة..
* الشيخ: إن كان في غيبته ففيه التفصيل، ما هو التفصيل؟
* الطالب: التفصيل إن كان هذا الأمر سيسبب في قلبه ضغينة أو..
* الشيخ: إذا كان في غيبته ففيه التفصيل، ما هو؟
* طالب: إن كان في غيبته؛ إن كان وصلت إليه..
* الشيخ: فإن كان قد بلغه..
* طالب: إن كان بلغه هذا يذهب إليه ويستحله، ويشترط أيضًا ألا يكون عندما يستسمحه ألا يثور عليه أو..
* الشيخ: لا.
* طالب: ذكر العلماء شيئين في هذا: الأمر الأول -كما ذكر إخواننا- أن يذهب إلى هذا الرجل..
* الشيخ: إذا علم بها، إذا كان قد بلغه أنه اغتابه فلا بد أن يذهب ويستحله هذه واحدة، وإن لم؟
* طالب: شيء آخر والذي رجحتموه -بارك الله فيكم- وهو ألا يخبره أنه قد اغتابه..
* الشيخ: لا.
* الطالب: ويستسمحه.
* طالب آخر: (...).
* الشيخ: إذا كان قد بلغه.. الآن تتكلمون على إذا كان قد بلغه.
* طالب: إذا كان قد بلغه يجب أن يستحله.
* الشيخ: يجب أن يستحله. طيب، وإذا لم يبلغه؟
أن يستغفر له ويمدحه في المواضع..
ففيه قولان للعلماء: القول الأول؟
* الطالب: أن يستغفر له ويمدحه في المواضع التي كان يسبه فيها. القول الثاني..
* الشيخ: أن يذهب إليه ويبلغه ويقول: حللني، والصحيح الأول.
هل يُشْتَرط لصحة التوبة ألا يُصِرَّ على ذنب آخر، بمعنى هل تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على آخر؟
* طالب: للعلماء في ذلك قولان: القول الأول: لا تصح، القول الثاني: أنها تصح ولكن لا يستحق التوبة المطلقة.
* الشيخ: وصف التوبة المطلقة. أيهما أصح؟
* الطالب: الثاني.
* الشيخ: الثاني أصح؛ أنها تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره، لكنه لا يَصْدُق عليه وصف التائب على سبيل الإطلاق. نستمر الآن في استنباط الفوائد من الآية.
* الطالب: فيه قول ثالث.
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: أن الذنب إذا كان من جنس الذنب..
* الشيخ: قول ثالث هذا، إي نعم. لكن صححنا أنه يصح مطلقًا..
* من فوائد الآية الكريمة ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾.. ذكرنا الحث على التوبة؟ طيب.
* من فوائدها: أن عقاب الله تعالى شديد؛ لقوله تعالى: ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾.
* ويتفرع على هذه الفائدة: الحذر من التعرض لعقابه، وقد قال الله عز وجل لنبيه: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر ٤٩، ٥٠]، وقال في آية أخرى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٩٨].
* ومن فوائد الآية التي بعدها ﴿ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر ٣]: بيان كمال غنى الله؛ لقوله: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ أي: صاحبه، والطول هو الغنى كما شرحناه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: انفراد الله تعالى بالألوهية؛ لقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، وانفراد الله تعالى بالألوهية أحد أقسام التوحيد الثلاثة التي هي توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، ويُسَمَّى توحيد العبادة فهو باعتبار العبد توحيد عبادة وباعتبار المعبود توحيد ألوهية.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان أنه لا معبود إلا الله، كذا؟ لا بد أن نُقَيِّد لا معبود حق إلا الله؛ لأن هناك ما يُعْبَد من دون الله وتُسَمَّى آلهة، وقد سماها الله تعالى آلهة ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [المؤمنون ١١٧]، ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود ١٠١] لكنها آلهة باطلة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المصير إلى الله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾.
* ومن فوائدها: وجوب التحاكم إلى شريعة الله، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿إِلَيْهِ﴾ حيث قَدَّم الخبر وتقديم الخبر يفيد الحصر والاختصاص.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الجمع بين الخوف والرجاء في السير إلى الله، وجه ذلك أن الإنسان إذا علم أن المصير إلى الله وأنه غافر الذنب وقابل التوب وشديد العقاب يرجو من وجه ويخاف من وجه آخر، ما دام المصير إلى مَنْ هذا وصفه فإنه لا شك أنه يرجوا تارة ويخاف أخرى، وأيهما يُغلِّب؟
قال بعض العلماء: يجب أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا، لا يغلب الرجاء فيقع في الأمن مِنْ مكر الله، ولا يُغلِّب الخوف فيقع في القنوط من رحمة الله، بل يكون خوفه ورجاؤه واحدًا، قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا فأيهما غَلَب هَلَك صاحبُه.
وقال بعضهم: ينبغي أن يسير الإنسان إلى الله تعالى سير الطير جناحاه متساويان فإن مال أحد جناحيه جنح إلى الجانب الذي مال إليه.
وقال بعض العلماء: ينبغي في جانب الطاعة أن يُغَلِّب جانب الرجاء وأن الله تعالى يقبلها، وفي جانب المعصية أن يُغَلِّب جانب الخوف لئلا يقع فيها، فإذا هَمَّ بسيئة ذكر شدة العقاب فخاف فارتدع، وإذا عمل صالحًا ذكر الثواب والجزاء وقبول الله عز وجل فغَلَّب جانب الرجاء.
وقال بعض العلماء: ينبغي أن يُغَلِّب جانب الخوف في حال الصحة، وجانب الرجاء في حال المرض حتى يأتيه الموت وهو يحسن الظن بالله؛ لقول النبي ﷺ: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ»[[أخرجه مسلم (٢٨٧٧ / ٨٢) من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما.]].
فالأقوال إذن أربعة؛ أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا.
والثاني: أن يُغَلِّب جانب الرجاء في العمل الصالح وجانب الخوف إذا هَمَّ بالمعصية.
والثالث: أن يُغَلِّب جانب الرجاء في حال المرض وجانب الخوف في حال الصحة.
* طلبة: ثلاثة.
* الشيخ: ثلاثة. إي نعم، ما ذكرنا أربعة؟
طيب إذن، هذه أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا، طيب هذه ثلاثة أقوال، والذي يظهر أن القول بأنه يغلِّب جانب الرجاء في حالة فعل الطاعة وجانب الخوف إذا هَمَّ بمعصية هو أقرب الأقوال، من أجل أن يردع نفسه إذا هَمَّ بمعصية خوفًا من الله، وأن يُؤَمِّل القبول من الله والثواب إذا فعل الطاعة فيُغَلِّب جانب الرجاء. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الحث على التوكل على الله، كيف كانت دليلًا على الحث على التوكل على الله؟
* طالب: تفويض الأمر إلى الله.
* الشيخ: أنه لما كان المصير إلى الله كان ينبغي أن يتعلق الإنسان بربه لا بغيره، ما دام المصير إلى الله فتوكلْ على الله لا على غيره.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: اللجوء إلى الله تعالى عند الشدائد وعند طلب المحبوب، تؤخذ مِن؟ ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ فإذا اشتدت بك شدة فلا تلتفت إلى زيد أو عمرو، عليك بالله عز وجل، حتى الشدائد التي أسبابها خفية لا ينفعك إلا الله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت ٣٦].
غافر 40:3
الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾ [غافر ١ - ٤].
* الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ البسملة آية من كتاب الله عز وجل مستقلة، ليست من السورة التي قبلها ولا من السورة التي بعدها، ولكن يؤتى بها في ابتداء السور إلا سورة واحدة وهي سورة براءة، فإنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه جعل فيها بسملة؛ ولهذا تركها الصحابة رضي الله عنهم بدون بسملة لعدم ثبوت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وأما ما قيل: إنها تُرِكَت بلا بسملة لأنها نزلت بالسيف فإنه قول باطل، ليس هذا هو السبب، والسيف إذا كان رحمة فإنه غنيمة، ومعلوم أن السيف على الكفار رحمة يُقْصَد به إعلاء كلمة الله عز وجل.
ثم البسملة -كما تشاهدون- جملة ليس فيها فعل ولا اسم فاعل، لكنها جار ومجرور، ومضاف ومضاف إليه، وصفة وموصوف.
الجار هو الباء، والمجرور اسم، والمضاف اسم، والمضاف إليه لفظ الجلالة، وموصوف وهو الله، وصفة وهو الرحمن الرحيم. فأين المتعلَّق لأنه لا بد لكل جار ومجرور أو ظرف لا بد له من متعلق كما قال الناظم ناظم الجمل:
لَا بُدَّ لِلْجَارِّ مِنَ التَّــــــعَلُّقِ ∗∗∗ بِفِعْلٍ أَوْ مَعْــــــــــــــــــــــــنَاهُنَحْـــــــــــــوُ مُــــــــــــــرْتَقِ؎وَاسْتَثْنِ كُلَّ زَائِدٍ لَهُ عَمَلْ ∗∗∗ كَالبْا و(مِنْ) وَالْكَافِ أَيْضًاوَ(لَعَلْ)
فأين متعلق البسملة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؟ أحسن ما يقال: إن مُتعلَّقها فعل متأخر مناسب لما ابتُدئ بالبسملة من أجله، فنحن الآن نريد أن نقرأ نقول: المتعلق تقديره بسم الله أقرأ، نريد أن نتوضأ نقول: التقدير باسم الله أتوضأ، نريد أن نذبح نقول: التقدير باسم الله أذبح. وإنما قدرناه فعلًا لا اسم فاعل؛ لأن الأصل في العمل هو الفعل، وإنما قدَّرْناه متأخرًا لوجهين:
الوجه الأول: التَّيَمُّن بالبَداءة باسم الله.
والثاني: إفادة الحصر؛ لأنك إذا أخَّرتَ العامل وقدمتَ المعمول كان ذلك دليلًا على الحصر؛ إذ إن القاعدة المعروفة في البلاغة هي أن تقديم ما حقُّه التأخير يفيد الحصر، وإنما قدَّرْناه مناسبًا لما ابتُدِئ به؛ لأنه أدل على المقصود، فمثلًا لو قلت: إن التقدير باسم الله أبتدئ، صح. لكن أبتدئ بأي شيء؟ فإذا قلنا: نقدِّره فعلًا خاصًّا مناسبًا لما ابتدئ به صار ذلك أدل على المقصود، ومعلوم أن ما كان أدل على المقصود كان أبين في المراد، هذا هو إعراب هذه البسملة.
أما معناها فإن (اسم) مفرد مضاف، وكل مفرد مضاف فإنه للعموم، أرأيتم قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل ١٨] فإن نعمة مفرد مضاف، لكن ليست نعمة واحدة؛ لأن النعمة الواحدة تُحْصَى، لكنها نعم كثيرة فتشمل كل ما أنعم الله به على العبد.
إذا كان المفرد المضاف يفيد العموم فما معنى قولنا: بسم الله الرحمن الرحيم؟ معناها بكل اسم من أسماء الله أفعل كذا وكذا، فتكون أنت الآن مستعينًا بكل اسم من أسماء الله على هذا الفعل الذي بَسْمَلْتَ من أجله.
وأما (اسم) فقيل: إنه مشتق من السمو وهو الارتفاع؛ وذلك لأن الاسم يَرفَعُ المُسمَّى ويُبَيِّنُه، وقيل: إنه مشتق من السمة وهي العلامة، قال الله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ [الفتح ٢٩] أي: علامتهم في وجوههم، وأيًّا كان فالاسم يُعيِّن مسماه ويميزه من غيره.
وأسماء الله سبحانه وتعالى -كما مر علينا في التوحيد- غير محصورة بعدد كما جاء في الحديث الصحيح: «أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ» »[[أخرجه أحمد (٤٣١٨) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.]]، وأما الله فهو علم على الذات المقدسة العليَّة وهو الله سبحانه وتعالى. قال النحويون: وهو أعرف المعارف. أعرف المعارف هذا العلم، وقد رتبوا المعارف كما تعرفون بأن أَعْرَفها الضمير ثم الأعلام، لكن هذا العلم هو أعرفها؛ إذ لا تحتمل المشاركة فيه، وغيره من المعارف يمكن المشاركة فيه.
وأما قوله: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ فهو اسم من أسماء الله دال على الرحمة الواسعة؛ والرحيم اسم من أسماء لله دال على الرحمة التي تقع بالفعل، فالرحمن للوصف، والرحيم للفعل؛ يعني أنه رحمان يرحم، وبذلك تَبَيَّن فائدة الجمع بينهما، فإن فائدة الجمع بينهما هو الدلالة على أن رحمة الله واسعة وذلك في قوله: ﴿الرَّحْمَنِ﴾؛ لأن (فعلان) يدل على الامتلاء والسعة، كما تقول: شبعان وريان، وما أشبهها، وأما ﴿الرَّحِيمِ﴾ فهو باعتبار الفعل؛ أي: إيصال الرحمة إلى مَنْ قَدَّر الله أن يرحمه.
والبسملة لها أحكام؛ منها أنها تكون أحيانًا شرطًا في الحلِّ كالتسمية على الذبيحة، فإن التسمية على الذبيحة شرط لحلها حتى إنه لو تَرَك التسمية ولو نسيانًا لم تحلَّ الذبيحة، وقد تكون واجبة لا شرطًا كما في الوضوء عند بعض العلماء، فإن التسمية في الوضوء واجبة ولكنها ليست شرطًا للصحة؛ إذ لو تركها نسيانًا صح وضوؤه، وقد تكون مستحبة في كل أمر ذي شأن كما جاء في الحديث: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي شَأَنٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِاسْمِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ» » أو: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ»[[أخرجه الخطيب في الجامع (١٢١٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] يعني: ذي شأن مهم لا يُبدَأ فيه بباسم الله فهو أبتر، أي منزوع البركة؛ ولهذا كان النبي ﷺ يَبْتَدِئ بها في المكاتَبات إلى الملوك وغيرهم، وكذلك الأنبياء مِنْ قبله كما جاء في القرآن الكريم: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل ٣٠، ٣١].
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿حم﴾ [غافر ١] هذه كلمة مُكوَّنة من حرفين مهملين هجائيين الحاء والميم؛ ولهذا ننطق بها باسمهما لا بلفظهما، فلا نقول: حم، بل نقول: حاء ميم باسمهما، فهما إذن حرفان مهملان هجائيَّان يتركَّب منهما كلام الناس، فهل لهذين الحرفين معنى؟
يقول المؤلف: (الله أعلم بمراده به) يعني: ما ندري ماذا أراد؛ هل أراد إثبات معنى، أم لم يرد إثبات معنى؟ وهل أراد معنى معينًا أم ماذا؟ المهم أننا نفوِّض، فموقفنا من هذا التفويض كغيره من الحروف الهجائية التي ابْتُدِئت بها بعض السور.
ولكن مقتضى كون القرآن باللسان العربي أن نقول: إنهما حرفان هجائيان مهملان ليس لهما معنى؛ يعني نجزم بأنه لا معنى لهما، لأن القرآن نزل باللغة العربية، واللغة العربية لا تجعل للحروف الهجائية معنى، وهذا مروي عن مجاهد إمام المفسرين في زمنه زمن التابعين، وهو الحق؛ لأن الله تعالى قال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٣ - ١٩٥].
فإن قال قائل: يَرِد على هذا القول أن في القرآن ما ليس له معنى وليس له فائدة، وإنما هو حروف مُقَطَّعة ليس لها فائدة.
قلنا: الجواب عن هذا الإيراد أن الله سبحانه وتعالى تَكَلَّم بذلك لمغزى لا لمعنى؛ أي: لحكمة بالغة وهي أن هذا القرآن الذي أعجزكم أيها البلغاء من العرب لم يكن أتى بشيء جديد من حروف، بل أتى بالحروف التي تُرَكِّبون منها كلامكم ومع ذلك أعجزكم، عَجَزْتُم عن صفِّ الحروف حتى تكون مثل القرآن، فإذا كنتم عجزتم عن ذلك فعجزكم عن معنى هذه الكلمات من باب أولى، وهذا الذي ذكره الزمخشري في تفسيره وارتضاه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وذكره أيضًا إما ابتداء أو تقليدًا، المهم أن هذا هو الصواب عند المحققين؛ وهو أن الله تعالى أنزلها لتمام التحدي لهؤلاء البلغاء الذين عجزوا أن يأتوا بمثل القرآن أو بمثل بعضه، وأَيَّدوا قولهم هذا بأن الله تعالى لم يبتدأ سورة بحروف هجائية إلا ذَكَر بعدها القرآن إلا نادرًا.
ثم قال الله عز وجل: (﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ [غافر ٢] القرآن) يعني المراد بالكتاب هنا القرآن، مع أن الكتاب اسم جنس يحتمل أن تكون فيه (أل) للجنس فيشمل كل كتاب، ولكن الظاهر ما ذهب إليه المؤلف؛ لأن المقصود بذلك تقرير كون هذا القرآن الذي نزل على المكذبين من عند الله عز وجل.
وقوله: (مبتدأ) يريد قوله: ﴿تَنْزِيلُ﴾ أي أنها مبتدأ، والمبتدأ يحتاج إلى خبر، والخبر قوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ ولهذا قال المفسر: (﴿مِنَ اللَّهِ﴾ خبره) تنزيل الكتاب من الله لا من غيره.
﴿الْعَزِيزِ﴾ قال: (في ملكه ﴿الْعَلِيمِ﴾ بخلقه) العزيز ذو العزة، وقد سبق أن عزة الله تنقسم إلى كم؟ ثلاثة أقسام: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع. وهو كذلك في كل موضع جاء العزيز فهذا هو معناه؛ أي أنه ذو عزة. والعزة ثلاثة أقسام: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع؛ أما عزة القدر فمعناها أنه ذو شرف وسيادة. وأما عزة القهر فمعناها أنه ذو غلبة وسلطان. وأما عزة الامتناع فمعناه أنه ذو امتناع عن كل نقص وعيب. وقد سبق الاستشهاد على هذه المعاني الثلاثة وبيان اشتقاقها؛ فيكون قول المؤلف: (﴿الْعَزِيزِ﴾ في مُلْكِه) فيه قصور؛ لأنه جعله بمعنى الغالب فقط، والصواب ما ذكرنا لكم.
﴿الْعَلِيمِ﴾ قال: (بخلقه) والعليم أي ذو العلم. وعلم الله سبحانه وتعالى ليس بمحدود لا أولًا ولا آخرًا ولا مقدارًا، علم الله تعالى واسع شامل لكل شيء. علم الله تعالى أَزَلِيٌّ أي: لم يَسْبِقْه جهل، علم الله تعالى أبدي أي: لا يلحقه نسيان، فصار علم الله تعالى واسعًا شاملًا زَمَنًا وكَيْفًا؛ أي: زَمَنًا أي: في المستقبل وفي الماضي، وكيفًا أي أنه شامل لكل ما من شأنه أن يُعْلَم.
(﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ [غافر ٣] للمؤمنين ﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ لهم ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ للكافرين) قوله: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ الغَفْر هو الستر مع الوقاية، ومنه المِغْفَر ما يوضع على الرأس عند الحرب لاتقاء السهام، وكما ترون أن المِغْفَر ساتر فهو جامع بين السَّتْرِ والوقاية، والذنب المعصية، يقال: أَذْنَب الرجل إذا عَصَى، ومعنى غافر الذنب أي: ساتره المتجاوز عنه، وقول المؤلف: (للمؤمنين) فيه نظر واضح؛ لأن مغفرة الذنب شامل للمؤمنين وغير المؤمنين؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال ٣٨] فهو غافر الذنب لكل من تاب إلى الله وسأل المغفرة.
﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ قابله معناها أن مَنْ تاب إلى الله قَبِل الله توبته، والتوب بمعنى الرجوع إلى الله عز وجل من معصيته إلى طاعته، وقال المؤلف: (لهم) لمن؟ (للمؤمنين) وهذا أيضًا ليس بصحيح، فالتوبة مقبولة من المؤمنين والكافرين، قال الله تبارك وتعالى عن المشركين: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة ١١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء ١٧، ١٨] قال: ﴿يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ إذن لو تابوا قبل ذلك لقُبِلَت، فتبيَّن بهذا أن ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله من تخصيص ذلك بالمؤمنين يُعْتَبر قصورًا.
قال: (مصدر) أيهما قابل أو التوب؟ (قابل) اسم فاعل، إذن فالمصدر هو التوب.
(﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ للكافرين) المؤلف رحمه الله كأنه خص الغافر والقابل بالمؤمنين؛ لقوله: ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾؛ لأن شِدَّة العقاب إنما هي للكافرين. ولكن في هذا نظرًا؛ لأن المقصود هنا ذكر صفة الله سبحانه وتعالى أنه جمع بين الفضل والعدل؛ بين الفضل في كونه غافر الذنب وقابل التوب، والعدل في كونه شديد العقاب، لأن شدة العقاب من الله عز وجل لِمَنِ استحقها عدل؛ إذ إن الله أخبرنا وبيَّن لنا أن مَنْ فعل كذا عاقبه بالعقوبة الشديدة، فإذا فعل الإنسان ما تُوُعِّد عليه بالعقوبة الشديدة فهو الذي اختار لنفسه هذا فتكون معاملة الله له به تكون عدلًا.
وقوله: (أي: مُشَدِّدِه) انتبهوا لهذا التفسير (أي: مُشَدِّدِه)، لماذا عَدَل عن ظاهر الآية التي تُفيد أنه نفسه شديد العقاب؟ نعم، لأنهم ينفون الصفات؛ الأشاعرة، والتشديد فعل بائن عن الله عز وجل. فلننظر الآن؛ على كلام المؤلف تكون شديد بمعنى مشدِّد، ولنا أن نطالب فنقول: هل (فعيل) تأتي بمعنى (مفعل)؟
الجواب: نعم، تأتي (فعيل) بمعنى (مفعل) كقول الشاعر:
أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ
السميع هنا بمعنى المسمع، الداعي الذي يسمعني يؤرقني فلا أنام وأصحابي هجوع نائمون، فمن حيث اللفظ لا اعتراض على المؤلف أي من حيث جعله (فعيل) بمعنى (مفعل) لا اعتراض عليه؛ لأن ذلك وارد في اللغة العربية، لكن من حيث المعنى فيه نظر؛ لأن ظاهر قوله: ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ أنه هو نفسه عقابه شديد وهو كذلك، فإذا كان العقاب شديدًا لزم أن يكون الألم -ألم من عوقب- شديدًا أيضًا.
والعقاب مأخوذ من المعاقبة وهي المجازاة؛ وسميت المجازاة عقابًا لأنها تَعْقُب العمل، لكنها تُذْكَر غالبًا فيما يسوء لا فيما يسر.
﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (ذي) بمعنى صاحب، وهي مجرورة بالياء نيابة عن الكسرة؛ لأنها من الأسماء الخمسة، و﴿الطَّوْلِ﴾ يقول: (أي: الإنعام الواسع) هذا الطول؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء ٢٥] إلى آخره، فالطَّوْل هو الغنى الواسع، ومن تمام الغنى أن يكون مُنْعِمًا، والله سبحانه وتعالى مُنعِم واسع الغنى ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾.
قال: (وهو موصوف على الدوام بكلٍّ من هذه الصفات، فإضافة المشتق منها للتعريف كالأخيرة) عندنا فيه عدة صفات ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ كم هذه؟ هذه أربعة، الأخيرة غير مشتق فإن ﴿ذِي﴾ بمعنى صاحب غير مشتقة لكنها مؤولة بمشتق، أما ما قبلها شديد العقاب قابل التوب غافر الذنب فهي مشتقة، وجعل المؤلف رحمه الله هذه الصفات لا يُراد بها إثبات المعنى المشتق منه، ولكنها للتعريف فقط، ولا يخفى ما في هذا الكلام من القصور التام، كيف نجعل المشتق لمجرد التعريف؟ كيف نقول: غافر الذنب المراد بذلك التعريف بالله عز وجل لا أنه غافر ولا أن قابل ولا أنه شديد العقاب؟ فهو قاصر جدًّا، ولا يصح أن نُفَسِّر كلام الله تعالى بهذا الكلام، بل نقول: غافر مشتق من الغَفْر وهو صفة مقصودة، ليس المقصود بها التعريف، وكذلك نقول في قابل التوب، وفي شديد العقاب.
وقول المؤلف: (موصوف على الدوام بكل من هذه الصفات) قال ذلك هربًا من إثبات صفات الأفعال، لأنك إذا قلت: غافر بمعنى يغفر صارت صفة فِعْلٍ يتعلق بالمشيئة.
وعند الأشاعرة وغيرهم من المتكلمين يمتنع أن يوصف اللهُ تعالى بوصف هو فِعْل، لا يمكن، لماذا؟ قالوا: لأن الفعل يدل على الحدوث، والحدوث لا يكون في القديم، لا يكون الحدوث إلا بحادث، وقد سبق لنا بيان بطلان هذا القول، فالصواب إِذَن أن غافر وقابل صفتان من صفات الأفعال، وأما (شديد العقاب) فهي أيضًا صفة من صفات الأفعال لأن التقدير عقابه شديد، فهو من باب إضافة الصفة إلى الموصوف أي أن عقابه شديد فتكون كما سبق من الصفات الفعلية.
وأما ذي الطول فإذا قلنا: إن معناه ذي الغنى الواسع فهي من صفات الذات، وإذا قلنا: إنها بمعنى الإنعام الواسع فهي من صفات الأفعال.
(﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ المرجع) الجملة خبرية مكونة من مبتدأ وخبر، والخبر فيها مُقَدَّم أو مؤخر؟ مقدم، وإذا قُدِّمَ الخبر أفاد التخصيص والحصر.
﴿إِلَيْهِ﴾ أي: إلى الله وحده ﴿الْمَصِيرُ﴾ المرجع، وهل المراد بقوله: ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أي المرجع في كل شيء، أو إليه المصير بعد الموت؟ الجواب إليه المصير في كل شيء، فإليه المرجع في الحُكْم بين الناس، إليه المرجع في تدبير الأمور، إليه المرجع بعد الموت، إليه المرجع في كل شيء ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد ٣].
* طالب: ذكرنا أن (شديد) صفة فعل.
* الشيخ: كيف صفة فعل؟
* الطالب: لأن المؤلف هرب من (...).
* الشيخ: لا هي صفةٌ لفعله، ما هي صفة فعل، صفة لفعل الله؛ يعني: نفس العقاب شديد، وهو جعلها مشدِّد شيئًا منفصلًا عن الله عز وجل.
* طالب: شيخ، بارك الله فيك، ما نقول: إن الحروف المقطعة هذه في أوائل السور تدخل فيما قاله ابن عباس: إن القرآن أربعة أقسام، القسم الرابع أنه ما لا يعلمه إلا الله؟
* الشيخ: لا، هذه تدخل على رأي المؤلف، أما على القول الذي رجحنا فإنه معلوم أنه ليس لها معنى، يعني مما يدخل تحت علمنا أنه ليس لها معنى.
* طالب: قول المؤلف: مشدِّد (...).
* الشيخ: لا؛ لأن مشدد أي: جاعله شديدًا، فهي مثل القادر يعني تعود الصفة على مذهب الأشاعرة إلى القدرة وتعود على مذهب الماتريدية إلى الخلق، لأن الماتريدية يثبتون الخلق والتكوين بخلاف الأشاعرة.
* طالب: بالنسبة يا شيخ قوله: ﴿قَابِلِ التَّوْبِ﴾ (...).
* الشيخ: لا، هذه أوصاف، و﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ وصف، ولهذا جاءت باسم الفاعل، وجاء الغفور الذي هو اسمه على صيغة المبالغة.
* الطالب: (...).
* الشيخ: سمعتم السؤال؟ يقول: كيف نجمع بين القول بأن أسماء الله تعالى لا تُحْصى وبين قول النبي ﷺ: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٧٣٦)، ومسلم (٢٦٧٧ / ٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]؟
والجواب عن ذلك أن نقول.. الجواب عن ذلك ولَّا على ذلك؟ إذا كان السائل مستفهِمًا فقل: الجواب على ذلك. وإذا كان مُورِدًا أي مناقضًا فقل: الجواب عن ذلك؛ ولهذا يكون الجواب عن ذلك في مقام الرد على مَنْ اعترض عليك، والجواب على ذلك في جواب مَنِ استرشد، فالآن هل نقول بالنسبة لسؤال الأخ الجواب على ذلك أو عن ذلك؟ على ذلك إحسانًا للظن، وإلَّا لو جاء واحد يبغي يعترض قلنا: الجواب عن ذلك، أما الآن فنقول: الجواب على ذلك أن كلام النبي ﷺ ككلام الله لا يتناقض أبدًا، فإذا كان قد ثبت عنه أنه قال: «أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ» » علمنا أن مِنْ أسماء الله ما لا يمكن الوصول إليه، ولا يمكن إدراكه؛ لأن ما استأثر الله به لا يمكن أن نعلمه، فحينئذ يتعين أن نقول: إن معنى قوله: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ» » أي: من أسمائه تسعة وتسعين مَنْ أحصاها دخل الجنة، فتكون جملة «مَنْ أَحْصَاهَا» » وصفًا لكلمة «اسْمًا» » وليست جملة مستقلة مستأنفة، تكون معنى «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا» » موصوفة بأن مَنْ أحصاها دخل الجنة، وله أسماء أخرى لكن اختر منها تسعة وتسعين فإذا أحصيتها دخلتَ الجنة، وما معنى إحصائها هل معناها أن تقرأها لفظًا؟ لا، إحصاؤها هو معرفتها لفظًا ومعنى، والتعبد لله بمقتضاها، أي معرفة لفظها ومعناها والتعبد لله تعالى بمقتضاها.
* طالب: شيخ، عقاب الله منه النار وكأنها هي التي وُصِفَت بالشدة، فكيف وصفنا بها الله سبحانه وتعالى؟
* الشيخ: هو نفسه شديد العقاب، أنا مثلًا إذا قلت: فلان قوي الضرب، يعني ضربه هو الواقع منه قوي، العقاب الواقع منه شديد.
* الطالب: (...) الموصوف العقاب؟
* الشيخ: الموصوف الله عز وجل شدة عقابه هو، أما المعاقَب به فهذا شيء آخر، عندنا عقاب ومعاقَب به ومعاقب وارد عليه العقاب، فإذا عاقبتَ شخصًا بالضرب فهذا الضرب معاقَب به، وأما ضرب الضارب فهو وصفه الذي هو عقابه.
* * *
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (٤) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٥) وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر ١ - ٦].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿حم﴾ إلى آخره البسملة جار ومجرور، ومضاف ومضاف إليه، وصفة وموصوف فأين مُتعلَّقه؟ يعني بأي شيء تعلقت.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، من جهة الإعراب؟
* طالب: (...).
* الشيخ: متعلقة بفعل محذوف مؤخَّر مناسب للمقام، طيب الآن إذا كنتُ أريد أن أقرأ فكيف تقدر هذا المحذوف؟
* طالب: باسم الله أقرأ.
* الشيخ: باسم الله أقرأ، أحسنت، في القرآن الكريم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق ١]، فأتى بـ(اقرأ)، الذين قدروا (أبتدئ) هل تقديرهم صحيح أو مرجوح؟
* الطالب: لا.
* الشيخ: لماذا؟
* الطالب: لأن الفعل المقدر لا بد أن يكون مناسبًا للمقام.
* الشيخ: ما هو لا بد، ما هو هذا.
* طالب: ليكون أنسب.
* الشيخ: ليكون أنسب بمعنى مناسب للمقام.
* طالب: تقديرهم صحيح، لكن الأولى أن يكون تقديرهم أدل.
* الشيخ: تمام، تقديرهم صحيح، لكن كون الفعل مناسبًا أدل على المقصود؛ لأنك إذا قلت: أبتدئ، بأي شيء؟ لكن إذا قدرتَه: أقرأ، أتوضأ، أغتسل، وما أشبه ذلك صار أدل على المقصود.
فيه أيضًا وجه آخر تبيَّن لنا، وهو أنك إذا قلت: باسم الله أبتدئ صارت البسملة على الابتداء فقط، إذا قلت: باسم الله أقرأ صارت البسملة على كل الفعل، وهذه فائدة أكبر بكثير من مناسبة التعيين، إذا قلت: باسم الله أبتدئ صارت البسملة على الابتداء فقط، إذا قلت: باسم الله أقرأ صارت البسملة على كل الفعل، وكذلك: إذا قلت: باسم الله أتوضأ صارت البسملة على كل الفعل من أوله إلى آخره، بخلاف ما إذا قلت: باسم الله أبتدئ فإن البسملة تكون على الابتداء فقط.
هل سورة غافر مكيَّة أو مدنية؟
* طالب: مكيَّة نستدل من سياق السورة نفسها (...).
* الشيخ: هي مكية، وكل السور المُبتدَأَة بحروف الهجاء مكيَّة إلا البقرة وآل عمران.
فما هو المكي والمدني؟
* طالب: المكي ما نزل بمكة.
* الشيخ: إذن ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة ٣] مكية وهي نزلت يوم عرفة؟
* طالب: (...) نزل قبل الهجرة.
* الشيخ: ما نزل قبل الهجرة فهو مكي وما نزل بعدها فهو مدني، هذا هو أرجح الأقوال؛ أن ما نزل قبل الهجرة فهو مكي وما نزل بعدها مدني حتى وإن نزل بمكة.
ما هو القول الراجح في الحروف الهجائية التي تُبْتَدَأ بها السور؟ ﴿حم﴾ ويش القول الراجح فيها؟
* طالب: قال المؤلف: (الله أعلم بمراده).
.. تمام قال المؤلف: (الله أعلم بمراده بها)، لكن ما قلنا نحن: إنه أرجح؟
* طالب: مقتضى اللغة أنهما حرفان هجائيان.
* الشيخ: وليس لهما معنى في حَدِّ ذاتهما.
ما وجه ترجيحنا لهذا القول؛ أن القرآن عربي نزل باللغة العربية، مقتضي الكلام العربي أن هذه الحروف بهذه السياق ليس لها معنى دلالي؛ أن القرآن نزل بلغة العرب، ولغة العرب تقتضي أن هذه الحروف ليس لها معنى؟ لكن ذكرنا أن لها مغزى، ما هو؟
* طالب: هو تحدي العرب بأن القرآن نزل وأُلِّف بنفس الحروف التي تتكلمون بها، ومع ذلك عجزوا عن الإتيان بمثله مما يدل على أنه من عند الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: تمام؛ ولهذا نجد أن كل سورة ابتُدِئت بهذه الحروف يُؤْتَى بعدها بذكر القرآن، تمام.
ما معنى قوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [غافر ٢]؟
* الطالب: هذا الكتاب القرآن نزل من عند الله عز وجل.
* الشيخ: إي نعم، تنزيله من الله لا من غيره.
اختيار لفظ ﴿الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ أو اختيار هذين الاسمين على غيرهما من الأسماء في هذه السورة، يعني في سورة فُصِّلَت قال: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت ٢]، هنا قال: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾.
* طالب: (...).
* الشيخ: وفصلت مَكِّيَّة.
* طالب: لأن هذا مناسب من باب التغيير في القوة أحيانًا والرحمة أحيانًا.
* الشيخ: نخليها في الفوائد أحسن.
ما معنى قوله: ﴿ذِي الطَّوْل﴾؟
* طالب: ﴿ذِي الطَّوْل﴾ ذي بمعنى صاحب الغنى الواسع.
* الشيخ: الغنى الواسع، ويترتب عليه الإفضال والإحسان.
قوله: ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أي مصير هو؟
* طالب: (...).
* الشيخ: مصير كل شيء، طيب، هل هناك شاهد لكون المصير هنا مصير كل شيء؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: أن الله سبحانه وتعالى..
* الشيخ: لا، أنا ما أريد تعليلًا، أنا أريد شاهدا للآية على أن مصير كل شيء إلى الله.
* طالب: وإليه تصير الأمور.
* الشيخ: نفس الشيء.
* طالب: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾.
* الشيخ: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود ١٢٣]، ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [البقرة ٢١٠].
نرجع الآن إلى فوائد هاتين الآيتين؛ يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿حم﴾ [غافر ١].
* من فوائدها: أن القرآن الكريم حروف تكلم الله به بحروف، ففيه الرد على الأشاعرة ومَنْ سلك سبيلهم الذين يقولون: إن كلام الله هو المعنى القائم بالنفس، وإن الله لا يتكلم بحرف وصوت، لكن يخلق حروفًا وأصواتًا تُسْمَع تعبيرًا عما في نفسه، وحقيقة هذا القول نفي الكلام؛ لأن ما في النفس من المعلومات المرتبة ليست كلامًا ولكنها معلومات، علم، وليست كلامًا، مفهوم؟
والرد عليهم معلوم من كتب العقائد؛ منها أن القول إذا أُطْلِق فهو قول اللسان، وإذا أريد به قول النفس حُدِّد مثل: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة ٨] ومثل: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٦٩)، ومسلم (١٢٧ / ٢٠١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: علو الله عز وجل؛ يؤخذ من قوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ﴾ [غافر ٢] لأن النزول لا يكون إلا من أعلى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن كلام الله لا كلام غيره؛ لقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ﴾ [غافر ٢] وذلك أن ما ذكر الله أنه نزله ينقسم إلى قسمين: إما أن يكون أعيانًا قائمة بنفسها فهذه مخلوقة، أو تكون أوصافًا لا تقوم إلا بالغير فهذا غير مخلوق، عرفتم؟ مثال الذي أضاف الله إنزاله إلى نفسه وهو عين قائمة بنفسها قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد ٢٥] الحديد مخلوق ولَّا غير مخلوق؟ طيب ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر ٦] أعيان قائمة بنفسها مخلوقة، ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا﴾ [الأعراف ٢٦] مخلوق، إذن فما أضاف الله إنزاله إليه وهو عين قائمة بنفسه فهو مخلوق وإلَّا فهو غير مخلوق، القرآن هل هو عين قائمة بنفسها أو كلام لا يقوم إلا بالغير؟ الثاني، إذن هو غير مخلوق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وصف القرآن الكريم بالكتاب، فلماذا وُصِفَ بالكتاب؟
نقول: أولًا لأنه يُكْتَب فهو مكتوب بالمصاحف التي بأيدينا.
ثانيًا: أنه في صُحُفٍ بأيدي الملائكة: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ [عبس ١٢، ١٣].
ثالثًا: أنه مكتوب في اللوح المحفوظ: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج ٢١، ٢٢]؛ وعليه فكتاب بمعنى مكتوب، وحينئذ نسأل هل يأتي فعال بمعنى مفعول، نقول كثيرًا؛ كغراس بمعنى مغروس، وبناء بمعنى مبني، وفراش بمعنى مفروش، وما أشبهه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات ثلاثة أسماء من أسماء الله: الله، والعزيز، والعليم؛ ﴿مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [غافر ٢]، وإثبات ما دلت عليه هذه الأسماء من الصفات؛ فالله دلَّ على الألوهية، والعزيز على العزة، والعليم على العلم.
واعلم أن كل اسم من أسماء الله فإنه متضمن لصفة، وليس كل صفة يُشْتَق منها اسم؛ ولهذا قلنا: إن الصفات أوسع من الأسماء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: ذِكْر الأسماء المناسبة للمقام؛ يعني أن الله جل وعلا يذكر من أسمائه ما يناسب المقام، فهذه السورة تتحدث عن المكذبين للرسل وما جرى عليهم من الهلاك والانتقام. فما الذي يناسبه من الأسماء؟ العزة التي فيها الغلبة والأخذ؛ فلهذا جاءت هنا العزيز، وجاء العليم ليُفيد أنه لعزته أخذ هؤلاء المكذبين، ولعلمه أنزل الكتب وعلم كيف يأخذ هؤلاء المكذبين.
* ومن فوائد الآية الكريمة التي بعدها الآية الثانية: أن الله جل وعلا يغفر الذنوب جميعًا؛ لقوله: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ [غافر ٣]، والذنب هنا مفرد محلى بـ(أل) فيكون عامًّا؛ لأن المفرد المحلى بـ(أل) يكون عامًّا؛ مثل: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر ٢] أي: إن كل إنسان.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الحث على فعل ما تكون به المغفرة؛ وجه ذلك أن الله لم يخبرنا بأنه غافر الذنب من أجل أن نعلم أنه غافر فقط، لكن من أجل أن نتعرض لمغفرته. فما هي الأسباب التي تكون بها المغفرة؟
الأسباب كثيرة؛ منها الاستغفار اللهم اغفر لي، ومنها أعمال صالحة يُكَفِّر الله بها الخطايا، ومنها إحسان إلى الخلق حتى أن الله عز وجل غَفَر لامرأة بَغِيٍّ بسقيها كلبًا عطشان، فأسباب المغفرة كثيرة، وغفر لرجل وجد شجرة في الطريق تؤذي الناس فأزالها فغفر الله له، المهم أن نتعرض لأسباب المغفرة؛ لأن ذلك مقتضى قوله: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يقبل التوبة من عباده، ولكن لا يُقْبَل الشيء حتى يكون جاريًا على مقتضى الشريعة؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري بنحوه (٢٦٩٧)، ومسلم واللفظ له (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة رضي الله عنها.]] فما هي التوبة الجارية على مقتضى الشريعة؟
التوبة الجارية على مقتضى الشريعة ما جمعت خمسة أمور وهي ما يُعْرَف بشروط التوبة:
الأول: الإخلاص لله عز وجل بأن يكون الحامل للإنسان على التوبة هو إخلاصه لله عز وجل، حب التقرب إليه والفرار من عقوبته، فلا يحمله على التوبة مراعاة الخلق ولا حصول الجاه والرئاسة وإنما يحمله الإخلاص لله.
الثاني: الندم على فعل المعصية؛ أن يشعر الإنسان بانفعال ندم وحسرة على ما وقع منه، فلا بد مِنْ نَدَمٍ؛ لأن الندم الذي يتبين به حقيقة رجوع الإنسان إلى الله وأن هذه المعصية أَثَّرت في نفسه فندم على ما جرى منه، لا يقال: إن الندم انفعال، والانفعال يأتي بغير الاختيار؛ كالغضب مثلًا، والحزن من الواقع، يقال: المراد بالندم هنا تحسُّر القلب فهو انفعال يقع من الإنسان ليس كالانفعال الذي يأتي سببه من الخارج هذا ربما لا يستطيع الإنسان أن يُغَيِّر ما وقع.
الشرط الثالث: التخلِّي عن المعصية والانفصال عنها، فإن تاب وهو مُصِرٌّ فإن توبته أشبه ما تكون بالاستهزاء. كيف يقول الذي يأكل لحم الخنزير: أستغفر الله تعالى وأسأل الله أن يجعل طعامي طيبًا؟! أيش هذا؟! يصلح هذا أو ما يصلح؟ وهو يأكل، هو يمضغ اللحمة جيدًا ويقول: أستغفر الله من أكل لحم الخنزير وأسأل الله أن يجعل طعامي طيبًا، هذا أشبه ما يكون بالمستهزئ.
لو أن رجلًا نهاك عن شيء ووجدك تعمل هذا الشيء وأنت تقول: أرجو منك أن تعذرني، وما أشبه ذلك، وهو يأكل، وقال له: لا تأكل. ويأكل. هذا الذي يخاطبه سوف يقول: إنك تستهزئ بي وتسخر بي، فلا توبة مع الإصرار، لا بد أن يتخلى عن الذنب.
إذا كان الذنب لله فالتخلِّي عنه سهل، لكن إذا كان الذنب لغير الله؛ يعني: أذنب في حقِّ غير الله فكيف يتخلى منه؟
نقول: إذا كان مالًا فالتخلي عنه بإيصاله إلى صاحبه بأي وسيلة كانت، فإن كان قد مات فإلى ورثته، فإن جَهِلَهم فإلى بيت المال، أو إذا كان بيت المال غير منتظم أو يخشى عليه أن يضيع فليتصدق به هو لصاحبه، كم مرحلة الآن؟ أربع؛ لصاحبه، لورثته، لبيت المال إن جهلهم، يتصدق به، وأيهما أولى بيت المال أو الصدقة؟ الغالب أن الصدقة أولى لا سيما في زماننا هذا حيث أن بيت المال قد لا يتصرف فيه ولي الأمر التصرف الذي يُرْضِي.
إذا كان عدوانًا على النفس، ما هو مال، فالتوبة منه أن يُمَكِّن صاحب الحق من الاقتصاص منه، فمثلًا إذا كان قد اعتدى على شخص بضرب فليذهب إليه ويقول: أنا اعتديت عليك بالضرب، اضربني كما ضربتك، كما فعل النبي ﷺ مع الرجل الذي ضربه النبي ﷺ حينما رآه متقدِّمًا في الصف فقال الرجل: أقدني يا رسول الله، فكشف النبي ﷺ عن بطنه ليُقيدَه[[أخرج البيهقي (١٦٠٢٠) عن سواد بن عمرو رضي الله عنه قال: أتيت النبي ﷺ، وأنا متخلق بخلوق، فلما رآني قال لي: «يا سواد بن عمرو، خَلوق ورس؟ أَوَلَمْ أنهَ عن الخلوق؟»، ونخسني بقضيب في يده في بطني فأوجعني، فقلت: يا رسول الله القصاصَ، قال: «القَصاصَ» فكشف لي عن بطنه فجعلت أقبله، ثم قلت: يا رسول الله! أَدَعُهُ شفاعة لي يوم القيامة.]]، فماذا فعل الرجل؟ قَبَّله، فهذا النبي ﷺ وهو أشرف الخلق وأحب الناس إلى أتباعه مَكَّن من الاقتصاص منه، هذا اثنان، المال والبدن.
إذا كان في العرض اعتديت على شخص بعرضه؛ يعني بأن اغتبته أو سَبَبْتَه، والفرق بين الغيبة والسب أن السب مواجهة والغيبة مع الغَيْبَة، فذكرك أخاك بما يكره إن كان غائبًا فهي غيبة، وإن كان حاضرًا فهو سب، التوبة من هذا أن تَسْتَحِلَّه، فهل لو قلت: سُبَّني كما سببتُك يصح أو لا يصح؟ لا يصح؛ لأن هذا جناية على نفسك، ولكن استحلَّه، هذا إذا كان سبًّا؛ لأنه قد علم بذلك، إذا كان غيبة فهل تستحله تذهب إليه وتقول: إني اغتبتك، فاعذرني، اسمح لي؟
الجواب: قال بعض العلماء: نعم، يجب أن تذهب إليه وتقول: أنا اغتبتك فاعذرني حلِّلْنِي. وقال بعض أهل العلم: لا يلزم استحلاله، بل يكفي أن تَسْتَغْفِر له كما جاء في الحديث وإن كان ضعيفًا: «كَفَّارَةُ مَنِ اغْتَبْتَهُ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُ»[[أخرج البيهقي في الدعوات (٥٧٥) من حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبتَه؛ تقول: اللهم اغفر لنا وله». قال البيهقي: في هذا الإسناد ضعف، والله أعلم.]] استغفر له وأثنِ عليه بما هو أهله في الأماكن التي اغتبتَه فيها، تكون الحسنات يذهبن السيئات. وهذا القول أصح؛ لأن هذا فيه البراءة وعدم التشويش؛ لأنه ربما لو تذهب إليه تقول: اغتبتك فحلِّلْني، مهما أتيتَ به من صيغة الغيبة قد لا يقتنع بها، إذا قلتَ: إني قلتُ فيكَ: إنك بخيل. قد يقول: إنك قلتَ: بخيل وجبان. أليس كذلك؟ ربما يقول له الشيطان هكذا، ويأبى أن يُحَلِّلَكَ، فإذا كان لم يعلم فاحمد الله على ذلك واستغفر له، وأثنِ عليه بما هو أهلُه في الأماكن التي كنتَ اغتبتَه فيها وبذلك تَسْلَم من الإثم، هذه صفة التخلي من الذنب إذا كان في حق غير الله.
هنا سؤال: بعض الناس يكون عليه حقٌّ ماليٌّ لشخص إما سرقه أو جحده أو ما أشبه ذلك، ثم يتوب هذا الفاعل ويذهب إلى صاحب الحق ويقول: خذ حقك فيأبى صاحب الحق، يأبى أن يأخذه، فماذا يصنع؟ وهذا يَرِدُ كثيرًا؛ يكون صاحب الحق قد حمل في نفسه على هذا الظالم الذي ظلمه ويأبى أن يَقْبَل، فماذا يصنع هل نقول: إنه حينئذ سقط حقُّه وصحَّت توبة المعتدي، ويبقى إن طلب حقه مرة أخرى أُعْطِيَ وإن لم يطلب فإن المعتدي برئ؟ نقول: ننزل هذه الحال على القواعد الشرعية، القواعد الشرعية تقتضي أن هذا الذي عليه الحق قد بَرِئ؛ لأن الله يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، وهذا ما يسعه، قَدَّم الحق لصاحبه وقال: خذ. قال: لا، لا آخذه، أنت اعتديت عليَّ بالأول ولا أقبل منك، هذا الذي أبى أن يقبل هو الذي أخطأ وجنى؛ لأنه ينبغي للإنسان إذا اعتذر إليه أخوه أن يَقْبَل عذرَه، لكن هذا هو الذي جنى الآن. فهذا الرجل نقول: أنت الآن برئت ذمتُك، خلِّ الدراهم عندك إن جاء يومًا من الدهر أعطها إياه، وإن مات فهل يلزمه أن يعطيه الورثة؟
الجواب: في هذا نظر، وذلك أن الرجل الذي اعتُدِيَ عليه لم يقبل هذا المال ولم يدخل في ملكه، فإذا كان لم يقبله ولم يدخل في ملكه فكيف ينتقل إلى الورثة، ومن شرط الإرث انتقال المال عن الموروث، وهذا الموروث لم يقبل هذا المال؟
وقد يقال: إن الأصل أنه ملكه فيلزم الرد إلى ورثته، وهذا الأخير أحوط لكن في وجوبه نظر؛ لأن الذي اعتدى وأراد أن يرد يقول: أنا أعطيت الرجل وأبى أن يتملكه، فكيف ينتقل إلى الورثة؟ ولكن نقول: الأحوط والأولى أن يَرُدَّه إلى الورثة ليسلم منه، لكن لو فُرِضَ أنه لا ورثة له أو أن ورثته مجهولون فإن هذا التائب قد أدى ما عليه. هذه ثلاثة شروط.
الشرط الرابع: أن يعزم على ألا يعود إلى الذنب أو ألا يعود إلى الذنب. الأول أو الثاني؟ الأول أن يعزم على ألا يعود إلى الذنب، أو الشرط ألا يعود إلى الذنب؟
الأول؟ ما الفرق بينهما؟ الفرق بينهما أننا إذا قلنا: الشرط ألا يعود ثم عاد بطلت التوبة الأولى، وإذا قلنا: الشرط العزم على ألا يعود وقد عزم ألا يعود، ثم عاد فالتوبة الأولى تبقى صحيحة، وعليه أن يتوب توبة ثانية للذنب الجديد، وعلى كل حال فالشرط هو العزم ألا يعود في المستقبل، فإن عاد فعليه توبة أخرى، فتاب وعاد يتوب، عاد يتوب، فعاد يتوب.
فإن قال قائل: أليس قد ثَبَت في الصحيح أن الرسول ﷺ أخبر «أَنَّ رَجُلًا أَذْنَبَ فَتَابَ، ثُمَّ أَذْنَبَ فَتَابَ، ثُمَّ أَذْنَبَ فَتَابَ، ثُمَّ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ»[[أخرج البخاري (٧٥٠٧) ومسلم واللفظ له (٢٧٥٨ / ٢٩) بسنديهما عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ فيما يحكي عن ربه عز وجل قال: «أذنب عبد ذنبًا فقال: اللهم اغفر لي ذنبي. فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب فقال: أي ربِّ اغفر لي ذنبي. فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنبًا فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب فقال: أي ربِّ اغفر لي ذنبي. فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرتُ لك».]]؟ فهل هذا يعني أن الإنسان إذا تكرر منه الذنب وهو يستغفر يُغْفَر له؟
الجواب: نعم مهما أذنب ثم استغفر يُغْفَر له.
لكن لو قال قائل: إن ظاهر الحديث «فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ» » يعني فليعصِ الله، قلنا: لا يستقيم هذا؛ لأنه يخالف الأدلة الكثيرة الدالة على أنه لا بد لكل ذنب من توبة إلا طائفة واحدة من هذه الأمة هم الذين لا يحتاجون إلى توبة من الذنب وهم أهل بدر، فإن الله اطلع إليهم وقال: «اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٩٠) ومسلم (٢٤٩٤ / ١٦١) من حديث عليٍّ رضي الله عنه.]].
الشرط الخامس: أن تكون التوبة في الوقت الذي تُقْبَل فيه التوبة، وهو أن تكون التوبة قبل طلوع الشمس من مغربها وقبل حضور الأجل، الأول عام لكل أحد، لا توبة لأحد إذا طلعت الشمس من مغربها؛ لقول النبي ﷺ: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَخْرُجَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا»[[أخرجه أبو داود (٢٤٧٩) من حديث معاوية رضي الله عنه، ولفظه: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها».]]، وهذا يؤيده قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام ١٥٨] والمراد ببعض الآيات طلوع الشمس من مغربها.
الثاني: أن تكون قبل حضور الأجل، فإذا حضر الأجل لم تنفع التوبة؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨]، هذا ليس لهم توبة، وتطبيق هذا عمليًّا أن فرعون لما أدركه الغرق قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس ٩٠] فقيل له: ﴿آلْآنَ﴾ تؤمن ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس ٩١، ٩٢] لا رحمة بك، ولكن ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾، وأما روحك فلا نجاة لها، وإنما نجاه الله ببدنه؛ لأنه قد أرعب بني إسرائيل ولا يكادون يصدقون بأنه هلك حتى يشاهدوه فيطمئنوا، فلهذا نجاه الله ببدنه ليشاهدوه.
هل يُشْتَرَط ألا يكون مُصرًا على ذنب آخر؟ يعني: لنفرض أنه تاب من شرب الخمر، لكنه باق على الزنا، والعياذ بالله، فهل تصح توبته من شرب الخمر؟
في هذا خلاف، فمن العلماء من يقول: لا تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على ذنب آخر.
ومنهم من قال: بل تصح؛ لأن كل ذنب له جُرْمُه. ومنهم من قال: إذا كان الذنب الذي أصر عليه من جنس الذي تاب منه فإن التوبة لا تصح، كرجل تاب من الزنا لكنه يُطْلِق بصره في النظر المُحَرَّم؛ فإن توبته من الزنا لا تصح، أو رجل تاب من النظر المحرم، ولكنه لم يتب من المسِّ المحرم هذا أيضًا لا تُقْبَل توبته.
ومن العلماء من قال: تُقْبَل مطلقًا، إذا تاب من ذنب تاب الله عليه من هذا الذنب؛ لأن الله عز وجل حَكَمٌ عَدْل، ورحمته سبقت غضبه، وهذا الرجل عنده جنايات متعددة تاب من واحدة منها فليكن تائبًا. وهذا القول أصح، ولكن لا يُطْلَق على هذا التائب وصف التوبة المطلق؛ لأن توبته هذا مُقَيَّدة؛ يعني: لا يستحق وصف التائبين على الإطلاق، فلا يدخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة ٢٢٢]؛ لأن هذا الرجل لا يصدق عليه أنه تائب على وجه الإطلاق لكنه تائب من ذنب واقعٌ في ذنب آخر، وهذا القول هو الذي تجتمع فيه الأدلة؛ فيقال: استحقاق الوصف المطلق فيمن تاب من ذنب مع الإصرار على غيره لا يكون، وأما وصفه بتوبة مُقَيَّدة فهذا صحيح.
* طالب: (...) كالزنا.
* الشيخ: لا، الزنا ما يدخل في هذا. قل: كالسرقة.
* طالب: وقُطِعَت يدُه (...).
* الشيخ: إذا قُطِعَت يده فلا بد من رد المال إلى صاحبه، نقول: هذا بالنسبة لحق الله سقط في إقامة الحد عليه، لكن لا بد من أن يوصل المال إلى صاحبه.
* الطالب: طيب يا شيخ الزنا ما يشترك فيه..
* الشيخ: الواقع أن الزنا يشترك فيه الفاعل والمفعول به، حتى المفعول به يتلذذ ويجد شهوة، نعم إذا قلنا بالإكراه فهذا صحيح عدوان لا بد من استحلاله.
* الطالب: (...) حق الله؟
* الشيخ: حق الله نقيم عليه الحد، وحق العباد وهو الإكراه والعدوان عليه لا بد من استحلاله.
* طالب: القاعدة التي ذكرتها أن ما أنزل من الأعيان يكون (...) من غير الأعيان (...) طيب السكينة (...) الأعيان نفسها؟
* الشيخ: وصفٌ في الغير ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح ٤]، وصف في الغير، السكينة في قلوبهم.
* طالب: (...).
* الشيخ: يسأل يقول: رجل سرق من شخص مالًا ثم ردَّه عليه وقال: هذه هدية هل يبرَأ منه؟
لا ما يبرأ، إذا كان رده على أنه هديه وهذا قبله على أنه هديه، وأن المهدي له عليه منة وأنه يحتاج إلى مكافأة فرق.
* طالب: (...).
* الشيخ: لو وضع ريالًا وقال: هذه هدية؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: لكان مخادعًا، ألف ريال يحط معها ريالًا ويقول: هذه هدية علشان ريال من ألف! لا لا بد، لكن الحمد لله يقول: والله أنا في حالة سفه حصل، وهذه تقع كثيرًا في حال الصغر وإلا عدد كبير ما هو سارق إن شاء الله، لكن وهو صغير يسرق من دكان ولَّا من صاحب له يأخذ قلمًا يأخذ ساعة، لا بد أن يوصله إليه ويقول: هذه حق لك عليَّ، ولكن لو قال مثلًا: هذه من إنسان تاب وقد سرقها منك، ولا قال: أنا ولا غيره، هل يصح أو لا؟ هذا يصح، والظاهر أنه ينبني عليه استحلال المجهول.
* طالب: في الدرس الماضي (...) المؤلف رحمه الله تعالى الله بالمشدد يعني يتهرب من إثبات الصفات الفعلية (...) قال هنا: (﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ الْإِنْعَام الْوَاسِع وهو موصوف على الدوام بكل من هذه الصفات) فهو أثبت الصفات هنا؟
* الشيخ: أي، لكن على أنها صفات ذاتية، ثم هو أيضًا المؤلف لاحظ شيئًا آخر من جهة النحو، وهو أن (غافر الذنب) و(قابل التوب) و(شديد العقاب) هذه صفات مضافة، وإضافتها ليست محضة، إضافتها إضافة لفظية، والإضافة اللفظية لا تقتضي التعريف، أعرفت؟
* الطالب: لكن سماها صفات.
* الشيخ: إي ما يخالف هي صفات، لكن ما هو قصده؟ شف عبارة المؤلف: (وهو موصوف على الدوام بكل من هذه الصفات) إذا كان موصوفًا بها الدوام ماذا تكون؟ صفات ذاتية، ثم يقول: (فإضافة المشتق منها للتعريف كالأخيرة) المشتق غافر وقابل وشديد، يقول: (للتعريف) يعني: أن إضافتها أفادت التعريف (كالأخيرة) ما هي الأخيرة؟ (ذي الطول) فإن هذه الإضافة أفادت التعريف لا شك؛ لأنها إضافة اسم جامد إلى معرفة فيكون معرفة.
انتبهوا، اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة إذا أضيفت فإنها لا تفيد التعريف، إضافتها لا تفيد التعريف، ويُسَمُّون هذه الإضافة إضافة لفظية، لا معنوية، وبعضهم يقول: محضة وغير محضة، أتى المؤلف بهذا الكلام؛ لأنه يُورد عليه مسألة، الله العزيز العليم هذه معارف ولَّا غير معارف؟ معارف.
إذا قلنا: (غافر) صفة لله، وقلنا: إن إضافتها لفظية ورد علينا إشكال؛ الإضافة اللفظية لا تقتضي التعريف فتكون الصفة نكرة وُصِفَ بها معرفة، ووصْفُ المعرفة بالنكرة غير جائز، أو لا؟ لا يجوز أن تقول: جاء زيد فاضل، لا يجوز، يجب أن تقول: جاء زيد الفاضل، فإذا كانت الإضافة في (غافر) و(قابل) و(شديد) لا تفيد التعريف وأعربناها على أنها صفة صار في هذا إشكال وهو أننا وصفنا معرفةً بنكرة وهذا غير جائز. أراد المؤلف أن يُصَحِّحَ الموضوع فقال: إن هذه الصفات لا يراد بها الحدوث وإنما هي صفات على الدوام، وإذا كانت الصفات على الدوام خرجت عن مشابَهة الفعل وصارت الإضافة للتعريف؛ لأجل أن يصح وصف اسم الجلالة أو لفظ الجلالة بهذه الصفات لما كانت إضافتها محضة معنوية.
لكن للمعربين قول آخر بل قول ثالث؛ القول الآخر يقولون: إن (غافر) و(قابل) و(شديد) بدل من الله، والبدل لا يُشتَرَط فيه موافقة المبدل منه، لكن القول بأنها بدل غير صحيح؛ لأن علامة البدل أن يَحِلَّ مَحَلَّ المُبْدَل منه وهذا لا يصح، هذا وصف زائد على الموصوف.
فيه رأي ثالث لإخواننا الكوفيين السهلين الْمُيَسِّرين يقولون: يجوز أن تُنْعَت المعرفة بمثل هذا التركيب، ولو كانت الإضافة لفظية غير محضة؛ يعني يقولون: ما أضيف إلى المعرفة ولو كانت الإضافة غير محضة يجوز أن يكون نعتًا للمعرفة اعتبارًا باللفظ؛ لأن لفظ (غافر الذنب) معرفة ولَّا نكرة؟ معرفة؛ لأنه أُضيفَ إلى معرفة، وإن كانت الإضافة عندهم غير حقيقية، وإنما هي لفظية، فالنحويين يقولون: لا يهم، لفظية أو معنوية، ما دام ظاهر اللفظ منسجم الصفة مع الموصوف فهذا يكفي، والقاعدة المُتَّبَعة عندنا فيما إذا ورد خلاف بين النحويين أن نتبع الأسهل اقتداء بالرسول عليه الصلاة والسلام« أنه ما خُيِّرَ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا»[[أخرج البخاري (٦٧٨٦)، ومسلم واللفظ له (٢٣٢٧) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «ما خُيِّرَ رسولُ الله ﷺ بين أمرين أحدهما أيسر من الآخر إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه».]]، ونحن لا نأثم إذا اتبعنا الكوفيين في رأيهم؛ لأن ما هي مسائل شرعية.
طيب، على كل حال، على رأي الكوفيين لا حاجة إلى كلام المؤلف، نقول: الإضافة لفظية لكن صورتها أنها إضافة معنوية؛ لأنه أُضيف إلى معرفة فصَحَّ أن يُوصَف به المعرفة.
على كل حال هذا البحث لا يدركه الإنسان تمامًا إلا إذا عرف أن الإضافة نوعان: محضة معنوية، ولفظية غير محضة.
* * *
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، تكلمنا بالأمس على شروط التوبة اذكرها بالإجمال؟
* الطالب: خمسة شروط: الشرط الأول الإخلاص، الشرط الثاني ترك الذنب والتخلي عنه، الشرط الثالث التخلي عن..
* الشيخ: لا.
* الطالب: العزم على..
* الشيخ: لا.
* طالب: أولًا الإخلاص، ثانيًا: الإقلاع..
* الشيخ: لا.
* طالب: الندم..
* الشيخ: الندم على ما فات من الذنب.
* طالب: الإقلاع عن المعصية والعزم على ألا يعود عليها وأن تكون في زمن التوبة (...) قبل الموت، وقبل إتيان شروط الساعة.
* الشيخ: أو قبل طلوع الشمس من مغربها، تمام.
إذا كانت التوبة من حق آدمي؟ ذكرنا أنه أقسام.
* الطالب: في المال أو البدن أو العِرض، إذا كان في المال فلا بد أن يوصل المال إليه أو إلى ورثته أو إلى بيت المال في حالة العجز، وإذا كان في البدن يمكنه منه.
* الشيخ: يمكنه من القصاص. وإذا كان في العرض؟
* الطالب: إن كان قد سبه مثلًا أمامه فممكن أن يستسمحه، وإن كان في غيبته فلعدم وجود الضغينة..
* الشيخ: إن كان في غيبته ففيه التفصيل، ما هو التفصيل؟
* الطالب: التفصيل إن كان هذا الأمر سيسبب في قلبه ضغينة أو..
* الشيخ: إذا كان في غيبته ففيه التفصيل، ما هو؟
* طالب: إن كان في غيبته؛ إن كان وصلت إليه..
* الشيخ: فإن كان قد بلغه..
* طالب: إن كان بلغه هذا يذهب إليه ويستحله، ويشترط أيضًا ألا يكون عندما يستسمحه ألا يثور عليه أو..
* الشيخ: لا.
* طالب: ذكر العلماء شيئين في هذا: الأمر الأول -كما ذكر إخواننا- أن يذهب إلى هذا الرجل..
* الشيخ: إذا علم بها، إذا كان قد بلغه أنه اغتابه فلا بد أن يذهب ويستحله هذه واحدة، وإن لم؟
* طالب: شيء آخر والذي رجحتموه -بارك الله فيكم- وهو ألا يخبره أنه قد اغتابه..
* الشيخ: لا.
* الطالب: ويستسمحه.
* طالب آخر: (...).
* الشيخ: إذا كان قد بلغه.. الآن تتكلمون على إذا كان قد بلغه.
* طالب: إذا كان قد بلغه يجب أن يستحله.
* الشيخ: يجب أن يستحله. طيب، وإذا لم يبلغه؟
أن يستغفر له ويمدحه في المواضع..
ففيه قولان للعلماء: القول الأول؟
* الطالب: أن يستغفر له ويمدحه في المواضع التي كان يسبه فيها. القول الثاني..
* الشيخ: أن يذهب إليه ويبلغه ويقول: حللني، والصحيح الأول.
هل يُشْتَرط لصحة التوبة ألا يُصِرَّ على ذنب آخر، بمعنى هل تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على آخر؟
* طالب: للعلماء في ذلك قولان: القول الأول: لا تصح، القول الثاني: أنها تصح ولكن لا يستحق التوبة المطلقة.
* الشيخ: وصف التوبة المطلقة. أيهما أصح؟
* الطالب: الثاني.
* الشيخ: الثاني أصح؛ أنها تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره، لكنه لا يَصْدُق عليه وصف التائب على سبيل الإطلاق. نستمر الآن في استنباط الفوائد من الآية.
* الطالب: فيه قول ثالث.
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: أن الذنب إذا كان من جنس الذنب..
* الشيخ: قول ثالث هذا، إي نعم. لكن صححنا أنه يصح مطلقًا..
* من فوائد الآية الكريمة ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾.. ذكرنا الحث على التوبة؟ طيب.
* من فوائدها: أن عقاب الله تعالى شديد؛ لقوله تعالى: ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾.
* ويتفرع على هذه الفائدة: الحذر من التعرض لعقابه، وقد قال الله عز وجل لنبيه: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر ٤٩، ٥٠]، وقال في آية أخرى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٩٨].
* ومن فوائد الآية التي بعدها ﴿ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر ٣]: بيان كمال غنى الله؛ لقوله: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ أي: صاحبه، والطول هو الغنى كما شرحناه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: انفراد الله تعالى بالألوهية؛ لقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، وانفراد الله تعالى بالألوهية أحد أقسام التوحيد الثلاثة التي هي توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، ويُسَمَّى توحيد العبادة فهو باعتبار العبد توحيد عبادة وباعتبار المعبود توحيد ألوهية.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان أنه لا معبود إلا الله، كذا؟ لا بد أن نُقَيِّد لا معبود حق إلا الله؛ لأن هناك ما يُعْبَد من دون الله وتُسَمَّى آلهة، وقد سماها الله تعالى آلهة ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [المؤمنون ١١٧]، ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود ١٠١] لكنها آلهة باطلة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المصير إلى الله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾.
* ومن فوائدها: وجوب التحاكم إلى شريعة الله، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿إِلَيْهِ﴾ حيث قَدَّم الخبر وتقديم الخبر يفيد الحصر والاختصاص.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الجمع بين الخوف والرجاء في السير إلى الله، وجه ذلك أن الإنسان إذا علم أن المصير إلى الله وأنه غافر الذنب وقابل التوب وشديد العقاب يرجو من وجه ويخاف من وجه آخر، ما دام المصير إلى مَنْ هذا وصفه فإنه لا شك أنه يرجوا تارة ويخاف أخرى، وأيهما يُغلِّب؟
قال بعض العلماء: يجب أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا، لا يغلب الرجاء فيقع في الأمن مِنْ مكر الله، ولا يُغلِّب الخوف فيقع في القنوط من رحمة الله، بل يكون خوفه ورجاؤه واحدًا، قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا فأيهما غَلَب هَلَك صاحبُه.
وقال بعضهم: ينبغي أن يسير الإنسان إلى الله تعالى سير الطير جناحاه متساويان فإن مال أحد جناحيه جنح إلى الجانب الذي مال إليه.
وقال بعض العلماء: ينبغي في جانب الطاعة أن يُغَلِّب جانب الرجاء وأن الله تعالى يقبلها، وفي جانب المعصية أن يُغَلِّب جانب الخوف لئلا يقع فيها، فإذا هَمَّ بسيئة ذكر شدة العقاب فخاف فارتدع، وإذا عمل صالحًا ذكر الثواب والجزاء وقبول الله عز وجل فغَلَّب جانب الرجاء.
وقال بعض العلماء: ينبغي أن يُغَلِّب جانب الخوف في حال الصحة، وجانب الرجاء في حال المرض حتى يأتيه الموت وهو يحسن الظن بالله؛ لقول النبي ﷺ: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ»[[أخرجه مسلم (٢٨٧٧ / ٨٢) من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما.]].
فالأقوال إذن أربعة؛ أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا.
والثاني: أن يُغَلِّب جانب الرجاء في العمل الصالح وجانب الخوف إذا هَمَّ بالمعصية.
والثالث: أن يُغَلِّب جانب الرجاء في حال المرض وجانب الخوف في حال الصحة.
* طلبة: ثلاثة.
* الشيخ: ثلاثة. إي نعم، ما ذكرنا أربعة؟
طيب إذن، هذه أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا، طيب هذه ثلاثة أقوال، والذي يظهر أن القول بأنه يغلِّب جانب الرجاء في حالة فعل الطاعة وجانب الخوف إذا هَمَّ بمعصية هو أقرب الأقوال، من أجل أن يردع نفسه إذا هَمَّ بمعصية خوفًا من الله، وأن يُؤَمِّل القبول من الله والثواب إذا فعل الطاعة فيُغَلِّب جانب الرجاء. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الحث على التوكل على الله، كيف كانت دليلًا على الحث على التوكل على الله؟
* طالب: تفويض الأمر إلى الله.
* الشيخ: أنه لما كان المصير إلى الله كان ينبغي أن يتعلق الإنسان بربه لا بغيره، ما دام المصير إلى الله فتوكلْ على الله لا على غيره.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: اللجوء إلى الله تعالى عند الشدائد وعند طلب المحبوب، تؤخذ مِن؟ ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ فإذا اشتدت بك شدة فلا تلتفت إلى زيد أو عمرو، عليك بالله عز وجل، حتى الشدائد التي أسبابها خفية لا ينفعك إلا الله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت ٣٦].
غافر 40:4
ثم قال الله عز وجل: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر ٤] ما يجادل إلا الذي كفروا، (ما) نافية، و(إلا) أداة حصر، والجملة هنا جملة خبرية حصرية؛ خبرية لأنها منفية، حصرية لأنه حصر الجدال فيمن؟ في الذين كفروا ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أما الذين آمنوا فلا يجادلون في آيات الله، والمجادلة المنازعة والمخاصمة مأخوذة من الجَدْل وهو فَتْل الحبل، أتعرفون كيف يُفْتَل الحبل؟ هكذا حتى يشتد ويقوى هكذا، هذا أصل الجدل المنازعة، وهي مأخوذة من الجدل أي: فتل الحبل؛ لأن كل واحد من المتنازعين كأنما يَفْتِل حبلًا لمنازعه فيكون ذلك أشد في الإحكام.
وقوله: ﴿فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ قال المفسر: (القرآن)، وينبغي أن نُفَسِّر الآيات بما هو أعم، وهذا الذي فَسَّر المؤلف الآيات به يُعتبَر قصورًا، ولا ينبغي أن نفسر العام بأخص منه إلا إذا دَلَّت قرينة قوية على ذلك، وهنا لا دلالة، فالمنازعون في آيات الله منهم من ينازع في القرآن، ومنهم من ينازع في السنة، ومنهم من ينازع في الخلق، مثلًا الكسوف من آيات الله، خسوف القمر من آيات الله، من الناس من يجادل فيه ويقول: ليس هذا من باب تخويف العباد وأي رابطة بين هذا وبين التخويف وسببه طبيعي معلوم يُدْرَك بالحساب، عرفتم؟ يجادل في شرع الله في آيات الله فيقول مثلًا: لماذا كان كذا وكان في موضع آخر كذا وكذا، كقصة المعرِّي الذي جادل في كون اليد تُقْطَع بربع دينار وديتها خمس مائة دينار. وكقول بعضهم لماذا ينتقض الوضوء بالريح من أسفل ولا ينتقض بالريح من أعلى؟ والريح من أعلى هو الجشاء وما أشبه ذلك من المجادلات في الآيات الشرعية.
منهم من يجادل في القرآن يقول: القرآن فيه تناقض، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣]، وقال في آية أخرى: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء ٤٢] هذا تناقض فيجادل، فالمهم أن الجدل يكون في الآيات الشرعية الثابتة بالكتاب والسنة وفي الآيات الكونية فينبغي أن نفسر الآيات بما هو أعم مما ذكر المؤلف؛ فنقول: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ الكونية أو الشرعية ﴿إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وأما المؤمنون فلا يجادلون، المؤمنون يقولون: آمنا به كل من عند ربنا. ولا يجادلون، من أين عرفنا أن المؤمنين لا يجادلون؟ من كونه حصر المجادلة في الذين كفروا.
قال: (﴿إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أهل مكة) وهذا تخصيص آخر، الله عز وجل يقول: ﴿إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، والمؤلف يقول: (من أهل مكة)، سبحان الله! القرآن يَعُمُّ ونحن نَخُصُّ هذا خطأ، قصور في التفسير، فنقول: ﴿فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ أَعَمُّ من القرآن، ﴿إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أعم من أهل مكة، يجادل في آيات الله الذين كفروا من أهل مكة ومن غير أهل مكة؛ من أهل المدينة، من أهل الطائف، من أهل جدة، من أهل القصيم، من كل مكان. كلهم يجادلون في آيات الله إذا كانوا كفارًا.
﴿فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾ الفاء للتفريع على ما سبق. والخطاب في قوله: ﴿فَلَا يَغْرُرْكَ﴾ إما للنبي ﷺ لأنه الذي نزل عليه القرآن، وإما لعموم المخاطبين لأن القرآن نزل للجميع، وأيهما أولى؟ الثاني؛ لأن القاعدة التفسيرية عندنا أنه إذا دار الأمر بين كون المعنى عامًّا أو خاصًّا فإنه يُحْمَل على العام؛ لأن الخاص يدخل في العام ولا عكس، إذن فلا يغررك أيها المخاطب، وأول مَنْ يدخل في ذلك الرسول ﷺ، و﴿يَغْرُرْكَ﴾ يعني: لا يَخْدَعْك ولا تغترَّ به.
﴿تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾ التقلب هو التردد من شيء إلى شيء، ومنه تقلُّب الإنسان في فراشه من جنب إلى جنب، المعنى لا يَغُرَّك ترددهم في البلاد يمينًا وشمالًا وشرقًا وغربًا للتجارة ولغير التجارة، لماذا لا يَغُر؟
قال: (﴿فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾ للمعاش سالمين فإن عاقبتهم النار) ولكن لو قال: فإن عاقبتهم البَوار لكان أحسن؛ لأن الله تعالى ضرب مثلًا بمن كان على حالهم بأن الله أهلكهم فقال: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ إلى آخره.
نأخذ فوائد الآية قبل أن نتجاوزها، يقول الله عز وجل: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
* فمن فوائد هذه الآية: أن الكفار يجادلون في آيات الله، لكن لأي شيء؟ ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [غافر ٥].
* ومن فوائدها: حِرْص الكفار على إبطال الحق بالمجادلة والمجالدة؛ المجادلة كما في الآية، المجالدة إذا عجزوا عن إبطال الحق بالجدل أبطلوه بالجَلد بالقتال كما في آيات أخرى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الحذر من مجادلة الكفار إذا كان ليس عند الإنسان سلاح؛ أي: لا تدخل مع الكفار في جدل إذا لم يكن لديك سلاح؛ لأنك سوف تُهْزَم وهزيمتك ليست هزيمة شخصية لكنها هزيمة للإسلام.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي لنا أن نعرف معايب الكفار وأقوالهم حتى يمكننا أن نجادلهم؛ لأن الجدل -كما قلنا فيما سبق- المنازعة كل واحد ينازع الآخر ليفتل كلامه أمامه حتى يشتد عليه، فلا بد أن تعرف ما هم عليه من الباطل من أجل أن تحاجهم فيه؛ يعني لا يكفي في مجادلة الكفار أن تعرف الحق الذي أنت عليه، بل لا بد أن تعرف الباطل الذي هم عليه، وأظن هذا واضحًا، والله عز وجل يجادل الكفار بمثل هذا؛ يقول: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس ٥٩]، والآيات في هذا كثيرة، اعرف ما عند عدوك من الباطل من أجل أن تُدْحِضَ حجته.
فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذه الآية الكريمة التي ذكر الله فيها أنه لا يجادل في الآيات إلا الكفار وبين قول الله تبارك وتعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل ١٢٥] فأمر بالجدال مع أنه في هذه الآية ذم الجدال وقال: إنه لا يجادل إلا الكفار؟
الجواب على هذا سهل أن المجادلة التي أُمِرْنا بها هي المجادلة لإبطال الباطل وإحقاق الحق، أما الكفار فإنهم يجادلون لإبطال الحق وإحقاق الباطل عكس ما أُمِرْنا به.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى يُمْلِي للكفار ويمهلهم ويُمَكِّنُهم من التقلب في البلاد حيث شاؤوا؛ لقوله: ﴿تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحذير المؤمن أن يغتر بما أنعم الله به على هؤلاء الكفار من التَّقَلُّب في الدنيا حيث شاؤوا؛ لقوله: ﴿فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان سفه أولئك الذين أُغْروا واغتروا بالكفار، بيان سفههم في العقول وضلالهم في الدين، فإن بعض المسلمين ضعفاء الإيمان انبهروا مما عليه الكفار، وظنوا أن ما هم عليه من تحلل الأخلاق وفساد العقائد والكفر هو الذي أوجب أن يكونوا على هذا المستوى من التقدم المادي فانبهروا بذلك وانفلتوا من الدين، وضيَّعوا مشيتهم ومشية الحمامة، صاروا كالغراب، يقولون: إن الغراب أعجبه مشية الحمامة، ومعروف الفرق بين مشية الحمامة ومشية الغراب. الغراب ويش يعمل؟ (...) والحمامة تشمي كأنما تمشي على عجل أي على كَفَرَّات كما تقولون، فأعجبته المشية فقال: سأمشي مثل مشية الحمامة فأراد أن يفعل ولم يدرك شيئًا، أراد أن يعود إلى مشيته الأولى فعجز أن يعرفها، فضيع المشية الأولى والثانية.
هؤلاء المساكين الذين انبهروا بما عليه الكفار من القوة المادية وما زُخْرِف لهم من الدنيا ضيعوا دينهم ولم يصلوا إلى ما عليه هؤلاء من الدنيا، وقد قال الله تعالى لنبيه: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه ١٣١].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه مهما طال الأمد بهؤلاء الكفار فإن مآلهم الهلاك والبوار، وانظروا الآن كل الكفار السابقين أين ذهبوا؟ ذهبوا إلى النار؛ لأننا نشهد بالله أن كل كافر في النار، فهؤلاء الذين ماتوا على الكفر انتقلوا من الدنيا التي جُعِلَت لهم جنة إلى النار، والعياذ بالله.
وأظن قد قصصتُ عليكم قصة لابن حجر العسقلاني وكان قاضي القضاة في مصر، يعني كبير القضاة، وكان إذا مشى يمشي على عربة تجرها الخيول أو البغال في موكب، فمرَّ ذات يوم بيهودي سمَّان يعني يصنع السمن أو زيات، وتعرفون الزيات والسمان تكون ثيابه ملوثة بالزيت وأحواله سيئة، فأشار إلى الموكب فوقف فقال لابن حجر: إن نبيكم يقول: «إِنَّ الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الكَافِرِ»[[أخرجه مسلم (٢٩٥٦ / ١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] وكيف يتفق هذا القول مع حالي وحالك؟ أنت الآن مسلم وفي هذه الرفاهية وفي هذا الموكب العظيم وهو يهودي وتعس، في زيت أو سمن يُلوَّث ثيابه ويديه وكل شيء، فقال له ابن حجر رحمه الله تعالى: نعم، لكن ما أنت فيه من البؤس هو جنة بالنسبة لما ستؤول إليه إذا مت. إذا مت أين يكون؟ النار أو هذا؟ هذا جنة بالنسبة للنار، وأما أنا فنعيمي هذا بالنسبة للجنة يعتبر سجنًا. لأن نعيم الجنة أعلى بكثير من هذا. فقال اليهودي: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. سبحان الله! تبين له الأمر بكلمة بسيطة.
فأقول: إن هؤلاء الكفار مهما زُيِّنَت لهم الدنيا فإنهم -والعياذ بالله- سيؤولون إلى عذاب، وكما نعلم جميعًا أن الإنسان إذا آل إلى عذاب بعد النعيم صار العذاب عليه أشد، لكن لو انتقل من عذاب إلى عذاب صار أهون، أما من نعيم إلى عذاب، صعب جدًّا ﴿فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾ إذن هؤلاء الكفار الذين يذهبون ويجيئون كل هؤلاء لا يغرنكم، لا سيما إذا كان ترددهم في البلاد استكبارًا في الأرض ومكر السيئ وعُلُوًّا على الخلق وزعمًا منهم أنهم سيدبرون الناس وسيسنون نظامًا عالميًّا كما يقولون، فإننا نعلم أن مآلهم الفشل إذا نحن صدقنا الله، إذا نحن صدقنا الله فإن كيدهم لا يضرنا؛ ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق ١٥، ١٦] يعني: كيدًا أعظم، ومعلوم أن الكيد الواقع من الله أشد من الكيد الواقع من البشر.
* طالب: الآن فيه مسألتين هل لكم فيها قول جديد؟ الأولى (...) بين الخوف والرجاء، قلت فيما سبق رجحتم أن الإنسان يكون طيبة نفسه، والآن ذكرتم قولًا جديدًا؟
* الشيخ: لا، ما هو جديد، هذا بقطع النظر عن حالات تعرض للإنسان، كما نقول: هذا الشيء مباح وقد يكون واجبًا، وقد يكون حرامًا، فنحن إذا رجحنا يعني ننظر إلى القول من حيث هو قول، لكن قد تَعْرِض للإنسان حالات حتى إذا هَمَّ بالمعصية قد يكون يُغَلِّب جانب الرجاء أو بالعكس، فالقول من حيث هو قول القياس يقتضي أننا نغلب جانب الرجاء إذا فعلنا الطاعة ونقول: إن الله تعالى لم يوفقنا للطاعة إلا وسيقبلها منا ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر ٦٠]؛ ولهذا قال بعض العلماء: من وُفِّق للدعاء فليبشر بالإجابة.
وإذا هَمَّ بالمعصية فمعلوم أنه إذا غَلَّب جانب الخوف سوف يرتدع، لكن هناك حالات تطرأ على الإنسان شيء آخر، فالحالات العارضة نقول فيها: الإنسان طبيب نفسه، أما القول من حيث هو قول فهذا القول أقرب للقياس.
* طالب: من تاب من ذنب يتعلق بالآخر فيما سبق قلتم: إذا كان من جنس الذنب الأول فلا، والآن قلتم: يُقْبَل مطلقًا؟
* الشيخ: نعم، الصحيح أنه يُقْبَل مطلقًا؛ لأن هذا مقتضى العدل، فعل ذنبًا فتاب منه فلتُقْبَل توبته.
* طالب: بعض الناس يقول: لا يجوز للإنسان أن يقول: نشهد أن الكفار كلهم في النار، نقول: الذي بلغته الدعوة نشهد أنه في النار، والذي لم تبلغه الدعوة (...).
* الشيخ: لا، نقول: كل كافر في النار، لكن مَنْ لم تبلغه الدعوة فلا نجزم له بجنة ولا نار؛ لأنه لم يصدق عليه أنه كافر، إلى الآن لم يصدق عليه، ونقول: أمره إلى الله يوم القيامة. وهذا بخلاف الذي ينتسب للإسلام وفَعَل ما يُكَفِّر جاهلًا فقد سبق لنا القول في هذه المسألة وذكرنا لكم أن شيخ الإسلام رحمه الله لما ناظر الجهمية وبيَّن لهم الحق وأصروا على ما هم عليه قال: أنا أعلم لو أنني لو قلت بما تقولون لكنت كافرًا، وأما أنتم فلستم كفارًا عندي لأنكم مُتَأَوِّلون. هذا وهو يناظر الجهمية ويبيِّن لهم الحق، ذكر هذا في كتاب الاستغاثة.
وهذا يدل على مسألة يشتد فيها بعض الناس اليوم في مسألة فعل ما يُكَفِّر حيث يُكَفِّرون الناس مطلقًا بلا بينة، والمسألة هذه -كما قلنا فيما سبق- خطيرة. فالآن شيخ الإسلام رحمه الله كما سمعتم يقول: أنا أعلم أنني لو قلت بقولكم لكنت كافرًا؛ لأني أعلم أن هذا خلاف الحق، أما أنتم فلا تكْفُرون عندي لأنكم متأولون. وهم جهمية مع أن إطلاق الكفر على الجهمية عمومًا جاء ذلك عن الإمام أحمد وغيره. وكما نقلت لكم أيضًا عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله أنه قال: إننا لا نُكَفِّر الذين اتخذوا صنمًا على قبر البدوي وعبد القادر لجهلهم وعدم من ينبههم. وقد كان كثير من الناس أو من طلبة العلم يُفَرِّقون بين الأصل والفرع؛ فيقولون: الفرع يُعْذَر فيه الجهل والأصل لا يعذر، فهذا ليس بصحيح.
أولًا: أن تقسيم الدين إلى أصل وفرع يقول: شيخ الإسلام هذا بدعة، ليس في القرآن ولا في السنة تقسيم الدين إلى أصل وفرع، وإنما حدث هذا من كلام المتكلمين بعد القرون المفضلة، قسموا الدين إلى أصل وفرع، وقال: إن هذا التقسيم يُنْتَقَض بأن الصلاة عندهم فرع وهي من أصل الأصول، وبأن بعض المسائل التي فيها الخلاف فيما يسمونه أصولًا لا يكفر المخالف فيه، كما مر علينا في الصراط وفي الميزان وفي عذاب القبر وفي رؤية النبي ﷺ ربه، كل هذه مما يسمونه أصولًا ومع ذلك ففيها الخلاف، وإن كان الخلاف في الأصل لم يَرِد، لكن فروع الأصول فيها الخلاف، فهذه المسائل ينبغي لطالب العلم أن يُحَرِّر فيه القول قبل أن يُحْكَم على عباد الله بما لم يجعله الله لهم.
* طالب: كيف نرد على من يقولون: (...) من العشرة ألفًا (...)؟
* الشيخ: اللهم صلِّ على النبي، من قال هذا؟ نرد على أيش؟
* طالب: نرد على اللي ثاروا على الولاة.
* الشيخ: الولاة ما يثار عليهم، يعني إذا قاتل المسلمون الكفار وهم اثنا عشر ألفًا فإنهم لن يُغْلَبوا، لكن لن يغلبوا باعتبار الكمية، أما باعتبار الكيفية فلو اجتمع اثنا عشر مليونًا هُزِموا؛ لأن الرسول ﷺ قال: «يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الْأُمَمُ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا». قالوا: أَمِنْ قِلَّةٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيٍلِ»[[أخرجه أبو داود (٤٢٩٧) من حديث ثوبان رضي الله عنه، ولفظه: «يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها»، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: «بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن»، فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: «حب الدنيا، وكراهية الموت». ]] وصدق الرسول، والله إننا اليوم غثاء كغثاء السيل، وإلَّا كيف يطيب لنا منام أو يهنئ لنا أكل وإخواننا في البوسنة والهرسك تُمَزَّق أوصالهم تمزيقًا وتُنْتَهك حرماتهم وتحتل ديارهم، أين الإسلام؟ يعني: لو مَشَوُا الناس على أقدامهم من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق نصرةً لإخوانهم لم يكن هذا بغريب لو كان الدين حقيقة، لكن مع الأسف إخوانهم يُفْعَل بهم هذا الفعل، ونحن ساكتون نائمون على فُرُشِنا، والله خزي وعار أمام الله وأمام الخلق، لو يُقْتَل يهوديٌّ في أرض محتلَّة مُغتَصَبة قامت الدنيا وقامت من ورائها الأمم، وهؤلاء يُقَتَّلون، ووعد كذب، وسنضرب الصِّرْب والكروات، يقولونها اليوم، وغدًا يقولون: لا تضربوا الصرب والكروات، إن ضربتموهم اعتدوا على حَفَظَةِ السلام من الأمم المتحدة، خَلُّوهم يُقَتِّلُون المسلمين ويسلمون جماعات الأمم المتحدة ما يهم، فالحاصل أن الحديث: «لَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ»[[أخرجه أبو داود (٢٦١١) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]] هذا لو أننا صدقنا الله، أما ونحن الآن لا نريد إلا شِبَع البطون وشهوة الفروج ولذة الفُرُش فسنُغْلَب لو كنا اثني عشر ألفَ مليون.
* طالب: أخذنا فائدة قبل قليل أن الحذر من مجالدة الكفار حتى يتهيأ السلاح، والآن حال البسنة والهرسك واضح جدًّا أنهم لا يصلهم السلاح ولا يصلهم العون وأنهم تاريخيًّا في تقهقر دائم، أفلا يفتي لهم العلماء بأنه يجب عليهم أن يقبلوا أي خطة من أجل إنقاذ أرواح مَنْ تَبَقَّى.؟
* الشيخ: أنا أرى أنه يجب ما هو هذا، لو أن المسلمين اتخذوا سلاح المقاطعة للدول الكافرة، فهل تظنون أن الدول الكافرة تخضع أو لا تخضع؟ تخضع رغمًا على أنوفها، ما الذي يُشَغِّل عُمَّالَهم؟ ما الذي يُشَغِّل مصانعهم؟ إلا استهلاك المسلمين لما يصنعونه، من الذي يمولهم بالبترول وغيره إلا المسلمون؟ والله لو قاطعناهم اقتصاديًّا، دعنا من سياسيًّا لاستجابوا، أليست الآن الدول الغربية تحارب من تحارب بالاقتصاد، ماذا فعلوا بالعراق؟ ما هو ضيقوا عليه الآن الخناق؟
* طالب: اعتبار الواقع يا شيخ.
* الشيخ: اعتبار الواقع الرسول ﷺ وافق على الصلح الذي جرى بينه وبين قريش في الحديبية، وهو صلح ظاهره أنه علينا وصار لنا والحمد لله، أنا ما ألوم مثلًا رئيس البوسنة والهرسك بأن يوافق على الخطة التي اختطها هؤلاء، لا ألومه؛ لأن هذا أهون الشرين، لكني والله ألوم الأمة الإسلامية وأرى أنها مسؤولة عن ذلك أمام الله؛ أن تسكت هذا السكوت وتدع هؤلاء المسلمين فريسةً للنصارى. وما الذي يُؤَمِّنُنا الآن أنهم إذا قضوا على جمهورية البوسنة والهرسك أن يذهبوا إلى ألبانيا وأن يمشوا؟ يعني: نحن نسمع أشياء ما نحب أن نقولها الآن باعتبار أطماع النصارى وأطماع الوثنيين، يعني: يطمعون أن يصلوا إلى الكعبة، فما الذي يُؤَمِّنُنا؟ والله أنا أُحَمِّل أمام الله المسلمين هذه المسؤولية، وأرى أنهم مُقَصِّرون وأنهم تركوا هؤلاء الكفار يعيثون في الأرض فسادًا وهم ساكتون، وأنتم لو فكرتم لوجدتم هذا حقيقة تقصيرًا من المسلمين.
يا أخي، ثم المسلمين لا حول ولا قوة إلا بالله صمٌّ بكمٌ عميٌ فهم لا يعقلون، الآن يحاولون الصلح مع اليهود، وماذا صنعت اليهود باللبنانيين؟ تطردهم من ديارهم تَقْتُلُهم ويقولون: تعالوا على مائدة الصلح، وين الصلح؟! ثم هم يصرحون أيضًا رؤساء اليهود يقولون: إن القدس عاصمة اليهود الأبدية ولا يمكن أن نتحول عنها، طيب نصالحهم على إيش؟
فالمهم أن ما عندنا صدق لكننا إن شاء الله، أرجو الله عز وجل أن هذه النشأة الجديدة الشبابية هي التي يكون على يديها النصر إذا وُفِّقَت للحكمة وعدم العنف؛ لأن الذي يضر الآن الشباب المتجه أنه يَتَسَرَّع يريد أن تكون المسألة بين عَشِيَّةٍ وضحاها، لم يعلم أن الأمم الكافرة ومن ورائها أذنابها من ولاة بعض الدول الإسلامية أو العربية لا يَدْرِي أنهم أعداء لهم وأنهم مُتَمَكِّنون، فالواجب على الشباب أن يَصْبِروا، يصبر على الأذية ويصبر في الدعوة، الطريق طويل، لكن إخواننا يريدون أن يقفزوا من أسفل درجة إلى أعلى درجة، وهذا غير صحيح، والنصر بحول الله للمسلمين، وما تَجَمُّع اليهود الآن من اليمين والشمال والشرق والغرب في فلسطين إلا تَوْطِئَة وتمهيد لقتال المسلمين إياهم، ما هو لقتال العرب إياهم، لقتال المسلمين؛ ولهذا يقول الشجر إذا تقاتل المسلمون واليهود المقاتلة الأخيرة يقول: «يَا مُسْلِمُ أَوْ يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا يَهُودِيٌّ فَاقْتُلْهُ»[[أخرج البخاري واللفظ له (٢٩٢٦)، ومسلم (٢٩٢٢ / ٨٢) بسنديهما عن أبي هريرة: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، حتى يقول الحجر وراءه اليهودي: يا مسلم، هذا يهودي ورائي فاقتله». ]] ما يقول: يا عربي، والمعركة بين العرب واليهود فاشلة، كم حصل من معركة بيننا وبين اليهود؟ ثلاثة أو أربعة، كلها الهزيمة على العرب، وستكون الهزيمة على العرب دائمًا ما داموا يقاتلون من أجل العروبة ستكون الهزيمة، مَنْ قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو الأعلى. فعلى كل حال يا إخواننا نشكو إلى الله عز وجل حالنا اليوم أننا في حال يُرْثى لها في الواقع، والله يبكي علينا الصديق، وإن لم أجازف لقلت: يبكي حتى العدو. الآن يقولون: إنه في أمريكا بعض الناس الذين عندهم نوع من الرحمة فعلوا مظاهرات من أجل ما يُفْعَل في البوسنة من هَتْكِ الأعراض وقَتْلِ الأطفال أمام أمهاتهم وآبائهم، حتى قيل: إنهم يُجْبِرون الأم على أن تشرب من دم ابنها وهو يُذْبَح أمامها، أعوذ بالله، شيء عجيب يرتاع له الضمير، ومع ذلك ساكتون نحن، لو واحد بس يشوف البراد والثلج والماء البارد، والله بعض الأحيان إذا شربت الماء أقول: سبحان الله! كيف أشرب هذا الماء وإخواننا في البوسنة يشربون من المجاري؟! نسأل الله العافية، ما يخاف الله ما يشعر بشعور إخوانه؟ إنا لله وإنا إليه راجعون.
* طالب: (...) الإحساس أو الشعور (...).
* الشيخ: أنا أجزم جزمًا لو كان ولاة المسلمين فيهم الإحساس اللي في شعوبهم ما صبروا على هذا الوضع أبدًا، لكن غالب حكام المسلمين مع الأسف كل واحد منهم يريد أن يبقى على كرسيِّه بأي ثمن كان ولا يهمه، انظر الآن بعض ولاة المسلمين الآن يريدون أن تكون الدولة المسلمة معلمنة علمانية يستوي فيها اليهودي والنصراني والبوذي والمسلم وكل واحد، هذا هو الواقع عند كثير من ولاة المسلمين، والله لو شعر ولاة المسلمين بما يشعر به الشعوب ما سكتوا ولعرفوا كيف يُؤْكَل الكتف، وعرفوا كيف يقابلون هؤلاء النصارى، النصارى الآن عائشون على المسلمين في الواقع، مصانعهم لا يستهلكها إلا المسلمون، أمورهم حتى العسكرية الآن وظائف كبيرة هائلة لهؤلاء الكفار.
* طالب: فما واجب الشعوب يا شيخ؟
* الشيخ: والله، واجب الشعوب ما تقدر (...) شيء أبدًا، لكن واجبها الدعاء تدعو الله عز وجل أن ينصر الإسلام والمسلمين في كل مكان، والله عز وجل إذا دعاه الإنسان مضطرًا أجابه.
* طالب: (...) قول الله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ لكن يا شيخ لا قدر الله وانطفأ نور الإسلام في البوسنة فما يكون؟
* الشيخ: نؤمن بأن الله تعالى يقول: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة ٣٢]، هل المراد في عهد الرسول ﷺ وأن الله أتمَّ النور وصارت السيطرة للمسلمين، أو أنه في كل زمان ومكان؟ إذا قلنا بالثاني فلا يلزم إذا انطفأ النور في بلد أن ينطفئ في البلاد الأخرى، ولكن مع ذلك نرجو الله سبحانه وتعالى ألا يطفئ نوره في البوسنة ولا غيرها من بلاد المسلمين هذا ما نرجوه ونُؤمله، ونعلم أن ما أصاب إخواننا في البوسنة هو بقضاء الله وقدره لا شك، فنرضى به من هذا الوجه؛ لأنه قضاء الله، لكننا نعلم أنه إذا وقع الشيء بقضاء الله وقَدَرِه فيجب علينا أن نعمل بشرع الله حتى يرتفع قدر الله.
* * *
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر ٤]، ما المراد بآيات الله؟
* طالب: آيات الله الشرعية والكونية.
* الشيخ: نعم، مثال المجادلة في الكونية؟
* طالب: المجادلة في الكسوف.
* الشيخ: كالمجادلة في الكسوف حيث؟
* الطالب: يجادل يقول: إن الله كيف يخوف بها عباده وهي معلومة الزمان والانتهاء، البداية والنهاية في الوقت الحاضر.
* الشيخ: الآيات الشرعية؟
* الطالب: مثل قطع اليد أو الرجم.
* الشيخ: نعم، يجادلون فيها ويقولون: في هذا همجية ووحشية وما أشبه ذلك.
طيب، كيف تجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل ١٢٥] فأمر بالمجادلة؟ أجب بنعم أو لا أدري.
* طالب: لا أدري.
* الشيخ: لا تدري. هنا أمر: ﴿جَادِلْهُمْ﴾ وهنا قال: (ما يجادل إلا الذين كفروا)؟
* طالب: لأن مجادلة الكفار تكون بالباطل لإدحاض الحق، أما الذين آمنوا فمجادلتهم تكون لبيان الحق.
* الشيخ: طيب إذن المجادلة هنا غير المجادلة هناك. ما تقولون؟ صحيح.
قوله: ﴿فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ﴾ ما معنى التقلب في البلاد؟
* طالب: التَّرَدُّد في..
* الشيخ: إي، التَّرَدُّد في البلاد للتجارة والنزهة وغير ذلك. والخطاب في قوله: ﴿فَلَا يَغْرُرْكَ﴾.
* الطالب: يمكن أن يكون الخطاب للنبي ﷺ وللمسلمين للجمع من الناس، وإذا دار المعنى بين عام وخاص فنحمله على العام.
* الشيخ: لأن العام يشمل الخاص ولا عكس.
غافر 40:5
قال الله تبارك وتعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [غافر ٥] هذا كالتعليل لقوله: ﴿فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾؛ يعني: فلينظر عاقبة من كان قبلهم حين كذَّبوا.
وقوله: ﴿قَبْلَهُمْ﴾ الضمير يعود على الذين كذبوا النبي ﷺ.
﴿قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ نوح هو أول رسول أرسله الله تعالى إلى أهل الأرض بعد أن اختلفوا، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة ٢١٣]، ونوح بُعِثَ إلى أهل الأرض؛ لأن أهل الأرض كانوا هم قومه، أما حين تعددت الأقوام فقد كان الرسول لا يُبْعَث إلا إلى قومه خاصة كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ[[أخرج البخاري (٤٣٨) ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال رسول الله ﷺ: «أُعطِيت خمسًا لم يعطَهُنَّ أحد قبلي، كان كل نبي يُبْعَث إلى قومه خاصة، وبُعِثت إلى كل أحمر وأسود» الحديث.]].
﴿وَالْأَحْزَابُ﴾ جمع حزب وهي الطائفة، يعني الطوائف.
﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: من بعد قوم نوح، يقول المفسر: (كعاد وثمود وغيرهما) فماذا أغنى عنهم التكذيب، يقول عز وجل: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾.
وقوله: ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ يعني كل أمة همت برسولهم؛ أي: بالذي أرسل إليهم.
﴿لِيَأْخُذُوهُ﴾ هذه متعلقة بـ(هَمَّت) أي: هموا ليقتلوه، واللام هنا بمعنى الباء أي بأن يأخذوه فيقتلوه، ومنهم من قَتَلهم بالفعل، مَنْ قتل النبيين بغير حق.
﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ هذه تُفَسِّر معنى الجدال فيما سبق في قوله: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فجادلوا بالباطل أي: جعلوا الباطل سلاحًا لهم.
﴿لِيُدْحِضُوا﴾ ليزيلوا به الحق، فكانوا يأتون بالباطل يحتجون به على الحق لإدحاضه. واعلم أن الذي يأتون بالباطل ليدحضوا به الحق لا يأتون بالباطل على وجهه بل يزخرفون القول له كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام ١١٢]؛ ولهذا تجد الذين يجادلون بالباطل يأتون بعبارات إذا رآها الإنسان ظنها حقًّا كأنه السراب للظمآن ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور ٣٩]، وكما قال بعضهم:
حُجَجٌ تَهَافَتْ كَالزُّجَاجِ تَخَالُهَا ∗∗∗ حَقًّا وَكُلٌّ كَاسِرٌ مَكْسُورُ
فهم يأتون بزخرف القول، الزخرف يعني القول المُنَمَّق المحسن المزين لأجل إدحاض الحق.
قال الله تعالى: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ الفاء هنا للسببية أي: فبسبب ما قاموا به من المجادلة بالباطل والتكذيب أخذتهم، والضمير الفاعل يعود على الله سبحانه وتعالى، والمفعول يعود على هؤلاء المكذبين.
(﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ بالعقاب ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ ) فسر المؤلف الأخذ هنا بالعقاب لقوله: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ أي: معاقبتي لهم، و(كيف) هنا للتعجب وللتقرير وللتعظيم أيضًا، أي: فكان عقابي عظيمًا في كيفيته وفي وقوعه موقعه وفي شدته، فإنه عذاب لم يُبْقِ أحدًا منهم، وعلى هذا فالاستفهام له عدة معان يعينها السياق.
وقوله: ﴿عِقَابِ﴾ قد يُشْكِل على الناظر لأول وهلة كيف كان مجرورًا مع أنه مبتدأ أو خبر مبتدأ؟ فيقال: إنه ليس بمجرور وأن الأصل عقابي فحذفت الياء تخفيفًا والكسرة قبلها دليل عليها.
(أي هو واقع موقعه) وهذا بناء على أن الاستفهام للتقرير، وإذا قلنا: للتعظيم يكون المعنى: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ أي: فما أعظم عقابي وأشده حيث أزالهم عن آخرهم.
* يستفاد من هذه الآية فوائد:
* أولًا: أن الله تعالى أعذر إلى الخلق بإرسال الرسل مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل؛ لقوله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ وهذا يدل على أن هناك قولًا قاله الأنبياء فكذبه هؤلاء.
* ومن فوائد الآية: أن نوحًا هو أول الرسل؛ لقوله: ﴿وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ فجعل الأحزاب المكذبين كلهم من بعد قوم نوح، وهذا يدل على أن نوحًا هو أول الرسل، وهذا أمر معلوم متقرر في عدة آيات وفي الأحاديث أيضًا، وبه نعلم أن من زعم أن إدريس قبل نوح فإنه خاطئ ولا وجه لقوله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان ما تنطوي عليه صدور المكذبين للرسل من الهَمِّ بقتلهم، يعني أن المكذبين للرسل لم يقتصروا على أن يُكَذِّبوا فقط، بل هَمُّوا بالقتل. والقتل والاغتيال وما أشبه ذلك هو سلاح العاجز، وكذلك السجن هو سلاح العاجز؛ ولهذا قال فرعون لموسى عليه الصلاة والسلام: ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء ٢٩]، وقال أبو إبراهيم آزر: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم ٤٦] فالسجن والقتل والاغتيال والسب والشتم كله سلاح العاجز؛ لأن القادر على دفع الحجة هو الذي يدفع الحجة بمثلها بحجة، أما أن يستعمل سلطته فهذا يدل على عجزه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ لأن الفاء للسببية، وإثبات الأسباب حق وهو مقتضى حكمة الله عز وجل أن كل شيء له سبب، فالإنسان لا يولد له مثلًا إلَّا بسبب؛ إذا تزوج وجامع وأنزل وُلِد له، فالله عز وجل قَرَن المسببات بأسبابها وهو مقتضى الحكمة.
والناس في الأسباب ثلاثة أقسام: طرفان ووسط؛ فقِسْم أنكر الأسباب وقال: لا تأثير لها وما يحصل بالسبب فإنه حاصل عنده لا به، والسبب أمارة على حلول وقت الحادث وعلامة فقط على حصول الحادث أو على حلول وقته، فانكسار الزجاجة بالحجر إذا أُرْسِل عليها ليس هي التي كسرته؛ لكن الله قدر انكسارها عند وجود الصدمة فقط وليس للحجر أي تأثير، فالأشياء تحصل عند الأسباب بغير الأسباب، لكن السبب جعله الله أمارة وعلامة على حلول وقت الحادث؛ ولهذا يقولون: لو أن أحدًا أثبت تأثير الأسباب لكان مُشْرِكًا؛ لأنه أثبت مع الله خالقًا فاعلًا.
والقسم الثاني الطرف الثاني يقول: بل الأسباب ثابت تأثيرها وهي مؤثرة بنفسها؛ لأنها هي القوة الفاعلة ولا علاقة لله بها، وهذا يشبه مذهب القدرية وهو قول الفلاسفة، يقولون هكذا المسألة طبائع، من طبيعة هذا الشيء أن يحدث به هذا الشيء، وهذا لا شك أنه خطأ وأنه نوع من الشرك.
والقسم الثالث: وَسَط يقول: إن للأسباب تأثيرًا ولكن لا بنفسها، بل بما أودع الله فيها من القوة المؤثرة، وهذا الذي دلَّ عليه المنقول والمعقول وهو الحق.
والرد على الطبائعيين الذين يقولون: إن الأسباب مؤثرة بطبيعتها أن الله تعالى قال لنار إبراهيم وهي محرقة قال لها: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء ٦٩] فكانت بردًا وسلامًا فخرجت عن طبيعتها، إذن ليست الطبائع قوى مؤثرة بنفسها، ولكن بما أودع الله فيها من القوى المؤثرة، والأدلة على تأثير الأسباب أكثر من أن تحصى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ [الروم ٤٨] ﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف ٥٧]، والأعمال الصالحة سبب للفوز والأعمال السيئة سبب للخسران وهكذا، فالأسباب ثابتة شرعًا ولا شك في الأمور الحسية والأمور الشرعية، الآية التي معنا: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ تفيد إثبات الأسباب وتأثيرها ولكن بأمر الله سبحانه وتعالى.
* ومن فوائد هذه الآية: تحريم المجادلة بالباطل لإدحاض الحق؛ لقوله: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ ويتفرع على هذا أن هذه العادة من عادات المكذبين للرسل، ومن المجادلة بالباطل لإدحاض الحق أن يجادل الإنسان للانتصار لقوله، وهذا يقع كثيرًا في المتفقهة والمتكلمة وغيرهم يجادلون بالباطل من أجل الانتصار للقول؛ كما قال تعالى: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ [الأنفال ٦]، فمن جادل من أجل أن ينصر قوله لا أن ينصر الحق ففيه شبه من المكذبين للرسل الذين يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق، ثم إن فيه أي في الذي يجادل لنصر قوله فقط فيه أنه قد عرَّض نفسه لأمر عظيم جدًّا وهو قوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام ١١٠] فإن الإنسان إذا جادل لنصرة قوله فإنه يكون لم يؤمن به أول مرة، وحينئذ يُبْتَلى بهذه العاهة العظيمة أن الله يقلب فؤاده وبصره حتى لا يبصر الحق ولا يعي الحق ويفهم الحق؛ لأنه لم يؤمن به أول مرة، والواجب على المؤمن قبول الحق من أول مرة لا يتردد في قبوله، كما كان الصحابة رضي الله عنهم يفعلون ذلك إذا قال النبي ﷺ هذا حرام امتثلوا، كفوا عنه فعلًا في الحال، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وهذا شيء له شواهد كثيرة وبذلك حَقَّقوا الإيمان عقيدة وقولًا وعملًا.
* من فوائد الآية الكريمة: بيان شدة عقاب الله؛ لقوله: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر ٥] أي: ما أعظمه وما أشده، وما أحسنه؛ لأنه وقع موقعه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يُخْشَى من مُعاجَلَة العقوبة؛ لأن العقوبة جاءت بالفاء: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾، ولأن المسبب يكون بعد السبب مباشرة فالإنسان العاصي عليه الخطر من معاجلة الله له بالعقوبة.
غافر 40:6
ثم قال: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر ٦] ﴿كَذَلِكَ﴾: أي مثل ذلك الأمر وهو وقوع العقاب، ﴿حَقَّتْ﴾ وجبت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار.
المفسر رحمه الله قال: (أي ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [هود ١١٩] الآية) ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ففسر كلمة الله بذلك، ولكنَّ في هذا نظرًا واضحًا لأن الله يقول: ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر ٦] هذه الكلمة، الكلمة هي قوله: ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ أي: حَقَّت كلمة ربك التي ثبتت أزلًا أن هؤلاء أصحاب النار.
وقوله: ﴿حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: وجبت عليهم، والكلمة هي قوله: ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾؛ ولهذا قال المفسر إنها: (بدل من كلمة) وإذا كانت بدلًا من كلمة كيف نقول: إن الكلمة هي قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾؟ إذا كانت هي البدل فابن مالك يقول:
التَّابِعُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا ∗∗∗ وَاسِطَةٍ هُوَ الْمُسَمَّى بَدَلَا
(التابع المقصود بالحكم بلا واسطة) هذا البدل، إذن فالمقصود بقوله: ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ هو قوله: ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾؛ وإذا وجدت في القرآن أصحاب النار فالمراد بها أصحابها المخلَّدون؛ لأن الصحبة تقتضي الملازمة، ولا يمكن أن تكون أصحاب النار لمن تُوُعِّدُوا بدخول النار ثم يَخْرُجون منها، إنما تكون لمن هم أهل النار الذين هم أهلها وأصحابها.
* في هذه الآية الكريمة من الفوائد: إثبات تقدير الله عز وجل الأشياء.
* في هذا: إثبات أن الأشياء قد كُتِبَت من قبل؛ لقوله: ﴿حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾، وهذا لا ينافي إرسال الرسل ولا ينافي الأمر بما أمر به ولا النهي عما نهى الله عنه، لماذا؟ لأن الله تعالى أعطى الإنسان عقلًا ورشدًا وبصيرة يعرف كيف يتصرف، فإذا أُرْسِلت الرسل مع الفطرة الأولى ثم عاند فقد قامت عليه الحجة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الكلام لله؛ لقوله: ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾. ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أن الله تعالى يتكلم بكلام مسموع وبحرف يعني أنه يُسْمَع ويُفْهَم بحروفه مرتبة؛ فقوله جل وعلا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة ٢] نعلم أن الهمزة قبل اللام واللام قبل الحاء والحاء قبل الميم والميم قبل الدال وهكذا، حروف مرتبة لم تأت جملة واحدة، وإذا كانت مرتبة لزم من ذلك الحدوث حدوث الكلمات؛ لأن ما بعد الأول واقع بعده فيكون بهذا دليل على حدوث كلام الله عز وجل، وليس المراد أصل الصفة لأن أصل الصفة أزلية لم تكن حادثة من قبل، فإن الله سبحانه وتعالى لم يزل بصفاته، لم يزل عليمًا، لم يزل متكلمًا، لم يزل سميعًا، لم يزل قديرًا، لكن الصفة قد تَحْدُث شيئًا فشيئًا باعتبار آحادها وأفرادها، أما ما كانت صفة معنوية فالحدوث ليس لها ولكن لمتعلَّقِها، فسمع الله عز وجل هل نقول: إنه حادث؟ لا، هو لم يزل، لكن الذي يحدث هو المسموع. الكلام يحدث نفس الكلام، نفس الكلام يحدث؛ لأنه نوع من الفعل، وعلى هذا فنقول: في الآية إثبات الكلام لله. ومذهب أهل السنة والجماعة أن الله يتكلم بحرف مرتب وصوت مسموع.
طيب، إذا قال قائل: لو قلت: إنه بحرف مرتب لزم أن يكون كلامه مشابهًا لكلام المخلوقين؟
فالجواب: لا يلزم؛ لأن الكلام لا يمكن أن يكون كلامًا إلا بهذا، لكن صوت الرب عز وجل الذي يُسْمَع ليس كأصوات المخلوقين؛ لأن الصوت هو صفته، لكن الحروف صفة الكلام الذي تَكَلَّم به، وهي لا يمكن أن يكون كلامًا إلا بترتيب بعضه بعد بعض.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عناية الله عز وجل برسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وجهه ﴿رَبِّكَ﴾؛ حيث أضاف إليه الربوبية وهذه الربوبية خاصة؛ لأن ربوبية الله عز وجل نوعان: عامة، وخاصة؛ فالعامة الشاملة لكل شيء، والخاصة المختصة بما أُضِيفَت له. استمع إلى قوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢]، في هذه ربوبية عامة وربوبية خاصة. العامة رب العالمين. والخاصة رب موسى وهارون.
﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ [النمل ٩١] الأول ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ يعني مكة الذي حرمها ربوبية خاصة، ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ هذه عامة.
إذن قوله: ﴿رَبِّكَ﴾ من باب الربوبية الخاصة، ولا شك أن أخص ربوبية تكون للمربوبين هي ربوبية الرسل ولا سيما أولي العزم منهم وهم خمسة: محمد، إبراهيم، موسى، عيسى، نوح، عليهم الصلاة والسلام.
* ومن فوائد الآية الكريمة: خلود الذين كفروا في النار؛ لقوله: ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾. وهل هذا الخلود أبدي أو إلى أمد؟ أبدي، جاء ذلك في آيات ثلاث في القرآن في سورة النساء وفي سورة الأحزاب وفي سورة الجن.
* ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير مما يوجب غضب الله وسخطَه لئلا يكون الرجل قد حَقَّت عليه كلمةُ الله عز وجل؛ لأن قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ أي مثل ذلك الذي حصل لهؤلاء المكذبين تحق كلمة الله عز وجل.
غافر 40:7
ثم قال: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر ٧].
﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ مستأنف، ويجب الوقوف على ما قبله ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ يجب أن تقف؛ لأنك لو قلت: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ﴾ ووصلت لظن الظان أن أصحاب النار هم الذين يحملون العرش، وهذا فساد للمعنى، فالوقوف على قوله: ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ واجب.
وقوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يُسَبِّحُونَ﴾ خبر المبتدأ.
﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ﴾ العرش هو عرش الرحمن عز وجل وهو أكبر المخلوقات وأعظمها وأوسعها وأشرفها فيما عدا المكلفين، هذا العرش لا يعلم قَدْرَه إلَّا الله عز وجل، لأننا لم نُخْبَر عن قَدْرِه ولا نعلم من أي مادة هو، أهو من نور أو خشب أو حديد؟ ما نعلم؛ لأننا لم نُخْبَر عن ذلك، ولم نعلم عن لونه ولم نعلم عن ملمسه، ألين هو أم قاسٍ؟ كل هذا لا نعلمه، إنما نعلم أنه عرش عظيم محيط بالمخلوقات استوى عليه الرب عز وجل وله حملة، والمشهور أن حملته الآن أربعة، وفي يوم القيامة يكونون ثمانية، ومن جملة حملة العرش إسرافيل الموكل بالنفخ في الصور فإنه أحد حملة العرش، الذين يحملون العرش هل نحن نعلم صفات هؤلاء الذين يحملون العرش؟ لا، لكن نعلم أنهم ملائكة، أما كيف هم فإن ذلك موقوف على ما جاء به السمع.
﴿وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ مَنْ معطوفة على العرش، توافقون؟ ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ توافقون أن تكون معطوفة على العرش؟ لا يصح؛ لأنه لو كان كذلك لكان المعنى ويحملون من حوله وليس كذلك، وعلى هذا فـ(مَن) معطوفة على﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ﴾ والذين حوله.
(﴿وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ عطف عليه) على المبتدأ؛ لأن المفسر قال: (مبتدأ ﴿وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ عطف عليه) أي على المبتدأ، وهو قوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ﴾.
(﴿يُسَبِّحُونَ﴾ خبره) خبر المبتدأ وما عُطِفَ عليه؛ يعني: حملة العرش والذين حول العرش يسبحون بحمد الله. والتسبيح تنزيه الله عز وجل عما لا يليق به من نقص أو مماثلة للمخلوقين، والباء في قوله: ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ للملابسة أي تسبيحُا ممزوجًا بالحمد، فهم مسبحون حامدون (أي يقولون: سبحان الله وبحمده)، وقد بين الله عز وجل أن ذلك دائم مستمر فقال تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ١٩، ٢٠].
قال: (﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ تعالى ببصائرهم أي: يصدقون بوحدانيته).
* طالب: هل الصحيح أن نقول: إن الأسباب تقع بدون السبب لكن نحن نَتَّبِع الشرع الذي أمر بالأسباب فقط؟
* الشيخ: أنا لو كنت قريبًا منك لأوجعتك ضربًا، حتى تعلم أن الوجع منين؟ من ضربي.
* طالب: هذا يعني على قول الأشاعرة؟
* الشيخ: إي نعم، الأشاعرة يقولون هذا: إن الأسباب لا تُؤثِّر لكنها علامات على حلول وقت الحادث.
* طالب: (...) حدوث القرآن، لماذا لا يعتبر كفرًا وهو (...) قوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء ٢]؟
* الشيخ: لا يكون كفرًا؛ لأن لهم تأويلًا، يقول: محدث إنزالُه، ليس هو الذكر المحدث، المحدث إنزاله، ولا شك أن هذا إقحام لكلمة إنزال في غير دليل مثل قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر ٢٢] قالوا المعنى: وجاء أمر ربك، فأقحموا أمرًا، فنظرًا لهذا التأويل لا نحكم بكفرهم.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا ينافي ذلك؛ أولًا: كتابته في اللوح المحفوظ لم تثبت عن طريق يطمئن إليه الإنسان. وأما قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف ٤] فإنه يمكن أن يكون المراد به ذكر هذا الكتاب كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء ١٩٦]، ومعلوم أن زبر الأولين ليس فيها القرآن، وإنما فيها التَّحَدُّث عنه وذِكْرُه، فليس هناك دليل قطعي يطمئن الإنسان إليه بأن القرآن كُتِبَ في اللوح المحفوظ، وإذا ثَبَت هذا فلا ينافي أن يكون كلام الله تعالى به محدثًا بمعنى أنه يتكلم به لِيُلْقِيَه على جبريل وإن كان مكتوبًا من قبل في اللوح المحفوظ.
* طالب: شيخ، بارك الله فيك، ما هو الدليل على أن جميع من ذُكِر من الأنبياء في القرآن أنهم كلهم رسل؟
* الشيخ: ما هو الدليل؟ ذكرناه لكم سابقًا ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ [غافر ٧٨] فكل من قصه الله علينا فهو رسول.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، يأتي بقرينة؛ مثل قوله: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ أهلكتهم.
* طالب: (...).
* الشيخ: هو على كل حال أخذهم للأنبياء قد يكون يأخذونهم ليحبسوهم؛ كقوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال ٣٠] ﴿يُثْبِتُوكَ﴾ يعني: يحبسونك فتكون ثابتًا في مكان لا تتعداه، ﴿أَوْ يَقْتُلُوكَ﴾ واضح، ﴿أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ من البلد.
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿لِيَأْخُذُوهُ﴾ لقوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران ١١٢]، ولقوله: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ فيكون إهلاكهم في مقابل ما يريدونه من إهلاك الرسل. الرسول ﷺ ما هموا أن يقتلوه؟! نعم، أتدري ماذا أشار عليهم الشيخ النَّجْدِيُّ؟ قال: لا يمكن أن تقتلون قريشيًّا إلا كون عشرة شبان أقوياء وأعطوا كل واحد منهم سيفًا فإذا خرج محمد فليقتلوه ضربة رجل واحد، حتى يتفرق دمُه في القبائل فلا تستطيع قريش أن تُطالِبَ به، فيخضعوا لأخذ الدية. عرفت إذن هَمَّوا بقتله ولَّا لا؟ هموا بقتله، واليهود هموا بقتله في قصة بني النضير.
* * *
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر ٧ - ٩].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ سبق الكلام على قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾.
قال: (﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ تعالى ببصائرهم أي: يصدقون بوحدانيته) الإيمان في اللغة الإقرار بالشيء هو الإيمان به، لكن الإقرار بالقلب واللسان، وليس هو مجرد التصديق، قد لا يُعْرَض على الإنسان شيء فيؤمن به كما إذا شاهد شيئًا بعينه فإنه يؤمن به وإن لم يُعْرَض عليه.
والقول بأنه في اللغة التصديق فيه نظر؛ لأن تفسير الشيء بالشيء يلزم أن يكون مطابقًا له، ومن المعلوم أنك تقول: آمنتُ به، وتقول: صدقتُ به. وتقول: آمنتُ له، وتقول: صدقتُ له، وتقول: صدقتُه، ولا تقل: آمنتُه، وهذا يدل على أن الإيمان ليس هو التصديق، وقد نبَّه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه الإيمان فقال: إن الإيمان بمعنى التصديق ليس بصحيح، وإن كان قد يأتي بمعناه، لكن حقيقته (...) فهو إقرار بالقلب ونطق باللسان، فيؤمنون بالله أي: يؤمنون بوجوده عز وجل ووحدانيته وبكل ما يستحقه من أسماء وصفات وغيرِها إيمانًا كاملًا. والإيمان بالله يتضمن الإيمان بوجوده وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته وانفراده بذلك.
﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أي: يطلبون المغفرة للذين آمنوا، وقد مرَّ بنا مرارًا أن المغفرة هي سَتْرُ الذنب والتجاوز عنه.
﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ جملة ﴿رَبَّنَا﴾ مقول لقول محذوف فَسَّره المؤلف بقوله: (يقولون ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ) ﴿رَبَّنَا﴾ أي: يا ربنا، وحُذِفَت منه ياء النداء لكثرة الاستعمال وتَيَمُّنًا بالبداءة باسم الله عز وجل أو بوصفه بالربوبية.
﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ أي: وَسِع رحمتك كل شيء وعلمك كل شيء؛ فمعنى وسِعْتَ كل شيء أي: أحطت به رحمة وأحطت به علمًا، فما بلغه علم الله بلغتْه رحمتُه. ولكن الرحمة إما عامة وإما خاصة كما سيأتي في الفوائد إن شاء الله.
﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾ وجملة ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ هي عبارة عن تَوَسُّل أي: توسلوا بسعة علم الله ورحمته إلى مطلوبهم.
يقول: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾ أي: تابوا من الشرك ورجعوا إلى الله تعالى بالتوحيد والإخلاص.
﴿وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ أي: طريقك وهو دين الإسلام سواء كان إسلام محمد ﷺ أو إسلام مَنْ قبله؛ لأن هذا الدعاء عام لكل المؤمنين، فقول المؤلف: (دين الإسلام) يريد به الإسلام العام، فالذين اتبعوا الرسل السابقين مسلمون، والذين اتبعوا محمدًا ﷺ مسلمون، لكن لا إسلام بعد محمد ﷺ إلا بإتباع دينه.
وهنا قال: ﴿اتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾، وفي آية أخرى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء ١١٥] فأضاف السبيل إلى المؤمنين، وكذلك الصراط يضيفه تعالى أحيانًا لنفسه مثل قوله: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى ٥٣] وأحيانًا للمؤمنين مثل: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧] فما هو الجمع بينهما؟
الجمع بينهما أن الله أضاف السبيل أو الصراط إليه باعتبارين: الاعتبار الأول أنه هو الذي وضعه لعباده يسيرون عليه، والاعتبار الثاني أنه مُوصِل إلى الله عز وجل فمَنْ سلكه أوصله إلى ربه.
أما إضافته للمؤمنين في قوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء ١١٥] أو للذين أنعم عليهم في قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧] فلأنهم سالكوه فأُضيف إليهم باعتبار سلوكهم إياه، وحينئذ ليس بين الآيات تعارض.
﴿وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ اغفر ﴿وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ أي: اجعل لهم وقاية من عذاب الجحيم وهو عذاب النار كما فسَّر بذلك المؤلف.
* في هذه الآية فوائد:
* من فوائد الآية: إثبات العرش وقد تكرر ذكره في القرآن الكريم في آيات عديدة ووصْفُه بأنه كريم وبأنه عظيم وبأنه مجيد.
* ومن فوائدها: إثبات أن لهذا العرش حملة؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ﴾ وإثبات الحَمَلَةِ له مع قدرة الله سبحانه وتعالى على إمساكه بدون حملة إشعار بتعظيمه وأنه عظيم معتنى به، ولهذا نجد أن الله قال في السماوات: بغير عمد، ولم يذكر لها حملة، والعرش ذكر له حملة مع أن الذي أمسك السماوات والأرض أن تزولا قادر على إمساك العرش بلا حملة، لكن هذا من باب التعظيم والتنويه بشرفه وعظمته.
* ومن فوائد هذه الآية: أن حول هذا العرش ملائكة..
إشعار بتعظيمه وأنه عظيم معتنى به، ولهذا نجد أن الله قال في السماوات: بغير عمد، ولم يذكر لها حملة، والعرش ذكر له حملة مع أن الذي أمسك السماوات والأرض أن تزولا قادر على إمساك العرش بلا حملة، لكن هذا من باب التعظيم والتنويه بشرفه وعظمته.
* ومن فوائد هذه الآية: أن حول هذا العرش ملائكة وأنهم كثيرون ربما نستفيد كثرتهم من قوله: ﴿وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ كأن كل الذي حول العرش، ثم من الذي حول العرش؟ هل يُقَدَّر بمسافة عشرة أمتار أو عشرين مترًا أو مئة متر أو ألف متر، يقال: الحول في كل مكان بحسبه فعندنا مثلًا الأرض صغيرة بالنسبة للعرش، والذي حول الإنسان فيها لا يتجاوز عشرة أمتار ربما نقول: من حولك هو الذي يسمع كلامك المعتاد، لكن من حول العرش ما نعلم قد تكون مساحات كبيرة لا يعلمها إلا الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تعظيم هؤلاء الذين يحملون العرش والذين حول العرش للرب عز وجل؛ لقوله: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾.
* ومن فوائدها: تنزيه الله عز وجل عن كل نقص وعن مماثلة المخلوقين، فإن قيل: مماثلة المخلوقين من النقص، فلماذا نقول: وعن مماثلة المخلوقين، أفلا يجدر بنا أن نقتصر على قولنا: تنزيه الله عن النقص؟
نقول: لا، مرادنا بالتنزيه عن النقص أن صفاته الكاملة منزهة عن النقص، فقوته لا يعتريها نقص ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨] عِلْمُه لا يعتريه نقص ﴿فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي﴾ [طه ٥٢] أي: لا يجهل ﴿وَلَا يَنْسَى﴾، فمرادنا بالنقص أن كماله لا يعتريه النقص، وأما نفي المماثلة فلأن الله نصَّ على نفيها فينبغي أن نتبع في ذلك القرآن أن نقول: منزه عن مماثلة المخلوقين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وصف الله عز وجل بالكمال والإفضال؛ لقوله: ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [غافر ٧]؛ لأن الحمد وصف المحمود بالكمال والإفضال لأن الله يحمد على كماله؛ مثل قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام ١]، وكذلك مثل قوله: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء ١١١]، كل هذا حمد على الكمال، ويحمد على إفضاله لقول النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ يَأْكُلُ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا وَيَشْرَبُ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا»[[أخرجه مسلم (٢٧٣٤ / ٨٩) من حديث أنس رضي الله عنه.]] هذا حمد على أيش؟ على الإفضال.
طيب، إذن يستفاد كمال الله عز وجل وإفضاله؛ لقوله: ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كمال الكمال بنفي النقص أو بالجمع بين نفي النقص وإثبات الكمال، كمال الكمال أن تجمع بين النفي والإثبات في الكمال، من أين يؤخذ؟ من ﴿يُسَبِّحُونَ﴾ هذا نفي النقائص، ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ إثبات؛ إذن كمال الكمال بالجمع بين النفي والإثبات.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة الملائكة الذين يحملون العرش ومن حوله، من أين تؤخذ؟
* طالب: من قوله: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: من قوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ﴾ [غافر ٧].
* الشيخ: لا.
* طالب: لوجود الهداية أنهم يسبحون بحمد الله وأنهم يؤمنون به وأنهم يستغفرون للذين آمنوا.
* الشيخ: وغيرها، إضافة الربوبية إليهم فإن هذه من الربوبية الخاصَّة ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ وهي كما أشار إليها الإخوان من عدة وجوه، اختصاص الله لهم بحمل العرش، تسبيحهم بحمد الله، إضافة الربوبية إليهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الملائكة مكلفون؛ لقوله: ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، ووجه الدلالة أنهم لولا أنهم مُكَلَّفون قاموا بما كُلِّفوا به لم يكونوا مستحقين للثناء بالإيمان، لو كان هذا من طبيعتهم وسَجِيَّتِهم لم يكن للثناء عليهم بذلك كبير فائدة، ويدل على أنهم مكلفون قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ [البقرة ٣٤]، ولا شك أن كل عباد الله الذين لهم فَهم وعقل لا بد أن يكونوا مكلفين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تسخير الله عز وجل للمؤمنين أن تستغفر لهم الملائكة، وليس الملائكة مطلقًا، بل الملائكة المقربون؛ لقوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على الإيمان حتى تدخل في ضمن مَنْ تستغفر لهم الملائكة، والإيمان كله خير، كله سرور، كله نعمة في القلب ونعمة في البدن، حتى البلاء الذي يصيب المؤمن هو له خير؛ فلهذا نقول: احرص على تحقيق إيمانك بفعل الوسائل التي تُنَمِّي هذا الإيمان وتغذيه وتقويه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التوسل إلى الله سبحانه وتعالى بصفاته كما يُتَوَسَّل إليه بأسمائه، فهنا تَوَسَّل الملائكة إلى الله بالربوبية في قولهم: ﴿رَبَّنَا﴾، وتوسلوا إليه بسعة الرحمة ﴿وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً﴾ وبسعة العلم ﴿وَعِلْمًا﴾. والتوسل إلى الله تعالى بصفاته من أسباب إجابة الدعاء كالتوسل إليه بأسمائه.
وهنا يَجْدُر بنا أن نَتَعَرَّض لمعنى الوسيلة وحكمها؛ الوسيلة فِعْلُ ما يُوصِل إلى المقصود يُسَمَّى وسيلة، وربما نقول: إنه تناوبت فيه السين والصاد وأن أصل الوسيلة يعني الوصيلة، وصيلة بمعنى مُوصِلة فهي فعيل بمعنى مُفْعِل، فالوسيلة كل ما يوصل إلى المقصود يُسَمَّى وسيلة، والوسائل لا بد أن تكون معلومة إما بالشرع وإما بالحس، وإنما قلت ذلك لدفع الوسائل الموهومة، الوسائل الموهومة كالذين يُعَلِّقُون على صدورهم أشياء لم يثبُت شرعًا ولا حسًّا أنها مفيدة لكن على سبيل الوهم، أو الذين يُعَلِّقون نُحاسًا أو خيوطًا أو ما أشبه ذلك، هذه وسائل للشفاء ادَّعَوْها، ولكنها حقيقة ليست وسيلة لانتفاء ثبوت ذلك شرعًا وحسًّا.
إذا كانت الوسيلة هي فعل ما يوصل إلى الشيء والعلم بإيصال هذا إلى المقصود، العلم بكونه موصلًا يأتي عن طريق الشرع أو عن طريق الحس؛ كون العسل شفاءً وتناولُه وسيلة للشفاء، هذا علمناه بطريق شرعيٍّ وربما حسِّي أيضًا بعد التجربة، وكون السنا محركًا للبطن مسهِّلًا له هذه وسيلة حسية، أتعرفون السنا؟ طيب باللغة العامية يسمى السناوي، هو أوراق شجر معروف يُخمَّر بالماء ثم يُشْرَب على الريق فإذا شربه الإنسان على الريق فإنه يُسْهِلُه وينظِّف بطنه، هذا هو، وكان الناس يستعملونه كثيرًا قبل أن تأتي هذه الأدوية.
* طالب: يُسَمَّى سنا مكة.
* الشيخ: يُسَمَّى سنا مكة؟ أيش تسمونه؟ سنوس؟ أسماء مختلفة. عل كل حال نرجع إلى تعريف الوسيلة هي فِعْلُ ما يوصل إلى المقصود، والعلم بإيصاله إلى المقصود يأتي عن طريق الشرع وعن طريق الحس.
الوسائل التوسل إلى الله تعالى بإجابة الدعاء، أن تفعل شيئًا يوصل إلى الإجابة، ولا طريق لنا إلى العلم بإيصاله الإجابة إلا عن طريق الشرع.
إذن ننظر التوسل إلى الله تعالى بأسمائه هذا واحد.
القسم الأول: التوسل إلى الله تعالى بأسمائه ودليله قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف ١٨٠] فتقول: اللَّهُمَّ يا غفور يا رحيم اغفر لي وارحمني، هذا توسل إلى الله بأسمائه.
الثاني: التوسل إلى الله بصفاته؛ ومنه قوله ﷺ: «اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ أَحْيِنِي إِذَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي»[[أخرجه أحمد (١٨٣٢٤) من حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه. ]] بماذا توسل؟ «بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ» » العلم صفة،« «وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ» القدرة صفة، فتقول: اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي.. إلى آخره.
القسم الثالث: التوسل إلى الله بأفعاله، أن تتوسل إلى الله بأفعاله؛ ومن قوله تعالى عن موسى: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص ١٧]، إن جعلنا قوله: ﴿فَلَنْ أَكُونَ﴾ من باب الدعاء، وإن جعلناها من باب الالتزام لم تكن من هذا الباب. ولكن من هذا الباب قوله عليه الصلاة والسلام وهو يُعَلِّمُنا كيف نصلي عليه: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٧٠)، ومسلم (٤٠٦ / ٦٦) من حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه.]] فالكاف هنا ليست للتشبيه، الكاف للتعليل؛ يعني صل على محمد وآل محمد لأنك صليت على إبراهيم، فتوسل إلى الله بفعله؛ يعني: كما مَنَنْتَ أولًا على إبراهيم وآله فامنُنْ ثانيًا على محمد وآله.
كم هذه؟ أسماء الله، صفات الله، أفعال الله.
القسم الرابع: التوسل إلى الله تعالى بالإيمان بالله، وهذا مِنْ فِعْلِك أنت، ومنه قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ [آل عمران ١٩٣] هذه الوسيلة، ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا﴾ أي: فبسبب ذلك اغفر لنا ﴿ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾، هذا توسل إلى الله بماذا؟ بالإيمان به.
القسم الخامس: التوسل إلى الله بالعمل الصالح؛ لأن العمل الصالح سبب للمثوبة، ومن المثوبة حصول ما دعوتَ به، ودليله قصة أصحاب الغار التي حدثنا بها رسول الله ﷺ، أصحاب الغار ثلاثة آواهم المبيت الليل، فلجؤوا إلى غار فدخلوا به، فتدحرجت عليهم صخرة عظيمة من الجبل فَسَدَّتْ عليهم باب الغار، ولم يستطيعوا أن يزحزحوها، ولا مغيث لهم إلا الله، ليس حولهم بشر، فماذا صنعوا؟ توسَّلوا إلى الله تعالى بأعمالهم الصالحة، أحدهم توسل إلى الله ببرِّ والديه، والثاني توسل إلى الله بالعفة التامة، والثالث توسل إلى الله بالأمانة التامة. تعرفون القضية؟ إذن لا حاجة إلى التفصيل.
بر الوالدين عمل صالح، العفة عمل صالح، الأمانة وأداء الأمانة عمل صالح، فلما توسل الأول منهم انفرجت الصخرة لكن لا يستطيعون الخروج، توسَّل الثاني انفرجت الصخرة لكن لا يستطيعون الخروج، توسَّل الثالث انفرجت الصخرة مرة واحدة فخرجوا يمشون[[أخرج البخاري (٢٢١٥) ومسلم (٢٧٤٣/١٠٠) بسنديهما من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم حتى أووا المبيت إلى غار، فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل، فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، فقال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلًا، ولا مالًا فنأى بي في طلب شيء يومًا، فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما، فوجدتهما نائمين وكرهت أن أغبق قبلهما أهلًا أو مالًا، فلبثت والقدح على يدي، أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر، فاستيقظا، فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئًا لا يستطيعون الخروج». قال النبي ﷺ: «وقال الآخر: اللهم كانت لي بنت عم، كانت أحب الناس إليَّ فأردتها عن نفسها فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة من السنين، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها، ففعلت حتى إذا قدرت عليها، قالت: لا أحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه، فتحرجت من الوقوع عليها، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي، وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ابتغاء وجهك، فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها». قال النبي ﷺ: «وقال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء، فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين فقال: يا عبد الله أد إلي أجري، فقلت له: كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق، فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي، فقلت: إني لا أستهزئ بك، فأخذه كله، فاستاقه، فلم يترك منه شيئًا، اللهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، فخرجوا يمشون». ]]، هذا التوسل إلى الله بماذا؟ بالعمل الصالح.
السادس: التوسل إلى الله بحال الشخص، تتوسل إلى الله تعالى بذكر حالك أنك فقير، محتاج إلى الله، مريض، وما أشبه ذلك، ومنه قول موسى عليه الصلاة والسلام، دليله -وإن شئت قل: منه- يعني هذا يصلح دليلًا وتمثيلًا ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص ٢٤] لما سقى للمرأتين تولى إلى الظل ليستظلَّ به فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ هذا ما قال: أعطني ولا شيء، لكن توسل إلى الله بحاله، لأن قول القائل: أنا فقير، أنا محتاج، أنا مسني الضر، وما أشبه ذلك يعني فأعطني، اشفني، وقد جمع أيوب عليه الصلاة والسلام بين ذِكْر الحال والتوسل بالأسماء فقال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ الأول: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ ذكر الحال، والثاني بالأسماء.
النوع السابع من التوسل الجائز: التوسل إلى الله بدعاء مَنْ تُرْجَى إجابتُه؛ ومنه توسل الصحابة رضي الله عنهم إلى النبي ﷺ أن يدعوَ الله لهم؛ مثل الاستسقاء والاستصحاء وغير ذلك كثير، ومن ذلك توسل الناس عمومًا يوم القيامة بشفاعة النبي ﷺ إلى الله أن يقضي بينهم. هذه سبعة.
وقولنا: التوسل إلى الله بمن ترجى إجابته يستفاد منه أن التوسل إلى الله تعالى بمن لا ترجى إجابته لا يجوز؛ لأن هذا استهزاء بالله، لو أنك أتيت بصاحب ربا يأكل الربا ويأكل المال بالظلم والغش والكذب وقلت: ادعُ الله لي فإن هذا لا يجوز؛ لأنك توسَّلت إلى الله بمن تَبْعُد إجابته، فإن النبي ﷺ ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب وملبسه حرام ومطعمه حرام وغذي بالحرام قال: «فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ»[[أخرجه مسلم (١٠١٥ / ٦٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وهو سخرية، لو أنك أتيت بشخص ولله المثل الأعلى ليتوجه لك إلى ملك كان الملك يبغض هذا الشخص ويبعده، ماذا يكون هذا؟ استهزاء بالملك واستهتارًا به، كُلٌّ يعرف هذا، فلا يجوز أن تتوسل إلى الله تعالى بدعاء مَنْ لا تُرْجى إجابته؛ لأن هذا من باب السخرية بالله عز وجل، هذه سبعة أقسام من التوسل الجائز.
أما التوسل الممنوع كأن يتوسل إلى الله بما ليس بوسيلة؛ مثل تَوَسُّل المشركين بأصنامهم حيث يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر ٣] هذا لا ينفع.
ومن ذلك التوسل إلى الله بجاه الرسول ﷺ هذا لا يجوز؛ لأنه توسل بما ليس بوسيلة، ماذا تستفيد من جاه الرسول عند الله؟ لا شيء، لأن جاه الرسول عند الله إنما ينفع من؟ ينفع الرسول فقط لا علاقة لي به؛ فلذلك يكون التوسل بجاه الرسول ﷺ ممنوعًا مُحَرَّمًا؛ أولًا لأنه لم يَرِدْ، والثاني لأنه ليس بوسيلة؛ إذ إن الوسيلة هي فعل ما يُوصِل إلى المقصود، وأي ارتباط بين جاه الرسول عند الله وبين مطلوبك.
فصار التوسل الممنوع شيئين: الأول التوسل الشركي توسل المشركين بآلهتهم لتقربهم إلى الله؛ فإن هذا لا شك أنه وسيلة غير صحيحة وأنها باطلة، على أن تسميتنا إياها وسيلة إنما نريد مَنْ لا يعبد الأصنام، أما مَنْ يعبد الأصنام فإنه مشرك ولم يتوسل إلى الله تعالى بشيء.
والثاني التوسل إلى الله تعالى بجاه الرسول.
فإن قال قائل: أيجوز أن أتوسل بمحبة الرسول فأقول اللهم بمحبتي لرسولك، يجوز؟ أي مصلحة لك بمحبتك الرسول؟
* طلبة: عمل صالح.
* الشيخ: إي، لأن محبة الرسول لا شك أنها عمل صالح، فإن من أفضل الأعمال محبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، بل لا يؤمن الإنسان حتى يكون رسول الله ﷺ أحبَّ إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين.
* من فوائد الآية الكريمة: بيان الصيغة التي يقولها الملائكة في استغفارهم للمؤمنين أنهم يتوسلون أولًا ثم يطلبون ثانيًا ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾ [غافر ٧].
* ومن فوائد الآية الكريمة: سعة رحمة الله؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً﴾.
فإن قال قائل: كيف يصح ذلك وأكثر بني آدم كفار، فأين الرحمة؟ قلنا: هم مرحومون بالرحمة العامة؛ مَنْ يخرج لهم النبات؟ من ينزل لهم المطر؟ من يجعلهم أصحاء؟ من يمتعهم بالسمع، بالبصر؟ إلا الله، وهذه رحمة، فرحمة الله وسعت كل شيء.
* ومن فوائدها: سعة علم الله؛ لقوله: ﴿وَعِلْمًا﴾. ويترتب على هاتين الفائدتين أن الإنسان متى علم ذلك تَعَرَّض لرحمة الله لعله يكون من الداخلين فيها، وإذا آمن بسعة علم الله استحيا من الله أن يَفْقِدَه حيث أمره أو يجده حيث نهاه، أليس كذلك؟
طيب، لو قال لك أبوك: يا بُنَيَّ، لا تفعل كذا. فأنت إذا غاب ولك هوى فيه تفعله أو لا؟ تفعله لا شك؛ لأنه لا يعلم بك، إذا كان يشاهدك لا تفعله. الله عز وجل لا يغيب عنك، إذن لا تفعله لا في السرِّ ولا في الجهر إذا كان مما نهى الله عنه، ولا تتركه إذا كان فيما أمر به، ولهذا نقول: لا يفقدْك الله حيث أمرك، ولا يجدْك حيث نهاك.
* من فوائد الآية الكريمة: فضيلة التوبة؛ حيث عَلَّقَتِ الملائكة بطلب المغفرة بها فقال: ﴿لِلَّذِينَ تَابُوا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من تحقيق التوبة اتباع سبيل الله؛ لقوله: ﴿وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾، ولهذا نجد أن الله تعالى يقرن دائمًا مع التوبة ذكر العمل الصالح ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان ٧٠].
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الإسلام، كيف ذلك؟ لإضافته إلى الله عز وجل.
* ومن فوائدها: كمال الإسلام بإضافته إلى الله، ففيه الفضيلة بإضافته إلى الله باعتباره موصلًا إليه، وفيه الكمال بإضافته إلى الله باعتباره واضعًا له، أنه هو الذي شرعه وهو كامل، والكامل لا يَشْرَع إلا كاملًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الملائكة أَكَّدُوا المغفرة بحصول أثرها وهي قولهم: ﴿وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾؛ وذلك أن التوبة لا تكون إلا بالوقاية من الجحيم، لكنهم أكَّدوا ذلك لعظم هذا العذاب عذاب الجحيم، فنصُّوا عليه لهذا السبب، وإلا فإن التوبة في الحقيقة والمغفرة توجب الوقاية من عذاب الجحيم، ولكن النص عليه يكون في ذلك زيادة على ما يتضمنه المعنى العام.
هل يمكن أن يؤخذ من هذه الآية الرد على الجبرية؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: من أي مكان؟ من قوله: ﴿وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ فأضاف الإتباع إليهم، ولو كانوا مُجْبَرين على ذلك لم يصح أن يضاف الفعل إليهم، ولهذا إذا أُكْرِه الإنسان على الكفر لا يكفر؛ لأن الفعل لا يُنْسَب إليه حقيقة فهو مكره عليه، والله أعلم.
* طالب: شيخ، بارك الله فيكم، ذكر بعض أهل العلم أنه من تمام حسن الأدب مع الله عز وجل ومع رسوله ﷺ ومع صحابته ومع العلماء إذا ذكر الله يقول: عز وجل، والنبي يصلي عليه، والعلماء يترحم عليهم، والصحابة يترضى عليهم، (...) فهل هذا على إطلاقه؟ وقال: إن من تركه فقد فاته خير عظيم.
* الشيخ: أما من جهة الصلاة على النبي ﷺ فإنه لا شك أنه إذا ذُكِرَ فإن الإنسان مأمور بالصلاة عليه إما وجوبًا وإما استحبابًا؛ فمن العلماء من أوجب عليك إذا ذُكِرَ عندك اسم الرسول أن تُصَلِّي عليه لحديث: «رَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ. قُلْ: آمِينَ. فَقُلْتُ: آمِينَ»[[أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٦٤٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وأما الله عز وجل فليس بشرط الثناء عليه عند (...)، ولهذا دائمًا يقول الرسول عليه الصلاة والسلام قولًا يسنده إلى الله ولا يذكر وصفًا بالعزة أو الجلال أو التعالي أو التبارك أحيانًا يقول، وأحيانًا لا يقول، فكونك أحيانًا تقول وأحيانًا لا تقول أحسن، وكذلك بالنسبة للترضي عن الصحابة أو الترحم على مَنْ بعدهم كل هذا لا يُتَّخَذ سنة راتبة، ولكن إن ذُكِرَ أحيانًا فهو حسن، أما اتخاذه سنة راتبة فهو يحتاج إلى دليل.
* طالب: ما هو الضابط في الفرق بين الوسيلة الشركية والوسيلة البدعية؟
* الشيخ: الوسيلة البدعية هي التي لم ترد عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه، والشركية هي ما تتضمن إشراك غير الله مع الله، مع أن البدعة تُسَمَّى شركًا بالمعنى العام؛ لأن المبتدع شرع شرعًا لم يشرعه الله وقد سَمَّى الله ذلك شركًا فقال: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى ٢١]، لكن ما كان مظهره مظهر الشرك غُلِّبَ عليه اسم الشرك، وما كان مظهره سوى ذلك فيسمى بالاسم الذي يختص به؛ ولهذا قال بعض العلماء: إن جميع المعاصي شِرْكٌ؛ لأن الإنسان أشرك فيها مع الله هواه كما قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية ٢٣].
* طالب: (...).
* الشيخ: الوسائل ليس فيها وسائط إلا السابعة؛ وهي التوسل إلى الله بدعاء مَنْ ترجى إجابته.
* طالب: الشركية نفس الشيء؟
* الشيخ: إحنا نقول: الجائزة. الشركية شركية.
* الطالب: بالنسبة إلى التوسل إلى الله بالعمل الصالح، العلماء لماذا أخرجوه عن التوسل إلى الله بالإيمان؟
* الشيخ: نعم؛ لأن الإيمان بالقلب والعمل الصالح بالجوارح.
* طالب: ما يدخل ذلك في الإيمان؟
* الشيخ: لا، ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الشعراء ٢٢٧]، فالإيمان بالقلب والعمل الصالح بالجوارح، ولكن العمل الصالح من الإيمان.
* طالب: التوسل إلى الله بمحبة الصالحين والعلماء؟
* الشيخ: ماذا تقولون؟ هل يجوز التوسل إلى الله بمحبة الصالحين والعلماء؟ هل محبة الصالحين والعلماء هي عبادة تُقَرِّب إلى الله أو لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: إذن عمل صالح تدخل في التوسل إلى الله بالعمل الصالح.
* الطالب: تخصيص العالم بعينه؟
* الشيخ: لا، الأحسن ألا تخصص؛ لأن العالم بعينه -نسأل الله تعالى أن يحمينا وإياكم ويجعل ظواهرنا كبواطننا أو بواطننا خيرًا منها- ما تدري حقيقة، قد تَغْتَر بإنسان، ولكن لا يكون على ما تظن، لكن عَمِّمْ: اللهم بحبي لعلماء الشرع احشرني معهم، بحبي للصالحين اجعلني معهم وما أشبه ذلك.
غافر 40:8
الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر ٨ - ١٠].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ هذا من جملة دعاء الذين يحملون العرش ومن حوله يقولون: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ ﴿رَبَّنَا﴾: أي: يا ربنا، وكرروا النداء بالربوبية؛ لأنهم كانوا بالأول يسألون الله المغفرة لهم ووقاية عذاب الجحيم، وهذا من باب التخلية أي: السلامة مما يضر. أما الثاني فهو من باب التحلية أي: من باب حصول المطلوب ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ فترى الجملة الأولى من الدعاء فيها النجاة من المرهوب، والثانية فيها حصول المطلوب؛ ولهذا كَرَّروا قولهم: ﴿رَبَّنَا﴾ ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ﴾ وجعلوا هذه الجملة معطوفة على ما سبق لا مستأنفة أي: لم يقولوا: ربنا أدخلهم، قالوا: ﴿وَأَدْخِلْهُمْ﴾ لتحقق ما قبلها؛ لأن العطف يقتضي ثبوت المعطوف عليه وكونه أصلًا، فكأنهم قالوا: ربنا واجمع لهم مع ما سبق أن تدخلهم جنات عدن.
وقوله: ﴿جَنَّاتِ﴾ جمع جنة، والجنة تأتي في القرآن مجموعة وتأتي مفردة، فباعتبار الجنس هي جنة واحدة، وباعتبار الأنواع هي جنان، ذكر الله تعالى فيها أربعة أنواع في موضع واحد: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٤٦] ﴿ومن دونهما جنتان﴾ فهي تُجْمَع باعتبار الأنواع وتُفْرَد باعتبار الجنس. والجنة في الأصل البستان الكثير الأشجار؛ وسمي بذلك لأنه يُجِنُّ من فيه أي: يستره لكثرة أشجاره، والمراد بها شرعًا دار النعيم التي أعدها الله تعالى لأوليائه، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وسقفها عرش الله عز وجل، فهم أقرب الناس إلى الله.
وقوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ العدن بمعنى الإقامة، يقال: عَدَن بمكان أي: أقام، ومنه سُمِّي المعدن لمعادن الأرض؛ لأن المعدن مقيم ثابت راسخ في الأرض، فجنات عدم أي جنات إقامة؛ ووصفت بذلك لأن أهلها لا يبغون عنها حِوَلًا، ولأنها دائمة أبد الآبدين.
وقوله: ﴿الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ صفةٌ لجنات، وإنما قالوا ذلك اعترافًا بفضل الله تعالى أولًا وآخرًا، وتوسلًا إليه بتحقيق ما طلبوا؛ لأن الله إذا وعد شيئًا أتمه فإنه لا يخلف الميعاد، فصار ذكر قوله: ﴿الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ له فائدتان:
الأولى: الاعتراف بفضله سبحانه وتعالى حيث وعدهم هذه الجنات.
الثاني: التوسل إلى الله تعالى بإجابة الدعاء، كأنهم يقولون: أدخلهم هذا؛ لأنك وعدتهم إياه، فيكون من باب التوسل بوعده إلى تَحَقُّق موعوده.
وقوله: ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ ﴿مَنْ صَلَحَ﴾ يقول: (عطف على (هم) في ﴿أَدْخِلْهُمْ﴾ أو في ﴿وَعَدْتَهُمْ﴾ ) فالواو حرف عطف، و(من) اسم موصول مبني السكون في محل نصب عطفًا على ﴿أَدْخِلْهُمْ﴾ أو على ﴿وَعَدْتَهُمْ﴾، والأحسن أن يكون عطفًا على ﴿أَدْخِلْهُمْ﴾، فيكون الدعاء بالدخول شاملًا لهم ولمن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم.
﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وهذا احتراز جيد؛ حيث قالوا: ﴿وَمَنْ صَلَحَ﴾ ولم يقولوا: وآباءهم وأزواجهم وذرياتهم، قالوا: من صلح؛ لأنهم لو دَعَوْا بالعموم لكان فيه نوع من الاعتداء في الدعاء؛ لأن الاعتداء في الدعاء هو أن يدعو الإنسان بما لا يمكن شرعًا أو حِسًّا، كلُّ من دعا الله تعالى بما لا يمكن شرعًا أو حسًّا فإنه معتد في الدعاء، ولو زدنا أيضًا أو حسًّا أو عادة فهو معتد؛ فلو سأل الله تعالى أن يخرج له ولدًا من جدار بيته لكان هذا اعتداء في الدعاء، ولو سأل الله تعالى أن يجعله نبيًّا لكان هذا اعتداء في الدعاء؛ لأن ذلك لا يمكن شرعًا. ولو سأل الله أن يجعل السماوات والأرض بيده لكان هذا معتديًا في الدعاء لأنه لا يمكن عقلًا. فما لا يمكن شرعًا أو عقلًا أو عادة أو حسًّا فإنه لا يُدْعَى الله به؛ لأن هذا اعتداء في الدعاء.
فهنا يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ﴾ لو قالوا: وآباءهم لكان فيه نوع من الاعتداء؛ حيث أن آباء هؤلاء قد يكونوا مشركين كفارًا لا يستحقون أن يدخلوا الجنة، فيقول: ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ﴾ جمع زوج ﴿وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ جمع ذُرِّيَّة، فذكروا الأصول والفروع والمصاهرة، الأصول والفروع آباء وذريات، والمصاهرة أزواج.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ هذه جملة استئنافية يُراد بها التوسل إلى الله تعالى بعزته وحكمته أن يُحَقِّقَ هذا الدعاء أو هذا المدعو به.
* في الآية هذه فوائد:
* أولًا: إثبات أن الملائكة عباد مربوبون؛ لقولهم: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ﴾.. إلى آخره.
* ومن فوائدها: أن الشيء لا يتم إلا بانتفاء المؤذي وحصول المطلوب؛ وجه ذلك أنهم لما انْتَهَوْا من دعاء الله تعالى بانتفاء المؤذي سألوا الله تعالى حصول المطلوب وهو إدخال الجنات.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجنات أنواع، نستفيد هذا من الجمع.
* ومن فوائدها :أن الجنات دار إقامة لا يبغي ساكنها تَحَوُّلًا عنها ولا يلحقه فناء؛ لقوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية: التوسل إلى الله تعالى بفعله أو قوله؛ لقوله: ﴿الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ فإن وعده قول، وهؤلاء الملائكة توسَّلوا إلى الله بهذا القول.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان فضل الله عز وجل على أهل الجنة أولًا وآخرًا؛ أولًا حيث وعدهم الجنة؛ لأن الوعد بالجنة يقتضي العمل لها، وثانيًا بإدخالهم إياها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من تمام النعيم أن يَجمَع الله بين الإنسان وبين قرابته وزوجه؛ لقوله: ﴿أَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ﴾.. إلى آخره.
فإن قال قائل: هل يلزم من ذلك أن يكونوا في درجة واحدة؟ قلنا: لا يلزم، ولكن الأزواج لا بد أن يكونوا في درجة أزواجهم، والذرية ذكر الله سبحانه وتعالى في سورة الطور أنه في درجة آبائهم أيضًا قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور ٢١]، وهذا يدل على أن الذرية الذين لم يبلغوا منازل آبائهم أنهم يرفعون حتى يكونوا في منازل آبائهم، وأن ذلك لا يقتضي نقص الآباء من المنازل،؛ يعني: لا نقول: أن الحل وسط نرفع هؤلاء قليلًا ونُنَزِّل هؤلاء قليلًا؛ ولهذا قال: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور ٢١] لئلا يظن الظانُّ أنه إذا رُفِعَت الذرية فإنها تُرْفَع قليلًا ويُنَزَّل الآباء بمقدار ما رُفِعَ هؤلاء ليلتقوا في نقطة الوسط، وهذا ليس كذلك؛ لأنه لو نُزِّلَ الآباء قليلًا لزم من ذلك أن يُنْقَصوا، ولكن الله يقول: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ﴾ أي: ما نقصناهم أي: الآباء ﴿مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الاحتراز في الدعاء عن التعميم؛ لقولهم: ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ﴾ [غافر ٨]، ومن ذلك قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ﴾ [البقرة ١٢٦] أي أهل المسجد الحرام ﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة ١٢٦] ﴿أَهْلَهُ﴾ ثم أبدل منها قوله: ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فاحترز، ولكن الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ يعني: أرزق مَنْ في هذا البلد ولو كانوا كفارًا، لكن ﴿مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة ١٢٦]. المهم أنه ينبغي للإنسان في الدعاء أن يحترز من التعميم الذي قد يتناول من لا يستحق الدعاء فيكون في دعائه هذا نوع من الاعتداء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين يعني العزيز والحكيم من أسماء الله، وإثبات ما تضمناه من الوصف أو من الصفة، فالعزيز متضمن للعزة، والحكيم متضمن للحكمة والحكم.
* ومن فوائد الآية: التوسل إلى الله تعالى في الدعاء بأسمائه.
فإن قال قائل: ذكرتم في عدة مواضع أن التوسل بالأسماء ينبغي أن يكون مطابقًا للسؤال أو للمسؤول، وهنا ما مناسبة العزة والحكمة للدعاء بإدخال هؤلاء الجنة؟
الظاهر -والله أعلم- أن المطابقة أنهم دعوا أن الله يُدْخِل مَنْ صلح مِن آبائهم وأزواجهم وذرياتهم، وهذا أمر يحتاج إلى عزة وتمام سلطة وإلى حُكْمٍ وحكمة، فلهذا ختموا هذا الدعاء بقولهم: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ دون أن يقولوا: إنك ذو الفضل العظيم.
* ومن فوائد هذه الآية: الترتيب الوجودي في الأشياء، في أي شيء؟ آبائهم وأزواجهم وذرياتهم؛ لأن هذا هو الترتيب: أب، ثم تَزَوُّجٌ، ثم ذرية. فهذا ترتيب وجودي، ولا شك أن هذا من مُحَسِّنات اللفظ.
غافر 40:9
ثم قال الله تعالى: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ [غافر ٩] هذا معطوف على ما سبق على قوله: ﴿وَأَدْخِلْهُمْ﴾ أي: وقهم السيئات، والجملة فعل أمر وفاعل ومفعول به بل ومفعولين، الجملة تتضمن فعلًا وفاعلًا ومفعولين، الفعل قِ، والفاعل مستتر وجوبًا، والمفعول الأول الهاء، والمفعول الثاني السيئات، وقِ هنا فعل أمر لكنه مكون من حرف واحد بعد أن حُذِفَ منه حرفان الأول والثالث، وهكذا كل مثال ناقص إذا كان ثلاثيًّا فإن فعل الأمر منه على حرف واحد هذه القاعدة، كل مثال ناقص ففعل الأمر منه إذا كان ثلاثيًّا على حرف واحد، عرفتم؟ ما هو المثال؟ هو الذي أوله حرف علة، والناقص الذي آخره حرف علة.
طيب، إذن القاعدة هذه تشمل أمثلة كثيرة، وقد جمعها الخضري في حاشية ابن عقيل على ألفية ابن مالك جمعها في أبيات نعم، منها قِ فِ عِ يعني عَدَّد، لا أذكر الآن كل ما عدد، لكن الضابط هو هذا، كل ثلاثي كان مثالًا ناقصًا ففعل الأمر منه على حرف واحد.
﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ قال المفسر: (أي عذابها) وهذا إذا جعلنا السيئات بمعنى الأعمال السيئات فإنه يتعيَّن أن نُفَسِّر ذلك بعذاب السيئات، لماذا؟ لأن عمل السيئات الآن قد انتهى وقته، وإنما الموجود هو الجزاء، فيُفَسَّر حينئذ بالعذاب، وأما إذا فَسَّرْنا السيئات بما يَسُوء دون العمل الذي يقع مِنَ العبد فإنه لا حاجة إلى أن نقول: عذابها، لماذا؟ لأن العذاب مما يسوء فكأنهم قالوا: وَقِهِم ما يسوؤهم من العذاب، والقاعدة في التفسير وفي شرح الأحاديث أنه إذا دار الأمر بين احتمال التقدير وعدم التقدير فالأولى عدم التقدير، وعلى هذا فنقول: السيئات هنا لا يُرَاد بها الأعمال السيئات التي هي فعل العبد قطعًا لأن هذا قد انتهى، وإنما يراد بالسيئات ما يسوء من أعمال ومن عقوبات ومن عذاب ومن غير ذلك.
(﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ﴾ يوم القيامة ﴿فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ ) (مَن) شرطية، جملة ﴿فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ جواب الشرط، وإنما اقترن جواب الشرط بالفاء؛ لأنه مبدوء بـ(قد)، وجواب الشرط إذا بُدِئ بـ(قد) وجب اقترانه بالفاء، وله نظائر مما يجب اقترانه بالفاء، ينشدنا البيت فيه.. المهم أنه يجب ارتباط جواب الشرط بالفاء إذا وقع واحدًا من سبعة أمور، مجموعة في قول الناظم:
اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَ(قَدْ) وَبِـ(لَنْ)وَبِالتَّنْفِيسِ
التنفيس يشمل (سوف) والسين، هذه الآية من أي الأنواع السبعة؟ قوله: (وَقَدْ) ﴿فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾.
﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ﴾ المشار إليه وقاية السيئات والرحمة ﴿هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ﴿هُوَ﴾ يجوز أن تكون مبتدأ والفوز خبره، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول، ويجوز أن تكون ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل لا محل لها من الإعراب، ويكون التقدير وذلك الفوز العظيم، ويؤيد هذا أنها تأتي بهذه الصيغة في بعض المواضع ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [النساء ١٣].
وضمير الفصل من حيث الإعراب لا محل له من الإعراب، من حيث المعنى له ثلاث فوائد: الفائدة الأولى الحصر، والفائدة الثانية التوكيد، والفائدة الثالثة التمييز بين الصفة والخبر. هذه ثلاث فوائد لضمير الفصل. الفائدة الأولى؟
* طالب: الحصر.
* الشيخ: هذه واحدة. الثانية؟
* طالب: التوكيد.
* الشيخ: التوكيد أو التأكيد؟
* طالب: التوكيد.
* الشيخ: التوكيد أفصح ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل ٩١] ولم يقل: تأكيدها، لكنه يجوز الهمزة. الفائدة الثالثة؟
* طالب: التمييز بين الخبر والصفة.
* الشيخ: التمييز بين الخبر والصفة، يظهر هذا في المثال؛ إذا قلت: زيد الفاضل، وأنت تريد أن تكون الفاضل خبر المبتدأ، فإنه يحتمل أن تكون الفاضل صفة والخبر لم يأت بعد، يحتمل أن يكون المراد زيد الفاضل فاهِمٌ، ويحتمل أن تكون الفاضل خبر المبتدأ، فإذا جاءت زيد هو الفاضل زال الإشكال وتعيَّن أن تكون الفاضل خبر المبتدأ، أما التوكيد والحصر فظاهر؛ لأنك إذا قلت: زيد هو الفاضل، أكدت أنه فاضل وحصرت الفضل فيه.
وقوله: ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ الفوز: حصول المطلوب والنجاة من المرهوب، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران ١٨٥]، ما هو النجاة من المرهوب في الآية؟ ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ﴾. حصول المطلوب؟ ﴿وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ﴾، ولا تفسير أَبْيَن وأوضح من تفسير الله عز وجل، فالفوز هو النجاة من المرهوب وحصول المطلوب، والدليل ما سمعتم.
وقوله: ﴿الْعَظِيمُ﴾ وصف له بالعظمة؛ لأنه لا فوز أعظم من هذا، لا فوز أعظم من أن يَمُنَّ الله عليك بسكنى هذه الدار -جعلني الله وإياكم من ساكنيها- التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، كل الناس في الدنيا المؤمنون يسعون للوصول إلى هذه الدار، ولهذا لما قال الأعرابي للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله أنا لا أُحْسِن دندنتك ولا دندنة معاذ، ولكني أسأل الله الجنة وأستعيذ به من النار فقال: «حَوْلَهُمَا نُدَنْدِنُ»[[أخرجه أبو داود (٧٩٢) عن بعض أصحاب النبي ﷺ، وابن ماجه (٣٨٤٧) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]] نحن لا نريد إلا هذا، وهذا الحديث وإن كان في صحته ما فيه، لكن حقيقة هو هذا، كل المؤمنين يعملون للوصول إلى هذه الدار، وهو -أي العمل لها- يسير، لكن على مَنْ يَسَّرَهُ الله عليه، ومتى ييسر الله عليك ذلك؟ اسمع إلى قول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل ٥ - ٧] اعمل أنت، كما قال النبي ﷺ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٩٤٩) ومسلم (٢٦٤٧ / ٦) من حديث علي رضي الله عنه.]].
يقول: ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ نأخذ الفائدة في هذه الآية:
* من فوائد هذه الآية: أن الملائكة الذين يحملون العرش ومن حوله يسألون الله تعالى أن يَقِيَ الذين آمنوا أن يَقِيَهم السيئات أي: عذابها حتى يتم لهم المطلوب.
فإن قال قائل: أليس هذا حاصلًا مما سبق ﴿وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ ﴿وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾؟
قلنا: بلى، ولكن مقام الدعاء ينبغي فيه البسط لعدة أسباب:
السبب الأول: أن الدعاء عبادة، فكلما بسطت فيه ازددت تعبُّدًا لله، وازددت ثوابًا وأجرًا.
ثانيًا: أن البسط فيه التفصيل، والتفصيل خير من الإجمال؛ لأن الإجمال قد ينسى الإنسان فيه أشياء مهمة ولا تطرأ على باله لكن إذا فَصَّل تَبَيَّن الأمر.
الثالث: أن التفصيل في الدعاء انبساط مع الله عز وجل؛ لأن الداعي يناجي ربه، ومن المعلوم أن مناجاة المحبوب يُسْتَحَبُّ فيها التطويل، أو نقول بعبارة ثانية: من المعلوم أن مناجاة المحبوب يحب الحبيب أن تطول المناجاة بينه وبين حبيبه، وهذا شيء مشاهد، إذا جلس إليك مَنْ تحب فإنك تَوَدُّ أن يطول الحديث ويطول الجلوس حتى أن الزمن ينفرط بسرعة، وإن جلس إليك الثقيل، قلتَ:
إِذَا حَلَّ الثَّقِيلُ بِدَارِ قَوْمٍ ∗∗∗ فَمَا لِلسَّاكِنِينَ سِوَى الرَّحِيلِ
أحيانًا يجلس إليك الثقيل يخاطبك ويكلمك، كلما خاطبك بكلمة ولو كانت ثناء عليك كأنما صفع وجهك؛ لأنه يكون عندك كأنه جالس على قلبك، لكن الحبيب إذا جلس إليك لا تَوَدُّ أن تفارقه ولا تَمَلُّ حديثه، ولكن مَنْ خير الجُلَساء؟
لَنَا جُلَسَاءُ لَا نَمَلُّ حَدِيثَهُمْ ∗∗∗ أَلِبَّاءُ مَأْمُونُونَ غَيْبًاوَمَشْهَدَا
يعني بذلك الكتب.
أَعَزُّ مَكَانٍ فِي الدُّنَا سَرْجُ سَابِحٍ ∗∗∗ وَخَيْرُ جَلِيسٍ فِي الزَّمَانِ كِتَابُ
هؤلاء هم الجلساء الذين لا يَمَلُّون والذين ينفعون ولا يضرون.
على كل حال، نقول: إنه ينبغي البسط في الدعاء لثلاثة أسباب:
السبب الأول: أنه عبادة فكلما بسطت فيه ازددت تعبدًا وتقربا لله.
الثاني: أنه تفصيل والتفصيل خير من الإجمال، لأنه قد يكون في التفصيل ما يغيب عنك عند الإجمال.
والثالث: أنه انبساط مع الله الذي هو أحب شيء إليك، والحديث مع المحبوب لا شك أن كل أحد يحب أن يطول، انظر إلى قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ دِقَّهُ وَجِلَّهُ عَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، اللهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ وَمَا أَسَرَرْتُ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي»[[أخرجه مسلم (٤٨٣ / ٢١٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] يكفي عن هذا كله أن يقول: اللهم اغفر لي ذنبي، لكن البسط له تأثير على القلب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن مَنْ وُقِيَ السيئات يوم القيامة فقد دخل في رحمة الله؛ لقوله: ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾.
* ومن فوائد الآية: أن الرحمة كما تكون في جلب المحبوب تكون في دفع المكروه؛ لقوله: ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا أعظم فوز؛ لقوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، ووجهه أنه أشار إليه بإشارة البعيد للدلالة على علو هذا الفوز، ووصَفَهُ بالعظمة فيكون جامعًا بين عُلُوِّ المرتبة وعلو الماهية أنه عظيم.
* طالب: (...).
* الشيخ: أي فائدة في أجسام لا حركة فيها؟
* الطالب: يكفي يا شيخ أنها (...).
* الشيخ: لا، ما يكفي أنهم وقوا النار؛ لأنه لو كفى ذلك ما احتجنا إلى الجنة أصلًا، قلنا: يكفيكم أنكم نجوتم من النار ولا حاجة للجنة.
* طالب: إذا خالف الوصف في الدعاء المسؤول هل يكون اعتداء؛ يعني: بعض الناس إذا قلت: اللهم اهدِ (...) المهديين أو أذل الشرك والمشركين قلت: برحمتك يا أرحم الراحمين قال: هذا اعتداء في الدعاء.
* الشيخ: لا، غلط، أما سمعت: ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ وهذا زوال مكروه، وإذلال الشرك لا شك أنه نعمة ورحمة.
* طالب: في قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران ١٨٥] وفي الجنة أثبتنا النظر إلى الله عز وجل، هل يدخل في هذه الآية؟
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: من أي وجه؟
* الشيخ: لأن دخول الجنة وما فيها فوز، وأعظم النعيم في الجنة هو النظر إلى وجه الله، ولهذا ذكرنا لكم يا إخوان أن قول الزمخشري: (أي فوز أعظم من هذه) قلنا: هذه كلمة حقيقة، ولا يُعْتَرض عليها إلا لأننا نعلم أن الرجل لا يثبت النظر إلى وجه الله، وإلا لقلنا: متى دخلت الجنة فأنت دخلت الجنة بكل ما فيها من النعيم.
* طالب: (...).
* الشيخ: هل كرروا الدعاء ولَّا كرروا المدعو له؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، اللهم اغفر لنا ولآبائنا وذرياتنا وإخواننا وجداتنا وأجدادنا وخالتنا وأخوالنا وعماتنا وأعمامنا والأصول والفروع والحواشي، هذا ما هو تكرار للدعاء تكرار للمدعو لهم، وأنت ترى الملائكة الآن ما دعت إلا لثلاثة أصناف فقط: الأصول، الفروع، والأصهار الزوجات، لكن على كل حال ما نقول: في هذا شيء، ما ننكر عليه، لكن كونه يطول على الناس بمثل هذه الأشياء قد يكون فيه مضرة على الناس تعب.
غافر 40:10
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [غافر ١٠] ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ﴾ والنداء هو الكلام من بعيد، والمناجاة الكلام من قريب، ولم يبين الله تعالى مَن يناديهم لكن المفسر قال: (مِنْ قِبَل الملائكة) وذلك عند دخولهم النار، وهم يمقتون أنفسهم في ذلك الوقت أكبر مقت، والمقت هو أشد البغض، فهم في ذلك الوقت عند دخولهم النار يبغضون أنفسهم بغضًا شديدًا حيث لم يتوصلوا إلى النجاة منها، فيُنادَون فيقال لهم: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ اللام هنا لام الابتداء وتدخل على المبتدأ توكيدًا.
وقوله: (﴿لَمَقْتُ اللَّهِ﴾ إياكم) هذا أحد الوجهين في الآية، وعلى هذا فيكون المقت مضافًا إلى فاعله لا إلى مفعوله؛ يعني لبغض الله إياكم أشد من بغضكم أنفسكم. وقيل: إنه مضاف إلى مفعوله لا إلى فاعله، وعلى هذا يكون المعنى: لمقتكم الله حين تُدْعَون إلى الإيمان أكبر من مقتكم أنفسكم اليوم؛ أي: أنهم كرهوا ما دُعُوا إليه في الدنيا من محبة الله وأبدلوا ذلك بأشد البغض، وهذا المعنى أقرب مما مشى عليه المفسر رحمه الله تعالى (لمقت الله إياكم)، وعلى ما رجحنا يكون المعنى لمقتكم الله فهو مضاف إلى مفعوله. متى مقتوا الله؟ ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ﴾ وعلى هذا فيكون قوله: ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ﴾ متعلقًا بقوله: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ﴾؛ أي: أنكم حينما دُعوتم إلى الإيمان كرهتم ذلك ولم تقتنعوا به بل أبغضتموه أشد البغض.
وقوله: ﴿أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ متى مَقَتُوا أنفسهم؟ حين قيل لهم: ادخلوا نار جهنم فأبغضوا أنفسهم.
وقوله: ﴿مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ (مقت) هنا مصدر مضاف إلى أيش؟ ﴿مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ (مقت) هنا مضاف إلى فاعلها أو مفعولها؟
* طالب: إلى فاعلها.
* الشيخ: إلى فاعلها؛ لا، ما هو على قول المؤلف، قول المؤلف في قوله: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ﴾، لكن ﴿مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ هذا مصدر مصاف إلى فاعله؛ يعني: إنهم هم مقتوا أنفسهم، و(أنفس) مفعول (مقت).
وقوله: ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ تُدْعَون في الدنيا إلى الإيمان، وأَبْهَم الداعي؛ لأن دعوتهم إلى الإيمان تكون من الرسل، وتكون من ورثة الرسل وهم العلماء، فالداعي لهم إلى الإيمان في الدنيا ليس واحدًا، بل الرسل يدعونهم، وورثة الرسل وهم العلماء يدعونهم كذلك.
﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ الإيمان بمن؟ أي: بالله وملائكة وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشرِّه، هذا هو الإيمان كما فَسَّره النبي ﷺ حين سأله جبريل قال: «أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠) ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وهو عند مسلم (٨ / ١) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أيضًا واللفظ له.]].. إلى آخره.
﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ والمراد بالإيمان هنا -كما ذكرت لكم- هو الإيمان بالأركان الستة، وكذلك الانقياد اللازم من الإيمان بهذه الأركان الستة، ولهذا هم دُعوا إلى الإيمان الذي في القلوب، ودعوا إلى الاستسلام أيضًا وهو أعمال الجوارح، وكفروا بذلك كله، ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان أن الكافرين يُوَبَّخُون يوم القيامة توبيخًا يزيدهم ألَمًا إلى ألمهم؛ لقوله: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، ومن فوائد ذلك أنهم تبين لهم ما هم عليه من الضلال والكفر حين رأوا العقاب، وجهه أنهم مقتوا أنفسهم في ذلك الوقت حين رأوا العذاب، وهذا يدل على أنهم تبين لهم الضلال في ذلك اليوم.
* ومن فوائد الآية الكريمة على ما مشى عليه المؤلف: إثبات المقت لله؛ أي أن الله يمقت أي يبغض، هذا على ما مشى عليه المؤلف من أن مَقْت مضافة إلى الفاعل. وإذا قلنا بالقول الراجح لم يكن في الآية دليل على أن الله يَمْقُت، لكن الدلالة على أن الله يمقت وأن له مقتًا من أدلة أخرى مثل قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف ٣] والمقت أشد البغض، والبغض هو من الصفات الفعلية التي تتعلق بمشيئته وإرادته.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يَكْرَهُ نفسَه. ومتى يكون ذلك؟ إذا رأى مِنْ تصرفه ما يسوؤه فإنه يكره نفسه ويقول: هذا من النفس الأمارة بالسوء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحجة قد قامت على هؤلاء المكذبين المعذبين؛ لقوله: ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾. وهل الدعوة دعوة بإفهام أو دعوة بمجرد البلاغ؟
الأول دعوة بإفهام؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم ٤] فلا بد من فهم الحجة، ولكن إذا بلغت الإنسان فالواجب عليه أن يبحث عن الفهم فإن لم يفعل كان مُقَصِّرًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء كفروا عن عناد، من أين تؤخذ؟ لأنهم دُعُوا فكفروا وهذا كفرُ عنادٍ، والعياذ بالله.
غافر 40:11
ثم قال الله عز وجل: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غافر ١١] ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ﴾ الإماتة هنا ما كان قبل الحياة وبعد الحياة، ما كان قبل الحياة أي: وهم أجنة في بطون أمهاتهم. وما كان بعدها وهو الموت الذي يكون بعد الوجود في الدنيا هاتان ميتتان.
﴿وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ الحياة وهم أجنة في بطون أمهاتهم، والحياة بعد البعث يوم القيامة أو حين البعث يوم القيامة.
وهذا كقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة ٢٨] هذه أربعة؛ إماتتان وإحياءتان، فهم يقولون: (﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ﴾ إماتتين ﴿وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ إحيائتين؛ لأنهم نُطَفٌ أموات فأُحْيُوا ثم أميتوا ثم أحيوا للبعث) هذا تفسير ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾، والإماتة الأولى ليست إماتة بعد حياة، ولكنها فَقْدُ حياة، فصح أن يطلق عليها اسم الموت، وقصدهم بهذا الإقرار بأن الأمر حق، فكما أننا ندرك أنه مرت بنا هذه الأطوار الأربعة: موت، فحياة، ثم موت، فحياة، فإننا نتيقن أننا أخطأنا؛ ولهذا قالوا: ﴿فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾ يعني: فقد اعترفنا بذنوبنا.
والذنوب جمع ذنب وهو المعصية، والمراد بها هنا الكفر كما قال المؤلف رحمه الله: (بكفرنا بالبعث ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ من النار) و(هل) هنا للتمني، يعني أننا نتمنى الخروج من النار ولكنه لا يحصل لهم ذلك.
(﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ﴾ من النار والرجوع إلى الدنيا لنطيع ربنا ﴿مِنْ سَبِيلٍ﴾ من طريق؟ وجوابهم: لا) وهذا من المؤلف بناء على أن الاستفهام على بابه، أنهم يسألون هل لنا من طريق فنخرج؟ أما على ما قلنا: إنه للتمني فلا يحتاج إلى جواب فهو كقوله: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [الأعراف ٥٣].
* هذه الآية فيها: إثبات اعتراف هؤلاء المكذبين بأنهم كفروا بالله وأنهم مستحقون لهذا العقاب.
* ومن فوائد الآية :إقرار الكفار بما كانوا ينكرونه من قَبْلُ من البعث، وهذا معنى قوله: ﴿فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾.
* ومن فوائدها :أنهم في ذلك اليوم تبين لهم الحق وصحة القياس؛ لأنهم قالوا: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ فالميتة الأولى قبل أن تنفخ فيهم الروح قد أقروا بها، والحياة الدنيا قد أقروا بها، متى أقروا بها؟ أقروا بها في الدنيا وهم أحياء، لكن أنكروا البعث بعد الموت، وأما الآن فقالوا: نعم البعث بعد الموت كنفخ الروح في الجنين؛ يعني أنا تيقنا الآن أن ما ذكره الله عز وجل من قياس الإعادة على الابتداء أمر حقيقي، وأننا أُحْيِينا مرتين وأُمِتْنَا مرتين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: شدة حسرة هؤلاء على ما فعلوا وتمنيهم الخروج مما وقعوا فيه من العذاب بقولهم: ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾.
وفي هذه الآية إعراب مُشْكِل وهو أن قوله: ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ جملة خلت من أحد الركنين فيها وهو المبتدأ؛ لأن الذي أمامنا الآن جار ومجرور في الخبر، وفيما هو محل للمبتدأ.
* طالب: المبتدأ ﴿مِنْ سَبِيلٍ﴾.
* الشيخ: وهل يكون المبتدأ مجرورًا؟
* الطالب: لا، ومن هذه حرف زائد.
* الشيخ: إذن المبتدأ سبيل دخلت عليه حرف (من) الزائدة إعرابًا؛ ولهذا نقول في إعرابها: (من) حرف جر زائد، وسبيل مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.
غافر 40:12
ثم قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر ١٢] ﴿ذَلِكُمْ﴾ يقول المفسر: (أي العذاب الذي أنتم فيه) فالمشار إليه موجود؛ أي أن العذاب الذي أنتم فيه بسبب كذا وكذا، وهنا قال: ﴿ذَلِكُمْ﴾ وتأتي أحيانًا بـ(ذلك)، وتأتي أحيانا بـ(ذلكن)، وتأتي أحيانًا بـ(ذلكما)، فما هو السبب في تَغَيُّر الخطاب في هذه الإشارات؟
فيقال: اسم الإشارة بحسب المشار إليه، وكاف الخطاب التي بعدها بحسب المخاطب، فإذا أشرتَ إلى واحد مخاطِبًا اثنين فقل: ذلكما، كما قال يوسف لصحابي السجن: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ [يوسف ٣٧].
وإذا أشرتَ إلى اثنين مخاطبًا واحدًا فماذا تقول؟
* طالب: ذانكم.
* الشيخ: ذانكم؟ أشرت إلى اثنين مخاطبًا واحدًا؟
* طالب: ذانك .
* الشيخ: ذانك، كقوله تعالى: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص ٣٢].
وإذا أشرت إلى واحد مخاطبًا جماعة ذكور؟
* طالب: ذاكم.
* الشيخ: ذاكم؟ هات اللام أحسن.
* طالب: ذلكم.
* الشيخ: ذلكم. ومنه قوله تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ [فصلت ٢٣] طيب.
وإذا أشرت إلى واحد مخاطبًا جماعة إناث؟
* طالب: ذلكن.
* الشيخ: ذلكن. قالت: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف ٣٢] طيب.
وإذا أشرت إلى اثنين مخاطبًا اثنين؟
* طالب: ذانكما.
* الشيخ: ذانكما. طيب.
وإذا أشرت إلى اثنين مخاطبًا جماعة ذكور؟
* طالب: ذانكم.
* الشيخ: ذانكم، صح.
وإذا أشرت إلى اثنين مخاطبًا جماعة إناث؟
* طالب: ذانكن.
* الشيخ: ذانكن، طيب.
وإذا أشرت إلى جماعة مخاطبًا جماعة ذكور؟
وإذا أشرت إلى اثنين مخاطبًا جماعة إناث؟
* طالب: ذانكن.
* الشيخ: ذانكن، طيب.
وإذا أشرت إلى جماعة مخاطبًا جماعة ذكور؟
* طالب: أولئكم.
* الشيخ: أولئكم، صحيح؟ هذا إذا أشرنا إلى جماعة مخاطبًا جماعة ذكور.
إلى جماعة مخاطبًا جماعة إناث؟
* طالب: أولئكن.
* الشيخ: أولئكن، طيب.
أشرت إلى جماعة مخاطبًا اثنين؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: أولئكما.
* الشيخ: أولئكما. المهم على كل حال اسم الإشارة بحسب المشار إليه، والكاف بحسب المخاطب؛ إن كان مفردًا مذكرًا فالكاف تكون مفردًا مذكرًا، وإن كان مفردًا مؤنثًا فكذلك، مثنى جمعًا كذلك، هذا هو الأفصح.
وربما تأتي الكاف مفتوحة للمخاطب المُذَكَّرِ مطلقًا واحدًا كان أو مثنى أو جماعة، ومكسورة للمخاطب المؤنث مطلقًا واحدة أو اثنتان أو جماعة.
وربما تأتي الكاف مفتوحة مفردة لكل مخاطب، فتقول: ذلك تخاطب الرجل والمرأة والاثنين والجماعة، فهذه ثلاث لغات في كاف الخطاب المقترن باسم الإشارة، الأفصح أن يكون بحسب المخاطَب، ثم مفتوحًا في المذكَّر ومكسورًا في المؤنث، ثم مفتوحًا على كل حال مفردًا مذكرًا.
هنا يقول عز وجل: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ﴾ المشار إليه واحد والمخاطب جماعة ذكور، ذلكم فالمخاطبون جماعة ذكور (أي العذاب الذي أنتم فيه ﴿بِأَنَّهُ﴾ أي بسبب أنه في الدنيا ﴿إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ ) وأشركتم وقلتم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص ٥].
(﴿كَفَرْتُمْ﴾ بتوحيده ﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ﴾ يُجْعل له شريك ﴿تُؤْمِنُوا﴾ تصدقوا بالإشراك) وهذا هو الواقع؛ إذا ذُكِرَ الله اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة، وإذا ذُكِرَ الذين من دونه إذا هم يستبشرون، فهم يُصَدِّقون بقلوبهم ويستبشرون بألسنتهم، وهذا الإيمان في الواقع قد نقول: إنه إيمان حقيقي، وقد نقول: إنه إيمان دعوي؛ يعني أنه دعوة وأنهم في قرارة أنفسهم يؤمنون بالله، وانظر إلى أكفر أهل الأرض فرعون كيف أنكر الخالق وادعى الربوبية وقال لقومه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص ٣٨] ومع ذلك كان مؤمنًا في قرارة نفسه؛ قال له موسى وهو يحاوره: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء ١٠٢]. هذه الآية أقول لك: تدل على أن فرعون كان مؤمنًا بربوبية الله، كيف ذلك؟
* طالب: لأنه ما قال: ما علمت (...).
* الشيخ: لا، لأنه لما قال له موسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ لم يقل: لم أعلم، وهو في مقام يرى نفسه أعلى من موسى؛ يعني يستطيع أن ينكر دعوى موسى لو كان ينكر ذلك، لكنه يُقِرَّ بأن الله أنزل التوراة على موسى، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل ١٤]؛ ولهذا لا يمكن لأحد عاقل -وأريد بالعاقل من سوى المجنون- أن ينكر أن لهذا العالم خالقًا أبدًا، كل إنسان عاقل إذا تدبر أدنى تدبر في هذا الكون علم أن له ربًّا مدبرًا ولا يمكن أن ينكر.
فقوله هنا: ﴿إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ هل هو إيمان دعوى أو إيمان حقيقة؟ الذي يظهر لنا أنه إيمان دعوى؛ يعني يقول: نؤمن بأن هذا شريك مع الله، يقولونه: بألسنتهم، أما في قرارة قلوبهم فلا نظن أن أحدًا ينكر أن الله سبحانه وتعالى واحد.
وقد يقال: إن المراد بقوله: ﴿إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ أن المراد توحيد الألوهية يعني يكفرون بتوحيد الإلوهية ويؤمنون بالشرك في الألوهية؛ لأنهم يؤمنون بأن هذه الآلهة تقربهم إلى الله زلفى، فإذا هم يؤمنون بالله ربًّا ويؤمنون بالأصنام شفعاء.
(﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ﴾ في تعذيبكم ﴿لِلَّهِ الْعَلِيِّ﴾ على خلقه ﴿الْكَبِيرِ﴾ العظيم) يعني: فبناء على أنكم في هذه الحال يكون حكمكم إلى الله، فالفاء حينئذ تكون إما للاستئناف وإما للتفريع على ما سبق؛ يعني فبناء على ذلك يكون الحكم في أمركم إلى الله، الحكم في تعذيبكم لله وحده، واللام تكون بمعنى الغاية أحيانًا كما تقول: (ولله ترجع الأمور) بمعنى إلى الله، وهنا (الحكم لله) أي: إلى الله، أي: أن حكمكم ينتهي إلى الله. ويحتمل أن يكون المعنى الحكم لله أي مُسْتَحَقٌّ له لا يشاركه فيه أحد.
﴿الْعَلِيِّ﴾ يقول المؤلف: (على خلقه) علو ذات وعلو صفة، فالله سبحانه وتعالى عال على خلقه في ذاته فوق كل شيء، وعال على خلقه في صفاته، قال الله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم ٢٧] المثَل يعني الوصف الأعلى في السماوات والأرض.
وعلو الله سبحانه وتعالى عُلُوًّا معنويًّا وهو علو الصفة أمر مُجْمَع عليه لم يخالف فيه أحد من أهل الملة حتى المعطلون الذين يُنكِرون صفات الله عز وجل إنما أنكروها بناء على تنزيههم لله عز وجل عن مشابهة المخلوقين وإن كانوا أخطؤوا الطريق، لكن هم يقولون: نحن نقول هذا تنزيهًا لله؛ ولهذا يسمون الذين يثبتون يسمونهم المشبهة، ويسمونهم المجسمة والحشوية وما أشبه ذلك، ويرون أنفسهم هم أهل التوحيد. فقصدي أقول: علو الصفة لم ينكره أحد من أهل الملة، حتى أهل البدع يقرون بذلك.
وأما علو الذات فهو محل الصراع بين أهل السنة والجماعة وبين أهل التعطيل، فأهل السنة والجماعة يؤمنون بأن الله تعالى عال على خلقه بنفسه. وأهل التعطيل ينكرون ذلك، ثم انقسموا إلى قسمين: قسم قالوا: إنه في كل مكان، إن الله في كل مكان، في السماء وفي الأرض، في الأسواق في المساجد، في البيوت، في كل مكان.
وقسم آخر قالوا: لا يوصف أنه في مكان، فلا يقال: فوق العالم، ولا في العالم، ولا تحته، ولا يمينه، ولا شماله، ولا متصل بالعالم، ولا مماسّ له، وهذا هو التعطيل المحض؛ لأننا لو أردنا أن نصف المعدوم لم نجد أبلغ من هذا الوصف.
إذن خالف في علو الذات طائفتان: الطائفة الأولى؟
* طالب: (...).
* الشيخ: كلهم معطلة، كلهم جهمية.
* طالب: الطائفة الأولى قالت: إن الله في كل مكان.
* الشيخ: إن الله في كل مكان.
* طالب: الطائفة الثانية نفت وقالت: إن الله لا يوصف بمكان.
* الشيخ: أحسنت.
* الطالب: (...).
* الشيخ: تمام، إذن خالف طائفتان: الطائفة الأولى قالت: إن الله في كل مكان بنفسه، وهذا -يا إخواني- حق يعني: قول قيل، لا تظنوا أنه تصور، فيه الآن مَنْ يعتقدون أن الله في كل مكان؛ إن جئت السوق وجدته في السوق، وإذا قالوا بالجبر قالوا: في السوق يبيع ويشتري، لأن فعل العبد منسوب إلى الله، فإذا كان في السوق هو في السوق وفعل العبد فعله صار يبيع ويشتري، نسأل الله العافية، هذا من لازم قولهم. إذا جئت المسجد كان في المسجد، عاد يصلي أو يقعد، لا ندري، إذا أتيت في أي مكان وجدته فيه، ونحن نَفْصِل هذا عن مسألة الجبر حتى لا نصل إلى نهاية سيئة جدًّا، نقول: هم يقولون: إن الله في كل مكان، حتى قال لهم أهل السنة: كيف يمكن أن تقولوا: إنه في أماكن القذر والأذى؟ قالوا: نقول إذا دخلت المكان أنت صار الله معك، أي مكان تدخله فالله معك.
القول الثاني عكس هؤلاء؛ قالوا: لا يصح أن يوصف الله بأي مكان، لا فوق ولا تحت ولا عن يمين العالم ولا عن شمال العالم ولا اتصال بالعالم ولا انفصال من العالم، وقد قال محمود بن سبكتكين لمحمد بن فورك وهو يناظره في هذه المسألة قال له: إذا قلت هذا فأثبت لنا ربك، إذا كان لا هو فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال ولا متصل ولا منفصل ولا مباين ولا محايز، أين يكون؟ لا يكون، هذا العدم تمامًا.
فالحاصل أن العلو قول المؤلف رحمه الله: (عَلِيُّ على خلقه) نقول: العلو نوعان علو صفة وعلو ذات، أما علو الصفة فهذا لم ينكر أحد من أهل القبلة حتى المبتدعة أنه منفي عن الله، كلهم يثبتون لله علو الصفة. لكن أهل التعطيل يرون التعطيل من باب التنزيه ورفع الله عز وجل، وأهل التمثيل كذلك يرون هذا من باب تعظيم الله عز وجل وإثبات حقيقته، وأما علو الذات فهو الذي انقسم فيه الناس إلى هذه الأقسام الثلاثة التي سمعتموها.
﴿الْكَبِيرِ﴾ قال: (العظيم) وهذا تفسير تقريبي، ولو قال: الكبير ذو الكبرياء لكان أقرب، فهو كبير عز وجل ذو كبرياء، وهو كبير أيضًا، كبير باعتبار ذاته لا يحيط به شيء من مخلوقاته، والسماوات السبع والأراضين السبع في يده كخردلة في يد أحدنا.
* طالب: شيخ -بارك الله فيك- قلنا: إن الدعوة (...) وإذا بلغت الإنسان فيجب عليه أن يبحث، فهل يبلغ الناس أنه يجب عليهم أن يبحثوا، ثم كيف نقول لهم هذا وهم أصلًا كسالى ما يبحثون يعني جهلة لم..؟
* الشيخ: نحن لا نتكلم عن العرب، العرب يفهمون الدعوة بمجرد أن تبلغهم. نتكلم عن قوم لا يفهمون المعنى، يجب عليهم أن يبحثوا، أما عوام الناس الآن فقد بلغتهم وفهموها؛ ولهذا يعرفون معنى لا إله إلا الله ويعرفون معنى محمد رسول الله، وما أشبهها.
* طالب: (...) إن قال قائل في قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر ١١]: يُقْصَد بها الموتتان: الموتة في الدنيا حين المنام، والموتة الأخرى في يوم القيامة؟
* الشيخ: لا يصح؛ لأن موتة الدنيا في المنام ما هي مرتين أو ثلاث ولا أربع ولا مئة، الإنسان في الشهر ينام كم مرة؟ على الأقل ثلاثين مرة ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ [الأنعام ٦٠]، فإذا بُعِثْنا من موتة الليلة البارحة جاءت الليلة الثانية، مِتْنَا ثانية، واللي وراءها؟ والذي ينام بعد صلاة الفجر، والذي ينام في القيلولة، والذي ينام بعد العصر، أربع ميتات في يوم واحد.
* طالب: (...) بيمين ولا شمال (...) وصف نفسه (...)؟
* الشيخ: لا، (...) ليس بيمين ولا بشمال، لكن وصف نفسه بما هو أحسن من هذا، لأنه لو قال: لا يمين ولا شمال صارت الصفة صفة سلبية، لكن إذا قال: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ [البقرة ٢٥٥] انتفى اليمين والشمال بوصفٍ ثبوتي لا بوصف سلبي، والوصف الثبوتي أكمل من الوصف السلبي؛ لأن دلالة الوصف السلبي على الإثبات دلالة التزام، قد ينكرها منكر ولا يلتزم بها.
* طالب: (...) العدم، يعني يقول: إن الله لا فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال بماذا استدل؟
* الشيخ: يقول: لأنك إذا أثبت أنه في جهة فقد جَسَّمْتَ جعلته جسمًا، إذا صار فوق معناه أنه جسم، يمين شمال كذلك، كل هذا فرارًا من التجسيم؛ والسبب أن الشيطان تلاعب بهم في الواقع، وإلا نقول لهم: ما هو التجسيم الذي تريدون أن تنفوه عن الله؟ تريدون أن الله ليس بشيء، فنحن لا نوافقكم، تريدون أن الله تعالى جسم موصوف بالصفات الكاملة فهو كذلك هو موصوف بالصفات الكاملة، لكن لا نطلق لفظ جسم على الله أبدًا، ورد في الحديث ما يدل على أنه يوصف بالشخص، ومع ذلك لا نقول: إنه شخص كأشخاص المخلوقين أبدًا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١].
* طالب: الذين (...) في أي مكان يستدلون بالآية: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة ١١٥].
* الشيخ: هل هذا ينافي العلو حتى يكون دليلًا على عدمه؟ ألا يمكن أن يكون الشيء فوقك وهو أمامك؟ يمكن، هذا في المخلوق كيف بالخالق المحيط بكل شيء؟ ثم كيف نورد آية تحتمل على آيات محكمة لا تحتمل وهو العلو؟ انتبهوا يا إخواني لهذا، لأن أهل الباطل يوردون المتشابه على المحكم، ولا يحملون المتشابه على المحكم، يوردون المتشابه على المحكم ليناقضه، وليسوا يحملون المتشابه على المحكم ليكون محكمًا، وهذا هو البلاء قالت عائشة رضي الله عنها:« إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سَمَّى الله فاحذروهم»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٥٤٧)، ومسلم (٢٦٦٥ / ١) من حديث عائشة رضي الله عنها.]] هكذا روته عن النبي ﷺ.
انتبهوا، وهذه مسألة أحب أن أنبهكم عليها؛ وهو أنه إذا وردت آيات متعارضة وأحاديث متعارضة فلا توردوها على أنفسكم على أنها متعارضة، أوردوها على أنفسكم على أنكم تطلبون الجمع بينها لتُوَفَّقوا للجمع، أما إذا أوردتم هذه على أنها متعارضة بقيت محل إشكال، وأنا دائمًا أنهاكم عن هذا، أقول: لا توردوا الآيات المتشابهة التي ظاهرها التعارض أو الأحاديث كذلك على أنها متعارضة، أوردوها على أنكم تريدون الجمع بينها لا أن بعضها معارض لبعض، حتى تُهْدَوا إلى الصراط المستقيم؛ لأن هناك فرقًا بين الإيراد وبين الرد، إيراد المتشابه على المحكم معناه أنه يطلب التعارض، لكن رد المتشابه إلى المحكم هذا معناه أنه حاول الجمع دون أن يتصور التعارض، وهذه المسألة كما تكون في الأمور العلمية تكون أيضًا في الأمور العملية، أحيانًا ترد عن النبي عليه الصلاة والسلام صفات في عبادة واحدة فيظن الظان أن هذا تعارض، لكن نقول: لا تقرأها ولا توردها على نفسك على أنها متعارضة، لا، أَوْرِدْها على أنك تجمع بينها، فتحمل هذه على وجه وهذه على وجه، وأكثر ما يكون الشك للطالب أنه يورد الآيات المتعارضة التي ظاهرها التعارض أو الأحاديث التي ظاهرها التعارض على أنها متعارضة، لكن لو أوردها على أنه يرد بعضها إلى بعض ويضم بعضها إلى بعض لوجد وجهًا ومخرجًا مما كان يظن، وهذا شيء جربوه إن شاء الله ستنتفعون به.
فالذين قالوا: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة ١١٥] يدل على عدم العلو فيعارض أدلة العلو. نقول: من قال هذا؟ من قال: إنه يدل على عدم العلو؟ وإذا كان الشيء مقابلًا لك هل يلزم أن يكون محاذيًا لك؟ أبدًا، ما يلزم، قد تقول: هذا عن يميني وهو أسفل شيء، لكن مع الجهة اليمنى، وهذا عن يساري وهو أسفل شيء وهو عن الجهة اليسرى، كما جاء في حديث المعراج: «أَنَّ عَلَى يَمِينِ آدَمَ أَسْوِدَةٌ وَعَلَى يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ، فَإِذَا رَأَى إِلَى الْيَسَارِ بَكَى» »[[أخرج البخاري (٣٣٤٢) ومسلم (١٦٣ / ٢٦٣) بسنديهما من حديث أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «فُرِجَ سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل ففرج صدري، ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب، ممتلئ حكمة وإيمانًا، فأفرغها في صدري، ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء، فلما جاء إلى السماء الدنيا. قال جبريل لخازن السماء: افتح، قال من هذا؟ قال هذا جبريل قال: معك أحد قال: معي محمد. قال: أرسل إليه؟ قال: نعم فافتح، فلما علونا السماء الدنيا إذا رجل عن يمينه أسودة، وعن يساره أسودة، فإذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى...». الحديث.]] اليسار هي نسم بنيه الكفرة في النار، وهذا في الأسفل، فلا يلزم من كون الشيء على يمينك أن يكون محاذيًا لك، ولا يلزم من كون الشيء فوقك أن يكون محاذيًا لك، ولا من كونه أسفل منك أن يكون محاذيًا لك، هذا ليس بلازم، لكن الذين في قلوبهم زيغ يتبعون ما تشابه منه لإيراد التشكيك.
* * *
* الطالب: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦) الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر ١٥ - ١٧].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ [غافر ١٣].
﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ﴾ [غافر ١٢].. إلى آخره.
* في هذه الآية فوائد؛ أولًا: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ﴾ فالباء للسببية وقد مر علينا كثيرًا أن أهل السنة والجماعة يثبتون الأسباب للمسبَّبَات، ولكن لا على أنها فاعلة بنفسها بل بما أودع الله فيها من القوى المؤثرة؛ تؤخذ من قوله: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ﴾؛ لأن الباء للسببية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان ما عليه هؤلاء الكفار من كونهم إذا دُعِيَ الله وحده كفروا، وإذا أُشْرِكَ به أقروا هذا الشرك؛ لقوله: ﴿بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الحكم لله؛ لقوله تعالى: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ﴾ وليس لغيره. وحكم الله تعالى ينقسم إلى قسمين: كوني، وشرعي؛ فالكوني ما قضى به على عباده كونًا وتقديرًا، والشرعي ما قضى به على عباده شرعًا وتنظيمًا. والحكمان موجودان في القرآن جميعًا؛ فمن الحكم القدري قوله تبارك وتعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف ٨٠]، ومن الحكم الشرعي قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة ١٠]. والفرق بينهما أن الحكم الشرعي يرضاه الله عز وجل، والحكم الكوني يتعلق فيما يرضاه وفيما لا يرضاه، والفرق الثاني أن الحكم الشرعي قد يقع من المحكوم عليه وقد لا يقع، وأما الحكم الكوني فإنه لا بد أن يقع، فإذا حكم الله على شخص بموت أو مرض أو فقر أو عاهة أو غير ذلك وقع ولا بد، إذا حكم الله على شخص بأن يؤمن ويعمل صالحًا فقد يقع وقد لا يقع.
وقوله: ﴿فَالْحُكْمُ﴾ هنا يشمل الأمرين جميعًا، يستفاد من هذا أنه لا يجوز الحكم بالقوانين المخالفة للشريعة؛ لقوله: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ﴾ وهذه الجملة تفيد الحصر أي الحكم لله لا لغيره. والحكم بالقوانين المخالفة للشريعة قد يكون كفرًا وقد يكون ظلمًا وقد يكون فسقًا، كما ذكره الله عز وجل على هذه الوجوه الثلاثة في سورة المائدة وهي من آخر ما نزل؛ فإن وضع الحكم القانوني شرعًا نافذًا فهذا كفر؛ لأنه يقتضي رفع الحكم الشرعي وإحلال حكم آخر محله، وهذا كفر بما أَنْزَل الله محبط للعمل،؛ لأنه لا يمكن أن يرفع الحكم الشرعي إلا بعد كراهته إياه، وقد قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد ٩]، وعلى هذا فالذين يحكمون أممهم بالقوانين المخالفة للشريعة يُعْتَبَرون كفارًا يجب عليهم أن يتوبوا إلى الله وأن يحكموا بشريعة الله وإلا ماتوا كفارًا والعياذ بالله، ونحن لا نحكم لهذا الشيء لكل واحد بعينه؛ إذ قد يكون بعضهم مُلَبَّسًا عليه أو مُغَررًا به أو تكلم عنده من يثق به فَأَضَلَّه، قد يكون هذا الذي وضع القانون غَرَّه مَنْ يقول: إن الحكم الشرعي إنما يكون في ما بين الإنسان وبين ربه في العبادات والأحوال الشخصية والمواريث، وأما مسائل الدنيا فهي لأهل الدنيا، ويشبِّه بقوله ﷺ: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ»[[أخرج مسلم (٢٣٦٣ / ١٤١) بسنده من حديث عن عائشة، وأنس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ مر بقوم يلقحون، فقال: «لو لم تفعلوا لصلح» قال: فخرج شيصًا، فمر بهم فقال: «ما لنخلكم؟» قالوا: قلت كذا وكذا، قال: «أنتم أعلم بأمر دنياكم». ]].
فيأتي هذا الحاكم المسكين الذي لا يعرف عن الأمر شيئًا والذي خُدِعَ بمظاهر الدنيا وزخارفها فيظن أن هذا هو الحق، فيضع القانون المخالف للشرع، فمثل هذا لا نحكم بكفره؛ لأنه مُغَرَّر به مُؤَوَّل، لكن إذا بُيِّنَ له ثم أصر حكم بكفره.
أما الثاني: الحكم بغير ما أنزل الله الذي يكون ظلمًا فهو ما كان الحاملُ عليه حُبَّ الاعتداء على الغير، لا كراهة الشرع ولا الحكم بغير ما أنزل الله، لكن لكراهيته للغير حكم على الغير بغير ما أنزل الله ظلمًا وعدوانًا، فهذا له حكم الظلمة وليس له حكم الكافرين؛ لأنه ما كفر، يقول: أعرف ما جاء به الشرع هو الحق، لكن أريد أن أنتقم من هذا الرجل وأعتدي عليه فيكون هذا له حكم الظالم: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة ٤٥].
أما القسم الثالث: فهو الذي حكم بغير ما أنزل الله لهوى في نفسه لا كراهة للحق ولا استبدالًا له بغيره، لكن يريد شيئًا في نفسه فحَكَم بغير ما أنزل الله، مثل أن يكون يهوى أن تكون له هذه الأرض أو هذه السيارة أو ما أشبه ذلك فيحكم بها لغرض، ليس قصده ظُلْمَ المحكوم عليه ولكن قَصْدُه اتباع الهوى، فيحكم فيكون بهذا من الفاسقين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحُكْمَ لله عز وجل في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قَسَّم بعض العلماء الحكم إلى ثلاثة أقسام: كونيٍّ وشرعيٍّ وجزائي. الحكم الجزائي ما يكون في الآخرة، ولكن الصحيح أن الحكم الجزائي لا يخرج عن كونه حكمًا كونيًّا لأنه فعل الله وحينئذ لا حاجة إلى كثرة التقاسيم؛ لأنه كلما أمكن اختصار التقسيم كان أولى؛ ولهذا والله أعلم كان الرسول ﷺ يأتي أحيانًا ويقول: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ»[[متفق عليه، البخاري (٢٦٧٢) ومسلم (١٠٨ / ١٧٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]].
مع أن هناك آخرين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، لكن كون الشيء يُجَزَّأ وتُقَلَّل أقسامُه يكون أقرب إلى الفهم؛ ولهذا يُفَرَّق بين أن تعطي الماء لشخص عطشان دفعة واحدة أو أن تعطيه إياه على دفعات، الثاني أهنأ وأبرأ وأمرأ كما جاء في الحديث[[أخرج مسلم في صحيحه (٢٠٢٨/١٢٣) بسنده عن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ يتنفَّس في الشَّراب ثلاثًا، ويقول: «إنَّه أروى وأبرأ وأمرأ».]] أنه ينبغي للإنسان في شرابه أن يتنفس ثلاث مرات، الكأس مثلًا إذا كنت عطشان لا تشربه جميعًا تنفس فيه ثلاث مرات، اشرب ثم أَبِنِ الكأس عن فمك ثم رُدَّه ثم أَبِنْهُ ثم رده حتى يكون ذلك أهنأ وأمرأ وأبرأ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العلو لله عز وجل؛ لقوله: ﴿الْعَلِيِّ﴾ وهو علو بنفسه وعلو بصفته، فصفاته عُلْيا وهو نفسه سبحانه وتعالى فوق كل شيء.
وأدلة علو الله سبحانه وتعالى الذاتي خمسة أنواع: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة؛ أما الكتاب فمملوء من ذلك، أي من دلالته على أن الله فوق كل شيء على وجوه متنوعة، تارة يصرح بأنه في السماء، وتارة يصرح بأنه استوى على العرش، وتارة يصرح بأن الأشياء تنزل منه، وتارة يصرح بأن الأشياء تُرْفَع إليه وتصعد إليه وتعرُج إليه، وكل هذا يدل على علو الله تعالى بذاته.
والسنة كذلك جاءت بأوجهها الثلاثة: قول، وفعل، وإقرار؛ فالقول ما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «رَبُّنَا اللَّهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ تَقَدَّسَ اسْمُكَ، أَمْرُكَ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ»[[أخرجه النسائي في الكبرى (١٠٨٠٩) من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه.]]، وما كان يقول في سجوده: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى»[[أخرجه مسلم (٧٧٢ / ٢٠٣) من حديث حذيفة رضي الله عنه.]].
والفعل إشارته ﷺ إلى السماء حين قال: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٧٤١)، ومسلم (١٦٧٩ / ٣١) من حديث أبي بكرة رضي الله عنه.]].
والإقرار إقراره للجارية حينما قالت: إن الله في السماء لما قال لها: «أَيْنَ اللَّهُ؟»[[أخرجه مسلم (٥٣٧ / ٣٣) من حديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه.]].
وأما الإجماع فقد أجمع السلف على أن الله تعالى عال بذاته فوق كل شيء، ودليل هذا الإجماع أنه لم يَرِد عنهم حرف واحد ينافي ما دل عليه الكتاب والسنة من علو الله، وهذا يدل على أنهم كانوا يقولون به، وهذا من الطرق التي ذكرناها لكم فيما سبق أنه لو قال قائل: ائتوا لنا بحرف واحد من السلف يقول: إن الله عال بذاته. نقول: لا حاجة أن نأتي لكم بذلك؛ لأن ورود ذلك في الكتاب والسنة من غير أن يأتي عنهم ما يعارضه يدل على قولهم به، وهم مُجْمِعُون على هذا.
وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله كلامًا قال فيه: والله يعلم أي بعد البحث التام ومطالعتي ما أمكن من كلام السلف لم أجد أحد منهم صرَّح بأن الله ليس في السماء وأن الأشياء لا تعرج إليه. وذكر نحو هذا، وعلى هذا فنقول: إن علو الله بذاته قد أجمع عليه السلف، فمن قال بغير ذلك فقد شاقَّ الرسول واتبع غير سبيل المؤمنين، ولكن الله اشترط قال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ [النساء ١١٥].
وأما العقل فدلالته على علو الله ظاهرة؛ لأننا نسأل أيما أعلى صفة العالي أو السافل؟ لقيل باتفاق العقلاء: إن العالي أكمل، وإذا ثبت أن العلو كمال وجب أن يكون ثابتًا لله عز وجل؛ لأن الله تعالى موصوف بصفات الكمال.
وأما الفطرة فاسأل عنها عجائز المسلمين. لا تسأل طلبة العلم. اسأل العجوز: أين الله؟ فتقول لك: في السماء، اسأل كل داعٍ إذا دعا أين يطير قلبه؟ إلى السماء. وهذه الفطرة هي التي ألجمت أبا المعالي الجويني حين قال له أبو العلاء الهمداني: يا شيخ، دعنا من ذكر العرش. لما قال أبو المعالي: إن الله كان ولا شيء. يعني: لا عرش ولا غير عرش وهو الآن على ما كان عليه. ماذا يريد؟ يريد نفي الاستواء، إذا كان ولا عرش وهو الآن على ما هو عليه لزم ألا يكون مستويًا على العرش. فقال له: يا شيخ دعنا من ذكر العرش -لأن دليل استوائه على العرش دليل سمعي- لكن أخبرْنا عن هذه الفطرة التي نجدها في نفوسنا؛ ما قال عارف قط: يا الله إلا وجد من قلبه ضرورة بطلب العلو. فلطم أبو المعالي على رأسه وقال: حيَّرني الهمداني؛ تحير لأن هذا أمر فطري، لا يمكن إنكاره أبدًا، إن كان الإنسان ينكر أن يكون بشرًا أنكر ما دلت عليه الفطرة.
فالحاصل أن علو الله بذاته دلَّ عليه الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، وهو ولله الحمد لا يحتاج إلى منازعة، ولولا أن أهل البدع والتعطيل ألجؤوا أهل السنة إلى الحديث عنه ما احتاج إلى أن يتحدث الإنسان عنه؛ لأنه أمر فطري لا يحتاج إلى كبير عناء، لكن هؤلاء المتكلمون المبتدعون المعطلون المحرفون المنحرفون هم الذين ألجؤوا أهل السنة إلى أن يقولوا بمثل ذلك وأن يحاولوا إثبات هذه الأمور بما يستطيعون من الأدلة.
* ومن فوائد الآية: إثبات الكبرياء لله والكِبَر؛ لقوله: ﴿الْكَبِيرِ﴾ والله تعالى يجمع بين الكبرياء والكِبْر والكِبَر في غير ما آية؛ قال الله تعالى: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد ٩]، وهنا يقول: ﴿الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾؛ لأن بذلك يحصل الكمال المطلق العلو والكبرياء والكِبَر فيه كمال الكمال.
غافر 40:13
ثم قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾ [غافر ١٣] ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ﴾ أي: يُظْهِر لكم آياته حتى تروها، والضمير يعود إلى الله، فهو الذي له الحكم وهو العلي الكبير، ومع ذلك لم يدع عباده هملًا، بل أراهم آياته حتى يؤمنوا.
فقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ أي: يُظْهِرُها لكم حتى تَرَوْها عيانًا، والآيات هنا العلامات الدالة على معلومها، وهي أبلغ من المعجزات وما أشبهها.
وآيات الله سبحانه وتعالى نوعان: آيات كونية، وآيات شرعية؛ فالآيات الكونية هي مخلوقات الله عز وجل، والآيات الشرعية هي الوحي الذي جاءت به الرسل. كل المخلوقات آيات من آيات الله ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات ٢٠، ٢١]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم ٢١]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [الشورى ٢٩]، والأمثلة على هذا كثيرة كلها تدل على خالقها عز وجل وعلى تفرده بالخلق، وعلى حكمته وعلى رحمته، وعلى عزته إلى غير ذلك من معاني الربوبية التي تدل عليها هذه الآيات، وقد تكون آية واحدة تدل على عدة آيات وعلى عدة أوصاف. هذه الآيات الكونية قلت لكم: إنها شاملة لكل المخلوقات، وفي هذا يقول القائل:
فَوَاعَجَبَا كَيْفَ يُعْصَى الْإِلَهُ ∗∗∗ أَمْ كَيْفَ يَجْحَدُهُ الْجَاحِدُ؎وَفِي كُلِّ شَـــــــــــــيْءٍ لَــــهُآيَــــــــــــةٌ ∗∗∗ تَــــــدُلُّ عَــــــــلَى أَنَّــــهُوَاحِدُ
كل شيء تأملْ فيه تجدِ الدلالة الكاملة على أن له خالقًا مدبرًا حكيمًا عليمًا إلى غير ذلك من معان الربوبية.
أما الآيات الشرعية فهي ما جاءت به الرسل وقد أرانا الله تعالى إياها وأعطى الرسل عليهم الصلاة والسلام من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، فالرسل لم يَأْتُوا هكذا يقولون للناس: نحن رسل إليكم، بل أَتَوْا بالآيات الدالة على ما أرسلوا به وعلى مُرْسِلِهم.
﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ إذن الآيات تشمل الكونية والشرعية، البرق آية كونية: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الرعد ١٢].
﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ التنزيل يكون من أعلى وهنا قال: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ وهو العلو، وليس المراد بالسماء هنا السماء المحفوظة السقف المرفوع، بل المراد به العلو؛ لقوله تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة ١٦٤]، فالمطر ليس ينزل من السماء السقف المحفوظ، وإنما ينزل من العلو من السحاب المسخر بين السماء والأرض وهذا أمر مشاهَد.
وقوله: ﴿رِزْقًا﴾ أي: ماء يكون به الرزق، فالذي ينزل ماء يكون به الرزق، فهو نفسه رزق ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة ٦٨، ٦٩]، وبه يكون الرزق ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف ٥٧] والثمرات أرزاق، والماء رزق يشرب، فهو رزق بكل حال.
وفي تقديم الآيات على إنزال الرزق من السماء دليل على أن النعمة الدينية أهم وأكبر من النعمة الدنيوية.
﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾ قال المفسر: (﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ دلائل توحيده) يعني التي تدل على توحيده وغير ذلك مما تدل عليه من معاني الربوبية.
(﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ بالمطر) فالمؤلف رحمه الله يرى أن الرزق هو ما يَخْرُج بالمطر يعني النبات وما أشبه ذلك، ولكن ما ذكرناه هو الأصوب، أن المطر نفسه رزق؛ لأن الله قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾، وأحيانًا يكون احتياج البدن إلى الماء أكثر من احتياجه إلى الأكل.
(﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ﴾ يتعظ ﴿إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾ يرجع عن الشرك) وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾ قال: (يرجع عن الشرك) وهذا لا شك أنه صحيح لكنه قاصر، فالصواب: ﴿مَنْ يُنِيبُ﴾ من يرجع إلى الله عز وجل من الشرك وغيره من المعاصي والفسوق فهو أعم مما قاله المؤلف.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل؛ لأنه يرينا الآيات.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما يرينا الله تعالى من آياته حُجَّة مُلْزِمة لئلا يقول قائل: نحن لم يأتنا آيات حتى نتعظ بها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المخلوقات والمشروعات كلها تدل على الخالق المُشَرِّع سبحانه وتعالى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: مِنَّةُ الله عز وجل بإنزال المطر من السماء وأنه رزق لنا.
* ومن فوائدها: الحكمة في أن المطر ينزل من السماء، والله عز وجل قادر على أن يجعل للأرض أنهارًا تسير على سطح الأرض وتسقي ما شاء الله أن تَسْقِيَه، لكن المطر أنفع وأفضل؛ لأن المطر إذا نزل من أعلى شمل قِمَم الجبال فيشمل السهل والوعر والنازل والعالي، وهذه من الحكمة أن يكون المطر ينزل من فوق حتى يشمل الأرض كلها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما تتغذى به الروح أهم مما يتغذى به البدن؛ لأنه قَدَّم إراءة الآيات على الرزق الذي ينزل من السماء، وهذا يدل على أنه أهم وهو كذلك، هذا هو الواقع؛ وذلك لأن فَقْدَ الغذاء البدني لا يكون فيه إلا شيء لا بد منه وهو الموت الذي لا بد منه، حتى لو كان الإنسان في أَنْعَمِ ما يكون من نعيم البدن وأترف ما يكون فلا بد أن يموت، لكن غذاء الروح هو الذي يحتاج إلى معاناة ومعالجة وبفقده يكون الهلاك في الدنيا والآخرة ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ١٥]، ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ [الكهف ١٠٣ - ١٠٥] ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر ١ - ٣].
إذن خسارة البدن دون خسارة الروح بكثير، خسارة الدنيا دون خسارة الدين بكثير؛ ولهذا قدم الله نعمته بإراءة الآيات على نعمته بإنزال المطر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الآيات والرزق والعطاء لا ينتفع به إلا من أناب إلى الله، أما مَنْ لم يُنِبْ إلى الله فإن الله يقول: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ١٠١].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه كلما كان الإنسان أكثر إنابة إلى الله كان أقوى إيمانًا بالآيات؛ لأن الحكم المُعَلَّق على وصف يقوى بقوته ويضعف بضعفه، فإذا كان التذكر لمن ينيب فكلما كان الإنسان أقوى إنابة كان أقوى تذكرًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن مَنْ لم يكن عنده إنابة فإنه يُحْرَم من الانتفاع بالآيات؛ لأن الله قال: ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾.
* ومن فوائدها: أن الإنابة إلى الله سبب لكثرة الرزق، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق ٢، ٣]. والله أعلم.
* طالب: لو قال قائل في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة ٤٥]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة ٤٧]: المراد به الكفر. كيف (...)؟
* الشيخ: نجيب بأنه غلط، كيف يراد به شيء واحد ويكرِّرُه الله بألفاظ متعددة، والأصل أن اختلاف اللفظ يدل على اختلاف المعنى. لكن بعض العلماء قال: إن وصف الحاكم بالكفر لا يمنع من وصفه بالفسق؛ لأن الله تعالى وصف الكفار بالفسق فقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة ٢٠]، ووصف الكافرين بالظلم فقال: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤] فجعل هذه الأوصاف الثلاثة جعلها لموصوف واحد، ولا مانع من أن يوصف الإنسان بعدة أوصاف، فالكافر لا شك أنه ظالم، ولا شك أنه فاسق خارج عن الطاعة، بل فسقه فسق مطلق، وفسق المؤمن العاصي فسق مقيد، ولكننا إذا جعلنا اختلاف هذه الألفاظ مُنَزَّلًا على أحوال كان أبلغ؛ لأننا نقول: الكفر متضمن للظلم والفسق، فدلالته عليه بالالتزام فيكون مجرد وصفنا إياه بالكفر هو وصف له بالظلم والفسق، ثم نستفيد فائدة جديد بالحكم بغير ما أنزل الله حيث يكون ظلمًا محضًا لا كفرًا، أو فسقًا لا كفرًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، أنا أقول: إن كوننا نجعل الاختلاف في اللفظ اختلافًا في المعنى أحسن لأن هذا هو الأصل، وقد قال العلماء في هذه المسألة: حمل الكلام على التأسيس أولى من حمله على التوكيد.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ما قلنا هكذا، يقول إننا قلنا: أن ما ينزل من السماء فهو أعيان وأوصاف.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا أبدًا ما قلنا هذا، هل نحن قلنا: ما ينزل من السماء، أو ما يضاف إلى الله مما أنزل؟ إي، فرقٌ بينه وهذا، فرق؛ لأنه على كلامك يقتضي أن الغنم تنزل من السماء، والبقر تنزل من السماء. قلنا: ما يضاف إلى الله إنزاله إما أن يكون أعيانًا وإما أن يكون أوصافًا، فإن كان أوصافًا فهو وصف لله، وإن كان أعيانًا فهو أعيان قائمة بنفسها.
* طالب: قلنا: إن الروح (...) أوصاف (...).
* الشيخ: ما هي أوصاف، الصحيح أن الروح جسم، لكنه جسم ليس كالأجسام المعروفة الكثيفة. إحنا قلنا: إن ما أنزله الله تعالى ينقسم إلى قسمين، والله تعالى لم يذكر أنه أنزل الروح.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، في قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ قال بعض أهل العلم: فيه متروك استُغْنِيَ عنه بدلالة الظاهر عليه ومجازُه ألا سبيل إلى ذلك أينما تريدون.
* الشيخ: هذا قصده لما قالوا: ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ كأنه قال: لا سبيل إلى الخروج؛ لأنكم قدمتم لأنفسكم ما لا يمكن معه الخروج، وهو أنه إذا دُعِيَ الله وحده كفرتم وإن يُشْرَك به تؤمنوا.
* طالب: العلماء يقولون: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤] قال: إذا استحله، أما إذا لم يستحلَّه فهذا غير كافر.
* الشيخ: هو على كل حال الذي يضع القانون بدلًا عن القانون السماوي هل استحله أو لا؟
* طالب: يقول: إن الشرع أفضل.
* الشيخ: سؤالي: هل استحله أو لا؟ أقول: استحله بل رآه أفضل، فيكون كافرًا، مع أن من استحلَّ الحكم بغير ما أنزل الله وإن لم يحكم به فهو كافر، من قال: إنه يحل أن نحكم بغير ما أنزل الله فهو كافر وإن لم يحكم.
وهذه مشكلة، كثيرًا ما يلجأ بعض الناس إلى الاستحلال أو إلى الجحود، مثلًا يقول: مَنْ ترك الصلاة جاحدًا فقد كفر، هذا تحريف للكلم عن مواضعه، وهذه مسألة أخبركم بأنه يلجأ إليها المتعصب لقوله، فيحاول أن يلوي أعناق النصوص إلى ما يقول، فمثلًا: «مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فَقَدْ كَفَرَ»[[أخرجه ابن حبان (١٤٦٣) من حديث بريدة الأسلمي رضي الله عنه.]] الذين قالوا: لا يكفر ماذا عملوا؟ قالوا: مَنْ تركها جاحدًا لوجوبها فقد كفر، نحن نقول: سبحان الله! أنتم إذا فعلتم ذلك جنيتم مرتين على كلام رسول الله ﷺ: المرة الأولى حملكم الكلام على غير ظاهره، والمرة الثانية إثبات أمر لم يقله الرسول عليه الصلاة والسلام، الرسول قال: «مَنْ تَرَكَهَا» » ولم يقل: من جحدها. هل في لسانه عِيٌّ أن يقول مَنْ جحدها؟! ثم نقول لكم: الجحد كفر وإن صلى، والرسول يقول: «مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ» » لو أن الإنسان قال: إن الصلاة ليست بواجبة، ولكنه يواظب عليها وهو أول من يأتي للمسجد وآخر من يخرج يكفر ولا ما يكفر؟ يكفر. كيف تلغون وصف الترك وتأتون بوصف جديد تُعَلِّقُون به الحكم، وهذه مشكلة.
ولما قيل للإمام أحمد في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٩٣] قالوا له: إن فلانًا يقول: هذا فيمن استحل قتل المؤمن. ضحك الإمام أحمد قال: سبحان الله! مَنِ استحل قتل المؤمن فهو كافر قتلَه أو لم يقتله. وهذا التحريف لا شك أنه مضحك. كذلك أيضا مَن استحلَّ الحكم بغير ما أنزل الله فهو كافر سواء حكم أم لم يحكم. والآية علقت الحكم بالحكم ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ أعرفت الآن؟
وهذه مسألة احذروها، احذورا تحريف الكلم عن مواضعه من أجل اعتقاد تعتقدونه، واجعلوا اعتقادكم وحكمكم على الشيء تابعًا للنصوص، لا تجعلوا النصوص تابعة، إذا جعلت النص تابعًا لما تعتقد فإن هذا هو اتباع الهوى تمامًا، اجعل نفسك بين يدي النصوص كالميت بين يدي الغاسل، تقلبك النصوص ولا تقلبها، هذا هو المؤمن، لكن قد يكون أحيانًا النصوص بعضها يقيد بعضًا أو يخصص بعضًا، أو الفقه بالشريعة يقتضي تقييد المطلق أو تخصيص العام وما أشبه ذلك، وهذا لا يخرج بنا عن اتباع النصوص.
غافر 40:14
الطالب: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦) الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر ١٥ - ١٧].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر ١٤] لما بيَّن الله سبحانه وتعالى أنه أرانا آياته الكونية والشرعية أمرنا أن ندعوه وحده مخلصين له الدين؛ فقوله: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ﴾ قال المفسر: (فاعبدوه) وهذا أحد معنيي الدعاء، والمعنى الثاني دعاء المسألة، يعني اسألوه، والصواب أنه شامل للأمرين، أي دعاء المسألة ودعاء العبادة، فالعبادة تُسَمَّى دعاء كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر ٦٠] قال: ﴿ادْعُونِي﴾ ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾، وأما دعاء العبادة فإن كل إنسان يدعو الله سبحانه وتعالى فإنه لا يدعوه إلا وهو يؤمن أنه بكل شيء عليم وأنه على كل شيء قدير فلهذا دعاه، فصار بذلك عابدًا له.
قال: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ مخلصين حال من الواو في قوله: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ﴾، والإخلاص التنقية، تنقية الشيء تسمى إخلاصًا، والمعنى: نَقُّوا دينكم من الشرك.
وقوله: ﴿لَهُ الدِّينَ﴾ المراد بالدين العمل سواء كان عبادة أم دعاء، والدين يُطْلَق على العمل ويطلق على جزاء العمل، فقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون ٦] هذا من باب إطلاق الدين على العمل. وقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤] هذا من باب إطلاق الدين على الجزاء، ويقال: (كما تدين تدان) أي: كما تعمل تجازى، فالدين هنا بمعنى العمل.
(﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ من الشرك) كما قال المؤلف رحمه الله تعالى؛ أن ندعو الله تعالى مخلصين له الدعاء، وأن نعبده مخلصين له العبادة من الشرك، فلا نشرك به غيره لا في دعائنا ولا في عبادتنا.
(﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ إخلاصَكم) يعني: ادعوا الله مخلصين على كل حال سواء رضي الكافرون أم سخطوا، ومن المعلوم أنهم سوف يسخطون، لكن لا يهم أن يسخطوا علينا إذا أخلصنا الدين لله، وقول المؤلف: (﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ إخلاصَكم) ينبغي أن يقال: ولو كرهوا عملكم المخلص؛ لأن الإخلاص نية القلب، والكافر إنما يَكْرَه ما يظهر من عمل الإنسان، فالمعنى: ولو كره الكافرون عملكم الذي تخلصون فيه لله على رغم أنوفهم.
ثم قال: (﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾ [غافر ١٥] أي الله عظيم الصفات، أو رافع درجات المؤمنين في الجنة).
قوله: ﴿رَفِيعُ﴾ من الرفعة وهي العلو، فسَّرها المؤلف -رحمه الله وعفا عنه- بأحد معنيين؛ أن المراد بالرفعة العظمة والمراد بالدرجات الصفات، أي أن الله تعالى عظيم الصفات، والمعنى الثاني رفيع الدرجات أي رافع درجات غيرِه وهم المؤمنون في الجنة، وكلا المعنيين تحريف للكلم عن مواضعه؛ لأن رفيع اسم فاعل أو صفة مشبه فاعلها يعود على الله عز وجل المذكور في قوله: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وعلى هذا فلا يصح أن تفسر بأن المراد رافع درجات المؤمنين؛ لأنه على هذا التفسير تكون الدرجات درجات غيره، درجات المؤمنين، ولا يصح أن تُفَسَّر رفيع الدرجات بعظيم الصفات لما بينهما من الفرق العظيم. لكن المؤلف عفا الله عنه فسرها بهذا التفسير فرارًا من إثبات العلو الذاتي؛ لأنه ممن لا يرون ذلك أنه عال بذاته، فلهذا حرف القرآن إلى أحد هذين المعنيين وكلاهما باطل، والصواب أنه سبحان هو رفيع الدرجات، ويدل لهذا ويعينه قوله: ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ أي: صاحب العرش، والعرش هو أعلى المخلوقات، فكأنه قال: رفيع الدرجات فوق العرش، وهذا هو المتعين.
وقول المؤلف: (خالقه) فيه أيضا إشارة إلى إنكار الاستواء؛ لأن معنى ذو العرش أي صاحبه المستوي عليه، هذا هو المعنى؛ ولهذا لا يقال: ذو الأرض ولا ذو السماء ولا ذو الجبال ولا ذو السحاب مع أنه خالقها. فتفسيره ذو العرش بخالقه لا شك أنه تحريف للكلم عن مواضعه فرارًا من إثبات الاستواء على العرش.
وتفسير الآية المتعيِّن أن نقول: إنه رفيع الدرجات أي هو نفسه عز وجل مرتفع، بل رفيع الدرجات أتى بالصفة المشبهة الدالة على الثبوت والدوام، والدرجات من الدرجات المعروفة أي ما كان بعضه فوق بعض حتى يصل إلى الغاية، وأما ذو العرش فمعناه صاحب العرش المختص بالاستواء عليه، هذا هو المتعين من الآية.
(﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾ الوحي ﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾ أي: قوله ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ ) إلى آخره ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾ الروح الوحي لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى ٥٢]، وسمى الله تعالى الوحي روحًا؛ لأن به حياة القلوب.
وقوله: (﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾ أي: قوله) وهذا جيد، هذا التفسير؛ يعني أن الوحي من قول الله عز وجل يقول فيسمع جبريل ثم ينزل به إلى من شاء الله سبحانه وتعالى.
وقوله: ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ ولم يبين مَنْ هؤلاء، ولكننا نعلم أنهم الأنبياء؛ لأنهم هم الذين يُلْقَى إليهم الوحي سواء كانوا رسلًا أم غير رسل.
ثم إن قوله: ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ إطلاق المشيئة في كل موضع جاءت في القرآن مقيد بالحكمة، كلما رأيت الله يقول: (يشاء) فإنه مشيئة مقرونة بالحكمة؛ لقوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير ٢٨، ٢٩]، ولقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠].
ومَنْ هؤلاء الذين يشاء الله تعالى أن يلقي عليهم الروح؟ بيَّنهم الله في قوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤].
وقوله: ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ المراد بالعباد هنا العبودية الخاصة، وهم الذين آمنوا بالله عز وجل بل ما هو أخص وهم الرسل.
﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ قال: (﴿لِيُنْذِرَ﴾ يخوف) واللام هنا للتعليل، والإنذار هو الإعلام المقرون بالتخويف؛ ولهذا قال المؤلف: (ليخوف) تفسيرًا بلازمه وإلا فإن الإنذار إعلام مقرون بتخويف.
وقوله: (الملقى عليه الناس) أفادنا المفسر رحمه الله أن فاعل ﴿يُنْذِرَ﴾ هو الملقى عليه وهو الرسول، ولا شك أنه هو المنذر مباشرة، ويحتمل أن الفاعل يعود على فاعل ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾ وهو الله عز وجل؛ أي: لينذر الله. والحكمة من عدم ذكر الفاعل -والله أعلم- ليصلح الفعل للأمرين؛ أي ليكون صالحًا لأن يعود الإنذار إلى الله وأن يعود إلى الرسول، فإن عاد إلى الله فلأنه الأصل، وإن عاد إلى الرسول فلأنه المبلِّغ المباشر للإنذار.
وقوله: (الناس) هذا تقدير للمفعول الأول الذي هو مفعول ﴿يُنْذِرَ﴾، لأن (ينذر) تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، المفعول الأول يكون محذوفًا أو المفعول الثاني يكون محذوفًا؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ [غافر ١٨] هذا موجود فيه المفعولين جميعًا ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ﴾ [إبراهيم ٤٤] كذلك المفعولان جميعًا، وقد يُحْذَف أحدهما إما الأول وإما الثاني لدلالة السياق عليه.
(﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ بحذف الياء وإثباتها) أي أن فيها قراءتين ﴿التَّلَاقِي﴾ بالياء، و﴿التَّلَاقِ﴾ بحذف الياء؛ أما إثبات الياء فلأنه الأصل، وأما حذف الياء فللتخفيف؛ مثل قوله تعالى: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد ٩] أصلها المتعالي لكن حُذِفَت الياء للتخفيف، فهنا التلاق أصلها التلاقي وحذفت الياء للتخفيف.
ويوم التلاق هو يوم القيامة وعلل المفسر ذلك بقوله: (لتلاقي أهل السماء والأرض، والعابد والمعبود، والظالم والمظلوم فيه) أي في ذلك اليوم، ولو قلنا بمعنى أعم: لتلاقي الخلائق في ذلك اليوم؛ لأن كل شيء يلاقيه الآخر حتى الوحوش ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير ٥] فسُمِّي يوم التلاقي لتلاقي الخلق فيه، يحشر الله عز وجل الخلائق كلها في ذلك اليوم فيتلاقَوْنَ.
* من فوائد هذه الآيات والتي قبلها: وجوب الإخلاص لله تعالى في الدعاء؛ لقوله: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾. ودعاء غير الله فيما لا يقدر عليه المدعو يُعْتَبر من الشرك، ثم قد يكون شركًا أكبر وقد يكون شركًا أصغر بحسب الحال، فمن دعا قبرًا فهذا شرك أكبر، ومن دعا غيره ليحمل معه متاعه وما أشبه ذلك والغير لا يستطيع أن يحمل فهذا ليس بشرك أكبر، بل هو إما عبث وإما شرك أصغر، ومن دعا غائبًا لينقذه من شدة فهذا شرك أكبر؛ لأن هذا يُسَمَّى شرك السر؛ إذ أن الغائب لا يمكن أن يدعوه الإنسان إلا وهو يعتقد أن له تصرفًا في الكون، يتصرف وهو بعيد، بخلاف من دعا قريبًا وقال: يا فلان، احمل معي كذا، أعني على كذا، فهذا يدعوه ليقوم بشيء محسوس.
* ومن فوائدها أيضًا: وجوب إخلاص العبادة لله؛ لأننا فسرنا الدعاء بدعاء المسألة ودعاء العبادة، وجوب إخلاص العبادة لله، فمن تَعَبَّد لغير الله استقلالًا فقد صرف شيئًا من أنواع العبادة لغير الله فيكون بذلك مشركًا شركًا أكبر، يعني: مَنْ صلى لشخص فإنه يكون مشركًا شركًا أكبر، أو ذبح لشخص تقربًا إليه وتعظيمًا له فإنه يكون مشركًا شركًا أكبر مخرجًا عن الملة.
وأما إذا فعل العبادة لله لكن راءى فيها أو سَمَّع فهذا لا يكون مشركًا شركًا أكبر، ولكنه مشرك شركًا أصغر، وعبادته مردودة عليه؛ لقول النبي ﷺ فيما رواه عن ربه: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ؛ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
ثم اعلم أن الرياء إذا طرأ على القلب فإن كان قبل الدخول في العبادة أبطلها من أصلها؛ لأنه دخل فيها على شرك، وإن كان في أثناء العبادة فإن كان آخرُها ينبني على أولها بطلت، وإن كان لا ينبني على أولها بحيث يصح أن يُمَيِّز الأول عن الثاني فإنه لا يصح ما فيه الرياء ويصح ما سبق الرياء.
مثال الأول: إذا دخله الرياء في أثناء الصلاة في الركعة الثانية فإن الصلاة تبطل كلها؛ لأنه إذا بطلت الركعة الثانية لزم بطلان الركعة الأولى، لأن الصلاة لا تتبعض.
ومثال الثاني: رجل أعدَّ مئة صاع للصدقة بها فتصدق بخمسين صاعًا صدقة خالصة ثم دخله الرياء في الأصواع الباقية، فهنا تبطل الأصواع الباقية أما الأولى فتصح؛ وذلك لأن هذه العبادة -أعني الصدقة- تتبعض ولا ينبني آخرها على أولها، حتى لو فُرِضَ أنها مما عَيَّنَهُ الشرع كإطعام ستين مسكينًا مثلًا في الكفارة، فأطعم ثلاثين مسكينًا بإخلاص ثم بعد ذلك دخله الرياء فإن ما سبق الثلاثين الأخيرة يكون مجزيًا؛ هذا إذا استرسل مع الرياء وأما إذا طرأ عليه الرياء فدافع وما زال جاهدًا في مدافعته فإنه لا يضره شيئًا؛ لقول النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَل أَوْ تَتَكَلَّمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٦٩)، ومسلم (١٢٧ / ٢٠١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. وهذا لم يعمل ولم يتكلم، بل ربما أنه لم يحدث نفسه لكن هاجمه الرياء.
فصار الآن مَنْ فعل العبادة لغير الله -يعني تَعَبَّد لغير الله- فحكمه شرك أكبر أو أصغر؟ أكبر. ومن فعل العبادة لله لكن دخلها الرياء.
* طالب: (...).
* الشيخ: شرك؟ ما فيه تفصيل ولا..؟
* طالب: إن كان قبل (...) العبادة بطلت، وإذا جاء..
* الشيخ: بس، حط لنا التفصيل (...)..
* الطالب: أما إذا كان في أثنائها ففيها التفصيل.
* الشيخ: وهو؟
* طالب: إن كان (...) العبادة (...).
* الشيخ: أو بالعكس؛ آخر العبادة ينبني عليه أولها ولو سبق، كيف ينبي عليها؟ إن كان أخرها ينبني على أولها بمعنى أنها لا تتبعض.
* الطالب: (...) لا تتبعض بطلت، وإن كان آخرها لا ينبني على أولها..
* الشيخ: بأن كانت تتبعض.
* الطالب: بطلت في (...) الرياء.
* الشيخ: وما سبقه فهو يصح. صحيح كلامه؟
* طلبة: صحيح.
* الشيخ: طيب، قيدنا هذا التفصيل بماذا؟
* طالب: إذا استرسل..
* الشيخ: إذا استرسل مع الرياء واستمر المرائي، طيب، فإن دافعه؟
* الطالب: فلا شيء عليه.
* الشيخ: فلا شيء عليه ولا يضره ذلك.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: مراغمة الكفار في الإخلاص لله بالعمل وفي العمل؛ لقوله: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ وينبني على ذلك أنه يجب على الإنسان أن يقوم بالواجب ولو كره ذلك غيره، ولا يحابي أحدًا في هذا، فمثلًا إذا كره أبو الشاب أن يصلي ابنه مع الجماعة -كما يوجد الآن- فهل يداهن أباه في ذلك؟ لا، يصلي مع الجماعة ولو رغم أنف أبيه، ولو كره ذلك.
ولو وصل الشاب رحمه كعمه وخاله وما أشبه ذلك، وكان بينه وبين أبيه عداوة شخصية فكان يكره لابنه أن يصل أقاربه الذين يكرههم أبوه، فهل يواصلهم ولو كره أو لا؟ نعم، يواصلهم ولو كره، لكن في هذه الحال يداري أباه، بمعنى أنه يكتم عنه أنه وصلهم لتحصل المصلحة بدون مفسدة، وهناك فرق بين المداراة والمداهنة، المداراة أن يفعل الإنسان ما يلزمه مع التكتم عن الشخص الآخر الذي يكره؛ ولهذا سميت مداراة من الدرء وهو الدفع.
وأما المداهنة فأن يوافقه في ترك ما يجب مداهنة له، مأخوذة من الدُّهْن؛ لأنه يُلَيِّن.
فعلى كل حال نقول: يتفرع على هذه الفائدة أن الإنسان يفعل ما يلزمه ولو كره ذلك غيره ولو كان الكاره أقرب أحد إليه.
ثم قال: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾ [غافر ١٥].. إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية: إثبات علو الله عز وجل خلافًا للمؤلف المفسر؛ لقوله: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾ ونقصد بالعلو علو الذات، أما علو الصفة فقد أَقَرَّ به المؤلف بقوله: (أي عظيم الصفات) ففي هذه الآية إثبات علو الذات ذات الله عز وجل؛ لقوله: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾.
وهذا مر علينا كثيرًا وبَيَّنَّا أن الأدلة الخمسة كلها تدل على علو الله: الكتاب، والسنة، وإجماع السلف، والعقل، والفطرة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضل العرش؛ لقوله: ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ فإن اختصاص العرش بالله عز وجل لا شك أنه فضل عظيم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العرش؛ لقوله: ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات عظمة الله؛ لأن العرش يختص بالملك والسلطان، فلا يقال للرجل الجالس على الكرسي: إنه على عرش، لكن يقال للملك والسلطان الجالس على الكرسي الفخم العظيم يقال له: صاحب عرش.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات مِنَّة الله سبحانه وتعالى على مَنْ يشاء بالوحي؛ لقوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾.
* ومن فوائدها: أن الوحي روح تحيا به القلوب؛ لقوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات القول؛ لقوله: ﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾ والله سبحانه وتعالى يقول ويتكلم متى شاء بما شاء كيف شاء، لا نحجر على ربنا سبحانه وتعالى في الكلام لا وقتًا ولا كيفية، بل له أن يتكلم بما شاء متى شاء كيف شاء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة؛ لقوله: ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾.
* ومن فوائدها: أن مرتبة النبوة لا تُنال بالكسب والفتوة -كما قال السفاريني في العقيدة- وإنما هي فضل من الله سبحانه وتعالى على مَنْ يشاء من عباده.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن العلماء لهم حظ ونصيب من الروح التي يُلْقيها لله تعالى على الرسل؛ لأنهم ورثة الأنبياء، فلهم حظ ونصيب من هذه الروح التي يلقيها الله على من يشاء، لكن لهم حظ من هذه الهداية هداية الدلالة والبيان، ثم قد يكون لهم حظ من هداية التوفيق وقد لا يكون؛ لأن العالم قد يعمل بعلمه فيكون له حظ من الهدايتين هداية الإرشاد وهداية التوفيق، وقد لا يعمل بعلمه فيكون له حظ من هداية العلم والإرشاد، لكنها صارت وبالًا عليه حيث خالف مع العلم بالحق، وهذا أشد ممن خالف بدون علم بالحق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الوحي الذي يُنْزِلُه الله عز وجل على مَنْ يُنْزِلُه من عباده الحكمةُ منه إنذار الناس يوم القيامة: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾.
لأن العالم قد يعمل بعلمه فيكون له حظ من الهدايتين؛ هداية الإرشاد وهداية التوفيق، وقد لا يعمل بعلمه فيكون له حظ من هداية العلم والإرشاد، لكنها صارت وبالًا عليه، حيث خالف مع العلم بالحق، وهذا أشد ممن خالف بدون علم بحق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الوحي الذي ينزله الله عز وجل على من ينزله من عباده الحكمة منه إنذار الناس يوم القيامة ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ [غافر ١٥].
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الحكمة لله، وأن أفعاله مقرونة بالحكمة؛ لقوله: ﴿لِيُنْذِرَ﴾، وما أكثر لام التعليل و(من) التعليلية في القرآن، وكذلك في السنة، وكلها تدل على إثبات الحكمة لله.
وقد ذكر بعض العلماء أن الحكمة دل عليها ألف دليل من الكتاب والسنة، فلا تحصَى الأدلة المثبتة لحكمة الله سبحانه وتعالى فيما يفعل، خلافًا لمن قال: إنه يفعله لمجرد المشيئة، لا لحكمة، فإن هذا إبطال لصفة من أعظم صفات الله؛ لأن هذا يستلزم أن يكون فعله عبثًا لغير غاية محمودة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي لمن آتاه الله علمًا أن يكون منذرًا، يعني يجمع بين العلم والتفقيه في الدين وبين الإنذار؛ لأنه إن اقتصر على مجرد التعليم الفقهي مثلًا، أو التوحيد بدون أن يحرك القلوب؛ لم يستفد الناس منه كثيرًا، فلا بد أن يكون هناك إنذار من أجل تحريك القلوب، وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا خطب« احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش، يقول: «صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ»[[أخرجه مسلم (٨٦٧ / ٤٣) من حديث جابر بن عبد الله.]].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير من خزي يوم القيامة؛ لأنه يوم التلاقي، ولا شك أن العقوبة إذا كانت لا يطلع عليها إلا قليل أهون مما إذا اطلع عليها الكثير، فكيف إذا اطلع عليهم الخلق كلهم؟ تكون أشد وأعظم.
* ومن فوائدها: إثبات قدرة الله سبحانه وتعالى، حيث يجمع الله الخلق كلهم على صعيد واحد بعد الموت، والله سبحانه وتعالى عل كل شيء قدير.
ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ﴾ إلى آخره [غافر: ١٦].
* طالب: (...).
* الشيخ: إذا بطلت العبادة لا (...) صحيحة، يعني يسأل يقول: رجل دخل في الصلاة مخلصًا، فحضر إنسان فراآه، ثم ذهب الإنسان، فعاد إلى الإخلاص.
نقول: هذا تبطل عبادته؛ لأن مراقبته لغير الله أشد من مراقبته لله عز وجل، لم يراقب الله إلا حين ذهبت رقابة الناس، فهذا عبادته باطلة ولا شك، ولعله إن جاء آخر يحدث رياء، وإذا ذهب ذهب الرياء، فإن جاء آخر..
* طالب: إذا دخل المرء في الصلاة مرائيًا ثم دافع الرياء فهل تصح؟
* الشيخ: هل هو مطمئن للرياء أولًا ولَّا لا؟
* الطالب: هو بدأ مرائيًا.
* الشيخ: إي أسألك هل هو حين بدأ مطمئنًّا للرياء وإلا دخل عليه الرياء وهو ما يزال يدافعه؟
* الطالب: مطمئن.
* الشيخ: إذن ما تنعقد عبادته، لا تنعقد عبادته.
لكن هنا مسألة؛ لو أن الرجل حسَّن عبادته لتعليم الناس، لم يقصد أن يمدحوه على عبادته، أو يتقرب إليهم بالعبادة، لكن من أجل أن يتخذ الناس منه أسوة، فهل يدخل في الرياء؟ لا، هذا يدخل في التعليم، وهو مأجور على ذلك، لكن فرق بين هذا وبين شخص آخر يريد أن يمدحه الناس على صلاته.
* طالب: بارك الله فيكم، هل من الرياء يظهر الإنسان يعني بعض ما عنده من أجل ألا يُذم، أو..
* الشيخ: يعني دفع الملامة؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: فيه حديث: «رَحِمَ اللهُ امْرَأً كَفَّ الْغِيبَةَ عَنْ نَفْسِهِ»[[ذكره العجلوني في كشف الخفاء (١٣٦٧) بلفظ: «رحم الله امرأ جب الغيبة عن نفسه» ولم يذكر أصلًا لهذا الأثر.]]، وفيه أيضًا: الرسول عليه الصلاة والسلام لما خرج لصفية يقلبها ليلًا، فمر به رجلان من الأنصار فأسرعا، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّهَا صَفِيَّةُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٨١)، ومسلم (٢١٧٥ / ٢٤) من حديث صفية بنت حيي.]]؛ دفعًا للملامة عن نفسه، هو مخلص لله، لكن يريد مع ذلك أن يدفع الملامة عن نفسه؛ لئلا يقال: إنه بخيل مثلًا، أو لئلا يقال: إنه لا يصلي مع الجماعة وما أشبه ذلك، وأصل النية لله، لكن دفع الملامة لا ليمدح، فبينهما فرق؛ بين من قصده المدح أو من قصده دفع الملامة.
* طالب: بعض الناس يقول في إضافة: ذو العرش، يقول: إنها إضافة تكريم فقط، وليست إضافة علو، كيف الرد عليهم؟ كقولهم: ناقة الله، و..
* الشيخ: هذه عكس ناقة الله، لأن ناقة الله أضيف فيها المخلوق إلى الخالق، وهذه أضيف فيها الخالق إلى المخلوق.
* الطالب: قلنا :إضافة تشريف.
* الشيخ: ما (...) اللي مثل ناقة الله، لو قال: عرش الله، أما هذه عكس.
* طالب: ما المراد بالدرجات؟
* الشيخ: الدرجات سمعت ما قلت فيها؛ أنها معناها التي ينتقل الإنسان فيها مرحلة مرحلة إلى غاية العلو.
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) معناها المصعد اللي يصعد فيه الإنسان، يعني أنه رفيع، هذا معناه، أنه رفيع، فأنت إذا قلت: فلان رفيع الدرجات فربما تقول: رفيع الدرجات لو كان على الطيارة ما فيه درج.
* طالب: هل نفي الصفات كفر؟
* الشيخ: لا، نفي الصفات ينقسم إلى قسمين: نفي جحود: هذا كفر، ونفي تأويل: هذا منه ما هو كفر ومنه ما هو دون ذلك.
فإذا قال القائل: إن الله لم يستوِ على العرش فهذا أيش؟
* طلبة: كفر.
* الشيخ: ليش؟ لأنه كفر جحود، جحد؛ كذب الخبر.
وإذا قال: إن الله استوى على العرش لكن معنى استوى استولى، فهذا كفر تأويل، وكفر التأويل قد يكون كفرًا مخرجًا عن.. يعني جحد التأويل قد يكون كفرًا مخرجًا عن الملة، وقد يكون دون ذلك حسب ما تقتضيه القواعد الشرعية.
* طالب: التمني يا شيخ هل يدخل في الرياء؟
* الشيخ: تمني أيش؟
* الطالب: يعني مثلًا لو كان يقرأ في القرأن مثلًا وتمنى في نفسه لو أن فلانًا يسمع قرأته.
* الشيخ: ليش؟
* الطالب: لشيء مثل الدنيا مثلًا، غرض ما.
* الشيخ: هذا رياء، يعني ليقول: إنه قارئ، وإنه عابد، هذا رياء، لا شك أنه رياء؛ لأنه هو الآن في قلبه أنه لو كان فلان حاضرًا لراآه، لكن يجب أن تعلم أن النية لا تصل إلى درجة العمل؛ لا في الثواب ولا في العقاب.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا يضر، هذا لا يضر، بل هذا من عاجل بشرى المؤمن؛ أن يجد الإنسان ثواب عمله مقدمًا والثواب الأخروي في الآخرة.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، تأويل؛ لأنهم يقولون: لو فعل لحكمة لفعل لغرض، ولا يفعل للغرض إلا من كان محتاجًا للغرض، شبهه!
فيقال: هل هذه الحكمة لأمر يعود لنفسه أو يعود لعباده، ثم إذا كان عائدًا لنفسه فهو أهل للثناء، إذا كانت الحكمة صفة كمال في نفسه فهو أهل للثناء عز وجل، وأيما أكمل: من يفعل لا لحكمة أو من يفعل لحكمة؟ لا شك أن الثاني أكمل.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦) الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٧) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨) يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر ١٦ - ٢٠].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر ١٥، ١٦].
قوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ [غافر ١٥] أين المفعول الثاني أو الأول؟
* طالب: (...).
* الشيخ: التقدير؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما معنى ﴿يَوْمَ التَّلَاقِ﴾؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ومتى يكون ذلك؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: يوم القيامة، أحسنت.
غافر 40:15
الطالب: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦) الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر ١٥ - ١٧].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر ١٤] لما بيَّن الله سبحانه وتعالى أنه أرانا آياته الكونية والشرعية أمرنا أن ندعوه وحده مخلصين له الدين؛ فقوله: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ﴾ قال المفسر: (فاعبدوه) وهذا أحد معنيي الدعاء، والمعنى الثاني دعاء المسألة، يعني اسألوه، والصواب أنه شامل للأمرين، أي دعاء المسألة ودعاء العبادة، فالعبادة تُسَمَّى دعاء كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر ٦٠] قال: ﴿ادْعُونِي﴾ ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾، وأما دعاء العبادة فإن كل إنسان يدعو الله سبحانه وتعالى فإنه لا يدعوه إلا وهو يؤمن أنه بكل شيء عليم وأنه على كل شيء قدير فلهذا دعاه، فصار بذلك عابدًا له.
قال: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ مخلصين حال من الواو في قوله: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ﴾، والإخلاص التنقية، تنقية الشيء تسمى إخلاصًا، والمعنى: نَقُّوا دينكم من الشرك.
وقوله: ﴿لَهُ الدِّينَ﴾ المراد بالدين العمل سواء كان عبادة أم دعاء، والدين يُطْلَق على العمل ويطلق على جزاء العمل، فقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون ٦] هذا من باب إطلاق الدين على العمل. وقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤] هذا من باب إطلاق الدين على الجزاء، ويقال: (كما تدين تدان) أي: كما تعمل تجازى، فالدين هنا بمعنى العمل.
(﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ من الشرك) كما قال المؤلف رحمه الله تعالى؛ أن ندعو الله تعالى مخلصين له الدعاء، وأن نعبده مخلصين له العبادة من الشرك، فلا نشرك به غيره لا في دعائنا ولا في عبادتنا.
(﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ إخلاصَكم) يعني: ادعوا الله مخلصين على كل حال سواء رضي الكافرون أم سخطوا، ومن المعلوم أنهم سوف يسخطون، لكن لا يهم أن يسخطوا علينا إذا أخلصنا الدين لله، وقول المؤلف: (﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ إخلاصَكم) ينبغي أن يقال: ولو كرهوا عملكم المخلص؛ لأن الإخلاص نية القلب، والكافر إنما يَكْرَه ما يظهر من عمل الإنسان، فالمعنى: ولو كره الكافرون عملكم الذي تخلصون فيه لله على رغم أنوفهم.
ثم قال: (﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾ [غافر ١٥] أي الله عظيم الصفات، أو رافع درجات المؤمنين في الجنة).
قوله: ﴿رَفِيعُ﴾ من الرفعة وهي العلو، فسَّرها المؤلف -رحمه الله وعفا عنه- بأحد معنيين؛ أن المراد بالرفعة العظمة والمراد بالدرجات الصفات، أي أن الله تعالى عظيم الصفات، والمعنى الثاني رفيع الدرجات أي رافع درجات غيرِه وهم المؤمنون في الجنة، وكلا المعنيين تحريف للكلم عن مواضعه؛ لأن رفيع اسم فاعل أو صفة مشبه فاعلها يعود على الله عز وجل المذكور في قوله: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وعلى هذا فلا يصح أن تفسر بأن المراد رافع درجات المؤمنين؛ لأنه على هذا التفسير تكون الدرجات درجات غيره، درجات المؤمنين، ولا يصح أن تُفَسَّر رفيع الدرجات بعظيم الصفات لما بينهما من الفرق العظيم. لكن المؤلف عفا الله عنه فسرها بهذا التفسير فرارًا من إثبات العلو الذاتي؛ لأنه ممن لا يرون ذلك أنه عال بذاته، فلهذا حرف القرآن إلى أحد هذين المعنيين وكلاهما باطل، والصواب أنه سبحان هو رفيع الدرجات، ويدل لهذا ويعينه قوله: ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ أي: صاحب العرش، والعرش هو أعلى المخلوقات، فكأنه قال: رفيع الدرجات فوق العرش، وهذا هو المتعين.
وقول المؤلف: (خالقه) فيه أيضا إشارة إلى إنكار الاستواء؛ لأن معنى ذو العرش أي صاحبه المستوي عليه، هذا هو المعنى؛ ولهذا لا يقال: ذو الأرض ولا ذو السماء ولا ذو الجبال ولا ذو السحاب مع أنه خالقها. فتفسيره ذو العرش بخالقه لا شك أنه تحريف للكلم عن مواضعه فرارًا من إثبات الاستواء على العرش.
وتفسير الآية المتعيِّن أن نقول: إنه رفيع الدرجات أي هو نفسه عز وجل مرتفع، بل رفيع الدرجات أتى بالصفة المشبهة الدالة على الثبوت والدوام، والدرجات من الدرجات المعروفة أي ما كان بعضه فوق بعض حتى يصل إلى الغاية، وأما ذو العرش فمعناه صاحب العرش المختص بالاستواء عليه، هذا هو المتعين من الآية.
(﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾ الوحي ﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾ أي: قوله ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ ) إلى آخره ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾ الروح الوحي لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى ٥٢]، وسمى الله تعالى الوحي روحًا؛ لأن به حياة القلوب.
وقوله: (﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾ أي: قوله) وهذا جيد، هذا التفسير؛ يعني أن الوحي من قول الله عز وجل يقول فيسمع جبريل ثم ينزل به إلى من شاء الله سبحانه وتعالى.
وقوله: ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ ولم يبين مَنْ هؤلاء، ولكننا نعلم أنهم الأنبياء؛ لأنهم هم الذين يُلْقَى إليهم الوحي سواء كانوا رسلًا أم غير رسل.
ثم إن قوله: ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ إطلاق المشيئة في كل موضع جاءت في القرآن مقيد بالحكمة، كلما رأيت الله يقول: (يشاء) فإنه مشيئة مقرونة بالحكمة؛ لقوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير ٢٨، ٢٩]، ولقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠].
ومَنْ هؤلاء الذين يشاء الله تعالى أن يلقي عليهم الروح؟ بيَّنهم الله في قوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤].
وقوله: ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ المراد بالعباد هنا العبودية الخاصة، وهم الذين آمنوا بالله عز وجل بل ما هو أخص وهم الرسل.
﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ قال: (﴿لِيُنْذِرَ﴾ يخوف) واللام هنا للتعليل، والإنذار هو الإعلام المقرون بالتخويف؛ ولهذا قال المؤلف: (ليخوف) تفسيرًا بلازمه وإلا فإن الإنذار إعلام مقرون بتخويف.
وقوله: (الملقى عليه الناس) أفادنا المفسر رحمه الله أن فاعل ﴿يُنْذِرَ﴾ هو الملقى عليه وهو الرسول، ولا شك أنه هو المنذر مباشرة، ويحتمل أن الفاعل يعود على فاعل ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾ وهو الله عز وجل؛ أي: لينذر الله. والحكمة من عدم ذكر الفاعل -والله أعلم- ليصلح الفعل للأمرين؛ أي ليكون صالحًا لأن يعود الإنذار إلى الله وأن يعود إلى الرسول، فإن عاد إلى الله فلأنه الأصل، وإن عاد إلى الرسول فلأنه المبلِّغ المباشر للإنذار.
وقوله: (الناس) هذا تقدير للمفعول الأول الذي هو مفعول ﴿يُنْذِرَ﴾، لأن (ينذر) تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، المفعول الأول يكون محذوفًا أو المفعول الثاني يكون محذوفًا؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ [غافر ١٨] هذا موجود فيه المفعولين جميعًا ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ﴾ [إبراهيم ٤٤] كذلك المفعولان جميعًا، وقد يُحْذَف أحدهما إما الأول وإما الثاني لدلالة السياق عليه.
(﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ بحذف الياء وإثباتها) أي أن فيها قراءتين ﴿التَّلَاقِي﴾ بالياء، و﴿التَّلَاقِ﴾ بحذف الياء؛ أما إثبات الياء فلأنه الأصل، وأما حذف الياء فللتخفيف؛ مثل قوله تعالى: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد ٩] أصلها المتعالي لكن حُذِفَت الياء للتخفيف، فهنا التلاق أصلها التلاقي وحذفت الياء للتخفيف.
ويوم التلاق هو يوم القيامة وعلل المفسر ذلك بقوله: (لتلاقي أهل السماء والأرض، والعابد والمعبود، والظالم والمظلوم فيه) أي في ذلك اليوم، ولو قلنا بمعنى أعم: لتلاقي الخلائق في ذلك اليوم؛ لأن كل شيء يلاقيه الآخر حتى الوحوش ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير ٥] فسُمِّي يوم التلاقي لتلاقي الخلق فيه، يحشر الله عز وجل الخلائق كلها في ذلك اليوم فيتلاقَوْنَ.
* من فوائد هذه الآيات والتي قبلها: وجوب الإخلاص لله تعالى في الدعاء؛ لقوله: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾. ودعاء غير الله فيما لا يقدر عليه المدعو يُعْتَبر من الشرك، ثم قد يكون شركًا أكبر وقد يكون شركًا أصغر بحسب الحال، فمن دعا قبرًا فهذا شرك أكبر، ومن دعا غيره ليحمل معه متاعه وما أشبه ذلك والغير لا يستطيع أن يحمل فهذا ليس بشرك أكبر، بل هو إما عبث وإما شرك أصغر، ومن دعا غائبًا لينقذه من شدة فهذا شرك أكبر؛ لأن هذا يُسَمَّى شرك السر؛ إذ أن الغائب لا يمكن أن يدعوه الإنسان إلا وهو يعتقد أن له تصرفًا في الكون، يتصرف وهو بعيد، بخلاف من دعا قريبًا وقال: يا فلان، احمل معي كذا، أعني على كذا، فهذا يدعوه ليقوم بشيء محسوس.
* ومن فوائدها أيضًا: وجوب إخلاص العبادة لله؛ لأننا فسرنا الدعاء بدعاء المسألة ودعاء العبادة، وجوب إخلاص العبادة لله، فمن تَعَبَّد لغير الله استقلالًا فقد صرف شيئًا من أنواع العبادة لغير الله فيكون بذلك مشركًا شركًا أكبر، يعني: مَنْ صلى لشخص فإنه يكون مشركًا شركًا أكبر، أو ذبح لشخص تقربًا إليه وتعظيمًا له فإنه يكون مشركًا شركًا أكبر مخرجًا عن الملة.
وأما إذا فعل العبادة لله لكن راءى فيها أو سَمَّع فهذا لا يكون مشركًا شركًا أكبر، ولكنه مشرك شركًا أصغر، وعبادته مردودة عليه؛ لقول النبي ﷺ فيما رواه عن ربه: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ؛ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
ثم اعلم أن الرياء إذا طرأ على القلب فإن كان قبل الدخول في العبادة أبطلها من أصلها؛ لأنه دخل فيها على شرك، وإن كان في أثناء العبادة فإن كان آخرُها ينبني على أولها بطلت، وإن كان لا ينبني على أولها بحيث يصح أن يُمَيِّز الأول عن الثاني فإنه لا يصح ما فيه الرياء ويصح ما سبق الرياء.
مثال الأول: إذا دخله الرياء في أثناء الصلاة في الركعة الثانية فإن الصلاة تبطل كلها؛ لأنه إذا بطلت الركعة الثانية لزم بطلان الركعة الأولى، لأن الصلاة لا تتبعض.
ومثال الثاني: رجل أعدَّ مئة صاع للصدقة بها فتصدق بخمسين صاعًا صدقة خالصة ثم دخله الرياء في الأصواع الباقية، فهنا تبطل الأصواع الباقية أما الأولى فتصح؛ وذلك لأن هذه العبادة -أعني الصدقة- تتبعض ولا ينبني آخرها على أولها، حتى لو فُرِضَ أنها مما عَيَّنَهُ الشرع كإطعام ستين مسكينًا مثلًا في الكفارة، فأطعم ثلاثين مسكينًا بإخلاص ثم بعد ذلك دخله الرياء فإن ما سبق الثلاثين الأخيرة يكون مجزيًا؛ هذا إذا استرسل مع الرياء وأما إذا طرأ عليه الرياء فدافع وما زال جاهدًا في مدافعته فإنه لا يضره شيئًا؛ لقول النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَل أَوْ تَتَكَلَّمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٦٩)، ومسلم (١٢٧ / ٢٠١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. وهذا لم يعمل ولم يتكلم، بل ربما أنه لم يحدث نفسه لكن هاجمه الرياء.
فصار الآن مَنْ فعل العبادة لغير الله -يعني تَعَبَّد لغير الله- فحكمه شرك أكبر أو أصغر؟ أكبر. ومن فعل العبادة لله لكن دخلها الرياء.
* طالب: (...).
* الشيخ: شرك؟ ما فيه تفصيل ولا..؟
* طالب: إن كان قبل (...) العبادة بطلت، وإذا جاء..
* الشيخ: بس، حط لنا التفصيل (...)..
* الطالب: أما إذا كان في أثنائها ففيها التفصيل.
* الشيخ: وهو؟
* طالب: إن كان (...) العبادة (...).
* الشيخ: أو بالعكس؛ آخر العبادة ينبني عليه أولها ولو سبق، كيف ينبي عليها؟ إن كان أخرها ينبني على أولها بمعنى أنها لا تتبعض.
* الطالب: (...) لا تتبعض بطلت، وإن كان آخرها لا ينبني على أولها..
* الشيخ: بأن كانت تتبعض.
* الطالب: بطلت في (...) الرياء.
* الشيخ: وما سبقه فهو يصح. صحيح كلامه؟
* طلبة: صحيح.
* الشيخ: طيب، قيدنا هذا التفصيل بماذا؟
* طالب: إذا استرسل..
* الشيخ: إذا استرسل مع الرياء واستمر المرائي، طيب، فإن دافعه؟
* الطالب: فلا شيء عليه.
* الشيخ: فلا شيء عليه ولا يضره ذلك.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: مراغمة الكفار في الإخلاص لله بالعمل وفي العمل؛ لقوله: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ وينبني على ذلك أنه يجب على الإنسان أن يقوم بالواجب ولو كره ذلك غيره، ولا يحابي أحدًا في هذا، فمثلًا إذا كره أبو الشاب أن يصلي ابنه مع الجماعة -كما يوجد الآن- فهل يداهن أباه في ذلك؟ لا، يصلي مع الجماعة ولو رغم أنف أبيه، ولو كره ذلك.
ولو وصل الشاب رحمه كعمه وخاله وما أشبه ذلك، وكان بينه وبين أبيه عداوة شخصية فكان يكره لابنه أن يصل أقاربه الذين يكرههم أبوه، فهل يواصلهم ولو كره أو لا؟ نعم، يواصلهم ولو كره، لكن في هذه الحال يداري أباه، بمعنى أنه يكتم عنه أنه وصلهم لتحصل المصلحة بدون مفسدة، وهناك فرق بين المداراة والمداهنة، المداراة أن يفعل الإنسان ما يلزمه مع التكتم عن الشخص الآخر الذي يكره؛ ولهذا سميت مداراة من الدرء وهو الدفع.
وأما المداهنة فأن يوافقه في ترك ما يجب مداهنة له، مأخوذة من الدُّهْن؛ لأنه يُلَيِّن.
فعلى كل حال نقول: يتفرع على هذه الفائدة أن الإنسان يفعل ما يلزمه ولو كره ذلك غيره ولو كان الكاره أقرب أحد إليه.
ثم قال: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾ [غافر ١٥].. إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية: إثبات علو الله عز وجل خلافًا للمؤلف المفسر؛ لقوله: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾ ونقصد بالعلو علو الذات، أما علو الصفة فقد أَقَرَّ به المؤلف بقوله: (أي عظيم الصفات) ففي هذه الآية إثبات علو الذات ذات الله عز وجل؛ لقوله: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾.
وهذا مر علينا كثيرًا وبَيَّنَّا أن الأدلة الخمسة كلها تدل على علو الله: الكتاب، والسنة، وإجماع السلف، والعقل، والفطرة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضل العرش؛ لقوله: ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ فإن اختصاص العرش بالله عز وجل لا شك أنه فضل عظيم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العرش؛ لقوله: ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات عظمة الله؛ لأن العرش يختص بالملك والسلطان، فلا يقال للرجل الجالس على الكرسي: إنه على عرش، لكن يقال للملك والسلطان الجالس على الكرسي الفخم العظيم يقال له: صاحب عرش.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات مِنَّة الله سبحانه وتعالى على مَنْ يشاء بالوحي؛ لقوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾.
* ومن فوائدها: أن الوحي روح تحيا به القلوب؛ لقوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات القول؛ لقوله: ﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾ والله سبحانه وتعالى يقول ويتكلم متى شاء بما شاء كيف شاء، لا نحجر على ربنا سبحانه وتعالى في الكلام لا وقتًا ولا كيفية، بل له أن يتكلم بما شاء متى شاء كيف شاء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة؛ لقوله: ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾.
* ومن فوائدها: أن مرتبة النبوة لا تُنال بالكسب والفتوة -كما قال السفاريني في العقيدة- وإنما هي فضل من الله سبحانه وتعالى على مَنْ يشاء من عباده.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن العلماء لهم حظ ونصيب من الروح التي يُلْقيها لله تعالى على الرسل؛ لأنهم ورثة الأنبياء، فلهم حظ ونصيب من هذه الروح التي يلقيها الله على من يشاء، لكن لهم حظ من هذه الهداية هداية الدلالة والبيان، ثم قد يكون لهم حظ من هداية التوفيق وقد لا يكون؛ لأن العالم قد يعمل بعلمه فيكون له حظ من الهدايتين هداية الإرشاد وهداية التوفيق، وقد لا يعمل بعلمه فيكون له حظ من هداية العلم والإرشاد، لكنها صارت وبالًا عليه حيث خالف مع العلم بالحق، وهذا أشد ممن خالف بدون علم بالحق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الوحي الذي يُنْزِلُه الله عز وجل على مَنْ يُنْزِلُه من عباده الحكمةُ منه إنذار الناس يوم القيامة: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾.
لأن العالم قد يعمل بعلمه فيكون له حظ من الهدايتين؛ هداية الإرشاد وهداية التوفيق، وقد لا يعمل بعلمه فيكون له حظ من هداية العلم والإرشاد، لكنها صارت وبالًا عليه، حيث خالف مع العلم بالحق، وهذا أشد ممن خالف بدون علم بحق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الوحي الذي ينزله الله عز وجل على من ينزله من عباده الحكمة منه إنذار الناس يوم القيامة ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ [غافر ١٥].
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الحكمة لله، وأن أفعاله مقرونة بالحكمة؛ لقوله: ﴿لِيُنْذِرَ﴾، وما أكثر لام التعليل و(من) التعليلية في القرآن، وكذلك في السنة، وكلها تدل على إثبات الحكمة لله.
وقد ذكر بعض العلماء أن الحكمة دل عليها ألف دليل من الكتاب والسنة، فلا تحصَى الأدلة المثبتة لحكمة الله سبحانه وتعالى فيما يفعل، خلافًا لمن قال: إنه يفعله لمجرد المشيئة، لا لحكمة، فإن هذا إبطال لصفة من أعظم صفات الله؛ لأن هذا يستلزم أن يكون فعله عبثًا لغير غاية محمودة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي لمن آتاه الله علمًا أن يكون منذرًا، يعني يجمع بين العلم والتفقيه في الدين وبين الإنذار؛ لأنه إن اقتصر على مجرد التعليم الفقهي مثلًا، أو التوحيد بدون أن يحرك القلوب؛ لم يستفد الناس منه كثيرًا، فلا بد أن يكون هناك إنذار من أجل تحريك القلوب، وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا خطب« احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش، يقول: «صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ»[[أخرجه مسلم (٨٦٧ / ٤٣) من حديث جابر بن عبد الله.]].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير من خزي يوم القيامة؛ لأنه يوم التلاقي، ولا شك أن العقوبة إذا كانت لا يطلع عليها إلا قليل أهون مما إذا اطلع عليها الكثير، فكيف إذا اطلع عليهم الخلق كلهم؟ تكون أشد وأعظم.
* ومن فوائدها: إثبات قدرة الله سبحانه وتعالى، حيث يجمع الله الخلق كلهم على صعيد واحد بعد الموت، والله سبحانه وتعالى عل كل شيء قدير.
ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ﴾ إلى آخره [غافر: ١٦].
* طالب: (...).
* الشيخ: إذا بطلت العبادة لا (...) صحيحة، يعني يسأل يقول: رجل دخل في الصلاة مخلصًا، فحضر إنسان فراآه، ثم ذهب الإنسان، فعاد إلى الإخلاص.
نقول: هذا تبطل عبادته؛ لأن مراقبته لغير الله أشد من مراقبته لله عز وجل، لم يراقب الله إلا حين ذهبت رقابة الناس، فهذا عبادته باطلة ولا شك، ولعله إن جاء آخر يحدث رياء، وإذا ذهب ذهب الرياء، فإن جاء آخر..
* طالب: إذا دخل المرء في الصلاة مرائيًا ثم دافع الرياء فهل تصح؟
* الشيخ: هل هو مطمئن للرياء أولًا ولَّا لا؟
* الطالب: هو بدأ مرائيًا.
* الشيخ: إي أسألك هل هو حين بدأ مطمئنًّا للرياء وإلا دخل عليه الرياء وهو ما يزال يدافعه؟
* الطالب: مطمئن.
* الشيخ: إذن ما تنعقد عبادته، لا تنعقد عبادته.
لكن هنا مسألة؛ لو أن الرجل حسَّن عبادته لتعليم الناس، لم يقصد أن يمدحوه على عبادته، أو يتقرب إليهم بالعبادة، لكن من أجل أن يتخذ الناس منه أسوة، فهل يدخل في الرياء؟ لا، هذا يدخل في التعليم، وهو مأجور على ذلك، لكن فرق بين هذا وبين شخص آخر يريد أن يمدحه الناس على صلاته.
* طالب: بارك الله فيكم، هل من الرياء يظهر الإنسان يعني بعض ما عنده من أجل ألا يُذم، أو..
* الشيخ: يعني دفع الملامة؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: فيه حديث: «رَحِمَ اللهُ امْرَأً كَفَّ الْغِيبَةَ عَنْ نَفْسِهِ»[[ذكره العجلوني في كشف الخفاء (١٣٦٧) بلفظ: «رحم الله امرأ جب الغيبة عن نفسه» ولم يذكر أصلًا لهذا الأثر.]]، وفيه أيضًا: الرسول عليه الصلاة والسلام لما خرج لصفية يقلبها ليلًا، فمر به رجلان من الأنصار فأسرعا، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّهَا صَفِيَّةُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٨١)، ومسلم (٢١٧٥ / ٢٤) من حديث صفية بنت حيي.]]؛ دفعًا للملامة عن نفسه، هو مخلص لله، لكن يريد مع ذلك أن يدفع الملامة عن نفسه؛ لئلا يقال: إنه بخيل مثلًا، أو لئلا يقال: إنه لا يصلي مع الجماعة وما أشبه ذلك، وأصل النية لله، لكن دفع الملامة لا ليمدح، فبينهما فرق؛ بين من قصده المدح أو من قصده دفع الملامة.
* طالب: بعض الناس يقول في إضافة: ذو العرش، يقول: إنها إضافة تكريم فقط، وليست إضافة علو، كيف الرد عليهم؟ كقولهم: ناقة الله، و..
* الشيخ: هذه عكس ناقة الله، لأن ناقة الله أضيف فيها المخلوق إلى الخالق، وهذه أضيف فيها الخالق إلى المخلوق.
* الطالب: قلنا :إضافة تشريف.
* الشيخ: ما (...) اللي مثل ناقة الله، لو قال: عرش الله، أما هذه عكس.
* طالب: ما المراد بالدرجات؟
* الشيخ: الدرجات سمعت ما قلت فيها؛ أنها معناها التي ينتقل الإنسان فيها مرحلة مرحلة إلى غاية العلو.
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) معناها المصعد اللي يصعد فيه الإنسان، يعني أنه رفيع، هذا معناه، أنه رفيع، فأنت إذا قلت: فلان رفيع الدرجات فربما تقول: رفيع الدرجات لو كان على الطيارة ما فيه درج.
* طالب: هل نفي الصفات كفر؟
* الشيخ: لا، نفي الصفات ينقسم إلى قسمين: نفي جحود: هذا كفر، ونفي تأويل: هذا منه ما هو كفر ومنه ما هو دون ذلك.
فإذا قال القائل: إن الله لم يستوِ على العرش فهذا أيش؟
* طلبة: كفر.
* الشيخ: ليش؟ لأنه كفر جحود، جحد؛ كذب الخبر.
وإذا قال: إن الله استوى على العرش لكن معنى استوى استولى، فهذا كفر تأويل، وكفر التأويل قد يكون كفرًا مخرجًا عن.. يعني جحد التأويل قد يكون كفرًا مخرجًا عن الملة، وقد يكون دون ذلك حسب ما تقتضيه القواعد الشرعية.
* طالب: التمني يا شيخ هل يدخل في الرياء؟
* الشيخ: تمني أيش؟
* الطالب: يعني مثلًا لو كان يقرأ في القرأن مثلًا وتمنى في نفسه لو أن فلانًا يسمع قرأته.
* الشيخ: ليش؟
* الطالب: لشيء مثل الدنيا مثلًا، غرض ما.
* الشيخ: هذا رياء، يعني ليقول: إنه قارئ، وإنه عابد، هذا رياء، لا شك أنه رياء؛ لأنه هو الآن في قلبه أنه لو كان فلان حاضرًا لراآه، لكن يجب أن تعلم أن النية لا تصل إلى درجة العمل؛ لا في الثواب ولا في العقاب.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا يضر، هذا لا يضر، بل هذا من عاجل بشرى المؤمن؛ أن يجد الإنسان ثواب عمله مقدمًا والثواب الأخروي في الآخرة.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، تأويل؛ لأنهم يقولون: لو فعل لحكمة لفعل لغرض، ولا يفعل للغرض إلا من كان محتاجًا للغرض، شبهه!
فيقال: هل هذه الحكمة لأمر يعود لنفسه أو يعود لعباده، ثم إذا كان عائدًا لنفسه فهو أهل للثناء، إذا كانت الحكمة صفة كمال في نفسه فهو أهل للثناء عز وجل، وأيما أكمل: من يفعل لا لحكمة أو من يفعل لحكمة؟ لا شك أن الثاني أكمل.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦) الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٧) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨) يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر ١٦ - ٢٠].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر ١٥، ١٦].
قوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ [غافر ١٥] أين المفعول الثاني أو الأول؟
* طالب: (...).
* الشيخ: التقدير؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما معنى ﴿يَوْمَ التَّلَاقِ﴾؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ومتى يكون ذلك؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: يوم القيامة، أحسنت.
غافر 40:16
قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾ [غافر ١٦].
﴿يَوْمَ﴾ هذه بدل من يوم الأولى، ﴿يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ﴾ [غافر ١٥، ١٦].
وقوله: ﴿هُمْ بَارِزُونَ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محل جر بالإضافة، إضافة يوم إليها.
و﴿بَارِزُونَ﴾ قال المفسر: (خارجون من قبورهم) ولكن المعنى أخص مما قال، بل المعنى: يوم هم بارزون؛ أي: ظاهرون ليس لهم ظل يظلهم؛ لا من شجر ولا حجر، ولا بيت ولا غيره؛ لأن البارز هو الظاهر الذي لا يحجبه دونه شيء، وهم بارزون في ذلك اليوم، وتدنو الشمس منهم مقدار ميل، ويعرق الناس في ذلك اليوم على قدر أعمالهم، منهم من يصل العرق إلى كعبيه، ومنهم من يصل إلى ركبتيه، ومنهم من يصل إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا على حسب أعمالهم.
و﴿لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾ [غافر ١٦] أي: لا يستتر على الله منهم شيء، ولا يغيب عن علمه منهم شيء، بل هو محيط بهم إحاطة تامة، كما أنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء من قبل ذلك أيضًا؛ لأن الله تعالى محيط بكل شيء علمًا.
لكن قال هنا: ﴿لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾ [غافر ١٦] لأجل تمام التخويف.
﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر ١٦]
﴿لِمَنِ الْمُلْكُ﴾ هذه مقول قول محذوف، التقدير: يقال: لمن الملك اليوم.
والقائل هو الله عز وجل؛ فإنه تعالى يقبض السماوات بيمينه وبيده الأخرى الأرض ويهزهن، ويقول: أنا الملك أين ملوك الدنيا، ويقول أيضًا: لمن الملك اليوم؟ فيجيب نفسه: لله الواحد القهار.
قال: (يقوله تعالى ويجيب نفسه) ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر ١٦] (أي: لخلقه).
فقوله: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ خبر مبتدأ محذوف، التقدير: الملك لله الواحد القهار.
والواحد يعني الذي لا ثاني له، لا في ذاته ولا في أفعاله ولا في أحكامه ولا في صفاته سبحانه وتعالى.
وقوله: ﴿الْقَهَّارِ﴾ صيغة مبالغة من القهر، وهو الغلبة، فهو قهار لكل شيء.
والمفسر قال: (أي: لخلقه).
* في هذه الآية من الفوائد أولًا: أن الناس يبرزون في يوم القيامة، لا يضلهم شجر ولا مدر ولا بناء ولا جبل ولا غير ذلك؛ لقوله: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ﴾ [غافر ١٦].
* ومن فوائدها، من فوائد هذه الآية: أنهم في ذلك اليوم لا يخفى على الله منهم شيء؛ لأنه محيط بهم علمًا وقدرة وسلطانًا.
فإن قال قائل: هل يُستثنى من قوله: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ﴾ أحد؟
قلنا: نعم، يُستثنى من يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وهم سبعة، بل هم أكثر، بلغوا إلى واحد وعشرين رجلًا، لكن النبي ﷺ جمع سبعة في سياق واحد.
طيب، يُستثنى من ذلك مَن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وقد جمع النبي عليه الصلاة والسلام منهم سبعة في حديث واحد، وهو حديث مشهور معروف: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ؛ إِمَامٌ عَادِلٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٦٠)، ومسلم (١٠٣١ / ٩١) من حديث أبي هريرة. ]] إلى آخره.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الملك، بل جميع الأملاك تتلاشى في ذلك اليوم، فلا فرق فيه بين مالك ومملوك، وسيد ومسود، وحر وعبد، وذكر وأنثى، ليس لأحد في ذلك اليوم ملك، ولهذا قال: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ فيقول: ﴿لِلَّهِ﴾ [غافر ١٦].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من أسماء الله الواحد، والواحد هو المتفرد الذي لا ثاني له، قال الله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النحل ٥١].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من أسماء الله القهار؛ لقوله: ﴿الْقَهَّارِ﴾ [غافر ١٦].
* ومن فوائدها: إثبات صفتين من صفات الله، دل عليهما قوله: ﴿الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر ١٦] الصفة الواحد، وفي القهار القهر.
ويترتب على ذلك من الناحية المسلكية: أن الإنسان إذا اعتقد بأن الله سبحانه وتعالى واحد لم يلتفت إلى أحد سواه، وإذا اعتقد أن الله قهار خاف من قهره، واستعان بقهره على عدوه، فيستفيد من هذه العقيدة أن يخاف من قهر الله، وأن يستعين بقهر الله على عدو الله وعدوه.
غافر 40:17
ثم قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [غافر ١٧]
﴿الْيَوْمَ﴾ ظرف متعلق بأيش؟ بـ﴿تُجْزَى﴾، والظرف والجار والمجرور لا بد لهما من متعلق؛ لأنهما لا يقعان إلا معمولين أو معمولًا فيهما، لذلك لا بد لهما من عامل يتعلقان به.
قال: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾، ﴿تُجْزَى﴾ أي: تكافأ؛ لأن الجزاء بمعنى المكافأة، جازيته على عمله أي كافأته عليه، فمعنى تجزى أي تكافأ كل نفس بما كسبت من خير وشر، ولكن هذا الجزاء في الآخرة يختلف عن جزاءات الدنيا التي يجازى به الناس بعضهم من بعض.
فالجزاء هناك ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر ١٧].
﴿لَا ظُلْمَ﴾ (لا) نافية للجنس، وظلم اسمها.
قال أهل النحو: والنفي للجنس ينفي هذا الجنس مطلقًا، أي: قليله وكثيره، واحده ومتعدده.
ولهم (لا) أخرى يسمونها نافية الوحدة، ونافية الوحدة لا تعمل عمل (إن)، بل تعمل عمل (ليس)، تقول: لا رجل في الدار، أي ليس في الدار رجل واحد، بل ثلاثة رجال مثلًا، أما إذا أردت الجنس فقل: لا رجل في الدار، أي: لا واحد ولا متعدد.
وهي –أي: النافية للجنس- نص في العموم، أي أنها دالة على العموم بالنص، فيكون ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ أي: لا ظلم واقع من الله، ولا ظلم واقع من الخلق بعضهم لبعض، بل كل واحد من الخلق يفر من الآخر ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر ١٧] أي: سريع محاسبة الخلائق على أعمالهم.
وبين المفسر -رحمه الله- هذه السرعة فقال: (يحاسب جميع الخلق في قدر نصف نهار من أيام الدنيا؛ لحديث ورد في ذلك) يحاسب جميع الخلائق كلهم في مقدار نصف يوم، لكن من أيام الدنيا؟! هذا يحتاج إلى تحقيق؛ لأن يوم القيامة يوم مقداره خمسون ألف سنة، يفرغ الله سبحانه وتعالى من حساب الخلائق في نصف ذلك اليوم، ولهذا قال الله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان ٢٤]، ومعلوم أن القيلولة تكون في نصف النهار، وهذا يدل على أنه لا ينتصف النهار إلا وقد فرغ الله سبحانه وتعالى من الخلائق من حسابهم، وصار كل واحد إلى ما آل إليه، لكن هل هو كيوم الدنيا أو هو يوم القيامة الذي مقداره خمسون ألف سنة.
* في الآية الكريمة هذه: إثبات الجزاء؛ لقوله: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ﴾ [غافر ١٧].
* وفيه: أن كمال الجزاء يكون ذلك اليوم، وذلك أن الجزاء قد يكون في الدنيا، قد يجازي الله الإنسان في الدنيا فيعطيه بالحسنة حسنات، ويؤاخذ الظالم بظلمه، وهذا واقع كثيرًا، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى ٣٠]، وهذا يدل على أن الإنسان قد يجازى في الدنيا على عمله، لكن الجزاء الأكمل الأوفى يكون يوم القيامة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النفس لا تجازى إلا بما كسبت، وبماذا يكون الكسب؟ يكون الكسب إما بالقول، وإما بالعمل، أما مجرد النية فليست كسبًا، أو مجرد حديث النفس فليس بكسب، فالكسب قول أو عمل، وأما مجرد حديث النفس فليس بكسب؛ لأن الإنسان لم يركن إليه، ودليل ذلك: قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِى مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٦٩)، ومسلم (١٢٧ / ٢٠١) من حديث أبي هريرة.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: على قول بعض العلماء أن إهداء القرب لا يصح، يعني: لو عملت عملًا صالحًا وأهديته إلى غيرك فإنه لا يصح؛ لأن الغير الذي أهديته له لم يكسبه إلا ما دلت السنة عليه، فهو مستثنى، وإلى هذا ذهب كثير من العلماء أنه لا يُهدَى من القرب إلا ما جاءت به السنة.
وذهب آخرون إلى جواز إهداء جميع القرب، وقالوا: إن ما وردت به السنة قضايا أعيان، إذا ثبت الحكم فيها ثبت في نظيرها؛ لأن الشريعة لا تفرق بين متماثلين، وقد وردت السنة بإجزاء العبادات المالية والبدنية والمركبة من مال وبدن.
أما العبادات المالية ففي قصة الرجل الذي قال: يا رسول الله، إن أمي افتُلِتَت نفسها -افتلتت يعني: أخذت بغتة- وإنها لو تكلمت لتصدقت، أفأتصدق عنها؟ قال: «نَعَمْ» »[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٨٨)، ومسلم (١٠٠٤ / ١٢) من حديث عائشة.]].
وكذلك سعد بن عبادة رضي الله عنه كان له مخراف -أي: بستان يخرف- فتصدق به على أمه بإذن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. هذه العبادة المالية.
أما العبادة البدنية فقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٥٢)، ومسلم (١١٤٧ / ١٥٣) من حديث عائشة.]]، وهذه عبادة بدنية محضة.
وأما المركبة منهما فالحج، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام للمرأة التي سألته عن أمها: إنها ماتت (...) أن تحج، قال: «حُجِّي عَنْهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٥٢)، ومسلم (١٣٣٤ / ٤٠٧) واللفظ للبخاري من حديث ابن عباس.]].
وهذا مذهب الإمام أحمد، أعني جواز إهداء القرب إلى الغير بشرط أن يكون المهدى إليه مسلمًا، أما إن كان كافرًا فإنه لو أهدي إليه لا تُقبل؛ لأن الكافر لا يُقبل له عمل؛ لا من نفسه ولا من غيره.
وهذا القول أقرب إلى الصواب من القول بالمنع.
ولكن مع ذلك لا نحبذ أن الإنسان يهدي إلى أمواته شيئًا؛ لأن هذا لم يكن من عادة السلف، ولا سيما الإكثار منه كما يفعله بعض الناس اليوم، تجد بعض الناس في رمضان يختم القرآن عدة مرات، كل ختمة يجعلها لواحد من أقاربه، هذه لأمه، وهذه لأبيه، وهذه لأخيه، وهذه لعمه، وما أشبه ذلك، هذا في الحقيقة خلاف عادة السلف.
ونقول: إن أردت أن تنفع ميتك نفعًا محققًا فاعمل بما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حيث قال: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»[[أخرجه مسلم (١٦٣١ / ١٤) من حديث أبي هريرة.]]، هذا هو الذي نحبذه ونقول: أكثر من الدعاء لأمواتك، أما إهداء القرب فاجعلها لنفسك؛ لأن هذا هو السنة، وأنت أيها الحي سوف تحتاج إلى هذه الأعمال الصالحة كما أن الأموات أيضًا يحتاجون إلى زيادة الأعمال الصالحة؛ كما جاء في الحديث: «مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ إِلَّا نَدِمَ؛ إِنْ كَانَ مُحْسِنًا نَدِمَ أَلَّا يَكُونَ ازْدَادَ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا نَدِمَ أَلَّا يَكُونَ اسْتَعْتَبَ»[[أخرجه الترمذي (٢٤٠٣) من حديث أبي هريرة.]].
إذن نقول: ﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾ [غافر ١٧] استدل بها بعض العلماء على أيش؟ على أن من أُهدي إليه شيء من القرب فإنه لا ينتفع به؛ لأنه ليس من كسبه إلا ما جاءت به السنة، ولكن الصحيح أنه ينتفع به.
فإذا قلت: إن هذا هو الصحيح فكيف الجواب عن الآية؟
الجواب عن الآية أنها تدل على أن النفس تُجزى بما كسبت، لكن لا تدل على أنها لا تنتفع بعمل غيرها، الشيء المضمون تمامًا هو ما كسبت، وأما ما أهداه الغير لها فهذا شيء آخر، وله أدلة أخرى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: انتفاء الظلم في ذلك اليوم؛ لقوله: ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر ١٧]، ولكن الإنسان يُجازَى بحسب عمله، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه ١١٢] قال المفسرون: ظلمًا في زيادة سيئاته، وهضمًا في نقص حسناته.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الحساب، المحاسبة أن الله يحاسب الخلائق، وهذا كما أنه مدلول النصوص فهو مقتضى الحكمة؛ إذ ليس من الحكمة أن يُؤمَر الناس ويُنهوا ثم يذهب هذا الأمر والنهي هدرًا لا يحاسب عليه العبد، هذا في الحقيقة لو ثبت لكان عبثًا، والله تعالى منزه عنه؛ كما قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون ١١٥]، وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة ٣٦] فلا بد من مجازة، لا بد من محاسبة حتى يتبين ما للإنسان وما عليه.
* ومن فوائد هذه الآية: تمام قدرة الله جل وعلا وقوته، مأخوذة من قوله: ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر ١٧]؛ لأن السرعة تدل على القدرة والقوة، كيف يحاسب هذه الخلائق التي لا يحصيها إلا هو عز وجل في نصف يوم، هذا تدليل على كمال القدرة وكمال القوة.
فإن قال قائل: كيف يكون الحساب؟
قلنا: الحساب يختلف باختلاف المحاسَب، أما المؤمن فإن الله تعالى يضع عليه كنفه -أي: ستره- ويخلو به ويقرره بذنوبه، ويقول: فعلت كذا وكذا في يوم كذا، حتى يقر، فإذا أقر واعترف قال الله تعالى: «سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث ابن عمر.]] فيذهب طليقًا.
أما الكفار فإنهم لا يحاسبون حساب من تُوزَن حسناته وسيئاته؛ لأنهم ليس لهم حسنات، ولكن تُحصَى أعمالُهم، فيوقفون عليها ويُقرَّرون بها، ويُخزون بها ويُوبَّخون عليها ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك ٨، ٩] فيوبَّخون زيادةً في حسرتهم والعياذ بالله، وبيان أنهم لم يظلموا، فالحساب إذن يختلف.
* يستفاد من هذه الآية من الناحية المسلكية: تحذير الإنسان من المخالفة، وحثه على الموافقة، من أين تأخذ؟
* طالب: من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر ١٧].
* الشيخ: لا، تحذيره من المخالفة وحثه على الموافقة؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿تُجْزَى﴾ [غافر ١٧].
* الشيخ: بس تجزى؟
* الطالب: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى﴾ [غافر ١٧]
* الشيخ: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [غافر ١٧] هذا يوجب للإنسان إذا أمن به أن يحرص على موافقة الأمر وعلى طاعة الله؛ لأنه يكسب.
وأنا أسالكم كما أسأل نفسي: هل نحن إذا صلينا -نعتقد، لا مو نعتقد- يكون في نفوسنا شعور بأننا سنأخذ أجرًا على هذه الصلاة، أو الشعور السائد أننا أدينا ما يجب علينا فقط؟ الثاني، ولهذا لو كان عندنا الشعور الأول أننا سنُجازَى على هذه الصلاة، وبقدر ما أتقنا فيها، لكنا نتقنها جيدًا؛ لأننا نعلم أن الجزاء من جنس العمل، ابذل دراهم كثيرة يأتك سلعة طيبة، لكن ابذل قليلًا يأتك سلعة رديئة.
لهذا ينبغي لنا – ونسأل الله أن يعيننا ويعيذنا من الغفلة- ينبغي لنا أن نشعر حين نعمل العمل الصالح أننا سوف نجازى عليه؛ حتى يكون ذلك أشحذ لهممنا في إتقان العمل؛ لأن الإنسان إذا علم أن عمله هذا هو جزاؤه فسوف يتقن العمل، سوف يأتي به على حسب ما يرضي الله سبحانه وتعالى.
غافر 40:18
ثم قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ [غافر ١٨] يوم القيامة، (أزف الرحيل: قرب).
﴿أَنْذِرْهُمْ﴾ الضمير فاعل يعود على من؟ على الرسول، والمفعول به الناس، يعني أنذر الناس هذا اليوم، وهذا العامل استوفى مفعولين: الهاء هي المفعول الأول، ويوم الآزفة المفعول الثاني.
وقوله: ﴿يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ أي: اليوم الآزف، فهو من باب إضافة الموصوف إلى صفته، أي: أنذرهم اليوم القريب.
وإن شئت فقل: الآزفة صفة لموصوف محذوف، والتقدير: يوم القيامة الآزفة. والآزفة بمعنى القريبة، قال الله تعالى: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ [النجم ٥٧، ٥٨].
وقال الشاعر:
أَزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أَنَّ رِكَابَنَا ∗∗∗ لَمَّا تَزُلْ بِرِحَالِنَا وَكَأَنْ قدِنْ
أي: وكأن قد زالت.
فالحاصل أن الأزف بمعنى القرب، فالآزفة: القريبة، وهو يوم القيامة، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى ١٧]، فهي قريبة مهما طال الوقت، فهي قريبة لو تبقى الدنيا ملايين الملايين الملايين من السنين فهي قريبة، وإذا شئت أن يتبين لك ذلك فانظر ما تستقبله الآن، إذا أردت أن تعرف ذلك فانظر إلى المستقبل، المستقبل تنظر إليه نظر البعيد، فإذا به يأتي بسرعة كأنه برق خاطف، هكذا مستقبل الدنيا كلها قريب، فإن أدركته أدركته، وإن لم تدركه قامت قيامتك قبلها، فقيامتك قريبة وإن بقيت إلى القيامة الكبرى فهي أيضًا قريبة.
إذن كل آتٍ قريب، وكل ماضٍ بعيد، الماضي ولو كان قبل وقتك بساعة بعيد؛ لأنه لا يمكن يرجع، والمستقبل قريب.
إذن سُميت القيامة آزفة لقربها، ووجه قربها وإن كان بيننا وبينها ما لا يعلمه إلا الله من السنين فإن المستقبل مهما بعُد قريب.
﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر ١٨].
﴿إِذِ الْقُلُوبُ﴾ (إذ) بدل من يوم الآزفة، يعني أنذرهم يوم الآزفة، أنذرهم إذ القلوب لدى الحناجر، و(إذ) ظرف لما مضى من الزمان، وتأتي ظرفًا، وتأتي تعليلًا على حسب ما جاءت معانيها في اللغة العربية.
وقوله: ﴿الْقُلُوبُ﴾ [غافر ١٨] (أل) هنا للاستغراق، أي: كل القلوب.
وقوله: ﴿لَدَى﴾ [غافر ١٨] يقول: بمعنى (عند).
قال المفسر: (﴿إِذِ الْقُلُوبُ﴾ ترتفع خوفًا ﴿لَدَى﴾ عند ﴿الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ ).
قال الله تعالى: ﴿إِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ﴾ في عام الأحزاب ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب ١٠] وهذا شيء معلوم محسوس؛ أن الإنسان كلما اشتد به الخوف ارتفع قلبه وانكمش وازداد خفقانه، فيوم القيامة ترتفع القلوب حتى تصل إلى الحناجر، الحنجرة هذه ما بين الترقوتين.
﴿كَاظِمِينَ﴾ (ممتلئين غمًّا حال من القلوب، عوملت بالجمع بالياء والنون معاملة أصحابها)
﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ القلوب كما تعلمون جماد، هي نفسها جماد، والجماد لا يجمع بالواو والنون؛ لأنه لا يجمع بالواو والنون إلا العاقل، علمًا كان أو وصفًا، وقد مر عليكم في شروط جمع المذكر السالم أن يكون علمًا أو وصفًا لعاقل، فهنا القلوب ليست عاقلة، القلوب جزء من البدن، ما هي عاقلة، فكيف توجيه الحال التي جاءت منها بجمع على صيغة جمع المذكر السالم؟
يقول المؤلف: لأن المراد بها أصحاب القلوب ﴿الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ والكاظم صاحبها، واضح؟ وهذا حق؛ أن كاظمين حق من القلوب باعتبار أصحابها.
والكاظم يقول: الممتلئ غمًّا، لماذا يمتلئون غمًّا؟ لشدة الأهوال والمخافة، قلوب مرتفعة، أنفس ممتلئة غمًّا.
﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر ١٨].
﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ﴾ (الظالمين) هم الكافرون هنا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤]، وليس المراد مطلق الظلم، بل المراد الظلم المطلق، وهو ظلم الكفر، فالظالمون في ذلك اليوم ليس لهم حميم.
والحميم هو المحب كما قال المؤلف، وقيل: القريب؛ كما قال تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء ١٠٠، ١٠١] أي: قريب، ولا نقول: ولا صديق محب؛ لأنه ما من صديق إلا وهو محب ولولا المحبة ما صادقك، وعلى هذا فنقول: إن الأولى أن تفسر الحميم بالقريب.
والغالب أن الذي يحامي عنك ويدافع عنك ويشفع لك هو القريب، هذا الغالب.
يقول: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر ١٨] شفيع بمعنى شافع، فهي فعيل بمعنى فاعل؛ كسميع بمعنى سامع.
ومن هو الشافع؟ الشافع من شفعك، أي: صار معك حتى تكون بعد الفرد شفعة، ولهذا يقال: الشافع هو من توسط لك بجلب منفعة أو دفع مضرة، هذا هو الشافع.
التوسط للغير بجلب الخير أو دفع الضير، هذا الشافع، التوسط، الشفاعة يعني، الشفاعة هي التوسط للغير لجلب الخير أو دفع الضير، هذا إذا أردت أن تأتي بها على سبيل السجع، تكون أريح، فهذا هو.
ففي يوم القيامة ليس لهم شفيع، لا يشفع لهم أحد؛ لأن من شرط الشفاعة أن يكون الله راضيًا عن الشافع وعن المشفوع له.
قال: ﴿وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر ١٨] قال: (لا مفهوم للوصف؛ إذ لا شفيع لهم أصلًا، لقوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ [الشعراء ١٠٠]، أو له مفهوم بناء على زعمهم أن لهم شفعاء أي: لو شفعوا فرضًا لم يقبلوا)
الآية الكريمة: ﴿وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ كلمة يطاع جملة فعلية في محل جر صفة، لأيش؟ لشفيع، ولو حولناها لاسم فاعل لكان التقدير: ولا شفيع يطاع، فهل هذه الصفة، هل هي قيد بمعنى أن لهم شفيعًا لا يطاع، أو هي بيان للواقع، والمراد نفي الشفيع؟
ذكر المؤلف احتمالين: الأول: أن يكون المراد ليس لهم شفيع مطلقًا، واستدل لذلك بقوله تعالى عنهم: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء ١٠٠، ١٠١].
أو أن المعنى: لو قدر أن لهم شفعاء، فإن هؤلاء الشفعاء لا يطاعون، وهذا بناءً على قولهم: إن الذين يعبدون من دون الله يكونون شفعاء لهم، والآية تحتمل ما قال المؤلف.
أما إذا قلنا بالأول، بالوجه الأول، وهو نفي الشفعاء مطلقًا، فالأمر ظاهر ما فيه إشكال.
أما الثاني أن يقام لهم شفعاء، ولكن ترد شفاعتهم، فهذا من أجل التخجيل لهم، أن يخجلوا حيث تقام الشفعاء الذين يدعون أنهم شفعاء لهم، ثم ترد الشفاعة، هذا أبلغ في خجلهم وفي ردهم وعدم انتفاعهم بآلهتهم، والله أعلم.
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج ٤٧]، وقال: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة ٥] لكن يوم القيامة لم يرد فيه إلا خمسون ألف سنة: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج ٤] وفي الحديث الصحيح في قصة مانع الزكاة:« «فِي يَوْمٍ مِقْدَارُهُ خَمْسُونَ أَلْفَ سَنَةٍ»[[أخرجه مسلم (٩٨٧ / ٢٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
وعلى هذا فاليوم الذي عند ربنا كألف سنة ما ندري ما هذا اليوم، هو يوم مجهول لنا، أما: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة ٥]، فهذا لأن ما بين السماء والأرض خمس مئة سنة، فإذا كان ما بينهما خمس مئة سنة فإن صعود الأمر إلى الله ثم رجوعه يكون ألف سنة.
فالأيام ثلاثة: يوم مقداره خمسون ألف سنة، وهذا يوم القيامة، ويوم عند الله لا نعلم ما هو مقداره ألف سنة، ويوم مقداره ألف سنة في تدبير الأمر من السماء إلى الأرض ثم عروجه إلى الله عز وجل.
* طالب: (...) قلنا: الوجه الثاني في ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر ١٨] أن يقام ثم يرد، ما حال الشفيع الذي يقام ثم يرد، هل هو من تقبل شفاعته أو أنه هو مثله ؟
* الشيخ: لا، تمثل لهم أصنامهم حتى الذي يعبدون عيسى يمثل لهم عيسى عليه الصلاة والسلام.
* طالب: (...).
* الشيخ: هو لا يعارضه لأن يوم القيامة كما تعرف خمسون ألف سنة.
* طالب: (...).
* الشيخ: يفرغ منهم في نصف يوم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، الساعة تطلق على الزمن القليل والكثير إلا إذا فصلت، مثل من جاء في الساعة الأولى من يوم الجمعة من جاء في الثانية من جاء في الثالثة.
* طالب: قوله يا شيخ: (بالجمع بالياء والنون) الياء والنون تعود على أيش؟ الياء والنون قول المفسر؟
* الشيخ: ﴿كَاظِمِينَ﴾ [غافر ١٨] ما قال: إذ القلوب لدى الحناجر كاظمة؛ لأنه لو جرى الوصف للقلوب لقال: إذ القلوب لدى الحناجر كاظمة ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ [النازعات ٨]، وأنا ذكرت لكم أنه لا يجمع جمع المذكر السالم بالواو والنون إلا العاقل.
* طالب: كل آت قريب: (...)؟
* الشيخ: ما سمعنا بهذا إلا صباح هذا اليوم، الذي نسمع والذي يريده الناس إذا قال: كل آت قريب أن المستقبل قريب.
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) حتى واحد يوعدك، يقول: إن شاء الله أمر عليك بعد ستة أشهر، قال: بعيد رجال، قال: كل آت قريب، هذا الذي يستعمله الناس.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٢١) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [غافر ١٩ - ٢٢].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ [غافر ١٨] ما معنى أنذرهم؟
* طالب: الإنذار هو التخويف.
* الشيخ: نعم التخويف، وإن شئت فقل: الإعلام بتخويف، أن تخبرهم إخبارًا مقرونًا بالتخويف. طيب.
* الشيخ: ما المراد بيوم الآزفة؟
* طالب: يوم القيامة.
* الشيخ: ما معنى الآزفة؟
* الطالب: الآتية.
* الشيخ: لا.
* الطالب: القريبة.
* الشيخ: القريبة طيب.
قوله: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ [غافر ١٨] ما هي الحناجر؟
* طالب: الحناجر..
* طالب آخر: الحناجر هي: طرف في الحلق، ما بين الوجه والصدر.
* الشيخ: الرقبة يعني؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: لا.
* طالب: ما بين الترقوتين.
* الشيخ: ما بين الترقوتين، نعم هذه الحناجر.
ما معنى قوله: ﴿لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ [غافر ١٨]؟
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف ذلك؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ترتفع القلوب إلى الحناجر من شدة الخوف.
تكلم المؤلف رحمه الله عن كاظمين؟
* طالب: أنها حال من صاحب القلوب.
* الشيخ: حال من القلوب؟
* الطالب: من صاحب القلوب.
* الشيخ: وين أصحاب القلوب؟
* الطالب: (...) من جامد.
* الشيخ: لا.
* طالب: حال من القلوب باعتبار أصحابها.
* الشيخ: حال من القلوب باعتبار أصحابها.
لماذا اضطر إلى القول باعتبار أصحابها؟
* طالب: لأن أصحاب القلوب هم الذين يمتلئون غمًّا.
* الشيخ: لا.
* طالب: لأن جمع المذكر السالم لا يكون إلا للعاقل، والقلوب ليست عاقلة، فنقلت إلى أصحاب القلوب.
* الشيخ: طيب صحيح.
كاظمين ما يقال: القلوب كاظمين، يقال: الرجال كاظمين، أو ما أشبه ذلك، لكن لما كان المراد بالقلوب أصحابها، صح، مجيء الحال منها.
ما معنى كاظمين؟
* طالب: ممتلئين.
* الشيخ: ممتلئين غمًّا.
ما معنى قوله: ﴿وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر ١٨]؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لكن ما معنى قوله: ﴿وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: كلمة يطاع؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لكن قوله: ﴿وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾، هل معناه أن هناك شفعاء لا يطاعون، أو ما المعنى؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما راجعت الظاهر.
* طالب: أقول: فيها وجهان: إما أنها صفة كاشفة، يعني ليس هناك شفعاء، أو أنهم تمثل لهم أصنامهم ولكن لا تشفع لهم، وكذلك عيسى بن مريم عليه السلام كما ادعوا..
* الشيخ: يعني لا تطاع هذه الأصنام ولو شفعت طيب؛ وعلى هذا فتكون الصفة مقيدة ﴿وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر ١٨] أي: يشفع ولكن لا يطاع.
لماذا لجأنا إلى هذا التأويل؟
* طالب: لجأنا إلى التأويل لورود الآية الثانية، الشفاعة وانتفاء الشفاعة.
* الشيخ: ما هي الآية الثانية؟
* الطالب: قوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ [الشعراء ١٠٠].
* الشيخ: نعم ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء ٢٨]، وهؤلاء لا يرتضيهم الله.
* الشيخ: نرجع الآن إلى استنباط من الآية الفوائد، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ [غافر ١٨].
يستفاد من هذه الآية فوائد:
* منها: وجوب الإنذار على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لقوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ﴾، والأصل في الأمر الوجوب، لا سيما أن الرسول ﷺ مكلف بذلك.
* ومن فوائدها: أنه ينبغي للداعية أن يكون مخوفًا أحيانًا ومبشرًا أحيانًا.
أما البشارة أحيانًا ففي آيات كثيرة: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٢٢٣]، ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة ٢٥] وما أشبه ذلك.
وأما الإنذار فكذلك في مثل هذه الآية، فالداعية ينبغي أن يكون منذرًا مبشرًا من أجل أن يحرك القلوب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي في الإنذار أن يذكر الناس أحوال يوم القيامة وأهوالها؛ لقوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ﴾ [غافر ١٨].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الآية قريبة؛ لقوله: ﴿يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ [غافر ١٨]، والقرب هنا يعني أن الوقت يمضي بسرعة حتى لا يشعر الإنسان إلا وقد قامت القيامة؛ إما قيامته هو وتسمى القيامة الصغرى أو القيامة العامة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان هذا التمثيل العظيم في حال الناس ذلك اليوم ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ [غافر ١٨].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه الحال عامة للمؤمنين وللكافرين، دليل ذلك عموم قوله: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ﴾ [غافر ١٨]، ثم قوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ﴾ [غافر ١٨]، فدل ذلك على أن الآية عامة، ولكن هل يلحق المؤمنين شر من ذلك اليوم؟ لا؛ لقول الله تعالى: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ﴾ [الإنسان ١١]، ومجرد الغم والهم لا يلزم منه الشر والضرر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن القلوب عند شدة الخوف ترتفع حتى تبلغ الحناجر، وهذا يشهد به الواقع، قال الله تبارك وتعالى في سورة الأحزاب: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب ١٠]، والإنسان في نفسه أيضًا يحس أنه إذا خاف خوفًا شديدًا، وكأن قلبه قد علق في حنجرته.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الناس في ذلك اليوم مع شدة الخوف يمتلئون غمًّا؛ لقوله: ﴿كَاظِمِينَ﴾ [غافر ١٨]، والغم هو التحزن أو التهيؤ لما يستقبل، فالغم في المستقبل، والهم والحزن في الماضي.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تقطع الأسباب بالظالمين فلا يجدون حميمًا ولا شفيعًا؛ لقوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر ١٨] والمراد بالظالمين ما سبق، وهم الكافرون.
فإن قال قائل: الظلم أعم من الكفر، فكيف فسرتم الظلم هنا بالكفر؟
قلنا: لأن الله تعالى قال: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤]، ولأن ما دون الكفر من المعاصي تمكن فيه الشفاعة، فإن الشفاعة ثابتة لأهل الكبائر من هذه الأمة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحذير هؤلاء الكفار من ذلك اليوم، فإنهم في الدنيا يجدون من يناصرهم ويواليهم ويساعدهم ويعاونهم، ولكن في الآخرة لا يجدون شيئًا من ذلك.