Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — غافر 40:66 – غافر 40:85

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. غافر 40:66
  2. غافر 40:67
  3. غافر 40:68
  4. غافر 40:69
  5. غافر 40:70
  6. غافر 40:71
  7. غافر 40:72
  8. غافر 40:73
  9. غافر 40:74
  10. غافر 40:75
  11. غافر 40:76
  12. غافر 40:77
  13. غافر 40:78
  14. غافر 40:79
  15. غافر 40:80
  16. غافر 40:81
  17. غافر 40:82
  18. غافر 40:83
  19. غافر 40:84
  20. غافر 40:85

غافر 40:66

ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إلى آخره. ﴿قُلْ﴾ الخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يخاطب من؟ أُمِر أن يخاطب المشركين فيقول: ﴿إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. وقوله: ﴿إِنِّي نُهِيتُ﴾ الجملة هنا مؤكَّدة بـ(إنَّ)، و﴿نُهِيتُ﴾ فعل ماضٍ مبنيٌّ لما لم يسمَّ فاعله، وحُذِف الفاعلُ للعلْمِ به، كما قال تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨]، حُذِفَ الفاعلُ للعلْمِ به؛ لأنه لا أحد ينازع في أن الخالق هو الله، وهنا المسألة مسألة شرعية؛ نهي، فلا نزاع في أن الذي له الأمر والنهي هو الله كما أنه الذي له الخلق، إذن يكون الناهي هو الله عز وجل. والنهي: طلَبُ الكفِّ على وجه الاستعلاء، هذا تعريف النهي في أصول الفقه، طلب الكف على وجه الاستعلاء بصيغة المضارع المقرون بـ(لا) الناهية، فقولنا: (طلب الكف) خرج به الأمر، وخرج به المباح، وقولنا: (على وجه الاستعلاء) خرج به الدعاء؛ مثل: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ [البقرة ٢٨٦]؛ لأننا لا ندعو الله على وجه الاستعلاء بل على وجه الاستضعاف؛ نستضعف أنفسنا أمام الله عز وجل، وخرج بقولنا: (بصيغة المضارع المقرون بـ(لا) الناهية)، خرج به نحو قولك: انتهِ عن كذا، اجتنبْ كذا، هذا نهي لكنه ليس نهيًا اصطلاحًا، بل هو أمر بالاجتناب. فلو قال لك قائل: ﴿اجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج ٣٠]، هل هذا نهي عن الرجس من الأوثان أو أمر باجتنابه؟ نقول: الثاني؛ أمْرٌ باجتنابه، لكن إذا قلت: لا تقربِ الرجس من الأوثان، صار نهيًا. ﴿نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ﴿أَنْ أَعْبُدَ﴾ العبادة هي التذلل للمعبود محبةً وتعظيمًا. وقوله: ﴿الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، قال المفسِّر: (تعبدون ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ )، وهذا أيضًا فيه شيء من القصور، والصواب أن المراد ﴿تَدْعُونَ﴾؛ أي: تعبدون وتسألون؛ لأن من المشركين من يسألون أصنامهم، ويتذللون لها بالسؤال، فهي أعم مما ذكره المفسر رحمه الله تعالى. ﴿نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، وقوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: من سوى الله. وقوله: ﴿لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي﴾ (لمَّا) ظرف زمان بمعنى (حين)، و(لمَّا) تأتي في اللغة العربية على أربعة أوجه: الوجه الأول: أن تكون بمعنى (حين)؛ كما في هذه الآية. والوجه الثاني: أن تكون بمعنى (إلا)؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤]، معنى ﴿لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾: إلَّا عليها حافظ. والمعنى الثالث: أن تكون أداة جزم؛ كقوله تعالى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص ٨]؛ أي: بلْ لَمْ يذوقوا عذابي ولكنه قريب. المعنى الرابع: أن تكون حرف وجود لوجود؛ كقولك: لما جاء زيد جاء عمرو. ﴿لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي﴾؛ أي: حين جاءني، والبينات صفة لموصوف محذوف للعلْمِ به، والتقدير: الآيات البينات، قال المفسر: (دلائل التوحيد)، والمعنى أعم مما قال رحمه الله تعالى، بل هي دلائل التوحيد ودلائل القدرة، ودلائل السمع والبصر، وغير ذلك، المهم أنه جاءه البينات من الله عز وجل. وأنتم ترون في القرآن العزيز كلمة البينات دائمًا محذوف موصوفها؛ وذلك للعلْمِ به، والشيء المعلوم يجوز حذفه، كما قال ابن مالك في الألفية: وحذف ما يعلم جائز، وهذه قاعدة عامة في كل شيء، ليس في المبتدأ والخبر فقط بل في كل شيء. وقوله: ﴿مِنْ رَبِّي﴾ متعلق بجاء؛ أي: جاءني من الله عز وجل، ولكنه ذكره باسم الربوبية لأن هذه ربوبية خاصة يربِّي بها الله عز وجل أنبياءه ورسله، ﴿وَأُمِرْتُ﴾ مقابل ﴿نُهِيتُ﴾، ﴿نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ﴾ ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. من الآمِرُ؟ الله. والأمر: طلَبُ الفعل على وجب الاستعلاء بصيغة (افعل) أو غيرها مما يدل على الأمر. وقوله: ﴿أَنْ أُسْلِمَ﴾ (أن) مصدرية، و﴿أُسْلِمَ﴾ فعلٌ مضارع منصوب بها. ومعنى ﴿أُسْلِمَ﴾ أستسلم لرب العالمين، والمراد بالإسلام هنا الإسلام الشرعي؛ لأنه هو الذي بِطاقَتِنا، وهو الذي يمكن أن نفعله أو لا نفعله، وهو الذي لا يكون إلا من المؤمن، أما الإسلام الكوني فليس بِطاقَتِنا، ولا يمكننا أن ندافعه، ويكون من المؤمن والكافر. إذن يتبين لنا أن الإسلام له معنيان: المعنى الأول: الإسلام الكوني القدري، والثاني: الإسلام الشرعي الديني. فمن الأول قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران ٨٣]، الإسلام هنا كوني أو شرعي؟ كوني؛ لأنه قال: ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾، والإسلام الشرعي لا يكون بالإكراه، والإسلام الشرعي لا يكون عامًّا لكل شيء، فالإسلام هنا كوني قدريٌّ. وهنا قوله: ﴿أَنْ أُسْلِمَ﴾ المراد به الإسلام الشرعي الديني؛ يعني ﴿أَنْ أُسْلِمَ﴾ أي: أستسلم تعبدًا وتذللًا لله عز وجل. وقوله: ﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ نقول فيها ما قلنا في مثل الآية السابقة، لكن لو قال قائل: لماذا لم يقل: أن أسلم لله؟ قلنا: ليكون ذلك دليلًا على وجه الإسلام، يعني لماذا أسلمت؟ لأن الله رب العالمين، وربُّ العالمين أحقُّ أن يُسْلَمَ له، وأن يتعبد له عز وجل، فهو كالدليل للحكم السابق الذي هو الإسلام. * في هذه الآية الكريمة فوائد: * أولًا: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عبدٌ مأمور منهي، تؤخذ مِن: ﴿أَنْ أُسْلِمَ﴾. * ويتفرع على هذه الفائدة: بطلان دعوى من يقول: إن النبي ﷺ له الأمر والنهي في السماوات والأرض؛ لأنه لا يمكن أن يكون كذلك وهو مأمور مَنْهيٌّ. * من فوائد الآية الكريمة: وجوب الإخلاص لله عز وجل؛ لقوله: ﴿نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ﴾ ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ﴾، وهذا حقيقة الإخلاص. * ومن فوائدها: الإشارة إلى القاعدة المشهورة، وهي أن التخلية قبل التحلية، ليس تحلية الماء، التحلية؛ يعني: التزيين، التخلية قبل التحلية، تؤخذ مِن ﴿نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ﴾ هذه تخلية، ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ﴾ هذه تحلية. ووجه كون التخلية قبل التحلية أن التحلية إذا وردت على محل غير نظيف صارت ناقصة متلوثة، فأنت طهِّر المحل أولًا، ثم حلِّه ثانيًا، وهكذا كلمة الإخلاص؛ (لا إله) نفي، (إلا الله) إثبات، الأول تخلية، والثاني تحلية. * من فوائد الآية الكريمة: بطلان عبادة ما سوى الله؛ لأن النهي يقتضي البطلان والفساد، فلما نُهِينَا عن عبادة ما سوى الله دلَّ ذلك على أنها باطلة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كغيره يحتاج إلى العلم؛ لقوله: ﴿لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي﴾. فإن قال قائل: في هذا إشكال كبير، وهو كيف يكون الرسول عليه الصلاة والسلام لم يعلم ببطلان هذه الآلهة إلا حين جاءه النهي، مع أن بطلان هذه الآلهة مركوزٌ في الفطر والعقول؟ أما كونه مركوزًا في الفِطر فلقوله ﷺ: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا عَلَى الْفِطْرَةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٩٩)، ومسلم (٢٦٥٨ / ٢٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، والفطرة هي عبادة الله وحده، وأما العقل فلأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام استدل على بطلان الآلهة بدليل عقلي حين قال لأبيه: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم ٤٢]. قلنا: إن الرسول ﷺ يعلم بطلان هذه الآلهة، لكنه أسند هذا العلم إلى الآيات البينات لإثبات الرسالة، فتكون الرسالة مؤيِّدةً لما تقتضيه الفطرة ويدل عليه العقل. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام فهو آيات بينات ليس فيها خفاء؛ لقوله: ﴿الْبَيِّنَاتُ﴾. والعجب أن المشركين كانوا يتردَّدون إلى منزل الرسول عليه الصلاة والسلام خفية يستمعون القرآن؛ لأنه أخذ بألبابهم وعقولهم، لكنهم -والعياذ بالله- ينكرون استكبارًا ومُكابرةً. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير مِن خَفاءِ ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام؛ بمعنى أن الذي لا يرى أن ما جاء به الرسول متضمنٌ للآيات البينات فليعلم أن على قلبه غشاوة؛ لأن القلب النظيف النزيه لا بد أن يعرف أن ما جاء به الرسول حق بيِّنٌ، لكن قد تتراكم الذنوب على القلوب فلا تعرف الحق، قال الله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٣، ١٤]، فصاروا يرون هذا القرآن الكريم يرونه أساطير الأولين، نسأل الله ألا يعمي قلوبنا وقلوبكم، فالمسألة خطيرة، إذا لم تجد قلبك مستنيرًا بهذا القرآن -أو بعبارة أعم: بما جاء به الرسول- فاعلم أن في القلب بلاءً، فداوِ القلب ما دام في أول المرض؛ حتى لا يستشري المرض فيقضي على القلب، فلا تتمكن من إصلاحه بعد. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عناية الله تعالى برسوله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذلك في إثبات الربوبية الخاصة في قوله: ﴿مِنْ رَبِّي﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الإسلام لله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه لا بد للقلب من حركة؛ فإما إلى باطل، وإما إلى حق؛ لقوله: ﴿نُهِيتُ﴾، وهذا تفريغ، هذا الفراغ لا بد أن يكون له ما يملؤه وهو الإسلام؛ لأن كل شيء إذا لم يكن له بديلٌ سيبقى الأمر خاويًا، فإذا خُلِّيَ المكان من الباطل وجب أن يملأ بالحق. وهكذا أيضًا إذا تأملت وجدت كل شيء باطلٍ إذا لم يخلفه حق بقي الأمر خاويًا، فتذبذب الإنسان، لما قال الله تعالى: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ [البقرة ١٠٤]، ماذا قال؟ ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾، لا بد من قول، فإذا أُبْطِلَ الباطل فلا بد أن يخلفه الحق. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما سوى اللهِ لا يستحق أن يُسْلَمَ له؛ لقوله: ﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فمن كان ربَّ العالمين فهو الأحق بالإسلام له، ولا يوصف برب العالمين إلا الله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات عموم الربوبية لله؛ لقوله: ﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: مُراعاة الوصف المناسب وإن كان فيه عدولٌ عن الأشهر؛ لقوله: ﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ عدولًا عن (لله)، مع أن (الله) هو الأشهر، لكن اعتبار الوصف المناسب أولى، والله أعلم. * طالب: قلنا: إن الأمر لا يُعَدُّ نهيًا في الاصطلاح، ألا تنطبق عليه قاعدة (...)؟ * الشيخ: لا؛ لأن الأمر بالاجتناب يقتضي الفساد أيضًا. * طالب: شيخ بارك الله فيك، كيف نفرق بين الاسم اللازم والمتعدي؟ * الشيخ: ما تعدَّى إلى الغير فهو متعدٍّ، وما لا فلا. * الطالب: التفريق ليس لغويًّا؟ * الشيخ: لا، لغوي ومعنوي، إذا قلت: الله هو السميع، معناه لا بد من مسموع، لكن (الحي) ما يتعدى للغير، حيٌّ بنفسه، عظيم بنفسه، إي نعم. * الطالب: بالنسبة للأسماء اللازمة غير الحي والعظيم؟ * الشيخ: كثيرة: الجليل.. * طالب: شيخ أحسن الله إليك، تفريقنا بين دعاء المسألة ودعاء العبادة، أليس جميع الدعاء يعتبر من العبادة؟ * الشيخ: بلى، لكن فرق بين أن أقوم أصلي أو أقول: يا رب اغفر لي، الثاني سؤال صريحٌ. * الطالب: لكن كلاهما دعاء؟ * الشيخ: إحنا قلنا هكذا، قلنا: العبادة لماذا سميت دعاءً؟ لأن العابد يريد الثواب والنجاة من العقاب، فهو داعٍ بلسان الحال، أما الدعاء الصريح فهو بلسان المقال: اللهم اغفر لي وارحمني، وما أشبه ذلك. * الطالب: كلٌّ يطلق عليه عبادة. * الشيخ: إي نعم، لكن الدعاء عبادة؛ لأنك تتعبد لله وتذل له بالسؤال، والعبادة معروفة، وكلها أيضًا يُسمَّى مسألة؛ لأن العابد سائل. * طالب: شيخ بارك الله فيكم، الحمد هو وصف المحمود بالكمال على وجه التعظيم والمحبة، وقلنا: هذا أبلغ من المدح، في قوله عليه الصلاة والسلام: «لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٢٠)، ومسلم واللفظ له (٢٧٦٠ / ٣٥) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.]]، المدح ليس محبَّةً وتعظيمًا كما في تفسيرها اللغوي، فكيف هذا الإيراد؟ * الشيخ: المراد بالمدح هنا الحمد. * طالب: شيخ، بعضهم فسر: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ قال التقدير: أحق، وقال: إن الإله في اللغة العربية لا تأتي للآلهة الباطلة، وورودها في القرآن من باب التنزل مع الخصم؟ * الشيخ: خطأ، هذا ما هو صحيح؛ لأن هؤلاء المشركين يتعبَّدون لهذه الأصنام كما يتعبَّد المؤمنون لله، يعظمونها في نفوسهم، ألم تسمع قول أبي سفيان يوم أحد: أُعْلُ هُبَل. * الطالب: من باب المشاكلة؟ * الشيخ: أبدًا ولا مشاكلة، الأصل الحقيقة. * طالب: شيخ، بعض السلف استحسن إذا قلت: لا إله إلا الله مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون؟ * الشيخ: هذا ليس بصحيح، استحسانٌ في غير محله؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يقول في أذكار الصلاة: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ»[[أخرج أبو داود (١٥٠٦) بسنده من حديث عبد الله بن الزبير قال: كان النبي ﷺ إذا انصرف من الصلاة، يقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله، مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون، أهل النعمة والفضل والثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون».]]، الحمد لله رب العالمين ولَّا ولو كره الكافرون؟ * الطالب: ولو كره.. * الشيخ: طيب. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما يقول أبدًا، إحنا لا نقول: إنها مشروعة. * طالب: ذكرتم في الآية أن مطلق الحياة يكون على الله وعلى غيره، ثم استشهدت بقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك ٢]، الاستشهاد هنا.. * الشيخ: الاستدلال. * الطالب: بس ما يكون فيه تقدير محذوف: وخلق الحياة؟ * الشيخ: بلى، هو خلق الحياة، والحياة المخلوقة حياة من؟ حياة المخلوق، إذن مطلق الحياة يكون لله ويكون للمخلوق، أنا أردت أن أستدل بهذه الآية عدولًا عن قوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [الأنعام ٩٥]؛ لأن هذه صريحة في أن الحياة مخلوقة، ولا يمكن أن تكون حياة مخلوقة إلا حياة المخلوق. * طالب: النهي (...) صيغة المضارع، طيب صيغة الماضي؟ * الشيخ: ما يمكن ترد (لا) بصيغة الماضي. * الطالب: (نُهِيتُ)؟ * الشيخ: لا، هذه ليست صيغة النهي. * الطالب: نهيت (...)؟ * الشيخ: (لا) هي نهي لا شك، النهي المعنوي غير النهي الاصطلاحي، ﴿اجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج ٣٠]، هذا نهي ولَّا غير نهي؟ وليس نهيًا اصطلاحًا. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، النهي في الاصطلاح هو طلب الكفِّ على وجه الاستعلاء بصيغة هي المضارع المقرون بـ(لا) الناهية. * الطالب: (...). * الشيخ: هذا تعريفه عند العلماء، أما النهي بالمعنى العام يعني ما دلَّ على النهي، حتى الاستفهام بمعنى الإنكار يدل على النهي، حتى لو قلت لواحد فعل شيئًا غير مرغوب فيه تقول: أتفعل هذا؟ لأنك مستفهم الآن، لكنه متضمن للنهي، تعريفه اصطلاحًا هو هذا، ولسنا نتكلم عما يفيد النهي. ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ﴾ لو قلت: إن هذا نهي، قلنا: غلط، بل نقول: هذا أمر بالاجتناب. * الطالب: (نُهِيتُ)؟ * الشيخ: لا، ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ﴾، (نُهِيتُ) هذه صيغةُ فعلٍ ماضٍ لكن ما هي صيغةُ نهيٍ، إخبار بأنه نُهِيَ، فما صيغة النهي؟ لا تعبد الذين يدعون من دون الله، هذا معناها. الآن الْتبس على الأخ النهي بالمعنى والنهي بالصيغة؛ النهي بالصيغة المصطلح عليه هو طلب الكَفِّ على وجه الاستعلاء بصيغة المضارع المقرون بـ(لا) الناهية، هذا النهي، وأما ما دلَّ على النهي بغير هذه الصيغة فإنه لا يُسَمَّى نهيًا اصطلاحًا، وإن كان نهيًا بالمعنى لكن ليس نهيًا بالاصطلاح. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧) هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [غافر ٦٧ - ٧٣]. * الشيخ: لا، هذه آية؟ عندك آية هذه؟ * الطالب: إي نعم. * طالب آخر: بس ما كمَّل الآية. * الشيخ: لا، ﴿تُشْرِكُونَ﴾ هي آخر آية؟ * الطالب: إي نعم، عندي آخر الآية. * الشيخ: طيب خلاص، رُؤوس الآي يوقف عليها وإن تعلَّق ما بعدها بها، يعني يجوز أن تقول: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون ٤] وتقف، ثم تقول: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون ٥]. ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [غافر ٧٣]، ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [غافر ٧٤] متعلِّقٌ بها، لكن إن كانت هي رأس آية فهو توقيفيٌّ يوقف عليه. * الطالب: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ [غافر ٧٣، ٧٤].

غافر 40:67

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ إلى آخره. ﴿خَلَقَكُمْ﴾ أي: ابتدأ خلقكم، والخلق بمعنى الإيجاد مع التقدير، قال الشاعر: وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ ∗∗∗ وَبَعْضُ النَّاسِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَايَفْرِي فهو إيجاد بتقدير. ﴿مِنْ تُرَابٍ﴾ قال: (بخلقِ أبيكم آدم منه)، فالأصل أننا من تراب؛ من هذه الأرض ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه ٥٥]، فالأرض هي الأول والآخر بالنسبة لبني آدم إلى يوم البعث. (﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ مَنِيٍّ) وهذا باعتبار نسل آدم عليه الصلاة والسلام، ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ هذا الطور الثالث، والثاني باعتبار نسل آدم، والعلقة قال: (دم غليظ) مثل الخيط، ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾، وطوى الله تعالى ذكر المضغة وإنشاء الخلق الآخر إلى قوله: (﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ بمعنى أطفالًا)، وإنما قال: (بمعنى أطفالًا)؛ لأنها حالٌ من الكاف في ﴿يُخْرِجُكُمْ﴾، وهي جمع، و(طفل) مفرد، وعلى هذا فيتعيَّن أن يكون طفلٌ بمعنى أطفالًا، وقيل: إن ﴿طِفْلًا﴾ بمعنى المفرد، وإن المعنى: ثم يخرج كل واحد منكم طفلًا، فيكون ﴿يُخْرِجُكُمْ﴾ جمعًا باعتبار المجموع؛ أي: أن كل واحد منا يخرج طفلًا، وعلى هذا فلا حاجة إلى تأويل (طفل) بمعنى أطفال. ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ قال: (﴿ثُمَّ﴾ يُبْقيكم ﴿لِتَبْلُغُوا﴾ )، وإنما قدَّر ذلك لأن اللام تحتاج إلى متعلق، وعلى هذا فمتعلقها محذوف، والتقدير: ثم يبقيكم. (﴿لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ تتكامل قوتكم من الثلاثين سنة إلى الأربعين) هذا بلوغ الأشد، أقوى ما يكون الإنسان من ثلاثين سنة إلى أربعين، ثم يبدأ بالانحدار شيئًا فشيئًا، ولكن قد يكون هناك عوامل توجِبُ أن تبقى قوته مدة من الزمن أكثر، وقد تكون هناك عوامل توجِبُ أن تنهدم قوته قبل تمام الأربعين، لكن في الأصل أنه إذا تم الإنسان أربعين سنة بدأ في الضعف. ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾؛ أي: كامل قوتكم. (﴿ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ بضم الشيء وكسرها) يعني: ﴿شِيُوخًا﴾ و﴿شُيُوخًا﴾، والقراءتان سبعيتان، وهذه طريق المؤلف إذا ذكر الوجهين جميعًا فمعناه أن القراءتان سبعيتان، ﴿ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾؛ يعني كبارًا تبلغوا سن الشيخوخة. قال: (﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ﴾ أي: قبل الأشد والشيخوخة) قال: (فعل ذلك بكم لتعيشوا ﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى﴾ )، والمفسِّر يُقدِّر ذلك لوجود حرف العطف، وهو قوله: ﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى﴾، (﴿أَجَلًا مُسَمًّى﴾ وقتًا محدودًا) والمسمى بمعنى المعيَّن، وهو بمعنى المحدود. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: تكونون من ذوي العقول وتفهمون حكمة الله عز وجل في تقديره وتشريعه، فأنتم ترون الآن أن القدر يكون فيه المقدَّر شيئًا فشيئًا حتى يكبر، وهكذا الشرع تكون فيه الشرائع شيئًا فشيئًا حتى تكمُلَ، وهذه من سُنة الله تعالى الكونية وسنته الشرعية؛ أن الأمور لا تأتي دفعة واحدة، بل تتطور حتى تبلغ الكمال، وهذا من الحكمة البالغة. وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ليس المراد بذلك عقل الإدراك بل المراد بذلك عقل التدبير والرشد؛ لأن العقل عقلان: عقل إدراك تتوقف عليه التكاليف الشرعية، ولهذا يقال: من شروط صحة الصلاة العقل، والمراد به عقل الإدراك. وعقل تدبير ورشد، وهو حسن التصرف، ولهذا نقول: إن الكفار لا يعقلون، مع أنهم بالنسبة لعقل الإدراك أقوياء أشداء أذكياء، لكن عقل التدبير والتصرف هم خالون منه. ﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ في هذه الآيات بيَّن الله سبحانه وتعالى منشأ بني آدم وغاية بني آدم. * ففيها من الفوائد: * أولًا: بيان أن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلقنا وحده وأنه لا خالق إلا الله، وقد قال الله تبارك وتعالى في سورة الطور: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور ٣٥]، ما الجواب؟ جوابنا: أنه لم يُخْلَقوا من غير شيء، وليسوا هم الخالقين، إذن فلهم خالق. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان أن أصل بني آدم هو التراب؛ لقوله: ﴿مِنْ تُرَابٍ﴾، والتراب معروف أنه يختلف، ومن ثَمَّ اختلفت طبائع بني آدم، واختلفت ألوان بني آدم، واختلفت ألسنة بني آدم، كما اختلف أصْلُهم، فالتراب -كما تعرفون- منه الرمل والطين والسباخ، وغير ذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: انتقال هذا الأصل إلى أصل آخر، وهو الماء، النطفة، المني، ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق ٥ - ٧]، وفي آية أخرى: ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات ٢٠]؛ يعني: غليظ لا يندفع ولا يجري؛ لأنه غير سائل، ليس كالماء المائع الذي يسيل، بل هو ماء مهين؛ أي: ضعيف لا يتحرك. * ومن فوائد الآية الكريمة: تطور خلق الإنسان في بطن أمه. وهنا لم يذكر الله عز وجل إلا النطفة والعلقة؛ لأن النطفة هي الأصل، والعلقة هي أصل مادة الحياة؛ إذ إن الحياة لا تكون إلا بالدم وهو أصل المادة، ولهذا لو تفرغ دم الإنسان لهلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل أنه بعد هذه الحال في بطن أمه يخرج طفلًا متكاملًا. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الله قسَّم الناس بعد خروجهم أطفالًا إلى أقسام: القسم الأول: أن يبلغ الإنسان أشده ثم يموت. والثاني: أن يبلغ الشيخوخة. والثالث: أن يموت قبل ذلك؛ أي: قبل بلوغ الأشد وقبل الشيخوخة. وعلى أي أساس يكون هذا؟ نقول: هذا محض مشيئة الله عز وجل، ليس له أساس معلوم، لكنه محض المشيئة، لكن مع كونه محض المشيئة قد يُقدِّر الله تعالى أسبابًا كونية وأسبابًا شرعية بها يطول العمر وتبقى الصحة، وقد يقدر الله أسبابًا على العكس من ذلك. فمن الأسباب الشرعية ما ذكره النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، وَيُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٨٦) ومسلم (٢٥٥٧/٢١) من حديث أنس رضي الله عنه، ولفظه: «من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه».]]، هذا دليل على أن صلة الرحم من أسباب سعة الرزق وطول العمر، فييسِّر الله تعالى لهذا العبد أن يصل رحمه فيطول عمره، وهذا شيء مكتوب، ولكننا لا علم لنا به، فحثَّنا النبي ﷺ عليه بهذه الطريقة. وأما الأسباب الكونية فهي توقي الأسباب الضارة في الصحة، وهذا شيء لا نهاية له، وهو أمر معلوم، وأكثر من يعرفه الأطباء، فييسِّر الله تعالى للإنسان من أسباب الصحة من دواء وغذاء وهواء ما يكون به طول العمر. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأجل مهما طال بالإنسان فإنه محدودٌ له غاية، مع أن الإنسان في نفسه يمد أملًا بعيدًا جدًّا، يظن أنه سيبقى عشرات المئات، ولكنه في الواقع مهما بلغ فإن الأجل محتوم، والشيء المحدود المعدود غايته النهاية؛ لأن كل يوم يمضي ينقص العمر، قال الشاعر: وَالْمَرْءُ يَفْرَحُ بِالْأَيَّامِ يَقْطَعُهَا ∗∗∗ وَكُلُّ يَوْمٍ مَضَى يُدْنِي مِنَالْأَجَلِ وهذا صحيح؟ نعم، المرء يفرح بالأيام يقطعها، يقول: ما شاء الله عمري طويل، ومُتِّعْت كثيرًا، لكن وكل يوم مضى يدني من الأجل، يعني إذن يطول من وجه، ويقصُرُ من وجه آخر، ثم عند انتهاء الأجل: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات ٤٦]. وقِسْ ما يستقبل بما مضى، الآن منا من عمِّر ستين سنة أو خمسين سنة أو عشرين سنة، أو ما أشبه ذلك، هذه الأيام التي مضت كأنها ساعة؛ يعني الآن أنت اليوم كأنت بالأمس، وأنت بالأمس كأنت قبل أمس، كأنها ساعة، كأنها أحلام، ولذلك قال: ﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان نعمة الله عز وجل علينا بالعلم والبيان؛ لأن ذلك سبب لبلوغ الغاية في العقل؛ وذلك لقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات تعليل أحكام الله؛ أي: أن أحكام الله تعالى مُعلَّلة بحكمة. وهل هذا مقتصرٌ على الأحكام الشرعية، أو على الأحكام الشرعية والكونية؟ الجواب: الثاني؛ فكل أحكام الله الكونية والشرعية كلها مُعلَّلة؛ يعني كلها لحكمة، لكن هذه الحكمة قد تكون معلومة لنا، والناس يختلفون في هذا اختلافًا عظيمًا متباينًا؛ منهم من يطلعه الله عز وجل على أسرار خلقه وأسرار شرعه، ومنهم من لا يطلعه، ومنهم مَن بين ذلك. وكذلك أحكام الله الشرعية كلها لحكمة، كلها مُعلَّلة. وما يذكره الفقهاء من أن هذا الحكم تعبدي لا يعنون بذلك أنه ليس له علة، وإنما يعنون بذلك أن علته غير معلومة لنا، فنحن ليس لنا إلا مجرد التعبُّد، ولهذا لما سألت المرأة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: «ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: كان يصيبنا ذلك، فنُؤْمَرُ بقضاء الصوم ولا نُؤْمَرُ بقضاء الصلاة»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢١)، ومسلم واللفظ له (٣٣٥ / ٦٩) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]، هذه الحكمة، إذن الحكمة شرع الله، شرع الله كله حكمة، لكن لو أراد إنسان أن يلتمس لذلك حكمة معقولة فلا حرج عليه. * ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على أهل العقل، أي: على العقلاء؛ لأن الله تعالى جعله غاية فقال: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. ذكرنا الآن أن أحكام الله الكونية والشرعية لها حكمة، فإن قال قائل: ماذا تجيبون عن قوله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء ٢٣]؟ الجواب: أنه لا منافاة؛ لأن الله لم يقل: لا حكمة لما يفعل، بل قال: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾؛ لأن كل ما يفعله فهو حكمة لا يُسْأل عنه، نعلم أنه ما فعله إلا لحكمة فلا يُسْأل.

غافر 40:68

ثم قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ هذا كالأول جملة استئنافيةٌ تبيِّن كمال قدرة الله عز وجل، ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي: يجعل الحياة في الميت والموتَ في الحي، ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ وحده أو مع غيره؟ وحده، لا أحد يحيي ويميت، ولهذا قال إبراهيم للذي حاجه في ربه، ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة ٢٥٨]، فلا يمكن أن يحيي أحد ميتًا ولا أن يميت حيًّا. فإن قيل: أليس عيسى ابن مريم يحيي الموتى؟ قلنا: بلى، ولكن بإذن الله، بنفس الآية ﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران ٤٩]. فإن قيل: أليس الرجل يقتل الآخر وهو حي فيموت؟ قلنا: بلى، لكن ما فعله هو سبب الموت وليس هو الإماتة، وكثيرًا ما تقطَعُ أوداج الإنسان ويشق بطنه، ثم يبقى حيًّا ويحيى، فالحاصل -يا جماعة- أن الإحياء والإماتة بيد الله عز وجل. (﴿فَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ أراد إيجاد شيء ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ) ﴿أَمْرًا﴾ هنا بمعنى شأنًا؛ أي: فهو واحد الأمور وليس واحد الأوامر، أي: إذا قضى شأنًا من الشؤون وقدَّره فإنه لا يعجزه أن يوجده. بماذا يوجده؟ بالكلمة؛ كُنْ فيكون ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران ٥٩]، ولهذا يوصف عيسى بأنه كلمة الله؛ أي: كان بكلمته، فالحاصل أنه إذا قضى أمرًا وقدَّره قال له: كنْ، فيكون. وهل المراد الموجودات أو المعدومات أو الكل؟ الكل، حتى لو أراد إعدام شيء قال له: كنْ، فينعدم، فقول المؤلف: (إيجاد شيء) لو زادها: (أو إعدامه) لكان خيرًا؛ لأنه إذا قضى أمرًا من إيجاد أو إعدام قال له: كنْ، فيكون. غيرُ الله عز وجل، لو أردت أن تهدم بيتًا تبقى أيامًا وأنت تهدمه، لكن الله إذا أراد أن يهدم هذا البيت أو القرية كلها بكاملها ماذا؟ يقول: كنْ، فيكون؛ تنهدم، تكون هباء. فإذن نقول: إذا قضى أمرًا بإيجاد شيء أو إعدامه فإنما يقول له: كنْ، فيكون، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر ٤٩]، كل شيء بقدر؛ الصغير والكبير، المتعلق بأفعاله وأفعال عباده، كل شيء خلقه فهو بقدر، ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ [القمر ٥٠] ويتأخر المأمور؟ * طالب: لا. * الشيخ: أيش هو؟ ﴿كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾، لمح البصر ليس شيء أسرع منه، واحد بدون تكرار، ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ الفاء للتعقيب. وقال تعالى في بعث الناس: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣، ١٤]، سبحان الله ما أعظم قدرة الله! كلمة واحدة بها تكون الأشياء كلها كما أراد الله عز وجل، انتبهوا للنقطة الأخيرة: تكون كما أراد الله، وإن كان هذا المأمور لا يعلم به، لكن لا بد أن يكون كما أراد الله، لما قال القلم: «رَبِّ مَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه أبو داود (٤٧٠٠)، والترمذي (٢١٥٥) من حديث عبادة بن الصامت.]]، وماذا فعل؟ كتب ما هو كائن إلى يوم القيامة مع أنه لا يعلم، لكن أُمِرَ فلا بد أن يمتثل. ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت ١١] ما فيه إكراه، طوعٌ. إذن نقول: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾؛ أي: بإيجاد شيء أو إعدام شيء، ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُُنْ فَيَكُونُُ﴾ الفاء في قوله: ﴿فَإِنَّمَا﴾ رابطة لجواب (إذا)، وهي تدل على التعقيب. وقوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ بدون تأخير؟ * طلبة: بدون تأخير. * الشيخ: بدون تأخير؛ لأن الفاء هذه للتعقيب. قال: (بضم النون وفتحها بتقدير أنَّ) إذن فيها قراءتان: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾، ﴿كُنْ فَيَكُونَ﴾ ؛ فعلى القراءة الأولى تكون الفاء للاستئناف، وعلى الثانية تكون الفاء فاء السببية التي ينتصب بعدها الفعل، وهي معروفة في علم النحو. قال: (بتقدير أنَّ؛ أي: يوجد عقب الإرادة التي هي معنى القول المذكور) اللهم اعف عن هذا المؤلف، يقول: (عقب الإرادة التي هي بمعنى القول المذكور) يريد أن ينفي بذلك القول؛ يعني أن قوله: ﴿إِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ﴾ إنما يريد أن يقول؛ لأنه -عفا الله عنه- يريد أن ينفي قول الله عز وجل، فإن مذهبه مذهب الأشاعرة الذين يقولون: إن الكلام هو المعنى القائم بالنفس، وليس شيئًا يُسْمَع، وليس توجيهًا يُصَدَّر إلى الموجَّه إليه، مع أن الآية صريحة: ﴿إِنَّمَا يَقُولُ لَهُ﴾ قولٌ صريحٌ مُصدَّرٌ، ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. يكون معنى: ﴿يَقُولُ لَهُ﴾ -على كلامه- أي: يريد أن يكون فكان، ولا شك أن هذا تحريف للكلم عن مواضعه، نسأل الله تعالى أن يعفو عمَّن حرفه بحسن نية، والمؤلف لا نعتقد فيه -إن شاء الله- إلا الخير، لكنه أخطأ في هذا، والصواب أنه يقول: قولًا مسموعًا يسمعه الموجَّه إليه، فيمتثل أمر الله عز وجل. * في هذه الآية الكريمة: بيان أن الله تعالى هو الذي يحيي ويميت، وهذا من تمام ربوبيته. * ومن فوائدها: أن الإحياء والإماتة ليست بصعبة عليه؛ لقوله: ﴿فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. * ومن فوائدها: الرد على منكري البعث الذين قالوا: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨]. وجهه؟ أنه إذا قضى البعث ماذا يقول؟ كُنْ، فيكون، ولهذا قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾ [يس ٧٧ - ٨٠] إلى أن قال: ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]. ولنأتي على بيان الأدلة الدالة على قُدرة الله عز وجل على إحياء الموتى في هذه الآيات، لقد ذكر الله تعالى ثمانية أوجه على قدرته على إحياء الموتى: الوجه الأول: قوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. وجه الدلالة؟ * طالب: لأن الذي أحياها أول مرة هو الذي يستطيع أن يحييها مرة أخرى. * الشيخ: أحسنت، لأن الذي قدر على إنشائها أول مرة قادر على إعادتها؛ لأن الإعادة أهون ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧]. الدليل الثاني: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾. وجه الدلالة؟ * طالب: يستلزم القدرة؛ يعني قادر على أن يحيي. * طالب آخر: الذي يخلق المخلوقات عالم بما خلق. * الشيخ: كيف يخلقها، يعني هو لا يخفى عليه الخلق، فإذا كان لا يخفى عليه الخلق فما الذي يعجزه؟ هو على كل شيء قدير. ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾. وجه دلالة هذه الجملة على قدرة الله على إحياء الموتى؟ * طالب: الله هو الذي خقلنا، فلا يعجزه أن يجعل من الشجر الأخضر نارًا. * الشيخ: لا، الذي جعل من الشجر الأخضر نارًا قادر على أن يعيدنا. وجه الدلالة؟ * الطالب: الله عز وجل خلق الشجر أصله وهو أخضر، فلما حوَّله من الخضار إلى نار.. * الشيخ: صار حطبًا يوقد. * الطالب: نعم. * الشيخ: لا، غلط. * طالب: لما كان أول خلقه للشجر كان حيًّا، فلما مات الشجر أحياه مرة أخرى بأن يستفيد منه. * الشيخ: هذا كلامه. * طالب: ما دام سبحانه وتعالى صير الشجر الأخضر وهو ضد النار -أي: لا يشتعل- هو قادر على أن يُحْيِيَ. * الشيخ: إي، فيه شجر معروف في الحجاز إذا ضربته بالقدح هكذا اشتعل نارًا، فخرجت النار من ضدها، فالذي أخرج الضد من ضده قادر على أن يحييَ الموتى، الشجر الأخضر فيه الرطوبة والبرودة، والنار فيها اليبوسة والحرارة، فيخرِجُ هذه المادة الحارة اليابسة من مادة رطبةٍ باردةٍ، وهذا من تمام القدرة. وقوله: ﴿فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ هذا للتأكيد؛ تأكيد أنه خرج هذا وأوقدتموه. ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى﴾ [يس ٨١]. وجه الدلالة؟ * طالب: أن الذي خلق السماوات والأرض قادر على إعادة إحياء.. * الشيخ: يقدر على إعادة إحياء أو على إحياء الموتى؟ * الطالب: إحياء الموتى. * الشيخ: طيب، وجه الدلالة؟ * الطالب: كذلك كما أنه خلق السماوات والأرض على عظمتهما، فخلق الإنسان من باب أولى، أو إعادته. * الشيخ: أحسنت، لأن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، فالقادر على الأكبر قادر على ما دونه. ﴿وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾. * طالب: (...). * الشيخ: طيب، فإذا كان الخلاق العليم فهو قادر على أن يخلق كل شيء، ومنه إعادة الموتى، هذا دليل خامس. ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]. وجه الدلالة؟ * طالب: أن ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق الشرط فتعم كل شيء. * الشيخ: نعم، فتعم كل شيء حتى إحياء الموتى. ﴿أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ لا يحتاج إلى أعوان ولا تردد. ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يس ٨٣]. هذه الجملة وجه الدلالة منها؟ * طالب: ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ نكرة في سياق النفي، فبيده ملكوت. * الشيخ: ما هي نفي. * الطالب: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من عموم (كل)، فإنه إذا كان مالكًا لكل شيء فالبعث يدخل ضمن العموم. * طالب آخر: وجه آخر: ﴿فَسُبْحَانَ﴾ تنزيه الله عن النقائص، ومنها العجز عن الإحياء. * الشيخ: طيب، هذان وجهان. * طالب: وجه ثالث: أن كون الله تعالى مالك كل شيء فهو خالق كل شيء، فخالق الشيء مالك له. * الشيخ: العموم. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ هذا الثامن. * طالب: فيه وجه الدلالة أنهم يرمون أنهم يموتون وينتهون كما يرون (...)، فالله سبحانه تعالى أثبت أنهم سيرجعون إليه، ولا يرجعون إلا بإعادة، الإحياء. * الشيخ: نبغي أوضح من هذا. * طالب: لأنه لا يمكن أن يرجع إلا إذا (...). * الشيخ: طيب، وغير هذا، اختلف اللفظ. * طالب: يرجعهم الذي خلقهم. * الشيخ: كيف يرجعهم الذي خلقهم؟ * الطالب: القادر على إرجاعهم قادر على إحيائهم. * الشيخ: القادر على إرجاعهم، ما يصح، ما يستقيم، نقول: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ لولا هذا الرجوع لكان الخلق عبثًا، فكوننا لا بد أن نرجع إلى الله إذن لا بد من إحياء، وإلا لكانت الحياة كلها عبثًا. فانظر إلى تقرير الله عز وجل الإحياء بعد الموت؛ لأنه ينبني عليه العمل، لو أن أحدًا لا يؤمن بيوم الحساب لم يعمل، يعمل لأي شيء؟ ما دام ليس فيه إلا الحياة الدنيا نموت ونحيا فلأي شيء نعمل؟! إذن الإنسان يعمل للدنيا؛ ينهب ويسرق ويزني ويشرب الخمر، ويعمل كل شيء؛ لأنه ليس وراء هذه الدنيا شيء، فلا يمكن أن نستقيم إلا بالإيمان باليوم الآخر، ولهذا تجدون الله عز وجل يقرن الإيمان باليوم الآخر بالإيمان به في مواضع كثيرة، ربما لو أحصيناها لوجدناها أكثر من الإيمان به وبرسله؛ لأن الإيمان باليوم الآخر عليه أساس العمل، ونحن لولا أننا نعتقد ونؤمن بأن أعمالنا أمامنا يوم القيامة ما حرصنا على العمل الصالح؛ لأنه يذهب هباء، فلهذا الإيمان باليوم الآخر من أعظم الباعث على الاستقامة، أما من لا يؤمن بالله -والعياذ بالله- ولا بالبعث فهذا سيكون عمله كله هباء. طيب، وقفنا على قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾. * طالب: هل الله سبحانه وتعالى يقول للشيء: كنْ، يعني هذه الكلمة (...)؟ * الشيخ: هل هذه من الأمور الغيبية أو الأمور الحسية؟ * الطالب: الغيبية. * الشيخ: طيب من الأمور السمعية أو العقلية؟ * الطالب: السمعية. * الشيخ: إذن نقف على ما جاء به السمع ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾، الله أعلم. * طالب: شيخ، بالسنة لبعض الذين يعتقدون في المشايخ وكذا، يقولون: إن الشيخ ينفع ويضر ولكن بإذن الله تعالى، نريد ردًّا حاسمًا عليهم؛ لأنه تشكل هذه المسألة، يقولون: هم ينفعون ويضرون لكن بإذن الله وبإرادة الله؟ * الشيخ: نقول: أين الدليل على أن الله أذن لهم؟ * الطالب: يقولون: الدليل الحس. * الشيخ: ما هو الحس؟ * الطالب: كثرة حصول هذا الشيء. * الشيخ: طيب كثرة حصول هذا الشيء؛ إما أن يكون شيئًا يدركه كل إنسان، فلا ميزة للمشايخ، مثل الدعاء؛ يدعو فيستجيب الله، وإما أن يكون شيئًا لا يدركه الإنسان، فهو من الشياطين، الشياطين تخدم هؤلاء الشيوخ؛ لأنهم يضلون عن سبيل الله، والشيطان لا يريد منا إلَّا أن يوقع بيننا العداوة والبغضاء ويصدنا عن ذكر الله، فنقول هذا، وإلا لا شك أنهم يغرون العوام، يقولون: تعالَ، تبغي أخلي حمارك حصانًا، ثم يدعو الله عز وجل ظاهرًا، والشيطان يحول هذا الحمار إلى حصان بالرؤية، وإلا حقيقة اللي يروح شوي لصار الحصان حمارًا، يعني نوع من السحر ونوع من التمويه، وهم يأكلون أموال الناس بالباطل. أنا سمعت من بعض الجهات في أفريقيا، المشايخ يقولون: إنه قد رُفِعَ عنا التكليف، ما حاجة نصوم ولا نصلي ولا نزكي ولا شيء، ورُفِعَ عنا كل المحرمات، ولهذا يكون الواحد منهم مثل التيس يتزوج خمسين امرأة أو أكثر بعقد نكاح أيش؟ * طالب: باطل. * الشيخ: لا، شرعي عنده، هو ولي مرفوع عنه التكاليف، ويقول: هذه التكاليف ما هي إلا وسائل حتى تصل إلى الغاية؛ إذا وصلت للغاية خلاص بطلت التكاليف، كالرجل يتأهب للسفر ويركب السيارة، أو يأخذ عصا الجمل، فإذا وصل إلى البلد رماها، نسأل الله العافية، والشياطين تخدمه. حتى ذكر شيخ الإسلام أن بعض الناس يقول: إني رأيتك أنت في عرفة -أنت يا ابن تيمية- وهو في الشام ما حج، قال: هذا الشيطان يتمثل بي، ويقول: أنا ابن تيمية، ويقول: اللي يبغي ويقول: هذا حلال، وهذا حرام، إي نعم. * طالب: الخلاق من أسماء الله. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: والخالق؟ * الشيخ: والخالق من أسماء الله، مثل: الغفور، وغافر الذنب، والغفار. * الطالب: (...) من يقول: سبحان من أمره بين الكاف والنون؟ * الشيخ: ما هو بصحيح هذا، من أمره بعد الكاف والنون، (كنْ)، هو يكون بعد الكاف والنون ولا بينهن؟ بعد الكاف والنون؛ يعني أمرٌ هنا بمعنى مأمور، فإن كان الأمر الذي هو فعله -يعني أمره- فهو قبل الكاف والنون، وإن كان الأمر الذي هو مأموره فهو بعد الكاف والنون. * الطالب: جائز؟ * الشيخ: لا، ما هو جائز، جائز وهو ما هو بصحيح؟ * الطالب: بعد؟ * الشيخ: إي، بعد، أو تقول: أما أمره بالكاف والنون، أو لا تقول هذه كلها.. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (٧٤) ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥) ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [غافر ٦٩ - ٧٧]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، نبتدئ دراستنا في حلقات الصيف لهذا العام ١٤١٦، في هذا اليوم السبت العاشر من شهر صفر من هذا العام، ونسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح. وإني أقول لكم: إن العلم يحتاج إلى مكابدة وإلى مصابرة وإلى دأبٍ، وكلما عوَّد الإنسان نفسه على ذلك اعتاده وصار أمرًا سهلًا عليه، أما إذا ركن إلى الكسل والدعة والسكون فإنه يصعب عليه جدًّا أن يكون مجتهدًا؛ لأن النفس وما تعودت، والإنسان في طلب العلم كالمجاهد في سبيل الله في إعداد العدة؛ لأن الله تعالى جعل الجهاد في سبيل الله والعلم عديلين، حيث قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾؛ يعني: لا يمكن أن يخرجوا جميعًا في الجهاد، ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾؛ يعني: وقعدت طائفة، ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة ١٢٢] ﴿لِيَتَفَقَّهُوا﴾ الفاعل هم الفرقة الباقية، ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾. بل قال بعض العلماء: إن طلب العلم أوكد من الجهاد في سبيل الله؛ لأن طلب العلم ينبني عليه الجهاد، والعلم لا ينبني على الجهاد، بل إن المجاهد لا يمكن أن يجاهد على الوجه الصحيح إلا بطلب العلم، فلهذا كان أوكد. إذن فبقاء الإنسان يُطالع ويراجع ويذاكر ويحفظ في العلم الشرعي هو كالمجاهد في سبيل الله سواء بسواء. ولو سئلنا: أيهما أفضل الجهاد في سبيل الله أو طلب العلم؟ قلنا: لا يمكن أن نفضِّل أحدهما على الآخر على الإطلاق، فمن الناس من نقول له: طلب العلم في حقك أفضل. ومن الناس من نقول: الجهاد في حقك أفضل، ولهذا تجدون أجوبة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في التفاضل بين الأعمال أنه يخاطب كل إنسان بما تقتضيه حاله. وبهذا ينفك الإشكال الذي يرد على النفس، حيث يقول الرسول عليه الصلاة والسلام في بعض الأحاديث: أفضل الأعمال كذا وكذا، وفي بعضها: أفضل الأعمال كذا وكذا، فيقال: إن هذا الاختلاف هو على حسب حال المخاطَب. نقول: بعض الناس طلب العلم أفضل في حقه، وبعض الناس الجهاد في حقه أفضل، فمن كان وعاءً للعلم حفاظًا فاهمًا مُكابدًا للعلم، فهذا طلب العلم في حقه أفضل؛ لأنه ينتج أكثر. في التفاضل بين الأعمال أنه يُخاطَب كلَّ إنسان بما تقتضيه حاله، وبهذا ينفكُّ الإشكال الذي يَرِدُ على النفس حيث يقول الرسول ﷺ في بعض الأحاديث: (أفضل الأعمال كذا وكذا)، وفي بعضها: (أفضل الأعمال كذا وكذا)، فيقال: إن هذا الاختلاف هو على حسب حال المخاطب. نقول: بعض الناس طلب العلم أفضل في حقه، وبعض الناس الجهاد في حقه أفضل؛ فمن كان وعاء للعلم حفَّاظًا فاهمًا مكابدًا للعلم فهذا طلب العلم في حقه أفضل؛ لأنه يُنتِج أكثرَ وينفع المسلمين أكثر. ومن كان على غيرِ هذه الحال، قليل الحفظ قليل الفهم، ولكنه شجاع قوي بطل فهنا الجهاد في حقه أفضل، ولكلٍّ درجات مما عملوا.

غافر 40:69

يقول الله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ [غافر ٦٩]. ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ هذا الاستفهام للتقرير؛ لأنَّ همزة الاستفهام إذا دخلت على النفي صارت مُقرِّرة له، فمعنى ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أي: رأيت، والخطاب إما للرسول ﷺ أو لكل ما يصحُّ أنْ يتوجَّه إليه الخطاب، وهذا الخطاب يَرِد كثيرًا في القرآن. وقد بيَّنَّا أن الخطاب الموجه إلى الرسول ﷺ أو الذي ظاهره أنه موجه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: ما هو مختص به قطعًا. والقسم الثاني: ما هو عامٌّ له وللأمة قطعًا. والقسم الثالث: ما لا يتبين فيه هذا ولا هذا. أما الأول وهو الخاص بالرسول قطعًا فهو خاصٌّ به، ولا إشكال في ذلك، مثل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح ١، ٢]، ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى ٦، ٧]، وما أشبهها، الخطاب هنا لمن؟ للرسول عليه الصلاة والسلام خاصَّة ولا يشمل الأمة. وأما الذي له ولغيره قطعًا فمثلُ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق ١]، لم يقل: إذا طلقت النساء، فدلَّ هذا على أن الخطاب الخاص به له وللأمة؛ لأنه خاطبه أولًا بالنداء ثم وجَّه الخطاب إلى الأمة عمومًا، فقال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ فدلَّ هذا على أن الخطاب الخاصَّ به بالنداء ليس خاصًّا به بل هو له وللأمة. ما ليس كذلك؛ يعني: ما ليس هذا ولا هذا: اختلف فيه العلماء رحمهم الله هل هو خطاب خاص بالرسول عليه الصلاة والسلام ولا يشمل الأمة إلا حكمًا على سبيل التَّأسِّي به أو إنه عامٌّ للرسول عليه الصلاة والسلام ولغيره، ويكون الخطاب فيه لمن يصح خطابه؟ والخلاف في مثل هذا يكاد يكون لفظيًّا؛ لأن الجميع متفقون على أن هذا الحكم ثابت للرسول ولغيره، لكن إذا قلنا: إنه خاص به صار بالنسبة لغيره عامًّا على وجه التأسِّي والقدوة، لكن الحكم لا يختلف في الواقع؛ لأنه إن لم يشملِ الأمة لفظًا فقد شملها حكما للأمر بالتأسِّي به صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهنا ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾ [غافر ٦٩] من أي الأقسام الثلاثة؟ هذا مما يدخله الاحتمال؛ أنه خاصٌّ بالرسول عليه الصلاة والسلام أو عامٌّ لكل من يتوجَّه إليه الخطاب. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ قال المؤلف: (القرآن) وهذا التفسير يعتبر قاصرًا؛ لأن آيات الله أعظم من كونها كونية أو شرعية، وأعظم من كونها بالقرآن أو التوراة أو الإنجيل أو غيرها من الكتب المنزَّلَة على الرسل. فالصواب أن نقول: في آيات الله الكونية والشرعية، وأَوْلَى ما يدخل فيها القرآن. والمجادلة هي المنازعة مع الخصم من أجل صَرْفِه عمَّا كان عليه من المخاصمة، مأخوذة من الجَدْلِ وهو فَتْلُ الحبل حتى يحتكم ويكون قويًّا، هؤلاء الذين يجادلون في آيات الله يجادلون مَنْ؟ يجادلون الرسل وأتباعهم، فالمجادلة بين الرسل وأتباعهم كانت منذ أن أُرْسِل الرسل إلى يومنا هذا، ولا تستغرِبْ أن يوجد مَنْ يجادل في آيات الله عز وجل في هذا الزمن؛ لأن هذا هو سنة الله عز وجل منذ أرسل الرسل؛ قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان ٣١]، كل نبي له عدو من المجرمين، وإذا كان له عدو من المجرمين فلا بد لهذا العدو أن يجادِلَ، وبالتالي أن يُجالِد بالسيوف. المجادلة في آيات الله الكونية: أن ينكِر أن يكون الله هو الخالق، وقد وُجِد هذا فعلًا؛ وُجِد مَنْ ينسب ما يحدث في الكون إلى الأمور الطبيعية دون أن يكون لها مدبر، وقال: هذه طبيعة تتفاعل وينتج منها ما يُشاهَد. يوجد مَنْ يجادل في آيات الله الكونية بالأمور التي دون ذلك؛ مثل أن يثبت شيئًا من الأسباب لم يجعله الله سببًا كما يحدث لأهل الجاهلية من التشاؤم بالطيور والأماكن والأزمان وما أشبه ذلك، فهم يتشاءمون مثلًا في الأزمان بشهر صفر، يقولون: إن هذا الشهر شهر شَرٍّ يتشاءمون به. يتشاءمون أيضًا بالطيور؛ بنوع الطير، أو بكيفية طيرانه، أو باتجاهه أو ما أشبه ذلك. يتشاءمون أيضًا بالأشخاص يرى الإنسان الرجل أول ما يراه فيتشاءم به، حتى كان هذا موجودًا إلى عصرنا فيما يظهر، بعض الناس في جهة ما من المملكة إذا أتى ليفتح دكانه ثم قابَلَهُ شخصٌ قبيح المنظر مثلا قال: خلاص اليوم شؤم، ما فيه بيع ولا شراء، هذا تشاؤم بالأشخاص، هذا أيضًا من المجادلة في آيات الله الكونية. أما المجادلة في آيات الله الشرعية فحدِّثْ ولا حرج؛ يكذِّبون بآيات الله الشرعية، ينكرونها، يجادلون في بعض الأمور فيها، يقولون: فيها تناقض، وفيها كذا وكذا، وأنواع الجدل كثيرة. يقول: (﴿أَنَّى﴾ كيف ﴿يُصْرَفُونَ﴾ عن الإيمان) يعني: كأن هذا استفهام تعجُّب وإنكار، كيف يصرفون عن الإيمان مع أنه واضح بيِّن فهم يصرفون عنه ويجادلون فيه؟! ثم قال: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ [غافر ٧٠] هذا بدل من قوله: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾ أو عطف بيان. والفرق بينهما: أن عطفَ البيان يشبِه الصفة في بيان المُبدَل منه، وأما البدل فقد يكون بدلًا مجرَّدًا عن الصفة، فمثلًا إذا قلت: جاء زيد أخوك، أخوك هنا بدل، لم نستفد منها شيئًا كثيرًا، لكن إذا جاء عطف البيان مثل هذه الآية: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ﴾ فقد استفدنا منها معنى هو إلى الصفة أقرب منه إلى البدلية، فلهذا يُسمونه عطف بيان. ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ﴾ أي قالوا: إنه كذب، والكتاب هنا محلًّى بـ(أل) كما تعلمون، فهل هي للعهد أو للاستغراق أو للجنس؟ أقرب شيء أنها للجنس، والمؤلف جعلها للعهد فقال: (القرآن) ولا شك أنه لا يجوز العدول عن الجنس أو بيان الحقيقة، لا يجوز العدول عن ذلك إلا بدليل انتبه. فما هو الأصل في (أل) أن تكون لبيان الحقيقة أو لبيان الجنس أو للعهد؟ نعم، لبيان الجنس؛ لأن بيان الجنس يعني الاستغراق، وهذا هو الأصل، فإذا جعلتها للعهد فقد عدلتَ بمعناها العام إلى معنى الخاص، وكذلك إذا جعلتها للحقيقة، ونحن نضرب ثلاثةَ أمثلةٍ ليتبيَّنَ الأمرُ: إذا قلت: الرجل خيرٌ من المرأة، هل هي للعموم؟ لا؛ لأن مِن النساء مَن هو خير من الرجال، إذن هذا لبيان الحقيقة. إذا أورد عليك مُورِد: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] لأي شيء هذا؟ للجنس يعني العموم، يعني: خلق كل إنسان ضعيفًا. إذا أُورِد عليكَ قولُ الله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل ١٥، ١٦] للعهد الذكري. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [النساء ١٧٠] هذا أيضًا للعهد الذهني. هنا المؤلف رحمه الله حمل قوله: ﴿الْكِتَابِ﴾ على العهد الذهني، وقال: إنه القرآن، والصواب أنه عام وأن المراد به جنس الكتاب؛ وذلك لأن التوراة كذَّب بها أناس، والإنجيل كذَّب به أناس، وكذلك الزبور، وبقية الكتب، وآخرها القرآن. (﴿وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ من التوحيد والبعث وهم كفار مكة ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ). ﴿وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ عطفها على قوله: ﴿بِالْكِتَابِ﴾ بإعادة العامل؛ لأن العطف يكون بإعادة العامل وبغير إعادة العامل، فتقول: مررت بزيد وعمرو، هذا عطف بدون إعادة العامل، مررت بزيدٍ وبعمرو هذا عطف بإعادة العامل، ويفيد إعادة العامل استقلال المعطوف عن المعطوف عليه؛ لأنه ليس تابعًا له من كل وجه بدليل إعادة العامل، فقوله: ﴿وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ يدلُّ على أن ما أرسلت به الرسل كأنه مستقل عن الكتاب؛ ولهذا كانت السُّنَّة بمثابة الكتاب في الدلالة ووجوب العمل بها. ﴿وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ قال المؤلف: (من التوحيد والبعث وهم كفار مكة) التوحيد يعني توحيد الله عز وجل بما يستحق من الأسماء والصفات، والعبادة، والربوبية، وأما البعث فهو إخراج الناس من قبورهم يوم القيامة. وقوله: (وهم كفار مكة) هذا لا وجه له؛ لأن هذا الوصف التكذيب بالكتاب وبما أرسل الله به الرسل لا يختص بأهل مكة، هم وغيرهم، فالأولى أن يُجعَل هذا عامًّا في كلِّ مَنْ كذَّب بمحمد ﷺ، بل نقول: عامًّا في كل مَنْ كذَّب الرسل. لكن إذا قال قائل: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ألا تدل على أن المراد بذلك الكفار الذين كذَّبوا محمدًا ﷺ؟ الجواب: لا؛ لأن قوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ تهديدٌ لما سيكون في الدنيا وما سيكون في الآخرة بدليل قوله: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾، والأغلال لا تكون في الأعناق إلا يوم القيامة. قال تعالى: (﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عقوبة تكذيبهم). (﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ إذ بمعنى إذا ﴿وَالسَّلَاسِلُ﴾ عطف على الأغلال فتكون في الأعناق، أو مبتدأ خبرُه محذوف أي: في أرجلهم أو خبرُه ﴿يُسْحَبُونَ﴾ أي: يجرون بها). قوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ هو تهديد بلا شك كقوله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر ٣، ٤]، سوف يعلمون إذا الأغلال في أعناقهم، فيقول المؤلف: إنَّ (إذ بمعنى إذا) ومن المعلوم أن (إذ) تأتي بالحاضر وتأتي للماضي، و(إذا) تكون للمستقبل، فما الذي جعل المؤلف رحمه الله يصرف معناها إلى المستقبل؟ جعله يصرف ذلك إلى المستقبل؛ لأن الأغلال لا تكون إلا يوم القيامة وهو مستقبل، ولكننا نقول: لا حاجة إلى ذلك، بل هي (إذ) على بابها، ولكنها حكاية حال، وحكاية الحال هي التي تجعل المستقبل كأنه حاضر، وهذا أبلغ في التهديد؛ يعني: كأن الأغلال الآن حاضرة؛ لأنها أمر مؤكد ولا بد أن يكون. الأغلال تكون في الأيدي كما قال الله تعالى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة ٦٤]، والسلاسل تكون في الأرجل كما قال الله تعالى: ﴿مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ [إبراهيم ٤٩، ٥٠]، لكن هنا يقول الله: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ﴾ تقتضي أن تكون السلاسل في الأعناق في محل الأغلال، ولكن فيه احتمال آخر بيَّنه رحمه الله بقوله: (عطف على الأغلال فتكون في الأعناق أو مبتدأ خبره محذوف أي: في أرجلهم) وعلى هذا إذا كانت مبتدأ تقول: الواو للاستئناف، والسلاسل مبتدأ، وخبره محذوف أي: في أرجلهم. (أو خبره ﴿يُسْحَبُونَ﴾ ) ويكون العائد محذوفًا والتقدير يسحبون بها، والسلاسل يسحبون بها، فهنا صار في إعراب السلاسل ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أنها معطوفة على الأغلال، فتكون السلاسل في الأعناق؛ يعني معناه أنه تُغَلُّ أيديهم إلى أعناقهم بسلاسل. والثاني: أن تكون السلاسل بالأرجُل، والخبر محذوف أي: في أرجلهم. والثالث: أن تكون السلاسل في الأرجل، والخبر قوله: ﴿يُسْحَبُونَ﴾، والمعنى: أنهم يسحبون بهذه السلاسل، وهذا المعنى هو أقربها لظاهر القرآن كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر ٤٨]، فهم إذا سُحِبوا على وجوههم ستكون السلاسل في الأرجل، فهذا أقربُ الاحتمالات التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى. وقوله: (﴿فِي الْحَمِيمِ﴾ أي: جهنم) ووصُفِتَ بذلك؛ لأنها شديدة الحرارة. (﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ يوقدون) لأن النار وقودها الناس والحجارة. * في هذه الآيات فوائد كثيرة: * أولًا: العجب من حال هؤلاء المكذبين بالكتاب وبما جاءت به الرسل؛ لقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ [غافر ٦٩]، وهم والله عجب، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد ٥]. * ومن فوائد هذه الآيات: أن الإنسان يُصْرَف عن الحق مع بيانه ووضوحه. * وهذا يؤدي إلى فائدة أخرى: وهي خوف الإنسان من أن يُصْرَف عن الحق. * وينتج عن ذلك فائدة ثالثة: وهو سؤال الإنسان ربَّه دائمًا أن يُثَبِّتَه؛ ولهذا كان من دعاء المؤمنين: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران ٨] فينبغي للإنسان أن يكون دائمًا على خوف، وأن يسأل الله الثبات دائمًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تهديد هؤلاء المكذبين بهذه العقوبة أن تُغَلَّ أيديهم يوم القيامة، وأن تُسلْسَل أرجلهم، وأن يسحبون في النار على وجوههم، وكل هذا يوجب للإنسان أن يُصَدِّق بالكتب وبما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام. * ومن فوائد هذه الآيات: أن الإنسان لا يعلم علمَ اليقين حتى يُشاهِد ما أخبرت به الرسل؛ لقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ﴾، وفي ذلك الوقت يُقِرُّون بالحق، ويقولون: ﴿قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [الأعراف ٥٣]، لكن هذا لا يمكنهم، ولا يمهل لهم في ذلك، بل قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام ٢٨]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثباتُ النَّار وأنها في أشد ما يكون من الحرارة؛ لقوله: ﴿فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر ٧٢]. هذا العذاب لا يخفى علينا جميعًا أنه عذاب بدنيٌّ جسدي، هناك عذاب قلبي بَيَّنه في قوله:

غافر 40:70

يقول الله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ [غافر ٦٩]. ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ هذا الاستفهام للتقرير؛ لأنَّ همزة الاستفهام إذا دخلت على النفي صارت مُقرِّرة له، فمعنى ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أي: رأيت، والخطاب إما للرسول ﷺ أو لكل ما يصحُّ أنْ يتوجَّه إليه الخطاب، وهذا الخطاب يَرِد كثيرًا في القرآن. وقد بيَّنَّا أن الخطاب الموجه إلى الرسول ﷺ أو الذي ظاهره أنه موجه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: ما هو مختص به قطعًا. والقسم الثاني: ما هو عامٌّ له وللأمة قطعًا. والقسم الثالث: ما لا يتبين فيه هذا ولا هذا. أما الأول وهو الخاص بالرسول قطعًا فهو خاصٌّ به، ولا إشكال في ذلك، مثل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح ١، ٢]، ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى ٦، ٧]، وما أشبهها، الخطاب هنا لمن؟ للرسول عليه الصلاة والسلام خاصَّة ولا يشمل الأمة. وأما الذي له ولغيره قطعًا فمثلُ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق ١]، لم يقل: إذا طلقت النساء، فدلَّ هذا على أن الخطاب الخاص به له وللأمة؛ لأنه خاطبه أولًا بالنداء ثم وجَّه الخطاب إلى الأمة عمومًا، فقال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ فدلَّ هذا على أن الخطاب الخاصَّ به بالنداء ليس خاصًّا به بل هو له وللأمة. ما ليس كذلك؛ يعني: ما ليس هذا ولا هذا: اختلف فيه العلماء رحمهم الله هل هو خطاب خاص بالرسول عليه الصلاة والسلام ولا يشمل الأمة إلا حكمًا على سبيل التَّأسِّي به أو إنه عامٌّ للرسول عليه الصلاة والسلام ولغيره، ويكون الخطاب فيه لمن يصح خطابه؟ والخلاف في مثل هذا يكاد يكون لفظيًّا؛ لأن الجميع متفقون على أن هذا الحكم ثابت للرسول ولغيره، لكن إذا قلنا: إنه خاص به صار بالنسبة لغيره عامًّا على وجه التأسِّي والقدوة، لكن الحكم لا يختلف في الواقع؛ لأنه إن لم يشملِ الأمة لفظًا فقد شملها حكما للأمر بالتأسِّي به صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهنا ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾ [غافر ٦٩] من أي الأقسام الثلاثة؟ هذا مما يدخله الاحتمال؛ أنه خاصٌّ بالرسول عليه الصلاة والسلام أو عامٌّ لكل من يتوجَّه إليه الخطاب. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ قال المؤلف: (القرآن) وهذا التفسير يعتبر قاصرًا؛ لأن آيات الله أعظم من كونها كونية أو شرعية، وأعظم من كونها بالقرآن أو التوراة أو الإنجيل أو غيرها من الكتب المنزَّلَة على الرسل. فالصواب أن نقول: في آيات الله الكونية والشرعية، وأَوْلَى ما يدخل فيها القرآن. والمجادلة هي المنازعة مع الخصم من أجل صَرْفِه عمَّا كان عليه من المخاصمة، مأخوذة من الجَدْلِ وهو فَتْلُ الحبل حتى يحتكم ويكون قويًّا، هؤلاء الذين يجادلون في آيات الله يجادلون مَنْ؟ يجادلون الرسل وأتباعهم، فالمجادلة بين الرسل وأتباعهم كانت منذ أن أُرْسِل الرسل إلى يومنا هذا، ولا تستغرِبْ أن يوجد مَنْ يجادل في آيات الله عز وجل في هذا الزمن؛ لأن هذا هو سنة الله عز وجل منذ أرسل الرسل؛ قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان ٣١]، كل نبي له عدو من المجرمين، وإذا كان له عدو من المجرمين فلا بد لهذا العدو أن يجادِلَ، وبالتالي أن يُجالِد بالسيوف. المجادلة في آيات الله الكونية: أن ينكِر أن يكون الله هو الخالق، وقد وُجِد هذا فعلًا؛ وُجِد مَنْ ينسب ما يحدث في الكون إلى الأمور الطبيعية دون أن يكون لها مدبر، وقال: هذه طبيعة تتفاعل وينتج منها ما يُشاهَد. يوجد مَنْ يجادل في آيات الله الكونية بالأمور التي دون ذلك؛ مثل أن يثبت شيئًا من الأسباب لم يجعله الله سببًا كما يحدث لأهل الجاهلية من التشاؤم بالطيور والأماكن والأزمان وما أشبه ذلك، فهم يتشاءمون مثلًا في الأزمان بشهر صفر، يقولون: إن هذا الشهر شهر شَرٍّ يتشاءمون به. يتشاءمون أيضًا بالطيور؛ بنوع الطير، أو بكيفية طيرانه، أو باتجاهه أو ما أشبه ذلك. يتشاءمون أيضًا بالأشخاص يرى الإنسان الرجل أول ما يراه فيتشاءم به، حتى كان هذا موجودًا إلى عصرنا فيما يظهر، بعض الناس في جهة ما من المملكة إذا أتى ليفتح دكانه ثم قابَلَهُ شخصٌ قبيح المنظر مثلا قال: خلاص اليوم شؤم، ما فيه بيع ولا شراء، هذا تشاؤم بالأشخاص، هذا أيضًا من المجادلة في آيات الله الكونية. أما المجادلة في آيات الله الشرعية فحدِّثْ ولا حرج؛ يكذِّبون بآيات الله الشرعية، ينكرونها، يجادلون في بعض الأمور فيها، يقولون: فيها تناقض، وفيها كذا وكذا، وأنواع الجدل كثيرة. يقول: (﴿أَنَّى﴾ كيف ﴿يُصْرَفُونَ﴾ عن الإيمان) يعني: كأن هذا استفهام تعجُّب وإنكار، كيف يصرفون عن الإيمان مع أنه واضح بيِّن فهم يصرفون عنه ويجادلون فيه؟! ثم قال: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ [غافر ٧٠] هذا بدل من قوله: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾ أو عطف بيان. والفرق بينهما: أن عطفَ البيان يشبِه الصفة في بيان المُبدَل منه، وأما البدل فقد يكون بدلًا مجرَّدًا عن الصفة، فمثلًا إذا قلت: جاء زيد أخوك، أخوك هنا بدل، لم نستفد منها شيئًا كثيرًا، لكن إذا جاء عطف البيان مثل هذه الآية: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ﴾ فقد استفدنا منها معنى هو إلى الصفة أقرب منه إلى البدلية، فلهذا يُسمونه عطف بيان. ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ﴾ أي قالوا: إنه كذب، والكتاب هنا محلًّى بـ(أل) كما تعلمون، فهل هي للعهد أو للاستغراق أو للجنس؟ أقرب شيء أنها للجنس، والمؤلف جعلها للعهد فقال: (القرآن) ولا شك أنه لا يجوز العدول عن الجنس أو بيان الحقيقة، لا يجوز العدول عن ذلك إلا بدليل انتبه. فما هو الأصل في (أل) أن تكون لبيان الحقيقة أو لبيان الجنس أو للعهد؟ نعم، لبيان الجنس؛ لأن بيان الجنس يعني الاستغراق، وهذا هو الأصل، فإذا جعلتها للعهد فقد عدلتَ بمعناها العام إلى معنى الخاص، وكذلك إذا جعلتها للحقيقة، ونحن نضرب ثلاثةَ أمثلةٍ ليتبيَّنَ الأمرُ: إذا قلت: الرجل خيرٌ من المرأة، هل هي للعموم؟ لا؛ لأن مِن النساء مَن هو خير من الرجال، إذن هذا لبيان الحقيقة. إذا أورد عليك مُورِد: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] لأي شيء هذا؟ للجنس يعني العموم، يعني: خلق كل إنسان ضعيفًا. إذا أُورِد عليكَ قولُ الله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل ١٥، ١٦] للعهد الذكري. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [النساء ١٧٠] هذا أيضًا للعهد الذهني. هنا المؤلف رحمه الله حمل قوله: ﴿الْكِتَابِ﴾ على العهد الذهني، وقال: إنه القرآن، والصواب أنه عام وأن المراد به جنس الكتاب؛ وذلك لأن التوراة كذَّب بها أناس، والإنجيل كذَّب به أناس، وكذلك الزبور، وبقية الكتب، وآخرها القرآن. (﴿وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ من التوحيد والبعث وهم كفار مكة ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ). ﴿وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ عطفها على قوله: ﴿بِالْكِتَابِ﴾ بإعادة العامل؛ لأن العطف يكون بإعادة العامل وبغير إعادة العامل، فتقول: مررت بزيد وعمرو، هذا عطف بدون إعادة العامل، مررت بزيدٍ وبعمرو هذا عطف بإعادة العامل، ويفيد إعادة العامل استقلال المعطوف عن المعطوف عليه؛ لأنه ليس تابعًا له من كل وجه بدليل إعادة العامل، فقوله: ﴿وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ يدلُّ على أن ما أرسلت به الرسل كأنه مستقل عن الكتاب؛ ولهذا كانت السُّنَّة بمثابة الكتاب في الدلالة ووجوب العمل بها. ﴿وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ قال المؤلف: (من التوحيد والبعث وهم كفار مكة) التوحيد يعني توحيد الله عز وجل بما يستحق من الأسماء والصفات، والعبادة، والربوبية، وأما البعث فهو إخراج الناس من قبورهم يوم القيامة. وقوله: (وهم كفار مكة) هذا لا وجه له؛ لأن هذا الوصف التكذيب بالكتاب وبما أرسل الله به الرسل لا يختص بأهل مكة، هم وغيرهم، فالأولى أن يُجعَل هذا عامًّا في كلِّ مَنْ كذَّب بمحمد ﷺ، بل نقول: عامًّا في كل مَنْ كذَّب الرسل. لكن إذا قال قائل: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ألا تدل على أن المراد بذلك الكفار الذين كذَّبوا محمدًا ﷺ؟ الجواب: لا؛ لأن قوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ تهديدٌ لما سيكون في الدنيا وما سيكون في الآخرة بدليل قوله: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾، والأغلال لا تكون في الأعناق إلا يوم القيامة. قال تعالى: (﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عقوبة تكذيبهم). (﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ إذ بمعنى إذا ﴿وَالسَّلَاسِلُ﴾ عطف على الأغلال فتكون في الأعناق، أو مبتدأ خبرُه محذوف أي: في أرجلهم أو خبرُه ﴿يُسْحَبُونَ﴾ أي: يجرون بها). قوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ هو تهديد بلا شك كقوله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر ٣، ٤]، سوف يعلمون إذا الأغلال في أعناقهم، فيقول المؤلف: إنَّ (إذ بمعنى إذا) ومن المعلوم أن (إذ) تأتي بالحاضر وتأتي للماضي، و(إذا) تكون للمستقبل، فما الذي جعل المؤلف رحمه الله يصرف معناها إلى المستقبل؟ جعله يصرف ذلك إلى المستقبل؛ لأن الأغلال لا تكون إلا يوم القيامة وهو مستقبل، ولكننا نقول: لا حاجة إلى ذلك، بل هي (إذ) على بابها، ولكنها حكاية حال، وحكاية الحال هي التي تجعل المستقبل كأنه حاضر، وهذا أبلغ في التهديد؛ يعني: كأن الأغلال الآن حاضرة؛ لأنها أمر مؤكد ولا بد أن يكون. الأغلال تكون في الأيدي كما قال الله تعالى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة ٦٤]، والسلاسل تكون في الأرجل كما قال الله تعالى: ﴿مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ [إبراهيم ٤٩، ٥٠]، لكن هنا يقول الله: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ﴾ تقتضي أن تكون السلاسل في الأعناق في محل الأغلال، ولكن فيه احتمال آخر بيَّنه رحمه الله بقوله: (عطف على الأغلال فتكون في الأعناق أو مبتدأ خبره محذوف أي: في أرجلهم) وعلى هذا إذا كانت مبتدأ تقول: الواو للاستئناف، والسلاسل مبتدأ، وخبره محذوف أي: في أرجلهم. (أو خبره ﴿يُسْحَبُونَ﴾ ) ويكون العائد محذوفًا والتقدير يسحبون بها، والسلاسل يسحبون بها، فهنا صار في إعراب السلاسل ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أنها معطوفة على الأغلال، فتكون السلاسل في الأعناق؛ يعني معناه أنه تُغَلُّ أيديهم إلى أعناقهم بسلاسل. والثاني: أن تكون السلاسل بالأرجُل، والخبر محذوف أي: في أرجلهم. والثالث: أن تكون السلاسل في الأرجل، والخبر قوله: ﴿يُسْحَبُونَ﴾، والمعنى: أنهم يسحبون بهذه السلاسل، وهذا المعنى هو أقربها لظاهر القرآن كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر ٤٨]، فهم إذا سُحِبوا على وجوههم ستكون السلاسل في الأرجل، فهذا أقربُ الاحتمالات التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى. وقوله: (﴿فِي الْحَمِيمِ﴾ أي: جهنم) ووصُفِتَ بذلك؛ لأنها شديدة الحرارة. (﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ يوقدون) لأن النار وقودها الناس والحجارة. * في هذه الآيات فوائد كثيرة: * أولًا: العجب من حال هؤلاء المكذبين بالكتاب وبما جاءت به الرسل؛ لقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ [غافر ٦٩]، وهم والله عجب، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد ٥]. * ومن فوائد هذه الآيات: أن الإنسان يُصْرَف عن الحق مع بيانه ووضوحه. * وهذا يؤدي إلى فائدة أخرى: وهي خوف الإنسان من أن يُصْرَف عن الحق. * وينتج عن ذلك فائدة ثالثة: وهو سؤال الإنسان ربَّه دائمًا أن يُثَبِّتَه؛ ولهذا كان من دعاء المؤمنين: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران ٨] فينبغي للإنسان أن يكون دائمًا على خوف، وأن يسأل الله الثبات دائمًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تهديد هؤلاء المكذبين بهذه العقوبة أن تُغَلَّ أيديهم يوم القيامة، وأن تُسلْسَل أرجلهم، وأن يسحبون في النار على وجوههم، وكل هذا يوجب للإنسان أن يُصَدِّق بالكتب وبما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام. * ومن فوائد هذه الآيات: أن الإنسان لا يعلم علمَ اليقين حتى يُشاهِد ما أخبرت به الرسل؛ لقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ﴾، وفي ذلك الوقت يُقِرُّون بالحق، ويقولون: ﴿قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [الأعراف ٥٣]، لكن هذا لا يمكنهم، ولا يمهل لهم في ذلك، بل قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام ٢٨]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثباتُ النَّار وأنها في أشد ما يكون من الحرارة؛ لقوله: ﴿فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر ٧٢]. هذا العذاب لا يخفى علينا جميعًا أنه عذاب بدنيٌّ جسدي، هناك عذاب قلبي بَيَّنه في قوله:

غافر 40:71

يقول الله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ [غافر ٦٩]. ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ هذا الاستفهام للتقرير؛ لأنَّ همزة الاستفهام إذا دخلت على النفي صارت مُقرِّرة له، فمعنى ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أي: رأيت، والخطاب إما للرسول ﷺ أو لكل ما يصحُّ أنْ يتوجَّه إليه الخطاب، وهذا الخطاب يَرِد كثيرًا في القرآن. وقد بيَّنَّا أن الخطاب الموجه إلى الرسول ﷺ أو الذي ظاهره أنه موجه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: ما هو مختص به قطعًا. والقسم الثاني: ما هو عامٌّ له وللأمة قطعًا. والقسم الثالث: ما لا يتبين فيه هذا ولا هذا. أما الأول وهو الخاص بالرسول قطعًا فهو خاصٌّ به، ولا إشكال في ذلك، مثل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح ١، ٢]، ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى ٦، ٧]، وما أشبهها، الخطاب هنا لمن؟ للرسول عليه الصلاة والسلام خاصَّة ولا يشمل الأمة. وأما الذي له ولغيره قطعًا فمثلُ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق ١]، لم يقل: إذا طلقت النساء، فدلَّ هذا على أن الخطاب الخاص به له وللأمة؛ لأنه خاطبه أولًا بالنداء ثم وجَّه الخطاب إلى الأمة عمومًا، فقال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ فدلَّ هذا على أن الخطاب الخاصَّ به بالنداء ليس خاصًّا به بل هو له وللأمة. ما ليس كذلك؛ يعني: ما ليس هذا ولا هذا: اختلف فيه العلماء رحمهم الله هل هو خطاب خاص بالرسول عليه الصلاة والسلام ولا يشمل الأمة إلا حكمًا على سبيل التَّأسِّي به أو إنه عامٌّ للرسول عليه الصلاة والسلام ولغيره، ويكون الخطاب فيه لمن يصح خطابه؟ والخلاف في مثل هذا يكاد يكون لفظيًّا؛ لأن الجميع متفقون على أن هذا الحكم ثابت للرسول ولغيره، لكن إذا قلنا: إنه خاص به صار بالنسبة لغيره عامًّا على وجه التأسِّي والقدوة، لكن الحكم لا يختلف في الواقع؛ لأنه إن لم يشملِ الأمة لفظًا فقد شملها حكما للأمر بالتأسِّي به صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهنا ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾ [غافر ٦٩] من أي الأقسام الثلاثة؟ هذا مما يدخله الاحتمال؛ أنه خاصٌّ بالرسول عليه الصلاة والسلام أو عامٌّ لكل من يتوجَّه إليه الخطاب. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ قال المؤلف: (القرآن) وهذا التفسير يعتبر قاصرًا؛ لأن آيات الله أعظم من كونها كونية أو شرعية، وأعظم من كونها بالقرآن أو التوراة أو الإنجيل أو غيرها من الكتب المنزَّلَة على الرسل. فالصواب أن نقول: في آيات الله الكونية والشرعية، وأَوْلَى ما يدخل فيها القرآن. والمجادلة هي المنازعة مع الخصم من أجل صَرْفِه عمَّا كان عليه من المخاصمة، مأخوذة من الجَدْلِ وهو فَتْلُ الحبل حتى يحتكم ويكون قويًّا، هؤلاء الذين يجادلون في آيات الله يجادلون مَنْ؟ يجادلون الرسل وأتباعهم، فالمجادلة بين الرسل وأتباعهم كانت منذ أن أُرْسِل الرسل إلى يومنا هذا، ولا تستغرِبْ أن يوجد مَنْ يجادل في آيات الله عز وجل في هذا الزمن؛ لأن هذا هو سنة الله عز وجل منذ أرسل الرسل؛ قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان ٣١]، كل نبي له عدو من المجرمين، وإذا كان له عدو من المجرمين فلا بد لهذا العدو أن يجادِلَ، وبالتالي أن يُجالِد بالسيوف. المجادلة في آيات الله الكونية: أن ينكِر أن يكون الله هو الخالق، وقد وُجِد هذا فعلًا؛ وُجِد مَنْ ينسب ما يحدث في الكون إلى الأمور الطبيعية دون أن يكون لها مدبر، وقال: هذه طبيعة تتفاعل وينتج منها ما يُشاهَد. يوجد مَنْ يجادل في آيات الله الكونية بالأمور التي دون ذلك؛ مثل أن يثبت شيئًا من الأسباب لم يجعله الله سببًا كما يحدث لأهل الجاهلية من التشاؤم بالطيور والأماكن والأزمان وما أشبه ذلك، فهم يتشاءمون مثلًا في الأزمان بشهر صفر، يقولون: إن هذا الشهر شهر شَرٍّ يتشاءمون به. يتشاءمون أيضًا بالطيور؛ بنوع الطير، أو بكيفية طيرانه، أو باتجاهه أو ما أشبه ذلك. يتشاءمون أيضًا بالأشخاص يرى الإنسان الرجل أول ما يراه فيتشاءم به، حتى كان هذا موجودًا إلى عصرنا فيما يظهر، بعض الناس في جهة ما من المملكة إذا أتى ليفتح دكانه ثم قابَلَهُ شخصٌ قبيح المنظر مثلا قال: خلاص اليوم شؤم، ما فيه بيع ولا شراء، هذا تشاؤم بالأشخاص، هذا أيضًا من المجادلة في آيات الله الكونية. أما المجادلة في آيات الله الشرعية فحدِّثْ ولا حرج؛ يكذِّبون بآيات الله الشرعية، ينكرونها، يجادلون في بعض الأمور فيها، يقولون: فيها تناقض، وفيها كذا وكذا، وأنواع الجدل كثيرة. يقول: (﴿أَنَّى﴾ كيف ﴿يُصْرَفُونَ﴾ عن الإيمان) يعني: كأن هذا استفهام تعجُّب وإنكار، كيف يصرفون عن الإيمان مع أنه واضح بيِّن فهم يصرفون عنه ويجادلون فيه؟! ثم قال: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ [غافر ٧٠] هذا بدل من قوله: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾ أو عطف بيان. والفرق بينهما: أن عطفَ البيان يشبِه الصفة في بيان المُبدَل منه، وأما البدل فقد يكون بدلًا مجرَّدًا عن الصفة، فمثلًا إذا قلت: جاء زيد أخوك، أخوك هنا بدل، لم نستفد منها شيئًا كثيرًا، لكن إذا جاء عطف البيان مثل هذه الآية: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ﴾ فقد استفدنا منها معنى هو إلى الصفة أقرب منه إلى البدلية، فلهذا يُسمونه عطف بيان. ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ﴾ أي قالوا: إنه كذب، والكتاب هنا محلًّى بـ(أل) كما تعلمون، فهل هي للعهد أو للاستغراق أو للجنس؟ أقرب شيء أنها للجنس، والمؤلف جعلها للعهد فقال: (القرآن) ولا شك أنه لا يجوز العدول عن الجنس أو بيان الحقيقة، لا يجوز العدول عن ذلك إلا بدليل انتبه. فما هو الأصل في (أل) أن تكون لبيان الحقيقة أو لبيان الجنس أو للعهد؟ نعم، لبيان الجنس؛ لأن بيان الجنس يعني الاستغراق، وهذا هو الأصل، فإذا جعلتها للعهد فقد عدلتَ بمعناها العام إلى معنى الخاص، وكذلك إذا جعلتها للحقيقة، ونحن نضرب ثلاثةَ أمثلةٍ ليتبيَّنَ الأمرُ: إذا قلت: الرجل خيرٌ من المرأة، هل هي للعموم؟ لا؛ لأن مِن النساء مَن هو خير من الرجال، إذن هذا لبيان الحقيقة. إذا أورد عليك مُورِد: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] لأي شيء هذا؟ للجنس يعني العموم، يعني: خلق كل إنسان ضعيفًا. إذا أُورِد عليكَ قولُ الله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل ١٥، ١٦] للعهد الذكري. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [النساء ١٧٠] هذا أيضًا للعهد الذهني. هنا المؤلف رحمه الله حمل قوله: ﴿الْكِتَابِ﴾ على العهد الذهني، وقال: إنه القرآن، والصواب أنه عام وأن المراد به جنس الكتاب؛ وذلك لأن التوراة كذَّب بها أناس، والإنجيل كذَّب به أناس، وكذلك الزبور، وبقية الكتب، وآخرها القرآن. (﴿وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ من التوحيد والبعث وهم كفار مكة ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ). ﴿وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ عطفها على قوله: ﴿بِالْكِتَابِ﴾ بإعادة العامل؛ لأن العطف يكون بإعادة العامل وبغير إعادة العامل، فتقول: مررت بزيد وعمرو، هذا عطف بدون إعادة العامل، مررت بزيدٍ وبعمرو هذا عطف بإعادة العامل، ويفيد إعادة العامل استقلال المعطوف عن المعطوف عليه؛ لأنه ليس تابعًا له من كل وجه بدليل إعادة العامل، فقوله: ﴿وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ يدلُّ على أن ما أرسلت به الرسل كأنه مستقل عن الكتاب؛ ولهذا كانت السُّنَّة بمثابة الكتاب في الدلالة ووجوب العمل بها. ﴿وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ قال المؤلف: (من التوحيد والبعث وهم كفار مكة) التوحيد يعني توحيد الله عز وجل بما يستحق من الأسماء والصفات، والعبادة، والربوبية، وأما البعث فهو إخراج الناس من قبورهم يوم القيامة. وقوله: (وهم كفار مكة) هذا لا وجه له؛ لأن هذا الوصف التكذيب بالكتاب وبما أرسل الله به الرسل لا يختص بأهل مكة، هم وغيرهم، فالأولى أن يُجعَل هذا عامًّا في كلِّ مَنْ كذَّب بمحمد ﷺ، بل نقول: عامًّا في كل مَنْ كذَّب الرسل. لكن إذا قال قائل: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ألا تدل على أن المراد بذلك الكفار الذين كذَّبوا محمدًا ﷺ؟ الجواب: لا؛ لأن قوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ تهديدٌ لما سيكون في الدنيا وما سيكون في الآخرة بدليل قوله: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾، والأغلال لا تكون في الأعناق إلا يوم القيامة. قال تعالى: (﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عقوبة تكذيبهم). (﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ إذ بمعنى إذا ﴿وَالسَّلَاسِلُ﴾ عطف على الأغلال فتكون في الأعناق، أو مبتدأ خبرُه محذوف أي: في أرجلهم أو خبرُه ﴿يُسْحَبُونَ﴾ أي: يجرون بها). قوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ هو تهديد بلا شك كقوله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر ٣، ٤]، سوف يعلمون إذا الأغلال في أعناقهم، فيقول المؤلف: إنَّ (إذ بمعنى إذا) ومن المعلوم أن (إذ) تأتي بالحاضر وتأتي للماضي، و(إذا) تكون للمستقبل، فما الذي جعل المؤلف رحمه الله يصرف معناها إلى المستقبل؟ جعله يصرف ذلك إلى المستقبل؛ لأن الأغلال لا تكون إلا يوم القيامة وهو مستقبل، ولكننا نقول: لا حاجة إلى ذلك، بل هي (إذ) على بابها، ولكنها حكاية حال، وحكاية الحال هي التي تجعل المستقبل كأنه حاضر، وهذا أبلغ في التهديد؛ يعني: كأن الأغلال الآن حاضرة؛ لأنها أمر مؤكد ولا بد أن يكون. الأغلال تكون في الأيدي كما قال الله تعالى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة ٦٤]، والسلاسل تكون في الأرجل كما قال الله تعالى: ﴿مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ [إبراهيم ٤٩، ٥٠]، لكن هنا يقول الله: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ﴾ تقتضي أن تكون السلاسل في الأعناق في محل الأغلال، ولكن فيه احتمال آخر بيَّنه رحمه الله بقوله: (عطف على الأغلال فتكون في الأعناق أو مبتدأ خبره محذوف أي: في أرجلهم) وعلى هذا إذا كانت مبتدأ تقول: الواو للاستئناف، والسلاسل مبتدأ، وخبره محذوف أي: في أرجلهم. (أو خبره ﴿يُسْحَبُونَ﴾ ) ويكون العائد محذوفًا والتقدير يسحبون بها، والسلاسل يسحبون بها، فهنا صار في إعراب السلاسل ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أنها معطوفة على الأغلال، فتكون السلاسل في الأعناق؛ يعني معناه أنه تُغَلُّ أيديهم إلى أعناقهم بسلاسل. والثاني: أن تكون السلاسل بالأرجُل، والخبر محذوف أي: في أرجلهم. والثالث: أن تكون السلاسل في الأرجل، والخبر قوله: ﴿يُسْحَبُونَ﴾، والمعنى: أنهم يسحبون بهذه السلاسل، وهذا المعنى هو أقربها لظاهر القرآن كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر ٤٨]، فهم إذا سُحِبوا على وجوههم ستكون السلاسل في الأرجل، فهذا أقربُ الاحتمالات التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى. وقوله: (﴿فِي الْحَمِيمِ﴾ أي: جهنم) ووصُفِتَ بذلك؛ لأنها شديدة الحرارة. (﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ يوقدون) لأن النار وقودها الناس والحجارة. * في هذه الآيات فوائد كثيرة: * أولًا: العجب من حال هؤلاء المكذبين بالكتاب وبما جاءت به الرسل؛ لقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ [غافر ٦٩]، وهم والله عجب، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد ٥]. * ومن فوائد هذه الآيات: أن الإنسان يُصْرَف عن الحق مع بيانه ووضوحه. * وهذا يؤدي إلى فائدة أخرى: وهي خوف الإنسان من أن يُصْرَف عن الحق. * وينتج عن ذلك فائدة ثالثة: وهو سؤال الإنسان ربَّه دائمًا أن يُثَبِّتَه؛ ولهذا كان من دعاء المؤمنين: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران ٨] فينبغي للإنسان أن يكون دائمًا على خوف، وأن يسأل الله الثبات دائمًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تهديد هؤلاء المكذبين بهذه العقوبة أن تُغَلَّ أيديهم يوم القيامة، وأن تُسلْسَل أرجلهم، وأن يسحبون في النار على وجوههم، وكل هذا يوجب للإنسان أن يُصَدِّق بالكتب وبما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام. * ومن فوائد هذه الآيات: أن الإنسان لا يعلم علمَ اليقين حتى يُشاهِد ما أخبرت به الرسل؛ لقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ﴾، وفي ذلك الوقت يُقِرُّون بالحق، ويقولون: ﴿قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [الأعراف ٥٣]، لكن هذا لا يمكنهم، ولا يمهل لهم في ذلك، بل قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام ٢٨]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثباتُ النَّار وأنها في أشد ما يكون من الحرارة؛ لقوله: ﴿فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر ٧٢]. هذا العذاب لا يخفى علينا جميعًا أنه عذاب بدنيٌّ جسدي، هناك عذاب قلبي بَيَّنه في قوله:

غافر 40:72

يقول الله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ [غافر ٦٩]. ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ هذا الاستفهام للتقرير؛ لأنَّ همزة الاستفهام إذا دخلت على النفي صارت مُقرِّرة له، فمعنى ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أي: رأيت، والخطاب إما للرسول ﷺ أو لكل ما يصحُّ أنْ يتوجَّه إليه الخطاب، وهذا الخطاب يَرِد كثيرًا في القرآن. وقد بيَّنَّا أن الخطاب الموجه إلى الرسول ﷺ أو الذي ظاهره أنه موجه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: ما هو مختص به قطعًا. والقسم الثاني: ما هو عامٌّ له وللأمة قطعًا. والقسم الثالث: ما لا يتبين فيه هذا ولا هذا. أما الأول وهو الخاص بالرسول قطعًا فهو خاصٌّ به، ولا إشكال في ذلك، مثل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح ١، ٢]، ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى ٦، ٧]، وما أشبهها، الخطاب هنا لمن؟ للرسول عليه الصلاة والسلام خاصَّة ولا يشمل الأمة. وأما الذي له ولغيره قطعًا فمثلُ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق ١]، لم يقل: إذا طلقت النساء، فدلَّ هذا على أن الخطاب الخاص به له وللأمة؛ لأنه خاطبه أولًا بالنداء ثم وجَّه الخطاب إلى الأمة عمومًا، فقال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ فدلَّ هذا على أن الخطاب الخاصَّ به بالنداء ليس خاصًّا به بل هو له وللأمة. ما ليس كذلك؛ يعني: ما ليس هذا ولا هذا: اختلف فيه العلماء رحمهم الله هل هو خطاب خاص بالرسول عليه الصلاة والسلام ولا يشمل الأمة إلا حكمًا على سبيل التَّأسِّي به أو إنه عامٌّ للرسول عليه الصلاة والسلام ولغيره، ويكون الخطاب فيه لمن يصح خطابه؟ والخلاف في مثل هذا يكاد يكون لفظيًّا؛ لأن الجميع متفقون على أن هذا الحكم ثابت للرسول ولغيره، لكن إذا قلنا: إنه خاص به صار بالنسبة لغيره عامًّا على وجه التأسِّي والقدوة، لكن الحكم لا يختلف في الواقع؛ لأنه إن لم يشملِ الأمة لفظًا فقد شملها حكما للأمر بالتأسِّي به صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهنا ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾ [غافر ٦٩] من أي الأقسام الثلاثة؟ هذا مما يدخله الاحتمال؛ أنه خاصٌّ بالرسول عليه الصلاة والسلام أو عامٌّ لكل من يتوجَّه إليه الخطاب. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ قال المؤلف: (القرآن) وهذا التفسير يعتبر قاصرًا؛ لأن آيات الله أعظم من كونها كونية أو شرعية، وأعظم من كونها بالقرآن أو التوراة أو الإنجيل أو غيرها من الكتب المنزَّلَة على الرسل. فالصواب أن نقول: في آيات الله الكونية والشرعية، وأَوْلَى ما يدخل فيها القرآن. والمجادلة هي المنازعة مع الخصم من أجل صَرْفِه عمَّا كان عليه من المخاصمة، مأخوذة من الجَدْلِ وهو فَتْلُ الحبل حتى يحتكم ويكون قويًّا، هؤلاء الذين يجادلون في آيات الله يجادلون مَنْ؟ يجادلون الرسل وأتباعهم، فالمجادلة بين الرسل وأتباعهم كانت منذ أن أُرْسِل الرسل إلى يومنا هذا، ولا تستغرِبْ أن يوجد مَنْ يجادل في آيات الله عز وجل في هذا الزمن؛ لأن هذا هو سنة الله عز وجل منذ أرسل الرسل؛ قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان ٣١]، كل نبي له عدو من المجرمين، وإذا كان له عدو من المجرمين فلا بد لهذا العدو أن يجادِلَ، وبالتالي أن يُجالِد بالسيوف. المجادلة في آيات الله الكونية: أن ينكِر أن يكون الله هو الخالق، وقد وُجِد هذا فعلًا؛ وُجِد مَنْ ينسب ما يحدث في الكون إلى الأمور الطبيعية دون أن يكون لها مدبر، وقال: هذه طبيعة تتفاعل وينتج منها ما يُشاهَد. يوجد مَنْ يجادل في آيات الله الكونية بالأمور التي دون ذلك؛ مثل أن يثبت شيئًا من الأسباب لم يجعله الله سببًا كما يحدث لأهل الجاهلية من التشاؤم بالطيور والأماكن والأزمان وما أشبه ذلك، فهم يتشاءمون مثلًا في الأزمان بشهر صفر، يقولون: إن هذا الشهر شهر شَرٍّ يتشاءمون به. يتشاءمون أيضًا بالطيور؛ بنوع الطير، أو بكيفية طيرانه، أو باتجاهه أو ما أشبه ذلك. يتشاءمون أيضًا بالأشخاص يرى الإنسان الرجل أول ما يراه فيتشاءم به، حتى كان هذا موجودًا إلى عصرنا فيما يظهر، بعض الناس في جهة ما من المملكة إذا أتى ليفتح دكانه ثم قابَلَهُ شخصٌ قبيح المنظر مثلا قال: خلاص اليوم شؤم، ما فيه بيع ولا شراء، هذا تشاؤم بالأشخاص، هذا أيضًا من المجادلة في آيات الله الكونية. أما المجادلة في آيات الله الشرعية فحدِّثْ ولا حرج؛ يكذِّبون بآيات الله الشرعية، ينكرونها، يجادلون في بعض الأمور فيها، يقولون: فيها تناقض، وفيها كذا وكذا، وأنواع الجدل كثيرة. يقول: (﴿أَنَّى﴾ كيف ﴿يُصْرَفُونَ﴾ عن الإيمان) يعني: كأن هذا استفهام تعجُّب وإنكار، كيف يصرفون عن الإيمان مع أنه واضح بيِّن فهم يصرفون عنه ويجادلون فيه؟! ثم قال: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ [غافر ٧٠] هذا بدل من قوله: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾ أو عطف بيان. والفرق بينهما: أن عطفَ البيان يشبِه الصفة في بيان المُبدَل منه، وأما البدل فقد يكون بدلًا مجرَّدًا عن الصفة، فمثلًا إذا قلت: جاء زيد أخوك، أخوك هنا بدل، لم نستفد منها شيئًا كثيرًا، لكن إذا جاء عطف البيان مثل هذه الآية: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ﴾ فقد استفدنا منها معنى هو إلى الصفة أقرب منه إلى البدلية، فلهذا يُسمونه عطف بيان. ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ﴾ أي قالوا: إنه كذب، والكتاب هنا محلًّى بـ(أل) كما تعلمون، فهل هي للعهد أو للاستغراق أو للجنس؟ أقرب شيء أنها للجنس، والمؤلف جعلها للعهد فقال: (القرآن) ولا شك أنه لا يجوز العدول عن الجنس أو بيان الحقيقة، لا يجوز العدول عن ذلك إلا بدليل انتبه. فما هو الأصل في (أل) أن تكون لبيان الحقيقة أو لبيان الجنس أو للعهد؟ نعم، لبيان الجنس؛ لأن بيان الجنس يعني الاستغراق، وهذا هو الأصل، فإذا جعلتها للعهد فقد عدلتَ بمعناها العام إلى معنى الخاص، وكذلك إذا جعلتها للحقيقة، ونحن نضرب ثلاثةَ أمثلةٍ ليتبيَّنَ الأمرُ: إذا قلت: الرجل خيرٌ من المرأة، هل هي للعموم؟ لا؛ لأن مِن النساء مَن هو خير من الرجال، إذن هذا لبيان الحقيقة. إذا أورد عليك مُورِد: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] لأي شيء هذا؟ للجنس يعني العموم، يعني: خلق كل إنسان ضعيفًا. إذا أُورِد عليكَ قولُ الله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل ١٥، ١٦] للعهد الذكري. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [النساء ١٧٠] هذا أيضًا للعهد الذهني. هنا المؤلف رحمه الله حمل قوله: ﴿الْكِتَابِ﴾ على العهد الذهني، وقال: إنه القرآن، والصواب أنه عام وأن المراد به جنس الكتاب؛ وذلك لأن التوراة كذَّب بها أناس، والإنجيل كذَّب به أناس، وكذلك الزبور، وبقية الكتب، وآخرها القرآن. (﴿وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ من التوحيد والبعث وهم كفار مكة ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ). ﴿وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ عطفها على قوله: ﴿بِالْكِتَابِ﴾ بإعادة العامل؛ لأن العطف يكون بإعادة العامل وبغير إعادة العامل، فتقول: مررت بزيد وعمرو، هذا عطف بدون إعادة العامل، مررت بزيدٍ وبعمرو هذا عطف بإعادة العامل، ويفيد إعادة العامل استقلال المعطوف عن المعطوف عليه؛ لأنه ليس تابعًا له من كل وجه بدليل إعادة العامل، فقوله: ﴿وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ يدلُّ على أن ما أرسلت به الرسل كأنه مستقل عن الكتاب؛ ولهذا كانت السُّنَّة بمثابة الكتاب في الدلالة ووجوب العمل بها. ﴿وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ قال المؤلف: (من التوحيد والبعث وهم كفار مكة) التوحيد يعني توحيد الله عز وجل بما يستحق من الأسماء والصفات، والعبادة، والربوبية، وأما البعث فهو إخراج الناس من قبورهم يوم القيامة. وقوله: (وهم كفار مكة) هذا لا وجه له؛ لأن هذا الوصف التكذيب بالكتاب وبما أرسل الله به الرسل لا يختص بأهل مكة، هم وغيرهم، فالأولى أن يُجعَل هذا عامًّا في كلِّ مَنْ كذَّب بمحمد ﷺ، بل نقول: عامًّا في كل مَنْ كذَّب الرسل. لكن إذا قال قائل: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ألا تدل على أن المراد بذلك الكفار الذين كذَّبوا محمدًا ﷺ؟ الجواب: لا؛ لأن قوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ تهديدٌ لما سيكون في الدنيا وما سيكون في الآخرة بدليل قوله: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾، والأغلال لا تكون في الأعناق إلا يوم القيامة. قال تعالى: (﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عقوبة تكذيبهم). (﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ إذ بمعنى إذا ﴿وَالسَّلَاسِلُ﴾ عطف على الأغلال فتكون في الأعناق، أو مبتدأ خبرُه محذوف أي: في أرجلهم أو خبرُه ﴿يُسْحَبُونَ﴾ أي: يجرون بها). قوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ هو تهديد بلا شك كقوله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر ٣، ٤]، سوف يعلمون إذا الأغلال في أعناقهم، فيقول المؤلف: إنَّ (إذ بمعنى إذا) ومن المعلوم أن (إذ) تأتي بالحاضر وتأتي للماضي، و(إذا) تكون للمستقبل، فما الذي جعل المؤلف رحمه الله يصرف معناها إلى المستقبل؟ جعله يصرف ذلك إلى المستقبل؛ لأن الأغلال لا تكون إلا يوم القيامة وهو مستقبل، ولكننا نقول: لا حاجة إلى ذلك، بل هي (إذ) على بابها، ولكنها حكاية حال، وحكاية الحال هي التي تجعل المستقبل كأنه حاضر، وهذا أبلغ في التهديد؛ يعني: كأن الأغلال الآن حاضرة؛ لأنها أمر مؤكد ولا بد أن يكون. الأغلال تكون في الأيدي كما قال الله تعالى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة ٦٤]، والسلاسل تكون في الأرجل كما قال الله تعالى: ﴿مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ [إبراهيم ٤٩، ٥٠]، لكن هنا يقول الله: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ﴾ تقتضي أن تكون السلاسل في الأعناق في محل الأغلال، ولكن فيه احتمال آخر بيَّنه رحمه الله بقوله: (عطف على الأغلال فتكون في الأعناق أو مبتدأ خبره محذوف أي: في أرجلهم) وعلى هذا إذا كانت مبتدأ تقول: الواو للاستئناف، والسلاسل مبتدأ، وخبره محذوف أي: في أرجلهم. (أو خبره ﴿يُسْحَبُونَ﴾ ) ويكون العائد محذوفًا والتقدير يسحبون بها، والسلاسل يسحبون بها، فهنا صار في إعراب السلاسل ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أنها معطوفة على الأغلال، فتكون السلاسل في الأعناق؛ يعني معناه أنه تُغَلُّ أيديهم إلى أعناقهم بسلاسل. والثاني: أن تكون السلاسل بالأرجُل، والخبر محذوف أي: في أرجلهم. والثالث: أن تكون السلاسل في الأرجل، والخبر قوله: ﴿يُسْحَبُونَ﴾، والمعنى: أنهم يسحبون بهذه السلاسل، وهذا المعنى هو أقربها لظاهر القرآن كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر ٤٨]، فهم إذا سُحِبوا على وجوههم ستكون السلاسل في الأرجل، فهذا أقربُ الاحتمالات التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى. وقوله: (﴿فِي الْحَمِيمِ﴾ أي: جهنم) ووصُفِتَ بذلك؛ لأنها شديدة الحرارة. (﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ يوقدون) لأن النار وقودها الناس والحجارة. * في هذه الآيات فوائد كثيرة: * أولًا: العجب من حال هؤلاء المكذبين بالكتاب وبما جاءت به الرسل؛ لقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ [غافر ٦٩]، وهم والله عجب، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد ٥]. * ومن فوائد هذه الآيات: أن الإنسان يُصْرَف عن الحق مع بيانه ووضوحه. * وهذا يؤدي إلى فائدة أخرى: وهي خوف الإنسان من أن يُصْرَف عن الحق. * وينتج عن ذلك فائدة ثالثة: وهو سؤال الإنسان ربَّه دائمًا أن يُثَبِّتَه؛ ولهذا كان من دعاء المؤمنين: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران ٨] فينبغي للإنسان أن يكون دائمًا على خوف، وأن يسأل الله الثبات دائمًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تهديد هؤلاء المكذبين بهذه العقوبة أن تُغَلَّ أيديهم يوم القيامة، وأن تُسلْسَل أرجلهم، وأن يسحبون في النار على وجوههم، وكل هذا يوجب للإنسان أن يُصَدِّق بالكتب وبما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام. * ومن فوائد هذه الآيات: أن الإنسان لا يعلم علمَ اليقين حتى يُشاهِد ما أخبرت به الرسل؛ لقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ﴾، وفي ذلك الوقت يُقِرُّون بالحق، ويقولون: ﴿قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [الأعراف ٥٣]، لكن هذا لا يمكنهم، ولا يمهل لهم في ذلك، بل قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام ٢٨]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثباتُ النَّار وأنها في أشد ما يكون من الحرارة؛ لقوله: ﴿فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر ٧٢]. هذا العذاب لا يخفى علينا جميعًا أنه عذاب بدنيٌّ جسدي، هناك عذاب قلبي بَيَّنه في قوله:

غافر 40:73

(﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ﴾ [غافر ٧٣] تبكيتًا ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ معه، وهي الأصنام) والاستفهام هنا لا شك أنه للتوبيخ والتنديم والتعجيز، كلها يتضمنها هذا الاستفهام، وهذا ألم قلبيٌّ؛ لأن الإنسان يندم أشد الندم إذا كانت هذه الأصنام التي كان يعبدها لتقرِّبَه إلى الله عز وجل كما يَدَّعِي ثم تضل عنها الآن ولا توجد، كما لو أمسكتَ عبدًا مثلًا وعذَّبْتَه وقلت: أين سيدك الذي تدعي أنه يحميك؟ أليس هذا يكون أشد ندمًا له؟ بلى، إذن فهؤلاء يُنَدَّمُون هذا التنديم، فيقال: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: مع الله وهي الأصنام، وحينئذ يتحسَّرون حسرة ليس فوقها حسرة. ولهذا يقولون إقرارًا إقرارَ المكره في الواقع: (﴿قَالُوا ضَلُّوا﴾ غابوا ﴿عَنَّا﴾ فلا نراهم). إذن عرفوا أنها لن تنفعهم، وأنها غابت عنهم في أشد ما يحتاجون إليها فيه، بل قالوا: ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ سبحان الله! يعني: أنكروا أن يكونوا أشركوا، كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام ٢٣، ٢٤] فالحاصل أنهم يُنَدَّمُون هذا الندم العظيم ثم ينكرون. يقول عز وجل: ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ ﴿نَدْعُو﴾ بمعنى نعبد؛ لأن الدعاء ينقسم إلى قسمين: دعاء مسألة ودعاء عبادة، وكلاهما متلازمان؛ فدعاء المسألة عبادة كما جاء في الحديث: «الدُّعَاءُ عِبَادَةٌ» »[[ أخرج أبو داود (١٤٧٩) بسنده عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: «الدُّعاءُ هو العِبادَةُ...» الحديث.]]، ودعاء العبادة أيضًا دعاء مسألة؛ لأنك لو سألتَ العابد: لماذا عبدْتَ الله؟ لقال: رجاءَ ثوابِهِ وخوف عقابه، فهو داعٍ بلسان الحال؛ ولذلك صار الدعاء بمعنى العبادة، والعبادة بمعنى الدعاء، وانظر إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر ٦٠]، لكن دعاء المسألة دعاء صريح في السؤال يقول القائل: رب اغفر لي وارحمني إلى آخره، ودعاء العبادة دعاء باللازم؛ لأن الإنسان إنما يعبد الله خوفًا من عقابه ورجاء لثوابه. دعاء المسألة دعاء عبادة صريح أو باللازم؟ عبادة باللازم؛ لأن السائل متذلِّل للمسؤول فهو متعبِّد له. قال: (﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ أنكروا عبادتهم إياها ثم أُحْضِرَت فقال الله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء ٩٨] أي: وقودها) وتمام الآية: ﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء ٩٨، ٩٩] فهؤلاء أنكروا، كذبوا على أنفسهم، ظنوا أن هذا سينفعهم كما لو أن الجاني في الدنيا أنكر جنايته ربما ينفعه ذلك، لكن في الآخرة لا ينفع، حتى إنهم إذا أنكروا خُتِمَ على أفواههم فتتكلم الأيدي والأرجل والجلود والألسُن بما تعمل، وحينئذ لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا. * في هذه الآية أيضًا من الفوائد: أن هؤلاء المكذِّبين بالكتاب وبما أرسل الله به الرسل يعذبون عذابًا جسديًّا بالسلاسل والأغلال والسحب في النار، ويعذَّبون عذابًا قلبيًّا بالتوبيخ والتقريع والتنديم فيقال: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [غافر ٧٣، ٧٤]. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات القول لله عز وجل، هل يمكن أن تُؤخَذ من الآية؟ * طالب: (...). * الشيخ: الآية لا تدلُّ على هذا؛ لأن القائل لم يُبَيِّن ﴿قِيلَ لَهُمْ﴾، ولكنها في آيات أخرى تدلُّ على أن الله يقول لهم ذلك: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص ٦٢]. مَنِ الذي يُنادِيهم؟ الله؛ لأنه قال: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾، ويمكن أن يقال: إنهم ينادَون من قِبَل اللهِ وينادَوْن أيضًا مِنْ قِبَل الملائكة الذين وكَّلهم الله عز وجل، أو يقال: إن الملائكة تناديهم، ولكن مناداتهم أُضيفَت إلى الله؛ لأنَّه الآمر بها، كما أضاف الله الوفاةَ إليه مع أن الذي تتوفى الأنفسَ مباشرة هي الرُّسُلُ، ولكن نقول: هذه الاحتمالات لا نُورِدُها مع وجودِ الظاهر؛ لأنَّ الكلامَ يُحمَلُ على أي شيء؟ على ظاهره، حتى يقومَ دليلٌ على صَرْفِه عن الظاهر، فإذا كان اللهُ يقول: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص ٦٢] صريحٌ بأنَّ المنادي هو الله فيبقى على ما هو عليه، ويُحمَل ما كان مبنيًّا للمفعول على أن المنادي هو الله عز وجل. * طالب: ﴿وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ [غافر ٧١] ما فيه عائد، يا شيخ؟ * الشيخ: ما فيه عائد؟ ذكرنا العائد؛ قلنا: العائد محذوف، والتقدير: يُسْحَبون بها، حذف العائد يجوز، كُلُّ ما يُعْلَم فحذفُه جائزٌ. * طالب: فسَّرتم الاستفهامَ أنَّه استفهامٌ تقريريٌّ. * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾. * الشيخ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾، نعم. * الطالب: ثم قلتم: من فوائدِه التَّعجُّب؟ * الشيخ: إي نعم؛ لقوله: ﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾. * الطالب: التعجب ليس فيه الاستفهام. * الشيخ: لا، من ﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ استفهام. * * * * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (٧٤) ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥) ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [غافر ٧٣ - ٧٦]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، قوله: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ مَنِ القائل؟ * طالب: القائل هو الله. * الشيخ: القائل هو الله. ما هو الدَّليل من القرآن؟ ﴿فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص ٦٢]. هل يحتمل معنى آخر أن القائل غيرُ الله أيضًا؟ * طالب: نعم، في نفس الآية، فيه احتمال؛ لأن الفاعل محذوف، لكن الآية الأخرى تثبت، ما تُبْقي احتمالًا. * الشيخ: ويمكن أن تكون الملائكة أيضًا، يعني حذف المفعول.. * طالب: ويمكن أن يكون القائلون الملائكة، ونُسِبَ إلى الله تعالى؛ لأنه الآمر كما أن.. * الشيخ: الآية التي ذكرها الأخ صريحة، لكن ما في القرآن آية تدل على أن الملائكة تُوُبِّخهم أيضًا؟ إذا كان فيه فلا مانع، تكون هذه الآية بُنِيَت لما لم يُسَمَّ فاعله لهذا السبب، طيب. ما المراد بهذا القيل؟ ما هو الغرض من هذا؟ * طالب: التوبيخ. * الشيخ: التوبيخ والتنديم طيب. إذن يكون جُمِعَ لهم بين العذاب؟ * طالب: القلبي والحسي. * الشيخ: القلبي والبدني؛ لأن تنديمَهم وتلويمهم لا شك أنه يؤثر عليهم. قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ [غافر ٧٤] ﴿كَذَلِكَ﴾ الكاف حرف، لكنَّها اسم في الواقع، فهي مفعول مطلق، وتقديرُ الكلام: مثل ذلك الإضلال يضل الله الكافرين، فهي حرف صورة، لكنها بالمعنى اسم، هذا الاسم محله من الإعراب مفعول مطلق للفعل الآتي بعده. وكما تعلمون أنَّ مثل هذا التعبير يأتي كثيرًا في القرآن، وإعرابه كما سمعتم أن الكاف حرف بمعنى مثل، وأن إعرابها مفعول مطلق للفعل الذي بعدها، والتقدير في كل سياق بحسبه، لكن في الآية التي معنا: مثل ذلك الإضلال يضل الله الكافرين. وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ [غافر ٧٤] أي: يجعلهم في ضلال. يقول المفسر: (﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثل إضلال هؤلاء المكذبين ﴿يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ ). قال: (ويقال لهم أيضًا ﴿ذَلِكُمْ﴾ العذاب ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ ) ﴿ذَلِكُمْ﴾: المشار إليه العذاب، والمخاطب: أولئك الكافرون، ولهذا جاءت الكاف بضمير الجماعة، وجاءت اسم الإشارة بالإشارة لمفردٍ مُذَكَّرٍ؛ لأن العذاب مفرد مذكر. واعلم أن اسم الإشارة وكاف الخطاب تارة يتفقان وتارة يختلفان؛ فاسم الإشارة يكون بحسب المشار إليه، وكاف الخطاب بحسب المخاطب، فإذا قيل لك: أَشِرْ إلى مفرد مذكر مخاطبًا جماعة نساء، فكيف تقول؟ * طالب: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾. * الشيخ: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف ٣٢]. أَشِرْ إلى مثنى مذكر مخاطبًا مثنى مؤنَّثًا. * طالب: ذانكما. * الشيخ: ذانكما، طيب. أَشِرْ إلى مفردة مؤنثة مخاطبًا جماعة ذكورٍ؟ * طالب: تانكم. * الشيخ: في القرآن ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا﴾ [الزخرف ٧٢]، المشار إليه مفرد مؤنث، والمخاطب جماعة ذكور. المهم هذه القاعدة؛ اسم الإشارة بحسب المشار إليه، وكاف الخطاب بحسب المخاطب، قد يتَّفقان وقد يختلفان. وقوله: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ﴾ الباء للسببية، و(ما) مصدرية، وعلامة (ما) المصدرية أن يصح تحويل ما بعدها إلى مصدر، فمثلًا قوله: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ﴾ إذا حوَّلْنَا ما بعدها إلى مصدر يكون التقدير: ذلكم بكونكم تفرحون في الأرض بغير الحق. وقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ﴾ معلومٌ أنَّ كان هذه للماضي؛ أي: قبل الموت. ﴿تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: تفرحون بالباطل، وذلك أنهم يفرحون بالشرك والكفر وكل من شاركهم في إثمهم فإنهم يفرحون به. وقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ قال المفسِّر: (مِنَ الإشراكِ وإنكارِ البعث)، وهذا في الواقع قصور إلا إذا كان يريد به التمثيل، وإلا فإن قوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أعم من الشرك وإنكار البعث، فهم يفرحون في الأرض بغير الحق؛ من الشرك، وإنكار البعث، والعدوان، وتحليل الحرام، وتحريم الحلال، كالسائبة، والوصيلة، والحام، وما أشبه ذلك. المهم أن قول المؤلف: (من الإشراك وإنكار البعث) هذا قصور ما لم يُرِدِ التمثيل، فإنْ أراد التَّمثيل فإن التمثيل لا يفيد الحصر. (﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ تتوسَّعون في الفرح) الواو حرف عطف، والباء للسببية، وهذا الجملة معطوفة على ما قبلها بإعادة العامل، ما هو العامل؟ الباء، والعطف بإعادة العامل يعني أن الثاني مستقل عن الأول، فهم يُعَذَّبُون بالأمرين جميعًا، يعذبون عذابًا خاصًّا بالفرح وعذابًا خاصًّا بالمرح، وبالباء للسببية، (﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ تتوسَّعون في الفرح). ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [غافر ٧٦] ﴿ادْخُلُوا﴾ فعل أمر، والآمر هم الملائكة، والأمر يراد به الإهانة، ليس أمر إكرام، ولكنه أمر إهانة، وإلزام؛ لأنه لا بد أن يدخلوا. وقوله: ﴿أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ جمع، فكم عدد الأبواب؟ عدد أبواب جهنم سبعة، كما قال الله تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر ٤٤]، وجهنم اسم من أسماء النار، وسُمِّيَت بذلك لأنها ذات جُهْمَة إذا قلنا: إن جهنم اسم عربي زيدت به النون. وإن قلنا: إنه اسم غير عربي، ولكنه عُرِّب فلا حاجة أن نقول: إنه مشتق من الجُهمة التي هي الظلمة والقعر، وأيًّا كان فهو اسم من أسماء النار أعاذنا الله وإياكم منها. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ ﴿خَالِدِينَ﴾ هذه حال من الفاعل في قوله: ﴿ادْخُلُوا﴾، وهذا الخلود هل هو طول المكث أو هو التأبيد؟ نقول: اللغة العربية يأتي فيها الخلود مُرادًا به طولُ المكث، ويأتي مرادًا به التأبيد، والمراد به هنا الثاني؛ يعني أنهم خالدون فيها أبدًا، ودليل ذلك أن الله تعالى صرح في القرآن الكريم بأن أهل النار خالدين فيها أبدًا في ثلاثة مواضع: الموضع الأول: قول الله تبارك تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩]. والآية الثانية: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥]. والآية الثالثة: قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣]. وبهذه الآيات الثلاث يتبيَّن ضعف بل بطلان قول مَنْ يقول: إن النار ليست مؤبدة وإنها تفنى، فإنَّ هذا القول منكر لأنه مخالف لصريح القرآن، ولا يمكن لإنسان يخالف صريح القرآن لمجرد تعليلاتٍ يعلِّلها مثل أن يقول: إن رحمة الله تعالى سبقت غضبه، وأن هؤلاء مآلهم إلى أن يفنوا هم والنار. يقال: نعم، رحمة الله سبقت غضبه، لكن وعد الله حَقٌّ، أليس كذلك؟ وإذا كان وعد الله حقًّا فإنهم يخلَّدون فيها أبدًا. وإذا قال قائل: التخليد الأبدي في هذا العذاب الأليم كيف يكون جزاء لإنسان لم يبق في الدنيا إلا مئة سنة أو ألف سنة؟ فيكون هنا العذاب أكثر من زمن العمل؛ لأنه ما فيه أحد بقي في الدنيا أبد الآبدين، فيقتضي هذا أن يكون فيه ظلم؛ لأنَّ الجزاء صار أكثر من العمل بكثير ولا يُنْسَب له، كما قلت لكم لنفرضْ أنَّ أحدًا من الناس عاش ألف سنة أو عشرة آلاف سنة، لكنه عاش إلى أمد، ثم نقول: عذابه مؤبد، يكون هذا ظلمًا؟ فيقال: إن هذا أمضى حياتَه الدنيا كُلَّها في مُحادَّة الله ورسُلَه فيمضي حياته الأخرى كلها في العذاب، وهذا عدل، ثم إن هذا الذي عُذِّب أبدًا قد قيل له في الدنيا، وبُيِّن له أن جزاءه العذابُ الأبديُّ، فلماذا يُقدِم على شيء يعرف أن هذا جزاؤه؟! وحينئذ لا ظلم ولا عذر للكافرين، فالمهم أن قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ يراد به الخلودُ الأبَدَيُّ ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [غافر ٧٦]، هذه الجملة جملة إنشائية يُراد بها الذم، ويقابل هذا في المدح ﴿نِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ ﴿فَبِئْسَ﴾ هنا فعل إنشائي يُراد به الذم، والمعنى أن هذه الدار دارٌ كلُّها ذمٌّ كلها بلاء، ولهذا وصفت بأنها ﴿بِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾. * طالب: حديث: «نِيَّةُ الْكَافِرِ»[[لم نقف عليه بهذا اللفظ، وورد بلفظ «نِيَّة الفاجر شر من عمله» أخرجه القضاعي في مسنده (١٤٨) من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه، وابن عبد البر في التمهيد (٢ / ٢٥٦) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.]].. * الشيخ: أولًا: هذا ليس حديثًا صحيحًا عن الرسول. وثانيًا: مرادُ قائلِه أنَّ الإنسانَ يدرك بنيته ما لا يدرك بعمله، هذا المعنى، فالإنسان المريض الذي يتمنى أنَّه صحيح يقوم بما أوجب الله عليه هذا أدرك بالنية ما لم يُدْرِكْ بالعمل، وكذلك أيضًا الإنسان إذا نوى الشر وهو عاجز عنه يُعاقَب معاقبة الفاعل، لكن بالنية، دليل ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام في الرجل الفقير الذي ليس عنده مال، وكان هناك رجل آخر: لو أن لي مالَ فلانٍ لعملْتُ فيه عمل فلان فقال النبيُّ ﷺ: «فَهُوَ بِنِيَّتِهِ، فَهُمَا فِي الْوِزْرِ سَوَاءٌ» »[[أخرج الترمذي (٢٣٢٥) وابن ماجه -واللفظ له- (٤٢٢٨) بسنديهما عن أبي كبشة الأنماري رضي الله أن النبي ﷺ قال: «مثل هذه الأمة كمثل أربعة نفر: رجل آتاه الله مالًا وعلمًا، فهو يعمل بعلمه في ماله، ينفقه في حقه، ورجل آتاه الله علمًا، ولم يؤته مالًا، فهو يقول: لو كان لي مثل هذا عملت فيه مثل الذي يعمل»، قال رسول الله ﷺ: «فهما في الأجر سواء، ورجلٌ آتاه الله مالًا، ولم يؤْتِه علمًا، فهو يخبط في ماله ينفقه في غير حقه، ورجل لم يؤته الله علمًا، ولا مالًا، فهو يقول: لو كان لي مثل هذا، عملت فيه مثل الذي يعمل»، قال رسول الله ﷺ: «فهُما في الوزر سواء».]]. * الطالب: شيخ، بارك الله فيكم، حصرْنا أبوابَ جهنَّم بسبعةٍ للآية مع أنه مر معنا في أسماء الله عز وجل «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا»، » وكذلك في أبواب الجنة الثمانية قلنا: إنه لا يدل على الحصر، ما وجه الحصر في هذه الآية؟ * الشيخ: هذا يسأل يقول: إنكم قلتم: إن العدد لا مفهوم له في قوله ﷺ: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٧٣٦)، ومسلم (٢٦٧٧ / ٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] قلتم: هذا العدد لا يدل على الحصر، وأن لله أسماء أخرى، فلماذا نقول بالحصر أو بإفادة العدد الحصر في أبواب جهنم وأبواب الجنة؟ الجواب أن نقول: أما الأول وهو قوله: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا» » فإنما قلنا: إنها ليست للحصر بدليل، فما هو الدليل؟ حديث عبد الله بن مسعود حديث الغَمِّ قال: «أَسْاَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ»[[أخرجه أحمد (٤٣١٨) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.]] وإذا كان الله مستأثِرًا بعلم الغيب عنده فإنه لا يمكن للإنسان أن يدركه؛ لأن الله استأثر به، فمن ثَمَّ قلنا: إن العدد لا مفهوم له في قوله: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا»، وأن المعنى أن من أسماء الله تسعة وتسعين اسمًا مَنْ أحصاها دخل الجنة. * الطالب: قلنا: إن القول بأن النار ليست مؤبدة مخالف لصريح القرآن، فإن قال هذا القائل: إن هذا وعيد، وإخلاف الوعيد جائز؟ * الشيخ: نقول: هذا لا يمكن؛ لأننا لا نقول: إخلاف الوعيد جائز إلا في أمر ضروري لا بد منه مثل: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [النساء ٩٣] هذه بعض الأجوبة التي أُجيبَ عن هذه الآية بها؛ أن هذا وعيد وإخلاف الوعيد كرم وهو ثناء ومدح للمخلِف، لكن هذا الجواب في الواقع جواب يهز ليس جوابًا راسخًا؛ لأننا نقول: إن الله لا يخلف الميعاد؛ أي: ما وعد به من عقوبة أو كرامة، وأما الآية ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾ في آية القتل يُحْمل الخلود على المعنى الثاني وهو المُكثُ الطويل، وبهذا ليس هناك تناقض. * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٧٧) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠) وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ [غافر ٧٧ - ٨١]. * الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. قول الله تبارك وتعالى في أهل النار يقال لهم: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ [غافر ٧٦] ما هو المراد بهذا الأمر؟ * طالب: المراد به الأمر بدخول النار، أي: أمر الله به. * الشيخ: إي، لكن ما المراد به؟ * الطالب: المراد به يوم القيامة، والإهانة. * الشيخ: الإهانة؟! وقولُه تعالى في أهل الجنة: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر ٤٦] ما المراد بالأمر؟ * الطالب: (...). الإكرام، طيب. نأخذ من هذا أن الكلمات يختلف معناها باختلاف السياق، وهذه فائدة عظيمة لطالب العلم أن الكلماتِ يختلف معناها باختلاف السياق، فكم كلمة كان لها معنى في سياق، ولها معنى آخر في سياق آخر. هل أهل النار يخلدون فيها أبدًا؟ * الطالب: (...). * الشيخ: نعم أبدًا. عندك دليل في هذا؟ * الطالب: ورد في ثلاث آيات تدل على التأبيد. * الشيخ: أحسنت، اتل علينا منها واحدة. * طالب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥]. * الشيخ: أحسنت، هذه في سورة الأحزاب. * الطالب: الثاني: ﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. * الشيخ: والثاني ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩] هذا في أي سورة؟ * الطالب: هذا في سورة النساء. * الطالب: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣]. * الشيخ: في أي سورة هذه؟ * الطالب: الجنّ. * الشيخ: في سورة الجن، أحسنت. قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [غافر ٧٧] (اصبر): الخطاب هنا للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ [غافر ٧٤]. * يُستفادُ منها: أن الله تعالى يُضِلُّ الكافرَ لكفره، وجه الدَّلالة أن الحكم إذا عُلِّق على وصف كان ذلك الوصف علَّة له، فالذي عُلِّق على الكفر هنا الإضلالُ، إذن الكفرُ سببٌ للإضلال، ويؤيد هذا قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]. يتفرَّع على ذلك أن الضالَّ إذا ضلَّ فإنه هو السبب في ضلاله؛ لأن الله تعالى لو عَلِم فيه خيرًا لأسمعه، ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، وهذه الآية تعني أن الله أعلم حيث تكون الرسالة في شخص معين، وكذلك حيث يكونُ أثرُ الرسالة في شخص معين، وأثر الرسالة الهداية. * ومن فوائد الآية الكريمة: الردُّ على القدرية؛ ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾، وجه ذلك؟ * طالب: لأن هذا الضالَّ هو سبب الضلال لنفسه، فله إرادة تثبت هذا له. * الشيخ: هم يقولون هكذا، القدرية يؤيدون ذلك أن للإنسان إرادة مستقلة. * طالب: القدرية يقولون: إنَّ أفعال العباد ليست مخلوقة لله سبحانه وتعالى. * الشيخ: ولا علاقة لله بها. * الطالب: لكن الآية تدل أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يضلهم. * الشيخ: نعم، فيكون في ذلك رد على القدرية. ينبغي بهذه المناسبة -وإن لم يكن الدرس درس عقيدة- أن نقول: إن الناس انقسموا في هذا الباب إلى طرفين ووسط، أي في أفعال العباد: فمنهم من يقول: أفعال العباد مخلوقة لله، والعبد مجبور عليها، وليس له إرادة؛ لأن الله خالق كل شيء، وإذا كان الله هو الخالق فالإنسان ليس له تدبير. ومنهم من قال بالعكس: إن الإنسان فاعل باختياره، وليس لله علاقة به، هذان طرفان. ومنهم من قال: إن الإنسان فاعل باختياره، لكن فعله مقرون بمشيئة الله، وهذا هو الوسط. واعلموا أن أسبابَ الضلال في مثل هذه الأمور أنَّ من الناس من ينظر إلى النصوص من زاوية واحدة؛ بمعنى أنه يأخذ نصًّا ويدع نصًّا، فالجبرية رَأَوْا عموم مشيئة الله وعموم خلق الله؛ وأن الإنسان فقير إلى الله وما أشبه ذلك، فقالوا: إذن الإنسان ليس له إرادة ولا اختيار، وفعله على وجه الإجبار. والقدرية رَأَوْا أن الإنسان يفعل ولا يُحِسُّ أن أحدًا مكرِه له، والله تعالى قد أضاف الفعل إليه، فقال: ﴿أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [الحج ٤١] فهو مستقل بعمله، ليس لله فيه علاقة، فأخذوا من جانب وتركوا جانبًا آخر، وهكذا جميع خلاف العلماء، إذا رأيت العلماء مختلفين على طرفين ووسط، فاعلم أن الطرفين كل واحد منهما أخذ بجانب من الأدلة وترك جانبًا آخر. ثم قال عز وجل: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [غافر ٧٥] إلى آخره. * في هذه الآية الكريمة: إثبات الأسباب يؤخذ من قوله: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ﴾؛ لأن الباء هنا للسببية. واعلم أيضًا أن الناس اختلفوا في الأسباب على ثلاثة أقوال: طرفان ووسط. طرفٌ من الناس أثبتَ الأسبابَ وأنها فاعِلَة بنفسها؛ يعني أنه إذا وُجِد السبب لزم وجود المسبب ولا بد. وطائفة أخرى أنكرت تأثيرَ الأسباب وقالوا: الأسباب لا تؤثر؛ لأنك لو جعلت هذا متأثِّرًا بسبب لأثبتَّ لله شريكًا في الإيجاد، وهذا شرك، إذن هنا طرفان: طرف يثبت الأسباب، وأنها مؤثرة بنفسها بمعنى أنه متى وُجِدَ السبب لزم وجود المسبب فالسبب مُؤَثِّر بذاته. وطائفة أخرى تقول: لا تأثير للأسباب؛ لأنك لو جعلت للأسباب تأثيرًا أشركتَ مع الله حيث جعلتَ موجدًا مع الله عز وجل. الطائفة الثالثة: قالت الأسباب مؤثِّرة لا شك، لكن لا بنفسها لكن بما أودع الله فيها من القُوى التي صارت بها مُؤَثِّرة، هي بنفسها غير مؤثرة، لكن الله تعالى أودع فيها قوى تؤثِّر، ولو شاء الله تعالى لسلب تلك القوى فلم تُؤَثِّر، وهذا قول وسط، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، وهو الذي يوافق السَّمع والعقل. أضرب لك مثلًا: رجلٌ رمى زجاجة بحجرٍ فانكسرت؛ مثبتو الأسباب يقولون: الذي كسرها الحجر بذاته. ونافو الأسبابِ يقولون: الحجر لم يكسر الزجاجة، لكن انكسرت الزجاجة عِنْد رميها بالحجر، وليس بالحجر، وإنما الحجر أمارة فقط، أمارة حصل الشيء عندها، وكذلك بقية الأسباب. والوسط يقولون: الحجر كسر الزجاجة فهو السبب بما جعل الله تعالى في الحجر مِنْ قوة، وبما جعل في الزجاجة من قابليَّة تقبل الانكسارَ، وهذا هو الحق. ألقينا في النار ورقًا فاحترق؛ مثبتو الأسباب الذين يقولون: إن الأسباب تؤثر بنفسها يقولون: النار أحرقت الورقة ولا بد، ونافو الأسباب يقولون: إن النار لم تُحْرِقِ الورقة، ولكن احترقت الورقة عند إلقائها في النار لا بالنار، والوسط يقولون: احترقت الورقةُ بالنَّار بما جعل الله تعالى في النار من قوةِ الإحراق، وبما جعل في الورق من قابليَّةِ ذلك؛ ولهذا يوجد الآن مواد تضادُّ النار، تُلْقَى في النَّار ولا تحترق؛ لأنَّ هناك مانعًا يمنع من تأثير السبب، وهذا القول هو الراجح. ألم تروا إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام أُلْقِيَ في النار العظيمة التي لم يستطع مُلْقُوه أن يقربوا منها حتى ألقوه في المنجنيق ورَمَوْه فيها رميًا، لم يحترق مع أن النَّار سبب للإحراق، لكن الله قال لها: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء ٦٩]، فكانت بردًا وسلامًا عليه. قال العلماء: لو قال الله تعالى: كوني بردًا، ولم يقلْ: سلامًا لكانت بردًا مُهْلِكة، لكن الله قال: ﴿بَرْدًا وَسَلَامًا﴾، فكانت بردًا وسلامًا، وكأنه لم يكن في نار. إذن نقول: الأصح من أقوال العلماء في تأثير الأسباب: أنها مؤثرة لا لذاتها، ولكن بما جعل الله تعالى فيها من القوى المؤثرة في المحلات القابلة. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الفرح بغير الحقِّ سبب للعذاب والإضلال من أين يؤخذ؟ ﴿تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [غافر ٧٥]. * ومن فوائدها: أن الفرح بالحقِّ محمود؛ ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ: «مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ»[[أخرجه أحمد (١١٤)، والنسائي واللفظ له (٩١٨١) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.]]، وقال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس ٥٨]، فالفرح بالحق محمود، والفرح بغير الحق مذموم، والفرح بما ليس حقًّا ولا باطلًا ليس محمودًا ولا مذمومًا؛ لأنه من اللغو، ولكن عباد الرحمن إذا مروا باللغو مروا كرامًا. ثم اعلم أن الفرح يكون طبيعيًّا، الإنسان إذا أتاه ما يسرُّه لا بد أن يفرح، ينفعل بدون إرادة، ومعلوم أنَّ هذا لا يُؤاخَذُ به الإنسان إلا إذا كانت طبيعته منحرفة بحيث يفرح بالسوء دون الخير. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأسباب تتوارد بمعنى أنه قد يَرِدُ على الشيء سببان؛ تؤخذ من قوله: ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر ٧٥]، والمرح أشد الفرح. وهكذا الأسباب الشرعيَّة تتوارد بمعنى أنه قد يكون في الإنسانِ سببان؛ واحد منهما يوجِب الحكم، فإذا اجتمعا صار كل واحد يقوِّي الآخر؛ فإن اختلف موجِبُ السببان، فهل نقول: إننا نأخذ بأحدِ السببين دون الآخر، أو نأخذ بالسببين ونعمل بموجَبِهما؟ الثاني، ما لم يكن أحدُهما أقوى فيندرج به الأصغر. إذا اجتمع سببان واختلف موجَبُهما أخذنا بموجب كل منهما ما لم يكن أحدهما أقوى فيؤخذ بالأقوى. مثال ذلك: ابن عم هو زوج ماتت امرأتُه، هنا اجتمع في حقِّ هذا الزَّوجِ جهةُ فرضٍ وجهةُ تعصيبٍ، فهل يرث بالفرض أو بالتعصيب أو بهما؟ بهما، فنقول: هذا الزوج له النصف فرضًا، والباقي تعصيبًا، فهنا ورث بالفرض وبالتعصيب. رجل مَلَكَ أَمَةً، ثم تزوَّجها، فهل يصح هذا الزواج ليملك بُضْعَها أو لا يصح؟ لا يصح؛ لأنَّ الملكَ أقوى؛ ولهذا لا يصح للسيد أن يعقد النكاح على أمته لكن يستمتع بها بملك اليمين. المهم أنَّا أخذنا من الآية الكريمة: أنه قد يجتمع سببان؛ رجل بال وتغوَّط هنا سببان موجبان للوضوء، هل نأخذ بكل واحد منها؟ هنا لم يختلف الموجب؛ لأنَّ الموجب هو الوضوء فلا يختلف، لكن يَقْوَى الموجب بتعدُّد الموجب، لكن لما لم يختلف لا نقول: يأخذ بهما جميعًا؛ لأن لا فائدة من ذلك. إذن إذا اجتمع موجبان، فإن اتَّحد موجبهما أخذنا بواحدٍ وكفى، وإن اختلف الموجَب أخذنا بهما، ما لم يكن أحدهما أقوى، فيُؤخذ بالأقوى ويُترَك الأضعف. يقول: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ [غافر ٧٦] * يستفاد منها: إهانة الكفار وهو عذاب قلبي؛ لأنَّ العذاب القلبي قد يكون أشد من العذاب البدني. * من فوائد الآية الكريمة: أن لجهنم أبوابًا؛ لقوله: ﴿أَبْوَابَ﴾، وقد جاء في القرآن الكريم: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر ٤٤]. * ومن فوائد الآية الكريمة: خلود أهل النار فيها؛ لقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾، والصواب الذي لا شك فيه أن الخلود مُؤَبَّدٌ بالآيات الثلاث التي سُقناها قبل قليل. * ومن فوائد الآية الكريمة: ثناء القدح على نار جهنم؛ لقوله: ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من التكبر؛ لقوله: ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ»[[أخرجه أبو داود (٤٠٩١) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.]]، فالكبر -والعياذ بالله- سبب لدخول النار. لكن قد يكون سببًا لدخولها مع الخلود، وقد يكون سببًا لدخولها للتطهير فقط، فإن كان هذا التكبر تكبرًا عن الحق وردًّا له فهذا سبب لدخول النار على التأبيد. وإن كان التكبُّر دون ذلك؛ مثل أن يتكبر على الخلق مع القيام بحق الخالق، أو يتكبر عن بعض الأشياء، ولا أظن أحدًا يتكبر عن أمرٍ من أمر الله إلَّا وهو كافر كفرًا مطلقًا؛ لأنَّ إبليس تكبَّر عن شيء واحد وكفر وهو السجود، لكن مَنْ تكبَّر على الخلق دون الحق، فهذا لا يُخَلَّد في النار، يعاقَب بمثل ما فعل من ذنب. وأحبُّ من طالب العلم أن يكون قويًّا في استنباط الأحكام من الأدلة؛ لأنَّ القادر على استنباط الأحكام من الأدلة يحصُل على علمٍ كثير من أدلَّةٍ قليلة، كم من إنسان يستنبط من آية واحدة عشرين فائدة، ويأتي إنسان آخر لا يستنبط إلا خمس فوائد مثلًا، الأول حصل على ثلاثة أضعاف ما حصل عليه الثاني، وذلك بالاستنباط. ولكن هنا مسألة: لا تُفْرِط في الاستنباط؛ لأنك إن أفرطت فيه حمَّلْتَ النصوص ما لا تحتمل، فكن وسطًا، وإذا دار الأمر بين أن يكون الحكم مستنبطًا من آية أو حديث أو لا يكون، فما هي السلامة؟ إن قلْتَ: ألَّا يكون، قال لك الآخر: السلامة أن يكون، حتى لا نبطل دلالة النص. لكن نقول: الأوَّل أرجح؛ لأنك إذا لم تتيقنْ أن الآيةَ دلت عليه وسكتَّ فقد سلمت، لأنك ما نفيت، انتبه، السكوت درجة بين النفي والإثبات، فأنت إذا سكتَّ لم تكن قلت على الله بغير حق، لكن إذا أثبتَّ في النص ما لا يدل عليه فقد قلت على الله بغير حق. إذن فالسلامة فيما إذا شككت هل النص دلَّ على هذا أو لا فالسلامة أيش؟ أن تسكت، ولكن لا تنفي، فقد يكون دالا عليه في نفس الأمر ولكن فهمك لم يدركه. * طالب: في الآية الأولى قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾، قلنا: إن ﴿ادْخُلُوا﴾ جاءت هنا بمعنى الإهانة، وفي الآية الأخرى للإكرام، هل في هذا رَدٌّ على من قال بالمجاز في القرآن، لأن نقول: لا مجاز، إنما الكلمة يُحْمَل معناها في كل سياق بحسب المعنى؟ * الشيخ: هذا يقول: إذا قلنا: ادخلوا تأتي للإهانة وتأتي للإكرام أفلا يكون فيها رَدٌّ على من قال: إن القرآن فيه مجاز؟ وذلك لأننا نقول: كل كلمة في موضعها فهي حقيقة فيه؟ الجواب: نعم، ربما يكون في ذلك دلالة على نفي المجاز؛ ولهذا كان الصواب ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه لا مجاز في اللغة ولا في القرآن، وأنتم تعرفون أن العلماء اختلفوا في هذا على أقوال: فمنهم من قال: لا مجاز، لا في القرآن ولا غيره. ومنهم من قال: لا مجاز في القرآن ويجوز في اللغة. ومنهم من قال: المجاز في القرآن واللغة. ومنهم من قال: كل الكلام مجاز، وأظن هذا رأي ابنُ جِنِّي أن جميع الكلام كله مجاز، حتى إذا قال: ضربت زيدًا، قال: هذا مجاز، قلت خيًرا، قال: خير هذا مجاز، وهكذا، لكن الراجح أن لا مجاز؛ وذلك لأن الذي يُعَيِّن معنى الكلمة هو السياق والقرائن. ولهذا ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ القرينة تدلُّ على أن الأمر للإهانة، ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر ٤٦] القرينة تدل على أنه للإكرام. * طالب: أحسن الله إليك، قلنا: الفرح بالحق ممدوح، فما ضابط الحق؟ * الشيخ: إذا فعل الإنسان خيرًا، هذا حق، فإذا فرح بذلك فهو حق، إذا فرح بالمطر فهذا حق، إذا فرح بأن الله أيَّده بشيء فهذا حق؛ ولهذا فرح ابن عباس رضي الله عنهما حين أفتى الرجل بالتمتع في الحج فرأى في منامه -أي: الرجل- أن رجلًا يقول له: عمرةٌ متقبَّلة وحج مبرور، فأخبر بذلك ابن عباس ففرح بهذا وقال: انتظر حتى نعطيك من العطاء أو كلمة نحوها. * طالب: شيخ -بارك الله فيكم- فَرَحُ قارون الذي ذُمَّ عليه هل هو بالبغي، أو بالمال الذي أوتيه؟ * الشيخ: فَرحٌ بكلا الأمرين. * الطالب: يعني: الفرح بالمال هذا ليس مذمومًا؟ * الشيخ: لا، قد يكون مذمومًا، وقد يكون ممدوحًا، إذا فَرِحَ بالمال ليستعين به على حقٍّ؛ يعني إنسان يريد أن يشتري كتبًا وليس عنده مال، فرزقه الله المال يفرح ليشتري الكتب، لكن إنسان يريد أن يشتري آلة لهو، وليس عنده مال، فرزقه الله مالًا، فاشترى به آلة لهو، فالفرح هنا مذموم. * الطالب: فرح الإنسان هل يثاب عليه؟ * الشيخ: أي نعم؛ لأنه يدل على حُسْنِ نيَّةٍ وقصد، إذا فرح بالحق فإنه يثاب على ذلك؛ لأنه يدل على أنه مريد للحق. * الطالب: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥) ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [غافر ٧٥ - ٧٧]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، انتهينا على الكلام عن الفوائد حتى قوله تعالى: ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾. وذكرنا أن النار مثوى الكافرين، وأن الجنة مثوى المؤمنين، وأن ذلك هو المثوى الأخير، ونبهنا سابقًا على ما يطلِقُه بعض الناس الآن: إذا مات الميت قالوا: إنه انتقل إلى مثواه الأخير، وقلنا: إن هذا لو صدر عن عالم بما يقول، مريدًا لما يقول كان ذلك كفرًا، ذكرنا أن الإنسان الذي يُطْلِقُ هذا الكلام إذا كان عالمًا به مريدًا له كان هذا كفرًا؛ لأن مضمونه إنكار البعث؛ إذ إننا إذا جعلنا المثوى الأخير هو القبور فمقتضاه أن لا بعث، وهذه خطيرة وهي متلقاة من غير المسلمين، إما من ملاحدة لا يؤمنون بالبعث، وإما جهال لا يدرون ما يقولون، على كل حال يجب صرفُ النَّظَرِ عنها وألا يُعَبَّر بها، وأن يقال: انتقلَ إلى القبور، وسيُبعَث يوم القيامة أو لا يقال: سيُبْعَث، المهم ألا يكون دالًّا على أن هذا هو آخر مرحلة لبني آدم.

غافر 40:74

(﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ﴾ [غافر ٧٣] تبكيتًا ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ معه، وهي الأصنام) والاستفهام هنا لا شك أنه للتوبيخ والتنديم والتعجيز، كلها يتضمنها هذا الاستفهام، وهذا ألم قلبيٌّ؛ لأن الإنسان يندم أشد الندم إذا كانت هذه الأصنام التي كان يعبدها لتقرِّبَه إلى الله عز وجل كما يَدَّعِي ثم تضل عنها الآن ولا توجد، كما لو أمسكتَ عبدًا مثلًا وعذَّبْتَه وقلت: أين سيدك الذي تدعي أنه يحميك؟ أليس هذا يكون أشد ندمًا له؟ بلى، إذن فهؤلاء يُنَدَّمُون هذا التنديم، فيقال: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: مع الله وهي الأصنام، وحينئذ يتحسَّرون حسرة ليس فوقها حسرة. ولهذا يقولون إقرارًا إقرارَ المكره في الواقع: (﴿قَالُوا ضَلُّوا﴾ غابوا ﴿عَنَّا﴾ فلا نراهم). إذن عرفوا أنها لن تنفعهم، وأنها غابت عنهم في أشد ما يحتاجون إليها فيه، بل قالوا: ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ سبحان الله! يعني: أنكروا أن يكونوا أشركوا، كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام ٢٣، ٢٤] فالحاصل أنهم يُنَدَّمُون هذا الندم العظيم ثم ينكرون. يقول عز وجل: ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ ﴿نَدْعُو﴾ بمعنى نعبد؛ لأن الدعاء ينقسم إلى قسمين: دعاء مسألة ودعاء عبادة، وكلاهما متلازمان؛ فدعاء المسألة عبادة كما جاء في الحديث: «الدُّعَاءُ عِبَادَةٌ» »[[ أخرج أبو داود (١٤٧٩) بسنده عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: «الدُّعاءُ هو العِبادَةُ...» الحديث.]]، ودعاء العبادة أيضًا دعاء مسألة؛ لأنك لو سألتَ العابد: لماذا عبدْتَ الله؟ لقال: رجاءَ ثوابِهِ وخوف عقابه، فهو داعٍ بلسان الحال؛ ولذلك صار الدعاء بمعنى العبادة، والعبادة بمعنى الدعاء، وانظر إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر ٦٠]، لكن دعاء المسألة دعاء صريح في السؤال يقول القائل: رب اغفر لي وارحمني إلى آخره، ودعاء العبادة دعاء باللازم؛ لأن الإنسان إنما يعبد الله خوفًا من عقابه ورجاء لثوابه. دعاء المسألة دعاء عبادة صريح أو باللازم؟ عبادة باللازم؛ لأن السائل متذلِّل للمسؤول فهو متعبِّد له. قال: (﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ أنكروا عبادتهم إياها ثم أُحْضِرَت فقال الله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء ٩٨] أي: وقودها) وتمام الآية: ﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء ٩٨، ٩٩] فهؤلاء أنكروا، كذبوا على أنفسهم، ظنوا أن هذا سينفعهم كما لو أن الجاني في الدنيا أنكر جنايته ربما ينفعه ذلك، لكن في الآخرة لا ينفع، حتى إنهم إذا أنكروا خُتِمَ على أفواههم فتتكلم الأيدي والأرجل والجلود والألسُن بما تعمل، وحينئذ لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا. * في هذه الآية أيضًا من الفوائد: أن هؤلاء المكذِّبين بالكتاب وبما أرسل الله به الرسل يعذبون عذابًا جسديًّا بالسلاسل والأغلال والسحب في النار، ويعذَّبون عذابًا قلبيًّا بالتوبيخ والتقريع والتنديم فيقال: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [غافر ٧٣، ٧٤]. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات القول لله عز وجل، هل يمكن أن تُؤخَذ من الآية؟ * طالب: (...). * الشيخ: الآية لا تدلُّ على هذا؛ لأن القائل لم يُبَيِّن ﴿قِيلَ لَهُمْ﴾، ولكنها في آيات أخرى تدلُّ على أن الله يقول لهم ذلك: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص ٦٢]. مَنِ الذي يُنادِيهم؟ الله؛ لأنه قال: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾، ويمكن أن يقال: إنهم ينادَون من قِبَل اللهِ وينادَوْن أيضًا مِنْ قِبَل الملائكة الذين وكَّلهم الله عز وجل، أو يقال: إن الملائكة تناديهم، ولكن مناداتهم أُضيفَت إلى الله؛ لأنَّه الآمر بها، كما أضاف الله الوفاةَ إليه مع أن الذي تتوفى الأنفسَ مباشرة هي الرُّسُلُ، ولكن نقول: هذه الاحتمالات لا نُورِدُها مع وجودِ الظاهر؛ لأنَّ الكلامَ يُحمَلُ على أي شيء؟ على ظاهره، حتى يقومَ دليلٌ على صَرْفِه عن الظاهر، فإذا كان اللهُ يقول: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص ٦٢] صريحٌ بأنَّ المنادي هو الله فيبقى على ما هو عليه، ويُحمَل ما كان مبنيًّا للمفعول على أن المنادي هو الله عز وجل. * طالب: ﴿وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ [غافر ٧١] ما فيه عائد، يا شيخ؟ * الشيخ: ما فيه عائد؟ ذكرنا العائد؛ قلنا: العائد محذوف، والتقدير: يُسْحَبون بها، حذف العائد يجوز، كُلُّ ما يُعْلَم فحذفُه جائزٌ. * طالب: فسَّرتم الاستفهامَ أنَّه استفهامٌ تقريريٌّ. * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾. * الشيخ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾، نعم. * الطالب: ثم قلتم: من فوائدِه التَّعجُّب؟ * الشيخ: إي نعم؛ لقوله: ﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾. * الطالب: التعجب ليس فيه الاستفهام. * الشيخ: لا، من ﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ استفهام. * * * * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (٧٤) ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥) ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [غافر ٧٣ - ٧٦]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، قوله: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ مَنِ القائل؟ * طالب: القائل هو الله. * الشيخ: القائل هو الله. ما هو الدَّليل من القرآن؟ ﴿فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص ٦٢]. هل يحتمل معنى آخر أن القائل غيرُ الله أيضًا؟ * طالب: نعم، في نفس الآية، فيه احتمال؛ لأن الفاعل محذوف، لكن الآية الأخرى تثبت، ما تُبْقي احتمالًا. * الشيخ: ويمكن أن تكون الملائكة أيضًا، يعني حذف المفعول.. * طالب: ويمكن أن يكون القائلون الملائكة، ونُسِبَ إلى الله تعالى؛ لأنه الآمر كما أن.. * الشيخ: الآية التي ذكرها الأخ صريحة، لكن ما في القرآن آية تدل على أن الملائكة تُوُبِّخهم أيضًا؟ إذا كان فيه فلا مانع، تكون هذه الآية بُنِيَت لما لم يُسَمَّ فاعله لهذا السبب، طيب. ما المراد بهذا القيل؟ ما هو الغرض من هذا؟ * طالب: التوبيخ. * الشيخ: التوبيخ والتنديم طيب. إذن يكون جُمِعَ لهم بين العذاب؟ * طالب: القلبي والحسي. * الشيخ: القلبي والبدني؛ لأن تنديمَهم وتلويمهم لا شك أنه يؤثر عليهم. قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ [غافر ٧٤] ﴿كَذَلِكَ﴾ الكاف حرف، لكنَّها اسم في الواقع، فهي مفعول مطلق، وتقديرُ الكلام: مثل ذلك الإضلال يضل الله الكافرين، فهي حرف صورة، لكنها بالمعنى اسم، هذا الاسم محله من الإعراب مفعول مطلق للفعل الآتي بعده. وكما تعلمون أنَّ مثل هذا التعبير يأتي كثيرًا في القرآن، وإعرابه كما سمعتم أن الكاف حرف بمعنى مثل، وأن إعرابها مفعول مطلق للفعل الذي بعدها، والتقدير في كل سياق بحسبه، لكن في الآية التي معنا: مثل ذلك الإضلال يضل الله الكافرين. وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ [غافر ٧٤] أي: يجعلهم في ضلال. يقول المفسر: (﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثل إضلال هؤلاء المكذبين ﴿يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ ). قال: (ويقال لهم أيضًا ﴿ذَلِكُمْ﴾ العذاب ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ ) ﴿ذَلِكُمْ﴾: المشار إليه العذاب، والمخاطب: أولئك الكافرون، ولهذا جاءت الكاف بضمير الجماعة، وجاءت اسم الإشارة بالإشارة لمفردٍ مُذَكَّرٍ؛ لأن العذاب مفرد مذكر. واعلم أن اسم الإشارة وكاف الخطاب تارة يتفقان وتارة يختلفان؛ فاسم الإشارة يكون بحسب المشار إليه، وكاف الخطاب بحسب المخاطب، فإذا قيل لك: أَشِرْ إلى مفرد مذكر مخاطبًا جماعة نساء، فكيف تقول؟ * طالب: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾. * الشيخ: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف ٣٢]. أَشِرْ إلى مثنى مذكر مخاطبًا مثنى مؤنَّثًا. * طالب: ذانكما. * الشيخ: ذانكما، طيب. أَشِرْ إلى مفردة مؤنثة مخاطبًا جماعة ذكورٍ؟ * طالب: تانكم. * الشيخ: في القرآن ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا﴾ [الزخرف ٧٢]، المشار إليه مفرد مؤنث، والمخاطب جماعة ذكور. المهم هذه القاعدة؛ اسم الإشارة بحسب المشار إليه، وكاف الخطاب بحسب المخاطب، قد يتَّفقان وقد يختلفان. وقوله: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ﴾ الباء للسببية، و(ما) مصدرية، وعلامة (ما) المصدرية أن يصح تحويل ما بعدها إلى مصدر، فمثلًا قوله: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ﴾ إذا حوَّلْنَا ما بعدها إلى مصدر يكون التقدير: ذلكم بكونكم تفرحون في الأرض بغير الحق. وقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ﴾ معلومٌ أنَّ كان هذه للماضي؛ أي: قبل الموت. ﴿تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: تفرحون بالباطل، وذلك أنهم يفرحون بالشرك والكفر وكل من شاركهم في إثمهم فإنهم يفرحون به. وقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ قال المفسِّر: (مِنَ الإشراكِ وإنكارِ البعث)، وهذا في الواقع قصور إلا إذا كان يريد به التمثيل، وإلا فإن قوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أعم من الشرك وإنكار البعث، فهم يفرحون في الأرض بغير الحق؛ من الشرك، وإنكار البعث، والعدوان، وتحليل الحرام، وتحريم الحلال، كالسائبة، والوصيلة، والحام، وما أشبه ذلك. المهم أن قول المؤلف: (من الإشراك وإنكار البعث) هذا قصور ما لم يُرِدِ التمثيل، فإنْ أراد التَّمثيل فإن التمثيل لا يفيد الحصر. (﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ تتوسَّعون في الفرح) الواو حرف عطف، والباء للسببية، وهذا الجملة معطوفة على ما قبلها بإعادة العامل، ما هو العامل؟ الباء، والعطف بإعادة العامل يعني أن الثاني مستقل عن الأول، فهم يُعَذَّبُون بالأمرين جميعًا، يعذبون عذابًا خاصًّا بالفرح وعذابًا خاصًّا بالمرح، وبالباء للسببية، (﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ تتوسَّعون في الفرح). ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [غافر ٧٦] ﴿ادْخُلُوا﴾ فعل أمر، والآمر هم الملائكة، والأمر يراد به الإهانة، ليس أمر إكرام، ولكنه أمر إهانة، وإلزام؛ لأنه لا بد أن يدخلوا. وقوله: ﴿أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ جمع، فكم عدد الأبواب؟ عدد أبواب جهنم سبعة، كما قال الله تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر ٤٤]، وجهنم اسم من أسماء النار، وسُمِّيَت بذلك لأنها ذات جُهْمَة إذا قلنا: إن جهنم اسم عربي زيدت به النون. وإن قلنا: إنه اسم غير عربي، ولكنه عُرِّب فلا حاجة أن نقول: إنه مشتق من الجُهمة التي هي الظلمة والقعر، وأيًّا كان فهو اسم من أسماء النار أعاذنا الله وإياكم منها. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ ﴿خَالِدِينَ﴾ هذه حال من الفاعل في قوله: ﴿ادْخُلُوا﴾، وهذا الخلود هل هو طول المكث أو هو التأبيد؟ نقول: اللغة العربية يأتي فيها الخلود مُرادًا به طولُ المكث، ويأتي مرادًا به التأبيد، والمراد به هنا الثاني؛ يعني أنهم خالدون فيها أبدًا، ودليل ذلك أن الله تعالى صرح في القرآن الكريم بأن أهل النار خالدين فيها أبدًا في ثلاثة مواضع: الموضع الأول: قول الله تبارك تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩]. والآية الثانية: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥]. والآية الثالثة: قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣]. وبهذه الآيات الثلاث يتبيَّن ضعف بل بطلان قول مَنْ يقول: إن النار ليست مؤبدة وإنها تفنى، فإنَّ هذا القول منكر لأنه مخالف لصريح القرآن، ولا يمكن لإنسان يخالف صريح القرآن لمجرد تعليلاتٍ يعلِّلها مثل أن يقول: إن رحمة الله تعالى سبقت غضبه، وأن هؤلاء مآلهم إلى أن يفنوا هم والنار. يقال: نعم، رحمة الله سبقت غضبه، لكن وعد الله حَقٌّ، أليس كذلك؟ وإذا كان وعد الله حقًّا فإنهم يخلَّدون فيها أبدًا. وإذا قال قائل: التخليد الأبدي في هذا العذاب الأليم كيف يكون جزاء لإنسان لم يبق في الدنيا إلا مئة سنة أو ألف سنة؟ فيكون هنا العذاب أكثر من زمن العمل؛ لأنه ما فيه أحد بقي في الدنيا أبد الآبدين، فيقتضي هذا أن يكون فيه ظلم؛ لأنَّ الجزاء صار أكثر من العمل بكثير ولا يُنْسَب له، كما قلت لكم لنفرضْ أنَّ أحدًا من الناس عاش ألف سنة أو عشرة آلاف سنة، لكنه عاش إلى أمد، ثم نقول: عذابه مؤبد، يكون هذا ظلمًا؟ فيقال: إن هذا أمضى حياتَه الدنيا كُلَّها في مُحادَّة الله ورسُلَه فيمضي حياته الأخرى كلها في العذاب، وهذا عدل، ثم إن هذا الذي عُذِّب أبدًا قد قيل له في الدنيا، وبُيِّن له أن جزاءه العذابُ الأبديُّ، فلماذا يُقدِم على شيء يعرف أن هذا جزاؤه؟! وحينئذ لا ظلم ولا عذر للكافرين، فالمهم أن قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ يراد به الخلودُ الأبَدَيُّ ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [غافر ٧٦]، هذه الجملة جملة إنشائية يُراد بها الذم، ويقابل هذا في المدح ﴿نِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ ﴿فَبِئْسَ﴾ هنا فعل إنشائي يُراد به الذم، والمعنى أن هذه الدار دارٌ كلُّها ذمٌّ كلها بلاء، ولهذا وصفت بأنها ﴿بِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾. * طالب: حديث: «نِيَّةُ الْكَافِرِ»[[لم نقف عليه بهذا اللفظ، وورد بلفظ «نِيَّة الفاجر شر من عمله» أخرجه القضاعي في مسنده (١٤٨) من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه، وابن عبد البر في التمهيد (٢ / ٢٥٦) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.]].. * الشيخ: أولًا: هذا ليس حديثًا صحيحًا عن الرسول. وثانيًا: مرادُ قائلِه أنَّ الإنسانَ يدرك بنيته ما لا يدرك بعمله، هذا المعنى، فالإنسان المريض الذي يتمنى أنَّه صحيح يقوم بما أوجب الله عليه هذا أدرك بالنية ما لم يُدْرِكْ بالعمل، وكذلك أيضًا الإنسان إذا نوى الشر وهو عاجز عنه يُعاقَب معاقبة الفاعل، لكن بالنية، دليل ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام في الرجل الفقير الذي ليس عنده مال، وكان هناك رجل آخر: لو أن لي مالَ فلانٍ لعملْتُ فيه عمل فلان فقال النبيُّ ﷺ: «فَهُوَ بِنِيَّتِهِ، فَهُمَا فِي الْوِزْرِ سَوَاءٌ» »[[أخرج الترمذي (٢٣٢٥) وابن ماجه -واللفظ له- (٤٢٢٨) بسنديهما عن أبي كبشة الأنماري رضي الله أن النبي ﷺ قال: «مثل هذه الأمة كمثل أربعة نفر: رجل آتاه الله مالًا وعلمًا، فهو يعمل بعلمه في ماله، ينفقه في حقه، ورجل آتاه الله علمًا، ولم يؤته مالًا، فهو يقول: لو كان لي مثل هذا عملت فيه مثل الذي يعمل»، قال رسول الله ﷺ: «فهما في الأجر سواء، ورجلٌ آتاه الله مالًا، ولم يؤْتِه علمًا، فهو يخبط في ماله ينفقه في غير حقه، ورجل لم يؤته الله علمًا، ولا مالًا، فهو يقول: لو كان لي مثل هذا، عملت فيه مثل الذي يعمل»، قال رسول الله ﷺ: «فهُما في الوزر سواء».]]. * الطالب: شيخ، بارك الله فيكم، حصرْنا أبوابَ جهنَّم بسبعةٍ للآية مع أنه مر معنا في أسماء الله عز وجل «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا»، » وكذلك في أبواب الجنة الثمانية قلنا: إنه لا يدل على الحصر، ما وجه الحصر في هذه الآية؟ * الشيخ: هذا يسأل يقول: إنكم قلتم: إن العدد لا مفهوم له في قوله ﷺ: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٧٣٦)، ومسلم (٢٦٧٧ / ٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] قلتم: هذا العدد لا يدل على الحصر، وأن لله أسماء أخرى، فلماذا نقول بالحصر أو بإفادة العدد الحصر في أبواب جهنم وأبواب الجنة؟ الجواب أن نقول: أما الأول وهو قوله: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا» » فإنما قلنا: إنها ليست للحصر بدليل، فما هو الدليل؟ حديث عبد الله بن مسعود حديث الغَمِّ قال: «أَسْاَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ»[[أخرجه أحمد (٤٣١٨) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.]] وإذا كان الله مستأثِرًا بعلم الغيب عنده فإنه لا يمكن للإنسان أن يدركه؛ لأن الله استأثر به، فمن ثَمَّ قلنا: إن العدد لا مفهوم له في قوله: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا»، وأن المعنى أن من أسماء الله تسعة وتسعين اسمًا مَنْ أحصاها دخل الجنة. * الطالب: قلنا: إن القول بأن النار ليست مؤبدة مخالف لصريح القرآن، فإن قال هذا القائل: إن هذا وعيد، وإخلاف الوعيد جائز؟ * الشيخ: نقول: هذا لا يمكن؛ لأننا لا نقول: إخلاف الوعيد جائز إلا في أمر ضروري لا بد منه مثل: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [النساء ٩٣] هذه بعض الأجوبة التي أُجيبَ عن هذه الآية بها؛ أن هذا وعيد وإخلاف الوعيد كرم وهو ثناء ومدح للمخلِف، لكن هذا الجواب في الواقع جواب يهز ليس جوابًا راسخًا؛ لأننا نقول: إن الله لا يخلف الميعاد؛ أي: ما وعد به من عقوبة أو كرامة، وأما الآية ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾ في آية القتل يُحْمل الخلود على المعنى الثاني وهو المُكثُ الطويل، وبهذا ليس هناك تناقض. * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٧٧) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠) وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ [غافر ٧٧ - ٨١]. * الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. قول الله تبارك وتعالى في أهل النار يقال لهم: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ [غافر ٧٦] ما هو المراد بهذا الأمر؟ * طالب: المراد به الأمر بدخول النار، أي: أمر الله به. * الشيخ: إي، لكن ما المراد به؟ * الطالب: المراد به يوم القيامة، والإهانة. * الشيخ: الإهانة؟! وقولُه تعالى في أهل الجنة: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر ٤٦] ما المراد بالأمر؟ * الطالب: (...). الإكرام، طيب. نأخذ من هذا أن الكلمات يختلف معناها باختلاف السياق، وهذه فائدة عظيمة لطالب العلم أن الكلماتِ يختلف معناها باختلاف السياق، فكم كلمة كان لها معنى في سياق، ولها معنى آخر في سياق آخر. هل أهل النار يخلدون فيها أبدًا؟ * الطالب: (...). * الشيخ: نعم أبدًا. عندك دليل في هذا؟ * الطالب: ورد في ثلاث آيات تدل على التأبيد. * الشيخ: أحسنت، اتل علينا منها واحدة. * طالب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥]. * الشيخ: أحسنت، هذه في سورة الأحزاب. * الطالب: الثاني: ﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. * الشيخ: والثاني ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩] هذا في أي سورة؟ * الطالب: هذا في سورة النساء. * الطالب: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣]. * الشيخ: في أي سورة هذه؟ * الطالب: الجنّ. * الشيخ: في سورة الجن، أحسنت. قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [غافر ٧٧] (اصبر): الخطاب هنا للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ [غافر ٧٤]. * يُستفادُ منها: أن الله تعالى يُضِلُّ الكافرَ لكفره، وجه الدَّلالة أن الحكم إذا عُلِّق على وصف كان ذلك الوصف علَّة له، فالذي عُلِّق على الكفر هنا الإضلالُ، إذن الكفرُ سببٌ للإضلال، ويؤيد هذا قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]. يتفرَّع على ذلك أن الضالَّ إذا ضلَّ فإنه هو السبب في ضلاله؛ لأن الله تعالى لو عَلِم فيه خيرًا لأسمعه، ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، وهذه الآية تعني أن الله أعلم حيث تكون الرسالة في شخص معين، وكذلك حيث يكونُ أثرُ الرسالة في شخص معين، وأثر الرسالة الهداية. * ومن فوائد الآية الكريمة: الردُّ على القدرية؛ ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾، وجه ذلك؟ * طالب: لأن هذا الضالَّ هو سبب الضلال لنفسه، فله إرادة تثبت هذا له. * الشيخ: هم يقولون هكذا، القدرية يؤيدون ذلك أن للإنسان إرادة مستقلة. * طالب: القدرية يقولون: إنَّ أفعال العباد ليست مخلوقة لله سبحانه وتعالى. * الشيخ: ولا علاقة لله بها. * الطالب: لكن الآية تدل أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يضلهم. * الشيخ: نعم، فيكون في ذلك رد على القدرية. ينبغي بهذه المناسبة -وإن لم يكن الدرس درس عقيدة- أن نقول: إن الناس انقسموا في هذا الباب إلى طرفين ووسط، أي في أفعال العباد: فمنهم من يقول: أفعال العباد مخلوقة لله، والعبد مجبور عليها، وليس له إرادة؛ لأن الله خالق كل شيء، وإذا كان الله هو الخالق فالإنسان ليس له تدبير. ومنهم من قال بالعكس: إن الإنسان فاعل باختياره، وليس لله علاقة به، هذان طرفان. ومنهم من قال: إن الإنسان فاعل باختياره، لكن فعله مقرون بمشيئة الله، وهذا هو الوسط. واعلموا أن أسبابَ الضلال في مثل هذه الأمور أنَّ من الناس من ينظر إلى النصوص من زاوية واحدة؛ بمعنى أنه يأخذ نصًّا ويدع نصًّا، فالجبرية رَأَوْا عموم مشيئة الله وعموم خلق الله؛ وأن الإنسان فقير إلى الله وما أشبه ذلك، فقالوا: إذن الإنسان ليس له إرادة ولا اختيار، وفعله على وجه الإجبار. والقدرية رَأَوْا أن الإنسان يفعل ولا يُحِسُّ أن أحدًا مكرِه له، والله تعالى قد أضاف الفعل إليه، فقال: ﴿أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [الحج ٤١] فهو مستقل بعمله، ليس لله فيه علاقة، فأخذوا من جانب وتركوا جانبًا آخر، وهكذا جميع خلاف العلماء، إذا رأيت العلماء مختلفين على طرفين ووسط، فاعلم أن الطرفين كل واحد منهما أخذ بجانب من الأدلة وترك جانبًا آخر. ثم قال عز وجل: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [غافر ٧٥] إلى آخره. * في هذه الآية الكريمة: إثبات الأسباب يؤخذ من قوله: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ﴾؛ لأن الباء هنا للسببية. واعلم أيضًا أن الناس اختلفوا في الأسباب على ثلاثة أقوال: طرفان ووسط. طرفٌ من الناس أثبتَ الأسبابَ وأنها فاعِلَة بنفسها؛ يعني أنه إذا وُجِد السبب لزم وجود المسبب ولا بد. وطائفة أخرى أنكرت تأثيرَ الأسباب وقالوا: الأسباب لا تؤثر؛ لأنك لو جعلت هذا متأثِّرًا بسبب لأثبتَّ لله شريكًا في الإيجاد، وهذا شرك، إذن هنا طرفان: طرف يثبت الأسباب، وأنها مؤثرة بنفسها بمعنى أنه متى وُجِدَ السبب لزم وجود المسبب فالسبب مُؤَثِّر بذاته. وطائفة أخرى تقول: لا تأثير للأسباب؛ لأنك لو جعلت للأسباب تأثيرًا أشركتَ مع الله حيث جعلتَ موجدًا مع الله عز وجل. الطائفة الثالثة: قالت الأسباب مؤثِّرة لا شك، لكن لا بنفسها لكن بما أودع الله فيها من القُوى التي صارت بها مُؤَثِّرة، هي بنفسها غير مؤثرة، لكن الله تعالى أودع فيها قوى تؤثِّر، ولو شاء الله تعالى لسلب تلك القوى فلم تُؤَثِّر، وهذا قول وسط، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، وهو الذي يوافق السَّمع والعقل. أضرب لك مثلًا: رجلٌ رمى زجاجة بحجرٍ فانكسرت؛ مثبتو الأسباب يقولون: الذي كسرها الحجر بذاته. ونافو الأسبابِ يقولون: الحجر لم يكسر الزجاجة، لكن انكسرت الزجاجة عِنْد رميها بالحجر، وليس بالحجر، وإنما الحجر أمارة فقط، أمارة حصل الشيء عندها، وكذلك بقية الأسباب. والوسط يقولون: الحجر كسر الزجاجة فهو السبب بما جعل الله تعالى في الحجر مِنْ قوة، وبما جعل في الزجاجة من قابليَّة تقبل الانكسارَ، وهذا هو الحق. ألقينا في النار ورقًا فاحترق؛ مثبتو الأسباب الذين يقولون: إن الأسباب تؤثر بنفسها يقولون: النار أحرقت الورقة ولا بد، ونافو الأسباب يقولون: إن النار لم تُحْرِقِ الورقة، ولكن احترقت الورقة عند إلقائها في النار لا بالنار، والوسط يقولون: احترقت الورقةُ بالنَّار بما جعل الله تعالى في النار من قوةِ الإحراق، وبما جعل في الورق من قابليَّةِ ذلك؛ ولهذا يوجد الآن مواد تضادُّ النار، تُلْقَى في النَّار ولا تحترق؛ لأنَّ هناك مانعًا يمنع من تأثير السبب، وهذا القول هو الراجح. ألم تروا إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام أُلْقِيَ في النار العظيمة التي لم يستطع مُلْقُوه أن يقربوا منها حتى ألقوه في المنجنيق ورَمَوْه فيها رميًا، لم يحترق مع أن النَّار سبب للإحراق، لكن الله قال لها: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء ٦٩]، فكانت بردًا وسلامًا عليه. قال العلماء: لو قال الله تعالى: كوني بردًا، ولم يقلْ: سلامًا لكانت بردًا مُهْلِكة، لكن الله قال: ﴿بَرْدًا وَسَلَامًا﴾، فكانت بردًا وسلامًا، وكأنه لم يكن في نار. إذن نقول: الأصح من أقوال العلماء في تأثير الأسباب: أنها مؤثرة لا لذاتها، ولكن بما جعل الله تعالى فيها من القوى المؤثرة في المحلات القابلة. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الفرح بغير الحقِّ سبب للعذاب والإضلال من أين يؤخذ؟ ﴿تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [غافر ٧٥]. * ومن فوائدها: أن الفرح بالحقِّ محمود؛ ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ: «مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ»[[أخرجه أحمد (١١٤)، والنسائي واللفظ له (٩١٨١) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.]]، وقال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس ٥٨]، فالفرح بالحق محمود، والفرح بغير الحق مذموم، والفرح بما ليس حقًّا ولا باطلًا ليس محمودًا ولا مذمومًا؛ لأنه من اللغو، ولكن عباد الرحمن إذا مروا باللغو مروا كرامًا. ثم اعلم أن الفرح يكون طبيعيًّا، الإنسان إذا أتاه ما يسرُّه لا بد أن يفرح، ينفعل بدون إرادة، ومعلوم أنَّ هذا لا يُؤاخَذُ به الإنسان إلا إذا كانت طبيعته منحرفة بحيث يفرح بالسوء دون الخير. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأسباب تتوارد بمعنى أنه قد يَرِدُ على الشيء سببان؛ تؤخذ من قوله: ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر ٧٥]، والمرح أشد الفرح. وهكذا الأسباب الشرعيَّة تتوارد بمعنى أنه قد يكون في الإنسانِ سببان؛ واحد منهما يوجِب الحكم، فإذا اجتمعا صار كل واحد يقوِّي الآخر؛ فإن اختلف موجِبُ السببان، فهل نقول: إننا نأخذ بأحدِ السببين دون الآخر، أو نأخذ بالسببين ونعمل بموجَبِهما؟ الثاني، ما لم يكن أحدُهما أقوى فيندرج به الأصغر. إذا اجتمع سببان واختلف موجَبُهما أخذنا بموجب كل منهما ما لم يكن أحدهما أقوى فيؤخذ بالأقوى. مثال ذلك: ابن عم هو زوج ماتت امرأتُه، هنا اجتمع في حقِّ هذا الزَّوجِ جهةُ فرضٍ وجهةُ تعصيبٍ، فهل يرث بالفرض أو بالتعصيب أو بهما؟ بهما، فنقول: هذا الزوج له النصف فرضًا، والباقي تعصيبًا، فهنا ورث بالفرض وبالتعصيب. رجل مَلَكَ أَمَةً، ثم تزوَّجها، فهل يصح هذا الزواج ليملك بُضْعَها أو لا يصح؟ لا يصح؛ لأنَّ الملكَ أقوى؛ ولهذا لا يصح للسيد أن يعقد النكاح على أمته لكن يستمتع بها بملك اليمين. المهم أنَّا أخذنا من الآية الكريمة: أنه قد يجتمع سببان؛ رجل بال وتغوَّط هنا سببان موجبان للوضوء، هل نأخذ بكل واحد منها؟ هنا لم يختلف الموجب؛ لأنَّ الموجب هو الوضوء فلا يختلف، لكن يَقْوَى الموجب بتعدُّد الموجب، لكن لما لم يختلف لا نقول: يأخذ بهما جميعًا؛ لأن لا فائدة من ذلك. إذن إذا اجتمع موجبان، فإن اتَّحد موجبهما أخذنا بواحدٍ وكفى، وإن اختلف الموجَب أخذنا بهما، ما لم يكن أحدهما أقوى، فيُؤخذ بالأقوى ويُترَك الأضعف. يقول: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ [غافر ٧٦] * يستفاد منها: إهانة الكفار وهو عذاب قلبي؛ لأنَّ العذاب القلبي قد يكون أشد من العذاب البدني. * من فوائد الآية الكريمة: أن لجهنم أبوابًا؛ لقوله: ﴿أَبْوَابَ﴾، وقد جاء في القرآن الكريم: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر ٤٤]. * ومن فوائد الآية الكريمة: خلود أهل النار فيها؛ لقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾، والصواب الذي لا شك فيه أن الخلود مُؤَبَّدٌ بالآيات الثلاث التي سُقناها قبل قليل. * ومن فوائد الآية الكريمة: ثناء القدح على نار جهنم؛ لقوله: ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من التكبر؛ لقوله: ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ»[[أخرجه أبو داود (٤٠٩١) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.]]، فالكبر -والعياذ بالله- سبب لدخول النار. لكن قد يكون سببًا لدخولها مع الخلود، وقد يكون سببًا لدخولها للتطهير فقط، فإن كان هذا التكبر تكبرًا عن الحق وردًّا له فهذا سبب لدخول النار على التأبيد. وإن كان التكبُّر دون ذلك؛ مثل أن يتكبر على الخلق مع القيام بحق الخالق، أو يتكبر عن بعض الأشياء، ولا أظن أحدًا يتكبر عن أمرٍ من أمر الله إلَّا وهو كافر كفرًا مطلقًا؛ لأنَّ إبليس تكبَّر عن شيء واحد وكفر وهو السجود، لكن مَنْ تكبَّر على الخلق دون الحق، فهذا لا يُخَلَّد في النار، يعاقَب بمثل ما فعل من ذنب. وأحبُّ من طالب العلم أن يكون قويًّا في استنباط الأحكام من الأدلة؛ لأنَّ القادر على استنباط الأحكام من الأدلة يحصُل على علمٍ كثير من أدلَّةٍ قليلة، كم من إنسان يستنبط من آية واحدة عشرين فائدة، ويأتي إنسان آخر لا يستنبط إلا خمس فوائد مثلًا، الأول حصل على ثلاثة أضعاف ما حصل عليه الثاني، وذلك بالاستنباط. ولكن هنا مسألة: لا تُفْرِط في الاستنباط؛ لأنك إن أفرطت فيه حمَّلْتَ النصوص ما لا تحتمل، فكن وسطًا، وإذا دار الأمر بين أن يكون الحكم مستنبطًا من آية أو حديث أو لا يكون، فما هي السلامة؟ إن قلْتَ: ألَّا يكون، قال لك الآخر: السلامة أن يكون، حتى لا نبطل دلالة النص. لكن نقول: الأوَّل أرجح؛ لأنك إذا لم تتيقنْ أن الآيةَ دلت عليه وسكتَّ فقد سلمت، لأنك ما نفيت، انتبه، السكوت درجة بين النفي والإثبات، فأنت إذا سكتَّ لم تكن قلت على الله بغير حق، لكن إذا أثبتَّ في النص ما لا يدل عليه فقد قلت على الله بغير حق. إذن فالسلامة فيما إذا شككت هل النص دلَّ على هذا أو لا فالسلامة أيش؟ أن تسكت، ولكن لا تنفي، فقد يكون دالا عليه في نفس الأمر ولكن فهمك لم يدركه. * طالب: في الآية الأولى قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾، قلنا: إن ﴿ادْخُلُوا﴾ جاءت هنا بمعنى الإهانة، وفي الآية الأخرى للإكرام، هل في هذا رَدٌّ على من قال بالمجاز في القرآن، لأن نقول: لا مجاز، إنما الكلمة يُحْمَل معناها في كل سياق بحسب المعنى؟ * الشيخ: هذا يقول: إذا قلنا: ادخلوا تأتي للإهانة وتأتي للإكرام أفلا يكون فيها رَدٌّ على من قال: إن القرآن فيه مجاز؟ وذلك لأننا نقول: كل كلمة في موضعها فهي حقيقة فيه؟ الجواب: نعم، ربما يكون في ذلك دلالة على نفي المجاز؛ ولهذا كان الصواب ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه لا مجاز في اللغة ولا في القرآن، وأنتم تعرفون أن العلماء اختلفوا في هذا على أقوال: فمنهم من قال: لا مجاز، لا في القرآن ولا غيره. ومنهم من قال: لا مجاز في القرآن ويجوز في اللغة. ومنهم من قال: المجاز في القرآن واللغة. ومنهم من قال: كل الكلام مجاز، وأظن هذا رأي ابنُ جِنِّي أن جميع الكلام كله مجاز، حتى إذا قال: ضربت زيدًا، قال: هذا مجاز، قلت خيًرا، قال: خير هذا مجاز، وهكذا، لكن الراجح أن لا مجاز؛ وذلك لأن الذي يُعَيِّن معنى الكلمة هو السياق والقرائن. ولهذا ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ القرينة تدلُّ على أن الأمر للإهانة، ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر ٤٦] القرينة تدل على أنه للإكرام. * طالب: أحسن الله إليك، قلنا: الفرح بالحق ممدوح، فما ضابط الحق؟ * الشيخ: إذا فعل الإنسان خيرًا، هذا حق، فإذا فرح بذلك فهو حق، إذا فرح بالمطر فهذا حق، إذا فرح بأن الله أيَّده بشيء فهذا حق؛ ولهذا فرح ابن عباس رضي الله عنهما حين أفتى الرجل بالتمتع في الحج فرأى في منامه -أي: الرجل- أن رجلًا يقول له: عمرةٌ متقبَّلة وحج مبرور، فأخبر بذلك ابن عباس ففرح بهذا وقال: انتظر حتى نعطيك من العطاء أو كلمة نحوها. * طالب: شيخ -بارك الله فيكم- فَرَحُ قارون الذي ذُمَّ عليه هل هو بالبغي، أو بالمال الذي أوتيه؟ * الشيخ: فَرحٌ بكلا الأمرين. * الطالب: يعني: الفرح بالمال هذا ليس مذمومًا؟ * الشيخ: لا، قد يكون مذمومًا، وقد يكون ممدوحًا، إذا فَرِحَ بالمال ليستعين به على حقٍّ؛ يعني إنسان يريد أن يشتري كتبًا وليس عنده مال، فرزقه الله المال يفرح ليشتري الكتب، لكن إنسان يريد أن يشتري آلة لهو، وليس عنده مال، فرزقه الله مالًا، فاشترى به آلة لهو، فالفرح هنا مذموم. * الطالب: فرح الإنسان هل يثاب عليه؟ * الشيخ: أي نعم؛ لأنه يدل على حُسْنِ نيَّةٍ وقصد، إذا فرح بالحق فإنه يثاب على ذلك؛ لأنه يدل على أنه مريد للحق. * الطالب: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥) ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [غافر ٧٥ - ٧٧]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، انتهينا على الكلام عن الفوائد حتى قوله تعالى: ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾. وذكرنا أن النار مثوى الكافرين، وأن الجنة مثوى المؤمنين، وأن ذلك هو المثوى الأخير، ونبهنا سابقًا على ما يطلِقُه بعض الناس الآن: إذا مات الميت قالوا: إنه انتقل إلى مثواه الأخير، وقلنا: إن هذا لو صدر عن عالم بما يقول، مريدًا لما يقول كان ذلك كفرًا، ذكرنا أن الإنسان الذي يُطْلِقُ هذا الكلام إذا كان عالمًا به مريدًا له كان هذا كفرًا؛ لأن مضمونه إنكار البعث؛ إذ إننا إذا جعلنا المثوى الأخير هو القبور فمقتضاه أن لا بعث، وهذه خطيرة وهي متلقاة من غير المسلمين، إما من ملاحدة لا يؤمنون بالبعث، وإما جهال لا يدرون ما يقولون، على كل حال يجب صرفُ النَّظَرِ عنها وألا يُعَبَّر بها، وأن يقال: انتقلَ إلى القبور، وسيُبعَث يوم القيامة أو لا يقال: سيُبْعَث، المهم ألا يكون دالًّا على أن هذا هو آخر مرحلة لبني آدم.

غافر 40:75

(﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ﴾ [غافر ٧٣] تبكيتًا ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ معه، وهي الأصنام) والاستفهام هنا لا شك أنه للتوبيخ والتنديم والتعجيز، كلها يتضمنها هذا الاستفهام، وهذا ألم قلبيٌّ؛ لأن الإنسان يندم أشد الندم إذا كانت هذه الأصنام التي كان يعبدها لتقرِّبَه إلى الله عز وجل كما يَدَّعِي ثم تضل عنها الآن ولا توجد، كما لو أمسكتَ عبدًا مثلًا وعذَّبْتَه وقلت: أين سيدك الذي تدعي أنه يحميك؟ أليس هذا يكون أشد ندمًا له؟ بلى، إذن فهؤلاء يُنَدَّمُون هذا التنديم، فيقال: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: مع الله وهي الأصنام، وحينئذ يتحسَّرون حسرة ليس فوقها حسرة. ولهذا يقولون إقرارًا إقرارَ المكره في الواقع: (﴿قَالُوا ضَلُّوا﴾ غابوا ﴿عَنَّا﴾ فلا نراهم). إذن عرفوا أنها لن تنفعهم، وأنها غابت عنهم في أشد ما يحتاجون إليها فيه، بل قالوا: ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ سبحان الله! يعني: أنكروا أن يكونوا أشركوا، كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام ٢٣، ٢٤] فالحاصل أنهم يُنَدَّمُون هذا الندم العظيم ثم ينكرون. يقول عز وجل: ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ ﴿نَدْعُو﴾ بمعنى نعبد؛ لأن الدعاء ينقسم إلى قسمين: دعاء مسألة ودعاء عبادة، وكلاهما متلازمان؛ فدعاء المسألة عبادة كما جاء في الحديث: «الدُّعَاءُ عِبَادَةٌ» »[[ أخرج أبو داود (١٤٧٩) بسنده عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: «الدُّعاءُ هو العِبادَةُ...» الحديث.]]، ودعاء العبادة أيضًا دعاء مسألة؛ لأنك لو سألتَ العابد: لماذا عبدْتَ الله؟ لقال: رجاءَ ثوابِهِ وخوف عقابه، فهو داعٍ بلسان الحال؛ ولذلك صار الدعاء بمعنى العبادة، والعبادة بمعنى الدعاء، وانظر إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر ٦٠]، لكن دعاء المسألة دعاء صريح في السؤال يقول القائل: رب اغفر لي وارحمني إلى آخره، ودعاء العبادة دعاء باللازم؛ لأن الإنسان إنما يعبد الله خوفًا من عقابه ورجاء لثوابه. دعاء المسألة دعاء عبادة صريح أو باللازم؟ عبادة باللازم؛ لأن السائل متذلِّل للمسؤول فهو متعبِّد له. قال: (﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ أنكروا عبادتهم إياها ثم أُحْضِرَت فقال الله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء ٩٨] أي: وقودها) وتمام الآية: ﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء ٩٨، ٩٩] فهؤلاء أنكروا، كذبوا على أنفسهم، ظنوا أن هذا سينفعهم كما لو أن الجاني في الدنيا أنكر جنايته ربما ينفعه ذلك، لكن في الآخرة لا ينفع، حتى إنهم إذا أنكروا خُتِمَ على أفواههم فتتكلم الأيدي والأرجل والجلود والألسُن بما تعمل، وحينئذ لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا. * في هذه الآية أيضًا من الفوائد: أن هؤلاء المكذِّبين بالكتاب وبما أرسل الله به الرسل يعذبون عذابًا جسديًّا بالسلاسل والأغلال والسحب في النار، ويعذَّبون عذابًا قلبيًّا بالتوبيخ والتقريع والتنديم فيقال: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [غافر ٧٣، ٧٤]. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات القول لله عز وجل، هل يمكن أن تُؤخَذ من الآية؟ * طالب: (...). * الشيخ: الآية لا تدلُّ على هذا؛ لأن القائل لم يُبَيِّن ﴿قِيلَ لَهُمْ﴾، ولكنها في آيات أخرى تدلُّ على أن الله يقول لهم ذلك: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص ٦٢]. مَنِ الذي يُنادِيهم؟ الله؛ لأنه قال: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾، ويمكن أن يقال: إنهم ينادَون من قِبَل اللهِ وينادَوْن أيضًا مِنْ قِبَل الملائكة الذين وكَّلهم الله عز وجل، أو يقال: إن الملائكة تناديهم، ولكن مناداتهم أُضيفَت إلى الله؛ لأنَّه الآمر بها، كما أضاف الله الوفاةَ إليه مع أن الذي تتوفى الأنفسَ مباشرة هي الرُّسُلُ، ولكن نقول: هذه الاحتمالات لا نُورِدُها مع وجودِ الظاهر؛ لأنَّ الكلامَ يُحمَلُ على أي شيء؟ على ظاهره، حتى يقومَ دليلٌ على صَرْفِه عن الظاهر، فإذا كان اللهُ يقول: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص ٦٢] صريحٌ بأنَّ المنادي هو الله فيبقى على ما هو عليه، ويُحمَل ما كان مبنيًّا للمفعول على أن المنادي هو الله عز وجل. * طالب: ﴿وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ [غافر ٧١] ما فيه عائد، يا شيخ؟ * الشيخ: ما فيه عائد؟ ذكرنا العائد؛ قلنا: العائد محذوف، والتقدير: يُسْحَبون بها، حذف العائد يجوز، كُلُّ ما يُعْلَم فحذفُه جائزٌ. * طالب: فسَّرتم الاستفهامَ أنَّه استفهامٌ تقريريٌّ. * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾. * الشيخ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾، نعم. * الطالب: ثم قلتم: من فوائدِه التَّعجُّب؟ * الشيخ: إي نعم؛ لقوله: ﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾. * الطالب: التعجب ليس فيه الاستفهام. * الشيخ: لا، من ﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ استفهام. * * * * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (٧٤) ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥) ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [غافر ٧٣ - ٧٦]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، قوله: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ مَنِ القائل؟ * طالب: القائل هو الله. * الشيخ: القائل هو الله. ما هو الدَّليل من القرآن؟ ﴿فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص ٦٢]. هل يحتمل معنى آخر أن القائل غيرُ الله أيضًا؟ * طالب: نعم، في نفس الآية، فيه احتمال؛ لأن الفاعل محذوف، لكن الآية الأخرى تثبت، ما تُبْقي احتمالًا. * الشيخ: ويمكن أن تكون الملائكة أيضًا، يعني حذف المفعول.. * طالب: ويمكن أن يكون القائلون الملائكة، ونُسِبَ إلى الله تعالى؛ لأنه الآمر كما أن.. * الشيخ: الآية التي ذكرها الأخ صريحة، لكن ما في القرآن آية تدل على أن الملائكة تُوُبِّخهم أيضًا؟ إذا كان فيه فلا مانع، تكون هذه الآية بُنِيَت لما لم يُسَمَّ فاعله لهذا السبب، طيب. ما المراد بهذا القيل؟ ما هو الغرض من هذا؟ * طالب: التوبيخ. * الشيخ: التوبيخ والتنديم طيب. إذن يكون جُمِعَ لهم بين العذاب؟ * طالب: القلبي والحسي. * الشيخ: القلبي والبدني؛ لأن تنديمَهم وتلويمهم لا شك أنه يؤثر عليهم. قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ [غافر ٧٤] ﴿كَذَلِكَ﴾ الكاف حرف، لكنَّها اسم في الواقع، فهي مفعول مطلق، وتقديرُ الكلام: مثل ذلك الإضلال يضل الله الكافرين، فهي حرف صورة، لكنها بالمعنى اسم، هذا الاسم محله من الإعراب مفعول مطلق للفعل الآتي بعده. وكما تعلمون أنَّ مثل هذا التعبير يأتي كثيرًا في القرآن، وإعرابه كما سمعتم أن الكاف حرف بمعنى مثل، وأن إعرابها مفعول مطلق للفعل الذي بعدها، والتقدير في كل سياق بحسبه، لكن في الآية التي معنا: مثل ذلك الإضلال يضل الله الكافرين. وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ [غافر ٧٤] أي: يجعلهم في ضلال. يقول المفسر: (﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثل إضلال هؤلاء المكذبين ﴿يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ ). قال: (ويقال لهم أيضًا ﴿ذَلِكُمْ﴾ العذاب ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ ) ﴿ذَلِكُمْ﴾: المشار إليه العذاب، والمخاطب: أولئك الكافرون، ولهذا جاءت الكاف بضمير الجماعة، وجاءت اسم الإشارة بالإشارة لمفردٍ مُذَكَّرٍ؛ لأن العذاب مفرد مذكر. واعلم أن اسم الإشارة وكاف الخطاب تارة يتفقان وتارة يختلفان؛ فاسم الإشارة يكون بحسب المشار إليه، وكاف الخطاب بحسب المخاطب، فإذا قيل لك: أَشِرْ إلى مفرد مذكر مخاطبًا جماعة نساء، فكيف تقول؟ * طالب: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾. * الشيخ: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف ٣٢]. أَشِرْ إلى مثنى مذكر مخاطبًا مثنى مؤنَّثًا. * طالب: ذانكما. * الشيخ: ذانكما، طيب. أَشِرْ إلى مفردة مؤنثة مخاطبًا جماعة ذكورٍ؟ * طالب: تانكم. * الشيخ: في القرآن ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا﴾ [الزخرف ٧٢]، المشار إليه مفرد مؤنث، والمخاطب جماعة ذكور. المهم هذه القاعدة؛ اسم الإشارة بحسب المشار إليه، وكاف الخطاب بحسب المخاطب، قد يتَّفقان وقد يختلفان. وقوله: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ﴾ الباء للسببية، و(ما) مصدرية، وعلامة (ما) المصدرية أن يصح تحويل ما بعدها إلى مصدر، فمثلًا قوله: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ﴾ إذا حوَّلْنَا ما بعدها إلى مصدر يكون التقدير: ذلكم بكونكم تفرحون في الأرض بغير الحق. وقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ﴾ معلومٌ أنَّ كان هذه للماضي؛ أي: قبل الموت. ﴿تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: تفرحون بالباطل، وذلك أنهم يفرحون بالشرك والكفر وكل من شاركهم في إثمهم فإنهم يفرحون به. وقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ قال المفسِّر: (مِنَ الإشراكِ وإنكارِ البعث)، وهذا في الواقع قصور إلا إذا كان يريد به التمثيل، وإلا فإن قوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أعم من الشرك وإنكار البعث، فهم يفرحون في الأرض بغير الحق؛ من الشرك، وإنكار البعث، والعدوان، وتحليل الحرام، وتحريم الحلال، كالسائبة، والوصيلة، والحام، وما أشبه ذلك. المهم أن قول المؤلف: (من الإشراك وإنكار البعث) هذا قصور ما لم يُرِدِ التمثيل، فإنْ أراد التَّمثيل فإن التمثيل لا يفيد الحصر. (﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ تتوسَّعون في الفرح) الواو حرف عطف، والباء للسببية، وهذا الجملة معطوفة على ما قبلها بإعادة العامل، ما هو العامل؟ الباء، والعطف بإعادة العامل يعني أن الثاني مستقل عن الأول، فهم يُعَذَّبُون بالأمرين جميعًا، يعذبون عذابًا خاصًّا بالفرح وعذابًا خاصًّا بالمرح، وبالباء للسببية، (﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ تتوسَّعون في الفرح). ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [غافر ٧٦] ﴿ادْخُلُوا﴾ فعل أمر، والآمر هم الملائكة، والأمر يراد به الإهانة، ليس أمر إكرام، ولكنه أمر إهانة، وإلزام؛ لأنه لا بد أن يدخلوا. وقوله: ﴿أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ جمع، فكم عدد الأبواب؟ عدد أبواب جهنم سبعة، كما قال الله تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر ٤٤]، وجهنم اسم من أسماء النار، وسُمِّيَت بذلك لأنها ذات جُهْمَة إذا قلنا: إن جهنم اسم عربي زيدت به النون. وإن قلنا: إنه اسم غير عربي، ولكنه عُرِّب فلا حاجة أن نقول: إنه مشتق من الجُهمة التي هي الظلمة والقعر، وأيًّا كان فهو اسم من أسماء النار أعاذنا الله وإياكم منها. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ ﴿خَالِدِينَ﴾ هذه حال من الفاعل في قوله: ﴿ادْخُلُوا﴾، وهذا الخلود هل هو طول المكث أو هو التأبيد؟ نقول: اللغة العربية يأتي فيها الخلود مُرادًا به طولُ المكث، ويأتي مرادًا به التأبيد، والمراد به هنا الثاني؛ يعني أنهم خالدون فيها أبدًا، ودليل ذلك أن الله تعالى صرح في القرآن الكريم بأن أهل النار خالدين فيها أبدًا في ثلاثة مواضع: الموضع الأول: قول الله تبارك تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩]. والآية الثانية: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥]. والآية الثالثة: قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣]. وبهذه الآيات الثلاث يتبيَّن ضعف بل بطلان قول مَنْ يقول: إن النار ليست مؤبدة وإنها تفنى، فإنَّ هذا القول منكر لأنه مخالف لصريح القرآن، ولا يمكن لإنسان يخالف صريح القرآن لمجرد تعليلاتٍ يعلِّلها مثل أن يقول: إن رحمة الله تعالى سبقت غضبه، وأن هؤلاء مآلهم إلى أن يفنوا هم والنار. يقال: نعم، رحمة الله سبقت غضبه، لكن وعد الله حَقٌّ، أليس كذلك؟ وإذا كان وعد الله حقًّا فإنهم يخلَّدون فيها أبدًا. وإذا قال قائل: التخليد الأبدي في هذا العذاب الأليم كيف يكون جزاء لإنسان لم يبق في الدنيا إلا مئة سنة أو ألف سنة؟ فيكون هنا العذاب أكثر من زمن العمل؛ لأنه ما فيه أحد بقي في الدنيا أبد الآبدين، فيقتضي هذا أن يكون فيه ظلم؛ لأنَّ الجزاء صار أكثر من العمل بكثير ولا يُنْسَب له، كما قلت لكم لنفرضْ أنَّ أحدًا من الناس عاش ألف سنة أو عشرة آلاف سنة، لكنه عاش إلى أمد، ثم نقول: عذابه مؤبد، يكون هذا ظلمًا؟ فيقال: إن هذا أمضى حياتَه الدنيا كُلَّها في مُحادَّة الله ورسُلَه فيمضي حياته الأخرى كلها في العذاب، وهذا عدل، ثم إن هذا الذي عُذِّب أبدًا قد قيل له في الدنيا، وبُيِّن له أن جزاءه العذابُ الأبديُّ، فلماذا يُقدِم على شيء يعرف أن هذا جزاؤه؟! وحينئذ لا ظلم ولا عذر للكافرين، فالمهم أن قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ يراد به الخلودُ الأبَدَيُّ ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [غافر ٧٦]، هذه الجملة جملة إنشائية يُراد بها الذم، ويقابل هذا في المدح ﴿نِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ ﴿فَبِئْسَ﴾ هنا فعل إنشائي يُراد به الذم، والمعنى أن هذه الدار دارٌ كلُّها ذمٌّ كلها بلاء، ولهذا وصفت بأنها ﴿بِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾. * طالب: حديث: «نِيَّةُ الْكَافِرِ»[[لم نقف عليه بهذا اللفظ، وورد بلفظ «نِيَّة الفاجر شر من عمله» أخرجه القضاعي في مسنده (١٤٨) من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه، وابن عبد البر في التمهيد (٢ / ٢٥٦) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.]].. * الشيخ: أولًا: هذا ليس حديثًا صحيحًا عن الرسول. وثانيًا: مرادُ قائلِه أنَّ الإنسانَ يدرك بنيته ما لا يدرك بعمله، هذا المعنى، فالإنسان المريض الذي يتمنى أنَّه صحيح يقوم بما أوجب الله عليه هذا أدرك بالنية ما لم يُدْرِكْ بالعمل، وكذلك أيضًا الإنسان إذا نوى الشر وهو عاجز عنه يُعاقَب معاقبة الفاعل، لكن بالنية، دليل ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام في الرجل الفقير الذي ليس عنده مال، وكان هناك رجل آخر: لو أن لي مالَ فلانٍ لعملْتُ فيه عمل فلان فقال النبيُّ ﷺ: «فَهُوَ بِنِيَّتِهِ، فَهُمَا فِي الْوِزْرِ سَوَاءٌ» »[[أخرج الترمذي (٢٣٢٥) وابن ماجه -واللفظ له- (٤٢٢٨) بسنديهما عن أبي كبشة الأنماري رضي الله أن النبي ﷺ قال: «مثل هذه الأمة كمثل أربعة نفر: رجل آتاه الله مالًا وعلمًا، فهو يعمل بعلمه في ماله، ينفقه في حقه، ورجل آتاه الله علمًا، ولم يؤته مالًا، فهو يقول: لو كان لي مثل هذا عملت فيه مثل الذي يعمل»، قال رسول الله ﷺ: «فهما في الأجر سواء، ورجلٌ آتاه الله مالًا، ولم يؤْتِه علمًا، فهو يخبط في ماله ينفقه في غير حقه، ورجل لم يؤته الله علمًا، ولا مالًا، فهو يقول: لو كان لي مثل هذا، عملت فيه مثل الذي يعمل»، قال رسول الله ﷺ: «فهُما في الوزر سواء».]]. * الطالب: شيخ، بارك الله فيكم، حصرْنا أبوابَ جهنَّم بسبعةٍ للآية مع أنه مر معنا في أسماء الله عز وجل «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا»، » وكذلك في أبواب الجنة الثمانية قلنا: إنه لا يدل على الحصر، ما وجه الحصر في هذه الآية؟ * الشيخ: هذا يسأل يقول: إنكم قلتم: إن العدد لا مفهوم له في قوله ﷺ: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٧٣٦)، ومسلم (٢٦٧٧ / ٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] قلتم: هذا العدد لا يدل على الحصر، وأن لله أسماء أخرى، فلماذا نقول بالحصر أو بإفادة العدد الحصر في أبواب جهنم وأبواب الجنة؟ الجواب أن نقول: أما الأول وهو قوله: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا» » فإنما قلنا: إنها ليست للحصر بدليل، فما هو الدليل؟ حديث عبد الله بن مسعود حديث الغَمِّ قال: «أَسْاَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ»[[أخرجه أحمد (٤٣١٨) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.]] وإذا كان الله مستأثِرًا بعلم الغيب عنده فإنه لا يمكن للإنسان أن يدركه؛ لأن الله استأثر به، فمن ثَمَّ قلنا: إن العدد لا مفهوم له في قوله: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا»، وأن المعنى أن من أسماء الله تسعة وتسعين اسمًا مَنْ أحصاها دخل الجنة. * الطالب: قلنا: إن القول بأن النار ليست مؤبدة مخالف لصريح القرآن، فإن قال هذا القائل: إن هذا وعيد، وإخلاف الوعيد جائز؟ * الشيخ: نقول: هذا لا يمكن؛ لأننا لا نقول: إخلاف الوعيد جائز إلا في أمر ضروري لا بد منه مثل: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [النساء ٩٣] هذه بعض الأجوبة التي أُجيبَ عن هذه الآية بها؛ أن هذا وعيد وإخلاف الوعيد كرم وهو ثناء ومدح للمخلِف، لكن هذا الجواب في الواقع جواب يهز ليس جوابًا راسخًا؛ لأننا نقول: إن الله لا يخلف الميعاد؛ أي: ما وعد به من عقوبة أو كرامة، وأما الآية ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾ في آية القتل يُحْمل الخلود على المعنى الثاني وهو المُكثُ الطويل، وبهذا ليس هناك تناقض. * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٧٧) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠) وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ [غافر ٧٧ - ٨١]. * الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. قول الله تبارك وتعالى في أهل النار يقال لهم: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ [غافر ٧٦] ما هو المراد بهذا الأمر؟ * طالب: المراد به الأمر بدخول النار، أي: أمر الله به. * الشيخ: إي، لكن ما المراد به؟ * الطالب: المراد به يوم القيامة، والإهانة. * الشيخ: الإهانة؟! وقولُه تعالى في أهل الجنة: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر ٤٦] ما المراد بالأمر؟ * الطالب: (...). الإكرام، طيب. نأخذ من هذا أن الكلمات يختلف معناها باختلاف السياق، وهذه فائدة عظيمة لطالب العلم أن الكلماتِ يختلف معناها باختلاف السياق، فكم كلمة كان لها معنى في سياق، ولها معنى آخر في سياق آخر. هل أهل النار يخلدون فيها أبدًا؟ * الطالب: (...). * الشيخ: نعم أبدًا. عندك دليل في هذا؟ * الطالب: ورد في ثلاث آيات تدل على التأبيد. * الشيخ: أحسنت، اتل علينا منها واحدة. * طالب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥]. * الشيخ: أحسنت، هذه في سورة الأحزاب. * الطالب: الثاني: ﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. * الشيخ: والثاني ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩] هذا في أي سورة؟ * الطالب: هذا في سورة النساء. * الطالب: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣]. * الشيخ: في أي سورة هذه؟ * الطالب: الجنّ. * الشيخ: في سورة الجن، أحسنت. قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [غافر ٧٧] (اصبر): الخطاب هنا للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ [غافر ٧٤]. * يُستفادُ منها: أن الله تعالى يُضِلُّ الكافرَ لكفره، وجه الدَّلالة أن الحكم إذا عُلِّق على وصف كان ذلك الوصف علَّة له، فالذي عُلِّق على الكفر هنا الإضلالُ، إذن الكفرُ سببٌ للإضلال، ويؤيد هذا قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]. يتفرَّع على ذلك أن الضالَّ إذا ضلَّ فإنه هو السبب في ضلاله؛ لأن الله تعالى لو عَلِم فيه خيرًا لأسمعه، ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، وهذه الآية تعني أن الله أعلم حيث تكون الرسالة في شخص معين، وكذلك حيث يكونُ أثرُ الرسالة في شخص معين، وأثر الرسالة الهداية. * ومن فوائد الآية الكريمة: الردُّ على القدرية؛ ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾، وجه ذلك؟ * طالب: لأن هذا الضالَّ هو سبب الضلال لنفسه، فله إرادة تثبت هذا له. * الشيخ: هم يقولون هكذا، القدرية يؤيدون ذلك أن للإنسان إرادة مستقلة. * طالب: القدرية يقولون: إنَّ أفعال العباد ليست مخلوقة لله سبحانه وتعالى. * الشيخ: ولا علاقة لله بها. * الطالب: لكن الآية تدل أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يضلهم. * الشيخ: نعم، فيكون في ذلك رد على القدرية. ينبغي بهذه المناسبة -وإن لم يكن الدرس درس عقيدة- أن نقول: إن الناس انقسموا في هذا الباب إلى طرفين ووسط، أي في أفعال العباد: فمنهم من يقول: أفعال العباد مخلوقة لله، والعبد مجبور عليها، وليس له إرادة؛ لأن الله خالق كل شيء، وإذا كان الله هو الخالق فالإنسان ليس له تدبير. ومنهم من قال بالعكس: إن الإنسان فاعل باختياره، وليس لله علاقة به، هذان طرفان. ومنهم من قال: إن الإنسان فاعل باختياره، لكن فعله مقرون بمشيئة الله، وهذا هو الوسط. واعلموا أن أسبابَ الضلال في مثل هذه الأمور أنَّ من الناس من ينظر إلى النصوص من زاوية واحدة؛ بمعنى أنه يأخذ نصًّا ويدع نصًّا، فالجبرية رَأَوْا عموم مشيئة الله وعموم خلق الله؛ وأن الإنسان فقير إلى الله وما أشبه ذلك، فقالوا: إذن الإنسان ليس له إرادة ولا اختيار، وفعله على وجه الإجبار. والقدرية رَأَوْا أن الإنسان يفعل ولا يُحِسُّ أن أحدًا مكرِه له، والله تعالى قد أضاف الفعل إليه، فقال: ﴿أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [الحج ٤١] فهو مستقل بعمله، ليس لله فيه علاقة، فأخذوا من جانب وتركوا جانبًا آخر، وهكذا جميع خلاف العلماء، إذا رأيت العلماء مختلفين على طرفين ووسط، فاعلم أن الطرفين كل واحد منهما أخذ بجانب من الأدلة وترك جانبًا آخر. ثم قال عز وجل: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [غافر ٧٥] إلى آخره. * في هذه الآية الكريمة: إثبات الأسباب يؤخذ من قوله: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ﴾؛ لأن الباء هنا للسببية. واعلم أيضًا أن الناس اختلفوا في الأسباب على ثلاثة أقوال: طرفان ووسط. طرفٌ من الناس أثبتَ الأسبابَ وأنها فاعِلَة بنفسها؛ يعني أنه إذا وُجِد السبب لزم وجود المسبب ولا بد. وطائفة أخرى أنكرت تأثيرَ الأسباب وقالوا: الأسباب لا تؤثر؛ لأنك لو جعلت هذا متأثِّرًا بسبب لأثبتَّ لله شريكًا في الإيجاد، وهذا شرك، إذن هنا طرفان: طرف يثبت الأسباب، وأنها مؤثرة بنفسها بمعنى أنه متى وُجِدَ السبب لزم وجود المسبب فالسبب مُؤَثِّر بذاته. وطائفة أخرى تقول: لا تأثير للأسباب؛ لأنك لو جعلت للأسباب تأثيرًا أشركتَ مع الله حيث جعلتَ موجدًا مع الله عز وجل. الطائفة الثالثة: قالت الأسباب مؤثِّرة لا شك، لكن لا بنفسها لكن بما أودع الله فيها من القُوى التي صارت بها مُؤَثِّرة، هي بنفسها غير مؤثرة، لكن الله تعالى أودع فيها قوى تؤثِّر، ولو شاء الله تعالى لسلب تلك القوى فلم تُؤَثِّر، وهذا قول وسط، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، وهو الذي يوافق السَّمع والعقل. أضرب لك مثلًا: رجلٌ رمى زجاجة بحجرٍ فانكسرت؛ مثبتو الأسباب يقولون: الذي كسرها الحجر بذاته. ونافو الأسبابِ يقولون: الحجر لم يكسر الزجاجة، لكن انكسرت الزجاجة عِنْد رميها بالحجر، وليس بالحجر، وإنما الحجر أمارة فقط، أمارة حصل الشيء عندها، وكذلك بقية الأسباب. والوسط يقولون: الحجر كسر الزجاجة فهو السبب بما جعل الله تعالى في الحجر مِنْ قوة، وبما جعل في الزجاجة من قابليَّة تقبل الانكسارَ، وهذا هو الحق. ألقينا في النار ورقًا فاحترق؛ مثبتو الأسباب الذين يقولون: إن الأسباب تؤثر بنفسها يقولون: النار أحرقت الورقة ولا بد، ونافو الأسباب يقولون: إن النار لم تُحْرِقِ الورقة، ولكن احترقت الورقة عند إلقائها في النار لا بالنار، والوسط يقولون: احترقت الورقةُ بالنَّار بما جعل الله تعالى في النار من قوةِ الإحراق، وبما جعل في الورق من قابليَّةِ ذلك؛ ولهذا يوجد الآن مواد تضادُّ النار، تُلْقَى في النَّار ولا تحترق؛ لأنَّ هناك مانعًا يمنع من تأثير السبب، وهذا القول هو الراجح. ألم تروا إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام أُلْقِيَ في النار العظيمة التي لم يستطع مُلْقُوه أن يقربوا منها حتى ألقوه في المنجنيق ورَمَوْه فيها رميًا، لم يحترق مع أن النَّار سبب للإحراق، لكن الله قال لها: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء ٦٩]، فكانت بردًا وسلامًا عليه. قال العلماء: لو قال الله تعالى: كوني بردًا، ولم يقلْ: سلامًا لكانت بردًا مُهْلِكة، لكن الله قال: ﴿بَرْدًا وَسَلَامًا﴾، فكانت بردًا وسلامًا، وكأنه لم يكن في نار. إذن نقول: الأصح من أقوال العلماء في تأثير الأسباب: أنها مؤثرة لا لذاتها، ولكن بما جعل الله تعالى فيها من القوى المؤثرة في المحلات القابلة. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الفرح بغير الحقِّ سبب للعذاب والإضلال من أين يؤخذ؟ ﴿تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [غافر ٧٥]. * ومن فوائدها: أن الفرح بالحقِّ محمود؛ ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ: «مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ»[[أخرجه أحمد (١١٤)، والنسائي واللفظ له (٩١٨١) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.]]، وقال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس ٥٨]، فالفرح بالحق محمود، والفرح بغير الحق مذموم، والفرح بما ليس حقًّا ولا باطلًا ليس محمودًا ولا مذمومًا؛ لأنه من اللغو، ولكن عباد الرحمن إذا مروا باللغو مروا كرامًا. ثم اعلم أن الفرح يكون طبيعيًّا، الإنسان إذا أتاه ما يسرُّه لا بد أن يفرح، ينفعل بدون إرادة، ومعلوم أنَّ هذا لا يُؤاخَذُ به الإنسان إلا إذا كانت طبيعته منحرفة بحيث يفرح بالسوء دون الخير. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأسباب تتوارد بمعنى أنه قد يَرِدُ على الشيء سببان؛ تؤخذ من قوله: ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر ٧٥]، والمرح أشد الفرح. وهكذا الأسباب الشرعيَّة تتوارد بمعنى أنه قد يكون في الإنسانِ سببان؛ واحد منهما يوجِب الحكم، فإذا اجتمعا صار كل واحد يقوِّي الآخر؛ فإن اختلف موجِبُ السببان، فهل نقول: إننا نأخذ بأحدِ السببين دون الآخر، أو نأخذ بالسببين ونعمل بموجَبِهما؟ الثاني، ما لم يكن أحدُهما أقوى فيندرج به الأصغر. إذا اجتمع سببان واختلف موجَبُهما أخذنا بموجب كل منهما ما لم يكن أحدهما أقوى فيؤخذ بالأقوى. مثال ذلك: ابن عم هو زوج ماتت امرأتُه، هنا اجتمع في حقِّ هذا الزَّوجِ جهةُ فرضٍ وجهةُ تعصيبٍ، فهل يرث بالفرض أو بالتعصيب أو بهما؟ بهما، فنقول: هذا الزوج له النصف فرضًا، والباقي تعصيبًا، فهنا ورث بالفرض وبالتعصيب. رجل مَلَكَ أَمَةً، ثم تزوَّجها، فهل يصح هذا الزواج ليملك بُضْعَها أو لا يصح؟ لا يصح؛ لأنَّ الملكَ أقوى؛ ولهذا لا يصح للسيد أن يعقد النكاح على أمته لكن يستمتع بها بملك اليمين. المهم أنَّا أخذنا من الآية الكريمة: أنه قد يجتمع سببان؛ رجل بال وتغوَّط هنا سببان موجبان للوضوء، هل نأخذ بكل واحد منها؟ هنا لم يختلف الموجب؛ لأنَّ الموجب هو الوضوء فلا يختلف، لكن يَقْوَى الموجب بتعدُّد الموجب، لكن لما لم يختلف لا نقول: يأخذ بهما جميعًا؛ لأن لا فائدة من ذلك. إذن إذا اجتمع موجبان، فإن اتَّحد موجبهما أخذنا بواحدٍ وكفى، وإن اختلف الموجَب أخذنا بهما، ما لم يكن أحدهما أقوى، فيُؤخذ بالأقوى ويُترَك الأضعف. يقول: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ [غافر ٧٦] * يستفاد منها: إهانة الكفار وهو عذاب قلبي؛ لأنَّ العذاب القلبي قد يكون أشد من العذاب البدني. * من فوائد الآية الكريمة: أن لجهنم أبوابًا؛ لقوله: ﴿أَبْوَابَ﴾، وقد جاء في القرآن الكريم: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر ٤٤]. * ومن فوائد الآية الكريمة: خلود أهل النار فيها؛ لقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾، والصواب الذي لا شك فيه أن الخلود مُؤَبَّدٌ بالآيات الثلاث التي سُقناها قبل قليل. * ومن فوائد الآية الكريمة: ثناء القدح على نار جهنم؛ لقوله: ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من التكبر؛ لقوله: ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ»[[أخرجه أبو داود (٤٠٩١) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.]]، فالكبر -والعياذ بالله- سبب لدخول النار. لكن قد يكون سببًا لدخولها مع الخلود، وقد يكون سببًا لدخولها للتطهير فقط، فإن كان هذا التكبر تكبرًا عن الحق وردًّا له فهذا سبب لدخول النار على التأبيد. وإن كان التكبُّر دون ذلك؛ مثل أن يتكبر على الخلق مع القيام بحق الخالق، أو يتكبر عن بعض الأشياء، ولا أظن أحدًا يتكبر عن أمرٍ من أمر الله إلَّا وهو كافر كفرًا مطلقًا؛ لأنَّ إبليس تكبَّر عن شيء واحد وكفر وهو السجود، لكن مَنْ تكبَّر على الخلق دون الحق، فهذا لا يُخَلَّد في النار، يعاقَب بمثل ما فعل من ذنب. وأحبُّ من طالب العلم أن يكون قويًّا في استنباط الأحكام من الأدلة؛ لأنَّ القادر على استنباط الأحكام من الأدلة يحصُل على علمٍ كثير من أدلَّةٍ قليلة، كم من إنسان يستنبط من آية واحدة عشرين فائدة، ويأتي إنسان آخر لا يستنبط إلا خمس فوائد مثلًا، الأول حصل على ثلاثة أضعاف ما حصل عليه الثاني، وذلك بالاستنباط. ولكن هنا مسألة: لا تُفْرِط في الاستنباط؛ لأنك إن أفرطت فيه حمَّلْتَ النصوص ما لا تحتمل، فكن وسطًا، وإذا دار الأمر بين أن يكون الحكم مستنبطًا من آية أو حديث أو لا يكون، فما هي السلامة؟ إن قلْتَ: ألَّا يكون، قال لك الآخر: السلامة أن يكون، حتى لا نبطل دلالة النص. لكن نقول: الأوَّل أرجح؛ لأنك إذا لم تتيقنْ أن الآيةَ دلت عليه وسكتَّ فقد سلمت، لأنك ما نفيت، انتبه، السكوت درجة بين النفي والإثبات، فأنت إذا سكتَّ لم تكن قلت على الله بغير حق، لكن إذا أثبتَّ في النص ما لا يدل عليه فقد قلت على الله بغير حق. إذن فالسلامة فيما إذا شككت هل النص دلَّ على هذا أو لا فالسلامة أيش؟ أن تسكت، ولكن لا تنفي، فقد يكون دالا عليه في نفس الأمر ولكن فهمك لم يدركه. * طالب: في الآية الأولى قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾، قلنا: إن ﴿ادْخُلُوا﴾ جاءت هنا بمعنى الإهانة، وفي الآية الأخرى للإكرام، هل في هذا رَدٌّ على من قال بالمجاز في القرآن، لأن نقول: لا مجاز، إنما الكلمة يُحْمَل معناها في كل سياق بحسب المعنى؟ * الشيخ: هذا يقول: إذا قلنا: ادخلوا تأتي للإهانة وتأتي للإكرام أفلا يكون فيها رَدٌّ على من قال: إن القرآن فيه مجاز؟ وذلك لأننا نقول: كل كلمة في موضعها فهي حقيقة فيه؟ الجواب: نعم، ربما يكون في ذلك دلالة على نفي المجاز؛ ولهذا كان الصواب ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه لا مجاز في اللغة ولا في القرآن، وأنتم تعرفون أن العلماء اختلفوا في هذا على أقوال: فمنهم من قال: لا مجاز، لا في القرآن ولا غيره. ومنهم من قال: لا مجاز في القرآن ويجوز في اللغة. ومنهم من قال: المجاز في القرآن واللغة. ومنهم من قال: كل الكلام مجاز، وأظن هذا رأي ابنُ جِنِّي أن جميع الكلام كله مجاز، حتى إذا قال: ضربت زيدًا، قال: هذا مجاز، قلت خيًرا، قال: خير هذا مجاز، وهكذا، لكن الراجح أن لا مجاز؛ وذلك لأن الذي يُعَيِّن معنى الكلمة هو السياق والقرائن. ولهذا ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ القرينة تدلُّ على أن الأمر للإهانة، ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر ٤٦] القرينة تدل على أنه للإكرام. * طالب: أحسن الله إليك، قلنا: الفرح بالحق ممدوح، فما ضابط الحق؟ * الشيخ: إذا فعل الإنسان خيرًا، هذا حق، فإذا فرح بذلك فهو حق، إذا فرح بالمطر فهذا حق، إذا فرح بأن الله أيَّده بشيء فهذا حق؛ ولهذا فرح ابن عباس رضي الله عنهما حين أفتى الرجل بالتمتع في الحج فرأى في منامه -أي: الرجل- أن رجلًا يقول له: عمرةٌ متقبَّلة وحج مبرور، فأخبر بذلك ابن عباس ففرح بهذا وقال: انتظر حتى نعطيك من العطاء أو كلمة نحوها. * طالب: شيخ -بارك الله فيكم- فَرَحُ قارون الذي ذُمَّ عليه هل هو بالبغي، أو بالمال الذي أوتيه؟ * الشيخ: فَرحٌ بكلا الأمرين. * الطالب: يعني: الفرح بالمال هذا ليس مذمومًا؟ * الشيخ: لا، قد يكون مذمومًا، وقد يكون ممدوحًا، إذا فَرِحَ بالمال ليستعين به على حقٍّ؛ يعني إنسان يريد أن يشتري كتبًا وليس عنده مال، فرزقه الله المال يفرح ليشتري الكتب، لكن إنسان يريد أن يشتري آلة لهو، وليس عنده مال، فرزقه الله مالًا، فاشترى به آلة لهو، فالفرح هنا مذموم. * الطالب: فرح الإنسان هل يثاب عليه؟ * الشيخ: أي نعم؛ لأنه يدل على حُسْنِ نيَّةٍ وقصد، إذا فرح بالحق فإنه يثاب على ذلك؛ لأنه يدل على أنه مريد للحق. * الطالب: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥) ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [غافر ٧٥ - ٧٧]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، انتهينا على الكلام عن الفوائد حتى قوله تعالى: ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾. وذكرنا أن النار مثوى الكافرين، وأن الجنة مثوى المؤمنين، وأن ذلك هو المثوى الأخير، ونبهنا سابقًا على ما يطلِقُه بعض الناس الآن: إذا مات الميت قالوا: إنه انتقل إلى مثواه الأخير، وقلنا: إن هذا لو صدر عن عالم بما يقول، مريدًا لما يقول كان ذلك كفرًا، ذكرنا أن الإنسان الذي يُطْلِقُ هذا الكلام إذا كان عالمًا به مريدًا له كان هذا كفرًا؛ لأن مضمونه إنكار البعث؛ إذ إننا إذا جعلنا المثوى الأخير هو القبور فمقتضاه أن لا بعث، وهذه خطيرة وهي متلقاة من غير المسلمين، إما من ملاحدة لا يؤمنون بالبعث، وإما جهال لا يدرون ما يقولون، على كل حال يجب صرفُ النَّظَرِ عنها وألا يُعَبَّر بها، وأن يقال: انتقلَ إلى القبور، وسيُبعَث يوم القيامة أو لا يقال: سيُبْعَث، المهم ألا يكون دالًّا على أن هذا هو آخر مرحلة لبني آدم.

غافر 40:76

(﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ﴾ [غافر ٧٣] تبكيتًا ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ معه، وهي الأصنام) والاستفهام هنا لا شك أنه للتوبيخ والتنديم والتعجيز، كلها يتضمنها هذا الاستفهام، وهذا ألم قلبيٌّ؛ لأن الإنسان يندم أشد الندم إذا كانت هذه الأصنام التي كان يعبدها لتقرِّبَه إلى الله عز وجل كما يَدَّعِي ثم تضل عنها الآن ولا توجد، كما لو أمسكتَ عبدًا مثلًا وعذَّبْتَه وقلت: أين سيدك الذي تدعي أنه يحميك؟ أليس هذا يكون أشد ندمًا له؟ بلى، إذن فهؤلاء يُنَدَّمُون هذا التنديم، فيقال: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: مع الله وهي الأصنام، وحينئذ يتحسَّرون حسرة ليس فوقها حسرة. ولهذا يقولون إقرارًا إقرارَ المكره في الواقع: (﴿قَالُوا ضَلُّوا﴾ غابوا ﴿عَنَّا﴾ فلا نراهم). إذن عرفوا أنها لن تنفعهم، وأنها غابت عنهم في أشد ما يحتاجون إليها فيه، بل قالوا: ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ سبحان الله! يعني: أنكروا أن يكونوا أشركوا، كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام ٢٣، ٢٤] فالحاصل أنهم يُنَدَّمُون هذا الندم العظيم ثم ينكرون. يقول عز وجل: ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ ﴿نَدْعُو﴾ بمعنى نعبد؛ لأن الدعاء ينقسم إلى قسمين: دعاء مسألة ودعاء عبادة، وكلاهما متلازمان؛ فدعاء المسألة عبادة كما جاء في الحديث: «الدُّعَاءُ عِبَادَةٌ» »[[ أخرج أبو داود (١٤٧٩) بسنده عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: «الدُّعاءُ هو العِبادَةُ...» الحديث.]]، ودعاء العبادة أيضًا دعاء مسألة؛ لأنك لو سألتَ العابد: لماذا عبدْتَ الله؟ لقال: رجاءَ ثوابِهِ وخوف عقابه، فهو داعٍ بلسان الحال؛ ولذلك صار الدعاء بمعنى العبادة، والعبادة بمعنى الدعاء، وانظر إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر ٦٠]، لكن دعاء المسألة دعاء صريح في السؤال يقول القائل: رب اغفر لي وارحمني إلى آخره، ودعاء العبادة دعاء باللازم؛ لأن الإنسان إنما يعبد الله خوفًا من عقابه ورجاء لثوابه. دعاء المسألة دعاء عبادة صريح أو باللازم؟ عبادة باللازم؛ لأن السائل متذلِّل للمسؤول فهو متعبِّد له. قال: (﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ أنكروا عبادتهم إياها ثم أُحْضِرَت فقال الله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء ٩٨] أي: وقودها) وتمام الآية: ﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء ٩٨، ٩٩] فهؤلاء أنكروا، كذبوا على أنفسهم، ظنوا أن هذا سينفعهم كما لو أن الجاني في الدنيا أنكر جنايته ربما ينفعه ذلك، لكن في الآخرة لا ينفع، حتى إنهم إذا أنكروا خُتِمَ على أفواههم فتتكلم الأيدي والأرجل والجلود والألسُن بما تعمل، وحينئذ لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا. * في هذه الآية أيضًا من الفوائد: أن هؤلاء المكذِّبين بالكتاب وبما أرسل الله به الرسل يعذبون عذابًا جسديًّا بالسلاسل والأغلال والسحب في النار، ويعذَّبون عذابًا قلبيًّا بالتوبيخ والتقريع والتنديم فيقال: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [غافر ٧٣، ٧٤]. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات القول لله عز وجل، هل يمكن أن تُؤخَذ من الآية؟ * طالب: (...). * الشيخ: الآية لا تدلُّ على هذا؛ لأن القائل لم يُبَيِّن ﴿قِيلَ لَهُمْ﴾، ولكنها في آيات أخرى تدلُّ على أن الله يقول لهم ذلك: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص ٦٢]. مَنِ الذي يُنادِيهم؟ الله؛ لأنه قال: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾، ويمكن أن يقال: إنهم ينادَون من قِبَل اللهِ وينادَوْن أيضًا مِنْ قِبَل الملائكة الذين وكَّلهم الله عز وجل، أو يقال: إن الملائكة تناديهم، ولكن مناداتهم أُضيفَت إلى الله؛ لأنَّه الآمر بها، كما أضاف الله الوفاةَ إليه مع أن الذي تتوفى الأنفسَ مباشرة هي الرُّسُلُ، ولكن نقول: هذه الاحتمالات لا نُورِدُها مع وجودِ الظاهر؛ لأنَّ الكلامَ يُحمَلُ على أي شيء؟ على ظاهره، حتى يقومَ دليلٌ على صَرْفِه عن الظاهر، فإذا كان اللهُ يقول: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص ٦٢] صريحٌ بأنَّ المنادي هو الله فيبقى على ما هو عليه، ويُحمَل ما كان مبنيًّا للمفعول على أن المنادي هو الله عز وجل. * طالب: ﴿وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ [غافر ٧١] ما فيه عائد، يا شيخ؟ * الشيخ: ما فيه عائد؟ ذكرنا العائد؛ قلنا: العائد محذوف، والتقدير: يُسْحَبون بها، حذف العائد يجوز، كُلُّ ما يُعْلَم فحذفُه جائزٌ. * طالب: فسَّرتم الاستفهامَ أنَّه استفهامٌ تقريريٌّ. * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾. * الشيخ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾، نعم. * الطالب: ثم قلتم: من فوائدِه التَّعجُّب؟ * الشيخ: إي نعم؛ لقوله: ﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾. * الطالب: التعجب ليس فيه الاستفهام. * الشيخ: لا، من ﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ استفهام. * * * * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (٧٤) ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥) ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [غافر ٧٣ - ٧٦]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، قوله: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ مَنِ القائل؟ * طالب: القائل هو الله. * الشيخ: القائل هو الله. ما هو الدَّليل من القرآن؟ ﴿فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص ٦٢]. هل يحتمل معنى آخر أن القائل غيرُ الله أيضًا؟ * طالب: نعم، في نفس الآية، فيه احتمال؛ لأن الفاعل محذوف، لكن الآية الأخرى تثبت، ما تُبْقي احتمالًا. * الشيخ: ويمكن أن تكون الملائكة أيضًا، يعني حذف المفعول.. * طالب: ويمكن أن يكون القائلون الملائكة، ونُسِبَ إلى الله تعالى؛ لأنه الآمر كما أن.. * الشيخ: الآية التي ذكرها الأخ صريحة، لكن ما في القرآن آية تدل على أن الملائكة تُوُبِّخهم أيضًا؟ إذا كان فيه فلا مانع، تكون هذه الآية بُنِيَت لما لم يُسَمَّ فاعله لهذا السبب، طيب. ما المراد بهذا القيل؟ ما هو الغرض من هذا؟ * طالب: التوبيخ. * الشيخ: التوبيخ والتنديم طيب. إذن يكون جُمِعَ لهم بين العذاب؟ * طالب: القلبي والحسي. * الشيخ: القلبي والبدني؛ لأن تنديمَهم وتلويمهم لا شك أنه يؤثر عليهم. قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ [غافر ٧٤] ﴿كَذَلِكَ﴾ الكاف حرف، لكنَّها اسم في الواقع، فهي مفعول مطلق، وتقديرُ الكلام: مثل ذلك الإضلال يضل الله الكافرين، فهي حرف صورة، لكنها بالمعنى اسم، هذا الاسم محله من الإعراب مفعول مطلق للفعل الآتي بعده. وكما تعلمون أنَّ مثل هذا التعبير يأتي كثيرًا في القرآن، وإعرابه كما سمعتم أن الكاف حرف بمعنى مثل، وأن إعرابها مفعول مطلق للفعل الذي بعدها، والتقدير في كل سياق بحسبه، لكن في الآية التي معنا: مثل ذلك الإضلال يضل الله الكافرين. وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ [غافر ٧٤] أي: يجعلهم في ضلال. يقول المفسر: (﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثل إضلال هؤلاء المكذبين ﴿يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ ). قال: (ويقال لهم أيضًا ﴿ذَلِكُمْ﴾ العذاب ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ ) ﴿ذَلِكُمْ﴾: المشار إليه العذاب، والمخاطب: أولئك الكافرون، ولهذا جاءت الكاف بضمير الجماعة، وجاءت اسم الإشارة بالإشارة لمفردٍ مُذَكَّرٍ؛ لأن العذاب مفرد مذكر. واعلم أن اسم الإشارة وكاف الخطاب تارة يتفقان وتارة يختلفان؛ فاسم الإشارة يكون بحسب المشار إليه، وكاف الخطاب بحسب المخاطب، فإذا قيل لك: أَشِرْ إلى مفرد مذكر مخاطبًا جماعة نساء، فكيف تقول؟ * طالب: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾. * الشيخ: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف ٣٢]. أَشِرْ إلى مثنى مذكر مخاطبًا مثنى مؤنَّثًا. * طالب: ذانكما. * الشيخ: ذانكما، طيب. أَشِرْ إلى مفردة مؤنثة مخاطبًا جماعة ذكورٍ؟ * طالب: تانكم. * الشيخ: في القرآن ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا﴾ [الزخرف ٧٢]، المشار إليه مفرد مؤنث، والمخاطب جماعة ذكور. المهم هذه القاعدة؛ اسم الإشارة بحسب المشار إليه، وكاف الخطاب بحسب المخاطب، قد يتَّفقان وقد يختلفان. وقوله: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ﴾ الباء للسببية، و(ما) مصدرية، وعلامة (ما) المصدرية أن يصح تحويل ما بعدها إلى مصدر، فمثلًا قوله: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ﴾ إذا حوَّلْنَا ما بعدها إلى مصدر يكون التقدير: ذلكم بكونكم تفرحون في الأرض بغير الحق. وقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ﴾ معلومٌ أنَّ كان هذه للماضي؛ أي: قبل الموت. ﴿تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: تفرحون بالباطل، وذلك أنهم يفرحون بالشرك والكفر وكل من شاركهم في إثمهم فإنهم يفرحون به. وقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ قال المفسِّر: (مِنَ الإشراكِ وإنكارِ البعث)، وهذا في الواقع قصور إلا إذا كان يريد به التمثيل، وإلا فإن قوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أعم من الشرك وإنكار البعث، فهم يفرحون في الأرض بغير الحق؛ من الشرك، وإنكار البعث، والعدوان، وتحليل الحرام، وتحريم الحلال، كالسائبة، والوصيلة، والحام، وما أشبه ذلك. المهم أن قول المؤلف: (من الإشراك وإنكار البعث) هذا قصور ما لم يُرِدِ التمثيل، فإنْ أراد التَّمثيل فإن التمثيل لا يفيد الحصر. (﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ تتوسَّعون في الفرح) الواو حرف عطف، والباء للسببية، وهذا الجملة معطوفة على ما قبلها بإعادة العامل، ما هو العامل؟ الباء، والعطف بإعادة العامل يعني أن الثاني مستقل عن الأول، فهم يُعَذَّبُون بالأمرين جميعًا، يعذبون عذابًا خاصًّا بالفرح وعذابًا خاصًّا بالمرح، وبالباء للسببية، (﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ تتوسَّعون في الفرح). ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [غافر ٧٦] ﴿ادْخُلُوا﴾ فعل أمر، والآمر هم الملائكة، والأمر يراد به الإهانة، ليس أمر إكرام، ولكنه أمر إهانة، وإلزام؛ لأنه لا بد أن يدخلوا. وقوله: ﴿أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ جمع، فكم عدد الأبواب؟ عدد أبواب جهنم سبعة، كما قال الله تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر ٤٤]، وجهنم اسم من أسماء النار، وسُمِّيَت بذلك لأنها ذات جُهْمَة إذا قلنا: إن جهنم اسم عربي زيدت به النون. وإن قلنا: إنه اسم غير عربي، ولكنه عُرِّب فلا حاجة أن نقول: إنه مشتق من الجُهمة التي هي الظلمة والقعر، وأيًّا كان فهو اسم من أسماء النار أعاذنا الله وإياكم منها. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ ﴿خَالِدِينَ﴾ هذه حال من الفاعل في قوله: ﴿ادْخُلُوا﴾، وهذا الخلود هل هو طول المكث أو هو التأبيد؟ نقول: اللغة العربية يأتي فيها الخلود مُرادًا به طولُ المكث، ويأتي مرادًا به التأبيد، والمراد به هنا الثاني؛ يعني أنهم خالدون فيها أبدًا، ودليل ذلك أن الله تعالى صرح في القرآن الكريم بأن أهل النار خالدين فيها أبدًا في ثلاثة مواضع: الموضع الأول: قول الله تبارك تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩]. والآية الثانية: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥]. والآية الثالثة: قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣]. وبهذه الآيات الثلاث يتبيَّن ضعف بل بطلان قول مَنْ يقول: إن النار ليست مؤبدة وإنها تفنى، فإنَّ هذا القول منكر لأنه مخالف لصريح القرآن، ولا يمكن لإنسان يخالف صريح القرآن لمجرد تعليلاتٍ يعلِّلها مثل أن يقول: إن رحمة الله تعالى سبقت غضبه، وأن هؤلاء مآلهم إلى أن يفنوا هم والنار. يقال: نعم، رحمة الله سبقت غضبه، لكن وعد الله حَقٌّ، أليس كذلك؟ وإذا كان وعد الله حقًّا فإنهم يخلَّدون فيها أبدًا. وإذا قال قائل: التخليد الأبدي في هذا العذاب الأليم كيف يكون جزاء لإنسان لم يبق في الدنيا إلا مئة سنة أو ألف سنة؟ فيكون هنا العذاب أكثر من زمن العمل؛ لأنه ما فيه أحد بقي في الدنيا أبد الآبدين، فيقتضي هذا أن يكون فيه ظلم؛ لأنَّ الجزاء صار أكثر من العمل بكثير ولا يُنْسَب له، كما قلت لكم لنفرضْ أنَّ أحدًا من الناس عاش ألف سنة أو عشرة آلاف سنة، لكنه عاش إلى أمد، ثم نقول: عذابه مؤبد، يكون هذا ظلمًا؟ فيقال: إن هذا أمضى حياتَه الدنيا كُلَّها في مُحادَّة الله ورسُلَه فيمضي حياته الأخرى كلها في العذاب، وهذا عدل، ثم إن هذا الذي عُذِّب أبدًا قد قيل له في الدنيا، وبُيِّن له أن جزاءه العذابُ الأبديُّ، فلماذا يُقدِم على شيء يعرف أن هذا جزاؤه؟! وحينئذ لا ظلم ولا عذر للكافرين، فالمهم أن قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ يراد به الخلودُ الأبَدَيُّ ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [غافر ٧٦]، هذه الجملة جملة إنشائية يُراد بها الذم، ويقابل هذا في المدح ﴿نِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ ﴿فَبِئْسَ﴾ هنا فعل إنشائي يُراد به الذم، والمعنى أن هذه الدار دارٌ كلُّها ذمٌّ كلها بلاء، ولهذا وصفت بأنها ﴿بِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾. * طالب: حديث: «نِيَّةُ الْكَافِرِ»[[لم نقف عليه بهذا اللفظ، وورد بلفظ «نِيَّة الفاجر شر من عمله» أخرجه القضاعي في مسنده (١٤٨) من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه، وابن عبد البر في التمهيد (٢ / ٢٥٦) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.]].. * الشيخ: أولًا: هذا ليس حديثًا صحيحًا عن الرسول. وثانيًا: مرادُ قائلِه أنَّ الإنسانَ يدرك بنيته ما لا يدرك بعمله، هذا المعنى، فالإنسان المريض الذي يتمنى أنَّه صحيح يقوم بما أوجب الله عليه هذا أدرك بالنية ما لم يُدْرِكْ بالعمل، وكذلك أيضًا الإنسان إذا نوى الشر وهو عاجز عنه يُعاقَب معاقبة الفاعل، لكن بالنية، دليل ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام في الرجل الفقير الذي ليس عنده مال، وكان هناك رجل آخر: لو أن لي مالَ فلانٍ لعملْتُ فيه عمل فلان فقال النبيُّ ﷺ: «فَهُوَ بِنِيَّتِهِ، فَهُمَا فِي الْوِزْرِ سَوَاءٌ» »[[أخرج الترمذي (٢٣٢٥) وابن ماجه -واللفظ له- (٤٢٢٨) بسنديهما عن أبي كبشة الأنماري رضي الله أن النبي ﷺ قال: «مثل هذه الأمة كمثل أربعة نفر: رجل آتاه الله مالًا وعلمًا، فهو يعمل بعلمه في ماله، ينفقه في حقه، ورجل آتاه الله علمًا، ولم يؤته مالًا، فهو يقول: لو كان لي مثل هذا عملت فيه مثل الذي يعمل»، قال رسول الله ﷺ: «فهما في الأجر سواء، ورجلٌ آتاه الله مالًا، ولم يؤْتِه علمًا، فهو يخبط في ماله ينفقه في غير حقه، ورجل لم يؤته الله علمًا، ولا مالًا، فهو يقول: لو كان لي مثل هذا، عملت فيه مثل الذي يعمل»، قال رسول الله ﷺ: «فهُما في الوزر سواء».]]. * الطالب: شيخ، بارك الله فيكم، حصرْنا أبوابَ جهنَّم بسبعةٍ للآية مع أنه مر معنا في أسماء الله عز وجل «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا»، » وكذلك في أبواب الجنة الثمانية قلنا: إنه لا يدل على الحصر، ما وجه الحصر في هذه الآية؟ * الشيخ: هذا يسأل يقول: إنكم قلتم: إن العدد لا مفهوم له في قوله ﷺ: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٧٣٦)، ومسلم (٢٦٧٧ / ٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] قلتم: هذا العدد لا يدل على الحصر، وأن لله أسماء أخرى، فلماذا نقول بالحصر أو بإفادة العدد الحصر في أبواب جهنم وأبواب الجنة؟ الجواب أن نقول: أما الأول وهو قوله: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا» » فإنما قلنا: إنها ليست للحصر بدليل، فما هو الدليل؟ حديث عبد الله بن مسعود حديث الغَمِّ قال: «أَسْاَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ»[[أخرجه أحمد (٤٣١٨) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.]] وإذا كان الله مستأثِرًا بعلم الغيب عنده فإنه لا يمكن للإنسان أن يدركه؛ لأن الله استأثر به، فمن ثَمَّ قلنا: إن العدد لا مفهوم له في قوله: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا»، وأن المعنى أن من أسماء الله تسعة وتسعين اسمًا مَنْ أحصاها دخل الجنة. * الطالب: قلنا: إن القول بأن النار ليست مؤبدة مخالف لصريح القرآن، فإن قال هذا القائل: إن هذا وعيد، وإخلاف الوعيد جائز؟ * الشيخ: نقول: هذا لا يمكن؛ لأننا لا نقول: إخلاف الوعيد جائز إلا في أمر ضروري لا بد منه مثل: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [النساء ٩٣] هذه بعض الأجوبة التي أُجيبَ عن هذه الآية بها؛ أن هذا وعيد وإخلاف الوعيد كرم وهو ثناء ومدح للمخلِف، لكن هذا الجواب في الواقع جواب يهز ليس جوابًا راسخًا؛ لأننا نقول: إن الله لا يخلف الميعاد؛ أي: ما وعد به من عقوبة أو كرامة، وأما الآية ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾ في آية القتل يُحْمل الخلود على المعنى الثاني وهو المُكثُ الطويل، وبهذا ليس هناك تناقض. * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٧٧) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠) وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ [غافر ٧٧ - ٨١]. * الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. قول الله تبارك وتعالى في أهل النار يقال لهم: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ [غافر ٧٦] ما هو المراد بهذا الأمر؟ * طالب: المراد به الأمر بدخول النار، أي: أمر الله به. * الشيخ: إي، لكن ما المراد به؟ * الطالب: المراد به يوم القيامة، والإهانة. * الشيخ: الإهانة؟! وقولُه تعالى في أهل الجنة: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر ٤٦] ما المراد بالأمر؟ * الطالب: (...). الإكرام، طيب. نأخذ من هذا أن الكلمات يختلف معناها باختلاف السياق، وهذه فائدة عظيمة لطالب العلم أن الكلماتِ يختلف معناها باختلاف السياق، فكم كلمة كان لها معنى في سياق، ولها معنى آخر في سياق آخر. هل أهل النار يخلدون فيها أبدًا؟ * الطالب: (...). * الشيخ: نعم أبدًا. عندك دليل في هذا؟ * الطالب: ورد في ثلاث آيات تدل على التأبيد. * الشيخ: أحسنت، اتل علينا منها واحدة. * طالب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥]. * الشيخ: أحسنت، هذه في سورة الأحزاب. * الطالب: الثاني: ﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. * الشيخ: والثاني ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩] هذا في أي سورة؟ * الطالب: هذا في سورة النساء. * الطالب: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣]. * الشيخ: في أي سورة هذه؟ * الطالب: الجنّ. * الشيخ: في سورة الجن، أحسنت. قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [غافر ٧٧] (اصبر): الخطاب هنا للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ [غافر ٧٤]. * يُستفادُ منها: أن الله تعالى يُضِلُّ الكافرَ لكفره، وجه الدَّلالة أن الحكم إذا عُلِّق على وصف كان ذلك الوصف علَّة له، فالذي عُلِّق على الكفر هنا الإضلالُ، إذن الكفرُ سببٌ للإضلال، ويؤيد هذا قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]. يتفرَّع على ذلك أن الضالَّ إذا ضلَّ فإنه هو السبب في ضلاله؛ لأن الله تعالى لو عَلِم فيه خيرًا لأسمعه، ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، وهذه الآية تعني أن الله أعلم حيث تكون الرسالة في شخص معين، وكذلك حيث يكونُ أثرُ الرسالة في شخص معين، وأثر الرسالة الهداية. * ومن فوائد الآية الكريمة: الردُّ على القدرية؛ ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾، وجه ذلك؟ * طالب: لأن هذا الضالَّ هو سبب الضلال لنفسه، فله إرادة تثبت هذا له. * الشيخ: هم يقولون هكذا، القدرية يؤيدون ذلك أن للإنسان إرادة مستقلة. * طالب: القدرية يقولون: إنَّ أفعال العباد ليست مخلوقة لله سبحانه وتعالى. * الشيخ: ولا علاقة لله بها. * الطالب: لكن الآية تدل أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يضلهم. * الشيخ: نعم، فيكون في ذلك رد على القدرية. ينبغي بهذه المناسبة -وإن لم يكن الدرس درس عقيدة- أن نقول: إن الناس انقسموا في هذا الباب إلى طرفين ووسط، أي في أفعال العباد: فمنهم من يقول: أفعال العباد مخلوقة لله، والعبد مجبور عليها، وليس له إرادة؛ لأن الله خالق كل شيء، وإذا كان الله هو الخالق فالإنسان ليس له تدبير. ومنهم من قال بالعكس: إن الإنسان فاعل باختياره، وليس لله علاقة به، هذان طرفان. ومنهم من قال: إن الإنسان فاعل باختياره، لكن فعله مقرون بمشيئة الله، وهذا هو الوسط. واعلموا أن أسبابَ الضلال في مثل هذه الأمور أنَّ من الناس من ينظر إلى النصوص من زاوية واحدة؛ بمعنى أنه يأخذ نصًّا ويدع نصًّا، فالجبرية رَأَوْا عموم مشيئة الله وعموم خلق الله؛ وأن الإنسان فقير إلى الله وما أشبه ذلك، فقالوا: إذن الإنسان ليس له إرادة ولا اختيار، وفعله على وجه الإجبار. والقدرية رَأَوْا أن الإنسان يفعل ولا يُحِسُّ أن أحدًا مكرِه له، والله تعالى قد أضاف الفعل إليه، فقال: ﴿أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [الحج ٤١] فهو مستقل بعمله، ليس لله فيه علاقة، فأخذوا من جانب وتركوا جانبًا آخر، وهكذا جميع خلاف العلماء، إذا رأيت العلماء مختلفين على طرفين ووسط، فاعلم أن الطرفين كل واحد منهما أخذ بجانب من الأدلة وترك جانبًا آخر. ثم قال عز وجل: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [غافر ٧٥] إلى آخره. * في هذه الآية الكريمة: إثبات الأسباب يؤخذ من قوله: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ﴾؛ لأن الباء هنا للسببية. واعلم أيضًا أن الناس اختلفوا في الأسباب على ثلاثة أقوال: طرفان ووسط. طرفٌ من الناس أثبتَ الأسبابَ وأنها فاعِلَة بنفسها؛ يعني أنه إذا وُجِد السبب لزم وجود المسبب ولا بد. وطائفة أخرى أنكرت تأثيرَ الأسباب وقالوا: الأسباب لا تؤثر؛ لأنك لو جعلت هذا متأثِّرًا بسبب لأثبتَّ لله شريكًا في الإيجاد، وهذا شرك، إذن هنا طرفان: طرف يثبت الأسباب، وأنها مؤثرة بنفسها بمعنى أنه متى وُجِدَ السبب لزم وجود المسبب فالسبب مُؤَثِّر بذاته. وطائفة أخرى تقول: لا تأثير للأسباب؛ لأنك لو جعلت للأسباب تأثيرًا أشركتَ مع الله حيث جعلتَ موجدًا مع الله عز وجل. الطائفة الثالثة: قالت الأسباب مؤثِّرة لا شك، لكن لا بنفسها لكن بما أودع الله فيها من القُوى التي صارت بها مُؤَثِّرة، هي بنفسها غير مؤثرة، لكن الله تعالى أودع فيها قوى تؤثِّر، ولو شاء الله تعالى لسلب تلك القوى فلم تُؤَثِّر، وهذا قول وسط، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، وهو الذي يوافق السَّمع والعقل. أضرب لك مثلًا: رجلٌ رمى زجاجة بحجرٍ فانكسرت؛ مثبتو الأسباب يقولون: الذي كسرها الحجر بذاته. ونافو الأسبابِ يقولون: الحجر لم يكسر الزجاجة، لكن انكسرت الزجاجة عِنْد رميها بالحجر، وليس بالحجر، وإنما الحجر أمارة فقط، أمارة حصل الشيء عندها، وكذلك بقية الأسباب. والوسط يقولون: الحجر كسر الزجاجة فهو السبب بما جعل الله تعالى في الحجر مِنْ قوة، وبما جعل في الزجاجة من قابليَّة تقبل الانكسارَ، وهذا هو الحق. ألقينا في النار ورقًا فاحترق؛ مثبتو الأسباب الذين يقولون: إن الأسباب تؤثر بنفسها يقولون: النار أحرقت الورقة ولا بد، ونافو الأسباب يقولون: إن النار لم تُحْرِقِ الورقة، ولكن احترقت الورقة عند إلقائها في النار لا بالنار، والوسط يقولون: احترقت الورقةُ بالنَّار بما جعل الله تعالى في النار من قوةِ الإحراق، وبما جعل في الورق من قابليَّةِ ذلك؛ ولهذا يوجد الآن مواد تضادُّ النار، تُلْقَى في النَّار ولا تحترق؛ لأنَّ هناك مانعًا يمنع من تأثير السبب، وهذا القول هو الراجح. ألم تروا إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام أُلْقِيَ في النار العظيمة التي لم يستطع مُلْقُوه أن يقربوا منها حتى ألقوه في المنجنيق ورَمَوْه فيها رميًا، لم يحترق مع أن النَّار سبب للإحراق، لكن الله قال لها: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء ٦٩]، فكانت بردًا وسلامًا عليه. قال العلماء: لو قال الله تعالى: كوني بردًا، ولم يقلْ: سلامًا لكانت بردًا مُهْلِكة، لكن الله قال: ﴿بَرْدًا وَسَلَامًا﴾، فكانت بردًا وسلامًا، وكأنه لم يكن في نار. إذن نقول: الأصح من أقوال العلماء في تأثير الأسباب: أنها مؤثرة لا لذاتها، ولكن بما جعل الله تعالى فيها من القوى المؤثرة في المحلات القابلة. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الفرح بغير الحقِّ سبب للعذاب والإضلال من أين يؤخذ؟ ﴿تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [غافر ٧٥]. * ومن فوائدها: أن الفرح بالحقِّ محمود؛ ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ: «مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ»[[أخرجه أحمد (١١٤)، والنسائي واللفظ له (٩١٨١) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.]]، وقال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس ٥٨]، فالفرح بالحق محمود، والفرح بغير الحق مذموم، والفرح بما ليس حقًّا ولا باطلًا ليس محمودًا ولا مذمومًا؛ لأنه من اللغو، ولكن عباد الرحمن إذا مروا باللغو مروا كرامًا. ثم اعلم أن الفرح يكون طبيعيًّا، الإنسان إذا أتاه ما يسرُّه لا بد أن يفرح، ينفعل بدون إرادة، ومعلوم أنَّ هذا لا يُؤاخَذُ به الإنسان إلا إذا كانت طبيعته منحرفة بحيث يفرح بالسوء دون الخير. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأسباب تتوارد بمعنى أنه قد يَرِدُ على الشيء سببان؛ تؤخذ من قوله: ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر ٧٥]، والمرح أشد الفرح. وهكذا الأسباب الشرعيَّة تتوارد بمعنى أنه قد يكون في الإنسانِ سببان؛ واحد منهما يوجِب الحكم، فإذا اجتمعا صار كل واحد يقوِّي الآخر؛ فإن اختلف موجِبُ السببان، فهل نقول: إننا نأخذ بأحدِ السببين دون الآخر، أو نأخذ بالسببين ونعمل بموجَبِهما؟ الثاني، ما لم يكن أحدُهما أقوى فيندرج به الأصغر. إذا اجتمع سببان واختلف موجَبُهما أخذنا بموجب كل منهما ما لم يكن أحدهما أقوى فيؤخذ بالأقوى. مثال ذلك: ابن عم هو زوج ماتت امرأتُه، هنا اجتمع في حقِّ هذا الزَّوجِ جهةُ فرضٍ وجهةُ تعصيبٍ، فهل يرث بالفرض أو بالتعصيب أو بهما؟ بهما، فنقول: هذا الزوج له النصف فرضًا، والباقي تعصيبًا، فهنا ورث بالفرض وبالتعصيب. رجل مَلَكَ أَمَةً، ثم تزوَّجها، فهل يصح هذا الزواج ليملك بُضْعَها أو لا يصح؟ لا يصح؛ لأنَّ الملكَ أقوى؛ ولهذا لا يصح للسيد أن يعقد النكاح على أمته لكن يستمتع بها بملك اليمين. المهم أنَّا أخذنا من الآية الكريمة: أنه قد يجتمع سببان؛ رجل بال وتغوَّط هنا سببان موجبان للوضوء، هل نأخذ بكل واحد منها؟ هنا لم يختلف الموجب؛ لأنَّ الموجب هو الوضوء فلا يختلف، لكن يَقْوَى الموجب بتعدُّد الموجب، لكن لما لم يختلف لا نقول: يأخذ بهما جميعًا؛ لأن لا فائدة من ذلك. إذن إذا اجتمع موجبان، فإن اتَّحد موجبهما أخذنا بواحدٍ وكفى، وإن اختلف الموجَب أخذنا بهما، ما لم يكن أحدهما أقوى، فيُؤخذ بالأقوى ويُترَك الأضعف. يقول: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ [غافر ٧٦] * يستفاد منها: إهانة الكفار وهو عذاب قلبي؛ لأنَّ العذاب القلبي قد يكون أشد من العذاب البدني. * من فوائد الآية الكريمة: أن لجهنم أبوابًا؛ لقوله: ﴿أَبْوَابَ﴾، وقد جاء في القرآن الكريم: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر ٤٤]. * ومن فوائد الآية الكريمة: خلود أهل النار فيها؛ لقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾، والصواب الذي لا شك فيه أن الخلود مُؤَبَّدٌ بالآيات الثلاث التي سُقناها قبل قليل. * ومن فوائد الآية الكريمة: ثناء القدح على نار جهنم؛ لقوله: ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من التكبر؛ لقوله: ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ»[[أخرجه أبو داود (٤٠٩١) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.]]، فالكبر -والعياذ بالله- سبب لدخول النار. لكن قد يكون سببًا لدخولها مع الخلود، وقد يكون سببًا لدخولها للتطهير فقط، فإن كان هذا التكبر تكبرًا عن الحق وردًّا له فهذا سبب لدخول النار على التأبيد. وإن كان التكبُّر دون ذلك؛ مثل أن يتكبر على الخلق مع القيام بحق الخالق، أو يتكبر عن بعض الأشياء، ولا أظن أحدًا يتكبر عن أمرٍ من أمر الله إلَّا وهو كافر كفرًا مطلقًا؛ لأنَّ إبليس تكبَّر عن شيء واحد وكفر وهو السجود، لكن مَنْ تكبَّر على الخلق دون الحق، فهذا لا يُخَلَّد في النار، يعاقَب بمثل ما فعل من ذنب. وأحبُّ من طالب العلم أن يكون قويًّا في استنباط الأحكام من الأدلة؛ لأنَّ القادر على استنباط الأحكام من الأدلة يحصُل على علمٍ كثير من أدلَّةٍ قليلة، كم من إنسان يستنبط من آية واحدة عشرين فائدة، ويأتي إنسان آخر لا يستنبط إلا خمس فوائد مثلًا، الأول حصل على ثلاثة أضعاف ما حصل عليه الثاني، وذلك بالاستنباط. ولكن هنا مسألة: لا تُفْرِط في الاستنباط؛ لأنك إن أفرطت فيه حمَّلْتَ النصوص ما لا تحتمل، فكن وسطًا، وإذا دار الأمر بين أن يكون الحكم مستنبطًا من آية أو حديث أو لا يكون، فما هي السلامة؟ إن قلْتَ: ألَّا يكون، قال لك الآخر: السلامة أن يكون، حتى لا نبطل دلالة النص. لكن نقول: الأوَّل أرجح؛ لأنك إذا لم تتيقنْ أن الآيةَ دلت عليه وسكتَّ فقد سلمت، لأنك ما نفيت، انتبه، السكوت درجة بين النفي والإثبات، فأنت إذا سكتَّ لم تكن قلت على الله بغير حق، لكن إذا أثبتَّ في النص ما لا يدل عليه فقد قلت على الله بغير حق. إذن فالسلامة فيما إذا شككت هل النص دلَّ على هذا أو لا فالسلامة أيش؟ أن تسكت، ولكن لا تنفي، فقد يكون دالا عليه في نفس الأمر ولكن فهمك لم يدركه. * طالب: في الآية الأولى قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾، قلنا: إن ﴿ادْخُلُوا﴾ جاءت هنا بمعنى الإهانة، وفي الآية الأخرى للإكرام، هل في هذا رَدٌّ على من قال بالمجاز في القرآن، لأن نقول: لا مجاز، إنما الكلمة يُحْمَل معناها في كل سياق بحسب المعنى؟ * الشيخ: هذا يقول: إذا قلنا: ادخلوا تأتي للإهانة وتأتي للإكرام أفلا يكون فيها رَدٌّ على من قال: إن القرآن فيه مجاز؟ وذلك لأننا نقول: كل كلمة في موضعها فهي حقيقة فيه؟ الجواب: نعم، ربما يكون في ذلك دلالة على نفي المجاز؛ ولهذا كان الصواب ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه لا مجاز في اللغة ولا في القرآن، وأنتم تعرفون أن العلماء اختلفوا في هذا على أقوال: فمنهم من قال: لا مجاز، لا في القرآن ولا غيره. ومنهم من قال: لا مجاز في القرآن ويجوز في اللغة. ومنهم من قال: المجاز في القرآن واللغة. ومنهم من قال: كل الكلام مجاز، وأظن هذا رأي ابنُ جِنِّي أن جميع الكلام كله مجاز، حتى إذا قال: ضربت زيدًا، قال: هذا مجاز، قلت خيًرا، قال: خير هذا مجاز، وهكذا، لكن الراجح أن لا مجاز؛ وذلك لأن الذي يُعَيِّن معنى الكلمة هو السياق والقرائن. ولهذا ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ القرينة تدلُّ على أن الأمر للإهانة، ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر ٤٦] القرينة تدل على أنه للإكرام. * طالب: أحسن الله إليك، قلنا: الفرح بالحق ممدوح، فما ضابط الحق؟ * الشيخ: إذا فعل الإنسان خيرًا، هذا حق، فإذا فرح بذلك فهو حق، إذا فرح بالمطر فهذا حق، إذا فرح بأن الله أيَّده بشيء فهذا حق؛ ولهذا فرح ابن عباس رضي الله عنهما حين أفتى الرجل بالتمتع في الحج فرأى في منامه -أي: الرجل- أن رجلًا يقول له: عمرةٌ متقبَّلة وحج مبرور، فأخبر بذلك ابن عباس ففرح بهذا وقال: انتظر حتى نعطيك من العطاء أو كلمة نحوها. * طالب: شيخ -بارك الله فيكم- فَرَحُ قارون الذي ذُمَّ عليه هل هو بالبغي، أو بالمال الذي أوتيه؟ * الشيخ: فَرحٌ بكلا الأمرين. * الطالب: يعني: الفرح بالمال هذا ليس مذمومًا؟ * الشيخ: لا، قد يكون مذمومًا، وقد يكون ممدوحًا، إذا فَرِحَ بالمال ليستعين به على حقٍّ؛ يعني إنسان يريد أن يشتري كتبًا وليس عنده مال، فرزقه الله المال يفرح ليشتري الكتب، لكن إنسان يريد أن يشتري آلة لهو، وليس عنده مال، فرزقه الله مالًا، فاشترى به آلة لهو، فالفرح هنا مذموم. * الطالب: فرح الإنسان هل يثاب عليه؟ * الشيخ: أي نعم؛ لأنه يدل على حُسْنِ نيَّةٍ وقصد، إذا فرح بالحق فإنه يثاب على ذلك؛ لأنه يدل على أنه مريد للحق. * الطالب: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥) ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [غافر ٧٥ - ٧٧]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، انتهينا على الكلام عن الفوائد حتى قوله تعالى: ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾. وذكرنا أن النار مثوى الكافرين، وأن الجنة مثوى المؤمنين، وأن ذلك هو المثوى الأخير، ونبهنا سابقًا على ما يطلِقُه بعض الناس الآن: إذا مات الميت قالوا: إنه انتقل إلى مثواه الأخير، وقلنا: إن هذا لو صدر عن عالم بما يقول، مريدًا لما يقول كان ذلك كفرًا، ذكرنا أن الإنسان الذي يُطْلِقُ هذا الكلام إذا كان عالمًا به مريدًا له كان هذا كفرًا؛ لأن مضمونه إنكار البعث؛ إذ إننا إذا جعلنا المثوى الأخير هو القبور فمقتضاه أن لا بعث، وهذه خطيرة وهي متلقاة من غير المسلمين، إما من ملاحدة لا يؤمنون بالبعث، وإما جهال لا يدرون ما يقولون، على كل حال يجب صرفُ النَّظَرِ عنها وألا يُعَبَّر بها، وأن يقال: انتقلَ إلى القبور، وسيُبعَث يوم القيامة أو لا يقال: سيُبْعَث، المهم ألا يكون دالًّا على أن هذا هو آخر مرحلة لبني آدم.

غافر 40:77

ثم قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ (اصبر) فعل أمر، والأمر الأصل فيه الوجوب كما سيأتي. فما معنى الصبر لغة؟ معنى الصبر الحبس، ومنه قولهم: قُتِلَ فلانٌ صبرًا، أي: حبسًا؛ أي: أُمْسِكَ ثم قتل؛ لكنه في الاصطلاح الشرعي أخصُّ من مُطْلَقِ الحبس فهو: حبس النفس عما يُسْخِط الله تعالى فيما يُرضِي الله. ومن ثَمَّ قال العلماء: إن الصبر ينقسم إلى ثلاثة أقسام: صبر على طاعة الله وهو أعلى الأقسام، وصبر عن معصية الله وهو الثاني في المرتبة، وصبر على أقدار الله المؤلمة وهو الثالث في المرتبة أيضًا. الأول: صبرٌ على طاعة الله؛ بأن يصبر الإنسان نفسه على طاعة الله، فيقوم بالواجب ويكمِّل ذلك بالمستحب، وهذا يحتاج إلى صبر، وإلى عناء، ولا سيما مع ضعف الإيمان، فإن ضعيفَ الإيمان يشُقُّ عليه فعل الطاعات، أليس كذلك؟ فيحتاج إلى أن يَصْبِرَ ويحبس نفسه على فعل الطاعة، ويَعِدُها بالخير والثواب، ويقول: إن الوقت ماش وذاهب، فإما أن يكون في طاعة الله، وإما أن يكون في معصية الله، وإما أن يكون لغوًا، فيحملها ذلك على القيام بطاعته. والصبر على طاعة الله شاقٌّ من وجهين: من وجه إلزام النفس بالقيام به، ومن وجه تعب البدن بالقيام به، فهاهنا عناءان: الأول مع النفس، والثاني مع الجوارح؛ ولهذا كان هو أعلى أقسامِ الصبرِ، مثال ذلك: الصبر في الجهاد، هذا صبر على أيش؟ طاعة الله، وهو أشقُّ أنواع الطاعة التي يُصْبَر عليها، ولهذا جعله النبي ﷺ ذِروة سَنامِ الإسلام؛ لأنه أشق ما يكون. الثاني: صبرٌ عن معصية الله؛ يعني أن الإنسانَ قد يهوى المعصية، ولكن يحبِس نفسه عنها، فهذا صَبْرٌ عن معصية الله عز وجل، ويتضمن هذا الصبر حبسَ النفس مع الكفِّ، ففيه عناء واحد وهو حبس النفس عن المعصية، لكن ليس فيه تعب بدنيٌّ إذ إنه كفٌّ بلا فعل، والكف بلا فعل أهون من الفعل، لأن ما فيه مشقة بدنية، غاية ما فيه أنها معاناة قلبية للصبر عن هذه المعصية. والقِسم الثالث: الصبر على أقدارِ اللهِ المؤلمة، أقدار الله عز وجل المؤلمة هي التي لا تلائم النفس إما بفوات محبوب وإما بحصول مكروه، فيحبس الإنسانُ نفسه في هذا الأمر، وهو أقل أقسام الصبر رتبة؛ لأنه يأتي بغير اختيار الإنسان. الصبر على الطاعة باختيار الإنسان، وعن المعصية باختيارك، لكن على الأقدار؟ لا، ليس بملكك أن تمنع ما قدَّر الله عليك من فوات محبوب أو حصول مكروه. ولهذا قال بعض السلف عند حلول المصائب: إما أن تَصْبِرَ صبر الكرام، وإما أن تسلو سُلُوَّ البهائم، وقس نفسك، تأتيك المصيبة اليوم أكبر من الجبال وأحرِّ من النيران ثم تخف شيئًا فشيئًا حتى لا تكاد تذكرها. أليس كذلك؟ إذن إما أن تصبر وتحتسب، وإما أن تسلو حتى لو تسخَّطْتَ فالمآل إلى نسيان، أن يسلوَ الإنسان سُلُوَّ البهائم، هذا القسم الثالث من أقسام الصبر يكون بالأمور الآتية: حبس اللسان عن التَّسخط، لا يتسخط؛ يقول: أصابني الله بكذا، ولم يصب فلانًا، أصابني بالفقر، والناس أغنياء، أصابني بالمرض، والناس أصحاء، وما أشبه ذلك، لا يقول هكذا، لا يقول: واويلاه، واثبوراه، واانقطاع ظهراه، وما أشبه ذلك، لا يقول هكذا؛ لأن هذا منافٍ للصَّبر. الإخبار بما أصاب الإنسان من مصيبة دون التَّشكِّي، أيجوز هذا أو لا؟ الإخبار بما أصاب الإنسانَ من مصيبةٍ دون التشكِّي، أيجوز هذا أو لا؟ يجوز هذا؛ وقع هذا من النبي عليه الصلاة والسلام حيث قال: «بَلْ أَنَا وَا رَأْسَاهْ»[[أخرجه البخاري (٥٦٦٦) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]. ولا حرج، يعني هناك فرقٌ بين شخصٍ يتكلم بما أصابه تسخُّطًا أو شكايةً لمخلوقٍ وبين شخصٍ يخبر عمَّا أصابه فقط مجرَّد خبر، والأعمال بالنيات. الثاني: حَبْس الجوارحِ عند المصيبة عن فعل ما لا يجوز وما يُنبئ عن الغضب؛ مثل شقِّ الجيوب، لطْم الخدود، نتف الشعور، وما أشبه ذلك، هذا أيضًا منافٍ للصبر، ولهذا تبرَّأ النبيُّ ﷺ من فاعله فقال: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ شَقَّ الْجُيُوبَ، وَلَطَمَ الْخُدُودَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ»[[أخرجه البخاري (١٢٩٤) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.]]. الثالث: وهو حَبْس القلبِ عن كراهة ما قدَّر الله عز وجل، وهذا أَعْظمُها وأدَقُّها، قد يرى الإنسانُ الضعيفُ المخلوقُ المملوكُ المدبَّرُ، قد يرى أنَّ ربَّه ظَلَمه -والعياذ بالله- دون أن يتكلم ودون أن يفعل، لكن قلبه مملوءٌ على الله من السخط ورؤية أنَّ الله تعالى ظَلَمه أو ما أشبه ذلك، هذا يجب أيضًا أن يتخلَّى القلب عنه، وهذا أخطر ما يكون بالنسبة للصبر على الأقدار. اتلُ قولَ الله عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾، ﴿حَرْفٍ﴾ يعني طرف، ما هي عبادة راسخة ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج ١١]، وهذا يشمل فتنةَ المصائب وفتنةَ الشبهات. مِن الناس مَن يؤمن بالله واليوم الآخِر لكنَّه على طرف، إنْ أصابه خيرٌ ولا ناقشه أحدٌ ولا جادله أحدٌ ما شكَّ، وإنْ جاء أحدٌ يشكِّكه في هذا الأمر شكَّ فانقلبَ على وجهه، خَسِر الدنيا والآخرة. مِن الناس أيضًا مَن يكون في نعمةٍ؛ قد أنعمَ الله عليه بالأموال والأولاد وما يحتاج إليه من الدنيا أو يُكملها، فأُصِيب بحادثٍ فقدَ أهلَه به كلَّهم. مِن الناس مَن إذا كان يعبد الله على حرفٍ يسخط على الله، ويكره قضاءَ الله كراهةَ سخطٍ، ما هو بكراهة أنه يتمنَّى أنه لم يُصِبه، لا، يتسخَّط على ربِّه، وهذا من جهل الإنسان، أنت ملْكٌ لمن؟ ملْكٌ لله عز وجل، هذا الربُّ الكريمُ الذي إذا أصابك بسرَّاء فشكرتَ أثابك، وإنْ أصابك بضرَّاء فصبرتَ أثابك، كيف تسخط على هذا الربِّ الكريمِ وأنت ملْكه وعبْده يتصرَّف فيك بما شاء وله الحكمة فيما فعل! وظيفتُك الصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء. فالمهمُّ أنَّ الصبر الآن تبيَّن أنه كم؟ ثلاثة أقسام: الأول أعلاها وأتَمُّها، وهو الصبر على طاعة الله. الثاني: الصبر عن معصية الله. والثالث: الصبر على أقدار الله. وأفضلُها الأول ثم الثاني ثم الثالث. يوسف عليه الصلاة والسلام أُصِيبَ ببلاءٍ في خُلُقه وبلاءٍ في جسده، صبر على هذا وهذا، دعتْه امرأةُ العزيز في مكانٍ مغلقٍ، وهي امرأة العزيز، عندها من الحلي والزينة وربما الجمال ما ليس عند غيرها، وهو فتاها أيضًا، ما هو أكبر منها شرفًا عندها، دعتْه إلى نفسها في مكانٍ خالٍ، وهمَّ أن يفعل؛ لأنَّ النفس البشرية قد يغيب عنها ملاحظةُ أمرِ الربوبية، فهمَّ بها، لكنْ هي السابقة؛ ﴿هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف ٢٤]، لكن بعد أن همَّ رأى برهانَ الله عز وجل، أراه الله البرهانَ؛ الآية، كأنَّها رؤيا عينٍ فامتنع، وقال: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف ٣٣]، هذا صبرٌ عن أيش؟ * الطلبة: عن المعصية. * الشيخ: عن المعصية، وصبرٌ عظيمٌ؛ فتًى شابٌّ مع سيدته الجميلة في مكانٍ لا يطَّلع عليه أحدٌ ومع هذا كفَّ عنها، وأُوذِيَ في جسده؛ حُبِس، سُجِن، لَبِث في السجن بضع سنين، ومع ذلك صَبَر، حتى إنَّ الملِك لَمَّا قال: ائتوني به، أبَى أن يخرج حتى تُسأل النسوةُ ماذا حصل ليتبيَّن أيش؟ براءتُه قبل أن يخرج، وهذا -لا شكَّ- صبرٌ عظيمٌ، لكن أيُّ الصبرينِ أعظم؟ * طالب: الأول. * الشيخ: الأول؛ الصبرُ عن المعصية؛ لأن السجن حاصلٌ حاصلٌ صَبَر أو ما صَبَر، وليس باختياره. قول الله تعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام: ﴿فَاصْبِرْ﴾ [غافر ٧٧] يتضمَّن أيَّ الأقسام؟ * طلبة: كلها. * الشيخ: كل الأقسام، ولهذا كان نبيُّنا ﷺ أصبرَ الناسِ في أحكام الله وأصبرَ الناسِ على أحكام الله. وقوله: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [غافر ٧٧] هذه جملة مؤكدة بأنَّ وعد الله حق. ويقول المؤلف رحمه الله تعالى: (﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ بعذابهم ﴿حَقٌّ﴾ ). وهذا قصور من المؤلف رحمه الله، بل: إنَّ وعد الله بعذابهم ونَصْرك حقٌّ، بل لو قُلنا بأنَّه أعمُّ من ذلك أيضًا، لولا أنَّه في سياق المحاجَّة مع الكفار لَقُلنا: أنَّه أعمُّ؛ ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ في كل شيء؛ في عذاب هؤلاء، ونصرك، وفي الجنة، وفي كل شيء. وقوله: ﴿حَقٌّ﴾ أي أمرٌ ثابتٌ واقِعٌ، فكلُّ ما وعد الله به فهو حقٌّ ثابتٌ واقعٌ لكمال صِدقه وكمال قدرته. لماذا قُلنا هذا؟ لأنَّ إخلافَ الوعدِ يأتي من أحد أمرين: إما كَذِب الواعد، وإما عَجْزه عن تنفيذ ما وَعَد به. والله عز وجل لا يُخلف الميعادَ لكمال صدقه وكمال قدرته. ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [غافر ٧٧]. ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ يقول المؤلف في إعرابها: (فيه (إن) الشرطية مدغمة، و(ما) زائدة تؤكِّد معنى الشرط أول الفعل، والنون تؤكِّد آخِره) إلى آخره. ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ الفاء هذه عاطفة، و(إنْ) شرطية، و(ما) زائدة للتوكيد، وهي كزيادتها في قوله تعالى: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء ١١٠] ﴿أَيًّا مَا﴾ (ما) زائدة، لو حُذفت وقيل: أيًّا تدعوا، استقام الكلام، لكنْ يؤتى بحروف الزيادة للتوكيد. ﴿إِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ لو حُذفت (ما) وقال: إنْ نُرينَّك، استقام ولَّا لا؟ استقام، لكنَّها تأتي (ما) للتوكيد. ﴿إِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ (نُرِي) فعل مضارع، لكنَّه بُنِي الفتح؛ على فتح آخِره وهو الياء لاتصاله بنون التوكيد، والنون للتوكيد، والكاف مفعولٌ به. التوكيد هنا في آخِر الكلام، و(ما) في أوله، فصار هذا الفعل الذي هو الإراءة مؤكَّدًا بمؤكِّدين، أليس كذلك؟ (ما) الزائدة في أوله، ونون التوكيد في آخره. والكاف هذه مفعولٌ أول، و﴿بَعْضَ﴾ مفعولٌ ثانٍ. و(نُري) هنا من باب (كسا) أو من باب (ظنَّ)؟ * طالب: من باب (كسا). * الشيخ: من باب (كسا)؛ لأنَّ الرؤية هنا بصرية، لكن لَمَّا دخلتْ عليها همزة التعدية صارتْ ناصبةً مفعولين؛ تقول: (فلانٌ رأى النجمَ) كم نصبت؟ * الطلبة: واحدًا. * الشيخ: واحدًا، طيب. (فلانٌ أَرَيتُه النجمَ)؟ * الطلبة: مفعولين. * الشيخ: مفعولين؛ من أجْل دخول الهمزة على (رأى)، هذه مثْلها؛ لأنَّ (نُرِي) رباعي، أصلُها: أَرَى، يُرِي ونُرِي. ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ يعني: فأنت تراه، ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ (به من العذاب في حياتك، جوابُ الشرط محذوفٌ؛ أي: فذاك). أين الشرط؟ (جوابُ الشرط). * طالب: (إنْ). * الشيخ: (إنْ) في قوله: ﴿إِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾؛ يعني: إنْ أريناك بعضَ الذي نَعِدُهم فقد رأيتَه بعينك، وأقرَّ الله عينَك به. وهذا هو المطلوب. ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ يعني: قبل أنْ نُرِينَّك، ﴿فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ وسنُرِيك بهم. هذا تهديدٌ عظيمٌ. وقوله: ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ هذه معطوفة على ﴿نُرِيَنَّكَ﴾، وهي قسيم قوله: ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾؛ يعني: إمَّا أنْ ترى العذاب قبل موتك، وإمَّا أنْ نتوفَّاك ثم نعذِّبهم بعد الرجوع إلينا. وهذا أشدُّ؛ فإنَّ عذاب الآخرة أشدُّ وأبقى، ولهذا جاء في الحديث أنَّ الله سبحانه وتعالى إذا أحبَّ شخصًا عجَّل له بالعقوبة في الدنيا؛ عُوقِب في الدنيا بماله أو بَدَنه أو أهله أو مجتمعه، وإلَّا تَرَكه حتى يُوافي به يوم القيامة[[أخرج الترمذي (٢٣٩٦) عن أنسٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أراد الله بعبده الخيرَ عجَّل له العقوبةَ في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشرَّ أمسكَ عنه بذنْبه حتى يوافي به يوم القيامة».]]، نسأل الله أنْ يقيَنا وإيَّاكم عذابَ الدنيا والآخرة ويرزقنا العافية. ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ (فنعذِّبهم أشدَّ العذاب، فالجواب المذكور للمعطوف فقط). أين المعطوف؟ * طالب: ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾. * الشيخ: ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ يعني: إذا توفَّيناك فإلينا يُرجعون. * في هذه الآية الكريمة: وجوب الصبر؛ لأنَّ الله تعالى أَمَر به في قوله: ﴿فَاصْبِرْ﴾، ووجْه كَوْنه واجبًا لأنَّ الأصل في الأمر الوجوب. وهذه المسألة اختلف فيها الأصوليون: هل الأصل في الأمر في كتاب الله وسُنَّة رسوله ﷺ الوجوب، أو الأصل الندب؟ إن قُلنا: الأصل الوجوب، كان هذا المأمور به ملزَمًا به. وإذا قُلنا: الندبُ، صار الإنسان بالخيار؛ إنْ فَعَله فهو خيرٌ وإنْ تَرَكه فلا شيء عليه. عرفتم يا جماعة؟ وهذا محلُّ إشكالٍ في الواقع، عند التطبيق محلُّ إشكال، وعند (...) أيضًا فيه نظر. انتبهوا، وهذه مسألة من أصول الفقه نبحثها؛ لأننا -كما قلتُ لكم من قبل- لدينا ضيوف قد لا يمر بهم هذا البحث. أقول: الأصوليون اختلفوا في الأمر هل هو للوجوب أو الندب، والمراد الأمر المطْلق المجرَّد عن القرينة، أمَّا ما دلَّت عليه القرينة فالأمر فيه واضح؛ إنْ دلَّت على الوجوب فهو واجب، وإنْ دلَّت على الاستحباب فهو المستحبٌّ، وإنْ دلَّت على الإباحة فهو مباح، وإنْ دلَّت على التهديد فهو للتهديد؛ ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت ٤٠] المعنى الإنسان يعمل ما شاء أو هذا تهديد؟ * الطلبة: تهديد. * الشيخ: نعم، ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف ٢٩]. لكن المراد هنا الأمر المجرَّد عن كل قرينةٍ هل هو للوجوب أو للاستحباب؟ من العلماء مَن قال: إنَّه للوجوب، ولهم أدلَّة. ومنهم مَن قال: إنه للاستحباب، ولهم أدلَّة. القائلون بالوجوب يستدلُّون بمثل قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور ٦٣]، قالوا: هذا يدلُّ على الوعيد فيمن خالف أمْر الله عز وجل، فيدلُّ إذَن على أنَّ الأمر للوجوب. وقالوا أيضًا: إنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧ / ١٣٠)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. وهذا أيضًا يدلُّ على الوجوب؛ لأنه قال: «ائتُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ» ومثل هذا التعبير إنما يكون في الواجب «وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ»، ولأنَّه يَقْبح عادةً أن يقول السيد لعبده: افعل كذا، ثم يخالفه. فتكون مخالفة الأمر قبيحة، والقبيح منهيٌّ عنه مكروه. أمَّا القائلون بأنَّ الأصل في الأمر الاستحباب فيقولون: إنَّ كَوْنه مأمورًا به يدلُّ على فِعله، والأصل براءة الذِّمَّة، فلا نُؤَثِّم الإنسانَ إذا ترك ما أُمِر به إلا بدليل؛ لأن الأصل براءة الذِّمَّة، ولأنَّنا وجدْنا مسائلَ كثيرةً وأدلَّةً كثيرة فيها الأمر أجمع العلماء على أنَّه للاستحباب، وهذا يوهن القولَ بأنَّ الأمر للوجوب. توسَّط قومٌ فقالوا: إذا كان الأمر في عبادةٍ فهو للوجوب، وإذا كان في آداب فهو للاستحباب. وهذا أقربُ من الإطلاق بأنَّه للوجوب أو الإطلاق بأنَّه للاستحباب؛ يعني هذا التفصيل هو أقربُ ما يكون، ومع هذا فليس بمنضبط، بل قد تأتي أوامر في الآداب وهي واجبة. فعلى كل حالٍ نقول: أقربُ ما يقال في هذه المسألة أنَّ الأصل في الأوامر في التعبُّد أيش؟ الوجوبُ؛ لأنَّنا خُلِقْنا للعبادة وأُمِرنا بها فنتعبَّد، والأصل في الأوامر في غير العبادة -كالآداب مثلًا- هذا للاستحباب. ومِثْل ذلك يقال في النهي هل هو للتحريم أو للكراهة. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات وقوع وَعْد الله عز وجل، وأنَّه حقٌّ ولا بدَّ أن يقع؛ لقوله: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾، وهذه جملة مؤكَّدة بأيش؟ الجملة هنا مؤكَّدة بـ(إِنَّ) تدلُّ على أنَّ وَعْد الله لا بدَّ أن يقع. طيب، هل وعيده كذلك؟ * طالب: نعم. * الشيخ: نعم، حتى وعيده حقٌّ ولا بدَّ أن يقع، إلَّا أن يَمُنَّ الله عز وجل بالعفو، وإلَّا فالأصل أنَّ وعيده واقع. أفهمتم الآن؟ لا يقال كما قال بعض الناس: الوعيد ليس بواقع وليس بحقٍّ وأمَّا الوعد فهو حقٌّ. نقول: كلُّه حقٌّ، لكن الوعيد قد يعفو الله سبحانه وتعالى عنه، والعفو كرم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات كلام الله؛ أنَّ الله يتكلَّم. من أين تؤخذ؟ * طالب: من قوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾. * الشيخ: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾؛ لأنَّ الوعد يكون بالقول، ولا شكَّ أنَّ الله تعالى يتكلم، وأنَّه لا نفاد لكلماته؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف ١٠٩]، ﴿الْبَحْرُ﴾ اسم جنس يعمُّ كلَّ البحار. لَنَفِد البحر قبل أن تنفد كلماتُ الله، سبحان الله! لو كان حبرًا يُكتَب به البحارُ كلُّها لنفدتْ قبل أن تنفد كلمات الله؛ وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ يعني: لو أنَّ الذي في الأرض من الشجر كان أقلامًا ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ يعني: وكُتِب بالأقلام بمداد البحر، ويش قال؟ ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان ٢٧]، وهذا يدلُّ على عظمة الربِّ عز وجل؛ لأنه مدبِّر الكون، وإذا أراد أمرًا فإنما يقول له: (كُنْ) فيكون، ولا منتهى لإرادة الله. طيب، وهل قول الله عز وجل قولٌ مسموعٌ؛ يعني بصوت أو بلا صوت؟ * الطلبة: بصوت. * الشيخ: بصوت؛ قول الله تعالى بصوت؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم ٥٢]، ولا نداء ومناجاة إلا بصوت. وورد الصوتُ صريحًا فيما ثبت عن النبي ﷺ أنَّ الله تعالى يقول: «يَا آدَمُ» -يوم القيامة- «فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ. فَيُنَادِي بِصَوْتٍ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّار. قَالَ: يَا رَبِّ وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟...»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، ولفظ البخاري: «يقول الله: يا آدم، فيقول: لبَّيْك وسعدَيْك، فينادَى بصوتٍ: إنَّ الله يأمرك أن تُخرج من ذرِّيتك بعثًا إلى النار»، وفي رواية: «فينادِي» بكسر الدال.انظر فتح الباري لابن حجر (١٣ / ٤٦٠).]] إلى آخره، هذا صريحٌ بأنَّ الله يتكلم بصوت. وهنا في هذه المسألة مذاهب، نذكر منها المذاهب المشهورة الثلاثة: -أنَّه يتكلم بصوتٍ مسموعٍ وحرفٍ غير مخلوق؛ لأنه كلامه، وهذا مذهب السلف وأئمَّة الخلَف؛ أنَّ الله يتكلم بصوتٍ مسموعٍ، ويش بعد؟ وحرفٍ غير مخلوق، فكلامه عز وجل هو اللفظ والمعنى. -والقول الثاني: أنَّ الله تعالى يتكلَّم بصوتٍ مسموعٍ وحرفٍ مخلوقٍ، والكلام كلامه، وهذا مذهب الجهمية الذين يقولون: إنَّ القرآن كلام الله لكنَّه مخلوق، لأن كلَّ كلام الله عندهم مخلوقٌ. -والثالث: مَن يقولون: إنَّه لا يتكلم بصوتٍ ولا بحرفٍ مخلوق، إنما كلامه هو المعنى القائم بنفسه، لكن يخلق شيئًا يعبِّر عن هذا الذي في نفسه، فيُسمع هذا المخلوق ويُضاف إلى الله عز وجل إضافةَ تكريمٍ وتشريفٍ، وهذا مذهب الأشاعرة الذين هم أهل الكلام، والذين يقولون: إنهم هم الذين دافعوا المعتزلةَ عن الباطل، وهم الذين انتصروا للإسلام. وهُم في الحقيقة لا للإسلام انتصروا ولا لحرب الإسلام كسروا، بل قد نقول: قولُهم في الكلام شرٌّ من قول الجهمية، كيف ذلك؟ لأنهم اتفقوا على أنَّ ما يُسمع من كلام الله مخلوقٌ وعلى أنَّ القرآن مخلوقٌ، لكن الجهمية يقولون: مخلوقٌ وهو كلام الله. وهؤلاء يقولون: مخلوقٌ وليس كلامَ الله بل هو عبارةٌ عنه. طيب، وين كلام الله؟ قالوا: المعنى القائم بنفسه. والحقيقة أنَّ المعنى القائم بالنفس ليس كلامًا، وإنما هو عِلْمٌ؛ عَلِم بما سيخلق من كلام، فيقولون: هذا هو كلامه. والعجيب أنهم استدلُّوا بآية وشعر؛ نظْم: أمَّا الآية فقالوا: إنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة ٨]، فأثبت القولَ النفسيَّ. أمَّا الشعر فقالوا: إنَّ الشاعر قال: إِنَّ الْكَــلَامَ لَفِي الْفُـــــؤَادِ وَإِنَّمَا ∗∗∗ جُعِلَ اللِّسَانُ عَلَى الْفُؤَادِدَلِيلَا الفؤاد يعني القلب. فنقول لهم: أمَّا الآية فلا دلالة فيها لكم، بل هي على رؤوسكم؛ لأنَّ الله تعالى لم يُطْلق القولَ، بل قيَّده فقال: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾، وهذا كقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٦٩)، ومسلم (١٢٧ / ٢٠١)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وحديث النفس لا يمكن أنْ يقال: إنه حديثٌ، ولا أنْ يقال: إنه قولٌ، إلَّا بقَيْد، ولهذا لو حُذِفتْ ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ وقيل: ويقولون لولا يعذِّبنا الله، فماذا يُفهم منه؟ كلام باللسان. لكنْ هم بأنفسهم يقدِّرون؛ يقول الواحد منهم: لولا يعذِّبنا الله بما نقول، إذَن ما نقوله حقٌّ؛ لأنَّ الله لم يعذِّبنا. هذا يقدِّره الإنسان في نفسه. أمَّا الشعر: (إنَّ الكلامَ لَفِي الفؤاد ...) فهو قول الأخطل الشاعر النصراني، قاله بعد تغيُّر الألسُن، وعلى فرض أنَّه موافقٌ فإنَّه يجب أن يُحمل على أنَّ المعنى: إنَّ الكلام المعتبَر هو ما يقدَّر أولًا في الفؤاد ثم ينطِق به اللسان. ولهذا يُعتبر الكلام الذي يسبق على اللسان لا يُعتبر كلامًا ولا يُؤاخَذ به، فالكلام الحقيقي الرَّصين المعتبَر هو الذي يكون أولًا في القلب ثم يُعبَّر عنه باللسان، هذا معنى البيت الذي لا يحتمل غيره. إذنْ نُبقي بعض الفوائد إن شاء الله إلى الدرس القادم. * * * * طالب: شيخ، بارك الله فيك، التسخُّط القلبي من أشدِّ الأمور، يقول بعضهم: إنَّ هذا أمرٌ خارجٌ عن طاقتي، فأنا أَكره هذا، لكن أجده في نفسي، وأُدافعه ومع هذا أجده وأجده. * الشيخ: هناك فرقٌ بين كراهة المقدور وكراهة التقدير؛ كراهة المقدور من طبيعة الإنسان، كلٌّ يَكره أن يُصاب بأذى، لكن كراهة التقدير هذا هو المراد؛ أنْ تَكره تقديرَ الله من حيث هو فِعْل الله، فيولِّد لك ذلك أنَّك ربما تُبغض الله عز وجل -أعوذ بالله- ربما تُبغض الله؛ تقول: ويش هذا الرب؟! كيف يقدِّر عليَّ هذا التقدير؟! أمَّا كراهة المقدور فلا بدَّ منها، كلُّ إنسانٍ يُصاب بما لا يلائم طَبْعه سوف يَكره هذا الشيء. * الطالب: يا شيخ، الكراهة هذه تقع في القلب مع كراهة الإنسان ظاهرًا لها، ويُدافعها لكنْ يجدها في قلبه. * الشيخ: لا ما أظن، لا تفكِّر إنسان مؤمن بيَكْره ما قدَّر الله من حيث هو تقديرٌ لله، أبدًا، لأنه ويش يكره؟ ما هو أنت مملوك لله؟! كيف تكره هذا الشيء؟! هل لستَ أنت تذبح بعيرك لتأكله؟! والبعير يكره هذا الشيء، لكنه ملكك، فالله عز وجل احذرْ أن تكره تقديره من حيث هو تقدير، أمَّا من حيث هو مقدور فهذا شيءٌ -كما قلت- شيءٌ لا بدَّ منه. * طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، هل ما أراه الله سبحانه وتعالى للنبي ﷺ من النصر في غزوة بدر وغيرها يُعتبر أنه أراه قبل وفاته؛ ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾؟ * الشيخ: إي نعم، أراه قبل وفاته أشياء كثيرة، لكن الله عز وجل سلَّى رسوله؛ قال: لا بدَّ أن يقع بهم ما وعدناهم. * الطالب: أحسن الله إليكم، هل يصح أن يقال: إن الله سبحانه وتعالى قبل أن يخلق العالم ما كان يتكلم لأنه لم يوجَد المخاطَب. هل يصح هذا؟ * الشيخ: لا يجوز أن نقول هكذا، نقول: إنَّ الله تعالى لم يَزَلْ ولا يزال متكلِّما. وهل يلزم أن يتكلم بمخاطبة مخلوق؟ لا، قد يتكلم بما يُثني به على نفسه؛ مثل أن يقول: أنا الله الواحد الأحد، وما أشبه ذلك؛ كما يقول عز وجل يوم القيامة: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر ١٦] ما يجيبه أحد، فيقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر ١٦]. * الطالب: طيب، هل يُتوقَّف، أو يقال: يتكلم بهذا؟ * الشيخ: ما نقول شيئًا. نقول: الكلام صفة كمالٍ، والله تعالى موصوفٌ بالكمال أزلًا وأبدًا .. الكلام صفة كمالٍ، وإذا كان كذلك فإنَّ الله لم يَزَل موصوفًا به، ولا يَلزم من هذا أن يكون هناك مخاطَب، وكذلك الأفعال؛ فالذين -مثلًا- أثاروا مسألة التسلسل وما أشبه ذلك هُم بعيدون عن النصوص في الواقع، وإلا لو علموا أنَّ الله تعالى لم يَزَل ولا يزال فعَّالًا وأنَّه لم يكن في وقتٍ من الأوقات معطَّلًا عن الفعل، ولا يَلزم من الفعلِ المفعولُ، أليس كذلك؟ حتى فينا لا يَلزم من فِعْلنا أن يكون هناك مفعول، قد يتحرَّك الإنسانُ ولا يُنتج شيئًا، لكن الفعل .. يُقال: لا يمكن أن يمرَّ على الله تعالى زمانٌ من الأزمنة وهو معطَّل عن الفعل؛ لأنه إمّا أن يقال: تعطُّله هذا عن عَجْز، أو: عن غير عَجْز، فإنْ قلنا: عن عَجْز فهذا بَلِيَّة، وإن قلنا: عن غير عجزٍ، نقول: ما الذي يمنعه. إذَنْ فالتسلسل ليس بممنوعٍ في الماضي، كما أنه ليس ممنوعًا في المستقبل، مع أني أنا أكره أن يتكلم الناسُ في هذا لأنه كلامٌ لا فائدة منه، ولم يكن السلف يقولون به، لكن جاؤونا أهلُ الكلام وأدخلونا في هذه المعمعة وصار ما كان. * طالب: شيخ، ما هو الفرق بين العبارتين إذا أصاب الإنسان شيء مكروه يقول: قَدَّرَ الله وما شاء فَعَل، وبعضهم يقول: قَدَرُ الله وما شاء فَعَل؟ * الشيخ: يجوز هذا وهذا؛ (قَدَّرَ اللهُ) هذا فعل ماضٍ، و(قَدَرُ اللهِ) خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هذا قَدَرُ اللهِ. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [غافر ٧٨ - ٨٠]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾. ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [غافر ٧٧]. * من فوائد الآية الكريمة: أنَّ وعْد الله حقٌّ ثابتٌ لا بدَّ أن يقع، وهو كذلك، وقد صرَّح الله بذلك في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران ٩]. * ومن فوائد الآية الكريمة: تهديد هؤلاء المكذِّبين للرسول عليه الصلاة والسلام بأحد أمرين: إمَّا بعقوبةٍ عاجلةٍ قبل أن يُتوفَّى، وإمَّا بعقوبةٍ آجلةٍ في يوم القيامة؛ لقوله: ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [غافر ٧٧]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ مَرجِع الأمور كلها إلى الله، وليستْ باختيار أحدٍ، فهو الذي يقدِّر ما شاء سواءٌ في الدنيا أو في الآخرة؛ لقوله: ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾. * ومنها: أنَّ عذاب العدوِّ يشفي غليل عدوِّه؛ لقوله: ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾؛ فإنَّ الإنسان إذا رأى عذاب الله تعالى لعدوِّه فلا شك أنه يشفي غليله. * ومن فوائدها: أنَّه لا بأس أن نفرح إذا أصاب الله عدوَّنا بمصيبة؛ لأنَّ الظاهر أن قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ لأجْل أن تقرَّ عينُه بذلك، فإذا أُصِيبَ أعداؤنا بخسْفٍ أو صواعق أو فيضانات أو ما أشبهَ ذلك وفَرِحْنا بهذا فلا لوم علينا؛ لأنهم أعداؤنا يفرحون بما يصيبنا، فالجزاء من جنس العمل. * ومنها: إثبات رجوع الخلْق إلى الله؛ لقوله: ﴿فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾، وهذا عامٌّ في كل شيء؛ في الأحوال والأوقات وفي كل شيء، المرجع إلى الله وحده.

غافر 40:78

ثم قال عز وجل: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر ٧٨] إلى آخره. الجملة هذه مؤكَّدة بثلاثة مؤكِّدات: اللام، و(قد)، والقَسَم المحذوف. والتقدير: واللهِ لقد أرسلْنا رُسُلًا من قبلك. والرسول هو بَشَرٌ يوحى إليه بشرعٍ ويُؤمر بتبليغه، ولهذا سُمِّي رسولًا؛ أي: مدفوعًا من قِبَل الله عز وجل ليبلِّغ، وأمَّا النبيُّ فإنَّه بَشَرٌ أُوحِيَ إليه بشرعٍ ولكن لم يُكلَّف بتبليغه؛ بمعنى أنَّه يجدِّد شَرْع مَن قبله إنْ كان قبله رسولٌ حتى يُحْيي هِمَمَ الناسِ فيقتدوا به، وإذا لم يحتج الناسُ إلى رسولٍ لم يُرسَل إليهم أحد؛ فإنَّ آدم عليه الصلاة والسلام كان نبيًّا ولم يكن رسولًا، هو نبيٌّ يتعبَّد لله تعالى بما أوحاه الله إليه، ولكن لم يُرسَل لأنَّ الناس لم يختلفوا بعد؛ كما قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة ٢١٣]، فالرُّسُل إنما أُرسلوا بعد الاختلاف، ولهذا قال بعض أهل العلم: إنَّ تقدير الآية الكريمة: كان الناسُ أُمَّةً واحدةً فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشِّرين. وقال: إنَّ في الآية إيجاز حذْفٍ؛ أي: حُذِفَ منها ما دلَّ السياقُ على حَذْفه. على كل حالٍ الرسولُ مَن؟ بَشَرٌ أُوحِيَ إليه بشرعٍ وأُمِرَ بتبليغه، هذا الرسول. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ﴾ وهؤلاء الرُّسُل كانوا يُرسَلون إلى أُمَمِهم فقط كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث جابر: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨)، ومسلم (٥٢١ / ٣)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.]]، وما من أُمَّةٍ إلا خلا فيها نذيرٌ كما قال الله عز وجل، كل أُمَّةٍ أرسل الله إليها رسولًا لتقوم الحجَّة. ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ (مِن) هذه تبعيضيَّة؛ أي: بعضهم قصصناهم عليك وأخبرناك بهم، وبعضهم لم نقصصهم عليك. قال أهل العلم: وإنما قصَّ الله على رسوله ﷺ مَن كانوا من الجزيرة العربية وما حولها؛ لأن أخبار هؤلاء له بقيَّةٌ في العرب، فلهذا قصَّه الله، أمَّا مَن كانوا في أمريكا أو في شرق آسيا أو ما أشبهَ ذلك من الأماكن البعيدة فهؤلاء لم يُقَصَّ علينا من نبئهم شيء. (﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ رُوي أنَّه تعالى بَعَثَ ثمانيةَ آلاف نبيٍّ؛ أربعة آلافٍ من بني إسرائيل وأربعة آلافٍ من سائر الناس). وجديرٌ بالمؤلف رحمه الله أن يقول: (رُوي) بصيغة التمريض؛ لأنَّ هذا لا يصح؛ كيف يكون من بني إسرائيل -وهم متأخرون عن أُمَمٍ كثيرة- أربعة آلاف، ومن سائر الناس أربعة آلاف؟! هذا بعيد، بل إنَّ الله أرسل في كل وقتٍ وحينٍ ما تقوم به الحجة. وهل لنا أن نبحث عن عدد هؤلاء؟ لا، وإن قلنا: لنا، فإنَّه ليس علينا؛ يعني لو قيل لنا أن نبحث للاطِّلاع لم يكنْ سائغًا أن نقول: علينا أن نبحث، بل نقول: آمَنَّا بالله وبرُسُله مَن عَلِمنا منهم ومَن لم نعلم. قال: (﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ﴾ منهم ﴿أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [غافر ٧٨] لأنهم عبيدٌ مربوبون). قوله: ﴿وَمَا كَانَ﴾، ﴿ما﴾ نافية، و﴿كَانَ﴾ فعلٌ ماضٍ ناقص، و﴿لِرَسُولٍ﴾ خبره، و﴿أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ﴾ اسم كان؛ أي: وما كان إتيانُ أحدِهم بآيةٍ إلا بإذن الله. ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ يعني أنَّ الرُّسُل عليهم الصلاة والسلام آتاهم الله آيات، لكنْ هل هُم الذين يملكون هذا؟ لا، هذا من عند الله، ولكنَّ الله تعالى بيَّن أنه ما من رسولٍ إلا وأُوتِيَ آية؛ ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الحديد ٢٥] يعني بالآيات البيِّنات، حتى يؤمن البشر، وحتى لا يكون لهم حُجَّة عند الله؛ لأنَّ الله لو بعث رسولًا هكذا إلى الناس وقال: إنِّي رسول الله، ولم يأتِ بآية، فإن الناس لن يقبلوا منه، وإلا لَأمْكنَ لكل كاذبٍ أن يدَّعي الرسالة، لكن لا بدَّ من آيات بيِّنات -يعني واضحة- على أنَّه رسول، ومع هذا لا يمكن لرسولٍ أن يأتي بآية إلا بإذن الله. وقوله: ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الإذن الكوني، إذا أَذِنَ الله كونًا أن يأتي الرسول بآية أتى بآية، والرسول قد يأتي بآيةٍ ابتداءً، وقد يأتي بآيةٍ بطلبٍ من المرسَل إليهم؛ كما قد جاء في الحديث الصحيح أنَّ قريشًا قالوا للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أَرِنا آيةً، فأشار إلى القمر فانفلقَ فلقتين إحداهما على الصفا والثانية على المروة، وشاهد الناسُ ذلك[[أخرج مسلم (٢٨٠٠ / ٤٥) عن عبد الله بن مسعود قال: انشقَّ القمرُ على عهد رسول الله ﷺ فِلْقتينِ، فستر الجبلُ فِلْقةً وكانتْ فِلْقةٌ فوق الجبل، فقال رسول الله ﷺ: «اللهم اشهدْ».]]، ولكن مع ذلك: ﴿إِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر ٢]، قالوا: إنَّ محمدًا سَحَرنا والقمر لم يتصدَّع، ولكن لَمَّا لم يُعَيِّنوا الآية التي طلبوها لم يُؤاخَذوا بالعقاب؛ لأنَّ الأُمَم إذا عَيَّنوا الآية التي طلبوها ثم لم يؤمنوا عاجَلَهم الله بالعقوبة. ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ﴾ (آية) أي: علامة على صِدْقه ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. وهنا قال: (آية)، ولم يقل: بمعجزة، وقد جرى على ألسنة كثيرٍ من العلماء رحمهم الله تسمية آيات الأنبياء بالمعجزات، ولكن هذه التسمية غير سديدة، بل الأَوْلى أن نعبِّر بأيش؟ * الطلبة: بآية. * الشيخ: بآية، نقول: آية النبي، ولا نقول: معجزة. أولًا: لأنَّ هذا هو التعبير القرآني. وثانيًا: لأنَّ المعجزة تأتي من الرسول، وتأتي من الساحر، وتأتي من الشياطين، يأتي من هؤلاء ما يعجز عنه البشر، فالتعبير السليم أن نعبِّر بـ(آية). أولًا: لموافقة القرآن. والثاني: لأن المعجزة تكون من الرسول وغيره. والثالث: أنَّ كلمة (آية) فيها إشارة إلى أن ما جاء به هذا الرسول مما يُعجِز البشر أيش؟ آية، علامة. فهذه ثلاثة أشياء تبيِّن رُجحان التعبير بـ(آية) على التعبير بـ(معجزة). التعبير بـ(الآية) خيرٌ من التعبير بـ(المعجزة) من كمْ وجه؟ من ثلاثة أوجه: أولًا: أنَّ القرآن جاء بتعبير (آية) دون (معجزة). ثانيًا: أنَّ المعجزة تكون من غير النبي، تكون من الساحر والمشعوذ والشياطين. ثالثًَا: أنَّه ليس المقصود مجرَّد الإعجاز، المقصود أن تكون علامةً على صدق النبي. قال الله عز وجل: (﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ بنزول العذاب على الكفَّار ﴿قُضِيَ﴾ بين الرُّسُل ومكذِّبيها ﴿بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [غافر ٧٨] أي: ظَهَر القضاءُ والخسرانُ للناس، وهم خاسرون في كلِّ وقتٍ قبل ذلك). ﴿إِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ أمْر الله تعالى الكوني؛ لأنَّ أمر الله ينقسم إلى قسمين: كوني وشرعي، كما سنذكر إن شاء الله. ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ بماذا؟ بنزول العذاب على الكافرين، ونزول النصر للرُّسُل وأتباعهم. ﴿قُضِيَ بِالْحَقِّ﴾ والقاضي هو الله عز وجل، وحُذِف الفاعلُ هنا للعلم به؛ لأن الله تعالى هو الذي يقضي بالحق؛ كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ [غافر ٢٠]، ويُحذَف الفاعلُ أحيانًا للعلم به كما في قوله: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] وكما في هذه الآية. وقد يُقال: إنَّه حُذِف الفاعلُ هنا للتعميم؛ ليكون القاضي هو الله، وكذلك القاضي بالحقِّ هم الرُّسُل وأتباعُهم؛ لأنهم قضوا بالحقِّ بالانتصار على عدوِّهم، لكن الأوَّل أَوْلى؛ أنْ يكون الفاعلُ واحدًا ولكن حُذِف للعلم به. ﴿قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [غافر ٧٨] هنا ﴿خَسِرَ﴾ الخُسران: فوات الربح، و(هُنَا) اسم إشارة للمكان، والمراد به الزمان، ولهذا قال المؤلف: (في كل وقت)؛ المعنى: خَسِر في ذلك الوقتِ المبطلون. فإذا قال قائل: ألستم تقولون: إن (هُنَا) إشارةٌ للمكان؟ قلنا: بلى، لكن قد تُستعار إشارةً للزمان. واللام في قوله: ﴿هُنَالِكَ﴾ للبُعد، والكاف حرف خطاب. ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾ أي: الذين وقعوا في الباطل؛ لأن القضاء بالحق يقتضي زوالَ الباطل، وإذا زال الباطلُ خَسِر أهلُه. والباطل ضدُّ الحق، ويُفَسَّر في كل موضعٍ بحسبه؛ فالباطل في الكلام الخبري ما هو؟ الكذب، والباطل في الحُكْم أيش؟ الجور، والباطل في المعاملة: الغِشُّ وما أشبه ذلك، المهمُّ أنَّ الباطل يُفسَّر في كل موضعٍ بحسبه. وقول المؤلف: (وهُم خاسرون في كلِّ وقتٍ) احترازٌ من الإشارة في قوله: ﴿هُنَالِكَ﴾؛ لئلَّا يظنَّ الظانُّ أنهم خاسرون حين نزول العذاب فقط، مع أنهم خاسرون كلَّ وقت. وقد يقال: لا حاجة إلى ذلك، يعني لا حاجة إلى ما قال المؤلف؛ لأن المقصود ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ﴾ أي: ظهرتْ خسارتهم وبانت؛ لأنهم قبل أن يُؤتَوا بالعذاب ربما يقول قائل: إنهم ربحوا، كما قال أبو سفيان في يوم أُحُد، قال: «يومٌ بيوم بدرٍ، والحربُ سِجَال»[[أخرجه البخاري (٣٠٣٩) عن ابن عباس رضي الله عنه.]]. فظنَّ أنه ربح في ذلك اليوم. فالأَوْلى أن تبقى الآيةُ على ظاهرها وألَّا يُستدرك القرآن، فيقال: ﴿خَسِرَ هُنَالِكَ﴾ أي: ظهر خُسرانهم وبانَ، أمَّا خُسرانهم قبل نزول العذاب فهو ليس ببيِّن؛ إذْ قد يقول القائل: إنهم يربحون فيما إذا أدالهم الله تعالى على الإسلام إدالةً غير مستقرَّة. لأنه لا يجوز لنا أن نعتقد بأنَّ الله يُدِيل الكفرَ على الإسلام إدالةً مستقرَّة، بل مَن ظنَّ بالله هذا فقد ظنَّ به ظنَّ السوء، لكن الله يقول: ﴿تِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ١٤٠]. * من فوائد هذه الآية الكريمة: * أولًا: إثبات الرُّسُل السابقين؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ﴾. * ومن فوائدها: عدلُ اللهِ عز وجل في عباده؛ حيث لم يعاقبهم إلا بعد إرسال الرُّسُل وتكذيب هؤلاء القوم الذين أُرسِل إليهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه لا رسول بعد محمد؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ﴾، ولم يقل: سنُرسل. وهذه الفائدة في الواقع ليست بتلك القوية؛ يعني مأخذها من الآية لولا الواقع ما أخذناه من الآيات؛ لأنَّ الله إنما يتحدَّث عن شيء مضى. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ مِن الرُّسُل مَن قَصَّهم الله على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومنهم مَن لم يقُصَّه؛ لقوله: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ الله تعالى يتكلم، يعني: إثبات كلام الله؛ لقوله: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا﴾، والقَصُّ في الأصل تتبُّع الأثر، وأمَّا في الكلام فهو ذِكْر أخبار مَن سلف، وهذا يدلُّ على أنَّ الله يتكلم عز وجل، وهذا هو ما دلَّ عليه الكتاب والسُّنة وإجماع السلف. ولكن هل يتكلم بصوتٍ يُسمع أو لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم، يتكلم بصوت يسمع. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات حِكمة الله عز وجل في حديثه عن الأُمَم السابقة؛ حيث قَسَّم مَن قُصَّ علينا نبأُهم ومَن لم يُقَصَّ، وما ذلك إلا لحكمةٍ عظيمةٍ بالغة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ الرُّسُل عليهم الصلاة والسلام أيَّدَهم الله تعالى بالآيات؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. * ومن فوائدها: أنَّ الرُّسُل لا يملكون إيجادَ الآيات، مهما بلغتْ منزلتُهم فإنهم لا يملكون أن يأتوا بآية واحدة؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام؛ فإنَّ الكفَّار يطلبون منه آيات، ولكن الله تعالى يقول: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [العنكبوت ٥٠] يُسلِّي الرسولَ عليه الصلاة والسلام وأنَّ هذا الأمر ليس إليك، بل هو إلى الله، إذا شاء أن يؤتيك آيةً آتاك، وإلَّا فهو الحكيم. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثباتُ الإذْن لله عز وجل، والإذن نوعان: إذنٌ شرعي، وإذنٌ كوني؛ فالإذن الكوني ما يتعلَّق بالمخلوقات وإيجادها وإعدامها وتغييرها وما أشبهَ هذا، والإذن الشرعي ما يتعلَّق بالمشروعات. فلننظر إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس ٥٩]. شرعي، ولا يصحُّ أن يكون كونيًّا؛ لأنَّا نعلم أنه إذا فعلوه فقد أذن الله فيه. وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى ٢١] شرعي، ذكرنا الشرعي في المثال الأول، كذلك هم؛ ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ هنا أي: لم يأذنْ به شرعًا، ولا يجوز أن يكون إذنًا كونيًّا لأنه وقع، فقد أذِنَ الله تعالى فيما شرع هؤلاء إذنًا كونيًّا. وقال الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة ٢٥٥]. * طلبة: كوني. * طلبة: شرعي. * طالب: كوني شرعي. * الشيخ: كيف (كوني شرعي)؟ * الطالب: يوم القيامة. * الشيخ: ما يخالف، هو يوم القيامة، لكن أين الشرع؟! الشفاعة يُطلَب من الله عز وجل أن يخفِّف العذابَ عن شخصٍ أو ما أشبهَ ذلك أو يرفع درجاته، وهذا إذنٌ كوني لا شك. * ومن فوائد هذه الآية: إثباتُ أفعال الله الاختيارية؛ يعني أنَّ الله تعالى قد يُحدِث من أمْرِه ما شاء؛ لقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾، وإذا هنا شرطية للماضي أو للمستقبل أو للحاضر؟ أجيبوا. * طلبة: للمستقبل. * الشيخ: للمستقبل، إذَن الأمر لم يأتِ بعد، وهذا يدلُّ على أن الله سبحانه وتعالى مُتَّصف بالأفعال الاختيارية، خلافًا للأشاعرة ونحوهم الذين قالوا: إنَّ الله تعالى لا يوصَف بالأفعال الاختيارية، كيف يوصَف بالأفعال الاختيارية؟! إذا قلنا: يوصَف، قالوا: هذا يقتضي أحدَ أمرين: إمَّا أن يكون الله حادثًا، وإمَّا أن يكون ناقصًا؛ أمَّا كونه يستلزم أنْ يكون الله حادثًا فلأنَّ الحوادث لا تقوم إلا بحادث، فإذا أثبتُّم أنَّ الحوادث تقوم به لَزِمكم أن يكون الله حادثًا؛ لأنَّ الحوادث لا تقوم إلا بحادث، هذه واحدة. أمَّا النقص فنقول: إذا كان هذا الفعل الذي فعله الآن كمالًا فلماذا لم يَتَّصف به من قبل؟ إذا كان كمالًا فلماذا يحدث بعد أن لم يكن؟ لماذا لم يَتَّصف به من قبل؟ وإنْ لم يكن كمالًا فهو نقصٌ يجب أن يُنَزَّه الله عنه. أفهمتم؟ وهذا لا شك أنه تلبيس؛ أمَّا الأول فقولهم: إنَّ الحوادث لا تقوم إلا بحادث. نقول: من أين أتاكم هذا؟ أمِن جيوبكم أمْ من آرائكم الفاسدة؟ مَن قال: إنَّ الحوادث لا تقوم إلا بحادث؟! الحوادث منَّا الآن تحدث قبل أن تكون، ونحن سابقون عليها، فكذلك ما يُحدِثه الله عز وجل، يُحدِثه وهو سابقٌ عليه، وسَبْقُه أزلي، فدعواكم هذه باطلة تحتاج إلى أيش؟ إلى دليل، ولا دليل، بل الدليل على نقضها. وأمَّا قولكم: إنْ كان كمالًا فلماذا لم يَتَّصف به من قبل؟ وإن لم يكن كمالًا فهو نقصٌ فيجب نَفْيه. نقول: هذا أيضًا باطل؛ لأنَّا نقول: إنَّ فِعْل الله الذي يُحدِثه هو كمالٌ حال إحداثه، وليس كمالًا حال عدمه؛ لأن الله تعالى مُتَّصف بالكمال، ففي حال عدمه لا يكون كمالًا، وفي حال وجوده يكون هو الكمال، وهذا واضح؛ فِعْل الإنسان -وهو الإنسان- أحيانًا يكون مناسبًا وفي محلِّه، وأحيانًا يكون غير مناسب وتكون الحكمة ألَّا يفعله. وبذلك نعرف أنَّ الرجوع إلى العقل فيما يتعلَّق بالله أيش؟ باطلٌ وضلالٌ؛ لأن العقل قد يَزِلُّ وقد يَهِمُ، فالرجوع فيما يتعلَّق بالله عز وجل إلى الكتاب والسُّنة لا ثالث لهما، اللهم إلا أنْ يُقال: إجماعُ السلف أيضًا يُرجع إليه، فيكون مصدر التلقِّي في العقيدة وفيما يتعلَّق بذات الله عز وجل وأسمائه وصفاته ثلاثة: القرآن، والسُّنة، وإجماع السلف. لكنَّنا نقول: لا حاجة إلى قول: (إجماع السلف)؛ لأنَّ إجماع السلف لا يكون إلا عن كتابٍ أو سُنَّة. * من فوائد الآية الكريمة: تهديد هؤلاء المشركين الذين كذَّبوا الرسولَ عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ﴾، ووجْه التهديد أنَّ علماء البلاغة يقولون: إنَّ ﴿إِذَا﴾ تفيد وقوعَ الشرط في المستقبل؛ كما إذا قلتُ لك: إذا جاء زيدٌ فأكرِمْه. تفهم من هذا أنَّ زيدًا سوف يأتي، لكنَّه متأخِّر، بخلاف (إنْ)، فإنَّ (إنْ) شرطيةٌ، لكن للمحتمل؛ إنْ جاء زيدٌ فأكرِمْه، هل مجيئُه محقَّق؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، لكنْ إذا جاء فأكرِمْه، يكون المجيء محقَّقًا، لكنَّه مربوطٌ بزمنٍ مستقبل. هذه؛ ﴿إِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ يفيد أنَّ أمْر الله لا بدَّ أن يأتي. أمْر الله ينقسم إلى قِسْمين: كوني، وشرعي. فقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء ٥٨] شرعي ولَّا كوني؟ * الطلبة: شرعي. * الشيخ: لماذا لا يكون كونيًّا؟ * طالب: لأن (...). * الشيخ: نعم، لأنَّه لو كان كونيًّا لَكان كلُّ الناس يؤدُّون الأمانة إلى أهلها، إذَنْ هو شرعي. ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران ٤٧]؟ * الطلبة: كوني. * الشيخ:كوني، فصار الأمر الآن يكون كونيًّا ويكون شرعيًّا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ ما قضى الله تعالى من عقابٍ أو عذابٍ فإنَّه حقٌّ؛ لقوله: ﴿قُضِيَ بِالْحَقِّ﴾، وعلى هذا فينتفي بذلك أن يكون الله تعالى ظالمًا لِمَن عاقبه. فإنْ قال قائل: أليست العقوبة تنزل بالأُمَّة وفيهم الصالحون؟ الجواب: بلى، تنزل العقوبة على الأُمَّة وفيهم الصالحون، لكنَّها تكون عقوبةً على المسيء ورِفْعةَ درجاتٍ وتكفيرَ سيئاتٍ على أيش؟ على الصالح، ولهذا لَمَّا قالت إحدى أمهات المؤمنين: «أنهلكُ وفينا الصالحون؟ قال: «نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧١٣٥)، ومسلم (٢٨٨٠ / ١)، من حديث زينب بنت جحش رضي الله عنها.]]. فإذا غلبَ الخبثُ على الطيِّب حلَّت العقوبة بالجميع. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ المبْطِل خاسرٌ إذا نزل به العذاب؛ لقوله: ﴿خَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾. وإذا كان المبْطِل خاسرًا فالمصلِح رابح، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود ١١٧]، ولهذا إذا كان الأهل مصلِحون فإنَّ الله لا يُهلك الأُمَّة، لكن إذا كانوا صالحين فقد تهلك الأُمَّة إذا كَثُر الخبث، وهذه نقطةٌ قد لا يتفطَّن لها كثيرٌ من الطلبة؛ انتفاء الإهلاك متى؟ إذا كان الأهل مصلحين ومحاولين للإصلاح، أمَّا إذا كانوا صالحين فإنه قد يقع الإهلاك إذا كثُر الخبَث، أمَّا مع الإصلاح ولو كثُر الخبَث ما دامت الأُمَّة تحاول الإصلاح وتسعى به فإنها لن تهلك، وهذه نقطةٌ -كما قلت لكم- قد لا يتفطَّن لها كثيرٌ من الناس، نسأل الله أن يُصلح أحوالنا وأحوالكم. * طالب: قلنا: مِن عدْل الله عز وجل أنه لن يعذِّب العباد إلا بعد أن أرسلَ إليهم الرُّسُل، في هذه الآيه هل هناك ضابط للعُذر بالجهل؛ الذين يقعون في الباطل وعلى اعتقادهم أن هذا صواب، فهل يُعذَرون بجهلهم في هذه الأيام؟ * الشيخ: قد يُعذَرون بجهلهم؛ لأنَّ مِن العوامِّ مَن لا يعرف الحقَّ إلا عن طريق أناسٍ مُعَيَّنين، وهؤلاء الأُناس المعيَّنون منحرفون، فيُعذَرون، وربما أُناس في الغابات البعيدة لا يسمعون إذاعاتٍ ولا يقرؤون صُحُفًا ولا يعرفون شيئًا. * طالب: أورد بعضُ المستشرقين على قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤] على أنَّ هناك فترات ما بين الأنبياء، فترات (...) ليس هناك نبي، انقطع الرسالة. * الشيخ: لا، هذا غلط؛ لأنَّه إذا جاء النذير ليس معناه أنَّ النذير يبقى نذيرًا ما دام حيًّا فقط، قد تبقى رسالته، أليستْ رسالةُ إسماعيل وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام بقيتْ في العرب إلى قُرب بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام؟ أول ما دخل الشركُ على العرب من عمرو بن لُحَيٍّ، متأخِّر. * الطالب: (...) النصارى قبل الرسول ﷺ، قبل بعثة الرسول هناك فترة يكاد ينقطع الوحي تكاد تنقطع الرسالة. * الشيخ: هذه الفترة لحكمة، يعني معناه امتداد ما بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام لحكمةٍ؛ حتى يعرف الناسُ شِدَّة ضرورتهم إلى الرسالة. * طالب: (...) تعريف النبي أنَّه الذي أُمِر بالوحي ولم يُؤمَر بتبليغه، كيف نوفِّق بينه وبين قول النبي ﷺ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ لِأُمَّتِهِ خَيْرَ مَا يَعْلَمُهُ ويُحَذِّرَهُمْ مِنْ شَرِّ مَا يَعْلَمُهُ»[[أخرجه مسلم (١٨٤٤/ ٤٦) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما بلفظ: «إنَّه لم يكن نبيٌّ قبلي إلا كان حقًّا عليه أن يدلَّ أُمَّته على خير ما يعلمه لهم، ويُنذرهم شرَّ ما يعلمه لهم ...» الحديث.]]؟ * الشيخ: هذا .. المراد بالنبي الرسول، المراد به الرسول، ولهذا تجد الآن في القرآن الكريم أنبياء هم رُسُلٌ، لكن تُذكَر بلفظ الأنبياء: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣]، ثم قال في الأخير: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [النساء ١٦٥]، ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم ٤١]. * الطالب: شيخ، بارك الله فيك، هل يصحُّ أن نُطلق لفظة (الدلائل) على آيات الأنبياء؟ * الشيخ: إي نعم؛ لأنَّ الدليل ما يهدي إلى غيره، ولهذا يُسمَّى الرجل الذي يدلُّك الطريق يُسمَّى هاديًا، فالآيات لا شك أنها دليلٌ وبيِّنات. * الطالب: هل ورد نص أنَّ الآيات تُسمَّى دلائل، مثل المعجزات يا شيخ، قلنا: لا تُسمَّى .. أن نُطلقها على آيات الأنبياء؟ * الشيخ: إحنا نقول: الآية دليل، واللغة مترادفة، فما دام اللفظ مرادفًا للآخَر ولا يتضمَّن محظورًا ليس فيه مانع أن نعبِّر به. * الطالب: هل فيه دليل على عدد الأنبياء والرُّسُل؟ * الشيخ: فيه حديث أبي ذر أنَّهم كانوا أربعةً وعشرين ألفًا، منهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا رسول، والباقي أنبياء[[أخرج أحمد (٢٢٢٨٨) بسنده عن أبي ذرٍّ قال: قلت: يا رسول الله، كم وَفَى عِدَّة الأنبياء؟ قال: «مئةُ ألفٍ وأربعةٌ وعشرون ألفًا، الرُّسُل من ذلك ثلاثُ مئةٍ وخمسة عشر جمًّا غفيرًا». ورواية ابن حبان في الصحيح (٣٦١) بلفظ: «قلت: يا رسول الله، كم الأنبياء؟ قال مئةُ ألفٍ وعشرون ألفًا».]]، لكن الحديث بعض العلماء قال: إنه غير صحيح، وإن كان ابن حبان صحَّحه، فالله أعلم، ما هناك شيءٌ يركن إليه الإنسان في العقيدة بأنَّ عددهم كذا وكذا، لا الأنبياء ولا الرُّسُل. * طالب: هل -يا شيخ- القولُ بأنَّ كل رسولٍ نبيٌّ وليس كل نبيٍّ رسولًا؟ * الشيخ: صحيح. * طالب: ضوابط المعجزة والكرامة. * الشيخ: عندنا معجزة، وكرامة، وشعوذة. المعجزة هي آيات الأنبياء، وكما سمعتَ أنَّنا نُسمِّيها آيةً ولا نُسمِّيها معجزةً. الكرامة كلُّ أمرٍ خارقٍ للعادة يُظهره الله تعالى على يد متَّبع الرسول. ما هو على يد الرسول، على يد متَّبع الرسول. أمَّا السِّحر والشعوذة فهو كلُّ خارقٍ للعادة يظهر على يد مُخالِف الرسول. وقد أنكرت المعتزلة الكرامات وقالت: لو أنَّا أثبتنا الكرامات لَاشْتبهَ النبيُّ بالوليِّ، والوليُّ بالساحر. فيقال: هذا مغالطة؛ لأنَّ النبي يقول: إنَّه نبيٌّ، والذي ظهرت الكرامةُ على يده يقول: إنَّه وليٌّ وليس بنبيٍّ، والساحر ليس نبيًّا ولا وليًّا، معروفٌ بأنَّه فاسقٌ مخالفٌ للشرع، فلا يمكن أن يكون التباس.

غافر 40:79

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [غافر ٧٩، ٨٠]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: (﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ﴾ قيل: الإبلُ خاصَّة هنا، والظاهر: والبقر والغنم). ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ﴾، ﴿جَعَلَ﴾ أي: صيَّرها مُسَخَّرةً لكم، والجَعْل هنا جَعْلٌ كونيٌّ؛ لأن الجَعْل المضاف إلى الله عز وجل يكون كونًا ويكون شرعًا؛ يعني يكون جَعْلًا كونيًّا ويكون جَعْلًا شرعيًّا؛ ففي قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة ١٠٣] هذا الجَعْل شرعيٌّ، وفي قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء ٦] هذا جَعْلٌ كونيٌّ، وفي قوله تعالى هنا: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ﴾ جَعْلٌ كونيٌّ. و﴿الْأَنْعَامَ﴾ جمع نَعَم، قال المؤلف؛ المفسِّر: (قيل: الإبلُ خاصَّة هنا، والظاهر: والبقر والغنم). بل والظاهر ما هو أعمُّ من ذلك، وهو ما أنعمَ الله به علينا من الحيوان الذي سخَّره لنا من إبلٍ وبقرٍ وغنمٍ وفِيَلةٍ وغيرها، كل شيء. وقوله: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ قسَّم الله سبحانه وتعالى هذه الأنعام إلى قِسْمين: قِسْم تُركب، وقِسْم تؤكل؛ يعني ولا تُركب. وعلى هذا فتكون (مِن) في الموضعين للتبعيض، وعلامة (مِن) التي للتبعيض أن يحلَّ محلَّها كلمة (بعض)، فهنا احذفْ (مِن) وقُل: (لتركبوا بعضَها وبعضَها تأكلون) يستقيم الكلام، فهذه علامة (مِن) التبعيضية أنْ يحلَّ محلَّها كلمة (بعض). وقوله: ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ هذا التقسيم لا يعني الانقسام؛ بمعنى أنَّه يمكن أن يوجد من الأنعام ما يُؤكَل وما يُركب؛ مثل الإبل فإنها تُؤكَل وتُركب. (﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ من الدَّرِّ والنَسْل والوَبَر والصوف) يعني: والشعر، وغير ذلك من المنافع كنَقْل البضائع وغيرها، ولهذا جاءت كلمة (منافع) جمع منفعة بصيغة منتهى الجموع، وصيغة منتهى الجموع ما كانت على وزن (مَفَاعِل) أو (مَفَاعِيل). (﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾ هي حَمْل الأثقال إلى البلاد) ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾. قوله: ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾ فسَّرها المؤلف بأنها حَمْل الأثقال، ولكن الذي يظهر أنها غير ذلك وأنها قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ﴾ [النحل ٦، ٧]؛ يعني ما يكون في قَلْب الإنسان من محبَّة الفخر والخُيَلاء وغيرها، وإنْ كانت هذه الحاجات قد تكون ممنوعة كالفخر والخيلاء، لكن لا شكَّ أن هذه حاجةٌ لكلِّ إنسان أنَّه يجد فرحًا وسرورًا إذا غَنِم كثيرًا من المواشي من الإبل والبقر والغنم والظباء والأرانب وغيرها، يجد الإنسانُ لهذا طعمًا في نفسه. ويمكن أن يقال أيضًا: ومن الحاجات في النفس الاتِّجار بها؛ فإنَّ بعض الناس يتَّجر بهذه الأنعام، والله سبحانه وتعالى لم يذكر نوع الحاجة، فيشمل كلَّ ما يقع في القلب من مثل هذه الأمور. ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾، (﴿وَعَلَيْهَا﴾ في البر ﴿وَعَلَى الْفُلْكِ﴾ السُّفُن في البحر ﴿تُحْمَلُونَ﴾ ) بيَّن الله عز وجل أنَّ هذه الأنعام نُحمَل عليها وكذلك السُّفُن؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف ١٢ - ١٤]. * في هذه الآية من الفوائد: بيانُ نعمة الله عز وجل علينا بهذه الأنعام؛ حيث جعلها لنا مُسَخَّرة مُذَلَّلة. * ومن فوائد هذه الآية: جواز ركوبها وأكْلها، ومن المعلوم أنَّ هذا ليس على إطلاقه؛ فإنَّ الذي يُركب لا يُركب على وجهٍ يشقُّ عليه، لو أراد الإنسان أن يركب على بهيمة وهي لا تطيق أكثر من واحد فأردفَ عليها، قلنا: هذا لا يجوز؛ لِمَا في ذلك من المشقَّة، وكذلك أيضًا ﴿مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ ليس على إطلاقه؛ إذْ من هذه الأنعام ما لا نأكله مثل الحُمُر، فإنها لا تؤكل، ولكنَّها يُحمَل عليها وتُركب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ الأصل جواز كلِّ ما يُنتفع به من وجوه الانتفاع في هذه الأنعام؛ ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾، وبناءً على ذلك يجوز أن يركب ما لا يُركب عادةً إذا لم يشقَّ عليه لأنَّ ذلك من المنافع؛ فلو كان مع الإنسان بقرةٌ واحتاج إلى أن يركب عليها قُلنا له: اركبْ؛ لأنَّ هذه من المنافعِ، واللهُ تعالى أطلقَ المنافع ما لم يشقَّ عليها، فإنْ شقَّ عليها كان ممنوعًا؛ لأنَّ إيذاء الحيوان محرَّم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جوازُ ما يقع في قلب العبد من الفرح والسرور بهذه الأنعام، بشرط ألَّا يؤدِّي ذلك إلى الكبرياء والخُيَلاء، فما دام هذا الفرح في نطاق الأمر المباح فإنَّ الإنسان لا يُلام عليه، بل هو مما جعله الله له. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيانُ نعمة الله عز وجل بحملنا على هذه الأنعام وعلى الفُلك؛ يعني أنَّ الله سَخَّر لنا ما نركبه في الماء وما نركبه في البر. وهُنا تسخيرٌ ثالثٌ حَدَث بعد نزول القرآن، وهو ما نُحمَل عليه في الجوِّ، فيكون الله عز وجل أنعم علينا بمراكب جوِّية وبحرية وبرِّية.

غافر 40:80

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [غافر ٧٩، ٨٠]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: (﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ﴾ قيل: الإبلُ خاصَّة هنا، والظاهر: والبقر والغنم). ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ﴾، ﴿جَعَلَ﴾ أي: صيَّرها مُسَخَّرةً لكم، والجَعْل هنا جَعْلٌ كونيٌّ؛ لأن الجَعْل المضاف إلى الله عز وجل يكون كونًا ويكون شرعًا؛ يعني يكون جَعْلًا كونيًّا ويكون جَعْلًا شرعيًّا؛ ففي قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة ١٠٣] هذا الجَعْل شرعيٌّ، وفي قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء ٦] هذا جَعْلٌ كونيٌّ، وفي قوله تعالى هنا: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ﴾ جَعْلٌ كونيٌّ. و﴿الْأَنْعَامَ﴾ جمع نَعَم، قال المؤلف؛ المفسِّر: (قيل: الإبلُ خاصَّة هنا، والظاهر: والبقر والغنم). بل والظاهر ما هو أعمُّ من ذلك، وهو ما أنعمَ الله به علينا من الحيوان الذي سخَّره لنا من إبلٍ وبقرٍ وغنمٍ وفِيَلةٍ وغيرها، كل شيء. وقوله: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ قسَّم الله سبحانه وتعالى هذه الأنعام إلى قِسْمين: قِسْم تُركب، وقِسْم تؤكل؛ يعني ولا تُركب. وعلى هذا فتكون (مِن) في الموضعين للتبعيض، وعلامة (مِن) التي للتبعيض أن يحلَّ محلَّها كلمة (بعض)، فهنا احذفْ (مِن) وقُل: (لتركبوا بعضَها وبعضَها تأكلون) يستقيم الكلام، فهذه علامة (مِن) التبعيضية أنْ يحلَّ محلَّها كلمة (بعض). وقوله: ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ هذا التقسيم لا يعني الانقسام؛ بمعنى أنَّه يمكن أن يوجد من الأنعام ما يُؤكَل وما يُركب؛ مثل الإبل فإنها تُؤكَل وتُركب. (﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ من الدَّرِّ والنَسْل والوَبَر والصوف) يعني: والشعر، وغير ذلك من المنافع كنَقْل البضائع وغيرها، ولهذا جاءت كلمة (منافع) جمع منفعة بصيغة منتهى الجموع، وصيغة منتهى الجموع ما كانت على وزن (مَفَاعِل) أو (مَفَاعِيل). (﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾ هي حَمْل الأثقال إلى البلاد) ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾. قوله: ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾ فسَّرها المؤلف بأنها حَمْل الأثقال، ولكن الذي يظهر أنها غير ذلك وأنها قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ﴾ [النحل ٦، ٧]؛ يعني ما يكون في قَلْب الإنسان من محبَّة الفخر والخُيَلاء وغيرها، وإنْ كانت هذه الحاجات قد تكون ممنوعة كالفخر والخيلاء، لكن لا شكَّ أن هذه حاجةٌ لكلِّ إنسان أنَّه يجد فرحًا وسرورًا إذا غَنِم كثيرًا من المواشي من الإبل والبقر والغنم والظباء والأرانب وغيرها، يجد الإنسانُ لهذا طعمًا في نفسه. ويمكن أن يقال أيضًا: ومن الحاجات في النفس الاتِّجار بها؛ فإنَّ بعض الناس يتَّجر بهذه الأنعام، والله سبحانه وتعالى لم يذكر نوع الحاجة، فيشمل كلَّ ما يقع في القلب من مثل هذه الأمور. ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾، (﴿وَعَلَيْهَا﴾ في البر ﴿وَعَلَى الْفُلْكِ﴾ السُّفُن في البحر ﴿تُحْمَلُونَ﴾ ) بيَّن الله عز وجل أنَّ هذه الأنعام نُحمَل عليها وكذلك السُّفُن؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف ١٢ - ١٤]. * في هذه الآية من الفوائد: بيانُ نعمة الله عز وجل علينا بهذه الأنعام؛ حيث جعلها لنا مُسَخَّرة مُذَلَّلة. * ومن فوائد هذه الآية: جواز ركوبها وأكْلها، ومن المعلوم أنَّ هذا ليس على إطلاقه؛ فإنَّ الذي يُركب لا يُركب على وجهٍ يشقُّ عليه، لو أراد الإنسان أن يركب على بهيمة وهي لا تطيق أكثر من واحد فأردفَ عليها، قلنا: هذا لا يجوز؛ لِمَا في ذلك من المشقَّة، وكذلك أيضًا ﴿مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ ليس على إطلاقه؛ إذْ من هذه الأنعام ما لا نأكله مثل الحُمُر، فإنها لا تؤكل، ولكنَّها يُحمَل عليها وتُركب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ الأصل جواز كلِّ ما يُنتفع به من وجوه الانتفاع في هذه الأنعام؛ ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾، وبناءً على ذلك يجوز أن يركب ما لا يُركب عادةً إذا لم يشقَّ عليه لأنَّ ذلك من المنافع؛ فلو كان مع الإنسان بقرةٌ واحتاج إلى أن يركب عليها قُلنا له: اركبْ؛ لأنَّ هذه من المنافعِ، واللهُ تعالى أطلقَ المنافع ما لم يشقَّ عليها، فإنْ شقَّ عليها كان ممنوعًا؛ لأنَّ إيذاء الحيوان محرَّم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جوازُ ما يقع في قلب العبد من الفرح والسرور بهذه الأنعام، بشرط ألَّا يؤدِّي ذلك إلى الكبرياء والخُيَلاء، فما دام هذا الفرح في نطاق الأمر المباح فإنَّ الإنسان لا يُلام عليه، بل هو مما جعله الله له. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيانُ نعمة الله عز وجل بحملنا على هذه الأنعام وعلى الفُلك؛ يعني أنَّ الله سَخَّر لنا ما نركبه في الماء وما نركبه في البر. وهُنا تسخيرٌ ثالثٌ حَدَث بعد نزول القرآن، وهو ما نُحمَل عليه في الجوِّ، فيكون الله عز وجل أنعم علينا بمراكب جوِّية وبحرية وبرِّية.

غافر 40:81

قال تعالى: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ [غافر ٨١] ﴿يُرِيكُمْ﴾ أي: يُظهرها لكم حتى تروها، وعلى هذا فـ(يُرِي) من الرباعي لا من الثلاثي؛ لأنَّه من: أَرَى يُرِي؛ أي: أَظْهرَ الشيءَ حتى يراه الإنسان. وقوله: ﴿آيَاتِهِ﴾ جمع آية، والآية هي العلامة على الشيء؛ كما قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس ٤١]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ١٩٧] أي: علامة. فما هي العلامة؟ الآية علامةٌ على ما يختصُّ بها من صفة؛ فمثلًا إذا نزل الغيثُ وأنبتت الأرض فهو آيةٌ على أيش؟ * طالب: على رحمة الله. * الشيخ: على رحمة الله عز وجل. إذا اهتزَّت الأرض بأهلها أو خُسِفت بأهلها فهو آيةٌ على أيِّ شيء؟ * طالب: على سخط الله. * الشيخ: على سخط الله وعقابه، وعلى قدرته؛ حيث يزلزل هذه الأرض الكبيرة العظيمة، فيكون هذا آية على ما يختصُّ به، فالآيات إذَنْ آياتٌ على ما تختصُّ به من صفة، لا نقول: إنها كلَّها آية على شيءٍ واحدٍ، بل منها ما يكون آيةً على الرحمة، وآيةً على العِزَّة، وآية على الحكمة، وآيةً على القُدرة، وهلُمَّ جرًّا. إذَنْ ﴿آيَاتِهِ﴾ نقول: جمع آية، وهي .. ما هي؟ * طالب: العلامة. * الشيخ: العلامة، طيب. هذه الآيات هل هي كلُّها تدلُّ على شيءٍ معيَّن من الآيات، أو لكلِّ آيةٍ ما يختصُّ بها؟ * طالب: لكلِّ آيةٍ ما يختصُّ بها. * الشيخ: لكلِّ آيةٍ ما يختصُّ بها، بارك الله فيك. ﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾، ﴿أَيَّ﴾ هنا استفهامية منصوبة على أنها مفعولٌ مقدَّم لقوله: ﴿تُنْكِرُونَ﴾. وأسألكم لو كانت الآية (تُنكرونها) أو (تُنكرونه)، فهل ننصب (أي) أو نرفعها؟ * طالب: نرفعها. * الشيخ: نرفعها، ويجوز النصب؛ لأنَّ هذا يكون من باب الاشتغال، وأضربُ لكم مثلًا من عندي حتى لا نتصرَّف في كلام الله، لو قلت: (زيدًا أكرمتُ) هنا يتعيَّن النصب على أنه مفعول مقدَّم، ولو قلت: (زيدٌ أكرمتُه) فهنا يجوز الوجهان والرفع أرجح لأنه الأصل، وأمَّا النصب فيكون على سبيل الاشتغال، وعليه فإذا جاء معمولٌ مقدَّمٌ وعاملٌ مؤخَّرٌ لم يستوفِ عملَه فإنه يجب أن يكون هذا المعمول السابق حسب ما يقتضيه هذا العامل. ﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾، (﴿أَيَّ آيَاتِ اللَّهِ﴾ الدالَّة على وحدانيَّته ﴿تُنْكِرُونَ﴾ )، يعني لو قال المؤلف ما هو أعمُّ لَكان أحسن؛ لأن (...) ليست آيات دالَّة على الوحدانية فقط، بل على الوحدانية وعلى ما يختصُّ بتلك الآية. (﴿تُنْكِرُونَ﴾ استفهامُ توبيخٍ وتذكير)، (استفهامُ توبيخٍ) يعني قولَه: ﴿أَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾، وهو أيضًا استفهامُ تَحَدٍّ، فهو جامعٌ بين التوبيخ والتحدي؛ يعني هذه آياتٌ ظاهرةٌ لا يمكنكم أن تنكروها. قال: (وتذكير (أي) أشهر من تأنيثه)، لأنَّه يقال: أيَّةُ، ويقال: أيُّ، وعلى كلام المؤلف يكون التذكير أشهر من التأنيث ولو كان المشار إليه مؤنَّثًا، ولهذا قال: ﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ﴾، و﴿آيَاتِ﴾ مؤنث، ولم يقل: فأيَّة آيات الله، لكن في غير القرآن لو قيل: فأيَّة آيات الله، لَكان هذا سائغًا إلا أنَّه مرجوح. * من فوائد هذه الآية الكريمة: نعمة الله سبحانه وتعالى على عبادة بإراءتهم الآيات الدالَّة عليه، ولو شاء الله لَأخفى عنَّا ذلك ووَكَلنا إلى ما في نفوسنا وفِطَرنا، ولكن من رحمته أنَّه يُظهر الآيات حتى يكون هذا عونًا على ما في الفِطرة من معرفة آيات الله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز تحدِّي الإنسان بما يعترف به لولا الجحد؛ لقوله: ﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾، وهل تعرف أن أحدًا جحد الآيات مع تيقُّنه بها؟ مَن؟ * طالب: (...). * الشيخ: وغيره. * طالب: فرعون. * الشيخ: نعم، أحسنت، فرعون وقومه، فإنهم جحدوا بآيات الله مع أنَّ أنفسهم مستيقنةٌ بها.

غافر 40:82

ثم قال: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً﴾ [غافر ٨٢] إلى آخره. ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ هذا الاستفهام يحتمل أن يكون للحثِّ، وعليه فيكون بمعنى الأمر؛ أي: سيروا في الأرض. ويؤيِّد هذا قول الله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام ١١]، ويحتمل أن يكون للتوبيخ؛ أي: توبيخ هؤلاء على عدم السير في الأرض. والسير هنا يشمل السير بالقَدَم والسير بالقلب؛ أمَّا السير بالقلب فمرجعه إلى الأخبار الصادقة؛ بحيث يقرأ الإنسان عن الأُمَم السابقة، ولا شيء أصحُّ من كتاب الله عز وجل في الحديث عن الأُمَم السابقة؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم ٩] فلا شيء أصحُّ في الأخبار مما جاء به الكتاب العزيز وصحَّت به السُّنة، هذا نقول: سيرٌ بالقلب. السير بالقَدَم أن يمشي الإنسان لينظر ما صنع الله تعالى بالمكذِّبين؛ مثال ذلك أن يسير الإنسان إلى ديار ثمود لينظر ماذا صنع الله بهم، ولكن -كما قال النبي عليه الصلاة والسلام- لا يجوز أن يدخلها إلَّا وهو باكٍ خوفَ أن يُصيبه ما أصاب هؤلاء المكذبين[[أخرج البخاري (٤٣٣)، ومسلم (٢٩٨٠ / ٣٨) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ لأصحاب الحِجْر: «لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذَّبين إلا أن تكونوا باكينَ، فإنْ لم تكونوا باكينَ فلا تدخلوا عليهم؛ أنْ يُصيبَكم مثلُ ما أصابهم».]]، وأمَّا مَن ذهب إليها للتنَزُّه والفُرجة فإنَّ ذلك لا يجوز كما يصنع كثيرٌ من الناس اليوم؛ يذهبون إليها لا على سبيل العِظة والاعتبار، ولا أن يدخلوها وهُم باكون، بل على سبيل الاطِّلاع فقط على آثار السابقين وعلى سبيل النُّزهة، وهذا حرامٌ ولا يحلُّ. وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾ إعراب الجملتين أن نقول: إنَّ (لم) حرف نفيٍ وجَزْمٍ وقلبٍ؛ حرف نفيٍ لأنها تنفي، جَزْم لأنها تجزم، قلب لأنها تحوِّل المضارع إلى الماضي. والفاء في قوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ عاطفةٌ لا شك، لكن هل هي عاطفةٌ على مقدَّرٍ محذوفٍ أو عاطفةٌ على ما قبلها من الجُمَل، في ذلك قولان: القول الأول: أنها عاطفةٌ على محذوفٍ مقدَّرٍ بعد الهمزة، ويُقَدَّر بما يناسب المقام، وعلى هذا فترتيبها بعد الهمزة ترتيبٌ طبيعي. والثاني: أنها عاطفةٌ على الجملة السابقة، وبناءً على ذلك تكون الفاء هنا مزحلقةً عن موضعها؛ إذْ إنَّ موضعها يكون قبل الهمزة. والقولان معروفان لأهل العلم بالنحو. على التقدير الأول أنها عاطفةٌ على مقدَّر بعد الهمزة يكون المعنى: أَغَفَلوا فلمْ يسيروا في الأرض. وقوله: ﴿فَيَنْظُرُوا﴾ الفاء عاطفةٌ على أيش؟ * طالب: على ﴿يَسِيرُوا﴾. * الشيخ: على ﴿يَسِيرُوا﴾، وعلى هذا يكون المعنى: أفلمْ يسيروا فلمْ ينظروا. ويحتمل أن تكون منصوبةً بعد فاء السببية؛ أي: انتفَى سيرُهم فينظروا، كما تقول: لم تَزُرني فأُكرمَك، وما أشبه ذلك من الكلام. وقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [غافر ٨٢]، ﴿كَيْفَ﴾ هذه اسم استفهام، وهي في محلِّ نصبٍ خبرُ (كان) مقدَّم، و﴿عَاقِبَةُ﴾ اسمها. ﴿عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ فما هي العاقبة؟ العاقبةُ ذكرها الله تعالى في سورة القتال في قوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد ١٠]، هذا هو فائدة النظر أنَّ هؤلاء القوم المكذِّبين كانوا أشدَّ من هؤلاء قوَّةً ومع ذلك دمَّرهم الله عز وجل. ﴿كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ﴾ أي: في العدد، ﴿وَأَشَدَّ قُوَّةً﴾ أي: في الكيفية، فصاروا متميِّزين عنهم في العدد والكيفية، (﴿وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ من مصانع وقصور)، ﴿فَمَا﴾.. على التقدير الأول أنها عاطفة على مُقدَّر بعد الهمزة يكون المعنى: أَغَفلوا فلم يسيروا في الأرض؟ وقوله: ﴿فَيَنْظُرُوا﴾ الفاء عاطفة على ﴿يَسِيرُوا﴾، وعلى هذا يكون المعنى: أفلم يسيروا فلم ينظروا، ويحتمل أن تكون منصوبة بعد فاء السببية، أي: انتفى سيرهم فينظروا، كما تقول: لم تزرني فأكرمك، وما أشبه ذلك من الكلام. وقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [غافر ٢١] ﴿كَيْفَ﴾ هذه اسم استفهام، وهي في محل نصب خبر ﴿كَانَ﴾ مُقدمًا، و﴿عَاقِبَةُ﴾ اسمها، ﴿عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ فما هي العاقبة؟ العاقبة ذكرها الله تعالى في سورة القتال في قوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد ١٠]، هذا هو فائدة النظر أن هؤلاء القوم المكذبين كانوا أشد من هؤلاء قوة، ومع ذلك دمرهم الله عز وجل، كانوا أكثر منهم؛ أي في العدد، وأشد قوة؛ أي في الكيفية، فصاروا متميزين عنهم في العدد والكيفية ﴿وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ [غافر ٢١] من مصانع وقصور. ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [غافر ٨٢] ﴿مَا﴾ نافية، و﴿أَغْنَى﴾ فعل ماضٍ، و﴿مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: ﴿مَا﴾، اسم موصول فاعل، و﴿كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ صلة الموصول، ويحتمل أن تكون ﴿مَا﴾ استفهامية، والمعنى: فما الذي أغنى عنهم ما كسبوا؟ والاستفهامية أبلغ؛ لأنها تتضمن النفي مع التحدي، أي: أي شيء أغنى عنهم كسبهم حين دمرهم الله؟ كذا؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: ماذا قلت في ﴿مَا﴾؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ما قلت: نعم نعم؟! طيب، هذا جارك عن اليمين ماذا تقول؟ * طالب: موصولة.. * الشيخ: لا، ما قلنا هذا، هذا ما قلته. * طالب: أن تكون ﴿مَا﴾ نافية. * الشيخ: نعم، أحسنت، بارك الله فيك، إن كانت نافية فالمعنى: ما أغنى عنهم كسبهم شيئًا، وإن كانت استفهامية فالتقدير: ما الذي أغنى عنهم ما كانوا يكسبون، ونظير ذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء ٢٠٥ ٢٠٧] أي: أي شيء أغنى عنهم، أو أن المعنى نفي الإغناء. * الطالب: من ذهب إلى ديار ثمود للعبرة ولكنه ما استطاع أن يبكي فهل يتباكى؟ * الشيخ: لا أعرف في الحديث: «إِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا»[[أخرجه ابن ماجه (١٣٣٧) من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه. ]] ، قال: «لَا تَدْخُلُوهَا إِلَّا وَأَنْتُمْ بَاكُونَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٣)، ومسلم (٢٩٨٠/٣٨) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، ولفظه: قال رسول الله ﷺ لأصحاب الحجر: «لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذَّبين، إلا أن تكونوا باكينَ، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم؛ أن يُصيبكم مثلُ ما أصابهم». ]] . ورسول الله ﷺ لما مر بها قنَّع رأسه؛ يعني غطاه وخفضه وأسرع. * الطالب: إذا نقول: ابكِ أو ارجع؟ * الشيخ: نعم، نقول: إما أن تبكي وإما أن ترجع، فإن لم تبكِ وأنت مررت بالبلد فعجِّل وقنِّع رأسك كما فعل الرسول عليه الصلاة والسلام. * الطالب: شيخ، بهذا نقول بعدم جواز من يصور هذه الصور، ويريها للناس، ينشرها؟ * الشيخ: إي نعم، الظاهر أنه للمنع أقرب، وذلك لأنه إنما يريهم إياها لبيان قوة القوم لا لبيان أن الله أهلكهم مع قوتهم، هذا هو الظاهر من هؤلاء المصوِّرين. * الطالب: هل يشمل هذا كل الآثار القديمة أم فقط الذين عُذِّبوا؟ * الشيخ: نحن قرأنا آية تدل على المراد: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾. * الطالب: قلنا: إذا كان للإنسان بقرة يجوز أن يركبها وفي الحديث: «إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهَذَا»[[أخرج البخاري (٢٣٢٤) بسنده عن حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «بينما رجل راكب على بقرة التفتت إليه، فقالت: لم أخلق لهذا، خلقت للحراثة...» الحديث. ]] ..؟ * الشيخ: هذا الجمع بينهما أن هذه البقرة كُلِّفت ما لا تطيق، أو كان يشق عليها أن تُركب؛ لأن بعض الحيوانات الذي لم يعتد أن يركب يشق عليه هذا حتى وإن كان يستطيع أن يحمله. * الطالب: بعض الناس يستخدمون هذه الأنعام في السحر (...) وما أشبه ذلك؟ * الشيخ: ما فيها شك، استعمال هذه الحيوانات فيما هو محرم قصدًا أو ذاتًا هذا لا يجوز، حتى لو ركب هذه الأنعام ليصل إلى بلد يفعل فيه الفواحش أو يلعب فيه القمار فإن هذا حرام. * الطالب: بعض القوم السابقين دمرهم الله سبحانه وتعالى خارج ديارهم مثل الفراعنة، هل نقول: لا ندخل آثارهم كما نقيس على ديار ثمود؟ * الشيخ: لا، وعلى هذا نقول: لنا أن ندخل المكان الذي أغرق فيه فرعون، ولنا أن ندخل مصر أيضًا؛ لأنه لم يهلك فرعون في مصر. * * * * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر ٨٢ - ٨٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ذكرنا في هذا التركيب ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ وما أشبهها إعرابين؟ * الطالب: الإعراب الأول: أن نقول: إن الهمزة هنا همزة استفهام، وبعدها جملة مقدرة، فتكون هنا من باب عطف الجمل على الجمل المقدَّرة، ويكون التقدير على حسب السياق. * الشيخ: يُقدَّر المحذوف بحسبه. * الطالب: وهنا تقديره: أَفَغَفلوا فلم يسيروا؟ * الشيخ: الوجه الثاني؟ * الطالب: الوجه الثاني: الفاء مؤخرة عن موضعها، والأصل فألم يسيروا، وتكون عاطفة على ما سبق. * الشيخ: وتكون الجملة معطوفة على ما سبق. الثاني أسهل؛ لأن الأول قد يتعذر أو يتعسر تقدير المحذوف، فأما هذه فهي سهلة ليس فيها سوى مجرد زحلقة الفاء عن موضعها. وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: على الأرض؛ لأن ﴿فِي﴾ للظرفية، ولو جعلنا ﴿فِي﴾ للظرفية في هذا السياق لكان معنى الآية: أن يدخلوا في جوف الأرض، وهذا غير مراد قطعًا، فتكون ﴿فِي﴾ بمعنى (على) كقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك ١٦] أي من على السماء، وليس المراد أن الله في جوف السماء؛ لأن ذلك مستحيل، وقد وسع كرسيه السماوات والأرض. وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يشمل السير بالقدم والسير بالقلب، أما السير بالقدم فمعروف، وأما السير بالقلب فمعناه أن يتفكر الإنسان فيما مضى من تاريخ الأمم، وأصح مرجع نرجع إليه فيما مضى من سِيَر الأمم هو القرآن الكريم. وقوله: ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ هذه معطوفة على (يسيروا)؛ يعني أن الله وبَّخهم على أمرين: عدم السير، وعدم النظر، فهم لم يسيروا ولم ينظروا ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، والنظر هنا هل هو نظر البصيرة أو البصر؟ إن قلنا: إن قوله: ﴿يَسِيرُوا﴾ سير القدم فالنظر نظر البصر، وإن قلنا: يسيروا سير القلب فالنظر نظر البصيرة. ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أعربنا ﴿كَيْفَ﴾ على أنها خبر مقدم لـ﴿كَانَ﴾، وهنا يتعين التقديم؛ لأن ﴿كَيْفَ﴾ اسم استفهام، والاستفهام له الصدارة، فعليه تكون خبرًا مقدمًا لـ﴿كَانَ﴾، و﴿عَاقِبَةُ﴾ اسمها ﴿عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني من الأمم. فما هي العاقبة؟ العاقبة أشار الله إليها في سورة القتال في قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾. ثم شرح الله حال أولئك السابقين فقال: ﴿كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ [غافر ٨٢] أكثر منهم عددًا، وكثرة العدد تُوجب القوة في الكمية، وأشد منهم قوة هي القوة بالكيفية، ثم قال: ﴿وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ يعني من العمران والقصور وغيرها، ومع ذلك لم تنفعهم هذه الكثرة ولا هذه القوة؛ يقول: (من مصانع وقصور) هذه تفسير لقوله: ﴿وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾. ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿مَا أَغْنَى﴾: (ما) يحتمل أن تكون نافية، أي: فلم يُغنِ عنهم ما كسبوا، ويحتمل أن تكون استفهامية، والمعنى: فما الذي أغنى عنهم؟ والاستفهام هنا أشد وقعًا؛ لأنه مُشرَب بالتحدي، أي شيء أغنى عنهم؟ الجواب: لا شيء ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي ما كانوا يكسبون من القوة والآثار في الأرض وغير ذلك؛ لأن الله تعالى دمرهم ودمر قوتهم. ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ هذا الذي أتى بعد ذكر تدميرهم هو في الحقيقة عود إلى شرح ما حصل، فإن الله أرسل إليهم الرسل بالبينات الواضحة، وأنزل الكتب، ولكن لما جاءتهم رسلهم بالبينات قال المؤلف: (المعجزات الظاهرات)، والصواب أن يقول: الآيات البينات، هو رحمه الله جعل البينات بمعنى الظاهرات، وهذا حق، وجعل (البينات) صفة لموصوف محذوف تقديره: المعجزات، وهذا فيه نظر، بل يُقدَّر الآيات، وذلك لأن المعجزات لم ترد في الكتاب والسنة محل الآيات أبدًا، وأيضًا المعجزات تكون من الرسل ومن غير الرسل، فالسحرة مثلًا تأتي لهم الشياطين بالمعجزات، لكن الآيات -يعني العلامات الدالة على صدقهم- هذه أبلغ؛ ولهذا إذا وجدتم في الكتب، وما أكثر ما تجدون المعجزات، أو معجزة الأنبياء، أو ما أشبه ذلك فاضربوا عنها صفحًا، وقولوا بدلها الآيات كما قال الله عز وجل الآيات، والآيات -كما قلت لكم- أدق من كلمة المعجزات؛ لأن المعجزات يدخل فيها ما يُعجِز البشر مما تصنعه الشياطين مع السحرة وغيرهم. (﴿فَرِحُوا﴾ أي الكفار ﴿بِمَا عِنْدَهُمْ﴾ أي: الرسل ﴿مِنَ الْعِلْمِ﴾ فرح استهزاء وضحك منكرين له) ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا﴾ الواو فاعل، فمن الفارح؟ يقول: (أي الكفار)، وهذا صحيح، فرح الكفار بما عندهم من العلم، وقوله: ﴿بِمَا عِنْدَهُمْ﴾ الضمير يعود على الرسل على حد تفسير المؤلف، بما عند الرسل من العلم، أي: بما جاؤوا به من البينات؛ لكن هل هذا الفرح فرح استبشار أو فرح استهزاء؟ يقول المؤلف: إنه فرح استهزاء وضحك وسخرية. ولكن هذا التفسير إذا تأملته وجدته تحريفًا وليس تفسيرًا؛ لما فيه من البُعد المعنوي واللفظي، أما البعد اللفظي فلأن فيه تشتيت الضمائر؛ لأن قوله: ﴿فَرِحُوا﴾ الواو للكفار ﴿بِمَا عِنْدَهُمْ﴾ الهاء للرسل، هذا تشتيت للضمائر؛ والهاء في قوله: ﴿بِمَا عِنْدَهُمْ﴾ إذا جعلنا الكلام نسقًا واحدًا لا شك أنها تعود على الكفار، أي بما عند الكفار من العلم. وأما المعنوي فلأن الفرح في الأصل استبشار، فإذا صرفناه عن معناه الظاهر إلى أن يكون فرح استهزاء كان هذا إخراجًا للمعنى عما يدل عليه ظاهر اللفظ، والحاصل أن هذا التفسير الذي ذكره المؤلف تفسير ضعيف جدًّا بل هو تحريف؛ والصواب أن المعنى: فرح الكفار بما عندهم -أي بما عند الكفار من العِلم- وقالوا: نحن أعلم بما يصلحنا، وما يصلح دنيانا وديننا الذي نحن عليه، فأنتم أيها الرسل سحرة مجانين كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات ٥٢]، وإذا كانوا يعتقدون بقلوبهم أو يقولون بألسنتهم ما لا يعتقدون من أن الرسل سحرة مجانين فإنهم لا شك سيجعلون ما عندهم من العلم هو العلم الحقيقي فيفرحون به. وعلى هذا فنقول: الفرح هنا فرح بطر واستبشار فيما يظنون، أنهم على علم أعلى من علم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر ٨٣]، ويعجب الإنسان أحيانًا فيما يذهب إليه بعض العلماء من تفسير الآيات أو الأحاديث. الآن لو قرأت هذه الآية على إنسان عامي: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ فعلى أي شيء يتنزل الضمير في قوله: ﴿بِمَا عِنْدَهُمْ﴾ عند هذا العامي؟ على الكفار، فرحوا بما عندهم، والإنسان يفرح بما عنده لا بما عند غيره. ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [غافر ٨٣] ﴿حَاقَ﴾ يقول: (نزل) لكنها أعنى ﴿حَاقَ﴾ ليست كـ(نزل) من كل وجه؛ لأن (نزل) تكون بالخير وبالشر ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء ١٩٣، ١٩٤] هذا خير ولا شر؟ خير، لكن (حاق) لا تأتي إلا بالشر، فلا يقال: حاق به القرآن، أو حاق عليه القرآن كما يقال: نزل عليه، فحاق هنا بمعنى نزل لكنها لا تستعمل إلا في نزول الشر، وهو شر بالنسبة لمن نزل به، وقد يكون خيرًا بالنسبة لغيره. ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [غافر ٨٣] ﴿مَا﴾: فاعل ﴿حَاقَ﴾، ﴿كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: يعني فيما سبق؛ أي أنهم لما جاءهم بأس الله عز وجل ونزل بهم ﴿حَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ فيما سبق، حيث كانوا يستهزئون بالرسل، وبما جاؤوا به وبالشرائع، بل ربما يستهزئون بالله عز وجل، انظر إلى قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة ٦٥] يتبين لك أن الكفار يستهزئون بالله، ويستهزئون بآيات الله، ويستهزئون بالرسل. (﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي العذاب) يعني حاق بهم العذاب الذي كانوا يستهزئون به حين توعدتهم الرسل به، فجعلوا يستهزئون أيش العذاب اللي تقولون؟ أين هو؟ يستفهمون استهزاء. ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٤] أي شدة عذابنا، ﴿رَأَوْا﴾: بمعنى بأبصارهم، يعني رأوه رؤيا العين، والبأس: أشد العذاب. ﴿قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر ٨٤] ﴿قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ أي دون شركائنا، ودون ما كنا نعبده، وهذا غاية الإخلاص، ثم أكدوا هذا بقولهم: ﴿وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ ﴿بِمَا﴾: الباء حرف جر متعلقة بـ﴿كَفَرْنَا﴾، و﴿بِهِ﴾: يحتمل أن تكون للسببية؛ أي بما كنا بسببه مشركين، وأن تكون متعلقة بـ﴿مُشْرِكِينَ﴾ تعلق الجار بعامله؛ المعنى: أنهم لما رأوا عذاب الله آمنوا، ولكن هل ينفعهم هذا الإيمان؟ لا. إن فرعون لما غرق وأدركه الغرق، ماذا قال؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾. * الشيخ: صح، قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس ٩٠] ولكن ماذا قيل له؟ قيل له: ﴿آلْآنَ﴾ يعني أتؤمن الآن ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس ٩١] فلم ينفعه إيمانه. وقال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ [النساء ١٨]، هذا لا تنفعه التوبة؛ لأنه رأى وشاهد، شاهد ما كان غيبًا يكفر به، والإيمان عن مشاهدة لا يفيد؛ لأن كل إنسان يؤمن بما يُشاهد ولو كان أكفر الناس، وإنما الذي يُحمد عليه الإنسان وينجيه من عذاب الله أن يؤمن بالغيب كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة ٣]. ﴿قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر ٨٤]، قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٥] ﴿لَمْ يَكُ﴾: أصلها (لم يكن)، لكن حُذِفت النون تخفيفًا، وقد جاء الحذف والإبقاء في آيتين من كتاب الله، فقال تعالى في إبراهيم: ﴿وَلَمْ يَكُن مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، وقال: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل ١٢٠] وهي جملة واحدة حُذفت فيها النون وأُبقيت، وهذا الحذف تخفيف، وله شروط معروفة في كتب النحو. ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٥] (إيمانُ) هل تعربونها على أنها اسم (يكن) مؤخرًا أو على أنها فاعل ينفع واسمها مستتر؟ الثاني، والتقدير على هذا: فلم يك إيمانهم ينفعهم، أما على الأول فيكون: فلم يك ينفعهم إيمانهم فيكون اسمها ضمير الشأن، اسم يكن محذوفًا ضمير الشأن. وقوله: ﴿لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ ﴿لَمَّا﴾: هنا ظرف بمعنى (حين)، واعلم أن (لَمَّا) تأتي في اللغة العربية على أوجه: الأول: أن تكون ظرفًا بمعنى (حين) كما في هذه الآية، فإن معنى: ﴿لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ أي حين رأوا بأسنا. وتأتي جازمة، مثل قوله تعالى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص ٨]. وتأتي شرطية كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة ٨٩]. وتأتي بمعنى (إلا) كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤] وكذلك قوله: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس ٣٢]. فهذه أربعة معانٍ في (لَمَّا)، المعنى الأول؟ بمعنى (حين) كما في هذه الآية: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٥] أي حين رأوا بأسنا، الثاني: بمعنى إلا مثل؟ * طالب: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾. * الشيخ: آية أخرى؟ * طالب: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾. * الشيخ: شرطية مثل؟ * طالب: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [غافر ٨٤]. * الشيخ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾. صح، وكذلك: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾. تأتي جازمة، مثاله؟ ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ وهي للنفي أيضًا، جازمة ونافية؛ لكن الفرق بينها وبين (لم) أن (لَمَّا) تفيد قرب مدخولها ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ ولكن سيذوقونه قريبًا، بخلاف (لم) فتأتي للنفي المطلق. ﴿لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ قال الله تعالى: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ [غافر ٨٥] ﴿سُنَّتَ﴾ يقول المفسر: (نَصْبُه على المصدر بفعل مقدر من لفظه) (سُنَّة) بمعنى طريقة، أي: هذه طريقة الله. و﴿سُنَّتَ﴾ في مثل هذا التركيب يجوز أن تكون مرفوعة أي سُنَّة الله على أنها خبر مبتدأ محذوف، أي: هذه سُنَّة الله؛ ويجوز أن تكون منصوبة، والمؤلف يقول: (إنها منصوبة بفعل مُقدَّر من لفظه) أي: سَنَّ الله بهم سُنَّته. ﴿سُنَّتَ اللَّهِ﴾ ويجوز أن تكون مصدرًا عامله محذوف لكنه مُقدَّر من الجملة التي قبلها؛ لأن هذه العبارة بمعنى ما قبلها تمامًا؛ يعني ﴿سُنَّتَ اللَّهِ﴾ بمعنى ما قبلها وهي أخذ المكذبين بالعذاب، فتكون منصوبة بمضمون الجملة لا بفعل مُقدَّر، وما ذكره المؤلف رحمه الله وجه لا شك فيه، والمهم أن السُّنَّة بمعنى الطريقة. فما طريقة الله؟ طريقة الله تعالى إهلاك المكذبين وتعذيبهم، وأنهم لو آمنوا بعد نزول العذاب لم ينفعهم. (﴿الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ [الفتح ٢٣] في الأمم أن لا ينفعهم الإيمان وقت نزول العذاب) هذه واحدة، والثانية أن يُعذِّب المكذبين، فالسُّنَّة التي استفدناها من هذه الآية شيئان؛ أولًا: إهلاك المكذبين، والثاني: أنه لا ينفعهم إيمانهم إذا رأوا العذاب. قال: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر ٨٥] ﴿خَسِرَ﴾ فسرها المؤلف بمعنى: (تبين خسرانهم لكل أحد وهم خاسرون في كل وقت قبل ذلك) ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ معلوم أن (هنالك) ظرف مكان أو زمان؟ مكان، هذا هو الأصل، فهي اسم إشارة إلى المكان، وقد تُستعار إشارة للزمان، فتقول: هنالك أي في ذلك الوقت، ومنه هذه الآية، الآن إذا قلت: فلان هناك، هذا ظرف مكان، وهذا هو الأصل، ولو قلت مثلًا: قدم فلان هناك، تشير إلى الوقت صارت إشارة للزمان لكن هذا خلاف الأصل. بقي علينا أن يقال: خسر في ذلك الوقت الكافرون، أليس الكافرون خاسرين في كل وقت؟ بلى، لكن تبين خسرانهم وظهر؛ لأنهم كانوا قبل أن ينزل عليهم العذاب يظنون أنهم رابحون؛ ولهذا فرحوا بما عندهم من العلم، لكن إذا نزل بهم العذاب ظهر لهم الخسران. * من فوائد هذه الآيات: الحث على النظر في أحوال الأمم السابقة، تؤخذ من: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [غافر ٨٢] وجه الدلالة: أن الله وبَّخَهم على عدم السير. * ومن فوائدها أيضًا: أن السير في الأرض بالقدم إذا لم يصحبه النظر والاعتبار فإنه لا ينفع؛ لقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ ﴿فَيَنْظُرُوا﴾. * يتفرع على هذا: ما يفعله كثير من الناس اليوم من السير إلى ديار ثمود، حيث يسيرون بأبدانهم لكن لا يسيرون بقلوبهم ولا يعتبرون، بل يذهبون إلى هنالك للاطلاع على مآثر القوم بل على آثار القوم الدالة على قوتهم، وهذا لا يجوز، الواجب على من سار إلى تلك الديار أن يدخلها وهو باكٍ؛ لقول النبي ﷺ: «فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوهَا». ولا ينفع التباكي؛ لقوله: «فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوهَا» »[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٣)، ومسلم (٢٩٨٠/٣٨) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، ولفظه: قال رسول الله ﷺ. ]] . ولم يقل: فتباكوا، إذن من لم يُوطِّن نفسه على هذا الوصف الذي رخص فيه النبي ﷺ في الدخول في ديار ثمود فإنه لا يجوز أن يدخل، وغالب الناس الذين يذهبون الآن إنما يذهبون للفرجة والنزهة فقط، وهذا حرام. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من الأمم من هو أشد قوة وآثارًا مما كانت عليه قريش؛ لقوله: ﴿كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ [غافر ٨٢]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى لا يُعجِزه قوة العدو ولا كثرة العدو، فإن الله تعالى أهلكهم مع كثرتهم وقوتهم. وهل الله عز وجل إذا أراد إهلاكهم يكون إهلاكهم ممتدًّا لمدة من الزمن حتى يقضي عليهم؟ لا، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر ٣١] ﴿الْمُحْتَظِرِ﴾ يعني الذي أحاط أرضه بحِظار، والحِظَار -كما تعرفون- مركب من أعواد خفيفة أو من سعف النخل، وتأكله الشمس والهواء بسرعة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن قوة الإنسان، وكثرة عدده لا تغني عنه شيئًا من عذاب الله؛ لقوله الله تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الحجر ٨٤]. * ومن فوائد هذه الآيات: أن الله سبحانه وتعالى أرسل الرسل بالآيات البينات الدلالة على صدقه. * ويتفرع على هذا فائدتان أو أكثر، وهما: رحمة الله بالعباد، وحكمة الله تعالى في فعله. أما رحمة الله بالعباد، فلأن الله تعالى لو أرسل إليهم رسلًا بدون آيات لكان في ذلك تكليف بما لا يُطاق؛ لأن الإنسان لا يُمكن أن يُصدِّق برسول بدون آيات تدل على صدقه، وإلا لأمكن كل كاذب أن يقول: إنه رسول. وأما الحكمة فظاهر أن الله سبحانه وتعالى لما أرسل الرسل لم يتركهم هملًا بل أعطاهم ما على مِثلِه يؤمن البشر، كما أخبر بذلك نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَنَّ اللَّهَ مَا بَعَثَ رَسُولًا إِلَّا آتَاهُ مَا يُؤْمِنُ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ». » والذي أُوتيه الرسول عليه الصلاة والسلام هو الوحي القرآن؛ ولهذا قال: «فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٧٤)، ومسلم (١٥٢/٢٣٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظه: «ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحى الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة». ]] ؛ لأن القرآن آية باقية إلى يوم القيامة، أو إلى أن يأذن الله تعالى بفساد العالم، أما آيات الرسل فغالبها تنقضي في زمانها، لكن آية الرسول باقية. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن آيات الرسل بينة لا تحتمل الشك؛ لقوله: (بينات). * ويتفرع على ذلك: أنه ينبغي للعالم الذي ينشر شريعة الله عز وجل إذا نشرها بين الناس أن يكون نشره إياها على وجه بين لا اشتباه فيه، لماذا؟ أولًا: اقتداءً بالرسل. وثانيًا: ليزداد المخاطب طمأنينة؛ لأن الطمأنينة لها أثر في قبول ما يُلقى، وفي القيام به، فإن الإنسان إذا لم يُبيَّن له الحق على وجه تحصل به الطمأنينة تجده يمشي أو يأخذ بالحق وهو متردد، لكن إذا زِيد طمأنينة؛ انتفع بذلك، أليس كذلك يا أخ؟ ماذا قلت؟ * طالب: النبي لا بد أن يكون له أتباع؟ * الشيخ: النبي؟ لا، ما قلت. هل أنا قلت هذا؟ * طلبة: لا. * الشيخ: الرسول قال: «وَالنَّبِيُّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ». * الطالب: شيخ، بارك الله فيكم، قلنا: إن الهلاك يكون مرة واحدة، أليس هذا باختلاف الأمم، ففي عاد الله سبحانه وتعالى أرسل عليهم ريحًا صرصرا في أيام نحسات، أم أنهم أرسل عليهم الريح فأهلكتهم، ثم استمرت عليهم؟ * الشيخ: لا، عاد، الله سبحانه وتعالى أمَدَّ لهم في العذاب؛ لأنهم يقولون: مَنْ أشدُّ منا قوة؟ فأرسل الله عليهم الريح التي هي أخف وألطف ما يكون فأهلكتهم. * الطالب: شيئًا فشيئًا؟ * الشيخ: قال: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة ٧] في هذه المدة، قد يكون بعضهم هلك في أول يوم، بعضهم في ثاني يوم، تبعًا لما يكون من الملاجئ أو غيرها. * الطالب: هذا مستثنى من العقوبة؟ * الشيخ: لا؛ لأنه أرسل عليهم العقوبة على هذا الشكل. * الطالب: لكن الفائدة لاحظناها أو لا؟ * الشيخ: لا (...)؛ لأن هذا هو الأصل، ويقال: إن هذه وإن امتدت فهي من حين ابتدأ العذاب هلك من هلك. * الطالب: ما ورد عن الإمام (...) قال: (...) هل يقال: إنه كان عندهم آلات يصنعون بها هذه الأشياء؟ الآن مع وجود هذه الآلات ما يمكن للإنسان.. * الشيخ: هو يحتمل الآلات، أو يحتمل أنه لكثرتهم كل واحد مسك عملًا ويقوم به، وتعرف أن الإنسان إذا اعتاد على عمل معين ولو كان شاقًّا صار سهلًا عليه. * الطالب: في آخر السورة قال: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر ٨٥] يجوز تغيير يعني (...)؟ * الشيخ: الفائدة من هذا أن بيان أن كل كافر فهو مُبطِل، ليس معه حق، وكل مبطل لا يقول إلا الباطل فهو كافر، يعني المبطل في كل أحواله هذا كافر؛ يعني ليس معه شيء من الحق، والكافر مُبطِل ليس معه شيء من الحق أيضًا، فاختلاف التعبير لزيادة المعنى. كما يكون أيضًا في اختلاف القراءات أحيانًا، كقول الله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور ٢٧]. وفي قراءة أخرى: تستأذنوا. ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات ٦] في قراءة: ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾؛ فتكون القراءة هذه مفسرة للقراءة الثانية. * الطالب: في رسم القرآن ﴿سُنَّتَ اللَّهِ﴾ [غافر ٨٥] ﴿سُنَّتَ﴾ التاء مفتوحة، وفي سورة الدخان تكون بهاء التأنيث، ما السبب في هذا؟ * الشيخ: أفهمتم سؤاله؟ يقول: ﴿سُنَّتَ﴾ التاء فيها مفتوحة، والقاعدة أنها مربوطة؛ لأنها لمفرد، فيقال: إن الرسم العثماني ليس على القواعد المعروفة الآن، بل هو توقيفي، وقد اختلف العلماء رحمهم الله هل يجب أن يُرسم القرآن بالرسم العثماني، أو لا يجب، أو يفصل بين أن يُلقَّن التلاميذ الصغار أو الكبار على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه لا يجوز أن يُرسم القرآن إلا بالرسم العثماني على كل حال حتى وإن كنت تعلمه الصبيان، فعلى الرسم العثماني، فتكتب: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء ١٠٣] تكتب (الصلوة) بالواو، حتى وإن كنت تدرس صبيًّا اتباعا للرسم. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة ٤٣] الصلاة بالواو و(الزكوة) بالواو؛ لأن هذا هو الرسم العثماني. وقال بعضهم: بل لا يجب؛ لأن الرسم العثماني حين رُسِم المصحف صادف أنه على هذا الوجه، ولو كان الرسم العثماني على غير هذه القاعدة لكُتِب بحسب القاعدة التي كانت في ذلك الوقت؛ فالمسألة ليست توقيفية لكن صادف أن الرسم في ذلك الوقت على هذا الوجه، فرُسِم القرآن عليه؛ وذلك لأن القرآن لم ينزل مكتوبًا حتى نقول: لا بد أن يكون كما كتب بل نزل مقروءًا، وقاعدة الرسم تختلف من حيث لآخر، وهذا القول له وجه قوي؛ لأنا نعلم عِلم اليقين أنه لو كانت قاعدة الرسم على غير هذا الوجه في ذلك العهد لكُتِب بمقتضى القاعدة المعروفة في ذلك العهد. والقول الثالث يقول: إن كان القرآن مكتوبًا للصبيان للتعلم فاكتبه على القاعدة المعروفة بينهم، وإن كان للكبار، يعني يكتب الإنسان مصحفًا فليكتبه على حسب الرسم العثماني، وهذا فيه جمع بين القولين؛ لأنك لو ترسم القرآن للصبي على حسب الرسم العثماني لَحَرَّفَه؛ لأن القواعد التي بين يديه تُخالف الرسم فيُحرِّفه، فيقرأ مثلًا: الزكاة - الزكوة، الصلاة - الصلوة، الربا - الربو، وهُلم جرًّا، واضح. فأنا أميل إلى أنه لا بأس أن يُكتب بمقتضى القاعدة الحاضرة بالنسبة للمتعلم لا شك في ذلك، بالنسبة لغيره فيه احتمال ولكن القول بالمنع فيه نظر. * * * * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت ١ - ٤]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. * من فوائد هذه الآية ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: بيان حِكمة الله عز وجل ورحمته، وذلك أنه جعل الآيات التي تأتي بها الرسل آيات بينات حتى لا يبقى حجة. * ومن فوائدها: أن الكفار يفخرون بما عندهم من العِلم، ولو كان باطلًا؛ لقوله: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر ٨٣]، وهذا الذي كان فيما سبق موجود الآن، فإن بعض أولئك القوم الذين آتاهم الله من علم الدنيا ما آتاهم تجدهم يفرحون بها، ويقولون: هي خير من عِلم أولئك المقوقعين على أنفسهم، ويعنون بهم علماء الشريعة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير البالغ من رد ما جاءت به الرسل؛ لقوله: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [غافر ٨٣]. ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٤] إلى آخره. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن أولئك القوم المكذبين للرسل إذا رأوا العذاب قالوا: آمنا، والمثال على ذلك فرعون لما أدركه الغرق قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس ٩٠]. * ومن فوائدها: أن هؤلاء الذين يؤمنون بعد أن نزل بهم العذاب لا يستفيدون من إيمانهم شيئًا؛ لقوله: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٥]. ومن فوائد الآية الكريمة: أن سُنَّة الله عز وجل في العباد واحدة، فإنه لا يُحابي أحدًا لغناه أو لفقره أو لغير ذلك، بل إن أكرم الخلق عند الله أتقاهم؛ لقوله: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير من تكذيب الرسل، وأن من كذَّب الرسل فإنه سينالهم ما نالهم من العذاب، أي: ما نال الأمم السابقة من العذاب. * ومن فوائدها أيضًا: ظهور الخسران لهؤلاء المكذبين قبل أن يموتوا؛ لقوله: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ﴾ أي: حين جاءهم البأس تبين لهم الخسران ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾. ثم قال تبارك وتعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إلى آخره، البسملة تقدم الكلام عليها كثيرًا، وبينا أنها آية من كتاب الله، ولكنها ليست آية تابعة للسورة التي بعدها ولا التي قبلها، بل هي آية يُؤتى بها لابتداء السور ما عدا سورة براءة. أما معناها فإن الإنسان يقول: أبتدئ بكل اسم من أسماء الله، وإنما جعلنا المعنى بكل اسم من أسماء الله؛ لأن (اسم) مفرد مضاف، والمفرد المضاف يفيد العموم، كل مفرد مضاف إلى معرفة فإنه يفيد العموم، ألم تروا إلى قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل ١٨] ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ لو نظرنا إلى لفظها لقلنا: إنها واحدة لكنها كثيرة لا تُحصى، فيكون هذا المفرد الذي أُضيف يكون للعموم، وهذه هي القاعدة: كل مفرد مضاف لمعرفة فإنه مفيد للعموم؛ ولهذا قلنا: بكل اسم من أسماء الله. و(الرحمن الرحيم) صفتان للفظ الجلالة، لكن الأولى رُوعِي فيها الوصف، والثانية رُوعِيَ فيها الفعل وهو إيصال الرحمة، أما مُتعلَّق هذا الجار والمجرور فإنه محذوف، ويُقدَّر مؤخرًا مناسبًا للمقام، فإذا كنت تريد أن تقرأ فقلت: بسم الله الرحمن الرحيم؛ قَدِّر أَقْرَأ، وإنما اختير ذلك؛ أي اختير أن يكون فعلًا؛ لأن الأصل في العمل الأفعال، ولهذا يعمل الفعل بلا شرط، والأسماء التي تعمل عمل الفعل لا بد لها من شروط كما هو معروف في علم النحو، وإنما اخترنا أن يكون متأخرًا لفائدتين: الفائدة الأولى: تيمنًا بذكر اسم الله. والفائدة الثانية: إرادة الحصر؛ لأنه إذا تأخر العامل كان ذلك حصرًا، فإذا قلت: زيدًا أَكْرِم، المعنى لا تُكْرِم غيره، لكن لو قلت: أكرم زيدًا، لم يمتنع عن تكريم غيره، إذن أخَّرناه لفائدتين: الفائدة الأولى: تيمنًا بذكر الله عز وجل، والثاني؟ * طالب: الحصر. * الشيخ: إفادة الحصر. وقدَّرناه مناسبًا؛ لأنه أبين المقصود، فلو قال قائل: باسم الله أبتدئ، قلنا: صحيح، لكن لا تبين المراد مثل ما تبينه: باسم الله أقرأ، وذلك لأن الابتداء يكون للقراءة ولغير القراءة؛ ولهذا اختير أن يكون مناسبًا للمقام، والخلاصة الآن أن متعلق الجار والمجرور هو محذوف، فعل، متأخر مناسب للمقام. قال الله تعالى: ﴿حم﴾ وقال المفسر: (الله أعلم بمراده به)، وهذا هو الأدب مع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أن الذي لا تعرف معناه قل: الله أعلم بمراده به؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء ٣٦]. ولكن قد يقول قائل: إننا نعلم أنه لا معنى لهذه الحروف الهجائية التي تُوجد في كثير من السور، نعلم ذلك بدلالة القرآن، فقد قال الله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٣ - ١٩٥]. واللسان العربي لا يكون التعبير بمثل هذه الحروف له معنى في حد ذاته، لو قلت: (أ، ب، ج، ح، خ) ما لها معنى، فإذا لم يكن لها معنى بمقتضى اللسان العربي قلنا: إن قوله: ﴿حم﴾ ﴿والم﴾ ﴿والر﴾ وما أشبهها ليس لها معنى في حد ذاتها. يرد على هذا إذا لم يكن لها معنى صارت لغوًا، وكلام الله تعالى لا لغو فيه، فيقال: إنها ليست لغوًا، وإنما المراد إقامة الْحُجَّة على أولئك المشركين حيث عجزوا عن الإتيان بمثل القرآن ولا بآية واحدة، عجزوا، مع أن هذا القرآن هل أتى بحروف لا يعرفونها حتى يعتذروا ويقولوا: إنه جاء بحروف ليست معروفة لنا؟ الجواب: لا، القرآن جاء بحروف يعرفونها. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: (ولذلك لا تكاد ترى سورة مبدوءة بهذه الحروف إلا وبعدها ذكر القرآن) وابدأ من أول البقرة إلى أن تأتي إلى آخر السور المبدوءة بهذه الحروف، تجد أن بعدها ذِكْر القرآن، إشارة إلى أن هذا القرآن الذي أعجزكم معشر العرب كان من هذه الحروف التي تكونون منها كلامكم، وهذا الذي ذهب إليه شيخ الإسلام رحمه الله واضح جدًّا، وأما القول بأنه ليس لها معنى فقد قاله مجاهد بن جبر أعلم التابعين بكتاب الله عز وجل. قال: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فصلت ٢، ٣] قال المؤلف رحمه الله المفسر: (﴿تَنْزِيلٌ﴾ مبتدأ ﴿كِتَابٌ﴾ خبره) ولو قيل بالعكس لكان أوضح، لو قيل: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؛ لأنه يُخبَر بالمعنى عن الذات، ولا يُخبَر بالذات عن المعنى، هذا الأصل، فتقول: زيد قائم، (قائم) خبر، ولا تقول: (زيد) خبر، لكن ما ذهب إليه المؤلف من الإعراب له وجه؛ يعني ليس باطلًا، لكن لو قيل إن: ﴿تَنْزِيلٌ﴾ هو الخبر مقدم و﴿كِتَابٌ﴾ مبتدأ مؤخر لكان أوضح وأبين. ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مَنْ يعني به؟ يعني به الرب عز وجل؛ أي: تنزيل من الله الرحمن الرحيم، لكنه أتى بهذين الاسمين الكريمين إشارةً إلى أن القرآن رحمة؛ لأن إنزاله من مقتضى رحمة الله عز وجل. أليس من الممكن أن يقال: تنزيل من الله؟ نعم، كما جاء في آية أخرى لكنه قال: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إشارة إلى أن هذا القرآن نَزَلَ بمقتضى رحمة الله عز وجل، وأن الله رَحِمَ به العباد. و(الرحمن الرحيم) اسمان من أسماء الله، من أشرف أسماء الله عز وجل، ويأتيان مقترنين، ويأتيان منفصلين بعضهما عن بعض، فإن انفصلا فكل واحد متضمن معنى الآخر، فقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه ٥] هذا منفرد عن (الرحيم)، فيتضمن الصفة والفعل، أي أن الله تعالى موصوف بالرحمة الواسعة، وهو سبحانه وتعالى يرحم بهذه الرحمة من شاء من عباده. وفي قوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أيضًا نقول: ﴿الرَّحِيمُ﴾ هنا تشمل الوصف والفعل؛ لأنها انفردت عن الرحمن، أما إذا اجتمع (الرحمن) و(الرحيم) كانت (الرحمن) للصفة و(الرحيم) للفعل؛ ولهذا جاءت (الرحمن) على وزن (فَعْلَان)، وهذا الوزن في اللغة العربية يقتضي الامتلاء..

غافر 40:83

ثم قال: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً﴾ [غافر ٨٢] إلى آخره. ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ هذا الاستفهام يحتمل أن يكون للحثِّ، وعليه فيكون بمعنى الأمر؛ أي: سيروا في الأرض. ويؤيِّد هذا قول الله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام ١١]، ويحتمل أن يكون للتوبيخ؛ أي: توبيخ هؤلاء على عدم السير في الأرض. والسير هنا يشمل السير بالقَدَم والسير بالقلب؛ أمَّا السير بالقلب فمرجعه إلى الأخبار الصادقة؛ بحيث يقرأ الإنسان عن الأُمَم السابقة، ولا شيء أصحُّ من كتاب الله عز وجل في الحديث عن الأُمَم السابقة؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم ٩] فلا شيء أصحُّ في الأخبار مما جاء به الكتاب العزيز وصحَّت به السُّنة، هذا نقول: سيرٌ بالقلب. السير بالقَدَم أن يمشي الإنسان لينظر ما صنع الله تعالى بالمكذِّبين؛ مثال ذلك أن يسير الإنسان إلى ديار ثمود لينظر ماذا صنع الله بهم، ولكن -كما قال النبي عليه الصلاة والسلام- لا يجوز أن يدخلها إلَّا وهو باكٍ خوفَ أن يُصيبه ما أصاب هؤلاء المكذبين[[أخرج البخاري (٤٣٣)، ومسلم (٢٩٨٠ / ٣٨) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ لأصحاب الحِجْر: «لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذَّبين إلا أن تكونوا باكينَ، فإنْ لم تكونوا باكينَ فلا تدخلوا عليهم؛ أنْ يُصيبَكم مثلُ ما أصابهم».]]، وأمَّا مَن ذهب إليها للتنَزُّه والفُرجة فإنَّ ذلك لا يجوز كما يصنع كثيرٌ من الناس اليوم؛ يذهبون إليها لا على سبيل العِظة والاعتبار، ولا أن يدخلوها وهُم باكون، بل على سبيل الاطِّلاع فقط على آثار السابقين وعلى سبيل النُّزهة، وهذا حرامٌ ولا يحلُّ. وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾ إعراب الجملتين أن نقول: إنَّ (لم) حرف نفيٍ وجَزْمٍ وقلبٍ؛ حرف نفيٍ لأنها تنفي، جَزْم لأنها تجزم، قلب لأنها تحوِّل المضارع إلى الماضي. والفاء في قوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ عاطفةٌ لا شك، لكن هل هي عاطفةٌ على مقدَّرٍ محذوفٍ أو عاطفةٌ على ما قبلها من الجُمَل، في ذلك قولان: القول الأول: أنها عاطفةٌ على محذوفٍ مقدَّرٍ بعد الهمزة، ويُقَدَّر بما يناسب المقام، وعلى هذا فترتيبها بعد الهمزة ترتيبٌ طبيعي. والثاني: أنها عاطفةٌ على الجملة السابقة، وبناءً على ذلك تكون الفاء هنا مزحلقةً عن موضعها؛ إذْ إنَّ موضعها يكون قبل الهمزة. والقولان معروفان لأهل العلم بالنحو. على التقدير الأول أنها عاطفةٌ على مقدَّر بعد الهمزة يكون المعنى: أَغَفَلوا فلمْ يسيروا في الأرض. وقوله: ﴿فَيَنْظُرُوا﴾ الفاء عاطفةٌ على أيش؟ * طالب: على ﴿يَسِيرُوا﴾. * الشيخ: على ﴿يَسِيرُوا﴾، وعلى هذا يكون المعنى: أفلمْ يسيروا فلمْ ينظروا. ويحتمل أن تكون منصوبةً بعد فاء السببية؛ أي: انتفَى سيرُهم فينظروا، كما تقول: لم تَزُرني فأُكرمَك، وما أشبه ذلك من الكلام. وقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [غافر ٨٢]، ﴿كَيْفَ﴾ هذه اسم استفهام، وهي في محلِّ نصبٍ خبرُ (كان) مقدَّم، و﴿عَاقِبَةُ﴾ اسمها. ﴿عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ فما هي العاقبة؟ العاقبةُ ذكرها الله تعالى في سورة القتال في قوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد ١٠]، هذا هو فائدة النظر أنَّ هؤلاء القوم المكذِّبين كانوا أشدَّ من هؤلاء قوَّةً ومع ذلك دمَّرهم الله عز وجل. ﴿كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ﴾ أي: في العدد، ﴿وَأَشَدَّ قُوَّةً﴾ أي: في الكيفية، فصاروا متميِّزين عنهم في العدد والكيفية، (﴿وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ من مصانع وقصور)، ﴿فَمَا﴾.. على التقدير الأول أنها عاطفة على مُقدَّر بعد الهمزة يكون المعنى: أَغَفلوا فلم يسيروا في الأرض؟ وقوله: ﴿فَيَنْظُرُوا﴾ الفاء عاطفة على ﴿يَسِيرُوا﴾، وعلى هذا يكون المعنى: أفلم يسيروا فلم ينظروا، ويحتمل أن تكون منصوبة بعد فاء السببية، أي: انتفى سيرهم فينظروا، كما تقول: لم تزرني فأكرمك، وما أشبه ذلك من الكلام. وقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [غافر ٢١] ﴿كَيْفَ﴾ هذه اسم استفهام، وهي في محل نصب خبر ﴿كَانَ﴾ مُقدمًا، و﴿عَاقِبَةُ﴾ اسمها، ﴿عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ فما هي العاقبة؟ العاقبة ذكرها الله تعالى في سورة القتال في قوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد ١٠]، هذا هو فائدة النظر أن هؤلاء القوم المكذبين كانوا أشد من هؤلاء قوة، ومع ذلك دمرهم الله عز وجل، كانوا أكثر منهم؛ أي في العدد، وأشد قوة؛ أي في الكيفية، فصاروا متميزين عنهم في العدد والكيفية ﴿وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ [غافر ٢١] من مصانع وقصور. ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [غافر ٨٢] ﴿مَا﴾ نافية، و﴿أَغْنَى﴾ فعل ماضٍ، و﴿مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: ﴿مَا﴾، اسم موصول فاعل، و﴿كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ صلة الموصول، ويحتمل أن تكون ﴿مَا﴾ استفهامية، والمعنى: فما الذي أغنى عنهم ما كسبوا؟ والاستفهامية أبلغ؛ لأنها تتضمن النفي مع التحدي، أي: أي شيء أغنى عنهم كسبهم حين دمرهم الله؟ كذا؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: ماذا قلت في ﴿مَا﴾؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ما قلت: نعم نعم؟! طيب، هذا جارك عن اليمين ماذا تقول؟ * طالب: موصولة.. * الشيخ: لا، ما قلنا هذا، هذا ما قلته. * طالب: أن تكون ﴿مَا﴾ نافية. * الشيخ: نعم، أحسنت، بارك الله فيك، إن كانت نافية فالمعنى: ما أغنى عنهم كسبهم شيئًا، وإن كانت استفهامية فالتقدير: ما الذي أغنى عنهم ما كانوا يكسبون، ونظير ذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء ٢٠٥ ٢٠٧] أي: أي شيء أغنى عنهم، أو أن المعنى نفي الإغناء. * الطالب: من ذهب إلى ديار ثمود للعبرة ولكنه ما استطاع أن يبكي فهل يتباكى؟ * الشيخ: لا أعرف في الحديث: «إِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا»[[أخرجه ابن ماجه (١٣٣٧) من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه. ]] ، قال: «لَا تَدْخُلُوهَا إِلَّا وَأَنْتُمْ بَاكُونَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٣)، ومسلم (٢٩٨٠/٣٨) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، ولفظه: قال رسول الله ﷺ لأصحاب الحجر: «لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذَّبين، إلا أن تكونوا باكينَ، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم؛ أن يُصيبكم مثلُ ما أصابهم». ]] . ورسول الله ﷺ لما مر بها قنَّع رأسه؛ يعني غطاه وخفضه وأسرع. * الطالب: إذا نقول: ابكِ أو ارجع؟ * الشيخ: نعم، نقول: إما أن تبكي وإما أن ترجع، فإن لم تبكِ وأنت مررت بالبلد فعجِّل وقنِّع رأسك كما فعل الرسول عليه الصلاة والسلام. * الطالب: شيخ، بهذا نقول بعدم جواز من يصور هذه الصور، ويريها للناس، ينشرها؟ * الشيخ: إي نعم، الظاهر أنه للمنع أقرب، وذلك لأنه إنما يريهم إياها لبيان قوة القوم لا لبيان أن الله أهلكهم مع قوتهم، هذا هو الظاهر من هؤلاء المصوِّرين. * الطالب: هل يشمل هذا كل الآثار القديمة أم فقط الذين عُذِّبوا؟ * الشيخ: نحن قرأنا آية تدل على المراد: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾. * الطالب: قلنا: إذا كان للإنسان بقرة يجوز أن يركبها وفي الحديث: «إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهَذَا»[[أخرج البخاري (٢٣٢٤) بسنده عن حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «بينما رجل راكب على بقرة التفتت إليه، فقالت: لم أخلق لهذا، خلقت للحراثة...» الحديث. ]] ..؟ * الشيخ: هذا الجمع بينهما أن هذه البقرة كُلِّفت ما لا تطيق، أو كان يشق عليها أن تُركب؛ لأن بعض الحيوانات الذي لم يعتد أن يركب يشق عليه هذا حتى وإن كان يستطيع أن يحمله. * الطالب: بعض الناس يستخدمون هذه الأنعام في السحر (...) وما أشبه ذلك؟ * الشيخ: ما فيها شك، استعمال هذه الحيوانات فيما هو محرم قصدًا أو ذاتًا هذا لا يجوز، حتى لو ركب هذه الأنعام ليصل إلى بلد يفعل فيه الفواحش أو يلعب فيه القمار فإن هذا حرام. * الطالب: بعض القوم السابقين دمرهم الله سبحانه وتعالى خارج ديارهم مثل الفراعنة، هل نقول: لا ندخل آثارهم كما نقيس على ديار ثمود؟ * الشيخ: لا، وعلى هذا نقول: لنا أن ندخل المكان الذي أغرق فيه فرعون، ولنا أن ندخل مصر أيضًا؛ لأنه لم يهلك فرعون في مصر. * * * * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر ٨٢ - ٨٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ذكرنا في هذا التركيب ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ وما أشبهها إعرابين؟ * الطالب: الإعراب الأول: أن نقول: إن الهمزة هنا همزة استفهام، وبعدها جملة مقدرة، فتكون هنا من باب عطف الجمل على الجمل المقدَّرة، ويكون التقدير على حسب السياق. * الشيخ: يُقدَّر المحذوف بحسبه. * الطالب: وهنا تقديره: أَفَغَفلوا فلم يسيروا؟ * الشيخ: الوجه الثاني؟ * الطالب: الوجه الثاني: الفاء مؤخرة عن موضعها، والأصل فألم يسيروا، وتكون عاطفة على ما سبق. * الشيخ: وتكون الجملة معطوفة على ما سبق. الثاني أسهل؛ لأن الأول قد يتعذر أو يتعسر تقدير المحذوف، فأما هذه فهي سهلة ليس فيها سوى مجرد زحلقة الفاء عن موضعها. وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: على الأرض؛ لأن ﴿فِي﴾ للظرفية، ولو جعلنا ﴿فِي﴾ للظرفية في هذا السياق لكان معنى الآية: أن يدخلوا في جوف الأرض، وهذا غير مراد قطعًا، فتكون ﴿فِي﴾ بمعنى (على) كقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك ١٦] أي من على السماء، وليس المراد أن الله في جوف السماء؛ لأن ذلك مستحيل، وقد وسع كرسيه السماوات والأرض. وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يشمل السير بالقدم والسير بالقلب، أما السير بالقدم فمعروف، وأما السير بالقلب فمعناه أن يتفكر الإنسان فيما مضى من تاريخ الأمم، وأصح مرجع نرجع إليه فيما مضى من سِيَر الأمم هو القرآن الكريم. وقوله: ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ هذه معطوفة على (يسيروا)؛ يعني أن الله وبَّخهم على أمرين: عدم السير، وعدم النظر، فهم لم يسيروا ولم ينظروا ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، والنظر هنا هل هو نظر البصيرة أو البصر؟ إن قلنا: إن قوله: ﴿يَسِيرُوا﴾ سير القدم فالنظر نظر البصر، وإن قلنا: يسيروا سير القلب فالنظر نظر البصيرة. ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أعربنا ﴿كَيْفَ﴾ على أنها خبر مقدم لـ﴿كَانَ﴾، وهنا يتعين التقديم؛ لأن ﴿كَيْفَ﴾ اسم استفهام، والاستفهام له الصدارة، فعليه تكون خبرًا مقدمًا لـ﴿كَانَ﴾، و﴿عَاقِبَةُ﴾ اسمها ﴿عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني من الأمم. فما هي العاقبة؟ العاقبة أشار الله إليها في سورة القتال في قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾. ثم شرح الله حال أولئك السابقين فقال: ﴿كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ [غافر ٨٢] أكثر منهم عددًا، وكثرة العدد تُوجب القوة في الكمية، وأشد منهم قوة هي القوة بالكيفية، ثم قال: ﴿وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ يعني من العمران والقصور وغيرها، ومع ذلك لم تنفعهم هذه الكثرة ولا هذه القوة؛ يقول: (من مصانع وقصور) هذه تفسير لقوله: ﴿وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾. ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿مَا أَغْنَى﴾: (ما) يحتمل أن تكون نافية، أي: فلم يُغنِ عنهم ما كسبوا، ويحتمل أن تكون استفهامية، والمعنى: فما الذي أغنى عنهم؟ والاستفهام هنا أشد وقعًا؛ لأنه مُشرَب بالتحدي، أي شيء أغنى عنهم؟ الجواب: لا شيء ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي ما كانوا يكسبون من القوة والآثار في الأرض وغير ذلك؛ لأن الله تعالى دمرهم ودمر قوتهم. ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ هذا الذي أتى بعد ذكر تدميرهم هو في الحقيقة عود إلى شرح ما حصل، فإن الله أرسل إليهم الرسل بالبينات الواضحة، وأنزل الكتب، ولكن لما جاءتهم رسلهم بالبينات قال المؤلف: (المعجزات الظاهرات)، والصواب أن يقول: الآيات البينات، هو رحمه الله جعل البينات بمعنى الظاهرات، وهذا حق، وجعل (البينات) صفة لموصوف محذوف تقديره: المعجزات، وهذا فيه نظر، بل يُقدَّر الآيات، وذلك لأن المعجزات لم ترد في الكتاب والسنة محل الآيات أبدًا، وأيضًا المعجزات تكون من الرسل ومن غير الرسل، فالسحرة مثلًا تأتي لهم الشياطين بالمعجزات، لكن الآيات -يعني العلامات الدالة على صدقهم- هذه أبلغ؛ ولهذا إذا وجدتم في الكتب، وما أكثر ما تجدون المعجزات، أو معجزة الأنبياء، أو ما أشبه ذلك فاضربوا عنها صفحًا، وقولوا بدلها الآيات كما قال الله عز وجل الآيات، والآيات -كما قلت لكم- أدق من كلمة المعجزات؛ لأن المعجزات يدخل فيها ما يُعجِز البشر مما تصنعه الشياطين مع السحرة وغيرهم. (﴿فَرِحُوا﴾ أي الكفار ﴿بِمَا عِنْدَهُمْ﴾ أي: الرسل ﴿مِنَ الْعِلْمِ﴾ فرح استهزاء وضحك منكرين له) ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا﴾ الواو فاعل، فمن الفارح؟ يقول: (أي الكفار)، وهذا صحيح، فرح الكفار بما عندهم من العلم، وقوله: ﴿بِمَا عِنْدَهُمْ﴾ الضمير يعود على الرسل على حد تفسير المؤلف، بما عند الرسل من العلم، أي: بما جاؤوا به من البينات؛ لكن هل هذا الفرح فرح استبشار أو فرح استهزاء؟ يقول المؤلف: إنه فرح استهزاء وضحك وسخرية. ولكن هذا التفسير إذا تأملته وجدته تحريفًا وليس تفسيرًا؛ لما فيه من البُعد المعنوي واللفظي، أما البعد اللفظي فلأن فيه تشتيت الضمائر؛ لأن قوله: ﴿فَرِحُوا﴾ الواو للكفار ﴿بِمَا عِنْدَهُمْ﴾ الهاء للرسل، هذا تشتيت للضمائر؛ والهاء في قوله: ﴿بِمَا عِنْدَهُمْ﴾ إذا جعلنا الكلام نسقًا واحدًا لا شك أنها تعود على الكفار، أي بما عند الكفار من العلم. وأما المعنوي فلأن الفرح في الأصل استبشار، فإذا صرفناه عن معناه الظاهر إلى أن يكون فرح استهزاء كان هذا إخراجًا للمعنى عما يدل عليه ظاهر اللفظ، والحاصل أن هذا التفسير الذي ذكره المؤلف تفسير ضعيف جدًّا بل هو تحريف؛ والصواب أن المعنى: فرح الكفار بما عندهم -أي بما عند الكفار من العِلم- وقالوا: نحن أعلم بما يصلحنا، وما يصلح دنيانا وديننا الذي نحن عليه، فأنتم أيها الرسل سحرة مجانين كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات ٥٢]، وإذا كانوا يعتقدون بقلوبهم أو يقولون بألسنتهم ما لا يعتقدون من أن الرسل سحرة مجانين فإنهم لا شك سيجعلون ما عندهم من العلم هو العلم الحقيقي فيفرحون به. وعلى هذا فنقول: الفرح هنا فرح بطر واستبشار فيما يظنون، أنهم على علم أعلى من علم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر ٨٣]، ويعجب الإنسان أحيانًا فيما يذهب إليه بعض العلماء من تفسير الآيات أو الأحاديث. الآن لو قرأت هذه الآية على إنسان عامي: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ فعلى أي شيء يتنزل الضمير في قوله: ﴿بِمَا عِنْدَهُمْ﴾ عند هذا العامي؟ على الكفار، فرحوا بما عندهم، والإنسان يفرح بما عنده لا بما عند غيره. ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [غافر ٨٣] ﴿حَاقَ﴾ يقول: (نزل) لكنها أعنى ﴿حَاقَ﴾ ليست كـ(نزل) من كل وجه؛ لأن (نزل) تكون بالخير وبالشر ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء ١٩٣، ١٩٤] هذا خير ولا شر؟ خير، لكن (حاق) لا تأتي إلا بالشر، فلا يقال: حاق به القرآن، أو حاق عليه القرآن كما يقال: نزل عليه، فحاق هنا بمعنى نزل لكنها لا تستعمل إلا في نزول الشر، وهو شر بالنسبة لمن نزل به، وقد يكون خيرًا بالنسبة لغيره. ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [غافر ٨٣] ﴿مَا﴾: فاعل ﴿حَاقَ﴾، ﴿كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: يعني فيما سبق؛ أي أنهم لما جاءهم بأس الله عز وجل ونزل بهم ﴿حَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ فيما سبق، حيث كانوا يستهزئون بالرسل، وبما جاؤوا به وبالشرائع، بل ربما يستهزئون بالله عز وجل، انظر إلى قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة ٦٥] يتبين لك أن الكفار يستهزئون بالله، ويستهزئون بآيات الله، ويستهزئون بالرسل. (﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي العذاب) يعني حاق بهم العذاب الذي كانوا يستهزئون به حين توعدتهم الرسل به، فجعلوا يستهزئون أيش العذاب اللي تقولون؟ أين هو؟ يستفهمون استهزاء. ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٤] أي شدة عذابنا، ﴿رَأَوْا﴾: بمعنى بأبصارهم، يعني رأوه رؤيا العين، والبأس: أشد العذاب. ﴿قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر ٨٤] ﴿قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ أي دون شركائنا، ودون ما كنا نعبده، وهذا غاية الإخلاص، ثم أكدوا هذا بقولهم: ﴿وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ ﴿بِمَا﴾: الباء حرف جر متعلقة بـ﴿كَفَرْنَا﴾، و﴿بِهِ﴾: يحتمل أن تكون للسببية؛ أي بما كنا بسببه مشركين، وأن تكون متعلقة بـ﴿مُشْرِكِينَ﴾ تعلق الجار بعامله؛ المعنى: أنهم لما رأوا عذاب الله آمنوا، ولكن هل ينفعهم هذا الإيمان؟ لا. إن فرعون لما غرق وأدركه الغرق، ماذا قال؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾. * الشيخ: صح، قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس ٩٠] ولكن ماذا قيل له؟ قيل له: ﴿آلْآنَ﴾ يعني أتؤمن الآن ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس ٩١] فلم ينفعه إيمانه. وقال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ [النساء ١٨]، هذا لا تنفعه التوبة؛ لأنه رأى وشاهد، شاهد ما كان غيبًا يكفر به، والإيمان عن مشاهدة لا يفيد؛ لأن كل إنسان يؤمن بما يُشاهد ولو كان أكفر الناس، وإنما الذي يُحمد عليه الإنسان وينجيه من عذاب الله أن يؤمن بالغيب كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة ٣]. ﴿قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر ٨٤]، قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٥] ﴿لَمْ يَكُ﴾: أصلها (لم يكن)، لكن حُذِفت النون تخفيفًا، وقد جاء الحذف والإبقاء في آيتين من كتاب الله، فقال تعالى في إبراهيم: ﴿وَلَمْ يَكُن مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، وقال: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل ١٢٠] وهي جملة واحدة حُذفت فيها النون وأُبقيت، وهذا الحذف تخفيف، وله شروط معروفة في كتب النحو. ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٥] (إيمانُ) هل تعربونها على أنها اسم (يكن) مؤخرًا أو على أنها فاعل ينفع واسمها مستتر؟ الثاني، والتقدير على هذا: فلم يك إيمانهم ينفعهم، أما على الأول فيكون: فلم يك ينفعهم إيمانهم فيكون اسمها ضمير الشأن، اسم يكن محذوفًا ضمير الشأن. وقوله: ﴿لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ ﴿لَمَّا﴾: هنا ظرف بمعنى (حين)، واعلم أن (لَمَّا) تأتي في اللغة العربية على أوجه: الأول: أن تكون ظرفًا بمعنى (حين) كما في هذه الآية، فإن معنى: ﴿لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ أي حين رأوا بأسنا. وتأتي جازمة، مثل قوله تعالى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص ٨]. وتأتي شرطية كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة ٨٩]. وتأتي بمعنى (إلا) كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤] وكذلك قوله: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس ٣٢]. فهذه أربعة معانٍ في (لَمَّا)، المعنى الأول؟ بمعنى (حين) كما في هذه الآية: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٥] أي حين رأوا بأسنا، الثاني: بمعنى إلا مثل؟ * طالب: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾. * الشيخ: آية أخرى؟ * طالب: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾. * الشيخ: شرطية مثل؟ * طالب: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [غافر ٨٤]. * الشيخ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾. صح، وكذلك: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾. تأتي جازمة، مثاله؟ ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ وهي للنفي أيضًا، جازمة ونافية؛ لكن الفرق بينها وبين (لم) أن (لَمَّا) تفيد قرب مدخولها ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ ولكن سيذوقونه قريبًا، بخلاف (لم) فتأتي للنفي المطلق. ﴿لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ قال الله تعالى: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ [غافر ٨٥] ﴿سُنَّتَ﴾ يقول المفسر: (نَصْبُه على المصدر بفعل مقدر من لفظه) (سُنَّة) بمعنى طريقة، أي: هذه طريقة الله. و﴿سُنَّتَ﴾ في مثل هذا التركيب يجوز أن تكون مرفوعة أي سُنَّة الله على أنها خبر مبتدأ محذوف، أي: هذه سُنَّة الله؛ ويجوز أن تكون منصوبة، والمؤلف يقول: (إنها منصوبة بفعل مُقدَّر من لفظه) أي: سَنَّ الله بهم سُنَّته. ﴿سُنَّتَ اللَّهِ﴾ ويجوز أن تكون مصدرًا عامله محذوف لكنه مُقدَّر من الجملة التي قبلها؛ لأن هذه العبارة بمعنى ما قبلها تمامًا؛ يعني ﴿سُنَّتَ اللَّهِ﴾ بمعنى ما قبلها وهي أخذ المكذبين بالعذاب، فتكون منصوبة بمضمون الجملة لا بفعل مُقدَّر، وما ذكره المؤلف رحمه الله وجه لا شك فيه، والمهم أن السُّنَّة بمعنى الطريقة. فما طريقة الله؟ طريقة الله تعالى إهلاك المكذبين وتعذيبهم، وأنهم لو آمنوا بعد نزول العذاب لم ينفعهم. (﴿الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ [الفتح ٢٣] في الأمم أن لا ينفعهم الإيمان وقت نزول العذاب) هذه واحدة، والثانية أن يُعذِّب المكذبين، فالسُّنَّة التي استفدناها من هذه الآية شيئان؛ أولًا: إهلاك المكذبين، والثاني: أنه لا ينفعهم إيمانهم إذا رأوا العذاب. قال: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر ٨٥] ﴿خَسِرَ﴾ فسرها المؤلف بمعنى: (تبين خسرانهم لكل أحد وهم خاسرون في كل وقت قبل ذلك) ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ معلوم أن (هنالك) ظرف مكان أو زمان؟ مكان، هذا هو الأصل، فهي اسم إشارة إلى المكان، وقد تُستعار إشارة للزمان، فتقول: هنالك أي في ذلك الوقت، ومنه هذه الآية، الآن إذا قلت: فلان هناك، هذا ظرف مكان، وهذا هو الأصل، ولو قلت مثلًا: قدم فلان هناك، تشير إلى الوقت صارت إشارة للزمان لكن هذا خلاف الأصل. بقي علينا أن يقال: خسر في ذلك الوقت الكافرون، أليس الكافرون خاسرين في كل وقت؟ بلى، لكن تبين خسرانهم وظهر؛ لأنهم كانوا قبل أن ينزل عليهم العذاب يظنون أنهم رابحون؛ ولهذا فرحوا بما عندهم من العلم، لكن إذا نزل بهم العذاب ظهر لهم الخسران. * من فوائد هذه الآيات: الحث على النظر في أحوال الأمم السابقة، تؤخذ من: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [غافر ٨٢] وجه الدلالة: أن الله وبَّخَهم على عدم السير. * ومن فوائدها أيضًا: أن السير في الأرض بالقدم إذا لم يصحبه النظر والاعتبار فإنه لا ينفع؛ لقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ ﴿فَيَنْظُرُوا﴾. * يتفرع على هذا: ما يفعله كثير من الناس اليوم من السير إلى ديار ثمود، حيث يسيرون بأبدانهم لكن لا يسيرون بقلوبهم ولا يعتبرون، بل يذهبون إلى هنالك للاطلاع على مآثر القوم بل على آثار القوم الدالة على قوتهم، وهذا لا يجوز، الواجب على من سار إلى تلك الديار أن يدخلها وهو باكٍ؛ لقول النبي ﷺ: «فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوهَا». ولا ينفع التباكي؛ لقوله: «فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوهَا» »[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٣)، ومسلم (٢٩٨٠/٣٨) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، ولفظه: قال رسول الله ﷺ. ]] . ولم يقل: فتباكوا، إذن من لم يُوطِّن نفسه على هذا الوصف الذي رخص فيه النبي ﷺ في الدخول في ديار ثمود فإنه لا يجوز أن يدخل، وغالب الناس الذين يذهبون الآن إنما يذهبون للفرجة والنزهة فقط، وهذا حرام. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من الأمم من هو أشد قوة وآثارًا مما كانت عليه قريش؛ لقوله: ﴿كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ [غافر ٨٢]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى لا يُعجِزه قوة العدو ولا كثرة العدو، فإن الله تعالى أهلكهم مع كثرتهم وقوتهم. وهل الله عز وجل إذا أراد إهلاكهم يكون إهلاكهم ممتدًّا لمدة من الزمن حتى يقضي عليهم؟ لا، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر ٣١] ﴿الْمُحْتَظِرِ﴾ يعني الذي أحاط أرضه بحِظار، والحِظَار -كما تعرفون- مركب من أعواد خفيفة أو من سعف النخل، وتأكله الشمس والهواء بسرعة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن قوة الإنسان، وكثرة عدده لا تغني عنه شيئًا من عذاب الله؛ لقوله الله تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الحجر ٨٤]. * ومن فوائد هذه الآيات: أن الله سبحانه وتعالى أرسل الرسل بالآيات البينات الدلالة على صدقه. * ويتفرع على هذا فائدتان أو أكثر، وهما: رحمة الله بالعباد، وحكمة الله تعالى في فعله. أما رحمة الله بالعباد، فلأن الله تعالى لو أرسل إليهم رسلًا بدون آيات لكان في ذلك تكليف بما لا يُطاق؛ لأن الإنسان لا يُمكن أن يُصدِّق برسول بدون آيات تدل على صدقه، وإلا لأمكن كل كاذب أن يقول: إنه رسول. وأما الحكمة فظاهر أن الله سبحانه وتعالى لما أرسل الرسل لم يتركهم هملًا بل أعطاهم ما على مِثلِه يؤمن البشر، كما أخبر بذلك نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَنَّ اللَّهَ مَا بَعَثَ رَسُولًا إِلَّا آتَاهُ مَا يُؤْمِنُ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ». » والذي أُوتيه الرسول عليه الصلاة والسلام هو الوحي القرآن؛ ولهذا قال: «فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٧٤)، ومسلم (١٥٢/٢٣٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظه: «ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحى الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة». ]] ؛ لأن القرآن آية باقية إلى يوم القيامة، أو إلى أن يأذن الله تعالى بفساد العالم، أما آيات الرسل فغالبها تنقضي في زمانها، لكن آية الرسول باقية. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن آيات الرسل بينة لا تحتمل الشك؛ لقوله: (بينات). * ويتفرع على ذلك: أنه ينبغي للعالم الذي ينشر شريعة الله عز وجل إذا نشرها بين الناس أن يكون نشره إياها على وجه بين لا اشتباه فيه، لماذا؟ أولًا: اقتداءً بالرسل. وثانيًا: ليزداد المخاطب طمأنينة؛ لأن الطمأنينة لها أثر في قبول ما يُلقى، وفي القيام به، فإن الإنسان إذا لم يُبيَّن له الحق على وجه تحصل به الطمأنينة تجده يمشي أو يأخذ بالحق وهو متردد، لكن إذا زِيد طمأنينة؛ انتفع بذلك، أليس كذلك يا أخ؟ ماذا قلت؟ * طالب: النبي لا بد أن يكون له أتباع؟ * الشيخ: النبي؟ لا، ما قلت. هل أنا قلت هذا؟ * طلبة: لا. * الشيخ: الرسول قال: «وَالنَّبِيُّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ». * الطالب: شيخ، بارك الله فيكم، قلنا: إن الهلاك يكون مرة واحدة، أليس هذا باختلاف الأمم، ففي عاد الله سبحانه وتعالى أرسل عليهم ريحًا صرصرا في أيام نحسات، أم أنهم أرسل عليهم الريح فأهلكتهم، ثم استمرت عليهم؟ * الشيخ: لا، عاد، الله سبحانه وتعالى أمَدَّ لهم في العذاب؛ لأنهم يقولون: مَنْ أشدُّ منا قوة؟ فأرسل الله عليهم الريح التي هي أخف وألطف ما يكون فأهلكتهم. * الطالب: شيئًا فشيئًا؟ * الشيخ: قال: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة ٧] في هذه المدة، قد يكون بعضهم هلك في أول يوم، بعضهم في ثاني يوم، تبعًا لما يكون من الملاجئ أو غيرها. * الطالب: هذا مستثنى من العقوبة؟ * الشيخ: لا؛ لأنه أرسل عليهم العقوبة على هذا الشكل. * الطالب: لكن الفائدة لاحظناها أو لا؟ * الشيخ: لا (...)؛ لأن هذا هو الأصل، ويقال: إن هذه وإن امتدت فهي من حين ابتدأ العذاب هلك من هلك. * الطالب: ما ورد عن الإمام (...) قال: (...) هل يقال: إنه كان عندهم آلات يصنعون بها هذه الأشياء؟ الآن مع وجود هذه الآلات ما يمكن للإنسان.. * الشيخ: هو يحتمل الآلات، أو يحتمل أنه لكثرتهم كل واحد مسك عملًا ويقوم به، وتعرف أن الإنسان إذا اعتاد على عمل معين ولو كان شاقًّا صار سهلًا عليه. * الطالب: في آخر السورة قال: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر ٨٥] يجوز تغيير يعني (...)؟ * الشيخ: الفائدة من هذا أن بيان أن كل كافر فهو مُبطِل، ليس معه حق، وكل مبطل لا يقول إلا الباطل فهو كافر، يعني المبطل في كل أحواله هذا كافر؛ يعني ليس معه شيء من الحق، والكافر مُبطِل ليس معه شيء من الحق أيضًا، فاختلاف التعبير لزيادة المعنى. كما يكون أيضًا في اختلاف القراءات أحيانًا، كقول الله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور ٢٧]. وفي قراءة أخرى: تستأذنوا. ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات ٦] في قراءة: ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾؛ فتكون القراءة هذه مفسرة للقراءة الثانية. * الطالب: في رسم القرآن ﴿سُنَّتَ اللَّهِ﴾ [غافر ٨٥] ﴿سُنَّتَ﴾ التاء مفتوحة، وفي سورة الدخان تكون بهاء التأنيث، ما السبب في هذا؟ * الشيخ: أفهمتم سؤاله؟ يقول: ﴿سُنَّتَ﴾ التاء فيها مفتوحة، والقاعدة أنها مربوطة؛ لأنها لمفرد، فيقال: إن الرسم العثماني ليس على القواعد المعروفة الآن، بل هو توقيفي، وقد اختلف العلماء رحمهم الله هل يجب أن يُرسم القرآن بالرسم العثماني، أو لا يجب، أو يفصل بين أن يُلقَّن التلاميذ الصغار أو الكبار على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه لا يجوز أن يُرسم القرآن إلا بالرسم العثماني على كل حال حتى وإن كنت تعلمه الصبيان، فعلى الرسم العثماني، فتكتب: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء ١٠٣] تكتب (الصلوة) بالواو، حتى وإن كنت تدرس صبيًّا اتباعا للرسم. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة ٤٣] الصلاة بالواو و(الزكوة) بالواو؛ لأن هذا هو الرسم العثماني. وقال بعضهم: بل لا يجب؛ لأن الرسم العثماني حين رُسِم المصحف صادف أنه على هذا الوجه، ولو كان الرسم العثماني على غير هذه القاعدة لكُتِب بحسب القاعدة التي كانت في ذلك الوقت؛ فالمسألة ليست توقيفية لكن صادف أن الرسم في ذلك الوقت على هذا الوجه، فرُسِم القرآن عليه؛ وذلك لأن القرآن لم ينزل مكتوبًا حتى نقول: لا بد أن يكون كما كتب بل نزل مقروءًا، وقاعدة الرسم تختلف من حيث لآخر، وهذا القول له وجه قوي؛ لأنا نعلم عِلم اليقين أنه لو كانت قاعدة الرسم على غير هذا الوجه في ذلك العهد لكُتِب بمقتضى القاعدة المعروفة في ذلك العهد. والقول الثالث يقول: إن كان القرآن مكتوبًا للصبيان للتعلم فاكتبه على القاعدة المعروفة بينهم، وإن كان للكبار، يعني يكتب الإنسان مصحفًا فليكتبه على حسب الرسم العثماني، وهذا فيه جمع بين القولين؛ لأنك لو ترسم القرآن للصبي على حسب الرسم العثماني لَحَرَّفَه؛ لأن القواعد التي بين يديه تُخالف الرسم فيُحرِّفه، فيقرأ مثلًا: الزكاة - الزكوة، الصلاة - الصلوة، الربا - الربو، وهُلم جرًّا، واضح. فأنا أميل إلى أنه لا بأس أن يُكتب بمقتضى القاعدة الحاضرة بالنسبة للمتعلم لا شك في ذلك، بالنسبة لغيره فيه احتمال ولكن القول بالمنع فيه نظر. * * * * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت ١ - ٤]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. * من فوائد هذه الآية ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: بيان حِكمة الله عز وجل ورحمته، وذلك أنه جعل الآيات التي تأتي بها الرسل آيات بينات حتى لا يبقى حجة. * ومن فوائدها: أن الكفار يفخرون بما عندهم من العِلم، ولو كان باطلًا؛ لقوله: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر ٨٣]، وهذا الذي كان فيما سبق موجود الآن، فإن بعض أولئك القوم الذين آتاهم الله من علم الدنيا ما آتاهم تجدهم يفرحون بها، ويقولون: هي خير من عِلم أولئك المقوقعين على أنفسهم، ويعنون بهم علماء الشريعة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير البالغ من رد ما جاءت به الرسل؛ لقوله: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [غافر ٨٣]. ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٤] إلى آخره. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن أولئك القوم المكذبين للرسل إذا رأوا العذاب قالوا: آمنا، والمثال على ذلك فرعون لما أدركه الغرق قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس ٩٠]. * ومن فوائدها: أن هؤلاء الذين يؤمنون بعد أن نزل بهم العذاب لا يستفيدون من إيمانهم شيئًا؛ لقوله: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٥]. ومن فوائد الآية الكريمة: أن سُنَّة الله عز وجل في العباد واحدة، فإنه لا يُحابي أحدًا لغناه أو لفقره أو لغير ذلك، بل إن أكرم الخلق عند الله أتقاهم؛ لقوله: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير من تكذيب الرسل، وأن من كذَّب الرسل فإنه سينالهم ما نالهم من العذاب، أي: ما نال الأمم السابقة من العذاب. * ومن فوائدها أيضًا: ظهور الخسران لهؤلاء المكذبين قبل أن يموتوا؛ لقوله: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ﴾ أي: حين جاءهم البأس تبين لهم الخسران ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾. ثم قال تبارك وتعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إلى آخره، البسملة تقدم الكلام عليها كثيرًا، وبينا أنها آية من كتاب الله، ولكنها ليست آية تابعة للسورة التي بعدها ولا التي قبلها، بل هي آية يُؤتى بها لابتداء السور ما عدا سورة براءة. أما معناها فإن الإنسان يقول: أبتدئ بكل اسم من أسماء الله، وإنما جعلنا المعنى بكل اسم من أسماء الله؛ لأن (اسم) مفرد مضاف، والمفرد المضاف يفيد العموم، كل مفرد مضاف إلى معرفة فإنه يفيد العموم، ألم تروا إلى قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل ١٨] ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ لو نظرنا إلى لفظها لقلنا: إنها واحدة لكنها كثيرة لا تُحصى، فيكون هذا المفرد الذي أُضيف يكون للعموم، وهذه هي القاعدة: كل مفرد مضاف لمعرفة فإنه مفيد للعموم؛ ولهذا قلنا: بكل اسم من أسماء الله. و(الرحمن الرحيم) صفتان للفظ الجلالة، لكن الأولى رُوعِي فيها الوصف، والثانية رُوعِيَ فيها الفعل وهو إيصال الرحمة، أما مُتعلَّق هذا الجار والمجرور فإنه محذوف، ويُقدَّر مؤخرًا مناسبًا للمقام، فإذا كنت تريد أن تقرأ فقلت: بسم الله الرحمن الرحيم؛ قَدِّر أَقْرَأ، وإنما اختير ذلك؛ أي اختير أن يكون فعلًا؛ لأن الأصل في العمل الأفعال، ولهذا يعمل الفعل بلا شرط، والأسماء التي تعمل عمل الفعل لا بد لها من شروط كما هو معروف في علم النحو، وإنما اخترنا أن يكون متأخرًا لفائدتين: الفائدة الأولى: تيمنًا بذكر اسم الله. والفائدة الثانية: إرادة الحصر؛ لأنه إذا تأخر العامل كان ذلك حصرًا، فإذا قلت: زيدًا أَكْرِم، المعنى لا تُكْرِم غيره، لكن لو قلت: أكرم زيدًا، لم يمتنع عن تكريم غيره، إذن أخَّرناه لفائدتين: الفائدة الأولى: تيمنًا بذكر الله عز وجل، والثاني؟ * طالب: الحصر. * الشيخ: إفادة الحصر. وقدَّرناه مناسبًا؛ لأنه أبين المقصود، فلو قال قائل: باسم الله أبتدئ، قلنا: صحيح، لكن لا تبين المراد مثل ما تبينه: باسم الله أقرأ، وذلك لأن الابتداء يكون للقراءة ولغير القراءة؛ ولهذا اختير أن يكون مناسبًا للمقام، والخلاصة الآن أن متعلق الجار والمجرور هو محذوف، فعل، متأخر مناسب للمقام. قال الله تعالى: ﴿حم﴾ وقال المفسر: (الله أعلم بمراده به)، وهذا هو الأدب مع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أن الذي لا تعرف معناه قل: الله أعلم بمراده به؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء ٣٦]. ولكن قد يقول قائل: إننا نعلم أنه لا معنى لهذه الحروف الهجائية التي تُوجد في كثير من السور، نعلم ذلك بدلالة القرآن، فقد قال الله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٣ - ١٩٥]. واللسان العربي لا يكون التعبير بمثل هذه الحروف له معنى في حد ذاته، لو قلت: (أ، ب، ج، ح، خ) ما لها معنى، فإذا لم يكن لها معنى بمقتضى اللسان العربي قلنا: إن قوله: ﴿حم﴾ ﴿والم﴾ ﴿والر﴾ وما أشبهها ليس لها معنى في حد ذاتها. يرد على هذا إذا لم يكن لها معنى صارت لغوًا، وكلام الله تعالى لا لغو فيه، فيقال: إنها ليست لغوًا، وإنما المراد إقامة الْحُجَّة على أولئك المشركين حيث عجزوا عن الإتيان بمثل القرآن ولا بآية واحدة، عجزوا، مع أن هذا القرآن هل أتى بحروف لا يعرفونها حتى يعتذروا ويقولوا: إنه جاء بحروف ليست معروفة لنا؟ الجواب: لا، القرآن جاء بحروف يعرفونها. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: (ولذلك لا تكاد ترى سورة مبدوءة بهذه الحروف إلا وبعدها ذكر القرآن) وابدأ من أول البقرة إلى أن تأتي إلى آخر السور المبدوءة بهذه الحروف، تجد أن بعدها ذِكْر القرآن، إشارة إلى أن هذا القرآن الذي أعجزكم معشر العرب كان من هذه الحروف التي تكونون منها كلامكم، وهذا الذي ذهب إليه شيخ الإسلام رحمه الله واضح جدًّا، وأما القول بأنه ليس لها معنى فقد قاله مجاهد بن جبر أعلم التابعين بكتاب الله عز وجل. قال: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فصلت ٢، ٣] قال المؤلف رحمه الله المفسر: (﴿تَنْزِيلٌ﴾ مبتدأ ﴿كِتَابٌ﴾ خبره) ولو قيل بالعكس لكان أوضح، لو قيل: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؛ لأنه يُخبَر بالمعنى عن الذات، ولا يُخبَر بالذات عن المعنى، هذا الأصل، فتقول: زيد قائم، (قائم) خبر، ولا تقول: (زيد) خبر، لكن ما ذهب إليه المؤلف من الإعراب له وجه؛ يعني ليس باطلًا، لكن لو قيل إن: ﴿تَنْزِيلٌ﴾ هو الخبر مقدم و﴿كِتَابٌ﴾ مبتدأ مؤخر لكان أوضح وأبين. ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مَنْ يعني به؟ يعني به الرب عز وجل؛ أي: تنزيل من الله الرحمن الرحيم، لكنه أتى بهذين الاسمين الكريمين إشارةً إلى أن القرآن رحمة؛ لأن إنزاله من مقتضى رحمة الله عز وجل. أليس من الممكن أن يقال: تنزيل من الله؟ نعم، كما جاء في آية أخرى لكنه قال: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إشارة إلى أن هذا القرآن نَزَلَ بمقتضى رحمة الله عز وجل، وأن الله رَحِمَ به العباد. و(الرحمن الرحيم) اسمان من أسماء الله، من أشرف أسماء الله عز وجل، ويأتيان مقترنين، ويأتيان منفصلين بعضهما عن بعض، فإن انفصلا فكل واحد متضمن معنى الآخر، فقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه ٥] هذا منفرد عن (الرحيم)، فيتضمن الصفة والفعل، أي أن الله تعالى موصوف بالرحمة الواسعة، وهو سبحانه وتعالى يرحم بهذه الرحمة من شاء من عباده. وفي قوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أيضًا نقول: ﴿الرَّحِيمُ﴾ هنا تشمل الوصف والفعل؛ لأنها انفردت عن الرحمن، أما إذا اجتمع (الرحمن) و(الرحيم) كانت (الرحمن) للصفة و(الرحيم) للفعل؛ ولهذا جاءت (الرحمن) على وزن (فَعْلَان)، وهذا الوزن في اللغة العربية يقتضي الامتلاء..

غافر 40:84

ثم قال: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً﴾ [غافر ٨٢] إلى آخره. ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ هذا الاستفهام يحتمل أن يكون للحثِّ، وعليه فيكون بمعنى الأمر؛ أي: سيروا في الأرض. ويؤيِّد هذا قول الله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام ١١]، ويحتمل أن يكون للتوبيخ؛ أي: توبيخ هؤلاء على عدم السير في الأرض. والسير هنا يشمل السير بالقَدَم والسير بالقلب؛ أمَّا السير بالقلب فمرجعه إلى الأخبار الصادقة؛ بحيث يقرأ الإنسان عن الأُمَم السابقة، ولا شيء أصحُّ من كتاب الله عز وجل في الحديث عن الأُمَم السابقة؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم ٩] فلا شيء أصحُّ في الأخبار مما جاء به الكتاب العزيز وصحَّت به السُّنة، هذا نقول: سيرٌ بالقلب. السير بالقَدَم أن يمشي الإنسان لينظر ما صنع الله تعالى بالمكذِّبين؛ مثال ذلك أن يسير الإنسان إلى ديار ثمود لينظر ماذا صنع الله بهم، ولكن -كما قال النبي عليه الصلاة والسلام- لا يجوز أن يدخلها إلَّا وهو باكٍ خوفَ أن يُصيبه ما أصاب هؤلاء المكذبين[[أخرج البخاري (٤٣٣)، ومسلم (٢٩٨٠ / ٣٨) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ لأصحاب الحِجْر: «لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذَّبين إلا أن تكونوا باكينَ، فإنْ لم تكونوا باكينَ فلا تدخلوا عليهم؛ أنْ يُصيبَكم مثلُ ما أصابهم».]]، وأمَّا مَن ذهب إليها للتنَزُّه والفُرجة فإنَّ ذلك لا يجوز كما يصنع كثيرٌ من الناس اليوم؛ يذهبون إليها لا على سبيل العِظة والاعتبار، ولا أن يدخلوها وهُم باكون، بل على سبيل الاطِّلاع فقط على آثار السابقين وعلى سبيل النُّزهة، وهذا حرامٌ ولا يحلُّ. وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾ إعراب الجملتين أن نقول: إنَّ (لم) حرف نفيٍ وجَزْمٍ وقلبٍ؛ حرف نفيٍ لأنها تنفي، جَزْم لأنها تجزم، قلب لأنها تحوِّل المضارع إلى الماضي. والفاء في قوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ عاطفةٌ لا شك، لكن هل هي عاطفةٌ على مقدَّرٍ محذوفٍ أو عاطفةٌ على ما قبلها من الجُمَل، في ذلك قولان: القول الأول: أنها عاطفةٌ على محذوفٍ مقدَّرٍ بعد الهمزة، ويُقَدَّر بما يناسب المقام، وعلى هذا فترتيبها بعد الهمزة ترتيبٌ طبيعي. والثاني: أنها عاطفةٌ على الجملة السابقة، وبناءً على ذلك تكون الفاء هنا مزحلقةً عن موضعها؛ إذْ إنَّ موضعها يكون قبل الهمزة. والقولان معروفان لأهل العلم بالنحو. على التقدير الأول أنها عاطفةٌ على مقدَّر بعد الهمزة يكون المعنى: أَغَفَلوا فلمْ يسيروا في الأرض. وقوله: ﴿فَيَنْظُرُوا﴾ الفاء عاطفةٌ على أيش؟ * طالب: على ﴿يَسِيرُوا﴾. * الشيخ: على ﴿يَسِيرُوا﴾، وعلى هذا يكون المعنى: أفلمْ يسيروا فلمْ ينظروا. ويحتمل أن تكون منصوبةً بعد فاء السببية؛ أي: انتفَى سيرُهم فينظروا، كما تقول: لم تَزُرني فأُكرمَك، وما أشبه ذلك من الكلام. وقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [غافر ٨٢]، ﴿كَيْفَ﴾ هذه اسم استفهام، وهي في محلِّ نصبٍ خبرُ (كان) مقدَّم، و﴿عَاقِبَةُ﴾ اسمها. ﴿عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ فما هي العاقبة؟ العاقبةُ ذكرها الله تعالى في سورة القتال في قوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد ١٠]، هذا هو فائدة النظر أنَّ هؤلاء القوم المكذِّبين كانوا أشدَّ من هؤلاء قوَّةً ومع ذلك دمَّرهم الله عز وجل. ﴿كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ﴾ أي: في العدد، ﴿وَأَشَدَّ قُوَّةً﴾ أي: في الكيفية، فصاروا متميِّزين عنهم في العدد والكيفية، (﴿وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ من مصانع وقصور)، ﴿فَمَا﴾.. على التقدير الأول أنها عاطفة على مُقدَّر بعد الهمزة يكون المعنى: أَغَفلوا فلم يسيروا في الأرض؟ وقوله: ﴿فَيَنْظُرُوا﴾ الفاء عاطفة على ﴿يَسِيرُوا﴾، وعلى هذا يكون المعنى: أفلم يسيروا فلم ينظروا، ويحتمل أن تكون منصوبة بعد فاء السببية، أي: انتفى سيرهم فينظروا، كما تقول: لم تزرني فأكرمك، وما أشبه ذلك من الكلام. وقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [غافر ٢١] ﴿كَيْفَ﴾ هذه اسم استفهام، وهي في محل نصب خبر ﴿كَانَ﴾ مُقدمًا، و﴿عَاقِبَةُ﴾ اسمها، ﴿عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ فما هي العاقبة؟ العاقبة ذكرها الله تعالى في سورة القتال في قوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد ١٠]، هذا هو فائدة النظر أن هؤلاء القوم المكذبين كانوا أشد من هؤلاء قوة، ومع ذلك دمرهم الله عز وجل، كانوا أكثر منهم؛ أي في العدد، وأشد قوة؛ أي في الكيفية، فصاروا متميزين عنهم في العدد والكيفية ﴿وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ [غافر ٢١] من مصانع وقصور. ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [غافر ٨٢] ﴿مَا﴾ نافية، و﴿أَغْنَى﴾ فعل ماضٍ، و﴿مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: ﴿مَا﴾، اسم موصول فاعل، و﴿كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ صلة الموصول، ويحتمل أن تكون ﴿مَا﴾ استفهامية، والمعنى: فما الذي أغنى عنهم ما كسبوا؟ والاستفهامية أبلغ؛ لأنها تتضمن النفي مع التحدي، أي: أي شيء أغنى عنهم كسبهم حين دمرهم الله؟ كذا؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: ماذا قلت في ﴿مَا﴾؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ما قلت: نعم نعم؟! طيب، هذا جارك عن اليمين ماذا تقول؟ * طالب: موصولة.. * الشيخ: لا، ما قلنا هذا، هذا ما قلته. * طالب: أن تكون ﴿مَا﴾ نافية. * الشيخ: نعم، أحسنت، بارك الله فيك، إن كانت نافية فالمعنى: ما أغنى عنهم كسبهم شيئًا، وإن كانت استفهامية فالتقدير: ما الذي أغنى عنهم ما كانوا يكسبون، ونظير ذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء ٢٠٥ ٢٠٧] أي: أي شيء أغنى عنهم، أو أن المعنى نفي الإغناء. * الطالب: من ذهب إلى ديار ثمود للعبرة ولكنه ما استطاع أن يبكي فهل يتباكى؟ * الشيخ: لا أعرف في الحديث: «إِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا»[[أخرجه ابن ماجه (١٣٣٧) من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه. ]] ، قال: «لَا تَدْخُلُوهَا إِلَّا وَأَنْتُمْ بَاكُونَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٣)، ومسلم (٢٩٨٠/٣٨) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، ولفظه: قال رسول الله ﷺ لأصحاب الحجر: «لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذَّبين، إلا أن تكونوا باكينَ، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم؛ أن يُصيبكم مثلُ ما أصابهم». ]] . ورسول الله ﷺ لما مر بها قنَّع رأسه؛ يعني غطاه وخفضه وأسرع. * الطالب: إذا نقول: ابكِ أو ارجع؟ * الشيخ: نعم، نقول: إما أن تبكي وإما أن ترجع، فإن لم تبكِ وأنت مررت بالبلد فعجِّل وقنِّع رأسك كما فعل الرسول عليه الصلاة والسلام. * الطالب: شيخ، بهذا نقول بعدم جواز من يصور هذه الصور، ويريها للناس، ينشرها؟ * الشيخ: إي نعم، الظاهر أنه للمنع أقرب، وذلك لأنه إنما يريهم إياها لبيان قوة القوم لا لبيان أن الله أهلكهم مع قوتهم، هذا هو الظاهر من هؤلاء المصوِّرين. * الطالب: هل يشمل هذا كل الآثار القديمة أم فقط الذين عُذِّبوا؟ * الشيخ: نحن قرأنا آية تدل على المراد: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾. * الطالب: قلنا: إذا كان للإنسان بقرة يجوز أن يركبها وفي الحديث: «إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهَذَا»[[أخرج البخاري (٢٣٢٤) بسنده عن حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «بينما رجل راكب على بقرة التفتت إليه، فقالت: لم أخلق لهذا، خلقت للحراثة...» الحديث. ]] ..؟ * الشيخ: هذا الجمع بينهما أن هذه البقرة كُلِّفت ما لا تطيق، أو كان يشق عليها أن تُركب؛ لأن بعض الحيوانات الذي لم يعتد أن يركب يشق عليه هذا حتى وإن كان يستطيع أن يحمله. * الطالب: بعض الناس يستخدمون هذه الأنعام في السحر (...) وما أشبه ذلك؟ * الشيخ: ما فيها شك، استعمال هذه الحيوانات فيما هو محرم قصدًا أو ذاتًا هذا لا يجوز، حتى لو ركب هذه الأنعام ليصل إلى بلد يفعل فيه الفواحش أو يلعب فيه القمار فإن هذا حرام. * الطالب: بعض القوم السابقين دمرهم الله سبحانه وتعالى خارج ديارهم مثل الفراعنة، هل نقول: لا ندخل آثارهم كما نقيس على ديار ثمود؟ * الشيخ: لا، وعلى هذا نقول: لنا أن ندخل المكان الذي أغرق فيه فرعون، ولنا أن ندخل مصر أيضًا؛ لأنه لم يهلك فرعون في مصر. * * * * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر ٨٢ - ٨٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ذكرنا في هذا التركيب ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ وما أشبهها إعرابين؟ * الطالب: الإعراب الأول: أن نقول: إن الهمزة هنا همزة استفهام، وبعدها جملة مقدرة، فتكون هنا من باب عطف الجمل على الجمل المقدَّرة، ويكون التقدير على حسب السياق. * الشيخ: يُقدَّر المحذوف بحسبه. * الطالب: وهنا تقديره: أَفَغَفلوا فلم يسيروا؟ * الشيخ: الوجه الثاني؟ * الطالب: الوجه الثاني: الفاء مؤخرة عن موضعها، والأصل فألم يسيروا، وتكون عاطفة على ما سبق. * الشيخ: وتكون الجملة معطوفة على ما سبق. الثاني أسهل؛ لأن الأول قد يتعذر أو يتعسر تقدير المحذوف، فأما هذه فهي سهلة ليس فيها سوى مجرد زحلقة الفاء عن موضعها. وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: على الأرض؛ لأن ﴿فِي﴾ للظرفية، ولو جعلنا ﴿فِي﴾ للظرفية في هذا السياق لكان معنى الآية: أن يدخلوا في جوف الأرض، وهذا غير مراد قطعًا، فتكون ﴿فِي﴾ بمعنى (على) كقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك ١٦] أي من على السماء، وليس المراد أن الله في جوف السماء؛ لأن ذلك مستحيل، وقد وسع كرسيه السماوات والأرض. وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يشمل السير بالقدم والسير بالقلب، أما السير بالقدم فمعروف، وأما السير بالقلب فمعناه أن يتفكر الإنسان فيما مضى من تاريخ الأمم، وأصح مرجع نرجع إليه فيما مضى من سِيَر الأمم هو القرآن الكريم. وقوله: ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ هذه معطوفة على (يسيروا)؛ يعني أن الله وبَّخهم على أمرين: عدم السير، وعدم النظر، فهم لم يسيروا ولم ينظروا ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، والنظر هنا هل هو نظر البصيرة أو البصر؟ إن قلنا: إن قوله: ﴿يَسِيرُوا﴾ سير القدم فالنظر نظر البصر، وإن قلنا: يسيروا سير القلب فالنظر نظر البصيرة. ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أعربنا ﴿كَيْفَ﴾ على أنها خبر مقدم لـ﴿كَانَ﴾، وهنا يتعين التقديم؛ لأن ﴿كَيْفَ﴾ اسم استفهام، والاستفهام له الصدارة، فعليه تكون خبرًا مقدمًا لـ﴿كَانَ﴾، و﴿عَاقِبَةُ﴾ اسمها ﴿عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني من الأمم. فما هي العاقبة؟ العاقبة أشار الله إليها في سورة القتال في قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾. ثم شرح الله حال أولئك السابقين فقال: ﴿كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ [غافر ٨٢] أكثر منهم عددًا، وكثرة العدد تُوجب القوة في الكمية، وأشد منهم قوة هي القوة بالكيفية، ثم قال: ﴿وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ يعني من العمران والقصور وغيرها، ومع ذلك لم تنفعهم هذه الكثرة ولا هذه القوة؛ يقول: (من مصانع وقصور) هذه تفسير لقوله: ﴿وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾. ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿مَا أَغْنَى﴾: (ما) يحتمل أن تكون نافية، أي: فلم يُغنِ عنهم ما كسبوا، ويحتمل أن تكون استفهامية، والمعنى: فما الذي أغنى عنهم؟ والاستفهام هنا أشد وقعًا؛ لأنه مُشرَب بالتحدي، أي شيء أغنى عنهم؟ الجواب: لا شيء ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي ما كانوا يكسبون من القوة والآثار في الأرض وغير ذلك؛ لأن الله تعالى دمرهم ودمر قوتهم. ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ هذا الذي أتى بعد ذكر تدميرهم هو في الحقيقة عود إلى شرح ما حصل، فإن الله أرسل إليهم الرسل بالبينات الواضحة، وأنزل الكتب، ولكن لما جاءتهم رسلهم بالبينات قال المؤلف: (المعجزات الظاهرات)، والصواب أن يقول: الآيات البينات، هو رحمه الله جعل البينات بمعنى الظاهرات، وهذا حق، وجعل (البينات) صفة لموصوف محذوف تقديره: المعجزات، وهذا فيه نظر، بل يُقدَّر الآيات، وذلك لأن المعجزات لم ترد في الكتاب والسنة محل الآيات أبدًا، وأيضًا المعجزات تكون من الرسل ومن غير الرسل، فالسحرة مثلًا تأتي لهم الشياطين بالمعجزات، لكن الآيات -يعني العلامات الدالة على صدقهم- هذه أبلغ؛ ولهذا إذا وجدتم في الكتب، وما أكثر ما تجدون المعجزات، أو معجزة الأنبياء، أو ما أشبه ذلك فاضربوا عنها صفحًا، وقولوا بدلها الآيات كما قال الله عز وجل الآيات، والآيات -كما قلت لكم- أدق من كلمة المعجزات؛ لأن المعجزات يدخل فيها ما يُعجِز البشر مما تصنعه الشياطين مع السحرة وغيرهم. (﴿فَرِحُوا﴾ أي الكفار ﴿بِمَا عِنْدَهُمْ﴾ أي: الرسل ﴿مِنَ الْعِلْمِ﴾ فرح استهزاء وضحك منكرين له) ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا﴾ الواو فاعل، فمن الفارح؟ يقول: (أي الكفار)، وهذا صحيح، فرح الكفار بما عندهم من العلم، وقوله: ﴿بِمَا عِنْدَهُمْ﴾ الضمير يعود على الرسل على حد تفسير المؤلف، بما عند الرسل من العلم، أي: بما جاؤوا به من البينات؛ لكن هل هذا الفرح فرح استبشار أو فرح استهزاء؟ يقول المؤلف: إنه فرح استهزاء وضحك وسخرية. ولكن هذا التفسير إذا تأملته وجدته تحريفًا وليس تفسيرًا؛ لما فيه من البُعد المعنوي واللفظي، أما البعد اللفظي فلأن فيه تشتيت الضمائر؛ لأن قوله: ﴿فَرِحُوا﴾ الواو للكفار ﴿بِمَا عِنْدَهُمْ﴾ الهاء للرسل، هذا تشتيت للضمائر؛ والهاء في قوله: ﴿بِمَا عِنْدَهُمْ﴾ إذا جعلنا الكلام نسقًا واحدًا لا شك أنها تعود على الكفار، أي بما عند الكفار من العلم. وأما المعنوي فلأن الفرح في الأصل استبشار، فإذا صرفناه عن معناه الظاهر إلى أن يكون فرح استهزاء كان هذا إخراجًا للمعنى عما يدل عليه ظاهر اللفظ، والحاصل أن هذا التفسير الذي ذكره المؤلف تفسير ضعيف جدًّا بل هو تحريف؛ والصواب أن المعنى: فرح الكفار بما عندهم -أي بما عند الكفار من العِلم- وقالوا: نحن أعلم بما يصلحنا، وما يصلح دنيانا وديننا الذي نحن عليه، فأنتم أيها الرسل سحرة مجانين كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات ٥٢]، وإذا كانوا يعتقدون بقلوبهم أو يقولون بألسنتهم ما لا يعتقدون من أن الرسل سحرة مجانين فإنهم لا شك سيجعلون ما عندهم من العلم هو العلم الحقيقي فيفرحون به. وعلى هذا فنقول: الفرح هنا فرح بطر واستبشار فيما يظنون، أنهم على علم أعلى من علم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر ٨٣]، ويعجب الإنسان أحيانًا فيما يذهب إليه بعض العلماء من تفسير الآيات أو الأحاديث. الآن لو قرأت هذه الآية على إنسان عامي: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ فعلى أي شيء يتنزل الضمير في قوله: ﴿بِمَا عِنْدَهُمْ﴾ عند هذا العامي؟ على الكفار، فرحوا بما عندهم، والإنسان يفرح بما عنده لا بما عند غيره. ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [غافر ٨٣] ﴿حَاقَ﴾ يقول: (نزل) لكنها أعنى ﴿حَاقَ﴾ ليست كـ(نزل) من كل وجه؛ لأن (نزل) تكون بالخير وبالشر ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء ١٩٣، ١٩٤] هذا خير ولا شر؟ خير، لكن (حاق) لا تأتي إلا بالشر، فلا يقال: حاق به القرآن، أو حاق عليه القرآن كما يقال: نزل عليه، فحاق هنا بمعنى نزل لكنها لا تستعمل إلا في نزول الشر، وهو شر بالنسبة لمن نزل به، وقد يكون خيرًا بالنسبة لغيره. ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [غافر ٨٣] ﴿مَا﴾: فاعل ﴿حَاقَ﴾، ﴿كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: يعني فيما سبق؛ أي أنهم لما جاءهم بأس الله عز وجل ونزل بهم ﴿حَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ فيما سبق، حيث كانوا يستهزئون بالرسل، وبما جاؤوا به وبالشرائع، بل ربما يستهزئون بالله عز وجل، انظر إلى قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة ٦٥] يتبين لك أن الكفار يستهزئون بالله، ويستهزئون بآيات الله، ويستهزئون بالرسل. (﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي العذاب) يعني حاق بهم العذاب الذي كانوا يستهزئون به حين توعدتهم الرسل به، فجعلوا يستهزئون أيش العذاب اللي تقولون؟ أين هو؟ يستفهمون استهزاء. ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٤] أي شدة عذابنا، ﴿رَأَوْا﴾: بمعنى بأبصارهم، يعني رأوه رؤيا العين، والبأس: أشد العذاب. ﴿قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر ٨٤] ﴿قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ أي دون شركائنا، ودون ما كنا نعبده، وهذا غاية الإخلاص، ثم أكدوا هذا بقولهم: ﴿وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ ﴿بِمَا﴾: الباء حرف جر متعلقة بـ﴿كَفَرْنَا﴾، و﴿بِهِ﴾: يحتمل أن تكون للسببية؛ أي بما كنا بسببه مشركين، وأن تكون متعلقة بـ﴿مُشْرِكِينَ﴾ تعلق الجار بعامله؛ المعنى: أنهم لما رأوا عذاب الله آمنوا، ولكن هل ينفعهم هذا الإيمان؟ لا. إن فرعون لما غرق وأدركه الغرق، ماذا قال؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾. * الشيخ: صح، قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس ٩٠] ولكن ماذا قيل له؟ قيل له: ﴿آلْآنَ﴾ يعني أتؤمن الآن ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس ٩١] فلم ينفعه إيمانه. وقال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ [النساء ١٨]، هذا لا تنفعه التوبة؛ لأنه رأى وشاهد، شاهد ما كان غيبًا يكفر به، والإيمان عن مشاهدة لا يفيد؛ لأن كل إنسان يؤمن بما يُشاهد ولو كان أكفر الناس، وإنما الذي يُحمد عليه الإنسان وينجيه من عذاب الله أن يؤمن بالغيب كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة ٣]. ﴿قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر ٨٤]، قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٥] ﴿لَمْ يَكُ﴾: أصلها (لم يكن)، لكن حُذِفت النون تخفيفًا، وقد جاء الحذف والإبقاء في آيتين من كتاب الله، فقال تعالى في إبراهيم: ﴿وَلَمْ يَكُن مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، وقال: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل ١٢٠] وهي جملة واحدة حُذفت فيها النون وأُبقيت، وهذا الحذف تخفيف، وله شروط معروفة في كتب النحو. ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٥] (إيمانُ) هل تعربونها على أنها اسم (يكن) مؤخرًا أو على أنها فاعل ينفع واسمها مستتر؟ الثاني، والتقدير على هذا: فلم يك إيمانهم ينفعهم، أما على الأول فيكون: فلم يك ينفعهم إيمانهم فيكون اسمها ضمير الشأن، اسم يكن محذوفًا ضمير الشأن. وقوله: ﴿لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ ﴿لَمَّا﴾: هنا ظرف بمعنى (حين)، واعلم أن (لَمَّا) تأتي في اللغة العربية على أوجه: الأول: أن تكون ظرفًا بمعنى (حين) كما في هذه الآية، فإن معنى: ﴿لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ أي حين رأوا بأسنا. وتأتي جازمة، مثل قوله تعالى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص ٨]. وتأتي شرطية كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة ٨٩]. وتأتي بمعنى (إلا) كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤] وكذلك قوله: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس ٣٢]. فهذه أربعة معانٍ في (لَمَّا)، المعنى الأول؟ بمعنى (حين) كما في هذه الآية: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٥] أي حين رأوا بأسنا، الثاني: بمعنى إلا مثل؟ * طالب: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾. * الشيخ: آية أخرى؟ * طالب: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾. * الشيخ: شرطية مثل؟ * طالب: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [غافر ٨٤]. * الشيخ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾. صح، وكذلك: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾. تأتي جازمة، مثاله؟ ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ وهي للنفي أيضًا، جازمة ونافية؛ لكن الفرق بينها وبين (لم) أن (لَمَّا) تفيد قرب مدخولها ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ ولكن سيذوقونه قريبًا، بخلاف (لم) فتأتي للنفي المطلق. ﴿لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ قال الله تعالى: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ [غافر ٨٥] ﴿سُنَّتَ﴾ يقول المفسر: (نَصْبُه على المصدر بفعل مقدر من لفظه) (سُنَّة) بمعنى طريقة، أي: هذه طريقة الله. و﴿سُنَّتَ﴾ في مثل هذا التركيب يجوز أن تكون مرفوعة أي سُنَّة الله على أنها خبر مبتدأ محذوف، أي: هذه سُنَّة الله؛ ويجوز أن تكون منصوبة، والمؤلف يقول: (إنها منصوبة بفعل مُقدَّر من لفظه) أي: سَنَّ الله بهم سُنَّته. ﴿سُنَّتَ اللَّهِ﴾ ويجوز أن تكون مصدرًا عامله محذوف لكنه مُقدَّر من الجملة التي قبلها؛ لأن هذه العبارة بمعنى ما قبلها تمامًا؛ يعني ﴿سُنَّتَ اللَّهِ﴾ بمعنى ما قبلها وهي أخذ المكذبين بالعذاب، فتكون منصوبة بمضمون الجملة لا بفعل مُقدَّر، وما ذكره المؤلف رحمه الله وجه لا شك فيه، والمهم أن السُّنَّة بمعنى الطريقة. فما طريقة الله؟ طريقة الله تعالى إهلاك المكذبين وتعذيبهم، وأنهم لو آمنوا بعد نزول العذاب لم ينفعهم. (﴿الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ [الفتح ٢٣] في الأمم أن لا ينفعهم الإيمان وقت نزول العذاب) هذه واحدة، والثانية أن يُعذِّب المكذبين، فالسُّنَّة التي استفدناها من هذه الآية شيئان؛ أولًا: إهلاك المكذبين، والثاني: أنه لا ينفعهم إيمانهم إذا رأوا العذاب. قال: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر ٨٥] ﴿خَسِرَ﴾ فسرها المؤلف بمعنى: (تبين خسرانهم لكل أحد وهم خاسرون في كل وقت قبل ذلك) ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ معلوم أن (هنالك) ظرف مكان أو زمان؟ مكان، هذا هو الأصل، فهي اسم إشارة إلى المكان، وقد تُستعار إشارة للزمان، فتقول: هنالك أي في ذلك الوقت، ومنه هذه الآية، الآن إذا قلت: فلان هناك، هذا ظرف مكان، وهذا هو الأصل، ولو قلت مثلًا: قدم فلان هناك، تشير إلى الوقت صارت إشارة للزمان لكن هذا خلاف الأصل. بقي علينا أن يقال: خسر في ذلك الوقت الكافرون، أليس الكافرون خاسرين في كل وقت؟ بلى، لكن تبين خسرانهم وظهر؛ لأنهم كانوا قبل أن ينزل عليهم العذاب يظنون أنهم رابحون؛ ولهذا فرحوا بما عندهم من العلم، لكن إذا نزل بهم العذاب ظهر لهم الخسران. * من فوائد هذه الآيات: الحث على النظر في أحوال الأمم السابقة، تؤخذ من: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [غافر ٨٢] وجه الدلالة: أن الله وبَّخَهم على عدم السير. * ومن فوائدها أيضًا: أن السير في الأرض بالقدم إذا لم يصحبه النظر والاعتبار فإنه لا ينفع؛ لقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ ﴿فَيَنْظُرُوا﴾. * يتفرع على هذا: ما يفعله كثير من الناس اليوم من السير إلى ديار ثمود، حيث يسيرون بأبدانهم لكن لا يسيرون بقلوبهم ولا يعتبرون، بل يذهبون إلى هنالك للاطلاع على مآثر القوم بل على آثار القوم الدالة على قوتهم، وهذا لا يجوز، الواجب على من سار إلى تلك الديار أن يدخلها وهو باكٍ؛ لقول النبي ﷺ: «فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوهَا». ولا ينفع التباكي؛ لقوله: «فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوهَا» »[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٣)، ومسلم (٢٩٨٠/٣٨) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، ولفظه: قال رسول الله ﷺ. ]] . ولم يقل: فتباكوا، إذن من لم يُوطِّن نفسه على هذا الوصف الذي رخص فيه النبي ﷺ في الدخول في ديار ثمود فإنه لا يجوز أن يدخل، وغالب الناس الذين يذهبون الآن إنما يذهبون للفرجة والنزهة فقط، وهذا حرام. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من الأمم من هو أشد قوة وآثارًا مما كانت عليه قريش؛ لقوله: ﴿كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ [غافر ٨٢]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى لا يُعجِزه قوة العدو ولا كثرة العدو، فإن الله تعالى أهلكهم مع كثرتهم وقوتهم. وهل الله عز وجل إذا أراد إهلاكهم يكون إهلاكهم ممتدًّا لمدة من الزمن حتى يقضي عليهم؟ لا، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر ٣١] ﴿الْمُحْتَظِرِ﴾ يعني الذي أحاط أرضه بحِظار، والحِظَار -كما تعرفون- مركب من أعواد خفيفة أو من سعف النخل، وتأكله الشمس والهواء بسرعة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن قوة الإنسان، وكثرة عدده لا تغني عنه شيئًا من عذاب الله؛ لقوله الله تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الحجر ٨٤]. * ومن فوائد هذه الآيات: أن الله سبحانه وتعالى أرسل الرسل بالآيات البينات الدلالة على صدقه. * ويتفرع على هذا فائدتان أو أكثر، وهما: رحمة الله بالعباد، وحكمة الله تعالى في فعله. أما رحمة الله بالعباد، فلأن الله تعالى لو أرسل إليهم رسلًا بدون آيات لكان في ذلك تكليف بما لا يُطاق؛ لأن الإنسان لا يُمكن أن يُصدِّق برسول بدون آيات تدل على صدقه، وإلا لأمكن كل كاذب أن يقول: إنه رسول. وأما الحكمة فظاهر أن الله سبحانه وتعالى لما أرسل الرسل لم يتركهم هملًا بل أعطاهم ما على مِثلِه يؤمن البشر، كما أخبر بذلك نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَنَّ اللَّهَ مَا بَعَثَ رَسُولًا إِلَّا آتَاهُ مَا يُؤْمِنُ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ». » والذي أُوتيه الرسول عليه الصلاة والسلام هو الوحي القرآن؛ ولهذا قال: «فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٧٤)، ومسلم (١٥٢/٢٣٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظه: «ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحى الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة». ]] ؛ لأن القرآن آية باقية إلى يوم القيامة، أو إلى أن يأذن الله تعالى بفساد العالم، أما آيات الرسل فغالبها تنقضي في زمانها، لكن آية الرسول باقية. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن آيات الرسل بينة لا تحتمل الشك؛ لقوله: (بينات). * ويتفرع على ذلك: أنه ينبغي للعالم الذي ينشر شريعة الله عز وجل إذا نشرها بين الناس أن يكون نشره إياها على وجه بين لا اشتباه فيه، لماذا؟ أولًا: اقتداءً بالرسل. وثانيًا: ليزداد المخاطب طمأنينة؛ لأن الطمأنينة لها أثر في قبول ما يُلقى، وفي القيام به، فإن الإنسان إذا لم يُبيَّن له الحق على وجه تحصل به الطمأنينة تجده يمشي أو يأخذ بالحق وهو متردد، لكن إذا زِيد طمأنينة؛ انتفع بذلك، أليس كذلك يا أخ؟ ماذا قلت؟ * طالب: النبي لا بد أن يكون له أتباع؟ * الشيخ: النبي؟ لا، ما قلت. هل أنا قلت هذا؟ * طلبة: لا. * الشيخ: الرسول قال: «وَالنَّبِيُّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ». * الطالب: شيخ، بارك الله فيكم، قلنا: إن الهلاك يكون مرة واحدة، أليس هذا باختلاف الأمم، ففي عاد الله سبحانه وتعالى أرسل عليهم ريحًا صرصرا في أيام نحسات، أم أنهم أرسل عليهم الريح فأهلكتهم، ثم استمرت عليهم؟ * الشيخ: لا، عاد، الله سبحانه وتعالى أمَدَّ لهم في العذاب؛ لأنهم يقولون: مَنْ أشدُّ منا قوة؟ فأرسل الله عليهم الريح التي هي أخف وألطف ما يكون فأهلكتهم. * الطالب: شيئًا فشيئًا؟ * الشيخ: قال: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة ٧] في هذه المدة، قد يكون بعضهم هلك في أول يوم، بعضهم في ثاني يوم، تبعًا لما يكون من الملاجئ أو غيرها. * الطالب: هذا مستثنى من العقوبة؟ * الشيخ: لا؛ لأنه أرسل عليهم العقوبة على هذا الشكل. * الطالب: لكن الفائدة لاحظناها أو لا؟ * الشيخ: لا (...)؛ لأن هذا هو الأصل، ويقال: إن هذه وإن امتدت فهي من حين ابتدأ العذاب هلك من هلك. * الطالب: ما ورد عن الإمام (...) قال: (...) هل يقال: إنه كان عندهم آلات يصنعون بها هذه الأشياء؟ الآن مع وجود هذه الآلات ما يمكن للإنسان.. * الشيخ: هو يحتمل الآلات، أو يحتمل أنه لكثرتهم كل واحد مسك عملًا ويقوم به، وتعرف أن الإنسان إذا اعتاد على عمل معين ولو كان شاقًّا صار سهلًا عليه. * الطالب: في آخر السورة قال: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر ٨٥] يجوز تغيير يعني (...)؟ * الشيخ: الفائدة من هذا أن بيان أن كل كافر فهو مُبطِل، ليس معه حق، وكل مبطل لا يقول إلا الباطل فهو كافر، يعني المبطل في كل أحواله هذا كافر؛ يعني ليس معه شيء من الحق، والكافر مُبطِل ليس معه شيء من الحق أيضًا، فاختلاف التعبير لزيادة المعنى. كما يكون أيضًا في اختلاف القراءات أحيانًا، كقول الله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور ٢٧]. وفي قراءة أخرى: تستأذنوا. ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات ٦] في قراءة: ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾؛ فتكون القراءة هذه مفسرة للقراءة الثانية. * الطالب: في رسم القرآن ﴿سُنَّتَ اللَّهِ﴾ [غافر ٨٥] ﴿سُنَّتَ﴾ التاء مفتوحة، وفي سورة الدخان تكون بهاء التأنيث، ما السبب في هذا؟ * الشيخ: أفهمتم سؤاله؟ يقول: ﴿سُنَّتَ﴾ التاء فيها مفتوحة، والقاعدة أنها مربوطة؛ لأنها لمفرد، فيقال: إن الرسم العثماني ليس على القواعد المعروفة الآن، بل هو توقيفي، وقد اختلف العلماء رحمهم الله هل يجب أن يُرسم القرآن بالرسم العثماني، أو لا يجب، أو يفصل بين أن يُلقَّن التلاميذ الصغار أو الكبار على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه لا يجوز أن يُرسم القرآن إلا بالرسم العثماني على كل حال حتى وإن كنت تعلمه الصبيان، فعلى الرسم العثماني، فتكتب: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء ١٠٣] تكتب (الصلوة) بالواو، حتى وإن كنت تدرس صبيًّا اتباعا للرسم. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة ٤٣] الصلاة بالواو و(الزكوة) بالواو؛ لأن هذا هو الرسم العثماني. وقال بعضهم: بل لا يجب؛ لأن الرسم العثماني حين رُسِم المصحف صادف أنه على هذا الوجه، ولو كان الرسم العثماني على غير هذه القاعدة لكُتِب بحسب القاعدة التي كانت في ذلك الوقت؛ فالمسألة ليست توقيفية لكن صادف أن الرسم في ذلك الوقت على هذا الوجه، فرُسِم القرآن عليه؛ وذلك لأن القرآن لم ينزل مكتوبًا حتى نقول: لا بد أن يكون كما كتب بل نزل مقروءًا، وقاعدة الرسم تختلف من حيث لآخر، وهذا القول له وجه قوي؛ لأنا نعلم عِلم اليقين أنه لو كانت قاعدة الرسم على غير هذا الوجه في ذلك العهد لكُتِب بمقتضى القاعدة المعروفة في ذلك العهد. والقول الثالث يقول: إن كان القرآن مكتوبًا للصبيان للتعلم فاكتبه على القاعدة المعروفة بينهم، وإن كان للكبار، يعني يكتب الإنسان مصحفًا فليكتبه على حسب الرسم العثماني، وهذا فيه جمع بين القولين؛ لأنك لو ترسم القرآن للصبي على حسب الرسم العثماني لَحَرَّفَه؛ لأن القواعد التي بين يديه تُخالف الرسم فيُحرِّفه، فيقرأ مثلًا: الزكاة - الزكوة، الصلاة - الصلوة، الربا - الربو، وهُلم جرًّا، واضح. فأنا أميل إلى أنه لا بأس أن يُكتب بمقتضى القاعدة الحاضرة بالنسبة للمتعلم لا شك في ذلك، بالنسبة لغيره فيه احتمال ولكن القول بالمنع فيه نظر. * * * * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت ١ - ٤]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. * من فوائد هذه الآية ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: بيان حِكمة الله عز وجل ورحمته، وذلك أنه جعل الآيات التي تأتي بها الرسل آيات بينات حتى لا يبقى حجة. * ومن فوائدها: أن الكفار يفخرون بما عندهم من العِلم، ولو كان باطلًا؛ لقوله: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر ٨٣]، وهذا الذي كان فيما سبق موجود الآن، فإن بعض أولئك القوم الذين آتاهم الله من علم الدنيا ما آتاهم تجدهم يفرحون بها، ويقولون: هي خير من عِلم أولئك المقوقعين على أنفسهم، ويعنون بهم علماء الشريعة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير البالغ من رد ما جاءت به الرسل؛ لقوله: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [غافر ٨٣]. ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٤] إلى آخره. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن أولئك القوم المكذبين للرسل إذا رأوا العذاب قالوا: آمنا، والمثال على ذلك فرعون لما أدركه الغرق قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس ٩٠]. * ومن فوائدها: أن هؤلاء الذين يؤمنون بعد أن نزل بهم العذاب لا يستفيدون من إيمانهم شيئًا؛ لقوله: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٥]. ومن فوائد الآية الكريمة: أن سُنَّة الله عز وجل في العباد واحدة، فإنه لا يُحابي أحدًا لغناه أو لفقره أو لغير ذلك، بل إن أكرم الخلق عند الله أتقاهم؛ لقوله: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير من تكذيب الرسل، وأن من كذَّب الرسل فإنه سينالهم ما نالهم من العذاب، أي: ما نال الأمم السابقة من العذاب. * ومن فوائدها أيضًا: ظهور الخسران لهؤلاء المكذبين قبل أن يموتوا؛ لقوله: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ﴾ أي: حين جاءهم البأس تبين لهم الخسران ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾. ثم قال تبارك وتعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إلى آخره، البسملة تقدم الكلام عليها كثيرًا، وبينا أنها آية من كتاب الله، ولكنها ليست آية تابعة للسورة التي بعدها ولا التي قبلها، بل هي آية يُؤتى بها لابتداء السور ما عدا سورة براءة. أما معناها فإن الإنسان يقول: أبتدئ بكل اسم من أسماء الله، وإنما جعلنا المعنى بكل اسم من أسماء الله؛ لأن (اسم) مفرد مضاف، والمفرد المضاف يفيد العموم، كل مفرد مضاف إلى معرفة فإنه يفيد العموم، ألم تروا إلى قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل ١٨] ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ لو نظرنا إلى لفظها لقلنا: إنها واحدة لكنها كثيرة لا تُحصى، فيكون هذا المفرد الذي أُضيف يكون للعموم، وهذه هي القاعدة: كل مفرد مضاف لمعرفة فإنه مفيد للعموم؛ ولهذا قلنا: بكل اسم من أسماء الله. و(الرحمن الرحيم) صفتان للفظ الجلالة، لكن الأولى رُوعِي فيها الوصف، والثانية رُوعِيَ فيها الفعل وهو إيصال الرحمة، أما مُتعلَّق هذا الجار والمجرور فإنه محذوف، ويُقدَّر مؤخرًا مناسبًا للمقام، فإذا كنت تريد أن تقرأ فقلت: بسم الله الرحمن الرحيم؛ قَدِّر أَقْرَأ، وإنما اختير ذلك؛ أي اختير أن يكون فعلًا؛ لأن الأصل في العمل الأفعال، ولهذا يعمل الفعل بلا شرط، والأسماء التي تعمل عمل الفعل لا بد لها من شروط كما هو معروف في علم النحو، وإنما اخترنا أن يكون متأخرًا لفائدتين: الفائدة الأولى: تيمنًا بذكر اسم الله. والفائدة الثانية: إرادة الحصر؛ لأنه إذا تأخر العامل كان ذلك حصرًا، فإذا قلت: زيدًا أَكْرِم، المعنى لا تُكْرِم غيره، لكن لو قلت: أكرم زيدًا، لم يمتنع عن تكريم غيره، إذن أخَّرناه لفائدتين: الفائدة الأولى: تيمنًا بذكر الله عز وجل، والثاني؟ * طالب: الحصر. * الشيخ: إفادة الحصر. وقدَّرناه مناسبًا؛ لأنه أبين المقصود، فلو قال قائل: باسم الله أبتدئ، قلنا: صحيح، لكن لا تبين المراد مثل ما تبينه: باسم الله أقرأ، وذلك لأن الابتداء يكون للقراءة ولغير القراءة؛ ولهذا اختير أن يكون مناسبًا للمقام، والخلاصة الآن أن متعلق الجار والمجرور هو محذوف، فعل، متأخر مناسب للمقام. قال الله تعالى: ﴿حم﴾ وقال المفسر: (الله أعلم بمراده به)، وهذا هو الأدب مع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أن الذي لا تعرف معناه قل: الله أعلم بمراده به؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء ٣٦]. ولكن قد يقول قائل: إننا نعلم أنه لا معنى لهذه الحروف الهجائية التي تُوجد في كثير من السور، نعلم ذلك بدلالة القرآن، فقد قال الله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٣ - ١٩٥]. واللسان العربي لا يكون التعبير بمثل هذه الحروف له معنى في حد ذاته، لو قلت: (أ، ب، ج، ح، خ) ما لها معنى، فإذا لم يكن لها معنى بمقتضى اللسان العربي قلنا: إن قوله: ﴿حم﴾ ﴿والم﴾ ﴿والر﴾ وما أشبهها ليس لها معنى في حد ذاتها. يرد على هذا إذا لم يكن لها معنى صارت لغوًا، وكلام الله تعالى لا لغو فيه، فيقال: إنها ليست لغوًا، وإنما المراد إقامة الْحُجَّة على أولئك المشركين حيث عجزوا عن الإتيان بمثل القرآن ولا بآية واحدة، عجزوا، مع أن هذا القرآن هل أتى بحروف لا يعرفونها حتى يعتذروا ويقولوا: إنه جاء بحروف ليست معروفة لنا؟ الجواب: لا، القرآن جاء بحروف يعرفونها. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: (ولذلك لا تكاد ترى سورة مبدوءة بهذه الحروف إلا وبعدها ذكر القرآن) وابدأ من أول البقرة إلى أن تأتي إلى آخر السور المبدوءة بهذه الحروف، تجد أن بعدها ذِكْر القرآن، إشارة إلى أن هذا القرآن الذي أعجزكم معشر العرب كان من هذه الحروف التي تكونون منها كلامكم، وهذا الذي ذهب إليه شيخ الإسلام رحمه الله واضح جدًّا، وأما القول بأنه ليس لها معنى فقد قاله مجاهد بن جبر أعلم التابعين بكتاب الله عز وجل. قال: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فصلت ٢، ٣] قال المؤلف رحمه الله المفسر: (﴿تَنْزِيلٌ﴾ مبتدأ ﴿كِتَابٌ﴾ خبره) ولو قيل بالعكس لكان أوضح، لو قيل: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؛ لأنه يُخبَر بالمعنى عن الذات، ولا يُخبَر بالذات عن المعنى، هذا الأصل، فتقول: زيد قائم، (قائم) خبر، ولا تقول: (زيد) خبر، لكن ما ذهب إليه المؤلف من الإعراب له وجه؛ يعني ليس باطلًا، لكن لو قيل إن: ﴿تَنْزِيلٌ﴾ هو الخبر مقدم و﴿كِتَابٌ﴾ مبتدأ مؤخر لكان أوضح وأبين. ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مَنْ يعني به؟ يعني به الرب عز وجل؛ أي: تنزيل من الله الرحمن الرحيم، لكنه أتى بهذين الاسمين الكريمين إشارةً إلى أن القرآن رحمة؛ لأن إنزاله من مقتضى رحمة الله عز وجل. أليس من الممكن أن يقال: تنزيل من الله؟ نعم، كما جاء في آية أخرى لكنه قال: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إشارة إلى أن هذا القرآن نَزَلَ بمقتضى رحمة الله عز وجل، وأن الله رَحِمَ به العباد. و(الرحمن الرحيم) اسمان من أسماء الله، من أشرف أسماء الله عز وجل، ويأتيان مقترنين، ويأتيان منفصلين بعضهما عن بعض، فإن انفصلا فكل واحد متضمن معنى الآخر، فقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه ٥] هذا منفرد عن (الرحيم)، فيتضمن الصفة والفعل، أي أن الله تعالى موصوف بالرحمة الواسعة، وهو سبحانه وتعالى يرحم بهذه الرحمة من شاء من عباده. وفي قوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أيضًا نقول: ﴿الرَّحِيمُ﴾ هنا تشمل الوصف والفعل؛ لأنها انفردت عن الرحمن، أما إذا اجتمع (الرحمن) و(الرحيم) كانت (الرحمن) للصفة و(الرحيم) للفعل؛ ولهذا جاءت (الرحمن) على وزن (فَعْلَان)، وهذا الوزن في اللغة العربية يقتضي الامتلاء..

غافر 40:85

ثم قال: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً﴾ [غافر ٨٢] إلى آخره. ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ هذا الاستفهام يحتمل أن يكون للحثِّ، وعليه فيكون بمعنى الأمر؛ أي: سيروا في الأرض. ويؤيِّد هذا قول الله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام ١١]، ويحتمل أن يكون للتوبيخ؛ أي: توبيخ هؤلاء على عدم السير في الأرض. والسير هنا يشمل السير بالقَدَم والسير بالقلب؛ أمَّا السير بالقلب فمرجعه إلى الأخبار الصادقة؛ بحيث يقرأ الإنسان عن الأُمَم السابقة، ولا شيء أصحُّ من كتاب الله عز وجل في الحديث عن الأُمَم السابقة؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم ٩] فلا شيء أصحُّ في الأخبار مما جاء به الكتاب العزيز وصحَّت به السُّنة، هذا نقول: سيرٌ بالقلب. السير بالقَدَم أن يمشي الإنسان لينظر ما صنع الله تعالى بالمكذِّبين؛ مثال ذلك أن يسير الإنسان إلى ديار ثمود لينظر ماذا صنع الله بهم، ولكن -كما قال النبي عليه الصلاة والسلام- لا يجوز أن يدخلها إلَّا وهو باكٍ خوفَ أن يُصيبه ما أصاب هؤلاء المكذبين[[أخرج البخاري (٤٣٣)، ومسلم (٢٩٨٠ / ٣٨) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ لأصحاب الحِجْر: «لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذَّبين إلا أن تكونوا باكينَ، فإنْ لم تكونوا باكينَ فلا تدخلوا عليهم؛ أنْ يُصيبَكم مثلُ ما أصابهم».]]، وأمَّا مَن ذهب إليها للتنَزُّه والفُرجة فإنَّ ذلك لا يجوز كما يصنع كثيرٌ من الناس اليوم؛ يذهبون إليها لا على سبيل العِظة والاعتبار، ولا أن يدخلوها وهُم باكون، بل على سبيل الاطِّلاع فقط على آثار السابقين وعلى سبيل النُّزهة، وهذا حرامٌ ولا يحلُّ. وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾ إعراب الجملتين أن نقول: إنَّ (لم) حرف نفيٍ وجَزْمٍ وقلبٍ؛ حرف نفيٍ لأنها تنفي، جَزْم لأنها تجزم، قلب لأنها تحوِّل المضارع إلى الماضي. والفاء في قوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ عاطفةٌ لا شك، لكن هل هي عاطفةٌ على مقدَّرٍ محذوفٍ أو عاطفةٌ على ما قبلها من الجُمَل، في ذلك قولان: القول الأول: أنها عاطفةٌ على محذوفٍ مقدَّرٍ بعد الهمزة، ويُقَدَّر بما يناسب المقام، وعلى هذا فترتيبها بعد الهمزة ترتيبٌ طبيعي. والثاني: أنها عاطفةٌ على الجملة السابقة، وبناءً على ذلك تكون الفاء هنا مزحلقةً عن موضعها؛ إذْ إنَّ موضعها يكون قبل الهمزة. والقولان معروفان لأهل العلم بالنحو. على التقدير الأول أنها عاطفةٌ على مقدَّر بعد الهمزة يكون المعنى: أَغَفَلوا فلمْ يسيروا في الأرض. وقوله: ﴿فَيَنْظُرُوا﴾ الفاء عاطفةٌ على أيش؟ * طالب: على ﴿يَسِيرُوا﴾. * الشيخ: على ﴿يَسِيرُوا﴾، وعلى هذا يكون المعنى: أفلمْ يسيروا فلمْ ينظروا. ويحتمل أن تكون منصوبةً بعد فاء السببية؛ أي: انتفَى سيرُهم فينظروا، كما تقول: لم تَزُرني فأُكرمَك، وما أشبه ذلك من الكلام. وقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [غافر ٨٢]، ﴿كَيْفَ﴾ هذه اسم استفهام، وهي في محلِّ نصبٍ خبرُ (كان) مقدَّم، و﴿عَاقِبَةُ﴾ اسمها. ﴿عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ فما هي العاقبة؟ العاقبةُ ذكرها الله تعالى في سورة القتال في قوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد ١٠]، هذا هو فائدة النظر أنَّ هؤلاء القوم المكذِّبين كانوا أشدَّ من هؤلاء قوَّةً ومع ذلك دمَّرهم الله عز وجل. ﴿كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ﴾ أي: في العدد، ﴿وَأَشَدَّ قُوَّةً﴾ أي: في الكيفية، فصاروا متميِّزين عنهم في العدد والكيفية، (﴿وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ من مصانع وقصور)، ﴿فَمَا﴾.. على التقدير الأول أنها عاطفة على مُقدَّر بعد الهمزة يكون المعنى: أَغَفلوا فلم يسيروا في الأرض؟ وقوله: ﴿فَيَنْظُرُوا﴾ الفاء عاطفة على ﴿يَسِيرُوا﴾، وعلى هذا يكون المعنى: أفلم يسيروا فلم ينظروا، ويحتمل أن تكون منصوبة بعد فاء السببية، أي: انتفى سيرهم فينظروا، كما تقول: لم تزرني فأكرمك، وما أشبه ذلك من الكلام. وقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [غافر ٢١] ﴿كَيْفَ﴾ هذه اسم استفهام، وهي في محل نصب خبر ﴿كَانَ﴾ مُقدمًا، و﴿عَاقِبَةُ﴾ اسمها، ﴿عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ فما هي العاقبة؟ العاقبة ذكرها الله تعالى في سورة القتال في قوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد ١٠]، هذا هو فائدة النظر أن هؤلاء القوم المكذبين كانوا أشد من هؤلاء قوة، ومع ذلك دمرهم الله عز وجل، كانوا أكثر منهم؛ أي في العدد، وأشد قوة؛ أي في الكيفية، فصاروا متميزين عنهم في العدد والكيفية ﴿وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ [غافر ٢١] من مصانع وقصور. ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [غافر ٨٢] ﴿مَا﴾ نافية، و﴿أَغْنَى﴾ فعل ماضٍ، و﴿مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: ﴿مَا﴾، اسم موصول فاعل، و﴿كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ صلة الموصول، ويحتمل أن تكون ﴿مَا﴾ استفهامية، والمعنى: فما الذي أغنى عنهم ما كسبوا؟ والاستفهامية أبلغ؛ لأنها تتضمن النفي مع التحدي، أي: أي شيء أغنى عنهم كسبهم حين دمرهم الله؟ كذا؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: ماذا قلت في ﴿مَا﴾؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ما قلت: نعم نعم؟! طيب، هذا جارك عن اليمين ماذا تقول؟ * طالب: موصولة.. * الشيخ: لا، ما قلنا هذا، هذا ما قلته. * طالب: أن تكون ﴿مَا﴾ نافية. * الشيخ: نعم، أحسنت، بارك الله فيك، إن كانت نافية فالمعنى: ما أغنى عنهم كسبهم شيئًا، وإن كانت استفهامية فالتقدير: ما الذي أغنى عنهم ما كانوا يكسبون، ونظير ذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء ٢٠٥ ٢٠٧] أي: أي شيء أغنى عنهم، أو أن المعنى نفي الإغناء. * الطالب: من ذهب إلى ديار ثمود للعبرة ولكنه ما استطاع أن يبكي فهل يتباكى؟ * الشيخ: لا أعرف في الحديث: «إِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا»[[أخرجه ابن ماجه (١٣٣٧) من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه. ]] ، قال: «لَا تَدْخُلُوهَا إِلَّا وَأَنْتُمْ بَاكُونَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٣)، ومسلم (٢٩٨٠/٣٨) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، ولفظه: قال رسول الله ﷺ لأصحاب الحجر: «لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذَّبين، إلا أن تكونوا باكينَ، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم؛ أن يُصيبكم مثلُ ما أصابهم». ]] . ورسول الله ﷺ لما مر بها قنَّع رأسه؛ يعني غطاه وخفضه وأسرع. * الطالب: إذا نقول: ابكِ أو ارجع؟ * الشيخ: نعم، نقول: إما أن تبكي وإما أن ترجع، فإن لم تبكِ وأنت مررت بالبلد فعجِّل وقنِّع رأسك كما فعل الرسول عليه الصلاة والسلام. * الطالب: شيخ، بهذا نقول بعدم جواز من يصور هذه الصور، ويريها للناس، ينشرها؟ * الشيخ: إي نعم، الظاهر أنه للمنع أقرب، وذلك لأنه إنما يريهم إياها لبيان قوة القوم لا لبيان أن الله أهلكهم مع قوتهم، هذا هو الظاهر من هؤلاء المصوِّرين. * الطالب: هل يشمل هذا كل الآثار القديمة أم فقط الذين عُذِّبوا؟ * الشيخ: نحن قرأنا آية تدل على المراد: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾. * الطالب: قلنا: إذا كان للإنسان بقرة يجوز أن يركبها وفي الحديث: «إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهَذَا»[[أخرج البخاري (٢٣٢٤) بسنده عن حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «بينما رجل راكب على بقرة التفتت إليه، فقالت: لم أخلق لهذا، خلقت للحراثة...» الحديث. ]] ..؟ * الشيخ: هذا الجمع بينهما أن هذه البقرة كُلِّفت ما لا تطيق، أو كان يشق عليها أن تُركب؛ لأن بعض الحيوانات الذي لم يعتد أن يركب يشق عليه هذا حتى وإن كان يستطيع أن يحمله. * الطالب: بعض الناس يستخدمون هذه الأنعام في السحر (...) وما أشبه ذلك؟ * الشيخ: ما فيها شك، استعمال هذه الحيوانات فيما هو محرم قصدًا أو ذاتًا هذا لا يجوز، حتى لو ركب هذه الأنعام ليصل إلى بلد يفعل فيه الفواحش أو يلعب فيه القمار فإن هذا حرام. * الطالب: بعض القوم السابقين دمرهم الله سبحانه وتعالى خارج ديارهم مثل الفراعنة، هل نقول: لا ندخل آثارهم كما نقيس على ديار ثمود؟ * الشيخ: لا، وعلى هذا نقول: لنا أن ندخل المكان الذي أغرق فيه فرعون، ولنا أن ندخل مصر أيضًا؛ لأنه لم يهلك فرعون في مصر. * * * * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر ٨٢ - ٨٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ذكرنا في هذا التركيب ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ وما أشبهها إعرابين؟ * الطالب: الإعراب الأول: أن نقول: إن الهمزة هنا همزة استفهام، وبعدها جملة مقدرة، فتكون هنا من باب عطف الجمل على الجمل المقدَّرة، ويكون التقدير على حسب السياق. * الشيخ: يُقدَّر المحذوف بحسبه. * الطالب: وهنا تقديره: أَفَغَفلوا فلم يسيروا؟ * الشيخ: الوجه الثاني؟ * الطالب: الوجه الثاني: الفاء مؤخرة عن موضعها، والأصل فألم يسيروا، وتكون عاطفة على ما سبق. * الشيخ: وتكون الجملة معطوفة على ما سبق. الثاني أسهل؛ لأن الأول قد يتعذر أو يتعسر تقدير المحذوف، فأما هذه فهي سهلة ليس فيها سوى مجرد زحلقة الفاء عن موضعها. وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: على الأرض؛ لأن ﴿فِي﴾ للظرفية، ولو جعلنا ﴿فِي﴾ للظرفية في هذا السياق لكان معنى الآية: أن يدخلوا في جوف الأرض، وهذا غير مراد قطعًا، فتكون ﴿فِي﴾ بمعنى (على) كقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك ١٦] أي من على السماء، وليس المراد أن الله في جوف السماء؛ لأن ذلك مستحيل، وقد وسع كرسيه السماوات والأرض. وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يشمل السير بالقدم والسير بالقلب، أما السير بالقدم فمعروف، وأما السير بالقلب فمعناه أن يتفكر الإنسان فيما مضى من تاريخ الأمم، وأصح مرجع نرجع إليه فيما مضى من سِيَر الأمم هو القرآن الكريم. وقوله: ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ هذه معطوفة على (يسيروا)؛ يعني أن الله وبَّخهم على أمرين: عدم السير، وعدم النظر، فهم لم يسيروا ولم ينظروا ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، والنظر هنا هل هو نظر البصيرة أو البصر؟ إن قلنا: إن قوله: ﴿يَسِيرُوا﴾ سير القدم فالنظر نظر البصر، وإن قلنا: يسيروا سير القلب فالنظر نظر البصيرة. ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أعربنا ﴿كَيْفَ﴾ على أنها خبر مقدم لـ﴿كَانَ﴾، وهنا يتعين التقديم؛ لأن ﴿كَيْفَ﴾ اسم استفهام، والاستفهام له الصدارة، فعليه تكون خبرًا مقدمًا لـ﴿كَانَ﴾، و﴿عَاقِبَةُ﴾ اسمها ﴿عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني من الأمم. فما هي العاقبة؟ العاقبة أشار الله إليها في سورة القتال في قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾. ثم شرح الله حال أولئك السابقين فقال: ﴿كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ [غافر ٨٢] أكثر منهم عددًا، وكثرة العدد تُوجب القوة في الكمية، وأشد منهم قوة هي القوة بالكيفية، ثم قال: ﴿وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ يعني من العمران والقصور وغيرها، ومع ذلك لم تنفعهم هذه الكثرة ولا هذه القوة؛ يقول: (من مصانع وقصور) هذه تفسير لقوله: ﴿وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾. ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿مَا أَغْنَى﴾: (ما) يحتمل أن تكون نافية، أي: فلم يُغنِ عنهم ما كسبوا، ويحتمل أن تكون استفهامية، والمعنى: فما الذي أغنى عنهم؟ والاستفهام هنا أشد وقعًا؛ لأنه مُشرَب بالتحدي، أي شيء أغنى عنهم؟ الجواب: لا شيء ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي ما كانوا يكسبون من القوة والآثار في الأرض وغير ذلك؛ لأن الله تعالى دمرهم ودمر قوتهم. ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ هذا الذي أتى بعد ذكر تدميرهم هو في الحقيقة عود إلى شرح ما حصل، فإن الله أرسل إليهم الرسل بالبينات الواضحة، وأنزل الكتب، ولكن لما جاءتهم رسلهم بالبينات قال المؤلف: (المعجزات الظاهرات)، والصواب أن يقول: الآيات البينات، هو رحمه الله جعل البينات بمعنى الظاهرات، وهذا حق، وجعل (البينات) صفة لموصوف محذوف تقديره: المعجزات، وهذا فيه نظر، بل يُقدَّر الآيات، وذلك لأن المعجزات لم ترد في الكتاب والسنة محل الآيات أبدًا، وأيضًا المعجزات تكون من الرسل ومن غير الرسل، فالسحرة مثلًا تأتي لهم الشياطين بالمعجزات، لكن الآيات -يعني العلامات الدالة على صدقهم- هذه أبلغ؛ ولهذا إذا وجدتم في الكتب، وما أكثر ما تجدون المعجزات، أو معجزة الأنبياء، أو ما أشبه ذلك فاضربوا عنها صفحًا، وقولوا بدلها الآيات كما قال الله عز وجل الآيات، والآيات -كما قلت لكم- أدق من كلمة المعجزات؛ لأن المعجزات يدخل فيها ما يُعجِز البشر مما تصنعه الشياطين مع السحرة وغيرهم. (﴿فَرِحُوا﴾ أي الكفار ﴿بِمَا عِنْدَهُمْ﴾ أي: الرسل ﴿مِنَ الْعِلْمِ﴾ فرح استهزاء وضحك منكرين له) ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا﴾ الواو فاعل، فمن الفارح؟ يقول: (أي الكفار)، وهذا صحيح، فرح الكفار بما عندهم من العلم، وقوله: ﴿بِمَا عِنْدَهُمْ﴾ الضمير يعود على الرسل على حد تفسير المؤلف، بما عند الرسل من العلم، أي: بما جاؤوا به من البينات؛ لكن هل هذا الفرح فرح استبشار أو فرح استهزاء؟ يقول المؤلف: إنه فرح استهزاء وضحك وسخرية. ولكن هذا التفسير إذا تأملته وجدته تحريفًا وليس تفسيرًا؛ لما فيه من البُعد المعنوي واللفظي، أما البعد اللفظي فلأن فيه تشتيت الضمائر؛ لأن قوله: ﴿فَرِحُوا﴾ الواو للكفار ﴿بِمَا عِنْدَهُمْ﴾ الهاء للرسل، هذا تشتيت للضمائر؛ والهاء في قوله: ﴿بِمَا عِنْدَهُمْ﴾ إذا جعلنا الكلام نسقًا واحدًا لا شك أنها تعود على الكفار، أي بما عند الكفار من العلم. وأما المعنوي فلأن الفرح في الأصل استبشار، فإذا صرفناه عن معناه الظاهر إلى أن يكون فرح استهزاء كان هذا إخراجًا للمعنى عما يدل عليه ظاهر اللفظ، والحاصل أن هذا التفسير الذي ذكره المؤلف تفسير ضعيف جدًّا بل هو تحريف؛ والصواب أن المعنى: فرح الكفار بما عندهم -أي بما عند الكفار من العِلم- وقالوا: نحن أعلم بما يصلحنا، وما يصلح دنيانا وديننا الذي نحن عليه، فأنتم أيها الرسل سحرة مجانين كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات ٥٢]، وإذا كانوا يعتقدون بقلوبهم أو يقولون بألسنتهم ما لا يعتقدون من أن الرسل سحرة مجانين فإنهم لا شك سيجعلون ما عندهم من العلم هو العلم الحقيقي فيفرحون به. وعلى هذا فنقول: الفرح هنا فرح بطر واستبشار فيما يظنون، أنهم على علم أعلى من علم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر ٨٣]، ويعجب الإنسان أحيانًا فيما يذهب إليه بعض العلماء من تفسير الآيات أو الأحاديث. الآن لو قرأت هذه الآية على إنسان عامي: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ فعلى أي شيء يتنزل الضمير في قوله: ﴿بِمَا عِنْدَهُمْ﴾ عند هذا العامي؟ على الكفار، فرحوا بما عندهم، والإنسان يفرح بما عنده لا بما عند غيره. ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [غافر ٨٣] ﴿حَاقَ﴾ يقول: (نزل) لكنها أعنى ﴿حَاقَ﴾ ليست كـ(نزل) من كل وجه؛ لأن (نزل) تكون بالخير وبالشر ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء ١٩٣، ١٩٤] هذا خير ولا شر؟ خير، لكن (حاق) لا تأتي إلا بالشر، فلا يقال: حاق به القرآن، أو حاق عليه القرآن كما يقال: نزل عليه، فحاق هنا بمعنى نزل لكنها لا تستعمل إلا في نزول الشر، وهو شر بالنسبة لمن نزل به، وقد يكون خيرًا بالنسبة لغيره. ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [غافر ٨٣] ﴿مَا﴾: فاعل ﴿حَاقَ﴾، ﴿كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: يعني فيما سبق؛ أي أنهم لما جاءهم بأس الله عز وجل ونزل بهم ﴿حَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ فيما سبق، حيث كانوا يستهزئون بالرسل، وبما جاؤوا به وبالشرائع، بل ربما يستهزئون بالله عز وجل، انظر إلى قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة ٦٥] يتبين لك أن الكفار يستهزئون بالله، ويستهزئون بآيات الله، ويستهزئون بالرسل. (﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي العذاب) يعني حاق بهم العذاب الذي كانوا يستهزئون به حين توعدتهم الرسل به، فجعلوا يستهزئون أيش العذاب اللي تقولون؟ أين هو؟ يستفهمون استهزاء. ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٤] أي شدة عذابنا، ﴿رَأَوْا﴾: بمعنى بأبصارهم، يعني رأوه رؤيا العين، والبأس: أشد العذاب. ﴿قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر ٨٤] ﴿قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ أي دون شركائنا، ودون ما كنا نعبده، وهذا غاية الإخلاص، ثم أكدوا هذا بقولهم: ﴿وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ ﴿بِمَا﴾: الباء حرف جر متعلقة بـ﴿كَفَرْنَا﴾، و﴿بِهِ﴾: يحتمل أن تكون للسببية؛ أي بما كنا بسببه مشركين، وأن تكون متعلقة بـ﴿مُشْرِكِينَ﴾ تعلق الجار بعامله؛ المعنى: أنهم لما رأوا عذاب الله آمنوا، ولكن هل ينفعهم هذا الإيمان؟ لا. إن فرعون لما غرق وأدركه الغرق، ماذا قال؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾. * الشيخ: صح، قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس ٩٠] ولكن ماذا قيل له؟ قيل له: ﴿آلْآنَ﴾ يعني أتؤمن الآن ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس ٩١] فلم ينفعه إيمانه. وقال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ [النساء ١٨]، هذا لا تنفعه التوبة؛ لأنه رأى وشاهد، شاهد ما كان غيبًا يكفر به، والإيمان عن مشاهدة لا يفيد؛ لأن كل إنسان يؤمن بما يُشاهد ولو كان أكفر الناس، وإنما الذي يُحمد عليه الإنسان وينجيه من عذاب الله أن يؤمن بالغيب كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة ٣]. ﴿قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر ٨٤]، قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٥] ﴿لَمْ يَكُ﴾: أصلها (لم يكن)، لكن حُذِفت النون تخفيفًا، وقد جاء الحذف والإبقاء في آيتين من كتاب الله، فقال تعالى في إبراهيم: ﴿وَلَمْ يَكُن مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، وقال: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل ١٢٠] وهي جملة واحدة حُذفت فيها النون وأُبقيت، وهذا الحذف تخفيف، وله شروط معروفة في كتب النحو. ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٥] (إيمانُ) هل تعربونها على أنها اسم (يكن) مؤخرًا أو على أنها فاعل ينفع واسمها مستتر؟ الثاني، والتقدير على هذا: فلم يك إيمانهم ينفعهم، أما على الأول فيكون: فلم يك ينفعهم إيمانهم فيكون اسمها ضمير الشأن، اسم يكن محذوفًا ضمير الشأن. وقوله: ﴿لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ ﴿لَمَّا﴾: هنا ظرف بمعنى (حين)، واعلم أن (لَمَّا) تأتي في اللغة العربية على أوجه: الأول: أن تكون ظرفًا بمعنى (حين) كما في هذه الآية، فإن معنى: ﴿لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ أي حين رأوا بأسنا. وتأتي جازمة، مثل قوله تعالى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص ٨]. وتأتي شرطية كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة ٨٩]. وتأتي بمعنى (إلا) كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤] وكذلك قوله: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس ٣٢]. فهذه أربعة معانٍ في (لَمَّا)، المعنى الأول؟ بمعنى (حين) كما في هذه الآية: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٥] أي حين رأوا بأسنا، الثاني: بمعنى إلا مثل؟ * طالب: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾. * الشيخ: آية أخرى؟ * طالب: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾. * الشيخ: شرطية مثل؟ * طالب: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [غافر ٨٤]. * الشيخ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾. صح، وكذلك: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾. تأتي جازمة، مثاله؟ ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ وهي للنفي أيضًا، جازمة ونافية؛ لكن الفرق بينها وبين (لم) أن (لَمَّا) تفيد قرب مدخولها ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ ولكن سيذوقونه قريبًا، بخلاف (لم) فتأتي للنفي المطلق. ﴿لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ قال الله تعالى: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ [غافر ٨٥] ﴿سُنَّتَ﴾ يقول المفسر: (نَصْبُه على المصدر بفعل مقدر من لفظه) (سُنَّة) بمعنى طريقة، أي: هذه طريقة الله. و﴿سُنَّتَ﴾ في مثل هذا التركيب يجوز أن تكون مرفوعة أي سُنَّة الله على أنها خبر مبتدأ محذوف، أي: هذه سُنَّة الله؛ ويجوز أن تكون منصوبة، والمؤلف يقول: (إنها منصوبة بفعل مُقدَّر من لفظه) أي: سَنَّ الله بهم سُنَّته. ﴿سُنَّتَ اللَّهِ﴾ ويجوز أن تكون مصدرًا عامله محذوف لكنه مُقدَّر من الجملة التي قبلها؛ لأن هذه العبارة بمعنى ما قبلها تمامًا؛ يعني ﴿سُنَّتَ اللَّهِ﴾ بمعنى ما قبلها وهي أخذ المكذبين بالعذاب، فتكون منصوبة بمضمون الجملة لا بفعل مُقدَّر، وما ذكره المؤلف رحمه الله وجه لا شك فيه، والمهم أن السُّنَّة بمعنى الطريقة. فما طريقة الله؟ طريقة الله تعالى إهلاك المكذبين وتعذيبهم، وأنهم لو آمنوا بعد نزول العذاب لم ينفعهم. (﴿الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ [الفتح ٢٣] في الأمم أن لا ينفعهم الإيمان وقت نزول العذاب) هذه واحدة، والثانية أن يُعذِّب المكذبين، فالسُّنَّة التي استفدناها من هذه الآية شيئان؛ أولًا: إهلاك المكذبين، والثاني: أنه لا ينفعهم إيمانهم إذا رأوا العذاب. قال: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر ٨٥] ﴿خَسِرَ﴾ فسرها المؤلف بمعنى: (تبين خسرانهم لكل أحد وهم خاسرون في كل وقت قبل ذلك) ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ معلوم أن (هنالك) ظرف مكان أو زمان؟ مكان، هذا هو الأصل، فهي اسم إشارة إلى المكان، وقد تُستعار إشارة للزمان، فتقول: هنالك أي في ذلك الوقت، ومنه هذه الآية، الآن إذا قلت: فلان هناك، هذا ظرف مكان، وهذا هو الأصل، ولو قلت مثلًا: قدم فلان هناك، تشير إلى الوقت صارت إشارة للزمان لكن هذا خلاف الأصل. بقي علينا أن يقال: خسر في ذلك الوقت الكافرون، أليس الكافرون خاسرين في كل وقت؟ بلى، لكن تبين خسرانهم وظهر؛ لأنهم كانوا قبل أن ينزل عليهم العذاب يظنون أنهم رابحون؛ ولهذا فرحوا بما عندهم من العلم، لكن إذا نزل بهم العذاب ظهر لهم الخسران. * من فوائد هذه الآيات: الحث على النظر في أحوال الأمم السابقة، تؤخذ من: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [غافر ٨٢] وجه الدلالة: أن الله وبَّخَهم على عدم السير. * ومن فوائدها أيضًا: أن السير في الأرض بالقدم إذا لم يصحبه النظر والاعتبار فإنه لا ينفع؛ لقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ ﴿فَيَنْظُرُوا﴾. * يتفرع على هذا: ما يفعله كثير من الناس اليوم من السير إلى ديار ثمود، حيث يسيرون بأبدانهم لكن لا يسيرون بقلوبهم ولا يعتبرون، بل يذهبون إلى هنالك للاطلاع على مآثر القوم بل على آثار القوم الدالة على قوتهم، وهذا لا يجوز، الواجب على من سار إلى تلك الديار أن يدخلها وهو باكٍ؛ لقول النبي ﷺ: «فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوهَا». ولا ينفع التباكي؛ لقوله: «فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوهَا» »[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٣)، ومسلم (٢٩٨٠/٣٨) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، ولفظه: قال رسول الله ﷺ. ]] . ولم يقل: فتباكوا، إذن من لم يُوطِّن نفسه على هذا الوصف الذي رخص فيه النبي ﷺ في الدخول في ديار ثمود فإنه لا يجوز أن يدخل، وغالب الناس الذين يذهبون الآن إنما يذهبون للفرجة والنزهة فقط، وهذا حرام. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من الأمم من هو أشد قوة وآثارًا مما كانت عليه قريش؛ لقوله: ﴿كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ [غافر ٨٢]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى لا يُعجِزه قوة العدو ولا كثرة العدو، فإن الله تعالى أهلكهم مع كثرتهم وقوتهم. وهل الله عز وجل إذا أراد إهلاكهم يكون إهلاكهم ممتدًّا لمدة من الزمن حتى يقضي عليهم؟ لا، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر ٣١] ﴿الْمُحْتَظِرِ﴾ يعني الذي أحاط أرضه بحِظار، والحِظَار -كما تعرفون- مركب من أعواد خفيفة أو من سعف النخل، وتأكله الشمس والهواء بسرعة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن قوة الإنسان، وكثرة عدده لا تغني عنه شيئًا من عذاب الله؛ لقوله الله تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الحجر ٨٤]. * ومن فوائد هذه الآيات: أن الله سبحانه وتعالى أرسل الرسل بالآيات البينات الدلالة على صدقه. * ويتفرع على هذا فائدتان أو أكثر، وهما: رحمة الله بالعباد، وحكمة الله تعالى في فعله. أما رحمة الله بالعباد، فلأن الله تعالى لو أرسل إليهم رسلًا بدون آيات لكان في ذلك تكليف بما لا يُطاق؛ لأن الإنسان لا يُمكن أن يُصدِّق برسول بدون آيات تدل على صدقه، وإلا لأمكن كل كاذب أن يقول: إنه رسول. وأما الحكمة فظاهر أن الله سبحانه وتعالى لما أرسل الرسل لم يتركهم هملًا بل أعطاهم ما على مِثلِه يؤمن البشر، كما أخبر بذلك نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَنَّ اللَّهَ مَا بَعَثَ رَسُولًا إِلَّا آتَاهُ مَا يُؤْمِنُ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ». » والذي أُوتيه الرسول عليه الصلاة والسلام هو الوحي القرآن؛ ولهذا قال: «فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٧٤)، ومسلم (١٥٢/٢٣٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظه: «ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحى الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة». ]] ؛ لأن القرآن آية باقية إلى يوم القيامة، أو إلى أن يأذن الله تعالى بفساد العالم، أما آيات الرسل فغالبها تنقضي في زمانها، لكن آية الرسول باقية. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن آيات الرسل بينة لا تحتمل الشك؛ لقوله: (بينات). * ويتفرع على ذلك: أنه ينبغي للعالم الذي ينشر شريعة الله عز وجل إذا نشرها بين الناس أن يكون نشره إياها على وجه بين لا اشتباه فيه، لماذا؟ أولًا: اقتداءً بالرسل. وثانيًا: ليزداد المخاطب طمأنينة؛ لأن الطمأنينة لها أثر في قبول ما يُلقى، وفي القيام به، فإن الإنسان إذا لم يُبيَّن له الحق على وجه تحصل به الطمأنينة تجده يمشي أو يأخذ بالحق وهو متردد، لكن إذا زِيد طمأنينة؛ انتفع بذلك، أليس كذلك يا أخ؟ ماذا قلت؟ * طالب: النبي لا بد أن يكون له أتباع؟ * الشيخ: النبي؟ لا، ما قلت. هل أنا قلت هذا؟ * طلبة: لا. * الشيخ: الرسول قال: «وَالنَّبِيُّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ». * الطالب: شيخ، بارك الله فيكم، قلنا: إن الهلاك يكون مرة واحدة، أليس هذا باختلاف الأمم، ففي عاد الله سبحانه وتعالى أرسل عليهم ريحًا صرصرا في أيام نحسات، أم أنهم أرسل عليهم الريح فأهلكتهم، ثم استمرت عليهم؟ * الشيخ: لا، عاد، الله سبحانه وتعالى أمَدَّ لهم في العذاب؛ لأنهم يقولون: مَنْ أشدُّ منا قوة؟ فأرسل الله عليهم الريح التي هي أخف وألطف ما يكون فأهلكتهم. * الطالب: شيئًا فشيئًا؟ * الشيخ: قال: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة ٧] في هذه المدة، قد يكون بعضهم هلك في أول يوم، بعضهم في ثاني يوم، تبعًا لما يكون من الملاجئ أو غيرها. * الطالب: هذا مستثنى من العقوبة؟ * الشيخ: لا؛ لأنه أرسل عليهم العقوبة على هذا الشكل. * الطالب: لكن الفائدة لاحظناها أو لا؟ * الشيخ: لا (...)؛ لأن هذا هو الأصل، ويقال: إن هذه وإن امتدت فهي من حين ابتدأ العذاب هلك من هلك. * الطالب: ما ورد عن الإمام (...) قال: (...) هل يقال: إنه كان عندهم آلات يصنعون بها هذه الأشياء؟ الآن مع وجود هذه الآلات ما يمكن للإنسان.. * الشيخ: هو يحتمل الآلات، أو يحتمل أنه لكثرتهم كل واحد مسك عملًا ويقوم به، وتعرف أن الإنسان إذا اعتاد على عمل معين ولو كان شاقًّا صار سهلًا عليه. * الطالب: في آخر السورة قال: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر ٨٥] يجوز تغيير يعني (...)؟ * الشيخ: الفائدة من هذا أن بيان أن كل كافر فهو مُبطِل، ليس معه حق، وكل مبطل لا يقول إلا الباطل فهو كافر، يعني المبطل في كل أحواله هذا كافر؛ يعني ليس معه شيء من الحق، والكافر مُبطِل ليس معه شيء من الحق أيضًا، فاختلاف التعبير لزيادة المعنى. كما يكون أيضًا في اختلاف القراءات أحيانًا، كقول الله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور ٢٧]. وفي قراءة أخرى: تستأذنوا. ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات ٦] في قراءة: ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾؛ فتكون القراءة هذه مفسرة للقراءة الثانية. * الطالب: في رسم القرآن ﴿سُنَّتَ اللَّهِ﴾ [غافر ٨٥] ﴿سُنَّتَ﴾ التاء مفتوحة، وفي سورة الدخان تكون بهاء التأنيث، ما السبب في هذا؟ * الشيخ: أفهمتم سؤاله؟ يقول: ﴿سُنَّتَ﴾ التاء فيها مفتوحة، والقاعدة أنها مربوطة؛ لأنها لمفرد، فيقال: إن الرسم العثماني ليس على القواعد المعروفة الآن، بل هو توقيفي، وقد اختلف العلماء رحمهم الله هل يجب أن يُرسم القرآن بالرسم العثماني، أو لا يجب، أو يفصل بين أن يُلقَّن التلاميذ الصغار أو الكبار على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه لا يجوز أن يُرسم القرآن إلا بالرسم العثماني على كل حال حتى وإن كنت تعلمه الصبيان، فعلى الرسم العثماني، فتكتب: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء ١٠٣] تكتب (الصلوة) بالواو، حتى وإن كنت تدرس صبيًّا اتباعا للرسم. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة ٤٣] الصلاة بالواو و(الزكوة) بالواو؛ لأن هذا هو الرسم العثماني. وقال بعضهم: بل لا يجب؛ لأن الرسم العثماني حين رُسِم المصحف صادف أنه على هذا الوجه، ولو كان الرسم العثماني على غير هذه القاعدة لكُتِب بحسب القاعدة التي كانت في ذلك الوقت؛ فالمسألة ليست توقيفية لكن صادف أن الرسم في ذلك الوقت على هذا الوجه، فرُسِم القرآن عليه؛ وذلك لأن القرآن لم ينزل مكتوبًا حتى نقول: لا بد أن يكون كما كتب بل نزل مقروءًا، وقاعدة الرسم تختلف من حيث لآخر، وهذا القول له وجه قوي؛ لأنا نعلم عِلم اليقين أنه لو كانت قاعدة الرسم على غير هذا الوجه في ذلك العهد لكُتِب بمقتضى القاعدة المعروفة في ذلك العهد. والقول الثالث يقول: إن كان القرآن مكتوبًا للصبيان للتعلم فاكتبه على القاعدة المعروفة بينهم، وإن كان للكبار، يعني يكتب الإنسان مصحفًا فليكتبه على حسب الرسم العثماني، وهذا فيه جمع بين القولين؛ لأنك لو ترسم القرآن للصبي على حسب الرسم العثماني لَحَرَّفَه؛ لأن القواعد التي بين يديه تُخالف الرسم فيُحرِّفه، فيقرأ مثلًا: الزكاة - الزكوة، الصلاة - الصلوة، الربا - الربو، وهُلم جرًّا، واضح. فأنا أميل إلى أنه لا بأس أن يُكتب بمقتضى القاعدة الحاضرة بالنسبة للمتعلم لا شك في ذلك، بالنسبة لغيره فيه احتمال ولكن القول بالمنع فيه نظر. * * * * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت ١ - ٤]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. * من فوائد هذه الآية ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: بيان حِكمة الله عز وجل ورحمته، وذلك أنه جعل الآيات التي تأتي بها الرسل آيات بينات حتى لا يبقى حجة. * ومن فوائدها: أن الكفار يفخرون بما عندهم من العِلم، ولو كان باطلًا؛ لقوله: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر ٨٣]، وهذا الذي كان فيما سبق موجود الآن، فإن بعض أولئك القوم الذين آتاهم الله من علم الدنيا ما آتاهم تجدهم يفرحون بها، ويقولون: هي خير من عِلم أولئك المقوقعين على أنفسهم، ويعنون بهم علماء الشريعة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير البالغ من رد ما جاءت به الرسل؛ لقوله: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [غافر ٨٣]. ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٤] إلى آخره. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن أولئك القوم المكذبين للرسل إذا رأوا العذاب قالوا: آمنا، والمثال على ذلك فرعون لما أدركه الغرق قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس ٩٠]. * ومن فوائدها: أن هؤلاء الذين يؤمنون بعد أن نزل بهم العذاب لا يستفيدون من إيمانهم شيئًا؛ لقوله: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٥]. ومن فوائد الآية الكريمة: أن سُنَّة الله عز وجل في العباد واحدة، فإنه لا يُحابي أحدًا لغناه أو لفقره أو لغير ذلك، بل إن أكرم الخلق عند الله أتقاهم؛ لقوله: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير من تكذيب الرسل، وأن من كذَّب الرسل فإنه سينالهم ما نالهم من العذاب، أي: ما نال الأمم السابقة من العذاب. * ومن فوائدها أيضًا: ظهور الخسران لهؤلاء المكذبين قبل أن يموتوا؛ لقوله: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ﴾ أي: حين جاءهم البأس تبين لهم الخسران ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾. ثم قال تبارك وتعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إلى آخره، البسملة تقدم الكلام عليها كثيرًا، وبينا أنها آية من كتاب الله، ولكنها ليست آية تابعة للسورة التي بعدها ولا التي قبلها، بل هي آية يُؤتى بها لابتداء السور ما عدا سورة براءة. أما معناها فإن الإنسان يقول: أبتدئ بكل اسم من أسماء الله، وإنما جعلنا المعنى بكل اسم من أسماء الله؛ لأن (اسم) مفرد مضاف، والمفرد المضاف يفيد العموم، كل مفرد مضاف إلى معرفة فإنه يفيد العموم، ألم تروا إلى قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل ١٨] ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ لو نظرنا إلى لفظها لقلنا: إنها واحدة لكنها كثيرة لا تُحصى، فيكون هذا المفرد الذي أُضيف يكون للعموم، وهذه هي القاعدة: كل مفرد مضاف لمعرفة فإنه مفيد للعموم؛ ولهذا قلنا: بكل اسم من أسماء الله. و(الرحمن الرحيم) صفتان للفظ الجلالة، لكن الأولى رُوعِي فيها الوصف، والثانية رُوعِيَ فيها الفعل وهو إيصال الرحمة، أما مُتعلَّق هذا الجار والمجرور فإنه محذوف، ويُقدَّر مؤخرًا مناسبًا للمقام، فإذا كنت تريد أن تقرأ فقلت: بسم الله الرحمن الرحيم؛ قَدِّر أَقْرَأ، وإنما اختير ذلك؛ أي اختير أن يكون فعلًا؛ لأن الأصل في العمل الأفعال، ولهذا يعمل الفعل بلا شرط، والأسماء التي تعمل عمل الفعل لا بد لها من شروط كما هو معروف في علم النحو، وإنما اخترنا أن يكون متأخرًا لفائدتين: الفائدة الأولى: تيمنًا بذكر اسم الله. والفائدة الثانية: إرادة الحصر؛ لأنه إذا تأخر العامل كان ذلك حصرًا، فإذا قلت: زيدًا أَكْرِم، المعنى لا تُكْرِم غيره، لكن لو قلت: أكرم زيدًا، لم يمتنع عن تكريم غيره، إذن أخَّرناه لفائدتين: الفائدة الأولى: تيمنًا بذكر الله عز وجل، والثاني؟ * طالب: الحصر. * الشيخ: إفادة الحصر. وقدَّرناه مناسبًا؛ لأنه أبين المقصود، فلو قال قائل: باسم الله أبتدئ، قلنا: صحيح، لكن لا تبين المراد مثل ما تبينه: باسم الله أقرأ، وذلك لأن الابتداء يكون للقراءة ولغير القراءة؛ ولهذا اختير أن يكون مناسبًا للمقام، والخلاصة الآن أن متعلق الجار والمجرور هو محذوف، فعل، متأخر مناسب للمقام. قال الله تعالى: ﴿حم﴾ وقال المفسر: (الله أعلم بمراده به)، وهذا هو الأدب مع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أن الذي لا تعرف معناه قل: الله أعلم بمراده به؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء ٣٦]. ولكن قد يقول قائل: إننا نعلم أنه لا معنى لهذه الحروف الهجائية التي تُوجد في كثير من السور، نعلم ذلك بدلالة القرآن، فقد قال الله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٣ - ١٩٥]. واللسان العربي لا يكون التعبير بمثل هذه الحروف له معنى في حد ذاته، لو قلت: (أ، ب، ج، ح، خ) ما لها معنى، فإذا لم يكن لها معنى بمقتضى اللسان العربي قلنا: إن قوله: ﴿حم﴾ ﴿والم﴾ ﴿والر﴾ وما أشبهها ليس لها معنى في حد ذاتها. يرد على هذا إذا لم يكن لها معنى صارت لغوًا، وكلام الله تعالى لا لغو فيه، فيقال: إنها ليست لغوًا، وإنما المراد إقامة الْحُجَّة على أولئك المشركين حيث عجزوا عن الإتيان بمثل القرآن ولا بآية واحدة، عجزوا، مع أن هذا القرآن هل أتى بحروف لا يعرفونها حتى يعتذروا ويقولوا: إنه جاء بحروف ليست معروفة لنا؟ الجواب: لا، القرآن جاء بحروف يعرفونها. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: (ولذلك لا تكاد ترى سورة مبدوءة بهذه الحروف إلا وبعدها ذكر القرآن) وابدأ من أول البقرة إلى أن تأتي إلى آخر السور المبدوءة بهذه الحروف، تجد أن بعدها ذِكْر القرآن، إشارة إلى أن هذا القرآن الذي أعجزكم معشر العرب كان من هذه الحروف التي تكونون منها كلامكم، وهذا الذي ذهب إليه شيخ الإسلام رحمه الله واضح جدًّا، وأما القول بأنه ليس لها معنى فقد قاله مجاهد بن جبر أعلم التابعين بكتاب الله عز وجل. قال: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فصلت ٢، ٣] قال المؤلف رحمه الله المفسر: (﴿تَنْزِيلٌ﴾ مبتدأ ﴿كِتَابٌ﴾ خبره) ولو قيل بالعكس لكان أوضح، لو قيل: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؛ لأنه يُخبَر بالمعنى عن الذات، ولا يُخبَر بالذات عن المعنى، هذا الأصل، فتقول: زيد قائم، (قائم) خبر، ولا تقول: (زيد) خبر، لكن ما ذهب إليه المؤلف من الإعراب له وجه؛ يعني ليس باطلًا، لكن لو قيل إن: ﴿تَنْزِيلٌ﴾ هو الخبر مقدم و﴿كِتَابٌ﴾ مبتدأ مؤخر لكان أوضح وأبين. ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مَنْ يعني به؟ يعني به الرب عز وجل؛ أي: تنزيل من الله الرحمن الرحيم، لكنه أتى بهذين الاسمين الكريمين إشارةً إلى أن القرآن رحمة؛ لأن إنزاله من مقتضى رحمة الله عز وجل. أليس من الممكن أن يقال: تنزيل من الله؟ نعم، كما جاء في آية أخرى لكنه قال: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إشارة إلى أن هذا القرآن نَزَلَ بمقتضى رحمة الله عز وجل، وأن الله رَحِمَ به العباد. و(الرحمن الرحيم) اسمان من أسماء الله، من أشرف أسماء الله عز وجل، ويأتيان مقترنين، ويأتيان منفصلين بعضهما عن بعض، فإن انفصلا فكل واحد متضمن معنى الآخر، فقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه ٥] هذا منفرد عن (الرحيم)، فيتضمن الصفة والفعل، أي أن الله تعالى موصوف بالرحمة الواسعة، وهو سبحانه وتعالى يرحم بهذه الرحمة من شاء من عباده. وفي قوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أيضًا نقول: ﴿الرَّحِيمُ﴾ هنا تشمل الوصف والفعل؛ لأنها انفردت عن الرحمن، أما إذا اجتمع (الرحمن) و(الرحيم) كانت (الرحمن) للصفة و(الرحيم) للفعل؛ ولهذا جاءت (الرحمن) على وزن (فَعْلَان)، وهذا الوزن في اللغة العربية يقتضي الامتلاء..