Tafsir Ibn Uthaymeen — غافر 40:40 – غافر 40:65
المحتويات
غافر 40:40
الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (٣٨) يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (٣٩) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (٤٠) وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ [غافر ٣٨ - ٤٢].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر ٣٨] في أول هذه الآيات يقول الله عز وجل: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [غافر ٢٨] وهنا وما قبلها يقول: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ﴾ تحقيقًا لإيمانه وأنه مؤمن حقًّا.
﴿قَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ ﴿يَا قَوْمِ﴾: سبق الكلام على إعرابها، وبينَّا أنها منادى منصوبة مُقَدَّرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة.
وقوله: (﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ﴾ بإثبات الياء وحذفها ﴿أَهْدِكُمْ﴾ ) يعني أنها قراءتان: اتبعوني واتبعون، أما على وجود الياء فالأمر ظاهر؛ لأنها ياء المتكلم، وأما على حذفها فهي محذوفة للتخفيف.
وقوله: ﴿اتَّبِعُونِ﴾ فعل أمر، و﴿أَهْدِكُمْ﴾ جواب فعل الأمر؛ ولهذا وقع مجذومًا بحذف الياء والكسرة قبلَها دليل عليها، وأصل أهدكم أهديكم، لكن الفعل المضارع إذا وقع جوابًا للأمر فإنه يكون مجزومًا، قيل: إنه مجذوم به وقيل أنه مجذوم بشرط مُقَدَّر، والتقدير إن تتبعوني أهدكم، وهكذا يقال في كل ما جاء على هذا التركيب.
﴿أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ أي: طريقه، والهداية هنا هداية الدلالة؛ لأنه لا يمكن أن يُراد بها هداية التوفيق؛ إذ إن هداية التوفيق تكون بيد الله عز وجل؛ لقوله تبارك وتعالى لرسوله محمد ﷺ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص ٥٦] أي: لا تهدي هداية التوفيق، فقوله: ﴿أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ يعني: أدلكم على سبيل الرشاد، سبيل الرشاد ضد سبيل الغَيِّ، والرشاد هو حُسْن التصرف، والغي هو ارتكاب الخطأ عن عمد.
﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ لما رَغَّبَهُم في إتباعه زَهَّدَهُم في الدنيا، لأن أصل ضلال بني آدم هو الطمع في الدنيا، والتنافس إنما يكون عليها؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «وَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَإِنَّمَا أَخْشَى أَنْ تُفْتَحَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا -أي مَنْ قبلنا- فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٥٨) ومسلم (٢٩٦١ / ٦) من حديث عمرو بن عوف الأنصاري رضي الله عنه ولفظه «...فأبشروا وأَمِّلوا ما يسرُّكم، فوالله ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكني أخشى عليكم أن تُبْسَط الدنيا عليكم، كما بُسِطَت على مَنْ كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم» الحديث. ]] فهو لما طلب أن يتبعوه بَيَّن لهم حال الدنيا التي ينافسون فيها، والتي صَدُّوا عن سبيل الله بها، فقال: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾ ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر، و﴿هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ مبتدأ، و﴿مَتَاعٌ﴾ خبره، أي: ما هذه الدنيا إلا متاع يتمتع به الإنسان قليلًا ثم يزول؛ ولهذا يقول المؤلف في التفسير: (﴿مَتَاعٌ﴾ تمتع يزول).
﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ ﴿الْآخِرَةَ﴾ ما بعد الدنيا، ﴿هِيَ﴾ ضمير فصل، و﴿دَارُ الْقَرَارِ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾.
واعلم أن ضمير الفصل ضمير لا محل له من الإعراب، لا يُعْرَب مبتدأ ولا خبرًا ولا أي شيء، لا محل له من الإعراب.
واعلم أيضًا أن له ثلاث فوائد:
الفائدة الأولى: التوكيد.
والفائدة الثانية: الحصر.
والفائدة الثالثة: تمييز الخبر من الصفة.
ويظهر هذا في المثال فإذا قلت: زيد هو الفاضل، فـ(هو) ضمير فَصْلٍ استفدنا منه ثلاث فوائد:
أولًا التوكيد: حيث أَكَّدْنَا أن زيدًا هو الفاضل، بل حيث أَكَّدْنَا أن زيدًا فاضل.
ثم الحصر؛ لأنك قلت: زيد هو أي: لا غيره، زيد هو الفاضل.
الفائدة الثالثة: التمييز بين الصفة والخبر، فإنك لو قلت: زيد الفاضل، لاحتمل أن يكون الفاضل صفة لزيد وأن الخبر لم يأت بعد، فإذا قلت: هو الفاضل، تعيَّن أن تكون الفاضل خبرًا، فبذلك يَحْصُل التمييز بين الخبر وبين الصفة.
ذكرنا أنه لا مَحَلَّ له من الإعراب، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء ٤٠] فهنا جاءت ﴿الْغَالِبِينَ﴾ خبرًا لـ(كان)، ولو كان له محل من الإعراب لكانت: (إن كانوا هم الغالبون)، لكنه ليس له محل من الإعراب.
إذن ما هي دار القرار؟ هي الدار الآخرة، وأُكِّدَ ذلك بالإتيان بضمير الفصل.
﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ أي: دار المستقر، ولهذا «يُؤْتَى بِالْمَوْتِ عَلَى صُورَةِ كَبْشٍ فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَيُقَالُ: يَا أَهْلَ النَّارِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَطَّلِعُونَ، وَكَذَلِكَ يُقَالُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَطَّلِعُونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، فَيُذْبَحُ أَمَامَهُمْ، وَيُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ وَلَا مَوْتٌ وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ وَلَا مَوْتٌ»[[أخرج البخاري (٦٥٤٨) ومسلم واللفظ له (٢٨٥٠ / ٤٣) بسنديهما عن ابن عمر رضي الله عنهما أن أباه حدثه عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «إذا صار أهل الجنة إلى الجنة، وصار أهل النار إلى النار أُتِيَ بالموت حتى يُجْعَل بين الجنة والنار، ثم يُذْبَح، ثم ينادي منادٍ: يا أهل الجنة، لا موت، ويا أهل النار، لا موت. فيزداد أهل الجنة فرحًا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حُزْنًا إلى حزنهم»، وأخرجه النسائي في الكبرى (١١٢٥٥) بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: «..ينادي: يا أهل الجنة، فيشرئبون فينظرون، وينادي: يا أهل النار، فيشرئبون فينظرون، فيقال: هل تعرفون الموت؟ فيقولون: نعم، فيجاء بالموت في صورة كبشٍ أملح، فيقال: هذا الموت، فيُقَدَّم فيُذْبَح، قال: يا أهل الجنة، خلود ولا موت، ويقال: يا أهل النار، خلود لا موت» قال ثم قرأ ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [مريم: ٣٩].]] إذن هذا القرار، ما دام ليس فيه انتقال عن هذه الدار فهي دار القرار، طيب إذا كانت هي دار القرار والدنيا متاع، فما الأولى أن يعمل له؟ الآخرة؛ لأنها دار القرار، أما هذه فهي دار عبور دار متاع؛ «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ»[[أخرجه البخاري (٦٤١٦) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]].
ثم قال: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر ٤٠] هذا كالبيان لحال الآخرة وكيف يُجَازَى الناس فيها، فقال: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ ﴿مَنْ﴾ شرطية، و﴿عَمِلَ﴾ فعل الشرط، وجملة ﴿فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ هذه جواب الشرط.
وقوله: ﴿فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ (مثل) مفعول ﴿يُجْزَى﴾ الثاني، والمفعول الأول هو نائب الفاعل المستتر.
يقول: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً﴾ السيئة هي ما يسوء حالًا أو مآلًا، فما أصاب الإنسان مِنْ مَرَضٍ أو فقر أو عاهة أو ما أشبه ذلك، هذا سوء لكنه في الحال، وما أصاب الإنسان من عقوبة على أعماله فهذا سوء ولكنه في المآل، وقد يكون في الحال قد يُعاجَل الإنسان بالعقوبة، فالسيئة كل ما يسوء حالًا أو مآلًا.
﴿فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ السيئة بواحدة مهما كانت حتى وإن كان الإنسان في مكة أو في المدينة أو في المسجد أو في أي مكان، أو في أي زمان أيضًا، حتى ولو كان في الأشهر الحرم التي نَصَّ الله تعالى عن النهي عن الظلم فيها، فقال: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة ٣٦] فإن السيئة لا تزاد، ولكن اعلموا أنها قد تكون أشدَّ من حيث الكيفية لا من حيث الكمية؛ كيف الكيفية؟ يعني أننا نرى أن ضربة واحدة قد تكون أشد على الإنسان من عَشْرِ ضربات لشدتها وشدة وقعها؛ ولهذا قال الله تعالى في الحرم المكي: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج ٢٥].
وبهذا التقرير الذي دَلَّ عليه الكتاب والسنة تَبَيَّن أن ما يُذْكَر عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه خرج من مكة وقال: لا أبقى في بلد سيئاته وحسناته سواء؛ فإن هذا لا يصح عن ابن عباس رضي الله عنه، وابن عباس أفقه وأعلم من أن يلتبس عليه هذا الأمر، مع أن الله قال في سورة الأنعام وهي مكية: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام ١٦٠].
قال: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [غافر ٤٠] ﴿مَنْ﴾ هذه شرطية، و﴿صَالِحًا﴾ يجوز أن نعربها صفة لموصوف محذوف، والتقدير: عمل صالح، ويجوز أن نجعلها مفعولًا مطلقًا؛ لأن وَصْفَ المصدر المحذوف يصح أن يقع الإعراب عليه على أنه مفعول مطلق أو على أنه صفة لموصوف محذوف، والتقدير (عملًا صالحًا).
فما هو العمل الصالح؟ العمل الصالح ما توافرت فيه شروط القَبول، وذلك بأن يكون خالصًا لله على شريعة منه؛ يعني: يجمع بين أمرين: الإخلاص لله، والمتابعة لرسله عليهم الصلاة والسلام. هذا العمل الصالح؛ إذن هو ما توافرت فيه شروط القَبول وهما الإخلاص لله عز وجل، والثاني المتابعة لرسل الله سواء محمد أو غيره، لكن من المعلوم أنه بعد بعثة محمد ﷺ لا يصلح اتباع غيره.
إذا فُقِدَ الإخلاص فليس العمل صالحًا بل هو مردود على صاحبه؛ لقوله تبارك وتعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
وإذا فُقِدَت المتابعة لم يكن العمل صالحًا وكان مردودًا لقول النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري بنحوه (٢٦٩٧)، ومسلم واللفظ له (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة رضي الله عنها.]].
وقوله: ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ بيان لـ ﴿مَنْ﴾، فمن هنا بيانية، كيف نقول بيان لـ ﴿مَنْ﴾؟ لأن ﴿مَنْ﴾ اسم موصول، واسم الموصول الأصل فيه الإبهام، فإذا وُجِدَ بعده بيانٌ فإنه يكون مبينًا لإبهامه.
﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ هذا الشرط؛ لا بد أن يكون مؤمنًا، فإن لم يكن مؤمنًا فإن عمله الصالح لا ينفعه، حتى وإن كان العمل مما يتعدى نفعُه فإنه لا ينفعه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة ٥٤]، فغيرُ المؤمن لا ينفعه عمله، لو أن رجلًا كافرًا أصلح الطرق، ومَدَّ أنابيب الماء يسقي الناس، وبنى المساجد، وطَبَع الكتب، وكسا العريان، وأطعم الجائع، فهل هذا ينفعه؟ لا؛ ولهذا لا ينفع المنافقين عملُهم لأنهم ليسوا مؤمنين، وبه نعرف أن الإيمان هو الأصل، آمنْ ثم اعملْ.
لا بد أن يكون مؤمنًا، فإن لم يكن مؤمنًا فإن عمله الصالح لا ينفعه، حتى وإن كان العمل مما يتعدى نفعه فإنه لا ينفعه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة ٥٤]. فغير المؤمن لا ينفعه عمله، لو أن رجلًا كافرًا أصلح الطرق، ومد أنابيب الماء يسقي الناس، وبنى المساجد، وطَبَع الكتب، وكسا العريان، وأطعم الجائع، فهل هذا ينفعه؟
لا؛ ولهذا لا ينفع المنافقين عملهم؛ لأنهم ليسوا مؤمنين، وبه نعرف أن الإيمان هو الأصل، آمِن ثُمَّ اعملْ، أما العمل بدون إيمان، نسأل الله ألا يخلع عنا وعنكم الإيمان، العمل بدون إيمان هباء، ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان ٢٣] لا بد من الإيمان أولًا، ثم إذا آمن اعمل، وإذا عملت فأخلص واتبع.
﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ [غافر ٤٠] جملة ﴿فَأُولَئِكَ﴾ جواب الشرط، أي شرط هو؟ ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾ [غافر ٤٠].
﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ وهنا قال: (أولئك) باسم الإشارة الموضوعِ للبعيد إشارةً إلى علو مرتبتهم؛ كأنك تشير إليهم وهم فوق.
﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ قال: (بضم الياء وفتح الخاء (يُدْخَلُونَ) وبالعكس)، ما العكس؟ ﴿يَدْخُلُونَ﴾ فيجوز ﴿يُدْخَلُونَ﴾ أي يدخلهم الله، ويجوز ﴿يَدْخُلُونَ﴾ أي: هم بأنفسهم لكن بإذن الله. ومن المعلوم أن أهل الجنة لا يدخلون الجنة إلا بعد الشفاعة، بعد شفاعة محمد ﷺ في فتح الجنة؛ لأنهم يصلون إليها وبابها مغلق، فيطلبون من يشفع لهم إلى الله عز وجل أن يفتح لهم الباب، فيشفع النبي ﷺ وحده في أن يُفتح لهم الباب فيُفتح.
﴿يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر ٤٠] ﴿يُرْزَقُونَ﴾: الرزق بمعنى العطاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء ٨] أي: أعطوهم، فمعنى ﴿يُرْزَقُونَ﴾ إذا يعطون.
وقوله: (﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي بغير تبعة) يعني لا يحاسبون عليه، ولا ينقدون له ثمنًا، في الدنيا لا تملك رزقًا إلا بثمن، لكن في الآخرة تُعطى الرزق بغير ثمن، وبغير تبعة، لا تحاسب عليه، لماذا؟ لأن الثمن كان مقدمًا، سلمًا، تعرفون السَّلَم؟ نقد الثمن، وتأخير الْمُثْمَن، فهنا الثمن مُقدَّم، الثمن كان في الدنيا حين عملوا بطاعة الله فكان هذا هو العِوَض، فالقوم قد أسلموا في هذا المبيع، وقدموا ثمنه، ولهذا قال: ﴿يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
* في هذه الآيات الثلاث فوائد:
* أولًا: تلطف هذا الداعي، هذا الرجل المؤمن الذي يدعو إلى الله؛ لقوله: ﴿يَا قَوْمِ﴾ فإن هذا لا شك من أساليب التلطف.
* ومن فوائد هذه الآية؛ وهي الآية الأولى: قوة جأش هذا المؤمن، حيث كان رجلًا واحدًا يقول لهؤلاء الجماعة: اتبعوني، وهذا -كما قلنا في التفسير- فعل أمر.
* ومن فوائد هذه الآية: أنه ينبغي للداعية إذا دعا إلى شيء أن يُبين ما يكون به ترغيب المدعو حتى ينشط ويفعل؛ لقوله: ﴿أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر ٣٨].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى كذب فرعون حين قال لقومه: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر ٢٩]، ففرق بين قول فرعون وبين قول هذا المؤمن؛ قول فرعون كذب، وقول هذا الرجل حق لا شك.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن السبل تختلف، سبل ضلال، وسبل غي، وسبل رشاد، فالسبيل الموصِل إلى الله هذا سبيل رشاد، والسُّبل المتفرقة هذه سبل ضلال، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ﴾ [الأنعام ١٥٣].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان حال الدنيا، وأنها متاع يتمتع بها الإنسان، ثم تزول، إما بزوال هذا التمتع، وإما بزوال المتمتِّع؛ ولهذا انظر مصارع الدنيا، هل فيها أحد خُلِّد؟ وهل فيها أحد خُلِّد له ما بين يديه؟ كل ذلك لم يكن، فالدنيا إما زائلة، وإما أن يُزال عنها، قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء ٣٤].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: انحصار الدنيا في هذه الكلمة القليلة وهي متاع، كل الدنيا متاع لا تتحمل أكثر من ذلك.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الاستعداد والرغبة في الآخرة؛ لقوله: ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر ٣٩]، فإذا اجتمع هذا إلى ما قبله صار متضمنًا لفائدتين، وهما: الزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة.
ثم قال: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً﴾ [غافر ٤٠] إلى آخره.
* فيها من الفوائد: أن عمل السيئة لا يزداد إثمًا على قدر السيئة؛ لقوله هنا: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [غافر ٤٠].
* ومن فوائد الآية: أنه في مقام التهديد ينبغي أن يُبدأ بما يدل على التهديد قبل أن يُبدأ بما يدل على الترغيب؛ لأنه هنا بدأ بالسيئة، ثم أعقب بالصالح، وانظر إلى قول الله تبارك وتعالى في مقام ذكر الأحكام الشرعية، قال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٩٨].
ولما أراد جل وعلا أن يتحدث عن نفسه ويبين كمال صفاته قال: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر ٤٩، ٥٠]، فلكل مقام مقال، فالإنسان ينبغي له أن يرتب المعاني حسب ما تقتضيه الحال، لا يُلقي الحديث على عواهنه، وفضل الله يؤتيه من يشاء، قد يُريد الإنسان هذا الشيء، ويريد أن يُرتِّب كلامه، وأن يبنيه على ما تقتضيه الحال، ولكن يخونه التعبير، إلا أن الإنسان إذا استعان بالله سبحانه وتعالى واعتمد عليه يَسَّرَ الله له الأمر.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا يُقبل العمل إلا إذا كان صالِحًا ولا ينفع صاحبه إلا إذا كان صالحًا.
وذكرنا أن الصالح ما اجتمع فيه شروط القبول، وهما: الإخلاص والمتابعة. بفقد الإخلاص يكون الإنسان مشركًا، وبفقد المتابعة يكون الإنسان مبتدعًا؛ ولهذا لا يُقبل العمل إلا الخالص الموافق للشرع.
ففي فقد الإخلاص يقع الإنسان في الشرك، وبفقد المتابعة يقع الإنسان في البدعة؛ أيهما أشد؟ الأول، وقد يكون الثاني حسب المخالفة، لكن الشرك من حيث هو أعظم من البدعة، وقيل: إن البدعة أشد وأعظم؛ لأن الله قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف ٣٣]. والآية بالتدريج من الأدنى إلى الأعلى، وصاحب البدعة يضر نفسه ويضر غيره؛ لأنه يكون إمامًا يدعو إلى مخالفة الرسل، والذي يظهر أن الشرك من حيث هو شرك أعظم، لكن قد يكون المترتب على البدعة أشد من المترتب على الشرك.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الذكور والإناث مشتركون في الثواب والعقاب؛ بمعنى أن الله لا يُعاقِب الأنثى أكثر من عقوبة الرجل، ولا الرجل أكثر من عقوبة الأنثى، وكذلك لا يجزي الرجل أكثر من جزاء الأنثى، ولا الأنثى أكثر من جزاء الرجل؛ لقوله في هذه الآية: ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾.
ونظيرها قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [آل عمران ١٩٥].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن العمل الصالح لا ينفع إلا مبنيًّا على الإيمان؛ لقوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. والجملة كما تعرفونها أيها المعربون، الجملة في موضع نصب على الحال، يعني والحال أنه مؤمن.
وبناءً على هذا نسأل: هل عمل المنافق ينفعه؟ لا، لفقد الإيمان، هو غير مؤمن.
وهل الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره أو هو إيمان وراء ذلك كله؟ الجواب الثاني، من جملة الإيمان الذي يجب أن تكون الأعمال الصالحة مبنية عليه أن تُؤمن بالثواب على العمل؛ ولهذا إذا عمِل الإنسان العمل الصالح وهو يرجو هذا الثواب لا شك أنه سيزداد رغبةً في العمل، وسيزداد إحسانًا للعمل؛ لأنه يعرف أن السلعة على قدر الثمن، فإذا كنت تعمل وأنت تشعر بأنك ستُجازى على هذا العمل مجازاةً تامة، فسوف تحسن العمل لأجل أن يحسن لك الثواب والجزاء، وهذه مسألة مهمة يغفل عنها الإنسان كثيرًا عن كونه ينوي بذلك الثواب الذي أعده الله لعامل هذا العمل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن رزق الجنة ليس فيه حساب؛ يعني أنه لا يُطلب من الإنسان عِوَض، ولا يلحقه تبعة؛ لقوله: ﴿يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر ٤٠].
ثم قال هذا الرجل الذي آمن: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر ٤١] هذا استفهام تعجب وإنكار، كأنه يقول: عجبًا لكم، أدعوكم إلى الجنة، وتدعونني إلى النار، وهذا والله محل العجب؛ أن تدعو رجلًا إلى الجنة وهو يدعوك إلى النار، فتأتي إلى رجل تقول: يا فلان، اترك شُرْب الخمر؛ شُرْب الخمر حرام، ولا يجوز، من شربه في الدنيا لم يشربه في الآخرة، هي أم الخبائث، مفتاح كل شر، فيقول لك: يا ولد لذة وطرب وأنس وسرور، اشرب فأنت تشوف إذا شربت كأنك ملك الملوك، ثم يرغبه، ثم يقول له أيضًا يُمنِّيه، يقول: اشرب، وإذا شربت وحصلت لك اللذة والطرب فاستغفر الله، الباب مفتوح؛ أيهم الأحق بالإجابة، الأول ولَّا الثاني؟ طبعًا الأول، هذا يقول: ﴿مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾. وهذا استفهام –كما قلت لكم- تعجب وإنكار، وهو محل للتعجب ومحل للإنكار أيضًا.
* الطالب: (...) هل الإرادة بالمعصية يأثم بها الإنسان؟
* الشيخ: الإرادة -بارك الله فيك- نوعان: إرادة يلحقها هم، وإرادة مجرد خاطر، فهذه الثانية لا يأثم بها الإنسان، لا في مكة ولا في غيرها، والثاني: إرادة يلحقها هم، هذه يأثم بها الإنسان.
* الطالب: في الآية: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج ٢٥]؟
* الشيخ: نعم، عذاب أليم؛ لأن الحرم ليس كغيره، فإذا كان الهم بالإلحاد المقرون بالظلم يُذقه الله من عذاب أليم، فما بالك بالفعل؟ يكون أشد.
* الطالب: قول الله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ﴾ [إبراهيم ١، ٢] سبب الجر؟
* الشيخ: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ﴾ هذه على أنها عطف بيان، من هو العزيز الحميد؟ الله، فبيَّن، قوله: ﴿اللَّهِ﴾ بالكسر بيان لـ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾.
* الطالب: ينبني عليها شيء لو قلنا صفة؟
* الشيخ: هو العادة أن لفظ الجلالة هي التي توصف؛ لأنها العلم الْمُعيِّن لمسماه تعيينًا لا اشتباه فيه؛ ولهذا قال النحويون: إنه أعرف المعارف، وإنه أعرف حتى من الضمير، وإذا كان أعرف فإنه لا يكون صفة، بدل أو عطف بيان، وعطف البيان يقول ابن مالك:
وَصَــــــالحًا لِبَــــدَلِيَّةٍ يُـــــــرَى ∗∗∗ فِي غَيْرِ نَحْوِ (يَا غُلَامُ يَعْمُرَا)؎وَنَحْوِ بِشْرٍ تَابِعِ الْبَكْرِيِّ ∗∗∗ وَلَـــــيْسَ أَنْ يُبْدَلَبِالْــــــمَرْضِيِّ
كل عطف بيان فهو صالح أن يكون بدلًا إلا في هاتين المسألتين.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ما هو على كل حال؛ لأنه قد يُراد بالإلحاد هنا إلحاد بظلم إن نوى الكبيرة.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، هو ضمير الفصل، أما الضمائر المنفصلة الأخرى فالأصل أن لها محلًّا من الإعراب.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، هذا -سلَّمَك الله- بعد أن يستقر أهل الجنة في الجنة، بعد أن يخلص كل شيء؛ يعني أهل الجنة ما يخرجون منها، وأهل النار ما يخرجون منها، يعني بعد أن يستقر كل شيء.
غافر 40:41
طالب: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (٤٢) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر ٤١ - ٤٣].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر ٤١] سبق الكلام على هذه الجملة، وبينا أن الاستفهام فيها للتعجب والإنكار.
﴿مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾. جملة ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ معطوفة على الجملة التي قبلها، وليست استئنافية ولا حالية كما قيل فيها به، بل هي معطوفة على ما سبق؛ لأن التعجب إنما يكون من اجتماع الأمرين أنه يدعوهم إلى النجاة وهم يدعونه إلى النار.
وقوله: ﴿إِلَى النَّجَاةِ﴾ يعني النجاة من النار، ولم يقل: (إلى الجنة) مع أنه قال: ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر ٣٩]؛ لأنهم هم يدعونه إلى الهلاك، يدعونه إلى النار، فقابَل دعوته بدعوتهم، فكأنه يقول: أنا أدعوكم إلى النجاة من النار وأنتم تدعونني إلى النار، والدعوة إلى النار ليس أن يقول القائل: هلموا إلى النار أيها الناس، لكنها الدعوة إلى عمل أهل النار، وليُعْلم أن النار حُفَّت بالشهوات، وأن الجنة حُفَّت بالمكاره، وعمل أهل النار مبني على الشهوات أو على الشبهات؛ يعني إما جهالات وضلالات كعمل النصارى، وإما شهوات كعمل اليهود، وعلى هذين يدور عمل أهل النار؛ الشبهات والشهوات، والشبهات دواؤها العلم، والشهوات دواؤها الحزم والإرادة التامة لما يحبه الله ويرضاه ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر ٤١].
ثم بَيَّن بعد أن أَجْمَل في قوله: ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ بَيَّن الأعمال التي يدعونه إليها فقال: ﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ [غافر ٤٢] ﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ﴾ اللام هنا لبيان المدَّعى إليه، أو المدعو إليه؛ يعني تدعونني لهذا، وعلى هذا فـ﴿أَكْفُرَ﴾ منصوبة بـ(أن) مضمرة بعد اللام على مذهب البصريين، أو باللام على مذهب الكوفيين.
﴿لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ﴾ أي: أجحده وأُنكره، والمراد: إنكار وحدانيته بدليل قوله: ﴿وَأُشْرِكَ بِهِ﴾. وقد يقال: إن المراد إنكار وجوده بالكلية أو الإشراك به مع الإقرار به، فيكونون يدعونه إلى شيئين: إما إنكار الخالق عز وجل، وهذا يستفاد من قوله: ﴿لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ﴾ أي: أجحده، أو إثباته مع وجود شريك له، وهذا مستفاد من قوله: ﴿وَأُشْرِكَ بِهِ﴾.
وقوله: ﴿مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ [غافر ٤٢] هذا قيد مبين للواقع، وأن كل من أشرك بالله فإنه مشرك بلا علم، بل بما يُعلَم بالفطرة خلافه، ولكن من المعلوم أن الشيء إذا كان بلا عِلْم فإنه لا ثبوت له ولا أصل له، فالصفة بل فالصلة في قوله: ﴿مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ لبيان الواقع، وقد بينا أن كل قيد لبيان الواقع أو الغالب أو المبالغة فإنه لا مفهوم له.
﴿وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ [غافر ٤٢] بدأ هنا باسم العزيز؛ لأن المقام يقتضيه؛ إذ إن هؤلاء أقباط من آل فرعون، يظنون أن العزة له، فقال: أدعوكم إلى العزيز، ولم يقل: (إلى الغفور الرحيم)، بل قال: ﴿إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾، يعني العزيز الغالب، فيهلككم إذا أنتم أشركتم به أو كفرتم به. ﴿الْغَفَّارِ﴾ يغفر لكم ما سبق إن أنتم آمنتم به، وهذا من تمام فقه هذا الرجل المؤمن.
فإنه قد يقول قائل: إن المقام يقتضي: وأنا أدعوكم إلى الغفور الرحيم، لكن الأمر بالعكس، المقام يقتضي ذكر اسمه العزيز؛ لأن هؤلاء يدعون أنهم فوق الناس، وأن ربهم فرعون، وأنه لا غالب له.
وقوله: (العزيز) اسم من أسماء الله، و(الغفار) اسم من أسماء الله، و(الغفور) اسم من أسماء الله، وليُعلم أن أسماء الله سبحانه وتعالى تنقسم إلى قسمين: الأول: ما كان مشتقًّا من وصف متعدٍّ، فهذا لا يتم الإيمان به إلا بأمور ثلاثة:
الأول: إثباته اسمًا لله، والثاني: إثبات الصفة التي دل عليها، والثالث: إثبات الْحُكم المترتب على هذه الصفة.
والقسم الثاني: غير المتعدي، لا يتم الإيمان به إلا بإثبات اثنين: إثباته اسمًا من أسماء الله، وإثبات الصفة التي دل عليها هذا الاسم؛ لأن كل اسم من أسماء الله يدل على صفة، ليس لله اسم يكون جامدًا، خلافًا لمن قال: إن كلمة (الله) اسم جامد غير مشتق، وهذا ليس بصحيح، ما من اسم من أسماء الله إلا وهو مشتق؛ لأن الله وصف أسماءه بأنها حُسنى، وما لا يتضمن صفة ليس بحسن فضلًا على أن يكون أحسن، نضرب أمثلة لهذا:
(الحي) من أي القسمين؟ من اللازم، تؤمن به اسمًا من أسماء الله، وبالحياة التي دل عليها الاسم، (السميع) متعدٍّ، تؤمن بالسميع اسمًا لله، وبالسمع صفة لله، وبأنه يسمع إثباتًا للحكم؛ وهو الأثر المترتب على هذه الصفة.
ثم اعلم أن الاسم يتضمن أحيانًا صفة، وأحيانًا صفتين، وأحيانًا أكثر؛ لأن أنواع الدلالة ثلاثة:
مطابقة، وتضمن، والتزام، فمثلًا من أسماء الله تعالى: ﴿الْخَلَّاقُ﴾، ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ﴾ [الحجر ٨٦]، تؤمن بـ(الخلَّاق) اسمًا من أسماء الله، تؤمن بصفة الخلق التي تضمنها اسم (الخلاق)، وإيمانك بالاسم والصفة هذا إيمان بدلالة المطابقة، وإيمانك بالاسم وحده أو بالصفة وحدها إيمان بدلالة التضمن، ثم إيمانك بأنه عليم قدير إيمان بدلالة الالتزام؛ لأنه ما من خلَّاق إلا وهو عليم، وما من خلَّاق إلا وهو قادر؛ لأنه إن كان جاهلًا فكيف يخلق؟ وإن كان عاجزًا فكيف يخلق؟ فدلالة الخلَّاق على العلم والقدرة دلالة التزام.
وهذه الدلالة -أعني دلالة الالتزام- يتفاوت فيها الناس تفاوتًا كثيرًا، فمن الناس من يعطيه الله تعالى فهمًا يدرك به اللوازم التي تلزم على هذا الاسم، ومن الناس من هو دون ذلك، فتجد بعض الناس يستنبط فوائد عدة بدلالة اللزوم، وآخر لا يقدر، وفضل الله تعالى يؤتيه من يشاء.
إذن ﴿العَزِيز﴾ لا يتم الإيمان به إلا بأيش؟ ثلاثة ولَّا اثنين؟ العزيز نعرف معناه أولًا، العزيز بمعنى ذو العزة ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ [الصافات ١٨٠]، والعزة قالوا: إنها ثلاثة أنواع:
عزة القَدْر، وعزة القهر، وعزة الامتناع؛ عزة القَدْر بمعنى أنه سبحانه وتعالى عزيز قدْرًا، بحيث لا يكون مماثلًا له، عِزَّة الامتناع؛ يعني أنه عز وجل عزيز؛ أي: يمتنع أن يناله السوء، والعزيز يأتي بمعنى الامتناع كقوله تعالى: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم ٢٠] أي: بممتنع.
والثالث: عزة القهر؛ بمعنى أنه الغالب. ومنه قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون ٨] فقال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون ٨] العزة يعني الغلبة، إذا كان العزيز بمعنى الغالب فهو من الأسماء المتعدية، عَزَّ أي غلب، فهو (غالِب) ومقابله (مغلوب)، وإذا كانت عَزَّ بمعنى (امتنع)، أو بمعنى (كان ذا قدر عظيم) فهو لازم.
إذن نقول: العزيز من جهة تكون من الأسماء المتعدية متى؟ إذا كانت بمعنى الغالب، ومن جهة أخرى تكون غير متعدية إذا كانت بمعنى الامتناع أو بمعنى القَدْر.
جملة معترضة، قال الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون٨] هل الجواب مطابق لقولهم أو غير مطابق؟ المطابقة أن يقول: والله أعز والمؤمنون، لكن لم يذكر هذا، بل قال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾ إشارة إلى أن المنافقين لا عِزَّة لهم أصلًا؛ لأنه لو قال: الله أعز؛ لأثبت للمنافقين عزة، ولكنه ليس لهم عزة، حصر العزة في الله ورسوله والمؤمنين؛ وهذه من بلاغات القرآن، وإذا تأملت القرآن، سبحان الله، تبين لك أمور تبهرك في دلالاته وإشاراته وإيماءاته، فسبحان الذي أنزله عز وجل!
(الغفار) اسم من أسماء الله، وهل هو من الأسماء المتعدية؟ المتعدية؛ لأن الله قال: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران ١٢٩] إذن لا بد أن نثبت الغفار اسمًا من أسماء الله، ولا بد أن نثبت الصفة وهي المغفرة ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد ٦]. ونثبت أنه يغفر، يوصل المغفرة من شاء. قال: ﴿أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [الزمر ٥].
﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [غافر ٤٣] وهو الكفر بالله والإشراك به ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ أي ليس له استجابة دعوة ﴿فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ﴾ ولا جرم أيضًا ﴿أَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾.
قال المفسر: (﴿لَا جَرَمَ﴾ حَقًّا) يعني أن معنى لا جرم حق، وعلى هذا فتكون ﴿لَا﴾ زائدة، و﴿جَرَمَ﴾ بمعنى حقًّا، وهذا ما ذهب إليه المؤلف، والمعربون اختلفوا فيها، والصواب في إعرابها أن (لا) نافية للجنس. و(جرم) اسمها، ومعنى (جرم) أي لا شك، أو لا بد، هذا هو الصواب، والتركيب واضح، ولا يحتاج أن نقدر أن (لا) زائدة، و(جرم) بمعنى قطع، وأن مصير الجملة إلى أن تكون مصدرًا لعامل محذوف؛ يعني: أُحِقُّ حقًّا أن ما تدعون إليه لا حاجة لهذا، إذا قلنا: لا شك أنما تدعونني إليه إلى آخره ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة، زال الإشكال.
وعلى هذا فتكون ﴿جَرَمَ﴾ اسم ﴿لَا﴾، و﴿أَنَّمَا﴾. و(ما) دخلت عليه في تأويل مصدر خبر ﴿لَا﴾ وانتهى الموضوع، والمعنى يقول: لا شك، ولا ارتياب أن الذي تدعونني إليه ليس له دعوة.
وقوله: ﴿أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ مكتوبة عندي مربوطة؛ أي: ما مربوطة بـ(أن)، وحسب القواعد المعروفة أن تكون مفصولة؛ لأن المعنى لا جرم أن الذي تدعونني إليه، وإذا كانت (ما) موصولة فإنها تُفصَل عن (أن) كتابة، لكن رسم المصحف تمشى فيه العلماء على الرسم العثماني، احترامًا للقرآن أن يُغَيَّر؛ ولهذا تجدون (الصلاة) في المصحف مكتوبة بالواو، (والزكاة) بالواو، (والربا) بالواو، ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف ٥٦] بالتاء المفتوحة، كل هذا اتباعًا للرسم العثماني؛ احترامًا لكتاب الله أن يدخله التغيير.
وقد اختلف العلماء هل يُكتب القرآن حسب القواعد، وفي كل وقت بحسبه، أو على الرسم العثماني؟
فقيل: إنه يجوز أن يُكتب على القواعد في كل وقت بحسبه؛ لأن المقصود أن يُتلى كتاب الله على حسب ما نزل، لا على حسب ما كُتب، والقرآن نزل مكتوبًا أو نزل مقروءًا؟ مقروءًا، إذن الكتابة ما هي إلا اصطلاحات تخضع لأعراف الناس.
والقول الثاني: أنه لا يجوز أن يُغَيِّر أبدًا؛ سدًّا للباب، ومنعًا للتغيير، حتى لا يجرؤ أحد أن يُغَيِّر في كتاب الله عز وجل، وهذا لا شك أنه يرمي إلى قوة احترامنا للقرآن الكريم، والأول يرمي إلى قوة إيصال القرآن إلى الناس على وجه لا إشكال فيه.
والقول الثالث: أنك إن كتبته للدارسين المبتدئين، فلا بأس أن تكتبه حسب القواعد المعروفة؛ لأن الدارسين المبتدئين لا يعرفونه، وأما إذا كنت تريد أن تكتبه ليُقرَأ فهذا يُكتب على حسب الرسم العثماني، والظاهر أن هذا القول الْمُفصَّل أرجح الأقوال الثلاثة.
﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ [غافر ٤٣] (أنَّ): حرف توكيد ينصب المبتدأ ويرفع الخبر، و(ما): اسمها، و﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾: خبرها الجملة.
يقول: (﴿أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ لأعبده) ولكن هذا التفسير قاصر، ما الذي دعوه إليه؟ أن يكفر بالله ويشرك به، هم دعوه إلى أمرين، والمؤلف قصره على أمر واحد وهو عبادة غير الله، وهذا إشراك.
(﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ أي ليس له استجابة دعوة) والصواب أنه ليس له دعوة يُدعَى بها، ولا دعوة يجيبها، فمعنى: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ يعني لا يستحق أن يُدعى، وهو أيضًا لا يستجيب إذا دُعِي، كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا﴾ [فاطر ١٣، ١٤] فرضًا ﴿مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ زد على ذلك أنكم تريدون أن ينفعوكم في الآخرة والأمر ليس كذلك ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر ١٤]، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف ٥] هذا الذي تدعوه لا يمكن أن يستجيب لك إلى يوم القيامة أبدًا.
﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف ٥] ﴿هُمْ﴾: يجوز أن يكون المدعوون، ويجوز أن يكون الداعون، والهاء في ﴿دُعَائِهِمْ﴾ يجوز عودها لهذا، وهذا حسب الضمير السابق.
﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ﴾ [الأحقاف ٦] وهو الوقت الذي يُريد هؤلاء الداعون أن ينتفعوا بالمدعوين ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف ٦]؛ لأن الله يقول: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة ١٦٦] أي المودة والمحبة التي كانوا يُضمرونها لهم في الدنيا ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ [البقرة ١٦٧].
على كل حال ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ [غافر ٤٣]. المؤلف يقول: (ليس له دعوة مستجابة) يعني لا يستجيب الدعوة، والصواب أن لها معنيين: لا يستجيب ولا يستحق؛ فهو لا يستحق أن يُدعى ولو دُعِي لم يستجب.
﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ﴾ [غافر ٤٣] نعم، لا يستطيع هذا، لا في الدنيا، ولا في الآخرة؛ فالأصنام لا تنفع عابديها لا في الدنيا ولا في الآخرة.
قال: ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر ٤٣] ذكَّرهم بالحساب رحمه الله وجزاه خيرًا.
﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا﴾ أي: مرجعنا ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ عز وجل في الدنيا والآخرة ولَّا في الآخرة فقط؟ في الدنيا والآخرة. ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء ٥٩]، فالمرد هو الله في الدنيا وفي الآخرة.
﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر ٤٣] يعني: ولا جرم أيضًا أن المسرفين هم أصحاب النار، فهذه ثلاثة أشياء كلها جزم بها جزمًا:
أولًا: أن ما تدعون إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة، والثاني: أن مردنا إلى الله، والثالث: أن المسرفين هم أصحاب النار.
الْمُسرِف اسم فاعل من الإسراف، وهو تجاوز الحد، ويكون كُفرًا، ويكون دون الكُفْر، فالإنسان الذي يملأ بطنه من الطعام والشراب مُسْرِف، لكنه ليس بكافر؛ لأن الله قال: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف ٣١]. وكذلك الإسراف في اللباس وغيره لا يؤدي إلى الكفر، لكن الإسراف في عبادة الله بأن تتجاوز عبادة الله إلى عبادة غيره هذا هو الكفر، وهذا هو مراد هذا الرجل المؤمن ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر ٤٣].
﴿هُمْ﴾ ضمير فصل، وقد سبق لنا أن ضمير الفصل من حيث الإعراب لا محل له من الإعراب، فلا يؤثر فيما قبله، ولا يؤثر فيه ما بعده، وسبق لنا أن لضمير الفصل فوائد: التوكيد، والحصر، وتمييز الخبر عن الصفة، وضربنا لذلك مثلًا.
* من فوائد هذه الآيات: إنكار هذا الرجل المؤمن على قومه بما يشهد العقل بصحته حيث قال: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر ٤١]. وإذا كان العقل يدل على صحته فهو محل عجب، كل إنسان عاقل يعجب أن يكون هذا الشيء، رجل يدعو قومه إلى النجاة، ورجل يدعوهم إلى النار!
* ومن فوائد الآية الكريمة: مراعاة الحال في الخطاب، وجهه أنه قال: ﴿إِلَى النَّجَاةِ﴾ مع أنه يدعوهم إلى الجنة، لكن لما كانت دعوتهم إياه إلى الهلاك آثر أن يقول: إلى النجاة.
سؤال: هل يلزم من النجاة من النار دخول الجنة؟ يلزم، كيف اللزوم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: وجه اللزوم، لو قال: واحد، ينجو من النار ويجد محلًّا ثانيًا، أين قاله الله؟ أين آية واحدة؟ هذه، لكن هذا أنجاه الله من النار، وتركه من ها الأرض.
* طالب: (...).
* الشيخ: لكن هذا ما زُحْزح وأُدخِل، لكن واحد زُحزِح عن النار وسكت الله عنه، ما هو بدليل، الدليل أنه ليس في الآخرة إلا داران، إما هذا أو هذا؛ ولذلك كان أصحاب الأعراف الذين يبقون بين الجنة والنار مآلهم إلى الجنة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن كل من أشرك بالله أو أنكره كفر به فليس له عِلْم في ذلك مهما كان، تُؤخَذ من: ﴿وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ [غافر ٤٢].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإشراك بالله كجحود الله، من أين؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ويدل لذلك أيضًا قول الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥/٤٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: تذكير هذا الرجل المؤمن هؤلاء بعزة الله ومغفرته ترغيبًا وترهيبًا؛ لقوله: ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ [غافر ٤٢] في أي الكلمتين يكون الترهيب؟ في قوله: ﴿الْعَزِيزِ﴾، والترغيب في قوله: ﴿الْغَفَّارِ﴾، والله أعلم.
* الطالب: ما يُذكر في القرآن من كلام أشخاص معينين كملكة سبأ ومؤمن آل فرعون هل يؤخذ بالمعنى أو باللفظ؟
* الشيخ: هذا سؤال مهم، يقول: ما ينقله الله عز وجل عن الأمم السابقة هل هو بالمعنى أو باللفظ؟
الجواب: بالمعنى لا شك، أولًا: لأن لغة هؤلاء ليست لغة عربية، وثانيًا: لو كان باللفظ لكان كلام البشر مُعجِزًا؛ لأن الإعجاز يحصل بالآية والآيتين والثلاثة، وهذا الرجل المؤمن كم تكلم من آية؟
* طالب: يمكن يا شيخ يشير لشيء معين، وهو أنها تأتي بلاغًا (...).
* الشيخ: إذن لأن الله هو الذي صاغه بنفسه، فنقله بالمعنى.
هذا يوصلنا إلى شيء؛ الحديث القدسي هل هو كلام الله بلفظه أو معناه؟
هذا -على كل حال- فيه خلاف؛ منهم من يقول: تكلم الله به لفظًا، ومنهم من يقول: تكلم به معنى، والصياغة من الرسول عليه الصلاة والسلام، ومنهم من يقول: قل: قال الله، ولا تقل لفظًا ولا معنى، ما دُمت في عافية فاسلك طريق العافية، لكن أحيانًا يُحرج الإنسان، يُقال: أعطني الفرق بين الحديث القدسي والقرآن؟ وأما إذا أمكن الإنسان السلامة فالسلامة خير، لكن يأتيك بعض الناس ويقول لك: أخبرني عن الفرق بين الحديث القدسي والقرآن؟ فالفرق هو هذا؛ أن الحديث القدسي ليس لفظ الله عز وجل؛ لأنه لو كان لفظ الله لكان معجزًا ولثبت له أحكام القرآن، بحيث لا يقرؤه جنب، ولا يُمَس إلا بطهارة، ولا أحد يقدر على تحريفه، وما أشبه ذلك، وهذا كله مُنتهٍ.
فإذا قال قائل: أليس الرسول يقول: قال الله؟ قلنا: بلى. أليس الله يقول: قال فرعون، قال موسى وما أشبه ذلك وهو بغير لغتهم؟ هذا لا يمنع.
ثم لو قلنا: إنه كلام الله باللفظ أشكل علينا إشكالًا عظيمًا، فإما أن يكون بواسطة جبريل، أو بغير واسطة، فإن كان بغير واسطة كان أعلى سندًا من القرآن؛ لأن القرآن بواسطة من؟
* طلبة: جبريل.
* الشيخ: وإن كان بغير واسطة، فأي إنسان يقول بغير واسطة فإننا ربما نخنقه أو نعطيه كفًّا على الرأس؛ لأن إذا جعله بواسطة، والرسول حذف الواسطة صار عندنا إشكال، ما هو؟ التدليس، والرسول ﷺ مُنَزَّه عن هذا، فعلى كل حال المسألة -كما قلت لكم- أحد يقول: إنه كلام الله لفظًا ومعنى، والثاني يقول: كلام الله معنى لا لفظًا، والثالث يسكت، يقول: نقول: قال الله ونسكت، وهذا إذا حصل للإنسان السلامة فهو أسلم، لكن كما قلت لكم أحيانًا يقول لك: لازم، أعطني الفَرْق بين القرآن والحديث القدسي، نقول: هذا الفرق، القرآن كلام الله لفظًا ومعنى، والحديث القدسي كلام الله معنًى لا لفظًا.
فإن قال قائل: وحينئذٍ نطالبكم بالفرق بين الحديث النبوي والقدسي؛ لأن الحديث النبوي كلام الرسول، نقول: هذا سهل، الفرق بينهما أن الحديث النبوي لا يضيفه الرسول إلى الله، والحديث القدسي يضيفه إلى الله، انتهى الإشكال في هذه المسألة، ثم اعلم أن هذه المقامات إذا حصلت السلامة فهي أسلم، ولكن إذا ابتُلِي الإنسان فلا بد أن يُفَصِّل.
ومن ذلك، وأنا أحب أن أستطرد؛ لأن معنا إخوانًا لم يدركوا ما نقوله في بعض المجالس؛ من ذلك مثلًا لفظ (الجسم)، الجسم تعلمون أن جميع الْمُعطِّلة بنوا تعطيلهم على مسألة الجسم، حيث ادعوا أنهم إذا أثبتوا الوجه أو اليد أو ما أشبه ذلك فإنه يقتضي أن يكون الله جسمًا، حتى الاستواء يقولون: إذا أثبتنا أن الله استوى فهو جسم، ونحن نقول لهم: ما هذا الجسم الذي جعلتموه دبُّوسًا معلقًا تخرقون به كل سياج لإثبات الصفات؟
إن أردتم أنه جسم مكون مخلوق يمكن انفصال بعضه عن بعض، وبانفصال بعضه ينقص وربما يهلك، فالله مُنَزَّه عن هذا ولا شك، ومن اعتقد هذا في ربه فهو كافر.
وإن أردتم بالجسم أنه ذو ذات يفعل ما يشاء، ويتكلم، ويجيء، وينزل، ويستوي، ويتصف بالصفات اللائقة به فهذا حق، لكن من جهة إثبات لفظ الجسم أو نفيه فهذا ممنوع، لا تقل إثباتًا: إن الله جسم، ولا نفيًا: إن الله ليس بجسم؛ لأنه لم يرد إثباته ولا نفيه.
فهذه مسائل ينبغي لطالب العِلم أن يفهمها، فمثلًا إذا جادلنا إنسان، ويقول: ما تقول في الجسم؟ أقول: أما باعتبار لفظه فالواجب الكف عنه إثباتًا أو نفيًا، أما من جهة معناه فنحن نستفصل.
* * *
* طالب: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٤٤) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٤ - ٤٦].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بقي فوائد فيما سبق وقفنا فيها على قوله: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً﴾ [غافر ٤٠] بعدها ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي﴾ [غافر ٤٣] إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن كل ما يُدعى من دون الله فليس له دعوة اسحقاقًا ولا استجابة؛ لقوله تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ﴾ [غافر ٤٣].
* ومن فوائدها: أن هذه الأصنام لا تنفع عابديها سواء دعوها دعوة مسألة أو دعوة عبادة.
والفرق بين دعوة المسألة؛ أن المسألة يطلب فيها الإنسان حاجة ما، ودعاء العبادة يتعبد لله، وإنما كانت العبادة دعاء؛ لأن العابد يدعو بلسان حاله أن يُثاب على هذه العبادة، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر٦٠] فقال: ﴿ادْعُونِي﴾، ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر ٦٠] فدل هذا على أن الدعاء عبادة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الرجوع إلى الله عز وجل، وأن مرد الأمور إليه في قوله: ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر ٤٣]، وهذه الآية لها نظائر، منها قوله تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [البقرة ٢١٠]، ومنها: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية ٢٥، ٢٦]، ومنها: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق ٦]، ومنها قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم ٤٢]، والآيات في هذا المعنى كثيرة؛ أن مرجع الخلائق إلى ربها عز وجل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم الإسراف، وجه الدلالة؟ من أين نأخذ تحريم الإسراف من الآية؟
﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر ٤٣].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإسراف قد يصل إلى حد الكفر من الآية؛ قوله: ﴿هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ ومتى وجدتَ ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾ الذين هم أهلها والذين هم مُخلَّدون فيها.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: قوة إيمان هذا الرجل، فقال: ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر ٤٣].
* ومن فوائدها: استعمال التعريض.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، كيف ذلك؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: أحسنت؛ لأنه لا شك أنه أول ما يدخل في هذه الجملة هؤلاء، لكنه لم يشأ أن يتكلم بذلك صريحًا.
هل يمكن أن نقول: في هذه الآية إظهار في موضع الإضمار؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ما ممكن أن نقول؟ وممكن أن نقول: هذا تورية، وعلى كل حال، فالإظهار في موضع الإضمار من أساليب اللغة العربية، وهو كثير في القرآن. وله فوائد، منها:
إرادة العموم: يعني ليعم الحكم، من استُعمل في حقه ومن لم يُستعمل.
ومنها بيان العلة التعليل؛ لأنه إذا جاء الوصف مُعلَّقًا عليه حكم من الأحكام دل ذلك على عِلِّيَّة هذا الوصف.
ومنها: التسجيل على هؤلاء الذين كان مقتضى السياق أن يذكروا بالضمير بما يقتضيه هذا الوصف، فهذه ثلاث فوائد: إرادة التعميم، بيان العلة، الحكم على هؤلاء بأنهم مستحقون لهذا الوصف.
غافر 40:42
طالب: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (٤٢) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر ٤١ - ٤٣].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر ٤١] سبق الكلام على هذه الجملة، وبينا أن الاستفهام فيها للتعجب والإنكار.
﴿مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾. جملة ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ معطوفة على الجملة التي قبلها، وليست استئنافية ولا حالية كما قيل فيها به، بل هي معطوفة على ما سبق؛ لأن التعجب إنما يكون من اجتماع الأمرين أنه يدعوهم إلى النجاة وهم يدعونه إلى النار.
وقوله: ﴿إِلَى النَّجَاةِ﴾ يعني النجاة من النار، ولم يقل: (إلى الجنة) مع أنه قال: ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر ٣٩]؛ لأنهم هم يدعونه إلى الهلاك، يدعونه إلى النار، فقابَل دعوته بدعوتهم، فكأنه يقول: أنا أدعوكم إلى النجاة من النار وأنتم تدعونني إلى النار، والدعوة إلى النار ليس أن يقول القائل: هلموا إلى النار أيها الناس، لكنها الدعوة إلى عمل أهل النار، وليُعْلم أن النار حُفَّت بالشهوات، وأن الجنة حُفَّت بالمكاره، وعمل أهل النار مبني على الشهوات أو على الشبهات؛ يعني إما جهالات وضلالات كعمل النصارى، وإما شهوات كعمل اليهود، وعلى هذين يدور عمل أهل النار؛ الشبهات والشهوات، والشبهات دواؤها العلم، والشهوات دواؤها الحزم والإرادة التامة لما يحبه الله ويرضاه ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر ٤١].
ثم بَيَّن بعد أن أَجْمَل في قوله: ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ بَيَّن الأعمال التي يدعونه إليها فقال: ﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ [غافر ٤٢] ﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ﴾ اللام هنا لبيان المدَّعى إليه، أو المدعو إليه؛ يعني تدعونني لهذا، وعلى هذا فـ﴿أَكْفُرَ﴾ منصوبة بـ(أن) مضمرة بعد اللام على مذهب البصريين، أو باللام على مذهب الكوفيين.
﴿لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ﴾ أي: أجحده وأُنكره، والمراد: إنكار وحدانيته بدليل قوله: ﴿وَأُشْرِكَ بِهِ﴾. وقد يقال: إن المراد إنكار وجوده بالكلية أو الإشراك به مع الإقرار به، فيكونون يدعونه إلى شيئين: إما إنكار الخالق عز وجل، وهذا يستفاد من قوله: ﴿لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ﴾ أي: أجحده، أو إثباته مع وجود شريك له، وهذا مستفاد من قوله: ﴿وَأُشْرِكَ بِهِ﴾.
وقوله: ﴿مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ [غافر ٤٢] هذا قيد مبين للواقع، وأن كل من أشرك بالله فإنه مشرك بلا علم، بل بما يُعلَم بالفطرة خلافه، ولكن من المعلوم أن الشيء إذا كان بلا عِلْم فإنه لا ثبوت له ولا أصل له، فالصفة بل فالصلة في قوله: ﴿مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ لبيان الواقع، وقد بينا أن كل قيد لبيان الواقع أو الغالب أو المبالغة فإنه لا مفهوم له.
﴿وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ [غافر ٤٢] بدأ هنا باسم العزيز؛ لأن المقام يقتضيه؛ إذ إن هؤلاء أقباط من آل فرعون، يظنون أن العزة له، فقال: أدعوكم إلى العزيز، ولم يقل: (إلى الغفور الرحيم)، بل قال: ﴿إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾، يعني العزيز الغالب، فيهلككم إذا أنتم أشركتم به أو كفرتم به. ﴿الْغَفَّارِ﴾ يغفر لكم ما سبق إن أنتم آمنتم به، وهذا من تمام فقه هذا الرجل المؤمن.
فإنه قد يقول قائل: إن المقام يقتضي: وأنا أدعوكم إلى الغفور الرحيم، لكن الأمر بالعكس، المقام يقتضي ذكر اسمه العزيز؛ لأن هؤلاء يدعون أنهم فوق الناس، وأن ربهم فرعون، وأنه لا غالب له.
وقوله: (العزيز) اسم من أسماء الله، و(الغفار) اسم من أسماء الله، و(الغفور) اسم من أسماء الله، وليُعلم أن أسماء الله سبحانه وتعالى تنقسم إلى قسمين: الأول: ما كان مشتقًّا من وصف متعدٍّ، فهذا لا يتم الإيمان به إلا بأمور ثلاثة:
الأول: إثباته اسمًا لله، والثاني: إثبات الصفة التي دل عليها، والثالث: إثبات الْحُكم المترتب على هذه الصفة.
والقسم الثاني: غير المتعدي، لا يتم الإيمان به إلا بإثبات اثنين: إثباته اسمًا من أسماء الله، وإثبات الصفة التي دل عليها هذا الاسم؛ لأن كل اسم من أسماء الله يدل على صفة، ليس لله اسم يكون جامدًا، خلافًا لمن قال: إن كلمة (الله) اسم جامد غير مشتق، وهذا ليس بصحيح، ما من اسم من أسماء الله إلا وهو مشتق؛ لأن الله وصف أسماءه بأنها حُسنى، وما لا يتضمن صفة ليس بحسن فضلًا على أن يكون أحسن، نضرب أمثلة لهذا:
(الحي) من أي القسمين؟ من اللازم، تؤمن به اسمًا من أسماء الله، وبالحياة التي دل عليها الاسم، (السميع) متعدٍّ، تؤمن بالسميع اسمًا لله، وبالسمع صفة لله، وبأنه يسمع إثباتًا للحكم؛ وهو الأثر المترتب على هذه الصفة.
ثم اعلم أن الاسم يتضمن أحيانًا صفة، وأحيانًا صفتين، وأحيانًا أكثر؛ لأن أنواع الدلالة ثلاثة:
مطابقة، وتضمن، والتزام، فمثلًا من أسماء الله تعالى: ﴿الْخَلَّاقُ﴾، ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ﴾ [الحجر ٨٦]، تؤمن بـ(الخلَّاق) اسمًا من أسماء الله، تؤمن بصفة الخلق التي تضمنها اسم (الخلاق)، وإيمانك بالاسم والصفة هذا إيمان بدلالة المطابقة، وإيمانك بالاسم وحده أو بالصفة وحدها إيمان بدلالة التضمن، ثم إيمانك بأنه عليم قدير إيمان بدلالة الالتزام؛ لأنه ما من خلَّاق إلا وهو عليم، وما من خلَّاق إلا وهو قادر؛ لأنه إن كان جاهلًا فكيف يخلق؟ وإن كان عاجزًا فكيف يخلق؟ فدلالة الخلَّاق على العلم والقدرة دلالة التزام.
وهذه الدلالة -أعني دلالة الالتزام- يتفاوت فيها الناس تفاوتًا كثيرًا، فمن الناس من يعطيه الله تعالى فهمًا يدرك به اللوازم التي تلزم على هذا الاسم، ومن الناس من هو دون ذلك، فتجد بعض الناس يستنبط فوائد عدة بدلالة اللزوم، وآخر لا يقدر، وفضل الله تعالى يؤتيه من يشاء.
إذن ﴿العَزِيز﴾ لا يتم الإيمان به إلا بأيش؟ ثلاثة ولَّا اثنين؟ العزيز نعرف معناه أولًا، العزيز بمعنى ذو العزة ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ [الصافات ١٨٠]، والعزة قالوا: إنها ثلاثة أنواع:
عزة القَدْر، وعزة القهر، وعزة الامتناع؛ عزة القَدْر بمعنى أنه سبحانه وتعالى عزيز قدْرًا، بحيث لا يكون مماثلًا له، عِزَّة الامتناع؛ يعني أنه عز وجل عزيز؛ أي: يمتنع أن يناله السوء، والعزيز يأتي بمعنى الامتناع كقوله تعالى: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم ٢٠] أي: بممتنع.
والثالث: عزة القهر؛ بمعنى أنه الغالب. ومنه قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون ٨] فقال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون ٨] العزة يعني الغلبة، إذا كان العزيز بمعنى الغالب فهو من الأسماء المتعدية، عَزَّ أي غلب، فهو (غالِب) ومقابله (مغلوب)، وإذا كانت عَزَّ بمعنى (امتنع)، أو بمعنى (كان ذا قدر عظيم) فهو لازم.
إذن نقول: العزيز من جهة تكون من الأسماء المتعدية متى؟ إذا كانت بمعنى الغالب، ومن جهة أخرى تكون غير متعدية إذا كانت بمعنى الامتناع أو بمعنى القَدْر.
جملة معترضة، قال الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون٨] هل الجواب مطابق لقولهم أو غير مطابق؟ المطابقة أن يقول: والله أعز والمؤمنون، لكن لم يذكر هذا، بل قال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾ إشارة إلى أن المنافقين لا عِزَّة لهم أصلًا؛ لأنه لو قال: الله أعز؛ لأثبت للمنافقين عزة، ولكنه ليس لهم عزة، حصر العزة في الله ورسوله والمؤمنين؛ وهذه من بلاغات القرآن، وإذا تأملت القرآن، سبحان الله، تبين لك أمور تبهرك في دلالاته وإشاراته وإيماءاته، فسبحان الذي أنزله عز وجل!
(الغفار) اسم من أسماء الله، وهل هو من الأسماء المتعدية؟ المتعدية؛ لأن الله قال: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران ١٢٩] إذن لا بد أن نثبت الغفار اسمًا من أسماء الله، ولا بد أن نثبت الصفة وهي المغفرة ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد ٦]. ونثبت أنه يغفر، يوصل المغفرة من شاء. قال: ﴿أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [الزمر ٥].
﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [غافر ٤٣] وهو الكفر بالله والإشراك به ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ أي ليس له استجابة دعوة ﴿فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ﴾ ولا جرم أيضًا ﴿أَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾.
قال المفسر: (﴿لَا جَرَمَ﴾ حَقًّا) يعني أن معنى لا جرم حق، وعلى هذا فتكون ﴿لَا﴾ زائدة، و﴿جَرَمَ﴾ بمعنى حقًّا، وهذا ما ذهب إليه المؤلف، والمعربون اختلفوا فيها، والصواب في إعرابها أن (لا) نافية للجنس. و(جرم) اسمها، ومعنى (جرم) أي لا شك، أو لا بد، هذا هو الصواب، والتركيب واضح، ولا يحتاج أن نقدر أن (لا) زائدة، و(جرم) بمعنى قطع، وأن مصير الجملة إلى أن تكون مصدرًا لعامل محذوف؛ يعني: أُحِقُّ حقًّا أن ما تدعون إليه لا حاجة لهذا، إذا قلنا: لا شك أنما تدعونني إليه إلى آخره ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة، زال الإشكال.
وعلى هذا فتكون ﴿جَرَمَ﴾ اسم ﴿لَا﴾، و﴿أَنَّمَا﴾. و(ما) دخلت عليه في تأويل مصدر خبر ﴿لَا﴾ وانتهى الموضوع، والمعنى يقول: لا شك، ولا ارتياب أن الذي تدعونني إليه ليس له دعوة.
وقوله: ﴿أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ مكتوبة عندي مربوطة؛ أي: ما مربوطة بـ(أن)، وحسب القواعد المعروفة أن تكون مفصولة؛ لأن المعنى لا جرم أن الذي تدعونني إليه، وإذا كانت (ما) موصولة فإنها تُفصَل عن (أن) كتابة، لكن رسم المصحف تمشى فيه العلماء على الرسم العثماني، احترامًا للقرآن أن يُغَيَّر؛ ولهذا تجدون (الصلاة) في المصحف مكتوبة بالواو، (والزكاة) بالواو، (والربا) بالواو، ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف ٥٦] بالتاء المفتوحة، كل هذا اتباعًا للرسم العثماني؛ احترامًا لكتاب الله أن يدخله التغيير.
وقد اختلف العلماء هل يُكتب القرآن حسب القواعد، وفي كل وقت بحسبه، أو على الرسم العثماني؟
فقيل: إنه يجوز أن يُكتب على القواعد في كل وقت بحسبه؛ لأن المقصود أن يُتلى كتاب الله على حسب ما نزل، لا على حسب ما كُتب، والقرآن نزل مكتوبًا أو نزل مقروءًا؟ مقروءًا، إذن الكتابة ما هي إلا اصطلاحات تخضع لأعراف الناس.
والقول الثاني: أنه لا يجوز أن يُغَيِّر أبدًا؛ سدًّا للباب، ومنعًا للتغيير، حتى لا يجرؤ أحد أن يُغَيِّر في كتاب الله عز وجل، وهذا لا شك أنه يرمي إلى قوة احترامنا للقرآن الكريم، والأول يرمي إلى قوة إيصال القرآن إلى الناس على وجه لا إشكال فيه.
والقول الثالث: أنك إن كتبته للدارسين المبتدئين، فلا بأس أن تكتبه حسب القواعد المعروفة؛ لأن الدارسين المبتدئين لا يعرفونه، وأما إذا كنت تريد أن تكتبه ليُقرَأ فهذا يُكتب على حسب الرسم العثماني، والظاهر أن هذا القول الْمُفصَّل أرجح الأقوال الثلاثة.
﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ [غافر ٤٣] (أنَّ): حرف توكيد ينصب المبتدأ ويرفع الخبر، و(ما): اسمها، و﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾: خبرها الجملة.
يقول: (﴿أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ لأعبده) ولكن هذا التفسير قاصر، ما الذي دعوه إليه؟ أن يكفر بالله ويشرك به، هم دعوه إلى أمرين، والمؤلف قصره على أمر واحد وهو عبادة غير الله، وهذا إشراك.
(﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ أي ليس له استجابة دعوة) والصواب أنه ليس له دعوة يُدعَى بها، ولا دعوة يجيبها، فمعنى: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ يعني لا يستحق أن يُدعى، وهو أيضًا لا يستجيب إذا دُعِي، كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا﴾ [فاطر ١٣، ١٤] فرضًا ﴿مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ زد على ذلك أنكم تريدون أن ينفعوكم في الآخرة والأمر ليس كذلك ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر ١٤]، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف ٥] هذا الذي تدعوه لا يمكن أن يستجيب لك إلى يوم القيامة أبدًا.
﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف ٥] ﴿هُمْ﴾: يجوز أن يكون المدعوون، ويجوز أن يكون الداعون، والهاء في ﴿دُعَائِهِمْ﴾ يجوز عودها لهذا، وهذا حسب الضمير السابق.
﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ﴾ [الأحقاف ٦] وهو الوقت الذي يُريد هؤلاء الداعون أن ينتفعوا بالمدعوين ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف ٦]؛ لأن الله يقول: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة ١٦٦] أي المودة والمحبة التي كانوا يُضمرونها لهم في الدنيا ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ [البقرة ١٦٧].
على كل حال ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ [غافر ٤٣]. المؤلف يقول: (ليس له دعوة مستجابة) يعني لا يستجيب الدعوة، والصواب أن لها معنيين: لا يستجيب ولا يستحق؛ فهو لا يستحق أن يُدعى ولو دُعِي لم يستجب.
﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ﴾ [غافر ٤٣] نعم، لا يستطيع هذا، لا في الدنيا، ولا في الآخرة؛ فالأصنام لا تنفع عابديها لا في الدنيا ولا في الآخرة.
قال: ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر ٤٣] ذكَّرهم بالحساب رحمه الله وجزاه خيرًا.
﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا﴾ أي: مرجعنا ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ عز وجل في الدنيا والآخرة ولَّا في الآخرة فقط؟ في الدنيا والآخرة. ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء ٥٩]، فالمرد هو الله في الدنيا وفي الآخرة.
﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر ٤٣] يعني: ولا جرم أيضًا أن المسرفين هم أصحاب النار، فهذه ثلاثة أشياء كلها جزم بها جزمًا:
أولًا: أن ما تدعون إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة، والثاني: أن مردنا إلى الله، والثالث: أن المسرفين هم أصحاب النار.
الْمُسرِف اسم فاعل من الإسراف، وهو تجاوز الحد، ويكون كُفرًا، ويكون دون الكُفْر، فالإنسان الذي يملأ بطنه من الطعام والشراب مُسْرِف، لكنه ليس بكافر؛ لأن الله قال: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف ٣١]. وكذلك الإسراف في اللباس وغيره لا يؤدي إلى الكفر، لكن الإسراف في عبادة الله بأن تتجاوز عبادة الله إلى عبادة غيره هذا هو الكفر، وهذا هو مراد هذا الرجل المؤمن ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر ٤٣].
﴿هُمْ﴾ ضمير فصل، وقد سبق لنا أن ضمير الفصل من حيث الإعراب لا محل له من الإعراب، فلا يؤثر فيما قبله، ولا يؤثر فيه ما بعده، وسبق لنا أن لضمير الفصل فوائد: التوكيد، والحصر، وتمييز الخبر عن الصفة، وضربنا لذلك مثلًا.
* من فوائد هذه الآيات: إنكار هذا الرجل المؤمن على قومه بما يشهد العقل بصحته حيث قال: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر ٤١]. وإذا كان العقل يدل على صحته فهو محل عجب، كل إنسان عاقل يعجب أن يكون هذا الشيء، رجل يدعو قومه إلى النجاة، ورجل يدعوهم إلى النار!
* ومن فوائد الآية الكريمة: مراعاة الحال في الخطاب، وجهه أنه قال: ﴿إِلَى النَّجَاةِ﴾ مع أنه يدعوهم إلى الجنة، لكن لما كانت دعوتهم إياه إلى الهلاك آثر أن يقول: إلى النجاة.
سؤال: هل يلزم من النجاة من النار دخول الجنة؟ يلزم، كيف اللزوم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: وجه اللزوم، لو قال: واحد، ينجو من النار ويجد محلًّا ثانيًا، أين قاله الله؟ أين آية واحدة؟ هذه، لكن هذا أنجاه الله من النار، وتركه من ها الأرض.
* طالب: (...).
* الشيخ: لكن هذا ما زُحْزح وأُدخِل، لكن واحد زُحزِح عن النار وسكت الله عنه، ما هو بدليل، الدليل أنه ليس في الآخرة إلا داران، إما هذا أو هذا؛ ولذلك كان أصحاب الأعراف الذين يبقون بين الجنة والنار مآلهم إلى الجنة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن كل من أشرك بالله أو أنكره كفر به فليس له عِلْم في ذلك مهما كان، تُؤخَذ من: ﴿وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ [غافر ٤٢].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإشراك بالله كجحود الله، من أين؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ويدل لذلك أيضًا قول الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥/٤٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: تذكير هذا الرجل المؤمن هؤلاء بعزة الله ومغفرته ترغيبًا وترهيبًا؛ لقوله: ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ [غافر ٤٢] في أي الكلمتين يكون الترهيب؟ في قوله: ﴿الْعَزِيزِ﴾، والترغيب في قوله: ﴿الْغَفَّارِ﴾، والله أعلم.
* الطالب: ما يُذكر في القرآن من كلام أشخاص معينين كملكة سبأ ومؤمن آل فرعون هل يؤخذ بالمعنى أو باللفظ؟
* الشيخ: هذا سؤال مهم، يقول: ما ينقله الله عز وجل عن الأمم السابقة هل هو بالمعنى أو باللفظ؟
الجواب: بالمعنى لا شك، أولًا: لأن لغة هؤلاء ليست لغة عربية، وثانيًا: لو كان باللفظ لكان كلام البشر مُعجِزًا؛ لأن الإعجاز يحصل بالآية والآيتين والثلاثة، وهذا الرجل المؤمن كم تكلم من آية؟
* طالب: يمكن يا شيخ يشير لشيء معين، وهو أنها تأتي بلاغًا (...).
* الشيخ: إذن لأن الله هو الذي صاغه بنفسه، فنقله بالمعنى.
هذا يوصلنا إلى شيء؛ الحديث القدسي هل هو كلام الله بلفظه أو معناه؟
هذا -على كل حال- فيه خلاف؛ منهم من يقول: تكلم الله به لفظًا، ومنهم من يقول: تكلم به معنى، والصياغة من الرسول عليه الصلاة والسلام، ومنهم من يقول: قل: قال الله، ولا تقل لفظًا ولا معنى، ما دُمت في عافية فاسلك طريق العافية، لكن أحيانًا يُحرج الإنسان، يُقال: أعطني الفرق بين الحديث القدسي والقرآن؟ وأما إذا أمكن الإنسان السلامة فالسلامة خير، لكن يأتيك بعض الناس ويقول لك: أخبرني عن الفرق بين الحديث القدسي والقرآن؟ فالفرق هو هذا؛ أن الحديث القدسي ليس لفظ الله عز وجل؛ لأنه لو كان لفظ الله لكان معجزًا ولثبت له أحكام القرآن، بحيث لا يقرؤه جنب، ولا يُمَس إلا بطهارة، ولا أحد يقدر على تحريفه، وما أشبه ذلك، وهذا كله مُنتهٍ.
فإذا قال قائل: أليس الرسول يقول: قال الله؟ قلنا: بلى. أليس الله يقول: قال فرعون، قال موسى وما أشبه ذلك وهو بغير لغتهم؟ هذا لا يمنع.
ثم لو قلنا: إنه كلام الله باللفظ أشكل علينا إشكالًا عظيمًا، فإما أن يكون بواسطة جبريل، أو بغير واسطة، فإن كان بغير واسطة كان أعلى سندًا من القرآن؛ لأن القرآن بواسطة من؟
* طلبة: جبريل.
* الشيخ: وإن كان بغير واسطة، فأي إنسان يقول بغير واسطة فإننا ربما نخنقه أو نعطيه كفًّا على الرأس؛ لأن إذا جعله بواسطة، والرسول حذف الواسطة صار عندنا إشكال، ما هو؟ التدليس، والرسول ﷺ مُنَزَّه عن هذا، فعلى كل حال المسألة -كما قلت لكم- أحد يقول: إنه كلام الله لفظًا ومعنى، والثاني يقول: كلام الله معنى لا لفظًا، والثالث يسكت، يقول: نقول: قال الله ونسكت، وهذا إذا حصل للإنسان السلامة فهو أسلم، لكن كما قلت لكم أحيانًا يقول لك: لازم، أعطني الفَرْق بين القرآن والحديث القدسي، نقول: هذا الفرق، القرآن كلام الله لفظًا ومعنى، والحديث القدسي كلام الله معنًى لا لفظًا.
فإن قال قائل: وحينئذٍ نطالبكم بالفرق بين الحديث النبوي والقدسي؛ لأن الحديث النبوي كلام الرسول، نقول: هذا سهل، الفرق بينهما أن الحديث النبوي لا يضيفه الرسول إلى الله، والحديث القدسي يضيفه إلى الله، انتهى الإشكال في هذه المسألة، ثم اعلم أن هذه المقامات إذا حصلت السلامة فهي أسلم، ولكن إذا ابتُلِي الإنسان فلا بد أن يُفَصِّل.
ومن ذلك، وأنا أحب أن أستطرد؛ لأن معنا إخوانًا لم يدركوا ما نقوله في بعض المجالس؛ من ذلك مثلًا لفظ (الجسم)، الجسم تعلمون أن جميع الْمُعطِّلة بنوا تعطيلهم على مسألة الجسم، حيث ادعوا أنهم إذا أثبتوا الوجه أو اليد أو ما أشبه ذلك فإنه يقتضي أن يكون الله جسمًا، حتى الاستواء يقولون: إذا أثبتنا أن الله استوى فهو جسم، ونحن نقول لهم: ما هذا الجسم الذي جعلتموه دبُّوسًا معلقًا تخرقون به كل سياج لإثبات الصفات؟
إن أردتم أنه جسم مكون مخلوق يمكن انفصال بعضه عن بعض، وبانفصال بعضه ينقص وربما يهلك، فالله مُنَزَّه عن هذا ولا شك، ومن اعتقد هذا في ربه فهو كافر.
وإن أردتم بالجسم أنه ذو ذات يفعل ما يشاء، ويتكلم، ويجيء، وينزل، ويستوي، ويتصف بالصفات اللائقة به فهذا حق، لكن من جهة إثبات لفظ الجسم أو نفيه فهذا ممنوع، لا تقل إثباتًا: إن الله جسم، ولا نفيًا: إن الله ليس بجسم؛ لأنه لم يرد إثباته ولا نفيه.
فهذه مسائل ينبغي لطالب العِلم أن يفهمها، فمثلًا إذا جادلنا إنسان، ويقول: ما تقول في الجسم؟ أقول: أما باعتبار لفظه فالواجب الكف عنه إثباتًا أو نفيًا، أما من جهة معناه فنحن نستفصل.
* * *
* طالب: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٤٤) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٤ - ٤٦].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بقي فوائد فيما سبق وقفنا فيها على قوله: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً﴾ [غافر ٤٠] بعدها ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي﴾ [غافر ٤٣] إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن كل ما يُدعى من دون الله فليس له دعوة اسحقاقًا ولا استجابة؛ لقوله تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ﴾ [غافر ٤٣].
* ومن فوائدها: أن هذه الأصنام لا تنفع عابديها سواء دعوها دعوة مسألة أو دعوة عبادة.
والفرق بين دعوة المسألة؛ أن المسألة يطلب فيها الإنسان حاجة ما، ودعاء العبادة يتعبد لله، وإنما كانت العبادة دعاء؛ لأن العابد يدعو بلسان حاله أن يُثاب على هذه العبادة، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر٦٠] فقال: ﴿ادْعُونِي﴾، ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر ٦٠] فدل هذا على أن الدعاء عبادة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الرجوع إلى الله عز وجل، وأن مرد الأمور إليه في قوله: ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر ٤٣]، وهذه الآية لها نظائر، منها قوله تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [البقرة ٢١٠]، ومنها: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية ٢٥، ٢٦]، ومنها: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق ٦]، ومنها قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم ٤٢]، والآيات في هذا المعنى كثيرة؛ أن مرجع الخلائق إلى ربها عز وجل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم الإسراف، وجه الدلالة؟ من أين نأخذ تحريم الإسراف من الآية؟
﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر ٤٣].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإسراف قد يصل إلى حد الكفر من الآية؛ قوله: ﴿هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ ومتى وجدتَ ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾ الذين هم أهلها والذين هم مُخلَّدون فيها.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: قوة إيمان هذا الرجل، فقال: ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر ٤٣].
* ومن فوائدها: استعمال التعريض.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، كيف ذلك؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: أحسنت؛ لأنه لا شك أنه أول ما يدخل في هذه الجملة هؤلاء، لكنه لم يشأ أن يتكلم بذلك صريحًا.
هل يمكن أن نقول: في هذه الآية إظهار في موضع الإضمار؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ما ممكن أن نقول؟ وممكن أن نقول: هذا تورية، وعلى كل حال، فالإظهار في موضع الإضمار من أساليب اللغة العربية، وهو كثير في القرآن. وله فوائد، منها:
إرادة العموم: يعني ليعم الحكم، من استُعمل في حقه ومن لم يُستعمل.
ومنها بيان العلة التعليل؛ لأنه إذا جاء الوصف مُعلَّقًا عليه حكم من الأحكام دل ذلك على عِلِّيَّة هذا الوصف.
ومنها: التسجيل على هؤلاء الذين كان مقتضى السياق أن يذكروا بالضمير بما يقتضيه هذا الوصف، فهذه ثلاث فوائد: إرادة التعميم، بيان العلة، الحكم على هؤلاء بأنهم مستحقون لهذا الوصف.
غافر 40:43
طالب: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (٤٢) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر ٤١ - ٤٣].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر ٤١] سبق الكلام على هذه الجملة، وبينا أن الاستفهام فيها للتعجب والإنكار.
﴿مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾. جملة ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ معطوفة على الجملة التي قبلها، وليست استئنافية ولا حالية كما قيل فيها به، بل هي معطوفة على ما سبق؛ لأن التعجب إنما يكون من اجتماع الأمرين أنه يدعوهم إلى النجاة وهم يدعونه إلى النار.
وقوله: ﴿إِلَى النَّجَاةِ﴾ يعني النجاة من النار، ولم يقل: (إلى الجنة) مع أنه قال: ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر ٣٩]؛ لأنهم هم يدعونه إلى الهلاك، يدعونه إلى النار، فقابَل دعوته بدعوتهم، فكأنه يقول: أنا أدعوكم إلى النجاة من النار وأنتم تدعونني إلى النار، والدعوة إلى النار ليس أن يقول القائل: هلموا إلى النار أيها الناس، لكنها الدعوة إلى عمل أهل النار، وليُعْلم أن النار حُفَّت بالشهوات، وأن الجنة حُفَّت بالمكاره، وعمل أهل النار مبني على الشهوات أو على الشبهات؛ يعني إما جهالات وضلالات كعمل النصارى، وإما شهوات كعمل اليهود، وعلى هذين يدور عمل أهل النار؛ الشبهات والشهوات، والشبهات دواؤها العلم، والشهوات دواؤها الحزم والإرادة التامة لما يحبه الله ويرضاه ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر ٤١].
ثم بَيَّن بعد أن أَجْمَل في قوله: ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ بَيَّن الأعمال التي يدعونه إليها فقال: ﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ [غافر ٤٢] ﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ﴾ اللام هنا لبيان المدَّعى إليه، أو المدعو إليه؛ يعني تدعونني لهذا، وعلى هذا فـ﴿أَكْفُرَ﴾ منصوبة بـ(أن) مضمرة بعد اللام على مذهب البصريين، أو باللام على مذهب الكوفيين.
﴿لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ﴾ أي: أجحده وأُنكره، والمراد: إنكار وحدانيته بدليل قوله: ﴿وَأُشْرِكَ بِهِ﴾. وقد يقال: إن المراد إنكار وجوده بالكلية أو الإشراك به مع الإقرار به، فيكونون يدعونه إلى شيئين: إما إنكار الخالق عز وجل، وهذا يستفاد من قوله: ﴿لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ﴾ أي: أجحده، أو إثباته مع وجود شريك له، وهذا مستفاد من قوله: ﴿وَأُشْرِكَ بِهِ﴾.
وقوله: ﴿مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ [غافر ٤٢] هذا قيد مبين للواقع، وأن كل من أشرك بالله فإنه مشرك بلا علم، بل بما يُعلَم بالفطرة خلافه، ولكن من المعلوم أن الشيء إذا كان بلا عِلْم فإنه لا ثبوت له ولا أصل له، فالصفة بل فالصلة في قوله: ﴿مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ لبيان الواقع، وقد بينا أن كل قيد لبيان الواقع أو الغالب أو المبالغة فإنه لا مفهوم له.
﴿وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ [غافر ٤٢] بدأ هنا باسم العزيز؛ لأن المقام يقتضيه؛ إذ إن هؤلاء أقباط من آل فرعون، يظنون أن العزة له، فقال: أدعوكم إلى العزيز، ولم يقل: (إلى الغفور الرحيم)، بل قال: ﴿إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾، يعني العزيز الغالب، فيهلككم إذا أنتم أشركتم به أو كفرتم به. ﴿الْغَفَّارِ﴾ يغفر لكم ما سبق إن أنتم آمنتم به، وهذا من تمام فقه هذا الرجل المؤمن.
فإنه قد يقول قائل: إن المقام يقتضي: وأنا أدعوكم إلى الغفور الرحيم، لكن الأمر بالعكس، المقام يقتضي ذكر اسمه العزيز؛ لأن هؤلاء يدعون أنهم فوق الناس، وأن ربهم فرعون، وأنه لا غالب له.
وقوله: (العزيز) اسم من أسماء الله، و(الغفار) اسم من أسماء الله، و(الغفور) اسم من أسماء الله، وليُعلم أن أسماء الله سبحانه وتعالى تنقسم إلى قسمين: الأول: ما كان مشتقًّا من وصف متعدٍّ، فهذا لا يتم الإيمان به إلا بأمور ثلاثة:
الأول: إثباته اسمًا لله، والثاني: إثبات الصفة التي دل عليها، والثالث: إثبات الْحُكم المترتب على هذه الصفة.
والقسم الثاني: غير المتعدي، لا يتم الإيمان به إلا بإثبات اثنين: إثباته اسمًا من أسماء الله، وإثبات الصفة التي دل عليها هذا الاسم؛ لأن كل اسم من أسماء الله يدل على صفة، ليس لله اسم يكون جامدًا، خلافًا لمن قال: إن كلمة (الله) اسم جامد غير مشتق، وهذا ليس بصحيح، ما من اسم من أسماء الله إلا وهو مشتق؛ لأن الله وصف أسماءه بأنها حُسنى، وما لا يتضمن صفة ليس بحسن فضلًا على أن يكون أحسن، نضرب أمثلة لهذا:
(الحي) من أي القسمين؟ من اللازم، تؤمن به اسمًا من أسماء الله، وبالحياة التي دل عليها الاسم، (السميع) متعدٍّ، تؤمن بالسميع اسمًا لله، وبالسمع صفة لله، وبأنه يسمع إثباتًا للحكم؛ وهو الأثر المترتب على هذه الصفة.
ثم اعلم أن الاسم يتضمن أحيانًا صفة، وأحيانًا صفتين، وأحيانًا أكثر؛ لأن أنواع الدلالة ثلاثة:
مطابقة، وتضمن، والتزام، فمثلًا من أسماء الله تعالى: ﴿الْخَلَّاقُ﴾، ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ﴾ [الحجر ٨٦]، تؤمن بـ(الخلَّاق) اسمًا من أسماء الله، تؤمن بصفة الخلق التي تضمنها اسم (الخلاق)، وإيمانك بالاسم والصفة هذا إيمان بدلالة المطابقة، وإيمانك بالاسم وحده أو بالصفة وحدها إيمان بدلالة التضمن، ثم إيمانك بأنه عليم قدير إيمان بدلالة الالتزام؛ لأنه ما من خلَّاق إلا وهو عليم، وما من خلَّاق إلا وهو قادر؛ لأنه إن كان جاهلًا فكيف يخلق؟ وإن كان عاجزًا فكيف يخلق؟ فدلالة الخلَّاق على العلم والقدرة دلالة التزام.
وهذه الدلالة -أعني دلالة الالتزام- يتفاوت فيها الناس تفاوتًا كثيرًا، فمن الناس من يعطيه الله تعالى فهمًا يدرك به اللوازم التي تلزم على هذا الاسم، ومن الناس من هو دون ذلك، فتجد بعض الناس يستنبط فوائد عدة بدلالة اللزوم، وآخر لا يقدر، وفضل الله تعالى يؤتيه من يشاء.
إذن ﴿العَزِيز﴾ لا يتم الإيمان به إلا بأيش؟ ثلاثة ولَّا اثنين؟ العزيز نعرف معناه أولًا، العزيز بمعنى ذو العزة ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ [الصافات ١٨٠]، والعزة قالوا: إنها ثلاثة أنواع:
عزة القَدْر، وعزة القهر، وعزة الامتناع؛ عزة القَدْر بمعنى أنه سبحانه وتعالى عزيز قدْرًا، بحيث لا يكون مماثلًا له، عِزَّة الامتناع؛ يعني أنه عز وجل عزيز؛ أي: يمتنع أن يناله السوء، والعزيز يأتي بمعنى الامتناع كقوله تعالى: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم ٢٠] أي: بممتنع.
والثالث: عزة القهر؛ بمعنى أنه الغالب. ومنه قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون ٨] فقال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون ٨] العزة يعني الغلبة، إذا كان العزيز بمعنى الغالب فهو من الأسماء المتعدية، عَزَّ أي غلب، فهو (غالِب) ومقابله (مغلوب)، وإذا كانت عَزَّ بمعنى (امتنع)، أو بمعنى (كان ذا قدر عظيم) فهو لازم.
إذن نقول: العزيز من جهة تكون من الأسماء المتعدية متى؟ إذا كانت بمعنى الغالب، ومن جهة أخرى تكون غير متعدية إذا كانت بمعنى الامتناع أو بمعنى القَدْر.
جملة معترضة، قال الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون٨] هل الجواب مطابق لقولهم أو غير مطابق؟ المطابقة أن يقول: والله أعز والمؤمنون، لكن لم يذكر هذا، بل قال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾ إشارة إلى أن المنافقين لا عِزَّة لهم أصلًا؛ لأنه لو قال: الله أعز؛ لأثبت للمنافقين عزة، ولكنه ليس لهم عزة، حصر العزة في الله ورسوله والمؤمنين؛ وهذه من بلاغات القرآن، وإذا تأملت القرآن، سبحان الله، تبين لك أمور تبهرك في دلالاته وإشاراته وإيماءاته، فسبحان الذي أنزله عز وجل!
(الغفار) اسم من أسماء الله، وهل هو من الأسماء المتعدية؟ المتعدية؛ لأن الله قال: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران ١٢٩] إذن لا بد أن نثبت الغفار اسمًا من أسماء الله، ولا بد أن نثبت الصفة وهي المغفرة ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد ٦]. ونثبت أنه يغفر، يوصل المغفرة من شاء. قال: ﴿أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [الزمر ٥].
﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [غافر ٤٣] وهو الكفر بالله والإشراك به ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ أي ليس له استجابة دعوة ﴿فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ﴾ ولا جرم أيضًا ﴿أَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾.
قال المفسر: (﴿لَا جَرَمَ﴾ حَقًّا) يعني أن معنى لا جرم حق، وعلى هذا فتكون ﴿لَا﴾ زائدة، و﴿جَرَمَ﴾ بمعنى حقًّا، وهذا ما ذهب إليه المؤلف، والمعربون اختلفوا فيها، والصواب في إعرابها أن (لا) نافية للجنس. و(جرم) اسمها، ومعنى (جرم) أي لا شك، أو لا بد، هذا هو الصواب، والتركيب واضح، ولا يحتاج أن نقدر أن (لا) زائدة، و(جرم) بمعنى قطع، وأن مصير الجملة إلى أن تكون مصدرًا لعامل محذوف؛ يعني: أُحِقُّ حقًّا أن ما تدعون إليه لا حاجة لهذا، إذا قلنا: لا شك أنما تدعونني إليه إلى آخره ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة، زال الإشكال.
وعلى هذا فتكون ﴿جَرَمَ﴾ اسم ﴿لَا﴾، و﴿أَنَّمَا﴾. و(ما) دخلت عليه في تأويل مصدر خبر ﴿لَا﴾ وانتهى الموضوع، والمعنى يقول: لا شك، ولا ارتياب أن الذي تدعونني إليه ليس له دعوة.
وقوله: ﴿أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ مكتوبة عندي مربوطة؛ أي: ما مربوطة بـ(أن)، وحسب القواعد المعروفة أن تكون مفصولة؛ لأن المعنى لا جرم أن الذي تدعونني إليه، وإذا كانت (ما) موصولة فإنها تُفصَل عن (أن) كتابة، لكن رسم المصحف تمشى فيه العلماء على الرسم العثماني، احترامًا للقرآن أن يُغَيَّر؛ ولهذا تجدون (الصلاة) في المصحف مكتوبة بالواو، (والزكاة) بالواو، (والربا) بالواو، ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف ٥٦] بالتاء المفتوحة، كل هذا اتباعًا للرسم العثماني؛ احترامًا لكتاب الله أن يدخله التغيير.
وقد اختلف العلماء هل يُكتب القرآن حسب القواعد، وفي كل وقت بحسبه، أو على الرسم العثماني؟
فقيل: إنه يجوز أن يُكتب على القواعد في كل وقت بحسبه؛ لأن المقصود أن يُتلى كتاب الله على حسب ما نزل، لا على حسب ما كُتب، والقرآن نزل مكتوبًا أو نزل مقروءًا؟ مقروءًا، إذن الكتابة ما هي إلا اصطلاحات تخضع لأعراف الناس.
والقول الثاني: أنه لا يجوز أن يُغَيِّر أبدًا؛ سدًّا للباب، ومنعًا للتغيير، حتى لا يجرؤ أحد أن يُغَيِّر في كتاب الله عز وجل، وهذا لا شك أنه يرمي إلى قوة احترامنا للقرآن الكريم، والأول يرمي إلى قوة إيصال القرآن إلى الناس على وجه لا إشكال فيه.
والقول الثالث: أنك إن كتبته للدارسين المبتدئين، فلا بأس أن تكتبه حسب القواعد المعروفة؛ لأن الدارسين المبتدئين لا يعرفونه، وأما إذا كنت تريد أن تكتبه ليُقرَأ فهذا يُكتب على حسب الرسم العثماني، والظاهر أن هذا القول الْمُفصَّل أرجح الأقوال الثلاثة.
﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ [غافر ٤٣] (أنَّ): حرف توكيد ينصب المبتدأ ويرفع الخبر، و(ما): اسمها، و﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾: خبرها الجملة.
يقول: (﴿أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ لأعبده) ولكن هذا التفسير قاصر، ما الذي دعوه إليه؟ أن يكفر بالله ويشرك به، هم دعوه إلى أمرين، والمؤلف قصره على أمر واحد وهو عبادة غير الله، وهذا إشراك.
(﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ أي ليس له استجابة دعوة) والصواب أنه ليس له دعوة يُدعَى بها، ولا دعوة يجيبها، فمعنى: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ يعني لا يستحق أن يُدعى، وهو أيضًا لا يستجيب إذا دُعِي، كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا﴾ [فاطر ١٣، ١٤] فرضًا ﴿مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ زد على ذلك أنكم تريدون أن ينفعوكم في الآخرة والأمر ليس كذلك ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر ١٤]، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف ٥] هذا الذي تدعوه لا يمكن أن يستجيب لك إلى يوم القيامة أبدًا.
﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف ٥] ﴿هُمْ﴾: يجوز أن يكون المدعوون، ويجوز أن يكون الداعون، والهاء في ﴿دُعَائِهِمْ﴾ يجوز عودها لهذا، وهذا حسب الضمير السابق.
﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ﴾ [الأحقاف ٦] وهو الوقت الذي يُريد هؤلاء الداعون أن ينتفعوا بالمدعوين ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف ٦]؛ لأن الله يقول: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة ١٦٦] أي المودة والمحبة التي كانوا يُضمرونها لهم في الدنيا ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ [البقرة ١٦٧].
على كل حال ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ [غافر ٤٣]. المؤلف يقول: (ليس له دعوة مستجابة) يعني لا يستجيب الدعوة، والصواب أن لها معنيين: لا يستجيب ولا يستحق؛ فهو لا يستحق أن يُدعى ولو دُعِي لم يستجب.
﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ﴾ [غافر ٤٣] نعم، لا يستطيع هذا، لا في الدنيا، ولا في الآخرة؛ فالأصنام لا تنفع عابديها لا في الدنيا ولا في الآخرة.
قال: ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر ٤٣] ذكَّرهم بالحساب رحمه الله وجزاه خيرًا.
﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا﴾ أي: مرجعنا ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ عز وجل في الدنيا والآخرة ولَّا في الآخرة فقط؟ في الدنيا والآخرة. ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء ٥٩]، فالمرد هو الله في الدنيا وفي الآخرة.
﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر ٤٣] يعني: ولا جرم أيضًا أن المسرفين هم أصحاب النار، فهذه ثلاثة أشياء كلها جزم بها جزمًا:
أولًا: أن ما تدعون إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة، والثاني: أن مردنا إلى الله، والثالث: أن المسرفين هم أصحاب النار.
الْمُسرِف اسم فاعل من الإسراف، وهو تجاوز الحد، ويكون كُفرًا، ويكون دون الكُفْر، فالإنسان الذي يملأ بطنه من الطعام والشراب مُسْرِف، لكنه ليس بكافر؛ لأن الله قال: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف ٣١]. وكذلك الإسراف في اللباس وغيره لا يؤدي إلى الكفر، لكن الإسراف في عبادة الله بأن تتجاوز عبادة الله إلى عبادة غيره هذا هو الكفر، وهذا هو مراد هذا الرجل المؤمن ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر ٤٣].
﴿هُمْ﴾ ضمير فصل، وقد سبق لنا أن ضمير الفصل من حيث الإعراب لا محل له من الإعراب، فلا يؤثر فيما قبله، ولا يؤثر فيه ما بعده، وسبق لنا أن لضمير الفصل فوائد: التوكيد، والحصر، وتمييز الخبر عن الصفة، وضربنا لذلك مثلًا.
* من فوائد هذه الآيات: إنكار هذا الرجل المؤمن على قومه بما يشهد العقل بصحته حيث قال: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر ٤١]. وإذا كان العقل يدل على صحته فهو محل عجب، كل إنسان عاقل يعجب أن يكون هذا الشيء، رجل يدعو قومه إلى النجاة، ورجل يدعوهم إلى النار!
* ومن فوائد الآية الكريمة: مراعاة الحال في الخطاب، وجهه أنه قال: ﴿إِلَى النَّجَاةِ﴾ مع أنه يدعوهم إلى الجنة، لكن لما كانت دعوتهم إياه إلى الهلاك آثر أن يقول: إلى النجاة.
سؤال: هل يلزم من النجاة من النار دخول الجنة؟ يلزم، كيف اللزوم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: وجه اللزوم، لو قال: واحد، ينجو من النار ويجد محلًّا ثانيًا، أين قاله الله؟ أين آية واحدة؟ هذه، لكن هذا أنجاه الله من النار، وتركه من ها الأرض.
* طالب: (...).
* الشيخ: لكن هذا ما زُحْزح وأُدخِل، لكن واحد زُحزِح عن النار وسكت الله عنه، ما هو بدليل، الدليل أنه ليس في الآخرة إلا داران، إما هذا أو هذا؛ ولذلك كان أصحاب الأعراف الذين يبقون بين الجنة والنار مآلهم إلى الجنة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن كل من أشرك بالله أو أنكره كفر به فليس له عِلْم في ذلك مهما كان، تُؤخَذ من: ﴿وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ [غافر ٤٢].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإشراك بالله كجحود الله، من أين؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ويدل لذلك أيضًا قول الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥/٤٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: تذكير هذا الرجل المؤمن هؤلاء بعزة الله ومغفرته ترغيبًا وترهيبًا؛ لقوله: ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ [غافر ٤٢] في أي الكلمتين يكون الترهيب؟ في قوله: ﴿الْعَزِيزِ﴾، والترغيب في قوله: ﴿الْغَفَّارِ﴾، والله أعلم.
* الطالب: ما يُذكر في القرآن من كلام أشخاص معينين كملكة سبأ ومؤمن آل فرعون هل يؤخذ بالمعنى أو باللفظ؟
* الشيخ: هذا سؤال مهم، يقول: ما ينقله الله عز وجل عن الأمم السابقة هل هو بالمعنى أو باللفظ؟
الجواب: بالمعنى لا شك، أولًا: لأن لغة هؤلاء ليست لغة عربية، وثانيًا: لو كان باللفظ لكان كلام البشر مُعجِزًا؛ لأن الإعجاز يحصل بالآية والآيتين والثلاثة، وهذا الرجل المؤمن كم تكلم من آية؟
* طالب: يمكن يا شيخ يشير لشيء معين، وهو أنها تأتي بلاغًا (...).
* الشيخ: إذن لأن الله هو الذي صاغه بنفسه، فنقله بالمعنى.
هذا يوصلنا إلى شيء؛ الحديث القدسي هل هو كلام الله بلفظه أو معناه؟
هذا -على كل حال- فيه خلاف؛ منهم من يقول: تكلم الله به لفظًا، ومنهم من يقول: تكلم به معنى، والصياغة من الرسول عليه الصلاة والسلام، ومنهم من يقول: قل: قال الله، ولا تقل لفظًا ولا معنى، ما دُمت في عافية فاسلك طريق العافية، لكن أحيانًا يُحرج الإنسان، يُقال: أعطني الفرق بين الحديث القدسي والقرآن؟ وأما إذا أمكن الإنسان السلامة فالسلامة خير، لكن يأتيك بعض الناس ويقول لك: أخبرني عن الفرق بين الحديث القدسي والقرآن؟ فالفرق هو هذا؛ أن الحديث القدسي ليس لفظ الله عز وجل؛ لأنه لو كان لفظ الله لكان معجزًا ولثبت له أحكام القرآن، بحيث لا يقرؤه جنب، ولا يُمَس إلا بطهارة، ولا أحد يقدر على تحريفه، وما أشبه ذلك، وهذا كله مُنتهٍ.
فإذا قال قائل: أليس الرسول يقول: قال الله؟ قلنا: بلى. أليس الله يقول: قال فرعون، قال موسى وما أشبه ذلك وهو بغير لغتهم؟ هذا لا يمنع.
ثم لو قلنا: إنه كلام الله باللفظ أشكل علينا إشكالًا عظيمًا، فإما أن يكون بواسطة جبريل، أو بغير واسطة، فإن كان بغير واسطة كان أعلى سندًا من القرآن؛ لأن القرآن بواسطة من؟
* طلبة: جبريل.
* الشيخ: وإن كان بغير واسطة، فأي إنسان يقول بغير واسطة فإننا ربما نخنقه أو نعطيه كفًّا على الرأس؛ لأن إذا جعله بواسطة، والرسول حذف الواسطة صار عندنا إشكال، ما هو؟ التدليس، والرسول ﷺ مُنَزَّه عن هذا، فعلى كل حال المسألة -كما قلت لكم- أحد يقول: إنه كلام الله لفظًا ومعنى، والثاني يقول: كلام الله معنى لا لفظًا، والثالث يسكت، يقول: نقول: قال الله ونسكت، وهذا إذا حصل للإنسان السلامة فهو أسلم، لكن كما قلت لكم أحيانًا يقول لك: لازم، أعطني الفَرْق بين القرآن والحديث القدسي، نقول: هذا الفرق، القرآن كلام الله لفظًا ومعنى، والحديث القدسي كلام الله معنًى لا لفظًا.
فإن قال قائل: وحينئذٍ نطالبكم بالفرق بين الحديث النبوي والقدسي؛ لأن الحديث النبوي كلام الرسول، نقول: هذا سهل، الفرق بينهما أن الحديث النبوي لا يضيفه الرسول إلى الله، والحديث القدسي يضيفه إلى الله، انتهى الإشكال في هذه المسألة، ثم اعلم أن هذه المقامات إذا حصلت السلامة فهي أسلم، ولكن إذا ابتُلِي الإنسان فلا بد أن يُفَصِّل.
ومن ذلك، وأنا أحب أن أستطرد؛ لأن معنا إخوانًا لم يدركوا ما نقوله في بعض المجالس؛ من ذلك مثلًا لفظ (الجسم)، الجسم تعلمون أن جميع الْمُعطِّلة بنوا تعطيلهم على مسألة الجسم، حيث ادعوا أنهم إذا أثبتوا الوجه أو اليد أو ما أشبه ذلك فإنه يقتضي أن يكون الله جسمًا، حتى الاستواء يقولون: إذا أثبتنا أن الله استوى فهو جسم، ونحن نقول لهم: ما هذا الجسم الذي جعلتموه دبُّوسًا معلقًا تخرقون به كل سياج لإثبات الصفات؟
إن أردتم أنه جسم مكون مخلوق يمكن انفصال بعضه عن بعض، وبانفصال بعضه ينقص وربما يهلك، فالله مُنَزَّه عن هذا ولا شك، ومن اعتقد هذا في ربه فهو كافر.
وإن أردتم بالجسم أنه ذو ذات يفعل ما يشاء، ويتكلم، ويجيء، وينزل، ويستوي، ويتصف بالصفات اللائقة به فهذا حق، لكن من جهة إثبات لفظ الجسم أو نفيه فهذا ممنوع، لا تقل إثباتًا: إن الله جسم، ولا نفيًا: إن الله ليس بجسم؛ لأنه لم يرد إثباته ولا نفيه.
فهذه مسائل ينبغي لطالب العِلم أن يفهمها، فمثلًا إذا جادلنا إنسان، ويقول: ما تقول في الجسم؟ أقول: أما باعتبار لفظه فالواجب الكف عنه إثباتًا أو نفيًا، أما من جهة معناه فنحن نستفصل.
* * *
* طالب: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٤٤) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٤ - ٤٦].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بقي فوائد فيما سبق وقفنا فيها على قوله: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً﴾ [غافر ٤٠] بعدها ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي﴾ [غافر ٤٣] إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن كل ما يُدعى من دون الله فليس له دعوة اسحقاقًا ولا استجابة؛ لقوله تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ﴾ [غافر ٤٣].
* ومن فوائدها: أن هذه الأصنام لا تنفع عابديها سواء دعوها دعوة مسألة أو دعوة عبادة.
والفرق بين دعوة المسألة؛ أن المسألة يطلب فيها الإنسان حاجة ما، ودعاء العبادة يتعبد لله، وإنما كانت العبادة دعاء؛ لأن العابد يدعو بلسان حاله أن يُثاب على هذه العبادة، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر٦٠] فقال: ﴿ادْعُونِي﴾، ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر ٦٠] فدل هذا على أن الدعاء عبادة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الرجوع إلى الله عز وجل، وأن مرد الأمور إليه في قوله: ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر ٤٣]، وهذه الآية لها نظائر، منها قوله تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [البقرة ٢١٠]، ومنها: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية ٢٥، ٢٦]، ومنها: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق ٦]، ومنها قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم ٤٢]، والآيات في هذا المعنى كثيرة؛ أن مرجع الخلائق إلى ربها عز وجل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم الإسراف، وجه الدلالة؟ من أين نأخذ تحريم الإسراف من الآية؟
﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر ٤٣].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإسراف قد يصل إلى حد الكفر من الآية؛ قوله: ﴿هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ ومتى وجدتَ ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾ الذين هم أهلها والذين هم مُخلَّدون فيها.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: قوة إيمان هذا الرجل، فقال: ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر ٤٣].
* ومن فوائدها: استعمال التعريض.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، كيف ذلك؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: أحسنت؛ لأنه لا شك أنه أول ما يدخل في هذه الجملة هؤلاء، لكنه لم يشأ أن يتكلم بذلك صريحًا.
هل يمكن أن نقول: في هذه الآية إظهار في موضع الإضمار؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ما ممكن أن نقول؟ وممكن أن نقول: هذا تورية، وعلى كل حال، فالإظهار في موضع الإضمار من أساليب اللغة العربية، وهو كثير في القرآن. وله فوائد، منها:
إرادة العموم: يعني ليعم الحكم، من استُعمل في حقه ومن لم يُستعمل.
ومنها بيان العلة التعليل؛ لأنه إذا جاء الوصف مُعلَّقًا عليه حكم من الأحكام دل ذلك على عِلِّيَّة هذا الوصف.
ومنها: التسجيل على هؤلاء الذين كان مقتضى السياق أن يذكروا بالضمير بما يقتضيه هذا الوصف، فهذه ثلاث فوائد: إرادة التعميم، بيان العلة، الحكم على هؤلاء بأنهم مستحقون لهذا الوصف.
غافر 40:44
ثم قال الله تبارك وتعالى في بقية كلام هذا الرجل المؤمن: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ [غافر ٤٤] (السين) و(سوف) كلاهما يختصان بالفعل المضارع، ومن علاماته، وإذا رأيت كلمة تقبل (السين) و(سوف) فهي فعل مضارع، لكنهما يفترقان، (السين) تدل على القُرب، و(سوف) تدل على المهلة، فقوله: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ﴾ أي عن قريب، وهي مع إفادتها القُرب تفيد التحقق؛ يعني أن هذا أمر لا بد أن يحصل ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ متى؟ إذا عاينتم العذاب، وهذا ليس ببعيد؛ لأن غاية ما بينهم وبينه أن تنتهي آجالهم، وكل آتٍ قريب ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾. وحينئذٍ ينفعهم ذلك أو لا؟ لا ينفعهم، كما لو نصحك ناصح عن فعل شيء، ثم لم تقبل نصيحته، وبعد ذلك رأيت عاقبته وخِيمة فإنك ستذكر قول الناصح، تذكره ندمًا وحزنًا.
قال: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر ٤٤]، الواو هنا للاستئناف، ولا يصح أن تكون عاطفة؛ لأنها لو كانت عاطفة لكان المعنى: وسأفوض أمري إلى الله، ولكن ليس هذا المعنى، بل المعنى: وأنا أفوض أمري إلى الله، فالواو هنا للاستئناف، أفوضه إلى الله؛ أي: أَكِله إلى الله عز وجل.
وقوله: ﴿أَمْرِي﴾ هذا مفرد مضاف يعم، والمراد به الشأن، أي الشأن كله ﴿إِلَى اللَّهِ﴾. وهذا غاية ما يكون من التوكل.
﴿إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر ٤٤] هذه الجملة تعليلية للحكم السابق وهو قوله: أفوض أمري إلى الله، كأن قائلًا يقول: لماذا فوض أمره إلى الله؟ فأجاب بأن الله تعالى بصير بالعباد.
﴿بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ أي: بأحوالهم، وحاضرهم، ومستقبلهم، وجميع شؤونهم، فهو جل وعلا يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، يعلم كل أحوالهم.
قال ذلك لما توعدوه بمخالفة دينه؛ يعني كأنهم توعدوه فقال: أفوض أمري إلى الله، ولكن التوعد ليس في الآية دليل عليه، والظاهر -والله أعلم- أنه لم يقل ذلك حين توعدوه ولكنه قال ذلك حين أيس من أن يمتثلوا لنصيحته، فقال كالمودع لهم: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ وأما أنا فأفوض أمري إلى الله؛ لأني قمت بما يلزمني من نصيحة، وهذا أكثر ما يجب عليَّ.
قال الله تعالى: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ [غافر ٤٥] هذا أيضًا يدل على رد كلام المؤلف؛ لأنهم لو توعدوه بالقتل لم يكن هذا مكرًا؛ إذ إن المكر هو الإيقاع بالغير من حيث لا يشعر، هذا المكر؛ أن توقع بغيرك من حيث لا يشعر، أما لو توعدوه بالقتل لم يكن هذا مكرًا، بل كان هذا صريحًا واضحًا.
﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ أي: نجاه من مكرهم السيئ، فـ﴿سَيِّئَاتِ﴾ هنا من باب إضافة الصفة إلى موصوفها؛ أي: المكر السيئ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر ٤٣].
وقوله: ﴿مَا مَكَرُوا﴾ المكر والخداع والغدر والْمِحال وما أشبه ذلك؛ كلها ألفاظ متقاربة تدور حول شيء واحد، وهو أن توقع بغيرك من حيث لا يشعر.
﴿مَا مَكَرُوا﴾ قال: (به من القتل) بَيَّنَ في هذا أن العائد على الصلة في قوله: (ما) محذوف والتقدير: ما مكروا به.
قال: (﴿وَحَاقَ﴾ نزل ﴿بِآلِ فِرْعَوْنَ﴾ قومه معه ﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾ الغرق) (حاق) بمعنى (نزل)، لكن تشعر بأنها ليست بمعنى (نزل) من كل وجه، وأن تفسيرها بالنزول تفسير تقريبي، (حاق) القاف قريبة من الطاء فكأن المعنى: حاط بهم، وهذا أشد من نزل، فالظاهر أن (حاق) بمعنى (نزل) مُحيطًا بهم، وليست بمعنى نزل على وجه مجرد بدون إضافة معنى.
وقوله: ﴿بِآلِ فِرْعَوْنَ﴾ قال المؤلف: (قومه). وقال غيره: أتباعه. والظاهر أن المعنى متقارب؛ لأن الذين اتبعوه إنما هم قومه، وأما بنو إسرائيل فإنهم لم يتبعوه بل كان يُذَبِّح أبناءهم ويستحيي نساءهم؛ ﴿بِآلِ فِرْعَوْنَ﴾.
وقوله: (معه) ذكرها لئلا يظن الظان أن العذاب نزل بآل فرعون دونه، ولكن هذا لا يمكن أبدًا، إذا كان آل فرعون إنما نزل بهم العذاب؛ لأنهم كفروا بالله، ففرعون أكفر بالله من هؤلاء، ثم إن الظاهر أن الإنسان إذا قال: أكرِمْ آل فلان، فإن فلانًا هو مقدمهم، ولا بد أن يدخل فيهم لغة.
وقوله: ﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾ هذا أيضًا من باب إضافة الصفة إلى موصوفها؛ أي المعنى: العذاب السيئ، وفسره المؤلف بأنه الغرق، وهذا لا شك أنه من سواء العذاب، لكن هناك عذابات أخرى أُصِيب بها آل فرعون: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف ١٣٠]. وقال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ﴾ [الأعراف ١٣٣] كل هذا من سوء العذاب؛ الطوفان ليُغرق ما بُذِر من نباتهم، والقُمَّل لأجل أن يُفسد ما ظهر، والضفادع لتفسد الماء؛ لأنهم صاروا كلما أخذوا إناءً يشربونه وجدوا هذه الضفادع قد ملأته، والدم هو نزيف الدم إما من الأنف، أو من غيره، فعُوقِبوا من كل وجه، بالزروع غرق، ما ادخروه قُمَّل، الماء ضفادع، بعد أن يصل إلى الجسم ويتغذى به الجسم يخرج هذا، ينزف دمًا، فهلكوا.
وهذا فيه الترتيب ودرجات، ويش قلنا؟ الطوفان غرق الزروع، الجراد أكل ما ظهر، الطوفان والجراد، تأكل الزرع، الطوفان يغرق ما بُذِر، والجراد يأكل ما ظهر، والقُمَّل يفسد ما ادخر، والضفادع تفسد الماء، والدم -وهو النزيف- تذهب ما حصل من الغذاء بالطعام الذي يقدر أنه سلم من هذه الآفات، فهذا من سوء العذاب، والنهاية هو الغرق، أن الله أغرق آل فرعون بالبحر.
قال: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر ٤٦] هذه الجملة مستأنفة، فـ﴿النَّارُ﴾ مبتدأ، و﴿يُعْرَضُونَ﴾ الجملة خبرها.
﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ ليس معنى ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ أنها تحرقهم؛ لأن الله لو أراد ذلك لقال: النار يصلونها غدوًّا وعشيًّا، لكنهم يُعرضون عليها فيأتيهم من سمومها وعذابها ما لا يطيقون والعياذ بالله، يُعرضون عليها غُدوًّا في الصباح، وعشيًّا في المساء، والظاهر أن المراد الدوام، ويحتمل أن المراد هذان الوقتان فقط، فأما الأول فقد يستدل له بقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم ٦٢] يعني في كل الزمن.
وأما الثاني فيمكن أن يقال: إن هذا ظاهر اللفظ؛ أي في أول النهار وآخره، وأنهم يُعرَضون على النار أول النهار، ثم إذا صُرِفوا عنها أَمَّلوا أنها لا تعود إليهم، فتعود إليهم، فيكون هذا أشد من الاستمرار؛ لأن كون الإنسان يُؤمل اندفاع العذاب عنه ثم يعود أشد من كونه مستمرًّا آيسًا من زواله، ولهذا قال الله تعالى لأصحاب النار: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة ٢٠].
﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ [غافر ٤٦] يقال: ﴿ادْخُلُوا﴾ يا ﴿آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ هذه قراءة، (ادْخُلوا) أمر، والمقصود به الإهانة والإذلال، بخلاف قوله تعالى لأهل الجنة: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر ٤٦] هذه للإكرام، أما هذه: ﴿ادْخُلُوا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ هذه للإهانة والعياذ بالله.
وقوله: ﴿آلَ﴾ فسَّرها المؤلف بقوله: (يا آلَ) إشارة إلى أنها منصوبة بـ(ياء) النداء المحذوفة، ادخلوا يا آل فرعون. (وفي قراءة بفتح الهمزة وكسر الخاء أَمْر للملائكة) ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ﴾، يعني ويوم القيامة يقال للملائكة: أدخلوا آل فرعون (﴿أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ عذاب جهنم) نسأل الله العافية.
في هذه الآيات من الفوائد:
أولًا: أن الله سبحانه وتعالى حسْب من تَوَكَّل عليه؛ لقوله: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر ٤٤].
* في هذه الآيات من الفوائد:
أولًا: بيان تحذير هؤلاء الذين ينصحهم المؤمن بأنهم سوف يذكرون كلامه، ويعرفون أنه الحق لكن متى؟ في حال لا تنفعهم هذه الذكرى.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: قوة توكُّل المؤمن، حيث قال: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾. وهكذا يجب على كل مؤمن إذا أراد أن تُقضى أموره وتسهل فلْيُفَوِّض أمره إلى الله؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣]، وقال لنبيه ﷺ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال ٦٤]، ومن كان الله حسبه فهو رابح وناجح.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات عِلْم الله سبحانه وتعالى بكل عباده؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر ٤٤]، وهذا -كما قلت لكم- تفسير يشمل الأحوال والأعيان.
* ومن فوائد الآية التي بعدها: أن الله سبحانه وتعالى يكفي من تَوَكَّل عليه، فيحميه من عدوه؛ لقول الله تعالى: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ [غافر ٤٥].
* ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من أعداء المسلمين؛ لقوله: ﴿مَا مَكَرُوا﴾، وأن أعداء المسلمين قد لا يُواجهونهم بالعداوة ولكنهم يمكرون بهم، فليحذر المؤمن مكر أعداء الله، وهذا في القرآن كثير، قال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال ٣٠]. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق ١٥ - ١٧].
ومن مكر أعداء الله؛ أنهم لا يُجابهون المسلمين بالعداوة، لكنهم يغزونهم من حيث لا يشعرون بالأفكار المنحرفة والأخلاق السيئة، كما تُشاهدون الآن وتسمعون ما يفعل أعداء المسلمين بالمسلمين، يَجُرُّون إليها الأخلاق السافلة من وسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة، يُوفِدون إليهم كل ما يخالف دين الإسلام في الملابس وغير الملابس، يغرونهم بالأموال الطائلة لإذهاب أوقاتهم سُدًى بلا فائدة كمسألة الرياضة وما أشبهها. فالمهم أن أعداء المسلمين يمكرون بهم مكرًا عظيمًا، والمسلمون إما أنهم لا يهتمون بهذا المكر أو أنهم لا يعرفونه، ولكن -على كل حال- الواجب علينا أن نحذر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى يُجازي المحسِن بإحسانه، ويجازي المسيء بإساءته، وتكون إجازة المسيء بإساءته تكون في الحقيقة مجازاة للمحسن؛ لأن أخذ أعدائك بالعذاب هو -في الحقيقة- انتصار لك، وأنت تفرح بذلك، تؤخذ من قوله: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٥] فبين الله تعالى جزاء هذا وجزاء هؤلاء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات عذاب القبر؛ لقوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر ٤٦].
وعذاب القبر ثابت بالقرآن والسنة والإجماع؛ أما القرآن: ففي مثل هذه الآية: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾. ثم قال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا﴾ [غافر ٤٦]؛ لأن قوله: (يوم) ظرف زمان متعلق بما بعده، المتعلق بالفعل ﴿أَدْخِلُوا﴾ أو ﴿ادْخُلُوا﴾، وهذا إذن لا يكون إلا بعد يوم القيامة، وعرضهم على النار غُدوًّا وعشيًّا يكون قبل يوم القيامة، ففيه إثبات عذاب القبر، قلت لكم: إنه ثابت بالقرآن، والسنة، والإجماع، أما القرآن ففي مثل هذا.
ومنه -أي من أدلة القرآن- قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام ٩٣]. ﴿الْيَوْمَ﴾ متى؟ اليوم هنا (أل) للعهد الحضوري؛ يعني هذا اليوم الذي هو يوم موتكم، فدل ذلك على ثبوت عذاب القبر.
أما السنة فهي متواترة في ذلك، كثيرة على وجوه متنوعة؛ عامة وخاصة؛ من الخاصة قوله ﷺ حين مر بقبرين يُعذَّبان: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٥٥) ومسلم (٢٩٢/١١١) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. ]].
وأما الإجماع، فكل المسلمين يقولون في صلواتهم: أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر؛ وهذا أمر لا إشكال فيه، وهو من عقيدتنا.
فإن قال قائل: هل العذاب يكون على البدن أو على الروح أو عليهما جميعًا؟
نقول: ظاهر السُّنَّة أن العذاب يكون على البدن حين مُساءلة الملكين، فإن النبي ﷺ أخبر أن المنافق والمرتاب يقول: «لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ، فيُضْرَبُ بِمِرْزَبَةٍ مِنْ حَدِيدٍ فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الثَّقَلَانِ؛ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ؛ فَإِنَّهُمْ لَا يَسْمَعُونَهُ، وَكُلُّ شَيْءٍ يَسْمَعُهُ»[[أخرج أبو داود (٤٧٥١) بسنده عن أنس بن مالك، قال: إن نبي الله ﷺ دخل نخلًا لبني النجار، فسمع صوتًا ففزع، فقال: «من أصحاب هذه القبور؟». قالوا: يا رسول الله، ناس ماتوا في الجاهلية، فقال: «تعوذوا بالله من عذاب النار، ومن فتنة الدجال». قالوا: ومم ذاك يا رسول الله؟ قال: «إن المؤمن إذا وضع في قبره أتاه ملك فيقول له: ما كنت تعبد؟ فإن الله هداه قال: كنت أعبد الله، فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: هو عبد الله ورسوله، فما يسأل عن شيء، غيرها، فينطلق به إلى بيت كان له في النار فيقال له: هذا بيتك كان لك في النار، ولكن الله عصمك ورحمك، فأبدلك به بيتًا في الجنة، فيقول: دعوني حتى أذهب فأبشر أهلي، فيقال له: اسكن، وإن الكافر إذا وضع في قبره أتاه ملك فينتهره فيقول له: ما كنت تعبد؟ فيقول: لا أدري، فيقال له: لا دريت ولا تليت، فيقال له: فما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: كنت أقول ما يقول الناس، فيضربه بمطراق من حديد بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها الخلق غير الثقلين». ]]. والمراد بذلك من قرب منها بحيث يسمع، أما من كان في أقطار الدنيا البعيدة فلا، وهذا يدل على أن الذي يُعذَّب حين المساءلة البدن؛ لقوله: «فَيُضْرَبُ».
أما بعد ذلك فالأصل أن العذاب على الروح، وقد تتصل بالبدن كما قال ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وإن شئنا قلنا: هذا بحث لا طائل تحته، ولم يسأل عنه الصحابة، فنُثبِت عذاب القبر على حسب ما جاء في الكتاب والسُّنة، لا نزيد ولا ننقص.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجود النار؛ لقوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر ٤٦] ووجودها ثابت في القرآن والسنة، وقد رأى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم النار حين عُرِضَتْ عليه وهو يُصَلِّي بالناس صلاة الكسوف، ورأى فيها من يُعَذَّب؛ فالنار موجودة الآن.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات قيام الساعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ [غافر ٤٦].
ونحن نؤمن بالساعة، وأنها ستقوم، وسيُبعث الناس، وبهذا نعرف أن ما يذكره بعض الناس اليوم حين يموت الرجل فيُدفن يقولون مثلًا: إنهم ذهبوا به إلى مثواه الأخير، هذه الكلمة كلمة كُفْر، إذا قلت: إلى مثواه الأخير، فهذا يعني أنه لا بعث بعد ذلك، وأن هذا آخر مرحلة للإنسان، وليس الأمر هكذا، ولهذا نقول: إن من قال هذه الكلمة وهو يعرف معناها ويريده فإنه كافر؛ لأنه مُنكِر للبعث، أما من قالها وقال: إلى مثواه الأخير باعتبار الدنيا المشاهَدَة؛ فهذا صحيح، لكن ظاهر العبارة الكُفْر، ولهذا يجب التحرز منها، ويقال مثلًا: ذهبوا به إلى قبره، ذهبوا به إلى محل زيارته،
أو غير صحيح؟
* طالب: إذا كان المقصود (...).
* الشيخ: الواقع أن القبر زيارة، قال الله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر ١، ٢] ولما سمع أعرابي رجلًا يقرؤها قال: والله إن الزائر ليس بمستقر؛ يعني أن هناك شيئًا وراء هذا القبر، وصدق، الزائر ما هو مستقر، يزور ويمشي.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إهانة الكفار إهانةً بدنية وإهانةً قلبية، من أين تؤخذ؟ من توبيخهم وإهانتهم: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ [غافر ٤٦] ولا شك أن قلوبهم تأثر بهذا، وستجد الحسرة والندامة والعياذ بالله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: التنكيت على آل فرعون، كأنه قال: ادخُلوا آل فرعون وانظروا هل ينفعكم أن تكونوا من آله أو لا؟ ففيها نوع تبكيت لهؤلاء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن النار أشد العذاب، وأن كل ما قبلها أهون منها؛ لقوله: ﴿أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ ولا شك أنها أشد العذاب، كذلك نقول بالنسبة للنعيم، ما يجده المؤمن من النعيم في القبر فليس بشيء بالنسبة لما يجده يوم القيامة، فأكمل النعيم يكون بدخول الجنة وما قبله فهو كالتقدمة بين يديه.
* طالب: هل يستدل على (...) يراها الإنسان في منامه؟
* الشيخ: ويش يرى؟ يرى أنه يعذب؟
* الطالب: في الأحلام هو أنه..
* الشيخ: يرى أنه يُعذَّب؟
* الطالب: أحيانًا الإنسان يرى (...)؟
* الشيخ: لا، ما يُستدل، لكن يستدل به على دفع دعوى أهل الإلحاد؛ حيث قالوا: إنكم تقولون: إن الميت يُقعد في قبره ويُعذَّب، ونحن نحفر القبر ونجد أن الميت باقٍ على ما هو عليه؟ فنرد عليهم بأن هذا النائم يرى أنه مُعذَّب، وأنه مُنَعَّم، وأنه ذهب، وأنه جاء وهو على فراشه لم يتغير، حتى اللحاف ما سقط عن ظهره. فنقول: قِس الغائب بالحاضر، ثم لو كان عذاب القبر يُدرَك بالاطلاع عليه لم يكن إيمانًا بالغيب، لكان إيمانًا بالشهادة، والإيمان بالشهادة لا ينفع؛ يعني الإنسان إذا عَايَنَ الشيء فإن إيمانه به لا ينفع..
طالب: عذاب القبر حين يراه الإنسان في منامه.
* الشيخ: ويش يرى؟
* الطالب: في الأحلام.
* الشيخ: يرى أنه يُعَذَّب؟
* الطالب: ينام الإنسان ويرى (...).
* الشيخ: لا ما يستدل، لكن يستدل به على دفع دعوى أهل الإلحاد حيث قالوا: إنكم تقولون: إن الميت يُقْعَد في قبره ويعذب، ونحن نحفر القبر ونجد أن الميت باقٍ على ما هو عليه؛ فنَرُدُّ عليهم بأن هذا النائم يرى أنه مُعَذَّب وأنه منعم وأنه ذهب وأنه جاء وهو على فراشه لم يتغير، حتى اللحاف ما سقط عن ظهره، فنقول: قس الغائب بالحاضر، ثم إن كان عذابُ القبرِ يُدْرَك بالاطلاع عليه لم يكن إيمانًا بالغيب لكان إيمانًا بالشهادة، والإيمان بالشهادة لا ينفع، يعني: الإنسان إذا عاين الشيء فإن إيمانه به لا ينفع، ترى الكافرين عند حضور الأجل تراهم يؤمنون، ولكن لا ينفعهم ذلك، فرعون لما أدركه الغرق: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس ٩٠]. شوف إلى هذا الحد، يعني: اعترف لله تعالى بالتوحيد، ثم اعترف أنه تابع لبني إسرائيل؛ لقوله: ﴿آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ ولم يقل: أنه لا إله إلا الله، إشارة إلى أنه ذَلَّ حتى صار تابعًا لبني إسرائيل بعد أن كان مُتَجَبِّرًا عليهم.
* طالب: بعض المسلمين يُعَزِّي الكافر.
* الشيخ: يعني: بعض المسلمين يعزونه؟
* الطالب: نعم.
العلماء يقولون: لا بأس، لا بأس أن يُعَزِّيَ الكافرَ، وبعضهم يقول: لا يجوز، وبعضهم فَصَّل قال: إن فعلوا بنا ذا فعلناه اعتمادًا على قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء ٨٦] وهذا أقرب؛ أنهم إن كانوا يفعلون بنا ذلك فعلناه.
لكن هل نقول: عَظَّم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك؟ لا، ما نقول هكذا، نقول: هداك الله للإسلام وجَبَر مصيبتك، وبس، وميته ما نقول: غفر الله له، أو: هو من أهل النار.
* طالب: شيخ، قول أحد الصحابة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: دعوت الله سبحانه وتعالى أن أرى عمر في المنام، ولم يَرَ عمر إلا بعد سنة كاملة (...) قال عمر رضي الله عنه (...)، ما قولكم في هذه المسألة؟
* الشيخ: قولنا: هذه أكذب من الكذب، ما أكثر المنتشر وهو كذب، عمر بن الخطاب قُتِلَ شهيدًا، والشهادة تُكَفِّر كل شيء، كل شيء تكفره إلا الدَّيْن ولم نعلم أنه كان مدينًا.
* طالب: في بعض البلاد العربية وهم النصارى الذين من العرب يضعون جهاز التسجيل داخل القبر، يقول: نحن نريد أن نصدق هل كلامكم صحيح أيها المسلمون من أن عذاب القبر ونعيم القبر ثابت نريد نصدق بهذا، وما أريد (...) القرآن أو السنة، لكن أريد من عقلي أن يصدق هل هذا صحيح أو لا، فماذا نقول لهم؟
* الشيخ: علشان يسمع صياح الميت؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: نقول: لو أراد الله أن تسمعوه بالمسجل لأسمعكم إياه بآذانكم، ليش مسجل؟ ما له حاجة.
ولكن حينما هذا الفعل هل نرتضي معهم بهذا الفعل؟
* الشيخ: نقول: ما أنتم مصدقيَّ.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لو أراد الله أن نسمعه لسمعناه بدون مسجل، نعم.
* طالب: هل يمكن أن نعتبر قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر ٤٦] تفسيرًا لقوله تعالى: ﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾؟
* الشيخ: يمكن هذا، ويمكن أن نقول: إن سوء العذاب ما ذكرناه في التفسير، وأما هذه ﴿النَّارُ﴾ فهي جملة استئنافية ذُكِرَت وحدها.
غافر 40:45
ثم قال الله تبارك وتعالى في بقية كلام هذا الرجل المؤمن: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ [غافر ٤٤] (السين) و(سوف) كلاهما يختصان بالفعل المضارع، ومن علاماته، وإذا رأيت كلمة تقبل (السين) و(سوف) فهي فعل مضارع، لكنهما يفترقان، (السين) تدل على القُرب، و(سوف) تدل على المهلة، فقوله: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ﴾ أي عن قريب، وهي مع إفادتها القُرب تفيد التحقق؛ يعني أن هذا أمر لا بد أن يحصل ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ متى؟ إذا عاينتم العذاب، وهذا ليس ببعيد؛ لأن غاية ما بينهم وبينه أن تنتهي آجالهم، وكل آتٍ قريب ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾. وحينئذٍ ينفعهم ذلك أو لا؟ لا ينفعهم، كما لو نصحك ناصح عن فعل شيء، ثم لم تقبل نصيحته، وبعد ذلك رأيت عاقبته وخِيمة فإنك ستذكر قول الناصح، تذكره ندمًا وحزنًا.
قال: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر ٤٤]، الواو هنا للاستئناف، ولا يصح أن تكون عاطفة؛ لأنها لو كانت عاطفة لكان المعنى: وسأفوض أمري إلى الله، ولكن ليس هذا المعنى، بل المعنى: وأنا أفوض أمري إلى الله، فالواو هنا للاستئناف، أفوضه إلى الله؛ أي: أَكِله إلى الله عز وجل.
وقوله: ﴿أَمْرِي﴾ هذا مفرد مضاف يعم، والمراد به الشأن، أي الشأن كله ﴿إِلَى اللَّهِ﴾. وهذا غاية ما يكون من التوكل.
﴿إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر ٤٤] هذه الجملة تعليلية للحكم السابق وهو قوله: أفوض أمري إلى الله، كأن قائلًا يقول: لماذا فوض أمره إلى الله؟ فأجاب بأن الله تعالى بصير بالعباد.
﴿بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ أي: بأحوالهم، وحاضرهم، ومستقبلهم، وجميع شؤونهم، فهو جل وعلا يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، يعلم كل أحوالهم.
قال ذلك لما توعدوه بمخالفة دينه؛ يعني كأنهم توعدوه فقال: أفوض أمري إلى الله، ولكن التوعد ليس في الآية دليل عليه، والظاهر -والله أعلم- أنه لم يقل ذلك حين توعدوه ولكنه قال ذلك حين أيس من أن يمتثلوا لنصيحته، فقال كالمودع لهم: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ وأما أنا فأفوض أمري إلى الله؛ لأني قمت بما يلزمني من نصيحة، وهذا أكثر ما يجب عليَّ.
قال الله تعالى: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ [غافر ٤٥] هذا أيضًا يدل على رد كلام المؤلف؛ لأنهم لو توعدوه بالقتل لم يكن هذا مكرًا؛ إذ إن المكر هو الإيقاع بالغير من حيث لا يشعر، هذا المكر؛ أن توقع بغيرك من حيث لا يشعر، أما لو توعدوه بالقتل لم يكن هذا مكرًا، بل كان هذا صريحًا واضحًا.
﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ أي: نجاه من مكرهم السيئ، فـ﴿سَيِّئَاتِ﴾ هنا من باب إضافة الصفة إلى موصوفها؛ أي: المكر السيئ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر ٤٣].
وقوله: ﴿مَا مَكَرُوا﴾ المكر والخداع والغدر والْمِحال وما أشبه ذلك؛ كلها ألفاظ متقاربة تدور حول شيء واحد، وهو أن توقع بغيرك من حيث لا يشعر.
﴿مَا مَكَرُوا﴾ قال: (به من القتل) بَيَّنَ في هذا أن العائد على الصلة في قوله: (ما) محذوف والتقدير: ما مكروا به.
قال: (﴿وَحَاقَ﴾ نزل ﴿بِآلِ فِرْعَوْنَ﴾ قومه معه ﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾ الغرق) (حاق) بمعنى (نزل)، لكن تشعر بأنها ليست بمعنى (نزل) من كل وجه، وأن تفسيرها بالنزول تفسير تقريبي، (حاق) القاف قريبة من الطاء فكأن المعنى: حاط بهم، وهذا أشد من نزل، فالظاهر أن (حاق) بمعنى (نزل) مُحيطًا بهم، وليست بمعنى نزل على وجه مجرد بدون إضافة معنى.
وقوله: ﴿بِآلِ فِرْعَوْنَ﴾ قال المؤلف: (قومه). وقال غيره: أتباعه. والظاهر أن المعنى متقارب؛ لأن الذين اتبعوه إنما هم قومه، وأما بنو إسرائيل فإنهم لم يتبعوه بل كان يُذَبِّح أبناءهم ويستحيي نساءهم؛ ﴿بِآلِ فِرْعَوْنَ﴾.
وقوله: (معه) ذكرها لئلا يظن الظان أن العذاب نزل بآل فرعون دونه، ولكن هذا لا يمكن أبدًا، إذا كان آل فرعون إنما نزل بهم العذاب؛ لأنهم كفروا بالله، ففرعون أكفر بالله من هؤلاء، ثم إن الظاهر أن الإنسان إذا قال: أكرِمْ آل فلان، فإن فلانًا هو مقدمهم، ولا بد أن يدخل فيهم لغة.
وقوله: ﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾ هذا أيضًا من باب إضافة الصفة إلى موصوفها؛ أي المعنى: العذاب السيئ، وفسره المؤلف بأنه الغرق، وهذا لا شك أنه من سواء العذاب، لكن هناك عذابات أخرى أُصِيب بها آل فرعون: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف ١٣٠]. وقال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ﴾ [الأعراف ١٣٣] كل هذا من سوء العذاب؛ الطوفان ليُغرق ما بُذِر من نباتهم، والقُمَّل لأجل أن يُفسد ما ظهر، والضفادع لتفسد الماء؛ لأنهم صاروا كلما أخذوا إناءً يشربونه وجدوا هذه الضفادع قد ملأته، والدم هو نزيف الدم إما من الأنف، أو من غيره، فعُوقِبوا من كل وجه، بالزروع غرق، ما ادخروه قُمَّل، الماء ضفادع، بعد أن يصل إلى الجسم ويتغذى به الجسم يخرج هذا، ينزف دمًا، فهلكوا.
وهذا فيه الترتيب ودرجات، ويش قلنا؟ الطوفان غرق الزروع، الجراد أكل ما ظهر، الطوفان والجراد، تأكل الزرع، الطوفان يغرق ما بُذِر، والجراد يأكل ما ظهر، والقُمَّل يفسد ما ادخر، والضفادع تفسد الماء، والدم -وهو النزيف- تذهب ما حصل من الغذاء بالطعام الذي يقدر أنه سلم من هذه الآفات، فهذا من سوء العذاب، والنهاية هو الغرق، أن الله أغرق آل فرعون بالبحر.
قال: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر ٤٦] هذه الجملة مستأنفة، فـ﴿النَّارُ﴾ مبتدأ، و﴿يُعْرَضُونَ﴾ الجملة خبرها.
﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ ليس معنى ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ أنها تحرقهم؛ لأن الله لو أراد ذلك لقال: النار يصلونها غدوًّا وعشيًّا، لكنهم يُعرضون عليها فيأتيهم من سمومها وعذابها ما لا يطيقون والعياذ بالله، يُعرضون عليها غُدوًّا في الصباح، وعشيًّا في المساء، والظاهر أن المراد الدوام، ويحتمل أن المراد هذان الوقتان فقط، فأما الأول فقد يستدل له بقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم ٦٢] يعني في كل الزمن.
وأما الثاني فيمكن أن يقال: إن هذا ظاهر اللفظ؛ أي في أول النهار وآخره، وأنهم يُعرَضون على النار أول النهار، ثم إذا صُرِفوا عنها أَمَّلوا أنها لا تعود إليهم، فتعود إليهم، فيكون هذا أشد من الاستمرار؛ لأن كون الإنسان يُؤمل اندفاع العذاب عنه ثم يعود أشد من كونه مستمرًّا آيسًا من زواله، ولهذا قال الله تعالى لأصحاب النار: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة ٢٠].
﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ [غافر ٤٦] يقال: ﴿ادْخُلُوا﴾ يا ﴿آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ هذه قراءة، (ادْخُلوا) أمر، والمقصود به الإهانة والإذلال، بخلاف قوله تعالى لأهل الجنة: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر ٤٦] هذه للإكرام، أما هذه: ﴿ادْخُلُوا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ هذه للإهانة والعياذ بالله.
وقوله: ﴿آلَ﴾ فسَّرها المؤلف بقوله: (يا آلَ) إشارة إلى أنها منصوبة بـ(ياء) النداء المحذوفة، ادخلوا يا آل فرعون. (وفي قراءة بفتح الهمزة وكسر الخاء أَمْر للملائكة) ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ﴾، يعني ويوم القيامة يقال للملائكة: أدخلوا آل فرعون (﴿أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ عذاب جهنم) نسأل الله العافية.
في هذه الآيات من الفوائد:
أولًا: أن الله سبحانه وتعالى حسْب من تَوَكَّل عليه؛ لقوله: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر ٤٤].
* في هذه الآيات من الفوائد:
أولًا: بيان تحذير هؤلاء الذين ينصحهم المؤمن بأنهم سوف يذكرون كلامه، ويعرفون أنه الحق لكن متى؟ في حال لا تنفعهم هذه الذكرى.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: قوة توكُّل المؤمن، حيث قال: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾. وهكذا يجب على كل مؤمن إذا أراد أن تُقضى أموره وتسهل فلْيُفَوِّض أمره إلى الله؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣]، وقال لنبيه ﷺ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال ٦٤]، ومن كان الله حسبه فهو رابح وناجح.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات عِلْم الله سبحانه وتعالى بكل عباده؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر ٤٤]، وهذا -كما قلت لكم- تفسير يشمل الأحوال والأعيان.
* ومن فوائد الآية التي بعدها: أن الله سبحانه وتعالى يكفي من تَوَكَّل عليه، فيحميه من عدوه؛ لقول الله تعالى: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ [غافر ٤٥].
* ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من أعداء المسلمين؛ لقوله: ﴿مَا مَكَرُوا﴾، وأن أعداء المسلمين قد لا يُواجهونهم بالعداوة ولكنهم يمكرون بهم، فليحذر المؤمن مكر أعداء الله، وهذا في القرآن كثير، قال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال ٣٠]. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق ١٥ - ١٧].
ومن مكر أعداء الله؛ أنهم لا يُجابهون المسلمين بالعداوة، لكنهم يغزونهم من حيث لا يشعرون بالأفكار المنحرفة والأخلاق السيئة، كما تُشاهدون الآن وتسمعون ما يفعل أعداء المسلمين بالمسلمين، يَجُرُّون إليها الأخلاق السافلة من وسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة، يُوفِدون إليهم كل ما يخالف دين الإسلام في الملابس وغير الملابس، يغرونهم بالأموال الطائلة لإذهاب أوقاتهم سُدًى بلا فائدة كمسألة الرياضة وما أشبهها. فالمهم أن أعداء المسلمين يمكرون بهم مكرًا عظيمًا، والمسلمون إما أنهم لا يهتمون بهذا المكر أو أنهم لا يعرفونه، ولكن -على كل حال- الواجب علينا أن نحذر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى يُجازي المحسِن بإحسانه، ويجازي المسيء بإساءته، وتكون إجازة المسيء بإساءته تكون في الحقيقة مجازاة للمحسن؛ لأن أخذ أعدائك بالعذاب هو -في الحقيقة- انتصار لك، وأنت تفرح بذلك، تؤخذ من قوله: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٥] فبين الله تعالى جزاء هذا وجزاء هؤلاء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات عذاب القبر؛ لقوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر ٤٦].
وعذاب القبر ثابت بالقرآن والسنة والإجماع؛ أما القرآن: ففي مثل هذه الآية: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾. ثم قال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا﴾ [غافر ٤٦]؛ لأن قوله: (يوم) ظرف زمان متعلق بما بعده، المتعلق بالفعل ﴿أَدْخِلُوا﴾ أو ﴿ادْخُلُوا﴾، وهذا إذن لا يكون إلا بعد يوم القيامة، وعرضهم على النار غُدوًّا وعشيًّا يكون قبل يوم القيامة، ففيه إثبات عذاب القبر، قلت لكم: إنه ثابت بالقرآن، والسنة، والإجماع، أما القرآن ففي مثل هذا.
ومنه -أي من أدلة القرآن- قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام ٩٣]. ﴿الْيَوْمَ﴾ متى؟ اليوم هنا (أل) للعهد الحضوري؛ يعني هذا اليوم الذي هو يوم موتكم، فدل ذلك على ثبوت عذاب القبر.
أما السنة فهي متواترة في ذلك، كثيرة على وجوه متنوعة؛ عامة وخاصة؛ من الخاصة قوله ﷺ حين مر بقبرين يُعذَّبان: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٥٥) ومسلم (٢٩٢/١١١) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. ]].
وأما الإجماع، فكل المسلمين يقولون في صلواتهم: أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر؛ وهذا أمر لا إشكال فيه، وهو من عقيدتنا.
فإن قال قائل: هل العذاب يكون على البدن أو على الروح أو عليهما جميعًا؟
نقول: ظاهر السُّنَّة أن العذاب يكون على البدن حين مُساءلة الملكين، فإن النبي ﷺ أخبر أن المنافق والمرتاب يقول: «لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ، فيُضْرَبُ بِمِرْزَبَةٍ مِنْ حَدِيدٍ فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الثَّقَلَانِ؛ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ؛ فَإِنَّهُمْ لَا يَسْمَعُونَهُ، وَكُلُّ شَيْءٍ يَسْمَعُهُ»[[أخرج أبو داود (٤٧٥١) بسنده عن أنس بن مالك، قال: إن نبي الله ﷺ دخل نخلًا لبني النجار، فسمع صوتًا ففزع، فقال: «من أصحاب هذه القبور؟». قالوا: يا رسول الله، ناس ماتوا في الجاهلية، فقال: «تعوذوا بالله من عذاب النار، ومن فتنة الدجال». قالوا: ومم ذاك يا رسول الله؟ قال: «إن المؤمن إذا وضع في قبره أتاه ملك فيقول له: ما كنت تعبد؟ فإن الله هداه قال: كنت أعبد الله، فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: هو عبد الله ورسوله، فما يسأل عن شيء، غيرها، فينطلق به إلى بيت كان له في النار فيقال له: هذا بيتك كان لك في النار، ولكن الله عصمك ورحمك، فأبدلك به بيتًا في الجنة، فيقول: دعوني حتى أذهب فأبشر أهلي، فيقال له: اسكن، وإن الكافر إذا وضع في قبره أتاه ملك فينتهره فيقول له: ما كنت تعبد؟ فيقول: لا أدري، فيقال له: لا دريت ولا تليت، فيقال له: فما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: كنت أقول ما يقول الناس، فيضربه بمطراق من حديد بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها الخلق غير الثقلين». ]]. والمراد بذلك من قرب منها بحيث يسمع، أما من كان في أقطار الدنيا البعيدة فلا، وهذا يدل على أن الذي يُعذَّب حين المساءلة البدن؛ لقوله: «فَيُضْرَبُ».
أما بعد ذلك فالأصل أن العذاب على الروح، وقد تتصل بالبدن كما قال ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وإن شئنا قلنا: هذا بحث لا طائل تحته، ولم يسأل عنه الصحابة، فنُثبِت عذاب القبر على حسب ما جاء في الكتاب والسُّنة، لا نزيد ولا ننقص.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجود النار؛ لقوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر ٤٦] ووجودها ثابت في القرآن والسنة، وقد رأى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم النار حين عُرِضَتْ عليه وهو يُصَلِّي بالناس صلاة الكسوف، ورأى فيها من يُعَذَّب؛ فالنار موجودة الآن.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات قيام الساعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ [غافر ٤٦].
ونحن نؤمن بالساعة، وأنها ستقوم، وسيُبعث الناس، وبهذا نعرف أن ما يذكره بعض الناس اليوم حين يموت الرجل فيُدفن يقولون مثلًا: إنهم ذهبوا به إلى مثواه الأخير، هذه الكلمة كلمة كُفْر، إذا قلت: إلى مثواه الأخير، فهذا يعني أنه لا بعث بعد ذلك، وأن هذا آخر مرحلة للإنسان، وليس الأمر هكذا، ولهذا نقول: إن من قال هذه الكلمة وهو يعرف معناها ويريده فإنه كافر؛ لأنه مُنكِر للبعث، أما من قالها وقال: إلى مثواه الأخير باعتبار الدنيا المشاهَدَة؛ فهذا صحيح، لكن ظاهر العبارة الكُفْر، ولهذا يجب التحرز منها، ويقال مثلًا: ذهبوا به إلى قبره، ذهبوا به إلى محل زيارته،
أو غير صحيح؟
* طالب: إذا كان المقصود (...).
* الشيخ: الواقع أن القبر زيارة، قال الله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر ١، ٢] ولما سمع أعرابي رجلًا يقرؤها قال: والله إن الزائر ليس بمستقر؛ يعني أن هناك شيئًا وراء هذا القبر، وصدق، الزائر ما هو مستقر، يزور ويمشي.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إهانة الكفار إهانةً بدنية وإهانةً قلبية، من أين تؤخذ؟ من توبيخهم وإهانتهم: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ [غافر ٤٦] ولا شك أن قلوبهم تأثر بهذا، وستجد الحسرة والندامة والعياذ بالله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: التنكيت على آل فرعون، كأنه قال: ادخُلوا آل فرعون وانظروا هل ينفعكم أن تكونوا من آله أو لا؟ ففيها نوع تبكيت لهؤلاء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن النار أشد العذاب، وأن كل ما قبلها أهون منها؛ لقوله: ﴿أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ ولا شك أنها أشد العذاب، كذلك نقول بالنسبة للنعيم، ما يجده المؤمن من النعيم في القبر فليس بشيء بالنسبة لما يجده يوم القيامة، فأكمل النعيم يكون بدخول الجنة وما قبله فهو كالتقدمة بين يديه.
* طالب: هل يستدل على (...) يراها الإنسان في منامه؟
* الشيخ: ويش يرى؟ يرى أنه يعذب؟
* الطالب: في الأحلام هو أنه..
* الشيخ: يرى أنه يُعذَّب؟
* الطالب: أحيانًا الإنسان يرى (...)؟
* الشيخ: لا، ما يُستدل، لكن يستدل به على دفع دعوى أهل الإلحاد؛ حيث قالوا: إنكم تقولون: إن الميت يُقعد في قبره ويُعذَّب، ونحن نحفر القبر ونجد أن الميت باقٍ على ما هو عليه؟ فنرد عليهم بأن هذا النائم يرى أنه مُعذَّب، وأنه مُنَعَّم، وأنه ذهب، وأنه جاء وهو على فراشه لم يتغير، حتى اللحاف ما سقط عن ظهره. فنقول: قِس الغائب بالحاضر، ثم لو كان عذاب القبر يُدرَك بالاطلاع عليه لم يكن إيمانًا بالغيب، لكان إيمانًا بالشهادة، والإيمان بالشهادة لا ينفع؛ يعني الإنسان إذا عَايَنَ الشيء فإن إيمانه به لا ينفع..
طالب: عذاب القبر حين يراه الإنسان في منامه.
* الشيخ: ويش يرى؟
* الطالب: في الأحلام.
* الشيخ: يرى أنه يُعَذَّب؟
* الطالب: ينام الإنسان ويرى (...).
* الشيخ: لا ما يستدل، لكن يستدل به على دفع دعوى أهل الإلحاد حيث قالوا: إنكم تقولون: إن الميت يُقْعَد في قبره ويعذب، ونحن نحفر القبر ونجد أن الميت باقٍ على ما هو عليه؛ فنَرُدُّ عليهم بأن هذا النائم يرى أنه مُعَذَّب وأنه منعم وأنه ذهب وأنه جاء وهو على فراشه لم يتغير، حتى اللحاف ما سقط عن ظهره، فنقول: قس الغائب بالحاضر، ثم إن كان عذابُ القبرِ يُدْرَك بالاطلاع عليه لم يكن إيمانًا بالغيب لكان إيمانًا بالشهادة، والإيمان بالشهادة لا ينفع، يعني: الإنسان إذا عاين الشيء فإن إيمانه به لا ينفع، ترى الكافرين عند حضور الأجل تراهم يؤمنون، ولكن لا ينفعهم ذلك، فرعون لما أدركه الغرق: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس ٩٠]. شوف إلى هذا الحد، يعني: اعترف لله تعالى بالتوحيد، ثم اعترف أنه تابع لبني إسرائيل؛ لقوله: ﴿آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ ولم يقل: أنه لا إله إلا الله، إشارة إلى أنه ذَلَّ حتى صار تابعًا لبني إسرائيل بعد أن كان مُتَجَبِّرًا عليهم.
* طالب: بعض المسلمين يُعَزِّي الكافر.
* الشيخ: يعني: بعض المسلمين يعزونه؟
* الطالب: نعم.
العلماء يقولون: لا بأس، لا بأس أن يُعَزِّيَ الكافرَ، وبعضهم يقول: لا يجوز، وبعضهم فَصَّل قال: إن فعلوا بنا ذا فعلناه اعتمادًا على قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء ٨٦] وهذا أقرب؛ أنهم إن كانوا يفعلون بنا ذلك فعلناه.
لكن هل نقول: عَظَّم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك؟ لا، ما نقول هكذا، نقول: هداك الله للإسلام وجَبَر مصيبتك، وبس، وميته ما نقول: غفر الله له، أو: هو من أهل النار.
* طالب: شيخ، قول أحد الصحابة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: دعوت الله سبحانه وتعالى أن أرى عمر في المنام، ولم يَرَ عمر إلا بعد سنة كاملة (...) قال عمر رضي الله عنه (...)، ما قولكم في هذه المسألة؟
* الشيخ: قولنا: هذه أكذب من الكذب، ما أكثر المنتشر وهو كذب، عمر بن الخطاب قُتِلَ شهيدًا، والشهادة تُكَفِّر كل شيء، كل شيء تكفره إلا الدَّيْن ولم نعلم أنه كان مدينًا.
* طالب: في بعض البلاد العربية وهم النصارى الذين من العرب يضعون جهاز التسجيل داخل القبر، يقول: نحن نريد أن نصدق هل كلامكم صحيح أيها المسلمون من أن عذاب القبر ونعيم القبر ثابت نريد نصدق بهذا، وما أريد (...) القرآن أو السنة، لكن أريد من عقلي أن يصدق هل هذا صحيح أو لا، فماذا نقول لهم؟
* الشيخ: علشان يسمع صياح الميت؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: نقول: لو أراد الله أن تسمعوه بالمسجل لأسمعكم إياه بآذانكم، ليش مسجل؟ ما له حاجة.
ولكن حينما هذا الفعل هل نرتضي معهم بهذا الفعل؟
* الشيخ: نقول: ما أنتم مصدقيَّ.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لو أراد الله أن نسمعه لسمعناه بدون مسجل، نعم.
* طالب: هل يمكن أن نعتبر قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر ٤٦] تفسيرًا لقوله تعالى: ﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾؟
* الشيخ: يمكن هذا، ويمكن أن نقول: إن سوء العذاب ما ذكرناه في التفسير، وأما هذه ﴿النَّارُ﴾ فهي جملة استئنافية ذُكِرَت وحدها.
غافر 40:46
ثم قال الله تبارك وتعالى في بقية كلام هذا الرجل المؤمن: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ [غافر ٤٤] (السين) و(سوف) كلاهما يختصان بالفعل المضارع، ومن علاماته، وإذا رأيت كلمة تقبل (السين) و(سوف) فهي فعل مضارع، لكنهما يفترقان، (السين) تدل على القُرب، و(سوف) تدل على المهلة، فقوله: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ﴾ أي عن قريب، وهي مع إفادتها القُرب تفيد التحقق؛ يعني أن هذا أمر لا بد أن يحصل ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ متى؟ إذا عاينتم العذاب، وهذا ليس ببعيد؛ لأن غاية ما بينهم وبينه أن تنتهي آجالهم، وكل آتٍ قريب ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾. وحينئذٍ ينفعهم ذلك أو لا؟ لا ينفعهم، كما لو نصحك ناصح عن فعل شيء، ثم لم تقبل نصيحته، وبعد ذلك رأيت عاقبته وخِيمة فإنك ستذكر قول الناصح، تذكره ندمًا وحزنًا.
قال: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر ٤٤]، الواو هنا للاستئناف، ولا يصح أن تكون عاطفة؛ لأنها لو كانت عاطفة لكان المعنى: وسأفوض أمري إلى الله، ولكن ليس هذا المعنى، بل المعنى: وأنا أفوض أمري إلى الله، فالواو هنا للاستئناف، أفوضه إلى الله؛ أي: أَكِله إلى الله عز وجل.
وقوله: ﴿أَمْرِي﴾ هذا مفرد مضاف يعم، والمراد به الشأن، أي الشأن كله ﴿إِلَى اللَّهِ﴾. وهذا غاية ما يكون من التوكل.
﴿إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر ٤٤] هذه الجملة تعليلية للحكم السابق وهو قوله: أفوض أمري إلى الله، كأن قائلًا يقول: لماذا فوض أمره إلى الله؟ فأجاب بأن الله تعالى بصير بالعباد.
﴿بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ أي: بأحوالهم، وحاضرهم، ومستقبلهم، وجميع شؤونهم، فهو جل وعلا يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، يعلم كل أحوالهم.
قال ذلك لما توعدوه بمخالفة دينه؛ يعني كأنهم توعدوه فقال: أفوض أمري إلى الله، ولكن التوعد ليس في الآية دليل عليه، والظاهر -والله أعلم- أنه لم يقل ذلك حين توعدوه ولكنه قال ذلك حين أيس من أن يمتثلوا لنصيحته، فقال كالمودع لهم: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ وأما أنا فأفوض أمري إلى الله؛ لأني قمت بما يلزمني من نصيحة، وهذا أكثر ما يجب عليَّ.
قال الله تعالى: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ [غافر ٤٥] هذا أيضًا يدل على رد كلام المؤلف؛ لأنهم لو توعدوه بالقتل لم يكن هذا مكرًا؛ إذ إن المكر هو الإيقاع بالغير من حيث لا يشعر، هذا المكر؛ أن توقع بغيرك من حيث لا يشعر، أما لو توعدوه بالقتل لم يكن هذا مكرًا، بل كان هذا صريحًا واضحًا.
﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ أي: نجاه من مكرهم السيئ، فـ﴿سَيِّئَاتِ﴾ هنا من باب إضافة الصفة إلى موصوفها؛ أي: المكر السيئ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر ٤٣].
وقوله: ﴿مَا مَكَرُوا﴾ المكر والخداع والغدر والْمِحال وما أشبه ذلك؛ كلها ألفاظ متقاربة تدور حول شيء واحد، وهو أن توقع بغيرك من حيث لا يشعر.
﴿مَا مَكَرُوا﴾ قال: (به من القتل) بَيَّنَ في هذا أن العائد على الصلة في قوله: (ما) محذوف والتقدير: ما مكروا به.
قال: (﴿وَحَاقَ﴾ نزل ﴿بِآلِ فِرْعَوْنَ﴾ قومه معه ﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾ الغرق) (حاق) بمعنى (نزل)، لكن تشعر بأنها ليست بمعنى (نزل) من كل وجه، وأن تفسيرها بالنزول تفسير تقريبي، (حاق) القاف قريبة من الطاء فكأن المعنى: حاط بهم، وهذا أشد من نزل، فالظاهر أن (حاق) بمعنى (نزل) مُحيطًا بهم، وليست بمعنى نزل على وجه مجرد بدون إضافة معنى.
وقوله: ﴿بِآلِ فِرْعَوْنَ﴾ قال المؤلف: (قومه). وقال غيره: أتباعه. والظاهر أن المعنى متقارب؛ لأن الذين اتبعوه إنما هم قومه، وأما بنو إسرائيل فإنهم لم يتبعوه بل كان يُذَبِّح أبناءهم ويستحيي نساءهم؛ ﴿بِآلِ فِرْعَوْنَ﴾.
وقوله: (معه) ذكرها لئلا يظن الظان أن العذاب نزل بآل فرعون دونه، ولكن هذا لا يمكن أبدًا، إذا كان آل فرعون إنما نزل بهم العذاب؛ لأنهم كفروا بالله، ففرعون أكفر بالله من هؤلاء، ثم إن الظاهر أن الإنسان إذا قال: أكرِمْ آل فلان، فإن فلانًا هو مقدمهم، ولا بد أن يدخل فيهم لغة.
وقوله: ﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾ هذا أيضًا من باب إضافة الصفة إلى موصوفها؛ أي المعنى: العذاب السيئ، وفسره المؤلف بأنه الغرق، وهذا لا شك أنه من سواء العذاب، لكن هناك عذابات أخرى أُصِيب بها آل فرعون: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف ١٣٠]. وقال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ﴾ [الأعراف ١٣٣] كل هذا من سوء العذاب؛ الطوفان ليُغرق ما بُذِر من نباتهم، والقُمَّل لأجل أن يُفسد ما ظهر، والضفادع لتفسد الماء؛ لأنهم صاروا كلما أخذوا إناءً يشربونه وجدوا هذه الضفادع قد ملأته، والدم هو نزيف الدم إما من الأنف، أو من غيره، فعُوقِبوا من كل وجه، بالزروع غرق، ما ادخروه قُمَّل، الماء ضفادع، بعد أن يصل إلى الجسم ويتغذى به الجسم يخرج هذا، ينزف دمًا، فهلكوا.
وهذا فيه الترتيب ودرجات، ويش قلنا؟ الطوفان غرق الزروع، الجراد أكل ما ظهر، الطوفان والجراد، تأكل الزرع، الطوفان يغرق ما بُذِر، والجراد يأكل ما ظهر، والقُمَّل يفسد ما ادخر، والضفادع تفسد الماء، والدم -وهو النزيف- تذهب ما حصل من الغذاء بالطعام الذي يقدر أنه سلم من هذه الآفات، فهذا من سوء العذاب، والنهاية هو الغرق، أن الله أغرق آل فرعون بالبحر.
قال: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر ٤٦] هذه الجملة مستأنفة، فـ﴿النَّارُ﴾ مبتدأ، و﴿يُعْرَضُونَ﴾ الجملة خبرها.
﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ ليس معنى ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ أنها تحرقهم؛ لأن الله لو أراد ذلك لقال: النار يصلونها غدوًّا وعشيًّا، لكنهم يُعرضون عليها فيأتيهم من سمومها وعذابها ما لا يطيقون والعياذ بالله، يُعرضون عليها غُدوًّا في الصباح، وعشيًّا في المساء، والظاهر أن المراد الدوام، ويحتمل أن المراد هذان الوقتان فقط، فأما الأول فقد يستدل له بقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم ٦٢] يعني في كل الزمن.
وأما الثاني فيمكن أن يقال: إن هذا ظاهر اللفظ؛ أي في أول النهار وآخره، وأنهم يُعرَضون على النار أول النهار، ثم إذا صُرِفوا عنها أَمَّلوا أنها لا تعود إليهم، فتعود إليهم، فيكون هذا أشد من الاستمرار؛ لأن كون الإنسان يُؤمل اندفاع العذاب عنه ثم يعود أشد من كونه مستمرًّا آيسًا من زواله، ولهذا قال الله تعالى لأصحاب النار: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة ٢٠].
﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ [غافر ٤٦] يقال: ﴿ادْخُلُوا﴾ يا ﴿آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ هذه قراءة، (ادْخُلوا) أمر، والمقصود به الإهانة والإذلال، بخلاف قوله تعالى لأهل الجنة: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر ٤٦] هذه للإكرام، أما هذه: ﴿ادْخُلُوا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ هذه للإهانة والعياذ بالله.
وقوله: ﴿آلَ﴾ فسَّرها المؤلف بقوله: (يا آلَ) إشارة إلى أنها منصوبة بـ(ياء) النداء المحذوفة، ادخلوا يا آل فرعون. (وفي قراءة بفتح الهمزة وكسر الخاء أَمْر للملائكة) ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ﴾، يعني ويوم القيامة يقال للملائكة: أدخلوا آل فرعون (﴿أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ عذاب جهنم) نسأل الله العافية.
في هذه الآيات من الفوائد:
أولًا: أن الله سبحانه وتعالى حسْب من تَوَكَّل عليه؛ لقوله: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر ٤٤].
* في هذه الآيات من الفوائد:
أولًا: بيان تحذير هؤلاء الذين ينصحهم المؤمن بأنهم سوف يذكرون كلامه، ويعرفون أنه الحق لكن متى؟ في حال لا تنفعهم هذه الذكرى.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: قوة توكُّل المؤمن، حيث قال: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾. وهكذا يجب على كل مؤمن إذا أراد أن تُقضى أموره وتسهل فلْيُفَوِّض أمره إلى الله؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣]، وقال لنبيه ﷺ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال ٦٤]، ومن كان الله حسبه فهو رابح وناجح.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات عِلْم الله سبحانه وتعالى بكل عباده؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر ٤٤]، وهذا -كما قلت لكم- تفسير يشمل الأحوال والأعيان.
* ومن فوائد الآية التي بعدها: أن الله سبحانه وتعالى يكفي من تَوَكَّل عليه، فيحميه من عدوه؛ لقول الله تعالى: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ [غافر ٤٥].
* ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من أعداء المسلمين؛ لقوله: ﴿مَا مَكَرُوا﴾، وأن أعداء المسلمين قد لا يُواجهونهم بالعداوة ولكنهم يمكرون بهم، فليحذر المؤمن مكر أعداء الله، وهذا في القرآن كثير، قال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال ٣٠]. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق ١٥ - ١٧].
ومن مكر أعداء الله؛ أنهم لا يُجابهون المسلمين بالعداوة، لكنهم يغزونهم من حيث لا يشعرون بالأفكار المنحرفة والأخلاق السيئة، كما تُشاهدون الآن وتسمعون ما يفعل أعداء المسلمين بالمسلمين، يَجُرُّون إليها الأخلاق السافلة من وسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة، يُوفِدون إليهم كل ما يخالف دين الإسلام في الملابس وغير الملابس، يغرونهم بالأموال الطائلة لإذهاب أوقاتهم سُدًى بلا فائدة كمسألة الرياضة وما أشبهها. فالمهم أن أعداء المسلمين يمكرون بهم مكرًا عظيمًا، والمسلمون إما أنهم لا يهتمون بهذا المكر أو أنهم لا يعرفونه، ولكن -على كل حال- الواجب علينا أن نحذر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى يُجازي المحسِن بإحسانه، ويجازي المسيء بإساءته، وتكون إجازة المسيء بإساءته تكون في الحقيقة مجازاة للمحسن؛ لأن أخذ أعدائك بالعذاب هو -في الحقيقة- انتصار لك، وأنت تفرح بذلك، تؤخذ من قوله: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٥] فبين الله تعالى جزاء هذا وجزاء هؤلاء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات عذاب القبر؛ لقوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر ٤٦].
وعذاب القبر ثابت بالقرآن والسنة والإجماع؛ أما القرآن: ففي مثل هذه الآية: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾. ثم قال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا﴾ [غافر ٤٦]؛ لأن قوله: (يوم) ظرف زمان متعلق بما بعده، المتعلق بالفعل ﴿أَدْخِلُوا﴾ أو ﴿ادْخُلُوا﴾، وهذا إذن لا يكون إلا بعد يوم القيامة، وعرضهم على النار غُدوًّا وعشيًّا يكون قبل يوم القيامة، ففيه إثبات عذاب القبر، قلت لكم: إنه ثابت بالقرآن، والسنة، والإجماع، أما القرآن ففي مثل هذا.
ومنه -أي من أدلة القرآن- قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام ٩٣]. ﴿الْيَوْمَ﴾ متى؟ اليوم هنا (أل) للعهد الحضوري؛ يعني هذا اليوم الذي هو يوم موتكم، فدل ذلك على ثبوت عذاب القبر.
أما السنة فهي متواترة في ذلك، كثيرة على وجوه متنوعة؛ عامة وخاصة؛ من الخاصة قوله ﷺ حين مر بقبرين يُعذَّبان: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٥٥) ومسلم (٢٩٢/١١١) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. ]].
وأما الإجماع، فكل المسلمين يقولون في صلواتهم: أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر؛ وهذا أمر لا إشكال فيه، وهو من عقيدتنا.
فإن قال قائل: هل العذاب يكون على البدن أو على الروح أو عليهما جميعًا؟
نقول: ظاهر السُّنَّة أن العذاب يكون على البدن حين مُساءلة الملكين، فإن النبي ﷺ أخبر أن المنافق والمرتاب يقول: «لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ، فيُضْرَبُ بِمِرْزَبَةٍ مِنْ حَدِيدٍ فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الثَّقَلَانِ؛ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ؛ فَإِنَّهُمْ لَا يَسْمَعُونَهُ، وَكُلُّ شَيْءٍ يَسْمَعُهُ»[[أخرج أبو داود (٤٧٥١) بسنده عن أنس بن مالك، قال: إن نبي الله ﷺ دخل نخلًا لبني النجار، فسمع صوتًا ففزع، فقال: «من أصحاب هذه القبور؟». قالوا: يا رسول الله، ناس ماتوا في الجاهلية، فقال: «تعوذوا بالله من عذاب النار، ومن فتنة الدجال». قالوا: ومم ذاك يا رسول الله؟ قال: «إن المؤمن إذا وضع في قبره أتاه ملك فيقول له: ما كنت تعبد؟ فإن الله هداه قال: كنت أعبد الله، فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: هو عبد الله ورسوله، فما يسأل عن شيء، غيرها، فينطلق به إلى بيت كان له في النار فيقال له: هذا بيتك كان لك في النار، ولكن الله عصمك ورحمك، فأبدلك به بيتًا في الجنة، فيقول: دعوني حتى أذهب فأبشر أهلي، فيقال له: اسكن، وإن الكافر إذا وضع في قبره أتاه ملك فينتهره فيقول له: ما كنت تعبد؟ فيقول: لا أدري، فيقال له: لا دريت ولا تليت، فيقال له: فما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: كنت أقول ما يقول الناس، فيضربه بمطراق من حديد بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها الخلق غير الثقلين». ]]. والمراد بذلك من قرب منها بحيث يسمع، أما من كان في أقطار الدنيا البعيدة فلا، وهذا يدل على أن الذي يُعذَّب حين المساءلة البدن؛ لقوله: «فَيُضْرَبُ».
أما بعد ذلك فالأصل أن العذاب على الروح، وقد تتصل بالبدن كما قال ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وإن شئنا قلنا: هذا بحث لا طائل تحته، ولم يسأل عنه الصحابة، فنُثبِت عذاب القبر على حسب ما جاء في الكتاب والسُّنة، لا نزيد ولا ننقص.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجود النار؛ لقوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر ٤٦] ووجودها ثابت في القرآن والسنة، وقد رأى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم النار حين عُرِضَتْ عليه وهو يُصَلِّي بالناس صلاة الكسوف، ورأى فيها من يُعَذَّب؛ فالنار موجودة الآن.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات قيام الساعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ [غافر ٤٦].
ونحن نؤمن بالساعة، وأنها ستقوم، وسيُبعث الناس، وبهذا نعرف أن ما يذكره بعض الناس اليوم حين يموت الرجل فيُدفن يقولون مثلًا: إنهم ذهبوا به إلى مثواه الأخير، هذه الكلمة كلمة كُفْر، إذا قلت: إلى مثواه الأخير، فهذا يعني أنه لا بعث بعد ذلك، وأن هذا آخر مرحلة للإنسان، وليس الأمر هكذا، ولهذا نقول: إن من قال هذه الكلمة وهو يعرف معناها ويريده فإنه كافر؛ لأنه مُنكِر للبعث، أما من قالها وقال: إلى مثواه الأخير باعتبار الدنيا المشاهَدَة؛ فهذا صحيح، لكن ظاهر العبارة الكُفْر، ولهذا يجب التحرز منها، ويقال مثلًا: ذهبوا به إلى قبره، ذهبوا به إلى محل زيارته،
أو غير صحيح؟
* طالب: إذا كان المقصود (...).
* الشيخ: الواقع أن القبر زيارة، قال الله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر ١، ٢] ولما سمع أعرابي رجلًا يقرؤها قال: والله إن الزائر ليس بمستقر؛ يعني أن هناك شيئًا وراء هذا القبر، وصدق، الزائر ما هو مستقر، يزور ويمشي.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إهانة الكفار إهانةً بدنية وإهانةً قلبية، من أين تؤخذ؟ من توبيخهم وإهانتهم: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ [غافر ٤٦] ولا شك أن قلوبهم تأثر بهذا، وستجد الحسرة والندامة والعياذ بالله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: التنكيت على آل فرعون، كأنه قال: ادخُلوا آل فرعون وانظروا هل ينفعكم أن تكونوا من آله أو لا؟ ففيها نوع تبكيت لهؤلاء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن النار أشد العذاب، وأن كل ما قبلها أهون منها؛ لقوله: ﴿أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ ولا شك أنها أشد العذاب، كذلك نقول بالنسبة للنعيم، ما يجده المؤمن من النعيم في القبر فليس بشيء بالنسبة لما يجده يوم القيامة، فأكمل النعيم يكون بدخول الجنة وما قبله فهو كالتقدمة بين يديه.
* طالب: هل يستدل على (...) يراها الإنسان في منامه؟
* الشيخ: ويش يرى؟ يرى أنه يعذب؟
* الطالب: في الأحلام هو أنه..
* الشيخ: يرى أنه يُعذَّب؟
* الطالب: أحيانًا الإنسان يرى (...)؟
* الشيخ: لا، ما يُستدل، لكن يستدل به على دفع دعوى أهل الإلحاد؛ حيث قالوا: إنكم تقولون: إن الميت يُقعد في قبره ويُعذَّب، ونحن نحفر القبر ونجد أن الميت باقٍ على ما هو عليه؟ فنرد عليهم بأن هذا النائم يرى أنه مُعذَّب، وأنه مُنَعَّم، وأنه ذهب، وأنه جاء وهو على فراشه لم يتغير، حتى اللحاف ما سقط عن ظهره. فنقول: قِس الغائب بالحاضر، ثم لو كان عذاب القبر يُدرَك بالاطلاع عليه لم يكن إيمانًا بالغيب، لكان إيمانًا بالشهادة، والإيمان بالشهادة لا ينفع؛ يعني الإنسان إذا عَايَنَ الشيء فإن إيمانه به لا ينفع..
طالب: عذاب القبر حين يراه الإنسان في منامه.
* الشيخ: ويش يرى؟
* الطالب: في الأحلام.
* الشيخ: يرى أنه يُعَذَّب؟
* الطالب: ينام الإنسان ويرى (...).
* الشيخ: لا ما يستدل، لكن يستدل به على دفع دعوى أهل الإلحاد حيث قالوا: إنكم تقولون: إن الميت يُقْعَد في قبره ويعذب، ونحن نحفر القبر ونجد أن الميت باقٍ على ما هو عليه؛ فنَرُدُّ عليهم بأن هذا النائم يرى أنه مُعَذَّب وأنه منعم وأنه ذهب وأنه جاء وهو على فراشه لم يتغير، حتى اللحاف ما سقط عن ظهره، فنقول: قس الغائب بالحاضر، ثم إن كان عذابُ القبرِ يُدْرَك بالاطلاع عليه لم يكن إيمانًا بالغيب لكان إيمانًا بالشهادة، والإيمان بالشهادة لا ينفع، يعني: الإنسان إذا عاين الشيء فإن إيمانه به لا ينفع، ترى الكافرين عند حضور الأجل تراهم يؤمنون، ولكن لا ينفعهم ذلك، فرعون لما أدركه الغرق: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس ٩٠]. شوف إلى هذا الحد، يعني: اعترف لله تعالى بالتوحيد، ثم اعترف أنه تابع لبني إسرائيل؛ لقوله: ﴿آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ ولم يقل: أنه لا إله إلا الله، إشارة إلى أنه ذَلَّ حتى صار تابعًا لبني إسرائيل بعد أن كان مُتَجَبِّرًا عليهم.
* طالب: بعض المسلمين يُعَزِّي الكافر.
* الشيخ: يعني: بعض المسلمين يعزونه؟
* الطالب: نعم.
العلماء يقولون: لا بأس، لا بأس أن يُعَزِّيَ الكافرَ، وبعضهم يقول: لا يجوز، وبعضهم فَصَّل قال: إن فعلوا بنا ذا فعلناه اعتمادًا على قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء ٨٦] وهذا أقرب؛ أنهم إن كانوا يفعلون بنا ذلك فعلناه.
لكن هل نقول: عَظَّم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك؟ لا، ما نقول هكذا، نقول: هداك الله للإسلام وجَبَر مصيبتك، وبس، وميته ما نقول: غفر الله له، أو: هو من أهل النار.
* طالب: شيخ، قول أحد الصحابة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: دعوت الله سبحانه وتعالى أن أرى عمر في المنام، ولم يَرَ عمر إلا بعد سنة كاملة (...) قال عمر رضي الله عنه (...)، ما قولكم في هذه المسألة؟
* الشيخ: قولنا: هذه أكذب من الكذب، ما أكثر المنتشر وهو كذب، عمر بن الخطاب قُتِلَ شهيدًا، والشهادة تُكَفِّر كل شيء، كل شيء تكفره إلا الدَّيْن ولم نعلم أنه كان مدينًا.
* طالب: في بعض البلاد العربية وهم النصارى الذين من العرب يضعون جهاز التسجيل داخل القبر، يقول: نحن نريد أن نصدق هل كلامكم صحيح أيها المسلمون من أن عذاب القبر ونعيم القبر ثابت نريد نصدق بهذا، وما أريد (...) القرآن أو السنة، لكن أريد من عقلي أن يصدق هل هذا صحيح أو لا، فماذا نقول لهم؟
* الشيخ: علشان يسمع صياح الميت؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: نقول: لو أراد الله أن تسمعوه بالمسجل لأسمعكم إياه بآذانكم، ليش مسجل؟ ما له حاجة.
ولكن حينما هذا الفعل هل نرتضي معهم بهذا الفعل؟
* الشيخ: نقول: ما أنتم مصدقيَّ.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لو أراد الله أن نسمعه لسمعناه بدون مسجل، نعم.
* طالب: هل يمكن أن نعتبر قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر ٤٦] تفسيرًا لقوله تعالى: ﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾؟
* الشيخ: يمكن هذا، ويمكن أن نقول: إن سوء العذاب ما ذكرناه في التفسير، وأما هذه ﴿النَّارُ﴾ فهي جملة استئنافية ذُكِرَت وحدها.
غافر 40:47
الطالب: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (٤٨) وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٥٠) إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر ٤٧ - ٥٢].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ ﴿إِذْ يَتَحَاجُّونَ﴾ يعني: اذكر إذ يتحاجون في النار، أي: يدلي كل واحد منهم بحجته، و(إذ): ظرف عامله محذوف قدَّره المؤلف بقوله: (اذكر ﴿إِذْ يَتَحَاجُّونَ﴾ ).
والمحاجة هي المخاصمة، وإدلاء كل بحجته على الآخر، وقوله: ﴿فِي النَّارِ﴾ يفيد أن هؤلاء المتخاصمين هم أهل النار، وهي متعلقة بـ﴿يَتَحَاجُّونَ﴾، ثم بين هذه المحاجة فقال: ﴿فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ الضعفاء إما في المال، وإما في الشرف والسيادة، وإما في غير ذلك مما يُعَدُّ ضعفًا، والغالب أن الضعيف يَتْبَع القويَّ.
وقوله: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ أي: تكبروا، من الكبرياء والعظمة، والسين والتاء فيها للمبالغة.
﴿إِنَّا كُنَّا﴾ يعني: في الدنيا ﴿لَكُمْ تَبَعًا﴾ جمع تابع؛ أي: متبعين.
﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾ يعني: هل تُجازوننا على مُتابعتنا إياكم بأن تتحملوا عنا شيئًا من النار؟
وقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ﴾ قال المفسر: (دافعون ﴿عَنَّا نَصِيبًا﴾ جزءًا ﴿مِنَ النَّارِ﴾ ) انظر كيف يتوسل هؤلاء الضعفاء إلى الذين استكبروا، كيف يتوسلون إليهم بما قدموا من متابعتهم ليتحملوا عنهم نصيبًا من النار، فكان جواب الذين استكبروا:
﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ [غافر ٤٨]، وإذا كنا كلٌّ فيها فكيف نغني عنكم؟ كيف نغني عنكم نصيبًا من النار؟ وهذه حجة لبيان الواقع.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ حكم بينهم بحكمه الجزائي؛ لأن أحكام الله عز وجل ثلاثة:
قدري، وشرعي، وجزائي؛ والجزائي من القدري في الواقع، لكن بعض العلماء يجعله منفصلًا لأهميته؛ لأنه هو الغاية، وقوله: ﴿حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ يعني: بين الناس عمومًا؛ بين أهل النار وأهل الجنة؛ فالعبودية هنا بمعنى العبودية العامة الشاملة لأن العبودية عامة وخاصة.
* ففي هذه الآية فوائد:
* منها: تعادي الكفار بعضهم مع بعض وأن القوي منهم لا يرحم الضعيف؛ لقوله: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الكفار أَدْلَوْا بمعروفٍ للمتبوعين وهم أنهم كانوا لهم تبعًا ليتوسلوا به إلى أن يأخذوا عنهم نصيبًا من النار، ففيه دليل على تَوَسُّل الإنسان بجميل عطائه على الغير، ولكن هل يُعَدُّ هذا من المنة؟
الواقع أن الذي يُبَيِّن أنه تَوَسُّل أو منة هو القرائن، قد يكون هذا مِنَّة وقد يكون هذا توسلًا، يقول: مثل ما رحمتُك وأعطيتُك وأحسنتُ إليكَ فأحسنْ إليَّ، فيكون هذا من باب التوسل.
* ومن فوائد الآية: أن الضعفاء دائمًا يكونون أتباعًا للأقوياء؛ لقوله: ﴿فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾؛ ولهذا يتبين لنا الآن أن تقليد المسلمين للكفار يعني ضعفهم أمامهم؛ لأن الضعيف دائمًا يُقَلِّد القوي لضعف شخصيته أمامه، وأنه يجب على المسلمين أن يكون لهم ميزة خاصة، وأن يكون لهم قوة ذاتية لأن القوة معهم، هم أهل الدين، هم أهل الحق، هم الذين عرفوا الحياة، وهم أهل الحياة في الواقع.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الأتباع يَتَمَنَّوْن أن يأخذ المتبوعون نصيبًا ولو قليلًا من عذاب النار عنهم، والدليل أنهم يريدون ولو قليلًا قولُهم: ﴿نَصِيبًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المستكبرين يَعْتَذِرون بأنه لا طاقةَ لهم في ذلك لأن الجميع في نار جهنم، فكيف يأخذون نصيبًا عنهم؟ نعم، لو كانوا ليسوا في نار جهنم ثم يسقطون في النار من أجل أن يُغْنُوا عن هؤلاء نصيبا لأمكن، لكن ما دام الجميع في النار فإن طلبَ تحقيق ذلك طلبُ شيء مستحيل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيانُ خُنوع هؤلاء المستكبرين يوم القيامة؛ لقولهم: ﴿إِنَّا كُلٌّ فِيهَا﴾ يعني: الآن ليس لنا فضل عليكم، وليس لكم فضل علينا، كلٌّ في نار جهنم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إقرار هؤلاء المعذبين في النار بأن الله سبحانه وتعالى قد حَكَم بين العباد حكمًا عدلًا لقولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾.
* ومن فوائدها: أنه إذا نَفَذَ حكمُ الله فإنه لا يمكن رَفْعُه ولا دفعه؛ لقولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ﴾، وفي هذا يقول الله عز وجل في سورة (ق): ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق ٢٨، ٢٩] إذا انتهى حكمُ الله فلا معقب لحكمه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إقرار هؤلاء المعذبين في نار جهنم أنهم من عباد الله، لكن المراد: العبادة العامة، وهي العبادة الكونية؛ لأن العبادة نوعان: عامة وهي العبودية الكونية، وخاصة وهي العبودية الشرعية؛ فمن خضع لله شرعًا فهو عابد شرعًا، وكذلك الكوني، ومن تَكَبَّر عن عبادة الله شرعًا فهو عابد كونًا وليس عابدًا شرعًا.
قال المفسر: (فَأَدْخَلَ المؤمنين الجنة والكافرين النار) المعنى أعم مما قاله رحمه الله، ﴿حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ بين أهل الجنة والنار، وبين أهل النار بعضهم من بعض، وحكم حكمًا عامًّا.
غافر 40:48
الطالب: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (٤٨) وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٥٠) إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر ٤٧ - ٥٢].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ ﴿إِذْ يَتَحَاجُّونَ﴾ يعني: اذكر إذ يتحاجون في النار، أي: يدلي كل واحد منهم بحجته، و(إذ): ظرف عامله محذوف قدَّره المؤلف بقوله: (اذكر ﴿إِذْ يَتَحَاجُّونَ﴾ ).
والمحاجة هي المخاصمة، وإدلاء كل بحجته على الآخر، وقوله: ﴿فِي النَّارِ﴾ يفيد أن هؤلاء المتخاصمين هم أهل النار، وهي متعلقة بـ﴿يَتَحَاجُّونَ﴾، ثم بين هذه المحاجة فقال: ﴿فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ الضعفاء إما في المال، وإما في الشرف والسيادة، وإما في غير ذلك مما يُعَدُّ ضعفًا، والغالب أن الضعيف يَتْبَع القويَّ.
وقوله: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ أي: تكبروا، من الكبرياء والعظمة، والسين والتاء فيها للمبالغة.
﴿إِنَّا كُنَّا﴾ يعني: في الدنيا ﴿لَكُمْ تَبَعًا﴾ جمع تابع؛ أي: متبعين.
﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾ يعني: هل تُجازوننا على مُتابعتنا إياكم بأن تتحملوا عنا شيئًا من النار؟
وقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ﴾ قال المفسر: (دافعون ﴿عَنَّا نَصِيبًا﴾ جزءًا ﴿مِنَ النَّارِ﴾ ) انظر كيف يتوسل هؤلاء الضعفاء إلى الذين استكبروا، كيف يتوسلون إليهم بما قدموا من متابعتهم ليتحملوا عنهم نصيبًا من النار، فكان جواب الذين استكبروا:
﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ [غافر ٤٨]، وإذا كنا كلٌّ فيها فكيف نغني عنكم؟ كيف نغني عنكم نصيبًا من النار؟ وهذه حجة لبيان الواقع.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ حكم بينهم بحكمه الجزائي؛ لأن أحكام الله عز وجل ثلاثة:
قدري، وشرعي، وجزائي؛ والجزائي من القدري في الواقع، لكن بعض العلماء يجعله منفصلًا لأهميته؛ لأنه هو الغاية، وقوله: ﴿حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ يعني: بين الناس عمومًا؛ بين أهل النار وأهل الجنة؛ فالعبودية هنا بمعنى العبودية العامة الشاملة لأن العبودية عامة وخاصة.
* ففي هذه الآية فوائد:
* منها: تعادي الكفار بعضهم مع بعض وأن القوي منهم لا يرحم الضعيف؛ لقوله: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الكفار أَدْلَوْا بمعروفٍ للمتبوعين وهم أنهم كانوا لهم تبعًا ليتوسلوا به إلى أن يأخذوا عنهم نصيبًا من النار، ففيه دليل على تَوَسُّل الإنسان بجميل عطائه على الغير، ولكن هل يُعَدُّ هذا من المنة؟
الواقع أن الذي يُبَيِّن أنه تَوَسُّل أو منة هو القرائن، قد يكون هذا مِنَّة وقد يكون هذا توسلًا، يقول: مثل ما رحمتُك وأعطيتُك وأحسنتُ إليكَ فأحسنْ إليَّ، فيكون هذا من باب التوسل.
* ومن فوائد الآية: أن الضعفاء دائمًا يكونون أتباعًا للأقوياء؛ لقوله: ﴿فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾؛ ولهذا يتبين لنا الآن أن تقليد المسلمين للكفار يعني ضعفهم أمامهم؛ لأن الضعيف دائمًا يُقَلِّد القوي لضعف شخصيته أمامه، وأنه يجب على المسلمين أن يكون لهم ميزة خاصة، وأن يكون لهم قوة ذاتية لأن القوة معهم، هم أهل الدين، هم أهل الحق، هم الذين عرفوا الحياة، وهم أهل الحياة في الواقع.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الأتباع يَتَمَنَّوْن أن يأخذ المتبوعون نصيبًا ولو قليلًا من عذاب النار عنهم، والدليل أنهم يريدون ولو قليلًا قولُهم: ﴿نَصِيبًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المستكبرين يَعْتَذِرون بأنه لا طاقةَ لهم في ذلك لأن الجميع في نار جهنم، فكيف يأخذون نصيبًا عنهم؟ نعم، لو كانوا ليسوا في نار جهنم ثم يسقطون في النار من أجل أن يُغْنُوا عن هؤلاء نصيبا لأمكن، لكن ما دام الجميع في النار فإن طلبَ تحقيق ذلك طلبُ شيء مستحيل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيانُ خُنوع هؤلاء المستكبرين يوم القيامة؛ لقولهم: ﴿إِنَّا كُلٌّ فِيهَا﴾ يعني: الآن ليس لنا فضل عليكم، وليس لكم فضل علينا، كلٌّ في نار جهنم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إقرار هؤلاء المعذبين في النار بأن الله سبحانه وتعالى قد حَكَم بين العباد حكمًا عدلًا لقولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾.
* ومن فوائدها: أنه إذا نَفَذَ حكمُ الله فإنه لا يمكن رَفْعُه ولا دفعه؛ لقولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ﴾، وفي هذا يقول الله عز وجل في سورة (ق): ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق ٢٨، ٢٩] إذا انتهى حكمُ الله فلا معقب لحكمه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إقرار هؤلاء المعذبين في نار جهنم أنهم من عباد الله، لكن المراد: العبادة العامة، وهي العبادة الكونية؛ لأن العبادة نوعان: عامة وهي العبودية الكونية، وخاصة وهي العبودية الشرعية؛ فمن خضع لله شرعًا فهو عابد شرعًا، وكذلك الكوني، ومن تَكَبَّر عن عبادة الله شرعًا فهو عابد كونًا وليس عابدًا شرعًا.
قال المفسر: (فَأَدْخَلَ المؤمنين الجنة والكافرين النار) المعنى أعم مما قاله رحمه الله، ﴿حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ بين أهل الجنة والنار، وبين أهل النار بعضهم من بعض، وحكم حكمًا عامًّا.
غافر 40:49
ثم قال تعالى: (﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا﴾ [غافر ٤٩] أي: قَدْر يوم ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾ ) استمع لهذا النداء الدال على البؤس واليأس، ﴿قَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ خزنة: جمع خازن، وهم الذين قاموا على خزانتها وحمايتها وحفظها؛ لأن النار لها خزنة، وكذلك الجنة لها خزنة، وكل أمر مُحْكَم، ويؤتى بجهنم يوم القيامة تُقادُ بسبعين ألف زمام، كل زمام يقوده سبعون ألف مَلَك، وما أدراك ما الملائكة وما قوتها، فهذه النار محكمة لها خزنة ولها قُوَّاد يقودونها يوم القيامة.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ و﴿جَهَنَّمَ﴾ اسم من أسماء النار، قيل: إنها عربية، وقيل: إنها عجمية، فعلى القول أنها عربية تكون مأخوذة من الجُهْمَة وهي الظلمة، لأن النار سوداء مظلمة، أعاذنا الله وإياكم منها.
وعلى القول بأنها أعجمية يقال: إن أصلها كهنام، ولكنها عُرِّبَت حتى صارت جهنم، وهي من أسماء النار.
يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ ويقولون: هذا -والله أعلم- حين يقولون لربهم عز وجل: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٧، ١٠٨] حينئذ يتوسلون بغيرهم أن يكلموا الله، يقولون: ادعوا ربكم، ولم يقولوا: ادعوا ربنا؛ لأنهم قد كُسِرُوا من جهة ربهم، قال لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾، لكن توسلوا بعد ذلك بطلب من الملائكة أن يدعوا الله لهم ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ ﴿يُخَفِّفْ﴾ بالجزم جوابًا للأمر، وهو قوله: ﴿ادْعُوا﴾ وأقول: للأمر باعتبار صيغته، وإلا فهو في الحقيقة دعاء وسؤال.
﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ ما الذي طلبوا؟ طلبوا تخفيفًا لا رفعًا، وطلبوا يومًا لا دوامًا لأنهم آيسون، لكن قال: لعل المسألة تنفع ولو بتخفيف يومًا من العذاب، نسأل الله العافية، ومقتضى هذا أنهم في أشد ما يكونوا من العذاب، وأنهم طلبوا أن يستريحوا ولو يومًا.
﴿يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا﴾ قال المؤلف: (أي: قَدْرَ يومٍ) وإنما قال: قَدْرَ يوم؛ لأنه في يوم القيامة ليس هناك يوم ولا ليلة، الشمس والقمر مُكَوَّران في نار جهنم، وكل شيء من أمور الدنيا منتهٍ، ما فيه إلا أمر الآخرة، سبحان الله! فيقول المؤلف: (قدر يوم ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾ ).
قال لهم الخزنة: (﴿قَالُوا﴾ أي: الخزنة تهكمًا) هكذا قال المؤلف: تَهَكُّمًا، ويحتمل أنهم قالوا ذلك تقريعًا وتوبيخًا وتنديمًا ليس تهكمًا، لأن الأمر واقع، فهم يُقَرِّرُونَهُم بشيء حاصل تنديمًا لهم ليزدادوا حُزْنًا.
(﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالمعجزات الظاهرات) ليته قال: بالآيات الظاهرات، لأن الرسل جاؤوا بالآيات لا بالمعجزات، لكن الآيات أمر خارق للعادة فهي معجزة، وقد بَيَّنَّا في كرامة الأولياء في التوحيد أن الأولى أن يُسَمَّى ما جاءت به الرسل من الدلالة على رسالتهم آيات.
(﴿بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى﴾ أي: فكفروا بهم ﴿قَالُوا فَادْعُوا﴾ ) هذا التهكم.
قوله: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ مثل هذا التعبير يقع كثيرًا في القرآن؛ أي أن الهمزة تأتي ثم يأتي بعدها حرف عطف، مثل ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ [غافر ٢١] ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ [غافر ٨٢] ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [يونس ٥١] وما أشبه ذلك، فكيف نقول في إعرابها؟ نقول: في إعرابها وجهان للنحويين:
الوجه الأول: أن الجملة معطوفة على ما سبق، وأن الواو مُقَدَّمة على محلها، وأن التقدير في ﴿أَوَلَمْ تَكُ﴾: وألم تكن، وهذا الوجه ليس فيه إلا دعوى التقديم والتأخير لكنه سهل؛ يعني: يَسْهُل أن تقول: هذا معطوف على ما سبق.
وقال بعضهم: إن الهمزة داخلة على جملة محذوفة، فالجملة مستأنفة، هذه الجملة يكون تقديرُها بحسب السياق؛ ففي قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ التقدير: أغفلوا ولم يسيروا، وهذا من حيث القواعد أَقْعَد، لكنه تواجهك أحيانًا آياتٌ لا تستطيع أن تعرف ما هو المُقَدَّر، فصار هذا أقعد وذاك أسهل؛ الوجهان؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أنا عندي مما ضمر الأدمغة: الآلة الحاسبة، كمبيوتر الفرائض، المسجلات. ولَّا لا؟
الآلة الحاسبة ضمرت تحرك العقل جمعًا وطرحًا وضربًا. كمبيوتر الفرائض خلاص مَوَّت العقل ما عاد يبحث بالفرائض؛ نضغط على الزر وتطلع لك المسألة والقسمة. الثالث قال: مش لازم أتابع المعلم، المسجل عندي (...) استمعت إليه.
* الشيخ: ما الذي قلنا في مثل هذه التركيب: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ﴾؟
* الطالب: الوجه الأول: أن يكون هناك تقديم وتأخير.
* الشيخ: الوجه الأول: أن تكون الجملة معطوفة على ما سبق، وليس في هذا إلا أن نقول: الواو مؤخرة عن مكانها.
* الطالب: الوجه الثاني أن تكون بعد الهمزة جملة مقدرة..
* الشيخ: الوجه الثاني: أن تكون الهمزة داخلة؟
* الطالب: على جملة محذوفة مقدرة، وتقدر حسب السياق، كل جملة بحسبها، وهذه أقعد ولكن فيها صعوبة.
* الشيخ: صعوبة في أيش؟
* الطالب: صعوبة في التقدير.
* الشيخ: في التقدير؛ لأنك أحيانًا لا تكاد تعرف ما الذي يناسب المقام وتلك أسهل. هذا الإعراب في كل تقدير يجيئك على هذا الوجه.
وقوله: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ﴾ الاستفهام هنا للتقرير، ويقال: كلما دخل الاستفهام على نفي فهو للتقرير، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١]، ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ﴾ [القيامة ٣٧]، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾ [الزمر ٣٧] وما أشبه ذلك، يقولون: كلما دخل الاستفهام على النفي فهو للتقرير.
طيب إذن نحن نقول: للتقرير، لكن هل يخرج عن معنى التقرير أو يُضَمُّ إلى معنى التقرير معنى آخر بحسب السياق؟
الجواب: نعم، ففي قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ هو للتقرير إظهارًا لمنة الله عليه، ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ﴾ [غافر ٥٠] للتقرير توبيخًا وتنديمًا.
قالوا: ﴿بَلَى﴾ جواب الاستفهام المقرون بالنفي الإثبات بـ(بلى)، وجواب الاستفهام غير المقرون بالنفي الإثبات بـ(نعم)، وجواب الاستفهام المقرون بالنفي في حال النفي (نعم)، وجواب الاستفهام المقرون بالإثبات في حال النفي (لا). اعرفوا الفرق.
يقال: إن ابن عباس رضي الله عنه وعن أبيه قال في قوله تبارك وتعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف ١٧٢] «قال: لو قالوا: نعم. لكفروا»[[ذكره السَّمينُ الحلبي في تفسيره (١ / ٤٥٦) من قول ابن عباس رضي الله عنه.]].
وقال الفقهاء: لو قيل للرجل: ألست طلقت امرأتك؟ فقال: نعم، لا تَطْلُق. وإن قال: بلى، طلقت.
قال ابن عباس: لو قالوا: نعم. لكفروا، وهذا مُسَلَّم فيما إذا كان الإنسان يعرف اللغة العربية جيدًا، وأما العامي فعنده نعم وبلى سواء؛ ولهذا لو قيل للعامي: ألستَ طلقتَ امرأتك؟ قال: نعم، أيش يكون؟ على القول الصحيح تَطْلُق، العبرة بالمعاني، على أنه جاء في اللغة العربية جواب هذا بـ(نعم)، ومنه قول العاشق:
أَلَيْسَ اللَّيْلُ يَجْمَعُ أُمَّ عَمْرٍو ∗∗∗ وَإِيَّانَا فَذَاكَ لَنَا تَدَانِي
أم عمرو معشوقته.
نَعَمْ وَتَرى الْهِلَالَ كَمَا أَرَاهُ ∗∗∗ وَيَعْلُوهَا النَّهَارُ كَمَا عَلَانِي
فقال: (نعم)، لكن الرجل هذا قنوع اكتفى أن يجمعه الليلُ مع معشوقته ولو كان في المشرق وهو بالمغرب وكذلك النهار، وترى الهلال كما يراه، هي في المشرق ترى الهلال وهو في المغرب يرى الهلال يكفي، نعم اقتران.
على كل حال الآن فهمنا جواب الاستفهام المقرون بالنفي إثباتًا (بلى)، ونفيًا (نعم)، والاستفهام المقرون بالإثبات إثباتًا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: ونفيًا (لا)، بارك الله فيكم.
قالوا: ﴿بَلَى﴾ يعني: قد أتتنا، ولكنهم -والعياذ بالله- كفروا.
﴿قَالُوا فَادْعُوا﴾ هذا الأمر للتهكم؛ لأن الملائكة تعلم أنهم لن يُقْبَل منهم؛ فقوله: ﴿ادْعُوا﴾ تَهَكُّم بهم، والتهكم هو الذي يُسَمَّى عندنا في اللغة العربية (الهَكُّ)، هَكَكْتُ عليه يعني: لعبت بعقله، فهنا قالوا: ﴿فَادْعُوا﴾ تَهَكُّمًا بهم؛ لأن الملائكة تعلم أنهم لن يجابوا.
(﴿قَالُوا فَادْعُوا﴾ أنتم فإنا لا نشفع للكافرين)؛ لأن الشفاعة للكافرين مضيعة وقت؛ إذ إن الكافر لا تنفع فيه الشفاعة إلا كافرًا واحدًا نفعت فيه الشفاعة بالتخفيف عنه، من؟
* طلبة: أبو طالب.
* الشيخ: أبو طالب، نفعت شفاعة الرسول عليه الصلاة والسلام فيه فقط، لو جاء أبو بكر أو عمر يشفع في أبي طالب رُدَّ، لكن النبي ﷺ قُبِلَت شفاعته في عمه أبي طالب فخُفِّفَ عنه العذاب؛ لماذا؟ لأن أبا طالب حصل منه خيرٌ كثير للرسول ﷺ، وحصل منه ما يُسَمَّى بالدعاية العظيمة له حتى قال:
وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينَا
هذا قاله في الدين، وقال في الرسول:
لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ ∗∗∗ لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَوْلِالْأَبَاطِلِ
ودافع عنه، وحُوصِرَ معه في الشعب؛ فلذلك قَبِلَ الله سبحانه وتعالى شفاعة الرسول ﷺ فيه أن يُخَفِّفَ عنه، أما شفاعة الرسول في أمه فمنعه الله، في أمه وهي أقرب من عمه، لما استأذن اللهَ أن يستغفرَ لها قال: لا، ولما استأذنه أن يزور قبرَها قال: نعم، أذن له، فزار النبي ﷺ قبر أمه، وقف عليه وجعل يبكي لكن لا يدعو لها، وأبكى مَنْ معه[[أخرج مسلم (٩٧٦ / ١٠٨) عن أبي هريرة قال: زار النبي ﷺ قبرَ أمِّه فبكى وأبكى مَن حولَه، فقال: «استأذنْتُ رَبِّي في أن أستغفرَ لها فلم يؤذَنْ ليِ، واستأذنته في أنْ أزورَ قبرَها فأذِنَ لي، فزوروا القبورَ فإنَّها تُذكّرُ الموتَ». ]].
فالكفار لا تنفع فيهم الشفاعة؛ لأن الشفاعة مضيعة بلا فائدة، ثم هي لن يُؤْذَن فيها من قِبَل الله، ولا يمكن أبدًا شفاعة بدون إذن الله.
قال تعالى: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ ﴿مَا﴾ نافية حجازية، و﴿دُعَاءُ﴾ اسمها، ربنا افتح بيننا وبين قومنا هل هي حجازية يا إخوان؟
* طالب: ما فيها (ما).
* الشيخ: فيها (ما) ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ﴾.
* طلبة: ربنا افتح بيننا.
* الشيخ: إحنا اللي نقول: افتح الآن، أنتم غلطتم، وشفت بعضكم يكتب، لما قلتم أنا (ما) حجازية شرع بعضكم بالكتابة يكتب أنها (ما) حجازية فأسألكم الآن واللهم افتح بيننا وبين قومنا بالحق، هل هي حجازية؟
* طالب: لا، يا شيخ.
* الشيخ: لماذا؟
* طلبة: نافية.
* الشيخ: هي نافية والنافية حجازية.
* طالب: اللي بعدها مرفوع.
* الشيخ: ما بعدها مرفوع! ﴿فِي ضَلَالٍ﴾ جار ومجرور ما يدري عنه مرفوع ولَّا منصوب.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لأنه انتقض النفي، وابن مالك يقول:
إِعْمَالَ (لَيْسَ) أُعْمِلَتْ مَا دُونَ (إِنْ) ∗∗∗ مَعَ بَقَا النَّفْيِ وَتَرْتِيبٍ زُكِنْ
النفي الآن ما بقي، قال: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ صار إثباتًا، إذن (ما) هنا ليست حجازية لاتفاق اللغتين لغة التميميين والحجازيين فيها، وأنها لا تعمل في هذه الحال.
﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ أي: ما طلبهم ﴿إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ أي في ضياع؛ وقول المؤلف: (انعدام) فيه نظر، الضلال الضياع وعدم الاهتداء، فما دعاء الكافرين إلا في ضلال، لا تُقْبَل دعوة الكافر أبدًا إلا في حالين:
الحال الأولى: إذا كان مضطرًا؛ لقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل ٦٢]، ولقوله تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ [لقمان ٣٢] وإنما أجيبت دعوة المضطر لصدق لجوئه إلى الله؛ لأن المضطر صادق اللجوء إلى الله.
الحال الثانية: إذا كان مظلومًا فإنها تُقْبَل دعوته على ظالمه؛ لقول النبي ﷺ: «اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٤٧) ومسلم (١٩ / ٢٩) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]] وهذا وإن كان يخاطبه في قوم أسلموا لكنها عامة، وإنما أُجِيبَتْ دعوة الكافر إذا كان مظلومًا إقامةً للعدل؛ لأن الله لم يُجِبْ الكافر محبة له ولكن إقامة للعدل؛ لأنه الآن هناك خصمان: مظلوم وظالم، فلإقامة العدل يستجيب الله تعالى دعوة الكافر.
* طالب: أكرمك الله، في البيت الذي ذكرته عن أم عمرو قال: الجواب: نعم، ما قال: بلى. فيه نفي (...).
* الشيخ: ما قلنا يا إخواني؟
* طالب: شاهد.
* الشيخ: قلنا: هذا شاهد على أنها تُجَابُ بـ(نعم) بمعنى (بلى)، وقلنا لكم: إننا إذا قلنا للعامي الذي قيل له: ألست طلقت امرأت؟ قال: نعم. قلنا: إنها تطلق؛ لأن هذه اللغة العامية، وأيضًا لها أصل في اللغة العربية، وجئنا بالبيتين هذين.
* الطالب: شيخ فيه حديث يدل على ما جاء به البيت هذا من الشعر على أن (نعم) تفيد (...).
* الشيخ: هل يُطْلَب الحديث دليلًا على إثبات مسألة لغوية؟
* الطالب: نعم، يا شيخ، خير من تكلم بالفصحى النبي ﷺ.
* الشيخ: لكن إذا جاء عن العرب، ما يحتاج دليل؛ لأن قول العرب هو الدليل، ألم تعلم أن بعض النحويين يقول: لا نستدل بالحديث على اللغة العربية. لماذا؟ لأن الرواة يُجَوِّزون رواية الحديث بالمعنى، ومن المعلوم أن مِنْ بَيْنِ الرواة مَنْ تَغَيَّرَتْ لغته. الإمام أحمد قديم ومن أئمة الحديث، وسمعته ـ مر علينا في قواعد اللغة العربية ـ ماذا يقول في أي شيء؟ يقول: أيش، وهكذا الرواة ربما نقلوا بالمعنى على لغتهم التي يتكلمون بها، فحصل الخطأ، أما القرآن فنعم؛ لأنه منقول بالمتواتر، لكن كثيرًا من علماء النحو يقولون: إنه يحتج بالأحاديث النبوية على اللغة العربية؛ لأن الأصل عدم التغيير.
* طالب: (...) ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ هل نستدل بهذا على العذر بالجهل (...) يريدون أن يقرروهم بأنه قد قامت عليهم الحجة، فلا يعذرون بالجهل؟
* الشيخ: نعم، لا شك أنها تدل على أنهم لو لم تأتهم لعُذِروا، لكن قد يقال: إن قصدهم بذلك إقامة الحجة عليهم لأنها قد قامت، أما العذر بالجهل فلا شك أن العذر بالجهل ثابت وما عندنا في هذا إشكال، لا في مسألة الكفر ولا فيما دونها متى كان الإنسان يقول: إنه مسلم.
* طالب: (...).
* الشيخ: صحيح، لكن إذا قال الرسول لنا: إن الله أبى أن يستغفر له نعترض على الله؟ ما ندري، قد يكون قامت عليه الحجة؛ لأن فيه بقايا من دين إسماعيل في العرب، وفيه ورقة بن نوفل تَنَصَّر.
* طالب: قول الله تعالى: (...) بدخول الهمزة على العطف يعني ما يقال: إن تقديم العطف على الهمزة (...) لأن الأصل عدم (...)؟
* الشيخ: الأصل عدم مخالفة الترتيب، حذف المعلوم كثير، وأنت سمعته الآن في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ﴾ وأن التقدير: (...). حَذْفُ ما يُعْلَم كثيرٌ في القرآن وفي اللغة العربية، لكن الترتيب والزَّحْلَقة هذا قليل، إلا أني قلت لكم: إن الإخلال بالترتيب هنا أيسر للإنسان لأنه أحيانًا تَرِد عليك آيات ما تدري ويش تُقَدِّر؟ إلا أن تقول: إن عرفت التقدير فاسلك الأقعد، وإن لم تعرف فاسلك الأسهل، لتكون متتبعًا للرخص، يصلح؟ إي نعم يصلح، يعني: رخص النحويين ما فيه مانع، نحن قلنا لكم قاعدة مفيدة جدًّا فيما إذا اختلف النحويون في شيء فالصواب الأسهل.
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (٥٣) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [غافر ٥١ - ٥٤].
* الشيخ: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ [غافر ٤٩] إلى آخر الآية.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان شدة حسرة أهل النار؛ لقوله: ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾.
* ومن فوائدها: أن أهل النار يتحاجون ويُحاجُّون أيضًا، يتحاجون كما سبق فيما بينهم، وكذلك يحاجون غيرَهم أو يسألون غيرهم؛ لقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان إحكام الله عز وجل لمخلوقاته كما أحكم مشروعاته؛ حيث جعل للنار خَزَنة يحفظونها ويقومون عليها.
* ومن فوائد هذه الآية: شدة خجل أهل النار من مخاطبة الله عز وجل، لقوله؟
* الطالب: قالوا لخزنة النار: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾.
* الشيخ: أنهم توسلوا بقول الخزنة أن يدعوا ربهم ولم يقولوا: ادعوا ربنا، هذا يدل على أن هذا بعد أن قال الله لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أهل النار في أَشَدِّ ما يكون من العذاب، من أين تُؤْخذ؟ ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾، يدل على أن عليهم شدة. وأنهم يَتَمَنَّوْن يومًا واحدًا فقط.
ثم قال تعالى: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ﴾ [غافر ٥٠] إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن أهل النار يُعَذَّبون عذابًا بدنيًّا وعذابًا قلبيًّا. منين؟
* الطالب: التقريع والتوبيخ لهم.
* الشيخ: التقريع والتوبيخ لهم ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ فهذا يكون أشدَّ عليهم من عذاب البدن؛ ولهذا يقولون كما في سورة تبارك: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك ١٠] قال تعالى: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن لكل أمة من أهل النار رسولًا.
* طالب: من قول الملائكة لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى﴾ (...).
* الشيخ: ﴿رُسُلُكُمْ﴾ كل أمة لها رسول.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى لم يُرْسِل رسولًا إلا بآيات تدل على أنه رسول الله حقًّا.
* طالب: لقوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾.
* الشيخ: لقوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾، صحيح.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الاهتمام بالوصف أشد من الاهتمام بالأصل؛ لأن الوصف هو اللي يبين الأشياء من أين؟
* طالب: من قوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾، ولم يقل: بالآيات البينات.
* الشيخ: من قوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ حيث أتى بالوصف وطوى ذكر الموصوف؛ لأن المهم هو الوصف.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تَهَكُّم الرسل بهؤلاء أي بأهل النار.
* طالب: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى﴾.
* طالب آخر: ﴿قَالُوا فَادْعُوا﴾.
* الشيخ: ﴿قَالُوا فَادْعُوا﴾ هذا من باب التهكم بهم؛ لأن الملائكة يعرفون أنهم لن يجابوا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا قَبول لدعاء الكافرين.
* طالب: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾.
* الشيخ: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ طيب.
هل يشمل هذا دعاء المسألة ودعاء العبادة، أو دعاء المسألة فقط، أو دعاء العبادة فقط؟
* طالب: دعاء العبادة فقط، أما دعاء المسألة.
* طالب آخر: دعاء المسألة ودعاء العبادة إلا في حالة الاضطرار.
* الشيخ: يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة. طيب، ما الذي يستثنى من دعاء المسألة في إجابة الكافر؟
* طالب: المضطر والمظلوم.
* الشيخ: نعم، المضطر والمظلوم، ما هو الدليل على استثناء المضطر أنه يجاب ولو كان كافرًا؟
* الطالب: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل ٦٢].
* الشيخ: طيب قد يقول لك قائل: هذه في المسلم.
* الطالب: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ﴾ (...) العموم.
* الشيخ: نعم إذا ادَّعى أنه يخرج منها الكافر. قلنا: أين الدليل؟ طيب، هذا صحيح، لكن نريد نصًّا واضحًا في إجابة الكافر في حال الضرورة؟
* الطالب: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾.
* الشيخ: نعم، قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت ٦٥] طيب، صحيح.
ما الحكمة من إجابة الكافر في حال الضرورة؟
* طالب: لأنه في هذه الحال يكون أخلص في الدعاء.
* الشيخ: لأنه في هذه الحال يكون مخلصًا لله في الدعاء مُظْهِرًا للافتقار إليه، فيجيبه الله.
المظلوم، الدليل على أنه يجيب دعوة الكافر المظلوم؟
* طالب: حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه لما بعثه النبي ﷺ إلى أهل اليمن في آخر الحديث قال له: «وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٤٧)، ومسلم (١٩ / ٢٩) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]].
* الشيخ: لو قال لك قائل: المظلوم من المؤمنين؟
* الطالب: لم يُخَصَّص في هذا الحديث.
* الشيخ: ما الحكمة من إجابة دعوة المظلوم الكافر؟
* الطالب: لإقامة العدل.
* الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك، طيب إذن: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة، طيب ما الدليل على أن العبادة لا تُقْبَل من الكافر؟
* طالب: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة ٥٤].
* الشيخ: ﴿إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾.
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾ إلى آخره، الجملة هذه مؤكدة بمؤكدين: أحدهما: (إن)، والثاني: اللام.
وقوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ﴾ أتى بصيغة التعظيم؛ لأن المقام يقتضيه؛ إذ إن النصر لا بد أن يكون من قوي، ولم يقل الله جل وعلا: أنا أنصر، قال: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ﴾؛ لأن المقام يقتضي العظمة والقدرة والقوة.
﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ﴿رُسُلَنَا﴾ جمع رسول، وهم كل الرسل؛ لأن (رسل) جمع مضاف، والجمع المضاف يكون للعموم.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ معطوفة على ﴿رُسُلَنَا﴾ أي: وننصر الذين آمنوا، آمنوا بمن؟ آمنوا بما يجب الإيمان به. والإيمان هو الإقرار المستلزم للقَبول والإذعان، فمَنْ أَنْكَر فليس بمؤمن، ومن أَقَرَّ ولم يَقْبَل فليس بمؤمن، ومن أَقَرَّ ولم يذعن فليس بمؤمن؛ فأبو طالب مثلًا مقر برسالة الرسول عليه الصلاة والسلام لكنه لم يَقْبَلْ ولم يُذْعِن، فلا يكون مؤمنًا، فالذين آمنوا هم الذين أَقَرُّوا بقلوبهم، وأذعنوا واستسلموا بجوارحهم، وقَبِلوا ما أخبرت به الرسل، هؤلاء هم المؤمنون.
وقوله: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ متعلق بـ﴿نَنْصُرُ﴾ أي: ننصرهم في الحياة الدنيا؛ ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ ﴿وَيَوْمَ﴾ هذه معطوفة أيضًا على ما سبق، وهي متعلقة ب﴿نَنْصُرُ﴾، أي: وننصرهم يوم يقوم الأشهاد وذلك يوم القيامة.
و﴿الْأَشْهَادُ﴾ جمع شاهد، يقول المؤلف: (وهم الملائكة يشهدون للرسل بالبلاغ وعلى الكفار بالتكذيب) هكذا قال المؤلف رحمه الله خَصَّها بالملائكة، والصحيح أنها أَعَمُّ من الملائكة، فالملائكة يشهدون، وهذه الأمة تَشْهَد على مَنْ سبق كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة ١٤٣]، والجلود تشهد، والجوارح تشهد، فكلُّ ما ثبتت شهادتُه فإنه داخل في قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ وذلك يوم القيامة.
* في هذه الآية الكريمة: تأكيد نصر الله سبحانه وتعالى للرسل والذين آمنوا؛ لقوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾.
* وفي هذه الآية: شُبْهَةٌ استدلَّ بها النصراني يقول: إن الله ثالث ثلاثة، ولي عليكم دليل وهو قوله: ﴿إِنَّا﴾، وقوله: ﴿نَحْنُ﴾، و﴿نُرِيهِمْ﴾، وما أشبهها مما يدلُّ على الجمع، فإذن أنا أقول -يقوله النصراني-: إن الله ثالث ثلاثة ولي حجة، فبماذا نجيبه؟
نجيبه بقولنا: إنك ممن زاغ قلبه؛ لأنك اتبعتَ المتشابه، والله عز وجل يقول: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران ٧] وتركتَ المحكم المؤكد بأن الله واحد لا شريك له مثل قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة ١٦٣]، ومثل قوله في تكذيب هؤلاء النصارى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة ٧٣]. فهذا النصراني اتبع المتشابه.
وكذلك كُلُّ مبطل يحتج بآية فإنه يكون ممن اتبع المتشابه، والله عز وجل حكيم جعل في آياته الشرعية وفي آياته الكونية أيضًا ما يكون متشابهًا ابتلاء وامتحانًا لأيش؟ للذين آمنوا والذي في قلوبهم زيغ؛ الآن انظر إلى القرآن، انظر إلى السنة، تجد في بعض الأحاديث أو في بعض الآيات ما ظاهره التعارض، أو في بعض الأحاديث أو الآيات ما ظاهره باطل، مثلًا هذا إن سَلَّمْنَا وإلا ليس في القرآن ولا السنة الصحيح ما ظاهره باطل إطلاقًا، لكن هذا من باب التَّنَزُّل مع الخصم، ونقول: هذا من باب الابتلاء والامتحان.
كذلك في الآيات الكونية نجد أن الله تعالى يصيب الناس بكوارث عظمية تموت بها الأَنْفُس، وتُدَمَّر بها البلاد، يفسد بها الحرث والنسل، حتى يَبْلُوَ العباد: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد ٣١]، وانتبه لهذه النقطة وهي امتحان الله تعالى للعباد بما يأتي من الآيات الشرعية والآيات الكونية.
إذن رددنا على النصارى الذي ادَّعى تَعَدُّدَ الآلهة محتجًّا بمثل قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾ [غافر ٥١] إلى آخره.
وفي الآية إشكال؛ وهو أن الله تعالى ذَكَر أن من الناس من يقتلون الأنبياء بغير حق، يقتلون الأنبياء، فأين النصر في الحياة الدنيا لمن قُتِلَ؟
والجواب من أحد وجهين: إما أن يكون المراد بالنصر نصرَ ما جاؤوا به من الشرع وبيانَ أنه حقٌّ، وهذا ثابت لكل رسول، وهل تأييد ما جاء به الرسول نصرٌ له أو لا؟ نصر له، لا شك أنه نصر، وحينئذ لا يستثنى من الرسل أحد إذا قلنا: إن المراد بالنصر نصر ما جاؤوا به من الحق.
وإما أن يُراد بـ﴿رُسُلَنَا﴾ الذين أُمِروا بالجهاد؛ لأن النصر يقتضي أن يكون هناك جهاد ينتصر فيه أحد الطرفين على الآخر، فيكون المراد بالرسل هنا ليس جميع الرسل بل مَنْ أُمِروا بالجهاد، وحينئذ يزول الإشكال، هذا باعتبار النصر في الحياة الدنيا، أما باعتبار النصر يوم يقوم الأشهاد فلا يُسْتَثْنَى أحد ولا إشكال فيه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن نَصْرَ الله العبد في الدنيا نعمةٌ؛ يعني له أن يفرح بها، للإنسان أن يفرح بما أعطاه الله تعالى من النصر سواء نصرًا فعليًّا أو قوليًّا، المهم أن الإنسان إذا نصره الله عز وجل على من ناوأه يُعْتَبر هذا نعمة ومنة من الله عز وجل فليفرح به الإنسان؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس ٥٨].
* من فوائد الآية الكريمة: إثبات الأشهاد يوم القيامة؛ لقوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١].
* من فوائد الآية الكريمة: التحذير من مخالفة الرسل من ذلك اليوم الذي يقوم فيه الأشهاد؛ لأنه في ذلك اليوم لا يستطيع أحد أن يُكَذِّب، لو أن الإنسان أنكر وكذَّب من يشهد عليه؟ تشهد عليه جوارحه.
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣] يقولون هذا؛ لأنهم يشاهدون المخلصين يُنْصَرون يوم القيامة، فيقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ رجاء أن يُنْصروا معهم فيقول الله عز وجل: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنعام ٢٤] هم كذبوا على أنفسهم؛ لأنهم يقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ وهم مشركون، بل قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام ٢٨].
الآن استدركنا على المفسر رحمه الله ماذا؟ قَصْرَه الأشهاد على الملائكة، وقلنا: إنها أعم.
غافر 40:50
ثم قال تعالى: (﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا﴾ [غافر ٤٩] أي: قَدْر يوم ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾ ) استمع لهذا النداء الدال على البؤس واليأس، ﴿قَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ خزنة: جمع خازن، وهم الذين قاموا على خزانتها وحمايتها وحفظها؛ لأن النار لها خزنة، وكذلك الجنة لها خزنة، وكل أمر مُحْكَم، ويؤتى بجهنم يوم القيامة تُقادُ بسبعين ألف زمام، كل زمام يقوده سبعون ألف مَلَك، وما أدراك ما الملائكة وما قوتها، فهذه النار محكمة لها خزنة ولها قُوَّاد يقودونها يوم القيامة.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ و﴿جَهَنَّمَ﴾ اسم من أسماء النار، قيل: إنها عربية، وقيل: إنها عجمية، فعلى القول أنها عربية تكون مأخوذة من الجُهْمَة وهي الظلمة، لأن النار سوداء مظلمة، أعاذنا الله وإياكم منها.
وعلى القول بأنها أعجمية يقال: إن أصلها كهنام، ولكنها عُرِّبَت حتى صارت جهنم، وهي من أسماء النار.
يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ ويقولون: هذا -والله أعلم- حين يقولون لربهم عز وجل: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٧، ١٠٨] حينئذ يتوسلون بغيرهم أن يكلموا الله، يقولون: ادعوا ربكم، ولم يقولوا: ادعوا ربنا؛ لأنهم قد كُسِرُوا من جهة ربهم، قال لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾، لكن توسلوا بعد ذلك بطلب من الملائكة أن يدعوا الله لهم ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ ﴿يُخَفِّفْ﴾ بالجزم جوابًا للأمر، وهو قوله: ﴿ادْعُوا﴾ وأقول: للأمر باعتبار صيغته، وإلا فهو في الحقيقة دعاء وسؤال.
﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ ما الذي طلبوا؟ طلبوا تخفيفًا لا رفعًا، وطلبوا يومًا لا دوامًا لأنهم آيسون، لكن قال: لعل المسألة تنفع ولو بتخفيف يومًا من العذاب، نسأل الله العافية، ومقتضى هذا أنهم في أشد ما يكونوا من العذاب، وأنهم طلبوا أن يستريحوا ولو يومًا.
﴿يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا﴾ قال المؤلف: (أي: قَدْرَ يومٍ) وإنما قال: قَدْرَ يوم؛ لأنه في يوم القيامة ليس هناك يوم ولا ليلة، الشمس والقمر مُكَوَّران في نار جهنم، وكل شيء من أمور الدنيا منتهٍ، ما فيه إلا أمر الآخرة، سبحان الله! فيقول المؤلف: (قدر يوم ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾ ).
قال لهم الخزنة: (﴿قَالُوا﴾ أي: الخزنة تهكمًا) هكذا قال المؤلف: تَهَكُّمًا، ويحتمل أنهم قالوا ذلك تقريعًا وتوبيخًا وتنديمًا ليس تهكمًا، لأن الأمر واقع، فهم يُقَرِّرُونَهُم بشيء حاصل تنديمًا لهم ليزدادوا حُزْنًا.
(﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالمعجزات الظاهرات) ليته قال: بالآيات الظاهرات، لأن الرسل جاؤوا بالآيات لا بالمعجزات، لكن الآيات أمر خارق للعادة فهي معجزة، وقد بَيَّنَّا في كرامة الأولياء في التوحيد أن الأولى أن يُسَمَّى ما جاءت به الرسل من الدلالة على رسالتهم آيات.
(﴿بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى﴾ أي: فكفروا بهم ﴿قَالُوا فَادْعُوا﴾ ) هذا التهكم.
قوله: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ مثل هذا التعبير يقع كثيرًا في القرآن؛ أي أن الهمزة تأتي ثم يأتي بعدها حرف عطف، مثل ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ [غافر ٢١] ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ [غافر ٨٢] ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [يونس ٥١] وما أشبه ذلك، فكيف نقول في إعرابها؟ نقول: في إعرابها وجهان للنحويين:
الوجه الأول: أن الجملة معطوفة على ما سبق، وأن الواو مُقَدَّمة على محلها، وأن التقدير في ﴿أَوَلَمْ تَكُ﴾: وألم تكن، وهذا الوجه ليس فيه إلا دعوى التقديم والتأخير لكنه سهل؛ يعني: يَسْهُل أن تقول: هذا معطوف على ما سبق.
وقال بعضهم: إن الهمزة داخلة على جملة محذوفة، فالجملة مستأنفة، هذه الجملة يكون تقديرُها بحسب السياق؛ ففي قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ التقدير: أغفلوا ولم يسيروا، وهذا من حيث القواعد أَقْعَد، لكنه تواجهك أحيانًا آياتٌ لا تستطيع أن تعرف ما هو المُقَدَّر، فصار هذا أقعد وذاك أسهل؛ الوجهان؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أنا عندي مما ضمر الأدمغة: الآلة الحاسبة، كمبيوتر الفرائض، المسجلات. ولَّا لا؟
الآلة الحاسبة ضمرت تحرك العقل جمعًا وطرحًا وضربًا. كمبيوتر الفرائض خلاص مَوَّت العقل ما عاد يبحث بالفرائض؛ نضغط على الزر وتطلع لك المسألة والقسمة. الثالث قال: مش لازم أتابع المعلم، المسجل عندي (...) استمعت إليه.
* الشيخ: ما الذي قلنا في مثل هذه التركيب: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ﴾؟
* الطالب: الوجه الأول: أن يكون هناك تقديم وتأخير.
* الشيخ: الوجه الأول: أن تكون الجملة معطوفة على ما سبق، وليس في هذا إلا أن نقول: الواو مؤخرة عن مكانها.
* الطالب: الوجه الثاني أن تكون بعد الهمزة جملة مقدرة..
* الشيخ: الوجه الثاني: أن تكون الهمزة داخلة؟
* الطالب: على جملة محذوفة مقدرة، وتقدر حسب السياق، كل جملة بحسبها، وهذه أقعد ولكن فيها صعوبة.
* الشيخ: صعوبة في أيش؟
* الطالب: صعوبة في التقدير.
* الشيخ: في التقدير؛ لأنك أحيانًا لا تكاد تعرف ما الذي يناسب المقام وتلك أسهل. هذا الإعراب في كل تقدير يجيئك على هذا الوجه.
وقوله: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ﴾ الاستفهام هنا للتقرير، ويقال: كلما دخل الاستفهام على نفي فهو للتقرير، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١]، ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ﴾ [القيامة ٣٧]، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾ [الزمر ٣٧] وما أشبه ذلك، يقولون: كلما دخل الاستفهام على النفي فهو للتقرير.
طيب إذن نحن نقول: للتقرير، لكن هل يخرج عن معنى التقرير أو يُضَمُّ إلى معنى التقرير معنى آخر بحسب السياق؟
الجواب: نعم، ففي قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ هو للتقرير إظهارًا لمنة الله عليه، ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ﴾ [غافر ٥٠] للتقرير توبيخًا وتنديمًا.
قالوا: ﴿بَلَى﴾ جواب الاستفهام المقرون بالنفي الإثبات بـ(بلى)، وجواب الاستفهام غير المقرون بالنفي الإثبات بـ(نعم)، وجواب الاستفهام المقرون بالنفي في حال النفي (نعم)، وجواب الاستفهام المقرون بالإثبات في حال النفي (لا). اعرفوا الفرق.
يقال: إن ابن عباس رضي الله عنه وعن أبيه قال في قوله تبارك وتعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف ١٧٢] «قال: لو قالوا: نعم. لكفروا»[[ذكره السَّمينُ الحلبي في تفسيره (١ / ٤٥٦) من قول ابن عباس رضي الله عنه.]].
وقال الفقهاء: لو قيل للرجل: ألست طلقت امرأتك؟ فقال: نعم، لا تَطْلُق. وإن قال: بلى، طلقت.
قال ابن عباس: لو قالوا: نعم. لكفروا، وهذا مُسَلَّم فيما إذا كان الإنسان يعرف اللغة العربية جيدًا، وأما العامي فعنده نعم وبلى سواء؛ ولهذا لو قيل للعامي: ألستَ طلقتَ امرأتك؟ قال: نعم، أيش يكون؟ على القول الصحيح تَطْلُق، العبرة بالمعاني، على أنه جاء في اللغة العربية جواب هذا بـ(نعم)، ومنه قول العاشق:
أَلَيْسَ اللَّيْلُ يَجْمَعُ أُمَّ عَمْرٍو ∗∗∗ وَإِيَّانَا فَذَاكَ لَنَا تَدَانِي
أم عمرو معشوقته.
نَعَمْ وَتَرى الْهِلَالَ كَمَا أَرَاهُ ∗∗∗ وَيَعْلُوهَا النَّهَارُ كَمَا عَلَانِي
فقال: (نعم)، لكن الرجل هذا قنوع اكتفى أن يجمعه الليلُ مع معشوقته ولو كان في المشرق وهو بالمغرب وكذلك النهار، وترى الهلال كما يراه، هي في المشرق ترى الهلال وهو في المغرب يرى الهلال يكفي، نعم اقتران.
على كل حال الآن فهمنا جواب الاستفهام المقرون بالنفي إثباتًا (بلى)، ونفيًا (نعم)، والاستفهام المقرون بالإثبات إثباتًا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: ونفيًا (لا)، بارك الله فيكم.
قالوا: ﴿بَلَى﴾ يعني: قد أتتنا، ولكنهم -والعياذ بالله- كفروا.
﴿قَالُوا فَادْعُوا﴾ هذا الأمر للتهكم؛ لأن الملائكة تعلم أنهم لن يُقْبَل منهم؛ فقوله: ﴿ادْعُوا﴾ تَهَكُّم بهم، والتهكم هو الذي يُسَمَّى عندنا في اللغة العربية (الهَكُّ)، هَكَكْتُ عليه يعني: لعبت بعقله، فهنا قالوا: ﴿فَادْعُوا﴾ تَهَكُّمًا بهم؛ لأن الملائكة تعلم أنهم لن يجابوا.
(﴿قَالُوا فَادْعُوا﴾ أنتم فإنا لا نشفع للكافرين)؛ لأن الشفاعة للكافرين مضيعة وقت؛ إذ إن الكافر لا تنفع فيه الشفاعة إلا كافرًا واحدًا نفعت فيه الشفاعة بالتخفيف عنه، من؟
* طلبة: أبو طالب.
* الشيخ: أبو طالب، نفعت شفاعة الرسول عليه الصلاة والسلام فيه فقط، لو جاء أبو بكر أو عمر يشفع في أبي طالب رُدَّ، لكن النبي ﷺ قُبِلَت شفاعته في عمه أبي طالب فخُفِّفَ عنه العذاب؛ لماذا؟ لأن أبا طالب حصل منه خيرٌ كثير للرسول ﷺ، وحصل منه ما يُسَمَّى بالدعاية العظيمة له حتى قال:
وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينَا
هذا قاله في الدين، وقال في الرسول:
لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ ∗∗∗ لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَوْلِالْأَبَاطِلِ
ودافع عنه، وحُوصِرَ معه في الشعب؛ فلذلك قَبِلَ الله سبحانه وتعالى شفاعة الرسول ﷺ فيه أن يُخَفِّفَ عنه، أما شفاعة الرسول في أمه فمنعه الله، في أمه وهي أقرب من عمه، لما استأذن اللهَ أن يستغفرَ لها قال: لا، ولما استأذنه أن يزور قبرَها قال: نعم، أذن له، فزار النبي ﷺ قبر أمه، وقف عليه وجعل يبكي لكن لا يدعو لها، وأبكى مَنْ معه[[أخرج مسلم (٩٧٦ / ١٠٨) عن أبي هريرة قال: زار النبي ﷺ قبرَ أمِّه فبكى وأبكى مَن حولَه، فقال: «استأذنْتُ رَبِّي في أن أستغفرَ لها فلم يؤذَنْ ليِ، واستأذنته في أنْ أزورَ قبرَها فأذِنَ لي، فزوروا القبورَ فإنَّها تُذكّرُ الموتَ». ]].
فالكفار لا تنفع فيهم الشفاعة؛ لأن الشفاعة مضيعة بلا فائدة، ثم هي لن يُؤْذَن فيها من قِبَل الله، ولا يمكن أبدًا شفاعة بدون إذن الله.
قال تعالى: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ ﴿مَا﴾ نافية حجازية، و﴿دُعَاءُ﴾ اسمها، ربنا افتح بيننا وبين قومنا هل هي حجازية يا إخوان؟
* طالب: ما فيها (ما).
* الشيخ: فيها (ما) ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ﴾.
* طلبة: ربنا افتح بيننا.
* الشيخ: إحنا اللي نقول: افتح الآن، أنتم غلطتم، وشفت بعضكم يكتب، لما قلتم أنا (ما) حجازية شرع بعضكم بالكتابة يكتب أنها (ما) حجازية فأسألكم الآن واللهم افتح بيننا وبين قومنا بالحق، هل هي حجازية؟
* طالب: لا، يا شيخ.
* الشيخ: لماذا؟
* طلبة: نافية.
* الشيخ: هي نافية والنافية حجازية.
* طالب: اللي بعدها مرفوع.
* الشيخ: ما بعدها مرفوع! ﴿فِي ضَلَالٍ﴾ جار ومجرور ما يدري عنه مرفوع ولَّا منصوب.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لأنه انتقض النفي، وابن مالك يقول:
إِعْمَالَ (لَيْسَ) أُعْمِلَتْ مَا دُونَ (إِنْ) ∗∗∗ مَعَ بَقَا النَّفْيِ وَتَرْتِيبٍ زُكِنْ
النفي الآن ما بقي، قال: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ صار إثباتًا، إذن (ما) هنا ليست حجازية لاتفاق اللغتين لغة التميميين والحجازيين فيها، وأنها لا تعمل في هذه الحال.
﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ أي: ما طلبهم ﴿إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ أي في ضياع؛ وقول المؤلف: (انعدام) فيه نظر، الضلال الضياع وعدم الاهتداء، فما دعاء الكافرين إلا في ضلال، لا تُقْبَل دعوة الكافر أبدًا إلا في حالين:
الحال الأولى: إذا كان مضطرًا؛ لقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل ٦٢]، ولقوله تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ [لقمان ٣٢] وإنما أجيبت دعوة المضطر لصدق لجوئه إلى الله؛ لأن المضطر صادق اللجوء إلى الله.
الحال الثانية: إذا كان مظلومًا فإنها تُقْبَل دعوته على ظالمه؛ لقول النبي ﷺ: «اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٤٧) ومسلم (١٩ / ٢٩) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]] وهذا وإن كان يخاطبه في قوم أسلموا لكنها عامة، وإنما أُجِيبَتْ دعوة الكافر إذا كان مظلومًا إقامةً للعدل؛ لأن الله لم يُجِبْ الكافر محبة له ولكن إقامة للعدل؛ لأنه الآن هناك خصمان: مظلوم وظالم، فلإقامة العدل يستجيب الله تعالى دعوة الكافر.
* طالب: أكرمك الله، في البيت الذي ذكرته عن أم عمرو قال: الجواب: نعم، ما قال: بلى. فيه نفي (...).
* الشيخ: ما قلنا يا إخواني؟
* طالب: شاهد.
* الشيخ: قلنا: هذا شاهد على أنها تُجَابُ بـ(نعم) بمعنى (بلى)، وقلنا لكم: إننا إذا قلنا للعامي الذي قيل له: ألست طلقت امرأت؟ قال: نعم. قلنا: إنها تطلق؛ لأن هذه اللغة العامية، وأيضًا لها أصل في اللغة العربية، وجئنا بالبيتين هذين.
* الطالب: شيخ فيه حديث يدل على ما جاء به البيت هذا من الشعر على أن (نعم) تفيد (...).
* الشيخ: هل يُطْلَب الحديث دليلًا على إثبات مسألة لغوية؟
* الطالب: نعم، يا شيخ، خير من تكلم بالفصحى النبي ﷺ.
* الشيخ: لكن إذا جاء عن العرب، ما يحتاج دليل؛ لأن قول العرب هو الدليل، ألم تعلم أن بعض النحويين يقول: لا نستدل بالحديث على اللغة العربية. لماذا؟ لأن الرواة يُجَوِّزون رواية الحديث بالمعنى، ومن المعلوم أن مِنْ بَيْنِ الرواة مَنْ تَغَيَّرَتْ لغته. الإمام أحمد قديم ومن أئمة الحديث، وسمعته ـ مر علينا في قواعد اللغة العربية ـ ماذا يقول في أي شيء؟ يقول: أيش، وهكذا الرواة ربما نقلوا بالمعنى على لغتهم التي يتكلمون بها، فحصل الخطأ، أما القرآن فنعم؛ لأنه منقول بالمتواتر، لكن كثيرًا من علماء النحو يقولون: إنه يحتج بالأحاديث النبوية على اللغة العربية؛ لأن الأصل عدم التغيير.
* طالب: (...) ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ هل نستدل بهذا على العذر بالجهل (...) يريدون أن يقرروهم بأنه قد قامت عليهم الحجة، فلا يعذرون بالجهل؟
* الشيخ: نعم، لا شك أنها تدل على أنهم لو لم تأتهم لعُذِروا، لكن قد يقال: إن قصدهم بذلك إقامة الحجة عليهم لأنها قد قامت، أما العذر بالجهل فلا شك أن العذر بالجهل ثابت وما عندنا في هذا إشكال، لا في مسألة الكفر ولا فيما دونها متى كان الإنسان يقول: إنه مسلم.
* طالب: (...).
* الشيخ: صحيح، لكن إذا قال الرسول لنا: إن الله أبى أن يستغفر له نعترض على الله؟ ما ندري، قد يكون قامت عليه الحجة؛ لأن فيه بقايا من دين إسماعيل في العرب، وفيه ورقة بن نوفل تَنَصَّر.
* طالب: قول الله تعالى: (...) بدخول الهمزة على العطف يعني ما يقال: إن تقديم العطف على الهمزة (...) لأن الأصل عدم (...)؟
* الشيخ: الأصل عدم مخالفة الترتيب، حذف المعلوم كثير، وأنت سمعته الآن في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ﴾ وأن التقدير: (...). حَذْفُ ما يُعْلَم كثيرٌ في القرآن وفي اللغة العربية، لكن الترتيب والزَّحْلَقة هذا قليل، إلا أني قلت لكم: إن الإخلال بالترتيب هنا أيسر للإنسان لأنه أحيانًا تَرِد عليك آيات ما تدري ويش تُقَدِّر؟ إلا أن تقول: إن عرفت التقدير فاسلك الأقعد، وإن لم تعرف فاسلك الأسهل، لتكون متتبعًا للرخص، يصلح؟ إي نعم يصلح، يعني: رخص النحويين ما فيه مانع، نحن قلنا لكم قاعدة مفيدة جدًّا فيما إذا اختلف النحويون في شيء فالصواب الأسهل.
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (٥٣) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [غافر ٥١ - ٥٤].
* الشيخ: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ [غافر ٤٩] إلى آخر الآية.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان شدة حسرة أهل النار؛ لقوله: ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾.
* ومن فوائدها: أن أهل النار يتحاجون ويُحاجُّون أيضًا، يتحاجون كما سبق فيما بينهم، وكذلك يحاجون غيرَهم أو يسألون غيرهم؛ لقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان إحكام الله عز وجل لمخلوقاته كما أحكم مشروعاته؛ حيث جعل للنار خَزَنة يحفظونها ويقومون عليها.
* ومن فوائد هذه الآية: شدة خجل أهل النار من مخاطبة الله عز وجل، لقوله؟
* الطالب: قالوا لخزنة النار: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾.
* الشيخ: أنهم توسلوا بقول الخزنة أن يدعوا ربهم ولم يقولوا: ادعوا ربنا، هذا يدل على أن هذا بعد أن قال الله لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أهل النار في أَشَدِّ ما يكون من العذاب، من أين تُؤْخذ؟ ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾، يدل على أن عليهم شدة. وأنهم يَتَمَنَّوْن يومًا واحدًا فقط.
ثم قال تعالى: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ﴾ [غافر ٥٠] إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن أهل النار يُعَذَّبون عذابًا بدنيًّا وعذابًا قلبيًّا. منين؟
* الطالب: التقريع والتوبيخ لهم.
* الشيخ: التقريع والتوبيخ لهم ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ فهذا يكون أشدَّ عليهم من عذاب البدن؛ ولهذا يقولون كما في سورة تبارك: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك ١٠] قال تعالى: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن لكل أمة من أهل النار رسولًا.
* طالب: من قول الملائكة لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى﴾ (...).
* الشيخ: ﴿رُسُلُكُمْ﴾ كل أمة لها رسول.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى لم يُرْسِل رسولًا إلا بآيات تدل على أنه رسول الله حقًّا.
* طالب: لقوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾.
* الشيخ: لقوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾، صحيح.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الاهتمام بالوصف أشد من الاهتمام بالأصل؛ لأن الوصف هو اللي يبين الأشياء من أين؟
* طالب: من قوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾، ولم يقل: بالآيات البينات.
* الشيخ: من قوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ حيث أتى بالوصف وطوى ذكر الموصوف؛ لأن المهم هو الوصف.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تَهَكُّم الرسل بهؤلاء أي بأهل النار.
* طالب: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى﴾.
* طالب آخر: ﴿قَالُوا فَادْعُوا﴾.
* الشيخ: ﴿قَالُوا فَادْعُوا﴾ هذا من باب التهكم بهم؛ لأن الملائكة يعرفون أنهم لن يجابوا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا قَبول لدعاء الكافرين.
* طالب: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾.
* الشيخ: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ طيب.
هل يشمل هذا دعاء المسألة ودعاء العبادة، أو دعاء المسألة فقط، أو دعاء العبادة فقط؟
* طالب: دعاء العبادة فقط، أما دعاء المسألة.
* طالب آخر: دعاء المسألة ودعاء العبادة إلا في حالة الاضطرار.
* الشيخ: يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة. طيب، ما الذي يستثنى من دعاء المسألة في إجابة الكافر؟
* طالب: المضطر والمظلوم.
* الشيخ: نعم، المضطر والمظلوم، ما هو الدليل على استثناء المضطر أنه يجاب ولو كان كافرًا؟
* الطالب: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل ٦٢].
* الشيخ: طيب قد يقول لك قائل: هذه في المسلم.
* الطالب: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ﴾ (...) العموم.
* الشيخ: نعم إذا ادَّعى أنه يخرج منها الكافر. قلنا: أين الدليل؟ طيب، هذا صحيح، لكن نريد نصًّا واضحًا في إجابة الكافر في حال الضرورة؟
* الطالب: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾.
* الشيخ: نعم، قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت ٦٥] طيب، صحيح.
ما الحكمة من إجابة الكافر في حال الضرورة؟
* طالب: لأنه في هذه الحال يكون أخلص في الدعاء.
* الشيخ: لأنه في هذه الحال يكون مخلصًا لله في الدعاء مُظْهِرًا للافتقار إليه، فيجيبه الله.
المظلوم، الدليل على أنه يجيب دعوة الكافر المظلوم؟
* طالب: حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه لما بعثه النبي ﷺ إلى أهل اليمن في آخر الحديث قال له: «وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٤٧)، ومسلم (١٩ / ٢٩) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]].
* الشيخ: لو قال لك قائل: المظلوم من المؤمنين؟
* الطالب: لم يُخَصَّص في هذا الحديث.
* الشيخ: ما الحكمة من إجابة دعوة المظلوم الكافر؟
* الطالب: لإقامة العدل.
* الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك، طيب إذن: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة، طيب ما الدليل على أن العبادة لا تُقْبَل من الكافر؟
* طالب: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة ٥٤].
* الشيخ: ﴿إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾.
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾ إلى آخره، الجملة هذه مؤكدة بمؤكدين: أحدهما: (إن)، والثاني: اللام.
وقوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ﴾ أتى بصيغة التعظيم؛ لأن المقام يقتضيه؛ إذ إن النصر لا بد أن يكون من قوي، ولم يقل الله جل وعلا: أنا أنصر، قال: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ﴾؛ لأن المقام يقتضي العظمة والقدرة والقوة.
﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ﴿رُسُلَنَا﴾ جمع رسول، وهم كل الرسل؛ لأن (رسل) جمع مضاف، والجمع المضاف يكون للعموم.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ معطوفة على ﴿رُسُلَنَا﴾ أي: وننصر الذين آمنوا، آمنوا بمن؟ آمنوا بما يجب الإيمان به. والإيمان هو الإقرار المستلزم للقَبول والإذعان، فمَنْ أَنْكَر فليس بمؤمن، ومن أَقَرَّ ولم يَقْبَل فليس بمؤمن، ومن أَقَرَّ ولم يذعن فليس بمؤمن؛ فأبو طالب مثلًا مقر برسالة الرسول عليه الصلاة والسلام لكنه لم يَقْبَلْ ولم يُذْعِن، فلا يكون مؤمنًا، فالذين آمنوا هم الذين أَقَرُّوا بقلوبهم، وأذعنوا واستسلموا بجوارحهم، وقَبِلوا ما أخبرت به الرسل، هؤلاء هم المؤمنون.
وقوله: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ متعلق بـ﴿نَنْصُرُ﴾ أي: ننصرهم في الحياة الدنيا؛ ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ ﴿وَيَوْمَ﴾ هذه معطوفة أيضًا على ما سبق، وهي متعلقة ب﴿نَنْصُرُ﴾، أي: وننصرهم يوم يقوم الأشهاد وذلك يوم القيامة.
و﴿الْأَشْهَادُ﴾ جمع شاهد، يقول المؤلف: (وهم الملائكة يشهدون للرسل بالبلاغ وعلى الكفار بالتكذيب) هكذا قال المؤلف رحمه الله خَصَّها بالملائكة، والصحيح أنها أَعَمُّ من الملائكة، فالملائكة يشهدون، وهذه الأمة تَشْهَد على مَنْ سبق كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة ١٤٣]، والجلود تشهد، والجوارح تشهد، فكلُّ ما ثبتت شهادتُه فإنه داخل في قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ وذلك يوم القيامة.
* في هذه الآية الكريمة: تأكيد نصر الله سبحانه وتعالى للرسل والذين آمنوا؛ لقوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾.
* وفي هذه الآية: شُبْهَةٌ استدلَّ بها النصراني يقول: إن الله ثالث ثلاثة، ولي عليكم دليل وهو قوله: ﴿إِنَّا﴾، وقوله: ﴿نَحْنُ﴾، و﴿نُرِيهِمْ﴾، وما أشبهها مما يدلُّ على الجمع، فإذن أنا أقول -يقوله النصراني-: إن الله ثالث ثلاثة ولي حجة، فبماذا نجيبه؟
نجيبه بقولنا: إنك ممن زاغ قلبه؛ لأنك اتبعتَ المتشابه، والله عز وجل يقول: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران ٧] وتركتَ المحكم المؤكد بأن الله واحد لا شريك له مثل قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة ١٦٣]، ومثل قوله في تكذيب هؤلاء النصارى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة ٧٣]. فهذا النصراني اتبع المتشابه.
وكذلك كُلُّ مبطل يحتج بآية فإنه يكون ممن اتبع المتشابه، والله عز وجل حكيم جعل في آياته الشرعية وفي آياته الكونية أيضًا ما يكون متشابهًا ابتلاء وامتحانًا لأيش؟ للذين آمنوا والذي في قلوبهم زيغ؛ الآن انظر إلى القرآن، انظر إلى السنة، تجد في بعض الأحاديث أو في بعض الآيات ما ظاهره التعارض، أو في بعض الأحاديث أو الآيات ما ظاهره باطل، مثلًا هذا إن سَلَّمْنَا وإلا ليس في القرآن ولا السنة الصحيح ما ظاهره باطل إطلاقًا، لكن هذا من باب التَّنَزُّل مع الخصم، ونقول: هذا من باب الابتلاء والامتحان.
كذلك في الآيات الكونية نجد أن الله تعالى يصيب الناس بكوارث عظمية تموت بها الأَنْفُس، وتُدَمَّر بها البلاد، يفسد بها الحرث والنسل، حتى يَبْلُوَ العباد: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد ٣١]، وانتبه لهذه النقطة وهي امتحان الله تعالى للعباد بما يأتي من الآيات الشرعية والآيات الكونية.
إذن رددنا على النصارى الذي ادَّعى تَعَدُّدَ الآلهة محتجًّا بمثل قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾ [غافر ٥١] إلى آخره.
وفي الآية إشكال؛ وهو أن الله تعالى ذَكَر أن من الناس من يقتلون الأنبياء بغير حق، يقتلون الأنبياء، فأين النصر في الحياة الدنيا لمن قُتِلَ؟
والجواب من أحد وجهين: إما أن يكون المراد بالنصر نصرَ ما جاؤوا به من الشرع وبيانَ أنه حقٌّ، وهذا ثابت لكل رسول، وهل تأييد ما جاء به الرسول نصرٌ له أو لا؟ نصر له، لا شك أنه نصر، وحينئذ لا يستثنى من الرسل أحد إذا قلنا: إن المراد بالنصر نصر ما جاؤوا به من الحق.
وإما أن يُراد بـ﴿رُسُلَنَا﴾ الذين أُمِروا بالجهاد؛ لأن النصر يقتضي أن يكون هناك جهاد ينتصر فيه أحد الطرفين على الآخر، فيكون المراد بالرسل هنا ليس جميع الرسل بل مَنْ أُمِروا بالجهاد، وحينئذ يزول الإشكال، هذا باعتبار النصر في الحياة الدنيا، أما باعتبار النصر يوم يقوم الأشهاد فلا يُسْتَثْنَى أحد ولا إشكال فيه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن نَصْرَ الله العبد في الدنيا نعمةٌ؛ يعني له أن يفرح بها، للإنسان أن يفرح بما أعطاه الله تعالى من النصر سواء نصرًا فعليًّا أو قوليًّا، المهم أن الإنسان إذا نصره الله عز وجل على من ناوأه يُعْتَبر هذا نعمة ومنة من الله عز وجل فليفرح به الإنسان؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس ٥٨].
* من فوائد الآية الكريمة: إثبات الأشهاد يوم القيامة؛ لقوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١].
* من فوائد الآية الكريمة: التحذير من مخالفة الرسل من ذلك اليوم الذي يقوم فيه الأشهاد؛ لأنه في ذلك اليوم لا يستطيع أحد أن يُكَذِّب، لو أن الإنسان أنكر وكذَّب من يشهد عليه؟ تشهد عليه جوارحه.
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣] يقولون هذا؛ لأنهم يشاهدون المخلصين يُنْصَرون يوم القيامة، فيقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ رجاء أن يُنْصروا معهم فيقول الله عز وجل: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنعام ٢٤] هم كذبوا على أنفسهم؛ لأنهم يقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ وهم مشركون، بل قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام ٢٨].
الآن استدركنا على المفسر رحمه الله ماذا؟ قَصْرَه الأشهاد على الملائكة، وقلنا: إنها أعم.
غافر 40:51
ثم قال تعالى: (﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا﴾ [غافر ٤٩] أي: قَدْر يوم ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾ ) استمع لهذا النداء الدال على البؤس واليأس، ﴿قَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ خزنة: جمع خازن، وهم الذين قاموا على خزانتها وحمايتها وحفظها؛ لأن النار لها خزنة، وكذلك الجنة لها خزنة، وكل أمر مُحْكَم، ويؤتى بجهنم يوم القيامة تُقادُ بسبعين ألف زمام، كل زمام يقوده سبعون ألف مَلَك، وما أدراك ما الملائكة وما قوتها، فهذه النار محكمة لها خزنة ولها قُوَّاد يقودونها يوم القيامة.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ و﴿جَهَنَّمَ﴾ اسم من أسماء النار، قيل: إنها عربية، وقيل: إنها عجمية، فعلى القول أنها عربية تكون مأخوذة من الجُهْمَة وهي الظلمة، لأن النار سوداء مظلمة، أعاذنا الله وإياكم منها.
وعلى القول بأنها أعجمية يقال: إن أصلها كهنام، ولكنها عُرِّبَت حتى صارت جهنم، وهي من أسماء النار.
يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ ويقولون: هذا -والله أعلم- حين يقولون لربهم عز وجل: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٧، ١٠٨] حينئذ يتوسلون بغيرهم أن يكلموا الله، يقولون: ادعوا ربكم، ولم يقولوا: ادعوا ربنا؛ لأنهم قد كُسِرُوا من جهة ربهم، قال لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾، لكن توسلوا بعد ذلك بطلب من الملائكة أن يدعوا الله لهم ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ ﴿يُخَفِّفْ﴾ بالجزم جوابًا للأمر، وهو قوله: ﴿ادْعُوا﴾ وأقول: للأمر باعتبار صيغته، وإلا فهو في الحقيقة دعاء وسؤال.
﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ ما الذي طلبوا؟ طلبوا تخفيفًا لا رفعًا، وطلبوا يومًا لا دوامًا لأنهم آيسون، لكن قال: لعل المسألة تنفع ولو بتخفيف يومًا من العذاب، نسأل الله العافية، ومقتضى هذا أنهم في أشد ما يكونوا من العذاب، وأنهم طلبوا أن يستريحوا ولو يومًا.
﴿يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا﴾ قال المؤلف: (أي: قَدْرَ يومٍ) وإنما قال: قَدْرَ يوم؛ لأنه في يوم القيامة ليس هناك يوم ولا ليلة، الشمس والقمر مُكَوَّران في نار جهنم، وكل شيء من أمور الدنيا منتهٍ، ما فيه إلا أمر الآخرة، سبحان الله! فيقول المؤلف: (قدر يوم ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾ ).
قال لهم الخزنة: (﴿قَالُوا﴾ أي: الخزنة تهكمًا) هكذا قال المؤلف: تَهَكُّمًا، ويحتمل أنهم قالوا ذلك تقريعًا وتوبيخًا وتنديمًا ليس تهكمًا، لأن الأمر واقع، فهم يُقَرِّرُونَهُم بشيء حاصل تنديمًا لهم ليزدادوا حُزْنًا.
(﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالمعجزات الظاهرات) ليته قال: بالآيات الظاهرات، لأن الرسل جاؤوا بالآيات لا بالمعجزات، لكن الآيات أمر خارق للعادة فهي معجزة، وقد بَيَّنَّا في كرامة الأولياء في التوحيد أن الأولى أن يُسَمَّى ما جاءت به الرسل من الدلالة على رسالتهم آيات.
(﴿بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى﴾ أي: فكفروا بهم ﴿قَالُوا فَادْعُوا﴾ ) هذا التهكم.
قوله: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ مثل هذا التعبير يقع كثيرًا في القرآن؛ أي أن الهمزة تأتي ثم يأتي بعدها حرف عطف، مثل ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ [غافر ٢١] ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ [غافر ٨٢] ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [يونس ٥١] وما أشبه ذلك، فكيف نقول في إعرابها؟ نقول: في إعرابها وجهان للنحويين:
الوجه الأول: أن الجملة معطوفة على ما سبق، وأن الواو مُقَدَّمة على محلها، وأن التقدير في ﴿أَوَلَمْ تَكُ﴾: وألم تكن، وهذا الوجه ليس فيه إلا دعوى التقديم والتأخير لكنه سهل؛ يعني: يَسْهُل أن تقول: هذا معطوف على ما سبق.
وقال بعضهم: إن الهمزة داخلة على جملة محذوفة، فالجملة مستأنفة، هذه الجملة يكون تقديرُها بحسب السياق؛ ففي قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ التقدير: أغفلوا ولم يسيروا، وهذا من حيث القواعد أَقْعَد، لكنه تواجهك أحيانًا آياتٌ لا تستطيع أن تعرف ما هو المُقَدَّر، فصار هذا أقعد وذاك أسهل؛ الوجهان؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أنا عندي مما ضمر الأدمغة: الآلة الحاسبة، كمبيوتر الفرائض، المسجلات. ولَّا لا؟
الآلة الحاسبة ضمرت تحرك العقل جمعًا وطرحًا وضربًا. كمبيوتر الفرائض خلاص مَوَّت العقل ما عاد يبحث بالفرائض؛ نضغط على الزر وتطلع لك المسألة والقسمة. الثالث قال: مش لازم أتابع المعلم، المسجل عندي (...) استمعت إليه.
* الشيخ: ما الذي قلنا في مثل هذه التركيب: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ﴾؟
* الطالب: الوجه الأول: أن يكون هناك تقديم وتأخير.
* الشيخ: الوجه الأول: أن تكون الجملة معطوفة على ما سبق، وليس في هذا إلا أن نقول: الواو مؤخرة عن مكانها.
* الطالب: الوجه الثاني أن تكون بعد الهمزة جملة مقدرة..
* الشيخ: الوجه الثاني: أن تكون الهمزة داخلة؟
* الطالب: على جملة محذوفة مقدرة، وتقدر حسب السياق، كل جملة بحسبها، وهذه أقعد ولكن فيها صعوبة.
* الشيخ: صعوبة في أيش؟
* الطالب: صعوبة في التقدير.
* الشيخ: في التقدير؛ لأنك أحيانًا لا تكاد تعرف ما الذي يناسب المقام وتلك أسهل. هذا الإعراب في كل تقدير يجيئك على هذا الوجه.
وقوله: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ﴾ الاستفهام هنا للتقرير، ويقال: كلما دخل الاستفهام على نفي فهو للتقرير، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١]، ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ﴾ [القيامة ٣٧]، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾ [الزمر ٣٧] وما أشبه ذلك، يقولون: كلما دخل الاستفهام على النفي فهو للتقرير.
طيب إذن نحن نقول: للتقرير، لكن هل يخرج عن معنى التقرير أو يُضَمُّ إلى معنى التقرير معنى آخر بحسب السياق؟
الجواب: نعم، ففي قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ هو للتقرير إظهارًا لمنة الله عليه، ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ﴾ [غافر ٥٠] للتقرير توبيخًا وتنديمًا.
قالوا: ﴿بَلَى﴾ جواب الاستفهام المقرون بالنفي الإثبات بـ(بلى)، وجواب الاستفهام غير المقرون بالنفي الإثبات بـ(نعم)، وجواب الاستفهام المقرون بالنفي في حال النفي (نعم)، وجواب الاستفهام المقرون بالإثبات في حال النفي (لا). اعرفوا الفرق.
يقال: إن ابن عباس رضي الله عنه وعن أبيه قال في قوله تبارك وتعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف ١٧٢] «قال: لو قالوا: نعم. لكفروا»[[ذكره السَّمينُ الحلبي في تفسيره (١ / ٤٥٦) من قول ابن عباس رضي الله عنه.]].
وقال الفقهاء: لو قيل للرجل: ألست طلقت امرأتك؟ فقال: نعم، لا تَطْلُق. وإن قال: بلى، طلقت.
قال ابن عباس: لو قالوا: نعم. لكفروا، وهذا مُسَلَّم فيما إذا كان الإنسان يعرف اللغة العربية جيدًا، وأما العامي فعنده نعم وبلى سواء؛ ولهذا لو قيل للعامي: ألستَ طلقتَ امرأتك؟ قال: نعم، أيش يكون؟ على القول الصحيح تَطْلُق، العبرة بالمعاني، على أنه جاء في اللغة العربية جواب هذا بـ(نعم)، ومنه قول العاشق:
أَلَيْسَ اللَّيْلُ يَجْمَعُ أُمَّ عَمْرٍو ∗∗∗ وَإِيَّانَا فَذَاكَ لَنَا تَدَانِي
أم عمرو معشوقته.
نَعَمْ وَتَرى الْهِلَالَ كَمَا أَرَاهُ ∗∗∗ وَيَعْلُوهَا النَّهَارُ كَمَا عَلَانِي
فقال: (نعم)، لكن الرجل هذا قنوع اكتفى أن يجمعه الليلُ مع معشوقته ولو كان في المشرق وهو بالمغرب وكذلك النهار، وترى الهلال كما يراه، هي في المشرق ترى الهلال وهو في المغرب يرى الهلال يكفي، نعم اقتران.
على كل حال الآن فهمنا جواب الاستفهام المقرون بالنفي إثباتًا (بلى)، ونفيًا (نعم)، والاستفهام المقرون بالإثبات إثباتًا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: ونفيًا (لا)، بارك الله فيكم.
قالوا: ﴿بَلَى﴾ يعني: قد أتتنا، ولكنهم -والعياذ بالله- كفروا.
﴿قَالُوا فَادْعُوا﴾ هذا الأمر للتهكم؛ لأن الملائكة تعلم أنهم لن يُقْبَل منهم؛ فقوله: ﴿ادْعُوا﴾ تَهَكُّم بهم، والتهكم هو الذي يُسَمَّى عندنا في اللغة العربية (الهَكُّ)، هَكَكْتُ عليه يعني: لعبت بعقله، فهنا قالوا: ﴿فَادْعُوا﴾ تَهَكُّمًا بهم؛ لأن الملائكة تعلم أنهم لن يجابوا.
(﴿قَالُوا فَادْعُوا﴾ أنتم فإنا لا نشفع للكافرين)؛ لأن الشفاعة للكافرين مضيعة وقت؛ إذ إن الكافر لا تنفع فيه الشفاعة إلا كافرًا واحدًا نفعت فيه الشفاعة بالتخفيف عنه، من؟
* طلبة: أبو طالب.
* الشيخ: أبو طالب، نفعت شفاعة الرسول عليه الصلاة والسلام فيه فقط، لو جاء أبو بكر أو عمر يشفع في أبي طالب رُدَّ، لكن النبي ﷺ قُبِلَت شفاعته في عمه أبي طالب فخُفِّفَ عنه العذاب؛ لماذا؟ لأن أبا طالب حصل منه خيرٌ كثير للرسول ﷺ، وحصل منه ما يُسَمَّى بالدعاية العظيمة له حتى قال:
وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينَا
هذا قاله في الدين، وقال في الرسول:
لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ ∗∗∗ لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَوْلِالْأَبَاطِلِ
ودافع عنه، وحُوصِرَ معه في الشعب؛ فلذلك قَبِلَ الله سبحانه وتعالى شفاعة الرسول ﷺ فيه أن يُخَفِّفَ عنه، أما شفاعة الرسول في أمه فمنعه الله، في أمه وهي أقرب من عمه، لما استأذن اللهَ أن يستغفرَ لها قال: لا، ولما استأذنه أن يزور قبرَها قال: نعم، أذن له، فزار النبي ﷺ قبر أمه، وقف عليه وجعل يبكي لكن لا يدعو لها، وأبكى مَنْ معه[[أخرج مسلم (٩٧٦ / ١٠٨) عن أبي هريرة قال: زار النبي ﷺ قبرَ أمِّه فبكى وأبكى مَن حولَه، فقال: «استأذنْتُ رَبِّي في أن أستغفرَ لها فلم يؤذَنْ ليِ، واستأذنته في أنْ أزورَ قبرَها فأذِنَ لي، فزوروا القبورَ فإنَّها تُذكّرُ الموتَ». ]].
فالكفار لا تنفع فيهم الشفاعة؛ لأن الشفاعة مضيعة بلا فائدة، ثم هي لن يُؤْذَن فيها من قِبَل الله، ولا يمكن أبدًا شفاعة بدون إذن الله.
قال تعالى: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ ﴿مَا﴾ نافية حجازية، و﴿دُعَاءُ﴾ اسمها، ربنا افتح بيننا وبين قومنا هل هي حجازية يا إخوان؟
* طالب: ما فيها (ما).
* الشيخ: فيها (ما) ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ﴾.
* طلبة: ربنا افتح بيننا.
* الشيخ: إحنا اللي نقول: افتح الآن، أنتم غلطتم، وشفت بعضكم يكتب، لما قلتم أنا (ما) حجازية شرع بعضكم بالكتابة يكتب أنها (ما) حجازية فأسألكم الآن واللهم افتح بيننا وبين قومنا بالحق، هل هي حجازية؟
* طالب: لا، يا شيخ.
* الشيخ: لماذا؟
* طلبة: نافية.
* الشيخ: هي نافية والنافية حجازية.
* طالب: اللي بعدها مرفوع.
* الشيخ: ما بعدها مرفوع! ﴿فِي ضَلَالٍ﴾ جار ومجرور ما يدري عنه مرفوع ولَّا منصوب.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لأنه انتقض النفي، وابن مالك يقول:
إِعْمَالَ (لَيْسَ) أُعْمِلَتْ مَا دُونَ (إِنْ) ∗∗∗ مَعَ بَقَا النَّفْيِ وَتَرْتِيبٍ زُكِنْ
النفي الآن ما بقي، قال: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ صار إثباتًا، إذن (ما) هنا ليست حجازية لاتفاق اللغتين لغة التميميين والحجازيين فيها، وأنها لا تعمل في هذه الحال.
﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ أي: ما طلبهم ﴿إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ أي في ضياع؛ وقول المؤلف: (انعدام) فيه نظر، الضلال الضياع وعدم الاهتداء، فما دعاء الكافرين إلا في ضلال، لا تُقْبَل دعوة الكافر أبدًا إلا في حالين:
الحال الأولى: إذا كان مضطرًا؛ لقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل ٦٢]، ولقوله تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ [لقمان ٣٢] وإنما أجيبت دعوة المضطر لصدق لجوئه إلى الله؛ لأن المضطر صادق اللجوء إلى الله.
الحال الثانية: إذا كان مظلومًا فإنها تُقْبَل دعوته على ظالمه؛ لقول النبي ﷺ: «اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٤٧) ومسلم (١٩ / ٢٩) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]] وهذا وإن كان يخاطبه في قوم أسلموا لكنها عامة، وإنما أُجِيبَتْ دعوة الكافر إذا كان مظلومًا إقامةً للعدل؛ لأن الله لم يُجِبْ الكافر محبة له ولكن إقامة للعدل؛ لأنه الآن هناك خصمان: مظلوم وظالم، فلإقامة العدل يستجيب الله تعالى دعوة الكافر.
* طالب: أكرمك الله، في البيت الذي ذكرته عن أم عمرو قال: الجواب: نعم، ما قال: بلى. فيه نفي (...).
* الشيخ: ما قلنا يا إخواني؟
* طالب: شاهد.
* الشيخ: قلنا: هذا شاهد على أنها تُجَابُ بـ(نعم) بمعنى (بلى)، وقلنا لكم: إننا إذا قلنا للعامي الذي قيل له: ألست طلقت امرأت؟ قال: نعم. قلنا: إنها تطلق؛ لأن هذه اللغة العامية، وأيضًا لها أصل في اللغة العربية، وجئنا بالبيتين هذين.
* الطالب: شيخ فيه حديث يدل على ما جاء به البيت هذا من الشعر على أن (نعم) تفيد (...).
* الشيخ: هل يُطْلَب الحديث دليلًا على إثبات مسألة لغوية؟
* الطالب: نعم، يا شيخ، خير من تكلم بالفصحى النبي ﷺ.
* الشيخ: لكن إذا جاء عن العرب، ما يحتاج دليل؛ لأن قول العرب هو الدليل، ألم تعلم أن بعض النحويين يقول: لا نستدل بالحديث على اللغة العربية. لماذا؟ لأن الرواة يُجَوِّزون رواية الحديث بالمعنى، ومن المعلوم أن مِنْ بَيْنِ الرواة مَنْ تَغَيَّرَتْ لغته. الإمام أحمد قديم ومن أئمة الحديث، وسمعته ـ مر علينا في قواعد اللغة العربية ـ ماذا يقول في أي شيء؟ يقول: أيش، وهكذا الرواة ربما نقلوا بالمعنى على لغتهم التي يتكلمون بها، فحصل الخطأ، أما القرآن فنعم؛ لأنه منقول بالمتواتر، لكن كثيرًا من علماء النحو يقولون: إنه يحتج بالأحاديث النبوية على اللغة العربية؛ لأن الأصل عدم التغيير.
* طالب: (...) ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ هل نستدل بهذا على العذر بالجهل (...) يريدون أن يقرروهم بأنه قد قامت عليهم الحجة، فلا يعذرون بالجهل؟
* الشيخ: نعم، لا شك أنها تدل على أنهم لو لم تأتهم لعُذِروا، لكن قد يقال: إن قصدهم بذلك إقامة الحجة عليهم لأنها قد قامت، أما العذر بالجهل فلا شك أن العذر بالجهل ثابت وما عندنا في هذا إشكال، لا في مسألة الكفر ولا فيما دونها متى كان الإنسان يقول: إنه مسلم.
* طالب: (...).
* الشيخ: صحيح، لكن إذا قال الرسول لنا: إن الله أبى أن يستغفر له نعترض على الله؟ ما ندري، قد يكون قامت عليه الحجة؛ لأن فيه بقايا من دين إسماعيل في العرب، وفيه ورقة بن نوفل تَنَصَّر.
* طالب: قول الله تعالى: (...) بدخول الهمزة على العطف يعني ما يقال: إن تقديم العطف على الهمزة (...) لأن الأصل عدم (...)؟
* الشيخ: الأصل عدم مخالفة الترتيب، حذف المعلوم كثير، وأنت سمعته الآن في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ﴾ وأن التقدير: (...). حَذْفُ ما يُعْلَم كثيرٌ في القرآن وفي اللغة العربية، لكن الترتيب والزَّحْلَقة هذا قليل، إلا أني قلت لكم: إن الإخلال بالترتيب هنا أيسر للإنسان لأنه أحيانًا تَرِد عليك آيات ما تدري ويش تُقَدِّر؟ إلا أن تقول: إن عرفت التقدير فاسلك الأقعد، وإن لم تعرف فاسلك الأسهل، لتكون متتبعًا للرخص، يصلح؟ إي نعم يصلح، يعني: رخص النحويين ما فيه مانع، نحن قلنا لكم قاعدة مفيدة جدًّا فيما إذا اختلف النحويون في شيء فالصواب الأسهل.
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (٥٣) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [غافر ٥١ - ٥٤].
* الشيخ: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ [غافر ٤٩] إلى آخر الآية.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان شدة حسرة أهل النار؛ لقوله: ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾.
* ومن فوائدها: أن أهل النار يتحاجون ويُحاجُّون أيضًا، يتحاجون كما سبق فيما بينهم، وكذلك يحاجون غيرَهم أو يسألون غيرهم؛ لقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان إحكام الله عز وجل لمخلوقاته كما أحكم مشروعاته؛ حيث جعل للنار خَزَنة يحفظونها ويقومون عليها.
* ومن فوائد هذه الآية: شدة خجل أهل النار من مخاطبة الله عز وجل، لقوله؟
* الطالب: قالوا لخزنة النار: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾.
* الشيخ: أنهم توسلوا بقول الخزنة أن يدعوا ربهم ولم يقولوا: ادعوا ربنا، هذا يدل على أن هذا بعد أن قال الله لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أهل النار في أَشَدِّ ما يكون من العذاب، من أين تُؤْخذ؟ ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾، يدل على أن عليهم شدة. وأنهم يَتَمَنَّوْن يومًا واحدًا فقط.
ثم قال تعالى: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ﴾ [غافر ٥٠] إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن أهل النار يُعَذَّبون عذابًا بدنيًّا وعذابًا قلبيًّا. منين؟
* الطالب: التقريع والتوبيخ لهم.
* الشيخ: التقريع والتوبيخ لهم ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ فهذا يكون أشدَّ عليهم من عذاب البدن؛ ولهذا يقولون كما في سورة تبارك: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك ١٠] قال تعالى: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن لكل أمة من أهل النار رسولًا.
* طالب: من قول الملائكة لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى﴾ (...).
* الشيخ: ﴿رُسُلُكُمْ﴾ كل أمة لها رسول.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى لم يُرْسِل رسولًا إلا بآيات تدل على أنه رسول الله حقًّا.
* طالب: لقوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾.
* الشيخ: لقوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾، صحيح.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الاهتمام بالوصف أشد من الاهتمام بالأصل؛ لأن الوصف هو اللي يبين الأشياء من أين؟
* طالب: من قوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾، ولم يقل: بالآيات البينات.
* الشيخ: من قوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ حيث أتى بالوصف وطوى ذكر الموصوف؛ لأن المهم هو الوصف.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تَهَكُّم الرسل بهؤلاء أي بأهل النار.
* طالب: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى﴾.
* طالب آخر: ﴿قَالُوا فَادْعُوا﴾.
* الشيخ: ﴿قَالُوا فَادْعُوا﴾ هذا من باب التهكم بهم؛ لأن الملائكة يعرفون أنهم لن يجابوا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا قَبول لدعاء الكافرين.
* طالب: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾.
* الشيخ: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ طيب.
هل يشمل هذا دعاء المسألة ودعاء العبادة، أو دعاء المسألة فقط، أو دعاء العبادة فقط؟
* طالب: دعاء العبادة فقط، أما دعاء المسألة.
* طالب آخر: دعاء المسألة ودعاء العبادة إلا في حالة الاضطرار.
* الشيخ: يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة. طيب، ما الذي يستثنى من دعاء المسألة في إجابة الكافر؟
* طالب: المضطر والمظلوم.
* الشيخ: نعم، المضطر والمظلوم، ما هو الدليل على استثناء المضطر أنه يجاب ولو كان كافرًا؟
* الطالب: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل ٦٢].
* الشيخ: طيب قد يقول لك قائل: هذه في المسلم.
* الطالب: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ﴾ (...) العموم.
* الشيخ: نعم إذا ادَّعى أنه يخرج منها الكافر. قلنا: أين الدليل؟ طيب، هذا صحيح، لكن نريد نصًّا واضحًا في إجابة الكافر في حال الضرورة؟
* الطالب: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾.
* الشيخ: نعم، قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت ٦٥] طيب، صحيح.
ما الحكمة من إجابة الكافر في حال الضرورة؟
* طالب: لأنه في هذه الحال يكون أخلص في الدعاء.
* الشيخ: لأنه في هذه الحال يكون مخلصًا لله في الدعاء مُظْهِرًا للافتقار إليه، فيجيبه الله.
المظلوم، الدليل على أنه يجيب دعوة الكافر المظلوم؟
* طالب: حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه لما بعثه النبي ﷺ إلى أهل اليمن في آخر الحديث قال له: «وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٤٧)، ومسلم (١٩ / ٢٩) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]].
* الشيخ: لو قال لك قائل: المظلوم من المؤمنين؟
* الطالب: لم يُخَصَّص في هذا الحديث.
* الشيخ: ما الحكمة من إجابة دعوة المظلوم الكافر؟
* الطالب: لإقامة العدل.
* الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك، طيب إذن: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة، طيب ما الدليل على أن العبادة لا تُقْبَل من الكافر؟
* طالب: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة ٥٤].
* الشيخ: ﴿إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾.
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾ إلى آخره، الجملة هذه مؤكدة بمؤكدين: أحدهما: (إن)، والثاني: اللام.
وقوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ﴾ أتى بصيغة التعظيم؛ لأن المقام يقتضيه؛ إذ إن النصر لا بد أن يكون من قوي، ولم يقل الله جل وعلا: أنا أنصر، قال: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ﴾؛ لأن المقام يقتضي العظمة والقدرة والقوة.
﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ﴿رُسُلَنَا﴾ جمع رسول، وهم كل الرسل؛ لأن (رسل) جمع مضاف، والجمع المضاف يكون للعموم.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ معطوفة على ﴿رُسُلَنَا﴾ أي: وننصر الذين آمنوا، آمنوا بمن؟ آمنوا بما يجب الإيمان به. والإيمان هو الإقرار المستلزم للقَبول والإذعان، فمَنْ أَنْكَر فليس بمؤمن، ومن أَقَرَّ ولم يَقْبَل فليس بمؤمن، ومن أَقَرَّ ولم يذعن فليس بمؤمن؛ فأبو طالب مثلًا مقر برسالة الرسول عليه الصلاة والسلام لكنه لم يَقْبَلْ ولم يُذْعِن، فلا يكون مؤمنًا، فالذين آمنوا هم الذين أَقَرُّوا بقلوبهم، وأذعنوا واستسلموا بجوارحهم، وقَبِلوا ما أخبرت به الرسل، هؤلاء هم المؤمنون.
وقوله: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ متعلق بـ﴿نَنْصُرُ﴾ أي: ننصرهم في الحياة الدنيا؛ ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ ﴿وَيَوْمَ﴾ هذه معطوفة أيضًا على ما سبق، وهي متعلقة ب﴿نَنْصُرُ﴾، أي: وننصرهم يوم يقوم الأشهاد وذلك يوم القيامة.
و﴿الْأَشْهَادُ﴾ جمع شاهد، يقول المؤلف: (وهم الملائكة يشهدون للرسل بالبلاغ وعلى الكفار بالتكذيب) هكذا قال المؤلف رحمه الله خَصَّها بالملائكة، والصحيح أنها أَعَمُّ من الملائكة، فالملائكة يشهدون، وهذه الأمة تَشْهَد على مَنْ سبق كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة ١٤٣]، والجلود تشهد، والجوارح تشهد، فكلُّ ما ثبتت شهادتُه فإنه داخل في قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ وذلك يوم القيامة.
* في هذه الآية الكريمة: تأكيد نصر الله سبحانه وتعالى للرسل والذين آمنوا؛ لقوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾.
* وفي هذه الآية: شُبْهَةٌ استدلَّ بها النصراني يقول: إن الله ثالث ثلاثة، ولي عليكم دليل وهو قوله: ﴿إِنَّا﴾، وقوله: ﴿نَحْنُ﴾، و﴿نُرِيهِمْ﴾، وما أشبهها مما يدلُّ على الجمع، فإذن أنا أقول -يقوله النصراني-: إن الله ثالث ثلاثة ولي حجة، فبماذا نجيبه؟
نجيبه بقولنا: إنك ممن زاغ قلبه؛ لأنك اتبعتَ المتشابه، والله عز وجل يقول: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران ٧] وتركتَ المحكم المؤكد بأن الله واحد لا شريك له مثل قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة ١٦٣]، ومثل قوله في تكذيب هؤلاء النصارى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة ٧٣]. فهذا النصراني اتبع المتشابه.
وكذلك كُلُّ مبطل يحتج بآية فإنه يكون ممن اتبع المتشابه، والله عز وجل حكيم جعل في آياته الشرعية وفي آياته الكونية أيضًا ما يكون متشابهًا ابتلاء وامتحانًا لأيش؟ للذين آمنوا والذي في قلوبهم زيغ؛ الآن انظر إلى القرآن، انظر إلى السنة، تجد في بعض الأحاديث أو في بعض الآيات ما ظاهره التعارض، أو في بعض الأحاديث أو الآيات ما ظاهره باطل، مثلًا هذا إن سَلَّمْنَا وإلا ليس في القرآن ولا السنة الصحيح ما ظاهره باطل إطلاقًا، لكن هذا من باب التَّنَزُّل مع الخصم، ونقول: هذا من باب الابتلاء والامتحان.
كذلك في الآيات الكونية نجد أن الله تعالى يصيب الناس بكوارث عظمية تموت بها الأَنْفُس، وتُدَمَّر بها البلاد، يفسد بها الحرث والنسل، حتى يَبْلُوَ العباد: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد ٣١]، وانتبه لهذه النقطة وهي امتحان الله تعالى للعباد بما يأتي من الآيات الشرعية والآيات الكونية.
إذن رددنا على النصارى الذي ادَّعى تَعَدُّدَ الآلهة محتجًّا بمثل قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾ [غافر ٥١] إلى آخره.
وفي الآية إشكال؛ وهو أن الله تعالى ذَكَر أن من الناس من يقتلون الأنبياء بغير حق، يقتلون الأنبياء، فأين النصر في الحياة الدنيا لمن قُتِلَ؟
والجواب من أحد وجهين: إما أن يكون المراد بالنصر نصرَ ما جاؤوا به من الشرع وبيانَ أنه حقٌّ، وهذا ثابت لكل رسول، وهل تأييد ما جاء به الرسول نصرٌ له أو لا؟ نصر له، لا شك أنه نصر، وحينئذ لا يستثنى من الرسل أحد إذا قلنا: إن المراد بالنصر نصر ما جاؤوا به من الحق.
وإما أن يُراد بـ﴿رُسُلَنَا﴾ الذين أُمِروا بالجهاد؛ لأن النصر يقتضي أن يكون هناك جهاد ينتصر فيه أحد الطرفين على الآخر، فيكون المراد بالرسل هنا ليس جميع الرسل بل مَنْ أُمِروا بالجهاد، وحينئذ يزول الإشكال، هذا باعتبار النصر في الحياة الدنيا، أما باعتبار النصر يوم يقوم الأشهاد فلا يُسْتَثْنَى أحد ولا إشكال فيه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن نَصْرَ الله العبد في الدنيا نعمةٌ؛ يعني له أن يفرح بها، للإنسان أن يفرح بما أعطاه الله تعالى من النصر سواء نصرًا فعليًّا أو قوليًّا، المهم أن الإنسان إذا نصره الله عز وجل على من ناوأه يُعْتَبر هذا نعمة ومنة من الله عز وجل فليفرح به الإنسان؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس ٥٨].
* من فوائد الآية الكريمة: إثبات الأشهاد يوم القيامة؛ لقوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١].
* من فوائد الآية الكريمة: التحذير من مخالفة الرسل من ذلك اليوم الذي يقوم فيه الأشهاد؛ لأنه في ذلك اليوم لا يستطيع أحد أن يُكَذِّب، لو أن الإنسان أنكر وكذَّب من يشهد عليه؟ تشهد عليه جوارحه.
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣] يقولون هذا؛ لأنهم يشاهدون المخلصين يُنْصَرون يوم القيامة، فيقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ رجاء أن يُنْصروا معهم فيقول الله عز وجل: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنعام ٢٤] هم كذبوا على أنفسهم؛ لأنهم يقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ وهم مشركون، بل قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام ٢٨].
الآن استدركنا على المفسر رحمه الله ماذا؟ قَصْرَه الأشهاد على الملائكة، وقلنا: إنها أعم.
غافر 40:52
ثم قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ﴾ بالياء والتاء، بالياء ﴿يَنْفَعُ﴾، بالتاء ﴿تَنْفَعُ﴾ ، إذن هما قراءتان سبعيتان؛ لأن المؤلف إذا أتى بصيغة القراءة على هذا الوجه فمعناه أنهما قراءتان سبعيتان، أما إذا قال: وُقِرَئ فهو للقراءة الشاذة، بالتاء واضح؛ لأن معذرة مؤنث فالفعل يكون معها مؤنثًا، لكن بالياء، نقول:
أولًا: أنه فُصِلَ بين الفعل والفاعل.
وثانيًا: أن التأنيث هنا ليس حقيقيًّا، وابن مالك يقول:
وَإِنَّمَا تَلْزَمُ فِعْلَ مُضْمَرِ ∗∗∗ مُتَّصَلٍ أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حِرِ
﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ المراد بـ﴿الظَّالِمِينَ﴾ هنا الكافرون، قال الله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤] ﴿مَعْذِرَتُهُمْ﴾ عندي بالشرح قال: (عُذْرهم أو اعتذارهم) يعني: عذرهم فيما سبق، أو اعتذارهم فيما لحق في ذلك اليوم، هم يعتذرون لكن لا يُقْبَل ﴿لَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات ٣٦].
(﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [غافر ٥٢] أي البعد من الرحمة ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ ) لهم اللعنة: كيف قال: لهم اللعنة، هل اللعنة مَطْلُوبة حتى تأتي باللام؟ قيل: إن اللام هنا بمعنى (على) كقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ [البقرة ١٦١] عليهم، فاللام هنا بمعنى (على)، والصواب أن اللام على بابها، وأنها ليست بمعنى (على)، بل هي بمعنى الاستحقاق؛ يعني أنهم يُلْعَنون لعنًا يستحقونه، فهي أبلغ من قولك: عليهم، من وجه. وتلك أبلغ من وجه آخر.
المهم أن اللام هنا على معناها الأصلي: الاستحقاق.
وهنا نقول لكم: إذا ورد تفسيران في كتاب الله العزيز أحدهما يؤيده اللفظ والثاني لا يؤيده اللفظ، فبأيهما نأخذ؟ الأول، وإن كان كلٌّ من المعنيين مُحْتملًا، لكن ما يوافق ظاهر اللفظ هو الأولى.
﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر ٥٢] اللعنة هي البعد عن الرحمة، وقوله: ﴿اللَّعْنَةُ﴾ لم يُبَيِّن ممن فتعم ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة ١٦١]، وفي آية أخرى ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ فكل شيء يلعنهم، نسأل الله العافية.
(﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ الآخرة أي: شدة عذابها) لهم سوء الدار: يحتمل أن تكون من باب إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي: الدار السوء، ويحتمل أن يكون على بابها والمعنى: لهم سوء الدار، أي: السيئ في الدار، وعلى كل حال ما المراد بـ﴿سُوءُ الدَّارِ﴾؟ يقول المؤلف: (شدة عذابها) ولكن لو قيل: إن سوء الدار: ما يسوء من العذاب الشديد وغير الشديد لكان أعم.
﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ﴾ [غافر ٥٢] إلى آخره، موضع ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ﴾ مما قبل، نقول: هي بيان؛ يعني عطف بيان من قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١].
* فيستفاد من ذلك فوائد:
* أولًا: أن الظالمين لا ينفعهم العذر ولا الاعتذار يوم يقوم الأشهاد؛ لقوله: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾.
* من فوائدها أيضًا: أن الكافرين ظَلَمَةٌ وهو كذلك، والشرك بالله أظلم الظلم كما قال النبي ﷺ حين سُئِلَ: أي الذنب أعظم؟ قال: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٧٦١)، ومسلم (٨٦ / ١٤١) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.]] وهذا حق، الذي خلقك وأعدك وأمدك ثم تشرك به! هذا أظلم الظلم، إن الإنسان لو أهدى إليه شخص عشرة ريالات لاستحيى أن يناله بسوء، فكيف بمن أهدى إليك حياتك كلها، كيف تشرك به وتَكْفُر به؟! إذن هو أعني الشرك أيش؟ أظلم الظلم.
* من فوائد الآية الكريمة: أن الكافرين يوم القيامة يعتذرون ولكن لا يُقْبَل؛ لقوله: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾.
فإن قال قائل: كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات ٣٥، ٣٦]؟
الجواب بصفة عامة: أن ما ورد عليك مما يكون يوم القيامة أو من أوصاف يوم القيامة مما ظاهره التعارض فاعلم أنه لا تعارض فيه، سواء كان ذلك في وصف اليوم أو في وصف المحشورين أو في وصف العذاب فإنه لا يمكن أن يكون فيه التعارض أبدًا؛ لأن اليوم طويل، مقدار اليوم خمسون ألف سنة، فيمكن أن تتغيَّر فيه الأحوال، يكون أوله للناس حال وآخره للناس حال، وما أشبه ذلك.
فمثلًا قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات ٣٥، ٣٦] هذا يدل على أنهم في ذلك اليوم هم سكوت لا يُؤْذَنُ لهم بأي كلام فينتهزوا الفرصة بالاعتذار، لكن في موقف آخر يَعْتَذِرُون، ولكن لا ينفعهم الاعتذار، وهذا أولى من قول بعض العلماء: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ لو اعتذروا؛ لأنه على هذا التقدير يكون الكلام كلامًا فرضيًّا لا واقعيًّا، لا ينفعهم لو اعتذروا، فأيهما أولى أن نحمل الكلام على أنه واقع أو على أنه مفروض؟ الأول، على أنه واقع، نحن نقول: يَعْتَذِرون في وقت ولا يعتذرون في وقت آخر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكافرين مُسْتَحِقُّون للعنة الله. فهل يعني ذلك أنه يجوز أن نَلْعَن الكافرين؟
الجواب: أما على سبيل العموم فنعم، لنا أن نقول: لعنة الله على كل الكافر، وكان من قنوت أبي هريرة رضي الله عنه أنه يعلن الكفرة في قنوت الوتر: اللهم العن الكفرة الذين كذبوك وكذبوا رسلك. هذا لا بأس به.
وهل نلعن نوعًا معينًا من الكفرة كاليهود والنصارى؟ نقول: اللهم العن اليهود اللهم العن النصارى؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: الدليل؟
* الطالب: قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك، واليهود والنصارى هم كفار (...).
* الشيخ: بس هم مُعَيَّنُون.
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذا خبر، لكن هل يجوز أني ألعنهم؟
* طالب: قال رسول الله ﷺ: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيائِهِمْ مَسَاجِدَ»
* الشيخ: طيب، أحسنت. لكن قال بعض الناس إما اجتهادًا وإما محاباة لليهود والنصارى، قال: إن الرسول دعا عليهم باللعنة في حال مُعَيَّنَة حين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، لعنهم كأنه يقول: لأنهم اتخذوا.
فيقال: التعليل لا يقتضى تخصيص المعلول، العلة لا تقتضي التخصيص، هم لُعِنُوا من أجل هذا ومن أجل غيره أيضًا.
فالصحيح أنه يجوز أن نلعن اليهود والنصارى على سبيل التخصيص فنقول: لعنة الله على اليهود والنصارى، سواء قَرَّرْنا بذلك فعلًا من أفعالهم يقتضي اللعن أو لا.
طيب إذن لنا أن نلعن الكفار على سبيل العموم، وهل نلعنهم على سبيل التعيين؟
أما إن كان حيًّا فلا يجوز، لا يجوز أن ألعن شخصًا معينًا ولو كان من أكفر الكفار ما دام حيًّا، الدليل أن النبي ﷺ لما صار يقول: اللهم العن فلانًا وفلانًا ممن عَيَّنَهُم من أئمة الكفر قال الله تبارك وتعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران ١٢٨] فنهاه وقال: ليس لك من الأمر شيء؛ وإذا كان رسول الله ﷺ ليس له من الأمر شيء، فما بالك بمن دونه.
وأما التعليل فإننا نقول: لا تلعنْه، ادع الله له بالهداية؛ لأنك لا تدري ربما يكون هذا العدو للإسلام اليوم هو وَلِيُّ الإسلام في يوم آخر، ألم يكن عمر من أعدى أعداء الإسلام؟ بلى، ألم يكن خالدُ بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل ممن اقتحموا الجبل في أحد ليقتلوا الرسول وأصحابه؟ بلى، وماذا كانوا؟ كانوا من قواد المسلمين، كان عمر الخليفة الثاني في هذه الأمة.
إذن يا أخي لا تدعُ على شخص معين من الكفار باللعنة، لكن هل يجوز أن أَدعوَ اللهَ له بالهداية؟
* طلبة: نعم، يجوز.
* الشيخ: ندعو لفلان وفلان ونعين أن الله يهديه؟!
* طلبة: نعم.
* الشيخ: طيب رئيس دولة؟
* طلبة: نعم.
* طالب: بالهداية من باب أولى.
* الشيخ: أحسن. طيب إذن الهداية لا بأس منها، أما اللعن فلا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الظالمين وهم الكافرون لهم سوء الدار يوم القيامة، وهي جهنم -والعياذ بالله- لقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا العذاب؛ أي: هذا اللعن وهذا السوء، كان هؤلاء مستحقين له؛ لقوله: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾، والله أعلم.
* طالب: (...) الاعتذار يكون في النار ولا يكون (...)؟
* الشيخ: لماذا؟
* الطالب: (...) قبل يوم القيامة.
* الشيخ: وقبل.
* طالب: النصر إذا كان بمعنى تأييد هؤلاء الرسل، فكيف يكون النصر تأييدًا للرسل؟
* الشيخ: إي نعم، كون الله عز وجل يقول: ﴿اذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ﴾ [مريم ٥٦]، اذكر في الكتاب فلانًا، اذكر في الكتاب فلانًا، (...) نصر، إن الله يرفع لهم ذكرهم ويُبَيِّن أنهم على حق.
* طالب: ماذا تقول يا شيخ في النصارى الذين يقولون: إن الله ثالث ثلاثة في هذه الآية (...)؟
* الشيخ: يقولون: (إنا) للجمع أو للواحد؟
* الطالب: للجمع.
* الشيخ: للجمع؟ هذا الأصل (إنا) و(نحن) و(نفعل) و(نأمر) وما أشبه ذلك للجماعة، نحن نقول: هذا من المتشابه، واللغة العربية جاءت بإسنادِ مثلِ هذا إلى الواحد من باب التعظيم، ولذلك يقولون: (نحن) للواحد المعظم نفسه أو للجماعة.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي هو الضمير، ضمير جمع.
* الطالب: كل آية فيها ضمير يحتج بها؟
* الشيخ: كل آية فيها ضمير جمع.
* طالب: الفرق بين التوبيخ والتقريع؟
* الشيخ: ما أعرف بينهما فرقًا، اللهم إلا يكون فرقًا قليلًا يمكن، أو يقال: التوبيخ على أمر مضى، والتقريع والتنديم على أمر حاضر.
* طالب: إجابة دعوة الكافر (...) ألا يكون (...) الكافر على نفسه، تستجاب (...)؟
* الشيخ: نحن يا إخوان ذكرنا: إجابة دعوة الكافر إذا دعا لنفسه ولا عليها؟ لنفسه. أصل الكلام: هل ينتفع الكافر بدعائه أو لا؟ ومعلوم أنه إذا دعا على نفسه وأُجِيب فهذا ضررٌّ عليه.
* طالب: قلنا: إن الكافر لا يدعى عليه إذا كان حيًّا وإذا كان مفسدًا؟
* الشيخ: إذا كان ميتًا فإنه يُنْظَر هل في ذلك مصلحة؟ إن كان فيه مصلحة فلا بأس، يعني: إذا كان فيه مصلحة وأنك ستغيظ أتباعه فلا بأس، وإلا فقد قال النبي ﷺ: «لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ فَإِنَّهُمْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا»[[أخرجه البخاري (١٣٩٣) من حديث عائشة رضي الله عنها.]].
* طالب: إذا كنا ندعو عليه بالهلاك؟
* الشيخ: بالهلاك؟ طيب عندنا الآن دعاء بالهلاك، ودعاء باللعنة، ودعاء بالهداية، أيهم أحسن؟
* الطلبة: الهداية.
* الشيخ: الأحسن الهداية، بدل ما تقول: اللهم أهلكه.
* طالب: يعني قد يشفي صدورهم.
* الشيخ: يعني: الله يقدر أن يهلكه ولا يقدر أن يهديه؟
* طالب: قد يشفي صدورهم (...).
* الشيخ: ما يمكن إنسان أن يقول: اللهم أهلكه بدل: اللهم أهده إلا من شدة الغيرة أو الغضب عليه، نحن نقول: هَدِّئ.
* طالب: أكثر (...).
* الشيخ: ما يخالف، لكن إذا هداه الله، جعل بدل هذه الأذية منحة وعطية، نعم إن أردت أن تقول: اللهم أهلكه ما دام مضادًا للمسلمين وما أشبه ذلك، فتُقَيِّدْ نعم.
غافر 40:53
الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (٥٣) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٥٤) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٥٥) إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر ٥٣ - ٥٦].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾ هذه الجملة ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا﴾ مُؤَكَّدة بثلاثة مؤكدات: الأول: القسم الذي دلت عليه اللام، والثاني: اللام، والثالث: قد. وهذه الصيغة تأتي في القرآن كثيرًا.
وقوله: ﴿آتَيْنَا﴾ بمعنى أعطينا، يقال: أتينا، ويقال: آتينا، أتينا بمعنى: جئنا، وآتينا بمعنى: أعطينا، وهي تنصب المفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، المفعول الأول هنا: موسى، والثاني: الهدى.
موسى هو ابن عمران أحد أولي العزم الخمسة؛ وهم: محمد، وإبراهيم، وموسى، ونوح، وعيسى.
وقوله: ﴿الْهُدَى﴾ أي: ما به الهدى، وهذا يشمل الهدى الذي أوتيه حتى اهتدى، والهدى الذي يهتدي به الناس، فيكون موسى عليه الصلاة والسلام هاديًا مهديًّا.
قال المفسر: (التوراة والمعجزات) أما التوراة فظاهر أنه هدى؛ لأنها كتاب شرعيٌّ فيه الهدى، وأما المعجزات والصواب أن يقال: البينات أو الآيات فإنها هدى لأنه يهتدي بها الناس؛ إذ أن الناس إذا رأوا الآيات اهتدوا. ﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾ ﴿أَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: جعلناهم وارثين، ويقول المؤلف: (أي: من بعد موسى) ويمكن أن نقول: أورثناه من بعد موسى ومن بعد فرعون، فيكون الله تعالى أورث بني إسرائيل الكتاب من بعد نبيهم ومن بعد فرعون كما قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ٥٩].
(﴿الْكِتَابَ﴾ التوراة) وسُمِّيَت كتابًا؛ لأنها مكتوبة، وعلى هذا فيكون كتاب بمعنى مكتوب، وهذه الصيغة -أعني (فِعَالًا)- تأتي في اللغة العربية بمعنى مفعول في مواضع كثيرة مثل: بِناء بمعنى مبني، وغِراس بمعنى مغروس، وفِراش بمعنى مفروش، وهَلُمَّ جَرًّا.
﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (٥٣) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [غافر ٥٣، ٥٤] ﴿هُدًى﴾ يحتمل أن تكون -كما قال المفسر- مصدرًا بمعنى الحال، أن تكون مصدرًا بمعنى اسم الفاعل منصوبًا على الحال، حيث قَدَّرَها بقوله: (هاديًا)، ويحتمل أن تكون مفعولًا من أجله، أي: من أجل الهدى، أي: من أجل اهتداء الناس.
(﴿هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ تذكرة لأصحاب العقول) فهي هدى وهي تذكرة، هدى يهتدي بها الناس، وتذكرة يتذكر بها، ولكن لا يتذكر بها إلا أولي الألباب، فأولوا الألباب يعني أصحاب العقول، وسُمِّيَ العقل لُبًّا بمنزلة اللب من الحب؛ لأنه هو المقصود وهو روح الإنسان.
وقوله: ﴿وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ اجمعها إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران ١٩٠] يتبين لك أن الذين ينتفعون بالآيات الكونية كخلق السماوات والأرض والآيات الشرعية هم أصحاب العقول؛ لأنهم ينظرون ويتفكرون ويَقِيسون الأشياء حتى يهتدوا.
* في هذه الآية من الفوائد: مِنَّة الله سبحانه وتعالى على موسى ﷺ حيث آتاه الهدى، وهذه أعظم مِنَّة يَمُنُّ الله تعالى بها على العبد؛ أن يعطيَه الهدى يهتدي به بنفسه ويهدي به غيره.
* ومنها: تأكيد رسالة موسى من قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا﴾، وعلى هذا فيجب علينا أن نؤمن بأن موسى رسول الله ﷺ لكن إلى من؟ إلى قومه، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.]] لكن نؤمن بأنه رسول حقًّا، وأنه جاء بالهدى والنور.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: مِنَّة الله على بني إسرائيل حيث قال: ﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾.
ولكن هل هؤلاء الذين أُورِثُوا الكتابَ هل قاموا به؟
الجواب: لا. ما قاموا به، بل كانوا عُتاة ظلمة، بل حتى في عهد نبيهم ما قاموا به، لَمَّا قال لهم: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة ٢١] ماذا قالوا؟
قالوا: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ [المائدة ٢٢] إلى أن قالوا: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ [المائدة ٢٤]، أما نحن ﴿إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة ٢٤] مع أنه وعدهم بها قال: الأرض ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة ٢١]، لكنهم كَذَّبوا الخبر واستكبروا عن الأمر، فهم -أعني بني إسرائيل ولا سيما اليهود منهم- أخبث أهل الأرض وأعتى أهل الكفر، لم يشكروا نعمة الله عليهم بهذه النعمة.
أما هذه الأمة فقال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر ٣٢] وهم هذه الأمة ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر ٣٢].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التوراة مكتوبة؛ لقوله: ﴿الْكِتَابَ﴾ كيف كتابتها؟ اقرأ قول الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف ١٤٥].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن التوراة ذكرى ولكن ليس لكل أحد، بل لمن؟ لأولي الألباب.
* ومن فوائدها: أنه لا يَتَذَكَّر بالآيات الشرعية إلا أولي الألباب وكذلك الآيات الكونية.
* ومن فوائد الآية: الثناء على العقل؛ لأن أهله هم أهل التَّذَكُّر الذين ينتفعون بما سمعوا. والمراد بالعقل هنا هل هو عقل الإدراك أو هو عقل الرُّشْد؟ الثاني عقل الرشد، أما عقل الإدراك فهو الذي يُناطُ به التَّكْلِيف الذي تجدونه في كتب الفقهاء: من شروط الطهارة العقل. هذا عقل أيش؟ الإدراك الذي يُناط به التكليف، أما عقل الرشد الذي به الاهتداء فَقَلَّ مَنْ يَحْصُل عليه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل مَنْ لم يتذكر بآيات الله فإنه ليس ذا عقل.
فإن قال قائل: يَرِدُ عليكم أَنَّا نجد في أئمة الكفر مَنْ هو على جانبٍ كبير من الدهاء والذكاء.
فالجواب: أن هناك فرقًا بين العقل والذكاء؛ لأنَّ العقل يَعْقِلُ صاحبه عما يضره، ولهذا سُمِّي عقلًا بمنزلة العِقال للبعير، لكن الذكاء ليس كذلك، الذكاء غريزة أو كَسْب يجعله الله تعالى في الإنسان وربما يكون بعض الحيوانات أذكى من الإنسان، أليس كذلك؟
الغراب أذكى من ابن آدم الذي قتل أخاه؛ لأنه علَّمه كيف يواري سوءة أخيه.
في الحيوانات ما هو أذكى من بني آدم، النملة هذه التي تشاهدون من أذكى الحيوانات، إذا كان في أيام الحبوب حفرت لها جحورًا وأودعت فيها هذه الحبوب، ولكنها لا تودع الحب على ما هو عليه تأكل رأس الحبة لئلا تَنْبُت؛ لأنها تعرف أنه إن بقيت الحبة على ما هي عليه نبتت وخرَّبت على نفسها.
من الدهاء والذكاء؟
فالجواب: أن هناك فرقًا بين العقل والذكاء؛ لأنَّ العقل يَعْقِلُ صاحبه عما يضره، ولهذا سُمِّي عقلًا بمنزلة العِقال للبعير، لكن الذكاء ليس كذلك، الذكاء غريزة أو كَسْب يجعله الله تعالى في الإنسان، وربما يكون بعض الحيوانات أذكى من الإنسان، أليس كذلك؟
الغراب أذكى من ابن آدم الذي قتل أخاه؛ لأنه علَّمه كيف يواري سَوْأَة أخيه.
في الحيوانات ما هو أذكى من بني آدم، النملة هذه التي تشاهدون من أذكى الحيوانات، إذا كان في أيام الحبوب حَفَرَتْ لها جحورًا، وأودعت فيها هذه الحبوب، ولكنها لا تُودِع الحب على ما هو عليه، تأكل رأس الحبة لئلا تَنْبُت؛ لأنها تعرف أنه إن بقيت الحبة على ما هي عليه نبتت، وخرَّبت على نفسها، فتأكل رأسها حتى لا تنبت، فإذا قدَّر الله عز وجل ونزل المطر، وخافت أن يُعفِّن ويفسد؛ أخرجته إلى الشمس حتى ييبس ويجف ثم دخلته.
وأشياء تذكر عن بعض الحيوانات غريبة! إذن الذكاء شيء والعقل شيء آخر، وكم من ذكي قاده الذكاء إلى النار والعياذ بالله، وهذا شيء مشاهَد، الذكاء إذا لم يكن مقترنًا بعقل وإيمان فالغالب أن صاحبه يضل يهلك، وكم من أناس كانوا أذكياء، وتوقع فيهم بعض العلماء أن هؤلاء سوف ينحرفون؛ فصار الأمر كذلك.
إذن لا يرد علينا أننا نجد من أئمة الكفر من هو على جانب كبير من الذكاء والدهاء؛ لأن الذكاء شيء والعقل شيء آخر.
قال العلماء: ولذلك لا يجوز أن تقول: إن الله عاقل؛ لأن العقل يحجز صاحبه عما يضره، والرب عز وجل لا يمكن أن يضره شيء، ولا يمكن أن ينقصه شيء.
ومن ثم ذهب بعض النحويين إلى التعبير بقولهم: (مَنْ) للعالم، و(ما) لغير العالم. قال: ما يمكن يكون للعاقل ليش؟ لأنها تأتي عائدة إلى الله عز وجل، فقل: (مَنْ) للعالم، و(ما) لغير العالم. وعلى كل حال قد يُناقَش في هذه المسألة، لكني أنا قلت لكم هذا؛ لتعلموا أنه لا يجوز أن يُوصَف الله بأنه عاقل. صح؟ لماذا؟ العقل ما يحجز صاحبه عما يضره، والله عز وجل لا يضره شيء.
غافر 40:54
الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (٥٣) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٥٤) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٥٥) إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر ٥٣ - ٥٦].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾ هذه الجملة ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا﴾ مُؤَكَّدة بثلاثة مؤكدات: الأول: القسم الذي دلت عليه اللام، والثاني: اللام، والثالث: قد. وهذه الصيغة تأتي في القرآن كثيرًا.
وقوله: ﴿آتَيْنَا﴾ بمعنى أعطينا، يقال: أتينا، ويقال: آتينا، أتينا بمعنى: جئنا، وآتينا بمعنى: أعطينا، وهي تنصب المفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، المفعول الأول هنا: موسى، والثاني: الهدى.
موسى هو ابن عمران أحد أولي العزم الخمسة؛ وهم: محمد، وإبراهيم، وموسى، ونوح، وعيسى.
وقوله: ﴿الْهُدَى﴾ أي: ما به الهدى، وهذا يشمل الهدى الذي أوتيه حتى اهتدى، والهدى الذي يهتدي به الناس، فيكون موسى عليه الصلاة والسلام هاديًا مهديًّا.
قال المفسر: (التوراة والمعجزات) أما التوراة فظاهر أنه هدى؛ لأنها كتاب شرعيٌّ فيه الهدى، وأما المعجزات والصواب أن يقال: البينات أو الآيات فإنها هدى لأنه يهتدي بها الناس؛ إذ أن الناس إذا رأوا الآيات اهتدوا. ﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾ ﴿أَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: جعلناهم وارثين، ويقول المؤلف: (أي: من بعد موسى) ويمكن أن نقول: أورثناه من بعد موسى ومن بعد فرعون، فيكون الله تعالى أورث بني إسرائيل الكتاب من بعد نبيهم ومن بعد فرعون كما قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ٥٩].
(﴿الْكِتَابَ﴾ التوراة) وسُمِّيَت كتابًا؛ لأنها مكتوبة، وعلى هذا فيكون كتاب بمعنى مكتوب، وهذه الصيغة -أعني (فِعَالًا)- تأتي في اللغة العربية بمعنى مفعول في مواضع كثيرة مثل: بِناء بمعنى مبني، وغِراس بمعنى مغروس، وفِراش بمعنى مفروش، وهَلُمَّ جَرًّا.
﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (٥٣) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [غافر ٥٣، ٥٤] ﴿هُدًى﴾ يحتمل أن تكون -كما قال المفسر- مصدرًا بمعنى الحال، أن تكون مصدرًا بمعنى اسم الفاعل منصوبًا على الحال، حيث قَدَّرَها بقوله: (هاديًا)، ويحتمل أن تكون مفعولًا من أجله، أي: من أجل الهدى، أي: من أجل اهتداء الناس.
(﴿هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ تذكرة لأصحاب العقول) فهي هدى وهي تذكرة، هدى يهتدي بها الناس، وتذكرة يتذكر بها، ولكن لا يتذكر بها إلا أولي الألباب، فأولوا الألباب يعني أصحاب العقول، وسُمِّيَ العقل لُبًّا بمنزلة اللب من الحب؛ لأنه هو المقصود وهو روح الإنسان.
وقوله: ﴿وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ اجمعها إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران ١٩٠] يتبين لك أن الذين ينتفعون بالآيات الكونية كخلق السماوات والأرض والآيات الشرعية هم أصحاب العقول؛ لأنهم ينظرون ويتفكرون ويَقِيسون الأشياء حتى يهتدوا.
* في هذه الآية من الفوائد: مِنَّة الله سبحانه وتعالى على موسى ﷺ حيث آتاه الهدى، وهذه أعظم مِنَّة يَمُنُّ الله تعالى بها على العبد؛ أن يعطيَه الهدى يهتدي به بنفسه ويهدي به غيره.
* ومنها: تأكيد رسالة موسى من قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا﴾، وعلى هذا فيجب علينا أن نؤمن بأن موسى رسول الله ﷺ لكن إلى من؟ إلى قومه، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.]] لكن نؤمن بأنه رسول حقًّا، وأنه جاء بالهدى والنور.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: مِنَّة الله على بني إسرائيل حيث قال: ﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾.
ولكن هل هؤلاء الذين أُورِثُوا الكتابَ هل قاموا به؟
الجواب: لا. ما قاموا به، بل كانوا عُتاة ظلمة، بل حتى في عهد نبيهم ما قاموا به، لَمَّا قال لهم: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة ٢١] ماذا قالوا؟
قالوا: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ [المائدة ٢٢] إلى أن قالوا: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ [المائدة ٢٤]، أما نحن ﴿إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة ٢٤] مع أنه وعدهم بها قال: الأرض ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة ٢١]، لكنهم كَذَّبوا الخبر واستكبروا عن الأمر، فهم -أعني بني إسرائيل ولا سيما اليهود منهم- أخبث أهل الأرض وأعتى أهل الكفر، لم يشكروا نعمة الله عليهم بهذه النعمة.
أما هذه الأمة فقال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر ٣٢] وهم هذه الأمة ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر ٣٢].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التوراة مكتوبة؛ لقوله: ﴿الْكِتَابَ﴾ كيف كتابتها؟ اقرأ قول الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف ١٤٥].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن التوراة ذكرى ولكن ليس لكل أحد، بل لمن؟ لأولي الألباب.
* ومن فوائدها: أنه لا يَتَذَكَّر بالآيات الشرعية إلا أولي الألباب وكذلك الآيات الكونية.
* ومن فوائد الآية: الثناء على العقل؛ لأن أهله هم أهل التَّذَكُّر الذين ينتفعون بما سمعوا. والمراد بالعقل هنا هل هو عقل الإدراك أو هو عقل الرُّشْد؟ الثاني عقل الرشد، أما عقل الإدراك فهو الذي يُناطُ به التَّكْلِيف الذي تجدونه في كتب الفقهاء: من شروط الطهارة العقل. هذا عقل أيش؟ الإدراك الذي يُناط به التكليف، أما عقل الرشد الذي به الاهتداء فَقَلَّ مَنْ يَحْصُل عليه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل مَنْ لم يتذكر بآيات الله فإنه ليس ذا عقل.
فإن قال قائل: يَرِدُ عليكم أَنَّا نجد في أئمة الكفر مَنْ هو على جانبٍ كبير من الدهاء والذكاء.
فالجواب: أن هناك فرقًا بين العقل والذكاء؛ لأنَّ العقل يَعْقِلُ صاحبه عما يضره، ولهذا سُمِّي عقلًا بمنزلة العِقال للبعير، لكن الذكاء ليس كذلك، الذكاء غريزة أو كَسْب يجعله الله تعالى في الإنسان وربما يكون بعض الحيوانات أذكى من الإنسان، أليس كذلك؟
الغراب أذكى من ابن آدم الذي قتل أخاه؛ لأنه علَّمه كيف يواري سوءة أخيه.
في الحيوانات ما هو أذكى من بني آدم، النملة هذه التي تشاهدون من أذكى الحيوانات، إذا كان في أيام الحبوب حفرت لها جحورًا وأودعت فيها هذه الحبوب، ولكنها لا تودع الحب على ما هو عليه تأكل رأس الحبة لئلا تَنْبُت؛ لأنها تعرف أنه إن بقيت الحبة على ما هي عليه نبتت وخرَّبت على نفسها.
من الدهاء والذكاء؟
فالجواب: أن هناك فرقًا بين العقل والذكاء؛ لأنَّ العقل يَعْقِلُ صاحبه عما يضره، ولهذا سُمِّي عقلًا بمنزلة العِقال للبعير، لكن الذكاء ليس كذلك، الذكاء غريزة أو كَسْب يجعله الله تعالى في الإنسان، وربما يكون بعض الحيوانات أذكى من الإنسان، أليس كذلك؟
الغراب أذكى من ابن آدم الذي قتل أخاه؛ لأنه علَّمه كيف يواري سَوْأَة أخيه.
في الحيوانات ما هو أذكى من بني آدم، النملة هذه التي تشاهدون من أذكى الحيوانات، إذا كان في أيام الحبوب حَفَرَتْ لها جحورًا، وأودعت فيها هذه الحبوب، ولكنها لا تُودِع الحب على ما هو عليه، تأكل رأس الحبة لئلا تَنْبُت؛ لأنها تعرف أنه إن بقيت الحبة على ما هي عليه نبتت، وخرَّبت على نفسها، فتأكل رأسها حتى لا تنبت، فإذا قدَّر الله عز وجل ونزل المطر، وخافت أن يُعفِّن ويفسد؛ أخرجته إلى الشمس حتى ييبس ويجف ثم دخلته.
وأشياء تذكر عن بعض الحيوانات غريبة! إذن الذكاء شيء والعقل شيء آخر، وكم من ذكي قاده الذكاء إلى النار والعياذ بالله، وهذا شيء مشاهَد، الذكاء إذا لم يكن مقترنًا بعقل وإيمان فالغالب أن صاحبه يضل يهلك، وكم من أناس كانوا أذكياء، وتوقع فيهم بعض العلماء أن هؤلاء سوف ينحرفون؛ فصار الأمر كذلك.
إذن لا يرد علينا أننا نجد من أئمة الكفر من هو على جانب كبير من الذكاء والدهاء؛ لأن الذكاء شيء والعقل شيء آخر.
قال العلماء: ولذلك لا يجوز أن تقول: إن الله عاقل؛ لأن العقل يحجز صاحبه عما يضره، والرب عز وجل لا يمكن أن يضره شيء، ولا يمكن أن ينقصه شيء.
ومن ثم ذهب بعض النحويين إلى التعبير بقولهم: (مَنْ) للعالم، و(ما) لغير العالم. قال: ما يمكن يكون للعاقل ليش؟ لأنها تأتي عائدة إلى الله عز وجل، فقل: (مَنْ) للعالم، و(ما) لغير العالم. وعلى كل حال قد يُناقَش في هذه المسألة، لكني أنا قلت لكم هذا؛ لتعلموا أنه لا يجوز أن يُوصَف الله بأنه عاقل. صح؟ لماذا؟ العقل ما يحجز صاحبه عما يضره، والله عز وجل لا يضره شيء.
غافر 40:55
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [غافر ٥٥] ﴿اصْبِرْ﴾ الخطاب لِمَن؟ للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿اصْبِرْ﴾ على أي شيء؟ ﴿اصْبِرْ﴾ على حكم الله؛ الكوني والشرعي؛ لأن الله تبارك وتعالى قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الإنسان ٢٣، ٢٤].
وتأملوا يا إخواني لما مَنَّ الله عليه بأنه نزل عليه الكتاب تنزيلًا هل قال: فاشكر نعمة ربك؟ قال: ﴿اصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾. معناه أنك كُلِّفْت أمرًا عظيمًا يحتاج إلى صبر ﴿اصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ الشرعي، والثاني؟ الكوني، وقد لقي النبي ﷺ العناء الكبير من الصبر على أذى قومه.
وقوله: ﴿اصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ إذن ﴿اصْبِرْ﴾ إذا قيل: هنا في الآية حذف؟ قلنا: نعم، وما هو المحذوف؟ تفسره الآية الأخرى: ﴿اصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ الكوني والشرعي. ولا نجد أحدًا أصبر من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لحكم الله:« «يُوعَكُ» -يعني يمرض- «كَمَا يُوعَكُ الرَّجُلَانِ مِنَّا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٤٧)، ومسلم (٢٥٧١ / ٤٥) من حديث عبد الله بن مسعود.]].
يشدد عليه، شُدِّد عليه في الموت، عند الموت وهو محتضر شُدِّد عليه، كما قالت ذلك عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: لم يُشدِّد على أحد، أُوذِيَ في الله عز وجل فصبر واحتسب. وقصة إيذاء المشركين له في مكة وغير مكة أمر مشهور عندهم ومعلوم.
﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ إي والله ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ هذه الجملة خبرية مؤكدة بـ(إن). ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ بماذا؟ وعد الله بنصر أوليائه وخذل أعدائه حق، والحق: هو الشيء الثابت الذي لا يتغير.
﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ بنصر أوليائه حق وأنت ومن تبعك منهم. هم على قمة الأولياء ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح ٢٩] قمة الأولياء، وصفهم الله بأنهم ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح ٢٩] شوف كيف المعاملة بعضهم مع بعض ومعاملتهم مع الله عز وجل ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر ٥٥] (ليستن بك). استغفر لذنبك؛ أي: اطلب من الله المغفرة للذنب وهو الإثم أو المعصية.
﴿اسْتَغْفِرْ﴾ اطلب المغفرة، والمغفرة مشتقة من (الْمِغْفَر)، وهو الذي يُوضع على الرأس أثناء القتال ليتقي به المقاتل سهام المقاتلين، هذا هو الْمِغْفَر. إذن فالمغفرة سَتْر الذنب والتجاوز عنه، ليس مجرد الستر، ويدل لهذا قوله تعالى إذا حاسب عبده المؤمن:« «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث ابن عمر.]].
وقوله: (ليستن بك) إشارة إلى أنه لا ذنب للرسول لكن أُمِر بالاستغفار لتستن به الأمة فتستغفر لذنوبها، وهذا بناءً على أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يذنب، وكذلك الرسل، ولكن في هذا نظر، هذا من الغلو بالنسبة للرسول عليه الصلاة والسلام، ورُبَّ مُذنبٍ تابَ من ذنبه فكان خيرًا منه قبل الذنب؛ آدم عليه الصلاة والسلام عصى ربه وغوى، ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى، قبل ذلك هل حصل له الاجتباء؟ لا، فصار بعد التوبة من الذنب خيرًا منه قبل الذنب، والذنب لا يخدش بالإنسان، الذنب إذا عرف الإنسان نفسه، وعرف قدْر ربه عز وجل، ثم رجع إلى الله وتاب وندم؛ يجد في قلبه إيمانًا لم يكن قبل، يكون عنده حياء من الله وخجل لكن إذا لم يُذنب مات قلبه؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم[[(٢٧٤٩ / ١١) من حديث أبي ذر.]] : «لَوْلَا أَنْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ وَيَغْفِرُ لَهُمْ».
وعلى هذا فنقول للمؤلف: عفا الله عنك؛ حيث ادعيت ما ليس بصحيح، إذا كان الله يقول للرسول ﷺ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح ١، ٢] كيف نقول: إن أمره بالاستغفار من أجل أن يستن به لا من أجل أن له ذنبًا والله يقول صراحة: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾، ويقول عز وجل: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد ١٩]؟ تقول: والله ما له ذنب لكن يستغفر ليستن به! كيف يقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم ١، ٢] ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ غفر الله لك ذلك، كيف يقول الله عز وجل: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة ٤٣]؟
كل هذا يدل على أن مثل هذه الأمور تقع للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لكن لا شك أن ما يخل بالأخلاق أو يخل بالرسالة لا يمكن أن يقع منه، هذا شيء معلوم، لا يمكن يقع منه الفاحشة، ولا يقع منه كذب، ولا يقع منه خيانة، هذا مستحيل؛ لأن هذا يخل بالشرف، ويخل بمقام النبوة، أما المعاصي البعيدة عن هذا فتقع، أليس موسى ﷺ قتل نفسًا لم يُؤمر بقتلها؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: طيب، وهو من أولي العزم، فالحاصل أن قول المؤلف: (ليستن بك) خطأ. ﴿اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾؛ لأن لك ذنبًا لكنه مغفور، ومن أسباب مغفرة ذنبه أن تستغفر، فالاستغفار من أسباب المغفرة، والطاعات من أسباب المغفرة التي تغلب الطاعات على المعاصي وغير ذلك ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [غافر ٥٥].
﴿وَسَبِّحْ﴾ يقول المؤلف رحمه الله: (صَلِّ) ولا شك أن الصلاة تسمى تسبيحًا، ومنه حديث: «صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ فِي بَيْتِهِ سُبْحَةَ الضُّحَى»[[متفق عليه؛ البخاري (١١٢٨)، ومسلم (٧١٨ / ٧٧) من حديث عائشة.]]. ومنه قول ابن عمر: «لَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا لَأَتْمَمْتُ» »[[أخرجه مسلم (٦٨٩ / ٨) من حديث ابن عمر.]]. يعني مصليًا نافلة لأتممت، فلا شك أن الصلاة تسمى تسبيحًا؛ ومن الأدلة على ذلك إضافةً إلى ما ذُكر أو سابقًا لما ذكر لكن أخرناه ترتيبًا أو نسيانًا قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم ١٧، ١٨]، حيث قال بعض العلماء: إن هذه إشارة إلى أوقات الصلوات الخمس.
لكن هل يتعين أن يكون التسبيح في كل مكان بمعنى الصلاة؟ لا، ولهذا نرى أن قوله تعالى هنا: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [غافر ٥٥] أشمل وأعم من إرادة الصلاة، يقول: ﴿سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أي تسبيحًا مقرونًا بالحمد، فبالتسبيح زوال الصفات التي لا تليق بالله، وبالحمد إثبات صفات الكمال لله، فيكون ﴿سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ جامعًا بين التنزيه والإثبات؛ تنزيه الله عما لا يليق به، وإثبات ما هو أهله جل وعلا من الكمال في صفاته وأفعاله.
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ فالعشي: ما بعد الزوال، ومنه حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٢)، ومسلم (٥٧٣ / ٩٧) من حديث أبي هريرة.]]. فالعشي ما بعد الزوال، والإبكار ما قبل الزوال، قال المؤلف: (الصلوات الخمس)؛ لأن العشي يشمل الظهر والعصر والمغرب والعشاء، والإبكار: الفجر.
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ والصواب كما قلنا أولًا: أن المراد بالتسبيح هنا ما هو أعم من الصلوات.
ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾ [غافر ٥٦] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾ هذه (إن) واسمها، وخبرها قوله: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾ أي: ما في صدورهم إلا كبر.
قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ المجادلة المخاصمة، وسُمِّيت المخاصمة مجادلة؛ لأن كل خصم يجدل الحجة؛ ليغلب صاحبه كجَدْل الحبل، تعرفون جدل الحبل؟ شده، كل واحد من المتخاصمين يجدل الحجة لنفسه؛ ليفحم خصمه.
وقوله: ﴿يُجَادِلُونَ﴾ المفاعلة تأتي في الغالب بين اثنين، وقد تأتي (فَاعَل) بدون مشارك مثل: سافَر، على وزن (فاعَل)، على وزن (جادَل) لكنها ليست من اثنين، لكن الغالب أن (فاعَل) يعني المفاعلة تأتي من اثنين.
﴿يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ من يجادلون؟ يجادلون أهل الحق ويناظرونهم، ولقد علمتم المناظرة التي وقعت بين إبراهيم وقومه، ووقعت بين إبراهيم والذي حاجه في ربه، ومجادلات كثيرة في القرآن، وفي السنة، وإلى يومنا هذا.
﴿فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ قال المؤلف: (القرآن) وهذا التفسير قاصر؛ لأن آيات الله تشمل الكونية والشرعية، ثم تشمل أيضًا من يجادل في هذه الأمة ومن يجادل فيمن سبق، والذين يجادلون فيما سبق يجادلون في القرآن؟ لا، فالأولى أن نجعل الآية على العموم، يجادلون في آيات الله الكونية والشرعية إن كانوا في هذه الأمة؛ فالشرعية هي القرآن والسنة أيضًا، وإن كان من قَبْل الأمة فالمجادلة في التوراة في قوم موسى.
إذن تفسير المؤلف قاصر، لماذا؟ لأنه لم يُحِط بالمعنى بل قَصَرَه على بعضه لكن لو ادَّعى مُدَّعٍ أن المؤلف ذكر القرآن من باب التمثيل، لو ادَّعى مُدَّعٍ ذلك، نقول: إن هذا ممكن محتمل لكنه أخطأ في التعبير؛ إذ إن المراد يُقال: آياته الشرعية كالقرآن؛ حتى يكون الأمر واضحًا.
﴿يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ المجادلة في الآيات الشرعية منها اتباع المتشابه، فيأتي مثلًا في آية من القرآن فيها اشتباه تحتمل معنًى حقًّا ومعنًى باطلًا وهي في الحق أظهر كما هو معلوم، فيريد أن يحملها على المعنى الباطل المرجوح، يأتي بآيات من القرآن ظاهرها التعارض، القرآن متناقض، كيف يقول: كذا، ثم يقول: كذا، فمثلًا يقول: إن الله تعالى قال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء ٤٢]، يودون ولا يكتمون الله حديثًا، وفي آية أخرى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣] فكتموا أو لا؟ كتموا ﴿قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ وكان بالأول مقرين تمامًا فيأتي يقول: هذا القرآن متناقض، كيف يُثبت في مكان أنهم لا يكتمون الله حديثًا، وفي مكان أنهم ينكرون، فيجادل لمثل ذلك.
إذا لم يكن لدى الإنسان سيْف يقطع حُجَّة هذا؛ بقي الإنسان مرتبكًا، فما هو السيف الذي يقطع حجته؟ أن نقول: إن يوم القيامة ليس ساعة من زمن، مقداره خمسون ألف سنة، فأقروا بالأول ولما رأوا أن المؤمنين ينجون، قالوا: نكتم لعلنا (...)، أو أنهم كتموا في الأول، ثم لما رأوا جوارحهم تشهد عليهم أقروا واعترفوا.
فعلى كل حال، أنا أقول: المجادَلة في الآيات في القرآن منها اتباع المتشابه، اتباع المتشابه هذه مجادلة لا شك، وكذلك أيضًا المجادلة في الآيات الكونية، يأتي مثلًا بأشياء من مخلوقات الله عز وجل فيقول: لماذا خلق الله هذا الشيء؟ لماذا خلق الله العقرب؟ لماذا خلق الله الحية؟ لماذا خلق الله الأسد؟ وما أشبه ذلك؛ إذن ما أراد الله إلا إضرار الخلق وإيذاء الخلق!
انتبه! عندما يُورَد هذا السؤال على عامي ماذا يقول؟ يقول: ها والله ما أدري يمكن! فيُجادل، مع أننا نعلم أن خلق هذه المخلوقات من مصلحة العباد، وقد ذكرنا في مجالس سبقت أن فيها ثماني فوائد تظهر للمتأمل، وبذلك نعرف المجادلة في الآيات تكون في الآيات الكونية، والآيات الشرعية، وذكرنا مثالين على ذلك.
يقول الله عز وجل: ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾ قال المفسر: (برهان) ﴿أَتَاهُمْ﴾ ﴿أَتَاهُمْ﴾ [غافر ٣٥] هذه صفة لسلطان، والسلطان يقول المؤلف: (هو البرهان).
وذكرنا فيما سبق أن السلطان ما يكون به سُلطة سواء كان دليلًا، إذا كانت المسألة تحتاج إلى دليل أو سلطة تدبير كالسلطان الأعظم وما أشبه ذلك، أو قوة وقدرة كما في قوله تعالى: ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن ٣٣]. المهم أن السلطان ما يكون به السلطة للإنسان، وفَسِّرْه في كل مكان بحسبه.
وقوله: ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾ هل يعني أنه يمكن أن يجادل الإنسان بالباطل بسلطان؟ إذن هذا القيد بيان للواقع، وليس قيدًا احترازيًّا، بل هو قيد مُبَيِّن للواقع، أن كل من جادل في آيات الله فإنه مجادِل بغير سلطان، ولا يمكن أن يأتيه سلطان بذلك.
وقوله: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾ ﴿إِنْ﴾ يقول المفسر: (ما). يعني أنها نافية، وذلك أن (إن) لها في اللغة العربية عدة معانٍ، مشتركة بين عدة معانٍ، وما أكثر الكلمات التي يكون لها عدة معانٍ، ولكن من الذي يُعَيِّن المعنى؟ السياق وقرائن الأحوال، ومن ذلك أنك متى وجدت إثباتًا بعد (إن) فهي نافية، إن هذا إلا بشر مثلكم، ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ [هود ٥٠] ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾ [غافر ٥٦] وهلم جرًّا، فمتى وجدتَ الإثبات في سياق (إن) فاعلم أنها نافية، ويأتي إن شاء الله بقية الكلام على معانيها لكن هنا يقول: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾ [غافر ٥٦]. قال: ﴿فِي صُدُورِهِمْ﴾ والذي في الصدور هو القلب، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور﴾ [الحج ٤٦]، وإذا تكبَّر القلب، والعياذ بالله، تكبَّر البدن، وإذا ذل القلب لله؛ ذل البدن، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير.]]. وصدق الرسول عليه الصلاة والسلام، ومَثَّل أبو هريرة رضي الله عنه ذلك «بالملك له جنود يأمر الجنود فيأتمرون»[[أخرجه معمر في الجامع (٢٠٣٧٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٨). ]].
ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية قال: إن تمثيل الرسول ﷺ أبلغ؛ لأن الملك قد يتمرد عليه الجنود، أليس كذلك؟ لكن القلب هل يمكن تتمرد عليه الجوارح؟ أبدًا، لا يمكن، فجعل الكبر في الصدور؛ أي في القلوب؛ لأن الصدور محلها ﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر ٥٦] إلا كبر تكبُّر وطمع أن يعلو عليك.
﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر ٥٦] جملة ﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ الظاهر أنها مستأنفة وليست صفةً لكِبر ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾؛ ولهذا نقول: إذا قرأت فقل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾ هذا الموقف الصحيح.
ولا تقف على قوله: ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾؛ لأنك إذا وقفت على ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ معناه ما تم الكلام، وقفت على الكلام قبل التمام، ولكن قل: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾ ثم قف، وقل: ﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾؛ لأنك إذا وصلت ﴿إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾؛ صارت جملة ﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ حسب القراءة صفة لكبر، وليس الأمر كذلك بل هي جملة مستأنفة من الله عز وجل يقول: إنهم لن يبلغوا ما في صدورهم من التكبر عليك والعلو عليك.
وقوله: ﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ أصله: (ببالغينه)، لكن أين ذهبت النون؟ ذهبت النون بالإضافة؛ لأن النون والتنوين لا يجتمعان مع الإضافة؛ ولهذا قال أحد الناس يصف تباعده مع صاحبه:
كَأَنِّيَ تَنْوِينٌ وَأَنْتَ إِضَافَةٌ ∗∗∗ فَأَيْنَ تَرَانِي لَا تَحِلُّ مَكَانِي
والنون كالتنوين تُحذف مع الإضافة (﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ من شرهم ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالهم ﴿الْبَصِير﴾ بأحوالهم) ﴿اسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ ﴿اسْتَعِذْ﴾ بمعنى استجِر به، واعتصم به؛ فإنه جل وعلا نعم المعاذ؛ ولهذا «لما دخل النبي ﷺ على امرأة تزوجها، فقالت: أعوذ بالله منكَ. قال:» «لَقَدْ عُذْتِ بِمَعَاذٍ، الْحَقِي بِأَهْلِكِ»[[أخرجه البخاري (٥٢٥٥) من حديث أبي أسيد. ]]. وتركها مع أنه تزوجها راغبًا فيها، لكن استعاذت بمن؟ بمن لا يمكن أن تخفر جواره أبدًا. قال: «الْحَقِي بِأَهْلَكِ». استعذ بالله من أي شيء؟ يقول المفسر: (من شرهم)، والأولى أن يكون الأمر أعم؛ أي استعذ بالله من كل مكروه، فلا ملجأ للإنسان إلا إلى الله عز وجل، ولا عياذ إلا به، ولا لياذ إلا به أيضًا؛ فهو عز وجل نفر منه إليه.
﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير﴾ [غافر ٥٦]. ختم الآية بالسمع والبصر؛ لأن ما يؤذون به النبي ﷺ؛ إما قول فيُدرك، أو فعل فيدرك بالبصر؛ يعني إن آذوك بالقول فنحن نسمع، بالفعل فنحن نُبصر، وهذا فيه من تطمين الرسول ﷺ ما يُعلم إن شاء الله بذكر الفوائد، والله أعلم.
* طالب: الصحيح ما ذهب إليه بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح ٢] أن الذنب المتقدم قبل الرسالة، والذنب المتأخر هو ترك الأمر (...).
* الشيخ: ما هو صحيح هذا، ليس بصحيح، الرسول عليه الصلاة والسلام فعل أشياء عاتبه الله فيها بعد الرسالة ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب ٣٧] متى نزلت؟ نزلت قبل الرسالة ولَّا بعدها؟ نحن يا أخي لا نُنَزِّه الرسول إلا عما نزهه الله عنه، ثم قلتُ لكم قبل قليل: قد يكون الإنسان بعد المعصية والتوبة منها خيرًا منه قبلها، وضربنا لكم مثلًا بقصة من؟ بقصة آدم.
يا إخواني، دعوا النصوص على ما هي عليه، والله عز وجل لا يظلم أحدًا أبدًا؛ ولهذا أظن أننا، أتأكد ما أظن، لكن ما أدري هل سمعتم هذا أم لا، لما قالوا: إن قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف ١٨٩، ١٩٠]. «قالوا: إن هذه الآية نزلت في آدم وحواء، إنها حملت فجاءها الشيطان، فقال: سمِّيَا ولدَكُما عبد الحارث، فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتًا، ثم حملت ثانيًا فجاءهما، وقال: لتطيعاني أو لأجعلن له قرني أيل » -والأيل نوع من الغزلان قرنه قوي حربة- «فيخرج من بطنك فيشقه فأدركهما حب الولد فسمياه عبد الحارث»[[أخرجه الترمذي (٣٠٧٧)، وأحمد (٢٠١١٧)، والبزار (٤٥٨٠) من حديث سمرة. ]]. عبَّداه لغير الله، هل يمكن أن يقع هذا من آدم؟ لا يمكن، ثم لو فُرض أنه وقع هل يمكن أن يذكر الله السوء، ولا يذكر التوبة منه؛ لأنا نقول: إذا وقع، فإما أن يكون قد تاب منه أو لم يتب، فإن لم يتب فقد مات على الشرك، وإن تاب فليس من عدل الله عز وجل أن يذكر السوء، ولا يذكر الخلاص منه.
فنحن نقول -بارك الله فيكم-: بعض العلماء -عفا الله عنا وعنهم- يتحايلون، أو (يتمحَّلون) على الأصح، العبارة الصحيحة يتمحَّلون في تنزيه الرسل عما وصفهم الله به لكن نحن نؤمن بأن الرسول يختلف مع غيره في مسألتين؛ المسألة الأولى: أنه لا يمكن أن يفعل ما يخل بالرسالة أو بالشرف.
المسألة الثانية: إذا فعل معصية فلا يمكن إلا أن يتوب منها، لا يقره الله على معصية، نحن الآن بني آدم، جائز علينا هذا وهذا ولَّا لا؟ جائز على بني آدم أن يفعلوا ما يخل بالشرف، يأتون الفاحشة، يزنون، جائز عليهم أيضًا إذا فعلوا ألا يتوبوا، فالرسل يختلفون عن غيرهم بهذين الأمرين، هما الأخ.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا يا أخي، ما أنت بتكتب، أنا أشوف أيش رأيك؟ علِّق -بارك الله فيك- على الذين يحضرون بأبدانهم دون قلوبهم.
* طالب: ما ينبغي (...).
* الشيخ: بس، هذا التعليق على كل حال جزاك الله خيرًا، قد تكون لا ينبغي بمعنى الممتنع المستحيل، في قوله: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم ٩٢].
على كل حال يا إخواني أنتم -جزاكم الله خيرًا- تركتم أهلكم وفرشكم وبيوتكم وجئتم إلى هذا المكان؛ فاستغلوا الفرصة، وأنا جربت إذا غفل الإنسان عن حرف من الكلام، خلاص انسحب، رُبَّ كلمة يُبنى عليها ما بَعْدها، فنحن نرجو أن ينتبه كل واحد منكم.
فالخلاصة الآن: أن بعض العلماء رحمهم الله يتمحلون بالنسبة للرسل عليهم الصلاة والسلام، ونحن نقول: لا نتعدى القرآن والحديث أبدًا، نبي من الأنبياء قرصته نملة، النملة معروفة قرصته فأحرق قرية النمل كلها، صب عليها نارًا، فأوحى الله إليه هلَّا نملة واحدة، تقرصك نملة وتروح كل القرية تحرقها بسبب ذنب واحد! وهذا إشارة إلى أن الإنسان يجب عليه أن يتحرى.
ثم هذا النمل لا يمكن أن يتأدب، هل تظنون أنه يتأدب إذا سمعت قرى النمل الأخرى بهذه القصة تابت عن قرص الناس؟ لا، وأقول لكم هذا؛ لئلا توردوا عليَّ أن الله تعالى قد يُهلك الطائعين بذنب العصاة ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال ٢٥] لماذا؟ لأن هؤلاء الطائعين مكلَّفون بإنكار المنكر، ثم إذا أُهلكوا؛ تأدب بهم من سواهم بخلاف مسألة قرية النمل.
* طالب: (...) إذا ورد بني إسرائيل في القرآن تكون هذه على سبيل التكريم أو ليس على سبيل الذم، وإذا ورد اليهود فإنه على سبيل التقريع وعلى سبيل الذم، فهل هذا مطرد في القرآن؟
* الشيخ: لا، ليس بصحيح، الله يذكر بني إسرائيل بذنوبهم ويذمهم ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة ٧٨]، لم يقل: من اليهود، ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة ٤٧] وآيات كثيرة.
* طالب: لو قالت زوجة لزوجها: أعوذ بالله منك، كما حصل مع الرسول هل (...) أن يطلقها ولا (...)؟
* الشيخ: لا، إذا قالت: أعوذ بالله منك، يقول: وأعوذ بالله أن تقولي مثل هذا الكلام، عرفت؟
* الطالب: شيخ (...)؟
* الشيخ: لا تفتح الباب علينا يا شيخ، يروح كل واحد إذا أتى (...) قالت: أعوذ بالله منك، سوِّ الشاهي، أعوذ بالله منك، اطبخي الغداء أعوذ بالله منك (...).
على كل حال إذا استعاذ الإنسان بالله، فقد قال الرسول: «مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ فَأَعِيذُوهُ»[[أخرجه أبو داود (١٦٧٢)، والنسائي (٢٥٦٧)، وأحمد (٥٣٦٥) من حديث ابن عمر.]]. لكن يُنظر هل الله يُعيذ مثل هذا الرجل أو لا؟ يعني هذا الذي استعاذ بالله هل يعيذه الله؟ افرض أن رجلًا أُمر بمعروف فقال للآمر: أعوذ بالله منك، هل يُعيذ الله هذا الرجل الذي استعاذ؟ ما يعيذه؛ لأننا لا نعيذ من استعاذ بالله إلا إذا كان الله يعيذه، أما مقام النبي ﷺ فله مقام أعلى من مقاماتنا.
* طالب: قول الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [غافر ٥٥] بعض المغرضين يقولون: إن الإيذاء والبلاء في دين الله دلالة على أن هذا الدين باطل؟ فكيف نرد عليهم؟
* الشيخ: من قاله؟
* الطالب: بعض المغرضين.
* الشيخ: من هم بعض، أنت تجيب لي سوالف ولَّا فرضيات، وين؟ كيف يقولون؟!
* الطالب: يقولون: إن البلاء لو أن هذا الدين حق لما أضير الناس في المعتقلات و..
* الشيخ: لا، هذا غير، الرسول لولا أن دينه حق ما أُوذي عليه، لو تبع ما عليه قومه ما آذوه؛ ولهذا كان من حكمة الله أن أعمام الرسول عليه الصلاة والسلام أربعة، الذين أدركوا زمنه أربعة، ولا هم عشرة أعمام، لكن اللي أدركوا زمنه أربعة؛ اثنان كافران، أحدهما آذاه، والثاني ساعده وآواه، واثنان أسلما؛ أحدهما تقدم إسلامه، وله مقام صدق، وكان شهيدًا، والثاني بالعكس تأخر إسلامه لكن لا شك أن له مقام صدق، من الذي كفر وآذاه؟ أبو لهب، والذي كفر وآواه؟ أبو طالب، والذي له مقام صدق وسبق؟ حمزة، والرابع؟ العباس بن عبد المطلب، الله حكيم عز وجل.
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَق﴾ [الروم ٦٠].
* في هذه الآية من الفوائد: الأمر بالصبر، وهو هنا للوجوب، والصبر ثلاثة أنواع كما قاله العلماء رحمهم الله؛ صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة، والأول هو الأكمل، ثم الثاني، ثم الثالث، الصبر على طاعة الله؛ أن يفعل الإنسان الطاعة على الوجه الذي شرعه الله عز وجل بدون تضجر وبدون تكره بل هو مستسلِم لها غاية الاستسلام، هذا الصبر على طاعة الله، الصبر عن معصية الله أن يحبس نفسَه عن مُباشرة المعاصي؛ فلا يفعلها بل يصبر ولو شق عليه ذلك، والثالث: الصبر على أقدار الله؛ يعني على ما يقدره الله عليه من البلاء في بدنه أو عقله أو فكره أو أهله أو ماله أو مجتمعه، يصبر ويحبس نفسه عن التسخط بالأركان أو اللسان أو الجنان. عرفتم الآن؟
التسخط بالْجَنان أن يكون في قلبه نوع اعتراض على الله عز وجل لماذا قدَّر عليَّ كذا؟ ولم يُقدِّر على فلان؟ ولماذا ابتلاني الله؟ ثم بعد ذلك ربما يكفر نسأل الله العافية، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج ١١].
التسخط باللسان أن يدعو بالويل والثبور، وما أشبه ذلك من دعوى الجاهلية، والتسخط بالأركان بضرب الخدود، وشق الجيوب، وما أشبه ذلك، فصار الصبر على أقدار الله يتضمن حبس القلب واللسان والجوارح.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تسلية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقوله: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾.
* ومنها؛ أي من فوائد هذه الآية الكريمة: تحذير المعارضين له؛ لأن الله وعده بالنصر وخذلان أعدائه ومعارضيه، فقوله: إن وعد الله حق، كما أن فيه تسلية له ففيه أيضًا تحذير لأعدائه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن وعد الله سبحانه وتعالى لا بد أن يقع؛ لقوله: ﴿حَقٌّ﴾ والحق هو الثابت الواقع، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [الرعد ٣١]؛ وذلك لتمام قدرته وصِدْق وعده؛ لتمام قُدرته وصِدْق وعده لا يخلف الميعاد؛ لأن إخلاف الوعد ناشئ عن كذب الواعد، أو عن عجزه عن الوفاء به، وكل ذلك مُحال في حق الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الاستغفار؛ لقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر ٥٥].
* ومن فوائدها: جواز الذنوب على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ لقوله: ﴿لِذَنْبِكَ﴾ [غافر ٥٥]. والخطاب للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإذا جاز الذنب على الرسول، وهو أشرف الرسل، فعلى غيره من باب أوْلى.
فإن قال قائل: أليس الأنبياء معصومين عن الذنوب؟
فالجواب: هذه الآية وأمثالها تدل على أن الجواب بالنفي، لكنهم يفارقون غيرهم في ذلك من وجهين؛ الوجه الأول: أنهم معصومون من الكذب والخيانة وما أشبه ذلك مما يؤثر على الرسالة.
والثاني: أنهم معصومون عن كل ذنب يُخِل بالشرف.
الثالث: أنهم معصومون من الإقرار على الذنوب، لا بد أن ينبهوا عليها حتى يوفقوا للتوبة منها، فهذه فروق ثلاثة بينهم وبين غيرهم من الناس، أما غيرهم من الناس؛ فإنهم ليسوا معصومين مما يخل بالشرف، ولا مما يخل بالأمانة، وليسوا معصومين من الإصرار على المعاصي.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الأمر بالتسبيح بحمد الله صباحًا ومساءً؛ لقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [غافر ٥٥]، فإن كان المراد بذلك الصلوات الخمس فالأمر هنا للوجوب، وإن كان المراد به التسبيح الذي هو الذِّكر المعروف، فإن الأمر هنا للاستحباب.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ [غافر ٥٦]. قوله: ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ هل هذا قيد احترازي أو لبيان الواقع.
* طالب: لبيان الواقع.
* الشيخ: لبيان الواقع. ما هي الفائدة من ذِكْر القيد الذي لبيان الواقع؟
* طالب: التأكيد على أن هذا الوصف لازم له.
* الشيخ: لا.
* طالب: تعليل.
* الشيخ: التعليل؛ يعني الإشارة إلى أنه لا يمكن هذا. أين خبر (إن) في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾؟
* طالب: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ﴾.
* الشيخ: جملة: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾ [غافر ٥٦]. ما معنى قوله: ﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر ٥٦].
* طالب: على قول المصنف أنها وصف (...).
* الشيخ: لكن ما معناها؟ ما معنى ﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾.
* الطالب: ما هم ببالغي هذا التكبر الذي تكبروه على النبي ﷺ.
* الشيخ: يعني ما هم ببالغي مرادهم من التكبر.
* الطالب: نعم، (...) التكبر على الرسول عليه الصلاة والسلام وهذا التكبر لن يبلغوه.
* الشيخ: يعني لن يبلغوا العلو على الرسول عليه الصلاة والسلام.
* هذه الآية فيها فوائد: بيان حال الذين يُجادلون في آيات الله، وأنه ليس لهم دليل فيما يجادلون به، ثم إن الجدال في آيات الله ينقسم إلى قسمين: جدال لإثبات الحق وإبطال الباطل، فهذا مأمور به؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل ١٢٥] وجدال بالعكس لإثبات الباطل، وإبطال الحق، وهذا هو المذموم، وعليه تتنزل مثل هذه الآية الكريمة.
* ومن فوائد هذه الآية: إثبات آيات الله عز وجل، وهي -كما قلنا في التفسير- شرعية وكونية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحامل لهؤلاء المجادلين هو الكِبر والتعلِّي؛ لقوله: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن هؤلاء لن يبلغوا مرادهم بما يجادلون به؛ لقوله: ﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ وقد أشار الله تعالى إلى هذا في قوله: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء ١٨] فتأمل هذه العبارات القوية: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾ القذف: وهو الرمي بشدة.
﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ أي يصل إلى أم دماغه.
﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ أي فيموت في الحال؛ لأن (إذا) فجائية، و(إذا) الفجائية تدل على مفاجئة الشيء، وهذا يدل على أن الحق غالب للباطل ولا محالة، فإن قيل: إننا نجد المجادلة من الكفار أحيانًا لا تتبع أحيانًا لا تدفع، يعجز الإنسان عن دفعها فنقول: نعم، هذا ربما يكون لكن ليست العلة من الْحُجَّة بل من المحتج، العلة ليست من الحجة، الحجة قائمة والحق غالب، لكن العلة من المحتج قد يكون قليل العلة، ولهذا لا ينبغي أن تدخل في مجادلة غيرك إلا ومعك عِلْم، وقد يكون قاصر الفهم لا يفهم، هو عنده علم لكن لا يفهم، وقد يكون سيئ القصد، يريد الغلبة فقط انتصارًا لقوله لا انتصارًا للحق، وهذا يُخذل. وقد يكون لعيِّه، ومعنى العي أنه ليس عنده من البيان والفصاحة ما يؤدي إلى الغلبة؛ لأن البيان والفصاحة لهما تأثير كبير في إثبات الحق، بل قد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا»[[أخرجه البخاري (٥١٤٦) من حديث ابن عمر.]]. فهذه الأمور الأربعة هي التي قد تجعل الباطل يعلو ظاهرًا على الحق، والأربعة هي إما قلة علم.
* طالب: أو الجهل.
* الشيخ: هذه هي؛ قلة العلم هو الجهل، أو عيِّه عن التعبير عما في نفسه.
* طالب: أو أنه يجادل (...).
* الشيخ: نعم، سوء قصده، الرابع؟
* طالب: قله فهمه.
* الشيخ: نعم، قصور فهمه. هذه الأربعة هي التي تجعل من الباطل منارًا يعلو ظاهرًا على الحق، وأما الحق نفسه فلا يمكن إطلاقًا أن يغلبه الباطل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكِبْر سبب لكل شر؛ ولهذا «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ»[[أخرجه مسلم (٩١ / ١٤٧) من حديث ابن مسعود.]]. ونوع هذا الكبر الذي في هؤلاء المجادلين هل هو بَطَر الحق، أو غَمْط الناس، أو كلاهما؟
* طلبة: كلاهما.
* الشيخ: كلاهما، هذا الكبر -والعياذ بالله- جَمَعَ نوعي الكبر؛ وهو غَمْط الحق وردُّه، والثاني؟
* طالب: ازدراء الناس.
* طالب آخر: بطر الناس.
* الشيخ: ازدراء الناس بطر الحق وغمط الناس.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تثبيت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله: ﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾. وكذلك * من فوائدها: تيئيس هؤلاء المجادلين بأنهم لن يبلغوا مُرَادهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الاستعاذة بالله في مقام المجادلة مشروعة؛ لقوله: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾، وذلك أن المجادل سيورد من الشُّبه ما يُخشى أن تُؤثِّر عليه، فإذا استعاذ بالله واعتصم به أنجاه الله من ذلك؛ ولهذا قال: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [غافر ٥٦]. في المجادلة أمر بالاستعاذة بالله وعند الحكم أمر بالاستغفار ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ [النساء ١٠٥]؛ وذلك لأن الذنوب تحول بين الإنسان وبين تَبَيُّن الحق، وأما في مقام المجادلة فالإنسان محتاج إلى من يلتجئ إليه ويعتصم به؛ فلهذا قال: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [غافر ٥٦].
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات السمع لله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾، وإثبات البصر؛ لقوله: ﴿الْبَصِيرُ﴾. والسمع ذكر العلماء رحمهم الله أنه ينقسم إلى قسمين؛ الأول: إدراك المسموع، والثاني: الاستجابة، فأما إدراك المسموع فيرد لمعانٍ متعددة:
أولًا: بيان سعة سمع الله عز وجل، مثاله: قول الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة ١] ولهذا قالت عائشة: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ»[[أخرجه النسائي (٣٤٦٠)، وابن ماجه (١٨٨)، وأحمد (٢٤١٩٥) من حديث عائشة.]].
الثاني: التهديد كقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف ٨٠].
الثالث: التأييد كقوله تعالى لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]، أما السمع الذي بمعنى الاستجابة فكقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩] أي مجيبه، وكقول المصلي: سمع الله لمن حمده؛ أي: استجاب لمن حمده. وأما البصير فلها معنيان:
المعنى الأول: المدرِك ببصره كل شيء، فيكون بمعنى الرؤية.
والثاني: العلم؛ يعني أنه عليم بكل شيء.
* وفي الآية الكريمة من الفوائد أيضًا: إثبات السمع والبصر معًا، وهو أدل على الكمال من انفراد أحدهما؛ وذلك لأن المجادِل قد يقول وقد يفعل، فهدَّده الله عز وجل بهذا ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر ٥٦]؛ لأن المستعيذ بالله إما أن يستعيذ من أقوال، وإما أن يستعيذ من أفعال.
غافر 40:56
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [غافر ٥٥] ﴿اصْبِرْ﴾ الخطاب لِمَن؟ للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿اصْبِرْ﴾ على أي شيء؟ ﴿اصْبِرْ﴾ على حكم الله؛ الكوني والشرعي؛ لأن الله تبارك وتعالى قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الإنسان ٢٣، ٢٤].
وتأملوا يا إخواني لما مَنَّ الله عليه بأنه نزل عليه الكتاب تنزيلًا هل قال: فاشكر نعمة ربك؟ قال: ﴿اصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾. معناه أنك كُلِّفْت أمرًا عظيمًا يحتاج إلى صبر ﴿اصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ الشرعي، والثاني؟ الكوني، وقد لقي النبي ﷺ العناء الكبير من الصبر على أذى قومه.
وقوله: ﴿اصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ إذن ﴿اصْبِرْ﴾ إذا قيل: هنا في الآية حذف؟ قلنا: نعم، وما هو المحذوف؟ تفسره الآية الأخرى: ﴿اصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ الكوني والشرعي. ولا نجد أحدًا أصبر من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لحكم الله:« «يُوعَكُ» -يعني يمرض- «كَمَا يُوعَكُ الرَّجُلَانِ مِنَّا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٤٧)، ومسلم (٢٥٧١ / ٤٥) من حديث عبد الله بن مسعود.]].
يشدد عليه، شُدِّد عليه في الموت، عند الموت وهو محتضر شُدِّد عليه، كما قالت ذلك عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: لم يُشدِّد على أحد، أُوذِيَ في الله عز وجل فصبر واحتسب. وقصة إيذاء المشركين له في مكة وغير مكة أمر مشهور عندهم ومعلوم.
﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ إي والله ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ هذه الجملة خبرية مؤكدة بـ(إن). ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ بماذا؟ وعد الله بنصر أوليائه وخذل أعدائه حق، والحق: هو الشيء الثابت الذي لا يتغير.
﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ بنصر أوليائه حق وأنت ومن تبعك منهم. هم على قمة الأولياء ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح ٢٩] قمة الأولياء، وصفهم الله بأنهم ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح ٢٩] شوف كيف المعاملة بعضهم مع بعض ومعاملتهم مع الله عز وجل ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر ٥٥] (ليستن بك). استغفر لذنبك؛ أي: اطلب من الله المغفرة للذنب وهو الإثم أو المعصية.
﴿اسْتَغْفِرْ﴾ اطلب المغفرة، والمغفرة مشتقة من (الْمِغْفَر)، وهو الذي يُوضع على الرأس أثناء القتال ليتقي به المقاتل سهام المقاتلين، هذا هو الْمِغْفَر. إذن فالمغفرة سَتْر الذنب والتجاوز عنه، ليس مجرد الستر، ويدل لهذا قوله تعالى إذا حاسب عبده المؤمن:« «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث ابن عمر.]].
وقوله: (ليستن بك) إشارة إلى أنه لا ذنب للرسول لكن أُمِر بالاستغفار لتستن به الأمة فتستغفر لذنوبها، وهذا بناءً على أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يذنب، وكذلك الرسل، ولكن في هذا نظر، هذا من الغلو بالنسبة للرسول عليه الصلاة والسلام، ورُبَّ مُذنبٍ تابَ من ذنبه فكان خيرًا منه قبل الذنب؛ آدم عليه الصلاة والسلام عصى ربه وغوى، ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى، قبل ذلك هل حصل له الاجتباء؟ لا، فصار بعد التوبة من الذنب خيرًا منه قبل الذنب، والذنب لا يخدش بالإنسان، الذنب إذا عرف الإنسان نفسه، وعرف قدْر ربه عز وجل، ثم رجع إلى الله وتاب وندم؛ يجد في قلبه إيمانًا لم يكن قبل، يكون عنده حياء من الله وخجل لكن إذا لم يُذنب مات قلبه؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم[[(٢٧٤٩ / ١١) من حديث أبي ذر.]] : «لَوْلَا أَنْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ وَيَغْفِرُ لَهُمْ».
وعلى هذا فنقول للمؤلف: عفا الله عنك؛ حيث ادعيت ما ليس بصحيح، إذا كان الله يقول للرسول ﷺ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح ١، ٢] كيف نقول: إن أمره بالاستغفار من أجل أن يستن به لا من أجل أن له ذنبًا والله يقول صراحة: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾، ويقول عز وجل: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد ١٩]؟ تقول: والله ما له ذنب لكن يستغفر ليستن به! كيف يقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم ١، ٢] ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ غفر الله لك ذلك، كيف يقول الله عز وجل: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة ٤٣]؟
كل هذا يدل على أن مثل هذه الأمور تقع للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لكن لا شك أن ما يخل بالأخلاق أو يخل بالرسالة لا يمكن أن يقع منه، هذا شيء معلوم، لا يمكن يقع منه الفاحشة، ولا يقع منه كذب، ولا يقع منه خيانة، هذا مستحيل؛ لأن هذا يخل بالشرف، ويخل بمقام النبوة، أما المعاصي البعيدة عن هذا فتقع، أليس موسى ﷺ قتل نفسًا لم يُؤمر بقتلها؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: طيب، وهو من أولي العزم، فالحاصل أن قول المؤلف: (ليستن بك) خطأ. ﴿اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾؛ لأن لك ذنبًا لكنه مغفور، ومن أسباب مغفرة ذنبه أن تستغفر، فالاستغفار من أسباب المغفرة، والطاعات من أسباب المغفرة التي تغلب الطاعات على المعاصي وغير ذلك ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [غافر ٥٥].
﴿وَسَبِّحْ﴾ يقول المؤلف رحمه الله: (صَلِّ) ولا شك أن الصلاة تسمى تسبيحًا، ومنه حديث: «صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ فِي بَيْتِهِ سُبْحَةَ الضُّحَى»[[متفق عليه؛ البخاري (١١٢٨)، ومسلم (٧١٨ / ٧٧) من حديث عائشة.]]. ومنه قول ابن عمر: «لَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا لَأَتْمَمْتُ» »[[أخرجه مسلم (٦٨٩ / ٨) من حديث ابن عمر.]]. يعني مصليًا نافلة لأتممت، فلا شك أن الصلاة تسمى تسبيحًا؛ ومن الأدلة على ذلك إضافةً إلى ما ذُكر أو سابقًا لما ذكر لكن أخرناه ترتيبًا أو نسيانًا قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم ١٧، ١٨]، حيث قال بعض العلماء: إن هذه إشارة إلى أوقات الصلوات الخمس.
لكن هل يتعين أن يكون التسبيح في كل مكان بمعنى الصلاة؟ لا، ولهذا نرى أن قوله تعالى هنا: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [غافر ٥٥] أشمل وأعم من إرادة الصلاة، يقول: ﴿سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أي تسبيحًا مقرونًا بالحمد، فبالتسبيح زوال الصفات التي لا تليق بالله، وبالحمد إثبات صفات الكمال لله، فيكون ﴿سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ جامعًا بين التنزيه والإثبات؛ تنزيه الله عما لا يليق به، وإثبات ما هو أهله جل وعلا من الكمال في صفاته وأفعاله.
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ فالعشي: ما بعد الزوال، ومنه حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٢)، ومسلم (٥٧٣ / ٩٧) من حديث أبي هريرة.]]. فالعشي ما بعد الزوال، والإبكار ما قبل الزوال، قال المؤلف: (الصلوات الخمس)؛ لأن العشي يشمل الظهر والعصر والمغرب والعشاء، والإبكار: الفجر.
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ والصواب كما قلنا أولًا: أن المراد بالتسبيح هنا ما هو أعم من الصلوات.
ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾ [غافر ٥٦] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾ هذه (إن) واسمها، وخبرها قوله: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾ أي: ما في صدورهم إلا كبر.
قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ المجادلة المخاصمة، وسُمِّيت المخاصمة مجادلة؛ لأن كل خصم يجدل الحجة؛ ليغلب صاحبه كجَدْل الحبل، تعرفون جدل الحبل؟ شده، كل واحد من المتخاصمين يجدل الحجة لنفسه؛ ليفحم خصمه.
وقوله: ﴿يُجَادِلُونَ﴾ المفاعلة تأتي في الغالب بين اثنين، وقد تأتي (فَاعَل) بدون مشارك مثل: سافَر، على وزن (فاعَل)، على وزن (جادَل) لكنها ليست من اثنين، لكن الغالب أن (فاعَل) يعني المفاعلة تأتي من اثنين.
﴿يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ من يجادلون؟ يجادلون أهل الحق ويناظرونهم، ولقد علمتم المناظرة التي وقعت بين إبراهيم وقومه، ووقعت بين إبراهيم والذي حاجه في ربه، ومجادلات كثيرة في القرآن، وفي السنة، وإلى يومنا هذا.
﴿فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ قال المؤلف: (القرآن) وهذا التفسير قاصر؛ لأن آيات الله تشمل الكونية والشرعية، ثم تشمل أيضًا من يجادل في هذه الأمة ومن يجادل فيمن سبق، والذين يجادلون فيما سبق يجادلون في القرآن؟ لا، فالأولى أن نجعل الآية على العموم، يجادلون في آيات الله الكونية والشرعية إن كانوا في هذه الأمة؛ فالشرعية هي القرآن والسنة أيضًا، وإن كان من قَبْل الأمة فالمجادلة في التوراة في قوم موسى.
إذن تفسير المؤلف قاصر، لماذا؟ لأنه لم يُحِط بالمعنى بل قَصَرَه على بعضه لكن لو ادَّعى مُدَّعٍ أن المؤلف ذكر القرآن من باب التمثيل، لو ادَّعى مُدَّعٍ ذلك، نقول: إن هذا ممكن محتمل لكنه أخطأ في التعبير؛ إذ إن المراد يُقال: آياته الشرعية كالقرآن؛ حتى يكون الأمر واضحًا.
﴿يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ المجادلة في الآيات الشرعية منها اتباع المتشابه، فيأتي مثلًا في آية من القرآن فيها اشتباه تحتمل معنًى حقًّا ومعنًى باطلًا وهي في الحق أظهر كما هو معلوم، فيريد أن يحملها على المعنى الباطل المرجوح، يأتي بآيات من القرآن ظاهرها التعارض، القرآن متناقض، كيف يقول: كذا، ثم يقول: كذا، فمثلًا يقول: إن الله تعالى قال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء ٤٢]، يودون ولا يكتمون الله حديثًا، وفي آية أخرى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣] فكتموا أو لا؟ كتموا ﴿قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ وكان بالأول مقرين تمامًا فيأتي يقول: هذا القرآن متناقض، كيف يُثبت في مكان أنهم لا يكتمون الله حديثًا، وفي مكان أنهم ينكرون، فيجادل لمثل ذلك.
إذا لم يكن لدى الإنسان سيْف يقطع حُجَّة هذا؛ بقي الإنسان مرتبكًا، فما هو السيف الذي يقطع حجته؟ أن نقول: إن يوم القيامة ليس ساعة من زمن، مقداره خمسون ألف سنة، فأقروا بالأول ولما رأوا أن المؤمنين ينجون، قالوا: نكتم لعلنا (...)، أو أنهم كتموا في الأول، ثم لما رأوا جوارحهم تشهد عليهم أقروا واعترفوا.
فعلى كل حال، أنا أقول: المجادَلة في الآيات في القرآن منها اتباع المتشابه، اتباع المتشابه هذه مجادلة لا شك، وكذلك أيضًا المجادلة في الآيات الكونية، يأتي مثلًا بأشياء من مخلوقات الله عز وجل فيقول: لماذا خلق الله هذا الشيء؟ لماذا خلق الله العقرب؟ لماذا خلق الله الحية؟ لماذا خلق الله الأسد؟ وما أشبه ذلك؛ إذن ما أراد الله إلا إضرار الخلق وإيذاء الخلق!
انتبه! عندما يُورَد هذا السؤال على عامي ماذا يقول؟ يقول: ها والله ما أدري يمكن! فيُجادل، مع أننا نعلم أن خلق هذه المخلوقات من مصلحة العباد، وقد ذكرنا في مجالس سبقت أن فيها ثماني فوائد تظهر للمتأمل، وبذلك نعرف المجادلة في الآيات تكون في الآيات الكونية، والآيات الشرعية، وذكرنا مثالين على ذلك.
يقول الله عز وجل: ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾ قال المفسر: (برهان) ﴿أَتَاهُمْ﴾ ﴿أَتَاهُمْ﴾ [غافر ٣٥] هذه صفة لسلطان، والسلطان يقول المؤلف: (هو البرهان).
وذكرنا فيما سبق أن السلطان ما يكون به سُلطة سواء كان دليلًا، إذا كانت المسألة تحتاج إلى دليل أو سلطة تدبير كالسلطان الأعظم وما أشبه ذلك، أو قوة وقدرة كما في قوله تعالى: ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن ٣٣]. المهم أن السلطان ما يكون به السلطة للإنسان، وفَسِّرْه في كل مكان بحسبه.
وقوله: ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾ هل يعني أنه يمكن أن يجادل الإنسان بالباطل بسلطان؟ إذن هذا القيد بيان للواقع، وليس قيدًا احترازيًّا، بل هو قيد مُبَيِّن للواقع، أن كل من جادل في آيات الله فإنه مجادِل بغير سلطان، ولا يمكن أن يأتيه سلطان بذلك.
وقوله: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾ ﴿إِنْ﴾ يقول المفسر: (ما). يعني أنها نافية، وذلك أن (إن) لها في اللغة العربية عدة معانٍ، مشتركة بين عدة معانٍ، وما أكثر الكلمات التي يكون لها عدة معانٍ، ولكن من الذي يُعَيِّن المعنى؟ السياق وقرائن الأحوال، ومن ذلك أنك متى وجدت إثباتًا بعد (إن) فهي نافية، إن هذا إلا بشر مثلكم، ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ [هود ٥٠] ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾ [غافر ٥٦] وهلم جرًّا، فمتى وجدتَ الإثبات في سياق (إن) فاعلم أنها نافية، ويأتي إن شاء الله بقية الكلام على معانيها لكن هنا يقول: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾ [غافر ٥٦]. قال: ﴿فِي صُدُورِهِمْ﴾ والذي في الصدور هو القلب، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور﴾ [الحج ٤٦]، وإذا تكبَّر القلب، والعياذ بالله، تكبَّر البدن، وإذا ذل القلب لله؛ ذل البدن، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير.]]. وصدق الرسول عليه الصلاة والسلام، ومَثَّل أبو هريرة رضي الله عنه ذلك «بالملك له جنود يأمر الجنود فيأتمرون»[[أخرجه معمر في الجامع (٢٠٣٧٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٨). ]].
ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية قال: إن تمثيل الرسول ﷺ أبلغ؛ لأن الملك قد يتمرد عليه الجنود، أليس كذلك؟ لكن القلب هل يمكن تتمرد عليه الجوارح؟ أبدًا، لا يمكن، فجعل الكبر في الصدور؛ أي في القلوب؛ لأن الصدور محلها ﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر ٥٦] إلا كبر تكبُّر وطمع أن يعلو عليك.
﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر ٥٦] جملة ﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ الظاهر أنها مستأنفة وليست صفةً لكِبر ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾؛ ولهذا نقول: إذا قرأت فقل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾ هذا الموقف الصحيح.
ولا تقف على قوله: ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾؛ لأنك إذا وقفت على ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ معناه ما تم الكلام، وقفت على الكلام قبل التمام، ولكن قل: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾ ثم قف، وقل: ﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾؛ لأنك إذا وصلت ﴿إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾؛ صارت جملة ﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ حسب القراءة صفة لكبر، وليس الأمر كذلك بل هي جملة مستأنفة من الله عز وجل يقول: إنهم لن يبلغوا ما في صدورهم من التكبر عليك والعلو عليك.
وقوله: ﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ أصله: (ببالغينه)، لكن أين ذهبت النون؟ ذهبت النون بالإضافة؛ لأن النون والتنوين لا يجتمعان مع الإضافة؛ ولهذا قال أحد الناس يصف تباعده مع صاحبه:
كَأَنِّيَ تَنْوِينٌ وَأَنْتَ إِضَافَةٌ ∗∗∗ فَأَيْنَ تَرَانِي لَا تَحِلُّ مَكَانِي
والنون كالتنوين تُحذف مع الإضافة (﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ من شرهم ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالهم ﴿الْبَصِير﴾ بأحوالهم) ﴿اسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ ﴿اسْتَعِذْ﴾ بمعنى استجِر به، واعتصم به؛ فإنه جل وعلا نعم المعاذ؛ ولهذا «لما دخل النبي ﷺ على امرأة تزوجها، فقالت: أعوذ بالله منكَ. قال:» «لَقَدْ عُذْتِ بِمَعَاذٍ، الْحَقِي بِأَهْلِكِ»[[أخرجه البخاري (٥٢٥٥) من حديث أبي أسيد. ]]. وتركها مع أنه تزوجها راغبًا فيها، لكن استعاذت بمن؟ بمن لا يمكن أن تخفر جواره أبدًا. قال: «الْحَقِي بِأَهْلَكِ». استعذ بالله من أي شيء؟ يقول المفسر: (من شرهم)، والأولى أن يكون الأمر أعم؛ أي استعذ بالله من كل مكروه، فلا ملجأ للإنسان إلا إلى الله عز وجل، ولا عياذ إلا به، ولا لياذ إلا به أيضًا؛ فهو عز وجل نفر منه إليه.
﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير﴾ [غافر ٥٦]. ختم الآية بالسمع والبصر؛ لأن ما يؤذون به النبي ﷺ؛ إما قول فيُدرك، أو فعل فيدرك بالبصر؛ يعني إن آذوك بالقول فنحن نسمع، بالفعل فنحن نُبصر، وهذا فيه من تطمين الرسول ﷺ ما يُعلم إن شاء الله بذكر الفوائد، والله أعلم.
* طالب: الصحيح ما ذهب إليه بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح ٢] أن الذنب المتقدم قبل الرسالة، والذنب المتأخر هو ترك الأمر (...).
* الشيخ: ما هو صحيح هذا، ليس بصحيح، الرسول عليه الصلاة والسلام فعل أشياء عاتبه الله فيها بعد الرسالة ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب ٣٧] متى نزلت؟ نزلت قبل الرسالة ولَّا بعدها؟ نحن يا أخي لا نُنَزِّه الرسول إلا عما نزهه الله عنه، ثم قلتُ لكم قبل قليل: قد يكون الإنسان بعد المعصية والتوبة منها خيرًا منه قبلها، وضربنا لكم مثلًا بقصة من؟ بقصة آدم.
يا إخواني، دعوا النصوص على ما هي عليه، والله عز وجل لا يظلم أحدًا أبدًا؛ ولهذا أظن أننا، أتأكد ما أظن، لكن ما أدري هل سمعتم هذا أم لا، لما قالوا: إن قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف ١٨٩، ١٩٠]. «قالوا: إن هذه الآية نزلت في آدم وحواء، إنها حملت فجاءها الشيطان، فقال: سمِّيَا ولدَكُما عبد الحارث، فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتًا، ثم حملت ثانيًا فجاءهما، وقال: لتطيعاني أو لأجعلن له قرني أيل » -والأيل نوع من الغزلان قرنه قوي حربة- «فيخرج من بطنك فيشقه فأدركهما حب الولد فسمياه عبد الحارث»[[أخرجه الترمذي (٣٠٧٧)، وأحمد (٢٠١١٧)، والبزار (٤٥٨٠) من حديث سمرة. ]]. عبَّداه لغير الله، هل يمكن أن يقع هذا من آدم؟ لا يمكن، ثم لو فُرض أنه وقع هل يمكن أن يذكر الله السوء، ولا يذكر التوبة منه؛ لأنا نقول: إذا وقع، فإما أن يكون قد تاب منه أو لم يتب، فإن لم يتب فقد مات على الشرك، وإن تاب فليس من عدل الله عز وجل أن يذكر السوء، ولا يذكر الخلاص منه.
فنحن نقول -بارك الله فيكم-: بعض العلماء -عفا الله عنا وعنهم- يتحايلون، أو (يتمحَّلون) على الأصح، العبارة الصحيحة يتمحَّلون في تنزيه الرسل عما وصفهم الله به لكن نحن نؤمن بأن الرسول يختلف مع غيره في مسألتين؛ المسألة الأولى: أنه لا يمكن أن يفعل ما يخل بالرسالة أو بالشرف.
المسألة الثانية: إذا فعل معصية فلا يمكن إلا أن يتوب منها، لا يقره الله على معصية، نحن الآن بني آدم، جائز علينا هذا وهذا ولَّا لا؟ جائز على بني آدم أن يفعلوا ما يخل بالشرف، يأتون الفاحشة، يزنون، جائز عليهم أيضًا إذا فعلوا ألا يتوبوا، فالرسل يختلفون عن غيرهم بهذين الأمرين، هما الأخ.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا يا أخي، ما أنت بتكتب، أنا أشوف أيش رأيك؟ علِّق -بارك الله فيك- على الذين يحضرون بأبدانهم دون قلوبهم.
* طالب: ما ينبغي (...).
* الشيخ: بس، هذا التعليق على كل حال جزاك الله خيرًا، قد تكون لا ينبغي بمعنى الممتنع المستحيل، في قوله: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم ٩٢].
على كل حال يا إخواني أنتم -جزاكم الله خيرًا- تركتم أهلكم وفرشكم وبيوتكم وجئتم إلى هذا المكان؛ فاستغلوا الفرصة، وأنا جربت إذا غفل الإنسان عن حرف من الكلام، خلاص انسحب، رُبَّ كلمة يُبنى عليها ما بَعْدها، فنحن نرجو أن ينتبه كل واحد منكم.
فالخلاصة الآن: أن بعض العلماء رحمهم الله يتمحلون بالنسبة للرسل عليهم الصلاة والسلام، ونحن نقول: لا نتعدى القرآن والحديث أبدًا، نبي من الأنبياء قرصته نملة، النملة معروفة قرصته فأحرق قرية النمل كلها، صب عليها نارًا، فأوحى الله إليه هلَّا نملة واحدة، تقرصك نملة وتروح كل القرية تحرقها بسبب ذنب واحد! وهذا إشارة إلى أن الإنسان يجب عليه أن يتحرى.
ثم هذا النمل لا يمكن أن يتأدب، هل تظنون أنه يتأدب إذا سمعت قرى النمل الأخرى بهذه القصة تابت عن قرص الناس؟ لا، وأقول لكم هذا؛ لئلا توردوا عليَّ أن الله تعالى قد يُهلك الطائعين بذنب العصاة ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال ٢٥] لماذا؟ لأن هؤلاء الطائعين مكلَّفون بإنكار المنكر، ثم إذا أُهلكوا؛ تأدب بهم من سواهم بخلاف مسألة قرية النمل.
* طالب: (...) إذا ورد بني إسرائيل في القرآن تكون هذه على سبيل التكريم أو ليس على سبيل الذم، وإذا ورد اليهود فإنه على سبيل التقريع وعلى سبيل الذم، فهل هذا مطرد في القرآن؟
* الشيخ: لا، ليس بصحيح، الله يذكر بني إسرائيل بذنوبهم ويذمهم ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة ٧٨]، لم يقل: من اليهود، ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة ٤٧] وآيات كثيرة.
* طالب: لو قالت زوجة لزوجها: أعوذ بالله منك، كما حصل مع الرسول هل (...) أن يطلقها ولا (...)؟
* الشيخ: لا، إذا قالت: أعوذ بالله منك، يقول: وأعوذ بالله أن تقولي مثل هذا الكلام، عرفت؟
* الطالب: شيخ (...)؟
* الشيخ: لا تفتح الباب علينا يا شيخ، يروح كل واحد إذا أتى (...) قالت: أعوذ بالله منك، سوِّ الشاهي، أعوذ بالله منك، اطبخي الغداء أعوذ بالله منك (...).
على كل حال إذا استعاذ الإنسان بالله، فقد قال الرسول: «مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ فَأَعِيذُوهُ»[[أخرجه أبو داود (١٦٧٢)، والنسائي (٢٥٦٧)، وأحمد (٥٣٦٥) من حديث ابن عمر.]]. لكن يُنظر هل الله يُعيذ مثل هذا الرجل أو لا؟ يعني هذا الذي استعاذ بالله هل يعيذه الله؟ افرض أن رجلًا أُمر بمعروف فقال للآمر: أعوذ بالله منك، هل يُعيذ الله هذا الرجل الذي استعاذ؟ ما يعيذه؛ لأننا لا نعيذ من استعاذ بالله إلا إذا كان الله يعيذه، أما مقام النبي ﷺ فله مقام أعلى من مقاماتنا.
* طالب: قول الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [غافر ٥٥] بعض المغرضين يقولون: إن الإيذاء والبلاء في دين الله دلالة على أن هذا الدين باطل؟ فكيف نرد عليهم؟
* الشيخ: من قاله؟
* الطالب: بعض المغرضين.
* الشيخ: من هم بعض، أنت تجيب لي سوالف ولَّا فرضيات، وين؟ كيف يقولون؟!
* الطالب: يقولون: إن البلاء لو أن هذا الدين حق لما أضير الناس في المعتقلات و..
* الشيخ: لا، هذا غير، الرسول لولا أن دينه حق ما أُوذي عليه، لو تبع ما عليه قومه ما آذوه؛ ولهذا كان من حكمة الله أن أعمام الرسول عليه الصلاة والسلام أربعة، الذين أدركوا زمنه أربعة، ولا هم عشرة أعمام، لكن اللي أدركوا زمنه أربعة؛ اثنان كافران، أحدهما آذاه، والثاني ساعده وآواه، واثنان أسلما؛ أحدهما تقدم إسلامه، وله مقام صدق، وكان شهيدًا، والثاني بالعكس تأخر إسلامه لكن لا شك أن له مقام صدق، من الذي كفر وآذاه؟ أبو لهب، والذي كفر وآواه؟ أبو طالب، والذي له مقام صدق وسبق؟ حمزة، والرابع؟ العباس بن عبد المطلب، الله حكيم عز وجل.
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَق﴾ [الروم ٦٠].
* في هذه الآية من الفوائد: الأمر بالصبر، وهو هنا للوجوب، والصبر ثلاثة أنواع كما قاله العلماء رحمهم الله؛ صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة، والأول هو الأكمل، ثم الثاني، ثم الثالث، الصبر على طاعة الله؛ أن يفعل الإنسان الطاعة على الوجه الذي شرعه الله عز وجل بدون تضجر وبدون تكره بل هو مستسلِم لها غاية الاستسلام، هذا الصبر على طاعة الله، الصبر عن معصية الله أن يحبس نفسَه عن مُباشرة المعاصي؛ فلا يفعلها بل يصبر ولو شق عليه ذلك، والثالث: الصبر على أقدار الله؛ يعني على ما يقدره الله عليه من البلاء في بدنه أو عقله أو فكره أو أهله أو ماله أو مجتمعه، يصبر ويحبس نفسه عن التسخط بالأركان أو اللسان أو الجنان. عرفتم الآن؟
التسخط بالْجَنان أن يكون في قلبه نوع اعتراض على الله عز وجل لماذا قدَّر عليَّ كذا؟ ولم يُقدِّر على فلان؟ ولماذا ابتلاني الله؟ ثم بعد ذلك ربما يكفر نسأل الله العافية، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج ١١].
التسخط باللسان أن يدعو بالويل والثبور، وما أشبه ذلك من دعوى الجاهلية، والتسخط بالأركان بضرب الخدود، وشق الجيوب، وما أشبه ذلك، فصار الصبر على أقدار الله يتضمن حبس القلب واللسان والجوارح.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تسلية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقوله: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾.
* ومنها؛ أي من فوائد هذه الآية الكريمة: تحذير المعارضين له؛ لأن الله وعده بالنصر وخذلان أعدائه ومعارضيه، فقوله: إن وعد الله حق، كما أن فيه تسلية له ففيه أيضًا تحذير لأعدائه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن وعد الله سبحانه وتعالى لا بد أن يقع؛ لقوله: ﴿حَقٌّ﴾ والحق هو الثابت الواقع، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [الرعد ٣١]؛ وذلك لتمام قدرته وصِدْق وعده؛ لتمام قُدرته وصِدْق وعده لا يخلف الميعاد؛ لأن إخلاف الوعد ناشئ عن كذب الواعد، أو عن عجزه عن الوفاء به، وكل ذلك مُحال في حق الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الاستغفار؛ لقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر ٥٥].
* ومن فوائدها: جواز الذنوب على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ لقوله: ﴿لِذَنْبِكَ﴾ [غافر ٥٥]. والخطاب للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإذا جاز الذنب على الرسول، وهو أشرف الرسل، فعلى غيره من باب أوْلى.
فإن قال قائل: أليس الأنبياء معصومين عن الذنوب؟
فالجواب: هذه الآية وأمثالها تدل على أن الجواب بالنفي، لكنهم يفارقون غيرهم في ذلك من وجهين؛ الوجه الأول: أنهم معصومون من الكذب والخيانة وما أشبه ذلك مما يؤثر على الرسالة.
والثاني: أنهم معصومون عن كل ذنب يُخِل بالشرف.
الثالث: أنهم معصومون من الإقرار على الذنوب، لا بد أن ينبهوا عليها حتى يوفقوا للتوبة منها، فهذه فروق ثلاثة بينهم وبين غيرهم من الناس، أما غيرهم من الناس؛ فإنهم ليسوا معصومين مما يخل بالشرف، ولا مما يخل بالأمانة، وليسوا معصومين من الإصرار على المعاصي.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الأمر بالتسبيح بحمد الله صباحًا ومساءً؛ لقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [غافر ٥٥]، فإن كان المراد بذلك الصلوات الخمس فالأمر هنا للوجوب، وإن كان المراد به التسبيح الذي هو الذِّكر المعروف، فإن الأمر هنا للاستحباب.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ [غافر ٥٦]. قوله: ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ هل هذا قيد احترازي أو لبيان الواقع.
* طالب: لبيان الواقع.
* الشيخ: لبيان الواقع. ما هي الفائدة من ذِكْر القيد الذي لبيان الواقع؟
* طالب: التأكيد على أن هذا الوصف لازم له.
* الشيخ: لا.
* طالب: تعليل.
* الشيخ: التعليل؛ يعني الإشارة إلى أنه لا يمكن هذا. أين خبر (إن) في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾؟
* طالب: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ﴾.
* الشيخ: جملة: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾ [غافر ٥٦]. ما معنى قوله: ﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر ٥٦].
* طالب: على قول المصنف أنها وصف (...).
* الشيخ: لكن ما معناها؟ ما معنى ﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾.
* الطالب: ما هم ببالغي هذا التكبر الذي تكبروه على النبي ﷺ.
* الشيخ: يعني ما هم ببالغي مرادهم من التكبر.
* الطالب: نعم، (...) التكبر على الرسول عليه الصلاة والسلام وهذا التكبر لن يبلغوه.
* الشيخ: يعني لن يبلغوا العلو على الرسول عليه الصلاة والسلام.
* هذه الآية فيها فوائد: بيان حال الذين يُجادلون في آيات الله، وأنه ليس لهم دليل فيما يجادلون به، ثم إن الجدال في آيات الله ينقسم إلى قسمين: جدال لإثبات الحق وإبطال الباطل، فهذا مأمور به؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل ١٢٥] وجدال بالعكس لإثبات الباطل، وإبطال الحق، وهذا هو المذموم، وعليه تتنزل مثل هذه الآية الكريمة.
* ومن فوائد هذه الآية: إثبات آيات الله عز وجل، وهي -كما قلنا في التفسير- شرعية وكونية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحامل لهؤلاء المجادلين هو الكِبر والتعلِّي؛ لقوله: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن هؤلاء لن يبلغوا مرادهم بما يجادلون به؛ لقوله: ﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ وقد أشار الله تعالى إلى هذا في قوله: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء ١٨] فتأمل هذه العبارات القوية: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾ القذف: وهو الرمي بشدة.
﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ أي يصل إلى أم دماغه.
﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ أي فيموت في الحال؛ لأن (إذا) فجائية، و(إذا) الفجائية تدل على مفاجئة الشيء، وهذا يدل على أن الحق غالب للباطل ولا محالة، فإن قيل: إننا نجد المجادلة من الكفار أحيانًا لا تتبع أحيانًا لا تدفع، يعجز الإنسان عن دفعها فنقول: نعم، هذا ربما يكون لكن ليست العلة من الْحُجَّة بل من المحتج، العلة ليست من الحجة، الحجة قائمة والحق غالب، لكن العلة من المحتج قد يكون قليل العلة، ولهذا لا ينبغي أن تدخل في مجادلة غيرك إلا ومعك عِلْم، وقد يكون قاصر الفهم لا يفهم، هو عنده علم لكن لا يفهم، وقد يكون سيئ القصد، يريد الغلبة فقط انتصارًا لقوله لا انتصارًا للحق، وهذا يُخذل. وقد يكون لعيِّه، ومعنى العي أنه ليس عنده من البيان والفصاحة ما يؤدي إلى الغلبة؛ لأن البيان والفصاحة لهما تأثير كبير في إثبات الحق، بل قد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا»[[أخرجه البخاري (٥١٤٦) من حديث ابن عمر.]]. فهذه الأمور الأربعة هي التي قد تجعل الباطل يعلو ظاهرًا على الحق، والأربعة هي إما قلة علم.
* طالب: أو الجهل.
* الشيخ: هذه هي؛ قلة العلم هو الجهل، أو عيِّه عن التعبير عما في نفسه.
* طالب: أو أنه يجادل (...).
* الشيخ: نعم، سوء قصده، الرابع؟
* طالب: قله فهمه.
* الشيخ: نعم، قصور فهمه. هذه الأربعة هي التي تجعل من الباطل منارًا يعلو ظاهرًا على الحق، وأما الحق نفسه فلا يمكن إطلاقًا أن يغلبه الباطل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكِبْر سبب لكل شر؛ ولهذا «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ»[[أخرجه مسلم (٩١ / ١٤٧) من حديث ابن مسعود.]]. ونوع هذا الكبر الذي في هؤلاء المجادلين هل هو بَطَر الحق، أو غَمْط الناس، أو كلاهما؟
* طلبة: كلاهما.
* الشيخ: كلاهما، هذا الكبر -والعياذ بالله- جَمَعَ نوعي الكبر؛ وهو غَمْط الحق وردُّه، والثاني؟
* طالب: ازدراء الناس.
* طالب آخر: بطر الناس.
* الشيخ: ازدراء الناس بطر الحق وغمط الناس.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تثبيت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله: ﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾. وكذلك * من فوائدها: تيئيس هؤلاء المجادلين بأنهم لن يبلغوا مُرَادهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الاستعاذة بالله في مقام المجادلة مشروعة؛ لقوله: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾، وذلك أن المجادل سيورد من الشُّبه ما يُخشى أن تُؤثِّر عليه، فإذا استعاذ بالله واعتصم به أنجاه الله من ذلك؛ ولهذا قال: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [غافر ٥٦]. في المجادلة أمر بالاستعاذة بالله وعند الحكم أمر بالاستغفار ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ [النساء ١٠٥]؛ وذلك لأن الذنوب تحول بين الإنسان وبين تَبَيُّن الحق، وأما في مقام المجادلة فالإنسان محتاج إلى من يلتجئ إليه ويعتصم به؛ فلهذا قال: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [غافر ٥٦].
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات السمع لله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾، وإثبات البصر؛ لقوله: ﴿الْبَصِيرُ﴾. والسمع ذكر العلماء رحمهم الله أنه ينقسم إلى قسمين؛ الأول: إدراك المسموع، والثاني: الاستجابة، فأما إدراك المسموع فيرد لمعانٍ متعددة:
أولًا: بيان سعة سمع الله عز وجل، مثاله: قول الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة ١] ولهذا قالت عائشة: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ»[[أخرجه النسائي (٣٤٦٠)، وابن ماجه (١٨٨)، وأحمد (٢٤١٩٥) من حديث عائشة.]].
الثاني: التهديد كقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف ٨٠].
الثالث: التأييد كقوله تعالى لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]، أما السمع الذي بمعنى الاستجابة فكقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩] أي مجيبه، وكقول المصلي: سمع الله لمن حمده؛ أي: استجاب لمن حمده. وأما البصير فلها معنيان:
المعنى الأول: المدرِك ببصره كل شيء، فيكون بمعنى الرؤية.
والثاني: العلم؛ يعني أنه عليم بكل شيء.
* وفي الآية الكريمة من الفوائد أيضًا: إثبات السمع والبصر معًا، وهو أدل على الكمال من انفراد أحدهما؛ وذلك لأن المجادِل قد يقول وقد يفعل، فهدَّده الله عز وجل بهذا ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر ٥٦]؛ لأن المستعيذ بالله إما أن يستعيذ من أقوال، وإما أن يستعيذ من أفعال.
غافر 40:57
ثم قال الله تبارك وتعالى بعد الآية التي تم أخذ الفوائد منها: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر ٥٧] اللام هنا لام الابتداء وتفيد التوكيد، و(خلق) مبتدأ، و﴿أَكْبَرُ﴾ خبر المبتدأ. ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ هي السبع الطباق، ﴿وَالْأَرْضِ﴾ هي الأرض التي نحن عليها، وقد جاءت السنة بأنها سبع، تصريحًا كما في قول النبي ﷺ: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٥٢)، ومسلم (١٦١٠ / ١٣٧) من حديث سعيد بن زيد.]]. أومأ القرآن إلى ذلك في قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢]؛ لأن المماثلة هنا لا يمكن أن تكون في الصفة لظهور الفرق بين السماوات والأرض لكنها مثلها في العدد.
﴿أَكْبَرُ﴾ خبر المبتدأ؛ أي ﴿أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾؛ يعني من إيجاد الناس، ابتداءً أو إعادة؟ ابتداءً وإعادة، إيجاد السماوات والأرض أكبر من إيجاد الناس ابتداءً وإعادة.
يقول: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر ٥٧] يقول المؤلف رحمه الله: ونزل في منكر البعث (﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ابتداء ﴿أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ مرة ثانية). فقيَّد خلق الناس في المرة الثانية وهي الإعادة بناءً على أن الآية نزلت في منكر البعث. والصواب أن الآية نزلت فيما هو أعم، نزلت في منكر البعث، وفي بيان قدرة الله عز وجل.
وعلى هذا فنقول: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ابتداء ﴿أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ ابتداء وإعادة.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ قال المؤلف المفسر: (أي كفار مكة). ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ وفي هذا التفسير قصور؛ لأن أكثر الناس أعم من كونهم من مكة أو غيرها، أكثر الناس لا يعلمون، لماذا لا يعلمون؟ لأنهم لا يتفكرون في خلق السماوات والأرض، فهم جاهلون لا يعلمون ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ﴾ [غافر ٥٨]، هذان مثلان بيَّنهما الله عز وجل؛ الأول: الأعمى والبصير هل يستويان؟ لا، لا يستويان، ولا أحد من الناس يقول: إنهما يستويان، ولا ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ﴾ يعني إذا تقرر أنه لا يستوي الأعمى والبصير فكذلك لا يستوي الذين آمنوا وعملوا الصالحات والمسيء لا يمكن.
قال المؤلف: (فهم -أي الذين لا يهتدون- كالأعمى ومن يعلمه كالبصير) جاء بذلك المؤلف توطئة لبيان مناسبة الآية لما قبلها، ولكن قد يقال: إن الاستئناف بَيَّن الله فيه أنه لا يستوي هؤلاء وهؤلاء. (﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ ولا ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ وهو المحسن ﴿وَلَا الْمُسِيءُ﴾ فيه زيادة لا).
وكأن التقدير على كلام المؤلف: ولا الذين آمنوا وعملوا الصالحات والمسيء، وهذا المعنى واضح لكن قوله: (وهو محسِن) يعني أن الذي آمن وعمل الصالحات محسن؛ لقوله ﷺ: «الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]].
وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ﴿آمَنُوا﴾ بالقلب ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ بالجوارح، وذلك أن الإيمان متى وقر في القلب صدقته الأعمال.
وقوله: ﴿الصَّالِحَاتِ﴾ وصف لموصوف محذوف، والتقدير: الأعمال الصالحات، والعمل الصالح ما اجتمع فيه أمران؛ الأول: الإخلاص لله عز وجل، والثاني: المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فبفقد الأول يكون الشِّرْك، وبفقد الثاني تكون البِدْعة، والله سبحانه وتعالى لا يقبل عملًا أشرك فيه معه غيره، ولا يقبل بدعة ابتدعها أحد في دينه، قال الله تبارك وتعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]. وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٧) من حديث عائشة.]].
إذن فلا بد من إخلاص لا شِرْك معه ومتابعة لا ابتداع معها، وبذلك يكون العمل صالِحًا ﴿وَلَا الْمُسِيءُ﴾ يعني فاعل السيئات، والسيئات هي إما تفريط أو إفراط؛ إما تفريط بالنقص والقصور، وإما إفراط بالزيادة، وكلاهما إساءة.
ثم قال عز وجل: ﴿قَلِيلًا مَا يَتَذَكَّرُونَ﴾ (يتعظون بالياء والتاء أي: تَذَكُّرُهم قليل جدًّا).
قوله: ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: يتعظون، وفيها قراءتان؛ ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ و﴿تَتَذَكَّرُون﴾، وكلاهما صحيح، سبعية، ثم أشار المؤلف إلى إعراب هذا التركيب، وهو كثير في القرآن، فقال رحمه الله: (أي تَذَكُّرُهم قليل جدًّا) وعلى هذا تكون ﴿مَا﴾ مصدرية؛ أي: تذكُّرهم تذكُّر قليلًا، ولكن الذي يظهر أن قليلًا صفة لموصوف محذوف مفعولًا مطلقًا؛ أي: يتذكرون تذكرًا قليلًا، و﴿مَا﴾ هذه ﴿مَا﴾ زائدة للتوكيد، توكيد أيش؟ توكيد القلة؛ يعني قليلًا قليلًا، وعلى هذا فتكون الجملة مركبة من فعل وفاعل، ومن مفعول مطلق الذي هو ﴿قَلِيلًا﴾؛ لأنه صفة لمصدر محذوف، ومن ﴿مَا﴾ الزائدة للتوكيد.
نعود إلى أخذ الفوائد من الآيتين، يقول عز وجل: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر ٥٧] في هذا إثبات أن السماوات والأرض أعظم من البشر، وهذا واضح، بل إن البشر جزء من الأرض؛ لأنهم خُلقوا من طين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إقامة الحجة على مُنكري البعث؛ لأنكم إذا أقررتم أن الله خالق السماوات والأرض لزمكم أن تقروا بأنه قادر على خلق الناس؛ لأن من قدر على الأعظم فهو على ما دونه أقدر.
وقد أقام الله أيضًا أدلة كثيرة على إثبات البعث؛ منها هذه الآية، وهي الاستدلال بالأعظم على الأدنى، ومنها قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧] ﴿وَهُوَ﴾ الضمير يعود على الإعادة ﴿أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ من الابتداء، وهذا شيء معلوم بالحس والعقل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات البعث، وجه الدلالة؟
* طالب: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [غافر ٥٧] فيها رد على ذكر الأعلى فهو..
* الشيخ: لا، قصدي إثبات البعث، ما هو القدرة على الإعادة.
* الطالب: ﴿أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾؛ لأن المقصود من الآية تقرير البعث.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أكثر الناس في غفلة وجهل؛ لقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر ٥٧]، وهذا يُشبِه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [الأنعام ١١٦] فاحرص على ألا تكون من هؤلاء الذين لا يعلمون.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن العلم في الناس قليل؛ لأنه إذا كان أكثرهم لا يعلم لزم أن يكون الذي يعلم هو الأقل.
فإن قال قائل: هل المراد نفي العلم أو نفي الفائدة فائدة العلم؟
يقال: المراد الأمران، فأكثر الناس في جهل، وأكثر الناس وعندهم علم لم ينتفعوا بعلمهم ولم يستفيدوا منه.
* طالب: (...) قلنا: إنها زائدة.
* الشيخ: نعم، للتوكيد.
* طالب: (...) ما الزائدة (...)؟
* الشيخ: لا، تأتي كثيرًا علامتها أنك لو أسقطتها لتم الكلام بدونها.
* طالب: شيخ، هنا الله تعالى في الآية الثانية مَثَّل للذين آمنوا وعملوا الصالحات والمسيء مَثَّل لهم بالأعمى والبصير، فمثلًا كيف هذا التمثيل بالأعمى والبصير لمن ليس له إرادة في هذا، البصير ليس له إرادة في كونه بصيرًا، كذلك الأعمى بعكس الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم..
* الشيخ: إي نعم، ليس المراد ذم الأعمى والبصير حتى يقال: إنه ليس لهما إرادة، المراد بيان حالهم أنهما لا يستويان بالاتفاق.
* طالب: شيخ -بارك الله فيك- (...) المعصية بعض الناس يقولون يدعون المولى، يقولون: يا رب، لو أطعتك طمعًا في جنتك فاحرمني منها، وإن عصيتك خوفًا من نارك فأدخلني فيها، فقولهم هذا صحيح؟
* الشيخ: هذا منكر، ومن أعظم المنكر، والذي يقوله الصوفية وهم محرومون من الخير، أليس الله قال عن رسوله والذين معه: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح ٢٩]؟
* طالب: بارك الله فيكم، قوله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا». ما يقع في القلب يا شيخ أثناء المصاعب أو ما شاكل من (...) والتألم هذا ينافي الصبر؟
* الشيخ: لا، الحزن على الشيء لا يُنافي الصبر، اللي ينافيه أن يقع في قلبه تسخط على الله.
* الطالب: قد يقع يا شيخ لكن (...) أحيانًا يأتي بهذه الأمور..
* الشيخ: لا، يجب مدافعته، هذا ليس بصابر بل تجب عليه المدافعة، وأن يعلم أن الله عز وجل حكيم، وقد يريد الله بالإنسان خيرًا إذا ابتلاه.
* الطالب: ويش علامة هذا يا شيخ؟
* الشيخ: علامة كيف؟
* الطالب: يعني علامة الإنسان (...) الصبر..
* الشيخ: إذا وجد في نفسه التسخط في قلبه التسخط على الله.
* الطالب: (...) أو مجرد وقوعه؟
* الشيخ: لا، يجب أن يدافعه، إذا كان هجم على قلبه، فالواجب أن يدافع لكن ما أعتقد أن مؤمنًا يتسخط على ربه، نعم، يكره ما حصل، صحيح، كل إنسان يكره ما يحصل له من البلاء، لكن كونه يعتقد أن الله ظلمه، وأن هذا عدوان من الله عليه وما أشبه ذلك، هذا ما أظن أحد يفعله.
* طالب: عمل الكبائر من الأنبياء، ذنوب الكبائر هل يقع؟
* الشيخ: يقع لكن يتوبون منها، فإن موسى قتل نفسًا بغير حق، أو لم يؤذن له فيها.
* طالب: (...) قبل النبوة.
* الشيخ: سواء قبل النبوة أو بعدها؛ ولهذا هو اعتذر في طلب الشفاعة بذلك.
* طالب: (...) ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [غافر ٥٨] (...) بين الإيمان والأعمال الصالحة لأنه ذكر الإيمان وقال: الأعمال الصالحة، هل يجوز (...)؟
* الشيخ: تفاوت؟ معلوم ما فيه شك لكن ترى ما وصلنا إلى الآية هذه، ليش أنت بتسأل عن شيء ما وصلنا له ولا أخذنا فوائده ولا أي شيء؟! انتظروا.
* طالب: (...)
* الشيخ: ما يشترط الحور، إن زوجات الجنة يكون أحسن ما هو (...) فائدة.
* طالب: علمنا.
* الشيخ: علمنا ها الحين، علمنا الحديث فيه شيء من الضعف لكن مثلما قلنا: إن نساء الدنيا أحسن بلا شك، نسأل الله أن يجعلني وإياكم من أهل الجنة.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، سبحان الله! هذه سلمك الله احتفظ بها.
* * *
* طالب: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٩) وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [غافر ٥٩ - ٦٢].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيء﴾ [غافر ٥٨].
* في هذه الآية من الفوائد: أولًا: ضرب الأمثال، وهو إلحاق المعقول بالمحسوس، وجه ذلك: أن انتفاء الاستواء في الأعمى والبصير أمر معلوم بالحس، وانتفاء استواء الذين آمنوا وعملوا الصالحات والمسيء أمر معلوم بالعقل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي لِمُعلِّم الناس أن يربط المعقولات بالمحسوسات؛ لأن ذلك أقرب إلى الفهم وأدعى إلى التصديق؛ إذ إن المحسوس لا يُنكر، لكن المعقول قد يكابِر فيه من يُكابِر وينكره.
* من فوائد الآية الكريمة: نفي المساواة بين الأمور المختلفة، وهذا من قواعد الشريعة؛ أنها لا تساوي بين مختلِفين، ولا تجمع بين مفترقين، ومنها: أن من الناس من يطنطن ويقول: إن الدين الإسلامي دين المساواة وهذا خطأ؛ الدين الإسلامي دين العدل وليس دين المساواة، الذين يقولون: إنه دين المساواة، يريدون أن يتحولوا من هذا إلى التسوية بين الرجل والمرأة وبين الشريف والوضيع، وهذا خطأ، فإن الله تعالى جعل لكل إنسان ما يليق به شرعًا وقدرًا؛ ولهذا لم يأتِ حرف واحد في القرآن فيه أن الناس سواء أبدًا، أكثر ما يوجد في القرآن نفي الاستواء؛ أي نفي المساواة، لكن العدل جاء في القرآن ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل ٩٠] ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء ٥٨] ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة ٨]، إلى غير ذلك من الآيات؛ وذلك لأن العدل يعني أن نُنَزِّل كل إنسان منزلته، فإذا استوى إنسانان في منزلة ساوينا بينهما في الحكم، وإذا اختلفا فرقنا بينهما، والعجب أن كثيرًا من كتب المتأخرين يقولون بذلك، وهذا أمر قد يدعو أيضًا إلى التسوية بين المؤمن والكافر؛ لأن كلًّا منهما إنسان بشر، لكن إذا قلنا: العدل صار الكافر لا يمكن أن نلحقه بالمسلم؛ لأن ذلك جور وظُلْم في حق المسلم وغُلُو وإفراط في حق الكافر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الإيمان والعمل الصالح وسوء العمل السيئ؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ﴾ [غافر ٥٨].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كثيرًا من الناس لا يتذكرون إلا قليلًا؛ لقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [غافر ٥٨].
* ومن فوائدها: أن في هذه الآية شاهدًا؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام ١١٦]، وقوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِين﴾ [يوسف ١٠٣].
غافر 40:58
ثم قال الله تبارك وتعالى بعد الآية التي تم أخذ الفوائد منها: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر ٥٧] اللام هنا لام الابتداء وتفيد التوكيد، و(خلق) مبتدأ، و﴿أَكْبَرُ﴾ خبر المبتدأ. ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ هي السبع الطباق، ﴿وَالْأَرْضِ﴾ هي الأرض التي نحن عليها، وقد جاءت السنة بأنها سبع، تصريحًا كما في قول النبي ﷺ: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٥٢)، ومسلم (١٦١٠ / ١٣٧) من حديث سعيد بن زيد.]]. أومأ القرآن إلى ذلك في قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢]؛ لأن المماثلة هنا لا يمكن أن تكون في الصفة لظهور الفرق بين السماوات والأرض لكنها مثلها في العدد.
﴿أَكْبَرُ﴾ خبر المبتدأ؛ أي ﴿أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾؛ يعني من إيجاد الناس، ابتداءً أو إعادة؟ ابتداءً وإعادة، إيجاد السماوات والأرض أكبر من إيجاد الناس ابتداءً وإعادة.
يقول: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر ٥٧] يقول المؤلف رحمه الله: ونزل في منكر البعث (﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ابتداء ﴿أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ مرة ثانية). فقيَّد خلق الناس في المرة الثانية وهي الإعادة بناءً على أن الآية نزلت في منكر البعث. والصواب أن الآية نزلت فيما هو أعم، نزلت في منكر البعث، وفي بيان قدرة الله عز وجل.
وعلى هذا فنقول: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ابتداء ﴿أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ ابتداء وإعادة.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ قال المؤلف المفسر: (أي كفار مكة). ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ وفي هذا التفسير قصور؛ لأن أكثر الناس أعم من كونهم من مكة أو غيرها، أكثر الناس لا يعلمون، لماذا لا يعلمون؟ لأنهم لا يتفكرون في خلق السماوات والأرض، فهم جاهلون لا يعلمون ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ﴾ [غافر ٥٨]، هذان مثلان بيَّنهما الله عز وجل؛ الأول: الأعمى والبصير هل يستويان؟ لا، لا يستويان، ولا أحد من الناس يقول: إنهما يستويان، ولا ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ﴾ يعني إذا تقرر أنه لا يستوي الأعمى والبصير فكذلك لا يستوي الذين آمنوا وعملوا الصالحات والمسيء لا يمكن.
قال المؤلف: (فهم -أي الذين لا يهتدون- كالأعمى ومن يعلمه كالبصير) جاء بذلك المؤلف توطئة لبيان مناسبة الآية لما قبلها، ولكن قد يقال: إن الاستئناف بَيَّن الله فيه أنه لا يستوي هؤلاء وهؤلاء. (﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ ولا ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ وهو المحسن ﴿وَلَا الْمُسِيءُ﴾ فيه زيادة لا).
وكأن التقدير على كلام المؤلف: ولا الذين آمنوا وعملوا الصالحات والمسيء، وهذا المعنى واضح لكن قوله: (وهو محسِن) يعني أن الذي آمن وعمل الصالحات محسن؛ لقوله ﷺ: «الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]].
وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ﴿آمَنُوا﴾ بالقلب ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ بالجوارح، وذلك أن الإيمان متى وقر في القلب صدقته الأعمال.
وقوله: ﴿الصَّالِحَاتِ﴾ وصف لموصوف محذوف، والتقدير: الأعمال الصالحات، والعمل الصالح ما اجتمع فيه أمران؛ الأول: الإخلاص لله عز وجل، والثاني: المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فبفقد الأول يكون الشِّرْك، وبفقد الثاني تكون البِدْعة، والله سبحانه وتعالى لا يقبل عملًا أشرك فيه معه غيره، ولا يقبل بدعة ابتدعها أحد في دينه، قال الله تبارك وتعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]. وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٧) من حديث عائشة.]].
إذن فلا بد من إخلاص لا شِرْك معه ومتابعة لا ابتداع معها، وبذلك يكون العمل صالِحًا ﴿وَلَا الْمُسِيءُ﴾ يعني فاعل السيئات، والسيئات هي إما تفريط أو إفراط؛ إما تفريط بالنقص والقصور، وإما إفراط بالزيادة، وكلاهما إساءة.
ثم قال عز وجل: ﴿قَلِيلًا مَا يَتَذَكَّرُونَ﴾ (يتعظون بالياء والتاء أي: تَذَكُّرُهم قليل جدًّا).
قوله: ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: يتعظون، وفيها قراءتان؛ ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ و﴿تَتَذَكَّرُون﴾، وكلاهما صحيح، سبعية، ثم أشار المؤلف إلى إعراب هذا التركيب، وهو كثير في القرآن، فقال رحمه الله: (أي تَذَكُّرُهم قليل جدًّا) وعلى هذا تكون ﴿مَا﴾ مصدرية؛ أي: تذكُّرهم تذكُّر قليلًا، ولكن الذي يظهر أن قليلًا صفة لموصوف محذوف مفعولًا مطلقًا؛ أي: يتذكرون تذكرًا قليلًا، و﴿مَا﴾ هذه ﴿مَا﴾ زائدة للتوكيد، توكيد أيش؟ توكيد القلة؛ يعني قليلًا قليلًا، وعلى هذا فتكون الجملة مركبة من فعل وفاعل، ومن مفعول مطلق الذي هو ﴿قَلِيلًا﴾؛ لأنه صفة لمصدر محذوف، ومن ﴿مَا﴾ الزائدة للتوكيد.
نعود إلى أخذ الفوائد من الآيتين، يقول عز وجل: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر ٥٧] في هذا إثبات أن السماوات والأرض أعظم من البشر، وهذا واضح، بل إن البشر جزء من الأرض؛ لأنهم خُلقوا من طين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إقامة الحجة على مُنكري البعث؛ لأنكم إذا أقررتم أن الله خالق السماوات والأرض لزمكم أن تقروا بأنه قادر على خلق الناس؛ لأن من قدر على الأعظم فهو على ما دونه أقدر.
وقد أقام الله أيضًا أدلة كثيرة على إثبات البعث؛ منها هذه الآية، وهي الاستدلال بالأعظم على الأدنى، ومنها قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧] ﴿وَهُوَ﴾ الضمير يعود على الإعادة ﴿أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ من الابتداء، وهذا شيء معلوم بالحس والعقل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات البعث، وجه الدلالة؟
* طالب: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [غافر ٥٧] فيها رد على ذكر الأعلى فهو..
* الشيخ: لا، قصدي إثبات البعث، ما هو القدرة على الإعادة.
* الطالب: ﴿أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾؛ لأن المقصود من الآية تقرير البعث.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أكثر الناس في غفلة وجهل؛ لقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر ٥٧]، وهذا يُشبِه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [الأنعام ١١٦] فاحرص على ألا تكون من هؤلاء الذين لا يعلمون.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن العلم في الناس قليل؛ لأنه إذا كان أكثرهم لا يعلم لزم أن يكون الذي يعلم هو الأقل.
فإن قال قائل: هل المراد نفي العلم أو نفي الفائدة فائدة العلم؟
يقال: المراد الأمران، فأكثر الناس في جهل، وأكثر الناس وعندهم علم لم ينتفعوا بعلمهم ولم يستفيدوا منه.
* طالب: (...) قلنا: إنها زائدة.
* الشيخ: نعم، للتوكيد.
* طالب: (...) ما الزائدة (...)؟
* الشيخ: لا، تأتي كثيرًا علامتها أنك لو أسقطتها لتم الكلام بدونها.
* طالب: شيخ، هنا الله تعالى في الآية الثانية مَثَّل للذين آمنوا وعملوا الصالحات والمسيء مَثَّل لهم بالأعمى والبصير، فمثلًا كيف هذا التمثيل بالأعمى والبصير لمن ليس له إرادة في هذا، البصير ليس له إرادة في كونه بصيرًا، كذلك الأعمى بعكس الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم..
* الشيخ: إي نعم، ليس المراد ذم الأعمى والبصير حتى يقال: إنه ليس لهما إرادة، المراد بيان حالهم أنهما لا يستويان بالاتفاق.
* طالب: شيخ -بارك الله فيك- (...) المعصية بعض الناس يقولون يدعون المولى، يقولون: يا رب، لو أطعتك طمعًا في جنتك فاحرمني منها، وإن عصيتك خوفًا من نارك فأدخلني فيها، فقولهم هذا صحيح؟
* الشيخ: هذا منكر، ومن أعظم المنكر، والذي يقوله الصوفية وهم محرومون من الخير، أليس الله قال عن رسوله والذين معه: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح ٢٩]؟
* طالب: بارك الله فيكم، قوله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا». ما يقع في القلب يا شيخ أثناء المصاعب أو ما شاكل من (...) والتألم هذا ينافي الصبر؟
* الشيخ: لا، الحزن على الشيء لا يُنافي الصبر، اللي ينافيه أن يقع في قلبه تسخط على الله.
* الطالب: قد يقع يا شيخ لكن (...) أحيانًا يأتي بهذه الأمور..
* الشيخ: لا، يجب مدافعته، هذا ليس بصابر بل تجب عليه المدافعة، وأن يعلم أن الله عز وجل حكيم، وقد يريد الله بالإنسان خيرًا إذا ابتلاه.
* الطالب: ويش علامة هذا يا شيخ؟
* الشيخ: علامة كيف؟
* الطالب: يعني علامة الإنسان (...) الصبر..
* الشيخ: إذا وجد في نفسه التسخط في قلبه التسخط على الله.
* الطالب: (...) أو مجرد وقوعه؟
* الشيخ: لا، يجب أن يدافعه، إذا كان هجم على قلبه، فالواجب أن يدافع لكن ما أعتقد أن مؤمنًا يتسخط على ربه، نعم، يكره ما حصل، صحيح، كل إنسان يكره ما يحصل له من البلاء، لكن كونه يعتقد أن الله ظلمه، وأن هذا عدوان من الله عليه وما أشبه ذلك، هذا ما أظن أحد يفعله.
* طالب: عمل الكبائر من الأنبياء، ذنوب الكبائر هل يقع؟
* الشيخ: يقع لكن يتوبون منها، فإن موسى قتل نفسًا بغير حق، أو لم يؤذن له فيها.
* طالب: (...) قبل النبوة.
* الشيخ: سواء قبل النبوة أو بعدها؛ ولهذا هو اعتذر في طلب الشفاعة بذلك.
* طالب: (...) ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [غافر ٥٨] (...) بين الإيمان والأعمال الصالحة لأنه ذكر الإيمان وقال: الأعمال الصالحة، هل يجوز (...)؟
* الشيخ: تفاوت؟ معلوم ما فيه شك لكن ترى ما وصلنا إلى الآية هذه، ليش أنت بتسأل عن شيء ما وصلنا له ولا أخذنا فوائده ولا أي شيء؟! انتظروا.
* طالب: (...)
* الشيخ: ما يشترط الحور، إن زوجات الجنة يكون أحسن ما هو (...) فائدة.
* طالب: علمنا.
* الشيخ: علمنا ها الحين، علمنا الحديث فيه شيء من الضعف لكن مثلما قلنا: إن نساء الدنيا أحسن بلا شك، نسأل الله أن يجعلني وإياكم من أهل الجنة.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، سبحان الله! هذه سلمك الله احتفظ بها.
* * *
* طالب: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٩) وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [غافر ٥٩ - ٦٢].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيء﴾ [غافر ٥٨].
* في هذه الآية من الفوائد: أولًا: ضرب الأمثال، وهو إلحاق المعقول بالمحسوس، وجه ذلك: أن انتفاء الاستواء في الأعمى والبصير أمر معلوم بالحس، وانتفاء استواء الذين آمنوا وعملوا الصالحات والمسيء أمر معلوم بالعقل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي لِمُعلِّم الناس أن يربط المعقولات بالمحسوسات؛ لأن ذلك أقرب إلى الفهم وأدعى إلى التصديق؛ إذ إن المحسوس لا يُنكر، لكن المعقول قد يكابِر فيه من يُكابِر وينكره.
* من فوائد الآية الكريمة: نفي المساواة بين الأمور المختلفة، وهذا من قواعد الشريعة؛ أنها لا تساوي بين مختلِفين، ولا تجمع بين مفترقين، ومنها: أن من الناس من يطنطن ويقول: إن الدين الإسلامي دين المساواة وهذا خطأ؛ الدين الإسلامي دين العدل وليس دين المساواة، الذين يقولون: إنه دين المساواة، يريدون أن يتحولوا من هذا إلى التسوية بين الرجل والمرأة وبين الشريف والوضيع، وهذا خطأ، فإن الله تعالى جعل لكل إنسان ما يليق به شرعًا وقدرًا؛ ولهذا لم يأتِ حرف واحد في القرآن فيه أن الناس سواء أبدًا، أكثر ما يوجد في القرآن نفي الاستواء؛ أي نفي المساواة، لكن العدل جاء في القرآن ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل ٩٠] ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء ٥٨] ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة ٨]، إلى غير ذلك من الآيات؛ وذلك لأن العدل يعني أن نُنَزِّل كل إنسان منزلته، فإذا استوى إنسانان في منزلة ساوينا بينهما في الحكم، وإذا اختلفا فرقنا بينهما، والعجب أن كثيرًا من كتب المتأخرين يقولون بذلك، وهذا أمر قد يدعو أيضًا إلى التسوية بين المؤمن والكافر؛ لأن كلًّا منهما إنسان بشر، لكن إذا قلنا: العدل صار الكافر لا يمكن أن نلحقه بالمسلم؛ لأن ذلك جور وظُلْم في حق المسلم وغُلُو وإفراط في حق الكافر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الإيمان والعمل الصالح وسوء العمل السيئ؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ﴾ [غافر ٥٨].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كثيرًا من الناس لا يتذكرون إلا قليلًا؛ لقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [غافر ٥٨].
* ومن فوائدها: أن في هذه الآية شاهدًا؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام ١١٦]، وقوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِين﴾ [يوسف ١٠٣].
غافر 40:59
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ [غافر ٥٩] هذه الجملة مؤكدة بمؤكدين هما (إن) و(اللام) ثم أُكِّد هذا التأكيد بقوله وهو تأكيد معنوي والأول تأكيد لفظي ﴿لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ ﴿رَيْبَ﴾ (شك) ﴿فِيهَا﴾ أي: في إتيانها ووقوعها، والمراد بالساعة اليوم الذي يُبعث فيه الناس، وسمي ساعة؛ لأن الناس يُطلقون الساعة على الأمر الذي يَدْهى الناس، ويفجعهم حتى لا يشعرون به، والريب فسره المؤلف بالشك، وهو تفسير قريب لكنك تجد فرقًا يسيرًا لطيفًا بينهما؛ أي: بين الريب والشك، وهو أن الريب شك باضطراب وتردد.
فقول القائل: ارتاب، ليس بالتحديد كقوله: شك، بل الارتياب يحمل قلقًا واضطرابًا فهو إذن أخص من الشك، فكل ريب شك، وليس كل شك ريبًا لكن العلماء رحمهم الله يُفسِّرون الشيء بمقاربه، لكن الناس يفسرون الشيء بما يقاربه.
وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [غافر ٥٩] لا يؤمنون بأيش؟ بإتيان الساعة؛ ولهذا أُكِّد لهم إتيانها، ولما كان أكثر الناس لا يؤمنون بها كان أكثر الناس كافرين؛ لأن الإيمان بالساعة له أثر عظيم في تحقيق الإيمان، فإن مَنْ لم يؤمن بالساعة لا يعمل لأي شيء يعمل وهو لا يؤمن بيوم الحساب؟ ومن آمن بيوم الحساب كان حريصًا على أن ينجو من وبال هذا اليوم.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٩) وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر ٥٩، ٦٠] لما ذكر الساعة ذكر ما يكون به الوقاية من وبالها وهو دعاء الله، فقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي﴾ وأتى بالجملة بصيغة الغَيْبة تعظيمًا له عز وجل ﴿قَالَ رَبُّكُمُ﴾ ولم يقل: أقول، أو قلنا، أو ما أشبه ذلك تعظيمًا لله.
﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ﴿ادْعُونِي﴾ أمر و﴿أَسْتَجِبْ﴾ جوابه، جواب الطلب، والدعوة هنا تشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة، فدعاء المسألة أن يقول الإنسان: يا ربِّ اغفر لي، ودعاء العبادة أن يتعبد لله سبحانه وتعالى بما شرع، وإنما كانت العبادة دعاءً؛ لأنها متضمنة لطلب الإنسان النجاة من النار، ودخول الجنة، أليس كذلك؟ لو سألت كل عابد: لماذا تعبد الله؟ قال: أريد أن أنجو من النار وأدخل في رحمة الله، إذن فهو متضمن للدعاء بلسان الحال.
وقوله: ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ نفسرها في مقابل دعاء المسألة بأعطكم ما سألتم ونفسرها بدعاء العبادة؛ بالقبول يعني أتقبل منكم فاستجابة الله تعالى لدعاء المسألة أن يعطي السائل ما سأل واستجابته لدعاء العبادة أن يتقبل من العابد، قال المفسر: (أي اعبدوني أُثبْكم بقرينة ما بعده)، وهذا التفسير بناءً على ما سمعتم بماذا تصفونه؟ بالقُصور، يعتبر تفسيرًا قاصرًا، وأما ما بعده فليس قرينة لتخصيصه بهذا، بل نقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر ٦٠] تدل على أن الدعاء عبادة؛ لأنه قال: ﴿ادْعُونِي﴾، ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾. ولا شك أن الذي يستكبر عن دعاء الله، ويرى أنه غني عن الله وليس محتاجًا إليه لا شك أنه مستحق لهذا الوعيد؛ وهو أنه سيدخل جهنم صاغرًا.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ هذا من جملة المقول ﴿سَيَدْخُلُونَ﴾ (بفتح الياء وضم الخاء وبالعكس) اعكس ﴿يُدْخَلُونَ﴾ وهما قراءتان سبعيتان صحيحتان.
﴿جَهَنَّمَ﴾ اسم للنار، وهو اسم مُعرَّب، وأصله على ما قيل: (كَهَنَّام)، وقيل: بل هو عربي، والنون فيه زائدة، وأصله من (الْجُهْمَة) يعني الظُّلْمة، وأيًّا كان فهو علم على النار، أجارنا الله وإياكم منها.
وقوله: ﴿دَاخِرِينَ﴾ صاغرين، الداخر: الصاغر.
نعود إلى فوائد الآيتين الكريمتين؛ الأولى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ [غافر ٥٩].
* من فوائدها: ثبوت قيام الساعة ثبوتًا مؤكدًا؛ لقوله: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ [غافر ٥٩].
* ومن فوائدها: التحذير من إهمال هذه الساعة، وعدم العمل لها؛ لقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
* ومن فوائدها: وجوب الإيمان بالبعث.
ومن فوائدها: وجوب الإيمان بالبعث؛ لأنه خبر من الله مؤكد، وكل أخبار الله تعالى صدق، وكل وعد الله حق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: النهي عن الارتياب في هذه الساعة؛ لأن قوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الكهف ٢١] يحتمل أن يكون خبرًا مجردًا للتأكيد ويحتمل أن يكون خبرًا بمعنى النهي؛ أي: فلا ترتابوا فيها، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة ٢] فإن فيه تفسيرين:
الأول: أنه خبر محض، والثاني: أنه خبر بمعنى النهي؛ أي: لا ترتابوا فيه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أكثر الناس لا يؤمنون بهذه الساعة وينكرونها يقولون: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨]، ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية ٢٤].
* ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على كلمة مشهورة، بل إبطال الكلمة المشهورة؛ وهو أن الإنسان إذا مات قالوا: عاد إلى مثواه الأخير، فإن هذه جملة باطلة؛ لأن القبر ليس المثوى الأخير، المثوى الأخير هو الجنة أو النار، أما القبر فإنه زيارة، معبر، كما أن الدنيا معبر كذلك القبر معبر، ولهذا سمع أعرابي قارئًا يقرأ قول الله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر ١، ٢] فقال الأعرابي: والله ما الزائر بمقيم، وإن هناك شيئًا وراء القبور؛ منين استنبط: ﴿زُرْتُمُ﴾، الزائر يبقى مدة ثم يرتحل.
إذن إذا سمعنا من يقول: إن هذا دفن في مثواه الأخير. أو ما أشبه ذلك، فإننا ننكر عليه، ونقول: اعدل عن هذه الكلمة؛ لأنها كلمة مضمونها لو اعتقده القائل لكان كافرًا.
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر ٦٠] إلى آخره.
* من فوائد الآية الكريمة: إثبات القول لله عز وجل، وهذا القول هل هو قول نفسي لا يظهر أو هو قول ظاهر؟ الثاني، قول ظاهر؛ لأن القول النفسي إذا أُريد قُيِّد، كما في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة ٨]، ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ [آل عمران ١٥٤]، فإذا أُطلق القول صار المراد به الكلام المسموع، وهذا قول السلف وأئمة الخلف؛ أن الله يتكلم ويقول بقول مسموع وبحرف؛ لأن ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر ٦٠] هذه كلمات مركبة من حروف أو لا؟ إذن يتكلم بحرف وصوت عز وجل.
وقول من قال: إن كلام الله هو المعنى القائم بالنفس، وأن ما يُسمع عبارة عن كلام الله، خلقه الله ليسمعه الناس، وإلا فإن كلامه ما في نفسه فقط. باطل؛ أي: هذا قول باطل؛ لأننا إذا فسرنا القول بهذا صار معناه العلم وليس القول.
والآن نريد أن نقارن بين قولين: قول يقول: ما في المصحف فهو كلام الله مخلوق. وقول آخر يقول: ما في المصحف فهو عبارة عن كلام الله مخلوق، أيهما أقرب إلى الصواب؟
* طلبة: الأول.
* الشيخ: الأول، الأول قول الجهمية والمعتزلة، والثاني قول الأشاعرة، فتبيَّن الآن أن قول المعتزلة والجهمية في كلام الله خير من قول الأشاعرة، مع أن الأشاعرة يدعون أنهم من أهل السنة والجماعة، وكيف يكون هذا؟ إذن نثبت من هذه الآية القول لله، والقول لا يكون إلا بنطق مسموع وبحروف.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان عظمة الرب وتعاظمه، من قوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ﴾ [غافر ٦٠]، فإن هذه الصيغة تدل على عظمة القائل عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الربوبية لله، وهي تنقسم إلى قسمين: عامة وخاصة.
فالعامة: الشاملة للخلق، وهي تربية الخلق بالنعم، وتغذيتهم بالنعم، والخاصة: هي تربية عباد الله المؤمنين حيث رباهم الله عز وجل على ما يُحِب.
وقد اجتمع النوعان في قوله تعالى عن السحرة -سحرة آل فرعون-: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢] أيهما العامة؟ الأول (رب العالمين)، ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ خاصة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب دعاء الله أو استحباب دعاء الله؟
* طلبة: وجوب دعاء الله.
* الشيخ: من أين تأخذها؟ من قوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ لأنها تتضمن: لا تدعوا غيري.
* من فوائد الآية الكريمة: أن الله تكفل ووعد الداعي بأنه مُجاب لقوله: ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، فإن قال قائل: ندعو كثيرًا ولا نرى إجابة، ونعمل كثيرًا ولا نحس بقبول، فما الجواب؟
الجواب أن نقول: الأسباب لا تؤثر إلا إذا وجدت محلًّا قابلًّا، أرأيتم السكين إذا قَدَدْتَ بها اللحم ينقطع أو لا؟ ينقطع، إذا قددت بها الحديد لا ينقطع، مع أنها في اللحم بَتَّارة وفي الحديد ما تعمل شيئًا، فالسبب لا بد أن يكون له محل قابل، وإلا فلا أثر له، ففي العبادة يعبد الإنسان ربه ولا يشعر بالقبول لوجود سبب يمنع ذلك؛ إما فوات شرط أو ركن أو واجب، أو حدوث مُفْسد، أليس كذلك؟ وإلا لو أنا أقمنا العبادات على ما طُلِب منا لوجدنا لها أثرًا ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت ٤٥]، من مِنا يشعر إذا صلى بكراهة الفحشاء والمنكر؟ والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فلماذا لا نشعر بهذا؟ لأننا مقصرون.
في الدعاء دائمًا ندعو الله عز وجل ولا نرى إجابة، فنقول فيها كما قلنا في الأول: إن السبب لا بد له من محل قابل، فإذا دعا الإنسان ربه لكن قد فاته شيء من آداب الدعاء الواجبة أو المستحبة، أو وُجد مانع يمنع من قبول الدعاء، فليس الخلل في الدعاء، بل الخلل في الداعي والمحل.
ولنضرب مثلًا بإنسان دعا وهو لا يشعر بالافتقار إلى الله عز وجل، ولا يشعر بالفرار إلى الله، فهذا دعاؤه ناقص جدًّا، إذا قلت: رب اغفر لي مثلًا، لا بد أن تشعر أن هناك ذنوبًا تحتاج إلى مغفرة، وأنك في أشد ما يكون من الضرورة إلى مغفرة هذه الذنوب؛ لأن هذه الذنوب إذا لم تُغفر فيا ويلك، ذنب مع ذنب يكون كبيرة، ولهذا نهى الرسول عليه الصلاة والسلام عن مُحقرات الذنوب، وقال: «إِنَّ مَثَلَهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا أَرْضًا فَأَتَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِعُودٍ، فَجَمَعُوا حَطَبًا كثيرًا وَأَضْرَمُوا نَارًا كَبِيرَةً»[[أخرج أحمد (٢٦٧٩ / ٨) عن عبد الله بن مسعود، أن رسول الله ﷺ قال: «إياكم ومحَقَّرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه»، وإن رسول الله ﷺ ضرب لهن مثلًا: كمثل قوم نزلوا أرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق، فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سوادًا، فأججوا نارًا، وأنضجوا ما قذفوا فيها.]]، مع أن الواحد منهم أتى بعود واحد، فالمهم أنك لا بد أن تشعر حين الدعاء أنك في غاية الضرورة إلى الله عز وجل.
ثانيًا: من الآداب التي فَقْدُها سبب لمنع الإجابة أن يكون عندك شك في استجابة الله لدعائك، مثل أن تستعظم المدعو به، تستعظمه تقول: هذا ما هو حاصل، فهذا غلط، هذا مما يمنع الإجابة، ولهذا «نهى النبي ﷺ عن قول القائل: اللهم اغفر لي إن شِئْتَ، وقال: «لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ وَلْيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ»[[أخرج مسلم (٣٨١٧) بسنده عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ، قال: «إذا دعا أحدكم فلا يقل: اللهم اغفر لي إن شئت، ولكن ليعزم المسألة وليعظم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه».]].
كذلك أيضًا من أسباب منع الإجابة أن يدعو الإنسان بإثم أو قطيعة رحم، فيدعو بإثم مثل أن يدعو على شخص لا يستحق الدعاء عليه، فهذا إثم، كأن يدعو على ولي أمر أساء في مسألة من المسائل، فيقول: اللهم لا توفقه وما أشبه ذلك، اعتداء في الدعاء، إذا رأيت ولي أمر صغيرًا كان أو كبيرًا أخطأ فليس علاجه أن تقول: اللهم لا توفقه، علاجه أن تقول: اللهم وفقه، يصلح ويصلح الله به، هذا من الاعتداء في الدعاء الذي لا يُقبل؛ من الاعتداء في الدعاء قطيعة الرحم، أن تدعو بقطيعة رحم أيضًا لا يُقبل، دعاء الظالم على مظلومه؟
* طالب: لا يقبل.
* الشيخ: ليش؟ لأنه إثم.
رابعًا: من موانع القبول أكل الحرام، أكل الحرام من موانع القبول؛ «لأن النبي ﷺ ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب » -كل هذه الوجوه الأربعة من أسباب إجابة الدعاء- «ومطعمه حرام، وملبسه حرام، وغُذِّي بالحرام، قال النبي ﷺ: «فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ»[[أخرجه مسلم (١٠١٥ / ٦٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، هذه كلها تمنع أو تحول بين الإنسان وبين قبول دعائه واستجابة الله له.
فإذا لم يوجد موانع، وكان المحل صالحًا وقابلًا، بقي عاد ما فوق ذلك، السبب الآن وافٍ ومتوفر، لكن بقي شيء وراء ذلك وهو مشيئة الله عز وجل،« قد يدفع الله عن الإنسان من الشر ما هو أعظم مما طلب، وقد يجيب ما طلب، وقد يدخر ذلك له أجرًا يوم القيامة » كما جاء في الحديث[[أخرج الترمذي (٣٦٠٤) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من رجل يدعو الله بدعاء إلا استجيب له، فإما أن يُعَجَّل في الدنيا، وإما أن يُدَّخر له في الآخرة، وإما أن يُكَفَّر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم أو يستعجل». قالوا: يا رسول الله، وكيف يستعجل؟ قال: يقول: «دعوت ربي فما استجاب لي».]]، وإلا فنحن واثقون غاية الثقة من صدق قوله تعالى: ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، وأنه لا بد أن يكون، وأظن أنه لا يُمكننا أن نكمل بقية الفوائد، فلنقتصر على هذا، نعم.
* طالب: أحسن الله إليكم، هل ما يقوم بالقلب أو بالنفس يُسَمَّى قولًا يا شيخ؟
* الشيخ: لا، إلا إذا قُيد، فقيل: قال في نفسه؛ «مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٦٩)، ومسلم (١٢٧ / ٢٠١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
* الطالب: قول الأشاعرة: ما يقوم بالنفس، هل كلامهم صحيح هذا؟
* الشيخ: لا، غير صحيح، هذا كلام باطل، ولهذا الآن وازنَّا بين قولهم وبين قول المعتزلة، فصار قول المعتزلة أقرب إلى الصواب منهم؛ لأنهم يقولون: هذا اللي في المصحف كلام الله مخلوق، وهو كلام الله حقيقة لكنه مخلوق، وأولئك يقولون: مخلوق وعبارة عن كلام الله.
* طالب: أحسن الله إليكم، قول عمر رضي الله عنه: لا أحمل هم الإجابة ولكن أحمل هم الدعاء، يقصد (...)؟
* الشيخ: إي نعم، يقصد أن الإنسان قد لا تتوفر له أسباب القبول، وأنتم الآن حاسبوا أنفسكم، هل أنت إذا كنت في الصلاة وقلت: رب اغفر لي وارحمني بين السجدتين، هل تشعر بأن هناك ذنوبًا ثقيلة تسأل الله الخلاص منها؟ أو أنها كلمة تقولها لتأتي بالواجب، الواقع أننا إذا حاسبنا أنفسنا وجدنا عندنا نقصًا عظيمًا، الإنسان إذا دعا الله عز وجل بمجرد دعاء الله يستنير قلبه؛ لأن الدعاء عبادة، ولكن نسأل الله أن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، هذه تأتي إن شاء الله بالفوائد.
* طالب: لماذا لا نقول إن الله عز وجل (...).
* الشيخ: لا؛ لأن هناك ضوابط كما سمعتم؛ أكل الحرام، إذا دعا بإثم أو قطيعة رحم، إذا كان قلبًا غافلًا لاهيًا، إذا شك في الأمر، هناك ضوابط معروفة من الشرع.
* الطالب: (...).
* الشيخ: اقرأ اللي بعدها: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة ١٨٦].
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، هل استجاب لله في آداب الدعاء وفي غيره؟ يجب أن تعلموا جميعًا أن الإطلاقات في موضع لا بد أن تُقَيَّد بما دل على التقييد في موضع آخر؛ لأن الشريعة واحدة، خرجت من مشكاة واحدة.
* طالب: قلنا: إن الإنسان لا يتعرض للدعاء حتى يفهم الدعاء، فمثلًا إنسان يكون عارفًا أن هذا الشيء صعب عليه..
* الشيخ: صعب على من؟
* الطالب: عليه هو.
* الشيخ: عليه هو؟! هو لو كان سهلًا عليه ما احتاج إلى الدعاء، يفعله.
* الطالب: يدعو به؟
* الشيخ: يدعو، إلا الاعتداء في الدعاء هذا ما يُقبل، لو قال: اللهم إني أسألك أن تجعلني من الرسل الكرام، ويش نقول؟
* طلبة: اعتداء.
* الشيخ: هذا اعتداء في الدعاء، اللهم اجعلني لا أذنب ذنبًا، عدوان في الدعاء، أو يقول: اللهم إني أسألك أن تقلب هذا المسجد من ذهب وزمرد، الله على كل شيء قدير، كن فيكون، لكن هذا خلاف العادة، وهو أيضًا في الغالب لا فائدة منه.
* طالب: (...).
* الشيخ: هذا ممكن، ما فيه شيء، الله يجعلك كسيبويه في النحو، وكابن تيمية في العلم، آمين، ونحن إن شاء الله، يقولون إنه سُمِع واحد يطوف بالكعبة، فسمعه شخص وهو يقول: اللهم إني أسالك نحوًا كنحو ابن هشام، وفقهًا كفقه شيخ الإسلام، الله علة كل شيء قدير.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر ٦٤].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر ٦٠] هذه الآية سبق الكلام عليها، أليس كذلك؟ وذكرنا فوائدها.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ في هذا وعد الله سبحانه وتعالى لكل داعٍ أن يستجيب له، ولكن لا بد من شروط أظننا ذكرناها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الذين يستكبرون عن عبادة الله سيدخلون جهنم على وجه الذل والصغار لقوله: ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾.
* ومن فوائدها: أن الجزاء من جنس العمل؛ يعني العقوبة تقابل الجرم؛ لأنهم لما استكبروا في الدنيا أُدخلوا النار صاغرين في الآخرة ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات النار لقوله: ﴿جَهَنَّمَ﴾.
* ومن فوائدها: أن الدعاء من العبادة؛ لقوله: ﴿ادْعُونِي﴾ ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾.
غافر 40:60
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ [غافر ٥٩] هذه الجملة مؤكدة بمؤكدين هما (إن) و(اللام) ثم أُكِّد هذا التأكيد بقوله وهو تأكيد معنوي والأول تأكيد لفظي ﴿لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ ﴿رَيْبَ﴾ (شك) ﴿فِيهَا﴾ أي: في إتيانها ووقوعها، والمراد بالساعة اليوم الذي يُبعث فيه الناس، وسمي ساعة؛ لأن الناس يُطلقون الساعة على الأمر الذي يَدْهى الناس، ويفجعهم حتى لا يشعرون به، والريب فسره المؤلف بالشك، وهو تفسير قريب لكنك تجد فرقًا يسيرًا لطيفًا بينهما؛ أي: بين الريب والشك، وهو أن الريب شك باضطراب وتردد.
فقول القائل: ارتاب، ليس بالتحديد كقوله: شك، بل الارتياب يحمل قلقًا واضطرابًا فهو إذن أخص من الشك، فكل ريب شك، وليس كل شك ريبًا لكن العلماء رحمهم الله يُفسِّرون الشيء بمقاربه، لكن الناس يفسرون الشيء بما يقاربه.
وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [غافر ٥٩] لا يؤمنون بأيش؟ بإتيان الساعة؛ ولهذا أُكِّد لهم إتيانها، ولما كان أكثر الناس لا يؤمنون بها كان أكثر الناس كافرين؛ لأن الإيمان بالساعة له أثر عظيم في تحقيق الإيمان، فإن مَنْ لم يؤمن بالساعة لا يعمل لأي شيء يعمل وهو لا يؤمن بيوم الحساب؟ ومن آمن بيوم الحساب كان حريصًا على أن ينجو من وبال هذا اليوم.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٩) وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر ٥٩، ٦٠] لما ذكر الساعة ذكر ما يكون به الوقاية من وبالها وهو دعاء الله، فقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي﴾ وأتى بالجملة بصيغة الغَيْبة تعظيمًا له عز وجل ﴿قَالَ رَبُّكُمُ﴾ ولم يقل: أقول، أو قلنا، أو ما أشبه ذلك تعظيمًا لله.
﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ﴿ادْعُونِي﴾ أمر و﴿أَسْتَجِبْ﴾ جوابه، جواب الطلب، والدعوة هنا تشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة، فدعاء المسألة أن يقول الإنسان: يا ربِّ اغفر لي، ودعاء العبادة أن يتعبد لله سبحانه وتعالى بما شرع، وإنما كانت العبادة دعاءً؛ لأنها متضمنة لطلب الإنسان النجاة من النار، ودخول الجنة، أليس كذلك؟ لو سألت كل عابد: لماذا تعبد الله؟ قال: أريد أن أنجو من النار وأدخل في رحمة الله، إذن فهو متضمن للدعاء بلسان الحال.
وقوله: ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ نفسرها في مقابل دعاء المسألة بأعطكم ما سألتم ونفسرها بدعاء العبادة؛ بالقبول يعني أتقبل منكم فاستجابة الله تعالى لدعاء المسألة أن يعطي السائل ما سأل واستجابته لدعاء العبادة أن يتقبل من العابد، قال المفسر: (أي اعبدوني أُثبْكم بقرينة ما بعده)، وهذا التفسير بناءً على ما سمعتم بماذا تصفونه؟ بالقُصور، يعتبر تفسيرًا قاصرًا، وأما ما بعده فليس قرينة لتخصيصه بهذا، بل نقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر ٦٠] تدل على أن الدعاء عبادة؛ لأنه قال: ﴿ادْعُونِي﴾، ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾. ولا شك أن الذي يستكبر عن دعاء الله، ويرى أنه غني عن الله وليس محتاجًا إليه لا شك أنه مستحق لهذا الوعيد؛ وهو أنه سيدخل جهنم صاغرًا.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ هذا من جملة المقول ﴿سَيَدْخُلُونَ﴾ (بفتح الياء وضم الخاء وبالعكس) اعكس ﴿يُدْخَلُونَ﴾ وهما قراءتان سبعيتان صحيحتان.
﴿جَهَنَّمَ﴾ اسم للنار، وهو اسم مُعرَّب، وأصله على ما قيل: (كَهَنَّام)، وقيل: بل هو عربي، والنون فيه زائدة، وأصله من (الْجُهْمَة) يعني الظُّلْمة، وأيًّا كان فهو علم على النار، أجارنا الله وإياكم منها.
وقوله: ﴿دَاخِرِينَ﴾ صاغرين، الداخر: الصاغر.
نعود إلى فوائد الآيتين الكريمتين؛ الأولى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ [غافر ٥٩].
* من فوائدها: ثبوت قيام الساعة ثبوتًا مؤكدًا؛ لقوله: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ [غافر ٥٩].
* ومن فوائدها: التحذير من إهمال هذه الساعة، وعدم العمل لها؛ لقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
* ومن فوائدها: وجوب الإيمان بالبعث.
ومن فوائدها: وجوب الإيمان بالبعث؛ لأنه خبر من الله مؤكد، وكل أخبار الله تعالى صدق، وكل وعد الله حق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: النهي عن الارتياب في هذه الساعة؛ لأن قوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الكهف ٢١] يحتمل أن يكون خبرًا مجردًا للتأكيد ويحتمل أن يكون خبرًا بمعنى النهي؛ أي: فلا ترتابوا فيها، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة ٢] فإن فيه تفسيرين:
الأول: أنه خبر محض، والثاني: أنه خبر بمعنى النهي؛ أي: لا ترتابوا فيه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أكثر الناس لا يؤمنون بهذه الساعة وينكرونها يقولون: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨]، ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية ٢٤].
* ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على كلمة مشهورة، بل إبطال الكلمة المشهورة؛ وهو أن الإنسان إذا مات قالوا: عاد إلى مثواه الأخير، فإن هذه جملة باطلة؛ لأن القبر ليس المثوى الأخير، المثوى الأخير هو الجنة أو النار، أما القبر فإنه زيارة، معبر، كما أن الدنيا معبر كذلك القبر معبر، ولهذا سمع أعرابي قارئًا يقرأ قول الله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر ١، ٢] فقال الأعرابي: والله ما الزائر بمقيم، وإن هناك شيئًا وراء القبور؛ منين استنبط: ﴿زُرْتُمُ﴾، الزائر يبقى مدة ثم يرتحل.
إذن إذا سمعنا من يقول: إن هذا دفن في مثواه الأخير. أو ما أشبه ذلك، فإننا ننكر عليه، ونقول: اعدل عن هذه الكلمة؛ لأنها كلمة مضمونها لو اعتقده القائل لكان كافرًا.
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر ٦٠] إلى آخره.
* من فوائد الآية الكريمة: إثبات القول لله عز وجل، وهذا القول هل هو قول نفسي لا يظهر أو هو قول ظاهر؟ الثاني، قول ظاهر؛ لأن القول النفسي إذا أُريد قُيِّد، كما في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة ٨]، ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ [آل عمران ١٥٤]، فإذا أُطلق القول صار المراد به الكلام المسموع، وهذا قول السلف وأئمة الخلف؛ أن الله يتكلم ويقول بقول مسموع وبحرف؛ لأن ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر ٦٠] هذه كلمات مركبة من حروف أو لا؟ إذن يتكلم بحرف وصوت عز وجل.
وقول من قال: إن كلام الله هو المعنى القائم بالنفس، وأن ما يُسمع عبارة عن كلام الله، خلقه الله ليسمعه الناس، وإلا فإن كلامه ما في نفسه فقط. باطل؛ أي: هذا قول باطل؛ لأننا إذا فسرنا القول بهذا صار معناه العلم وليس القول.
والآن نريد أن نقارن بين قولين: قول يقول: ما في المصحف فهو كلام الله مخلوق. وقول آخر يقول: ما في المصحف فهو عبارة عن كلام الله مخلوق، أيهما أقرب إلى الصواب؟
* طلبة: الأول.
* الشيخ: الأول، الأول قول الجهمية والمعتزلة، والثاني قول الأشاعرة، فتبيَّن الآن أن قول المعتزلة والجهمية في كلام الله خير من قول الأشاعرة، مع أن الأشاعرة يدعون أنهم من أهل السنة والجماعة، وكيف يكون هذا؟ إذن نثبت من هذه الآية القول لله، والقول لا يكون إلا بنطق مسموع وبحروف.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان عظمة الرب وتعاظمه، من قوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ﴾ [غافر ٦٠]، فإن هذه الصيغة تدل على عظمة القائل عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الربوبية لله، وهي تنقسم إلى قسمين: عامة وخاصة.
فالعامة: الشاملة للخلق، وهي تربية الخلق بالنعم، وتغذيتهم بالنعم، والخاصة: هي تربية عباد الله المؤمنين حيث رباهم الله عز وجل على ما يُحِب.
وقد اجتمع النوعان في قوله تعالى عن السحرة -سحرة آل فرعون-: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢] أيهما العامة؟ الأول (رب العالمين)، ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ خاصة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب دعاء الله أو استحباب دعاء الله؟
* طلبة: وجوب دعاء الله.
* الشيخ: من أين تأخذها؟ من قوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ لأنها تتضمن: لا تدعوا غيري.
* من فوائد الآية الكريمة: أن الله تكفل ووعد الداعي بأنه مُجاب لقوله: ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، فإن قال قائل: ندعو كثيرًا ولا نرى إجابة، ونعمل كثيرًا ولا نحس بقبول، فما الجواب؟
الجواب أن نقول: الأسباب لا تؤثر إلا إذا وجدت محلًّا قابلًّا، أرأيتم السكين إذا قَدَدْتَ بها اللحم ينقطع أو لا؟ ينقطع، إذا قددت بها الحديد لا ينقطع، مع أنها في اللحم بَتَّارة وفي الحديد ما تعمل شيئًا، فالسبب لا بد أن يكون له محل قابل، وإلا فلا أثر له، ففي العبادة يعبد الإنسان ربه ولا يشعر بالقبول لوجود سبب يمنع ذلك؛ إما فوات شرط أو ركن أو واجب، أو حدوث مُفْسد، أليس كذلك؟ وإلا لو أنا أقمنا العبادات على ما طُلِب منا لوجدنا لها أثرًا ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت ٤٥]، من مِنا يشعر إذا صلى بكراهة الفحشاء والمنكر؟ والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فلماذا لا نشعر بهذا؟ لأننا مقصرون.
في الدعاء دائمًا ندعو الله عز وجل ولا نرى إجابة، فنقول فيها كما قلنا في الأول: إن السبب لا بد له من محل قابل، فإذا دعا الإنسان ربه لكن قد فاته شيء من آداب الدعاء الواجبة أو المستحبة، أو وُجد مانع يمنع من قبول الدعاء، فليس الخلل في الدعاء، بل الخلل في الداعي والمحل.
ولنضرب مثلًا بإنسان دعا وهو لا يشعر بالافتقار إلى الله عز وجل، ولا يشعر بالفرار إلى الله، فهذا دعاؤه ناقص جدًّا، إذا قلت: رب اغفر لي مثلًا، لا بد أن تشعر أن هناك ذنوبًا تحتاج إلى مغفرة، وأنك في أشد ما يكون من الضرورة إلى مغفرة هذه الذنوب؛ لأن هذه الذنوب إذا لم تُغفر فيا ويلك، ذنب مع ذنب يكون كبيرة، ولهذا نهى الرسول عليه الصلاة والسلام عن مُحقرات الذنوب، وقال: «إِنَّ مَثَلَهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا أَرْضًا فَأَتَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِعُودٍ، فَجَمَعُوا حَطَبًا كثيرًا وَأَضْرَمُوا نَارًا كَبِيرَةً»[[أخرج أحمد (٢٦٧٩ / ٨) عن عبد الله بن مسعود، أن رسول الله ﷺ قال: «إياكم ومحَقَّرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه»، وإن رسول الله ﷺ ضرب لهن مثلًا: كمثل قوم نزلوا أرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق، فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سوادًا، فأججوا نارًا، وأنضجوا ما قذفوا فيها.]]، مع أن الواحد منهم أتى بعود واحد، فالمهم أنك لا بد أن تشعر حين الدعاء أنك في غاية الضرورة إلى الله عز وجل.
ثانيًا: من الآداب التي فَقْدُها سبب لمنع الإجابة أن يكون عندك شك في استجابة الله لدعائك، مثل أن تستعظم المدعو به، تستعظمه تقول: هذا ما هو حاصل، فهذا غلط، هذا مما يمنع الإجابة، ولهذا «نهى النبي ﷺ عن قول القائل: اللهم اغفر لي إن شِئْتَ، وقال: «لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ وَلْيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ»[[أخرج مسلم (٣٨١٧) بسنده عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ، قال: «إذا دعا أحدكم فلا يقل: اللهم اغفر لي إن شئت، ولكن ليعزم المسألة وليعظم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه».]].
كذلك أيضًا من أسباب منع الإجابة أن يدعو الإنسان بإثم أو قطيعة رحم، فيدعو بإثم مثل أن يدعو على شخص لا يستحق الدعاء عليه، فهذا إثم، كأن يدعو على ولي أمر أساء في مسألة من المسائل، فيقول: اللهم لا توفقه وما أشبه ذلك، اعتداء في الدعاء، إذا رأيت ولي أمر صغيرًا كان أو كبيرًا أخطأ فليس علاجه أن تقول: اللهم لا توفقه، علاجه أن تقول: اللهم وفقه، يصلح ويصلح الله به، هذا من الاعتداء في الدعاء الذي لا يُقبل؛ من الاعتداء في الدعاء قطيعة الرحم، أن تدعو بقطيعة رحم أيضًا لا يُقبل، دعاء الظالم على مظلومه؟
* طالب: لا يقبل.
* الشيخ: ليش؟ لأنه إثم.
رابعًا: من موانع القبول أكل الحرام، أكل الحرام من موانع القبول؛ «لأن النبي ﷺ ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب » -كل هذه الوجوه الأربعة من أسباب إجابة الدعاء- «ومطعمه حرام، وملبسه حرام، وغُذِّي بالحرام، قال النبي ﷺ: «فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ»[[أخرجه مسلم (١٠١٥ / ٦٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، هذه كلها تمنع أو تحول بين الإنسان وبين قبول دعائه واستجابة الله له.
فإذا لم يوجد موانع، وكان المحل صالحًا وقابلًا، بقي عاد ما فوق ذلك، السبب الآن وافٍ ومتوفر، لكن بقي شيء وراء ذلك وهو مشيئة الله عز وجل،« قد يدفع الله عن الإنسان من الشر ما هو أعظم مما طلب، وقد يجيب ما طلب، وقد يدخر ذلك له أجرًا يوم القيامة » كما جاء في الحديث[[أخرج الترمذي (٣٦٠٤) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من رجل يدعو الله بدعاء إلا استجيب له، فإما أن يُعَجَّل في الدنيا، وإما أن يُدَّخر له في الآخرة، وإما أن يُكَفَّر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم أو يستعجل». قالوا: يا رسول الله، وكيف يستعجل؟ قال: يقول: «دعوت ربي فما استجاب لي».]]، وإلا فنحن واثقون غاية الثقة من صدق قوله تعالى: ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، وأنه لا بد أن يكون، وأظن أنه لا يُمكننا أن نكمل بقية الفوائد، فلنقتصر على هذا، نعم.
* طالب: أحسن الله إليكم، هل ما يقوم بالقلب أو بالنفس يُسَمَّى قولًا يا شيخ؟
* الشيخ: لا، إلا إذا قُيد، فقيل: قال في نفسه؛ «مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٦٩)، ومسلم (١٢٧ / ٢٠١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
* الطالب: قول الأشاعرة: ما يقوم بالنفس، هل كلامهم صحيح هذا؟
* الشيخ: لا، غير صحيح، هذا كلام باطل، ولهذا الآن وازنَّا بين قولهم وبين قول المعتزلة، فصار قول المعتزلة أقرب إلى الصواب منهم؛ لأنهم يقولون: هذا اللي في المصحف كلام الله مخلوق، وهو كلام الله حقيقة لكنه مخلوق، وأولئك يقولون: مخلوق وعبارة عن كلام الله.
* طالب: أحسن الله إليكم، قول عمر رضي الله عنه: لا أحمل هم الإجابة ولكن أحمل هم الدعاء، يقصد (...)؟
* الشيخ: إي نعم، يقصد أن الإنسان قد لا تتوفر له أسباب القبول، وأنتم الآن حاسبوا أنفسكم، هل أنت إذا كنت في الصلاة وقلت: رب اغفر لي وارحمني بين السجدتين، هل تشعر بأن هناك ذنوبًا ثقيلة تسأل الله الخلاص منها؟ أو أنها كلمة تقولها لتأتي بالواجب، الواقع أننا إذا حاسبنا أنفسنا وجدنا عندنا نقصًا عظيمًا، الإنسان إذا دعا الله عز وجل بمجرد دعاء الله يستنير قلبه؛ لأن الدعاء عبادة، ولكن نسأل الله أن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، هذه تأتي إن شاء الله بالفوائد.
* طالب: لماذا لا نقول إن الله عز وجل (...).
* الشيخ: لا؛ لأن هناك ضوابط كما سمعتم؛ أكل الحرام، إذا دعا بإثم أو قطيعة رحم، إذا كان قلبًا غافلًا لاهيًا، إذا شك في الأمر، هناك ضوابط معروفة من الشرع.
* الطالب: (...).
* الشيخ: اقرأ اللي بعدها: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة ١٨٦].
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، هل استجاب لله في آداب الدعاء وفي غيره؟ يجب أن تعلموا جميعًا أن الإطلاقات في موضع لا بد أن تُقَيَّد بما دل على التقييد في موضع آخر؛ لأن الشريعة واحدة، خرجت من مشكاة واحدة.
* طالب: قلنا: إن الإنسان لا يتعرض للدعاء حتى يفهم الدعاء، فمثلًا إنسان يكون عارفًا أن هذا الشيء صعب عليه..
* الشيخ: صعب على من؟
* الطالب: عليه هو.
* الشيخ: عليه هو؟! هو لو كان سهلًا عليه ما احتاج إلى الدعاء، يفعله.
* الطالب: يدعو به؟
* الشيخ: يدعو، إلا الاعتداء في الدعاء هذا ما يُقبل، لو قال: اللهم إني أسألك أن تجعلني من الرسل الكرام، ويش نقول؟
* طلبة: اعتداء.
* الشيخ: هذا اعتداء في الدعاء، اللهم اجعلني لا أذنب ذنبًا، عدوان في الدعاء، أو يقول: اللهم إني أسألك أن تقلب هذا المسجد من ذهب وزمرد، الله على كل شيء قدير، كن فيكون، لكن هذا خلاف العادة، وهو أيضًا في الغالب لا فائدة منه.
* طالب: (...).
* الشيخ: هذا ممكن، ما فيه شيء، الله يجعلك كسيبويه في النحو، وكابن تيمية في العلم، آمين، ونحن إن شاء الله، يقولون إنه سُمِع واحد يطوف بالكعبة، فسمعه شخص وهو يقول: اللهم إني أسالك نحوًا كنحو ابن هشام، وفقهًا كفقه شيخ الإسلام، الله علة كل شيء قدير.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر ٦٤].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر ٦٠] هذه الآية سبق الكلام عليها، أليس كذلك؟ وذكرنا فوائدها.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ في هذا وعد الله سبحانه وتعالى لكل داعٍ أن يستجيب له، ولكن لا بد من شروط أظننا ذكرناها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الذين يستكبرون عن عبادة الله سيدخلون جهنم على وجه الذل والصغار لقوله: ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾.
* ومن فوائدها: أن الجزاء من جنس العمل؛ يعني العقوبة تقابل الجرم؛ لأنهم لما استكبروا في الدنيا أُدخلوا النار صاغرين في الآخرة ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات النار لقوله: ﴿جَهَنَّمَ﴾.
* ومن فوائدها: أن الدعاء من العبادة؛ لقوله: ﴿ادْعُونِي﴾ ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾.
غافر 40:61
ثم قال الله تعالى مبينًا نعمته على عباده: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [غافر ٦١] الله: مبتدأ، والذي: خبره، وجعل بمعنى: صَيَّر، ونصبت مفعولين، الأول: الليل، والثاني: لكم، والجعل هنا جَعْل قَدَرِي وليس جَعْلًا شرعيًّا، ﴿جَعَلَ لَكُمُ﴾ اللام هنا هل هي للتعدية أو للتعدية مع التعليل؟ الجواب: الثاني.
وقوله: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ اللام للتعليل، والسكون ضد الحركة وضد العمل، وهو شامل لسكون الجوارح وسكون القلب وسكون النفس، ولهذا يجد الإنسان إذا تَعِب ثم نام يجد أن نشاطه يستجد ويزداد، وقوله: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ يعني: وجعل النهار مبصرًا، هذه معطوفة على الليل؛ أي: جعل النهار مبصرًا، وإسناد الإبصار إلى النهار؛ لأنه موضعه؛ أي: موضع إبصار الناس، ولهذا قال المفسر: (إسناد الإبصار إليه مجازي؛ لأنه يُبْصَر فيه)، فهو زمن الإبصار، النهار محل عمل وبصر.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ [غافر ٦١]، أكد الله تبارك وتعالى كونه ذا فضل على الناس بـ(إن) و(اللام)، و(ذو) بمعنى صاحب.
﴿لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ فضل: بمعنى إفضال، فالله سبحانه وتعالى هو المتفضل على العباد، ومنه –أي: من فضله- جعل الليل سكنًا والنهار مبصرًا.
وقوله: ﴿عَلَى النَّاسِ﴾ عامة، تشمل المؤمن والكافر، وهذا هو الواقع؛ لأن الليل سكن للمؤمنين والكافرين، والنهار مُبْصِر للمؤمنين والكافرين.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [غافر ٦١] يعني مع كون الله ذا فضل على الناس أكثرهم لا يشكر، والعياذ بالله، أكثرهم كافر، ولهذه الآية نظائر منها قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف ١٠٣].
وجاءت السنة بمثل ذلك، حيث أخبر النبي ﷺ «أَنَّ اللَّهَ يُنَادِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا آدَمُ أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ، فَيُخْرِجُ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِئَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ كُلُّهُمْ فِي النَّارِ»[[أخرج البخاري (٤٧٤١) عن أبي سعيد الخدري، قال: قال النبي ﷺ: «يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا آدم، يقول: لبيك ربنا وسعديك، فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار، قال: يا رب وما بعث النار؟ قال: من كل ألف -أُراه قال- تسع مئة وتسعة وتسعين».]]، من الألف واحد ينجو.
والشكر: هو الاعتراف للمنعم بالنعمة بالقلب واللسان والجوارح، قال الشاعر:
أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَالْمُحَجَّبَ
يعني: أنكم ملكتم مني ثلاثة بسبب نعمائكم: يدي ولساني والضمير المحجب.
أما الشكر بالقلب فهو أن تعترف بقلبك أن كل نعمة بك فإنها من الله كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل ٥٣]، وأفضل النعم نعم الدين، ثم العقل، ثم يتلوه النعم شيئًا فشيئًا بحسب حاجتها والضرورة إليها.
وأما بالجوراح؛ اليد أو الرجل أو السمع والبصر، فاستعمال هذه في طاعة الله، شكر الجوارح أن تستعملها في طاعة الله.
اللسان كذلك، شكر الله باللسان أن تعترف بلسانك بأن ما بك من نعمة فمن الله، وأن تحدث بنعمته عليك، لا فخرًا واختيالًا ولكن افتقارًا إلى الله عز وجل، واعترافًا بفضله سبحانه وتعالى لقوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى ١١] ثم تستعمل هذا اللسان في طاعة المنعم، إذن صار الشكر في الحقيقة هو الدين كله القلب واللسان والجوارح.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [غافر ٦١] ثم إن الشكر يتبعَّض، قد يشكر الإنسان ربه على نعمة من النعم دون النعم الأخرى، قد يُنعم الله عليه بالمال فيشكر، وينفق في سبيل الله، وينعم الله بالعلم (...)، وقد ينعم الله عليه بالعلم فينشر العلم، وبالمال فيبخل، فالشكر يتنوع كما أن الكفر يتنوع ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾.
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [غافر ٦٢] هذه الجملة نريد أن نعربها، أولًا (ذا): لا شك أنها مبتدأ، واللام للبعد، و(الكاف) للخطاب، و(الميم) للجمع، (الله): هل نقول: إنها بدل أو عطف بيان من اسم الإشارة أو أنها خبر؟ الظاهر الأول، (ربكم): خبر المبتدأ، و(خالق كل شيء): خبر آخر؛ لأن الخبر يتعدد، إذ إن الخبر وصف للمخبر عنه، وإذا كان وصفًا له فالأوصاف يجوز أن تتعدد، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج ١٤ - ١٦] كم خبرًا عندنا؟ الغفور، الودود، ذو العرش، المجيد، فعال، خمسة أخبار، الخبر يتعدد؛ لأن الخبر وصف للمخبر عنه، فإذا قلت: زيد قائم، فمعناه أن وصفه القيام، والأوصاف يجوز أن تتعدد على موصوف واحد، إذن نقول: (خالق كل شيء) خبر ثانٍ.
﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [غافر ٦٢] لا يشذ عن هذه الجملة شيء أبدًا، كلية عامة، خالق كل شيء من الأعيان والأوصاف والأحوال، كل شيء فالله خالقه، العبد مخلوق، أحوال العبد من مرض وصحة وعقل وجنون وما أشبه ذلك مخلوقة، أفعاله مخلوقة، كل شيء، فإنه مخلوق لله عز وجل لا يشذ عن هذه الجملة شيء أبدًا، حتى العجز والكيس وهو من الأوصاف، العجز يعني أن الإنسان يكون غير حازم، والكيس يكون حازمًا.
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [غافر ٦٢] لما بَيَّن أنه خالق كل شيء وأنه لا خالق معه بناء على هذه الجملة الكلية، بين أنه لا إله إلا هو؛ أي: لا معبود حق إلا لله عز وجل، فكما أنه منفرد بالخلق فيجب أن يفرد بالعبادة.
(إله) بمعنى مألوه، وفعال تأتي بمعنى مفعول في اللغة العربية كثيرًا، ومنه: غراس، بناء، فراش، كتاب، لباس، وعُدَّ.
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، إذا قال قائل: كيف تصح هذه الجملة مع قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء ٢٢]، وقوله: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ﴾ [هود ١٠١]، فأثبت آلهة دون الله؟
الجواب: تصح هذه العبارة إذا عرفنا الخبر المقدر، ما الخبر المقدر: حَقٌّ، لا إله حق إلا الله، نعم، دليل هذا: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج ٦٢].
﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [غافر ٦٢] الاستفهام هنا للتعجب والإنكار، ﴿أَنَّى﴾ يعني: كيف، ﴿تُؤْفَكُونَ﴾ تصرفون عن الإيمان مع قيام البرهان.
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ﴾ [غافر ٦٣] هذا التركيب يأتي كثيرًا في القرآن الكريم، وقد مر علينا كيف نعربه، فقلنا: إن (الكاف) اسم بمعنى مثل، وهو مفعول مطلق للعامل بعده، أي: مثل ذلك الإفك يؤفك، والإفك بمعنى الصرف.
﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثل ذلك الإفك، وهو الإشراك بالله وعدم شكر النعم ﴿يُؤْفَكُ﴾ أي: مثل إفك هؤلاء إفك ﴿الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [غافر ٦٣]، وقوله: (الذين) إعرابها على أنها نائب فاعل.
﴿الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ أي: كانوا ينكرون بآيات الله؛ أي: يكفرون، والجحد هنا بمعنى الكفر، بدليل أنه تعدى بالباء.
وقول المؤلف: (﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ معجزاته) هذا لا شك أنه خطأ، بل نقول آيات الله: دلالاته التي تدل على كماله عز وجل واستحقاقه للعبودية، فهي آيات وليست معجزات، ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ أي: بالدلالات التي تدل على كماله وعلى استحقاقه بالعبودية وحده؛ وآيات الله سبحانه وتعالى نوعان:
كونية وشرعية، فالمخلوقات كلها كونية، آيات تدل على كماله:
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ∗∗∗ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ
فكل ما في الكون فإنه شاهد بكمال الله عز وجل وقدرته وعزته وسلطانه وغير ذلك، المهم أن جميع المخلوقات آيات كونية تدل على خالقها، وعلى حكمته ورحمته وغير ذلك من كمال صفاته.
وآيات شرعية: وهي ما جاءت به الرسل من أحكام عادلة وأخبار صادقة وقصص نافعة، هذه آيات شرعية، التكليفات والأوامر والنواهي كلها عادلة، الأخبار كلها صادقة، ما فيها شيء كذب، القصص كلها نافعة: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [يوسف ٣].
﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [غافر ٦٣].
* في هذه الآيات فوائد: قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [غافر ٦١].
أولًا: كمال قدرة الله عز وجل بإيجاد الليل والنهار، فإن هذا من عظيم قدرته جل وعلا، هل يستطيع البشر إذا طلعت الشمس أن يردوها فتغرب؟ وإذا غابت أن يجروها فترجع؟ أبدًا، ولهذا قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [القصص ٧١، ٧٢]، فأقول: الليل والنهار الذي جعله الله للعباد لا يُمكن لأحد أن يغيره إطلاقًا، ثم إذا نظرنا أيضًا إلى هذا الليل والنهار وتعاقبه وولوج بعضه ببعض فهو آية أخرى، أحيانًا يزيد الليل، وأحيانًا يزيد النهار، من يستطيع أن يفعل ذلك إلا لله سبحانه وتعالى؟!
* ومن فوائد الآية الكريمة: تعليل أحكام الله القدرية كما هو ثابت في الأحكام الشرعية؛ يعني أن أحكام الله الكونية لا يمكن أن تكون إلا لحكمة، من أين تؤخذ؟ ﴿لِتَسْكُنُوا﴾، واللام قلت لكم إنها للتعليل، إذن جعل الله ذلك لنسكن.
ذكرنا أن أحكام الله الكونية معللة كأحكامه الشرعية، لكن هل يلزم من تعليلها أن نعلم بالعلة؟ لا يلزم، إن فتح الله علينا ما فتح من ذلك فهذا خير منه وفضل، وإن حُرِمنا ذلك بذنوبنا فنحن مخطئون، إنما على كل حال ما من شيء إلا وله حكمة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان منة الله سبحانه وتعالى بالليل والنهار، حيث جعل الليل سكنًا وجعل النهار مبصرًا، من: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [غافر ٦١]، لولا هذا ما سكن الناس، ولذلك تجد الإنسان بطبيعته إذا جاء الليل أحب السكون، ولولا أن في وقت عصرنا هذا شاعت الأنوار وشاعت الأضواء وصار الليل كالنهار لوجدت لليل لذة عظيمة، ونحن أدركنا ذلك، تجد لذة ومحبة للسكون، وسكون قلب وسكون بدن وسكون نفس، ثم إذا طلع الفجر وإذا هو كالرطب يأتي بعد التمر، نفرح به، وجاء النهار جاء النهار، الآن ما كأن هناك ليلًا ولا نهارًا، ولذلك لا نجد اللذة التي كنا نعرفها من قبل، ولعل منكم من أدرك ذلك، على كل حال اخرجوا للبادية لكم أسبوعًا وابعدوا عن الأنوار تجدون هذا، على كل حال هذا من فضل الله عز وجل أن جعل لنا الليل للسكن والنهار للعمل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله ذو فضل على الناس عمومًا، تؤخذ؟
* طالب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ [غافر ٦١].
* الشيخ: ﴿عَلَى النَّاسِ﴾ ولّا: على المؤمنين؟ في آية أخرى: ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ١٥٢] فكيف نجمع بين التعميم والتخصيص؟ أن نقول: الفضل نوعان: عام وخاص، فالعام لجميع الناس، والخاص للمؤمنين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أكثر عباد الله لا يشكرون الله لقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [غافر ٦١].
* ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من قياس الأحكام الشرعية بأعمال العباد؛ بمعنى أننا إذا قلنا لشخص: هذا حرام، قال: كل الناس يفعله، فيجعل المعيار أعمال الناس، وهذا خطأ، كل الناس يعمله ما هي حجة ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام ١١٦]، الحجة فيما قاله الله ورسوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء ٥٩] سواء كانت الطائفة الأخرى أكثر من التي قبلها أو العكس، إذن لا يجوز أن نجعل أعمال الناس معيارًا للأحكام الشرعية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب شكر الله عز وجل، والإشارة إلى أن يكون هذا الشكر من جنس الفضل، الشكر يكون من جنس الفضل، فما شكر صاحب المال؟
* طالب: (...).
* الشيخ: شكره هو لربه كيف؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أن ينفقه في سبيل الله.
ما شكر العلم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: صح، وبذله.
ما شكر من أعطاه الله شجاعة وقوة بدنية والجهاد قائم؟
* طالب: أن يجاهد في سبيل الله.
* الشيخ: أن يجاهد في سبيل الله، إذن الشكر من جنس النعم؛ لأن الله قال: ﴿لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [غافر ٦١] الفضل.
* ومن فوائد الآية الكريمة الثانية: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ [غافر ٦٢] إثبات ربوبية الله عز وجل على كل شيء، أنه رب كل شيء، لقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: الإشارة إلى وجوب طاعته وعبادته؛ لقوله: ﴿رَبُّكُمْ﴾، وإذا كان هو الرب فهو السيد، وإذا كان هو الرب فهو الذي له السلطان، وإذا كان هو الرب فهو الذي له الحق أن يُعبد، كل ما يُثبت الربوبية فهو دليل على وجوب الألوهية، ولهذا يستدل الله عز وجل على المشركين بكونهم يثبتون الربوبية وينكرون الألوهية، فكل من أثبت الربوبية لزمه أن يثبت الألوهية.
إذن توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية، وتوحيد الإلوهية متضمن لتوحيد الربوبية، إذ لا يمكن لأحد أن يعبد الله إلا وهو يعلم أنه ربٌّ أهلٌ للعبادة.
ولهذا لو قال لك قائل: هل التوحيدان متلازمان؟ فقل: أما توحيد الربوبية فمستلزم لتوحيد الألوهية، وأما توحيد الألوهية فمتضمن لتوحيد الربوبية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات خلق الله عز وجل لكل شيء، لقوله: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [غافر ٦٢]، فلو قال قائل: استثنى العقل نفسه فليس خالقًا لها، فهل يصح هذا القول؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لماذا؟ لأن نفسه لم تدخل أصلًا؛ لأن هناك فاعلًا ومفعولًا، والفاعل لا يمكن أن يدخل في المفعول حتى يُستثنى منه، فنحن نقول: إن الرب عز وجل لم يدخل في قوله: ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ أصلًا في هذه الآية؛ لأن الخلق أو إن شئت فقل: لأن المخلوق بائن من الخالق، فلا يمكن أن يدخل الخالق في المخلوق حتى نقول: استثنى العقل، والاستثناء إخراج الشيء من الشيء، وهنا لم يدخل أصلًا.
أقول: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، هل يصلح أن نقول: واستثنى العقل ذاته فليس خالقًا لها؟
* طالب: (...).
* الشيخ: هذه الآية، الله خالق كل شيء، هل نقول: إلا ذاته؟
نقول: لا، لماذا؟ لأن الأصل أنه لم يدخل هو في أنه خالق كل شيء؛ يعني ما دخل في المخلوق هو فاعل وغيره مفعول، فهو لم يدخل أصلًا حتى نقول: أخرجوا ما يستطيع العقل في هذا الباب.
استدل الجهمية والمعتزلة بأن كلام الله مخلوق؛ لأن كلام الله شيء فيكون داخلًا في العموم، نقول: إذن يلزمكم أن تقولوا: إن الله مخلوق؛ لأن الله شيء ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام ١٩]، إذن قولوا: إن الله مخلوق أيضًا، فإن قالوا: لا يمكن أن نقول؛ لأن الفاعل غير المفعول، قلنا: وصفات الفاعل كالفاعل، الصفات يُحذى بها حذو الذات، فإذا كان الرب عز وجل خالقًا وغيره مخلوق فصفاته أيضًا غير مخلوقة، فالقرآن ليس بمخلوق؛ لأنه كلام الله، وكلام الله من صفاته، وصفات الله كلها غير مخلوقة.
فإن قال قائل: إن الخلق ثابت للعبد، قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون ١٤]، فأثبت أن هناك خالقين، وقال الرسول ﷺ في المصورين: «أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٥١)، ومسلم (٢١٠٨ / ٩٧) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]] فأثبت أنهم خالقون.
فالجواب: أن الخلق الثابت للباري عز وجل ليس كالخلق الذي أُثبت للمخلوق، خلق المخلوق للشيء تحويله من حال إلى حال، وليس إيجاده، فالنجار إذا صنع الخشبة بابًا هل يُقال إنه خلق الخشبة؟ حولها من خشبة إلى باب ولم يخلقها، حتى لو قلنا: إن صنعه هذا خلق فهو في الحقيقة بمعنى تغيير وتحويل وليس بمعنى الإيجاد، وقد تحدى الله عز وجل الأصنام التي تُعبد من دون الله والتي يُدَّعى أنها آلهة، قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج ٧٣].
* ومن فوائد الآية الكريمة: بناء توحيد الألوهية على توحيد الربوبية؛ لقوله بعد: ﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [غافر ٦٥] أي: لا معبود إلا هو، أي: لا تعبدوا إلا إياه؛ لقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.
* من فوائد الآية الكريمة: إنكار التعجب على أولئك الذين صرفوا عن الحق مع وضوحه وبيانه لقوله: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [غافر ٦٢].
* ومن فوائد الآية الثالثة: أن المكذبين بآيات الله يصدر منهم ما يُقضى به العجب؛ لقوله: ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [غافر ٦٣].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الذنوب تحول بين الإنسان وبين رؤية الحق؛ لأن هؤلاء لما جحدوا بآيات الله صرفوا عنه، وهذا واقع، الذنوب تحول بين الإنسان وبين رؤية الحق، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المطففين ١٣]، هل أحد يمكن أن يقول هذا القرآن العظيم أساطير الأولين؟ يقول الله عز وجل: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٤] من الأعمال السيئة حتى رأوا هذا الحق المنير فجعلوه أساطير.
ولهذا يجب أن نعالج أنفسنا إذا رأينا أننا نقرأ القرآن وكأنه حروف تُتلى نرجو بركتها وثوابها، إذا لم تؤثر على القلب باللين والخشوع والرجوع إلى الله عز وجل فإن ذلك دليل على مرض القلب، وربما نقول على موت القلب، نسأل الله العافية، كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المؤمنين بآياته المتبعين لمرضاته.
* الطالب: شيخ، هل ورد لفظ خلق بمعنى التصيير والتحويل في اللغة العربية؟
* الشيخ: إي نعم، منه: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت ١٧] يعني: تقولون الإفك.
* الطالب: في غير هذا في اللغة العربية، حتى نجابه بها..
* الشيخ: القرآن عربي.
* طالب: يُدَرِّسون قاعدة في المدارس: أن المادة لا تفنى ولا تُستحدث من عدم، فما رأيكم؟
* الشيخ: رأيي أن هذا كفر، اللي يعتقد مدلول هذا كفر، كل شيء فانٍ إلا وجه الله عز وجل: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص ٨٨]، ومعنى هالك: قابل للهلاك، وقد يجعله الله مؤبدًّا كالجنة والنار، لكن الذي أوجد قادر على الإعدام، والإعدام أهون من الإيجاد، وقولهم أيضًا: لا تُستحدث، معناه أنهم حكموا بأنها أزلية أبدية، لا يقول هذا مؤمن، وهي بالمدارس دي؟!
* طلبة: (...).
* الشيخ: (...) تلميذ أعطوه في الاختبار: ما حكم فرقعة الأصابع في الصلاة؟ فقال التلميذ: قال المؤلف -رحمه الله تعالى: فصل يُكره في الصلاة التفاته ورفع بصره إلى السماء وفرقعة الأصابع وتشبيكها وإقعاؤه.. إلى أن ذكر الفصل كله، عشر (...)، ثم قال: خذ ما شئت ودع ما شئت؛ أنتم تريدون نروح نقرأ كتب الكيمياء كلها عشان ندور أن المادة لا تُستحدث ولا تفنى.
* طالب: الأمم الكافرة يستغلون سكون الليل وإبصار النهار أكثر من الأمة المسلمة..
* الشيخ: عجيب، كيف هذا؟
* الطالب: ينامون مبكرًا في التاسعة يكونون نائمين، وفي الصباح الباكر الرابعة أو الخامسة يكونوا صاحيين.
* الشيخ: سبحان الله، مع العلم أن هذا هو الشرع، «كان النبي ﷺ يكره النوم قبل العشاء والحديث بعد العشاء»[[أخرج البخاري (٥٦٨) عن أبي برزة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها.]]؛ لأن النوم قبل العشاء ربما يستمر، ولأنه يقوم إلى صلاة العشاء بكسل؛ ولأن بعض الناس إذا نام ساعة أو نصف ساعة انطرد عنه النوم، وصار ما ينام كل الليل، ثلاث علل، لكن ليش يجيبون التلفزيونات هذه يخلونها إلى نصف الليل أو أكثر؟ أو يضحكون علينا؟ الله المستعان.
* طالب: يضحكون علينا.
* الشيخ: يضحكون علينا، الله المستعان.
* الطالب: ولكن سمعنا يا شيخ أنه إذا غربت الشمس يغلقون محلاتهم أيضًا في الخامسة، السادسة.
* الشيخ: عجيب؛ يعني بعد الغروب، الله أكبر، ما هو في وقتنا؟ يعني في أمريكا، في إنجلترا، في فرنسا، وأنتم تكونون الثانية في الليل.
* طالب: (...).
* الشيخ: هم كفار ما لهم أجر، لكن هم أقرب منا للحق في هذه المسألة، النوم المبكر أفضل.
غافر 40:62
ثم قال الله تعالى مبينًا نعمته على عباده: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [غافر ٦١] الله: مبتدأ، والذي: خبره، وجعل بمعنى: صَيَّر، ونصبت مفعولين، الأول: الليل، والثاني: لكم، والجعل هنا جَعْل قَدَرِي وليس جَعْلًا شرعيًّا، ﴿جَعَلَ لَكُمُ﴾ اللام هنا هل هي للتعدية أو للتعدية مع التعليل؟ الجواب: الثاني.
وقوله: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ اللام للتعليل، والسكون ضد الحركة وضد العمل، وهو شامل لسكون الجوارح وسكون القلب وسكون النفس، ولهذا يجد الإنسان إذا تَعِب ثم نام يجد أن نشاطه يستجد ويزداد، وقوله: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ يعني: وجعل النهار مبصرًا، هذه معطوفة على الليل؛ أي: جعل النهار مبصرًا، وإسناد الإبصار إلى النهار؛ لأنه موضعه؛ أي: موضع إبصار الناس، ولهذا قال المفسر: (إسناد الإبصار إليه مجازي؛ لأنه يُبْصَر فيه)، فهو زمن الإبصار، النهار محل عمل وبصر.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ [غافر ٦١]، أكد الله تبارك وتعالى كونه ذا فضل على الناس بـ(إن) و(اللام)، و(ذو) بمعنى صاحب.
﴿لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ فضل: بمعنى إفضال، فالله سبحانه وتعالى هو المتفضل على العباد، ومنه –أي: من فضله- جعل الليل سكنًا والنهار مبصرًا.
وقوله: ﴿عَلَى النَّاسِ﴾ عامة، تشمل المؤمن والكافر، وهذا هو الواقع؛ لأن الليل سكن للمؤمنين والكافرين، والنهار مُبْصِر للمؤمنين والكافرين.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [غافر ٦١] يعني مع كون الله ذا فضل على الناس أكثرهم لا يشكر، والعياذ بالله، أكثرهم كافر، ولهذه الآية نظائر منها قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف ١٠٣].
وجاءت السنة بمثل ذلك، حيث أخبر النبي ﷺ «أَنَّ اللَّهَ يُنَادِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا آدَمُ أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ، فَيُخْرِجُ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِئَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ كُلُّهُمْ فِي النَّارِ»[[أخرج البخاري (٤٧٤١) عن أبي سعيد الخدري، قال: قال النبي ﷺ: «يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا آدم، يقول: لبيك ربنا وسعديك، فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار، قال: يا رب وما بعث النار؟ قال: من كل ألف -أُراه قال- تسع مئة وتسعة وتسعين».]]، من الألف واحد ينجو.
والشكر: هو الاعتراف للمنعم بالنعمة بالقلب واللسان والجوارح، قال الشاعر:
أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَالْمُحَجَّبَ
يعني: أنكم ملكتم مني ثلاثة بسبب نعمائكم: يدي ولساني والضمير المحجب.
أما الشكر بالقلب فهو أن تعترف بقلبك أن كل نعمة بك فإنها من الله كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل ٥٣]، وأفضل النعم نعم الدين، ثم العقل، ثم يتلوه النعم شيئًا فشيئًا بحسب حاجتها والضرورة إليها.
وأما بالجوراح؛ اليد أو الرجل أو السمع والبصر، فاستعمال هذه في طاعة الله، شكر الجوارح أن تستعملها في طاعة الله.
اللسان كذلك، شكر الله باللسان أن تعترف بلسانك بأن ما بك من نعمة فمن الله، وأن تحدث بنعمته عليك، لا فخرًا واختيالًا ولكن افتقارًا إلى الله عز وجل، واعترافًا بفضله سبحانه وتعالى لقوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى ١١] ثم تستعمل هذا اللسان في طاعة المنعم، إذن صار الشكر في الحقيقة هو الدين كله القلب واللسان والجوارح.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [غافر ٦١] ثم إن الشكر يتبعَّض، قد يشكر الإنسان ربه على نعمة من النعم دون النعم الأخرى، قد يُنعم الله عليه بالمال فيشكر، وينفق في سبيل الله، وينعم الله بالعلم (...)، وقد ينعم الله عليه بالعلم فينشر العلم، وبالمال فيبخل، فالشكر يتنوع كما أن الكفر يتنوع ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾.
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [غافر ٦٢] هذه الجملة نريد أن نعربها، أولًا (ذا): لا شك أنها مبتدأ، واللام للبعد، و(الكاف) للخطاب، و(الميم) للجمع، (الله): هل نقول: إنها بدل أو عطف بيان من اسم الإشارة أو أنها خبر؟ الظاهر الأول، (ربكم): خبر المبتدأ، و(خالق كل شيء): خبر آخر؛ لأن الخبر يتعدد، إذ إن الخبر وصف للمخبر عنه، وإذا كان وصفًا له فالأوصاف يجوز أن تتعدد، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج ١٤ - ١٦] كم خبرًا عندنا؟ الغفور، الودود، ذو العرش، المجيد، فعال، خمسة أخبار، الخبر يتعدد؛ لأن الخبر وصف للمخبر عنه، فإذا قلت: زيد قائم، فمعناه أن وصفه القيام، والأوصاف يجوز أن تتعدد على موصوف واحد، إذن نقول: (خالق كل شيء) خبر ثانٍ.
﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [غافر ٦٢] لا يشذ عن هذه الجملة شيء أبدًا، كلية عامة، خالق كل شيء من الأعيان والأوصاف والأحوال، كل شيء فالله خالقه، العبد مخلوق، أحوال العبد من مرض وصحة وعقل وجنون وما أشبه ذلك مخلوقة، أفعاله مخلوقة، كل شيء، فإنه مخلوق لله عز وجل لا يشذ عن هذه الجملة شيء أبدًا، حتى العجز والكيس وهو من الأوصاف، العجز يعني أن الإنسان يكون غير حازم، والكيس يكون حازمًا.
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [غافر ٦٢] لما بَيَّن أنه خالق كل شيء وأنه لا خالق معه بناء على هذه الجملة الكلية، بين أنه لا إله إلا هو؛ أي: لا معبود حق إلا لله عز وجل، فكما أنه منفرد بالخلق فيجب أن يفرد بالعبادة.
(إله) بمعنى مألوه، وفعال تأتي بمعنى مفعول في اللغة العربية كثيرًا، ومنه: غراس، بناء، فراش، كتاب، لباس، وعُدَّ.
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، إذا قال قائل: كيف تصح هذه الجملة مع قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء ٢٢]، وقوله: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ﴾ [هود ١٠١]، فأثبت آلهة دون الله؟
الجواب: تصح هذه العبارة إذا عرفنا الخبر المقدر، ما الخبر المقدر: حَقٌّ، لا إله حق إلا الله، نعم، دليل هذا: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج ٦٢].
﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [غافر ٦٢] الاستفهام هنا للتعجب والإنكار، ﴿أَنَّى﴾ يعني: كيف، ﴿تُؤْفَكُونَ﴾ تصرفون عن الإيمان مع قيام البرهان.
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ﴾ [غافر ٦٣] هذا التركيب يأتي كثيرًا في القرآن الكريم، وقد مر علينا كيف نعربه، فقلنا: إن (الكاف) اسم بمعنى مثل، وهو مفعول مطلق للعامل بعده، أي: مثل ذلك الإفك يؤفك، والإفك بمعنى الصرف.
﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثل ذلك الإفك، وهو الإشراك بالله وعدم شكر النعم ﴿يُؤْفَكُ﴾ أي: مثل إفك هؤلاء إفك ﴿الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [غافر ٦٣]، وقوله: (الذين) إعرابها على أنها نائب فاعل.
﴿الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ أي: كانوا ينكرون بآيات الله؛ أي: يكفرون، والجحد هنا بمعنى الكفر، بدليل أنه تعدى بالباء.
وقول المؤلف: (﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ معجزاته) هذا لا شك أنه خطأ، بل نقول آيات الله: دلالاته التي تدل على كماله عز وجل واستحقاقه للعبودية، فهي آيات وليست معجزات، ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ أي: بالدلالات التي تدل على كماله وعلى استحقاقه بالعبودية وحده؛ وآيات الله سبحانه وتعالى نوعان:
كونية وشرعية، فالمخلوقات كلها كونية، آيات تدل على كماله:
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ∗∗∗ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ
فكل ما في الكون فإنه شاهد بكمال الله عز وجل وقدرته وعزته وسلطانه وغير ذلك، المهم أن جميع المخلوقات آيات كونية تدل على خالقها، وعلى حكمته ورحمته وغير ذلك من كمال صفاته.
وآيات شرعية: وهي ما جاءت به الرسل من أحكام عادلة وأخبار صادقة وقصص نافعة، هذه آيات شرعية، التكليفات والأوامر والنواهي كلها عادلة، الأخبار كلها صادقة، ما فيها شيء كذب، القصص كلها نافعة: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [يوسف ٣].
﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [غافر ٦٣].
* في هذه الآيات فوائد: قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [غافر ٦١].
أولًا: كمال قدرة الله عز وجل بإيجاد الليل والنهار، فإن هذا من عظيم قدرته جل وعلا، هل يستطيع البشر إذا طلعت الشمس أن يردوها فتغرب؟ وإذا غابت أن يجروها فترجع؟ أبدًا، ولهذا قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [القصص ٧١، ٧٢]، فأقول: الليل والنهار الذي جعله الله للعباد لا يُمكن لأحد أن يغيره إطلاقًا، ثم إذا نظرنا أيضًا إلى هذا الليل والنهار وتعاقبه وولوج بعضه ببعض فهو آية أخرى، أحيانًا يزيد الليل، وأحيانًا يزيد النهار، من يستطيع أن يفعل ذلك إلا لله سبحانه وتعالى؟!
* ومن فوائد الآية الكريمة: تعليل أحكام الله القدرية كما هو ثابت في الأحكام الشرعية؛ يعني أن أحكام الله الكونية لا يمكن أن تكون إلا لحكمة، من أين تؤخذ؟ ﴿لِتَسْكُنُوا﴾، واللام قلت لكم إنها للتعليل، إذن جعل الله ذلك لنسكن.
ذكرنا أن أحكام الله الكونية معللة كأحكامه الشرعية، لكن هل يلزم من تعليلها أن نعلم بالعلة؟ لا يلزم، إن فتح الله علينا ما فتح من ذلك فهذا خير منه وفضل، وإن حُرِمنا ذلك بذنوبنا فنحن مخطئون، إنما على كل حال ما من شيء إلا وله حكمة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان منة الله سبحانه وتعالى بالليل والنهار، حيث جعل الليل سكنًا وجعل النهار مبصرًا، من: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [غافر ٦١]، لولا هذا ما سكن الناس، ولذلك تجد الإنسان بطبيعته إذا جاء الليل أحب السكون، ولولا أن في وقت عصرنا هذا شاعت الأنوار وشاعت الأضواء وصار الليل كالنهار لوجدت لليل لذة عظيمة، ونحن أدركنا ذلك، تجد لذة ومحبة للسكون، وسكون قلب وسكون بدن وسكون نفس، ثم إذا طلع الفجر وإذا هو كالرطب يأتي بعد التمر، نفرح به، وجاء النهار جاء النهار، الآن ما كأن هناك ليلًا ولا نهارًا، ولذلك لا نجد اللذة التي كنا نعرفها من قبل، ولعل منكم من أدرك ذلك، على كل حال اخرجوا للبادية لكم أسبوعًا وابعدوا عن الأنوار تجدون هذا، على كل حال هذا من فضل الله عز وجل أن جعل لنا الليل للسكن والنهار للعمل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله ذو فضل على الناس عمومًا، تؤخذ؟
* طالب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ [غافر ٦١].
* الشيخ: ﴿عَلَى النَّاسِ﴾ ولّا: على المؤمنين؟ في آية أخرى: ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ١٥٢] فكيف نجمع بين التعميم والتخصيص؟ أن نقول: الفضل نوعان: عام وخاص، فالعام لجميع الناس، والخاص للمؤمنين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أكثر عباد الله لا يشكرون الله لقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [غافر ٦١].
* ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من قياس الأحكام الشرعية بأعمال العباد؛ بمعنى أننا إذا قلنا لشخص: هذا حرام، قال: كل الناس يفعله، فيجعل المعيار أعمال الناس، وهذا خطأ، كل الناس يعمله ما هي حجة ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام ١١٦]، الحجة فيما قاله الله ورسوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء ٥٩] سواء كانت الطائفة الأخرى أكثر من التي قبلها أو العكس، إذن لا يجوز أن نجعل أعمال الناس معيارًا للأحكام الشرعية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب شكر الله عز وجل، والإشارة إلى أن يكون هذا الشكر من جنس الفضل، الشكر يكون من جنس الفضل، فما شكر صاحب المال؟
* طالب: (...).
* الشيخ: شكره هو لربه كيف؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أن ينفقه في سبيل الله.
ما شكر العلم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: صح، وبذله.
ما شكر من أعطاه الله شجاعة وقوة بدنية والجهاد قائم؟
* طالب: أن يجاهد في سبيل الله.
* الشيخ: أن يجاهد في سبيل الله، إذن الشكر من جنس النعم؛ لأن الله قال: ﴿لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [غافر ٦١] الفضل.
* ومن فوائد الآية الكريمة الثانية: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ [غافر ٦٢] إثبات ربوبية الله عز وجل على كل شيء، أنه رب كل شيء، لقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: الإشارة إلى وجوب طاعته وعبادته؛ لقوله: ﴿رَبُّكُمْ﴾، وإذا كان هو الرب فهو السيد، وإذا كان هو الرب فهو الذي له السلطان، وإذا كان هو الرب فهو الذي له الحق أن يُعبد، كل ما يُثبت الربوبية فهو دليل على وجوب الألوهية، ولهذا يستدل الله عز وجل على المشركين بكونهم يثبتون الربوبية وينكرون الألوهية، فكل من أثبت الربوبية لزمه أن يثبت الألوهية.
إذن توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية، وتوحيد الإلوهية متضمن لتوحيد الربوبية، إذ لا يمكن لأحد أن يعبد الله إلا وهو يعلم أنه ربٌّ أهلٌ للعبادة.
ولهذا لو قال لك قائل: هل التوحيدان متلازمان؟ فقل: أما توحيد الربوبية فمستلزم لتوحيد الألوهية، وأما توحيد الألوهية فمتضمن لتوحيد الربوبية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات خلق الله عز وجل لكل شيء، لقوله: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [غافر ٦٢]، فلو قال قائل: استثنى العقل نفسه فليس خالقًا لها، فهل يصح هذا القول؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لماذا؟ لأن نفسه لم تدخل أصلًا؛ لأن هناك فاعلًا ومفعولًا، والفاعل لا يمكن أن يدخل في المفعول حتى يُستثنى منه، فنحن نقول: إن الرب عز وجل لم يدخل في قوله: ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ أصلًا في هذه الآية؛ لأن الخلق أو إن شئت فقل: لأن المخلوق بائن من الخالق، فلا يمكن أن يدخل الخالق في المخلوق حتى نقول: استثنى العقل، والاستثناء إخراج الشيء من الشيء، وهنا لم يدخل أصلًا.
أقول: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، هل يصلح أن نقول: واستثنى العقل ذاته فليس خالقًا لها؟
* طالب: (...).
* الشيخ: هذه الآية، الله خالق كل شيء، هل نقول: إلا ذاته؟
نقول: لا، لماذا؟ لأن الأصل أنه لم يدخل هو في أنه خالق كل شيء؛ يعني ما دخل في المخلوق هو فاعل وغيره مفعول، فهو لم يدخل أصلًا حتى نقول: أخرجوا ما يستطيع العقل في هذا الباب.
استدل الجهمية والمعتزلة بأن كلام الله مخلوق؛ لأن كلام الله شيء فيكون داخلًا في العموم، نقول: إذن يلزمكم أن تقولوا: إن الله مخلوق؛ لأن الله شيء ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام ١٩]، إذن قولوا: إن الله مخلوق أيضًا، فإن قالوا: لا يمكن أن نقول؛ لأن الفاعل غير المفعول، قلنا: وصفات الفاعل كالفاعل، الصفات يُحذى بها حذو الذات، فإذا كان الرب عز وجل خالقًا وغيره مخلوق فصفاته أيضًا غير مخلوقة، فالقرآن ليس بمخلوق؛ لأنه كلام الله، وكلام الله من صفاته، وصفات الله كلها غير مخلوقة.
فإن قال قائل: إن الخلق ثابت للعبد، قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون ١٤]، فأثبت أن هناك خالقين، وقال الرسول ﷺ في المصورين: «أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٥١)، ومسلم (٢١٠٨ / ٩٧) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]] فأثبت أنهم خالقون.
فالجواب: أن الخلق الثابت للباري عز وجل ليس كالخلق الذي أُثبت للمخلوق، خلق المخلوق للشيء تحويله من حال إلى حال، وليس إيجاده، فالنجار إذا صنع الخشبة بابًا هل يُقال إنه خلق الخشبة؟ حولها من خشبة إلى باب ولم يخلقها، حتى لو قلنا: إن صنعه هذا خلق فهو في الحقيقة بمعنى تغيير وتحويل وليس بمعنى الإيجاد، وقد تحدى الله عز وجل الأصنام التي تُعبد من دون الله والتي يُدَّعى أنها آلهة، قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج ٧٣].
* ومن فوائد الآية الكريمة: بناء توحيد الألوهية على توحيد الربوبية؛ لقوله بعد: ﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [غافر ٦٥] أي: لا معبود إلا هو، أي: لا تعبدوا إلا إياه؛ لقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.
* من فوائد الآية الكريمة: إنكار التعجب على أولئك الذين صرفوا عن الحق مع وضوحه وبيانه لقوله: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [غافر ٦٢].
* ومن فوائد الآية الثالثة: أن المكذبين بآيات الله يصدر منهم ما يُقضى به العجب؛ لقوله: ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [غافر ٦٣].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الذنوب تحول بين الإنسان وبين رؤية الحق؛ لأن هؤلاء لما جحدوا بآيات الله صرفوا عنه، وهذا واقع، الذنوب تحول بين الإنسان وبين رؤية الحق، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المطففين ١٣]، هل أحد يمكن أن يقول هذا القرآن العظيم أساطير الأولين؟ يقول الله عز وجل: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٤] من الأعمال السيئة حتى رأوا هذا الحق المنير فجعلوه أساطير.
ولهذا يجب أن نعالج أنفسنا إذا رأينا أننا نقرأ القرآن وكأنه حروف تُتلى نرجو بركتها وثوابها، إذا لم تؤثر على القلب باللين والخشوع والرجوع إلى الله عز وجل فإن ذلك دليل على مرض القلب، وربما نقول على موت القلب، نسأل الله العافية، كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المؤمنين بآياته المتبعين لمرضاته.
* الطالب: شيخ، هل ورد لفظ خلق بمعنى التصيير والتحويل في اللغة العربية؟
* الشيخ: إي نعم، منه: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت ١٧] يعني: تقولون الإفك.
* الطالب: في غير هذا في اللغة العربية، حتى نجابه بها..
* الشيخ: القرآن عربي.
* طالب: يُدَرِّسون قاعدة في المدارس: أن المادة لا تفنى ولا تُستحدث من عدم، فما رأيكم؟
* الشيخ: رأيي أن هذا كفر، اللي يعتقد مدلول هذا كفر، كل شيء فانٍ إلا وجه الله عز وجل: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص ٨٨]، ومعنى هالك: قابل للهلاك، وقد يجعله الله مؤبدًّا كالجنة والنار، لكن الذي أوجد قادر على الإعدام، والإعدام أهون من الإيجاد، وقولهم أيضًا: لا تُستحدث، معناه أنهم حكموا بأنها أزلية أبدية، لا يقول هذا مؤمن، وهي بالمدارس دي؟!
* طلبة: (...).
* الشيخ: (...) تلميذ أعطوه في الاختبار: ما حكم فرقعة الأصابع في الصلاة؟ فقال التلميذ: قال المؤلف -رحمه الله تعالى: فصل يُكره في الصلاة التفاته ورفع بصره إلى السماء وفرقعة الأصابع وتشبيكها وإقعاؤه.. إلى أن ذكر الفصل كله، عشر (...)، ثم قال: خذ ما شئت ودع ما شئت؛ أنتم تريدون نروح نقرأ كتب الكيمياء كلها عشان ندور أن المادة لا تُستحدث ولا تفنى.
* طالب: الأمم الكافرة يستغلون سكون الليل وإبصار النهار أكثر من الأمة المسلمة..
* الشيخ: عجيب، كيف هذا؟
* الطالب: ينامون مبكرًا في التاسعة يكونون نائمين، وفي الصباح الباكر الرابعة أو الخامسة يكونوا صاحيين.
* الشيخ: سبحان الله، مع العلم أن هذا هو الشرع، «كان النبي ﷺ يكره النوم قبل العشاء والحديث بعد العشاء»[[أخرج البخاري (٥٦٨) عن أبي برزة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها.]]؛ لأن النوم قبل العشاء ربما يستمر، ولأنه يقوم إلى صلاة العشاء بكسل؛ ولأن بعض الناس إذا نام ساعة أو نصف ساعة انطرد عنه النوم، وصار ما ينام كل الليل، ثلاث علل، لكن ليش يجيبون التلفزيونات هذه يخلونها إلى نصف الليل أو أكثر؟ أو يضحكون علينا؟ الله المستعان.
* طالب: يضحكون علينا.
* الشيخ: يضحكون علينا، الله المستعان.
* الطالب: ولكن سمعنا يا شيخ أنه إذا غربت الشمس يغلقون محلاتهم أيضًا في الخامسة، السادسة.
* الشيخ: عجيب؛ يعني بعد الغروب، الله أكبر، ما هو في وقتنا؟ يعني في أمريكا، في إنجلترا، في فرنسا، وأنتم تكونون الثانية في الليل.
* طالب: (...).
* الشيخ: هم كفار ما لهم أجر، لكن هم أقرب منا للحق في هذه المسألة، النوم المبكر أفضل.
غافر 40:63
ثم قال الله تعالى مبينًا نعمته على عباده: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [غافر ٦١] الله: مبتدأ، والذي: خبره، وجعل بمعنى: صَيَّر، ونصبت مفعولين، الأول: الليل، والثاني: لكم، والجعل هنا جَعْل قَدَرِي وليس جَعْلًا شرعيًّا، ﴿جَعَلَ لَكُمُ﴾ اللام هنا هل هي للتعدية أو للتعدية مع التعليل؟ الجواب: الثاني.
وقوله: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ اللام للتعليل، والسكون ضد الحركة وضد العمل، وهو شامل لسكون الجوارح وسكون القلب وسكون النفس، ولهذا يجد الإنسان إذا تَعِب ثم نام يجد أن نشاطه يستجد ويزداد، وقوله: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ يعني: وجعل النهار مبصرًا، هذه معطوفة على الليل؛ أي: جعل النهار مبصرًا، وإسناد الإبصار إلى النهار؛ لأنه موضعه؛ أي: موضع إبصار الناس، ولهذا قال المفسر: (إسناد الإبصار إليه مجازي؛ لأنه يُبْصَر فيه)، فهو زمن الإبصار، النهار محل عمل وبصر.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ [غافر ٦١]، أكد الله تبارك وتعالى كونه ذا فضل على الناس بـ(إن) و(اللام)، و(ذو) بمعنى صاحب.
﴿لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ فضل: بمعنى إفضال، فالله سبحانه وتعالى هو المتفضل على العباد، ومنه –أي: من فضله- جعل الليل سكنًا والنهار مبصرًا.
وقوله: ﴿عَلَى النَّاسِ﴾ عامة، تشمل المؤمن والكافر، وهذا هو الواقع؛ لأن الليل سكن للمؤمنين والكافرين، والنهار مُبْصِر للمؤمنين والكافرين.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [غافر ٦١] يعني مع كون الله ذا فضل على الناس أكثرهم لا يشكر، والعياذ بالله، أكثرهم كافر، ولهذه الآية نظائر منها قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف ١٠٣].
وجاءت السنة بمثل ذلك، حيث أخبر النبي ﷺ «أَنَّ اللَّهَ يُنَادِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا آدَمُ أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ، فَيُخْرِجُ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِئَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ كُلُّهُمْ فِي النَّارِ»[[أخرج البخاري (٤٧٤١) عن أبي سعيد الخدري، قال: قال النبي ﷺ: «يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا آدم، يقول: لبيك ربنا وسعديك، فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار، قال: يا رب وما بعث النار؟ قال: من كل ألف -أُراه قال- تسع مئة وتسعة وتسعين».]]، من الألف واحد ينجو.
والشكر: هو الاعتراف للمنعم بالنعمة بالقلب واللسان والجوارح، قال الشاعر:
أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَالْمُحَجَّبَ
يعني: أنكم ملكتم مني ثلاثة بسبب نعمائكم: يدي ولساني والضمير المحجب.
أما الشكر بالقلب فهو أن تعترف بقلبك أن كل نعمة بك فإنها من الله كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل ٥٣]، وأفضل النعم نعم الدين، ثم العقل، ثم يتلوه النعم شيئًا فشيئًا بحسب حاجتها والضرورة إليها.
وأما بالجوراح؛ اليد أو الرجل أو السمع والبصر، فاستعمال هذه في طاعة الله، شكر الجوارح أن تستعملها في طاعة الله.
اللسان كذلك، شكر الله باللسان أن تعترف بلسانك بأن ما بك من نعمة فمن الله، وأن تحدث بنعمته عليك، لا فخرًا واختيالًا ولكن افتقارًا إلى الله عز وجل، واعترافًا بفضله سبحانه وتعالى لقوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى ١١] ثم تستعمل هذا اللسان في طاعة المنعم، إذن صار الشكر في الحقيقة هو الدين كله القلب واللسان والجوارح.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [غافر ٦١] ثم إن الشكر يتبعَّض، قد يشكر الإنسان ربه على نعمة من النعم دون النعم الأخرى، قد يُنعم الله عليه بالمال فيشكر، وينفق في سبيل الله، وينعم الله بالعلم (...)، وقد ينعم الله عليه بالعلم فينشر العلم، وبالمال فيبخل، فالشكر يتنوع كما أن الكفر يتنوع ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾.
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [غافر ٦٢] هذه الجملة نريد أن نعربها، أولًا (ذا): لا شك أنها مبتدأ، واللام للبعد، و(الكاف) للخطاب، و(الميم) للجمع، (الله): هل نقول: إنها بدل أو عطف بيان من اسم الإشارة أو أنها خبر؟ الظاهر الأول، (ربكم): خبر المبتدأ، و(خالق كل شيء): خبر آخر؛ لأن الخبر يتعدد، إذ إن الخبر وصف للمخبر عنه، وإذا كان وصفًا له فالأوصاف يجوز أن تتعدد، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج ١٤ - ١٦] كم خبرًا عندنا؟ الغفور، الودود، ذو العرش، المجيد، فعال، خمسة أخبار، الخبر يتعدد؛ لأن الخبر وصف للمخبر عنه، فإذا قلت: زيد قائم، فمعناه أن وصفه القيام، والأوصاف يجوز أن تتعدد على موصوف واحد، إذن نقول: (خالق كل شيء) خبر ثانٍ.
﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [غافر ٦٢] لا يشذ عن هذه الجملة شيء أبدًا، كلية عامة، خالق كل شيء من الأعيان والأوصاف والأحوال، كل شيء فالله خالقه، العبد مخلوق، أحوال العبد من مرض وصحة وعقل وجنون وما أشبه ذلك مخلوقة، أفعاله مخلوقة، كل شيء، فإنه مخلوق لله عز وجل لا يشذ عن هذه الجملة شيء أبدًا، حتى العجز والكيس وهو من الأوصاف، العجز يعني أن الإنسان يكون غير حازم، والكيس يكون حازمًا.
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [غافر ٦٢] لما بَيَّن أنه خالق كل شيء وأنه لا خالق معه بناء على هذه الجملة الكلية، بين أنه لا إله إلا هو؛ أي: لا معبود حق إلا لله عز وجل، فكما أنه منفرد بالخلق فيجب أن يفرد بالعبادة.
(إله) بمعنى مألوه، وفعال تأتي بمعنى مفعول في اللغة العربية كثيرًا، ومنه: غراس، بناء، فراش، كتاب، لباس، وعُدَّ.
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، إذا قال قائل: كيف تصح هذه الجملة مع قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء ٢٢]، وقوله: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ﴾ [هود ١٠١]، فأثبت آلهة دون الله؟
الجواب: تصح هذه العبارة إذا عرفنا الخبر المقدر، ما الخبر المقدر: حَقٌّ، لا إله حق إلا الله، نعم، دليل هذا: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج ٦٢].
﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [غافر ٦٢] الاستفهام هنا للتعجب والإنكار، ﴿أَنَّى﴾ يعني: كيف، ﴿تُؤْفَكُونَ﴾ تصرفون عن الإيمان مع قيام البرهان.
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ﴾ [غافر ٦٣] هذا التركيب يأتي كثيرًا في القرآن الكريم، وقد مر علينا كيف نعربه، فقلنا: إن (الكاف) اسم بمعنى مثل، وهو مفعول مطلق للعامل بعده، أي: مثل ذلك الإفك يؤفك، والإفك بمعنى الصرف.
﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثل ذلك الإفك، وهو الإشراك بالله وعدم شكر النعم ﴿يُؤْفَكُ﴾ أي: مثل إفك هؤلاء إفك ﴿الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [غافر ٦٣]، وقوله: (الذين) إعرابها على أنها نائب فاعل.
﴿الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ أي: كانوا ينكرون بآيات الله؛ أي: يكفرون، والجحد هنا بمعنى الكفر، بدليل أنه تعدى بالباء.
وقول المؤلف: (﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ معجزاته) هذا لا شك أنه خطأ، بل نقول آيات الله: دلالاته التي تدل على كماله عز وجل واستحقاقه للعبودية، فهي آيات وليست معجزات، ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ أي: بالدلالات التي تدل على كماله وعلى استحقاقه بالعبودية وحده؛ وآيات الله سبحانه وتعالى نوعان:
كونية وشرعية، فالمخلوقات كلها كونية، آيات تدل على كماله:
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ∗∗∗ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ
فكل ما في الكون فإنه شاهد بكمال الله عز وجل وقدرته وعزته وسلطانه وغير ذلك، المهم أن جميع المخلوقات آيات كونية تدل على خالقها، وعلى حكمته ورحمته وغير ذلك من كمال صفاته.
وآيات شرعية: وهي ما جاءت به الرسل من أحكام عادلة وأخبار صادقة وقصص نافعة، هذه آيات شرعية، التكليفات والأوامر والنواهي كلها عادلة، الأخبار كلها صادقة، ما فيها شيء كذب، القصص كلها نافعة: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [يوسف ٣].
﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [غافر ٦٣].
* في هذه الآيات فوائد: قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [غافر ٦١].
أولًا: كمال قدرة الله عز وجل بإيجاد الليل والنهار، فإن هذا من عظيم قدرته جل وعلا، هل يستطيع البشر إذا طلعت الشمس أن يردوها فتغرب؟ وإذا غابت أن يجروها فترجع؟ أبدًا، ولهذا قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [القصص ٧١، ٧٢]، فأقول: الليل والنهار الذي جعله الله للعباد لا يُمكن لأحد أن يغيره إطلاقًا، ثم إذا نظرنا أيضًا إلى هذا الليل والنهار وتعاقبه وولوج بعضه ببعض فهو آية أخرى، أحيانًا يزيد الليل، وأحيانًا يزيد النهار، من يستطيع أن يفعل ذلك إلا لله سبحانه وتعالى؟!
* ومن فوائد الآية الكريمة: تعليل أحكام الله القدرية كما هو ثابت في الأحكام الشرعية؛ يعني أن أحكام الله الكونية لا يمكن أن تكون إلا لحكمة، من أين تؤخذ؟ ﴿لِتَسْكُنُوا﴾، واللام قلت لكم إنها للتعليل، إذن جعل الله ذلك لنسكن.
ذكرنا أن أحكام الله الكونية معللة كأحكامه الشرعية، لكن هل يلزم من تعليلها أن نعلم بالعلة؟ لا يلزم، إن فتح الله علينا ما فتح من ذلك فهذا خير منه وفضل، وإن حُرِمنا ذلك بذنوبنا فنحن مخطئون، إنما على كل حال ما من شيء إلا وله حكمة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان منة الله سبحانه وتعالى بالليل والنهار، حيث جعل الليل سكنًا وجعل النهار مبصرًا، من: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [غافر ٦١]، لولا هذا ما سكن الناس، ولذلك تجد الإنسان بطبيعته إذا جاء الليل أحب السكون، ولولا أن في وقت عصرنا هذا شاعت الأنوار وشاعت الأضواء وصار الليل كالنهار لوجدت لليل لذة عظيمة، ونحن أدركنا ذلك، تجد لذة ومحبة للسكون، وسكون قلب وسكون بدن وسكون نفس، ثم إذا طلع الفجر وإذا هو كالرطب يأتي بعد التمر، نفرح به، وجاء النهار جاء النهار، الآن ما كأن هناك ليلًا ولا نهارًا، ولذلك لا نجد اللذة التي كنا نعرفها من قبل، ولعل منكم من أدرك ذلك، على كل حال اخرجوا للبادية لكم أسبوعًا وابعدوا عن الأنوار تجدون هذا، على كل حال هذا من فضل الله عز وجل أن جعل لنا الليل للسكن والنهار للعمل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله ذو فضل على الناس عمومًا، تؤخذ؟
* طالب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ [غافر ٦١].
* الشيخ: ﴿عَلَى النَّاسِ﴾ ولّا: على المؤمنين؟ في آية أخرى: ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ١٥٢] فكيف نجمع بين التعميم والتخصيص؟ أن نقول: الفضل نوعان: عام وخاص، فالعام لجميع الناس، والخاص للمؤمنين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أكثر عباد الله لا يشكرون الله لقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [غافر ٦١].
* ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من قياس الأحكام الشرعية بأعمال العباد؛ بمعنى أننا إذا قلنا لشخص: هذا حرام، قال: كل الناس يفعله، فيجعل المعيار أعمال الناس، وهذا خطأ، كل الناس يعمله ما هي حجة ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام ١١٦]، الحجة فيما قاله الله ورسوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء ٥٩] سواء كانت الطائفة الأخرى أكثر من التي قبلها أو العكس، إذن لا يجوز أن نجعل أعمال الناس معيارًا للأحكام الشرعية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب شكر الله عز وجل، والإشارة إلى أن يكون هذا الشكر من جنس الفضل، الشكر يكون من جنس الفضل، فما شكر صاحب المال؟
* طالب: (...).
* الشيخ: شكره هو لربه كيف؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أن ينفقه في سبيل الله.
ما شكر العلم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: صح، وبذله.
ما شكر من أعطاه الله شجاعة وقوة بدنية والجهاد قائم؟
* طالب: أن يجاهد في سبيل الله.
* الشيخ: أن يجاهد في سبيل الله، إذن الشكر من جنس النعم؛ لأن الله قال: ﴿لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [غافر ٦١] الفضل.
* ومن فوائد الآية الكريمة الثانية: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ [غافر ٦٢] إثبات ربوبية الله عز وجل على كل شيء، أنه رب كل شيء، لقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: الإشارة إلى وجوب طاعته وعبادته؛ لقوله: ﴿رَبُّكُمْ﴾، وإذا كان هو الرب فهو السيد، وإذا كان هو الرب فهو الذي له السلطان، وإذا كان هو الرب فهو الذي له الحق أن يُعبد، كل ما يُثبت الربوبية فهو دليل على وجوب الألوهية، ولهذا يستدل الله عز وجل على المشركين بكونهم يثبتون الربوبية وينكرون الألوهية، فكل من أثبت الربوبية لزمه أن يثبت الألوهية.
إذن توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية، وتوحيد الإلوهية متضمن لتوحيد الربوبية، إذ لا يمكن لأحد أن يعبد الله إلا وهو يعلم أنه ربٌّ أهلٌ للعبادة.
ولهذا لو قال لك قائل: هل التوحيدان متلازمان؟ فقل: أما توحيد الربوبية فمستلزم لتوحيد الألوهية، وأما توحيد الألوهية فمتضمن لتوحيد الربوبية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات خلق الله عز وجل لكل شيء، لقوله: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [غافر ٦٢]، فلو قال قائل: استثنى العقل نفسه فليس خالقًا لها، فهل يصح هذا القول؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لماذا؟ لأن نفسه لم تدخل أصلًا؛ لأن هناك فاعلًا ومفعولًا، والفاعل لا يمكن أن يدخل في المفعول حتى يُستثنى منه، فنحن نقول: إن الرب عز وجل لم يدخل في قوله: ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ أصلًا في هذه الآية؛ لأن الخلق أو إن شئت فقل: لأن المخلوق بائن من الخالق، فلا يمكن أن يدخل الخالق في المخلوق حتى نقول: استثنى العقل، والاستثناء إخراج الشيء من الشيء، وهنا لم يدخل أصلًا.
أقول: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، هل يصلح أن نقول: واستثنى العقل ذاته فليس خالقًا لها؟
* طالب: (...).
* الشيخ: هذه الآية، الله خالق كل شيء، هل نقول: إلا ذاته؟
نقول: لا، لماذا؟ لأن الأصل أنه لم يدخل هو في أنه خالق كل شيء؛ يعني ما دخل في المخلوق هو فاعل وغيره مفعول، فهو لم يدخل أصلًا حتى نقول: أخرجوا ما يستطيع العقل في هذا الباب.
استدل الجهمية والمعتزلة بأن كلام الله مخلوق؛ لأن كلام الله شيء فيكون داخلًا في العموم، نقول: إذن يلزمكم أن تقولوا: إن الله مخلوق؛ لأن الله شيء ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام ١٩]، إذن قولوا: إن الله مخلوق أيضًا، فإن قالوا: لا يمكن أن نقول؛ لأن الفاعل غير المفعول، قلنا: وصفات الفاعل كالفاعل، الصفات يُحذى بها حذو الذات، فإذا كان الرب عز وجل خالقًا وغيره مخلوق فصفاته أيضًا غير مخلوقة، فالقرآن ليس بمخلوق؛ لأنه كلام الله، وكلام الله من صفاته، وصفات الله كلها غير مخلوقة.
فإن قال قائل: إن الخلق ثابت للعبد، قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون ١٤]، فأثبت أن هناك خالقين، وقال الرسول ﷺ في المصورين: «أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٥١)، ومسلم (٢١٠٨ / ٩٧) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]] فأثبت أنهم خالقون.
فالجواب: أن الخلق الثابت للباري عز وجل ليس كالخلق الذي أُثبت للمخلوق، خلق المخلوق للشيء تحويله من حال إلى حال، وليس إيجاده، فالنجار إذا صنع الخشبة بابًا هل يُقال إنه خلق الخشبة؟ حولها من خشبة إلى باب ولم يخلقها، حتى لو قلنا: إن صنعه هذا خلق فهو في الحقيقة بمعنى تغيير وتحويل وليس بمعنى الإيجاد، وقد تحدى الله عز وجل الأصنام التي تُعبد من دون الله والتي يُدَّعى أنها آلهة، قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج ٧٣].
* ومن فوائد الآية الكريمة: بناء توحيد الألوهية على توحيد الربوبية؛ لقوله بعد: ﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [غافر ٦٥] أي: لا معبود إلا هو، أي: لا تعبدوا إلا إياه؛ لقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.
* من فوائد الآية الكريمة: إنكار التعجب على أولئك الذين صرفوا عن الحق مع وضوحه وبيانه لقوله: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [غافر ٦٢].
* ومن فوائد الآية الثالثة: أن المكذبين بآيات الله يصدر منهم ما يُقضى به العجب؛ لقوله: ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [غافر ٦٣].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الذنوب تحول بين الإنسان وبين رؤية الحق؛ لأن هؤلاء لما جحدوا بآيات الله صرفوا عنه، وهذا واقع، الذنوب تحول بين الإنسان وبين رؤية الحق، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المطففين ١٣]، هل أحد يمكن أن يقول هذا القرآن العظيم أساطير الأولين؟ يقول الله عز وجل: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٤] من الأعمال السيئة حتى رأوا هذا الحق المنير فجعلوه أساطير.
ولهذا يجب أن نعالج أنفسنا إذا رأينا أننا نقرأ القرآن وكأنه حروف تُتلى نرجو بركتها وثوابها، إذا لم تؤثر على القلب باللين والخشوع والرجوع إلى الله عز وجل فإن ذلك دليل على مرض القلب، وربما نقول على موت القلب، نسأل الله العافية، كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المؤمنين بآياته المتبعين لمرضاته.
* الطالب: شيخ، هل ورد لفظ خلق بمعنى التصيير والتحويل في اللغة العربية؟
* الشيخ: إي نعم، منه: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت ١٧] يعني: تقولون الإفك.
* الطالب: في غير هذا في اللغة العربية، حتى نجابه بها..
* الشيخ: القرآن عربي.
* طالب: يُدَرِّسون قاعدة في المدارس: أن المادة لا تفنى ولا تُستحدث من عدم، فما رأيكم؟
* الشيخ: رأيي أن هذا كفر، اللي يعتقد مدلول هذا كفر، كل شيء فانٍ إلا وجه الله عز وجل: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص ٨٨]، ومعنى هالك: قابل للهلاك، وقد يجعله الله مؤبدًّا كالجنة والنار، لكن الذي أوجد قادر على الإعدام، والإعدام أهون من الإيجاد، وقولهم أيضًا: لا تُستحدث، معناه أنهم حكموا بأنها أزلية أبدية، لا يقول هذا مؤمن، وهي بالمدارس دي؟!
* طلبة: (...).
* الشيخ: (...) تلميذ أعطوه في الاختبار: ما حكم فرقعة الأصابع في الصلاة؟ فقال التلميذ: قال المؤلف -رحمه الله تعالى: فصل يُكره في الصلاة التفاته ورفع بصره إلى السماء وفرقعة الأصابع وتشبيكها وإقعاؤه.. إلى أن ذكر الفصل كله، عشر (...)، ثم قال: خذ ما شئت ودع ما شئت؛ أنتم تريدون نروح نقرأ كتب الكيمياء كلها عشان ندور أن المادة لا تُستحدث ولا تفنى.
* طالب: الأمم الكافرة يستغلون سكون الليل وإبصار النهار أكثر من الأمة المسلمة..
* الشيخ: عجيب، كيف هذا؟
* الطالب: ينامون مبكرًا في التاسعة يكونون نائمين، وفي الصباح الباكر الرابعة أو الخامسة يكونوا صاحيين.
* الشيخ: سبحان الله، مع العلم أن هذا هو الشرع، «كان النبي ﷺ يكره النوم قبل العشاء والحديث بعد العشاء»[[أخرج البخاري (٥٦٨) عن أبي برزة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها.]]؛ لأن النوم قبل العشاء ربما يستمر، ولأنه يقوم إلى صلاة العشاء بكسل؛ ولأن بعض الناس إذا نام ساعة أو نصف ساعة انطرد عنه النوم، وصار ما ينام كل الليل، ثلاث علل، لكن ليش يجيبون التلفزيونات هذه يخلونها إلى نصف الليل أو أكثر؟ أو يضحكون علينا؟ الله المستعان.
* طالب: يضحكون علينا.
* الشيخ: يضحكون علينا، الله المستعان.
* الطالب: ولكن سمعنا يا شيخ أنه إذا غربت الشمس يغلقون محلاتهم أيضًا في الخامسة، السادسة.
* الشيخ: عجيب؛ يعني بعد الغروب، الله أكبر، ما هو في وقتنا؟ يعني في أمريكا، في إنجلترا، في فرنسا، وأنتم تكونون الثانية في الليل.
* طالب: (...).
* الشيخ: هم كفار ما لهم أجر، لكن هم أقرب منا للحق في هذه المسألة، النوم المبكر أفضل.
غافر 40:64
طالب: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٦٤) هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر ٦٤ - ٦٦].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ الجملة: (الله): مبتدأ، و(الذي): خبره؛ يعني: الله هو الذي جعل لكم الأرض قرارًا والسماء بناء إلى آخره، جعل لكم هذه من أفعال التصيير؛ أي: صَيَّر لكم، و(قرارًا) يعني: ذات قرار؛ أي: مستقر، و(السماء بناء)؛ أي: فوق، وقد بَيَّن الله تعالى في آية أخرى أنه سقف؛ فالله جعل الأرض قرارًا؛ أي: مستقرة.
وهل معنى هذا القرار أنها لا تتحرك أو أنها لا تميد بنا؟ يقال: القرآن يفسر بعضه بعضًا، فقد قال الله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا﴾ [النحل ١٥] فبين أن المراد بالقرار أنها لا تميد بساكنيها؛ أي: لا تضطرب، وليس المعنى أنها قارة لا تتحرك كما سيأتي إن شاء الله في الفوائد.
﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ [غافر ٦٤] أي: سقفًا عاليًا، والمراد بالسماء هنا السماوات ذات الأجرام؛ وذلك لأن السماء يطلق على معنيين؛ المعنى الأول: العلو، والمعنى الثاني: السماء السقف، والذي يعين أحد المعنيين هو السياق.
فقول الله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد ١٧] المراد بالسماء هنا العلو؛ لأن المطر ليس ينزل من ذات السماء السقف، بل ينزل من العلو، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة ١٦٤]، فالسماء هنا بمعنى ذات السقف، والمطر ينزل من السحاب، فإذا كان مسخرًا بين السماء والأرض اقتضى ذلك أن لا يكون المطر ينزل من السماء ذات السقف، ولكنه ينزل من السماء التي بمعنى العلو، والذي معنا هنا ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ المراد به السماء ذات السقف.
﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر ٦٤] أي: جعلكم على صورة معينة، والصورة هي الشكل، فشكل الآدمي هو أحسن شكل في المخلوقات وأحسنه وأقومه ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين ٤]، فلا صورة أحسن من صورة الآدمي، ولا شكل أحسن من شكله، ولهذا قال: ﴿فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾.
﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [غافر ٦٤] فبين الله في هذه الآية أربعة أشياء: الأرض التي هي محل السكنى، والسماء التي هي محل الظل، والتصوير الذي هو الهيكل الإنساني، والإمداد لهذا الهيكل وهو قوله: ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ رزقكم: أي أعطاكم، والطيبات هنا ما طاب ولذ.
واعلم أن الطيب تارة يُراد به الحلال، وتارة يُراد به الحسن، وتارة يُراد به اللذيذ، ويعين ذلك السياق، فقول الله تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال ٣٧] المراد بالطيب هنا الحسن، والمراد بالخبيث الرديء؛ والمراد بقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة ٥٧] المراد بها الحلال لقوله: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ [البقرة ١٧٢]؛ لأنه لو قيل: المراد اللذيذ، لكان قوله: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ لا معنى له، ولا يمكن إقامة الشكر إلا إذا تناول الإنسان الشيء الحلال، والمراد بقوله هنا: ﴿مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ ما طاب ولذَّ، وإنما قلنا بذلك؛ لأن رزق الله عز وجل بالمعنى العام يشمل الحلال والحرام، ولهذا نقول: إن الإنسان إذا اكتسب مالًا محرمًا عن طريق الربا مثلًا فإنه مرزوق لا شك، لكنه رزق فيه التبعة.
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ ذلكم الله: اسم إشارة مبتدأ، وما بعده عطف بيان أو نعت، ورب: خبر المبتدأ؛ يعني: هذا الذي أمدكم بهذه الأشياء الأربعة هو الله لا أحد غيره، وقوله: ﴿رَبُّكُمْ﴾ يعني أنه جل وعلا رب عباده الذي هو الخالق المالك المدبر؛ لأن الرب يجمع ثلاثة أوصاف: الخلق والملك والتدبير.
﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر ٦٤] (تبارك): قيل معناه تعالى وتعاظم، وهذا المعنى قريب، لكن فيه أن تبارك أخص من ذلك، ومعنى تبارك: أنه ذو البركة العظيمة الثابتة، ولهذا لا يُطلق على غير الله بهذا المعنى، أي بمعنى أنه ذو البركة العظيمة الثابتة؛ لأن هذا الوصف لا يليق إلا بالله عز وجل، وأما يقوله بعض الناس كما سيأتي إن شاء الله في الفوائد فسنتكلم عليه، وقوله: ﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ رب هذه: عطف بيان أو صفة للفظ الجلالة، والعالمون: كل من سوى الله، كل الخلق عالمون، وسموا بذلك؛ لأنهم علم على خالقهم، ففي كل الخلق آية من آيات الله، كما قيل:
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ∗∗∗ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ
والربوبية هنا الربوبية العامة؛ لأنه أضافها إلى العالمين، فهي عامة شاملة.
* في هذه الآية فوائد: أولًا: أن الله تعالى هو خالق الأرض لقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ﴾ [غافر ٦٤].
* ومن الفوائد نعمة الله عز وجل علينا بكون الأرض ذات قرار؛ أي: مستقرة لا تميل.
* ومن فوائدها أن الأرض لا تتحرك لقوله: ﴿قَرَارًا﴾، هكذا قال بعض العلماء، ولكن إذا قارنا هذه الآية بقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل ١٥] تبين أن الاستدلال بهذه الآية على أن الأرض لا تتحرك فيه نظر، فيقال إذن: * من فوائد هذه الآية أن نعمة الله عز وجل علينا بكون الأرض لا تميد بنا ولا تضطرب بنا، ومن ثَمَّ نعرف الحكم على اختلاف الناس اليوم ما بين مؤيد ومُفَنِّد هل الأرض تتحرك أو لا تتحرك؟ فمن المعروف عند علماء الفلك أنها تتحرك، وهذا عندهم بمنزلة الأمور البدهيات اليقينيات التي لا تقبل الجدل، يقولون: إن الأرض تتحرك وتدور بذاتها دورانًا يختلف به الليل والنهار، وتدور دورانًا محوريًّا به تختلف الفصول، وليس عندهم في ذلك شك، ولا يجادلون في هذا.
ومن العلماء من قال: لا، إنها لا تدور، بل هي ساكنة قارٌّةٌ، وأن اختلاف الليل والنهار إنما يكون بسبب دوران الشمس على الأرض، لا بسبب دوران الأرض، والذي يظهر لي أن القرآن الكريم ليس فيه شيء صريح بأنها تدور أو لا تدور، وهو إلى كونها تدور أقرب من كونها لا تدور؛ لأن نفي الأخص في قوله: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ يقتضي وجود الأعم، كما قلنا في قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام ١٠٣] أن هذه الآية تدل على ثبوت رؤية الله عز وجل؛ لأن نفي الإدراك يدل على ثبوت أصل الرؤية، نفي الميدان يدل على وجود أصل الحركة.
لكن الأمر الخطير فيما أرى: هل الشمس هي التي تدور على الأرض عند الطلوع والغروب أو لا؟ نحن نعتقد أنها هي التي تدور، ولا مانع من أن يكون هناك دوران للأرض ودوران للشمس، لا مانع؛ لأن ظواهر الكتاب والسنة كلها تدل على أن الشمس هي التي تطلع وتغرب وتميل وتزول وتزيغ وما أشبه ذلك، فقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف ١٧]، هذه أربعة أفعال كلها أضيفت إلى الشمس، والأصل أن ما أضيف إلى الشيء فهو فعله، وقال الله تبارك وتعالى في سور (ص): ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص ٣٢]، وقال تعالى في سورة الكهف: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ [الكهف ٨٦]، ﴿إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ [الكهف ٩٠]، وقال النبي ﷺ لأبي ذر حين غربت الشمس: «أَتَدْرِي أَيْنَ ذَهَبَتْ؟» قال: الله ورسوله أعلم»[[أخرجه البخاري (٣١٩٩) واللفظ له، ومسلم (١٥٩) بسنديهما من حديث عن أبي ذر رضي الله عنه، قال: قال النبي ﷺ: لأبي ذر حين غربت الشمس: «أتدري أين تذهب؟»، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها ويوشك أن تسجد، فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، يُقال لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى: ﴿والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم﴾ [يس: ٣٨]".]].
فكل هذه الأفعال مضافة إلى الشمس نفسها، فكيف نعدل عن ظاهر هذا اللفظ إلى معنى آخر بدون أمر قطعي يكون لنا حجة عند الله عز وجل أن نخالف ظاهر كلامه، لكن من تبين له الأمر تبينًا واضحًا، ورأى أنه أمر قطعي يقيني بدهي -كما يقولون- فإنه يمكن أن تؤول الآيات بأن نسبة الطلوع إلى الشمس والغروب والذهاب باعتبار رأي العين لا باعتبار الواقع، لكني إلى الآن لم يتبين لي أن اختلاف الليل والنهار يكون بدوران الأرض، بل هو يكون بدوران الشمس، والله على كل شيء قدير.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن السماء مَبْنِيٌّ لقوله: ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ [غافر ٦٤] وهو كذلك، قال الله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ [النازعات ٢٧]، وقال: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات ٤٧]، إذن فهي أجرام ولا شك في هذا، وهي أجرام محفوظة لا يمكن الولوج إليها إلا بعد إذن، ويدل لهذا أن أفضل الرسل البشرية محمد ﷺ وأفضل الرسل الملكية جبريل كلاهما لم يدخل السماء الدنيا وما بعدها إلا بعد استئذان، مما يدل على كمال حفظها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: منة الله تعالى علينا نحن البشر أن صورنا هذا التصوير البديع الذي هو أحسن الصور فقال: ﴿صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر ٦٤].
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم التصوير، يمكن أن يؤخذ منها تحريم التصوير؟ كيف ذلك؟
* طالب: (...) نسبة إلى الله تعالى.
* الشيخ: يمكن أن نأخذ منها ذلك، فنقول: إن من صَوَّر فقد نازع الله تعالى فيما هو من اختصاصه وهو الخلق، ولهذا جاء في الحديث: «يُقَالُ لِلْمُصَوِّرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ»، وهذا هو الصحيح، أن التصوير حرام، بل هو من كبائر الذنوب؛ لأن النبي ﷺ لعن فاعله، ولكن هنا ثلاثة أمور:
الأمر الأول: الصورة التمثالية، بمعنى أن يخلق الإنسان من الطين أو الخشب أو الحديد شيئًا على شكل صورة، هذه لا شك في تحريمها؛ «ولهذا قال في حديث علي ابن أبي طالب الذي رواه مسلم أنه قال لأبي الهياج: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أَلَا تَدَع قبرًا مشرفًا إلا سويته ولا تمثالًا إلا طمسته»[[أخرجه مسلم (٩٦٩ / ٩٣).]] تمثالًا، ولا أعلم نزاعًا بين العلماء في تحريم ذلك.
الثاني: ما كان بالرقم؛ أي: التصوير بالرقم، بمعنى أن الإنسان يصور بيده صورة، فهذه اختلف فيها السلف والخلف، فمنهم من قال: إنها لا تحرم، لقوله في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري: «إِلَّا رَقْمًا فِي ثَوْبٍ»، وهذا رقم في ثوب فلا يحرم؛ ولأن هذا ليس شيئًا مُجسمًا حتى يطابق ما خلق الله عز وجل، إنما هو شكل فقط، والصورة التي صورها الله هي جسم محسوس ملموس يشاهد بالعين، وأما هذا فهو مجرد تلوين، فلا يدخل في الحديث، ولكن الجمهور على أنه داخل في الحديث، بدليل حديث النمرقة حديث عائشة رضي الله عنها «أن الرسول ﷺ جاء إلى بيته فلم يدخل من أجل صورة كانت في نمرقة جعلتها للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم»[[أخرج البخاري (٥٩٦١)، ومسلم (٢١٠٧/٩٦) عن عائشة رضي الله عنها أنها اشترت نُمرقة فيها تصاوير، فلما رآها رسول الله ﷺ قام على الباب فلم يدخل، فعرفت، أو فعرفت في وجهه الكراهية، فقالت: يا رسول الله أتوب إلى الله وإلى رسوله فماذا أذنبت؟ فقال رسول الله ﷺ: «ما بال هذه النمرقة؟»، فقالت: اشتريتها لك، تقعد عليها وتوسدها، فقال رسول الله ﷺ: «إن أصحاب هذه الصور يُعذبون، ويُقال لهم: أحيوا ما خلقتم»، ثم قال: «إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة».]]، وهذا هو الصحيح أن التصوير برسم اليد حرام وداخل في اللعن، ولا يحل لأحد أن يقوم به.
الثالث: ما كان تصويرًا بالالتقاط وليس باليد، وذلك ما يُعرف بالتصوير الفوتوغرافي الذي ليس للإنسان فيه أي عمل، بل هو شيء يتمثل أمام هذا الضوء المعين فينطبع، وليس للإنسان فيه أي عمل سوى تحريك الآلة التي تقوم بالتقاط هذه الصورة، فهذا مختلف فيه اختلافًا كبيرًا بين المتأخرين؛ لأنه لم يظهر إلا أخيرًا فاختلفوا فيه، والذي يتبين لي أنه لا يدخل في التصوير؛ لأن هذا لم يخلق بيده كما خلق الله عز وجل، لم يشكل العين ولا الأنف ولا الفم ولا الشفة ولا أي شيء، غاية ما هنالك أن هذا الضوء انعكس على هذه الصورة فانطبعت، فهو بمنزلة ما لو شاهدت المرآة فرأيت صورتك فيها، إلا أن الفرق أن هذا يثبت وما في المرآة يزول بزواله، ولهذا نسمي صورة الناظر في المرآة نسميها صورة، وهي بالاتفاق لا تدخل في التصوير المنهي عنه.
لكن يبقى النظر لماذا صور هذا الإنسان؟ يعني الآن تقرر عندي أن هذا التصوير مباح، لكن لماذا صَوَّر؟ نقول: نجري على هذا ما نجريه على سائر المباحات، وهو أنه إذا كان لغرض مقصود فهو مباح، وإذا كان لغرض محرم فهو حرام، فلو أن إنسانًا صور صورة امرأة أجنبية من أجل أن يتلذذ برؤيتها كلما سنحت له الفرصة لقلنا: هذا حرام لا شك، ولو أراد أن يصور صورة عظيم ليعلقها في بيته قلنا: هذا حرام، ولو أراد أن يصور صورة أبيه أو أخيه أو عمه أو صديقه من أجل أن يتسلى به عند المصائب لقلنا: هذا حرام، فيكون هذا المباح حكمه حكم الغرض الذي من أجله صور، هذا ما يظهر لي حول هذه المسألة، والناس فيها بين متهاون وبين متشدد، والذي يظهر لي والله أعلم هو هذا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: منة الله عز وجل برزقه إيانا من الطيبات؛ لقوله: ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [غافر ٦٤]، ذكرنا أن المراد بالطيبات هنا اللذائذ، ليشمل الرزق العام والخاص، وليُعْلَم أن الرزق ينقسم إلى قسمين: رزق عام، ورزق خاص، فالعام: كل ما ينتفع به الإنسان فهو رزق، كما قال السفاريني -رحمه لله: والرزق ما ينفع من حلال وضده. وهو الحرام، هذا رزق عام، يستوي فيه المؤمن والكافر والبر والفاجر والمكتسب عن طريقٍ حلال والمكتسب عن طريقٍ حرام، كل هذا رزق، وعلى هذا فالمسروق بالنسبة للسارق رزق، لكنه رزق وإن تمتع به في الدنيا فسيكون عليه وبالًا في الآخرة.
أما النوع الثاني من الرزق: فهو الرزق الطيب الحلال، وهذا هو الرزق الخاص، وهو الطيب الحلال، وهو خاص بالمؤمن، وعلى هذا فالكافر ليس له رزق خاص إطلاقًا، حتى لو اكتسبه عن طريق حلال فليس رزقًا خاصًّا، بل داخل في العموم، لقول الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف ٣٢]، ولغير الذين آمنوا؟ ليست لهم، ولهذا نقول: الكافر يحاسب على كل لقمة أكلها وكل جغمة شربها يُحاسب عليها يوم القيامة.
بل إن من الخطر أن يُحاسب المؤمن على الطيبات إلا بالشروط التي ذكر الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ [المائدة ٩٣] شروط ثقيلة لحل الرزق مع أنه طيب، نسأل الله أن يعيننا على تحقيق هذه الشروط، إذن الكافر لا يمكن أن يكون في حقه زرق خاص، لا يمكن، كل الرزق وإن كان طيبًا فهو عام بالنسبة له؛ لأنه يُحاسب عليه، أما المؤمن فينقسم الرزق في حقه إلى خاص وعام، فما أثم به فهو من العام، وما لم يأثم به فهو من الخاص.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن ربوبية الله عز وجل مبنية على الرحمة؛ لقوله: ﴿ذَلِكُمُ﴾ أي: الذي أعطاكم هذه الأشياء الأربعة ﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾، فربوبية الله عز وجل مبينة على الرحمة، ويدل لهذا قوله تعالى في سورة الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة ٢، ٣] فربوبيته عز وجل مبنية على الرحمة والرأفة.
فإن قال قائل: ينتقض عليكم هذا بما يحصل في الحياة الدنيا من المنغصات التي تؤذي الإنسان وربما تضره؟ قلنا هذه رحمة، هذه بالنسبة للمؤمن رحمة، كيف ذلك؟ لأنها مكفرة للذنوب: «لَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ شَيْءٌ مِنْ هَمٍّ أَوْ غَمٍّ أَوْ أَذَى إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهِ عَنْهُ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا»[[أخرج البخاري (٥٦٤٠)، ومسلم (٢٥٧٢)، بسنديهما عن عائشة رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ، قال: «ما من مصيبة يُصاب بها المسلم، إلا كفر بها عنه حتى الشوكة يشاكها».]] إذن فهي رحمة؛ لأنها تكفر السيئات، ومع احتساب الأجر على الله عز وجل تكون حسنات؛ لأن ترقب ثواب الله واحتساب الأجر على الله عمل صالح يثاب عليه المرء، وهذا الأذى أو هذا الضرر الذي ينال العبد عرض يزول، أليس كذلك؟ ولهذا لو رجعت إلى الوراء في تفكيرك لوجدت أنه مر بك أشياء كثيرة من الأذى وأشياء كثيرة من الضرر فزالت وكأنها لم تكن، إذن الثواب الذي حصل وتكفير السيئات الذي حصل هو خير من هذه الأذية وهذه الأضرار فتكون بذلك رحمة، فلا تخرج عن نطاق الرحمة في الربوبية.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان عظمة الله عز وجل في قوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر ٦٤]، وقد استنبط بعض العلماء من هذا أن اسم الله عز وجل تُنال به البركة، واستشهد لذلك بقوله: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ بِبِاسْمِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ»[[أخرجه الخطيب في الجامع (١٢١٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وهذا ليس ببعيد، وإن كان فيه شيء من الركاكة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عموم ربوبية الله عز وجل لقوله: ﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.
ويتفرع على ذلك أنه يجب أن يقوى اعتماد الإنسان على الله في جلب المنافع ودفع المضار؛ لأنه إذا كان رب العالمين عز وجل فهو مسيطر على كل العالمين، وله السلطان على كل العالمين.
ويتفرع على ذلك أيضًا مسألة أخرى: وهي اللجوء إلى الله عز وجل عند حصول المضايقات من بني آدم أو غير بني آدم؛ لأنه سبحانه رب العالمين بيده الأمر، فهو القادر على أن يعصم الإنسان من الأسد الضاري المهاجم، وإن كان الإنسان لا يستطيعه بمجرد قدرته لكن الله تعالى قد يصرفه عنه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الربوبية العامة لقوله: ﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، وهناك ربوبية خاصة وربوبية أخص، وقد اجتمع النوعان في قوله تعالى عن سحرة آل فرعون: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢] إذن ربوبية الله العامة شامله للمؤمن والكافر والبر والفاجر، الربوبية الخاصة للمؤمنين، الربوبية التي هي أخص للرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وبهذا نعرف أن من صفات الله سبحانه وتعالى ما يكون عامًّا وخاصًّا وأخص.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل المخلوقات آية على الله لقوله: ﴿الْعَالَمِينَ﴾، وقد قلنا: إنهم سموا بذلك؛ لأنهم عَلَمٌ على خالقهم جل وعلا، والله أعلم.
* طالب: يا شيخ، ما الجمع بين «إخباره عليه الصلاة والسلام أن الشمس تسجد كل غروب عند العرش، ثم بعد ذلك تستأذن ربها في أن تشرق فيأذن لها»، وما قرره العلم الحديث أن الشمس لا يمكن أن تغرب أبدًا، فهي كل لحظة إما أن تشرق على ناس أو تغرب على آخرين، وأنه في شمال الكرة الأرضية الشمس ستة أشهر كاملة لا تغرب وستة أشهر كاملة غائبة غير موجودة؟
* الشيخ: إي نعم، نحن ذكرنا قاعدة أن الأمور الغيبية التي لا يدركها الحس تُبقى على ظاهرها، ولا يقال: كيف نجمع؟ لأن هذا أمر لا ندركه حتى نجمع، فنقول كما قال الرسول ﷺ إنها إذا غربت تسجد، ولم يقل الرسول ﷺ كلما غربت في أي مكان، قد يكون سجودها إذا غربت عن هذا الوجه -وجه الأرض الذي فيه الحرمان- بخلاف ما إذا غابت على وجه آخر، لا ندري، فنحن نقول كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام، ونقيد الزمن بما قيده الرسول ﷺ؛ يعني إذا غابت عن المدينة حصل هذا، وهذا أمر ممكن محتمل؛ لأن أفضل وجه الأرض هو هذا الوجه الذي فيه المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى.
* طالب: يا شيخ، أحيانًا لا يتمكن الخاطب من رؤية مخطوبته فهل رؤيته صورة لها يكون مباحًا؟
* الشيخ: من السنة أن ينظر الخاطب إلى مخطوبته بالشروط المرعية المعروفة عند العلماء، فهل تقوم الصورة مقام النظر؟ لا تقوم مقام النظر، ولا فائدة منها، أولًا: لأنك كثيرًا ما ترى صورة شخص في مجلة أو صحيفة ثم إذا رأيت الرجل بنفسه وجدته يختلف، وهذا شيء مجرب ومشاهد، هذه واحدة.
الشيء الثاني: ربما تكون هذه المرأة عند التقاط الصورة لها على أحسن جمال أو تجميل بمكياج وكحل وما أشبه ذلك، فتُصَوَّر على هذا الوجه وتعطى الخاطب، فإذا نظرها على الطبيعة -كما يقولون- وجد خلاف ذلك، وجد أنها لا عين..
عند التقاط الصورة لها على أحسن جمال أو تجميل بمكياج وكحل وما أشبه ذلك، فتُصَوَّر على هذا الوجه وتُعْطى الخاطب، فإذا نظرها على الطبيعة -كما يقولون- وجد خلاف ذلك، وجد أنها لا عين ولا وجه، وحينئذٍ يحصل البلاء، فالذي نرى أنه يحرم أن يتبادل الخطيبان الصور.
ثم إن هذه الصورة قد تبقى عند الخاطب أو عند المخطوبة أيضًا ولو بعد إطلاق الخِطبة، يتمتع بالنظر إليها متى شاء، وهي أيضًا تتمتع بالنظر إليه متى شاءت.
* طالب: شيخ بارك الله فيكم، ذكرتم في موضوع الصور حبس الضوء؛ يعني الكاميرا التي تحبس الضوء وتخرج الصورة فورًا، طيب هنالك كاميرا هي تحبس الضوء بالفعل، كاميرا أخرى، ويصنع عملية تسمى الرطوش، الرطوش هذه (...) المصور بقلم رصاص ويغيِّر في بعض الصورة ما شاء، يعني إذا أراد..
* الشيخ: تجميل يعني؟
* الطالب: نعم، ما رأيكم يا شيخ؟
* الشيخ: الظاهر أن هذه تدخل في التحريم؛ لأن له عملًا في شكل الصورة.
* طالب: الناس إذا (...) ما يحرم من باب سد الذريعة، الآن الناس في التصوير وفي غيره -كالتلفزيون- يستخدمونه تسعة وتسعين في المئة فيما لا يُباح، فلماذا لا يقال بالتحريم سدًّا للذريعة، ويُباح للضرورة مثل البطاقات وما أشبه ذلك؟
* الشيخ: نحن نتكلم عن التصوير من حيث هو تصوير، لا عن المصوِّر، المصوِّر هو ونيته؛ إذا كانت نيته سيئة فهو حرام، إذا كانت غير سيئة فهو حلال.
* طالب: شيخ، بعض الصغار صغار السن؛ يعني غير مكلفين، يرسمون رسومات لأناس، فهل مثلاً نقول: إن هذا يحرم عليهم كما يحرم على الكبار على القاعدة المطردة؟
* الشيخ: إي نعم، ما حرم على الكبار حرم على الصغار، لكن الصغير لا يؤاخذ عليه، وإنما يؤاخذ عليه وليُّه حيث لم يمنعه منه، ثم هناك أشياء يمكن يتسلى بها الإنسان غير صور الحيوان؛ شجر، جبال، نجوم، شمس، أنهار، بناء، ممكن، لكن بلاء، يعني: الشيطان زيَّن للناس سوء العمل، أمرهم أن يصنعوا هذا الشيء المشتبه أو الذي هو محرَّم بلا اشتباه، ويعدلوا عن شيء مباح، الآن في بعض المصنوعات ما هو جميل والإنسان يتمتع بالنظر إليه، وهو مصنوع؛ سيارة، قلم، ساعة، وغير ذلك، فلماذا نعدل إلى الشيء الذي فيه اشتباه أو إلى شيء محرَّم لا اشتباه فيه عن شيء مباح؟!
غافر 40:65
طالب: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر ٦٥، ٦٦].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ ﴿هُوَ الْحَيُّ﴾ جملة خبرية تفيد الحصر، وهذا الحصر حصرٌ إضافيٌّ؛ لأن المراد بالحي هنا الحي حياة كاملة، أما مطلق الحياة فيكون فيه وفي غيره، كما قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك ٢]، أما الحياة الكاملة فهي لله عز وجل.
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ (لا) نافية للجنس، و(لا) النافية للجنس نصٌّ في العموم، و(إله) بمعنى مألوه؛ لأن فعالًا يأتي بمعنى مفعولٍ في اللغة العربية، وله شواهد كثيرة؛ مثل: غراس، وبناء، وفراش، وما أشبهها، إذن (إله) بمعنى مألوه.
وما معنى المألوه؟ معناه الذي تألهه القلوب محبة وتعظيمًا؛ أي: تهواه وتميل إليه محبةً له وتعظيمًا له، فبالمحبة يكون فعلُ المأمور، وبالتعظيم يكون تركُ المحذور.
وقوله: ﴿إِلَّا هُوَ﴾ (إلا) أداة حصر، والحصر إثبات الحكم في المحصور فيه ونفيه عما سواه، وإذا كان الأمر كذلك بقِيَ فيه إشكال؛ لأنك إذا قلت: لا إله إلا هو، وقلت: إن ذلك للحصر، ورَدَ على قلبك أو أُورِدَ عليه أن هناك آلهة دون الله بنص القرآن، كما قال تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [هود ١٠١]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [القصص ٨٨].
والجواب عن ذلك أن يقال: إن خبَرَ (لا) محذوف، وتقديره: حق؛ أي: لا إله حق إلا الله، وإذا كان هذا هو التقدير لم يَرِدُ الإشكال الذي ذكرنا؛ لأن الآلهة التي سوى الله كلها باطلة، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج ٦٢].
وما قررناه هنا في هذه الكلمة -كلمة الإخلاص- هو الذي تطمئن إليه النفس، وإلا فقد اختلف فيها العلماء -علماء العربية وعلماء التوحيد- على أقوال متعددة تبلغ نحو ستة أقوال.
ومما ذُكِرَ أن الخبر محذوف تقديره: موجود؛ لا إله موجود، وهذا لا شك أنه باطل؛ لأنك إذا قلت: لا إله موجود إلا الله، لزم من ذلك أن تكون الآلهة التي تُعْبَد من دون الله هي الله، وأن تكون عبادتها حقًّا، وألوهيتها حقًّا.
إذن المتعين ما دلَّ عليه القرآن؛ أن الخبر محذوف تقديره: حق؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾.
قال: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، قال المفسِّرُ: (﴿ادْعُوهُ﴾ اعبدوه، ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ )، وهذا التفسير يُعْتَبَر قاصرًا؛ لأن المراد بالدعاء هنا دعاء العبادة -كما قال المفسِّر- ودعاء المسألة، فالذي يُدْعى دعاء مسألةٍ هو الله، والذي يُدْعى دعاء عبادةٍ هو الله.
كأن المؤلف رحمه الله اقتصر على العبادة لقوله: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾؛ لأن الدين هو العمل، ولكن يقال: إن الدعاء من العمل، ولا بد فيه من إخلاص، فالصواب أن قوله: ﴿ادْعُوهُ﴾ أي: اعبدوه واسألوه، فهو دعاء عبادةٍ ودعاء مسألةٍ.
إذا قال قائل: دعاء المسألة واضح أنه دعاء، تقول: يا رب اغفر لي، يا رب يسر أمري وإخواننا المسلمين، مثلًا، هذا دعاء مسألة واضح، لكن كيف كانت العبادة دعاء؟
الجواب: أن العابد يدعو الله بلسان الحال؛ لأنك لو سألته: لماذا عبدت الله؟ لقال: أرجو ثوابه وأخشى عقابه، إذن فهو داعٍ بلسان الحال.
﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (مخلصين) اسم فاعل، وفعْلُه (أخلص)، ومعنى (أخلص)؛ أي: نقَّى الشيء من غيره، (أخلصه) يعني: جعله خالصًا لا شائبة فيه، فمعنى إذن (مخلصين) أي: مُنَقِّين العبادةَ والدعوةَ له وحده.
وقوله: ﴿لَهُ الدِّينُ﴾ الدين يُطْلق في القرآن الكريم على معنيين: المعنى الأول: العمل، والمعنى الثاني: الجزاء.
فمن الأول قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون ٦]، ومن الثاني قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤]؛ لأن يوم القيامة ما فيه عمل، فـ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ يعني: يوم الجزاء.
والمراد به هنا ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، ما المراد العمل ولَّا الجزاء؟ العمل، ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: مخلصين له عملكم وهو الدعاء.
وقوله: (من الشرك) متعلق بـ﴿مُخْلِصِينَ﴾؛ أي: مُنَقِّين له من الشرك بحيث لا يكون في عملكم إشراكٌ.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هذه جملة تتضمن الثناء على الله عز وجل بعموم ربوبيته، والحمد مصدر: حَمِدَ يَحْمَدُ حمدًا، وهو -أعني الحمد- وصف المحمود بالكمال على وجه المحبة والتعظيم.
فقولنا: (وصف المحمود بالكمال) خرج به القدح؛ لأن القدح وصْفُ الموصوف بالنقص، وقولنا: (على وجه المحبة والتعظيم) خرج به المدح؛ لأن المدح المجرد قد لا يكون للمحبة ولا للتعظيم، قد يكون للخوف؛ فربما يمدح الرجل سلطانا جائرًا لا لمحبته ولا لتعظيمه ولكن للخوف منه، أما الحمد فلا يصدُرُ إلا عن محبَّة وتعظيم.
وقوله: ﴿لِلَّهِ﴾ اللام هنا للاختصاص والاستحقاق؛ للاختصاص لأن الحمد المطلق لا يصح إلا لله وحده، والاستحقاق لأن المستحق للحمد حقيقة هو الله عز وجل، المخلوق وإن استحق الحمد لكنه ليس استحقاقًا حقيقيًّا؛ لأن كل شيء يأتيك من المخلوق أو كل كمال في المخلوق فمن الله، فأنا أحمد المخلوق عندما يُحْسِن إليَّ أو عندما أرى فيه صفات كمال، أحمده لا لأنه هو المستقِل بذلك، ولكن لأنه السبب، إذن اللام هنا ﴿لِلَّهِ﴾؟
* طلبة: للاستحقاق والاختصاص.
* الشيخ: للاستحقاق والاختصاص طيب.
وقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، الرَّبُّ هو الخالق المالك المدبِّر؛ يعني كلمة (رب) المضافة إلى الله عز وجل أو التي وُصِفَ بها الله تتضمن ثلاثة معانٍ: الخلق والملك والتدبير؛ فالله عز وجل هو الخالق لكل شيء، وهو المالك لكل شيء، وهو المدبِّر لكل شيء، حتى المشركون يقرون بهذا؛ ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس ٣١].
وقوله: ﴿الْعَالَمِينَ﴾ قال العلماء: العالَم كلُّ مَن سوى الله، وسُمُّوا عالَمًا لأنهم علَمٌ على خالقهم جل وعلا؛ إذ إن في كل شيء من هذه المخلوقات آية تدل على عظمة الرب وقدرته وغير ذلك مما تقتضيه معاني الربوبية.
* في هذه الآية الكريمة فوائد، منها: ثبوت الحياة المطلقة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿هُوَ الْحَيُّ﴾، وحياة الله تعالى كاملة من كل الوجوه؛ فهي كاملة لأنها لم يسبقها عدمٌ، كاملة لأنه لا يلحقها فناء، كاملة لأنها متضمنة لجميع أوصاف الكمال، كاملة لأنها منزَّهة عن كل صفات النقص، فكمالها من وجوه كم؟
* طالب: وجوه أربعة.
* الشيخ: أربعة، عدها.
* الطالب: من جهة أنها لم تسبق بعدم، ومن جهة أنها لا يعتريها فناء، ومن جهة أنها كاملة..
* الشيخ: متضمنة لجميع أوصاف الكمال. ومن الجهة الرابعة؟
* طالب: منزه عن النقصان.
* الشيخ: منزه عن كل نقص، كما قال تعالى: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة ٢٥٥]، شوف ﴿الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ صفة كمالٍ ونفيُ نقصٍِ.
فإن قال قائل: (الحي) من الأسماء اللازمة أو المتعدية؟ الأسماء اللازمة، وقد ذكَرَ العلماء في كتب التوحيد أن أسماء الله عز وجل إن كانت متعدية فإنه لا يتم الإيمان بها إلا بأمور ثلاثة: إثباتها اسمًا لله، وإثبات ما دلت عليه من الصفات، وإثبات ما يترتب على هذه الصفة، وأما إذا كان الاسم لازمًا فإنه يتضمن شيئين: إثبات ذلك الاسم لله عز وجل، والثاني: إثبات ما دلَّ عليه من الصفات فقط.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: انتفاء الإلوهية عما سوى الله؛ لقوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، وعرفتم معنى الإلوهية؛ وهي تأله العبد لله عز وجل محبةً وتعظيمًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الإخلاص لله عز وجل في العبادة والدعاء؛ لقوله: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات كمال الله عز وجل في ذاته وفي إنعامه؛ لقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فالله أثنى على نفسه بذلك لكمال صفاته.
* ومن فوائدها: عموم ربوبية الله سبحانه وتعالى لكل شيء؛ لقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
* ومن فوائدها: أن المستحق للحمد هو الله عز وجل، والمختَصُّ بالحمد المطلق هو الله سبحانه وتعالى.