Tafsir Ibn Uthaymeen — فصلت 41:11 – فصلت 41:27
المحتويات
فصلت 41:11
طالب: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت ٩ - ١٢].
* الشيخ: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت ٨] لَمَّا ذكر عقوبة المشركين بيَّن ثواب المؤمنين؛ لأن الله تعالى أنزل هذا الكتاب مثانِيًا، وإنما كان الأمر كذلك؛ ليكون الإنسان سائِرًا إلى ربِّه بين الخوف والرجاء، فإنه إذا سَمِعَ عقوبةَ المكذبين خاف، وإذا سمع ثواب المؤمنين رجا، وهكذا ينبغي للإنسان أن يكون سائرًا إلى الله عز وجل بين الخوف والرجاء كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء ٩٠]، ولكن في بعض الأحيان قد يكون من المصلحة تغليبُ الرجاء أو مِن المصلحة تغليب الخوف فإذا اشتَدَّت رغبة الإنسان في المعصية فَليُغَلِّب جانب الخوف حتى يرتدِع عنها، وإذا فعل الإنسان العبادة فَليُغَلِّب جانب الرجاء وهو قبول الله تبارك وتعالى لها، وكذلك أيضًا ينبغي له في حال المرض أن يرجع إلى الله سبحانه وتعالى وأن يُحسِنَ الظن به كما جاء في الحديث: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّهِ»[[أخرجه مسلم (٢٨٧٧ / ٨١) من حديث جابر بن عبد الله.]] تبارك وتعالى.
يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ جَمَعَ الله تعالى بين العقيدة والعمل، بين الإيمان والإسلام؛ ﴿آمَنُوا﴾: العقيدة، ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: الإسلام، وهذا -كما ترَوْن- يقع في القرآن كثيرًا؛ فالإيمان وحده لا يكفِي بل لا بد مِن عملٍ صالح حتى يحصُلَ الثواب، وكلما جاءت ﴿آمَنُوا﴾ فالمراد: ﴿آمَنُوا﴾ بما يجب الإيمان به من الأصول الستة التي بيَّنَها الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لجبريل حين قال: «الْإِيمانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[[أخرجه مسلم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب.]]؛ وذلك لأن الإيمان المُجمَل في القرآن تفسره أو يفسِّرُه تفصيل السنة؛ لأنه لا أحد أعلم بكتاب الله من رسول الله ﷺ.
أما قوله: ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فمعلوم أن ﴿الصَّالِحَاتِ﴾ وصفٌ لموصوفٍ محذوف؛ التقدير: الأعمال الصالحات، فما هي الأعمال الصالحات؟ الأعمال الصالحات: ما جمعَت شرطين: الأول: الإخلاص لله عز وجل، والثاني: المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فكل عمَلٍ فيه شِرْك فإنه ليس بصالح وهو مردودٌ على صاحبه لقول الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ؛ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]] وكذلك أيضًا لا بد مِنَ اتِّباع الرسول؛ فالعمل البدعِيُّ غير مقبول وإن أخلص الإنسان فيه؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة.]] إذن الأعمال الصالحات لا بد أن تتضَمَّن شيئين وهما: الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت ٨] هذه الجملة خبر ﴿إِنَّ﴾ ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ قد نقول: إن تقديم الجار يدل على الحصر أي لهم لا لغيرِهم مِن المكذِّبين أو الفاسقين ﴿أَجْرٌ﴾ أي: ثواب ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ يقول المفسر: (غير مقطوع) بل هو دائم؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم ٦٢]، وقيل: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ غير ممنونٍ بِهِ أي يُعطَوْنه بلا مِنَّة وهذا محتمِل وإذا كان محتمِلًا ولا ينافي المعنى الأول كان المراد بالآية المعنيين جميعًا؛ إذ لدينا قاعدة في التفسير وكذلك في الحديث مهمة وهي: إذا كان النَصُّ يحتمِلُ معنيين لا ينافي أحدُهما الآخر فإن النص يُحمَل عليهما جميعًا؛ وذلك لأن الله سبحانه وتعالى يعلم ما يحتمله كلامُه وكذلك الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلما لمْ يُعَيِّن أحد الاحتمالين وجب أن يكون شاملًا لهما، لكن إذا كان أحدهما أرجحَ من الآخر فإنه يُتَّبَع الأرجح ولهذا نقول: يُقَدَّمُ ظاهر النص على تأويل النص والتأويل كما تعلمون هو اتِّباع المعنى المرجوح.
إذن ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أي: ثواب غير مقطوع وثواب غير ممنون به.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ﴾ [فصلت ٩] ﴿قُلْ﴾ أي: يا محمد لهؤلاء المكذِّبِين ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ﴾ الجملة هذه استفهام بمعنى التقرير يعني: إنكم لتَكفرون، و(إن) للتوكيد و﴿لَتَكْفُرُونَ﴾ للتوكيد أيضًا؛ وذلك لأن اللام الواقعة في خبر (إن) أو اسمِها المؤَخِّر تكونُ للتوكيد.
﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ﴾ هذا إعرابها فـ(إنَّ) تنصب المبتدأ وترفع الخبر والكاف اسمُها، وجملة ﴿لَتَكْفُرُونَ﴾ خبرُها، أما مِن حيث القراءات فاستمع: يقول: (بتحقيق الهمزة الثانية وتسهيلِها) تحقيقها أن تقول: ﴿أَئِنَّكُمْ﴾ تسهيلها أن تقول: ﴿﴿أَاِنَّكُمْ﴾ ﴾ سهِّلْها تمرُّ بها بسرعة (وإدخال ألف بينهما بوجْهيها وبين الأولى) (بوجهيها) ما هما الوجهان؟ التَّحقيق والتسهيل، أدخِلْ ألفًا بينهما على القراءتين تكون القراءاتُ أربعًا: إدخال الألف تقول: ﴿﴿آئِنَّكُمْ﴾ ﴾ هذا في التحقيق ﴿﴿آاِنَّكُمْ﴾ ﴾ هذا بالتسهيل.
إذن تحقيقٌ وتسهيل بألف وبدونِها، اثنان في اثنين بأربع قراءات.
﴿لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ تكفرون به أي: تجحَدُونه وتستكْبِرُون عن عبادته؛ لأن الكفر كله يدور على شيئين، انتبهوا لهما، الكفر يدور على شيئين: إما جحد وإما استكبار؛ فمثلًا الشيطان إنما كفر بأيش؟ بالاستكبار، وإلَّا فهو مُقِرٌّ بالله وبعزة الله وبقدرة الله لكنه استكبر، وآل فرعون ومَن شابههم كفروا بأيش؟ بالجحود، فمدارُ الكفرِ كلِّه على هذين الأمرين: الجَحْد أو الاستكبار، فقوله: ﴿لَتَكْفُرُونَ﴾ يشمل المعنيين؛ لأنهم جحدوا توحيدَ الله عز وجل واستكبرُوا عن عبادته.
﴿بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ لم يقل: بالله، بل أتى بفعلٍ مِنْ أفعاله جل وعلا، فعل لا تقدر عليه هذه الأصنام، والإتيانُ بالفعل الذي لا تقدر عليه الأصنام هو إقامة للحجة في نفس الوقت؛ أي: تكفرون بهذا مع أن أصنامكم لا تفعله.
﴿لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ قال المفسِّر: قال: (الأحد والاثنين)؛ لأن أول يوم ابتدأ الله فيه الخلق الأحد.
﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ الواو حرف عطف و﴿تَجْعَلُونَ﴾ معطوفة على ﴿تَكْفُرُونَ﴾ لا على الصلة؛ يعني: لا على ﴿خَلَقَ﴾.
(﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ شركاء) ﴿أَنْدَادًا﴾ جمع نِدٍّ، والند في الأصل هو المساوي والمماثل يقال: هذا نِدُّ هذا أي: مماثل له ونظير له، والمراد بهم هنا الشركاء الذين يعبدونهم كما يعبدون الله، والعجب أن هؤلاء المشركين من سفههم يقولون: إنما نعبدهم أيش؟ ليقرِّبونا إلى الله، تعبدونهم مع الله وتقولون: يقربونا إلى الله؟ إن الله غني عن هذا وهذا لا يزيدكم من الله إلا بُعدًا.
﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ أتى باسم الإشارة دون الضمير ثم جعلها إشارة بُعْد للتعظيم والتفخيم والتعلية؛ لأن البعد هنا إشارةٌ إلى المكان العالي ﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ لو قال: هو رب العالمين استقام الكلام، لكن لم يحصُل ما تدلُّ عليه الإشارة من التعظيم ثم ما يدل عليه صيغة البُعد من العلو نظيرُ ذلك ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة ١، ٢] ولم يقل: هو الكتاب ولا هذا الكتاب إشارةً إلى ما ذكرنا، ﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، قال المفسر: (مالك) وفي هذا التفسير قصور، بل نقول: خالق ومالك ومدبِّر؛ لأن الربوبية هي الخلق والملك والتدبير، فإذا قلنا: (مالك) صار في هذا قصور.
﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: خالقهم ومالكهم ومُدَبِّر أمورهم.
(﴿الْعَالَمِينَ﴾ جمع عالم وهو ما سوى الله) عز وجل، كل ما سوى الله فهو عالم وسُمِّيَ عالمًا؛ لأنه علم على خالقه جلَّ وعلا، فإن كلَّ شيء فيه آية تدلُّ على وحدانية الله وقدرته وحكمته وعزته وغير ذلك، قال: (﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ جمع عالم، وهو ما سوى الله وجُمِعَ لاختلاف أنواعه) يعني: لم يقل: العالم، بل أتى بالعالمين (لاختلاف أنواعه، بالياء والنون تغليبًا للعقلاء).
فإن قال قائل: هل العقلاء أكثر أو غير العقلاء؟
* طلبة: الثاني، العقلاء.
* الشيخ: عندنا الآن قولان: العقلاء أكثر، غير العقلاء أكثر، ما فيه قول بالتوقف؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: نعم؟ أقول ما في شيء بالتوقف؟
* طالب: ما أحد يستطيع أن يجزم.
* الشيخ: إذن قل: أنا متوقف، إذا كنت لا تجزم قل: متوقف حتى يكون هناك قول ثالث؟ فيقال: إن قيل: العقلاء أكثر يحتاج إلى دليل، وربما يكون دليله أن النبي ﷺ قال: «أطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ؛ مَا مِنْ مَوْضِعِ أَرْبَعِ أَصَابِعٍ مِنْهَا إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ لِلَّهِ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ»[[أخرجه الترمذي (٢٣١٢)، وابن ماجه (٤١٩٠) من حديث أبي ذر.]] والسماء واسعة عظيمة، كل سماء أوسع مما تحتها، فمن يحصي هؤلاء؟ هذا شيء عظيم، البيت المعمور في السماء السابعة يدخله كل يوم من الملائكة سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، مَنْ يحصي الأيام؟ وكل يوم يضرب بسبعين ألف ملك، فإذا رأينا إلى هذا قلنا: العقلاء أكثر، من يحصي هؤلاء؟! وإن نظرنا إلى ما في الأرض قلنا: غير العقلاء؟
* طلبة: أكثر.
* الشيخ: أكثر، فعلى هذا التقدير أن المراد مثلًا أن نريد (من في الأرض) نقول: إنه غُلِّب العقلاء لشرفهم، والحاصل أن تغليب العقلاء إن كان العقلاء أكثر فغُلِّبُوا لأيش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، لكثرتهم، وإن قلنا: غير العقلاء أكثر فغُلِّب العقلاء..
* طالب: (...).
* الشيخ: يُغلَّب مَنْ ليس بمميز؟
* طالب: تشريف.
* الشيخ: لشرفهم صح، على كل حال تغليب العقلاء الآن إن كان العقلاء أكثر أيش؟ فلكثرتهم، إن كان غير العقلاء أكثر فلشرف العقلاء ﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.
قال: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ (﴿جَعَلَ﴾ مستأنَف) يعني: وليس معطوفًا على ﴿خَلَقَ﴾، والعجب أنه يقول: (ولا يجوز عطفه على صلة الذي للفاصل الأجنبي) هذا ما ذهب إليه المؤلف أن قوله: (﴿وَجَعَلَ﴾ مستأنف)، ولا شك أننا إذا جعلناه مستأنفًا لم يكن الكلام منتظمًا، والصواب أنه على خلاف ما قال المؤلف: أن ﴿جَعَلَ﴾ معطوفة على ﴿خَلَقَ﴾ يعني ﴿بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ والفاصل الأجنبي هنا لا يضر إما أنه لا يضر مطلقًا كما قيل به، وإما أنه لا يضر؛ لأنه في مضمون الكلام والكلام واحد، فالصواب أن قوله: ﴿وَجَعَلَ﴾ معطوفة على ﴿خَلَقَ﴾ أي: ﴿بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾.
(﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ جبالًا ثوابت) أولًا: ﴿جَعَلَ﴾ هنا هل هي من أفعال التصيير أو من أفعال الإيجاد؟
* طلبة: الإيجاد.
* الشيخ: يحتمل المعنى: وأوجد فيها رواسي ويحتمل أن تكون من أفعال التصيير أي: صيَّر فيها رواسي والمعنى لا يختلف، لكن الإعراب يختلف، إذا قلنا: من أفعال التصيير صارت تنصب مفعولين، وإذا قلنا: من أفعال الإيجاد صارت تَنْصِب مفعولًا واحدًا، وقول المؤلف: (جبال ثوابت) أفادنا رحمه الله أن ﴿رَوَاسِيَ﴾ صفة لموصوف محذوف والتقدير: جبالًا رواسي، و﴿رَوَاسِيَ﴾ بمعنى ثوابت.
﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ هل يجوز أن يُحْذَف المنعوت؟ نعم، وهو كثير جدًّا.
وَمَا مِنَ الْمَنْعُوتِ وَالنَّعْتِ عُقِلْ ∗∗∗ يَجُــــــــوزُ حَــــــذْفُهُ وَفِي النَّعْتِيَقِـــــلّْ
أي: وفي المنعوت يكثُر ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ ١١] أي: دروعًا سابغات، المهم كثيرة.
﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ كما مر علينا، حذف المنعوت كثير؛ لأن المقصود الصفة والصفة تكون بأيش؟ بالنعت وهو موجود.
﴿مِنْ فَوْقِهَا﴾ أي: هذه الرواسي من فوق.
* طالب: إعراب (جعل) بمعنى صير؟
* الشيخ: إي نعم، يعني: صير فيها رواسي.
* طالب: المفعول الأول والثاني.
* الشيخ: المفعول الأول هو ﴿رَوَاسِيَ﴾، والثاني الجار والمجرور، وقوله: ﴿مِنْ فَوْقِهَا﴾ انتبه لهذه الكلمة لها فائدة عظيمة، الرواسي قد تكون من أسفل وقد تكون من فوق، أليس كذلك؟ قد تكون من أسفل يعني يكون مثلًا يحفر في الأرض قواعد ترسي وتكون راسية، لكن هنا قال: ﴿مِنْ فَوْقِهَا﴾؛ وذلك لفوائد:
الفائدة الأولى: ظهور هذه الرواسي وبيانها للناس حتى يعرفوا بذلك حكمة الله عز وجل، وربما لا تكون رواسي إلا إذا كانت من فوق بناءً على أن الأرض تدور حتى تحفظ أيش؟ توازنها.
ثانيًا: هذه الرواسي إذا كانت من فوق حصل فيها من المنافع في درء العواصف وفي الملاجئ شيء كثير كما هو معروف في المغارات وكما يُعْرف من سفوح الجبال وخدودِ الجبال ورؤوس الجبال، من نوابت لا توجد لولا هذه المرتفعات.
وثالثًا: أنها توجب أن تندفع مياه الأمطار بشدة حتى تصل إلى أراض صالحةٍ للنبات؛ لأنكم تعرفون أن بعض الأرض سبخات ما فيها خير وبعضها رياض تنبت، فإذا نزل الماء على هذه الجبال على قممها وعلى خدودها نزل إلى الأرض بشدة عظيمة حتى يصل إلى ما أراد الله إيصاله.
ورابعًا: أن في قمم الجبال من المعادن الجيدة أكثر مما في الأرض السفلى ولهذا قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد ٢٥] أنزلناه من قمم الجبال؛ ولهذا يقول العلماء يقولون: إن الحديد الذي يكون من قمم الجبال أعلى وأقوى من الذي يكون من الأسفل، هذا ما نعلمه وما لا نعلمه أكثر، المهم أن كلمة ﴿مِنْ فَوْقِهَا﴾ صار لها فائدة عظيمة، ذكرنا منها الآن أربع فوائد.
(﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا﴾ بكثرة المياه والزروع والضروع) ﴿بَارَكَ فِيهَا﴾ أي: في الأرض، وما أعظم بركات الأرض من الزروع والأشجار والأنهار والمعادن وغيرها من بركات الأرض، وقول المؤلف: (الضروع) يعني ضروع البهائم؛ لأن البهائم كلما شَبِعَت من الربيع ازداد دَرُّها، ومَنْ يتأمل يجد أن في الأرض بركات عظيمة حملت الأحياء والأموات والوحوش والسباع والبهائم والحشرات والآدميين، وكانت سعة أيضًا مع كثرة ما فيها، الآن هؤلاء الأحياء الذين على ظهر الأرض لو كان الناس يحيون إلى الآن لرأيت أمرًا بشعًا وصعبًا لكن جعل الله الأرض ﴿كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات ٢٥، ٢٦] وهذه من بركاتها.
﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ ﴿قَدَّرَ﴾ قال المؤلف: (قسَّم ﴿فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ للناس والبهائم) إلى آخره قدَّر فيها الأقوات يقول: قدر من التقدير وهو التقسيم، قدر الأقوات ولم يجعل القوت في جانب واحد من الأرض، لو كان في جانب واحد من الأرض لشق هذا على الناس كثيرًا، أليس كذلك؟ لو قدر مثلًا أن الأقوات لا تكون إلا في غرب الكرة فكيف يعيش أهل الشرق أو بالعكس كيف يعيش أهل الغرب لكنه مقدر، ثم قدره من ناحية أخرى جعل في هذه الأراضي ما لا يصلح في الأراضي الأخرى والعكس، الحكمة: من أجل أن يتبادل الناس الأقوات فيأتي الناس الذين ليس عندهم هذا النوع من القوت يذهبون إلى الأراضي اللي فيها هذا القوت يجلبونه إلى الأرض الخالية منه وكذلك العكس، في بعض الجهات من الأرض ما يكثر فيه النخيل والعنب لكن يقل فيه الحمضيات وأشباهها، وفيه أيضًا أشياء كثيرة أنا لست من أهل الزراعة لكن في أشياء كثيرة تصلح في مكان دون مكان من أجل أن يقع التبادل بين الناس والضرب في الأرض ابتغاء الرزق، وهذا من الحكمة في قوله: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾.
﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ (﴿فِي﴾ تمام ﴿أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ أي: الجعل وما ذكر معه في يوم الثلاثاء والأربعاء) إذا كان خلق الأرض أولها الأحد والإثنين ثم قال: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ ماذا يكون الباقي؟ الثلاثاء والأربعاء، فتكون الأرض خُلِقَت وقُدِّر فيها الأقوات ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾.
قال الله تعالى: (﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ منصوب على المصدر؛ أي: استوت الأربعة استواءً لا تزيد ولا تنقص) فأفادنا بقوله: (استوت استواء) أن ﴿سَوَاءً﴾ اسم مصدر، فقوله: (منصوب على المصدر) فيه تجوز؛ لأننا إذا قلنا: ﴿سَوَاءً﴾ مصدر (استوى) فإنه لا يستقيم على القاعدة؛ لأن القاعدة أن المصدر ما وافق الفعل في حروفه، وهنا (استوى) لا توافقها ﴿سَوَاءً﴾، بل الذي يوافقها (استواء) إذن فـ﴿سَوَاءً﴾ تكون اسم مصدر مثل كلَّم والمصدر تكليم واسم المصدر (كَلام)، طيب هنا (استوى) والمصدر (استواء) واسم المصدر ﴿سَوَاءً﴾.
المهم أن قوله: ﴿سَوَاءً﴾ يعني أن هذا الخلق استوعب الأربعة كلها لم يكن في يومين أو ثلاثة، بل في الأيام الأربعة كلها، فعلى هذا يكون قوله: (منصوب على المصدر) الصواب أن يقال: على أنه مفعول مطلق؛ أي: استوت الأربعة استواءً لا تزيد ولا تنقص.
(﴿لِلسَّائِلِينَ﴾ عن خلق الأرض بما فيها) ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾ هذه لا تظنوا أنها متعلقة بسواء، بل هي جواب لخبر محذوف أي: هذا جواب للسائلين أو نحو هذه الكلمة.
المهم أن قوله: ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾ يفيد أن ما ذكر جواب لمن سأل عن خلق الأرض وتقدير أقواتها بأنها ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً﴾.
﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ ﴿ثُمَّ﴾ أي: بعد خلق الأرض وتقدير أقواتها.
﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ قال المؤلف: (قصد إلى السماء) وهذا أحد القولين في هذه الجملة أنها بمعنى (قصد) لكن قصدًا كاملًا؛ وذلك لأن ﴿اسْتَوَى﴾ تدل على الكمال كما قال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص ١٤]، والقول الثاني أن (استوى إلى) بمعنى (استوى على) على السماء أي علا عليها، ولكن المعنى الذي سلكه المؤلف أرجح أنه قصد إلى السماء بإرادة تامة مستوية؛ لأن (إلى) تفيد الغاية و(على) تفيد الاستعلاء، ومعلوم أن السماوات لم تَكُنْ خُلِقَت في تلك الساعة، ثم إننا لو قلنا: إن ﴿اسْتَوَى﴾ بمعنى (علا)، (ثم استوى على السماء) كان قبل ذلك حين خلق الأرض ليس عاليًا على السماء، مع أن علو الله تعالى وصف لازم لذاته.
(﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ بخار مرتفع) جملة ﴿وَهِيَ دُخَانٌ﴾ حالية، و﴿السَّمَاءِ﴾ هنا بمعنى العلو؛ لأنها لم تكن خلقت بعد لكنها كالدخان أي البخار المرتفع، قيل: إن هذا البخار المرتفع تصاعد من الماء الذي كان قبل أن تخلق الأرض؛ لأن الله تعالى قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود ٧] فكان قبل خلق السماوات والأرض ماء فوقه عرش الرحمن عز وجل، ثم خلقت الأرض وقد اندفع من هذا الماء أيش؟ بخار متصاعد كثيف صار مثل الدخان.
(﴿﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ﴾ ﴾ قال الله لها وللأرض: ﴿﴿ائْتِيَا﴾ ﴾ إلى مرادي منكما ﴿طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ في موضع الحال أي: طائعتين أو مكرهتين ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا﴾ بمن فينا ﴿طَائِعِينَ﴾ ﴾) إلى آخره ﴿قَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا﴾، هذا الأمر هل هو أمر تكوين أو هو أمر تكليف؟
* طلبة: الأول.
* الشيخ: إن قلنا: إنه تكليف لم يكن هناك فرق بين أن يكونا طائعَيْن أو مكرهتين، يعني نحن قلنا بالأول هل هو أمر تكوين أو تكليف؟ إذا قلنا: إنه أمر تكليف فظاهر، أنه أمر تكليف ولهذا قال: ﴿طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ إن قلنا: إنه أمر تكوين فإنه لا يستقيم أن يكون طوعًا أو كرهًا؛ لأن أمر التكوين كائن لا محالة، فالظاهر والله أعلم أنه أمر تكليف، ولله تعالى أن يكلِّف ما شاء من عباده أو من خلقه، له أن يكلف ما شاء، ويأتي إن شاء الله بقية الكلام على الآيات في الدرس القادم.
* طالب: قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [فصلت ٨] هل هذه الآية ومثيلاتها تصلح دليلًا لمن أخرج العمل الصالح عن الإيمان بمقتضى أن العطف يقتضي المغايرة؟
* الشيخ: هذا لا يصح؛ لأن العمل الصالح دلت النصوص على أنه من الإيمان، لكنه لا مانع أن يكون الشيء الواحد منقسمًا إلى أنواع، فالإيمان تدخل فيه الأعمال لا شك، لكنه يتنوع؛ منه ما هو عقيدة، ومنه ما هو عمل قولي، ومنه ما هو عمل فعلي.
* طالب: (...) شيخ، في حديثنا عن العقلاء أكثر أم غير العقلاء، شيخ الآن يعني قلنا: العقلاء أكثر لتشريفهم؛ تشريفًا لهم.
* الشيخ: لا، إذا قلنا: تغليبهم الأكثر لأكثريتهم.
* الطالب: الآن، شيخ ما فهمت، كيف؟
* الشيخ: ما فهمت؟
* الطالب: الآن شيخ، الأكثر العقلاء أم غير العقلاء؟
* الشيخ: أسألك؟
* الطالب: نحن على ما أعرف قلنا: إن العقلاء أكثر تشريفًا لهم وغير العقلاء أقل لعددهم.
* الشيخ: لا، اعكس تُصِبْ، إن قلنا: إن العقلاء أكثر، فهنا أتى بصيغة العقلاء لكثرتهم، غلَّبهم لكثرتهم، وإن قلنا: إن العقلاء أقل غلَّبهم لشرفهم.
* الطالب: طيب، يا شيخ الآن كيف نقول: أكثر، والعقلاء هي بحيِّز الكون والكون يحتويها، وكل محتوى أكبر منه محتويها، لو قلنا: إنها أكثر فهي يشملها الكون، والكون أكبر منها.
* الشيخ: إحنا قلنا: فيه احتمال، قلنا: على الاحتمالين كذا أو كذا.
* طالب: شيخ في ﴿سَوَاءً﴾ لماذا لا نقول: أنها مِن فعل (سوَّى)؟
* الشيخ: سوَّى؟
* طالب: سوَّى.
* الشيخ: تسوية، لو قلنا: من الفعل (سوَّى) صارت تسوية، وهي أيضًا ما تصلح من (سوَّى)، تصح من (استوى).
* الطالب: سوى؛ يعني: مساواة بين شيئين؟
* الشيخ: لا، ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً﴾ أي: تامة مستوية.
* طالب: ﴿سَوَاءً﴾ ما تُعْرَب حالًا؟
* الشيخ: يمكن أن تكون حالًا، لكن اعلم أن المصدر لا يُعرَب حالًا إلَّا إذا كان لا فرار من إعرابه بأنه حال، بمعنى أننا لا نعرب المصدر حالًا إلا للضرورة، فهمت؟ لأن الأصل في الحال أن تكون مشتقة والمصدر جامد.
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ هل هذا هو ذكر (...)؟
* الشيخ: لا، سيأتينا إن شاء الله، التقدير غير ذلك، إن شاء الله يأتينا بالفوائد.
* طالب: شيخ، أيهما خُلِقَ أولًا الأرض أم السَّماوات؟
* الشيخ: يأتينا إن شاء الله.
* طالب: هل خلْق الأرض بما فيها من الرواسي والبحار في أربعة أيام أو في يومين؟
* الشيخ: في أربعة أيام، خلقها في يومين هكذا، ثم جعل فيها الرواسي وقدر الأقوات في يومين آخرين.
* طالب: شيخ -أحسن الله إليك- يعني قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [فصلت ٧] يعني: هناك أناس مسلمون، بعض الناس مسلمون يصلُّون ويزكُّون مسلمون لكن إذا ذكرتهم مثلًا بعذاب القبر وبأهوال يوم القيامة يقولون: هل رأيت عذاب القبر، وهل رأيت أهوال يوم القيامة، هل رأيت الجنة أنت؟ ما حكم هؤلاء؟
* الشيخ: إذا قلت لهم: هكذا قال الله ورسوله، ماذا يقولون؟
* الطالب: لا أدري.
* الشيخ: إن قالوا: لا نصدق إلا ما نراه فهؤلاء كفار لو يركعون بالليل والنهار ويخرجون جميع ما في صناديقهم من النفقة فهم كفار؛ لأنهم مكذبون هذا كفر تكذيب.
* طالب: شيخ -أحسن الله إليك- في بعض القراءات الهمزة بالتسهيل يقرؤونها بالهاء مثلًا في ورش، في بعض الأحياء ليس فيها (...) مثلًا ﴿أَئِنَّكُمْ﴾ يقرأه: (أهنكم) مثلًا.
* الشيخ: أهنكم؟
* طالب: نعم، هل هذا صحيح يا شيخ؟
* الشيخ: ما أظن هكذا.
* طالب: بعض الناس سمعتهم يقول: هذا تحريف، لكن هي قراءة الظاهر يا شيخ.
* الشيخ: لا، ما أظن تُقلَب هاء؟
* طالب: نعم، في بعض المواضع.
* الشيخ: ما أدري، والله.
* طالب: (...).
* الشيخ: بس أنتم لستم بحجة، لستم بحجة.
* طلبة: للتعليم.
* طالب: بعضهم أنكر يا شيخ الذين يقرؤون حفص، أنكروا على ورش، ولكن..
* الشيخ: المهم -بارك الله فيك- إذا ثبتت القراءة بالهاء فهذا يُعْتَبر إبدالًا، ما هو بتسهيل، إبدال الهمزة هاءً
* طالب: تصح يا شيخ؟
* الشيخ: ما أدري والله.
* طالب: ورش يسهل يا شيخ.
* الشيخ: لا، التسهيل غير القلب، يعني يقول: أهنكم غير ﴿أَئِنَّكُمْ﴾.
* طالب: النطق بالتسهيل، بعض الناس ينطقون كأنه هاء (...).
* الشيخ: إي، يمكن هذا هو الجمع أن بعض الناس يتشدَّد في التسهيل حتى تكون هاء، وربما يتشدد آخر حتى تكون حاءً، حقيقة؛ لأن بعض الناس -الله يهدينا وإيَّاهم- عند القراءة، وقد أنكر هذا شيخ الإسلام رحمه الله في فتاويه وغيَّرها، أنكر هذا التشدد في تحقيق بعض القراءات، بعض الناس مثلًا في القلقلة، جاء يقلقل كأنه يقلقل حصاة أو حجرًا يعني: يتكئ كثيرًا، إي نعم، والحقيقة أن التنطع ليس بحسن والإهمال ليس بحسن، خير الأمور الوسط (...).
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت ٩ - ١٢].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت ١١] قوله: ﴿طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ قال المؤلف: (في موضع الحال أي: طائِعَتَيْن أو مُكْرَهَتَيْنِ) ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا﴾ بمن فينا ﴿طَائِعِينَ﴾ فيه تغليب المذكر العاقل وأنزلتا لخطابهما منزلته).
أولًا نسأل: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ﴾ هذه الجملة مؤكَّدة؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: بماذا؟
* طالب: بـ(إن) وباللام.
* الشيخ: وباللام؟ وما المراد بالاستفهام: ﴿أَئِنَّكُمْ﴾؟
* طالب: هذا استفهام إنكاري.
* الشيخ: إنكار وتوبيخ؟ نعم، في قوله: ﴿أَئِنَّكُمْ﴾ قراءات متعددة.
* طالب: أربع قراءات.
* الشيخ: نعم، قُلْها، لا ما أريد تقرأها؛ اذكر القراءات؛ يعني لا أريدها تطبيقيًّا بل نظريًّا.
* طالب: الأول تحقيق الهمزتين.
* الشيخ: هذه واحدة.
* طالب: والثاني تسهيلهما.
* الشيخ: هذه ثنتان.
* طالب: والثالث والرابع: تحقيقهما وتسهيلهما مع المد.
* الشيخ: تمام، بارك الله فيك.
* طالب: يا شيخ، يقول: تسهيلهما يا شيخ.
* الشيخ: لا، تسهيل الثانية؛ تحقيقهما، وتسهيل الثانية مع المد، طيب اقرأها بتحقيق الهمزتين؟ تحقيق الهمزتين هي أسهل القراءات: ﴿أَئِنَّكُمْ﴾، تسهيل الثانية، تحقيق الأولى وتسهيل الثانية.
* طالب: (آئنكم).
* الشيخ: لا، بدون ألف.
* طالب: ﴿﴿أَاِنَّكُمْ﴾ ﴾.
* الشيخ: طيب، إدخال ألف بينهما مع التحقيق.
* طالب: ﴿﴿آئِنَّكُمْ﴾ ﴾.
* الشيخ: ﴿﴿آئِنَّكُمْ﴾ ﴾، مع التسهيل.
* طالب: ﴿﴿آاِنَّكُمْ﴾ ﴾.
* الشيخ: طيب، بارك الله فيك، قوله تبارك وتعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ الجملة هذه معطوفة على أي شيء؟
* طالب: ﴿بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾.
* الشيخ: ﴿بِالَّذِي خَلَقَ﴾ معطوف على ﴿خَلَقَ﴾، هل المؤلف رحمه الله مشى على هذا القول أو لا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أي نعم، على أن ﴿جَعَلَ﴾ معطوفة على ﴿خَلَقَ﴾ يقول: معطوفة على هذا.
* طالب: المؤلف (...).
* الشيخ: لا ترجع إلى المصحف.
* الطالب: (...).
* الشيخ: يعني: ولم يجعلها معطوفةً على ﴿خَلَقَ﴾ لماذا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: بس؟ لماذا نحن جعلناها معطوفة على ﴿خَلَقَ﴾ وهو يقول: إنها استئنافية، فلماذا؟
* طالب: لأجل وجود الفاصل.
* الشيخ: لوجود الفاصل الأجنبي على دعواه، ما هو الجواب عن هذا التعليل؟
* طالب: إما أن يقال: إن وجود الفاصل أصلًا لا يضر، وإما أن يقال: إن الفاصل متعلق بـ (كلام).
* الشيخ: أحسنت، متعلق بالصلة فهو غير أجنبي.
قوله تعالى: ﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ أولًا: إعرابها؟
* طالب: ﴿سَوَاءً﴾ حال.
* الشيخ: حال منين؟
* طالب: من ﴿أَيَّامٍ﴾.
* الشيخ: من الـ﴿أَيَّامٍ﴾، كيف تكون حالًا من الـ﴿أَيَّامٍ﴾ وهو مصدر جامد، والحال لا بد أن يكون مشتقًّا؟
* طالب: شيخ، حالًا من ﴿أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾.
* الشيخ: طيب.
* طالب: والمصدر لا يُؤَوَّل بالمشتق.
* الشيخ: والتقدير؟
* طالب: مستوين.
* الشيخ: مستويات، طيب.
* طالب: اسم مصدر.
* الشيخ: اسم مصدر؛ يعني: منصوبة على أنها مفعول مطلق التقدير؟
* الطالب: استوت سواء.
* الشيخ: استوت سواء، قوله: ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾ متعلق بماذا؟
* طالب: متعلق بـ ﴿جَعَلَ﴾.
* الشيخ: ﴿جَعَلَ﴾؟
* طالب: ﴿خَلَقَ﴾.
* الشيخ: ﴿خَلَقَ﴾؟ يعني ﴿خَلَقَ﴾ للسائلين؟
* طالب: سواء.
* الشيخ: يعني: سواءً للسائلين، وغير السائلين؟ تزيد أو تنقص؟
* طالب: متعلق بمحذوف.
* الشيخ: التقدير؟
* طالب: هذا جواب للسائلين.
* الشيخ: نعم، أحسنت، قوله تعالى: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾؟
* طالب: (...) ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ فهو بمعنى قصد.
* الشيخ: أحسنت، بمعنى قصد، إذن يكون المعنى: ثم قصد إلى السماء، وكيف تُعْرِب قوله: ﴿وَهِيَ دُخَانٌ﴾؟
* طالب: الواو للحال.
* الشيخ: الجملة جميعًا.
* طالب: الجملة في موضع الحال.
* الشيخ: في موضع نصب على الحال، منين؟
* طالب: من ﴿السَّمَاءِ﴾.
* الشيخ: من ﴿السَّمَاءِ﴾ تمام، المؤلف يقول: (﴿طَائِعِينَ﴾ فيه تغليب المذكر العاقل وأنزلتا لخطابهما منزلته) ما معنى هذا الكلام؟
* طالب: ﴿طَائِعِينَ﴾ هذه جمع مذكر سالم والأصل أن يكون للعقلاء.
* الشيخ: للذكور العقلاء.
* طالب: للذكور العقلاء، وعاد هنا على السماء والأرض وهما غير عاقلتين ولكن أنزلا منزلته.
* الشيخ: ما هو الدليل على أنهما أنزلا منزلته؟
* طالب: لأنه أخبر به عنهما ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا﴾ ولم يقولا..
* طالب آخر: لأنه خاطبهما فأنزلتا منزلة العاقل.
* الشيخ: صحيح؛ ولهذا يقول المؤلف: (أنزلتا لخطابهما) هذا التعليل ولو قال: أنزلتا منزلته لخطابهما كان أوضح، وقوله: (﴿قَالَتَا أَتَيْنَا﴾ بمن فينا) لماذا قدَّر قوله: (بمن فينا)؟ ما الذي أحوجه إلى أن يقول: بمن فينا أتينا بمن فينا؟
* طالب: (...).
* طالب آخر: ما أخذناها.
* الشيخ: عجيب، طيب إذن نبدأ من هذا بسم الله الرحمن الرحيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ يقول الشارح المفسر: (﴿قَالَتَا أَتَيْنَا﴾ بمن فينا ﴿طَائِعِينَ﴾ ) احتاج المؤلف إلى أن يُقَدِّر (بمن فينا) لوجهين: الوجه الأول: أن ﴿طَائِعِينَ﴾ جمع و﴿قَالَتَا﴾ مثنى ولا مطابقة بين المثنى والجمع، ولو أراد المطابقة لقال: قالتا: أتينا طائعتين، هذه واحدة، الوجه الثاني: أنه جمعه بمذكر المذكر العاقل فكان لا بد أن يُقَدَّر (بمن فينا)؛ ليدخل فيه العقلاء، ويكون هذا من باب التغليب، وقوله رحمه الله: (فيه تغليب المذكر العاقل)، ذكرنا فيما سبق أنه غَلَّب المذكر أيش؟ لشرفه.
* طلبة: (...).
* الشيخ: غلَّب المذكر.
* طالب: لشرفه.
* الشيخ: لشرفه.
* طالب: أو لكثرته.
* الشيخ: أو لكثرته إذا قلنا: إن العاقل أكثر، وقوله رحمه الله: (أو أنزلتا لخطابهما منزلته) يعني: المسألة فيها إما تغليب وإما أن الأرض والسماء أُنزِلتا منزلة العاقل لخطابهما أي: لكونهما خوطبا ولا يخاطب غالبًا إلا العاقل.
﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت ١٢] ﴿قَضَاهُنَّ﴾ يقول: (الضمير يرجع إلى السماء؛ لأنها في معنى الجمع الآيلة إليه أي: صيَّرها ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ ) ﴿قَضَاهُنَّ﴾ يقول: (الضمير يرجع إلى السماء)، وحينئذ يرد إشكال فإن ﴿السَّمَاءِ﴾ مفرد، و﴿قَضَاهُنَّ﴾ الضمير جمع، فكيف كان الأمر كذلك؟
يقول رحمه الله: (يرجع إلى السماء؛ لأنها في معنى الجمع الآيلة إليه)؛ لأن هذه ﴿السَّمَاءِ﴾ المفرد يؤول إلى جمع وما مقداره؟ ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ فكأنه عبر عن السماء باعتبار مآلها أنها ستكون ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾.
وقوله: ﴿قَضَاهُنَّ﴾ أي: صيَّرهن، وعلى هذا فيكون الضمير في ﴿قَضَاهُنَّ﴾ المفعول الأول، و﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ المفعول الثاني، ويحتمل أن تكون ﴿قَضَاهُنَّ﴾ بمعنى فرغ منهن، وعلى هذا فيكون الضمير الأول مفعولًا به، و﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ حال أي: حال كونها ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾، وعلى كُلٍّ فإن السماوات كانت سبعًا.
﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ قال المؤلف: (الخميسِ والجمعة فرغ منها في آخر ساعة، وفيها خلق آدم؛ ولذلك لم يقل هنا: سواء، ووافق ما هنا آيات خلق السماوات والأرض في ستة أيام) ﴿قَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ و﴿فِي﴾ للظرفية، والظرف يكون أوسعَ من المظروف، فيحتمل أنه قضاهن في يومين من أوَّل اليومين إلى آخرها، ويحتمل أنه قضاهن في يومين أي: في هذا الظرف، وإن كان الخلق أو القضاء لم يستوعبْ هذا الظرف، وهذا هو الذي مشى عليه المؤلف وسيتبين ما فيه إن شاء الله.
يقول: (فرغ منها في آخر ساعة منه وفيها -أي في آخر الساعة- خَلَق آدم؛ ولذلك لم يقل: سواءً) بينما قال في خلق الأرض: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً﴾ وهنا لم يقل: في يومين سواء لماذا؟
لأن بعض اليومين خُلِقَ فيه آدم، هذا ما ذهب إليه المؤلف، وفيه نظر ظاهر، لأن هذا يقتضي أن آدم خُلِقَ حين خَلْقِ السماوات والأرض؛ يعني: في الأيام الستة التي خُلِقَت فيها السماوات والأرض وهذا لا شك أنه خطأ، بل إنه خُلِقَ بعد ذلك ما أقول: بملايين بل بمئات السنين؛ لأن آدم -كما تعلمون- جعله الله تعالى خليفةً لمن؟ لأُناسٍ قبله أو للجن الذي سكنوا الأرض قبله؛ ولهذا لما قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ قالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة ٣٠] إلى آخره.
فدعوى المؤلف رحمه الله أن آدم خُلِقَ في آخر ساعة من يوم الجمعة التي تم فيها خلق السماوات والأرض غير صحيح، نعم خُلِقَ آدمُ يوم جمعة لا شك في ذلك كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام[[أخرجه مسلم (٨٥٤ / ١٧) من حديث أبي هريرة.]]، لكنها ليست الجمعة التي تم بها خلق السماوات والأرض.
إذن خلقهن في يومين، يقول المؤلف: إن هذا يوافق (ووافق ما هنا آيات خلق السماوات والأرض في ستة أيام) كيف وافقها؟ لأنَّ أربعة أيام كانت لخلق الأرض، ويومين كانت لخلق السماء فيكون المجموع سِتَّة أيام، وهذا أمر متفق عليه بين المسلمين أن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام، في بعض الآيات يقول: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الفرقان ٥٩]؛ لأن بين السماوات والأرض من الآيات العظيمة ما استحق أن يكون قسيمًا لخلق السماوات والأرض.
﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الفرقان ٥٩] وقد كنا نقول: كيف يكون خلق ما بين السماء والأرض قسيمًا لخلق السماوات والأرض مع أنه في نظرنا لا يساوي شيئًا بالنسبة إلى خلق السماوات والأرض إذ كنا لا نعلم إلَّا أن الذي بين السماء والأرض هو الغيوم والهواء فقط؟ وكنا نقول: إن القمر والنجوم والشمس كانت في السماء، كنا نقول: القمر في السماء الدنيا، والشمس في السماء الرابعة، وزُحَل في السماء السابعة، وكنا ننشد قول الشاعر:
زُحَلٌ شَرَى مِرِّيخَهُ مِنْ شَمْسِهِ ∗∗∗ فَتَزَاهَــرَتْ بِعُــــطَارِدَالْأَقْمَــــارُ
هذه الكواكب السبعة.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما حفظته من قبل؟ يَلَّا.
* طالب:
زُحَلٌ شَرَى مِرِّيخَهُ مِنْ شَمْسِهِ ∗∗∗ فَتَزَاهَــرَتْ بِعُــــــطَارِدَالْأَقْمَــــــارُ
* الشيخ: المعنى: نأتي من أعلى إلى أسفل: (زحل) هذا أعلاها (شرى) المشتري (مريخه) المريخ (من شمسه) الشمس (فتزاهرت) الزهرة (بعطارد) عطارد (الأقمار) القمر هو الأخير، وعلى هذا فتكون الشمس في السماء الرابعة، وكنا نظن أن هذه مرصعة بالسماء كما يرصع المسمار على الخشبة لكن تبين الآن أن هذه في أجواء بين السماء والأرض، وليست مرصعة في السماوات والأرض وأن السماء من فوقها بأمد بعيد وحينئذ تبين الحكمة من كون الله عز وجل يجعل خلقَ ما بين السماء والأرض عديلًا لخلق السماء والأرض.
ثم قال عز وجل: (﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ الذي أمر به من فيها من الطاعة والعبادة) ﴿أَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ يعني: قُدِّر بما أوحاه في كل سماء أمرها، كل سماء لها ملائكة خاصة وعبادات خاصة وأجواء خاصة، كل سماء تختلف عن السماء الأخرى حتى إنَّ بعضهم -وهو من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب- يقول: إن جُرْمَ السماء الدنيا يختلف عن جُرْمِ السماء الثانية، والثانية عن الثالثة، كل واحدة من مادة أخرى غير مادة السماء الأخرى، والله أعلم.
وقوله: ﴿أَمْرَهَا﴾ مفرد مضاف فيعَمُّ جميع الأمور، جميع ما يتعلق بكل سماء قد أوحاه الله بها.
﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ شوف خصائص السماء الدنيا (﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ بنجوم ﴿وَحِفْظًا﴾ منصوب بفعله المقدَّر أي: حفظناها من استراق الشياطين السمعَ بالشهب).
﴿زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ ﴿الدُّنْيَا﴾ يعني: القربى، وسُمِّيَتْ دنيا؛ لأنها قريبة من الأرض فهي أقرب السماوات، زينها بالمصابيح، ما هذه المصابيح؟ هي النجوم، وسُمِّيَت مصابيح؛ لأنها بمنزلة القناديل المعلقة بالسقف.
فإن قال قائل: ظاهر الآية أن هذه المصابيح مرصعة بالسماء، قلنا: إن كان هذا ظاهرها فالواقع خلاف ذلك، ولا مانع من أن تُزَيَّن بمصابيح وإن لم تكن ملتصقةً بها أرأيت لو أنك لو دَلَّيْتَ مصابيح من سقف عال ثم كنت تحت هذه المصابيح، أفلا تكون هذه المصابيح زينةً للسقف وإن كانت غير لاصقة به، بل جهتها –أي: جهة هذا السقف- مزينة بهذه المصابيح، فلا يلزم من قوله: ﴿زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ أن تكون مرصعةً بالسماء، بل نقول: هي مُزَيَّنَة بها وإن كان بينها وبين السماء مسافة.
وقوله: ﴿وَحِفْظًا﴾ أي: حفظناها حفظًا، فالسماء محفوظة كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾؛ ولهذا لم يستطع جبريل أن يدخل السماوات مع أنه نازل منها حين كان معه محمد ﷺ حتى استأذن له، في حديث المعراج «أَنَّ جِبْرِيلَ لَمَّا وَصَلَ بِالنبي ﷺ إلى السماء الدنيا استفْتَح، فقيل: مَن هذا؟ قال: جِبريل، قيل: ومَن معك؟ قال: محمد، فقيل له: هل أُوحِي إليه أو أُذِنَ له؟ قال: نعم، ففُتِحَ له». لماذا؟ لأن السماء محفوظة لا يمكن أن يدخل أحد منه إلا بإذن الله، جبريل قال: معي محمد، قيل له: «وقد أُرسِلَ إليه؟ قال: نعم، قالوا: مرحبًا به، فنعم المجِيءُ جاءَ، ثم فَتَحُوا له، فدخلَ السماء الدنيا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٠٧)، ومسلم (١٦٤ / ٢٦٤) من حديث مالك بن صعصعة.]] ثم الثانية والثالثة، وهكذا، مما يدل على أيش؟ على إتقان حفظ الله سبحانه وتعالى للسماوات وأنها متقنة، عليها ملائكة لا يمكن أن يتجاوزها أحد.
﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه ما سبق من قوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ﴾ إلى آخره.
وقوله: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾ أي: الذي قَدَّرَهُ هو العزيز عز وجل العليم، ﴿الْعَزِيزِ﴾ هنا مناسبتها؛ لأن المسألة تحتاج إلى عزة وقوة، والعزة يقول المؤلف رحمه الله: (﴿الْعَزِيزِ﴾ في مُلْكِه) يعني: الذي له العزة التامة في ملكه، لكن إلى الآن لم يُبَيِّنْ لنا ما هي العزة.
العزة قال العلماء: إنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: عزة القَدْر، وعزة القهر، وعزة الامتناع. ثلاث معان؛ أما عزة القدر فمعناها الشرف، يعني أنه ذو قدر عظيم بالغ العظم، عزة القهر يعني أنه قاهر ولا يُغْلَب، والثالث: عزة الامتناع أي: يمتنع أن يناله سوء جل وعلا بأي حال من الأحوال.
ولملاحظة هذا المعنى الثالث نقول: إنه مُشْتَقٌّ من قولهم: أرض عزاز، عزاز يعني قوية صلبة ونحن نسميها باللغة العامية (الأرض عَزا) يعني صلبة، ليست لينة كالرمل والروض، ولكنها صلبة.
﴿الْعَزِيزِ﴾ إذن كم معنًى له؟ ما هي؟
* طالب: القهر والقدر والعز.
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: امتناع..
* الشيخ: الامتناع، ويش معنى الامتناع؟
* الطالب: الامتناع عن السوء؛ يعني..
* الشيخ: إي يعني، يمتنع عليه السوء والنقص، القهر يعني؟
* طالب: القهر هو (...) والقاهر لا (...).
* الشيخ: أحسنت، هو الغالب الذي لا يُغْلَب، والثالثة الامتناع؟
* طالب: الامتناع ذكرها، تقدَّم.
* الشيخ: الامتناع أنا أقول..
* طالب: ذكر الامتناع.
* الشيخ: مَن الذي ذكره؟ ويش قال؟
* طالب: يمتنع عنه النقص.
* الشيخ: يمتنع عنه النقص، وعزة القدر؟
* طالب: عزة القدر بأن الله قادر على كل شيء.
* الشيخ: لا، لو كان كذلك لقلنا: عزة القدرة.
* طالب: عزة القدر بمعنى: القوة والغلبة.
* الشيخ: لا، هذا عزة القهر.
* طالب: (...) الثلاثة.
* الشيخ: إي، جزاك الله خيرًا، الثالثة عِزَّة القدر يعني؟
* طالب: العظمة والشرف، شرف الأشياء.
* الشيخ: الشرف، إي نعم، عزة القدر؛ يعني أنه ذو قدر عظيم وشرف عظيم، أما العليم فهو ذو العلم، وعلم الله تبارك وتعالى واسع؛ قال الله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق ١٢] فعلمُه تعالى واسع شامل لكل شيء، يعلم ما كان فلا ينساه، ويعلم ما يكون فلا يجهله، ويعلم كيف كان يكون إذا كان، يعني: ليس يعلم أن هذا الشيء يقع فقط، بل يعلم أنه يقع ومتى يقع، وكيف يقع وأين يقع، من كل جهة، وقد فصَّل الله سبحانه وتعالى دقائق العلم في قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾ يعني: إلا يعلمها ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام ٥٩]، وعلمنا بأنه عليم، ما الذي يستوجب من الناحية المسلكية بالنسبة للعبد؟ إذا علمت أن الله بكل شيء عليم، ويش يترتب على هذا؟
* طالب: نخاف الله عز وجل في أعمالنا.
* الشيخ: أحسنت، يترتب على هذا أن يخاف اللهَ عزَّ وجلَّ، وأن يقومَ بطاعته، وأن يدع معصيته؛ لأنه يعلم أن الله تعالى عالم به حتى وإن خفيت على الناس فإنك لن تخفى على الله، بل إن الله يعلم من نفسك ما لا تعلمه أنت، أنت تعلم من نفسك ما يمكن أن تحيط به، لكن الله يعلم من نفسك ما لا تحيط به، يعلم مستقبلك ومآلك وحالك وأنت لا تعلم، وهذا يوجب للعبد المؤمن بذلك أن يخاف ربَّه في السرِّ والعلن حتى لو كنت في حجرة مظلمة ليس عندك أحد وأردت أن تفعل ما يغضب الله، فاعلم أن الله تعالى يراك.
* طالب: قلنا: إن قول الله تعالى: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا﴾ هذا يدل على (...) الله تعالى للسماوات ما معنى قوله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن ٣٣] ما المقصود بالسلطان هنا؟
* الشيخ: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا﴾ هذه الآية على سبيل التحدي؛ إن كنتم تقدرون فانفذوا وفِرُّوا من قضاء الله، فروا من عذاب الله ما تستطيعون ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن ٣٣] يعني: ولا سلطان لكم، والسلطان هنا بمعنى القدرة والقوة؛ لأن المقام مقام تحدٍّ، والذي يقابله القوة، والمعنى لا سلطان لكم، وعلى هذا فالآية للتحدي، وهذه تكون يوم القيامة، وليس كما زعم الناس لما خرج الروس بأول مركبة فضائية وخرج عن الغلاف الجوي بدأ هؤلاء الذين يريدون أن يجعلوا القرآن كتابًا علميًّا يقولون: هذا دل عليه القرآن ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن ٣٣] أي: إلا بعلم، وقد تعلمنا ونفذنا، وهذا حرام، تفسير القرآن بهذا المعنى حرام، وقول على الله بلا علم؛ لأن إذا كان المقام مقام تحدٍّ فما هو السلطان الذي يمكن أن نفعل به؟
* طالب: القوة.
* الشيخ: القوة لا شك، ثم إنه قال في الآية التي بعدها: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾ [الرحمن ٣٥]، هل أرسل على هؤلاء؟ ثم إنه يقول: ﴿مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الرحمن ٣٣] وهؤلاء إذا قدَّرْنا نفذوا من أقطار الأرض فإنهم لم ينفذوا من أقطار السماوات، ولهذا هؤلاء -والعياذ بالله- الذين فسروا الآية بما حصل قالوا على الله بلا علم، ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار، ومثل ذلك من قال: إن الأرض تدور لقول الله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل ٨٨] قال: هذا في الدنيا؛ لأن قوله: ﴿تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ هذا حسبان والحسبان لا يكون في الآخرة؛ لأن الآخرة يقين. فيقال: هذا غلط أليس الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ تحسبهم سكارى من شدة الذهول والانزعاج وما هم بسكارى ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج ١، ٢]، فالمهم أن بعض المتأخرين هداهم الله يفسرون القرآن بالواقع مع أنه لا يدل عليه ونحن نقول: احمدوا الله أن القرآن لا يدل على خلافه، أما أن تقولوا: يدل عليه غلط.
* طالب: أحسن الله إليك، هنا قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت ١١]، وفي آية أخرى قال: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا﴾ [النازعات ٢٨]، هل معنى الآيتين واحد؟
* الشيخ: ﴿رَفَعَ﴾؟
* طالب: ﴿سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ [النازعات ٢٨]
* الشيخ: يعني: جعلها رفيعة هو جعلها رفيعة.
* طالب: أن السَّمْك والدخان واحد.
* الشيخ: لا ما هو، بعد أن خلقها جعلها سميكة (...).
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (١٤) فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [فصلت ١٢ - ١٨].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ ﴿قَضَاهُنَّ﴾ يعنى أتمهن، وسنتكلم إن شاء الله عن الآيات بعد الانتهاء منها ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ (﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ الخميس والجمعة، فرغ منها في آخر ساعة منه وفيها خلق آدم؛ ولذلك لم يقل هنا: سواء، ووافق ما هنا آيات خلق السماوات والأرض في ستة أيام ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ الذي أمر به مَنْ فيها من الطاعة والعبادة).
﴿أَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ صرف المؤلف رحمه الله الأمر هنا إلى الأمر الشرعي لا الأمر الكوني ولذلك قال: (أمرها الذي أمر به مَنْ فيها من الطاعة والعبادة).
(﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت ١٢] الذي أمر به من فيها من الطاعة والعبادة) من هنا نبدأ ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ صرف المؤلف -رحمه الله- الأمر هنا إلى الأمر الشرعي لا الأمر الكوني؛ ولذلك قال: (﴿أَمْرَهَا﴾ الذي أمر به من فيها من الطاعة والعبادة)، ويحتمل أن يكون المراد بالأمر هنا الشأن؛ أوحى في كل سماء شأنها، فيشمل أحوال السماء، وأحوال من فيها، وهذا أعم مما ذكره المؤلف رحمه الله.
وإننا نقرر قاعدةً في التفسير: إذا ورد تفسيران في الآية، أحدهما أعم أخذنا بالأعم؛ لأن الأعم يدخل فيه الأخص ولا عكس، فإذا قلنا: شأنها صار أعم من أن نقول: إنه أمرها الشرعي؛ لأن هذا أخص، فالحمل على الأعم أولى، يقول جل وعلا: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [فصلت ١٢]، وهي النجوم (زيَّنَّاها)؛ أي جعلناها زينة تسر من نظر إليها ويبتهج بها.
(﴿وَحِفْظًا﴾ منصوب بفعل مقدر؛ أي: حفظناها حفظًا من استراق الشياطين السمع بالشهب) إلى آخره.
قوله: ﴿حِفْظًا﴾ مصدر عامله محذوف، التقدير: حفظناها حفظًا، ومن أي شيء؟ قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر ١٦، ١٧]، فيكون المراد بالحفظ حفظها من الشياطين؛ لأن القرآن يفسر بعضه بعضًا.
وما شأن الشياطين بالنسبة للسماء؟ شأن الشياطين بالنسبة للسماء أنها تصعد، يركب بعضها بعضًا إلى أن تصل إلى السماء، فتستمع إلى أخبار السماء، وما تتحدث به الملائكة، ثم تنزل به إلى الأرض، وتُلقيه إلى الكهان الذين لكل واحد منهم رَئِي من الجن، والكاهن يأخذ هذا الخبر، ويضيف إليه أخبارًا أخرى، ثم يُحدِّث الناس بذلك، ومن المعلوم أن ما سُمِع في السماء لا بد أن يكون فتكون هذه الكلمة الواحدة صِدْقًا، تكون مثارًا لإعجاب الناس بالكهان والرجوع إليهم؛ ولهذا كانوا في الجاهلية يتحاكمون إلى الكهان، هذه هي قضية استراق السمع.
ثم إن الله تعالى حفظ السماء وقت بعثة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وصارت الشياطين إذا حاولت الاستماع أرسل الله تعالى عليها شهابًا يحرقها وتهلك، وهل بقي هذا الحفظ بعد موت الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو لا؟ يقال: الله أعلم، لا ندري، لكنها حُفظت في عهد النبوة من استراق السمع، أما الآن فالله أعلم، قد يكون ذلك وقد لا يكون؛ لأنه ليس هناك نبي حتى يختلط المسموع المـسترق بالوحي الصحيح.
يقول عز وجل: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت ١٢] ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه ما سبق مما تحدث الله عنه من خلق السماوات والأرض.
﴿تَقْدِيرُ﴾ أي مُقدَّر. ﴿الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ أو: تقدير مصدر على بابه، ويكون المشار إليه فعل الله لهذا الشيء، فعندنا الآن كلمة ﴿تَقْدِيرُ﴾ مصدر يجوز أن تكون بمعنى اسم المفعول، ويكون المعنى: ذلك مُقدَّر العزيز، ويجوز أن تكون مصدرًا وهو فعل الله عز وجل، ويكون هذا أيضًا معنًى صحيحًا، وكلاهما متلازمان؛ لأنه إذا كان هذا الشيء مُقدَّر الله فهو من تقديره؛ يعني ناتج عن تقديره.
وقوله: ﴿الْعَزِيزِ﴾ قال: (في ملكه ﴿الْعَلِيم﴾ بخلقه) فيها شيء من القصور (﴿الْعَزِيزِ﴾ في ملكه)، والصواب: ﴿الْعَزِيزِ﴾ يعني بذلك ذا العزة، والعزة قسمها العلماء إلى ثلاثة أقسام وهي:
* طالب: القدْر، والقهر، والامتناع.
* الشيخ: عزة القدْر، وعزة القهر، وعزة الامتناع، معناها عزة القدر؟
* طالب: (...) أي عزة (...).
* الشيخ: خطأ.
* الطالب: أنه ذو قدر عظيم وشرف عظيم.
* الشيخ: نعم، أي أنه ذو قدر عظيم وشرف عظيم لا يشاركه فيه أحد، عزة القهر؟
* طالب: القاهر الذي يَغلب ولا يُغلب.
* الشيخ: نعم، القاهر الذي يَغلب ولا يُغلب، عِزَّة الامتناع؟
* الطالب: لا يناله سوء، يمتنع أن يناله سوء.
* الشيخ: نعم، يمتنع أن يناله سوء أو نقص.
أما قوله: ﴿الْعَلِيم﴾ فهي صفة مُشبَّهة، ويجوز أن تكون من باب المبالغة؛ لأن (فعيل) يصح أن تكون صفة مشبهة، ويصح أن تكون صيغة مبالغة، ومعناه: ذو العلم، وعلم الله تعالى واسع، عالم بما كان وما يكون لو كان كيف يكون، وقد سبق لنا الكلام عليه مرارًا لا حاجة إلى إعادته.
* من فوائد الآيات الكريمة: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت ٨].
* مِن فوائد هذه الآية: تحقيق أن القرآن مثاني تُثَنَّى فيه المعاني المتقابلة؛ إذا ذُكِر ثواب المجرمين ذُكر ثواب المتقين، وإذا ذُكرت الجنة ذُكرت النار، وهلم جرًّا، من أجل أن يكون الإنسان سائرًا إلى ربه بين الخوف والرجاء، وهكذا ينبغي للإنسان في سيره إلى ربه أن يكون خائفًا راجيًا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء ٩٠]، فما سبب الخوف؟ سبب الخوف ذنوب الإنسان إذا نظر إلى ذنوبه وتقصيره خاف، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون ٦٠]، أي: يخافون ألا يقبل منهم، والرجاء: إذا نظر إلى عفو الله وفضله، وأنه جل وعلا حليم، رجا وقوي رجاؤه، فيكون دائرًا بين الخوف والرجاء.
وقال بعض أهل العلم: في الطاعة يُغلِّب جانب الرجاء، وفي المعصية يُغلِّب جانب الخوف. وهذا له نظر قوي؛ لأن الإنسان إذا فعل الطاعة فينبغي أن يُحسِن الظن بالله، وأن الله سيقبل منه، فيقوى رجاؤه، أما إذا هم بالمعصية فينبغي أن يُغلِّب جانب الخوف؛ حتى لا يقع في المعصية.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإيمان وحده لا يكفي حتى يقترن بعمل، لكن إذا أطلق الإيمان شمل العمل، وإن ذُكر معه العمل صار العمل علانية والإيمان سرًّا، مثل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ هنا جُمِع بين الإيمان والعمل فيكون الإيمان في القلب والعمل في الجوارح.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: دوام نعيم المؤمنين العاملين الصالحات؛ لقوله: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت ٨] أي لا يُقطع كما قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم ٦٢].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أجر الآخرة خيرٌ من أجر الدنيا وثوابها، وجه ذلك: أن أجر الآخرة غير مقطوع بل هو مستمر دائمًا وغير ممنون به أيضًا بل يُعطى الإنسان بدون مِنَّة، وأما ثواب الدنيا فإنه بالعكس.
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ﴾ [فصلت ٩] إلى آخره. في هذا دليل على وجوب إعلان المؤمن ما عليه الكفار من الكفر بالله؛ لقوله: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ﴾.
* ويتفرع على هذه الفائدة: أنه لا تجوز مداهنة الكفار، وإن كانت المداراة تجوز لكن المداهنة لا تجوز، والفرق بينهما: أن المداهنة سكوت الإنسان عن معصية العاصي كأنه يقول: لك معصيتك ولي طاعتي، فأنت اعمل وأنا أعمل، هذه مداهنة، مُصانَعة لا تجوز، قال الله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩] لكن لا يجوز للمؤمن أن يداهن، أما المداراة فمعناه أن ينقل الإنسانُ مما هو عليه من المعصية شيئًا فشيئًا وهو غير راضٍ بها بل هو كاره، ولا يرى أنه يجوز إقرارها، بخلاف المداهِن؛ المداهنة في الحقيقة أشبه ما لها في وقتنا الحاضر، ما يسمونه بالمجامَلة أو بالعلمنة، العلمنة الآن العلمانيون يقول: خلِّ كل إنسان وشأنه، الدولة دولة والدين دين، الدولة لا بد أن تتحد والدين لِكُلٍّ دينه، لا تنكر على الكافر ولا على الفاسق خلوا كل إنسان يعمل ما شاء، فالمهم أن هذه الآية الصريحة في أنه يجب أن نُنكر على الكافرين كفرهم وألا نداهنهم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي تأكيد ما يمكن أن يُنفى أو يُشك فيه، وجهه: أنه أكد ذلك بقوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ﴾، وإلا فيكفي أن يقول: قل لقد كفرتم أو قل كفرتم، لكن لما كان هذا أمرًا يشك فيه، ويقال: هؤلاء لم يكفروا بالله بل آمنوا به؛ لأنهم يؤمنون بأن الله موجود، وبأن الله خالق السماوات والأرض، لكن إذا لم يتبعوا شرعه فهم كافرون به ولو أقروا بوجوده.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل، وبيان حكمته في خلق السماوات والأرض، حيث خلق هذه الأجرام العظيمة الكبيرة الواسعة في خلال ستة أيام، أما الحكمة فوجهه أن الله جل وعلا كان قادرًا على أن يخلقها بلحظة واحدة: كن فيكون، لكنه جل وعلا ربط الأسباب والمسببات، وجعلها تتفاعل شيئًا فشيئًا حتى تنتهي، هذا من وجه، ومن وجه آخر أنه أخَّر ذلك ليُعَلِّم عباده التأني في الأمور.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن خلق الأرض قبل خلق السماء؛ لأنه لما ذكر خلق الأرض في أربعة أيام قال: ثم استوى إلى السماء، وهذا كقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٩]، ولكن هذا يعارضه ظاهر قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات ٢٧ - ٣٠]، فهنا ذكر أن الأرض دُحيت بعد خلق السماء فهل المراد بالدحو شيء سوى الخلق؟ أو أن البعدية هنا بعدية ذكر، يعني كما يقولون: هذا ترتيب ذكري وليس ترتيبًا زمنيًا؟ في هذا وجهان:
الوجه الأول: أن الدحو ليس الخلق بل هو شيء آخر فسره الله بقوله: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ [النازعات ٣١] هذا الدحو، وإخراج الماء والمرعى شيء زائد على الخلق والتكوين.
وأما الوجه الثاني: فإن البعدية هنا بعدية ذكر وهو ما يعرف عند علماء النحو بالترتيب الذكري، ومنه قول الشاعر:
إِنَّ مَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوهُ ∗∗∗ ثُمَّ سَادَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ جَدُّهُ
فتجد الآن الترتيب على خلاف الترتيب الزمني لكن هذا يسمى ترتيبًا ذكريًّا، يحتمل وجهين، ولكن الوجه الأول أولى أن يقال: إن الدحو ليس الخلق، الخلق والتكوين شيء والدحو شيء آخر، والدليل أن الله تعالى قال في الدحو مفسرًا إياه قال: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ أفهمتم الآن؟
إذن لا معارضة بين الآيتين؛ لتنزل كل واحدة منهما على وجه لا يعارض الوجه الآخر، واعلم أنه ينبغي للإنسان إذا رأى آيتين ظاهرهما التعارض ألا يسرع في الحكم بالتعارض؛ لأنه لا يمكن أن تتعارض آيتان من كل وجه كما ذكرنا ذلك في أصول التفسير، ولكن ليتأنى وليتأمل وليفكر، فإن أدرك ألا تعارض فهذا المطلوب وإلا وجب أن يسأل أهل العلم، فإن لم يتبين له الأمر وجب عليه التوقف، وصارت هذه من الآيات المتشابهات التي يجب أن يقول فيها: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران ٧]، وقد ذكرنا لكم فيما مضى أن من العلماء من ألَّف في الآيات التي ظاهرها التعارض وجمع بينها، وذكرت لكم أن من أحسن ما رأيت ما ألفه الشيخ الشنقيطي رحمه الله (دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب).
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن نوع الكفر الذي حصل من هؤلاء المخاطبين: الشرك؛ لقوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ [فصلت ٩] وجعل الأنداد له أنواع كثيرة: إما أن يجعل له أندادًا في الذات فيقول: إن الله له مثيل كما فعلت النصارى، حيث قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، وكما فعل الممثِّلة الذين مثَّلوا صفات الله بصفات خلقه، فإن هذا من الشرك، وقد يكون نِدًّا في العبادة، يعبده وإن كان لا يرى أنه مثل الله لكن يعبده ويدعي أنه إنما عبده ليقربه إلى الله عز وجل وقد يكون هناك أنداد في المحبة يحب الشيء كما يحب الله، والعجب أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فيحب الشخص، ويتعلق به كثيرًا ويقول: أنا أحبه لله، والحقيقة أنه يحبه مع الله وليس لله، الذي يحب الشخص لله تكون المحبة الأصلية لمن؟
* طالب: لله.
* الشيخ: محبة الله، وهذا أحبه؛ لأنه يحب الله، لكن الذي يجعل قلبه منصرفًا إلى هذا المحبوب لا يفكر إلا به، ولا ينام إلا على ذكره، ولا يستيقظ إلا بذكره، هذا لم يحبه لله، بل أحبه مع الله، وهذا شرك كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة ١٦٥]، كذلك من الند أن يتعلق قلب الإنسان بالمخلوق خوفًا ورجاءً لا محبة؛ خوفًا ورجاءً، بحيث يعتمد عليه في تحصيل معاشه أو في دفع الضرر عنه، وهذا يقع كثيرًا ولا سيما بعد فتح المستشفيات، فإن أكثر الناس يتعلق قلبه بالمستشفى، تجده إذا مرض قال: أروح آخذ حبة أو حبتين، ما يقول: يا رب عافني، أو يلجأ إلى الله، على طول، روح حبة ولا حبتين ولا ثلاثة مع أنه ربما يكون هذا الطبيب الذي اعتمد عليه ورجاه كافرًا ملحدًا، هذا أيضًا من اتخاذ الند لله؛ ولهذا كان ضرر المستشفيات الآن مع ما فيها من نفع وخير كثير، والحمد لله لكن كان فيها ضرر عظيم؛ لأن الناس الآن صاروا يعلقون آمالهم ويجلون آلامهم بالمستشفيات، أبدًا لو يجي الإنسان لو تقطُّه الشوكة، يلَّا المستشفى، طلعها بظفرك، ولا طلعها بالمنقاش، قال: المستشفى، لا إله إلا الله، المرأة إذا جاها الطَّلق وصارت تطلق طلقًا عاديًّا أيش يعمل؟ المستشفى، والمستشفى ماذا يقول؟ والله هذه مسألة خطيرة لا بد من قيصرية، القيصرية هذه نشق البطن، ثم يبقى عندها عشرة شقوق في بطنها إذا ولدت عشرة أولاد، يبقى هذا البطن ما يتحمل أي حمل لو حمل انفجر، كل هذا نوع من الشرك، لا تلجأ إلى المستشفى إلا للضرورة القصوى، اجعل رجاءك دائمًا معلقًا بالله، وقل: إن الذي خلقني وأوجدني أول مرة قادر على أن يزيل ما نزل بي من مرض أليس كذلك؟ وهو أقدر من كل أحد، يزيله عز وجل بدون أي عملية، وبدون حبوب، وبدون مياه، وبدون إبر.
المهم أن اتخاذ الأنداد ليس خاصًّا بشيء معين؛ يكون في أشياء كثيرة، فإياك أن يكون لك ند حتى إن الرسول ﷺ قال: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيلَةِ»[[أخرجه البخاري (٢٨٨٦) من حديث أبي هريرة.]]. من عابد هذه؟ هل الإنسان يضع الدينار فوقه ويسجد له ويركع؟ لا، ولا كذلك الدرهم، ولا الخميصة، ولا الخميلة، لكن لما كان قلبه معلقًا بهذا الشيء إن أُعطي رضيَ وإن لم يُعطَ سخط صار عبدًا لها، نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من ذلك.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان امتناع الند لله عز وجل؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [فصلت ٩] وجه الامتناع: أنه رب العالمين، وأي ند يكون رب العالمين؟ ماذا تقول؟ أجب؟ ما هو؟ أين ذهبت؟
* طالب: لا، لا، أسمع..
* الشيخ: تسمع ولكنك لا تعي؛ لأن القلب غير حاضر، أليس كذلك؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم ولَّا بلى؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الظاهر أن المقر بالذنب يُعفى عنه. أقول في هذا في قوله: ﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ دليل على أنه لا يمكن أن يكون أحد ندًّا لله، لماذا؟ يعني من يمكن أن يقال: إنه رب العالمين؟ لا يمكن، فهو رب وما سواه مربوب، إذن ما سواه لا يصح أن يكون ندًّا له.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عموم ربوبية الله عز وجل لكل العالم؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.
* ومن فوائدها: وجوب الخضوع له شرعًا كما أننا نخضع له قدَرًا؛ لأن هذا مقتضى الربوبية؛ أن تخضع لهذا الرب شرعًا كما أنك خاضع له قدرًا، كل خاضع لله قَدَرًا ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [الرعد ١٥] هذا السجود أيش؟ القدَري، فيجب أن تخضع له شرعًا، وأن تتذلل له تكون أمامه ذليلًا كما كنت أمامه ذليلًا في قدره.
* ومن فوائد الآية الكريمة: مِنَّة الله سبحانه وتعالى على عباده، حيث جعل في الأرض رواسي؛ أي: ثوابت، ما الحكمة؟ الحكمة ذَكَرَها الله في قوله: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل ١٥]، لولا هذه الرواسي لمادت بنا الأرض.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأرض تدور؛ لقوله: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾؛ لأن نفي الميدان دليل على وجود أصل الحركة؛ إذ لم يقل: أن تتحرك بكم، ونفي الأخص يقتضي وجود الأعم كما قلنا في قول الله تبارك وتعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام ١٠٣] إنه دليل على أن الله يُرَى لكن لا يدرك؛ إذ لو كان لا يُرَى لوجب أن يقول: لا تراه الأبصار، فلما نفى الأخص صار دليلًا على وجود الأعم.
هكذا قررها بعضهم وقال: إن في الآية دليلًا على أن الأرض تدور؛ لأن الله ألقى هذه الرواسي لتكون دورتها متزنة لا تتخلخل فتضطرب بالناس، ولكن هذا وإن كان قويًّا من حيث النظر لكنه ليس متعينًا؛ إذ يجوز أن يكون المعنى أن تميد بكم تضطرب ولو كانت واقفة، فالسفينة مثلًا على الماء تضطرب ولو كانت واقفة، فيكون المعنى: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل ١٥] يعني أن تضطرب بكم، وسواء كانت تدور أو لا تدور؛ ولهذا ليس في الآية دلالة قطعية على أن الأرض تدور.
فإن قال قائل: إذا قلت: إنه يحتمل أنها تكون دالةً على أن الأرض تدور فما جوابك عن آيات كثيرة تدل على أن الشمس تجري، تطلع، تغرب، تزاور، توارى، تذهب؟ كل هذه الأفعال أسندت إلى الشمس، والأصل أن الفعل إذا أُسنِد إلى شيء أن يكون قائمًا به، فيكون ظاهر القرآن أن الشمس هي التي تدور على الأرض ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ﴾ [الكهف ١٧] إذن معناه هي التي كانت مختفية، ثم طلعت علينا، وهؤلاء الذين يقولون: الأرض تدور، يكون المعنى ﴿إِذَا طَلَعَتْ﴾ أي إذا طلعنا عليها؛ لأنا نحن الذين نأتي إليها أما هي ثابتة قارة أعني الشمس.
قلنا: يجوز أن تكون الأرض تدور، والشمس أيضًا تدور جائز، وإذا كان الدوران بالعكس فظاهر أنه يتعاقب الليل والنهار؛ يعني مثلًا لو كانت الأرض تدور نحو الشرق، والشمس تدور نحو الغرب، هذا ممكن بكل سهولة، فإن كانتا تدوران إلى اتجاه واحد فإن إحداهما إذا كانت أسرع من الأخرى تحقق اختلاف الليل والنهار، ومن قال: إنه لا يمكن أن نقول: إن الشمس تجري إلا إذا قلنا: إن الأرض ثابتة لا تدور فأما إثبات دوران الأرض مع دوران الشمس فهذا لا يمكن. فإن قوله غير صحيح.
الإمكان ممكن ولو قلنا بدورانهما جميعًا، لكن الشيء الذي نعتقده الآن أن الليل والنهار يحصل بتعاقب الشمس على الكرة الأرضية، لا بتعاقب الكرة على الشمس، هذا الذي نعتقده إلى الآن؛ لأن هذا هو ظاهر القرآن، والقرآن صدر من الخالق عز وجل وهو أعلم بما خلق.
ولا يمكن أن نحيد عن هذا قيد أنملة ما دام لم يظهر لنا أمر حسي لا يمكن التكذيب به، وعند بعضهم -أي بعض الذين يقولون بدوران الأرض- يقولون: عندنا أمر قطعي بدليل الصواريخ العابرة للقارات فإنها تقدر بتقدير معين بحيث يتماشى مع دوران الأرض فيصيب الهدف، وإلا لما أمكن.
على كل حال هذه أنا أردت يعني أن أتكلم فيها بعض الشيء؛ لأنها في يوم من الأيام كانت مثارًا للجدل بين الناس؛ بين طلبة العلم وبين عامة الناس وبين الذين لم يتمكنوا من العلم كثيرًا، فنحن نقول: أولًا: البحث العميق في هذا والجدل في هذا أمر لا ينبغي ولا فائدة منه.
ثانيًا: عندما نريد أن نحقق المسألة تحقيقًا علميًّا نظريًّا ننظر إلى الآيات، فإذا كان ظاهر قوله تعالى: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل ١٥] يقتضي أنها تدور قلنا بذلك ولا حرج، ولا مانع أن نقول: هي تدور وكذلك الشمس لا مانع، فنكون أخذنا بظاهر القرآن في الشمس، وبظاهر ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ في الأرض، وإذا كان قوله: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ لا يتعين أن يكون بحركتها وإنما قد تضطرب وهي ساكنة قارة فلا يبقى في الآية دليل على أن الأرض تدور.
* طالب: (...) أقرهم أنه لا يمكن يقرهم على قولهم (...) الشمس (...).
* الشيخ: نعم، نحن نقول: لا نقرهم على أن اختلاف الليل والنهار يكون باختلاف دورة الأرض بل نقول: هو باختلاف طلوع الشمس على الأرض.
* الطالب: ولا يمنع أن يكون الشارع (...) الأرض؟
* الشيخ: ولا يمنع، لكن لو فُرِض أنه جاءنا دليل حسي ملموس على أن اختلاف الليل والنهار بسبب دورة الأرض لقُلنا به، ويكون إضافة الأفعال هذه إلى الشمس على حسب رؤية الإنسان لها.
* الطالب: هم يقولون بثبوت الشمس..
* الشيخ: لا، أنا أقول: لا، هم يقولون: الشمس تدور في الجو أو تدور حول نفسها؟
* طالب: دوران الشمس (...) دورة سنوية (...).
* الشيخ: إي، المهم على كل حال ما يهمنا، الكلام على أن من جهة القرآن، الآن إذا قرأنا: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف١٧]، هذه فيها أربعة أفعال أُضِيفت كلها إلى الشمس، الأصل أن الأفعال المضافة إلى الشيء أنها قائمة به، فالشمس هي اللي تطلع هم يقولون: لا، الشمس ما تطلع علينا؛ نحن الذين نطلع عليها بسبب دوران الأرض؛ يعني الآن مثلًا اللمبة اللي فوقي يدي مثلًا كظاهر اليد مقابل لها الشمس طالعة، ثم تقول: هكذا تغيب الشمس؛ يعني نحن غبنا عن الشمس ونحن طلعنا عليها، نقول: إذا ثبت هذا ثبوتًا قطعيًّا لا شك فيه فالقرآن لا يخالف الحس أبدًا، وتُفسَّر الأفعال المضافة إلى الشمس بحسب رؤية الرائي.
* طالب: كيف تكون طاعة الكافر طاعة قدرية؟
* الشيخ: أليس الله يأمره أن يكون مريضًا فيمرض؟ ويكون صحيحًا فيصح؟ ويموت فيموت؟
* الطالب: بلى.
* طالب آخر: شيخ، أحسن الله إليك، يقول تعالى: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت ١١] هل هذا يدل على أن الجمادات تريد وتنطق؟
* الشيخ: هذه ما هو وصلناها، بارك الله فيك.
* طالب: شيخ، بارك الله فيكم، ألا يشهد لقولهم: أنا نحن الذين نطلع على الشمس، قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف ٨٥، ٨٦] أسند الفعل للشمس، وفسر أهل العلم بأنها في عين الرائي..
* الشيخ: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ﴾.
* الطالب: ﴿تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ﴾ ﴿تَغْرُبُ﴾ الفعل أسند إلى الشمس، هذا وقال أهل العلم: إنه في عين الرائي ولا تغرب، إنما تغرب (...).
* الشيخ: تختفي عنه.
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: إيه، طيب.
* الطالب: هل هي تغرب في عين حمئة؟
* الشيخ: كيف؟ تختفي عنه في البحر لكن ما هي في وسط البحر طبعًا؛ ولهذا قال: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ﴾.
* طالب: علمنا يا شيخ أن الأرض خلقت قبل الشمس فما الحكمة؟
* الشيخ: الأرض قبل الشمس؟
* الطالب: الأرض خلقت قبل الشمس.
* الشيخ: ما علمنا هذا، قبل السماء.
* الطالب: الحكمة في أن الله عز وجل ذكر السماء والأرض (...) السماء؟
* الشيخ: هذه ما وصلناها، الحكمة بأن الله تعالى يذكر الأعلى قبل الأسفل، أما التحدث عن خلْق السماء فبيَّن الله تعالى أن الأسفل يُخلق قبل الأعلى كالبناء الآن، عندما تريد أن تبني شيئًا، هل تبني السقف قبل أن تبني العمود؟ فعند الذكر والتحدث يبين الأشرف والأعلى يقدم، وعند التكوين والبناء يبدأ بالأسفل؛ لأنه هو الأصل. (...)
* * *
* الطالب: ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (١٤) فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [فصلت ١٤ - ١٨].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. كنا نتكلم على فوائد الآيات السابقة من قوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت ٩] وأخذنا عدة فوائد منها كم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ثلاثة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إلى؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما وصلناها.
* الطالب: منة الله تعالى على عباده حيث جعل في الأرض رواسي ثوابت (...).
* الشيخ: * ومن فوائد هذه الآيات: أن الله تعالى جعل الرواسي من فوق الأرض لما في ذلك من المنافع، ودفع المضار الذي أشرنا إليه في أثناء التفسير.
* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن الله تعالى بارك في الأرض، ووجه البركة ظاهر، فقد حملت الأحياء والأموات، وحملت من الدواب ما لا يعلم أجناسَه فضلًا عن أنواعه فضلًا عن أفراده إلا الله عز وجل.
* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن الله قدَّر في الأرض أقواتها؛ أي جعلها مُقدَّرة بقدر معلوم، ومن ذلك التقدير أن جعل في جهات من الأرض من الأقوات ما ليس في جهات أخرى حتى يتبادل الناس هذه الأقوات، وتتحرك التجارة إلى غير ذلك من الفوائد، ولعله يشير إلى هذا قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾ يعني المطر ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الفرقان ٥٠].
* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن خلق الأرض تم في أربعة أيام؛ لقوله تعالى: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً﴾ [فصلت ١٠].
* ومن فوائدها: أن الله تبارك وتعالى يجيب السائلين أسئلتهم، سواء سألوا بلسان الحال أو بلسان المقال، فالإنسان مُتشوِّف إلى علم المسألة دون أن ينطق بلسانه، يقال: إنه سائل بلسان الحال، والإنسان الذي يتكلم باللسان سائل بلسان المقال، والسؤال عن خلق السماوات والأرض وكيف ذلك؟ هذا يكون بلسان الحال ويكون بلسان المقال.
* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن السماء كانت قبل أن تُخلَق كانت دخانًا، ثم حوَّل الله هذا الدخان إلى سماوات؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت ١١].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات عُلُوِّ الله عز وجل على أحد القولين في تفسير ﴿اسْتَوَى﴾ وهما أيش؟ قَصَدَ أو ارتَفَعَ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل شيء قابل لمخاطبة الله عز وجل؛ أي قابل أن الله يخاطبه؛ لأن الله خاطب السماء والأرض وهي جماد، قال: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾، لكننا نحن لو خاطبنا الجماد لعُدَّ ذلك سفهًا ونوعًا من الجنون، أما الرب عز وجل فإنه يخاطب ما شاء من عباده من عاقل وغيره وجماد وغيره؛ لأن كل من خاطَبَهُ الله فإنه يفهم خطاب الله.
* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن كل شيء خاضع لله عز وجل سواء كره أم رضي؛ لقوله: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت ١١].
* ومِن فوائد هذه الآيات الكريمة: كمال خضوع السماوات والأرض لله عز وجل حيث قالتا: ﴿أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾.
* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أنه يصح أن يُعبَّر عن غير العاقل بما يُعبَّر به عن العاقل إذا نُزِّل غير العاقل منزلة العقل؛ لقوله: ﴿طَائِعِينَ﴾ [فصلت ١١]، فإن هذا الجمع -جمع المذكر السالم- لا يصدر إلا من عاقل، وغيره يُقال: طائعات وما أشبهها لكن إذا نُزِّل غير العاقل منزلته بالخطاب صح أن يُعامل معاملة العاقل.
* من فوائد هذه الآيات الكريمة: إثبات الطواعية والكراهية لغير العاقل؛ لقوله: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾، فهل هذا يعني أن لغير العاقل إرادةً؟ الجواب: نعم؛ لأن الطائع له إرادة، ومن يتصور إكراهه له إرادة أيضًا، وإرادة كل شيء بحسبه، وقد مر علينا أن الحصى تُسبِّح بين يدي الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا تسبيح إلا بعد إرادة، وثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال في أُحُد: «يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٠٨٣)، ومسلم (١٣٩٣/٥٠٤) من حديث أنس بن مالك.]]. والمحبة أخص من الإرادة، وعلى هذا فهذه الجمادات التي نحن لا نفقه تسبيحها هي لها إرادة، وتُسبِّح الله عز وجل.
* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن مُدَّة خلق السماوات أقل من مدة خلق الأرض مع أن السماوات أعظم، لكن لما كانت الأرض موضوعة للأنام كما قال تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ [الرحمن ١٠] كان خلقُها أكثر مُدَّة؛ لبيان عناية الله تعالى بهذه الأرض التي وضعها للأنام، وليعلم الأنام الذين على الأرض أن العبرة بالإتقان لا بالسرعة.
* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن الله أتم خلق السماوات حين أوحى في كل سماء أمرها، ورتَّبها الترتيب المحكم المتقَن.
* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن الله تعالى خلق هذه النجوم؛ لفائدتين: الفائدة الأولى: زينة السماء، والفائدة الثانية: حفظ السماوات من الشياطين، فهي تحفظ السماوات من الشياطين وهي كذلك زينة للسماء، هناك فائدة ثالثة ذكرها الله تعالى في سورة النحل في قوله تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل ١٦] ولهذا قال قتادة -وهو من أئمة التابعين-: خلقَ الله هذه النجوم لثلاث: زينةً للسماء، ورجُومًا للشياطين، وعلامَاتٍ يُهتَدَى بها[[أخرجه البخاري معلقًا (٤ / ١٠٧).]].
* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: كمال إتقان الله عز وجل لمخلوقاته؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت ١٢] وهذا التقدير لا شك أنه تقدير مُحكَم مُتقَن من جميع الوجوه.
* ومن فوائدها: إثبات اسمين من أسماء الله وهما: العزيز العليم، وهذان الاسمان يتضمنان صفتين هما: العزة والعلم، وهنا نسأل: هل في العزيز ما يسمى بالحكم أو بالأثر؟ الجواب: نعم، بناءً على أن من معناه: عزة القهر، والقاهر لا بد من شيء مقهور حتى يتم به القهر، فعلى هذا يكون الإيمان بهذين الاسمين يتضمن ثلاثة أمور:
الأول: الإيمان بالاسم اسمًا لله.
والثاني: الإيمان بالصفة.
والثالث: الإيمان بالأثر، وإن شئت فقل: بالْحُكْم.
فصلت 41:12
طالب: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت ٩ - ١٢].
* الشيخ: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت ٨] لَمَّا ذكر عقوبة المشركين بيَّن ثواب المؤمنين؛ لأن الله تعالى أنزل هذا الكتاب مثانِيًا، وإنما كان الأمر كذلك؛ ليكون الإنسان سائِرًا إلى ربِّه بين الخوف والرجاء، فإنه إذا سَمِعَ عقوبةَ المكذبين خاف، وإذا سمع ثواب المؤمنين رجا، وهكذا ينبغي للإنسان أن يكون سائرًا إلى الله عز وجل بين الخوف والرجاء كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء ٩٠]، ولكن في بعض الأحيان قد يكون من المصلحة تغليبُ الرجاء أو مِن المصلحة تغليب الخوف فإذا اشتَدَّت رغبة الإنسان في المعصية فَليُغَلِّب جانب الخوف حتى يرتدِع عنها، وإذا فعل الإنسان العبادة فَليُغَلِّب جانب الرجاء وهو قبول الله تبارك وتعالى لها، وكذلك أيضًا ينبغي له في حال المرض أن يرجع إلى الله سبحانه وتعالى وأن يُحسِنَ الظن به كما جاء في الحديث: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّهِ»[[أخرجه مسلم (٢٨٧٧ / ٨١) من حديث جابر بن عبد الله.]] تبارك وتعالى.
يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ جَمَعَ الله تعالى بين العقيدة والعمل، بين الإيمان والإسلام؛ ﴿آمَنُوا﴾: العقيدة، ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: الإسلام، وهذا -كما ترَوْن- يقع في القرآن كثيرًا؛ فالإيمان وحده لا يكفِي بل لا بد مِن عملٍ صالح حتى يحصُلَ الثواب، وكلما جاءت ﴿آمَنُوا﴾ فالمراد: ﴿آمَنُوا﴾ بما يجب الإيمان به من الأصول الستة التي بيَّنَها الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لجبريل حين قال: «الْإِيمانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[[أخرجه مسلم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب.]]؛ وذلك لأن الإيمان المُجمَل في القرآن تفسره أو يفسِّرُه تفصيل السنة؛ لأنه لا أحد أعلم بكتاب الله من رسول الله ﷺ.
أما قوله: ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فمعلوم أن ﴿الصَّالِحَاتِ﴾ وصفٌ لموصوفٍ محذوف؛ التقدير: الأعمال الصالحات، فما هي الأعمال الصالحات؟ الأعمال الصالحات: ما جمعَت شرطين: الأول: الإخلاص لله عز وجل، والثاني: المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فكل عمَلٍ فيه شِرْك فإنه ليس بصالح وهو مردودٌ على صاحبه لقول الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ؛ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]] وكذلك أيضًا لا بد مِنَ اتِّباع الرسول؛ فالعمل البدعِيُّ غير مقبول وإن أخلص الإنسان فيه؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة.]] إذن الأعمال الصالحات لا بد أن تتضَمَّن شيئين وهما: الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت ٨] هذه الجملة خبر ﴿إِنَّ﴾ ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ قد نقول: إن تقديم الجار يدل على الحصر أي لهم لا لغيرِهم مِن المكذِّبين أو الفاسقين ﴿أَجْرٌ﴾ أي: ثواب ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ يقول المفسر: (غير مقطوع) بل هو دائم؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم ٦٢]، وقيل: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ غير ممنونٍ بِهِ أي يُعطَوْنه بلا مِنَّة وهذا محتمِل وإذا كان محتمِلًا ولا ينافي المعنى الأول كان المراد بالآية المعنيين جميعًا؛ إذ لدينا قاعدة في التفسير وكذلك في الحديث مهمة وهي: إذا كان النَصُّ يحتمِلُ معنيين لا ينافي أحدُهما الآخر فإن النص يُحمَل عليهما جميعًا؛ وذلك لأن الله سبحانه وتعالى يعلم ما يحتمله كلامُه وكذلك الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلما لمْ يُعَيِّن أحد الاحتمالين وجب أن يكون شاملًا لهما، لكن إذا كان أحدهما أرجحَ من الآخر فإنه يُتَّبَع الأرجح ولهذا نقول: يُقَدَّمُ ظاهر النص على تأويل النص والتأويل كما تعلمون هو اتِّباع المعنى المرجوح.
إذن ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أي: ثواب غير مقطوع وثواب غير ممنون به.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ﴾ [فصلت ٩] ﴿قُلْ﴾ أي: يا محمد لهؤلاء المكذِّبِين ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ﴾ الجملة هذه استفهام بمعنى التقرير يعني: إنكم لتَكفرون، و(إن) للتوكيد و﴿لَتَكْفُرُونَ﴾ للتوكيد أيضًا؛ وذلك لأن اللام الواقعة في خبر (إن) أو اسمِها المؤَخِّر تكونُ للتوكيد.
﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ﴾ هذا إعرابها فـ(إنَّ) تنصب المبتدأ وترفع الخبر والكاف اسمُها، وجملة ﴿لَتَكْفُرُونَ﴾ خبرُها، أما مِن حيث القراءات فاستمع: يقول: (بتحقيق الهمزة الثانية وتسهيلِها) تحقيقها أن تقول: ﴿أَئِنَّكُمْ﴾ تسهيلها أن تقول: ﴿﴿أَاِنَّكُمْ﴾ ﴾ سهِّلْها تمرُّ بها بسرعة (وإدخال ألف بينهما بوجْهيها وبين الأولى) (بوجهيها) ما هما الوجهان؟ التَّحقيق والتسهيل، أدخِلْ ألفًا بينهما على القراءتين تكون القراءاتُ أربعًا: إدخال الألف تقول: ﴿﴿آئِنَّكُمْ﴾ ﴾ هذا في التحقيق ﴿﴿آاِنَّكُمْ﴾ ﴾ هذا بالتسهيل.
إذن تحقيقٌ وتسهيل بألف وبدونِها، اثنان في اثنين بأربع قراءات.
﴿لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ تكفرون به أي: تجحَدُونه وتستكْبِرُون عن عبادته؛ لأن الكفر كله يدور على شيئين، انتبهوا لهما، الكفر يدور على شيئين: إما جحد وإما استكبار؛ فمثلًا الشيطان إنما كفر بأيش؟ بالاستكبار، وإلَّا فهو مُقِرٌّ بالله وبعزة الله وبقدرة الله لكنه استكبر، وآل فرعون ومَن شابههم كفروا بأيش؟ بالجحود، فمدارُ الكفرِ كلِّه على هذين الأمرين: الجَحْد أو الاستكبار، فقوله: ﴿لَتَكْفُرُونَ﴾ يشمل المعنيين؛ لأنهم جحدوا توحيدَ الله عز وجل واستكبرُوا عن عبادته.
﴿بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ لم يقل: بالله، بل أتى بفعلٍ مِنْ أفعاله جل وعلا، فعل لا تقدر عليه هذه الأصنام، والإتيانُ بالفعل الذي لا تقدر عليه الأصنام هو إقامة للحجة في نفس الوقت؛ أي: تكفرون بهذا مع أن أصنامكم لا تفعله.
﴿لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ قال المفسِّر: قال: (الأحد والاثنين)؛ لأن أول يوم ابتدأ الله فيه الخلق الأحد.
﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ الواو حرف عطف و﴿تَجْعَلُونَ﴾ معطوفة على ﴿تَكْفُرُونَ﴾ لا على الصلة؛ يعني: لا على ﴿خَلَقَ﴾.
(﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ شركاء) ﴿أَنْدَادًا﴾ جمع نِدٍّ، والند في الأصل هو المساوي والمماثل يقال: هذا نِدُّ هذا أي: مماثل له ونظير له، والمراد بهم هنا الشركاء الذين يعبدونهم كما يعبدون الله، والعجب أن هؤلاء المشركين من سفههم يقولون: إنما نعبدهم أيش؟ ليقرِّبونا إلى الله، تعبدونهم مع الله وتقولون: يقربونا إلى الله؟ إن الله غني عن هذا وهذا لا يزيدكم من الله إلا بُعدًا.
﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ أتى باسم الإشارة دون الضمير ثم جعلها إشارة بُعْد للتعظيم والتفخيم والتعلية؛ لأن البعد هنا إشارةٌ إلى المكان العالي ﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ لو قال: هو رب العالمين استقام الكلام، لكن لم يحصُل ما تدلُّ عليه الإشارة من التعظيم ثم ما يدل عليه صيغة البُعد من العلو نظيرُ ذلك ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة ١، ٢] ولم يقل: هو الكتاب ولا هذا الكتاب إشارةً إلى ما ذكرنا، ﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، قال المفسر: (مالك) وفي هذا التفسير قصور، بل نقول: خالق ومالك ومدبِّر؛ لأن الربوبية هي الخلق والملك والتدبير، فإذا قلنا: (مالك) صار في هذا قصور.
﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: خالقهم ومالكهم ومُدَبِّر أمورهم.
(﴿الْعَالَمِينَ﴾ جمع عالم وهو ما سوى الله) عز وجل، كل ما سوى الله فهو عالم وسُمِّيَ عالمًا؛ لأنه علم على خالقه جلَّ وعلا، فإن كلَّ شيء فيه آية تدلُّ على وحدانية الله وقدرته وحكمته وعزته وغير ذلك، قال: (﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ جمع عالم، وهو ما سوى الله وجُمِعَ لاختلاف أنواعه) يعني: لم يقل: العالم، بل أتى بالعالمين (لاختلاف أنواعه، بالياء والنون تغليبًا للعقلاء).
فإن قال قائل: هل العقلاء أكثر أو غير العقلاء؟
* طلبة: الثاني، العقلاء.
* الشيخ: عندنا الآن قولان: العقلاء أكثر، غير العقلاء أكثر، ما فيه قول بالتوقف؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: نعم؟ أقول ما في شيء بالتوقف؟
* طالب: ما أحد يستطيع أن يجزم.
* الشيخ: إذن قل: أنا متوقف، إذا كنت لا تجزم قل: متوقف حتى يكون هناك قول ثالث؟ فيقال: إن قيل: العقلاء أكثر يحتاج إلى دليل، وربما يكون دليله أن النبي ﷺ قال: «أطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ؛ مَا مِنْ مَوْضِعِ أَرْبَعِ أَصَابِعٍ مِنْهَا إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ لِلَّهِ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ»[[أخرجه الترمذي (٢٣١٢)، وابن ماجه (٤١٩٠) من حديث أبي ذر.]] والسماء واسعة عظيمة، كل سماء أوسع مما تحتها، فمن يحصي هؤلاء؟ هذا شيء عظيم، البيت المعمور في السماء السابعة يدخله كل يوم من الملائكة سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، مَنْ يحصي الأيام؟ وكل يوم يضرب بسبعين ألف ملك، فإذا رأينا إلى هذا قلنا: العقلاء أكثر، من يحصي هؤلاء؟! وإن نظرنا إلى ما في الأرض قلنا: غير العقلاء؟
* طلبة: أكثر.
* الشيخ: أكثر، فعلى هذا التقدير أن المراد مثلًا أن نريد (من في الأرض) نقول: إنه غُلِّب العقلاء لشرفهم، والحاصل أن تغليب العقلاء إن كان العقلاء أكثر فغُلِّبُوا لأيش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، لكثرتهم، وإن قلنا: غير العقلاء أكثر فغُلِّب العقلاء..
* طالب: (...).
* الشيخ: يُغلَّب مَنْ ليس بمميز؟
* طالب: تشريف.
* الشيخ: لشرفهم صح، على كل حال تغليب العقلاء الآن إن كان العقلاء أكثر أيش؟ فلكثرتهم، إن كان غير العقلاء أكثر فلشرف العقلاء ﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.
قال: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ (﴿جَعَلَ﴾ مستأنَف) يعني: وليس معطوفًا على ﴿خَلَقَ﴾، والعجب أنه يقول: (ولا يجوز عطفه على صلة الذي للفاصل الأجنبي) هذا ما ذهب إليه المؤلف أن قوله: (﴿وَجَعَلَ﴾ مستأنف)، ولا شك أننا إذا جعلناه مستأنفًا لم يكن الكلام منتظمًا، والصواب أنه على خلاف ما قال المؤلف: أن ﴿جَعَلَ﴾ معطوفة على ﴿خَلَقَ﴾ يعني ﴿بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ والفاصل الأجنبي هنا لا يضر إما أنه لا يضر مطلقًا كما قيل به، وإما أنه لا يضر؛ لأنه في مضمون الكلام والكلام واحد، فالصواب أن قوله: ﴿وَجَعَلَ﴾ معطوفة على ﴿خَلَقَ﴾ أي: ﴿بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾.
(﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ جبالًا ثوابت) أولًا: ﴿جَعَلَ﴾ هنا هل هي من أفعال التصيير أو من أفعال الإيجاد؟
* طلبة: الإيجاد.
* الشيخ: يحتمل المعنى: وأوجد فيها رواسي ويحتمل أن تكون من أفعال التصيير أي: صيَّر فيها رواسي والمعنى لا يختلف، لكن الإعراب يختلف، إذا قلنا: من أفعال التصيير صارت تنصب مفعولين، وإذا قلنا: من أفعال الإيجاد صارت تَنْصِب مفعولًا واحدًا، وقول المؤلف: (جبال ثوابت) أفادنا رحمه الله أن ﴿رَوَاسِيَ﴾ صفة لموصوف محذوف والتقدير: جبالًا رواسي، و﴿رَوَاسِيَ﴾ بمعنى ثوابت.
﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ هل يجوز أن يُحْذَف المنعوت؟ نعم، وهو كثير جدًّا.
وَمَا مِنَ الْمَنْعُوتِ وَالنَّعْتِ عُقِلْ ∗∗∗ يَجُــــــــوزُ حَــــــذْفُهُ وَفِي النَّعْتِيَقِـــــلّْ
أي: وفي المنعوت يكثُر ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ ١١] أي: دروعًا سابغات، المهم كثيرة.
﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ كما مر علينا، حذف المنعوت كثير؛ لأن المقصود الصفة والصفة تكون بأيش؟ بالنعت وهو موجود.
﴿مِنْ فَوْقِهَا﴾ أي: هذه الرواسي من فوق.
* طالب: إعراب (جعل) بمعنى صير؟
* الشيخ: إي نعم، يعني: صير فيها رواسي.
* طالب: المفعول الأول والثاني.
* الشيخ: المفعول الأول هو ﴿رَوَاسِيَ﴾، والثاني الجار والمجرور، وقوله: ﴿مِنْ فَوْقِهَا﴾ انتبه لهذه الكلمة لها فائدة عظيمة، الرواسي قد تكون من أسفل وقد تكون من فوق، أليس كذلك؟ قد تكون من أسفل يعني يكون مثلًا يحفر في الأرض قواعد ترسي وتكون راسية، لكن هنا قال: ﴿مِنْ فَوْقِهَا﴾؛ وذلك لفوائد:
الفائدة الأولى: ظهور هذه الرواسي وبيانها للناس حتى يعرفوا بذلك حكمة الله عز وجل، وربما لا تكون رواسي إلا إذا كانت من فوق بناءً على أن الأرض تدور حتى تحفظ أيش؟ توازنها.
ثانيًا: هذه الرواسي إذا كانت من فوق حصل فيها من المنافع في درء العواصف وفي الملاجئ شيء كثير كما هو معروف في المغارات وكما يُعْرف من سفوح الجبال وخدودِ الجبال ورؤوس الجبال، من نوابت لا توجد لولا هذه المرتفعات.
وثالثًا: أنها توجب أن تندفع مياه الأمطار بشدة حتى تصل إلى أراض صالحةٍ للنبات؛ لأنكم تعرفون أن بعض الأرض سبخات ما فيها خير وبعضها رياض تنبت، فإذا نزل الماء على هذه الجبال على قممها وعلى خدودها نزل إلى الأرض بشدة عظيمة حتى يصل إلى ما أراد الله إيصاله.
ورابعًا: أن في قمم الجبال من المعادن الجيدة أكثر مما في الأرض السفلى ولهذا قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد ٢٥] أنزلناه من قمم الجبال؛ ولهذا يقول العلماء يقولون: إن الحديد الذي يكون من قمم الجبال أعلى وأقوى من الذي يكون من الأسفل، هذا ما نعلمه وما لا نعلمه أكثر، المهم أن كلمة ﴿مِنْ فَوْقِهَا﴾ صار لها فائدة عظيمة، ذكرنا منها الآن أربع فوائد.
(﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا﴾ بكثرة المياه والزروع والضروع) ﴿بَارَكَ فِيهَا﴾ أي: في الأرض، وما أعظم بركات الأرض من الزروع والأشجار والأنهار والمعادن وغيرها من بركات الأرض، وقول المؤلف: (الضروع) يعني ضروع البهائم؛ لأن البهائم كلما شَبِعَت من الربيع ازداد دَرُّها، ومَنْ يتأمل يجد أن في الأرض بركات عظيمة حملت الأحياء والأموات والوحوش والسباع والبهائم والحشرات والآدميين، وكانت سعة أيضًا مع كثرة ما فيها، الآن هؤلاء الأحياء الذين على ظهر الأرض لو كان الناس يحيون إلى الآن لرأيت أمرًا بشعًا وصعبًا لكن جعل الله الأرض ﴿كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات ٢٥، ٢٦] وهذه من بركاتها.
﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ ﴿قَدَّرَ﴾ قال المؤلف: (قسَّم ﴿فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ للناس والبهائم) إلى آخره قدَّر فيها الأقوات يقول: قدر من التقدير وهو التقسيم، قدر الأقوات ولم يجعل القوت في جانب واحد من الأرض، لو كان في جانب واحد من الأرض لشق هذا على الناس كثيرًا، أليس كذلك؟ لو قدر مثلًا أن الأقوات لا تكون إلا في غرب الكرة فكيف يعيش أهل الشرق أو بالعكس كيف يعيش أهل الغرب لكنه مقدر، ثم قدره من ناحية أخرى جعل في هذه الأراضي ما لا يصلح في الأراضي الأخرى والعكس، الحكمة: من أجل أن يتبادل الناس الأقوات فيأتي الناس الذين ليس عندهم هذا النوع من القوت يذهبون إلى الأراضي اللي فيها هذا القوت يجلبونه إلى الأرض الخالية منه وكذلك العكس، في بعض الجهات من الأرض ما يكثر فيه النخيل والعنب لكن يقل فيه الحمضيات وأشباهها، وفيه أيضًا أشياء كثيرة أنا لست من أهل الزراعة لكن في أشياء كثيرة تصلح في مكان دون مكان من أجل أن يقع التبادل بين الناس والضرب في الأرض ابتغاء الرزق، وهذا من الحكمة في قوله: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾.
﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ (﴿فِي﴾ تمام ﴿أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ أي: الجعل وما ذكر معه في يوم الثلاثاء والأربعاء) إذا كان خلق الأرض أولها الأحد والإثنين ثم قال: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ ماذا يكون الباقي؟ الثلاثاء والأربعاء، فتكون الأرض خُلِقَت وقُدِّر فيها الأقوات ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾.
قال الله تعالى: (﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ منصوب على المصدر؛ أي: استوت الأربعة استواءً لا تزيد ولا تنقص) فأفادنا بقوله: (استوت استواء) أن ﴿سَوَاءً﴾ اسم مصدر، فقوله: (منصوب على المصدر) فيه تجوز؛ لأننا إذا قلنا: ﴿سَوَاءً﴾ مصدر (استوى) فإنه لا يستقيم على القاعدة؛ لأن القاعدة أن المصدر ما وافق الفعل في حروفه، وهنا (استوى) لا توافقها ﴿سَوَاءً﴾، بل الذي يوافقها (استواء) إذن فـ﴿سَوَاءً﴾ تكون اسم مصدر مثل كلَّم والمصدر تكليم واسم المصدر (كَلام)، طيب هنا (استوى) والمصدر (استواء) واسم المصدر ﴿سَوَاءً﴾.
المهم أن قوله: ﴿سَوَاءً﴾ يعني أن هذا الخلق استوعب الأربعة كلها لم يكن في يومين أو ثلاثة، بل في الأيام الأربعة كلها، فعلى هذا يكون قوله: (منصوب على المصدر) الصواب أن يقال: على أنه مفعول مطلق؛ أي: استوت الأربعة استواءً لا تزيد ولا تنقص.
(﴿لِلسَّائِلِينَ﴾ عن خلق الأرض بما فيها) ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾ هذه لا تظنوا أنها متعلقة بسواء، بل هي جواب لخبر محذوف أي: هذا جواب للسائلين أو نحو هذه الكلمة.
المهم أن قوله: ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾ يفيد أن ما ذكر جواب لمن سأل عن خلق الأرض وتقدير أقواتها بأنها ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً﴾.
﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ ﴿ثُمَّ﴾ أي: بعد خلق الأرض وتقدير أقواتها.
﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ قال المؤلف: (قصد إلى السماء) وهذا أحد القولين في هذه الجملة أنها بمعنى (قصد) لكن قصدًا كاملًا؛ وذلك لأن ﴿اسْتَوَى﴾ تدل على الكمال كما قال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص ١٤]، والقول الثاني أن (استوى إلى) بمعنى (استوى على) على السماء أي علا عليها، ولكن المعنى الذي سلكه المؤلف أرجح أنه قصد إلى السماء بإرادة تامة مستوية؛ لأن (إلى) تفيد الغاية و(على) تفيد الاستعلاء، ومعلوم أن السماوات لم تَكُنْ خُلِقَت في تلك الساعة، ثم إننا لو قلنا: إن ﴿اسْتَوَى﴾ بمعنى (علا)، (ثم استوى على السماء) كان قبل ذلك حين خلق الأرض ليس عاليًا على السماء، مع أن علو الله تعالى وصف لازم لذاته.
(﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ بخار مرتفع) جملة ﴿وَهِيَ دُخَانٌ﴾ حالية، و﴿السَّمَاءِ﴾ هنا بمعنى العلو؛ لأنها لم تكن خلقت بعد لكنها كالدخان أي البخار المرتفع، قيل: إن هذا البخار المرتفع تصاعد من الماء الذي كان قبل أن تخلق الأرض؛ لأن الله تعالى قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود ٧] فكان قبل خلق السماوات والأرض ماء فوقه عرش الرحمن عز وجل، ثم خلقت الأرض وقد اندفع من هذا الماء أيش؟ بخار متصاعد كثيف صار مثل الدخان.
(﴿﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ﴾ ﴾ قال الله لها وللأرض: ﴿﴿ائْتِيَا﴾ ﴾ إلى مرادي منكما ﴿طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ في موضع الحال أي: طائعتين أو مكرهتين ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا﴾ بمن فينا ﴿طَائِعِينَ﴾ ﴾) إلى آخره ﴿قَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا﴾، هذا الأمر هل هو أمر تكوين أو هو أمر تكليف؟
* طلبة: الأول.
* الشيخ: إن قلنا: إنه تكليف لم يكن هناك فرق بين أن يكونا طائعَيْن أو مكرهتين، يعني نحن قلنا بالأول هل هو أمر تكوين أو تكليف؟ إذا قلنا: إنه أمر تكليف فظاهر، أنه أمر تكليف ولهذا قال: ﴿طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ إن قلنا: إنه أمر تكوين فإنه لا يستقيم أن يكون طوعًا أو كرهًا؛ لأن أمر التكوين كائن لا محالة، فالظاهر والله أعلم أنه أمر تكليف، ولله تعالى أن يكلِّف ما شاء من عباده أو من خلقه، له أن يكلف ما شاء، ويأتي إن شاء الله بقية الكلام على الآيات في الدرس القادم.
* طالب: قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [فصلت ٨] هل هذه الآية ومثيلاتها تصلح دليلًا لمن أخرج العمل الصالح عن الإيمان بمقتضى أن العطف يقتضي المغايرة؟
* الشيخ: هذا لا يصح؛ لأن العمل الصالح دلت النصوص على أنه من الإيمان، لكنه لا مانع أن يكون الشيء الواحد منقسمًا إلى أنواع، فالإيمان تدخل فيه الأعمال لا شك، لكنه يتنوع؛ منه ما هو عقيدة، ومنه ما هو عمل قولي، ومنه ما هو عمل فعلي.
* طالب: (...) شيخ، في حديثنا عن العقلاء أكثر أم غير العقلاء، شيخ الآن يعني قلنا: العقلاء أكثر لتشريفهم؛ تشريفًا لهم.
* الشيخ: لا، إذا قلنا: تغليبهم الأكثر لأكثريتهم.
* الطالب: الآن، شيخ ما فهمت، كيف؟
* الشيخ: ما فهمت؟
* الطالب: الآن شيخ، الأكثر العقلاء أم غير العقلاء؟
* الشيخ: أسألك؟
* الطالب: نحن على ما أعرف قلنا: إن العقلاء أكثر تشريفًا لهم وغير العقلاء أقل لعددهم.
* الشيخ: لا، اعكس تُصِبْ، إن قلنا: إن العقلاء أكثر، فهنا أتى بصيغة العقلاء لكثرتهم، غلَّبهم لكثرتهم، وإن قلنا: إن العقلاء أقل غلَّبهم لشرفهم.
* الطالب: طيب، يا شيخ الآن كيف نقول: أكثر، والعقلاء هي بحيِّز الكون والكون يحتويها، وكل محتوى أكبر منه محتويها، لو قلنا: إنها أكثر فهي يشملها الكون، والكون أكبر منها.
* الشيخ: إحنا قلنا: فيه احتمال، قلنا: على الاحتمالين كذا أو كذا.
* طالب: شيخ في ﴿سَوَاءً﴾ لماذا لا نقول: أنها مِن فعل (سوَّى)؟
* الشيخ: سوَّى؟
* طالب: سوَّى.
* الشيخ: تسوية، لو قلنا: من الفعل (سوَّى) صارت تسوية، وهي أيضًا ما تصلح من (سوَّى)، تصح من (استوى).
* الطالب: سوى؛ يعني: مساواة بين شيئين؟
* الشيخ: لا، ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً﴾ أي: تامة مستوية.
* طالب: ﴿سَوَاءً﴾ ما تُعْرَب حالًا؟
* الشيخ: يمكن أن تكون حالًا، لكن اعلم أن المصدر لا يُعرَب حالًا إلَّا إذا كان لا فرار من إعرابه بأنه حال، بمعنى أننا لا نعرب المصدر حالًا إلا للضرورة، فهمت؟ لأن الأصل في الحال أن تكون مشتقة والمصدر جامد.
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ هل هذا هو ذكر (...)؟
* الشيخ: لا، سيأتينا إن شاء الله، التقدير غير ذلك، إن شاء الله يأتينا بالفوائد.
* طالب: شيخ، أيهما خُلِقَ أولًا الأرض أم السَّماوات؟
* الشيخ: يأتينا إن شاء الله.
* طالب: هل خلْق الأرض بما فيها من الرواسي والبحار في أربعة أيام أو في يومين؟
* الشيخ: في أربعة أيام، خلقها في يومين هكذا، ثم جعل فيها الرواسي وقدر الأقوات في يومين آخرين.
* طالب: شيخ -أحسن الله إليك- يعني قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [فصلت ٧] يعني: هناك أناس مسلمون، بعض الناس مسلمون يصلُّون ويزكُّون مسلمون لكن إذا ذكرتهم مثلًا بعذاب القبر وبأهوال يوم القيامة يقولون: هل رأيت عذاب القبر، وهل رأيت أهوال يوم القيامة، هل رأيت الجنة أنت؟ ما حكم هؤلاء؟
* الشيخ: إذا قلت لهم: هكذا قال الله ورسوله، ماذا يقولون؟
* الطالب: لا أدري.
* الشيخ: إن قالوا: لا نصدق إلا ما نراه فهؤلاء كفار لو يركعون بالليل والنهار ويخرجون جميع ما في صناديقهم من النفقة فهم كفار؛ لأنهم مكذبون هذا كفر تكذيب.
* طالب: شيخ -أحسن الله إليك- في بعض القراءات الهمزة بالتسهيل يقرؤونها بالهاء مثلًا في ورش، في بعض الأحياء ليس فيها (...) مثلًا ﴿أَئِنَّكُمْ﴾ يقرأه: (أهنكم) مثلًا.
* الشيخ: أهنكم؟
* طالب: نعم، هل هذا صحيح يا شيخ؟
* الشيخ: ما أظن هكذا.
* طالب: بعض الناس سمعتهم يقول: هذا تحريف، لكن هي قراءة الظاهر يا شيخ.
* الشيخ: لا، ما أظن تُقلَب هاء؟
* طالب: نعم، في بعض المواضع.
* الشيخ: ما أدري، والله.
* طالب: (...).
* الشيخ: بس أنتم لستم بحجة، لستم بحجة.
* طلبة: للتعليم.
* طالب: بعضهم أنكر يا شيخ الذين يقرؤون حفص، أنكروا على ورش، ولكن..
* الشيخ: المهم -بارك الله فيك- إذا ثبتت القراءة بالهاء فهذا يُعْتَبر إبدالًا، ما هو بتسهيل، إبدال الهمزة هاءً
* طالب: تصح يا شيخ؟
* الشيخ: ما أدري والله.
* طالب: ورش يسهل يا شيخ.
* الشيخ: لا، التسهيل غير القلب، يعني يقول: أهنكم غير ﴿أَئِنَّكُمْ﴾.
* طالب: النطق بالتسهيل، بعض الناس ينطقون كأنه هاء (...).
* الشيخ: إي، يمكن هذا هو الجمع أن بعض الناس يتشدَّد في التسهيل حتى تكون هاء، وربما يتشدد آخر حتى تكون حاءً، حقيقة؛ لأن بعض الناس -الله يهدينا وإيَّاهم- عند القراءة، وقد أنكر هذا شيخ الإسلام رحمه الله في فتاويه وغيَّرها، أنكر هذا التشدد في تحقيق بعض القراءات، بعض الناس مثلًا في القلقلة، جاء يقلقل كأنه يقلقل حصاة أو حجرًا يعني: يتكئ كثيرًا، إي نعم، والحقيقة أن التنطع ليس بحسن والإهمال ليس بحسن، خير الأمور الوسط (...).
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت ٩ - ١٢].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت ١١] قوله: ﴿طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ قال المؤلف: (في موضع الحال أي: طائِعَتَيْن أو مُكْرَهَتَيْنِ) ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا﴾ بمن فينا ﴿طَائِعِينَ﴾ فيه تغليب المذكر العاقل وأنزلتا لخطابهما منزلته).
أولًا نسأل: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ﴾ هذه الجملة مؤكَّدة؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: بماذا؟
* طالب: بـ(إن) وباللام.
* الشيخ: وباللام؟ وما المراد بالاستفهام: ﴿أَئِنَّكُمْ﴾؟
* طالب: هذا استفهام إنكاري.
* الشيخ: إنكار وتوبيخ؟ نعم، في قوله: ﴿أَئِنَّكُمْ﴾ قراءات متعددة.
* طالب: أربع قراءات.
* الشيخ: نعم، قُلْها، لا ما أريد تقرأها؛ اذكر القراءات؛ يعني لا أريدها تطبيقيًّا بل نظريًّا.
* طالب: الأول تحقيق الهمزتين.
* الشيخ: هذه واحدة.
* طالب: والثاني تسهيلهما.
* الشيخ: هذه ثنتان.
* طالب: والثالث والرابع: تحقيقهما وتسهيلهما مع المد.
* الشيخ: تمام، بارك الله فيك.
* طالب: يا شيخ، يقول: تسهيلهما يا شيخ.
* الشيخ: لا، تسهيل الثانية؛ تحقيقهما، وتسهيل الثانية مع المد، طيب اقرأها بتحقيق الهمزتين؟ تحقيق الهمزتين هي أسهل القراءات: ﴿أَئِنَّكُمْ﴾، تسهيل الثانية، تحقيق الأولى وتسهيل الثانية.
* طالب: (آئنكم).
* الشيخ: لا، بدون ألف.
* طالب: ﴿﴿أَاِنَّكُمْ﴾ ﴾.
* الشيخ: طيب، إدخال ألف بينهما مع التحقيق.
* طالب: ﴿﴿آئِنَّكُمْ﴾ ﴾.
* الشيخ: ﴿﴿آئِنَّكُمْ﴾ ﴾، مع التسهيل.
* طالب: ﴿﴿آاِنَّكُمْ﴾ ﴾.
* الشيخ: طيب، بارك الله فيك، قوله تبارك وتعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ الجملة هذه معطوفة على أي شيء؟
* طالب: ﴿بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾.
* الشيخ: ﴿بِالَّذِي خَلَقَ﴾ معطوف على ﴿خَلَقَ﴾، هل المؤلف رحمه الله مشى على هذا القول أو لا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أي نعم، على أن ﴿جَعَلَ﴾ معطوفة على ﴿خَلَقَ﴾ يقول: معطوفة على هذا.
* طالب: المؤلف (...).
* الشيخ: لا ترجع إلى المصحف.
* الطالب: (...).
* الشيخ: يعني: ولم يجعلها معطوفةً على ﴿خَلَقَ﴾ لماذا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: بس؟ لماذا نحن جعلناها معطوفة على ﴿خَلَقَ﴾ وهو يقول: إنها استئنافية، فلماذا؟
* طالب: لأجل وجود الفاصل.
* الشيخ: لوجود الفاصل الأجنبي على دعواه، ما هو الجواب عن هذا التعليل؟
* طالب: إما أن يقال: إن وجود الفاصل أصلًا لا يضر، وإما أن يقال: إن الفاصل متعلق بـ (كلام).
* الشيخ: أحسنت، متعلق بالصلة فهو غير أجنبي.
قوله تعالى: ﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ أولًا: إعرابها؟
* طالب: ﴿سَوَاءً﴾ حال.
* الشيخ: حال منين؟
* طالب: من ﴿أَيَّامٍ﴾.
* الشيخ: من الـ﴿أَيَّامٍ﴾، كيف تكون حالًا من الـ﴿أَيَّامٍ﴾ وهو مصدر جامد، والحال لا بد أن يكون مشتقًّا؟
* طالب: شيخ، حالًا من ﴿أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾.
* الشيخ: طيب.
* طالب: والمصدر لا يُؤَوَّل بالمشتق.
* الشيخ: والتقدير؟
* طالب: مستوين.
* الشيخ: مستويات، طيب.
* طالب: اسم مصدر.
* الشيخ: اسم مصدر؛ يعني: منصوبة على أنها مفعول مطلق التقدير؟
* الطالب: استوت سواء.
* الشيخ: استوت سواء، قوله: ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾ متعلق بماذا؟
* طالب: متعلق بـ ﴿جَعَلَ﴾.
* الشيخ: ﴿جَعَلَ﴾؟
* طالب: ﴿خَلَقَ﴾.
* الشيخ: ﴿خَلَقَ﴾؟ يعني ﴿خَلَقَ﴾ للسائلين؟
* طالب: سواء.
* الشيخ: يعني: سواءً للسائلين، وغير السائلين؟ تزيد أو تنقص؟
* طالب: متعلق بمحذوف.
* الشيخ: التقدير؟
* طالب: هذا جواب للسائلين.
* الشيخ: نعم، أحسنت، قوله تعالى: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾؟
* طالب: (...) ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ فهو بمعنى قصد.
* الشيخ: أحسنت، بمعنى قصد، إذن يكون المعنى: ثم قصد إلى السماء، وكيف تُعْرِب قوله: ﴿وَهِيَ دُخَانٌ﴾؟
* طالب: الواو للحال.
* الشيخ: الجملة جميعًا.
* طالب: الجملة في موضع الحال.
* الشيخ: في موضع نصب على الحال، منين؟
* طالب: من ﴿السَّمَاءِ﴾.
* الشيخ: من ﴿السَّمَاءِ﴾ تمام، المؤلف يقول: (﴿طَائِعِينَ﴾ فيه تغليب المذكر العاقل وأنزلتا لخطابهما منزلته) ما معنى هذا الكلام؟
* طالب: ﴿طَائِعِينَ﴾ هذه جمع مذكر سالم والأصل أن يكون للعقلاء.
* الشيخ: للذكور العقلاء.
* طالب: للذكور العقلاء، وعاد هنا على السماء والأرض وهما غير عاقلتين ولكن أنزلا منزلته.
* الشيخ: ما هو الدليل على أنهما أنزلا منزلته؟
* طالب: لأنه أخبر به عنهما ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا﴾ ولم يقولا..
* طالب آخر: لأنه خاطبهما فأنزلتا منزلة العاقل.
* الشيخ: صحيح؛ ولهذا يقول المؤلف: (أنزلتا لخطابهما) هذا التعليل ولو قال: أنزلتا منزلته لخطابهما كان أوضح، وقوله: (﴿قَالَتَا أَتَيْنَا﴾ بمن فينا) لماذا قدَّر قوله: (بمن فينا)؟ ما الذي أحوجه إلى أن يقول: بمن فينا أتينا بمن فينا؟
* طالب: (...).
* طالب آخر: ما أخذناها.
* الشيخ: عجيب، طيب إذن نبدأ من هذا بسم الله الرحمن الرحيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ يقول الشارح المفسر: (﴿قَالَتَا أَتَيْنَا﴾ بمن فينا ﴿طَائِعِينَ﴾ ) احتاج المؤلف إلى أن يُقَدِّر (بمن فينا) لوجهين: الوجه الأول: أن ﴿طَائِعِينَ﴾ جمع و﴿قَالَتَا﴾ مثنى ولا مطابقة بين المثنى والجمع، ولو أراد المطابقة لقال: قالتا: أتينا طائعتين، هذه واحدة، الوجه الثاني: أنه جمعه بمذكر المذكر العاقل فكان لا بد أن يُقَدَّر (بمن فينا)؛ ليدخل فيه العقلاء، ويكون هذا من باب التغليب، وقوله رحمه الله: (فيه تغليب المذكر العاقل)، ذكرنا فيما سبق أنه غَلَّب المذكر أيش؟ لشرفه.
* طلبة: (...).
* الشيخ: غلَّب المذكر.
* طالب: لشرفه.
* الشيخ: لشرفه.
* طالب: أو لكثرته.
* الشيخ: أو لكثرته إذا قلنا: إن العاقل أكثر، وقوله رحمه الله: (أو أنزلتا لخطابهما منزلته) يعني: المسألة فيها إما تغليب وإما أن الأرض والسماء أُنزِلتا منزلة العاقل لخطابهما أي: لكونهما خوطبا ولا يخاطب غالبًا إلا العاقل.
﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت ١٢] ﴿قَضَاهُنَّ﴾ يقول: (الضمير يرجع إلى السماء؛ لأنها في معنى الجمع الآيلة إليه أي: صيَّرها ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ ) ﴿قَضَاهُنَّ﴾ يقول: (الضمير يرجع إلى السماء)، وحينئذ يرد إشكال فإن ﴿السَّمَاءِ﴾ مفرد، و﴿قَضَاهُنَّ﴾ الضمير جمع، فكيف كان الأمر كذلك؟
يقول رحمه الله: (يرجع إلى السماء؛ لأنها في معنى الجمع الآيلة إليه)؛ لأن هذه ﴿السَّمَاءِ﴾ المفرد يؤول إلى جمع وما مقداره؟ ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ فكأنه عبر عن السماء باعتبار مآلها أنها ستكون ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾.
وقوله: ﴿قَضَاهُنَّ﴾ أي: صيَّرهن، وعلى هذا فيكون الضمير في ﴿قَضَاهُنَّ﴾ المفعول الأول، و﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ المفعول الثاني، ويحتمل أن تكون ﴿قَضَاهُنَّ﴾ بمعنى فرغ منهن، وعلى هذا فيكون الضمير الأول مفعولًا به، و﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ حال أي: حال كونها ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾، وعلى كُلٍّ فإن السماوات كانت سبعًا.
﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ قال المؤلف: (الخميسِ والجمعة فرغ منها في آخر ساعة، وفيها خلق آدم؛ ولذلك لم يقل هنا: سواء، ووافق ما هنا آيات خلق السماوات والأرض في ستة أيام) ﴿قَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ و﴿فِي﴾ للظرفية، والظرف يكون أوسعَ من المظروف، فيحتمل أنه قضاهن في يومين من أوَّل اليومين إلى آخرها، ويحتمل أنه قضاهن في يومين أي: في هذا الظرف، وإن كان الخلق أو القضاء لم يستوعبْ هذا الظرف، وهذا هو الذي مشى عليه المؤلف وسيتبين ما فيه إن شاء الله.
يقول: (فرغ منها في آخر ساعة منه وفيها -أي في آخر الساعة- خَلَق آدم؛ ولذلك لم يقل: سواءً) بينما قال في خلق الأرض: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً﴾ وهنا لم يقل: في يومين سواء لماذا؟
لأن بعض اليومين خُلِقَ فيه آدم، هذا ما ذهب إليه المؤلف، وفيه نظر ظاهر، لأن هذا يقتضي أن آدم خُلِقَ حين خَلْقِ السماوات والأرض؛ يعني: في الأيام الستة التي خُلِقَت فيها السماوات والأرض وهذا لا شك أنه خطأ، بل إنه خُلِقَ بعد ذلك ما أقول: بملايين بل بمئات السنين؛ لأن آدم -كما تعلمون- جعله الله تعالى خليفةً لمن؟ لأُناسٍ قبله أو للجن الذي سكنوا الأرض قبله؛ ولهذا لما قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ قالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة ٣٠] إلى آخره.
فدعوى المؤلف رحمه الله أن آدم خُلِقَ في آخر ساعة من يوم الجمعة التي تم فيها خلق السماوات والأرض غير صحيح، نعم خُلِقَ آدمُ يوم جمعة لا شك في ذلك كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام[[أخرجه مسلم (٨٥٤ / ١٧) من حديث أبي هريرة.]]، لكنها ليست الجمعة التي تم بها خلق السماوات والأرض.
إذن خلقهن في يومين، يقول المؤلف: إن هذا يوافق (ووافق ما هنا آيات خلق السماوات والأرض في ستة أيام) كيف وافقها؟ لأنَّ أربعة أيام كانت لخلق الأرض، ويومين كانت لخلق السماء فيكون المجموع سِتَّة أيام، وهذا أمر متفق عليه بين المسلمين أن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام، في بعض الآيات يقول: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الفرقان ٥٩]؛ لأن بين السماوات والأرض من الآيات العظيمة ما استحق أن يكون قسيمًا لخلق السماوات والأرض.
﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الفرقان ٥٩] وقد كنا نقول: كيف يكون خلق ما بين السماء والأرض قسيمًا لخلق السماوات والأرض مع أنه في نظرنا لا يساوي شيئًا بالنسبة إلى خلق السماوات والأرض إذ كنا لا نعلم إلَّا أن الذي بين السماء والأرض هو الغيوم والهواء فقط؟ وكنا نقول: إن القمر والنجوم والشمس كانت في السماء، كنا نقول: القمر في السماء الدنيا، والشمس في السماء الرابعة، وزُحَل في السماء السابعة، وكنا ننشد قول الشاعر:
زُحَلٌ شَرَى مِرِّيخَهُ مِنْ شَمْسِهِ ∗∗∗ فَتَزَاهَــرَتْ بِعُــــطَارِدَالْأَقْمَــــارُ
هذه الكواكب السبعة.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما حفظته من قبل؟ يَلَّا.
* طالب:
زُحَلٌ شَرَى مِرِّيخَهُ مِنْ شَمْسِهِ ∗∗∗ فَتَزَاهَــرَتْ بِعُــــــطَارِدَالْأَقْمَــــــارُ
* الشيخ: المعنى: نأتي من أعلى إلى أسفل: (زحل) هذا أعلاها (شرى) المشتري (مريخه) المريخ (من شمسه) الشمس (فتزاهرت) الزهرة (بعطارد) عطارد (الأقمار) القمر هو الأخير، وعلى هذا فتكون الشمس في السماء الرابعة، وكنا نظن أن هذه مرصعة بالسماء كما يرصع المسمار على الخشبة لكن تبين الآن أن هذه في أجواء بين السماء والأرض، وليست مرصعة في السماوات والأرض وأن السماء من فوقها بأمد بعيد وحينئذ تبين الحكمة من كون الله عز وجل يجعل خلقَ ما بين السماء والأرض عديلًا لخلق السماء والأرض.
ثم قال عز وجل: (﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ الذي أمر به من فيها من الطاعة والعبادة) ﴿أَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ يعني: قُدِّر بما أوحاه في كل سماء أمرها، كل سماء لها ملائكة خاصة وعبادات خاصة وأجواء خاصة، كل سماء تختلف عن السماء الأخرى حتى إنَّ بعضهم -وهو من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب- يقول: إن جُرْمَ السماء الدنيا يختلف عن جُرْمِ السماء الثانية، والثانية عن الثالثة، كل واحدة من مادة أخرى غير مادة السماء الأخرى، والله أعلم.
وقوله: ﴿أَمْرَهَا﴾ مفرد مضاف فيعَمُّ جميع الأمور، جميع ما يتعلق بكل سماء قد أوحاه الله بها.
﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ شوف خصائص السماء الدنيا (﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ بنجوم ﴿وَحِفْظًا﴾ منصوب بفعله المقدَّر أي: حفظناها من استراق الشياطين السمعَ بالشهب).
﴿زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ ﴿الدُّنْيَا﴾ يعني: القربى، وسُمِّيَتْ دنيا؛ لأنها قريبة من الأرض فهي أقرب السماوات، زينها بالمصابيح، ما هذه المصابيح؟ هي النجوم، وسُمِّيَت مصابيح؛ لأنها بمنزلة القناديل المعلقة بالسقف.
فإن قال قائل: ظاهر الآية أن هذه المصابيح مرصعة بالسماء، قلنا: إن كان هذا ظاهرها فالواقع خلاف ذلك، ولا مانع من أن تُزَيَّن بمصابيح وإن لم تكن ملتصقةً بها أرأيت لو أنك لو دَلَّيْتَ مصابيح من سقف عال ثم كنت تحت هذه المصابيح، أفلا تكون هذه المصابيح زينةً للسقف وإن كانت غير لاصقة به، بل جهتها –أي: جهة هذا السقف- مزينة بهذه المصابيح، فلا يلزم من قوله: ﴿زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ أن تكون مرصعةً بالسماء، بل نقول: هي مُزَيَّنَة بها وإن كان بينها وبين السماء مسافة.
وقوله: ﴿وَحِفْظًا﴾ أي: حفظناها حفظًا، فالسماء محفوظة كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾؛ ولهذا لم يستطع جبريل أن يدخل السماوات مع أنه نازل منها حين كان معه محمد ﷺ حتى استأذن له، في حديث المعراج «أَنَّ جِبْرِيلَ لَمَّا وَصَلَ بِالنبي ﷺ إلى السماء الدنيا استفْتَح، فقيل: مَن هذا؟ قال: جِبريل، قيل: ومَن معك؟ قال: محمد، فقيل له: هل أُوحِي إليه أو أُذِنَ له؟ قال: نعم، ففُتِحَ له». لماذا؟ لأن السماء محفوظة لا يمكن أن يدخل أحد منه إلا بإذن الله، جبريل قال: معي محمد، قيل له: «وقد أُرسِلَ إليه؟ قال: نعم، قالوا: مرحبًا به، فنعم المجِيءُ جاءَ، ثم فَتَحُوا له، فدخلَ السماء الدنيا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٠٧)، ومسلم (١٦٤ / ٢٦٤) من حديث مالك بن صعصعة.]] ثم الثانية والثالثة، وهكذا، مما يدل على أيش؟ على إتقان حفظ الله سبحانه وتعالى للسماوات وأنها متقنة، عليها ملائكة لا يمكن أن يتجاوزها أحد.
﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه ما سبق من قوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ﴾ إلى آخره.
وقوله: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾ أي: الذي قَدَّرَهُ هو العزيز عز وجل العليم، ﴿الْعَزِيزِ﴾ هنا مناسبتها؛ لأن المسألة تحتاج إلى عزة وقوة، والعزة يقول المؤلف رحمه الله: (﴿الْعَزِيزِ﴾ في مُلْكِه) يعني: الذي له العزة التامة في ملكه، لكن إلى الآن لم يُبَيِّنْ لنا ما هي العزة.
العزة قال العلماء: إنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: عزة القَدْر، وعزة القهر، وعزة الامتناع. ثلاث معان؛ أما عزة القدر فمعناها الشرف، يعني أنه ذو قدر عظيم بالغ العظم، عزة القهر يعني أنه قاهر ولا يُغْلَب، والثالث: عزة الامتناع أي: يمتنع أن يناله سوء جل وعلا بأي حال من الأحوال.
ولملاحظة هذا المعنى الثالث نقول: إنه مُشْتَقٌّ من قولهم: أرض عزاز، عزاز يعني قوية صلبة ونحن نسميها باللغة العامية (الأرض عَزا) يعني صلبة، ليست لينة كالرمل والروض، ولكنها صلبة.
﴿الْعَزِيزِ﴾ إذن كم معنًى له؟ ما هي؟
* طالب: القهر والقدر والعز.
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: امتناع..
* الشيخ: الامتناع، ويش معنى الامتناع؟
* الطالب: الامتناع عن السوء؛ يعني..
* الشيخ: إي يعني، يمتنع عليه السوء والنقص، القهر يعني؟
* طالب: القهر هو (...) والقاهر لا (...).
* الشيخ: أحسنت، هو الغالب الذي لا يُغْلَب، والثالثة الامتناع؟
* طالب: الامتناع ذكرها، تقدَّم.
* الشيخ: الامتناع أنا أقول..
* طالب: ذكر الامتناع.
* الشيخ: مَن الذي ذكره؟ ويش قال؟
* طالب: يمتنع عنه النقص.
* الشيخ: يمتنع عنه النقص، وعزة القدر؟
* طالب: عزة القدر بأن الله قادر على كل شيء.
* الشيخ: لا، لو كان كذلك لقلنا: عزة القدرة.
* طالب: عزة القدر بمعنى: القوة والغلبة.
* الشيخ: لا، هذا عزة القهر.
* طالب: (...) الثلاثة.
* الشيخ: إي، جزاك الله خيرًا، الثالثة عِزَّة القدر يعني؟
* طالب: العظمة والشرف، شرف الأشياء.
* الشيخ: الشرف، إي نعم، عزة القدر؛ يعني أنه ذو قدر عظيم وشرف عظيم، أما العليم فهو ذو العلم، وعلم الله تبارك وتعالى واسع؛ قال الله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق ١٢] فعلمُه تعالى واسع شامل لكل شيء، يعلم ما كان فلا ينساه، ويعلم ما يكون فلا يجهله، ويعلم كيف كان يكون إذا كان، يعني: ليس يعلم أن هذا الشيء يقع فقط، بل يعلم أنه يقع ومتى يقع، وكيف يقع وأين يقع، من كل جهة، وقد فصَّل الله سبحانه وتعالى دقائق العلم في قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾ يعني: إلا يعلمها ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام ٥٩]، وعلمنا بأنه عليم، ما الذي يستوجب من الناحية المسلكية بالنسبة للعبد؟ إذا علمت أن الله بكل شيء عليم، ويش يترتب على هذا؟
* طالب: نخاف الله عز وجل في أعمالنا.
* الشيخ: أحسنت، يترتب على هذا أن يخاف اللهَ عزَّ وجلَّ، وأن يقومَ بطاعته، وأن يدع معصيته؛ لأنه يعلم أن الله تعالى عالم به حتى وإن خفيت على الناس فإنك لن تخفى على الله، بل إن الله يعلم من نفسك ما لا تعلمه أنت، أنت تعلم من نفسك ما يمكن أن تحيط به، لكن الله يعلم من نفسك ما لا تحيط به، يعلم مستقبلك ومآلك وحالك وأنت لا تعلم، وهذا يوجب للعبد المؤمن بذلك أن يخاف ربَّه في السرِّ والعلن حتى لو كنت في حجرة مظلمة ليس عندك أحد وأردت أن تفعل ما يغضب الله، فاعلم أن الله تعالى يراك.
* طالب: قلنا: إن قول الله تعالى: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا﴾ هذا يدل على (...) الله تعالى للسماوات ما معنى قوله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن ٣٣] ما المقصود بالسلطان هنا؟
* الشيخ: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا﴾ هذه الآية على سبيل التحدي؛ إن كنتم تقدرون فانفذوا وفِرُّوا من قضاء الله، فروا من عذاب الله ما تستطيعون ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن ٣٣] يعني: ولا سلطان لكم، والسلطان هنا بمعنى القدرة والقوة؛ لأن المقام مقام تحدٍّ، والذي يقابله القوة، والمعنى لا سلطان لكم، وعلى هذا فالآية للتحدي، وهذه تكون يوم القيامة، وليس كما زعم الناس لما خرج الروس بأول مركبة فضائية وخرج عن الغلاف الجوي بدأ هؤلاء الذين يريدون أن يجعلوا القرآن كتابًا علميًّا يقولون: هذا دل عليه القرآن ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن ٣٣] أي: إلا بعلم، وقد تعلمنا ونفذنا، وهذا حرام، تفسير القرآن بهذا المعنى حرام، وقول على الله بلا علم؛ لأن إذا كان المقام مقام تحدٍّ فما هو السلطان الذي يمكن أن نفعل به؟
* طالب: القوة.
* الشيخ: القوة لا شك، ثم إنه قال في الآية التي بعدها: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾ [الرحمن ٣٥]، هل أرسل على هؤلاء؟ ثم إنه يقول: ﴿مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الرحمن ٣٣] وهؤلاء إذا قدَّرْنا نفذوا من أقطار الأرض فإنهم لم ينفذوا من أقطار السماوات، ولهذا هؤلاء -والعياذ بالله- الذين فسروا الآية بما حصل قالوا على الله بلا علم، ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار، ومثل ذلك من قال: إن الأرض تدور لقول الله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل ٨٨] قال: هذا في الدنيا؛ لأن قوله: ﴿تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ هذا حسبان والحسبان لا يكون في الآخرة؛ لأن الآخرة يقين. فيقال: هذا غلط أليس الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ تحسبهم سكارى من شدة الذهول والانزعاج وما هم بسكارى ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج ١، ٢]، فالمهم أن بعض المتأخرين هداهم الله يفسرون القرآن بالواقع مع أنه لا يدل عليه ونحن نقول: احمدوا الله أن القرآن لا يدل على خلافه، أما أن تقولوا: يدل عليه غلط.
* طالب: أحسن الله إليك، هنا قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت ١١]، وفي آية أخرى قال: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا﴾ [النازعات ٢٨]، هل معنى الآيتين واحد؟
* الشيخ: ﴿رَفَعَ﴾؟
* طالب: ﴿سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ [النازعات ٢٨]
* الشيخ: يعني: جعلها رفيعة هو جعلها رفيعة.
* طالب: أن السَّمْك والدخان واحد.
* الشيخ: لا ما هو، بعد أن خلقها جعلها سميكة (...).
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (١٤) فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [فصلت ١٢ - ١٨].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ ﴿قَضَاهُنَّ﴾ يعنى أتمهن، وسنتكلم إن شاء الله عن الآيات بعد الانتهاء منها ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ (﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ الخميس والجمعة، فرغ منها في آخر ساعة منه وفيها خلق آدم؛ ولذلك لم يقل هنا: سواء، ووافق ما هنا آيات خلق السماوات والأرض في ستة أيام ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ الذي أمر به مَنْ فيها من الطاعة والعبادة).
﴿أَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ صرف المؤلف رحمه الله الأمر هنا إلى الأمر الشرعي لا الأمر الكوني ولذلك قال: (أمرها الذي أمر به مَنْ فيها من الطاعة والعبادة).
(﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت ١٢] الذي أمر به من فيها من الطاعة والعبادة) من هنا نبدأ ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ صرف المؤلف -رحمه الله- الأمر هنا إلى الأمر الشرعي لا الأمر الكوني؛ ولذلك قال: (﴿أَمْرَهَا﴾ الذي أمر به من فيها من الطاعة والعبادة)، ويحتمل أن يكون المراد بالأمر هنا الشأن؛ أوحى في كل سماء شأنها، فيشمل أحوال السماء، وأحوال من فيها، وهذا أعم مما ذكره المؤلف رحمه الله.
وإننا نقرر قاعدةً في التفسير: إذا ورد تفسيران في الآية، أحدهما أعم أخذنا بالأعم؛ لأن الأعم يدخل فيه الأخص ولا عكس، فإذا قلنا: شأنها صار أعم من أن نقول: إنه أمرها الشرعي؛ لأن هذا أخص، فالحمل على الأعم أولى، يقول جل وعلا: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [فصلت ١٢]، وهي النجوم (زيَّنَّاها)؛ أي جعلناها زينة تسر من نظر إليها ويبتهج بها.
(﴿وَحِفْظًا﴾ منصوب بفعل مقدر؛ أي: حفظناها حفظًا من استراق الشياطين السمع بالشهب) إلى آخره.
قوله: ﴿حِفْظًا﴾ مصدر عامله محذوف، التقدير: حفظناها حفظًا، ومن أي شيء؟ قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر ١٦، ١٧]، فيكون المراد بالحفظ حفظها من الشياطين؛ لأن القرآن يفسر بعضه بعضًا.
وما شأن الشياطين بالنسبة للسماء؟ شأن الشياطين بالنسبة للسماء أنها تصعد، يركب بعضها بعضًا إلى أن تصل إلى السماء، فتستمع إلى أخبار السماء، وما تتحدث به الملائكة، ثم تنزل به إلى الأرض، وتُلقيه إلى الكهان الذين لكل واحد منهم رَئِي من الجن، والكاهن يأخذ هذا الخبر، ويضيف إليه أخبارًا أخرى، ثم يُحدِّث الناس بذلك، ومن المعلوم أن ما سُمِع في السماء لا بد أن يكون فتكون هذه الكلمة الواحدة صِدْقًا، تكون مثارًا لإعجاب الناس بالكهان والرجوع إليهم؛ ولهذا كانوا في الجاهلية يتحاكمون إلى الكهان، هذه هي قضية استراق السمع.
ثم إن الله تعالى حفظ السماء وقت بعثة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وصارت الشياطين إذا حاولت الاستماع أرسل الله تعالى عليها شهابًا يحرقها وتهلك، وهل بقي هذا الحفظ بعد موت الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو لا؟ يقال: الله أعلم، لا ندري، لكنها حُفظت في عهد النبوة من استراق السمع، أما الآن فالله أعلم، قد يكون ذلك وقد لا يكون؛ لأنه ليس هناك نبي حتى يختلط المسموع المـسترق بالوحي الصحيح.
يقول عز وجل: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت ١٢] ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه ما سبق مما تحدث الله عنه من خلق السماوات والأرض.
﴿تَقْدِيرُ﴾ أي مُقدَّر. ﴿الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ أو: تقدير مصدر على بابه، ويكون المشار إليه فعل الله لهذا الشيء، فعندنا الآن كلمة ﴿تَقْدِيرُ﴾ مصدر يجوز أن تكون بمعنى اسم المفعول، ويكون المعنى: ذلك مُقدَّر العزيز، ويجوز أن تكون مصدرًا وهو فعل الله عز وجل، ويكون هذا أيضًا معنًى صحيحًا، وكلاهما متلازمان؛ لأنه إذا كان هذا الشيء مُقدَّر الله فهو من تقديره؛ يعني ناتج عن تقديره.
وقوله: ﴿الْعَزِيزِ﴾ قال: (في ملكه ﴿الْعَلِيم﴾ بخلقه) فيها شيء من القصور (﴿الْعَزِيزِ﴾ في ملكه)، والصواب: ﴿الْعَزِيزِ﴾ يعني بذلك ذا العزة، والعزة قسمها العلماء إلى ثلاثة أقسام وهي:
* طالب: القدْر، والقهر، والامتناع.
* الشيخ: عزة القدْر، وعزة القهر، وعزة الامتناع، معناها عزة القدر؟
* طالب: (...) أي عزة (...).
* الشيخ: خطأ.
* الطالب: أنه ذو قدر عظيم وشرف عظيم.
* الشيخ: نعم، أي أنه ذو قدر عظيم وشرف عظيم لا يشاركه فيه أحد، عزة القهر؟
* طالب: القاهر الذي يَغلب ولا يُغلب.
* الشيخ: نعم، القاهر الذي يَغلب ولا يُغلب، عِزَّة الامتناع؟
* الطالب: لا يناله سوء، يمتنع أن يناله سوء.
* الشيخ: نعم، يمتنع أن يناله سوء أو نقص.
أما قوله: ﴿الْعَلِيم﴾ فهي صفة مُشبَّهة، ويجوز أن تكون من باب المبالغة؛ لأن (فعيل) يصح أن تكون صفة مشبهة، ويصح أن تكون صيغة مبالغة، ومعناه: ذو العلم، وعلم الله تعالى واسع، عالم بما كان وما يكون لو كان كيف يكون، وقد سبق لنا الكلام عليه مرارًا لا حاجة إلى إعادته.
* من فوائد الآيات الكريمة: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت ٨].
* مِن فوائد هذه الآية: تحقيق أن القرآن مثاني تُثَنَّى فيه المعاني المتقابلة؛ إذا ذُكِر ثواب المجرمين ذُكر ثواب المتقين، وإذا ذُكرت الجنة ذُكرت النار، وهلم جرًّا، من أجل أن يكون الإنسان سائرًا إلى ربه بين الخوف والرجاء، وهكذا ينبغي للإنسان في سيره إلى ربه أن يكون خائفًا راجيًا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء ٩٠]، فما سبب الخوف؟ سبب الخوف ذنوب الإنسان إذا نظر إلى ذنوبه وتقصيره خاف، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون ٦٠]، أي: يخافون ألا يقبل منهم، والرجاء: إذا نظر إلى عفو الله وفضله، وأنه جل وعلا حليم، رجا وقوي رجاؤه، فيكون دائرًا بين الخوف والرجاء.
وقال بعض أهل العلم: في الطاعة يُغلِّب جانب الرجاء، وفي المعصية يُغلِّب جانب الخوف. وهذا له نظر قوي؛ لأن الإنسان إذا فعل الطاعة فينبغي أن يُحسِن الظن بالله، وأن الله سيقبل منه، فيقوى رجاؤه، أما إذا هم بالمعصية فينبغي أن يُغلِّب جانب الخوف؛ حتى لا يقع في المعصية.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإيمان وحده لا يكفي حتى يقترن بعمل، لكن إذا أطلق الإيمان شمل العمل، وإن ذُكر معه العمل صار العمل علانية والإيمان سرًّا، مثل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ هنا جُمِع بين الإيمان والعمل فيكون الإيمان في القلب والعمل في الجوارح.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: دوام نعيم المؤمنين العاملين الصالحات؛ لقوله: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت ٨] أي لا يُقطع كما قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم ٦٢].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أجر الآخرة خيرٌ من أجر الدنيا وثوابها، وجه ذلك: أن أجر الآخرة غير مقطوع بل هو مستمر دائمًا وغير ممنون به أيضًا بل يُعطى الإنسان بدون مِنَّة، وأما ثواب الدنيا فإنه بالعكس.
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ﴾ [فصلت ٩] إلى آخره. في هذا دليل على وجوب إعلان المؤمن ما عليه الكفار من الكفر بالله؛ لقوله: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ﴾.
* ويتفرع على هذه الفائدة: أنه لا تجوز مداهنة الكفار، وإن كانت المداراة تجوز لكن المداهنة لا تجوز، والفرق بينهما: أن المداهنة سكوت الإنسان عن معصية العاصي كأنه يقول: لك معصيتك ولي طاعتي، فأنت اعمل وأنا أعمل، هذه مداهنة، مُصانَعة لا تجوز، قال الله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩] لكن لا يجوز للمؤمن أن يداهن، أما المداراة فمعناه أن ينقل الإنسانُ مما هو عليه من المعصية شيئًا فشيئًا وهو غير راضٍ بها بل هو كاره، ولا يرى أنه يجوز إقرارها، بخلاف المداهِن؛ المداهنة في الحقيقة أشبه ما لها في وقتنا الحاضر، ما يسمونه بالمجامَلة أو بالعلمنة، العلمنة الآن العلمانيون يقول: خلِّ كل إنسان وشأنه، الدولة دولة والدين دين، الدولة لا بد أن تتحد والدين لِكُلٍّ دينه، لا تنكر على الكافر ولا على الفاسق خلوا كل إنسان يعمل ما شاء، فالمهم أن هذه الآية الصريحة في أنه يجب أن نُنكر على الكافرين كفرهم وألا نداهنهم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي تأكيد ما يمكن أن يُنفى أو يُشك فيه، وجهه: أنه أكد ذلك بقوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ﴾، وإلا فيكفي أن يقول: قل لقد كفرتم أو قل كفرتم، لكن لما كان هذا أمرًا يشك فيه، ويقال: هؤلاء لم يكفروا بالله بل آمنوا به؛ لأنهم يؤمنون بأن الله موجود، وبأن الله خالق السماوات والأرض، لكن إذا لم يتبعوا شرعه فهم كافرون به ولو أقروا بوجوده.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل، وبيان حكمته في خلق السماوات والأرض، حيث خلق هذه الأجرام العظيمة الكبيرة الواسعة في خلال ستة أيام، أما الحكمة فوجهه أن الله جل وعلا كان قادرًا على أن يخلقها بلحظة واحدة: كن فيكون، لكنه جل وعلا ربط الأسباب والمسببات، وجعلها تتفاعل شيئًا فشيئًا حتى تنتهي، هذا من وجه، ومن وجه آخر أنه أخَّر ذلك ليُعَلِّم عباده التأني في الأمور.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن خلق الأرض قبل خلق السماء؛ لأنه لما ذكر خلق الأرض في أربعة أيام قال: ثم استوى إلى السماء، وهذا كقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٩]، ولكن هذا يعارضه ظاهر قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات ٢٧ - ٣٠]، فهنا ذكر أن الأرض دُحيت بعد خلق السماء فهل المراد بالدحو شيء سوى الخلق؟ أو أن البعدية هنا بعدية ذكر، يعني كما يقولون: هذا ترتيب ذكري وليس ترتيبًا زمنيًا؟ في هذا وجهان:
الوجه الأول: أن الدحو ليس الخلق بل هو شيء آخر فسره الله بقوله: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ [النازعات ٣١] هذا الدحو، وإخراج الماء والمرعى شيء زائد على الخلق والتكوين.
وأما الوجه الثاني: فإن البعدية هنا بعدية ذكر وهو ما يعرف عند علماء النحو بالترتيب الذكري، ومنه قول الشاعر:
إِنَّ مَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوهُ ∗∗∗ ثُمَّ سَادَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ جَدُّهُ
فتجد الآن الترتيب على خلاف الترتيب الزمني لكن هذا يسمى ترتيبًا ذكريًّا، يحتمل وجهين، ولكن الوجه الأول أولى أن يقال: إن الدحو ليس الخلق، الخلق والتكوين شيء والدحو شيء آخر، والدليل أن الله تعالى قال في الدحو مفسرًا إياه قال: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ أفهمتم الآن؟
إذن لا معارضة بين الآيتين؛ لتنزل كل واحدة منهما على وجه لا يعارض الوجه الآخر، واعلم أنه ينبغي للإنسان إذا رأى آيتين ظاهرهما التعارض ألا يسرع في الحكم بالتعارض؛ لأنه لا يمكن أن تتعارض آيتان من كل وجه كما ذكرنا ذلك في أصول التفسير، ولكن ليتأنى وليتأمل وليفكر، فإن أدرك ألا تعارض فهذا المطلوب وإلا وجب أن يسأل أهل العلم، فإن لم يتبين له الأمر وجب عليه التوقف، وصارت هذه من الآيات المتشابهات التي يجب أن يقول فيها: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران ٧]، وقد ذكرنا لكم فيما مضى أن من العلماء من ألَّف في الآيات التي ظاهرها التعارض وجمع بينها، وذكرت لكم أن من أحسن ما رأيت ما ألفه الشيخ الشنقيطي رحمه الله (دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب).
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن نوع الكفر الذي حصل من هؤلاء المخاطبين: الشرك؛ لقوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ [فصلت ٩] وجعل الأنداد له أنواع كثيرة: إما أن يجعل له أندادًا في الذات فيقول: إن الله له مثيل كما فعلت النصارى، حيث قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، وكما فعل الممثِّلة الذين مثَّلوا صفات الله بصفات خلقه، فإن هذا من الشرك، وقد يكون نِدًّا في العبادة، يعبده وإن كان لا يرى أنه مثل الله لكن يعبده ويدعي أنه إنما عبده ليقربه إلى الله عز وجل وقد يكون هناك أنداد في المحبة يحب الشيء كما يحب الله، والعجب أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فيحب الشخص، ويتعلق به كثيرًا ويقول: أنا أحبه لله، والحقيقة أنه يحبه مع الله وليس لله، الذي يحب الشخص لله تكون المحبة الأصلية لمن؟
* طالب: لله.
* الشيخ: محبة الله، وهذا أحبه؛ لأنه يحب الله، لكن الذي يجعل قلبه منصرفًا إلى هذا المحبوب لا يفكر إلا به، ولا ينام إلا على ذكره، ولا يستيقظ إلا بذكره، هذا لم يحبه لله، بل أحبه مع الله، وهذا شرك كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة ١٦٥]، كذلك من الند أن يتعلق قلب الإنسان بالمخلوق خوفًا ورجاءً لا محبة؛ خوفًا ورجاءً، بحيث يعتمد عليه في تحصيل معاشه أو في دفع الضرر عنه، وهذا يقع كثيرًا ولا سيما بعد فتح المستشفيات، فإن أكثر الناس يتعلق قلبه بالمستشفى، تجده إذا مرض قال: أروح آخذ حبة أو حبتين، ما يقول: يا رب عافني، أو يلجأ إلى الله، على طول، روح حبة ولا حبتين ولا ثلاثة مع أنه ربما يكون هذا الطبيب الذي اعتمد عليه ورجاه كافرًا ملحدًا، هذا أيضًا من اتخاذ الند لله؛ ولهذا كان ضرر المستشفيات الآن مع ما فيها من نفع وخير كثير، والحمد لله لكن كان فيها ضرر عظيم؛ لأن الناس الآن صاروا يعلقون آمالهم ويجلون آلامهم بالمستشفيات، أبدًا لو يجي الإنسان لو تقطُّه الشوكة، يلَّا المستشفى، طلعها بظفرك، ولا طلعها بالمنقاش، قال: المستشفى، لا إله إلا الله، المرأة إذا جاها الطَّلق وصارت تطلق طلقًا عاديًّا أيش يعمل؟ المستشفى، والمستشفى ماذا يقول؟ والله هذه مسألة خطيرة لا بد من قيصرية، القيصرية هذه نشق البطن، ثم يبقى عندها عشرة شقوق في بطنها إذا ولدت عشرة أولاد، يبقى هذا البطن ما يتحمل أي حمل لو حمل انفجر، كل هذا نوع من الشرك، لا تلجأ إلى المستشفى إلا للضرورة القصوى، اجعل رجاءك دائمًا معلقًا بالله، وقل: إن الذي خلقني وأوجدني أول مرة قادر على أن يزيل ما نزل بي من مرض أليس كذلك؟ وهو أقدر من كل أحد، يزيله عز وجل بدون أي عملية، وبدون حبوب، وبدون مياه، وبدون إبر.
المهم أن اتخاذ الأنداد ليس خاصًّا بشيء معين؛ يكون في أشياء كثيرة، فإياك أن يكون لك ند حتى إن الرسول ﷺ قال: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيلَةِ»[[أخرجه البخاري (٢٨٨٦) من حديث أبي هريرة.]]. من عابد هذه؟ هل الإنسان يضع الدينار فوقه ويسجد له ويركع؟ لا، ولا كذلك الدرهم، ولا الخميصة، ولا الخميلة، لكن لما كان قلبه معلقًا بهذا الشيء إن أُعطي رضيَ وإن لم يُعطَ سخط صار عبدًا لها، نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من ذلك.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان امتناع الند لله عز وجل؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [فصلت ٩] وجه الامتناع: أنه رب العالمين، وأي ند يكون رب العالمين؟ ماذا تقول؟ أجب؟ ما هو؟ أين ذهبت؟
* طالب: لا، لا، أسمع..
* الشيخ: تسمع ولكنك لا تعي؛ لأن القلب غير حاضر، أليس كذلك؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم ولَّا بلى؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الظاهر أن المقر بالذنب يُعفى عنه. أقول في هذا في قوله: ﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ دليل على أنه لا يمكن أن يكون أحد ندًّا لله، لماذا؟ يعني من يمكن أن يقال: إنه رب العالمين؟ لا يمكن، فهو رب وما سواه مربوب، إذن ما سواه لا يصح أن يكون ندًّا له.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عموم ربوبية الله عز وجل لكل العالم؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.
* ومن فوائدها: وجوب الخضوع له شرعًا كما أننا نخضع له قدَرًا؛ لأن هذا مقتضى الربوبية؛ أن تخضع لهذا الرب شرعًا كما أنك خاضع له قدرًا، كل خاضع لله قَدَرًا ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [الرعد ١٥] هذا السجود أيش؟ القدَري، فيجب أن تخضع له شرعًا، وأن تتذلل له تكون أمامه ذليلًا كما كنت أمامه ذليلًا في قدره.
* ومن فوائد الآية الكريمة: مِنَّة الله سبحانه وتعالى على عباده، حيث جعل في الأرض رواسي؛ أي: ثوابت، ما الحكمة؟ الحكمة ذَكَرَها الله في قوله: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل ١٥]، لولا هذه الرواسي لمادت بنا الأرض.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأرض تدور؛ لقوله: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾؛ لأن نفي الميدان دليل على وجود أصل الحركة؛ إذ لم يقل: أن تتحرك بكم، ونفي الأخص يقتضي وجود الأعم كما قلنا في قول الله تبارك وتعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام ١٠٣] إنه دليل على أن الله يُرَى لكن لا يدرك؛ إذ لو كان لا يُرَى لوجب أن يقول: لا تراه الأبصار، فلما نفى الأخص صار دليلًا على وجود الأعم.
هكذا قررها بعضهم وقال: إن في الآية دليلًا على أن الأرض تدور؛ لأن الله ألقى هذه الرواسي لتكون دورتها متزنة لا تتخلخل فتضطرب بالناس، ولكن هذا وإن كان قويًّا من حيث النظر لكنه ليس متعينًا؛ إذ يجوز أن يكون المعنى أن تميد بكم تضطرب ولو كانت واقفة، فالسفينة مثلًا على الماء تضطرب ولو كانت واقفة، فيكون المعنى: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل ١٥] يعني أن تضطرب بكم، وسواء كانت تدور أو لا تدور؛ ولهذا ليس في الآية دلالة قطعية على أن الأرض تدور.
فإن قال قائل: إذا قلت: إنه يحتمل أنها تكون دالةً على أن الأرض تدور فما جوابك عن آيات كثيرة تدل على أن الشمس تجري، تطلع، تغرب، تزاور، توارى، تذهب؟ كل هذه الأفعال أسندت إلى الشمس، والأصل أن الفعل إذا أُسنِد إلى شيء أن يكون قائمًا به، فيكون ظاهر القرآن أن الشمس هي التي تدور على الأرض ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ﴾ [الكهف ١٧] إذن معناه هي التي كانت مختفية، ثم طلعت علينا، وهؤلاء الذين يقولون: الأرض تدور، يكون المعنى ﴿إِذَا طَلَعَتْ﴾ أي إذا طلعنا عليها؛ لأنا نحن الذين نأتي إليها أما هي ثابتة قارة أعني الشمس.
قلنا: يجوز أن تكون الأرض تدور، والشمس أيضًا تدور جائز، وإذا كان الدوران بالعكس فظاهر أنه يتعاقب الليل والنهار؛ يعني مثلًا لو كانت الأرض تدور نحو الشرق، والشمس تدور نحو الغرب، هذا ممكن بكل سهولة، فإن كانتا تدوران إلى اتجاه واحد فإن إحداهما إذا كانت أسرع من الأخرى تحقق اختلاف الليل والنهار، ومن قال: إنه لا يمكن أن نقول: إن الشمس تجري إلا إذا قلنا: إن الأرض ثابتة لا تدور فأما إثبات دوران الأرض مع دوران الشمس فهذا لا يمكن. فإن قوله غير صحيح.
الإمكان ممكن ولو قلنا بدورانهما جميعًا، لكن الشيء الذي نعتقده الآن أن الليل والنهار يحصل بتعاقب الشمس على الكرة الأرضية، لا بتعاقب الكرة على الشمس، هذا الذي نعتقده إلى الآن؛ لأن هذا هو ظاهر القرآن، والقرآن صدر من الخالق عز وجل وهو أعلم بما خلق.
ولا يمكن أن نحيد عن هذا قيد أنملة ما دام لم يظهر لنا أمر حسي لا يمكن التكذيب به، وعند بعضهم -أي بعض الذين يقولون بدوران الأرض- يقولون: عندنا أمر قطعي بدليل الصواريخ العابرة للقارات فإنها تقدر بتقدير معين بحيث يتماشى مع دوران الأرض فيصيب الهدف، وإلا لما أمكن.
على كل حال هذه أنا أردت يعني أن أتكلم فيها بعض الشيء؛ لأنها في يوم من الأيام كانت مثارًا للجدل بين الناس؛ بين طلبة العلم وبين عامة الناس وبين الذين لم يتمكنوا من العلم كثيرًا، فنحن نقول: أولًا: البحث العميق في هذا والجدل في هذا أمر لا ينبغي ولا فائدة منه.
ثانيًا: عندما نريد أن نحقق المسألة تحقيقًا علميًّا نظريًّا ننظر إلى الآيات، فإذا كان ظاهر قوله تعالى: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل ١٥] يقتضي أنها تدور قلنا بذلك ولا حرج، ولا مانع أن نقول: هي تدور وكذلك الشمس لا مانع، فنكون أخذنا بظاهر القرآن في الشمس، وبظاهر ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ في الأرض، وإذا كان قوله: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ لا يتعين أن يكون بحركتها وإنما قد تضطرب وهي ساكنة قارة فلا يبقى في الآية دليل على أن الأرض تدور.
* طالب: (...) أقرهم أنه لا يمكن يقرهم على قولهم (...) الشمس (...).
* الشيخ: نعم، نحن نقول: لا نقرهم على أن اختلاف الليل والنهار يكون باختلاف دورة الأرض بل نقول: هو باختلاف طلوع الشمس على الأرض.
* الطالب: ولا يمنع أن يكون الشارع (...) الأرض؟
* الشيخ: ولا يمنع، لكن لو فُرِض أنه جاءنا دليل حسي ملموس على أن اختلاف الليل والنهار بسبب دورة الأرض لقُلنا به، ويكون إضافة الأفعال هذه إلى الشمس على حسب رؤية الإنسان لها.
* الطالب: هم يقولون بثبوت الشمس..
* الشيخ: لا، أنا أقول: لا، هم يقولون: الشمس تدور في الجو أو تدور حول نفسها؟
* طالب: دوران الشمس (...) دورة سنوية (...).
* الشيخ: إي، المهم على كل حال ما يهمنا، الكلام على أن من جهة القرآن، الآن إذا قرأنا: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف١٧]، هذه فيها أربعة أفعال أُضِيفت كلها إلى الشمس، الأصل أن الأفعال المضافة إلى الشيء أنها قائمة به، فالشمس هي اللي تطلع هم يقولون: لا، الشمس ما تطلع علينا؛ نحن الذين نطلع عليها بسبب دوران الأرض؛ يعني الآن مثلًا اللمبة اللي فوقي يدي مثلًا كظاهر اليد مقابل لها الشمس طالعة، ثم تقول: هكذا تغيب الشمس؛ يعني نحن غبنا عن الشمس ونحن طلعنا عليها، نقول: إذا ثبت هذا ثبوتًا قطعيًّا لا شك فيه فالقرآن لا يخالف الحس أبدًا، وتُفسَّر الأفعال المضافة إلى الشمس بحسب رؤية الرائي.
* طالب: كيف تكون طاعة الكافر طاعة قدرية؟
* الشيخ: أليس الله يأمره أن يكون مريضًا فيمرض؟ ويكون صحيحًا فيصح؟ ويموت فيموت؟
* الطالب: بلى.
* طالب آخر: شيخ، أحسن الله إليك، يقول تعالى: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت ١١] هل هذا يدل على أن الجمادات تريد وتنطق؟
* الشيخ: هذه ما هو وصلناها، بارك الله فيك.
* طالب: شيخ، بارك الله فيكم، ألا يشهد لقولهم: أنا نحن الذين نطلع على الشمس، قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف ٨٥، ٨٦] أسند الفعل للشمس، وفسر أهل العلم بأنها في عين الرائي..
* الشيخ: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ﴾.
* الطالب: ﴿تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ﴾ ﴿تَغْرُبُ﴾ الفعل أسند إلى الشمس، هذا وقال أهل العلم: إنه في عين الرائي ولا تغرب، إنما تغرب (...).
* الشيخ: تختفي عنه.
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: إيه، طيب.
* الطالب: هل هي تغرب في عين حمئة؟
* الشيخ: كيف؟ تختفي عنه في البحر لكن ما هي في وسط البحر طبعًا؛ ولهذا قال: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ﴾.
* طالب: علمنا يا شيخ أن الأرض خلقت قبل الشمس فما الحكمة؟
* الشيخ: الأرض قبل الشمس؟
* الطالب: الأرض خلقت قبل الشمس.
* الشيخ: ما علمنا هذا، قبل السماء.
* الطالب: الحكمة في أن الله عز وجل ذكر السماء والأرض (...) السماء؟
* الشيخ: هذه ما وصلناها، الحكمة بأن الله تعالى يذكر الأعلى قبل الأسفل، أما التحدث عن خلْق السماء فبيَّن الله تعالى أن الأسفل يُخلق قبل الأعلى كالبناء الآن، عندما تريد أن تبني شيئًا، هل تبني السقف قبل أن تبني العمود؟ فعند الذكر والتحدث يبين الأشرف والأعلى يقدم، وعند التكوين والبناء يبدأ بالأسفل؛ لأنه هو الأصل. (...)
* * *
* الطالب: ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (١٤) فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [فصلت ١٤ - ١٨].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. كنا نتكلم على فوائد الآيات السابقة من قوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت ٩] وأخذنا عدة فوائد منها كم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ثلاثة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إلى؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما وصلناها.
* الطالب: منة الله تعالى على عباده حيث جعل في الأرض رواسي ثوابت (...).
* الشيخ: * ومن فوائد هذه الآيات: أن الله تعالى جعل الرواسي من فوق الأرض لما في ذلك من المنافع، ودفع المضار الذي أشرنا إليه في أثناء التفسير.
* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن الله تعالى بارك في الأرض، ووجه البركة ظاهر، فقد حملت الأحياء والأموات، وحملت من الدواب ما لا يعلم أجناسَه فضلًا عن أنواعه فضلًا عن أفراده إلا الله عز وجل.
* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن الله قدَّر في الأرض أقواتها؛ أي جعلها مُقدَّرة بقدر معلوم، ومن ذلك التقدير أن جعل في جهات من الأرض من الأقوات ما ليس في جهات أخرى حتى يتبادل الناس هذه الأقوات، وتتحرك التجارة إلى غير ذلك من الفوائد، ولعله يشير إلى هذا قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾ يعني المطر ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الفرقان ٥٠].
* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن خلق الأرض تم في أربعة أيام؛ لقوله تعالى: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً﴾ [فصلت ١٠].
* ومن فوائدها: أن الله تبارك وتعالى يجيب السائلين أسئلتهم، سواء سألوا بلسان الحال أو بلسان المقال، فالإنسان مُتشوِّف إلى علم المسألة دون أن ينطق بلسانه، يقال: إنه سائل بلسان الحال، والإنسان الذي يتكلم باللسان سائل بلسان المقال، والسؤال عن خلق السماوات والأرض وكيف ذلك؟ هذا يكون بلسان الحال ويكون بلسان المقال.
* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن السماء كانت قبل أن تُخلَق كانت دخانًا، ثم حوَّل الله هذا الدخان إلى سماوات؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت ١١].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات عُلُوِّ الله عز وجل على أحد القولين في تفسير ﴿اسْتَوَى﴾ وهما أيش؟ قَصَدَ أو ارتَفَعَ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل شيء قابل لمخاطبة الله عز وجل؛ أي قابل أن الله يخاطبه؛ لأن الله خاطب السماء والأرض وهي جماد، قال: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾، لكننا نحن لو خاطبنا الجماد لعُدَّ ذلك سفهًا ونوعًا من الجنون، أما الرب عز وجل فإنه يخاطب ما شاء من عباده من عاقل وغيره وجماد وغيره؛ لأن كل من خاطَبَهُ الله فإنه يفهم خطاب الله.
* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن كل شيء خاضع لله عز وجل سواء كره أم رضي؛ لقوله: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت ١١].
* ومِن فوائد هذه الآيات الكريمة: كمال خضوع السماوات والأرض لله عز وجل حيث قالتا: ﴿أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾.
* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أنه يصح أن يُعبَّر عن غير العاقل بما يُعبَّر به عن العاقل إذا نُزِّل غير العاقل منزلة العقل؛ لقوله: ﴿طَائِعِينَ﴾ [فصلت ١١]، فإن هذا الجمع -جمع المذكر السالم- لا يصدر إلا من عاقل، وغيره يُقال: طائعات وما أشبهها لكن إذا نُزِّل غير العاقل منزلته بالخطاب صح أن يُعامل معاملة العاقل.
* من فوائد هذه الآيات الكريمة: إثبات الطواعية والكراهية لغير العاقل؛ لقوله: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾، فهل هذا يعني أن لغير العاقل إرادةً؟ الجواب: نعم؛ لأن الطائع له إرادة، ومن يتصور إكراهه له إرادة أيضًا، وإرادة كل شيء بحسبه، وقد مر علينا أن الحصى تُسبِّح بين يدي الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا تسبيح إلا بعد إرادة، وثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال في أُحُد: «يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٠٨٣)، ومسلم (١٣٩٣/٥٠٤) من حديث أنس بن مالك.]]. والمحبة أخص من الإرادة، وعلى هذا فهذه الجمادات التي نحن لا نفقه تسبيحها هي لها إرادة، وتُسبِّح الله عز وجل.
* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن مُدَّة خلق السماوات أقل من مدة خلق الأرض مع أن السماوات أعظم، لكن لما كانت الأرض موضوعة للأنام كما قال تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ [الرحمن ١٠] كان خلقُها أكثر مُدَّة؛ لبيان عناية الله تعالى بهذه الأرض التي وضعها للأنام، وليعلم الأنام الذين على الأرض أن العبرة بالإتقان لا بالسرعة.
* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن الله أتم خلق السماوات حين أوحى في كل سماء أمرها، ورتَّبها الترتيب المحكم المتقَن.
* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن الله تعالى خلق هذه النجوم؛ لفائدتين: الفائدة الأولى: زينة السماء، والفائدة الثانية: حفظ السماوات من الشياطين، فهي تحفظ السماوات من الشياطين وهي كذلك زينة للسماء، هناك فائدة ثالثة ذكرها الله تعالى في سورة النحل في قوله تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل ١٦] ولهذا قال قتادة -وهو من أئمة التابعين-: خلقَ الله هذه النجوم لثلاث: زينةً للسماء، ورجُومًا للشياطين، وعلامَاتٍ يُهتَدَى بها[[أخرجه البخاري معلقًا (٤ / ١٠٧).]].
* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: كمال إتقان الله عز وجل لمخلوقاته؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت ١٢] وهذا التقدير لا شك أنه تقدير مُحكَم مُتقَن من جميع الوجوه.
* ومن فوائدها: إثبات اسمين من أسماء الله وهما: العزيز العليم، وهذان الاسمان يتضمنان صفتين هما: العزة والعلم، وهنا نسأل: هل في العزيز ما يسمى بالحكم أو بالأثر؟ الجواب: نعم، بناءً على أن من معناه: عزة القهر، والقاهر لا بد من شيء مقهور حتى يتم به القهر، فعلى هذا يكون الإيمان بهذين الاسمين يتضمن ثلاثة أمور:
الأول: الإيمان بالاسم اسمًا لله.
والثاني: الإيمان بالصفة.
والثالث: الإيمان بالأثر، وإن شئت فقل: بالْحُكْم.
فصلت 41:13
ثم قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً﴾ [فصلت ١٣] إلى آخره، قال المفسر: (﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾ أي كفار مكة). ومعلوم أن الآية لم تنص على كفار مكة لكن السياق يدل على ذلك، حيث قال: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت ١٣].
(﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾ أي كفار مكة عن الإيمان بعد هذا البيان ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ﴾ خوفتكم ﴿صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ أي عذابًا يهلككم مثل الذي أهلكهم).
﴿أَنْذَرْتُكُمْ﴾ الإنذار فسره المؤلف بأنه التخويف، وهو كذلك؛ لأن المنذِر هو من تكلم بكلام يخوف به غيره؛ ولهذا قيل: إن الإنذار هو الإعلام المتضمِّن للتخويف.
وقوله: ﴿صَاعِقَةً﴾ الصاعقة ما يصعق المرء أي: يُهلكه ﴿مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾، والمثلية هنا لا تقتضي -والله أعلم- المماثَلة من كل وجه بل مِثلية في أصل الإهلاك، أو في مآل العذاب، ويحتمل أن الله تعالى أنذرهم ﴿مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾.
وصاعقة عاد وثمود نوعان: الرجفة، والريح الشديدة، الذين أُهلكوا بالريح الشديدة هم عاد، والذين أهلكوا بالرجفة والصيحة هم ثمود، وإنما ذكر الله عادًا وثمود؛ لأن العرب يعرفونهما فهم يمرون بديار ثمود إذا ذهبوا إلى الشام، وهم كذلك يعرفون محل عاد الأحقاف، ويذكرون ويتناقلون ما جرى لهم من العذاب، وإلا فهناك أناس أيضًا أهلكهم الله عز وجل لكن لما كان هؤلاء القوم -أعني عادًا وثمود- هم الذين تعرفهم العرب -أي كفار مكة- نص عليهم، ﴿مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾، ﴿عَادٍ﴾ هم قوم هود، و﴿ثَمُودَ﴾ هم قوم صالح.
أُهلكت عاد بالريح، والحكمة من ذلك أن يريهم الله عز وجل ضعفهم، وكانوا قد افتخروا بقوتهم فقالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥]، فقال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥]. وأما ثمود فأهلكهم الله عز وجل برجفة وصيحة، صِيح بهم وأرجفت بهم الأرض فهلكوا.
﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [فصلت ١٤] إلى آخره ﴿إِذْ﴾ هذه ظرف للتعليل يعني عن تعليل الصاعقة التي أهلكتهم سبب ذلك أن الرسل جاءتهم من بين أيديهم ومن خلفهم قال المفسر: (أي مقبلين عليهم ومدبرين عنهم فكفروا كما سيأتي والإهلاك في زمنه فقط).
﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾. قوله: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ يقول المؤلف: (أي مُقبلين عليهم ومُدبرين عنهم) يعني تارة يقبلون فيدعون، وتارة يُدبرون فيهددون إذا لم يؤمنوا، ويحتمل أن يكون المراد من بين أيديهم ومن خلفهم أي أتوهم بالآيات الماضية والآيات المستقبلة، فلم يُقصِّروا في بيان الحق بل جاؤوا ببيان الحق من كل وجه.
وقوله: (فكفروا) هذا هو المقصود من الإنذار؛ أنهم كفروا فأُهلكوا، ولهذا قال: (والإهلاك في زمنه فقط) أي في زمن الكفر، وليس في زمن المجيء؛ لأن الرسل جاءت أولًا، ثم دعت ودعت، فلما أصروا على كفرهم أهلكوا، (أن أي بأن لا ﴿تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ ) أفادنا المؤلف رحمه الله أن (أن) هنا مصدرية، والتقدير: بألَّا تعبدوا. أي جاءتهم بعدم عبادة غير الله، ويحتمل أن تكون (أن) تفسيرية؛ لأنه سبقها معنى القول دون حروفه؛ لأن مجيء الرسل جاؤوا بكلام ووحي يتكلمون به، ففيه معنى القول دون حروفه، وكلما جاءت (أن) بعد ما فيه معنى القول دون حروفه فإنهم يسمونها تفسيرية مثل قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [المؤمنون ٢٧] أوحينا أن اصنع الفلك.
﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي﴾ [النحل ٦٨] فـ﴿أَن﴾ هنا تفسيرية، فكلما جاءت ﴿أَن﴾ بعد ما تضمن معنى القول دون حروفه فإنها تكون تفسيرية، إذن ﴿أَن﴾ هنا يحتمل أن تكون مصدرية كما مشى عليه المفسر، وأن تكون تفسيرية.
ينبني على هذا الخلاف كيف نعرب (لا)؟ إن أعربنا ﴿أَن﴾ مصدرية فـ(لا) نافية، والفعل منصوب بـ(أن)، وإن أعربناها تفسيرية فـ(لا) ناهية، والفعل مجزوم بـ(لا).
فإعراب ﴿تَعْبُدُوا﴾ إذن يتنزل على الخلاف في أيش؟ في ﴿أَن﴾ قل يا أخ! إذا جعلناها تفسيرية يكون الفعل مجزومًا بماذا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف تعرب الفعل إذا كانت ﴿أَن﴾ تفسيرية؟
* طالب: فعل مضارع مجزوم بـ(لا) الناهية.
* الشيخ: أحسنت، فعل مضارع مجزوم بـ(لا) الناهية، وإذا أعربنا (أن) مصدرية؟
* طالب: منصوبة بـ﴿أَن﴾.
* الشيخ: منصوبة بـ﴿أَن﴾ تمام، وتكون على هذا (لا) نافية بالفاء، وعلى الأول تكون ناهية.
﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا﴾ [فصلت ١٤] إلى آخره (لا تعبدوا إلا الله) هو معنى قول (لا إله إلا الله)؛ لأن (لا إله) بمعنى لا معبود حق إلا الله، وهؤلاء يقول: (لا تعبدوا إلا الله) فهي بمعنى لا إله إلا الله، وهي بمعنى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥].
ومتى حقق الإنسان هذه الكلمة (لا إله إلا الله) فلا بد أن يقوم بطاعة الله، لا بد، ما دمت تشهد بأنه لا إله إلا الله فلا بد أن تتخذ الوسائل التي تُوصلك إلى هذا الإله الذي شهدتَ أنه لا إله سواه.
﴿قَالُوا﴾ الفاعل مَنْ؟ قوم عاد وثمود. (﴿قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ﴾ علينا ﴿مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ على زعمكم ﴿كَافِرُونَ﴾ ).
هذا الجواب، جواب في غاية السقوط: لو شاء ربنا أن نهتدي وألا نعبد إلا الله لأنزل ملائكة، وعلى هذا التقدير الذي قلت لكم يكون مفعول ﴿شَاءَ﴾ محذوفًا أي: لو شاء ربنا ألا نعبد إلا إياه لأنزل ملائكة، فـ﴿لَوْ﴾ شرطية، و﴿شَاءَ﴾ فعل الشرط، وجواب الشرط ﴿لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾ [فصلت ١٤]، ومفعول ﴿شَاءَ﴾ محذوف، التقدير: لو شاء ألا نعبد إلا إياه لأنزل ملائكة.
هذه الحجة حجة باطلة؛ لأن المرسل إليهم هل هم ملائكة أو بشر، أجيبوا؟
* الطلبة: بشر.
* الشيخ: بشر، ما فيه إشكال، فكيف ينزل الله ملائكةً على بشر؟ ثم إن الله قال في جواب هذا: ولو أنزلنا ملكًا لجعلناه رجلًا؛ يعني بصورة رجل، لا يمكن أن ينزل ملكًا بصورة الملك على بشر، لو فُرِض أن الله أنزل ملكًا لجعله بصورة البشر، وحينئذٍ تعود الشبهة ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام ٩]، أرأيتم لو أرسل الله إلى بني آدم جبريل وله ست مئة جناح قد سَدَّ الأفق، يتطابق هذا مع الناس؟ أبدًا بل يهربون منه، ولا يقفون أمامه، فإذا كان كذلك بطلت هذه الحجة؛ لأننا نقول لهؤلاء ولمن قال مثل قولهم: لو أنزل الله ملكًا لجعله رجلًا، وحينئذٍ تعود الشُّبْهة.
إذن الحجة باطلة ﴿لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾. وقوله: ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ﴾ علينا ﴿مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ الفاء هنا للتفريع أي: فبناءً على أنه لم يُنزل ملائكة إنا بما أرسلتم به كافرون.
نسأل الله العافية، أكدوا كفرهم وقالوا: ﴿بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾. فقُدِّم المفعول؛ لأن ﴿بِمَا أُرْسِلْتُمْ﴾ متعلق بـ﴿كَافِرُونَ﴾ فلماذا قدم عليه؟ لوجهين: الوجه الأول: مراعاة فواصل الآيات، لو قال: فإنا كافرون بما أرسلتم به؛ لم تتناسب الفواصل، ولما قال: بما أرسلتم به كافرون. تناسبت الفواصل ومراعاة المناسبة أمر ثابت، أرأيتم موسى وهارون أيهما أفضل؟
* الطلبة: موسى.
* الشيخ: ومن الذي يقدم في القرآن؟
* طلبة: هارون.
* الشيخ: موسى يا ناس، وين أنتم؟! إلا في آية واحدة؛ من أجل التناسب، في سورة طه ذكر الله عن السحرة أنهم قالوا: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه ٧٠] مع أنهم كانوا قالوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ﴾ [الأعراف ١٢١] ﴿مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢٢]، هذا قول السحرة لكن لما نقله الله عنهم في سورة طه قدم ذكر هارون؛ لتناسب الآيات مع أن موسى أفضل، وموسى هو الذي نطق بتقديمه السحرة كما في آيات عدة لكن الله عز وجل نقل كلامهم في سورة طه مقدمًا هارون لماذا؟
* الطلبة: لتناسب الفواصل.
* الشيخ: نعم، لتناسب الفواصل، هنا ﴿فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ قُدِّم المتعلِّق وهو ﴿بِمَا أُرْسِلْتُمْ﴾ على المتعلَّق؛ لسببين: السبب الأول: مراعاة الفواصل، السبب الثاني: الحصر، كأن هؤلاء المكذبين المعاندين قالوا: لو أنا آمنا بكل شيء لكفرنا بما أُرسلتم به، فكأنهم يقولون: لا نكفر بأي شيء إلا بما أُرسلتم به، وتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر.
شوف العناد ﴿بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ كأنهم قالوا: لا نكفر إلا بما أُرسلتم به، هذا معنى الحصر، فيكون هذا أبلغ في العناد كأنهم يقولون: لو آمنا بكل شيء فلن نؤمن بما أُرسلتم به.
ثم إن قوله: ﴿بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ قالوه على سبيل التنزُّل؛ ولهذا قال المفسِّر: (على زعمكم). وإنما قلنا: إنهم قالوه على سبيل التنزل؛ لأنهم لو قالوه على سبيل الإقرار لآمنوا لكانوا مؤمنين، لكن قالوه على سبيل التنزل ﴿بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾. في هذه الآية أمْر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن ينذر هؤلاء المكذبين بعذاب من قبلهم؛ لقوله: ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ﴾ [فصلت ١٣].
* ومن فوائد هذه الآية: إثبات القياس؛ لأن إنذار المكذبين إذا لم يكن المراد بذلك قياس حال المكذبين للرسول على حال المكذبين لهود وصالح لم يكن لهذا الإنذار فائدة، لولا القياس ما كان لهذا الإنذار فائدة؛ إذن ففيه جواز القياس والاعتبار بالنظير والمماثل، ولقد قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١] وإثبات القياس دليلًا من محاسن الشريعة؛ لأن إثبات القياس دليلًا هو مقتضى العقل السليم؛ إذ إن العقل لا يمكن أبدًا أن يفرق بين متماثلين.
وعلى هذا فالذين أنكروا القياس خالفوا الدليل السمعي والدليل العقلي، الذين أنكروه وقالوا: لا قياس في الشريعة. سبحان الله! القرآن كله يشير إلى هذا، كل الأمثال المضروبة في القرآن كلها دليل على القياس لا شك وإلا لم يكن فائدة في الْمَثل، السنة أيضًا أتت بالقياس «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتِهِ؟ اقْضُوا اللَّهَ فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٥٢)، ومسلم (١١٤٨/١٥٥) من حديث ابن عباس.]]. هم أيضًا مخالفون للعقل؛ لأنه لولا ثبوت القياس لكانت الشريعة ناقصة، حيث لم تجمع بين المتماثلين، إذن في الآية اللي معنا إثبات القياس.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الرسل أتوا قومهم من كل جانب مُقبِلين ومُدْبِرين، يُرونهم الآيات الماضية والآيات المستقبَلة ولكن لا فائدة.
* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أتوا بتحقيق التوحيد؛ لقوله: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [فصلت ١٤]، وهذه هي الأصل الأصيل الذي دعت إليه الرسل جميعًا الدليل على أنهم الرسل جميعًا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل ٣٦] وآية أصرح منها؟
* طالب: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥].
* الشيخ: نعم هذه صريحة ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ذكرنا في قوله: ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [فصلت ١٤] أن المؤلف يقول: (مقبلين ومدبرين). وقلنا معنًى آخر: آتيناهم بالآيات الماضية والمستقبلة، وهناك أيضًا انقدح في ذهني الآن ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ الرسل الذين جاؤوهم مباشرة يعني ثمود جاءهم صالح، وعاد جاءهم هود.
﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ الرسل السابقة؛ ولهذا قال: ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾، ومعلوم أن الذي أرسل إلى عاد هود، وإلى ثمود صالح وهما اثنان، والرسل جمع فيقتضي أن يكون المعنى: إذ جاءتهم الرسل السابقون واللاحقون، ولعل هذا أقرب الاحتمالات الثلاثة.
* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن أهل الباطل يُشبِّهون بما ليس له حقيقة، وذلك حين ردوا دعوة الرسل بما لا يصح أن يكون ردًّا فما هو الذي ردوا به؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ما هو الذي ردوا به، ويش شبهتهم؟
* طالب: ﴿قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾ [فصلت ١٤].
* الشيخ: أحسنت، هل هذه الشبهة حجة؟
* الطالب: لا، ليست بحجة.
* الشيخ: ليست بحجة، ما دليلك على أنها ليست بحجة؟
* الطالب: الدليل أن الله عز وجل يقول في آية أخرى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام ٩] وحينئذٍ لو أنزل الله عز وجل ملائكة لجعله رجلًا وتعود الشبهة.
* الشيخ: تمام.
* من فوائد هذه الآية: شدة عناد المكذبين لصالح وعاد.
* طالب: هود.
* الشيخ: نعم، وهود، أحسنت، وجهه؟
* الطالب: أنهم حتى مع إثبات الرسالة لهم فهم مصرون على عنادهم و(...).
* الشيخ: أيضًا وجه آخر أشرنا إليه؟
* طالب: أنهم بقولهم هذا حصروا التكذيب ..
* الشيخ: كفرهم.
* الطالب: حصروا كفرهم بما جاءت به رسلهم.
* الشيخ: كأنهم يقولون: لو آمنا بكل شيء لم نؤمن بما أرسلتم به خاصةً، ووجه الخصوصية تقديم الجار والمجرور على متعلقه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المكذبين للرسل يؤمنون بالملائكة وهم كفار؛ لقوله: ﴿لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾.
* ومن فوائدِها أيضًا: أن المقر بالربوبية لا يُعتبر مؤمنًا حتى يقر بالألوهية؛ لقوله: ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾، وهكذا الكفار الذين بُعِث فيهم الرسول عليه الصلاة والسلام كانوا مقرين بالربوبية ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف ٩] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف ٨٧] ولكن الإيمان بالربوبية لا يكفي في كون الإنسان مسلمًا لا بد من الإيمان بالألوهية إضافةً إلى الإيمان بالربوبية، أيهما المستلزِم للآخر، وأيهما المتضمِّن للآخر؟ المستلزم للآخر: مَنْ آمن بالربوبية؛ لزمه أن يؤمن بالألوهية، إذن المستلزِم هو الربوبية، ومن آمَن بالألوهية فقد تضمن إيمانه بالألوهية الإيمان بالربوبية، واضح؟
* الطلبة: واضح.
* الشيخ: فأحدهما متضمن للآخر والثاني مستلزم للآخر.
أيضًا ومن مظاهر العناد لهؤلاء أنهم أكدوا كفرهم بـ(إن (﴿فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ فصار تأكيدهم لكفرهم وعنادهم من عدة أوجه: أولًا: التأكيد بـ(إن).
وثانيًا: الحصر، وذلك بتقديم ما حقه التأخير؛ أي بتقديم الجار والمجرور على متعلَّقه.
والثالث: أنهم أتوا به بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت والاستمرار بخلاف الفعلية، فهي دالة على الحدوث وعدم الاستمرار، وهنا أتوا بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت والاستمرار.
* طالب: قوله: ﴿خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ يدل على أن الكفار كانوا يُوحِّدون الله في الأسماء والصفات؟
* الشيخ: قد يكونون وقد يكونون أقروا ببعض الأسماء والصفات؛ لأنهم ينكرون الرحمن.
* الطالب: البعض؟
* الشيخ: إي، البعض يثبتونه لا شك.
* طالب: (...) مقبلين أو مدبرين (...).
* الشيخ: ثلاثة احتمالات نعم، الأول: ما قاله المؤلف، والثاني: الإقبال بالآيات والإدبار بها، الآيات السابقة والآيات اللاحقة، والثالث: الرسل السابقون واللاحقون.
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت ١١] هل كان الدخان قبل خلق السماوات والأرض قديمًا؟
* الشيخ: لا، قديمًا ماء، ثم تكوَّن من هذا الماء البخار حين خلق الله الأرض.
* الطالب: (عاد وثمود) يعني بالنسبة للناحية الإعرابية من ناحية الإعراب يعني: ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت ١٣] ﴿ثَمُود﴾ معطوفة على أي شيء؟
* الشيخ: على ﴿عَادٍ﴾.
* الطالب: و﴿عَادٍ﴾ مجرورة؟
* الشيخ: و﴿ثَمُودَ﴾ مجرورة؟
* الطالب: لا، مو مجرورة؛ منصوبة.
* الشيخ: ما هو مجرور؟ مجرور، بشيء مؤكد أنه مجرور.
* الطالب: لا، عندنا ما هو مجرور.
* الشيخ: ورِّينا عند غيرك!! ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف ٧٣] ﴿إِلَى ثَمُودَ﴾ ﴿إِلَى﴾ ما هي بحرف جر؟!
* الطالب: نعم.
* الشيخ: و﴿ثَمُودَ﴾؟
* الطالب: منصوب.
* الشيخ: مجرور، الظاهر أنك ما تعلمت النحو؟ نعم، قل نعم ولَّا لا؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: لم تتعلم؟
* الطالب: تعلمت شوية.
* الشيخ: إي، إذن اصبر حتى تتعلم ويتبين لك، ما تقول: هل هو منصوب ولا مجرور؟ ﴿ثَمُودَ﴾؟ أنت.
* طالب: مجرور.
* الشيخ: كيف مجرور وعليه فتحة؟
* الطالب: مجرور وعلامة جره الفتحة؛ لأنه ممنوع من الصرف.
* الشيخ: إيه، شوف الممنوع من الصرف يا أخ يُجر بالفتحة ولا ينون.
* الطالب: إيه سببه، يعني السبب؟
* الشيخ: السبب اللغة العربية.
* طالب: شيخ، بالنسبة لقوله: ﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت ١٢] كيف نستطيع نستنبط الصفة الثالثة من اقتران هذين الاسمين؟
* الشيخ: العزة والعلم، اجتماع العزة والعلم كمال؛ لأن العزيز بلا علم قد يبطش عن جهل، والعليم بلا عزة ضعيف.
* الطالب: الكلام اللي ذكره سبحانه وتعالى عن قوم عاد وثمود قولهم: ﴿فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ (...) هل هو اللفظ الذي قاله القوم أم أنه على لسان حالهم ومقالهم؟
* الشيخ: لا، قالوه.
* الطالب: نفس اللفظ هذا قالوه؟
* الشيخ: لا، هم لغتهم غير عربية لكن الله ينقل عنهم بالمعنى.
* الطالب: والعرب؟
* الشيخ: العرب؟ أيش العرب؟
* الطالب: (...) كفار قريش (...).
* الشيخ: لا، هذا حكاية عن عاد وثمود، لكن قريش كذبوا الرسول، معروف.
* طالب: نقل هذه الشبهة عنهم (...)، نقلها يكفي في إبطالها أو الرد في آية أخرى.
* الشيخ: كان يقال: تصور هذا القول كافٍ في رده وإبطاله، يعني حتى كفار قريش قالوا هكذا في سورة الأنعام: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الأنعام ٨- ١٠ ].
فصلت 41:14
ثم قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً﴾ [فصلت ١٣] إلى آخره، قال المفسر: (﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾ أي كفار مكة). ومعلوم أن الآية لم تنص على كفار مكة لكن السياق يدل على ذلك، حيث قال: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت ١٣].
(﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾ أي كفار مكة عن الإيمان بعد هذا البيان ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ﴾ خوفتكم ﴿صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ أي عذابًا يهلككم مثل الذي أهلكهم).
﴿أَنْذَرْتُكُمْ﴾ الإنذار فسره المؤلف بأنه التخويف، وهو كذلك؛ لأن المنذِر هو من تكلم بكلام يخوف به غيره؛ ولهذا قيل: إن الإنذار هو الإعلام المتضمِّن للتخويف.
وقوله: ﴿صَاعِقَةً﴾ الصاعقة ما يصعق المرء أي: يُهلكه ﴿مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾، والمثلية هنا لا تقتضي -والله أعلم- المماثَلة من كل وجه بل مِثلية في أصل الإهلاك، أو في مآل العذاب، ويحتمل أن الله تعالى أنذرهم ﴿مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾.
وصاعقة عاد وثمود نوعان: الرجفة، والريح الشديدة، الذين أُهلكوا بالريح الشديدة هم عاد، والذين أهلكوا بالرجفة والصيحة هم ثمود، وإنما ذكر الله عادًا وثمود؛ لأن العرب يعرفونهما فهم يمرون بديار ثمود إذا ذهبوا إلى الشام، وهم كذلك يعرفون محل عاد الأحقاف، ويذكرون ويتناقلون ما جرى لهم من العذاب، وإلا فهناك أناس أيضًا أهلكهم الله عز وجل لكن لما كان هؤلاء القوم -أعني عادًا وثمود- هم الذين تعرفهم العرب -أي كفار مكة- نص عليهم، ﴿مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾، ﴿عَادٍ﴾ هم قوم هود، و﴿ثَمُودَ﴾ هم قوم صالح.
أُهلكت عاد بالريح، والحكمة من ذلك أن يريهم الله عز وجل ضعفهم، وكانوا قد افتخروا بقوتهم فقالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥]، فقال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥]. وأما ثمود فأهلكهم الله عز وجل برجفة وصيحة، صِيح بهم وأرجفت بهم الأرض فهلكوا.
﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [فصلت ١٤] إلى آخره ﴿إِذْ﴾ هذه ظرف للتعليل يعني عن تعليل الصاعقة التي أهلكتهم سبب ذلك أن الرسل جاءتهم من بين أيديهم ومن خلفهم قال المفسر: (أي مقبلين عليهم ومدبرين عنهم فكفروا كما سيأتي والإهلاك في زمنه فقط).
﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾. قوله: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ يقول المؤلف: (أي مُقبلين عليهم ومُدبرين عنهم) يعني تارة يقبلون فيدعون، وتارة يُدبرون فيهددون إذا لم يؤمنوا، ويحتمل أن يكون المراد من بين أيديهم ومن خلفهم أي أتوهم بالآيات الماضية والآيات المستقبلة، فلم يُقصِّروا في بيان الحق بل جاؤوا ببيان الحق من كل وجه.
وقوله: (فكفروا) هذا هو المقصود من الإنذار؛ أنهم كفروا فأُهلكوا، ولهذا قال: (والإهلاك في زمنه فقط) أي في زمن الكفر، وليس في زمن المجيء؛ لأن الرسل جاءت أولًا، ثم دعت ودعت، فلما أصروا على كفرهم أهلكوا، (أن أي بأن لا ﴿تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ ) أفادنا المؤلف رحمه الله أن (أن) هنا مصدرية، والتقدير: بألَّا تعبدوا. أي جاءتهم بعدم عبادة غير الله، ويحتمل أن تكون (أن) تفسيرية؛ لأنه سبقها معنى القول دون حروفه؛ لأن مجيء الرسل جاؤوا بكلام ووحي يتكلمون به، ففيه معنى القول دون حروفه، وكلما جاءت (أن) بعد ما فيه معنى القول دون حروفه فإنهم يسمونها تفسيرية مثل قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [المؤمنون ٢٧] أوحينا أن اصنع الفلك.
﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي﴾ [النحل ٦٨] فـ﴿أَن﴾ هنا تفسيرية، فكلما جاءت ﴿أَن﴾ بعد ما تضمن معنى القول دون حروفه فإنها تكون تفسيرية، إذن ﴿أَن﴾ هنا يحتمل أن تكون مصدرية كما مشى عليه المفسر، وأن تكون تفسيرية.
ينبني على هذا الخلاف كيف نعرب (لا)؟ إن أعربنا ﴿أَن﴾ مصدرية فـ(لا) نافية، والفعل منصوب بـ(أن)، وإن أعربناها تفسيرية فـ(لا) ناهية، والفعل مجزوم بـ(لا).
فإعراب ﴿تَعْبُدُوا﴾ إذن يتنزل على الخلاف في أيش؟ في ﴿أَن﴾ قل يا أخ! إذا جعلناها تفسيرية يكون الفعل مجزومًا بماذا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف تعرب الفعل إذا كانت ﴿أَن﴾ تفسيرية؟
* طالب: فعل مضارع مجزوم بـ(لا) الناهية.
* الشيخ: أحسنت، فعل مضارع مجزوم بـ(لا) الناهية، وإذا أعربنا (أن) مصدرية؟
* طالب: منصوبة بـ﴿أَن﴾.
* الشيخ: منصوبة بـ﴿أَن﴾ تمام، وتكون على هذا (لا) نافية بالفاء، وعلى الأول تكون ناهية.
﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا﴾ [فصلت ١٤] إلى آخره (لا تعبدوا إلا الله) هو معنى قول (لا إله إلا الله)؛ لأن (لا إله) بمعنى لا معبود حق إلا الله، وهؤلاء يقول: (لا تعبدوا إلا الله) فهي بمعنى لا إله إلا الله، وهي بمعنى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥].
ومتى حقق الإنسان هذه الكلمة (لا إله إلا الله) فلا بد أن يقوم بطاعة الله، لا بد، ما دمت تشهد بأنه لا إله إلا الله فلا بد أن تتخذ الوسائل التي تُوصلك إلى هذا الإله الذي شهدتَ أنه لا إله سواه.
﴿قَالُوا﴾ الفاعل مَنْ؟ قوم عاد وثمود. (﴿قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ﴾ علينا ﴿مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ على زعمكم ﴿كَافِرُونَ﴾ ).
هذا الجواب، جواب في غاية السقوط: لو شاء ربنا أن نهتدي وألا نعبد إلا الله لأنزل ملائكة، وعلى هذا التقدير الذي قلت لكم يكون مفعول ﴿شَاءَ﴾ محذوفًا أي: لو شاء ربنا ألا نعبد إلا إياه لأنزل ملائكة، فـ﴿لَوْ﴾ شرطية، و﴿شَاءَ﴾ فعل الشرط، وجواب الشرط ﴿لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾ [فصلت ١٤]، ومفعول ﴿شَاءَ﴾ محذوف، التقدير: لو شاء ألا نعبد إلا إياه لأنزل ملائكة.
هذه الحجة حجة باطلة؛ لأن المرسل إليهم هل هم ملائكة أو بشر، أجيبوا؟
* الطلبة: بشر.
* الشيخ: بشر، ما فيه إشكال، فكيف ينزل الله ملائكةً على بشر؟ ثم إن الله قال في جواب هذا: ولو أنزلنا ملكًا لجعلناه رجلًا؛ يعني بصورة رجل، لا يمكن أن ينزل ملكًا بصورة الملك على بشر، لو فُرِض أن الله أنزل ملكًا لجعله بصورة البشر، وحينئذٍ تعود الشبهة ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام ٩]، أرأيتم لو أرسل الله إلى بني آدم جبريل وله ست مئة جناح قد سَدَّ الأفق، يتطابق هذا مع الناس؟ أبدًا بل يهربون منه، ولا يقفون أمامه، فإذا كان كذلك بطلت هذه الحجة؛ لأننا نقول لهؤلاء ولمن قال مثل قولهم: لو أنزل الله ملكًا لجعله رجلًا، وحينئذٍ تعود الشُّبْهة.
إذن الحجة باطلة ﴿لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾. وقوله: ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ﴾ علينا ﴿مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ الفاء هنا للتفريع أي: فبناءً على أنه لم يُنزل ملائكة إنا بما أرسلتم به كافرون.
نسأل الله العافية، أكدوا كفرهم وقالوا: ﴿بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾. فقُدِّم المفعول؛ لأن ﴿بِمَا أُرْسِلْتُمْ﴾ متعلق بـ﴿كَافِرُونَ﴾ فلماذا قدم عليه؟ لوجهين: الوجه الأول: مراعاة فواصل الآيات، لو قال: فإنا كافرون بما أرسلتم به؛ لم تتناسب الفواصل، ولما قال: بما أرسلتم به كافرون. تناسبت الفواصل ومراعاة المناسبة أمر ثابت، أرأيتم موسى وهارون أيهما أفضل؟
* الطلبة: موسى.
* الشيخ: ومن الذي يقدم في القرآن؟
* طلبة: هارون.
* الشيخ: موسى يا ناس، وين أنتم؟! إلا في آية واحدة؛ من أجل التناسب، في سورة طه ذكر الله عن السحرة أنهم قالوا: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه ٧٠] مع أنهم كانوا قالوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ﴾ [الأعراف ١٢١] ﴿مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢٢]، هذا قول السحرة لكن لما نقله الله عنهم في سورة طه قدم ذكر هارون؛ لتناسب الآيات مع أن موسى أفضل، وموسى هو الذي نطق بتقديمه السحرة كما في آيات عدة لكن الله عز وجل نقل كلامهم في سورة طه مقدمًا هارون لماذا؟
* الطلبة: لتناسب الفواصل.
* الشيخ: نعم، لتناسب الفواصل، هنا ﴿فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ قُدِّم المتعلِّق وهو ﴿بِمَا أُرْسِلْتُمْ﴾ على المتعلَّق؛ لسببين: السبب الأول: مراعاة الفواصل، السبب الثاني: الحصر، كأن هؤلاء المكذبين المعاندين قالوا: لو أنا آمنا بكل شيء لكفرنا بما أُرسلتم به، فكأنهم يقولون: لا نكفر بأي شيء إلا بما أُرسلتم به، وتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر.
شوف العناد ﴿بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ كأنهم قالوا: لا نكفر إلا بما أُرسلتم به، هذا معنى الحصر، فيكون هذا أبلغ في العناد كأنهم يقولون: لو آمنا بكل شيء فلن نؤمن بما أُرسلتم به.
ثم إن قوله: ﴿بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ قالوه على سبيل التنزُّل؛ ولهذا قال المفسِّر: (على زعمكم). وإنما قلنا: إنهم قالوه على سبيل التنزل؛ لأنهم لو قالوه على سبيل الإقرار لآمنوا لكانوا مؤمنين، لكن قالوه على سبيل التنزل ﴿بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾. في هذه الآية أمْر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن ينذر هؤلاء المكذبين بعذاب من قبلهم؛ لقوله: ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ﴾ [فصلت ١٣].
* ومن فوائد هذه الآية: إثبات القياس؛ لأن إنذار المكذبين إذا لم يكن المراد بذلك قياس حال المكذبين للرسول على حال المكذبين لهود وصالح لم يكن لهذا الإنذار فائدة، لولا القياس ما كان لهذا الإنذار فائدة؛ إذن ففيه جواز القياس والاعتبار بالنظير والمماثل، ولقد قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١] وإثبات القياس دليلًا من محاسن الشريعة؛ لأن إثبات القياس دليلًا هو مقتضى العقل السليم؛ إذ إن العقل لا يمكن أبدًا أن يفرق بين متماثلين.
وعلى هذا فالذين أنكروا القياس خالفوا الدليل السمعي والدليل العقلي، الذين أنكروه وقالوا: لا قياس في الشريعة. سبحان الله! القرآن كله يشير إلى هذا، كل الأمثال المضروبة في القرآن كلها دليل على القياس لا شك وإلا لم يكن فائدة في الْمَثل، السنة أيضًا أتت بالقياس «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتِهِ؟ اقْضُوا اللَّهَ فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٥٢)، ومسلم (١١٤٨/١٥٥) من حديث ابن عباس.]]. هم أيضًا مخالفون للعقل؛ لأنه لولا ثبوت القياس لكانت الشريعة ناقصة، حيث لم تجمع بين المتماثلين، إذن في الآية اللي معنا إثبات القياس.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الرسل أتوا قومهم من كل جانب مُقبِلين ومُدْبِرين، يُرونهم الآيات الماضية والآيات المستقبَلة ولكن لا فائدة.
* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أتوا بتحقيق التوحيد؛ لقوله: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [فصلت ١٤]، وهذه هي الأصل الأصيل الذي دعت إليه الرسل جميعًا الدليل على أنهم الرسل جميعًا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل ٣٦] وآية أصرح منها؟
* طالب: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥].
* الشيخ: نعم هذه صريحة ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ذكرنا في قوله: ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [فصلت ١٤] أن المؤلف يقول: (مقبلين ومدبرين). وقلنا معنًى آخر: آتيناهم بالآيات الماضية والمستقبلة، وهناك أيضًا انقدح في ذهني الآن ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ الرسل الذين جاؤوهم مباشرة يعني ثمود جاءهم صالح، وعاد جاءهم هود.
﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ الرسل السابقة؛ ولهذا قال: ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾، ومعلوم أن الذي أرسل إلى عاد هود، وإلى ثمود صالح وهما اثنان، والرسل جمع فيقتضي أن يكون المعنى: إذ جاءتهم الرسل السابقون واللاحقون، ولعل هذا أقرب الاحتمالات الثلاثة.
* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن أهل الباطل يُشبِّهون بما ليس له حقيقة، وذلك حين ردوا دعوة الرسل بما لا يصح أن يكون ردًّا فما هو الذي ردوا به؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ما هو الذي ردوا به، ويش شبهتهم؟
* طالب: ﴿قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾ [فصلت ١٤].
* الشيخ: أحسنت، هل هذه الشبهة حجة؟
* الطالب: لا، ليست بحجة.
* الشيخ: ليست بحجة، ما دليلك على أنها ليست بحجة؟
* الطالب: الدليل أن الله عز وجل يقول في آية أخرى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام ٩] وحينئذٍ لو أنزل الله عز وجل ملائكة لجعله رجلًا وتعود الشبهة.
* الشيخ: تمام.
* من فوائد هذه الآية: شدة عناد المكذبين لصالح وعاد.
* طالب: هود.
* الشيخ: نعم، وهود، أحسنت، وجهه؟
* الطالب: أنهم حتى مع إثبات الرسالة لهم فهم مصرون على عنادهم و(...).
* الشيخ: أيضًا وجه آخر أشرنا إليه؟
* طالب: أنهم بقولهم هذا حصروا التكذيب ..
* الشيخ: كفرهم.
* الطالب: حصروا كفرهم بما جاءت به رسلهم.
* الشيخ: كأنهم يقولون: لو آمنا بكل شيء لم نؤمن بما أرسلتم به خاصةً، ووجه الخصوصية تقديم الجار والمجرور على متعلقه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المكذبين للرسل يؤمنون بالملائكة وهم كفار؛ لقوله: ﴿لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾.
* ومن فوائدِها أيضًا: أن المقر بالربوبية لا يُعتبر مؤمنًا حتى يقر بالألوهية؛ لقوله: ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾، وهكذا الكفار الذين بُعِث فيهم الرسول عليه الصلاة والسلام كانوا مقرين بالربوبية ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف ٩] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف ٨٧] ولكن الإيمان بالربوبية لا يكفي في كون الإنسان مسلمًا لا بد من الإيمان بالألوهية إضافةً إلى الإيمان بالربوبية، أيهما المستلزِم للآخر، وأيهما المتضمِّن للآخر؟ المستلزم للآخر: مَنْ آمن بالربوبية؛ لزمه أن يؤمن بالألوهية، إذن المستلزِم هو الربوبية، ومن آمَن بالألوهية فقد تضمن إيمانه بالألوهية الإيمان بالربوبية، واضح؟
* الطلبة: واضح.
* الشيخ: فأحدهما متضمن للآخر والثاني مستلزم للآخر.
أيضًا ومن مظاهر العناد لهؤلاء أنهم أكدوا كفرهم بـ(إن (﴿فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ فصار تأكيدهم لكفرهم وعنادهم من عدة أوجه: أولًا: التأكيد بـ(إن).
وثانيًا: الحصر، وذلك بتقديم ما حقه التأخير؛ أي بتقديم الجار والمجرور على متعلَّقه.
والثالث: أنهم أتوا به بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت والاستمرار بخلاف الفعلية، فهي دالة على الحدوث وعدم الاستمرار، وهنا أتوا بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت والاستمرار.
* طالب: قوله: ﴿خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ يدل على أن الكفار كانوا يُوحِّدون الله في الأسماء والصفات؟
* الشيخ: قد يكونون وقد يكونون أقروا ببعض الأسماء والصفات؛ لأنهم ينكرون الرحمن.
* الطالب: البعض؟
* الشيخ: إي، البعض يثبتونه لا شك.
* طالب: (...) مقبلين أو مدبرين (...).
* الشيخ: ثلاثة احتمالات نعم، الأول: ما قاله المؤلف، والثاني: الإقبال بالآيات والإدبار بها، الآيات السابقة والآيات اللاحقة، والثالث: الرسل السابقون واللاحقون.
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت ١١] هل كان الدخان قبل خلق السماوات والأرض قديمًا؟
* الشيخ: لا، قديمًا ماء، ثم تكوَّن من هذا الماء البخار حين خلق الله الأرض.
* الطالب: (عاد وثمود) يعني بالنسبة للناحية الإعرابية من ناحية الإعراب يعني: ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت ١٣] ﴿ثَمُود﴾ معطوفة على أي شيء؟
* الشيخ: على ﴿عَادٍ﴾.
* الطالب: و﴿عَادٍ﴾ مجرورة؟
* الشيخ: و﴿ثَمُودَ﴾ مجرورة؟
* الطالب: لا، مو مجرورة؛ منصوبة.
* الشيخ: ما هو مجرور؟ مجرور، بشيء مؤكد أنه مجرور.
* الطالب: لا، عندنا ما هو مجرور.
* الشيخ: ورِّينا عند غيرك!! ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف ٧٣] ﴿إِلَى ثَمُودَ﴾ ﴿إِلَى﴾ ما هي بحرف جر؟!
* الطالب: نعم.
* الشيخ: و﴿ثَمُودَ﴾؟
* الطالب: منصوب.
* الشيخ: مجرور، الظاهر أنك ما تعلمت النحو؟ نعم، قل نعم ولَّا لا؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: لم تتعلم؟
* الطالب: تعلمت شوية.
* الشيخ: إي، إذن اصبر حتى تتعلم ويتبين لك، ما تقول: هل هو منصوب ولا مجرور؟ ﴿ثَمُودَ﴾؟ أنت.
* طالب: مجرور.
* الشيخ: كيف مجرور وعليه فتحة؟
* الطالب: مجرور وعلامة جره الفتحة؛ لأنه ممنوع من الصرف.
* الشيخ: إيه، شوف الممنوع من الصرف يا أخ يُجر بالفتحة ولا ينون.
* الطالب: إيه سببه، يعني السبب؟
* الشيخ: السبب اللغة العربية.
* طالب: شيخ، بالنسبة لقوله: ﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت ١٢] كيف نستطيع نستنبط الصفة الثالثة من اقتران هذين الاسمين؟
* الشيخ: العزة والعلم، اجتماع العزة والعلم كمال؛ لأن العزيز بلا علم قد يبطش عن جهل، والعليم بلا عزة ضعيف.
* الطالب: الكلام اللي ذكره سبحانه وتعالى عن قوم عاد وثمود قولهم: ﴿فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ (...) هل هو اللفظ الذي قاله القوم أم أنه على لسان حالهم ومقالهم؟
* الشيخ: لا، قالوه.
* الطالب: نفس اللفظ هذا قالوه؟
* الشيخ: لا، هم لغتهم غير عربية لكن الله ينقل عنهم بالمعنى.
* الطالب: والعرب؟
* الشيخ: العرب؟ أيش العرب؟
* الطالب: (...) كفار قريش (...).
* الشيخ: لا، هذا حكاية عن عاد وثمود، لكن قريش كذبوا الرسول، معروف.
* طالب: نقل هذه الشبهة عنهم (...)، نقلها يكفي في إبطالها أو الرد في آية أخرى.
* الشيخ: كان يقال: تصور هذا القول كافٍ في رده وإبطاله، يعني حتى كفار قريش قالوا هكذا في سورة الأنعام: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الأنعام ٨- ١٠ ].
فصلت 41:15
الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت ١٥، ١٦].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى لما ذكر أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن ينذر قريشًا بصاعقة مثل صاعقة عاد وثمود بيَّن ماذا كان من عاد وماذا كان من ثمود، فقال جلَّ وعلا: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ (أما) هذه أداة شرط وتفصيل، أما كونها أداة شرط؛ فلأن لها شرط وجزاء ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا﴾، وأما كونها أداة تفصيل؛ فلأنها تأتي كذلك في التفصيل: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل ٥، ٦] ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل ٨، ٩] فهي إذن حرف شرط وتفصيل.
﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ استكبروا أي: أصابهم الكِبر؛ وإنما أتت السين والتاء للمبالغة؛ أي: تكبَّروا تكبُّرًا عظيمًا.
وقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ هذه ليست صفة مقيدة ولكنها صفة كاشفة؛ لأن كل استكبار في الأرض فإنه بغير الحق، فالاستكبار لا ينقسم إلى قسمين، بل هو قسم واحد، فكل استكبار فإنه بغير حق، ويسمى مثل هذا القيد صفةً كاشفة؛ أي تكشف ما سبق، وتبين حقيقته، إذن فما حقيقة الاستكبار؟ أنه بغير حق، والحق ضد الباطل، والباطل إما أن يكون في الخبر، وإما أن يكون في الطَّلب، فأما الباطل في الخبر فأن يكون كذبًا، وأما الباطل في الحكم فأن يكون جورًا، وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج ٦٢] يشمل الأمرين: يشمل دعواهم أن هذه آلهة، وهذه دعوى كاذبة، ويشمل عملهم لهذه الآلهة وهو جور وظلم، حيث يعدلون المخلوق بالخالق.
﴿وَقَالُوا﴾ يعني من جملة ما استكبروا به. (﴿قَالُوا﴾ لما خُوِّفوا بالعذاب ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ ) أي: لا أحد. و﴿مَنْ﴾ هنا استفهام بمعنى النفي والإنكار، وقد كررنا مرارًا أن الاستفهام إذا كان بمعنى الإنكار والنفي صار أبلغ من النفي المجرد؛ لأنه يتضمن التحدي.
﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ و﴿مَنْ﴾ كما تعلمون اسم استفهام و﴿أَشَدُّ﴾ خبر المبتدأ؛ لأن ﴿مَنْ﴾ مبتدأ، و﴿أَشَدُّ﴾ خبر المبتدأ، و﴿قُوَّةً﴾ تمييز لـ﴿أَشَدُّ﴾ ومن الضوابط الغالبة أنه إذا أتى الاسم منصوبًا بعد اسم التفضيل كان تمييزًا، ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ أي لا أحد، ثم ذكر المؤلف نموذجًا من قوتهم قال: (كان واحدهم يقلع الصخرة العظيمة من الجبل يجعلها حيث يشاء). وهذا المثال قد يكون حقًّا وقد يكون إسرائيليًّا؛ لأن المعروف أن عادًا كانوا أيش؟
* طالب: ينحتون.
* الشيخ: النحت إذا ثبت ممكن يحملون الجبل، أين موقعهم؟
﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ [الأحقاف ٢١] والمعروف أن الأحقاف كلها جبال رملية، لكن على كل حال سواء صح هذا المثال أم لم يصح فإنهم كانوا بلا شك أقوياء أشداء فقالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ قال الله تبارك وتعالى رادًّا عليهم: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ أي يعلموا ﴿أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥]، وهذا تقرير لكون الله تعالى أشد منهم قوة. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾ ولم يقل: إن الله أشد، بل قال: ﴿خَلَقَهُمْ﴾؛ ليبين ضعفهم وأنهم مخلوقون، وأن الخالق سوف يكون أقوى منهم، فالذي خلقهم أشد منهم قوة؛ لأنه هو الذي أعطاهم القوة ومُعطِي الكمال أولى به، وهذا هو الحكمة من كونه تعالى قال: ﴿أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾ ولم يقل: أولم يعلموا أن الله الذي خلق السماوات والأرض، أو أن الله هو أشد منهم قوة؛ ليبين ضعفهم وأنهم مخلوقون ضعفاء.
قال: ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت ١٥]. قوله: ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ هذه معطوفة على قوله: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿وَقَالُوا﴾ [فصلت ١٥]، ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾. قال: (بآياتنا المعجزات) ﴿يَجْحَدُونَ﴾ يعني يُكذِّبون؛ لأن الجحد هو التكذيب والإنكار ولا سيما وهو مُعدًّى بـ(الباء) الدالة على ذلك، وقول المؤلف: بآياتنا معجزاتنا.
فيه نظر؛ لأن الآيات هي العلامات والدلالات على الخالق عز وجل وليست معجزات، وقد ذكرنا أن المعجزات تأتي آيات وتأتي من الشياطين بواسطة السحرة وغير ذلك لكن إذا قلنا: آيات. صار معناه علامات دالة على الحق ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾.
(﴿﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ ﴾ [فصلت: ١٦] باردة شديدة الصوت بلا مطر) ﴿رِيحًا﴾ هنا نكرة يُراد بها التعظيم؛ أي: ريحًا عظيمة ﴿صَرْصَرًا﴾ شديدة الصوت، تسمع لها صوتًا كالرعد من شدتها، وشدة اصطدامها بالهواء والأشجار والأحجار والبيوت.
وقول المؤلف: (بلا مطر) هذه الظاهر أنها لا تدل عليه السياق الموجود الآن، الموجود في هذه الآية لا يدل على أنه بلا مطر فيما يظهر لي لكنه قد دل عليه قوله تعالى: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات ٤١] يعني التي ليس فيها مطر؛ لأن المطر من أسباب الرياح، يرسلها الله تعالى فتثير سحابًا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفًا فترى الودق يخرج من خلاله، لكن ريح عاد ليس فيها ذلك.
(﴿﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ ﴾ [فصلت: ١٦] بكسر الحاء وسكونها مشؤومات عليهم) ﴿فِي أَيَّامٍ﴾ هذه الأيام بيَّن الله قدرها في آية أخرى في قوله: ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة ٧] ابتدأت بالفجر وانتهت به، أو بالغروب؟ ابتدأت بالفجر وتنتهي؟ نشوفها: الأول والثاني والثالث والرابع والخامس والسادس والسابع، سبع ليالٍ وثمانية أيام، ثمانية أيام تنتهي بالغروب، وسبع ليال لأن الليلة الأولى حُذفت.
يقول عز وجل: (﴿لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ﴾ الذل ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ) اللام للعاقبة، ويحتمل أن تكون للتعليل، وكلاهما صحيح؛ فإن الله تعالى أرسل عليهم الريح العقيم لهذا الغرض، أو أرسل عليهم الريح العقيم حتى كانت عاقبتهم أن ذاقوا عذاب الخزي في الحياة الدنيا؛ يعني هذه الحياة التي نحياها وسُمِّيت دُنيَا لوجهين: لدناءتها وحقارتها بالنسبة للآخرة؛ لأن موضع سوط الإنسان في الجنة خير من الدنيا وما فيها؛ ولأنها أيضًا دنيا مُنغَّصة، لا تكاد يمر بك الشهر إلا وقد وجدت تنغيصًا بل أقل من ذلك كما قال الشاعر:
فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا ∗∗∗ وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرْ
الوجه الثاني: لدنوها؛ لأنها سابقة للآخرة فهي أدنى إلى المخلوقات من الآخرة، إذن لماذا سُميت دنيا؟
* طالب: إما لدناءتها أو حقارتها، وإما (...)، أو إما؛ لأنها والدناءة كذلك من أنها كثيرة المنغصات ليست كالآخرة، أو أنها لدنوها وقربها.
* الشيخ: إي، كما قال تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة ٢٣] أي قريبة، وقول أسامة: إما لكذا وإما لكذا خطأ والصواب: لكذا وكذا؛ لأنها جمعت بين الأمرين ما هي بـ(إما لهذا وإما لهذا).
قال تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى﴾ [فصلت ١٦] أشد ﴿وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت ١٦] بمنعه عنهم، اللام في قوله: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ﴾ يسمونها لام الابتداء وهي للتوكيد؛ ولذلك إذا جاءت (إن) أين تذهب اللام؟ تُزحلق تُؤخَّر عن مكانها، وتكون في المتأخر من اسم (إن) أو خبرها، وإنما زحلقناها؛ لئلا يجتمع في أول الكلام مؤكدان متواليان؛ ولهذا نقول: اللام في قوله: ﴿وَلَعَذَابُ﴾ هي لام الابتداء وتفيد التوكيد، ويدل لهذا أنها مع (إن) تُزحْلق حتى تُبعد عنها. ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى﴾ يعني أشد خزيًا -والعياذ بالله- لأن عذاب الدنيا لا يسمع به من سبق، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: ولا يراه من لحق، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: لا يسمع به من سبق؛ لأنه جاء بعدهم، فالقوم الذين قبل عاد ما علموا بذلك، والقوم الذين بعدهم ما رأوه؛ سمعوا به ولم يروه، لكن في الآخرة سماع ورؤية -والعياذ بالله- الذي يُعذَّب في الآخرة سماع ورؤية يسمعه كل أحد، السابق واللاحق؛ ولهذا قال: ﴿أَخْزَى﴾ ثم هو أيضًا أشد كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه ١٢٧] أشد وأعظم كما تعرفون من عذاب النار أعاذنا الله وإياكم منها.
﴿وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾ هذه استئنافية يعني أنهم في الآخرة لا أحد ينصرهم، في الدنيا ربما يُنصر الإنسان من العذاب بدفعِه أو رفعِه: بدفعه قبل وقوعه، أو رفعه بعد وقوعه لكن في الآخرة لا ناصر.
* في هذه الآيات فوائد، منها: بيان عِظم استكبار هؤلاء المكذبين لنبيهم؛ أعني عادًا؛ لقوله: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥].
* ومنها: بيان طغيان الإنسان، وأن الإنسان لا حد لطغيانه؛ لأن وصوله إلى هذه الدرجة ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ يدل على الطغيان العظيم والكبرياء.
* ومنها: حِكمة الله عز وجل بأخذهم بالعذاب حيث أُخِذوا بما هو ألطف الأشياء وهو الريح اللطيفة التي يكون بها إنعاش البَدَن وتقويته ونشاطه هي التي أُهلك بها عاد؛ لأنهم قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾، وانظر إلى فرعون حين قال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥١، ٥٢] بماذا عُذِّب؟ بالماء الذي كان بالأمس يفتخر به.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بلاغة القرآن في الإقناع وإقامة الحجة؛ لقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥] وجه ذلك أنه قال: ﴿الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز عقد المفاضلة بين الخالق والمخلوق؛ لقوله: ﴿أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ مع أنه سبحانه وتعالى أشد من كل أحد لكن المقام مقام مُحاجَّة، ومقام المحاجَّة لا بأس أن يُذكر فيها المفاضلة بين المُفضَّل والْمُفضَّل عليه، ونظير هذا بل أبلغ منه قول الله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل ٥٩] أفيدوني: هل في أصنامهم خير؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لكن هذا من باب المحاجَّة، وأن الإنسان يحاج الخصم بما يُقِرُّ به..
لكن المقام مقام مُحاجَّة، ومقام المحاجة لا بأس أن يُذكَرَ فيها المفاضلة بين المفضل والمفضل عليه، ونظيرُ هذا بل أبلغ منه قول الله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل ٥٩]، أفيدوني: هل في أصنامهم خير؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: لكن هذا من باب المحاجة، وأن الإنسان يحاجُّ الخَصْمُ بما يُقرُّ به.
قوله: ﴿هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥] يتفرَّع على هذا من الفوائد: خطأُ مَنْ يفسِّر قولََ الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الإسراء ٥٥]، ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام ١١٧]، وما أشبه ذلك، حيث يُفسِّر ﴿أَعْلَمُ﴾ بـ(عالم) كالجلالين رحمه الله.
﴿أَعْلَمُ﴾ يقول: (عالم) هذا خطأ عظيم وتحريف للقرآن أيهما أبلغ؛ أعلم أو عالم؟
* طلبة: أعلم.
* الشيخ: أعلم؛ لأن أعلم يمنع المشاركة، وعالم لا يمنع المشاركة، تقول: فلان عالم، وفلان عالم، وفلان عالم، لكن إذا قلت: فلان أعلم؛ معناه أنه لا يساويه أحد في درجته، فتفسير ﴿أَعْلَمُ﴾ بـ(عالم) لا شك أنه تحريف في القرآن وقصور عظيم.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان أن هؤلاء المكذِّبين لهود -وهم عاد- جمعوا بين الأمرين: بين الاستكبار، وبين التكذيب؛ الاستكبار في قوله: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾، التكذيب ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت ١٥].
* ومِن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله عزَّ وجلَّ أرسل الرسل بالآيات وأقام البينات والبراهين على أنه الحق، وأن رسله حق؛ لقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾.
* ومن فوائد هذه الآيات: أن الرياح تجري بأمر الله؛ لقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ [فصلت ١٦]، ولا شك أن كل شيء يجري بأمر الله، حتى أفعال البشر تكون بأمر الله عز وجل، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، فكل شيء يسير بأمر الله عز وجل؛ الرياح، السحاب، البحار، الأنهار كلها تجري بأمر الله عز وجل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان حال هذه الريح التي أهلك الله بها عادًا، وأنها ريح صرصَرٌ شديدة، وفي آيات أخرى ما يدل على أنها ليس فيها مطر، وليس فيها خير، بل هي عقيمة من الخير كله.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل في مجازاة مَنْ يستحق الجزاء؛ حيث يُجازى بمثل عمله؛ ولهذا يقول العلماء: الجزاء من جنس العمل، وجه ذلك أن الله أرسل على هؤلاء المستكبرين الذين يقولون: من أشد منا قوة؛ أرسل عليهم الريح اللَّيِّنة الهينة، ومن حكمة الله عز وجل في هذا العذاب أنها لم تكن تَجْرِفُهم في آن واحد، بل سُلِّطت عليهم سبعَ ليالٍ وثمانية أيام؛ ليكون هذا أشد في استمرار العقوبة؛ لأن الإنسان المعاقَب لو عوقب بما يهلكه فورًا لكان ينتهي من العقوبة، لكن إذا كانت العقوبة تأتي عليه في ساعات أو أيام صار هذا أشد.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيانُ أن أفعال الله تعالى مقرونة بالحكمة؛ لقوله: ﴿لِنُذِيقَهُمْ﴾ [فصلت ١٦]، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة؛ أن أفعال الله تعالى مقرونة بالحكمة، وأن شرعَه مقرونٌ بالحكمة، فكل ما شرعه أو قدَّره فإنه لحكمة، لكن هل هذه الحكمة معلومة؟ منها ما هو معلوم، ومنها ما ليس بمعلوم.
اضرب لي مثلًا بما حكمته غير معقولة؛ يعني لا ندركها بالعقل.
* طالب: يعني: شيء لا يدركه العقل.
* الشيخ: فيه أشياء من الشَّرْع أو من القَدَر معلومة الحكمة، وفيه أشياء غير معلومة، أنا أريد أن تضرب لي مثلًا للأشياء غير المعلومة التي لا نعلم حكمتها.
* الطالب: تعني من المقدرات؟
* الشيخ: لا، من المشروعات أسهل لك.
* الطالب: من المشروعات يعني: مثل ما يُعذِّب به الكفار..
* الشيخ: لا، هذه حكمة معلومة.
* طالب: فرض خمس صلوات.
* الشيخ: نعم، مثل الصلوات الخمس ما نعلم الحكمة في أنها خمس، أو نعلم الحكمة في أنها أربع، وأربع، وأربع، وثنتين، وثلاث، ما نعلم؛ لأن عقولنا قاصرة، لكننا نعلم أن الله لا يفعل شيئًا إلا لحكمة؛ ولهذا كان «جواب عائشة لِمُعاذَة أن قالت: كان يصيبُنا ذلك فنُؤْمَر بقضاء الصوم، ولا نؤمَر بقضاء الصلاة»[[أخرجه مسلم (٣٣٥ / ٦٩) من حديث عائشة.]]؛ يعني: وإذا كان الأمر كذلك؛ نؤمر بقضاء هذا دون هذا، فهذا لا بد أن يكون لحكمة.
طيب، من علماء الأمة وفِرَقِها من يقول: إن أفعال الله لا تعلل، ما لها حكمة، وشرعه ما له حكمة، يفعل لمجرد المشيئة، يحكم بالشَّرع لمجرد المشيئة، وهؤلاء لا شك أنهم وصفوا الله بالنقص والسفه، وقد أنكر الله على ذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص ٢٧]، وقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الدخان ٣٨]، وقال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون ١١٥]، والآيات في هذا كثيرة، وكل آية فيها لام التعليل فإنها تدل على الحكمة.
طيب، فيه أناس عكسوا قالوا: إن أفعال الله مُعلَّلة بحكمة، وأنه يجب عليه أن يفعل ما تقتضيه الحكمة، وأن يَشْرَع ما تقتضيه الحكمة، وهؤلاء أصابوا من وجه وأخطؤوا من وجه، أصابوا حيث ظنوا أننا نوجب نحن على ربنا بعقولنا ما نرى أن الحكمة تقتضيه، وهذا غلط ولَّا صح؟
هؤلاء يقولون: يجب على الله أن يفعل ما فيه الحكمة وجوبًا، هذا غلط من وجه، وصحيح من وجه، فإن أرادوا بذلك أنَّنا نوجب على الله أن يفعل ما تقتضي عقولنا أنه الحكمة، فهذا غلط، وإن أرادوا أن الله أوجب على نفسه أن يفعل ما به الحكمة؛ لأنه حكيم فهذا صحيح، ونحن لا نشك أنَّ الحكمة هي مرادُ الله عز وجل، وأنه لا يفعل شيئًا ولا يحكم شيئًا إلا لحكمة، لكن هل نحن الذين نُقدِّر الحكمة ثم نوجب على الله أن يفعل؟ هذا هو الخطأ، فالثاني هذا مذهب المعتزلة، والأول مذهب الأشاعرة وأتباعهم، والصواب الوسط، ودائمًا خير الأمور الوسط.
* طالب: ما هو الوسط يا شيخ؟
* الشيخ: الوسط أن الله يجب عليه أن يفعل؛ لإيجابه على نفسه الحكمة؛ لأنه نفى أن يكون فعله عبثًا، أو لعبًا، أو باطلًا، وهذا يقتضي أنه سبحانه وتعالى يفعل الشيء لحكمة، لكن لسنا نحن الذين نوجبها على الله.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عذاب الآخرة أشدُّ من عذاب الدنيا؛ لقوله: ﴿لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
* ومن فوائدها: أن الكافِرَ يُعاقب بالعقوبتين: عقوبة الدنيا، وعقوبة الآخرة؛ لقوله: ﴿لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى﴾.
أما المؤمن فإن الله تعالى لا يجمع عليه عقوبتين؛ إذا عوقب بالذنب في الدنيا لم يُعاقَب به في الآخرة؛ لقوله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى ٣٠]، ولأن النبي ﷺ أخبر أن مَنْ أتى شيئًا من هذه القاذورات -يعني المعاصي- فعوقب به في الدنيا لم يُعذَّب به في الآخرة.
فالمؤمن إذا عوقب في الدنيا على عمله لم يعاقبْ في الآخرة، والكافر يعاقب بهذا وهذا، وانظر إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الفرقان ٦٨، ٦٩] حيث قال: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾، فإما أن يكونَ المرادُ أنَّ عذاب الآخرة أشد فيكون بالنسبة لشدَّتِه مضاعفًا، وإما أن يكون هو الجمع له بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.
وقولنا: إنه يجمع له بين عذابين ليس معناه أنه حتميٌّ، لكن نقول: إنه إذا عُذِّب بذنبه في الدنيا لم يَسْلَم من تعذيبه به في الآخرة، انتبهوا لهذا حتى لا يَرِدَ علينا أنَّ الكفار الآن يموتون وهم في غاية ما يكون من السرور والعافية والأموال والأولاد ولم يجدوا عذابًا.
والمعنى أنهم لم يجدوا عذابًا يُشاهَد، لكن العذابَ القلبيَّ عندهم لا شك أنه موجود، أشد الناس عذابًا قلبيًّا وقلقًا هم الكفار، وكلما كان الإنسان أعصى لربه كان أشدَّ قلقًا وأقل راحة، وكلما كان أشد إيمانًا وعملًا صالحًا كان أشد طمأنينة، واستمع إلى قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل ٩٧]، ولم يقلْ عزَّ وجل: لنعطينَّه مالًا كثيرًا لا؛ لنحيينه حياة طيبة ولو كان فقيرًا، فتجد حياته طيبة، مطمئن البال، مستريحًا، لا يهتم بشيء إلا بما يرضي الله عز وجل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا ناصر للمعذَّبين يوم القيامة؛ لقوله: ﴿وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾، وهذه لها شواهد، ومنها قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ [الطارق ٩، ١٠]، وكذلك هم يُقِرُّون بأنهم ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء ١٠٠، ١٠١].
فصلت 41:16
الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت ١٥، ١٦].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى لما ذكر أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن ينذر قريشًا بصاعقة مثل صاعقة عاد وثمود بيَّن ماذا كان من عاد وماذا كان من ثمود، فقال جلَّ وعلا: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ (أما) هذه أداة شرط وتفصيل، أما كونها أداة شرط؛ فلأن لها شرط وجزاء ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا﴾، وأما كونها أداة تفصيل؛ فلأنها تأتي كذلك في التفصيل: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل ٥، ٦] ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل ٨، ٩] فهي إذن حرف شرط وتفصيل.
﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ استكبروا أي: أصابهم الكِبر؛ وإنما أتت السين والتاء للمبالغة؛ أي: تكبَّروا تكبُّرًا عظيمًا.
وقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ هذه ليست صفة مقيدة ولكنها صفة كاشفة؛ لأن كل استكبار في الأرض فإنه بغير الحق، فالاستكبار لا ينقسم إلى قسمين، بل هو قسم واحد، فكل استكبار فإنه بغير حق، ويسمى مثل هذا القيد صفةً كاشفة؛ أي تكشف ما سبق، وتبين حقيقته، إذن فما حقيقة الاستكبار؟ أنه بغير حق، والحق ضد الباطل، والباطل إما أن يكون في الخبر، وإما أن يكون في الطَّلب، فأما الباطل في الخبر فأن يكون كذبًا، وأما الباطل في الحكم فأن يكون جورًا، وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج ٦٢] يشمل الأمرين: يشمل دعواهم أن هذه آلهة، وهذه دعوى كاذبة، ويشمل عملهم لهذه الآلهة وهو جور وظلم، حيث يعدلون المخلوق بالخالق.
﴿وَقَالُوا﴾ يعني من جملة ما استكبروا به. (﴿قَالُوا﴾ لما خُوِّفوا بالعذاب ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ ) أي: لا أحد. و﴿مَنْ﴾ هنا استفهام بمعنى النفي والإنكار، وقد كررنا مرارًا أن الاستفهام إذا كان بمعنى الإنكار والنفي صار أبلغ من النفي المجرد؛ لأنه يتضمن التحدي.
﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ و﴿مَنْ﴾ كما تعلمون اسم استفهام و﴿أَشَدُّ﴾ خبر المبتدأ؛ لأن ﴿مَنْ﴾ مبتدأ، و﴿أَشَدُّ﴾ خبر المبتدأ، و﴿قُوَّةً﴾ تمييز لـ﴿أَشَدُّ﴾ ومن الضوابط الغالبة أنه إذا أتى الاسم منصوبًا بعد اسم التفضيل كان تمييزًا، ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ أي لا أحد، ثم ذكر المؤلف نموذجًا من قوتهم قال: (كان واحدهم يقلع الصخرة العظيمة من الجبل يجعلها حيث يشاء). وهذا المثال قد يكون حقًّا وقد يكون إسرائيليًّا؛ لأن المعروف أن عادًا كانوا أيش؟
* طالب: ينحتون.
* الشيخ: النحت إذا ثبت ممكن يحملون الجبل، أين موقعهم؟
﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ [الأحقاف ٢١] والمعروف أن الأحقاف كلها جبال رملية، لكن على كل حال سواء صح هذا المثال أم لم يصح فإنهم كانوا بلا شك أقوياء أشداء فقالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ قال الله تبارك وتعالى رادًّا عليهم: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ أي يعلموا ﴿أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥]، وهذا تقرير لكون الله تعالى أشد منهم قوة. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾ ولم يقل: إن الله أشد، بل قال: ﴿خَلَقَهُمْ﴾؛ ليبين ضعفهم وأنهم مخلوقون، وأن الخالق سوف يكون أقوى منهم، فالذي خلقهم أشد منهم قوة؛ لأنه هو الذي أعطاهم القوة ومُعطِي الكمال أولى به، وهذا هو الحكمة من كونه تعالى قال: ﴿أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾ ولم يقل: أولم يعلموا أن الله الذي خلق السماوات والأرض، أو أن الله هو أشد منهم قوة؛ ليبين ضعفهم وأنهم مخلوقون ضعفاء.
قال: ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت ١٥]. قوله: ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ هذه معطوفة على قوله: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿وَقَالُوا﴾ [فصلت ١٥]، ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾. قال: (بآياتنا المعجزات) ﴿يَجْحَدُونَ﴾ يعني يُكذِّبون؛ لأن الجحد هو التكذيب والإنكار ولا سيما وهو مُعدًّى بـ(الباء) الدالة على ذلك، وقول المؤلف: بآياتنا معجزاتنا.
فيه نظر؛ لأن الآيات هي العلامات والدلالات على الخالق عز وجل وليست معجزات، وقد ذكرنا أن المعجزات تأتي آيات وتأتي من الشياطين بواسطة السحرة وغير ذلك لكن إذا قلنا: آيات. صار معناه علامات دالة على الحق ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾.
(﴿﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ ﴾ [فصلت: ١٦] باردة شديدة الصوت بلا مطر) ﴿رِيحًا﴾ هنا نكرة يُراد بها التعظيم؛ أي: ريحًا عظيمة ﴿صَرْصَرًا﴾ شديدة الصوت، تسمع لها صوتًا كالرعد من شدتها، وشدة اصطدامها بالهواء والأشجار والأحجار والبيوت.
وقول المؤلف: (بلا مطر) هذه الظاهر أنها لا تدل عليه السياق الموجود الآن، الموجود في هذه الآية لا يدل على أنه بلا مطر فيما يظهر لي لكنه قد دل عليه قوله تعالى: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات ٤١] يعني التي ليس فيها مطر؛ لأن المطر من أسباب الرياح، يرسلها الله تعالى فتثير سحابًا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفًا فترى الودق يخرج من خلاله، لكن ريح عاد ليس فيها ذلك.
(﴿﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ ﴾ [فصلت: ١٦] بكسر الحاء وسكونها مشؤومات عليهم) ﴿فِي أَيَّامٍ﴾ هذه الأيام بيَّن الله قدرها في آية أخرى في قوله: ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة ٧] ابتدأت بالفجر وانتهت به، أو بالغروب؟ ابتدأت بالفجر وتنتهي؟ نشوفها: الأول والثاني والثالث والرابع والخامس والسادس والسابع، سبع ليالٍ وثمانية أيام، ثمانية أيام تنتهي بالغروب، وسبع ليال لأن الليلة الأولى حُذفت.
يقول عز وجل: (﴿لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ﴾ الذل ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ) اللام للعاقبة، ويحتمل أن تكون للتعليل، وكلاهما صحيح؛ فإن الله تعالى أرسل عليهم الريح العقيم لهذا الغرض، أو أرسل عليهم الريح العقيم حتى كانت عاقبتهم أن ذاقوا عذاب الخزي في الحياة الدنيا؛ يعني هذه الحياة التي نحياها وسُمِّيت دُنيَا لوجهين: لدناءتها وحقارتها بالنسبة للآخرة؛ لأن موضع سوط الإنسان في الجنة خير من الدنيا وما فيها؛ ولأنها أيضًا دنيا مُنغَّصة، لا تكاد يمر بك الشهر إلا وقد وجدت تنغيصًا بل أقل من ذلك كما قال الشاعر:
فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا ∗∗∗ وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرْ
الوجه الثاني: لدنوها؛ لأنها سابقة للآخرة فهي أدنى إلى المخلوقات من الآخرة، إذن لماذا سُميت دنيا؟
* طالب: إما لدناءتها أو حقارتها، وإما (...)، أو إما؛ لأنها والدناءة كذلك من أنها كثيرة المنغصات ليست كالآخرة، أو أنها لدنوها وقربها.
* الشيخ: إي، كما قال تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة ٢٣] أي قريبة، وقول أسامة: إما لكذا وإما لكذا خطأ والصواب: لكذا وكذا؛ لأنها جمعت بين الأمرين ما هي بـ(إما لهذا وإما لهذا).
قال تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى﴾ [فصلت ١٦] أشد ﴿وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت ١٦] بمنعه عنهم، اللام في قوله: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ﴾ يسمونها لام الابتداء وهي للتوكيد؛ ولذلك إذا جاءت (إن) أين تذهب اللام؟ تُزحلق تُؤخَّر عن مكانها، وتكون في المتأخر من اسم (إن) أو خبرها، وإنما زحلقناها؛ لئلا يجتمع في أول الكلام مؤكدان متواليان؛ ولهذا نقول: اللام في قوله: ﴿وَلَعَذَابُ﴾ هي لام الابتداء وتفيد التوكيد، ويدل لهذا أنها مع (إن) تُزحْلق حتى تُبعد عنها. ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى﴾ يعني أشد خزيًا -والعياذ بالله- لأن عذاب الدنيا لا يسمع به من سبق، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: ولا يراه من لحق، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: لا يسمع به من سبق؛ لأنه جاء بعدهم، فالقوم الذين قبل عاد ما علموا بذلك، والقوم الذين بعدهم ما رأوه؛ سمعوا به ولم يروه، لكن في الآخرة سماع ورؤية -والعياذ بالله- الذي يُعذَّب في الآخرة سماع ورؤية يسمعه كل أحد، السابق واللاحق؛ ولهذا قال: ﴿أَخْزَى﴾ ثم هو أيضًا أشد كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه ١٢٧] أشد وأعظم كما تعرفون من عذاب النار أعاذنا الله وإياكم منها.
﴿وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾ هذه استئنافية يعني أنهم في الآخرة لا أحد ينصرهم، في الدنيا ربما يُنصر الإنسان من العذاب بدفعِه أو رفعِه: بدفعه قبل وقوعه، أو رفعه بعد وقوعه لكن في الآخرة لا ناصر.
* في هذه الآيات فوائد، منها: بيان عِظم استكبار هؤلاء المكذبين لنبيهم؛ أعني عادًا؛ لقوله: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥].
* ومنها: بيان طغيان الإنسان، وأن الإنسان لا حد لطغيانه؛ لأن وصوله إلى هذه الدرجة ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ يدل على الطغيان العظيم والكبرياء.
* ومنها: حِكمة الله عز وجل بأخذهم بالعذاب حيث أُخِذوا بما هو ألطف الأشياء وهو الريح اللطيفة التي يكون بها إنعاش البَدَن وتقويته ونشاطه هي التي أُهلك بها عاد؛ لأنهم قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾، وانظر إلى فرعون حين قال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥١، ٥٢] بماذا عُذِّب؟ بالماء الذي كان بالأمس يفتخر به.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بلاغة القرآن في الإقناع وإقامة الحجة؛ لقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥] وجه ذلك أنه قال: ﴿الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز عقد المفاضلة بين الخالق والمخلوق؛ لقوله: ﴿أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ مع أنه سبحانه وتعالى أشد من كل أحد لكن المقام مقام مُحاجَّة، ومقام المحاجَّة لا بأس أن يُذكر فيها المفاضلة بين المُفضَّل والْمُفضَّل عليه، ونظير هذا بل أبلغ منه قول الله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل ٥٩] أفيدوني: هل في أصنامهم خير؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لكن هذا من باب المحاجَّة، وأن الإنسان يحاج الخصم بما يُقِرُّ به..
لكن المقام مقام مُحاجَّة، ومقام المحاجة لا بأس أن يُذكَرَ فيها المفاضلة بين المفضل والمفضل عليه، ونظيرُ هذا بل أبلغ منه قول الله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل ٥٩]، أفيدوني: هل في أصنامهم خير؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: لكن هذا من باب المحاجة، وأن الإنسان يحاجُّ الخَصْمُ بما يُقرُّ به.
قوله: ﴿هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥] يتفرَّع على هذا من الفوائد: خطأُ مَنْ يفسِّر قولََ الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الإسراء ٥٥]، ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام ١١٧]، وما أشبه ذلك، حيث يُفسِّر ﴿أَعْلَمُ﴾ بـ(عالم) كالجلالين رحمه الله.
﴿أَعْلَمُ﴾ يقول: (عالم) هذا خطأ عظيم وتحريف للقرآن أيهما أبلغ؛ أعلم أو عالم؟
* طلبة: أعلم.
* الشيخ: أعلم؛ لأن أعلم يمنع المشاركة، وعالم لا يمنع المشاركة، تقول: فلان عالم، وفلان عالم، وفلان عالم، لكن إذا قلت: فلان أعلم؛ معناه أنه لا يساويه أحد في درجته، فتفسير ﴿أَعْلَمُ﴾ بـ(عالم) لا شك أنه تحريف في القرآن وقصور عظيم.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان أن هؤلاء المكذِّبين لهود -وهم عاد- جمعوا بين الأمرين: بين الاستكبار، وبين التكذيب؛ الاستكبار في قوله: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾، التكذيب ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت ١٥].
* ومِن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله عزَّ وجلَّ أرسل الرسل بالآيات وأقام البينات والبراهين على أنه الحق، وأن رسله حق؛ لقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾.
* ومن فوائد هذه الآيات: أن الرياح تجري بأمر الله؛ لقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ [فصلت ١٦]، ولا شك أن كل شيء يجري بأمر الله، حتى أفعال البشر تكون بأمر الله عز وجل، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، فكل شيء يسير بأمر الله عز وجل؛ الرياح، السحاب، البحار، الأنهار كلها تجري بأمر الله عز وجل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان حال هذه الريح التي أهلك الله بها عادًا، وأنها ريح صرصَرٌ شديدة، وفي آيات أخرى ما يدل على أنها ليس فيها مطر، وليس فيها خير، بل هي عقيمة من الخير كله.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل في مجازاة مَنْ يستحق الجزاء؛ حيث يُجازى بمثل عمله؛ ولهذا يقول العلماء: الجزاء من جنس العمل، وجه ذلك أن الله أرسل على هؤلاء المستكبرين الذين يقولون: من أشد منا قوة؛ أرسل عليهم الريح اللَّيِّنة الهينة، ومن حكمة الله عز وجل في هذا العذاب أنها لم تكن تَجْرِفُهم في آن واحد، بل سُلِّطت عليهم سبعَ ليالٍ وثمانية أيام؛ ليكون هذا أشد في استمرار العقوبة؛ لأن الإنسان المعاقَب لو عوقب بما يهلكه فورًا لكان ينتهي من العقوبة، لكن إذا كانت العقوبة تأتي عليه في ساعات أو أيام صار هذا أشد.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيانُ أن أفعال الله تعالى مقرونة بالحكمة؛ لقوله: ﴿لِنُذِيقَهُمْ﴾ [فصلت ١٦]، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة؛ أن أفعال الله تعالى مقرونة بالحكمة، وأن شرعَه مقرونٌ بالحكمة، فكل ما شرعه أو قدَّره فإنه لحكمة، لكن هل هذه الحكمة معلومة؟ منها ما هو معلوم، ومنها ما ليس بمعلوم.
اضرب لي مثلًا بما حكمته غير معقولة؛ يعني لا ندركها بالعقل.
* طالب: يعني: شيء لا يدركه العقل.
* الشيخ: فيه أشياء من الشَّرْع أو من القَدَر معلومة الحكمة، وفيه أشياء غير معلومة، أنا أريد أن تضرب لي مثلًا للأشياء غير المعلومة التي لا نعلم حكمتها.
* الطالب: تعني من المقدرات؟
* الشيخ: لا، من المشروعات أسهل لك.
* الطالب: من المشروعات يعني: مثل ما يُعذِّب به الكفار..
* الشيخ: لا، هذه حكمة معلومة.
* طالب: فرض خمس صلوات.
* الشيخ: نعم، مثل الصلوات الخمس ما نعلم الحكمة في أنها خمس، أو نعلم الحكمة في أنها أربع، وأربع، وأربع، وثنتين، وثلاث، ما نعلم؛ لأن عقولنا قاصرة، لكننا نعلم أن الله لا يفعل شيئًا إلا لحكمة؛ ولهذا كان «جواب عائشة لِمُعاذَة أن قالت: كان يصيبُنا ذلك فنُؤْمَر بقضاء الصوم، ولا نؤمَر بقضاء الصلاة»[[أخرجه مسلم (٣٣٥ / ٦٩) من حديث عائشة.]]؛ يعني: وإذا كان الأمر كذلك؛ نؤمر بقضاء هذا دون هذا، فهذا لا بد أن يكون لحكمة.
طيب، من علماء الأمة وفِرَقِها من يقول: إن أفعال الله لا تعلل، ما لها حكمة، وشرعه ما له حكمة، يفعل لمجرد المشيئة، يحكم بالشَّرع لمجرد المشيئة، وهؤلاء لا شك أنهم وصفوا الله بالنقص والسفه، وقد أنكر الله على ذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص ٢٧]، وقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الدخان ٣٨]، وقال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون ١١٥]، والآيات في هذا كثيرة، وكل آية فيها لام التعليل فإنها تدل على الحكمة.
طيب، فيه أناس عكسوا قالوا: إن أفعال الله مُعلَّلة بحكمة، وأنه يجب عليه أن يفعل ما تقتضيه الحكمة، وأن يَشْرَع ما تقتضيه الحكمة، وهؤلاء أصابوا من وجه وأخطؤوا من وجه، أصابوا حيث ظنوا أننا نوجب نحن على ربنا بعقولنا ما نرى أن الحكمة تقتضيه، وهذا غلط ولَّا صح؟
هؤلاء يقولون: يجب على الله أن يفعل ما فيه الحكمة وجوبًا، هذا غلط من وجه، وصحيح من وجه، فإن أرادوا بذلك أنَّنا نوجب على الله أن يفعل ما تقتضي عقولنا أنه الحكمة، فهذا غلط، وإن أرادوا أن الله أوجب على نفسه أن يفعل ما به الحكمة؛ لأنه حكيم فهذا صحيح، ونحن لا نشك أنَّ الحكمة هي مرادُ الله عز وجل، وأنه لا يفعل شيئًا ولا يحكم شيئًا إلا لحكمة، لكن هل نحن الذين نُقدِّر الحكمة ثم نوجب على الله أن يفعل؟ هذا هو الخطأ، فالثاني هذا مذهب المعتزلة، والأول مذهب الأشاعرة وأتباعهم، والصواب الوسط، ودائمًا خير الأمور الوسط.
* طالب: ما هو الوسط يا شيخ؟
* الشيخ: الوسط أن الله يجب عليه أن يفعل؛ لإيجابه على نفسه الحكمة؛ لأنه نفى أن يكون فعله عبثًا، أو لعبًا، أو باطلًا، وهذا يقتضي أنه سبحانه وتعالى يفعل الشيء لحكمة، لكن لسنا نحن الذين نوجبها على الله.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عذاب الآخرة أشدُّ من عذاب الدنيا؛ لقوله: ﴿لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
* ومن فوائدها: أن الكافِرَ يُعاقب بالعقوبتين: عقوبة الدنيا، وعقوبة الآخرة؛ لقوله: ﴿لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى﴾.
أما المؤمن فإن الله تعالى لا يجمع عليه عقوبتين؛ إذا عوقب بالذنب في الدنيا لم يُعاقَب به في الآخرة؛ لقوله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى ٣٠]، ولأن النبي ﷺ أخبر أن مَنْ أتى شيئًا من هذه القاذورات -يعني المعاصي- فعوقب به في الدنيا لم يُعذَّب به في الآخرة.
فالمؤمن إذا عوقب في الدنيا على عمله لم يعاقبْ في الآخرة، والكافر يعاقب بهذا وهذا، وانظر إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الفرقان ٦٨، ٦٩] حيث قال: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾، فإما أن يكونَ المرادُ أنَّ عذاب الآخرة أشد فيكون بالنسبة لشدَّتِه مضاعفًا، وإما أن يكون هو الجمع له بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.
وقولنا: إنه يجمع له بين عذابين ليس معناه أنه حتميٌّ، لكن نقول: إنه إذا عُذِّب بذنبه في الدنيا لم يَسْلَم من تعذيبه به في الآخرة، انتبهوا لهذا حتى لا يَرِدَ علينا أنَّ الكفار الآن يموتون وهم في غاية ما يكون من السرور والعافية والأموال والأولاد ولم يجدوا عذابًا.
والمعنى أنهم لم يجدوا عذابًا يُشاهَد، لكن العذابَ القلبيَّ عندهم لا شك أنه موجود، أشد الناس عذابًا قلبيًّا وقلقًا هم الكفار، وكلما كان الإنسان أعصى لربه كان أشدَّ قلقًا وأقل راحة، وكلما كان أشد إيمانًا وعملًا صالحًا كان أشد طمأنينة، واستمع إلى قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل ٩٧]، ولم يقلْ عزَّ وجل: لنعطينَّه مالًا كثيرًا لا؛ لنحيينه حياة طيبة ولو كان فقيرًا، فتجد حياته طيبة، مطمئن البال، مستريحًا، لا يهتم بشيء إلا بما يرضي الله عز وجل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا ناصر للمعذَّبين يوم القيامة؛ لقوله: ﴿وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾، وهذه لها شواهد، ومنها قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ [الطارق ٩، ١٠]، وكذلك هم يُقِرُّون بأنهم ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء ١٠٠، ١٠١].
فصلت 41:17
ثم قال: ﴿وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾.
أما التقسيم الثاني قال: (﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت ١٧] بينَّا لهم طريق الهدى).
﴿ثَمُودُ﴾ بلا تنوين، و﴿عَادٌ﴾ بتنوين، فلماذا؟
* طالب: ممنوعة من الصرف.
* الشيخ: أيهن؟
* الطالب: ثمود.
* الشيخ: لأن ﴿ثَمُودُ﴾ ممنوعة من الصرف، و﴿عَادٌ﴾؟
* الطالب: ليست ممنوعة من الصرف.
* الشيخ: ليست ممنوعة من الصرف.
وما هو الصرف؟ هل الصرف جَرُّ ما لا ينصرف بالفتحة، أو الصرف شيء آخر؟
* الطالب: عدم التنوين.
* الشيخ: عدم التنوين، قال ابن مالك:
الـــصَّرْفُ تَنْــــوِينٌ أَتَى مُبَيِّنَا ∗∗∗ مَعنًى بِهِ يكونُ الاسمُ أَمْكَنَا
هذا الصرف.
﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ قال المفسر: (بيَّنَّا لهم طريق الهدى) فالهداية هنا هداية بيان؛ يعني بُيِّنَ لهم الحق، واعلم أن كلَّ مَنْ كفر فإنه كفر بعد أن تبيَّن له الحق إذا جاءه الرسول؛ لأن الرُّسُل عليهم الصلاة والسلام يبينون الحق، لا يدعون شيئًا يحتاج إلى بيان إلا بينوه.
قال هنا: ﴿فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ أي: بينَّا لهم طريق الحق، فالهداية هنا هداية بيانٌ وإرشاد.
(﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى﴾ اختاروا الكفر ﴿عَلَى الْهُدَى﴾ ) أي: هداية التوفيق؛ يعني على الاهتداء، استحبوا العمى الذي هو الكفر على الهدى الذي هو الذي هو الإسلام.
﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [فصلت ١٧].
﴿أَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ﴾ يعني عذاب الصاعقة؛ لأن ثمود صيح بهم ورُجِفَ بهم فصَعِقُوا، هلكوا هلكة رجلٍ واحد، أصبحوا في ﴿أَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ -والعياذ بالله- على رُكَبِهم هامدين.
وقوله: ﴿الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ أي: العذاب المهين؛ لأن الهون هو الإذلال.
﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ الباء للسببية، و(ما) إما موصولة، وعليه فيكون عائدُها محذوفًا، التقدير: بما كانوا يكسبونه، وإما أن تكون مصدرية فلا تحتاج إلى عائد ويكون التقدير: بكسبهم.
(﴿وَنَجَّيْنَا﴾ منها) أي من صاعقة العذاب الهون ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [فصلت ١٨] نجينا من هذا العذاب الذين آمنوا وكانوا يتقون، جمعوا بين الإيمان والتقوى، وهذا هو سبب النجاة، وسيأتي إن شاء الله بيان ما يستفاد من الآيات.
* طالب: قلنا: إن المؤمن إذا عوقب في الدنيا لم يجمع الله له عذاب الآخرة، هل هذا يشمل حتى لو لم يتب عوقب وهو مصر على ذنبه؟ كالزاني مثلًا.
* الشيخ: إي نعم؛ لأنه إذا تاب لا يُعاقَب لا في الدنيا ولا في الآخرة.
* الطالب: يا شيخ، التائب من الذنب كمن لا ذنب له، عكسها أنه كمن عليه ذنب؛ لأنه ما استفاد من هذه العقوبة ما ارتدع؟
* الشيخ: هو إذا عوقب مُحِيَ عنه إثمُ ما سبق؛ لأنه أخذ جزاءه وانتهى، لكن قد يُؤَخَّر له العذاب إلى يوم القيامة؛ ولهذا إذا أحب الله قومًا عجَّل لهم عقوبة في الدنيا، حتى لا يُخزَوْن بها يوم القيامة.
* الطالب: شيخ، لو عوقب الآن، ثم مات مُباشَرَة قبل أن يفعل ذنبًا آخر، هل يعاقب بنية عدم التوبة؟
* الشيخ: لا، يعاقَب إن استمرت النية بعد العقوبة، فهذا ربما يعاقب على نيتِه، لا على فعله.
* الطالب: شيخ -أحسن الله إليك- قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾، وفي الحديث: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ»[[أخرجه مسلم (٩١ / ١٤٧) من حديث عبد الله بن مسعود.]] هل لا يدخل الجنة دُخولًا أوليًّا، أم لا يدخل الجنة أبدًا؟
* الشيخ: لا، هذا فيه التفصيل: إن كان الكِبْرُ كفرًا فهو ما يدخل الجنة أبدًا، وإن كان كبرٌ مع الإيمان فإنه لا يدخلها الدخولَ المطلق الذي لم يُسبَق بعذاب، وهذا أيضًا من آيات الوعيد إذا شاء الله تعالى عفا عنه ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨].
* طالب: هل مثل قوله: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ قوله تعالى: ﴿وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف ٣٣]؟
* الشيخ: إي نعم، مثلها، يعني: صفة كاشفة هذه.
* الطالب: أحسن الله إليك، هل عذاب الكفار، يعني إذا مات متصل إلى يوم القيامة ولَّا هل يوم القيامة يعذبون في الدنيا؟
* الشيخ: قل: هل عذاب القبر، بارك الله فيك.
أمَّا عذاب الكفار في الآخرة فمستمر، لكن عذاب القبر بالنسبة للمؤمن قد ينقطع، يُعذَّب بقدر ذنوبه ثم ينقطع، وبالنسبة للكافر فإن الظاهر استمراره.
* الطالب: قول الله عز وجل: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ إضافة النَّحس للأيام.
* الشيخ: نعم، لا بأس به، كما قال لوط: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود ٧٧]، هذا إذا كان المرادُ به مجرَّد الخبر، وهنا المراد به مجرد الخبر، وأمَّا إذا كان المراد به العيب والسبَّ فإنه لا يجوز، فإذن يكون هذا السب أو العيب إما أن يكون على سبيل الإخبار، أو على سبيل السب، على الأول جائز، وعلى الثاني غير جائز، نظير ذلك إخبار المريض بما يَجِدْ، أحيانًا يسأله صاحبه، كيف أنت البارحة؟ فيتشكَّى يقول: والله ما نمت البارحة، آلام في الرأس، في الرقبة، في الظهر، في البطن، في الرجلين، هذا إذا قاله على سبيل التَّشَكِّي فهذا لا يجوز؛ لأنه ينافي الصبر. وإذا قاله على سبيل الإخبار فلا بأس به، ولهذا بعض المرضى يُقدِّم فيقول: إخبارًا لا شكوى، حصل لي كذا وكذا. فهمت؟
* طالب: بارك الله فيك، الذي يعاقَب في نيته هل يعاقب إذا لم يباشرْ هذا الفعل؟
* الشيخ: لا، العقاب على النيَّة، إذا نوى الإنسان فعل المعصية إما أن يدافِعَ هذه النية ويدع المعصية لله عز وجل فهذا يثاب، وإما أن يستمر على نيته ويعزم ولكنه يعجز، فهذا يعاقب على نيته.
* * *
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت ١٩ - ٢٤].
* الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
باسم الله نبتدئ هذه الفترة من هذا العام عام سبعة عشر وأربع مئة وألف في الإجازة بين آخر الفصول الدراسية وأولها، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، ومن نعمته تعالى أن كان أول درس نبتدئه في هذه الإجازة تفسير كلام الله عز وجل، ولا ريب أن القرآن الكريم نزل ليتعبَّد الناس بتلاوته وليتدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص ٢٩]، وإذا كان الإنسان لو قرأ متنًا ألَّفه إنسان من البشر فلا بد أن يتفهَّم معانيه، فكذلك كلامُ الله عز وجل من باب أولى أن يتدبر الإنسان معانيه ويتفهمها؛ لأنَّ قراءةً بلا معنى ليست قراءة، فالقارئ الذي لا يفهم المعنى بمنزلة الأميِّ الذي لا يقرأ، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة ٧٨] يعني: إلا قراءة، فوصفهم الله بأنهم أميون؛ لأنهم لا يعلمون الكتاب إلا قراءةً فقط، وقد ذكر العلماء -رحمهم الله- في تفسير كلام الله عز وجل قواعد مهمة نذكر منها ما يلي:
أولًا: أوَّل وأولى ما يُفَسَّر به القرآن أن يُفَسَّر القرآن بالقرآن؛ لأن الذي فسَّره هو الذي أنزله، وهو أعلم بمراده، فنفسر القرآن بالقرآن، ما وجدنا إلى ذلك سبيلًا، ولهذا أمثلة كثيرة مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار ١٧، ١٨] فسَّر الله ذلك اليوم بقوله: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار ١٩]، فلو سألَنا سائل: ما هو يوم الدين؟ نقول: يوم لا تملك نفس لنفس شيئًا والأمر يومئذ لله، وقال تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة ١ - ٥]، ولهذا أمثلة كثيرة.
ثم نُفَسِّر القرآن بتفسيرِ أعلم الناس به وهو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولهذا أمثلة منها قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦] الزيادة لم يبينها الله عز وجل ولكن بينها الرسول عليه الصلاة والسلام بقوله: «هِيَ النَّظَرُ إِلى وَجْهِ اللهِ»[[أخرجه مسلم (١٨١ / ٢٩٧) من حديث صهيب.]]، وكذلك مثال آخر قول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال ٦٠] فسَّرها النبيُّ عليه الصلاة والسلام بقوله: «ألَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ»[[أخرجه مسلم (١٩١٧ / ١٦٧) من حديث عقبة بن عامر.]] وكررها، وكما يكون تفسيرُ النبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم للقرآن بلفظه يكون كذلك بفعله؛ فقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة ٤٣] لم يبيِّنْ الله تعالى كيفية هذه الإقامة التي أمر بها، لكن فسرها النبي ﷺ بفعله فقام وركع وسجد وقعد، وقال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»[[أخرجه البخاري (٦٣٢٩) من حديث أبي هريرة.]]، إذن أول ما نفسِّر القرآن بماذا؟ بالقرآن، عَلِّلْ؛ لأن الذي فسَّره هو الذي تكلم به وهو أعلم بمراده، ثم بأيش؟ بسنة النبي ﷺ القوليَّة والفعلية، عَلِّلْ؛ لأن النبي ﷺ أعلم الناس بكلام الله؛ لأنه رسوله.
ثم بعد ذلك بتفسير الصحابة رضي الله عنهم، تفسير الصحابة لا شك أنه أولى من غيره؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم أعلم الناس بلغة القرآن بلا منازع، ولأن القرآن نزل في عصرهم وفي الأحوال التي يعرفونها، ولا ريب أن المعنى يُعْرَف في الزمن والحال التي نزل بها؛ ولهذا ينقُلُون إلينا أسباب النزول في الآيات التي نزلت على سبب؛ لأنهم كانوا يعلمون ذلك، فيُرْجَع في تفسيرِ القرآن إذا لم يوجد في كتاب الله أو سنة رسوله يرجع إلى من؟ إلى أقوال الصحابة، والصحابة رضي الله عنهم يختلفون في فَهْم القرآن اختلافًا ظاهرًا، كما يختلفون في مراتبهم في الفضائل، كذلك أيضًا يختلفون في العلم وفي تفسير القرآن، ومن أعلمهم بالتفسير ابن عباس رضي الله عنهما؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دعا له فقال: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ»[[متفق عليه البخاري (١٤٣)، ومسلم (٢٤٧٧ / ١٣٨) من حديث ابن عباس.]] يعني التفسير.
وبعد هذا المرتبة الرابعة: الرجوع إلى كلام التابعين الذين أخذوا عن الصحابة رضي الله عنهم، ليس كل التابعين، بل الذين اشتهر عنهم الأخذ عن الصحابة، وعلى رأسهم مجاهد بن جبر رحمه الله الذي أخذ تفسير القرآن عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، فكان يقرأ القرآن على ابن عباس، ويقف عند كل آية يسأله عن تفسيرها، ثم بعد ذلك يُؤْخَذ بالأمثل فالأمثل من أقوال أئمة هذه الأمة وعلمائها.
ثم اعلم أن تفسير القرآن لا يقتصر على تفسير الصحابة والتابعين، ولأنَّه قد يخرج للآيات معان لم تكن تطرأ على البال فيما سبق، كما يشير بعض الآيات إلى المخترعات الحديثة التي وقعت في زماننا هذا، وكما تشير بعض الآيات إلى ما عُلِمَ في علم الأحياء والكائنات؛ وذلك لأن القرآن كتاب عالميٌّ لا يزال الناس يستخرجون كنوزَه وفوائده إلى يوم القيامة، وبناءً على ذلك ينبغي لنا، بل يجب علينا أن نعتني بكلام الله عز وجل وأن نتدبَّره ونتفهمه حتى نلحق بالركب.
فيما سبق ذكر بعضكم أننا لم نأخذ فوائد ما سبق من قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت ١٧] أهكذا؟
* في هذه الآية فوائد:
* منها: أن الله تعالى أبلغ رسالاته كلَّ أحد ولم يَدَعْ أحدًا بلا هداية؛ أي: بلا هداية دلالة؛ لقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ﴾، وهذه الجملة التفصيلية -كما سبق في التفسير- معطوفة على ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الهداية ليست مقصورةً على هداية التوفيق، ولكنها تُطْلَق على هداية الدلالة والبيان؛ لقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ أي: دللناهم على الحق.
* ومنها: الردُّ على الجبرية الذين قالوا: إن الإنسان مُجبَر على عمله، من أين تَأْخُذ من أين تأخذ الرد على الجهمية من هذه الآية ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾؟
* الطالب: قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾.
* الشيخ: لا.
* الطالب: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾.
* الشيخ: لا.
* طالب: ذَكَر الله هنا هداية التوفيق وهداية الدلالة والإرشاد.
* الشيخ: لا، أنا قلت لك: لا في ﴿اسْتَحَبُّوا﴾ لأني أخشى أنك تتدرج كلمةً كلمة حتى تصل إلى آخر الآية، لكن ما وجه أخذنا الردَّ على الجبرية من قوله تعالى: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى﴾؟
* الطالب: (...) اختيار لأنفسهم يعني ﴿فَاسْتَحَبُّوا﴾.
* الشيخ: إي نعم؛ لأن ﴿اسْتَحَبُّوا﴾ تدلُّ على اختيارهم لهذا الشيء، وأنهم آثروه على الهدى.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن مَنْ لم يتمش على هدى الله فإنه أعمى، منين؟
* الطالب: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى﴾.
* الشيخ: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى﴾ طيب، إذا كانوا مبصرين بأعينهم فهم؟
* الطالب: عميان البصائر.
* الشيخ: عمي البصائر، إذن نأخذ من ذلك فائدة؛ وهي: أن العمى نوعان: عمى بصر، وعمى بصيرة وأيهما أشد؟
* طالب: البصيرة.
* الشيخ: نعم، عمى البصيرة، كم من إنسان أعمى البصر، لكنه مبصر البصيرة، وكم من إنسان مبصر البصر، لكنه أعمى البصيرة.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: تعجيل العقوبة لمن آثر العمى على الهدى، منين نأخذه؟
* الطالب: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ﴾
* الشيخ: وجه الدلالة؟
* الطالب: أنه الفاء تفيد تدل على الترتيب والتعقيب.
* الشيخ: الترتيب والتعقيب، نعم، هذا وجه، وجه آخر: أن الفاء هنا للسببية، والمسبَّب يعقُب السبب.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: التحذيرُ من إيثار العمى على الهدى، وأن الإنسانَ إذا بُيِّن له الحق ولكنه عمي عنه فإنه جدير بأن يعاقبه الله عز وجل، من أين؟ لأن الله أخبرنا بأخذهم لنحذر من ذلك، أخبرنا الله تعالى بعقوبتهم حين خالفوا لنحذر من ذلك، انتبه لهذه الفائدة العظيمة، دليل ذلك أن الله يخبرنا عمن سبق لنحذر من طريقهم دليل ذلك قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١] هذا دليل، دليل آخر ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد ١٠].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن ثمود أُهْلِكوا بصاعقة، أي: بشيءٍ صُعِقوا به وهُلِكوا، وقد بَيَّن الله في آية أخرى أنه أخذتهم الرجفة، فيكون أُخِذوا بالرجفة حتى صُعِقوا وهلكوا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين غرَّهم الكبر أهينوا وأُذلوا، من أين نأخذها؟ ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ يعني: عذاب الذل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، والباء هنا للسببية.
واعلم أن الله تعالى لنْ يحكمَ حكمًا شرعيًّا ولا حكمًا قدريًّا ولا حكمًا جزائيًّا إلا بسبب هذه، خذها قاعدة: لن يحكم حكمًا شرعيًّا كالإيجاب والتحريم والإباحة، ولا قدريًّا كالخلقِ والتكوين، ولا جزائيًّا إلا بسبب، نعلم ذلك علمَ اليقينِ، ونأخذه من أن الله تعالى حكيم، والحكيم هو الذي يضع الأشياء مواضعها، لا يمكن أن يكون فعلُ الله فلتةً ولا صدْفَةً ولا لغوًا ولا لعبًا، بل لا بد له مِنْ سببٍ اقتضاه، لكن هل كل سبب اقتضى حكمَ اللهِ يكون معلومًا للخلق؟ لا؛ لأن الخلق أعجز من أن يدركوا حكمة الله عز وجل، وكم من أحكام شرعية وكونية وجزائية لا نعلم حكمتها؛ لأننا أقصر من أن نحيط بحكمة الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: إثبات أن العمل كسب للإنسان، ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
يتفرع على هذه الفائدة أنه إذا كان العمل كسبًا للإنسانِ فإنَّه يجب عليه بمقتضى العقل كما هو مقتضى الشرع أن يسعى إلى الكسب المفيد، لا إلى الكسب الضار، كما كان يفعل في الدنيا، أليس الواحد منا في الدنيا يسعى إلى الكسب النافع؟
* طلبة: بلى.
* الشيخ: بلى؛ إذن يجب أن تسعى إلى الكسب النافع في الآخرة؛ ولهذا ضلَّ مَنْ ضلَّ في عقله ودينه من احتجَّ بالقدَرِ على معاصي الله، ولم يحتج بالقدر على أمور الدنيا؛ في أمور الدنيا يعمل ويكدح ويسعى لما فيه المصلحة والمنفعة، لكن في أمور الآخرة يتكاسل ثم يقول: هذا القدر. فنقول: قد ضللت، كيف تحتج بالقدَرِ على كسب الآخرة، ولا تحتج به على كسب الدنيا؟
* ومن فوائد الآية التي بعدها: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ عدل الله عزَّ وجلَّ، وجه ذلك العدل قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فيها إثبات العدل لله عز وجل، العدل يعني معناه عدم الجور وعدم الظلم؟ طيب، نعم، ما وجه الدلالة في الآية والتي قبلها على عدل الله؟ ما أريد أن تذكر لي محل الدلالة، أنا أريد وجه الدلالة؟
* طالب: إن الذين استحبوا العمى على الهدى جازاهم الله عز وجل بما يستحقون عذاب الهون، والذين آمنوا جازاهم الله عز وجل أن نجاهم يوم القيامة.
* الشيخ: أحسنت، إثبات النجاة للمؤمنين، والعذاب للمعْرِضِين، هذا دليل على العدل؛ لأنه أعطى سبحانه وتعالى كلَّ إنسان ما يستحق، ولا شك أن الله سبحانه وتعالى أحكم الحاكمين، ومن كونه أحكم الحاكمين لازم أن يكون أعدلهم؛ لأنه كلما كان الحكم أعدل كان أحكم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان والتقوى سبب للنجاة؛ لقوله: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾، ومثله قوله تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ [الزمر ٦١].
* ومِن فوائدها: أن الإيمان وحده لا يكفي، بل لا بد من إيمان وتقوى؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾، ما هو المقارنة بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس ٦٢]؟
* الطالب: أن الولي هو المؤمن التقي.
* الشيخ: أن الذين آمنوا وكانوا يتقون والذين ينجيهم الله هم أولياء الله؛ لأن قوله: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس ٦٢، ٦٣] يطابق تمامًا هذه الآية حتى في اللفظ هناك ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس ٦٣]، وهذه ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز حذف ما يعلم، من أين تؤخذ؟
* الطالب: ﴿كَانُوا يَتَّقُونَ﴾.
* الشيخ: وين المحذوف؟
* الطالب: كانوا أي يعود على (...).
* الشيخ: نعم، ولكن أين المحذوف؟
* الطالب: المحذوف خبر (...).
* الشيخ: مفعول ﴿يَتَّقُونَ﴾، أي: الذين آمنوا وكانوا يتقون الله، وإن شئت فقل: وكانوا يتقون ما يجب اتقاءه؛ لأن الله تعالى أحيانًا يقول: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة ٢٧٨]، وأحيانًا يقول: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ﴾ [البقرة ٤٨]، ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٣١]، فإذا قلنا: وكانوا يتقون ما أمروا باتقائه، صار ذلك أيش؟ أعم، أنتم معنا يا جماعة؟ أيش قلنا؟ تقدير المحذوف في قوله: ﴿يَتَّقُونَ﴾؟ لا، تقديره؟ أيش نقدره؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: محذوف.
* الشيخ: أيش التقدير.
* طالب: تقديره محذوف، وهو ما يُتَّقى.
* الشيخ: محذوف، ما تقديره؟
* الطالب: تقديره كل ما يتقى؛ الآخرة..
* الشيخ: ما تقديره؟ أنا قدرت لكم، آخر كلمة قبل هذا السؤال.
* طالب: (...).
* الشيخ: أحسن ما أُمِروا باتقائه؛ يتقون ما أمروا باتقائه، وقد أُمِرْنا بتقوى الله، وتقوى النار، وتقوى يوم القيامة، إذن المعنى العام أن نقول: وكانوا يتقون ما أمروا باتقائه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة الإيمان والتقوى، وأنه سبب للنجاة؛ لقوله: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.
فإذا قال قائل: أليس الله تعالى يُنْزِل عقوبة أحيانًا في أقوامٍ فيهم المتقي وفيهم غير المتقي، فما الجواب؟ الجواب: أن الله تعالى يأخذ المتقي بذنب غير المتقي في الدنيا، في الدنيا يُعذَّبون جميعًا، ويُبْعَثون في الآخرة على نيَّاتهم وأعمالهم، دليل هذا قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال ٢٥]، يعني: احذروا هذه الفتنة، وهذا يعني أننا نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر لنتقيها ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال ٢٥].
فصلت 41:18
ثم قال: ﴿وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾.
أما التقسيم الثاني قال: (﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت ١٧] بينَّا لهم طريق الهدى).
﴿ثَمُودُ﴾ بلا تنوين، و﴿عَادٌ﴾ بتنوين، فلماذا؟
* طالب: ممنوعة من الصرف.
* الشيخ: أيهن؟
* الطالب: ثمود.
* الشيخ: لأن ﴿ثَمُودُ﴾ ممنوعة من الصرف، و﴿عَادٌ﴾؟
* الطالب: ليست ممنوعة من الصرف.
* الشيخ: ليست ممنوعة من الصرف.
وما هو الصرف؟ هل الصرف جَرُّ ما لا ينصرف بالفتحة، أو الصرف شيء آخر؟
* الطالب: عدم التنوين.
* الشيخ: عدم التنوين، قال ابن مالك:
الـــصَّرْفُ تَنْــــوِينٌ أَتَى مُبَيِّنَا ∗∗∗ مَعنًى بِهِ يكونُ الاسمُ أَمْكَنَا
هذا الصرف.
﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ قال المفسر: (بيَّنَّا لهم طريق الهدى) فالهداية هنا هداية بيان؛ يعني بُيِّنَ لهم الحق، واعلم أن كلَّ مَنْ كفر فإنه كفر بعد أن تبيَّن له الحق إذا جاءه الرسول؛ لأن الرُّسُل عليهم الصلاة والسلام يبينون الحق، لا يدعون شيئًا يحتاج إلى بيان إلا بينوه.
قال هنا: ﴿فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ أي: بينَّا لهم طريق الحق، فالهداية هنا هداية بيانٌ وإرشاد.
(﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى﴾ اختاروا الكفر ﴿عَلَى الْهُدَى﴾ ) أي: هداية التوفيق؛ يعني على الاهتداء، استحبوا العمى الذي هو الكفر على الهدى الذي هو الذي هو الإسلام.
﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [فصلت ١٧].
﴿أَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ﴾ يعني عذاب الصاعقة؛ لأن ثمود صيح بهم ورُجِفَ بهم فصَعِقُوا، هلكوا هلكة رجلٍ واحد، أصبحوا في ﴿أَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ -والعياذ بالله- على رُكَبِهم هامدين.
وقوله: ﴿الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ أي: العذاب المهين؛ لأن الهون هو الإذلال.
﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ الباء للسببية، و(ما) إما موصولة، وعليه فيكون عائدُها محذوفًا، التقدير: بما كانوا يكسبونه، وإما أن تكون مصدرية فلا تحتاج إلى عائد ويكون التقدير: بكسبهم.
(﴿وَنَجَّيْنَا﴾ منها) أي من صاعقة العذاب الهون ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [فصلت ١٨] نجينا من هذا العذاب الذين آمنوا وكانوا يتقون، جمعوا بين الإيمان والتقوى، وهذا هو سبب النجاة، وسيأتي إن شاء الله بيان ما يستفاد من الآيات.
* طالب: قلنا: إن المؤمن إذا عوقب في الدنيا لم يجمع الله له عذاب الآخرة، هل هذا يشمل حتى لو لم يتب عوقب وهو مصر على ذنبه؟ كالزاني مثلًا.
* الشيخ: إي نعم؛ لأنه إذا تاب لا يُعاقَب لا في الدنيا ولا في الآخرة.
* الطالب: يا شيخ، التائب من الذنب كمن لا ذنب له، عكسها أنه كمن عليه ذنب؛ لأنه ما استفاد من هذه العقوبة ما ارتدع؟
* الشيخ: هو إذا عوقب مُحِيَ عنه إثمُ ما سبق؛ لأنه أخذ جزاءه وانتهى، لكن قد يُؤَخَّر له العذاب إلى يوم القيامة؛ ولهذا إذا أحب الله قومًا عجَّل لهم عقوبة في الدنيا، حتى لا يُخزَوْن بها يوم القيامة.
* الطالب: شيخ، لو عوقب الآن، ثم مات مُباشَرَة قبل أن يفعل ذنبًا آخر، هل يعاقب بنية عدم التوبة؟
* الشيخ: لا، يعاقَب إن استمرت النية بعد العقوبة، فهذا ربما يعاقب على نيتِه، لا على فعله.
* الطالب: شيخ -أحسن الله إليك- قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾، وفي الحديث: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ»[[أخرجه مسلم (٩١ / ١٤٧) من حديث عبد الله بن مسعود.]] هل لا يدخل الجنة دُخولًا أوليًّا، أم لا يدخل الجنة أبدًا؟
* الشيخ: لا، هذا فيه التفصيل: إن كان الكِبْرُ كفرًا فهو ما يدخل الجنة أبدًا، وإن كان كبرٌ مع الإيمان فإنه لا يدخلها الدخولَ المطلق الذي لم يُسبَق بعذاب، وهذا أيضًا من آيات الوعيد إذا شاء الله تعالى عفا عنه ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨].
* طالب: هل مثل قوله: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ قوله تعالى: ﴿وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف ٣٣]؟
* الشيخ: إي نعم، مثلها، يعني: صفة كاشفة هذه.
* الطالب: أحسن الله إليك، هل عذاب الكفار، يعني إذا مات متصل إلى يوم القيامة ولَّا هل يوم القيامة يعذبون في الدنيا؟
* الشيخ: قل: هل عذاب القبر، بارك الله فيك.
أمَّا عذاب الكفار في الآخرة فمستمر، لكن عذاب القبر بالنسبة للمؤمن قد ينقطع، يُعذَّب بقدر ذنوبه ثم ينقطع، وبالنسبة للكافر فإن الظاهر استمراره.
* الطالب: قول الله عز وجل: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ إضافة النَّحس للأيام.
* الشيخ: نعم، لا بأس به، كما قال لوط: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود ٧٧]، هذا إذا كان المرادُ به مجرَّد الخبر، وهنا المراد به مجرد الخبر، وأمَّا إذا كان المراد به العيب والسبَّ فإنه لا يجوز، فإذن يكون هذا السب أو العيب إما أن يكون على سبيل الإخبار، أو على سبيل السب، على الأول جائز، وعلى الثاني غير جائز، نظير ذلك إخبار المريض بما يَجِدْ، أحيانًا يسأله صاحبه، كيف أنت البارحة؟ فيتشكَّى يقول: والله ما نمت البارحة، آلام في الرأس، في الرقبة، في الظهر، في البطن، في الرجلين، هذا إذا قاله على سبيل التَّشَكِّي فهذا لا يجوز؛ لأنه ينافي الصبر. وإذا قاله على سبيل الإخبار فلا بأس به، ولهذا بعض المرضى يُقدِّم فيقول: إخبارًا لا شكوى، حصل لي كذا وكذا. فهمت؟
* طالب: بارك الله فيك، الذي يعاقَب في نيته هل يعاقب إذا لم يباشرْ هذا الفعل؟
* الشيخ: لا، العقاب على النيَّة، إذا نوى الإنسان فعل المعصية إما أن يدافِعَ هذه النية ويدع المعصية لله عز وجل فهذا يثاب، وإما أن يستمر على نيته ويعزم ولكنه يعجز، فهذا يعاقب على نيته.
* * *
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت ١٩ - ٢٤].
* الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
باسم الله نبتدئ هذه الفترة من هذا العام عام سبعة عشر وأربع مئة وألف في الإجازة بين آخر الفصول الدراسية وأولها، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، ومن نعمته تعالى أن كان أول درس نبتدئه في هذه الإجازة تفسير كلام الله عز وجل، ولا ريب أن القرآن الكريم نزل ليتعبَّد الناس بتلاوته وليتدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص ٢٩]، وإذا كان الإنسان لو قرأ متنًا ألَّفه إنسان من البشر فلا بد أن يتفهَّم معانيه، فكذلك كلامُ الله عز وجل من باب أولى أن يتدبر الإنسان معانيه ويتفهمها؛ لأنَّ قراءةً بلا معنى ليست قراءة، فالقارئ الذي لا يفهم المعنى بمنزلة الأميِّ الذي لا يقرأ، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة ٧٨] يعني: إلا قراءة، فوصفهم الله بأنهم أميون؛ لأنهم لا يعلمون الكتاب إلا قراءةً فقط، وقد ذكر العلماء -رحمهم الله- في تفسير كلام الله عز وجل قواعد مهمة نذكر منها ما يلي:
أولًا: أوَّل وأولى ما يُفَسَّر به القرآن أن يُفَسَّر القرآن بالقرآن؛ لأن الذي فسَّره هو الذي أنزله، وهو أعلم بمراده، فنفسر القرآن بالقرآن، ما وجدنا إلى ذلك سبيلًا، ولهذا أمثلة كثيرة مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار ١٧، ١٨] فسَّر الله ذلك اليوم بقوله: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار ١٩]، فلو سألَنا سائل: ما هو يوم الدين؟ نقول: يوم لا تملك نفس لنفس شيئًا والأمر يومئذ لله، وقال تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة ١ - ٥]، ولهذا أمثلة كثيرة.
ثم نُفَسِّر القرآن بتفسيرِ أعلم الناس به وهو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولهذا أمثلة منها قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦] الزيادة لم يبينها الله عز وجل ولكن بينها الرسول عليه الصلاة والسلام بقوله: «هِيَ النَّظَرُ إِلى وَجْهِ اللهِ»[[أخرجه مسلم (١٨١ / ٢٩٧) من حديث صهيب.]]، وكذلك مثال آخر قول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال ٦٠] فسَّرها النبيُّ عليه الصلاة والسلام بقوله: «ألَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ»[[أخرجه مسلم (١٩١٧ / ١٦٧) من حديث عقبة بن عامر.]] وكررها، وكما يكون تفسيرُ النبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم للقرآن بلفظه يكون كذلك بفعله؛ فقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة ٤٣] لم يبيِّنْ الله تعالى كيفية هذه الإقامة التي أمر بها، لكن فسرها النبي ﷺ بفعله فقام وركع وسجد وقعد، وقال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»[[أخرجه البخاري (٦٣٢٩) من حديث أبي هريرة.]]، إذن أول ما نفسِّر القرآن بماذا؟ بالقرآن، عَلِّلْ؛ لأن الذي فسَّره هو الذي تكلم به وهو أعلم بمراده، ثم بأيش؟ بسنة النبي ﷺ القوليَّة والفعلية، عَلِّلْ؛ لأن النبي ﷺ أعلم الناس بكلام الله؛ لأنه رسوله.
ثم بعد ذلك بتفسير الصحابة رضي الله عنهم، تفسير الصحابة لا شك أنه أولى من غيره؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم أعلم الناس بلغة القرآن بلا منازع، ولأن القرآن نزل في عصرهم وفي الأحوال التي يعرفونها، ولا ريب أن المعنى يُعْرَف في الزمن والحال التي نزل بها؛ ولهذا ينقُلُون إلينا أسباب النزول في الآيات التي نزلت على سبب؛ لأنهم كانوا يعلمون ذلك، فيُرْجَع في تفسيرِ القرآن إذا لم يوجد في كتاب الله أو سنة رسوله يرجع إلى من؟ إلى أقوال الصحابة، والصحابة رضي الله عنهم يختلفون في فَهْم القرآن اختلافًا ظاهرًا، كما يختلفون في مراتبهم في الفضائل، كذلك أيضًا يختلفون في العلم وفي تفسير القرآن، ومن أعلمهم بالتفسير ابن عباس رضي الله عنهما؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دعا له فقال: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ»[[متفق عليه البخاري (١٤٣)، ومسلم (٢٤٧٧ / ١٣٨) من حديث ابن عباس.]] يعني التفسير.
وبعد هذا المرتبة الرابعة: الرجوع إلى كلام التابعين الذين أخذوا عن الصحابة رضي الله عنهم، ليس كل التابعين، بل الذين اشتهر عنهم الأخذ عن الصحابة، وعلى رأسهم مجاهد بن جبر رحمه الله الذي أخذ تفسير القرآن عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، فكان يقرأ القرآن على ابن عباس، ويقف عند كل آية يسأله عن تفسيرها، ثم بعد ذلك يُؤْخَذ بالأمثل فالأمثل من أقوال أئمة هذه الأمة وعلمائها.
ثم اعلم أن تفسير القرآن لا يقتصر على تفسير الصحابة والتابعين، ولأنَّه قد يخرج للآيات معان لم تكن تطرأ على البال فيما سبق، كما يشير بعض الآيات إلى المخترعات الحديثة التي وقعت في زماننا هذا، وكما تشير بعض الآيات إلى ما عُلِمَ في علم الأحياء والكائنات؛ وذلك لأن القرآن كتاب عالميٌّ لا يزال الناس يستخرجون كنوزَه وفوائده إلى يوم القيامة، وبناءً على ذلك ينبغي لنا، بل يجب علينا أن نعتني بكلام الله عز وجل وأن نتدبَّره ونتفهمه حتى نلحق بالركب.
فيما سبق ذكر بعضكم أننا لم نأخذ فوائد ما سبق من قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت ١٧] أهكذا؟
* في هذه الآية فوائد:
* منها: أن الله تعالى أبلغ رسالاته كلَّ أحد ولم يَدَعْ أحدًا بلا هداية؛ أي: بلا هداية دلالة؛ لقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ﴾، وهذه الجملة التفصيلية -كما سبق في التفسير- معطوفة على ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الهداية ليست مقصورةً على هداية التوفيق، ولكنها تُطْلَق على هداية الدلالة والبيان؛ لقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ أي: دللناهم على الحق.
* ومنها: الردُّ على الجبرية الذين قالوا: إن الإنسان مُجبَر على عمله، من أين تَأْخُذ من أين تأخذ الرد على الجهمية من هذه الآية ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾؟
* الطالب: قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾.
* الشيخ: لا.
* الطالب: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾.
* الشيخ: لا.
* طالب: ذَكَر الله هنا هداية التوفيق وهداية الدلالة والإرشاد.
* الشيخ: لا، أنا قلت لك: لا في ﴿اسْتَحَبُّوا﴾ لأني أخشى أنك تتدرج كلمةً كلمة حتى تصل إلى آخر الآية، لكن ما وجه أخذنا الردَّ على الجبرية من قوله تعالى: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى﴾؟
* الطالب: (...) اختيار لأنفسهم يعني ﴿فَاسْتَحَبُّوا﴾.
* الشيخ: إي نعم؛ لأن ﴿اسْتَحَبُّوا﴾ تدلُّ على اختيارهم لهذا الشيء، وأنهم آثروه على الهدى.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن مَنْ لم يتمش على هدى الله فإنه أعمى، منين؟
* الطالب: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى﴾.
* الشيخ: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى﴾ طيب، إذا كانوا مبصرين بأعينهم فهم؟
* الطالب: عميان البصائر.
* الشيخ: عمي البصائر، إذن نأخذ من ذلك فائدة؛ وهي: أن العمى نوعان: عمى بصر، وعمى بصيرة وأيهما أشد؟
* طالب: البصيرة.
* الشيخ: نعم، عمى البصيرة، كم من إنسان أعمى البصر، لكنه مبصر البصيرة، وكم من إنسان مبصر البصر، لكنه أعمى البصيرة.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: تعجيل العقوبة لمن آثر العمى على الهدى، منين نأخذه؟
* الطالب: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ﴾
* الشيخ: وجه الدلالة؟
* الطالب: أنه الفاء تفيد تدل على الترتيب والتعقيب.
* الشيخ: الترتيب والتعقيب، نعم، هذا وجه، وجه آخر: أن الفاء هنا للسببية، والمسبَّب يعقُب السبب.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: التحذيرُ من إيثار العمى على الهدى، وأن الإنسانَ إذا بُيِّن له الحق ولكنه عمي عنه فإنه جدير بأن يعاقبه الله عز وجل، من أين؟ لأن الله أخبرنا بأخذهم لنحذر من ذلك، أخبرنا الله تعالى بعقوبتهم حين خالفوا لنحذر من ذلك، انتبه لهذه الفائدة العظيمة، دليل ذلك أن الله يخبرنا عمن سبق لنحذر من طريقهم دليل ذلك قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١] هذا دليل، دليل آخر ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد ١٠].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن ثمود أُهْلِكوا بصاعقة، أي: بشيءٍ صُعِقوا به وهُلِكوا، وقد بَيَّن الله في آية أخرى أنه أخذتهم الرجفة، فيكون أُخِذوا بالرجفة حتى صُعِقوا وهلكوا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين غرَّهم الكبر أهينوا وأُذلوا، من أين نأخذها؟ ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ يعني: عذاب الذل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، والباء هنا للسببية.
واعلم أن الله تعالى لنْ يحكمَ حكمًا شرعيًّا ولا حكمًا قدريًّا ولا حكمًا جزائيًّا إلا بسبب هذه، خذها قاعدة: لن يحكم حكمًا شرعيًّا كالإيجاب والتحريم والإباحة، ولا قدريًّا كالخلقِ والتكوين، ولا جزائيًّا إلا بسبب، نعلم ذلك علمَ اليقينِ، ونأخذه من أن الله تعالى حكيم، والحكيم هو الذي يضع الأشياء مواضعها، لا يمكن أن يكون فعلُ الله فلتةً ولا صدْفَةً ولا لغوًا ولا لعبًا، بل لا بد له مِنْ سببٍ اقتضاه، لكن هل كل سبب اقتضى حكمَ اللهِ يكون معلومًا للخلق؟ لا؛ لأن الخلق أعجز من أن يدركوا حكمة الله عز وجل، وكم من أحكام شرعية وكونية وجزائية لا نعلم حكمتها؛ لأننا أقصر من أن نحيط بحكمة الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: إثبات أن العمل كسب للإنسان، ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
يتفرع على هذه الفائدة أنه إذا كان العمل كسبًا للإنسانِ فإنَّه يجب عليه بمقتضى العقل كما هو مقتضى الشرع أن يسعى إلى الكسب المفيد، لا إلى الكسب الضار، كما كان يفعل في الدنيا، أليس الواحد منا في الدنيا يسعى إلى الكسب النافع؟
* طلبة: بلى.
* الشيخ: بلى؛ إذن يجب أن تسعى إلى الكسب النافع في الآخرة؛ ولهذا ضلَّ مَنْ ضلَّ في عقله ودينه من احتجَّ بالقدَرِ على معاصي الله، ولم يحتج بالقدر على أمور الدنيا؛ في أمور الدنيا يعمل ويكدح ويسعى لما فيه المصلحة والمنفعة، لكن في أمور الآخرة يتكاسل ثم يقول: هذا القدر. فنقول: قد ضللت، كيف تحتج بالقدَرِ على كسب الآخرة، ولا تحتج به على كسب الدنيا؟
* ومن فوائد الآية التي بعدها: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ عدل الله عزَّ وجلَّ، وجه ذلك العدل قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فيها إثبات العدل لله عز وجل، العدل يعني معناه عدم الجور وعدم الظلم؟ طيب، نعم، ما وجه الدلالة في الآية والتي قبلها على عدل الله؟ ما أريد أن تذكر لي محل الدلالة، أنا أريد وجه الدلالة؟
* طالب: إن الذين استحبوا العمى على الهدى جازاهم الله عز وجل بما يستحقون عذاب الهون، والذين آمنوا جازاهم الله عز وجل أن نجاهم يوم القيامة.
* الشيخ: أحسنت، إثبات النجاة للمؤمنين، والعذاب للمعْرِضِين، هذا دليل على العدل؛ لأنه أعطى سبحانه وتعالى كلَّ إنسان ما يستحق، ولا شك أن الله سبحانه وتعالى أحكم الحاكمين، ومن كونه أحكم الحاكمين لازم أن يكون أعدلهم؛ لأنه كلما كان الحكم أعدل كان أحكم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان والتقوى سبب للنجاة؛ لقوله: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾، ومثله قوله تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ [الزمر ٦١].
* ومِن فوائدها: أن الإيمان وحده لا يكفي، بل لا بد من إيمان وتقوى؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾، ما هو المقارنة بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس ٦٢]؟
* الطالب: أن الولي هو المؤمن التقي.
* الشيخ: أن الذين آمنوا وكانوا يتقون والذين ينجيهم الله هم أولياء الله؛ لأن قوله: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس ٦٢، ٦٣] يطابق تمامًا هذه الآية حتى في اللفظ هناك ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس ٦٣]، وهذه ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز حذف ما يعلم، من أين تؤخذ؟
* الطالب: ﴿كَانُوا يَتَّقُونَ﴾.
* الشيخ: وين المحذوف؟
* الطالب: كانوا أي يعود على (...).
* الشيخ: نعم، ولكن أين المحذوف؟
* الطالب: المحذوف خبر (...).
* الشيخ: مفعول ﴿يَتَّقُونَ﴾، أي: الذين آمنوا وكانوا يتقون الله، وإن شئت فقل: وكانوا يتقون ما يجب اتقاءه؛ لأن الله تعالى أحيانًا يقول: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة ٢٧٨]، وأحيانًا يقول: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ﴾ [البقرة ٤٨]، ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٣١]، فإذا قلنا: وكانوا يتقون ما أمروا باتقائه، صار ذلك أيش؟ أعم، أنتم معنا يا جماعة؟ أيش قلنا؟ تقدير المحذوف في قوله: ﴿يَتَّقُونَ﴾؟ لا، تقديره؟ أيش نقدره؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: محذوف.
* الشيخ: أيش التقدير.
* طالب: تقديره محذوف، وهو ما يُتَّقى.
* الشيخ: محذوف، ما تقديره؟
* الطالب: تقديره كل ما يتقى؛ الآخرة..
* الشيخ: ما تقديره؟ أنا قدرت لكم، آخر كلمة قبل هذا السؤال.
* طالب: (...).
* الشيخ: أحسن ما أُمِروا باتقائه؛ يتقون ما أمروا باتقائه، وقد أُمِرْنا بتقوى الله، وتقوى النار، وتقوى يوم القيامة، إذن المعنى العام أن نقول: وكانوا يتقون ما أمروا باتقائه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة الإيمان والتقوى، وأنه سبب للنجاة؛ لقوله: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.
فإذا قال قائل: أليس الله تعالى يُنْزِل عقوبة أحيانًا في أقوامٍ فيهم المتقي وفيهم غير المتقي، فما الجواب؟ الجواب: أن الله تعالى يأخذ المتقي بذنب غير المتقي في الدنيا، في الدنيا يُعذَّبون جميعًا، ويُبْعَثون في الآخرة على نيَّاتهم وأعمالهم، دليل هذا قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال ٢٥]، يعني: احذروا هذه الفتنة، وهذا يعني أننا نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر لنتقيها ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال ٢٥].
فصلت 41:19
قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ ﴿يُحْشَرُ﴾ فيها قراءتان: ﴿يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾ وعلى هذه القراءة يكون الفعل مبنيًّا لما لم يُسَمَّ فاعلُه، وكلما رأيت فعلًا مضارعًا مضموم الأول مفتوح ما قبل الآخر فهو مَبْنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعلُه، فإن رأيتَهُ مضمومَ الأوَّلِ فقط، فهل يكون مبنيًّا لما لم يُسَمَّ فاعلُه أو لا؟ لا؛ لأن المضارع من الرباعي يكون مضمومَ الأوَّلِ، مثل يُقدِم الرجل، يُكرِم الرجل، وما أشبه ذلك، إذن هذا اللفظ إحدى القراءتين ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ﴾، وعلى هذا فيكون ﴿يُحْشَرُ﴾ فعلًا مضارعًا مبنيًّا لما لم يُسَمَّ فاعلُه، ولاحظ أن قولَنا: لما لم يُسَمَّ فاعله أولى مِنْ قولِنا مبني للمجهول؛ لأنه قد يكون الفاعل معلومًا كقوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨]، مَنِ الخالق؟
* طلبة: الله.
* الشيخ: معلوم ولَّا غير معلوم؟ معلوم، مع أن الفعل مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعلُه، ولهذا التعبير بقولك: (خُلِقَ) فعل ماض مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعلُه أولى من قولك: (خُلِقَ) فعل ماض مبني للمجهول، انتبه لهذا، وكذلك ﴿يُحْشَرُ﴾ فعل مضارع مبني لما لم يُسَمَّ فاعلُه، ﴿أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾ ﴿أَعْدَاءُ﴾ نائب فاعل.
طيب، فيها قراءة أخرى ﴿﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ أَعْدَاءَ اللَّهِ﴾ ﴾ أشار إليه المؤلف، ما حاجة إلى تعليقها؛ موجودة في الكتاب ﴿﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ أَعْدَاءَ اللَّهِ﴾ ﴾، وعلى هذه القراءة تكون ﴿﴿نَحْشُرُ﴾ ﴾ فعلًا مضارعًا مبنيًّا للفاعل، والفاعل هنا مستتر، جوازًا أو وجوبًا؟
* طلبة: وجوبًا.
* الشيخ: وجوبًا، طيب، و﴿﴿أَعْدَاءَ﴾ ﴾ مفعول به منصوب، وهنا نذكر: متى يكون الفاعل مستترًا وجوبًا أو مستترًا جوازًا؟
إذا كان تقديره: أنا أو أنت أو نحن فهو مستتر وجوبًا، وإذا كان تقديره: هو أو هي فهو مستتر جوازًا، (أقوم) مستتر، تقديره أنا. (تقوم) تخاطب رجلًا تقول: أنت تقوم. وجوبًا؛ لأن تقديره أنت. (نقوم) وجوبًا؛ لأن تقديره نحن، طيب، (قام)؛ جوازًا؛ لأن تقديره هو، (قامت)؛ جوازًا؛ لأن تقديره هي. (تقوم) أنتم قلتم قبل قليل وجوبًا.
* طالب: إذا كانت (هي) فهو جوازًا.
* الشيخ: إذا كان تتحدث عن امرأة، فقلت: (هند تقوم) فهو مستتر جوازًا؛ لأن التقدير هي، وإذا كنت تخاطب رجلًا فهو مستتر وجوبًا؛ لأن التقدير أنت، إذن هذا الضابط: ما كان تقديره (أنا) أو (نحن) أو (أنت) فهو مستتر وجوبًا، وما كان تقديره: (هو) أو (هي) فهو مستتر جوازًا.
* * *
* طالب: ﴿شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت ٢١ - ٢٤].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ﴾ إعراب وهو أن يوم ظرف وكل ظرف لا بد له من متعلق؛ لأن الظرف اسم مفعول فيه فلا بد من فعل، ولهذا قال ناظم الجمل:
لَا بُدَّ للْجَارِّ مِنَ التَّعَلُّقِ ∗∗∗ بِفِعْلٍ اوْ مَعْنَاهُ نَحْوُ مُرْتَقِي
فأين العاملُ في ﴿يَوْمَ﴾؟ العامل في ﴿يَوْمَ﴾ محذوف، التقدير: كما قال المؤلف: (﴿وَ﴾ اذكر ﴿يَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾ )، و﴿يُحْشَرُ﴾ بمعنى يُجْمَع ويساق، وفيها قراءتان: (بالياء والنون المفتوحة وضم الشين وفتح الهمزة) لم يُكْمِل المؤلف -في الواقع- القراءة الثانية.
﴿يُحْشَرُ﴾ فيها قراءتان:
الأولى: ضم الياء وفتح الشين ﴿يُحْشَرُ﴾، وعلى هذه القراءة يجب أن تكون ﴿أَعْدَاءُ﴾ مرفوعة على أنها نائب فاعل.
القراءة الثانية: بفتح النون ﴿﴿نَحْشُرُ﴾ ﴾ وضم الشين، وعلى هذه القراءة يجب أن تكون ﴿أَعْدَاءُ﴾ منصوبة على أنها مفعول به، ﴿﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ أَعْدَاءَ اللَّهِ﴾ ﴾، وهنا نسأل: هل القراءتان اللتان تكونان في القرآن الذي بين أيدينا هل هما الحروف السبعة أو سواها؟
الجواب: أنها سوى الحروف السبعة؛ الحروف السبعة الآن غير معلومة؛ لأنه قضي عليها بتوحيد المصحف في عهد عثمان رضي الله عنه، لكن القراءات السبع الموجودة في حرف واحد وهو حرف قريش الذي توحدت المصاحف عليه في عهد عثمان رضي الله عنه، وعلى هذا فلا حاجة إلى التفتيش والتنقيب عن الحروف السبعة في وقتنا هذا؛ لأنها انتهت، قضي عليها.
قال: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ فمَنْ أعداء الله؟ أعداء الله يمكن أن نعرفهم بمعرفة أولياء الله، وأولياء الله تعالى قال الله في بيانهم: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس ٦٢، ٦٣] ضد الإيمان الكفر، وضد التقوى المعاصي والفسوق؛ فأعداء الله إذن هم الكفار والفَسَقة.
يحشرون إلى النار، أي: يساقون إليها ويُجْمَعون إليها.
﴿إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ يقول المؤلف: (يُساقُون)، ولها معنًى آخر أيضًا: يُساقون بالتوزيع، يعني: أنهم طوائف وأمم، كلما دخلت أمة لعنت أختها، فهم يوزعون بالسياق أي يُساقون، ويوزعون أيضًا بالتفريق، كل أمة وحدها، ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.
﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ﴾ إلى آخره [فصلت: ٢٠].
﴿حَتَّى إِذَا مَا﴾ قال المؤلف: (زائدة) يعني كلمة ﴿مَا﴾ زائدة؛ لأنها وقعت بعد (إذا)، وكلما وقعت (ما) بعد (إذا) فهي زائدة، وعليك بحفظ البيت:
يَا طَالِبًا خُذْ فائِدَه ∗∗∗ (مَا) بَعْدَ (إِذَا) زَائِدَه
﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾ يقول: ﴿مَا﴾ زائدة ﴿جَاءُوهَا﴾ أي: وصلوا إليها ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قبل أن يدخلوها تُستَشْهد عليهم هذه الجوارح حتى يدخلوا وهم موقنون أنهم عُوملوا بالعدل والإنصاف، يشهد عليهم سمعُهم هل يشهد بما سمعوا من اللغو والكلام المُحَرَّم أو يشهد السمع بجميع الأعمال؟
يحتمل وجهين: إما أن يكون المعنى: شهد عليهم سمعُهم بما سمعوا من الباطل، وأبصارهم بما شاهدوا من الباطل، وجلودهم بما لمسوا من الباطل، أو أن هذه الأعضاء تشهد على كل عَمَلٍ عملوه، يحتمل هذا وهذا، والثاني أعظم: أن يكون السمع يشهد بما حصل عن طريقه، وبما حصل عن طريق البصر، وبما حصل عن طريق اللمس، هذا أعظم مما لو شهد بما حصل منه فقط.
﴿سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وهل هذا بعد إنكارٍ أو للتحقيق والتوكيد؟ ليس في الآية ما يدل على ذلك، لكن قيل: إن هذه الأعضاء ﴿وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ﴾ [النور ٢٤] كما في آية أخرى إنما يكون بعد إنكارهم أن يكونوا أشركوا، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣].
وقوله: ﴿جُلُودِهِمْ﴾ بما مَسَّتْ وهي أعم من شهادة السمع والبصر؛ لأنه يدخل في ذلك اليد والرجل والشم وغير ذلك، كل هذا عن طريق الملامسة.
﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ [فصلت ٢١] ولم يقل: لأبصارهم وسمعهم؛ لأن شهادة الجلود أعظم وأعم.
﴿قَالُوا﴾ أي: أعداء الله ﴿لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾، وهذا الاستفهام استفهام إنكار كأنهم يقولون: نحن نجادل عنكم، فكيف تشهدون علينا؟!
﴿قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ يعني: أننا شهدنا؛ لأن الله أنطقنا، والله عز وجل بيده ملكوت السماوات والأرض، يُنْطِق كل شيء.
قال المؤلف: (أي: أراد نطقه) ولا حاجة إلى هذا القيد؛ لأن الله تعالى لا يُكْرِهْهُ أحدٌ حتى نقول: إن هذا الفعل مقيد بالإرادة، نقول: أَنْطَقَ كل شيء، ولا نقول: أراد نطقه؛ لأنه لا يمكن أن ينطق الشيء إلا بعد إرادة الله، ومثل هذا القيد غير مناسب؛ لأننا لو اعتبرناه لقلنا: كل فعل ذكره الله عن نفسه يجب أن نُقَيِّدَه بالإرادة، وهذا أمر مُسْتَكْرَه؛ إذ إننا نعلم أن كل فعل فعله الله فإنما هو عن إرادة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]، فالله تعالى أنطق كل شيء، هل أنطق الحجر؟ نعم، أْنْطَقَ الحجرَ والشجرَ، «وسُمِعَ تسبيحُ الحصى والطعامِ بين يدي النبيِّ ﷺ»[[أخرجه الطبراني في الأوسط (١٢٤٤)، والبزار (٤٠٤٠) من حديث أبي ذر الغفاري.]]، بل قال الله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤]، كل شيء يسبح الله بلسان المقال إلا الكافر فإنه لا يُسبِّح الله بلسان المقال؛ لأنه كافر بالله، يصف الله تعالى بكلِّ نقص وعيب، وكل شيء يُسبِّح الله بلسان الحال حتى الكافر يسبح الله بلسان الحال، كيف ذلك؟ الكافر ما أودع الله فيه من الآيات في الخِلْقة والخلق، وما أشبه ذلك كله يسبح الله عز وجل، أي: يستدل به على تنزيه الله عن كل نقص وعيب.
قال: ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (قيل: هو من كلام الجلود، وقيل: هو من كلام الله تعالى كالذي بعده، وموقعه قريب مما قبله بأن القادر على إنشائكم ابتداءً وإعادتكم بعد الموت أحياءً قادر على إنطاق جلودكم وأعضائكم).
قوله: ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يحتمل أنه من كلام الله يخاطب به هؤلاء المكذبين والأعداء، ويحتمل أنه تتمة كلام الجلود؛ يعني أن الجلود تستدل على قدرة الله تعالى على إنطاقها بأنه خلقهم أول مرة، يقول المؤلف في بيان ذلك: (قيل: هو من كلام الجلود، وقيل: هو من كلام الله) أيهما قَدَّم؟
* طالب: الجلود.
* الشيخ: لا، إذا قال المؤلفون: قيل كذا، وقيل كذا، فالخلاف هنا مطلق، لا تقديم فيه ولا تأخير، وإذا قيل: هو من كلام الجلود، وقيل: من كلام الله، هنا يكون قدم الأول، انتبهوا لهذا، أما إذا قال المؤلفون: قيل وقيل، فهذا ليس فيه تقديم، بل هو نقل خلاف على وجه الإطلاق.
(قيل: هو من كلام الجلود، وقيل: هو من كلام الله) وعلى هذا فالقولان لدى المؤلف متساويان، فأيهما أقرب: أن نجعله من كلام الجلود حتى يتصل الكلام بعضه ببعض أو من كلام الله؟ الأول من حيث اللفظ أقرب؛ أن الجلود تقول: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، وتقول لهؤلاء: هو الذي خلقكم أول مرة وإليه ترجعون، لكن القول الثاني أقوم للمعنى؛ يعني أن الله لما بَيَّن أن هؤلاء يُعادَوْن يوم القيامة ويُحاسبون، وتشهد عليهم السمع والأبصار والجلود بيَّنَ عزَّ وجل أنه قادر على الإعادة؛ لأن هؤلاء الذين كذبوا ينكرون البعث فقال: ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، والقادر على الخلق أول مرة قادر على إعادته واضح؟ دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧]، فهو يقول: هو خلقكم أول مرة، والقادر على ذلك قادر على الإعادة.
وقوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ هذا فيه أيضًا إشارة إلى الحكمة مِنْ خلق الخلق؛ أنهم يبتلون فيُؤمَرون ويُنْهَون، ومآلهم إلى من؟ إلى الله عز وجل يجازيهم بحسب أعمالهم التي كلَّفَهم بها.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ إلى آخره، هذا هو معنى قول المؤلف: (كالذي بعده) ويش الذي بعده؟ ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ هذا لا شك أنه من كلام الله، وليس من كلام الجلود.
وقول المؤلف رحمه الله: (وموقعه قريب مما قبله) يعني: موقع هذا الكلام ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (قريب مما قبله)، يعني يبين المناسبة مناسبة هذه الجملة لما قبلها؛ (وهو أن القادر على إنشائكم ابتداءً وإعادتكم بعد الموت أحياءً قادر على إنطاق جلودكم وأعضائكم).
(﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ عن ارتكابكم الفواحش من ﴿أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ ) يعني: ما كنتم تستخفون في معاصيكم وكفركم وغير ذلك مما يستترون به خوفًا من أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم؛ يعني أن الكفار يستترون أحيانًا بالمعاصي، ليسوا يستترون خوفًا من أن تشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم؛ لأن هذه الأشياء لا استتار عنها إطلاقًا؛ إذ إنها هي الإنسان، ولا يمكن الاستتار عنها، وأيضًا هم لا يؤمنون بأنها سوف تشهد عليهم يومًا من الأيام، فصاروا لا يستترون عن هذه الأشياء لوجهين:
الأول: أنه لا انفكاك عنها، وجهه أنها هي مكوناته.
الوجه الثاني: أنه ما كان يطرأ على بالهم يومًا من الأيام أن هذه سوف تشهد عليهم؛ لأنهم ينكرون البعث، وإنكار البعث يستلزم ألا يؤمنوا بأنها تشهد عليهم.
﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ معنى تستترون (تستَخْفُون)، وقوله: ﴿أَنْ يَشْهَدَ﴾ هي على تقدير محذوف، التقدير: خوف أن يشهد عليكم سمعكم وأبصاركم إلى آخره.
يقول: (لأنكم لم توقنوا بالبعث) هذا التعليل أضفنا إليه تعليلًا آخر وهو عدم انفكاك جلودهم وسمعهم وأبصارهم.
(﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ﴾ عند استتاركم ﴿أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ) هذا الذي ظنوه بالله، فظنوا بالله تعالى ظن السوء، وأنهم إذا استتروا عن الخلق استتروا عن الله؛ ولهذا قال: ﴿كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ الكثير الثاني ما يفعلونه علانية ولا يهتمون به.
(﴿وَذَلِكُمْ﴾ مبتدأ ﴿ظَنُّكُمُ﴾ بدل منه ﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ نعت، والخبر ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ ) المؤلف أعرب الآية على وجه التفصيل؛ ﴿وَذَلِكُمْ﴾ (ذا) اسم إشارة، واللام للبُعْد، والكاف حرف خطاب، وجاءت بالجمع؛ لأن المخاطب جماعة، وهنا يجب عليكم أن تعرفوا أن اسم الإشارة يعود إلى المشار إليه، والكاف تعود إلى المخاطب، فكيف تقول إذا خاطبت ذكرًا تشير إلى شيء مذكر؟
ذلك. وكيف تقول إذا أشرت إلى اثنين مخاطبًا ذكرًا؟
* طالب: ذانك.
* الشيخ: ذانك؛ صح، ذانك؛ لأنك تشير إلى اثنين تخاطب واحد، وماذا تقول إذا أشرت إلى واحد تخاطب اثنين؟
* طالب: ذلكما.
* الشيخ: ذلكما، صح، تشير إلى واحد تخاطب اثنين تقول: ذلكما، وماذا تقول إذا أشرت إلى واحد تخاطب جماعة نساء؟ ذلكن، طيب، تشير إلى واحدة تخاطب جماعة إناث؟
* طالب: ذلكن.
* الشيخ: ذلكن خطأ.
* طالب: تلكما.
* الشيخ: أنت تخاطب جماعة إناث، تشير إلى واحدة تخاطب جماعة إناث؟
* طالب: ذلكن.
* الشيخ: خطأ.
* طالب: تلكما.
* الشيخ: أنت تخاطب جماعة إناث، تشير إلى واحدة تخاطب جماعة إناث.
* طالب: تلكن.
* الشيخ: تلكن، صح؟ تلكن، المهم انتبهوا لهذا، لا يلتبس عليكم المشار إليه في المخاطب، اسم الإشارة يكون بحسب المشار إليه، والكاف بحسب المخاطب، واضح؟ طيب، تشير إلى جماعة مخاطبًا جماعة ذكور؟
* طالب: أولئكم.
* الشيخ: أولئكم في القرآن: ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء ٩١]، طيب، تمام، تشير إلى مؤنثتين تخاطب اثنتين؟
* طالب: تانكما.
* الشيخ: تانكما، صح، طيب على كل حال الأمثلة كثيرة، بس تَحَرَّوا الدقة، وهل الأفصحُ في كاف المخاطب في الإشارة أن تكون حسب المخاطب أو أن تكون بالإفراد المذكَّرِ دائمًا، أم بالإفراد المفتوح المذكر للمذكر، والمؤنث للمؤنث؟
أقوال ثلاثة، وكلها لغات؛ يعني: الكاف هل نلزمها طريقةً واحدة بالإفراد والفتح فنقول: ذلك تانك ذانك؟ أو نلزمها الإفراد مع الفتح للمذكر والكسر للمؤنث، هذا وجهان، أو نقول: هي حسب المخاطب المفرد المذكر له كاف مفتوحة، والمفردة المؤنث كاف مكسورة، والمثنى كاف مقرونة بعلامة التثنية، وجماعة النساء كاف مقرونة بنون النسوة، وجماعة الذكور كاف مقرونة بميم الجمع، الأخير هو الأفصح. لكن يجوز الوجهان الآخران.
يقول الله عز وجل: ﴿وَذَلِكُمْ﴾ قال المؤلف: (مبتدأ ﴿ظَنُّكُمُ﴾ بدل منه ﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ نعت، والخبر ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ ) يعني معناه أن قوله: ﴿ذَلِكُمْ﴾ وما عطف عليها أو صار صفةً لها في مقام المبتدأ، و﴿أَرْدَاكُمْ﴾ في مقام الخبر، هل يمكن احتمال وجه آخر؟ نعم، يمكن، يمكن أن نجعل (ذا) مبتدأ و﴿ظَنُّكُمُ﴾ خبره، و﴿أَرْدَاكُمْ﴾ خبر ثانٍ، وهذا الوجه أقوى في المعنى؛ يعني: ذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم؛ يعني: لم تظنوا به سواه، وأنه لن يعيدكم، ثم أخبر عن هذا الظن خبرًا آخر، فقال: ﴿أَرْدَاكُمْ﴾، فهذا المعنى أقوى من قول المؤلف رحمه الله تعالى أن ﴿ظَنُّكُمُ﴾ بدل من ﴿ذَلِكُمْ﴾، وأن ﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ نعت له، وأن ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ خبر له.
﴿ذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ وهو الله عز وجل وأضاف الربوبية إليهم؛ لأنهم يُقِرُّون بربوبية الله لا ينكرونها ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون ٨٦، ٨٧]، وفي قراءة أخرى سبعية ﴿﴿سَيَقُولُونَ اللَّهَ﴾ ﴾.
﴿أَرْدَاكُمْ﴾ يعني: أهلككم ﴿فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ﴿فَأَصْبَحْتُمْ﴾ أي: صرتم من الخاسرين، وهنا أصبح لو نظرنا إلى مجرد لفظها لكانت دالةً على الإصلاح، لكنها تُسْتَعمل في اللغة العربية بمعنى الصيرورة تقول: أصبح لا يعلم شيئًا، أي: صار لا يعلم شيئًا.
وهنا ﴿أَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ليس المعنى دخلتم في الصباح خاسرين، ولكن المعنى: صِرْتُمْ من الخاسرين، والخاسر ضد الرابح، وإنما قال: ﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ لأن هؤلاء الذين أنكروا البعث خسروا الدنيا والآخرة في الواقع؛ فدنياهم لم تنفعهم، وهم في الآخرة في النار، وهذا غاية الخسران.
(﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا﴾ على العذاب ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى﴾ مأوى ﴿لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ يطلبوا العُتْبى أي: الرضا ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ من المرضيين).
انتبهوا لهذا الوعيد الشديد ﴿إِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ لم يقل: إن يصبروا فلينتظروا الفرج، بل قال: ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أي: ليس لهم إلا النار، وهذا كقوله تعالى: ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور ١٦] العذاب سوى عذاب الآخرة ينتظر الفرج له؛ لأن دوام الحال من المحال، فإذا صبر الإنسان على البلاء فالنهاية الزوال، لكن في الآخرة إن يصبروا فلن يسلموا من العذاب، فالنار مثوًى لهم، وهي مثوًى لهم قبل الصبر وبعد الصبر، لكن هذا من باب التيئيس لهم، وأن صبرَهم لا يفيدهم شيئًا، ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ أي: يطلبوا العتبى أي الرضا.
﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ لأنهم يَسْأَلون الله تعالى؛ يقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون ١٠٧]، والجواب: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨]، لكن في الدنيا لو طلبوا العتبى وتابوا إلى الله لحصل لهم ذلك، لكن في الآخرة قد فات الأوان.
وقوله: ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أي: مأوى، وكل إنسان مأواه النار، فلا حظَّ له في الجنة.
* في الآيات هذه فوائِد: أولًا: إثبات حقيقة النار؛ لقوله: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ﴾.
* ومن فوائدِها: إثبات أعداء لله كما أن له أولياء، وعدو الله عز وجل مَنْ كان كافرًا فاجرًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أهل النار -والعياذ بالله- يُساقون إلى النار أوزاعًا أي: متفرقين أُمَمًا؛ لقوله: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.
* ومن فوائد الآية التي بعدها: إثبات حقيقة النار، وأن هؤلاء يصلون إليها حقيقة؛ لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾.
* ومِن فوائدها: دخول التوكيد في كلام الله عز وجل؛ لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾؛ لأننا قلنا: (ما) زائدة، لكنها للتوكيد.
فإن قال قائل: كلام الله عز وجل مُؤَكَّد بدون أداة توكيد، فما الفائدة من أن الله تعالى يأتي كثيرًا في كلامه بأدوات التوكيد؟
فالجواب: القرآن لا شك أنه مؤكد، وأن أخباره لا تحتاج إلى توكيد، لكن القرآن نزل بلسان عربي مبين، واللسان العربي يقتضي أن يكون الكلام الهام مؤكَّدًا بأنواع من التأكيدات، واضح؟ إذن تأكيد ما يؤكد في القرآن دليل على بلوغ القرآن الفصاحة في أعلى معانيها في أنه مُتَمَشٍّ على أيش؟ على قواعد اللغة العربية الفصحى.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات النطق للسمع والبصر والجلود؛ لقوله: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ﴾، والشهادة تكون بالنطق، وقد تكون بغير النطق، لكنها في الأصل بالنطق، ولذلك ﴿قَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أعضاء الإنسان تكون يوم القيامة خصومًا له، وجه ذلك أن هؤلاء أنكروا على سمعهم وأبصارهم وجلودهم أن شهدوا عليهم، وما ظنك -أيها الأخ- بأعضاء تكون يوم القيامة خصومًا لك؟! يعني يتفرع على هذه الفائدة فائدة؛ أن الواجب على الإنسان أن يرعى هذه الأعضاء حق رعايتها وألا يورِّطَها فيما تكون خصمًا له به يوم القيامة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأعضاء منفردةً تعرف ربها عز وجل؛ لقولها: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾.
* ومن فوائدِها: عموم قدرة الله تعالى؛ لقوله: ﴿أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾.
* ومِن فوائدها: أن ابتداء الخلق من الله لم يشرك أحد رب العالمين في الخلق لا أم ولا أب ولا سلطان ولا رئيس ولا وزير، المنفرد بالخلق هو الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز استعمال الأدلة العقلية، من أين تؤخذ؟ من استدلال الله تعالى بالمَبْدَأ على المعاد، فإن هذا دليل عقلي.
فإن قال قائل: وهل تُقَدَّم الأدلة العقلية على الأدلة السمعية؟
فالجواب: لا؛ لأن العقل قد يخطئ فيظن الإنسان أن هذا عقلٌ وليس بعقل، وأما الأدلة السمعية الثابتة عن الله ورسوله فهذه لا تخطئ، ولهذا أخطأ مَنِ استعمل العقل، بل قدَّمه على السمع والنقل فيما يتعلق بالله واليوم الآخر، وحَكَمُوا بعقولهم القاصرة على أمور الغيب استحالةً أو وجوبًا أو جوازًا، وأعرضوا عن نصوص الكتاب والسنة، ومن هؤلاء جميع المتكلمين من الأشاعرة، والمعتزلة، والجهمية، وغيرهم حيث جعلوا التلقي فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته على الاعتماد على العقل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرجوع إلى الله عزَّ وجل، فاستعدَّ لهذا الرجوع، واعلم أنك ملاقٍ ربَّك، ولكن أبشر إن كنت مؤمنًا، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٢٢٣]، يعني: لا يخاف المؤمن من هذه الملاقاة، بل له البَشارة في الدنيا قبل الآخرة، لكن حقيقة هذه البشارة للمؤمن خاصة. ويأتي -إن شاء الله- بقية الكلام على الفوائد.
* طالب: شيخ، هل عموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ ينطبق على قول الصحابة أن الطعام كان يُسَبِّح بين أيديهم، ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤] بأن يكون سبح، ولكن لم يعلموا تسبيحهم إلا بإخبار النبي صلي الله عليه وسلم لهم، أو أنه سبَّح حقيقة يفهمه أيُّ واحد؟
* الشيخ: ظاهر النصوص أن يسبح حقيقة، لكن التسبيح ﴿لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ باعتبار المجموع، لا باعتبار كل فرد، فإنَّ مِنَ الأشياء ما نسمع تسبيحه، يسبح تمامًا ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ [ص ١٨]، فالظاهر أنها تُرَدِّد، كما قال تعالى: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ ١٠].
* الطالب: يا شيخ، نكمل السؤال: هل التسبيح كما نعرفه نحن أو خاصٌّ بهم بأن بعضهم..؟
* الشيخ: لا، تقول: سبحان الله.
* الطالب: بعضهم قال: صوت غدير الماء هو تسبيحه؟
* الشيخ: لا، خطأ، صوت خرير الماء ليس صوت تسبيح، هذا طبيعي، فهل نقول: حركة الإنسان بالأرض إذا وَطِئَتْ أقدامُه الأرضَ وسُمِعَ لها صوت، هل هذا تسبيح؟!
* طالب: شيخ -أحسن الله إليك- فسَّرْنا ﴿يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الجاثية ٣٥] بمعنى الرضا، إذا فسر بالرجوع إلى الدنيا..
طالب: شيخ أحسن الله إليك، فسرنا (يستعتبون) بمعنى الرضا، إذا فسر بالرجوع من الدنيا؟
* الشيخ: أيهن؟
* الطالب: يستعتبون.
* الشيخ: الاستعتاب: طلَبُ العُتْبَى، والعتبى معناه: قبول العذر والرِّضا، فالمؤلف فسَّرَها بالنهاية؛ بالغاية التي هي الرضا؛ لأن الإنسان إذا استعتَب وقُبِل عذره رضِي عنه المُستَعْتَب.
* طالب: شيخ أحسن الله إليك، الله عز وجل إذا أخبر عن نفسه في القرآن يقول: قال الله، قال الله، ويرد هذا كثيرًا في القرآن، أليس الأفضل في اللغة أن يقول: (قل) إذا أراد أن يخبر عن نفسه؟
* الشيخ: لا، هذا يعني له أحوال، لكن يقول العلماء: إن المتكلم إذا عبَّر عن نفسِه بصِيغة الغائب فهذا دليل على العظمة والتعظيم، ففرْقٌ بين أن يقولَ المِلك مِلك الدنيا: إن الملك يأمرُكم أن تفعَلوا كذا، أو يقول: إني آمركم. الأول أعظم في التفخيم، وهذه من قاعدة البلاغة: تعبير المخاطب عن نفسه بصيغة الغائب يدل على التعظيم، لا سيما إذا كان بوصفٍ يقتضي ذلك.
* طالب: العذاب الواقع على الأعضاء هل تحس به نفس الأعضاء ولا صاحبها بسبب أنه كان (...)؟
* الشيخ: لا، الواقع أن العذاب على أهل النار واقِع على كُلِّ البدن، ولهذا قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء ٥٦]، لكن هم يتعَجَّبُون ويُوَبِّخُون السمع والأبصار والجلود: لِمَ شهدتم علينا ونحن نجادِل عنكم؟!
* * *
* طالب: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧) ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٢٨) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت ٢٧ - ٢٩].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ [فصلت ٢٢]، معنى الآية إجمالًا، ما أريد أن تفسر كل كلمة، معناها؟
* طالب: (...) أن تشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم؛ يعني: كانوا لا يظنون..
* الشيخ: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ [فصلت ٢٢]؛ يعني: ما كنتم تستَخْفُون خوفًا مِن؟
* الطالب: شهادة السمع والبصر والجلود.
* الشيخ: نعم، أحسنت، قوله: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ [فصلت ٢٣]. يلَّا أعرِب الجملة؟
* طالب: (ذلك) اسم إشارة (...) مخاطب (...).
* الشيخ: لا، ما هو تفصيل، قل مثل: (ذلكم) مبتدأ، (ذلكم) خبر.
* الطالب: ﴿ذَلِكُمْ﴾ مبتدأ.
* الشيخ: طيب ﴿ظَنُّكُمُ﴾؟
* الطالب: ﴿ظَنُّكُمُ﴾ يجوز أن تكون خبرًا.
* الشيخ: أعطنا واحدًا مما تقول: إنه يجوز.
* الطالب: خبر.
* الشيخ: ﴿ظَنُّكُمُ﴾ خبر؟ نعم، و﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ﴾؟
* الطالب: ﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ﴾، هذا نعت.
* الشيخ: طيب ﴿أَرْدَاكُمْ﴾؟
* الطالب: ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ خبر ثانٍ.
* الشيخ: خبر ثانٍ، طيب فيه وجه ثانٍ في الإعراب؟ قل: نعم ولَّا لا؟
* طالب: ﴿ذَلِكُمْ﴾ مبتدأ، و﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ﴾..
* الشيخ: ﴿ظَنُّكُمُ﴾؟
* الطالب: ﴿ظَنُّكُمُ﴾ بدل منه، و﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ﴾ نعت، و﴿أَرْدَاكُمْ﴾ خبر.
* الشيخ: و﴿أَرْدَاكُمْ﴾ خبر، تمام، إذن اتفق القولان على أن ﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ﴾ صفة.
طيب ﴿أَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، ما معنى ﴿أَصْبَحْتُمْ﴾ هنا؟
* الطالب: صِرْتم.
* الشيخ: صِرْتم، معناها المطابق للفظ ما هو؟ أصبح.
* الطالب: أصبح؛ يعني: صار في الصباح، هذا الأصل.
* الشيخ: إي نعم، هذا الأصل، لكنها قد تُسْتَعمل بمعنى صار، نعم.
طيب قوله: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [فصلت ٢٤] ما مناسبة جواب الشرط لفعل الشرط؟ ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾، ويش المناسبة؟ لأن هذا قد تخفى مناسبتُه؛ إذ إن الإنسان يتوقع أن يكون جواب الشرط خلاف ذلك.
* الطالب: وعيد شديد لهم من باب التيئيس (...).
* الشيخ: ارتباطُه بما قبله، مناسبتُه تيئيس هؤلاء مِن الفرَج؛ لأن ظاهر الحال أن يقول: فإن يصبروا فالفرجُ قريب مثلًا، لكنه قال: ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾؛ أي: فلن يتخلَّصوا منها، ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت ٢٤]، ما معنى ﴿يَسْتَعْتِبُوا﴾؟
* الطالب: يطلبوا العُتبى.
* الشيخ: وهي؟
* الطالب: يعني المعذرة، يطلب المعذرة أو العذر.
* الشيخ: العذر ثم الرضا. طيب ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾؟
* الطالب: أي: أن الله لن يرضى عنهم.
* الشيخ: تمام، إعراب ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾؟
* طالب: الفاء بحسب ما قبلها.
* الشيخ: لا، ما هي بحسب ما قبلها، معروف ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾، الفاء؟
* طالب: حرف عطف.
* الشيخ: لا.
* طالب: رابطة لجواب الشرط.
* الشيخ: رابطة لجواب الشرط. (ما)؟
* الطالب: (ما) نافية تعمل عمل (ليس).
* الشيخ: على لغة مَن؟
* الطالب: على لغة الحجازيين.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: و(هم) مبتدأ.
* الشيخ: لا، ما دمت تقول: عملها تعمل عمل (ليس)..
* الطالب: اسم (ما).
* الشيخ: اسم (ما) مبني؟
* الطالب: مبني على السكون في محل رفع، (...) (مِن) حرف جر (...) اسم مجرور بـ(من) (...).
* الشيخ: وعلامة جرِّه؟
* الطالب: للمُعْتبين.
* الشيخ: للمُعْتبينِ، إي.
* الطالب: علامة جره الكسرة.
* الشيخ: كسرة ظاهرة بآخرِه..
* الطالب: بآخره نيابة عن (...).
* الشيخ: إي.
* الطالب: والجار ومجرور متعلق بمحذوف.
* الشيخ: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر (ما)، طيب هنا تتفق اللغتان الحجازية والتميمية مِن حيث اللفظ، أليس كذلك؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: هل يختلف اللفظ لو جعلناها تميمية؟
* الطالب: ما يختلف.
* الشيخ: إذن تتفق اللغتان من حيث اللفظ، وتختلفان من حيث الإعراب.
طيب ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف ٣١] هل تتفق اللغتان في هذا؟
* الطالب: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾، لا.
* الشيخ: لغة تميمٍ أن يُقال؟
* الطالب: تميم (ما هذا بشرٌ).
* الشيخ: ما هذا بشرٌ. توافِقُون على ذلك؟ نعم؛ لأن (ما) مهملة عند التميميين وعاملةٌ عمل (ليس) عند الحجازيين، فتقول مثلًا: ما زيدٌ قائمًا، إذا خاطبت إنسانًا وقلت: ما زيد قائمًا، عرفنا أنك أيش؟ حجازي، وإذا خاطبت إنسانًا وقلت: ما زيدٌ قائمٌ، عرفْنا أنك تميمي ولهذا قال الشاعر:
وَمُهَفْهَفُ الْأَعْطَافِ قُلْتُ لَهُ انْتَسِبْ ∗∗∗ .............................
يعني من أين أنت؟
............................ ∗∗∗ فَأَجَابَ مَا قَتْلُ الْمُحِبِّ حَرَامُ
أخبرَه بنسبِه أو لا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: أنه؟
* طلبة: تميمي.
* الشيخ: تميمي؛ إذ لو كان غيرَ تميمِيٍّ لقال: ما قتل المحب حرامًا.
* طالب: شيخ بارك الله فيك، بالنسبة لإعراب (ما هم بمعتبين)، يمكن نجعل (ما) هذه حرف جر زائد
* الشيخ: أيهن؟
* الطالب: (ما هم بمعتبين).
* الشيخ: هذه من كيسِك يا ولد ما هي في القرآن، ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [فصلت ٢٥] إلى آخره، ﴿قَيَّضْنَا لَهُمْ﴾ يقول: (سَبَّبْنَا لهم).
قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ﴾ [فصلت ٢٢] إلى آخره.
* فيها من الفوائد: أن هؤلاء المجرمين لا يؤمنون بالبعث؛ لقوله: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: تمامُ قدرةِ الله عز وجل وأنه قادِرٌ على إِنْطَاق كل شيء؛ حيث أنطَق السمع والأبصار والجلود.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المجرمين يظُنُّون أن الله لا يعلَم كثيرًا مما يعْمَلون وهو الذي يُخفُونه، فلهذا كانوا يخفُون عن الله عز وجل ما يقعون فيه من الكفر.
* ومن فوائد الآية التي بعدها: أن مِثلَ هذا الظن سببٌ لِهَلاك المرء أن يظُنَّ أنه لن يُبعَث، هذا سببٌ لهلاكه بل هو هلاكُه حقيقة؛ لأن الذي يُنكِر البعث كافرٌ، والكافر لا حظَّ له؛ لا في الدنيا، ولا في الآخرة؛ لقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ١٥].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المجرمين يظنون أنهم رَبِحُوا المعركة باستخفائِهم، وهذا ينطبِق تمامًا على المنافقين، ولكن حقيقة الأمر أنهم خسِروا؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
* ومن فوائد الآية (...): أن أهل النار لن يخرجُوا منها، سواءٌ صبروا أم لم يصبروا؛ لقوله: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾، ويبَيِّنُه قوله تعالى: ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور ١٦]، وقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم ٢١].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أن النار لا تفنى؛ لقوله: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [فصلت ٢٤] وهذا -أعني أن النار لا تفنى- هو قولُ أهل السنة والجماعة كما أن الجنة أيضًا لا تفنى، وقد زعَم بعضُ العلماء أن النار تفنَى في آخر النهاية، لكنَّ هذا الزعمَ باطل؛ يعني لا يستحِقُّ منزلة أن نقول: إنه ضعيف، بل نقول: إنه باطل لا ينبغي أن تُسَوَّدَ به الصحائف؛ وذلك لأن كلام الله عز وجل الذي خلقَ النار وهو عالمٌ بها وبمصيرِها، فيه التصريح بالتأبيد في ثلاثة مواضع مِن كتاب الله عز وجل. الموضع الأول؟
* طالب: في النساء.
* الشيخ: ما هو؟ الأخ يقول في النساء اذكره.
* طالب: قوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩].
* الشيخ: الموضع الثاني؟
* طالب: سورة الأحزاب.
* الشيخ: ما هو؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥]. طيب الموضع الثالث؟
* الطالب: سورة الجن ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣].
* الشيخ: أحسنت، فهل بعد هذا الكلام كلام؟ لا، ولهذا الإنسان يعجَب أن يقَعَ من بعض العلماء القول بأنَّ النار تفنَى مع وجود الآيات الثلاثة.
طيب هذه ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت ٢٤] قد يكون فيها إشارة إلى أنها ستبقى أبد الآبِدين؛ لأنَّه لو كان لها منتهى فسوف يُعتَبُون في آخر النهاية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات النار؛ لقوله: ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾.
* ومنها: أنها هي المثوى، وليس كما يزعم بعض الكتاب اليوم يقولون: إن الميت إذا مات صار إلى مثواه الأخير، وقد بينَّا أن هذه الكلمة كلمة كُفْرٍ لو اعتقدَ الإنسان مدلولَها؛ يعني: لو اعتقد أن القبر هو المثوى ولا قيام بعده لكان كافرًا، فيقال: إن القبر ليس المثوى الأخير.
فصلت 41:20
قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ ﴿يُحْشَرُ﴾ فيها قراءتان: ﴿يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾ وعلى هذه القراءة يكون الفعل مبنيًّا لما لم يُسَمَّ فاعلُه، وكلما رأيت فعلًا مضارعًا مضموم الأول مفتوح ما قبل الآخر فهو مَبْنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعلُه، فإن رأيتَهُ مضمومَ الأوَّلِ فقط، فهل يكون مبنيًّا لما لم يُسَمَّ فاعلُه أو لا؟ لا؛ لأن المضارع من الرباعي يكون مضمومَ الأوَّلِ، مثل يُقدِم الرجل، يُكرِم الرجل، وما أشبه ذلك، إذن هذا اللفظ إحدى القراءتين ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ﴾، وعلى هذا فيكون ﴿يُحْشَرُ﴾ فعلًا مضارعًا مبنيًّا لما لم يُسَمَّ فاعلُه، ولاحظ أن قولَنا: لما لم يُسَمَّ فاعله أولى مِنْ قولِنا مبني للمجهول؛ لأنه قد يكون الفاعل معلومًا كقوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨]، مَنِ الخالق؟
* طلبة: الله.
* الشيخ: معلوم ولَّا غير معلوم؟ معلوم، مع أن الفعل مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعلُه، ولهذا التعبير بقولك: (خُلِقَ) فعل ماض مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعلُه أولى من قولك: (خُلِقَ) فعل ماض مبني للمجهول، انتبه لهذا، وكذلك ﴿يُحْشَرُ﴾ فعل مضارع مبني لما لم يُسَمَّ فاعلُه، ﴿أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾ ﴿أَعْدَاءُ﴾ نائب فاعل.
طيب، فيها قراءة أخرى ﴿﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ أَعْدَاءَ اللَّهِ﴾ ﴾ أشار إليه المؤلف، ما حاجة إلى تعليقها؛ موجودة في الكتاب ﴿﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ أَعْدَاءَ اللَّهِ﴾ ﴾، وعلى هذه القراءة تكون ﴿﴿نَحْشُرُ﴾ ﴾ فعلًا مضارعًا مبنيًّا للفاعل، والفاعل هنا مستتر، جوازًا أو وجوبًا؟
* طلبة: وجوبًا.
* الشيخ: وجوبًا، طيب، و﴿﴿أَعْدَاءَ﴾ ﴾ مفعول به منصوب، وهنا نذكر: متى يكون الفاعل مستترًا وجوبًا أو مستترًا جوازًا؟
إذا كان تقديره: أنا أو أنت أو نحن فهو مستتر وجوبًا، وإذا كان تقديره: هو أو هي فهو مستتر جوازًا، (أقوم) مستتر، تقديره أنا. (تقوم) تخاطب رجلًا تقول: أنت تقوم. وجوبًا؛ لأن تقديره أنت. (نقوم) وجوبًا؛ لأن تقديره نحن، طيب، (قام)؛ جوازًا؛ لأن تقديره هو، (قامت)؛ جوازًا؛ لأن تقديره هي. (تقوم) أنتم قلتم قبل قليل وجوبًا.
* طالب: إذا كانت (هي) فهو جوازًا.
* الشيخ: إذا كان تتحدث عن امرأة، فقلت: (هند تقوم) فهو مستتر جوازًا؛ لأن التقدير هي، وإذا كنت تخاطب رجلًا فهو مستتر وجوبًا؛ لأن التقدير أنت، إذن هذا الضابط: ما كان تقديره (أنا) أو (نحن) أو (أنت) فهو مستتر وجوبًا، وما كان تقديره: (هو) أو (هي) فهو مستتر جوازًا.
* * *
* طالب: ﴿شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت ٢١ - ٢٤].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ﴾ إعراب وهو أن يوم ظرف وكل ظرف لا بد له من متعلق؛ لأن الظرف اسم مفعول فيه فلا بد من فعل، ولهذا قال ناظم الجمل:
لَا بُدَّ للْجَارِّ مِنَ التَّعَلُّقِ ∗∗∗ بِفِعْلٍ اوْ مَعْنَاهُ نَحْوُ مُرْتَقِي
فأين العاملُ في ﴿يَوْمَ﴾؟ العامل في ﴿يَوْمَ﴾ محذوف، التقدير: كما قال المؤلف: (﴿وَ﴾ اذكر ﴿يَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾ )، و﴿يُحْشَرُ﴾ بمعنى يُجْمَع ويساق، وفيها قراءتان: (بالياء والنون المفتوحة وضم الشين وفتح الهمزة) لم يُكْمِل المؤلف -في الواقع- القراءة الثانية.
﴿يُحْشَرُ﴾ فيها قراءتان:
الأولى: ضم الياء وفتح الشين ﴿يُحْشَرُ﴾، وعلى هذه القراءة يجب أن تكون ﴿أَعْدَاءُ﴾ مرفوعة على أنها نائب فاعل.
القراءة الثانية: بفتح النون ﴿﴿نَحْشُرُ﴾ ﴾ وضم الشين، وعلى هذه القراءة يجب أن تكون ﴿أَعْدَاءُ﴾ منصوبة على أنها مفعول به، ﴿﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ أَعْدَاءَ اللَّهِ﴾ ﴾، وهنا نسأل: هل القراءتان اللتان تكونان في القرآن الذي بين أيدينا هل هما الحروف السبعة أو سواها؟
الجواب: أنها سوى الحروف السبعة؛ الحروف السبعة الآن غير معلومة؛ لأنه قضي عليها بتوحيد المصحف في عهد عثمان رضي الله عنه، لكن القراءات السبع الموجودة في حرف واحد وهو حرف قريش الذي توحدت المصاحف عليه في عهد عثمان رضي الله عنه، وعلى هذا فلا حاجة إلى التفتيش والتنقيب عن الحروف السبعة في وقتنا هذا؛ لأنها انتهت، قضي عليها.
قال: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ فمَنْ أعداء الله؟ أعداء الله يمكن أن نعرفهم بمعرفة أولياء الله، وأولياء الله تعالى قال الله في بيانهم: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس ٦٢، ٦٣] ضد الإيمان الكفر، وضد التقوى المعاصي والفسوق؛ فأعداء الله إذن هم الكفار والفَسَقة.
يحشرون إلى النار، أي: يساقون إليها ويُجْمَعون إليها.
﴿إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ يقول المؤلف: (يُساقُون)، ولها معنًى آخر أيضًا: يُساقون بالتوزيع، يعني: أنهم طوائف وأمم، كلما دخلت أمة لعنت أختها، فهم يوزعون بالسياق أي يُساقون، ويوزعون أيضًا بالتفريق، كل أمة وحدها، ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.
﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ﴾ إلى آخره [فصلت: ٢٠].
﴿حَتَّى إِذَا مَا﴾ قال المؤلف: (زائدة) يعني كلمة ﴿مَا﴾ زائدة؛ لأنها وقعت بعد (إذا)، وكلما وقعت (ما) بعد (إذا) فهي زائدة، وعليك بحفظ البيت:
يَا طَالِبًا خُذْ فائِدَه ∗∗∗ (مَا) بَعْدَ (إِذَا) زَائِدَه
﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾ يقول: ﴿مَا﴾ زائدة ﴿جَاءُوهَا﴾ أي: وصلوا إليها ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قبل أن يدخلوها تُستَشْهد عليهم هذه الجوارح حتى يدخلوا وهم موقنون أنهم عُوملوا بالعدل والإنصاف، يشهد عليهم سمعُهم هل يشهد بما سمعوا من اللغو والكلام المُحَرَّم أو يشهد السمع بجميع الأعمال؟
يحتمل وجهين: إما أن يكون المعنى: شهد عليهم سمعُهم بما سمعوا من الباطل، وأبصارهم بما شاهدوا من الباطل، وجلودهم بما لمسوا من الباطل، أو أن هذه الأعضاء تشهد على كل عَمَلٍ عملوه، يحتمل هذا وهذا، والثاني أعظم: أن يكون السمع يشهد بما حصل عن طريقه، وبما حصل عن طريق البصر، وبما حصل عن طريق اللمس، هذا أعظم مما لو شهد بما حصل منه فقط.
﴿سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وهل هذا بعد إنكارٍ أو للتحقيق والتوكيد؟ ليس في الآية ما يدل على ذلك، لكن قيل: إن هذه الأعضاء ﴿وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ﴾ [النور ٢٤] كما في آية أخرى إنما يكون بعد إنكارهم أن يكونوا أشركوا، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣].
وقوله: ﴿جُلُودِهِمْ﴾ بما مَسَّتْ وهي أعم من شهادة السمع والبصر؛ لأنه يدخل في ذلك اليد والرجل والشم وغير ذلك، كل هذا عن طريق الملامسة.
﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ [فصلت ٢١] ولم يقل: لأبصارهم وسمعهم؛ لأن شهادة الجلود أعظم وأعم.
﴿قَالُوا﴾ أي: أعداء الله ﴿لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾، وهذا الاستفهام استفهام إنكار كأنهم يقولون: نحن نجادل عنكم، فكيف تشهدون علينا؟!
﴿قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ يعني: أننا شهدنا؛ لأن الله أنطقنا، والله عز وجل بيده ملكوت السماوات والأرض، يُنْطِق كل شيء.
قال المؤلف: (أي: أراد نطقه) ولا حاجة إلى هذا القيد؛ لأن الله تعالى لا يُكْرِهْهُ أحدٌ حتى نقول: إن هذا الفعل مقيد بالإرادة، نقول: أَنْطَقَ كل شيء، ولا نقول: أراد نطقه؛ لأنه لا يمكن أن ينطق الشيء إلا بعد إرادة الله، ومثل هذا القيد غير مناسب؛ لأننا لو اعتبرناه لقلنا: كل فعل ذكره الله عن نفسه يجب أن نُقَيِّدَه بالإرادة، وهذا أمر مُسْتَكْرَه؛ إذ إننا نعلم أن كل فعل فعله الله فإنما هو عن إرادة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]، فالله تعالى أنطق كل شيء، هل أنطق الحجر؟ نعم، أْنْطَقَ الحجرَ والشجرَ، «وسُمِعَ تسبيحُ الحصى والطعامِ بين يدي النبيِّ ﷺ»[[أخرجه الطبراني في الأوسط (١٢٤٤)، والبزار (٤٠٤٠) من حديث أبي ذر الغفاري.]]، بل قال الله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤]، كل شيء يسبح الله بلسان المقال إلا الكافر فإنه لا يُسبِّح الله بلسان المقال؛ لأنه كافر بالله، يصف الله تعالى بكلِّ نقص وعيب، وكل شيء يُسبِّح الله بلسان الحال حتى الكافر يسبح الله بلسان الحال، كيف ذلك؟ الكافر ما أودع الله فيه من الآيات في الخِلْقة والخلق، وما أشبه ذلك كله يسبح الله عز وجل، أي: يستدل به على تنزيه الله عن كل نقص وعيب.
قال: ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (قيل: هو من كلام الجلود، وقيل: هو من كلام الله تعالى كالذي بعده، وموقعه قريب مما قبله بأن القادر على إنشائكم ابتداءً وإعادتكم بعد الموت أحياءً قادر على إنطاق جلودكم وأعضائكم).
قوله: ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يحتمل أنه من كلام الله يخاطب به هؤلاء المكذبين والأعداء، ويحتمل أنه تتمة كلام الجلود؛ يعني أن الجلود تستدل على قدرة الله تعالى على إنطاقها بأنه خلقهم أول مرة، يقول المؤلف في بيان ذلك: (قيل: هو من كلام الجلود، وقيل: هو من كلام الله) أيهما قَدَّم؟
* طالب: الجلود.
* الشيخ: لا، إذا قال المؤلفون: قيل كذا، وقيل كذا، فالخلاف هنا مطلق، لا تقديم فيه ولا تأخير، وإذا قيل: هو من كلام الجلود، وقيل: من كلام الله، هنا يكون قدم الأول، انتبهوا لهذا، أما إذا قال المؤلفون: قيل وقيل، فهذا ليس فيه تقديم، بل هو نقل خلاف على وجه الإطلاق.
(قيل: هو من كلام الجلود، وقيل: هو من كلام الله) وعلى هذا فالقولان لدى المؤلف متساويان، فأيهما أقرب: أن نجعله من كلام الجلود حتى يتصل الكلام بعضه ببعض أو من كلام الله؟ الأول من حيث اللفظ أقرب؛ أن الجلود تقول: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، وتقول لهؤلاء: هو الذي خلقكم أول مرة وإليه ترجعون، لكن القول الثاني أقوم للمعنى؛ يعني أن الله لما بَيَّن أن هؤلاء يُعادَوْن يوم القيامة ويُحاسبون، وتشهد عليهم السمع والأبصار والجلود بيَّنَ عزَّ وجل أنه قادر على الإعادة؛ لأن هؤلاء الذين كذبوا ينكرون البعث فقال: ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، والقادر على الخلق أول مرة قادر على إعادته واضح؟ دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧]، فهو يقول: هو خلقكم أول مرة، والقادر على ذلك قادر على الإعادة.
وقوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ هذا فيه أيضًا إشارة إلى الحكمة مِنْ خلق الخلق؛ أنهم يبتلون فيُؤمَرون ويُنْهَون، ومآلهم إلى من؟ إلى الله عز وجل يجازيهم بحسب أعمالهم التي كلَّفَهم بها.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ إلى آخره، هذا هو معنى قول المؤلف: (كالذي بعده) ويش الذي بعده؟ ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ هذا لا شك أنه من كلام الله، وليس من كلام الجلود.
وقول المؤلف رحمه الله: (وموقعه قريب مما قبله) يعني: موقع هذا الكلام ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (قريب مما قبله)، يعني يبين المناسبة مناسبة هذه الجملة لما قبلها؛ (وهو أن القادر على إنشائكم ابتداءً وإعادتكم بعد الموت أحياءً قادر على إنطاق جلودكم وأعضائكم).
(﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ عن ارتكابكم الفواحش من ﴿أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ ) يعني: ما كنتم تستخفون في معاصيكم وكفركم وغير ذلك مما يستترون به خوفًا من أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم؛ يعني أن الكفار يستترون أحيانًا بالمعاصي، ليسوا يستترون خوفًا من أن تشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم؛ لأن هذه الأشياء لا استتار عنها إطلاقًا؛ إذ إنها هي الإنسان، ولا يمكن الاستتار عنها، وأيضًا هم لا يؤمنون بأنها سوف تشهد عليهم يومًا من الأيام، فصاروا لا يستترون عن هذه الأشياء لوجهين:
الأول: أنه لا انفكاك عنها، وجهه أنها هي مكوناته.
الوجه الثاني: أنه ما كان يطرأ على بالهم يومًا من الأيام أن هذه سوف تشهد عليهم؛ لأنهم ينكرون البعث، وإنكار البعث يستلزم ألا يؤمنوا بأنها تشهد عليهم.
﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ معنى تستترون (تستَخْفُون)، وقوله: ﴿أَنْ يَشْهَدَ﴾ هي على تقدير محذوف، التقدير: خوف أن يشهد عليكم سمعكم وأبصاركم إلى آخره.
يقول: (لأنكم لم توقنوا بالبعث) هذا التعليل أضفنا إليه تعليلًا آخر وهو عدم انفكاك جلودهم وسمعهم وأبصارهم.
(﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ﴾ عند استتاركم ﴿أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ) هذا الذي ظنوه بالله، فظنوا بالله تعالى ظن السوء، وأنهم إذا استتروا عن الخلق استتروا عن الله؛ ولهذا قال: ﴿كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ الكثير الثاني ما يفعلونه علانية ولا يهتمون به.
(﴿وَذَلِكُمْ﴾ مبتدأ ﴿ظَنُّكُمُ﴾ بدل منه ﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ نعت، والخبر ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ ) المؤلف أعرب الآية على وجه التفصيل؛ ﴿وَذَلِكُمْ﴾ (ذا) اسم إشارة، واللام للبُعْد، والكاف حرف خطاب، وجاءت بالجمع؛ لأن المخاطب جماعة، وهنا يجب عليكم أن تعرفوا أن اسم الإشارة يعود إلى المشار إليه، والكاف تعود إلى المخاطب، فكيف تقول إذا خاطبت ذكرًا تشير إلى شيء مذكر؟
ذلك. وكيف تقول إذا أشرت إلى اثنين مخاطبًا ذكرًا؟
* طالب: ذانك.
* الشيخ: ذانك؛ صح، ذانك؛ لأنك تشير إلى اثنين تخاطب واحد، وماذا تقول إذا أشرت إلى واحد تخاطب اثنين؟
* طالب: ذلكما.
* الشيخ: ذلكما، صح، تشير إلى واحد تخاطب اثنين تقول: ذلكما، وماذا تقول إذا أشرت إلى واحد تخاطب جماعة نساء؟ ذلكن، طيب، تشير إلى واحدة تخاطب جماعة إناث؟
* طالب: ذلكن.
* الشيخ: ذلكن خطأ.
* طالب: تلكما.
* الشيخ: أنت تخاطب جماعة إناث، تشير إلى واحدة تخاطب جماعة إناث؟
* طالب: ذلكن.
* الشيخ: خطأ.
* طالب: تلكما.
* الشيخ: أنت تخاطب جماعة إناث، تشير إلى واحدة تخاطب جماعة إناث.
* طالب: تلكن.
* الشيخ: تلكن، صح؟ تلكن، المهم انتبهوا لهذا، لا يلتبس عليكم المشار إليه في المخاطب، اسم الإشارة يكون بحسب المشار إليه، والكاف بحسب المخاطب، واضح؟ طيب، تشير إلى جماعة مخاطبًا جماعة ذكور؟
* طالب: أولئكم.
* الشيخ: أولئكم في القرآن: ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء ٩١]، طيب، تمام، تشير إلى مؤنثتين تخاطب اثنتين؟
* طالب: تانكما.
* الشيخ: تانكما، صح، طيب على كل حال الأمثلة كثيرة، بس تَحَرَّوا الدقة، وهل الأفصحُ في كاف المخاطب في الإشارة أن تكون حسب المخاطب أو أن تكون بالإفراد المذكَّرِ دائمًا، أم بالإفراد المفتوح المذكر للمذكر، والمؤنث للمؤنث؟
أقوال ثلاثة، وكلها لغات؛ يعني: الكاف هل نلزمها طريقةً واحدة بالإفراد والفتح فنقول: ذلك تانك ذانك؟ أو نلزمها الإفراد مع الفتح للمذكر والكسر للمؤنث، هذا وجهان، أو نقول: هي حسب المخاطب المفرد المذكر له كاف مفتوحة، والمفردة المؤنث كاف مكسورة، والمثنى كاف مقرونة بعلامة التثنية، وجماعة النساء كاف مقرونة بنون النسوة، وجماعة الذكور كاف مقرونة بميم الجمع، الأخير هو الأفصح. لكن يجوز الوجهان الآخران.
يقول الله عز وجل: ﴿وَذَلِكُمْ﴾ قال المؤلف: (مبتدأ ﴿ظَنُّكُمُ﴾ بدل منه ﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ نعت، والخبر ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ ) يعني معناه أن قوله: ﴿ذَلِكُمْ﴾ وما عطف عليها أو صار صفةً لها في مقام المبتدأ، و﴿أَرْدَاكُمْ﴾ في مقام الخبر، هل يمكن احتمال وجه آخر؟ نعم، يمكن، يمكن أن نجعل (ذا) مبتدأ و﴿ظَنُّكُمُ﴾ خبره، و﴿أَرْدَاكُمْ﴾ خبر ثانٍ، وهذا الوجه أقوى في المعنى؛ يعني: ذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم؛ يعني: لم تظنوا به سواه، وأنه لن يعيدكم، ثم أخبر عن هذا الظن خبرًا آخر، فقال: ﴿أَرْدَاكُمْ﴾، فهذا المعنى أقوى من قول المؤلف رحمه الله تعالى أن ﴿ظَنُّكُمُ﴾ بدل من ﴿ذَلِكُمْ﴾، وأن ﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ نعت له، وأن ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ خبر له.
﴿ذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ وهو الله عز وجل وأضاف الربوبية إليهم؛ لأنهم يُقِرُّون بربوبية الله لا ينكرونها ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون ٨٦، ٨٧]، وفي قراءة أخرى سبعية ﴿﴿سَيَقُولُونَ اللَّهَ﴾ ﴾.
﴿أَرْدَاكُمْ﴾ يعني: أهلككم ﴿فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ﴿فَأَصْبَحْتُمْ﴾ أي: صرتم من الخاسرين، وهنا أصبح لو نظرنا إلى مجرد لفظها لكانت دالةً على الإصلاح، لكنها تُسْتَعمل في اللغة العربية بمعنى الصيرورة تقول: أصبح لا يعلم شيئًا، أي: صار لا يعلم شيئًا.
وهنا ﴿أَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ليس المعنى دخلتم في الصباح خاسرين، ولكن المعنى: صِرْتُمْ من الخاسرين، والخاسر ضد الرابح، وإنما قال: ﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ لأن هؤلاء الذين أنكروا البعث خسروا الدنيا والآخرة في الواقع؛ فدنياهم لم تنفعهم، وهم في الآخرة في النار، وهذا غاية الخسران.
(﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا﴾ على العذاب ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى﴾ مأوى ﴿لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ يطلبوا العُتْبى أي: الرضا ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ من المرضيين).
انتبهوا لهذا الوعيد الشديد ﴿إِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ لم يقل: إن يصبروا فلينتظروا الفرج، بل قال: ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أي: ليس لهم إلا النار، وهذا كقوله تعالى: ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور ١٦] العذاب سوى عذاب الآخرة ينتظر الفرج له؛ لأن دوام الحال من المحال، فإذا صبر الإنسان على البلاء فالنهاية الزوال، لكن في الآخرة إن يصبروا فلن يسلموا من العذاب، فالنار مثوًى لهم، وهي مثوًى لهم قبل الصبر وبعد الصبر، لكن هذا من باب التيئيس لهم، وأن صبرَهم لا يفيدهم شيئًا، ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ أي: يطلبوا العتبى أي الرضا.
﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ لأنهم يَسْأَلون الله تعالى؛ يقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون ١٠٧]، والجواب: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨]، لكن في الدنيا لو طلبوا العتبى وتابوا إلى الله لحصل لهم ذلك، لكن في الآخرة قد فات الأوان.
وقوله: ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أي: مأوى، وكل إنسان مأواه النار، فلا حظَّ له في الجنة.
* في الآيات هذه فوائِد: أولًا: إثبات حقيقة النار؛ لقوله: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ﴾.
* ومن فوائدِها: إثبات أعداء لله كما أن له أولياء، وعدو الله عز وجل مَنْ كان كافرًا فاجرًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أهل النار -والعياذ بالله- يُساقون إلى النار أوزاعًا أي: متفرقين أُمَمًا؛ لقوله: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.
* ومن فوائد الآية التي بعدها: إثبات حقيقة النار، وأن هؤلاء يصلون إليها حقيقة؛ لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾.
* ومِن فوائدها: دخول التوكيد في كلام الله عز وجل؛ لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾؛ لأننا قلنا: (ما) زائدة، لكنها للتوكيد.
فإن قال قائل: كلام الله عز وجل مُؤَكَّد بدون أداة توكيد، فما الفائدة من أن الله تعالى يأتي كثيرًا في كلامه بأدوات التوكيد؟
فالجواب: القرآن لا شك أنه مؤكد، وأن أخباره لا تحتاج إلى توكيد، لكن القرآن نزل بلسان عربي مبين، واللسان العربي يقتضي أن يكون الكلام الهام مؤكَّدًا بأنواع من التأكيدات، واضح؟ إذن تأكيد ما يؤكد في القرآن دليل على بلوغ القرآن الفصاحة في أعلى معانيها في أنه مُتَمَشٍّ على أيش؟ على قواعد اللغة العربية الفصحى.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات النطق للسمع والبصر والجلود؛ لقوله: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ﴾، والشهادة تكون بالنطق، وقد تكون بغير النطق، لكنها في الأصل بالنطق، ولذلك ﴿قَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أعضاء الإنسان تكون يوم القيامة خصومًا له، وجه ذلك أن هؤلاء أنكروا على سمعهم وأبصارهم وجلودهم أن شهدوا عليهم، وما ظنك -أيها الأخ- بأعضاء تكون يوم القيامة خصومًا لك؟! يعني يتفرع على هذه الفائدة فائدة؛ أن الواجب على الإنسان أن يرعى هذه الأعضاء حق رعايتها وألا يورِّطَها فيما تكون خصمًا له به يوم القيامة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأعضاء منفردةً تعرف ربها عز وجل؛ لقولها: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾.
* ومن فوائدِها: عموم قدرة الله تعالى؛ لقوله: ﴿أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾.
* ومِن فوائدها: أن ابتداء الخلق من الله لم يشرك أحد رب العالمين في الخلق لا أم ولا أب ولا سلطان ولا رئيس ولا وزير، المنفرد بالخلق هو الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز استعمال الأدلة العقلية، من أين تؤخذ؟ من استدلال الله تعالى بالمَبْدَأ على المعاد، فإن هذا دليل عقلي.
فإن قال قائل: وهل تُقَدَّم الأدلة العقلية على الأدلة السمعية؟
فالجواب: لا؛ لأن العقل قد يخطئ فيظن الإنسان أن هذا عقلٌ وليس بعقل، وأما الأدلة السمعية الثابتة عن الله ورسوله فهذه لا تخطئ، ولهذا أخطأ مَنِ استعمل العقل، بل قدَّمه على السمع والنقل فيما يتعلق بالله واليوم الآخر، وحَكَمُوا بعقولهم القاصرة على أمور الغيب استحالةً أو وجوبًا أو جوازًا، وأعرضوا عن نصوص الكتاب والسنة، ومن هؤلاء جميع المتكلمين من الأشاعرة، والمعتزلة، والجهمية، وغيرهم حيث جعلوا التلقي فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته على الاعتماد على العقل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرجوع إلى الله عزَّ وجل، فاستعدَّ لهذا الرجوع، واعلم أنك ملاقٍ ربَّك، ولكن أبشر إن كنت مؤمنًا، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٢٢٣]، يعني: لا يخاف المؤمن من هذه الملاقاة، بل له البَشارة في الدنيا قبل الآخرة، لكن حقيقة هذه البشارة للمؤمن خاصة. ويأتي -إن شاء الله- بقية الكلام على الفوائد.
* طالب: شيخ، هل عموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ ينطبق على قول الصحابة أن الطعام كان يُسَبِّح بين أيديهم، ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤] بأن يكون سبح، ولكن لم يعلموا تسبيحهم إلا بإخبار النبي صلي الله عليه وسلم لهم، أو أنه سبَّح حقيقة يفهمه أيُّ واحد؟
* الشيخ: ظاهر النصوص أن يسبح حقيقة، لكن التسبيح ﴿لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ باعتبار المجموع، لا باعتبار كل فرد، فإنَّ مِنَ الأشياء ما نسمع تسبيحه، يسبح تمامًا ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ [ص ١٨]، فالظاهر أنها تُرَدِّد، كما قال تعالى: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ ١٠].
* الطالب: يا شيخ، نكمل السؤال: هل التسبيح كما نعرفه نحن أو خاصٌّ بهم بأن بعضهم..؟
* الشيخ: لا، تقول: سبحان الله.
* الطالب: بعضهم قال: صوت غدير الماء هو تسبيحه؟
* الشيخ: لا، خطأ، صوت خرير الماء ليس صوت تسبيح، هذا طبيعي، فهل نقول: حركة الإنسان بالأرض إذا وَطِئَتْ أقدامُه الأرضَ وسُمِعَ لها صوت، هل هذا تسبيح؟!
* طالب: شيخ -أحسن الله إليك- فسَّرْنا ﴿يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الجاثية ٣٥] بمعنى الرضا، إذا فسر بالرجوع إلى الدنيا..
طالب: شيخ أحسن الله إليك، فسرنا (يستعتبون) بمعنى الرضا، إذا فسر بالرجوع من الدنيا؟
* الشيخ: أيهن؟
* الطالب: يستعتبون.
* الشيخ: الاستعتاب: طلَبُ العُتْبَى، والعتبى معناه: قبول العذر والرِّضا، فالمؤلف فسَّرَها بالنهاية؛ بالغاية التي هي الرضا؛ لأن الإنسان إذا استعتَب وقُبِل عذره رضِي عنه المُستَعْتَب.
* طالب: شيخ أحسن الله إليك، الله عز وجل إذا أخبر عن نفسه في القرآن يقول: قال الله، قال الله، ويرد هذا كثيرًا في القرآن، أليس الأفضل في اللغة أن يقول: (قل) إذا أراد أن يخبر عن نفسه؟
* الشيخ: لا، هذا يعني له أحوال، لكن يقول العلماء: إن المتكلم إذا عبَّر عن نفسِه بصِيغة الغائب فهذا دليل على العظمة والتعظيم، ففرْقٌ بين أن يقولَ المِلك مِلك الدنيا: إن الملك يأمرُكم أن تفعَلوا كذا، أو يقول: إني آمركم. الأول أعظم في التفخيم، وهذه من قاعدة البلاغة: تعبير المخاطب عن نفسه بصيغة الغائب يدل على التعظيم، لا سيما إذا كان بوصفٍ يقتضي ذلك.
* طالب: العذاب الواقع على الأعضاء هل تحس به نفس الأعضاء ولا صاحبها بسبب أنه كان (...)؟
* الشيخ: لا، الواقع أن العذاب على أهل النار واقِع على كُلِّ البدن، ولهذا قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء ٥٦]، لكن هم يتعَجَّبُون ويُوَبِّخُون السمع والأبصار والجلود: لِمَ شهدتم علينا ونحن نجادِل عنكم؟!
* * *
* طالب: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧) ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٢٨) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت ٢٧ - ٢٩].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ [فصلت ٢٢]، معنى الآية إجمالًا، ما أريد أن تفسر كل كلمة، معناها؟
* طالب: (...) أن تشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم؛ يعني: كانوا لا يظنون..
* الشيخ: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ [فصلت ٢٢]؛ يعني: ما كنتم تستَخْفُون خوفًا مِن؟
* الطالب: شهادة السمع والبصر والجلود.
* الشيخ: نعم، أحسنت، قوله: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ [فصلت ٢٣]. يلَّا أعرِب الجملة؟
* طالب: (ذلك) اسم إشارة (...) مخاطب (...).
* الشيخ: لا، ما هو تفصيل، قل مثل: (ذلكم) مبتدأ، (ذلكم) خبر.
* الطالب: ﴿ذَلِكُمْ﴾ مبتدأ.
* الشيخ: طيب ﴿ظَنُّكُمُ﴾؟
* الطالب: ﴿ظَنُّكُمُ﴾ يجوز أن تكون خبرًا.
* الشيخ: أعطنا واحدًا مما تقول: إنه يجوز.
* الطالب: خبر.
* الشيخ: ﴿ظَنُّكُمُ﴾ خبر؟ نعم، و﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ﴾؟
* الطالب: ﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ﴾، هذا نعت.
* الشيخ: طيب ﴿أَرْدَاكُمْ﴾؟
* الطالب: ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ خبر ثانٍ.
* الشيخ: خبر ثانٍ، طيب فيه وجه ثانٍ في الإعراب؟ قل: نعم ولَّا لا؟
* طالب: ﴿ذَلِكُمْ﴾ مبتدأ، و﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ﴾..
* الشيخ: ﴿ظَنُّكُمُ﴾؟
* الطالب: ﴿ظَنُّكُمُ﴾ بدل منه، و﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ﴾ نعت، و﴿أَرْدَاكُمْ﴾ خبر.
* الشيخ: و﴿أَرْدَاكُمْ﴾ خبر، تمام، إذن اتفق القولان على أن ﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ﴾ صفة.
طيب ﴿أَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، ما معنى ﴿أَصْبَحْتُمْ﴾ هنا؟
* الطالب: صِرْتم.
* الشيخ: صِرْتم، معناها المطابق للفظ ما هو؟ أصبح.
* الطالب: أصبح؛ يعني: صار في الصباح، هذا الأصل.
* الشيخ: إي نعم، هذا الأصل، لكنها قد تُسْتَعمل بمعنى صار، نعم.
طيب قوله: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [فصلت ٢٤] ما مناسبة جواب الشرط لفعل الشرط؟ ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾، ويش المناسبة؟ لأن هذا قد تخفى مناسبتُه؛ إذ إن الإنسان يتوقع أن يكون جواب الشرط خلاف ذلك.
* الطالب: وعيد شديد لهم من باب التيئيس (...).
* الشيخ: ارتباطُه بما قبله، مناسبتُه تيئيس هؤلاء مِن الفرَج؛ لأن ظاهر الحال أن يقول: فإن يصبروا فالفرجُ قريب مثلًا، لكنه قال: ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾؛ أي: فلن يتخلَّصوا منها، ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت ٢٤]، ما معنى ﴿يَسْتَعْتِبُوا﴾؟
* الطالب: يطلبوا العُتبى.
* الشيخ: وهي؟
* الطالب: يعني المعذرة، يطلب المعذرة أو العذر.
* الشيخ: العذر ثم الرضا. طيب ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾؟
* الطالب: أي: أن الله لن يرضى عنهم.
* الشيخ: تمام، إعراب ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾؟
* طالب: الفاء بحسب ما قبلها.
* الشيخ: لا، ما هي بحسب ما قبلها، معروف ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾، الفاء؟
* طالب: حرف عطف.
* الشيخ: لا.
* طالب: رابطة لجواب الشرط.
* الشيخ: رابطة لجواب الشرط. (ما)؟
* الطالب: (ما) نافية تعمل عمل (ليس).
* الشيخ: على لغة مَن؟
* الطالب: على لغة الحجازيين.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: و(هم) مبتدأ.
* الشيخ: لا، ما دمت تقول: عملها تعمل عمل (ليس)..
* الطالب: اسم (ما).
* الشيخ: اسم (ما) مبني؟
* الطالب: مبني على السكون في محل رفع، (...) (مِن) حرف جر (...) اسم مجرور بـ(من) (...).
* الشيخ: وعلامة جرِّه؟
* الطالب: للمُعْتبين.
* الشيخ: للمُعْتبينِ، إي.
* الطالب: علامة جره الكسرة.
* الشيخ: كسرة ظاهرة بآخرِه..
* الطالب: بآخره نيابة عن (...).
* الشيخ: إي.
* الطالب: والجار ومجرور متعلق بمحذوف.
* الشيخ: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر (ما)، طيب هنا تتفق اللغتان الحجازية والتميمية مِن حيث اللفظ، أليس كذلك؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: هل يختلف اللفظ لو جعلناها تميمية؟
* الطالب: ما يختلف.
* الشيخ: إذن تتفق اللغتان من حيث اللفظ، وتختلفان من حيث الإعراب.
طيب ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف ٣١] هل تتفق اللغتان في هذا؟
* الطالب: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾، لا.
* الشيخ: لغة تميمٍ أن يُقال؟
* الطالب: تميم (ما هذا بشرٌ).
* الشيخ: ما هذا بشرٌ. توافِقُون على ذلك؟ نعم؛ لأن (ما) مهملة عند التميميين وعاملةٌ عمل (ليس) عند الحجازيين، فتقول مثلًا: ما زيدٌ قائمًا، إذا خاطبت إنسانًا وقلت: ما زيد قائمًا، عرفنا أنك أيش؟ حجازي، وإذا خاطبت إنسانًا وقلت: ما زيدٌ قائمٌ، عرفْنا أنك تميمي ولهذا قال الشاعر:
وَمُهَفْهَفُ الْأَعْطَافِ قُلْتُ لَهُ انْتَسِبْ ∗∗∗ .............................
يعني من أين أنت؟
............................ ∗∗∗ فَأَجَابَ مَا قَتْلُ الْمُحِبِّ حَرَامُ
أخبرَه بنسبِه أو لا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: أنه؟
* طلبة: تميمي.
* الشيخ: تميمي؛ إذ لو كان غيرَ تميمِيٍّ لقال: ما قتل المحب حرامًا.
* طالب: شيخ بارك الله فيك، بالنسبة لإعراب (ما هم بمعتبين)، يمكن نجعل (ما) هذه حرف جر زائد
* الشيخ: أيهن؟
* الطالب: (ما هم بمعتبين).
* الشيخ: هذه من كيسِك يا ولد ما هي في القرآن، ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [فصلت ٢٥] إلى آخره، ﴿قَيَّضْنَا لَهُمْ﴾ يقول: (سَبَّبْنَا لهم).
قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ﴾ [فصلت ٢٢] إلى آخره.
* فيها من الفوائد: أن هؤلاء المجرمين لا يؤمنون بالبعث؛ لقوله: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: تمامُ قدرةِ الله عز وجل وأنه قادِرٌ على إِنْطَاق كل شيء؛ حيث أنطَق السمع والأبصار والجلود.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المجرمين يظُنُّون أن الله لا يعلَم كثيرًا مما يعْمَلون وهو الذي يُخفُونه، فلهذا كانوا يخفُون عن الله عز وجل ما يقعون فيه من الكفر.
* ومن فوائد الآية التي بعدها: أن مِثلَ هذا الظن سببٌ لِهَلاك المرء أن يظُنَّ أنه لن يُبعَث، هذا سببٌ لهلاكه بل هو هلاكُه حقيقة؛ لأن الذي يُنكِر البعث كافرٌ، والكافر لا حظَّ له؛ لا في الدنيا، ولا في الآخرة؛ لقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ١٥].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المجرمين يظنون أنهم رَبِحُوا المعركة باستخفائِهم، وهذا ينطبِق تمامًا على المنافقين، ولكن حقيقة الأمر أنهم خسِروا؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
* ومن فوائد الآية (...): أن أهل النار لن يخرجُوا منها، سواءٌ صبروا أم لم يصبروا؛ لقوله: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾، ويبَيِّنُه قوله تعالى: ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور ١٦]، وقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم ٢١].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أن النار لا تفنى؛ لقوله: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [فصلت ٢٤] وهذا -أعني أن النار لا تفنى- هو قولُ أهل السنة والجماعة كما أن الجنة أيضًا لا تفنى، وقد زعَم بعضُ العلماء أن النار تفنَى في آخر النهاية، لكنَّ هذا الزعمَ باطل؛ يعني لا يستحِقُّ منزلة أن نقول: إنه ضعيف، بل نقول: إنه باطل لا ينبغي أن تُسَوَّدَ به الصحائف؛ وذلك لأن كلام الله عز وجل الذي خلقَ النار وهو عالمٌ بها وبمصيرِها، فيه التصريح بالتأبيد في ثلاثة مواضع مِن كتاب الله عز وجل. الموضع الأول؟
* طالب: في النساء.
* الشيخ: ما هو؟ الأخ يقول في النساء اذكره.
* طالب: قوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩].
* الشيخ: الموضع الثاني؟
* طالب: سورة الأحزاب.
* الشيخ: ما هو؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥]. طيب الموضع الثالث؟
* الطالب: سورة الجن ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣].
* الشيخ: أحسنت، فهل بعد هذا الكلام كلام؟ لا، ولهذا الإنسان يعجَب أن يقَعَ من بعض العلماء القول بأنَّ النار تفنَى مع وجود الآيات الثلاثة.
طيب هذه ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت ٢٤] قد يكون فيها إشارة إلى أنها ستبقى أبد الآبِدين؛ لأنَّه لو كان لها منتهى فسوف يُعتَبُون في آخر النهاية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات النار؛ لقوله: ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾.
* ومنها: أنها هي المثوى، وليس كما يزعم بعض الكتاب اليوم يقولون: إن الميت إذا مات صار إلى مثواه الأخير، وقد بينَّا أن هذه الكلمة كلمة كُفْرٍ لو اعتقدَ الإنسان مدلولَها؛ يعني: لو اعتقد أن القبر هو المثوى ولا قيام بعده لكان كافرًا، فيقال: إن القبر ليس المثوى الأخير.
فصلت 41:21
قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ ﴿يُحْشَرُ﴾ فيها قراءتان: ﴿يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾ وعلى هذه القراءة يكون الفعل مبنيًّا لما لم يُسَمَّ فاعلُه، وكلما رأيت فعلًا مضارعًا مضموم الأول مفتوح ما قبل الآخر فهو مَبْنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعلُه، فإن رأيتَهُ مضمومَ الأوَّلِ فقط، فهل يكون مبنيًّا لما لم يُسَمَّ فاعلُه أو لا؟ لا؛ لأن المضارع من الرباعي يكون مضمومَ الأوَّلِ، مثل يُقدِم الرجل، يُكرِم الرجل، وما أشبه ذلك، إذن هذا اللفظ إحدى القراءتين ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ﴾، وعلى هذا فيكون ﴿يُحْشَرُ﴾ فعلًا مضارعًا مبنيًّا لما لم يُسَمَّ فاعلُه، ولاحظ أن قولَنا: لما لم يُسَمَّ فاعله أولى مِنْ قولِنا مبني للمجهول؛ لأنه قد يكون الفاعل معلومًا كقوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨]، مَنِ الخالق؟
* طلبة: الله.
* الشيخ: معلوم ولَّا غير معلوم؟ معلوم، مع أن الفعل مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعلُه، ولهذا التعبير بقولك: (خُلِقَ) فعل ماض مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعلُه أولى من قولك: (خُلِقَ) فعل ماض مبني للمجهول، انتبه لهذا، وكذلك ﴿يُحْشَرُ﴾ فعل مضارع مبني لما لم يُسَمَّ فاعلُه، ﴿أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾ ﴿أَعْدَاءُ﴾ نائب فاعل.
طيب، فيها قراءة أخرى ﴿﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ أَعْدَاءَ اللَّهِ﴾ ﴾ أشار إليه المؤلف، ما حاجة إلى تعليقها؛ موجودة في الكتاب ﴿﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ أَعْدَاءَ اللَّهِ﴾ ﴾، وعلى هذه القراءة تكون ﴿﴿نَحْشُرُ﴾ ﴾ فعلًا مضارعًا مبنيًّا للفاعل، والفاعل هنا مستتر، جوازًا أو وجوبًا؟
* طلبة: وجوبًا.
* الشيخ: وجوبًا، طيب، و﴿﴿أَعْدَاءَ﴾ ﴾ مفعول به منصوب، وهنا نذكر: متى يكون الفاعل مستترًا وجوبًا أو مستترًا جوازًا؟
إذا كان تقديره: أنا أو أنت أو نحن فهو مستتر وجوبًا، وإذا كان تقديره: هو أو هي فهو مستتر جوازًا، (أقوم) مستتر، تقديره أنا. (تقوم) تخاطب رجلًا تقول: أنت تقوم. وجوبًا؛ لأن تقديره أنت. (نقوم) وجوبًا؛ لأن تقديره نحن، طيب، (قام)؛ جوازًا؛ لأن تقديره هو، (قامت)؛ جوازًا؛ لأن تقديره هي. (تقوم) أنتم قلتم قبل قليل وجوبًا.
* طالب: إذا كانت (هي) فهو جوازًا.
* الشيخ: إذا كان تتحدث عن امرأة، فقلت: (هند تقوم) فهو مستتر جوازًا؛ لأن التقدير هي، وإذا كنت تخاطب رجلًا فهو مستتر وجوبًا؛ لأن التقدير أنت، إذن هذا الضابط: ما كان تقديره (أنا) أو (نحن) أو (أنت) فهو مستتر وجوبًا، وما كان تقديره: (هو) أو (هي) فهو مستتر جوازًا.
* * *
* طالب: ﴿شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت ٢١ - ٢٤].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ﴾ إعراب وهو أن يوم ظرف وكل ظرف لا بد له من متعلق؛ لأن الظرف اسم مفعول فيه فلا بد من فعل، ولهذا قال ناظم الجمل:
لَا بُدَّ للْجَارِّ مِنَ التَّعَلُّقِ ∗∗∗ بِفِعْلٍ اوْ مَعْنَاهُ نَحْوُ مُرْتَقِي
فأين العاملُ في ﴿يَوْمَ﴾؟ العامل في ﴿يَوْمَ﴾ محذوف، التقدير: كما قال المؤلف: (﴿وَ﴾ اذكر ﴿يَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾ )، و﴿يُحْشَرُ﴾ بمعنى يُجْمَع ويساق، وفيها قراءتان: (بالياء والنون المفتوحة وضم الشين وفتح الهمزة) لم يُكْمِل المؤلف -في الواقع- القراءة الثانية.
﴿يُحْشَرُ﴾ فيها قراءتان:
الأولى: ضم الياء وفتح الشين ﴿يُحْشَرُ﴾، وعلى هذه القراءة يجب أن تكون ﴿أَعْدَاءُ﴾ مرفوعة على أنها نائب فاعل.
القراءة الثانية: بفتح النون ﴿﴿نَحْشُرُ﴾ ﴾ وضم الشين، وعلى هذه القراءة يجب أن تكون ﴿أَعْدَاءُ﴾ منصوبة على أنها مفعول به، ﴿﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ أَعْدَاءَ اللَّهِ﴾ ﴾، وهنا نسأل: هل القراءتان اللتان تكونان في القرآن الذي بين أيدينا هل هما الحروف السبعة أو سواها؟
الجواب: أنها سوى الحروف السبعة؛ الحروف السبعة الآن غير معلومة؛ لأنه قضي عليها بتوحيد المصحف في عهد عثمان رضي الله عنه، لكن القراءات السبع الموجودة في حرف واحد وهو حرف قريش الذي توحدت المصاحف عليه في عهد عثمان رضي الله عنه، وعلى هذا فلا حاجة إلى التفتيش والتنقيب عن الحروف السبعة في وقتنا هذا؛ لأنها انتهت، قضي عليها.
قال: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ فمَنْ أعداء الله؟ أعداء الله يمكن أن نعرفهم بمعرفة أولياء الله، وأولياء الله تعالى قال الله في بيانهم: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس ٦٢، ٦٣] ضد الإيمان الكفر، وضد التقوى المعاصي والفسوق؛ فأعداء الله إذن هم الكفار والفَسَقة.
يحشرون إلى النار، أي: يساقون إليها ويُجْمَعون إليها.
﴿إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ يقول المؤلف: (يُساقُون)، ولها معنًى آخر أيضًا: يُساقون بالتوزيع، يعني: أنهم طوائف وأمم، كلما دخلت أمة لعنت أختها، فهم يوزعون بالسياق أي يُساقون، ويوزعون أيضًا بالتفريق، كل أمة وحدها، ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.
﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ﴾ إلى آخره [فصلت: ٢٠].
﴿حَتَّى إِذَا مَا﴾ قال المؤلف: (زائدة) يعني كلمة ﴿مَا﴾ زائدة؛ لأنها وقعت بعد (إذا)، وكلما وقعت (ما) بعد (إذا) فهي زائدة، وعليك بحفظ البيت:
يَا طَالِبًا خُذْ فائِدَه ∗∗∗ (مَا) بَعْدَ (إِذَا) زَائِدَه
﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾ يقول: ﴿مَا﴾ زائدة ﴿جَاءُوهَا﴾ أي: وصلوا إليها ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قبل أن يدخلوها تُستَشْهد عليهم هذه الجوارح حتى يدخلوا وهم موقنون أنهم عُوملوا بالعدل والإنصاف، يشهد عليهم سمعُهم هل يشهد بما سمعوا من اللغو والكلام المُحَرَّم أو يشهد السمع بجميع الأعمال؟
يحتمل وجهين: إما أن يكون المعنى: شهد عليهم سمعُهم بما سمعوا من الباطل، وأبصارهم بما شاهدوا من الباطل، وجلودهم بما لمسوا من الباطل، أو أن هذه الأعضاء تشهد على كل عَمَلٍ عملوه، يحتمل هذا وهذا، والثاني أعظم: أن يكون السمع يشهد بما حصل عن طريقه، وبما حصل عن طريق البصر، وبما حصل عن طريق اللمس، هذا أعظم مما لو شهد بما حصل منه فقط.
﴿سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وهل هذا بعد إنكارٍ أو للتحقيق والتوكيد؟ ليس في الآية ما يدل على ذلك، لكن قيل: إن هذه الأعضاء ﴿وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ﴾ [النور ٢٤] كما في آية أخرى إنما يكون بعد إنكارهم أن يكونوا أشركوا، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣].
وقوله: ﴿جُلُودِهِمْ﴾ بما مَسَّتْ وهي أعم من شهادة السمع والبصر؛ لأنه يدخل في ذلك اليد والرجل والشم وغير ذلك، كل هذا عن طريق الملامسة.
﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ [فصلت ٢١] ولم يقل: لأبصارهم وسمعهم؛ لأن شهادة الجلود أعظم وأعم.
﴿قَالُوا﴾ أي: أعداء الله ﴿لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾، وهذا الاستفهام استفهام إنكار كأنهم يقولون: نحن نجادل عنكم، فكيف تشهدون علينا؟!
﴿قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ يعني: أننا شهدنا؛ لأن الله أنطقنا، والله عز وجل بيده ملكوت السماوات والأرض، يُنْطِق كل شيء.
قال المؤلف: (أي: أراد نطقه) ولا حاجة إلى هذا القيد؛ لأن الله تعالى لا يُكْرِهْهُ أحدٌ حتى نقول: إن هذا الفعل مقيد بالإرادة، نقول: أَنْطَقَ كل شيء، ولا نقول: أراد نطقه؛ لأنه لا يمكن أن ينطق الشيء إلا بعد إرادة الله، ومثل هذا القيد غير مناسب؛ لأننا لو اعتبرناه لقلنا: كل فعل ذكره الله عن نفسه يجب أن نُقَيِّدَه بالإرادة، وهذا أمر مُسْتَكْرَه؛ إذ إننا نعلم أن كل فعل فعله الله فإنما هو عن إرادة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]، فالله تعالى أنطق كل شيء، هل أنطق الحجر؟ نعم، أْنْطَقَ الحجرَ والشجرَ، «وسُمِعَ تسبيحُ الحصى والطعامِ بين يدي النبيِّ ﷺ»[[أخرجه الطبراني في الأوسط (١٢٤٤)، والبزار (٤٠٤٠) من حديث أبي ذر الغفاري.]]، بل قال الله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤]، كل شيء يسبح الله بلسان المقال إلا الكافر فإنه لا يُسبِّح الله بلسان المقال؛ لأنه كافر بالله، يصف الله تعالى بكلِّ نقص وعيب، وكل شيء يُسبِّح الله بلسان الحال حتى الكافر يسبح الله بلسان الحال، كيف ذلك؟ الكافر ما أودع الله فيه من الآيات في الخِلْقة والخلق، وما أشبه ذلك كله يسبح الله عز وجل، أي: يستدل به على تنزيه الله عن كل نقص وعيب.
قال: ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (قيل: هو من كلام الجلود، وقيل: هو من كلام الله تعالى كالذي بعده، وموقعه قريب مما قبله بأن القادر على إنشائكم ابتداءً وإعادتكم بعد الموت أحياءً قادر على إنطاق جلودكم وأعضائكم).
قوله: ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يحتمل أنه من كلام الله يخاطب به هؤلاء المكذبين والأعداء، ويحتمل أنه تتمة كلام الجلود؛ يعني أن الجلود تستدل على قدرة الله تعالى على إنطاقها بأنه خلقهم أول مرة، يقول المؤلف في بيان ذلك: (قيل: هو من كلام الجلود، وقيل: هو من كلام الله) أيهما قَدَّم؟
* طالب: الجلود.
* الشيخ: لا، إذا قال المؤلفون: قيل كذا، وقيل كذا، فالخلاف هنا مطلق، لا تقديم فيه ولا تأخير، وإذا قيل: هو من كلام الجلود، وقيل: من كلام الله، هنا يكون قدم الأول، انتبهوا لهذا، أما إذا قال المؤلفون: قيل وقيل، فهذا ليس فيه تقديم، بل هو نقل خلاف على وجه الإطلاق.
(قيل: هو من كلام الجلود، وقيل: هو من كلام الله) وعلى هذا فالقولان لدى المؤلف متساويان، فأيهما أقرب: أن نجعله من كلام الجلود حتى يتصل الكلام بعضه ببعض أو من كلام الله؟ الأول من حيث اللفظ أقرب؛ أن الجلود تقول: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، وتقول لهؤلاء: هو الذي خلقكم أول مرة وإليه ترجعون، لكن القول الثاني أقوم للمعنى؛ يعني أن الله لما بَيَّن أن هؤلاء يُعادَوْن يوم القيامة ويُحاسبون، وتشهد عليهم السمع والأبصار والجلود بيَّنَ عزَّ وجل أنه قادر على الإعادة؛ لأن هؤلاء الذين كذبوا ينكرون البعث فقال: ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، والقادر على الخلق أول مرة قادر على إعادته واضح؟ دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧]، فهو يقول: هو خلقكم أول مرة، والقادر على ذلك قادر على الإعادة.
وقوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ هذا فيه أيضًا إشارة إلى الحكمة مِنْ خلق الخلق؛ أنهم يبتلون فيُؤمَرون ويُنْهَون، ومآلهم إلى من؟ إلى الله عز وجل يجازيهم بحسب أعمالهم التي كلَّفَهم بها.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ إلى آخره، هذا هو معنى قول المؤلف: (كالذي بعده) ويش الذي بعده؟ ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ هذا لا شك أنه من كلام الله، وليس من كلام الجلود.
وقول المؤلف رحمه الله: (وموقعه قريب مما قبله) يعني: موقع هذا الكلام ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (قريب مما قبله)، يعني يبين المناسبة مناسبة هذه الجملة لما قبلها؛ (وهو أن القادر على إنشائكم ابتداءً وإعادتكم بعد الموت أحياءً قادر على إنطاق جلودكم وأعضائكم).
(﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ عن ارتكابكم الفواحش من ﴿أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ ) يعني: ما كنتم تستخفون في معاصيكم وكفركم وغير ذلك مما يستترون به خوفًا من أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم؛ يعني أن الكفار يستترون أحيانًا بالمعاصي، ليسوا يستترون خوفًا من أن تشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم؛ لأن هذه الأشياء لا استتار عنها إطلاقًا؛ إذ إنها هي الإنسان، ولا يمكن الاستتار عنها، وأيضًا هم لا يؤمنون بأنها سوف تشهد عليهم يومًا من الأيام، فصاروا لا يستترون عن هذه الأشياء لوجهين:
الأول: أنه لا انفكاك عنها، وجهه أنها هي مكوناته.
الوجه الثاني: أنه ما كان يطرأ على بالهم يومًا من الأيام أن هذه سوف تشهد عليهم؛ لأنهم ينكرون البعث، وإنكار البعث يستلزم ألا يؤمنوا بأنها تشهد عليهم.
﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ معنى تستترون (تستَخْفُون)، وقوله: ﴿أَنْ يَشْهَدَ﴾ هي على تقدير محذوف، التقدير: خوف أن يشهد عليكم سمعكم وأبصاركم إلى آخره.
يقول: (لأنكم لم توقنوا بالبعث) هذا التعليل أضفنا إليه تعليلًا آخر وهو عدم انفكاك جلودهم وسمعهم وأبصارهم.
(﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ﴾ عند استتاركم ﴿أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ) هذا الذي ظنوه بالله، فظنوا بالله تعالى ظن السوء، وأنهم إذا استتروا عن الخلق استتروا عن الله؛ ولهذا قال: ﴿كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ الكثير الثاني ما يفعلونه علانية ولا يهتمون به.
(﴿وَذَلِكُمْ﴾ مبتدأ ﴿ظَنُّكُمُ﴾ بدل منه ﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ نعت، والخبر ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ ) المؤلف أعرب الآية على وجه التفصيل؛ ﴿وَذَلِكُمْ﴾ (ذا) اسم إشارة، واللام للبُعْد، والكاف حرف خطاب، وجاءت بالجمع؛ لأن المخاطب جماعة، وهنا يجب عليكم أن تعرفوا أن اسم الإشارة يعود إلى المشار إليه، والكاف تعود إلى المخاطب، فكيف تقول إذا خاطبت ذكرًا تشير إلى شيء مذكر؟
ذلك. وكيف تقول إذا أشرت إلى اثنين مخاطبًا ذكرًا؟
* طالب: ذانك.
* الشيخ: ذانك؛ صح، ذانك؛ لأنك تشير إلى اثنين تخاطب واحد، وماذا تقول إذا أشرت إلى واحد تخاطب اثنين؟
* طالب: ذلكما.
* الشيخ: ذلكما، صح، تشير إلى واحد تخاطب اثنين تقول: ذلكما، وماذا تقول إذا أشرت إلى واحد تخاطب جماعة نساء؟ ذلكن، طيب، تشير إلى واحدة تخاطب جماعة إناث؟
* طالب: ذلكن.
* الشيخ: ذلكن خطأ.
* طالب: تلكما.
* الشيخ: أنت تخاطب جماعة إناث، تشير إلى واحدة تخاطب جماعة إناث؟
* طالب: ذلكن.
* الشيخ: خطأ.
* طالب: تلكما.
* الشيخ: أنت تخاطب جماعة إناث، تشير إلى واحدة تخاطب جماعة إناث.
* طالب: تلكن.
* الشيخ: تلكن، صح؟ تلكن، المهم انتبهوا لهذا، لا يلتبس عليكم المشار إليه في المخاطب، اسم الإشارة يكون بحسب المشار إليه، والكاف بحسب المخاطب، واضح؟ طيب، تشير إلى جماعة مخاطبًا جماعة ذكور؟
* طالب: أولئكم.
* الشيخ: أولئكم في القرآن: ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء ٩١]، طيب، تمام، تشير إلى مؤنثتين تخاطب اثنتين؟
* طالب: تانكما.
* الشيخ: تانكما، صح، طيب على كل حال الأمثلة كثيرة، بس تَحَرَّوا الدقة، وهل الأفصحُ في كاف المخاطب في الإشارة أن تكون حسب المخاطب أو أن تكون بالإفراد المذكَّرِ دائمًا، أم بالإفراد المفتوح المذكر للمذكر، والمؤنث للمؤنث؟
أقوال ثلاثة، وكلها لغات؛ يعني: الكاف هل نلزمها طريقةً واحدة بالإفراد والفتح فنقول: ذلك تانك ذانك؟ أو نلزمها الإفراد مع الفتح للمذكر والكسر للمؤنث، هذا وجهان، أو نقول: هي حسب المخاطب المفرد المذكر له كاف مفتوحة، والمفردة المؤنث كاف مكسورة، والمثنى كاف مقرونة بعلامة التثنية، وجماعة النساء كاف مقرونة بنون النسوة، وجماعة الذكور كاف مقرونة بميم الجمع، الأخير هو الأفصح. لكن يجوز الوجهان الآخران.
يقول الله عز وجل: ﴿وَذَلِكُمْ﴾ قال المؤلف: (مبتدأ ﴿ظَنُّكُمُ﴾ بدل منه ﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ نعت، والخبر ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ ) يعني معناه أن قوله: ﴿ذَلِكُمْ﴾ وما عطف عليها أو صار صفةً لها في مقام المبتدأ، و﴿أَرْدَاكُمْ﴾ في مقام الخبر، هل يمكن احتمال وجه آخر؟ نعم، يمكن، يمكن أن نجعل (ذا) مبتدأ و﴿ظَنُّكُمُ﴾ خبره، و﴿أَرْدَاكُمْ﴾ خبر ثانٍ، وهذا الوجه أقوى في المعنى؛ يعني: ذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم؛ يعني: لم تظنوا به سواه، وأنه لن يعيدكم، ثم أخبر عن هذا الظن خبرًا آخر، فقال: ﴿أَرْدَاكُمْ﴾، فهذا المعنى أقوى من قول المؤلف رحمه الله تعالى أن ﴿ظَنُّكُمُ﴾ بدل من ﴿ذَلِكُمْ﴾، وأن ﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ نعت له، وأن ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ خبر له.
﴿ذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ وهو الله عز وجل وأضاف الربوبية إليهم؛ لأنهم يُقِرُّون بربوبية الله لا ينكرونها ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون ٨٦، ٨٧]، وفي قراءة أخرى سبعية ﴿﴿سَيَقُولُونَ اللَّهَ﴾ ﴾.
﴿أَرْدَاكُمْ﴾ يعني: أهلككم ﴿فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ﴿فَأَصْبَحْتُمْ﴾ أي: صرتم من الخاسرين، وهنا أصبح لو نظرنا إلى مجرد لفظها لكانت دالةً على الإصلاح، لكنها تُسْتَعمل في اللغة العربية بمعنى الصيرورة تقول: أصبح لا يعلم شيئًا، أي: صار لا يعلم شيئًا.
وهنا ﴿أَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ليس المعنى دخلتم في الصباح خاسرين، ولكن المعنى: صِرْتُمْ من الخاسرين، والخاسر ضد الرابح، وإنما قال: ﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ لأن هؤلاء الذين أنكروا البعث خسروا الدنيا والآخرة في الواقع؛ فدنياهم لم تنفعهم، وهم في الآخرة في النار، وهذا غاية الخسران.
(﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا﴾ على العذاب ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى﴾ مأوى ﴿لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ يطلبوا العُتْبى أي: الرضا ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ من المرضيين).
انتبهوا لهذا الوعيد الشديد ﴿إِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ لم يقل: إن يصبروا فلينتظروا الفرج، بل قال: ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أي: ليس لهم إلا النار، وهذا كقوله تعالى: ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور ١٦] العذاب سوى عذاب الآخرة ينتظر الفرج له؛ لأن دوام الحال من المحال، فإذا صبر الإنسان على البلاء فالنهاية الزوال، لكن في الآخرة إن يصبروا فلن يسلموا من العذاب، فالنار مثوًى لهم، وهي مثوًى لهم قبل الصبر وبعد الصبر، لكن هذا من باب التيئيس لهم، وأن صبرَهم لا يفيدهم شيئًا، ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ أي: يطلبوا العتبى أي الرضا.
﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ لأنهم يَسْأَلون الله تعالى؛ يقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون ١٠٧]، والجواب: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨]، لكن في الدنيا لو طلبوا العتبى وتابوا إلى الله لحصل لهم ذلك، لكن في الآخرة قد فات الأوان.
وقوله: ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أي: مأوى، وكل إنسان مأواه النار، فلا حظَّ له في الجنة.
* في الآيات هذه فوائِد: أولًا: إثبات حقيقة النار؛ لقوله: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ﴾.
* ومن فوائدِها: إثبات أعداء لله كما أن له أولياء، وعدو الله عز وجل مَنْ كان كافرًا فاجرًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أهل النار -والعياذ بالله- يُساقون إلى النار أوزاعًا أي: متفرقين أُمَمًا؛ لقوله: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.
* ومن فوائد الآية التي بعدها: إثبات حقيقة النار، وأن هؤلاء يصلون إليها حقيقة؛ لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾.
* ومِن فوائدها: دخول التوكيد في كلام الله عز وجل؛ لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾؛ لأننا قلنا: (ما) زائدة، لكنها للتوكيد.
فإن قال قائل: كلام الله عز وجل مُؤَكَّد بدون أداة توكيد، فما الفائدة من أن الله تعالى يأتي كثيرًا في كلامه بأدوات التوكيد؟
فالجواب: القرآن لا شك أنه مؤكد، وأن أخباره لا تحتاج إلى توكيد، لكن القرآن نزل بلسان عربي مبين، واللسان العربي يقتضي أن يكون الكلام الهام مؤكَّدًا بأنواع من التأكيدات، واضح؟ إذن تأكيد ما يؤكد في القرآن دليل على بلوغ القرآن الفصاحة في أعلى معانيها في أنه مُتَمَشٍّ على أيش؟ على قواعد اللغة العربية الفصحى.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات النطق للسمع والبصر والجلود؛ لقوله: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ﴾، والشهادة تكون بالنطق، وقد تكون بغير النطق، لكنها في الأصل بالنطق، ولذلك ﴿قَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أعضاء الإنسان تكون يوم القيامة خصومًا له، وجه ذلك أن هؤلاء أنكروا على سمعهم وأبصارهم وجلودهم أن شهدوا عليهم، وما ظنك -أيها الأخ- بأعضاء تكون يوم القيامة خصومًا لك؟! يعني يتفرع على هذه الفائدة فائدة؛ أن الواجب على الإنسان أن يرعى هذه الأعضاء حق رعايتها وألا يورِّطَها فيما تكون خصمًا له به يوم القيامة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأعضاء منفردةً تعرف ربها عز وجل؛ لقولها: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾.
* ومن فوائدِها: عموم قدرة الله تعالى؛ لقوله: ﴿أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾.
* ومِن فوائدها: أن ابتداء الخلق من الله لم يشرك أحد رب العالمين في الخلق لا أم ولا أب ولا سلطان ولا رئيس ولا وزير، المنفرد بالخلق هو الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز استعمال الأدلة العقلية، من أين تؤخذ؟ من استدلال الله تعالى بالمَبْدَأ على المعاد، فإن هذا دليل عقلي.
فإن قال قائل: وهل تُقَدَّم الأدلة العقلية على الأدلة السمعية؟
فالجواب: لا؛ لأن العقل قد يخطئ فيظن الإنسان أن هذا عقلٌ وليس بعقل، وأما الأدلة السمعية الثابتة عن الله ورسوله فهذه لا تخطئ، ولهذا أخطأ مَنِ استعمل العقل، بل قدَّمه على السمع والنقل فيما يتعلق بالله واليوم الآخر، وحَكَمُوا بعقولهم القاصرة على أمور الغيب استحالةً أو وجوبًا أو جوازًا، وأعرضوا عن نصوص الكتاب والسنة، ومن هؤلاء جميع المتكلمين من الأشاعرة، والمعتزلة، والجهمية، وغيرهم حيث جعلوا التلقي فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته على الاعتماد على العقل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرجوع إلى الله عزَّ وجل، فاستعدَّ لهذا الرجوع، واعلم أنك ملاقٍ ربَّك، ولكن أبشر إن كنت مؤمنًا، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٢٢٣]، يعني: لا يخاف المؤمن من هذه الملاقاة، بل له البَشارة في الدنيا قبل الآخرة، لكن حقيقة هذه البشارة للمؤمن خاصة. ويأتي -إن شاء الله- بقية الكلام على الفوائد.
* طالب: شيخ، هل عموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ ينطبق على قول الصحابة أن الطعام كان يُسَبِّح بين أيديهم، ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤] بأن يكون سبح، ولكن لم يعلموا تسبيحهم إلا بإخبار النبي صلي الله عليه وسلم لهم، أو أنه سبَّح حقيقة يفهمه أيُّ واحد؟
* الشيخ: ظاهر النصوص أن يسبح حقيقة، لكن التسبيح ﴿لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ باعتبار المجموع، لا باعتبار كل فرد، فإنَّ مِنَ الأشياء ما نسمع تسبيحه، يسبح تمامًا ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ [ص ١٨]، فالظاهر أنها تُرَدِّد، كما قال تعالى: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ ١٠].
* الطالب: يا شيخ، نكمل السؤال: هل التسبيح كما نعرفه نحن أو خاصٌّ بهم بأن بعضهم..؟
* الشيخ: لا، تقول: سبحان الله.
* الطالب: بعضهم قال: صوت غدير الماء هو تسبيحه؟
* الشيخ: لا، خطأ، صوت خرير الماء ليس صوت تسبيح، هذا طبيعي، فهل نقول: حركة الإنسان بالأرض إذا وَطِئَتْ أقدامُه الأرضَ وسُمِعَ لها صوت، هل هذا تسبيح؟!
* طالب: شيخ -أحسن الله إليك- فسَّرْنا ﴿يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الجاثية ٣٥] بمعنى الرضا، إذا فسر بالرجوع إلى الدنيا..
طالب: شيخ أحسن الله إليك، فسرنا (يستعتبون) بمعنى الرضا، إذا فسر بالرجوع من الدنيا؟
* الشيخ: أيهن؟
* الطالب: يستعتبون.
* الشيخ: الاستعتاب: طلَبُ العُتْبَى، والعتبى معناه: قبول العذر والرِّضا، فالمؤلف فسَّرَها بالنهاية؛ بالغاية التي هي الرضا؛ لأن الإنسان إذا استعتَب وقُبِل عذره رضِي عنه المُستَعْتَب.
* طالب: شيخ أحسن الله إليك، الله عز وجل إذا أخبر عن نفسه في القرآن يقول: قال الله، قال الله، ويرد هذا كثيرًا في القرآن، أليس الأفضل في اللغة أن يقول: (قل) إذا أراد أن يخبر عن نفسه؟
* الشيخ: لا، هذا يعني له أحوال، لكن يقول العلماء: إن المتكلم إذا عبَّر عن نفسِه بصِيغة الغائب فهذا دليل على العظمة والتعظيم، ففرْقٌ بين أن يقولَ المِلك مِلك الدنيا: إن الملك يأمرُكم أن تفعَلوا كذا، أو يقول: إني آمركم. الأول أعظم في التفخيم، وهذه من قاعدة البلاغة: تعبير المخاطب عن نفسه بصيغة الغائب يدل على التعظيم، لا سيما إذا كان بوصفٍ يقتضي ذلك.
* طالب: العذاب الواقع على الأعضاء هل تحس به نفس الأعضاء ولا صاحبها بسبب أنه كان (...)؟
* الشيخ: لا، الواقع أن العذاب على أهل النار واقِع على كُلِّ البدن، ولهذا قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء ٥٦]، لكن هم يتعَجَّبُون ويُوَبِّخُون السمع والأبصار والجلود: لِمَ شهدتم علينا ونحن نجادِل عنكم؟!
* * *
* طالب: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧) ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٢٨) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت ٢٧ - ٢٩].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ [فصلت ٢٢]، معنى الآية إجمالًا، ما أريد أن تفسر كل كلمة، معناها؟
* طالب: (...) أن تشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم؛ يعني: كانوا لا يظنون..
* الشيخ: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ [فصلت ٢٢]؛ يعني: ما كنتم تستَخْفُون خوفًا مِن؟
* الطالب: شهادة السمع والبصر والجلود.
* الشيخ: نعم، أحسنت، قوله: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ [فصلت ٢٣]. يلَّا أعرِب الجملة؟
* طالب: (ذلك) اسم إشارة (...) مخاطب (...).
* الشيخ: لا، ما هو تفصيل، قل مثل: (ذلكم) مبتدأ، (ذلكم) خبر.
* الطالب: ﴿ذَلِكُمْ﴾ مبتدأ.
* الشيخ: طيب ﴿ظَنُّكُمُ﴾؟
* الطالب: ﴿ظَنُّكُمُ﴾ يجوز أن تكون خبرًا.
* الشيخ: أعطنا واحدًا مما تقول: إنه يجوز.
* الطالب: خبر.
* الشيخ: ﴿ظَنُّكُمُ﴾ خبر؟ نعم، و﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ﴾؟
* الطالب: ﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ﴾، هذا نعت.
* الشيخ: طيب ﴿أَرْدَاكُمْ﴾؟
* الطالب: ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ خبر ثانٍ.
* الشيخ: خبر ثانٍ، طيب فيه وجه ثانٍ في الإعراب؟ قل: نعم ولَّا لا؟
* طالب: ﴿ذَلِكُمْ﴾ مبتدأ، و﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ﴾..
* الشيخ: ﴿ظَنُّكُمُ﴾؟
* الطالب: ﴿ظَنُّكُمُ﴾ بدل منه، و﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ﴾ نعت، و﴿أَرْدَاكُمْ﴾ خبر.
* الشيخ: و﴿أَرْدَاكُمْ﴾ خبر، تمام، إذن اتفق القولان على أن ﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ﴾ صفة.
طيب ﴿أَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، ما معنى ﴿أَصْبَحْتُمْ﴾ هنا؟
* الطالب: صِرْتم.
* الشيخ: صِرْتم، معناها المطابق للفظ ما هو؟ أصبح.
* الطالب: أصبح؛ يعني: صار في الصباح، هذا الأصل.
* الشيخ: إي نعم، هذا الأصل، لكنها قد تُسْتَعمل بمعنى صار، نعم.
طيب قوله: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [فصلت ٢٤] ما مناسبة جواب الشرط لفعل الشرط؟ ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾، ويش المناسبة؟ لأن هذا قد تخفى مناسبتُه؛ إذ إن الإنسان يتوقع أن يكون جواب الشرط خلاف ذلك.
* الطالب: وعيد شديد لهم من باب التيئيس (...).
* الشيخ: ارتباطُه بما قبله، مناسبتُه تيئيس هؤلاء مِن الفرَج؛ لأن ظاهر الحال أن يقول: فإن يصبروا فالفرجُ قريب مثلًا، لكنه قال: ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾؛ أي: فلن يتخلَّصوا منها، ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت ٢٤]، ما معنى ﴿يَسْتَعْتِبُوا﴾؟
* الطالب: يطلبوا العُتبى.
* الشيخ: وهي؟
* الطالب: يعني المعذرة، يطلب المعذرة أو العذر.
* الشيخ: العذر ثم الرضا. طيب ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾؟
* الطالب: أي: أن الله لن يرضى عنهم.
* الشيخ: تمام، إعراب ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾؟
* طالب: الفاء بحسب ما قبلها.
* الشيخ: لا، ما هي بحسب ما قبلها، معروف ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾، الفاء؟
* طالب: حرف عطف.
* الشيخ: لا.
* طالب: رابطة لجواب الشرط.
* الشيخ: رابطة لجواب الشرط. (ما)؟
* الطالب: (ما) نافية تعمل عمل (ليس).
* الشيخ: على لغة مَن؟
* الطالب: على لغة الحجازيين.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: و(هم) مبتدأ.
* الشيخ: لا، ما دمت تقول: عملها تعمل عمل (ليس)..
* الطالب: اسم (ما).
* الشيخ: اسم (ما) مبني؟
* الطالب: مبني على السكون في محل رفع، (...) (مِن) حرف جر (...) اسم مجرور بـ(من) (...).
* الشيخ: وعلامة جرِّه؟
* الطالب: للمُعْتبين.
* الشيخ: للمُعْتبينِ، إي.
* الطالب: علامة جره الكسرة.
* الشيخ: كسرة ظاهرة بآخرِه..
* الطالب: بآخره نيابة عن (...).
* الشيخ: إي.
* الطالب: والجار ومجرور متعلق بمحذوف.
* الشيخ: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر (ما)، طيب هنا تتفق اللغتان الحجازية والتميمية مِن حيث اللفظ، أليس كذلك؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: هل يختلف اللفظ لو جعلناها تميمية؟
* الطالب: ما يختلف.
* الشيخ: إذن تتفق اللغتان من حيث اللفظ، وتختلفان من حيث الإعراب.
طيب ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف ٣١] هل تتفق اللغتان في هذا؟
* الطالب: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾، لا.
* الشيخ: لغة تميمٍ أن يُقال؟
* الطالب: تميم (ما هذا بشرٌ).
* الشيخ: ما هذا بشرٌ. توافِقُون على ذلك؟ نعم؛ لأن (ما) مهملة عند التميميين وعاملةٌ عمل (ليس) عند الحجازيين، فتقول مثلًا: ما زيدٌ قائمًا، إذا خاطبت إنسانًا وقلت: ما زيد قائمًا، عرفنا أنك أيش؟ حجازي، وإذا خاطبت إنسانًا وقلت: ما زيدٌ قائمٌ، عرفْنا أنك تميمي ولهذا قال الشاعر:
وَمُهَفْهَفُ الْأَعْطَافِ قُلْتُ لَهُ انْتَسِبْ ∗∗∗ .............................
يعني من أين أنت؟
............................ ∗∗∗ فَأَجَابَ مَا قَتْلُ الْمُحِبِّ حَرَامُ
أخبرَه بنسبِه أو لا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: أنه؟
* طلبة: تميمي.
* الشيخ: تميمي؛ إذ لو كان غيرَ تميمِيٍّ لقال: ما قتل المحب حرامًا.
* طالب: شيخ بارك الله فيك، بالنسبة لإعراب (ما هم بمعتبين)، يمكن نجعل (ما) هذه حرف جر زائد
* الشيخ: أيهن؟
* الطالب: (ما هم بمعتبين).
* الشيخ: هذه من كيسِك يا ولد ما هي في القرآن، ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [فصلت ٢٥] إلى آخره، ﴿قَيَّضْنَا لَهُمْ﴾ يقول: (سَبَّبْنَا لهم).
قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ﴾ [فصلت ٢٢] إلى آخره.
* فيها من الفوائد: أن هؤلاء المجرمين لا يؤمنون بالبعث؛ لقوله: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: تمامُ قدرةِ الله عز وجل وأنه قادِرٌ على إِنْطَاق كل شيء؛ حيث أنطَق السمع والأبصار والجلود.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المجرمين يظُنُّون أن الله لا يعلَم كثيرًا مما يعْمَلون وهو الذي يُخفُونه، فلهذا كانوا يخفُون عن الله عز وجل ما يقعون فيه من الكفر.
* ومن فوائد الآية التي بعدها: أن مِثلَ هذا الظن سببٌ لِهَلاك المرء أن يظُنَّ أنه لن يُبعَث، هذا سببٌ لهلاكه بل هو هلاكُه حقيقة؛ لأن الذي يُنكِر البعث كافرٌ، والكافر لا حظَّ له؛ لا في الدنيا، ولا في الآخرة؛ لقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ١٥].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المجرمين يظنون أنهم رَبِحُوا المعركة باستخفائِهم، وهذا ينطبِق تمامًا على المنافقين، ولكن حقيقة الأمر أنهم خسِروا؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
* ومن فوائد الآية (...): أن أهل النار لن يخرجُوا منها، سواءٌ صبروا أم لم يصبروا؛ لقوله: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾، ويبَيِّنُه قوله تعالى: ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور ١٦]، وقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم ٢١].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أن النار لا تفنى؛ لقوله: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [فصلت ٢٤] وهذا -أعني أن النار لا تفنى- هو قولُ أهل السنة والجماعة كما أن الجنة أيضًا لا تفنى، وقد زعَم بعضُ العلماء أن النار تفنَى في آخر النهاية، لكنَّ هذا الزعمَ باطل؛ يعني لا يستحِقُّ منزلة أن نقول: إنه ضعيف، بل نقول: إنه باطل لا ينبغي أن تُسَوَّدَ به الصحائف؛ وذلك لأن كلام الله عز وجل الذي خلقَ النار وهو عالمٌ بها وبمصيرِها، فيه التصريح بالتأبيد في ثلاثة مواضع مِن كتاب الله عز وجل. الموضع الأول؟
* طالب: في النساء.
* الشيخ: ما هو؟ الأخ يقول في النساء اذكره.
* طالب: قوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩].
* الشيخ: الموضع الثاني؟
* طالب: سورة الأحزاب.
* الشيخ: ما هو؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥]. طيب الموضع الثالث؟
* الطالب: سورة الجن ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣].
* الشيخ: أحسنت، فهل بعد هذا الكلام كلام؟ لا، ولهذا الإنسان يعجَب أن يقَعَ من بعض العلماء القول بأنَّ النار تفنَى مع وجود الآيات الثلاثة.
طيب هذه ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت ٢٤] قد يكون فيها إشارة إلى أنها ستبقى أبد الآبِدين؛ لأنَّه لو كان لها منتهى فسوف يُعتَبُون في آخر النهاية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات النار؛ لقوله: ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾.
* ومنها: أنها هي المثوى، وليس كما يزعم بعض الكتاب اليوم يقولون: إن الميت إذا مات صار إلى مثواه الأخير، وقد بينَّا أن هذه الكلمة كلمة كُفْرٍ لو اعتقدَ الإنسان مدلولَها؛ يعني: لو اعتقد أن القبر هو المثوى ولا قيام بعده لكان كافرًا، فيقال: إن القبر ليس المثوى الأخير.
فصلت 41:22
قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ ﴿يُحْشَرُ﴾ فيها قراءتان: ﴿يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾ وعلى هذه القراءة يكون الفعل مبنيًّا لما لم يُسَمَّ فاعلُه، وكلما رأيت فعلًا مضارعًا مضموم الأول مفتوح ما قبل الآخر فهو مَبْنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعلُه، فإن رأيتَهُ مضمومَ الأوَّلِ فقط، فهل يكون مبنيًّا لما لم يُسَمَّ فاعلُه أو لا؟ لا؛ لأن المضارع من الرباعي يكون مضمومَ الأوَّلِ، مثل يُقدِم الرجل، يُكرِم الرجل، وما أشبه ذلك، إذن هذا اللفظ إحدى القراءتين ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ﴾، وعلى هذا فيكون ﴿يُحْشَرُ﴾ فعلًا مضارعًا مبنيًّا لما لم يُسَمَّ فاعلُه، ولاحظ أن قولَنا: لما لم يُسَمَّ فاعله أولى مِنْ قولِنا مبني للمجهول؛ لأنه قد يكون الفاعل معلومًا كقوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨]، مَنِ الخالق؟
* طلبة: الله.
* الشيخ: معلوم ولَّا غير معلوم؟ معلوم، مع أن الفعل مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعلُه، ولهذا التعبير بقولك: (خُلِقَ) فعل ماض مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعلُه أولى من قولك: (خُلِقَ) فعل ماض مبني للمجهول، انتبه لهذا، وكذلك ﴿يُحْشَرُ﴾ فعل مضارع مبني لما لم يُسَمَّ فاعلُه، ﴿أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾ ﴿أَعْدَاءُ﴾ نائب فاعل.
طيب، فيها قراءة أخرى ﴿﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ أَعْدَاءَ اللَّهِ﴾ ﴾ أشار إليه المؤلف، ما حاجة إلى تعليقها؛ موجودة في الكتاب ﴿﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ أَعْدَاءَ اللَّهِ﴾ ﴾، وعلى هذه القراءة تكون ﴿﴿نَحْشُرُ﴾ ﴾ فعلًا مضارعًا مبنيًّا للفاعل، والفاعل هنا مستتر، جوازًا أو وجوبًا؟
* طلبة: وجوبًا.
* الشيخ: وجوبًا، طيب، و﴿﴿أَعْدَاءَ﴾ ﴾ مفعول به منصوب، وهنا نذكر: متى يكون الفاعل مستترًا وجوبًا أو مستترًا جوازًا؟
إذا كان تقديره: أنا أو أنت أو نحن فهو مستتر وجوبًا، وإذا كان تقديره: هو أو هي فهو مستتر جوازًا، (أقوم) مستتر، تقديره أنا. (تقوم) تخاطب رجلًا تقول: أنت تقوم. وجوبًا؛ لأن تقديره أنت. (نقوم) وجوبًا؛ لأن تقديره نحن، طيب، (قام)؛ جوازًا؛ لأن تقديره هو، (قامت)؛ جوازًا؛ لأن تقديره هي. (تقوم) أنتم قلتم قبل قليل وجوبًا.
* طالب: إذا كانت (هي) فهو جوازًا.
* الشيخ: إذا كان تتحدث عن امرأة، فقلت: (هند تقوم) فهو مستتر جوازًا؛ لأن التقدير هي، وإذا كنت تخاطب رجلًا فهو مستتر وجوبًا؛ لأن التقدير أنت، إذن هذا الضابط: ما كان تقديره (أنا) أو (نحن) أو (أنت) فهو مستتر وجوبًا، وما كان تقديره: (هو) أو (هي) فهو مستتر جوازًا.
* * *
* طالب: ﴿شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت ٢١ - ٢٤].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ﴾ إعراب وهو أن يوم ظرف وكل ظرف لا بد له من متعلق؛ لأن الظرف اسم مفعول فيه فلا بد من فعل، ولهذا قال ناظم الجمل:
لَا بُدَّ للْجَارِّ مِنَ التَّعَلُّقِ ∗∗∗ بِفِعْلٍ اوْ مَعْنَاهُ نَحْوُ مُرْتَقِي
فأين العاملُ في ﴿يَوْمَ﴾؟ العامل في ﴿يَوْمَ﴾ محذوف، التقدير: كما قال المؤلف: (﴿وَ﴾ اذكر ﴿يَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾ )، و﴿يُحْشَرُ﴾ بمعنى يُجْمَع ويساق، وفيها قراءتان: (بالياء والنون المفتوحة وضم الشين وفتح الهمزة) لم يُكْمِل المؤلف -في الواقع- القراءة الثانية.
﴿يُحْشَرُ﴾ فيها قراءتان:
الأولى: ضم الياء وفتح الشين ﴿يُحْشَرُ﴾، وعلى هذه القراءة يجب أن تكون ﴿أَعْدَاءُ﴾ مرفوعة على أنها نائب فاعل.
القراءة الثانية: بفتح النون ﴿﴿نَحْشُرُ﴾ ﴾ وضم الشين، وعلى هذه القراءة يجب أن تكون ﴿أَعْدَاءُ﴾ منصوبة على أنها مفعول به، ﴿﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ أَعْدَاءَ اللَّهِ﴾ ﴾، وهنا نسأل: هل القراءتان اللتان تكونان في القرآن الذي بين أيدينا هل هما الحروف السبعة أو سواها؟
الجواب: أنها سوى الحروف السبعة؛ الحروف السبعة الآن غير معلومة؛ لأنه قضي عليها بتوحيد المصحف في عهد عثمان رضي الله عنه، لكن القراءات السبع الموجودة في حرف واحد وهو حرف قريش الذي توحدت المصاحف عليه في عهد عثمان رضي الله عنه، وعلى هذا فلا حاجة إلى التفتيش والتنقيب عن الحروف السبعة في وقتنا هذا؛ لأنها انتهت، قضي عليها.
قال: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ فمَنْ أعداء الله؟ أعداء الله يمكن أن نعرفهم بمعرفة أولياء الله، وأولياء الله تعالى قال الله في بيانهم: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس ٦٢، ٦٣] ضد الإيمان الكفر، وضد التقوى المعاصي والفسوق؛ فأعداء الله إذن هم الكفار والفَسَقة.
يحشرون إلى النار، أي: يساقون إليها ويُجْمَعون إليها.
﴿إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ يقول المؤلف: (يُساقُون)، ولها معنًى آخر أيضًا: يُساقون بالتوزيع، يعني: أنهم طوائف وأمم، كلما دخلت أمة لعنت أختها، فهم يوزعون بالسياق أي يُساقون، ويوزعون أيضًا بالتفريق، كل أمة وحدها، ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.
﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ﴾ إلى آخره [فصلت: ٢٠].
﴿حَتَّى إِذَا مَا﴾ قال المؤلف: (زائدة) يعني كلمة ﴿مَا﴾ زائدة؛ لأنها وقعت بعد (إذا)، وكلما وقعت (ما) بعد (إذا) فهي زائدة، وعليك بحفظ البيت:
يَا طَالِبًا خُذْ فائِدَه ∗∗∗ (مَا) بَعْدَ (إِذَا) زَائِدَه
﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾ يقول: ﴿مَا﴾ زائدة ﴿جَاءُوهَا﴾ أي: وصلوا إليها ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قبل أن يدخلوها تُستَشْهد عليهم هذه الجوارح حتى يدخلوا وهم موقنون أنهم عُوملوا بالعدل والإنصاف، يشهد عليهم سمعُهم هل يشهد بما سمعوا من اللغو والكلام المُحَرَّم أو يشهد السمع بجميع الأعمال؟
يحتمل وجهين: إما أن يكون المعنى: شهد عليهم سمعُهم بما سمعوا من الباطل، وأبصارهم بما شاهدوا من الباطل، وجلودهم بما لمسوا من الباطل، أو أن هذه الأعضاء تشهد على كل عَمَلٍ عملوه، يحتمل هذا وهذا، والثاني أعظم: أن يكون السمع يشهد بما حصل عن طريقه، وبما حصل عن طريق البصر، وبما حصل عن طريق اللمس، هذا أعظم مما لو شهد بما حصل منه فقط.
﴿سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وهل هذا بعد إنكارٍ أو للتحقيق والتوكيد؟ ليس في الآية ما يدل على ذلك، لكن قيل: إن هذه الأعضاء ﴿وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ﴾ [النور ٢٤] كما في آية أخرى إنما يكون بعد إنكارهم أن يكونوا أشركوا، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣].
وقوله: ﴿جُلُودِهِمْ﴾ بما مَسَّتْ وهي أعم من شهادة السمع والبصر؛ لأنه يدخل في ذلك اليد والرجل والشم وغير ذلك، كل هذا عن طريق الملامسة.
﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ [فصلت ٢١] ولم يقل: لأبصارهم وسمعهم؛ لأن شهادة الجلود أعظم وأعم.
﴿قَالُوا﴾ أي: أعداء الله ﴿لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾، وهذا الاستفهام استفهام إنكار كأنهم يقولون: نحن نجادل عنكم، فكيف تشهدون علينا؟!
﴿قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ يعني: أننا شهدنا؛ لأن الله أنطقنا، والله عز وجل بيده ملكوت السماوات والأرض، يُنْطِق كل شيء.
قال المؤلف: (أي: أراد نطقه) ولا حاجة إلى هذا القيد؛ لأن الله تعالى لا يُكْرِهْهُ أحدٌ حتى نقول: إن هذا الفعل مقيد بالإرادة، نقول: أَنْطَقَ كل شيء، ولا نقول: أراد نطقه؛ لأنه لا يمكن أن ينطق الشيء إلا بعد إرادة الله، ومثل هذا القيد غير مناسب؛ لأننا لو اعتبرناه لقلنا: كل فعل ذكره الله عن نفسه يجب أن نُقَيِّدَه بالإرادة، وهذا أمر مُسْتَكْرَه؛ إذ إننا نعلم أن كل فعل فعله الله فإنما هو عن إرادة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]، فالله تعالى أنطق كل شيء، هل أنطق الحجر؟ نعم، أْنْطَقَ الحجرَ والشجرَ، «وسُمِعَ تسبيحُ الحصى والطعامِ بين يدي النبيِّ ﷺ»[[أخرجه الطبراني في الأوسط (١٢٤٤)، والبزار (٤٠٤٠) من حديث أبي ذر الغفاري.]]، بل قال الله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤]، كل شيء يسبح الله بلسان المقال إلا الكافر فإنه لا يُسبِّح الله بلسان المقال؛ لأنه كافر بالله، يصف الله تعالى بكلِّ نقص وعيب، وكل شيء يُسبِّح الله بلسان الحال حتى الكافر يسبح الله بلسان الحال، كيف ذلك؟ الكافر ما أودع الله فيه من الآيات في الخِلْقة والخلق، وما أشبه ذلك كله يسبح الله عز وجل، أي: يستدل به على تنزيه الله عن كل نقص وعيب.
قال: ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (قيل: هو من كلام الجلود، وقيل: هو من كلام الله تعالى كالذي بعده، وموقعه قريب مما قبله بأن القادر على إنشائكم ابتداءً وإعادتكم بعد الموت أحياءً قادر على إنطاق جلودكم وأعضائكم).
قوله: ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يحتمل أنه من كلام الله يخاطب به هؤلاء المكذبين والأعداء، ويحتمل أنه تتمة كلام الجلود؛ يعني أن الجلود تستدل على قدرة الله تعالى على إنطاقها بأنه خلقهم أول مرة، يقول المؤلف في بيان ذلك: (قيل: هو من كلام الجلود، وقيل: هو من كلام الله) أيهما قَدَّم؟
* طالب: الجلود.
* الشيخ: لا، إذا قال المؤلفون: قيل كذا، وقيل كذا، فالخلاف هنا مطلق، لا تقديم فيه ولا تأخير، وإذا قيل: هو من كلام الجلود، وقيل: من كلام الله، هنا يكون قدم الأول، انتبهوا لهذا، أما إذا قال المؤلفون: قيل وقيل، فهذا ليس فيه تقديم، بل هو نقل خلاف على وجه الإطلاق.
(قيل: هو من كلام الجلود، وقيل: هو من كلام الله) وعلى هذا فالقولان لدى المؤلف متساويان، فأيهما أقرب: أن نجعله من كلام الجلود حتى يتصل الكلام بعضه ببعض أو من كلام الله؟ الأول من حيث اللفظ أقرب؛ أن الجلود تقول: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، وتقول لهؤلاء: هو الذي خلقكم أول مرة وإليه ترجعون، لكن القول الثاني أقوم للمعنى؛ يعني أن الله لما بَيَّن أن هؤلاء يُعادَوْن يوم القيامة ويُحاسبون، وتشهد عليهم السمع والأبصار والجلود بيَّنَ عزَّ وجل أنه قادر على الإعادة؛ لأن هؤلاء الذين كذبوا ينكرون البعث فقال: ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، والقادر على الخلق أول مرة قادر على إعادته واضح؟ دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧]، فهو يقول: هو خلقكم أول مرة، والقادر على ذلك قادر على الإعادة.
وقوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ هذا فيه أيضًا إشارة إلى الحكمة مِنْ خلق الخلق؛ أنهم يبتلون فيُؤمَرون ويُنْهَون، ومآلهم إلى من؟ إلى الله عز وجل يجازيهم بحسب أعمالهم التي كلَّفَهم بها.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ إلى آخره، هذا هو معنى قول المؤلف: (كالذي بعده) ويش الذي بعده؟ ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ هذا لا شك أنه من كلام الله، وليس من كلام الجلود.
وقول المؤلف رحمه الله: (وموقعه قريب مما قبله) يعني: موقع هذا الكلام ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (قريب مما قبله)، يعني يبين المناسبة مناسبة هذه الجملة لما قبلها؛ (وهو أن القادر على إنشائكم ابتداءً وإعادتكم بعد الموت أحياءً قادر على إنطاق جلودكم وأعضائكم).
(﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ عن ارتكابكم الفواحش من ﴿أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ ) يعني: ما كنتم تستخفون في معاصيكم وكفركم وغير ذلك مما يستترون به خوفًا من أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم؛ يعني أن الكفار يستترون أحيانًا بالمعاصي، ليسوا يستترون خوفًا من أن تشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم؛ لأن هذه الأشياء لا استتار عنها إطلاقًا؛ إذ إنها هي الإنسان، ولا يمكن الاستتار عنها، وأيضًا هم لا يؤمنون بأنها سوف تشهد عليهم يومًا من الأيام، فصاروا لا يستترون عن هذه الأشياء لوجهين:
الأول: أنه لا انفكاك عنها، وجهه أنها هي مكوناته.
الوجه الثاني: أنه ما كان يطرأ على بالهم يومًا من الأيام أن هذه سوف تشهد عليهم؛ لأنهم ينكرون البعث، وإنكار البعث يستلزم ألا يؤمنوا بأنها تشهد عليهم.
﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ معنى تستترون (تستَخْفُون)، وقوله: ﴿أَنْ يَشْهَدَ﴾ هي على تقدير محذوف، التقدير: خوف أن يشهد عليكم سمعكم وأبصاركم إلى آخره.
يقول: (لأنكم لم توقنوا بالبعث) هذا التعليل أضفنا إليه تعليلًا آخر وهو عدم انفكاك جلودهم وسمعهم وأبصارهم.
(﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ﴾ عند استتاركم ﴿أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ) هذا الذي ظنوه بالله، فظنوا بالله تعالى ظن السوء، وأنهم إذا استتروا عن الخلق استتروا عن الله؛ ولهذا قال: ﴿كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ الكثير الثاني ما يفعلونه علانية ولا يهتمون به.
(﴿وَذَلِكُمْ﴾ مبتدأ ﴿ظَنُّكُمُ﴾ بدل منه ﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ نعت، والخبر ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ ) المؤلف أعرب الآية على وجه التفصيل؛ ﴿وَذَلِكُمْ﴾ (ذا) اسم إشارة، واللام للبُعْد، والكاف حرف خطاب، وجاءت بالجمع؛ لأن المخاطب جماعة، وهنا يجب عليكم أن تعرفوا أن اسم الإشارة يعود إلى المشار إليه، والكاف تعود إلى المخاطب، فكيف تقول إذا خاطبت ذكرًا تشير إلى شيء مذكر؟
ذلك. وكيف تقول إذا أشرت إلى اثنين مخاطبًا ذكرًا؟
* طالب: ذانك.
* الشيخ: ذانك؛ صح، ذانك؛ لأنك تشير إلى اثنين تخاطب واحد، وماذا تقول إذا أشرت إلى واحد تخاطب اثنين؟
* طالب: ذلكما.
* الشيخ: ذلكما، صح، تشير إلى واحد تخاطب اثنين تقول: ذلكما، وماذا تقول إذا أشرت إلى واحد تخاطب جماعة نساء؟ ذلكن، طيب، تشير إلى واحدة تخاطب جماعة إناث؟
* طالب: ذلكن.
* الشيخ: ذلكن خطأ.
* طالب: تلكما.
* الشيخ: أنت تخاطب جماعة إناث، تشير إلى واحدة تخاطب جماعة إناث؟
* طالب: ذلكن.
* الشيخ: خطأ.
* طالب: تلكما.
* الشيخ: أنت تخاطب جماعة إناث، تشير إلى واحدة تخاطب جماعة إناث.
* طالب: تلكن.
* الشيخ: تلكن، صح؟ تلكن، المهم انتبهوا لهذا، لا يلتبس عليكم المشار إليه في المخاطب، اسم الإشارة يكون بحسب المشار إليه، والكاف بحسب المخاطب، واضح؟ طيب، تشير إلى جماعة مخاطبًا جماعة ذكور؟
* طالب: أولئكم.
* الشيخ: أولئكم في القرآن: ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء ٩١]، طيب، تمام، تشير إلى مؤنثتين تخاطب اثنتين؟
* طالب: تانكما.
* الشيخ: تانكما، صح، طيب على كل حال الأمثلة كثيرة، بس تَحَرَّوا الدقة، وهل الأفصحُ في كاف المخاطب في الإشارة أن تكون حسب المخاطب أو أن تكون بالإفراد المذكَّرِ دائمًا، أم بالإفراد المفتوح المذكر للمذكر، والمؤنث للمؤنث؟
أقوال ثلاثة، وكلها لغات؛ يعني: الكاف هل نلزمها طريقةً واحدة بالإفراد والفتح فنقول: ذلك تانك ذانك؟ أو نلزمها الإفراد مع الفتح للمذكر والكسر للمؤنث، هذا وجهان، أو نقول: هي حسب المخاطب المفرد المذكر له كاف مفتوحة، والمفردة المؤنث كاف مكسورة، والمثنى كاف مقرونة بعلامة التثنية، وجماعة النساء كاف مقرونة بنون النسوة، وجماعة الذكور كاف مقرونة بميم الجمع، الأخير هو الأفصح. لكن يجوز الوجهان الآخران.
يقول الله عز وجل: ﴿وَذَلِكُمْ﴾ قال المؤلف: (مبتدأ ﴿ظَنُّكُمُ﴾ بدل منه ﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ نعت، والخبر ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ ) يعني معناه أن قوله: ﴿ذَلِكُمْ﴾ وما عطف عليها أو صار صفةً لها في مقام المبتدأ، و﴿أَرْدَاكُمْ﴾ في مقام الخبر، هل يمكن احتمال وجه آخر؟ نعم، يمكن، يمكن أن نجعل (ذا) مبتدأ و﴿ظَنُّكُمُ﴾ خبره، و﴿أَرْدَاكُمْ﴾ خبر ثانٍ، وهذا الوجه أقوى في المعنى؛ يعني: ذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم؛ يعني: لم تظنوا به سواه، وأنه لن يعيدكم، ثم أخبر عن هذا الظن خبرًا آخر، فقال: ﴿أَرْدَاكُمْ﴾، فهذا المعنى أقوى من قول المؤلف رحمه الله تعالى أن ﴿ظَنُّكُمُ﴾ بدل من ﴿ذَلِكُمْ﴾، وأن ﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ نعت له، وأن ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ خبر له.
﴿ذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ وهو الله عز وجل وأضاف الربوبية إليهم؛ لأنهم يُقِرُّون بربوبية الله لا ينكرونها ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون ٨٦، ٨٧]، وفي قراءة أخرى سبعية ﴿﴿سَيَقُولُونَ اللَّهَ﴾ ﴾.
﴿أَرْدَاكُمْ﴾ يعني: أهلككم ﴿فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ﴿فَأَصْبَحْتُمْ﴾ أي: صرتم من الخاسرين، وهنا أصبح لو نظرنا إلى مجرد لفظها لكانت دالةً على الإصلاح، لكنها تُسْتَعمل في اللغة العربية بمعنى الصيرورة تقول: أصبح لا يعلم شيئًا، أي: صار لا يعلم شيئًا.
وهنا ﴿أَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ليس المعنى دخلتم في الصباح خاسرين، ولكن المعنى: صِرْتُمْ من الخاسرين، والخاسر ضد الرابح، وإنما قال: ﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ لأن هؤلاء الذين أنكروا البعث خسروا الدنيا والآخرة في الواقع؛ فدنياهم لم تنفعهم، وهم في الآخرة في النار، وهذا غاية الخسران.
(﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا﴾ على العذاب ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى﴾ مأوى ﴿لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ يطلبوا العُتْبى أي: الرضا ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ من المرضيين).
انتبهوا لهذا الوعيد الشديد ﴿إِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ لم يقل: إن يصبروا فلينتظروا الفرج، بل قال: ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أي: ليس لهم إلا النار، وهذا كقوله تعالى: ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور ١٦] العذاب سوى عذاب الآخرة ينتظر الفرج له؛ لأن دوام الحال من المحال، فإذا صبر الإنسان على البلاء فالنهاية الزوال، لكن في الآخرة إن يصبروا فلن يسلموا من العذاب، فالنار مثوًى لهم، وهي مثوًى لهم قبل الصبر وبعد الصبر، لكن هذا من باب التيئيس لهم، وأن صبرَهم لا يفيدهم شيئًا، ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ أي: يطلبوا العتبى أي الرضا.
﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ لأنهم يَسْأَلون الله تعالى؛ يقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون ١٠٧]، والجواب: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨]، لكن في الدنيا لو طلبوا العتبى وتابوا إلى الله لحصل لهم ذلك، لكن في الآخرة قد فات الأوان.
وقوله: ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أي: مأوى، وكل إنسان مأواه النار، فلا حظَّ له في الجنة.
* في الآيات هذه فوائِد: أولًا: إثبات حقيقة النار؛ لقوله: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ﴾.
* ومن فوائدِها: إثبات أعداء لله كما أن له أولياء، وعدو الله عز وجل مَنْ كان كافرًا فاجرًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أهل النار -والعياذ بالله- يُساقون إلى النار أوزاعًا أي: متفرقين أُمَمًا؛ لقوله: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.
* ومن فوائد الآية التي بعدها: إثبات حقيقة النار، وأن هؤلاء يصلون إليها حقيقة؛ لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾.
* ومِن فوائدها: دخول التوكيد في كلام الله عز وجل؛ لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾؛ لأننا قلنا: (ما) زائدة، لكنها للتوكيد.
فإن قال قائل: كلام الله عز وجل مُؤَكَّد بدون أداة توكيد، فما الفائدة من أن الله تعالى يأتي كثيرًا في كلامه بأدوات التوكيد؟
فالجواب: القرآن لا شك أنه مؤكد، وأن أخباره لا تحتاج إلى توكيد، لكن القرآن نزل بلسان عربي مبين، واللسان العربي يقتضي أن يكون الكلام الهام مؤكَّدًا بأنواع من التأكيدات، واضح؟ إذن تأكيد ما يؤكد في القرآن دليل على بلوغ القرآن الفصاحة في أعلى معانيها في أنه مُتَمَشٍّ على أيش؟ على قواعد اللغة العربية الفصحى.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات النطق للسمع والبصر والجلود؛ لقوله: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ﴾، والشهادة تكون بالنطق، وقد تكون بغير النطق، لكنها في الأصل بالنطق، ولذلك ﴿قَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أعضاء الإنسان تكون يوم القيامة خصومًا له، وجه ذلك أن هؤلاء أنكروا على سمعهم وأبصارهم وجلودهم أن شهدوا عليهم، وما ظنك -أيها الأخ- بأعضاء تكون يوم القيامة خصومًا لك؟! يعني يتفرع على هذه الفائدة فائدة؛ أن الواجب على الإنسان أن يرعى هذه الأعضاء حق رعايتها وألا يورِّطَها فيما تكون خصمًا له به يوم القيامة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأعضاء منفردةً تعرف ربها عز وجل؛ لقولها: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾.
* ومن فوائدِها: عموم قدرة الله تعالى؛ لقوله: ﴿أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾.
* ومِن فوائدها: أن ابتداء الخلق من الله لم يشرك أحد رب العالمين في الخلق لا أم ولا أب ولا سلطان ولا رئيس ولا وزير، المنفرد بالخلق هو الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز استعمال الأدلة العقلية، من أين تؤخذ؟ من استدلال الله تعالى بالمَبْدَأ على المعاد، فإن هذا دليل عقلي.
فإن قال قائل: وهل تُقَدَّم الأدلة العقلية على الأدلة السمعية؟
فالجواب: لا؛ لأن العقل قد يخطئ فيظن الإنسان أن هذا عقلٌ وليس بعقل، وأما الأدلة السمعية الثابتة عن الله ورسوله فهذه لا تخطئ، ولهذا أخطأ مَنِ استعمل العقل، بل قدَّمه على السمع والنقل فيما يتعلق بالله واليوم الآخر، وحَكَمُوا بعقولهم القاصرة على أمور الغيب استحالةً أو وجوبًا أو جوازًا، وأعرضوا عن نصوص الكتاب والسنة، ومن هؤلاء جميع المتكلمين من الأشاعرة، والمعتزلة، والجهمية، وغيرهم حيث جعلوا التلقي فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته على الاعتماد على العقل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرجوع إلى الله عزَّ وجل، فاستعدَّ لهذا الرجوع، واعلم أنك ملاقٍ ربَّك، ولكن أبشر إن كنت مؤمنًا، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٢٢٣]، يعني: لا يخاف المؤمن من هذه الملاقاة، بل له البَشارة في الدنيا قبل الآخرة، لكن حقيقة هذه البشارة للمؤمن خاصة. ويأتي -إن شاء الله- بقية الكلام على الفوائد.
* طالب: شيخ، هل عموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ ينطبق على قول الصحابة أن الطعام كان يُسَبِّح بين أيديهم، ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤] بأن يكون سبح، ولكن لم يعلموا تسبيحهم إلا بإخبار النبي صلي الله عليه وسلم لهم، أو أنه سبَّح حقيقة يفهمه أيُّ واحد؟
* الشيخ: ظاهر النصوص أن يسبح حقيقة، لكن التسبيح ﴿لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ باعتبار المجموع، لا باعتبار كل فرد، فإنَّ مِنَ الأشياء ما نسمع تسبيحه، يسبح تمامًا ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ [ص ١٨]، فالظاهر أنها تُرَدِّد، كما قال تعالى: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ ١٠].
* الطالب: يا شيخ، نكمل السؤال: هل التسبيح كما نعرفه نحن أو خاصٌّ بهم بأن بعضهم..؟
* الشيخ: لا، تقول: سبحان الله.
* الطالب: بعضهم قال: صوت غدير الماء هو تسبيحه؟
* الشيخ: لا، خطأ، صوت خرير الماء ليس صوت تسبيح، هذا طبيعي، فهل نقول: حركة الإنسان بالأرض إذا وَطِئَتْ أقدامُه الأرضَ وسُمِعَ لها صوت، هل هذا تسبيح؟!
* طالب: شيخ -أحسن الله إليك- فسَّرْنا ﴿يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الجاثية ٣٥] بمعنى الرضا، إذا فسر بالرجوع إلى الدنيا..
طالب: شيخ أحسن الله إليك، فسرنا (يستعتبون) بمعنى الرضا، إذا فسر بالرجوع من الدنيا؟
* الشيخ: أيهن؟
* الطالب: يستعتبون.
* الشيخ: الاستعتاب: طلَبُ العُتْبَى، والعتبى معناه: قبول العذر والرِّضا، فالمؤلف فسَّرَها بالنهاية؛ بالغاية التي هي الرضا؛ لأن الإنسان إذا استعتَب وقُبِل عذره رضِي عنه المُستَعْتَب.
* طالب: شيخ أحسن الله إليك، الله عز وجل إذا أخبر عن نفسه في القرآن يقول: قال الله، قال الله، ويرد هذا كثيرًا في القرآن، أليس الأفضل في اللغة أن يقول: (قل) إذا أراد أن يخبر عن نفسه؟
* الشيخ: لا، هذا يعني له أحوال، لكن يقول العلماء: إن المتكلم إذا عبَّر عن نفسِه بصِيغة الغائب فهذا دليل على العظمة والتعظيم، ففرْقٌ بين أن يقولَ المِلك مِلك الدنيا: إن الملك يأمرُكم أن تفعَلوا كذا، أو يقول: إني آمركم. الأول أعظم في التفخيم، وهذه من قاعدة البلاغة: تعبير المخاطب عن نفسه بصيغة الغائب يدل على التعظيم، لا سيما إذا كان بوصفٍ يقتضي ذلك.
* طالب: العذاب الواقع على الأعضاء هل تحس به نفس الأعضاء ولا صاحبها بسبب أنه كان (...)؟
* الشيخ: لا، الواقع أن العذاب على أهل النار واقِع على كُلِّ البدن، ولهذا قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء ٥٦]، لكن هم يتعَجَّبُون ويُوَبِّخُون السمع والأبصار والجلود: لِمَ شهدتم علينا ونحن نجادِل عنكم؟!
* * *
* طالب: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧) ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٢٨) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت ٢٧ - ٢٩].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ [فصلت ٢٢]، معنى الآية إجمالًا، ما أريد أن تفسر كل كلمة، معناها؟
* طالب: (...) أن تشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم؛ يعني: كانوا لا يظنون..
* الشيخ: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ [فصلت ٢٢]؛ يعني: ما كنتم تستَخْفُون خوفًا مِن؟
* الطالب: شهادة السمع والبصر والجلود.
* الشيخ: نعم، أحسنت، قوله: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ [فصلت ٢٣]. يلَّا أعرِب الجملة؟
* طالب: (ذلك) اسم إشارة (...) مخاطب (...).
* الشيخ: لا، ما هو تفصيل، قل مثل: (ذلكم) مبتدأ، (ذلكم) خبر.
* الطالب: ﴿ذَلِكُمْ﴾ مبتدأ.
* الشيخ: طيب ﴿ظَنُّكُمُ﴾؟
* الطالب: ﴿ظَنُّكُمُ﴾ يجوز أن تكون خبرًا.
* الشيخ: أعطنا واحدًا مما تقول: إنه يجوز.
* الطالب: خبر.
* الشيخ: ﴿ظَنُّكُمُ﴾ خبر؟ نعم، و﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ﴾؟
* الطالب: ﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ﴾، هذا نعت.
* الشيخ: طيب ﴿أَرْدَاكُمْ﴾؟
* الطالب: ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ خبر ثانٍ.
* الشيخ: خبر ثانٍ، طيب فيه وجه ثانٍ في الإعراب؟ قل: نعم ولَّا لا؟
* طالب: ﴿ذَلِكُمْ﴾ مبتدأ، و﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ﴾..
* الشيخ: ﴿ظَنُّكُمُ﴾؟
* الطالب: ﴿ظَنُّكُمُ﴾ بدل منه، و﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ﴾ نعت، و﴿أَرْدَاكُمْ﴾ خبر.
* الشيخ: و﴿أَرْدَاكُمْ﴾ خبر، تمام، إذن اتفق القولان على أن ﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ﴾ صفة.
طيب ﴿أَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، ما معنى ﴿أَصْبَحْتُمْ﴾ هنا؟
* الطالب: صِرْتم.
* الشيخ: صِرْتم، معناها المطابق للفظ ما هو؟ أصبح.
* الطالب: أصبح؛ يعني: صار في الصباح، هذا الأصل.
* الشيخ: إي نعم، هذا الأصل، لكنها قد تُسْتَعمل بمعنى صار، نعم.
طيب قوله: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [فصلت ٢٤] ما مناسبة جواب الشرط لفعل الشرط؟ ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾، ويش المناسبة؟ لأن هذا قد تخفى مناسبتُه؛ إذ إن الإنسان يتوقع أن يكون جواب الشرط خلاف ذلك.
* الطالب: وعيد شديد لهم من باب التيئيس (...).
* الشيخ: ارتباطُه بما قبله، مناسبتُه تيئيس هؤلاء مِن الفرَج؛ لأن ظاهر الحال أن يقول: فإن يصبروا فالفرجُ قريب مثلًا، لكنه قال: ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾؛ أي: فلن يتخلَّصوا منها، ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت ٢٤]، ما معنى ﴿يَسْتَعْتِبُوا﴾؟
* الطالب: يطلبوا العُتبى.
* الشيخ: وهي؟
* الطالب: يعني المعذرة، يطلب المعذرة أو العذر.
* الشيخ: العذر ثم الرضا. طيب ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾؟
* الطالب: أي: أن الله لن يرضى عنهم.
* الشيخ: تمام، إعراب ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾؟
* طالب: الفاء بحسب ما قبلها.
* الشيخ: لا، ما هي بحسب ما قبلها، معروف ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾، الفاء؟
* طالب: حرف عطف.
* الشيخ: لا.
* طالب: رابطة لجواب الشرط.
* الشيخ: رابطة لجواب الشرط. (ما)؟
* الطالب: (ما) نافية تعمل عمل (ليس).
* الشيخ: على لغة مَن؟
* الطالب: على لغة الحجازيين.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: و(هم) مبتدأ.
* الشيخ: لا، ما دمت تقول: عملها تعمل عمل (ليس)..
* الطالب: اسم (ما).
* الشيخ: اسم (ما) مبني؟
* الطالب: مبني على السكون في محل رفع، (...) (مِن) حرف جر (...) اسم مجرور بـ(من) (...).
* الشيخ: وعلامة جرِّه؟
* الطالب: للمُعْتبين.
* الشيخ: للمُعْتبينِ، إي.
* الطالب: علامة جره الكسرة.
* الشيخ: كسرة ظاهرة بآخرِه..
* الطالب: بآخره نيابة عن (...).
* الشيخ: إي.
* الطالب: والجار ومجرور متعلق بمحذوف.
* الشيخ: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر (ما)، طيب هنا تتفق اللغتان الحجازية والتميمية مِن حيث اللفظ، أليس كذلك؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: هل يختلف اللفظ لو جعلناها تميمية؟
* الطالب: ما يختلف.
* الشيخ: إذن تتفق اللغتان من حيث اللفظ، وتختلفان من حيث الإعراب.
طيب ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف ٣١] هل تتفق اللغتان في هذا؟
* الطالب: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾، لا.
* الشيخ: لغة تميمٍ أن يُقال؟
* الطالب: تميم (ما هذا بشرٌ).
* الشيخ: ما هذا بشرٌ. توافِقُون على ذلك؟ نعم؛ لأن (ما) مهملة عند التميميين وعاملةٌ عمل (ليس) عند الحجازيين، فتقول مثلًا: ما زيدٌ قائمًا، إذا خاطبت إنسانًا وقلت: ما زيد قائمًا، عرفنا أنك أيش؟ حجازي، وإذا خاطبت إنسانًا وقلت: ما زيدٌ قائمٌ، عرفْنا أنك تميمي ولهذا قال الشاعر:
وَمُهَفْهَفُ الْأَعْطَافِ قُلْتُ لَهُ انْتَسِبْ ∗∗∗ .............................
يعني من أين أنت؟
............................ ∗∗∗ فَأَجَابَ مَا قَتْلُ الْمُحِبِّ حَرَامُ
أخبرَه بنسبِه أو لا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: أنه؟
* طلبة: تميمي.
* الشيخ: تميمي؛ إذ لو كان غيرَ تميمِيٍّ لقال: ما قتل المحب حرامًا.
* طالب: شيخ بارك الله فيك، بالنسبة لإعراب (ما هم بمعتبين)، يمكن نجعل (ما) هذه حرف جر زائد
* الشيخ: أيهن؟
* الطالب: (ما هم بمعتبين).
* الشيخ: هذه من كيسِك يا ولد ما هي في القرآن، ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [فصلت ٢٥] إلى آخره، ﴿قَيَّضْنَا لَهُمْ﴾ يقول: (سَبَّبْنَا لهم).
قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ﴾ [فصلت ٢٢] إلى آخره.
* فيها من الفوائد: أن هؤلاء المجرمين لا يؤمنون بالبعث؛ لقوله: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: تمامُ قدرةِ الله عز وجل وأنه قادِرٌ على إِنْطَاق كل شيء؛ حيث أنطَق السمع والأبصار والجلود.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المجرمين يظُنُّون أن الله لا يعلَم كثيرًا مما يعْمَلون وهو الذي يُخفُونه، فلهذا كانوا يخفُون عن الله عز وجل ما يقعون فيه من الكفر.
* ومن فوائد الآية التي بعدها: أن مِثلَ هذا الظن سببٌ لِهَلاك المرء أن يظُنَّ أنه لن يُبعَث، هذا سببٌ لهلاكه بل هو هلاكُه حقيقة؛ لأن الذي يُنكِر البعث كافرٌ، والكافر لا حظَّ له؛ لا في الدنيا، ولا في الآخرة؛ لقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ١٥].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المجرمين يظنون أنهم رَبِحُوا المعركة باستخفائِهم، وهذا ينطبِق تمامًا على المنافقين، ولكن حقيقة الأمر أنهم خسِروا؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
* ومن فوائد الآية (...): أن أهل النار لن يخرجُوا منها، سواءٌ صبروا أم لم يصبروا؛ لقوله: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾، ويبَيِّنُه قوله تعالى: ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور ١٦]، وقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم ٢١].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أن النار لا تفنى؛ لقوله: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [فصلت ٢٤] وهذا -أعني أن النار لا تفنى- هو قولُ أهل السنة والجماعة كما أن الجنة أيضًا لا تفنى، وقد زعَم بعضُ العلماء أن النار تفنَى في آخر النهاية، لكنَّ هذا الزعمَ باطل؛ يعني لا يستحِقُّ منزلة أن نقول: إنه ضعيف، بل نقول: إنه باطل لا ينبغي أن تُسَوَّدَ به الصحائف؛ وذلك لأن كلام الله عز وجل الذي خلقَ النار وهو عالمٌ بها وبمصيرِها، فيه التصريح بالتأبيد في ثلاثة مواضع مِن كتاب الله عز وجل. الموضع الأول؟
* طالب: في النساء.
* الشيخ: ما هو؟ الأخ يقول في النساء اذكره.
* طالب: قوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩].
* الشيخ: الموضع الثاني؟
* طالب: سورة الأحزاب.
* الشيخ: ما هو؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥]. طيب الموضع الثالث؟
* الطالب: سورة الجن ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣].
* الشيخ: أحسنت، فهل بعد هذا الكلام كلام؟ لا، ولهذا الإنسان يعجَب أن يقَعَ من بعض العلماء القول بأنَّ النار تفنَى مع وجود الآيات الثلاثة.
طيب هذه ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت ٢٤] قد يكون فيها إشارة إلى أنها ستبقى أبد الآبِدين؛ لأنَّه لو كان لها منتهى فسوف يُعتَبُون في آخر النهاية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات النار؛ لقوله: ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾.
* ومنها: أنها هي المثوى، وليس كما يزعم بعض الكتاب اليوم يقولون: إن الميت إذا مات صار إلى مثواه الأخير، وقد بينَّا أن هذه الكلمة كلمة كُفْرٍ لو اعتقدَ الإنسان مدلولَها؛ يعني: لو اعتقد أن القبر هو المثوى ولا قيام بعده لكان كافرًا، فيقال: إن القبر ليس المثوى الأخير.
فصلت 41:23
قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ ﴿يُحْشَرُ﴾ فيها قراءتان: ﴿يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾ وعلى هذه القراءة يكون الفعل مبنيًّا لما لم يُسَمَّ فاعلُه، وكلما رأيت فعلًا مضارعًا مضموم الأول مفتوح ما قبل الآخر فهو مَبْنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعلُه، فإن رأيتَهُ مضمومَ الأوَّلِ فقط، فهل يكون مبنيًّا لما لم يُسَمَّ فاعلُه أو لا؟ لا؛ لأن المضارع من الرباعي يكون مضمومَ الأوَّلِ، مثل يُقدِم الرجل، يُكرِم الرجل، وما أشبه ذلك، إذن هذا اللفظ إحدى القراءتين ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ﴾، وعلى هذا فيكون ﴿يُحْشَرُ﴾ فعلًا مضارعًا مبنيًّا لما لم يُسَمَّ فاعلُه، ولاحظ أن قولَنا: لما لم يُسَمَّ فاعله أولى مِنْ قولِنا مبني للمجهول؛ لأنه قد يكون الفاعل معلومًا كقوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨]، مَنِ الخالق؟
* طلبة: الله.
* الشيخ: معلوم ولَّا غير معلوم؟ معلوم، مع أن الفعل مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعلُه، ولهذا التعبير بقولك: (خُلِقَ) فعل ماض مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعلُه أولى من قولك: (خُلِقَ) فعل ماض مبني للمجهول، انتبه لهذا، وكذلك ﴿يُحْشَرُ﴾ فعل مضارع مبني لما لم يُسَمَّ فاعلُه، ﴿أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾ ﴿أَعْدَاءُ﴾ نائب فاعل.
طيب، فيها قراءة أخرى ﴿﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ أَعْدَاءَ اللَّهِ﴾ ﴾ أشار إليه المؤلف، ما حاجة إلى تعليقها؛ موجودة في الكتاب ﴿﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ أَعْدَاءَ اللَّهِ﴾ ﴾، وعلى هذه القراءة تكون ﴿﴿نَحْشُرُ﴾ ﴾ فعلًا مضارعًا مبنيًّا للفاعل، والفاعل هنا مستتر، جوازًا أو وجوبًا؟
* طلبة: وجوبًا.
* الشيخ: وجوبًا، طيب، و﴿﴿أَعْدَاءَ﴾ ﴾ مفعول به منصوب، وهنا نذكر: متى يكون الفاعل مستترًا وجوبًا أو مستترًا جوازًا؟
إذا كان تقديره: أنا أو أنت أو نحن فهو مستتر وجوبًا، وإذا كان تقديره: هو أو هي فهو مستتر جوازًا، (أقوم) مستتر، تقديره أنا. (تقوم) تخاطب رجلًا تقول: أنت تقوم. وجوبًا؛ لأن تقديره أنت. (نقوم) وجوبًا؛ لأن تقديره نحن، طيب، (قام)؛ جوازًا؛ لأن تقديره هو، (قامت)؛ جوازًا؛ لأن تقديره هي. (تقوم) أنتم قلتم قبل قليل وجوبًا.
* طالب: إذا كانت (هي) فهو جوازًا.
* الشيخ: إذا كان تتحدث عن امرأة، فقلت: (هند تقوم) فهو مستتر جوازًا؛ لأن التقدير هي، وإذا كنت تخاطب رجلًا فهو مستتر وجوبًا؛ لأن التقدير أنت، إذن هذا الضابط: ما كان تقديره (أنا) أو (نحن) أو (أنت) فهو مستتر وجوبًا، وما كان تقديره: (هو) أو (هي) فهو مستتر جوازًا.
* * *
* طالب: ﴿شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت ٢١ - ٢٤].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ﴾ إعراب وهو أن يوم ظرف وكل ظرف لا بد له من متعلق؛ لأن الظرف اسم مفعول فيه فلا بد من فعل، ولهذا قال ناظم الجمل:
لَا بُدَّ للْجَارِّ مِنَ التَّعَلُّقِ ∗∗∗ بِفِعْلٍ اوْ مَعْنَاهُ نَحْوُ مُرْتَقِي
فأين العاملُ في ﴿يَوْمَ﴾؟ العامل في ﴿يَوْمَ﴾ محذوف، التقدير: كما قال المؤلف: (﴿وَ﴾ اذكر ﴿يَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾ )، و﴿يُحْشَرُ﴾ بمعنى يُجْمَع ويساق، وفيها قراءتان: (بالياء والنون المفتوحة وضم الشين وفتح الهمزة) لم يُكْمِل المؤلف -في الواقع- القراءة الثانية.
﴿يُحْشَرُ﴾ فيها قراءتان:
الأولى: ضم الياء وفتح الشين ﴿يُحْشَرُ﴾، وعلى هذه القراءة يجب أن تكون ﴿أَعْدَاءُ﴾ مرفوعة على أنها نائب فاعل.
القراءة الثانية: بفتح النون ﴿﴿نَحْشُرُ﴾ ﴾ وضم الشين، وعلى هذه القراءة يجب أن تكون ﴿أَعْدَاءُ﴾ منصوبة على أنها مفعول به، ﴿﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ أَعْدَاءَ اللَّهِ﴾ ﴾، وهنا نسأل: هل القراءتان اللتان تكونان في القرآن الذي بين أيدينا هل هما الحروف السبعة أو سواها؟
الجواب: أنها سوى الحروف السبعة؛ الحروف السبعة الآن غير معلومة؛ لأنه قضي عليها بتوحيد المصحف في عهد عثمان رضي الله عنه، لكن القراءات السبع الموجودة في حرف واحد وهو حرف قريش الذي توحدت المصاحف عليه في عهد عثمان رضي الله عنه، وعلى هذا فلا حاجة إلى التفتيش والتنقيب عن الحروف السبعة في وقتنا هذا؛ لأنها انتهت، قضي عليها.
قال: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ فمَنْ أعداء الله؟ أعداء الله يمكن أن نعرفهم بمعرفة أولياء الله، وأولياء الله تعالى قال الله في بيانهم: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس ٦٢، ٦٣] ضد الإيمان الكفر، وضد التقوى المعاصي والفسوق؛ فأعداء الله إذن هم الكفار والفَسَقة.
يحشرون إلى النار، أي: يساقون إليها ويُجْمَعون إليها.
﴿إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ يقول المؤلف: (يُساقُون)، ولها معنًى آخر أيضًا: يُساقون بالتوزيع، يعني: أنهم طوائف وأمم، كلما دخلت أمة لعنت أختها، فهم يوزعون بالسياق أي يُساقون، ويوزعون أيضًا بالتفريق، كل أمة وحدها، ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.
﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ﴾ إلى آخره [فصلت: ٢٠].
﴿حَتَّى إِذَا مَا﴾ قال المؤلف: (زائدة) يعني كلمة ﴿مَا﴾ زائدة؛ لأنها وقعت بعد (إذا)، وكلما وقعت (ما) بعد (إذا) فهي زائدة، وعليك بحفظ البيت:
يَا طَالِبًا خُذْ فائِدَه ∗∗∗ (مَا) بَعْدَ (إِذَا) زَائِدَه
﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾ يقول: ﴿مَا﴾ زائدة ﴿جَاءُوهَا﴾ أي: وصلوا إليها ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قبل أن يدخلوها تُستَشْهد عليهم هذه الجوارح حتى يدخلوا وهم موقنون أنهم عُوملوا بالعدل والإنصاف، يشهد عليهم سمعُهم هل يشهد بما سمعوا من اللغو والكلام المُحَرَّم أو يشهد السمع بجميع الأعمال؟
يحتمل وجهين: إما أن يكون المعنى: شهد عليهم سمعُهم بما سمعوا من الباطل، وأبصارهم بما شاهدوا من الباطل، وجلودهم بما لمسوا من الباطل، أو أن هذه الأعضاء تشهد على كل عَمَلٍ عملوه، يحتمل هذا وهذا، والثاني أعظم: أن يكون السمع يشهد بما حصل عن طريقه، وبما حصل عن طريق البصر، وبما حصل عن طريق اللمس، هذا أعظم مما لو شهد بما حصل منه فقط.
﴿سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وهل هذا بعد إنكارٍ أو للتحقيق والتوكيد؟ ليس في الآية ما يدل على ذلك، لكن قيل: إن هذه الأعضاء ﴿وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ﴾ [النور ٢٤] كما في آية أخرى إنما يكون بعد إنكارهم أن يكونوا أشركوا، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣].
وقوله: ﴿جُلُودِهِمْ﴾ بما مَسَّتْ وهي أعم من شهادة السمع والبصر؛ لأنه يدخل في ذلك اليد والرجل والشم وغير ذلك، كل هذا عن طريق الملامسة.
﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ [فصلت ٢١] ولم يقل: لأبصارهم وسمعهم؛ لأن شهادة الجلود أعظم وأعم.
﴿قَالُوا﴾ أي: أعداء الله ﴿لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾، وهذا الاستفهام استفهام إنكار كأنهم يقولون: نحن نجادل عنكم، فكيف تشهدون علينا؟!
﴿قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ يعني: أننا شهدنا؛ لأن الله أنطقنا، والله عز وجل بيده ملكوت السماوات والأرض، يُنْطِق كل شيء.
قال المؤلف: (أي: أراد نطقه) ولا حاجة إلى هذا القيد؛ لأن الله تعالى لا يُكْرِهْهُ أحدٌ حتى نقول: إن هذا الفعل مقيد بالإرادة، نقول: أَنْطَقَ كل شيء، ولا نقول: أراد نطقه؛ لأنه لا يمكن أن ينطق الشيء إلا بعد إرادة الله، ومثل هذا القيد غير مناسب؛ لأننا لو اعتبرناه لقلنا: كل فعل ذكره الله عن نفسه يجب أن نُقَيِّدَه بالإرادة، وهذا أمر مُسْتَكْرَه؛ إذ إننا نعلم أن كل فعل فعله الله فإنما هو عن إرادة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]، فالله تعالى أنطق كل شيء، هل أنطق الحجر؟ نعم، أْنْطَقَ الحجرَ والشجرَ، «وسُمِعَ تسبيحُ الحصى والطعامِ بين يدي النبيِّ ﷺ»[[أخرجه الطبراني في الأوسط (١٢٤٤)، والبزار (٤٠٤٠) من حديث أبي ذر الغفاري.]]، بل قال الله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤]، كل شيء يسبح الله بلسان المقال إلا الكافر فإنه لا يُسبِّح الله بلسان المقال؛ لأنه كافر بالله، يصف الله تعالى بكلِّ نقص وعيب، وكل شيء يُسبِّح الله بلسان الحال حتى الكافر يسبح الله بلسان الحال، كيف ذلك؟ الكافر ما أودع الله فيه من الآيات في الخِلْقة والخلق، وما أشبه ذلك كله يسبح الله عز وجل، أي: يستدل به على تنزيه الله عن كل نقص وعيب.
قال: ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (قيل: هو من كلام الجلود، وقيل: هو من كلام الله تعالى كالذي بعده، وموقعه قريب مما قبله بأن القادر على إنشائكم ابتداءً وإعادتكم بعد الموت أحياءً قادر على إنطاق جلودكم وأعضائكم).
قوله: ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يحتمل أنه من كلام الله يخاطب به هؤلاء المكذبين والأعداء، ويحتمل أنه تتمة كلام الجلود؛ يعني أن الجلود تستدل على قدرة الله تعالى على إنطاقها بأنه خلقهم أول مرة، يقول المؤلف في بيان ذلك: (قيل: هو من كلام الجلود، وقيل: هو من كلام الله) أيهما قَدَّم؟
* طالب: الجلود.
* الشيخ: لا، إذا قال المؤلفون: قيل كذا، وقيل كذا، فالخلاف هنا مطلق، لا تقديم فيه ولا تأخير، وإذا قيل: هو من كلام الجلود، وقيل: من كلام الله، هنا يكون قدم الأول، انتبهوا لهذا، أما إذا قال المؤلفون: قيل وقيل، فهذا ليس فيه تقديم، بل هو نقل خلاف على وجه الإطلاق.
(قيل: هو من كلام الجلود، وقيل: هو من كلام الله) وعلى هذا فالقولان لدى المؤلف متساويان، فأيهما أقرب: أن نجعله من كلام الجلود حتى يتصل الكلام بعضه ببعض أو من كلام الله؟ الأول من حيث اللفظ أقرب؛ أن الجلود تقول: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، وتقول لهؤلاء: هو الذي خلقكم أول مرة وإليه ترجعون، لكن القول الثاني أقوم للمعنى؛ يعني أن الله لما بَيَّن أن هؤلاء يُعادَوْن يوم القيامة ويُحاسبون، وتشهد عليهم السمع والأبصار والجلود بيَّنَ عزَّ وجل أنه قادر على الإعادة؛ لأن هؤلاء الذين كذبوا ينكرون البعث فقال: ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، والقادر على الخلق أول مرة قادر على إعادته واضح؟ دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧]، فهو يقول: هو خلقكم أول مرة، والقادر على ذلك قادر على الإعادة.
وقوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ هذا فيه أيضًا إشارة إلى الحكمة مِنْ خلق الخلق؛ أنهم يبتلون فيُؤمَرون ويُنْهَون، ومآلهم إلى من؟ إلى الله عز وجل يجازيهم بحسب أعمالهم التي كلَّفَهم بها.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ إلى آخره، هذا هو معنى قول المؤلف: (كالذي بعده) ويش الذي بعده؟ ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ هذا لا شك أنه من كلام الله، وليس من كلام الجلود.
وقول المؤلف رحمه الله: (وموقعه قريب مما قبله) يعني: موقع هذا الكلام ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (قريب مما قبله)، يعني يبين المناسبة مناسبة هذه الجملة لما قبلها؛ (وهو أن القادر على إنشائكم ابتداءً وإعادتكم بعد الموت أحياءً قادر على إنطاق جلودكم وأعضائكم).
(﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ عن ارتكابكم الفواحش من ﴿أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ ) يعني: ما كنتم تستخفون في معاصيكم وكفركم وغير ذلك مما يستترون به خوفًا من أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم؛ يعني أن الكفار يستترون أحيانًا بالمعاصي، ليسوا يستترون خوفًا من أن تشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم؛ لأن هذه الأشياء لا استتار عنها إطلاقًا؛ إذ إنها هي الإنسان، ولا يمكن الاستتار عنها، وأيضًا هم لا يؤمنون بأنها سوف تشهد عليهم يومًا من الأيام، فصاروا لا يستترون عن هذه الأشياء لوجهين:
الأول: أنه لا انفكاك عنها، وجهه أنها هي مكوناته.
الوجه الثاني: أنه ما كان يطرأ على بالهم يومًا من الأيام أن هذه سوف تشهد عليهم؛ لأنهم ينكرون البعث، وإنكار البعث يستلزم ألا يؤمنوا بأنها تشهد عليهم.
﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ معنى تستترون (تستَخْفُون)، وقوله: ﴿أَنْ يَشْهَدَ﴾ هي على تقدير محذوف، التقدير: خوف أن يشهد عليكم سمعكم وأبصاركم إلى آخره.
يقول: (لأنكم لم توقنوا بالبعث) هذا التعليل أضفنا إليه تعليلًا آخر وهو عدم انفكاك جلودهم وسمعهم وأبصارهم.
(﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ﴾ عند استتاركم ﴿أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ) هذا الذي ظنوه بالله، فظنوا بالله تعالى ظن السوء، وأنهم إذا استتروا عن الخلق استتروا عن الله؛ ولهذا قال: ﴿كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ الكثير الثاني ما يفعلونه علانية ولا يهتمون به.
(﴿وَذَلِكُمْ﴾ مبتدأ ﴿ظَنُّكُمُ﴾ بدل منه ﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ نعت، والخبر ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ ) المؤلف أعرب الآية على وجه التفصيل؛ ﴿وَذَلِكُمْ﴾ (ذا) اسم إشارة، واللام للبُعْد، والكاف حرف خطاب، وجاءت بالجمع؛ لأن المخاطب جماعة، وهنا يجب عليكم أن تعرفوا أن اسم الإشارة يعود إلى المشار إليه، والكاف تعود إلى المخاطب، فكيف تقول إذا خاطبت ذكرًا تشير إلى شيء مذكر؟
ذلك. وكيف تقول إذا أشرت إلى اثنين مخاطبًا ذكرًا؟
* طالب: ذانك.
* الشيخ: ذانك؛ صح، ذانك؛ لأنك تشير إلى اثنين تخاطب واحد، وماذا تقول إذا أشرت إلى واحد تخاطب اثنين؟
* طالب: ذلكما.
* الشيخ: ذلكما، صح، تشير إلى واحد تخاطب اثنين تقول: ذلكما، وماذا تقول إذا أشرت إلى واحد تخاطب جماعة نساء؟ ذلكن، طيب، تشير إلى واحدة تخاطب جماعة إناث؟
* طالب: ذلكن.
* الشيخ: ذلكن خطأ.
* طالب: تلكما.
* الشيخ: أنت تخاطب جماعة إناث، تشير إلى واحدة تخاطب جماعة إناث؟
* طالب: ذلكن.
* الشيخ: خطأ.
* طالب: تلكما.
* الشيخ: أنت تخاطب جماعة إناث، تشير إلى واحدة تخاطب جماعة إناث.
* طالب: تلكن.
* الشيخ: تلكن، صح؟ تلكن، المهم انتبهوا لهذا، لا يلتبس عليكم المشار إليه في المخاطب، اسم الإشارة يكون بحسب المشار إليه، والكاف بحسب المخاطب، واضح؟ طيب، تشير إلى جماعة مخاطبًا جماعة ذكور؟
* طالب: أولئكم.
* الشيخ: أولئكم في القرآن: ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء ٩١]، طيب، تمام، تشير إلى مؤنثتين تخاطب اثنتين؟
* طالب: تانكما.
* الشيخ: تانكما، صح، طيب على كل حال الأمثلة كثيرة، بس تَحَرَّوا الدقة، وهل الأفصحُ في كاف المخاطب في الإشارة أن تكون حسب المخاطب أو أن تكون بالإفراد المذكَّرِ دائمًا، أم بالإفراد المفتوح المذكر للمذكر، والمؤنث للمؤنث؟
أقوال ثلاثة، وكلها لغات؛ يعني: الكاف هل نلزمها طريقةً واحدة بالإفراد والفتح فنقول: ذلك تانك ذانك؟ أو نلزمها الإفراد مع الفتح للمذكر والكسر للمؤنث، هذا وجهان، أو نقول: هي حسب المخاطب المفرد المذكر له كاف مفتوحة، والمفردة المؤنث كاف مكسورة، والمثنى كاف مقرونة بعلامة التثنية، وجماعة النساء كاف مقرونة بنون النسوة، وجماعة الذكور كاف مقرونة بميم الجمع، الأخير هو الأفصح. لكن يجوز الوجهان الآخران.
يقول الله عز وجل: ﴿وَذَلِكُمْ﴾ قال المؤلف: (مبتدأ ﴿ظَنُّكُمُ﴾ بدل منه ﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ نعت، والخبر ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ ) يعني معناه أن قوله: ﴿ذَلِكُمْ﴾ وما عطف عليها أو صار صفةً لها في مقام المبتدأ، و﴿أَرْدَاكُمْ﴾ في مقام الخبر، هل يمكن احتمال وجه آخر؟ نعم، يمكن، يمكن أن نجعل (ذا) مبتدأ و﴿ظَنُّكُمُ﴾ خبره، و﴿أَرْدَاكُمْ﴾ خبر ثانٍ، وهذا الوجه أقوى في المعنى؛ يعني: ذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم؛ يعني: لم تظنوا به سواه، وأنه لن يعيدكم، ثم أخبر عن هذا الظن خبرًا آخر، فقال: ﴿أَرْدَاكُمْ﴾، فهذا المعنى أقوى من قول المؤلف رحمه الله تعالى أن ﴿ظَنُّكُمُ﴾ بدل من ﴿ذَلِكُمْ﴾، وأن ﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ نعت له، وأن ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ خبر له.
﴿ذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ وهو الله عز وجل وأضاف الربوبية إليهم؛ لأنهم يُقِرُّون بربوبية الله لا ينكرونها ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون ٨٦، ٨٧]، وفي قراءة أخرى سبعية ﴿﴿سَيَقُولُونَ اللَّهَ﴾ ﴾.
﴿أَرْدَاكُمْ﴾ يعني: أهلككم ﴿فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ﴿فَأَصْبَحْتُمْ﴾ أي: صرتم من الخاسرين، وهنا أصبح لو نظرنا إلى مجرد لفظها لكانت دالةً على الإصلاح، لكنها تُسْتَعمل في اللغة العربية بمعنى الصيرورة تقول: أصبح لا يعلم شيئًا، أي: صار لا يعلم شيئًا.
وهنا ﴿أَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ليس المعنى دخلتم في الصباح خاسرين، ولكن المعنى: صِرْتُمْ من الخاسرين، والخاسر ضد الرابح، وإنما قال: ﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ لأن هؤلاء الذين أنكروا البعث خسروا الدنيا والآخرة في الواقع؛ فدنياهم لم تنفعهم، وهم في الآخرة في النار، وهذا غاية الخسران.
(﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا﴾ على العذاب ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى﴾ مأوى ﴿لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ يطلبوا العُتْبى أي: الرضا ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ من المرضيين).
انتبهوا لهذا الوعيد الشديد ﴿إِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ لم يقل: إن يصبروا فلينتظروا الفرج، بل قال: ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أي: ليس لهم إلا النار، وهذا كقوله تعالى: ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور ١٦] العذاب سوى عذاب الآخرة ينتظر الفرج له؛ لأن دوام الحال من المحال، فإذا صبر الإنسان على البلاء فالنهاية الزوال، لكن في الآخرة إن يصبروا فلن يسلموا من العذاب، فالنار مثوًى لهم، وهي مثوًى لهم قبل الصبر وبعد الصبر، لكن هذا من باب التيئيس لهم، وأن صبرَهم لا يفيدهم شيئًا، ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ أي: يطلبوا العتبى أي الرضا.
﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ لأنهم يَسْأَلون الله تعالى؛ يقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون ١٠٧]، والجواب: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨]، لكن في الدنيا لو طلبوا العتبى وتابوا إلى الله لحصل لهم ذلك، لكن في الآخرة قد فات الأوان.
وقوله: ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أي: مأوى، وكل إنسان مأواه النار، فلا حظَّ له في الجنة.
* في الآيات هذه فوائِد: أولًا: إثبات حقيقة النار؛ لقوله: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ﴾.
* ومن فوائدِها: إثبات أعداء لله كما أن له أولياء، وعدو الله عز وجل مَنْ كان كافرًا فاجرًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أهل النار -والعياذ بالله- يُساقون إلى النار أوزاعًا أي: متفرقين أُمَمًا؛ لقوله: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.
* ومن فوائد الآية التي بعدها: إثبات حقيقة النار، وأن هؤلاء يصلون إليها حقيقة؛ لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾.
* ومِن فوائدها: دخول التوكيد في كلام الله عز وجل؛ لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾؛ لأننا قلنا: (ما) زائدة، لكنها للتوكيد.
فإن قال قائل: كلام الله عز وجل مُؤَكَّد بدون أداة توكيد، فما الفائدة من أن الله تعالى يأتي كثيرًا في كلامه بأدوات التوكيد؟
فالجواب: القرآن لا شك أنه مؤكد، وأن أخباره لا تحتاج إلى توكيد، لكن القرآن نزل بلسان عربي مبين، واللسان العربي يقتضي أن يكون الكلام الهام مؤكَّدًا بأنواع من التأكيدات، واضح؟ إذن تأكيد ما يؤكد في القرآن دليل على بلوغ القرآن الفصاحة في أعلى معانيها في أنه مُتَمَشٍّ على أيش؟ على قواعد اللغة العربية الفصحى.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات النطق للسمع والبصر والجلود؛ لقوله: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ﴾، والشهادة تكون بالنطق، وقد تكون بغير النطق، لكنها في الأصل بالنطق، ولذلك ﴿قَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أعضاء الإنسان تكون يوم القيامة خصومًا له، وجه ذلك أن هؤلاء أنكروا على سمعهم وأبصارهم وجلودهم أن شهدوا عليهم، وما ظنك -أيها الأخ- بأعضاء تكون يوم القيامة خصومًا لك؟! يعني يتفرع على هذه الفائدة فائدة؛ أن الواجب على الإنسان أن يرعى هذه الأعضاء حق رعايتها وألا يورِّطَها فيما تكون خصمًا له به يوم القيامة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأعضاء منفردةً تعرف ربها عز وجل؛ لقولها: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾.
* ومن فوائدِها: عموم قدرة الله تعالى؛ لقوله: ﴿أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾.
* ومِن فوائدها: أن ابتداء الخلق من الله لم يشرك أحد رب العالمين في الخلق لا أم ولا أب ولا سلطان ولا رئيس ولا وزير، المنفرد بالخلق هو الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز استعمال الأدلة العقلية، من أين تؤخذ؟ من استدلال الله تعالى بالمَبْدَأ على المعاد، فإن هذا دليل عقلي.
فإن قال قائل: وهل تُقَدَّم الأدلة العقلية على الأدلة السمعية؟
فالجواب: لا؛ لأن العقل قد يخطئ فيظن الإنسان أن هذا عقلٌ وليس بعقل، وأما الأدلة السمعية الثابتة عن الله ورسوله فهذه لا تخطئ، ولهذا أخطأ مَنِ استعمل العقل، بل قدَّمه على السمع والنقل فيما يتعلق بالله واليوم الآخر، وحَكَمُوا بعقولهم القاصرة على أمور الغيب استحالةً أو وجوبًا أو جوازًا، وأعرضوا عن نصوص الكتاب والسنة، ومن هؤلاء جميع المتكلمين من الأشاعرة، والمعتزلة، والجهمية، وغيرهم حيث جعلوا التلقي فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته على الاعتماد على العقل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرجوع إلى الله عزَّ وجل، فاستعدَّ لهذا الرجوع، واعلم أنك ملاقٍ ربَّك، ولكن أبشر إن كنت مؤمنًا، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٢٢٣]، يعني: لا يخاف المؤمن من هذه الملاقاة، بل له البَشارة في الدنيا قبل الآخرة، لكن حقيقة هذه البشارة للمؤمن خاصة. ويأتي -إن شاء الله- بقية الكلام على الفوائد.
* طالب: شيخ، هل عموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ ينطبق على قول الصحابة أن الطعام كان يُسَبِّح بين أيديهم، ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤] بأن يكون سبح، ولكن لم يعلموا تسبيحهم إلا بإخبار النبي صلي الله عليه وسلم لهم، أو أنه سبَّح حقيقة يفهمه أيُّ واحد؟
* الشيخ: ظاهر النصوص أن يسبح حقيقة، لكن التسبيح ﴿لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ باعتبار المجموع، لا باعتبار كل فرد، فإنَّ مِنَ الأشياء ما نسمع تسبيحه، يسبح تمامًا ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ [ص ١٨]، فالظاهر أنها تُرَدِّد، كما قال تعالى: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ ١٠].
* الطالب: يا شيخ، نكمل السؤال: هل التسبيح كما نعرفه نحن أو خاصٌّ بهم بأن بعضهم..؟
* الشيخ: لا، تقول: سبحان الله.
* الطالب: بعضهم قال: صوت غدير الماء هو تسبيحه؟
* الشيخ: لا، خطأ، صوت خرير الماء ليس صوت تسبيح، هذا طبيعي، فهل نقول: حركة الإنسان بالأرض إذا وَطِئَتْ أقدامُه الأرضَ وسُمِعَ لها صوت، هل هذا تسبيح؟!
* طالب: شيخ -أحسن الله إليك- فسَّرْنا ﴿يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الجاثية ٣٥] بمعنى الرضا، إذا فسر بالرجوع إلى الدنيا..
طالب: شيخ أحسن الله إليك، فسرنا (يستعتبون) بمعنى الرضا، إذا فسر بالرجوع من الدنيا؟
* الشيخ: أيهن؟
* الطالب: يستعتبون.
* الشيخ: الاستعتاب: طلَبُ العُتْبَى، والعتبى معناه: قبول العذر والرِّضا، فالمؤلف فسَّرَها بالنهاية؛ بالغاية التي هي الرضا؛ لأن الإنسان إذا استعتَب وقُبِل عذره رضِي عنه المُستَعْتَب.
* طالب: شيخ أحسن الله إليك، الله عز وجل إذا أخبر عن نفسه في القرآن يقول: قال الله، قال الله، ويرد هذا كثيرًا في القرآن، أليس الأفضل في اللغة أن يقول: (قل) إذا أراد أن يخبر عن نفسه؟
* الشيخ: لا، هذا يعني له أحوال، لكن يقول العلماء: إن المتكلم إذا عبَّر عن نفسِه بصِيغة الغائب فهذا دليل على العظمة والتعظيم، ففرْقٌ بين أن يقولَ المِلك مِلك الدنيا: إن الملك يأمرُكم أن تفعَلوا كذا، أو يقول: إني آمركم. الأول أعظم في التفخيم، وهذه من قاعدة البلاغة: تعبير المخاطب عن نفسه بصيغة الغائب يدل على التعظيم، لا سيما إذا كان بوصفٍ يقتضي ذلك.
* طالب: العذاب الواقع على الأعضاء هل تحس به نفس الأعضاء ولا صاحبها بسبب أنه كان (...)؟
* الشيخ: لا، الواقع أن العذاب على أهل النار واقِع على كُلِّ البدن، ولهذا قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء ٥٦]، لكن هم يتعَجَّبُون ويُوَبِّخُون السمع والأبصار والجلود: لِمَ شهدتم علينا ونحن نجادِل عنكم؟!
* * *
* طالب: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧) ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٢٨) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت ٢٧ - ٢٩].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ [فصلت ٢٢]، معنى الآية إجمالًا، ما أريد أن تفسر كل كلمة، معناها؟
* طالب: (...) أن تشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم؛ يعني: كانوا لا يظنون..
* الشيخ: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ [فصلت ٢٢]؛ يعني: ما كنتم تستَخْفُون خوفًا مِن؟
* الطالب: شهادة السمع والبصر والجلود.
* الشيخ: نعم، أحسنت، قوله: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ [فصلت ٢٣]. يلَّا أعرِب الجملة؟
* طالب: (ذلك) اسم إشارة (...) مخاطب (...).
* الشيخ: لا، ما هو تفصيل، قل مثل: (ذلكم) مبتدأ، (ذلكم) خبر.
* الطالب: ﴿ذَلِكُمْ﴾ مبتدأ.
* الشيخ: طيب ﴿ظَنُّكُمُ﴾؟
* الطالب: ﴿ظَنُّكُمُ﴾ يجوز أن تكون خبرًا.
* الشيخ: أعطنا واحدًا مما تقول: إنه يجوز.
* الطالب: خبر.
* الشيخ: ﴿ظَنُّكُمُ﴾ خبر؟ نعم، و﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ﴾؟
* الطالب: ﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ﴾، هذا نعت.
* الشيخ: طيب ﴿أَرْدَاكُمْ﴾؟
* الطالب: ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ خبر ثانٍ.
* الشيخ: خبر ثانٍ، طيب فيه وجه ثانٍ في الإعراب؟ قل: نعم ولَّا لا؟
* طالب: ﴿ذَلِكُمْ﴾ مبتدأ، و﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ﴾..
* الشيخ: ﴿ظَنُّكُمُ﴾؟
* الطالب: ﴿ظَنُّكُمُ﴾ بدل منه، و﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ﴾ نعت، و﴿أَرْدَاكُمْ﴾ خبر.
* الشيخ: و﴿أَرْدَاكُمْ﴾ خبر، تمام، إذن اتفق القولان على أن ﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ﴾ صفة.
طيب ﴿أَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، ما معنى ﴿أَصْبَحْتُمْ﴾ هنا؟
* الطالب: صِرْتم.
* الشيخ: صِرْتم، معناها المطابق للفظ ما هو؟ أصبح.
* الطالب: أصبح؛ يعني: صار في الصباح، هذا الأصل.
* الشيخ: إي نعم، هذا الأصل، لكنها قد تُسْتَعمل بمعنى صار، نعم.
طيب قوله: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [فصلت ٢٤] ما مناسبة جواب الشرط لفعل الشرط؟ ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾، ويش المناسبة؟ لأن هذا قد تخفى مناسبتُه؛ إذ إن الإنسان يتوقع أن يكون جواب الشرط خلاف ذلك.
* الطالب: وعيد شديد لهم من باب التيئيس (...).
* الشيخ: ارتباطُه بما قبله، مناسبتُه تيئيس هؤلاء مِن الفرَج؛ لأن ظاهر الحال أن يقول: فإن يصبروا فالفرجُ قريب مثلًا، لكنه قال: ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾؛ أي: فلن يتخلَّصوا منها، ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت ٢٤]، ما معنى ﴿يَسْتَعْتِبُوا﴾؟
* الطالب: يطلبوا العُتبى.
* الشيخ: وهي؟
* الطالب: يعني المعذرة، يطلب المعذرة أو العذر.
* الشيخ: العذر ثم الرضا. طيب ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾؟
* الطالب: أي: أن الله لن يرضى عنهم.
* الشيخ: تمام، إعراب ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾؟
* طالب: الفاء بحسب ما قبلها.
* الشيخ: لا، ما هي بحسب ما قبلها، معروف ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾، الفاء؟
* طالب: حرف عطف.
* الشيخ: لا.
* طالب: رابطة لجواب الشرط.
* الشيخ: رابطة لجواب الشرط. (ما)؟
* الطالب: (ما) نافية تعمل عمل (ليس).
* الشيخ: على لغة مَن؟
* الطالب: على لغة الحجازيين.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: و(هم) مبتدأ.
* الشيخ: لا، ما دمت تقول: عملها تعمل عمل (ليس)..
* الطالب: اسم (ما).
* الشيخ: اسم (ما) مبني؟
* الطالب: مبني على السكون في محل رفع، (...) (مِن) حرف جر (...) اسم مجرور بـ(من) (...).
* الشيخ: وعلامة جرِّه؟
* الطالب: للمُعْتبين.
* الشيخ: للمُعْتبينِ، إي.
* الطالب: علامة جره الكسرة.
* الشيخ: كسرة ظاهرة بآخرِه..
* الطالب: بآخره نيابة عن (...).
* الشيخ: إي.
* الطالب: والجار ومجرور متعلق بمحذوف.
* الشيخ: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر (ما)، طيب هنا تتفق اللغتان الحجازية والتميمية مِن حيث اللفظ، أليس كذلك؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: هل يختلف اللفظ لو جعلناها تميمية؟
* الطالب: ما يختلف.
* الشيخ: إذن تتفق اللغتان من حيث اللفظ، وتختلفان من حيث الإعراب.
طيب ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف ٣١] هل تتفق اللغتان في هذا؟
* الطالب: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾، لا.
* الشيخ: لغة تميمٍ أن يُقال؟
* الطالب: تميم (ما هذا بشرٌ).
* الشيخ: ما هذا بشرٌ. توافِقُون على ذلك؟ نعم؛ لأن (ما) مهملة عند التميميين وعاملةٌ عمل (ليس) عند الحجازيين، فتقول مثلًا: ما زيدٌ قائمًا، إذا خاطبت إنسانًا وقلت: ما زيد قائمًا، عرفنا أنك أيش؟ حجازي، وإذا خاطبت إنسانًا وقلت: ما زيدٌ قائمٌ، عرفْنا أنك تميمي ولهذا قال الشاعر:
وَمُهَفْهَفُ الْأَعْطَافِ قُلْتُ لَهُ انْتَسِبْ ∗∗∗ .............................
يعني من أين أنت؟
............................ ∗∗∗ فَأَجَابَ مَا قَتْلُ الْمُحِبِّ حَرَامُ
أخبرَه بنسبِه أو لا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: أنه؟
* طلبة: تميمي.
* الشيخ: تميمي؛ إذ لو كان غيرَ تميمِيٍّ لقال: ما قتل المحب حرامًا.
* طالب: شيخ بارك الله فيك، بالنسبة لإعراب (ما هم بمعتبين)، يمكن نجعل (ما) هذه حرف جر زائد
* الشيخ: أيهن؟
* الطالب: (ما هم بمعتبين).
* الشيخ: هذه من كيسِك يا ولد ما هي في القرآن، ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [فصلت ٢٥] إلى آخره، ﴿قَيَّضْنَا لَهُمْ﴾ يقول: (سَبَّبْنَا لهم).
قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ﴾ [فصلت ٢٢] إلى آخره.
* فيها من الفوائد: أن هؤلاء المجرمين لا يؤمنون بالبعث؛ لقوله: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: تمامُ قدرةِ الله عز وجل وأنه قادِرٌ على إِنْطَاق كل شيء؛ حيث أنطَق السمع والأبصار والجلود.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المجرمين يظُنُّون أن الله لا يعلَم كثيرًا مما يعْمَلون وهو الذي يُخفُونه، فلهذا كانوا يخفُون عن الله عز وجل ما يقعون فيه من الكفر.
* ومن فوائد الآية التي بعدها: أن مِثلَ هذا الظن سببٌ لِهَلاك المرء أن يظُنَّ أنه لن يُبعَث، هذا سببٌ لهلاكه بل هو هلاكُه حقيقة؛ لأن الذي يُنكِر البعث كافرٌ، والكافر لا حظَّ له؛ لا في الدنيا، ولا في الآخرة؛ لقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ١٥].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المجرمين يظنون أنهم رَبِحُوا المعركة باستخفائِهم، وهذا ينطبِق تمامًا على المنافقين، ولكن حقيقة الأمر أنهم خسِروا؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
* ومن فوائد الآية (...): أن أهل النار لن يخرجُوا منها، سواءٌ صبروا أم لم يصبروا؛ لقوله: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾، ويبَيِّنُه قوله تعالى: ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور ١٦]، وقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم ٢١].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أن النار لا تفنى؛ لقوله: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [فصلت ٢٤] وهذا -أعني أن النار لا تفنى- هو قولُ أهل السنة والجماعة كما أن الجنة أيضًا لا تفنى، وقد زعَم بعضُ العلماء أن النار تفنَى في آخر النهاية، لكنَّ هذا الزعمَ باطل؛ يعني لا يستحِقُّ منزلة أن نقول: إنه ضعيف، بل نقول: إنه باطل لا ينبغي أن تُسَوَّدَ به الصحائف؛ وذلك لأن كلام الله عز وجل الذي خلقَ النار وهو عالمٌ بها وبمصيرِها، فيه التصريح بالتأبيد في ثلاثة مواضع مِن كتاب الله عز وجل. الموضع الأول؟
* طالب: في النساء.
* الشيخ: ما هو؟ الأخ يقول في النساء اذكره.
* طالب: قوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩].
* الشيخ: الموضع الثاني؟
* طالب: سورة الأحزاب.
* الشيخ: ما هو؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥]. طيب الموضع الثالث؟
* الطالب: سورة الجن ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣].
* الشيخ: أحسنت، فهل بعد هذا الكلام كلام؟ لا، ولهذا الإنسان يعجَب أن يقَعَ من بعض العلماء القول بأنَّ النار تفنَى مع وجود الآيات الثلاثة.
طيب هذه ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت ٢٤] قد يكون فيها إشارة إلى أنها ستبقى أبد الآبِدين؛ لأنَّه لو كان لها منتهى فسوف يُعتَبُون في آخر النهاية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات النار؛ لقوله: ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾.
* ومنها: أنها هي المثوى، وليس كما يزعم بعض الكتاب اليوم يقولون: إن الميت إذا مات صار إلى مثواه الأخير، وقد بينَّا أن هذه الكلمة كلمة كُفْرٍ لو اعتقدَ الإنسان مدلولَها؛ يعني: لو اعتقد أن القبر هو المثوى ولا قيام بعده لكان كافرًا، فيقال: إن القبر ليس المثوى الأخير.
فصلت 41:24
قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ ﴿يُحْشَرُ﴾ فيها قراءتان: ﴿يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾ وعلى هذه القراءة يكون الفعل مبنيًّا لما لم يُسَمَّ فاعلُه، وكلما رأيت فعلًا مضارعًا مضموم الأول مفتوح ما قبل الآخر فهو مَبْنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعلُه، فإن رأيتَهُ مضمومَ الأوَّلِ فقط، فهل يكون مبنيًّا لما لم يُسَمَّ فاعلُه أو لا؟ لا؛ لأن المضارع من الرباعي يكون مضمومَ الأوَّلِ، مثل يُقدِم الرجل، يُكرِم الرجل، وما أشبه ذلك، إذن هذا اللفظ إحدى القراءتين ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ﴾، وعلى هذا فيكون ﴿يُحْشَرُ﴾ فعلًا مضارعًا مبنيًّا لما لم يُسَمَّ فاعلُه، ولاحظ أن قولَنا: لما لم يُسَمَّ فاعله أولى مِنْ قولِنا مبني للمجهول؛ لأنه قد يكون الفاعل معلومًا كقوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨]، مَنِ الخالق؟
* طلبة: الله.
* الشيخ: معلوم ولَّا غير معلوم؟ معلوم، مع أن الفعل مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعلُه، ولهذا التعبير بقولك: (خُلِقَ) فعل ماض مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعلُه أولى من قولك: (خُلِقَ) فعل ماض مبني للمجهول، انتبه لهذا، وكذلك ﴿يُحْشَرُ﴾ فعل مضارع مبني لما لم يُسَمَّ فاعلُه، ﴿أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾ ﴿أَعْدَاءُ﴾ نائب فاعل.
طيب، فيها قراءة أخرى ﴿﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ أَعْدَاءَ اللَّهِ﴾ ﴾ أشار إليه المؤلف، ما حاجة إلى تعليقها؛ موجودة في الكتاب ﴿﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ أَعْدَاءَ اللَّهِ﴾ ﴾، وعلى هذه القراءة تكون ﴿﴿نَحْشُرُ﴾ ﴾ فعلًا مضارعًا مبنيًّا للفاعل، والفاعل هنا مستتر، جوازًا أو وجوبًا؟
* طلبة: وجوبًا.
* الشيخ: وجوبًا، طيب، و﴿﴿أَعْدَاءَ﴾ ﴾ مفعول به منصوب، وهنا نذكر: متى يكون الفاعل مستترًا وجوبًا أو مستترًا جوازًا؟
إذا كان تقديره: أنا أو أنت أو نحن فهو مستتر وجوبًا، وإذا كان تقديره: هو أو هي فهو مستتر جوازًا، (أقوم) مستتر، تقديره أنا. (تقوم) تخاطب رجلًا تقول: أنت تقوم. وجوبًا؛ لأن تقديره أنت. (نقوم) وجوبًا؛ لأن تقديره نحن، طيب، (قام)؛ جوازًا؛ لأن تقديره هو، (قامت)؛ جوازًا؛ لأن تقديره هي. (تقوم) أنتم قلتم قبل قليل وجوبًا.
* طالب: إذا كانت (هي) فهو جوازًا.
* الشيخ: إذا كان تتحدث عن امرأة، فقلت: (هند تقوم) فهو مستتر جوازًا؛ لأن التقدير هي، وإذا كنت تخاطب رجلًا فهو مستتر وجوبًا؛ لأن التقدير أنت، إذن هذا الضابط: ما كان تقديره (أنا) أو (نحن) أو (أنت) فهو مستتر وجوبًا، وما كان تقديره: (هو) أو (هي) فهو مستتر جوازًا.
* * *
* طالب: ﴿شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت ٢١ - ٢٤].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ﴾ إعراب وهو أن يوم ظرف وكل ظرف لا بد له من متعلق؛ لأن الظرف اسم مفعول فيه فلا بد من فعل، ولهذا قال ناظم الجمل:
لَا بُدَّ للْجَارِّ مِنَ التَّعَلُّقِ ∗∗∗ بِفِعْلٍ اوْ مَعْنَاهُ نَحْوُ مُرْتَقِي
فأين العاملُ في ﴿يَوْمَ﴾؟ العامل في ﴿يَوْمَ﴾ محذوف، التقدير: كما قال المؤلف: (﴿وَ﴾ اذكر ﴿يَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾ )، و﴿يُحْشَرُ﴾ بمعنى يُجْمَع ويساق، وفيها قراءتان: (بالياء والنون المفتوحة وضم الشين وفتح الهمزة) لم يُكْمِل المؤلف -في الواقع- القراءة الثانية.
﴿يُحْشَرُ﴾ فيها قراءتان:
الأولى: ضم الياء وفتح الشين ﴿يُحْشَرُ﴾، وعلى هذه القراءة يجب أن تكون ﴿أَعْدَاءُ﴾ مرفوعة على أنها نائب فاعل.
القراءة الثانية: بفتح النون ﴿﴿نَحْشُرُ﴾ ﴾ وضم الشين، وعلى هذه القراءة يجب أن تكون ﴿أَعْدَاءُ﴾ منصوبة على أنها مفعول به، ﴿﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ أَعْدَاءَ اللَّهِ﴾ ﴾، وهنا نسأل: هل القراءتان اللتان تكونان في القرآن الذي بين أيدينا هل هما الحروف السبعة أو سواها؟
الجواب: أنها سوى الحروف السبعة؛ الحروف السبعة الآن غير معلومة؛ لأنه قضي عليها بتوحيد المصحف في عهد عثمان رضي الله عنه، لكن القراءات السبع الموجودة في حرف واحد وهو حرف قريش الذي توحدت المصاحف عليه في عهد عثمان رضي الله عنه، وعلى هذا فلا حاجة إلى التفتيش والتنقيب عن الحروف السبعة في وقتنا هذا؛ لأنها انتهت، قضي عليها.
قال: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ فمَنْ أعداء الله؟ أعداء الله يمكن أن نعرفهم بمعرفة أولياء الله، وأولياء الله تعالى قال الله في بيانهم: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس ٦٢، ٦٣] ضد الإيمان الكفر، وضد التقوى المعاصي والفسوق؛ فأعداء الله إذن هم الكفار والفَسَقة.
يحشرون إلى النار، أي: يساقون إليها ويُجْمَعون إليها.
﴿إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ يقول المؤلف: (يُساقُون)، ولها معنًى آخر أيضًا: يُساقون بالتوزيع، يعني: أنهم طوائف وأمم، كلما دخلت أمة لعنت أختها، فهم يوزعون بالسياق أي يُساقون، ويوزعون أيضًا بالتفريق، كل أمة وحدها، ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.
﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ﴾ إلى آخره [فصلت: ٢٠].
﴿حَتَّى إِذَا مَا﴾ قال المؤلف: (زائدة) يعني كلمة ﴿مَا﴾ زائدة؛ لأنها وقعت بعد (إذا)، وكلما وقعت (ما) بعد (إذا) فهي زائدة، وعليك بحفظ البيت:
يَا طَالِبًا خُذْ فائِدَه ∗∗∗ (مَا) بَعْدَ (إِذَا) زَائِدَه
﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾ يقول: ﴿مَا﴾ زائدة ﴿جَاءُوهَا﴾ أي: وصلوا إليها ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قبل أن يدخلوها تُستَشْهد عليهم هذه الجوارح حتى يدخلوا وهم موقنون أنهم عُوملوا بالعدل والإنصاف، يشهد عليهم سمعُهم هل يشهد بما سمعوا من اللغو والكلام المُحَرَّم أو يشهد السمع بجميع الأعمال؟
يحتمل وجهين: إما أن يكون المعنى: شهد عليهم سمعُهم بما سمعوا من الباطل، وأبصارهم بما شاهدوا من الباطل، وجلودهم بما لمسوا من الباطل، أو أن هذه الأعضاء تشهد على كل عَمَلٍ عملوه، يحتمل هذا وهذا، والثاني أعظم: أن يكون السمع يشهد بما حصل عن طريقه، وبما حصل عن طريق البصر، وبما حصل عن طريق اللمس، هذا أعظم مما لو شهد بما حصل منه فقط.
﴿سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وهل هذا بعد إنكارٍ أو للتحقيق والتوكيد؟ ليس في الآية ما يدل على ذلك، لكن قيل: إن هذه الأعضاء ﴿وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ﴾ [النور ٢٤] كما في آية أخرى إنما يكون بعد إنكارهم أن يكونوا أشركوا، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣].
وقوله: ﴿جُلُودِهِمْ﴾ بما مَسَّتْ وهي أعم من شهادة السمع والبصر؛ لأنه يدخل في ذلك اليد والرجل والشم وغير ذلك، كل هذا عن طريق الملامسة.
﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ [فصلت ٢١] ولم يقل: لأبصارهم وسمعهم؛ لأن شهادة الجلود أعظم وأعم.
﴿قَالُوا﴾ أي: أعداء الله ﴿لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾، وهذا الاستفهام استفهام إنكار كأنهم يقولون: نحن نجادل عنكم، فكيف تشهدون علينا؟!
﴿قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ يعني: أننا شهدنا؛ لأن الله أنطقنا، والله عز وجل بيده ملكوت السماوات والأرض، يُنْطِق كل شيء.
قال المؤلف: (أي: أراد نطقه) ولا حاجة إلى هذا القيد؛ لأن الله تعالى لا يُكْرِهْهُ أحدٌ حتى نقول: إن هذا الفعل مقيد بالإرادة، نقول: أَنْطَقَ كل شيء، ولا نقول: أراد نطقه؛ لأنه لا يمكن أن ينطق الشيء إلا بعد إرادة الله، ومثل هذا القيد غير مناسب؛ لأننا لو اعتبرناه لقلنا: كل فعل ذكره الله عن نفسه يجب أن نُقَيِّدَه بالإرادة، وهذا أمر مُسْتَكْرَه؛ إذ إننا نعلم أن كل فعل فعله الله فإنما هو عن إرادة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]، فالله تعالى أنطق كل شيء، هل أنطق الحجر؟ نعم، أْنْطَقَ الحجرَ والشجرَ، «وسُمِعَ تسبيحُ الحصى والطعامِ بين يدي النبيِّ ﷺ»[[أخرجه الطبراني في الأوسط (١٢٤٤)، والبزار (٤٠٤٠) من حديث أبي ذر الغفاري.]]، بل قال الله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤]، كل شيء يسبح الله بلسان المقال إلا الكافر فإنه لا يُسبِّح الله بلسان المقال؛ لأنه كافر بالله، يصف الله تعالى بكلِّ نقص وعيب، وكل شيء يُسبِّح الله بلسان الحال حتى الكافر يسبح الله بلسان الحال، كيف ذلك؟ الكافر ما أودع الله فيه من الآيات في الخِلْقة والخلق، وما أشبه ذلك كله يسبح الله عز وجل، أي: يستدل به على تنزيه الله عن كل نقص وعيب.
قال: ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (قيل: هو من كلام الجلود، وقيل: هو من كلام الله تعالى كالذي بعده، وموقعه قريب مما قبله بأن القادر على إنشائكم ابتداءً وإعادتكم بعد الموت أحياءً قادر على إنطاق جلودكم وأعضائكم).
قوله: ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يحتمل أنه من كلام الله يخاطب به هؤلاء المكذبين والأعداء، ويحتمل أنه تتمة كلام الجلود؛ يعني أن الجلود تستدل على قدرة الله تعالى على إنطاقها بأنه خلقهم أول مرة، يقول المؤلف في بيان ذلك: (قيل: هو من كلام الجلود، وقيل: هو من كلام الله) أيهما قَدَّم؟
* طالب: الجلود.
* الشيخ: لا، إذا قال المؤلفون: قيل كذا، وقيل كذا، فالخلاف هنا مطلق، لا تقديم فيه ولا تأخير، وإذا قيل: هو من كلام الجلود، وقيل: من كلام الله، هنا يكون قدم الأول، انتبهوا لهذا، أما إذا قال المؤلفون: قيل وقيل، فهذا ليس فيه تقديم، بل هو نقل خلاف على وجه الإطلاق.
(قيل: هو من كلام الجلود، وقيل: هو من كلام الله) وعلى هذا فالقولان لدى المؤلف متساويان، فأيهما أقرب: أن نجعله من كلام الجلود حتى يتصل الكلام بعضه ببعض أو من كلام الله؟ الأول من حيث اللفظ أقرب؛ أن الجلود تقول: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، وتقول لهؤلاء: هو الذي خلقكم أول مرة وإليه ترجعون، لكن القول الثاني أقوم للمعنى؛ يعني أن الله لما بَيَّن أن هؤلاء يُعادَوْن يوم القيامة ويُحاسبون، وتشهد عليهم السمع والأبصار والجلود بيَّنَ عزَّ وجل أنه قادر على الإعادة؛ لأن هؤلاء الذين كذبوا ينكرون البعث فقال: ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، والقادر على الخلق أول مرة قادر على إعادته واضح؟ دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧]، فهو يقول: هو خلقكم أول مرة، والقادر على ذلك قادر على الإعادة.
وقوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ هذا فيه أيضًا إشارة إلى الحكمة مِنْ خلق الخلق؛ أنهم يبتلون فيُؤمَرون ويُنْهَون، ومآلهم إلى من؟ إلى الله عز وجل يجازيهم بحسب أعمالهم التي كلَّفَهم بها.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ إلى آخره، هذا هو معنى قول المؤلف: (كالذي بعده) ويش الذي بعده؟ ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ هذا لا شك أنه من كلام الله، وليس من كلام الجلود.
وقول المؤلف رحمه الله: (وموقعه قريب مما قبله) يعني: موقع هذا الكلام ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (قريب مما قبله)، يعني يبين المناسبة مناسبة هذه الجملة لما قبلها؛ (وهو أن القادر على إنشائكم ابتداءً وإعادتكم بعد الموت أحياءً قادر على إنطاق جلودكم وأعضائكم).
(﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ عن ارتكابكم الفواحش من ﴿أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ ) يعني: ما كنتم تستخفون في معاصيكم وكفركم وغير ذلك مما يستترون به خوفًا من أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم؛ يعني أن الكفار يستترون أحيانًا بالمعاصي، ليسوا يستترون خوفًا من أن تشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم؛ لأن هذه الأشياء لا استتار عنها إطلاقًا؛ إذ إنها هي الإنسان، ولا يمكن الاستتار عنها، وأيضًا هم لا يؤمنون بأنها سوف تشهد عليهم يومًا من الأيام، فصاروا لا يستترون عن هذه الأشياء لوجهين:
الأول: أنه لا انفكاك عنها، وجهه أنها هي مكوناته.
الوجه الثاني: أنه ما كان يطرأ على بالهم يومًا من الأيام أن هذه سوف تشهد عليهم؛ لأنهم ينكرون البعث، وإنكار البعث يستلزم ألا يؤمنوا بأنها تشهد عليهم.
﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ معنى تستترون (تستَخْفُون)، وقوله: ﴿أَنْ يَشْهَدَ﴾ هي على تقدير محذوف، التقدير: خوف أن يشهد عليكم سمعكم وأبصاركم إلى آخره.
يقول: (لأنكم لم توقنوا بالبعث) هذا التعليل أضفنا إليه تعليلًا آخر وهو عدم انفكاك جلودهم وسمعهم وأبصارهم.
(﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ﴾ عند استتاركم ﴿أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ) هذا الذي ظنوه بالله، فظنوا بالله تعالى ظن السوء، وأنهم إذا استتروا عن الخلق استتروا عن الله؛ ولهذا قال: ﴿كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ الكثير الثاني ما يفعلونه علانية ولا يهتمون به.
(﴿وَذَلِكُمْ﴾ مبتدأ ﴿ظَنُّكُمُ﴾ بدل منه ﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ نعت، والخبر ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ ) المؤلف أعرب الآية على وجه التفصيل؛ ﴿وَذَلِكُمْ﴾ (ذا) اسم إشارة، واللام للبُعْد، والكاف حرف خطاب، وجاءت بالجمع؛ لأن المخاطب جماعة، وهنا يجب عليكم أن تعرفوا أن اسم الإشارة يعود إلى المشار إليه، والكاف تعود إلى المخاطب، فكيف تقول إذا خاطبت ذكرًا تشير إلى شيء مذكر؟
ذلك. وكيف تقول إذا أشرت إلى اثنين مخاطبًا ذكرًا؟
* طالب: ذانك.
* الشيخ: ذانك؛ صح، ذانك؛ لأنك تشير إلى اثنين تخاطب واحد، وماذا تقول إذا أشرت إلى واحد تخاطب اثنين؟
* طالب: ذلكما.
* الشيخ: ذلكما، صح، تشير إلى واحد تخاطب اثنين تقول: ذلكما، وماذا تقول إذا أشرت إلى واحد تخاطب جماعة نساء؟ ذلكن، طيب، تشير إلى واحدة تخاطب جماعة إناث؟
* طالب: ذلكن.
* الشيخ: ذلكن خطأ.
* طالب: تلكما.
* الشيخ: أنت تخاطب جماعة إناث، تشير إلى واحدة تخاطب جماعة إناث؟
* طالب: ذلكن.
* الشيخ: خطأ.
* طالب: تلكما.
* الشيخ: أنت تخاطب جماعة إناث، تشير إلى واحدة تخاطب جماعة إناث.
* طالب: تلكن.
* الشيخ: تلكن، صح؟ تلكن، المهم انتبهوا لهذا، لا يلتبس عليكم المشار إليه في المخاطب، اسم الإشارة يكون بحسب المشار إليه، والكاف بحسب المخاطب، واضح؟ طيب، تشير إلى جماعة مخاطبًا جماعة ذكور؟
* طالب: أولئكم.
* الشيخ: أولئكم في القرآن: ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء ٩١]، طيب، تمام، تشير إلى مؤنثتين تخاطب اثنتين؟
* طالب: تانكما.
* الشيخ: تانكما، صح، طيب على كل حال الأمثلة كثيرة، بس تَحَرَّوا الدقة، وهل الأفصحُ في كاف المخاطب في الإشارة أن تكون حسب المخاطب أو أن تكون بالإفراد المذكَّرِ دائمًا، أم بالإفراد المفتوح المذكر للمذكر، والمؤنث للمؤنث؟
أقوال ثلاثة، وكلها لغات؛ يعني: الكاف هل نلزمها طريقةً واحدة بالإفراد والفتح فنقول: ذلك تانك ذانك؟ أو نلزمها الإفراد مع الفتح للمذكر والكسر للمؤنث، هذا وجهان، أو نقول: هي حسب المخاطب المفرد المذكر له كاف مفتوحة، والمفردة المؤنث كاف مكسورة، والمثنى كاف مقرونة بعلامة التثنية، وجماعة النساء كاف مقرونة بنون النسوة، وجماعة الذكور كاف مقرونة بميم الجمع، الأخير هو الأفصح. لكن يجوز الوجهان الآخران.
يقول الله عز وجل: ﴿وَذَلِكُمْ﴾ قال المؤلف: (مبتدأ ﴿ظَنُّكُمُ﴾ بدل منه ﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ نعت، والخبر ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ ) يعني معناه أن قوله: ﴿ذَلِكُمْ﴾ وما عطف عليها أو صار صفةً لها في مقام المبتدأ، و﴿أَرْدَاكُمْ﴾ في مقام الخبر، هل يمكن احتمال وجه آخر؟ نعم، يمكن، يمكن أن نجعل (ذا) مبتدأ و﴿ظَنُّكُمُ﴾ خبره، و﴿أَرْدَاكُمْ﴾ خبر ثانٍ، وهذا الوجه أقوى في المعنى؛ يعني: ذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم؛ يعني: لم تظنوا به سواه، وأنه لن يعيدكم، ثم أخبر عن هذا الظن خبرًا آخر، فقال: ﴿أَرْدَاكُمْ﴾، فهذا المعنى أقوى من قول المؤلف رحمه الله تعالى أن ﴿ظَنُّكُمُ﴾ بدل من ﴿ذَلِكُمْ﴾، وأن ﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ نعت له، وأن ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ خبر له.
﴿ذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ وهو الله عز وجل وأضاف الربوبية إليهم؛ لأنهم يُقِرُّون بربوبية الله لا ينكرونها ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون ٨٦، ٨٧]، وفي قراءة أخرى سبعية ﴿﴿سَيَقُولُونَ اللَّهَ﴾ ﴾.
﴿أَرْدَاكُمْ﴾ يعني: أهلككم ﴿فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ﴿فَأَصْبَحْتُمْ﴾ أي: صرتم من الخاسرين، وهنا أصبح لو نظرنا إلى مجرد لفظها لكانت دالةً على الإصلاح، لكنها تُسْتَعمل في اللغة العربية بمعنى الصيرورة تقول: أصبح لا يعلم شيئًا، أي: صار لا يعلم شيئًا.
وهنا ﴿أَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ليس المعنى دخلتم في الصباح خاسرين، ولكن المعنى: صِرْتُمْ من الخاسرين، والخاسر ضد الرابح، وإنما قال: ﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ لأن هؤلاء الذين أنكروا البعث خسروا الدنيا والآخرة في الواقع؛ فدنياهم لم تنفعهم، وهم في الآخرة في النار، وهذا غاية الخسران.
(﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا﴾ على العذاب ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى﴾ مأوى ﴿لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ يطلبوا العُتْبى أي: الرضا ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ من المرضيين).
انتبهوا لهذا الوعيد الشديد ﴿إِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ لم يقل: إن يصبروا فلينتظروا الفرج، بل قال: ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أي: ليس لهم إلا النار، وهذا كقوله تعالى: ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور ١٦] العذاب سوى عذاب الآخرة ينتظر الفرج له؛ لأن دوام الحال من المحال، فإذا صبر الإنسان على البلاء فالنهاية الزوال، لكن في الآخرة إن يصبروا فلن يسلموا من العذاب، فالنار مثوًى لهم، وهي مثوًى لهم قبل الصبر وبعد الصبر، لكن هذا من باب التيئيس لهم، وأن صبرَهم لا يفيدهم شيئًا، ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ أي: يطلبوا العتبى أي الرضا.
﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ لأنهم يَسْأَلون الله تعالى؛ يقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون ١٠٧]، والجواب: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨]، لكن في الدنيا لو طلبوا العتبى وتابوا إلى الله لحصل لهم ذلك، لكن في الآخرة قد فات الأوان.
وقوله: ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أي: مأوى، وكل إنسان مأواه النار، فلا حظَّ له في الجنة.
* في الآيات هذه فوائِد: أولًا: إثبات حقيقة النار؛ لقوله: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ﴾.
* ومن فوائدِها: إثبات أعداء لله كما أن له أولياء، وعدو الله عز وجل مَنْ كان كافرًا فاجرًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أهل النار -والعياذ بالله- يُساقون إلى النار أوزاعًا أي: متفرقين أُمَمًا؛ لقوله: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.
* ومن فوائد الآية التي بعدها: إثبات حقيقة النار، وأن هؤلاء يصلون إليها حقيقة؛ لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾.
* ومِن فوائدها: دخول التوكيد في كلام الله عز وجل؛ لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾؛ لأننا قلنا: (ما) زائدة، لكنها للتوكيد.
فإن قال قائل: كلام الله عز وجل مُؤَكَّد بدون أداة توكيد، فما الفائدة من أن الله تعالى يأتي كثيرًا في كلامه بأدوات التوكيد؟
فالجواب: القرآن لا شك أنه مؤكد، وأن أخباره لا تحتاج إلى توكيد، لكن القرآن نزل بلسان عربي مبين، واللسان العربي يقتضي أن يكون الكلام الهام مؤكَّدًا بأنواع من التأكيدات، واضح؟ إذن تأكيد ما يؤكد في القرآن دليل على بلوغ القرآن الفصاحة في أعلى معانيها في أنه مُتَمَشٍّ على أيش؟ على قواعد اللغة العربية الفصحى.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات النطق للسمع والبصر والجلود؛ لقوله: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ﴾، والشهادة تكون بالنطق، وقد تكون بغير النطق، لكنها في الأصل بالنطق، ولذلك ﴿قَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أعضاء الإنسان تكون يوم القيامة خصومًا له، وجه ذلك أن هؤلاء أنكروا على سمعهم وأبصارهم وجلودهم أن شهدوا عليهم، وما ظنك -أيها الأخ- بأعضاء تكون يوم القيامة خصومًا لك؟! يعني يتفرع على هذه الفائدة فائدة؛ أن الواجب على الإنسان أن يرعى هذه الأعضاء حق رعايتها وألا يورِّطَها فيما تكون خصمًا له به يوم القيامة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأعضاء منفردةً تعرف ربها عز وجل؛ لقولها: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾.
* ومن فوائدِها: عموم قدرة الله تعالى؛ لقوله: ﴿أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾.
* ومِن فوائدها: أن ابتداء الخلق من الله لم يشرك أحد رب العالمين في الخلق لا أم ولا أب ولا سلطان ولا رئيس ولا وزير، المنفرد بالخلق هو الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز استعمال الأدلة العقلية، من أين تؤخذ؟ من استدلال الله تعالى بالمَبْدَأ على المعاد، فإن هذا دليل عقلي.
فإن قال قائل: وهل تُقَدَّم الأدلة العقلية على الأدلة السمعية؟
فالجواب: لا؛ لأن العقل قد يخطئ فيظن الإنسان أن هذا عقلٌ وليس بعقل، وأما الأدلة السمعية الثابتة عن الله ورسوله فهذه لا تخطئ، ولهذا أخطأ مَنِ استعمل العقل، بل قدَّمه على السمع والنقل فيما يتعلق بالله واليوم الآخر، وحَكَمُوا بعقولهم القاصرة على أمور الغيب استحالةً أو وجوبًا أو جوازًا، وأعرضوا عن نصوص الكتاب والسنة، ومن هؤلاء جميع المتكلمين من الأشاعرة، والمعتزلة، والجهمية، وغيرهم حيث جعلوا التلقي فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته على الاعتماد على العقل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرجوع إلى الله عزَّ وجل، فاستعدَّ لهذا الرجوع، واعلم أنك ملاقٍ ربَّك، ولكن أبشر إن كنت مؤمنًا، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٢٢٣]، يعني: لا يخاف المؤمن من هذه الملاقاة، بل له البَشارة في الدنيا قبل الآخرة، لكن حقيقة هذه البشارة للمؤمن خاصة. ويأتي -إن شاء الله- بقية الكلام على الفوائد.
* طالب: شيخ، هل عموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ ينطبق على قول الصحابة أن الطعام كان يُسَبِّح بين أيديهم، ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤] بأن يكون سبح، ولكن لم يعلموا تسبيحهم إلا بإخبار النبي صلي الله عليه وسلم لهم، أو أنه سبَّح حقيقة يفهمه أيُّ واحد؟
* الشيخ: ظاهر النصوص أن يسبح حقيقة، لكن التسبيح ﴿لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ باعتبار المجموع، لا باعتبار كل فرد، فإنَّ مِنَ الأشياء ما نسمع تسبيحه، يسبح تمامًا ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ [ص ١٨]، فالظاهر أنها تُرَدِّد، كما قال تعالى: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ ١٠].
* الطالب: يا شيخ، نكمل السؤال: هل التسبيح كما نعرفه نحن أو خاصٌّ بهم بأن بعضهم..؟
* الشيخ: لا، تقول: سبحان الله.
* الطالب: بعضهم قال: صوت غدير الماء هو تسبيحه؟
* الشيخ: لا، خطأ، صوت خرير الماء ليس صوت تسبيح، هذا طبيعي، فهل نقول: حركة الإنسان بالأرض إذا وَطِئَتْ أقدامُه الأرضَ وسُمِعَ لها صوت، هل هذا تسبيح؟!
* طالب: شيخ -أحسن الله إليك- فسَّرْنا ﴿يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الجاثية ٣٥] بمعنى الرضا، إذا فسر بالرجوع إلى الدنيا..
طالب: شيخ أحسن الله إليك، فسرنا (يستعتبون) بمعنى الرضا، إذا فسر بالرجوع من الدنيا؟
* الشيخ: أيهن؟
* الطالب: يستعتبون.
* الشيخ: الاستعتاب: طلَبُ العُتْبَى، والعتبى معناه: قبول العذر والرِّضا، فالمؤلف فسَّرَها بالنهاية؛ بالغاية التي هي الرضا؛ لأن الإنسان إذا استعتَب وقُبِل عذره رضِي عنه المُستَعْتَب.
* طالب: شيخ أحسن الله إليك، الله عز وجل إذا أخبر عن نفسه في القرآن يقول: قال الله، قال الله، ويرد هذا كثيرًا في القرآن، أليس الأفضل في اللغة أن يقول: (قل) إذا أراد أن يخبر عن نفسه؟
* الشيخ: لا، هذا يعني له أحوال، لكن يقول العلماء: إن المتكلم إذا عبَّر عن نفسِه بصِيغة الغائب فهذا دليل على العظمة والتعظيم، ففرْقٌ بين أن يقولَ المِلك مِلك الدنيا: إن الملك يأمرُكم أن تفعَلوا كذا، أو يقول: إني آمركم. الأول أعظم في التفخيم، وهذه من قاعدة البلاغة: تعبير المخاطب عن نفسه بصيغة الغائب يدل على التعظيم، لا سيما إذا كان بوصفٍ يقتضي ذلك.
* طالب: العذاب الواقع على الأعضاء هل تحس به نفس الأعضاء ولا صاحبها بسبب أنه كان (...)؟
* الشيخ: لا، الواقع أن العذاب على أهل النار واقِع على كُلِّ البدن، ولهذا قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء ٥٦]، لكن هم يتعَجَّبُون ويُوَبِّخُون السمع والأبصار والجلود: لِمَ شهدتم علينا ونحن نجادِل عنكم؟!
* * *
* طالب: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧) ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٢٨) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت ٢٧ - ٢٩].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ [فصلت ٢٢]، معنى الآية إجمالًا، ما أريد أن تفسر كل كلمة، معناها؟
* طالب: (...) أن تشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم؛ يعني: كانوا لا يظنون..
* الشيخ: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ [فصلت ٢٢]؛ يعني: ما كنتم تستَخْفُون خوفًا مِن؟
* الطالب: شهادة السمع والبصر والجلود.
* الشيخ: نعم، أحسنت، قوله: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ [فصلت ٢٣]. يلَّا أعرِب الجملة؟
* طالب: (ذلك) اسم إشارة (...) مخاطب (...).
* الشيخ: لا، ما هو تفصيل، قل مثل: (ذلكم) مبتدأ، (ذلكم) خبر.
* الطالب: ﴿ذَلِكُمْ﴾ مبتدأ.
* الشيخ: طيب ﴿ظَنُّكُمُ﴾؟
* الطالب: ﴿ظَنُّكُمُ﴾ يجوز أن تكون خبرًا.
* الشيخ: أعطنا واحدًا مما تقول: إنه يجوز.
* الطالب: خبر.
* الشيخ: ﴿ظَنُّكُمُ﴾ خبر؟ نعم، و﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ﴾؟
* الطالب: ﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ﴾، هذا نعت.
* الشيخ: طيب ﴿أَرْدَاكُمْ﴾؟
* الطالب: ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ خبر ثانٍ.
* الشيخ: خبر ثانٍ، طيب فيه وجه ثانٍ في الإعراب؟ قل: نعم ولَّا لا؟
* طالب: ﴿ذَلِكُمْ﴾ مبتدأ، و﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ﴾..
* الشيخ: ﴿ظَنُّكُمُ﴾؟
* الطالب: ﴿ظَنُّكُمُ﴾ بدل منه، و﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ﴾ نعت، و﴿أَرْدَاكُمْ﴾ خبر.
* الشيخ: و﴿أَرْدَاكُمْ﴾ خبر، تمام، إذن اتفق القولان على أن ﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ﴾ صفة.
طيب ﴿أَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، ما معنى ﴿أَصْبَحْتُمْ﴾ هنا؟
* الطالب: صِرْتم.
* الشيخ: صِرْتم، معناها المطابق للفظ ما هو؟ أصبح.
* الطالب: أصبح؛ يعني: صار في الصباح، هذا الأصل.
* الشيخ: إي نعم، هذا الأصل، لكنها قد تُسْتَعمل بمعنى صار، نعم.
طيب قوله: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [فصلت ٢٤] ما مناسبة جواب الشرط لفعل الشرط؟ ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾، ويش المناسبة؟ لأن هذا قد تخفى مناسبتُه؛ إذ إن الإنسان يتوقع أن يكون جواب الشرط خلاف ذلك.
* الطالب: وعيد شديد لهم من باب التيئيس (...).
* الشيخ: ارتباطُه بما قبله، مناسبتُه تيئيس هؤلاء مِن الفرَج؛ لأن ظاهر الحال أن يقول: فإن يصبروا فالفرجُ قريب مثلًا، لكنه قال: ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾؛ أي: فلن يتخلَّصوا منها، ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت ٢٤]، ما معنى ﴿يَسْتَعْتِبُوا﴾؟
* الطالب: يطلبوا العُتبى.
* الشيخ: وهي؟
* الطالب: يعني المعذرة، يطلب المعذرة أو العذر.
* الشيخ: العذر ثم الرضا. طيب ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾؟
* الطالب: أي: أن الله لن يرضى عنهم.
* الشيخ: تمام، إعراب ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾؟
* طالب: الفاء بحسب ما قبلها.
* الشيخ: لا، ما هي بحسب ما قبلها، معروف ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾، الفاء؟
* طالب: حرف عطف.
* الشيخ: لا.
* طالب: رابطة لجواب الشرط.
* الشيخ: رابطة لجواب الشرط. (ما)؟
* الطالب: (ما) نافية تعمل عمل (ليس).
* الشيخ: على لغة مَن؟
* الطالب: على لغة الحجازيين.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: و(هم) مبتدأ.
* الشيخ: لا، ما دمت تقول: عملها تعمل عمل (ليس)..
* الطالب: اسم (ما).
* الشيخ: اسم (ما) مبني؟
* الطالب: مبني على السكون في محل رفع، (...) (مِن) حرف جر (...) اسم مجرور بـ(من) (...).
* الشيخ: وعلامة جرِّه؟
* الطالب: للمُعْتبين.
* الشيخ: للمُعْتبينِ، إي.
* الطالب: علامة جره الكسرة.
* الشيخ: كسرة ظاهرة بآخرِه..
* الطالب: بآخره نيابة عن (...).
* الشيخ: إي.
* الطالب: والجار ومجرور متعلق بمحذوف.
* الشيخ: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر (ما)، طيب هنا تتفق اللغتان الحجازية والتميمية مِن حيث اللفظ، أليس كذلك؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: هل يختلف اللفظ لو جعلناها تميمية؟
* الطالب: ما يختلف.
* الشيخ: إذن تتفق اللغتان من حيث اللفظ، وتختلفان من حيث الإعراب.
طيب ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف ٣١] هل تتفق اللغتان في هذا؟
* الطالب: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾، لا.
* الشيخ: لغة تميمٍ أن يُقال؟
* الطالب: تميم (ما هذا بشرٌ).
* الشيخ: ما هذا بشرٌ. توافِقُون على ذلك؟ نعم؛ لأن (ما) مهملة عند التميميين وعاملةٌ عمل (ليس) عند الحجازيين، فتقول مثلًا: ما زيدٌ قائمًا، إذا خاطبت إنسانًا وقلت: ما زيد قائمًا، عرفنا أنك أيش؟ حجازي، وإذا خاطبت إنسانًا وقلت: ما زيدٌ قائمٌ، عرفْنا أنك تميمي ولهذا قال الشاعر:
وَمُهَفْهَفُ الْأَعْطَافِ قُلْتُ لَهُ انْتَسِبْ ∗∗∗ .............................
يعني من أين أنت؟
............................ ∗∗∗ فَأَجَابَ مَا قَتْلُ الْمُحِبِّ حَرَامُ
أخبرَه بنسبِه أو لا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: أنه؟
* طلبة: تميمي.
* الشيخ: تميمي؛ إذ لو كان غيرَ تميمِيٍّ لقال: ما قتل المحب حرامًا.
* طالب: شيخ بارك الله فيك، بالنسبة لإعراب (ما هم بمعتبين)، يمكن نجعل (ما) هذه حرف جر زائد
* الشيخ: أيهن؟
* الطالب: (ما هم بمعتبين).
* الشيخ: هذه من كيسِك يا ولد ما هي في القرآن، ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [فصلت ٢٥] إلى آخره، ﴿قَيَّضْنَا لَهُمْ﴾ يقول: (سَبَّبْنَا لهم).
قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ﴾ [فصلت ٢٢] إلى آخره.
* فيها من الفوائد: أن هؤلاء المجرمين لا يؤمنون بالبعث؛ لقوله: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: تمامُ قدرةِ الله عز وجل وأنه قادِرٌ على إِنْطَاق كل شيء؛ حيث أنطَق السمع والأبصار والجلود.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المجرمين يظُنُّون أن الله لا يعلَم كثيرًا مما يعْمَلون وهو الذي يُخفُونه، فلهذا كانوا يخفُون عن الله عز وجل ما يقعون فيه من الكفر.
* ومن فوائد الآية التي بعدها: أن مِثلَ هذا الظن سببٌ لِهَلاك المرء أن يظُنَّ أنه لن يُبعَث، هذا سببٌ لهلاكه بل هو هلاكُه حقيقة؛ لأن الذي يُنكِر البعث كافرٌ، والكافر لا حظَّ له؛ لا في الدنيا، ولا في الآخرة؛ لقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ١٥].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المجرمين يظنون أنهم رَبِحُوا المعركة باستخفائِهم، وهذا ينطبِق تمامًا على المنافقين، ولكن حقيقة الأمر أنهم خسِروا؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
* ومن فوائد الآية (...): أن أهل النار لن يخرجُوا منها، سواءٌ صبروا أم لم يصبروا؛ لقوله: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾، ويبَيِّنُه قوله تعالى: ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور ١٦]، وقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم ٢١].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أن النار لا تفنى؛ لقوله: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [فصلت ٢٤] وهذا -أعني أن النار لا تفنى- هو قولُ أهل السنة والجماعة كما أن الجنة أيضًا لا تفنى، وقد زعَم بعضُ العلماء أن النار تفنَى في آخر النهاية، لكنَّ هذا الزعمَ باطل؛ يعني لا يستحِقُّ منزلة أن نقول: إنه ضعيف، بل نقول: إنه باطل لا ينبغي أن تُسَوَّدَ به الصحائف؛ وذلك لأن كلام الله عز وجل الذي خلقَ النار وهو عالمٌ بها وبمصيرِها، فيه التصريح بالتأبيد في ثلاثة مواضع مِن كتاب الله عز وجل. الموضع الأول؟
* طالب: في النساء.
* الشيخ: ما هو؟ الأخ يقول في النساء اذكره.
* طالب: قوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩].
* الشيخ: الموضع الثاني؟
* طالب: سورة الأحزاب.
* الشيخ: ما هو؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥]. طيب الموضع الثالث؟
* الطالب: سورة الجن ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣].
* الشيخ: أحسنت، فهل بعد هذا الكلام كلام؟ لا، ولهذا الإنسان يعجَب أن يقَعَ من بعض العلماء القول بأنَّ النار تفنَى مع وجود الآيات الثلاثة.
طيب هذه ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت ٢٤] قد يكون فيها إشارة إلى أنها ستبقى أبد الآبِدين؛ لأنَّه لو كان لها منتهى فسوف يُعتَبُون في آخر النهاية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات النار؛ لقوله: ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾.
* ومنها: أنها هي المثوى، وليس كما يزعم بعض الكتاب اليوم يقولون: إن الميت إذا مات صار إلى مثواه الأخير، وقد بينَّا أن هذه الكلمة كلمة كُفْرٍ لو اعتقدَ الإنسان مدلولَها؛ يعني: لو اعتقد أن القبر هو المثوى ولا قيام بعده لكان كافرًا، فيقال: إن القبر ليس المثوى الأخير.
فصلت 41:25
ثم قال تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾ [فصلت ٢٥]، قال المؤلف: ﴿قَيَّضْنَا﴾ (سبَّبْنا)، والصواب أن معناها هيَّئْنَا؛ أي: هيَّئْنا لهم قرناء، وذَكَرَ الفاعل بضمير الجمع للتعظيم؛ لأن ضمير الجمع يراد به تارة التعظيم، وتارة التعَدُّد، وهنا لا يمكن أن يكون المراد به التعدُّد؛ لأن الله إلهٌ واحد.
(﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾ [فصلت ٢٥] من الشياطين)، والمراد شياطين الإنس وشياطين الجن؛ لأن هناك قرينًا خفِيًّا وهو قرينُ الجن، يأمر الإنسان بالسوء وينهاه عن الخير، وهناك قرين سوء من الإنس، ولهذا مثَّل النبي ﷺ قرين السوء بأنه كنَافِخ الكير؛ إما أن يُحْرِق ثيابك، وإما أن تجد منه رائحة كريهة[[روى البخاري (٥٥٣٤) واللفظ له، ومسلم (٢٦٢٨ / ١٤٦) عن أبي موسى رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «مثَلُ الجليسِ الصالح والسوء كحاملِ المسك ونافخ الكير، فحاملُ المسك إِمَّا أن يُحذيَك، وإمَّا أن تبتاعَ منه، وإما أن تجدَ منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرقَ ثيابك، وإما أن تجد ريحا خبيثة».]].
﴿فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ (زينوا) أي: القرناء لهم؛ أي للمقترين بهم، ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ يقول المؤلف: (﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ من أمر الدنيا واتباع الشهوات، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ من أمر الآخرة بقولهم لا بعث ولا حساب) هؤلاء القرناء حسَّنوا لهم ما بين أيديهم مِن أمر الدنيا، وقالوا لهم: اتَّبِعوا الشهوات، كيِّفُوا كما شئتم، أتْرِفُوا أنفسكم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة ٤٥] ومَنَّوْهم، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي: ما أمامهم؛ لأن الخلف والوراء قد يُراد به الأمام كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف ٧٩]؛ يعني أمامَهم.
إذن زيَّنوا لهم الآخرة أيضًا بأن منَّوْهم بأحد أمرين: إما بالنجاة من العذاب في قولهم: لا بعثٌ ولا حسابٌ، وإما بأن ينتقلوا إلى خير من ذلك ويقولوا: إن الذي أترَفَنا في الدنيا سوف يترِفُنا في الآخرة، كقول بعضهم: ﴿هَذَا لِي﴾ ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت ٥٠]، وكقول صاحب الجنتين: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف ٣٦]، فهكذا يُمَنِّي الشيطان أوليائَه؛ يقول: انبسطوا في الدنيا، أترفوا أنفسَكم، وفي الآخرة سوف تنتقلون إلى ما هو أفضل، زينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم ومنوهم الأماني.
قال تعالى: ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ [فصلت ٢٥] ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ﴾؛ أي: وجب، ﴿الْقَوْلُ﴾ قول مَن؟ قول الله تبارك وتعالى. فما هو القول الذي حَقّ؟ فسَّره المؤلف بقوله: (وهو ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٩]). وقيل: القول هو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس ٩٦، ٩٧]، ونقول كما أسلفنا في القاعدة في التفسير: إن الآية إذا كانت تحتَمِل معنيَيْن لا مُرَجِّحَ لأحدهما على الآخر، ولا منافَاةَ بينهما، فإنها تُحمَل على المعنيين جميعًا، نقول: حقَّ عليهم قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾، وهذا في الدنيا؛ يعني مهما عالجْتَ الإنسان الذي حقَّتْ عليه كلمة الله فلن يهتدي، وحقَّت عليهم كلمة الله في الآخرة، وهي ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة ١٣]، إذن لا فائدة.
إن أبرَزَ مثَلٍ لنا في هذا ما حصل للنبي ﷺ مع عمِّه أبي طالب، الذي كان –أعني عمَّه- كان يُدافِع عنه أشد المدافعة ويُؤْوِيه وينصرُه ويشهَد بأنه حق، لكنه لم يَنْقَدْ لذلك ولم يتَّبِع، هل أغنَى عنه مِن الله شيئًا؟ لا، عند موته يقول: يا عمِّ قل: لا إله إلا الله، كلمة أحَاجُّ لك بها عند الله. ولم ينفعْه ذلك كان آخر ما قال أنه على مِلَّةِ عبد المطلب؛ لأن أبا طالب عند موتِه حضرَه النبي عليه الصلاة والسلام، وحضره رجلَان من كبار قريش، فكان الرسول يقول: «يَا عَمِّ قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٦٠) ومسلم (٢٤ / ٣٩) من حديث المسيب بن حزن.]]، وهما يقولان له: أترغب عن ملَّةِ عبد المطلب؟ يعني عن ملَّةِ الكفر، آخِر ما قال: هو على مِلَّةِ عبد المطلب. وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، مع العلم بأنَّه يقر ويعترِف بأنَّ الرسول حقٌّ، يقول:
وَلَقَـــــدْ عَلِمْتُ بَأَنَّ دِيـــنَمُحَــــمَّدٍ ∗∗∗ مِــــنْ خَــيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّـــــةِدِيـــنَا
ويقول في لاميته المشهورة:
وَلَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ ∗∗∗ لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَوْلِالْأَبَاطِلِ
أي: بقول السحرة؛ يعني: ليس بساحر، ومع ذلك قد حقت عليه الكلمة، نسأل الله العافية وأن يحسِن لنا ولكم الخاتمة، حقَّت عليه الكلمة فلم يُؤمِن.
يقول: (﴿فِي﴾ جملة ﴿أُمَمٍ﴾ ) ﴿فِي أُمَمٍ﴾ يعني: في جملتها، واحتَجنا إلى قوله: (﴿فِي﴾ جملة) يعني: إدخال (جملة) وإن كانت معروفة من السياق؛ لأنه لو قال: في أمم لكان هؤلاء مشارِكين لكل الأمم الماضية والمستقبلَة مع أنهم في أمتهم وحدَهم، فيكون المعنى: ﴿فِي أُمَمٍ﴾ أي: في جملة أُمَمٍ.
(﴿قَدْ خَلَتْ﴾ هلكَتْ ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ ) إلى آخره.
﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: قبلِ هؤلاء المكذبين، ﴿مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ الجنُّ هم عالم الغيب، خلقهم الله تعالى من نار؛ لأن أباهم إبليس كان مِن نارٍ، ولهذا كانت حالُهم الطَّيْش والسرعة والاندِفَاع كالنَّار في لهبِها، فهم خُلِقُوا من النار -أعنِي الجن- وهم مكلَّفون بالإيمان بالله وملائكتِه وكتبِه ورسلِه واليوم الآخر.
ولكن هل الأعمال التي كُلِّفُوا بها هي الأعمال التي كُلِّفَت بها الإنس أو غيرها؟
إن نظرْنا إلى عمومات الأدلة قلنا: إن الجن مكلَّفَةٌ بما كلِّف به الإنس؛ لأن الشريعة التي بين أيدينا لم تأتِ بشريعةٍ للجِن؛ شريعةٌ واحدةٌ، والرسول واحِدٌ، فهم مكلَّفُون -مثلًا- بصلاة كصلاتنا، ووضوء كوضوئنا، وحجٍّ كحجِّنا، وصوم كصومنا، وصدقةٍ كصدقتنا، كل ما نحن مكلَّفون به فهم مكلفون به؛ إذ إننا لا نرى في الشريعة التي بين أيدينا تشريعَاتٍ للجن. هذا إذا نظرْنا إلى عموم الأدلة.
إذا نظرْنا إلى حكمةِ الله تعالى في شرعِه قلنا: إنهم مكلَّفُون بشريعةٍ تلِيق بهم، فكما أن الإنس إذا اختلَفوا يُجعَل لكل صنف ما يلِيق به فكذلك الجن، والجن مخالفون للإنس في الحدِّ والحقيقة، مخالفون تمامًا للإنس، فتكون شريعتُهم خاصَّة تليق بهم، لكن تحريم الظلم والشرك والعدوان وما أشبه ذلك هذا عام على الجن والإنس، إنما أريد التكليفات البدنية كالصلاة مثلًا، هل صلاتهم كصلاتنا، أو صيامهم كصيامنا؟ هذا هو محل الخلاف بين العلماء؛ منهم مَن يقول: إن الجن مكلَّفون كما كُلِّف الإنس تمامًا. ما حجة هؤلاء؟
* طالب: خلقٌ من خلقِ الله مكلَّفون (...).
* الشيخ: لا، غلط؛ لأن خلقٌ من خلقِ الله ترِدُ علينا الملائكة.
* طالب: عموم الأدلة.
* الشيخ: عموم الأدلة التي بين أيدينا التي أرسل بها الرسول عليه الصلاة والسلام لا نجِد فيها أحكامًا تخُصُّ الجن، فالأصل العموم؛ الأصل أن ما كُلِّف به الإنس هو ما كُلِّف به الجن. القول الثاني؟
* طالب: القول الثاني: مثل الإنس.
* الشيخ: أيش القول الثاني؟ أن الجن مثل الإنس في العبادة وما كُلِّفوا به أو يختلفون؟
* الطالب: يختلفون.
* الشيخ: إي نعم. وجه ذلك؟
* الطالب: لأن بعض العبادات كالصلاة قد تكون ليس كصلاتنا.
* الشيخ: أننا نجد من حكمة الله أن التشريعات مناسبة للمكلَّف بها؛ المريض يصلِّي قاعدًا، المسافر يؤَخِّر الصوم، الذي لا يستطيع الركوب على الراحلة لا يحُج، فإذا كانت هذه الاختلافات تكون بين الإنس لاختلاف أحوالهم فما بين الجن والإنس مِن باب أولى، لكن هناك أشياء لا إشكالَ فيها؛ وهي تحريم الشِّرِك والظلم والعدوان، وما أشبه ذلك.
ولهذا نجد كثيرًا من العلماء الذين يقرؤون على مَن مسَّهم الشيطان يُذكِّرُونهم بتحْرِيم الظلم وأنَّه حرام، وأنهم معتَدُون، وما أشبه ذلك، مما يدل على أنَّهم ملتزِمُون بهذا.
طيب يقول: ﴿مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ إذن الجن عالم أيش؟ عالم غيبِيٌّ خلِقُوا من نار، مكلَّفون بشريعة النبي ﷺ إلزامًا؛ لأنَّه مرسل إلى الجن والإنس، لكن غيرُ الرسول لا نعلم هل هم ملزمون بذلك أو لا، لكنهم مأذُونٌ لهم أن يعملوا بها، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [الأحقاف ٢٩، ٣٠]، مما يدُلُّ على أنهم انتفعوا بكتاب موسى ﴿أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف ٣٠]، فهم مُلْزَمون بالعمل بشريعة محمد ﷺ.
طيب قلنا: إنَّهم عالمٌ غيبي، هل يمكن أن يبْرُزُوا للناس يومًا من الأيام؟ نعم، ربما يبرُزُون لبعض الناس ملَوَّنِين؛ يعني يتلونون هم، قد يتراءَى الجنيُّ للإنسي بصورة إنسان فخْم كبير عظيم، أو بصورة هيكل له قرون وله آذان وله أرجل طويلة، وما أشبه ذلك، هم يتلَوَّنُون.
وأما ما زعم بعض الناس أنَّهم أجساد ليس فيها عظام، وأنهم إذا لَمَسْته وجدته رقيقًا جدًّا، أنَّ أعينَهم مشقوقةٌ طولًا هكذا، فهذا لا أصل له.
إذن نقول: هم عالَمٌ غيبي، ويدُلُّ لذلك المادة التي يوصفون بها يعني: الجِن؛ لأن الجيم والنون تدلُّ على الاستتار والخفاء. أرأيتُم الجَنَّة؟ الجَنَّة هي البستان الكثير الأشجار، الجِنَّة الجِن، الجُنَّة ما يتخِذُه المقاتل لحمايةِ نفسِه من السهام يستتر به، والإنس هم هؤلاء البشر من بني آدم، وسموا إِنْسًا لأن بعضهم يأنس لبعض، ولهذا قيل: إن الإنسان مدنِيٌّ بالطبع، ﴿مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾، ﴿إِنَّهُمْ﴾ أي: الذين حق عليهم القول، ﴿كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ كانوا متى؟
* طالب: يوم القيامة.
* الشيخ: إي، في علْمِ الله، وليس يوم القيامة كما قال الأخ؛ لأنَّه لو كان كذلك لقال: (يكونون)، لكن كانوا في علْمِ الله عز وجل وتقديرِه خاسِرين.
ولكن اعلموا -بارك الله فيكم- أنَّه لا يمكن لأحد أن يضِلَّ إلَّا وهو السبب، هو السبب في ضلالِ نفسِه، لدينا آيةٌ من كتاب الله حاكمة على كلِّ ذلك؛ على كلِّ ما يتوهم أن الضلال مقَدَّرٌ من عند الله ابتلاءً وامتحانًا وإن كان الأمر كذلك، لكن سببُ ضلال الإنسان هو نفسُه، قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُم﴾ [الصف ٥]، وقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [الأعراف ١٧٥، ١٧٦] فماذا نفعل؟ إذا كان هو الذي أخلَدَ إلى الأرض واتَّبَع هواه فماذا نفعل؟
فاعلَمْ أن كلَّ شيء من المعاصي فأنت سببُه، وإن شئت فاقرَأْ قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة ٤٩]، يا لها مِن موعظة في هذه الآية! أنك إذا تولَّيتَ عن أمر الله فاعلَمْ أن ذلك بذنبِك، ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾، فصار الإعراض عقوبة، وهذا أمر قد لا يتفطَّنُ له بعض الناس، إعراضُك عن الله عز وجل وعن دينِ الله هو عقوبة مِن الله عز وجل في قوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾.
* طالب: شيخ، إذا قلنا: إن الجن (...) بعمل (...) من جنسٍ غير جنس الإنس ومقتضى الحكمة أن..
* الشيخ: أن تكون شرائعُهم مناسبَةً لهم.
* الطالب: ومعلوم بأن العبادات توقيفية، فكيف سيعبُدون الله عز وجل إذن؟
* الشيخ: لا، يعبدون بشريعة من الله، يكون الرسول عليه الصلاة والسلام قد علَّمَهم؛ لأنه اجتمع بهم علَّمَهم ما يلزمهم.
* طالب: هل يثبت أن ابن القيم يقول بفناء النار؟
* الشيخ: ابن القيم رحمه الله كلامُه في مفتاح دار السعادة وفي شفاء العليل تشُمُّ منه رائحَة أنه يرَجِّح ذلك؛ لأنه ذكر القولين ذكر الأدلة، وهو -رحمه الله- إذا تكلَّم يشفي ويطيل النفس، فكلامُه في هذين الكتابين تشُمُّ منه رائحة أنه يميل إلى ذلك، لكن له كلامٌ آخر في الوابل الصيب يدُلُّ على أنَّه يرى أن النارَ ناران: نارُ الكفار هذه لا تفنى؛ لأنهم خالدون فيها أبدًا، ونار العصاة الذين يُعذَّبون بقدر ذنوبهم ثم يخرجون تفنَى؛ لأن أهلَها خرجوا منها، فإذا خرجوا منها ما بقي لبقائِها فائدة، وهذا التقسيم من الناحية العقلية تقسيم قوي؛ يعني الإنسان يميل إليه من الناحية العقلية.
لكن قد يبقى النظر بأن يقول القائل: ما الدليل على أن هناك نارين؟ هذا يحتاج إلى دليل، والذي يظهر من الأدلة أن النار واحدة، وأنَّ العصاة يعذبون بالنار التي يعذب بها الكفار، لكن عقلًا كلامه -رحمه الله- هذا التفصيلي كلام جيد، حتى لو قال قائل: أيضًا العقل يدُلُّ على أنه لا بد أن تكون النارُ نارين؛ لأنَّه لا يمكن أن يعذَّب المؤمن الفاسق بنارٍ شديدة الحرارة كلما نضِجَ جلدُه بُدِّل جلدًا آخر كما تكون نار الكفار، من الناحية العقلية يوافق العقل تمامًا، فإن كان صوابًا فمِن الله، وإن كان خطأ فالله يعفو عنه.
* طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، وما المنسوب عن شيخ الإسلام (...) الرسائل التي خرجت؟
* الشيخ: والله هذا ما وقفت على كلامٍ له في ذلك.
* الطالب: فهي رسائل خرجت في الآونة الأخيرة (...) عن هذا القول؟
* الشيخ: أما أنا ما اطَّلعت على شيء في ذلك، لكن -يا إخواننا- لا يجوزُ أبدًا أن نعرِف الحق بالرجال، يجب أن نعرِف الحق بالدليل، فما دام بين أيدينا كلام الله عز وجل كيف نفكر في أن نرَجِّح أو نقول: قال فلان أو قال فلان، لو قال أكبَر الناس -ما عدا الرسول عليه الصلاة والسلام- قلنا: لا سمع ولا طاعة، ولا تصْديق ولا إيمان، بين أيدينا كلام الله عز وجل، وهو الخالق عز وجل، والعالم بكل شيء.
* طالب: شيخ أحسن الله إليك، الجن هل يُرسَل إليهم رسُلٌ من جنسِهم؟
* الشيخ: يقول الله عز وجل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [يوسف ١٠٩]، ﴿إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾، وقال العلماء: إن الرجال لا يكونون مِن الجن، لكن في هذا التعليل نظَر؛ لأن الله يقول في سورة الجن: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن ٦]، قالوا الآية الأخرى: ﴿إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف ١٠٩] ﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾، فيقال: الجن أيضًا من أهل القرى، قريتُك أنت فيها، والجن فيها أيضًا.
لكن أيُّكم أحق بالأرض الإنس ولَّا الجن؟
* طالب: الإنس.
* طالب آخر: الجن.
* الشيخ: كيف الجن يلَّا أطلع عن بيتك؟
* الطالب: لأن -يا شيخ- الجن يمكن لهم أن يسكنوا في الأماكن التي لا يسكن فيها الإنس يسَعُهم ذلك وفي الفضاء.
* الشيخ: والإنس؟
* الطالب: لا، الإنس ما يمكن.
* الشيخ: ما يمكن؟
* الطالب: لا، قصدي في الفضاء، أما..
* الشيخ: أما تعلم أن الآن فيه أقمار صناعية لها أربعة أشهر خمسة أشهر فيها إنس؟
* الطالب: الغالب يعني..
* الشيخ: على كلِّ حال الأحَقُّ هم الإنس لا شك، ولهذا لو اعتدى أحدٌ من الجن ونزلَ بيتك فلك أن تخرِجَه.
* الطالب: الدليل يا شيخ؟
* الشيخ: الدليل هو هذا؛ أن الرسول عليه السلام جعل الأرض لمالكها: «مَنِ اقْتَطَعَ مِنَ الْأَرْضِ شِبْرًا ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٥٢)، ومسلم (١٦١٠ / ١٣٧) من حديث سعيد بن زيد.]].
* الطالب: الدليل على أنهم أولى من الجن؟
* الشيخ: هذا هو، أنا أستطيع أن أحرِث في الأرض وأزرع وأبني وأعمل ما شئت ولا معارِضَ لي، لكن لو جاؤوا واعْتَدوا على بيتك وحفرُوا فيه، وأصبحْت وإذا السطح مملوء من الزرع، والمجالس مملوءة من النخيل.
* الطالب: لو قالوا: نحن أولى بالبيت؛ الجن؟
* الشيخ: على كل حال، جزاك الله خيرًا تنازَل لهم!
* الطالب: شيخ بارك الله فيك، ألا يجوز أن يكون قولُه سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ على أنه يوم القيامة من باب قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل ١]؟
* الشيخ: لا، ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ لولا أنه قال: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ لكان على ظاهره.
* * *
* طالب: (...) ﴿لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧) ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٢٨) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت ٢٦ - ٢٩].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾.
قوله: ﴿قَيَّضْنَا لَهُمْ﴾ معناها؟
* طالب: قال المفسر: إن معناها سبَّبْنا لهم، والصحيح أن معناها هيَّئْنا لهم.
* الشيخ: نعم، و(القرناء) جمع أيش؟
* الطالب: جمع (قرين)، ويشمل هنا الإنس والجن؟
* الشيخ: نعم. ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾؟
* طالب: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ من الدنيا.
* الشيخ: ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾؟
* الطالب: من الآخرة.
* الشيخ: هل الآخرة خلفهم ولَّا أمامهم؟
* الطالب: أمامَهم، لكن هنا تأتي بمعنى (أمام) أيضًا، كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف ٧٩].
* الشيخ: يعني الخلف والوراء قد يأتي بمعنى الأمام، كما في الآية التي ذكرت.
ما معنى التزيين لهم في الدنيا؟
* طالب: التزيين لهم في الدنيا على حالتين: إما أنهم ينكِرُون البعث، وإما أنهم يمَنُّونهم.
* الشيخ: لا، هم زيَّنُوا لهم ما بين أيديهم في الدنيا.
* الطالب: إي، التزيين في الدنيا الوسوسة لهم بالشهوات.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: وتلذيذهم بالشهوات.
* الشيخ: وتمني الأماني وأنَّ الله سيغفر لهم، وما أشبه ذلك.
طيب ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ كيف التزيين؟
* الطالب: ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ تزيين على حالتين: الأولى بإنكار البعث، والثانية بأن يمنِّيهم أن لهم الحسنى في الآخرة.
* الشيخ: تمام، إنكار البعث بأن قالوا: لا تخافوا، ما فيه بعث.
* الطالب: هذا ينطبق على الملاحدة.
* الشيخ: أو أنهم قالوا: إنْ بُعِثْتُم فلكم الحسنى عند الله، طيب بارك الله فيك.
قوله: ﴿فِي أُمَمٍ﴾ تقديرها؟ ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ﴾؟
* الطالب: في جملة الأمم.
* الشيخ: لماذا لم نقل: إن (في) للظرفية و(أمم) هي الظرف؟
* طالب: لأنا لو قلنا: للظرفية يدُل أن الأُمة ليست داخلة في العقاب وفي العذاب، إذا قلنا: في جملة أمم (...).
* الشيخ: غير هذا؟
* طالب: إذا قلنا: في أمم يكون المعنى: مشاركون كل الأمم، والمعنى أنهم أمة يعني..
* الشيخ: وهم أمة منفردة، إذن المعنى: في جملة الأُمم.
قال الله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾ [فصلت ٢٥] إلى آخرِه.
* من فوائد هذه الآية: بيان عظمة الله عز وجل في قوله: ﴿وَقَيَّضْنَا﴾؛ لأن (نا) تفيد العظمة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على المعتزلة الذين يقولون: إن الإنسان مستقِلٌّ بعملِه وإنه لا علاقة لله تعالى به. والناس في هذا الباب على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: مَن قال: إن الإنسان مُجبرٌ على عمله وليس له إرادةٌ ولا اختيار، وإن فعلَه الاختياري كفعلِه الاضطراري، فالذي يذهب ويجيء باختيارِه كالذي يرتعِش أو يمشي مجنونًا في الأرض. وهذا مذهب مَن؟ مذهب الجبرية، زعيمُهم الجهم بن صفوان الذي تتلْمذ على الجعد بن دِرهم.
الطرف الثاني: مَن قال: إن العبد مستقِلٌّ بعمله وليس لله فيه علاقة، فالإنسان مرِيدٌ مختَار ولا لأَحدٍ عليه سلطة. وهذا مذهب مَن؟ القدرية وهم المعتزلة، والقدرية يُسَمَّون مجوسَ هذه الأمة؛ لأنهم ادَّعَوا أن للحوادث خالِقَيْن، فالحوادث التي مِن فعل الله هي مِن فعلِه، والحوادث التي هي مِن فعل العبد هي مِن فعلِه استقلالًا، وهؤلاء هم المعتزلة ومَن ضاهاهم، وزعماؤهم عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء.
القول الثالث: مَن قالوا: إن العبد له إرادة واختيار ولكنَّ إرادتَه واختيارَه تابعةٌ لإرادة الله تعالى ومشيئتِه. وهؤلاء هم السلف الصالح أهلُ السنة والجماعة، فقالوا: إن العبد هو القائم الصائم الراكع الساجد الذاهب الجائي هو العبد، وليس الله، وقالوا: إن هذه الأفعال تُنسَبُ إليه، وما أكثرَ ما في القرآن ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]، جزاءً بما كانوا يفعلون، وما أشبهَ ذلك، لكنها لم تقَعْ خارجَةً عن قدرة الله تعالى ومشيئتِه بل هي تحت قدرة الله ومشيئتِه.
وفائدة ذلك أنه إذا وقع الفعلُ منَّا علِمْنَا أن الله قد شاءَه وأرادَه ولسنا مستقِلِّين به.
طيب هذه الآية ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ تردُّ على الطائفتين جميعًا؛ ﴿قَيَّضْنَا﴾ ترد على القدرية، ﴿فَزَيَّنُوا﴾ نسبَتِ الفعل إليهم، تَرَدُّ على الجبرية.
* من فوائد الآية الكريمة: الحذَر من الوساوس التي يلقيها الشيطان لفاعلِ المعصية ويزَيِّنُها له، ويقول: هذه سهلة، الله غفورٌ رحيم، افعَلْ هذا ثم تُبْ، وما أشبه ذلك، احذَر من هذا؛ فإنَّ هذا وعدُ الشيطان ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء ١٢٠].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين تابعوا القرناء قد خسِرُوا؛ لقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين استحسنوا ما زَيَّن لهم القرناء حَقَّ عليهم القول، وسبق أن القول على رأي المؤلف هو ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [الأعراف ١٨]، وعلى ما ذكرناه هو قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ٩٦]، ولا يبعد أن يكون المراد بذلك الأمران جميعًا.
* من فوائد الآية الكريمة: كثرَة الضالين بهؤلاء القرناء؛ لقوله: ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ﴾.
فصلت 41:26
قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [فصلت ٢٦] (عند قراءة النبي ﷺ)؛ يعني: للقرآن، قال: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ﴾؛ يعني: أن بعضَهم يوصي بعضًا يقول: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ﴾؛ أي: لا تنصتوا له، ولا تستمعوا إليه، وابتعدوا عنه؛ وذلك لأن القرآن يؤَثِّر في قلبِ مَن يسمَعُه، حتى إن بعض المشركين من كُبرائِهم يأتون إلى النبي ﷺ يستمِعُون قراءته اختفاءً في الليل لئلا يطلع عليهم؛ لأنهم يسمعون قولًا يسلِب العقول ويأخذ بالنفوس، فهم يوصي بعضهم بعضًا يقولون: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ﴾.
والقرآن هو كلام الله، وهو على وزن (فُعْلَان)، و(فُعلان) مصدَر كالغُفْران والشُّكْران، وهل هو مِن (قَرَأَ) أو مِن (قَرَى) أو منهما جميعًا؟ نقول: هو صالح للجميع؛ فإن كان مِن (قَرَأَ) فهو من القراءة وهي التلاوة، وإن كان من (قَرَى) فهو مِن: قَرَى يَقْرِي، بمعنى جمع، ومنه القرية؛ لأنها تجمَع أقوامًا، فالقرآن جامع.
ثم هل هو فاعل أو مفعول؟ نقول: أما إذا كان من (قَرَأَ) فهو مفعول؛ لأنه قرآن مقروءٌ، فهو مصدَر بمعنى المفعول، وإن كان مِن (قرى) فهو بمعنى فاعِل وبمعنى مفعول؛ أي: أنَّه مشترك بين فاعل ومفعول، فهو جامِع وهو مجمُوع؛ لأنه يُكتَب وتُجمَع حروفه بعضُها إلى بعض، والمراد به ما نزلَ على محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ ﴿لِهَذَا الْقُرْآنِ﴾، ما المراد بالإشارة هنا؟ ولماذا لم يقولوا: لا تسمعوا للقرآن؟ المراد بها التحقير؛ يعني هذا لا يساوي شيئًا لا تسمعوا إليه، ويُشبِهُ هذا من بعض الوجوه قولُهم: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء ٣٦]، أهذا الذي يذكر آلهتكم؟! احتقار؛ يعني: أهذا الذي يسبُّها مَن هو؟! ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان ٤١]، وهذا للاحتقار لكنه مستفاد مِن الاستفهام، أما هنا فهو مستفاد مِن الإشارة الدالة على التحقير.
(﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾ ائتوا باللغط ونحوه، وصيحُوا في زمن قراءته) ﴿الْغَوْا فِيهِ﴾؛ يعني: عندما تسمعون رسول الله ﷺ يقرَأ صَوِّتُوا وتصايحوا؛ لأجل أن تُخَلِّطُوا عليه قراءته وتحولُوا بينه وبين السَّماع، يعني فهم يفعلون ذلك لأمرين: الأول: التخلِيط على النبي عليه الصلاة والسلام في قراءته، والثاني: ألَّا يسمع أحدٌ قراءتَه من أجل الضوضاء واللغَط.
﴿وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ هذه (لعل) للتعليل، وكما تعلمون أن (لعل) تأتي للتعليل، وتأتي للإشفاق، وتأتي للتَّرَجِّي، وتأتي للتمني، كلُّ هذه المعاني تختَلِف بحسب السياق؛ لأن السياق هو الذي يُعَيِّن معاني الكلمات.
(﴿لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ فيسكت عن القراءة)؛ لأنه إذا سمع الأصوات والضجة والضوضاء واختلطَت عليه قراءته فإنه لا يرى فائدة من القراءة، وحينئذٍ يسكُت، هذا ما يفعله هؤلاء المشركون.
* في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: خوف المشركين وانزعاجُهم من تأثير قراءة النبي ﷺ. وجهُ ذلك أن بعضهم يوصي بعضًا ألَّا يسمعوا لهذا القرآن.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: قوة تأثِير القرآن على سامعه، وهذا هو الواقع؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق ٣٧]، لكن القرآن إنما يؤثر على مَن يفهم اللغة العربية ومعاني الكلمات، وأما الأعجمي حقيقة أو حُكمًا فإنه لا يتأثَّر بها، ثانيًا: إنما يؤثِّر القرآن -وهو كمال التأثير- على المؤمن به، أما المكذِّب المستكبر فلا، حتى إنه يقول: هذا أساطير الأولين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يجوز اللغط والضوضاء حين قراءة القرآن؛ فإما أن تستمِعَ إليه، وإما أن تقوم، أمَّا أن تجلس إلى قارئ القرآن وتُثير الأصوات واللغط والضوضاء فهذا أقَلُّ ما فيه أنَّه شبيهٌ بصنيع من؟ المشركين، هذا أقل ما فيه، يعني لو قدرنا أن هؤلاء القوم الذين عندَهم اللغط والضوضاء لا يُرِيدون أن يُشَوِّشُوا على القارئ، ولا يريدون ألَّا يستمِعَ قراءتَه أحد، لكن نقول: أدنى ما فيه أنه مشابِه لعمل المشركين.
ويتفرَّع على ذلك ما يفعله بعضُ الناس في متاجرهم ومساكنِهم؛ يفتَحُون القرآن على المسَجِّل ويجعلونه يقرَأ، وتجدُهم في ضوضاء وفيه كلام قبيح وفيه كذب، وهذا إهانةٌ للقرآن، فنقول: إما أن تستمِع إلى كلام الله، وإما أن تُغْلِقَه، أما أن يبقَى يُقرأ، وهذا يشتم، وهذا يلعَن، وهذا يكذِب، وهذا يغِش، فهذا في غاية الامتهان لكلام الله عز وجل، وإن لم يُرِدْها الإنسان فإن صورتَه صورةُ الامتهان.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التشويش على الداعية قد يظُنُّ فاعلُه أنه يغلِب ويصِل إلى مقصوده ولكن ليس الأمر كذلك، وجه الدلالة مِن هذا أن هؤلاء المشركين لم يحصل لهم مطلُوبُهم مِن الغَلَبة.
فصلت 41:27
قال الله تعالى: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [فصلت ٢٧]، ﴿فَلَنُذِيقَنَّ﴾ الجملة هذه مؤكَّدة بثلاثة مؤكدات: القسم المقدَّر، ويدُلُّنا على القسم توكِيد الفعل واللام أيضًا، والثاني: اللام، والثالث: النون.
﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا﴾؛ أي: لنُعَذبَنَّهم عذابًا يذوقون ألَمَه، وهو كنايةٌ عن شدة هذا العذاب الذي يصِل إلى مذاقهم حتى كأنه شيء محسُوس يتذَوَّقُونه بأفواههم، ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المراد بالذين كفروا مَن سبق، وهم الذين قالوا: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ [فصلت ٢٦].
وحينئِذٍ قد يقول قائل: لماذا لم يُضمِر فيقول: فلنذِيقنهم؟
نقول: هنا إظهار في موضع الإضمار، والإظهار في موضع الإضمار له فوائد:
الفائدة الأولى تنبيهُ المخاطَب. كيف ذلك؟ لأنه جرَتِ العادة أن الكلام إذا كان السياق يقتضي الإضمار فإنه يأتي الإضمار، فإذا جاء الإظهار صار هذا على خلاف العادة، العادة أن الكلام إذا كان في سياق الإضمار فإنَّ الذي يأتي هو الإضمار؛ يعني الضَّمير، فإذا جاء الظاهر موضِع الضمير فسوف يتوقف الإنسان: لماذا جاء الظاهر موضع الضمير؟ فيكون في ذلك انتباه له. هذه فائدة.
الفائدة الثانية: الحكم على مَرْجِع هذا الضمير بمقتضى هذا الاسم الظاهر، ففي الآية التي معنا ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، إذن يكون الفائدة الحكم عليهم بالكفر، وهكذا كلما جاء الإظهار في موضع الإضمار فاحكُم عليه بهذه الفائدة.
الفائدة الثالثة: العموم، لو قال: (فلنُذِيقَنَّهم(صار هذا الوعيد خاصًّا بالذين قالوا: لا تسمعوا لهذا القرآن، فإذا قال: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ صار عامًّا لهم ولغيرهم. من يعيدها علينا؟
* طالب: أولًا: تنبيه المخاطب، ثانيًا: العموم، وثالثًا..
* الشيخ: الحكم على مرجع الضمير بما يقتضيه، هذا الظاهر، انتبه، ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا﴾، هنا ﴿عَذَابًا شَدِيدًا﴾ منصوب، فما الذي نصبَه؟
* طالب: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، الفعل ﴿فَلَنُذِيقَنَّ﴾.
* الشيخ: الذي نصبه ﴿فَلَنُذِيقَنَّ﴾، هل (نُذِيق) تنصِب مفعولًا واحدًا أو مفعُولين؟
* الطالب: تنصب مفعولًا واحدًا.
* الشيخ: مفعولًا واحدًا؟
* الطالب: مفعولين.
* الشيخ: مفعُولين؟ كيف مفعولين؟ ويش الدليل أنها تنصب مفعولين؟ لأن لدينا قاعدة: إن الفعل إذا تعدَّى لواحد فأُدْخِلَت عليه همزة التعدية، تعدَّى لاثنين، وإذا كان يتعَدَّى لاثنين فأُدخِلَتْ عليه الهمزة، تعدى إلى ثلاثة.
مثال ذلك: (ذاق) ذاق تتعدى إلى كم؟ واحد، «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا»[[أخرجه مسلم (٣٤ / ٥٦) من حديث عن العباس بن عبد المطلب.]]، فإذا دخلت عليها الهمزة تعَدَّت إلى مفعولين.
و(رأى) تقول: رأيتُ الرجل قائمًا، تنصب مفعُولين فإذا أدخَلْت عليها الهمزة، تعدَّت إلى ثلاثة، فتقول: أرَيْتُ زيدًا الرجلَ قائمًا.
هذه قاعدة عربِيَّة مُطَّرِدة؛ أن الفعل إذا كان لازمًا، فدخَلت عليه الهمزة تعدَّى لواحد، إذا كان متعدِّيًا لواحد فدخلَت عليه الهمزة، تعدَّى لاثنين، إذا كان متعَدِّيًا لاثنين فدخلت عليه الهمزة، تعدَّى لثلاثَة.
طيب ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا﴾ ﴿عَذَابًا﴾ أي: عقوبَة، ﴿شَدِيدًا﴾ قويًّا، ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ﴾ معطوف على ﴿لَنُذِيقن﴾، ﴿أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، ﴿لَنَجْزِيَنَّهُمْ﴾ هذه تنصب مفعولين؛ الأول الهاء، والثاني ﴿أَسْوَأَ﴾.
(﴿أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: أقبحَ جزاءِ عملِهم)، شوف ﴿أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ هل هم يُجزَون أسوأ الذي كانوا يعملون أو يجزون جزاءهم؟ نعم، هم يُجزَوْن الجزاء، العمَل منهم، ليسوا مَجْزِيِّين به، هم الذين عملوا، فإذا قال: ﴿أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ صار المراد بذلك أسْوَأ الجزاء، وليس المراد: أسوأ العمل؛ لأن العمل فعل العبد، والجزاء فعلُ الله به. والمراد هنا فعل العبد أو فعلُ الله به؟ فعل الله به، ولهذا قال: ﴿لَنَجْزِيَنَّهُمْ﴾.
فإذا قال قائل: لماذا عبَّر بالعمل عن جزائهم؟
نقول: إشارةً إلى أن الجزاء بقدْر العمل. ولهذا قال العلماء: الجزاء من جنس العمل، لكنه بالنسبة للسيئات عدْل، وبالنسبة للحسنات فضْل؛ الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبع مئة ضعف، إلى أضعافٍ كثيرة، والسيئة بمثلِها.
وقوله: ﴿أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ظاهر الآية أن الله يجزيهم أسْوأ أعمالِهم، وغير الأسوأ؟ غير الأسوأ ما دون الأسوأ؛ يعني السيئ، فهل يُجازَى الكافر بأقبحِ أعماله أو بكل أعماله؟ هذا ينبني على هل الكافر مخاطبٌ بالفروع أو غير مخاطَب؟ تعرفون معنى المسألة هذه؟ يعني مثلًا: الكافر هل هو مُخاطب بصلة الرحم؟ هل هو مُخاطب بالصِّدْق؟ هل هو مخاطب بالصلاة؟ هل هو مخاطب بالزكاة؟ وما أشبه ذلك.
في هذا خِلَاف بين العلماء، والصحيح أنه مُخاطَب بفروع الأعمال؛ لأنه إذا كان المسلم مُخاطبًا بها فالكافر من باب أولى، كيف نقول: إن المسلم يُجازَى ويُعاقَب على عقوق الوالدين والكافر لا يُعاقب؟! لا يمكن هذا، فالصواب أنهم مُخاطَبُون بفروع الشريعة لكنهم غيرُ مخاطبِين بفعلها؛ يعني ما يقال الكافر اللي يشْرَب الدخان، نقول له: تعال، لا تشرب الدخان، حرام عليك، لائِق هذا ولَّا غير لائق؟ غير لائق، رجل كافر؛ ادعُه أوَّلًا للإسلام ثم كلِّمْه.
إذن (يخاطب بفروع الشريعة) ليس معناه أنَّه يُؤمَر بفعلها، لا، هل (يُخاطب بفروع الشريعة) يعني يقضيها إذا أسلم؟ لا؛ لأن الله قال: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال ٣٨].
إذن أيش الفائدة؟ قال العلماء: الفائدة بقولنا: (إن الكافر مُخاطَب بفروع الشريعة) هو زيادة عقوبتِهم في الآخرة؛ أنهم يعاقبون عليها، وهذا حَقٌّ؛ أصحابُ اليمين يتساءلون عن المجرمين ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر ٤٢]؛ يعني: ما الذي أدخلكم في النار؟ ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر ٤٣ - ٤٧]، فذكَرُوا الصلاة وإطعَام المسكِين وهما مِن فروع الشريعة، فعلى القول بأنهم لا يُجازون بفروع الشريعة، نقول: نعم، يوم القيامة لا يُجازَون إلا على أسوأِ أعمالهم وهو الكفر، ولكن على القول الراجح -أنهم يخاطبون بفروع الشريعة ويُعاقبون عليها- يكون هنا ﴿أَسْوَأَ﴾ ذكَرَ الأسوأ لأنه هو الأشَدُّ، والمقصود هنا التهديد. وهل الإنسان يُهدَّد بالأخف أو بالأشد؟ بالأشد، هذا هو الظاهر، الله أعلم، (﴿الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: أقبح جزاءِ عملِهم(.
* في الآية الكريمة هنا: وَعِيد هؤلاء الكفار بالعَذَاب الشديد، وهذا مِن أساليب القرآن؛ أن الله تعالى يُهَدِّد الكافر والمجرِم وغيرَهما ممن أسَاؤوا.
* وفيه دليل على: أنَّه ليس مِن القدح أن يقُومَ الإنسان بطاعَة الله خوفًا مِن عذاب الله؛ أنه لا حرج، وليس من القدح أن يتجَنَّب الإنسان معصية الله خوفًا من عقابه، خلافًا لِمَن قال: اعبُدِ الله لله، لا طمعًا في ثوابِه، ولا خوفًا من عقابِه.
وهؤلاء ترُدُّ عليهم النصوص كلُّها، بل إن الله تعالى جعل عقوبة الدنيا سببًا للردع عن المعاصي؛ قال الله تعالى في قضية السارق: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة ٣٨]، فلم يشرَعِ اللهُ الحدود إلا من أجل أن يخاف الناس منها ويجتَنِبُوا المعاصي، والقرية التي دُمِّرَت -قرية بني إسرائيل- حتى صار أهلها قِرَدَةً خاسئين، لماذا؟ ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة ٦٦]، فالحاصل أنَّه لا حرَجَ على الإنسان أن يدعَ المعاصي خوفًا من عقوبة الله الدنيوية أو الأخروية، ولا يُعَدُّ ذلك قدحًا في سلوكه ومنهجه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العذاب. وهل يكون في الدنيا، أو في القبر، أو في الآخرة، أو في الجميع؟ في الجميع، قال الله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾ [السجدة ٢١] وهو عذاب الدنيا، ﴿دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ وهو عذاب الآخرة، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ وهذا يتعين أن يكون المراد بالعذاب الأدنى ليس عذابَ القبر كما قيل، بل هو عذاب الدنيا؛ لأن عذاب القبر لا يمكن فيه الرجوع، فإذن العذاب الأدنى هو عذاب الدنيا، والعذاب الأكبر هو عذاب الآخرة، ولهذا جاء في الحديث -حديث المتلاعِنَين- أن الرسول قال: «عَذَابُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ»[[أخرجه مسلم (١٤٩٣ / ٤) من حديث عبد الله بن عمر.]].
* من فوائد الآية الكريمة: إثبات الجزاء بالأسوأ؛ لقوله: ﴿أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
* ومن فوائدها: أن الجزاءَ مِن جنس العمل؛ فالجزاء الصالح للعملِ الصالح، والجزاء السَّيِّء للعمل السيء، وهذا -سبحان الله!- حتى في مجازاة الدنيا؛ قال الله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ٤٠]، فإذا أساءَ إليك إنسان بسيِّئَة فلك أن تقابلَه بمثلها، وإن عفوت وأصلحت فأجرُك على الله.
* طالب: شيخ بارك الله فيكم، كما تفضلتم أن كثيرًا من الناس يُشَّغِلون القرآن في المنازل والمتاجر، لكن إذا كان القرآن في منزل وكان أهله لم يعتادوا اللغط والسب والشتم، لكن ربما تحدثوا أحاديث جانبية؛ كأن يكونوا في المطبخ -مثلًا- أو ما أشبه ذلك، ثم إن القرآن على إذاعة القرآن يأتي مرة حديث، ومرة قرآن، وهم يبغون بهذا، يعني يُحِبُّون القرآن ويأنَسُون به ويستفيدون فائدة كثيرة، يقولون: إذا لم نشغل قرآنًا تأتي هواجس، وتأتي الإنسان..؟
* الشيخ: على كل حال، هذه ما تحتاج تطول الشرح، هل هم يلْغُون فيه ولَّا لا؟
* الطالب: لكن لا ينتبهون أحيانًا.
* الشيخ: هذه حتى الإنسان اللي يقرأ والمصحف بين يديه لا ينتبه أحيانًا، أحيانًا يقرأ بفمِه وقلبُه ليس بقارئ.
* الطالب: المحظُور اللغو فقط؟
* الشيخ: المحظور اللغو نعم، المحظور أن -مثلًا- الناس داجِّين وصاجِّين بدنياهم والقرآن يُقرَأ، أما -مثلًا- امرأة تطبخ أو تصلِّح شاهي أو تغسل ثيابها وتستمِع للقرآن فهذا ما يُوجب التَّلاهي عنه.
* طالب: شيخ، ألا يمكن الأخذ من قوله تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أنه يجازيهم أسوأ عملِهم هذا، وهم اللغو بألَّا يهتَدوا إلى معانيه التي تهديهم إلى الخير، فتكون مجازاتُهم من جنس عملهم كذلك؟
* الشيخ: لا؛ لأن هذا ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا﴾ هذا في الآخرة، الوعيد هنا في الآخرة.
* طالب: أحسن الله إليك، بعض أهل العلم استدل بقوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾ [السجدة ٢١] على عذاب القبر، ما وجه استدلالهم من هذه الآية؟
* الشيخ: ظنُّهم أن العذاب هنا عقوبة الآخرة، وقالوا: إن عقوبة القبر قبل عقوبة يوم القيامة.
* الطالب: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ كيف يوجِّهونَها؟
* الشيخ: يمكن يوجهونها؛ يعني يحرفُونها عن ظاهرِها، فيقول: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾؛ يعني: أخبرْنَاهم بذلك لعلهم يرجعون، لكن هذا خلاف ظاهر اللفظ.
* طالب: إذا قلنا: إن هذه في عذاب الدنيا، كيف نُثبِت مِن القرآن إثبات عذاب القبر؟
* الشيخ: كثير في القرآن، ما مرَّ عليك؟ ما فيه إلا هذه الآية اللي فيها إشكال عندك؟
* الطالب: آل فرعون بس.
* الشيخ: ويش آل فرعون؟
* الطالب: ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر ٤٦].
* الشيخ: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٦]، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال ٥٠]، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام ٩٣].
* طالب: بعضهم يستدل بهذه الآية على..
* الشيخ: أي آية؟
* الطالب: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾، بعضهم يستدل بها على عذاب القبر يقول: إن العذاب الأدنى هو عذاب الدنيا، ولكن ﴿مِنَ﴾ في الآية للتبعيض، فعلى هذا تبقى لهم بقية من هذا العذاب يُعَذَّبون به في القبر.
* الشيخ: لا، هذه ﴿مِنَ﴾ للبيان؛ بيانية، هذا هو الأقرب، يجوز أن تكون للتبعيض: ولنذيقنهم بعض العذاب الأدنى، ما له حاجة؛ يعني إثبات عذاب القبر -والحمد لله- جاء في آياتٍ صريحة، ما يحتاج أن نأتي عليه بآية تحتمل هذا وهذا، وهي في غيرها أرجح (...) في الدنيا ليس لها ثمرة إطلاقًا.
* طالب: شيخ، مَن يشغل القرآن في مسجِّل ويرَدِّد معه؟
* الشيخ: يعني للتَّحَفُّظ؟
* الطالب: للتحفظ ولتحسين النطق.
* الشيخ: لا بأس، ما فيه مانع.
* طالب: شيخ أحسن الله إليك، بالنسبة للصحيح في الحكم لمن يتكلَّم أثناء قراءة القرآن في غير الفاتحة، هل يجب الاستماع أم لا يجب؟
* الشيخ: في الصلاة يعني؟
* الطالب: يعني: في غير الصلاة.
* الشيخ: لا، الصحيح أنه ما يجب الاستماع لكن لا يجوز اللغط، ولهذا قال الإمام أحمد في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف ٢٠٤]، قال: أجمَعُوا أنَ هذه في الصلاة، أما غير الصلاة ما يجب أن نستَمِع؛ لأنه لو قلنا بوجوب الاستماع لقلنا: إذا شرَعَ قارئ يقرَأ وأنتَ إلى جنبِه حرُمَ عليك أن تقوم؛ لوُجوب الاستماع، وهذا ما أظن أحدًا من العلماء يقول به، الممنوع اللَّغْو واللَّغَط.