Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — فصلت 41:28 – فصلت 41:49

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. فصلت 41:28
  2. فصلت 41:29
  3. فصلت 41:30
  4. فصلت 41:31
  5. فصلت 41:32
  6. فصلت 41:33
  7. فصلت 41:34
  8. فصلت 41:35
  9. فصلت 41:36
  10. فصلت 41:37
  11. فصلت 41:38
  12. فصلت 41:39
  13. فصلت 41:40
  14. فصلت 41:41
  15. فصلت 41:42
  16. فصلت 41:43
  17. فصلت 41:44
  18. فصلت 41:45
  19. فصلت 41:46
  20. فصلت 41:47
  21. فصلت 41:48
  22. فصلت 41:49

فصلت 41:28

طالب: (...) ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢) وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت ٣١ - ٣٣]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت ٢٨]. يقول المؤلف رحمه الله المفَسِّر: (﴿ذَلِكَ﴾ العذاب الشديد، وأسوأُ الجزاء ﴿جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ﴾ بتحقيق الهمزة الثانية وإبدالها واوًا) يعني أن في ذلك قراءتين؛ الأولى تحقيق الهمزة: ﴿جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ﴾، والثانية قلبُها واوًا: ﴿﴿جَزَاءُ وَعْدِاءِ اللَّهِ﴾ ﴾، وهذا مُطَّرِد في كل همزةٍ بعد واو؛ أن تُحققَ أو تُقْلَبَ واوًا. ومِن ذلك قول المؤذن: الله وكْبر؛ يعني أنَّه يجُوز إبدالُ الهمزة واوًا وتحقيقُها: اللهُ أَكبر، وهذه اللغة تهَوِّنُ علينا ما يفعله بعض المؤذنين من قلبِ الهمزة واوًا، فتجدُهم يقولون: اللهُ وَكبر، كما أنه يهوِّن علينا أيضًا اللغة التي تنصِب الجزأين في (إن) وأخواتها، حيث إن بعض المؤذنين يقول: أشهد أن محمدًا رسولُ الله، فإنَّ نصبَ الجزأين بـ(أن) لغة عربية ثابِتَة. ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ﴾ مَن أعداء الله؟ أعداء الله تعالى هم الذين نصبُوا له العداوة، وذلك بمحاربته بالمعاصي، ومنهم الذين آذَنُوا بحرْبٍ مِن الله ورسوله أكَلَةُ الربا؛ لقولِ الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة ٢٧٨، ٢٧٩]. المهم أن عدُوَّ الله مَن نصبَ له العداوة وذلك بمحاربَته بمعاصيه. وقوله: (﴿النَّارُ﴾ عطف بيان للجزاء المخبَر به عن ذلك، ﴿لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ﴾ )، يعني: أن كلمة (النار) (عطفُ بيان للجزاء المخبَر به عن ذلك)، فأفادنا أن (ذا) مبتدأ، و(جزاءُ) خبر المبتدأ، و(النار) عطف بيانٍ له ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ﴾، كأنَّ الكلام على إعراب المؤلف انتهى ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ﴾. ثم قال: ﴿النَّارُ﴾ عطف بيان لهذا الجزاء، ويحتمِل أن تكون ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ، و﴿جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ﴾ عطف بيان له، لكن ما مشى عليه المؤلف أقرَب للقَواعد. (﴿النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ﴾ [فصلت ٢٨] أي: إقامةٌ لا انتقالَ منها) ﴿دَارُ الْخُلْدِ﴾ أضاف الدار إلى الخُلد مِن باب إضافة الموصُوف إلى صفتِه؛ يعني: دار الخلود التي ليس فيها انتقال، ويجوز أن تكون مِن باب إضافة الشيء إلى نوْعِه؛ لأن الدور تنقَسِم إلى أقسام: دورٌ هي دورُ انتقال، ودورٌ هي دار خلد؛ فدُور الانتقال بطْن الأم، والثاني: الحياة الدنيا، والثالث: البرزخ، ودار الخلد هي الأخيرة. ويُذْكَرُ أن أعرابِيًّا سمِع قارئًا يقرأ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر ١، ٢]، فقال: والله ما الزائر بمُقِيم، وإنَّ هناك دارًا أخرى. وهذا لا شكَّ أنَّه مِن قوة الاستنباط والفهم. (﴿جَزَاءً﴾ منصوب على المصدر بفعله المقَدَّر) منصوب على المصدر، والمصدر لا بد له مِن عامل، والعامل تارة يكون مِن لفْظِ المصدر، وتارة يكون من معناه؛ فإذا قلت: قمتُ وقوفًا، فالعامل مِن معناه، وإذا قلت: وقَفْت وقوفًا، فالعامل مِن لفظه. المقَدَّر يُقَدَّر مِن لفظِه ولا يُقَدَّر مِن معناه؛ لأننا لا نلْجَأُ إلى تقْدِير المعنى إلا إذا وُجِد أمامنا ما يختَلِف في لفظه، وأما إذا لم نجدْ فيُقدَّر مِن لفظه. وعلى هذا فيكون التقدير: يجزون جزاءً، ﴿بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾؛ أي: بكونهم يجحَدون، وعلى هذا فـ(ما) هنا مصدرية، ولا تصِحُّ أن تكون موصولة، وقال: (﴿بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا﴾ القرآن ﴿يَجْحَدُونَ﴾ ) أي: يُكَذِّبُون، وإنما قدَّرنا يكذبون مِن أجل تعدِّيها بالباء؛ لأن (جَحَدَ) تتعَدَّى بنفسها، فيقال: جَحَدُّت الشيء؛ يعني: أنكَرْتُه، لكن إذا عُدِّي المعمُول بالباء صار الجَحْد مُضَمَّنًا معنى التكذيب؛ أي: بما كانوا يُكَذِّبُون بآياتنا. * في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: أن جزاءَ أعداء الله هي النار ولا بد، ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ﴾، وبَيَّنَ أن هذا الجزاء هو النار. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان خُلْدِ أهل النار فيها؛ لقوله: ﴿دَارُ الْخُلْدِ﴾. وهل التَّخليد مؤَبَّد أو مُؤَقَّت؟ المقطوع به أنه مُؤَبّد؛ لأن الله تعالى صرَّح به في آياتٍ ثلاثة: في النساء، وفي الأحزاب، وفي الجن؛ ففي النساء قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩]، وفي سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥]، وفي سورة الجن: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثباتُ عَدْلِ الله عز وجل، وأنَّه لا يعذِّبُ أحدًا إلا بذنب؛ لقوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾. * ومن فوائدِها: إثباتُ الأسباب، يستفَاد مِن قوله: ﴿بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾؛ لأن الباء هنا للسببية. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن التكذيب بآياتِ الله رِدَّة؛ لأن الله وصَفَ المكذبين بأنَّهم أعداء، وأنَّ جزاءَهم دارُ الخلد، وهذا أمرٌ متفق عليه؛ أن مَن كذَّبَ الله ورسوله فإنه مرتدٌّ كافر يستتاب، فإن تاب وأقَرَّ، وإلا قُتِل. فإن قال قائل: من المعلوم أن مَن كذَّبَ شيئًا من القرآن فهو مرتدٌّ؛ لأن القرآن ثبَتَ بالتواتر فهل مَن كذَّبَ بشيءٍ من السنة يكون كذلك؟ نقول: إذا صحَتِّ السنة وقال القائل: أنا أعلَم أن هذا مِن كلام الرسول لكنَّه ليس بصحيح، فهذا مرتدٌّ؛ لأنَّه أقَرَّ بصِحَّة نسبتِه إلى الرسول ثم كذَّبَه، أما لو كذَّبَه بناءً على استبعادِ أن يكون صَدَرَ من الرسول ﷺ، فهذا لا يكفُر؛ لأنه متَأَوِّل، لكنه يجِبُ عليه أن ينظُر مرة بعد أخرى؛ حتى يتبَيَّنَ له الأمر. إذن مَن كذَّب شيئًا من القرآن فهو كافر بدون تفصيل؛ لثُبُوت القرآن ثُبوتًا متَوَاتِرًا لا توَاتُر مثله في أي كُتبٍ من الكتب. ومَن كذَّبَ شيئًا من سنة الرسول ﷺ؟ * طالب: (...) صحت نسبته إلى النبي ﷺ ثم كذَّبه، فهو كافر، أما إذا كذَّبها تأولًا وأنكر أن يكون النبي ﷺ قالها، فلا. * الشيخ: نقول: إذا قال: إن هذا كلامُ الرسول حَقًّا لكنَّه ليس بصحيح، فهو كافِر؛ لأنه كَذَّب ما اعتَرَفَ بأنه قولُ رسولِ الله، وأما إذا قال: لا، أنا، إنه ينكِرُه؛ لأنه لم يثْبُتْ عنده، فإنه لا يكفر وإن ثبَتَ عند غيرِه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن آياتِ الله عز وجل بيِّنَة ظاهرة لا يمكن أن يُكَذِّبَ بها أحد؛ لقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾، وتخصيص المؤلف رحمه الله ذلك بالقرآن فيه شيءٌ من النظر بل يقال: إنَّه أعم. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثباتُ عظمة الله، حيث أتَى بضميرِ الجمع ولم يقل: بآياتي بل قال: ﴿بِآيَاتِنَا﴾، ولا شك أن الله تعالى له العظمة المطلقة مِن كُلِّ وجه.

فصلت 41:29

ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [فصلت ٢٩]، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا﴾ كفروا بمن؟ كفروا بالله عز وجل بسبَب إضلالِ الشيطان من الجِنِّ والإنس. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي يقول المؤلف: (في النار)، ﴿رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾ قوله: (في النار) هذا قيد لا يدل عليه القرآن فإنه يحتمل أنهم يقولون ذلك في النار أو في عرصات القيامة، الله أعلم، لكنَّهم لا بد أن يقولوا هذا القول. قال: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ ﴿أَرِنَا﴾ أي: اجعَلْنا نرَى، و﴿اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ ﴿اللَّذَيْنِ﴾ اسم موصول مثَنى، والمراد الجنس لا الواحد. وقوله: ﴿أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ بيانٌ لـ(الذين)، قال المؤلف: (أي: إبليس وقابيل سنَّا الكفر والقتل) يعني معناه: أن المؤلف رحمه الله حمَل هذا العموم على التَّعْيِين، فقال: ﴿اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾ مثنَّى (اثنين)؛ أحدُهما إبليس سَن الكفر، هو أوَّل مَن كفَرَ، والثاني: قابيل سَنَّ القتل، فالأول عدوانه في حق الله، والثاني عدوانه في حق عباد الله. أمَّا إبليس فأوَّل من سَنَّ الكفر؛ لأن الله أمره أن يسجد لآدم فأبى واستكبر وكان من الكافرين، وأما قابيل فأوَّلُ مَن سَنَّ القتل بغير حَقٍّ؛ لأنه قتَلَ أخاه حسدًا وبغْيًا، قرَّبا قربانًا فتُقُبِّل مِن أحدهما ولم يُتَقَبَّل من الآخر. وكيف عَلِما أنه تُقُبِّلَ من أحدهما دون الآخر؟ الله أعلم، إما أن يكون بنارٍ نزلت، فأكلَت ما تُقُبِّل، كما يكون ذلك في الغنائم سابقًا، وإما بغيرِ ذلك من العلامات، المهم أن أحدَهما تُقُبِّل منه، الثاني لم يُتَقَبِّل؛ الذي تُقُبِّلَ منه هو هابيل، والثاني قابيل لم يُتَقَبَّلْ منه، فحسدَه وقال: لأقتلنك. لماذا؟ حسدًا؛ لأن الله تقبَّل منه، فقال له أخوه هابيل: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة ٢٧]. كأنَّه يقول له: اتَّقِ الله فيتقَبَّل منك، ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة ٢٨]؛ يعني أنك إن أرَدت أن تقتلني (...) لأني أخاف الله، ولعلَّ هذا كان في شريعة مَن سبَقَ. الذي تُقُبل منه هو هابيل، والثاني قابيل لم يُتقبل منه، فحسده، وقال: ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ [المائدة ٢٧]، لماذا؟ حسدًا؛ لأن الله تقبل منه فقال له أخوه هابيل: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة ٢٧]، كأنه يقول له: اتق الله فيتقبل منك. ثم قال له: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة ٢٨] يعني: أنك إن أردت أن (...) لأني أخاف الله، ولعل هذا كان في شريعة من سبق أنه لا يجوز للإنسان أن يدافع عن نفسه، أو أنه خاف من مفسدة أكبر، ومعلوم أن دفع المفسدة الأكبر أمر واجب. ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ [المائدة ٢٩، ٣٠] أي: سهلته له ﴿فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة ٣٠]، فكان قابيل أول من سن القتل بغير حق، وصارت كل نفس تُقتل بغير حق فعلى قابيل شيء من وزرها، والعياذ بالله؛ لأنه أول من سن القتل، ومن سن سُنَّة سيئة فعليه وزرُها ووزرُ من عمل بها إلى يوم القيامة، لكن هل الأمر -كما قال المؤلف- إنه الشيطان؛ يعني إبليس الذي أبى واستكبر عن السجود لآدم وقابيل، أو المراد الجنس؟ الصواب: الثاني بلا شك؛ لأن كثيرًا من الكافرين لا يخطر ببالهم أنهم كفروا تأسيًا بالشيطان الذي أبى واستكبر، وكثير من القتلة لا يتأتى بباله أنه فعل ذلك تأسيًا بقابيل، فإذا كانت الآية تدلُ بلفظها على العموم والمعنى يقتضي ذلك فإنه لا وجه لكوننا نخُصُها بمعين. وهذه قاعدة يجب أن نفهمها من قواعد التفسير: أن اللفظ العام لا يجوز أن يُقتصر فيه على بعض أفراده إلا بدليل، فإن لم يكن دليلٌ فالواجب العموم. هنا نقول: الواجب العموم؛ لأن اللفظ عام؛ ولأن المعنى يقتضيه؛ لأن كُل إنسان كافر قد لا يخطُر بباله أنه متأسٍّ بالشيطان؛ بإبليس، كلُ إنسان يقتُل عمدًا بلا حق لا يخطُر بباله أنه قتل تأسيًا بقابيل، وحينئذ فاللفظ لا يساعد، والمعنى لا يساعد؛ أعني: لا يساعدان على التخصيص بإبليس وقابيل. وقولُه: ﴿أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [فصلت ٢٩]، (الجن) -على كلام المؤلف- هو إبليس، والإنس: قابيل. والصواب: العموم. فإن قال قائل: نحن نعلم أن الإنسان يضله البشر، يأتي إنسان سيء ويضله، لكن كيف يكون من الجن؟ نقول: لأن الجن وعلى رأسهم الشيطان يأمر الإنسان بالفحشاء ويأمره بالمنكر ويأمره بالكفر فيكون بذلك مُضلًّا له، أرأيتم ما حصل من آدم وزوجه ألم يكُن الشيطان قد أضلهما؟ بلى، قد أضلهما؛ نهاهما الله عن الأكل من الشجرة فجاء الشيطان ودلاهما بغرور وجعل يُقسم لهما أنه ناصح، ووسوس إليهما حتى أكلا من الشجرة. ﴿نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا﴾ [فصلت ٢٩] (نجعلهما): بالجزم جواب الأمر في قوله: ﴿أَرِنَا﴾ [فصلت ٢٩] يعني: إن أريتنا إياهما نجعلهما تحت أقدامنا في النار، ولا شك أن الذي يجعله الإنسان تحت قدمه قد أذله أعظم إذلال، ولهذا من الأمثال السائرة أن الإنسان إذا أراد إعزاز شخص قال: أنت مني على الرأس، وإذا أراد إذلاله قال: أنت تحت قدمي، فهم يقولون: أرنا هذين الذين أضلانا نجعلهما تحت أقدامنا. ﴿لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت ٢٩] (أي: أشد عذابًا منا)، كما كانا عاليين علينا من قبل فلنجعلهما نحن الآن تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين. * من فوائد هذه الآية الكريمة: إقرار الكفار بربوبية الله، وأنه المجيب للدعاء لقولهم: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾ [فصلت ٢٩] وهذا كلام الكفار. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان ينبغي له أن يبتعد، بل يجب عليه أن يبتعد عن قُرناء السوء؛ لقوله: ﴿اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [فصلت ٢٩]، وقد حذر النبي ﷺ من جليس السوء فقال: «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمُ مَنْ يُخَالِلُ»[[أخرجه أبو داود (٤٨٣٣)، والترمذي (٢٣٧٨) من حديث أبي هريرة.]] أي: على دين صديقه ومحبه «فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمُ مَنْ يُخَالِلُ»، وقال عليه الصلاة والسلام: «مَثَلُ الْجَلِيسِ السُّوءِ كَنَافِخِ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رَائِحَةُ خَبِيثَةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٣٤)، ومسلم (٢٦٢٨ / ١٤٦) من حديث أبي موسى الأشعري.]]، فاحذر قرين السوء، لا تجتمع به، لا تُصادقه، لا تستأمنه على أي شيء. * ومن فوائد الآية الكريمة: تبرؤ التابعين من المتبوعين يوم القيامة، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [البقرة ١٦٦]، فالمتبوعون في آية البقرة يتبرؤون من التابعين، كما أن التابعين أيضًا يتبرؤون من المتبوعين. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإضلال يكون من الجن والإنس؛ لقوله: ﴿أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [فصلت ٢٩] فمصاحبة الإنسي للإنسي واضحة، مُصاحبة الجني للإنسي أيضًا مستفادة من قوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [فصلت ٢٥]. * ومن فوائد الآية الكريمة: شدة حنق هؤلاء الضالين على المضلين؛ لقوله: ﴿نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت ٢٩].

فصلت 41:30

ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت ٣٠]. ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [فصلت ٣٠] قالوا بألسنتهم وقلوبهم، ولا يكفي مجرد القول باللسان؛ لأن القول باللسان يقعُ من المنافق ومن المُخلص، لكن المراد القول باللسان والقلب. ﴿قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ وهذا القول الذي قالوه ليس مجرد قول على اللسان واعتقاد بالجنان، بل هو مستلزم لطاعة الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ أي استقاموا على طاعة الله، فالإيمان في القلب والاستقامة في الجوارح، لم يكتف الله بالثناء عليهم وبيان جزائهم على الإيمان بالقلب، بل لا بد من الاستقامة، قال: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ قال المؤلف: (على التوحيد وغيره مما وجب عليهم) صحيح؛ يعني: استقاموا على التوحيد، فلا إشراك، استقاموا على الاتباع فلا بدعة، استقاموا على الطاعة فلا معصية، استقاموا على الخير فلا شر، وهلم جرًّا. وتأمل قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت ٣٠] أتى بـ(ثم) الدالة على الترتيب بمهلة؛ يعني: أن إيمانهم لم يكن إيمانًا خاطفًا، آمنوا ثم زال؟ لا؛ إيمان مستقر؛ لأنهم استقاموا على دين الله عز وجل، وقد سُئل النبي ﷺ، سأله رجل فقال: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا غيرك -يعني: قولًا فصلًا- فقال له: «قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ»[[أخرجه مسلم (٣٨ / ٦٢) من حديث سفيان بن عبد الله الثقفي.]]، وهو مأخوذ من هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت ٣٠]. وقوله: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [فصلت ٣٠] (تتنزل) مدلولها يخالف مدلول (تنزل)؛ لأن (تتنزل) فيها زيادة على (تنزل) ما الزيادة؟ التاء، فهذه الزيادة تقتضي معنيين: المعنى الأول: أن تنزُّلَهم يكون شيئًا فشيئًا، (تتنزل) لا تنزل دفعة واحدة. والثاني: أن التنزل أو النزول متكرر ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ﴾ يعني كلما دعت حالُهم إلى تنزل الملائكة عليهم تنزلت عليهم، فصار الفرق الآن بين (تنزل) و(تتنزل) من وجهين: الوجه الأول: أن (تَنزَّل) تعني النزول مرة واحدة ودفعة واحدة، و(تتنزل) تقتضي تكرار النزول، وأنه يكون شيئًا فشيئًا. ﴿عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ سبق الكلام على ذكر الملائكة، وقول المؤلف: (عند الموت) فيه نظر؛ لأن الله تعالى لم يُقيد ذلك، فالظاهر أن الملائكة تتنزل عليهم كلما دعت الحال إلى النُزُول عند الموت وعند الخوف وعند المعارك، وفي كل حال تقتضي أن تنزل الملائكة عليهم؛ لأن الله أطلق. ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ﴾ ﴿أَلَّا﴾ أي: (بأن ﴿لَّا تَخَافُوا﴾ من الموت وما بعده ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾ على ما خلفتم من أهل وولد فنحن نخلفُكم فيهم). نحن نقول: ألَّا تخافوا من مستقبلكم ولا تحزنُوا على ماضيكم؛ لأن الإنسان عند الخوف إما أن يخاف من المستقبل أو يحزن على ما مضى، فيقول: لو أني فعلت كذا لكان كذا، لم يحدث لي الخوف مثلًا، فالملائكة تتنزل عليهم فتقول: لا تخافوا من المستقبل ولا تحزنوا من الماضي، وقدم الخوف من المستقبل؛ لأنه أهمُ من الحزن على ما مضى؛ لأن مستقبل الإنسان هو الذي يجعلُه يسير أو يتوقف، فلهذا بدأ به قبل ذكر الحُزن، وإذا جعلناه مثلًا مما يدعو إلى التنزل حال الموت فالإنسان عند الموت حالُه تقتضي أن يُزاد قوةً ونشاطًا على الإيمان والتوحيد، فتتنزل عليهم الملائكة عند الموت أيضًا وتبشرُهم بهذا. ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت ٣٠] (أبشروا) هذه هي من البشارة وهي الإخبار. ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ البشارة: هي الإخبار بما يسر، وسُميت بشارة؛ لأنه إذا سُر الإنسان ظهرت علامة السرور على وجهه فتغيرت بشرة الوجه، وقد تُطلق البشارة على الإخبار بما يسوء من باب التهكم، قال الله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء ١٣٨]، وقال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران ٢١]، مع أن هذا مما يسوء، لكنه على سبيل التهكم بهم، كما تقول أنت للعاصي: أبشر بسوء العاقبة، أبشر بالنار، وما أشبه ذلك مما يكون تهكُمًا به. ﴿أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ الجنة هي الدار التي أعدها الله لأوليائه وفيها -كما في القرآن الكريم- ﴿لَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة ١٧] وفيها كما جاء في الحديث القدسي: «مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]. ﴿بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ من وعدهم بها؟ وعدهم الله عز وجل، قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التوبة ٧٢]. (﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: نحفظُكم فيها ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ أي: نكُون معكم فيها حتى تدخُلوا الجنة ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت ٣١] تطلُبون). تقول لهم الملائكة: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [فصلت ٣١] يعني أن الملائكة تتولى المؤمنين؛ تحثُهم على الخير وتُحذرُهم من الشر؛ وقد أخبر النبي ﷺ أن «لِلْمَلَكِ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ لَمَّةٌ وَلِلشَّيْطَانِ لَمَّةٌ»[[أخرجه الترمذي (٢٩٨٨)، والنسائي في الكبرى (١٠٩٨٥) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، فلمة الملك إيعاد بالخير وحث على الطاعة، ولمة الشيطان بالعكس. وقوله: (﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: نحفظكم فيها)؛ وذلك أن الإنسان إذا كانت الملائكة معه فإنها تسدده وتدُلُه على الخير وتحثه عليه. ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ يتولونهم أيضًا فإن الملائكة ﴿تَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٣]، وفي الجنة تدخل عليهم الملائكة من كل باب: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد ٢٤]، فهم أولياء المؤمنين في الدنيا وفي الآخرة، جعلنا الله وإياكم منهم. ﴿وَلَكُمْ فِيهَا﴾ أي: في الآخرة ﴿مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت ٣١] كل ما اشتهاه الإنسان وإن لم يطلبه فإنه يحضُر بين يديه، وكذلك أيضًا كل ما طلبه فإنه يحضُر بين يديه، في الدنيا لا يتسنى للإنسان ما يشتهيه حتى لو طلب وكرر الطلب فإنه قد لا يأتيه، لكن في الآخرة مجرد ما يقع في قلب الإنسان أنه يشتهي كذا يحضر. كذلك أيضًا ما يطلبون، ما يطلبونه يحضُر أيضًا، ويأتيهم أيضًا ما لا يخطر على بالهم، كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق ٣٥] يعني يأتيك من النعيم ما لم تطلبه وما لم تشتهه نفسك؛ لأنه لم يخطُر على بالك. (﴿نُزُلًا﴾ [فصلت ٣٢] رزقا مُهيئًا منصوب بجُعل مقدرًا) أي: جُعل نُزُلًا (﴿مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ ) [فصلت: ٣٢]، وهو الله عز وجل؛ لأنهم لم يصلوا إلى الجنة إلا بمغفرته ورحمته. * طالب: بارك الله فيكم، في قولنا: إن تقييد نزول الملائكة في الآخرة بالموت في قصر الآية هل هذا يصلح أيضًا على قوله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه ١٢٤]؛ لأن أكثر المفسرين على أنها في القبر؛ في الآخرة، إنما الآية عامة؟ * الشيخ: وهو كذلك، الآية عامة ويدُل لعمومها قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل ٩٧] فإن مفهومها أن من لم يتصف بذلك فليس له حياة طيبة. * الطالب: ما الذي حملهم على اتفاقهم يا شيخ على الآخرة؟ * الشيخ: لعلهم فهموا أن السياق يدُل على هذا، فهنا مثلًا: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت ٣٠] البشارة بالجنة حقيقة إنما تكون عند الموت، فلعله السياق ظنُوا أنه يقتضي التخصيص. * طالب: قولُهم يا شيخ -بارك الله فيك: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ﴾ [فصلت ٢٩] هذا يا شيخ أليس فيه إقرار بالألوهية كما هو إقرار بالربوبية؟ * الشيخ: أليس فيه إقرارًا؟ * الطالب: بالألوهية، توحيد العبادة؛ لأن الدعاء من أنواع العبادة. * الشيخ: يعني كونُهم دعوا الله عز وجل؟ لا، دعاء الله تعالى يكون حتى في الدنيا لكنهم يدعُون الله تعالى في الضراء وينسونه في السراء، وهناك أيضًا في الآخرة ربما يُقرون بهذا؛ يعني يُقرون بأنه حق لا إله إلا الله، ولكن لا ينفعُهم هذا الإقرار. * طالب: يا شيخ ذكرت أن الرسول ﷺ أخبر أن الملك له من الإنسان لمة وللشيطان لمة (...). * الشيخ: قد ترد اللمتان في آن واحد، فيهوى الإنسان الخير وإذا بالشيطان يصُدُه عنه، وقد يكون لم يطرأ على باله فعل الخير والشيطان قد وسوس له بالشر. * طالب: شيخ جزاك الله خيرًا، الدعاء هنا يا شيخ هل هو خاص بكَفَرَة الإنس أم جميع الكفار الجن والإنس؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: دعاؤهم عندما قالوا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾ [فصلت ٢٩] هل هو خاص بكفرة الإنس أم شامل كفرة الإنس والجن؟ * الشيخ: يشمل هذا وهذا؛ لأن الجن يدخُل كافرُهم النار بالإجماع. * طالب: يا شيخ، لماذا أتت الآية بصيغة الماضي: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؟ * الشيخ: هذا سؤال جيد، يقول: هذا القول هل حصل أو سيحصُل؟ الجواب: لم يحصل لكنه على حكاية الحال، أو يُقال: إنه لما تحقق وقوعه صار بمنزلة الماضي كقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل ١] فإن أمر الله لم يأتِ بعد؛ بدليل قوله: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل ١]. * طالب: ألا يمكن أن يُقال: إن قول الكافرين ﴿أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾ فذلك في النار، بدليل قوله تعالى بعد ذلك: ﴿نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا﴾ [فصلت ٢٩]؟ * الشيخ: نعم، لا يدل؛ لأنه يمكن يجعلوهم تحت أقدامهم وهم في عرصات القيامة، لا يلزم أن يكون هذا في النار. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، هل يكون من جميع الجن أم من جنس أو نوع خاص؟ * الشيخ: من المعلوم أن الجن فيهم الصالحون وفيهم دون ذلك، وفيهم المسلمون وفيهم الكفار، فالذي يُضل إنما هو الكافر، أما الجني المؤمن فلا يضل. * الطالب: لكن يا شيخ -أحسن الله إليك- هل جميع كفار الجن مكنهم الله عز وجل من إغواء الإنس؟ * الشيخ: لا، ما هو على كل حال، لكن أصل كُفر الإنسان أصله من الشيطان والنفس، والشيطان من الجن لا شك فيه: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف ٥٠]. * طالب: فضيلة الشيخ، قول الله عز وجل على حكايةً عن ابن آدم الأول: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ [المائدة ٢٨]، ذكرتُم أن هذا شرع من قبلنا وأن شرعنا جاء بخلافه فهل يكون هذا في شرعنا فيما يخُصُ الفتن يا شيخ؟ * الشيخ: بلى، هذا فيه فتنة، لكن مسألة قابيل وهابيل ما فيها فتنة، ولهذا أمر الرسول عند الفتنة أن يكون الإنسان كخير ابني آدم، فيكف كما فعل عثمان رضي الله عنه حين ثار عليه الثُوار وأراد الصحابة أن يدافعوا عنه أمر بالإمساك. * * * * طالب: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢) وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت ٣١ - ٣٣]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ [فصلت ٣٠] متى يكون هذا التنزل؟ * طالب: في كل حال، ومنها عند الموت. * الشيخ: نعم في كُل حال يحتاجون إلى التأييد والتثبيت، ولا سيما عند الموت، يشهد لهذا قوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال ١٢]. عَبَّر بقوله: (تتنزل) دون (تنزل) لماذا؟ * طالب: لسببين: الأول التدرج في التنزل، الثاني: في التكرار والاستمرار. * الشيخ: أحسنت، قوله: ﴿أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت ٣٠] ما هي البشارة؟ * طالب: البشارة هي تبليغ الناس بالمرغوب به. * الشيخ: الإخبار بما؟ * الطالب: يَسُرُّ. * الشيخ: وهل تأتي لغير ذلك؟ * الطالب: نعم، تأتي بما يسوء، تأتي أحيانًا بما يسوء. * الشيخ: مثاله؟ * طالب: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء ١٣٨]. * الشيخ: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أحسنت. هذه البشارة هي على معناها الحقيقي أو يُراد بها شيء آخر؟ * الطالب: يُراد بها التنكيل عليهم (...). * الشيخ: التهكم، يُراد بها التهكم، مثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٨، ٤٩] هذا يُقال له تهكمًا فيه، نعم: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [فصلت ٣١] كيف كانوا أولياءهم في الحياة الدنيا؟ * طالب: أولياؤهم في الحياة الدنيا يعينهم على فعل الخيرات ويحذرونهم فعل المنكرات. * الشيخ: إي نعم، هل لهذا ما يشهد له في الحديث؟ * الطالب: قول النبي ﷺ: «إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةٌ وَلِلْمَلَكِ لَمَّةٌ»[[أخرجه الترمذي (٢٩٨٨)، والنسائي في الكبرى (١٠٩٨٥) من حديث عبد الله بن مسعود.]]. * الشيخ: أحسنت. أظن وقفنا على قوله: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت ٣١]؟ قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت ٣١] أي: ما تطلبون فكل ما تشتهيه النفس ولو بلا طلب يحصل، وكل ما يطلبون فإنه حاصل مهما كان يقول الله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق ٣٥]. قال: (﴿نُزُلًا﴾ [فصلت ٣٢] رزقًا مهيئًا منصوب بجُعِل مقدرًا) يعني على تقدير المؤلف أن (نزلًا) مفعول ثانٍ لـ(جُعل) المحذوف، جُعل نزلًا، ومفعولها الأول هو نائب الفاعل؛ لأن نائب الفاعل ينوب عن المفعول به ينوب مفعول به عن فاعل. يقول: ﴿نُزُلًا﴾ أي: جُعل نزلًا ﴿مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ وهو الله عز وجل، وذكر المغفرة والرحمة؛ لأنهم بمغفرة الله ورحمته وصلوا إلى هذا، فبمغفرته للذنوب نُقُّوا منها، وبرحمة الله تعالى صاروا أهلًا لدخول الجنة. * مِن فوائد الآيات: أولًا: أن مجرد العقيدة لا يُغني شيئًا حتى يكون معه عمل؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت ٣٠] وما يقوله كثير من الناس: نحن على العقيدة. هذا حق لا شك ويُمدحون عليه، لكن لا بد أن يُقال: نحن على العقيدة والعمل الصالح؛ إذ لا بد من العمل. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على الاستقامة، الاستقامة على أي شيء؟ على دين الله عز وجل أن يثبت عليه ويستقيم عليه ولا يتغير. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الملائكة؛ لقوله: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى سخر الملائكة لبني آدم في مواطن كثيرة، كما في هذه الآية وكما في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد ٢٣، ٢٤]، وكما سخرهم الله تعالى يجلسون على أبواب المساجد يوم الجمعة يكتبون الأول فالأول، إلى غير ذلك من المواطن التي جاءت في الكتاب والسنة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الملائكة التي تتنزل على هؤلاء المؤمنين المستقيمين تبشرهم بأمرين بل بثلاثة أمور: أولًا: أنه لا خوف عليهم، والثاني: أنهم لا يحزنون، والثالث: أن الجنة مأواهم، وقد سبق الفرق بين الخوف والحزن. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحقيق البشرى بما يؤيدها؛ يعني: لا يكفي أن تقول لفلان: أبشر بالخير. حتى تبين ما يؤيد هذه البشرى، يُؤخذ من هذه الآية وهي قوله: ﴿الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾، وذلك لعلمهم بأن وعد الله لا يُخلف. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الملائكة أولياء لمن آمن واستقام في الحياة الدنيا وفي الآخرة، أما الحياة الدنيا فهي حفظهم من المعاصي والزلل وتهيئتهم للعمل الصالح ومعونتهم على ذلك وتثبيتهم عليه، وأما في الآخرة فلا تسأل، فإن الملائكة تتولاهم ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [الأنبياء ١٠٣]، وكذلك أيضًا ﴿يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ [الرعد ٢٣]، في الجنة إلى غير ذلك مما ذكر الله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن للذين آمنوا بالله واستقاموا في الجنة ما تشتهيه الأنفس، وفي آية أخرى: ﴿مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف ٧١] فيكون لأهل الجنة فيها متعتان: المتعة الأولى بالذوق والطعم، والثانية: بالرؤية والنظر. * ومِن فوائد الآية الكريمة: أن في الجنة كل شيء يُطلب؛ لقوله: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت ٣١] فكل ما يطلبون فإنه موجود في الجنة، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهلها. * ومِن فوائد هذه الآية الكريمة: أنهم يُؤْتَوْن هذا الرزق في الجنة على أنه إكرام وكرامة؛ لقوله: ﴿نُزُلًا﴾ وأصل النزل ما يُقدَّم للضيف من الكرامة. * ومن فوائد الآية أيضًا: أنهم إنما وصلوا إلى ذلك بمغفرة الله ورحمته لقوله: ﴿نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت ٣٢]، ولولا ذلك ما وصلوا إلى ما وصلوا إليه، ولهذا أخبر النبي ﷺ أنه: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٧٣)، ومسلم (٢٨١٦ / ٧١) من حديث أبي هريرة.]]، فالإنسان لا يصل إلى الجنة بالعمل، ووجه ذلك أنه لو قُوبل العمل بالنعمة التي أنعم الله بها على الإنسان لم يكن شيئًا؛ إذ إن نِعَم الله لا تُحصى ولا تُعد، بل قال بعض أهل العلم: إن شكر نعمة الله على النعمة نعمةٌ يحتاج إلى شكر ثانٍ، والشكر الثاني نعمة يحتاج إلى شكر ثالث، وهلم جرًّا، وعليه يقول الشاعر: إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَةً ∗∗∗ عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ؎فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ ∗∗∗ وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَالْعُمْرُ * ومِن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: الغفور، الرحيم. وهنا نعطيكم قاعدة مفيدة في الأسماء الحسنى: الأسماء الحسنى تدل على الذات والصفة دلالة مطابقةٍ وتَضَمُّنٍ ودلالة التزام، فـ(غفور) يدل على أن هناك غافرًا وهو الله، ويدل على صفة المغفرة له؛ إذ لا يمكن أن يوجد اسم مشتق لا يوجد في موصوفه أصل الاشتقاق، ولهذا لا تقول للأعمى إنه بصير ولا للأصم إنه سميع، فلا بد إذن من إثبات الذات المتصفة بما دل عليه الاسم، ولا بد من إثبات الصفة التي اشتق منها الاسم. لا بد أيضًا من إثبات لازم تلك الصفة لا بد من هذا، مثال ذلك قال الله تبارك وتعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق ١٢]، فأخبر أنه خلق وبَيَّن أنه أخبرنا بذلك؛ لنعلم أنه على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا، فكيف دلت صفة الخلق على العلم والقدرة؟ لأنه لا يمكن خلق إلا بعلم، يعلم كيف يخلق، ولا يمكن خلق إلا بقدرة، ولهذا من لا علم له لا يمكن أن يخلق، ومن عنده علم ولكنه عاجز لا يمكن أن يخلق، أرأيت لو أن شخصًا أراد أن يصلح مُسجلًا هل يمكن أن يصلحه إلا بعلم كيف يصلحه؟ لا يمكن، وهل يمكن أن يصلحه وهو عاجز أشل؟ لا يمكن. إذن: الخالق من أسماء الله تتضمن الدلالة على الذات وهو الله، وعلى صفة الخلق، وعلى صفة العلم، وعلى صفة القدرة. تدل على صفة الخالق الذي هو ذات الله عز وجل، وعلى صفة الخلق بالتضمن والمطابقة، كيف بالتضمن والمطابقة؟ إذا أُخِذ اللفظ بكامل معناه سُميت الدلالة مطابقة، وإذا أخذ ببعض معناه صارت الدلالة تضمنًا، وإذا أُخذ بما يلزم على ذلك صارت الدلالة التزامًا. فدلالة الخالق على الذات وصفة الخلق؟ المطابقة، ودلالتها على الذات وحدها؟ تَضَمُّنٌ، وعلى الخلق وحده؟ تَضَمُّن، وعلى العلم والقدرة؟ التزام. نضرب مثلًا في المحسوسات تقول مثلًا: لي دار، الدار كما نعلم تتضمن حجرًا وغرفًا وساحات وأبوابًا وشبابيك وما إلى ذلك، دلالة هذه الكلمة (دار) على مجموع هذا؟ دلالة مطابقة يا إخواني مطابقة، ودلالتها على كل غرفة وحجرة وشباك؟ تضمُّن، ودلالتها على أن لهذا البيت بانيًا؟ التزام. أسماء الله تعالى تجرى على هذا، كذلك أيضًا يقولون: إذا كان الاسم متعديًا فلا بد من الإيمان به اسمًا من أسماء الله، والإيمان بما دل عليه من صفة، والإيمان بما يترتب على تلك الصفة من أفعال. فـ(الغفور) لا يتم الإيمان به حتى تؤمن بأن الله تعالى تسمى بهذا الاسم (غفور)، فتؤمن بأن الغفور اسم من أسماء الله، لا بد أن تؤمن بما تضمنه من صفة المغفرة، لا بد أن تؤمن بأن الله يغفر، بمقتضى هذا الاسم ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة ٢٨٤]، فانتبهوا لهاتين القاعدتين: الدلالة دلالة الاسم على المعنى تتضمن ثلاث دلالات: مطابقة، تضمُّن، التزام. ثم الاسم من أسماء الله إذا كان متعديًا فلا يتم الإيمان به إلا بثلاثة أمور: أن تؤمن بأنه اسم من أسماء الله، أن تؤمن بما دل عليه من صفة، أن تؤمن بما يترتب عليه من أثر، فإذا كان الاسم غير متعدٍّ فلا بد من الإيمان بأنه اسم من أسماء الله، وبما تضمنه من صفة، وليس له أثر؛ لأنه غير متعدٍّ، فـ(الحي) -مثلًا- الحي اسم من أسماء الله لا يتم الإيمان به حتى تؤمن بأنه اسم من أسماء الله، وبأن الله متصف بما دل عليه من صفة، وهي: الحياة، هل له أثر؟ لا، الحياة صفة لازمة ما تتعدى، لكن السميع؟ متعدٍّ، السميع ذو سمع يسمع به، البصير ذو بصر يبصر به.

فصلت 41:31

ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت ٣٠]. ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [فصلت ٣٠] قالوا بألسنتهم وقلوبهم، ولا يكفي مجرد القول باللسان؛ لأن القول باللسان يقعُ من المنافق ومن المُخلص، لكن المراد القول باللسان والقلب. ﴿قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ وهذا القول الذي قالوه ليس مجرد قول على اللسان واعتقاد بالجنان، بل هو مستلزم لطاعة الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ أي استقاموا على طاعة الله، فالإيمان في القلب والاستقامة في الجوارح، لم يكتف الله بالثناء عليهم وبيان جزائهم على الإيمان بالقلب، بل لا بد من الاستقامة، قال: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ قال المؤلف: (على التوحيد وغيره مما وجب عليهم) صحيح؛ يعني: استقاموا على التوحيد، فلا إشراك، استقاموا على الاتباع فلا بدعة، استقاموا على الطاعة فلا معصية، استقاموا على الخير فلا شر، وهلم جرًّا. وتأمل قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت ٣٠] أتى بـ(ثم) الدالة على الترتيب بمهلة؛ يعني: أن إيمانهم لم يكن إيمانًا خاطفًا، آمنوا ثم زال؟ لا؛ إيمان مستقر؛ لأنهم استقاموا على دين الله عز وجل، وقد سُئل النبي ﷺ، سأله رجل فقال: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا غيرك -يعني: قولًا فصلًا- فقال له: «قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ»[[أخرجه مسلم (٣٨ / ٦٢) من حديث سفيان بن عبد الله الثقفي.]]، وهو مأخوذ من هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت ٣٠]. وقوله: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [فصلت ٣٠] (تتنزل) مدلولها يخالف مدلول (تنزل)؛ لأن (تتنزل) فيها زيادة على (تنزل) ما الزيادة؟ التاء، فهذه الزيادة تقتضي معنيين: المعنى الأول: أن تنزُّلَهم يكون شيئًا فشيئًا، (تتنزل) لا تنزل دفعة واحدة. والثاني: أن التنزل أو النزول متكرر ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ﴾ يعني كلما دعت حالُهم إلى تنزل الملائكة عليهم تنزلت عليهم، فصار الفرق الآن بين (تنزل) و(تتنزل) من وجهين: الوجه الأول: أن (تَنزَّل) تعني النزول مرة واحدة ودفعة واحدة، و(تتنزل) تقتضي تكرار النزول، وأنه يكون شيئًا فشيئًا. ﴿عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ سبق الكلام على ذكر الملائكة، وقول المؤلف: (عند الموت) فيه نظر؛ لأن الله تعالى لم يُقيد ذلك، فالظاهر أن الملائكة تتنزل عليهم كلما دعت الحال إلى النُزُول عند الموت وعند الخوف وعند المعارك، وفي كل حال تقتضي أن تنزل الملائكة عليهم؛ لأن الله أطلق. ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ﴾ ﴿أَلَّا﴾ أي: (بأن ﴿لَّا تَخَافُوا﴾ من الموت وما بعده ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾ على ما خلفتم من أهل وولد فنحن نخلفُكم فيهم). نحن نقول: ألَّا تخافوا من مستقبلكم ولا تحزنُوا على ماضيكم؛ لأن الإنسان عند الخوف إما أن يخاف من المستقبل أو يحزن على ما مضى، فيقول: لو أني فعلت كذا لكان كذا، لم يحدث لي الخوف مثلًا، فالملائكة تتنزل عليهم فتقول: لا تخافوا من المستقبل ولا تحزنوا من الماضي، وقدم الخوف من المستقبل؛ لأنه أهمُ من الحزن على ما مضى؛ لأن مستقبل الإنسان هو الذي يجعلُه يسير أو يتوقف، فلهذا بدأ به قبل ذكر الحُزن، وإذا جعلناه مثلًا مما يدعو إلى التنزل حال الموت فالإنسان عند الموت حالُه تقتضي أن يُزاد قوةً ونشاطًا على الإيمان والتوحيد، فتتنزل عليهم الملائكة عند الموت أيضًا وتبشرُهم بهذا. ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت ٣٠] (أبشروا) هذه هي من البشارة وهي الإخبار. ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ البشارة: هي الإخبار بما يسر، وسُميت بشارة؛ لأنه إذا سُر الإنسان ظهرت علامة السرور على وجهه فتغيرت بشرة الوجه، وقد تُطلق البشارة على الإخبار بما يسوء من باب التهكم، قال الله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء ١٣٨]، وقال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران ٢١]، مع أن هذا مما يسوء، لكنه على سبيل التهكم بهم، كما تقول أنت للعاصي: أبشر بسوء العاقبة، أبشر بالنار، وما أشبه ذلك مما يكون تهكُمًا به. ﴿أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ الجنة هي الدار التي أعدها الله لأوليائه وفيها -كما في القرآن الكريم- ﴿لَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة ١٧] وفيها كما جاء في الحديث القدسي: «مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]. ﴿بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ من وعدهم بها؟ وعدهم الله عز وجل، قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التوبة ٧٢]. (﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: نحفظُكم فيها ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ أي: نكُون معكم فيها حتى تدخُلوا الجنة ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت ٣١] تطلُبون). تقول لهم الملائكة: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [فصلت ٣١] يعني أن الملائكة تتولى المؤمنين؛ تحثُهم على الخير وتُحذرُهم من الشر؛ وقد أخبر النبي ﷺ أن «لِلْمَلَكِ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ لَمَّةٌ وَلِلشَّيْطَانِ لَمَّةٌ»[[أخرجه الترمذي (٢٩٨٨)، والنسائي في الكبرى (١٠٩٨٥) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، فلمة الملك إيعاد بالخير وحث على الطاعة، ولمة الشيطان بالعكس. وقوله: (﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: نحفظكم فيها)؛ وذلك أن الإنسان إذا كانت الملائكة معه فإنها تسدده وتدُلُه على الخير وتحثه عليه. ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ يتولونهم أيضًا فإن الملائكة ﴿تَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٣]، وفي الجنة تدخل عليهم الملائكة من كل باب: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد ٢٤]، فهم أولياء المؤمنين في الدنيا وفي الآخرة، جعلنا الله وإياكم منهم. ﴿وَلَكُمْ فِيهَا﴾ أي: في الآخرة ﴿مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت ٣١] كل ما اشتهاه الإنسان وإن لم يطلبه فإنه يحضُر بين يديه، وكذلك أيضًا كل ما طلبه فإنه يحضُر بين يديه، في الدنيا لا يتسنى للإنسان ما يشتهيه حتى لو طلب وكرر الطلب فإنه قد لا يأتيه، لكن في الآخرة مجرد ما يقع في قلب الإنسان أنه يشتهي كذا يحضر. كذلك أيضًا ما يطلبون، ما يطلبونه يحضُر أيضًا، ويأتيهم أيضًا ما لا يخطر على بالهم، كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق ٣٥] يعني يأتيك من النعيم ما لم تطلبه وما لم تشتهه نفسك؛ لأنه لم يخطُر على بالك. (﴿نُزُلًا﴾ [فصلت ٣٢] رزقا مُهيئًا منصوب بجُعل مقدرًا) أي: جُعل نُزُلًا (﴿مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ ) [فصلت: ٣٢]، وهو الله عز وجل؛ لأنهم لم يصلوا إلى الجنة إلا بمغفرته ورحمته. * طالب: بارك الله فيكم، في قولنا: إن تقييد نزول الملائكة في الآخرة بالموت في قصر الآية هل هذا يصلح أيضًا على قوله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه ١٢٤]؛ لأن أكثر المفسرين على أنها في القبر؛ في الآخرة، إنما الآية عامة؟ * الشيخ: وهو كذلك، الآية عامة ويدُل لعمومها قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل ٩٧] فإن مفهومها أن من لم يتصف بذلك فليس له حياة طيبة. * الطالب: ما الذي حملهم على اتفاقهم يا شيخ على الآخرة؟ * الشيخ: لعلهم فهموا أن السياق يدُل على هذا، فهنا مثلًا: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت ٣٠] البشارة بالجنة حقيقة إنما تكون عند الموت، فلعله السياق ظنُوا أنه يقتضي التخصيص. * طالب: قولُهم يا شيخ -بارك الله فيك: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ﴾ [فصلت ٢٩] هذا يا شيخ أليس فيه إقرار بالألوهية كما هو إقرار بالربوبية؟ * الشيخ: أليس فيه إقرارًا؟ * الطالب: بالألوهية، توحيد العبادة؛ لأن الدعاء من أنواع العبادة. * الشيخ: يعني كونُهم دعوا الله عز وجل؟ لا، دعاء الله تعالى يكون حتى في الدنيا لكنهم يدعُون الله تعالى في الضراء وينسونه في السراء، وهناك أيضًا في الآخرة ربما يُقرون بهذا؛ يعني يُقرون بأنه حق لا إله إلا الله، ولكن لا ينفعُهم هذا الإقرار. * طالب: يا شيخ ذكرت أن الرسول ﷺ أخبر أن الملك له من الإنسان لمة وللشيطان لمة (...). * الشيخ: قد ترد اللمتان في آن واحد، فيهوى الإنسان الخير وإذا بالشيطان يصُدُه عنه، وقد يكون لم يطرأ على باله فعل الخير والشيطان قد وسوس له بالشر. * طالب: شيخ جزاك الله خيرًا، الدعاء هنا يا شيخ هل هو خاص بكَفَرَة الإنس أم جميع الكفار الجن والإنس؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: دعاؤهم عندما قالوا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾ [فصلت ٢٩] هل هو خاص بكفرة الإنس أم شامل كفرة الإنس والجن؟ * الشيخ: يشمل هذا وهذا؛ لأن الجن يدخُل كافرُهم النار بالإجماع. * طالب: يا شيخ، لماذا أتت الآية بصيغة الماضي: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؟ * الشيخ: هذا سؤال جيد، يقول: هذا القول هل حصل أو سيحصُل؟ الجواب: لم يحصل لكنه على حكاية الحال، أو يُقال: إنه لما تحقق وقوعه صار بمنزلة الماضي كقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل ١] فإن أمر الله لم يأتِ بعد؛ بدليل قوله: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل ١]. * طالب: ألا يمكن أن يُقال: إن قول الكافرين ﴿أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾ فذلك في النار، بدليل قوله تعالى بعد ذلك: ﴿نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا﴾ [فصلت ٢٩]؟ * الشيخ: نعم، لا يدل؛ لأنه يمكن يجعلوهم تحت أقدامهم وهم في عرصات القيامة، لا يلزم أن يكون هذا في النار. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، هل يكون من جميع الجن أم من جنس أو نوع خاص؟ * الشيخ: من المعلوم أن الجن فيهم الصالحون وفيهم دون ذلك، وفيهم المسلمون وفيهم الكفار، فالذي يُضل إنما هو الكافر، أما الجني المؤمن فلا يضل. * الطالب: لكن يا شيخ -أحسن الله إليك- هل جميع كفار الجن مكنهم الله عز وجل من إغواء الإنس؟ * الشيخ: لا، ما هو على كل حال، لكن أصل كُفر الإنسان أصله من الشيطان والنفس، والشيطان من الجن لا شك فيه: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف ٥٠]. * طالب: فضيلة الشيخ، قول الله عز وجل على حكايةً عن ابن آدم الأول: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ [المائدة ٢٨]، ذكرتُم أن هذا شرع من قبلنا وأن شرعنا جاء بخلافه فهل يكون هذا في شرعنا فيما يخُصُ الفتن يا شيخ؟ * الشيخ: بلى، هذا فيه فتنة، لكن مسألة قابيل وهابيل ما فيها فتنة، ولهذا أمر الرسول عند الفتنة أن يكون الإنسان كخير ابني آدم، فيكف كما فعل عثمان رضي الله عنه حين ثار عليه الثُوار وأراد الصحابة أن يدافعوا عنه أمر بالإمساك. * * * * طالب: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢) وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت ٣١ - ٣٣]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ [فصلت ٣٠] متى يكون هذا التنزل؟ * طالب: في كل حال، ومنها عند الموت. * الشيخ: نعم في كُل حال يحتاجون إلى التأييد والتثبيت، ولا سيما عند الموت، يشهد لهذا قوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال ١٢]. عَبَّر بقوله: (تتنزل) دون (تنزل) لماذا؟ * طالب: لسببين: الأول التدرج في التنزل، الثاني: في التكرار والاستمرار. * الشيخ: أحسنت، قوله: ﴿أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت ٣٠] ما هي البشارة؟ * طالب: البشارة هي تبليغ الناس بالمرغوب به. * الشيخ: الإخبار بما؟ * الطالب: يَسُرُّ. * الشيخ: وهل تأتي لغير ذلك؟ * الطالب: نعم، تأتي بما يسوء، تأتي أحيانًا بما يسوء. * الشيخ: مثاله؟ * طالب: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء ١٣٨]. * الشيخ: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أحسنت. هذه البشارة هي على معناها الحقيقي أو يُراد بها شيء آخر؟ * الطالب: يُراد بها التنكيل عليهم (...). * الشيخ: التهكم، يُراد بها التهكم، مثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٨، ٤٩] هذا يُقال له تهكمًا فيه، نعم: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [فصلت ٣١] كيف كانوا أولياءهم في الحياة الدنيا؟ * طالب: أولياؤهم في الحياة الدنيا يعينهم على فعل الخيرات ويحذرونهم فعل المنكرات. * الشيخ: إي نعم، هل لهذا ما يشهد له في الحديث؟ * الطالب: قول النبي ﷺ: «إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةٌ وَلِلْمَلَكِ لَمَّةٌ»[[أخرجه الترمذي (٢٩٨٨)، والنسائي في الكبرى (١٠٩٨٥) من حديث عبد الله بن مسعود.]]. * الشيخ: أحسنت. أظن وقفنا على قوله: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت ٣١]؟ قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت ٣١] أي: ما تطلبون فكل ما تشتهيه النفس ولو بلا طلب يحصل، وكل ما يطلبون فإنه حاصل مهما كان يقول الله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق ٣٥]. قال: (﴿نُزُلًا﴾ [فصلت ٣٢] رزقًا مهيئًا منصوب بجُعِل مقدرًا) يعني على تقدير المؤلف أن (نزلًا) مفعول ثانٍ لـ(جُعل) المحذوف، جُعل نزلًا، ومفعولها الأول هو نائب الفاعل؛ لأن نائب الفاعل ينوب عن المفعول به ينوب مفعول به عن فاعل. يقول: ﴿نُزُلًا﴾ أي: جُعل نزلًا ﴿مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ وهو الله عز وجل، وذكر المغفرة والرحمة؛ لأنهم بمغفرة الله ورحمته وصلوا إلى هذا، فبمغفرته للذنوب نُقُّوا منها، وبرحمة الله تعالى صاروا أهلًا لدخول الجنة. * مِن فوائد الآيات: أولًا: أن مجرد العقيدة لا يُغني شيئًا حتى يكون معه عمل؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت ٣٠] وما يقوله كثير من الناس: نحن على العقيدة. هذا حق لا شك ويُمدحون عليه، لكن لا بد أن يُقال: نحن على العقيدة والعمل الصالح؛ إذ لا بد من العمل. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على الاستقامة، الاستقامة على أي شيء؟ على دين الله عز وجل أن يثبت عليه ويستقيم عليه ولا يتغير. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الملائكة؛ لقوله: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى سخر الملائكة لبني آدم في مواطن كثيرة، كما في هذه الآية وكما في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد ٢٣، ٢٤]، وكما سخرهم الله تعالى يجلسون على أبواب المساجد يوم الجمعة يكتبون الأول فالأول، إلى غير ذلك من المواطن التي جاءت في الكتاب والسنة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الملائكة التي تتنزل على هؤلاء المؤمنين المستقيمين تبشرهم بأمرين بل بثلاثة أمور: أولًا: أنه لا خوف عليهم، والثاني: أنهم لا يحزنون، والثالث: أن الجنة مأواهم، وقد سبق الفرق بين الخوف والحزن. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحقيق البشرى بما يؤيدها؛ يعني: لا يكفي أن تقول لفلان: أبشر بالخير. حتى تبين ما يؤيد هذه البشرى، يُؤخذ من هذه الآية وهي قوله: ﴿الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾، وذلك لعلمهم بأن وعد الله لا يُخلف. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الملائكة أولياء لمن آمن واستقام في الحياة الدنيا وفي الآخرة، أما الحياة الدنيا فهي حفظهم من المعاصي والزلل وتهيئتهم للعمل الصالح ومعونتهم على ذلك وتثبيتهم عليه، وأما في الآخرة فلا تسأل، فإن الملائكة تتولاهم ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [الأنبياء ١٠٣]، وكذلك أيضًا ﴿يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ [الرعد ٢٣]، في الجنة إلى غير ذلك مما ذكر الله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن للذين آمنوا بالله واستقاموا في الجنة ما تشتهيه الأنفس، وفي آية أخرى: ﴿مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف ٧١] فيكون لأهل الجنة فيها متعتان: المتعة الأولى بالذوق والطعم، والثانية: بالرؤية والنظر. * ومِن فوائد الآية الكريمة: أن في الجنة كل شيء يُطلب؛ لقوله: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت ٣١] فكل ما يطلبون فإنه موجود في الجنة، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهلها. * ومِن فوائد هذه الآية الكريمة: أنهم يُؤْتَوْن هذا الرزق في الجنة على أنه إكرام وكرامة؛ لقوله: ﴿نُزُلًا﴾ وأصل النزل ما يُقدَّم للضيف من الكرامة. * ومن فوائد الآية أيضًا: أنهم إنما وصلوا إلى ذلك بمغفرة الله ورحمته لقوله: ﴿نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت ٣٢]، ولولا ذلك ما وصلوا إلى ما وصلوا إليه، ولهذا أخبر النبي ﷺ أنه: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٧٣)، ومسلم (٢٨١٦ / ٧١) من حديث أبي هريرة.]]، فالإنسان لا يصل إلى الجنة بالعمل، ووجه ذلك أنه لو قُوبل العمل بالنعمة التي أنعم الله بها على الإنسان لم يكن شيئًا؛ إذ إن نِعَم الله لا تُحصى ولا تُعد، بل قال بعض أهل العلم: إن شكر نعمة الله على النعمة نعمةٌ يحتاج إلى شكر ثانٍ، والشكر الثاني نعمة يحتاج إلى شكر ثالث، وهلم جرًّا، وعليه يقول الشاعر: إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَةً ∗∗∗ عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ؎فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ ∗∗∗ وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَالْعُمْرُ * ومِن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: الغفور، الرحيم. وهنا نعطيكم قاعدة مفيدة في الأسماء الحسنى: الأسماء الحسنى تدل على الذات والصفة دلالة مطابقةٍ وتَضَمُّنٍ ودلالة التزام، فـ(غفور) يدل على أن هناك غافرًا وهو الله، ويدل على صفة المغفرة له؛ إذ لا يمكن أن يوجد اسم مشتق لا يوجد في موصوفه أصل الاشتقاق، ولهذا لا تقول للأعمى إنه بصير ولا للأصم إنه سميع، فلا بد إذن من إثبات الذات المتصفة بما دل عليه الاسم، ولا بد من إثبات الصفة التي اشتق منها الاسم. لا بد أيضًا من إثبات لازم تلك الصفة لا بد من هذا، مثال ذلك قال الله تبارك وتعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق ١٢]، فأخبر أنه خلق وبَيَّن أنه أخبرنا بذلك؛ لنعلم أنه على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا، فكيف دلت صفة الخلق على العلم والقدرة؟ لأنه لا يمكن خلق إلا بعلم، يعلم كيف يخلق، ولا يمكن خلق إلا بقدرة، ولهذا من لا علم له لا يمكن أن يخلق، ومن عنده علم ولكنه عاجز لا يمكن أن يخلق، أرأيت لو أن شخصًا أراد أن يصلح مُسجلًا هل يمكن أن يصلحه إلا بعلم كيف يصلحه؟ لا يمكن، وهل يمكن أن يصلحه وهو عاجز أشل؟ لا يمكن. إذن: الخالق من أسماء الله تتضمن الدلالة على الذات وهو الله، وعلى صفة الخلق، وعلى صفة العلم، وعلى صفة القدرة. تدل على صفة الخالق الذي هو ذات الله عز وجل، وعلى صفة الخلق بالتضمن والمطابقة، كيف بالتضمن والمطابقة؟ إذا أُخِذ اللفظ بكامل معناه سُميت الدلالة مطابقة، وإذا أخذ ببعض معناه صارت الدلالة تضمنًا، وإذا أُخذ بما يلزم على ذلك صارت الدلالة التزامًا. فدلالة الخالق على الذات وصفة الخلق؟ المطابقة، ودلالتها على الذات وحدها؟ تَضَمُّنٌ، وعلى الخلق وحده؟ تَضَمُّن، وعلى العلم والقدرة؟ التزام. نضرب مثلًا في المحسوسات تقول مثلًا: لي دار، الدار كما نعلم تتضمن حجرًا وغرفًا وساحات وأبوابًا وشبابيك وما إلى ذلك، دلالة هذه الكلمة (دار) على مجموع هذا؟ دلالة مطابقة يا إخواني مطابقة، ودلالتها على كل غرفة وحجرة وشباك؟ تضمُّن، ودلالتها على أن لهذا البيت بانيًا؟ التزام. أسماء الله تعالى تجرى على هذا، كذلك أيضًا يقولون: إذا كان الاسم متعديًا فلا بد من الإيمان به اسمًا من أسماء الله، والإيمان بما دل عليه من صفة، والإيمان بما يترتب على تلك الصفة من أفعال. فـ(الغفور) لا يتم الإيمان به حتى تؤمن بأن الله تعالى تسمى بهذا الاسم (غفور)، فتؤمن بأن الغفور اسم من أسماء الله، لا بد أن تؤمن بما تضمنه من صفة المغفرة، لا بد أن تؤمن بأن الله يغفر، بمقتضى هذا الاسم ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة ٢٨٤]، فانتبهوا لهاتين القاعدتين: الدلالة دلالة الاسم على المعنى تتضمن ثلاث دلالات: مطابقة، تضمُّن، التزام. ثم الاسم من أسماء الله إذا كان متعديًا فلا يتم الإيمان به إلا بثلاثة أمور: أن تؤمن بأنه اسم من أسماء الله، أن تؤمن بما دل عليه من صفة، أن تؤمن بما يترتب عليه من أثر، فإذا كان الاسم غير متعدٍّ فلا بد من الإيمان بأنه اسم من أسماء الله، وبما تضمنه من صفة، وليس له أثر؛ لأنه غير متعدٍّ، فـ(الحي) -مثلًا- الحي اسم من أسماء الله لا يتم الإيمان به حتى تؤمن بأنه اسم من أسماء الله، وبأن الله متصف بما دل عليه من صفة، وهي: الحياة، هل له أثر؟ لا، الحياة صفة لازمة ما تتعدى، لكن السميع؟ متعدٍّ، السميع ذو سمع يسمع به، البصير ذو بصر يبصر به.

فصلت 41:32

ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت ٣٠]. ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [فصلت ٣٠] قالوا بألسنتهم وقلوبهم، ولا يكفي مجرد القول باللسان؛ لأن القول باللسان يقعُ من المنافق ومن المُخلص، لكن المراد القول باللسان والقلب. ﴿قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ وهذا القول الذي قالوه ليس مجرد قول على اللسان واعتقاد بالجنان، بل هو مستلزم لطاعة الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ أي استقاموا على طاعة الله، فالإيمان في القلب والاستقامة في الجوارح، لم يكتف الله بالثناء عليهم وبيان جزائهم على الإيمان بالقلب، بل لا بد من الاستقامة، قال: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ قال المؤلف: (على التوحيد وغيره مما وجب عليهم) صحيح؛ يعني: استقاموا على التوحيد، فلا إشراك، استقاموا على الاتباع فلا بدعة، استقاموا على الطاعة فلا معصية، استقاموا على الخير فلا شر، وهلم جرًّا. وتأمل قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت ٣٠] أتى بـ(ثم) الدالة على الترتيب بمهلة؛ يعني: أن إيمانهم لم يكن إيمانًا خاطفًا، آمنوا ثم زال؟ لا؛ إيمان مستقر؛ لأنهم استقاموا على دين الله عز وجل، وقد سُئل النبي ﷺ، سأله رجل فقال: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا غيرك -يعني: قولًا فصلًا- فقال له: «قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ»[[أخرجه مسلم (٣٨ / ٦٢) من حديث سفيان بن عبد الله الثقفي.]]، وهو مأخوذ من هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت ٣٠]. وقوله: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [فصلت ٣٠] (تتنزل) مدلولها يخالف مدلول (تنزل)؛ لأن (تتنزل) فيها زيادة على (تنزل) ما الزيادة؟ التاء، فهذه الزيادة تقتضي معنيين: المعنى الأول: أن تنزُّلَهم يكون شيئًا فشيئًا، (تتنزل) لا تنزل دفعة واحدة. والثاني: أن التنزل أو النزول متكرر ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ﴾ يعني كلما دعت حالُهم إلى تنزل الملائكة عليهم تنزلت عليهم، فصار الفرق الآن بين (تنزل) و(تتنزل) من وجهين: الوجه الأول: أن (تَنزَّل) تعني النزول مرة واحدة ودفعة واحدة، و(تتنزل) تقتضي تكرار النزول، وأنه يكون شيئًا فشيئًا. ﴿عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ سبق الكلام على ذكر الملائكة، وقول المؤلف: (عند الموت) فيه نظر؛ لأن الله تعالى لم يُقيد ذلك، فالظاهر أن الملائكة تتنزل عليهم كلما دعت الحال إلى النُزُول عند الموت وعند الخوف وعند المعارك، وفي كل حال تقتضي أن تنزل الملائكة عليهم؛ لأن الله أطلق. ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ﴾ ﴿أَلَّا﴾ أي: (بأن ﴿لَّا تَخَافُوا﴾ من الموت وما بعده ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾ على ما خلفتم من أهل وولد فنحن نخلفُكم فيهم). نحن نقول: ألَّا تخافوا من مستقبلكم ولا تحزنُوا على ماضيكم؛ لأن الإنسان عند الخوف إما أن يخاف من المستقبل أو يحزن على ما مضى، فيقول: لو أني فعلت كذا لكان كذا، لم يحدث لي الخوف مثلًا، فالملائكة تتنزل عليهم فتقول: لا تخافوا من المستقبل ولا تحزنوا من الماضي، وقدم الخوف من المستقبل؛ لأنه أهمُ من الحزن على ما مضى؛ لأن مستقبل الإنسان هو الذي يجعلُه يسير أو يتوقف، فلهذا بدأ به قبل ذكر الحُزن، وإذا جعلناه مثلًا مما يدعو إلى التنزل حال الموت فالإنسان عند الموت حالُه تقتضي أن يُزاد قوةً ونشاطًا على الإيمان والتوحيد، فتتنزل عليهم الملائكة عند الموت أيضًا وتبشرُهم بهذا. ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت ٣٠] (أبشروا) هذه هي من البشارة وهي الإخبار. ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ البشارة: هي الإخبار بما يسر، وسُميت بشارة؛ لأنه إذا سُر الإنسان ظهرت علامة السرور على وجهه فتغيرت بشرة الوجه، وقد تُطلق البشارة على الإخبار بما يسوء من باب التهكم، قال الله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء ١٣٨]، وقال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران ٢١]، مع أن هذا مما يسوء، لكنه على سبيل التهكم بهم، كما تقول أنت للعاصي: أبشر بسوء العاقبة، أبشر بالنار، وما أشبه ذلك مما يكون تهكُمًا به. ﴿أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ الجنة هي الدار التي أعدها الله لأوليائه وفيها -كما في القرآن الكريم- ﴿لَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة ١٧] وفيها كما جاء في الحديث القدسي: «مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]. ﴿بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ من وعدهم بها؟ وعدهم الله عز وجل، قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التوبة ٧٢]. (﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: نحفظُكم فيها ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ أي: نكُون معكم فيها حتى تدخُلوا الجنة ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت ٣١] تطلُبون). تقول لهم الملائكة: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [فصلت ٣١] يعني أن الملائكة تتولى المؤمنين؛ تحثُهم على الخير وتُحذرُهم من الشر؛ وقد أخبر النبي ﷺ أن «لِلْمَلَكِ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ لَمَّةٌ وَلِلشَّيْطَانِ لَمَّةٌ»[[أخرجه الترمذي (٢٩٨٨)، والنسائي في الكبرى (١٠٩٨٥) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، فلمة الملك إيعاد بالخير وحث على الطاعة، ولمة الشيطان بالعكس. وقوله: (﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: نحفظكم فيها)؛ وذلك أن الإنسان إذا كانت الملائكة معه فإنها تسدده وتدُلُه على الخير وتحثه عليه. ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ يتولونهم أيضًا فإن الملائكة ﴿تَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٣]، وفي الجنة تدخل عليهم الملائكة من كل باب: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد ٢٤]، فهم أولياء المؤمنين في الدنيا وفي الآخرة، جعلنا الله وإياكم منهم. ﴿وَلَكُمْ فِيهَا﴾ أي: في الآخرة ﴿مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت ٣١] كل ما اشتهاه الإنسان وإن لم يطلبه فإنه يحضُر بين يديه، وكذلك أيضًا كل ما طلبه فإنه يحضُر بين يديه، في الدنيا لا يتسنى للإنسان ما يشتهيه حتى لو طلب وكرر الطلب فإنه قد لا يأتيه، لكن في الآخرة مجرد ما يقع في قلب الإنسان أنه يشتهي كذا يحضر. كذلك أيضًا ما يطلبون، ما يطلبونه يحضُر أيضًا، ويأتيهم أيضًا ما لا يخطر على بالهم، كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق ٣٥] يعني يأتيك من النعيم ما لم تطلبه وما لم تشتهه نفسك؛ لأنه لم يخطُر على بالك. (﴿نُزُلًا﴾ [فصلت ٣٢] رزقا مُهيئًا منصوب بجُعل مقدرًا) أي: جُعل نُزُلًا (﴿مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ ) [فصلت: ٣٢]، وهو الله عز وجل؛ لأنهم لم يصلوا إلى الجنة إلا بمغفرته ورحمته. * طالب: بارك الله فيكم، في قولنا: إن تقييد نزول الملائكة في الآخرة بالموت في قصر الآية هل هذا يصلح أيضًا على قوله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه ١٢٤]؛ لأن أكثر المفسرين على أنها في القبر؛ في الآخرة، إنما الآية عامة؟ * الشيخ: وهو كذلك، الآية عامة ويدُل لعمومها قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل ٩٧] فإن مفهومها أن من لم يتصف بذلك فليس له حياة طيبة. * الطالب: ما الذي حملهم على اتفاقهم يا شيخ على الآخرة؟ * الشيخ: لعلهم فهموا أن السياق يدُل على هذا، فهنا مثلًا: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت ٣٠] البشارة بالجنة حقيقة إنما تكون عند الموت، فلعله السياق ظنُوا أنه يقتضي التخصيص. * طالب: قولُهم يا شيخ -بارك الله فيك: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ﴾ [فصلت ٢٩] هذا يا شيخ أليس فيه إقرار بالألوهية كما هو إقرار بالربوبية؟ * الشيخ: أليس فيه إقرارًا؟ * الطالب: بالألوهية، توحيد العبادة؛ لأن الدعاء من أنواع العبادة. * الشيخ: يعني كونُهم دعوا الله عز وجل؟ لا، دعاء الله تعالى يكون حتى في الدنيا لكنهم يدعُون الله تعالى في الضراء وينسونه في السراء، وهناك أيضًا في الآخرة ربما يُقرون بهذا؛ يعني يُقرون بأنه حق لا إله إلا الله، ولكن لا ينفعُهم هذا الإقرار. * طالب: يا شيخ ذكرت أن الرسول ﷺ أخبر أن الملك له من الإنسان لمة وللشيطان لمة (...). * الشيخ: قد ترد اللمتان في آن واحد، فيهوى الإنسان الخير وإذا بالشيطان يصُدُه عنه، وقد يكون لم يطرأ على باله فعل الخير والشيطان قد وسوس له بالشر. * طالب: شيخ جزاك الله خيرًا، الدعاء هنا يا شيخ هل هو خاص بكَفَرَة الإنس أم جميع الكفار الجن والإنس؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: دعاؤهم عندما قالوا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾ [فصلت ٢٩] هل هو خاص بكفرة الإنس أم شامل كفرة الإنس والجن؟ * الشيخ: يشمل هذا وهذا؛ لأن الجن يدخُل كافرُهم النار بالإجماع. * طالب: يا شيخ، لماذا أتت الآية بصيغة الماضي: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؟ * الشيخ: هذا سؤال جيد، يقول: هذا القول هل حصل أو سيحصُل؟ الجواب: لم يحصل لكنه على حكاية الحال، أو يُقال: إنه لما تحقق وقوعه صار بمنزلة الماضي كقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل ١] فإن أمر الله لم يأتِ بعد؛ بدليل قوله: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل ١]. * طالب: ألا يمكن أن يُقال: إن قول الكافرين ﴿أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾ فذلك في النار، بدليل قوله تعالى بعد ذلك: ﴿نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا﴾ [فصلت ٢٩]؟ * الشيخ: نعم، لا يدل؛ لأنه يمكن يجعلوهم تحت أقدامهم وهم في عرصات القيامة، لا يلزم أن يكون هذا في النار. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، هل يكون من جميع الجن أم من جنس أو نوع خاص؟ * الشيخ: من المعلوم أن الجن فيهم الصالحون وفيهم دون ذلك، وفيهم المسلمون وفيهم الكفار، فالذي يُضل إنما هو الكافر، أما الجني المؤمن فلا يضل. * الطالب: لكن يا شيخ -أحسن الله إليك- هل جميع كفار الجن مكنهم الله عز وجل من إغواء الإنس؟ * الشيخ: لا، ما هو على كل حال، لكن أصل كُفر الإنسان أصله من الشيطان والنفس، والشيطان من الجن لا شك فيه: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف ٥٠]. * طالب: فضيلة الشيخ، قول الله عز وجل على حكايةً عن ابن آدم الأول: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ [المائدة ٢٨]، ذكرتُم أن هذا شرع من قبلنا وأن شرعنا جاء بخلافه فهل يكون هذا في شرعنا فيما يخُصُ الفتن يا شيخ؟ * الشيخ: بلى، هذا فيه فتنة، لكن مسألة قابيل وهابيل ما فيها فتنة، ولهذا أمر الرسول عند الفتنة أن يكون الإنسان كخير ابني آدم، فيكف كما فعل عثمان رضي الله عنه حين ثار عليه الثُوار وأراد الصحابة أن يدافعوا عنه أمر بالإمساك. * * * * طالب: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢) وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت ٣١ - ٣٣]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ [فصلت ٣٠] متى يكون هذا التنزل؟ * طالب: في كل حال، ومنها عند الموت. * الشيخ: نعم في كُل حال يحتاجون إلى التأييد والتثبيت، ولا سيما عند الموت، يشهد لهذا قوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال ١٢]. عَبَّر بقوله: (تتنزل) دون (تنزل) لماذا؟ * طالب: لسببين: الأول التدرج في التنزل، الثاني: في التكرار والاستمرار. * الشيخ: أحسنت، قوله: ﴿أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت ٣٠] ما هي البشارة؟ * طالب: البشارة هي تبليغ الناس بالمرغوب به. * الشيخ: الإخبار بما؟ * الطالب: يَسُرُّ. * الشيخ: وهل تأتي لغير ذلك؟ * الطالب: نعم، تأتي بما يسوء، تأتي أحيانًا بما يسوء. * الشيخ: مثاله؟ * طالب: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء ١٣٨]. * الشيخ: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أحسنت. هذه البشارة هي على معناها الحقيقي أو يُراد بها شيء آخر؟ * الطالب: يُراد بها التنكيل عليهم (...). * الشيخ: التهكم، يُراد بها التهكم، مثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٨، ٤٩] هذا يُقال له تهكمًا فيه، نعم: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [فصلت ٣١] كيف كانوا أولياءهم في الحياة الدنيا؟ * طالب: أولياؤهم في الحياة الدنيا يعينهم على فعل الخيرات ويحذرونهم فعل المنكرات. * الشيخ: إي نعم، هل لهذا ما يشهد له في الحديث؟ * الطالب: قول النبي ﷺ: «إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةٌ وَلِلْمَلَكِ لَمَّةٌ»[[أخرجه الترمذي (٢٩٨٨)، والنسائي في الكبرى (١٠٩٨٥) من حديث عبد الله بن مسعود.]]. * الشيخ: أحسنت. أظن وقفنا على قوله: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت ٣١]؟ قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت ٣١] أي: ما تطلبون فكل ما تشتهيه النفس ولو بلا طلب يحصل، وكل ما يطلبون فإنه حاصل مهما كان يقول الله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق ٣٥]. قال: (﴿نُزُلًا﴾ [فصلت ٣٢] رزقًا مهيئًا منصوب بجُعِل مقدرًا) يعني على تقدير المؤلف أن (نزلًا) مفعول ثانٍ لـ(جُعل) المحذوف، جُعل نزلًا، ومفعولها الأول هو نائب الفاعل؛ لأن نائب الفاعل ينوب عن المفعول به ينوب مفعول به عن فاعل. يقول: ﴿نُزُلًا﴾ أي: جُعل نزلًا ﴿مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ وهو الله عز وجل، وذكر المغفرة والرحمة؛ لأنهم بمغفرة الله ورحمته وصلوا إلى هذا، فبمغفرته للذنوب نُقُّوا منها، وبرحمة الله تعالى صاروا أهلًا لدخول الجنة. * مِن فوائد الآيات: أولًا: أن مجرد العقيدة لا يُغني شيئًا حتى يكون معه عمل؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت ٣٠] وما يقوله كثير من الناس: نحن على العقيدة. هذا حق لا شك ويُمدحون عليه، لكن لا بد أن يُقال: نحن على العقيدة والعمل الصالح؛ إذ لا بد من العمل. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على الاستقامة، الاستقامة على أي شيء؟ على دين الله عز وجل أن يثبت عليه ويستقيم عليه ولا يتغير. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الملائكة؛ لقوله: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى سخر الملائكة لبني آدم في مواطن كثيرة، كما في هذه الآية وكما في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد ٢٣، ٢٤]، وكما سخرهم الله تعالى يجلسون على أبواب المساجد يوم الجمعة يكتبون الأول فالأول، إلى غير ذلك من المواطن التي جاءت في الكتاب والسنة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الملائكة التي تتنزل على هؤلاء المؤمنين المستقيمين تبشرهم بأمرين بل بثلاثة أمور: أولًا: أنه لا خوف عليهم، والثاني: أنهم لا يحزنون، والثالث: أن الجنة مأواهم، وقد سبق الفرق بين الخوف والحزن. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحقيق البشرى بما يؤيدها؛ يعني: لا يكفي أن تقول لفلان: أبشر بالخير. حتى تبين ما يؤيد هذه البشرى، يُؤخذ من هذه الآية وهي قوله: ﴿الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾، وذلك لعلمهم بأن وعد الله لا يُخلف. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الملائكة أولياء لمن آمن واستقام في الحياة الدنيا وفي الآخرة، أما الحياة الدنيا فهي حفظهم من المعاصي والزلل وتهيئتهم للعمل الصالح ومعونتهم على ذلك وتثبيتهم عليه، وأما في الآخرة فلا تسأل، فإن الملائكة تتولاهم ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [الأنبياء ١٠٣]، وكذلك أيضًا ﴿يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ [الرعد ٢٣]، في الجنة إلى غير ذلك مما ذكر الله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن للذين آمنوا بالله واستقاموا في الجنة ما تشتهيه الأنفس، وفي آية أخرى: ﴿مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف ٧١] فيكون لأهل الجنة فيها متعتان: المتعة الأولى بالذوق والطعم، والثانية: بالرؤية والنظر. * ومِن فوائد الآية الكريمة: أن في الجنة كل شيء يُطلب؛ لقوله: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت ٣١] فكل ما يطلبون فإنه موجود في الجنة، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهلها. * ومِن فوائد هذه الآية الكريمة: أنهم يُؤْتَوْن هذا الرزق في الجنة على أنه إكرام وكرامة؛ لقوله: ﴿نُزُلًا﴾ وأصل النزل ما يُقدَّم للضيف من الكرامة. * ومن فوائد الآية أيضًا: أنهم إنما وصلوا إلى ذلك بمغفرة الله ورحمته لقوله: ﴿نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت ٣٢]، ولولا ذلك ما وصلوا إلى ما وصلوا إليه، ولهذا أخبر النبي ﷺ أنه: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٧٣)، ومسلم (٢٨١٦ / ٧١) من حديث أبي هريرة.]]، فالإنسان لا يصل إلى الجنة بالعمل، ووجه ذلك أنه لو قُوبل العمل بالنعمة التي أنعم الله بها على الإنسان لم يكن شيئًا؛ إذ إن نِعَم الله لا تُحصى ولا تُعد، بل قال بعض أهل العلم: إن شكر نعمة الله على النعمة نعمةٌ يحتاج إلى شكر ثانٍ، والشكر الثاني نعمة يحتاج إلى شكر ثالث، وهلم جرًّا، وعليه يقول الشاعر: إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَةً ∗∗∗ عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ؎فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ ∗∗∗ وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَالْعُمْرُ * ومِن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: الغفور، الرحيم. وهنا نعطيكم قاعدة مفيدة في الأسماء الحسنى: الأسماء الحسنى تدل على الذات والصفة دلالة مطابقةٍ وتَضَمُّنٍ ودلالة التزام، فـ(غفور) يدل على أن هناك غافرًا وهو الله، ويدل على صفة المغفرة له؛ إذ لا يمكن أن يوجد اسم مشتق لا يوجد في موصوفه أصل الاشتقاق، ولهذا لا تقول للأعمى إنه بصير ولا للأصم إنه سميع، فلا بد إذن من إثبات الذات المتصفة بما دل عليه الاسم، ولا بد من إثبات الصفة التي اشتق منها الاسم. لا بد أيضًا من إثبات لازم تلك الصفة لا بد من هذا، مثال ذلك قال الله تبارك وتعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق ١٢]، فأخبر أنه خلق وبَيَّن أنه أخبرنا بذلك؛ لنعلم أنه على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا، فكيف دلت صفة الخلق على العلم والقدرة؟ لأنه لا يمكن خلق إلا بعلم، يعلم كيف يخلق، ولا يمكن خلق إلا بقدرة، ولهذا من لا علم له لا يمكن أن يخلق، ومن عنده علم ولكنه عاجز لا يمكن أن يخلق، أرأيت لو أن شخصًا أراد أن يصلح مُسجلًا هل يمكن أن يصلحه إلا بعلم كيف يصلحه؟ لا يمكن، وهل يمكن أن يصلحه وهو عاجز أشل؟ لا يمكن. إذن: الخالق من أسماء الله تتضمن الدلالة على الذات وهو الله، وعلى صفة الخلق، وعلى صفة العلم، وعلى صفة القدرة. تدل على صفة الخالق الذي هو ذات الله عز وجل، وعلى صفة الخلق بالتضمن والمطابقة، كيف بالتضمن والمطابقة؟ إذا أُخِذ اللفظ بكامل معناه سُميت الدلالة مطابقة، وإذا أخذ ببعض معناه صارت الدلالة تضمنًا، وإذا أُخذ بما يلزم على ذلك صارت الدلالة التزامًا. فدلالة الخالق على الذات وصفة الخلق؟ المطابقة، ودلالتها على الذات وحدها؟ تَضَمُّنٌ، وعلى الخلق وحده؟ تَضَمُّن، وعلى العلم والقدرة؟ التزام. نضرب مثلًا في المحسوسات تقول مثلًا: لي دار، الدار كما نعلم تتضمن حجرًا وغرفًا وساحات وأبوابًا وشبابيك وما إلى ذلك، دلالة هذه الكلمة (دار) على مجموع هذا؟ دلالة مطابقة يا إخواني مطابقة، ودلالتها على كل غرفة وحجرة وشباك؟ تضمُّن، ودلالتها على أن لهذا البيت بانيًا؟ التزام. أسماء الله تعالى تجرى على هذا، كذلك أيضًا يقولون: إذا كان الاسم متعديًا فلا بد من الإيمان به اسمًا من أسماء الله، والإيمان بما دل عليه من صفة، والإيمان بما يترتب على تلك الصفة من أفعال. فـ(الغفور) لا يتم الإيمان به حتى تؤمن بأن الله تعالى تسمى بهذا الاسم (غفور)، فتؤمن بأن الغفور اسم من أسماء الله، لا بد أن تؤمن بما تضمنه من صفة المغفرة، لا بد أن تؤمن بأن الله يغفر، بمقتضى هذا الاسم ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة ٢٨٤]، فانتبهوا لهاتين القاعدتين: الدلالة دلالة الاسم على المعنى تتضمن ثلاث دلالات: مطابقة، تضمُّن، التزام. ثم الاسم من أسماء الله إذا كان متعديًا فلا يتم الإيمان به إلا بثلاثة أمور: أن تؤمن بأنه اسم من أسماء الله، أن تؤمن بما دل عليه من صفة، أن تؤمن بما يترتب عليه من أثر، فإذا كان الاسم غير متعدٍّ فلا بد من الإيمان بأنه اسم من أسماء الله، وبما تضمنه من صفة، وليس له أثر؛ لأنه غير متعدٍّ، فـ(الحي) -مثلًا- الحي اسم من أسماء الله لا يتم الإيمان به حتى تؤمن بأنه اسم من أسماء الله، وبأن الله متصف بما دل عليه من صفة، وهي: الحياة، هل له أثر؟ لا، الحياة صفة لازمة ما تتعدى، لكن السميع؟ متعدٍّ، السميع ذو سمع يسمع به، البصير ذو بصر يبصر به.

فصلت 41:33

ثم قال عز وجل: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت ٣٣] هذه ثلاثة أوصاف إذا اتصف بها الإنسان فلا أحسن من قوله. يقول الله عز وجل: (﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا﴾ أي: لا أحد أحسن قولًا) تفسير المؤلف لهذه الجملة يفيد أن (من) اسم استفهام لكنه بمعنى النفي، (من أحسن) يعني: لا أحد أحسن، إذا جاء اسم الاستفهام أو إذا جاء الاستفهام بمعنى النفي فإنه مُشْرب معنى التحدي، أيهما أبلغ أن تقول: لا أحد أحسن قولًا ممن دعا إلى الله، أو أن تقول: من أحسن؟ الثاني أبلغ؛ لأن الثاني يتضمن النفي ويتضمن التحدي كأنه يقول: ائت لي ببينة على أن هناك أحدًا أحسن ممن دعا إلى الله، كل استفهام جاء بمعنى النفي فإنه مُشرب معنى التحدي؛ لأنك إذا قلت: من كذا؛ يعني معناه: أتحداك أن تأتي لي بشيء سوى ذلك، فـ(من أحسن) أشد نفيًا من قول: لا أحد أحسن؛ وذلك لأنها جملة استفهامية مُشربة معنى التحدي. (أحسن) هذه خبر المبتدأ، و(من) هو المبتدأ، و(قولًا) تمييز؛ لأنه كلما جاءك اسم منصوب بعد اسم التفضيل فهو تمييز له. ﴿مَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ قال المؤلف: (بالتوحيد) وهذا لا شك حسن، لكن الآية أشمل من التوحيد ﴿مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ بالتوحيد والعمل الصالح، وغير ذلك (...) إلى الله. وقوله: ﴿مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ يعني إلى دين الله، ودين الله يتضمن التوحيد والأعمال الصالحة. ثانيًا قال: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ فبدأ بإصلاح الغير ثم ثنى بإصلاح النفس، مع أن من دعا إلى الله فهو مصلح لنفسه أيضًا. ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ (صالحًا): صفة لموصوف محذوف، التقدير: وعمل عملًا صالحًا، ولا يكون العمل صالحًا إلا بشرطين هما الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله ﷺ. صالحًا ويش إعرابه؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، قلنا: إنها صفة لموصوف محذوف، والتقدير: عمل عملًا صالحًا. متى يكون العمل صالحًا؟ * طالب: إذا أخذ فاعله بشرطين: الإخلاص لله سبحانه وتعالى، والمتابعة لرسوله ﷺ. * الشيخ: أحسنت، الإخلاص لله عز وجل والمتابعة لرسول الله ﷺ. فعمل المرائي أَعَمَلٌ صالحٌ هُوَ؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: فقد الإخلاص. وعمل المبتدع أصالح هو؟ لا؛ لفقده المتابعة، وحينئذ نقول لهؤلاء المبتدعين الذين عندهم من الإخلاص لله ما عندهم: إن عملكم حابط، قال النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) واللفظ له، من حديث عائشة.]]. ثم نقول: حقيقة الإخلاص تستلزم ألا تعبد الله إلا بما شرع، لا تعبده بهواك؛ لأنك إذا عبدت الله بهواك بالبدعة فأنت غير مخلص، المخلص لا بد أن يعبد الله سبحانه وتعالى بما شرع، فصار العمل الصالح ما تركب من شيئين: الأول: الإخلاص. والثاني: المتابعة لرسول الله ﷺ. قال: ﴿وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت ٣٣] قال باللسان أو بالقلب؟ بهما جميعًا. فإن قال قائل: قوله: ﴿إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ هو من العمل الصالح لا شك، فما الفائدة من ذلك؟ قلنا: الفائدة أنه يعلن هذا القول ولا يبالي بمن خالفة؛ لأن من الناس من يعمل صالحًا، لكنه تجده متسترًا ليس عنده الشجاعة التي تجعله يعلن ذلك، أما هذا فإنه يُعلن ويقول بلسان المقال غير مبالٍ: إنني من المسلمين. والجملة كما تعلمون (إنني) مؤكدة بـ(إن)، ذكر بعض أهل العلم أن المراد بذلك المؤذن؛ لأن المؤذن يدعو إلى الله يقول للناس: حي على الصلاة، حي على الفلاح، ولأنه مؤمن عامل صالحًا؛ ولأنه يقول: أشهد أن لا إله إلا الله يعلنها، وأشهد أن محمد رسول الله، وهذا معنى قوله: ﴿إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. لكن الصحيح أن الآية عامة تشمل المؤذن وغير المؤذن، الخطيب على المنبر يدخل في الآية ولّا لا؟ يدخل في الآية، المعلم في حلقة تعليمه يدخل في ذلك، فالآية أعم مما ذكر. ولكن اعلم أن بعض السلف يذكر للآية معنى خاصًّا لا يريد حصرها في هذا المعنى وإنما يريد التمثيل، وهذه مسألة قد تفوت على بعض الناس، دائمًا ننظر في ابن كثير أو ابن جرير أنه قال: فلان كذا. لجزء المعنى، فَهُمْ لا يريدون أن يقصروا العام على الخاص؛ لأنهم أعلم من أن يقتصروا على بعض أفراد العام مثلًا، لكنهم يريدون التمثيل. مثال ذلك مثلًا قال بعض العلماء: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر ٣٢] قال: الظالم لنفسه الذي يؤخر الصلاة عن وقتها، المقتصد الذي يصليها في آخر الوقت، السابق بالخيرات الذي يصليها في أول الوقت، هذا لا شك أنه حصر، بل لا شك أنه تخصيص للعام، فنقول: أرادوا بذلك التمثيل. * من فوائد الآية الكريمة: تفاضل الأعمال لقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا﴾ [فصلت ٣٣]، و(أحسن) اسم تفضيل، ولا شك أن الأعمال تتفاضل باعتبار الجنس وباعتبار النوع وباعتبار الهيئة؛ ثلاثة اعتبارات: باعتبار الجنس وباعتبار النوع وباعتبار الهيئة والكيفية. تتفاضل باعتبار الجنس: فمثلًا الصلاة أفضل من الزكاة، الزكاة أفضل من الصوم، الصوم أفضل من الحج، هذا باعتبار الجنس، ثم هذا الجنس أيضًا تتفاضل من وجه آخر: واجب العبادة أفضل من نفلها، فصلاة الظهر مثلًا أفضل من قيام الليل، هذا تفاضل باعتبار الجنس لكنه من وجه آخر. دليل ذلك: أن النبي ﷺ قال عن الله: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ»[[أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة.]]. تتفاضل باعتبار النوع: مثل: الوتر أفضل من مطلق التهجد، الرواتب أفضل من النفل المطلق، هذا باعتبار النوع، وإن شئت فاجعل تفاضلها باعتبار الوجوب والندب من هذا النوع. الثالث: باعتبار الهيئة، صلاة يخشع فيها الإنسان ويتدبر ما يقول وما يفعل ويطمئن، وصلاة أخرى يقتصر على الواجب وبدون خشوع قلب مثلًا، أيهما أفضل؟ الأولى أفضل. والمهم: أننا نؤمن بأن الأعمال تتفاضل، وأن بعضها أحب إلى الله من بعض. يبقى النظر هل يلزم من تفاضل العمل تفاضل العامل؟ نعم، وعلى هذا فالعامل أيضًا يختلف ويتفاضل، قال النبي ﷺ: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي؛ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١ / ٢٢٢) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، العمل واحد لكن العامل مختلف. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الدعوة إلى الله عز وجل لقوله: ﴿مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت ٣٣]. * ومن فوائدها: الإشارة إلى الإخلاص في الدعوة نأخذها من قوله: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾؛ لأن الداعي ربما يدعو ويقوم للناس ويذكرهم ويعظهم ويحثهم على الخير ويحذرهم من الشر، لكن يريد أن يكون مرموقًا بينهم، هل هذا داعٍ إلى الله ولّا دعا لنفسه؟ إلى نفسه، فلا بد إذن من الإخلاص. لو قال قائل: هل يثلم الإخلاص ما لو أراد بالدعوة إصلاح الناس؟ الجواب: لا يثلمه؛ لأن أصل دعوته من أجل إصلاح الناس. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة العمل الصالح الذي جمع بين الأمرين؛ الإخلاص والمتابعة؛ لقوله: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب العلم، من أين نأخذه؟ من قوله: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [فصلت ٣٣]؛ لأنه لا يمكن أن تعرف أن العمل موافق للشرع أو غير موافق إلا بالعلم، وهذا واضح، فيكون في الآية دليل على وجوب العلم؛ لأنه إذا كان العمل الصالح من الواجبات فلا بد أن تعلمه بالشرع، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للمسلم أن يكون عزيزًا بدينه، وأن يعلن به، وأن يقول: إنني من المسلمين، وألّا يستحي إذا قيل له إنه مسلم؛ لقوله: ﴿وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت ٣٣]. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى تجنب التزكية الذاتية؛ لأنه قال: ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، ولم يقل: وقال إنني مسلم؛ لأن الإنسان قد يعتز بقوله: إني مسلم، ويفخر أكثر مما يكون ذلك فيما لو قال: إنني من المسلمين. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى المؤاخاة بين المسلمين؛ لقوله: ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ إشارة إلى أنني كواحد من هؤلاء لا أفترق عنهم. * طالب: (...). * الشيخ: هذا سؤال يرد علينا كثيرًا، هل أفضل طلب العلم أو الاشتغال بالدعوة؟ والواقع أنه سؤال غير محرر؛ أولًا: إنه يمكن الجمع بين هذا وهذا، ونحن نعلم أن الداعية ليس يشغل وقته من صلاة الفجر إلى ما بعد صلاة العشاء وهو يدعو أبدًا، هل أحد من الدعاة يفعل هكذا؟ أبدًا، يدعو نصف ساعة هنا ونصف ساعة هناك، وأما يبقى لا يسكت من صلاة الفجر إلى أن يصلي العشاء لا يمكن، لا بد من فترات، فلا يتعذر الجمع بين الدعوة إلى الله وطلب العلم؛ يطلب العلم ساعة أو ساعتين ثم يدعو نصف ساعة مثلًا، فلا منافاة، هذه واحدة. ثانيًا: أنه لا يمكن الدعوة إلى الله بلا علم، والدعوة إلى الله عن جهل قد يكون فيها من الضرر أكثر من عدم الدعوة، كثير من الدعاة يكون عنده غيرة ومحبة للخير فتجده يحرِّم الحلال أو يوجب ما ليس بواجب بناءً على ما عنده من الغيرة، ولو كان ذا علم لحصل له الثبات، ولا يخفى عليكم ما جرى من «عمر رضي الله عنه في صلح الحديبية ماذا فعل؟ صار يعارض الصلح ويأتي للرسول عليه الصلاة والسلام يريد أن يحل عقدة الصلح»[[رواه البخاري (٢٧٣١) من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، وفيه: فقال عمر بن الخطاب: فأتيتُ نبيَّ الله ﷺ فقلتُ: ألستَ نبي الله حقًّا! قال: «بلى»، قلتُ: ألسْنَا على الحقِّ وعدونا على الباطل! قال: «بلى»، قلت: فلمَ نعطي الدَّنِيَّة في ديننا إذن! قال: «إنِّي رسولُ الله، ولستُ أعصيه، وهو ناصري»، قلت: أوليسَ كنتَ تحدُّثنا أنَّا سنأتي البيتَ فنطوفُ به؟ قال: «بلى، فأخبرتُك أنَّا نأتيه العامَ؟»، قال: قلتُ: لا، قال: «فإنَّك آتيهِ ومُطوِّفٌ بهِ».]]، لكن الثبات كثبات أبي بكر تبين به الحق، فلا يمكن أن يكون داعية يدعو إلى الله بلا علم. هذا إذا أردنا العلم بما يدعو إليه ولسنا نريد أنه لا يمكن أن يدعو إلى الله إلا من كان متبحرًا بالعلوم لا، لو قلنا هكذا ما صح قول الرسول: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آَيَةً»[[أخرجه البخاري (٣٤٦١) من حديث عبد الله بن عمرو.]] أفهمت؟ إذن الجواب من وجهين: الوجه الأول: أنه لا منافاة بين العلم والدعوة. الوجه الثاني: أنه لا تمكن الدعوة إلا بعلم بما يدعو إليه. بقي علينا وسائل الدعوة، وسائل الدعوة كثيرة؛ يعني ليست الدعوة مختصة بأن يقوم الإنسان يتكلم، الدعوة تكون بالقول وتكون بالكتابة وتكون بنفس الفعل، الإنسان الذي تثق منه تجد أنك تنظر ماذا يصنع، وتفعل مثله، هذا دعوة، هذا نوع من الدعوة، بل قد تكون الدعوة بالفعل والعمل أقوى تأثيرًا من الدعوة باللسان. * طالب: شيخ بارك الله فيكم، طالب العلم الذي يريد الدعوة -لا سيما الدعوة في الحارات- لأنه يا شيخ يوجد في الحارات منكرات كثيرة، منكرات حتى في الصلاة، فيعرف أن فلان وفلان يتركون الصلاة، فإن جلس يمشي إليهم ضاع وقته، وبعضهم يقول إنه ما هو موجود، ويقع الإنسان في حرج؛ إما أن يتركهم أو يشتغل بما هو فيه، والوقت قليل وإن تفرق قَلَّ، فهل يُعذر الإنسان إذا غلب على ظنه أن هذا الشخص بعيد الاستجابة، وكذلك بعيد أن يقبل منه، ولن تجد الوقت المناسب له؟ * الشيخ: هذه في الواقع موعظة أو أمر، الدعوة تكون بصفة عامة، أما أن تذهب إلى فلان وتنصحه فهذا في الحقيقة موعظة، وإذا كان لك سلطة فهو أمر بالمعروف، وهذا كما تعرف له أحوال، لا يجب على الإنسان أن يترك ما يهمه في دينه ودنياه من أجل أن يذهب إلى الناس يقرع أبوابهم ليأمرهم أو يعظهم، هذا ليس بواجب. * الطالب: فيه الاستحباب «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا»[[أخرجه مسلم (٤٩ / ٧٨) من حديث أبي سعيد الخدري.]]. * الشيخ: نعم «مَنْ رَأَى» لكن الرسول ﷺ ما قال: تَطَلَّبُوا رؤية المنكر، وهذا الذي لا يصلي يمكن أن أعظه في السوق في المسجد، ولهذا نجد الناس الآن يستثقلون أن يقرع عليهم الباب أحد يعظهم أو يأمرهم، وربما حصل من ذلك ما يُسمى بِرَدِّ الفعل. * طالب: شيخ، كيف نجمع بين هذا وبين حديث الرسول: «إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ أُنَاسٌ لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٠٦)، ومسلم (١٨٣ / ٣٠٢) من حديث أبي سعيد الخدري.]]؟ * الشيخ: نعم، والعقيدة؟ * الطالب: عندهم عقيدة، موحدون. * الشيخ: لكن هذا عُذِّب الآن، عُذِّب ما تُرِك. * الطالب: العقيدة أنه خارج من النار. * الشيخ: لكن هل هذا تنزلت عليه الملائكة؟ ما تنزل عليه الملائكة، ثم لا بد أن يكون عند هذا الإنسان عقيدة إيمانية، وإلا لقلنا: النصارى أيضًا يخرجون من النار بعقيدتهم. * * * * طالب: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت ٣٣ - ٣٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [فصلت ٣٣]، ما الذي نصب (قولًا)؟ * طالب: التمييز. * الشيخ: التمييز، فهل هناك قاعدة في مثل هذا السياق؟ * طالب: إذا جاء اسم بعد أفعل التفضيل يكون منصوبًا على التمييز. * الشيخ: إذا جاء اسم مبين لاسم التفضيل صار منصوبًا على التمييز. الاستفهام هنا بمعنى؟ * الطالب: التحدي. * الشيخ: لا، بمعنى النفي، وهو مُشْرب معنى التحدي. من المراد بهذا ﴿مَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [فصلت ٣٣]؟ * طالب: المراد كل من قام بالدعوة إلى الله سواءً بالكلمة أو بالأعمال أو بالقول. * الشيخ: يعني: عامٌّ، كل من دعا. ذكر بعضهم أنه مؤذن؟ * الطالب: هذا من باب ذكر بعض أنواع العموم. * الشيخ: فيكون مراده؟ * الطالب: بعض أنواع العام، ولا يُراد منه التخصيص. * الشيخ: لكن المراد أيش؟ * الطالب: التمثيل. * الشيخ: التمثيل، بارك الله فيك. قال الله تبارك وتعالى: (﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ [فصلت ٣٤] في جزئياتهما؛ لأن بعضهما فوق بعض). قوله: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ فسرها المؤلف بأن المعنى: لا تستوي الحسنات بعضها مع بعض ولا السيئات بعضها مع بعض، وعلى هذا التفسير تكون (لَا) غير زائدة؛ تكون أصلية، ويكون المراد بالآية: انتفاء تساوي الحسنات وانتفاء تساوي السيئات، وهذا أمر لا إشكال فيه؛ أن الحسنات بعضها أحسن من بعض، وأفضل من بعض، وأوكد من بعض، وكذلك السيئات بعضها أسوأ من بعض وأشد، لكن هناك تفسيرًا آخر وهو: أن المعنى أن الحسنات والسيئات لا تتساوى بدليل قوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ إلى آخره [فصلت: ٣٤]، وبناءً على ذلك تكون (لَا) زائدةً للتوكيد، كما هي في قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة ٧]، فإن (لَا) هنا زائدة للتوكيد، ولهذا لو قلت في غير القرآن العزيز، لو قلت: غير المغضوب عليهم والضالين؛ لاستقام الكلام. فإذا قال قائل: هل هناك ترجيح؟ قلنا: المؤلف رَجَّح المعنى الأول، وهو أن الحسنات لا تتساوى، والسيئات لا تتساوى، وبعضهم رجَّح الثاني؛ لأنه قال: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ﴾ إلى آخره، ولو قيل بالمعنيين جميعًا لم يكن هناك بأس؛ وذلك لأن الآية إذا كانت تحتمل معنيين على السواء وهما لا يتنافيان فإنها تُحمل عليهما جميعًا، هذه القاعدة في أصول التفسير. (الحسنة) ما يحسن ذكره، و(السيئة) ما يسوء ذكره هذا التفسير العام للحسنة وللسيئة. قال: ﴿ادْفَعْ﴾ السيئة ﴿بِالَّتِي﴾ أي: بالخصلة التي ﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾ إلى آخره. الغريب أن كلام المؤلف في ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ يقتضي أن معنى الجملة قبلها: لا تستوي الحسنة مع السيئة. ﴿ادْفَعْ﴾ السيئة ﴿بِالَّتِي﴾ أي: بالخصلة التي ﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾ أفادنا -رحمه الله- أن (التي) صفة لموصوف محذوف؛ أي: بالخصلة التي هي أحسن من السيئة. فإذا قال قائل: السيئة ليس فيها حسن، فكيف يقول: أحسن من السيئة؟ قلنا: إن اسم التفضيل قد يأتي وليس في الطرف الآخر منه شيء، كما في قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان ٢٤]، مع أن أصحاب النار ليس في مستقرهم خير ولا في مقيلهم خير. ويكون معنى الآية أنه لما كان من المعتاد أن الإنسان لا يدفع السيئة بالتي هي أحسن أمره الله أن يدفع بالتي هي أحسن؛ وذلك لأن مدافعة السيئة تكون على ثلاثة وجوه: الوجه الأول: أن يدفع سيئةً بمثلها، وهذا جائز. والثانية: أن يدفع السيئة بحسنة، لكن هناك شيء أحسن منها، وهذا أيضًا جائز، وهو أعلى من الأول. الثالث: أن يدفع السيئة بالتي هي أحسن؛ يعني بأحسن ما يدفعها به، وهذا أفضل وأطيب، وهو الذي أمر الله به، فصارت مقابلة السيئة على ثلاثة وجوه: الأول: السيئة بمثلها ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى ٤٠]. الثاني: بحسنة لكن غيرها أحسن. الثالث: بالتي هي أحسن؛ يعني إذا أساء إليك إنسان فلا تقابله بإساءة، ولا تقابله بحسنة أيضًا، قابله بما هو أحسن. يقول المؤلف ممثلًا: (كالغضب بالصبر، والجهل بالحلم، والإساءة بالعفو) هذه أمثلة: (الغضب بالصبر) يعني إذا غضب عليك إنسان فاصبر وتحمل، (الجهل بالحلم) إذا جهل عليك إنسان بالإساءة فقابله بالحلم. فإذا قال إنسان: الجهل هل هو يقابل الحلم أو يقابل العلم؟ قلنا: أما الجهل الذي هو عدم العلم فيُقابَل بالعلم، وأما الجهل الذي هو ضد الحلم بمعنى أن يكون الإنسان ذا عدوان على الغير فهذا يُقابَل بالحلم، قال الشاعر العربي: أَلَا لَا يَجْــــهَلَنْ أَحَـــــدٌ عَلَيْــــنَا ∗∗∗ فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَا وكذلك الإساءة بالعفو، إذا أساء إليك إنسان فاعف عنه، وقد سبق مرارًا ونكرره تكرارًا أن العفو إنما يُندب إليه إذا كان فيه إصلاح؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ٤٠]. ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت ٣٤] (فإذا): (إذا) فجائية والفاء عاطفة، أي: فإذا دفعت بالتي هي أحسن فاجأتك هذه الحالة، وهي: أن تنقلب عداوة الشخص الذي أساء إليك فيصير كأنه ولي حميم؛ يعني: صديقًا قريبًا، وتأمل كون الجواب بـ(إذا) الفجائية ليتبين لك أن انقلاب عداوته إلى ولاية حميمة لا يتأخر كثيرًا؛ لأن (إذا) الفجائية تدل على الفورية. ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت ٣٤] لو كان المخبر بذلك غير الله عز وجل لكان الإنسان يتردد، وكيف ينقلب العدو صديقًا حميمًا بهذه السرعة؟ نقول: إن الذي أخبر بذلك من؟ هو الله عز وجل، ومن أصدق من الله قيلًا، ثم إن الذي أخبر بذلك هو الذي قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابعه يقلبها حيث يشاء، لا تستبعد هذا، الأمور بيد الله وكم من عدو انقلب صديقًا، وصديق انقلب عدوًا. ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت ٣٤] أي: فيصير عدوك كالصديق القريب بمحبته إذا فعلت ذلك، فـ(الذي) مبتدأ، و(كأنه) الخبر، و(إذا) ظرف لمعنى التشبيه. ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت ٣٤] أعربها المؤلف يقول: (الذي: مبتدأ)، ﴿بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ﴾ هذا صلة الموصول، (وكأنه الخبر) خبر المبتدأ (الذي)، (وإذا ظرف لمعنى التشبيه) (إذا) في قوله: ﴿فَإِذَا الَّذِي﴾ ظرف لمعنى التشبيه الذي هو (كأنه)؛ لأن التشبيه مضمن معنى الفعل، فلذلك صح أن يتعلق به الظرف. هذا ما ذهب إليه المؤلف بالنسبة لـ(إذا)، والصحيح أن (إذا) فجائية لا تحتاج إلى متعلق. يقول رحمه الله: (﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾ أي: يؤتى الخصلة التي هي أحسن ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ﴾ ثواب ﴿عَظِيمٍ﴾ [فصلت ٣٥]). ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾ قال المؤلف رحمه الله: (أي يؤتى الخصلة)، وقيل: معناها لا يوفق لها، والمعنى متقارب؛ يعني: لا ينال أحد هذه الخصلة، وهي الدفاع بالتي هي أحسن إلا الذين صبروا، هذه الجملة فيها حصر طريقه النفي والإثبات: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت ٣٥]. وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت ٣٥] أي: حبسوا أنفسهم وأجبروها على تحمل هذا الأمر، وذلك لأن هذا الأمر شديد، إذ أن النفوس تحب الانتقام ممن أساء إليها، ولكن يُقال: ادفع بالتي هي أحسن، لهذا قال: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت ٣٥] كل إنسان سوف يعاني معاناة شديدة إذا سلك هذه الطريق؛ وهي: الدفاع بالتي هي أحسن، لا بد أن يجد عناءً ومشقة، فأثنى الله تعالى على الصابرين على ذلك. الصبر لا يحتاج إلى أن نطيل الشرح فيه؛ لأنهم قالوا: إنه يكون ثلاثة أنواع: يكون صبرًا على طاعة الله، وصبرًا عن معصيته، وصبرًا على أقداره. ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت ٣٥] قال: (ثواب) ﴿ذُو حَظٍّ﴾ أي ثواب، والصواب أن يُقال: الحظ هو النصيب، أي: ما يُلقاها إلا ذو نصيب عظيم، ليس من الثواب فحسب بل من الثواب والأخلاق والرزانة وغير ذلك؛ يعني: من له نصيب عظيم من الثواب والأخلاق والرزانة والتأني وغير ذلك، فلا ينبغي أن يقتصر في ذلك على الثواب، ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت ٣٥]. ولما ذكر الله تعالى دفع العدو من بني آدم ذكر دفع العدو من غير بني آدم، فقال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [فصلت ٣٦]، شوف مدافعة العدو من غير بني آدم، لم يقل: ادفع بالتي هي أحسن، قال: الجأ إلى الله؛ لأنك لا تستطيع أن تدفع الشيطان إلا باللجوء إلى الله عز وجل، إذ إن الشيطان ليس أمامك حتى تلوي عنقه وتقتله، ولكنه لا يدفعه إلا الله، ولهذا قال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [فصلت ٣٦]. فالمناسبة بين هذه الآية والتي قبلها أنه لما ذكر مدافعة العدو من بني آدم ذكر مدافعة العدو من غير بني آدم، فقال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [فصلت ٣٦]. قال: (إما) (فيه إدغام نون إن الشرطية في ما الزائدة)، (إما) أصلها (وإن ينزغنك) لكن (ما) الزائدة تُزاد كثيرًا في أدوات الشرط كقوله هنا: (وإما ينزغنك)، وكقوله تعالى: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء ١١٠]. ﴿إِمَّا يَنْزَغَنَّكَ﴾ يعني: إن ينزغك ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [فصلت ٣٦] (أي: يصرفك عن الخصلة وغيرها من الخير صارف ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ ). المؤلف -رحمه الله- إذا نظرنا إلى تفسيره وجدناه يقصر هذه الآية على شيء معين، وهي إن صرفنا الشيطان عن المدافعة بالتي هي أحسن فاستعذ بالله. والصواب خلاف ذلك، الصواب: أن الآية عامة، ولهذا قال: ﴿إِمَّا يَنْزَغَنَّكَ﴾ أي: يصيبنك. ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ (نزغ) نكرة في سياق إيش؟ * طالب: النفي. * الشيخ: خطأ، اقرأ الآية ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ [فصلت ٣٦] نكرة في سياق؟ * طالب: نكرة في سياق الشرط. * الشيخ: في سياق الشرط، فتكون عامة سواء كان في المدافعة بالتي هي أحسن أو غير ذلك، كلما أصابك نزغ من الشيطان فاستعذ بالله، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي شكا إليه الوسوسة في الصلاة أمره أن يستعيذ بالله قال: «يتفُل عن يسارِه ثلاثًا ويستعيذ بالله»[[أخرجه مسلم (٢٢٠٣ / ٦٨) من حديث عثمان بن أبي العاص.]]. المهم: أنه متى نزغك من الشيطان نزغ فالجأ إلى من يستطيع دفعه؛ الله عز وجل، لكن كيف أعرف أن الشيطان نزغ أحدًا؟ ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة ٢٦٨]، كلما رأيت أنه ألقي في روعك أن تفعل معصية فاعلم أنه نزغ من الشيطان، كلما ألقي في روعك أنك تترك طاعة فهذا نزغ من الشيطان استعذ بالله؛ لأن الشيطان ليس شيئًا محسوسًا يحسه الإنسان فيراه ويسمعه، لكن يُعرف بما يلقي في القلب. ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [فصلت ٣٦] أي اعتصم به، قال المؤلف: (جواب الشرط، وجواب الأمر محذوف؛ أي: يدفعه عنك)، أين الأمر؟ (استعذ) يعني كأن قائلًا يقول: وإذا استعذت فما النتيجة؟ النتيجة أن يدفعه الله عنك لأن الله تعالى لم يأمرك بالاستعاذة به -والاستعاذة كما تعرفون هي الاستجارة مما يسوء- استعذ بالله يدفعه عنك. (﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ للقول ﴿الْعَلِيمُ﴾ [فصلت ٣٦] بالفعل) هذه الجملة تعليلية، لقوله: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾؛ يعني: فإنك إذا استعذت منه بالله سمعك، وإنه عليم بكيفية دفع هذا الشيطان الذي نزغك منه نزغ فهو سميع لقولك إذا استعذت به عليم بما يدفع به عنك هذا الشيطان. * في الآية فوائد: منها: انتفاء تساوي الحسنات بعضها ببعض، وانتفاء تساوي السيئات بعضها ببعض. * فيترتب على ذلك فائدة: أن الحسنات تتفاوت والسيئات تتفاوت، فمن الحسنات ما هو أصول في الإسلام كالأصول الخمسة، ومنه ما هو دون ذلك، ومنه ما هو فرائض، ومنه ما هو نوافل. في المحرمات ما هو شرك مخرج عن الملة وما هو شرك دون ذلك، وكذلك يُقال في الكفر، ومنه ما هو فسوق ومنه ما هو دون ذلك، هذا إذا قلنا: إن المراد أن الحسنات لا تتساوى والسيئات لا تتساوى. أما إذا قلنا: لا تستوي الحسنة ولا السيئة؛ أي: إن الحسنة والسيئة لا يتساويان فيفيد الحث على فعل الحسنات في مقابل السيئات، وليس الفائدة أن يعلم أن الحسنة لا تساوي السيئة؛ لأن هذا أمر معلوم، ولا يمكن في القرآن ببلاغته أن يأتي بمثل ذلك؛ لأن هذا كقولك: السماء فوقنا، والأرض تحتنا، لكن المراد الحث على أن تُقابل السيئة بحسنة. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإرشاد إلى مدافعة السيئات. * طالب: ادفع. * الشيخ: من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿ادْفَعْ﴾، يؤخذ من قوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت ٣٤]. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على أعلى المقامات في مدافعة السيئات، تؤخذ من قوله: ﴿أَحْسَنُ﴾، ولم يقل: ادفع بالحسن، بل قال: ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت ٣٤]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى مقلب القلوب، فقد يكون العدو صديقًا والصديق عدوًا؛ لقوله: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ﴾ [فصلت ٣٤]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنك لا تأخذك العزة بالإثم فتقول: لا يمكن أن أسكت أمام هذا الذي أساء إلي ولا بد أن آخذ بحقي، نقول: إذ أخذت بحقك فذلك، لكن هناك خُلُق أفضل وأكمل، وهو المدافعة بالتي هي أحسن. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المدافعة بالتي هي أحسن شاقة على النفس؛ لقوله: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت ٣٥]، ولكن اصبر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من سلك هذه الطريق؛ وهي مدافعة السيئة بما هو أحسن، فإنه ذو نصيب عظيم من الأخلاق والثواب والرزانة والرجولة والشهامة وغير ذلك؛ لقوله: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت ٣٥]. * ومِن فوائد الآية: التي بعدها أن ملجأ الإنسان عند الخوف مما لا يمكنه دفعه هو الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [فصلت ٣٦]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنك كلما أحسست بشيء من نزغات الشيطان من تهاون بالمأمور أو ارتكاب لمحذور فعليك أن تلجأ إلى الله عز وجل. فإن قال قائل: نجد الاستعاذة مشروعةً في غير هذه الحال، مشروعة عند قراءة القرآن مثلًا، مشروعة عند دخول الخلاء، فما الجواب؟ الجواب: أن مشروعيتها عند تلاوة القرآن؛ لأن الشيطان يتسلط على الإنسان حين قراءة القرآن أن يصده عما فيه من الذكر الحكيم، يصده عن تدبره، عن الخشوع فيه، عن كون الإنسان يلتزم بأوامره ونواهيه ويصدق بأخباره. المهم أن الشيطان يحرص على الإنسان إذا أراد قراءة القرآن، فناسب أن يؤمر بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، وكذلك عند دخول الخلاء؛ لأن الخلاء موطن الشياطين، الشياطين تكون في أخبث الأماكن، والملائكة في أطيب الأماكن، ولهذا كانت المساجد بيوت الملائكة، وكانت المراحيض بيوت الشياطين. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الشيطان وأن له سلطة على ابن آدم لقوله: ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [فصلت ٣٦]، وهو كذلك، والله سبحانه وتعالى سَلَّط الشيطان على بني آدم، وأيد المؤمنين بالملائكة، فإن الشيطان إذا أمر بالفحشاء فإن هناك أمرًا آخر يضاده، وهو أمر الملك. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يُستعاذ إلا بالله، في قوله: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [فصلت ٣٦]، لكن هذا مقيد بما لا يقدر عليه إلا الله، فإنه لا استعاذة منه إلا بالله، وكذلك أيضًا لا استعاذة لمخلوق غير قادر، فمثلًا لو أن الإنسان استعاذ بميت لكان هذا شركًا؛ لأن الميت لا يمكن أن يفيدك، لكن لو استعاذ بحي فيما يقدر عليه فلا بأس بذلك؛ لأن النبي ﷺ قال: «مَنْ وَجَدَ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٠١)، ومسلم (٢٨٨٦ / ١٢) من حديث أبي هريرة.]]، فالاستعاذة بالمخلوق فيما يقدر عليه كالاستعانة به فيما يقدر عليه وكالاستغاثة به فيما يقدر عليه. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات السميع العليم لله؛ يعني أنهما من أسماء الله عز وجل، وسبق أنه لا يتم الإيمان بالاسم إلا بثلاثة أمور إن كان متعديًّا، وبأمرين إن كان غير متعدٍّ، السميع متعدٍّ، فتثبت السميع اسمًا، والسمع صفة، وكونه يسمع أثرًا، وكذلك يُقال في العليم. وقول المؤلف رحمه الله: (السميع للقول) هذا صحيح؛ لأن متعلق السمع هي الأقوال. (العليم بالفعل) فيه نظر؛ لأن الله عليم بالفعل، عليم بالقول، عليم بما ليس بفعل ولا قول ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦] فقصره على الفعل لا شك أنه قاصر، فيُقال: الصواب العليم بكل شيء من الأقوال والأفعال والإرادات والحاضر والمستقبل والماضي. * ومن فوائد الآيتين: بلاغة القرآن بذكر المتقاربين في المعنى، وإن كان بينهما فرق من حيث الحقيقة، وجه ذلك: أنه ذكر في الآية الأولى معاملة المسيء من الإنس بأن تدفعه بالتي هي أحسن، وذكر في الثانية معاملة المسيء من غير الإنس وهو الشيطان.

فصلت 41:34

ثم قال عز وجل: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت ٣٣] هذه ثلاثة أوصاف إذا اتصف بها الإنسان فلا أحسن من قوله. يقول الله عز وجل: (﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا﴾ أي: لا أحد أحسن قولًا) تفسير المؤلف لهذه الجملة يفيد أن (من) اسم استفهام لكنه بمعنى النفي، (من أحسن) يعني: لا أحد أحسن، إذا جاء اسم الاستفهام أو إذا جاء الاستفهام بمعنى النفي فإنه مُشْرب معنى التحدي، أيهما أبلغ أن تقول: لا أحد أحسن قولًا ممن دعا إلى الله، أو أن تقول: من أحسن؟ الثاني أبلغ؛ لأن الثاني يتضمن النفي ويتضمن التحدي كأنه يقول: ائت لي ببينة على أن هناك أحدًا أحسن ممن دعا إلى الله، كل استفهام جاء بمعنى النفي فإنه مُشرب معنى التحدي؛ لأنك إذا قلت: من كذا؛ يعني معناه: أتحداك أن تأتي لي بشيء سوى ذلك، فـ(من أحسن) أشد نفيًا من قول: لا أحد أحسن؛ وذلك لأنها جملة استفهامية مُشربة معنى التحدي. (أحسن) هذه خبر المبتدأ، و(من) هو المبتدأ، و(قولًا) تمييز؛ لأنه كلما جاءك اسم منصوب بعد اسم التفضيل فهو تمييز له. ﴿مَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ قال المؤلف: (بالتوحيد) وهذا لا شك حسن، لكن الآية أشمل من التوحيد ﴿مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ بالتوحيد والعمل الصالح، وغير ذلك (...) إلى الله. وقوله: ﴿مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ يعني إلى دين الله، ودين الله يتضمن التوحيد والأعمال الصالحة. ثانيًا قال: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ فبدأ بإصلاح الغير ثم ثنى بإصلاح النفس، مع أن من دعا إلى الله فهو مصلح لنفسه أيضًا. ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ (صالحًا): صفة لموصوف محذوف، التقدير: وعمل عملًا صالحًا، ولا يكون العمل صالحًا إلا بشرطين هما الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله ﷺ. صالحًا ويش إعرابه؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، قلنا: إنها صفة لموصوف محذوف، والتقدير: عمل عملًا صالحًا. متى يكون العمل صالحًا؟ * طالب: إذا أخذ فاعله بشرطين: الإخلاص لله سبحانه وتعالى، والمتابعة لرسوله ﷺ. * الشيخ: أحسنت، الإخلاص لله عز وجل والمتابعة لرسول الله ﷺ. فعمل المرائي أَعَمَلٌ صالحٌ هُوَ؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: فقد الإخلاص. وعمل المبتدع أصالح هو؟ لا؛ لفقده المتابعة، وحينئذ نقول لهؤلاء المبتدعين الذين عندهم من الإخلاص لله ما عندهم: إن عملكم حابط، قال النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) واللفظ له، من حديث عائشة.]]. ثم نقول: حقيقة الإخلاص تستلزم ألا تعبد الله إلا بما شرع، لا تعبده بهواك؛ لأنك إذا عبدت الله بهواك بالبدعة فأنت غير مخلص، المخلص لا بد أن يعبد الله سبحانه وتعالى بما شرع، فصار العمل الصالح ما تركب من شيئين: الأول: الإخلاص. والثاني: المتابعة لرسول الله ﷺ. قال: ﴿وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت ٣٣] قال باللسان أو بالقلب؟ بهما جميعًا. فإن قال قائل: قوله: ﴿إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ هو من العمل الصالح لا شك، فما الفائدة من ذلك؟ قلنا: الفائدة أنه يعلن هذا القول ولا يبالي بمن خالفة؛ لأن من الناس من يعمل صالحًا، لكنه تجده متسترًا ليس عنده الشجاعة التي تجعله يعلن ذلك، أما هذا فإنه يُعلن ويقول بلسان المقال غير مبالٍ: إنني من المسلمين. والجملة كما تعلمون (إنني) مؤكدة بـ(إن)، ذكر بعض أهل العلم أن المراد بذلك المؤذن؛ لأن المؤذن يدعو إلى الله يقول للناس: حي على الصلاة، حي على الفلاح، ولأنه مؤمن عامل صالحًا؛ ولأنه يقول: أشهد أن لا إله إلا الله يعلنها، وأشهد أن محمد رسول الله، وهذا معنى قوله: ﴿إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. لكن الصحيح أن الآية عامة تشمل المؤذن وغير المؤذن، الخطيب على المنبر يدخل في الآية ولّا لا؟ يدخل في الآية، المعلم في حلقة تعليمه يدخل في ذلك، فالآية أعم مما ذكر. ولكن اعلم أن بعض السلف يذكر للآية معنى خاصًّا لا يريد حصرها في هذا المعنى وإنما يريد التمثيل، وهذه مسألة قد تفوت على بعض الناس، دائمًا ننظر في ابن كثير أو ابن جرير أنه قال: فلان كذا. لجزء المعنى، فَهُمْ لا يريدون أن يقصروا العام على الخاص؛ لأنهم أعلم من أن يقتصروا على بعض أفراد العام مثلًا، لكنهم يريدون التمثيل. مثال ذلك مثلًا قال بعض العلماء: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر ٣٢] قال: الظالم لنفسه الذي يؤخر الصلاة عن وقتها، المقتصد الذي يصليها في آخر الوقت، السابق بالخيرات الذي يصليها في أول الوقت، هذا لا شك أنه حصر، بل لا شك أنه تخصيص للعام، فنقول: أرادوا بذلك التمثيل. * من فوائد الآية الكريمة: تفاضل الأعمال لقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا﴾ [فصلت ٣٣]، و(أحسن) اسم تفضيل، ولا شك أن الأعمال تتفاضل باعتبار الجنس وباعتبار النوع وباعتبار الهيئة؛ ثلاثة اعتبارات: باعتبار الجنس وباعتبار النوع وباعتبار الهيئة والكيفية. تتفاضل باعتبار الجنس: فمثلًا الصلاة أفضل من الزكاة، الزكاة أفضل من الصوم، الصوم أفضل من الحج، هذا باعتبار الجنس، ثم هذا الجنس أيضًا تتفاضل من وجه آخر: واجب العبادة أفضل من نفلها، فصلاة الظهر مثلًا أفضل من قيام الليل، هذا تفاضل باعتبار الجنس لكنه من وجه آخر. دليل ذلك: أن النبي ﷺ قال عن الله: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ»[[أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة.]]. تتفاضل باعتبار النوع: مثل: الوتر أفضل من مطلق التهجد، الرواتب أفضل من النفل المطلق، هذا باعتبار النوع، وإن شئت فاجعل تفاضلها باعتبار الوجوب والندب من هذا النوع. الثالث: باعتبار الهيئة، صلاة يخشع فيها الإنسان ويتدبر ما يقول وما يفعل ويطمئن، وصلاة أخرى يقتصر على الواجب وبدون خشوع قلب مثلًا، أيهما أفضل؟ الأولى أفضل. والمهم: أننا نؤمن بأن الأعمال تتفاضل، وأن بعضها أحب إلى الله من بعض. يبقى النظر هل يلزم من تفاضل العمل تفاضل العامل؟ نعم، وعلى هذا فالعامل أيضًا يختلف ويتفاضل، قال النبي ﷺ: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي؛ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١ / ٢٢٢) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، العمل واحد لكن العامل مختلف. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الدعوة إلى الله عز وجل لقوله: ﴿مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت ٣٣]. * ومن فوائدها: الإشارة إلى الإخلاص في الدعوة نأخذها من قوله: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾؛ لأن الداعي ربما يدعو ويقوم للناس ويذكرهم ويعظهم ويحثهم على الخير ويحذرهم من الشر، لكن يريد أن يكون مرموقًا بينهم، هل هذا داعٍ إلى الله ولّا دعا لنفسه؟ إلى نفسه، فلا بد إذن من الإخلاص. لو قال قائل: هل يثلم الإخلاص ما لو أراد بالدعوة إصلاح الناس؟ الجواب: لا يثلمه؛ لأن أصل دعوته من أجل إصلاح الناس. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة العمل الصالح الذي جمع بين الأمرين؛ الإخلاص والمتابعة؛ لقوله: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب العلم، من أين نأخذه؟ من قوله: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [فصلت ٣٣]؛ لأنه لا يمكن أن تعرف أن العمل موافق للشرع أو غير موافق إلا بالعلم، وهذا واضح، فيكون في الآية دليل على وجوب العلم؛ لأنه إذا كان العمل الصالح من الواجبات فلا بد أن تعلمه بالشرع، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للمسلم أن يكون عزيزًا بدينه، وأن يعلن به، وأن يقول: إنني من المسلمين، وألّا يستحي إذا قيل له إنه مسلم؛ لقوله: ﴿وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت ٣٣]. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى تجنب التزكية الذاتية؛ لأنه قال: ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، ولم يقل: وقال إنني مسلم؛ لأن الإنسان قد يعتز بقوله: إني مسلم، ويفخر أكثر مما يكون ذلك فيما لو قال: إنني من المسلمين. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى المؤاخاة بين المسلمين؛ لقوله: ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ إشارة إلى أنني كواحد من هؤلاء لا أفترق عنهم. * طالب: (...). * الشيخ: هذا سؤال يرد علينا كثيرًا، هل أفضل طلب العلم أو الاشتغال بالدعوة؟ والواقع أنه سؤال غير محرر؛ أولًا: إنه يمكن الجمع بين هذا وهذا، ونحن نعلم أن الداعية ليس يشغل وقته من صلاة الفجر إلى ما بعد صلاة العشاء وهو يدعو أبدًا، هل أحد من الدعاة يفعل هكذا؟ أبدًا، يدعو نصف ساعة هنا ونصف ساعة هناك، وأما يبقى لا يسكت من صلاة الفجر إلى أن يصلي العشاء لا يمكن، لا بد من فترات، فلا يتعذر الجمع بين الدعوة إلى الله وطلب العلم؛ يطلب العلم ساعة أو ساعتين ثم يدعو نصف ساعة مثلًا، فلا منافاة، هذه واحدة. ثانيًا: أنه لا يمكن الدعوة إلى الله بلا علم، والدعوة إلى الله عن جهل قد يكون فيها من الضرر أكثر من عدم الدعوة، كثير من الدعاة يكون عنده غيرة ومحبة للخير فتجده يحرِّم الحلال أو يوجب ما ليس بواجب بناءً على ما عنده من الغيرة، ولو كان ذا علم لحصل له الثبات، ولا يخفى عليكم ما جرى من «عمر رضي الله عنه في صلح الحديبية ماذا فعل؟ صار يعارض الصلح ويأتي للرسول عليه الصلاة والسلام يريد أن يحل عقدة الصلح»[[رواه البخاري (٢٧٣١) من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، وفيه: فقال عمر بن الخطاب: فأتيتُ نبيَّ الله ﷺ فقلتُ: ألستَ نبي الله حقًّا! قال: «بلى»، قلتُ: ألسْنَا على الحقِّ وعدونا على الباطل! قال: «بلى»، قلت: فلمَ نعطي الدَّنِيَّة في ديننا إذن! قال: «إنِّي رسولُ الله، ولستُ أعصيه، وهو ناصري»، قلت: أوليسَ كنتَ تحدُّثنا أنَّا سنأتي البيتَ فنطوفُ به؟ قال: «بلى، فأخبرتُك أنَّا نأتيه العامَ؟»، قال: قلتُ: لا، قال: «فإنَّك آتيهِ ومُطوِّفٌ بهِ».]]، لكن الثبات كثبات أبي بكر تبين به الحق، فلا يمكن أن يكون داعية يدعو إلى الله بلا علم. هذا إذا أردنا العلم بما يدعو إليه ولسنا نريد أنه لا يمكن أن يدعو إلى الله إلا من كان متبحرًا بالعلوم لا، لو قلنا هكذا ما صح قول الرسول: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آَيَةً»[[أخرجه البخاري (٣٤٦١) من حديث عبد الله بن عمرو.]] أفهمت؟ إذن الجواب من وجهين: الوجه الأول: أنه لا منافاة بين العلم والدعوة. الوجه الثاني: أنه لا تمكن الدعوة إلا بعلم بما يدعو إليه. بقي علينا وسائل الدعوة، وسائل الدعوة كثيرة؛ يعني ليست الدعوة مختصة بأن يقوم الإنسان يتكلم، الدعوة تكون بالقول وتكون بالكتابة وتكون بنفس الفعل، الإنسان الذي تثق منه تجد أنك تنظر ماذا يصنع، وتفعل مثله، هذا دعوة، هذا نوع من الدعوة، بل قد تكون الدعوة بالفعل والعمل أقوى تأثيرًا من الدعوة باللسان. * طالب: شيخ بارك الله فيكم، طالب العلم الذي يريد الدعوة -لا سيما الدعوة في الحارات- لأنه يا شيخ يوجد في الحارات منكرات كثيرة، منكرات حتى في الصلاة، فيعرف أن فلان وفلان يتركون الصلاة، فإن جلس يمشي إليهم ضاع وقته، وبعضهم يقول إنه ما هو موجود، ويقع الإنسان في حرج؛ إما أن يتركهم أو يشتغل بما هو فيه، والوقت قليل وإن تفرق قَلَّ، فهل يُعذر الإنسان إذا غلب على ظنه أن هذا الشخص بعيد الاستجابة، وكذلك بعيد أن يقبل منه، ولن تجد الوقت المناسب له؟ * الشيخ: هذه في الواقع موعظة أو أمر، الدعوة تكون بصفة عامة، أما أن تذهب إلى فلان وتنصحه فهذا في الحقيقة موعظة، وإذا كان لك سلطة فهو أمر بالمعروف، وهذا كما تعرف له أحوال، لا يجب على الإنسان أن يترك ما يهمه في دينه ودنياه من أجل أن يذهب إلى الناس يقرع أبوابهم ليأمرهم أو يعظهم، هذا ليس بواجب. * الطالب: فيه الاستحباب «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا»[[أخرجه مسلم (٤٩ / ٧٨) من حديث أبي سعيد الخدري.]]. * الشيخ: نعم «مَنْ رَأَى» لكن الرسول ﷺ ما قال: تَطَلَّبُوا رؤية المنكر، وهذا الذي لا يصلي يمكن أن أعظه في السوق في المسجد، ولهذا نجد الناس الآن يستثقلون أن يقرع عليهم الباب أحد يعظهم أو يأمرهم، وربما حصل من ذلك ما يُسمى بِرَدِّ الفعل. * طالب: شيخ، كيف نجمع بين هذا وبين حديث الرسول: «إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ أُنَاسٌ لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٠٦)، ومسلم (١٨٣ / ٣٠٢) من حديث أبي سعيد الخدري.]]؟ * الشيخ: نعم، والعقيدة؟ * الطالب: عندهم عقيدة، موحدون. * الشيخ: لكن هذا عُذِّب الآن، عُذِّب ما تُرِك. * الطالب: العقيدة أنه خارج من النار. * الشيخ: لكن هل هذا تنزلت عليه الملائكة؟ ما تنزل عليه الملائكة، ثم لا بد أن يكون عند هذا الإنسان عقيدة إيمانية، وإلا لقلنا: النصارى أيضًا يخرجون من النار بعقيدتهم. * * * * طالب: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت ٣٣ - ٣٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [فصلت ٣٣]، ما الذي نصب (قولًا)؟ * طالب: التمييز. * الشيخ: التمييز، فهل هناك قاعدة في مثل هذا السياق؟ * طالب: إذا جاء اسم بعد أفعل التفضيل يكون منصوبًا على التمييز. * الشيخ: إذا جاء اسم مبين لاسم التفضيل صار منصوبًا على التمييز. الاستفهام هنا بمعنى؟ * الطالب: التحدي. * الشيخ: لا، بمعنى النفي، وهو مُشْرب معنى التحدي. من المراد بهذا ﴿مَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [فصلت ٣٣]؟ * طالب: المراد كل من قام بالدعوة إلى الله سواءً بالكلمة أو بالأعمال أو بالقول. * الشيخ: يعني: عامٌّ، كل من دعا. ذكر بعضهم أنه مؤذن؟ * الطالب: هذا من باب ذكر بعض أنواع العموم. * الشيخ: فيكون مراده؟ * الطالب: بعض أنواع العام، ولا يُراد منه التخصيص. * الشيخ: لكن المراد أيش؟ * الطالب: التمثيل. * الشيخ: التمثيل، بارك الله فيك. قال الله تبارك وتعالى: (﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ [فصلت ٣٤] في جزئياتهما؛ لأن بعضهما فوق بعض). قوله: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ فسرها المؤلف بأن المعنى: لا تستوي الحسنات بعضها مع بعض ولا السيئات بعضها مع بعض، وعلى هذا التفسير تكون (لَا) غير زائدة؛ تكون أصلية، ويكون المراد بالآية: انتفاء تساوي الحسنات وانتفاء تساوي السيئات، وهذا أمر لا إشكال فيه؛ أن الحسنات بعضها أحسن من بعض، وأفضل من بعض، وأوكد من بعض، وكذلك السيئات بعضها أسوأ من بعض وأشد، لكن هناك تفسيرًا آخر وهو: أن المعنى أن الحسنات والسيئات لا تتساوى بدليل قوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ إلى آخره [فصلت: ٣٤]، وبناءً على ذلك تكون (لَا) زائدةً للتوكيد، كما هي في قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة ٧]، فإن (لَا) هنا زائدة للتوكيد، ولهذا لو قلت في غير القرآن العزيز، لو قلت: غير المغضوب عليهم والضالين؛ لاستقام الكلام. فإذا قال قائل: هل هناك ترجيح؟ قلنا: المؤلف رَجَّح المعنى الأول، وهو أن الحسنات لا تتساوى، والسيئات لا تتساوى، وبعضهم رجَّح الثاني؛ لأنه قال: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ﴾ إلى آخره، ولو قيل بالمعنيين جميعًا لم يكن هناك بأس؛ وذلك لأن الآية إذا كانت تحتمل معنيين على السواء وهما لا يتنافيان فإنها تُحمل عليهما جميعًا، هذه القاعدة في أصول التفسير. (الحسنة) ما يحسن ذكره، و(السيئة) ما يسوء ذكره هذا التفسير العام للحسنة وللسيئة. قال: ﴿ادْفَعْ﴾ السيئة ﴿بِالَّتِي﴾ أي: بالخصلة التي ﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾ إلى آخره. الغريب أن كلام المؤلف في ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ يقتضي أن معنى الجملة قبلها: لا تستوي الحسنة مع السيئة. ﴿ادْفَعْ﴾ السيئة ﴿بِالَّتِي﴾ أي: بالخصلة التي ﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾ أفادنا -رحمه الله- أن (التي) صفة لموصوف محذوف؛ أي: بالخصلة التي هي أحسن من السيئة. فإذا قال قائل: السيئة ليس فيها حسن، فكيف يقول: أحسن من السيئة؟ قلنا: إن اسم التفضيل قد يأتي وليس في الطرف الآخر منه شيء، كما في قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان ٢٤]، مع أن أصحاب النار ليس في مستقرهم خير ولا في مقيلهم خير. ويكون معنى الآية أنه لما كان من المعتاد أن الإنسان لا يدفع السيئة بالتي هي أحسن أمره الله أن يدفع بالتي هي أحسن؛ وذلك لأن مدافعة السيئة تكون على ثلاثة وجوه: الوجه الأول: أن يدفع سيئةً بمثلها، وهذا جائز. والثانية: أن يدفع السيئة بحسنة، لكن هناك شيء أحسن منها، وهذا أيضًا جائز، وهو أعلى من الأول. الثالث: أن يدفع السيئة بالتي هي أحسن؛ يعني بأحسن ما يدفعها به، وهذا أفضل وأطيب، وهو الذي أمر الله به، فصارت مقابلة السيئة على ثلاثة وجوه: الأول: السيئة بمثلها ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى ٤٠]. الثاني: بحسنة لكن غيرها أحسن. الثالث: بالتي هي أحسن؛ يعني إذا أساء إليك إنسان فلا تقابله بإساءة، ولا تقابله بحسنة أيضًا، قابله بما هو أحسن. يقول المؤلف ممثلًا: (كالغضب بالصبر، والجهل بالحلم، والإساءة بالعفو) هذه أمثلة: (الغضب بالصبر) يعني إذا غضب عليك إنسان فاصبر وتحمل، (الجهل بالحلم) إذا جهل عليك إنسان بالإساءة فقابله بالحلم. فإذا قال إنسان: الجهل هل هو يقابل الحلم أو يقابل العلم؟ قلنا: أما الجهل الذي هو عدم العلم فيُقابَل بالعلم، وأما الجهل الذي هو ضد الحلم بمعنى أن يكون الإنسان ذا عدوان على الغير فهذا يُقابَل بالحلم، قال الشاعر العربي: أَلَا لَا يَجْــــهَلَنْ أَحَـــــدٌ عَلَيْــــنَا ∗∗∗ فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَا وكذلك الإساءة بالعفو، إذا أساء إليك إنسان فاعف عنه، وقد سبق مرارًا ونكرره تكرارًا أن العفو إنما يُندب إليه إذا كان فيه إصلاح؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ٤٠]. ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت ٣٤] (فإذا): (إذا) فجائية والفاء عاطفة، أي: فإذا دفعت بالتي هي أحسن فاجأتك هذه الحالة، وهي: أن تنقلب عداوة الشخص الذي أساء إليك فيصير كأنه ولي حميم؛ يعني: صديقًا قريبًا، وتأمل كون الجواب بـ(إذا) الفجائية ليتبين لك أن انقلاب عداوته إلى ولاية حميمة لا يتأخر كثيرًا؛ لأن (إذا) الفجائية تدل على الفورية. ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت ٣٤] لو كان المخبر بذلك غير الله عز وجل لكان الإنسان يتردد، وكيف ينقلب العدو صديقًا حميمًا بهذه السرعة؟ نقول: إن الذي أخبر بذلك من؟ هو الله عز وجل، ومن أصدق من الله قيلًا، ثم إن الذي أخبر بذلك هو الذي قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابعه يقلبها حيث يشاء، لا تستبعد هذا، الأمور بيد الله وكم من عدو انقلب صديقًا، وصديق انقلب عدوًا. ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت ٣٤] أي: فيصير عدوك كالصديق القريب بمحبته إذا فعلت ذلك، فـ(الذي) مبتدأ، و(كأنه) الخبر، و(إذا) ظرف لمعنى التشبيه. ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت ٣٤] أعربها المؤلف يقول: (الذي: مبتدأ)، ﴿بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ﴾ هذا صلة الموصول، (وكأنه الخبر) خبر المبتدأ (الذي)، (وإذا ظرف لمعنى التشبيه) (إذا) في قوله: ﴿فَإِذَا الَّذِي﴾ ظرف لمعنى التشبيه الذي هو (كأنه)؛ لأن التشبيه مضمن معنى الفعل، فلذلك صح أن يتعلق به الظرف. هذا ما ذهب إليه المؤلف بالنسبة لـ(إذا)، والصحيح أن (إذا) فجائية لا تحتاج إلى متعلق. يقول رحمه الله: (﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾ أي: يؤتى الخصلة التي هي أحسن ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ﴾ ثواب ﴿عَظِيمٍ﴾ [فصلت ٣٥]). ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾ قال المؤلف رحمه الله: (أي يؤتى الخصلة)، وقيل: معناها لا يوفق لها، والمعنى متقارب؛ يعني: لا ينال أحد هذه الخصلة، وهي الدفاع بالتي هي أحسن إلا الذين صبروا، هذه الجملة فيها حصر طريقه النفي والإثبات: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت ٣٥]. وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت ٣٥] أي: حبسوا أنفسهم وأجبروها على تحمل هذا الأمر، وذلك لأن هذا الأمر شديد، إذ أن النفوس تحب الانتقام ممن أساء إليها، ولكن يُقال: ادفع بالتي هي أحسن، لهذا قال: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت ٣٥] كل إنسان سوف يعاني معاناة شديدة إذا سلك هذه الطريق؛ وهي: الدفاع بالتي هي أحسن، لا بد أن يجد عناءً ومشقة، فأثنى الله تعالى على الصابرين على ذلك. الصبر لا يحتاج إلى أن نطيل الشرح فيه؛ لأنهم قالوا: إنه يكون ثلاثة أنواع: يكون صبرًا على طاعة الله، وصبرًا عن معصيته، وصبرًا على أقداره. ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت ٣٥] قال: (ثواب) ﴿ذُو حَظٍّ﴾ أي ثواب، والصواب أن يُقال: الحظ هو النصيب، أي: ما يُلقاها إلا ذو نصيب عظيم، ليس من الثواب فحسب بل من الثواب والأخلاق والرزانة وغير ذلك؛ يعني: من له نصيب عظيم من الثواب والأخلاق والرزانة والتأني وغير ذلك، فلا ينبغي أن يقتصر في ذلك على الثواب، ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت ٣٥]. ولما ذكر الله تعالى دفع العدو من بني آدم ذكر دفع العدو من غير بني آدم، فقال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [فصلت ٣٦]، شوف مدافعة العدو من غير بني آدم، لم يقل: ادفع بالتي هي أحسن، قال: الجأ إلى الله؛ لأنك لا تستطيع أن تدفع الشيطان إلا باللجوء إلى الله عز وجل، إذ إن الشيطان ليس أمامك حتى تلوي عنقه وتقتله، ولكنه لا يدفعه إلا الله، ولهذا قال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [فصلت ٣٦]. فالمناسبة بين هذه الآية والتي قبلها أنه لما ذكر مدافعة العدو من بني آدم ذكر مدافعة العدو من غير بني آدم، فقال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [فصلت ٣٦]. قال: (إما) (فيه إدغام نون إن الشرطية في ما الزائدة)، (إما) أصلها (وإن ينزغنك) لكن (ما) الزائدة تُزاد كثيرًا في أدوات الشرط كقوله هنا: (وإما ينزغنك)، وكقوله تعالى: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء ١١٠]. ﴿إِمَّا يَنْزَغَنَّكَ﴾ يعني: إن ينزغك ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [فصلت ٣٦] (أي: يصرفك عن الخصلة وغيرها من الخير صارف ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ ). المؤلف -رحمه الله- إذا نظرنا إلى تفسيره وجدناه يقصر هذه الآية على شيء معين، وهي إن صرفنا الشيطان عن المدافعة بالتي هي أحسن فاستعذ بالله. والصواب خلاف ذلك، الصواب: أن الآية عامة، ولهذا قال: ﴿إِمَّا يَنْزَغَنَّكَ﴾ أي: يصيبنك. ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ (نزغ) نكرة في سياق إيش؟ * طالب: النفي. * الشيخ: خطأ، اقرأ الآية ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ [فصلت ٣٦] نكرة في سياق؟ * طالب: نكرة في سياق الشرط. * الشيخ: في سياق الشرط، فتكون عامة سواء كان في المدافعة بالتي هي أحسن أو غير ذلك، كلما أصابك نزغ من الشيطان فاستعذ بالله، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي شكا إليه الوسوسة في الصلاة أمره أن يستعيذ بالله قال: «يتفُل عن يسارِه ثلاثًا ويستعيذ بالله»[[أخرجه مسلم (٢٢٠٣ / ٦٨) من حديث عثمان بن أبي العاص.]]. المهم: أنه متى نزغك من الشيطان نزغ فالجأ إلى من يستطيع دفعه؛ الله عز وجل، لكن كيف أعرف أن الشيطان نزغ أحدًا؟ ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة ٢٦٨]، كلما رأيت أنه ألقي في روعك أن تفعل معصية فاعلم أنه نزغ من الشيطان، كلما ألقي في روعك أنك تترك طاعة فهذا نزغ من الشيطان استعذ بالله؛ لأن الشيطان ليس شيئًا محسوسًا يحسه الإنسان فيراه ويسمعه، لكن يُعرف بما يلقي في القلب. ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [فصلت ٣٦] أي اعتصم به، قال المؤلف: (جواب الشرط، وجواب الأمر محذوف؛ أي: يدفعه عنك)، أين الأمر؟ (استعذ) يعني كأن قائلًا يقول: وإذا استعذت فما النتيجة؟ النتيجة أن يدفعه الله عنك لأن الله تعالى لم يأمرك بالاستعاذة به -والاستعاذة كما تعرفون هي الاستجارة مما يسوء- استعذ بالله يدفعه عنك. (﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ للقول ﴿الْعَلِيمُ﴾ [فصلت ٣٦] بالفعل) هذه الجملة تعليلية، لقوله: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾؛ يعني: فإنك إذا استعذت منه بالله سمعك، وإنه عليم بكيفية دفع هذا الشيطان الذي نزغك منه نزغ فهو سميع لقولك إذا استعذت به عليم بما يدفع به عنك هذا الشيطان. * في الآية فوائد: منها: انتفاء تساوي الحسنات بعضها ببعض، وانتفاء تساوي السيئات بعضها ببعض. * فيترتب على ذلك فائدة: أن الحسنات تتفاوت والسيئات تتفاوت، فمن الحسنات ما هو أصول في الإسلام كالأصول الخمسة، ومنه ما هو دون ذلك، ومنه ما هو فرائض، ومنه ما هو نوافل. في المحرمات ما هو شرك مخرج عن الملة وما هو شرك دون ذلك، وكذلك يُقال في الكفر، ومنه ما هو فسوق ومنه ما هو دون ذلك، هذا إذا قلنا: إن المراد أن الحسنات لا تتساوى والسيئات لا تتساوى. أما إذا قلنا: لا تستوي الحسنة ولا السيئة؛ أي: إن الحسنة والسيئة لا يتساويان فيفيد الحث على فعل الحسنات في مقابل السيئات، وليس الفائدة أن يعلم أن الحسنة لا تساوي السيئة؛ لأن هذا أمر معلوم، ولا يمكن في القرآن ببلاغته أن يأتي بمثل ذلك؛ لأن هذا كقولك: السماء فوقنا، والأرض تحتنا، لكن المراد الحث على أن تُقابل السيئة بحسنة. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإرشاد إلى مدافعة السيئات. * طالب: ادفع. * الشيخ: من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿ادْفَعْ﴾، يؤخذ من قوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت ٣٤]. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على أعلى المقامات في مدافعة السيئات، تؤخذ من قوله: ﴿أَحْسَنُ﴾، ولم يقل: ادفع بالحسن، بل قال: ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت ٣٤]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى مقلب القلوب، فقد يكون العدو صديقًا والصديق عدوًا؛ لقوله: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ﴾ [فصلت ٣٤]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنك لا تأخذك العزة بالإثم فتقول: لا يمكن أن أسكت أمام هذا الذي أساء إلي ولا بد أن آخذ بحقي، نقول: إذ أخذت بحقك فذلك، لكن هناك خُلُق أفضل وأكمل، وهو المدافعة بالتي هي أحسن. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المدافعة بالتي هي أحسن شاقة على النفس؛ لقوله: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت ٣٥]، ولكن اصبر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من سلك هذه الطريق؛ وهي مدافعة السيئة بما هو أحسن، فإنه ذو نصيب عظيم من الأخلاق والثواب والرزانة والرجولة والشهامة وغير ذلك؛ لقوله: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت ٣٥]. * ومِن فوائد الآية: التي بعدها أن ملجأ الإنسان عند الخوف مما لا يمكنه دفعه هو الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [فصلت ٣٦]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنك كلما أحسست بشيء من نزغات الشيطان من تهاون بالمأمور أو ارتكاب لمحذور فعليك أن تلجأ إلى الله عز وجل. فإن قال قائل: نجد الاستعاذة مشروعةً في غير هذه الحال، مشروعة عند قراءة القرآن مثلًا، مشروعة عند دخول الخلاء، فما الجواب؟ الجواب: أن مشروعيتها عند تلاوة القرآن؛ لأن الشيطان يتسلط على الإنسان حين قراءة القرآن أن يصده عما فيه من الذكر الحكيم، يصده عن تدبره، عن الخشوع فيه، عن كون الإنسان يلتزم بأوامره ونواهيه ويصدق بأخباره. المهم أن الشيطان يحرص على الإنسان إذا أراد قراءة القرآن، فناسب أن يؤمر بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، وكذلك عند دخول الخلاء؛ لأن الخلاء موطن الشياطين، الشياطين تكون في أخبث الأماكن، والملائكة في أطيب الأماكن، ولهذا كانت المساجد بيوت الملائكة، وكانت المراحيض بيوت الشياطين. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الشيطان وأن له سلطة على ابن آدم لقوله: ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [فصلت ٣٦]، وهو كذلك، والله سبحانه وتعالى سَلَّط الشيطان على بني آدم، وأيد المؤمنين بالملائكة، فإن الشيطان إذا أمر بالفحشاء فإن هناك أمرًا آخر يضاده، وهو أمر الملك. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يُستعاذ إلا بالله، في قوله: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [فصلت ٣٦]، لكن هذا مقيد بما لا يقدر عليه إلا الله، فإنه لا استعاذة منه إلا بالله، وكذلك أيضًا لا استعاذة لمخلوق غير قادر، فمثلًا لو أن الإنسان استعاذ بميت لكان هذا شركًا؛ لأن الميت لا يمكن أن يفيدك، لكن لو استعاذ بحي فيما يقدر عليه فلا بأس بذلك؛ لأن النبي ﷺ قال: «مَنْ وَجَدَ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٠١)، ومسلم (٢٨٨٦ / ١٢) من حديث أبي هريرة.]]، فالاستعاذة بالمخلوق فيما يقدر عليه كالاستعانة به فيما يقدر عليه وكالاستغاثة به فيما يقدر عليه. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات السميع العليم لله؛ يعني أنهما من أسماء الله عز وجل، وسبق أنه لا يتم الإيمان بالاسم إلا بثلاثة أمور إن كان متعديًّا، وبأمرين إن كان غير متعدٍّ، السميع متعدٍّ، فتثبت السميع اسمًا، والسمع صفة، وكونه يسمع أثرًا، وكذلك يُقال في العليم. وقول المؤلف رحمه الله: (السميع للقول) هذا صحيح؛ لأن متعلق السمع هي الأقوال. (العليم بالفعل) فيه نظر؛ لأن الله عليم بالفعل، عليم بالقول، عليم بما ليس بفعل ولا قول ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦] فقصره على الفعل لا شك أنه قاصر، فيُقال: الصواب العليم بكل شيء من الأقوال والأفعال والإرادات والحاضر والمستقبل والماضي. * ومن فوائد الآيتين: بلاغة القرآن بذكر المتقاربين في المعنى، وإن كان بينهما فرق من حيث الحقيقة، وجه ذلك: أنه ذكر في الآية الأولى معاملة المسيء من الإنس بأن تدفعه بالتي هي أحسن، وذكر في الثانية معاملة المسيء من غير الإنس وهو الشيطان.

فصلت 41:35

ثم قال عز وجل: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت ٣٣] هذه ثلاثة أوصاف إذا اتصف بها الإنسان فلا أحسن من قوله. يقول الله عز وجل: (﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا﴾ أي: لا أحد أحسن قولًا) تفسير المؤلف لهذه الجملة يفيد أن (من) اسم استفهام لكنه بمعنى النفي، (من أحسن) يعني: لا أحد أحسن، إذا جاء اسم الاستفهام أو إذا جاء الاستفهام بمعنى النفي فإنه مُشْرب معنى التحدي، أيهما أبلغ أن تقول: لا أحد أحسن قولًا ممن دعا إلى الله، أو أن تقول: من أحسن؟ الثاني أبلغ؛ لأن الثاني يتضمن النفي ويتضمن التحدي كأنه يقول: ائت لي ببينة على أن هناك أحدًا أحسن ممن دعا إلى الله، كل استفهام جاء بمعنى النفي فإنه مُشرب معنى التحدي؛ لأنك إذا قلت: من كذا؛ يعني معناه: أتحداك أن تأتي لي بشيء سوى ذلك، فـ(من أحسن) أشد نفيًا من قول: لا أحد أحسن؛ وذلك لأنها جملة استفهامية مُشربة معنى التحدي. (أحسن) هذه خبر المبتدأ، و(من) هو المبتدأ، و(قولًا) تمييز؛ لأنه كلما جاءك اسم منصوب بعد اسم التفضيل فهو تمييز له. ﴿مَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ قال المؤلف: (بالتوحيد) وهذا لا شك حسن، لكن الآية أشمل من التوحيد ﴿مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ بالتوحيد والعمل الصالح، وغير ذلك (...) إلى الله. وقوله: ﴿مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ يعني إلى دين الله، ودين الله يتضمن التوحيد والأعمال الصالحة. ثانيًا قال: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ فبدأ بإصلاح الغير ثم ثنى بإصلاح النفس، مع أن من دعا إلى الله فهو مصلح لنفسه أيضًا. ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ (صالحًا): صفة لموصوف محذوف، التقدير: وعمل عملًا صالحًا، ولا يكون العمل صالحًا إلا بشرطين هما الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله ﷺ. صالحًا ويش إعرابه؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، قلنا: إنها صفة لموصوف محذوف، والتقدير: عمل عملًا صالحًا. متى يكون العمل صالحًا؟ * طالب: إذا أخذ فاعله بشرطين: الإخلاص لله سبحانه وتعالى، والمتابعة لرسوله ﷺ. * الشيخ: أحسنت، الإخلاص لله عز وجل والمتابعة لرسول الله ﷺ. فعمل المرائي أَعَمَلٌ صالحٌ هُوَ؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: فقد الإخلاص. وعمل المبتدع أصالح هو؟ لا؛ لفقده المتابعة، وحينئذ نقول لهؤلاء المبتدعين الذين عندهم من الإخلاص لله ما عندهم: إن عملكم حابط، قال النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) واللفظ له، من حديث عائشة.]]. ثم نقول: حقيقة الإخلاص تستلزم ألا تعبد الله إلا بما شرع، لا تعبده بهواك؛ لأنك إذا عبدت الله بهواك بالبدعة فأنت غير مخلص، المخلص لا بد أن يعبد الله سبحانه وتعالى بما شرع، فصار العمل الصالح ما تركب من شيئين: الأول: الإخلاص. والثاني: المتابعة لرسول الله ﷺ. قال: ﴿وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت ٣٣] قال باللسان أو بالقلب؟ بهما جميعًا. فإن قال قائل: قوله: ﴿إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ هو من العمل الصالح لا شك، فما الفائدة من ذلك؟ قلنا: الفائدة أنه يعلن هذا القول ولا يبالي بمن خالفة؛ لأن من الناس من يعمل صالحًا، لكنه تجده متسترًا ليس عنده الشجاعة التي تجعله يعلن ذلك، أما هذا فإنه يُعلن ويقول بلسان المقال غير مبالٍ: إنني من المسلمين. والجملة كما تعلمون (إنني) مؤكدة بـ(إن)، ذكر بعض أهل العلم أن المراد بذلك المؤذن؛ لأن المؤذن يدعو إلى الله يقول للناس: حي على الصلاة، حي على الفلاح، ولأنه مؤمن عامل صالحًا؛ ولأنه يقول: أشهد أن لا إله إلا الله يعلنها، وأشهد أن محمد رسول الله، وهذا معنى قوله: ﴿إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. لكن الصحيح أن الآية عامة تشمل المؤذن وغير المؤذن، الخطيب على المنبر يدخل في الآية ولّا لا؟ يدخل في الآية، المعلم في حلقة تعليمه يدخل في ذلك، فالآية أعم مما ذكر. ولكن اعلم أن بعض السلف يذكر للآية معنى خاصًّا لا يريد حصرها في هذا المعنى وإنما يريد التمثيل، وهذه مسألة قد تفوت على بعض الناس، دائمًا ننظر في ابن كثير أو ابن جرير أنه قال: فلان كذا. لجزء المعنى، فَهُمْ لا يريدون أن يقصروا العام على الخاص؛ لأنهم أعلم من أن يقتصروا على بعض أفراد العام مثلًا، لكنهم يريدون التمثيل. مثال ذلك مثلًا قال بعض العلماء: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر ٣٢] قال: الظالم لنفسه الذي يؤخر الصلاة عن وقتها، المقتصد الذي يصليها في آخر الوقت، السابق بالخيرات الذي يصليها في أول الوقت، هذا لا شك أنه حصر، بل لا شك أنه تخصيص للعام، فنقول: أرادوا بذلك التمثيل. * من فوائد الآية الكريمة: تفاضل الأعمال لقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا﴾ [فصلت ٣٣]، و(أحسن) اسم تفضيل، ولا شك أن الأعمال تتفاضل باعتبار الجنس وباعتبار النوع وباعتبار الهيئة؛ ثلاثة اعتبارات: باعتبار الجنس وباعتبار النوع وباعتبار الهيئة والكيفية. تتفاضل باعتبار الجنس: فمثلًا الصلاة أفضل من الزكاة، الزكاة أفضل من الصوم، الصوم أفضل من الحج، هذا باعتبار الجنس، ثم هذا الجنس أيضًا تتفاضل من وجه آخر: واجب العبادة أفضل من نفلها، فصلاة الظهر مثلًا أفضل من قيام الليل، هذا تفاضل باعتبار الجنس لكنه من وجه آخر. دليل ذلك: أن النبي ﷺ قال عن الله: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ»[[أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة.]]. تتفاضل باعتبار النوع: مثل: الوتر أفضل من مطلق التهجد، الرواتب أفضل من النفل المطلق، هذا باعتبار النوع، وإن شئت فاجعل تفاضلها باعتبار الوجوب والندب من هذا النوع. الثالث: باعتبار الهيئة، صلاة يخشع فيها الإنسان ويتدبر ما يقول وما يفعل ويطمئن، وصلاة أخرى يقتصر على الواجب وبدون خشوع قلب مثلًا، أيهما أفضل؟ الأولى أفضل. والمهم: أننا نؤمن بأن الأعمال تتفاضل، وأن بعضها أحب إلى الله من بعض. يبقى النظر هل يلزم من تفاضل العمل تفاضل العامل؟ نعم، وعلى هذا فالعامل أيضًا يختلف ويتفاضل، قال النبي ﷺ: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي؛ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١ / ٢٢٢) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، العمل واحد لكن العامل مختلف. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الدعوة إلى الله عز وجل لقوله: ﴿مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت ٣٣]. * ومن فوائدها: الإشارة إلى الإخلاص في الدعوة نأخذها من قوله: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾؛ لأن الداعي ربما يدعو ويقوم للناس ويذكرهم ويعظهم ويحثهم على الخير ويحذرهم من الشر، لكن يريد أن يكون مرموقًا بينهم، هل هذا داعٍ إلى الله ولّا دعا لنفسه؟ إلى نفسه، فلا بد إذن من الإخلاص. لو قال قائل: هل يثلم الإخلاص ما لو أراد بالدعوة إصلاح الناس؟ الجواب: لا يثلمه؛ لأن أصل دعوته من أجل إصلاح الناس. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة العمل الصالح الذي جمع بين الأمرين؛ الإخلاص والمتابعة؛ لقوله: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب العلم، من أين نأخذه؟ من قوله: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [فصلت ٣٣]؛ لأنه لا يمكن أن تعرف أن العمل موافق للشرع أو غير موافق إلا بالعلم، وهذا واضح، فيكون في الآية دليل على وجوب العلم؛ لأنه إذا كان العمل الصالح من الواجبات فلا بد أن تعلمه بالشرع، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للمسلم أن يكون عزيزًا بدينه، وأن يعلن به، وأن يقول: إنني من المسلمين، وألّا يستحي إذا قيل له إنه مسلم؛ لقوله: ﴿وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت ٣٣]. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى تجنب التزكية الذاتية؛ لأنه قال: ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، ولم يقل: وقال إنني مسلم؛ لأن الإنسان قد يعتز بقوله: إني مسلم، ويفخر أكثر مما يكون ذلك فيما لو قال: إنني من المسلمين. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى المؤاخاة بين المسلمين؛ لقوله: ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ إشارة إلى أنني كواحد من هؤلاء لا أفترق عنهم. * طالب: (...). * الشيخ: هذا سؤال يرد علينا كثيرًا، هل أفضل طلب العلم أو الاشتغال بالدعوة؟ والواقع أنه سؤال غير محرر؛ أولًا: إنه يمكن الجمع بين هذا وهذا، ونحن نعلم أن الداعية ليس يشغل وقته من صلاة الفجر إلى ما بعد صلاة العشاء وهو يدعو أبدًا، هل أحد من الدعاة يفعل هكذا؟ أبدًا، يدعو نصف ساعة هنا ونصف ساعة هناك، وأما يبقى لا يسكت من صلاة الفجر إلى أن يصلي العشاء لا يمكن، لا بد من فترات، فلا يتعذر الجمع بين الدعوة إلى الله وطلب العلم؛ يطلب العلم ساعة أو ساعتين ثم يدعو نصف ساعة مثلًا، فلا منافاة، هذه واحدة. ثانيًا: أنه لا يمكن الدعوة إلى الله بلا علم، والدعوة إلى الله عن جهل قد يكون فيها من الضرر أكثر من عدم الدعوة، كثير من الدعاة يكون عنده غيرة ومحبة للخير فتجده يحرِّم الحلال أو يوجب ما ليس بواجب بناءً على ما عنده من الغيرة، ولو كان ذا علم لحصل له الثبات، ولا يخفى عليكم ما جرى من «عمر رضي الله عنه في صلح الحديبية ماذا فعل؟ صار يعارض الصلح ويأتي للرسول عليه الصلاة والسلام يريد أن يحل عقدة الصلح»[[رواه البخاري (٢٧٣١) من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، وفيه: فقال عمر بن الخطاب: فأتيتُ نبيَّ الله ﷺ فقلتُ: ألستَ نبي الله حقًّا! قال: «بلى»، قلتُ: ألسْنَا على الحقِّ وعدونا على الباطل! قال: «بلى»، قلت: فلمَ نعطي الدَّنِيَّة في ديننا إذن! قال: «إنِّي رسولُ الله، ولستُ أعصيه، وهو ناصري»، قلت: أوليسَ كنتَ تحدُّثنا أنَّا سنأتي البيتَ فنطوفُ به؟ قال: «بلى، فأخبرتُك أنَّا نأتيه العامَ؟»، قال: قلتُ: لا، قال: «فإنَّك آتيهِ ومُطوِّفٌ بهِ».]]، لكن الثبات كثبات أبي بكر تبين به الحق، فلا يمكن أن يكون داعية يدعو إلى الله بلا علم. هذا إذا أردنا العلم بما يدعو إليه ولسنا نريد أنه لا يمكن أن يدعو إلى الله إلا من كان متبحرًا بالعلوم لا، لو قلنا هكذا ما صح قول الرسول: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آَيَةً»[[أخرجه البخاري (٣٤٦١) من حديث عبد الله بن عمرو.]] أفهمت؟ إذن الجواب من وجهين: الوجه الأول: أنه لا منافاة بين العلم والدعوة. الوجه الثاني: أنه لا تمكن الدعوة إلا بعلم بما يدعو إليه. بقي علينا وسائل الدعوة، وسائل الدعوة كثيرة؛ يعني ليست الدعوة مختصة بأن يقوم الإنسان يتكلم، الدعوة تكون بالقول وتكون بالكتابة وتكون بنفس الفعل، الإنسان الذي تثق منه تجد أنك تنظر ماذا يصنع، وتفعل مثله، هذا دعوة، هذا نوع من الدعوة، بل قد تكون الدعوة بالفعل والعمل أقوى تأثيرًا من الدعوة باللسان. * طالب: شيخ بارك الله فيكم، طالب العلم الذي يريد الدعوة -لا سيما الدعوة في الحارات- لأنه يا شيخ يوجد في الحارات منكرات كثيرة، منكرات حتى في الصلاة، فيعرف أن فلان وفلان يتركون الصلاة، فإن جلس يمشي إليهم ضاع وقته، وبعضهم يقول إنه ما هو موجود، ويقع الإنسان في حرج؛ إما أن يتركهم أو يشتغل بما هو فيه، والوقت قليل وإن تفرق قَلَّ، فهل يُعذر الإنسان إذا غلب على ظنه أن هذا الشخص بعيد الاستجابة، وكذلك بعيد أن يقبل منه، ولن تجد الوقت المناسب له؟ * الشيخ: هذه في الواقع موعظة أو أمر، الدعوة تكون بصفة عامة، أما أن تذهب إلى فلان وتنصحه فهذا في الحقيقة موعظة، وإذا كان لك سلطة فهو أمر بالمعروف، وهذا كما تعرف له أحوال، لا يجب على الإنسان أن يترك ما يهمه في دينه ودنياه من أجل أن يذهب إلى الناس يقرع أبوابهم ليأمرهم أو يعظهم، هذا ليس بواجب. * الطالب: فيه الاستحباب «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا»[[أخرجه مسلم (٤٩ / ٧٨) من حديث أبي سعيد الخدري.]]. * الشيخ: نعم «مَنْ رَأَى» لكن الرسول ﷺ ما قال: تَطَلَّبُوا رؤية المنكر، وهذا الذي لا يصلي يمكن أن أعظه في السوق في المسجد، ولهذا نجد الناس الآن يستثقلون أن يقرع عليهم الباب أحد يعظهم أو يأمرهم، وربما حصل من ذلك ما يُسمى بِرَدِّ الفعل. * طالب: شيخ، كيف نجمع بين هذا وبين حديث الرسول: «إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ أُنَاسٌ لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٠٦)، ومسلم (١٨٣ / ٣٠٢) من حديث أبي سعيد الخدري.]]؟ * الشيخ: نعم، والعقيدة؟ * الطالب: عندهم عقيدة، موحدون. * الشيخ: لكن هذا عُذِّب الآن، عُذِّب ما تُرِك. * الطالب: العقيدة أنه خارج من النار. * الشيخ: لكن هل هذا تنزلت عليه الملائكة؟ ما تنزل عليه الملائكة، ثم لا بد أن يكون عند هذا الإنسان عقيدة إيمانية، وإلا لقلنا: النصارى أيضًا يخرجون من النار بعقيدتهم. * * * * طالب: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت ٣٣ - ٣٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [فصلت ٣٣]، ما الذي نصب (قولًا)؟ * طالب: التمييز. * الشيخ: التمييز، فهل هناك قاعدة في مثل هذا السياق؟ * طالب: إذا جاء اسم بعد أفعل التفضيل يكون منصوبًا على التمييز. * الشيخ: إذا جاء اسم مبين لاسم التفضيل صار منصوبًا على التمييز. الاستفهام هنا بمعنى؟ * الطالب: التحدي. * الشيخ: لا، بمعنى النفي، وهو مُشْرب معنى التحدي. من المراد بهذا ﴿مَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [فصلت ٣٣]؟ * طالب: المراد كل من قام بالدعوة إلى الله سواءً بالكلمة أو بالأعمال أو بالقول. * الشيخ: يعني: عامٌّ، كل من دعا. ذكر بعضهم أنه مؤذن؟ * الطالب: هذا من باب ذكر بعض أنواع العموم. * الشيخ: فيكون مراده؟ * الطالب: بعض أنواع العام، ولا يُراد منه التخصيص. * الشيخ: لكن المراد أيش؟ * الطالب: التمثيل. * الشيخ: التمثيل، بارك الله فيك. قال الله تبارك وتعالى: (﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ [فصلت ٣٤] في جزئياتهما؛ لأن بعضهما فوق بعض). قوله: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ فسرها المؤلف بأن المعنى: لا تستوي الحسنات بعضها مع بعض ولا السيئات بعضها مع بعض، وعلى هذا التفسير تكون (لَا) غير زائدة؛ تكون أصلية، ويكون المراد بالآية: انتفاء تساوي الحسنات وانتفاء تساوي السيئات، وهذا أمر لا إشكال فيه؛ أن الحسنات بعضها أحسن من بعض، وأفضل من بعض، وأوكد من بعض، وكذلك السيئات بعضها أسوأ من بعض وأشد، لكن هناك تفسيرًا آخر وهو: أن المعنى أن الحسنات والسيئات لا تتساوى بدليل قوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ إلى آخره [فصلت: ٣٤]، وبناءً على ذلك تكون (لَا) زائدةً للتوكيد، كما هي في قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة ٧]، فإن (لَا) هنا زائدة للتوكيد، ولهذا لو قلت في غير القرآن العزيز، لو قلت: غير المغضوب عليهم والضالين؛ لاستقام الكلام. فإذا قال قائل: هل هناك ترجيح؟ قلنا: المؤلف رَجَّح المعنى الأول، وهو أن الحسنات لا تتساوى، والسيئات لا تتساوى، وبعضهم رجَّح الثاني؛ لأنه قال: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ﴾ إلى آخره، ولو قيل بالمعنيين جميعًا لم يكن هناك بأس؛ وذلك لأن الآية إذا كانت تحتمل معنيين على السواء وهما لا يتنافيان فإنها تُحمل عليهما جميعًا، هذه القاعدة في أصول التفسير. (الحسنة) ما يحسن ذكره، و(السيئة) ما يسوء ذكره هذا التفسير العام للحسنة وللسيئة. قال: ﴿ادْفَعْ﴾ السيئة ﴿بِالَّتِي﴾ أي: بالخصلة التي ﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾ إلى آخره. الغريب أن كلام المؤلف في ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ يقتضي أن معنى الجملة قبلها: لا تستوي الحسنة مع السيئة. ﴿ادْفَعْ﴾ السيئة ﴿بِالَّتِي﴾ أي: بالخصلة التي ﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾ أفادنا -رحمه الله- أن (التي) صفة لموصوف محذوف؛ أي: بالخصلة التي هي أحسن من السيئة. فإذا قال قائل: السيئة ليس فيها حسن، فكيف يقول: أحسن من السيئة؟ قلنا: إن اسم التفضيل قد يأتي وليس في الطرف الآخر منه شيء، كما في قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان ٢٤]، مع أن أصحاب النار ليس في مستقرهم خير ولا في مقيلهم خير. ويكون معنى الآية أنه لما كان من المعتاد أن الإنسان لا يدفع السيئة بالتي هي أحسن أمره الله أن يدفع بالتي هي أحسن؛ وذلك لأن مدافعة السيئة تكون على ثلاثة وجوه: الوجه الأول: أن يدفع سيئةً بمثلها، وهذا جائز. والثانية: أن يدفع السيئة بحسنة، لكن هناك شيء أحسن منها، وهذا أيضًا جائز، وهو أعلى من الأول. الثالث: أن يدفع السيئة بالتي هي أحسن؛ يعني بأحسن ما يدفعها به، وهذا أفضل وأطيب، وهو الذي أمر الله به، فصارت مقابلة السيئة على ثلاثة وجوه: الأول: السيئة بمثلها ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى ٤٠]. الثاني: بحسنة لكن غيرها أحسن. الثالث: بالتي هي أحسن؛ يعني إذا أساء إليك إنسان فلا تقابله بإساءة، ولا تقابله بحسنة أيضًا، قابله بما هو أحسن. يقول المؤلف ممثلًا: (كالغضب بالصبر، والجهل بالحلم، والإساءة بالعفو) هذه أمثلة: (الغضب بالصبر) يعني إذا غضب عليك إنسان فاصبر وتحمل، (الجهل بالحلم) إذا جهل عليك إنسان بالإساءة فقابله بالحلم. فإذا قال إنسان: الجهل هل هو يقابل الحلم أو يقابل العلم؟ قلنا: أما الجهل الذي هو عدم العلم فيُقابَل بالعلم، وأما الجهل الذي هو ضد الحلم بمعنى أن يكون الإنسان ذا عدوان على الغير فهذا يُقابَل بالحلم، قال الشاعر العربي: أَلَا لَا يَجْــــهَلَنْ أَحَـــــدٌ عَلَيْــــنَا ∗∗∗ فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَا وكذلك الإساءة بالعفو، إذا أساء إليك إنسان فاعف عنه، وقد سبق مرارًا ونكرره تكرارًا أن العفو إنما يُندب إليه إذا كان فيه إصلاح؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ٤٠]. ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت ٣٤] (فإذا): (إذا) فجائية والفاء عاطفة، أي: فإذا دفعت بالتي هي أحسن فاجأتك هذه الحالة، وهي: أن تنقلب عداوة الشخص الذي أساء إليك فيصير كأنه ولي حميم؛ يعني: صديقًا قريبًا، وتأمل كون الجواب بـ(إذا) الفجائية ليتبين لك أن انقلاب عداوته إلى ولاية حميمة لا يتأخر كثيرًا؛ لأن (إذا) الفجائية تدل على الفورية. ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت ٣٤] لو كان المخبر بذلك غير الله عز وجل لكان الإنسان يتردد، وكيف ينقلب العدو صديقًا حميمًا بهذه السرعة؟ نقول: إن الذي أخبر بذلك من؟ هو الله عز وجل، ومن أصدق من الله قيلًا، ثم إن الذي أخبر بذلك هو الذي قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابعه يقلبها حيث يشاء، لا تستبعد هذا، الأمور بيد الله وكم من عدو انقلب صديقًا، وصديق انقلب عدوًا. ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت ٣٤] أي: فيصير عدوك كالصديق القريب بمحبته إذا فعلت ذلك، فـ(الذي) مبتدأ، و(كأنه) الخبر، و(إذا) ظرف لمعنى التشبيه. ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت ٣٤] أعربها المؤلف يقول: (الذي: مبتدأ)، ﴿بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ﴾ هذا صلة الموصول، (وكأنه الخبر) خبر المبتدأ (الذي)، (وإذا ظرف لمعنى التشبيه) (إذا) في قوله: ﴿فَإِذَا الَّذِي﴾ ظرف لمعنى التشبيه الذي هو (كأنه)؛ لأن التشبيه مضمن معنى الفعل، فلذلك صح أن يتعلق به الظرف. هذا ما ذهب إليه المؤلف بالنسبة لـ(إذا)، والصحيح أن (إذا) فجائية لا تحتاج إلى متعلق. يقول رحمه الله: (﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾ أي: يؤتى الخصلة التي هي أحسن ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ﴾ ثواب ﴿عَظِيمٍ﴾ [فصلت ٣٥]). ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾ قال المؤلف رحمه الله: (أي يؤتى الخصلة)، وقيل: معناها لا يوفق لها، والمعنى متقارب؛ يعني: لا ينال أحد هذه الخصلة، وهي الدفاع بالتي هي أحسن إلا الذين صبروا، هذه الجملة فيها حصر طريقه النفي والإثبات: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت ٣٥]. وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت ٣٥] أي: حبسوا أنفسهم وأجبروها على تحمل هذا الأمر، وذلك لأن هذا الأمر شديد، إذ أن النفوس تحب الانتقام ممن أساء إليها، ولكن يُقال: ادفع بالتي هي أحسن، لهذا قال: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت ٣٥] كل إنسان سوف يعاني معاناة شديدة إذا سلك هذه الطريق؛ وهي: الدفاع بالتي هي أحسن، لا بد أن يجد عناءً ومشقة، فأثنى الله تعالى على الصابرين على ذلك. الصبر لا يحتاج إلى أن نطيل الشرح فيه؛ لأنهم قالوا: إنه يكون ثلاثة أنواع: يكون صبرًا على طاعة الله، وصبرًا عن معصيته، وصبرًا على أقداره. ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت ٣٥] قال: (ثواب) ﴿ذُو حَظٍّ﴾ أي ثواب، والصواب أن يُقال: الحظ هو النصيب، أي: ما يُلقاها إلا ذو نصيب عظيم، ليس من الثواب فحسب بل من الثواب والأخلاق والرزانة وغير ذلك؛ يعني: من له نصيب عظيم من الثواب والأخلاق والرزانة والتأني وغير ذلك، فلا ينبغي أن يقتصر في ذلك على الثواب، ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت ٣٥]. ولما ذكر الله تعالى دفع العدو من بني آدم ذكر دفع العدو من غير بني آدم، فقال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [فصلت ٣٦]، شوف مدافعة العدو من غير بني آدم، لم يقل: ادفع بالتي هي أحسن، قال: الجأ إلى الله؛ لأنك لا تستطيع أن تدفع الشيطان إلا باللجوء إلى الله عز وجل، إذ إن الشيطان ليس أمامك حتى تلوي عنقه وتقتله، ولكنه لا يدفعه إلا الله، ولهذا قال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [فصلت ٣٦]. فالمناسبة بين هذه الآية والتي قبلها أنه لما ذكر مدافعة العدو من بني آدم ذكر مدافعة العدو من غير بني آدم، فقال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [فصلت ٣٦]. قال: (إما) (فيه إدغام نون إن الشرطية في ما الزائدة)، (إما) أصلها (وإن ينزغنك) لكن (ما) الزائدة تُزاد كثيرًا في أدوات الشرط كقوله هنا: (وإما ينزغنك)، وكقوله تعالى: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء ١١٠]. ﴿إِمَّا يَنْزَغَنَّكَ﴾ يعني: إن ينزغك ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [فصلت ٣٦] (أي: يصرفك عن الخصلة وغيرها من الخير صارف ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ ). المؤلف -رحمه الله- إذا نظرنا إلى تفسيره وجدناه يقصر هذه الآية على شيء معين، وهي إن صرفنا الشيطان عن المدافعة بالتي هي أحسن فاستعذ بالله. والصواب خلاف ذلك، الصواب: أن الآية عامة، ولهذا قال: ﴿إِمَّا يَنْزَغَنَّكَ﴾ أي: يصيبنك. ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ (نزغ) نكرة في سياق إيش؟ * طالب: النفي. * الشيخ: خطأ، اقرأ الآية ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ [فصلت ٣٦] نكرة في سياق؟ * طالب: نكرة في سياق الشرط. * الشيخ: في سياق الشرط، فتكون عامة سواء كان في المدافعة بالتي هي أحسن أو غير ذلك، كلما أصابك نزغ من الشيطان فاستعذ بالله، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي شكا إليه الوسوسة في الصلاة أمره أن يستعيذ بالله قال: «يتفُل عن يسارِه ثلاثًا ويستعيذ بالله»[[أخرجه مسلم (٢٢٠٣ / ٦٨) من حديث عثمان بن أبي العاص.]]. المهم: أنه متى نزغك من الشيطان نزغ فالجأ إلى من يستطيع دفعه؛ الله عز وجل، لكن كيف أعرف أن الشيطان نزغ أحدًا؟ ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة ٢٦٨]، كلما رأيت أنه ألقي في روعك أن تفعل معصية فاعلم أنه نزغ من الشيطان، كلما ألقي في روعك أنك تترك طاعة فهذا نزغ من الشيطان استعذ بالله؛ لأن الشيطان ليس شيئًا محسوسًا يحسه الإنسان فيراه ويسمعه، لكن يُعرف بما يلقي في القلب. ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [فصلت ٣٦] أي اعتصم به، قال المؤلف: (جواب الشرط، وجواب الأمر محذوف؛ أي: يدفعه عنك)، أين الأمر؟ (استعذ) يعني كأن قائلًا يقول: وإذا استعذت فما النتيجة؟ النتيجة أن يدفعه الله عنك لأن الله تعالى لم يأمرك بالاستعاذة به -والاستعاذة كما تعرفون هي الاستجارة مما يسوء- استعذ بالله يدفعه عنك. (﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ للقول ﴿الْعَلِيمُ﴾ [فصلت ٣٦] بالفعل) هذه الجملة تعليلية، لقوله: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾؛ يعني: فإنك إذا استعذت منه بالله سمعك، وإنه عليم بكيفية دفع هذا الشيطان الذي نزغك منه نزغ فهو سميع لقولك إذا استعذت به عليم بما يدفع به عنك هذا الشيطان. * في الآية فوائد: منها: انتفاء تساوي الحسنات بعضها ببعض، وانتفاء تساوي السيئات بعضها ببعض. * فيترتب على ذلك فائدة: أن الحسنات تتفاوت والسيئات تتفاوت، فمن الحسنات ما هو أصول في الإسلام كالأصول الخمسة، ومنه ما هو دون ذلك، ومنه ما هو فرائض، ومنه ما هو نوافل. في المحرمات ما هو شرك مخرج عن الملة وما هو شرك دون ذلك، وكذلك يُقال في الكفر، ومنه ما هو فسوق ومنه ما هو دون ذلك، هذا إذا قلنا: إن المراد أن الحسنات لا تتساوى والسيئات لا تتساوى. أما إذا قلنا: لا تستوي الحسنة ولا السيئة؛ أي: إن الحسنة والسيئة لا يتساويان فيفيد الحث على فعل الحسنات في مقابل السيئات، وليس الفائدة أن يعلم أن الحسنة لا تساوي السيئة؛ لأن هذا أمر معلوم، ولا يمكن في القرآن ببلاغته أن يأتي بمثل ذلك؛ لأن هذا كقولك: السماء فوقنا، والأرض تحتنا، لكن المراد الحث على أن تُقابل السيئة بحسنة. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإرشاد إلى مدافعة السيئات. * طالب: ادفع. * الشيخ: من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿ادْفَعْ﴾، يؤخذ من قوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت ٣٤]. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على أعلى المقامات في مدافعة السيئات، تؤخذ من قوله: ﴿أَحْسَنُ﴾، ولم يقل: ادفع بالحسن، بل قال: ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت ٣٤]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى مقلب القلوب، فقد يكون العدو صديقًا والصديق عدوًا؛ لقوله: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ﴾ [فصلت ٣٤]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنك لا تأخذك العزة بالإثم فتقول: لا يمكن أن أسكت أمام هذا الذي أساء إلي ولا بد أن آخذ بحقي، نقول: إذ أخذت بحقك فذلك، لكن هناك خُلُق أفضل وأكمل، وهو المدافعة بالتي هي أحسن. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المدافعة بالتي هي أحسن شاقة على النفس؛ لقوله: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت ٣٥]، ولكن اصبر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من سلك هذه الطريق؛ وهي مدافعة السيئة بما هو أحسن، فإنه ذو نصيب عظيم من الأخلاق والثواب والرزانة والرجولة والشهامة وغير ذلك؛ لقوله: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت ٣٥]. * ومِن فوائد الآية: التي بعدها أن ملجأ الإنسان عند الخوف مما لا يمكنه دفعه هو الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [فصلت ٣٦]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنك كلما أحسست بشيء من نزغات الشيطان من تهاون بالمأمور أو ارتكاب لمحذور فعليك أن تلجأ إلى الله عز وجل. فإن قال قائل: نجد الاستعاذة مشروعةً في غير هذه الحال، مشروعة عند قراءة القرآن مثلًا، مشروعة عند دخول الخلاء، فما الجواب؟ الجواب: أن مشروعيتها عند تلاوة القرآن؛ لأن الشيطان يتسلط على الإنسان حين قراءة القرآن أن يصده عما فيه من الذكر الحكيم، يصده عن تدبره، عن الخشوع فيه، عن كون الإنسان يلتزم بأوامره ونواهيه ويصدق بأخباره. المهم أن الشيطان يحرص على الإنسان إذا أراد قراءة القرآن، فناسب أن يؤمر بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، وكذلك عند دخول الخلاء؛ لأن الخلاء موطن الشياطين، الشياطين تكون في أخبث الأماكن، والملائكة في أطيب الأماكن، ولهذا كانت المساجد بيوت الملائكة، وكانت المراحيض بيوت الشياطين. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الشيطان وأن له سلطة على ابن آدم لقوله: ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [فصلت ٣٦]، وهو كذلك، والله سبحانه وتعالى سَلَّط الشيطان على بني آدم، وأيد المؤمنين بالملائكة، فإن الشيطان إذا أمر بالفحشاء فإن هناك أمرًا آخر يضاده، وهو أمر الملك. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يُستعاذ إلا بالله، في قوله: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [فصلت ٣٦]، لكن هذا مقيد بما لا يقدر عليه إلا الله، فإنه لا استعاذة منه إلا بالله، وكذلك أيضًا لا استعاذة لمخلوق غير قادر، فمثلًا لو أن الإنسان استعاذ بميت لكان هذا شركًا؛ لأن الميت لا يمكن أن يفيدك، لكن لو استعاذ بحي فيما يقدر عليه فلا بأس بذلك؛ لأن النبي ﷺ قال: «مَنْ وَجَدَ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٠١)، ومسلم (٢٨٨٦ / ١٢) من حديث أبي هريرة.]]، فالاستعاذة بالمخلوق فيما يقدر عليه كالاستعانة به فيما يقدر عليه وكالاستغاثة به فيما يقدر عليه. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات السميع العليم لله؛ يعني أنهما من أسماء الله عز وجل، وسبق أنه لا يتم الإيمان بالاسم إلا بثلاثة أمور إن كان متعديًّا، وبأمرين إن كان غير متعدٍّ، السميع متعدٍّ، فتثبت السميع اسمًا، والسمع صفة، وكونه يسمع أثرًا، وكذلك يُقال في العليم. وقول المؤلف رحمه الله: (السميع للقول) هذا صحيح؛ لأن متعلق السمع هي الأقوال. (العليم بالفعل) فيه نظر؛ لأن الله عليم بالفعل، عليم بالقول، عليم بما ليس بفعل ولا قول ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦] فقصره على الفعل لا شك أنه قاصر، فيُقال: الصواب العليم بكل شيء من الأقوال والأفعال والإرادات والحاضر والمستقبل والماضي. * ومن فوائد الآيتين: بلاغة القرآن بذكر المتقاربين في المعنى، وإن كان بينهما فرق من حيث الحقيقة، وجه ذلك: أنه ذكر في الآية الأولى معاملة المسيء من الإنس بأن تدفعه بالتي هي أحسن، وذكر في الثانية معاملة المسيء من غير الإنس وهو الشيطان.

فصلت 41:36

ثم قال عز وجل: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت ٣٣] هذه ثلاثة أوصاف إذا اتصف بها الإنسان فلا أحسن من قوله. يقول الله عز وجل: (﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا﴾ أي: لا أحد أحسن قولًا) تفسير المؤلف لهذه الجملة يفيد أن (من) اسم استفهام لكنه بمعنى النفي، (من أحسن) يعني: لا أحد أحسن، إذا جاء اسم الاستفهام أو إذا جاء الاستفهام بمعنى النفي فإنه مُشْرب معنى التحدي، أيهما أبلغ أن تقول: لا أحد أحسن قولًا ممن دعا إلى الله، أو أن تقول: من أحسن؟ الثاني أبلغ؛ لأن الثاني يتضمن النفي ويتضمن التحدي كأنه يقول: ائت لي ببينة على أن هناك أحدًا أحسن ممن دعا إلى الله، كل استفهام جاء بمعنى النفي فإنه مُشرب معنى التحدي؛ لأنك إذا قلت: من كذا؛ يعني معناه: أتحداك أن تأتي لي بشيء سوى ذلك، فـ(من أحسن) أشد نفيًا من قول: لا أحد أحسن؛ وذلك لأنها جملة استفهامية مُشربة معنى التحدي. (أحسن) هذه خبر المبتدأ، و(من) هو المبتدأ، و(قولًا) تمييز؛ لأنه كلما جاءك اسم منصوب بعد اسم التفضيل فهو تمييز له. ﴿مَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ قال المؤلف: (بالتوحيد) وهذا لا شك حسن، لكن الآية أشمل من التوحيد ﴿مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ بالتوحيد والعمل الصالح، وغير ذلك (...) إلى الله. وقوله: ﴿مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ يعني إلى دين الله، ودين الله يتضمن التوحيد والأعمال الصالحة. ثانيًا قال: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ فبدأ بإصلاح الغير ثم ثنى بإصلاح النفس، مع أن من دعا إلى الله فهو مصلح لنفسه أيضًا. ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ (صالحًا): صفة لموصوف محذوف، التقدير: وعمل عملًا صالحًا، ولا يكون العمل صالحًا إلا بشرطين هما الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله ﷺ. صالحًا ويش إعرابه؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، قلنا: إنها صفة لموصوف محذوف، والتقدير: عمل عملًا صالحًا. متى يكون العمل صالحًا؟ * طالب: إذا أخذ فاعله بشرطين: الإخلاص لله سبحانه وتعالى، والمتابعة لرسوله ﷺ. * الشيخ: أحسنت، الإخلاص لله عز وجل والمتابعة لرسول الله ﷺ. فعمل المرائي أَعَمَلٌ صالحٌ هُوَ؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: فقد الإخلاص. وعمل المبتدع أصالح هو؟ لا؛ لفقده المتابعة، وحينئذ نقول لهؤلاء المبتدعين الذين عندهم من الإخلاص لله ما عندهم: إن عملكم حابط، قال النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) واللفظ له، من حديث عائشة.]]. ثم نقول: حقيقة الإخلاص تستلزم ألا تعبد الله إلا بما شرع، لا تعبده بهواك؛ لأنك إذا عبدت الله بهواك بالبدعة فأنت غير مخلص، المخلص لا بد أن يعبد الله سبحانه وتعالى بما شرع، فصار العمل الصالح ما تركب من شيئين: الأول: الإخلاص. والثاني: المتابعة لرسول الله ﷺ. قال: ﴿وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت ٣٣] قال باللسان أو بالقلب؟ بهما جميعًا. فإن قال قائل: قوله: ﴿إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ هو من العمل الصالح لا شك، فما الفائدة من ذلك؟ قلنا: الفائدة أنه يعلن هذا القول ولا يبالي بمن خالفة؛ لأن من الناس من يعمل صالحًا، لكنه تجده متسترًا ليس عنده الشجاعة التي تجعله يعلن ذلك، أما هذا فإنه يُعلن ويقول بلسان المقال غير مبالٍ: إنني من المسلمين. والجملة كما تعلمون (إنني) مؤكدة بـ(إن)، ذكر بعض أهل العلم أن المراد بذلك المؤذن؛ لأن المؤذن يدعو إلى الله يقول للناس: حي على الصلاة، حي على الفلاح، ولأنه مؤمن عامل صالحًا؛ ولأنه يقول: أشهد أن لا إله إلا الله يعلنها، وأشهد أن محمد رسول الله، وهذا معنى قوله: ﴿إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. لكن الصحيح أن الآية عامة تشمل المؤذن وغير المؤذن، الخطيب على المنبر يدخل في الآية ولّا لا؟ يدخل في الآية، المعلم في حلقة تعليمه يدخل في ذلك، فالآية أعم مما ذكر. ولكن اعلم أن بعض السلف يذكر للآية معنى خاصًّا لا يريد حصرها في هذا المعنى وإنما يريد التمثيل، وهذه مسألة قد تفوت على بعض الناس، دائمًا ننظر في ابن كثير أو ابن جرير أنه قال: فلان كذا. لجزء المعنى، فَهُمْ لا يريدون أن يقصروا العام على الخاص؛ لأنهم أعلم من أن يقتصروا على بعض أفراد العام مثلًا، لكنهم يريدون التمثيل. مثال ذلك مثلًا قال بعض العلماء: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر ٣٢] قال: الظالم لنفسه الذي يؤخر الصلاة عن وقتها، المقتصد الذي يصليها في آخر الوقت، السابق بالخيرات الذي يصليها في أول الوقت، هذا لا شك أنه حصر، بل لا شك أنه تخصيص للعام، فنقول: أرادوا بذلك التمثيل. * من فوائد الآية الكريمة: تفاضل الأعمال لقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا﴾ [فصلت ٣٣]، و(أحسن) اسم تفضيل، ولا شك أن الأعمال تتفاضل باعتبار الجنس وباعتبار النوع وباعتبار الهيئة؛ ثلاثة اعتبارات: باعتبار الجنس وباعتبار النوع وباعتبار الهيئة والكيفية. تتفاضل باعتبار الجنس: فمثلًا الصلاة أفضل من الزكاة، الزكاة أفضل من الصوم، الصوم أفضل من الحج، هذا باعتبار الجنس، ثم هذا الجنس أيضًا تتفاضل من وجه آخر: واجب العبادة أفضل من نفلها، فصلاة الظهر مثلًا أفضل من قيام الليل، هذا تفاضل باعتبار الجنس لكنه من وجه آخر. دليل ذلك: أن النبي ﷺ قال عن الله: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ»[[أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة.]]. تتفاضل باعتبار النوع: مثل: الوتر أفضل من مطلق التهجد، الرواتب أفضل من النفل المطلق، هذا باعتبار النوع، وإن شئت فاجعل تفاضلها باعتبار الوجوب والندب من هذا النوع. الثالث: باعتبار الهيئة، صلاة يخشع فيها الإنسان ويتدبر ما يقول وما يفعل ويطمئن، وصلاة أخرى يقتصر على الواجب وبدون خشوع قلب مثلًا، أيهما أفضل؟ الأولى أفضل. والمهم: أننا نؤمن بأن الأعمال تتفاضل، وأن بعضها أحب إلى الله من بعض. يبقى النظر هل يلزم من تفاضل العمل تفاضل العامل؟ نعم، وعلى هذا فالعامل أيضًا يختلف ويتفاضل، قال النبي ﷺ: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي؛ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١ / ٢٢٢) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، العمل واحد لكن العامل مختلف. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الدعوة إلى الله عز وجل لقوله: ﴿مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت ٣٣]. * ومن فوائدها: الإشارة إلى الإخلاص في الدعوة نأخذها من قوله: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾؛ لأن الداعي ربما يدعو ويقوم للناس ويذكرهم ويعظهم ويحثهم على الخير ويحذرهم من الشر، لكن يريد أن يكون مرموقًا بينهم، هل هذا داعٍ إلى الله ولّا دعا لنفسه؟ إلى نفسه، فلا بد إذن من الإخلاص. لو قال قائل: هل يثلم الإخلاص ما لو أراد بالدعوة إصلاح الناس؟ الجواب: لا يثلمه؛ لأن أصل دعوته من أجل إصلاح الناس. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة العمل الصالح الذي جمع بين الأمرين؛ الإخلاص والمتابعة؛ لقوله: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب العلم، من أين نأخذه؟ من قوله: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [فصلت ٣٣]؛ لأنه لا يمكن أن تعرف أن العمل موافق للشرع أو غير موافق إلا بالعلم، وهذا واضح، فيكون في الآية دليل على وجوب العلم؛ لأنه إذا كان العمل الصالح من الواجبات فلا بد أن تعلمه بالشرع، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للمسلم أن يكون عزيزًا بدينه، وأن يعلن به، وأن يقول: إنني من المسلمين، وألّا يستحي إذا قيل له إنه مسلم؛ لقوله: ﴿وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت ٣٣]. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى تجنب التزكية الذاتية؛ لأنه قال: ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، ولم يقل: وقال إنني مسلم؛ لأن الإنسان قد يعتز بقوله: إني مسلم، ويفخر أكثر مما يكون ذلك فيما لو قال: إنني من المسلمين. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى المؤاخاة بين المسلمين؛ لقوله: ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ إشارة إلى أنني كواحد من هؤلاء لا أفترق عنهم. * طالب: (...). * الشيخ: هذا سؤال يرد علينا كثيرًا، هل أفضل طلب العلم أو الاشتغال بالدعوة؟ والواقع أنه سؤال غير محرر؛ أولًا: إنه يمكن الجمع بين هذا وهذا، ونحن نعلم أن الداعية ليس يشغل وقته من صلاة الفجر إلى ما بعد صلاة العشاء وهو يدعو أبدًا، هل أحد من الدعاة يفعل هكذا؟ أبدًا، يدعو نصف ساعة هنا ونصف ساعة هناك، وأما يبقى لا يسكت من صلاة الفجر إلى أن يصلي العشاء لا يمكن، لا بد من فترات، فلا يتعذر الجمع بين الدعوة إلى الله وطلب العلم؛ يطلب العلم ساعة أو ساعتين ثم يدعو نصف ساعة مثلًا، فلا منافاة، هذه واحدة. ثانيًا: أنه لا يمكن الدعوة إلى الله بلا علم، والدعوة إلى الله عن جهل قد يكون فيها من الضرر أكثر من عدم الدعوة، كثير من الدعاة يكون عنده غيرة ومحبة للخير فتجده يحرِّم الحلال أو يوجب ما ليس بواجب بناءً على ما عنده من الغيرة، ولو كان ذا علم لحصل له الثبات، ولا يخفى عليكم ما جرى من «عمر رضي الله عنه في صلح الحديبية ماذا فعل؟ صار يعارض الصلح ويأتي للرسول عليه الصلاة والسلام يريد أن يحل عقدة الصلح»[[رواه البخاري (٢٧٣١) من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، وفيه: فقال عمر بن الخطاب: فأتيتُ نبيَّ الله ﷺ فقلتُ: ألستَ نبي الله حقًّا! قال: «بلى»، قلتُ: ألسْنَا على الحقِّ وعدونا على الباطل! قال: «بلى»، قلت: فلمَ نعطي الدَّنِيَّة في ديننا إذن! قال: «إنِّي رسولُ الله، ولستُ أعصيه، وهو ناصري»، قلت: أوليسَ كنتَ تحدُّثنا أنَّا سنأتي البيتَ فنطوفُ به؟ قال: «بلى، فأخبرتُك أنَّا نأتيه العامَ؟»، قال: قلتُ: لا، قال: «فإنَّك آتيهِ ومُطوِّفٌ بهِ».]]، لكن الثبات كثبات أبي بكر تبين به الحق، فلا يمكن أن يكون داعية يدعو إلى الله بلا علم. هذا إذا أردنا العلم بما يدعو إليه ولسنا نريد أنه لا يمكن أن يدعو إلى الله إلا من كان متبحرًا بالعلوم لا، لو قلنا هكذا ما صح قول الرسول: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آَيَةً»[[أخرجه البخاري (٣٤٦١) من حديث عبد الله بن عمرو.]] أفهمت؟ إذن الجواب من وجهين: الوجه الأول: أنه لا منافاة بين العلم والدعوة. الوجه الثاني: أنه لا تمكن الدعوة إلا بعلم بما يدعو إليه. بقي علينا وسائل الدعوة، وسائل الدعوة كثيرة؛ يعني ليست الدعوة مختصة بأن يقوم الإنسان يتكلم، الدعوة تكون بالقول وتكون بالكتابة وتكون بنفس الفعل، الإنسان الذي تثق منه تجد أنك تنظر ماذا يصنع، وتفعل مثله، هذا دعوة، هذا نوع من الدعوة، بل قد تكون الدعوة بالفعل والعمل أقوى تأثيرًا من الدعوة باللسان. * طالب: شيخ بارك الله فيكم، طالب العلم الذي يريد الدعوة -لا سيما الدعوة في الحارات- لأنه يا شيخ يوجد في الحارات منكرات كثيرة، منكرات حتى في الصلاة، فيعرف أن فلان وفلان يتركون الصلاة، فإن جلس يمشي إليهم ضاع وقته، وبعضهم يقول إنه ما هو موجود، ويقع الإنسان في حرج؛ إما أن يتركهم أو يشتغل بما هو فيه، والوقت قليل وإن تفرق قَلَّ، فهل يُعذر الإنسان إذا غلب على ظنه أن هذا الشخص بعيد الاستجابة، وكذلك بعيد أن يقبل منه، ولن تجد الوقت المناسب له؟ * الشيخ: هذه في الواقع موعظة أو أمر، الدعوة تكون بصفة عامة، أما أن تذهب إلى فلان وتنصحه فهذا في الحقيقة موعظة، وإذا كان لك سلطة فهو أمر بالمعروف، وهذا كما تعرف له أحوال، لا يجب على الإنسان أن يترك ما يهمه في دينه ودنياه من أجل أن يذهب إلى الناس يقرع أبوابهم ليأمرهم أو يعظهم، هذا ليس بواجب. * الطالب: فيه الاستحباب «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا»[[أخرجه مسلم (٤٩ / ٧٨) من حديث أبي سعيد الخدري.]]. * الشيخ: نعم «مَنْ رَأَى» لكن الرسول ﷺ ما قال: تَطَلَّبُوا رؤية المنكر، وهذا الذي لا يصلي يمكن أن أعظه في السوق في المسجد، ولهذا نجد الناس الآن يستثقلون أن يقرع عليهم الباب أحد يعظهم أو يأمرهم، وربما حصل من ذلك ما يُسمى بِرَدِّ الفعل. * طالب: شيخ، كيف نجمع بين هذا وبين حديث الرسول: «إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ أُنَاسٌ لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٠٦)، ومسلم (١٨٣ / ٣٠٢) من حديث أبي سعيد الخدري.]]؟ * الشيخ: نعم، والعقيدة؟ * الطالب: عندهم عقيدة، موحدون. * الشيخ: لكن هذا عُذِّب الآن، عُذِّب ما تُرِك. * الطالب: العقيدة أنه خارج من النار. * الشيخ: لكن هل هذا تنزلت عليه الملائكة؟ ما تنزل عليه الملائكة، ثم لا بد أن يكون عند هذا الإنسان عقيدة إيمانية، وإلا لقلنا: النصارى أيضًا يخرجون من النار بعقيدتهم. * * * * طالب: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت ٣٣ - ٣٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [فصلت ٣٣]، ما الذي نصب (قولًا)؟ * طالب: التمييز. * الشيخ: التمييز، فهل هناك قاعدة في مثل هذا السياق؟ * طالب: إذا جاء اسم بعد أفعل التفضيل يكون منصوبًا على التمييز. * الشيخ: إذا جاء اسم مبين لاسم التفضيل صار منصوبًا على التمييز. الاستفهام هنا بمعنى؟ * الطالب: التحدي. * الشيخ: لا، بمعنى النفي، وهو مُشْرب معنى التحدي. من المراد بهذا ﴿مَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [فصلت ٣٣]؟ * طالب: المراد كل من قام بالدعوة إلى الله سواءً بالكلمة أو بالأعمال أو بالقول. * الشيخ: يعني: عامٌّ، كل من دعا. ذكر بعضهم أنه مؤذن؟ * الطالب: هذا من باب ذكر بعض أنواع العموم. * الشيخ: فيكون مراده؟ * الطالب: بعض أنواع العام، ولا يُراد منه التخصيص. * الشيخ: لكن المراد أيش؟ * الطالب: التمثيل. * الشيخ: التمثيل، بارك الله فيك. قال الله تبارك وتعالى: (﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ [فصلت ٣٤] في جزئياتهما؛ لأن بعضهما فوق بعض). قوله: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ فسرها المؤلف بأن المعنى: لا تستوي الحسنات بعضها مع بعض ولا السيئات بعضها مع بعض، وعلى هذا التفسير تكون (لَا) غير زائدة؛ تكون أصلية، ويكون المراد بالآية: انتفاء تساوي الحسنات وانتفاء تساوي السيئات، وهذا أمر لا إشكال فيه؛ أن الحسنات بعضها أحسن من بعض، وأفضل من بعض، وأوكد من بعض، وكذلك السيئات بعضها أسوأ من بعض وأشد، لكن هناك تفسيرًا آخر وهو: أن المعنى أن الحسنات والسيئات لا تتساوى بدليل قوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ إلى آخره [فصلت: ٣٤]، وبناءً على ذلك تكون (لَا) زائدةً للتوكيد، كما هي في قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة ٧]، فإن (لَا) هنا زائدة للتوكيد، ولهذا لو قلت في غير القرآن العزيز، لو قلت: غير المغضوب عليهم والضالين؛ لاستقام الكلام. فإذا قال قائل: هل هناك ترجيح؟ قلنا: المؤلف رَجَّح المعنى الأول، وهو أن الحسنات لا تتساوى، والسيئات لا تتساوى، وبعضهم رجَّح الثاني؛ لأنه قال: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ﴾ إلى آخره، ولو قيل بالمعنيين جميعًا لم يكن هناك بأس؛ وذلك لأن الآية إذا كانت تحتمل معنيين على السواء وهما لا يتنافيان فإنها تُحمل عليهما جميعًا، هذه القاعدة في أصول التفسير. (الحسنة) ما يحسن ذكره، و(السيئة) ما يسوء ذكره هذا التفسير العام للحسنة وللسيئة. قال: ﴿ادْفَعْ﴾ السيئة ﴿بِالَّتِي﴾ أي: بالخصلة التي ﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾ إلى آخره. الغريب أن كلام المؤلف في ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ يقتضي أن معنى الجملة قبلها: لا تستوي الحسنة مع السيئة. ﴿ادْفَعْ﴾ السيئة ﴿بِالَّتِي﴾ أي: بالخصلة التي ﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾ أفادنا -رحمه الله- أن (التي) صفة لموصوف محذوف؛ أي: بالخصلة التي هي أحسن من السيئة. فإذا قال قائل: السيئة ليس فيها حسن، فكيف يقول: أحسن من السيئة؟ قلنا: إن اسم التفضيل قد يأتي وليس في الطرف الآخر منه شيء، كما في قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان ٢٤]، مع أن أصحاب النار ليس في مستقرهم خير ولا في مقيلهم خير. ويكون معنى الآية أنه لما كان من المعتاد أن الإنسان لا يدفع السيئة بالتي هي أحسن أمره الله أن يدفع بالتي هي أحسن؛ وذلك لأن مدافعة السيئة تكون على ثلاثة وجوه: الوجه الأول: أن يدفع سيئةً بمثلها، وهذا جائز. والثانية: أن يدفع السيئة بحسنة، لكن هناك شيء أحسن منها، وهذا أيضًا جائز، وهو أعلى من الأول. الثالث: أن يدفع السيئة بالتي هي أحسن؛ يعني بأحسن ما يدفعها به، وهذا أفضل وأطيب، وهو الذي أمر الله به، فصارت مقابلة السيئة على ثلاثة وجوه: الأول: السيئة بمثلها ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى ٤٠]. الثاني: بحسنة لكن غيرها أحسن. الثالث: بالتي هي أحسن؛ يعني إذا أساء إليك إنسان فلا تقابله بإساءة، ولا تقابله بحسنة أيضًا، قابله بما هو أحسن. يقول المؤلف ممثلًا: (كالغضب بالصبر، والجهل بالحلم، والإساءة بالعفو) هذه أمثلة: (الغضب بالصبر) يعني إذا غضب عليك إنسان فاصبر وتحمل، (الجهل بالحلم) إذا جهل عليك إنسان بالإساءة فقابله بالحلم. فإذا قال إنسان: الجهل هل هو يقابل الحلم أو يقابل العلم؟ قلنا: أما الجهل الذي هو عدم العلم فيُقابَل بالعلم، وأما الجهل الذي هو ضد الحلم بمعنى أن يكون الإنسان ذا عدوان على الغير فهذا يُقابَل بالحلم، قال الشاعر العربي: أَلَا لَا يَجْــــهَلَنْ أَحَـــــدٌ عَلَيْــــنَا ∗∗∗ فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَا وكذلك الإساءة بالعفو، إذا أساء إليك إنسان فاعف عنه، وقد سبق مرارًا ونكرره تكرارًا أن العفو إنما يُندب إليه إذا كان فيه إصلاح؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ٤٠]. ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت ٣٤] (فإذا): (إذا) فجائية والفاء عاطفة، أي: فإذا دفعت بالتي هي أحسن فاجأتك هذه الحالة، وهي: أن تنقلب عداوة الشخص الذي أساء إليك فيصير كأنه ولي حميم؛ يعني: صديقًا قريبًا، وتأمل كون الجواب بـ(إذا) الفجائية ليتبين لك أن انقلاب عداوته إلى ولاية حميمة لا يتأخر كثيرًا؛ لأن (إذا) الفجائية تدل على الفورية. ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت ٣٤] لو كان المخبر بذلك غير الله عز وجل لكان الإنسان يتردد، وكيف ينقلب العدو صديقًا حميمًا بهذه السرعة؟ نقول: إن الذي أخبر بذلك من؟ هو الله عز وجل، ومن أصدق من الله قيلًا، ثم إن الذي أخبر بذلك هو الذي قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابعه يقلبها حيث يشاء، لا تستبعد هذا، الأمور بيد الله وكم من عدو انقلب صديقًا، وصديق انقلب عدوًا. ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت ٣٤] أي: فيصير عدوك كالصديق القريب بمحبته إذا فعلت ذلك، فـ(الذي) مبتدأ، و(كأنه) الخبر، و(إذا) ظرف لمعنى التشبيه. ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت ٣٤] أعربها المؤلف يقول: (الذي: مبتدأ)، ﴿بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ﴾ هذا صلة الموصول، (وكأنه الخبر) خبر المبتدأ (الذي)، (وإذا ظرف لمعنى التشبيه) (إذا) في قوله: ﴿فَإِذَا الَّذِي﴾ ظرف لمعنى التشبيه الذي هو (كأنه)؛ لأن التشبيه مضمن معنى الفعل، فلذلك صح أن يتعلق به الظرف. هذا ما ذهب إليه المؤلف بالنسبة لـ(إذا)، والصحيح أن (إذا) فجائية لا تحتاج إلى متعلق. يقول رحمه الله: (﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾ أي: يؤتى الخصلة التي هي أحسن ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ﴾ ثواب ﴿عَظِيمٍ﴾ [فصلت ٣٥]). ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾ قال المؤلف رحمه الله: (أي يؤتى الخصلة)، وقيل: معناها لا يوفق لها، والمعنى متقارب؛ يعني: لا ينال أحد هذه الخصلة، وهي الدفاع بالتي هي أحسن إلا الذين صبروا، هذه الجملة فيها حصر طريقه النفي والإثبات: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت ٣٥]. وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت ٣٥] أي: حبسوا أنفسهم وأجبروها على تحمل هذا الأمر، وذلك لأن هذا الأمر شديد، إذ أن النفوس تحب الانتقام ممن أساء إليها، ولكن يُقال: ادفع بالتي هي أحسن، لهذا قال: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت ٣٥] كل إنسان سوف يعاني معاناة شديدة إذا سلك هذه الطريق؛ وهي: الدفاع بالتي هي أحسن، لا بد أن يجد عناءً ومشقة، فأثنى الله تعالى على الصابرين على ذلك. الصبر لا يحتاج إلى أن نطيل الشرح فيه؛ لأنهم قالوا: إنه يكون ثلاثة أنواع: يكون صبرًا على طاعة الله، وصبرًا عن معصيته، وصبرًا على أقداره. ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت ٣٥] قال: (ثواب) ﴿ذُو حَظٍّ﴾ أي ثواب، والصواب أن يُقال: الحظ هو النصيب، أي: ما يُلقاها إلا ذو نصيب عظيم، ليس من الثواب فحسب بل من الثواب والأخلاق والرزانة وغير ذلك؛ يعني: من له نصيب عظيم من الثواب والأخلاق والرزانة والتأني وغير ذلك، فلا ينبغي أن يقتصر في ذلك على الثواب، ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت ٣٥]. ولما ذكر الله تعالى دفع العدو من بني آدم ذكر دفع العدو من غير بني آدم، فقال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [فصلت ٣٦]، شوف مدافعة العدو من غير بني آدم، لم يقل: ادفع بالتي هي أحسن، قال: الجأ إلى الله؛ لأنك لا تستطيع أن تدفع الشيطان إلا باللجوء إلى الله عز وجل، إذ إن الشيطان ليس أمامك حتى تلوي عنقه وتقتله، ولكنه لا يدفعه إلا الله، ولهذا قال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [فصلت ٣٦]. فالمناسبة بين هذه الآية والتي قبلها أنه لما ذكر مدافعة العدو من بني آدم ذكر مدافعة العدو من غير بني آدم، فقال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [فصلت ٣٦]. قال: (إما) (فيه إدغام نون إن الشرطية في ما الزائدة)، (إما) أصلها (وإن ينزغنك) لكن (ما) الزائدة تُزاد كثيرًا في أدوات الشرط كقوله هنا: (وإما ينزغنك)، وكقوله تعالى: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء ١١٠]. ﴿إِمَّا يَنْزَغَنَّكَ﴾ يعني: إن ينزغك ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [فصلت ٣٦] (أي: يصرفك عن الخصلة وغيرها من الخير صارف ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ ). المؤلف -رحمه الله- إذا نظرنا إلى تفسيره وجدناه يقصر هذه الآية على شيء معين، وهي إن صرفنا الشيطان عن المدافعة بالتي هي أحسن فاستعذ بالله. والصواب خلاف ذلك، الصواب: أن الآية عامة، ولهذا قال: ﴿إِمَّا يَنْزَغَنَّكَ﴾ أي: يصيبنك. ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ (نزغ) نكرة في سياق إيش؟ * طالب: النفي. * الشيخ: خطأ، اقرأ الآية ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ [فصلت ٣٦] نكرة في سياق؟ * طالب: نكرة في سياق الشرط. * الشيخ: في سياق الشرط، فتكون عامة سواء كان في المدافعة بالتي هي أحسن أو غير ذلك، كلما أصابك نزغ من الشيطان فاستعذ بالله، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي شكا إليه الوسوسة في الصلاة أمره أن يستعيذ بالله قال: «يتفُل عن يسارِه ثلاثًا ويستعيذ بالله»[[أخرجه مسلم (٢٢٠٣ / ٦٨) من حديث عثمان بن أبي العاص.]]. المهم: أنه متى نزغك من الشيطان نزغ فالجأ إلى من يستطيع دفعه؛ الله عز وجل، لكن كيف أعرف أن الشيطان نزغ أحدًا؟ ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة ٢٦٨]، كلما رأيت أنه ألقي في روعك أن تفعل معصية فاعلم أنه نزغ من الشيطان، كلما ألقي في روعك أنك تترك طاعة فهذا نزغ من الشيطان استعذ بالله؛ لأن الشيطان ليس شيئًا محسوسًا يحسه الإنسان فيراه ويسمعه، لكن يُعرف بما يلقي في القلب. ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [فصلت ٣٦] أي اعتصم به، قال المؤلف: (جواب الشرط، وجواب الأمر محذوف؛ أي: يدفعه عنك)، أين الأمر؟ (استعذ) يعني كأن قائلًا يقول: وإذا استعذت فما النتيجة؟ النتيجة أن يدفعه الله عنك لأن الله تعالى لم يأمرك بالاستعاذة به -والاستعاذة كما تعرفون هي الاستجارة مما يسوء- استعذ بالله يدفعه عنك. (﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ للقول ﴿الْعَلِيمُ﴾ [فصلت ٣٦] بالفعل) هذه الجملة تعليلية، لقوله: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾؛ يعني: فإنك إذا استعذت منه بالله سمعك، وإنه عليم بكيفية دفع هذا الشيطان الذي نزغك منه نزغ فهو سميع لقولك إذا استعذت به عليم بما يدفع به عنك هذا الشيطان. * في الآية فوائد: منها: انتفاء تساوي الحسنات بعضها ببعض، وانتفاء تساوي السيئات بعضها ببعض. * فيترتب على ذلك فائدة: أن الحسنات تتفاوت والسيئات تتفاوت، فمن الحسنات ما هو أصول في الإسلام كالأصول الخمسة، ومنه ما هو دون ذلك، ومنه ما هو فرائض، ومنه ما هو نوافل. في المحرمات ما هو شرك مخرج عن الملة وما هو شرك دون ذلك، وكذلك يُقال في الكفر، ومنه ما هو فسوق ومنه ما هو دون ذلك، هذا إذا قلنا: إن المراد أن الحسنات لا تتساوى والسيئات لا تتساوى. أما إذا قلنا: لا تستوي الحسنة ولا السيئة؛ أي: إن الحسنة والسيئة لا يتساويان فيفيد الحث على فعل الحسنات في مقابل السيئات، وليس الفائدة أن يعلم أن الحسنة لا تساوي السيئة؛ لأن هذا أمر معلوم، ولا يمكن في القرآن ببلاغته أن يأتي بمثل ذلك؛ لأن هذا كقولك: السماء فوقنا، والأرض تحتنا، لكن المراد الحث على أن تُقابل السيئة بحسنة. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإرشاد إلى مدافعة السيئات. * طالب: ادفع. * الشيخ: من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿ادْفَعْ﴾، يؤخذ من قوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت ٣٤]. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على أعلى المقامات في مدافعة السيئات، تؤخذ من قوله: ﴿أَحْسَنُ﴾، ولم يقل: ادفع بالحسن، بل قال: ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت ٣٤]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى مقلب القلوب، فقد يكون العدو صديقًا والصديق عدوًا؛ لقوله: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ﴾ [فصلت ٣٤]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنك لا تأخذك العزة بالإثم فتقول: لا يمكن أن أسكت أمام هذا الذي أساء إلي ولا بد أن آخذ بحقي، نقول: إذ أخذت بحقك فذلك، لكن هناك خُلُق أفضل وأكمل، وهو المدافعة بالتي هي أحسن. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المدافعة بالتي هي أحسن شاقة على النفس؛ لقوله: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت ٣٥]، ولكن اصبر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من سلك هذه الطريق؛ وهي مدافعة السيئة بما هو أحسن، فإنه ذو نصيب عظيم من الأخلاق والثواب والرزانة والرجولة والشهامة وغير ذلك؛ لقوله: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت ٣٥]. * ومِن فوائد الآية: التي بعدها أن ملجأ الإنسان عند الخوف مما لا يمكنه دفعه هو الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [فصلت ٣٦]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنك كلما أحسست بشيء من نزغات الشيطان من تهاون بالمأمور أو ارتكاب لمحذور فعليك أن تلجأ إلى الله عز وجل. فإن قال قائل: نجد الاستعاذة مشروعةً في غير هذه الحال، مشروعة عند قراءة القرآن مثلًا، مشروعة عند دخول الخلاء، فما الجواب؟ الجواب: أن مشروعيتها عند تلاوة القرآن؛ لأن الشيطان يتسلط على الإنسان حين قراءة القرآن أن يصده عما فيه من الذكر الحكيم، يصده عن تدبره، عن الخشوع فيه، عن كون الإنسان يلتزم بأوامره ونواهيه ويصدق بأخباره. المهم أن الشيطان يحرص على الإنسان إذا أراد قراءة القرآن، فناسب أن يؤمر بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، وكذلك عند دخول الخلاء؛ لأن الخلاء موطن الشياطين، الشياطين تكون في أخبث الأماكن، والملائكة في أطيب الأماكن، ولهذا كانت المساجد بيوت الملائكة، وكانت المراحيض بيوت الشياطين. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الشيطان وأن له سلطة على ابن آدم لقوله: ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [فصلت ٣٦]، وهو كذلك، والله سبحانه وتعالى سَلَّط الشيطان على بني آدم، وأيد المؤمنين بالملائكة، فإن الشيطان إذا أمر بالفحشاء فإن هناك أمرًا آخر يضاده، وهو أمر الملك. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يُستعاذ إلا بالله، في قوله: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [فصلت ٣٦]، لكن هذا مقيد بما لا يقدر عليه إلا الله، فإنه لا استعاذة منه إلا بالله، وكذلك أيضًا لا استعاذة لمخلوق غير قادر، فمثلًا لو أن الإنسان استعاذ بميت لكان هذا شركًا؛ لأن الميت لا يمكن أن يفيدك، لكن لو استعاذ بحي فيما يقدر عليه فلا بأس بذلك؛ لأن النبي ﷺ قال: «مَنْ وَجَدَ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٠١)، ومسلم (٢٨٨٦ / ١٢) من حديث أبي هريرة.]]، فالاستعاذة بالمخلوق فيما يقدر عليه كالاستعانة به فيما يقدر عليه وكالاستغاثة به فيما يقدر عليه. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات السميع العليم لله؛ يعني أنهما من أسماء الله عز وجل، وسبق أنه لا يتم الإيمان بالاسم إلا بثلاثة أمور إن كان متعديًّا، وبأمرين إن كان غير متعدٍّ، السميع متعدٍّ، فتثبت السميع اسمًا، والسمع صفة، وكونه يسمع أثرًا، وكذلك يُقال في العليم. وقول المؤلف رحمه الله: (السميع للقول) هذا صحيح؛ لأن متعلق السمع هي الأقوال. (العليم بالفعل) فيه نظر؛ لأن الله عليم بالفعل، عليم بالقول، عليم بما ليس بفعل ولا قول ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦] فقصره على الفعل لا شك أنه قاصر، فيُقال: الصواب العليم بكل شيء من الأقوال والأفعال والإرادات والحاضر والمستقبل والماضي. * ومن فوائد الآيتين: بلاغة القرآن بذكر المتقاربين في المعنى، وإن كان بينهما فرق من حيث الحقيقة، وجه ذلك: أنه ذكر في الآية الأولى معاملة المسيء من الإنس بأن تدفعه بالتي هي أحسن، وذكر في الثانية معاملة المسيء من غير الإنس وهو الشيطان.

فصلت 41:37

ثم قال عز وجل: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت ٣٧] (من آياته) أي: آيات الله عز وجل، والآية في اللغة: العلامة، وهي بالنسبة لآيات الله: ما كان علامةً على قدرة الله عز وجل وقوته وحكمته وعلمه ورحمته وغير ذلك. فقوله: (من آياته) الدالة على قدرته وعلمه وحكمته ورحمته وغير ذلك مما يدل عليه هذا الليل والنهار. ﴿مِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ﴾ (الليل) بظلامه و(النهار) بضيائه هذا من آيات الله؛ لا أحد يستطيع أن يفعل ذلك إطلاقًا. يقول الله عز وجل: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص ٧١]، الجواب: لا إله، لا أحد يأتي بذلك، ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [القصص ٧٢] الجواب: لا أحد، فهذا من آيات الله العظيمة الدالة على قدرته وعلى رحمته وعلمه وحكمته وقوته، بينما الليل قد غشي الأرض بظلامه، وإذا بالصبح قد كشف هذا الغطاء فأصبحت الدنيا ضياءً. كذلك من آياته الشمس والقمر، وما أعظمها من آية، هذان الكوكبان يسيران منذ خلقهما الله عز وجل إلى أن يأذن الله بخرابهما، يسيران على نمط واحد لا يتعديانه ولا يتجاوزانه. قال بعض العلماء: لو أن الشمس بعدت عن مقرها شعرةً واحدة لهلك الناس من البرد وجمدت المائعات، ولو أنها نزلت شعرةً واحدة لذابت الأرض من الحر، وهذا من قدرة الله عز وجل، ثم هذا الجرم العظيم له هذه الإضاءة العظيمة مع البعد التام، وهذه الحرارة العظيمة مع البعد التام، لو أنك سعرت أقوى نار في الدنيا ما بلغت مسافة حرها إلى مئة متر، ومع ذلك تجد مس الحرارة فقط لا أن يصل إلى هذه الدرجة، وهذه بينك وبينها ما لا يعلمه إلا الله عز وجل وتجد هذا الحر، في أيام الصيف ربما قال لي بعضهم: ربما بدأ الماء يغلي من شدة الحرارة في بعض المناطق مما يدل على عظمة هذه الشمس. القمر أيضًا عظيم، هذا القمر الكوكب الكتلة يضيء هذه الإضاءة العظيمة من بُعد، مع ذلك هو بارد لا يسخن الجو ولا يسخن الأرض؛ لأنه آية الليل، أرأيتم لو كان حارًّا أيتمتع الناس بالليل كما يُتمتع به اليوم؟ لا يمكن أبدًا، لكن من رحمة الله عز وجل أن جعله نورًا باردًا، حتى لا تبقى حرارة الأرض طوال أربع وعشرين ساعة، وحتى يستقر الناس في منامهم وذهابهم ومجيئهم. أن جعله نورًا باردًا حتى لا تبقى حرارة الأرض طوال أربع وعشرين ساعة، وحتى يستقر الناس في منامهم وذهابهم ومجيئهم. ثم قال: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾ [فصلت ٣٧] نَهْي عن السجود للشمس والقمر؛ لأن من بني آدم من يسجد للشمس ويسجد للقمر، «ولذلك نُهِيَ عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٨٥)، ومسلم (٨٢٨ / ٢٨٩) من حديث ابن عمر.]]، وقال بعض العلماء: إن المراد: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾ عند تغيرهما بالكسوف، ولكن اسجدوا لله. قال: (﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ [فصلت ٣٧] أي: الآيات الأربع ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ) يعني: إن كنتم صادقين في عبادته فلا تسجدوا لغيره؛ لأن من يعبد الله ويعبد غيره ليس صادقًا في عبادته؛ الصادق في عبادته هو الذي يخلص العبادة لله عز وجل، ويأتي إن شاء الله البقية. * طالب: (...). * الشيخ: إي، هذا يوم القيامة، تلقى في جهنم يوم القيامة ما هو الآن، ويوم القيامة تتغير الأمور ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم ٤٨]. * طالب: (...). * الشيخ: ظاهر القرآن أنها في الأرض في سجين، كما جاء في الحديث في قضية المحتضر: «اكتبوا كتاب عبدي في سجين في الأرض السابعة السفلى»[[أخرجه أحمد (١٨٥٣٤) من حديث البراء بن عازب.]]، لكن تتغير الأمور في يوم القيامة، ما هي على ما يُتصور الآن. * طالب: ما الفرق بين الشيطان وإبليس؟ * الشيخ: ويش هذا السؤال؟ ما يصلح السؤال هذا، الفرق بين الشيطان والإنس؟ * طالب: وإبليس. * الشيخ: الشيطان هو إبليس، هو واحد. * طالب: قوله تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت ٣٥] هل يكون معناه أن من صفح عند الناس يكون هذا جُبنًا وخورًا؟ * الشيخ: لا، هذا هو الحكمة في أن الله قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾؛ لأن الإنسان ينال درجة عظيمة عالية من الأخلاق والرزانة والرجولة والثواب، كلها وليس الحظ العظيم هو أن الإنسان يزداد درهمًا ودينارًا؛ الأخلاق هي كل شيء سواء مع الله أو مع عباد الله. وَإِنَّمَا الْأُمَمُ الْأَخْلَاقُ مَا بَقِيَتْ ∗∗∗ فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلَاقُهُمْذَهَبُوا * طالب: قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ [فصلت ٣٦] (...)؟ * الشيخ: نعم، السلطان كما تعرف هو الذي يتولى الأمر بسلطته ويغلب، فالشيطان ينزغ حتى عباد الله الصالحين، ولكن ليس له عليهم سلطان، أليس قد تفلت على الرسول عليه الصلاة والسلام شيطان يريد أن يفسد عليه صلاته؟ لكن ما له سلطان، السلطان يقول ويفعل، كما قال ابن الوردي في المنظومة: جَانِبِ السُّلْطَانَ وَاحْذَرْ بَطْشَهُ ∗∗∗ لَا تُخَــــاصِمْ مَــــنْ إِذَا قَــــالَفَعَــــلْ فالمراد بـ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر ٤٢] يعني: لا يمكن أن تتسلط عليهم فتغويهم. * طالب: الذي لا يقدر رد السيئة بمثلها هل يدخل في قوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت ٣٤]. * الشيخ: أيش؟ * طالب: الذي لا يقدر رد السيئة بمثلها هل يدخل في قوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾؟ * الشيخ: لا يا أخي، هذا ضعف وجبن، اللي لا يقدر على الانتصار لنفسه هذا لا يُحمد، بل يُقال: هذا ضعيف، بل لا يحمد إلا العفو عند المقدرة والصفح عند المقدرة، أما الإنسان العاجز يجي شخص –مثلًا- ضعيف يضربه ويضربه ويضربه، ويقول: جزاك الله خيرًا، أحسن الله إليك، عفا الله عنك، وهو (...) هل هذا يُحْمد؟! لأنه عاجز. * * * * طالب: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت ٣٧- ٣٩]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت ٣٦] ما مناسبة هذه الآية لما قبلها؟ * طالب: مناسبة الآية هذه لما قبلها أنه لما ذكر المولى تبارك وتعالى مدافعة العدو من الإنس ذكر مدافعة العدو من الجن. * الشيخ: أحسنت، أين جواب الشرط في قوله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾؟ * طالب: قوله: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾. * الشيخ: قوله: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾، لماذا اقترن الجواب بالفاء؟ * الطالب: لأن ما بعده فعل أمر. * الشيخ: لأن ما بعده فعل أمر؟ لا ما يكفي هذا. * طالب: أن الجملة طلبية. * الشيخ: أن الجملة طلبية. وفيه قاعدة ذكرها ابن مالك في هذا الموضوع؟ * طالب: قوله: وَاقْرُنْ بِـ(فَا) حَتْمًا جَوَابًا لَوْ جُعِلْ ∗∗∗ شَرْطًا لِـ(إِنْ) أَوْ غَـــيْرِهَا لَمْيَنْــجَعِلْ * الشيخ: نعم؛ يعني إذا لم يصح مباشرة الجواب لأداة الشرط، فإنه يجب اقترانه بالفاء. ما معنى الاستعاذة؟ * طالب: الاعتصام بالله. * الشيخ: الاعتصام بالله. هل تجوز الاستعاذة بغير الله؟ * طالب: الاستعاذة بغير الله تجوز فيما يقدر عليه. * الشيخ: مطلقًا؟ * طالب: فيما إذا كان يقدر عليه. * الشيخ: فيما يقدر عليه؟ توافقون على هذا؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: نعم، وكذلك الاستغاثة تجوز فيما يقدر عليه، والاستعانة تجوز فيما يُقدر عليه. قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ (من) هذه للتبعيض وعلامة (من) التبعيضية أن يحل محلها (بعض) يعني: بعض آياته، ﴿اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ وذكرنا وجه كون هذه الأربع من آياته فيما سبق ولا حاجة للإعادة. ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾ الخطاب لجميع العباد، نهاهم أن يسجدوا للشمس أو للقمر؛ لأن من الناس من يعبد الشمس والقمر ويسجد لها، وقد «أخبر النبي عليه الصلاة والسلام «أَنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، فَإِذَا طَلَعَتْ سَجَدَ لَهَا الْكُفَّارُ»[[أخرجه مسلم (٨٣٢ / ٢٩٤) من حديث عمرو بن عبسة.]]، ومن ثَمَّ نُهِي عن الصلاة في أوقات النهي التي هي قريبة من طلوع الشمس وغروبها. ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ (اسجدوا لله) المراد بالسجود هنا -والله أعلم- ما هو أعم من السجود الخاص الذي هو وضع الأعضاء السبعة على الأرض؛ أي: إن المراد بالسجود هنا الذُّل كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [الرعد ١٥]، ويحتمل أن يكون المراد به السجود الخاص لقوله: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾، والقاعدة في علم التفسير أنه إذا كان اللفظ يحتمل معنيين أحدهما أوسع وأعم وأشمل فإنه يحمل على الثاني الذي هو أوسع وأعم. ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ الذي خلق هذه الأشياء، وفي هذا إشارة إلى أن الله هو المستحق؛ لأن يُسجد له؛ لأنه هو الخالق، وأما هذه فهي مخلوقة لا تستحق أن يُسجد لها. ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت ٣٧] أي: إن كنتم ذوي عبادة لله حقًا فاسجدوا لله ولا تسجدوا للشمس ولا للقمر، وقوله: ﴿إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ العبادة بمعنى الذل، ومنه قولهم طريق معبد، أي: مذلل لمن سلكه ليس فيه وعورة لا طلوع ولا نزول ولا التفاف يمينًا ولا شمالًا، فالطريق المُعَبَّد؛ يعني: المذلل، إذن فالتعبد لله هو التذلل له محبةً وتعظيمًا. واعلم أن العبادة تطلق على معنيين: المعنى الأول: التعبد لله الذي هو فعل العابد، والمعنى الثاني المُتَعَبَّد به التي هي العبادات، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، بناء على أن المراد بها المتَعَبَّد به، لكن كما قلت لكم هي تطلق على معنيين: على التعبد الذي هو فعل العابد، وعلى المتعبَّد به الذي هو العبادات. ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ قدم المفعول به؛ لإفادة الحصر؛ لأن من القواعد المقررة في علم البلاغة وغيرها أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، وهذه قاعدة يجب أن تكون لديكم معلومةً: إذا قدم ما حقه التأخير كان ذلك دالًّا على الحصر، فإذا قلت مثلًا: إياك أكرمت. المعنى: لم أكرم غيرك، وقول القائل في سورة الفاتحة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة ٥] يعني: لا نعبد غيرك ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ يعني: لا نستعين غيرك. ثم قال تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا﴾ [فصلت ٣٨] يعني: عن عبادة الله والسجود له، فإن الله تعالى غني عنهم (﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا﴾ عن السجود لله وحده ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي: الملائكة ﴿يُسَبِّحُونَ﴾ يصلون ﴿لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ لا يملون) يعني: فإن استكبر هؤلاء عن عبادة الله فلله عباد آخرون، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام ٨٩]، ثم على فرض أنه لا يوجد عابد لله فإن الله يقول: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ [الزمر ٧]، ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران ٩٧] فهنا شيئان: الشيء الأول: أن يستكبر طائفة من المخلوقين عن عبادة الله فإن استكبروا فهناك طائفة أخرى تعبد الله. الثاني: أن يستكبر الكل، وهذا محال حسب ما نعلم لكن على فرض أن جميع المخلوقات استكبرت عن عبادة الله فالله غني عنهم كل هذا أفصح به القرآن، ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾، ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ هذا إذا كفر بعض وآمن بعض، ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [فصلت ٣٨] هذا إذا استكبر بعض وذل بعض، ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ جملة ﴿فَالَّذِينَ﴾ هي جواب الشرط وقرنت بالفاء؛؛ لأن ما بعدها لا يصح أن يكون فعلًا للشرط وهذه قاعدة: إذا كان جواب الشرط لا يستقيم أن يكون فعلًا للشرط وجب اقترانه بالفاء كما قال ابن مالك: وَاقْرُنْ بِـ(فَا) حَتْمًا جَوَابًا لَوْ جُعِلْ ∗∗∗ شَرْطًا لِـ(إِنْ) أَوْ غَــــيْرِهَا لَمْيَنْـجَعِـــــلْ وقد ذكر بعض الجامعين لما يجب أن يقترن بالفاء، جمع ذلك في بيت هو: اسْمِيَّـــــــةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَــــــامِدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَلَنْ وَبِقَدْ وَبِالتَّنْفِيسِ ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ وهم الملائكة ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ يقول المؤلف: (﴿يُسَبِّحُونَ﴾ أي: يصلون) وهذا له وجهة نظر؛ لأن السياق في السجود، ويمكن أن نقول: يسبحون بما هو أعم من الصلاة؛ أي: يقولون: سبحان الله والحمد لله، وما أشبه ذلك من كل ما فيه تنزيه الله عز وجل عما لا يليق به، وقوله: ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ﴾ أي: لله، واعلم أن التسبيح معناه التنزيه، فما الذي يُنزه الله عنه؟ يُنزه الله تعالى عن كل نقص، فهو عز وجل مُنزه عن كل نقص لا يمكن أن يعتريه النقص بأي حال من الأحوال. ثانيًا: يُنزه عن كل نقص في كماله فلا نقص في سمعه ولا بصره ولا قدرته ولا قوته. الثالث: يُنزه عن مماثلة المخلوقين، فلا يماثل المخلوق أبدًا بأي حال من الأحوال، والتماثل بين الخالق والمخلوق من أكبر المحال. فما ينزه الله عنه إذن ثلاثة أشياء: الأول النقص، لا يمكن أن يعتريه نقص إطلاقًا، والثاني: النقص في كماله، فكمالاته من علم وقدرة وحياة وسمع وبصر ورحمة وغير ذلك لا يمكن أن يعتريها نقص بأي حال من الأحوال، والثالث: مماثلة -ما نقول: مشابهة- نقول: مماثلة المخلوقين، لاحظوا هذه المسألة، أكثر الذين يُعبِّرون بمثل هذا يعبِّرون بالمشابهة، وهذا ليس بصواب؛ الصواب أن نعبر بما عبر الله به عن نفسه فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١]، وقال: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل ٧٤]، ولم يذكر التشبيه بأي حال من الأحوال. ولهذا كان التعبير بنفي التمثيل هو الصواب دون التشبيه، دليل هذا أن الله منزه عن كل نقص وعيب، قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل ٦٠] الـمثل؛ يعني: الوصف؛ لأن المثل يُطلق على ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد ١٥]، ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ ﴿مَثَلُ﴾ بمعنى وصفها، صفتها: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ إلى آخره، فإذا كان الله له المثل الأعلى -أي: الأكمل- لزم أن يكون مُنزهًا عن كل نقص. أما النقص في كماله فيدل له قوله تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨] أي من نقص على أن هذه المخلوقات عظيمة جدًّا ومع ذلك ما لحق الله تعالى فيها نقص، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [الأحقاف ٣٣]. الثالث ما هو؟ مماثلة المخلوقين، يقول الله عز وجل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١]، ويقول جل وعلا: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٧٤]، ويقول تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ٢٢]، إذن التسبيح بمعنى التنزيه، والذي يُنزه الله عنه ثلاثة أشياء عرفتموها الآن. ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ (الباء) هنا بمعنى (في)؛ لأن المقصود بالليل يعني: ظرف الليل، وعلى هذا فتكون (الباء) بمعنى (في) كما هي في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات ١٣٧، ١٣٨] (بالليل) يعني: في الليل. وقوله: ﴿بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ يعني إذن كل الوقت يسبحون الله، ويقول عز وجل: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ هم مع كونهم مستغرقين الليل والنهار بتسبيح الله ﴿لَا يَسْأَمُونَ﴾ أي: لا يملُّون، وكذلك لا يتعبون؛ لأن الملل يكون من الضجر والتعب وذل النفس أمام ما يتحمله الإنسان هؤلاء الملائكة عليهم الصلاة والسلام ﴿لَا يَسْأَمُونَ﴾. * في الآيتين فوائد: أولًا: أن لله آيات كثيرة لا تنحصر بآيتين أو ثلاث، ندرك ذلك من قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ وما أكثرها في القرآن الكريم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الروم ٢٠]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [الروم ٢١]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [الشورى ٢٩]، وهي كثيرة. * من فوائد الآية الكريمة: أن لله تعالى آيات محسوسة تُعِين على الآيات المعقولة، وهذا من رحمة الله عز وجل أن الله أرى عباده الآيات المحسوسة ليستعينوا بها على الآيات المعقولة، كلٌّ يعلم أن كل حادث لا بد له من مُحدِث، هذه آية عقلية لا ينكرها أحد، ولهذا قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور ٣٥] الجواب: لا هذا ولا هذا، هم ما خلقوا من غير شيء، بل لا بد لهم من خالق، ولا خلقوا أنفسهم، إذن لهم خالق وهو الله عز وجل. ولهذا لما «سمع جبير بن مطعم هذه الآية وكان من أسرى بدر وسمع النبي ﷺ يقرأ بـ(الطور) وصل هذه بالآية يقول: كاد قلبي يطير»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٠٥٠)، ومسلم (٤٦٣ / ١٧٤) من حديث جبير بن مطعم.]]؛ يعني: عرفت أني على خطأ، وأن المشركين كلهم مخطئون ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ الجواب: لا هذا ولا هذا، فيتعين أن يكون لهم خالق، إذن آيات الله عز وجل إما عقلية وإما سمعية محسوسة، هنا من آياته الليل والنهار الآيات هذه محسوسة ولّا عقلية؟ محسوسة كل يعرف الليل والنهار، وأنه لا يمكن لأحد أن يأتي بهما. * من فوائد الآية الكريمة: أن الليل والنهار والشمس والقمر آيات عظيمة، ولهذا نص الله عليهم، والأمر كذلك، هذه الشمس الكوكب العظيم الـمنير الحار لا يمكن لأي مخلوق أن يصنع مثله إطلاقًا، وقد بينا في أثناء التفسير وجه ذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: النهي عن السجود للشمس والقمر؛ لقوله: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾ مع أنهما من آيات الله لكنها مخلوقة، والسجود إنما يكون للخالق. وننتقل من هذا إلى نقطة مهمة أشار إليها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو أن صفات الله عز وجل ليست هي الله، فلا يجوز دعاء الصفة، ولا السجود لصفات الله، ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله: من دعا صفة من صفات الله فإنه كافر بالاتفاق. يعني لو قال قائل: يا رحمة الله ارحميني. كيف يا رحمة الله ارحميني؟ هل الرحمة شيء بائن عن الله يستطيع أن يرحم أو لا؟! لا، فإذا قلت: يا رحمة الله ارحميني. معناه: أنك جعلت مع الله إلهًا آخر، وهذا كفر. وكذلك لو قلت: يا قدرة الله أنقذيني، هذا حرام، شرك، قل: يا الله بقدرتك أنقذني. ولا يَرِد على هذا قوله: اللهم برحمتك أستغيث. لأنه ليس المعنى أنني أستغيث بالرحمة وكأني أعتقدها شيئًا مستقلًا، لكن المعنى التوسل إلى الله تعالى برحمته، كأنه يقول: يا رب أغثني برحمتك، فيجب التنبه لهذه المسألة. ومن ذلك أيضًا -من الخطأ في مثل هذا- قول بعض الناس: شاءت قدرة الله، شاء القدر. هذا حرام لا يجوز، القدرة نفسها ليس لها مشيئة، المشيئة لله عز وجل، أما القدرة فليس لها مشيئة؛ لأنها صفة في موصوف، والشائي والمختار هو الله عز وجل، أما: اقتضت قدرة الله. فهذا صحيح؛ يعني أن من مقتضيات القدرة كذا وكذا، أما المشيئة فلا تكون إلا من شَاءٍ له اختيار، وهذا لا يمكن أن يكون من الصفة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من بلاغة القرآن أنه إذا ذكر الحكم ذكر الدليل العقلي عليه لقوله: ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ (اسجدوا لله): هذا واضح أمر شرعي، لكن ﴿الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ دليل كوني قدري على أن المستحق للسجود من؟ الذي خلق هذه الأشياء، كيف تسجدون للشمس والقمر ولا تسجدون لله الذي خلقهن، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة ٢١]، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥]، لم يقل: أولم يروا أن الله أشد منهم قوة، بل قال: ﴿الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾ ليدل بذلك دلالة عقلية واضحة أنهم دون الله تعالى في القدرة؛ لأن الله هو الذي خلقهم، وهذا من أساليب القرآن المعجزة التي تدل على أنه من لدن حكيم خبير. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على عابدي الشمس والقمر؛ لقوله: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ [فصلت ٣٧]، استنبط بعض العلماء من هذه الآية فائدة، وهي مشروعية صلاة الكسوف، قال: لأن الله قال: ﴿مِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾ ولم يقل: لليل والنهار، وذلك لأن الشمس والقمر إذا تغيرتا فقد ينشأ في قلب عابدهما أن يسجد لهما كالتائب، فقال: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾، وهذا الاستنباط فيه شيء من البعد لكنه ليس ممتنعًا أن يكون في ذلك إشارة إلى مشروعية صلاة الكسوف. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يمكن؛ لإنسان يدعي أنه يعبد الله حقًّا أن يسجد لغير الله؛ لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحدي من أشرك بالله -بأي نوع من الشرك- أن يكون عابدًا حقًّا لله، فالمرائي مثلًا نقول: إنك لم تعبد الله حقًّا، لم تفرده بالعبادة؛ لأنك أردت بعبادتك التقرب إلى المخلوقين، ولهذا قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: التي بعدها أن المستكبرين عن عبادة الله لن يضروا الله شيئًا؛ لقوله: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [فصلت ٣٨]. * ومن فوائدها: كشف تحدي هؤلاء الذين يعبدون غير الله بأنهم إذا عبدوا غير الله فلله من يعبد الله عز وجل. * ومِن فوائد الآية الكريمة: ما استدل به بعضهم على أن الملائكة أفضل من البشر، وعلل ذلك بأن الملائكة ليس فيهم مشرك؛ لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأعراف ٢٠٦] وبنو آدم فيهم مؤمن وكافر، والجنس الذي ليس فيهم مشرك خير من الجنس الذي يكون فيه مشرك وموحد، ولكن قد يُعارض هذا الاستدلال، فيُقال: عبادة الجنس الذي فيه مشرك وموحد أفضل من عبادة جنس ليس فيه مشرك؛ وذلك لمشقة التوحيد في جنس فيه مشرك على الموحد، فيكون الموحد من بني آدم أفضل من الملائكة؛ لأنه عبَدَ الله في قوم لا يعبدون الله، أما الملائكة فكلهم يعبدون الله ولا يستكبرون عن عبادته، وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم ولكل منهم أدلة، لكن جمع شيخ الإسلام رحمه الله بين الأدلة فقال: الملائكة أفضل باعتبار البداية، وصالحو البشر أفضل باعتبار النهاية، وهذا قول لا بأس به، الجمع بين الأدلة الدالة على التفضيل؛ تفضيل الملائكة على البشر والبشر على الملائكة، ولهذا قال السفاريني رحمه الله: وَعِنْدَنَا تَفْضِيلُ أَعْيَانِ الْبَشَرْ ∗∗∗ عَلَى مِـــلَاكِ رَبِّنَا كَمَااشْتَـــــهَرْ قال -يعني الإمام أحمد-: ومن قال سوى هذا افترى. يعني: مَن قال بغير تفضيل أعيان البشر على الملائكة فهو مفترٍ، لكن الصواب أن نقول كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: أما باعتبار البداية فالملائكة أفضل؛ لأنهم خُلِقوا من نور ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، لكن بالنهاية يكون لصالحي البشر من الثواب والأجر والقرب من الله ما ليس للملائكة. * ومِن فوائد الآية الكريمة: أن للملائكة إرادة، من أين يؤخذ؟ * طالب: ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ﴾ [فصلت ٣٨]. * الشيخ: ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ﴾ ولا تسبيح إلا بإرادة. ومن هنا نقفز إلى * الفائدة الثانية وهي: أن جميع المخلوقات من الأحجار والأشجار والأنهار والشمس والقمر والسماء والأرض لها إرادة؛ لأنها كلها تسبح الله ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء ٤٤]، وبهذا نَرُد على الذين قالوا: إن قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف ٧٧] -يعني: الجدار- هذا مجاز؛ لأن الجدار ليس له إرادة، فيُقال: من قال لكم إنه ليس له إرادة، بل له إرادة، وميله يدل على أنه أراد، ولقد قال النبي عليه الصلاة والسلام في أحد: «إِنَّه يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٨٩)، ومسلم (١٣٩٣ / ٥٠٤) من حديث أنس بن مالك.]]، والمحبة أخص من الإرادة وأثبتها الرسول عليه الصلاة والسلام للجبل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن بعض أهل العلم استدل بها على علو الله، وأن الأشياء ليست كلها سواءً بالنسبة للقرب منه؛ لقوله: ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾، والعندية تقتضي القرب، وأن بعض المخلوقات إلى الله أقرب من بعض، وهذا لا إشكال فيه، من يقول: إن من كان في الأرض السابعة السفلى هو في القرب إلى الله كالذي في السماء السابعة؟ لا أحد يقول بهذا، أما من جهة الإحاطة بالخلق فلا شك أن القريب والبعيد عند الله على حد سواء، وأما من جهة الواقع فلا شك أن من كان في السماوات أقرب إلى الله ممن كان في الأرض، ولهذا قال: ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾. أقول إن بعض العلماء استدل بهذه الآية على علو الله، وقال: نحن في الأرض والذين عند الله لا بد أن يكونوا في السماء؛ لأنه لولا علوه لكنا نحن أيضًا عنده، فكونه يقول: ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يخاطب من في الأرض، يدل على علو الله عز وجل، وهذا لا شك أنه استنباط جيد، لكنا لسنا بحاجة إلى أن نأتي بهذا الدليل الذي قد تخفى دلالته على كثير من الناس. وعندنا أدلة كثيرة واضحة على علو الله عز وجل: أدلة عقلية وأدلة سمعية وأدلة فطرية على علو الله، ولا أحد ينكر علو الله عز وجل العلو الذاتي إلا مخبول غير عاقل، وهو بين أمرين: إما أن يقول بالحلول وإما أن يقول بالعدم، من أنكر علو الله فهو لا يخرج عن واحد من أمرين: إما أن يقول بالحلول أو بالعدم، وفعلًا التزموا ذلك فالذين أنكروا علو الله انقسموا إلى قسمين: قسم قال: إن الله في كل مكان ولم ينزه الله عز وجل عن الحشوش والأقذار والأنتان والأسواق اللي فيها اللغو والكذب والغش، وهذا -فيما أرى- كفر صريح؛ أن من قال: إن الله بذاته في كل مكان فهو كافر لو مات ما صليت عليه ولا دعوت له بالرحمة؛ لأنه مكذب للقرآن وللأدلة العقلية، وواصم لربه بكل عيب. ومنهم من يقول: إن الله تعالى ليس داخل العالم، ولا خارج العالم، ولا متصل بالعالم، ولا مباين، ولا محايز، ولا فوق، ولا تحت، ولا يمين، ولا شمال، بماذا وصف الله؟ بالعدم، وصف الله بالعدم، لو قيل لنا: صفوا المعدوم ما وصفناه بأكثر من هذا، فيُقال: أين هو؟ ما دام لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصل بالعالم ولا منفصل عن العالم ولا فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال، وين يروح إلا العدم؟! ولهذا لما قال ابن فورك لمحمود بن سبكتكين رحمه الله: إني لا أقول إن الله فوق العالم ولا داخل العالم ولا تحت إلى آخره، وذكر هذه الأسلوبات، قال: بَيِّن لنا الفرق بين وجود ربك وعدمه، أو كلمةً نحوها؛ يعني معنى أنك إذا وصفت الله بهذه الأوصاف فهذا هو العدم تمامًا. على كل حال تقرير أن الله تعالى في السماء يعني العلو الذاتي أمر لا إشكال فيه، والعجب أنك تأتي العجوز التي لم تدرس ولم تفهم ولم تعلم وتسألها: أين الله؟ تقول: في السماء. إلا إذا كان الأمر كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَبَواهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٥٩)، ومسلم (٢٦٥٨ / ٢٢) من حديث أبي هريرة.]]؛ أي إلا إذا كانت عائشةً بين قوم ينكرون العلو، فربما تنكره بناءً على أن البيئة تتغير، أما لو أتينا إلى الإنسان من حيث الفطرة لرأيناه لا يشك في أن الله في السماء. ولذلك أفحم الهمداني -رحمه الله- أفحم أبا المعالي الجويني حين كان أبو المعالي الجويني ينكر استواء الله على العرش، ويقول: إن الله تعالى كان ولا عرش، وهو الآن على ما كان عليه، يريد أن ينكر استواءه على العرش، استواء الله على العرش دليله عقلي ولّا سمعي؟ سمعي؛ يعني: لولا أن الله أخبرنا أنه استوى على العرش ما علمنا، بخلاف العلو؛ العلو دليله عقلي وسمعي وفطري، وأما هذا فدليله سمعي، قال له الهمداني -رحمه الله- قال له: يا شيخ، دعنا من ذكر العرش، أخبرنا عن هذه الضرورة، فما قال عارف قط: يا الله، إلا وجد من قلبه ضرورة بطلب العلو، ما قال عارف هذه؛ كلمة (عارف) اصطلاح صوفي، العارف عندهم: هو العالم الواسع العلم العابد الكثير العبادة، ما قال عارف قط: يا الله، إلا وجد من قلبه ضرورة بطلب العلو، صحيح هذا ولّا لا؟ * طالب: صحيح. * الشيخ: أي إنسان يقول: يا الله، يجد قلبه يتجه إلى السماء، فصرخ أبو المعالي وجعل يضرب على رأسه، يقول: حيرني الهمداني حيرني، عجز أن يرد على هذا، فنحن نقول والحمد لله: إن العلو أمر لا غموض فيه ولا إشكال فيه ولا ينكره إلا شخص مغموس -والعياذ بالله- بالبدعة، ونحن نرى أنه كافر، وأنه لا تنفعه صلاة ولا صدقة ولا صيام ولا حج، ولو مات ما صلينا عليه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الملائكة مستغرقون الزمن كله في العبادة؛ لقوله: ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ و(الباء) وإن كانت بمعنى الظرف بمعنى (في) التي هي الظرفية لكن فيها نوع من الدلالة على الاستيعاب، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ﴾، شوف ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ٢٠]. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قوة الملائكة لقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ أي: لا يملون ولا يتعبون مما يدل على قوتهم، والأدلة على قوتهم كثيرة منها قصة سليمان عليه الصلاة والسلام حين جاءه الهدهد بخبر ملكة سبأ أن لها عرشًا عظيمًا، فقال سليمان: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل ٣٨]، فـ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل ٣٩]، وكان له وقت محدد يقوم فيه ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل ٣٩] جني يبغي يأتيه من أقصى اليمن إلى الشام وهو واحد، ويقول: ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ﴾، يؤكد قوته ﴿أَمِينٌ﴾ لن أخون فيه ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل ٤٠] الله أكبر، في الحال وجده أمامه ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ [النمل ٤٠]، والفاء تدل على الترتيب والتعقيب، ثم قال: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾، ولم يقل: فلما رآه عنده مستقرًا كأنه وضع في هذا المكان من سنوات مستقر، قال: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ الآن حضر من هناك بلحظة؛ يعني كأن العرش مثلًا على يمينك فنقلته عن يسارك بل أشد، قال أهل العلم: لأن هذا دعا الله عز وجل فحملته الملائكة، والملائكة أقوى من الجن، وهذا لا شك فيه أنهم أقوى من الجن. ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾، ثم قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ إلى آخره. * طالب: قول شيخ الإسلام أن الملائكة أفضل ابتداءً والبشر أفضل انتهاءً (...). * الشيخ: الملائكة أفضل من حيث البداية؛ لأنهم خلقوا من نور وامتثلوا أمر الله وليس فيهم من يستكبر عن عبادة الله، لكن في النهاية يكون مآل البشر أفضل، حتى الملائكة عملهم في يوم القيامة أنهم يدخلون عليهم من كل باب يهنئونهم يقولون: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد ٢٤] ولا ينالون من النعيم مثل ما يناله المؤمنون. * طالب: (...) تفضيل صالحي البشر على الملائكة؟ * الشيخ: لا، على سبيل العموم لا. * طالب: لا، على سبيل التعيين لصالحي البشر. * الشيخ: (...) صالحي البشر ما يمكن، حتى صالحي البشر الجنس هذا فيه الكافر والمؤمن. * طالب: في مسألة عدم عبادة صفات الله ذكرتم أنه لا يجوز، وأيضًا هناك عبارة شائعة بين العامة ألا وهو قولهم: نشكر فضل الله، أو عبارة نحوها ما أذكرها الآن؛ يعني يشكرون فضل الله عز وجل. * الشيخ: اذكر الآن عشان نعرف. * طالب: نحمد الله ونشكر فضله. * الشيخ: إي، أليس الله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ [النحل ١١٤]؟! * طالب: نعم. * الشيخ: والمراد نعمة الله المخلوقة، ما هي الصفة؛ يعني: ما أنعم الله، كذلك أشكر فضل الله ليس معناه أني أجعل هذه الصفة مشكورة، لكن هذا الفضل الذي مَنَّ الله به علي أشكر الله عليه. * طالب: يعني جائزة هذه العبارة؟ * الشيخ: ما فيها شيء. * طالب: قولنا يا شيخ: ﴿بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ بأن (الباء) هنا بمعنى (في) علماء البصرة الذين ينكرون أن تقوم الحروف بعضها ببعض، ما يقولون بالتضمين، كيف تجيبون على مثل هذه الآيات؟ * الشيخ: إحنا -بارك الله فيك- لدينا قاعدة، أنه إذا دل القرآن على شيء جائز فلا عبرة بمن خالف، هذه واحدة. ثانيًا: إذا اختلف النحويون في مسألة فإننا نتبع الأسهل، ما فيه دليل شرعي مثلًا يؤيد هؤلاء أو هؤلاء فنتبع الأسهل، وأنا قد أعطيت طلابنا هذه القاعدة؛ على أنكم إذا رأيتم علماء البصرة وعلماء الكوفة مختلفين في شيء فاتبعوا الأسهل، وقولوا: الحمد لله على الراحة، خذ هذه القاعدة -إن شاء الله- معك عشان تحملها إلى قومك. * طالب: (...) لأن شيخ الإسلام يُغلِّط.. * الشيخ: لا، هذه ما يُغلِّط بمثل هذه، شيخ الإسلام يُغلِّظ فيما إذا ضُمِّن الفعل معنًى يناسب حرف الجر، مثل: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان ٦] منهم من يقول: (بها) إن الباء بمعنى (من) يشرب منها عباد الله، ونحن نقول: لا، الأولى أن تضمن الفعل معنًى يناسب الحرف، أما الآيات التي معنا ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ﴾ فلا تستقيم. * طالب: أحسن الله إليك، الذين يقولون: الله ليس داخل العالم ولا خارجه ولا كذا (...) ولا نصلي عليهم؟ * الشيخ: لا، هذه والله ما أستطيع أني أحكم عليهم بالكفر. * طالب: الأدلة عقلية يا شيخ على علو الله (...). * الشيخ: إي، ما يخالف، لكن هم يقولوا: ما ننكر علو الله لكن نفسره بالعلو المعنوي، يعني أنه عالي القدرة عالي السمع عالي البصر، وما أشبه ذلك. * طالب: (...) تقول عن السحر بأنه علم، واستدلوا بهذه الآية ﴿الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ فكيف نرد على هؤلاء الناس؟ * الشيخ: السحر؟ نحن نقول: السحر علم، أليس الله تعالى قال عن الملكين: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة ١٠٢] ما فيه إشكال أنه علم. * طالب: يستدلون بهذه الآية. * الشيخ: لا، هذا ما هو بصحيح، يعني كأنهم يريدون أن هذا ساحر؟! الذي عنده علم من الكتاب قال: ﴿عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [النمل ٤٠] ما قال: علم من السحر، ثم إن السحر لا يمكن أن يغير الحقائق، السحر يخيل الأشياء، يعني بمعنى أنه يجعل المسحور يرى الساكن متحركًا والمتحرك ساكنًا، أما أن (...).

فصلت 41:38

ثم قال عز وجل: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت ٣٧] (من آياته) أي: آيات الله عز وجل، والآية في اللغة: العلامة، وهي بالنسبة لآيات الله: ما كان علامةً على قدرة الله عز وجل وقوته وحكمته وعلمه ورحمته وغير ذلك. فقوله: (من آياته) الدالة على قدرته وعلمه وحكمته ورحمته وغير ذلك مما يدل عليه هذا الليل والنهار. ﴿مِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ﴾ (الليل) بظلامه و(النهار) بضيائه هذا من آيات الله؛ لا أحد يستطيع أن يفعل ذلك إطلاقًا. يقول الله عز وجل: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص ٧١]، الجواب: لا إله، لا أحد يأتي بذلك، ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [القصص ٧٢] الجواب: لا أحد، فهذا من آيات الله العظيمة الدالة على قدرته وعلى رحمته وعلمه وحكمته وقوته، بينما الليل قد غشي الأرض بظلامه، وإذا بالصبح قد كشف هذا الغطاء فأصبحت الدنيا ضياءً. كذلك من آياته الشمس والقمر، وما أعظمها من آية، هذان الكوكبان يسيران منذ خلقهما الله عز وجل إلى أن يأذن الله بخرابهما، يسيران على نمط واحد لا يتعديانه ولا يتجاوزانه. قال بعض العلماء: لو أن الشمس بعدت عن مقرها شعرةً واحدة لهلك الناس من البرد وجمدت المائعات، ولو أنها نزلت شعرةً واحدة لذابت الأرض من الحر، وهذا من قدرة الله عز وجل، ثم هذا الجرم العظيم له هذه الإضاءة العظيمة مع البعد التام، وهذه الحرارة العظيمة مع البعد التام، لو أنك سعرت أقوى نار في الدنيا ما بلغت مسافة حرها إلى مئة متر، ومع ذلك تجد مس الحرارة فقط لا أن يصل إلى هذه الدرجة، وهذه بينك وبينها ما لا يعلمه إلا الله عز وجل وتجد هذا الحر، في أيام الصيف ربما قال لي بعضهم: ربما بدأ الماء يغلي من شدة الحرارة في بعض المناطق مما يدل على عظمة هذه الشمس. القمر أيضًا عظيم، هذا القمر الكوكب الكتلة يضيء هذه الإضاءة العظيمة من بُعد، مع ذلك هو بارد لا يسخن الجو ولا يسخن الأرض؛ لأنه آية الليل، أرأيتم لو كان حارًّا أيتمتع الناس بالليل كما يُتمتع به اليوم؟ لا يمكن أبدًا، لكن من رحمة الله عز وجل أن جعله نورًا باردًا، حتى لا تبقى حرارة الأرض طوال أربع وعشرين ساعة، وحتى يستقر الناس في منامهم وذهابهم ومجيئهم. أن جعله نورًا باردًا حتى لا تبقى حرارة الأرض طوال أربع وعشرين ساعة، وحتى يستقر الناس في منامهم وذهابهم ومجيئهم. ثم قال: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾ [فصلت ٣٧] نَهْي عن السجود للشمس والقمر؛ لأن من بني آدم من يسجد للشمس ويسجد للقمر، «ولذلك نُهِيَ عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٨٥)، ومسلم (٨٢٨ / ٢٨٩) من حديث ابن عمر.]]، وقال بعض العلماء: إن المراد: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾ عند تغيرهما بالكسوف، ولكن اسجدوا لله. قال: (﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ [فصلت ٣٧] أي: الآيات الأربع ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ) يعني: إن كنتم صادقين في عبادته فلا تسجدوا لغيره؛ لأن من يعبد الله ويعبد غيره ليس صادقًا في عبادته؛ الصادق في عبادته هو الذي يخلص العبادة لله عز وجل، ويأتي إن شاء الله البقية. * طالب: (...). * الشيخ: إي، هذا يوم القيامة، تلقى في جهنم يوم القيامة ما هو الآن، ويوم القيامة تتغير الأمور ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم ٤٨]. * طالب: (...). * الشيخ: ظاهر القرآن أنها في الأرض في سجين، كما جاء في الحديث في قضية المحتضر: «اكتبوا كتاب عبدي في سجين في الأرض السابعة السفلى»[[أخرجه أحمد (١٨٥٣٤) من حديث البراء بن عازب.]]، لكن تتغير الأمور في يوم القيامة، ما هي على ما يُتصور الآن. * طالب: ما الفرق بين الشيطان وإبليس؟ * الشيخ: ويش هذا السؤال؟ ما يصلح السؤال هذا، الفرق بين الشيطان والإنس؟ * طالب: وإبليس. * الشيخ: الشيطان هو إبليس، هو واحد. * طالب: قوله تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت ٣٥] هل يكون معناه أن من صفح عند الناس يكون هذا جُبنًا وخورًا؟ * الشيخ: لا، هذا هو الحكمة في أن الله قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾؛ لأن الإنسان ينال درجة عظيمة عالية من الأخلاق والرزانة والرجولة والثواب، كلها وليس الحظ العظيم هو أن الإنسان يزداد درهمًا ودينارًا؛ الأخلاق هي كل شيء سواء مع الله أو مع عباد الله. وَإِنَّمَا الْأُمَمُ الْأَخْلَاقُ مَا بَقِيَتْ ∗∗∗ فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلَاقُهُمْذَهَبُوا * طالب: قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ [فصلت ٣٦] (...)؟ * الشيخ: نعم، السلطان كما تعرف هو الذي يتولى الأمر بسلطته ويغلب، فالشيطان ينزغ حتى عباد الله الصالحين، ولكن ليس له عليهم سلطان، أليس قد تفلت على الرسول عليه الصلاة والسلام شيطان يريد أن يفسد عليه صلاته؟ لكن ما له سلطان، السلطان يقول ويفعل، كما قال ابن الوردي في المنظومة: جَانِبِ السُّلْطَانَ وَاحْذَرْ بَطْشَهُ ∗∗∗ لَا تُخَــــاصِمْ مَــــنْ إِذَا قَــــالَفَعَــــلْ فالمراد بـ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر ٤٢] يعني: لا يمكن أن تتسلط عليهم فتغويهم. * طالب: الذي لا يقدر رد السيئة بمثلها هل يدخل في قوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت ٣٤]. * الشيخ: أيش؟ * طالب: الذي لا يقدر رد السيئة بمثلها هل يدخل في قوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾؟ * الشيخ: لا يا أخي، هذا ضعف وجبن، اللي لا يقدر على الانتصار لنفسه هذا لا يُحمد، بل يُقال: هذا ضعيف، بل لا يحمد إلا العفو عند المقدرة والصفح عند المقدرة، أما الإنسان العاجز يجي شخص –مثلًا- ضعيف يضربه ويضربه ويضربه، ويقول: جزاك الله خيرًا، أحسن الله إليك، عفا الله عنك، وهو (...) هل هذا يُحْمد؟! لأنه عاجز. * * * * طالب: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت ٣٧- ٣٩]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت ٣٦] ما مناسبة هذه الآية لما قبلها؟ * طالب: مناسبة الآية هذه لما قبلها أنه لما ذكر المولى تبارك وتعالى مدافعة العدو من الإنس ذكر مدافعة العدو من الجن. * الشيخ: أحسنت، أين جواب الشرط في قوله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾؟ * طالب: قوله: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾. * الشيخ: قوله: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾، لماذا اقترن الجواب بالفاء؟ * الطالب: لأن ما بعده فعل أمر. * الشيخ: لأن ما بعده فعل أمر؟ لا ما يكفي هذا. * طالب: أن الجملة طلبية. * الشيخ: أن الجملة طلبية. وفيه قاعدة ذكرها ابن مالك في هذا الموضوع؟ * طالب: قوله: وَاقْرُنْ بِـ(فَا) حَتْمًا جَوَابًا لَوْ جُعِلْ ∗∗∗ شَرْطًا لِـ(إِنْ) أَوْ غَـــيْرِهَا لَمْيَنْــجَعِلْ * الشيخ: نعم؛ يعني إذا لم يصح مباشرة الجواب لأداة الشرط، فإنه يجب اقترانه بالفاء. ما معنى الاستعاذة؟ * طالب: الاعتصام بالله. * الشيخ: الاعتصام بالله. هل تجوز الاستعاذة بغير الله؟ * طالب: الاستعاذة بغير الله تجوز فيما يقدر عليه. * الشيخ: مطلقًا؟ * طالب: فيما إذا كان يقدر عليه. * الشيخ: فيما يقدر عليه؟ توافقون على هذا؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: نعم، وكذلك الاستغاثة تجوز فيما يقدر عليه، والاستعانة تجوز فيما يُقدر عليه. قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ (من) هذه للتبعيض وعلامة (من) التبعيضية أن يحل محلها (بعض) يعني: بعض آياته، ﴿اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ وذكرنا وجه كون هذه الأربع من آياته فيما سبق ولا حاجة للإعادة. ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾ الخطاب لجميع العباد، نهاهم أن يسجدوا للشمس أو للقمر؛ لأن من الناس من يعبد الشمس والقمر ويسجد لها، وقد «أخبر النبي عليه الصلاة والسلام «أَنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، فَإِذَا طَلَعَتْ سَجَدَ لَهَا الْكُفَّارُ»[[أخرجه مسلم (٨٣٢ / ٢٩٤) من حديث عمرو بن عبسة.]]، ومن ثَمَّ نُهِي عن الصلاة في أوقات النهي التي هي قريبة من طلوع الشمس وغروبها. ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ (اسجدوا لله) المراد بالسجود هنا -والله أعلم- ما هو أعم من السجود الخاص الذي هو وضع الأعضاء السبعة على الأرض؛ أي: إن المراد بالسجود هنا الذُّل كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [الرعد ١٥]، ويحتمل أن يكون المراد به السجود الخاص لقوله: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾، والقاعدة في علم التفسير أنه إذا كان اللفظ يحتمل معنيين أحدهما أوسع وأعم وأشمل فإنه يحمل على الثاني الذي هو أوسع وأعم. ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ الذي خلق هذه الأشياء، وفي هذا إشارة إلى أن الله هو المستحق؛ لأن يُسجد له؛ لأنه هو الخالق، وأما هذه فهي مخلوقة لا تستحق أن يُسجد لها. ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت ٣٧] أي: إن كنتم ذوي عبادة لله حقًا فاسجدوا لله ولا تسجدوا للشمس ولا للقمر، وقوله: ﴿إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ العبادة بمعنى الذل، ومنه قولهم طريق معبد، أي: مذلل لمن سلكه ليس فيه وعورة لا طلوع ولا نزول ولا التفاف يمينًا ولا شمالًا، فالطريق المُعَبَّد؛ يعني: المذلل، إذن فالتعبد لله هو التذلل له محبةً وتعظيمًا. واعلم أن العبادة تطلق على معنيين: المعنى الأول: التعبد لله الذي هو فعل العابد، والمعنى الثاني المُتَعَبَّد به التي هي العبادات، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، بناء على أن المراد بها المتَعَبَّد به، لكن كما قلت لكم هي تطلق على معنيين: على التعبد الذي هو فعل العابد، وعلى المتعبَّد به الذي هو العبادات. ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ قدم المفعول به؛ لإفادة الحصر؛ لأن من القواعد المقررة في علم البلاغة وغيرها أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، وهذه قاعدة يجب أن تكون لديكم معلومةً: إذا قدم ما حقه التأخير كان ذلك دالًّا على الحصر، فإذا قلت مثلًا: إياك أكرمت. المعنى: لم أكرم غيرك، وقول القائل في سورة الفاتحة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة ٥] يعني: لا نعبد غيرك ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ يعني: لا نستعين غيرك. ثم قال تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا﴾ [فصلت ٣٨] يعني: عن عبادة الله والسجود له، فإن الله تعالى غني عنهم (﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا﴾ عن السجود لله وحده ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي: الملائكة ﴿يُسَبِّحُونَ﴾ يصلون ﴿لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ لا يملون) يعني: فإن استكبر هؤلاء عن عبادة الله فلله عباد آخرون، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام ٨٩]، ثم على فرض أنه لا يوجد عابد لله فإن الله يقول: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ [الزمر ٧]، ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران ٩٧] فهنا شيئان: الشيء الأول: أن يستكبر طائفة من المخلوقين عن عبادة الله فإن استكبروا فهناك طائفة أخرى تعبد الله. الثاني: أن يستكبر الكل، وهذا محال حسب ما نعلم لكن على فرض أن جميع المخلوقات استكبرت عن عبادة الله فالله غني عنهم كل هذا أفصح به القرآن، ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾، ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ هذا إذا كفر بعض وآمن بعض، ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [فصلت ٣٨] هذا إذا استكبر بعض وذل بعض، ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ جملة ﴿فَالَّذِينَ﴾ هي جواب الشرط وقرنت بالفاء؛؛ لأن ما بعدها لا يصح أن يكون فعلًا للشرط وهذه قاعدة: إذا كان جواب الشرط لا يستقيم أن يكون فعلًا للشرط وجب اقترانه بالفاء كما قال ابن مالك: وَاقْرُنْ بِـ(فَا) حَتْمًا جَوَابًا لَوْ جُعِلْ ∗∗∗ شَرْطًا لِـ(إِنْ) أَوْ غَــــيْرِهَا لَمْيَنْـجَعِـــــلْ وقد ذكر بعض الجامعين لما يجب أن يقترن بالفاء، جمع ذلك في بيت هو: اسْمِيَّـــــــةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَــــــامِدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَلَنْ وَبِقَدْ وَبِالتَّنْفِيسِ ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ وهم الملائكة ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ يقول المؤلف: (﴿يُسَبِّحُونَ﴾ أي: يصلون) وهذا له وجهة نظر؛ لأن السياق في السجود، ويمكن أن نقول: يسبحون بما هو أعم من الصلاة؛ أي: يقولون: سبحان الله والحمد لله، وما أشبه ذلك من كل ما فيه تنزيه الله عز وجل عما لا يليق به، وقوله: ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ﴾ أي: لله، واعلم أن التسبيح معناه التنزيه، فما الذي يُنزه الله عنه؟ يُنزه الله تعالى عن كل نقص، فهو عز وجل مُنزه عن كل نقص لا يمكن أن يعتريه النقص بأي حال من الأحوال. ثانيًا: يُنزه عن كل نقص في كماله فلا نقص في سمعه ولا بصره ولا قدرته ولا قوته. الثالث: يُنزه عن مماثلة المخلوقين، فلا يماثل المخلوق أبدًا بأي حال من الأحوال، والتماثل بين الخالق والمخلوق من أكبر المحال. فما ينزه الله عنه إذن ثلاثة أشياء: الأول النقص، لا يمكن أن يعتريه نقص إطلاقًا، والثاني: النقص في كماله، فكمالاته من علم وقدرة وحياة وسمع وبصر ورحمة وغير ذلك لا يمكن أن يعتريها نقص بأي حال من الأحوال، والثالث: مماثلة -ما نقول: مشابهة- نقول: مماثلة المخلوقين، لاحظوا هذه المسألة، أكثر الذين يُعبِّرون بمثل هذا يعبِّرون بالمشابهة، وهذا ليس بصواب؛ الصواب أن نعبر بما عبر الله به عن نفسه فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١]، وقال: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل ٧٤]، ولم يذكر التشبيه بأي حال من الأحوال. ولهذا كان التعبير بنفي التمثيل هو الصواب دون التشبيه، دليل هذا أن الله منزه عن كل نقص وعيب، قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل ٦٠] الـمثل؛ يعني: الوصف؛ لأن المثل يُطلق على ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد ١٥]، ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ ﴿مَثَلُ﴾ بمعنى وصفها، صفتها: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ إلى آخره، فإذا كان الله له المثل الأعلى -أي: الأكمل- لزم أن يكون مُنزهًا عن كل نقص. أما النقص في كماله فيدل له قوله تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨] أي من نقص على أن هذه المخلوقات عظيمة جدًّا ومع ذلك ما لحق الله تعالى فيها نقص، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [الأحقاف ٣٣]. الثالث ما هو؟ مماثلة المخلوقين، يقول الله عز وجل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١]، ويقول جل وعلا: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٧٤]، ويقول تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ٢٢]، إذن التسبيح بمعنى التنزيه، والذي يُنزه الله عنه ثلاثة أشياء عرفتموها الآن. ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ (الباء) هنا بمعنى (في)؛ لأن المقصود بالليل يعني: ظرف الليل، وعلى هذا فتكون (الباء) بمعنى (في) كما هي في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات ١٣٧، ١٣٨] (بالليل) يعني: في الليل. وقوله: ﴿بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ يعني إذن كل الوقت يسبحون الله، ويقول عز وجل: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ هم مع كونهم مستغرقين الليل والنهار بتسبيح الله ﴿لَا يَسْأَمُونَ﴾ أي: لا يملُّون، وكذلك لا يتعبون؛ لأن الملل يكون من الضجر والتعب وذل النفس أمام ما يتحمله الإنسان هؤلاء الملائكة عليهم الصلاة والسلام ﴿لَا يَسْأَمُونَ﴾. * في الآيتين فوائد: أولًا: أن لله آيات كثيرة لا تنحصر بآيتين أو ثلاث، ندرك ذلك من قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ وما أكثرها في القرآن الكريم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الروم ٢٠]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [الروم ٢١]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [الشورى ٢٩]، وهي كثيرة. * من فوائد الآية الكريمة: أن لله تعالى آيات محسوسة تُعِين على الآيات المعقولة، وهذا من رحمة الله عز وجل أن الله أرى عباده الآيات المحسوسة ليستعينوا بها على الآيات المعقولة، كلٌّ يعلم أن كل حادث لا بد له من مُحدِث، هذه آية عقلية لا ينكرها أحد، ولهذا قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور ٣٥] الجواب: لا هذا ولا هذا، هم ما خلقوا من غير شيء، بل لا بد لهم من خالق، ولا خلقوا أنفسهم، إذن لهم خالق وهو الله عز وجل. ولهذا لما «سمع جبير بن مطعم هذه الآية وكان من أسرى بدر وسمع النبي ﷺ يقرأ بـ(الطور) وصل هذه بالآية يقول: كاد قلبي يطير»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٠٥٠)، ومسلم (٤٦٣ / ١٧٤) من حديث جبير بن مطعم.]]؛ يعني: عرفت أني على خطأ، وأن المشركين كلهم مخطئون ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ الجواب: لا هذا ولا هذا، فيتعين أن يكون لهم خالق، إذن آيات الله عز وجل إما عقلية وإما سمعية محسوسة، هنا من آياته الليل والنهار الآيات هذه محسوسة ولّا عقلية؟ محسوسة كل يعرف الليل والنهار، وأنه لا يمكن لأحد أن يأتي بهما. * من فوائد الآية الكريمة: أن الليل والنهار والشمس والقمر آيات عظيمة، ولهذا نص الله عليهم، والأمر كذلك، هذه الشمس الكوكب العظيم الـمنير الحار لا يمكن لأي مخلوق أن يصنع مثله إطلاقًا، وقد بينا في أثناء التفسير وجه ذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: النهي عن السجود للشمس والقمر؛ لقوله: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾ مع أنهما من آيات الله لكنها مخلوقة، والسجود إنما يكون للخالق. وننتقل من هذا إلى نقطة مهمة أشار إليها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو أن صفات الله عز وجل ليست هي الله، فلا يجوز دعاء الصفة، ولا السجود لصفات الله، ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله: من دعا صفة من صفات الله فإنه كافر بالاتفاق. يعني لو قال قائل: يا رحمة الله ارحميني. كيف يا رحمة الله ارحميني؟ هل الرحمة شيء بائن عن الله يستطيع أن يرحم أو لا؟! لا، فإذا قلت: يا رحمة الله ارحميني. معناه: أنك جعلت مع الله إلهًا آخر، وهذا كفر. وكذلك لو قلت: يا قدرة الله أنقذيني، هذا حرام، شرك، قل: يا الله بقدرتك أنقذني. ولا يَرِد على هذا قوله: اللهم برحمتك أستغيث. لأنه ليس المعنى أنني أستغيث بالرحمة وكأني أعتقدها شيئًا مستقلًا، لكن المعنى التوسل إلى الله تعالى برحمته، كأنه يقول: يا رب أغثني برحمتك، فيجب التنبه لهذه المسألة. ومن ذلك أيضًا -من الخطأ في مثل هذا- قول بعض الناس: شاءت قدرة الله، شاء القدر. هذا حرام لا يجوز، القدرة نفسها ليس لها مشيئة، المشيئة لله عز وجل، أما القدرة فليس لها مشيئة؛ لأنها صفة في موصوف، والشائي والمختار هو الله عز وجل، أما: اقتضت قدرة الله. فهذا صحيح؛ يعني أن من مقتضيات القدرة كذا وكذا، أما المشيئة فلا تكون إلا من شَاءٍ له اختيار، وهذا لا يمكن أن يكون من الصفة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من بلاغة القرآن أنه إذا ذكر الحكم ذكر الدليل العقلي عليه لقوله: ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ (اسجدوا لله): هذا واضح أمر شرعي، لكن ﴿الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ دليل كوني قدري على أن المستحق للسجود من؟ الذي خلق هذه الأشياء، كيف تسجدون للشمس والقمر ولا تسجدون لله الذي خلقهن، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة ٢١]، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥]، لم يقل: أولم يروا أن الله أشد منهم قوة، بل قال: ﴿الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾ ليدل بذلك دلالة عقلية واضحة أنهم دون الله تعالى في القدرة؛ لأن الله هو الذي خلقهم، وهذا من أساليب القرآن المعجزة التي تدل على أنه من لدن حكيم خبير. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على عابدي الشمس والقمر؛ لقوله: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ [فصلت ٣٧]، استنبط بعض العلماء من هذه الآية فائدة، وهي مشروعية صلاة الكسوف، قال: لأن الله قال: ﴿مِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾ ولم يقل: لليل والنهار، وذلك لأن الشمس والقمر إذا تغيرتا فقد ينشأ في قلب عابدهما أن يسجد لهما كالتائب، فقال: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾، وهذا الاستنباط فيه شيء من البعد لكنه ليس ممتنعًا أن يكون في ذلك إشارة إلى مشروعية صلاة الكسوف. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يمكن؛ لإنسان يدعي أنه يعبد الله حقًّا أن يسجد لغير الله؛ لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحدي من أشرك بالله -بأي نوع من الشرك- أن يكون عابدًا حقًّا لله، فالمرائي مثلًا نقول: إنك لم تعبد الله حقًّا، لم تفرده بالعبادة؛ لأنك أردت بعبادتك التقرب إلى المخلوقين، ولهذا قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: التي بعدها أن المستكبرين عن عبادة الله لن يضروا الله شيئًا؛ لقوله: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [فصلت ٣٨]. * ومن فوائدها: كشف تحدي هؤلاء الذين يعبدون غير الله بأنهم إذا عبدوا غير الله فلله من يعبد الله عز وجل. * ومِن فوائد الآية الكريمة: ما استدل به بعضهم على أن الملائكة أفضل من البشر، وعلل ذلك بأن الملائكة ليس فيهم مشرك؛ لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأعراف ٢٠٦] وبنو آدم فيهم مؤمن وكافر، والجنس الذي ليس فيهم مشرك خير من الجنس الذي يكون فيه مشرك وموحد، ولكن قد يُعارض هذا الاستدلال، فيُقال: عبادة الجنس الذي فيه مشرك وموحد أفضل من عبادة جنس ليس فيه مشرك؛ وذلك لمشقة التوحيد في جنس فيه مشرك على الموحد، فيكون الموحد من بني آدم أفضل من الملائكة؛ لأنه عبَدَ الله في قوم لا يعبدون الله، أما الملائكة فكلهم يعبدون الله ولا يستكبرون عن عبادته، وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم ولكل منهم أدلة، لكن جمع شيخ الإسلام رحمه الله بين الأدلة فقال: الملائكة أفضل باعتبار البداية، وصالحو البشر أفضل باعتبار النهاية، وهذا قول لا بأس به، الجمع بين الأدلة الدالة على التفضيل؛ تفضيل الملائكة على البشر والبشر على الملائكة، ولهذا قال السفاريني رحمه الله: وَعِنْدَنَا تَفْضِيلُ أَعْيَانِ الْبَشَرْ ∗∗∗ عَلَى مِـــلَاكِ رَبِّنَا كَمَااشْتَـــــهَرْ قال -يعني الإمام أحمد-: ومن قال سوى هذا افترى. يعني: مَن قال بغير تفضيل أعيان البشر على الملائكة فهو مفترٍ، لكن الصواب أن نقول كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: أما باعتبار البداية فالملائكة أفضل؛ لأنهم خُلِقوا من نور ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، لكن بالنهاية يكون لصالحي البشر من الثواب والأجر والقرب من الله ما ليس للملائكة. * ومِن فوائد الآية الكريمة: أن للملائكة إرادة، من أين يؤخذ؟ * طالب: ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ﴾ [فصلت ٣٨]. * الشيخ: ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ﴾ ولا تسبيح إلا بإرادة. ومن هنا نقفز إلى * الفائدة الثانية وهي: أن جميع المخلوقات من الأحجار والأشجار والأنهار والشمس والقمر والسماء والأرض لها إرادة؛ لأنها كلها تسبح الله ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء ٤٤]، وبهذا نَرُد على الذين قالوا: إن قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف ٧٧] -يعني: الجدار- هذا مجاز؛ لأن الجدار ليس له إرادة، فيُقال: من قال لكم إنه ليس له إرادة، بل له إرادة، وميله يدل على أنه أراد، ولقد قال النبي عليه الصلاة والسلام في أحد: «إِنَّه يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٨٩)، ومسلم (١٣٩٣ / ٥٠٤) من حديث أنس بن مالك.]]، والمحبة أخص من الإرادة وأثبتها الرسول عليه الصلاة والسلام للجبل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن بعض أهل العلم استدل بها على علو الله، وأن الأشياء ليست كلها سواءً بالنسبة للقرب منه؛ لقوله: ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾، والعندية تقتضي القرب، وأن بعض المخلوقات إلى الله أقرب من بعض، وهذا لا إشكال فيه، من يقول: إن من كان في الأرض السابعة السفلى هو في القرب إلى الله كالذي في السماء السابعة؟ لا أحد يقول بهذا، أما من جهة الإحاطة بالخلق فلا شك أن القريب والبعيد عند الله على حد سواء، وأما من جهة الواقع فلا شك أن من كان في السماوات أقرب إلى الله ممن كان في الأرض، ولهذا قال: ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾. أقول إن بعض العلماء استدل بهذه الآية على علو الله، وقال: نحن في الأرض والذين عند الله لا بد أن يكونوا في السماء؛ لأنه لولا علوه لكنا نحن أيضًا عنده، فكونه يقول: ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يخاطب من في الأرض، يدل على علو الله عز وجل، وهذا لا شك أنه استنباط جيد، لكنا لسنا بحاجة إلى أن نأتي بهذا الدليل الذي قد تخفى دلالته على كثير من الناس. وعندنا أدلة كثيرة واضحة على علو الله عز وجل: أدلة عقلية وأدلة سمعية وأدلة فطرية على علو الله، ولا أحد ينكر علو الله عز وجل العلو الذاتي إلا مخبول غير عاقل، وهو بين أمرين: إما أن يقول بالحلول وإما أن يقول بالعدم، من أنكر علو الله فهو لا يخرج عن واحد من أمرين: إما أن يقول بالحلول أو بالعدم، وفعلًا التزموا ذلك فالذين أنكروا علو الله انقسموا إلى قسمين: قسم قال: إن الله في كل مكان ولم ينزه الله عز وجل عن الحشوش والأقذار والأنتان والأسواق اللي فيها اللغو والكذب والغش، وهذا -فيما أرى- كفر صريح؛ أن من قال: إن الله بذاته في كل مكان فهو كافر لو مات ما صليت عليه ولا دعوت له بالرحمة؛ لأنه مكذب للقرآن وللأدلة العقلية، وواصم لربه بكل عيب. ومنهم من يقول: إن الله تعالى ليس داخل العالم، ولا خارج العالم، ولا متصل بالعالم، ولا مباين، ولا محايز، ولا فوق، ولا تحت، ولا يمين، ولا شمال، بماذا وصف الله؟ بالعدم، وصف الله بالعدم، لو قيل لنا: صفوا المعدوم ما وصفناه بأكثر من هذا، فيُقال: أين هو؟ ما دام لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصل بالعالم ولا منفصل عن العالم ولا فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال، وين يروح إلا العدم؟! ولهذا لما قال ابن فورك لمحمود بن سبكتكين رحمه الله: إني لا أقول إن الله فوق العالم ولا داخل العالم ولا تحت إلى آخره، وذكر هذه الأسلوبات، قال: بَيِّن لنا الفرق بين وجود ربك وعدمه، أو كلمةً نحوها؛ يعني معنى أنك إذا وصفت الله بهذه الأوصاف فهذا هو العدم تمامًا. على كل حال تقرير أن الله تعالى في السماء يعني العلو الذاتي أمر لا إشكال فيه، والعجب أنك تأتي العجوز التي لم تدرس ولم تفهم ولم تعلم وتسألها: أين الله؟ تقول: في السماء. إلا إذا كان الأمر كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَبَواهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٥٩)، ومسلم (٢٦٥٨ / ٢٢) من حديث أبي هريرة.]]؛ أي إلا إذا كانت عائشةً بين قوم ينكرون العلو، فربما تنكره بناءً على أن البيئة تتغير، أما لو أتينا إلى الإنسان من حيث الفطرة لرأيناه لا يشك في أن الله في السماء. ولذلك أفحم الهمداني -رحمه الله- أفحم أبا المعالي الجويني حين كان أبو المعالي الجويني ينكر استواء الله على العرش، ويقول: إن الله تعالى كان ولا عرش، وهو الآن على ما كان عليه، يريد أن ينكر استواءه على العرش، استواء الله على العرش دليله عقلي ولّا سمعي؟ سمعي؛ يعني: لولا أن الله أخبرنا أنه استوى على العرش ما علمنا، بخلاف العلو؛ العلو دليله عقلي وسمعي وفطري، وأما هذا فدليله سمعي، قال له الهمداني -رحمه الله- قال له: يا شيخ، دعنا من ذكر العرش، أخبرنا عن هذه الضرورة، فما قال عارف قط: يا الله، إلا وجد من قلبه ضرورة بطلب العلو، ما قال عارف هذه؛ كلمة (عارف) اصطلاح صوفي، العارف عندهم: هو العالم الواسع العلم العابد الكثير العبادة، ما قال عارف قط: يا الله، إلا وجد من قلبه ضرورة بطلب العلو، صحيح هذا ولّا لا؟ * طالب: صحيح. * الشيخ: أي إنسان يقول: يا الله، يجد قلبه يتجه إلى السماء، فصرخ أبو المعالي وجعل يضرب على رأسه، يقول: حيرني الهمداني حيرني، عجز أن يرد على هذا، فنحن نقول والحمد لله: إن العلو أمر لا غموض فيه ولا إشكال فيه ولا ينكره إلا شخص مغموس -والعياذ بالله- بالبدعة، ونحن نرى أنه كافر، وأنه لا تنفعه صلاة ولا صدقة ولا صيام ولا حج، ولو مات ما صلينا عليه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الملائكة مستغرقون الزمن كله في العبادة؛ لقوله: ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ و(الباء) وإن كانت بمعنى الظرف بمعنى (في) التي هي الظرفية لكن فيها نوع من الدلالة على الاستيعاب، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ﴾، شوف ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ٢٠]. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قوة الملائكة لقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ أي: لا يملون ولا يتعبون مما يدل على قوتهم، والأدلة على قوتهم كثيرة منها قصة سليمان عليه الصلاة والسلام حين جاءه الهدهد بخبر ملكة سبأ أن لها عرشًا عظيمًا، فقال سليمان: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل ٣٨]، فـ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل ٣٩]، وكان له وقت محدد يقوم فيه ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل ٣٩] جني يبغي يأتيه من أقصى اليمن إلى الشام وهو واحد، ويقول: ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ﴾، يؤكد قوته ﴿أَمِينٌ﴾ لن أخون فيه ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل ٤٠] الله أكبر، في الحال وجده أمامه ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ [النمل ٤٠]، والفاء تدل على الترتيب والتعقيب، ثم قال: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾، ولم يقل: فلما رآه عنده مستقرًا كأنه وضع في هذا المكان من سنوات مستقر، قال: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ الآن حضر من هناك بلحظة؛ يعني كأن العرش مثلًا على يمينك فنقلته عن يسارك بل أشد، قال أهل العلم: لأن هذا دعا الله عز وجل فحملته الملائكة، والملائكة أقوى من الجن، وهذا لا شك فيه أنهم أقوى من الجن. ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾، ثم قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ إلى آخره. * طالب: قول شيخ الإسلام أن الملائكة أفضل ابتداءً والبشر أفضل انتهاءً (...). * الشيخ: الملائكة أفضل من حيث البداية؛ لأنهم خلقوا من نور وامتثلوا أمر الله وليس فيهم من يستكبر عن عبادة الله، لكن في النهاية يكون مآل البشر أفضل، حتى الملائكة عملهم في يوم القيامة أنهم يدخلون عليهم من كل باب يهنئونهم يقولون: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد ٢٤] ولا ينالون من النعيم مثل ما يناله المؤمنون. * طالب: (...) تفضيل صالحي البشر على الملائكة؟ * الشيخ: لا، على سبيل العموم لا. * طالب: لا، على سبيل التعيين لصالحي البشر. * الشيخ: (...) صالحي البشر ما يمكن، حتى صالحي البشر الجنس هذا فيه الكافر والمؤمن. * طالب: في مسألة عدم عبادة صفات الله ذكرتم أنه لا يجوز، وأيضًا هناك عبارة شائعة بين العامة ألا وهو قولهم: نشكر فضل الله، أو عبارة نحوها ما أذكرها الآن؛ يعني يشكرون فضل الله عز وجل. * الشيخ: اذكر الآن عشان نعرف. * طالب: نحمد الله ونشكر فضله. * الشيخ: إي، أليس الله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ [النحل ١١٤]؟! * طالب: نعم. * الشيخ: والمراد نعمة الله المخلوقة، ما هي الصفة؛ يعني: ما أنعم الله، كذلك أشكر فضل الله ليس معناه أني أجعل هذه الصفة مشكورة، لكن هذا الفضل الذي مَنَّ الله به علي أشكر الله عليه. * طالب: يعني جائزة هذه العبارة؟ * الشيخ: ما فيها شيء. * طالب: قولنا يا شيخ: ﴿بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ بأن (الباء) هنا بمعنى (في) علماء البصرة الذين ينكرون أن تقوم الحروف بعضها ببعض، ما يقولون بالتضمين، كيف تجيبون على مثل هذه الآيات؟ * الشيخ: إحنا -بارك الله فيك- لدينا قاعدة، أنه إذا دل القرآن على شيء جائز فلا عبرة بمن خالف، هذه واحدة. ثانيًا: إذا اختلف النحويون في مسألة فإننا نتبع الأسهل، ما فيه دليل شرعي مثلًا يؤيد هؤلاء أو هؤلاء فنتبع الأسهل، وأنا قد أعطيت طلابنا هذه القاعدة؛ على أنكم إذا رأيتم علماء البصرة وعلماء الكوفة مختلفين في شيء فاتبعوا الأسهل، وقولوا: الحمد لله على الراحة، خذ هذه القاعدة -إن شاء الله- معك عشان تحملها إلى قومك. * طالب: (...) لأن شيخ الإسلام يُغلِّط.. * الشيخ: لا، هذه ما يُغلِّط بمثل هذه، شيخ الإسلام يُغلِّظ فيما إذا ضُمِّن الفعل معنًى يناسب حرف الجر، مثل: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان ٦] منهم من يقول: (بها) إن الباء بمعنى (من) يشرب منها عباد الله، ونحن نقول: لا، الأولى أن تضمن الفعل معنًى يناسب الحرف، أما الآيات التي معنا ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ﴾ فلا تستقيم. * طالب: أحسن الله إليك، الذين يقولون: الله ليس داخل العالم ولا خارجه ولا كذا (...) ولا نصلي عليهم؟ * الشيخ: لا، هذه والله ما أستطيع أني أحكم عليهم بالكفر. * طالب: الأدلة عقلية يا شيخ على علو الله (...). * الشيخ: إي، ما يخالف، لكن هم يقولوا: ما ننكر علو الله لكن نفسره بالعلو المعنوي، يعني أنه عالي القدرة عالي السمع عالي البصر، وما أشبه ذلك. * طالب: (...) تقول عن السحر بأنه علم، واستدلوا بهذه الآية ﴿الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ فكيف نرد على هؤلاء الناس؟ * الشيخ: السحر؟ نحن نقول: السحر علم، أليس الله تعالى قال عن الملكين: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة ١٠٢] ما فيه إشكال أنه علم. * طالب: يستدلون بهذه الآية. * الشيخ: لا، هذا ما هو بصحيح، يعني كأنهم يريدون أن هذا ساحر؟! الذي عنده علم من الكتاب قال: ﴿عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [النمل ٤٠] ما قال: علم من السحر، ثم إن السحر لا يمكن أن يغير الحقائق، السحر يخيل الأشياء، يعني بمعنى أنه يجعل المسحور يرى الساكن متحركًا والمتحرك ساكنًا، أما أن (...).

فصلت 41:39

طالب: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت ٣٩ - ٤٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ (من) للتبعيض و(آيات) جمع آية، وهي العلامة المعينة لمعلومها، فكل علامة تعين معلومها وتحدده فهي آية. ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ ﴿أَنَّكَ﴾ الخطاب هنا لكل من يتأتي خطابه، وليس خاصًا بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، واعلم أن الخطاب الموجه إلى واحد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما دل الدليل على أنه خاص برسول الله ﷺ فهو خاص به، والثاني: ما دل الدليل على العموم فهو للعموم، والثالث: ما لا دليل فيه على هذا ولا على هذا، فيصح أن يكون خاصًا بالرسول وأن يكون موجهًا لكل من يتأتي خطابه، ففي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح ١، ٢] الخطاب خاص بالرسول عليه الصلاة والسلام، إذ أن هذا لا يتأتى لغيره، وفي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧] هذا أيضًا خاص به، وفي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق ١] هذا عام دل الدليل عليه؛ لأنه قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ ثم قال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾، وغالب ما يأتي ألا يكون فيه دليل لهذا ولا لهذا، فنقول: إما أنه موجه للرسول عليه الصلاة والسلام وأمته تكون متأسية به في ذلك، وإما أن يُقال: إنه خطاب لكل من يتأتي خطابه، في هذه الآية ﴿أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ﴾ هل الخطاب هنا خاص بالرسول؟ لا، بل هو عام له ولغيره، إما أن غيره داخل في ذلك في أصل المخاطبةـ، وإما بالتبع. (﴿أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ أي: يابسة هامدة ليس فيها نبات إطلاقًا، ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ﴾ يعني المطر ﴿اهْتَزَّتْ﴾ تحركت ﴿وَرَبَتْ﴾ انتفخت وعلت) ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ﴾ أي: ماء المطر ﴿اهْتَزَّتْ﴾ أي: اهتز نباتها من فوقها، وليس المراد أن الأرض نفسها تهتز؛ لأننا لا نشعر بذلك، وإن كنا نجوز أن يكون اهتزازها اهتزازًا يسيرًا، لكن الذي يظهر أنها اهتزت بالنبات، ﴿وَرَبَتْ﴾ أي: علت. وهل المراد ما أشار إليه المؤلف انتفاخ الأرض عندما تريد الحبة أن تخرج؟ فإن الحبة تنتفخ في باطن الأرض، ثم إذا أراد غصنها أن يخرج رفع الأرض، فهل هذا هو معنى (ربت)؟ أو المعنى: علت بالنبات؟ يحتمل هذا وهذا؛ أنها علت بالنبات، وأنه لما ذكر اهتزازها أولًا اهتزاز النبات الخفيف ذكر علو النبات، الأشجار الكبيرة التي تعلو، كل هذا ممكن. ثم قال عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت ٣٩]، ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا﴾ أي: أحيا الأرض الخاشعة ﴿لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ والجملة كما ترون مؤكدة بمؤكدين: (إن) و(اللام)، و﴿الْمَوْتَى﴾ جمع ميت، والمراد بهم كل من مات من بني آدم وغيرهم، فهو قادر على إحيائهم. ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿إِنَّهُ﴾ أيضًا جملة مؤكدة بـ(إن)، و﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ كل شيء فالله قدير عليه، قادر على إيجاد المعدوم وعلى إعدام الموجود، وعلى تغيير الثابت وعلى تثبيت المتغير، كل شيء قادر عليه. * ففي هذه الآية فوائد: أوَّلًا: أن من آيات الله الدالة على قدرته أن الأرض اليابسة الهامدة إذا نزل عليها الماء نبتت واهتزت وربت وهل أحد يستطيع أن يفعل مثل ذلك؟ أبدًا قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة ٦٣، ٦٤]، لا أحد يستطيع مهما بلغ من القوة أن ينبت ورقة واحدة، وقد تحدى الله عز وجل جميع الخلق فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج ٧٣] وهذا تحدٍّ بالأمر الكوني القدري، وتحدى الله الخلق بالأمر الشرعي فقال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء ٨٨] إذن فالإنسان عاجز مهما كان. * مِن فوائد هذه الآية: الاستدلال بالمحسوس المنظور على الموعود المنتظر، وجهُهُ أن الله استدل بالشيء المنظور المحسوس -وهو نبات الأرض بعد أن كانت هامدة- على شيء منتظر وهو إحياء الموتى بعد موتهم. * وفيه أيضًا: الاستدلال بالأدلة العقلية، أن الإنسان يستدل بالمحسوس على المعقول، يعني أن قدرة الله على هذا تدل على قدرته على الآخر. * ومن فوائدها أيضًا: استعمال القياس وأن القياس ثابت؛ لأن الله تعالى قاس إحياء الموتى على إحياء الأرض. * ومن فوائد الآية الكريمة: تأكيد ما ينبغي تأكيده سواء كان ذلك؛ لإنكار المنكر أو شك شاك أو أهمية الأمر؛ لأن التأكيدات تكون إما لأهمية الأمر، وإما لرفع الشك والتردد في الشيء حتى يكون أمرًا يقينيًا، وإما لإثبات الشيء المنكر، فمثلًا إذا كانت الآية تخاطب الذين ينكرون البعث فهذا الإثبات لإثبات مُنكر؛ يعني: لإثبات شيء أنكره قوم، وإذا كانت الآية تخاطب من يترددون في ذلك فهي لرفع الشك والتردد، وإذا قدرنا أنها تخاطب من لا شك عنده ولا إنكار فهو لأهمية الأمر لأهمية الموضوع؛ لأن الإيمان بذلك هو الذي يحدو الإنسان إلى أن يعمل، لولا أن الإنسان يؤمن بأنه سوف يُبعث ويُجازى لكان غير نشيط على العمل، أكثر ما ينشط الإنسان على العمل هو خوفه يوم القيامة. * ومن فوائد الآية الكريمة: عموم قدرة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، فلا يعجزه شيء لتمام علمه وتمام قدرته، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤]؛ لأن العاجز إما أن يكون لعدم علمه وإما أن يكون لعدم قدرته، فنفى الله عز وجل العجز، وبين أن ذلك بسبب كمال علمه وقدرته، إذن ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ٢٠]. ذكر الجلال السيوطي -غفر الله لنا وله- في سورة المائدة كلامًا مُنكرًا، قال: (وخصَّ العقل ذاته، فليس عليها بقادر) يعني كأنه يقول: على كل شيء قدير إلا على ذاته فليس عليها قادرًا، وهذا لا شك أنه قول منكر، كأنه يقول مثلًا: هل يقدر الله عز وجل على أن يُفْنِي نفسه؟ على كلامه، نقول: هذا قول ساقط؛ لأن القدرة إنما تتعلق بالشيء الممكن، أما الشيء المستحيل فهو مستحيل، وليس مستحيلًا على قدرتنا، لا، المستحيل على قدرتنا غير المستحيل على قدرة الله، لكن المستحيل لذاته، فإنه لا يمكن أن تتعلق به قدرة ولا غير قدرة إلا العلم، ولهذا قال السفاريني في العقيدة: بِقُـــدْرَةٍ تَعَـــلَّقَتْ بِمُمْـــــكِنٍ ∗∗∗ ....................... فيُقال للجلال -عفا الله عنا وعنه: إن أردت أن الله ليس بقادر على أن يفني نفسه فهذا أمر غير وارد إطلاقًا؛ لأن القدرة لا تتعلق بهذا، وإن أردت أنه غير قادر على أن ينزل إلى السماء الدنيا وأن يأتي للفصل بين عباده وأن يستوي على عرشه ونحو ذلك من الأفعال الاختيارية فهذا كذب، بل هو قادر على ذلك، لكن السيوطي -عفا الله عنا وعنه- ممن يرون أن الأفعال الاختيارية لا تقوم بالله؛ يعني يقول: إن الله ما يمكن ينزل ولا يستوي ولا يأتي يوم القيامة؛ لأن هذه على زعمه حوادث، والحوادث لا تتعلق إلا بحادث. على كل حال، هذه فلسفة جاء بها أهل الكلام، وما أكثر ما جاءوا به من الكلام، وكلامهم كلام في كلام، لا فائدة فيه، تطويل بلا فائدة، إضاعة للوقت بلا فائدة، مؤدٍّ إلى الشك والتردد بلا فائدة، ولهذا قال بعضهم: أكثر الناس شكًّا عند الموت أهل الكلام، نعوذ بالله، لماذا؟ لأنهم لم يبنوا عقيدتهم على الكتاب والسنة، بنوها على وهميات ظنوها عقليات فَضَلُّوا وأضلوا. نحن نقول كما قال ربنا عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ٢٠] فقط ويكفي، أما العلم فهو أوسع من القدرة؛ لأن العلم يتعلق بالواجب والمستحيل والممكن؛ يعني علم الله متعلق بكل شيء، يتعلق حتى بالمستحيل، قال الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢]، وهذا مستحيل، ومع ذلك تعلق به العلم، ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون ٧١]، وهذا أيضًا من المستحيل على حكمة الله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة: الاستدلال بالعموم على الخصوص، فالله تعالى استدل على قدرته على إحياء الموتى بدليلين: أحدهما خاص، والثاني عام، ما هو الخاص؟ إحياء الأرض بعد موتها، العام: ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت ٣٩]، وينبني على هذه الفائدة أن العام يتناول جميع أفراده، وقد ذكر ذلك النبي ﷺ في قوله حين عَلَّم أمته التشهد، قال: «إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٢٠٢)، ومسلم (٤٠٢ / ٥٥) من حديث ابن مسعود.]]، فمثلًا إذا قال الرجل: دُورِي وقف. يشمل جميع الدُّور؟ * طالب: نعم. * الشيخ: ولو قال: سياراتي لفلان. يشمل جميع السيارات، ولو قال: نسائي طوالق. يشمل كل امرأة له، ولو قال: عبيدي أحرار، شمل كل عبد، المهم أن العام يتناول جميع أفراده.

فصلت 41:40

ثم قال جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ [فصلت ٤٠] يقول المفسر: (من أَلْحَد ولَحَد) من (ألحد) تكون يُلْحِدُون، و(لَحَد): يَلْحَدون، وأصل اللحد أو الإلحاد هو الـميل، ومنه سُمي اللحد لحدًا لميله إلى جانب القبر، إذن فهذه المادة (ل ح د) مأخوذة من أين؟ من الميل، فمعنى ﴿يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ أي: يميلون فيها، و﴿آيَاتِنَا﴾ جمع آية، وآيات الله تعالى تنقسم إلى قسمين: آيات شرعية: وهي الوحي المنزل على الأنبياء والرسل، وآيات قدرية: وهي المخلوقات، كل المخلوقات آيات قدرية تدل على خالقها وبارئها، وفي ذلك يقول الشاعر الصادق في قوله: فَوَاعَجَبَا كَيْفَ يُعْصَى الْإِلَهُ ∗∗∗ أَمْ كَيْفَ يَجْحَدُهُ الْجَاحِدُ؎وَفِي كُـــــــــــــلِّ شَـــيْءٍ لَــــــهُآيَــــــةٌ ∗∗∗ تَـــــدُلُّ عَلَى أَنَّـــــهُوَاحِـــــــدُ كل المخلوقات آية من آيات الله، إذن الآيات قسمان؛ كونية: وهي جميع المخلوقات، شرعية: وهي الوحي المنزل على الرسل عليهم الصلاة والسلام. الإلحاد في الآيات الكونية يكون بواحد من أمور ثلاثة: إما بإضافتها إلى غير الله، وإما باعتقاد مشارك لله فيها، وإما باعتقاد مُعِينٍ لله فيها، كم هذه؟ ثلاثة؛ الأول: نسبتها إلى غير الله، فيقول مثلًا: الذي خلق السماء القوة الطبيعية، هذا إلحاد في الآيات الكونية، أو اعتقاد مُشارك لله فيها، مثل أن يقول: الذي يدبر الكون هو الله والإمام الفلاني كما تقوله بعض الرافضة، الثالث: اعتقاد مُعِينٍ لله فيها؛ يعني كأن الله عجز عن إقامة السماوات والأرض فأعانه آخر، هذا هو الإلحاد في آيات الله الكونية. وإلى هذا يشير قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ ٢٢] كل الثلاثة نفاها ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ على سبيل الاستقلال، ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ على سبيل المشاركة، ﴿وَمَا لَهُ﴾ أي ما لله ﴿مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ أي: مُعين. مرة ثانية نقول: الإلحاد في الآيات الكونية ما هو؟ * طالب: يكون من ثلاثة أشياء؛ إما بإضافتها لغير الله، أو اعتقاد مُشارِكٍ لله عز وجل، أو اعتقاد مُعِينٍ لله. * الشيخ: إما بنسبتها إلى غير الله، أو اعتقاد مُشارك لله فيها، أو اعتقاد مُعين لله فيها، كل هذا إلحاد. الآيات الشرعية قلنا: إنها ما نزل من الوحي على رسل الله، الإلحاد فيها يكون بتكذيبها وتحريفها ومخالفتها أيضًا في ثلاثة أمور، يكون بثلاثة أمور: تكذيبها أو تحريفها أو مخالفتها، هذا الإلحاد في الآيات الشرعية فمن كذب وقال: إن محمدًا -مثلًا- لم ينزل عليه وحي وإنما يعلمه بشر فهو ملحد، ومن حرفها وغَيَّر معناها أو غير لفظها فهو ملحد؛ لأن التحريف يكون لفظًا ويكون معنى، والثالث: من خالفها فهو مُلحد، فمن عصى الله فهو ملحد لكنه ليس الإلحاد الذي نفهمه وهو الخروج من الدين، بل هو ملحد إلحادًا بقدر ما فعل من المعصية والمخالفة، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج ٢٥]، الدليل هذا سمعي، الدليل العقلي أننا قلنا: الإلحاد في اللغة هو الميل، والعاصي المخالف للأوامر مائل بلا شك، الإلحاد في الآيات الشرعية يكون؟ * طالب: بثلاثة. * الشيخ: بثلاثة ولّا بواحدة من ثلاثة؟ * طالب: بواحدة من ثلاثة؛ إما بتكذيبها أو تحريفها أو مخالفتها. * الشيخ: تمام، هؤلاء الذين يلحدون في هذا أو في هذا يقول الله عز وجل: ﴿لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ [فصلت ٤٠] هذه صفة نفي ﴿لَا يَخْفَوْنَ﴾، نفى الله عز وجل أن يخفى عليه هؤلاء، لماذا؟ لكمال علمه، واعلم أنه لا يمكن أن يوجد في صفات الله نفي محض، بل كل ما نفى الله عن نفسه فهو متضمن لكمال وإثبات، وهذه دعها قاعدة عندك لا تفرط بها، لا يوجد في صفات الله نفي محض، بل كل ما نفى الله عن نفسه فإنه متضمن لكمال، فمثلًا: ﴿لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ ليش؟ لكمال علمنا، فإن الله تعالى كامل العلم محيط بكل شيء ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف ٨٠]. إذن ﴿لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ أي: لا تخفى علينا حالهم ولا أعيانهم لكمال علمنا، والمراد بهذه الجملة المراد بها التهديد، كما تقول لابنك: يا بني اذهب لما شئت فإنك لا تخفى علي، لا يخفى علي فعلك، فالمراد بها التهديد وهي في غاية التهديد؛ لأنه إذا قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ فسوف ترتعد الفرائص من هذا الوعيد. ثم قال: (﴿لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ فنجازيهم) المؤلف رحمه الله يقول: (﴿فِي آيَاتِنَا﴾ القرآن بالتكذيب) ففي تفسير المؤلف قصور، أولا: أنه جعل الآيات هنا الآيات الشرعية، وهذا غلط، الآيات أعم. ثانيًا: أنه لم يجعل الإلحاد في الآيات الشرعية إلا بنوع واحد من الإلحاد وهو التكذيب، وقد قلنا: إن الإلحاد فيها يكون بواحد من ثلاثة أمور: إما التكذيب أو التحريف أو المخالفة. قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [فصلت ٤٠] الجواب: الثاني ولّا الأول؟ * طالب: الثاني ﴿مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. * الشيخ: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ﴾ استفهام من الله عز وجل ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الجواب لا شك أنه الثاني، وفي قوله: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى﴾ هذا نتيجة قوله: ﴿لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ إذن فالمعنى: لا يخفون علينا وسنلقيهم في النار؛ لأن هذه هي النتيجة من قوله: ﴿لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ فيكون المعنى: لا يخفون علينا وسنلقيهم في النار، وأخبروني: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؟ والجواب: أن الناس بصوت واحد سيقولون: من يأتي آمنًا يوم القيامة فهو الخير. وقوله: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ﴾، ﴿يُلْقَى﴾ يفيد هذا أن أهل النار -والعياذ بالله- إذا وردوها لا يدخلوها طائعين ولا مختارين، ولكنهم يُلقَون إلقاءً كما يُلقى الحجر من على الجبل، قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ [الملك ٨] ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا﴾، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور ١٣]؛ لأنهم لا يريدون أن يذهبوا، ولكن قد ثبت أن النار تمثل لهم كالسراب فيأتون إليها سراعًا، نقول: لا منافاة هي تمثل لهم كالسراب وهم يريدون الشرب فيأتون إليها سراعًا، فإذا وصلوا إليها وعرفوا أنها النار حينئذ يقفون ثم يُدَعُّون إلى نار جهنم دعًّا -أعاذنا الله وإياكم منها- ثم يُلقون فيها إلقاءً. وقوله: ﴿خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وهم المؤمنون الذين لا يلحدون في آيات الله، هؤلاء يأتون يوم القيامة آمنين، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ [الأنعام ٨٢] في الدنيا أو في الآخرة؟ * طلبة: في الدنيا والآخرة. * الشيخ: في الدنيا والآخرة، ﴿أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا﴾ إعراب ﴿آمِنًا﴾ لماذا صارت بالنصب وقبلها فعل مضارع؟ * طالب: حال. * الشيخ: حال، أين الفاعل؟ * طالب: الفاعل ﴿يَأْتِي﴾. * الشيخ: الفاعل مستتر، التقدير: أم من يأتي هو آمنًا يوم القيامة، ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يعني به يوم البعث والنشور، وسُمي يوم القيامة لوجوه ثلاثة: الأول أن الناس يقومون فيه من قبورهم لرب العالمين؛ كما قال تعالى: ﴿يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين ٦]، الثاني: أنه يُقام فيه العدل؛ كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء ٤٧]، والثالث: أنه يُقام فيه الأشهاد ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١] فلهذا سُمي يوم القيامة لوجوه ثلاثة، الأخ؟ * طالب: إما لقيام الناس من قبورهم. * الشيخ: لقيام الناس من قبورهم لرب العالمين، الدليل؟ * طالب: ﴿يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. * الشيخ: هذا واحد، الثاني؟ * الطالب: الثاني: قيام الأشهاد. * الشيخ: نعم، الدليل؟ * الطالب: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾. * الشيخ: الثالث؟ * الطالب: الثالث قيام الموازين بالقسط. * الشيخ: أنه يُقام فيه العدل، الدليل؟ * الطالب: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. * الشيخ: بارك الله فيك، ﴿أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ يعني: بعد هذا الإنذار والتهديد والوعيد ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾، وهذه الجملة أيضًا تفيد التهديد بلا شك، يعني: اعملوا ما شئتم من الخير أو من الشر ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت ٤٠]، إذن ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ ليست إباحة أن الإنسان يعمل ما شاء كما يدعي هؤلاء أن الحرية أن تعمل ما شئت، عند هؤلاء الكفار الإنسان حر في دينه، يدين بما شاء، حر في أخلاقه يتخلق بما شاء، حر بأعماله يعمل ما شاء، هكذا عندهم، ونحن نقول: لا، الحرية المطلقة هي الرق الـمُطلق؛ لأنك إذا تحررت من قيود الشرع تقيدت بقيود الشر، ولهذا يقول ابن القيم في النونية: هَرَبُوا مِنَ الرِّقِّ الَّذِي خُلِقُوا لَهُ ∗∗∗ ........................... ما هو الرق الذي خُلقنا له؟ عبادة الله عز وجل، وبُلوا؛ يعني: ابتلوا، برق النفس والشيطان: صاروا عبيدًا لأنفسهم والشياطين، فروا من رقهم لله إلى رقهم للهوى والشيطان. فنقول: إن قوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ ليس إطلاقًا بمعنى ليس إباحة، ولكنه تهديد، وهو أسلوب عربي مبين منذ نزل القرآن وإلى يومنا هذا، ولهذا أكده بقوله: ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ قال المؤلف: (تهديد لهم)، ﴿إِنَّهُ﴾ الضمير يعود على الله عز وجل، وقوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: عليم، وقوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ قُدِّم على عامله لسببين: أحدهما: لفظي، والثاني: معنوي؛ أما اللفظي فهو لتناسب الآيات رؤوس الآيات، والقرآن الكريم -كما تعلمون- نزل بلسان عربي يراعي التناسب اللفظي والمعنوي، والفائدة الثانية: أنه أشد تهديدًا مما إذا جاء متأخرًا عن عامله، كأنه يقول: لو لم يكن عالمًا بأي شيء لكان عالمًا بأعمالكم، فهنا الحصر لبيان التهديد لهؤلاء كأنه يقول: لو خفي عليه كل شيء لم يخف عليه أعمالكم. * في هذه الآية فوائد: * أولًا: تحريم الإلحاد في آيات الله، وجه ذلك أن الله تعالى هدد الملحدين في آيات الله. * ثانيًا: إثبات الآيات والتقسيم من عندنا مبني على التتبع والاستقراء، أفهمتم؟ يعني إثبات أن الله له آيات كونية وشرعية، الآية ليس فيها ذلك، لكن بالتتبع والاستقراء علمنا أن آيات الله تنقسم إلى قسمين: شرعية وكونية. * ومن فوائد الآية الكريمة: تهديد الملحدين بأن الله مطلع عليهم لا يخفى عليه شيء من أحوالهم. * ومن فوائدها: سعة علم الله تبارك وتعالى، وأنه لا يخفى عليه شيء. * ومن فوائدها: أن الإلحاد سبب لدخول النار؛ لقوله: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ﴾ مثل الملحدين. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أهل النار -والعياذ بالله- يُلقون فيها إلقاءً ويُدعُّون إليها دعًّا إهانةً لهم وإذلالًا لقوله: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز المفاضلة بين شيئين بينهما من التباين أكثر مما بين السماء والأرض إفحامًا للخصم، الدليل: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، كل يعرف أن الثاني خير، وأنه لا حاجة إلى الاستفهام، لكن من أجل إفحام الخصم وإقامة الحجة عليه، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل ٥٩] كل يعرف أن الله خير، لكن هذا من باب إفحام الخصم، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة ١٤٠] كل يعرف أن الأعلم هو الله لكن هذا أيضًا من باب إفحام الخصم، وهذه فائدة انتبهوا لها أن المفاضلة بين شيئين التفاوت بينهما ظاهر لا يراد به المقارنة ولكن يراد به إفحام الخصم. * من فوائد الآية الكريمة: أن من استقام في آيات الله ولم يلحد فيها فإنه يأتي يوم القيامة آمنًا؛ لقوله: ﴿أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ في مقابل الملحدين الذين يُلقَون في النار. * ومن فوائد الآية الكريمة: عظمة الله عز وجل وقوة سلطانه؛ لقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ فإن مثل هذا التهديد لا يكون إلا من كامل السلطان. * ومن فوائد الآية: إثبات يوم القيامة؛ لقوله: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. * ومنها أيضًا: أن الناس في يوم القيامة بين آمن وخائف؛ لقوله: ﴿أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة للعبد؛ لقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ فيكون في ذلك رد على الجبرية، الجبرية يقولون: الإنسان مجبر على العمل وليس له أي إرادة فيما يفعل، عجبًا لهم، يصلي بلا إرادة، ويتوضأ بلا إرادة، ويمشي بلا إرادة، ويقعد بلا إرادة، ويؤمن بلا إرادة، ويكفر بلا إرادة، سبحان الله! مجبر؟! قال: نعم مجبر، فالحركة هذه طبيعية فيه كالإحراق في النار، هل النار تحرق باختيارها؟ لا، لكن أُودع فيها الإحراق، هم يقولون: هذه الأفعال والحركات من الإنسان لا إرادية لكنه جُبِل عليها، ويقولون: إن حركته الإرادية كحركته الاضطرارية، فنزول الإنسان في الدرج من العليا إلى السفلى وصعوده من السفلى إلى العليا كمن دُحرج دحرجة على الدرج، والمدحرج له اختيار ولّا ما له اختيار؟ * طالب: ما له اختيار. * الشيخ: هم يقولون: هكذا اللي ينزل باختياره لا فرق، فقيل لهم: إذا كان كذلك فإن من أظلم الظلم أن يعذب الله الظالم؛ لأن الظالم يقول: أنا مُجبر ما لي قدرة ولا لي اختيار، قالوا: لا يمكن، الظلم في حق الله مستحيل لذاته؟ لا لأن الله لا يريده، لكنه مستحيل لذاته، لماذا؟ لقالوا: لأنه تصرف الخالق في ملكه والمتصرف في ملكه ليس بظالم، ولهذا قال ابن القيم عنهم: وَالظُّلْمُ عِنْدَهُمُ الْمُحَالُ لِذَاتِهِ ∗∗∗ .......................... ونحن نقول: أخطأتم؛ لأن الله تعالى شرع شرائع، وأوعد من خالفها، ووعد من وافقها، وأعطى الإنسان حرية، والظلم ممكن في حق الله لكنه مستحيل عليه إرادةً؛ بمعنى أنه لا يريد الظلم، ولو شاء لظلم، لكنه لا يريده، وليس وصفه إطلاقًا قال الله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ وقال: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق ٢٩]، وقال تعالى في نفي إرادة الظلم: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر ٣١]، وكيف يتمدح الله عز وجل بأمر مستحيل؟ هذا غير ممكن، لولا أن الظلم ممكن ما كان وُصف الله به كمالًا، فهو ممكن أن يعذب الإنسان الذي أمضى ليله ونهاره في طاعة الله ممكن عقلًا أو لا؟ عقلًا ممكن، لكن الله تعالى لا يريد هذا، لذلك بطل قولهم بأنه الظلم محال في حق الخالق؛ لأنه يتصرف في ملكه. على كل حال في الآية هذه ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ دليل على إثبات المشيئة للعبد، وهو يرد ردًّا واضحًا على الجبرية، العجب أنه قام أناس ضد الجبرية فداووا البدعة ببدعة قالوا: الإنسان له مشيئة وإرادة واختيار لكنه منفصل عن إرادة الله تعالى ومشيئته، مستقل بالعمل ما لله فيه إرادة إطلاقًا، كيف؟ قال: نعم، أنت الآن تذهب وتجيء باختيارك لا تشعر أن أحدًا يجبرك أو يكرهك فإذن لا علاقة لله بفعلك، أنت تفعل مختارًا مستقلًا عن إرادة الخالق. أيهم أقرب إلى المعقول الجبرية أو القدرية؟ القدرية أقرب للمعقول؛ لأن كل إنسان يعرف أنه يفعل الشيء باختياره، وأنه يُحمد على فعله للخير، ويذم على فعله الشر، ولو كان بغير اختيار ما استحق أن يحمد على الخير ولا أن يذم على الشر، كل يعلم ذلك، ولهذا يُسمَّوْن العقلانيين؛ لأنهم يحكمون العقل حتى في مثل هذا الأمر، إذن نقول: قُوبلت بدعة الجبرية ببدعة من؟ * طلبة: القدرية. * الشيخ: القدرية الذين أثبتوا للإنسان إرادةً استقلالًا، ولهذا يُسمَّوْن مجوس هذه الأمة؛ لأن المجوس يقولون: الحوادث لها خالقان: الظلمة والنور، كل ما في الدنيا من شر فخالقه الظلمة، كل ما فيها من خير فخالقه النور؛ لأن الأشياء اللي في الدنيا كلها إما خير وإما شر، فيجب أن يكون هناك إلهان: إله الخير وإله الشر، أيهما المناسب للخير؟ النور؛ لأن النور فيه سعة الصدر والانشراح، وأيهما أنسب للشر؟ الظلمة، قالوا: إذن جميع ما يحدث في الكون له خالقان: ظلمة ونور، الظلمة تخلق الشر، والنور يخلق الخير، وفي هذا يقول المتنبي في ممدوحه: وَكَمْ لِظَلَامِ اللَّيْلِ عِنْدَكَ مِنْ يَدٍ ∗∗∗ تُحَــــــدِّثُ أَنَّ الْمَانَـــــوِيَّةَتَكْـــذِبُ (كم) للتكثير، (كم لظلام الليل عندك من يد) أي: من نعمة، (تحدث أن المانوية): وهم فرقة من المجوس (تكذب) لأن المانوية يقولون: الظلمة تخلق أيش؟ * طلبة: الشر. * الشيخ: والنِّعَم خير ولّا شر؟ خير، يقول لممدوحه: أنت تجود ليلًا ونهارًا مما يكذب المانوية الذين يقولون: إن الظلمة تخلق الشر، على كل حال نحن نقول: إن الجبرية قوبلت بدعتهم ببدعة واعلم أن البدعة لا يمكن أن تقاوم ببدعة؛ لأن.. ........................ ∗∗∗ تُحَدِّث أنَّ الـمَانَوِيَّةَ تكْذِبُ (كم) للتكثير وَكَمْ لِظَلَامِ اللَّيْلِ عِنْدَكَ مِنْ يَدٍ ∗∗∗ ................................. أي مِن نعمة (تحدث أن المانوية) وهم فرقة مِن المجوس (تكذب) لأنَّ المانوية يقولون: الظلمة تخلق أيش؟ * طالب: الشر * الشيخ: والنِّعَم خير ولَّا شر؟ * طالب: خير * الشيخ: خير، يقول لممدوحِه: أنت تجود ليلًا ونهارًا مما يكَذِّب المانوية الذين يقولون إنَّ الظلمة تخلق الشر، على كلِّ حال نحن نقول: إنَّ الجبرية قوبِلَتْ بدعتُهم بأيش؟ ببدعة، واعلم أنَّ البدعة لا يمكن أن تُقاوم ببدعة؛ لأنك إذا ابتدعت ادعى عليك هو ادعى هو عليك، ومِن ذلك ما يفعلُه بعض الناس في يوم عاشوراء يوم عاشوراء عند الرافضة يوم حُزْن وبلاء، جاء أناس مِن أهل السنة قالوا: إذًا نجعله يوم فرح وسرور وينبغي يوم عاشوراء أن نتزَيَّن ونتجَمَّل ونُوَسِّع على العيال ونكشت بهم ونريهم الأشياء، ضد أيش؟ ضد الحُزْن لكن هل هذا صحيح؟ لا؛ لأن إذا فعلْنا هذا قالت الرافضة: ما دليلكم على هذا؟ فلا يمكن أن تقابَل البدعة ببدعة أبدًا لا تُقابَل إلا بالسنة، نحن نُقابِل الجبرية الذين ينكرون مشيئة العبد بدلالة الكتاب والسنة أنَّ للإنسان مشيئة، ونقابل القدرية بأنَّ الله تعالى له مُلْك السماوات والأرض وما تشاءون إلا أن يشاء الله أفهمتم؟ إذًا أنا إذا شئتُ شيئًا وفعلتُه أقول: إنَّ الله شاءَ ذلك قبل أن أشاءه لا يمكن أن أشاءَ شيئًا وأفعلَه دون أن يكون الله تعالى شاءَه أبدًا، فإذا قال قائل: أنت إذا قلت هذا وأنَّ مشيئتَك بعد مشيئة الله وتابِعَة لمشيئة الله لزِم على ذلك أن يحتَجَّ العاصي علينا بقدرِ الله ومشيئَتِه، العاصي يشاء المعصية ويفعل المعصية قلنا له ليش؟ قال: لأنَّ الله شاء ذلك، أنتم تقولون إنه ما مِن مشيئةٍ للعبد إلا وهي مسبُوقَةٌ بمشيئة الله ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان ٣٠] أنا وش أسوي؟ شاءَ الله أن أفعل ففعلْت كيف تلومونني على أمرٍ كتبَه الله عليّ وشاءَه علَيّ؟ أيش نقول؟ نقول: قبل كل شيء مَن أعلمَك أنَّ الله شاء ذلك؟ هل أحد يعلم أنَّ الله شاءَ الشيء إلا بعد وقوعه؟ لا يعلم ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان ٣٤] أنا مثلًا عندما أقوم وأصلي أعلم أنني لما شئْتُ الصلاة وفعلْت فقد شاءَها الله عز وجل مِن قبل، لكن قبلَ أن أُصَلّي هل أعلَم أنَّ الله شاء أن أُصَلِّي أو لا؟ * طلبة: لا أعلم * الشيخ: لا؟ لام ألف؟ متأكدون؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: طيب، العاصي حين يفعل المعصية هل يعلَم أنَّ الله شاءَ له أن يفعَلَ المعصية قبل أن يفعلَها؟ لا؛ إذًا لا حُجَّةَ له، وما أحسن ما قاله بعض العلماء: إنَّ القدر سِرٌّ مكْتُوم لا يُعلَم إلا بعد وقوع المقدور. وهو كذلك هذا جوابٌ مفحم لا يمكن أن يتخَطَّاه المجرِم قيدَ أنملة، ثم نقول له: ألستَ الآن إذا كان أمامك نارٌ محرِقَة أو أودية مُغْرِقة ألست تُحْجِم عنها ولا تُقْدِم عليها؟ * طالب: بلى * الشيخ: طيب، لماذا لا تُقدِم وتُلقِي نفسَك في النار وتقول والله هذه مشيئة الله؟ لا يمكن أن يُقدِم لا على أودية مغرِقة ولا على نارٍ محْرِقة ويدَّعِي أن ذلك بمشيئة الله لا يمكن، نقول: إذًا لماذا لم تتجَنَّب المعاصي التي علِمْت بوعد الله عز وجل أو وعيده أنَّها سببٌ لدخول النار؟ لِماذا؟ هذا نخاطِبُه عندما نريد منه أن يتجَنب المعاصي، عندما نريد أن يفعل الطاعات نقول: تعال: نزلَ في الصحف مسابقة على وظِيفتين إحداهما عشرة آلاف ريـال في الشهر والثانية عشرة ريال في الشهر إلى أين يذهب؟ * طلبة: عشرة آلاف * الشيخ: لا يا جماعة يذهب إلى عشرة ونقول هذا تقدير الله؟ * طلبة: لا * الشيخ: لا؟ متأكدون * طلبة: نعم * الشيخ: طيب، نقول: ألست تذهب إلى عشرة آلاف؟ تريد هذا الراتب الجيد، طيب العمل الصالح عُرِض عليك عمل صالح بأنَّ جزاءَ الحسنة بعشْر أمثالها إلى سبعمائة ضعف لماذا لا تُقدِم عليها؟ كما كنت تُقدِم على ما تراه حظًّا لك في عمَلِ الدنيا فلماذا لا تُقدِم على ما تراه حظًّا لك في عمل الآخرة؟ وبهذا تنقطع حجة الظالم سواءٌ ظلمَ بفعل المحرمات أو بترك الواجبات، لا حرج (...) نقول تعرضنا لهذا وإن كان ليس مِن خصائص علم التفسير لأنَّ هذا من علم العقيدة المهِمّ، ربما يُشوِّش على الإنسان مثلُ هذه الإيرادات من الجبرية أو من القدرية فنقول بما سمعتم، والأمر والحمد لله واضح حتى أنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام حلَّ هذه المشكلة بكلمتين فقط قال عليه الصلاة والسلام وهو على شفِير قبرٍ لإحدى بناته قال: «ما منكم من أحد إلا وقد كُتِب مقعده من الجنة ومقعده من النار» -ما هنا أحد إلا كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار- قالوا: يا رسول الله أفلا ندع العمل ونتَّكِل على الكتاب؟ هذا اعتراض لكنه اعتراض في بادي الأمر كما قال تعالى: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود ٢٧] ما دام مكتوب الشيء ما حاجة نعمل، هذا مكتوب من أهل السعادة خلاص نال السعادة لِيَنَم لأنه من أهل السعادة، هذا من أهل الشقاوة أيضًا لا يعمل؛ لأنه من أهل الشقاوة ما حاجة يعمل، فقال النبي عليه الصلاة والسلام كلمتين: «اعملوا فكلٌّ مُيَسَّر لِما خُلِق له»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٩٤٥)، ومسلم (٢٦٤٧ / ٧) من حديث علي بن أبي طالب. ]] سبحان الله ما ذهب يأتي بالفلسفة وتطويل: بكلمتين: «اعملوا فكلٌّ مُيَسَّر لِما خُلِق له» » هذا الذي مِن قِبَلِنا أن نعمل ثم كُلٌّ مُيسر لِما خُلِق له فإذا وجدت من نفسك أنَّ الله يسَّر لك الخير والهدى والنشاط على العبادة فاعلم أنك ممن كُتِب من أهل السعادة لقول النبي ﷺ: «أمَّا أهل السعادة فيُيَسَّرُون لعمل السعادة وأما أهل الشقاوة فيُيَسرون لعمل أهل الشقاوة»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٦٢)، ومسلم (٢٦٤٧ / ٦) من حديث علي بن أبي طالب.]] فالأمر والحمد لله واضح جدًّا أنه لا حجة للعاصي بالقدر على أيش؟ معصيته، ولا للمتهاون بالقدر على تهاونه، الأمر أوضح مِن أن يحتاج إلى كثيرِ كلام، لكن لَمَّا كان الشيطان يأتي للإنسان ويقول: كذا وكذا، بقي علينا أن يقال: أليس آدم قد احتج بالقدر؟ أوليس الله تعالى قد احتَجّ بالقدر فقال لرسوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام ١٠٧] فما هو الجواب؟ الجواب أن يقال: أما قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [الأنعام ١٠٧] فهذا تسلية للرسول عليه الصلاة والسلام تسلية له حيث قال الله له: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ فشركُهم بمشيئة الله، ومعلومٌ أنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام سوف يرضى بأيش؟ بقضاء الله، سوف يرضى بقضاء الله، ولهذا يجِب علينا أن ننظُر إلى أهل المعاصي بنظرتين أو بنظَرَيْن: نظَر قدرِيّ ونظر شرعي: النظر القدري أن نرضَى بما وقع من معاصيهم لأنه بتقدير من؟ بتقدير الله، النظر الشرعي أن نُلزِمَهم بشرع الله نُقيم عليهم الحدود والتَّعزيرات وغير ذلك مما يحمِلُهم على فعل الطاعات وترك المحرمات، انتبهوا يا إخواني المسائل هذه مهمة جدًّا، إذًا نقول: إن قوله تعالى للرسول: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام ١٠٧] الغرض منه أيش؟ تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه إذا علم أن ذلك بمشيئة الله رضِي، ولكنَّ الله تعالى أبطَلَ هذه الدعوى منهم بقوله: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ ماذا قال بعده؟ ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي بشريعة الله ﴿حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ [الأنعام ١٤٨] بعقوبَةِ الله، أبطل الله هذه الحجة لأنهم أرادُوا بذلك أيش؟ أرادوا بذلك إبطَالَ الشرع بالقدر فبيَّنَ الله تعالى أنه عذَّبَهم، آدم احتَجَّ عليه موسى وقال له: خيَّبْتَنا أخرجْتنا ونفسَك من الجنة، بماذا؟ بمعصيته بأكل الشجرة، فقال له آدم: أتلومُني على شيءٍ كتبه الله عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فحَجَّه آدم»[[أخرجه أحمد (٧٦٣٥) من حديث أبي هريرة.]] وفي رواية: «فحَجَّ آدمُ موسى»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٠٩)، ومسلم (٢٦٥٢) من حديث أبي هريرة. ]] ومعنى «حجَّه» » أي غلبه في الحجة، فاحتَجَّ آدم بالقدر الذي كُتِب عليه قبل أن يُخلَق وخُصِم موسى، هذا الحديث يحتَجُّ به من؟ أهل المعاصي على معاصيهم ويقولون: إنَّ آدم احتَجَّ بالقدر على موسى وحكَم النبي صلوات الله وسلامه عليه حكم لِمَن؟ لآدم وقال: إنه حجَّه فنحن نحتَجُّ بالقدر كما احتَجَّ أبونا، أجيب عن هذا بجوابين: الجواب الأول لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال: إنَّ آدم لم يحتَجَّ بالقدر على المعصية وإنما احتَجَّ بالقدر على الخروج مِن الجنة، أما المعصية فقد اعتذر منها آدم و ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف ٢٣] ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة ٣٧] أفهمتم؟ فآدم لا يمكن أن يحتَجَّ بالقدر على المعصية إطلاقًا، وهو أجلُّ قدْرًا مِن أن يحتَجَّ بالقدر على معصية الله، وإنما احتَجَّ بالقدر على إخراجِه من الجنة لا على سبب الإخراج، والاحتجاج بالقدَر على المصائِب أمرٌ جائِز وهو غايةُ التسليم لله عز وجل، أرأيتم قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «المؤمن القوي خيرٌ وأحَبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كُلٍّ خير، احرِصْ على ما ينفعُك واستعِن بالله ولا تعجَزْ وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلْتُ لكان كذا وكذا ولكن قل: قَدَرُ الله وما شَاء فعل»[[أخرجه مسلم (٢٦٦٤ / ٣٤) من حديث أبي هريرة.]] وهذا احتجاجٌ بالقدر لكن بعد الفعل أسباب، فالاحتجاج بالقدَر على المصائِب أمرٌ جائز، والإنسان عندما يصاب بالمصيبة ويقول: إنَّا لله وإنا إليه راجعون فهذا يعنِي التسليم للقدر -حطوا بالكم يا جماعة انتبهوا- إذًا احتجاجُ آدم بالقدَر على أيش؟ على المصيبة لا على المعصِية، هذا وجه، وجهٌ آخر: ما كان لموسى عليه الصلاة والسلام أن يلُومَ أباه على ذنبٍ تاب منه وحصَل له بعدَه أن اجتباه ربه وهداه، لا يمكن، أدنى واحد من الناس إذا أُصِيب أحدٌ بذنب ثم تاب فإنه لن يُوَجِّهَ اللوم إليه قال الله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ﴾ بعد هذا ﴿اجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ أي اصطفاه واختاره ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه ١٢١، ١٢٢] هذه المنزلة ما حصَّلَها قبل أن تحْصُل له المعصية، إذًا لا يمكن لموسى أن يلوم أباه على ذنب تاب منه وارتفع بعد التوبة منه منزِلَةً عند الله عز وجل هذا لا يمكن هذا لا يكون مِن أدنى واحد فضلًا عن رجلٍ من أولي العزم مِن الرسل، هذا جواب من؟ جواب شيخ الإسلام ابن تيمية وهو جواب جيد لا شَك، وذهب ابن القيم رحمه الله إلى جواب آخر وقال: إنَّ الاحتجاج بالقدر على المعصية بعد التوبة منها والإقلاع عنها مقبُولٌ لا لِرفْعِ اللَّوم واستباحة الاستمرار، فيقول الاحتجاج بالقدر نوعان: نوع: احتجاجٌ بالقدر بعد فوات الأوان مع الإقلاع عن المعصية وحُسْن الحال فهذا جائز، واحتجاجٌ بالقدر لدفع اللوم والاستمرار في المعصية فهذا أيش؟ ممنوع، عرفت؟ يعني إذا قدَّرْنا أنَّ احتجاج آدم عليه الصلاة والسلام بالقدَر على المعصية التي تاب منها وهداه الله واجتباه يكون جائز على هذا التقدير؛ لأنَّ آدم ما احتَجّ بذلك ليستمِرّ احتَجّ بذلك لأنه قد فات، ونظير هذا الآن فيما عندنا الآن لو أنَّ إنسان زنَا -والعياذ بالله- وهو رجل خير لكن غلبَتْه شهوتُه وزنا ثم تاب وقلنا له: يا فلان كيف يقع منك هذا الشيء؟ قال والله يا أخي هذا قضاء وقدَر وإلَّا فلستُ من أهل هذا الأمر لكن المقدَّر كائن. نقبَل منه ولَّا ما نقبل؟ نقبل منه، لكن لو كان يزني ويستمِر نقول: تب إلى الله قال والله هذا غصب. غصب سبحان الله غصب وأنت ممارس لهذا العمل ما هو غصْب، على كل حال يقول ابن القيم: الاحتجاج بالقدر بعد وقوعه تسليمًا للقدر وتفويضًا لأمر الله لا استمرارًا ولا دفعًا لِلَّوْم فهذا جائز، ثم استدل بقصة وقعت مِن علي بن أبي طالب وزوجه فاطمة رضي الله عنها حين دخل عليهما النبي ﷺ فقال لهما: «ألا تصليان؟» قال علي: يا رسول الله، أنفسنا بيد الله لو شاء لأقامَنا. احتَجّ بأيش؟ بالقدر فخرج النبي ﷺ أو تولى عنهما يضرب على فخذه ويقول: «وكان الإنسان أكثر شيء جدلًا»[[متفق عليه؛ البخاري (١١٢٧)، ومسلم (٧٧٥ / ٢٠٦). ]] فالرسول عليه الصلاة والسلام هل قبِلَ منهما؟ * طالب: لا، قبل. * الشيخ: انتبهوا إن قلتم قبِل على الإطلاق ما هو صحيح، وإن قلتم: قبِل الواقع لكنه كرِه الجدال فهذا هو الواقع؛ لأنه لو أراد الإنكار عليهما لقال غير ذلك لقال: لا حجة لكما في هذا لكنَّه جعلَ ذلك من باب الجدل الذي نهَى عنه فقد خرج يومًا من الأيام على أصحابه وهم يتجادَلُون في القدر فغضِب عليه الصلاة والسلام كأنما فُقِئَ في وجهِه حبُّ الرمان احمَرَّ وجهُه ونهى عن التنازع في القدر[[أخرجه ابن ماجه (٨٥) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. ]]، إذًا المخرج الثاني من قصة آدم مع موسى أيش هو؟ أنَّ آدم احتج بالقدر على أمر مضى وانقضى وتخلَّص منه ولكن قال هذا: أمر فرط مني ولكلٍّ منهما وجهة ولكنَّ الوجهة الأولى في ظنِّي أنها أقوى؛ لأنَّ موسى لا يمكن أن يلومَ أباه على أمرٍ تاب منه لكن الثانية لها وجهة نظر لا شك إنما لا نُنَزِّل قصة آدم وموسى عليها بل نقول: هي في سائر الناس الآن لو أنك لُمْتَ شخصًا على أمرٍ فعله من معصية الله ثم احتَجّ بالقدر بعد أن تاب فأنا أقبَل منه وهذا يقع كثيرًا، كثيرًا ما يفعل الإنسان الذنب ثم يتنَدَّم ندامةً عظيمة ثم يقول: قدَرُ الله وما شاء فعل كيف يقع مني هذا؟ كيف تغلبُني نفسي؟ وهذا أمرٌ لا بأس به، أطلنا في هذا عليكم لكن اعذرونا لأنا نرى أنه لا بد لطالب العلم أن يكونَ عنده كما يقولون خلفِيَّة وأنا أقول: ما هي خلفية أن يكونَ عنده عِلْمٌ بمثل هذه الأمور لِيُخَلِّص بها نفسَه من الشبهات التي يُورِدُها عليه الشيطان ولِيتخَلَّصَ بها من شبهاتٍ يورِدُها عليه أولياء الشيطان. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات عِلْمِ الله تعالى بكل ما يعمل هؤلاء لقوله: ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. * ومن فوائدها: تخصِيص الحكم بما فيه النزاع وإن كان عامًّا، يعني وإن كان الحكم عامًّا فلنا أن نُخَصِّص هذا الحكم في محَلِّ النزاع، من أين يؤخذ؟ مِن تقديم المعمول ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ لا نقول: هذا الحصر حقيقي إنَّه لا يعلم عز وجل إلَّا ما عمِلُوا بل يعلم كل شيء لكن لَمَّا كان الكلام في عملِهم جاءت الآية أو جاء الحكم بصيغة الحصر؛ مِن أجل شدة التحذير وأنّهم لن يفوتوا الله عز وجل، والله أعلم. * طالب: أحسن الله إليك، قلنا قصة علي رضي الله عنه وزوجته فاطمة مع النبي ﷺ، قلنا الرسول ﷺ قبِل الواقع لكن كره الجدل، ما فهمت جيدا .. * الشيخ: قَبِل الواقع وهو احتجاجُهم بالقَدَر، النائم في الحقيقة ما عليه لوم ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ [الأنعام ٦٠] من؟ الله فيقول: أنفسنا بأيدي الله لو شاء أن نقُوم لقُمْنا هذا واقع، أما الجدل فكونُه يجادِل النبي عليه الصلاة والسلام بالقدر هذا أمرٌ لا ينبغي، ولهذا تشعُر بأنه ما هو راض يضرب على فخِذِه ويقول: «وكان الإنسان أكثر شيء جدلًا»[[متفق عليه؛ البخاري (١١٢٧)، ومسلم (٧٧٥ / ٢٠٦). ]] والجدل قد يكون بحق ويُقْبَل حتى وإن كان فيه جدَل إذا كان بحق يُقبَل. * طالب: بارك الله فيكم يا شيخ أعطيتنا قاعدة وهي إذا وجدنا بدعة لا نقابلها ببدعة ونقابلها بالسنة، إن وجدنا ما يسمى الآن التمثيل وهو تمثيل ساقط، فإذا وجدنا الآن ما يُسمَّى بالتمثيل الساقط فالبعض دعَا إلى تمثيل هادف فهل هذا مقابلة بدعة بِبدعة؟ * الشيخ: مسألة التمثيل ما هو بدعة في حدِّ ذاته، التمثيل تقريبٌ للمعاني بصورتها الفعلية، وقد وردَ التَّمثيل في الحديث الصحيح في قصة المَلَك الذي جاء إلى الأبرَص والأقرع والأعمى بصورته التي عليها وقال: إنه مسكين وابن سبيل[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٦٤)، ومسلم (٢٩٦٤ / ١٠) من حديث أبي هريرة. ]]. وهو ليس مسكينًا ولا ابنَ سبِيل ولا أبرَص ولا أقرَع ولا أعمَى لكن هذا للتقريب، إنما المبالغة في التمثيل بحيث لا ندعُو الناس إلَّا به هذا هو الخطأ، فنقول: الدعوة إلى الله تعالى لها وسائِل كلّ ما يكون فيه تصوِير الواقع والتَّحْذِير منه بدون أن يشتَمِل على كذب أو محاكاة للبهائم أو ما أشبه ذلك أو محاكاة الرجل للمرأة وبالعكس فلا مانِعَ منه، فنحن لا نُنكِرُ التمثيل مطلقًا ولا نُحَبِّذُه ونُنْكِر أن يكونَ هو الوسيلة للدعوة إلى الله؛ لأنك إذا عوَّدت الناس على ألا تدعُوَهم إلى الله إلا بهذه الوسيلة نسُوا الأهَمّ وهو موعِظَةُ القرآن والسنة. * طالب: زادك الله ذكرت في قصة احتجَاج آدم على موسى وأنه قال: «كيف تلومني على شيءٍ قد كتبه الله عليَّ قبل أن أُخلق بأربعين سنة»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٠٩)، ومسلم (٢٦٥٢) من حديث أبي هريرة. ]] هل هذا يدل على أن آدم خُلِق قبل خلق القلم بأربعين سنة والمعلوم أن الله عز وجل.. * الشيخ: لا، يقول:« «كُتِب علي قبل أن أخلق» » مكتوبٌ قبْل خَلْق آدم. * طالب: يعني بأن القلم أول ما خلق الله القلم قال: اكتب مقادير .. * الشيخ: اصبر خليك معي الآن أنا أُصَحِّح سؤالَك: فهِمْت مِن كلامك أنَّ هذا يدل على أنَّ آدم خُلِق قبل أن يُكْتَبَ عليه؟ آدَم خُلِق بعد أن كُتِب عليه لكن بأربعين سنة فكيف نجمَع بين قوله «بأربعين سنة» » وبين أنَّ الله تعالى خلقَ القلم فقال له: اكتب قبل أن يخلُق السماوات بخمسين ألف سنة؟ يقال إذا صحَّت الكلمة هذه وكانت محفوظة فإنَّ هذه كتابَة أُخرى خاصَّة بآدم. * طالب: شيخ حفظك الله كيف نرُدّ على مَن قالوا أنَّ الظلم يمكن يُطلَق على الله تعالى مِن باب المقابلة قالوا أن رد الظالم على الظالم كمال واستدلوا ببيت الجاهلي: ألا لا يجهلن أحد علينا ∗∗∗ فنجهلَ فوق جهل الجاهلينا * الشيخ: أقول: هذا مِن العجب أين في القرآن والسنة أنَّ الله تعالى وصف نفسه بالظلم في مقابَلةِ الظالم؟ وين؟ * طالب: ما فيش * الشيخ: إذا كان ما فيه ليش يسمى الله بالظلم؟ وهو قد نفاه عن نفسه * طالب: هم قالوا أن الرد على الظالم كمال * الشيخ:لا أبدًا، الانتقام من الظالم كمال؛ لكن أن يُرَدَّ على الظالم بظُلْم لا، ولهذا لم يأتِ في القرآن والسنة: فلما ظلمونا ظلمناهم. بل قال: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل ١١٨] أما الاستهزاء فنعم، الخداع نعم، المكر، الكَيْد، هذا لا بأس، ذكَرَ الله تعالى هذه الأوصاف في مقابَلَة مَن عاملَه بمثلها (...). * * * * طالب: ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ [فصلت ٤١ - ٤٣] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ [فصلت ٤٠] ما معنى الإلحاد لغة؟ * طالب: الميل * الشيخ: الـمَيْل من أين اشْتُقّ؟ * طالب: من (أَلْحَدَ) يعني من ألحد ولحد * طالب آخر: اللحد الميل * الشيخ: نعم، من لَحْدِ القَبْر لِميلِه إلى جانبٍ منه، الإلحاد يكون في أسماء الله ويكون في آيات الله؟ * طالب: نعم يكون في آيات الله عز وجل، آياته الكونية وآياته الشرعية * الشيخ: يكون في أسماء الله ويكونُ في آيات الله، ما هو الدليل على كونه في أسماء لله؟ * الطالب: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف ١٨٠]. * الشيخ: وفي الآيات؟ * طالب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ * الشيخ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ بماذا يكون الإلحاد في أسماء الله؟ * طالب: يكون في أسماء الله (...) يصف الله أو يسمي الله بما لم يسم نفسه أو * الشيخ: القاعدة العامة فيها أو الضابط: الميل بها عما يجب، ثم فصل * الطالب: ثم ما يكون (...) بما لم يسم نفسه أو .. * الشيخ: أن يسمي الله بما لم يسم به نفسه مثاله؟ * طالب: أسماء الله ما قلناها، (...) الشرعية فقط * الشيخ: إذن الآيات الإلحاد في آيات الله؟ * طالب: (...) ثلاثة أقسام الآيات إما أن يكون آيات شرعية أو كلية والآيات الشرعية (...) ثلاثة أنواع في الآيات الكونية.. * الشيخ: الإلحاد في الآيات الكونية: * الطالب: أن ينسب إلى غير الله * الشيخ: أن تنسب إلى غير الله * الطالب: أو أن يعتقد الشريك بالله أو أن يتخذ معين لله * الشيخ: أحسنت، أن ينسبها إلى غير الله مثل؟ * طالب: مثل أن يقول: الذي أنزل المطر هو الولي الفلاني * الشيخ: نعم، أحسنت، يعني يعتقد أنَّ أحدا خلَق شيئًا منفَرِدًا به، المشاركة؟ * طالب: المشاركة: أن يدعي أنه معين لله إنه فيه أحد شاركه.. * الشيخ: كيف معين لله؟ احنا نقول: مشارك * طالب: مثلما يعتقد بعض الرافضة أنَّ هذا الكون أن لله فيه شريكا.. * الشيخ: أنَّ مع الله إلهًا يدَبِّر الكون يُدَبِّره مباشرة، الثالث؟ * طالب: الثالث أن يعتقدوا أن لله عز وجل معينا * الشيخ: معينًا يعني يكون الله منفرد بالخلق لكن فيه مَن يساعده؟ ولكن هذا المساعد ليس له شِرْكَة في الخلق وبهذا نعرِف الفرق بين الـمُعين والـمُشارك، ما هو الدليل على انتفاء هذه الأمور الثلاثة من القرآن؟ * طالب: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ ٢٢] * الشيخ: قوله تعالى * الطالب: قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ ٢٢] * الشيخ: أحسنت، الإلحاد في الآيات الشرعية؟ * طالب: إما بالتكذيب وإما بمخالفته وإما بالتحريف * الشيخ: نعم يكون بتكذِيبها وتحرِيفِها والثالث: مخالَفَتِها، أحسنت. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ نحن لم نتكَلَّم عن الإلحاد في الأسماء؛ لأنه ليس في الآية لكن إتمامًا للفائدة نقول: الإلحاد يكون في أسماء الله وهو المَيْل بها عمَّا يجب، وذلك أوَّلًا: أن يُسَمِّيَ اللهَ تعالى بما لم يُسَمِّ به نفسَه كتسمِيَةِ الفلاسِفَةِ له عِلَّةً فَاعلة يقولون: إنَّ الله هو العلةُ الفاعلة لهذا الكون، وتسمية النصارى إيَّاه أبًا يسمونه الأَب، الأب والابن والروح القدس، الثاني: أن يُنكِر شيئًا مِن الأسماء أو مما دَلَّت عليه وهذا عكْس الأول: الأول سمَّى الله بما لم يُسَمِّ به نفسه والثاني أنكَرَ ما سمَّى الله به نفسَه إما إنكارًا كلِّيًا وإما إنكارًا جزئِيَّا أو يُنكِر ما تضمَّنَتْه الأسماء من المعاني والصفات، ينكر الأسماء أو بعضها أو ما دلت عليه من المعاني والصفات، فمثلًا الذين يقولون: إنَّ الله سبحانه تعالى ليس له أسماء ولا صفات كغلاة المعتزلة والجهمية هؤلاء ملحِدُون، والذين يقولون: له أسماء لكن ليس لها معاني هؤلاء أيضًا ملْحدون كما هو المشهور من مذهب المعتزلة، والذين ينكِرُون بعضَ الصفات كالأشاعرة هم أيضًا ملحدُون فيقولون مثلًا: إنَّ الله لا يثبُت له من الصفات إلَّا سبع صفات زعَمُوا أنَّ العقل دلَّ عليها وأنَّ الباقي لا يدُلُّ عليه العقل، وقد تكلمنا على هذا كثيرًا ولا حاجة إلى إعادته، كم هذه من نوع؟ * طالب: نوعان * الشيخ: نوعان: الأول أيش؟ تسمية الله بما لم يسم به نفسه، والثاني عكس ذلك أنه ينكر الأسماء أو ما تضمنته من المعاني والصفات إما الجميع وإما البعض، الثالث: أن يشتَقَّ مِن أسمائه أسماءً للأصنام ومنه اشتقَاق اللات من الإله، والعُزَّى من العزيز ومَنَاة من الـمَنَان هذا أيضًا مِن الإلحاد في أسماء الله، كل الإلحاد هذا وغيرُه في أسماء الله قد توَعَّد الله مَن سَلَكَه في قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف ١٨٠] في قوله تعالى: ﴿لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ نوع من أنواع الصفات يعني العلماء يقولون: الصفات تنقسم إلى قسمين: فمِن أيِّ الأنواع قوله: ﴿لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾؟ * طالب: الصفات المنفية * الشيخ: أحسنت مِن الصفات المنفية بارك الله فيك، وسؤالنا الآن: هل الله عز وجل له أسماء منفِيَّة بمعنى أنها نفْيٌ محْض أو لا؟ * طالب: ما يوصف الله (...) محض * الشيخ: بنفْيٍ محْض؟ إذًا ما معنى النفي الذي يتَّصِفُ الله به أحيانًا؟ * الطالب: أن يكون فيه إثبات كمال * الشيخ: إثباتُ كمَال ضِدِّ المَنفِيّ طيب فمثلًا ﴿لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ فيها إثْبَات كمَال العلم، ما المراد بهذه الجملة ﴿لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾؟ * طالب: (...) * الشيخ: لا ما هو معناها، ما المراد بها يعني ما الغرض منها؟ * طالب: الإخبار بعلم الله سبحانه وتعالى * الشيخ: لا، ما هو هذا * طالب: التهديد * الشيخ: التَّهديد، المراد بها التهديد، في الآية الكريمة ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ قد يقول قائل: إنَّ هذا الاستفهام لا معنى له لأنَّ كُلَّ أحدٍ يعرِف أنَّ مَن يأتِي آمنًا يوم القيامة خيرٌ ممن يُلقَى في النار؟ * طالب: هو جواب لقولِه سبحانَه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ فأجاب سبحانه: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ﴾ * الشيخ: لا، ما أقصد ما مناسبة هذه لما قبلها هذا الذي ذكرت المناسبة، لكن أقول: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يسأل الله سبحانه وتعالى هل هذا خيْر أو لا، أقول: هذا كيف يسأل عنه وهو معلوم؟ * الطالب: استفهام إنكاري * الشيخ: المقصود استفهام إنكاري يعني فهو في الواقع خبَر، هذا وجه، وجهٌ طيب، أنَّ المقصود: لا يسْتَوي مَن يُلقَى في النار ومَن يأتي آمِنًا يوم القيامة فالاستفهام خبري، الوجه الثاني؟ * طالب: يا شيخ نقول أن مثل هذا التعبير يُراد به إفحَام الخصم * الشيخ: نعم، أن هذا التعبيرَ يُراد به إفحَام الخصم، هل له نظِير؟ * طالب: نعم، قوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل ٥٩] * الشيخ: نعم له نظير: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ معروف أنَّه لا مناسبة فضلًا عن المفاضلة بين الله عز وجل وبين آلهتهم لكن هذا مِن باب إفحام الخصم أي أن آلهتَهم ليس فيها خيْر وكذلك مَن يُلقَى في النار ليس فيه خير، ما هو الضمان للإتيان آمِنًا يوم القيامة؟ مَنِ الذي يأتي آمِنًا يوم القيامة؟ * طالب: ذكرَهم الله في كتابه. * الشيخ: من؟ * الطالب: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام ٨٢] * الشيخ: ذكرَهم الله في قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ * الشيخ: كَمِّل * الطالب: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ * الشيخ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام ٨٢] الأمْن في الدنيا والآخرة بارك الله فيك، وقفنا على هذا أظن؟

فصلت 41:41

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت ٤١، ٤٢] ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ هذه جملة مؤكدة بـ﴿إِنَّ﴾ والمراد ﴿بِالذِّكْرِ﴾ القرآن الكريم كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الأنبياء ٥٠] وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف ٤٤] وسُمِّيَ القرآنُ ذكرًا؛ لأنَّه يُذَكِّرُ صاحبَه بما للمتقين مِن خَيْر وما للطاغين مِن شَرّ، ولأنَّه ذِكْرٌ لصاحبه أي يرفع الله به ذِكْرَه ذِكْرَ مَن تَمَسَّك به ولهذا قال: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ ولأنه يُذَكِّرُ الإنسانَ بربِّه فإنَّ أقْرَبَ الناس أو مِن أقرَب النَّاس إلى الله مَن تلَا كتابَه، ولهذا نقول: إن تلاوةَ الكتاب أفضَلُ الذِّكْر المطلق وأمَّا الأذكار المعيّنَة المقَيَّدَة بشيء معَيَن فهذه تَبَعٌ لِمَا قُيِّدَتْ به. وقوله: ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ أي: حين جاءهم واعلم أنَّ ﴿لَمَّا﴾ تأتي في اللغة العربية لعدة أوجه منها: أن تكون ظرفًا كما في هذه الآية فمعنى ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ أي: حين جاءهم، ومنها أن تأتِيَ نافيَةً جازمة لكنَّها لتَوَقُّع ما بعدَها كقوله تبارك وتعالى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص ٨] ﴿لَمَّا﴾ هنا بمعنى (لم) فهي نافية لكنَّها لا تدخُل إلا على شيءٍ مُتَوَقَّع فمعنى ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ أي لم يذُوقوه ولكنَّهم مستحِقُّون له والعذاب منهم قرِيب، ومنها أنها تأتي بمعنى (إلا) كقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤] أي: إلَّا عليها حافظ، ومنها أنَّها تأتي شرطية كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [يوسف ٩٦] ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ﴾ هذه شرطية وتقول: لَمَّا زارَني أكرمْتُه، فهذه أربعة أوجه (لِمَا): الوجه الأول: ظرف، ثاني: نافية جازمة، الثالث: بمعنى (إلا) الرابع شرطية، ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ أي: حين جاءهم لم يذْكُرِ الله تعالى خبَر (إن) بل حذفَه مِن أجل أن تذْهَبَ النفسُ في تقديرِه كُلَّ مذهَب بمعنى: أن يبقى الإنسان ما الذي يحصُل لهم فتجِد الإنسان يُؤَمِّل ويفَكِّر كذا أو كذا أو كذا ولهذا قدَّره المفسر بقوله: (نجازيهم) فـ(نُجَازيهم) على تفسير المؤلف هي خبر (إن) ويجوز أن تُقدَّر غير هذا يمكن أن تقول: إنَّ الذين كفروا بالذكر لَمَّا جاءهم سوف يعاقبون أو لهم نار جهنم أو ما أشبه ذلك المهم أنَّ حذفَه من أجل أن يذهب الذهن أيش؟ كُلَّ مذهبٍ في تقدير الخبر، لكننا نعلم علم اليقين أنَّه لا يمكن أن يقَدَّرَ خبرًا سارًّا يعني لا يمكن أن نقول: التقدير: إنَّ الذين كفروا بالذكر لَمَّا جاءهم لهم جنات النعيم هذا مستحيل إنما هو يقدر في أيِّ شيءٍ تقَدِّرُه مِن العذاب، وهذه من بلاغة القرآن أن يجعَل الأمرَ مفتوحًا ليُقَدِّرَه الإنسان كلَّ تقدير، قال: (﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ مَنِيع) ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ﴾ أكَّد الله عز وجل عِزَّة هذا الكتاب بمؤَكِّدَين: (إن) واللام، ومحَطُّ الفائدة في الواقع ليس ﴿كِتَابٌ﴾ فقط محَطُّ الفائدة قوله: ﴿عَزِيزٌ﴾ هذا هو المهم أمَّا ﴿كِتَابٌ﴾ كل شيء كتاب كلُّ ما يُكتَب فهو كتاب، ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل ٢٩، ٣٠] لكن محَطُّ الفائدة قوله: ﴿عَزِيزٌ﴾، ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ﴾ الضمير في ﴿إِنَّهُ﴾ يعود إلى الذكر وهو القرآن، و﴿كِتَابٌ﴾ هنا بمعنى مكتوب، وهو مكْتُوبٌ في المصاحف، في اللوح المحفوظ، في الصُّحف التي بأيدي الملائكة أعرفتم؟ إذًا هو كتاب في ثلاث مواضع: في اللوح المحفوظ، والثاني: في الصحف التي بأيدي الملائكة، والثالث: في الصحف التي بأيدينا،وقوله: ﴿عَزِيزٌ﴾ قال المؤلف: (منيع) ولا شكَّ أنَّ (منيع) من معاني ﴿عَزِيزٌ﴾ ولكن هي أعمُّ مما قال المؤلف ﴿عَزِيزٌ﴾: بمعنى منيع أي يمتَنِع أن ينالَه أحد بسوءٍ إلا فضحه الله، الثاني: ﴿عَزِيزٌ﴾ بمعنى غالب فالقرآن لا شكَّ أنَّه غالبٌ على غيرِه؛ لقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة ٣٣] فهو غالبٌ لكل شيء، إذًا هو ممتَنِع أن ينالَه أحدٌ بسوءٍ إلا فَضَحَه الله، والثاني: أنَّه غالِب، ولهذا لَمَّا كانَت الأمةُ الإسلامية متمَسِّكَةً به كانَت غالبةً هدَّت عروش كسرى وقيصر وغيرِهما من الجبابرة، وفُتِحَ به مشارِق الأرض ومغاربها، فلما تولَّت عنه الأمة الإسلامية حُرِمت مِن هذا الخير العظيم الذي هو العزة والغلبة والقهر. ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت ٤٢] أي ليس قبلَه كتابٌ يكَذِّبُه ولا بعدَه ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ﴾ ﴿الْبَاطِلُ﴾ ضِدُّ الصحيح وضِدُّ الحق فعند الفقهاء يقولون: الصلاة باطلة. الصلاة صحيحة. فيجعلون البطلان في مقابل الصِّحَّة، وفي القرآن الكريم ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج ٦٢] فجعَل الباطل في مُقابَلَة الحق، إذًا ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ﴾ الذي هو ضِدّ الحقّ، وقوله: ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ فسرها المؤلف بتفسير غريب قال: (أي ليس قبله كتاب يكذبه ولا بعده) وفي هذا نظَرٌ ظاهر، والصواب أنه ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ أي فيما يُخبِرُ به، ولا من خلفِه فيما أخبرَ عنه، كلُّ ما أخبر به فهو حق وكل ما أخبر عنه بأنه سيكون فهو حقّ، أيضًا ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ﴾ من حيث الأحكام كلُّ ما حكمَ به فهو حَقّ وغايته حق، فيكون المعنى أنَّ هذا القرآن الكريم ليس فيه شيءٌ من الكذب لا في الإِخبار عما مضى وهو ما ﴿بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ ولا في الإخبار عما يُستَقْبل وهو قوله: ﴿وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ وإن شئتَ اعْكِس فقل: ما بين يديه هو المستقبل وما خلفه هو الماضي، كذلك أيضًا لا يأتيه الباطل من حيث الأحكام أحكامُه كلُّها عدْل ما فيها جور، ولهذا تجِد القرآن الكريم كما يعطِي الربَّ حقَّه مِن العبادة يعطي المخلوق حقَّه أيضًا ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ هذا حقُّ الله، بعدَه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء ٣٦] فهو حقٌّ في أحكامه حقٌّ في أخباره ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت ٤٢] واقْرَؤُوا إن شئتم قولَ الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]: ﴿صِدْقًا﴾ باعتبار الأخبار ﴿عَدْلًا﴾ باعتبار الأحكام. ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ﴿تَنْزِيلٌ﴾ هذه خبر مبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون خبر ثاني لقوله: ﴿وَإِنَّهُ﴾ ثاني ولَّا ثالث؟ ثالث ﴿لَكِتَابٌ﴾ ﴿عَزِيزٌ﴾ صفة لـ﴿كِتَابٌ﴾ ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ هذه يجوز أن تكون صفةً لـ﴿كِتَابٌ﴾ أيضًا وعلى هذا فيكون ﴿تَنْزِيلٌ﴾ خبرًا ثانيًا، ويجوز أن تكون خبرًا ثانيا أي: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ﴾ خبرًا ثانيا لـ(إنَّ) وعلى هذا فتكون ﴿تَنْزِيلٌ﴾ أيش؟ خبرًا ثالثًا، ويجوز أن تكون ﴿تَنْزِيلٌ﴾ خبرا لمبتدأٍ محذوف والتقدير: هو ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ولعلَّ هذا التقدير أولى؛ لأنَّه يدُلُّ على أنَّ الجملة استئنافية لبيان عظَمَةِ هذا القرآن، قال: ﴿تَنْزِيلٌ﴾ أي مُنَزَّلٌ من حكيم حميد، فإذا فسَّرْنا ﴿تَنْزِيلٌ﴾ بأنه منَزَّل صار المصدر بمعنى أيش؟ إذا فسَّرْنا ﴿تَنْزِيلٌ﴾ بـ(مُنَزَّل) صار المصدر هنا؟ بمعنى اسم المفعول، والمصدر يأتي بمعنى اسم المفعول وبمعنى اسم الفاعل والذي يُعيِّنُ ذلك هو السياق. ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ﴿حَكِيمٍ﴾ أي ذي حِكْمَة وذي حُكْم فالحكم لله والحكمة في أحكامِه عز وجل فالربُّ عز وجل مُتَّصِف بالحكم الذي لا مُعقِّبَ له بالحكمِ النافذ الذي لا مانِع له وفي الدعاء المأثور «لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعْت»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣ / ١٣٨) من حديث المغيرة بن شعبة.]] أيضًا هو مُتَّصِف بالحكمة كلُّ أحكامه حكمة، إن نظرتَ إلى الأحكام القدرية وجدتها في غاية الحكمة، وإن نظرتَ في الأحكام الشرعية وجدتها كذلك في غاية الحكمة فهو عز وجل حاكِم وذو حِكْمة كم مِن حاكم لا حكمَةَ له؟ وكم مِن حكيمٍ لا حُكْم له؟ كثيرٌ مِن الرجال حكماء عقلاء ولكن ليس عندهم حكم، لا يستطيع أن يحكُم ولا على امرأتِه، وكم مِن إنسان حاكِم ذو سُلطة قوي ولكن ليس عنده حكمة؟ أمَّا الرب عز وجل فهو أيش؟ حاكم حكيمٌ، وبدأ بذكر الحكيم قبل الحميد؛ لأنَّ الحمدَ مُفَرَّع على الحكمة فإنَّ الحكيم يكون محمودًا قال المؤلف: (أي الله المحمود) يعني كأنه يقول: المراد بالحكيم الحَمِيد هو الله وقوله: (المحمود) أشار إلى أنَّ فعيلًا هنا بمعنى مفعول، في اللغة العربية تأتي فَعِيل بمعنى فاعِل وفَعِيل بمعنى مفعول فإذا قلت: فلان جرِيح. بمعنى مجروح، وإذا قلت: فلان سميع. بمعنى سامع، فهي في اللغة العربية تأتي بمعنى فاعل وبمعنى مفعول، هنا فسَّرَها المؤلف بمعنى محمُود؛ لكن هل هذا التفسير قاصر؟ الجواب: نعم فيه قصور؛ لأنَّ حميدًا هنا بمعنى فاعل وبمعنى مفعول فهو محمود وهو أيضًا حامِد، أليس الله تعالى يُثنِي كثيرًا على المؤمنين وعلى الرُّسل وعلى مَن شاء من عباده؟ هذا حمْد، يعني وصْف هؤلاء المخلوقين الذين أثنَى الله عليهم هو حمدُهم في الواقع، إذًا فيكون ﴿حَمِيدٍ﴾؟ * طالب: بمعنى فاعل ومفعول * الشيخ: بمعنى فاعل ومفعول: بمعنى مفعول أي: أنه محمود وبمعنى فاعل أي: أنه حامد، والمؤلف رحمه الله في تفسيرِه قصُور. ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ * في هذه الآية الكريمة: تهديد المكذبين بالقرآن لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾ وحذَفَ الخبر؛ ليذهَبَ الذهنُ في تقديرِه كُلَّ مذهَب طيب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ هذا القرآن ذِكْرٌ، سماه الله ذكرًا؛ لِمَا ذكرناه في التفسير. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ هؤلاء كذَّبُوا بالذكر بعد أن جاءَهم وتحقَّقُوه وعرفوه ومعلوم أنَّ المكَذِّبَ بالشيء بعد أن يتحَقَّق لديه أشَدُّ إثمًا ووبالًا ممن كذَّب في أمرٍ مشْتَبِهٍ عنده، يُؤخذ هذا مِن قوله: ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ هذا القرآن عزيز غالب لا أحدَ يناله بسوءٍ إلا فضحه الله ولا أحد يقوم أمامه إلا كان مهزومًا مغلوبًا، ووصَفَ اللهُ تعالى القرآن بأنَّه عزيز وبأنه مجيد وبأنه كريم وبأوصاف متعددة مما يدل على عظَمَةِ هذا القرآن. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ مَن تمسَّكَ بالقرآن فله العزة، وجهُه: أنَّه إذا كان القرآن عزيزًا فلا بد أن ينَال العزةَ مَن تمسك به وإلا لكان القرآن غيرَ عزيز ويدُلُّ لهذا قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون ٨]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ القرآن الكريم حقّ منتفٍ عنه الباطل مِن كلِّ وجه لقوله: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ هذه الصفة للقرآن هل هي مِن صفات النفي أو من صفات الإثبات؟ * طلبة: النفي * الشيخ: أي نعم النفي، إذًا ما الذي تضمَّنَتْه مِن الإثبات؟ نقول: إذا انتفَى الباطل عنه مِن كلِّ وجه من بين يديه ومن خلفه لَزِم مِن ذلك أن يكون حقًّا أيش؟ مِن كل وجْه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ القرآن كلامُ الله يؤخذ من قوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ وجهُ كونِه كلامَ الله أنَّ القرآن صفة ليس عينًا مستقِلَّة منفصِلَة فإذا كان صفة وذكَرَ الله أنه نزَلَ منه لزِمَ أن يكون كلامَه، أما لو كان الشيء الذي ذكر اللهُ أنَّه أنزَلَه شيئًا مُعَيّنًا منفَصِل عن الله فهذا لا يدُلّ على أنَّه مِن صفاتِ الله ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [البقرة ٢٢] هذا الماء مخلوق ولَّا من صفات الله؟ * طلبة: مخلوق * الشيخ: مخلوق ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر ٦] مخلوق؛ لأنه شيء منفصل عن الله ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد ٢٥] مخلوق، لكن إذا جاء التنزيل أو الإنزال في أمْرٍ هو صِفَة فإنه لا يمكن أن يكون مخلوقًا بائن عن الله بل هو صفةٌ مِن صفات الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثباتُ عُلُوِّ الله وجْهُ ذلك أنه قال: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ﴾ وإذا كان تنزيلًا منه لزِم أن يكون فوق عزَّ وجل وهو كذلك، وقد ذكرنا كثيرًا وذكرَ غيرُنا أيضا أنَّ عُلُوَّ الله تعالى ثابتٌ بالأدلة كلِّها وهي: الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفِطْرة كلُّها متَّفِقَة على عُلُوِّ الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثباتُ هذين الاسمين لله عز وجل وهما: (الحكيم) و(الحميد) وإثبات ما تضَمَّنَاه من المعاني والصفات، (الحكيم) تضَمَّن صفَتَيْن عظيمتين؟ (الحكيم) تضَمَّنَ صِفتَين عظِيمَتَيْن هما؟ * طالب: حكيم حاكم * الشيخ: يعني حكيم من الحكمة، وحكِيم من الحُكْم فهو حاكمٌ ذو حكمة، ذكرنا في التفسير أنّ مِن الناس مَن هو حكيمٌ وليس بحاكِم، ومِن الناس مَن هو حاكم وليس بحكيم، ومِن الناس مَن ليس بحاكم ولا حكيم، ومِن الناس مَن هو حاكمٌ حكيم فالأقسام إذًا أربعة. * من فوائد الآية الكريمة أيضًا: أنه لا يجوز لأحد أن يُشَرِّعَ شرعًا مِن عنده، مِن أين تأْخُذ هذا؟ * طالب: قوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ﴾ * الشيخ: خطأ * الطالب: ﴿حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾؟ * الشيخ: لا، ما هي تقرأ الآية كلها ما يصلح * طالب: بقوله: ﴿حَكِيمٍ﴾ * الشيخ: بأي المعنيين مِن حاكم ولَّا حكمة؟ * الطالب: مِن حاكم. * الشيخ: من حاكم أحسنت، لأنَّ مِن الحُكم الحكم بين الناس، الحكم إما أن يكون حكمًا في الناس وإمَّا أن يكون حكمًا بين الناس، فلا يجوز لأحد أن يحكمَ بين الناس إلَّا بما أنزل الله؛ لأن الحكم لله عز وجل ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام ٥٧] واضح؟ ولكن الحكم لله هل لنا أن نتجاوَزَ حدَّ الله عز وجل في الحكم على أحدٍ بالفسق أو البدعة أو الكفر أو الإيمان وصحة العقيدة إلَّا بدليل من الشرع؟ لا يجوز لنا إلَّا بدليلٍ من الشرع، يعني ليس لنا أن نقول: هذا كافر هذا فاسق هذا مبتدع هذا مؤمن هذا سليمُ العقيدة إلا إذا عرَضْنا ما عليه على الكتاب والسنة، وإلا فلو ﴿اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون ٧١] * من فوائد الآية الكريمة: أنَّ الله تعالى محمود، محمود بناءً على أيش؟ * طالب: على إنه فاعل * الشيخ: خطأ، (...) * طالب: واضح يا شيخ * الشيخ: واضح (...) سبق لسان، إذًا على أنَّ ﴿حَمِيدٍ﴾ من اسم مفعول. هنا نسأل هل الله عز وجل يُحمَد على كل حال؟ على السراء واضِح أنَّه يُحمَد على السراء؛ لأنَه أحسن إليك ورأَف بك لكن على الضراء كيف يُحمَد؟ * طالب: يحمد على ما يترتب عليه لأنه (...). * الشيخ: أولًا: نحمَدُه لأن نعلم أنه ما قدَّر هذا إلا لحكمة لا شك. ثانيًا: أن ما يترتَّب على هذه الضراء من المصالح العظيمة يقتضي أن يُحمَد الله عليه أليس كذلك؟ الإنسان إذا أصابته الشوكة وتألَّم بها ماذا يحصل له؟ يُحَطُّ عنه من خطيئته، خطيئتُه مُثقِلَة عظيمة مُخزِيَة في الآخرة والشوكة ليست مؤلِمَةً إلى ذاك وليست ظاهرة للناس ومع ذلك يُكفَّر بها مِن سيئاته، ولهذا قيل لبعض العابدات لما أُصِيب أَصْبُعُها ولم تتألم ولم تتأثَّر ولم تحزن قالت: إن حلاوةَ أجرها أنستْنِي مرارةَ صبرِها، كلمة عجيبة الصوفية لهم كلماتٌ عجيبة في العبادة والأخذ باللب، إنَّ حلاوةَ أجرِها أنستْنِي مرارَةَ صبرِها؛ لأنَّ الأجر أعظَم من المصيبة فإذًا حتى ما يُصيب الإنسان مِن الضَّرَر فإنَّ الله تعالى محمود عليه لأنه لِحكمَة لا شك والإنسان عبدُ الله عز وجل يفعَل به ما شاء ولأنَّ العاقبة حمِيدة، هل يُحمَد الله تعالى على وُجُود الكافرين؟ * طالب: لا ما يحمد * الشيخ: ما يُحمَد؟ أعوذ بالله يا شيخ لا حول ولا قوة إلا بالله، استغفِرِ الله، أيش؟ فَكِّر. * طالب: نعم يا شيخ يحمد ذلك لأنه شرعَ لنا جهادَهم والشهادة في سبيله فندخل الجنة إن مات به * الشيخ: إي هو لولا وجود الكافر فهل يُعرَف المؤمن؟ وهل الإنسان يعرِف قدرَ نعمة الله عليه إذا لم يكن هناك كافر؟ ما يعرف قدرَ نعمة الله، وهل يُقام علمُ الجهاد؟ وهل يبقى للنار أحد؟ لا بد، لكن هنا مسألة كان النبي ﷺ إذا أصابَه يعني شيئًا يسوئُه لا يقول: الحمد لله على الضراء مثلا أو على كذا يقول: «الحمد لله على كل حال»[[أخرجه ابن ماجه (٣٨٠٣) من حديث عائشة. ]] وهذه المسألة ينبغي أن تنتَبِه لها أنت إذا أصابتك السراء تقول: الحمد لله الذي بنعمتِه تتم الصالحات، إذا أصابتك الضراء: تقول الحمد لله على كل حال، وبهذا نعرف خطأَ مَن يقول: الحمد لله الذي لا يُحمَد على مكروه سواه. هذا غلط؛ لأنَّ هذه العبارة تُنبِئ عن تَأَزُّم نفسي وعن كراهة لِمَا قدَّر الله عز وجل على الإنسان ثم إن فيها تضَادّ: مكروه وحمد، هذا غير مستقيم، ثم إنَّ فيها أيضًا مخالفة لسنة الرسول عليه الصلاة والسلام كان الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «الحمدُ لله على كل حال»[[أخرجه ابن ماجه (٣٨٠٣) من حديث عائشة. ]] ولا يذكر المكروه ولا يُشعِر بأنه متَأَذٍّ منه، «الحمدُ لله على كل حال» فأنت إذا أُصبْت بسراء فقل: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإن شئت فعَيِّن: الحمد لله الذي رزقني ولدًا الحمد لله الذي رزقني نجاحًا الحمد لله الذي رزقني مالا وما أشبه ذلك لأن هذا خير والثناء عليه واضح، لكن الأمور المكروهة تقول: الحمد لله الذي أمرضني؟ لا، ماذا تقول؟ الحمد لله على كل حال، الحمد لله الذي أصابني بمصيبة بفقد أبي أو أخي أو عمي؟ لا، تقول: الحمد لله على كل حال، وإن شئت فقل: الحمد لله على ما قدَّر، لأن هذه بمعنى على كل حال. * من فوائد الآية الكريمة: أنَّ الربّ عز وجل كامِلُ العدل بحيث يَحْمَد مَن يستَحِقُّ الحمد كما أنه يُحْمَد لأنَّه أهلٌ للحمد، بناء على أيش؟ على أنَّ ﴿حَمِيدٍ﴾ بمعنى حامِد. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ جميعَ ما في القرآن مطابِقٌ للحكمة تمامًا مِن تحليلٍ أو تحريمٍ أو إيجابٍ أو إطلاق ليش؟ وجهُه لأنَّه نزَلَ ﴿مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ والنازل من حكيم لابد أن يكون مشتمِلًا على الحكمة والله الموفق. * طالب: قوله: ﴿حَكِيمٍ﴾ ما نأخذ صفة ثالثة وهي الإحكام؟ * الشيخ: لا، الإحكام هو الحكمة، الحكمَة إحْكَام. * طالب: الشيء الـمُنَزَّل إذا كان عينًا قائمة بنفسها كالحديد والأنعام هل التنزيل هنا بمعنى الخَلْق؟ * الشيخ: هي بمعنى الخلق بل هي أدَق من الخلق؛ لأنَّ هذه الأشياء لولا أن الله سخَّرَها ما استطعْنا أن نُسَيْطَر عليها فهذه يدل على نوع من التسخير: أنزلَها من علياء إلى أسفل حتى تكون مسَخَّرَة للخلق. * طالب: الهادي من أسماء الله؟ * الشيخ: على تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد ٧] إذا فسَّرَنا أن المعنى الله صح. * طالب: قولنا: الحمد لله الذي أصابني بهذه المصيبة هذا لا شك أنه عبارة خاطئة هل مثل هذا عند الله سبحانه وتعالى خالق الشر ومع ذلك لا ينسب الشر إلى الله سبحانه وتعالى لقول النبي ﷺ «الشر ليس إليك»[[أخرجه مسلم (٧٧١ / ٢٠١) من حديث علي بن أبي طالب.]] * الشيخ: أي نعم، الله عز وجل خالق كل شيء ولهذا جاء في الحديث «تؤمن بالقدر خيرِه وشرِّه»[[أخرجه مسلم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب.]] لكن لا تنْسِب الشرَّ إلى الله لأن الله لم يقَدِّر هذا الشر إلا لخير، فالشرُّ إذًا في مفعوله لا في فعلِه صح؟ أنت فاهم هذا ولَّا لا؟ فاهم الفرق بين أقول: الشر في مفعوله لا في فعله، فاهمين هذا؟ مثلًا إذا قدَّر الله عز وجل على الناس مرضًا الشَّرّ في نفس المرض لكن في كون الله قدَّره لا شَر هو خير؛ لأنه مِن أكبر ما يكون مِن مصالح الأمراض مثلًا تكفير السيئات، ومنها أنَّ الناس يرجعون إلى الله عز وجل: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم ٤١] ومنها أنَّ الإنسان يعرِف قدْرَ نعمة الله عليه بالعافية الإنسان مثلًا نحن الآن لا نعرف يعني لا نعرف قدْر النعمة التي أنعم الله بها علينا في النَّفَس والحركة وما أشبه ذلك لكن لو يُصاب الإنسان منا بضِيق نفس عرَف قدْر نعمة الله بالنفس، لو يصاب الإنسان منا بتعب في أعضائه يتكَلَّف مِن الحركة عرف قدْر نعمة الله عليه، فهمت؟ ولهذا قيل: ...................... ∗∗∗ وَبِضِدِّهَا تَتَبَيَّنُ الْأَشْيَاءُ * طالب: لو سمحت يا شيخ بارك الله فيك دعاء النبي ﷺ: «إلى مَن تكِلني إلى بعيد يتجهمني أم إلى قريب ملكته أمري»[[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٣ / ٧٣ رقم ١٨١) من حديث عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.]] هل ثبت عن النبي ﷺ؟ * الشيخ: ما أدري والله، ما أعرِف هذا. * طالب: ما مدى صحة تسمية الله تعالى الطبيب والنظيف * الشيخ: هذا ورد عن أبي بكر أنه قال: إنَّ الطبيب رآني فقال إني أفعَل ما أريد. وهذا لا بأسَ به في مقام الخبَر * الطالب: لكن على سبيل التسمية؟ * الشيخ: لكن التسمية لا * الطالب: والنَّظِيف يا شيخ؟ * الشيخ: النَّظيف ورد حديث أيضًا في هذا (...).

فصلت 41:42

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت ٤١، ٤٢] ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ هذه جملة مؤكدة بـ﴿إِنَّ﴾ والمراد ﴿بِالذِّكْرِ﴾ القرآن الكريم كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الأنبياء ٥٠] وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف ٤٤] وسُمِّيَ القرآنُ ذكرًا؛ لأنَّه يُذَكِّرُ صاحبَه بما للمتقين مِن خَيْر وما للطاغين مِن شَرّ، ولأنَّه ذِكْرٌ لصاحبه أي يرفع الله به ذِكْرَه ذِكْرَ مَن تَمَسَّك به ولهذا قال: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ ولأنه يُذَكِّرُ الإنسانَ بربِّه فإنَّ أقْرَبَ الناس أو مِن أقرَب النَّاس إلى الله مَن تلَا كتابَه، ولهذا نقول: إن تلاوةَ الكتاب أفضَلُ الذِّكْر المطلق وأمَّا الأذكار المعيّنَة المقَيَّدَة بشيء معَيَن فهذه تَبَعٌ لِمَا قُيِّدَتْ به. وقوله: ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ أي: حين جاءهم واعلم أنَّ ﴿لَمَّا﴾ تأتي في اللغة العربية لعدة أوجه منها: أن تكون ظرفًا كما في هذه الآية فمعنى ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ أي: حين جاءهم، ومنها أن تأتِيَ نافيَةً جازمة لكنَّها لتَوَقُّع ما بعدَها كقوله تبارك وتعالى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص ٨] ﴿لَمَّا﴾ هنا بمعنى (لم) فهي نافية لكنَّها لا تدخُل إلا على شيءٍ مُتَوَقَّع فمعنى ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ أي لم يذُوقوه ولكنَّهم مستحِقُّون له والعذاب منهم قرِيب، ومنها أنها تأتي بمعنى (إلا) كقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤] أي: إلَّا عليها حافظ، ومنها أنَّها تأتي شرطية كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [يوسف ٩٦] ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ﴾ هذه شرطية وتقول: لَمَّا زارَني أكرمْتُه، فهذه أربعة أوجه (لِمَا): الوجه الأول: ظرف، ثاني: نافية جازمة، الثالث: بمعنى (إلا) الرابع شرطية، ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ أي: حين جاءهم لم يذْكُرِ الله تعالى خبَر (إن) بل حذفَه مِن أجل أن تذْهَبَ النفسُ في تقديرِه كُلَّ مذهَب بمعنى: أن يبقى الإنسان ما الذي يحصُل لهم فتجِد الإنسان يُؤَمِّل ويفَكِّر كذا أو كذا أو كذا ولهذا قدَّره المفسر بقوله: (نجازيهم) فـ(نُجَازيهم) على تفسير المؤلف هي خبر (إن) ويجوز أن تُقدَّر غير هذا يمكن أن تقول: إنَّ الذين كفروا بالذكر لَمَّا جاءهم سوف يعاقبون أو لهم نار جهنم أو ما أشبه ذلك المهم أنَّ حذفَه من أجل أن يذهب الذهن أيش؟ كُلَّ مذهبٍ في تقدير الخبر، لكننا نعلم علم اليقين أنَّه لا يمكن أن يقَدَّرَ خبرًا سارًّا يعني لا يمكن أن نقول: التقدير: إنَّ الذين كفروا بالذكر لَمَّا جاءهم لهم جنات النعيم هذا مستحيل إنما هو يقدر في أيِّ شيءٍ تقَدِّرُه مِن العذاب، وهذه من بلاغة القرآن أن يجعَل الأمرَ مفتوحًا ليُقَدِّرَه الإنسان كلَّ تقدير، قال: (﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ مَنِيع) ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ﴾ أكَّد الله عز وجل عِزَّة هذا الكتاب بمؤَكِّدَين: (إن) واللام، ومحَطُّ الفائدة في الواقع ليس ﴿كِتَابٌ﴾ فقط محَطُّ الفائدة قوله: ﴿عَزِيزٌ﴾ هذا هو المهم أمَّا ﴿كِتَابٌ﴾ كل شيء كتاب كلُّ ما يُكتَب فهو كتاب، ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل ٢٩، ٣٠] لكن محَطُّ الفائدة قوله: ﴿عَزِيزٌ﴾، ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ﴾ الضمير في ﴿إِنَّهُ﴾ يعود إلى الذكر وهو القرآن، و﴿كِتَابٌ﴾ هنا بمعنى مكتوب، وهو مكْتُوبٌ في المصاحف، في اللوح المحفوظ، في الصُّحف التي بأيدي الملائكة أعرفتم؟ إذًا هو كتاب في ثلاث مواضع: في اللوح المحفوظ، والثاني: في الصحف التي بأيدي الملائكة، والثالث: في الصحف التي بأيدينا،وقوله: ﴿عَزِيزٌ﴾ قال المؤلف: (منيع) ولا شكَّ أنَّ (منيع) من معاني ﴿عَزِيزٌ﴾ ولكن هي أعمُّ مما قال المؤلف ﴿عَزِيزٌ﴾: بمعنى منيع أي يمتَنِع أن ينالَه أحد بسوءٍ إلا فضحه الله، الثاني: ﴿عَزِيزٌ﴾ بمعنى غالب فالقرآن لا شكَّ أنَّه غالبٌ على غيرِه؛ لقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة ٣٣] فهو غالبٌ لكل شيء، إذًا هو ممتَنِع أن ينالَه أحدٌ بسوءٍ إلا فَضَحَه الله، والثاني: أنَّه غالِب، ولهذا لَمَّا كانَت الأمةُ الإسلامية متمَسِّكَةً به كانَت غالبةً هدَّت عروش كسرى وقيصر وغيرِهما من الجبابرة، وفُتِحَ به مشارِق الأرض ومغاربها، فلما تولَّت عنه الأمة الإسلامية حُرِمت مِن هذا الخير العظيم الذي هو العزة والغلبة والقهر. ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت ٤٢] أي ليس قبلَه كتابٌ يكَذِّبُه ولا بعدَه ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ﴾ ﴿الْبَاطِلُ﴾ ضِدُّ الصحيح وضِدُّ الحق فعند الفقهاء يقولون: الصلاة باطلة. الصلاة صحيحة. فيجعلون البطلان في مقابل الصِّحَّة، وفي القرآن الكريم ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج ٦٢] فجعَل الباطل في مُقابَلَة الحق، إذًا ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ﴾ الذي هو ضِدّ الحقّ، وقوله: ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ فسرها المؤلف بتفسير غريب قال: (أي ليس قبله كتاب يكذبه ولا بعده) وفي هذا نظَرٌ ظاهر، والصواب أنه ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ أي فيما يُخبِرُ به، ولا من خلفِه فيما أخبرَ عنه، كلُّ ما أخبر به فهو حق وكل ما أخبر عنه بأنه سيكون فهو حقّ، أيضًا ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ﴾ من حيث الأحكام كلُّ ما حكمَ به فهو حَقّ وغايته حق، فيكون المعنى أنَّ هذا القرآن الكريم ليس فيه شيءٌ من الكذب لا في الإِخبار عما مضى وهو ما ﴿بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ ولا في الإخبار عما يُستَقْبل وهو قوله: ﴿وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ وإن شئتَ اعْكِس فقل: ما بين يديه هو المستقبل وما خلفه هو الماضي، كذلك أيضًا لا يأتيه الباطل من حيث الأحكام أحكامُه كلُّها عدْل ما فيها جور، ولهذا تجِد القرآن الكريم كما يعطِي الربَّ حقَّه مِن العبادة يعطي المخلوق حقَّه أيضًا ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ هذا حقُّ الله، بعدَه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء ٣٦] فهو حقٌّ في أحكامه حقٌّ في أخباره ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت ٤٢] واقْرَؤُوا إن شئتم قولَ الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]: ﴿صِدْقًا﴾ باعتبار الأخبار ﴿عَدْلًا﴾ باعتبار الأحكام. ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ﴿تَنْزِيلٌ﴾ هذه خبر مبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون خبر ثاني لقوله: ﴿وَإِنَّهُ﴾ ثاني ولَّا ثالث؟ ثالث ﴿لَكِتَابٌ﴾ ﴿عَزِيزٌ﴾ صفة لـ﴿كِتَابٌ﴾ ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ هذه يجوز أن تكون صفةً لـ﴿كِتَابٌ﴾ أيضًا وعلى هذا فيكون ﴿تَنْزِيلٌ﴾ خبرًا ثانيًا، ويجوز أن تكون خبرًا ثانيا أي: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ﴾ خبرًا ثانيا لـ(إنَّ) وعلى هذا فتكون ﴿تَنْزِيلٌ﴾ أيش؟ خبرًا ثالثًا، ويجوز أن تكون ﴿تَنْزِيلٌ﴾ خبرا لمبتدأٍ محذوف والتقدير: هو ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ولعلَّ هذا التقدير أولى؛ لأنَّه يدُلُّ على أنَّ الجملة استئنافية لبيان عظَمَةِ هذا القرآن، قال: ﴿تَنْزِيلٌ﴾ أي مُنَزَّلٌ من حكيم حميد، فإذا فسَّرْنا ﴿تَنْزِيلٌ﴾ بأنه منَزَّل صار المصدر بمعنى أيش؟ إذا فسَّرْنا ﴿تَنْزِيلٌ﴾ بـ(مُنَزَّل) صار المصدر هنا؟ بمعنى اسم المفعول، والمصدر يأتي بمعنى اسم المفعول وبمعنى اسم الفاعل والذي يُعيِّنُ ذلك هو السياق. ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ﴿حَكِيمٍ﴾ أي ذي حِكْمَة وذي حُكْم فالحكم لله والحكمة في أحكامِه عز وجل فالربُّ عز وجل مُتَّصِف بالحكم الذي لا مُعقِّبَ له بالحكمِ النافذ الذي لا مانِع له وفي الدعاء المأثور «لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعْت»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣ / ١٣٨) من حديث المغيرة بن شعبة.]] أيضًا هو مُتَّصِف بالحكمة كلُّ أحكامه حكمة، إن نظرتَ إلى الأحكام القدرية وجدتها في غاية الحكمة، وإن نظرتَ في الأحكام الشرعية وجدتها كذلك في غاية الحكمة فهو عز وجل حاكِم وذو حِكْمة كم مِن حاكم لا حكمَةَ له؟ وكم مِن حكيمٍ لا حُكْم له؟ كثيرٌ مِن الرجال حكماء عقلاء ولكن ليس عندهم حكم، لا يستطيع أن يحكُم ولا على امرأتِه، وكم مِن إنسان حاكِم ذو سُلطة قوي ولكن ليس عنده حكمة؟ أمَّا الرب عز وجل فهو أيش؟ حاكم حكيمٌ، وبدأ بذكر الحكيم قبل الحميد؛ لأنَّ الحمدَ مُفَرَّع على الحكمة فإنَّ الحكيم يكون محمودًا قال المؤلف: (أي الله المحمود) يعني كأنه يقول: المراد بالحكيم الحَمِيد هو الله وقوله: (المحمود) أشار إلى أنَّ فعيلًا هنا بمعنى مفعول، في اللغة العربية تأتي فَعِيل بمعنى فاعِل وفَعِيل بمعنى مفعول فإذا قلت: فلان جرِيح. بمعنى مجروح، وإذا قلت: فلان سميع. بمعنى سامع، فهي في اللغة العربية تأتي بمعنى فاعل وبمعنى مفعول، هنا فسَّرَها المؤلف بمعنى محمُود؛ لكن هل هذا التفسير قاصر؟ الجواب: نعم فيه قصور؛ لأنَّ حميدًا هنا بمعنى فاعل وبمعنى مفعول فهو محمود وهو أيضًا حامِد، أليس الله تعالى يُثنِي كثيرًا على المؤمنين وعلى الرُّسل وعلى مَن شاء من عباده؟ هذا حمْد، يعني وصْف هؤلاء المخلوقين الذين أثنَى الله عليهم هو حمدُهم في الواقع، إذًا فيكون ﴿حَمِيدٍ﴾؟ * طالب: بمعنى فاعل ومفعول * الشيخ: بمعنى فاعل ومفعول: بمعنى مفعول أي: أنه محمود وبمعنى فاعل أي: أنه حامد، والمؤلف رحمه الله في تفسيرِه قصُور. ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ * في هذه الآية الكريمة: تهديد المكذبين بالقرآن لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾ وحذَفَ الخبر؛ ليذهَبَ الذهنُ في تقديرِه كُلَّ مذهَب طيب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ هذا القرآن ذِكْرٌ، سماه الله ذكرًا؛ لِمَا ذكرناه في التفسير. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ هؤلاء كذَّبُوا بالذكر بعد أن جاءَهم وتحقَّقُوه وعرفوه ومعلوم أنَّ المكَذِّبَ بالشيء بعد أن يتحَقَّق لديه أشَدُّ إثمًا ووبالًا ممن كذَّب في أمرٍ مشْتَبِهٍ عنده، يُؤخذ هذا مِن قوله: ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ هذا القرآن عزيز غالب لا أحدَ يناله بسوءٍ إلا فضحه الله ولا أحد يقوم أمامه إلا كان مهزومًا مغلوبًا، ووصَفَ اللهُ تعالى القرآن بأنَّه عزيز وبأنه مجيد وبأنه كريم وبأوصاف متعددة مما يدل على عظَمَةِ هذا القرآن. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ مَن تمسَّكَ بالقرآن فله العزة، وجهُه: أنَّه إذا كان القرآن عزيزًا فلا بد أن ينَال العزةَ مَن تمسك به وإلا لكان القرآن غيرَ عزيز ويدُلُّ لهذا قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون ٨]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ القرآن الكريم حقّ منتفٍ عنه الباطل مِن كلِّ وجه لقوله: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ هذه الصفة للقرآن هل هي مِن صفات النفي أو من صفات الإثبات؟ * طلبة: النفي * الشيخ: أي نعم النفي، إذًا ما الذي تضمَّنَتْه مِن الإثبات؟ نقول: إذا انتفَى الباطل عنه مِن كلِّ وجه من بين يديه ومن خلفه لَزِم مِن ذلك أن يكون حقًّا أيش؟ مِن كل وجْه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ القرآن كلامُ الله يؤخذ من قوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ وجهُ كونِه كلامَ الله أنَّ القرآن صفة ليس عينًا مستقِلَّة منفصِلَة فإذا كان صفة وذكَرَ الله أنه نزَلَ منه لزِمَ أن يكون كلامَه، أما لو كان الشيء الذي ذكر اللهُ أنَّه أنزَلَه شيئًا مُعَيّنًا منفَصِل عن الله فهذا لا يدُلّ على أنَّه مِن صفاتِ الله ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [البقرة ٢٢] هذا الماء مخلوق ولَّا من صفات الله؟ * طلبة: مخلوق * الشيخ: مخلوق ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر ٦] مخلوق؛ لأنه شيء منفصل عن الله ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد ٢٥] مخلوق، لكن إذا جاء التنزيل أو الإنزال في أمْرٍ هو صِفَة فإنه لا يمكن أن يكون مخلوقًا بائن عن الله بل هو صفةٌ مِن صفات الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثباتُ عُلُوِّ الله وجْهُ ذلك أنه قال: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ﴾ وإذا كان تنزيلًا منه لزِم أن يكون فوق عزَّ وجل وهو كذلك، وقد ذكرنا كثيرًا وذكرَ غيرُنا أيضا أنَّ عُلُوَّ الله تعالى ثابتٌ بالأدلة كلِّها وهي: الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفِطْرة كلُّها متَّفِقَة على عُلُوِّ الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثباتُ هذين الاسمين لله عز وجل وهما: (الحكيم) و(الحميد) وإثبات ما تضَمَّنَاه من المعاني والصفات، (الحكيم) تضَمَّن صفَتَيْن عظيمتين؟ (الحكيم) تضَمَّنَ صِفتَين عظِيمَتَيْن هما؟ * طالب: حكيم حاكم * الشيخ: يعني حكيم من الحكمة، وحكِيم من الحُكْم فهو حاكمٌ ذو حكمة، ذكرنا في التفسير أنّ مِن الناس مَن هو حكيمٌ وليس بحاكِم، ومِن الناس مَن هو حاكم وليس بحكيم، ومِن الناس مَن ليس بحاكم ولا حكيم، ومِن الناس مَن هو حاكمٌ حكيم فالأقسام إذًا أربعة. * من فوائد الآية الكريمة أيضًا: أنه لا يجوز لأحد أن يُشَرِّعَ شرعًا مِن عنده، مِن أين تأْخُذ هذا؟ * طالب: قوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ﴾ * الشيخ: خطأ * الطالب: ﴿حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾؟ * الشيخ: لا، ما هي تقرأ الآية كلها ما يصلح * طالب: بقوله: ﴿حَكِيمٍ﴾ * الشيخ: بأي المعنيين مِن حاكم ولَّا حكمة؟ * الطالب: مِن حاكم. * الشيخ: من حاكم أحسنت، لأنَّ مِن الحُكم الحكم بين الناس، الحكم إما أن يكون حكمًا في الناس وإمَّا أن يكون حكمًا بين الناس، فلا يجوز لأحد أن يحكمَ بين الناس إلَّا بما أنزل الله؛ لأن الحكم لله عز وجل ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام ٥٧] واضح؟ ولكن الحكم لله هل لنا أن نتجاوَزَ حدَّ الله عز وجل في الحكم على أحدٍ بالفسق أو البدعة أو الكفر أو الإيمان وصحة العقيدة إلَّا بدليل من الشرع؟ لا يجوز لنا إلَّا بدليلٍ من الشرع، يعني ليس لنا أن نقول: هذا كافر هذا فاسق هذا مبتدع هذا مؤمن هذا سليمُ العقيدة إلا إذا عرَضْنا ما عليه على الكتاب والسنة، وإلا فلو ﴿اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون ٧١] * من فوائد الآية الكريمة: أنَّ الله تعالى محمود، محمود بناءً على أيش؟ * طالب: على إنه فاعل * الشيخ: خطأ، (...) * طالب: واضح يا شيخ * الشيخ: واضح (...) سبق لسان، إذًا على أنَّ ﴿حَمِيدٍ﴾ من اسم مفعول. هنا نسأل هل الله عز وجل يُحمَد على كل حال؟ على السراء واضِح أنَّه يُحمَد على السراء؛ لأنَه أحسن إليك ورأَف بك لكن على الضراء كيف يُحمَد؟ * طالب: يحمد على ما يترتب عليه لأنه (...). * الشيخ: أولًا: نحمَدُه لأن نعلم أنه ما قدَّر هذا إلا لحكمة لا شك. ثانيًا: أن ما يترتَّب على هذه الضراء من المصالح العظيمة يقتضي أن يُحمَد الله عليه أليس كذلك؟ الإنسان إذا أصابته الشوكة وتألَّم بها ماذا يحصل له؟ يُحَطُّ عنه من خطيئته، خطيئتُه مُثقِلَة عظيمة مُخزِيَة في الآخرة والشوكة ليست مؤلِمَةً إلى ذاك وليست ظاهرة للناس ومع ذلك يُكفَّر بها مِن سيئاته، ولهذا قيل لبعض العابدات لما أُصِيب أَصْبُعُها ولم تتألم ولم تتأثَّر ولم تحزن قالت: إن حلاوةَ أجرها أنستْنِي مرارةَ صبرِها، كلمة عجيبة الصوفية لهم كلماتٌ عجيبة في العبادة والأخذ باللب، إنَّ حلاوةَ أجرِها أنستْنِي مرارَةَ صبرِها؛ لأنَّ الأجر أعظَم من المصيبة فإذًا حتى ما يُصيب الإنسان مِن الضَّرَر فإنَّ الله تعالى محمود عليه لأنه لِحكمَة لا شك والإنسان عبدُ الله عز وجل يفعَل به ما شاء ولأنَّ العاقبة حمِيدة، هل يُحمَد الله تعالى على وُجُود الكافرين؟ * طالب: لا ما يحمد * الشيخ: ما يُحمَد؟ أعوذ بالله يا شيخ لا حول ولا قوة إلا بالله، استغفِرِ الله، أيش؟ فَكِّر. * طالب: نعم يا شيخ يحمد ذلك لأنه شرعَ لنا جهادَهم والشهادة في سبيله فندخل الجنة إن مات به * الشيخ: إي هو لولا وجود الكافر فهل يُعرَف المؤمن؟ وهل الإنسان يعرِف قدرَ نعمة الله عليه إذا لم يكن هناك كافر؟ ما يعرف قدرَ نعمة الله، وهل يُقام علمُ الجهاد؟ وهل يبقى للنار أحد؟ لا بد، لكن هنا مسألة كان النبي ﷺ إذا أصابَه يعني شيئًا يسوئُه لا يقول: الحمد لله على الضراء مثلا أو على كذا يقول: «الحمد لله على كل حال»[[أخرجه ابن ماجه (٣٨٠٣) من حديث عائشة. ]] وهذه المسألة ينبغي أن تنتَبِه لها أنت إذا أصابتك السراء تقول: الحمد لله الذي بنعمتِه تتم الصالحات، إذا أصابتك الضراء: تقول الحمد لله على كل حال، وبهذا نعرف خطأَ مَن يقول: الحمد لله الذي لا يُحمَد على مكروه سواه. هذا غلط؛ لأنَّ هذه العبارة تُنبِئ عن تَأَزُّم نفسي وعن كراهة لِمَا قدَّر الله عز وجل على الإنسان ثم إن فيها تضَادّ: مكروه وحمد، هذا غير مستقيم، ثم إنَّ فيها أيضًا مخالفة لسنة الرسول عليه الصلاة والسلام كان الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «الحمدُ لله على كل حال»[[أخرجه ابن ماجه (٣٨٠٣) من حديث عائشة. ]] ولا يذكر المكروه ولا يُشعِر بأنه متَأَذٍّ منه، «الحمدُ لله على كل حال» فأنت إذا أُصبْت بسراء فقل: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإن شئت فعَيِّن: الحمد لله الذي رزقني ولدًا الحمد لله الذي رزقني نجاحًا الحمد لله الذي رزقني مالا وما أشبه ذلك لأن هذا خير والثناء عليه واضح، لكن الأمور المكروهة تقول: الحمد لله الذي أمرضني؟ لا، ماذا تقول؟ الحمد لله على كل حال، الحمد لله الذي أصابني بمصيبة بفقد أبي أو أخي أو عمي؟ لا، تقول: الحمد لله على كل حال، وإن شئت فقل: الحمد لله على ما قدَّر، لأن هذه بمعنى على كل حال. * من فوائد الآية الكريمة: أنَّ الربّ عز وجل كامِلُ العدل بحيث يَحْمَد مَن يستَحِقُّ الحمد كما أنه يُحْمَد لأنَّه أهلٌ للحمد، بناء على أيش؟ على أنَّ ﴿حَمِيدٍ﴾ بمعنى حامِد. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ جميعَ ما في القرآن مطابِقٌ للحكمة تمامًا مِن تحليلٍ أو تحريمٍ أو إيجابٍ أو إطلاق ليش؟ وجهُه لأنَّه نزَلَ ﴿مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ والنازل من حكيم لابد أن يكون مشتمِلًا على الحكمة والله الموفق. * طالب: قوله: ﴿حَكِيمٍ﴾ ما نأخذ صفة ثالثة وهي الإحكام؟ * الشيخ: لا، الإحكام هو الحكمة، الحكمَة إحْكَام. * طالب: الشيء الـمُنَزَّل إذا كان عينًا قائمة بنفسها كالحديد والأنعام هل التنزيل هنا بمعنى الخَلْق؟ * الشيخ: هي بمعنى الخلق بل هي أدَق من الخلق؛ لأنَّ هذه الأشياء لولا أن الله سخَّرَها ما استطعْنا أن نُسَيْطَر عليها فهذه يدل على نوع من التسخير: أنزلَها من علياء إلى أسفل حتى تكون مسَخَّرَة للخلق. * طالب: الهادي من أسماء الله؟ * الشيخ: على تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد ٧] إذا فسَّرَنا أن المعنى الله صح. * طالب: قولنا: الحمد لله الذي أصابني بهذه المصيبة هذا لا شك أنه عبارة خاطئة هل مثل هذا عند الله سبحانه وتعالى خالق الشر ومع ذلك لا ينسب الشر إلى الله سبحانه وتعالى لقول النبي ﷺ «الشر ليس إليك»[[أخرجه مسلم (٧٧١ / ٢٠١) من حديث علي بن أبي طالب.]] * الشيخ: أي نعم، الله عز وجل خالق كل شيء ولهذا جاء في الحديث «تؤمن بالقدر خيرِه وشرِّه»[[أخرجه مسلم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب.]] لكن لا تنْسِب الشرَّ إلى الله لأن الله لم يقَدِّر هذا الشر إلا لخير، فالشرُّ إذًا في مفعوله لا في فعلِه صح؟ أنت فاهم هذا ولَّا لا؟ فاهم الفرق بين أقول: الشر في مفعوله لا في فعله، فاهمين هذا؟ مثلًا إذا قدَّر الله عز وجل على الناس مرضًا الشَّرّ في نفس المرض لكن في كون الله قدَّره لا شَر هو خير؛ لأنه مِن أكبر ما يكون مِن مصالح الأمراض مثلًا تكفير السيئات، ومنها أنَّ الناس يرجعون إلى الله عز وجل: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم ٤١] ومنها أنَّ الإنسان يعرِف قدْرَ نعمة الله عليه بالعافية الإنسان مثلًا نحن الآن لا نعرف يعني لا نعرف قدْر النعمة التي أنعم الله بها علينا في النَّفَس والحركة وما أشبه ذلك لكن لو يُصاب الإنسان منا بضِيق نفس عرَف قدْر نعمة الله بالنفس، لو يصاب الإنسان منا بتعب في أعضائه يتكَلَّف مِن الحركة عرف قدْر نعمة الله عليه، فهمت؟ ولهذا قيل: ...................... ∗∗∗ وَبِضِدِّهَا تَتَبَيَّنُ الْأَشْيَاءُ * طالب: لو سمحت يا شيخ بارك الله فيك دعاء النبي ﷺ: «إلى مَن تكِلني إلى بعيد يتجهمني أم إلى قريب ملكته أمري»[[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٣ / ٧٣ رقم ١٨١) من حديث عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.]] هل ثبت عن النبي ﷺ؟ * الشيخ: ما أدري والله، ما أعرِف هذا. * طالب: ما مدى صحة تسمية الله تعالى الطبيب والنظيف * الشيخ: هذا ورد عن أبي بكر أنه قال: إنَّ الطبيب رآني فقال إني أفعَل ما أريد. وهذا لا بأسَ به في مقام الخبَر * الطالب: لكن على سبيل التسمية؟ * الشيخ: لكن التسمية لا * الطالب: والنَّظِيف يا شيخ؟ * الشيخ: النَّظيف ورد حديث أيضًا في هذا (...).

فصلت 41:43

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (٤٣) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٤٤) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (٤٥) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت ٤٣ - ٤٦]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تبارك وتعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ إلى آخره ﴿مَا يُقَالُ لَكَ﴾ قال المفسِّر: (من التكذيب) يعني والاستهزاء والسخرية وغير ذلك ﴿إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ومنه قولهم: إنه ساحر مجنون كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات ٥٢] هذه الكلمة كلُّ أحد يقولها للرسول، ويحتمِل أن يكون المعنى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ﴾ مِن الوحي ﴿إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي مثلَه والآيات تحتملُهما ولا مانع من إرادتهما (﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا﴾ مثل ﴿مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ) قوله: (﴿إِلَّا﴾ مثل) زاد المؤلف (مثل) ومعلومٌ أنَّ قوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ﴾ لا يساويه قوله: (﴿إِلَّا﴾ مثل) وإنما لجَأَ المؤلف إلى ذلك؛ لأن الذي قيل للرسول ﷺ ليس هو بحروفِه ما قيل لِمَن قبلَه، ولكن الأولى أن يُقال: الآية على ظاهرها أنَّ ما قيل للرسول قد قيل لِمَن قبلَه وكما ذكرتُ لكم آنفًا: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات ٥٢] فيقال: إنهم قالوا نفس الكلام لكن بلغتِهم ليس بلغة العرب. ﴿إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ هذه الجملة فيها عرْضٌ للمكذبين أن يؤمِنوا فإن لم يؤمنوا فقد تعرَّضُوا للعقاب، عرْضٌ أن يؤمنوا لقولِه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ يعني كأنه يقول: فآمنوا يُغفَر لكم وهذا كقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال ٣٨] ﴿وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ يعني: إن لم يؤمِنوا ففيه ترغيب وفيه ترهيب: الترغيب في قوله: ﴿لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ والترهيب: ﴿وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ والعقاب هو الانتقام والأليم بمعنى المؤلِم، وفعيل تأتي بمعنى مُفعِل كثيرًا في اللغة العربية كما قال الشاعر: أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ؎أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ ....................... (السَّميع) يعني الـمُسمِع ......................... ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ * في هذه الآية الكريمة: تسلية الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأنه إذا عَلِم أنه قد قِيل للرُّسل مِن قبلِه مثلُ ما قيل له سهُلَ عليه الأمر. * ومن فوائدِها: أنَّ سنة الله تعالى واحدة فالمكَذِّبُون قولُهم واحد وفعلُهم واحد لقوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات صفةُ المغفرة لله عز وجل وهي ستْر الذَّنب والتجاوز عنه، هذه المغفرة. * ومن فوائدها: إثباتُ شدَّةِ عقابه لقوله: ﴿وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾. * ومن فوائدها: رحمة الله بالعباد حيث يعرِض عليهم مُوجَبُ التوبة حتى لا يتمادَوْا في معصيتهم لقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾. * ومن فوائدها: أنَّ هذا القرآن مثاني فإذا ذُكِر فيه جانب الترغيب ذُكِر معه جانب الترهيب لئَلَّا تطمَعَ النفس وتغلُوَ في الطَّمع فتأمَنَ مِن مكرِ الله فيجمَع الله تعالى بين هذا وهذا لئلا يطمَعَ الإنسان في الفَضْل فيأمَنَ مِن مكر الله، ولئَلَّا يخاف فيقْنَط من رحمة الله وعلى هذا فيكون سيْرُه إلى الله تعالى بين الخوف والرجاء، ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله: ينبغي للسائر إلى الله عز وجل أن يكون خوفُه ورجاؤُه واحدًا فأيُّهما غلَب هلك صاحبه. وقال بعضهم: ينبغي أن يكون الخوف والرجاء للإنسان كجناحي الطير إن انهزَع أحدهما سقط الطير. فيكون الرجاء والخوف واحدا متساويًا ترجو وتخاف ولهذا قال: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة ١٦] وفصَّل بعض أهل العلم فقال: ينبغي للإنسان إذا عمِل الحسنات أن يكون جانبُ الرجاء في حقِّه أرجح؛ لأن هذا من إحسان الظن بالله ووجهُه أنَّ الله لَمَّا وفقك للعمل فإنه قد وعدَك بالثواب، ولَمَّا وفقك للدعاء فقد وعدك بالإجابة، فعليه إذا فعلْتَ الخير فغلِّب جانب الرجاء، وإن فعلْت الشر أو هممْتَ به فغلِّب جانب الخوف ليردَعَك الخوف عن التمادي في الشر أو عن مواقعة الشر، هذا تفصيل، تفصيلٌ آخر بعضُهم سلك منحًى آخر وقال: في حال الصحة ينبغي أن يغَلِّب جانب الخوف؛ لأنَّ الصحيح الإنسان الذي قد أعطاه الله صِحَّةً في بدنه وعقله ربما يتمادى في الشر ولا يبالي، وإذا كنت في المرض فغلِّب جانب الرجاء لأنَّ النبي ﷺ قال: «لا يموتَنَّ أحدكم إلا وهو يُحسِن الظنَّ بربِّه»[[أخرجه مسلم (٢٨٧٧ / ٨١) من حديث جابر بن عبد الله.]] لأنَّ الله تعالى عند حُسْنِ ظَنِّ عبدِه به، والذي ينبغي أن يقال: إنَّ الإنسان طبيبُ نفسه فإذا خاف من نفسه التمادي في المعاصي والتهاون بالطاعات فليُغَلِّب جانب الخوف، وإن خاف من نفسِه الزُّهُوّ والخُيَلَاء والأمْن مِن مَكْر الله فليُغَلِّبْ جانب الخوف فالإنسان في الحقيقة طبيبُ نفسه.

فصلت 41:44

ثم قال عز وجل: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فصلت ٤٤] ﴿جَعَلْنَاهُ﴾ الضمير يعود على القرآن والمفسر قال: (أي الذكر) وإنما قال: ذكْر لأنه سبق ذكرُه قريبًا ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾ [فصلت ٤١] ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ﴾ وعلى كل حال المعنى مُتَّفَقٌ عليه أنّ الضمير الهاء في ﴿جَعَلْنَاهُ﴾ يعود إلى القرآن ﴿لَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا﴾ أي بلغة العجم وهو قد نزل على من؟ على العرب ﴿لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ ﴿لَقَالُوا﴾ أي المكذبون للرسول ﷺ (﴿لَوْلَا﴾ هلَّا ﴿فُصِّلَتْ﴾ بُيِّنَت ﴿آيَاتُهُ﴾ حتى نفهمَها) ولكنَّ الله تعالى قد قطَع عليهم الحجة فقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف ٣] وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف ٢] وقوله: ﴿لَوْلَا﴾ بمعنى هلَّا أفادنا المؤلف رحمه الله أنَّ (لولا) تأتي للتحضيض وتأتي شرطيَّة ويُقال في إعرابها: حرف امتناع لوجود، وهنا تتقاسم هذه الحروف تتقاسم الوجود والعدم فـ(لو) حرف امتناع لامتناع، و(لَمَّا) حرف وجود لوجود، و(لولا) حرف امتناع لوجود تقول: لَمَّا جاءني أكرمته. هنا الإكرام وُجِد لوجود المجيء وتقول: لو جاء زيد لأكرمتُه. هنا امتنع الإكرام لامتناع الوجود، وتقول: لولا زيدٌ لهلكْت أو لفعَلْت كذا وكذا فهنا امتناع لوجود، هنا (لولا) ليست من هذا ولا مِن هذا (لولا) هنا انتقلت عن معنى الشرطية إلى معنى التحضيض، مِن بقيَّة كلامهم (﴿أَ﴾ قرآنٌ ﴿أَعْجَمِيٌّ وَ﴾ نبيٌّ ﴿عَرَبِيٌّ﴾ استفهام إنكار منهم) يعني لو كان القرآن بلغة العجم لقالوا: لولا فُصِّلَت آياتُه وبُيِّنَت باللغة العربية ثم لقالوا أيضا: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ يعني لا يمكن أن يكون القرآن بلغة العجم نزلَ على نبي عربي، وهذا الذي قالوه استفهام حقيقة يعني بمعنى أنَّ قولَهم حق لا يمكن أن ينْزِل قرآنٌ أعجمي على نبي عربي، وقد نصَّ الله على ذلك في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم ٤] فكلامُهم هذا حقّ فنحن نقبل كلامهم هذا، أما قولهم: ﴿لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ فنقول: هي مُفَصَّلَة لكنها حجَّة لو كان القرآن أعجمِيًّا وعلى هذا قولهم يكون صحيحًا لو كان القرآن باللغة الأعجمية لصار لهم حجة في قولهم: ﴿لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ وحقّ في قولهم: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ قال المؤلف: (بتحقيق الهمزة الثانية) تحقيق الهمزة الثانية أن تقول: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ﴾ كما هي القراءة المشهورة، يقول: (وقلبِها ألِفًا) ﴿ءَاعْجَمِيٌّ﴾ قلبنا الثانية ألفًا (بإشباع ودونه) ﴿ءَاعْجَمِيٌّ﴾ بمعنى أنك تمُدّ الألف مدًّا طبيعيًّا أو تمدُّها مدًّا زائدًا على ذلك، والمد الطبيعي قوله: (ودونه) والمد الزائد قوله: (بإشباع) وعلى هذا فيكون فيها كم قراءة؟ ثلاث قراءات، ﴿أَأَعْجَمِيٌّ﴾ ﴿ءَآعْجَمِيٌّ﴾ ﴿ءَاعْجَمِيٌّ﴾ ثلاث قراءات، والقراءات -كما هو معلوم- كلها سنة القراءات كلها سنة لأنها ثبتَت عن النبي ﷺ، وينبغي للإنسان الذي أتقنَها وحفظَها أن يقرأَ بهذا مرة وبهذا مرة كما نقول في العبادات التي وردت على وجوه متنوعة إنَّه ينبغي أن تَفعَلَ هذا مرة وهذا مرة، ولكن هل نقرَأ بما يخالِف القرآن الذي بين أيدي العوام بقراءة أخرى؟ الجواب: لا ولهذا نرى أنَّ مِن عدم الحكمة ما يفعلُه بعض الطلبة إذا كان يعرِف القراءات يقرَأ في القراءة التي ليست بين أيدي العوام فإنَّ هذا خطأ عظيم؛ لأنَّ العامِيَّ لا يدرك هذه الأشياء وسوف يهبِطُ قدْرُ القرآن في نفسِه وتقِلُّ عظمَتُه عنده، ثم ربما يتهم هذا القارئ بأنَّه أخطَأ وغلِط، لكن بعض الناس يكون عنده علم وليس عنده حكمة، وهذا خلَلٌ في توازُنِ العبد وسيْرِ العبد أن يكون عندك علم ولكن لا حكمة، إذا كان الصحابة رضي الله عنهم تنازعوا وهم مَن هم في اختلاف القراءات فكيف بعوامِّ هذا الزمن، يقول: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ ﴿قُلْ﴾ يعني: قل يا محمد في جوابِهم (﴿هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى﴾ مِن الضلالة ﴿وَشِفَاءٌ﴾ من الجهل) ﴿هُوَ﴾ الضمير يعود على القرآن الذِّكْر ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى﴾ أي علم ونور ﴿وَشِفَاءٌ﴾ يقول المؤلف رحمه الله: (مِن الجَهل) وهذا فيه نظَر لأن (مِن الجَهْل) داخِل في قوله: ﴿هُدًى﴾ إذ أنَّ الهدى هو العلم وضدُّه الجهل، لكنْ ﴿شِفَاءٌ﴾ يعني مِن المرض مرض القلوب كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس ٥٧] فالصواب أنَّ قولَه: ﴿هُدًى﴾ مِن الضلالة وهي الجهل فهو هدًى مِن الجهل والضلالة ﴿شِفَاءٌ﴾ مِن المرض مرْض القلوب بل هو أيضًا شفاءٌ مِن مرض الأبدان فإنَّ القرآن يُستَشْفَى به في أمراض القلوب ويستشفى به كذلك في أمراض الأبدان، وكم مِن إنسانٍ مريض مرضًا بدنِيًّا شفاهُ الله تعالى بالقرآن، وقصة اللديغ مشهورة لديكم أو عند أكثركم الذي كان سيِّدَ قومِه ونزل به سريَّةٌ من الصحابة ولم يُضِيفُوهم فسخَّرَ الله تعالى عقربًا كبيرَةً شديدة فلدَغَتْ سيدَهم فطلبوا راقيًا من الصحابة قالوا: لا نرقى لكم إلا بكذا وكذا من الغنم فأعطَوْهم فذهب أحدُهم يقرأ عليه سورة الفاتحة حتى قامَ كأنما نُشِطَ من عقال لكنهم تربَّصوا في الغنم التي أخذوها خافوا ألا تكون تَحِلُّ لهم حتى أتوا النبي ﷺ فسألوه فقال: «خذوا واضربوا لي معكم بسهم»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٧٦)، ومسلم (٢٢٠١ / ٦٥) من حديث أبي سعيد الخدري.]] قال ذلك لا حاجةً إلى اللحم ولكن تطيِيبًا لقلوبِهم واطمئنَانًا لنفوسهم ليتبَيَّنُوا أنه حلال لا إشكال فيه، المهم أنهم أخبروا النبي ﷺ أنهم قرئوا على هذا اللديغ الفاتحة فقال: «وما يدريك أنها رقية؟» » فتبيَّن بهذا أنَّ القرآن شفاءٌ من أمراض القلوب وأسقام الأبدان لكن لِمَن؟ للذين آمنوا آمنوا بالقرآن وبأنه مِن عند الله وبأنه شفاء أما رجلًا لم يؤمِن به ولم يرفع به رأسًا ولم ير بمخالفته بأسًا فإنَّ هذا لا ينتفع به. قال: ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ نسأل الله العافية ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ مبتدأ ﴿فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة خبر المبتدأ الأول الذي هو ﴿وَالَّذِينَ﴾ يعني كأنه قال: ﴿هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ وأما الذين لا يؤمنون ففي ﴿آذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾ لا يؤمنون بإيش؟ لا يؤمنون بالله ولا بالرُّسل ولا بالكتب هؤلاء ﴿فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾ أي ثِقَل لأنَّ الوقْر بمعنى الحِمْل الثقيل قال الله تعالى: ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾ [الذاريات ٢] يعني السَّحاب تحمِل الماءَ الكثير، فعلى هذا يكون ﴿فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾ أي ثِقَل وصَمَم فلا يسمعون والعياذ بالله ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ فلا يبصرون فصارَت منافذ الفهم عند غير المؤمنين مسدودة، لا يسمعون ولا يبصرون فلا يصِل هدى القرآن إلى قلوبهم ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ فإذا قال قائل: كيف يكون الكلام الواحد لقوم هدى وشفاء ولآخرين عمًى وضلالة؟ قلنا: هذا بحسب ما في القلب أنهم أخبروا النبي ﷺ أنهم قرؤوا على هذا اللديغ الفاتحة، فقال: «وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٧٦)، ومسلم (٢٢٠١ / ٦٥) من حديث أبي سعيد الخدري.]]. فتبين بهذا أن القرآن شفاء من أمراض القلوب وأسقام الأبدان لكن لمن؟ للذين آمنوا، آمنوا بالقرآن، وبأنه من عند الله، وبأنه شفاء، أما رجل لم يؤمن به ولم يرفع به رأسًا، ولم يرَ بمخالفته بأسًا فإن هذا لا يُنتفع به. قال: ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت ٤٤] نسأل الله العافية، ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ مبتدأ ﴿فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة خبر المبتدأ الأول الذي هو ﴿وَالَّذِينَ﴾ يعني :كأنه قال: هو للذين آمنوا هدى وشفاء، وأما الذين لا يؤمنون ففي آذانهم وقر، لا يؤمنون بأيش؟ لا يؤمنون بالله، ولا بالرسل، ولا بالكتب، هؤلاء في آذانهم وقر؛ أي ثِقَل؛ لأن الوقر بمعنى الحِمْل الثقيل، قال الله تعالى: ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾ [الذاريات ٢] يعني السحاب تحمل الماء الكثير، فعلى هذا يكون ﴿فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾ أي ثقل وصمم، فلا يسمعون والعياذ بالله. ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ فلا يبصرون، فصارت منافذ الفهم عند غير المؤمنين مسدودة، لا يسمعون ولا يبصرون، فلا يصل هدى القرآن إلى قلوبهم ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت ٤٤]. فإذا قال قائل: كيف يكون الكلام الواحد لقوم هُدًى وشفاء ولآخرين عمى وضلال؟ قلنا: هذا بحسب ما في القلب؛ لأن الله قال: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥] ونحن نرى الغذاء الحسي يكون لقوم غذاءً وشفاءً ويكون لآخرين مرضًا وعلَّة، مثلًا بعض الناس يُحجب عن التمر مثلًا، عن العنب، عن كل ما فيه حل فيضره، وآخرون ينفعهم الحلال مع أن الطعام واحد لكن المحل يكون قابلًا محل هؤلاء قابل له ومحل الآخرين غير قابل. ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت ٤٤]، ﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليهم الذين لا يؤمنون، وأشار إليهم بصيغة البعيد ليس رفعةً لشأنهم ولكن إظهارًا للتبرؤ منهم وإبعادهم. ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ يعني كالذي يُنادَى من مكان بعيد، والذي يُنادَى من مكان بعيد يعوقه عن الحضور والاستجابة أمران: الأمر الأول: أنه لبُعده قد لا يسمع النداء. الأمر الثاني: أنه لبُعده قد يرى أن الاستجابة شاقة عليه فلا يجيب، وعلى هذا فكونهم ينادون من مكان بعيد يتعلق بندائهم آفتان: الأولى: الأخ؟ * طالب: (...) يرون المسافة بعيدة (...). * الشيخ: نعم، يرون المسافة بعيدة فيكسلون، ويرون أنه من المشقة فيدعون إجابة المنادي، والثاني؟ * طالب: (...). * الشيخ: أنهم لا يدركون المنادي؛ لبعدهم عنه، فلا يجيبون على الوجه المطلوب، (﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ أي هم كالمنادى من مكان بعيد لا يسمع). * في هذه الآية الكريمة فوائِد، منها: حكمة الله عز وجل في كون الوحي النازل على النبي على وفق لغة القوم الذين أُرسِل إليهم، يؤخذ من قوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فصلت ٤٤] إلى آخره، والله تعالى جعله قرآنًا عربيًّا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الحجة لا تقوم حتى يفهم الإنسان معنى هذه الحجة، وأن مجرد البلاغ لا يعد حجة قائمة حتى يفهمها من بلغته؛ لأنه لو ألقيت كلامًا عربيًّا بأفصح ما يكون على قوم عجم، وهم لا يعرفون مقصودك أصلًا، هل يفهمون شيئًا؟ وكذلك بالعكس لو جاء رجل أعجمي، وقام يتكلم بأفصح ما يكون من لغة العجم ونحن لا نعرف مراده؛ لم نفهم منه شيئًا، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم ٤]. فإن قال قائل: يرد على قولكم هذا -وهو أنه لا بد من فهم الحجة بعد بلوغها- يرد على ذلك قوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام ١٩] ولم يقل: ومن بلغ وفهم. قلنا: هذا مطلق لكن الآيات الأخرى تقيده أنه لا بد من البيان والمعرفة. وكذلك لو قال قائل: يرد على قولكم هذا قول النبي ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِه الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ لَا يُؤْمِنُ بِمَا جِئْْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ»[[أخرجه مسلم (١٥٣ / ٢٤٠) من حديث أبي هريرة.]]. فقال: «لَا يَسْمَعُ بِي». فيقال: نعم؛ لأنه إذا سمع به يجب عليه أن يبحث حتى وإن كان لا يفهم يجب عليه أن يبحث، أما أن يترك فهو لا يعذر لتفريطه وتهاونه، وعلى هذا فلا بد من بلوغ الحجة، ولا بد من فهمها. ونحن في الحقيقة لا نتهاون في تكفير من كفَّره الله، ولا نبالي أن نكفر من كفره الله، لكننا لا نتجاسر أن نكفر من لم يكفره الله عز وجل؛ لأن الحكم ليس إلينا، الحكم بالتكفير وعدم التكفير إلى الله عز وجل، ليس إلينا ولا إلى عواطفنا، وإلا لو كان إلينا أو إلى عواطفنا لكنا نكفر من كان فاسقًا، بل قد نكفر من كان تاركًا للأولى؛ لأن الإنسان لا شك أن معه غيرةً يبغض بها من خالف الشرع، لكن كوننا نحكم عليه بالكفر أو بعدم الكفر ليس إلينا بل هو إلى الله، والخلق عبيد الله عز وجل ليسوا عبيدنا حتى نحكم عليهم بما نرى بل نحكم عليهم بمقتضى كلام الله ورسوله، فإذا دار الأمر بين أن نقول: هذا كافر وهو ينتسب إلى الإسلام وبين أن نقول: ليس بكافر، أيهما أحوط؟ أن نقول: ليس بكافر؛ لأنا بهذا سالمون، لكن لو نكفره، ثم بناءً على التكفير نستبيح دمه وماله؛ لأن المسألة ما هي سهلة، ونستبيح ألا نصلي عليه ولا ندعو له بالرحمة، المسألة صعبة جدًّا؛ ولهذا خطأ من يتسرعون بالتكفير أشد من تهاون من لا يكفرهم؛ أشد لما يترتب على التكفير من المصائب والبلاء. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التناقض بين الرسول والوحي مستحيل، الدليل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ وهذا مستحيل أن يتناقض الوحي ومن أُوحِي إليه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن يكون لأقوام رحمة ولآخرين نِقمة، ويشهد لهذا قوله عليه الصلاة والسلام: «الْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ»[[أخرجه مسلم (٢٢٣ / ١) من حديث أبي مالك الأشجعي.]]. رحمة لمن؟ للمؤمنين ونِقمة على الكافرين، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الحاقة ٥٠]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يمكن أن يُبتغى الهدى من غير القرآن؛ لقوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى﴾ فمن ابتغى الهدى من غير القرآن أضله الله قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه ١٢٣، ١٢٤]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن شفاء من أمراض القلوب وأسقام الأبدان؛ لقوله: ﴿هُدًى وَشِفَاءٌ﴾، وقد فهمنا أثناء التفسير أن الفاتحة رقية، كذلك أيضًا إذا أردت أن ترقي أحدًا فانظر مع الفاتحة الآيات المناسبة، فمثلًا إذا كنت تريد أن ترقيه من السحر فاقرأ إضافةً للفاتحة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق ١]، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس ١]؛ لأنهما السورتان اللتان رُقِي بهما الرسول ﷺ، كذلك انظر إلى آيات السحر التي تبطل السحر مثل قوله تعالى عن موسى: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس ٨١] وأمثال ذلك، إذا كنت تريد أن ترقي من مرض اقرأ الآيات المناسبة مثل: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء ٨٠]؛ لأن التناسب بين الآيات التي هي الدواء وبين المرض الذي هو الداء لا بد أن يكون أمرًا مهمًّا، يراعيه الإنسان كما يراعي ذلك في الأدوية الحسية، الحار يعالج بأيش؟ بالبارد؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحمى قال: «إِنَّ الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ؛ فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٦٣)، ومسلم (٢٢١٠ / ٨١) من حديث عائشة.]]. وقد شهد الأطباء الآن أن البرودة لمن أصيب بالحمى من أكبر العلاج حتى كانوا يجعلون المريض أحيانًا إلى جنب مراوح المكيف من أجل البرودة، وحتى يضعون أحيانًا على المريض بالحمى ثوبًا مبلولًا بالماء من أجل التبريد. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان كلما كان أقوى إيمانًا كان أهدى وأشفى، من أين نأخذه؟ ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ وقد أخذنا قاعدة مفيدة مهمة أن كل حكم مرتب على وصف فإنه يقوى بقوة ذلك الوصف كل حكم مُعلَّق بوصف، أو مرتب على وصف فإنه يقوى بقوة ذلك الوصف، ويضعف بضعف ذلك الوصف. أنتم معنا يا جماعة؟ انتبهوا لهذا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بلاغة القرآن بتصوير المعقول في صورة المحسوس، هؤلاء الذين لا يؤمنون لو أنك نظرت إليهم نظرة حسية لم تجد في آذانهم وقرًا؛ لأنهم يسمعون وقد يكونون أقوى سمعًا من المؤمنين، ولم تجد أيضًا أنهم إذا قرئ عليهم القرآن عميت أعينهم كما قال: ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾، ولم تجد أنهم يُنادون من مكان بعيد، بل تُعرض عليهم الدعوة وهم إلى جنب الداعي، لكن هذا من بلاغة القرآن أن يصور الشيء المعقول بصورة المحسوس؛ حتى يكون أقرب إلى الفهم، فهنا صور الله حال هؤلاء بأنهم صم وبأنهم عمي وبأنهم بعيدون مِنَ الداعي.

فصلت 41:45

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [فصلت ٤٥]، ﴿آتَيْنَا﴾ أعطينا، والإيتاء هنا إيتاء شرعي قدري: إيتاء شرعي؛ لأنه أُضيف إلى الوحي، قدَري؛ لأنه وقع فعلًا، وموسى عليه الصلاة والسلام هو أفضل أنبياء بني إسرائيل، وهو بالنسبة لأولي العزم بالمرتبة الثالثة؛ لأن أولي العزم خمسة أفضلهم محمد ﷺ، ثم إبراهيم ثم موسى، وهو -أي موسى- أكثر الأنبياء أتباعًا بعد الرسول ﷺ؛ لحديث: أنه عليه الصلاة والسلام «رَأَى سَوَادًا عَظِيمًا قَدْ سَدَّ الْأُفُقَ فَقِيلَ: هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٠٥)، ومسلم (٢٢٠ / ٣٧٤) من حديث ابن عباس.]]. (﴿الْكِتَابَ﴾ التوراة)، وسميت كتابًا؛ لأنها مكتوبة، قال الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف ١٤٥] فهي نزلت مكتوبة. (﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ [فصلت ٤٥] بالتصديق والتكذيب كالقرآن) (اختُلِف فيه) من الذي اختلف فيه؟ أقوامه، قوم موسى، اختلفوا، فمنهم من صدَّق، ومنهم من كذَّب، لكن قوم موسى مشهورون بالعُتُوِّ والطغيان، والاستكبار العظيم، والجهل العميق، لما مروا بأقوام يعبدون غير الله ﴿قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف ١٣٨]، ولما صنعوا من الحلي عجلًا قالوا: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ [طه ٨٨]. فجعلوا العجل الذي صنعوه بأيديهم جعلوه إلهًا نسأل الله العافية، وإلى التتمة إن شاء الله. * طالب: أحسن الله إليكم (...) يشكل عليَّ قوله عليه الصلاة والسلام: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ لَا يُؤْمِنُ بِي». * الشيخ: أجبنا عنه. * طالب: أحسن الله إليكم، بالنسبة للرقية الشرعية، بعض الناس يتوسع فيها، ويجعل طرقًا من عنده بل إنه (...) الرقية على ما جاء عن السلف (...) لهم أن يتوسعوا. * الشيخ: لكن بالكيفية ولَّا بالكلمات؟ * طالب: بالكيفية يأتي بطرق من عنده. * الشيخ: أنا أرى أن الأولى بالقارئ أن يقتصر على ما جاء عن السلف، هذا الأولى، أما غير ما جاء عن السلف، فهذا ربما نقول: إنه خاضع للتجربة، إذا جُرِّب ونفع فالمقصود النفع، وإذا لم يُجرَّب ولكن الإنسان يتخرَّص فالظن بعضه إثم. * طالب: شيخ، بارك الله فيكم، سبق في القواعد أن الأصل إبقاء المطلق على ما جاء، وهنا يا شيخ بعض أهل العلم يقيدون بعض الأمراض بآيات معينة يقول: تقرأ آية كذا وكذا وكذا. هكذا فهل يا شيخ هذا يخالف القاعدة أم..؟ * الشيخ: لا، ما هي مخالفة للقاعدة، هذه موافقة للحكمة، كما ذكرنا قبل قليل، ماذا قلنا؟ * طالب: قلنا: نقرأ الآيات المناسبة. * الشيخ: إن المرض يُعالج بما يُناسبه. * طالب: يا شيخ، من أين عرفوا هذا؟ * الشيخ: حِكمة الله عز وجل، نعرف هذا من الحكمة. * طالب: يا شيخ (...) كثير من النساء مثلًا يتكشفن (...). * طالب آخر: قوله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ ألا يكون هدًى من الضلالة وشفاءً من الغي، فتكون الأولى لمرض الشبهات، والثانية لمرض الشهوات؟ * الشيخ: ذكرنا هذا، لكن اختلاف اللفظ. * طالب: شيخ، بارك الله فيك، قلنا: إنه يشترط في الرقية أن يكون المرقي الذي يُتلى عليه القرآن مؤمنًا به، المريض مؤمنًا به. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: وزعيم القوم هذا -يا شيخ- لم يكن مسلمًا؟ * الشيخ: لا، مؤمن، هو ما هو مؤمن بالقرآن، ما ندري عنه هل آمن بالقرآن ولَّا لا، لكن مؤمن بأن قراءتهم سوف تفيد، وهذا لا بد منه؛ لأنه إذا لم يُؤمن لم تنفعل النفس وتكون قابلة، لا يمكن أن تنفعل النفس لقبول هذا العلاج إلا إذا آمن بأنه مفيد. * طالب: الكافر يا شيخ يُتلى عليه القرآن؟ الكافر يُعالج بالقرآن؟ * الشيخ: إي نعم، يُعالج بالقرآن، وربما يكون علاجه بالقرآن أولى من علاج المؤمن به؛ لأنه إذا عرف أنه مؤثر يكون ذلك سببًا لإسلامه. * طالب: قوله تعالى في سورة يوسف: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف ٢٤] هذه ﴿لَوْلَا﴾ شرطية أم ماذا؟ تُشكل علي.. * الشيخ: اقرأ اللي قبلها: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف ٢٤] يعني لفعل فهي شرطية لكن محذوفة الجواب. * طالب: الهم ما حصل منه؟ * الشيخ: بلى، يعني لولا برهان ربه لفعل؛ يعني لأجابها إلى ما دعت، ما هو بـ(لولا برهان ربه لما هم)؛ لأن لو كان كذلك تناقض الكلام بل هو هَمَّ بها لكن لولا أنه رأى برهان ربه لأجابها إلى ما دعت. * طالب: استنطاق الجن بالقرآن، هناك بعض من يرقي يقول: إنه يستنطق الجن، وقالوا له كذا وقالوا له كذا، هل هذا يمكن؟ * الشيخ: والله يا أخي ما ندري عن هذا، دائمًا يقولون مثلما قلت: إنهم يستنطقون، ودائمًا يعالجون بالتخييل، يضع القارئ يده على رأس الإنسان، ويقول: غمِّض، ويقول: شوف، أشوف كذا وكذا، من تتهم؟ أتهم فلانًا، ما ندري، هذه طرق غريبة، فهذه تحتاج إلى دراسة؛ يعني أحوال هؤلاء القارئين تحتاج إلى دراسة ومعرفة كيف يتوصلون إلى هذا، ومن أين جاءهم؟ * طالب: أحسن الله إليكم، إذا قلنا: إن الضابط في إقامة الحجة الفهم؟ * الشيخ: نعم. * طالب: كيف الجواب يا شيخ عن قول الله عز وجل: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ﴾ [البقرة ٧]؟ * الشيخ: نعم، إي، ختم عليهم بعد الفهم؛ لأن الختم معناه قد يكون ختم يمنع الفهم، وقد يكون ختم يمنع الانقياد كقوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٤]. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ لما ذكر الله تعالى هذا الكتاب العزيز، وأنه للذين آمنوا هدى وشفاء، والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى بَيَّنَ ما كان من الأمم السابقة نحو كتبهم فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ ﴿آتَيْنَا﴾ بمعنى أعطينا، الجملة هذه مؤكدة بثلاثة مؤكدات وهي القسم واللام وقد، وتقدير الكلام: والله لقد آتينا، وهو يقع كثيرًا في الكتاب العزيز؛ أي: مثل هذه الصيغة تقع كثيرًا في القرآن. وقوله: ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ هذا الإتيان إتيان كوني وشرعي، فالله تعالى قد أنزل عليه التوراة فعلًا، وقد آتاه الحكم بها، وموسى هو ابن عمران أفضل أنبياء بني إسرائيل، وهو في المرتبة الثالثة بالنسبة لأولي العزم؛ لأن أولي العزم هم خمسة أفضلهم محمد ﷺ، ثم إبراهيم، ثم موسى. وقوله: ﴿الْكِتَابَ﴾ يعني التوراة، وسماها الله تعالى كتابًا؛ لأن الله تعالى كتبها بيده كما قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف ١٤٥]. قال: (﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ بالتصديق والتكذيب كالقرآن) (اختُلف)؛ أي اختلف الناس فيه، فمنهم المصدِّق ومنهم المكذِّب كما كان الناس أيضًا بالنسبة للقرآن وهكذا جميع الأمم بالنسبة لما جاءت به الرسل منهم المصدق ومنهم المكذِّب. ﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ كذلك أيضًا جميع ما جاءت به الرسل يختلف الناس فيه بين مؤمن وكافر، وهذا تسلية للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ (لولا) هذه كلمة شرطية حرف شرط وهي -كما قال النحاة- حرف وجود أيش؟ لوجود ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ﴾ هذا موجود ﴿لَقُضِيَ﴾ هذا معدوم حرف وجود بعدم. وقوله: ﴿كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ يقول المفسر: (بتأخير الحساب والجزاء للخلائق إلى يوم القيامة)، فإن الجزاء الكامل إنما يكون يوم القيامة، أما في الدنيا فهو جزاء لا شك يُعاقَب فيه المجرمون، ويفلح فيه المؤمنون، لكنه ليس الجزاء الكامل من كل وجه. (﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ في الدنيا فيما اختلفوا فيه) والمراد بذلك القضاء التام فلا يُنافِي هذا ما وَقَعَ لآل فرعون من الغرق والهلاك لما كذَّبوا موسى ﷺ (﴿وَإِنَّهُمْ﴾ أي المكذبين به ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ مُوقِع في الريبة). * في هذه الآية من الفوائد أوَّلًا: تأكيد الكلام إذا دعت الحاجة إليه؛ إما لأهميته، وإما للشك فيه، وإما لإنكاره، قال علماء البلاغة: والمخاطَب له ثلاث حالات: الحال الأولى: حال ابتداء، وهي ألا يكون عند المخاطَب عِلْم، ولا تردد، ولا إنكار، هذا تُلقَى إليه الجملة غير مؤكدة؛ لأنه لا حاجة للتوكيد مثل أن يُقال: قدم فلان اليوم. لإنسان لم يكن في قلبه شيء من قدومه إثباتًا ولا نفيًا، وتسمى هذه الجملة ابتدائية. الحال الثانية: أن يكون المخاطَب مترددًا في الأمر شاكًّا فيه لكنه لا ينكره، فهذا يحتاج إلى توكيد لكنه ليس بواجب مثل أن تُخاطِب رجلًا في أمر يستبعده لكنه لا ينكره فهنا يحسن أن تؤكد له الكلام من أجل أن يزول عنه الشك والتردد. الحال الثالثة: أن يكون منكرًا مُكذِّبًا، فهذا يتعين توكيد الخبر له؛ لأن ذلك أبلغ في إقامة الحجة عليه وإقناعه. إذن أحوال المخاطب ثلاث: ابتداء، وتردد، وإنكار. ولكل حال حكمها فيما يتعلق بالتوكيد. فإن قال قائل: يرد على كلامكم هذا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون ١٥، ١٦]، والمراد الجملة الأولى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ فلا أحد ينكر الموت حتى يُؤكَّد له؟ أجابوا عن ذلك بأن تكذيبهم وإنكارهم واستكبارهم وتمردهم يفعلون ذلك فِعل الْمُنكِر فخُوطِبوا خطاب المنكِر، وهذا لا شك أنه جواب صحيح. الذي معنا الآن: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ مؤكد بثلاثة مؤكدات، هل هو لإنكار المخاطب أو لتردده أم ماذا؟ قلنا: لأهمية الموضوع؛ لأن الموضوع مهم، فيحتاج إلى التوكيد لتسلية الرسول عليه الصلاة والسلام. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات رسالة موسى، تؤخذ من أين؟ وجه ذلك؟ * طالب: وجه ذلك أن الكتاب لا يؤتى إلا لنبي. * الشيخ: أحسنت، وجه ذلك أن الكتاب لا يُؤتى إلا لنبي. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الإيمان بأن الله تعالى آتى موسى كتابًا؛ لأن الله أخبر به وخبرُهُ حق؛ ولأن ذلك من الإيمان بكُتُب الله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الخلاف لم يكن بِدعًا في الأمم، وقد سبق هذه الأمة مَن اختلفوا في كُتبهم ورسلهم؛ لقوله: ﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تسلية المصاب بذِكْر المشارِك له؛ لأن الغرض من ذلك؟ الغرض من إخبار أن الله آتى موسى الكتاب فاختلف فيه تسلية النبي عليه الصلاة والسلام، وعلى هذا فينبغي تسلية المصاب، ومنه ما يسمى بتعزية المصاب بالموت، فمن أُصيب بموت فإن من السنة أن يُعزَّى أي يُقوَّى على الصبر على المصيبة. إذن * من فوائد الآية: تسلية المصاب وهل هذه التسلية سُنَّة أو هي مُباحة؟ نقول: هي سنة لما في ذلك من رفع ألم المصيبة عن أخيك المسلم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حِكمة الله عز وجل بتأخير العذاب عمن كذبوا الرسل؛ لأن الله تعالى جعل لكل شيء قدرًا، فمِن حكمته تأخير العذاب عن الأمم لعلهم يرجعون. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تمام سلطان الله عز وجل، وأنه جل وعلا هو المدبِّر للأمور أخذًا ورفعًا؛ لقوله: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: رفعة منزلة الرسول عليه الصلاة والسلام عند الله تؤخذ؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، رفعة منزلته؛ لأنه قال: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ فأضاف الربوبية إليه، وهذه ربوبية خاصة وهي تفيد علو منزلة المربوب عند الله عز وجل، وقد اجتمعت الربوبيتان العامة والخاصة في قول السحرة من آل فرعون: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢] الأولى: (رب العالمين) عامة، والثانية خاصة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى يُكنِّي عن الشر ببناء الفعل لما لم يُسمَّ فاعله؛ لقوله: ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ ولم يقُلْ: لَقَضى بينهم، وهذا هو المطرد في القرآن والغالب، وانظر إلى أدب الجن حيث قالوا: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن ١٠] أدب عالٍ، وفي الشر قالوا: ﴿أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ ولم يضيفوه إلى الله، وفي الرَّشَد قالوا: ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ ولم يقولوا: أم أُرِيد بهم رشدًا، بل قالوا: ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ وهذا من أدب الجن، والجن أحيانًا يكونون آدَب من الإنس ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾ [الأحقاف ٢٩] أوصى بعضهم بعضًا أن ينصتوا حتى يستمعوا استماعًا تامًّا ﴿فَلَمَّا قُضِيَ﴾ أيضًا لم يتوقفوا أو يكسلوا ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف ٢٩] بادروا إلى قومهم منذرين ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا﴾ [الأحقاف ٣٠] إلى آخره. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المكذِّبين بكتاب موسى في شك مريب مُوقِع في الريب وهو الشك مع القلق؛ يعني الفرق بين الريب والشك قريب؛ ولهذا يُفسِّر بعض العلماء الريب بالشك، ولكن شيخ الإسلام رحمه الله قال: هذا تفسير قريب، والريب أخص من مطلق الشك؛ إذ إن فيه قلقًا مع الريبة، وذلك لأن الأمر المشكوك فيه إما ألا يكون ذا أهمية فتجد الشاك فيه يقول: ما يهمني ثبت أم لم يثبت، وإما أن يكون ذا أهمية فحينئذٍ إذا شك فيه سيكون في قلق أيؤمن بهذا أم ينكر؛ لأنه أمر هام؟ فالغالب أن الريبة لا تأتي إلا في الأمور الهامة، وأما الشك الذي يشك هل فلان قدم أو ما قدم، وليس له أهمية في قدومه أو غيابه فهذا لا يُوجب الريبة. ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾، * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان يجب ألا يخالطه شك، وأنه إذا وَرَد على القلب شك ولو يسيرًا بشرط ألا يدافعه بل يركن إليه فإن هذا مُحبِط للإيمان، أما لو ورد الشك على القلب وطرده، وجاهد نفسه على دفعه فهذا لا يضره شيئًا؛ ولهذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الناس يتساءلون: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقولوا: من خلق الله؟ وهذا شك، ولكن الرسول أخبر قال: «فَإِذَا بَلَغَ أَحَدَكُمْ ذَلِكَ -أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا- فلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ»[[أخرجه مسلم (١٣٤ / ٢١٢) من حديث أبي هريرة.]]. وأخبره الصحابة أنهم يجدون في نفوسهم ما يحبون أن يكونوا حممة -أي فحمة محترقة- ولا ينطقون به، فقال ﷺ: «ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ»[[أخرجه مسلم (١٣٢ / ٢٠٩) من حديث أبي هريرة.]]. فالحاصل أن الشك الوارد على القلب إن اطمأن به الإنسان وركن إليه فليعلم أنه ليس بمؤمن؛ لأن الإيمان ينافيه شيئان؛ الشك والإنكار، أما إذا ورد على القلب وطارده وجاهد نفسه على تركه ففي هذه الحال يضره أو لا؟ لا يضره، بل هذا صريح الإيمان وخالص الإيمان، وذلك أن الشيطان لا يُورد مثل هذه الأمور على قلب ميت، القلب الميت مستريح منه، إنما يورده على قلب حي ليميته. ولما ذكر اليهود لابن مسعود أو لابن عباس أنهم كانوا لا يُوسوسون في صلاتهم، يريدون بهذا أن يفتخروا على المسلمين، قال: صدقوا، وما يصنع الشيطان بقلب خراب؟! كلمة عظيمة؛ يعني يقول: إن قلوبهم خربة، والشيطان ماذا يصنع في قلب خراب؟! أيأتي إليه ليخربه؟ الجواب: لا، إنما يأتي الشيطان بهذه الوساوس إلى قلب حي ليهلكه أو يمرضه.

فصلت 41:46

يقول: ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾. ثم قال عز وجل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت ٤٦]، ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ هذه جملة شرطية أداة الشرط فيها (مَنْ) وفعل الشرط؟ * طالب: عمل. * الشيخ: وجواب الشرط؟ * طالب: ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾. * الشيخ: ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ تمام، هذه الجملة الشرطية، فعل الشرط ﴿عَمِلَ﴾، وجواب الشرط ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾، واقترنت بالفاء؛ لأنها جملة اسمية؛ إذ التقدير: فعمله لنفسه، وقدرها المفسِّر بقوله: (فلنفسه عمل)، ولكن إذا قدرناها جملة اسمية فلا حرج. ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾، ﴿صَالِحًا﴾ هذه صفة لموصوف محذوف، والتقدير: عملًا صالحًا، فما هو العمل الصالح؟ العمل الصالح ما اجتمع فيه أمران: الأول: الإخلاص لله عز وجل، والثاني: المتابعة لشريعة الله، انتبه، المتابعة لشريعة الله، لا نقول: المتابعة لمحمد ﷺ؛ لأننا نتكلم عن العمل الصالح في هذه الأمة وفي غير هذه الأمة، فنقول: الإخلاص لله، والمتابعة لشريعة الله؛ ليشمل ما كان في أمة محمد ﷺ وما كان في أمم سابقة، إذا فُقِد الإخلاص فليس بصالح؛ لأنه شِرْك مردود على صاحبه، قال الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]. ومن أخلص لكن على غير شريعة الله فعمله بدعة مردود؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[أخرجه مسلم (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة.]] وفي رواية: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٧) من حديث عائشة.]]. إذن العمل الصالح ما اجتمع فيه شرطان. * طالب: (...). * الشيخ: أحسنت، وعرفتم الدليل، قال: ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾. قوله: ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ يعني فالمصلحة لنفسه، فإن ذلك لا ينفع الله شيئًا؛ ولهذا قال الله تعالى في الحديث القدسي الذي رواه أبو ذر رضي الله عنه أن الله قال: «يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ واَحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر.]]. لماذا؟ لأن الله تعالى لا ينتفع بطاعة الطائعين، ولا يتضرر بمعصية العاصين، العمل لنفسه. (﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ أي فضرر إساءته على نفسه) ولو قلنا: التقدير: (فإساءته عليها) لكفى، ﴿مَنْ أَسَاءَ﴾ أي: عمل عملًا غير صالح، ما الذي يدلنا على أن المراد بالإساءة هنا العمل غير الصالح؟ لأنه قُوبل بما سبق، بمن عمل عملًا صالحًا، وهذا أحد الطرق التي يُعرَف بها تفسير القرآن الكريم بل وغيره من الكلام، إذا ذُكر الشيء، ثم ذُكر ما بعده على وجه المقابلة ففسِّر ما بعده على ضد ما قبله، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء ٧١] لو أنك تأملت ما معنى ﴿ثُبَاتٍ﴾ هل معناها: انفروا ثابتين على الجهاد؟ لا، يفسرها ما بعدها ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ فيكون معنى ﴿ثُبَاتٍ﴾ أي: فرادى أو انفروا جميعًا. ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ إذن الإساءة تكون إما بالإشراك بالله كالرياء مثلًا، وإما بالبدعة كبِدَع الصوفية وغيرهم من أصحاب الطرق الذين هم مخلصون لله، ويودون التقرُّب إلى الله لكن بغير ما شرع الله فكانوا ضالين كالنصارى تمامًا. (﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أي بذي ظلم)، ﴿وَمَا رَبُّكَ﴾ هذه كقوله -فيما سبق- ﴿سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾، ﴿وَمَا رَبُّكَ﴾ الخطاب لمن؟ للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و(ما) هنا تميمية أو حجازية؟ كل ما في القرآن فهو حجازي؛ لأنه بِلُغة قريش، وعلى هذا فمتى أتتك (ما) فهي حجازية قال، الله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف ٣١] ولو كانت تميمية لقال: (ما هذا بشر)، لكن قال: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾، إذن كلما أتتك (ما) التي تكون دائرةً بين الحجازية والتميمية فاجعلها حجازية، فهنا نقول: (ما) حجازية، و(رب) اسمها، و(ظلام) خبرها، لكنه جُرَّ بحرف الجر الزائد. وقوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ﴾ هل الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام أم هو عام؟ سياق الآية يدل على أنه خاص بالرسول عليه الصلاة والسلام ولكن ليُعلم أن ما وُجِّه الخطاب فيه إلى رسول الله ﷺ فإنه لا يعني أن الحكم خاص به بل هو له وللأمة؛ ولهذا نقول: الخطاب الموجَّه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما دل الدليل على أنه خاص به كقوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١]، هذا خاص ولَّا عام؟ خاص بالرسول. الثاني: ما دل الدليل على أنه عام كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ وهذا خطاب للرسول ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق ١] هذا عام؛ لأنه قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾، ومنه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم ١، ٢] فأول الآية خاص والثاني عام. القسم الثالث: ما لا دليل فيه على هذا، ولا على هذا فهو خاص بالرسول لكن نحن لنا فيه أسوة، وقيل: إنه للأمة لكن خُوطب بها الرسول؛ لأنه قائدها عليه الصلاة والسلام. ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ قال المؤلف: (أي بِذي ظلم)، إشارةً منه رحمه الله إلى أن (ظلَّام) صيغة نسبة وليست صيغة مبالغة؛ لأن (فعَّالًا) تأتي للنسبة كـ(نجَّار وحداد وخشَّاب)، وما أشبه ذلك، وتأتي للمبالغة فهنا هل (ظلَّام) هنا للمبالغة أو للنسبة؟ يتعين أن تكون للنسبة؛ لأنك لو جعلتها للمبالغة لكان المنفي هو المبالغة في الظلم دون أصل الظلم، والمعلوم أن الله تعالى منفي عنه الظلم أصله والمبالغة فيه. إذن يتعين أن نقول: إن (ظلَّام) صيغة نسبة، وليست صيغة مبالغة؛ ولهذا فسرها بقوله: (أي بذي ظلم)، واستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء ٤٠]. ﴿لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ ومن انتفى عنه الظلم في مثقال ذرة لا يُمكن أن يكون لديه ظُلم بأكثر، ولا بمثقال ذرة أيضًا، ولا بدون مثقال ذرة. فإن قال قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ مفهومه أن ما دونها يمكن. قلنا: لا؛ لأن ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ جيء به على سبيل المبالغة، ما هو التمثيل، المبالغة، وما كان قيدًا للمبالغة فإنه لا مفهوم له، أرأيتم قول الرسول ﷺ: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٥٢)، ومسلم (١٦١٠ / ١٣٧) من حديث سعيد بن زيد.]]؟ فهل نقول: من اقتطع نصف شبر لا يُعاقب عليه؟ لا، لكن ذكره على سبيل المبالغة. ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (أي بذي ظلم). وقوله: ﴿لِلْعَبِيدِ﴾ أي العبيد شرعًا أو كونًا؟ كونًا، للعبيد كونًا؛ يعني لن يظلم حتى الكافر، لا يظلمه الله عز وجل. فإن قال قائل: إن الله تعالى -وحاشا- يظلم الكافر، الكافر مُتِّع في الدنيا ولتقل ألف سنة على كُفْر -وعبد الله الأفغاني أظنه يفكر- فسيُخَلَّد في النار كم؟ إلى الأبد آلاف وملايين السنين مع أنه لم يكفر إلا ألف سنة، فالعقوبة زائدة على العمل، وهذا ظُلْم، لو قال قائل هكذا؟ قلنا: كلا والله، إن الله تعالى أعذر إلى هذا الرجل ببعث الرسل، وإنزال الكتب، وأعطاه عقلًا وقال: إن فعلتَ كذا عذَّبتك أبد الآبدين، فأقدم باختياره. وهل إذا فعل ما يُوجب هذه العقوبة باختياره، ثم عُوقِب بها هل يُقال: إنه مظلوم؟ أبدًا لا يقال: إنه مظلوم، هذا لو كان جاهلًا بالعقوبة لقلنا: نعم، الواجب أن لا يُعاقَب إلا بمقدار ذنبه كمًّا وكيفًا، لكنا نقول: هذا الرجل قد علم وأُعذِر إليه بإرسال الرسل وبيان ما يعذب به، ومع ذلك أصر كأنه يقول: أنا لا أبالي إذا عُذِّبت أبد الآبدين، وحينئذٍ يكون هو الذي جنى على نفسه وفعل ما يوجب هذا العذاب المؤبد. ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ * في هذه الآية من الفوائد: الحث على العمل الصالح؛ لقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾؛ لأنك متى علمت أن عملك لنفسك فسوف تجتهد في ذلك، إذن ففيه الحث على العمل الصالح. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل عمل لا إخلاص فيه فهو ضرر على صاحبه وليس له؛ لأننا فسرنا العمل الصالح بأنه ما جمع بين شرطين: الإخلاص والمتابعة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من عمل عملًا بدعيًّا فعمله عليه لا له؛ لأنه لا يدخل في العمل الصالح، إخواننا، كثير من الذين يعملون بهذه البدع تجدهم يبكون ويخشعون، وتلين قلوبهم، ولهم من البكاء ما لا يكون عند المخلصين المتَّبِعين فماذا نقول؟ أجيبوا؟ نقول: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف ١٠٣، ١٠٤] فلا يخدعنك هذا الشيء الذي يقع منهم؛ لأن هذا من إغواء الشيطان لهم وغروره إياهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا يمكن أن يصل ثواب العمل الصالح إلى الغير؛ لقوله: ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ وبهذا أخذ أكثر العلماء وقالوا: إن الميت لا ينتفع إلا بعمل ولده فقط، أما غيره فلا، يعني لو أنك اعتمرت لصديق لك ميت أو حي لا يستطيع العمرة فإن ذلك لا ينفعه ليش؟ لأن من عمل صالحًا فلنفسه لا يتعدى غيره، وما جاءت به السنة من صيام المرأة نذر شهر على أمها[[أخرجه مسلم (١١٤٨ / ١٥٦) من حديث ابن عباس.]]، أو حجها عن أبيها الذي لا يثبت على الراحلة[[متفق عليه؛ البخاري (١٥١٣)، ومسلم (١٣٣٤ / ٤٠٧) من حديث ابن عباس.]] فهذا إنما وقع من الولد، وقد قال النبي ﷺ: «إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ»[[أخرجه أبو داود (٣٥٢٨)، والترمذي (١٣٥٨) من حديث عائشة.]]. فالعمل من كسب الأب والأم، وهو جزء من أبيه كما قال النبي ﷺ: «فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، يَرِيبُهَا مَا رَابَنِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٣٠)، ومسلم (٢٤٤٩ / ٩٣) من حديث المسور بن مخرمة.]]. قال ذلك على المنبر، وأشار عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث -وهو حديث طويل- إلى التنديد بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأثنى على أبي العاص بن الربيع زوج ابنته زينب وقال: «حَدَّثَنِي فصَدَقَنِي، وَوَعَدَنِي فَوَفَى لِي». وانتقد عليًّا؛ لأنه قيل: إنه أراد أن يتزوج بنت أبي جهل، فقام الرسول وخطب الناس وقال: «فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي يَرِيبُهَا مَا رَابَنِي». وتكلم بكلام غليظ لكن الأمر عدل عنه علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما رأى النبي ﷺ متأثرًا هذا التأثر، وأنه لا يمكن أن يُجْمع بين بنت نبي الله وبنت عدو الله؛ لأن هذا يكون متحدَّث الناس. على كل حال نحن نقول: إن بعض أهل العلم أخذ بما يفيده ظاهر هذه الآية، وقال: لا ينفع العمل لأي إنسان نويته إلا من الولد، ولكن كثيرًا من العلماء قال: بل إن الذي ينتفع به الميت من ولده لا مانع أن ينتفع به من غيره، وربما يُستدل لذلك بحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ سَمِع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة. قال: «مَنْ شَبْرَمَةُ؟». قال: أخٌ لي أو قريب لي[[أخرجه أبو داود (١٨١١)، وابن ماجه (٢٩٠٣) من حديث ابن عباس.]]. فقال: أخ أو قريب وهو محرِم عنه. قالوا: فهذا يدل على أنه يجوز للإنسان أن ينوب عن غيره فيُقال: هذه النيابة عن الغير والحج أيضًا يُسلَّم له، ولكن الذي يظهر لي أنه لا فرق بين الولد وغيره وبين الحج وغيره، لكن الذي ننتقده إسراف الناس الآن في الأعمال للأموات، تجده يحفظ القرآن في رمضان عدة مرات، ويقول: المرة الأولى لأمي، والثانية لأبوي، والثالثة لجدتي، والرابعة لجدي، والخامسة لأخي، والسادسة لأختي، والسابعة لعمي، والثامنة لعمتي، ويطلع رمضان ليس له ثواب، كله أعطاه الناس، هذا غلط هذا، إفراط، وليس من هدي السلف الصالح. كذلك أيضًا بعض الناس يُسرف ويُخالف السنة في إسرافه، تجده يذهب يعتمر، أول عمرة له، وفي نفس الوقت وهو بمكة ثاني عمرة لأمه، وثالث عمرة لأبيه، كل يوم عمرة، وإذا قدرنا أنه بقي عشرة أيام وله عشرة أقارب: عشر عمرات، هذا غلط، ليس من هدي السلف، والشرع ليس حسب الذوق أو ميل النفس أو الهوى، الشرع مُحدَّد، هل ورد عن السلف أنهم يكررون العمرة؟ لا لأنفسهم ولا لغيرهم، ما ورد إطلاقًا، فأصل تكرار العمرة في سفر واحد أصله غير مشروع؛ ولهذا قال عطاء بن أبي رباح وهو عالم مكة في زمنه قال: لا أدري هؤلاء الذين يخرجون إلى التنعيم أيأثمون أم يسلمون؟ يعني معناه أنه ليس لهم أجر؛ لأنه ما ورد عن الرسول عليه الصلاة والسلام ولا عن الصحابة؛ فلذلك يجب عليكم أنتم طلبة العلم أن تبينوا للناس حتى وإن انتقدوكم، دائمًا نحن نحذر من هذا في الحرم، ونقول: هذا غلط، وليس بمشروع، ثم يأتون يذهبون إلى ناس من الناس، ويقول: لا، ما يخالف، أول يوم لك، وثاني يوم لأمك، وثالث يوم لأبوك، ما يخالف. (...) العالم كل واحد عمرة، وإن كثُر أقاربك وقلَّت أيامك في مكة فلا بأس أن تأخذ عُمرتين في يوم، ما فيه مانع، وإن كثروا أكثر وقلَّت الأيام أقل اجعل عمرتين في اليوم وعمرتين في الليل، لا إله إلا الله من قال هذا؟! لكن المشكلة أن بعض العلماء يتهاونون في هذه الأمور، ولا يُريحون عباد الله، تجده مسكين في أيام موسم الحج، يتكلف كلافة عظيمة في الزحام والمشقة، ومع ذلك يصر على أن يأتي بعمرة لأبيه وأمه مع أن هذا ليس من هدي السلف، ويضيق على الناس، والناس يضيق بعضهم على بعض، فنسأل الله الهداية. إذن على كل حال قوله: ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ استدل بها بعض العلماء على أن العمل الصالح لا يتعدى الغير؛ أي لا يتعدى فاعله ونحن نقول: ما جاءت به السنة فهو مُخصِّص لهذا، والسنة تفسر القرآن وتبينه، ثم هل يُقاس عليه؟ هذا محل نظر وعندي أنه لا بأس أن يُقاس عليه؛ لأن الذي ورد إنما هو قضايا أعيان، فإذا كان قضايا أعيان فرُبَّما نقول: ونقيس على هذه العين ما شابهها لكن الذي يُنكَر هو الإسراف والإفراط. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن مَنْ أساء فعلى نفسه أساء لا يضر الله شيئًا، ولكن لو قال قائل: أليس النبي ﷺ أخبر بأن «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله.]]؟ إذن هذا الإنسان صارت إساءة غيره عليه، والله يقول: ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ على نفسه فقط، فيُقال: إن كونه سنَّ هذه السيئة هو عمله الذي تبعه الناس عليه، ولولا أنه فعل ما فعله الناس، فالناس إنما فعلوا اتباعًا له، فيكون هذا في الحقيقة من فعله؛ لأنه هو الذي سنَّ هذه السنة السيئة؛ ولهذا «مَا مِنْ إِنْسَانٍ يَقْتُلُ نَفْسًا عَمْدًا بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٨٦٧)، ومسلم (١٦٧٧) من حديث ابن مسعود.]]. من الذي قتل أولًا من بني آدم؟ هو قابيل، قَتَلَ هابيل، قتل هابيل حسدًا بدون إساءة إليه، قرَّبَا قُربانًا فتقبل الله من هابيل ولم يتقبل من قابيل، فقال له: لأقتلنك. ليش؟ حسدًا؛ لأن الله قبل من صاحبه ولم يقبل منه، فأرشده صاحبه إلى ما يكون به القبول قال: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة ٢٧]، ومعنى الآية حثه على أن يتقي، وليس المعنى أنه يمدح نفسه أنه كان متقيًا فقُبِل، وإنما يحث على التقوى كأنه يقول: اتقِ الله يتقبل منك. ثم قال له: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة ٢٨]، ولعل هذا لم يكن مشروعًا في عهدهم أن يُدَافِع الإنسان عن نفسه؛ لأن في شريعتنا من أراد قتلك يجب عليك أن تدافعه، يجب حتى لو قتلته فهو في النار، ولو قتلك فأنت شهيد، لكن لعله في عهدهم لم يكن ذلك مشروعًا، وهو من الآصار التي كتبها الله على من قبلنا ونجانا الله منها ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ﴾ [المائدة ٢٨، ٢٩]، إلى آخره، المهم على كل حال نقول: من سَنَّ سُنَّة سيئة فَسَنُّه من عمله فيكون وزر من عمل بها عليه؛ لأنه هو الذي سنها. * ومن فوائد الآية الكريمة: انتفاء الظلم عن الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ وهذه من صفات النفي، أو من صفات الإثبات؟ من صفات النفي، وصفات الله تعالى نوعان: صفات إثبات، وصفات نفي، فصفات الإثبات كثيرة جدًّا، وصفات النفي أقل، ولكن مع ذلك صفات النفي هي في الحقيقة صفات إثبات؛ لأن المراد بالنفي إثبات ضد ذلك، فمثلًا ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ﴾ المراد إثبات كمال عدله، وأن عدله لا ظُلم فيه بوجه من الوجوه. إذن خذ قاعدة عريضة: لا يوجد النفي المحض في صفات الله أبدًا، كل نفي في صفات الله فهو إثبات، إثبات لأيش؟ إثبات للنفي ولا إثبات لضده؟ إثبات لضده، فكأنه يقول عز وجل: هو أعدل الحاكمين ولا ظلم في حكمه إطلاقًا واضح؟ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم ٦٤] من صفات النفي أو الإثبات؟ من صفات النفي، لكن لإثبات كمال علمه، وأنه لكمال علمه لا يرد عليه النسيان إطلاقًا، علمنا نحن يرد عليه النسيان وهو أيضًا حاصل بعد جهل سابق ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل ٧٨]، فعلمنا في الواقع معيب من وجوه، ما هو من وجهين: الوجه الأول: أنه مسبوق بجهل. الثاني: أنه ملحوق بنسيان. الثالث: أنه ليس شاملًا عامًّا. على كل حال نقول: هذا النفي في صفة الله لا يراد به النفي المحض، بل هو إثبات في الواقع؛ إذ إن المراد به؟ * طالب: إثبات كمال ضده. * الشيخ: إثبات كمال ضده ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ﴾ أي أنه عدْل لا ظُلم في عدله إطلاقًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات العدل في أعلى مقاماته، كيف؟ حيث قال: ﴿لِلْعَبِيدِ﴾ أي لعبيده، وهذا أبلغ لو قلت لك: أنت لا تظلم عبيدك فهو أبلغ مما لو قلت: أنت لا تظلم الناس. ليش؟ لأن عدم ظلمك الناس؛ لأنه لا سيطرة لك عليهم، لكن إذا كنت لا تظلم عبيدك كان هذا أبلغ في إثبات العدل. إذا كنت لا تظلم من لك سُلطة عليه فلئلا تظلم من لا سُلطة لك عليه من باب أولى، إذن فقابِل ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ بقول القائل: فلان لا يظلم الناس، أيهما أبلغ؟ الأول؛ لأنه إذا كان لا يظلم عبيده مع أنهم عبيده يفعل فيهم ما شاء فلئلا يظلم غيرهم، ولكن هذا على سبيل الفرض وإلا كل من في السماوات والأرض آتي الرحمن عبدًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على الجبرية، يقول الجبرية: إن الظلم في حق الله مُحال، وانتفاء المحال ليس مدحًا، أقول لكم الآن: انتفاء المحال ليس مدحًا. * طالب: (...). * الشيخ: لا، ليش؟ لأن الْمُحال لا يمكن وجوده لذاته، ولو أراده الإنسان لم يُوجَد؛ لأنه مُحال، لكن انتفاء الممكن إذا كان الانتفاء مدحًا فهو مدح، هنا ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ﴾ هل تفيد الآية أن الظلم في حقه ممكن؟ نعم، تفيد أنه ممكن لكن لكمال عدله لا يمكن، فالظلم ليس محالًا لذاته في حق الله بل هو محال لكمال عدل الله، أنتم فاهمين ولَّا لا؟ وبهذا يتحقق المدح؛ مدْح الله تعالى بانتفاء الظلم عنه، أما لو كان شيئًا محالًا لا يمكن فالمحال لا يُمدح به. ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ نمشي ولا انتهى الوقت؟ * طالب: (...) الذين يعملون (...). * الشيخ: يكون في قلبهم. * طالب: (...) واستدللنا بقوله تعالى: (...). * الشيخ: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾. * طالب: (...) مع أن هذه الآية نزلت في الكفار (...). * الشيخ: كل من عمل سيئًا وهو يظن أنه محسن داخل في الآية، وإن كان هذه الآية ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ [الكهف ١٠٥] لكنها تشمل حتى غيرهم. * طالب: (...). * الشيخ: نتبع هذا، الآن نحكم بهذا على أنه ما ثبت قُبحه بعمل معين يُشاركه ما وافَقَه في العلة. * طالب: شيخ، بالنسبة للأمور التي يُحدِّث الشخص بها نفسه غير الشرك كالمعاصي إذا ركن إليها ولم يعمل بها هل تدخل في قول النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ ..».» * الشيخ: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٦٩)، ومسلم (١٢٧ / ٢٠٢) من حديث أبي هريرة.]]. * طالب: ما لم يكن شركًا وركن إليها كالمعاصي؟ * الشيخ: يعني أرادها؟ * الطالب: ولم يعملها.. * الشيخ: أقول لك: أرادها أو لا؟ * الطالب: أنا لا أقول: أرادها؛ لأنه لو أرادها. * الشيخ: ويش معنى هذا؟ * الطالب: يعني فكَّر فيها. * الشيخ: فكَّر فيها ولكن ما هَمَّ بها، هذا لا شيء عليه، لكن السلامة أسلم؛ ولهذا نقول: إن من أراد المعصية ولم يفعلها له ثلاث حالات: الحال الأولى: أن يعجز عنها، ويفعل الأسباب التي يريد الوصول بها إليها ولكن يعجز كرجل سارق هَمَّ بالسرقة ووضع السُّلم على الجدار ليصعد منه، وبينما هو في أثناء الصعود إذا برجل يمر من الشارع فنزل وهرب، هذا يُكتَب له عمل السيئة كأنه عملها تمامًا مع أنه لم يعملها، نقول: لأنه أرادها وعمل لها لكن عجز والدليل لذلك قول النبي ﷺ: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ». قَالُوا: يا رسول الله، هذا القاتل -يعني في النار- فما بال المقتول؟ قال: «لِأَنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١)، ومسلم (٢٨٨٨ / ١٤) من حديث أبي بكرة.]]. إذن من هَمَّ بالسيئة وعمل لها عملها، لكن عجز عن إتمامها كُتِب له وزرها كاملة. الثانية: من هَمَّ بها وتمنَّاها ولكنه عجز عنها بدون أن يعمل عملها، فهذا عليه وزر النية، والدليل على هذا أن النبي ﷺ أَخبر عن رجل آتاه الله المال فجعل يتخبط فيه، فقال الفقير: لو أن لي مِثْلَ مال فلان لعملت فيه عمل فلان. قال: «فَهُوَ بنِيَّتِهِ فَهُمَا فِي الوِزْرِ سَوَاءٌ»[[أخرجه الترمذي (٢٣٢٥)، وابن ماجه (٤٢٢٨) من حديث أبي كبشة الأنماري.]]. في الوِزْر العملي أو في الوزر الإرادي؟ الإرادي؛ لأن هذا لم يعمل. الثالثة: أن يكون هَمَّ بها، همَّ بالسيئة، وعزم عليها، ولكن تذكر خشية الله، فتركها خوفًا من الله فهذا يُكتب له ذلك حسنةً كاملة. هناك قسم رابع لكن ما يدخل في تقسيمنا، وهو من لم تطرأ له المعصية، ما طرأت على باله، فهذا لا يُكتب له ولا عليه كإنسان مستقيم ولا يطرأ على باله السرقة ولا الزنا، ولا شُرب الخمر، هذا ليس له ولا عليه، لكن هذا غير داخل في تقسيم الإرادة، نتكلم على تقسيم الإرادة؛ يعني من أراد السوء. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، هنا صيغتان لمن أراد أن يعمل لغيره: الصيغة الأولى: أن ينوي النية للغير من ابتداء العمل من الأصل، من حين ما أراد أن يكبر نوى أنها لأبيه أو أمه، فهذا يصح ولا إشكال فيه؛ لأنه كالذي يحج ناويًا الحج عن أبيه أو أمه من الأصل. الثانية: أن يعمل العمل، ثم بعد الفراغ منه، ينويه لأبيه وأمه، هذه اختلف فيها العلماء حتى الذين يقولون: بجواز إهداء القرب اختلفوا هل يصح هذا أم لا؟ ووجه الفرق بين هذه والتي قبلها أن التي قبلها ابتدأ النية من أول الفعل، فهو يفعل يتحرك ويتكلم يشعر أنه قائم به عن الغير، أما هذا فقد صلَّى وانتهى من صلاته على أنها له فثبت الأجر له، وإذا ثبت الأجر له فليس من حقه أن يتصرف بالثواب، هو يتصرف بالعمل، أما الثواب فلا، يعني فيقول هؤلاء: إنه إذا أهدى العمل بعد فعله لا يصل إلى الْمُهدَى إليه، ليش؟ لأن العمل ثبت لنفسه وانتهى العمل والنية لنفسه، وإذا أهداه لغيره فقد تصرَّف في الثواب، والتصرف في الثواب ليس إليه، وإنما هو إلى من؟ إلى الله عز وجل، وليس هذا أمرًا ماليًّا، تقول: والله بأعطي فلانًا عشرة دراهم مئة درهم، هذا ثواب عند الله عز وجل، وكُتب لك وانتهى الأمر، وهذا التفريق تفريق جيد وله معنًى لطيف، أفهمت؟ * طالب: قسمان الأول: (...). * الشيخ: من أول الأمر نعم. * الطالب: والثاني إذا عمل (...). * الشيخ: يعني بعض العلماء يقول: هذا لا يصح، الثاني: لأنه تصرف في الثواب، والأجر تم حينما انتهى من العبادة تَمَّ لمن؟ لهذا الرجل العامل. * طالب: والتصرف في الثواب يكون لله. * الشيخ: إي، لا، جيد ما شاء الله تمام، ويش لونك قاعد مقابلًا بالكلية؟ أقول: هذا لا شك أنه معنى جيد التفريق بين أن تعمل العمل من أوله لصاحبك وبين أن تعمله لنفسك، ثم بعد ذلك تُهدي ثوابه لصاحبك فيُقال: العمل الآن كُتِب لك، والثواب كُتِب لك، فلا يمكن أن تتصرف فيه؛ التصرف في الثواب إلى الله عز وجل والله أعلم؟ * طالب: القول الثاني: (...) القول الأول: أنه لا يصح. * الشيخ: ما قلنا: الأول؟ قلنا: لا بأس، العلماء لا يُفرِّقون، لكن الثاني هو اللي فيه الخلاف. * طالب: (...). * الشيخ: أيش؟ التوكيد لأيش؟ * طالب: للاهتمام. * الشيخ: للاهتمام؟ * طالب: التوكيد (...). * الشيخ: يعني صيغة الخبر؟ هل يُؤكَّد أو لا يُؤكَّد؟ * طالب: نقول: التوكيد (...) بمعنى الخبر. * الشيخ: يعني قصدك أن الجملة الخبرية تؤكد للاهتمام بالأمر؟ إي، ويش فيه؟ * طالب: (...). * الشيخ: في الحال الثلاث لأيش؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، الاهتمام به حتى وإن كان المخاطَب مُقِرًّا، يعني توكيد الخبر للاهتمام به وإن كان المخاطب مُقِرًّا، حال المخاطَب لا تستدعي التوكيد؛ لأنه مقر لكن الاهتمام به يقتضي التوكيد، مثلًا ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة ١] إن خاطبنا به المؤمن فهو للتوكيد فقط، للتوكيد والاهتمام بالأمر، إن خاطبنا به المُنكِر صار للإنكار.

فصلت 41:47

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. نبتدئ الدراسة الصيفية الصباحية في مسجد الجامع الكبير في عنيزة هذا اليوم السبت، الأول من ربيع الأول، نسأل الله تبارك تعالى أن يرزقنا وإياكم علمًا نافعًا وعملًا صالحًا متقبلًا ورزقًا طيبًا واسعًا، وكما سيكون بين أيديكم إن شاء الله جدول سوف نسير عليه بإذن الله، نسأل الله التوفيق، نبدأ الآن في التفسير، القارئ مَنْ؟ مَنْ أَحسنكم قراءةً وصوتًا؟ سَمِّ بالله ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾. * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ﴾. * الشيخ: الأحسن أن تقف. * الطالب: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧) وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨) لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [فصلت ٤٧ - ٥٠]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ هذا هو درس التفسير -أي: تفسير كتاب الله عز وجل- وليُعلم أن أولى ما يُعتَنى به في معرفة معناه هو كتاب الله عز وجل؛ لأنه أصدق الكتب وأحكمها وأنفعها للقلب والجوارح؛ «ولأن هذا دأب الصحابة رضي الله عنهم فقد كانوا لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل، فتعلموا القرآن والعلم والعمل جميعًا»[[أخرجه الطحاوي في المشكل (١٤٥٢) عن أبي عبد الرحمن السلمي.]]. والطريقة الْمُثلى للتفسير: أن يُفسَّر القرآن بالقرآن؛ لأن تفسير القرآن بالقرآن هو تفسير ممن أنزله تبارك وتعالى وهو أعلم بمراده فيُفسَّر القرآن بالقرآن، فإن لم يكن فبالسنة، فإن لم يمكن فبأقوال الصحابة ولا سيما المشهورون منهم بالتفسير كابن عباس رضي الله عنهما وابن مسعود، فإن لم يمكن فهل نرجع إلى أقوال التابعين في هذا أو لا؟ أما من عُرِف بالأخذ عن الصحابة رضي الله عنهم فلا شك أن قوله راجح على غيره لكنه غير مُلزم، ثم بعد هذا يُؤخذ تفسير القرآن من تفسير الأئمة المشهود لهم بالعلم والإيمان، وقد تناول الناس تفسير القرآن، فمنهم من فسَّره بما ذكرنا، ومنهم من فسره برأيه، وحمل الآيات على ما يعتقده من مذهب ضال، فكان مستحقًّا لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»[[أخرجه الترمذي (٢٩٥٠) من حديث ابن عباس.]]؛ ولهذا يجب عليك أن تتدبر معنى القرآن قبل أن تحكم حتى لا يكون القرآن تابعًا لحكمك. ثم إن الإنسان ينبغي له أن يفكر أولًا في معنى الآية بنفسه ويتدبر ويتأمل، فإذا انقدح في ذهنه معنىً من المعاني فليرجع إلى كلام العلماء لئلا يكون أخطأ، ولا يكون إمعة يراجع ويقول ما قال الناس لا، عليه أولًا أن يتدبر، فإذا انقدح في ذهنه معنًى من المعاني فليرجع إلى كلام العلماء لئلا يكون ضالًّا في هذا الفهم. أما كونه ليس له هم إلا أن يراجع كتب التفسير فهذا لا بد أن تكون معرفته في القرآن ناقصة، نحن تكلمنا فيما تكلمنا فيه مما سبق من تفسير القرآن حتى انتهينا إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦) إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [فصلت ٤٦، ٤٧]. ﴿إِلَيْهِ﴾ أي إلى الله وحده، وإنما قلنا: (وحده)؛ لتقديم المعمول، وتقديم المعمول يفيد الحصر، وذلك أن المعمول مكانه أن يكون بعد العامل، فإذا تقدم فإنه يكون من باب تقديم ما حقه التأخير، والقاعدة اللغوية البلاغية (أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر)، وعلى هذا فقوله: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ﴾ نقول: المعنى: إليه لا إلى غيره، ومن أين أخذنا هذا النفي (لا إلى غيره)؟ مِنْ تقديم المعمول؛ لأن المعمول حقه أن يكون بعد العامل، فإذا قُدِّم كان هذا من باب تقديم ما حقه التأخير، وتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، هذه قاعدة لغوية بلاغية. ﴿يُرَدُّ﴾ أي يُرجع ﴿عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ قال المفسر: (متى تكون) ثم قال: (لا يعلمها غيره) أخذ هذا الحصر (لا يعلمها غيره) من تقديم المعمول وهو ﴿إِلَيْهِ﴾. وهذا لا شك فيه أنه لا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله سبحانه وتعالى؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف ١٨٧] يعني ما علمها إلا عند ربي ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾، وقال النبي ﷺ وقد سأله جبريل: أخبرني متى الساعة؟ قال: «مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]. يعني أنه لا علم عندي كما أنك أنت ليس عندك علم، وعلى هذا فمن ادعى علم الساعة فهو كاذب لا شك فيه، ثم هو كافر أيضًا؛ لأنه مكذب للقرآن والسنة. ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا﴾. قوله: ﴿وَمَا تَخْرُجُ﴾ قد يتراءى للإنسان أن (ما) اسم موصول يعني: ويرد إليه عِلْم ما تخرج من ثمرات من أكمامها، لكن هذا وهم، وعلى هذا فنقول: (ما) نافية. (﴿﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَة﴾ ﴾ وفي قراءة ﴿ثَمَرَاتٍ﴾ ) المؤلف فسر على قراءة ﴿﴿ثَمَرَة﴾ ﴾ مفردة والقراءة التي بين أيدينا في المصحف: ﴿مِنْ ثَمَرَاتٍ﴾، واعلم أن للمؤلف رحمه الله اصطلاحًا وهو أنه إذا قال: (وفي قراءة). فهي سبعية، وإذا قال: (وقُرئ). فهي قراءة شاذة ليست من السبع، هذا اصطلاح الجلالين رحمهما الله. إذن (في قراءة: ﴿ثَمَرَاتٍ﴾ )، القراءة هذه سبعية؛ يعني أنها ثابتة تجوز القراءة بها في الصلاة، وتكون حجةً في الأحكام الشرعية وفي الأخبار العلمية، أما على صيغة الجمع فواضح ﴿مِنْ ثَمَرَاتٍ﴾ كل الثمرات، وأما على صيغة الإفراد فهي أيضًا تفيد العموم؛ لأن ثمرة نكرة في سياق النفي مؤكدًة بـ(من) الزائدة فتشمل جميع الثمرات، وعلى هذا فلا اختلاف في المعنى بين ثمرات وثمرة. (﴿﴿وما تخرج من ثمرة﴾ ﴾ وفي قراءة: ﴿ثَمَرَاتٍ﴾، ﴿مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ أوعيتها) الأكمام الأوعية يقول: (جمع (كِمٍّ) -بكسر الكاف- إلا بعلمه)، الأكمام هي أوعية الطَّلع فهذا معروف في النخل، وكذلك معروف في الأزهار تجد الزهرة عليها غلاف يُسمَّى هذا كِمّ، فما تخرج من ثمرة من كِمِّها إلا بعلم الله عز وجل، أي ثمرة تكون صغيرة أو كبيرة مأكولة أو غير مأكولة فهي بعِلم الله عز وجل. ووجه كونها بعلمه أن هذه الثمرات مخلوقة لله، وكل مخلوق لله فهو معلوم له؛ لقول الله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك ١٤]، فأنت متى أقررت أن الله خالق هذه لزِم من إقرارك أن يكون الله عالمًا بها؛ لأنه لا يمكن أن يخلقها وهو لا يعلم؛ ولهذا استدل الله لذلك بدليل عقلي: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى﴾ أي أنثى من بني آدم أو من الحيوان، أي أنثى ما تحمل ولا تضع إلا بعِلم الله عز وجل، فابتداء الحمل معلوم عند الله، ووضعه كذلك معلوم عند الله تبارك وتعالى. نرجع إلى قوله: ﴿مِنْ أُنْثَى﴾ وإلى قوله: ﴿﴿مِنْ ثَمَرَة﴾ ﴾ الإعراب: ﴿مِنْ﴾ حرف جر.. وعلى هذا فلا اختلاف في المعنى بين (ثمرات) و(ثمرة) ﴿﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَةٍ﴾ ﴾ وفي قراءة: ﴿ثَمَرَاتٍ﴾ ﴿مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ [فصلت ٤٧] (أوعيتها). الأكمام: الأوعية، يقول: (جمع كِمّ بكسر الكاف إلا بعلمه) الأكمام هي أوعية الطلع، فهذا معروف في النخل، وكذلك معروف في الأزهار، تجد الزهرة عليها غلاف يسمى هذا (كِمّ)، فما تخرج من ثمرة من كِمِّها إلا بعلم الله عز وجل، أي ثمرة تكون صغيرة أو كبيرة مأكولة أو غير مأكولة فهي بعلم الله عز وجل، ووجه كونها بعلمه أن هذه التمرات مخلوقة لله، وكل مخلوق لله فهو معلوم له؛ لقول الله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك ١٤] فأنت متى أقررت أن الله خالق هذه لزم من إقرارك أن يكون الله عالمًا بها؛ لأنه لا يمكن أن يخلقها وهو لا يعلم؛ ولهذا استدل الله لذلك بدليل عقلي: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك ١٤]. ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فصلت ٤٧] ما تحمل من أنثى، أي أنثى من بني آدم أو من الحيوان، أي أنثى ما تحمل ولا تضع إلا بعلم الله عز وجل، فابتداء الحمل معلوم عند الله، ووضعه كذلك معلوم عند الله تبارك وتعالى، نرجع إلى قوله: ﴿مِنْ أُنْثَى﴾. وإلى قوله: ﴿﴿مِنْ ثَمَرَةٍ﴾ ﴾. الإعراب: ﴿مِنْ﴾ حرف جر زائد؛ زائد من حيث الإعراب، وليس زائدًا من حيث المعنى؛ لأنه يفيد معنًى وهو التوكيد، وعلى هذا فنقول: ﴿﴿مِنْ ثَمَرَةٍ﴾ ﴾ ﴿﴿مِنْ﴾ ﴾ حرف جر زائد، و﴿﴿ثَمَرَةٍ﴾ ﴾ فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها حركة المحل بحرف الجر الزائد، وكذلك يقال: ﴿مِنْ أُنْثَى﴾ ﴿مِنْ﴾ حرف جر زائد. و﴿أُنْثَى﴾ فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر، وهو في محل جر لفظًا لدخول ﴿مِنْ﴾ عليه. وقوله: ﴿إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ بعلمه السابق أو الحادث عند وجود هذا الشيء؟ الجواب: السابق؛ لأن علم الله تعالى محيط بكل شيء أزلًا وأبدًا فهو يعلم ما تخرج من ثمرات من أكمامها إلى يوم القيامة، وكذلك ما تحمل من أنثى ولا تضع. ثم قال عز وجل: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي﴾ [فصلت ٤٧] ﴿يَوْمَ﴾ ظرف، والظرف يحتاج إلى ما يتعلق به؛ لأنه مفعول فيه، وإذا كان مفعولًا فيه فلا بد من فعل يكون عاملًا فيه، فأين العامل؟ العامل في هذا مُقدَّر، والتقدير: واذكر يوم يناديهم وهو -أي مثل هذا التعبير- موجود في القرآن كثيرًا، والتقدير كما ذكرت: العامل محذوف، التقدير: اذكر يوم يناديهم أين شركائي إلى آخره؟ وإنما أمر الله تعالى نبيه بذكره؛ تخويفًا لهؤلاء المكذبين، وتسليةً لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقوله: ﴿يُنَادِيهِمْ﴾ أي: يدعوهم بصوت رفيع؛ لأن النداء يكون بصوت رفيع، والمناجاة تكون بصوت أدنى، وفاعل ﴿يُنَادِيهِمْ﴾ هو الله؛ بدليل قوله: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِي﴾ يعني أن الله تعالى ينادي هؤلاء المشركين، يقول: أين شركائي؟ وهذا الاستفهام للتعجيز والتوبيخ أيضًا فهو جامع بين معنيين: التعجيز، والثاني: التوبيخ؛ يعني: أين الذين أشركتم معي؟ يقول الله عز وجل: ﴿قَالُوا آذَنَّاكَ﴾ [فصلت ٤٧] أعلمناك الآن ﴿مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ [فصلت ٤٧]. (آذن) بمعنى (أعلم)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة ٣] أي: إعلام من الله ورسوله، فـ(آذن) بمعنى أعلم، ومنه ما في الحديث أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال للنساء اللاتي يُغسِّلن ابنته: «إِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي»[[متفق عليه؛ البخاري (١٢٥٣)، ومسلم (٩٣٩ / ٣٦) من حديث أم عطية الأنصارية.]]. أي: أعلمنني. ﴿آذَنَّاكَ﴾ يقول المؤلف: (أعلمناك الآن). فأفاد المؤلف بقوله: (الآن) أن الفعل الماضي ﴿آذَنَّاكَ﴾ بمعنى المضارع فهو إذن جملة خبرية حالية بمعنى: الآن نُعلِمك، ما منا من شهيد، وقيل: آذناك أنها فعل ماضٍ على بابها فهي بمعنى الخبر عن شيء ماضٍ. فعندنا قولان: هل الإعلام هنا يوم القيامة كما قال المؤلف: (آذنَّاك الآن) أو هو إعلام سابِق في الدنيا؟ إن نظرنا إلى ظاهر اللفظ قلنا: نُرجِّح أنه إعلام في الدنيا؛ يعني: أعلمناك في الدنيا، فيكون على ظاهره لكن يشكل على هذا التفسير أن واقع حالهم لا يدل على هذا؛ لأنهم مُشرِكون فعلًا فكيف يؤذنونه أنه ما منهم من شهيد بذلك، أجاب القائلون بهذا: أن المعنى آذنَّاك بحسب الفطرة وما في قلوبنا؛ لأنه ما من مولود يُولَد إلا على الفطرة، انتبهوا الآن للمعنى. ﴿آذَنَّاكَ﴾ صيغتها: فعل ماضٍ، يقتضي أن يكون هذا الإعلام سابقًا عن وقت الخطاب، هذه واحدة. ﴿آذَنَّاكَ﴾ فعل ماضٍ لكن يراد به الخبر عن الحال الحاضر،ة فهو بمعنى: نحن نؤذنك الآن، هذا التفسير مخالِف لظاهر اللفظ لكنه موافق لواقع حالهم؛ التفسير الأول: موافق للفظ لكنه مخالِف لظاهر حالهم؛ لأنهم لا يُعلِمونه بذلك؛ إذ إنهم مشركون فعلًا، أجاب هؤلاء الذين يقولون: إنه ﴿آذَنَّاكَ﴾ في الدنيا بأنهم أعلموه بحسب الفطرة التي فُطروا عليها؛ لأنه ما من مولود يُولد إلا على الفطرة. ﴿قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ [فصلت ٤٧] (أي شاهد بأن لك شريكًا) ﴿مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ ﴿مَا﴾ نافية، و﴿مِنَّا﴾ جار ومجرور خبر مقدم. و﴿مِنْ﴾ حرف جر زائد إعرابًا. و﴿شَهِيدٍ﴾ مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، يعني معناه: أننا قد أقررنا بأنه لا أحد منا يشهد بأن لك شريكًا وهم يقولون هذا الآن لكنه لا ينفعهم؛ لأنه إقرار بعد معاينة العذاب، والإقرار بعد معاينة العذاب ليس بنافع؛ ولهذا أقر فرعون حين أُغرِق بأنه ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس ٩٠] ولكنه لم ينفعه، فقيل له: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس ٩١]. قال الله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ [فصلت ٤٨] أي: (غاب) ﴿عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا﴾ ﴿مَا﴾ اسم موصول فاعل بمعنى: الذي ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ﴾ قال المؤلف: (يعبدون) ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ (في الدنيا من الأصنام) أصنامهم التي كانوا يتعلقون بها ويعبدونها لتقربهم إلى الله زلفى في ذلك اليوم الذي هم أشد ما يكونون حاجةً لها تغيب عنهم ولا تنفعهم؛ ولهذا قال: ﴿ضَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي: ضاع وغاب ﴿مَا كَانُوا يَدْعُونَ﴾ أي: يعبدون من قبل، ويريد بذلك الأصنام التي كانوا يعبدونها في الدنيا، مثلًا النصارى يعبدون عيسى ابن مريم، قريش تعبد اللات، والعُزَّى، ومناة، وهُبل، منهم من يعبد النار كالمجوس، من يعبد الشمس، من يعبد القمر، إلى آخره، هذه الأصنام التي تُعبد من دون الله، هل تنفعهم يوم القيامة؟ لا، ولهذا قال: ﴿ضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ﴾. وربما نفهم من قوله: ﴿ضَلَّ عَنْهُمْ﴾ أنهم ذهبوا يطلبونها، يبحثون عنها، ولكنها ضلت وضاعت، ويكون هذا أشد حسرةً في نفوسهم أنهم طلبوها في وقت الحاجة ولكن لم يجدوها. ﴿وَظَنُّوا﴾ قال: (أيقنوا) ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ (ظن) هنا بمعنى أيقن، وهل يأتي الظن بمعنى اليقين؟ الجواب: نعم، يأتي كثيرًا، قال الله تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف ٥٣] إذن ظنوا بمعنى أيقنوا. وقال الله تبارك وتعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة ٤٦] معنى ﴿يَظُنُّونَ﴾ أي: يوقنون أنهم ملاقو ربهم، ولو كان الظن بمعنى الشيء الراجح لم يكونوا مؤمنين لكن يظنون بمعنى يوقنون؛ إذن الظن في اللغة العربية يأتي بمعنى اليقين، هنا ﴿ظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ أيقنوا ولَّا صار عندهم احتمال راجح؟ أيقنوا. وقوله: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ فيها تقديم وتأخير وتوكيد، التقديم والتأخير أنه قُدِّم فيها الخبر، وأُخِّر فيها المبتدأ، أين الخبر؟ ﴿لَهُمْ﴾ أين المبتدأ؟ ﴿مَحِيصٍ﴾. فيها أيضًا توكيد وهو ﴿مِنْ﴾ الزائدة؛ لأن ﴿مَحِيصٍ﴾ مبتدأ مؤخر، ودخلت عليه ﴿مِنْ﴾ الزائدة للتوكيد، وإعرابه أنه مبتدأ مرفوع للابتداء، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة. وقوله: (﴿مَحِيصٍ﴾ مهرب من العذاب) يعني أيقنوا أنه لا مهرب لهم من العذاب، ولا مفر لهم منه، وأنه واقع بهم لا محالة. ثم قال المؤلف: (والنفي في الموضعين مُعلق عن العمل، وجملة النفي سدَّت مسد المفعولين) النفي في الموضعين أين الموضعان؟ ﴿قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ [فصلت ٤٧] هذه ﴿مَا﴾ نافية مُعلِّقة عن العمل؛ لأن ﴿آذَنَّاكَ﴾ أعلمناك، وهي تنصب ثلاثة مفاعيل. (أعلم) تنصب ثلاثة مفاعيل، تقول مثلًا: أعلمتُ زيدًا عمرًا قائمًا. هذه نصبت كم؟ ثلاثة مفاعيل زيدًا وعمرًا وقائمًا، هنا ﴿آذَنَّاكَ﴾ المفعول الأول موجود وهو: الكاف ﴿آذَنَّاكَ﴾ المفعول الثاني والثالث مُعلَّق أغنت عنه جملة الاستفهام ﴿مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾. وعلى هذا فتكون جملة ﴿مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ كلها تكون في موضع نصب سدت مسد مفعولي (آذَن) أقول: الأول والثاني أيش؟ لا، أقول: الثاني والثالث. ﴿وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ هذا الثاني، ﴿ظَنُّوا﴾ هذه (ظن) تنصب كم مفعولًا؟ تنصب مفعولين هنا ما فيه مفعولان، ليس فيه مفعولان، أين هما؟ عُلِّقت عن العمل بجملة النفي وهي قوله: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ وعلى هذا فيكون ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ جملة في محل نصب سدت مسد مفعولي (ظن)، هذا إعراب في الحقيقة لا يدركه إلا من كان عنده علم بالمفاعيل، لكنا نحن الآن شرحناه فمن فهمه فهذا المطلوب، ومن لم يفهمه فإنه لا يضر؛ لأنه ليس له علاقة معنا، علاقته إنما هو في الإعراب فقط. نرجع إلى استنباط الأحكام من الآيات، قال الله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [فصلت ٤٧] إلى آخره. * من فوائد هذه الآية: أن علم الساعة عند الله وحده، من أين تؤخذ يا أخ؟ * طالب: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾. * الشيخ: كيف أخذها من أنه عند الله وحده؟ * الطالب: لما قدم ما حقه التأخير فأراد الحصر. * الشيخ: لأنه قدم ما حقه التأخير -وهو المعمول- وهذا يفيد الحصر. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من ادعى عِلْم الساعة فهو كافر، وجه ذلك: أنه مُكَذِّب لله، وتكذيب الله كُفْر، ومن صدقه فهو كافر أيضًا؛ لأنه صدَّق بما هو تكذيب للقرآن الكريم، ومَنْ صَدَّق بما هو تكذيب للقرآن الكريم فإنه كافر بلا شك. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٠) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت ٤٩ - ٥١]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ ﴿لَا يَسْأَمُ﴾ يعني: لا يمل، فهو دائمًا يسأل الخير من المال والغنى والجاه وغير ذلك. إذن نأخذ الفوائد، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فصلت ٤٧]. * مِن فوائدها: أن علم الساعة عند الله عز وجل لا يعلمها إلا هو، وذكرنا لذلك دليلًا في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين سأل جبريل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الساعة فقال له: «مَا الْمَسْئُولُ بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]. * ومن فوائدها: أن من ادعى عِلم الساعة فهو كافر؛ لأنه مُكذِّب لله ورسوله، وتكذيب الله ورسوله من أسباب الرِّدَّة؛ لأن الردة تدور على شيئين: إما تكذيب، وإما استكبار، فكل رِدَّة يحكم العلماء بها فإنها لا تخرج عن هذين الأمرين: إما التكذيب وإما الاستكبار. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عموم عِلْم الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ [فصلت ٤٧] إلى آخره. * ومن فوائد الآية الكريمة: توبيخ الكفار يوم القيامة؛ لقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي﴾ [فصلت ٤٧] والتوبيخ في ذلك المكان من أعظم ما يكون من التوبيخ؛ لأنه اليوم المشهود الذي يشهده الله وملائكته وجميع خلقه. * ومِن فوائدها: إقرار هؤلاء المكذبين بالبعث في ذلك اليوم أنه لا شريك لله عز وجل؛ لقوله: ﴿قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾. * ومن فوائد الآية التي بعدها: أن ما يُعبَد من دون الله فإنه هلاك وضلال، ولن يُجدي شيئًا عن عابديه؛ لقوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ [فصلت ٤٨]. * ومن فوائدها: أن هؤلاء المكذبين يوقنون في ذلك اليوم أنه لا مفر لهم من عذاب الله؛ لأنه ليس هناك أحد يدفع عذاب الله تعالى عنهم فيوقنون بأنه لا محيص لهم منه.

فصلت 41:48

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. نبتدئ الدراسة الصيفية الصباحية في مسجد الجامع الكبير في عنيزة هذا اليوم السبت، الأول من ربيع الأول، نسأل الله تبارك تعالى أن يرزقنا وإياكم علمًا نافعًا وعملًا صالحًا متقبلًا ورزقًا طيبًا واسعًا، وكما سيكون بين أيديكم إن شاء الله جدول سوف نسير عليه بإذن الله، نسأل الله التوفيق، نبدأ الآن في التفسير، القارئ مَنْ؟ مَنْ أَحسنكم قراءةً وصوتًا؟ سَمِّ بالله ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾. * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ﴾. * الشيخ: الأحسن أن تقف. * الطالب: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧) وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨) لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [فصلت ٤٧ - ٥٠]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ هذا هو درس التفسير -أي: تفسير كتاب الله عز وجل- وليُعلم أن أولى ما يُعتَنى به في معرفة معناه هو كتاب الله عز وجل؛ لأنه أصدق الكتب وأحكمها وأنفعها للقلب والجوارح؛ «ولأن هذا دأب الصحابة رضي الله عنهم فقد كانوا لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل، فتعلموا القرآن والعلم والعمل جميعًا»[[أخرجه الطحاوي في المشكل (١٤٥٢) عن أبي عبد الرحمن السلمي.]]. والطريقة الْمُثلى للتفسير: أن يُفسَّر القرآن بالقرآن؛ لأن تفسير القرآن بالقرآن هو تفسير ممن أنزله تبارك وتعالى وهو أعلم بمراده فيُفسَّر القرآن بالقرآن، فإن لم يكن فبالسنة، فإن لم يمكن فبأقوال الصحابة ولا سيما المشهورون منهم بالتفسير كابن عباس رضي الله عنهما وابن مسعود، فإن لم يمكن فهل نرجع إلى أقوال التابعين في هذا أو لا؟ أما من عُرِف بالأخذ عن الصحابة رضي الله عنهم فلا شك أن قوله راجح على غيره لكنه غير مُلزم، ثم بعد هذا يُؤخذ تفسير القرآن من تفسير الأئمة المشهود لهم بالعلم والإيمان، وقد تناول الناس تفسير القرآن، فمنهم من فسَّره بما ذكرنا، ومنهم من فسره برأيه، وحمل الآيات على ما يعتقده من مذهب ضال، فكان مستحقًّا لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»[[أخرجه الترمذي (٢٩٥٠) من حديث ابن عباس.]]؛ ولهذا يجب عليك أن تتدبر معنى القرآن قبل أن تحكم حتى لا يكون القرآن تابعًا لحكمك. ثم إن الإنسان ينبغي له أن يفكر أولًا في معنى الآية بنفسه ويتدبر ويتأمل، فإذا انقدح في ذهنه معنىً من المعاني فليرجع إلى كلام العلماء لئلا يكون أخطأ، ولا يكون إمعة يراجع ويقول ما قال الناس لا، عليه أولًا أن يتدبر، فإذا انقدح في ذهنه معنًى من المعاني فليرجع إلى كلام العلماء لئلا يكون ضالًّا في هذا الفهم. أما كونه ليس له هم إلا أن يراجع كتب التفسير فهذا لا بد أن تكون معرفته في القرآن ناقصة، نحن تكلمنا فيما تكلمنا فيه مما سبق من تفسير القرآن حتى انتهينا إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦) إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [فصلت ٤٦، ٤٧]. ﴿إِلَيْهِ﴾ أي إلى الله وحده، وإنما قلنا: (وحده)؛ لتقديم المعمول، وتقديم المعمول يفيد الحصر، وذلك أن المعمول مكانه أن يكون بعد العامل، فإذا تقدم فإنه يكون من باب تقديم ما حقه التأخير، والقاعدة اللغوية البلاغية (أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر)، وعلى هذا فقوله: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ﴾ نقول: المعنى: إليه لا إلى غيره، ومن أين أخذنا هذا النفي (لا إلى غيره)؟ مِنْ تقديم المعمول؛ لأن المعمول حقه أن يكون بعد العامل، فإذا قُدِّم كان هذا من باب تقديم ما حقه التأخير، وتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، هذه قاعدة لغوية بلاغية. ﴿يُرَدُّ﴾ أي يُرجع ﴿عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ قال المفسر: (متى تكون) ثم قال: (لا يعلمها غيره) أخذ هذا الحصر (لا يعلمها غيره) من تقديم المعمول وهو ﴿إِلَيْهِ﴾. وهذا لا شك فيه أنه لا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله سبحانه وتعالى؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف ١٨٧] يعني ما علمها إلا عند ربي ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾، وقال النبي ﷺ وقد سأله جبريل: أخبرني متى الساعة؟ قال: «مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]. يعني أنه لا علم عندي كما أنك أنت ليس عندك علم، وعلى هذا فمن ادعى علم الساعة فهو كاذب لا شك فيه، ثم هو كافر أيضًا؛ لأنه مكذب للقرآن والسنة. ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا﴾. قوله: ﴿وَمَا تَخْرُجُ﴾ قد يتراءى للإنسان أن (ما) اسم موصول يعني: ويرد إليه عِلْم ما تخرج من ثمرات من أكمامها، لكن هذا وهم، وعلى هذا فنقول: (ما) نافية. (﴿﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَة﴾ ﴾ وفي قراءة ﴿ثَمَرَاتٍ﴾ ) المؤلف فسر على قراءة ﴿﴿ثَمَرَة﴾ ﴾ مفردة والقراءة التي بين أيدينا في المصحف: ﴿مِنْ ثَمَرَاتٍ﴾، واعلم أن للمؤلف رحمه الله اصطلاحًا وهو أنه إذا قال: (وفي قراءة). فهي سبعية، وإذا قال: (وقُرئ). فهي قراءة شاذة ليست من السبع، هذا اصطلاح الجلالين رحمهما الله. إذن (في قراءة: ﴿ثَمَرَاتٍ﴾ )، القراءة هذه سبعية؛ يعني أنها ثابتة تجوز القراءة بها في الصلاة، وتكون حجةً في الأحكام الشرعية وفي الأخبار العلمية، أما على صيغة الجمع فواضح ﴿مِنْ ثَمَرَاتٍ﴾ كل الثمرات، وأما على صيغة الإفراد فهي أيضًا تفيد العموم؛ لأن ثمرة نكرة في سياق النفي مؤكدًة بـ(من) الزائدة فتشمل جميع الثمرات، وعلى هذا فلا اختلاف في المعنى بين ثمرات وثمرة. (﴿﴿وما تخرج من ثمرة﴾ ﴾ وفي قراءة: ﴿ثَمَرَاتٍ﴾، ﴿مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ أوعيتها) الأكمام الأوعية يقول: (جمع (كِمٍّ) -بكسر الكاف- إلا بعلمه)، الأكمام هي أوعية الطَّلع فهذا معروف في النخل، وكذلك معروف في الأزهار تجد الزهرة عليها غلاف يُسمَّى هذا كِمّ، فما تخرج من ثمرة من كِمِّها إلا بعلم الله عز وجل، أي ثمرة تكون صغيرة أو كبيرة مأكولة أو غير مأكولة فهي بعِلم الله عز وجل. ووجه كونها بعلمه أن هذه الثمرات مخلوقة لله، وكل مخلوق لله فهو معلوم له؛ لقول الله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك ١٤]، فأنت متى أقررت أن الله خالق هذه لزِم من إقرارك أن يكون الله عالمًا بها؛ لأنه لا يمكن أن يخلقها وهو لا يعلم؛ ولهذا استدل الله لذلك بدليل عقلي: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى﴾ أي أنثى من بني آدم أو من الحيوان، أي أنثى ما تحمل ولا تضع إلا بعِلم الله عز وجل، فابتداء الحمل معلوم عند الله، ووضعه كذلك معلوم عند الله تبارك وتعالى. نرجع إلى قوله: ﴿مِنْ أُنْثَى﴾ وإلى قوله: ﴿﴿مِنْ ثَمَرَة﴾ ﴾ الإعراب: ﴿مِنْ﴾ حرف جر.. وعلى هذا فلا اختلاف في المعنى بين (ثمرات) و(ثمرة) ﴿﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَةٍ﴾ ﴾ وفي قراءة: ﴿ثَمَرَاتٍ﴾ ﴿مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ [فصلت ٤٧] (أوعيتها). الأكمام: الأوعية، يقول: (جمع كِمّ بكسر الكاف إلا بعلمه) الأكمام هي أوعية الطلع، فهذا معروف في النخل، وكذلك معروف في الأزهار، تجد الزهرة عليها غلاف يسمى هذا (كِمّ)، فما تخرج من ثمرة من كِمِّها إلا بعلم الله عز وجل، أي ثمرة تكون صغيرة أو كبيرة مأكولة أو غير مأكولة فهي بعلم الله عز وجل، ووجه كونها بعلمه أن هذه التمرات مخلوقة لله، وكل مخلوق لله فهو معلوم له؛ لقول الله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك ١٤] فأنت متى أقررت أن الله خالق هذه لزم من إقرارك أن يكون الله عالمًا بها؛ لأنه لا يمكن أن يخلقها وهو لا يعلم؛ ولهذا استدل الله لذلك بدليل عقلي: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك ١٤]. ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فصلت ٤٧] ما تحمل من أنثى، أي أنثى من بني آدم أو من الحيوان، أي أنثى ما تحمل ولا تضع إلا بعلم الله عز وجل، فابتداء الحمل معلوم عند الله، ووضعه كذلك معلوم عند الله تبارك وتعالى، نرجع إلى قوله: ﴿مِنْ أُنْثَى﴾. وإلى قوله: ﴿﴿مِنْ ثَمَرَةٍ﴾ ﴾. الإعراب: ﴿مِنْ﴾ حرف جر زائد؛ زائد من حيث الإعراب، وليس زائدًا من حيث المعنى؛ لأنه يفيد معنًى وهو التوكيد، وعلى هذا فنقول: ﴿﴿مِنْ ثَمَرَةٍ﴾ ﴾ ﴿﴿مِنْ﴾ ﴾ حرف جر زائد، و﴿﴿ثَمَرَةٍ﴾ ﴾ فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها حركة المحل بحرف الجر الزائد، وكذلك يقال: ﴿مِنْ أُنْثَى﴾ ﴿مِنْ﴾ حرف جر زائد. و﴿أُنْثَى﴾ فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر، وهو في محل جر لفظًا لدخول ﴿مِنْ﴾ عليه. وقوله: ﴿إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ بعلمه السابق أو الحادث عند وجود هذا الشيء؟ الجواب: السابق؛ لأن علم الله تعالى محيط بكل شيء أزلًا وأبدًا فهو يعلم ما تخرج من ثمرات من أكمامها إلى يوم القيامة، وكذلك ما تحمل من أنثى ولا تضع. ثم قال عز وجل: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي﴾ [فصلت ٤٧] ﴿يَوْمَ﴾ ظرف، والظرف يحتاج إلى ما يتعلق به؛ لأنه مفعول فيه، وإذا كان مفعولًا فيه فلا بد من فعل يكون عاملًا فيه، فأين العامل؟ العامل في هذا مُقدَّر، والتقدير: واذكر يوم يناديهم وهو -أي مثل هذا التعبير- موجود في القرآن كثيرًا، والتقدير كما ذكرت: العامل محذوف، التقدير: اذكر يوم يناديهم أين شركائي إلى آخره؟ وإنما أمر الله تعالى نبيه بذكره؛ تخويفًا لهؤلاء المكذبين، وتسليةً لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقوله: ﴿يُنَادِيهِمْ﴾ أي: يدعوهم بصوت رفيع؛ لأن النداء يكون بصوت رفيع، والمناجاة تكون بصوت أدنى، وفاعل ﴿يُنَادِيهِمْ﴾ هو الله؛ بدليل قوله: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِي﴾ يعني أن الله تعالى ينادي هؤلاء المشركين، يقول: أين شركائي؟ وهذا الاستفهام للتعجيز والتوبيخ أيضًا فهو جامع بين معنيين: التعجيز، والثاني: التوبيخ؛ يعني: أين الذين أشركتم معي؟ يقول الله عز وجل: ﴿قَالُوا آذَنَّاكَ﴾ [فصلت ٤٧] أعلمناك الآن ﴿مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ [فصلت ٤٧]. (آذن) بمعنى (أعلم)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة ٣] أي: إعلام من الله ورسوله، فـ(آذن) بمعنى أعلم، ومنه ما في الحديث أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال للنساء اللاتي يُغسِّلن ابنته: «إِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي»[[متفق عليه؛ البخاري (١٢٥٣)، ومسلم (٩٣٩ / ٣٦) من حديث أم عطية الأنصارية.]]. أي: أعلمنني. ﴿آذَنَّاكَ﴾ يقول المؤلف: (أعلمناك الآن). فأفاد المؤلف بقوله: (الآن) أن الفعل الماضي ﴿آذَنَّاكَ﴾ بمعنى المضارع فهو إذن جملة خبرية حالية بمعنى: الآن نُعلِمك، ما منا من شهيد، وقيل: آذناك أنها فعل ماضٍ على بابها فهي بمعنى الخبر عن شيء ماضٍ. فعندنا قولان: هل الإعلام هنا يوم القيامة كما قال المؤلف: (آذنَّاك الآن) أو هو إعلام سابِق في الدنيا؟ إن نظرنا إلى ظاهر اللفظ قلنا: نُرجِّح أنه إعلام في الدنيا؛ يعني: أعلمناك في الدنيا، فيكون على ظاهره لكن يشكل على هذا التفسير أن واقع حالهم لا يدل على هذا؛ لأنهم مُشرِكون فعلًا فكيف يؤذنونه أنه ما منهم من شهيد بذلك، أجاب القائلون بهذا: أن المعنى آذنَّاك بحسب الفطرة وما في قلوبنا؛ لأنه ما من مولود يُولَد إلا على الفطرة، انتبهوا الآن للمعنى. ﴿آذَنَّاكَ﴾ صيغتها: فعل ماضٍ، يقتضي أن يكون هذا الإعلام سابقًا عن وقت الخطاب، هذه واحدة. ﴿آذَنَّاكَ﴾ فعل ماضٍ لكن يراد به الخبر عن الحال الحاضر،ة فهو بمعنى: نحن نؤذنك الآن، هذا التفسير مخالِف لظاهر اللفظ لكنه موافق لواقع حالهم؛ التفسير الأول: موافق للفظ لكنه مخالِف لظاهر حالهم؛ لأنهم لا يُعلِمونه بذلك؛ إذ إنهم مشركون فعلًا، أجاب هؤلاء الذين يقولون: إنه ﴿آذَنَّاكَ﴾ في الدنيا بأنهم أعلموه بحسب الفطرة التي فُطروا عليها؛ لأنه ما من مولود يُولد إلا على الفطرة. ﴿قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ [فصلت ٤٧] (أي شاهد بأن لك شريكًا) ﴿مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ ﴿مَا﴾ نافية، و﴿مِنَّا﴾ جار ومجرور خبر مقدم. و﴿مِنْ﴾ حرف جر زائد إعرابًا. و﴿شَهِيدٍ﴾ مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، يعني معناه: أننا قد أقررنا بأنه لا أحد منا يشهد بأن لك شريكًا وهم يقولون هذا الآن لكنه لا ينفعهم؛ لأنه إقرار بعد معاينة العذاب، والإقرار بعد معاينة العذاب ليس بنافع؛ ولهذا أقر فرعون حين أُغرِق بأنه ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس ٩٠] ولكنه لم ينفعه، فقيل له: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس ٩١]. قال الله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ [فصلت ٤٨] أي: (غاب) ﴿عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا﴾ ﴿مَا﴾ اسم موصول فاعل بمعنى: الذي ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ﴾ قال المؤلف: (يعبدون) ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ (في الدنيا من الأصنام) أصنامهم التي كانوا يتعلقون بها ويعبدونها لتقربهم إلى الله زلفى في ذلك اليوم الذي هم أشد ما يكونون حاجةً لها تغيب عنهم ولا تنفعهم؛ ولهذا قال: ﴿ضَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي: ضاع وغاب ﴿مَا كَانُوا يَدْعُونَ﴾ أي: يعبدون من قبل، ويريد بذلك الأصنام التي كانوا يعبدونها في الدنيا، مثلًا النصارى يعبدون عيسى ابن مريم، قريش تعبد اللات، والعُزَّى، ومناة، وهُبل، منهم من يعبد النار كالمجوس، من يعبد الشمس، من يعبد القمر، إلى آخره، هذه الأصنام التي تُعبد من دون الله، هل تنفعهم يوم القيامة؟ لا، ولهذا قال: ﴿ضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ﴾. وربما نفهم من قوله: ﴿ضَلَّ عَنْهُمْ﴾ أنهم ذهبوا يطلبونها، يبحثون عنها، ولكنها ضلت وضاعت، ويكون هذا أشد حسرةً في نفوسهم أنهم طلبوها في وقت الحاجة ولكن لم يجدوها. ﴿وَظَنُّوا﴾ قال: (أيقنوا) ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ (ظن) هنا بمعنى أيقن، وهل يأتي الظن بمعنى اليقين؟ الجواب: نعم، يأتي كثيرًا، قال الله تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف ٥٣] إذن ظنوا بمعنى أيقنوا. وقال الله تبارك وتعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة ٤٦] معنى ﴿يَظُنُّونَ﴾ أي: يوقنون أنهم ملاقو ربهم، ولو كان الظن بمعنى الشيء الراجح لم يكونوا مؤمنين لكن يظنون بمعنى يوقنون؛ إذن الظن في اللغة العربية يأتي بمعنى اليقين، هنا ﴿ظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ أيقنوا ولَّا صار عندهم احتمال راجح؟ أيقنوا. وقوله: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ فيها تقديم وتأخير وتوكيد، التقديم والتأخير أنه قُدِّم فيها الخبر، وأُخِّر فيها المبتدأ، أين الخبر؟ ﴿لَهُمْ﴾ أين المبتدأ؟ ﴿مَحِيصٍ﴾. فيها أيضًا توكيد وهو ﴿مِنْ﴾ الزائدة؛ لأن ﴿مَحِيصٍ﴾ مبتدأ مؤخر، ودخلت عليه ﴿مِنْ﴾ الزائدة للتوكيد، وإعرابه أنه مبتدأ مرفوع للابتداء، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة. وقوله: (﴿مَحِيصٍ﴾ مهرب من العذاب) يعني أيقنوا أنه لا مهرب لهم من العذاب، ولا مفر لهم منه، وأنه واقع بهم لا محالة. ثم قال المؤلف: (والنفي في الموضعين مُعلق عن العمل، وجملة النفي سدَّت مسد المفعولين) النفي في الموضعين أين الموضعان؟ ﴿قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ [فصلت ٤٧] هذه ﴿مَا﴾ نافية مُعلِّقة عن العمل؛ لأن ﴿آذَنَّاكَ﴾ أعلمناك، وهي تنصب ثلاثة مفاعيل. (أعلم) تنصب ثلاثة مفاعيل، تقول مثلًا: أعلمتُ زيدًا عمرًا قائمًا. هذه نصبت كم؟ ثلاثة مفاعيل زيدًا وعمرًا وقائمًا، هنا ﴿آذَنَّاكَ﴾ المفعول الأول موجود وهو: الكاف ﴿آذَنَّاكَ﴾ المفعول الثاني والثالث مُعلَّق أغنت عنه جملة الاستفهام ﴿مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾. وعلى هذا فتكون جملة ﴿مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ كلها تكون في موضع نصب سدت مسد مفعولي (آذَن) أقول: الأول والثاني أيش؟ لا، أقول: الثاني والثالث. ﴿وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ هذا الثاني، ﴿ظَنُّوا﴾ هذه (ظن) تنصب كم مفعولًا؟ تنصب مفعولين هنا ما فيه مفعولان، ليس فيه مفعولان، أين هما؟ عُلِّقت عن العمل بجملة النفي وهي قوله: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ وعلى هذا فيكون ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ جملة في محل نصب سدت مسد مفعولي (ظن)، هذا إعراب في الحقيقة لا يدركه إلا من كان عنده علم بالمفاعيل، لكنا نحن الآن شرحناه فمن فهمه فهذا المطلوب، ومن لم يفهمه فإنه لا يضر؛ لأنه ليس له علاقة معنا، علاقته إنما هو في الإعراب فقط. نرجع إلى استنباط الأحكام من الآيات، قال الله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [فصلت ٤٧] إلى آخره. * من فوائد هذه الآية: أن علم الساعة عند الله وحده، من أين تؤخذ يا أخ؟ * طالب: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾. * الشيخ: كيف أخذها من أنه عند الله وحده؟ * الطالب: لما قدم ما حقه التأخير فأراد الحصر. * الشيخ: لأنه قدم ما حقه التأخير -وهو المعمول- وهذا يفيد الحصر. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من ادعى عِلْم الساعة فهو كافر، وجه ذلك: أنه مُكَذِّب لله، وتكذيب الله كُفْر، ومن صدقه فهو كافر أيضًا؛ لأنه صدَّق بما هو تكذيب للقرآن الكريم، ومَنْ صَدَّق بما هو تكذيب للقرآن الكريم فإنه كافر بلا شك. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٠) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت ٤٩ - ٥١]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ ﴿لَا يَسْأَمُ﴾ يعني: لا يمل، فهو دائمًا يسأل الخير من المال والغنى والجاه وغير ذلك. إذن نأخذ الفوائد، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فصلت ٤٧]. * مِن فوائدها: أن علم الساعة عند الله عز وجل لا يعلمها إلا هو، وذكرنا لذلك دليلًا في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين سأل جبريل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الساعة فقال له: «مَا الْمَسْئُولُ بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]. * ومن فوائدها: أن من ادعى عِلم الساعة فهو كافر؛ لأنه مُكذِّب لله ورسوله، وتكذيب الله ورسوله من أسباب الرِّدَّة؛ لأن الردة تدور على شيئين: إما تكذيب، وإما استكبار، فكل رِدَّة يحكم العلماء بها فإنها لا تخرج عن هذين الأمرين: إما التكذيب وإما الاستكبار. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عموم عِلْم الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ [فصلت ٤٧] إلى آخره. * ومن فوائد الآية الكريمة: توبيخ الكفار يوم القيامة؛ لقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي﴾ [فصلت ٤٧] والتوبيخ في ذلك المكان من أعظم ما يكون من التوبيخ؛ لأنه اليوم المشهود الذي يشهده الله وملائكته وجميع خلقه. * ومِن فوائدها: إقرار هؤلاء المكذبين بالبعث في ذلك اليوم أنه لا شريك لله عز وجل؛ لقوله: ﴿قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾. * ومن فوائد الآية التي بعدها: أن ما يُعبَد من دون الله فإنه هلاك وضلال، ولن يُجدي شيئًا عن عابديه؛ لقوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ [فصلت ٤٨]. * ومن فوائدها: أن هؤلاء المكذبين يوقنون في ذلك اليوم أنه لا مفر لهم من عذاب الله؛ لأنه ليس هناك أحد يدفع عذاب الله تعالى عنهم فيوقنون بأنه لا محيص لهم منه.

فصلت 41:49

ثم قال عز وجل: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾. قوله: ﴿لَا يَسْأَمُ﴾ أي: لا يمل، بل لا يزال يسأل. و﴿الْإِنْسَانُ﴾ هنا يحتمل أن يكون المراد به الكافر، ويحتمل أن يُراد به الجنس؛ أي: جنس الإنسان سواء كان مؤمنًا أم كافرًا، ثم تُنزَّل الأحوال على ما يليق بها. ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ ﴿دُعَاءِ﴾ مضاف، و﴿الْخَيْرِ﴾ مضاف إليه. من باب إضافة المصدر إلى مفعوله، وهو أيضًا -أعني الخير- مفعول لـ﴿دُعَاءِ﴾، والمدعو هو الله عز وجل، فعندنا: داعٍ، ومدعو، ومدعو به؛ أي: مطلوب، فالداعي الإنسان، والمدعو الله، والمدعُوُّ به الخير. وقال المؤلف: (أي لا يزال يسأل ربه المال والصحة وغيرهما) من البنين، والزوجات، والجاه، والشرف، وغير ذلك مما يدعوه الإنسان رغبةً به. ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ (الفقر والشدة) وتخصيص الشر بالفقر والشدة ليس على سبيل الحصر بل هو على سبيل المثال؛ لأنه يشمل الفقر والشدة، وفقْد الأولاد، وفقد الجاه والإيذاء من الخلق، وأشياء كثيرة، فتخصيص المؤلف ذلك بالفقر والشدة من باب التمثيل. ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ [فصلت ٤٩] الفاء رابطة للجواب، وهو (إن)، و(يئوس) خبر لمبتدأ محذوف، (يئوس) خبر المبتدأ أي: فهو: يئوس قنوط. قال المؤلف: (من رحمة الله تعالى وهذا وما بعده بالكافرين). (يئوس) قنوط. هل هناك فرق بين اليأس والقنوط؟ الجواب: نعم، اليأس هو زوال الرجاء بحيث ينقطع رجاء الإنسان، والقنوط أشد اليأس. وعلى هذا فيكون قوله: (يئوس) هذا ابتداء القنوط. ﴿قَنُوطٌ﴾ هذا نهايته. وقوله: ﴿يَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾، أعربنا (يئوس) خبر المبتدأ محذوف، فماذا نعرب ﴿قَنُوطٌ﴾؟ نعربه على أنه خبر ثانٍ، وتعدد الأخبار جائز واقع في اللغة العربية، وواقع في القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج ١٤ - ١٦]، كل هذه أخبار متعددة، ولا يصح أن يكون الثاني وصفًا للأول؛ لأنها كلها تعود على موصوف واحد، وعليه فنقول: ﴿قَنُوطٌ﴾ خبر ثانٍ للمبتدأ المحذوف، ولا يصح أن يكون نعتًا لـ(يئوس)؛ لأن (يئوس) نفسها نعت. قال المؤلف رحمه الله: (وهذا وما بعده في الكافرين) هذا المشار إليه اليأس والقنوط (وما بعده) سيذكره (في الكافرين)، وإنما قال المؤلف ذلك؛ لأن المؤمن لا ييئس ولا يقنط، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف ٨٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر ٥٦]، فلا يمكن للمؤمن أن ييئس، وعلى هذا فيكون هذا الوصف للكافرين. ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاه﴾ [فصلت ٥٠] (آتيناه). قوله: ﴿وَلَئِنْ﴾ يقول: (لام قسم) يعني اللام، وإن شرطية ﴿أَذَقْنَاه﴾ (آتيناه) ﴿رَحْمَةً﴾ (غنًى وصحةً) ﴿مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ﴾ ﴿مِنَّا﴾ أي: من الله عز وجل. ﴿مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ﴾ (شدة وبلاء) ﴿مَسَّتْهُ﴾ يعني أصابته ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ (أي بعملي). انظر إلى حال هذا، فنبدأ أولًا بالإعراب؛ لأن فيه شيئًا من الإشكال وهو قوله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاه﴾ إلى قوله: ﴿لَيَقُولَنَّ﴾، ففي الجملة الأولى: ﴿لَئِنْ أَذَقْنَاه﴾ حرف شرط، والشرط يحتاج إلى جواب، وفي سياق الآية لم نجد جوابًا للشرط فأين هو؟ جواب الشرط في هذه الآية محذوف؛ لأنه اجتمع قَسَم وشَرْط، وإذا اجتمع القسم والشرط حُذِف جواب المتأخر منهما. إذا اجتمع شرط وقسم حُذِف جواب المتأخر منهما، هنا اجتمع شرط وقَسَم، القسم في اللام، والشرط (إن)، أيهما المتأخر؟ * طالب: الشرط. * الشيخ: الشرط، فيُحذف جواب الشرط؛ ولهذا جاء جواب القسم في قوله: ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ قال ابن مالك رحمه الله في الألفية: وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَــــــوَابَ مَــا أَخَّـــــرْتَ فَهْـــوَمُلْـــــتَزَمْ جواب ما أخرت فهو -أي هذا الحذف- ملتزم. قوله عز وجل: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاه﴾ (آتيناه) لكن عَبَّر بالإذاقة عن الإيتاء؛ لأن من ذَاقَ شيئًا فقد انتفع به، والإيتاء قد ينتفع به الإنسان، وقد لا ينتفع، فإذا أعطيتك خُبزة مثلًا قد تنتفع منها، وقد لا تنتفع؛ يعني قد تأكلها وقد لا تأكلها، لكن إذا ذقتها فقد أكلتها، أو انتفعت بها؛ فلهذا عَبَّر عن الإتيان بالإذاقة؛ لأنه أبلغ في المماسة وفي الانتفاع. وقوله: ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾ فسَّر المؤلف رحمه الله الرحمة بأنه الغنى والصحة، وهذا مثال، وليس هو الحصر بل تشمل الرحمة كل ما هو مطلوب للإنسان من (غنى وصحة)، وجاه، وأموال، وبنين، وغير ذلك. وقوله: ﴿مِنَّا﴾ إشارة واضحة إلى أن هذه الرحمة ليست بكسبه، ولكنها فضْل من الله عز وجل، فالغنى أتاه من حيث لا يحتسب، والصحة أتته من حيث لا يحتسب، والبنون وغيره هي من عند الله، وواضح أنها من الله وليست بكسبه. وقوله: ﴿رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ﴾ [فصلت ٥٠] يعني معناه أنها تُيقن الضرر، ثم جاءت الرحمة من عند من؟ من عند الله، وهذا أبلغ في النعمة أن تأتي بعد الضرر؛ لأن النعمة الدائمة لا يُحَسُّ بها لكن النعمة الطارئة بعد الضرر هي التي يُحَسُّ بها؛ ولهذا من لم يذق مرارة المرض فإنه لا يتذوق حلاوة الصحة حتى في الأمور الشرعية، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا ينقض الإسلامَ إلا من لم يعرف الجاهلية[[ذكره ابن القيم في الداء والدواء ص ٢١٤.]] أو كلمةً نحوها، يعني الذي لا يعرف الكفر لا يعرف قدر الإيمان، كذلك أيضًا الرحمة إذا كانت مستديمة مستمرة، لا يحس بها الإنسان لكن إذا جاءت من بعد الضرر أحس بها، وذاق لها طعمًا، وأَضْرِب لكم مثلًا الآن في النفس؛ النفس نعمة كبيرة من أكبر النعم، الإنسان لا يحس بها، ما دامت النعمة مستمرة لكن لو أُصيب بكتم النفس وحجبه، ثم فُرِّج عنه لوجد لهذا النفس نعمةً عظيمة وأثرًا عظيمًا، كذلك المرض، الإنسان الصحيح المستمر في صحته لا يعرف قدرها، لكن لو مرض، ثم شُفي تبين له قدر النعمة، الرحمة التي ذكر الله هنا رحمة من بعد الضراء يكون لها أثر بالغ أعظم مما لو كانت الرحمة مستمرة. إذا أذاقه الله عز وجل رحمة من عنده من بعد الضراء ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ [فصلت ٥٠] هذا جواب القسم يعني: يقول: ﴿هَذَا لِي﴾. ما معنى هذا لي؟ قيل: المعنى: هذا بعملي، فتكون اللام بمعنى (مِنْ)؛ أي: هذا مني وليس من الله. وقيل: اللام للاستحقاق؛ يعني أني مستحق له فلا مِنَّة لله عليَّ به؛ لأني له أهل فأنا حقيق به. المؤلف مشى على القول الأول وهو أن اللام بمعنى (مِنْ)؛ أي: ليقولن هذا مني، وأنا الذي اكتسبته، أنا الذي اتجرت، أنا اكتسبت وما أشبه ذلك. القول الثاني يقول: هذا من الله، لكن لا مِنَّة له عليَّ به؛ لأني مستحِق له، والآية تحتمل هذا وهذا، والقاعدة في التفسير أنه إذا كانت الآية تحتمل معنيين لا يُنافي أحدهما الآخر فإنها تُحمَل عليهما جميعًا إذا لم يُوجَد المرجح لأحدهما. ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [فصلت ٥٠] نسأل الله العافية؛ يعني ظن أنه مُخلَّد، لما جاءته هذه الرحمة، قال: إذن لا بعث ولا جزاء ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾. ثم قال: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت ٥٠] يعني على فرض أن تقوم الساعة، وأُرَد إلى الله فإن الذي نعَّمني في الدنيا سوف ينعِّمني في الآخرة؛ ولهذا قال: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت ٥٠] أي (الجنة). نقول في: ﴿لَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي﴾ في الإعراب ما قلناه في ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاه﴾؛ لأنه اجتمع قسم وشرط، وتأخر الشرط فحُذِف جوابه، وبقي جواب القسم في قوله: ﴿إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ فتجد هذا الرجل من غروره -والعياذ بالله- أنه أكد بالقسم. و﴿إِنَّ﴾ واللام، القسم في قوله: ﴿لَئِنْ﴾. و﴿إِنَّ﴾ في قوله: ﴿إِنَّ لِي﴾. واللام في قوله: ﴿لَلْحُسْنَى﴾، فهو أكد أنه على فرض أن يرجع إلى الله فسيجد الحسنى، وهي الجنة كما قال المؤلف رحمه الله، وأخذ المؤلف هذا التفسير من تفسير النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦] حيث قال: إن الحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله. إذن هذا الرجل مغرور في غاية الغرور، أولًا: أنه أضاف النعمة التي حصلت له في الدنيا، أضافها إلى نفسه إما مباشرة هو الذي حصَّلها بدون الله، وإما لأنه مستحق لها فلا فضل لله عليه فيها، الغرور الثاني أنه أنكر البعث؛ لقوله: ﴿مَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾، الغرور الثالث أنه على فرض أن الساعة قائمة فسيجد عند الله ما هو أحسن ﴿إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾. قال الله تعالى: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [فصلت ٥٠] ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ﴾ أي نُخبِرن، والفاء عاطفة، واللام موطئة للقسم المحذوف، والتقدير: فوالله لنُنبئن. إذن الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ﴾ المؤكد الأول: القسم، والثاني: اللام، والثالث: نون التوكيد في قوله: (لننبئن)، والضمير في قوله: (لننبئن) يعود على الله عز وجل، وعاد إليه بصيغة الجمع من باب التعظيم، وإلا فالله إله واحد. ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا﴾ أي بالذي عملوه، نخبرهم بذلك يوم القيامة، وكيفية هذا أن الله سبحانه وتعالى يُحصي أعمالهم يوم القيامة، فينادي عليهم على رءوس الأشهاد؛ لأنهم قد أخزاهم الله ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود ١٨]. ثم يقول: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ يعني بعد أن ننبئهم، ويقرون بذلك نذيقهم من عذاب غليظ؛ أي (شديد)، قال: (واللام في الفعلين لام قسم) أين الفعلان؟ (لننبئن) و(لنذيقن). * في هذه الآية والتي قبلها: بيان حال الإنسان الكافر، وهو كفره بنعمة الله عز وجل واعتزازه بنفسه؛ لقوله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ [فصلت ٥٠]. فإن هذا يدل على كفره الشديد وإعجابه بنفسه واعتزازه بها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى يرحم الكافر؛ لقوله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً﴾، وبناءً على هذا لو سألنا سائل: هل الله يرحم الكافر؟ فالجواب: نعم، يرحمه، والدليل هذه الآية، ولكن اعلم أن رحمة الله تبارك وتعالى نوعان: رحمة خاصة، ورحمة عامة، فما به قوام البدن من الرحمة العامة، وما به قوام الدين من الرحمة الخاصة؛ الرحمة نوعان: عامة وخاصة، فما به قوام البدن عامة؛ لأنه يشمل المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والإنسان والحيوان، هذه رحمة عامة، وما به قوام الدين فهو الرحمة الخاصة، وهذا يختص بالمؤمنين، والفرق بينهما أن الرحمة العامة إنما هي غذاء البدن فقط وتزول بزواله، والرحمة الخاصة غذاء الروح تبقى ببقاء الروح، والروح منذ خلقها الله لا تفنى، الأرواح من الأشياء التي خُلقت للبقاء بخلاف الأجساد، فالأجساد قال الله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن ٢٦]، لكن الروح لا تفنى كالولدان في الجنة، والحور العين في الجنة خُلِقت للبقاء. إذن نقول: الفرق بين الرحمة العامة والخاصة؛ الرحمة العامة غِذاء للأبدان فقط، وتنقضي بموت البدن، وأما الرحمة الخاصة فهي غذاء الأرواح، وتبقى دائمًا في الدنيا والآخرة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان فضل الله عز وجل على الكافر؛ لكون الرحمة التي أصابت الكافر من عند الله؛ لقوله: ﴿مِنَّا﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إعجاب الكافر بنفسه، حيث يضيف هذه الرحمة التي هي مِن الله إلى نفسه؛ لقوله: ﴿هَذَا لِي﴾، أو يضيفها إلى استحقاقه إياها فكأن الله لا مِنَّة له عليه على القول الثاني أن معنى قوله: ﴿هَذَا لِي﴾ هذا مستحق لي. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان عتو الكافر، حيث أنكر ما قامت الأدلة الشرعية والعقلية والحسية على ثبوته في قوله: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [فصلت ٥٠]. الأدلة الشرعية على ثبوت قيام الساعة كثيرة لا تُحصى، الأدلة العقلية هو أنه ليس من الحكمة أن يُوجِد الله هذه الخليقة ويأمرها وينهاها ويُسلِّط بعضها على بعض بالسيف، فيقاتل المؤمن الكافر، ثم تكون النهاية لا شيء، هذا سفه، وقد أشار الله إلى ذلك في قوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون ١١٥]؛ أي فائدة لخلق يُوجَد ويُؤمر ويُنهَى ويُسلَّط بعضه على بعض في القتل العمد، ثم النهاية لا شيء؟! لا فائدة من هذا، وحِكمة الله تبارك وتعالى تأبى أن يقع مثل ذلك من الله، هذا دليل عقلي واضح، دليل عقلي يُوجب أن يُبعَث الناس ليجازوا على أعمالهم. أما الدليل الحسي على ثبوت البعث وإمكانه وجوازه فالله تعالى يكرره في القرآن: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ [فصلت ٣٩] يعني هامدة ليس فيها نبات ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ﴾ [فصلت ٣٩] ﴿الْمَاءَ﴾ المطر ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ فصارت حية بعد أن كانت ميتة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فإحياء الأرض من بعد موتها والناس يشاهدون دليل على إمكان إحياء الموتى وبعثهم، وهذا دليل واضح حسي ولَّا عقلي؟ حسي مشاهَد، كذلك أيضًا أشهدنا الله عز وجل في الدنيا إحياء الموتى، فلنستعرض هذا في القرآن: المشهد الأول من؟ بنو إسرائيل قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة ٥٥]. فأخذتهم الصاعقة وماتوا، ثم بُعِثوا. هذا في الدنيا. المشهد الثاني: القتيل الذي اختلفت القبيلتان فيه، فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة، وأن يضربوا القتيل ببعضها، ففعلوا فحيي القتيل وقال: إن الذي قتله فلان. إحياء بعد الموت. المشهد الثالث: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة ٢٤٣]، خافوا من الموت، وخرجوا من ديارهم، فقال لهم الله: موتوا؛ فماتوا، ثم أحياهم، أماتهم ليعلموا أنه لا مفر لهم من قضاء الله، ثم أحياهم ليقضي أجلًا مسمى كم هذا من مشهد. المشهد الرابع: صاحب القرية، مر على قرية وهي خاوية من عروشها فقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة ٢٥٩]. المشهد الخامس: إبراهيم قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة ٢٦٠]، فأمره الله عز وجل أن يذبح أربعة من الطيور، ويجعل على كل جبل منها جزءًا، وأن يدعوها، ففعل، فأقبلت إليه حية إما أنها تطير أو تمشي بسرعة. هذه خمسة مشاهد مذكورة في البقرة كلها تدل على إمكان الإحياء بعد الموت. أما قصة عيسى فكذلك أيضًا، كان عيسى عليه الصلاة والسلام يحيي الموتى بإذن الله، يقف على الميت ويقول: يا فلان قُم. ويقوم، بل يقف على القبر، الميت مدفون ويأمره أن يخرج حيًّا فيخرج كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ [المائدة ١١٠]، وفي الدجال أخبرنا النبي عليه الصلاة والسلام أنه يقطع رجلًا جزلتين، ويمر بينهما، ثم يقف ويأمره أن يُقبِل، يأمر هذا الميت القطعتين أن يُقبل فيلتئم حالًا ويقوم، والناس ينظرون، هذا أيضًا شاهد محسوس، فالمهم أن البعث دل عليه السمع والعقل والحس. هذا الكافر يقول: ﴿مَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [الكهف ٣٦]. * من فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أن هذا الكافر عنده من العُجب والثقة بنفسه على أنه ليس له شيء يثق به ما أمكنه أن يقول: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت ٥٠]. * ومن فوائد الآية: أن الإقرار بالربوبية لا يُدخل الإنسان في الإسلام؛ لأن هذا المنكر مُقر بالربوبية، من أين نأخذه؟ ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي﴾ والمشركون كانوا مُقرِّين بالربوبية ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف ٩] لكن الإقرار بالربوبية لا يُغني عن الإنسان شيئًا، ولقد فخر بعض الناس الجهال أن أحد رواد الفضاء شهد بأن لهذا الكون خالقًا، لما صعِد في الفضاء ورأى الأرض، ورأى ما حوله من الآيات شهد بأن لها خالقًا، فصار بعض الناس الجهال يُطنطن على إثبات أن للكون خالقًا بشهادة هذا الرجل الكافر، وهذا حقيقةً يدل على ضعف إيمانه؛ لأن خبر الله ورسوله عن ذلك أصدق وأوجب للإيمان، نعم، لو كُنَّا نجادل شخصًا مُنكِرًا لا يؤمن بالأديان، فنقول له: صاحبك الذي هو مثلك أقر بأن للكون خالقًا ربما ينفع، فيكون هذا من باب إقامة حُجته عليه لكننا نجعل هذا حجة مطلقة، ففيه نظر. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التأكيد على أن هؤلاء الكافرين سوف يُخبرون بما عملوا؛ لقوله: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا﴾ [فصلت ٥٠]، متى هذا؟ يكون يوم القيامة. فإن قال قائل: هل لهذا القيد مفهوم؟ أو هو لبيان الواقع ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؟ فالجواب: لبيان الواقع، ليس له مفهوم؛ لأنك لو جعلت له مفهومًا لكان المؤمنون لا يُنبئون بما عملوا مع أنهم ينبئون، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧]. «وثبت عن النبي ﷺ أنَّ الله يخلو بعبده المؤمن فيُقَرِّرُه بذنوبِه: عملت كذا في يوم كذا»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٦٨٥)، ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث ابن عمر.]]. إذن تقييد الإنباء بالكافر لبيان الواقع يعني هؤلاء الذين كذبوا واقعهم أنهم سيُنبئون بما عملوا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن كل شيء مُقيَّد محفوظ على الإنسان، نأخذه من قوله: ﴿بِمَا عَمِلُوا﴾ [فصلت ٥٠]، فإن ﴿مَا﴾ اسم موصول تفيد العموم، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق ١٨] أي: قول تلفظ به فلديك رقيب حاضر عتيد؛ يعني حاضر يكتب ما تقول. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عذاب هؤلاء الكفار سيكون غليظًا أي شديدًا؛ لأن الغِلظة معناها القسوة، وهي في كل موضع بحسبه فغلظ الطباع ليس كغلظ الطين أو العجين أو ما أشبه ذلك، غِلظ العذاب ليس كغِلظ الطين والعجين، وغِلظ القول وما أشبه ذلك، كل غِلظة بحسبها. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العذاب في الآخرة ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [فصلت ٥٠]، فهل هناك عذاب قبل الآخرة؟ الجواب: نعم، يعذب الإنسان في قبره قبل أن يبعث، وهذا ثابت في القرآن والسنة، استمع إليه في القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام ٩٣]. فقوله: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ يدل على أنهم شحيحون في أنفسهم، لا يريدون أن تخرج؛ ولهذا يقال: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ توبيخًا. ثم يقال لهم: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام ٩٣] متى اليوم؟ يوم موتكم تجزون عذاب الهون، وهذه نص في إثبات عذاب القبر. وقال الله تبارك وتعالى عن آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٦]. وأما السنة فطافحة بذلك وكثيرة، ومنها ما أجمع المسلمون عليه، فكل المسلمين يقولون في الصلاة، أعوذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر. وهل يتصور أن أحدًا يتعوذ من شيء إلا وهو يؤمن بوجوده؟ أجيبوا؟ * طلبة: لا. * الشيخ: لا يتصور، إذن فعذاب القبر ثابت بالقرآن والسنة والإجماع، وعليه فيكون العذاب المذكور في قوله: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [فصلت ٥٠] هو عذاب الآخرة، وهو أشد من عذاب القبر، أجارنا الله وإياكم من ذلك. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، لا، ما يصلح، إضافة العمل إلى النفس جائز حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام قال في عمه أبي طالب قال: «لَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٨٣)، ومسلم (٢٠٩ / ٣٥٧) من حديث العباس بن عبد المطلب.]]. لكن الإنسان يضيفه إلى نفسه بمعنى كما قال هذا الكافر: ﴿هَذَا لِي﴾ هذا بعملي، أو أتاني من الله؛ لأني مستحق له هذا هو الممنوع. * * * * طالب: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (٥١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٢) سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت ٥١ - ٥٤]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ ﴿إِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ يعني أعطيناه نعمة، والنعمة تدور على شيئين: على حصول المطلوب، وعلى النجاة من المرهوب، فمن سقط في بحر، ثم هيأ الله له من ينقذه من الغرق فتلك نعمة، وكذلك أيضًا من رزقه الله مالًا وولدًا، هذه نعمة، فالنعمة إما انتفاء نقمة، وإما حصول محبوب للإنسان. وقوله: ﴿عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ يقول المؤلف: المراد (الجنس)، يعني ليس المؤمن ولا الكافر بل هذا الوصف يكون من المؤمن، ويكون أيضًا من الكافر، قلتم الآن: أنه بقي علينا فوائد: أي آيات؟ قال الله تبارك وتعالى: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ [فصلت ٤٩]. * مِن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان شحيح، وأنه حريص على الخير، شحيح ببذل ما يطلب منه. * ومن فوائدها: أن الإنسان يحب الخير دائمًا؛ لقوله: ﴿لَا يَسْأَمُ﴾ ﴿مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾، وهذا بطبيعة الإنسان أنه يحب الخير وهو ما يلائم نفسه ومراده. * ومن فوائدها: أن الإنسان الذي ليس عنده إيمان إذا مسه الشر يئس وقنط من رحمة الله. * ومن فوائدها: ذم أهل اليأس والقنوط من رحمة الله عز وجل؛ لأن الله تعالى ساق هذا مساق الذم. * ومن فوائد الآية: أنه لا ينبغي للإنسان أن يُغَلِّب جانب اليأس والقنوط، كما أنه لا يُغَلِّب جانب الرحمة؛ لأنه إن غَلَّب جانب الرجاء والرحمة فإنه يدخل فيمن لا يأمن مكر الله، وإن غلَّب جانب اليأس والقنوط دخل في أهل اليأس والقنوط. وهل الذي ينبغي للإنسان أن يُغلِّب الرجاء أو يُغلِّب الخوف؟ اختلف السالكون إلى الله عز وجل في هذا؛ فمنهم من قال: ينبغي أن يُغَلِّب جانب الخوف ليحذر المعاصي ويتجنبها؛ لأنه إذا غلب جانب الخوف خاف وحذر من المعاصي. ومنهم من قال: يُغلِّب جانب الرجاء؛ لأن الله تعالى عند حُسن ظن عبده به، وإذا غَلَّب الرجاء ابتعد عن اليأس والقنوط. ومنهم من قال: إنه ينبغي ألا يُغلِّب هذا على هذا، وأن يجعل خوفه ورجاءه واحدًا، قال الإمام أحمد رحمه الله: ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا، فأيهما غلب هلك صاحبه. وقال بعضهم: ينبغي للإنسان أن يكون بين الخوف والرجاء كالطائر بين جناحيه إن انخفض أحدهما سقط. وقال بعض أهل العلم: ينبغي أن يُغلب جانب الرجاء عند فعل الطاعة، فيرجو القبول والثواب، ويغلب جانب الخوف عند الهم بالمعصية حتى لا يعصي الله عز وجل. ومن العلماء من يقول: يُغلِّب جانب الرجاء عند المرض حتى إذا مات لقي الله وهو يُحسِن به الظن، وفي حال الصحة يُغلِّب جانب الخوف؛ لأن حال الصحة يدعو الإنسان إلى البطر والأشر بل يُغلِّب جانب الخوف. كل هذه الأقوال التي تبلغ ستة أو سبعة كلها في الواقع تنظر إلى حال العبد؛ ولهذا نرى في هذه المسألة أن الإنسان ينظر إلى حاله، فإن كان قد عمل عملًا صالحًا وكدح فيما يرضي الله فليُغَلِّب جانب الرجاء، كلما عمل طاعة غلب جانب الرجاء؛ أن الله سبحانه وتعالى تجاوز عنه، أن الله تعالى قبلها وسيُثيبه، وإذا رأى من نفسه العلو والتعاظم فليُغلِّب جانب الخوف حتى يسير إلى الله تعالى سيرًا حسنًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ [فصلت ٥٠]، * من فوائدها: أن من عباد الله من لا يشكر الله عز وجل، ولا يعترف له بالفضل، فإذا جاءته الرحمة بعد الضراء ادعى أن هذا بعمله، وأنه محقوق به، وأهْل له؛ لقوله تبارك وتعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ﴾ إلى آخره [فصلت: ٥٠]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرحمة إنما هي من الله عز وجل، لا يستطيع الإنسان أن يجلب لنفسه نفعًا، ولا أن يدفع عنها ضررًا بل ذلك إلى الله، ولكن الله قد جعل لكل شيء سببًا؛ فللرحمة أسباب، وللعذاب أسباب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان حال هذا الإنسان الذي إذا أصابته الرحمة والخير، قال: ﴿هَذَا لِي﴾ ثم ادعى دعوى أخرى أنه لو رجع إلى الله لوجدَ عنده خيرًا من ذلك مع أنه ينكر قيام الساعة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإقرار بالربوبية لا يكفي في توحيد الإنسان وإيمانه؛ لأن هذا الرجل قد أقر بالربوبية في قوله: ﴿رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي﴾ [فصلت ٥٠]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تهديد من هذه حاله بأن الله سبحانه وتعالى سوف يقرره بذنوبه ويذيقه من العذاب الغليظ؛ لقوله: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [فصلت ٥٠]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإظهار في موضع الإضمار في موضعه خير من الإضمار؛ يعني إذا دار الأمر بين أن تأتي بضمير المتحدث عنه، أو باسم ظاهر فإن الأصل أن تأتي بالضمير، لكن إذا صار هناك فائدة في الإظهار في محل الإضمار فهو أولى وأحسن، الإظهار في موضع الإضمار في قوله: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ولو أضمر لقال: فلننبئنه، لكنه أظهر في موضع الإضمار، الإظهار في موضع الإضمار ذكرنا أن فيه ثلاث فوائد من يحفظها؟ * الطالب: (...). * الشيخ: بيان الصفة أو الوصف الذي استحق من أجله أن يُعاقَب بهذه العقوبة، الثاني؟ * الطالب: (...). * الشيخ: يعني معناه التسجيل عليهم بالكفر، التسجيل على من هذه حاله بالكفر. * الطالب: بيان العموم. * الشيخ: نعم، بيان العموم؛ يعني أن هذا الوعيد ليس لهذا الرجل وحده بل لكل كافر، هذا بالنسبة للآية التي معنا، ففي الإظهار في موضع الإضمار هذه الفوائد، فيه أيضًا فائدة رابعة وهي: انتباه المخاطب؛ لأن الكلام إذا كان على نسق واحد بضمائره ومظهراته فإن الإنسان لا ينتبه، لكن إذا جاء شيء يُخرج الكلام عن سياقه فإنه لا بد أن ينتبه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات البعث؛ لقوله: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [فصلت ٥٠]. * ومن فوائدها: عموم علم الله عز وجل؛ لأن المنبئ بالعمل لا بد أن يكون عالمًا به. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان عظمة الله سبحانه وتعالى، حيث أضاف الضمائر إليه بصيغة الجمع، والجمع للواحد يُراد به التعظيم.