Tafsir Ibn Uthaymeen — الزخرف 43:37 – ق 50:35
المحتويات
- الزخرف 43:37
- الزخرف 43:38
- الزخرف 43:39
- الزخرف 43:40
- الزخرف 43:41
- الزخرف 43:42
- الزخرف 43:43
- الزخرف 43:44
- الزخرف 43:45
- الحجرات 49:1
- الحجرات 49:2
- الحجرات 49:3
- الحجرات 49:4
- الحجرات 49:5
- الحجرات 49:6
- الحجرات 49:7
- الحجرات 49:8
- الحجرات 49:9
- الحجرات 49:10
- الحجرات 49:11
- الحجرات 49:12
- الحجرات 49:13
- الحجرات 49:14
- الحجرات 49:15
- الحجرات 49:16
- الحجرات 49:17
- الحجرات 49:18
- ق 50:1
- ق 50:2
- ق 50:3
- ق 50:4
- ق 50:5
- ق 50:6
- ق 50:7
- ق 50:8
- ق 50:9
- ق 50:10
- ق 50:11
- ق 50:12
- ق 50:13
- ق 50:14
- ق 50:15
- ق 50:16
- ق 50:17
- ق 50:18
- ق 50:19
- ق 50:20
- ق 50:21
- ق 50:22
- ق 50:23
- ق 50:24
- ق 50:25
- ق 50:26
- ق 50:27
- ق 50:28
- ق 50:29
- ق 50:30
- ق 50:31
- ق 50:32
- ق 50:33
- ق 50:34
- ق 50:35
الزخرف 43:37
ثم قال عز وجل: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا﴾ [الزخرف ٣٣]، إلى آخره، ﴿لَوْلَا﴾ هذه حرف فيها شرط، لولا كذا لكان كذا، فهي حرف امتناع لوجوب، ﴿لَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا﴾، لكن امتنع الْجَعْل لِئَلَّا يكون الناس أمة واحدة، ﴿لَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَة﴾ على أي شيء؟ على الكفر، بدليل قوله: ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الزخرف ٣٣]، ﴿لَجَعَلْنَا﴾ أي: صَيَّرْنَا، ﴿لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ﴾ وهو الله عز وجل، ﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾ بدل مِن ﴿لِمَنْ﴾؟
بدل أيش؟ مر علينا البدل قريبًا.
* طالب: اشتمال.
* الشيخ: بدل اشتمال، ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ﴾، والبدل هو المقصود بالحكم، فيكون المعنى: لجعلنا لبيوت مَن يكفر بالرحمن، ﴿﴿سَقْفًا﴾ ﴾ بفتح السين وسكون القاف، وبضمهما جمعًا، بفتح السين وسكون القاف أي: سَقْفًا، مُفْرَد، وبضمهما جمعًا: ﴿سُقُفًا﴾.
الْمُفَسِّر قال: بهذا وهذا، فهل يعني ذلك أنهما قراءتان؟
فالجواب: نعم، هما قراءتان سَبْعِيَّتَان؛ لأنه لم يُحْفَظ أحدهما على الآخر، فهما صحيحان، وهذا أيضًا من أسلوبه -رحمه الله- أنه إذا قال: بكذا وكذا، فهما قراءتان سَبْعِيَّتَان.
إذن يجوز أن تَقْرَأ: ﴿﴿لِبُيُوتِهِمْ سَقْفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ ﴾، أو ﴿لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾، أفهمت؟
﴿مِنْ فِضَّةٍ﴾ وهي معروفة، (﴿وَمَعَارِجَ﴾ كالدَّرَج من فضة أيضًا، ﴿عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾: يَعْلُونَ إلى السطح)، ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ﴾ أي: وجعلنا لبيوتهم أيضًا، ﴿أَبْوَابًا﴾ يعني: (من فضة)، وجعلنا لهم سُرُرًا يعني: (من فضة، جمع سرير)، ﴿عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾ أي: يعتمدون، ﴿وَزُخْرُفًا﴾: (ذهبًا).
استمع لهذا التصوير، يعني: لولا أن يكفر الناس جميعًا لجعلنا للكافر هذه البيوت سُقُفًا من فضة، يعني بدل ما يكون السقف من خشب، أو من صَبَّات أسمنت، يكون من فضة، والمراد فضة لامعة تجذب النظر، وتسر العين.
﴿مَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ قيل: إنها الدَّرَج، وقال بعض المتأخرين: إنها المصاعد الكهربائية التي تسمى أسانسير، ولفت، ومصعد، وما أشبه ذلك؛ لأن الدرج العادية لا تلفت النظر كثيرًا، ولهذا قال: ﴿عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ أي: يَعْلُون حتى يصلوا إلى السقف، وأيًّا كان هذا أو هذا فإنها دَرَج غريبة ليست كالدَّرَج المعتاد، والثالث: أبواب.
* طلبة: أبواب.
* الشيخ: أبواب، المؤلف يقول: (من فضة)، بناء على ما ذُكِرَ في أول الآية، ﴿سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾، ولكن هذا ليس بِمُتَعَيِّن، بل نقول: ﴿أَبْوَابًا﴾: أبوابًا فخمة، ليست كالمعتادة، سواء من فضة، أو من حديد، أو من خشب، المهم أنها أبواب غير معتادة.
﴿وَسُرُرًا﴾ جمع سرير، وهو ما يُجْلَس عليه، ﴿عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾، أيضًا مع السُّرُر متكأ يَتَّكِئ عليه، أي: يُعْتَمَد، سواء من خلف الظهر، أو من اليمين، أو من الشمال، وهو كناية عن كثرة الإرفاه.
﴿وَزُخْرُفًا﴾ هذا الذهب، فهي كم من واحد؟ سُقُفًا من فضة، معارج عليها يظهرون، أبوابًا فخمة، سُرُرًا مُرِيحَة، زُخْرُفًا، يعني ذهب، خمسة أشياء، يعني المعنى: (لولا خوف الكفر على المؤمن من إعطاء الكافر ما ذُكِرَ لأعطيناه ذلك لقلة خَطَر الدنيا عندنا، وعدم حَظِّه في الآخرة في النعيم).
ووجه ذلك أن النفوس مَيَّالَةٌ إلى اللهو واللعب والتَّرَف، فإذا رأى الإنسان هذا الترف للكافر فإن ذلك يُغْرِيه ويَغُرُّه، كما يُفْعَل الآن بالنسبة للمُنَصِّرِين ضُلَّال النصارى، يمشون على الأقاليم الفقيرة، ويُزَيِّنُون لهم الدنيا، وهؤلاء الفقراء يتبعونهم؛ لأن النفوس مجبولة على محبة المال والفخر والخيلاء.
قال عز وجل: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف ٣٥]، الْمُفَسِّر قال: (إنْ مُخَفَّفَة من الثقيلة) الْمُشَدَّدَة، والْمُخَفَّفَة ما حُذِفَ تشديدها، (وإنْ مُخَفَّفَة من الثقيلة، ﴿﴿كُلُّ ذَلِكَ لَمَا﴾ ﴾ بالتخفيف، فـ(ما) زائدة، وبالتشديد بمعنى (إلَّا))، أي أن فيها قراءتين: ﴿﴿لَمَا﴾ ﴾ و﴿لَمَّا﴾، (فـ(إن) نافية)، خَلَّطَ المؤلف رحمه الله.
الآن (إن) أعربها على أنها مُخَفَّفَة من الثقيلة فهي مؤكِّدة، ثم قال في الأخير: فإن نافية، وفرق بين الإثبات والنفي، لكن هذا ينبني على (لَمَا) إن قُرِئَت بالتخفيف فـ(إنْ) مُخَفَّفَة من الثقيلة، وإن قُرِئَت بالتشديد فـ(إنْ) نافية، انتبه.
فصار اختلاف الإعراب في (إنْ) مبنيًّا على اختلاف القراءة في (لَمَا)، فعلى قراءة التشديد تكون (إنْ) نافية، و(لَمَّا) بمعنى (إِلَّا)، وشاهد هذا قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤]، أي: ما كل نفس إلا عليها حافظ، وأما إذا قُرِئَت (لَمَا) بالتخفيف فـ(إِنْ) مُخَفَّفَة من الثقيلة، وتكون (مَا) زائدة، ويكون التقدير: وإنْ كلُّ ذلك لَمَتَاعُ الحياة الدنيا؛ لأن (ما) زائدة، أرجو الانتباه.
(لَمَا) فيها قراءتان؛ الأولى: التشديد، وبناء على هذه القراءة تكون (إنْ) نافية، و(لَمَّا) بمعنى (إلَّا)، والشاهد لهذا قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾، أي: ما كل نفس إلا عليها حافظ، القراءة الثانية: (لَمَا) بالتخفيف، وعلى هذه القراءة تكون (إِنْ) مُخَفَّفَة من الثقيلة بمعنى (إِنَّ)، وتكون (ما) زائدة، ويكون تقدير الكلام: إن كل ذلك لَمَتَاعُ الحياة الدنيا، واضح ولَّا غير واضح؟
* الطلبة: واضح.
* الشيخ: المؤلف رحمه الله دَمَجَ القراءتين، ولكن هذا هو التفصيل، كيف التفصيل؟
* طالب: إن كانت ..
* الشيخ: إن كانت (لَمَّا) مشددة.
* الطالب: تكون (إنْ) نافية.
* الشيخ: تكون (إنْ) نافية.
* الطالب: و(لَمَّا) بمعنى (إلَّا).
* الشيخ: و(لَمَّا) بمعنى (إلَّا) تمام، والتقدير: ما كل نفس إلا عليها..
﴿﴿لَمَا﴾ ﴾ فيها قراءتان: الأولى التشديد، وبناء على هذه القراءة تكون (إِنْ) نافية، و(لَمَّا) بمعنى (إلا)، والشاهد لهذا قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤] أي: ما كل نفس إلا عليها حافظ، القراءة الثانية ﴿﴿لَمَا﴾ ﴾ بالتخفيف، وعلى هذه القراءة تكون (إِنْ) مُخَفَّفَةً من الثقيلة، بمعنى (إنَّ) وتكون (ما) زائدة، ويكون تقدير الكلام: إن كلُّ ذلك لمتاع الحياة الدنيا.
المؤلف رحمه الله دمج القراءتين ولكن هذا هو التفصيل.
كيف التفصيل؟
* طالب: إن كانت (لَمَّا) مشددة تكون (إِنْ) نافية، و(لَمَّا) بمعنى (إلَّا).
* الشيخ: و(لَمَّا) بمعنى (إلَّا) تمام، والتقدير: ما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا.
* الطالب: إن كانت مخففة تكون (إِنْ) مخففة من الثقيلة.
* الشيخ: تكون مخففة من الثقيلة، فهي حرف توكيد و(ما)..
* طالب: و(ما) زائدة.
* الشيخ: و(ما) زائدة، والتقدير: وإن كل ذلك لمتاع الحياة الدنيا؛ لأن (ما) زائدة.
(﴿متاع الحياة الدنيا﴾ يُتَمَتَّع به فيها ثم يزول، ﴿وَالْآخِرَةُ﴾ الجنة ﴿عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ) الآخرة، لو قيل: كل الآخرة: الجنة، وعرسات القيامة، وسلامتهم من شدة هول القيامة، وغير ذلك، لكان أعم، فصارت الدنيا للكُفَّار مهما أُعْطوا فإنه نعيمهم، والآخرة للمتقين جعلنا الله وإياك منهم.
واعلم أن هذا الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، مهما بلغَتْ من النعيم فإنها سجن المؤمن، ومهما بلغَتْ من الجحيم فإنها جنة الكافر. اسمع القصة، ماذا قلنا؟
* طالب: أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، مهما بلغ من النعيم فإنها سجن المؤمن، ومهما بلغ من العذاب فإنها جنة الكافر.
* الشيخ: هذه قِصة ذكرها العلماء في ترجمة ابن حجر رحمه الله، وكان ابن حجر قاضي القضاة في مصر، فمرَّ ذات يوم من بيته إلى مَقرِّ عمله على العربة تجرها الخيول أو البغال في موكب؛ مَرَّ ذات يوم برجل يهودي زيات -يعني: يبيع الزيت- فاستوقف اليهودي قاضي القضاة، وقال له: إنَّ نبيَّكم يقول: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، كيف يتفق هذا مع حالي وحالك؟ أنت الآن في نعيم، تَجُرُّك الخيول، ولك جاه وشرف ومنزلة، وهو اليهودي بهذا الذُّلِّ ثيابٌ وَسِخَة وتعب، كيف هذا؟
أتدرون، ماذا قال؟
قال: نعم، ما أنا فيه الآن بالنسبة لنعيم الجنة سجن؛ لأن نعيم الجنة أعلى وأعلى من هذا، أما بالنسبة لك فأنت في جنة بالنسبة لعذاب النار؛ لأنك إن مت على اليهودية فأنت في النار، ويُعْتَبر ما هو فيه الآن اليهودي يعتبر جنة، اليهودي -فيما يبدو لي، والله أعلم- أنه يَنْشُد الحقيقة، يريد الحقيقة، فلما بيَّن له ابن حجر هذا، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، سبحان الله! الإنسان العاقل الذي يريد الحقيقة لا بد أن يهتدي.
المهم يقول عز وجل لما ذكر هذه الأشياء: ﴿لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الزخرف ٣٣] إلى آخره، قال: ما هذا إلا متاع الحياة الدنيا، شوف متاع كالمتاع يحمله المسافر ﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف ٣٥]؛ لأن الدنيا مهما طالت بالإنسان الحياة فلا بد من الزوال، إما أن تزول الدنيا عنه، وإما أن يزول هو عن الدنيا، وبهذا قال الشاعر:
لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً ∗∗∗ لَـــــذَّاتُـــــهُ بِادِّكَارِ الْمَـــــوْتِوَالْهَـــــرَمِ
صحيح الإنسان إذا تذكر، وإذا مآله: إما موت مبكر، وإما هرم مخرِّف.
الآن يوجد الذين بلغوا عُمُرًا طويلًا ووصلوا إلى حدِّ الهذْرمة، هم بأنفسهم متضايقون وأهلوهم أيش؟ متضايقون، تجد الإنسان يتضايق من أبيه وأمه، وإن كان المؤمن يصبر، لكن لا بد أن يتضايق، أو موت عاجل وينتهي الموضوع، هذا حال الدنيا في الواقع، ولذلك الغنيمةَ الغنيمة، بادر العمر قبل فواته، اعمل صالحًا، وطلب العلم من أفضل الأعمال، بشرط أن يكون العالم عاملًا، أما علم بلا عمل فالجهل والله خير منه.
* طالب: أحسن الله إليكم، القاعدة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، الآية ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف ٣٢]، لماذا لا يحتمل المعنيين: السخرية، وأيضًا المعنى الآخر؟
* الشيخ: وهو؟
* الطالب: السخرية وأيضًا..
* الشيخ: لا، ما يستقيم؛ لأنَّ اختلاف الطبقات ليس من أجل أن يستهزِئ بعضُهم ببعض، لكن من أجْل أن يُسَخِّر بعضُهم بعضًا بالعمل، ولا يمكن أن الله عز وجل بحكمته يجعل الطبقات مختلفة علشان يستهزئ بعضهم ببعض.
* طالب: قول الله عز وجل: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الزخرف ٣٣] إلى أن قال: ﴿وَزُخْرُفًا﴾ [الزخرف ٣٥] هل قوله: ﴿وَزُخْرُفًا﴾ يشمل ما شمله الفضة؛ يعني يجعل البيوت..؟
* الشيخ: المهم أنه ذَهَبٌ سواء كان سقفًا أخرى ذهبًا، أو تماثيل ذَهَبٍ، أو غير ذلك، عام.
* طالب: يقول المؤلف: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ﴾ يعني: أنه الجنة هل هذا من تأويله؟
* الشيخ: لا، من التقسيم في التفسير، لا شك أنها من التأويل؛ لأن الجنة رحمة، وذكرنا أن الله عز وجل قال للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦ / ٣٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، لكن كونه يقصرها على أنواع من الرحمة (...).
* * *
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف ٣٦ - ٣٩] .
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ لمَّا ذكر أحوال الدنيا، وأنه لولا أن يكون الناس أمة واحدة على الكفر لمتَّع الكفار بما سمعتم، وهذه الدنيا لا بد أن تَحمِل الإنسان على الإعراض عن ذكر الله عز وجل؛ قال: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾.
قوله: ﴿مَنْ يَعْشُ﴾ فسَّرها بـ(يعرض)، ولكن التفسيرَ المطابق أن معنى ﴿يَعْشُ﴾ أي: يتعامى حتى يرى رؤيةَ الأعشى الذي يُبصِر في النهار ولا يُبْصِر في الليل، فمعنى ﴿يَعْشُ﴾ أي: يتعامى كما فسرها بذلك ابن كثير وغيره من المفسرين، ولكن المفسر فسَّرها بـ(يعرض)؛ لأنه من لازم التعامي الإعراض قال: (﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ أي: القرآن)، فجعل المفسِّر ذكر الرحمن يعني القرآن، وأضافه الله إلى الرحمن؛ لأن إنزاله رحمة للخلق، هكذا مشى المفسر رحمه الله.
والصواب خلاف ذلك، والمراد بـ ﴿ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ تَذَكُّر الرحمن يعني: مَن تعامى عن ذكر الرحمن بقلبه واستحضاره لعظمة ربه وجلاله فإنه يُقيَّد له الشيطان فيكون هذا جزاءً على إعراضه وتعاميه عن ذكر ربه، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن ١٧]، فالصواب أن المراد بـ ﴿ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ ليس القرآن، بل المراد بـ ﴿ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ ذكر الله نفسه؛ يعني: يغفُل قلبه عن ذكر الله ولا يذكر الله بقلبه، فهذا هو الذي يُقيَّد له الشيطان فيتَّبِع هواه كما قال عز وجل ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف ٢٨].
وقوله: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ [الزخرف ٣٦] قال: (نسبب له)، وهذا قريب من المعنى المطابق، وإلَّا فإن معنى ﴿نُقَيِّضْ﴾ أي: نهيِّئ له شيطانًا يحل محل ذكر الله عز وجل فيستولي الشيطانُ على قلبه، والشيطان يعظم بالفحشاء والمنكر، كما قال الله عز وجل: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٦٨].
﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ فهو أي: الشيطان ﴿لَهُ﴾ أي: للعاشي عن ذكر الله، قرين لا يفارقه -نعوذ بالله من الشيطان الرجيم- ووجه ذلك أن الإنسانَ فعَّال مريد متحرِّك قلبًا وقالَبًا، فلا بد من الاشتغال بشيء؛ فإما أن يكون بذكر الله، وإما أن يكون بوساوس الشيطان ولا بد، لا تجد أحدًا يكون قلبه ساكنًا لا يتحرك ولا يريد، هذا مستحيل؛ ولهذا جاء في الحديث في الأسماء: «أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ»[[أخرجه أبو داود (٤٩٥٠) من حديث أبي وهب الجُشَمِيِّ رضي الله عنه.]] «هَمَّام» : العبادة القلبية، و«حًارٍثٌ» :» العمل، كل إنسان لا بد، فيهيِّئ له هذا الشيطان الذي يقارنه ولا يفارقه.
(﴿وَإِنَّهُمْ﴾ أي الشياطين ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ أي: العاشين ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ أي: طريق الهدى ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ).
﴿يَحْسَبُونَ﴾ أي: العاشون الذين صدتهم الشياطين ﴿أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (في الجَمْع رعاية معنى من).
الشيطان -نعوذ بالله منه- إذا استولى على قلب الإنسان زَيَّن له سوءَ عملِه، وظنَّ أنه على حق، ولكنه على باطل، وهؤلاء هم أخسر الناس أعمالًا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف ١٠٣]. الجواب: نعم، بيَّنها الله؛ قال: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف ١٠٤]؛ لأن الشيطان زيَّن لهم هذا، وقال: أنتم على حق، أنتم الأعلون، وسوَّل لهم، وأملى لهم حتى تبعوه.
ولهذا قال: (﴿وَإِنَّهُمْ﴾ يعني الشياطين ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ أي: العاشين ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ ) أي: سبيل الحق وطريق الهدى ﴿وَيَحْسَبُونَ﴾، الواو تعود على مَنْ؟
* طالب: على (العاشين).
* الشيخ: تعود على (العاشين) ﴿أَنَّهُمْ﴾ أي: العاشين، ﴿مُهْتَدُونَ﴾ أي: على هدى، وهذا غاية ما يكون من الخسران، والعياذ بالله، أن يتمادى الإنسان بالباطل وهو يظن أنَّه على حق.
قال المفسِّر: (في الجَمْعِ رعاية معنى (مَن)) الجمع وهو قوله: ﴿يَحْسَبُونَ﴾، ﴿إِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ﴾؛ ففيها رعاية بمعنى مَنْ في قولِه: ﴿مَنْ يَعْشُ﴾ كلمة (مَنْ)، و(ما) وما أشبههما من الألفاظ العامَّة يجوزُ مراعاة معناها، ومراعاة لفظها، اللفظ مفرد ولَّا جمع؟ مفرد، ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾؛ ولذلك عاد الضمير إليه للمفرد ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾، ﴿نُقَيِّضْ لَهُ﴾ أيضًا مراعاة اللفظ، ﴿فَهُوَ لَهُ﴾ مراعاة اللفظ، ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ مراعاة المعنى، ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ كذلك مراعاة المعنى، واضح؟
إذن إذا أتتك (مَنْ) موصولة كانت أو شرطية فلك أن تراعي في ضميرها اللفظة فتجعله مفردًا، والمعنى فتجعله حسب ما أريد به، وانظر إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الطلاق ١١] كل هذا مراعاة أيش؟
* طلبة: اللفظ.
* الشيخ: اللفظ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ مراعاة المعنى، ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ﴾ مراعاة اللفظ، ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق ١١] فتجد هذه الآيات تارةً روعي اللفظ، وتارة روعي المعنى ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.
(﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ العاشي بقرينه يوم القيامة قال له: ﴿يَا﴾ للتنبيه ﴿لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ أي: مثل بُعْدِ ما بين المشرق والمغرب ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ أَنْتَ لي).
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ يعني الشيطان وقرينه، وذلك يوم القيامة، تبرأ كل واحد من الآخر، وقال له: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ ﴿يَا﴾ هذه للتنبيه، ولا تصح أنْ تكونَ للنداء؛ لأن ﴿يَا﴾ التي للنداء لا تدخل إلا على اسم، لا تدخل على حرف كما هنا، ولا على فعل، فإذا وجدتها داخلة على حرف أو فعل فهي للتنبيه.
﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ [يس ٢٦] فهي للتنبيه، وقيل إن: (يا) داخلة على منادى محذوف والتقدير في هذه الآية: يا هذا ليت بيني وبينك بعد المشرقين؛ يعني: تُقدِّر منادى اسمًا؛ يا هذا يا ليت بيني بينك بعد المشرقين.
فإذا قال قائل: أيهما أولى أن نُقَدِّر منادى يناسب السياق من أجل أن يصِح حلول (يا) في هذا المكان، أو نقول: الأصل عدم التقدير ونجعل (يا) للتنبيه؟
* طالب: الثاني.
* الشيخ: الثاني أولى؛ لأنه إذا دار الأمر بين أن يكون في الكلام شيء محذوف أو لا؛ فالأولى ألَّا يكون فيه شيء محذوف.
وقوله: ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ يقول المؤلف: (ما بين المشرق والمغرب)، وعليه فيكون في الكلام تغليب، وهو تغليب المشرق على المغرب، والتغليب هذا جائز في اللغة العربية؛ مثل قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٢٧)، ومسلم (٨٣٨ / ٣٠٤) من حديث عبد الله بن مُغَفَّل المزني رضي الله عنه.]] إذا جعلنا مُطْلَق الأذان هو الأذان الذي يكون بكل وقت، أما إذا جعلنا الأذان بمعنى الإعلام، فإن الأذانَيْنِ ليس فيه تغليب؛ لأن كلًّا من الإقامة والأذان يُسمَّى الأذان.
لكن قولهم: (القَمَران) يعنون بذلك الشمس والقمر، قولهم: (العُمَران) يعنون بذلك أبا بكر وعمر، هذا من باب التغليب، فيكون ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ أي: بعد ما بين المشرق والمغرب، ولكن ذُكِرَ بلفظ المشرق تغليبًا.
ويحتمل أن يكون المعنى ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ أي: مشرقي الشمس شتاءً ومشرقها صيفًا؛ لأن بينهما مسافة عظيمة جدًّا لا يعلم قدْرَها إلا الله عز وجل، وكلا المعنيين صحيح؛ يعني: سواء جعلنا اللفظ فيه تغليب أو لا، والمراد أن هذا العاشي الذي أضله الشيطان إذا جاء معه يوم القيامة تبرَّأ منه، وقال: ليتك بعيد عني، وأنا بعيد عنك.
وقوله: ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ هذه الجملة إنشائية للذمِّ، قال المؤلف: أنتَ يعني أنه قد حُذِفَ فيها المخصوص؛ لأن (بئس) و(نعم) لا بد فيها من فاعل ومخصوص، وتفصيل ذلك في كتب النحو، ولا علينا منه في هذا المكان.
قال الله تعالى: (﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ﴾ أي: العاشين تمنِّيكم وندمكم ﴿الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ أي: تبيَّن لكم ظلمُكم بالإشراك في الدنيا أنَّكم مع قرنائكم ﴿فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ عِلَّةٌ بتقديرِ اللَّام؛ لعدم النفع و﴿إِذْ﴾ بدل من ﴿الْيَوْمَ﴾ ) يعني: لا ينفعكم اشتراككم في العذاب، هذا هو الصحيح، وعلى هذا فتكون ﴿أَنَّكُمْ﴾ ليست للتعليل، كما ذهب إليه المفسر، بل هي فاعل ينفع، والمعنى لا ينفعكم اشتراككم في العذاب، ووجه ذلك أنَّه جرت العادة أن الإنسان إذا عُذِّب ورأى غيرَه يُعَذَّب هان عليه الأمر وتسلَّى، وفي يوم القيامة يشترك أهل النار في العذاب، لكن هل ينفعُهم هذا شيئًا؟ لا ينفعهم، فهذا هو الصواب الذي تدل عليه الآية، أما المؤلف فجعل (أنَّ) ﴿أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ (عِلَّةٌ بتقديرِ اللَّام) أي: أنَّكم في العذاب مشتركون، ولكن هذا بعيد من اللفظة.
قوله تعالى لما ذكر ما يجعله للكافرين: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ﴾ إلى آخره.
* في هذه الآية فوائد: أن هذه المُتَعَ الدنيويَّة ما هي إلا متاع الحياة الدنيا، فهي زائلة، ويتفرع على هذه الفائدة ألَّا يتعلقَ الإنسان بها، وألا يهتم بها، وأن يرى أنه عايش بدونها، وليس لك من الدنيا إلا ما أكلتَ فأفنيتَ أو لبِسْتَ فأبليتَ أو تصدَّقْتَ فأمضيتَ.
* ومن فوائد هذه الآية: التزهيدُ في هذه الأمور، وألًّا تهتم بها، لا تعلِّقْ قلبَكَ بمظاهرِ الدُّنْيا، فإنَّك إن فعلتَ هلكتَ، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا رأى من الدنيا ما يعجبه قال: «لَبَّيْكَ، إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةِ»[[أخرجه البيهقي (٩٠٣٥) من حديث مجاهد مرسلًا.]] «لَبَّيْكَ» يعني إجابةً لك ليصرِفَ قلبَه عن التعلُّقِ بما رآه مما يعجبه في الدنيا، ثم وطَّن نفسه، وقال: «إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةِ» والله هذا هو الحق أن عيش الدنيا فإنه مهما طاب لك محفوفٌ بنكدٍ قبلَه ونكدٍ بعدَه؛ لأن لم تحصله غالبًا إلا بتعب، ثم إذا حصَّلْتَه هل ستبقى لك أو لا تبقى؟ هو لا بد (...) إما أن تموت وتتركه، وإما أن يهلك وأنت حي.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: البُشرى للمتَّقين وأنَّ لهم الآخرة، فالآخرة خير للمتقين، ففيه البَشارة وأنَّ الإنسان المتقي إذا انتقل من الدنيا فلا يندم؛ لأنه انتقل إلى دار أفضل وأحسن مما ترك.
* وفيه: الحسُّ على التقوى؛ وذلك لأنَّ ذِكْرَ الجزاء والثواب يستثير النفس حتى يصل الإنسان إلى الوصف الذي يحصل به على الثواب.
ثم قال عز وجل: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ إلى آخره.
* في هذه الآية الكريمة فوائد:
* منها: التحذير من الغفلة عن ذكر الله؛ لأنك إذا غفلت عن ذكر الله حلَّ محل ذكر الله أيش؟ وساوس الشيطان.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ الله سبحانه وتعالى يعاقب العبد بما يقتضيه الذنب، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت ٤٠] فهذا الرجل لما أخلى قلبه من ذكر الله عوقب أن يحلَّ محله الشيطان.
* ومنها: الحظر من قرناء السوء؛ لأن الشياطين ليس اسمًا خاصًّا بشياطين الجن، بل حتى الإنس لهم شياطين، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: قال الله عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام ١١٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس ١] إلى قوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس ٦].
ففي هذا التحذير من قرناء السوء، وقد حذَّر النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم من قرناء السوء؛ حيث شبَّه قرينَ السوء أو جليس السوء بنافخ الكير؛ إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه رائحة كريهة، ثم إن الواقع كذلك، فما أكثر ما يمر علينا ممن يتصلون بنا يَشْكُون من قوم كانوا مستقيمين وأئمة مساجد أو مؤذني مساجد، اتصل بهم أناس من أصحاب السوء فانحرفوا انحرافًا كاملًا، ومثل هؤلاء -والعياذ بالله- إذا انحرفوا -نسأل الله الثبات- يكون انحرافهم أشد وأعظم، كالماء الذي حبسته ثم أطلقت الحبس سيندفع بقوة.
فالمهم أن الإنسان إذا أعرض عن ذكر الله قيضَّ له الشيطان من الإنس، كمل.
* طالب: ومن الجن.
* الشيخ: ومن الجن، فهو له قرين.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المُلازِمَ أشد تأثيرًا من العابد الذي يلازمك ويبقى قرينًا معك، أشد تأثيرًا من العابد؛ بمعنى أنك لو جلست مع إنسان صاحب سوء لمدة ساعة أو ساعتين ربما سيؤثِّر فيك، وربما يتأثر، لكن إذا كان مقارنًا فإنه سيؤثر؛ ولهذا قال: ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾.
أقول هذا لتحْذَروا من الاستمرار لقرناءِ السُّوءِ؛ ولتعلموا أنكم متى علمتم أنه قرين سوء وجب عليكم البعد عنه، لا تقل: أخشى أن يتأثر، أخشى أن يقول: ليش؟ الرجل كان صاحب لي ثم فارقني؟ لا يهمُّك، الذي يهمك هو نفسك فأنقِذْها.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عمى القلب -والعياذ بالله- لما تعامى بعينه عن ذكر الرحمن وبقلبه أيضًا قُيِّضَ له هذا الشيطان، الذي يصده عن الهدى، وهو يحسب أنه مهتد ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٣٧]، وما أكثر هذا، أهل البدع الذين أصرُّوا على بِدَعهم صغيرة كانت أم كبيرة، ألم يكونوا قد يستحسونها؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: لماذا استحسنوها وهي بدعة ضلالة؟ لأن الشيطان صدَّهم عن الحق، أهل الأفكار الرديئة كالعلمانيين والشيوعيين والبعثيين ومن أشبههم لماذا استمروا على ذلك؟ لأن الشيطان ركب قلوبهم -والعياذ بالله- فجعلهم يظنون أن هذا السيئ حسنًا، وهذا أشد ما يكون من الفتنة؛ أن يرى الإنسان السيئ حسنًا فيمضي فيه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن بعضَ الظنِّ إثم، وجهه أن هؤلاء ظنوا أنهم على حق فاستمروا في الباطل .
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذا القرين في الدنيا يتبرأ من صاحبه يوم القيامة، يقول: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف ٣٨] .
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه مع تمنِّيه هذا الذي لم يدرك منه شيئًا يثني على قرينه هذا بالذم والقدح، فيقول: ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من القرناء مَن هو قرينُ خير وقرين سوء، وهو كذلك، وقد بيَّن النبي ﷺ هذا أبين شيء حيث قال: «مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ؛ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ» يعني: يعطيك هدية، «وَإِمَّا أَنْ يَبِيعَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رَائِحَةً طَيِّبَةً، وَجَلِيسُ السُّوءِكَنَافِخِ الْكِيرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٣٤)، ومسلم (٢٦٢٨ / ١٤٦) من حديث أبي موسى رضي الله عنه، ولفظه: «مثل الجليس الصالح والسوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك: إما أن يُحْذِيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحا خبيثة».]] إما أن يحرق ثيابَك بالشرَّرِ الذي يتطاير من النار إذا نُفِخَت، وإما أن تَجِدَ منه رائحةً كريهة.
* من فوائد هذه الآية الكريمة ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ [الزخرف ٣٩]: أن المشتركين في عذاب الآخرة لا ينفعهم الاشتراك، بخلاف الاشتراك في العذاب في الدنيا فإنه يُسَلِّي الإنسان ويهون عليه؛ ولهذا قالت الخنساء في رثاء أخيها صخر:
وَلَــوْلَا كَــثْرَةُ الْبَاكِــــينَ حَــــــوْلِي ∗∗∗ عَـلَى إِخْــوَانِهِمْ لَقَـتَلْتُ نَـــفْسِي؎وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ ∗∗∗ أُسَــلِّي النَّــــفْسَ عَــــنْهُبِالتَّــــأَسِّي
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المُعذَّبين هم الذين ظلموا، وما ظُلِموا؛ لقوله: ﴿إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنهم أي المعذبين يعرفون أنهم مشتركون في العذاب، ولكن ذلك لا يُسلِّيهم، ولا يهوِّن عليهم المصيبة.
الزخرف 43:38
ثم قال عز وجل: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا﴾ [الزخرف ٣٣]، إلى آخره، ﴿لَوْلَا﴾ هذه حرف فيها شرط، لولا كذا لكان كذا، فهي حرف امتناع لوجوب، ﴿لَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا﴾، لكن امتنع الْجَعْل لِئَلَّا يكون الناس أمة واحدة، ﴿لَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَة﴾ على أي شيء؟ على الكفر، بدليل قوله: ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الزخرف ٣٣]، ﴿لَجَعَلْنَا﴾ أي: صَيَّرْنَا، ﴿لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ﴾ وهو الله عز وجل، ﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾ بدل مِن ﴿لِمَنْ﴾؟
بدل أيش؟ مر علينا البدل قريبًا.
* طالب: اشتمال.
* الشيخ: بدل اشتمال، ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ﴾، والبدل هو المقصود بالحكم، فيكون المعنى: لجعلنا لبيوت مَن يكفر بالرحمن، ﴿﴿سَقْفًا﴾ ﴾ بفتح السين وسكون القاف، وبضمهما جمعًا، بفتح السين وسكون القاف أي: سَقْفًا، مُفْرَد، وبضمهما جمعًا: ﴿سُقُفًا﴾.
الْمُفَسِّر قال: بهذا وهذا، فهل يعني ذلك أنهما قراءتان؟
فالجواب: نعم، هما قراءتان سَبْعِيَّتَان؛ لأنه لم يُحْفَظ أحدهما على الآخر، فهما صحيحان، وهذا أيضًا من أسلوبه -رحمه الله- أنه إذا قال: بكذا وكذا، فهما قراءتان سَبْعِيَّتَان.
إذن يجوز أن تَقْرَأ: ﴿﴿لِبُيُوتِهِمْ سَقْفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ ﴾، أو ﴿لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾، أفهمت؟
﴿مِنْ فِضَّةٍ﴾ وهي معروفة، (﴿وَمَعَارِجَ﴾ كالدَّرَج من فضة أيضًا، ﴿عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾: يَعْلُونَ إلى السطح)، ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ﴾ أي: وجعلنا لبيوتهم أيضًا، ﴿أَبْوَابًا﴾ يعني: (من فضة)، وجعلنا لهم سُرُرًا يعني: (من فضة، جمع سرير)، ﴿عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾ أي: يعتمدون، ﴿وَزُخْرُفًا﴾: (ذهبًا).
استمع لهذا التصوير، يعني: لولا أن يكفر الناس جميعًا لجعلنا للكافر هذه البيوت سُقُفًا من فضة، يعني بدل ما يكون السقف من خشب، أو من صَبَّات أسمنت، يكون من فضة، والمراد فضة لامعة تجذب النظر، وتسر العين.
﴿مَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ قيل: إنها الدَّرَج، وقال بعض المتأخرين: إنها المصاعد الكهربائية التي تسمى أسانسير، ولفت، ومصعد، وما أشبه ذلك؛ لأن الدرج العادية لا تلفت النظر كثيرًا، ولهذا قال: ﴿عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ أي: يَعْلُون حتى يصلوا إلى السقف، وأيًّا كان هذا أو هذا فإنها دَرَج غريبة ليست كالدَّرَج المعتاد، والثالث: أبواب.
* طلبة: أبواب.
* الشيخ: أبواب، المؤلف يقول: (من فضة)، بناء على ما ذُكِرَ في أول الآية، ﴿سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾، ولكن هذا ليس بِمُتَعَيِّن، بل نقول: ﴿أَبْوَابًا﴾: أبوابًا فخمة، ليست كالمعتادة، سواء من فضة، أو من حديد، أو من خشب، المهم أنها أبواب غير معتادة.
﴿وَسُرُرًا﴾ جمع سرير، وهو ما يُجْلَس عليه، ﴿عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾، أيضًا مع السُّرُر متكأ يَتَّكِئ عليه، أي: يُعْتَمَد، سواء من خلف الظهر، أو من اليمين، أو من الشمال، وهو كناية عن كثرة الإرفاه.
﴿وَزُخْرُفًا﴾ هذا الذهب، فهي كم من واحد؟ سُقُفًا من فضة، معارج عليها يظهرون، أبوابًا فخمة، سُرُرًا مُرِيحَة، زُخْرُفًا، يعني ذهب، خمسة أشياء، يعني المعنى: (لولا خوف الكفر على المؤمن من إعطاء الكافر ما ذُكِرَ لأعطيناه ذلك لقلة خَطَر الدنيا عندنا، وعدم حَظِّه في الآخرة في النعيم).
ووجه ذلك أن النفوس مَيَّالَةٌ إلى اللهو واللعب والتَّرَف، فإذا رأى الإنسان هذا الترف للكافر فإن ذلك يُغْرِيه ويَغُرُّه، كما يُفْعَل الآن بالنسبة للمُنَصِّرِين ضُلَّال النصارى، يمشون على الأقاليم الفقيرة، ويُزَيِّنُون لهم الدنيا، وهؤلاء الفقراء يتبعونهم؛ لأن النفوس مجبولة على محبة المال والفخر والخيلاء.
قال عز وجل: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف ٣٥]، الْمُفَسِّر قال: (إنْ مُخَفَّفَة من الثقيلة) الْمُشَدَّدَة، والْمُخَفَّفَة ما حُذِفَ تشديدها، (وإنْ مُخَفَّفَة من الثقيلة، ﴿﴿كُلُّ ذَلِكَ لَمَا﴾ ﴾ بالتخفيف، فـ(ما) زائدة، وبالتشديد بمعنى (إلَّا))، أي أن فيها قراءتين: ﴿﴿لَمَا﴾ ﴾ و﴿لَمَّا﴾، (فـ(إن) نافية)، خَلَّطَ المؤلف رحمه الله.
الآن (إن) أعربها على أنها مُخَفَّفَة من الثقيلة فهي مؤكِّدة، ثم قال في الأخير: فإن نافية، وفرق بين الإثبات والنفي، لكن هذا ينبني على (لَمَا) إن قُرِئَت بالتخفيف فـ(إنْ) مُخَفَّفَة من الثقيلة، وإن قُرِئَت بالتشديد فـ(إنْ) نافية، انتبه.
فصار اختلاف الإعراب في (إنْ) مبنيًّا على اختلاف القراءة في (لَمَا)، فعلى قراءة التشديد تكون (إنْ) نافية، و(لَمَّا) بمعنى (إِلَّا)، وشاهد هذا قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤]، أي: ما كل نفس إلا عليها حافظ، وأما إذا قُرِئَت (لَمَا) بالتخفيف فـ(إِنْ) مُخَفَّفَة من الثقيلة، وتكون (مَا) زائدة، ويكون التقدير: وإنْ كلُّ ذلك لَمَتَاعُ الحياة الدنيا؛ لأن (ما) زائدة، أرجو الانتباه.
(لَمَا) فيها قراءتان؛ الأولى: التشديد، وبناء على هذه القراءة تكون (إنْ) نافية، و(لَمَّا) بمعنى (إلَّا)، والشاهد لهذا قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾، أي: ما كل نفس إلا عليها حافظ، القراءة الثانية: (لَمَا) بالتخفيف، وعلى هذه القراءة تكون (إِنْ) مُخَفَّفَة من الثقيلة بمعنى (إِنَّ)، وتكون (ما) زائدة، ويكون تقدير الكلام: إن كل ذلك لَمَتَاعُ الحياة الدنيا، واضح ولَّا غير واضح؟
* الطلبة: واضح.
* الشيخ: المؤلف رحمه الله دَمَجَ القراءتين، ولكن هذا هو التفصيل، كيف التفصيل؟
* طالب: إن كانت ..
* الشيخ: إن كانت (لَمَّا) مشددة.
* الطالب: تكون (إنْ) نافية.
* الشيخ: تكون (إنْ) نافية.
* الطالب: و(لَمَّا) بمعنى (إلَّا).
* الشيخ: و(لَمَّا) بمعنى (إلَّا) تمام، والتقدير: ما كل نفس إلا عليها..
﴿﴿لَمَا﴾ ﴾ فيها قراءتان: الأولى التشديد، وبناء على هذه القراءة تكون (إِنْ) نافية، و(لَمَّا) بمعنى (إلا)، والشاهد لهذا قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤] أي: ما كل نفس إلا عليها حافظ، القراءة الثانية ﴿﴿لَمَا﴾ ﴾ بالتخفيف، وعلى هذه القراءة تكون (إِنْ) مُخَفَّفَةً من الثقيلة، بمعنى (إنَّ) وتكون (ما) زائدة، ويكون تقدير الكلام: إن كلُّ ذلك لمتاع الحياة الدنيا.
المؤلف رحمه الله دمج القراءتين ولكن هذا هو التفصيل.
كيف التفصيل؟
* طالب: إن كانت (لَمَّا) مشددة تكون (إِنْ) نافية، و(لَمَّا) بمعنى (إلَّا).
* الشيخ: و(لَمَّا) بمعنى (إلَّا) تمام، والتقدير: ما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا.
* الطالب: إن كانت مخففة تكون (إِنْ) مخففة من الثقيلة.
* الشيخ: تكون مخففة من الثقيلة، فهي حرف توكيد و(ما)..
* طالب: و(ما) زائدة.
* الشيخ: و(ما) زائدة، والتقدير: وإن كل ذلك لمتاع الحياة الدنيا؛ لأن (ما) زائدة.
(﴿متاع الحياة الدنيا﴾ يُتَمَتَّع به فيها ثم يزول، ﴿وَالْآخِرَةُ﴾ الجنة ﴿عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ) الآخرة، لو قيل: كل الآخرة: الجنة، وعرسات القيامة، وسلامتهم من شدة هول القيامة، وغير ذلك، لكان أعم، فصارت الدنيا للكُفَّار مهما أُعْطوا فإنه نعيمهم، والآخرة للمتقين جعلنا الله وإياك منهم.
واعلم أن هذا الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، مهما بلغَتْ من النعيم فإنها سجن المؤمن، ومهما بلغَتْ من الجحيم فإنها جنة الكافر. اسمع القصة، ماذا قلنا؟
* طالب: أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، مهما بلغ من النعيم فإنها سجن المؤمن، ومهما بلغ من العذاب فإنها جنة الكافر.
* الشيخ: هذه قِصة ذكرها العلماء في ترجمة ابن حجر رحمه الله، وكان ابن حجر قاضي القضاة في مصر، فمرَّ ذات يوم من بيته إلى مَقرِّ عمله على العربة تجرها الخيول أو البغال في موكب؛ مَرَّ ذات يوم برجل يهودي زيات -يعني: يبيع الزيت- فاستوقف اليهودي قاضي القضاة، وقال له: إنَّ نبيَّكم يقول: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، كيف يتفق هذا مع حالي وحالك؟ أنت الآن في نعيم، تَجُرُّك الخيول، ولك جاه وشرف ومنزلة، وهو اليهودي بهذا الذُّلِّ ثيابٌ وَسِخَة وتعب، كيف هذا؟
أتدرون، ماذا قال؟
قال: نعم، ما أنا فيه الآن بالنسبة لنعيم الجنة سجن؛ لأن نعيم الجنة أعلى وأعلى من هذا، أما بالنسبة لك فأنت في جنة بالنسبة لعذاب النار؛ لأنك إن مت على اليهودية فأنت في النار، ويُعْتَبر ما هو فيه الآن اليهودي يعتبر جنة، اليهودي -فيما يبدو لي، والله أعلم- أنه يَنْشُد الحقيقة، يريد الحقيقة، فلما بيَّن له ابن حجر هذا، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، سبحان الله! الإنسان العاقل الذي يريد الحقيقة لا بد أن يهتدي.
المهم يقول عز وجل لما ذكر هذه الأشياء: ﴿لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الزخرف ٣٣] إلى آخره، قال: ما هذا إلا متاع الحياة الدنيا، شوف متاع كالمتاع يحمله المسافر ﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف ٣٥]؛ لأن الدنيا مهما طالت بالإنسان الحياة فلا بد من الزوال، إما أن تزول الدنيا عنه، وإما أن يزول هو عن الدنيا، وبهذا قال الشاعر:
لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً ∗∗∗ لَـــــذَّاتُـــــهُ بِادِّكَارِ الْمَـــــوْتِوَالْهَـــــرَمِ
صحيح الإنسان إذا تذكر، وإذا مآله: إما موت مبكر، وإما هرم مخرِّف.
الآن يوجد الذين بلغوا عُمُرًا طويلًا ووصلوا إلى حدِّ الهذْرمة، هم بأنفسهم متضايقون وأهلوهم أيش؟ متضايقون، تجد الإنسان يتضايق من أبيه وأمه، وإن كان المؤمن يصبر، لكن لا بد أن يتضايق، أو موت عاجل وينتهي الموضوع، هذا حال الدنيا في الواقع، ولذلك الغنيمةَ الغنيمة، بادر العمر قبل فواته، اعمل صالحًا، وطلب العلم من أفضل الأعمال، بشرط أن يكون العالم عاملًا، أما علم بلا عمل فالجهل والله خير منه.
* طالب: أحسن الله إليكم، القاعدة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، الآية ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف ٣٢]، لماذا لا يحتمل المعنيين: السخرية، وأيضًا المعنى الآخر؟
* الشيخ: وهو؟
* الطالب: السخرية وأيضًا..
* الشيخ: لا، ما يستقيم؛ لأنَّ اختلاف الطبقات ليس من أجل أن يستهزِئ بعضُهم ببعض، لكن من أجْل أن يُسَخِّر بعضُهم بعضًا بالعمل، ولا يمكن أن الله عز وجل بحكمته يجعل الطبقات مختلفة علشان يستهزئ بعضهم ببعض.
* طالب: قول الله عز وجل: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الزخرف ٣٣] إلى أن قال: ﴿وَزُخْرُفًا﴾ [الزخرف ٣٥] هل قوله: ﴿وَزُخْرُفًا﴾ يشمل ما شمله الفضة؛ يعني يجعل البيوت..؟
* الشيخ: المهم أنه ذَهَبٌ سواء كان سقفًا أخرى ذهبًا، أو تماثيل ذَهَبٍ، أو غير ذلك، عام.
* طالب: يقول المؤلف: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ﴾ يعني: أنه الجنة هل هذا من تأويله؟
* الشيخ: لا، من التقسيم في التفسير، لا شك أنها من التأويل؛ لأن الجنة رحمة، وذكرنا أن الله عز وجل قال للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦ / ٣٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، لكن كونه يقصرها على أنواع من الرحمة (...).
* * *
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف ٣٦ - ٣٩] .
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ لمَّا ذكر أحوال الدنيا، وأنه لولا أن يكون الناس أمة واحدة على الكفر لمتَّع الكفار بما سمعتم، وهذه الدنيا لا بد أن تَحمِل الإنسان على الإعراض عن ذكر الله عز وجل؛ قال: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾.
قوله: ﴿مَنْ يَعْشُ﴾ فسَّرها بـ(يعرض)، ولكن التفسيرَ المطابق أن معنى ﴿يَعْشُ﴾ أي: يتعامى حتى يرى رؤيةَ الأعشى الذي يُبصِر في النهار ولا يُبْصِر في الليل، فمعنى ﴿يَعْشُ﴾ أي: يتعامى كما فسرها بذلك ابن كثير وغيره من المفسرين، ولكن المفسر فسَّرها بـ(يعرض)؛ لأنه من لازم التعامي الإعراض قال: (﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ أي: القرآن)، فجعل المفسِّر ذكر الرحمن يعني القرآن، وأضافه الله إلى الرحمن؛ لأن إنزاله رحمة للخلق، هكذا مشى المفسر رحمه الله.
والصواب خلاف ذلك، والمراد بـ ﴿ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ تَذَكُّر الرحمن يعني: مَن تعامى عن ذكر الرحمن بقلبه واستحضاره لعظمة ربه وجلاله فإنه يُقيَّد له الشيطان فيكون هذا جزاءً على إعراضه وتعاميه عن ذكر ربه، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن ١٧]، فالصواب أن المراد بـ ﴿ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ ليس القرآن، بل المراد بـ ﴿ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ ذكر الله نفسه؛ يعني: يغفُل قلبه عن ذكر الله ولا يذكر الله بقلبه، فهذا هو الذي يُقيَّد له الشيطان فيتَّبِع هواه كما قال عز وجل ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف ٢٨].
وقوله: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ [الزخرف ٣٦] قال: (نسبب له)، وهذا قريب من المعنى المطابق، وإلَّا فإن معنى ﴿نُقَيِّضْ﴾ أي: نهيِّئ له شيطانًا يحل محل ذكر الله عز وجل فيستولي الشيطانُ على قلبه، والشيطان يعظم بالفحشاء والمنكر، كما قال الله عز وجل: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٦٨].
﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ فهو أي: الشيطان ﴿لَهُ﴾ أي: للعاشي عن ذكر الله، قرين لا يفارقه -نعوذ بالله من الشيطان الرجيم- ووجه ذلك أن الإنسانَ فعَّال مريد متحرِّك قلبًا وقالَبًا، فلا بد من الاشتغال بشيء؛ فإما أن يكون بذكر الله، وإما أن يكون بوساوس الشيطان ولا بد، لا تجد أحدًا يكون قلبه ساكنًا لا يتحرك ولا يريد، هذا مستحيل؛ ولهذا جاء في الحديث في الأسماء: «أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ»[[أخرجه أبو داود (٤٩٥٠) من حديث أبي وهب الجُشَمِيِّ رضي الله عنه.]] «هَمَّام» : العبادة القلبية، و«حًارٍثٌ» :» العمل، كل إنسان لا بد، فيهيِّئ له هذا الشيطان الذي يقارنه ولا يفارقه.
(﴿وَإِنَّهُمْ﴾ أي الشياطين ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ أي: العاشين ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ أي: طريق الهدى ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ).
﴿يَحْسَبُونَ﴾ أي: العاشون الذين صدتهم الشياطين ﴿أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (في الجَمْع رعاية معنى من).
الشيطان -نعوذ بالله منه- إذا استولى على قلب الإنسان زَيَّن له سوءَ عملِه، وظنَّ أنه على حق، ولكنه على باطل، وهؤلاء هم أخسر الناس أعمالًا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف ١٠٣]. الجواب: نعم، بيَّنها الله؛ قال: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف ١٠٤]؛ لأن الشيطان زيَّن لهم هذا، وقال: أنتم على حق، أنتم الأعلون، وسوَّل لهم، وأملى لهم حتى تبعوه.
ولهذا قال: (﴿وَإِنَّهُمْ﴾ يعني الشياطين ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ أي: العاشين ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ ) أي: سبيل الحق وطريق الهدى ﴿وَيَحْسَبُونَ﴾، الواو تعود على مَنْ؟
* طالب: على (العاشين).
* الشيخ: تعود على (العاشين) ﴿أَنَّهُمْ﴾ أي: العاشين، ﴿مُهْتَدُونَ﴾ أي: على هدى، وهذا غاية ما يكون من الخسران، والعياذ بالله، أن يتمادى الإنسان بالباطل وهو يظن أنَّه على حق.
قال المفسِّر: (في الجَمْعِ رعاية معنى (مَن)) الجمع وهو قوله: ﴿يَحْسَبُونَ﴾، ﴿إِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ﴾؛ ففيها رعاية بمعنى مَنْ في قولِه: ﴿مَنْ يَعْشُ﴾ كلمة (مَنْ)، و(ما) وما أشبههما من الألفاظ العامَّة يجوزُ مراعاة معناها، ومراعاة لفظها، اللفظ مفرد ولَّا جمع؟ مفرد، ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾؛ ولذلك عاد الضمير إليه للمفرد ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾، ﴿نُقَيِّضْ لَهُ﴾ أيضًا مراعاة اللفظ، ﴿فَهُوَ لَهُ﴾ مراعاة اللفظ، ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ مراعاة المعنى، ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ كذلك مراعاة المعنى، واضح؟
إذن إذا أتتك (مَنْ) موصولة كانت أو شرطية فلك أن تراعي في ضميرها اللفظة فتجعله مفردًا، والمعنى فتجعله حسب ما أريد به، وانظر إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الطلاق ١١] كل هذا مراعاة أيش؟
* طلبة: اللفظ.
* الشيخ: اللفظ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ مراعاة المعنى، ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ﴾ مراعاة اللفظ، ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق ١١] فتجد هذه الآيات تارةً روعي اللفظ، وتارة روعي المعنى ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.
(﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ العاشي بقرينه يوم القيامة قال له: ﴿يَا﴾ للتنبيه ﴿لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ أي: مثل بُعْدِ ما بين المشرق والمغرب ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ أَنْتَ لي).
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ يعني الشيطان وقرينه، وذلك يوم القيامة، تبرأ كل واحد من الآخر، وقال له: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ ﴿يَا﴾ هذه للتنبيه، ولا تصح أنْ تكونَ للنداء؛ لأن ﴿يَا﴾ التي للنداء لا تدخل إلا على اسم، لا تدخل على حرف كما هنا، ولا على فعل، فإذا وجدتها داخلة على حرف أو فعل فهي للتنبيه.
﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ [يس ٢٦] فهي للتنبيه، وقيل إن: (يا) داخلة على منادى محذوف والتقدير في هذه الآية: يا هذا ليت بيني وبينك بعد المشرقين؛ يعني: تُقدِّر منادى اسمًا؛ يا هذا يا ليت بيني بينك بعد المشرقين.
فإذا قال قائل: أيهما أولى أن نُقَدِّر منادى يناسب السياق من أجل أن يصِح حلول (يا) في هذا المكان، أو نقول: الأصل عدم التقدير ونجعل (يا) للتنبيه؟
* طالب: الثاني.
* الشيخ: الثاني أولى؛ لأنه إذا دار الأمر بين أن يكون في الكلام شيء محذوف أو لا؛ فالأولى ألَّا يكون فيه شيء محذوف.
وقوله: ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ يقول المؤلف: (ما بين المشرق والمغرب)، وعليه فيكون في الكلام تغليب، وهو تغليب المشرق على المغرب، والتغليب هذا جائز في اللغة العربية؛ مثل قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٢٧)، ومسلم (٨٣٨ / ٣٠٤) من حديث عبد الله بن مُغَفَّل المزني رضي الله عنه.]] إذا جعلنا مُطْلَق الأذان هو الأذان الذي يكون بكل وقت، أما إذا جعلنا الأذان بمعنى الإعلام، فإن الأذانَيْنِ ليس فيه تغليب؛ لأن كلًّا من الإقامة والأذان يُسمَّى الأذان.
لكن قولهم: (القَمَران) يعنون بذلك الشمس والقمر، قولهم: (العُمَران) يعنون بذلك أبا بكر وعمر، هذا من باب التغليب، فيكون ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ أي: بعد ما بين المشرق والمغرب، ولكن ذُكِرَ بلفظ المشرق تغليبًا.
ويحتمل أن يكون المعنى ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ أي: مشرقي الشمس شتاءً ومشرقها صيفًا؛ لأن بينهما مسافة عظيمة جدًّا لا يعلم قدْرَها إلا الله عز وجل، وكلا المعنيين صحيح؛ يعني: سواء جعلنا اللفظ فيه تغليب أو لا، والمراد أن هذا العاشي الذي أضله الشيطان إذا جاء معه يوم القيامة تبرَّأ منه، وقال: ليتك بعيد عني، وأنا بعيد عنك.
وقوله: ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ هذه الجملة إنشائية للذمِّ، قال المؤلف: أنتَ يعني أنه قد حُذِفَ فيها المخصوص؛ لأن (بئس) و(نعم) لا بد فيها من فاعل ومخصوص، وتفصيل ذلك في كتب النحو، ولا علينا منه في هذا المكان.
قال الله تعالى: (﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ﴾ أي: العاشين تمنِّيكم وندمكم ﴿الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ أي: تبيَّن لكم ظلمُكم بالإشراك في الدنيا أنَّكم مع قرنائكم ﴿فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ عِلَّةٌ بتقديرِ اللَّام؛ لعدم النفع و﴿إِذْ﴾ بدل من ﴿الْيَوْمَ﴾ ) يعني: لا ينفعكم اشتراككم في العذاب، هذا هو الصحيح، وعلى هذا فتكون ﴿أَنَّكُمْ﴾ ليست للتعليل، كما ذهب إليه المفسر، بل هي فاعل ينفع، والمعنى لا ينفعكم اشتراككم في العذاب، ووجه ذلك أنَّه جرت العادة أن الإنسان إذا عُذِّب ورأى غيرَه يُعَذَّب هان عليه الأمر وتسلَّى، وفي يوم القيامة يشترك أهل النار في العذاب، لكن هل ينفعُهم هذا شيئًا؟ لا ينفعهم، فهذا هو الصواب الذي تدل عليه الآية، أما المؤلف فجعل (أنَّ) ﴿أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ (عِلَّةٌ بتقديرِ اللَّام) أي: أنَّكم في العذاب مشتركون، ولكن هذا بعيد من اللفظة.
قوله تعالى لما ذكر ما يجعله للكافرين: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ﴾ إلى آخره.
* في هذه الآية فوائد: أن هذه المُتَعَ الدنيويَّة ما هي إلا متاع الحياة الدنيا، فهي زائلة، ويتفرع على هذه الفائدة ألَّا يتعلقَ الإنسان بها، وألا يهتم بها، وأن يرى أنه عايش بدونها، وليس لك من الدنيا إلا ما أكلتَ فأفنيتَ أو لبِسْتَ فأبليتَ أو تصدَّقْتَ فأمضيتَ.
* ومن فوائد هذه الآية: التزهيدُ في هذه الأمور، وألًّا تهتم بها، لا تعلِّقْ قلبَكَ بمظاهرِ الدُّنْيا، فإنَّك إن فعلتَ هلكتَ، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا رأى من الدنيا ما يعجبه قال: «لَبَّيْكَ، إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةِ»[[أخرجه البيهقي (٩٠٣٥) من حديث مجاهد مرسلًا.]] «لَبَّيْكَ» يعني إجابةً لك ليصرِفَ قلبَه عن التعلُّقِ بما رآه مما يعجبه في الدنيا، ثم وطَّن نفسه، وقال: «إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةِ» والله هذا هو الحق أن عيش الدنيا فإنه مهما طاب لك محفوفٌ بنكدٍ قبلَه ونكدٍ بعدَه؛ لأن لم تحصله غالبًا إلا بتعب، ثم إذا حصَّلْتَه هل ستبقى لك أو لا تبقى؟ هو لا بد (...) إما أن تموت وتتركه، وإما أن يهلك وأنت حي.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: البُشرى للمتَّقين وأنَّ لهم الآخرة، فالآخرة خير للمتقين، ففيه البَشارة وأنَّ الإنسان المتقي إذا انتقل من الدنيا فلا يندم؛ لأنه انتقل إلى دار أفضل وأحسن مما ترك.
* وفيه: الحسُّ على التقوى؛ وذلك لأنَّ ذِكْرَ الجزاء والثواب يستثير النفس حتى يصل الإنسان إلى الوصف الذي يحصل به على الثواب.
ثم قال عز وجل: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ إلى آخره.
* في هذه الآية الكريمة فوائد:
* منها: التحذير من الغفلة عن ذكر الله؛ لأنك إذا غفلت عن ذكر الله حلَّ محل ذكر الله أيش؟ وساوس الشيطان.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ الله سبحانه وتعالى يعاقب العبد بما يقتضيه الذنب، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت ٤٠] فهذا الرجل لما أخلى قلبه من ذكر الله عوقب أن يحلَّ محله الشيطان.
* ومنها: الحظر من قرناء السوء؛ لأن الشياطين ليس اسمًا خاصًّا بشياطين الجن، بل حتى الإنس لهم شياطين، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: قال الله عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام ١١٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس ١] إلى قوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس ٦].
ففي هذا التحذير من قرناء السوء، وقد حذَّر النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم من قرناء السوء؛ حيث شبَّه قرينَ السوء أو جليس السوء بنافخ الكير؛ إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه رائحة كريهة، ثم إن الواقع كذلك، فما أكثر ما يمر علينا ممن يتصلون بنا يَشْكُون من قوم كانوا مستقيمين وأئمة مساجد أو مؤذني مساجد، اتصل بهم أناس من أصحاب السوء فانحرفوا انحرافًا كاملًا، ومثل هؤلاء -والعياذ بالله- إذا انحرفوا -نسأل الله الثبات- يكون انحرافهم أشد وأعظم، كالماء الذي حبسته ثم أطلقت الحبس سيندفع بقوة.
فالمهم أن الإنسان إذا أعرض عن ذكر الله قيضَّ له الشيطان من الإنس، كمل.
* طالب: ومن الجن.
* الشيخ: ومن الجن، فهو له قرين.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المُلازِمَ أشد تأثيرًا من العابد الذي يلازمك ويبقى قرينًا معك، أشد تأثيرًا من العابد؛ بمعنى أنك لو جلست مع إنسان صاحب سوء لمدة ساعة أو ساعتين ربما سيؤثِّر فيك، وربما يتأثر، لكن إذا كان مقارنًا فإنه سيؤثر؛ ولهذا قال: ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾.
أقول هذا لتحْذَروا من الاستمرار لقرناءِ السُّوءِ؛ ولتعلموا أنكم متى علمتم أنه قرين سوء وجب عليكم البعد عنه، لا تقل: أخشى أن يتأثر، أخشى أن يقول: ليش؟ الرجل كان صاحب لي ثم فارقني؟ لا يهمُّك، الذي يهمك هو نفسك فأنقِذْها.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عمى القلب -والعياذ بالله- لما تعامى بعينه عن ذكر الرحمن وبقلبه أيضًا قُيِّضَ له هذا الشيطان، الذي يصده عن الهدى، وهو يحسب أنه مهتد ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٣٧]، وما أكثر هذا، أهل البدع الذين أصرُّوا على بِدَعهم صغيرة كانت أم كبيرة، ألم يكونوا قد يستحسونها؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: لماذا استحسنوها وهي بدعة ضلالة؟ لأن الشيطان صدَّهم عن الحق، أهل الأفكار الرديئة كالعلمانيين والشيوعيين والبعثيين ومن أشبههم لماذا استمروا على ذلك؟ لأن الشيطان ركب قلوبهم -والعياذ بالله- فجعلهم يظنون أن هذا السيئ حسنًا، وهذا أشد ما يكون من الفتنة؛ أن يرى الإنسان السيئ حسنًا فيمضي فيه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن بعضَ الظنِّ إثم، وجهه أن هؤلاء ظنوا أنهم على حق فاستمروا في الباطل .
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذا القرين في الدنيا يتبرأ من صاحبه يوم القيامة، يقول: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف ٣٨] .
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه مع تمنِّيه هذا الذي لم يدرك منه شيئًا يثني على قرينه هذا بالذم والقدح، فيقول: ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من القرناء مَن هو قرينُ خير وقرين سوء، وهو كذلك، وقد بيَّن النبي ﷺ هذا أبين شيء حيث قال: «مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ؛ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ» يعني: يعطيك هدية، «وَإِمَّا أَنْ يَبِيعَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رَائِحَةً طَيِّبَةً، وَجَلِيسُ السُّوءِكَنَافِخِ الْكِيرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٣٤)، ومسلم (٢٦٢٨ / ١٤٦) من حديث أبي موسى رضي الله عنه، ولفظه: «مثل الجليس الصالح والسوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك: إما أن يُحْذِيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحا خبيثة».]] إما أن يحرق ثيابَك بالشرَّرِ الذي يتطاير من النار إذا نُفِخَت، وإما أن تَجِدَ منه رائحةً كريهة.
* من فوائد هذه الآية الكريمة ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ [الزخرف ٣٩]: أن المشتركين في عذاب الآخرة لا ينفعهم الاشتراك، بخلاف الاشتراك في العذاب في الدنيا فإنه يُسَلِّي الإنسان ويهون عليه؛ ولهذا قالت الخنساء في رثاء أخيها صخر:
وَلَــوْلَا كَــثْرَةُ الْبَاكِــــينَ حَــــــوْلِي ∗∗∗ عَـلَى إِخْــوَانِهِمْ لَقَـتَلْتُ نَـــفْسِي؎وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ ∗∗∗ أُسَــلِّي النَّــــفْسَ عَــــنْهُبِالتَّــــأَسِّي
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المُعذَّبين هم الذين ظلموا، وما ظُلِموا؛ لقوله: ﴿إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنهم أي المعذبين يعرفون أنهم مشتركون في العذاب، ولكن ذلك لا يُسلِّيهم، ولا يهوِّن عليهم المصيبة.
الزخرف 43:39
ثم قال عز وجل: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا﴾ [الزخرف ٣٣]، إلى آخره، ﴿لَوْلَا﴾ هذه حرف فيها شرط، لولا كذا لكان كذا، فهي حرف امتناع لوجوب، ﴿لَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا﴾، لكن امتنع الْجَعْل لِئَلَّا يكون الناس أمة واحدة، ﴿لَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَة﴾ على أي شيء؟ على الكفر، بدليل قوله: ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الزخرف ٣٣]، ﴿لَجَعَلْنَا﴾ أي: صَيَّرْنَا، ﴿لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ﴾ وهو الله عز وجل، ﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾ بدل مِن ﴿لِمَنْ﴾؟
بدل أيش؟ مر علينا البدل قريبًا.
* طالب: اشتمال.
* الشيخ: بدل اشتمال، ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ﴾، والبدل هو المقصود بالحكم، فيكون المعنى: لجعلنا لبيوت مَن يكفر بالرحمن، ﴿﴿سَقْفًا﴾ ﴾ بفتح السين وسكون القاف، وبضمهما جمعًا، بفتح السين وسكون القاف أي: سَقْفًا، مُفْرَد، وبضمهما جمعًا: ﴿سُقُفًا﴾.
الْمُفَسِّر قال: بهذا وهذا، فهل يعني ذلك أنهما قراءتان؟
فالجواب: نعم، هما قراءتان سَبْعِيَّتَان؛ لأنه لم يُحْفَظ أحدهما على الآخر، فهما صحيحان، وهذا أيضًا من أسلوبه -رحمه الله- أنه إذا قال: بكذا وكذا، فهما قراءتان سَبْعِيَّتَان.
إذن يجوز أن تَقْرَأ: ﴿﴿لِبُيُوتِهِمْ سَقْفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ ﴾، أو ﴿لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾، أفهمت؟
﴿مِنْ فِضَّةٍ﴾ وهي معروفة، (﴿وَمَعَارِجَ﴾ كالدَّرَج من فضة أيضًا، ﴿عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾: يَعْلُونَ إلى السطح)، ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ﴾ أي: وجعلنا لبيوتهم أيضًا، ﴿أَبْوَابًا﴾ يعني: (من فضة)، وجعلنا لهم سُرُرًا يعني: (من فضة، جمع سرير)، ﴿عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾ أي: يعتمدون، ﴿وَزُخْرُفًا﴾: (ذهبًا).
استمع لهذا التصوير، يعني: لولا أن يكفر الناس جميعًا لجعلنا للكافر هذه البيوت سُقُفًا من فضة، يعني بدل ما يكون السقف من خشب، أو من صَبَّات أسمنت، يكون من فضة، والمراد فضة لامعة تجذب النظر، وتسر العين.
﴿مَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ قيل: إنها الدَّرَج، وقال بعض المتأخرين: إنها المصاعد الكهربائية التي تسمى أسانسير، ولفت، ومصعد، وما أشبه ذلك؛ لأن الدرج العادية لا تلفت النظر كثيرًا، ولهذا قال: ﴿عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ أي: يَعْلُون حتى يصلوا إلى السقف، وأيًّا كان هذا أو هذا فإنها دَرَج غريبة ليست كالدَّرَج المعتاد، والثالث: أبواب.
* طلبة: أبواب.
* الشيخ: أبواب، المؤلف يقول: (من فضة)، بناء على ما ذُكِرَ في أول الآية، ﴿سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾، ولكن هذا ليس بِمُتَعَيِّن، بل نقول: ﴿أَبْوَابًا﴾: أبوابًا فخمة، ليست كالمعتادة، سواء من فضة، أو من حديد، أو من خشب، المهم أنها أبواب غير معتادة.
﴿وَسُرُرًا﴾ جمع سرير، وهو ما يُجْلَس عليه، ﴿عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾، أيضًا مع السُّرُر متكأ يَتَّكِئ عليه، أي: يُعْتَمَد، سواء من خلف الظهر، أو من اليمين، أو من الشمال، وهو كناية عن كثرة الإرفاه.
﴿وَزُخْرُفًا﴾ هذا الذهب، فهي كم من واحد؟ سُقُفًا من فضة، معارج عليها يظهرون، أبوابًا فخمة، سُرُرًا مُرِيحَة، زُخْرُفًا، يعني ذهب، خمسة أشياء، يعني المعنى: (لولا خوف الكفر على المؤمن من إعطاء الكافر ما ذُكِرَ لأعطيناه ذلك لقلة خَطَر الدنيا عندنا، وعدم حَظِّه في الآخرة في النعيم).
ووجه ذلك أن النفوس مَيَّالَةٌ إلى اللهو واللعب والتَّرَف، فإذا رأى الإنسان هذا الترف للكافر فإن ذلك يُغْرِيه ويَغُرُّه، كما يُفْعَل الآن بالنسبة للمُنَصِّرِين ضُلَّال النصارى، يمشون على الأقاليم الفقيرة، ويُزَيِّنُون لهم الدنيا، وهؤلاء الفقراء يتبعونهم؛ لأن النفوس مجبولة على محبة المال والفخر والخيلاء.
قال عز وجل: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف ٣٥]، الْمُفَسِّر قال: (إنْ مُخَفَّفَة من الثقيلة) الْمُشَدَّدَة، والْمُخَفَّفَة ما حُذِفَ تشديدها، (وإنْ مُخَفَّفَة من الثقيلة، ﴿﴿كُلُّ ذَلِكَ لَمَا﴾ ﴾ بالتخفيف، فـ(ما) زائدة، وبالتشديد بمعنى (إلَّا))، أي أن فيها قراءتين: ﴿﴿لَمَا﴾ ﴾ و﴿لَمَّا﴾، (فـ(إن) نافية)، خَلَّطَ المؤلف رحمه الله.
الآن (إن) أعربها على أنها مُخَفَّفَة من الثقيلة فهي مؤكِّدة، ثم قال في الأخير: فإن نافية، وفرق بين الإثبات والنفي، لكن هذا ينبني على (لَمَا) إن قُرِئَت بالتخفيف فـ(إنْ) مُخَفَّفَة من الثقيلة، وإن قُرِئَت بالتشديد فـ(إنْ) نافية، انتبه.
فصار اختلاف الإعراب في (إنْ) مبنيًّا على اختلاف القراءة في (لَمَا)، فعلى قراءة التشديد تكون (إنْ) نافية، و(لَمَّا) بمعنى (إِلَّا)، وشاهد هذا قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤]، أي: ما كل نفس إلا عليها حافظ، وأما إذا قُرِئَت (لَمَا) بالتخفيف فـ(إِنْ) مُخَفَّفَة من الثقيلة، وتكون (مَا) زائدة، ويكون التقدير: وإنْ كلُّ ذلك لَمَتَاعُ الحياة الدنيا؛ لأن (ما) زائدة، أرجو الانتباه.
(لَمَا) فيها قراءتان؛ الأولى: التشديد، وبناء على هذه القراءة تكون (إنْ) نافية، و(لَمَّا) بمعنى (إلَّا)، والشاهد لهذا قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾، أي: ما كل نفس إلا عليها حافظ، القراءة الثانية: (لَمَا) بالتخفيف، وعلى هذه القراءة تكون (إِنْ) مُخَفَّفَة من الثقيلة بمعنى (إِنَّ)، وتكون (ما) زائدة، ويكون تقدير الكلام: إن كل ذلك لَمَتَاعُ الحياة الدنيا، واضح ولَّا غير واضح؟
* الطلبة: واضح.
* الشيخ: المؤلف رحمه الله دَمَجَ القراءتين، ولكن هذا هو التفصيل، كيف التفصيل؟
* طالب: إن كانت ..
* الشيخ: إن كانت (لَمَّا) مشددة.
* الطالب: تكون (إنْ) نافية.
* الشيخ: تكون (إنْ) نافية.
* الطالب: و(لَمَّا) بمعنى (إلَّا).
* الشيخ: و(لَمَّا) بمعنى (إلَّا) تمام، والتقدير: ما كل نفس إلا عليها..
﴿﴿لَمَا﴾ ﴾ فيها قراءتان: الأولى التشديد، وبناء على هذه القراءة تكون (إِنْ) نافية، و(لَمَّا) بمعنى (إلا)، والشاهد لهذا قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤] أي: ما كل نفس إلا عليها حافظ، القراءة الثانية ﴿﴿لَمَا﴾ ﴾ بالتخفيف، وعلى هذه القراءة تكون (إِنْ) مُخَفَّفَةً من الثقيلة، بمعنى (إنَّ) وتكون (ما) زائدة، ويكون تقدير الكلام: إن كلُّ ذلك لمتاع الحياة الدنيا.
المؤلف رحمه الله دمج القراءتين ولكن هذا هو التفصيل.
كيف التفصيل؟
* طالب: إن كانت (لَمَّا) مشددة تكون (إِنْ) نافية، و(لَمَّا) بمعنى (إلَّا).
* الشيخ: و(لَمَّا) بمعنى (إلَّا) تمام، والتقدير: ما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا.
* الطالب: إن كانت مخففة تكون (إِنْ) مخففة من الثقيلة.
* الشيخ: تكون مخففة من الثقيلة، فهي حرف توكيد و(ما)..
* طالب: و(ما) زائدة.
* الشيخ: و(ما) زائدة، والتقدير: وإن كل ذلك لمتاع الحياة الدنيا؛ لأن (ما) زائدة.
(﴿متاع الحياة الدنيا﴾ يُتَمَتَّع به فيها ثم يزول، ﴿وَالْآخِرَةُ﴾ الجنة ﴿عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ) الآخرة، لو قيل: كل الآخرة: الجنة، وعرسات القيامة، وسلامتهم من شدة هول القيامة، وغير ذلك، لكان أعم، فصارت الدنيا للكُفَّار مهما أُعْطوا فإنه نعيمهم، والآخرة للمتقين جعلنا الله وإياك منهم.
واعلم أن هذا الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، مهما بلغَتْ من النعيم فإنها سجن المؤمن، ومهما بلغَتْ من الجحيم فإنها جنة الكافر. اسمع القصة، ماذا قلنا؟
* طالب: أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، مهما بلغ من النعيم فإنها سجن المؤمن، ومهما بلغ من العذاب فإنها جنة الكافر.
* الشيخ: هذه قِصة ذكرها العلماء في ترجمة ابن حجر رحمه الله، وكان ابن حجر قاضي القضاة في مصر، فمرَّ ذات يوم من بيته إلى مَقرِّ عمله على العربة تجرها الخيول أو البغال في موكب؛ مَرَّ ذات يوم برجل يهودي زيات -يعني: يبيع الزيت- فاستوقف اليهودي قاضي القضاة، وقال له: إنَّ نبيَّكم يقول: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، كيف يتفق هذا مع حالي وحالك؟ أنت الآن في نعيم، تَجُرُّك الخيول، ولك جاه وشرف ومنزلة، وهو اليهودي بهذا الذُّلِّ ثيابٌ وَسِخَة وتعب، كيف هذا؟
أتدرون، ماذا قال؟
قال: نعم، ما أنا فيه الآن بالنسبة لنعيم الجنة سجن؛ لأن نعيم الجنة أعلى وأعلى من هذا، أما بالنسبة لك فأنت في جنة بالنسبة لعذاب النار؛ لأنك إن مت على اليهودية فأنت في النار، ويُعْتَبر ما هو فيه الآن اليهودي يعتبر جنة، اليهودي -فيما يبدو لي، والله أعلم- أنه يَنْشُد الحقيقة، يريد الحقيقة، فلما بيَّن له ابن حجر هذا، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، سبحان الله! الإنسان العاقل الذي يريد الحقيقة لا بد أن يهتدي.
المهم يقول عز وجل لما ذكر هذه الأشياء: ﴿لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الزخرف ٣٣] إلى آخره، قال: ما هذا إلا متاع الحياة الدنيا، شوف متاع كالمتاع يحمله المسافر ﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف ٣٥]؛ لأن الدنيا مهما طالت بالإنسان الحياة فلا بد من الزوال، إما أن تزول الدنيا عنه، وإما أن يزول هو عن الدنيا، وبهذا قال الشاعر:
لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً ∗∗∗ لَـــــذَّاتُـــــهُ بِادِّكَارِ الْمَـــــوْتِوَالْهَـــــرَمِ
صحيح الإنسان إذا تذكر، وإذا مآله: إما موت مبكر، وإما هرم مخرِّف.
الآن يوجد الذين بلغوا عُمُرًا طويلًا ووصلوا إلى حدِّ الهذْرمة، هم بأنفسهم متضايقون وأهلوهم أيش؟ متضايقون، تجد الإنسان يتضايق من أبيه وأمه، وإن كان المؤمن يصبر، لكن لا بد أن يتضايق، أو موت عاجل وينتهي الموضوع، هذا حال الدنيا في الواقع، ولذلك الغنيمةَ الغنيمة، بادر العمر قبل فواته، اعمل صالحًا، وطلب العلم من أفضل الأعمال، بشرط أن يكون العالم عاملًا، أما علم بلا عمل فالجهل والله خير منه.
* طالب: أحسن الله إليكم، القاعدة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، الآية ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف ٣٢]، لماذا لا يحتمل المعنيين: السخرية، وأيضًا المعنى الآخر؟
* الشيخ: وهو؟
* الطالب: السخرية وأيضًا..
* الشيخ: لا، ما يستقيم؛ لأنَّ اختلاف الطبقات ليس من أجل أن يستهزِئ بعضُهم ببعض، لكن من أجْل أن يُسَخِّر بعضُهم بعضًا بالعمل، ولا يمكن أن الله عز وجل بحكمته يجعل الطبقات مختلفة علشان يستهزئ بعضهم ببعض.
* طالب: قول الله عز وجل: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الزخرف ٣٣] إلى أن قال: ﴿وَزُخْرُفًا﴾ [الزخرف ٣٥] هل قوله: ﴿وَزُخْرُفًا﴾ يشمل ما شمله الفضة؛ يعني يجعل البيوت..؟
* الشيخ: المهم أنه ذَهَبٌ سواء كان سقفًا أخرى ذهبًا، أو تماثيل ذَهَبٍ، أو غير ذلك، عام.
* طالب: يقول المؤلف: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ﴾ يعني: أنه الجنة هل هذا من تأويله؟
* الشيخ: لا، من التقسيم في التفسير، لا شك أنها من التأويل؛ لأن الجنة رحمة، وذكرنا أن الله عز وجل قال للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦ / ٣٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، لكن كونه يقصرها على أنواع من الرحمة (...).
* * *
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف ٣٦ - ٣٩] .
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ لمَّا ذكر أحوال الدنيا، وأنه لولا أن يكون الناس أمة واحدة على الكفر لمتَّع الكفار بما سمعتم، وهذه الدنيا لا بد أن تَحمِل الإنسان على الإعراض عن ذكر الله عز وجل؛ قال: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾.
قوله: ﴿مَنْ يَعْشُ﴾ فسَّرها بـ(يعرض)، ولكن التفسيرَ المطابق أن معنى ﴿يَعْشُ﴾ أي: يتعامى حتى يرى رؤيةَ الأعشى الذي يُبصِر في النهار ولا يُبْصِر في الليل، فمعنى ﴿يَعْشُ﴾ أي: يتعامى كما فسرها بذلك ابن كثير وغيره من المفسرين، ولكن المفسر فسَّرها بـ(يعرض)؛ لأنه من لازم التعامي الإعراض قال: (﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ أي: القرآن)، فجعل المفسِّر ذكر الرحمن يعني القرآن، وأضافه الله إلى الرحمن؛ لأن إنزاله رحمة للخلق، هكذا مشى المفسر رحمه الله.
والصواب خلاف ذلك، والمراد بـ ﴿ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ تَذَكُّر الرحمن يعني: مَن تعامى عن ذكر الرحمن بقلبه واستحضاره لعظمة ربه وجلاله فإنه يُقيَّد له الشيطان فيكون هذا جزاءً على إعراضه وتعاميه عن ذكر ربه، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن ١٧]، فالصواب أن المراد بـ ﴿ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ ليس القرآن، بل المراد بـ ﴿ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ ذكر الله نفسه؛ يعني: يغفُل قلبه عن ذكر الله ولا يذكر الله بقلبه، فهذا هو الذي يُقيَّد له الشيطان فيتَّبِع هواه كما قال عز وجل ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف ٢٨].
وقوله: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ [الزخرف ٣٦] قال: (نسبب له)، وهذا قريب من المعنى المطابق، وإلَّا فإن معنى ﴿نُقَيِّضْ﴾ أي: نهيِّئ له شيطانًا يحل محل ذكر الله عز وجل فيستولي الشيطانُ على قلبه، والشيطان يعظم بالفحشاء والمنكر، كما قال الله عز وجل: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٦٨].
﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ فهو أي: الشيطان ﴿لَهُ﴾ أي: للعاشي عن ذكر الله، قرين لا يفارقه -نعوذ بالله من الشيطان الرجيم- ووجه ذلك أن الإنسانَ فعَّال مريد متحرِّك قلبًا وقالَبًا، فلا بد من الاشتغال بشيء؛ فإما أن يكون بذكر الله، وإما أن يكون بوساوس الشيطان ولا بد، لا تجد أحدًا يكون قلبه ساكنًا لا يتحرك ولا يريد، هذا مستحيل؛ ولهذا جاء في الحديث في الأسماء: «أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ»[[أخرجه أبو داود (٤٩٥٠) من حديث أبي وهب الجُشَمِيِّ رضي الله عنه.]] «هَمَّام» : العبادة القلبية، و«حًارٍثٌ» :» العمل، كل إنسان لا بد، فيهيِّئ له هذا الشيطان الذي يقارنه ولا يفارقه.
(﴿وَإِنَّهُمْ﴾ أي الشياطين ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ أي: العاشين ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ أي: طريق الهدى ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ).
﴿يَحْسَبُونَ﴾ أي: العاشون الذين صدتهم الشياطين ﴿أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (في الجَمْع رعاية معنى من).
الشيطان -نعوذ بالله منه- إذا استولى على قلب الإنسان زَيَّن له سوءَ عملِه، وظنَّ أنه على حق، ولكنه على باطل، وهؤلاء هم أخسر الناس أعمالًا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف ١٠٣]. الجواب: نعم، بيَّنها الله؛ قال: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف ١٠٤]؛ لأن الشيطان زيَّن لهم هذا، وقال: أنتم على حق، أنتم الأعلون، وسوَّل لهم، وأملى لهم حتى تبعوه.
ولهذا قال: (﴿وَإِنَّهُمْ﴾ يعني الشياطين ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ أي: العاشين ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ ) أي: سبيل الحق وطريق الهدى ﴿وَيَحْسَبُونَ﴾، الواو تعود على مَنْ؟
* طالب: على (العاشين).
* الشيخ: تعود على (العاشين) ﴿أَنَّهُمْ﴾ أي: العاشين، ﴿مُهْتَدُونَ﴾ أي: على هدى، وهذا غاية ما يكون من الخسران، والعياذ بالله، أن يتمادى الإنسان بالباطل وهو يظن أنَّه على حق.
قال المفسِّر: (في الجَمْعِ رعاية معنى (مَن)) الجمع وهو قوله: ﴿يَحْسَبُونَ﴾، ﴿إِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ﴾؛ ففيها رعاية بمعنى مَنْ في قولِه: ﴿مَنْ يَعْشُ﴾ كلمة (مَنْ)، و(ما) وما أشبههما من الألفاظ العامَّة يجوزُ مراعاة معناها، ومراعاة لفظها، اللفظ مفرد ولَّا جمع؟ مفرد، ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾؛ ولذلك عاد الضمير إليه للمفرد ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾، ﴿نُقَيِّضْ لَهُ﴾ أيضًا مراعاة اللفظ، ﴿فَهُوَ لَهُ﴾ مراعاة اللفظ، ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ مراعاة المعنى، ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ كذلك مراعاة المعنى، واضح؟
إذن إذا أتتك (مَنْ) موصولة كانت أو شرطية فلك أن تراعي في ضميرها اللفظة فتجعله مفردًا، والمعنى فتجعله حسب ما أريد به، وانظر إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الطلاق ١١] كل هذا مراعاة أيش؟
* طلبة: اللفظ.
* الشيخ: اللفظ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ مراعاة المعنى، ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ﴾ مراعاة اللفظ، ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق ١١] فتجد هذه الآيات تارةً روعي اللفظ، وتارة روعي المعنى ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.
(﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ العاشي بقرينه يوم القيامة قال له: ﴿يَا﴾ للتنبيه ﴿لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ أي: مثل بُعْدِ ما بين المشرق والمغرب ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ أَنْتَ لي).
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ يعني الشيطان وقرينه، وذلك يوم القيامة، تبرأ كل واحد من الآخر، وقال له: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ ﴿يَا﴾ هذه للتنبيه، ولا تصح أنْ تكونَ للنداء؛ لأن ﴿يَا﴾ التي للنداء لا تدخل إلا على اسم، لا تدخل على حرف كما هنا، ولا على فعل، فإذا وجدتها داخلة على حرف أو فعل فهي للتنبيه.
﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ [يس ٢٦] فهي للتنبيه، وقيل إن: (يا) داخلة على منادى محذوف والتقدير في هذه الآية: يا هذا ليت بيني وبينك بعد المشرقين؛ يعني: تُقدِّر منادى اسمًا؛ يا هذا يا ليت بيني بينك بعد المشرقين.
فإذا قال قائل: أيهما أولى أن نُقَدِّر منادى يناسب السياق من أجل أن يصِح حلول (يا) في هذا المكان، أو نقول: الأصل عدم التقدير ونجعل (يا) للتنبيه؟
* طالب: الثاني.
* الشيخ: الثاني أولى؛ لأنه إذا دار الأمر بين أن يكون في الكلام شيء محذوف أو لا؛ فالأولى ألَّا يكون فيه شيء محذوف.
وقوله: ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ يقول المؤلف: (ما بين المشرق والمغرب)، وعليه فيكون في الكلام تغليب، وهو تغليب المشرق على المغرب، والتغليب هذا جائز في اللغة العربية؛ مثل قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٢٧)، ومسلم (٨٣٨ / ٣٠٤) من حديث عبد الله بن مُغَفَّل المزني رضي الله عنه.]] إذا جعلنا مُطْلَق الأذان هو الأذان الذي يكون بكل وقت، أما إذا جعلنا الأذان بمعنى الإعلام، فإن الأذانَيْنِ ليس فيه تغليب؛ لأن كلًّا من الإقامة والأذان يُسمَّى الأذان.
لكن قولهم: (القَمَران) يعنون بذلك الشمس والقمر، قولهم: (العُمَران) يعنون بذلك أبا بكر وعمر، هذا من باب التغليب، فيكون ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ أي: بعد ما بين المشرق والمغرب، ولكن ذُكِرَ بلفظ المشرق تغليبًا.
ويحتمل أن يكون المعنى ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ أي: مشرقي الشمس شتاءً ومشرقها صيفًا؛ لأن بينهما مسافة عظيمة جدًّا لا يعلم قدْرَها إلا الله عز وجل، وكلا المعنيين صحيح؛ يعني: سواء جعلنا اللفظ فيه تغليب أو لا، والمراد أن هذا العاشي الذي أضله الشيطان إذا جاء معه يوم القيامة تبرَّأ منه، وقال: ليتك بعيد عني، وأنا بعيد عنك.
وقوله: ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ هذه الجملة إنشائية للذمِّ، قال المؤلف: أنتَ يعني أنه قد حُذِفَ فيها المخصوص؛ لأن (بئس) و(نعم) لا بد فيها من فاعل ومخصوص، وتفصيل ذلك في كتب النحو، ولا علينا منه في هذا المكان.
قال الله تعالى: (﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ﴾ أي: العاشين تمنِّيكم وندمكم ﴿الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ أي: تبيَّن لكم ظلمُكم بالإشراك في الدنيا أنَّكم مع قرنائكم ﴿فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ عِلَّةٌ بتقديرِ اللَّام؛ لعدم النفع و﴿إِذْ﴾ بدل من ﴿الْيَوْمَ﴾ ) يعني: لا ينفعكم اشتراككم في العذاب، هذا هو الصحيح، وعلى هذا فتكون ﴿أَنَّكُمْ﴾ ليست للتعليل، كما ذهب إليه المفسر، بل هي فاعل ينفع، والمعنى لا ينفعكم اشتراككم في العذاب، ووجه ذلك أنَّه جرت العادة أن الإنسان إذا عُذِّب ورأى غيرَه يُعَذَّب هان عليه الأمر وتسلَّى، وفي يوم القيامة يشترك أهل النار في العذاب، لكن هل ينفعُهم هذا شيئًا؟ لا ينفعهم، فهذا هو الصواب الذي تدل عليه الآية، أما المؤلف فجعل (أنَّ) ﴿أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ (عِلَّةٌ بتقديرِ اللَّام) أي: أنَّكم في العذاب مشتركون، ولكن هذا بعيد من اللفظة.
قوله تعالى لما ذكر ما يجعله للكافرين: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ﴾ إلى آخره.
* في هذه الآية فوائد: أن هذه المُتَعَ الدنيويَّة ما هي إلا متاع الحياة الدنيا، فهي زائلة، ويتفرع على هذه الفائدة ألَّا يتعلقَ الإنسان بها، وألا يهتم بها، وأن يرى أنه عايش بدونها، وليس لك من الدنيا إلا ما أكلتَ فأفنيتَ أو لبِسْتَ فأبليتَ أو تصدَّقْتَ فأمضيتَ.
* ومن فوائد هذه الآية: التزهيدُ في هذه الأمور، وألًّا تهتم بها، لا تعلِّقْ قلبَكَ بمظاهرِ الدُّنْيا، فإنَّك إن فعلتَ هلكتَ، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا رأى من الدنيا ما يعجبه قال: «لَبَّيْكَ، إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةِ»[[أخرجه البيهقي (٩٠٣٥) من حديث مجاهد مرسلًا.]] «لَبَّيْكَ» يعني إجابةً لك ليصرِفَ قلبَه عن التعلُّقِ بما رآه مما يعجبه في الدنيا، ثم وطَّن نفسه، وقال: «إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةِ» والله هذا هو الحق أن عيش الدنيا فإنه مهما طاب لك محفوفٌ بنكدٍ قبلَه ونكدٍ بعدَه؛ لأن لم تحصله غالبًا إلا بتعب، ثم إذا حصَّلْتَه هل ستبقى لك أو لا تبقى؟ هو لا بد (...) إما أن تموت وتتركه، وإما أن يهلك وأنت حي.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: البُشرى للمتَّقين وأنَّ لهم الآخرة، فالآخرة خير للمتقين، ففيه البَشارة وأنَّ الإنسان المتقي إذا انتقل من الدنيا فلا يندم؛ لأنه انتقل إلى دار أفضل وأحسن مما ترك.
* وفيه: الحسُّ على التقوى؛ وذلك لأنَّ ذِكْرَ الجزاء والثواب يستثير النفس حتى يصل الإنسان إلى الوصف الذي يحصل به على الثواب.
ثم قال عز وجل: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ إلى آخره.
* في هذه الآية الكريمة فوائد:
* منها: التحذير من الغفلة عن ذكر الله؛ لأنك إذا غفلت عن ذكر الله حلَّ محل ذكر الله أيش؟ وساوس الشيطان.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ الله سبحانه وتعالى يعاقب العبد بما يقتضيه الذنب، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت ٤٠] فهذا الرجل لما أخلى قلبه من ذكر الله عوقب أن يحلَّ محله الشيطان.
* ومنها: الحظر من قرناء السوء؛ لأن الشياطين ليس اسمًا خاصًّا بشياطين الجن، بل حتى الإنس لهم شياطين، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: قال الله عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام ١١٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس ١] إلى قوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس ٦].
ففي هذا التحذير من قرناء السوء، وقد حذَّر النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم من قرناء السوء؛ حيث شبَّه قرينَ السوء أو جليس السوء بنافخ الكير؛ إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه رائحة كريهة، ثم إن الواقع كذلك، فما أكثر ما يمر علينا ممن يتصلون بنا يَشْكُون من قوم كانوا مستقيمين وأئمة مساجد أو مؤذني مساجد، اتصل بهم أناس من أصحاب السوء فانحرفوا انحرافًا كاملًا، ومثل هؤلاء -والعياذ بالله- إذا انحرفوا -نسأل الله الثبات- يكون انحرافهم أشد وأعظم، كالماء الذي حبسته ثم أطلقت الحبس سيندفع بقوة.
فالمهم أن الإنسان إذا أعرض عن ذكر الله قيضَّ له الشيطان من الإنس، كمل.
* طالب: ومن الجن.
* الشيخ: ومن الجن، فهو له قرين.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المُلازِمَ أشد تأثيرًا من العابد الذي يلازمك ويبقى قرينًا معك، أشد تأثيرًا من العابد؛ بمعنى أنك لو جلست مع إنسان صاحب سوء لمدة ساعة أو ساعتين ربما سيؤثِّر فيك، وربما يتأثر، لكن إذا كان مقارنًا فإنه سيؤثر؛ ولهذا قال: ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾.
أقول هذا لتحْذَروا من الاستمرار لقرناءِ السُّوءِ؛ ولتعلموا أنكم متى علمتم أنه قرين سوء وجب عليكم البعد عنه، لا تقل: أخشى أن يتأثر، أخشى أن يقول: ليش؟ الرجل كان صاحب لي ثم فارقني؟ لا يهمُّك، الذي يهمك هو نفسك فأنقِذْها.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عمى القلب -والعياذ بالله- لما تعامى بعينه عن ذكر الرحمن وبقلبه أيضًا قُيِّضَ له هذا الشيطان، الذي يصده عن الهدى، وهو يحسب أنه مهتد ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٣٧]، وما أكثر هذا، أهل البدع الذين أصرُّوا على بِدَعهم صغيرة كانت أم كبيرة، ألم يكونوا قد يستحسونها؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: لماذا استحسنوها وهي بدعة ضلالة؟ لأن الشيطان صدَّهم عن الحق، أهل الأفكار الرديئة كالعلمانيين والشيوعيين والبعثيين ومن أشبههم لماذا استمروا على ذلك؟ لأن الشيطان ركب قلوبهم -والعياذ بالله- فجعلهم يظنون أن هذا السيئ حسنًا، وهذا أشد ما يكون من الفتنة؛ أن يرى الإنسان السيئ حسنًا فيمضي فيه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن بعضَ الظنِّ إثم، وجهه أن هؤلاء ظنوا أنهم على حق فاستمروا في الباطل .
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذا القرين في الدنيا يتبرأ من صاحبه يوم القيامة، يقول: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف ٣٨] .
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه مع تمنِّيه هذا الذي لم يدرك منه شيئًا يثني على قرينه هذا بالذم والقدح، فيقول: ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من القرناء مَن هو قرينُ خير وقرين سوء، وهو كذلك، وقد بيَّن النبي ﷺ هذا أبين شيء حيث قال: «مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ؛ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ» يعني: يعطيك هدية، «وَإِمَّا أَنْ يَبِيعَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رَائِحَةً طَيِّبَةً، وَجَلِيسُ السُّوءِكَنَافِخِ الْكِيرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٣٤)، ومسلم (٢٦٢٨ / ١٤٦) من حديث أبي موسى رضي الله عنه، ولفظه: «مثل الجليس الصالح والسوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك: إما أن يُحْذِيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحا خبيثة».]] إما أن يحرق ثيابَك بالشرَّرِ الذي يتطاير من النار إذا نُفِخَت، وإما أن تَجِدَ منه رائحةً كريهة.
* من فوائد هذه الآية الكريمة ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ [الزخرف ٣٩]: أن المشتركين في عذاب الآخرة لا ينفعهم الاشتراك، بخلاف الاشتراك في العذاب في الدنيا فإنه يُسَلِّي الإنسان ويهون عليه؛ ولهذا قالت الخنساء في رثاء أخيها صخر:
وَلَــوْلَا كَــثْرَةُ الْبَاكِــــينَ حَــــــوْلِي ∗∗∗ عَـلَى إِخْــوَانِهِمْ لَقَـتَلْتُ نَـــفْسِي؎وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ ∗∗∗ أُسَــلِّي النَّــــفْسَ عَــــنْهُبِالتَّــــأَسِّي
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المُعذَّبين هم الذين ظلموا، وما ظُلِموا؛ لقوله: ﴿إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنهم أي المعذبين يعرفون أنهم مشتركون في العذاب، ولكن ذلك لا يُسلِّيهم، ولا يهوِّن عليهم المصيبة.
الزخرف 43:40
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزخرف ٤٠] بَيِّنٍ؛ أي: فهُمْ لا يؤمنون، الهمزة للنفي؛ يعني أنك لا تُسْمِع الصم ولا تهدي العُمْي؛ لأن هذا موكول إلى الله عز وجل ﴿وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: بَيِّن، والمراد بالسماع هنا: اسمعوا الهدى، والمراد بالهدْيِ: هَدْيُ الهدى، وليس المعنى أن تُسْمِعَ الصُّمَّ صوتَك، لا، لأن هذا شيء يشترك فيه كل الناس، لكن إذا كان الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام صار المراد بالإسماع هنا إسماع الحق، والمراد بالهدْيِ الهَدْيُ إلى الحق.
* في هذه الآية الكريمة: تَسْلِيَة النبي ﷺ؛ حيث كان يندم على عدم اهتداء الناس فبيَّن الله له أن الأمر ليس إليه، بل إلى الله، وحينئذ تهونُ عليه المصيبة، ويرضى ويسلِّم عليه الصلاة والسلام.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ الكفار بمنزلِةِ أهل الصَّمَمِ الذين لا يسمعون، وقد وصفهم الله تعالى في آية أخرى بأنهم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ١٧١] ، أو ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة ١٨].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن العمى سبب لأن يتيه الإنسان عن الطريق؛ لقوله: ﴿أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ من كان في ضلال مبين، أي: منغمسًا في الضلال؛ فإنه لا يهتدي في الغالب.
* طالب: (...) بالنسبة لـ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾، هل هذا يكون بالتقصير في أمور الطاعات أو اقتراف المحرمات؟
* الشيخ: الآية تدل على مسألة قلبية ﴿مَنْ يَعْشُ﴾ يتعامى.
* الطالب: يعني: ليس لها علاقة بالجوارح.
* الشيخ: لا، إذا صلح القلب صلحت الجوارح.
* طالب: المشارق أحيانًا تأتي في القرآن مفردة، وأحيانًا تأتي جمعًا، وأحيانا تأتي بالتثنية.
* الشيخ: المشارق والمشرق والمشرقين، نعم هي تأتي على هذه الأوجه الثلاثة، ولا منافاة بينها؛ فقوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [المزمل ٩] هذا مفرد، والمراد بالمشرق هنا الجهة؛ لأن الجهات أربعة: شرق، وغرب، وجنوب، وشمال؛ فالمشرق يعني جهة المشرق، المغرب يعني جهة المغرب.
أما (رب المشارق والمغارب) بالجمع: فالمراد مشارق النجوم والكواكب والشمس والقمر؛ لأن كل واحد من هذا له مشرق، أو المراد بالمشارق مشارق الشمس؛ لأن كل يوم للشمس مَشْرِق، كل يوم لها مشرق، ولولا ذلك ما رأيتها تتنقل من الشمال إلى الجنوب، ومن الجنوب إلى الشمال.
أما رب المشرقين ورب المغربين؛ المثنى: فالمراد بذلك مشرقا الصيف والشتاء.
* طالب: يا شيخ أثابكم الله، بالنسبة إلى قرناء السوء، إذا كان هناك إنسان منحرفًا يظن الإنسان أنه إذا كان معه ربما ..
* الشيخ: يدعوه، نعم.
* الطالب: هل يعني..؟
* الشيخ: هل يصاحبه؟ أو يصادقه؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: ما هو بصحيح، بل يجلس معه للدعوة إلى الحق ويفارقه، وبعد الدعوة؛ لأنه إذا لزمه لا بد أن يتأثر، ولا يدري هل يؤثر المستقيم على المنحرف أو المنحرف على المستقيم، والمشاهد الآن في الغالب أن المنحرف هو الذي يؤثر على المستقيم، هذا ما نعلمه، فأنت لا تقارنه، تأتي مثلًا، تزوره أو تدعوه إلى بيتك، وتدعوه فقط أما أن تلازمه ويكون صاحبًا لك، هذا خطر عظيم، والإنسان تُسَوِّلُ له نفسه أنه إذا صاحبه كان السبب في إقامته، ويكون الأمر بالعكس مثل المرأة يخطبها إنسان منحرف، وترغب أن تتزوجه، وتقول في نفسها أو يقول وليها: يهديه الله، لعله يهديه إذا تزوج، ويكون الأمر في العكس، هذه المرأة المستقيمة تكون منحرفة بوسوسة هذا الزوج.
* طالب: ما واجب الإنسان إذا كان له أخ مستقيم ثم انحرف؟
* الشيخ: من أي ناحية (...)؟
* الطالب: بالنصح له أو بتركه بالكلية إذا انحرف ويكون كما ذكرتم (...) عن المعاصي وعن الدنيا.
* الشيخ: ليش ما يدعوه، أليس النبي ﷺ يدعو عشيرته الأقربين؟ (...) لماذا لا يدعوه؟
* الطالب: يدعوه، ويغلق الباب عليه.
* الشيخ: كيف يغلق الباب، يحبسه؟!
* الطالب: لا إذا أتى إليه يدعوه يصد الباب عنه، ويتهرب عنه.
* الشيخ: نفس (...)، خلاص هذا، لا يهمه، ينتهز فرصةً أو أخرى ويدعوه.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (٤٤) وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف ٤١ - ٤٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف ٣٩]، ما معنى الآية؟
* طالب: يعني أنهم إذا أُدخِلوا في النار -ولو كانوا جماعة- لا ينفعهم هذا الاجتماع، ولا يتَسلَّوْن بهذا الاجتماع، أما في الدنيا ينفعهم الاجتماع على الشَّرِّ وما إلى ذلك (...) في العذاب.
* الشيخ: يعني أن اشتراكهم في العذاب في الآخرة لا ينفعهم فيتسلَّون به كما هو في الدنيا.
قوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ [الزخرف ٤٠]، الأخ الاستفهام ليش؟ ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾، المعنى؟
* طالب: لا تهدي العُمْيَ.
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: أنك لا تهدي العُمْيَ.
* الشيخ: وين الهداية؟ ما في الآية هداية.
* طالب: لا تسمع الصم (...).
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: تكلم أنت رجل وبين الرجال قلت: إنه للنفي، المعنى إذا كان للنفي؟
* الطالب: المعنى أنك لا تُسْمِعُ مَنْ به صمم عن سماع الحق ولا يُبْصِر الهدى.
* الشيخ: إي، طيب، ما معنى قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾؟
* طالب: أحسن الله إليك، (ضلال) ضد الهدى، والمبين البين الواضح.
* الشيخ: والمعنى؟
* الطالب: والمعنى أنك لا تهديهم.
* الشيخ: لا تهدي من هو في ضلال مبين. لمن الهداية؟ مَنِ الذي يهدي؟
* الطالب: الذي يهدي إن كانت هداية التوفيق فهي..
* الشيخ: وإن كان الآن فهي هداية التوفيق، الرسول يعرض عليهم دين الحق.
* الطالب: فهي لله عز وجل.
* الشيخ: يعني أن ذلك لله عز وجل.
الزخرف 43:41
قال الله عز وجل: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾ [الزخرف ٤١] ﴿إِمَّا﴾ يقول المفسر: (فيه إدغام نون (إن))، ففيه إدغام نون (إن) الشرطية في (ما) الزائدة، فـ(إما)، وأصله (فإن ما)، لكن اجتمعت النون الساكنة مع الميم، فأُدْغِمَت إحداهما في الأخرى فصارت ﴿إِمَّا نَذْهَبَنَّ﴾.
وقوله: (في (ما) الزائدة)، اعلم أنه ليس في القرآن شيء زائد، كل ما في القرآن فإنه في محله والسياق يحتاج إليه، لكن مرادهم بالزيادة هي التي يتم الكلام بدونها لا التي يكمل الكلام بدونها، هذه بالنسبة للقرآن؛ يعني: لو حُذِفَت لاستقام الكلام وإلَّا فإنها لها معنى وهو التوكيد.
﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ يقول المفسر: (﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ بأن نُمِيتَك قبل تعذيبهم ﴿فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾ ) أي: (في الآخرة) كما قال، يعني أننا إن ذهبنا بك فلن نُغفِلَهم من العذاب، بل نعذبهم وقول المفسر: (في الآخرة) فيه نظر، والصواب في الدنيا؛ يعني: إن ذهبنا بك قبل أن نعذبهم فإننا لا بد أن نعذبهم، وهذا تهديد واضح لهؤلاء المكذبين لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
(﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ﴾ في حياتك من العذاب ﴿فَإِنَّا عَلَيْهِمْ﴾ ﴾ -أي- على عذابهم ﴿مُقْتَدِرُونَ﴾ ﴾ -أي- قادرون).
فالمسألة إما أن نُعَذِّبهم قبل أن تموت، وإما أن تموتَ قبل أن نعذبهم، فإن مِتَّ قبل أن نُعَذِّبَهم فإنهم لن يُفْلِتُوا من العذاب، سننتقم منهم، وإن عذبناهم قبل موتك فإنا قادرون على ذلك، ولن نُؤَخِّر عنهم العذاب عجزًا.
وقول المفسر: ﴿فَإِنَّا عَلَيْهِمْ﴾ أي: (على عذابهم) الصواب العموم على عذابهم، وعلى ذواتهم، وعلى جميع أحوالهم.
وقوله: (﴿مُقْتَدِرُونَ﴾ قادرون) أيضًا فيه قصور؛ لأن المقتدر أبلغ من القادر، فإن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى فهو أبلغ من القادر.
وعلى كل حال فالآية معناها الإجمالي أنَّنا إن ذهبنا بك بالموت فإننا لن نُغْفِلَهم عن العذاب، وإن عذبناهم في حياتك فسترى عذابهم بنفسك.
* في هذه الآية الكريمة: التهديد للمكذِّبين للرسول ﷺ، وأن عذابهم واقع لا محالة.
* ومن فوائدها: تسلية النبيِّ ﷺ، فإنَّ رسول الله ﷺ جاء بالهدى والحق والآيات، فإذا كُذِّب فسيكون ذلك ثقيلًا على نفسه فسلَّاه الله عز وجل بهذا الوعيد.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وصفُ الله تبارك وتعالى بالانتقام كما وصفه في آية أخرى، ولكن هل يوصف به على الإطلاق؛ فيقال مثلًا: المنتقم؟
فالجواب: لا؛ لأن كلمة (المنتقم) ليست مدحًا في ذاتها حتى تقابَل بما يكون سببًا للانتقام؛ ولهذا تمر بنا أسماءُ الله الحسنى التي عدَّها بعض الناس؛ منها: المنتقم، وهذا غلط، فإن ذلك ليس من أسماء الله؛ لأن الله لم يذكر ذلك من أسمائه، وإنما ذكره مقيَّدًا بحال من الأحوال.
هنا ﴿فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾ مُقَيَّدٌ بحال من الأحوال، وهي تكذيبُ هؤلاء، وهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة ٢٢].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عظمة الله عز وجل حيث وصف نفسه بالجمع، ومن المعلوم أنَّه ليس المراد بالجمع التعدد؛ لأن اللهَ إله واحد، لكن المراد بالجمع هنا التعظيم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الوعد يأتي في الشرِّ والعقوبة خلافًا لمن قال: الوعد في الخير، والإيعاد في الشر، وأنشدوا على ذلك قول الشاعر:
وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَـــــــدْتُهُ أَوْوَعَــــــدْتُهُ ∗∗∗ لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي
فالصواب أنها تُطْلَق على هذا وعلى هذا، فهنا قال: ﴿الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ﴾، وعلى قياس قول البيت يكون التعبيرُ الذي أوعدناهم، ولكن الصحيح أنها جائزة لهذا وهذا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيانُ غَلَبَةِ قدرة الله عز وجل على كُلِّ قدرة؛ لقوله: ﴿فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾، وهو كذلك، ولما قالت عاد: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥] قال الله عز وجل: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥] فلا قُوَّة تمانِعُ قوة الله عز وجل، ولا قدرة تمانع قدرته، بل هو العزيز الغالب على كل أحد.
الزخرف 43:42
قال الله عز وجل: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾ [الزخرف ٤١] ﴿إِمَّا﴾ يقول المفسر: (فيه إدغام نون (إن))، ففيه إدغام نون (إن) الشرطية في (ما) الزائدة، فـ(إما)، وأصله (فإن ما)، لكن اجتمعت النون الساكنة مع الميم، فأُدْغِمَت إحداهما في الأخرى فصارت ﴿إِمَّا نَذْهَبَنَّ﴾.
وقوله: (في (ما) الزائدة)، اعلم أنه ليس في القرآن شيء زائد، كل ما في القرآن فإنه في محله والسياق يحتاج إليه، لكن مرادهم بالزيادة هي التي يتم الكلام بدونها لا التي يكمل الكلام بدونها، هذه بالنسبة للقرآن؛ يعني: لو حُذِفَت لاستقام الكلام وإلَّا فإنها لها معنى وهو التوكيد.
﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ يقول المفسر: (﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ بأن نُمِيتَك قبل تعذيبهم ﴿فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾ ) أي: (في الآخرة) كما قال، يعني أننا إن ذهبنا بك فلن نُغفِلَهم من العذاب، بل نعذبهم وقول المفسر: (في الآخرة) فيه نظر، والصواب في الدنيا؛ يعني: إن ذهبنا بك قبل أن نعذبهم فإننا لا بد أن نعذبهم، وهذا تهديد واضح لهؤلاء المكذبين لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
(﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ﴾ في حياتك من العذاب ﴿فَإِنَّا عَلَيْهِمْ﴾ ﴾ -أي- على عذابهم ﴿مُقْتَدِرُونَ﴾ ﴾ -أي- قادرون).
فالمسألة إما أن نُعَذِّبهم قبل أن تموت، وإما أن تموتَ قبل أن نعذبهم، فإن مِتَّ قبل أن نُعَذِّبَهم فإنهم لن يُفْلِتُوا من العذاب، سننتقم منهم، وإن عذبناهم قبل موتك فإنا قادرون على ذلك، ولن نُؤَخِّر عنهم العذاب عجزًا.
وقول المفسر: ﴿فَإِنَّا عَلَيْهِمْ﴾ أي: (على عذابهم) الصواب العموم على عذابهم، وعلى ذواتهم، وعلى جميع أحوالهم.
وقوله: (﴿مُقْتَدِرُونَ﴾ قادرون) أيضًا فيه قصور؛ لأن المقتدر أبلغ من القادر، فإن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى فهو أبلغ من القادر.
وعلى كل حال فالآية معناها الإجمالي أنَّنا إن ذهبنا بك بالموت فإننا لن نُغْفِلَهم عن العذاب، وإن عذبناهم في حياتك فسترى عذابهم بنفسك.
* في هذه الآية الكريمة: التهديد للمكذِّبين للرسول ﷺ، وأن عذابهم واقع لا محالة.
* ومن فوائدها: تسلية النبيِّ ﷺ، فإنَّ رسول الله ﷺ جاء بالهدى والحق والآيات، فإذا كُذِّب فسيكون ذلك ثقيلًا على نفسه فسلَّاه الله عز وجل بهذا الوعيد.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وصفُ الله تبارك وتعالى بالانتقام كما وصفه في آية أخرى، ولكن هل يوصف به على الإطلاق؛ فيقال مثلًا: المنتقم؟
فالجواب: لا؛ لأن كلمة (المنتقم) ليست مدحًا في ذاتها حتى تقابَل بما يكون سببًا للانتقام؛ ولهذا تمر بنا أسماءُ الله الحسنى التي عدَّها بعض الناس؛ منها: المنتقم، وهذا غلط، فإن ذلك ليس من أسماء الله؛ لأن الله لم يذكر ذلك من أسمائه، وإنما ذكره مقيَّدًا بحال من الأحوال.
هنا ﴿فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾ مُقَيَّدٌ بحال من الأحوال، وهي تكذيبُ هؤلاء، وهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة ٢٢].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عظمة الله عز وجل حيث وصف نفسه بالجمع، ومن المعلوم أنَّه ليس المراد بالجمع التعدد؛ لأن اللهَ إله واحد، لكن المراد بالجمع هنا التعظيم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الوعد يأتي في الشرِّ والعقوبة خلافًا لمن قال: الوعد في الخير، والإيعاد في الشر، وأنشدوا على ذلك قول الشاعر:
وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَـــــــدْتُهُ أَوْوَعَــــــدْتُهُ ∗∗∗ لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي
فالصواب أنها تُطْلَق على هذا وعلى هذا، فهنا قال: ﴿الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ﴾، وعلى قياس قول البيت يكون التعبيرُ الذي أوعدناهم، ولكن الصحيح أنها جائزة لهذا وهذا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيانُ غَلَبَةِ قدرة الله عز وجل على كُلِّ قدرة؛ لقوله: ﴿فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾، وهو كذلك، ولما قالت عاد: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥] قال الله عز وجل: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥] فلا قُوَّة تمانِعُ قوة الله عز وجل، ولا قدرة تمانع قدرته، بل هو العزيز الغالب على كل أحد.
الزخرف 43:43
قال الله تعالى: (﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ أي القرآن ﴿إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ طريق مستقيم).
﴿اسْتَمْسِكْ﴾ بمعنى تمسَّك، لكن زيدت حروفها للمبالغة، أي: تَمَسَّكْ تَمَسُّكًا قويًّا بالذي أوحي إليك، والموحِي هو الله عز وجل، والموحَى القرآن، وإنما قال: ﴿بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ ليثبِّتَ رسالته، وإلَّا لو قال بالقرآن كفى، لكن مِنْ أجل تثبيت الرسالة قال: ﴿بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾.
والوحي هو إنباء الله سبحانه وتعالى لرُسُلِه بما يَشْرَعُه لعباده.
بالذي أوحي إليك ﴿إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أمر وتثبيت؛ الأمر ﴿اسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾، التثبيت ﴿إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وإذا كان على صراط مستقيم فإنَّ العقل يقتضي ألا يحيد عنه، بل أن يستمسك به تمامًا.
والصراط هو الطريق الواسع المستقيم، هذا الصراط، فالطريق الضيِّق لا يُسَمَّى صراطًا، والطريق المُعْوَجَّ يمينًا وشمالًا لا يُسَمَّى صراطًا؛ لا يُسَمَّى صراطًا إلا ما كان طريقًا واسعًا مستقيمًا؛ كما قال الله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة ٦] أي: الطريق الواسع المستقيم.
(﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ﴾ لشَرَفٌ ﴿لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ لنزوله بلغتهم ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف ٤٤] عن القيام بحقه)، و﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: القرآن الذي أوحي إلى الرسول ﷺ.
﴿لَذِكْرٌ لَكَ﴾ أي: (لشَرَفٌ) على ما فسَّره المفسر؛ أي: أنكم تشرُفون به لنزوله بلغتكم، ولكونه نزل على واحد منكم، فهو شَرَفٌ، هذا ما ذهب إليه المؤلف ولا مانع منه، لكن الصواب أن المراد بالذكر هنا التذكير؛ يعني: وإنَّ هذا الذي أوحي إليك لتذكير لك ولقومك.
فإن قال قائل: يَرِد على هذا أنه تذكير لكل الناس.
فالجواب أن هذا كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة ٢] مع أنه بعث لجميع الناس. وقوله: ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ سوف تسألون عن أيش؟
يقول: (عن القيام بحَقِّه)، ومِنْ حقِّه العمل به، ومن حقه إبلاغه للناس؛ ولهذا يعتبر العرب هم الإشعاع لعامة الناس في نقل الشريعة الإسلامية.
مَنْ في الجزيرة حين نزل الوحي؟ ليس فيها إلا عرب، هؤلاء العرب بَثُّوا الإسلام في جميع أقطار الدنيا، وهذا من حقه.
﴿سَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ عما فيه من الأمر بالجهاد، هل جاهدتم أم لا؟ ﴿سَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ عن تنفيذ جميع شرائعه؛ ولهذا كلام المؤلف هنا جيد: (عن القيام بحقه).
قال تعالى: (﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ أي: من غيره ﴿آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ﴾ [الزخرف: ٤٥]).
﴿اسْأَلْ﴾ الخطاب للنبي ﷺ؛ لقوله: ﴿مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾.
﴿أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ وسوف يكون الجواب: نعم ولا لا؟ لا، والمقصود من هذا الأمر هو إقامة الحجة على المشركين الذين يعبدون مع الله إلهًا آخر؛ يقول للنبي ﷺ: اسأل جميع الرسل السابقين؛ هل جعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون حتى يقوم هؤلاء المشركون فيعبدون مع الله غيره؟ ففيه إقامة الحجة على المشركين؛ أن جميع الرسل السابقين ليس فيهم مَنْ يُحِلُّ الإشراك بالله عز وجل.
فإن قال قائل: كيف يسألُ مَنْ أرسلَ الله من الرسل قبله وهو لم يدركهم؟
فالجواب أن هذا من أساليب اللغة العربية، والمعنى: إنك إنْ تسألْ على الفرض، والتقدير: فلن تجاب بـ(نَعَم)، بل سيكون الجواب (لا)، فهو مِن باب التحدي لهؤلاء المشركين الذين يَدَّعون أنهم على حق.
﴿أَجَعَلْنَا﴾ أي: صيَّرْنا (﴿مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ قيل: هو على ظاهره بأن جُمِعَ له الرسل ليلة الإسراء)؛ لأنه هو سألهم، لكن هذا القول ضعيف؛ لأن جميع الأحاديث الواردة في الإسراء ليس فيها هذا، ثم إنَّ المقصود بالإسراء إظهارُ شرف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل هذا من مقصود الإسراء إظهار شرفه على الرسل، فكيف يوجه إليهم هذا السؤال؟! فهذا القول ضعيف جدًّا، ولا وجه له.
وقيل: المرادُ أممٌ من أهل الكتابين؛ وهذا أيضًا ليس بصواب؛ يعني هؤلاء يقولون: المعنى ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ يعني: اسأل الأمم الذين أُرْسِلَ إليهم، وهؤلاء باقون إلى بعثة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا ضعيف مخالف لظاهر القرآن؛ القرآن يقول: ﴿اسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾، والأمم التابعة للرسل فيهم مشركون؛ فالنصارى أقرب الأمم فيهم مشركون، فلا يتوجه سؤالهم مع كونهم مشركين، هذا أيضًا ضعيف.
قال: (ولم يسأل على واحدٍ من القولين؛ لأن المراد من الأمر بالسؤال التقرير لمشركي قريش أنه لم يأتِ رسول من الله ولا كتاب بعبادة غير الله) هذا صحيح؛ يعني أن السؤال إنما أُريدَ به إلزام قريش بأنه لم يأتِ أحد من الرسل بإباحة عبادة غير الله، هذا المقصود، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس ٩٤] لكن الآية الأخيرة، هذه السؤال فيها أعم؛ لأنه قال: ﴿اسْأَلِ﴾ الذين يقرؤون الكتاب من قَبْلِك، ولم يَخُصَّ ذلك بالرسل.
* في هذه الآية الكريمة فوائد: وهى حَثُّ النبيِّ ﷺ على التَّمَسُّكِ بما أوحي إليه، وإذا كان النبي ﷺ يُحَثُّ على ذلك فنحن من باب أولى.
* ومن فوائد هذه الآية: أن محمدًا ﷺ كان رسول الله حقًّا؛ لإثبات الوحي إليه.
* ومن فوائد هذه الآية: تثبيت النبي ﷺ على الاستمساك بما أوحي إليه، وذلك بأنه على صراط مستقيم.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الشريعة التي جاء بها محمد ﷺ صراط مستقيم لا اعوجاج فيه ولا انحراف.
* ومن فوائد الآية: أن هذا القرآن الكريم فيه ذكر للعرب، أي: شرف لهم، وفيه تذكير لهم؛ لقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف ٤٤].
* ومن فوائد الآية: تحميل المسؤولية العظيمة على العرب؛ وهي أنهم سوف يُسْأَلون عن هذا الوحي هل قاموا بحقِّه، أم لم يقوموا بحقه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إقامةُ البينة الكبرى على أنه لم يقلْ أحدٌ من الرسل السابقين: إن هناك آلهةً تُعْبَد من دون الله؛ لقوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾.
* ومن فوائد هذه الآية: إثبات اسم الرحمن لله عز وجل؛ لقوله: ﴿أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف ٤٥]، والرحمن هو أحد الاسمين اللَّذَيْنِ لا يُسَمَّى بهما غير الله؛ وهما الله والرحمن، لا يصف بهما سوى الله، الرحيم يوصف به غير الله، العزيز يوصف به غير الله، السميع يوصف به غير الله، وهكذا، لكنَّ هذين الاسمين الكريمين (الله، والرحمن) لا يوصف بهما أحد ولا يسمى بهما أحد إلا الله تعالى وحده لا شريك له.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: اتفاق الرسل على التوحيد، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥]، وهذا قد اتَّفق عليه الرسل، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل ٣٦]، والرُّسل ما جاءت إلا لإصلاح الخلق، والخلق لا يمكن صلاحهم ولا إصلاحهم إلا إذا قاموا بتوحيد الله عز وجل، فإن لم يقوموا بتوحيده تشتَّتت قلوبهم، وصار كل واحد يذهب مذهبًا غير الآخر؛ لأنَّ كل أمة تريد أن يكون لها معبودٌ خاصٌّ، فتحصل الفوضى بين العباد، فإذا اجتمع الناس على عبادة الله وحده حصل الاتفاق بدون فوضى.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ [الزخرف ٤٦] إلى آخره.
الزخرف 43:44
قال الله تعالى: (﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ أي القرآن ﴿إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ طريق مستقيم).
﴿اسْتَمْسِكْ﴾ بمعنى تمسَّك، لكن زيدت حروفها للمبالغة، أي: تَمَسَّكْ تَمَسُّكًا قويًّا بالذي أوحي إليك، والموحِي هو الله عز وجل، والموحَى القرآن، وإنما قال: ﴿بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ ليثبِّتَ رسالته، وإلَّا لو قال بالقرآن كفى، لكن مِنْ أجل تثبيت الرسالة قال: ﴿بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾.
والوحي هو إنباء الله سبحانه وتعالى لرُسُلِه بما يَشْرَعُه لعباده.
بالذي أوحي إليك ﴿إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أمر وتثبيت؛ الأمر ﴿اسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾، التثبيت ﴿إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وإذا كان على صراط مستقيم فإنَّ العقل يقتضي ألا يحيد عنه، بل أن يستمسك به تمامًا.
والصراط هو الطريق الواسع المستقيم، هذا الصراط، فالطريق الضيِّق لا يُسَمَّى صراطًا، والطريق المُعْوَجَّ يمينًا وشمالًا لا يُسَمَّى صراطًا؛ لا يُسَمَّى صراطًا إلا ما كان طريقًا واسعًا مستقيمًا؛ كما قال الله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة ٦] أي: الطريق الواسع المستقيم.
(﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ﴾ لشَرَفٌ ﴿لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ لنزوله بلغتهم ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف ٤٤] عن القيام بحقه)، و﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: القرآن الذي أوحي إلى الرسول ﷺ.
﴿لَذِكْرٌ لَكَ﴾ أي: (لشَرَفٌ) على ما فسَّره المفسر؛ أي: أنكم تشرُفون به لنزوله بلغتكم، ولكونه نزل على واحد منكم، فهو شَرَفٌ، هذا ما ذهب إليه المؤلف ولا مانع منه، لكن الصواب أن المراد بالذكر هنا التذكير؛ يعني: وإنَّ هذا الذي أوحي إليك لتذكير لك ولقومك.
فإن قال قائل: يَرِد على هذا أنه تذكير لكل الناس.
فالجواب أن هذا كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة ٢] مع أنه بعث لجميع الناس. وقوله: ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ سوف تسألون عن أيش؟
يقول: (عن القيام بحَقِّه)، ومِنْ حقِّه العمل به، ومن حقه إبلاغه للناس؛ ولهذا يعتبر العرب هم الإشعاع لعامة الناس في نقل الشريعة الإسلامية.
مَنْ في الجزيرة حين نزل الوحي؟ ليس فيها إلا عرب، هؤلاء العرب بَثُّوا الإسلام في جميع أقطار الدنيا، وهذا من حقه.
﴿سَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ عما فيه من الأمر بالجهاد، هل جاهدتم أم لا؟ ﴿سَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ عن تنفيذ جميع شرائعه؛ ولهذا كلام المؤلف هنا جيد: (عن القيام بحقه).
قال تعالى: (﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ أي: من غيره ﴿آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ﴾ [الزخرف: ٤٥]).
﴿اسْأَلْ﴾ الخطاب للنبي ﷺ؛ لقوله: ﴿مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾.
﴿أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ وسوف يكون الجواب: نعم ولا لا؟ لا، والمقصود من هذا الأمر هو إقامة الحجة على المشركين الذين يعبدون مع الله إلهًا آخر؛ يقول للنبي ﷺ: اسأل جميع الرسل السابقين؛ هل جعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون حتى يقوم هؤلاء المشركون فيعبدون مع الله غيره؟ ففيه إقامة الحجة على المشركين؛ أن جميع الرسل السابقين ليس فيهم مَنْ يُحِلُّ الإشراك بالله عز وجل.
فإن قال قائل: كيف يسألُ مَنْ أرسلَ الله من الرسل قبله وهو لم يدركهم؟
فالجواب أن هذا من أساليب اللغة العربية، والمعنى: إنك إنْ تسألْ على الفرض، والتقدير: فلن تجاب بـ(نَعَم)، بل سيكون الجواب (لا)، فهو مِن باب التحدي لهؤلاء المشركين الذين يَدَّعون أنهم على حق.
﴿أَجَعَلْنَا﴾ أي: صيَّرْنا (﴿مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ قيل: هو على ظاهره بأن جُمِعَ له الرسل ليلة الإسراء)؛ لأنه هو سألهم، لكن هذا القول ضعيف؛ لأن جميع الأحاديث الواردة في الإسراء ليس فيها هذا، ثم إنَّ المقصود بالإسراء إظهارُ شرف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل هذا من مقصود الإسراء إظهار شرفه على الرسل، فكيف يوجه إليهم هذا السؤال؟! فهذا القول ضعيف جدًّا، ولا وجه له.
وقيل: المرادُ أممٌ من أهل الكتابين؛ وهذا أيضًا ليس بصواب؛ يعني هؤلاء يقولون: المعنى ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ يعني: اسأل الأمم الذين أُرْسِلَ إليهم، وهؤلاء باقون إلى بعثة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا ضعيف مخالف لظاهر القرآن؛ القرآن يقول: ﴿اسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾، والأمم التابعة للرسل فيهم مشركون؛ فالنصارى أقرب الأمم فيهم مشركون، فلا يتوجه سؤالهم مع كونهم مشركين، هذا أيضًا ضعيف.
قال: (ولم يسأل على واحدٍ من القولين؛ لأن المراد من الأمر بالسؤال التقرير لمشركي قريش أنه لم يأتِ رسول من الله ولا كتاب بعبادة غير الله) هذا صحيح؛ يعني أن السؤال إنما أُريدَ به إلزام قريش بأنه لم يأتِ أحد من الرسل بإباحة عبادة غير الله، هذا المقصود، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس ٩٤] لكن الآية الأخيرة، هذه السؤال فيها أعم؛ لأنه قال: ﴿اسْأَلِ﴾ الذين يقرؤون الكتاب من قَبْلِك، ولم يَخُصَّ ذلك بالرسل.
* في هذه الآية الكريمة فوائد: وهى حَثُّ النبيِّ ﷺ على التَّمَسُّكِ بما أوحي إليه، وإذا كان النبي ﷺ يُحَثُّ على ذلك فنحن من باب أولى.
* ومن فوائد هذه الآية: أن محمدًا ﷺ كان رسول الله حقًّا؛ لإثبات الوحي إليه.
* ومن فوائد هذه الآية: تثبيت النبي ﷺ على الاستمساك بما أوحي إليه، وذلك بأنه على صراط مستقيم.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الشريعة التي جاء بها محمد ﷺ صراط مستقيم لا اعوجاج فيه ولا انحراف.
* ومن فوائد الآية: أن هذا القرآن الكريم فيه ذكر للعرب، أي: شرف لهم، وفيه تذكير لهم؛ لقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف ٤٤].
* ومن فوائد الآية: تحميل المسؤولية العظيمة على العرب؛ وهي أنهم سوف يُسْأَلون عن هذا الوحي هل قاموا بحقِّه، أم لم يقوموا بحقه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إقامةُ البينة الكبرى على أنه لم يقلْ أحدٌ من الرسل السابقين: إن هناك آلهةً تُعْبَد من دون الله؛ لقوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾.
* ومن فوائد هذه الآية: إثبات اسم الرحمن لله عز وجل؛ لقوله: ﴿أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف ٤٥]، والرحمن هو أحد الاسمين اللَّذَيْنِ لا يُسَمَّى بهما غير الله؛ وهما الله والرحمن، لا يصف بهما سوى الله، الرحيم يوصف به غير الله، العزيز يوصف به غير الله، السميع يوصف به غير الله، وهكذا، لكنَّ هذين الاسمين الكريمين (الله، والرحمن) لا يوصف بهما أحد ولا يسمى بهما أحد إلا الله تعالى وحده لا شريك له.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: اتفاق الرسل على التوحيد، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥]، وهذا قد اتَّفق عليه الرسل، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل ٣٦]، والرُّسل ما جاءت إلا لإصلاح الخلق، والخلق لا يمكن صلاحهم ولا إصلاحهم إلا إذا قاموا بتوحيد الله عز وجل، فإن لم يقوموا بتوحيده تشتَّتت قلوبهم، وصار كل واحد يذهب مذهبًا غير الآخر؛ لأنَّ كل أمة تريد أن يكون لها معبودٌ خاصٌّ، فتحصل الفوضى بين العباد، فإذا اجتمع الناس على عبادة الله وحده حصل الاتفاق بدون فوضى.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ [الزخرف ٤٦] إلى آخره.
الزخرف 43:45
قال الله تعالى: (﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ أي القرآن ﴿إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ طريق مستقيم).
﴿اسْتَمْسِكْ﴾ بمعنى تمسَّك، لكن زيدت حروفها للمبالغة، أي: تَمَسَّكْ تَمَسُّكًا قويًّا بالذي أوحي إليك، والموحِي هو الله عز وجل، والموحَى القرآن، وإنما قال: ﴿بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ ليثبِّتَ رسالته، وإلَّا لو قال بالقرآن كفى، لكن مِنْ أجل تثبيت الرسالة قال: ﴿بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾.
والوحي هو إنباء الله سبحانه وتعالى لرُسُلِه بما يَشْرَعُه لعباده.
بالذي أوحي إليك ﴿إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أمر وتثبيت؛ الأمر ﴿اسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾، التثبيت ﴿إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وإذا كان على صراط مستقيم فإنَّ العقل يقتضي ألا يحيد عنه، بل أن يستمسك به تمامًا.
والصراط هو الطريق الواسع المستقيم، هذا الصراط، فالطريق الضيِّق لا يُسَمَّى صراطًا، والطريق المُعْوَجَّ يمينًا وشمالًا لا يُسَمَّى صراطًا؛ لا يُسَمَّى صراطًا إلا ما كان طريقًا واسعًا مستقيمًا؛ كما قال الله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة ٦] أي: الطريق الواسع المستقيم.
(﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ﴾ لشَرَفٌ ﴿لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ لنزوله بلغتهم ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف ٤٤] عن القيام بحقه)، و﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: القرآن الذي أوحي إلى الرسول ﷺ.
﴿لَذِكْرٌ لَكَ﴾ أي: (لشَرَفٌ) على ما فسَّره المفسر؛ أي: أنكم تشرُفون به لنزوله بلغتكم، ولكونه نزل على واحد منكم، فهو شَرَفٌ، هذا ما ذهب إليه المؤلف ولا مانع منه، لكن الصواب أن المراد بالذكر هنا التذكير؛ يعني: وإنَّ هذا الذي أوحي إليك لتذكير لك ولقومك.
فإن قال قائل: يَرِد على هذا أنه تذكير لكل الناس.
فالجواب أن هذا كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة ٢] مع أنه بعث لجميع الناس. وقوله: ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ سوف تسألون عن أيش؟
يقول: (عن القيام بحَقِّه)، ومِنْ حقِّه العمل به، ومن حقه إبلاغه للناس؛ ولهذا يعتبر العرب هم الإشعاع لعامة الناس في نقل الشريعة الإسلامية.
مَنْ في الجزيرة حين نزل الوحي؟ ليس فيها إلا عرب، هؤلاء العرب بَثُّوا الإسلام في جميع أقطار الدنيا، وهذا من حقه.
﴿سَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ عما فيه من الأمر بالجهاد، هل جاهدتم أم لا؟ ﴿سَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ عن تنفيذ جميع شرائعه؛ ولهذا كلام المؤلف هنا جيد: (عن القيام بحقه).
قال تعالى: (﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ أي: من غيره ﴿آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ﴾ [الزخرف: ٤٥]).
﴿اسْأَلْ﴾ الخطاب للنبي ﷺ؛ لقوله: ﴿مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾.
﴿أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ وسوف يكون الجواب: نعم ولا لا؟ لا، والمقصود من هذا الأمر هو إقامة الحجة على المشركين الذين يعبدون مع الله إلهًا آخر؛ يقول للنبي ﷺ: اسأل جميع الرسل السابقين؛ هل جعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون حتى يقوم هؤلاء المشركون فيعبدون مع الله غيره؟ ففيه إقامة الحجة على المشركين؛ أن جميع الرسل السابقين ليس فيهم مَنْ يُحِلُّ الإشراك بالله عز وجل.
فإن قال قائل: كيف يسألُ مَنْ أرسلَ الله من الرسل قبله وهو لم يدركهم؟
فالجواب أن هذا من أساليب اللغة العربية، والمعنى: إنك إنْ تسألْ على الفرض، والتقدير: فلن تجاب بـ(نَعَم)، بل سيكون الجواب (لا)، فهو مِن باب التحدي لهؤلاء المشركين الذين يَدَّعون أنهم على حق.
﴿أَجَعَلْنَا﴾ أي: صيَّرْنا (﴿مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ قيل: هو على ظاهره بأن جُمِعَ له الرسل ليلة الإسراء)؛ لأنه هو سألهم، لكن هذا القول ضعيف؛ لأن جميع الأحاديث الواردة في الإسراء ليس فيها هذا، ثم إنَّ المقصود بالإسراء إظهارُ شرف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل هذا من مقصود الإسراء إظهار شرفه على الرسل، فكيف يوجه إليهم هذا السؤال؟! فهذا القول ضعيف جدًّا، ولا وجه له.
وقيل: المرادُ أممٌ من أهل الكتابين؛ وهذا أيضًا ليس بصواب؛ يعني هؤلاء يقولون: المعنى ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ يعني: اسأل الأمم الذين أُرْسِلَ إليهم، وهؤلاء باقون إلى بعثة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا ضعيف مخالف لظاهر القرآن؛ القرآن يقول: ﴿اسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾، والأمم التابعة للرسل فيهم مشركون؛ فالنصارى أقرب الأمم فيهم مشركون، فلا يتوجه سؤالهم مع كونهم مشركين، هذا أيضًا ضعيف.
قال: (ولم يسأل على واحدٍ من القولين؛ لأن المراد من الأمر بالسؤال التقرير لمشركي قريش أنه لم يأتِ رسول من الله ولا كتاب بعبادة غير الله) هذا صحيح؛ يعني أن السؤال إنما أُريدَ به إلزام قريش بأنه لم يأتِ أحد من الرسل بإباحة عبادة غير الله، هذا المقصود، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس ٩٤] لكن الآية الأخيرة، هذه السؤال فيها أعم؛ لأنه قال: ﴿اسْأَلِ﴾ الذين يقرؤون الكتاب من قَبْلِك، ولم يَخُصَّ ذلك بالرسل.
* في هذه الآية الكريمة فوائد: وهى حَثُّ النبيِّ ﷺ على التَّمَسُّكِ بما أوحي إليه، وإذا كان النبي ﷺ يُحَثُّ على ذلك فنحن من باب أولى.
* ومن فوائد هذه الآية: أن محمدًا ﷺ كان رسول الله حقًّا؛ لإثبات الوحي إليه.
* ومن فوائد هذه الآية: تثبيت النبي ﷺ على الاستمساك بما أوحي إليه، وذلك بأنه على صراط مستقيم.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الشريعة التي جاء بها محمد ﷺ صراط مستقيم لا اعوجاج فيه ولا انحراف.
* ومن فوائد الآية: أن هذا القرآن الكريم فيه ذكر للعرب، أي: شرف لهم، وفيه تذكير لهم؛ لقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف ٤٤].
* ومن فوائد الآية: تحميل المسؤولية العظيمة على العرب؛ وهي أنهم سوف يُسْأَلون عن هذا الوحي هل قاموا بحقِّه، أم لم يقوموا بحقه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إقامةُ البينة الكبرى على أنه لم يقلْ أحدٌ من الرسل السابقين: إن هناك آلهةً تُعْبَد من دون الله؛ لقوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾.
* ومن فوائد هذه الآية: إثبات اسم الرحمن لله عز وجل؛ لقوله: ﴿أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف ٤٥]، والرحمن هو أحد الاسمين اللَّذَيْنِ لا يُسَمَّى بهما غير الله؛ وهما الله والرحمن، لا يصف بهما سوى الله، الرحيم يوصف به غير الله، العزيز يوصف به غير الله، السميع يوصف به غير الله، وهكذا، لكنَّ هذين الاسمين الكريمين (الله، والرحمن) لا يوصف بهما أحد ولا يسمى بهما أحد إلا الله تعالى وحده لا شريك له.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: اتفاق الرسل على التوحيد، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥]، وهذا قد اتَّفق عليه الرسل، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل ٣٦]، والرُّسل ما جاءت إلا لإصلاح الخلق، والخلق لا يمكن صلاحهم ولا إصلاحهم إلا إذا قاموا بتوحيد الله عز وجل، فإن لم يقوموا بتوحيده تشتَّتت قلوبهم، وصار كل واحد يذهب مذهبًا غير الآخر؛ لأنَّ كل أمة تريد أن يكون لها معبودٌ خاصٌّ، فتحصل الفوضى بين العباد، فإذا اجتمع الناس على عبادة الله وحده حصل الاتفاق بدون فوضى.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ [الزخرف ٤٦] إلى آخره.
الحجرات 49:1
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فإننا في هذا اليوم الخميس الأول من شهر رجب عام (١٤١٦هـ) نلتقي مع إخواننا اللقاء المسمى: لقاء الباب المفتوح، وهذا هو اللقاء التاسع بعد المئة.
وقد أكملنا في آخر لقاء تفسير جزء عم سورة النبأ، ورأينا أن نعود فنبدأ بتفسير سور المفصل التي تبتدئ من سورة (ق) عند بعض العلماء أو من سورة الحجرات عند آخرين.
وسنتكلم على سورة الحجرات لما فيها من الآداب العظيمة النافعة، التي ابتدأها الله بقوله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات ١].
واعلم أن الله تعالى إذا ابتدأ الخطاب بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإنه كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «إما خيرٌ تُؤمَر به، وإما شَرٌّ تُنْهَى عنه، فأرعِه سمعَك واستمع إلَيْه لما فيه من الخير»[[أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٥٠) موقوفًا من حديث ابن مسعود.]]، وإذا صَدَّر الله الخطاب: بـ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ دلَّ ذلك على أن التزام ما خوطب به من مقتضيات الإيمان، وأن مخالفته نقص في الإيمان.
يقول عزَّ وجلَّ: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قيل: معنى ﴿لَا تُقَدِّمُوا﴾ أي: لا تتقدموا بين يدي الله ورسوله، والمراد: لا تسبقوا الله ورسوله بقول أو بفعل، وقيل: المعنى: لا تقدموا شيئًا بين يدي الله ورسوله، وكلاهما يَصُبَّان في مَصَبٍّ واحد، والمعنى: لا تسبقوا الله ورسوله بقولٍ ولا فعل، وقد وقع لذلك أمثلة، فمن ذلك قول النبي ﷺ: «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمٍ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩١٤)، ومسلم (١٠٨٢ / ٢١) من حديث أبي هريرة.]]؛ لأن الذي يتقدم رمضان بصوم يوم أو يومين كأنه تقدم بين يدي الله ورسوله، فبدأ بالصوم قبل أن يحين وقته؛ ولهذا قال عمار بن ياسر: «من صام اليوم الذي يُشَكُّ فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ »[[أخرجه أبو داود (٢٣٣٤)، والترمذي (٦٨٦) واللفظ له، من حديث عمار بن ياسر.]].
ومن ذلك -أي: من التَّقَدُّمِ بين يدي الله ورسوله- البدعُ بجميع أنواعها، فإنها تقدُّمٌ بين يدي الله ورسوله، بل هي أشد التقدم؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ»، وأخبر «أَنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»[[أخرجه أبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، من حديث العرباض بن سارية.]]، وصدق عليه الصلاة والسلام، فإن حقيقة حال المبتدع أنه يستدرِك على الله ورسوله ما فات مما يدعي أنه شر، كأنه يقول: إن الشريعة لم تكمل، وأنه كملها بما أتى به من البدعة، وهذا معارض تمامًا؛ لقول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة ٣] فيقال لهذا الرجل الذي ابتدع: أهذا الذي فعلته كمال في الدين؟
إن قال: "نعم" فإن قوله هذا يستلزم تكذيب قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، وإن قال: "ليس كمالًا في الدين" قلنا: إذن هو نقص؛ لأن الله يقول: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس ٣٢] فالبدعة كما أنها ضلالة في نفسها فهي في الحقيقة تتضمن الطعن في دين الله، وأنه ناقص، وأن هذا المبتدع كمله بما ادعى أنه من شريعة الله عز وجل.
فالمبتدعون كلهم تقدموا بين يدي الله ورسوله ولم يبالوا بهذا النهي، حتى وإن حَسُن قصدُهم فإن فعلهم ضلالة، قد يُثاب على حُسْنِ قصده، ولكنه يوزر على سوء فعله؛ ولهذا يجب على كل مبتدع عَلِمَ أنَّه على بدعة أن يتوب منها، ويرجع إلى الله عز وجل، ويلتزم سنة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده.
والبدعة أنواع كثيرة: بدع في العقيدة، بدع في الأقوال، بدع في الأفعال.
أما البدع في العقيدة فإنها تدور على شيئين: إما تمثيل، وإما تعطيل.
إما تمثيل: بأن يثبت لله الصفات لكن على وجه المماثلة، فإن هذا بدعة؛ لأنه لم يكن من طريق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وخلفائه الراشدين فيكون بدعة، فمثلًا يثبت أن للهِ وجهًا، ويجعله مماثلًا لأوجه المخلوقين، أو أن لله يدًا ويجعلها مماثلة لأيدي المخلوقين، وهلُمَّ جَرًّا هؤلاء المبتدعة بلا شك، وبدعتهم تكذيب لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١]، ولقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ٤]، ولقوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم ٦٥].
أما التعطيل فهو على العكس من هذا؛ التعطيل: أن ينكر ما وصف الله به نفسه، فإن كان إنكار جحد وتكذيب فهو كفر، وإن كان إنكار تأويل فهو تحريف، وليس بكفر إذا كان اللفظ يحتمله، فإن كان لا يحتمله فلا فرق بينه وبين إنكار التكذيب، فمثلًا: إذا قال إنسان: إن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة ٦٤] والمراد باليدين النعمة؛ نعمة الدين ونعمة الدنيا، أو نعمة الدنيا ونعمة الآخرة، فهذا تحريف؛ لأن النعمة ليست واحدة ولا ألف ولا ملايين؛ ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل ١٨] فليست النعمة اثنتين لا بالجنس ولا بالنوع، فيكون هذا تحريفًا وبدعة؛ لأنه على خلاف ما تلقاه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه وأئمة الهدى من بعدهم، هذا بدعة في العقيدة.
البدعة في الأقوال: مثل أولئك الذين يبتدعون تسبيحات، أو تهليلات، أو تكبيرات لم تَرِدْ بها السنة، أو يبتدعون أدعية لم ترد بها السنة، وليست من الأدعية المباحة.
وأما الأفعال فكذلك أيضًا مثل: الذين يصفقون عند الذكر، أو يهزون رؤوسهم عند التلاوة، أو ما أشبه ذلك من أنواع البدع، وكذلك الذين يتمسحون بالكعبة في غير الحجر الأسود والركن اليماني، وكذلك الذين يتمسحون بحجرة النبي ﷺ؛ حجرة قبره الشريف، وكذلك الذين يتمسَّحون بالمنبر الذي يقال: إنه منبر النبي ﷺ في المسجد النبوي، وكذلك الذين يتمسَّحون بجدران مقبرة البقيع أو بغير ذلك.
المهم: أن البدع كثيرة: العقدية، والقولية، والفعلية، وكلها من التقدم بين يدي الله ورسوله، وكلها معصية لله ورسوله، فإن الله يقول: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:« «إِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ».»
ومن البدع ما يُصنَع في رجب كصلاة الرغائب التي تصلى ليلة أول جمعة من شهر رجب وهي ألف ركعة يتعبَّدون لله بذلك، وهذه بدعة لا تزيدهم من الله إلا بُعْدًا؛ لأن كل من تقرَّب إلى الله بما لم يَشرَعْه فإنه مبتدع ضال، لا يقبل الله منه تعبده؛ لما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) واللفظ له، من حديث عائشة.]].
ومن التقدم بين يدي الله ورسوله: أن يقول الإنسان قولًا يحكم به بين عباد الله أو في عباد الله وليس من شريعة الله؛ مثل أن يقول: هذا حرام، هذا حلال، هذا واجب، هذا مستحب بدون دليل، فإن هذا من التقدم بين يدي الله ورسوله، وعلى مَنْ قال قولًا وتبيَّن له أنه أخطأ فيه عليه أن يرجع إلى الحق، حتى لو شاع القول بين الناس وذاع وانتشر وعمل به مَنْ عمل من الناس؛ فالواجب عليه أن يرجع، وأن يُعلِن رجوعه أيضًا، كما أعلن مخالفته التي قد يكون معذورًا فيها إذا كانت صادرة عن اجتهاد، فالواجب الرجوع إلى الحق، فإنْ تمادى الإنسان في مخالفة الحق فقد تقدَّم بين يدي الله ورسوله.
ثم قال عز وجل: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ وهذا تعميم بعد تخصيص؛ لأن التقدُّم بين يدي الله ورسوله مخالف للتقوى، لكن نصَّ عليه وقدَّمه لأهميته، ثم قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: اتخذوا وقاية من عذاب الله عز وجل، وهذا لا يتحقق إلا إذا قام الإنسان بفعل الأوامر وترك النواهي؛ بفعل الأوامر تقرُّبًا إلى الله تعالى ومحبة لثوابه، وترك النواهي خوفًا من عقاب الله عز وجل.
ومن الناس مَنْ إذا قيل له: اتَّقِ الله أخذته العزة بالإثم فتصاعد في نفسه، وعزَّ في نفسه وأوغل في الإثم، وانتفخت أوداجه، وقال: أمثْلِي يقال له: اتق الله؟! وما عَلِم المسكين أن الله خاطب مَنْ هو أشرف منه، ومن هو أتقى عباد الله لله فأمره بالتقوى، قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب ١]، وفي نفس السورة قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب ٣٧]، ومن الذي لا يستحق أن يؤمر بتقوى الله؟ كل واحد منا يستحق أن يؤمر بتقوى الله عز وجل، والواجب أنه إذا قيل له: اتق الله أن يزداد خوفًا من الله وأن يراجع نفسه، وأن ينظر ماذا أُمِرَ به؛ إنه لم يُؤْمَر أن يتقي فلانًا وفلانًا، وإنما أُمِرَ أن يتقي الله عز وجل، وإذا فسَّرنا التقوى بذلك أي: بما قلنا من أنها اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره تقرُّبًا إليه ومحبة لثوابه، وتركِ نواهيه خوفًا من عقابه، فإن أيَّ إنسان يترك واجبًا فإنه لم يتق الله، وقد نقص من تقواه بقدر ما حصل منه من المخالفة، فتركُ الصلاة مثلًا ترتفع به التقوى نهائيًّا؛ لأن تارك الصلاة كافر، كما دل على ذلك كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وأقوال الصحابة، حتى إن بعض العلماء حكى إجماع الصحابة على أن تارك الصلاة كافر كفرًا مخرجًا عن الملة، ومنهم التابعي المشهور عبد الله بن شقيق رحمه الله؛ حيث قال: «كان أصحابُ النبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يرون شيئًا من الأعمال تركُه كفرٌ غيرَ الصلاة»[[أخرجه الترمذي (٢٦٢٢) عن عبد الله بن شقيق قال: كان أصحاب محمد.]]، وكذلك نقَلَ إجماعهم إسحاق بن راهويه، ولم يصح عن أي صحابي أنه قال: إن تارك الصلاة في الجنة، أو إنه مؤمن، أو ما أشبه ذلك، فالتقوى مخالفتها تختلف، قد تكون مخالفتها كفر، وقد تكون دون ذلك، الزاني لم يتقِ الله؛ لأنه زنى فخالف أمر الله وعصاه، السارق لم يتقِ الله، شارب الخمر لم يتقِ الله، العاق لوالديه لم يتقِ الله، القاطع لرحمه لم يتقِ الله، والأمثلة على هذا كثيرة، إذن فقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ كلمة عامة شاملة تشمل كل الشريعة.
﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ هذه الجملة تحذير لنا أن نقع فيما نهانا عنه من التَّقَدُّم بين يدي الله ورسوله أو أن نخالف ما أمر به من تقواه، ﴿سَمِيعٌ﴾ أي: سميع لما تقولون، ﴿عَلِيمٌ﴾ أي: عليم بما تقولون وما تفعلون؛ لأن العلم أشمل وأعم؛ إذ إن السمع يتعلق بالمسموعات، والعلم يتعلق بالمعلومات، والله تعالى محيط بكل شيء علمًا ﴿لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران ٥].
يقول العلماء رحمهم الله: إن السمع الذي اتصف به ربنا عز وجل ينقسم إلى قسمين: إلى سمع إدراك، وسمع إجابة.
فسمع الإدراك معناه: أن الله يسمع كل صوت؛ خَفِيَ أو ظهر، حتى إنه عز وجل يقول لنبيه ﷺ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة ١] قالت عائشة رضي الله عنها:« الحَمدُ للَّهِ الَّذي وسِع سمعُه الأصواتَ، لقد كنت في الحجرة » -أي حجرة النبي ﷺ- «والمرأة تجادله وهو يحاورها وإنه ليخفى عليَّ بعضُ حديثها»[[أخرجه النسائي (٣٤٦٠)، وابن ماجه (١٨٨) من حديث عائشة.]]، والله عز وجل أخبر بأنَّه سمع، ويسمع كل ما جرى بين هذه المرأة وبين رسول الله ﷺ، هذا نقول له: إنه سمع إدراك.
ثم إن سمع الإدراك قد يُرادُ به بيان الإحاطة والشمول، وقد يراد به التَّهديدُ، وقد يراد به التأييد، فهذه ثلاثة أنواع: قد يراد به بيان الإحاطة والشمول مثل هذه الآية.
وقد يراد به التهديدُ مثل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران ١٨١]، وانظر كيف قال: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ حين وصفوا الله تعالى بالنقص قبل أن يقول: ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ﴾ مما يدل على أن وصف الله بالنقص أعظم من قتل الأنبياء، هذا سمع يراد به أيش؟ التهديد.
الثالث: سمع يراد به التأييد ومنه قوله تبارك وتعالى لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]، فالمراد بالسمع هنا التأييد؛ يعني: أسمع فأؤيدك أسمع ما تقولان وما يقال لكما.
أما سمع الإجابة فمعناه: أن الله يستجيب لمن دعاه، ومنه قول إبراهيم: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩] أي: مجيب الدعاء، ومنه قول المصلي: سمع الله لمن حمده، يعني: استجاب له، استجاب لمن حمده فأثابه، ولا أدري أنحن ندرك معنى ما نقوله بصلاتنا؟ أو أننا نقوله تعبدًا ولا ندري ما المعنى، عندما تقول: الله أكبر في تكبيرة الإحرام يعني: أكبر من كل شيء عز وجل ولا نحيط بذلك؛ لأنه أعظم من أن تحيط به عقولنا، وعندما نقول: سمع الله لمن حمده؛ يعني: استجاب الله لمن حمده، ليس المعنى أنه يسمعه فقط؛ لأن الله يسمع مَنْ حمده ومن لا يحمده إذا تكلم، لكن المراد أنه يستجيب لمن حمده بالثواب، فهذا السمع يقتضي الاستجابة لمن دعاه.
أما قوله تعالى: ﴿عَلِيمٌ﴾ فالمراد أنه ذو علم واسع قال الله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق ١٢].
عندما تؤمن -أيها الأخ- بأن الله سميع وأن الله عليم، هل يمكن وأنت في عقلك الراشد أن تقول ما لا يرضيه؟! لا؛ لأنه يسمع، فلا ينبغي لك أن تُسمِع الله ما لا يرضاه منك، أسمعْه ما يحبه ويرضاه، إذا كنت مؤمنًا حقًّا بأن الله سميع، أعتقد لو أن أباك نهاك عن قول من الأقوال، فهل تتجرَّأ أن تسمعَه ما نهاك عنه؟ لا.
فالله أعظم وأجل، فاحذرْ أن تُسمِع الله ما لا يرضاه منك، إذا آمنت بأنه بكل شيء عليم، وهذا أعم من السمع؛ لأنه يشمل القول والفعل وحديث النفس، حتى ما توسوس به نفسك يعلمه عز وجل، إذا علمت ذلك هل يمكن أن تفعل شيئًا لا يرضيه؟ لا.
لأنه ليس المقصود من إخبار الله عنا بأنه عليم بكل شيء أن نعلم هذا ونعتقده.
المقصود هذا والمقصود شيء آخر وهو الثمرة والنتيجة التي تترتب على علمنا بأنه بكل شيء عليم، إذا علمنا بأنه بكل شيء عليم هل نقول ما لا يرضاه؟ لا؛ لأنه سوف يعلمه، إذا علمنا بأنه بكل شيء عليم هل نعتقد ما لا يرضى؟ لا؛ لأننا نعلم أنه يعلم ما في قلوبنا، قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة ٢٣٥]، بل قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال ٢٤] يَحُول بينك وبين قلبك.
فعلى كل حال: يجب علينا -يا أيها الإخوة- أنه إذا مرَّ بنا اسم من أسماء الله أو صفةٌ من صفات الله، أن نؤمن بهذا الاسم وهذه الصفة، وأن نقومَ بما هو الثمرة من الإيمانِ بهذا الاسم أو الصفة.
أسأل الله تعالى أن يرزقَنا وإياكم الاستقامة في ديننا ودنيانا، وأن يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب.
الحجرات 49:2
تكلَّمْنا على قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات ١]، وهذا أدب عظيم وجَّه الله تعالى عباده إليه.
أما الأدب الثاني ففي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات ٢].
فالآيةُ الأولى فيها النهي عن التقدم بين يدي الله ورسوله في أي شيء، سواء من الأقوال أو الأفعال أو غيرها، وبينَّا ما تدل عليه الآية فيما سبق، أما الثانية فهي في رفع الصوت وإن لم يكن هناك تقدم في الأحكام من تحليل أو تحريم أو إيجاب، الصوت يقول الله عز وجل: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ فإذا خاطبك النبي ﷺ بصوت فاخفض صوتك عن صوته، وإذا رفع صوته فارفع صوتك، لكن لا بد أن يكون دون صوت الرسول عليه الصلاة والسلام، ولهذا قال: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾، ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ يعني: لا تنادونه بصوت مرتفع كما ينادي بعضكم بعضًا، بل يكون جهرًا بأدب وتشريف وتعظيم يليق به صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا كقوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور ٦٣] يعني: إذا دعاكم لشيء فلا تجعلوا دعاءه كدعاء بعضكم لبعض، إن شئتم أجبتم وإن شئتم فلا تجيبوا، بل يجب عليكم الإجابة، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال ٢٤] وهنا قال: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾.
كذلك أيضًا لا تنادونه بما تتنادون به، فلا تقولون: يا محمد! ولكن قولوا: يا رسول الله! يا نبي الله! وما أشبه ذلك، ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ يعني: كراهة أن تَحْبَط أعمالكم؛ يعني: إنما نهيناكم عن ذلك عن رفع الصوت فوق صوته، وعن الجهر له بالقول كجهر بعضكم لبعض كراهة أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون، ففي هذا دليل على أن الذي يرفع صوتَه فوق صوت النبي ﷺ أو يجهر له بالقول كجهره لبعض الناس فيه أنه قد يحبط عمله من حيث لا يشعر؛ لأن هذا قد يجعل في قلب المرء استهانة بالرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والاستهانة بالرسول ردة عن الإسلام توجب حبوط العمل.
ولما نزلت هذه الآية كان ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه كان جهوريَّ الصوت، وكان من خطباء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلما نزلت هذه الآية تغيَّب في بيته، وصار لا يحضر مجالس النبي ﷺ، فافتقده الرسول وسأل عنه فأخبروه أنه في بيته منذ نزلت الآية، فأرسل إليه رسولًا يسأله فقال إن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ وأنه قد حبط عمله، وإنه من أهل النار، فأمر النبي ﷺ فدعا به، فحضر وأخبره النبي ﷺ أنه من أهل الجنة، وقال: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَعِيشَ حَمِيدًا، وَتُقْتَلَ شَهِيدًا، وَتَدْخُلَ الْجَنَّةَ؟» قال: بلى، رَضيتُ»[[أخرجه ابن حبان في صحيحه (٧١٦٧)، والحاكم في المستدرك (٥١٠٥)، والطبراني في الكبير (١٣١٠) من حديث ثابت بن قيس.]]، فقُتِلَ رضي الله عنه شهيدًا في وقعة اليمامة، وعاش حميدًا وسيدخل الجنةَ بشهادة الرسول عليه الصلاة والسلام؛ ولذلك كان ثابت رضي الله عنه ممن يُشهَد له بأنه من أهل الجنة بعينه؛ لأن كل إنسان يشهد له النبيُّ ﷺ بأنَّه في الجنة فهو في الجنة، وكل إنسان يشهد له بأنه في النار فهو في النار، وأما من لم يشهد له الرسول فنشهد له بالعموم، نقول: كل مؤمن في الجنة، كل كافر في النار، ولا نشهد لشخص معين بأنه من أهل النار أو من أهل الجنة؛ إلا بما شهد له الله ورسوله.
* وفي هذه الآية الكريمة: بيان تعظيم الرسول ﷺ، وأنه لا يجوز للإنسان أن يجهر له بالقول كجهره لسائر الناس، وأنه لا يجوز له أن يرفع صوته على صوت الرسول عليه الصلاة والسلام، ولما نزلت هذه الآية تأدَّب الصحابة رضي الله عنهم بذلك حتى كان بعضهم يكلمه مسارَّة، ولا يفهم الرسول ما يقول من إسراره حتى يستثبته مرة أخرى.
* وفي هذه الآية: دليل على أن كل من استهان بأمر الرسول عليه الصلاة والسلام فإن عمله حابط؛ لأن الاستهانة بالرسول عليه الصلاة والسلام ردة، والاستهزاء به ردة، كما قال الله تعالى في المنافقين الذين كانوا يستهزئون برسول الله ﷺ قال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة ٦٥] وكانوا يقولون: ما رأينا مثل قُرَّائنا هؤلاء -يعنون الرسول ﷺ وأصحابه- يقولون: ما رأينا مثل قُرَّائنا هؤلاء أرغب بطونًا -يعني: أوسع- ولا أجبن عند اللقاء، ولا أكذب ألسُنًا[[انظر تفسير الطبري (جامع البيان) ط هجر ( ١١ / ٥٤٣).]].
فأنزل الله هذه الآية، ولما سألهم الرسول عليه الصلاة والسلام عن ذلك قالوا: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ -يعني: نتكلم بكلام لا نريده ولكن لنقطع به عنا الطريق- فأنزل الله هذه الآية: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة ٦٥، ٦٦].
ولهذا كان الصحيح: أن من سبَّ الرسول عليه الصلاة والسلام فهو كافر مرتد، فإن تاب قَبِلْنا توبته لكننا لا نرفع عنه القتل، بل نقتله أخذًا بحق رسول الله ﷺ، وإذا قتلناه بعد توبته النصوح الصادقة صلينا عليه كسائر المسلمين الذين يتوبون من الكفر أو من المعاصي.
الحجرات 49:3
ثم أثنى الله تعالى على الذين يغُضُّون أصواتهم عند الرسول ﷺ فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الحجرات ٣] لما نهى عن رفع الصوت فوق صوته، وعن الجهر له بالقول كجهر بعضنا لبعض، أثنى على الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله، أي: يخفضونها، ويتكلمون بأدب، فلا إزعاج ولا صخب ولا رفع صوت، لكن يتكلمون بأدب وغض، قال الله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ أعاد الإشارة فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ﴾ تعظيمًا لشأنهم، ورفعة لمنزلتهم؛ لأن أولاء من أسماء الإشارة الدال على البعد، وذلك لعلو منزلتهم، وإلا لكان الكلام يتم لو قال: إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله هم الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى، لكن أتى باسم الإشارة بيانًا لرفعة منزلتهم وعلوها.
﴿امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ قال العلماء: معناه أخلصها للتقوى، فكانت قلوبهم مملوءة بتقوى الله عز وجل، ولهذا تأدَّبوا بآداب الله الذي وجه لها، فغضوا أصواتهم عند الرسول ﷺ.
ثوابهم: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ مغفرة من الله لذنوبهم، وأجر عظيم على أعمالهم الصالحة، وفي هذه الآية إشارة إلى أن الصلاح صلاح القلب؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾، وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: «التَّقْوَى هَاهُنَا وَأَشَارَ إِلَى صَدْرِهِ»[[أخرجه مسلم (٢٥٦٤ / ٣٢) من حديث أبي هريرة.]] الذي هو محل القلب ثلاث مرات؛ التقوى هاهنا، التقوى هاهنا، التقوى هاهنا، ولا شك أن التقوى تقوى القلب، أما تقوى الجوارح وهي إصلاح العمل ظاهرًا فهذا يقع حتى من المنافقين، ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون ٤]، لكن الكلام على تقوى القلب، هي التي بها الصلاح، نسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم ذلك.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ يفعل بعض الناس المعاصي وإذا أنكرتَ عليه قال: التقوى هاهنا، كأنه يزكي نفسه، وهو قائم بمعصيةِ الله، فنقول له بكل سهولة: لو كان ما هاهنا متقيًا لكانت الجوارح متقية؛ لأن النبي ﷺ يقول: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير.]] تلاقي شخصًا مُصِرًّا على معصية ما، كإسبال الثوب، حلق اللحية، شرب الدخان، وتنهاه وتخوفه من عقاب الله، فيقول لك: التقوى هاهنا، والجواب أن نقول: لو كان ما هاهنا فيه تقوى، لكان ما هاهنا فيه تقوى الدليل: قول النبي ﷺ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ».
الحجرات 49:4
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات ٤] هذه الآية تشير إلى قوم أَتَوْا إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وكان معهم قوم جفاة، لا يُقدِّرون الأمور قدرها، فجعلوا يُنادُون النبي ﷺ من وراء حجراته أي حجرات نسائه، ويرفعون أصواتهم بذلك، يريدون أن يَخْرُجَ النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم إليهم، يقول الله في هؤلاء: ﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ يعني: ليس عندهم عقل، والمراد بالعقل هنا عقل الرشد، لأن العقل عقلان: عقل رشد، وعقل تكليف.
فأما عقل الرشد فضده السفه، وأما عقل التكليف فضدُّه الجنون، فمثلًا إذا قلنا: يشترط لصحة الوضوء أن يكون المتوضئ عاقلًا مميزًا، فالمراد بالعقل هنا عقل التكليف، وإذا قلنا: يشترط للتصرف في المال أن يكون المتصرِّفُ عاقلًا أي: عقل رُشْدٍ يحسِن التصرف.
فالمراد بقوله هنا: ﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أي: لا يعقلون عقل رشد، لأنهم لو كانوا لا يعقلون عقلَ تكليف لم يكن عليهم لوْمٌ ولا ذم؛ إذ إن المجنون فاقد العقل لا يلحقه لوم ولا ذم، وهذا واضح.
وقوله: ﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ يُفهَم منه أن بعضهم يعقل، وأنه لم يحصل منه رفع صوت، بل هو متأدب مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
الحجرات 49:5
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ﴾ [الحجرات٥] أي: من بيتك، وتكلمهم بما يريدون، ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ خيرا لهم في أيش؟ خيرًا لهم في أنهم يلتزمون الأدب مع النبي ﷺ وحاجتهم سوف تقضى؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يأته أحد في حاجة إلا قضاها إذا كان يدركها، وهو أحق الناس بقول الشاعر:
مَا قَالَ لَا قَطُّ إِلَّا فِي تَشَهُّدِهِ ∗∗∗ لَوْلَا التَّشَهُّدُ كَانَتْ لَاؤُهُنَعَمُ
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وفي قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ إشارة إلى أن الله غفر لهم ورَحِمَهم، وهذا مِنْ كَرَمِه جلَّ وعلا أنه يغفِر ويرحَم، وقد أخبر اللهُ تعالى في كتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: ما سوى الشرك ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨] فكل أحدٍ أذنب ذنبًا دون الشرك مهما عظُم فإنَّه تحت مشيئةِ اللهِ، إن شاء عذَّبه، وإن شاء غفر له ما لم يتُبْ، فإذا تاب فلا عذاب؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان ٦٨ - ٧٠].
هنا قلنا: إن الآية تدلُّ على أن الله غفر لهم ورحمهم، فمِن أين نأخذ هذه الدلالة؟ نأخذها مِنْ أنَّ الله ختم الآية بقوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وهذا يدلُّ على أنَّه غفر لهم ورحِمهم، ولذلك قال العلماء في قول الله تعالى: في الذين يحاربون الله ورسوله ويسعَوْن في الأرض فسادًا قال: جزاؤهم ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٣، ٣٤] أخذ العلماء من هذه الآية: أن هؤلاء المفسدين المحاربين لله ورسوله إذا تابوا قبل القُدْرَةِ علَيْهِم سقط عنهم العذاب، واستدلوا بأن الله ختم الآية بقوله: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: قد غفر لهم ورحمهم، وهذه نكتة ينبغي لطالب العلم أن ينتبه لها في الآيات؛ أن ختم الآية بعد ذكر الحكم دليل على ما تقتضيه هذه الأسماء التي خُتِمَت بها الآية،؛ ولهذا قرأ رجل قول الله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالًا من الله والله غفور رحيم)، فسمعه أعرابي عنده، فقال له: أعد الآية. فأعادها وقال: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله غفور رحيم)، قال له: أعد الآية. فأعادها فقال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة ٣٨] فقال: الآن -يعني: الآن أصبت- ثم علَّلَ؛ قال: لأنه لو غفر ورحم ما قطع، ولا تتناسب المغفرة والرحمة مع القطع، لكنه عزَّ وحكم فقطع.
فتأمل هذا الفهم فإنه مفيد لك جدًّا.
الشاهد من هذا أن قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات ٥] أن الآية تدل على أن الله غفر لهم ورحمهم.
الحجرات 49:6
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات ٦].
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرْعِها سمعَك -يعني: استمع لها- فإما خير تُؤمَر به، وإما شَرٌّ تُنْهى عنه»[[أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٥٠) موقوفًا من حديث ابن مسعود.]]؛ لأن هذه نداء بأشرف الأوصاف وهو الإيمان ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ فمن هو الفاسق؟ الفاسق هو مَن انحرف في دينه ومروءته، وضده العدل: وهو من استقام في دينه ومروءته، وهو ضد الفاسق، فإذا جاءنا فاسق منحرف في دينه ومروءته، بمعنى أنه مُصِرٌّ على المعاصي تارك للواجبات، لكنه لم يصل إلى حد الكفر، أو منحرف في مروءته، لا يبالي بنفسه يمشي بين الناس مشية الهوجاء، ويتحدث برفع صوت، ويأتي معه بأغراض بيته يطوف بها في الأسواق وما أشبه ذلك مما يخالف المروءة، فهذا عند العلماء ليس بعدل.
في هذه الآية يقول الله عز وجل: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ خبر، أي: خبر من الأخبار وهو فاسق، ولنطبق هذه المسألة على الواقع: جاءنا رجل حالق اللحية، حالق اللحية فاسق؛ لماذا؟ لأنَّه مُصِرٌّ على معصية الله ورسوله، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «أَعْفُوا اللِّحَى»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٨٩٣)، ومسلم (٢٥٩ / ٥٢) من حديث ابن عمر.]] وهذا لم يعفُ لحيَتَه، بل حلقها، فهذا الرجل من الفاسقين؛ لأنه مُصِرٌّ على معصية، جاءنا بخبرٍ، هل نقبله؟ لا، هل نرده؟ لا، لا نقبله؛ لما عنده من الفسق، ولا نرده؛ لاحتمال أن يكون صادقًا؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ ولم يقل: فردُّوه، ولم يقل: فاقبَلوه، بل يجب علينا أن نتبين، وفي قراءة: ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ وهما بمعنى متقارب، المعنى: أن نتثبت.
فإذا قال قائل: إذن لا فائدة مِن خبرِه، قلنا: لا، بل في خبره فائدة؛ وهو أنه يحرِّك النفس، حتى نسأل ونبحث؛ لأنه لولا خبرُه ما حرَّكنا ساكنًا، لكن لما جاء بالخبرِ نقول: لعلَّه كان صادقًا فنتحرك، ونسأل ونبحث، فإنْ شَهِدَ له الواقعُ بالحقِّ قبلْناه؛ لوجودِ القرينة الدالة على صدقه وإلا رددناه.
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ يفيد أنه إذا جاءنا عدل فإننا نقبل الخبر، لكن هذا فيه تفصيل عند العلماء دلَّ عليه القرآن والسنة، فمثلًا: الشهادة بالزنا؛ لو جاءنا رجل عدل في دينه مستقيم في مروءته وشهد أن فلانًا زنى، هل نقبل شهادته؟ لا، وإن كان عدلًا، بل نجلِدُه ثمانين جلدةً؛ لأنه قذف هذا الرجل البريء بالزنا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَة﴾ [النور ٤]، فنجلده ثمانين جلدة ولا نقبل له شهادة أبدًا، ونحكم بأنه فاسق، وإن كان عدلًا حتى يتوب.
شهد رجلان عدلان على زيدٍ أنه زنى، نقبل شهادتَهما؟ لا، ثلاثة؟ لا، أربعة؟ نعم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور ١٣] حتى وإن كانوا صادقين، لو جاءنا ثلاثة نعرف أنهم ثقات عدول وشهدوا بالزنا على شخص، فهم عند الله كاذبون غير مقبولين، وكما قلت لكم: نجلد كل واحد ثمانين جلدة.
جاءنا رجل شهد على شخص بأنه سرق، هل نقبل شهادته؟ لا، لا بد من رجلين.
جاءنا رجل شهد بأنَّه رأى هلال رمضان، نقبل شهادته؟ نعم، نقبلها؛ لأن السنة وردت بذلك، فقد قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «تَراءى النَّاسُ الهِلالَ» -يعني: ليلة الثلاثين من شعبان- «فأخْبَرْتُ النَّبِيَّ ﷺ أنِّي رأيتُه فصام وأمر الناس بالصيام»[[أخرجه أبو داود (٢٣٤٢) من حديث ابن عمر.]].
رجل كان غنيًّا فأُصيبَ بجائحة، ثم جاء يسأل من الزكاة، وأتى بشاهد أنه كان غنيًّا أصابته جائحة وافتقر، فهل نقبل شهادة الواحد؟ لا، نقبل شهادة اثنين؟ لا، لا بد من ثلاثةٍ؛ لأن النبي ﷺ قال لقبيصة: «إنَّهَا لا تَحِلُّ المَسْأَلَةُ» » وذكر منها: «رَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ » -يعني: اجْتاحَتْ ماله- «فَشَهِدَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: أَنَّ فُلَانًا أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ»[[أخرجه مسلم (١٠٤٤ / ١٠٩) من حديث قبيصة بن مخارق.]]؛ «ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا» يعني: من ذوي العقل.
فالحاصل: أن الفاسقَ ما موقفنا مِن خبرِه؟ التَّوقُّف حتى يتبينَ الأمر، غير الفاسق، فيه تفصيل، قد لا نقبل إلا خبر أربعة كما في الزنا، أو ثلاثة كما في الرجل الذي كان غنيًّا، فأُصيبَ بجائحةٍ ثم جاء يسأل الصدقة، فإنَّنا لا نقبل منه حتى يشهد ثلاثة؛ رجلان فيما لو شهد إنسان بحدِّ سرقة فإننا لا نقبل إلا رجلين.
ممكن نقبل: رجل مع يمينِ المدَّعي، كما لو ادَّعى شخصٌ على آخر بأنه يطلبه بألف ريال، فقلنا للمدعي: هات بينة، قال: عندي رجل واحد، إذا أتى بالرجل الواحدِ وحلف معه حكمنا له بما ادعاه؛ وعلى هذا فخبر العدل فيه تفصيل على ما سمعتم، وفي أشياء لا يتسع المقام لذكرها.
ثم بيَّن الله عز وجل الحكمة من كوننا نتبيَّن بخبرِ الفاسق فقال: ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات ٦] يعني: أمرناكم أن تتثبتوا كراهة أن تصيبوا قومًا بجهالة؛ لأن الإنسان يتسرع، ولم يتثبت فقد يعتدي على غيره بناء على الخبر الذي سمعه من الفاسق، وقد يكرهه، وقد يتحدث فيه في المجالس، فيصبح بعد ذلك إذا تبيَّن أن خبر الفاسق كذبًا يصبح نادمًا على ما جرى منه.
* وفي هذه الآية: دليل على أنه يجب على الإنسان أن يتثبت فيما ينقل من الأخبار، ولا سيما مع الهوى والتعصب، إذا جاءك خبرٌ عن شخص وأنت لم تثق بقول المخبر يجب أن تتثبت وألا تتسرع في الحكم؛ لأنَّك ربما تتسرَّع وتبني على هذا الخبر الكاذب فتندم فيما بعد، ومن ثم جاء التحذير من النميمة: وهي أن ينقل كلام الناس بعضهم إلى بعض ليفسد بينهم، حتى قال النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٥٦)، ومسلم (١٠٥ / ١٦٩) من حديث حذيفة بن اليمان.]] -أي: نَمَّام-، وصحَّ عنه ﷺ أنه مرَّ بقبرَيْن يُعذَّبان فقال:« «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ » -أي: في أمر شاق عليهما-« أَمَّا أَحَدُهُما فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ» » -أو «لَا يَسْتَبْرِئُ»[[أخرجه النسائي (٢٠٦٨) من حديث ابن عباس.]] أو «لَا يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ»[[ أخرجه مسلم (٢٩٢ / ١١١) من حديث ابن عباس.]]، روايات- «» «وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ» يمشي بين الناس يَنُمُّ الحديث إلى الآخرين ليفسد بين الناس، «ثم أخذ جريدة رَطْبَةً فشقَّها نصفين، وغرز في كل قبر واحدة، فقالوا: يا رسول الله! لم فعلتَ هذا؟ قال: «لَعَلَّهُ يُخَفِّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢١٦)، ومسلم (٢٩٢ / ١١١) من حديث ابن عباس.]].
﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات٦]، ومن هذا النوع ما يُنسَب إلى بعض العلماء من الفتاوي التي لم يتكلم بها إطلاقًا أو تكلم بضد ما ينقل عنه، فإن بعض الناس قد يفهم من العالم كلمة على غير مراد العالم بها، وقد يسأل العالم سؤالًا يتصوَّره العالم غير ما في نفس هذا السائل، ثم يجيب على حسب ما فهمه، ثم يأتي هذا الرجلُ وينشُر هذا القول الذي ليس بصحيحٍ، وكم من أقوال نُسِبَت إلى علماء أجلاء ولكن لم يكن لها أصل، لهذا يجب التثبُّت فيما ينقل عن العلماء أو غير العلماء، ولا سيما كما قلت لكم آنفًا لا سيما في هذا الزمن الذي كثُرَت فيه الأهواء وكثُر فيه التَّعصُّب، وصار الناس كأنهم يمشون في عماء.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات ٧]، هذه الآية كما تعلمون جاءت بعد قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الحجرات ٦، ٧].
وسبب ما سبق أن النبي ﷺ بلَغَه عن قومٍ ما ليس فيهم، فأمر الله تعالى بالتأكُّد من الأخبار إذا جاء بها مَن لا تعرف عدالته، وكأن بعض الصحابة رضي الله عنهم أرادوا من النبي ﷺ أن يعاقب هؤلاء الذين بلغه عنهم ما بلغه، ولكن النبي ﷺ لم يفعل بعد أن نزلت عليه الآية: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾.
ولكن العبرة بعموم اللفظ، وهو قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ أي: لشَقَّ عليكم ما تطلبونه من الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وهذا له أمثلة كثيرة؛ منها: أن النبيَّ ﷺ قام بأصحابِه في رمضان يصلِّي بهم صلاة القيام، فانصرف وقد بقي من الليل ما بقي، فقالوا: يا رسول الله! لو نفلتنا بقية ليلتنا -يعني: طلبوا منه أن يقيم بهم كل الليل- ولكنه ﷺ قال لهم: «مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ»[[أخرجه أبو داود (١٣٧٥)، والترمذي (٨٠٦) من حديث أبي ذر.]] ولم يوافقهم على طلبهم، لما في ذلك من العَنَتِ والمشقة.
ومنها: أن نفرًا من أصحابِ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بحثوا عن عمله في السِّرِّ -يعني: فيما لا يَظْهَرُ للنَّاس- وهو العمل الذي يفعله في بيتِه من العبادات فكأنَّهم تقالُّوها، فقالوا: إن رسول الله ﷺ غفر الله له ما تقدَّم من ذنبِه وما تأخَّر؛ يعني: وأمَّا هم فلم يكن لهم ذلك، فقال أحدهم: أنا أصوم ولا أفطر، وقال الثاني: أنا أقوم ولا أنام، وقال الثالث: وأنا لا أتزوَّج النساء، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: «أَمَّا أَنَا فَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَقُومُ وَأَنَامُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ؛ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٦٣)، ومسلم (١٤٠١ / ٥) من حديث أنس بن مالك.]] فحذَّرهم أن يعملوا عملًا يشق عليهم.
ومن ذلك أيضًا: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه وعن أبيه أنَّه «بلَغَ النبي ﷺ قولَه: أنه ليصومن النهار وليقومن الليل ما عاش، فدعاه النبي ﷺ وقال: «أَنْتَ قُلْتَ هَذَا؟» قال: نعم، قال: «إِنَّكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٧٦)، ومسلم (١١٥٩ / ١٨١) من حديث عبد الله بن عمرو.]] ثم أرشده إلى ما هو أفضل وأهون.
والحاصل: أنه يوجد من الصحابة رضي الله عنهم مَنْ له هِمَّةٌ عالية، لكنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام لا يطيعهم في كثيرٍ من الأمر؛ لأنَّ ذلك يَشُقُّ عليهم لو أنَّه أطاعَهم.
ثم قال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ﴾.
قد يقولُ قائلٌ: ما هو ارتباط قوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ﴾ بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾؟
والجواب: أنَّكم تطيعونه -أي: الرسول عليه الصلاة والسلام- فيما يخالفكم فيه؛ لأن اللهَ حبب إليكم الإيمان، فتُقَدِّمون طاعةَ النبيِّ ﷺ فيما خالفكم فيه؛ لأنَّ الله حبَّب إليكم الإيمان وزيَّنه في قلوبكم، وهذا استدراكٌ من أبلغ ما يكون من الاستدراك؛ يعني: ولكن إذا خالفكم النبي ﷺ في كثير من الأمر الذي تريدونه فإنَّكم لن تكرهوا ذلك، ولن تخالفوه ولن تحملوا على الرسول ﷺ بسببه ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ﴾ أي: جعله محبوبًا في قلوبكم ﴿وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ يعني: جعلكم تحبونه، وزيَّنه في قلوبكم بحيث لا تتركونه بعد أن تقوموا به؛ وذلك أن فعل الإنسان الشيء للمحبة قد يكون محبةً عارضة، لكن إذا زُيِّنَ له الشيء ثبتَت المحبة ودامت؛ ولهذا قال: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ﴾ وهذا في القلب، ﴿وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أيضًا في القلب، لكن إذا زين الشيء المحبوب إلى الإنسان فإنه يستمر عليه ويثبت عليه.
﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ كرَّه إليكم الكُفْرَ الذي هو مقابلُ الإيمانِ، والفسوقَ الذي هو مقابلُ الاستقامة، والعصيانَ اللي هو مقابل الكمال، وهذا تدرُّج من الأعلى إلى ما دونه، الكفر أعظم من الفسق، والفسق أعظم من العصيان، فالكفر: هو الخروج من الإسلام بالكلية، وله أسباب معروفة في كتب أهل العلم ذكرها الفقهاء رحمهم الله في باب أحكام المرتد، وأما الفسق فهو دون الكفر لكنه فعل كبيرة؛ أن يفعل الإنسان كبيرةً من الكبائر ولم يتب منها؛ كالزنا، وشرب الخمر، والسرقة، والقذف، وما أشبه ذلك، والعصيان دون هذا، والعصيان هو الصغائرُ التي تكفر بالأعمال الصالحة، كما قال النبي ﷺ: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ»[[أخرجه مسلم (٢٣٣ / ١٦) من حديث أبي هريرة.]] فالمؤمنون الخُلَّص حَبَّب اللهُ إليهم الإيمانَ، وزيَّنه في قلوبهم، وكرَّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان، نسأل الله أن يجعلنا منهم.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ أولئك المشار إليه مَنْ حَبَّب الله إليهم الإيمان وزيَّنه في قلوبهم، وكرَّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ يعني: الذين سلكوا طريق الرشد، والرشد في الأصل حسن التصرف، وهو في كل موضع بحسبه، فالرشد في المال أن يُحسِن الإنسانُ التَّصرفَ فيه، ولا يبذله في غير فائدة.
والرشد في ولاية النكاح مثلًا: هو أن يكون الولي عارفًا بالكفء ومصالح النكاح.
والرشد في الدين: هو الاستقامة على دين الله عز وجل، فهؤلاء الذين حبَّب الله إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، وكرَّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان هم الراشدون.
وهنا تجدون هذه الأفعالَ كلها مضافة إلى الله: حبَّب مَن؟ زيَّنه الله.. كره الله عز وجل..
ولهذا قال بعدها: ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ﴾ يعني: أن الله أفْضَلَ عليكُم فضلًا أي: تَفَضُّلًا منه، وليس بكسبِكم ولكنه من الله عز وجل، ولكن ليُعْلَم أنَّ الله تعالى أعلم حيث يجعل رسالته، وأعلم حيث يجعل الإيمان في الشخص؛ فمن علم الله منه حُسْنَ النية وحسن القصد والإخلاص حبب إليه الإيمان، وزينه في قلبه، وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان، ومن لم يعلم الله منه ذلك فإن الله تعالى يقول: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]، ويقول عزَّ وجل: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة ٤٩]، فالذنوب سببٌ للمخالفة والعصيان، فهؤلاء الذين تفضَّل الله عَلَيْهم وأنعم عليهم نعمة الدين هم الذين وُفِّقوا للحَقِّ قال الله عز وجل: ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ يعني: إنعامًا منه عليهم.
والنعمة نعمتان: نعمة في الدنيا، ونعمة في الآخرة.
فأما الكفار فهم مُنَعَّمون في الدنيا كما قال الله تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ [الدخان ٢٥ - ٢٧] أي: تَنَعُّمًا، فهؤلاء -أعني الكفار- عليهم نعمة في الدنيا، لكن في الآخرة عليهم العذاب واللعنة والعياذ بالله.
أما المؤمن فإنه يحصُل على النِّعْمَتَيْنِ جميعًا على نعمة الدنيا ونعمة الآخرة، حتى وإن كان فقيرًا أو مريضًا أو عقيمًا أو لا نسبَ له، فإنه في نعمة؛ لقول الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل ٩٧].
هنا قال: ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ المراد بالنعمة هنا نعمةُ الدِّين التي تَتَّصِلُ بنعمة الآخرة.
وخلاصة الكلام في النعمة أن هناك نعمتين: نعمة عامة لجميع الخلق؛ الكافر والمؤمن، والفاسق والمطيع، ونعمة خاصة للمؤمن، وهذه النعمة الخاصة تتصل بنعمة الدين والدنيا، وأما الأولى فإنها خاصة بنعمة الدنيا فقط لتقوم على الكفار الحجة.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ هذان اسمان من أسماء الله يَقْرِنُ الله بينهما دائمًا العلم والحكمة، عليم بكل شيء؛ قال الله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق١٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان٣٤]، وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام٥٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران٥].
فعِلْمُ اللهِ تعالى محيطٌ بكلِّ شيءٍ، والإنسان إذا عَلِم أن عِلْم الله محيط بكل شيء حتى ما يُضْمِرُه في قلبه فإنه يخاف، ويرهب، ويهرب من الله إليه عز وجل، ولا يقول قولًا يغضب الله، ولا يفعل فعلًا يغضب الله، ولا يضمر عقيدة تُغْضِب الله؛ لأنه يعلم أن الله سبحانه وتعالى يعلم ذلك لا يخفى عليه.
وأما الحكيم فهو ذو الحكمة البالغة، والحكمة هي: أن جميع ما يَحْكُم به جل وعلا موافق مطابق للمصالح، ما من شيء يحكم الله به إلا وهو حكمة عظيمة؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر٥]، وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين٨]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة٥٠] هذا معنى الحكيم؛ أي: ذو الحكمة البالغة.
وله معنى آخر وهو: ذو الحُكْمِ التام؛ فإن الله تعالى له الحكم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ١٠]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء ٥٩]، ولا أحَدَ يحكم بهواه: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون ٧١].
نسألُ الله تعالى أن يتولَّانا وإيَّاكم برحمته وعفوه، وأن يجعلنا مِمَّن عَلِمَ وانتفع بعلِمه؛ إنه على كل شيء قدير.
الحجرات 49:7
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات ٦].
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرْعِها سمعَك -يعني: استمع لها- فإما خير تُؤمَر به، وإما شَرٌّ تُنْهى عنه»[[أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٥٠) موقوفًا من حديث ابن مسعود.]]؛ لأن هذه نداء بأشرف الأوصاف وهو الإيمان ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ فمن هو الفاسق؟ الفاسق هو مَن انحرف في دينه ومروءته، وضده العدل: وهو من استقام في دينه ومروءته، وهو ضد الفاسق، فإذا جاءنا فاسق منحرف في دينه ومروءته، بمعنى أنه مُصِرٌّ على المعاصي تارك للواجبات، لكنه لم يصل إلى حد الكفر، أو منحرف في مروءته، لا يبالي بنفسه يمشي بين الناس مشية الهوجاء، ويتحدث برفع صوت، ويأتي معه بأغراض بيته يطوف بها في الأسواق وما أشبه ذلك مما يخالف المروءة، فهذا عند العلماء ليس بعدل.
في هذه الآية يقول الله عز وجل: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ خبر، أي: خبر من الأخبار وهو فاسق، ولنطبق هذه المسألة على الواقع: جاءنا رجل حالق اللحية، حالق اللحية فاسق؛ لماذا؟ لأنَّه مُصِرٌّ على معصية الله ورسوله، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «أَعْفُوا اللِّحَى»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٨٩٣)، ومسلم (٢٥٩ / ٥٢) من حديث ابن عمر.]] وهذا لم يعفُ لحيَتَه، بل حلقها، فهذا الرجل من الفاسقين؛ لأنه مُصِرٌّ على معصية، جاءنا بخبرٍ، هل نقبله؟ لا، هل نرده؟ لا، لا نقبله؛ لما عنده من الفسق، ولا نرده؛ لاحتمال أن يكون صادقًا؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ ولم يقل: فردُّوه، ولم يقل: فاقبَلوه، بل يجب علينا أن نتبين، وفي قراءة: ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ وهما بمعنى متقارب، المعنى: أن نتثبت.
فإذا قال قائل: إذن لا فائدة مِن خبرِه، قلنا: لا، بل في خبره فائدة؛ وهو أنه يحرِّك النفس، حتى نسأل ونبحث؛ لأنه لولا خبرُه ما حرَّكنا ساكنًا، لكن لما جاء بالخبرِ نقول: لعلَّه كان صادقًا فنتحرك، ونسأل ونبحث، فإنْ شَهِدَ له الواقعُ بالحقِّ قبلْناه؛ لوجودِ القرينة الدالة على صدقه وإلا رددناه.
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ يفيد أنه إذا جاءنا عدل فإننا نقبل الخبر، لكن هذا فيه تفصيل عند العلماء دلَّ عليه القرآن والسنة، فمثلًا: الشهادة بالزنا؛ لو جاءنا رجل عدل في دينه مستقيم في مروءته وشهد أن فلانًا زنى، هل نقبل شهادته؟ لا، وإن كان عدلًا، بل نجلِدُه ثمانين جلدةً؛ لأنه قذف هذا الرجل البريء بالزنا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَة﴾ [النور ٤]، فنجلده ثمانين جلدة ولا نقبل له شهادة أبدًا، ونحكم بأنه فاسق، وإن كان عدلًا حتى يتوب.
شهد رجلان عدلان على زيدٍ أنه زنى، نقبل شهادتَهما؟ لا، ثلاثة؟ لا، أربعة؟ نعم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور ١٣] حتى وإن كانوا صادقين، لو جاءنا ثلاثة نعرف أنهم ثقات عدول وشهدوا بالزنا على شخص، فهم عند الله كاذبون غير مقبولين، وكما قلت لكم: نجلد كل واحد ثمانين جلدة.
جاءنا رجل شهد على شخص بأنه سرق، هل نقبل شهادته؟ لا، لا بد من رجلين.
جاءنا رجل شهد بأنَّه رأى هلال رمضان، نقبل شهادته؟ نعم، نقبلها؛ لأن السنة وردت بذلك، فقد قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «تَراءى النَّاسُ الهِلالَ» -يعني: ليلة الثلاثين من شعبان- «فأخْبَرْتُ النَّبِيَّ ﷺ أنِّي رأيتُه فصام وأمر الناس بالصيام»[[أخرجه أبو داود (٢٣٤٢) من حديث ابن عمر.]].
رجل كان غنيًّا فأُصيبَ بجائحة، ثم جاء يسأل من الزكاة، وأتى بشاهد أنه كان غنيًّا أصابته جائحة وافتقر، فهل نقبل شهادة الواحد؟ لا، نقبل شهادة اثنين؟ لا، لا بد من ثلاثةٍ؛ لأن النبي ﷺ قال لقبيصة: «إنَّهَا لا تَحِلُّ المَسْأَلَةُ» » وذكر منها: «رَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ » -يعني: اجْتاحَتْ ماله- «فَشَهِدَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: أَنَّ فُلَانًا أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ»[[أخرجه مسلم (١٠٤٤ / ١٠٩) من حديث قبيصة بن مخارق.]]؛ «ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا» يعني: من ذوي العقل.
فالحاصل: أن الفاسقَ ما موقفنا مِن خبرِه؟ التَّوقُّف حتى يتبينَ الأمر، غير الفاسق، فيه تفصيل، قد لا نقبل إلا خبر أربعة كما في الزنا، أو ثلاثة كما في الرجل الذي كان غنيًّا، فأُصيبَ بجائحةٍ ثم جاء يسأل الصدقة، فإنَّنا لا نقبل منه حتى يشهد ثلاثة؛ رجلان فيما لو شهد إنسان بحدِّ سرقة فإننا لا نقبل إلا رجلين.
ممكن نقبل: رجل مع يمينِ المدَّعي، كما لو ادَّعى شخصٌ على آخر بأنه يطلبه بألف ريال، فقلنا للمدعي: هات بينة، قال: عندي رجل واحد، إذا أتى بالرجل الواحدِ وحلف معه حكمنا له بما ادعاه؛ وعلى هذا فخبر العدل فيه تفصيل على ما سمعتم، وفي أشياء لا يتسع المقام لذكرها.
ثم بيَّن الله عز وجل الحكمة من كوننا نتبيَّن بخبرِ الفاسق فقال: ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات ٦] يعني: أمرناكم أن تتثبتوا كراهة أن تصيبوا قومًا بجهالة؛ لأن الإنسان يتسرع، ولم يتثبت فقد يعتدي على غيره بناء على الخبر الذي سمعه من الفاسق، وقد يكرهه، وقد يتحدث فيه في المجالس، فيصبح بعد ذلك إذا تبيَّن أن خبر الفاسق كذبًا يصبح نادمًا على ما جرى منه.
* وفي هذه الآية: دليل على أنه يجب على الإنسان أن يتثبت فيما ينقل من الأخبار، ولا سيما مع الهوى والتعصب، إذا جاءك خبرٌ عن شخص وأنت لم تثق بقول المخبر يجب أن تتثبت وألا تتسرع في الحكم؛ لأنَّك ربما تتسرَّع وتبني على هذا الخبر الكاذب فتندم فيما بعد، ومن ثم جاء التحذير من النميمة: وهي أن ينقل كلام الناس بعضهم إلى بعض ليفسد بينهم، حتى قال النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٥٦)، ومسلم (١٠٥ / ١٦٩) من حديث حذيفة بن اليمان.]] -أي: نَمَّام-، وصحَّ عنه ﷺ أنه مرَّ بقبرَيْن يُعذَّبان فقال:« «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ » -أي: في أمر شاق عليهما-« أَمَّا أَحَدُهُما فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ» » -أو «لَا يَسْتَبْرِئُ»[[أخرجه النسائي (٢٠٦٨) من حديث ابن عباس.]] أو «لَا يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ»[[ أخرجه مسلم (٢٩٢ / ١١١) من حديث ابن عباس.]]، روايات- «» «وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ» يمشي بين الناس يَنُمُّ الحديث إلى الآخرين ليفسد بين الناس، «ثم أخذ جريدة رَطْبَةً فشقَّها نصفين، وغرز في كل قبر واحدة، فقالوا: يا رسول الله! لم فعلتَ هذا؟ قال: «لَعَلَّهُ يُخَفِّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢١٦)، ومسلم (٢٩٢ / ١١١) من حديث ابن عباس.]].
﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات٦]، ومن هذا النوع ما يُنسَب إلى بعض العلماء من الفتاوي التي لم يتكلم بها إطلاقًا أو تكلم بضد ما ينقل عنه، فإن بعض الناس قد يفهم من العالم كلمة على غير مراد العالم بها، وقد يسأل العالم سؤالًا يتصوَّره العالم غير ما في نفس هذا السائل، ثم يجيب على حسب ما فهمه، ثم يأتي هذا الرجلُ وينشُر هذا القول الذي ليس بصحيحٍ، وكم من أقوال نُسِبَت إلى علماء أجلاء ولكن لم يكن لها أصل، لهذا يجب التثبُّت فيما ينقل عن العلماء أو غير العلماء، ولا سيما كما قلت لكم آنفًا لا سيما في هذا الزمن الذي كثُرَت فيه الأهواء وكثُر فيه التَّعصُّب، وصار الناس كأنهم يمشون في عماء.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات ٧]، هذه الآية كما تعلمون جاءت بعد قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الحجرات ٦، ٧].
وسبب ما سبق أن النبي ﷺ بلَغَه عن قومٍ ما ليس فيهم، فأمر الله تعالى بالتأكُّد من الأخبار إذا جاء بها مَن لا تعرف عدالته، وكأن بعض الصحابة رضي الله عنهم أرادوا من النبي ﷺ أن يعاقب هؤلاء الذين بلغه عنهم ما بلغه، ولكن النبي ﷺ لم يفعل بعد أن نزلت عليه الآية: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾.
ولكن العبرة بعموم اللفظ، وهو قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ أي: لشَقَّ عليكم ما تطلبونه من الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وهذا له أمثلة كثيرة؛ منها: أن النبيَّ ﷺ قام بأصحابِه في رمضان يصلِّي بهم صلاة القيام، فانصرف وقد بقي من الليل ما بقي، فقالوا: يا رسول الله! لو نفلتنا بقية ليلتنا -يعني: طلبوا منه أن يقيم بهم كل الليل- ولكنه ﷺ قال لهم: «مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ»[[أخرجه أبو داود (١٣٧٥)، والترمذي (٨٠٦) من حديث أبي ذر.]] ولم يوافقهم على طلبهم، لما في ذلك من العَنَتِ والمشقة.
ومنها: أن نفرًا من أصحابِ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بحثوا عن عمله في السِّرِّ -يعني: فيما لا يَظْهَرُ للنَّاس- وهو العمل الذي يفعله في بيتِه من العبادات فكأنَّهم تقالُّوها، فقالوا: إن رسول الله ﷺ غفر الله له ما تقدَّم من ذنبِه وما تأخَّر؛ يعني: وأمَّا هم فلم يكن لهم ذلك، فقال أحدهم: أنا أصوم ولا أفطر، وقال الثاني: أنا أقوم ولا أنام، وقال الثالث: وأنا لا أتزوَّج النساء، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: «أَمَّا أَنَا فَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَقُومُ وَأَنَامُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ؛ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٦٣)، ومسلم (١٤٠١ / ٥) من حديث أنس بن مالك.]] فحذَّرهم أن يعملوا عملًا يشق عليهم.
ومن ذلك أيضًا: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه وعن أبيه أنَّه «بلَغَ النبي ﷺ قولَه: أنه ليصومن النهار وليقومن الليل ما عاش، فدعاه النبي ﷺ وقال: «أَنْتَ قُلْتَ هَذَا؟» قال: نعم، قال: «إِنَّكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٧٦)، ومسلم (١١٥٩ / ١٨١) من حديث عبد الله بن عمرو.]] ثم أرشده إلى ما هو أفضل وأهون.
والحاصل: أنه يوجد من الصحابة رضي الله عنهم مَنْ له هِمَّةٌ عالية، لكنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام لا يطيعهم في كثيرٍ من الأمر؛ لأنَّ ذلك يَشُقُّ عليهم لو أنَّه أطاعَهم.
ثم قال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ﴾.
قد يقولُ قائلٌ: ما هو ارتباط قوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ﴾ بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾؟
والجواب: أنَّكم تطيعونه -أي: الرسول عليه الصلاة والسلام- فيما يخالفكم فيه؛ لأن اللهَ حبب إليكم الإيمان، فتُقَدِّمون طاعةَ النبيِّ ﷺ فيما خالفكم فيه؛ لأنَّ الله حبَّب إليكم الإيمان وزيَّنه في قلوبكم، وهذا استدراكٌ من أبلغ ما يكون من الاستدراك؛ يعني: ولكن إذا خالفكم النبي ﷺ في كثير من الأمر الذي تريدونه فإنَّكم لن تكرهوا ذلك، ولن تخالفوه ولن تحملوا على الرسول ﷺ بسببه ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ﴾ أي: جعله محبوبًا في قلوبكم ﴿وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ يعني: جعلكم تحبونه، وزيَّنه في قلوبكم بحيث لا تتركونه بعد أن تقوموا به؛ وذلك أن فعل الإنسان الشيء للمحبة قد يكون محبةً عارضة، لكن إذا زُيِّنَ له الشيء ثبتَت المحبة ودامت؛ ولهذا قال: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ﴾ وهذا في القلب، ﴿وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أيضًا في القلب، لكن إذا زين الشيء المحبوب إلى الإنسان فإنه يستمر عليه ويثبت عليه.
﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ كرَّه إليكم الكُفْرَ الذي هو مقابلُ الإيمانِ، والفسوقَ الذي هو مقابلُ الاستقامة، والعصيانَ اللي هو مقابل الكمال، وهذا تدرُّج من الأعلى إلى ما دونه، الكفر أعظم من الفسق، والفسق أعظم من العصيان، فالكفر: هو الخروج من الإسلام بالكلية، وله أسباب معروفة في كتب أهل العلم ذكرها الفقهاء رحمهم الله في باب أحكام المرتد، وأما الفسق فهو دون الكفر لكنه فعل كبيرة؛ أن يفعل الإنسان كبيرةً من الكبائر ولم يتب منها؛ كالزنا، وشرب الخمر، والسرقة، والقذف، وما أشبه ذلك، والعصيان دون هذا، والعصيان هو الصغائرُ التي تكفر بالأعمال الصالحة، كما قال النبي ﷺ: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ»[[أخرجه مسلم (٢٣٣ / ١٦) من حديث أبي هريرة.]] فالمؤمنون الخُلَّص حَبَّب اللهُ إليهم الإيمانَ، وزيَّنه في قلوبهم، وكرَّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان، نسأل الله أن يجعلنا منهم.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ أولئك المشار إليه مَنْ حَبَّب الله إليهم الإيمان وزيَّنه في قلوبهم، وكرَّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ يعني: الذين سلكوا طريق الرشد، والرشد في الأصل حسن التصرف، وهو في كل موضع بحسبه، فالرشد في المال أن يُحسِن الإنسانُ التَّصرفَ فيه، ولا يبذله في غير فائدة.
والرشد في ولاية النكاح مثلًا: هو أن يكون الولي عارفًا بالكفء ومصالح النكاح.
والرشد في الدين: هو الاستقامة على دين الله عز وجل، فهؤلاء الذين حبَّب الله إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، وكرَّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان هم الراشدون.
وهنا تجدون هذه الأفعالَ كلها مضافة إلى الله: حبَّب مَن؟ زيَّنه الله.. كره الله عز وجل..
ولهذا قال بعدها: ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ﴾ يعني: أن الله أفْضَلَ عليكُم فضلًا أي: تَفَضُّلًا منه، وليس بكسبِكم ولكنه من الله عز وجل، ولكن ليُعْلَم أنَّ الله تعالى أعلم حيث يجعل رسالته، وأعلم حيث يجعل الإيمان في الشخص؛ فمن علم الله منه حُسْنَ النية وحسن القصد والإخلاص حبب إليه الإيمان، وزينه في قلبه، وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان، ومن لم يعلم الله منه ذلك فإن الله تعالى يقول: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]، ويقول عزَّ وجل: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة ٤٩]، فالذنوب سببٌ للمخالفة والعصيان، فهؤلاء الذين تفضَّل الله عَلَيْهم وأنعم عليهم نعمة الدين هم الذين وُفِّقوا للحَقِّ قال الله عز وجل: ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ يعني: إنعامًا منه عليهم.
والنعمة نعمتان: نعمة في الدنيا، ونعمة في الآخرة.
فأما الكفار فهم مُنَعَّمون في الدنيا كما قال الله تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ [الدخان ٢٥ - ٢٧] أي: تَنَعُّمًا، فهؤلاء -أعني الكفار- عليهم نعمة في الدنيا، لكن في الآخرة عليهم العذاب واللعنة والعياذ بالله.
أما المؤمن فإنه يحصُل على النِّعْمَتَيْنِ جميعًا على نعمة الدنيا ونعمة الآخرة، حتى وإن كان فقيرًا أو مريضًا أو عقيمًا أو لا نسبَ له، فإنه في نعمة؛ لقول الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل ٩٧].
هنا قال: ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ المراد بالنعمة هنا نعمةُ الدِّين التي تَتَّصِلُ بنعمة الآخرة.
وخلاصة الكلام في النعمة أن هناك نعمتين: نعمة عامة لجميع الخلق؛ الكافر والمؤمن، والفاسق والمطيع، ونعمة خاصة للمؤمن، وهذه النعمة الخاصة تتصل بنعمة الدين والدنيا، وأما الأولى فإنها خاصة بنعمة الدنيا فقط لتقوم على الكفار الحجة.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ هذان اسمان من أسماء الله يَقْرِنُ الله بينهما دائمًا العلم والحكمة، عليم بكل شيء؛ قال الله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق١٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان٣٤]، وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام٥٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران٥].
فعِلْمُ اللهِ تعالى محيطٌ بكلِّ شيءٍ، والإنسان إذا عَلِم أن عِلْم الله محيط بكل شيء حتى ما يُضْمِرُه في قلبه فإنه يخاف، ويرهب، ويهرب من الله إليه عز وجل، ولا يقول قولًا يغضب الله، ولا يفعل فعلًا يغضب الله، ولا يضمر عقيدة تُغْضِب الله؛ لأنه يعلم أن الله سبحانه وتعالى يعلم ذلك لا يخفى عليه.
وأما الحكيم فهو ذو الحكمة البالغة، والحكمة هي: أن جميع ما يَحْكُم به جل وعلا موافق مطابق للمصالح، ما من شيء يحكم الله به إلا وهو حكمة عظيمة؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر٥]، وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين٨]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة٥٠] هذا معنى الحكيم؛ أي: ذو الحكمة البالغة.
وله معنى آخر وهو: ذو الحُكْمِ التام؛ فإن الله تعالى له الحكم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ١٠]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء ٥٩]، ولا أحَدَ يحكم بهواه: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون ٧١].
نسألُ الله تعالى أن يتولَّانا وإيَّاكم برحمته وعفوه، وأن يجعلنا مِمَّن عَلِمَ وانتفع بعلِمه؛ إنه على كل شيء قدير.
الحجرات 49:8
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات ٦].
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرْعِها سمعَك -يعني: استمع لها- فإما خير تُؤمَر به، وإما شَرٌّ تُنْهى عنه»[[أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٥٠) موقوفًا من حديث ابن مسعود.]]؛ لأن هذه نداء بأشرف الأوصاف وهو الإيمان ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ فمن هو الفاسق؟ الفاسق هو مَن انحرف في دينه ومروءته، وضده العدل: وهو من استقام في دينه ومروءته، وهو ضد الفاسق، فإذا جاءنا فاسق منحرف في دينه ومروءته، بمعنى أنه مُصِرٌّ على المعاصي تارك للواجبات، لكنه لم يصل إلى حد الكفر، أو منحرف في مروءته، لا يبالي بنفسه يمشي بين الناس مشية الهوجاء، ويتحدث برفع صوت، ويأتي معه بأغراض بيته يطوف بها في الأسواق وما أشبه ذلك مما يخالف المروءة، فهذا عند العلماء ليس بعدل.
في هذه الآية يقول الله عز وجل: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ خبر، أي: خبر من الأخبار وهو فاسق، ولنطبق هذه المسألة على الواقع: جاءنا رجل حالق اللحية، حالق اللحية فاسق؛ لماذا؟ لأنَّه مُصِرٌّ على معصية الله ورسوله، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «أَعْفُوا اللِّحَى»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٨٩٣)، ومسلم (٢٥٩ / ٥٢) من حديث ابن عمر.]] وهذا لم يعفُ لحيَتَه، بل حلقها، فهذا الرجل من الفاسقين؛ لأنه مُصِرٌّ على معصية، جاءنا بخبرٍ، هل نقبله؟ لا، هل نرده؟ لا، لا نقبله؛ لما عنده من الفسق، ولا نرده؛ لاحتمال أن يكون صادقًا؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ ولم يقل: فردُّوه، ولم يقل: فاقبَلوه، بل يجب علينا أن نتبين، وفي قراءة: ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ وهما بمعنى متقارب، المعنى: أن نتثبت.
فإذا قال قائل: إذن لا فائدة مِن خبرِه، قلنا: لا، بل في خبره فائدة؛ وهو أنه يحرِّك النفس، حتى نسأل ونبحث؛ لأنه لولا خبرُه ما حرَّكنا ساكنًا، لكن لما جاء بالخبرِ نقول: لعلَّه كان صادقًا فنتحرك، ونسأل ونبحث، فإنْ شَهِدَ له الواقعُ بالحقِّ قبلْناه؛ لوجودِ القرينة الدالة على صدقه وإلا رددناه.
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ يفيد أنه إذا جاءنا عدل فإننا نقبل الخبر، لكن هذا فيه تفصيل عند العلماء دلَّ عليه القرآن والسنة، فمثلًا: الشهادة بالزنا؛ لو جاءنا رجل عدل في دينه مستقيم في مروءته وشهد أن فلانًا زنى، هل نقبل شهادته؟ لا، وإن كان عدلًا، بل نجلِدُه ثمانين جلدةً؛ لأنه قذف هذا الرجل البريء بالزنا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَة﴾ [النور ٤]، فنجلده ثمانين جلدة ولا نقبل له شهادة أبدًا، ونحكم بأنه فاسق، وإن كان عدلًا حتى يتوب.
شهد رجلان عدلان على زيدٍ أنه زنى، نقبل شهادتَهما؟ لا، ثلاثة؟ لا، أربعة؟ نعم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور ١٣] حتى وإن كانوا صادقين، لو جاءنا ثلاثة نعرف أنهم ثقات عدول وشهدوا بالزنا على شخص، فهم عند الله كاذبون غير مقبولين، وكما قلت لكم: نجلد كل واحد ثمانين جلدة.
جاءنا رجل شهد على شخص بأنه سرق، هل نقبل شهادته؟ لا، لا بد من رجلين.
جاءنا رجل شهد بأنَّه رأى هلال رمضان، نقبل شهادته؟ نعم، نقبلها؛ لأن السنة وردت بذلك، فقد قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «تَراءى النَّاسُ الهِلالَ» -يعني: ليلة الثلاثين من شعبان- «فأخْبَرْتُ النَّبِيَّ ﷺ أنِّي رأيتُه فصام وأمر الناس بالصيام»[[أخرجه أبو داود (٢٣٤٢) من حديث ابن عمر.]].
رجل كان غنيًّا فأُصيبَ بجائحة، ثم جاء يسأل من الزكاة، وأتى بشاهد أنه كان غنيًّا أصابته جائحة وافتقر، فهل نقبل شهادة الواحد؟ لا، نقبل شهادة اثنين؟ لا، لا بد من ثلاثةٍ؛ لأن النبي ﷺ قال لقبيصة: «إنَّهَا لا تَحِلُّ المَسْأَلَةُ» » وذكر منها: «رَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ » -يعني: اجْتاحَتْ ماله- «فَشَهِدَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: أَنَّ فُلَانًا أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ»[[أخرجه مسلم (١٠٤٤ / ١٠٩) من حديث قبيصة بن مخارق.]]؛ «ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا» يعني: من ذوي العقل.
فالحاصل: أن الفاسقَ ما موقفنا مِن خبرِه؟ التَّوقُّف حتى يتبينَ الأمر، غير الفاسق، فيه تفصيل، قد لا نقبل إلا خبر أربعة كما في الزنا، أو ثلاثة كما في الرجل الذي كان غنيًّا، فأُصيبَ بجائحةٍ ثم جاء يسأل الصدقة، فإنَّنا لا نقبل منه حتى يشهد ثلاثة؛ رجلان فيما لو شهد إنسان بحدِّ سرقة فإننا لا نقبل إلا رجلين.
ممكن نقبل: رجل مع يمينِ المدَّعي، كما لو ادَّعى شخصٌ على آخر بأنه يطلبه بألف ريال، فقلنا للمدعي: هات بينة، قال: عندي رجل واحد، إذا أتى بالرجل الواحدِ وحلف معه حكمنا له بما ادعاه؛ وعلى هذا فخبر العدل فيه تفصيل على ما سمعتم، وفي أشياء لا يتسع المقام لذكرها.
ثم بيَّن الله عز وجل الحكمة من كوننا نتبيَّن بخبرِ الفاسق فقال: ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات ٦] يعني: أمرناكم أن تتثبتوا كراهة أن تصيبوا قومًا بجهالة؛ لأن الإنسان يتسرع، ولم يتثبت فقد يعتدي على غيره بناء على الخبر الذي سمعه من الفاسق، وقد يكرهه، وقد يتحدث فيه في المجالس، فيصبح بعد ذلك إذا تبيَّن أن خبر الفاسق كذبًا يصبح نادمًا على ما جرى منه.
* وفي هذه الآية: دليل على أنه يجب على الإنسان أن يتثبت فيما ينقل من الأخبار، ولا سيما مع الهوى والتعصب، إذا جاءك خبرٌ عن شخص وأنت لم تثق بقول المخبر يجب أن تتثبت وألا تتسرع في الحكم؛ لأنَّك ربما تتسرَّع وتبني على هذا الخبر الكاذب فتندم فيما بعد، ومن ثم جاء التحذير من النميمة: وهي أن ينقل كلام الناس بعضهم إلى بعض ليفسد بينهم، حتى قال النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٥٦)، ومسلم (١٠٥ / ١٦٩) من حديث حذيفة بن اليمان.]] -أي: نَمَّام-، وصحَّ عنه ﷺ أنه مرَّ بقبرَيْن يُعذَّبان فقال:« «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ » -أي: في أمر شاق عليهما-« أَمَّا أَحَدُهُما فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ» » -أو «لَا يَسْتَبْرِئُ»[[أخرجه النسائي (٢٠٦٨) من حديث ابن عباس.]] أو «لَا يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ»[[ أخرجه مسلم (٢٩٢ / ١١١) من حديث ابن عباس.]]، روايات- «» «وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ» يمشي بين الناس يَنُمُّ الحديث إلى الآخرين ليفسد بين الناس، «ثم أخذ جريدة رَطْبَةً فشقَّها نصفين، وغرز في كل قبر واحدة، فقالوا: يا رسول الله! لم فعلتَ هذا؟ قال: «لَعَلَّهُ يُخَفِّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢١٦)، ومسلم (٢٩٢ / ١١١) من حديث ابن عباس.]].
﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات٦]، ومن هذا النوع ما يُنسَب إلى بعض العلماء من الفتاوي التي لم يتكلم بها إطلاقًا أو تكلم بضد ما ينقل عنه، فإن بعض الناس قد يفهم من العالم كلمة على غير مراد العالم بها، وقد يسأل العالم سؤالًا يتصوَّره العالم غير ما في نفس هذا السائل، ثم يجيب على حسب ما فهمه، ثم يأتي هذا الرجلُ وينشُر هذا القول الذي ليس بصحيحٍ، وكم من أقوال نُسِبَت إلى علماء أجلاء ولكن لم يكن لها أصل، لهذا يجب التثبُّت فيما ينقل عن العلماء أو غير العلماء، ولا سيما كما قلت لكم آنفًا لا سيما في هذا الزمن الذي كثُرَت فيه الأهواء وكثُر فيه التَّعصُّب، وصار الناس كأنهم يمشون في عماء.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات ٧]، هذه الآية كما تعلمون جاءت بعد قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الحجرات ٦، ٧].
وسبب ما سبق أن النبي ﷺ بلَغَه عن قومٍ ما ليس فيهم، فأمر الله تعالى بالتأكُّد من الأخبار إذا جاء بها مَن لا تعرف عدالته، وكأن بعض الصحابة رضي الله عنهم أرادوا من النبي ﷺ أن يعاقب هؤلاء الذين بلغه عنهم ما بلغه، ولكن النبي ﷺ لم يفعل بعد أن نزلت عليه الآية: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾.
ولكن العبرة بعموم اللفظ، وهو قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ أي: لشَقَّ عليكم ما تطلبونه من الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وهذا له أمثلة كثيرة؛ منها: أن النبيَّ ﷺ قام بأصحابِه في رمضان يصلِّي بهم صلاة القيام، فانصرف وقد بقي من الليل ما بقي، فقالوا: يا رسول الله! لو نفلتنا بقية ليلتنا -يعني: طلبوا منه أن يقيم بهم كل الليل- ولكنه ﷺ قال لهم: «مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ»[[أخرجه أبو داود (١٣٧٥)، والترمذي (٨٠٦) من حديث أبي ذر.]] ولم يوافقهم على طلبهم، لما في ذلك من العَنَتِ والمشقة.
ومنها: أن نفرًا من أصحابِ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بحثوا عن عمله في السِّرِّ -يعني: فيما لا يَظْهَرُ للنَّاس- وهو العمل الذي يفعله في بيتِه من العبادات فكأنَّهم تقالُّوها، فقالوا: إن رسول الله ﷺ غفر الله له ما تقدَّم من ذنبِه وما تأخَّر؛ يعني: وأمَّا هم فلم يكن لهم ذلك، فقال أحدهم: أنا أصوم ولا أفطر، وقال الثاني: أنا أقوم ولا أنام، وقال الثالث: وأنا لا أتزوَّج النساء، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: «أَمَّا أَنَا فَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَقُومُ وَأَنَامُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ؛ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٦٣)، ومسلم (١٤٠١ / ٥) من حديث أنس بن مالك.]] فحذَّرهم أن يعملوا عملًا يشق عليهم.
ومن ذلك أيضًا: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه وعن أبيه أنَّه «بلَغَ النبي ﷺ قولَه: أنه ليصومن النهار وليقومن الليل ما عاش، فدعاه النبي ﷺ وقال: «أَنْتَ قُلْتَ هَذَا؟» قال: نعم، قال: «إِنَّكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٧٦)، ومسلم (١١٥٩ / ١٨١) من حديث عبد الله بن عمرو.]] ثم أرشده إلى ما هو أفضل وأهون.
والحاصل: أنه يوجد من الصحابة رضي الله عنهم مَنْ له هِمَّةٌ عالية، لكنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام لا يطيعهم في كثيرٍ من الأمر؛ لأنَّ ذلك يَشُقُّ عليهم لو أنَّه أطاعَهم.
ثم قال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ﴾.
قد يقولُ قائلٌ: ما هو ارتباط قوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ﴾ بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾؟
والجواب: أنَّكم تطيعونه -أي: الرسول عليه الصلاة والسلام- فيما يخالفكم فيه؛ لأن اللهَ حبب إليكم الإيمان، فتُقَدِّمون طاعةَ النبيِّ ﷺ فيما خالفكم فيه؛ لأنَّ الله حبَّب إليكم الإيمان وزيَّنه في قلوبكم، وهذا استدراكٌ من أبلغ ما يكون من الاستدراك؛ يعني: ولكن إذا خالفكم النبي ﷺ في كثير من الأمر الذي تريدونه فإنَّكم لن تكرهوا ذلك، ولن تخالفوه ولن تحملوا على الرسول ﷺ بسببه ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ﴾ أي: جعله محبوبًا في قلوبكم ﴿وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ يعني: جعلكم تحبونه، وزيَّنه في قلوبكم بحيث لا تتركونه بعد أن تقوموا به؛ وذلك أن فعل الإنسان الشيء للمحبة قد يكون محبةً عارضة، لكن إذا زُيِّنَ له الشيء ثبتَت المحبة ودامت؛ ولهذا قال: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ﴾ وهذا في القلب، ﴿وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أيضًا في القلب، لكن إذا زين الشيء المحبوب إلى الإنسان فإنه يستمر عليه ويثبت عليه.
﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ كرَّه إليكم الكُفْرَ الذي هو مقابلُ الإيمانِ، والفسوقَ الذي هو مقابلُ الاستقامة، والعصيانَ اللي هو مقابل الكمال، وهذا تدرُّج من الأعلى إلى ما دونه، الكفر أعظم من الفسق، والفسق أعظم من العصيان، فالكفر: هو الخروج من الإسلام بالكلية، وله أسباب معروفة في كتب أهل العلم ذكرها الفقهاء رحمهم الله في باب أحكام المرتد، وأما الفسق فهو دون الكفر لكنه فعل كبيرة؛ أن يفعل الإنسان كبيرةً من الكبائر ولم يتب منها؛ كالزنا، وشرب الخمر، والسرقة، والقذف، وما أشبه ذلك، والعصيان دون هذا، والعصيان هو الصغائرُ التي تكفر بالأعمال الصالحة، كما قال النبي ﷺ: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ»[[أخرجه مسلم (٢٣٣ / ١٦) من حديث أبي هريرة.]] فالمؤمنون الخُلَّص حَبَّب اللهُ إليهم الإيمانَ، وزيَّنه في قلوبهم، وكرَّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان، نسأل الله أن يجعلنا منهم.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ أولئك المشار إليه مَنْ حَبَّب الله إليهم الإيمان وزيَّنه في قلوبهم، وكرَّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ يعني: الذين سلكوا طريق الرشد، والرشد في الأصل حسن التصرف، وهو في كل موضع بحسبه، فالرشد في المال أن يُحسِن الإنسانُ التَّصرفَ فيه، ولا يبذله في غير فائدة.
والرشد في ولاية النكاح مثلًا: هو أن يكون الولي عارفًا بالكفء ومصالح النكاح.
والرشد في الدين: هو الاستقامة على دين الله عز وجل، فهؤلاء الذين حبَّب الله إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، وكرَّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان هم الراشدون.
وهنا تجدون هذه الأفعالَ كلها مضافة إلى الله: حبَّب مَن؟ زيَّنه الله.. كره الله عز وجل..
ولهذا قال بعدها: ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ﴾ يعني: أن الله أفْضَلَ عليكُم فضلًا أي: تَفَضُّلًا منه، وليس بكسبِكم ولكنه من الله عز وجل، ولكن ليُعْلَم أنَّ الله تعالى أعلم حيث يجعل رسالته، وأعلم حيث يجعل الإيمان في الشخص؛ فمن علم الله منه حُسْنَ النية وحسن القصد والإخلاص حبب إليه الإيمان، وزينه في قلبه، وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان، ومن لم يعلم الله منه ذلك فإن الله تعالى يقول: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]، ويقول عزَّ وجل: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة ٤٩]، فالذنوب سببٌ للمخالفة والعصيان، فهؤلاء الذين تفضَّل الله عَلَيْهم وأنعم عليهم نعمة الدين هم الذين وُفِّقوا للحَقِّ قال الله عز وجل: ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ يعني: إنعامًا منه عليهم.
والنعمة نعمتان: نعمة في الدنيا، ونعمة في الآخرة.
فأما الكفار فهم مُنَعَّمون في الدنيا كما قال الله تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ [الدخان ٢٥ - ٢٧] أي: تَنَعُّمًا، فهؤلاء -أعني الكفار- عليهم نعمة في الدنيا، لكن في الآخرة عليهم العذاب واللعنة والعياذ بالله.
أما المؤمن فإنه يحصُل على النِّعْمَتَيْنِ جميعًا على نعمة الدنيا ونعمة الآخرة، حتى وإن كان فقيرًا أو مريضًا أو عقيمًا أو لا نسبَ له، فإنه في نعمة؛ لقول الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل ٩٧].
هنا قال: ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ المراد بالنعمة هنا نعمةُ الدِّين التي تَتَّصِلُ بنعمة الآخرة.
وخلاصة الكلام في النعمة أن هناك نعمتين: نعمة عامة لجميع الخلق؛ الكافر والمؤمن، والفاسق والمطيع، ونعمة خاصة للمؤمن، وهذه النعمة الخاصة تتصل بنعمة الدين والدنيا، وأما الأولى فإنها خاصة بنعمة الدنيا فقط لتقوم على الكفار الحجة.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ هذان اسمان من أسماء الله يَقْرِنُ الله بينهما دائمًا العلم والحكمة، عليم بكل شيء؛ قال الله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق١٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان٣٤]، وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام٥٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران٥].
فعِلْمُ اللهِ تعالى محيطٌ بكلِّ شيءٍ، والإنسان إذا عَلِم أن عِلْم الله محيط بكل شيء حتى ما يُضْمِرُه في قلبه فإنه يخاف، ويرهب، ويهرب من الله إليه عز وجل، ولا يقول قولًا يغضب الله، ولا يفعل فعلًا يغضب الله، ولا يضمر عقيدة تُغْضِب الله؛ لأنه يعلم أن الله سبحانه وتعالى يعلم ذلك لا يخفى عليه.
وأما الحكيم فهو ذو الحكمة البالغة، والحكمة هي: أن جميع ما يَحْكُم به جل وعلا موافق مطابق للمصالح، ما من شيء يحكم الله به إلا وهو حكمة عظيمة؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر٥]، وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين٨]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة٥٠] هذا معنى الحكيم؛ أي: ذو الحكمة البالغة.
وله معنى آخر وهو: ذو الحُكْمِ التام؛ فإن الله تعالى له الحكم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ١٠]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء ٥٩]، ولا أحَدَ يحكم بهواه: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون ٧١].
نسألُ الله تعالى أن يتولَّانا وإيَّاكم برحمته وعفوه، وأن يجعلنا مِمَّن عَلِمَ وانتفع بعلِمه؛ إنه على كل شيء قدير.
الحجرات 49:9
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
في هذا اللقاء نتكلَّم على قولِ الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات ٩].
﴿طَائِفَتَانِ﴾ مفردها طائفة: وهي الجماعة من الناس.
وقوله: ﴿اقْتَتَلُوا﴾ جمع؛ وإنما جَمَع؛ لأن الطائفة تشتمل على أفرادٍ كثيرين؛ فلذلك صَحَّ أن يعود الضمير على المثنى بصيغة الجمع مراعاة للمعنى، وإلَّا لكان مقتضى التثنية أن يقول: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلا، ليطابق الضمير مرجعه، لكنه عاد إليه بالمعنى.
والاقتتال بين المؤمنين له أسباب متعددة: إما دماء تقع بينهم، وإما نعرة قبليَّة ودعوة جاهلية، وإما خلاف بينهم في حدود، أو غير ذلك، المهم أن أسبابه متعددة، و«الشَّيْطَانُ قَدْ يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنَّهُ رَضِيَ بِالتَّحَرِيشِ بَيْنَكُمْ»[[أخرجه مسلم (٢٨١٢ / ٦٥) من حديث جابر بن عبد الله.]] يحرِّش بينهم حتى يكون بعضهم يقتل بعضًا، فإذا حصل الاقتتالُ فالواجب على المؤمنين الآخرين الصلح بينهما؛ ولهذا قال: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ أي: اسعوا للصلح بكل وسيلة حتى ولو كان ببذل المال، والتنازل عن الحق لأحدهما عن الآخر؛ لأن الصلح لا بُدَّ فيه من أن يتنازل أحد الطرفين عما يريد من كمال حقه، وإلا لما تم الصلح؛ ولهذا لما قال الله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ قال: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء ١٢٨] كل إنسان يريد أن يتم قوله فلا بد من التنازل.
فإذا أصلحنا بينهما قال: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ يعني: لو فُرِضَ أنَّ بعد الصلح عادت إحدى الطائفتين تقاتل الأخرى، فهنا لا صُلْح، ماذا نصنع معهما؟ نقاتل التي تبغي ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي: ترجِعَ إليه، وأمر الله يعني: دينه وشرعه.
فانظر في أول الأمر الإصلاح، فإذا تم الصلح وبغت إحداهما على الأخرى وجب أن نساعد المبغي عليها فنقاتل معها من بغت ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ فإذا فاءت فإنه يجب الكف عن قتالها، ولا يجوز أن نُجْهِزَ على جريح، ولا أن نتبع مُدْبِرًا، ولا أن نَسْبِيَ ذرية، ولا أن نغنَمَ مالًا؛ لأنَّ هؤلاء مؤمنون.
﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ إن فاءت إلى أمر الله بعد أن قاتلناها ورجعت ووضعت الحرب وجب أن نصلح بينهما بالعدل.
وهذا غير الإصلاح الأول؛ الإصلاح الأول بوقف القتال، وهذا الإصلاح بالتضمين، أي: أن ننظر ماذا تَلَف على كل طائفة ثم نسوي بينهما بالعدل، فمثلًا: إذا كانت إحدى الطائفتين أتلفت على الأخرى ما قيمته مليون ريال، والثانية أتلفت على الأخرى ما قيمته مليون ريال، فحينئذ أيش؟ تتعادل الطائفتان وتتساقطا، فإن كانت إحداهما أتلفت على الأخرى ما قيمته ثمان مئة ألف ريال، والأخرى أتلفت ما قيمته مليون، فالفرق إذن مئتا ألف ريال نحملها على الأخرى التي أتلفت ما قيمته مليون؛ ولهذا قال: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾.
﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ﴿أَقْسِطُوا﴾ هذا أمر بالقسط وهو العدل، وهذا تأكيد لقوله: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ أي: يحبُّ العادلين، وقد ثبت عن النبي صلى عليه وعلى آله وسلم: «أَنَّ الْمُقْسِطِينَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ اللَّهِ: الَّذين يَعْدِلُون فِي أَهْلِيهِمْ وَما وَلُوا مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ»[[أخرجه مسلم (١٨٢٧ / ١٨) من حديث عبد الله بن عمرو.]].
الحجرات 49:10
ثم قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات ١٠] هذا كالتعليل لقوله: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، يعني: إنما أوجب الله علينا الإصلاح بين الطائفتين المقتتلتين؛ لأن المؤمنين إخوة، الطائفتان المقتتلتان هما أخوان، ونحن أيضًا إخوة لهم، حتى مع الاقتتال.
فإذا قال قائل: أليس النبي ﷺ قد قال: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤ / ١١٦) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، والكافر ليس أخًا للمؤمن؟
فالجواب أن يقال: إن الكفر الذي ذكره النبي عليه الصلاة والسلام هو كفر دون كفر، فليس كل ما أطلَقَ الشَّرْعُ عليه أنه كفر يكون كفرًا، فهنا صرَّح الله عز وجل بأن هاتين الطائفتين المقتتلتين إخوة لنا، مع أن قتال المؤمن كفر، فيقال: هذا كفر دون كفر، وقال النبي ﷺ: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ»[[أخرجه مسلم (٦٧ / ١٢١) من حديث أبي هريرة.]] ومعلوم أن الطاعن في النسب والنائحة على الميت لا يُكَفَّر كفرًا أكبر، فدلَّ ذلك على أن الكُفْرَ في شريعة الله في الكتاب وفي السنة كفران: كفرٌ مُخْرِجٌ عن الملَّةِ، وكفر لا يخرج عن الملة.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات ١٠] وفي هذا من الحمل على العطف على هاتين الطائفتين المقتتلتين ما هو ظاهر؛ لقوله: ﴿إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ كما أنك تصلح بين أخويك الأشقاء من النسب فأصلح بين أخويك في الإيمان.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات ١٠] يعني اتقوا الله تعالى بأن تفعلوا ما أمركم به، وتتركوا ما نهاكم عنه؛ لأنكم إذا قمتم بهذا فقد اتخذتم وقاية من عذاب الله وهذه هي التقوى، وعلى هذا فكلما سمعت كلمة تقوى في القرآن فالمعنى: أنها اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أي: ليرحمكم الله عز وجل إذا اتقيتموه.
هنا نسأل عما قلنا الآن: كيف يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ مع أن الرسول ﷺ قال: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤ / ١١٦) من حديث عبد الله بن مسعود.]]
* طالب: نقول: إن الكفر الذي ذكره النبي ﷺ كفرٌ دون كفر، لا يقصد النبي صلى الله عله وسلم إطلاقَ لفظِ الكُفْرِ يقصد به الكفرَ الذي يخرِجُ مِن الملَّة.
* الشيخ: أحسنت -بارك الله فيك- نقول: كفر دون كفر، وليس الكفر الذي يخرج من الملة، وبهذا تجتمع الأدلة ولا تتناقض. (...)
الحجرات 49:11
نكمل فيهما سبق أن بدأنا به من آية الحجرات وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات ١١].
والسخرية: سبق أنها الاحتقار والازدراء، وأن قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ و﴿خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ يعني: عند الله أو في المستقبل أو في الواقع، يعني أنه إذا سخر رجل من آخر فهذا المسخور منه قد يكون عند الله خيرًا من الساخر، وقد يكون في نفس الوقت خيرًا من الساخر، وقد يكون في المستقبل خيرًا من الساخر.
ثم قال عزَّ وجل: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات ١١] اللَّمز: العيب، بأن تقول: فلان بليد، فلان طويل، فلان قصير، فلان أسود، فلان أحمر، وما أشبه ذلك مما يَعُدُّ عيبًا.
وقوله: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ فُسِّرت بمعنَيَيْنِ: المعنى الأول: لا يلمِزُ بعضُكم بعضًا؛ لأنَّ كل واحد منا بمنزلة نفسِ الإنسان، أخوك بمنزلة نفسك، فإذا لمزته فكأنما لمزت نفسك.
وقيل: إن المعنى لا تلمز أخاك؛ لأنك إذا لمزتَه لمزَك، فلمزُكَ إيَّاه سببٌ لكونه يلمِزُك، وحينئذ تكون كأنك لَمَزْتَ نفسَك، وعليه قول النبي ﷺ: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ» فقالوا: يا رسول الله، كيف يلعن الرجل والدَيْه؟! قال: يسُبُّ أبا الرَّجُلِ فيَسُبُّ أباه، ويسُبُّ أُمَّه فيَسُبُّ أُمَّه»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٧٣)، ومسلم (٩٠ / ١٤٦) من حديث عبد الله بن عمرو.]].
على كل حال في الآية: تحريم عيب المؤمنين بعضهم بعضًا، فلا يجوز لك أن تعيبَ أخاك بصفة خَلْقِيَّة أو صفة خُلُقِيَّة.
أما الصفة الخَلْقِيَّة التي تعود إلى الخِلْقَةِ، فإن عيبَك إيَّاه في الحقيقة عيب لخالقه عز وجل، مَن الذي خلق الإنسان؟ الله عز وجل، مَن الذي جعله على هذه الصفة؟ الله عز وجل، هل الإنسان يمكن أن يكمل خِلْقَتَه، فيكون الطويلُ قصيرًا أو القصير طويلًا، أو القبيح جميلًا أو الجميل قبيحًا؟ هذا لا يمكن، فأنت إذا لمزْتَ إنسانًا وعبْتَه في خلقته؛ فقد عبت الخالق في الواقع، أليس كذلك؟
ولهذا لو وجدنا جدارًا مبنيًّا مائلًا، وعبْنا الجِدار، هل عيبُنا للجدارِ أو لباني الجِدار؟ لباني الجدار، إذن، إذا عِبْتَ إنسانًا في خِلْقَتَه، فكأنَّما عِبْتَ الخالقَ عزَّ وجلَّ، فالمسألة خطيرة.
أما عيبُه في الخُلُقِ بأنْ يكونَ هذا الرَّجل سريعَ الغضب، شديد الانتقام، بذيء اللسانِ، فلا تُعِبْه؛ لأنه ربما إذا عِبْتَه ابتلاكَ اللهُ بنفسِ العيبِ؛ ولهذا جاء في الأثر: لا تُظْهِر الشماتَةَ في أخيك فيعافيه الله ويبتليكَ[[أخرجه الترمذي (٢٥٠٦)، والطبراني في المعجم الكبير (١٢٧) واللفظ له من حديث واثلة بن الأسقع.]]، لكن إذا وجدتَ فيه سوء خلق فالواجب النصيحة، أن تتصل به إن كان يمكنك الاتصال به، وتبين له ما كان عليه من عيب، أو تكتب له كتابًا رسالة باسمك أو باسم ناصح مثلًا.
﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات ١١] يعني: لا ينبز بعضكم بعضًا باللقب، فتقول له مثلًا: يا فاسد! يا فاجر! يا كافر! يا شارب الخمر! يا سارق! يا زان! لا تفعل هذا؛ لأنك إذا نبزتَه باللَّقب؛ فإما أن يكون اللَّقَبُ فيه، وإما ألا يكون فيه، فإن كان فيه فقد ارتكبْتَ هذا النهي، وإن لم يكن فيه فَقَدْ بَهَتَّه، وارتكبت النَّهي أيضًا.
ثم قال عز وجل: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات ١١] يعني: بئس لكم أن تنتقلوا من وصفِ الإيمانِ إلى وصف الفسوق، متى؟ إذا ارتكبْتُم ما نهى اللهُ عنه صرتم فسقة، فالإنسان إذا ارتكب كبيرة واحدة من الكبائر صار فاسقًا، وإذا ارتكب صغيرة فإن كرَّرها وأصرَّ عليها صار فاسقًا، فلا تجعل نفسَك بعد الإيمانِ، وكمال الإيمانِ لا تجعل نفسك فاسقًا، هذا معنى قوله: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾؛ لأن هذه الجملة جملة إنشائية تفيد الذَّمِّ، وما أفاد الذم فإنه مَنْهِيٌّ عنه بلا شك.
* استفدنا من هذه الآية الكريمة: تحريم السخرية، وتحريمُ لمزِ الغَيْرِ، وتحريم التنابز بالألقاب، وأن من صنع ذلك فهو فاسق بعد أن كان مؤمنًا، والفسق ليس وصفًا على اللِّسان فقط يترتب عليه أحكام، فمثلًا قال العلماء: الفاسق لا يصح أن يكون وليًّا على بنته فيزوجها؛ إنسان فاسق يريد أن يزوِّج ابنته، لا يزوجها، مَنْ يزوِّجها؟ أخوها، إذا كان لها أخ يصح أن يكون وليًّا، عمُّها، إن لم يكنْ لها أقارب، أو خافوا من أبيها إن زوجوها، يزوِّجها القاضي.
الفاسق لا تُقبَل شهادتُه؛ لأنَّ الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات ٦] يشهَدُ عند القاضي بحقٍّ، يقول القاضي: لا نقبَل؛ لأنَّك فاسقٌ.
الفاسق لا يصِحُّ أن يكون إمامًا بالناس في الصلاة، الفاسق الذي يُظهِر فِسقَه لا يصحُّ أذانَه، كل هذا قال به العلماء رحمهم الله، وإن كان في بعض هذه المسائل خلافًا، لكني أقول لكم: إن كلمة (فاسق) ليست بالأمر الهيِّن، حتى يقول إنسانٌ: الأمرُ سهل، بدل ما يكون مؤمنًا يكون فاسقًا، هذا ليس بصحيح؛ ولهذا ذمَّه الله فقال: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات ١١].
﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات ١١] يعني: من كان يفعل هذه الأشياء –وهي كم؟ ثلاثة- ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، الذي لا يتوب يكون ظالمًا، والظلم كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤٧)، ومسلم (٢٥٧٩ / ٥٧) من حديث عبد الله بن عمرو.]] إذا كان المؤمنون يوم القيامة يسعى نورُهم بينَ أيديهم وبأيمانهم، فهؤلاء الظلمة ليس لهم نور، فيجب الحذرُ مما نهى الله عنه عز وجل؛ لأنَّك أيها العبد عبد لله، تأتمر بأمره وتنتهي عن نهيه.
وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ﴾ إذا قال قائل: ما معنى التوبة؟ نقول: التوبة الرجوع إلى الله من معصيته إلى طاعته، فإذا كان شخص لا يُصَلِّي مع الجماعة، فما توبته؟ أن يصلِّيَ مع الجماعة.
إذا كان شخص قد سرق مالًا من إنسان فما توبتُه؟ أن يرد المال إلى صاحبه.
إذا كان الإنسان باع غِشًّا؛ يعني: غَشَّ بالبيع، فما توبتُه؟ أن يترُكَ الغش، وأن يرد ما زاد بسببِ الغشِّ على صاحبِه، يعني: مثلًا لو زاد في السِّلْعَة بسبب الغشِّ؛ فعليه أن يرد ما زاد بسببِ الغش على الرجل المغشوش، فإن كان لا يعرفه فليتصدَّقْ به عنه، يعني مثلًا هذه السلعة بدون غش تساوي عشرة، وبالغش اثنا عشر زاد كم؟ زاد ريالين.
إذن إذا تاب من الغش يجب عليه أن يرُدَّ الريالين إلى الرجل المغشوش، فإن لم يعرفْه فإنه يتصدَّق بذلك عنه.
التوبة تعريفها أيش؟ الرجوع إلى الله من معصيته إلى طاعته، ولها شروط، التوبة لها شروط؛ يعني: ليس كل من قال: أنا تائب إلى الله يكون تائبًا، لا بد من شروط:
الشرط الأول: أن يُخلِصَ لله في التَّوبة، يعني لا يحمله على التوبة أنه خاف من أبيه، خاف من أخيه الأكبر، خاف من السلطات، تاب؛ لأجل أن يقال: فلان مستقيم، لا، يجب أن يخلِصَ لله؛ يعني: يكون الحاملُ له على التَّوبة طلبَ رضا الله عزَّ وجل، والوصول إلى كرامته، والإخلاص شرط في كل عبادة.
الثاني: النَّدمُ على ما فعل، ومعنى يندم يعني يتحسَّر ويتكدَّر أنه وقع منه هذا الشيء.
والثالث: أن يُقلِع عن الذَّنْبِ في الحال، يعني: يتركُه على طول إذا كان في مُحَرَّمٍ تركه، إذا كان في واجب بادر إلى فعله.
الشرط الرابع: أن يعزم على ألا يعود في المستقبل، يعني: يكون في قلبه نية عازمة جازمة ألا يعود لهذا الذنب في المستقبل، فإن تاب وهو يقول: ربما أنه يطرأ عليه أن أفعل الذنب، فهذا التائب لا تصح توبته، لا بد أن يعزم على ألا يعود في المستقبل.
الشرط الخامس: أن تكون التوبة قبل سَدِّ الباب؛ لأنه يأتي وقت يُسَدُّ باب التوبة، ما تقبل من الإنسان، والباب الذي يغلق عن التائبين عام وخاص.
أما العام: فهو طلوع الشمس من مغربها، نحن الآن نرى الشمس تخرُج من أين؟ من المَشرِق، وتغرب في المغرب، سيأتي زمن تخرج الشمس من المَغرِب، ترجع، والذي يردُّها مَن؟ الله عزَّ وجلَّ، لو اجتمعت الخلائق كلُّها على أن تردَّها ما ردتها، لكن يردها الله عز وجل الذي أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن فيكون، ترجع هذه الشمس العظيمة إذا غربت ترجع من مغربها، إذا طلعت الشمس من مغربها، كل من على الأرض يؤمنون كلهم: اليهودي، والنصراني، والبوذِيُّ، والشيوعيُّ، وغيرهم كلُّهم يؤمنون؛ لأنهم يرون شيئًا واضحًا في الدلالة على الرب عز وجل، لكن هل ينفعُهم الإيمان؟ لا؛ لقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام ١٥٨].
فسَّر النبيُّ ﷺ قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ بأنه خروج الشمس من مغربها، حينئذ لا تنفع التوبة، مع أن الناس كلهم يؤمنون لكن لا تنفع، لماذا؟ لأنَّه انسدَّ البابُ، انتهى الباب، إذا سُدَّ كيف يدخل الناس؟
أما الباب الخاص: فهو أن يحضُر الإنسانَ أجلُه، إذا حضر الإنسان الأجل ما ينفع التوبة؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨] ما ينفع، سُدَّ الباب، انتهى.
وإني أسألكم: هل أحد منا يعلم متى يموت؟ أبدًا، ربما يموت الإنسان وهو على مكتبه، وهو على فراشه، وهو في صلاته، في أي لحظة، وإذا كنا نعلم هذا ونوقن به، فالواجب أن نبادر بالتوبة لئلا يفجئنا الموت فينسد الباب، ولهذا كانت التوبة مما يجب على الفور أن يتوب الإنسان من ذنبه.
يا إخواني! الإنسان ما يدري متى يموت، فالواجب أن يبادر بالتَّوبة إلى الله عزَّ وجلَّ، يقول عز وجل: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨] هذا ما له توبة، هذا خبر من الله عز وجل.
أمر واقع يدل على هذا: لما أغرق الله فرعون وقومه، ماذا قال فرعون في أثناء الغرق قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس ٩٠] تاب الآن، أليس كذلك؟ لكن متى؟! حينما رأى الموت، فقيل له: ﴿آلْآنَ﴾ يعني الآن تتوب! ليش ما تتب من قبل؟ ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس ٩١]، فلم تقبل توبته، والعياذ بالله.
إذن شروطُ التَّوبةِ كم؟ خمسة: الإخلاص لله عز وجل، الندم على ما فعل، الإقلاع عما كان عليه من الذنب في الحال، العزم على ألا يعود، الخامس: أن تكون التوبة قبل سد الأبواب، خمسة شروط.
إذا قال قائل: التوبة فيما بين العبد وبين ربه واضحة، يفرح الله عز وجل بتوبة عبده فرحًا عظيمًا، إذا تبتَ إلى ربك -وأسأل الله أن يتوب علي وعليكم- فإن الله يفرح بهذا فرحًا عظيمًا، فرحًا لا يتصوَّره الإنسان، قال النبي ﷺ: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ أَحَدِكُمْ» -أو قال: بتوبة عبده- «مِنْ أَحَدِكُمْ بِرَاحِلَتِهِ» -الراحلة هي البعير- «كَانَ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَضَلَّهَا» -يعني ضاعت عنه- «فَطَلَبَهَا فَلَمْ يَجِدْهَا، فَنَامَ تَحْتَ شَجَرَةٍ يَنْتَظِرُ الْمَوْتَ» -ضعفت قواه وخارت وانتهى اضطجع ينتظر الموت- «فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ، إِذَا بِنَاقَتِهِ مُتَعَلِّقٌ زِمَامُهَا بِالشَّجَرِةِ، فَأَخَذَ الزِّمامَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ» -يريد أن يقول: اللهم أنت ربي وأنا عبدك- «لَكِنَّهُ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ»[[أخرجه مسلم (٢٧٤٤ / ٣) من حديث عبد الله بن مسعود.]] وهل تجدون فرحًا أعظم من هذا؟ أجيبوا يا جماعة.
* طلبة: لا.
* الشيخ: لأنَّه فرح بحياة بعد الإشراف على الموت، فلا فرح أشد من ذلك.
فالربُّ عز وجل يفرح بتوبة أحدنا أشد من فرح هذا الرجل بناقته، فإذا كان الذنب بينك وبين الله فالأمر سهل، لكن المشكل إذا كان بينك وبين الناس، إنسان سرق من شخص وتاب من السرقة فيما بينه وبين الله، انتهى، لا إثم عليه، ولا عقوبة، ولا قطع يد، ولا شيء، لكن المال المسروق هل تكفي هذه التوبة عن رد المال إلى صاحبه، أو لا بد مِنْ رَدِّ المال إلى صاحبه؟ لا بد مِنْ ردِّ المال إلى صاحبه، لكن المشكلة كيف أرده؟ ربما لو ذهب إلى صاحبه وقال: إنه سرق منه هذا المال وتاب وهذا مالك، ربما يمسك به ويرفعه إلى الجهات المسؤولة، ربما يقول: أنت الآن أعطيتني عشرَةَ آلافٍ، والذي سُرِقَت عشرون ألفًا، أليس كذلك؟ ربما يقول هكذا، فيبقى الإنسان في ورطة، فماذا يصنع؟ نقول: يمكن أن ينظر إلى صاحب له أمين، فيقول: يا فلان، إنه سرق من فلان كذا وكذا، وهذه السرقة اذهب بها إليه، وقل له: إن هذا من شخص تاب الله عز وجل، وقد أخذها منك من قبل، وها هي الآن وصلتك.
لكن لا بد أن يكون هذا الرجل الذي وكَّله أن يُوصِل الدراهم إلى صاحبها، لا بد أن يكون موثوقًا عند صاحب المال، وأمينًا عنده، لأنه لو لم يكن موثوقًا لاتهمه صاحب المال؛ قال: أنت السارق، والمسروق أكثر من كذا، لكن إذا كان يعرف أنه صديقه وأمينه، يصدقه ويأتمنه، فليقل: يا فلان جزاك الله خيرًا، القضية كذا وكذا، فإن لم يتيسر له ذلك فيمكن أن يجعلها في ظرف، ويرسلها في البريد الممتاز، ويكتب فيها بكتابة لا تعرف؛ يعني: لا يعرف من هي خطه: بأن هذه دراهم لك من شخص أخذها منك سابقًا وقد تاب إلى الله، وبس، تبرَأُ ذمته، المهم أنه لا بد من التوبة؛ ولهذا قال عز وجل: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات ١١].
فإن لم يعرف صاحبها، مثلًا: إنسان سرق في حال صغره سرقة من شخص لا يدري من هو، أو بعد تكليفه سرق من مال لا يدري من هو له، فبماذا تتحقق التوبة؟ أن يتصدق بهذا المال تخلُّصًا منه، ينويه لصاحبه، لا ينويه لنفسه، بل لصاحبه، وبذلك يبرأ.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا التوبة قبل غلق الأبواب، وأن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته.
الحجرات 49:12
قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات ١٢].
تصدير الخطاب بـ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يدل على العناية به؛ ولهذا روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «إذا سمعت الله يقول:» ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ «فأرعها سمعك؛ فإما خيرٌ تؤمر به، وإما شرٌّ تُنْهى عنه»[[أخرجه ابن المبارك وفي الزهد والرقائق (٣٦) من حديث عبد الله بن مسعود.]]؛ يعني: وإما خبر تحصل به العبرة والاتعاظ، كما قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١].
وهنا يقول الله عزَّ وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ ﴿الظَّنِّ﴾: هو أن يكون لدى الإنسان احتمالان يترجح أحدهما على الآخر، وهنا عبَّر الله تعالى بقوله: ﴿كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ ولم يقل: اجتنبوا الظن كله، لأن الظنَّ ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: ظن خير للإنسان، وهذا مطلوب أن تظن بإخوانك خيرًا ما داموا أهلًا لذلك، وهو المسلم الذي ظاهره العدالة، فإن هذا يُظنُّ به خيرًا، ويثنى عليه بما ظهر لنا من إسلامه وأعماله.
النوع الثاني: ظن السوء، وهذا يحرم بالنسبة للمسلم اللي ظاهره العدالة، فإنه لا يحل لأحد أن يظن به ظن السوء، كما صرَّح بذلك العلماء، فقالوا رحمهم الله: يحرم ظن السوء بمسلم ظاهره العدالة.
والثاني: ظن سوء بمن قامت القرينة على أنه أهل لذلك، فهذا لا حرج على الإنسان أن يظن السوء به؛ ولهذا من الأمثال المضروبة المشهورة السائرة: احترسوا من الناس بسوء الظن، ولكن هذا ليس على إطلاقه كما هو معلوم، وإنما المراد: احترسوا من الناس الذين هم أهل لظن السوء فلا تثقوا بهم.
المهمُّ أن الإنسان لا بد أن يقع في قلبِه شيء من الظن بأحد من الناس، بقرائن تحتف بذلك، إما لظهور علاماتٍ في وجهه يظهر من وجهه العبوس والكراهية لمقابلته وما أشبه ذلك، أو من أحواله التي يعرفها الإنسان منه، أو من أقوال تصدُرُ منه، فيظن به ظن السوء، وهذا إذا قامت القرينة على وجوده فلا حرج على الإنسان من أن يَظُنَّ ظَنَّ السوء.
فإذا سُئِل: أيهما أكثر؛ الظن المنهي عنه أو الظن المباح؟
قلنا: الظن المباح أكثر؛ لأنه يشمل نوعًا كاملًا من أنواع الظن، وهو ظن الخير، ويشمل كثيرًا من ظن السوء؛ لأنه إذا لم يكن هناك قرينة تدل على هذا الظن السيئ؛ فإنه لا يجوز للإنسان أن يتصف به أو بهذا الظن؛ ولهذا قال: ﴿كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾، ولم يقل: أكثر الظن، ولا كل الظن، بل قال: ﴿كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾.
ثم قال: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾، وقد توحي هذه الجملة بأن أكثر الظن ليس بإثم، وهو منطبق تمامًا على ما بيَّنَّاه وقسمناه أن الظن نوعين: ظن خيرٍ، وظن سوء، ثم ظن السوء لا يجوز إلا إذا قامت القرينة على وجودها؛ ولذا قال: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾، فما هو الظن الذي ليس بإثم؟ نقول: هو ظن الخير، وظن السوء الذي قامت عليه القرينة هذا ليس بإثم؛ لأن ظن الخير هذا هو الأصل، وظن السوء الذي قامت عليه القرينة هذا أيضا أيدته القرينة.
﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات ١٢] (التَّجَسُّسُ) طلب المعايب من الغير.
يعني أن الإنسان ينظر ويتنصَّت ويتسمع لعله يسمع شرًّا من أخيه، أو لعله ينظر سوءًا من أخيه، والذي ينبغي للإنسان: أن يُعرِض عن معايب الناس، وألا يحرص على الاطلاع عليها؛ ولهذا رُوِي عن النبي صلى الله علي وسلم من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال عليه الصلاة والسلام: «لَا يُخْبِرُنِي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا» -يعني شيء مما يوجب ظن السوء به- «فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ»[[أخرجه الترمذي (٤٨٦٠) من حديث عبد الله بن مسعود.]] فلا ينبغي للإنسان أن يتجسَّس، بل يأخذ الناس على ظاهرهم ما لم يكن هناك قرينة تدل على خلاف ذلك الظاهر.
وفي هذه الجملة من الآية قراءة أخرى: ﴿﴿تَحَسَّسُوا﴾ ﴾ فقيل: معناهما واحد، وقيل: بل لكل واحدة منهما معنى، وأن التجسس: أن يحاول الإنسان الاطلاع على العيب بنفسه.
والتحسُّس: أن يلتمِسَه من غيرِه.
فيقول للناس -مثلًا-: ما تقولون في فلان؟ ما تقولون في فلان؟ وما التجسُّس: هو الذي يحاول معرفة العيوب بنفسِه.
وعلى هذا فتكون القراءتان مبينتين لمعنيين كلاهما مما نهى الله عنه.
التجسس: أن يحاول الاطلاع على معايب الناس بنفسه، والتحسُّس: أن يحاول الاطلاع على معايب الناس من غيره، فيقول مثلًا: ما تقولون في فلان؟ أو ما سمعتم عن فلان؟ يطلب بذلك معايبَه، لما في هذا من إشغالِ النفس بمعايب الآخرين، وكون الإنسان ليس له هم إلا أن يطلع على المعايب؛ ولهذا مَن ابتُلِي بذلك - أي بالتجسس أو بالتحسس- تجده في الحقيقة قلقًا دائمًا في حياته، وينشغل بعيوب الناس عن عيوبه، ولا يهتم بنفسه، وهذا يوجد كثيرًا من بعض الناس الذين يأتون إلى فلان وإلى فلان: ما تقول في كذا؟ ما تقول في كذا؟ فتجد أوقاتهم ضائعة بلا فائدة، بل ضائعة بمضرة؛ لأن ما وقعوا فيه فهو معصية لله عز وجل، هل أنت وكيل عن الله عز وجل تبحث عن معايب عباده؟ العاقل هو الذي يتحسَّس عن معايب نفسه؛ وينظر معايبَ نفسه ليصلحَها، لا أن ينظر في معايب الغير ليشيعها والعياذ بالله؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور ١٩] .
علي كل حال، هذه آداب وتوجيه من الله عز وجل إلى أخلاق فاضلة، أخلاق مأمور بها، وأخلاق منهي عنها.
﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ الغِيبَة فسَّرها النبي ﷺ بقوله: «ذُكْرُكَ أخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٥٨٩ / ٧٠) من حديث أبي هريرة.]] وهذا تفسير من الرسول عليه الصلاة والسلام، وهو أعلم الناس بمراد الله تبارك وتعالى في كلامه «ذُكْرُكَ أخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ» سواء كان ذاك في خِلقته، أو في خُلُقه أو في أحواله، أو في عقله أو في ذكائه أو في غير ذلك، المهم أن تذكره بما يكره؛ سواء في خلقته مثل أن تقول: فلان قبيح المنظر دميم، فيك، كذا فيك كذا، تريد معايب جسمه.
أو في خلقه؛ بأن تقول: فلان أحمق، سريع الغضب، سيئ التصرف، وما أشبه ذلك.
أو في خِلْقَتِه الباطنة؛ كأن تقول: فلان بليد، فلان لا يفهم، فلان سيئ الحفظ، وما أشبهها، ورسول الله ﷺ حدَّها بحدٍّ واضح بَيِّن: «ذِكْرُكَ أخاكَ بما يَكْرَهُ» قالوا: يا رسول الله! أرأيت إن كان فيه ما أقول؟ قال: «إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ بَهَتَّهُ»[[أخرجه مسلم (٢٥٨٩ / ٧٠) من حديث أبي هريرة.]] أي: جمعتَ بين البُهتانِ والغِيبَةِ.
وعلى هذا فيجب الكَفُّ عن ذكر الناس بما يكرهون، سواء كان ذلك فيهم أو ليس فيهم، يجب الكف عن هذا، واعلم أنك إذا نشرت عيوبَ أخيك فإن الله سيسلط عليك مَن ينشر عيوبك ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ ٢٦]، لا تظن الله غافلًا عما يعمل الظالمون، بل سيسلط عليه مَن يعامله بمثل ما يعامل الناس.
لكن إذا كانت الغِيبة للمصلحة فإنه لا بأس بها ولا حرج فيها؛ ولهذا لما جاءت فاطمة بنت قيس إلى رسول الله ﷺ تستشيره في رجال خطبوها، بيَّن معايب مَن يرى أن فيه عيبًا، فقد خطبها ثلاثة: معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، وأبو جهم بن الحارث، وأسامة بن زيد، فقال لها النبي ﷺ: «أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَضَرَّابٌ لِلنِّسَاءِ، أَنْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ»[[أخرجه مسلم (١٤٨٠ / ٣٦) من حديث فاطمة بنت قيس.]] فذكر النبي ﷺ عيبًا في هذين الرجلين للنصيحة وبيان الحق، ولا يُعَدُّ هذا غيبة بلا شك؛ ولهذا لو جاء إنسان يستشيرك في معاملة رجل قال: فلان يريد أن يعاملني ببيع أو شراء أو إجارة، أو في تزويج مَنْ خطب ابنته، أو ما أشبه ذلك، وأنت تعرف أن فيه عيبًا، فإن الواجب أن تبيِّنَ له ذلك، يجب عليك أن تبين، ولا يُعَدُّ هذا كما يقول العامة: من قطع الرزق، بل هو من بيان الحق، فإذا عرفت أن في هذا الرجل الذي يريد أن يعامِلَه هذا الشخص ببيع أنه مماطل كذَّاب محتال فقل له: يا أخي! لا تبع على هذا، إنه مماطل إنه محتال إنه كذاب، ربما يدعي أن في السلعة عيبًا وليس فيها عيب، وربما يدعي الغبن وليس مغبونًا، وما أشبه ذلك، فتقع معه في صراع ومخاصمة.
أراد إنسان جاء يستشيرك في شخص خطب منه ابنته، والشخص ظاهره العدالة وظاهره الاستقامة وظاهره حُسْنُ الخلق، لكنك تعرف فيه خصلة معيبة فيجب عليك أن تُبَيِّن هذا يجب أن تبين، مثلًا: تعرف أن في هذا الرجل كذبًا، تعرف أنه يشرب الدخان لكنه يجحده ولا يبيِّنه للناس، يجب أن تبين تقول: هذا الرجل ظاهره أنه مستقيم، وأنه خلوق، وأنه طيب، ولكن فيه العيب الفلاني، حتى لو كان هذا متجهًا إلى أن يزوجه بين له العيب، ثم هو بعد ذلك بالخيار؛ لأنَّه سيدخل على بصيرة.
فعلى كل حال: يُستَثْنَى من الغِيبة، وهي ذكر الرجل بما يكره، أيش؟
* طالب: إذا كان طلب منه شخص، طلب منه النصيحة.
* الشيخ: إلا إذا كان على سبيل النصيحة، وذكرنا دليل ذلك من السنة، فهل هناك دليل من عمل العلماء؟ نعم فيه دليل، ارجع إلى كتب الرجال -مثلًا- تجده مثلًا يقول: فلان بن فلان سيء الحفظ، فلان بن فلان كذوب، فلان بن فلان فيه كذا وكذا، يذكرون ما يكره من أوصافه نصيحة لله ورسوله، فإذا كان الغرض من ذِكْرِ أخيك بما يكره، إذا كان الغرض النصيحة فلا بأس.
كذلك لو كان الغرض من ذلك: التَّظلُّم والتشكِّي فإن ذلك لا بأسَ به، مثل: أن يظلمَك الرجل، وتأتي إلى شخص يستطيع أن يزيل هذه المظلمة فتقول: فلان أخذ مالي، فلان جحد حقي، وما أشبه ذلك فلا بأس، فإن هندَ بن عتبة جاءت إلى النبيِّ ﷺ تشتكي زوجَها أبا سفيان، تقول: إنه رجل شحيحٌ لا يعطيني ما يكفيني وولدي، فقال لها رسول الله ﷺ: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٣٦٤) ومسلم (١٧١٤ / ٧) من حديث عائشة.]] فذكرت وصفًا يكرهه بلا شك أبو سفيان، ولكنَّه من باب أيش؟ أجيبوا.
* طلبة: التَّظلُّم والتَّشكي.
* الشيخ: من باب التظلم والتشكي، وقد قال الله تعالى في كتابه: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء ١٤٨]؛ يعني: فله أن يجهَرَ بالسوء من القول لإزالة مظلمته، ولكن هل يجوز مثل هذا إذا كان قصدُ الإنسانِ أن يخفف عليه وطأة الحزن والألم الذي في قلبه بحيث يحكي الحال التي حصلت على صديق له، صديقه لا يمكن أن يزيل هذه المظلمة لكنه يفرج عنه، أو لا يجوز؟ الظاهر أنه يجوز؛ لعموم قوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾، وهذا يقع كثيرًا، كثيرًا ما يؤذى الإنسان ويجنى عليه بجحد مالٍ أو أخذ مالٍ أو ما أشبه ذلك، فيأتي الرجل إلى صديقه ويقول: فلان قال فيَّ كذا، قال فيَّ كذا، يريد أن يُبَرِّد ما في قلبه من الألم والحسرة، أو يتكلم في ذلك مع أولاده أو مع أهله أو مع زوجته أو ما أشبه ذلك، هذا لا بأس به؛ لأن الظالم ليس له حرمة بالنسبة لمن؟ للمظلوم.
(...) كنا وصلنا إلى التفسير إلى قول الله تبارك وتعالى ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات ١٢].
التقوى يكثُر الأمر بها في القرآن الكريم، وكذلك في السنة، فما هي التقوى التي يكثر ورودها في كتاب الله وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ إنها كلمة عظيمة، إنها تعني الوقاية من عذاب الله، فبماذا تكون الوقاية من عذاب الله؟ تكون الوقاية من عذاب الله بأمرين:
الأمر الأول: امتثال أوامر الله عز وجل؛ بأن يقول الإنسان إذا سمع أمر الله: سمعنا وأطعنا، فإن هذا هو قول المؤمنين؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور ٥١] فلا يكون في قلبك تردُّد، لا تقل: لماذا أمر بكذا، قل: سمعنا وأطعنا، لا تقل: ما الفرق بين كذا وكذا؟ يعني لماذا يأمر الله بكذا ولا يأمر بكذا؟ مثلًا في لحوم الإبل أمر النبي ﷺ أن نتوضَّأ من لحومها[[أخرجه مسلم (٣٦٠ / ٩٧) من حديث جابر بن سمرة.]]؛ ولهذا كان أكل لحوم الإبل ناقضًا للوضوء على القول الراجح من أقوال العلماء، فلا تقل: لماذا يأمرنا بالوضوء من أكل لحم الإبل ولا يأمرنا بالوضوء من أكل لحم البقر مع أن كل منهما يسمى بدنة؟! لا تقل هكذا.
تأمر الحائض بقضاء الصوم، ولا تأمر بقضاء الصلاة، لا تقل: لماذا تأمر قضاء الصوم دون الصلاة على سبيل التشكيك، ولكن قل: سمعنا وأطعنا.
الأمر الثاني مما تتحقق به التقوى: اجتناب ما نهى الله عنه؛ إذا نهى الله عن شيء قل: سمعنا وأطعنا، واجتنبنا، لا تقل: لماذا؟ وتأمَّلْ قولَ اللهِ عز وجل في الخمر والميسر والأنصاب والأزلام؛ حيث قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة ٩٠، ٩١]، شوف ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ أي: فبعد هذا التفصيل والتبيين، هل تنتهون أو لا؟ وهذا الاستفهام بمعنى الأمر؛ أي: فانتهوا، ولهذا قال الصحابة: انتهينا، انتهينا، فصارت التقوى تتحقق بأيش؟ بأمرين:
الأول: امتثال أمر الله عز وجل دون تردد.
والثاني: اجتناب نهي الله عز وجل دون تردد، قول: سمعنا وأطعنا، فهذا قول المؤمنين.
يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ هذين اسمين من أسماء الله؛ الأول: التواب، والثاني: الرحيم، والتواب هنا صيغة مبالغة، واسم الفاعل من تاب: تائب، والتوَّاب تعني كثرة التوبة، وأنه عز وجل متصف بهذا الوصف، وإنما كان الرَّبُّ عز وجل كثير التوبة؛ لأن العباد كثيرون هذه واحدة؛ ولأن الذنوب التي يقترفها الإنسان كثيرة، ما أكثر ما يقترف الإنسان من الذنب ويتوب الله عليه؛ فلهذا سَمَّى نفسه التواب.
وما هي التوبة؟ التوبة من العبد أن ينتقل من معصية الله إلى طاعته.
والتوبة من الله: أن يقبل الله من العبد فيبدل سيئاته حسنات.
إذن التوبة من العبد أيش هي؟
* طالب: الانتقال.
* الشيخ: من أيش؟
* الطالب: من المعصية إلى (...).
* الشيخ: الرجوع من المعصية إلى الطاعة، والتوبة من الله قبول هذه التوبة من العبد، وإبدال سيئاته بحسنات؛ كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ للَّهُ﴾ إلى أن قال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان ٧٠].
وقد تُطلَق التوبة من الله على توفيقه العبد للتوبة، فلله تعالى على العبد توبتان: توبة بمعنى التوفيق للتوبة، وتوبة بمعنى قبول التوبة، ما هو الدليل على هذا؟ الدليل قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ اقرأ ما بعدها.
* طالب: ﴿لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة ١١٨].
* الشيخ: ﴿لِيَتُوبُوا﴾ كيف تاب؟ ليتبوا أي: وفَّقهم للتوبة فتابوا.
أما التوبة الأخرى وهي قبول توبة العبد؛ فمثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى ٢٥].
توبة العبد تحتاج إلى شروط؛ إذ ليس كل توبة مقبولة، لا بد يا إخواني من شروط:
الأول: إخلاص النية.
والثاني: الندم على الذنب، وانكسار القلب وخجله من الله عز وجل، وأن يشعُر الإنسان بأنه مذنب يحتاج إلى توبة ونعمة من الله عز وجل.
الثالث: الإقلاع عن المعصية؛ إما بفعل الواجب وتداركه إن أمكن، أو بالإقلاع عن المحرم.
والرابع: العزم على ألا يعود إلى الذنب مرة أخرى، فإن أقلع عنه وندم، ولكن في نيته أنه متى سَنَحت له الفرصة، عاد إلى الذنب فهذا لا تُقبَل توبته.
الشرط الخامس: أن تكون في الوقت الذي تُقبَل فيه التوبة؛ لأن التوبة لها وقت تُرَدُّ فيه مهما تاب العبد وهو -أي الوقت الذي لا تقبل فيه التوبة- نوعان: خاص، وعام.
أما الخاص: فهو حلول الأجل إذا حضر الموت فإنه لا قبولَ للتوبة مهما كان؛ دليل ذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨]، هذا ما له توبة بعد أن شاهَدَ وعايَنَ العذابَ يقول: أتوب ما ينفع.
الحدود في الدنيا إذا قُدِرَ على العبد وتاب بعد القدرة عليه، هل يرتفع عنه الحد؟ لا؛ لقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة ٣٤].
كذلك الإنسان إذا حضره الموت وشاهد وعاين لا تنفعه التوبة؛ للآية الكريمة وهي في سورة النساء، وقد وقع ذلك فعلًا حين تاب فرعون بعد أن أدركه الغرق؛ قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس ٩٠]، ماذا قيل له؟
* طالب: قال: ﴿آلْآنَ وَقَدْ﴾ كفرت.
* الشيخ: ﴿عَصَيْتَ﴾.
* الطالب: ﴿عَصَيْتَ﴾.
* الشيخ: ﴿قَبْلُ﴾.
* الطالب: ﴿قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ﴾.
* الشيخ: ﴿الْمُفْسِدِينَ﴾ قيل له: ﴿آلْآنَ﴾ يعني: آلآن تؤمن بما آمنت به بنو إسرائيل، هذا لا ينفع ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس ٩١].
الثاني العام: الوقت الذي يكون لعموم الناس إذا حصل أو إذا جاء فإنها لا تُقبَل التوبة، وذلك إذا طلعت الشمس من مغربها، فالشمس الآن تدور منذ خلقها الله عز وجل تأتي من ناحية المشرق، وتغيب من ناحية المغرب، فإذا أرد الله تعالى انقضاء الدنيا انعكست القضية صارت الشمس تأتي من المغرب، وإذا رآها الناس آمنوا كلهم؛ لأنهم يعلمون أن لهذا الكون مدبرًا، وإلا فمن يستطيع أن يأتي بالشمس من المغرب، أحد يستطيع؟ لا؛ ولهذا قال إبراهيم للذي ناظره قَالَ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة ٢٥٨]، لكن إذا رأى الناس كلهم رأوا الشمس بعد أن غابت رجعت من المغرب سيؤمنون، لكن هذا الإيمان قهري ولا اختياري؟
* طالب: قهري.
* الشيخ: قهري؛ لأنهم شاهدوا؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام ١٥٨]، والمراد ببعض الآيات هنا طلوع الشمس من مغربها.
إذن لا بد للتوبة من شروط خمسة؟
* طالب: الندم.
* الشيخ: الأول الندم على فعل المعصية، تمام والثاني؟
* الطالب: إخلاص النية لله عز وجل.
* الشيخ: إخلاص النية لله عز وجل؛ بألَّا يقصد الإنسان بالتوبة أن ينال مرتبة، أو أن ينال جاهًا، أو أن يُمدَح عند الناس؛ مثاله إنسان معروف بالفسق والانحلال، وأُعلِن عن وظيفة إمام مسجد، ومعلوم أنه لم يُوظَّف في إمامة المسجد إلا من كان أيش؟ مستقيمًا، هو استقام علشان أيش؟ علشان يكون إمامًا في المسجد هذا لا تنفعه التوبة؛ لأنه لم يخلص النية لله.
الشرط الثالث؟
* الطالب: العزم.
* الشيخ: لا، قبل العزم، مرحلة الإقلاع عن الذنب؛ وذلك بأن يأتي بالواجب إن أمكن تداركه، أو بدله إذا لم يمكن تداركه، وكان له بدل، أو يقلع عن المحرم إذا كان الذنب فعلًا محرمًا.
طيب، إذا كان الذنب حقَّ إنسان بأن يكون شخص سرق من إنسان مالًا، السرقة حرام، تاب الرجل وندم، وعزم على ألَّا يعود، فبماذا يكون تحقيق التوبة؟ لا بد أن يوصل هذا المال إلى أيش؟ إلى صاحبه، ولا يمكن تتم التوبة إلا بهذا، فإذا قال: أخشى إنْ ذهبتُ إلى هذا الرجل، وأعطيتُه المال أخشى أن يترتَّب على ذلك ضرر علي على سُمعَتي وربما أحْبَس، وأنِّي قد تبتُ إلى الله قبلَ أن يُقدَر عليَّ، فكيف تكون الحال؟ هل يجوز أن يتصدق به عن صاحبه؟
الجواب: لا؛ لأن صاحبه معلوم، أما لو كان مجهولًا يقول: والله أنه سرق من أناس نسيهم أو جهلهم لا يدري أين هم، فهنا يتصدق بما سرق عنهم، لكن إذا كان معلومًا لا بد أن يُرسِلَه لكن إذن ماذا يصنع؟ نقول: ممكن أن تعطي شخصًا تثق به، وتقول: يا فلان، إني سرقتُ هذا المال من فلان، وقد ندمت وتبت إلى الله فمن فضلك أعطه إياه، وقل له: هذا دراهم من إنسان تستحقها عليه، وهو الآن يبذلها، ممكن هذا؟ إذا لم يمكن، فيمكن أن ترسلَ بالبريد ويقال: هذه دراهم من شخصٍ تستحقها عليه، وفي هذه الحال، من المعلوم أنك لم تكتب اسمك، أليس كذلك؟ وأيضًا لا يحسن أن تكتبها بقلمك؛ لأنه ربما يمر عليه يوم من الدهر، اكتبها بالآلة التي تطبع طباعة بالكمبيوتر أو غيرها، وأرسلها إليه، هذا إذا كان الحق ماليًّا، حق إنسان، لكن إذا كان الحق غير مالي؛ مثل أن يكون شخص اغتبتَه في مجلس أو مجالس، فكيف التوبة من هذا؟ التوبة قال كثير من العلماء: لا بد أن تذهب إليه وتستحله، وإلا فسيأخذ من حسناتك يوم القيمة، اذهب إليه، وقل له: يا فلان سامحني.
وقال بعض العلماء: لا يجب أن تستحلَّه، وإنما تستغفر له، وتُثني عليه في المجالس التي كنت تغتابه فيها، والحسنات يُذْهِبْن السيئات، وقد جاء في الحديث: «كَفَّارَةُ مَنِ اغْتَبْتَهَ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُ»[[أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٦٣٦٨) من حديث أنس بن ملك .]].
ولكن فيه قول ثالث وسط ولعله الصواب: يقول: إن كان صاحبك الذي اغتبته قد علم بذلك فلا بد من أن تذهبَ إليه وتستحلَّه؛ لأنه لن يزول ما في قلبه حتى تستحلَّه، أما إذا كان لم يعلم فيكفي أن تستغفر له وأن تثني عليه في المجالس التي كنت تغتابه فيها، والله غفور رحيم.
وينبغي لمن جاء إليه أخوه ليعتذر منه ينبغي أن يسامحه، ولكن هل يناقشه، ويقول: أنت الآن تطلب مني أن أحل لك، لكن ما الذي فعلت معي؟ يعني: هل ينبغي أن يناقشه، ويرى ما الذي حصل أو يقول: أنت في حلٍّ وخلاص؟
الأَوْلى: ألَّا يناقش؛ لأنه ربما يذكر شيئًا كبيرًا فتعجز نفس صاحبه عن أن يحلَّ له، أليس كذلك؟ ربما إذا قال: أحل لي. قال: ويش أنت فاعل معي؟ قال: فعلت كذا، وكذا، وكذا، ويكون الشيء كبيرًا، وتأبى نفسه أن يحلل؛ لأن النفسَ أمارة بالسوء؛ فالأولى ألَّا يسأل، ألا يقول: ما الذي فعلتَ؟ وأن يحتسب الأجر من الله، ويقول: هذا جاء معتذِرًا ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ٤٠]، ولولا أنه نادم وتائب، وأنه يرجى في المستقبل أن تعود هذه الغيبة ثناء حسنًا، ويقول: أنت مني في حل، وأجرُه على من؟ أجيبوا يا جماعة.
* طلبة: على الله.
* الشيخ: أجره على الله، فصار عندنا الآن بالنسبة لمن كانت مظلمته غير مال؛ هل يذهب ويستحله، أو لا يذهب؟ في المسألة ثلاثة أقوال:
الأول: أنَّه لا بد أن يذهبَ إليه ويستحلَّه.
والثاني: لا حاجة، بل يستغفر له ويثني عليه في الأماكن التي كان يغتابُه فيها.
والثالث: التفصيل، وهذا التفصيل هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو الحق، وهو أيش؟ أنه إن كان عالمًا فلا بد أن تستحلَّه حتى يزول ما في قلبه، وإن كان غيرَ عالم فلا حاجة لاستحلالِه، هذا بالنسبة للذي اغتاب غيرَه.
أما الذي اغتيب وطلب منه السماح فالذي نري: أن الأفضلَ والأكمل أن يحلله؛ لأنه أخوه جاءه معتذرًا نادمًا، فليحلِّلُه، وثقوا بأنَّه إذا حلَّله ستكون كبيرة عظيمة على الشخص الذي استحلَّه، سيرى أنه أهدى إليه أكبر هدية، فتنقلب الكراهة التي كانت من قبل تنقلب أيش؟ محبةً، وألفة، وهذا هو المطلوب من المسلمين أن يكون بعضهم لبعض آلفًا محبًّا وادًّا.
يقول الله عز وجل: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾، هو سبحانه وتعالى رحيم، وهو رحمن، وقد اجتمع الاسمان في أعظم سورة في كتاب الله ما هي؟
* طالب: الفاتحة.
* الشيخ: الفاتحة، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة ١] قال العلماء: إذا ذُكِرَ الرحمنُ وحده كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم ٩٢]، وكما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان ٦٠]، أو صار الرحيم وحده كما في هذه الآية ﴿تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾، فمعناهما واحد؛ يعني: أن الرحيم هو ذو الرحمة الواسعة الشاملة، والرحمن إذا ذُكِرَ وحدَه كذلك: هو ذو الرحمة الواسعة الشاملة.
أما إذا اجتمعا جميعًا فالرحمن باعتبار الوصف، والرحيم باعتبار الفعل؛ يعني أنه عز وجل ذو رحمة واسعة وهو أيضًا راحم يواصل الرحمة إلى من يشاء من عباده، كما قال تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ [العنكبوت ٢١]، أسألُ اللهَ تعالى أن يعُمَّني وإياكم برحمته وجميعَ إخواننا المسلمين، وأن يجعلنا من دعاة الخير والإصلاح؛ إنه على كل شيء قدير. (...).
الحجرات 49:13
نتكلم فيه على قول الله تبارك وتعالى من سورة الحجرات: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات ١٣].
الخطاب هنا مُصَدَّر بنداء الناسِ عمومًا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، مع أنَّ أول السورة وُجِّه الخطابُ فيه للذين آمنوا، وسبب ذلك: أن هذا الخطاب في الآية التي نحن بصدد الكلام عليها موجَّهٌ لكل إنسان؛ لأنه يقع التفاخر بالأنساب والأحساب من كل إنسان، فيقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، والخطاب للمؤمن والكافر، والبر والفاجر.
﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾، ﴿مِنْ ذَكَرٍ﴾: هو آدم، ﴿وَأُنْثَى﴾: هي حواء، هذا هو المشهور عند علماء التفسير، وذهب بعضهم إلى أن المرادَ بالذكر والأنثى هنا الجنس؛ يعني: أن بني آدم خُلِقوا من هذا الجنس: من ذكر، وأنثى.
وهذا دليل يعني في الآية دليل على أن الإنسان يتكوَّن من أبيه وأمه، أي: يُخلَق من الأم والأب، ولا يعارض هذا قولُ الله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق ٥ - ٧]؛ وذلك لأنَّا إن قلنا: إن المراد بالصلب: صلب الرجل، والترائب: ترائب المرأة، فلا إشكال، وإن قلنا بالقول الراجح: أن الصلب والترائب وصفان للرجل؛ لأن الماء الدَّافق هو ماء الرجل، أما المرأة فلا يكون ماؤها دافقًا، وعلى هذا فيكون الإنسان مخلوقًا من ماء الرجل، لكن ماء الرجل وحده لا يكفي، لا بد أن يتَّصلَ بالبوُيْضَةِ التي يُفرِزُها رحم المرأة، فيزدوج هذا بهذا، ويكون الإنسان مخلوقًا من الأمرين جميعًا، أي: من أبيه وأمه.
﴿خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ إذن: ذكر وأنثى: يحتمل أن يكون المراد بهما شخصين معينين، وهما من؟ آدم وحواء، أو أن المراد الجنس.
أي: الذكر من بني آدم والأنثى من بني آدم، وعلى هذا التقدير –أي: على التفسير الثاني- يُشكِلُ أنَّ الله تعالى ذكر في آيات أخرى أن الإنسان خُلِقَ من ماءٍ دافقٍ وهو ماء الرجل.
والجواب عنه: أن يقال: إن هذا الماء الدافق لا يمكن أن يتكونَ منه الجنين وحده، بل لا بد أن يتَّصلَ بالبويضة التي يفرزها رحم المرأة، وحينئذ يكون مخلوقًا من ذكر وأنثى.
﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا﴾ [الحجرات ١٣]: يعني صيرناكم شعوبًا وقبائل، فالله تعالى جعل بني آدم شعوبًا وهم أصول القبائل.
﴿وَقَبَائِلَ﴾ وهم ما دون الشعوب، فمثلًا: بنو تميم يعتبرون شعبًا، وأفخاذ بني تميم المتفرعون من الأصل يسمون قبائل، ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ﴾.
ما هي الحكمة؟ هل الحكمة من هذا الجعل أن يتفاخر الناس بعضهم على بعض، فيقول هذا الرجل: أنا من قريش، وهذا يقول: أنا من تميم، وهذا يقول: أنا من كذا، أنا من كذا؟
لا، ليس هذا المراد؛ المراد التعارف؛ أن يعرف الناس بعضهم بعضًا؛ إذ لولا هذا الذي صيَّره الله عز وجل ما عرف الإنسان من أي قبيلة هو؛ ولهذا كان من كبائر الذنوب أن ينتسبَ الإنسانُ إلى غير أبيه؛ لأنه إذا انتسب إلى غير أبيه غيَّر هذه الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وهم أنهم شعوب وقبائل من أجل التعارف، فيقال: هذا فلان بن فلان بن فلان إلى آخر الجد الذي كان أبًا للقبيلة.
﴿لِتَعَارَفُوا﴾ يعني: لا لتفاخروا بالأحسابِ والأنساب.
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات ١٣] ليس الكرم بأن يكون الإنسان من القبيلة الفلانية أو من الشعب الفلاني، الكرم هو: التقوى، وليس الكرم الذي هو كرم حقيقة إلا الكرم عند الله عز وجل، كرم الإنسان عند بني جنسِه كرم لا شك، ويُحمَدُ عليه الإنسان إذا ابتغى به وجه الله؛ لكن الكرم الحقيقي النافع هو الكرم عند مَن؟ عند الله، وبأي شيء يكون؟ بالتقوى، كلما كان الإنسان أتقى لله كان عند الله أكرم، فإذا أحببت أن تكون كريمًا عند الله عز وجل، فعليك بالتقوى، عليك بتقوى الله عز وجل، فكلها الخير، كلها البركة، كلها السعادة في الدنيا والآخرة، ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس ٦٢، ٦٣].
وما أكثر ما تَرِدُ على أسماعنا كلمة التقوى، فما هي التقوى؟ هل هي لفظ يجري على الألسن، ويمر بالآذان؟ لا، يجب أن يكون لفظًا عظيمًا موقَّرًا معظَّمًا محترمًا.
التقوى: أن تقومَ بطاعةِ الله عز وجل، هذه التقوى، فتِّش هل أنت قائم بطاعة الله؟! فأنت متق، هل أنت مخالف؟! فأنت غير متق، ويفوت الإنسان من التقوى بقدر ما خالف فيه أمر الله ورسوله.
التقوى إذن: طاعة الله بفعل الأوامر واجتناب النواهي، فإذا رأينا إنسانًا يتقدَّم إلى المسجد، ويصلي مع الجماعة، ويخشع في صلاته ويؤديها بكل فضيلة، وآخر بالعكس يصلي في بيته، وصلاة يقتصر فيها على الواجب، أيهما أتقى لله؟ الأول أتقى.
إذن: فهو أقرب عند الله، حتى لو كان مولى من الموالي، أو مولى الموالي، والآخر من أرفع الناس نسبًا؛ فإن الأتقى لله هو الأكرم عند الله عز وجل، كلُّ إنسان يحب أن يُحظَى عند السلطان في الدنيا، وأن يكون أقرب الناس إليه، فكيف لا نُحِبُّ أن نكون أقرب الناس إلى الله عز وجل وأكرمهم عنده؟! المسألة هوى وشيطان، وإلا لكان الأمر واضحًا.
عليك بتقوى الله عز وجل؛ لتنال الكرم عند الله، نستغفر الله ونتوب إليه.
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات ١٣]، عليم بكل شيء؛ لأنه هنا مطلق، ولم يقيد بحال من الأحوال.
﴿خَبِيرٌ﴾ والخبرة هي: العلم ببواطن الأمور، العلم بالظواهر لا شك أنه صفة مدح وكمال؛ لكن العلم بالبواطن أبلغ، فيكون عليم بالظواهر، خبيرٌ بأيش؟ بالبواطن، فإذا اجتمع العلم والخبرة صار هذا أبلغ في الإحاطة.
وقد يقال: إنَّ الخبرةَ لها معنى زائد على العلم؛ لأنَّ الخبيرَ عند الناس هو العليم بالشيء الحاذق فيه، بخلاف الإنسان اللي عنده علم فقط؛ ولكن ليس عنده حذق فإنه لا يُسَمَّى خبيرًا، فعلى هذا يكون الخبير متضمنًا لمعنى زائد على العلم.
ثم قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ [الحجرات ١٤].
من الأتقى عند الله؟ من الأكرم عند الله؟
* طالب: الأتقى.
* الشيخ: الدليل؟
* الطالب: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
الحجرات 49:14
﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ الأعراب: اسم جمع لـ(أعرابي)، والأعرابي هو ساكن البادية كالبدوي تمامًا، الأعراب افتخروا فقالوا: آمنَّا، آمنا، افتخروا بإيمانهم.
فقال الله عز وجل: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات ١٤]، قيل: إن هؤلاء من المنافقين؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ﴾ [التوبة ١٠١]، والمنافق مسلم، ولكنَّه ليس بمؤمن؛ مسلم، لأنه مستسلم ظاهرًا؛ إذ أن حال المنافق أنه كالمسلمين؛ ولهذا لم يقتلهم النبي عليه الصلاة والسلام مع علمه بنفاقهم؛ لأنهم مسلمون ظاهرًا لا يخالفون، ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقرة ١٤].
وقيل: إنهم أعراب غير منافقين؛ لكنهم ضعفاء الإيمان، يمشون مع الناس في ظواهر الشرع؛ لكن قلوبهم ضعيفة، إيمانهم ضعيف.
فعلى القول الأول يكون قوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات ١٤] أنه لم يدخل أصلًا، هذا على القول بأنهم أيش؟ منافقون.
وعلى الثاني: أي: لمَّا يدخل الإيمان الدخول الكامل المطلق، فيهم إيمان؛ لكن لم يصل الإيمان إلى قلوبهم على وجه الكمال.
والقاعدة عندنا في التفسير: أن الآية إذا احتملت معنيين فإنها تُحمَل عليهما جميعًا ما لم يتنافيا، فإن تنافيا طلب المرجح.
﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحجرات ١٤] يعني: طاعة في الظاهر يحملُ عليها الإيمان في الباطن.
﴿لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ ﴿لَا يَلِتْكُمْ﴾ يعني: لا ينقصكم من أعمالكم شيئًا؛ لأن الله تعالى لا يظلم أحدًا.
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧، ٨] أي شيء فإنَّه موفى للإنسان، لكن سبحان الله رحمة الله سبقت غضبه، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة٧] ويثاب عليه ولَّا لا؟ أجيبوا.
* طالب: يثاب عليه.
* الشيخ: يثاب عليه، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة٨] وهل يعاقب؟ قد يعاقب وقد يعفو الله عنه.
فالسيئات يمكن أن تُمحَى، والحسنات لا يمكن أن تُنقَص؛ ولهذا قال: ﴿لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ بعدها: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وسبق معنى هذين الاسمين الكريمين، ونقتصر على هذا القدر ويأتي إن شاء الله ما يستفاد من هذه الآية. (...)
لقاؤنا هذا يُفتَتَح بالكلام في تفسير آخر سورة الحجرات؛ قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات ١٤]، وبيَّنَّا فيما سبق أن هؤلاء القوم قوم لم يتحقق فيهم كمال الإيمان، معهم أصل الإيمان فقالوا: آمنا، والإيمان المُطلَق لا يعطى لمن لم يَتِمَّ إيمانه؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي: لم يدخل الإيمان الكامل في قلوبكم، ولكنه قريب؛ لأن (لَمَّا) تفيد قُربَ مدخولها.
قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾؛ أي: إن قمتم بطاعة الله ورسوله بامتثال أوامر الله ورسوله، واجتنابِ نهي الله ورسوله، فإن الله لن ينقصكم من أعمالكم شيئًا، سيعطيكموها تامة بلا نقص، وقد تقَرَّر أنَّ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وأن من جاء بالسيئة فإنه لا يُجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون.
الحجرات 49:15
ثم قال عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات ١٥]، ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر تفيد إثبات الحكم في المذكور، ونفيه عما سواه، أي: ما المؤمنون إلا هؤلاء، والمراد ما المؤمنون حقَّا الذين تم إيمانهم إلا هؤلاء الذين آمنوا بالله ورسوله.
﴿آمَنُوا﴾ أقرُّوا إقرارًا مستلزمًا للقبول والإذعان، وليس مجرد الإقرار كافيًا، بل لا بد من قبول وإذعان، والدليل على أن مجرد الإقرار ليس بكاف: أن النبيَّ ﷺ أخبر عن عمه أبي طالب أنه في النار[[متفق عليه؛ البخاري (٦٢٠٨)، ومسلم (٢٠٩ / ٣٥٧) من حديث العباس بن عبد المطلب.]]، مع أنه مؤمن بالرسول عليه الصلاة والسلام مصدق به، يقول في لاميته المشهورة:
لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ ∗∗∗ لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَــــوْلِالْأَبَاطِلِ
ويقول عن دين الرسول:
وَلَقَـــدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ مِنْ خَــــــيْرِ أَدْيَانِ الْــــبَرِيَّــــةِدِيـــــنَا
لكنه -والعياذ بالله- لم يقبل هذا الدين، ولم يذعن به، وكان آخر ما قال: إنه على الشرك؛ على ملة عبد المطلب.
فالذين آمنوا بالله ورسوله: هم الذين أقروا إقرارًا تامًّا بما يستحقه الله عز وجل، وبما يستحقه الرسول عليه الصلاة والسلام وقبلوا ذلك وأذعنوا له.
﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ كلمة ﴿ثُمَّ﴾ هنا في موقع من أحسن المواقع، ﴿ثُمَّ﴾ تدل على الترتيب بمهلة؛ يعني: ثم استقروا وثبتوا على الإيمان مع طول المدة: و﴿لَمْ يَرْتَابُوا﴾ أي: لم يلحقهم شك في الإيمان بالله ورسوله.
وهنا ننبه إلى مسألة يكثُر السؤال عنها في هذا الوقت، وإن كان أصلها موجودًا في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام؛ وهي الوساوس التي يلقيها الشيطان في قلب الإنسان، يلقي الشيطان في قلب الإنسان أحيانًا وساوس وشكوكًا في الإيمان؛ في القرآن، في الرسول، في الرب عز وجل، وساوس يحب الإنسان أن يُمزَّق لحمُه ويكْسَر عظمُه ولا يتكلم بذلك، فما موقف الإنسان من هذا؟
موقف الإنسان من هذا: أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وينتهي، يُعرِض عن هذا، ولا يفكر فيه إطلاقًا، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن مثل هذه الوساوس صريح الإيمان، أي: خالص الإيمان، هذا إنما كان صريح الإيمان؛ لأن الشيطان لا يأتي لإنسان شاك يشككه في دينه، وإنما يأتي لإنسان ثابت مستقر ليشككه في دينه فيفسده عليه، وأما المؤمن الذي استقر الإيمان في قلبه، واطمأن قلبه بالإيمان؛ فإنه هو الذي يأتيه الشيطان ليفسد عليه، أمَّا من ليس بمؤمن فإن الشيطان لا يأتيه بمثل هذه الوسواس؛ لأنه منته منه.
والمهم أن قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ يدل على أنهم ثبتوا على الإيمان، ولو طالت المدة، فإذا قال قائل: ما هي الطريق التي توجب للإنسان ثبوت الإيمان واستقراره؟
قلنا: أولًا: أن يتفكر في مخلوقات الله سبحانه وتعالى، وأن هذه المخلوقات العظيمة لم تكن وليدة الصدفة، ولم تكن وليدة بنفسها، وأن يتفكر أيضًا في شريعة الله وكمالها، وأن يتفكر في سيرة النبي ﷺ وآياته، وما إلى ذلك، وكذلك أيضًا يُكثِر من ذكر الله عز وجل، فإن بذكر الله تطمئن القلوب، ويكثر من الطاعات والأعمال الصالحة؛ لأن الطاعات والأعمال الصالحة تزيد في الإيمان كما هو مذهب أهل السنة والجماعة رحمهم الله.
﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحجرات ١٥]، هذا أيضًا معطوف على قوله: ﴿آمَنُوا﴾ أي: هم الذين مع إيمانهم بالله عز وجل، ويقينهم وعدم ارتيابهم يريدون أن يصلحوا عباد الله، بماذا؟ بالجهاد في سبيل الله، يجاهدون أعداء الله ليرجعوا إلى دين الله، ويستقيموا عليه، لا للانتقام منهم، ولا للانتصار لأنفسهم، ولكن ليدخلوا في دين الله عز وجل.
والجهاد في سبيل الله: هو القتال لتكون كلمة الله هي العليا، لا للانتقام، القتال للانتقام ليس إلا مدافعة عن النفس أو أخذًا بالثأر فقط، لكن الجهاد حقيقة: هو أن يقاتل الإنسان لتكون كلمة الله هي العليا، أما الجهاد انتصارًا للنفس، أو دفاعًا عن النفس فقط فليس في سبيل الله، لكن لا شك أن من قاتل دفاعًا عن نفسه فإنَّه إن قُتِلَ فهو شهيد، وإن قتل صاحبه فصاحبه في النار، كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ فيمن أراد أن يأخذ مالك قال: «لَا تُعْطِهْ». قال: يا رسول الله، أرأيت إن قاتَلَني؟ قال: «قَاتِلْهُ»، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: «فَأَنْتَ شَهِيدٌ» قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: «فَهُوَ فِي النَّارِ»[[أخرجه مسلم (١٤٠ / ٢٢٥) من حديث أبي هريرة.]].
إذن: ما هو الجهاد في سبيل الله؟ القتال ليش؟ لتكون كلمة الله هي العليا، هذا هو الذي حدَّه النبي عليه الصلاة والسلام وفصله فصلًا قاطعًا.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات ١٥] أولئك هم الصادقون في إيمانهم وعدم ارتيابهم، أما الذين قالوا من الأعراب: آمنا، ولكنهم لم يؤمنوا حقيقة، ولكن أسلموا فإنهم ليسوا صادقين؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات ١٤].
الحجرات 49:16
﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الحجرات: ١٦]، هذا إنكار لقول الذين قالوا: آمنا؛ يعني: أتعلِّمون الله تعالى بأنكم آمنتم وهو عليم بكل شيء؟ و﴿تُعَلِّمُونَ اللَّهَ﴾ بمعني تخبِّرون الله، وليس المراد ترفعون جهله عن حالكم؛ لأنَّه يعلم حالهم عز وجل، ويعلم أنهم مؤمنون أو غير مؤمنين، لكن ﴿تُعَلِّمُونَ﴾ هنا بمعنى أيش؟ تخبِّرون، وليس بمعنى: ترفعون الجهل عن الله عز وجل؛ لأن الله ليس جاهلًا بحالهم، بل هو عالم.
﴿أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ حينما قلتم: آمنا؟ ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ومنه - أي مما في السموات والأرض- حالكم إن كنتم مؤمنين أو غير مؤمنين.
* وفي هذه الآية: إشارة إلى أن النطق بالنية في العبادات مُنكَر؛ لأن الإنسان الذي يقول: أريد أن أصلي، يعلم الله سبحانه وتعالى بما يريد من العمل، والله يعلم، والذي يقول: أريد أن أصوم كذلك، والذي يقول: نويت أن أتصدَّق كذلك، والذي يقول: نويت أن أحج كذلك أيضًا؛ ولهذا لا يُسَنُّ النطق بالنية في العبادات كلها؛ لا في الحج ولا في الصدقة، ولا في الصوم، ولا في الوضوء، ولا في الصلاة، ولا غير ذلك، لماذا؟ لأن النية محلها القلب والله عالم بذلك لا حاجة أن تخبر الله به.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ عام، ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ عام كل شيء يعلمه الله، وقد تقدم لنا الكلام مرارًا على هذه الصفة العظيمة من صفات الله، والتي هي من أوسع صفاته جل وعلا.
﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ خفي أو بيِّن، عام أو خاص، هو عالم به جل وعلا.
ثم قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ [الحجرات ١٧] إلى آخر آيات، إلى آخر السورة، ونكملها إن شاء الله في اللقاء القادم؛ لأن الوقت قد حصرنا، ولنتفرغ إلى الأسئلة.
الحجرات 49:17
إذن نقول: نتكلم بما ييسره الله عز وجل فيما بقي من تفسير سورة الحجرات؛ يقول الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾.
في هذه الآية تكررت (أن) ثلاث مرات ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات ١٧] تكررت مرتين، وهي على تقدير الباء؛ أي: يمنون عليك -يا محمد- بإسلامهم، هذا هو التقدير، وحذف الجار مع (أن) و(أن) مطرد، كما قاله ابن مالك رحمه الله في الألفية، في الخلاصة يقول رحمه الله: إن حذف الجار مع (أن) و(أن) يطرد، مع أمن اللبس.
﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ أي: بأن أسلموا؛ أي: بإسلامهم، ويعني بذلك قومًا أسلموا بدون قتال، فجعلوا يمنون على الرسول عليه الصلاة والسلام، يذكرون الفضائل ويقولون: إننا نحن آمنَّا بك، ولم نقاتلْك، كما قاتلك الناس، مع أن المصلحة لمن؟ المصلحة لهم؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾.
وقوله: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ﴾ هذا إضراب لإبطال ما سبق؛ أي: ليس لكم منة على الرسول عليه الصلاة والسلام بإسلامكم، بل المنة لله عز وجل عليكم أن هداكم للإيمان، ولا شك أن هذا أعظم منة؛ أن يمن الله تعالى على العبد بالهداية للإيمان، مع أن الله أضل كثيرًا من الأمة عنه، فإن بني آدم منهم تسع مئة وتسعة وتسعون كلهم في النار، وواحد من الألف في الجنة، فمن وُفِّق؛ لأن يكون من أهل الجنة؛ فذلك منة من الله عليه عظيمة؛ ولهذا كان الأنصار رضي الله عنهم؛ حينما جمعهم النبي ﷺ -يوم قسم غنائم حنين- كلما ذكر لهم شيئًا قالوا: الله ورسوله أمَنُّ، قال: «أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي؟» قالوا: الله ورسوله أَمَنُّ، قال: «أَلَمْ أَجِدْكُمْ مُتَفَرِّقينَ فَجَمَعَكُمُ اللَّهُ بِي؟» قالوا: الله ورسوله أمن[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٣٠)، ومسلم (١٠٦١ / ١٣٩) من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم.]]، كلما ذكر شيئًا قالوا: الله ورسوله أمَنُّ، فالمنة لله علينا، على كل من هداه الله، على كل من أنعم الله عليه بنعمة، فالمنة لله عز وجل عليه.
وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: إن كنتم من ذوي الصدق، القائلين بالصدق؛ فاعرفوا هذا أن المنة لله عليكم.
﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
الحجرات 49:18
﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحجرات: ١٨]، أخبر الله بهذه الآية أنه يعلم كل ما غاب في السماوات والأرض، وما ظهر فهو من باب أولى.
وأخبر عز وجل أنه من جملة ما يعلمه عملُ بني آدم؛ ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، وهذه الآية تفيدُ مسألة عظيمة في سلوك الإنسان وعمله، وهو أن يعلم بأن الله تعالى بصير بعمله محيط به، فيخشى الله ويتقيه.
نسأل الله تعالى أن يَمُنَّ علينا وعليكم بالهداية والتوفيق.
ويا حبذا لو أن أحدكم تكلم على هذه السورة، واستنبط ما فيها من الآداب العظيمة، وجمعها، حتى تكون مرجعًا له عند الحاجة، ولقد رأيت بعض الناس ألَّف تأليفًا مستقلًّا فيما يستنبط من هذه الآيات الكريمة من الآداب والأخلاق، وهي جديرة بذلك.
نسأل الله أن يَمُنَّ علينا وعليكم بالأخلاق الفاضلة، والآداب العالية؛ إنه على كل شيء قدير.
ق 50:1
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومَن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
نبدأ هذا اللقاء بتفسير سورة ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾، حيث انتهينا -ولله الحمد- من تفسير سورة الحجرات.
أولًا: البسملة، سبق الكلام عليها، وأنها آية مستقلة يُؤْتَى بها في ابتداء كل سورة، إلا سورة براءة، فإن الصحابة -رضي الله عنهم- لم يكتبوا أمامها بسملة، ولكنهم جعلوا فاصلًا بينها وبين آخر سورة الأنفال.
وليس هناك ذِكْر يُذْكَر بدلًا عن البسملة، كما يوجد في هوامش بعض المصاحف، حيث كُتِبَ: أعوذ بالله من النار، ومن كيد الفجار، ومن غضب الجبار، العزة لله ولرسوله وللمؤمنين.
وهذا لا شك أنه كلام بِدْعِي لا أصل له ولا صحة له. يقول الله عز وجل، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق ١]، ﴿ق﴾ حرف من الحروف الهجائية التي يتركب منها الكلام العربي، وهي كسائر الحروف ليس لها معنى في حد ذاتها، ومن المعلوم أن القرآن نزل باللسان العربي، وإذا كانت هذه الحروف ليس لها معنى باللسان العربي فهي كذلك ليس لها معنى في كتاب الله عز وجل من حيث المعنى الذاتي (...).
وأما بالنسبة للمغزى العظيم الكبير فلها مغزى عظيم كبير، ألا وهو أن هذا القرآن الذي أعجز العرب مع بلاغتهم وفصاحتهم لم يأتِ بشيء جديد من حروف ليسوا يعرفونها، بل هو بالحروف التي يعرفونها، ومع ذلك عجزوا عن أن يأتوا بمثله، فدلَّ ذلك على أنه من كلام العزيز الحميد جل وعلا، ولهذا لا تكاد تجد سورة ابتُدِئت بهذه الحروف الهجائية إلا وبعدها ذِكْر القرآن.
هنا قال عز وجل: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾، (الواو) هنا حرف قسم، أقسم الله تعالى بالقرآن؛ لأن لله تعالى أن يقسم بما شاء، وإقسامه هنا بالقرآن إقسام بكلامه، وكلام الله تعالى من صفاته.
وقد ذكر أهل العلم -رحمهم الله- أنه يجوز الإقسام بالله تعالى، أو بصفة من صفاته، وأما آياته فلا يقسم بها إلا إذا قصد الإنسان بالآيات كلماته، كالقرآن الكريم، والتوراة، والإنجيل، وما أشبه ذلك، وأما الآيات الكونية كالشمس والقمر فلا يجوز لنا أن نقسم بها، أما الله عز وجل فله أن يقسم بما شاء.
﴿الْقُرْآنِ﴾ مأخوذ من (قَرَأ) إذا تلا، أو من (قَرَى) إذا جمع، ومنه: القرية؛ لأن الناس يجتمعون فيها، والقرآن يتضمن المعنيين؛ فهو مَتْلُوٌّ، وهو مجموع أيضًا.
﴿الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾، أي: ذو المجد، وهي العظمة والسلطان المطلق، فالقرآن له عظمته العظيمة، مهيمن مسيطر على جميع الكتب السابقة، حاكم عليها، ليس محكومًا عليه.
وهو أيضًا مجيد، به يمجد ويعلو ويظهر مَن تمسك به، وهذا كقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج ٢١، ٢٢] .
﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق ١، ٢]، هنا لا يتراءى للإنسان التالي جوابُ القسم، فاختلف العلماء -رحمهم الله- في مثل ذلك؛ هل له جواب، أو جوابه يُعْرَف من السياق، أو يُعْرَف مِن الْمُقْسَْم به؟ فيه أقوال متعددة للعلماء، وأظهر ما يكون أن نقول: إن مثل هذا التركيب لا يحتاج إلى جواب للقسم؛ لأنه معروف من عظمة الْمُقْسَم عليه، فكأنه أقسم بالقرآن على صحة القرآن.
فالقرآن المجيد لكونه مجيدًا كان دليلًا على أنه حق، وأنه مُنَزَّل من عند الله عز وجل، وحينئذ لا يحتاج القسم إلى جواب؛ لأن الجواب في ضمن القسم.
﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ، ﴿عَجِبُوا﴾ (الواو) تعود على المكذِّبين للرسول عليه الصلاة والسلام الذين كذَّبُوا رسالته، كذَّبُوا بالقرآن، كذَّبُوا بالبعث، كذَّبُوا باليوم الآخر، ولهذا ﴿عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾، ﴿عَجِبُوا﴾ عجب استغراب واستنكار، وإنما قلنا ذلك لأن العجب تارة يراد به الاستنكار والتكذيب، وتارة يراد به الاستحسان، فقول عائشة رضي الله عنها: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٦٨)، ومسلم (٢٦٨ / ٦٦).]]، المراد بالعجب هنا الاستحسان.
وقوله هنا: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾، المراد به الاستنكار والتكذيب.
﴿أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ ليس بعيدًا عنهم، هو منهم، نسبًا، وحَسَبًا، ومسكنًا، يعرفونه، ومع ذلك قالوا: ﴿هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾.
﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق ٣]، لما جاءهم محمد رسول الله ﷺ أخبرهم بأن الناس سوف يُبْعَثُون، وسوف يُجَازَوْنَ ويُحَاسَبُون تَعَجَّبُوا كيف هذا؟ أيحيا الإنسان بعد أن كان رُفَاتًا؟! ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾، ﴿إِذَا﴾ من المعروف أنها ظرفية، وكل ظرف يحتاج إلى عامل، فما عاملها؟ العامل محذوف دَلَّ عليه ما بعده، والتقدير: أئذا متنا وكنا ترابًا نرجع ونُبْعَث؟!
ثم قال: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾، ولهذا يحسن عند التلاوة أن تقف على قوله: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾؛ لأن قوله: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ جملة استئنافية لا علاقة لها من حيث الإعراب بما قبلها.
إذن ﴿إِذَا﴾ ظرف، وكل ظرف يحتاج إلى عامل، فأين العامل في الآية؟ محذوف، التقدير: أئذا متنا وكنا ترابًا نرجع ونُبْعَث؟! والاستفهام هنا بمعنى الإنكار والتكذيب، كأنهم يقولون: لا يمكن أن نرجع ونُبْعَث بعد أن كنا ترابًا وعظامًا، ولكن بَيَّنَ الله عز وجل أنه قادر على ذلك، فلما قالوا: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾، ومرادهم بالبعد هنا الاستحالة، هم يَرَوْنَ أن ذلك مستحيل، وربما تَلَطَّف بعضهم وقال: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾، فهم تارة يُنْكِرُون إنكارًا مطلقًا، ويقولون: هذا محال، وتارة يقولون: هذا بعيد.
ق 50:2
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومَن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
نبدأ هذا اللقاء بتفسير سورة ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾، حيث انتهينا -ولله الحمد- من تفسير سورة الحجرات.
أولًا: البسملة، سبق الكلام عليها، وأنها آية مستقلة يُؤْتَى بها في ابتداء كل سورة، إلا سورة براءة، فإن الصحابة -رضي الله عنهم- لم يكتبوا أمامها بسملة، ولكنهم جعلوا فاصلًا بينها وبين آخر سورة الأنفال.
وليس هناك ذِكْر يُذْكَر بدلًا عن البسملة، كما يوجد في هوامش بعض المصاحف، حيث كُتِبَ: أعوذ بالله من النار، ومن كيد الفجار، ومن غضب الجبار، العزة لله ولرسوله وللمؤمنين.
وهذا لا شك أنه كلام بِدْعِي لا أصل له ولا صحة له. يقول الله عز وجل، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق ١]، ﴿ق﴾ حرف من الحروف الهجائية التي يتركب منها الكلام العربي، وهي كسائر الحروف ليس لها معنى في حد ذاتها، ومن المعلوم أن القرآن نزل باللسان العربي، وإذا كانت هذه الحروف ليس لها معنى باللسان العربي فهي كذلك ليس لها معنى في كتاب الله عز وجل من حيث المعنى الذاتي (...).
وأما بالنسبة للمغزى العظيم الكبير فلها مغزى عظيم كبير، ألا وهو أن هذا القرآن الذي أعجز العرب مع بلاغتهم وفصاحتهم لم يأتِ بشيء جديد من حروف ليسوا يعرفونها، بل هو بالحروف التي يعرفونها، ومع ذلك عجزوا عن أن يأتوا بمثله، فدلَّ ذلك على أنه من كلام العزيز الحميد جل وعلا، ولهذا لا تكاد تجد سورة ابتُدِئت بهذه الحروف الهجائية إلا وبعدها ذِكْر القرآن.
هنا قال عز وجل: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾، (الواو) هنا حرف قسم، أقسم الله تعالى بالقرآن؛ لأن لله تعالى أن يقسم بما شاء، وإقسامه هنا بالقرآن إقسام بكلامه، وكلام الله تعالى من صفاته.
وقد ذكر أهل العلم -رحمهم الله- أنه يجوز الإقسام بالله تعالى، أو بصفة من صفاته، وأما آياته فلا يقسم بها إلا إذا قصد الإنسان بالآيات كلماته، كالقرآن الكريم، والتوراة، والإنجيل، وما أشبه ذلك، وأما الآيات الكونية كالشمس والقمر فلا يجوز لنا أن نقسم بها، أما الله عز وجل فله أن يقسم بما شاء.
﴿الْقُرْآنِ﴾ مأخوذ من (قَرَأ) إذا تلا، أو من (قَرَى) إذا جمع، ومنه: القرية؛ لأن الناس يجتمعون فيها، والقرآن يتضمن المعنيين؛ فهو مَتْلُوٌّ، وهو مجموع أيضًا.
﴿الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾، أي: ذو المجد، وهي العظمة والسلطان المطلق، فالقرآن له عظمته العظيمة، مهيمن مسيطر على جميع الكتب السابقة، حاكم عليها، ليس محكومًا عليه.
وهو أيضًا مجيد، به يمجد ويعلو ويظهر مَن تمسك به، وهذا كقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج ٢١، ٢٢] .
﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق ١، ٢]، هنا لا يتراءى للإنسان التالي جوابُ القسم، فاختلف العلماء -رحمهم الله- في مثل ذلك؛ هل له جواب، أو جوابه يُعْرَف من السياق، أو يُعْرَف مِن الْمُقْسَْم به؟ فيه أقوال متعددة للعلماء، وأظهر ما يكون أن نقول: إن مثل هذا التركيب لا يحتاج إلى جواب للقسم؛ لأنه معروف من عظمة الْمُقْسَم عليه، فكأنه أقسم بالقرآن على صحة القرآن.
فالقرآن المجيد لكونه مجيدًا كان دليلًا على أنه حق، وأنه مُنَزَّل من عند الله عز وجل، وحينئذ لا يحتاج القسم إلى جواب؛ لأن الجواب في ضمن القسم.
﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ، ﴿عَجِبُوا﴾ (الواو) تعود على المكذِّبين للرسول عليه الصلاة والسلام الذين كذَّبُوا رسالته، كذَّبُوا بالقرآن، كذَّبُوا بالبعث، كذَّبُوا باليوم الآخر، ولهذا ﴿عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾، ﴿عَجِبُوا﴾ عجب استغراب واستنكار، وإنما قلنا ذلك لأن العجب تارة يراد به الاستنكار والتكذيب، وتارة يراد به الاستحسان، فقول عائشة رضي الله عنها: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٦٨)، ومسلم (٢٦٨ / ٦٦).]]، المراد بالعجب هنا الاستحسان.
وقوله هنا: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾، المراد به الاستنكار والتكذيب.
﴿أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ ليس بعيدًا عنهم، هو منهم، نسبًا، وحَسَبًا، ومسكنًا، يعرفونه، ومع ذلك قالوا: ﴿هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾.
﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق ٣]، لما جاءهم محمد رسول الله ﷺ أخبرهم بأن الناس سوف يُبْعَثُون، وسوف يُجَازَوْنَ ويُحَاسَبُون تَعَجَّبُوا كيف هذا؟ أيحيا الإنسان بعد أن كان رُفَاتًا؟! ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾، ﴿إِذَا﴾ من المعروف أنها ظرفية، وكل ظرف يحتاج إلى عامل، فما عاملها؟ العامل محذوف دَلَّ عليه ما بعده، والتقدير: أئذا متنا وكنا ترابًا نرجع ونُبْعَث؟!
ثم قال: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾، ولهذا يحسن عند التلاوة أن تقف على قوله: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾؛ لأن قوله: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ جملة استئنافية لا علاقة لها من حيث الإعراب بما قبلها.
إذن ﴿إِذَا﴾ ظرف، وكل ظرف يحتاج إلى عامل، فأين العامل في الآية؟ محذوف، التقدير: أئذا متنا وكنا ترابًا نرجع ونُبْعَث؟! والاستفهام هنا بمعنى الإنكار والتكذيب، كأنهم يقولون: لا يمكن أن نرجع ونُبْعَث بعد أن كنا ترابًا وعظامًا، ولكن بَيَّنَ الله عز وجل أنه قادر على ذلك، فلما قالوا: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾، ومرادهم بالبعد هنا الاستحالة، هم يَرَوْنَ أن ذلك مستحيل، وربما تَلَطَّف بعضهم وقال: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾، فهم تارة يُنْكِرُون إنكارًا مطلقًا، ويقولون: هذا محال، وتارة يقولون: هذا بعيد.
ق 50:3
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومَن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
نبدأ هذا اللقاء بتفسير سورة ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾، حيث انتهينا -ولله الحمد- من تفسير سورة الحجرات.
أولًا: البسملة، سبق الكلام عليها، وأنها آية مستقلة يُؤْتَى بها في ابتداء كل سورة، إلا سورة براءة، فإن الصحابة -رضي الله عنهم- لم يكتبوا أمامها بسملة، ولكنهم جعلوا فاصلًا بينها وبين آخر سورة الأنفال.
وليس هناك ذِكْر يُذْكَر بدلًا عن البسملة، كما يوجد في هوامش بعض المصاحف، حيث كُتِبَ: أعوذ بالله من النار، ومن كيد الفجار، ومن غضب الجبار، العزة لله ولرسوله وللمؤمنين.
وهذا لا شك أنه كلام بِدْعِي لا أصل له ولا صحة له. يقول الله عز وجل، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق ١]، ﴿ق﴾ حرف من الحروف الهجائية التي يتركب منها الكلام العربي، وهي كسائر الحروف ليس لها معنى في حد ذاتها، ومن المعلوم أن القرآن نزل باللسان العربي، وإذا كانت هذه الحروف ليس لها معنى باللسان العربي فهي كذلك ليس لها معنى في كتاب الله عز وجل من حيث المعنى الذاتي (...).
وأما بالنسبة للمغزى العظيم الكبير فلها مغزى عظيم كبير، ألا وهو أن هذا القرآن الذي أعجز العرب مع بلاغتهم وفصاحتهم لم يأتِ بشيء جديد من حروف ليسوا يعرفونها، بل هو بالحروف التي يعرفونها، ومع ذلك عجزوا عن أن يأتوا بمثله، فدلَّ ذلك على أنه من كلام العزيز الحميد جل وعلا، ولهذا لا تكاد تجد سورة ابتُدِئت بهذه الحروف الهجائية إلا وبعدها ذِكْر القرآن.
هنا قال عز وجل: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾، (الواو) هنا حرف قسم، أقسم الله تعالى بالقرآن؛ لأن لله تعالى أن يقسم بما شاء، وإقسامه هنا بالقرآن إقسام بكلامه، وكلام الله تعالى من صفاته.
وقد ذكر أهل العلم -رحمهم الله- أنه يجوز الإقسام بالله تعالى، أو بصفة من صفاته، وأما آياته فلا يقسم بها إلا إذا قصد الإنسان بالآيات كلماته، كالقرآن الكريم، والتوراة، والإنجيل، وما أشبه ذلك، وأما الآيات الكونية كالشمس والقمر فلا يجوز لنا أن نقسم بها، أما الله عز وجل فله أن يقسم بما شاء.
﴿الْقُرْآنِ﴾ مأخوذ من (قَرَأ) إذا تلا، أو من (قَرَى) إذا جمع، ومنه: القرية؛ لأن الناس يجتمعون فيها، والقرآن يتضمن المعنيين؛ فهو مَتْلُوٌّ، وهو مجموع أيضًا.
﴿الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾، أي: ذو المجد، وهي العظمة والسلطان المطلق، فالقرآن له عظمته العظيمة، مهيمن مسيطر على جميع الكتب السابقة، حاكم عليها، ليس محكومًا عليه.
وهو أيضًا مجيد، به يمجد ويعلو ويظهر مَن تمسك به، وهذا كقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج ٢١، ٢٢] .
﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق ١، ٢]، هنا لا يتراءى للإنسان التالي جوابُ القسم، فاختلف العلماء -رحمهم الله- في مثل ذلك؛ هل له جواب، أو جوابه يُعْرَف من السياق، أو يُعْرَف مِن الْمُقْسَْم به؟ فيه أقوال متعددة للعلماء، وأظهر ما يكون أن نقول: إن مثل هذا التركيب لا يحتاج إلى جواب للقسم؛ لأنه معروف من عظمة الْمُقْسَم عليه، فكأنه أقسم بالقرآن على صحة القرآن.
فالقرآن المجيد لكونه مجيدًا كان دليلًا على أنه حق، وأنه مُنَزَّل من عند الله عز وجل، وحينئذ لا يحتاج القسم إلى جواب؛ لأن الجواب في ضمن القسم.
﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ، ﴿عَجِبُوا﴾ (الواو) تعود على المكذِّبين للرسول عليه الصلاة والسلام الذين كذَّبُوا رسالته، كذَّبُوا بالقرآن، كذَّبُوا بالبعث، كذَّبُوا باليوم الآخر، ولهذا ﴿عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾، ﴿عَجِبُوا﴾ عجب استغراب واستنكار، وإنما قلنا ذلك لأن العجب تارة يراد به الاستنكار والتكذيب، وتارة يراد به الاستحسان، فقول عائشة رضي الله عنها: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٦٨)، ومسلم (٢٦٨ / ٦٦).]]، المراد بالعجب هنا الاستحسان.
وقوله هنا: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾، المراد به الاستنكار والتكذيب.
﴿أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ ليس بعيدًا عنهم، هو منهم، نسبًا، وحَسَبًا، ومسكنًا، يعرفونه، ومع ذلك قالوا: ﴿هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾.
﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق ٣]، لما جاءهم محمد رسول الله ﷺ أخبرهم بأن الناس سوف يُبْعَثُون، وسوف يُجَازَوْنَ ويُحَاسَبُون تَعَجَّبُوا كيف هذا؟ أيحيا الإنسان بعد أن كان رُفَاتًا؟! ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾، ﴿إِذَا﴾ من المعروف أنها ظرفية، وكل ظرف يحتاج إلى عامل، فما عاملها؟ العامل محذوف دَلَّ عليه ما بعده، والتقدير: أئذا متنا وكنا ترابًا نرجع ونُبْعَث؟!
ثم قال: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾، ولهذا يحسن عند التلاوة أن تقف على قوله: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾؛ لأن قوله: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ جملة استئنافية لا علاقة لها من حيث الإعراب بما قبلها.
إذن ﴿إِذَا﴾ ظرف، وكل ظرف يحتاج إلى عامل، فأين العامل في الآية؟ محذوف، التقدير: أئذا متنا وكنا ترابًا نرجع ونُبْعَث؟! والاستفهام هنا بمعنى الإنكار والتكذيب، كأنهم يقولون: لا يمكن أن نرجع ونُبْعَث بعد أن كنا ترابًا وعظامًا، ولكن بَيَّنَ الله عز وجل أنه قادر على ذلك، فلما قالوا: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾، ومرادهم بالبعد هنا الاستحالة، هم يَرَوْنَ أن ذلك مستحيل، وربما تَلَطَّف بعضهم وقال: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾، فهم تارة يُنْكِرُون إنكارًا مطلقًا، ويقولون: هذا محال، وتارة يقولون: هذا بعيد.
ق 50:4
قال الله تعالى مُبَيِّنًا قدرته على ذلك: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ [ق ٤]، الأرض تأكل الإنسان إذا مات، فالله تعالى يعلم ما تنقص الأرض منه، من أجزاء بدنه، ذرة بعد ذرة، ولو أكلته الأرض.
وقوله: ﴿مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ قد يفيد أنها لا تأكل كل الجسم، وفي ذلك تفصيل؛ أما الأنبياء فإن الأرض لا تأكلهم مهما داموا في قبورهم؛ لقول النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ»[[أخرجه أبو داود (١٠٤٧)، والنسائي (١٣٧٤)، وابن ماجه (١٦٣٦) من حديث أوس بن أوس.]].
وأما غيرهم فقد يبقى الجسم مدة طويلة لا تأكله الأرض إلى ما شاء الله، وقد تأكله الأرض، لكن إذا أكلته الأرض فإنه يبقى عَجْبُ الذَّنَب، وعَجْب الذَّنَب هو عبارة عن جزء يسير من العظم في أسفل الظهر، هذا يبقى بإذن الله لا تأكله الأرض، كأنه يكون نواة للجسم عند بعثه يوم القيامة، فإن منه يخلق الآدمي في قبره، فإذا تَمَّ نُفِخَ في الصور، ثم قاموا من قبورهم لله عز وجل.
﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾، وإذا كان الله تعالى عالِمًا بما نقصت الأرض فهو قادر على أن يرد هذا الذي نقصته الأرض عند البعث.
﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق ٤] عند الله تعالى، ﴿كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ أي: حافظ لكل شيء، قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار ٩ - ١٢].
ق 50:5
قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [ق ٥]، ﴿بَلْ﴾ هنا للإضراب الانتقالي، وليست للإضراب الإبطالي؛ لأن الأول ثابت، والثاني زائد عليه، وهذا هو الفرق بين (بل) التي لإضراب الإبطال، وبين (بل) التي لإضراب الانتقال، فصارت (بل) للإضراب دائمًا، لكن إن كانت تُبْطِل الأول فسموها إضراب إبطال، وإن كانت لا تبطله فهو إضراب انتقال، كأنه انتقل من موضوع إلى آخر.
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾، ولكن قلوبهم موقنة، إلا أن ألسنتهم تُكَذِّب، كما قال تعالى عن آل فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل ١٤].
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾، و﴿لَمَّا﴾ هنا: بمعنى حين، فهي ظرف وليست حرفًا.
﴿لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾، (الفاء) هنا للتعقيب والسببية، والمعنى: فَهُم لما كَذَّبُوا بالحق ﴿فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ أي: مختلط، اختلط عليهم الأمر -والعياذ بالله- وهذا كقوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يعني: لأنهم لم يؤمنوا به أول مرة، ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام ١١٠]، هؤلاء لما كَذَّبُوا صاروا في أمرٍ مَرِيج، التبس عليهم الأمر، تردَّدُوا في أمرهم.
وهكذا كل إنسان يرد الحق أول مرة فليعلم أنه سيُبْتَلَى بالشك والريب في قبول الحق في المستقبل.
ولهذا يجب علينا من حين أن نسمع أن هذا الشيء حق أن نقول: سمعنا وأطعنا، خلافًا لبعض الناس الآن، تقول له: أمر الرسول بهذا، يقول: طيب، الأمر للإيجاب ولَّا للاستحباب؟ سبحان الله! افعل ما أمرك به سواء على الوجوب أو على الاستحباب.
فإذا تَرَدَّدْتَ؛ لأن معنى قوله: هل هو للوجوب أو للاستحباب؟ معناه: إذا كان للاستحباب فأنا في حِلٍّ منه، إذا كان للوجوب فعلته، غلط هذا، قل: سمعنا وأطعنا، ثم إذا وقعت المخالفة فحينئذ ربما يكون السؤال عنه، هل هو واجب أو مستحب، ربما يكون وجيهًا، أما قبل فلا.
قد يقول قائل: أنا أسأل هل هو واجب أو مستحب؛ لأن هناك فرقًا بين الواجب والمستحب أيهما أحب إلى الله؟ الواجب أحب إلى الله، فأنا أفعله من أجل إذا اعتقدت أنه واجب أُثَابُ عليه ثواب واجب، وإذا اعتقدت أنه سنة أُثَاب عليه ثواب سنة.
قلنا: نعم، هذا طيب، لكن ثواب انقيادك للحق لأول مرة وبكل سهولة وبدون سؤال أفضل من أن كونك تعتقده واجبًا أو مستحبًّا، وإذا كان الله قد أوجبه عليك أثابك ثواب الواجب، وإن كنت لا تدري فالانقياد وتمام الانقياد أفضل بكثير من كوني أعتقد هذا واجبًا أو مستحبًّا.
يقول عز وجل: ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾، ثم قال: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ﴾ [ق ٦] استدل بالآيات الكونية على صحة الآيات الشرعية، ويأتي إن شاء الله الكلام عليها في الجلسة القادمة (...).
ق 50:6
وقد وصلنا إلى قوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾، قال الله عز وجل: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق ٦]، الاستفهام هنا للتوبيخ، يُوَبِّخُهم عز وجل، لماذا لم ينظروا في هذا؟ لماذا لم ينظروا إلى السماء وما فيها من عجائب القدرة الدالَّة على أن الله تعالى قادر على إحياء الموتى الذي أنكره هؤلاء المكذِّبُون.
وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ﴾ يشمل نظر البصر، ونظر البصيرة؛ نظر البصر يكون بالعين، ونظر البصيرة يكون بالقلب، وهو التَّفَكُّر.
وقوله: ﴿إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾، قد يقول قائل: إن كلمة ﴿فَوْقَهُمْ﴾ لا فائدة منها؛ لأن السماء معروفة أنها فوق، ولكن نقول: إن النص على كونها فوقهم إشارة إلى عظمة هذه السماء، وأنها مع عُلُوِّهَا وارتفاعها وسعتها وعظمتها تدل على كمال خالقها وقدرته جل وعلا.
﴿كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾، بناها الله عز وجل بقوة، وجعلها قوية، فقال جل وعلا: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ [النبأ ١٢]، أي: قوية، وقال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾، أي: بقوة، ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات ٤٧].
وهذا البناء لا نعلم كيف بناه الله عز وجل، لكننا نعلم أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، خلق الأرض في أربعة، والسماء في يومين، كما قال تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت ١٢].
وقوله: ﴿وَزَيَّنَّاهَا﴾، أي: حَسَّنَّا منظرها بما خلق الله تعالى فيها من النجوم العظيمة المنيرة المنتظمة في سيرها، وهذه النجوم قال قتادة -رحمه الله، وهو من أئمة التابعين- قال رحمه الله: خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء، وعلامات يُهْتَدَى بها، ورجومًا للشياطين، فمن ابتغى فيها شيئًا سوى ذلك فقد أضاع نصيبه، وتكلَّف ما لا علم له به[[أخرجه الطبري في التفسير (٢٣ / ١٢٣).]]، يشير إلى ما ينتحله الْمُنَجِّمُون من الاستدلال بحركات هذه النجوم على الحوادث الأرضية، حتى إنهم يبنون سعادة الشخص وشقاءه على هذه النجوم، مثلًا يقولون: إذا وُلِدَ في النجم الفلاني فهو سعيد، وإذا وُلِدَ في النجم الفلاني فهو شقي، وهذا لا أثر له، أعني تحركات النجوم في السماء ليس لها أثر فيما يحدث في الأرض.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾، يعني: ليس في السماء من فروج، أي: من فُطُور وتَشَقُّق، بل هي مبنية مُحْكَمَة قوية.
ق 50:7
﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: ٧]، هذه ثلاثة أمور: أولًا: الأرض مَدَّهَا الله عز وجل مع أنها بالنسبة للسماء صغيرة جدًّا، لكنها ممدودة للخلق مسطحة لهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية ٢٠].
ثانيًا: ﴿أَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾، أي: جبالًا ثابتات لا تزعزعها الرياح فهي راسية، وكذلك أيضًا مُرْسِيَة للأرض.
﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾، أي: من كل زوج سارٍّ لناظره، والمراد بالزوج هنا الصنف، يعني أن ما ينبت في الأرض أصناف متعددة متنوعة، حتى إنك ترى البقعة من الأرض وهي صغيرة تشتمل على أنواع من هذه الأصناف تختلف في ألوانها، وتختلف في أحجامها، وتختلف في ملمسها ما بين شديدة ولينة، إلى غير ذلك من الاختلافات العظيمة، بل إنها تختلف حتى في مذاقها إذا كانت من ذوات الثمر، كما قال تعالى: ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ [الرعد ٤]، فمن القادر على هذا؟
* طالب: القادر على؟
* الشيخ: على أن يخلق هذه الأشياء اللي فيها من كل زوج بهيج مع أنها في مكان واحد، وتُسْقَى بماء واحد، والأرض أيضًا واحدة؟ الجواب: هو الله عز وجل، مَن يقدر على هذا؟ إنك تأتي الأرض الْمُعْشِبَة التي أنبت الله تعالى فيها من أصناف النبات فتتعجب، ترى هذه -مثلًا- زهرتها صفراء، وهذه بيضاء، وهذه بنفسجية، وهذه منفتحة، وهذه منضمة، إلى غير ذلك من الآيات العظيمة، فهذا أكبر دليل على أن الله قادر على إحياء الموتى الذي أنكره هؤلاء الْمُكَذِّبُون لرسول الله ﷺ، وقالوا: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق ٣]، فالقادر على خلق هذه المخلوقات العظيمة قادر على إحياء الموتى.
ثم يقال: من الذي خلق الإنسان؟ هو الله، وإعادة الخلق أهون من ابتدائه، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧]، فإذا كنتم -أيها المشركون- تُقِرُّون بأن الله هو الخالق، وأنه هو الذي خلقكم وأوجدكم، فلماذا تنكرون أن يعيدكم الله، مع أن أمره إذا أراد شيئًا فإنما يقول له: كن، فيكون.
ق 50:8
قال الله تعالى: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق ٨]، يعني أن الله تعالى حَثَّنَا على أن ننظر إلى السماء وإلى الأرض وما يحدث فيهما.
﴿تَبْصِرَةً﴾ أي: لأجل التبصرة والذكرى، قال العلماء: الفرق بين التبصرة والذكرى أن التبصرة مستمرة، والذكرى عند النسيان، فهذه الآيات تُذَكِّرُك إذا نسيت، وتُبَصِّرك إذا جهلت، وقد يقال: إن الفرق بينهما أن التبصرة في مقابل الجهل، والذِّكْرَى في مقابل النسيان، وكلا القولين حق.
المهم أنك إذا نظرت إلى السماء وإلى الأرض وما فيها مما أودعه الله عز وجل من النبات فإنك سوف تُبْصِر بقلبك وتذكر أيضًا إذا نسيت، ولكن لمن هذه التبصرة والذِّكْرَى؟ ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ ليست لكل إنسان، ما أكثر ما ينظر الكفار في الآيات ولكن ﴿مَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ١٠١]، إنما الذي ينتفع بها هم ﴿كُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ أي: رَجَّاع إلى الله عز وجل.
ثم قال عز وجل: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق ٩] نقف على هذا إلى الدرس القادم، أو اللقاء القادم إن شاء الله (...).
ق 50:9
نبتدئ هذا اللقاء بما تيسر من الكلام على آيات من سورة (ق) هي قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ [ق ٩ - ١١].
يقول: ﴿نَزَّلْنَا﴾؛ لأن المطر ينزل شيئًا فشيئًا، وربما يُعَبَّر عنه بـ(أنزل)؛ لأنه تجري به الأودية والشعاب.
وقوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: من العُلُوّ؛ لأن هذا المطر ينزل من السحاب، وليس من السماء التي هي السقف المحفوظ، بدليل قوله تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة ١٦٤]، إذن هو ينزل من العلو، والحكمة في إنزاله من العلو ليشمل قمم الجبال، ومراتع الإبل، والسهل، والأودية؛ لأنه لو جاء يمشي سيحًا على الأرض ما وصل إلى قمم الجبال، ولكن الله عز وجل جعله من فوق.
وقوله: ﴿مَاءً مُبَارَكًا﴾ من بركته أنه ينبت الله به ﴿جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾، الجنات هي البساتين الكثيرة الأشجار، وسُمِّيَت البساتين الكثيرة الأشجار جنات لأنها تُجِنُّ، أي: تستر ما تحتها، وكل بستان ذي شجر مُلْتَفّ بعضه إلى بعض يُسَمَّى جنة.
وأما قوله: ﴿حَبَّ الْحَصِيدِ﴾ يعني به الزروع التي تُحْصَد، فذكر الله هنا الأشجار والزروع، فمن الأشجار تجذ الثمار، ومن الزروع تحصد الحبوب.
﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق ١٠]، خَصَّ الله النخل لأنها أشرف الأشجار، ولهذا شبه بها المؤمن، حيث قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً مَثَلُهَا مَثَلُ الْمُؤْمِنِ»، قال ابن عمر رضي الله عنهما: فذهب الناس يخوضون في شجر البوادي -كلٌّ يقول: هي الشجرة الفلانية- يقول ابن عمر: فوقع في قلبي أنها النخلة، لكني كنت أصغر القوم -يعني: فاستحيا أن يتكلم وهو أصغرهم- فقال النبي ﷺ: «هِيَ النَّخْلَةُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦١)، ومسلم (٢٨١١ / ٦٣).]]، وهي الشجرة المذكورة في قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم ٢٤]، فلهذا خَصَّهَا هنا بالذِّكْر، فقال: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾، أي: عاليات.
﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ أي: منضود، فالطلع في شماريخه تجده منضودًا من أحسن ما يكون من النضد، ومع ذلك تجد هذه الثمرات تُسْقَى بالشمراخ الدقيق اللين مع أنه قد يكون فيه أحيانًا فوق ثلاثين حبة أو أكثر.
﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ [ق ١٠، ١١] أي: فعلنا ذلك؛ أنزلنا من السماء ماء ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾، فعلنا ذلك ﴿رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾، أي: عطاءً وفضلًا للعباد، والعباد هنا يشمل العباد المؤمنين والعباد الكافرين؛ لأن الكافر عبد لله، كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣]، والمراد هنا: العبودية الكونية القدرية، أما العبودية الشرعية فلا يكون عبدًا لله إلا مَن كان ممتثلًا لأمره، مجتنبًا لنهيه، مصدِّقًا بخبره.
إذن ﴿لِلْعِبَادِ﴾ يشمل الكفار والمؤمنين.
﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [ق ١١]، ﴿أَحْيَيْنَا بِهِ﴾ أي: بالماء الذي نَزَّلْنَاه من السماء، ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾، ﴿بَلْدَةً﴾ لما كانت مُؤَنَّثَة اللفظ مُذَكَّرة المعنى صح أن تُوصَف بوصف مُذَكَّر، ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أي: بلدًا ميتًا، أحياه بهذا الماء الذي نزل من السماء، كيف إحياؤه؟ تجد الأرض هامدة خاشعة ليس فيها نبات، فإذا أنزل الله المطر عَجَّت بالنبات واخضَرَّت وازدهرت، فهذه حياة بعد الموت.
﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾، أي: مثل ذلك الإحياء خروج الناس من قبورهم لله عز وجل، وإنما ذكر الله تعالى الخروج؛ لأن من عباد الله مَن أنكر ذلك، ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن ٧]، وحجتهم أنهم قالوا: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨]، كيف تحيي العظام بعد أن رَمَّت وصارت ترابًا؟! هذا مُسْتَنْكَر عندهم بعيد، ولكن الله سبحانه وتعالى بَيَّنَ أنه ليس ببعيد، وأنه كما يشاهدون الأرض الميتة ينزل عليها المطر فتحيا، إذن فالقادر على إحياء الأرض بعد موتها بنزول المطر قادر على إحياء الأموات بعد موتها، وهذا قياس جلي واضح.
ق 50:10
نبتدئ هذا اللقاء بما تيسر من الكلام على آيات من سورة (ق) هي قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ [ق ٩ - ١١].
يقول: ﴿نَزَّلْنَا﴾؛ لأن المطر ينزل شيئًا فشيئًا، وربما يُعَبَّر عنه بـ(أنزل)؛ لأنه تجري به الأودية والشعاب.
وقوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: من العُلُوّ؛ لأن هذا المطر ينزل من السحاب، وليس من السماء التي هي السقف المحفوظ، بدليل قوله تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة ١٦٤]، إذن هو ينزل من العلو، والحكمة في إنزاله من العلو ليشمل قمم الجبال، ومراتع الإبل، والسهل، والأودية؛ لأنه لو جاء يمشي سيحًا على الأرض ما وصل إلى قمم الجبال، ولكن الله عز وجل جعله من فوق.
وقوله: ﴿مَاءً مُبَارَكًا﴾ من بركته أنه ينبت الله به ﴿جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾، الجنات هي البساتين الكثيرة الأشجار، وسُمِّيَت البساتين الكثيرة الأشجار جنات لأنها تُجِنُّ، أي: تستر ما تحتها، وكل بستان ذي شجر مُلْتَفّ بعضه إلى بعض يُسَمَّى جنة.
وأما قوله: ﴿حَبَّ الْحَصِيدِ﴾ يعني به الزروع التي تُحْصَد، فذكر الله هنا الأشجار والزروع، فمن الأشجار تجذ الثمار، ومن الزروع تحصد الحبوب.
﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق ١٠]، خَصَّ الله النخل لأنها أشرف الأشجار، ولهذا شبه بها المؤمن، حيث قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً مَثَلُهَا مَثَلُ الْمُؤْمِنِ»، قال ابن عمر رضي الله عنهما: فذهب الناس يخوضون في شجر البوادي -كلٌّ يقول: هي الشجرة الفلانية- يقول ابن عمر: فوقع في قلبي أنها النخلة، لكني كنت أصغر القوم -يعني: فاستحيا أن يتكلم وهو أصغرهم- فقال النبي ﷺ: «هِيَ النَّخْلَةُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦١)، ومسلم (٢٨١١ / ٦٣).]]، وهي الشجرة المذكورة في قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم ٢٤]، فلهذا خَصَّهَا هنا بالذِّكْر، فقال: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾، أي: عاليات.
﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ أي: منضود، فالطلع في شماريخه تجده منضودًا من أحسن ما يكون من النضد، ومع ذلك تجد هذه الثمرات تُسْقَى بالشمراخ الدقيق اللين مع أنه قد يكون فيه أحيانًا فوق ثلاثين حبة أو أكثر.
﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ [ق ١٠، ١١] أي: فعلنا ذلك؛ أنزلنا من السماء ماء ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾، فعلنا ذلك ﴿رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾، أي: عطاءً وفضلًا للعباد، والعباد هنا يشمل العباد المؤمنين والعباد الكافرين؛ لأن الكافر عبد لله، كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣]، والمراد هنا: العبودية الكونية القدرية، أما العبودية الشرعية فلا يكون عبدًا لله إلا مَن كان ممتثلًا لأمره، مجتنبًا لنهيه، مصدِّقًا بخبره.
إذن ﴿لِلْعِبَادِ﴾ يشمل الكفار والمؤمنين.
﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [ق ١١]، ﴿أَحْيَيْنَا بِهِ﴾ أي: بالماء الذي نَزَّلْنَاه من السماء، ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾، ﴿بَلْدَةً﴾ لما كانت مُؤَنَّثَة اللفظ مُذَكَّرة المعنى صح أن تُوصَف بوصف مُذَكَّر، ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أي: بلدًا ميتًا، أحياه بهذا الماء الذي نزل من السماء، كيف إحياؤه؟ تجد الأرض هامدة خاشعة ليس فيها نبات، فإذا أنزل الله المطر عَجَّت بالنبات واخضَرَّت وازدهرت، فهذه حياة بعد الموت.
﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾، أي: مثل ذلك الإحياء خروج الناس من قبورهم لله عز وجل، وإنما ذكر الله تعالى الخروج؛ لأن من عباد الله مَن أنكر ذلك، ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن ٧]، وحجتهم أنهم قالوا: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨]، كيف تحيي العظام بعد أن رَمَّت وصارت ترابًا؟! هذا مُسْتَنْكَر عندهم بعيد، ولكن الله سبحانه وتعالى بَيَّنَ أنه ليس ببعيد، وأنه كما يشاهدون الأرض الميتة ينزل عليها المطر فتحيا، إذن فالقادر على إحياء الأرض بعد موتها بنزول المطر قادر على إحياء الأموات بعد موتها، وهذا قياس جلي واضح.
ق 50:11
نبتدئ هذا اللقاء بما تيسر من الكلام على آيات من سورة (ق) هي قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ [ق ٩ - ١١].
يقول: ﴿نَزَّلْنَا﴾؛ لأن المطر ينزل شيئًا فشيئًا، وربما يُعَبَّر عنه بـ(أنزل)؛ لأنه تجري به الأودية والشعاب.
وقوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: من العُلُوّ؛ لأن هذا المطر ينزل من السحاب، وليس من السماء التي هي السقف المحفوظ، بدليل قوله تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة ١٦٤]، إذن هو ينزل من العلو، والحكمة في إنزاله من العلو ليشمل قمم الجبال، ومراتع الإبل، والسهل، والأودية؛ لأنه لو جاء يمشي سيحًا على الأرض ما وصل إلى قمم الجبال، ولكن الله عز وجل جعله من فوق.
وقوله: ﴿مَاءً مُبَارَكًا﴾ من بركته أنه ينبت الله به ﴿جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾، الجنات هي البساتين الكثيرة الأشجار، وسُمِّيَت البساتين الكثيرة الأشجار جنات لأنها تُجِنُّ، أي: تستر ما تحتها، وكل بستان ذي شجر مُلْتَفّ بعضه إلى بعض يُسَمَّى جنة.
وأما قوله: ﴿حَبَّ الْحَصِيدِ﴾ يعني به الزروع التي تُحْصَد، فذكر الله هنا الأشجار والزروع، فمن الأشجار تجذ الثمار، ومن الزروع تحصد الحبوب.
﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق ١٠]، خَصَّ الله النخل لأنها أشرف الأشجار، ولهذا شبه بها المؤمن، حيث قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً مَثَلُهَا مَثَلُ الْمُؤْمِنِ»، قال ابن عمر رضي الله عنهما: فذهب الناس يخوضون في شجر البوادي -كلٌّ يقول: هي الشجرة الفلانية- يقول ابن عمر: فوقع في قلبي أنها النخلة، لكني كنت أصغر القوم -يعني: فاستحيا أن يتكلم وهو أصغرهم- فقال النبي ﷺ: «هِيَ النَّخْلَةُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦١)، ومسلم (٢٨١١ / ٦٣).]]، وهي الشجرة المذكورة في قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم ٢٤]، فلهذا خَصَّهَا هنا بالذِّكْر، فقال: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾، أي: عاليات.
﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ أي: منضود، فالطلع في شماريخه تجده منضودًا من أحسن ما يكون من النضد، ومع ذلك تجد هذه الثمرات تُسْقَى بالشمراخ الدقيق اللين مع أنه قد يكون فيه أحيانًا فوق ثلاثين حبة أو أكثر.
﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ [ق ١٠، ١١] أي: فعلنا ذلك؛ أنزلنا من السماء ماء ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾، فعلنا ذلك ﴿رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾، أي: عطاءً وفضلًا للعباد، والعباد هنا يشمل العباد المؤمنين والعباد الكافرين؛ لأن الكافر عبد لله، كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣]، والمراد هنا: العبودية الكونية القدرية، أما العبودية الشرعية فلا يكون عبدًا لله إلا مَن كان ممتثلًا لأمره، مجتنبًا لنهيه، مصدِّقًا بخبره.
إذن ﴿لِلْعِبَادِ﴾ يشمل الكفار والمؤمنين.
﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [ق ١١]، ﴿أَحْيَيْنَا بِهِ﴾ أي: بالماء الذي نَزَّلْنَاه من السماء، ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾، ﴿بَلْدَةً﴾ لما كانت مُؤَنَّثَة اللفظ مُذَكَّرة المعنى صح أن تُوصَف بوصف مُذَكَّر، ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أي: بلدًا ميتًا، أحياه بهذا الماء الذي نزل من السماء، كيف إحياؤه؟ تجد الأرض هامدة خاشعة ليس فيها نبات، فإذا أنزل الله المطر عَجَّت بالنبات واخضَرَّت وازدهرت، فهذه حياة بعد الموت.
﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾، أي: مثل ذلك الإحياء خروج الناس من قبورهم لله عز وجل، وإنما ذكر الله تعالى الخروج؛ لأن من عباد الله مَن أنكر ذلك، ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن ٧]، وحجتهم أنهم قالوا: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨]، كيف تحيي العظام بعد أن رَمَّت وصارت ترابًا؟! هذا مُسْتَنْكَر عندهم بعيد، ولكن الله سبحانه وتعالى بَيَّنَ أنه ليس ببعيد، وأنه كما يشاهدون الأرض الميتة ينزل عليها المطر فتحيا، إذن فالقادر على إحياء الأرض بعد موتها بنزول المطر قادر على إحياء الأموات بعد موتها، وهذا قياس جلي واضح.
ق 50:12
﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [ق: ١١ - ١٤] ذَكَرَ الله هؤلاء المكذِّبين لفائدتين؛ الفائدة الأولى: تسلية الرسول ﷺ بأنه ليس أول رسول كُذِّبَ، بل قد كُذِّبَت الرسل من قبله، كما قال تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت ٤٣]، قيل: إنه شاعر، وقيل: إنه مجنون، وقيل: إنه كاهن، وقد قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات ٥٢].
هذه فائدة لذِّكْر قصص الأمم السابقة، وهي تسلية النبي ﷺ؛ لأن الإنسان إذا رأى غيره قد أصيب بمثل مصيبته يتسلى بلا شك، وتهون عليه المصيبة.
الفائدة الثانية: تحذير المكذِّبين للرسول ﷺ، ولهذا قال في آخر ما ذكر: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾، أي: حق عليهم وعيد الله بالعذاب، وقد قال عز وجل: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت ٤٠]، يعني: كل واحد من هذه الأمم جُوزِيَ بمثل ذنبه فعُوقِبَ بمثل ذنبه، مثلًا ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ﴾، قوم نوح كذَّبوا نوحًا عليه الصلاة والسلام، وقد لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، يعني تسعمئة وخمسين سنة وهو يدعوهم إلى الله عز وجل، ولكن لم يستفيدوا من ذلك شيئًا، كلما دعاهم ليغفر الله لهم ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾: تغطوا، ﴿وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ [نوح ٧]، وبقي فيهم هذه المدة، وقد قال الله تعالى في النهاية: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود ٤٠].
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ﴾، ﴿أَصْحَابُ الرَّسِّ﴾ قوم جاءهم نبيهم ولكنهم قتلوه بالرَّسّ؛ وهي البئر، أي: حفروا بئرًا ودفنوه، هذا قول، والقول الثاني: أصحاب الرَّسّ يعني أنهم قوم حول ماء، وليسوا بالكثرة الكاثرة، ومع هذا كذَّبُوا رسولهم.
﴿وَثَمُودُ﴾ وهم قوم صالح في بلاد الحجر المعروفة، كذَّبُوا صالحًا وقالوا: ﴿ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف ٧٧]، وهذا تَحَدٍّ، فماذا فعل الله بهم؟ أرسل عليهم صيحة ورجفة، ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [هود ٦٧].
﴿وَعَادٌ﴾ [ق ١٣]، كذلك أيضًا عادٌ أرسل الله إليهم هودًا فكذَّبُوه، فأهلكهم الله عز وجل بالريح، أرسل الله عليهم ﴿الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات ٤١، ٤٢].
وكانوا يفتخرون بقوتهم، يقولون: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥]، فأراهم الله عز وجل قوته، وأهلكهم بالريح اللطيفة التي لا يُرَى لها جسم، ومع ذلك دمرتهم تدميرًا.
﴿وَفِرْعَوْنُ﴾ الذي أرسل الله إليه نبيه موسى عليه الصلاة والسلام، وكان معروفًا بالجبروت والعناد والاستكبار، حتى إنه استخف قومه، وقال لهم: إنه رب، قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات ٢٤]، فأطاعوه، فجاءهم موسى عليه الصلاة والسلام بالآيات البينات، ولكنهم كذَّبُوا، وأراهم الله تعالى آية، كانوا يفتخرون بما يضاد ما جاء به موسى؛ وهو السحر، فجمعوا لموسى عليه الصلاة والسلام كل السحرة في مصر، واجتمعوا وألقوا الحبال والعصي، وألقوا عليها السحر، فصار الناس يشاهدون هذه الحبال والعصي وكأنها حيات وثعابين، ورهب الناس، كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف ١١٦]، حتى إن موسى عليه الصلاة والسلام أوجس في نفسه خِيفَة، يعني يشاهد أن كل الجو حوله ثعابين تريد أن تلتهم ما تقابله، فأوحى الله تعالى إلى موسى: ﴿أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [الأعراف ١١٧]، فألقى العصا، فالتهمت جميع هذه الحيات، وهذا من آيات الله؛ إذ إن الحية -كما هو معروف- ليست بذاك الكِبَر، لكن تأكل هذا وكأن هذا يذهب بخارًا إذا أكلت هذه الحبال والعصي، السحرة رأوا أمرًا أدهشهم، ولم يملكوا أنفسهم إلا أن يؤمنوا، ومع ذلك إيمانًا تامًّا، أُلْقِيَ السحرة ساجدين.
وتأمل قوله تعالى: ﴿أُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ [الأعراف ١٢٠]، ولم يقل: سجدوا، كأن هذا شيء اضطرهم إلى السجود، كأنهم سجدوا بغير اختيار؛ لقوة ما رأوا من الآية العظيمة، ومع هذه الآية البينة الواضحة على صدق موسى عليه الصلاة والسلام لم يؤمن فرعون، وقال: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾ [الشعراء ٥٤، ٥٥] فهَمَّ بأن يهجم على موسى ومَن معه من المؤمنين، فأمر الله موسى أن يخرج من مصر إلى جهة المشرق نحو البحر الأحمر، فامتثل أمر الله، خرج من مصر إلى هذه الناحية، فتبعهم فرعون بجنوده على حنق يريد أن يقضي على موسى وقومه، فلما وصلوا إلى البحر قال قوم موسى له: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا﴾، يعني: لن نُدْرَك، ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء ٦٢]، فأوحى الله إليه أن يضرب بعصاه البحر الذي عَرْضُه مسافات طويلة، فضرب البحر فانفلق البحر اثني عشر طريقًا، وصارت قِطَع الماء كأنها الجبال، وصارت هذه الطرق التي كانت ريًّا من الماء وطينًا زلقًا صارت طريقًا يبسًا بإذن الله بلحظة، فدخل موسى وقومه عابرين من أفريقيا إلى آسيا من طريق البحر، فلما تكاملوا داخلين وخارجين إلى الناحية الشرقية دخل فرعون وقومه، فلما تكاملوا في الدخول أمر الله البحر فانطبق عليهم.
فلما أدرك فرعون الغرق أعلن: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس ٩٠]، وتأمل أنه لم يقل: (آمنت بالله) قال: آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل، لماذا؟ إذلالًا لنفسه، حيث كان يُنْكِر على بني إسرائيل ويهاجمهم، فأصبح عند الموت يُقِرُّ بأنه تبع لهم، وأنه من أذنابهم، يعني أنه يمشي خلفهم، ولكن ماذا قيل له؟ ﴿آلْآنَ﴾ تؤمن بالذي آمنت به بنو إسرائيل وأنك من المسلمين؟! ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس ٩١] فلم تُقْبَل توبته؛ لأنه لم يَتُبْ إلا حين حضره الموت، والتوبة بعد حضور الموت لا تنفع، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨]، لا تنفع التوبة إذا حضر الموت، نسأل الله تعالى أن يَمُنّ علينا وعليكم بتوبة قبل الموت.
ولكن الله قال: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس ٩٢] ننجيك ببدنك، يعني لا بروحك، الروح فارقت البدن، لكن البدن بقي طافيًا على الماء، لماذا؟ بَيَّنَ الله الحكمة: ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس ٩٢]؛ لأن بني إسرائيل قد أرعبهم فرعون، فلو لم يتبين لهم أنه غرق بنفسه لكانت أوهامهم تذهب كل مذهب لعله لم يغرق، لعله يخرج علينا من ناحية أخرى، فأقرَّ الله أعين بني إسرائيل بأن شاهدوا جسمه غارقًا في الماء، ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ (...).
* * *
انتهينا إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِخْوَانُ لُوطٍ﴾ [ق ١٣]، ﴿إِخْوَانُ لُوطٍ﴾ يعني قوم لوط أرسل إليهم لوط عليه الصلاة والسلام لأنهم كانوا -والعياذ بالله- يأتون الذُّكْرَان ويَدَعُون النساء، أي أن الواحد يجامع الذَّكَر ويَدَع النساء، كما قال لهم عليه الصلاة والسلام: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشعراء ١٦٥، ١٦٦]، دعاهم إلى الله عز وجل وأنذرهم وخَوَّفَهم من هذا الفعل الرذيل، ولكنهم أصَرُّوا عليه، فأرسل الله عليهم ﴿حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً﴾ [الذاريات ٣٣، ٣٤]، يعني: مُعَلَّمَة، كل حجارة عليها علم، يعني علامة على مَن تَنْزِل عليه وتصعقه، وهذه الخصلة الرذيلة من أقبح الخصال، ولهذا كان حدها في الشريعة الإسلامية القتل بكل حال، يعني أنها أعظم من الزنا، الزنا إذا كان الزاني لم يتزوج من قبل فإنه يُجْلَد مئة جلدة ويُغَرَّب عن البلد سنة كاملة، وإن كان مُحْصَنًا -وهو الذي قد تَزَوَّج وجامع زوجته- فإنه يُرْجَم حتى يموت، أما اللواط فإن حده القتل بكل حال، يعني لو تَلَوَّط شخص بالغ بآخر بالغ باختيار منهما فإنه يجب أن يُقْتَل الفاعل والمفعول به؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ»[[أخرجه أبو داود (٤٤٦٢)، والترمذي (١٤٥٦)، وابن ماجه (٢٥٦١)، من حديث عبد الله عباس.]]، قال شيخ الإسلام رحمه الله، أعني ابن تيمية: إن الصحابة أجمعوا على قتله، لكن اختلفوا كيف يُقْتَل، فقال بعضهم: إنه يُحْرَق بالنار لعظم جُرْمِه -والعياذ بالله-، وقال آخرون: إنه يُرْجَم بالحجارة، وقال آخرون: إنه يُلْقَى من أعلى مكان في البلد ويُتْبَع بالحجارة.
والشاهد أنه رحمه الله –أعني ابن تيمية- نقل إجماع الصحابة على قتله، وإجماع الصحابة حجة، فيكون مُؤَيِّدًا للحديث: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ»[[أخرجه أبو داود (٤٤٦٢)، والترمذي (١٤٥٦)، وابن ماجه (٢٥٦١)، من حديث عبد الله عباس.]]، ولأن هذه الفاحشة الكبرى -والعياذ بالله- فاحشة مُفْسِدَة للمجتمع؛ لأنه يصبح المجتمع الرجالي مجتمعًا نسائيًّا، وهو أيضًا لا يمكن التحرز منه، الزنا يمكن التحرُّز منه، إذا رؤيت امرأة مع رجل في محل ريبة فإنه يمكن مناقشتهما، لكن إذا رُؤِيَ ذَكَر مع ذَكَر كيف يمكن أن نناقشهما، والأصل أن الرجل مع الرجل يجتمع ولا يتفرق؟! لهذا كان القول بوجوب قتلهما هو الحق، أما قوم لوط فقد عرفتم أن الله تعالى أرسل عليهم حجارة من سجيل مُسَوَّمَة، فدمَّرَهم تدميرًا حتى جعل عالي قريتهم سافلها.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ [ق ١٤]، ﴿أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ يعني: الشجرة، أرسل الله تعالى إليهم شُعَيْبًا فدعاهم إلى الله وذَكَّرَهم به، وحَذَّرَهُم من بَخْس المكيال والميزان، لكنهم -والعياذ بالله- بقوا على كفرهم وعنادهم، ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء ١٨٩]، وهذا العذاب يقال: إن الله تعالى أرسل إليهم حَرًّا شديدًا، ولم يجدوا مَفَرًّا منه، إلا أنه أُرْسِلَت غمامة واسعة باردة، فصاروا يتدافعون إلى ظلها يتظللون بها، فأنزل الله عليهم نارًا فأحرقتهم، وفي هذا يقول تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء ١٨٩].
﴿وَقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [ق ١٤] أيضًا ممن كَذَّبُوا الرسل، وهم أصحاب تُبَّع، وهو ملك من ملوك اليمن، أرسل الله إليهم رسولًا فكَذَّبُوه ولم ينقادوا له، فيقول عز وجل: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾، يعني أن هؤلاء الأمم الذين حكى الله عنهم الإشارة، بل أشار الله تعالى إلى قصصهم كلهم كَذَّبُوا الرسل، فحق عليهم وعد الله -والعياذ بالله- بعذابه وانتقامه، نسأل الله لنا ولكم الحماية والعافية، إنه على كل شيء قدير (...).
ق 50:13
﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [ق: ١١ - ١٤] ذَكَرَ الله هؤلاء المكذِّبين لفائدتين؛ الفائدة الأولى: تسلية الرسول ﷺ بأنه ليس أول رسول كُذِّبَ، بل قد كُذِّبَت الرسل من قبله، كما قال تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت ٤٣]، قيل: إنه شاعر، وقيل: إنه مجنون، وقيل: إنه كاهن، وقد قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات ٥٢].
هذه فائدة لذِّكْر قصص الأمم السابقة، وهي تسلية النبي ﷺ؛ لأن الإنسان إذا رأى غيره قد أصيب بمثل مصيبته يتسلى بلا شك، وتهون عليه المصيبة.
الفائدة الثانية: تحذير المكذِّبين للرسول ﷺ، ولهذا قال في آخر ما ذكر: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾، أي: حق عليهم وعيد الله بالعذاب، وقد قال عز وجل: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت ٤٠]، يعني: كل واحد من هذه الأمم جُوزِيَ بمثل ذنبه فعُوقِبَ بمثل ذنبه، مثلًا ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ﴾، قوم نوح كذَّبوا نوحًا عليه الصلاة والسلام، وقد لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، يعني تسعمئة وخمسين سنة وهو يدعوهم إلى الله عز وجل، ولكن لم يستفيدوا من ذلك شيئًا، كلما دعاهم ليغفر الله لهم ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾: تغطوا، ﴿وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ [نوح ٧]، وبقي فيهم هذه المدة، وقد قال الله تعالى في النهاية: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود ٤٠].
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ﴾، ﴿أَصْحَابُ الرَّسِّ﴾ قوم جاءهم نبيهم ولكنهم قتلوه بالرَّسّ؛ وهي البئر، أي: حفروا بئرًا ودفنوه، هذا قول، والقول الثاني: أصحاب الرَّسّ يعني أنهم قوم حول ماء، وليسوا بالكثرة الكاثرة، ومع هذا كذَّبُوا رسولهم.
﴿وَثَمُودُ﴾ وهم قوم صالح في بلاد الحجر المعروفة، كذَّبُوا صالحًا وقالوا: ﴿ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف ٧٧]، وهذا تَحَدٍّ، فماذا فعل الله بهم؟ أرسل عليهم صيحة ورجفة، ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [هود ٦٧].
﴿وَعَادٌ﴾ [ق ١٣]، كذلك أيضًا عادٌ أرسل الله إليهم هودًا فكذَّبُوه، فأهلكهم الله عز وجل بالريح، أرسل الله عليهم ﴿الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات ٤١، ٤٢].
وكانوا يفتخرون بقوتهم، يقولون: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥]، فأراهم الله عز وجل قوته، وأهلكهم بالريح اللطيفة التي لا يُرَى لها جسم، ومع ذلك دمرتهم تدميرًا.
﴿وَفِرْعَوْنُ﴾ الذي أرسل الله إليه نبيه موسى عليه الصلاة والسلام، وكان معروفًا بالجبروت والعناد والاستكبار، حتى إنه استخف قومه، وقال لهم: إنه رب، قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات ٢٤]، فأطاعوه، فجاءهم موسى عليه الصلاة والسلام بالآيات البينات، ولكنهم كذَّبُوا، وأراهم الله تعالى آية، كانوا يفتخرون بما يضاد ما جاء به موسى؛ وهو السحر، فجمعوا لموسى عليه الصلاة والسلام كل السحرة في مصر، واجتمعوا وألقوا الحبال والعصي، وألقوا عليها السحر، فصار الناس يشاهدون هذه الحبال والعصي وكأنها حيات وثعابين، ورهب الناس، كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف ١١٦]، حتى إن موسى عليه الصلاة والسلام أوجس في نفسه خِيفَة، يعني يشاهد أن كل الجو حوله ثعابين تريد أن تلتهم ما تقابله، فأوحى الله تعالى إلى موسى: ﴿أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [الأعراف ١١٧]، فألقى العصا، فالتهمت جميع هذه الحيات، وهذا من آيات الله؛ إذ إن الحية -كما هو معروف- ليست بذاك الكِبَر، لكن تأكل هذا وكأن هذا يذهب بخارًا إذا أكلت هذه الحبال والعصي، السحرة رأوا أمرًا أدهشهم، ولم يملكوا أنفسهم إلا أن يؤمنوا، ومع ذلك إيمانًا تامًّا، أُلْقِيَ السحرة ساجدين.
وتأمل قوله تعالى: ﴿أُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ [الأعراف ١٢٠]، ولم يقل: سجدوا، كأن هذا شيء اضطرهم إلى السجود، كأنهم سجدوا بغير اختيار؛ لقوة ما رأوا من الآية العظيمة، ومع هذه الآية البينة الواضحة على صدق موسى عليه الصلاة والسلام لم يؤمن فرعون، وقال: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾ [الشعراء ٥٤، ٥٥] فهَمَّ بأن يهجم على موسى ومَن معه من المؤمنين، فأمر الله موسى أن يخرج من مصر إلى جهة المشرق نحو البحر الأحمر، فامتثل أمر الله، خرج من مصر إلى هذه الناحية، فتبعهم فرعون بجنوده على حنق يريد أن يقضي على موسى وقومه، فلما وصلوا إلى البحر قال قوم موسى له: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا﴾، يعني: لن نُدْرَك، ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء ٦٢]، فأوحى الله إليه أن يضرب بعصاه البحر الذي عَرْضُه مسافات طويلة، فضرب البحر فانفلق البحر اثني عشر طريقًا، وصارت قِطَع الماء كأنها الجبال، وصارت هذه الطرق التي كانت ريًّا من الماء وطينًا زلقًا صارت طريقًا يبسًا بإذن الله بلحظة، فدخل موسى وقومه عابرين من أفريقيا إلى آسيا من طريق البحر، فلما تكاملوا داخلين وخارجين إلى الناحية الشرقية دخل فرعون وقومه، فلما تكاملوا في الدخول أمر الله البحر فانطبق عليهم.
فلما أدرك فرعون الغرق أعلن: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس ٩٠]، وتأمل أنه لم يقل: (آمنت بالله) قال: آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل، لماذا؟ إذلالًا لنفسه، حيث كان يُنْكِر على بني إسرائيل ويهاجمهم، فأصبح عند الموت يُقِرُّ بأنه تبع لهم، وأنه من أذنابهم، يعني أنه يمشي خلفهم، ولكن ماذا قيل له؟ ﴿آلْآنَ﴾ تؤمن بالذي آمنت به بنو إسرائيل وأنك من المسلمين؟! ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس ٩١] فلم تُقْبَل توبته؛ لأنه لم يَتُبْ إلا حين حضره الموت، والتوبة بعد حضور الموت لا تنفع، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨]، لا تنفع التوبة إذا حضر الموت، نسأل الله تعالى أن يَمُنّ علينا وعليكم بتوبة قبل الموت.
ولكن الله قال: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس ٩٢] ننجيك ببدنك، يعني لا بروحك، الروح فارقت البدن، لكن البدن بقي طافيًا على الماء، لماذا؟ بَيَّنَ الله الحكمة: ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس ٩٢]؛ لأن بني إسرائيل قد أرعبهم فرعون، فلو لم يتبين لهم أنه غرق بنفسه لكانت أوهامهم تذهب كل مذهب لعله لم يغرق، لعله يخرج علينا من ناحية أخرى، فأقرَّ الله أعين بني إسرائيل بأن شاهدوا جسمه غارقًا في الماء، ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ (...).
* * *
انتهينا إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِخْوَانُ لُوطٍ﴾ [ق ١٣]، ﴿إِخْوَانُ لُوطٍ﴾ يعني قوم لوط أرسل إليهم لوط عليه الصلاة والسلام لأنهم كانوا -والعياذ بالله- يأتون الذُّكْرَان ويَدَعُون النساء، أي أن الواحد يجامع الذَّكَر ويَدَع النساء، كما قال لهم عليه الصلاة والسلام: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشعراء ١٦٥، ١٦٦]، دعاهم إلى الله عز وجل وأنذرهم وخَوَّفَهم من هذا الفعل الرذيل، ولكنهم أصَرُّوا عليه، فأرسل الله عليهم ﴿حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً﴾ [الذاريات ٣٣، ٣٤]، يعني: مُعَلَّمَة، كل حجارة عليها علم، يعني علامة على مَن تَنْزِل عليه وتصعقه، وهذه الخصلة الرذيلة من أقبح الخصال، ولهذا كان حدها في الشريعة الإسلامية القتل بكل حال، يعني أنها أعظم من الزنا، الزنا إذا كان الزاني لم يتزوج من قبل فإنه يُجْلَد مئة جلدة ويُغَرَّب عن البلد سنة كاملة، وإن كان مُحْصَنًا -وهو الذي قد تَزَوَّج وجامع زوجته- فإنه يُرْجَم حتى يموت، أما اللواط فإن حده القتل بكل حال، يعني لو تَلَوَّط شخص بالغ بآخر بالغ باختيار منهما فإنه يجب أن يُقْتَل الفاعل والمفعول به؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ»[[أخرجه أبو داود (٤٤٦٢)، والترمذي (١٤٥٦)، وابن ماجه (٢٥٦١)، من حديث عبد الله عباس.]]، قال شيخ الإسلام رحمه الله، أعني ابن تيمية: إن الصحابة أجمعوا على قتله، لكن اختلفوا كيف يُقْتَل، فقال بعضهم: إنه يُحْرَق بالنار لعظم جُرْمِه -والعياذ بالله-، وقال آخرون: إنه يُرْجَم بالحجارة، وقال آخرون: إنه يُلْقَى من أعلى مكان في البلد ويُتْبَع بالحجارة.
والشاهد أنه رحمه الله –أعني ابن تيمية- نقل إجماع الصحابة على قتله، وإجماع الصحابة حجة، فيكون مُؤَيِّدًا للحديث: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ»[[أخرجه أبو داود (٤٤٦٢)، والترمذي (١٤٥٦)، وابن ماجه (٢٥٦١)، من حديث عبد الله عباس.]]، ولأن هذه الفاحشة الكبرى -والعياذ بالله- فاحشة مُفْسِدَة للمجتمع؛ لأنه يصبح المجتمع الرجالي مجتمعًا نسائيًّا، وهو أيضًا لا يمكن التحرز منه، الزنا يمكن التحرُّز منه، إذا رؤيت امرأة مع رجل في محل ريبة فإنه يمكن مناقشتهما، لكن إذا رُؤِيَ ذَكَر مع ذَكَر كيف يمكن أن نناقشهما، والأصل أن الرجل مع الرجل يجتمع ولا يتفرق؟! لهذا كان القول بوجوب قتلهما هو الحق، أما قوم لوط فقد عرفتم أن الله تعالى أرسل عليهم حجارة من سجيل مُسَوَّمَة، فدمَّرَهم تدميرًا حتى جعل عالي قريتهم سافلها.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ [ق ١٤]، ﴿أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ يعني: الشجرة، أرسل الله تعالى إليهم شُعَيْبًا فدعاهم إلى الله وذَكَّرَهم به، وحَذَّرَهُم من بَخْس المكيال والميزان، لكنهم -والعياذ بالله- بقوا على كفرهم وعنادهم، ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء ١٨٩]، وهذا العذاب يقال: إن الله تعالى أرسل إليهم حَرًّا شديدًا، ولم يجدوا مَفَرًّا منه، إلا أنه أُرْسِلَت غمامة واسعة باردة، فصاروا يتدافعون إلى ظلها يتظللون بها، فأنزل الله عليهم نارًا فأحرقتهم، وفي هذا يقول تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء ١٨٩].
﴿وَقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [ق ١٤] أيضًا ممن كَذَّبُوا الرسل، وهم أصحاب تُبَّع، وهو ملك من ملوك اليمن، أرسل الله إليهم رسولًا فكَذَّبُوه ولم ينقادوا له، فيقول عز وجل: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾، يعني أن هؤلاء الأمم الذين حكى الله عنهم الإشارة، بل أشار الله تعالى إلى قصصهم كلهم كَذَّبُوا الرسل، فحق عليهم وعد الله -والعياذ بالله- بعذابه وانتقامه، نسأل الله لنا ولكم الحماية والعافية، إنه على كل شيء قدير (...).
ق 50:14
﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [ق: ١١ - ١٤] ذَكَرَ الله هؤلاء المكذِّبين لفائدتين؛ الفائدة الأولى: تسلية الرسول ﷺ بأنه ليس أول رسول كُذِّبَ، بل قد كُذِّبَت الرسل من قبله، كما قال تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت ٤٣]، قيل: إنه شاعر، وقيل: إنه مجنون، وقيل: إنه كاهن، وقد قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات ٥٢].
هذه فائدة لذِّكْر قصص الأمم السابقة، وهي تسلية النبي ﷺ؛ لأن الإنسان إذا رأى غيره قد أصيب بمثل مصيبته يتسلى بلا شك، وتهون عليه المصيبة.
الفائدة الثانية: تحذير المكذِّبين للرسول ﷺ، ولهذا قال في آخر ما ذكر: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾، أي: حق عليهم وعيد الله بالعذاب، وقد قال عز وجل: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت ٤٠]، يعني: كل واحد من هذه الأمم جُوزِيَ بمثل ذنبه فعُوقِبَ بمثل ذنبه، مثلًا ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ﴾، قوم نوح كذَّبوا نوحًا عليه الصلاة والسلام، وقد لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، يعني تسعمئة وخمسين سنة وهو يدعوهم إلى الله عز وجل، ولكن لم يستفيدوا من ذلك شيئًا، كلما دعاهم ليغفر الله لهم ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾: تغطوا، ﴿وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ [نوح ٧]، وبقي فيهم هذه المدة، وقد قال الله تعالى في النهاية: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود ٤٠].
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ﴾، ﴿أَصْحَابُ الرَّسِّ﴾ قوم جاءهم نبيهم ولكنهم قتلوه بالرَّسّ؛ وهي البئر، أي: حفروا بئرًا ودفنوه، هذا قول، والقول الثاني: أصحاب الرَّسّ يعني أنهم قوم حول ماء، وليسوا بالكثرة الكاثرة، ومع هذا كذَّبُوا رسولهم.
﴿وَثَمُودُ﴾ وهم قوم صالح في بلاد الحجر المعروفة، كذَّبُوا صالحًا وقالوا: ﴿ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف ٧٧]، وهذا تَحَدٍّ، فماذا فعل الله بهم؟ أرسل عليهم صيحة ورجفة، ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [هود ٦٧].
﴿وَعَادٌ﴾ [ق ١٣]، كذلك أيضًا عادٌ أرسل الله إليهم هودًا فكذَّبُوه، فأهلكهم الله عز وجل بالريح، أرسل الله عليهم ﴿الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات ٤١، ٤٢].
وكانوا يفتخرون بقوتهم، يقولون: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥]، فأراهم الله عز وجل قوته، وأهلكهم بالريح اللطيفة التي لا يُرَى لها جسم، ومع ذلك دمرتهم تدميرًا.
﴿وَفِرْعَوْنُ﴾ الذي أرسل الله إليه نبيه موسى عليه الصلاة والسلام، وكان معروفًا بالجبروت والعناد والاستكبار، حتى إنه استخف قومه، وقال لهم: إنه رب، قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات ٢٤]، فأطاعوه، فجاءهم موسى عليه الصلاة والسلام بالآيات البينات، ولكنهم كذَّبُوا، وأراهم الله تعالى آية، كانوا يفتخرون بما يضاد ما جاء به موسى؛ وهو السحر، فجمعوا لموسى عليه الصلاة والسلام كل السحرة في مصر، واجتمعوا وألقوا الحبال والعصي، وألقوا عليها السحر، فصار الناس يشاهدون هذه الحبال والعصي وكأنها حيات وثعابين، ورهب الناس، كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف ١١٦]، حتى إن موسى عليه الصلاة والسلام أوجس في نفسه خِيفَة، يعني يشاهد أن كل الجو حوله ثعابين تريد أن تلتهم ما تقابله، فأوحى الله تعالى إلى موسى: ﴿أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [الأعراف ١١٧]، فألقى العصا، فالتهمت جميع هذه الحيات، وهذا من آيات الله؛ إذ إن الحية -كما هو معروف- ليست بذاك الكِبَر، لكن تأكل هذا وكأن هذا يذهب بخارًا إذا أكلت هذه الحبال والعصي، السحرة رأوا أمرًا أدهشهم، ولم يملكوا أنفسهم إلا أن يؤمنوا، ومع ذلك إيمانًا تامًّا، أُلْقِيَ السحرة ساجدين.
وتأمل قوله تعالى: ﴿أُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ [الأعراف ١٢٠]، ولم يقل: سجدوا، كأن هذا شيء اضطرهم إلى السجود، كأنهم سجدوا بغير اختيار؛ لقوة ما رأوا من الآية العظيمة، ومع هذه الآية البينة الواضحة على صدق موسى عليه الصلاة والسلام لم يؤمن فرعون، وقال: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾ [الشعراء ٥٤، ٥٥] فهَمَّ بأن يهجم على موسى ومَن معه من المؤمنين، فأمر الله موسى أن يخرج من مصر إلى جهة المشرق نحو البحر الأحمر، فامتثل أمر الله، خرج من مصر إلى هذه الناحية، فتبعهم فرعون بجنوده على حنق يريد أن يقضي على موسى وقومه، فلما وصلوا إلى البحر قال قوم موسى له: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا﴾، يعني: لن نُدْرَك، ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء ٦٢]، فأوحى الله إليه أن يضرب بعصاه البحر الذي عَرْضُه مسافات طويلة، فضرب البحر فانفلق البحر اثني عشر طريقًا، وصارت قِطَع الماء كأنها الجبال، وصارت هذه الطرق التي كانت ريًّا من الماء وطينًا زلقًا صارت طريقًا يبسًا بإذن الله بلحظة، فدخل موسى وقومه عابرين من أفريقيا إلى آسيا من طريق البحر، فلما تكاملوا داخلين وخارجين إلى الناحية الشرقية دخل فرعون وقومه، فلما تكاملوا في الدخول أمر الله البحر فانطبق عليهم.
فلما أدرك فرعون الغرق أعلن: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس ٩٠]، وتأمل أنه لم يقل: (آمنت بالله) قال: آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل، لماذا؟ إذلالًا لنفسه، حيث كان يُنْكِر على بني إسرائيل ويهاجمهم، فأصبح عند الموت يُقِرُّ بأنه تبع لهم، وأنه من أذنابهم، يعني أنه يمشي خلفهم، ولكن ماذا قيل له؟ ﴿آلْآنَ﴾ تؤمن بالذي آمنت به بنو إسرائيل وأنك من المسلمين؟! ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس ٩١] فلم تُقْبَل توبته؛ لأنه لم يَتُبْ إلا حين حضره الموت، والتوبة بعد حضور الموت لا تنفع، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨]، لا تنفع التوبة إذا حضر الموت، نسأل الله تعالى أن يَمُنّ علينا وعليكم بتوبة قبل الموت.
ولكن الله قال: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس ٩٢] ننجيك ببدنك، يعني لا بروحك، الروح فارقت البدن، لكن البدن بقي طافيًا على الماء، لماذا؟ بَيَّنَ الله الحكمة: ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس ٩٢]؛ لأن بني إسرائيل قد أرعبهم فرعون، فلو لم يتبين لهم أنه غرق بنفسه لكانت أوهامهم تذهب كل مذهب لعله لم يغرق، لعله يخرج علينا من ناحية أخرى، فأقرَّ الله أعين بني إسرائيل بأن شاهدوا جسمه غارقًا في الماء، ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ (...).
* * *
انتهينا إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِخْوَانُ لُوطٍ﴾ [ق ١٣]، ﴿إِخْوَانُ لُوطٍ﴾ يعني قوم لوط أرسل إليهم لوط عليه الصلاة والسلام لأنهم كانوا -والعياذ بالله- يأتون الذُّكْرَان ويَدَعُون النساء، أي أن الواحد يجامع الذَّكَر ويَدَع النساء، كما قال لهم عليه الصلاة والسلام: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشعراء ١٦٥، ١٦٦]، دعاهم إلى الله عز وجل وأنذرهم وخَوَّفَهم من هذا الفعل الرذيل، ولكنهم أصَرُّوا عليه، فأرسل الله عليهم ﴿حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً﴾ [الذاريات ٣٣، ٣٤]، يعني: مُعَلَّمَة، كل حجارة عليها علم، يعني علامة على مَن تَنْزِل عليه وتصعقه، وهذه الخصلة الرذيلة من أقبح الخصال، ولهذا كان حدها في الشريعة الإسلامية القتل بكل حال، يعني أنها أعظم من الزنا، الزنا إذا كان الزاني لم يتزوج من قبل فإنه يُجْلَد مئة جلدة ويُغَرَّب عن البلد سنة كاملة، وإن كان مُحْصَنًا -وهو الذي قد تَزَوَّج وجامع زوجته- فإنه يُرْجَم حتى يموت، أما اللواط فإن حده القتل بكل حال، يعني لو تَلَوَّط شخص بالغ بآخر بالغ باختيار منهما فإنه يجب أن يُقْتَل الفاعل والمفعول به؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ»[[أخرجه أبو داود (٤٤٦٢)، والترمذي (١٤٥٦)، وابن ماجه (٢٥٦١)، من حديث عبد الله عباس.]]، قال شيخ الإسلام رحمه الله، أعني ابن تيمية: إن الصحابة أجمعوا على قتله، لكن اختلفوا كيف يُقْتَل، فقال بعضهم: إنه يُحْرَق بالنار لعظم جُرْمِه -والعياذ بالله-، وقال آخرون: إنه يُرْجَم بالحجارة، وقال آخرون: إنه يُلْقَى من أعلى مكان في البلد ويُتْبَع بالحجارة.
والشاهد أنه رحمه الله –أعني ابن تيمية- نقل إجماع الصحابة على قتله، وإجماع الصحابة حجة، فيكون مُؤَيِّدًا للحديث: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ»[[أخرجه أبو داود (٤٤٦٢)، والترمذي (١٤٥٦)، وابن ماجه (٢٥٦١)، من حديث عبد الله عباس.]]، ولأن هذه الفاحشة الكبرى -والعياذ بالله- فاحشة مُفْسِدَة للمجتمع؛ لأنه يصبح المجتمع الرجالي مجتمعًا نسائيًّا، وهو أيضًا لا يمكن التحرز منه، الزنا يمكن التحرُّز منه، إذا رؤيت امرأة مع رجل في محل ريبة فإنه يمكن مناقشتهما، لكن إذا رُؤِيَ ذَكَر مع ذَكَر كيف يمكن أن نناقشهما، والأصل أن الرجل مع الرجل يجتمع ولا يتفرق؟! لهذا كان القول بوجوب قتلهما هو الحق، أما قوم لوط فقد عرفتم أن الله تعالى أرسل عليهم حجارة من سجيل مُسَوَّمَة، فدمَّرَهم تدميرًا حتى جعل عالي قريتهم سافلها.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ [ق ١٤]، ﴿أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ يعني: الشجرة، أرسل الله تعالى إليهم شُعَيْبًا فدعاهم إلى الله وذَكَّرَهم به، وحَذَّرَهُم من بَخْس المكيال والميزان، لكنهم -والعياذ بالله- بقوا على كفرهم وعنادهم، ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء ١٨٩]، وهذا العذاب يقال: إن الله تعالى أرسل إليهم حَرًّا شديدًا، ولم يجدوا مَفَرًّا منه، إلا أنه أُرْسِلَت غمامة واسعة باردة، فصاروا يتدافعون إلى ظلها يتظللون بها، فأنزل الله عليهم نارًا فأحرقتهم، وفي هذا يقول تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء ١٨٩].
﴿وَقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [ق ١٤] أيضًا ممن كَذَّبُوا الرسل، وهم أصحاب تُبَّع، وهو ملك من ملوك اليمن، أرسل الله إليهم رسولًا فكَذَّبُوه ولم ينقادوا له، فيقول عز وجل: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾، يعني أن هؤلاء الأمم الذين حكى الله عنهم الإشارة، بل أشار الله تعالى إلى قصصهم كلهم كَذَّبُوا الرسل، فحق عليهم وعد الله -والعياذ بالله- بعذابه وانتقامه، نسأل الله لنا ولكم الحماية والعافية، إنه على كل شيء قدير (...).
ق 50:15
نبتدئ هذا اللقاء بما تيسر من الكلام على سورة ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾.
يقول الله عز وجل: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق ١٥]، الاستفهام هنا للنفي، و(عَيِينَا) بمعنى تَعِبْنَا، والخلق الأول هو ابتداء الخلائق، يعني: هل نحن عجزنا عن ابتداء الخلائق حتى نعجز عن إعادة الخلائق؟ من المعلوم أن الجواب: لا، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ [الأحقاف ٣٣]، أي: لم يَتْعَب بذلك، فإذا كان جل وعلا لم يتعب بالخلق الأول فإن إعادة الخلق أهون من ابتدائه، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم ٢٧]، وهذا استدلال عقلي يراد به إقناع هؤلاء الجاحدين لإعادة الخلق، فإن الذين كفروا زعموا أن لن يُبْعَثُوا وأنه لا بعث، وأنكروا هذا، واستدلوا لذلك بدليل واهٍ جدًّا، فقالوا: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨]، فقال الله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس ٧٩]، ثم ساق الأدلة العقلية الدالَّة على أن الله تعالى قادر على أن يُحْيِي العظام وهي رميم.
قال تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق ١٥]، أي: هم مُقِرُّون بأننا لم نعي بالخلق الأول وأننا أوجدناه، لكن: ﴿هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾، ولهذا حَسُن الإضراب هنا، حيث قال: ﴿بَلْ هُمْ﴾ يعني أن هذا عجب من حالهم، كيف يُقِرُّون بأول الخلق ثم ينكرون البعث بعد الموت؟ ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ﴾، أي: في شك وتردد، ﴿فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وهو إعادة الخلق.
وإني أسألكم الآن: هل القادر على ابتداء الخلق يكون قادرًا على إعادته من باب أَوْلَى؟ الجواب: نعم، وهذا دليل عقلي لا يمكن لأي إنسان أن يَفِرَّ منه.
ق 50:16
ثم قال عز وجل مستدلًّا على قدرته على البعث: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦]، يعني: ابتدأنا خَلْقَه، فأوجدناه، وجعلنا له عقلًا وسمعًا وبصرًا وتفكيرًا وحديثًا للنفس.
﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ يعني: ونحن نعلم ما توسوس به نفسه، أي: ما تُحَدِّثُه به نفسه دون أن ينطق به، فالله تعالى عالم به، بل إن الله عالم بما سيُحَدِّث به نفسه في المستقبل، والإنسان نفسه لا يعلم ماذا يُحَدِّث به نفسه في المستقبل.
انظر الآن ما يوسوس به الإنسان نفسه في الحاضر يعلمه الإنسان، أليس كذلك؟ والله تعالى يعلمه، ونقول: بل الله يعلم ما سوف توسوس به نفسُه في المستقبل، والإنسان لا يعلم، يعني أن الله يعلم ما ستوسوس به نفسك غدًا وبعد غدٍ، وإلى أن تموت وأنت لا تعلم.
إذا كان الله يعلم ما توسوس به النفس فما الذي يوجب لنا هذا العلم؟ يوجب لنا مراقبة الله سبحانه وتعالى، وألا نُحَدِّث أنفسنا بما يُغْضِبُه وبما يكرهه، علينا أن يكون حديث نفوسنا كله بما يرضيه؛ لأنه يعلم ذلك، أفلا يليق بنا أن نستحي من ربنا عز وجل أن توسوس نفوسنا بما لا يرضاه.
قال الله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق ١٦، ١٧].
﴿نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾، ﴿حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ هو الأوداج، وهما: العِرْقَان العظيمان المحيطان بالحلقوم، يُسَمَّى الوريد، ويسمى الوَدَج، وجمعه أوداج، ويُضْرَب المثل بهما في القرب، يقول: ﴿نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾، أي شيء أقرب إليه؟ أقرب شيء إلى قلبك هو حبل الوريد هذا، أقرب من المخ، وأقرب من كل شيء فيه الحياة، هما الوريدان.
﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾، قد اختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾، هل المراد قرب ذاته جل وعلا، أو المراد قرب ملائكته؟ والصحيح أن المراد قرب ملائكته، ووجه ذلك أن قرب الله تعالى صفة عالية لا يليق أن تكون شاملة لكل إنسان؛ لأننا لو قلنا: إن المراد قرب ذات الله لكان قريبًا من الكافر، وقريبًا من المؤمن، لماذا يلزم ذلك؟ لأن الله قال: ﴿خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾، أيّ إنسان خلق؟ المؤمن والكافر، ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ﴾ أي: إلى هذا الإنسان الذي خلقناه من حبل الوريد.
فإذا قلنا: الآية شاملة، وقلنا: إن القرب هنا القرب الذاتي، صار الله قريبًا بذاته ممن؟ من الكافر، وهذا غير لائق، بل الكافر عدو لله عز وجل.
لكن الراجح ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ أن المراد بالقرب هنا قرب الملائكة، أي: أقرب إليه بملائكتنا، ثم استدل بقوله تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾، فـ﴿إِذْ﴾ بمعنى: حين، وهي متعلقة بـ﴿أَقْرَبُ﴾، أي: أقرب إليه في هذه الحال حين ﴿يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق ١٧].
فإن قال قائل: كيف يضيف الله المسنَد إليه والمراد به الملائكة؟ ألهذا نظير؟ قلنا: نعم، له نظير، يقول الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة ١٦ - ١٨] ﴿قَرَأْنَاهُ﴾ المراد بذلك مَن؟ جبريل، ونسب الله فِعْل جبريل إلى نفسه؛ لأنه رسوله، كذلك الملائكة نسب الله قربهم إليه؛ لأنهم رسله، كما قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف ٨٠]، وما اختاره شيخ الإسلام رحمه الله هو الصواب.
فإن قال قائل: وهل الله تعالى قريب من المؤمن على كل حال؟ قلنا: بل في بعض الأحوال، قال النبي ﷺ: «إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ»[[أخرجه أحمد (١٩٥٩٩)، والنسائي في السنن الكبرى (٧٦٣٣)، من حديث أبي موسى الأشعري.]]، فهذا قرب في حال الدعاء، مصداق ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة ١٨٦]، كذلك هو قريب من المؤمن في حال السجود؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ»[[أخرجه مسلم (٤٨٢ / ٢١٥) من حديث أبي هريرة.]].
وعلى هذا فيكون الله تعالى قريبًا من المؤمن حال عبادته لربه، وحال دعائه لربه.
أما القرب العام فإن المراد به القرب بالملائكة، على القول الراجح.
وقوله: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ [ق ١٧] هما مَلَكَان بَيَّنَ الله مكانهما من العبد، فقال: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾.
﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ﴾، ولم يقل: على اليمين وعلى الشمال؛ لأنهما ليسَا على الكتفين، بل هما في مكان قريب أقرب من حبل الوريد.
ولكن قد يقول قائل ملحد: أنا ألتمس حولي لا ألمس أحدًا، أين القعيد؟ فنقول: هذا من علم الغيب الذي لا تدركه عقولنا، وعلينا أن نصدِّق به ونؤمن به كما لو لمسناه بأيدينا، أو شاهدناه بأعيننا، أو غير ذلك من أدوات الحواس، علينا أن نؤمن بذلك؛ لأنه قول الله عز وجل.
فنقول: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾: قاعد، مستقر، أحدهما يكتب الحسنات، والثاني يكتب السيئات، هذا المكتوب الذي عرضة للمَحْو والإثبات، المكتوب الذي بأيدي الملائكة عرضة للمَحْو والإثبات؛ لقول الله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد ٣٩]، يعني: أصل، أُمّ الكتاب هو اللوح المحفوظ، مكتوب فيه ما يستقر عليه العبد، لكن ما كان قابلًا للمَحْو والإثبات فهو الذي في أيدي الملائكة، قال الله عز وجل: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود ١١٤]، شوف حسنة تُذْهِب السيئة، تمحوها بعد أن كُتِبَت، وهذا باعتبار ما في أيدي الملائكة، أما أُمّ الكتاب الأصل فمكتوب فيها ما يستقر عليه العبد.
نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يستقر على الإيمان والثبات في الدنيا والآخرة.
ق 50:17
ثم قال عز وجل مستدلًّا على قدرته على البعث: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦]، يعني: ابتدأنا خَلْقَه، فأوجدناه، وجعلنا له عقلًا وسمعًا وبصرًا وتفكيرًا وحديثًا للنفس.
﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ يعني: ونحن نعلم ما توسوس به نفسه، أي: ما تُحَدِّثُه به نفسه دون أن ينطق به، فالله تعالى عالم به، بل إن الله عالم بما سيُحَدِّث به نفسه في المستقبل، والإنسان نفسه لا يعلم ماذا يُحَدِّث به نفسه في المستقبل.
انظر الآن ما يوسوس به الإنسان نفسه في الحاضر يعلمه الإنسان، أليس كذلك؟ والله تعالى يعلمه، ونقول: بل الله يعلم ما سوف توسوس به نفسُه في المستقبل، والإنسان لا يعلم، يعني أن الله يعلم ما ستوسوس به نفسك غدًا وبعد غدٍ، وإلى أن تموت وأنت لا تعلم.
إذا كان الله يعلم ما توسوس به النفس فما الذي يوجب لنا هذا العلم؟ يوجب لنا مراقبة الله سبحانه وتعالى، وألا نُحَدِّث أنفسنا بما يُغْضِبُه وبما يكرهه، علينا أن يكون حديث نفوسنا كله بما يرضيه؛ لأنه يعلم ذلك، أفلا يليق بنا أن نستحي من ربنا عز وجل أن توسوس نفوسنا بما لا يرضاه.
قال الله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق ١٦، ١٧].
﴿نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾، ﴿حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ هو الأوداج، وهما: العِرْقَان العظيمان المحيطان بالحلقوم، يُسَمَّى الوريد، ويسمى الوَدَج، وجمعه أوداج، ويُضْرَب المثل بهما في القرب، يقول: ﴿نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾، أي شيء أقرب إليه؟ أقرب شيء إلى قلبك هو حبل الوريد هذا، أقرب من المخ، وأقرب من كل شيء فيه الحياة، هما الوريدان.
﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾، قد اختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾، هل المراد قرب ذاته جل وعلا، أو المراد قرب ملائكته؟ والصحيح أن المراد قرب ملائكته، ووجه ذلك أن قرب الله تعالى صفة عالية لا يليق أن تكون شاملة لكل إنسان؛ لأننا لو قلنا: إن المراد قرب ذات الله لكان قريبًا من الكافر، وقريبًا من المؤمن، لماذا يلزم ذلك؟ لأن الله قال: ﴿خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾، أيّ إنسان خلق؟ المؤمن والكافر، ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ﴾ أي: إلى هذا الإنسان الذي خلقناه من حبل الوريد.
فإذا قلنا: الآية شاملة، وقلنا: إن القرب هنا القرب الذاتي، صار الله قريبًا بذاته ممن؟ من الكافر، وهذا غير لائق، بل الكافر عدو لله عز وجل.
لكن الراجح ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ أن المراد بالقرب هنا قرب الملائكة، أي: أقرب إليه بملائكتنا، ثم استدل بقوله تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾، فـ﴿إِذْ﴾ بمعنى: حين، وهي متعلقة بـ﴿أَقْرَبُ﴾، أي: أقرب إليه في هذه الحال حين ﴿يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق ١٧].
فإن قال قائل: كيف يضيف الله المسنَد إليه والمراد به الملائكة؟ ألهذا نظير؟ قلنا: نعم، له نظير، يقول الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة ١٦ - ١٨] ﴿قَرَأْنَاهُ﴾ المراد بذلك مَن؟ جبريل، ونسب الله فِعْل جبريل إلى نفسه؛ لأنه رسوله، كذلك الملائكة نسب الله قربهم إليه؛ لأنهم رسله، كما قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف ٨٠]، وما اختاره شيخ الإسلام رحمه الله هو الصواب.
فإن قال قائل: وهل الله تعالى قريب من المؤمن على كل حال؟ قلنا: بل في بعض الأحوال، قال النبي ﷺ: «إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ»[[أخرجه أحمد (١٩٥٩٩)، والنسائي في السنن الكبرى (٧٦٣٣)، من حديث أبي موسى الأشعري.]]، فهذا قرب في حال الدعاء، مصداق ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة ١٨٦]، كذلك هو قريب من المؤمن في حال السجود؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ»[[أخرجه مسلم (٤٨٢ / ٢١٥) من حديث أبي هريرة.]].
وعلى هذا فيكون الله تعالى قريبًا من المؤمن حال عبادته لربه، وحال دعائه لربه.
أما القرب العام فإن المراد به القرب بالملائكة، على القول الراجح.
وقوله: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ [ق ١٧] هما مَلَكَان بَيَّنَ الله مكانهما من العبد، فقال: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾.
﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ﴾، ولم يقل: على اليمين وعلى الشمال؛ لأنهما ليسَا على الكتفين، بل هما في مكان قريب أقرب من حبل الوريد.
ولكن قد يقول قائل ملحد: أنا ألتمس حولي لا ألمس أحدًا، أين القعيد؟ فنقول: هذا من علم الغيب الذي لا تدركه عقولنا، وعلينا أن نصدِّق به ونؤمن به كما لو لمسناه بأيدينا، أو شاهدناه بأعيننا، أو غير ذلك من أدوات الحواس، علينا أن نؤمن بذلك؛ لأنه قول الله عز وجل.
فنقول: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾: قاعد، مستقر، أحدهما يكتب الحسنات، والثاني يكتب السيئات، هذا المكتوب الذي عرضة للمَحْو والإثبات، المكتوب الذي بأيدي الملائكة عرضة للمَحْو والإثبات؛ لقول الله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد ٣٩]، يعني: أصل، أُمّ الكتاب هو اللوح المحفوظ، مكتوب فيه ما يستقر عليه العبد، لكن ما كان قابلًا للمَحْو والإثبات فهو الذي في أيدي الملائكة، قال الله عز وجل: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود ١١٤]، شوف حسنة تُذْهِب السيئة، تمحوها بعد أن كُتِبَت، وهذا باعتبار ما في أيدي الملائكة، أما أُمّ الكتاب الأصل فمكتوب فيها ما يستقر عليه العبد.
نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يستقر على الإيمان والثبات في الدنيا والآخرة.
ق 50:18
﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]، ﴿مَا يَلْفِظُ﴾، ﴿مَا﴾ نافية، و﴿قَوْلٍ﴾ مجرورة بـ﴿مِنْ﴾ الزائدة إعرابًا المفيدة معنى، وأصلها بدون زيادة: ما يلفظ قولًا، لكن تأتي حروف الجر أحيانًا زائدة في الإعراب لكنها تفيد معنى التوكيد، ولهذا النفي إذا اقترن الْمَنْفِيّ بـ(من) الزائدة أو بـ(الباء) الزائدة، مثل: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت ٤٦] فإنه أوكد في العموم من النفي المجرد من حرف الجر الزائد.
﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾، إذا جعلنا ﴿مِنْ﴾ زائدة إعرابًا مفيدة معنى فما فائدة معناها؟ التوكيد على العموم، أي: أيّ قول يلفظه الإنسان ﴿لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، سبحان الله! ﴿رَقِيبٌ﴾ مراقب ليلًا ونهارًا لا ينفك عن الإنسان، ﴿عَتِيدٌ﴾ حاضر، ما يمكن يغيب ويوكِّل غيره، هو قاعد مراقب حاضر لا يفوته شيء، ﴿مِنْ قَوْلٍ﴾ أيّ قول؟ كل القول؛ لأن ﴿مِنْ﴾ هذه زائدة، و ﴿قَوْلٍ﴾ نكرة في سياق النفي، فهي للعموم، أيّ قول يقوله.
وظاهر الآية الكريمة أن القول مهما كان يُكْتَب، سواء كان خيرًا أم شرًّا أم لغوًا يُكْتَب، لكن المحاسبة على ما كان خيرًا أو شرًّا، ولا يلزم من الكتابة أن يحاسَب الإنسان عليها، وهذا ظاهر اللفظ، وهو أحد القولين لأهل العلم.
ومن العلماء مَن يقول: إنه لا يكتب إلا الحسنات والسيئات فقط، أما اللغو فلغوٌ لا يُكْتَب، فأي القولين أولى؟ الأول أولى، وهو العموم، أما النتيجة فواحدة؛ لأنه حتى على القول بأن الكاتب يكتب كل شيء، يقولون: إنه لا يحاسَب إلا على الحسنات والسيئات.
لكن كوننا نقول بالعموم هو المطابق لظاهر الآية، ثم هو الذي فيه الدليل على أن الْمَلَكَيْن لا يفختان ولا يتركان شيئًا، مما يدل على كمال عنايتهما بما ينطق به الإنسان.
وبناء على ذلك يجب علينا أيها الإخوة أن نحترز غاية الاحتراز من أقوال اللسان، فكم زَلَّة لسانية أوجبت الهلاك -والعياذ بالله-، قال أبو هريرة رضي الله عنه في الرجل الذي قال: «وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلَانٍ، فَقَالَ اللَّهُ: مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَلَّا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ؟ قَدْ غَفَرْتُ لَهُ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ»، قَالَ: إِنَّهُ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ»[[أخرج مسلم (٢٦٢١ / ١٣٧) عن جندب بن عبد الله البجلي، أن رسول الله ﷺ قال: «إن رجلًا قال: والله لا يغفر الله لفلان، وإن الله تعالى قال: مَن ذا الذي يتألى عليَّ ألَّا أغفر لفلان، فإني قد غفرت لفلان، وأحبطت عملك»، أما قول أبي هريرة آخر الحديث فأخرجه أبو داود (٤٩٠١) من حديثه بلفظ: والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته.]]، نسأل الله العافية.
احْذَرْ لِسَانَكْ أَنْ تَقُولَ فَتُبْتَلَى ∗∗∗ إِنَّ الْبَــــــــــلَاءَ مُـــــوَكَّلٌبِالْمَنْــطِــــقِ
احذر آفات اللسان، إن النبي ﷺ جعل حفظ اللسان ملاك الأمر كله، فقال عليه الصلاة والسلام لمعاذ بن جبل: «أَفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مِلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟»، قلت: بلى يا رسول الله، قال: أخذ بلسان نفسه وقال: «كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا»، لا تطلقه، لا تتكلم. «قال: يا رسول الله، وإنَّا لَمُؤَاخَذُون بما نتكلم به؟ فقال له: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ -أَوْ قَالَ: عَلَى مَنَاخِرِهِمْ- إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟»[[أخرجه الترمذي (٢٦١٦)، وابن ماجه (٣٩٧٣).]]، فالمؤمن يجب أن يحذر لسانه؛ فإنه آفة عظيمة.
ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠١٨)، ومسلم (٤٧ / ٧٥) من حديث أبي هريرة.]].
وحينئذ نعرف أن الصمت مُفَضَّل على الكلام؛ لأن الكلام قد لا يدري الإنسان أخير هو أم شر.
ثم إني أقول لكم: الكلمة إذا أطلقتها وخرجت من فمك فهي كالرصاصة تطلقها على ولدك، هل يمكنك أن تمنع الرصاصة إذا خرجت من فوهة البندقية؟ لا، خلاص انطلقت، تفسد أو تصلح، كذلك الكلمة، فالعاقل يمنع لسانه ولا يتكلم إلا بخير، والخير إما في ذات المتكلم به، وإما في غيره، يعني قد يكون الكلام ليس خيرًا بنفسه، لكنه خير من جهة آثاره، قد يتكلم الإنسان بكلام لغو في مجلس، هو الكلام ليس أمرًا بمعروف ولا نهيًا عن منكر، وليس إثمًا ووِزْرًا، لكن يتكلم من أجل أن يفتح الباب للحاضرين؛ لأنه أحيانًا تستولي على المجلس الهيبة ولا أحد يتكلم، فيبقى الناس كأنهم في غَمّ، فيتكلم من أجل أن يفتح الباب للناس، وتنشرح صدورهم، ويحصل تبادل الكلام الذي قد يكون نافعًا، نقول: هذا الكلام الذي تكلمه وفتح به باب الكلام وأزال عن الناس الغمة يعتبر خيرًا لذاته ولَّا لغيره؟ خيرًا لغيره، وهذا داخل -إن شاء الله- في قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠١٨)، ومسلم (٤٧ / ٧٥) من حديث أبي هريرة.]].
نسأل الله أن يرزقنا وإياكم حفظ ألسنتنا وجوارحنا عما يغضبه، وأن يستعملها فيما يرضيه، إنه على كل شي قدير (...).
ق 50:19
نبتدئ هذا اللقاء بالكلام على مما تيسر من تفسير سورة ق.
الآية هي قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق ١٩ - ٢١].
﴿جَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾، السكرة هنا هي تغطية العقل، كالإغماء ونحوه، وقد قال النبي ﷺ: «إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ»[[أخرجه البخاري (٤٤٤٩) من حديث عائشة.]]، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾ مفردًا مضافًا، فيشمل الواحدة أو أكثر.
وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾، أي: أن الموت حق كما جاء في الحديث: «الْمَوْتُ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (١١٢٠)، ومسلم (٧٦٩ / ١٩٩) من حديث عبد الله بن عباس، ولفظه: «أنت الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، وقولك حق، والجنة حق، والنار حق».]]، فهي تأتي بالحق، وتأتي أيضًا بحق اليقين، فإن الإنسان عند الموت يشاهد ما تُوُعِّدَ به وما وُعِدَ به؛ لأنه إن كان مؤمنًا بُشِّرَ بالجنة، وإن كان كافرًا بُشِّرَ بالنار، أعاذنا الله وإياكم منها.
﴿ذَلِكَ﴾، أي: الموت، ﴿مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾، اختلف المفسرون في ﴿مَا﴾؛ هل هي نافية، فيكون المعنى: ذلك الذي لا تحيد منه، ولا تنفك منه، أو إنها موصولة، والمعنى: ذلك الذي كنت تحيد منه، ولكن لا مَفَرَّ منه.
فعلى الأول يكون معنى الآية: ذلك الذي لا تحيد منه، بل لا بد منه، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة ٨].
وتأمل يا أخي: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾، ولم يقل: فإنه مُدْرِكُكُم، وما ظنك بشيء تَفِرُّ منه وهو يلاقيك، إن فرارك منه يعني دُنُوَّك منه في الواقع، لو كنت فارًّا من شيء وهو يقابلك فكلما أسرعت في الجري أسرعت في ملاقاته، ولهذا قال: ﴿فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾، في الآية الثانية: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء ٧٨]؛ لأنه ذكر في هذه الآية الثانية أن الإنسان مهما كان في تحصنه فإن الموت سوف يدركه على كل حال.
هنا يقول: ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق ١٩] يعني: ذلك الذي لا مَحِيدَ لك عنه.
المعنى الثاني في ﴿مَا﴾ أن تكون موصولة، أي: ذلك الذي كنت تَحِيد منه وتفر منه في حياتك قد وصلك وأدركك.
وعلى كل حال ففي الآية التحذير من التهاون بالأعمال الصالحة، والتكاسل عن التوبة، وأن الإنسان يجب أن يبادر؛ لأنه لا يدري متى يأتيه الموت.
ق 50:20
ثم قال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ [ق ٢٠]، النافخ في الصور هو مَلَكٌ وَكَّلَه الله تعالى به يسمى إسرافيل، والنفخ في الصور نفختان؛ الأولى: نفخة الصعق، فيسبقها فَزَع ثم صعق، والثانية: نفخة البعث، وبينهما أربعون، وقد سُئِل أبو هريرة راوي الحديث: ما المراد بالأربعين؟ فقال: أَبَيْتُ[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨١٤)، ومسلم (٢٩٥٥ / ١٤١).]]، أي: إني لا أدري ما المراد بالأربعين التي ذَكَرَها النبي ﷺ.
المهم أن المراد بقوله هنا: ﴿نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ النفخة الثانية، بدليل قوله: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾، وهذا يعني أنه بهذه النفخة صار يوم القيامة الذي هو يوم الوعيد.
فإن قال قائل: يوم القيامة يوم وعيد ويوم وعد، وعيد لمن؟ للكفار، ووعد للمؤمنين، فلماذا ذكر الله تعالى هنا الوعيد دون الوعد؟ لأن السورة كلها مبدوءة بتكذيب الْمُكَذِّبِين للرسول عليه الصلاة والسلام، فناسب أن يغلب فيها جانب الوعيد، ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ [ق ١، ٢] إلى آخره، فكان من الحكمة أن يذكر الوعيد دون الوعد، ومع ذلك فقد ذكر الله تعالى أصحاب الجنة فيما بعد؛ لأن القرآن مَثَانٍ.
ق 50:21
﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] ﴿جَاءَتْ﴾ يعني: يوم القيامة، ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾، أي: كل إنسان، كل بشر، ويحتمل أن يكون المعنى: كل نفس من بني الإنسان ومن الجن أيضًا ممن يُلْزَمُون بالشرائع؛ لأننا إن نظرنا إلى السياق وهو قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ إلى آخره، قلنا: المراد بالنفس هنا نفس الإنسان، وإذا نظرنا إلى أن الشرائع تَلْزَم الجن كما تلزم الإنس، وأن الجن يُحْشَرُون يوم القيامة ويدخل مؤمنهم الجنة وكافرهم النار قلنا: إن هذا عامٌّ، فالله أعلم بما أراد.
﴿مَعَهَا سَائِقٌ﴾ يسوقها، ﴿وَشَهِيدٌ﴾ يشهد عليها بما عملت؛ لأن هؤلاء الملائكة عليهم الصلاة والسلام قد وُكِّلُوا بكتابة أعمال بني آدم من خير وشر، وكما سبق أنهم يكتبون كل شيء؛ الخير والشر واللغو، لكن لا يُحَاسَب الإنسان إلا على الخير أو الشر.
ق 50:22
ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق ٢٢]، ﴿كُنْتَ﴾ الخطاب لمن؟ للإنسان، وفيه ما يسمى بالالتفات، الالتفات معناه أن ينتقل الإنسان في أسلوبه من خطاب إلى غَيْبَة، أو من غَيْبَة إلى خطاب، أو من تَكَلُّم إلى غَيْبَة، المهم أن تختلف الضمائر، وفائدة ذلك الالتفات أنه يشد ذهن السامع، فبينما الكلام على نسق واحد إذا به يختلف.
انظر إلى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، وبعده: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة ١٢] ولم يقل: وبعث.
وانظر إلى الفاتحة نقرؤها كل يوم في كل ركعة من صلواتنا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٢ - ٤]، بعده ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة ٥]، ولم يقل: إياه نعبد، وسياق الآيات للغائب، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ما هو للمخاطب، ما قلت: الحمد لك يا رب.
فالمهم أن الالتفات أسلوب من أسلوب اللغة العربية، وفائدته شد ذهن السامع لما يُلْقَى إليه من الكلام.
﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾، وكما تعلمون أن الجملة هنا مؤكَّدَة بثلاث مؤكِّدات؛ ﴿لَقَدْ كُنْتَ﴾، وهي كثيرة الوقوع في القرآن دائمًا: (لقد كنت) (لقد كان) (لقد جاء) هذه الجملة يقول العلماء: إنها مؤكَّدة بثلاث مؤكِّدات؛ الأول: القسم، والثاني: اللام، والثالث: قد؛ إذ إن التقدير: والله لقد كنت في غفلة من هذا.
وهنا نطرح سؤالًا: أليس خَبَرُ الله تعالى حقًّا وصدقًا، سواء أُكِّد أم لم يُؤَكَّد؟ بلى لا شك، لكن ما دام القرآن نزل باللسان العربي فإنه لا بد أن يكون التأكيد في موضعه، وعدم التوكيد في موضعه؛ لأن المقصود أن يكون هذا القرآن في أعلى مراتب البلاغة.
﴿لَقَدْ كُنْتَ﴾ أي: أيها الإنسان، ﴿فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾، أي: كنت غافلًا عن هذا اليوم، سَاهٍ في الدنيا كأنك خُلِقْتَ لها.
﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾ يعني: هذا اليوم كُشِفَ الغطاء وبَانَ الخفي، واتضح كل شيء.
﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾، أي: قوي بعد أن كان في الدنيا أعشى أعمى غافلًا، لكن يوم القيامة ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ [آل عمران ٣٠]، يتبين كل شيء.
نسأل الله تعالى أن يحسن لنا ولكم الخاتمة والعاقبة، وأن يحشرنا مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين (...).
ق 50:23
نبتدئ هذا اللقاء -كما هي العادة- بالكلام على تفسير كلام الله عز وجل، الذي هو أشرف الكلام وأفضله وأنفعه للقلوب، فإن الله سبحانه وتعالى نَزَّلَ هذا القرآن على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليبين للناس ما نُزِّلَ إليهم، وقد بَيَّنَه النبي ﷺ بيانًا شافيًا كافيًا، لكنه قد يخفى على الناس إما لقصور علمه، أو لضعف فهمه، أو لغير ذلك من الأسباب المعروفة.
يقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق ٢٣]، قرين الإنسان هو الْمَلَك الْمُوَكَّل به ليحفظ عنه أعماله؛ لأن الله تعالى وَكَّلَ بأعمال بني آدم عناية بهم، وَكَّلَ بهم ملائكة ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾، وهذا من عناية الله بك أيها الإنسان أن وَكَّلَ بك هؤلاء الملائكة يعلمون ما تفعل ويكتبونه، لا يزيدون فيه ولا ينقصون منه.
يقول: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ أي: حاضر، ويحضر للإنسان.
فيقال: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق ٢٤]، قوله: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ قد يشكل على طالب العلم؛ لأنه قال: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾، قرين مفرد أو مثنى؟
* طالب: مفرد.
* الشيخ: مفرد، وهنا ﴿أَلْقِيَا﴾ فيها ألف التثنية، فكيف صح أن يخاطَب الواحد بخطاب الاثنين؟ اختلف المفسرون في الجواب عن هذا، فقال بعضهم: ﴿أَلْقِيَا﴾ ثُنِّيَت الجملة أو اتصل بها ضمير التثنية بناء على تكرار الفعل، فيكون قوله: ﴿أَلْقِيَا﴾ مثل قوله: أَلْقِ أَلْقِ، فالتكرار إذن للفعل لا للفاعل، هذا قول.
القول الثاني: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ إما أن يكون مفردًا مضافًا، والمعروف أن المفرد المضاف يكون للعموم، فيشمل كل ما ثبت من قرين، وعلى هذا فيكون ﴿قَالَ قَرِينُهُ﴾ أي: الْمَلَكَان الْمُوَكَّلَان به.
فإذا قال قائل: أروني دليلًا أو شاهدًا على أن المفرد يكون لأكثر من واحد.
قلنا: مرحبًا، يقول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم ٣٤]، وهل نعمة الله واحدة؟ لا؛ لأن الله قال تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان ٢٠]، لكن نعمة الله مفرد مضاف فيكون شاملًا لكل نعمة.
ويمكن أن يقول قائل: إن قوله: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ﴾ هو واحد من الْمَلَكَيْن، ولا شك أنه يجوز أن يتكلم واحد من الاثنين باسم الاثنين.
وعلى كل حال فيكون قوله على هذا التقدير الثالث والثاني يكون قوله: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ على بابه، أي أن الضمير هنا ضمير تثنية الفاعل.
﴿كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [ق ٢٤ - ٢٦]، خمسة أوصاف: ﴿كُلَّ كَفَّارٍ﴾، و﴿كَفَّارٍ﴾ هذه صيغة مبالغة، فإما أن يقال: إنه كان صيغة مبالغة؛ لأن هذا الكافر قد فعل أنواعًا من الكفر، فإذا جمعت الأنواع صارت كثيرة.
وقد يقال: إن هذه الصيغة ليست صيغة مبالغة، وإنما هي صيغة نسبة، كما يقال: نجار وحداد، وما أشبه ذلك ممن يُنْسَب إلى هذه الحرفة، فيكون المعنى ﴿كَفَّارٍ﴾ أي: كافر، لكن قد تَمَكَّنَ الكفر في قلبه والعياذ بالله.
﴿عَنِيدٍ﴾ أي: معاند للحق، لا يقبل مهما عرض له الحق بصورة شيقة بينة واضحة لا يقبل.
الوصف الثالث: ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ يمنع الخير، فيمنع الدعوة إلى الله، ويمنع بَذْل أمواله فيما يُرْضِي الله، ويمنع كل خير؛ لأن قوله: ﴿لِلْخَيْرِ﴾ لفظ عامٌّ يشمل كل خير، وقوله: ﴿مَنَّاعٍ﴾ كأنه يلتمس كل خير فيمنعه، فتكون هذه الصيغة صيغة مبالغة.
﴿مُعْتَدٍ﴾ أي: يعتدي على غيره، يعني: ليته يمنع غيره من الخير، بل يعتدي عليه، انظروا -مثلًا- إلى كفار قريش، ماذا صنعوا مع الرسول؟ منعوه من الخير أو لا؟ منعوه، اعتدوا عليه؟ نعم اعتدوا عليه.
﴿مُرِيبٍ﴾ أي: واقع في الريبة والشك والقلق، وكذلك أيضًا يشكك غيره فيُدْخِل في قلبه الريبة، فكلمة ﴿مُرِيبٍ﴾ تقتضي وصف الإنسان بها، وحَمْل هذا الوصف إلى غيره.
الوصف السادس: ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [ق ٢٦]، وما أوسع هذه الكلمة، وإذا كانت هذه الكلمة وصفًا للكَفَّار العنيد، فالمعنى أنه يعبد مع الله غيره، وكلنا يعلم أن المشركين كانوا يعبدون مع الله غيره، فيعبدون اللَّات، ويعبدون العُزَّى، ويعبدون مَنَاة، ويعبدون هُبَل، كل قوم لهم طاغية يعبدونها كما يعبدون الله، يركعون لها، ويسجدون لها، ويحبونها كما يحبون الله، ويخافون منها كما يخافون من الله، نسأل الله العافية.
هذا إذا جعلنا ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ وصفًا لهذا الكافر العنيد، أما إذا جعلناها أشمل من ذلك فإنها تعم كل إنسان تَعَبَّد لغير الله، وتَذَلَّلَ لغير الله، حتى التاجر الذي ليس له هَمٌّ إلا تجارته وتنميتها فإنه عابد لها، حتى صاحب الإبل الذي ليس له هَمٌّ إلا إبله هو عابد لها، الدليل على هذا أن من انشغل بشيء عن طاعة الله فهو عابد له، الدليل: قول النبي ﷺ: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيلَةِ»، «عَبْدُ الدِّينَارِ» هذا تاجر الذهب، «عَبْدُ الدِّرْهَمِ» : تاجر الفضة، «تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ» : تاجر الثياب؛ لأن الخميصة هي الثوب الجميل المنقوش، «تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيلَةِ» : تاجر الفرش، أو ليس بتاجر، يعني لا يتجر بهذه الأشياء، ولكنه مشغول بها عن طاعة الله، «إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ»[[أخرجه البخاري (٢٨٨٦) من حديث أبي هريرة.]]، فسمى النبي ﷺ مَن اشتغل بهذه الأشياء الأربعة عن طاعة الله سَمَّاه عبدًا لها.
أيضًا في القرآن الكريم ما يدل على أن العبادة أوسع من هذا أيضًا، قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية ٢٣]، فدل ذلك على أن كل مَن قدَّم هوى نفسه على هُدَى ربه فهو قد اتخذه إلهًا، ولهذا يمكننا أن نقول: إن جميع المعاصي داخلة في الشرك بهذا المعنى، ما هو المعنى؟ أنه قدَّمَها على مرضاة الله تعالى وطاعته، فجعل هذا شريكًا لله عز وجل في تَعَبُّده له، واتباعه إياه.
فالشرك أمره عظيم وخطره جسيم، حتى الرجل إذا تصدَّق بدرهم وهو يلاحظ لعل الناس يرونه ليمدحوه ويقولوا: إنه رجل كريم، يعتبر مشركًا مرائيًا، والرياء شرك، أخوف ما خاف النبي عليه الصلاة والسلام على أمته الشرك الخفي[[أخرجه ابن ماجه (٤٢٠٤) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، وهو الرياء.
فعلى هذا نقول: ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾، إن أردت أنها وصف خاص بالكَفَّار العنيد فإنها تختص بمن يعبد الصنم والوثن، وإن أردتها بالعموم فهي تشمل كل من اشتغل بغير الله عن طاعة الله، وعرفتم الأمثلة والأدلة على ما ذكرنا.
قال الله تعالى: ﴿فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾، ﴿أَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ وهو عذاب النار، نسأل الله أن يعيذنا وإياكم منها بِمَنِّه وكرمه.
ق 50:24
نبتدئ هذا اللقاء -كما هي العادة- بالكلام على تفسير كلام الله عز وجل، الذي هو أشرف الكلام وأفضله وأنفعه للقلوب، فإن الله سبحانه وتعالى نَزَّلَ هذا القرآن على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليبين للناس ما نُزِّلَ إليهم، وقد بَيَّنَه النبي ﷺ بيانًا شافيًا كافيًا، لكنه قد يخفى على الناس إما لقصور علمه، أو لضعف فهمه، أو لغير ذلك من الأسباب المعروفة.
يقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق ٢٣]، قرين الإنسان هو الْمَلَك الْمُوَكَّل به ليحفظ عنه أعماله؛ لأن الله تعالى وَكَّلَ بأعمال بني آدم عناية بهم، وَكَّلَ بهم ملائكة ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾، وهذا من عناية الله بك أيها الإنسان أن وَكَّلَ بك هؤلاء الملائكة يعلمون ما تفعل ويكتبونه، لا يزيدون فيه ولا ينقصون منه.
يقول: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ أي: حاضر، ويحضر للإنسان.
فيقال: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق ٢٤]، قوله: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ قد يشكل على طالب العلم؛ لأنه قال: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾، قرين مفرد أو مثنى؟
* طالب: مفرد.
* الشيخ: مفرد، وهنا ﴿أَلْقِيَا﴾ فيها ألف التثنية، فكيف صح أن يخاطَب الواحد بخطاب الاثنين؟ اختلف المفسرون في الجواب عن هذا، فقال بعضهم: ﴿أَلْقِيَا﴾ ثُنِّيَت الجملة أو اتصل بها ضمير التثنية بناء على تكرار الفعل، فيكون قوله: ﴿أَلْقِيَا﴾ مثل قوله: أَلْقِ أَلْقِ، فالتكرار إذن للفعل لا للفاعل، هذا قول.
القول الثاني: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ إما أن يكون مفردًا مضافًا، والمعروف أن المفرد المضاف يكون للعموم، فيشمل كل ما ثبت من قرين، وعلى هذا فيكون ﴿قَالَ قَرِينُهُ﴾ أي: الْمَلَكَان الْمُوَكَّلَان به.
فإذا قال قائل: أروني دليلًا أو شاهدًا على أن المفرد يكون لأكثر من واحد.
قلنا: مرحبًا، يقول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم ٣٤]، وهل نعمة الله واحدة؟ لا؛ لأن الله قال تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان ٢٠]، لكن نعمة الله مفرد مضاف فيكون شاملًا لكل نعمة.
ويمكن أن يقول قائل: إن قوله: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ﴾ هو واحد من الْمَلَكَيْن، ولا شك أنه يجوز أن يتكلم واحد من الاثنين باسم الاثنين.
وعلى كل حال فيكون قوله على هذا التقدير الثالث والثاني يكون قوله: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ على بابه، أي أن الضمير هنا ضمير تثنية الفاعل.
﴿كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [ق ٢٤ - ٢٦]، خمسة أوصاف: ﴿كُلَّ كَفَّارٍ﴾، و﴿كَفَّارٍ﴾ هذه صيغة مبالغة، فإما أن يقال: إنه كان صيغة مبالغة؛ لأن هذا الكافر قد فعل أنواعًا من الكفر، فإذا جمعت الأنواع صارت كثيرة.
وقد يقال: إن هذه الصيغة ليست صيغة مبالغة، وإنما هي صيغة نسبة، كما يقال: نجار وحداد، وما أشبه ذلك ممن يُنْسَب إلى هذه الحرفة، فيكون المعنى ﴿كَفَّارٍ﴾ أي: كافر، لكن قد تَمَكَّنَ الكفر في قلبه والعياذ بالله.
﴿عَنِيدٍ﴾ أي: معاند للحق، لا يقبل مهما عرض له الحق بصورة شيقة بينة واضحة لا يقبل.
الوصف الثالث: ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ يمنع الخير، فيمنع الدعوة إلى الله، ويمنع بَذْل أمواله فيما يُرْضِي الله، ويمنع كل خير؛ لأن قوله: ﴿لِلْخَيْرِ﴾ لفظ عامٌّ يشمل كل خير، وقوله: ﴿مَنَّاعٍ﴾ كأنه يلتمس كل خير فيمنعه، فتكون هذه الصيغة صيغة مبالغة.
﴿مُعْتَدٍ﴾ أي: يعتدي على غيره، يعني: ليته يمنع غيره من الخير، بل يعتدي عليه، انظروا -مثلًا- إلى كفار قريش، ماذا صنعوا مع الرسول؟ منعوه من الخير أو لا؟ منعوه، اعتدوا عليه؟ نعم اعتدوا عليه.
﴿مُرِيبٍ﴾ أي: واقع في الريبة والشك والقلق، وكذلك أيضًا يشكك غيره فيُدْخِل في قلبه الريبة، فكلمة ﴿مُرِيبٍ﴾ تقتضي وصف الإنسان بها، وحَمْل هذا الوصف إلى غيره.
الوصف السادس: ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [ق ٢٦]، وما أوسع هذه الكلمة، وإذا كانت هذه الكلمة وصفًا للكَفَّار العنيد، فالمعنى أنه يعبد مع الله غيره، وكلنا يعلم أن المشركين كانوا يعبدون مع الله غيره، فيعبدون اللَّات، ويعبدون العُزَّى، ويعبدون مَنَاة، ويعبدون هُبَل، كل قوم لهم طاغية يعبدونها كما يعبدون الله، يركعون لها، ويسجدون لها، ويحبونها كما يحبون الله، ويخافون منها كما يخافون من الله، نسأل الله العافية.
هذا إذا جعلنا ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ وصفًا لهذا الكافر العنيد، أما إذا جعلناها أشمل من ذلك فإنها تعم كل إنسان تَعَبَّد لغير الله، وتَذَلَّلَ لغير الله، حتى التاجر الذي ليس له هَمٌّ إلا تجارته وتنميتها فإنه عابد لها، حتى صاحب الإبل الذي ليس له هَمٌّ إلا إبله هو عابد لها، الدليل على هذا أن من انشغل بشيء عن طاعة الله فهو عابد له، الدليل: قول النبي ﷺ: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيلَةِ»، «عَبْدُ الدِّينَارِ» هذا تاجر الذهب، «عَبْدُ الدِّرْهَمِ» : تاجر الفضة، «تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ» : تاجر الثياب؛ لأن الخميصة هي الثوب الجميل المنقوش، «تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيلَةِ» : تاجر الفرش، أو ليس بتاجر، يعني لا يتجر بهذه الأشياء، ولكنه مشغول بها عن طاعة الله، «إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ»[[أخرجه البخاري (٢٨٨٦) من حديث أبي هريرة.]]، فسمى النبي ﷺ مَن اشتغل بهذه الأشياء الأربعة عن طاعة الله سَمَّاه عبدًا لها.
أيضًا في القرآن الكريم ما يدل على أن العبادة أوسع من هذا أيضًا، قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية ٢٣]، فدل ذلك على أن كل مَن قدَّم هوى نفسه على هُدَى ربه فهو قد اتخذه إلهًا، ولهذا يمكننا أن نقول: إن جميع المعاصي داخلة في الشرك بهذا المعنى، ما هو المعنى؟ أنه قدَّمَها على مرضاة الله تعالى وطاعته، فجعل هذا شريكًا لله عز وجل في تَعَبُّده له، واتباعه إياه.
فالشرك أمره عظيم وخطره جسيم، حتى الرجل إذا تصدَّق بدرهم وهو يلاحظ لعل الناس يرونه ليمدحوه ويقولوا: إنه رجل كريم، يعتبر مشركًا مرائيًا، والرياء شرك، أخوف ما خاف النبي عليه الصلاة والسلام على أمته الشرك الخفي[[أخرجه ابن ماجه (٤٢٠٤) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، وهو الرياء.
فعلى هذا نقول: ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾، إن أردت أنها وصف خاص بالكَفَّار العنيد فإنها تختص بمن يعبد الصنم والوثن، وإن أردتها بالعموم فهي تشمل كل من اشتغل بغير الله عن طاعة الله، وعرفتم الأمثلة والأدلة على ما ذكرنا.
قال الله تعالى: ﴿فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾، ﴿أَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ وهو عذاب النار، نسأل الله أن يعيذنا وإياكم منها بِمَنِّه وكرمه.
ق 50:25
نبتدئ هذا اللقاء -كما هي العادة- بالكلام على تفسير كلام الله عز وجل، الذي هو أشرف الكلام وأفضله وأنفعه للقلوب، فإن الله سبحانه وتعالى نَزَّلَ هذا القرآن على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليبين للناس ما نُزِّلَ إليهم، وقد بَيَّنَه النبي ﷺ بيانًا شافيًا كافيًا، لكنه قد يخفى على الناس إما لقصور علمه، أو لضعف فهمه، أو لغير ذلك من الأسباب المعروفة.
يقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق ٢٣]، قرين الإنسان هو الْمَلَك الْمُوَكَّل به ليحفظ عنه أعماله؛ لأن الله تعالى وَكَّلَ بأعمال بني آدم عناية بهم، وَكَّلَ بهم ملائكة ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾، وهذا من عناية الله بك أيها الإنسان أن وَكَّلَ بك هؤلاء الملائكة يعلمون ما تفعل ويكتبونه، لا يزيدون فيه ولا ينقصون منه.
يقول: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ أي: حاضر، ويحضر للإنسان.
فيقال: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق ٢٤]، قوله: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ قد يشكل على طالب العلم؛ لأنه قال: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾، قرين مفرد أو مثنى؟
* طالب: مفرد.
* الشيخ: مفرد، وهنا ﴿أَلْقِيَا﴾ فيها ألف التثنية، فكيف صح أن يخاطَب الواحد بخطاب الاثنين؟ اختلف المفسرون في الجواب عن هذا، فقال بعضهم: ﴿أَلْقِيَا﴾ ثُنِّيَت الجملة أو اتصل بها ضمير التثنية بناء على تكرار الفعل، فيكون قوله: ﴿أَلْقِيَا﴾ مثل قوله: أَلْقِ أَلْقِ، فالتكرار إذن للفعل لا للفاعل، هذا قول.
القول الثاني: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ إما أن يكون مفردًا مضافًا، والمعروف أن المفرد المضاف يكون للعموم، فيشمل كل ما ثبت من قرين، وعلى هذا فيكون ﴿قَالَ قَرِينُهُ﴾ أي: الْمَلَكَان الْمُوَكَّلَان به.
فإذا قال قائل: أروني دليلًا أو شاهدًا على أن المفرد يكون لأكثر من واحد.
قلنا: مرحبًا، يقول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم ٣٤]، وهل نعمة الله واحدة؟ لا؛ لأن الله قال تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان ٢٠]، لكن نعمة الله مفرد مضاف فيكون شاملًا لكل نعمة.
ويمكن أن يقول قائل: إن قوله: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ﴾ هو واحد من الْمَلَكَيْن، ولا شك أنه يجوز أن يتكلم واحد من الاثنين باسم الاثنين.
وعلى كل حال فيكون قوله على هذا التقدير الثالث والثاني يكون قوله: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ على بابه، أي أن الضمير هنا ضمير تثنية الفاعل.
﴿كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [ق ٢٤ - ٢٦]، خمسة أوصاف: ﴿كُلَّ كَفَّارٍ﴾، و﴿كَفَّارٍ﴾ هذه صيغة مبالغة، فإما أن يقال: إنه كان صيغة مبالغة؛ لأن هذا الكافر قد فعل أنواعًا من الكفر، فإذا جمعت الأنواع صارت كثيرة.
وقد يقال: إن هذه الصيغة ليست صيغة مبالغة، وإنما هي صيغة نسبة، كما يقال: نجار وحداد، وما أشبه ذلك ممن يُنْسَب إلى هذه الحرفة، فيكون المعنى ﴿كَفَّارٍ﴾ أي: كافر، لكن قد تَمَكَّنَ الكفر في قلبه والعياذ بالله.
﴿عَنِيدٍ﴾ أي: معاند للحق، لا يقبل مهما عرض له الحق بصورة شيقة بينة واضحة لا يقبل.
الوصف الثالث: ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ يمنع الخير، فيمنع الدعوة إلى الله، ويمنع بَذْل أمواله فيما يُرْضِي الله، ويمنع كل خير؛ لأن قوله: ﴿لِلْخَيْرِ﴾ لفظ عامٌّ يشمل كل خير، وقوله: ﴿مَنَّاعٍ﴾ كأنه يلتمس كل خير فيمنعه، فتكون هذه الصيغة صيغة مبالغة.
﴿مُعْتَدٍ﴾ أي: يعتدي على غيره، يعني: ليته يمنع غيره من الخير، بل يعتدي عليه، انظروا -مثلًا- إلى كفار قريش، ماذا صنعوا مع الرسول؟ منعوه من الخير أو لا؟ منعوه، اعتدوا عليه؟ نعم اعتدوا عليه.
﴿مُرِيبٍ﴾ أي: واقع في الريبة والشك والقلق، وكذلك أيضًا يشكك غيره فيُدْخِل في قلبه الريبة، فكلمة ﴿مُرِيبٍ﴾ تقتضي وصف الإنسان بها، وحَمْل هذا الوصف إلى غيره.
الوصف السادس: ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [ق ٢٦]، وما أوسع هذه الكلمة، وإذا كانت هذه الكلمة وصفًا للكَفَّار العنيد، فالمعنى أنه يعبد مع الله غيره، وكلنا يعلم أن المشركين كانوا يعبدون مع الله غيره، فيعبدون اللَّات، ويعبدون العُزَّى، ويعبدون مَنَاة، ويعبدون هُبَل، كل قوم لهم طاغية يعبدونها كما يعبدون الله، يركعون لها، ويسجدون لها، ويحبونها كما يحبون الله، ويخافون منها كما يخافون من الله، نسأل الله العافية.
هذا إذا جعلنا ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ وصفًا لهذا الكافر العنيد، أما إذا جعلناها أشمل من ذلك فإنها تعم كل إنسان تَعَبَّد لغير الله، وتَذَلَّلَ لغير الله، حتى التاجر الذي ليس له هَمٌّ إلا تجارته وتنميتها فإنه عابد لها، حتى صاحب الإبل الذي ليس له هَمٌّ إلا إبله هو عابد لها، الدليل على هذا أن من انشغل بشيء عن طاعة الله فهو عابد له، الدليل: قول النبي ﷺ: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيلَةِ»، «عَبْدُ الدِّينَارِ» هذا تاجر الذهب، «عَبْدُ الدِّرْهَمِ» : تاجر الفضة، «تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ» : تاجر الثياب؛ لأن الخميصة هي الثوب الجميل المنقوش، «تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيلَةِ» : تاجر الفرش، أو ليس بتاجر، يعني لا يتجر بهذه الأشياء، ولكنه مشغول بها عن طاعة الله، «إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ»[[أخرجه البخاري (٢٨٨٦) من حديث أبي هريرة.]]، فسمى النبي ﷺ مَن اشتغل بهذه الأشياء الأربعة عن طاعة الله سَمَّاه عبدًا لها.
أيضًا في القرآن الكريم ما يدل على أن العبادة أوسع من هذا أيضًا، قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية ٢٣]، فدل ذلك على أن كل مَن قدَّم هوى نفسه على هُدَى ربه فهو قد اتخذه إلهًا، ولهذا يمكننا أن نقول: إن جميع المعاصي داخلة في الشرك بهذا المعنى، ما هو المعنى؟ أنه قدَّمَها على مرضاة الله تعالى وطاعته، فجعل هذا شريكًا لله عز وجل في تَعَبُّده له، واتباعه إياه.
فالشرك أمره عظيم وخطره جسيم، حتى الرجل إذا تصدَّق بدرهم وهو يلاحظ لعل الناس يرونه ليمدحوه ويقولوا: إنه رجل كريم، يعتبر مشركًا مرائيًا، والرياء شرك، أخوف ما خاف النبي عليه الصلاة والسلام على أمته الشرك الخفي[[أخرجه ابن ماجه (٤٢٠٤) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، وهو الرياء.
فعلى هذا نقول: ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾، إن أردت أنها وصف خاص بالكَفَّار العنيد فإنها تختص بمن يعبد الصنم والوثن، وإن أردتها بالعموم فهي تشمل كل من اشتغل بغير الله عن طاعة الله، وعرفتم الأمثلة والأدلة على ما ذكرنا.
قال الله تعالى: ﴿فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾، ﴿أَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ وهو عذاب النار، نسأل الله أن يعيذنا وإياكم منها بِمَنِّه وكرمه.
ق 50:26
نبتدئ هذا اللقاء -كما هي العادة- بالكلام على تفسير كلام الله عز وجل، الذي هو أشرف الكلام وأفضله وأنفعه للقلوب، فإن الله سبحانه وتعالى نَزَّلَ هذا القرآن على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليبين للناس ما نُزِّلَ إليهم، وقد بَيَّنَه النبي ﷺ بيانًا شافيًا كافيًا، لكنه قد يخفى على الناس إما لقصور علمه، أو لضعف فهمه، أو لغير ذلك من الأسباب المعروفة.
يقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق ٢٣]، قرين الإنسان هو الْمَلَك الْمُوَكَّل به ليحفظ عنه أعماله؛ لأن الله تعالى وَكَّلَ بأعمال بني آدم عناية بهم، وَكَّلَ بهم ملائكة ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾، وهذا من عناية الله بك أيها الإنسان أن وَكَّلَ بك هؤلاء الملائكة يعلمون ما تفعل ويكتبونه، لا يزيدون فيه ولا ينقصون منه.
يقول: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ أي: حاضر، ويحضر للإنسان.
فيقال: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق ٢٤]، قوله: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ قد يشكل على طالب العلم؛ لأنه قال: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾، قرين مفرد أو مثنى؟
* طالب: مفرد.
* الشيخ: مفرد، وهنا ﴿أَلْقِيَا﴾ فيها ألف التثنية، فكيف صح أن يخاطَب الواحد بخطاب الاثنين؟ اختلف المفسرون في الجواب عن هذا، فقال بعضهم: ﴿أَلْقِيَا﴾ ثُنِّيَت الجملة أو اتصل بها ضمير التثنية بناء على تكرار الفعل، فيكون قوله: ﴿أَلْقِيَا﴾ مثل قوله: أَلْقِ أَلْقِ، فالتكرار إذن للفعل لا للفاعل، هذا قول.
القول الثاني: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ إما أن يكون مفردًا مضافًا، والمعروف أن المفرد المضاف يكون للعموم، فيشمل كل ما ثبت من قرين، وعلى هذا فيكون ﴿قَالَ قَرِينُهُ﴾ أي: الْمَلَكَان الْمُوَكَّلَان به.
فإذا قال قائل: أروني دليلًا أو شاهدًا على أن المفرد يكون لأكثر من واحد.
قلنا: مرحبًا، يقول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم ٣٤]، وهل نعمة الله واحدة؟ لا؛ لأن الله قال تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان ٢٠]، لكن نعمة الله مفرد مضاف فيكون شاملًا لكل نعمة.
ويمكن أن يقول قائل: إن قوله: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ﴾ هو واحد من الْمَلَكَيْن، ولا شك أنه يجوز أن يتكلم واحد من الاثنين باسم الاثنين.
وعلى كل حال فيكون قوله على هذا التقدير الثالث والثاني يكون قوله: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ على بابه، أي أن الضمير هنا ضمير تثنية الفاعل.
﴿كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [ق ٢٤ - ٢٦]، خمسة أوصاف: ﴿كُلَّ كَفَّارٍ﴾، و﴿كَفَّارٍ﴾ هذه صيغة مبالغة، فإما أن يقال: إنه كان صيغة مبالغة؛ لأن هذا الكافر قد فعل أنواعًا من الكفر، فإذا جمعت الأنواع صارت كثيرة.
وقد يقال: إن هذه الصيغة ليست صيغة مبالغة، وإنما هي صيغة نسبة، كما يقال: نجار وحداد، وما أشبه ذلك ممن يُنْسَب إلى هذه الحرفة، فيكون المعنى ﴿كَفَّارٍ﴾ أي: كافر، لكن قد تَمَكَّنَ الكفر في قلبه والعياذ بالله.
﴿عَنِيدٍ﴾ أي: معاند للحق، لا يقبل مهما عرض له الحق بصورة شيقة بينة واضحة لا يقبل.
الوصف الثالث: ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ يمنع الخير، فيمنع الدعوة إلى الله، ويمنع بَذْل أمواله فيما يُرْضِي الله، ويمنع كل خير؛ لأن قوله: ﴿لِلْخَيْرِ﴾ لفظ عامٌّ يشمل كل خير، وقوله: ﴿مَنَّاعٍ﴾ كأنه يلتمس كل خير فيمنعه، فتكون هذه الصيغة صيغة مبالغة.
﴿مُعْتَدٍ﴾ أي: يعتدي على غيره، يعني: ليته يمنع غيره من الخير، بل يعتدي عليه، انظروا -مثلًا- إلى كفار قريش، ماذا صنعوا مع الرسول؟ منعوه من الخير أو لا؟ منعوه، اعتدوا عليه؟ نعم اعتدوا عليه.
﴿مُرِيبٍ﴾ أي: واقع في الريبة والشك والقلق، وكذلك أيضًا يشكك غيره فيُدْخِل في قلبه الريبة، فكلمة ﴿مُرِيبٍ﴾ تقتضي وصف الإنسان بها، وحَمْل هذا الوصف إلى غيره.
الوصف السادس: ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [ق ٢٦]، وما أوسع هذه الكلمة، وإذا كانت هذه الكلمة وصفًا للكَفَّار العنيد، فالمعنى أنه يعبد مع الله غيره، وكلنا يعلم أن المشركين كانوا يعبدون مع الله غيره، فيعبدون اللَّات، ويعبدون العُزَّى، ويعبدون مَنَاة، ويعبدون هُبَل، كل قوم لهم طاغية يعبدونها كما يعبدون الله، يركعون لها، ويسجدون لها، ويحبونها كما يحبون الله، ويخافون منها كما يخافون من الله، نسأل الله العافية.
هذا إذا جعلنا ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ وصفًا لهذا الكافر العنيد، أما إذا جعلناها أشمل من ذلك فإنها تعم كل إنسان تَعَبَّد لغير الله، وتَذَلَّلَ لغير الله، حتى التاجر الذي ليس له هَمٌّ إلا تجارته وتنميتها فإنه عابد لها، حتى صاحب الإبل الذي ليس له هَمٌّ إلا إبله هو عابد لها، الدليل على هذا أن من انشغل بشيء عن طاعة الله فهو عابد له، الدليل: قول النبي ﷺ: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيلَةِ»، «عَبْدُ الدِّينَارِ» هذا تاجر الذهب، «عَبْدُ الدِّرْهَمِ» : تاجر الفضة، «تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ» : تاجر الثياب؛ لأن الخميصة هي الثوب الجميل المنقوش، «تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيلَةِ» : تاجر الفرش، أو ليس بتاجر، يعني لا يتجر بهذه الأشياء، ولكنه مشغول بها عن طاعة الله، «إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ»[[أخرجه البخاري (٢٨٨٦) من حديث أبي هريرة.]]، فسمى النبي ﷺ مَن اشتغل بهذه الأشياء الأربعة عن طاعة الله سَمَّاه عبدًا لها.
أيضًا في القرآن الكريم ما يدل على أن العبادة أوسع من هذا أيضًا، قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية ٢٣]، فدل ذلك على أن كل مَن قدَّم هوى نفسه على هُدَى ربه فهو قد اتخذه إلهًا، ولهذا يمكننا أن نقول: إن جميع المعاصي داخلة في الشرك بهذا المعنى، ما هو المعنى؟ أنه قدَّمَها على مرضاة الله تعالى وطاعته، فجعل هذا شريكًا لله عز وجل في تَعَبُّده له، واتباعه إياه.
فالشرك أمره عظيم وخطره جسيم، حتى الرجل إذا تصدَّق بدرهم وهو يلاحظ لعل الناس يرونه ليمدحوه ويقولوا: إنه رجل كريم، يعتبر مشركًا مرائيًا، والرياء شرك، أخوف ما خاف النبي عليه الصلاة والسلام على أمته الشرك الخفي[[أخرجه ابن ماجه (٤٢٠٤) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، وهو الرياء.
فعلى هذا نقول: ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾، إن أردت أنها وصف خاص بالكَفَّار العنيد فإنها تختص بمن يعبد الصنم والوثن، وإن أردتها بالعموم فهي تشمل كل من اشتغل بغير الله عن طاعة الله، وعرفتم الأمثلة والأدلة على ما ذكرنا.
قال الله تعالى: ﴿فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾، ﴿أَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ وهو عذاب النار، نسأل الله أن يعيذنا وإياكم منها بِمَنِّه وكرمه.
ق 50:27
﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ [ق: ٢٧]، هو يَدَّعِي أن قرينه هو الذي أطغاه، وهو الذي صدَّه عن سبيل الله، فيقول قرينه: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾، ما أمرته أن يكفر ولا أن يكون عنيدًا، ولا أن يكون معتديًا، ولا أن يكون مريبًا، ولا أن يكون مشركًا مع الله أحدًا، ما فعلت هذا.
﴿وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾، ﴿كَانَ﴾ أي: هذا الكافر، ﴿في فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ عن الحق، حينئذ لدينا خصمان: الكافر العنيد، والقرين؛ الكافر العنيد يَدَّعِي أن القرين هو الذي أغواه وأطغاه، والقرين ينكر ذلك.
ق 50:28
فيقول الله عز وجل: ﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ [ق ٢٨]، الخصومة منقطعة؛ لأن الحجة قائمة، ولا عذر لأحد.
﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾، أي: أوعدتكم على المخالفة فلا حجة لكم.
ق 50:29
﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: ٢٩]، يعني لا أحد يستطيع أن يُبَدِّل قولي؛ لأن الحكم لله عز وجل وحده، فإذا كان الله تعالى قد وعد أو أوعد فهو صادق الوعد سبحانه وتعالى، وأما الإيعاد فقد يغفر ما شاء من الذنوب إلا الشرك.
﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، يعني: لست أظلم أحدًا، وكلمة ﴿ظَلَّامٍ﴾ لا تقل: إنها صيغة مبالغة، وأن المعنى أني لست كثير الظلم، بل هي من باب النسبة، أي: لست بذي ظلم، والدليل على أن هذا هو المعنى وأنه يتعين أن يكون هذا المعنى قوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء ٤٠].
ويقول عز وجل: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه ١١٢].
ويقول عز وجل: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف ٤٩].
والآيات في هذا كثيرة أن الله لا يظلم، بل إننا إذا تأملنا وجدنا أن فضل الله وإحسانه أكثر من عدله؛ جزاء سيئة سيئة مثلها، جزاء حسنة عشر أمثالها، لو أردنا نأخذ بالعدل لكان السيئة بالسيئة، والحسنة بالحسنة، لكن فضل الله زائد على عدله عز وجل، فهو سبحانه وتعالى يجزي بالفضل والإحسان لمن كان مُحْسِنًا، وبالعدل بدون زيادة لمن كان مسيئًا، ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾. ويأتي إن شاء الله بقية الكلام على هذه السورة.
نسأل الله تعالى أن ينفعنا وإياكم بما علِمْنا، وأن يجعل علمنا دالًّا لنا على مرضاته، إنه على كل شيء قدير (...).
ق 50:30
نبدأ فيه كما هو العادة بتفسير آيات من كتاب الله عز وجل، ونحن في سورة (ق) عند قوله تبارك وتعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق ٣٠]، ﴿يَوْمَ﴾ هذه ظرف زمان، والظروف الزمانية والمكانية وكذلك حروف الجر لا بد لها من متعلق، أي: لا بد لها من فعل، أو ما كان بمعنى الفعل تتعلق به.
فما هو متعلق قوله: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ﴾؟ نقول: هو محذوف، التقدير: اذكر يوم نقول لجهنم، وليعلم أنه يوجد في اللغة العربية كلمات تُحْذَف، بل ربما جُمَل تُحْذَف، وذلك فيما إذا دَلَّ عليها السياق، فهنا الكلمة التي تتعلق بها كلمة ﴿يَوْمَ﴾ محذوفة، بتقدير: اذكر يوم نقول لجهنم: هل امتلأت وتقول هل من مزيد، يسألها الله عز وجل هل امتلأت؟ وهو يعلم سبحانه وتعالى أنها امتلأت أو لم تمتلئ؛ لأنه لا يخفى عليه شيء، لكنه يسألها: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ ليُقَرِّر لها ما وعدها سبحانه وتعالى، فإن الله يقول: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٩].
فيسألها: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ﴾، يعني: هل حصل ما وعد الله به؟ لأن الله تكفَّل بأن يملأ الجنة ويملأ النار.
فتقول: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾، ﴿هَلْ﴾ هنا أداة استفهام، وهي حرف، هل هي استفهام طلب أو استفهام نفي؟ انتبهوا للفرق، هل هي استفهام طلب، بمعنى أنها تطلب الزيادة؟ أو استفهام نفي، بمعنى أنها تقول: لا مزيد على ما فِيَّ؟ في هذا للعلماء قولان؛ القول الأول: أن المعنى ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ أي: لا مزيد على ما فِيَّ، و (هل) تأتي لاستفهام النفي، كما في قوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر ٣]، أي: ما من خالق، وعلى هذا فتكون النار امتلأت، إذا قالت: لا مزيد على ذلك، فالمعنى أنها امتلأت، وقيل: (هل) للطلب، أي: تطلب الزيادة.
وإذا اختلف العلماء في التفسير أو غير التفسير فالمرجع إلى ما قاله الله ورسوله، فلننظر أي القولين أولى بالصواب؟ ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا وَهِيَ تَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ عَلَيْهَا قَدَمَهُ»، أو قال: «عَلَيْهَا رِجْلَهُ، فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَتَقُولُ: قَطْ قَطْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٦٦١)، ومسلم (٢٨٤٨ / ٣٧) من حديث أنس بن مالك.]].
فأي القولين أولى بالصواب؟ أنها استفهام طلب، يعني تطلب الزيادة، ولكن رحمة الله سبقت غضبه، يضع عليها عز وجل رجله على الوجه الذي أراد، ثم ينزوي بعضها، ينضم بعضها إلى بعض وتتضايق وتقول: لا مزيد على ذلك، أو وتطلب، ثم ينتهي الموضوع، فحَقَّت كلمة الله أنه ملأ جهنم من الْجِنَّة والناس أجمعين.
في الحديث الذي سُقْتُه إثبات القَدَم أو الرِّجْل لله عز وجل، فهل هو قَدَم حقيقة، أو قَدَم بمعنى الْمُقَدَّم، يعني يضع الرب عز وجل مَن يُقَدِّمُهم إلى النار حتى يملأها؟ وهل الرِّجْل الرِّجْل حقيقة، أو الرِّجْل بمعنى الطائفة؛ لأنه يُقَالُ: رِجْل من جراد، مثل طائفة من جراد، أيهما أولى؟ الأول، يعني أن المراد رِجْل حقيقة لله عز وجل، إلا أنها لا تشبه أرجل المخلوقين بأي وجه من الوجوه، نعلم عِلْم اليقين أنها ليست مثل أرجل المخلوقين، من أين علمنا أنها ليست مثل أرجل المخلوقين؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، من أين علمنا أن رِجْل الله لا تشبه ولا تماثل أرجل المخلوقين؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، من قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١].
والمقصود من قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ﴾، هو تحذير الناس؛ لأن كل واحد منا لا يدري أيكون من حطب جهنم، أو يكون ممن نَجَّى منها، نسأل الله أن ينجينا وإياكم منها.
ق 50:31
ثم قال عز وجل: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [ق ٣١]، أي: قُرِّبت للمتقين مكانًا ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾.
﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هَذَا﴾ [ق ٣١، ٣٢] أي: ما تشاهدون من قرب الجنة، ﴿مَا تُوعَدُونَ﴾ أي: هذا الذي توعدون.
فإن الله تعالى وَعَدَ المؤمنين العاملين الصالحات وَعَدَهُم الجنة، وصدق وعده عز وجل، ولكن لمن؟ ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾، الأوَّاب صيغة مبالغة من (آب يؤوب) بمعنى: رجع، أي: لكل أَوَّاب إلى الله، أي: رَجَّاع إليه.
﴿حَفِيظٍ﴾ أي: حفيظ لما أمرهم الله به، وهذا كقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعبد الله بن عباس: «احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ»[[أخرجه الترمذي (٢٥١٦).]]، المعنى: أنه حفيظ لأوامر الله، لا يضيعها ولا يقابلها بكسل وتَوَانٍ، بل هو نشيط فيها، وإذا أَذْنَبَ بِتَرْك واجب أو فِعْل مُحَرَّم تجده يرجع إلى الله، ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾، فهو أَوَّاب رَجَّاع إلى الله تعالى من المعاصي للطاعات، وكذلك ﴿حَفِيظٍ﴾: حافظ لما أمر الله به، محافظ عليه، قائم به، ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾.
﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق ٣٣]، ﴿مَنْ﴾ هذه بدل مما سبقها.
﴿خَشِيَ الرَّحْمَنَ﴾ أي: خَافَهُ عن علم وبصيرة؛ لأن الخشية لا تكون إلا بعلم، الدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨]، فهي خشية، أي: خوف ورهبة وتعظيم لله عز وجل؛ لأنها صادرة عن علم.
وقوله: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ لها معنيان؛ المعنى الأول: أنه خشي الرحمن مع أنه لم يَرَهُ، لكن رأى آياته الدالة عليه.
والمعنى الثاني: خَشِيَهُ بالغيب، أي: بغَيْبَتِه عن الناس، يخشى الله وهو غائب عن الناس؛ لأن من الناس مَن يخشى الله إذا كان بين الناس، وأما إذا انفرد فإنه لا يخشى الله، مثل من؟
* طالب: المرائي.
* الشيخ: المرائي، المنافق، إذا كان مع الناس تجده من أحسن الناس خشية، إذا انفرد لا يخشى الله.
كذلك أيضًا من الناس مَن يكون عنده خشية ظاهرية، لكن القلب ليس خاشيًا لله عز وجل، فيكون بالغيب أي بما غاب عن الناس، سواء كان عمله في مكان خاص، أو ما غاب عن الناس في قلبه، فإن خشية القلب هي الأصل.
﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ أي: جاء يوم القيامة، ﴿بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ أي: رَجَّاع إلى الله عز وجل، يعني أنه مات وهو مُنِيبٌ إلى الله، فهو كقوله: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران ١٠٢]، المعنى أنه بَقِيَ على الإنابة والرجوع إلى الله عز وجل إلى أن مات، إلى أن لقي الله؛ لأن الأعمال بالخواتيم، نسأل الله أن يختم لنا ولكم بالخير.
ق 50:32
ثم قال عز وجل: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [ق ٣١]، أي: قُرِّبت للمتقين مكانًا ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾.
﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هَذَا﴾ [ق ٣١، ٣٢] أي: ما تشاهدون من قرب الجنة، ﴿مَا تُوعَدُونَ﴾ أي: هذا الذي توعدون.
فإن الله تعالى وَعَدَ المؤمنين العاملين الصالحات وَعَدَهُم الجنة، وصدق وعده عز وجل، ولكن لمن؟ ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾، الأوَّاب صيغة مبالغة من (آب يؤوب) بمعنى: رجع، أي: لكل أَوَّاب إلى الله، أي: رَجَّاع إليه.
﴿حَفِيظٍ﴾ أي: حفيظ لما أمرهم الله به، وهذا كقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعبد الله بن عباس: «احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ»[[أخرجه الترمذي (٢٥١٦).]]، المعنى: أنه حفيظ لأوامر الله، لا يضيعها ولا يقابلها بكسل وتَوَانٍ، بل هو نشيط فيها، وإذا أَذْنَبَ بِتَرْك واجب أو فِعْل مُحَرَّم تجده يرجع إلى الله، ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾، فهو أَوَّاب رَجَّاع إلى الله تعالى من المعاصي للطاعات، وكذلك ﴿حَفِيظٍ﴾: حافظ لما أمر الله به، محافظ عليه، قائم به، ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾.
﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق ٣٣]، ﴿مَنْ﴾ هذه بدل مما سبقها.
﴿خَشِيَ الرَّحْمَنَ﴾ أي: خَافَهُ عن علم وبصيرة؛ لأن الخشية لا تكون إلا بعلم، الدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨]، فهي خشية، أي: خوف ورهبة وتعظيم لله عز وجل؛ لأنها صادرة عن علم.
وقوله: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ لها معنيان؛ المعنى الأول: أنه خشي الرحمن مع أنه لم يَرَهُ، لكن رأى آياته الدالة عليه.
والمعنى الثاني: خَشِيَهُ بالغيب، أي: بغَيْبَتِه عن الناس، يخشى الله وهو غائب عن الناس؛ لأن من الناس مَن يخشى الله إذا كان بين الناس، وأما إذا انفرد فإنه لا يخشى الله، مثل من؟
* طالب: المرائي.
* الشيخ: المرائي، المنافق، إذا كان مع الناس تجده من أحسن الناس خشية، إذا انفرد لا يخشى الله.
كذلك أيضًا من الناس مَن يكون عنده خشية ظاهرية، لكن القلب ليس خاشيًا لله عز وجل، فيكون بالغيب أي بما غاب عن الناس، سواء كان عمله في مكان خاص، أو ما غاب عن الناس في قلبه، فإن خشية القلب هي الأصل.
﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ أي: جاء يوم القيامة، ﴿بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ أي: رَجَّاع إلى الله عز وجل، يعني أنه مات وهو مُنِيبٌ إلى الله، فهو كقوله: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران ١٠٢]، المعنى أنه بَقِيَ على الإنابة والرجوع إلى الله عز وجل إلى أن مات، إلى أن لقي الله؛ لأن الأعمال بالخواتيم، نسأل الله أن يختم لنا ولكم بالخير.
ق 50:33
ثم قال عز وجل: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [ق ٣١]، أي: قُرِّبت للمتقين مكانًا ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾.
﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هَذَا﴾ [ق ٣١، ٣٢] أي: ما تشاهدون من قرب الجنة، ﴿مَا تُوعَدُونَ﴾ أي: هذا الذي توعدون.
فإن الله تعالى وَعَدَ المؤمنين العاملين الصالحات وَعَدَهُم الجنة، وصدق وعده عز وجل، ولكن لمن؟ ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾، الأوَّاب صيغة مبالغة من (آب يؤوب) بمعنى: رجع، أي: لكل أَوَّاب إلى الله، أي: رَجَّاع إليه.
﴿حَفِيظٍ﴾ أي: حفيظ لما أمرهم الله به، وهذا كقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعبد الله بن عباس: «احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ»[[أخرجه الترمذي (٢٥١٦).]]، المعنى: أنه حفيظ لأوامر الله، لا يضيعها ولا يقابلها بكسل وتَوَانٍ، بل هو نشيط فيها، وإذا أَذْنَبَ بِتَرْك واجب أو فِعْل مُحَرَّم تجده يرجع إلى الله، ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾، فهو أَوَّاب رَجَّاع إلى الله تعالى من المعاصي للطاعات، وكذلك ﴿حَفِيظٍ﴾: حافظ لما أمر الله به، محافظ عليه، قائم به، ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾.
﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق ٣٣]، ﴿مَنْ﴾ هذه بدل مما سبقها.
﴿خَشِيَ الرَّحْمَنَ﴾ أي: خَافَهُ عن علم وبصيرة؛ لأن الخشية لا تكون إلا بعلم، الدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨]، فهي خشية، أي: خوف ورهبة وتعظيم لله عز وجل؛ لأنها صادرة عن علم.
وقوله: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ لها معنيان؛ المعنى الأول: أنه خشي الرحمن مع أنه لم يَرَهُ، لكن رأى آياته الدالة عليه.
والمعنى الثاني: خَشِيَهُ بالغيب، أي: بغَيْبَتِه عن الناس، يخشى الله وهو غائب عن الناس؛ لأن من الناس مَن يخشى الله إذا كان بين الناس، وأما إذا انفرد فإنه لا يخشى الله، مثل من؟
* طالب: المرائي.
* الشيخ: المرائي، المنافق، إذا كان مع الناس تجده من أحسن الناس خشية، إذا انفرد لا يخشى الله.
كذلك أيضًا من الناس مَن يكون عنده خشية ظاهرية، لكن القلب ليس خاشيًا لله عز وجل، فيكون بالغيب أي بما غاب عن الناس، سواء كان عمله في مكان خاص، أو ما غاب عن الناس في قلبه، فإن خشية القلب هي الأصل.
﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ أي: جاء يوم القيامة، ﴿بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ أي: رَجَّاع إلى الله عز وجل، يعني أنه مات وهو مُنِيبٌ إلى الله، فهو كقوله: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران ١٠٢]، المعنى أنه بَقِيَ على الإنابة والرجوع إلى الله عز وجل إلى أن مات، إلى أن لقي الله؛ لأن الأعمال بالخواتيم، نسأل الله أن يختم لنا ولكم بالخير.
ق 50:34
ثم قال تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ [ق ٣٤]، ﴿ادْخُلُوهَا﴾ أمر، هل هو أمر إلزام أو أمر إكرام؟
* طلبة: إكرام.
* الشيخ: أمر إكرام؛ لأن الآخرة ما فيها تكليف وإلزام، بل إما إكرام وإما إهانة، كقوله تعالى في المجرمين: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ [الزمر ٧٢]، هذا أمر إهانة.
وقوله في المؤمنين هنا: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾ هذا أمر إكرام.
وقوله: ﴿بِسَلَامٍ﴾، الباء هنا للمصاحبة، المعنى: دخولًا مصحوبًا بسلام، سلام من أيش؟ سلام من كل آفة، أصحاب الجنة سالمون من الأمراض، وسالمون من الهرم، وسالمون من الموت، وسالمون من الغِلّ، وسالمون من الحسد، وسالمون من كل شيء، كل شيء يطلب فيه السلامة فأهل الجنة سالمون.
﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ﴾، أي: هذا اليوم، ﴿يَوْمُ الْخُلُودِ﴾، أي: اليوم الذي لا هلاك بعده، خلود دائم سَرْمَدِيّ لا نهاية له.
ق 50:35
﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾ [ق: ٣٥]، أي: لهؤلاء المتقين، ﴿مَا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾، أي: في الجنة، ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾، يعني: مزيد على ما يتمنون ويشاؤون؛ لأن الإنسان بحكمه مخلوق يعجز عن أن يستقصي كل شيء، وتنقطع أمنيته بحيث لا يدري ما يتمنى، لكن هؤلاء أهل الجنة كل ما يشتهون فيها فإنه موجود.
لو اشتهى الإنسان ثمرة معينة كرُمَّان أو عنب أو ما أشبه ذلك يجدها؟ يجدها، في أي وقت؟ في أي وقت، كل شيء يشتهيه الإنسان ويطلبه فإنه موجود لا يمتنع، بل قال الله عز وجل: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾، يعني: نعطيهم فوق ما يشتهون ويتمنون، ومن الزيادة النظر إلى وجه الله عز وجل.
ولهذا استدل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وغيره من أهل العلم بهذه الآية على إثبات رؤية الله عز وجل، وقال: إن هذه الآية ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ كقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦].
نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم منهم، وأن يرزقنا النظر إلى وجهه الكريم في جنات النعيم.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.