Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — الزخرف 43:1 – الزخرف 43:36

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. الزخرف 43:1
  2. الزخرف 43:2
  3. الزخرف 43:3
  4. الزخرف 43:4
  5. الزخرف 43:5
  6. الزخرف 43:6
  7. الزخرف 43:7
  8. الزخرف 43:8
  9. الزخرف 43:9
  10. الزخرف 43:10
  11. الزخرف 43:11
  12. الزخرف 43:12
  13. الزخرف 43:13
  14. الزخرف 43:14
  15. الزخرف 43:15
  16. الزخرف 43:16
  17. الزخرف 43:17
  18. الزخرف 43:18
  19. الزخرف 43:19
  20. الزخرف 43:20
  21. الزخرف 43:21
  22. الزخرف 43:22
  23. الزخرف 43:23
  24. الزخرف 43:24
  25. الزخرف 43:25
  26. الزخرف 43:26
  27. الزخرف 43:27
  28. الزخرف 43:28
  29. الزخرف 43:29
  30. الزخرف 43:30
  31. الزخرف 43:31
  32. الزخرف 43:32
  33. الزخرف 43:33
  34. الزخرف 43:34
  35. الزخرف 43:35
  36. الزخرف 43:36

الزخرف 43:1

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، ففي هذا الصباح صباح يوم السبت الخامس عشر من شهر ربيع الأول عام واحد وعشرين وأربع مئة وألف نستفتح الدروس الصيفية في الجامع الكبير في عُنَيْزَة، والتي تستمر خمسة أيام في كل أسبوع: السبت، والأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، من الساعة الثامنة إلى تقريب الساعة العاشرة والنصف، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقنا وإياكم علمًا نافعًا، وعملًا صالحًا، ورزقًا طيبًا واسعًا. نبتدئ جلسة هذا اليوم بالتفسير كما هو مُقَرَّر في الجدول، فليقرأ أحدكم ممن أعطاه الله حَلْقًا واسعًا وأداءً جيدًا، ليقرأ ما سنبدأ به اليوم من سورة الزخرف. * طالب: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف ١ - ٤]. * الشيخ: الزخرف التي نبتدئ دراسة التفسير بها، ولكني أُقَدِّم بين هذا مُقَدِّمَات: أولًا: القرآن الكريم ما عقيدة أهل السنة فيه؟ الجواب: عقيدة أهل السنة في القرآن الكريم أنه كلام الله عز وجل، كلام الله حقيقةً، تكلَّم به حرفيًّا، وأراد معناه حسب اللغة العربية، كما قال عز وجل: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف ٣]، هذا القرآن ينزل شيئًا فشيئًا كما قال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء ١٠٦]، أي: شيئًا فشيئًا حسب ما يحتاج الناس ينزل في وقت نزوله. ومنها –أي: من المقدمات- أن القرآن الكريم نزل على وجهين؛ الوجه الأول: ما له سبب، والثاني: ما لا سبب له، الأول: ما له سبب، أي: نزل بسبب حادثة وقعت فنزل فيها. ومن الضوابط في هذا أن كل آية فيها ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ فإنها لسبب، (يسألونك عن كذا) هذا سبب، فكلما رأيت في القرآن الكريم آية مُصَدَّرَة بكلمة ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ فإنها نزلت لسبب، وقد يذكر فيها ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ حسب ما ذُكِر في كتب التفسير. إذا نزلت الآية لسبب فهل تختص بذلك السبب، أو تكون عامَّة له ولما يشاركه في العلة؟ الجواب: تكون عامة له ولما يشاركه في العلة، ولهذا قال العلماء: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فمثلًا: أول سورة المجادلة نزلت في قصة رجل معين -أوس بن الصامت- فهل نقول: إن هذا الحكم خاص به، أو نقول: إنه عامٌّ له ولمن يشاركه في المعنى؟ الثاني، فكل مَن ظاهر من امرأته فله حكم ظِهَار أوس بن الصامت رضي الله عنه. وهذه القاعدة تفيدك في استعمال الاستدلال بالقرآن الكريم، وأن الأصل هو العموم. القرآن الكريم له خصائص كثيرة، منها: أنه لا يمسه الإنسان إلا على طهارة، يعني أن الْمُحْدِث لا يحل له أن يمس المصحف حتى يتوضأ؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما كتبه لعمرو بن حزم: «أَلَّا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ»[[أخرجه الطبراني (١٣٢١٧) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه.]] أي: طاهر من الحدث؛ لأن الطهارة من الحدث تسمى طهارة، كما قال عز وجل في آية الوضوء والغسل والتيمم: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة ٦]. واستثنى بعض العلماء -رحمهم الله- الصغار غير الْمُكَلَّفِين، فقال لهم أن يَمَسُّوا المصحف بدون وضوء؛ لأنهم غير مُكَلَّفِين. وفي هذا الاستثناء نظر؛ لأننا لو قلنا بهذا لقلنا: يجوز لهؤلاء الصغار أن يُصَلُّوا بغير طهارة، ولا قائل به فيما أعلم، وعلى هذا فلا بد من الطهارة حتى للصغار. لكن ما دعت الحاجة إلى مَسِّهِ بدون طهارة؛ كألواح الصغار الذين يتعلمون في المدارس، هؤلاء لا يحتاجون إلى وضوء؛ لأننا لو كَلَّفْنَاهم بذلك لشقَّ عليهم. هذا القرآن الكريم لا يحل للجُنُب أن يقرأ منه آية فأكثر حتى يغتسل، فإذا كان على الإنسان جنابة فإنه لا يَحِلُّ له أن يقرأ شيئًا من القرآن آية فأكثر إلا إذا اغتسل؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم كان يُقْرِئ أصحابه القرآن ما لم يكن جُنُبًا، أو قال: ما لم نكن جُنُبًا[[أخرج الترمذي (١٤٦) عن علي رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ يقرئنا القرآن على كل حال ما لم يكن جُنُبًا.]]. فإن قال قائل: هل يجوز للجُنُب أن يقرأ آية لا لقصد القرآن ولكن لأنها آية دعاء مثلًا، مثل: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ [آل عمران ٨]؟ فالجواب: نعم، يجوز له هذا؛ لأنه لم يقصد تلاوة القرآن. فإن سأل سائل: ما تقولون في قراءة الحائض القرآنَ؟ فالجواب: اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين؛ القول الأول: أن الحائض لا يجوز لها أن تقرأ القرآن؛ لأنها كالجنب، والقول الثاني: لها أن تقرأ القرآن؛ لأنه ليس في السنة دليل صحيح صريح يمنع الحائض من قراءة القرآن، ولو كانت الحائض لا تقرأ القرآن لبُيِّنَ ذلك، من كثرة وقوع الحيض واحتياج النساء إلى بيان الحكم، فلما لم يَرِد في ذلك حديث صحيح صريح فما الأصل؟ الأصل الجواز؛ لأن القرآن من الذِّكْر، والحائض لا تُمْنع منه. وعندي أن الحائض تقرأ القرآن لحاجة أو مصلحة؛ الحاجة كأن تقرأ وِرْدَها من القرآن، مثل: آية الكرسي، (قل هو الله أحد)، (قل أعوذ برب الفلق)، (قل أعوذ برب الناس)، هذه حاجة، أو تقرأ القرآن لئلا تنساه، هذه حاجة أيضًا. لمصلحة؛ مثل: أن تُقْرِئ ابنتها أو طفلها القرآن؛ أي: تُعَلِّمه القرآن؛ لأنه إذا لم يَرِد دليل صحيح صريح في المنع وكانت المسألة فيها احتمال فالاحتياط أولى. إذن الحكم الآن الذي اخترناه أن لها أن تقرأ القرآن لحاجة أو مصلحة؛ لعدم الدليل الصحيح الصريح على منعها. القرآن الكريم مختص بأن كل حرف منه حسنة، في كل حرف حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، وليس ذلك موجودًا في السُّنَّة، حتى الأحاديث القدسية لا يثبت لها ذلك، إنما هذا خاصٌّ بالقرآن الكريم. القرآن الكريم يختص بالإعجاز، أي بأن الْخَلْق لا يستطيعون أن يأتوا بمثله، قال الله عز وجل: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨]، أي: مُعِينًا، وليس ذلك موجودًا في أي كلام من كلام البشر، إنما هو في القرآن الكريم، لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله، بل ولا بعَشْر سورٍ منه، بل ولا بسورة منه، بل ولا بآية منه. القرآن كاملًا سمعتم الآية: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾، عشر سور في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود ١٣]، سورة في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس ٣٨]، آية في قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور ٣٣، ٣٤]، حديث أيُّ حديثٍ، عجز العرب عن ذلك، أي: عن أن يأتوا بشيء من مثل القرآن، مع أنه قد تَوَفَّرَت لهم أساليب البلاغة والفصاحة، وصار الداعي لمعارضة القرآن عندهم قويًّا، فلما كان السبب الداعي قويًّا ولم يُوجَد مانع عُلِم أنهم لا يستطيعون أن يأتوا بمثله. ولذلك تجد القرآن الكريم -سبحان الله!- لا يَمَلُّ الإنسان من قراءته، ولا من تكراره، وغيره يَمَلُّ من تكراره، ويَمُجُّه السمع، ويَثْقُل على اللسان، لكن القرآن الكريم لا يَخْلَقُ مع الترداد أبدًا، تجده طريًّا كلما قرأته. ثم إذا كان الله تعالى قد فتح عليك وكان عندك نية وقصد صحيح في معرفة المعنى فكل قراءة تقرؤها يفتتح لك بها معنى غير الأول، جَرِّبْ تَجِدْ، هذا شيء معلوم، لكن هذا لمن؟ لمن عَلِمَ اللهُ منه صدق الطلب في معرفة المعنى، أما مَن أعرض عن ذلك فإنه لا يستفيد، لكن مَن علم الله منه صدق الطلب فإن الله يفتح عليه كلما قرأ القرآن من المعاني ما لم يكن سابقًا. القرآن الكريم أنزله الله عز وجل وجعله مباركًا، مباركًا في أيش؟ مباركًا في تأثيره، مباركًا في ثوابه، مباركًا في آثاره. مباركًا في تأثيره، يعني أنه مؤثر على القلب، ويلين القلب، ويكسبه خشية لله عز وجل؛ لأن الله قال: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر ٢١]، سبحان الله! وهو جبل حصى يكون خاشعًا ذليلًا ويتصدع من خشية الله عز وجل، فما بالكم بالقلب لو كان القلب حيًّا؟ يكون من باب أولى، ولهذا قال ابن عبد القوي رحمه الله: وَحَافِظْ عَلَى دَرْسِ الْقُرَانِ فَإِنَّهُ ∗∗∗ يُلَيِّنُ قَلْبًا قَاسِــــيًا مِثْلَجَلْمَدِ وما أكثر الذين يشكون قسوة قلوبهم اليوم لأسباب ليس هذا موضع ذكرها، ولكن إذا أحسوا بقسوة القلب فعليهم بالقرآن، نسأل الله أن يلين قلوبنا، عليهم بالقرآن، هذا من جهة التأثير. من جهة التأثير أيضًا القرآن الكريم رُقْيَة من كل داءٍ، كل مرض فالقرآن الكريم رقية له، إي نعم، فالقرآن الكريم دواء له، دواء لكل مرض، أيّ مرض؛ الجسمي أو القلبي أو هما؟ * طلبة: هما. * الشيخ: نعم، المرض القلبي؛ وهو الشبهة التي تَرِدُ على القلوب، أو إرادة السوء شفاؤها القرآن، المرض الجسمي العضوي شفاؤه القرآن، نزل قوم من الصحابة على قوم من العرب، نزلوا ضيوفًا، ولكن هؤلاء العرب لم يُضِيفُوا الصحابة، أَبَوْا أن يضيفوهم، تنحَّى الصحابة إلى جانب ونزلوا، فسلَّط الله على سيد العرب عقربًا فلدغته وآلَمَتْهُ، فقال بعضهم لبعض: ألا تنظرون إلى هؤلاء القوم لعل فيهم مَن يقرأ، فأتوا إلى الصحابة وقالوا: إن سيدهم لُدِغ، فهل فيكم قارئ؟ قالوا: نعم، فينا قارئ، ولكننا لن نقرأ عليه - على هذا المريض- إلا بقطيع من الغنم؛ لأن هؤلاء العرب لم يُكْرِمُوهم، فأرادوا أن يأخذوا حقهم منهم، قالوا: ولكم ذلك، فقام رجل من الصحابة على هذا اللديغ وجعل يقرأ عليه سورة الفاتحة حتى قام كأنما نُشِطَ من عقال، والسم قد سَرَى في جسمه، لكن زال هذا وطار، هذا تأثير ولَّا غير تأثير؟ هذا تأثير عجيب، وما أكثر ما نقرأ الفاتحة وغير الفاتحة والمريض يَتَلَبَّط في مرضه، لماذا والآية واحدة؟ لأنه -كما يقال- السيف بضاربه، السيف حديد قاطع، لكن إذا كان مع جبانٍ هل ينفعه أو لا ينفعه؟ * طلبة: لا ينفعه. * الشيخ: تقولون هذا موافقةً لي ولَّا واقع؟ * طلبة: واقع. * الشيخ: واقع، السيف مع جبان لا ينفعه، ربما إذا رأى العدو مُقْبِلًا عليه ألقى بالسيف وهرب، لكن بيد الشجاع ينفع، ويدافع عن نفسه ويقتل عدوه. ولهذا يُذْكَر عن رجل كان الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- يقرأ عليه وكان به صرع من الجن، فيخرج الجني، ولما مات الإمام أحمد عاد الجني، فقام رجل يقرأ على هذا المصروع بما كان الإمام أحمد يقرأ به، ولكن الصارع أَبَى أن يخرج، وأجاب بأن الآية هي الآية، والقارئ غير القارئ. فلا تظن إذا لم تجد تأثير القرآن مباشرة لا تظن أن القرآن غير مؤثِّر، ولكن القارئ غير مُؤَثِّر. مبارك في آثاره، كيف ذلك؟ بماذا فتح المسلمون مشارق الأرض ومغاربها؟ بأيش؟ بالقرآن، أي بالعمل بالقرآن، فتحوا مشارق الأرض ومغاربها، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾ بالقرآن ﴿جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان ٥٢]، فتحوا مشارق الأرض ومغاربها بالقرآن حين كان القرآن باليد اليمنى، والسيف باليد اليسرى، والآن كثير من الممالك الإسلامية بيدها القانون الوضعي بدلًا عن القرآن الكريم، ولذلك كان التأخر والذل في الأمة الإسلامية بسبب عمل مَن ينتسبون إليه، فالذنب إذن في تأخر المسلمين اليوم ليس ذنب الإسلام ولكن ذنب المسلمين، هذا من آثار القرآن الكريم؛ أن مَن تَمَسَّك به فهو منصور، والشاهد ما سبق من سلفنا الصالح. مبارك في ثوابه؛ الحرف الواحد فيه حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، وما أكثر حروف القرآن. وبهذه المناسبة عرض عَلَيَّ في الرياض في الأسبوع الماضي إنسانٌ ورقة مكتوبًا فيها: الإعجاز العددي في القرآن، جدول ذكر فيه أن جميع حروف القرآن كلها تقبل القسمة إذا جُمِعَت على تسعة عشر، ولكن هذا افتراء على الله عز وجل ومناقض للواقع، ولا يجوز تداول هذه البطاقة؛ لأنه لا يمكن لإنسان أن يشهد أن الله تعالى تَكَلَّم بالقرآن بحيث تكون حروفه منقسمة على تسعة عشر، مَن يقول هذا؟! لكنه افتراء على الله عز وجل، ثم إن القرآن الكريم لا يمكن أن يقال: إنها تنقسم على تسعة عشر مع اختلاف القراءات، فمثلًا (تَبَيَّنُوا) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات ٦]، والقراءة الثانية: ﴿﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ ﴾، إذن اختلفَا، أتت الثاء بدلًا عن الباء؛ تثبتوا، وبدلًا عن النون، فاختلَّت القسمة. كذلك في القرآن الكريم ﴿﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴾ و﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤]، اختلت، زاد حرف. لكن هؤلاء المشغوفون بما يَدَّعُون أنه ذكاء وأنهم اطَّلَعُوا على ما لم يطلع عليه أحد يأتون بمثل هذه الخرافات (...) القرآن، هل القرآن جاء ليُحْسِن الناس العدد ويقسموه على تسعة عشر؟ لا والله، ولا يمكن أن ينزل هذا القرآن الكريم من أجل هذه المعجزة كما يقولون، مع أنها ليست معجزة، فاسدة باطلة. أحببت أن أُنَبِّه على هذا؛ لأنه ربما تشيع؛ لأن الذي سألني عنها يريد أن يطبع منها الملايين ويوزعها على الناس، ويقول: انظروا للقرآن الكريم، نقول: هذا غلط، القرآن ما نزل لهذا المعنى، ولا يمكن أن يُرَاد به هذا المعنى، انتبهوا لمثل هذه الأمور التي تُنْشَر، قد تكون من ملحد كافر، أو فاسق فاجر يريد بها صَدَّ الناس عن المعنى الذي من أجله نزل القرآن. قال الله عز وجل: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ أي: ليتفكَّرُوا فيها ويُرَدِّدُوها بأفكارهم حتى يتبين لهم المعنى، فالقرآن الكريم لم ينزل لتلاوته لفظًا فقط، بل ولِتَدَبُّر معناه، ولا يمكن العمل به إلا بمعرفة معناه، ولا يمكن معرفة معناه إلا بتدَبُّرِه، إذن فالتكفير في معناه أمر واجب، يجب أن تتعلم معنى القرآن كما تتعلم معنى الآجرومية، أتعرفون الآجرومية؟ كتاب صغير في النحو، لا يمكن أن يستفيد منه الإنسان حتى يعرف معناه، كذلك أيضًا القرآن الكريم لا يمكن أن يستفيد الإنسان منه حتى يعرف معناه. لو أن هناك كتابًا في الطب من أفصح الكتب وأنت لا تعرف المعنى فهل يمكن أن تستفيد منه؟ أجيبوا يا جماعة، لا يمكن، إذن لا يمكن أن تستفيد من القرآن حتى تعرف معناه، ولقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ»[[أخرجه البخاري (٥٠٢٧) من حديث عثمان رضي الله عنه.]]، وهذا يشمل التعلم اللفظي والتعلم المعنوي، ولهذا قال: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾. وإذا شئت أن تعرف هذا فاقرأ آية من القرآن مع التدبر، واقرأها مع الغفلة، تجد الفرق العظيم بين هذا وهذا، لذلك أَحُثُّكُم أيها الإخوة على تعلُّم المعنى؛ معنى القرآن الكريم. اقرؤوا كتب التفسير الموثوقة، واحذروا الكتب التي لا يُعْرَف مَن ألَّفها، أو التي عُرِف من ألَّفها بأنه منحرف، أو ما أشبه ذلك؛ لأن من المفسرين مَن حَرَّفَ القرآن ونقله إلى ما يعتقده هو لا إلى ما يدل عليه القرآن، فاحذروهم، وإذا لم تتمكنوا من هذا فاسألوا أهل العلم حتى تستفيدوا من القرآن الكريم. ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾، ثانيًا: قال: ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، يتذكر أي: يَتَّعظ أصحاب العقول. وانظر للفرق بين قوله: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾، حيث عَمَّمَ فيها، وقوله: ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، حيث خَصَّ؛ لأنه لا يتذكر بالقرآن ويَتَّعِظ به إلا أصحاب العقول، كما قال عز وجل: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق ٣٧]. فإذا قال قائل: إلى مَن نرجع في تفسير القرآن؟ فالجواب: نرجع إلى القرآن، نُفَسِّر القرآن بالقرآن، فإن لم نجد ففي السنة، فإن لم نجد فبأقوال الصحابة، ولا سيما المفسرون منهم، فإن لم نجد رجعنا إلى أقوال التابعين، أعني المفسِّرين منهم، كمجاهد بن جبر وغيره. مثال تفسير القرآن بالقرآن قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار ١٧ - ١٩]، ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة ١ - ٤]، والأمثلة كثيرة. مثاله من السنة قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦]، ﴿الْحُسْنَى﴾ يعني: الجنة، زيادة هي النظر إلى وجه الله عز وجل، فَسَّر ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو أعلم الخلق بكتاب الله تعالى. ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال ٦٠]، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ»[[أخرجه مسلم (١٩١٧ / ١٦٧) من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه.]]، مرتين أو ثلاثًا، ففسر القوة بالرمي؛ لأن الرمي أشد ما يكون فتكًا بالنسبة للأسلحة. وإلى يومنا هذا الرمي هو قوة، كان الناس في الأول يرمون بالسهام بالقوس، الآن يرمون بأيش؟ * طلبة: بالصاروخ. * طالب آخر: بالمدفع. * الشيخ: لا، المدفع الآن ليس بشيء، بالصواريخ والقنابل، فلا تظن أن قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» خاصًّا بما كان في عهده، بل هي عامة فيما يحدث إلى يوم القيامة. على كل حال، نرجع في تفسير القرآن إلى تفسير القرآن بالقرآن، ثم بالسنة، ثم بأقوال الصحابة، ولا نعدل عن أقوال الصحابة إلى تفسير المتأخِّرين أبدًا، خصوصًا في العبادات، أما في الأمور التي تحدث ويكون في القرآن إشارة لها فهذه قد لا يَرِدُ عن السلف فيها تفسير، ولكن تُفَسَّر حسب الوقت؛ لأن هناك أشياء من الأمور الكونية الفضائية والأرضية لم يتكلم فيها السلف، ولكن تكلم فيها المتأخِّرون، فنقول: يُرْجَع إلى قول المتأخرين في هذا؛ لأن السلف لم يكونوا يعرفون ذلك. أما مسائل العبادة والمعاملات وما أشبهها فإنه يُرْجع في ذلك إلى تفسير الصحابة على كل حال. ثم بعد ذلك المرتبة الرابعة.. * طلبة: التابعون. * الشيخ: لا، كبار التابعين، أو كبار المفسرين من التابعين، ومرتبتهم أدنى بكثير من مرتبة الصحابة، أسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يتلون كتاب الله حق تلاوته، وأن يرزقنا تَعَلُّمَه لفظًا ومعنى، والعمل به، إنه على كل شيء قدير. هذه المقدِّمات قد تكون أفيد مما لو شرحنا أو فَسَّرْنَا القرآن الذي هو محل الدرس اليوم، ولكن -إن شاء الله تعالى- أمامنا الأيام. * طالب: شيخ، أثابكم الله، إذا جلس جماعة -مثلًا- وقرأ أحدهم، وكلهم منصت، ويتدبرون القرآن معًا، هل لهم الأجر مثل أجر القارئ؟ * الشيخ: يقول: إذا اجتمع جماعة على كتاب الله يستمعون القرآن وينصتون له فهل لهم أجر القارئ؟ الجواب: نعم، لهم أجر القارئ، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف ٢٠٤]، ولذلك يُشْرَع لهم إذا سجد القارئ سجود التلاوة أن يسجدوا معه، فحكمهم حكمه. * طالب: قلنا: الحائض تقرأ القرآن لمصلحة.. * الشيخ: أو حاجة. * الطالب: أو حاجة، هل تمس القرآن؟ * الشيخ: لا، القرآن لا يمسه إلا طاهر، ولكنه ليس فيه منع من قراءة القرآن، ممكن أن تمسك المصحف بقفازين أو من وراء ثوب. * طالب: أثابكم الله، هل نأخذ منه أن الاستماع له نفس الحكم؟ * الشيخ: هل نأخذ؟ * الطالب: هل نأخذ أن الاستماع الذي يستمع له نفس أجر القارئ، هل نأخذ منه مشروعية ما يُفعل في بعض الدول من أنهم يُشَغِّلون مُسَجِّلًا يوم الجمعة ويجلسون يستمعون؟ * الشيخ: لا، هذا يسأل يقول: هل للمستمعين إلى التسجيل أجر؟ فالجواب: لا، ليس لهم أجر القراءة؛ لأن هذا حكاية صوت قارئ قد يكون ميتًا وليس قراءة، ولهذا لا (...) الأذان من مُسَجِّل، كما يفعل بعض الناس، في بعض الأمكنة عنده مُسَجِّل إذا وقت الأذان فتح الْمُسَجِّل للمؤذن، هذا غلط عظيم، ولا ينفع. * * * أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾. البسملة آية من كتاب الله، يعني أن الله عز وجل أنزلها كما أنزل باقي القرآن، فهي كلام الله عز وجل، تُفْتَتح بها كل سورة من الفاتحة إلى (قل أعوذ برب الناس)، إلا (...) فإنها لم تنزل لافتتاحها، وليست البسملة من السورة التي قبلها ولا من السورة التي بعدها، وعلى هذا فلا تُحْسَب من آياتها. الفاتحة -مثلًا- افتُتِحَت بالبسملة، والبسملة ليست منها، بل هي آية مستقلة، وأول الفاتحة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، والدليل على هذا ما جاء في الحديث الصحيح أن الله عز وجل قال في الحديث القدسي: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ:» ﴿الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ «قَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ «قَالَ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ «قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ «قَالَ اللَّهُ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ:» ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ «قَالَ اللَّه: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ»[[أخرجه مسلم (٣٩٥ / ٣٨) عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ مقارب.]]، فبدأ بـ﴿الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ويدل لهذا أيضًا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان لا يجهر بها –أي: بالبسملة- في القراءة الجهرية، ولو كانت من الفاتحة لجهر بها كسائر آياتها. ويدل لهذا أن الله تعالى قسمها بينه وبين عبده نصفين، فلنقرأ ثلاث آيات لله، وثلاث آيات للعبد، وواحدة بينهما، الثلاث الآيات لله هي: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٢ - ٤]، الثلاث للعبد: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، المشتركة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فتجد هذه المشتركة تجدها هي النصف، وهي بين العبد وبين الله نصفين، هي النصف من بين سبع آيات. فإذا قال قائل: نحن نجد في المصحف أن البسملة قد رُقِّمت على أنها من آياتها، وأن ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ قد جُعِلت آية واحدة؟ فالجواب: أن هذا على رأي بعض العلماء، وكأن الذين طبعوا المصحف أَوَّل ما طبعوه طبعوه على هذا الرأي، واستمر الناس عليه. على أنني وجدتُ مصحفًا مطبوعًا فيه أول آية ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، والآية السابعة ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، والبسملة لم تُرَقَّم، مصحف مطبوع، وهذا هو المطابق للصواب. مما يدل على ذلك أيضًا أن الآيات لا تكون متناسبة في الطول والقصر إلا إذا قسمنا الآية الأخيرة قسمين؛ لأنك إذا قلت: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ صارت الآية هذه طويلة بالنسبة لبقية الآيات، فلا تناسبه. فعلى كل حال القول الراجح المتعيِّن أن أول الفاتحة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وأن البسملة ليست منها كسائر السور. بقينا البسملة معمول مجرور بالباء؛ لأن كل اسم مجرور بالباء فإنه معمول على كل حال، ويش معنى معمول؟ يعني: لا بد له من عامل محذوف، ولهذا قال ناظم الْجُمَل: لَا بُدَّ لِلَّجَــارِ مِـــنَ التَّعَلُّقِ ∗∗∗ بِفِعْلٍ اوْ مَعْنَاهُ نَحْوُ مُرْتَقِي البسملة معمولة لعامل محذوف، أعطيتكم الآن قاعدة ما هي؟ كل اسم مجرور فلا بد له من عامِل، فأين عامل ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؟ نقول: العامل محذوف، يُقدَّر فعلًا متأخرًا مناسبًا للمقام؛ يُقدَّر فعلًا، ثانيًا: متأخِّرًا مناسبًا للمقام، أنا أريد أن أقرأ فأقول: باسم الله، قَدِّر العامل؟ أقرأ، التقدير: باسم الله أقرأ. لو سألت: لماذا نُقَدِّرُه فعلًا ولا نُقَدِّره اسمًا، فنقول: باسم الله قراءتي؟ فالجواب: الأصل في العمل هو الأفعال، ولذلك لا تجد اسمًا عاملًا إلا بشروط، نحن الآن نعطيكم ضوابط يا إخواني، نقول: قَدَّرْنَاه فعلًا لماذا؟ لأن الأصل في العامل أو في العمل أن يكون فعلًا، ودليل ذلك أنه ما من اسم يكون عاملًا إلا بشروط. لماذا قَدَّرْنَاه متأخِّرًا ولم نقل: أقرأ باسم الله؟ لفائدتين: الفائدة الأولى: التَّبَرُّك ببداءة الكلام باسم الله. الثانية: الحصر، يعني: باسم الله لا باسم غيره؛ لأنه إذا تَقَدَّم المعمول على العامل كان ذلك دليلًا على الحصر، يعني الاختصاص، فكأن القارئ يقول: باسم الله أقرأ لا باسم غيره. لماذا قَدَّرْنَاه فعلًا مناسبًا؟ لأنه أَدَلُّ على المقصود، فمثلًا حين نريد أن نقرأ، نقول: التقدير: باسم الله أقرأ. لو قال قائل: لماذا لا نقول: باسم الله أبتدئ؟ قلنا: لأن كلمة (أبتدئ) صالحة لكل فعل ابْتُدِئَ به، وإذا قلت: أقرأ، صار خاصًّا، وهو أدل على المقصود، هذا تقرير إعراب ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ كلما أَتَتْكَ. عندما يُقَدَّم الغداء تقول: باسم الله، كيف نُقَدِّر؟ * طلبة: باسم الله آكل. * الشيخ: آكل؟ لا، فيه شيء أخص، أَتَغَدَّى أو آكل الغداء؛ لأنه أخصّ. أردت أن تشرب تقول: باسم الله أشرب، أردت تدخل المسجد تقول: باسم الله أدخل، وهلم جرًّا. أما قولنا: (باسم الله) فالمراد بكل اسم لله، وإنما حملناه على العموم؛ لأن المفرد إذا أُضِيف صار للعموم؛ أي: أبتدئ بكل اسم من أسماء الله، الرحمن، أي: ذو الرحمة الواسعة، الرحيم، أي: ذو الرحمة الخاصة بالمؤمنين، كما قال عز وجل: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣]. ﴿حم﴾ قال المفسِّر: (الله أعلم بمراده به)، ﴿حم﴾ هذان حرفان هِجَائيَّان؛ أحدهما حاء، والثاني ميم، لا إعراب لهما. وهل لهما معنى؟ المؤلف –المفسِّر- يقول: (الله أعلم بمراده به)، إذن لا ندري هل لها معنى أو لا؟ ولا ندري ما المراد بالمعنى؟ فموقفنا من هذا أيش؟ التفويض، الله أعلم، وهكذا يُقَالُ في كل حرف هجائي ابتُدِئَت به السورة، فيه غير (حم)؟ فيه؛ الم، الر، ن، ق، ص، وما أشبهها. فالمؤلف رحمه الله يقول: ما لنا ولتفسيره، الله أعلم بمراده به، قد يكون أراد معنى، وقد لا يكون أراد معنى، وقد يكون أراد معنى تدل عليه السورة، وقد يكون أراد معنى آخر. ولكن القول هذا ضعيف، والصواب أن نقول: لا معنى له، (لا معنى له) ليس معناه أنه حَشْوٌ لا فائدة منه، لا، لا معنى له ذاتيًّا، بدليل قول الله عز وجل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف ٢]، وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف ٣]، وقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ﴾ [الشعراء ١٩٣ - ١٩٥]، ثلاث آيات، اللسان العربي هل وُضِعَ فيه حروف هجائيَّة لها معنى؟ لا، اللسان العربي وُضِعَت فيه حروف هجائية لتركيب الكلام منها، وهي في اللغة العربية ثمانية وعشرون حرفًا. عندما تقرأ في اللوح: أ، ب، ت، ث، ج، ح، خ، ويش معناها؟ ليس لها معنى، إنما هي حروف تُكَوَّن منها الكلمات، فإذا كان كذلك والقرآن الكريم نزل بلسان عربي فإننا نجزم بأنه ليس لهذه الحروف معنى، كيف نجزم؟ أعوذ بالله! وإذا كان الله قد أراد بها شيئًا؟ نقول: لا يمكن أن يريد بها شيئًا وهو نازل باللسان العربي، واللسان العربي لا يجعل لهذه الحروف الهجائية معنى، نحن نجزم لقوله: ﴿عَرَبِيٍّ﴾. قوله عز وجل: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه ١، ٢]، هل (طه) اسم من أسماء الرسول؟ لا، (طه) مثل (الر)، ومثل (حم)، حرفان هجائيَّان ليس لهما معنى، إذا قال إنسان: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ﴾ الخطاب، نقول: إذن اجعل (ن) من أسماء الرسول؛ لأن الله قال: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم ١، ٢]، ولا قائلَ به. إذا قال قائل: ما الفائدة من هذه الحروف الهجائية إذا لم يكن لها معنى في حد ذاتها؟ أقول: الفائدة أشار إليها شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من العلماء الذين سبقوه ولحقوه، الفائدة التنبيه على أن هذا القرآن الكريم الذي عجز الناس أن يأتوا بمثله لم يأتِ بحروف جديدة فيحتج الناس ويقولوا: هذه حروف ما نعرفها، جديدة، القرآن الكريم جاء بالحروف المعروفة عند المخاطبين، ومع ذلك أعجزهم، قال شيخ الإسلام وغيره: ولذلك لا تكاد تجد سورة مُفْتَتَحَةً بهذه الحروف الهجائية إلا وجدت بعدها ذِكْرَ القرآن. قل لي يا أخي، اذكر ثلاث سور مُفْتَتَحَةً بالحروف الهجائية بعدها ذِكْر القرآن؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة ١، ٢]، هذه واحدة. * طالب: مريم. * الشيخ: مريم ما فيها ذكر القرآن، لا تَبْغ تدور؛ لأن الكتاب (...). مَن يعرف الثانية؟ * طالب: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. * الشيخ: البقرة؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: ذكرها الأخ. * طالب: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾. * الشيخ: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾. * طالب: هذه السور المجموعة ﴿حم﴾. * الشيخ: إي، صحيح، ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾، الباقي على هذا قِيسُوه، فيه بعض السور قليلة ما فيها ذِكْر القرآن، لكن فيها ما يختص به القرآن، كعلم الغيب، مثل: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ [الروم ١ - ٣]، هذا ما فيه ذِكْر القرآن لكن فيه شيء يختص به القرآن، وهو علم الغيب في المستقبل. نقول: ﴿حم﴾ ما هو التفسير الصحيح لها؟ نقول: ليس لها معنى في حد ذاتها، ولكن لها مغزى، وهذا الذي قَرَّرْنَاه هو الذي ذكره مجاهد رحمه الله إمام المفسرين في عهده، نقله عنه ابن كثير في تفسيره. قال: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾، ﴿وَالْكِتَابِ﴾، الواو حرف قسم، وفَسَّره بأنه القرآن؛ لأن الله تعالى سَمَّى القرآن كتابًا، فقال: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، وسُمِّيَ كتابًا لأنه كُتِبَ في اللوح المحفوظ، ولأنه كُتِبَ في المصاحف التي بأيدي السَّفَرَة الكرام البررة، ولأنه كُتِبَ في المصاحف التي بأيدينا، ثلاثة أوجه؛ كُتِب في اللوح المحفوظ، ثانيًا: في صُحُف الملائكة، ثالثًا: في صُحُفِنا التي بأيدينا. وقوله: ﴿الْمُبِينِ﴾ يقول الشارح: (الْمُظْهِر طريقَ الهدى وما يُحْتَاج إليه من الشريعة)، ﴿الْمُبِينِ﴾ من: أَبَانَ الشيء؛ إذا أظهره، فمعنى كونه مُبِينًا أنه مُظْهِر للحق مُوَضِّحٌ له، بل لكل ما يحتاج الناس إليه، ﴿الْمُبِينِ﴾ من (أبان) أي: أظهر، يعني أن القرآن أظهر كل شيء يحتاج الناس إليه في دينهم ودنياهم. وقيل: المراد بـ﴿الْمُبِينِ﴾ البَيِّن. وأيهما أعم؛ البَيِّن أو الذي بَيَّنَ الشيء؟ الأعم أنه مُظْهِر للحق؛ لأنه لا يُظْهِر الحق إلا إذا كان هو ظاهرًا، وعلى هذا ففسِّرِ المبين بأنه الْمُظْهِر، وإن فسَّرْتَه بهما فلا بأس، فقلت: إنه بَيِّنٌ مُبِينٌ؛ لأن الكلمة إذا احتملت معنيين -وهذه قاعدة- الكلمة إذا احتملت معنيين لا ينافي أحدهما الآخر وليس أرجح منه فإنها تُحْمَل عليهما، أعيد ها القاعدة مرة ثانية: إذا احتمل اللفظ معنيين متساويين لا ينافي أحدهما الآخر حُمِل عليهما جميعًا. ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ﴾ يقول: (أَوْجَدْنَا الكتاب ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾: بلغة العرب، ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ يا أهل مكة ﴿تَعْقِلُونَ﴾ تفهمون معانيه). قوله عز وجل: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ﴾، الضمير -ضمير الفاعل- يعود على الله عز وجل، وضمير المفعول يعود على القرآن، ومعنى ﴿جَعَلْنَاهُ﴾ -على كلام المؤلف- أوجدناه قرآنًا عربيًّا، والصواب أن المعنى: صَيَّرْنَاه قرآنًا عربيًّا، أي: صَيَّرْنَاه بلغة العرب. ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: تفهمون، والخطاب في قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ على كلام الْمُفَسِّر يعود إلى أهل مكة، والصواب أنه يعود إلى العرب كلهم؛ لأن العرب هم أهل مكة وغيرهم، فيكون المعنى: صَيَّرْنَاه بلغة العرب لتفهموه أيها العرب، انتهى الكلام على الآيات من حيث اللفظ. المعنى: أن الله تعالى أقسم بالقرآن أنه جعله باللغة العربية من أجل فَهْمِه، * فيُسْتَفَاد من هذه الآيات فوائد، منها: جواز القسم مع تأكد صحة الْمُقْسِم بدون القسم، يعني جواز أن الإنسان يقسم على الشيء مع أن قوله مقبول على كل حال. وجه الدلالة: أن الله عز وجل أقسم وقوله مقبول على كل حال، وصدق بلا يمين. حينئذ يتولَّد من هذا: كيف يُقْسِم الله عز وجل على الشيء وهو الصادق بدون قسم؟ فنقول: لفائدتين؛ الفائدة الأولى: بيان أهمية هذا الشيء، وأنه جدير بأن يُقْسَم عليه. والثانية: أن القسم من فصاحة الكلام في اللغة العربية، فإذا كان من فصاحة الكلام فالقرآن نزل بأيش؟ باللغة العربية، فيكون هذا مطابقة لأسلوب اللغة العربية. يَرِد على هذا إشكالٌ، على هذا القسم بالقرآن يَرِد عليه: كيف أقسم الله بالقرآن مع أنه لا يجوز القسم بغير الله؟ والجواب على هذا أن القرآن صفة من صفات الله؛ لأنه كلام الله، والقسم يجوز بالله وبصفة من صفاته، فزال الإشكال، أفهمتم الآن؟ ما هو الإشكال الوارد؟ كيف يقسم الله بالقرآن والقسم لا يكون إلا بالله عز وجل؟ والجواب: أنه يجوز الإقسام بصفات الله عز وجل؛ لأنها مُعَظَّمَة، والقرآن من صفات الله؛ لأنه كلام الله عز وجل. * من فوائد هذه الآية: بيان عظمة القرآن؛ لأن الله لا يقسم إلا بشيء عظيم، بل إن القسم نفسه -كما قال مَن فسَّره- تأكيد الشيء بِذِكْرِ مُعَظَّمٍ بصفة مخصوصة بأحد حروف القسم، اضبطوا القسم: تأكيد الشيء بذِكْرِ مُعَظَّمٍ بصيغة مخصوصة بأحدِ حروف القسم، وحروف القسم ثلاثة: الواو، والباء، والتاء. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن مُبِين؛ أي: مُظْهِر، لأيش؟ مُظْهِر للحق ولكل ما يحتاج الناس إليه، بل هو مُظْهِر حتى للباطل، مُبَيِّن للباطل، مُحَذِّر منه، بل إنه تِبْيَان لكل شيء، كل شيء فالقرآن مُبَيِّنُه، كل شيء؟ نعم كل شيء. فإذا قال قائل: إن الله سبحانه وتعالى ذَكَرَ أشياء لا مجال للعلم فيها، فأين بيانها؟ قلنا: بيانها في قول الله عز وجل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١] فيما يتعلَّق بالصفات؛ لأن بيانها على وجه التفصيل لا تحتمله العقول، فكان من الحكمة ألَّا تُفَصَّل، وإلا فهو تبيان لكل شيء. ذُكِرَ أن أحد العلماء كان في مطعم، وكان حوله رجل من النصارى، فاستغلّ النصراني الفرصة ليُلْقِي على هذا العالِم سؤالًا يتحداه به، فأتى إليه وقال له: أيها الشيخ، قال: نعم، ماذا تريد؟ قال: القرآن كتابكم يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]، فكيف نصنع هذه السَّلَطة؟ تعرفون السَّلَطَة؟ كأن بعضكم ما يعرفها. * طالب: معروفة. * الشيخ: معروفة؟ ما هي؟ على كل حال السلطة هي الزَّلَطة، والسين والزاي تتعاوران، أي: كل واحد منهما يستعير الآخر. كيف نصنع هذه السلطة؟ أين هذا في القرآن؟ وكان العالِم المسلم ذكيًّا، قال: هذه موجودة في القرآن، موجود كيف نصنعها، قال: أين هو؟ فنادَى الطبَّاخ وقال: تعالَ، كيف صنعت هذا؟ فجعل الطبَّاخ يشرح له، فقال: هكذا جاء في القرآن، قال: كيف؟ قال: إن الله قال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٤٣]، فأحالنا فيما لا نعرف على مَن يعرف، وهذا بيان، لم نتحيَّر الآن، لم نتحير في معرفة كيف تُصْنَع هذه السلطة. لو قال لنا قائل: القرآن تِبْيَان لكل شيء، كيف نصنع هذا التليفون؟ هل في القرآن وَصْف لصناعته؟ كيف نصنع هذا التليفون؟ أين ذِكْرُه في القرآن؟ نقول: الحمد لله، الله عز وجل أحالنا إلى سؤال مَن يعرف إذا كنا لا نعرف، وهذا بيان، ما أوقفنا متحيِّرِين. إذن ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾، في هذه الآية دليل على أن القرآن مُبَيِّن لكل شيء، ولكن -يا أيها الإخوة- القرآن يحتاج إلى تدبُّر، بدون تَدَبُّر لا يمكن أن تهتدي، ثم اعلم أنك كلما أَمْعَنْتَ وتعمقت في تدبُّر القرآن فتح الله لك من أبواب المعرفة ما لم يكن من قبل، وصرت تستنبط من الآية الواحدة من الأحكام ما لا يستنبطه غيرك، فاحرصوا على التدبر، ويأتي -إن شاء الله- بقية الفوائد في الدرس القادم إن شاء الله تعالى. * طالب: أحسن الله إليك، سياق الآيات التي فيها ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ إنما كان في رسالة النبي عليه الصلاة والسلام، فهل يصح بها الاستشهاد على..؟ * الشيخ: على العموم، نعم يصح؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. * طالب: شيخ، بعض طلاب العلم يا شيخ يستنبط دائمًا من الآيات؟ * الشيخ: طيب، بس بشرط أن يكون هذا الاستنباط تحتمله الآية، يعني بعض الناس يستنبط من الآيات ما لا تحتمله الآيات، أرأيتم أول ما خرج وصول البشر إلى القمر، ولعله حصل قبل أن يُمَيِّز أكثركم، أكثركم شباب -والحمد لله-، لما حدثت هذه الحادثة وقالوا: إن البشر وصلوا إلى القمر، وأخذوا منه عينة وجاؤوا بها إلى الأرض، وادَّعوا أنها من القمر، أحجار سوداء رأيناها، أتدرون ماذا قال الناس؟ قالوا: هذا موجود في القرآن، استمع يا ولد، بأي مكان؟ قال: إن الله قال: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن ٣٣]؛ أي: بعِلْم، وهؤلاء وصلوا إلى أقطار السماوات بأيش؟ بالعِلْم، قالوا: الآية هذه تدل على هذا. لكن هذ التفسير مُحَرَّم، وقول على الله، وكذب على الله، الآية في سياق التحدي: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا﴾، وهل يمكن أن يتحدى الله عز وجل أحدًا بما يستطيع؟ لا يمكن، التحدي معناه أن المخاطَب لا يستطيع، هذه واحدة. ثانيًا: الآية ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، فبدأ بالسماوات، فهل هؤلاء يمكن أن ينفذوا من أقطار السماوات؟ لا يمكن، إذا كان أفضل رسول في البشر وأفضل رسول في الملائكة لم يدخلَا السماء الدنيا إلا باستفتاح وإذْن، كيف هؤلاء؟ فهؤلاء إن نفذوا من أقطار الأرض لم ينفذوا من أقطار السماوات. ثالثًا: قال الله عز وجل بعد قوله: ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾، قال: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾ [الرحمن ٣٥]، وهل أُرْسِلَ على هؤلاء شُوَاظ من نار ونحاس؟ لا، فتفسير القرآن بما لا يحتمله هذا مُحَرَّم؛ لأن المفسِّر يشهد أن الله أراد كذا. ومثل قول بعضهم: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل ٨٨]، قال: هذا دليل واضح على أن الأرض تدور، والمسألة هذه حصل فيها معركة؛ هل الأرض تدور أو ما تدور؟ تدور أو ما تدور، قصدي أحكي الخلاف، صار فيها معركة كثيرة، وكُتِبَ في ذلك منشورات في الصحف ورسائل صغيرة إنكارًا وتأييدًا، فجاء هذا الرجل الْمُتَعَيْلِم قال: هذا في القرآن: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾، قيل: هذا يوم القيامة، قال: يوم القيامة ما يمكن يرى الشيء إلا على حقيقته، لا يراه على غير حقيقته، فقيل له جوابًا على هذا: ألم تقرأ قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ [الحج ١، ٢]، شوف ﴿تَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾، وهذا رؤية الشيء على غير حقيقته، وهو ممكن، فالآية ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ متى؟ يوم القيامة، ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾؛ لأنها تكون هباءً. هذا أيضًا من الغلط وتحميل القرآن ما لا يحتمل. * طالب: ما في القرآن من الكلمات ما ليس بعربي؟ * الشيخ: لا، أبدًا، كل ما في القرآن عربي، لكن بعضه من صميم اللغة العربية، وبعضه مُعَرَّب، أصله غير عربي ولكنه عُرِّب، وإذا عُرِّب صار عربيًّا، أرأيت أنت إذا أخذت الجنسية في بلد تكون منهم ولَّا لا؟ تكون منهم وأنت في الأصل من غيرهم، فليس في القرآن ما ليس بعربي. فإذا قال قائل: فيه سندس، إستبرق، وما أشبه ذلك؟ فالجواب: إن هذه عُرِّبَت فصارت من كلام العرب. * طالب: شيخ -أحسن الله إليك- الآيات التي أقسم الله بالنجم والقمر والشمس، بعضهم يُعَلِّل بأن الله يقسم بما شاء، أما المخلوق فلا يقسم إلا بالله، فهل هذا التأويل صحيح؟ * الشيخ: هذه صحيح، لله أن يقسم بما شاء من خلقه، وليس لنا أن نقسم إلا به. * الطالب: ولنا في هذه الآية أن .. * الشيخ: لا، هذه الآية قسم بصفات الله، ما فيها إشكال. * * * * طالب: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤) أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥) وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٧) فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف ١ - ٨] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾، ما هو القول الراجح في ﴿حم﴾؟ * طالب: أنها ليس لها معنى مُعَيِّن، وأن لها مغزى للإعجاز القرآني. * الشيخ: السؤال: ما هو القول الراجح فيها؟ * الطالب: ليس لها معنى. * الشيخ: ليس لها معنى في حد ذاتها، ما هو الدليل على أنه ليس لها معنى في حد ذاتها؟ * طالب: لأن الله خاطبنا بالقرآن الذي هو أُنْزِل بلسان عربي مُبِين، والعرب لم تستعمل الحروف في معنى مُعَيَّن. * الشيخ: لأن الله أنزل القرآن بلسان عربي مُبِين، وهذه الحروف الهجائية ليس لها معنى في اللغة العربية، تمام. * الطالب: إي نعم. * الشيخ: وهذا قول مجاهد بن جبر رحمه الله إمام الْمُفَسِّرين في التابعين. الواو في قوله: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ ما معناها؟ * طالب: الواو للعطف. * الشيخ: للعطف؟ خطأ. * طالب: للقسم. * الشيخ: الواو للقسم، القسم يحتاج إلى مُقْسِم ومُقْسَم به ومُقْسَم عليه، مَن الْمُقْسِم؟ * طالب: الْمُقْسِم الله عز وجل. * الشيخ: المقسِم هو الله، والْمُقْسَم به؟ * الطالب: الكتاب. * الشيخ: الكتاب وهو القرآن، والْمُقْسَم عليه؟ * طالب: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾. * الشيخ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، بارك الله فيك. حروف القسم؟ * طالب: حروف القسم الواو والباء والتاء. * الشيخ: ثلاثة؛ الواو والباء والتاء، مثال الواو؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾. * الشيخ: نعم، كقوله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾، والواو هي أكثر ما يُسْتَعمل في القسم، الباء؟ * طالب: كقول القائل، كما جاء في الأحاديث: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ»[[ومنه ما أخرجه البخاري (٢٦١٥)، ومسلم (٢٤٦٩ / ١٢٧) عن أنس رضي الله عنه، قال: أهدي للنبي ﷺ جبة سندس، وكان ينهى عن الحرير، فعجب الناس منها، فقال: «والذي نفس محمد بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا».]]. * الشيخ: (والذي)، ما أريدها، أنا أريد الباء. * الطالب: كقول القائل: باللهِ الذي قلت لك هو حق. * الشيخ: نعم، أقسم بالله إن هذا حق، التاء؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات ٥٦]. * الشيخ: ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾، تمام. ﴿الْمُبِينِ﴾ ما معناها؟ * طالب: الْمُظْهِر للحق والباطل وكل شيء. * الشيخ: الْمُبِين لكل شيء يحتاج إلى بيان من أمور الدين والدنيا، تمام، هل لهذا القول الذي قلته شاهد في القرآن؟ * طالب: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. * الشيخ: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، بارك الله فيك. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، هذه تكلمنا عليها، ﴿جَعَلْنَاهُ﴾؟ * طالب: صَيَّرْنَاه. * الشيخ: صَيَّرْنَاه، وما معنى ﴿جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾؟ * طالب: أي: صَيَّرْنَاه باللغة العربية. * الشيخ: أي: صَيَّرْنَاه باللغة العربية، تمام، قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ مَن يُبَيِّن لنا معنى (لعل)؟ * طالب: العرب. * الشيخ: لا، (لعل) أيش معناها؟ * طالب: رجاء. * الشيخ: غلط. * طالب: (لعل) هنا المراد بها التعليل. * الشيخ: (لعل) للتعليل، أي: من أجل؟ * الطالب: أن تعقلوا. * الشيخ: أن تعقلوا، طيب، والمراد بالعقل هنا؟ * الطالب: المراد به عقل الرشد والفهم. * الشيخ: لا، ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ عقلَ الفهم؛ لأجل أن تفهموه. ويشبه من هذا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم ٤]. * من فوائد هذه الآية: أن هذا القرآن الذي أعجز العرب من الحروف التي يُرَكِّبُون منها كلامهم، ومع ذلك أعجزهم. * ومن الفوائد: جواز تأكيد الخبر بالقسم ولو كان الْمُخْبِر لا يحتمل خَبَرُه الكذب، وجه ذلك أن الله تعالى أقسم مع أن كلامه لا يحتمل الكذب، ولكن هذا من أجل أهمية الْمُقْسَم عليه. * ومنها: فضيلة القرآن الكريم وعِظَمه؛ لأن الله أقسم به، ولا يُقْسَم إلا بالشيء الْمُعَظَّم. * ومنها: أن القرآن الكريم مكتوب، وهو مكتوب في اللوح المحفوظ، ومكتوب في الصحف التي بأيدي الملائكة، ومكتوب في الصحف التي بين أيدينا. * ومنها: أن القرآن الكريم مُبَيِّنٌ لكل ما يحتاج إلى البيان؛ لقوله: ﴿الْمُبِينِ﴾، ولكن هل هذا البيان حاصل لكل أحد؟ اسمع للجواب: لا، ليس حاصلًا لكل أحد، من الناس مَن يفهم من القرآن أشياء كثيرة، ومن الناس مَن هو دون ذلك، ومن الناس مَن لا يفهم شيئًا، الأقسام ثلاثة: من الناس مَن يفتح الله عليه فيفهم من الآية الواحدة عشرات المسائل، ومن الناس مَن هو دون ذلك، ومن الناس مَن لا يفهم شيئًا. ولهذا لما سُئِل علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «هل عهد إليكم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بشيء؟ قال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما عهد إلينا بشيء إلا فَهْمًا يؤتيه الله تعالى مَن شاء في القرآن، وإلا ما في هذه الصحيفة»[[أخرج البخاري (١١١) بسنده عن أبي جحيفة، قال: قلت لعلي بن أبي طالب: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة. قال: قلت: فما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر.]]، وإنما سئل عليٌّ عن ذلك لأنه أُشِيعَ في زمنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عهد إليه بالخلافة، وقال: أنت الخليفة من بعدي، فَبَيَّن -رضي الله عنه- أن ذلك لم يكن. والشاهد من هذا الأثر قوله: إلا فهمًا يؤتيه الله من شاء من عباده، ولذلك ترى بعض العلماء إذا تكلَّم على الآية مستنبطًا فوائدها يأتي بالعجب العجاب، ومن أبلغ ما قرأت ما يحصل لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وتلميذه ابن القيم؛ فإن الله تعالى يفتح عليهما من فَهْم القرآن ما لا يكون لغيرهما. ومن الناس مَن فَهْمُه دون ذلك، لكن درجات، ومن الناس مَن لا يفهم شيئًا، دليل الأخير قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة ٧٨]، يعني: إلا قراءة، جمع أُمْنِيَّة، ومنه قول الشاعر في أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه: تَمَنَّى كِتَابَ اللَّهِ أَوَّلَ لَيْلِهِ ∗∗∗ وَآخِرَهُ لَاقَى حِمَامَ الْمَوَارِدِ (تَمَنَّى كِتَابَ اللَّهِ) ويش معناها؟ أي: قرأ كتاب الله؛ لأن أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه قُتِل شهيدًا في داره وهو يتهجد ويقرأ القرآن. هل الذي لا يفهم يقدح في كون القرآن تبيانًا لكل شيء؟ لا؛ لأن القرآن في حد ذاته تبيان لكل شيء، كما أن الجبان الذي بيده سيف بتَّار لا يقدر فيقتل به، وليس هذا عيبًا في السيف. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن الكريم حادث، يعني أنه بإرادة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، والله قادِر على أن يجعله بلغة أخرى لكن صَيَّره باللغة العربية، ومعلوم أن العرب حادثون أو أَزَلِيُّون؟ حادثون، فيكون ما نزل بلغتهم حادثًا، وهذا هو الحق؛ أن كلام الله عز وجل حادث، بمعنى أنه يتكلم متى شاء، متى شاء يتكلم، ومتى شاء لم يتكلم، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً بِكُمْ غَيْرَ نَسْيَانٍ»[[أخرجه الدارقطني في السنن (٤٣٩٦)، وابن المقري في معجمه -واللفظ له- (٤٧١) من حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه.]]. ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أن الله يتكلم بكلام حقيقي متى شاء، فيما شاء، كيف شاء. قلنا: إن كلام الله تعالى حادث، المعنى أنه يُحْدِث من كلامه ما شاء، ومن أصول أهل السنة والجماعة أن الله تعالى يتكلم بكلام حقيقي متى شاء، فيما شاء، كيف شاء. ألم تعلموا أن الأشعرية الذين ينتسبون إلى أبي الحسن الأشعري يقولون: إن الله ما يتكلم متى شاء؟ أبدًا، ليش؟ قال: لأن الكلام معنى قائم بنفسه أَزَلِيّ، لكنه يُحْدِث أصواتًا يخلقها متى شاء فتُسْمَع، فيرون أن الكلام لا يتعلق بمشيئته، بالله عليكم أيهما أكمل؛ من يتكلم بمشيئته ومتى شاء وكيف شاء، ومن لا يستطيع هذا؟ الأول، لكن أَبَتْ بدعتهم إلا أن يقولوا (...)، وقد ألَّف شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- كتابًا سَمَّاه التسعينية بيَّن بطلان هذا القول من تسعين وجهًا، رحمه الله وجزاه عن أمة محمد خيرًا. * من فوائد هذه الآية: أن كون القرآن باللغة العربية مَنْقَبَةٌ كبرى للعرب؛ أن يكون القرآن العظيم نزل بلغتنا؛ لقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾. فإذا قال قائل: هذه عصبية وحَمِيَّة للعرب، ويفتخر بها العرب الْمُلْحِدون، فما الجواب؟ لأن هذا مشكل، العرب الْمُلْحِدُون الذين يبنون الولاء والبراء على القواميس العربية يفخرون بهذا. فنقول: من كان كافرًا فلا فخر ولو كان من صميم العرب، الدليل: أبو لهب عم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنزل الله في حقه سورة كاملة تُتْلَى في الصلاة وفي المساء وفي كل مكان مما يُتْلى فيه القرآن إلى يوم القيامة، في مدحه أو ذَمِّه؟ في ذَمِّه، وهو من صميم العرب، عم النبي ﷺ، فالعروبة لا تجزي شيئًا مع الكفر، لكن إذا اجتمع الدين والدنيا فما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا، إذا صار مسلمًا وعربيًّا. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الحجة لا تقوم إلا بالفهم، أن الحجة لا تقوم على العباد إلا إذا فهموها؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، والعقل هنا بمعنى الفهم، فلو تُلِيَ القرآن على رجل أعجمي لا يدري معناه ولم يُقَل له: هذا كلام الله، فإنه لا حجة قائمة، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم ٤]، اسمع يا رجل، أفهمت الآن؟ هذه مسألة عظيمة؛ الحجة لا تقوم على العباد إلا بفهمها ومعرفة معناها، وإلا فأي حجة في رجل يتكلم كلامًا لا نفهمه؟ لا حُجَّةَ، ولذلك لو قام أعجمي أمامنا ونحن عرب لا نعرف لغته وتكلم بأفصح ما يكون في لغته، أنفهم شيئًا؟ أبدًا، فلا بد من فهم الحجة. فإن قال قائل: ماذا تقولون في قول الله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام ١٩]، ولم يقل: ومَن فهمه؟ فالجواب أن نقول: ﴿مَنْ بَلَغَ﴾ مُقَيَّد بالنصوص الأخرى الدالة على أنه لا بد من الفهم، أو يقال: ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ من العرب الذين يفهمونه ..

الزخرف 43:2

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، ففي هذا الصباح صباح يوم السبت الخامس عشر من شهر ربيع الأول عام واحد وعشرين وأربع مئة وألف نستفتح الدروس الصيفية في الجامع الكبير في عُنَيْزَة، والتي تستمر خمسة أيام في كل أسبوع: السبت، والأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، من الساعة الثامنة إلى تقريب الساعة العاشرة والنصف، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقنا وإياكم علمًا نافعًا، وعملًا صالحًا، ورزقًا طيبًا واسعًا. نبتدئ جلسة هذا اليوم بالتفسير كما هو مُقَرَّر في الجدول، فليقرأ أحدكم ممن أعطاه الله حَلْقًا واسعًا وأداءً جيدًا، ليقرأ ما سنبدأ به اليوم من سورة الزخرف. * طالب: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف ١ - ٤]. * الشيخ: الزخرف التي نبتدئ دراسة التفسير بها، ولكني أُقَدِّم بين هذا مُقَدِّمَات: أولًا: القرآن الكريم ما عقيدة أهل السنة فيه؟ الجواب: عقيدة أهل السنة في القرآن الكريم أنه كلام الله عز وجل، كلام الله حقيقةً، تكلَّم به حرفيًّا، وأراد معناه حسب اللغة العربية، كما قال عز وجل: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف ٣]، هذا القرآن ينزل شيئًا فشيئًا كما قال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء ١٠٦]، أي: شيئًا فشيئًا حسب ما يحتاج الناس ينزل في وقت نزوله. ومنها –أي: من المقدمات- أن القرآن الكريم نزل على وجهين؛ الوجه الأول: ما له سبب، والثاني: ما لا سبب له، الأول: ما له سبب، أي: نزل بسبب حادثة وقعت فنزل فيها. ومن الضوابط في هذا أن كل آية فيها ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ فإنها لسبب، (يسألونك عن كذا) هذا سبب، فكلما رأيت في القرآن الكريم آية مُصَدَّرَة بكلمة ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ فإنها نزلت لسبب، وقد يذكر فيها ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ حسب ما ذُكِر في كتب التفسير. إذا نزلت الآية لسبب فهل تختص بذلك السبب، أو تكون عامَّة له ولما يشاركه في العلة؟ الجواب: تكون عامة له ولما يشاركه في العلة، ولهذا قال العلماء: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فمثلًا: أول سورة المجادلة نزلت في قصة رجل معين -أوس بن الصامت- فهل نقول: إن هذا الحكم خاص به، أو نقول: إنه عامٌّ له ولمن يشاركه في المعنى؟ الثاني، فكل مَن ظاهر من امرأته فله حكم ظِهَار أوس بن الصامت رضي الله عنه. وهذه القاعدة تفيدك في استعمال الاستدلال بالقرآن الكريم، وأن الأصل هو العموم. القرآن الكريم له خصائص كثيرة، منها: أنه لا يمسه الإنسان إلا على طهارة، يعني أن الْمُحْدِث لا يحل له أن يمس المصحف حتى يتوضأ؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما كتبه لعمرو بن حزم: «أَلَّا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ»[[أخرجه الطبراني (١٣٢١٧) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه.]] أي: طاهر من الحدث؛ لأن الطهارة من الحدث تسمى طهارة، كما قال عز وجل في آية الوضوء والغسل والتيمم: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة ٦]. واستثنى بعض العلماء -رحمهم الله- الصغار غير الْمُكَلَّفِين، فقال لهم أن يَمَسُّوا المصحف بدون وضوء؛ لأنهم غير مُكَلَّفِين. وفي هذا الاستثناء نظر؛ لأننا لو قلنا بهذا لقلنا: يجوز لهؤلاء الصغار أن يُصَلُّوا بغير طهارة، ولا قائل به فيما أعلم، وعلى هذا فلا بد من الطهارة حتى للصغار. لكن ما دعت الحاجة إلى مَسِّهِ بدون طهارة؛ كألواح الصغار الذين يتعلمون في المدارس، هؤلاء لا يحتاجون إلى وضوء؛ لأننا لو كَلَّفْنَاهم بذلك لشقَّ عليهم. هذا القرآن الكريم لا يحل للجُنُب أن يقرأ منه آية فأكثر حتى يغتسل، فإذا كان على الإنسان جنابة فإنه لا يَحِلُّ له أن يقرأ شيئًا من القرآن آية فأكثر إلا إذا اغتسل؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم كان يُقْرِئ أصحابه القرآن ما لم يكن جُنُبًا، أو قال: ما لم نكن جُنُبًا[[أخرج الترمذي (١٤٦) عن علي رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ يقرئنا القرآن على كل حال ما لم يكن جُنُبًا.]]. فإن قال قائل: هل يجوز للجُنُب أن يقرأ آية لا لقصد القرآن ولكن لأنها آية دعاء مثلًا، مثل: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ [آل عمران ٨]؟ فالجواب: نعم، يجوز له هذا؛ لأنه لم يقصد تلاوة القرآن. فإن سأل سائل: ما تقولون في قراءة الحائض القرآنَ؟ فالجواب: اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين؛ القول الأول: أن الحائض لا يجوز لها أن تقرأ القرآن؛ لأنها كالجنب، والقول الثاني: لها أن تقرأ القرآن؛ لأنه ليس في السنة دليل صحيح صريح يمنع الحائض من قراءة القرآن، ولو كانت الحائض لا تقرأ القرآن لبُيِّنَ ذلك، من كثرة وقوع الحيض واحتياج النساء إلى بيان الحكم، فلما لم يَرِد في ذلك حديث صحيح صريح فما الأصل؟ الأصل الجواز؛ لأن القرآن من الذِّكْر، والحائض لا تُمْنع منه. وعندي أن الحائض تقرأ القرآن لحاجة أو مصلحة؛ الحاجة كأن تقرأ وِرْدَها من القرآن، مثل: آية الكرسي، (قل هو الله أحد)، (قل أعوذ برب الفلق)، (قل أعوذ برب الناس)، هذه حاجة، أو تقرأ القرآن لئلا تنساه، هذه حاجة أيضًا. لمصلحة؛ مثل: أن تُقْرِئ ابنتها أو طفلها القرآن؛ أي: تُعَلِّمه القرآن؛ لأنه إذا لم يَرِد دليل صحيح صريح في المنع وكانت المسألة فيها احتمال فالاحتياط أولى. إذن الحكم الآن الذي اخترناه أن لها أن تقرأ القرآن لحاجة أو مصلحة؛ لعدم الدليل الصحيح الصريح على منعها. القرآن الكريم مختص بأن كل حرف منه حسنة، في كل حرف حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، وليس ذلك موجودًا في السُّنَّة، حتى الأحاديث القدسية لا يثبت لها ذلك، إنما هذا خاصٌّ بالقرآن الكريم. القرآن الكريم يختص بالإعجاز، أي بأن الْخَلْق لا يستطيعون أن يأتوا بمثله، قال الله عز وجل: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨]، أي: مُعِينًا، وليس ذلك موجودًا في أي كلام من كلام البشر، إنما هو في القرآن الكريم، لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله، بل ولا بعَشْر سورٍ منه، بل ولا بسورة منه، بل ولا بآية منه. القرآن كاملًا سمعتم الآية: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾، عشر سور في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود ١٣]، سورة في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس ٣٨]، آية في قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور ٣٣، ٣٤]، حديث أيُّ حديثٍ، عجز العرب عن ذلك، أي: عن أن يأتوا بشيء من مثل القرآن، مع أنه قد تَوَفَّرَت لهم أساليب البلاغة والفصاحة، وصار الداعي لمعارضة القرآن عندهم قويًّا، فلما كان السبب الداعي قويًّا ولم يُوجَد مانع عُلِم أنهم لا يستطيعون أن يأتوا بمثله. ولذلك تجد القرآن الكريم -سبحان الله!- لا يَمَلُّ الإنسان من قراءته، ولا من تكراره، وغيره يَمَلُّ من تكراره، ويَمُجُّه السمع، ويَثْقُل على اللسان، لكن القرآن الكريم لا يَخْلَقُ مع الترداد أبدًا، تجده طريًّا كلما قرأته. ثم إذا كان الله تعالى قد فتح عليك وكان عندك نية وقصد صحيح في معرفة المعنى فكل قراءة تقرؤها يفتتح لك بها معنى غير الأول، جَرِّبْ تَجِدْ، هذا شيء معلوم، لكن هذا لمن؟ لمن عَلِمَ اللهُ منه صدق الطلب في معرفة المعنى، أما مَن أعرض عن ذلك فإنه لا يستفيد، لكن مَن علم الله منه صدق الطلب فإن الله يفتح عليه كلما قرأ القرآن من المعاني ما لم يكن سابقًا. القرآن الكريم أنزله الله عز وجل وجعله مباركًا، مباركًا في أيش؟ مباركًا في تأثيره، مباركًا في ثوابه، مباركًا في آثاره. مباركًا في تأثيره، يعني أنه مؤثر على القلب، ويلين القلب، ويكسبه خشية لله عز وجل؛ لأن الله قال: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر ٢١]، سبحان الله! وهو جبل حصى يكون خاشعًا ذليلًا ويتصدع من خشية الله عز وجل، فما بالكم بالقلب لو كان القلب حيًّا؟ يكون من باب أولى، ولهذا قال ابن عبد القوي رحمه الله: وَحَافِظْ عَلَى دَرْسِ الْقُرَانِ فَإِنَّهُ ∗∗∗ يُلَيِّنُ قَلْبًا قَاسِــــيًا مِثْلَجَلْمَدِ وما أكثر الذين يشكون قسوة قلوبهم اليوم لأسباب ليس هذا موضع ذكرها، ولكن إذا أحسوا بقسوة القلب فعليهم بالقرآن، نسأل الله أن يلين قلوبنا، عليهم بالقرآن، هذا من جهة التأثير. من جهة التأثير أيضًا القرآن الكريم رُقْيَة من كل داءٍ، كل مرض فالقرآن الكريم رقية له، إي نعم، فالقرآن الكريم دواء له، دواء لكل مرض، أيّ مرض؛ الجسمي أو القلبي أو هما؟ * طلبة: هما. * الشيخ: نعم، المرض القلبي؛ وهو الشبهة التي تَرِدُ على القلوب، أو إرادة السوء شفاؤها القرآن، المرض الجسمي العضوي شفاؤه القرآن، نزل قوم من الصحابة على قوم من العرب، نزلوا ضيوفًا، ولكن هؤلاء العرب لم يُضِيفُوا الصحابة، أَبَوْا أن يضيفوهم، تنحَّى الصحابة إلى جانب ونزلوا، فسلَّط الله على سيد العرب عقربًا فلدغته وآلَمَتْهُ، فقال بعضهم لبعض: ألا تنظرون إلى هؤلاء القوم لعل فيهم مَن يقرأ، فأتوا إلى الصحابة وقالوا: إن سيدهم لُدِغ، فهل فيكم قارئ؟ قالوا: نعم، فينا قارئ، ولكننا لن نقرأ عليه - على هذا المريض- إلا بقطيع من الغنم؛ لأن هؤلاء العرب لم يُكْرِمُوهم، فأرادوا أن يأخذوا حقهم منهم، قالوا: ولكم ذلك، فقام رجل من الصحابة على هذا اللديغ وجعل يقرأ عليه سورة الفاتحة حتى قام كأنما نُشِطَ من عقال، والسم قد سَرَى في جسمه، لكن زال هذا وطار، هذا تأثير ولَّا غير تأثير؟ هذا تأثير عجيب، وما أكثر ما نقرأ الفاتحة وغير الفاتحة والمريض يَتَلَبَّط في مرضه، لماذا والآية واحدة؟ لأنه -كما يقال- السيف بضاربه، السيف حديد قاطع، لكن إذا كان مع جبانٍ هل ينفعه أو لا ينفعه؟ * طلبة: لا ينفعه. * الشيخ: تقولون هذا موافقةً لي ولَّا واقع؟ * طلبة: واقع. * الشيخ: واقع، السيف مع جبان لا ينفعه، ربما إذا رأى العدو مُقْبِلًا عليه ألقى بالسيف وهرب، لكن بيد الشجاع ينفع، ويدافع عن نفسه ويقتل عدوه. ولهذا يُذْكَر عن رجل كان الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- يقرأ عليه وكان به صرع من الجن، فيخرج الجني، ولما مات الإمام أحمد عاد الجني، فقام رجل يقرأ على هذا المصروع بما كان الإمام أحمد يقرأ به، ولكن الصارع أَبَى أن يخرج، وأجاب بأن الآية هي الآية، والقارئ غير القارئ. فلا تظن إذا لم تجد تأثير القرآن مباشرة لا تظن أن القرآن غير مؤثِّر، ولكن القارئ غير مُؤَثِّر. مبارك في آثاره، كيف ذلك؟ بماذا فتح المسلمون مشارق الأرض ومغاربها؟ بأيش؟ بالقرآن، أي بالعمل بالقرآن، فتحوا مشارق الأرض ومغاربها، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾ بالقرآن ﴿جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان ٥٢]، فتحوا مشارق الأرض ومغاربها بالقرآن حين كان القرآن باليد اليمنى، والسيف باليد اليسرى، والآن كثير من الممالك الإسلامية بيدها القانون الوضعي بدلًا عن القرآن الكريم، ولذلك كان التأخر والذل في الأمة الإسلامية بسبب عمل مَن ينتسبون إليه، فالذنب إذن في تأخر المسلمين اليوم ليس ذنب الإسلام ولكن ذنب المسلمين، هذا من آثار القرآن الكريم؛ أن مَن تَمَسَّك به فهو منصور، والشاهد ما سبق من سلفنا الصالح. مبارك في ثوابه؛ الحرف الواحد فيه حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، وما أكثر حروف القرآن. وبهذه المناسبة عرض عَلَيَّ في الرياض في الأسبوع الماضي إنسانٌ ورقة مكتوبًا فيها: الإعجاز العددي في القرآن، جدول ذكر فيه أن جميع حروف القرآن كلها تقبل القسمة إذا جُمِعَت على تسعة عشر، ولكن هذا افتراء على الله عز وجل ومناقض للواقع، ولا يجوز تداول هذه البطاقة؛ لأنه لا يمكن لإنسان أن يشهد أن الله تعالى تَكَلَّم بالقرآن بحيث تكون حروفه منقسمة على تسعة عشر، مَن يقول هذا؟! لكنه افتراء على الله عز وجل، ثم إن القرآن الكريم لا يمكن أن يقال: إنها تنقسم على تسعة عشر مع اختلاف القراءات، فمثلًا (تَبَيَّنُوا) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات ٦]، والقراءة الثانية: ﴿﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ ﴾، إذن اختلفَا، أتت الثاء بدلًا عن الباء؛ تثبتوا، وبدلًا عن النون، فاختلَّت القسمة. كذلك في القرآن الكريم ﴿﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴾ و﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤]، اختلت، زاد حرف. لكن هؤلاء المشغوفون بما يَدَّعُون أنه ذكاء وأنهم اطَّلَعُوا على ما لم يطلع عليه أحد يأتون بمثل هذه الخرافات (...) القرآن، هل القرآن جاء ليُحْسِن الناس العدد ويقسموه على تسعة عشر؟ لا والله، ولا يمكن أن ينزل هذا القرآن الكريم من أجل هذه المعجزة كما يقولون، مع أنها ليست معجزة، فاسدة باطلة. أحببت أن أُنَبِّه على هذا؛ لأنه ربما تشيع؛ لأن الذي سألني عنها يريد أن يطبع منها الملايين ويوزعها على الناس، ويقول: انظروا للقرآن الكريم، نقول: هذا غلط، القرآن ما نزل لهذا المعنى، ولا يمكن أن يُرَاد به هذا المعنى، انتبهوا لمثل هذه الأمور التي تُنْشَر، قد تكون من ملحد كافر، أو فاسق فاجر يريد بها صَدَّ الناس عن المعنى الذي من أجله نزل القرآن. قال الله عز وجل: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ أي: ليتفكَّرُوا فيها ويُرَدِّدُوها بأفكارهم حتى يتبين لهم المعنى، فالقرآن الكريم لم ينزل لتلاوته لفظًا فقط، بل ولِتَدَبُّر معناه، ولا يمكن العمل به إلا بمعرفة معناه، ولا يمكن معرفة معناه إلا بتدَبُّرِه، إذن فالتكفير في معناه أمر واجب، يجب أن تتعلم معنى القرآن كما تتعلم معنى الآجرومية، أتعرفون الآجرومية؟ كتاب صغير في النحو، لا يمكن أن يستفيد منه الإنسان حتى يعرف معناه، كذلك أيضًا القرآن الكريم لا يمكن أن يستفيد الإنسان منه حتى يعرف معناه. لو أن هناك كتابًا في الطب من أفصح الكتب وأنت لا تعرف المعنى فهل يمكن أن تستفيد منه؟ أجيبوا يا جماعة، لا يمكن، إذن لا يمكن أن تستفيد من القرآن حتى تعرف معناه، ولقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ»[[أخرجه البخاري (٥٠٢٧) من حديث عثمان رضي الله عنه.]]، وهذا يشمل التعلم اللفظي والتعلم المعنوي، ولهذا قال: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾. وإذا شئت أن تعرف هذا فاقرأ آية من القرآن مع التدبر، واقرأها مع الغفلة، تجد الفرق العظيم بين هذا وهذا، لذلك أَحُثُّكُم أيها الإخوة على تعلُّم المعنى؛ معنى القرآن الكريم. اقرؤوا كتب التفسير الموثوقة، واحذروا الكتب التي لا يُعْرَف مَن ألَّفها، أو التي عُرِف من ألَّفها بأنه منحرف، أو ما أشبه ذلك؛ لأن من المفسرين مَن حَرَّفَ القرآن ونقله إلى ما يعتقده هو لا إلى ما يدل عليه القرآن، فاحذروهم، وإذا لم تتمكنوا من هذا فاسألوا أهل العلم حتى تستفيدوا من القرآن الكريم. ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾، ثانيًا: قال: ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، يتذكر أي: يَتَّعظ أصحاب العقول. وانظر للفرق بين قوله: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾، حيث عَمَّمَ فيها، وقوله: ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، حيث خَصَّ؛ لأنه لا يتذكر بالقرآن ويَتَّعِظ به إلا أصحاب العقول، كما قال عز وجل: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق ٣٧]. فإذا قال قائل: إلى مَن نرجع في تفسير القرآن؟ فالجواب: نرجع إلى القرآن، نُفَسِّر القرآن بالقرآن، فإن لم نجد ففي السنة، فإن لم نجد فبأقوال الصحابة، ولا سيما المفسرون منهم، فإن لم نجد رجعنا إلى أقوال التابعين، أعني المفسِّرين منهم، كمجاهد بن جبر وغيره. مثال تفسير القرآن بالقرآن قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار ١٧ - ١٩]، ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة ١ - ٤]، والأمثلة كثيرة. مثاله من السنة قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦]، ﴿الْحُسْنَى﴾ يعني: الجنة، زيادة هي النظر إلى وجه الله عز وجل، فَسَّر ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو أعلم الخلق بكتاب الله تعالى. ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال ٦٠]، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ»[[أخرجه مسلم (١٩١٧ / ١٦٧) من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه.]]، مرتين أو ثلاثًا، ففسر القوة بالرمي؛ لأن الرمي أشد ما يكون فتكًا بالنسبة للأسلحة. وإلى يومنا هذا الرمي هو قوة، كان الناس في الأول يرمون بالسهام بالقوس، الآن يرمون بأيش؟ * طلبة: بالصاروخ. * طالب آخر: بالمدفع. * الشيخ: لا، المدفع الآن ليس بشيء، بالصواريخ والقنابل، فلا تظن أن قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» خاصًّا بما كان في عهده، بل هي عامة فيما يحدث إلى يوم القيامة. على كل حال، نرجع في تفسير القرآن إلى تفسير القرآن بالقرآن، ثم بالسنة، ثم بأقوال الصحابة، ولا نعدل عن أقوال الصحابة إلى تفسير المتأخِّرين أبدًا، خصوصًا في العبادات، أما في الأمور التي تحدث ويكون في القرآن إشارة لها فهذه قد لا يَرِدُ عن السلف فيها تفسير، ولكن تُفَسَّر حسب الوقت؛ لأن هناك أشياء من الأمور الكونية الفضائية والأرضية لم يتكلم فيها السلف، ولكن تكلم فيها المتأخِّرون، فنقول: يُرْجَع إلى قول المتأخرين في هذا؛ لأن السلف لم يكونوا يعرفون ذلك. أما مسائل العبادة والمعاملات وما أشبهها فإنه يُرْجع في ذلك إلى تفسير الصحابة على كل حال. ثم بعد ذلك المرتبة الرابعة.. * طلبة: التابعون. * الشيخ: لا، كبار التابعين، أو كبار المفسرين من التابعين، ومرتبتهم أدنى بكثير من مرتبة الصحابة، أسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يتلون كتاب الله حق تلاوته، وأن يرزقنا تَعَلُّمَه لفظًا ومعنى، والعمل به، إنه على كل شيء قدير. هذه المقدِّمات قد تكون أفيد مما لو شرحنا أو فَسَّرْنَا القرآن الذي هو محل الدرس اليوم، ولكن -إن شاء الله تعالى- أمامنا الأيام. * طالب: شيخ، أثابكم الله، إذا جلس جماعة -مثلًا- وقرأ أحدهم، وكلهم منصت، ويتدبرون القرآن معًا، هل لهم الأجر مثل أجر القارئ؟ * الشيخ: يقول: إذا اجتمع جماعة على كتاب الله يستمعون القرآن وينصتون له فهل لهم أجر القارئ؟ الجواب: نعم، لهم أجر القارئ، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف ٢٠٤]، ولذلك يُشْرَع لهم إذا سجد القارئ سجود التلاوة أن يسجدوا معه، فحكمهم حكمه. * طالب: قلنا: الحائض تقرأ القرآن لمصلحة.. * الشيخ: أو حاجة. * الطالب: أو حاجة، هل تمس القرآن؟ * الشيخ: لا، القرآن لا يمسه إلا طاهر، ولكنه ليس فيه منع من قراءة القرآن، ممكن أن تمسك المصحف بقفازين أو من وراء ثوب. * طالب: أثابكم الله، هل نأخذ منه أن الاستماع له نفس الحكم؟ * الشيخ: هل نأخذ؟ * الطالب: هل نأخذ أن الاستماع الذي يستمع له نفس أجر القارئ، هل نأخذ منه مشروعية ما يُفعل في بعض الدول من أنهم يُشَغِّلون مُسَجِّلًا يوم الجمعة ويجلسون يستمعون؟ * الشيخ: لا، هذا يسأل يقول: هل للمستمعين إلى التسجيل أجر؟ فالجواب: لا، ليس لهم أجر القراءة؛ لأن هذا حكاية صوت قارئ قد يكون ميتًا وليس قراءة، ولهذا لا (...) الأذان من مُسَجِّل، كما يفعل بعض الناس، في بعض الأمكنة عنده مُسَجِّل إذا وقت الأذان فتح الْمُسَجِّل للمؤذن، هذا غلط عظيم، ولا ينفع. * * * أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾. البسملة آية من كتاب الله، يعني أن الله عز وجل أنزلها كما أنزل باقي القرآن، فهي كلام الله عز وجل، تُفْتَتح بها كل سورة من الفاتحة إلى (قل أعوذ برب الناس)، إلا (...) فإنها لم تنزل لافتتاحها، وليست البسملة من السورة التي قبلها ولا من السورة التي بعدها، وعلى هذا فلا تُحْسَب من آياتها. الفاتحة -مثلًا- افتُتِحَت بالبسملة، والبسملة ليست منها، بل هي آية مستقلة، وأول الفاتحة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، والدليل على هذا ما جاء في الحديث الصحيح أن الله عز وجل قال في الحديث القدسي: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ:» ﴿الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ «قَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ «قَالَ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ «قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ «قَالَ اللَّهُ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ:» ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ «قَالَ اللَّه: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ»[[أخرجه مسلم (٣٩٥ / ٣٨) عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ مقارب.]]، فبدأ بـ﴿الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ويدل لهذا أيضًا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان لا يجهر بها –أي: بالبسملة- في القراءة الجهرية، ولو كانت من الفاتحة لجهر بها كسائر آياتها. ويدل لهذا أن الله تعالى قسمها بينه وبين عبده نصفين، فلنقرأ ثلاث آيات لله، وثلاث آيات للعبد، وواحدة بينهما، الثلاث الآيات لله هي: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٢ - ٤]، الثلاث للعبد: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، المشتركة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فتجد هذه المشتركة تجدها هي النصف، وهي بين العبد وبين الله نصفين، هي النصف من بين سبع آيات. فإذا قال قائل: نحن نجد في المصحف أن البسملة قد رُقِّمت على أنها من آياتها، وأن ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ قد جُعِلت آية واحدة؟ فالجواب: أن هذا على رأي بعض العلماء، وكأن الذين طبعوا المصحف أَوَّل ما طبعوه طبعوه على هذا الرأي، واستمر الناس عليه. على أنني وجدتُ مصحفًا مطبوعًا فيه أول آية ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، والآية السابعة ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، والبسملة لم تُرَقَّم، مصحف مطبوع، وهذا هو المطابق للصواب. مما يدل على ذلك أيضًا أن الآيات لا تكون متناسبة في الطول والقصر إلا إذا قسمنا الآية الأخيرة قسمين؛ لأنك إذا قلت: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ صارت الآية هذه طويلة بالنسبة لبقية الآيات، فلا تناسبه. فعلى كل حال القول الراجح المتعيِّن أن أول الفاتحة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وأن البسملة ليست منها كسائر السور. بقينا البسملة معمول مجرور بالباء؛ لأن كل اسم مجرور بالباء فإنه معمول على كل حال، ويش معنى معمول؟ يعني: لا بد له من عامل محذوف، ولهذا قال ناظم الْجُمَل: لَا بُدَّ لِلَّجَــارِ مِـــنَ التَّعَلُّقِ ∗∗∗ بِفِعْلٍ اوْ مَعْنَاهُ نَحْوُ مُرْتَقِي البسملة معمولة لعامل محذوف، أعطيتكم الآن قاعدة ما هي؟ كل اسم مجرور فلا بد له من عامِل، فأين عامل ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؟ نقول: العامل محذوف، يُقدَّر فعلًا متأخرًا مناسبًا للمقام؛ يُقدَّر فعلًا، ثانيًا: متأخِّرًا مناسبًا للمقام، أنا أريد أن أقرأ فأقول: باسم الله، قَدِّر العامل؟ أقرأ، التقدير: باسم الله أقرأ. لو سألت: لماذا نُقَدِّرُه فعلًا ولا نُقَدِّره اسمًا، فنقول: باسم الله قراءتي؟ فالجواب: الأصل في العمل هو الأفعال، ولذلك لا تجد اسمًا عاملًا إلا بشروط، نحن الآن نعطيكم ضوابط يا إخواني، نقول: قَدَّرْنَاه فعلًا لماذا؟ لأن الأصل في العامل أو في العمل أن يكون فعلًا، ودليل ذلك أنه ما من اسم يكون عاملًا إلا بشروط. لماذا قَدَّرْنَاه متأخِّرًا ولم نقل: أقرأ باسم الله؟ لفائدتين: الفائدة الأولى: التَّبَرُّك ببداءة الكلام باسم الله. الثانية: الحصر، يعني: باسم الله لا باسم غيره؛ لأنه إذا تَقَدَّم المعمول على العامل كان ذلك دليلًا على الحصر، يعني الاختصاص، فكأن القارئ يقول: باسم الله أقرأ لا باسم غيره. لماذا قَدَّرْنَاه فعلًا مناسبًا؟ لأنه أَدَلُّ على المقصود، فمثلًا حين نريد أن نقرأ، نقول: التقدير: باسم الله أقرأ. لو قال قائل: لماذا لا نقول: باسم الله أبتدئ؟ قلنا: لأن كلمة (أبتدئ) صالحة لكل فعل ابْتُدِئَ به، وإذا قلت: أقرأ، صار خاصًّا، وهو أدل على المقصود، هذا تقرير إعراب ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ كلما أَتَتْكَ. عندما يُقَدَّم الغداء تقول: باسم الله، كيف نُقَدِّر؟ * طلبة: باسم الله آكل. * الشيخ: آكل؟ لا، فيه شيء أخص، أَتَغَدَّى أو آكل الغداء؛ لأنه أخصّ. أردت أن تشرب تقول: باسم الله أشرب، أردت تدخل المسجد تقول: باسم الله أدخل، وهلم جرًّا. أما قولنا: (باسم الله) فالمراد بكل اسم لله، وإنما حملناه على العموم؛ لأن المفرد إذا أُضِيف صار للعموم؛ أي: أبتدئ بكل اسم من أسماء الله، الرحمن، أي: ذو الرحمة الواسعة، الرحيم، أي: ذو الرحمة الخاصة بالمؤمنين، كما قال عز وجل: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣]. ﴿حم﴾ قال المفسِّر: (الله أعلم بمراده به)، ﴿حم﴾ هذان حرفان هِجَائيَّان؛ أحدهما حاء، والثاني ميم، لا إعراب لهما. وهل لهما معنى؟ المؤلف –المفسِّر- يقول: (الله أعلم بمراده به)، إذن لا ندري هل لها معنى أو لا؟ ولا ندري ما المراد بالمعنى؟ فموقفنا من هذا أيش؟ التفويض، الله أعلم، وهكذا يُقَالُ في كل حرف هجائي ابتُدِئَت به السورة، فيه غير (حم)؟ فيه؛ الم، الر، ن، ق، ص، وما أشبهها. فالمؤلف رحمه الله يقول: ما لنا ولتفسيره، الله أعلم بمراده به، قد يكون أراد معنى، وقد لا يكون أراد معنى، وقد يكون أراد معنى تدل عليه السورة، وقد يكون أراد معنى آخر. ولكن القول هذا ضعيف، والصواب أن نقول: لا معنى له، (لا معنى له) ليس معناه أنه حَشْوٌ لا فائدة منه، لا، لا معنى له ذاتيًّا، بدليل قول الله عز وجل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف ٢]، وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف ٣]، وقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ﴾ [الشعراء ١٩٣ - ١٩٥]، ثلاث آيات، اللسان العربي هل وُضِعَ فيه حروف هجائيَّة لها معنى؟ لا، اللسان العربي وُضِعَت فيه حروف هجائية لتركيب الكلام منها، وهي في اللغة العربية ثمانية وعشرون حرفًا. عندما تقرأ في اللوح: أ، ب، ت، ث، ج، ح، خ، ويش معناها؟ ليس لها معنى، إنما هي حروف تُكَوَّن منها الكلمات، فإذا كان كذلك والقرآن الكريم نزل بلسان عربي فإننا نجزم بأنه ليس لهذه الحروف معنى، كيف نجزم؟ أعوذ بالله! وإذا كان الله قد أراد بها شيئًا؟ نقول: لا يمكن أن يريد بها شيئًا وهو نازل باللسان العربي، واللسان العربي لا يجعل لهذه الحروف الهجائية معنى، نحن نجزم لقوله: ﴿عَرَبِيٍّ﴾. قوله عز وجل: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه ١، ٢]، هل (طه) اسم من أسماء الرسول؟ لا، (طه) مثل (الر)، ومثل (حم)، حرفان هجائيَّان ليس لهما معنى، إذا قال إنسان: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ﴾ الخطاب، نقول: إذن اجعل (ن) من أسماء الرسول؛ لأن الله قال: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم ١، ٢]، ولا قائلَ به. إذا قال قائل: ما الفائدة من هذه الحروف الهجائية إذا لم يكن لها معنى في حد ذاتها؟ أقول: الفائدة أشار إليها شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من العلماء الذين سبقوه ولحقوه، الفائدة التنبيه على أن هذا القرآن الكريم الذي عجز الناس أن يأتوا بمثله لم يأتِ بحروف جديدة فيحتج الناس ويقولوا: هذه حروف ما نعرفها، جديدة، القرآن الكريم جاء بالحروف المعروفة عند المخاطبين، ومع ذلك أعجزهم، قال شيخ الإسلام وغيره: ولذلك لا تكاد تجد سورة مُفْتَتَحَةً بهذه الحروف الهجائية إلا وجدت بعدها ذِكْرَ القرآن. قل لي يا أخي، اذكر ثلاث سور مُفْتَتَحَةً بالحروف الهجائية بعدها ذِكْر القرآن؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة ١، ٢]، هذه واحدة. * طالب: مريم. * الشيخ: مريم ما فيها ذكر القرآن، لا تَبْغ تدور؛ لأن الكتاب (...). مَن يعرف الثانية؟ * طالب: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. * الشيخ: البقرة؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: ذكرها الأخ. * طالب: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾. * الشيخ: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾. * طالب: هذه السور المجموعة ﴿حم﴾. * الشيخ: إي، صحيح، ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾، الباقي على هذا قِيسُوه، فيه بعض السور قليلة ما فيها ذِكْر القرآن، لكن فيها ما يختص به القرآن، كعلم الغيب، مثل: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ [الروم ١ - ٣]، هذا ما فيه ذِكْر القرآن لكن فيه شيء يختص به القرآن، وهو علم الغيب في المستقبل. نقول: ﴿حم﴾ ما هو التفسير الصحيح لها؟ نقول: ليس لها معنى في حد ذاتها، ولكن لها مغزى، وهذا الذي قَرَّرْنَاه هو الذي ذكره مجاهد رحمه الله إمام المفسرين في عهده، نقله عنه ابن كثير في تفسيره. قال: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾، ﴿وَالْكِتَابِ﴾، الواو حرف قسم، وفَسَّره بأنه القرآن؛ لأن الله تعالى سَمَّى القرآن كتابًا، فقال: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، وسُمِّيَ كتابًا لأنه كُتِبَ في اللوح المحفوظ، ولأنه كُتِبَ في المصاحف التي بأيدي السَّفَرَة الكرام البررة، ولأنه كُتِبَ في المصاحف التي بأيدينا، ثلاثة أوجه؛ كُتِب في اللوح المحفوظ، ثانيًا: في صُحُف الملائكة، ثالثًا: في صُحُفِنا التي بأيدينا. وقوله: ﴿الْمُبِينِ﴾ يقول الشارح: (الْمُظْهِر طريقَ الهدى وما يُحْتَاج إليه من الشريعة)، ﴿الْمُبِينِ﴾ من: أَبَانَ الشيء؛ إذا أظهره، فمعنى كونه مُبِينًا أنه مُظْهِر للحق مُوَضِّحٌ له، بل لكل ما يحتاج الناس إليه، ﴿الْمُبِينِ﴾ من (أبان) أي: أظهر، يعني أن القرآن أظهر كل شيء يحتاج الناس إليه في دينهم ودنياهم. وقيل: المراد بـ﴿الْمُبِينِ﴾ البَيِّن. وأيهما أعم؛ البَيِّن أو الذي بَيَّنَ الشيء؟ الأعم أنه مُظْهِر للحق؛ لأنه لا يُظْهِر الحق إلا إذا كان هو ظاهرًا، وعلى هذا ففسِّرِ المبين بأنه الْمُظْهِر، وإن فسَّرْتَه بهما فلا بأس، فقلت: إنه بَيِّنٌ مُبِينٌ؛ لأن الكلمة إذا احتملت معنيين -وهذه قاعدة- الكلمة إذا احتملت معنيين لا ينافي أحدهما الآخر وليس أرجح منه فإنها تُحْمَل عليهما، أعيد ها القاعدة مرة ثانية: إذا احتمل اللفظ معنيين متساويين لا ينافي أحدهما الآخر حُمِل عليهما جميعًا. ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ﴾ يقول: (أَوْجَدْنَا الكتاب ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾: بلغة العرب، ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ يا أهل مكة ﴿تَعْقِلُونَ﴾ تفهمون معانيه). قوله عز وجل: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ﴾، الضمير -ضمير الفاعل- يعود على الله عز وجل، وضمير المفعول يعود على القرآن، ومعنى ﴿جَعَلْنَاهُ﴾ -على كلام المؤلف- أوجدناه قرآنًا عربيًّا، والصواب أن المعنى: صَيَّرْنَاه قرآنًا عربيًّا، أي: صَيَّرْنَاه بلغة العرب. ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: تفهمون، والخطاب في قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ على كلام الْمُفَسِّر يعود إلى أهل مكة، والصواب أنه يعود إلى العرب كلهم؛ لأن العرب هم أهل مكة وغيرهم، فيكون المعنى: صَيَّرْنَاه بلغة العرب لتفهموه أيها العرب، انتهى الكلام على الآيات من حيث اللفظ. المعنى: أن الله تعالى أقسم بالقرآن أنه جعله باللغة العربية من أجل فَهْمِه، * فيُسْتَفَاد من هذه الآيات فوائد، منها: جواز القسم مع تأكد صحة الْمُقْسِم بدون القسم، يعني جواز أن الإنسان يقسم على الشيء مع أن قوله مقبول على كل حال. وجه الدلالة: أن الله عز وجل أقسم وقوله مقبول على كل حال، وصدق بلا يمين. حينئذ يتولَّد من هذا: كيف يُقْسِم الله عز وجل على الشيء وهو الصادق بدون قسم؟ فنقول: لفائدتين؛ الفائدة الأولى: بيان أهمية هذا الشيء، وأنه جدير بأن يُقْسَم عليه. والثانية: أن القسم من فصاحة الكلام في اللغة العربية، فإذا كان من فصاحة الكلام فالقرآن نزل بأيش؟ باللغة العربية، فيكون هذا مطابقة لأسلوب اللغة العربية. يَرِد على هذا إشكالٌ، على هذا القسم بالقرآن يَرِد عليه: كيف أقسم الله بالقرآن مع أنه لا يجوز القسم بغير الله؟ والجواب على هذا أن القرآن صفة من صفات الله؛ لأنه كلام الله، والقسم يجوز بالله وبصفة من صفاته، فزال الإشكال، أفهمتم الآن؟ ما هو الإشكال الوارد؟ كيف يقسم الله بالقرآن والقسم لا يكون إلا بالله عز وجل؟ والجواب: أنه يجوز الإقسام بصفات الله عز وجل؛ لأنها مُعَظَّمَة، والقرآن من صفات الله؛ لأنه كلام الله عز وجل. * من فوائد هذه الآية: بيان عظمة القرآن؛ لأن الله لا يقسم إلا بشيء عظيم، بل إن القسم نفسه -كما قال مَن فسَّره- تأكيد الشيء بِذِكْرِ مُعَظَّمٍ بصفة مخصوصة بأحد حروف القسم، اضبطوا القسم: تأكيد الشيء بذِكْرِ مُعَظَّمٍ بصيغة مخصوصة بأحدِ حروف القسم، وحروف القسم ثلاثة: الواو، والباء، والتاء. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن مُبِين؛ أي: مُظْهِر، لأيش؟ مُظْهِر للحق ولكل ما يحتاج الناس إليه، بل هو مُظْهِر حتى للباطل، مُبَيِّن للباطل، مُحَذِّر منه، بل إنه تِبْيَان لكل شيء، كل شيء فالقرآن مُبَيِّنُه، كل شيء؟ نعم كل شيء. فإذا قال قائل: إن الله سبحانه وتعالى ذَكَرَ أشياء لا مجال للعلم فيها، فأين بيانها؟ قلنا: بيانها في قول الله عز وجل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١] فيما يتعلَّق بالصفات؛ لأن بيانها على وجه التفصيل لا تحتمله العقول، فكان من الحكمة ألَّا تُفَصَّل، وإلا فهو تبيان لكل شيء. ذُكِرَ أن أحد العلماء كان في مطعم، وكان حوله رجل من النصارى، فاستغلّ النصراني الفرصة ليُلْقِي على هذا العالِم سؤالًا يتحداه به، فأتى إليه وقال له: أيها الشيخ، قال: نعم، ماذا تريد؟ قال: القرآن كتابكم يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]، فكيف نصنع هذه السَّلَطة؟ تعرفون السَّلَطَة؟ كأن بعضكم ما يعرفها. * طالب: معروفة. * الشيخ: معروفة؟ ما هي؟ على كل حال السلطة هي الزَّلَطة، والسين والزاي تتعاوران، أي: كل واحد منهما يستعير الآخر. كيف نصنع هذه السلطة؟ أين هذا في القرآن؟ وكان العالِم المسلم ذكيًّا، قال: هذه موجودة في القرآن، موجود كيف نصنعها، قال: أين هو؟ فنادَى الطبَّاخ وقال: تعالَ، كيف صنعت هذا؟ فجعل الطبَّاخ يشرح له، فقال: هكذا جاء في القرآن، قال: كيف؟ قال: إن الله قال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٤٣]، فأحالنا فيما لا نعرف على مَن يعرف، وهذا بيان، لم نتحيَّر الآن، لم نتحير في معرفة كيف تُصْنَع هذه السلطة. لو قال لنا قائل: القرآن تِبْيَان لكل شيء، كيف نصنع هذا التليفون؟ هل في القرآن وَصْف لصناعته؟ كيف نصنع هذا التليفون؟ أين ذِكْرُه في القرآن؟ نقول: الحمد لله، الله عز وجل أحالنا إلى سؤال مَن يعرف إذا كنا لا نعرف، وهذا بيان، ما أوقفنا متحيِّرِين. إذن ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾، في هذه الآية دليل على أن القرآن مُبَيِّن لكل شيء، ولكن -يا أيها الإخوة- القرآن يحتاج إلى تدبُّر، بدون تَدَبُّر لا يمكن أن تهتدي، ثم اعلم أنك كلما أَمْعَنْتَ وتعمقت في تدبُّر القرآن فتح الله لك من أبواب المعرفة ما لم يكن من قبل، وصرت تستنبط من الآية الواحدة من الأحكام ما لا يستنبطه غيرك، فاحرصوا على التدبر، ويأتي -إن شاء الله- بقية الفوائد في الدرس القادم إن شاء الله تعالى. * طالب: أحسن الله إليك، سياق الآيات التي فيها ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ إنما كان في رسالة النبي عليه الصلاة والسلام، فهل يصح بها الاستشهاد على..؟ * الشيخ: على العموم، نعم يصح؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. * طالب: شيخ، بعض طلاب العلم يا شيخ يستنبط دائمًا من الآيات؟ * الشيخ: طيب، بس بشرط أن يكون هذا الاستنباط تحتمله الآية، يعني بعض الناس يستنبط من الآيات ما لا تحتمله الآيات، أرأيتم أول ما خرج وصول البشر إلى القمر، ولعله حصل قبل أن يُمَيِّز أكثركم، أكثركم شباب -والحمد لله-، لما حدثت هذه الحادثة وقالوا: إن البشر وصلوا إلى القمر، وأخذوا منه عينة وجاؤوا بها إلى الأرض، وادَّعوا أنها من القمر، أحجار سوداء رأيناها، أتدرون ماذا قال الناس؟ قالوا: هذا موجود في القرآن، استمع يا ولد، بأي مكان؟ قال: إن الله قال: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن ٣٣]؛ أي: بعِلْم، وهؤلاء وصلوا إلى أقطار السماوات بأيش؟ بالعِلْم، قالوا: الآية هذه تدل على هذا. لكن هذ التفسير مُحَرَّم، وقول على الله، وكذب على الله، الآية في سياق التحدي: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا﴾، وهل يمكن أن يتحدى الله عز وجل أحدًا بما يستطيع؟ لا يمكن، التحدي معناه أن المخاطَب لا يستطيع، هذه واحدة. ثانيًا: الآية ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، فبدأ بالسماوات، فهل هؤلاء يمكن أن ينفذوا من أقطار السماوات؟ لا يمكن، إذا كان أفضل رسول في البشر وأفضل رسول في الملائكة لم يدخلَا السماء الدنيا إلا باستفتاح وإذْن، كيف هؤلاء؟ فهؤلاء إن نفذوا من أقطار الأرض لم ينفذوا من أقطار السماوات. ثالثًا: قال الله عز وجل بعد قوله: ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾، قال: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾ [الرحمن ٣٥]، وهل أُرْسِلَ على هؤلاء شُوَاظ من نار ونحاس؟ لا، فتفسير القرآن بما لا يحتمله هذا مُحَرَّم؛ لأن المفسِّر يشهد أن الله أراد كذا. ومثل قول بعضهم: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل ٨٨]، قال: هذا دليل واضح على أن الأرض تدور، والمسألة هذه حصل فيها معركة؛ هل الأرض تدور أو ما تدور؟ تدور أو ما تدور، قصدي أحكي الخلاف، صار فيها معركة كثيرة، وكُتِبَ في ذلك منشورات في الصحف ورسائل صغيرة إنكارًا وتأييدًا، فجاء هذا الرجل الْمُتَعَيْلِم قال: هذا في القرآن: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾، قيل: هذا يوم القيامة، قال: يوم القيامة ما يمكن يرى الشيء إلا على حقيقته، لا يراه على غير حقيقته، فقيل له جوابًا على هذا: ألم تقرأ قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ [الحج ١، ٢]، شوف ﴿تَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾، وهذا رؤية الشيء على غير حقيقته، وهو ممكن، فالآية ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ متى؟ يوم القيامة، ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾؛ لأنها تكون هباءً. هذا أيضًا من الغلط وتحميل القرآن ما لا يحتمل. * طالب: ما في القرآن من الكلمات ما ليس بعربي؟ * الشيخ: لا، أبدًا، كل ما في القرآن عربي، لكن بعضه من صميم اللغة العربية، وبعضه مُعَرَّب، أصله غير عربي ولكنه عُرِّب، وإذا عُرِّب صار عربيًّا، أرأيت أنت إذا أخذت الجنسية في بلد تكون منهم ولَّا لا؟ تكون منهم وأنت في الأصل من غيرهم، فليس في القرآن ما ليس بعربي. فإذا قال قائل: فيه سندس، إستبرق، وما أشبه ذلك؟ فالجواب: إن هذه عُرِّبَت فصارت من كلام العرب. * طالب: شيخ -أحسن الله إليك- الآيات التي أقسم الله بالنجم والقمر والشمس، بعضهم يُعَلِّل بأن الله يقسم بما شاء، أما المخلوق فلا يقسم إلا بالله، فهل هذا التأويل صحيح؟ * الشيخ: هذه صحيح، لله أن يقسم بما شاء من خلقه، وليس لنا أن نقسم إلا به. * الطالب: ولنا في هذه الآية أن .. * الشيخ: لا، هذه الآية قسم بصفات الله، ما فيها إشكال. * * * * طالب: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤) أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥) وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٧) فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف ١ - ٨] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾، ما هو القول الراجح في ﴿حم﴾؟ * طالب: أنها ليس لها معنى مُعَيِّن، وأن لها مغزى للإعجاز القرآني. * الشيخ: السؤال: ما هو القول الراجح فيها؟ * الطالب: ليس لها معنى. * الشيخ: ليس لها معنى في حد ذاتها، ما هو الدليل على أنه ليس لها معنى في حد ذاتها؟ * طالب: لأن الله خاطبنا بالقرآن الذي هو أُنْزِل بلسان عربي مُبِين، والعرب لم تستعمل الحروف في معنى مُعَيَّن. * الشيخ: لأن الله أنزل القرآن بلسان عربي مُبِين، وهذه الحروف الهجائية ليس لها معنى في اللغة العربية، تمام. * الطالب: إي نعم. * الشيخ: وهذا قول مجاهد بن جبر رحمه الله إمام الْمُفَسِّرين في التابعين. الواو في قوله: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ ما معناها؟ * طالب: الواو للعطف. * الشيخ: للعطف؟ خطأ. * طالب: للقسم. * الشيخ: الواو للقسم، القسم يحتاج إلى مُقْسِم ومُقْسَم به ومُقْسَم عليه، مَن الْمُقْسِم؟ * طالب: الْمُقْسِم الله عز وجل. * الشيخ: المقسِم هو الله، والْمُقْسَم به؟ * الطالب: الكتاب. * الشيخ: الكتاب وهو القرآن، والْمُقْسَم عليه؟ * طالب: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾. * الشيخ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، بارك الله فيك. حروف القسم؟ * طالب: حروف القسم الواو والباء والتاء. * الشيخ: ثلاثة؛ الواو والباء والتاء، مثال الواو؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾. * الشيخ: نعم، كقوله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾، والواو هي أكثر ما يُسْتَعمل في القسم، الباء؟ * طالب: كقول القائل، كما جاء في الأحاديث: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ»[[ومنه ما أخرجه البخاري (٢٦١٥)، ومسلم (٢٤٦٩ / ١٢٧) عن أنس رضي الله عنه، قال: أهدي للنبي ﷺ جبة سندس، وكان ينهى عن الحرير، فعجب الناس منها، فقال: «والذي نفس محمد بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا».]]. * الشيخ: (والذي)، ما أريدها، أنا أريد الباء. * الطالب: كقول القائل: باللهِ الذي قلت لك هو حق. * الشيخ: نعم، أقسم بالله إن هذا حق، التاء؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات ٥٦]. * الشيخ: ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾، تمام. ﴿الْمُبِينِ﴾ ما معناها؟ * طالب: الْمُظْهِر للحق والباطل وكل شيء. * الشيخ: الْمُبِين لكل شيء يحتاج إلى بيان من أمور الدين والدنيا، تمام، هل لهذا القول الذي قلته شاهد في القرآن؟ * طالب: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. * الشيخ: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، بارك الله فيك. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، هذه تكلمنا عليها، ﴿جَعَلْنَاهُ﴾؟ * طالب: صَيَّرْنَاه. * الشيخ: صَيَّرْنَاه، وما معنى ﴿جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾؟ * طالب: أي: صَيَّرْنَاه باللغة العربية. * الشيخ: أي: صَيَّرْنَاه باللغة العربية، تمام، قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ مَن يُبَيِّن لنا معنى (لعل)؟ * طالب: العرب. * الشيخ: لا، (لعل) أيش معناها؟ * طالب: رجاء. * الشيخ: غلط. * طالب: (لعل) هنا المراد بها التعليل. * الشيخ: (لعل) للتعليل، أي: من أجل؟ * الطالب: أن تعقلوا. * الشيخ: أن تعقلوا، طيب، والمراد بالعقل هنا؟ * الطالب: المراد به عقل الرشد والفهم. * الشيخ: لا، ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ عقلَ الفهم؛ لأجل أن تفهموه. ويشبه من هذا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم ٤]. * من فوائد هذه الآية: أن هذا القرآن الذي أعجز العرب من الحروف التي يُرَكِّبُون منها كلامهم، ومع ذلك أعجزهم. * ومن الفوائد: جواز تأكيد الخبر بالقسم ولو كان الْمُخْبِر لا يحتمل خَبَرُه الكذب، وجه ذلك أن الله تعالى أقسم مع أن كلامه لا يحتمل الكذب، ولكن هذا من أجل أهمية الْمُقْسَم عليه. * ومنها: فضيلة القرآن الكريم وعِظَمه؛ لأن الله أقسم به، ولا يُقْسَم إلا بالشيء الْمُعَظَّم. * ومنها: أن القرآن الكريم مكتوب، وهو مكتوب في اللوح المحفوظ، ومكتوب في الصحف التي بأيدي الملائكة، ومكتوب في الصحف التي بين أيدينا. * ومنها: أن القرآن الكريم مُبَيِّنٌ لكل ما يحتاج إلى البيان؛ لقوله: ﴿الْمُبِينِ﴾، ولكن هل هذا البيان حاصل لكل أحد؟ اسمع للجواب: لا، ليس حاصلًا لكل أحد، من الناس مَن يفهم من القرآن أشياء كثيرة، ومن الناس مَن هو دون ذلك، ومن الناس مَن لا يفهم شيئًا، الأقسام ثلاثة: من الناس مَن يفتح الله عليه فيفهم من الآية الواحدة عشرات المسائل، ومن الناس مَن هو دون ذلك، ومن الناس مَن لا يفهم شيئًا. ولهذا لما سُئِل علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «هل عهد إليكم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بشيء؟ قال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما عهد إلينا بشيء إلا فَهْمًا يؤتيه الله تعالى مَن شاء في القرآن، وإلا ما في هذه الصحيفة»[[أخرج البخاري (١١١) بسنده عن أبي جحيفة، قال: قلت لعلي بن أبي طالب: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة. قال: قلت: فما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر.]]، وإنما سئل عليٌّ عن ذلك لأنه أُشِيعَ في زمنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عهد إليه بالخلافة، وقال: أنت الخليفة من بعدي، فَبَيَّن -رضي الله عنه- أن ذلك لم يكن. والشاهد من هذا الأثر قوله: إلا فهمًا يؤتيه الله من شاء من عباده، ولذلك ترى بعض العلماء إذا تكلَّم على الآية مستنبطًا فوائدها يأتي بالعجب العجاب، ومن أبلغ ما قرأت ما يحصل لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وتلميذه ابن القيم؛ فإن الله تعالى يفتح عليهما من فَهْم القرآن ما لا يكون لغيرهما. ومن الناس مَن فَهْمُه دون ذلك، لكن درجات، ومن الناس مَن لا يفهم شيئًا، دليل الأخير قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة ٧٨]، يعني: إلا قراءة، جمع أُمْنِيَّة، ومنه قول الشاعر في أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه: تَمَنَّى كِتَابَ اللَّهِ أَوَّلَ لَيْلِهِ ∗∗∗ وَآخِرَهُ لَاقَى حِمَامَ الْمَوَارِدِ (تَمَنَّى كِتَابَ اللَّهِ) ويش معناها؟ أي: قرأ كتاب الله؛ لأن أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه قُتِل شهيدًا في داره وهو يتهجد ويقرأ القرآن. هل الذي لا يفهم يقدح في كون القرآن تبيانًا لكل شيء؟ لا؛ لأن القرآن في حد ذاته تبيان لكل شيء، كما أن الجبان الذي بيده سيف بتَّار لا يقدر فيقتل به، وليس هذا عيبًا في السيف. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن الكريم حادث، يعني أنه بإرادة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، والله قادِر على أن يجعله بلغة أخرى لكن صَيَّره باللغة العربية، ومعلوم أن العرب حادثون أو أَزَلِيُّون؟ حادثون، فيكون ما نزل بلغتهم حادثًا، وهذا هو الحق؛ أن كلام الله عز وجل حادث، بمعنى أنه يتكلم متى شاء، متى شاء يتكلم، ومتى شاء لم يتكلم، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً بِكُمْ غَيْرَ نَسْيَانٍ»[[أخرجه الدارقطني في السنن (٤٣٩٦)، وابن المقري في معجمه -واللفظ له- (٤٧١) من حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه.]]. ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أن الله يتكلم بكلام حقيقي متى شاء، فيما شاء، كيف شاء. قلنا: إن كلام الله تعالى حادث، المعنى أنه يُحْدِث من كلامه ما شاء، ومن أصول أهل السنة والجماعة أن الله تعالى يتكلم بكلام حقيقي متى شاء، فيما شاء، كيف شاء. ألم تعلموا أن الأشعرية الذين ينتسبون إلى أبي الحسن الأشعري يقولون: إن الله ما يتكلم متى شاء؟ أبدًا، ليش؟ قال: لأن الكلام معنى قائم بنفسه أَزَلِيّ، لكنه يُحْدِث أصواتًا يخلقها متى شاء فتُسْمَع، فيرون أن الكلام لا يتعلق بمشيئته، بالله عليكم أيهما أكمل؛ من يتكلم بمشيئته ومتى شاء وكيف شاء، ومن لا يستطيع هذا؟ الأول، لكن أَبَتْ بدعتهم إلا أن يقولوا (...)، وقد ألَّف شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- كتابًا سَمَّاه التسعينية بيَّن بطلان هذا القول من تسعين وجهًا، رحمه الله وجزاه عن أمة محمد خيرًا. * من فوائد هذه الآية: أن كون القرآن باللغة العربية مَنْقَبَةٌ كبرى للعرب؛ أن يكون القرآن العظيم نزل بلغتنا؛ لقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾. فإذا قال قائل: هذه عصبية وحَمِيَّة للعرب، ويفتخر بها العرب الْمُلْحِدون، فما الجواب؟ لأن هذا مشكل، العرب الْمُلْحِدُون الذين يبنون الولاء والبراء على القواميس العربية يفخرون بهذا. فنقول: من كان كافرًا فلا فخر ولو كان من صميم العرب، الدليل: أبو لهب عم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنزل الله في حقه سورة كاملة تُتْلَى في الصلاة وفي المساء وفي كل مكان مما يُتْلى فيه القرآن إلى يوم القيامة، في مدحه أو ذَمِّه؟ في ذَمِّه، وهو من صميم العرب، عم النبي ﷺ، فالعروبة لا تجزي شيئًا مع الكفر، لكن إذا اجتمع الدين والدنيا فما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا، إذا صار مسلمًا وعربيًّا. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الحجة لا تقوم إلا بالفهم، أن الحجة لا تقوم على العباد إلا إذا فهموها؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، والعقل هنا بمعنى الفهم، فلو تُلِيَ القرآن على رجل أعجمي لا يدري معناه ولم يُقَل له: هذا كلام الله، فإنه لا حجة قائمة، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم ٤]، اسمع يا رجل، أفهمت الآن؟ هذه مسألة عظيمة؛ الحجة لا تقوم على العباد إلا بفهمها ومعرفة معناها، وإلا فأي حجة في رجل يتكلم كلامًا لا نفهمه؟ لا حُجَّةَ، ولذلك لو قام أعجمي أمامنا ونحن عرب لا نعرف لغته وتكلم بأفصح ما يكون في لغته، أنفهم شيئًا؟ أبدًا، فلا بد من فهم الحجة. فإن قال قائل: ماذا تقولون في قول الله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام ١٩]، ولم يقل: ومَن فهمه؟ فالجواب أن نقول: ﴿مَنْ بَلَغَ﴾ مُقَيَّد بالنصوص الأخرى الدالة على أنه لا بد من الفهم، أو يقال: ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ من العرب الذين يفهمونه ..

الزخرف 43:3

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، ففي هذا الصباح صباح يوم السبت الخامس عشر من شهر ربيع الأول عام واحد وعشرين وأربع مئة وألف نستفتح الدروس الصيفية في الجامع الكبير في عُنَيْزَة، والتي تستمر خمسة أيام في كل أسبوع: السبت، والأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، من الساعة الثامنة إلى تقريب الساعة العاشرة والنصف، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقنا وإياكم علمًا نافعًا، وعملًا صالحًا، ورزقًا طيبًا واسعًا. نبتدئ جلسة هذا اليوم بالتفسير كما هو مُقَرَّر في الجدول، فليقرأ أحدكم ممن أعطاه الله حَلْقًا واسعًا وأداءً جيدًا، ليقرأ ما سنبدأ به اليوم من سورة الزخرف. * طالب: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف ١ - ٤]. * الشيخ: الزخرف التي نبتدئ دراسة التفسير بها، ولكني أُقَدِّم بين هذا مُقَدِّمَات: أولًا: القرآن الكريم ما عقيدة أهل السنة فيه؟ الجواب: عقيدة أهل السنة في القرآن الكريم أنه كلام الله عز وجل، كلام الله حقيقةً، تكلَّم به حرفيًّا، وأراد معناه حسب اللغة العربية، كما قال عز وجل: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف ٣]، هذا القرآن ينزل شيئًا فشيئًا كما قال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء ١٠٦]، أي: شيئًا فشيئًا حسب ما يحتاج الناس ينزل في وقت نزوله. ومنها –أي: من المقدمات- أن القرآن الكريم نزل على وجهين؛ الوجه الأول: ما له سبب، والثاني: ما لا سبب له، الأول: ما له سبب، أي: نزل بسبب حادثة وقعت فنزل فيها. ومن الضوابط في هذا أن كل آية فيها ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ فإنها لسبب، (يسألونك عن كذا) هذا سبب، فكلما رأيت في القرآن الكريم آية مُصَدَّرَة بكلمة ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ فإنها نزلت لسبب، وقد يذكر فيها ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ حسب ما ذُكِر في كتب التفسير. إذا نزلت الآية لسبب فهل تختص بذلك السبب، أو تكون عامَّة له ولما يشاركه في العلة؟ الجواب: تكون عامة له ولما يشاركه في العلة، ولهذا قال العلماء: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فمثلًا: أول سورة المجادلة نزلت في قصة رجل معين -أوس بن الصامت- فهل نقول: إن هذا الحكم خاص به، أو نقول: إنه عامٌّ له ولمن يشاركه في المعنى؟ الثاني، فكل مَن ظاهر من امرأته فله حكم ظِهَار أوس بن الصامت رضي الله عنه. وهذه القاعدة تفيدك في استعمال الاستدلال بالقرآن الكريم، وأن الأصل هو العموم. القرآن الكريم له خصائص كثيرة، منها: أنه لا يمسه الإنسان إلا على طهارة، يعني أن الْمُحْدِث لا يحل له أن يمس المصحف حتى يتوضأ؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما كتبه لعمرو بن حزم: «أَلَّا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ»[[أخرجه الطبراني (١٣٢١٧) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه.]] أي: طاهر من الحدث؛ لأن الطهارة من الحدث تسمى طهارة، كما قال عز وجل في آية الوضوء والغسل والتيمم: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة ٦]. واستثنى بعض العلماء -رحمهم الله- الصغار غير الْمُكَلَّفِين، فقال لهم أن يَمَسُّوا المصحف بدون وضوء؛ لأنهم غير مُكَلَّفِين. وفي هذا الاستثناء نظر؛ لأننا لو قلنا بهذا لقلنا: يجوز لهؤلاء الصغار أن يُصَلُّوا بغير طهارة، ولا قائل به فيما أعلم، وعلى هذا فلا بد من الطهارة حتى للصغار. لكن ما دعت الحاجة إلى مَسِّهِ بدون طهارة؛ كألواح الصغار الذين يتعلمون في المدارس، هؤلاء لا يحتاجون إلى وضوء؛ لأننا لو كَلَّفْنَاهم بذلك لشقَّ عليهم. هذا القرآن الكريم لا يحل للجُنُب أن يقرأ منه آية فأكثر حتى يغتسل، فإذا كان على الإنسان جنابة فإنه لا يَحِلُّ له أن يقرأ شيئًا من القرآن آية فأكثر إلا إذا اغتسل؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم كان يُقْرِئ أصحابه القرآن ما لم يكن جُنُبًا، أو قال: ما لم نكن جُنُبًا[[أخرج الترمذي (١٤٦) عن علي رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ يقرئنا القرآن على كل حال ما لم يكن جُنُبًا.]]. فإن قال قائل: هل يجوز للجُنُب أن يقرأ آية لا لقصد القرآن ولكن لأنها آية دعاء مثلًا، مثل: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ [آل عمران ٨]؟ فالجواب: نعم، يجوز له هذا؛ لأنه لم يقصد تلاوة القرآن. فإن سأل سائل: ما تقولون في قراءة الحائض القرآنَ؟ فالجواب: اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين؛ القول الأول: أن الحائض لا يجوز لها أن تقرأ القرآن؛ لأنها كالجنب، والقول الثاني: لها أن تقرأ القرآن؛ لأنه ليس في السنة دليل صحيح صريح يمنع الحائض من قراءة القرآن، ولو كانت الحائض لا تقرأ القرآن لبُيِّنَ ذلك، من كثرة وقوع الحيض واحتياج النساء إلى بيان الحكم، فلما لم يَرِد في ذلك حديث صحيح صريح فما الأصل؟ الأصل الجواز؛ لأن القرآن من الذِّكْر، والحائض لا تُمْنع منه. وعندي أن الحائض تقرأ القرآن لحاجة أو مصلحة؛ الحاجة كأن تقرأ وِرْدَها من القرآن، مثل: آية الكرسي، (قل هو الله أحد)، (قل أعوذ برب الفلق)، (قل أعوذ برب الناس)، هذه حاجة، أو تقرأ القرآن لئلا تنساه، هذه حاجة أيضًا. لمصلحة؛ مثل: أن تُقْرِئ ابنتها أو طفلها القرآن؛ أي: تُعَلِّمه القرآن؛ لأنه إذا لم يَرِد دليل صحيح صريح في المنع وكانت المسألة فيها احتمال فالاحتياط أولى. إذن الحكم الآن الذي اخترناه أن لها أن تقرأ القرآن لحاجة أو مصلحة؛ لعدم الدليل الصحيح الصريح على منعها. القرآن الكريم مختص بأن كل حرف منه حسنة، في كل حرف حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، وليس ذلك موجودًا في السُّنَّة، حتى الأحاديث القدسية لا يثبت لها ذلك، إنما هذا خاصٌّ بالقرآن الكريم. القرآن الكريم يختص بالإعجاز، أي بأن الْخَلْق لا يستطيعون أن يأتوا بمثله، قال الله عز وجل: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨]، أي: مُعِينًا، وليس ذلك موجودًا في أي كلام من كلام البشر، إنما هو في القرآن الكريم، لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله، بل ولا بعَشْر سورٍ منه، بل ولا بسورة منه، بل ولا بآية منه. القرآن كاملًا سمعتم الآية: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾، عشر سور في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود ١٣]، سورة في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس ٣٨]، آية في قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور ٣٣، ٣٤]، حديث أيُّ حديثٍ، عجز العرب عن ذلك، أي: عن أن يأتوا بشيء من مثل القرآن، مع أنه قد تَوَفَّرَت لهم أساليب البلاغة والفصاحة، وصار الداعي لمعارضة القرآن عندهم قويًّا، فلما كان السبب الداعي قويًّا ولم يُوجَد مانع عُلِم أنهم لا يستطيعون أن يأتوا بمثله. ولذلك تجد القرآن الكريم -سبحان الله!- لا يَمَلُّ الإنسان من قراءته، ولا من تكراره، وغيره يَمَلُّ من تكراره، ويَمُجُّه السمع، ويَثْقُل على اللسان، لكن القرآن الكريم لا يَخْلَقُ مع الترداد أبدًا، تجده طريًّا كلما قرأته. ثم إذا كان الله تعالى قد فتح عليك وكان عندك نية وقصد صحيح في معرفة المعنى فكل قراءة تقرؤها يفتتح لك بها معنى غير الأول، جَرِّبْ تَجِدْ، هذا شيء معلوم، لكن هذا لمن؟ لمن عَلِمَ اللهُ منه صدق الطلب في معرفة المعنى، أما مَن أعرض عن ذلك فإنه لا يستفيد، لكن مَن علم الله منه صدق الطلب فإن الله يفتح عليه كلما قرأ القرآن من المعاني ما لم يكن سابقًا. القرآن الكريم أنزله الله عز وجل وجعله مباركًا، مباركًا في أيش؟ مباركًا في تأثيره، مباركًا في ثوابه، مباركًا في آثاره. مباركًا في تأثيره، يعني أنه مؤثر على القلب، ويلين القلب، ويكسبه خشية لله عز وجل؛ لأن الله قال: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر ٢١]، سبحان الله! وهو جبل حصى يكون خاشعًا ذليلًا ويتصدع من خشية الله عز وجل، فما بالكم بالقلب لو كان القلب حيًّا؟ يكون من باب أولى، ولهذا قال ابن عبد القوي رحمه الله: وَحَافِظْ عَلَى دَرْسِ الْقُرَانِ فَإِنَّهُ ∗∗∗ يُلَيِّنُ قَلْبًا قَاسِــــيًا مِثْلَجَلْمَدِ وما أكثر الذين يشكون قسوة قلوبهم اليوم لأسباب ليس هذا موضع ذكرها، ولكن إذا أحسوا بقسوة القلب فعليهم بالقرآن، نسأل الله أن يلين قلوبنا، عليهم بالقرآن، هذا من جهة التأثير. من جهة التأثير أيضًا القرآن الكريم رُقْيَة من كل داءٍ، كل مرض فالقرآن الكريم رقية له، إي نعم، فالقرآن الكريم دواء له، دواء لكل مرض، أيّ مرض؛ الجسمي أو القلبي أو هما؟ * طلبة: هما. * الشيخ: نعم، المرض القلبي؛ وهو الشبهة التي تَرِدُ على القلوب، أو إرادة السوء شفاؤها القرآن، المرض الجسمي العضوي شفاؤه القرآن، نزل قوم من الصحابة على قوم من العرب، نزلوا ضيوفًا، ولكن هؤلاء العرب لم يُضِيفُوا الصحابة، أَبَوْا أن يضيفوهم، تنحَّى الصحابة إلى جانب ونزلوا، فسلَّط الله على سيد العرب عقربًا فلدغته وآلَمَتْهُ، فقال بعضهم لبعض: ألا تنظرون إلى هؤلاء القوم لعل فيهم مَن يقرأ، فأتوا إلى الصحابة وقالوا: إن سيدهم لُدِغ، فهل فيكم قارئ؟ قالوا: نعم، فينا قارئ، ولكننا لن نقرأ عليه - على هذا المريض- إلا بقطيع من الغنم؛ لأن هؤلاء العرب لم يُكْرِمُوهم، فأرادوا أن يأخذوا حقهم منهم، قالوا: ولكم ذلك، فقام رجل من الصحابة على هذا اللديغ وجعل يقرأ عليه سورة الفاتحة حتى قام كأنما نُشِطَ من عقال، والسم قد سَرَى في جسمه، لكن زال هذا وطار، هذا تأثير ولَّا غير تأثير؟ هذا تأثير عجيب، وما أكثر ما نقرأ الفاتحة وغير الفاتحة والمريض يَتَلَبَّط في مرضه، لماذا والآية واحدة؟ لأنه -كما يقال- السيف بضاربه، السيف حديد قاطع، لكن إذا كان مع جبانٍ هل ينفعه أو لا ينفعه؟ * طلبة: لا ينفعه. * الشيخ: تقولون هذا موافقةً لي ولَّا واقع؟ * طلبة: واقع. * الشيخ: واقع، السيف مع جبان لا ينفعه، ربما إذا رأى العدو مُقْبِلًا عليه ألقى بالسيف وهرب، لكن بيد الشجاع ينفع، ويدافع عن نفسه ويقتل عدوه. ولهذا يُذْكَر عن رجل كان الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- يقرأ عليه وكان به صرع من الجن، فيخرج الجني، ولما مات الإمام أحمد عاد الجني، فقام رجل يقرأ على هذا المصروع بما كان الإمام أحمد يقرأ به، ولكن الصارع أَبَى أن يخرج، وأجاب بأن الآية هي الآية، والقارئ غير القارئ. فلا تظن إذا لم تجد تأثير القرآن مباشرة لا تظن أن القرآن غير مؤثِّر، ولكن القارئ غير مُؤَثِّر. مبارك في آثاره، كيف ذلك؟ بماذا فتح المسلمون مشارق الأرض ومغاربها؟ بأيش؟ بالقرآن، أي بالعمل بالقرآن، فتحوا مشارق الأرض ومغاربها، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾ بالقرآن ﴿جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان ٥٢]، فتحوا مشارق الأرض ومغاربها بالقرآن حين كان القرآن باليد اليمنى، والسيف باليد اليسرى، والآن كثير من الممالك الإسلامية بيدها القانون الوضعي بدلًا عن القرآن الكريم، ولذلك كان التأخر والذل في الأمة الإسلامية بسبب عمل مَن ينتسبون إليه، فالذنب إذن في تأخر المسلمين اليوم ليس ذنب الإسلام ولكن ذنب المسلمين، هذا من آثار القرآن الكريم؛ أن مَن تَمَسَّك به فهو منصور، والشاهد ما سبق من سلفنا الصالح. مبارك في ثوابه؛ الحرف الواحد فيه حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، وما أكثر حروف القرآن. وبهذه المناسبة عرض عَلَيَّ في الرياض في الأسبوع الماضي إنسانٌ ورقة مكتوبًا فيها: الإعجاز العددي في القرآن، جدول ذكر فيه أن جميع حروف القرآن كلها تقبل القسمة إذا جُمِعَت على تسعة عشر، ولكن هذا افتراء على الله عز وجل ومناقض للواقع، ولا يجوز تداول هذه البطاقة؛ لأنه لا يمكن لإنسان أن يشهد أن الله تعالى تَكَلَّم بالقرآن بحيث تكون حروفه منقسمة على تسعة عشر، مَن يقول هذا؟! لكنه افتراء على الله عز وجل، ثم إن القرآن الكريم لا يمكن أن يقال: إنها تنقسم على تسعة عشر مع اختلاف القراءات، فمثلًا (تَبَيَّنُوا) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات ٦]، والقراءة الثانية: ﴿﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ ﴾، إذن اختلفَا، أتت الثاء بدلًا عن الباء؛ تثبتوا، وبدلًا عن النون، فاختلَّت القسمة. كذلك في القرآن الكريم ﴿﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴾ و﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤]، اختلت، زاد حرف. لكن هؤلاء المشغوفون بما يَدَّعُون أنه ذكاء وأنهم اطَّلَعُوا على ما لم يطلع عليه أحد يأتون بمثل هذه الخرافات (...) القرآن، هل القرآن جاء ليُحْسِن الناس العدد ويقسموه على تسعة عشر؟ لا والله، ولا يمكن أن ينزل هذا القرآن الكريم من أجل هذه المعجزة كما يقولون، مع أنها ليست معجزة، فاسدة باطلة. أحببت أن أُنَبِّه على هذا؛ لأنه ربما تشيع؛ لأن الذي سألني عنها يريد أن يطبع منها الملايين ويوزعها على الناس، ويقول: انظروا للقرآن الكريم، نقول: هذا غلط، القرآن ما نزل لهذا المعنى، ولا يمكن أن يُرَاد به هذا المعنى، انتبهوا لمثل هذه الأمور التي تُنْشَر، قد تكون من ملحد كافر، أو فاسق فاجر يريد بها صَدَّ الناس عن المعنى الذي من أجله نزل القرآن. قال الله عز وجل: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ أي: ليتفكَّرُوا فيها ويُرَدِّدُوها بأفكارهم حتى يتبين لهم المعنى، فالقرآن الكريم لم ينزل لتلاوته لفظًا فقط، بل ولِتَدَبُّر معناه، ولا يمكن العمل به إلا بمعرفة معناه، ولا يمكن معرفة معناه إلا بتدَبُّرِه، إذن فالتكفير في معناه أمر واجب، يجب أن تتعلم معنى القرآن كما تتعلم معنى الآجرومية، أتعرفون الآجرومية؟ كتاب صغير في النحو، لا يمكن أن يستفيد منه الإنسان حتى يعرف معناه، كذلك أيضًا القرآن الكريم لا يمكن أن يستفيد الإنسان منه حتى يعرف معناه. لو أن هناك كتابًا في الطب من أفصح الكتب وأنت لا تعرف المعنى فهل يمكن أن تستفيد منه؟ أجيبوا يا جماعة، لا يمكن، إذن لا يمكن أن تستفيد من القرآن حتى تعرف معناه، ولقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ»[[أخرجه البخاري (٥٠٢٧) من حديث عثمان رضي الله عنه.]]، وهذا يشمل التعلم اللفظي والتعلم المعنوي، ولهذا قال: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾. وإذا شئت أن تعرف هذا فاقرأ آية من القرآن مع التدبر، واقرأها مع الغفلة، تجد الفرق العظيم بين هذا وهذا، لذلك أَحُثُّكُم أيها الإخوة على تعلُّم المعنى؛ معنى القرآن الكريم. اقرؤوا كتب التفسير الموثوقة، واحذروا الكتب التي لا يُعْرَف مَن ألَّفها، أو التي عُرِف من ألَّفها بأنه منحرف، أو ما أشبه ذلك؛ لأن من المفسرين مَن حَرَّفَ القرآن ونقله إلى ما يعتقده هو لا إلى ما يدل عليه القرآن، فاحذروهم، وإذا لم تتمكنوا من هذا فاسألوا أهل العلم حتى تستفيدوا من القرآن الكريم. ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾، ثانيًا: قال: ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، يتذكر أي: يَتَّعظ أصحاب العقول. وانظر للفرق بين قوله: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾، حيث عَمَّمَ فيها، وقوله: ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، حيث خَصَّ؛ لأنه لا يتذكر بالقرآن ويَتَّعِظ به إلا أصحاب العقول، كما قال عز وجل: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق ٣٧]. فإذا قال قائل: إلى مَن نرجع في تفسير القرآن؟ فالجواب: نرجع إلى القرآن، نُفَسِّر القرآن بالقرآن، فإن لم نجد ففي السنة، فإن لم نجد فبأقوال الصحابة، ولا سيما المفسرون منهم، فإن لم نجد رجعنا إلى أقوال التابعين، أعني المفسِّرين منهم، كمجاهد بن جبر وغيره. مثال تفسير القرآن بالقرآن قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار ١٧ - ١٩]، ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة ١ - ٤]، والأمثلة كثيرة. مثاله من السنة قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦]، ﴿الْحُسْنَى﴾ يعني: الجنة، زيادة هي النظر إلى وجه الله عز وجل، فَسَّر ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو أعلم الخلق بكتاب الله تعالى. ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال ٦٠]، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ»[[أخرجه مسلم (١٩١٧ / ١٦٧) من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه.]]، مرتين أو ثلاثًا، ففسر القوة بالرمي؛ لأن الرمي أشد ما يكون فتكًا بالنسبة للأسلحة. وإلى يومنا هذا الرمي هو قوة، كان الناس في الأول يرمون بالسهام بالقوس، الآن يرمون بأيش؟ * طلبة: بالصاروخ. * طالب آخر: بالمدفع. * الشيخ: لا، المدفع الآن ليس بشيء، بالصواريخ والقنابل، فلا تظن أن قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» خاصًّا بما كان في عهده، بل هي عامة فيما يحدث إلى يوم القيامة. على كل حال، نرجع في تفسير القرآن إلى تفسير القرآن بالقرآن، ثم بالسنة، ثم بأقوال الصحابة، ولا نعدل عن أقوال الصحابة إلى تفسير المتأخِّرين أبدًا، خصوصًا في العبادات، أما في الأمور التي تحدث ويكون في القرآن إشارة لها فهذه قد لا يَرِدُ عن السلف فيها تفسير، ولكن تُفَسَّر حسب الوقت؛ لأن هناك أشياء من الأمور الكونية الفضائية والأرضية لم يتكلم فيها السلف، ولكن تكلم فيها المتأخِّرون، فنقول: يُرْجَع إلى قول المتأخرين في هذا؛ لأن السلف لم يكونوا يعرفون ذلك. أما مسائل العبادة والمعاملات وما أشبهها فإنه يُرْجع في ذلك إلى تفسير الصحابة على كل حال. ثم بعد ذلك المرتبة الرابعة.. * طلبة: التابعون. * الشيخ: لا، كبار التابعين، أو كبار المفسرين من التابعين، ومرتبتهم أدنى بكثير من مرتبة الصحابة، أسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يتلون كتاب الله حق تلاوته، وأن يرزقنا تَعَلُّمَه لفظًا ومعنى، والعمل به، إنه على كل شيء قدير. هذه المقدِّمات قد تكون أفيد مما لو شرحنا أو فَسَّرْنَا القرآن الذي هو محل الدرس اليوم، ولكن -إن شاء الله تعالى- أمامنا الأيام. * طالب: شيخ، أثابكم الله، إذا جلس جماعة -مثلًا- وقرأ أحدهم، وكلهم منصت، ويتدبرون القرآن معًا، هل لهم الأجر مثل أجر القارئ؟ * الشيخ: يقول: إذا اجتمع جماعة على كتاب الله يستمعون القرآن وينصتون له فهل لهم أجر القارئ؟ الجواب: نعم، لهم أجر القارئ، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف ٢٠٤]، ولذلك يُشْرَع لهم إذا سجد القارئ سجود التلاوة أن يسجدوا معه، فحكمهم حكمه. * طالب: قلنا: الحائض تقرأ القرآن لمصلحة.. * الشيخ: أو حاجة. * الطالب: أو حاجة، هل تمس القرآن؟ * الشيخ: لا، القرآن لا يمسه إلا طاهر، ولكنه ليس فيه منع من قراءة القرآن، ممكن أن تمسك المصحف بقفازين أو من وراء ثوب. * طالب: أثابكم الله، هل نأخذ منه أن الاستماع له نفس الحكم؟ * الشيخ: هل نأخذ؟ * الطالب: هل نأخذ أن الاستماع الذي يستمع له نفس أجر القارئ، هل نأخذ منه مشروعية ما يُفعل في بعض الدول من أنهم يُشَغِّلون مُسَجِّلًا يوم الجمعة ويجلسون يستمعون؟ * الشيخ: لا، هذا يسأل يقول: هل للمستمعين إلى التسجيل أجر؟ فالجواب: لا، ليس لهم أجر القراءة؛ لأن هذا حكاية صوت قارئ قد يكون ميتًا وليس قراءة، ولهذا لا (...) الأذان من مُسَجِّل، كما يفعل بعض الناس، في بعض الأمكنة عنده مُسَجِّل إذا وقت الأذان فتح الْمُسَجِّل للمؤذن، هذا غلط عظيم، ولا ينفع. * * * أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾. البسملة آية من كتاب الله، يعني أن الله عز وجل أنزلها كما أنزل باقي القرآن، فهي كلام الله عز وجل، تُفْتَتح بها كل سورة من الفاتحة إلى (قل أعوذ برب الناس)، إلا (...) فإنها لم تنزل لافتتاحها، وليست البسملة من السورة التي قبلها ولا من السورة التي بعدها، وعلى هذا فلا تُحْسَب من آياتها. الفاتحة -مثلًا- افتُتِحَت بالبسملة، والبسملة ليست منها، بل هي آية مستقلة، وأول الفاتحة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، والدليل على هذا ما جاء في الحديث الصحيح أن الله عز وجل قال في الحديث القدسي: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ:» ﴿الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ «قَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ «قَالَ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ «قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ «قَالَ اللَّهُ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ:» ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ «قَالَ اللَّه: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ»[[أخرجه مسلم (٣٩٥ / ٣٨) عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ مقارب.]]، فبدأ بـ﴿الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ويدل لهذا أيضًا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان لا يجهر بها –أي: بالبسملة- في القراءة الجهرية، ولو كانت من الفاتحة لجهر بها كسائر آياتها. ويدل لهذا أن الله تعالى قسمها بينه وبين عبده نصفين، فلنقرأ ثلاث آيات لله، وثلاث آيات للعبد، وواحدة بينهما، الثلاث الآيات لله هي: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٢ - ٤]، الثلاث للعبد: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، المشتركة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فتجد هذه المشتركة تجدها هي النصف، وهي بين العبد وبين الله نصفين، هي النصف من بين سبع آيات. فإذا قال قائل: نحن نجد في المصحف أن البسملة قد رُقِّمت على أنها من آياتها، وأن ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ قد جُعِلت آية واحدة؟ فالجواب: أن هذا على رأي بعض العلماء، وكأن الذين طبعوا المصحف أَوَّل ما طبعوه طبعوه على هذا الرأي، واستمر الناس عليه. على أنني وجدتُ مصحفًا مطبوعًا فيه أول آية ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، والآية السابعة ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، والبسملة لم تُرَقَّم، مصحف مطبوع، وهذا هو المطابق للصواب. مما يدل على ذلك أيضًا أن الآيات لا تكون متناسبة في الطول والقصر إلا إذا قسمنا الآية الأخيرة قسمين؛ لأنك إذا قلت: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ صارت الآية هذه طويلة بالنسبة لبقية الآيات، فلا تناسبه. فعلى كل حال القول الراجح المتعيِّن أن أول الفاتحة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وأن البسملة ليست منها كسائر السور. بقينا البسملة معمول مجرور بالباء؛ لأن كل اسم مجرور بالباء فإنه معمول على كل حال، ويش معنى معمول؟ يعني: لا بد له من عامل محذوف، ولهذا قال ناظم الْجُمَل: لَا بُدَّ لِلَّجَــارِ مِـــنَ التَّعَلُّقِ ∗∗∗ بِفِعْلٍ اوْ مَعْنَاهُ نَحْوُ مُرْتَقِي البسملة معمولة لعامل محذوف، أعطيتكم الآن قاعدة ما هي؟ كل اسم مجرور فلا بد له من عامِل، فأين عامل ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؟ نقول: العامل محذوف، يُقدَّر فعلًا متأخرًا مناسبًا للمقام؛ يُقدَّر فعلًا، ثانيًا: متأخِّرًا مناسبًا للمقام، أنا أريد أن أقرأ فأقول: باسم الله، قَدِّر العامل؟ أقرأ، التقدير: باسم الله أقرأ. لو سألت: لماذا نُقَدِّرُه فعلًا ولا نُقَدِّره اسمًا، فنقول: باسم الله قراءتي؟ فالجواب: الأصل في العمل هو الأفعال، ولذلك لا تجد اسمًا عاملًا إلا بشروط، نحن الآن نعطيكم ضوابط يا إخواني، نقول: قَدَّرْنَاه فعلًا لماذا؟ لأن الأصل في العامل أو في العمل أن يكون فعلًا، ودليل ذلك أنه ما من اسم يكون عاملًا إلا بشروط. لماذا قَدَّرْنَاه متأخِّرًا ولم نقل: أقرأ باسم الله؟ لفائدتين: الفائدة الأولى: التَّبَرُّك ببداءة الكلام باسم الله. الثانية: الحصر، يعني: باسم الله لا باسم غيره؛ لأنه إذا تَقَدَّم المعمول على العامل كان ذلك دليلًا على الحصر، يعني الاختصاص، فكأن القارئ يقول: باسم الله أقرأ لا باسم غيره. لماذا قَدَّرْنَاه فعلًا مناسبًا؟ لأنه أَدَلُّ على المقصود، فمثلًا حين نريد أن نقرأ، نقول: التقدير: باسم الله أقرأ. لو قال قائل: لماذا لا نقول: باسم الله أبتدئ؟ قلنا: لأن كلمة (أبتدئ) صالحة لكل فعل ابْتُدِئَ به، وإذا قلت: أقرأ، صار خاصًّا، وهو أدل على المقصود، هذا تقرير إعراب ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ كلما أَتَتْكَ. عندما يُقَدَّم الغداء تقول: باسم الله، كيف نُقَدِّر؟ * طلبة: باسم الله آكل. * الشيخ: آكل؟ لا، فيه شيء أخص، أَتَغَدَّى أو آكل الغداء؛ لأنه أخصّ. أردت أن تشرب تقول: باسم الله أشرب، أردت تدخل المسجد تقول: باسم الله أدخل، وهلم جرًّا. أما قولنا: (باسم الله) فالمراد بكل اسم لله، وإنما حملناه على العموم؛ لأن المفرد إذا أُضِيف صار للعموم؛ أي: أبتدئ بكل اسم من أسماء الله، الرحمن، أي: ذو الرحمة الواسعة، الرحيم، أي: ذو الرحمة الخاصة بالمؤمنين، كما قال عز وجل: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣]. ﴿حم﴾ قال المفسِّر: (الله أعلم بمراده به)، ﴿حم﴾ هذان حرفان هِجَائيَّان؛ أحدهما حاء، والثاني ميم، لا إعراب لهما. وهل لهما معنى؟ المؤلف –المفسِّر- يقول: (الله أعلم بمراده به)، إذن لا ندري هل لها معنى أو لا؟ ولا ندري ما المراد بالمعنى؟ فموقفنا من هذا أيش؟ التفويض، الله أعلم، وهكذا يُقَالُ في كل حرف هجائي ابتُدِئَت به السورة، فيه غير (حم)؟ فيه؛ الم، الر، ن، ق، ص، وما أشبهها. فالمؤلف رحمه الله يقول: ما لنا ولتفسيره، الله أعلم بمراده به، قد يكون أراد معنى، وقد لا يكون أراد معنى، وقد يكون أراد معنى تدل عليه السورة، وقد يكون أراد معنى آخر. ولكن القول هذا ضعيف، والصواب أن نقول: لا معنى له، (لا معنى له) ليس معناه أنه حَشْوٌ لا فائدة منه، لا، لا معنى له ذاتيًّا، بدليل قول الله عز وجل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف ٢]، وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف ٣]، وقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ﴾ [الشعراء ١٩٣ - ١٩٥]، ثلاث آيات، اللسان العربي هل وُضِعَ فيه حروف هجائيَّة لها معنى؟ لا، اللسان العربي وُضِعَت فيه حروف هجائية لتركيب الكلام منها، وهي في اللغة العربية ثمانية وعشرون حرفًا. عندما تقرأ في اللوح: أ، ب، ت، ث، ج، ح، خ، ويش معناها؟ ليس لها معنى، إنما هي حروف تُكَوَّن منها الكلمات، فإذا كان كذلك والقرآن الكريم نزل بلسان عربي فإننا نجزم بأنه ليس لهذه الحروف معنى، كيف نجزم؟ أعوذ بالله! وإذا كان الله قد أراد بها شيئًا؟ نقول: لا يمكن أن يريد بها شيئًا وهو نازل باللسان العربي، واللسان العربي لا يجعل لهذه الحروف الهجائية معنى، نحن نجزم لقوله: ﴿عَرَبِيٍّ﴾. قوله عز وجل: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه ١، ٢]، هل (طه) اسم من أسماء الرسول؟ لا، (طه) مثل (الر)، ومثل (حم)، حرفان هجائيَّان ليس لهما معنى، إذا قال إنسان: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ﴾ الخطاب، نقول: إذن اجعل (ن) من أسماء الرسول؛ لأن الله قال: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم ١، ٢]، ولا قائلَ به. إذا قال قائل: ما الفائدة من هذه الحروف الهجائية إذا لم يكن لها معنى في حد ذاتها؟ أقول: الفائدة أشار إليها شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من العلماء الذين سبقوه ولحقوه، الفائدة التنبيه على أن هذا القرآن الكريم الذي عجز الناس أن يأتوا بمثله لم يأتِ بحروف جديدة فيحتج الناس ويقولوا: هذه حروف ما نعرفها، جديدة، القرآن الكريم جاء بالحروف المعروفة عند المخاطبين، ومع ذلك أعجزهم، قال شيخ الإسلام وغيره: ولذلك لا تكاد تجد سورة مُفْتَتَحَةً بهذه الحروف الهجائية إلا وجدت بعدها ذِكْرَ القرآن. قل لي يا أخي، اذكر ثلاث سور مُفْتَتَحَةً بالحروف الهجائية بعدها ذِكْر القرآن؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة ١، ٢]، هذه واحدة. * طالب: مريم. * الشيخ: مريم ما فيها ذكر القرآن، لا تَبْغ تدور؛ لأن الكتاب (...). مَن يعرف الثانية؟ * طالب: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. * الشيخ: البقرة؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: ذكرها الأخ. * طالب: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾. * الشيخ: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾. * طالب: هذه السور المجموعة ﴿حم﴾. * الشيخ: إي، صحيح، ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾، الباقي على هذا قِيسُوه، فيه بعض السور قليلة ما فيها ذِكْر القرآن، لكن فيها ما يختص به القرآن، كعلم الغيب، مثل: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ [الروم ١ - ٣]، هذا ما فيه ذِكْر القرآن لكن فيه شيء يختص به القرآن، وهو علم الغيب في المستقبل. نقول: ﴿حم﴾ ما هو التفسير الصحيح لها؟ نقول: ليس لها معنى في حد ذاتها، ولكن لها مغزى، وهذا الذي قَرَّرْنَاه هو الذي ذكره مجاهد رحمه الله إمام المفسرين في عهده، نقله عنه ابن كثير في تفسيره. قال: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾، ﴿وَالْكِتَابِ﴾، الواو حرف قسم، وفَسَّره بأنه القرآن؛ لأن الله تعالى سَمَّى القرآن كتابًا، فقال: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، وسُمِّيَ كتابًا لأنه كُتِبَ في اللوح المحفوظ، ولأنه كُتِبَ في المصاحف التي بأيدي السَّفَرَة الكرام البررة، ولأنه كُتِبَ في المصاحف التي بأيدينا، ثلاثة أوجه؛ كُتِب في اللوح المحفوظ، ثانيًا: في صُحُف الملائكة، ثالثًا: في صُحُفِنا التي بأيدينا. وقوله: ﴿الْمُبِينِ﴾ يقول الشارح: (الْمُظْهِر طريقَ الهدى وما يُحْتَاج إليه من الشريعة)، ﴿الْمُبِينِ﴾ من: أَبَانَ الشيء؛ إذا أظهره، فمعنى كونه مُبِينًا أنه مُظْهِر للحق مُوَضِّحٌ له، بل لكل ما يحتاج الناس إليه، ﴿الْمُبِينِ﴾ من (أبان) أي: أظهر، يعني أن القرآن أظهر كل شيء يحتاج الناس إليه في دينهم ودنياهم. وقيل: المراد بـ﴿الْمُبِينِ﴾ البَيِّن. وأيهما أعم؛ البَيِّن أو الذي بَيَّنَ الشيء؟ الأعم أنه مُظْهِر للحق؛ لأنه لا يُظْهِر الحق إلا إذا كان هو ظاهرًا، وعلى هذا ففسِّرِ المبين بأنه الْمُظْهِر، وإن فسَّرْتَه بهما فلا بأس، فقلت: إنه بَيِّنٌ مُبِينٌ؛ لأن الكلمة إذا احتملت معنيين -وهذه قاعدة- الكلمة إذا احتملت معنيين لا ينافي أحدهما الآخر وليس أرجح منه فإنها تُحْمَل عليهما، أعيد ها القاعدة مرة ثانية: إذا احتمل اللفظ معنيين متساويين لا ينافي أحدهما الآخر حُمِل عليهما جميعًا. ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ﴾ يقول: (أَوْجَدْنَا الكتاب ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾: بلغة العرب، ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ يا أهل مكة ﴿تَعْقِلُونَ﴾ تفهمون معانيه). قوله عز وجل: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ﴾، الضمير -ضمير الفاعل- يعود على الله عز وجل، وضمير المفعول يعود على القرآن، ومعنى ﴿جَعَلْنَاهُ﴾ -على كلام المؤلف- أوجدناه قرآنًا عربيًّا، والصواب أن المعنى: صَيَّرْنَاه قرآنًا عربيًّا، أي: صَيَّرْنَاه بلغة العرب. ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: تفهمون، والخطاب في قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ على كلام الْمُفَسِّر يعود إلى أهل مكة، والصواب أنه يعود إلى العرب كلهم؛ لأن العرب هم أهل مكة وغيرهم، فيكون المعنى: صَيَّرْنَاه بلغة العرب لتفهموه أيها العرب، انتهى الكلام على الآيات من حيث اللفظ. المعنى: أن الله تعالى أقسم بالقرآن أنه جعله باللغة العربية من أجل فَهْمِه، * فيُسْتَفَاد من هذه الآيات فوائد، منها: جواز القسم مع تأكد صحة الْمُقْسِم بدون القسم، يعني جواز أن الإنسان يقسم على الشيء مع أن قوله مقبول على كل حال. وجه الدلالة: أن الله عز وجل أقسم وقوله مقبول على كل حال، وصدق بلا يمين. حينئذ يتولَّد من هذا: كيف يُقْسِم الله عز وجل على الشيء وهو الصادق بدون قسم؟ فنقول: لفائدتين؛ الفائدة الأولى: بيان أهمية هذا الشيء، وأنه جدير بأن يُقْسَم عليه. والثانية: أن القسم من فصاحة الكلام في اللغة العربية، فإذا كان من فصاحة الكلام فالقرآن نزل بأيش؟ باللغة العربية، فيكون هذا مطابقة لأسلوب اللغة العربية. يَرِد على هذا إشكالٌ، على هذا القسم بالقرآن يَرِد عليه: كيف أقسم الله بالقرآن مع أنه لا يجوز القسم بغير الله؟ والجواب على هذا أن القرآن صفة من صفات الله؛ لأنه كلام الله، والقسم يجوز بالله وبصفة من صفاته، فزال الإشكال، أفهمتم الآن؟ ما هو الإشكال الوارد؟ كيف يقسم الله بالقرآن والقسم لا يكون إلا بالله عز وجل؟ والجواب: أنه يجوز الإقسام بصفات الله عز وجل؛ لأنها مُعَظَّمَة، والقرآن من صفات الله؛ لأنه كلام الله عز وجل. * من فوائد هذه الآية: بيان عظمة القرآن؛ لأن الله لا يقسم إلا بشيء عظيم، بل إن القسم نفسه -كما قال مَن فسَّره- تأكيد الشيء بِذِكْرِ مُعَظَّمٍ بصفة مخصوصة بأحد حروف القسم، اضبطوا القسم: تأكيد الشيء بذِكْرِ مُعَظَّمٍ بصيغة مخصوصة بأحدِ حروف القسم، وحروف القسم ثلاثة: الواو، والباء، والتاء. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن مُبِين؛ أي: مُظْهِر، لأيش؟ مُظْهِر للحق ولكل ما يحتاج الناس إليه، بل هو مُظْهِر حتى للباطل، مُبَيِّن للباطل، مُحَذِّر منه، بل إنه تِبْيَان لكل شيء، كل شيء فالقرآن مُبَيِّنُه، كل شيء؟ نعم كل شيء. فإذا قال قائل: إن الله سبحانه وتعالى ذَكَرَ أشياء لا مجال للعلم فيها، فأين بيانها؟ قلنا: بيانها في قول الله عز وجل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١] فيما يتعلَّق بالصفات؛ لأن بيانها على وجه التفصيل لا تحتمله العقول، فكان من الحكمة ألَّا تُفَصَّل، وإلا فهو تبيان لكل شيء. ذُكِرَ أن أحد العلماء كان في مطعم، وكان حوله رجل من النصارى، فاستغلّ النصراني الفرصة ليُلْقِي على هذا العالِم سؤالًا يتحداه به، فأتى إليه وقال له: أيها الشيخ، قال: نعم، ماذا تريد؟ قال: القرآن كتابكم يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]، فكيف نصنع هذه السَّلَطة؟ تعرفون السَّلَطَة؟ كأن بعضكم ما يعرفها. * طالب: معروفة. * الشيخ: معروفة؟ ما هي؟ على كل حال السلطة هي الزَّلَطة، والسين والزاي تتعاوران، أي: كل واحد منهما يستعير الآخر. كيف نصنع هذه السلطة؟ أين هذا في القرآن؟ وكان العالِم المسلم ذكيًّا، قال: هذه موجودة في القرآن، موجود كيف نصنعها، قال: أين هو؟ فنادَى الطبَّاخ وقال: تعالَ، كيف صنعت هذا؟ فجعل الطبَّاخ يشرح له، فقال: هكذا جاء في القرآن، قال: كيف؟ قال: إن الله قال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٤٣]، فأحالنا فيما لا نعرف على مَن يعرف، وهذا بيان، لم نتحيَّر الآن، لم نتحير في معرفة كيف تُصْنَع هذه السلطة. لو قال لنا قائل: القرآن تِبْيَان لكل شيء، كيف نصنع هذا التليفون؟ هل في القرآن وَصْف لصناعته؟ كيف نصنع هذا التليفون؟ أين ذِكْرُه في القرآن؟ نقول: الحمد لله، الله عز وجل أحالنا إلى سؤال مَن يعرف إذا كنا لا نعرف، وهذا بيان، ما أوقفنا متحيِّرِين. إذن ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾، في هذه الآية دليل على أن القرآن مُبَيِّن لكل شيء، ولكن -يا أيها الإخوة- القرآن يحتاج إلى تدبُّر، بدون تَدَبُّر لا يمكن أن تهتدي، ثم اعلم أنك كلما أَمْعَنْتَ وتعمقت في تدبُّر القرآن فتح الله لك من أبواب المعرفة ما لم يكن من قبل، وصرت تستنبط من الآية الواحدة من الأحكام ما لا يستنبطه غيرك، فاحرصوا على التدبر، ويأتي -إن شاء الله- بقية الفوائد في الدرس القادم إن شاء الله تعالى. * طالب: أحسن الله إليك، سياق الآيات التي فيها ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ إنما كان في رسالة النبي عليه الصلاة والسلام، فهل يصح بها الاستشهاد على..؟ * الشيخ: على العموم، نعم يصح؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. * طالب: شيخ، بعض طلاب العلم يا شيخ يستنبط دائمًا من الآيات؟ * الشيخ: طيب، بس بشرط أن يكون هذا الاستنباط تحتمله الآية، يعني بعض الناس يستنبط من الآيات ما لا تحتمله الآيات، أرأيتم أول ما خرج وصول البشر إلى القمر، ولعله حصل قبل أن يُمَيِّز أكثركم، أكثركم شباب -والحمد لله-، لما حدثت هذه الحادثة وقالوا: إن البشر وصلوا إلى القمر، وأخذوا منه عينة وجاؤوا بها إلى الأرض، وادَّعوا أنها من القمر، أحجار سوداء رأيناها، أتدرون ماذا قال الناس؟ قالوا: هذا موجود في القرآن، استمع يا ولد، بأي مكان؟ قال: إن الله قال: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن ٣٣]؛ أي: بعِلْم، وهؤلاء وصلوا إلى أقطار السماوات بأيش؟ بالعِلْم، قالوا: الآية هذه تدل على هذا. لكن هذ التفسير مُحَرَّم، وقول على الله، وكذب على الله، الآية في سياق التحدي: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا﴾، وهل يمكن أن يتحدى الله عز وجل أحدًا بما يستطيع؟ لا يمكن، التحدي معناه أن المخاطَب لا يستطيع، هذه واحدة. ثانيًا: الآية ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، فبدأ بالسماوات، فهل هؤلاء يمكن أن ينفذوا من أقطار السماوات؟ لا يمكن، إذا كان أفضل رسول في البشر وأفضل رسول في الملائكة لم يدخلَا السماء الدنيا إلا باستفتاح وإذْن، كيف هؤلاء؟ فهؤلاء إن نفذوا من أقطار الأرض لم ينفذوا من أقطار السماوات. ثالثًا: قال الله عز وجل بعد قوله: ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾، قال: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾ [الرحمن ٣٥]، وهل أُرْسِلَ على هؤلاء شُوَاظ من نار ونحاس؟ لا، فتفسير القرآن بما لا يحتمله هذا مُحَرَّم؛ لأن المفسِّر يشهد أن الله أراد كذا. ومثل قول بعضهم: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل ٨٨]، قال: هذا دليل واضح على أن الأرض تدور، والمسألة هذه حصل فيها معركة؛ هل الأرض تدور أو ما تدور؟ تدور أو ما تدور، قصدي أحكي الخلاف، صار فيها معركة كثيرة، وكُتِبَ في ذلك منشورات في الصحف ورسائل صغيرة إنكارًا وتأييدًا، فجاء هذا الرجل الْمُتَعَيْلِم قال: هذا في القرآن: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾، قيل: هذا يوم القيامة، قال: يوم القيامة ما يمكن يرى الشيء إلا على حقيقته، لا يراه على غير حقيقته، فقيل له جوابًا على هذا: ألم تقرأ قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ [الحج ١، ٢]، شوف ﴿تَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾، وهذا رؤية الشيء على غير حقيقته، وهو ممكن، فالآية ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ متى؟ يوم القيامة، ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾؛ لأنها تكون هباءً. هذا أيضًا من الغلط وتحميل القرآن ما لا يحتمل. * طالب: ما في القرآن من الكلمات ما ليس بعربي؟ * الشيخ: لا، أبدًا، كل ما في القرآن عربي، لكن بعضه من صميم اللغة العربية، وبعضه مُعَرَّب، أصله غير عربي ولكنه عُرِّب، وإذا عُرِّب صار عربيًّا، أرأيت أنت إذا أخذت الجنسية في بلد تكون منهم ولَّا لا؟ تكون منهم وأنت في الأصل من غيرهم، فليس في القرآن ما ليس بعربي. فإذا قال قائل: فيه سندس، إستبرق، وما أشبه ذلك؟ فالجواب: إن هذه عُرِّبَت فصارت من كلام العرب. * طالب: شيخ -أحسن الله إليك- الآيات التي أقسم الله بالنجم والقمر والشمس، بعضهم يُعَلِّل بأن الله يقسم بما شاء، أما المخلوق فلا يقسم إلا بالله، فهل هذا التأويل صحيح؟ * الشيخ: هذه صحيح، لله أن يقسم بما شاء من خلقه، وليس لنا أن نقسم إلا به. * الطالب: ولنا في هذه الآية أن .. * الشيخ: لا، هذه الآية قسم بصفات الله، ما فيها إشكال. * * * * طالب: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤) أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥) وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٧) فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف ١ - ٨] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾، ما هو القول الراجح في ﴿حم﴾؟ * طالب: أنها ليس لها معنى مُعَيِّن، وأن لها مغزى للإعجاز القرآني. * الشيخ: السؤال: ما هو القول الراجح فيها؟ * الطالب: ليس لها معنى. * الشيخ: ليس لها معنى في حد ذاتها، ما هو الدليل على أنه ليس لها معنى في حد ذاتها؟ * طالب: لأن الله خاطبنا بالقرآن الذي هو أُنْزِل بلسان عربي مُبِين، والعرب لم تستعمل الحروف في معنى مُعَيَّن. * الشيخ: لأن الله أنزل القرآن بلسان عربي مُبِين، وهذه الحروف الهجائية ليس لها معنى في اللغة العربية، تمام. * الطالب: إي نعم. * الشيخ: وهذا قول مجاهد بن جبر رحمه الله إمام الْمُفَسِّرين في التابعين. الواو في قوله: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ ما معناها؟ * طالب: الواو للعطف. * الشيخ: للعطف؟ خطأ. * طالب: للقسم. * الشيخ: الواو للقسم، القسم يحتاج إلى مُقْسِم ومُقْسَم به ومُقْسَم عليه، مَن الْمُقْسِم؟ * طالب: الْمُقْسِم الله عز وجل. * الشيخ: المقسِم هو الله، والْمُقْسَم به؟ * الطالب: الكتاب. * الشيخ: الكتاب وهو القرآن، والْمُقْسَم عليه؟ * طالب: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾. * الشيخ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، بارك الله فيك. حروف القسم؟ * طالب: حروف القسم الواو والباء والتاء. * الشيخ: ثلاثة؛ الواو والباء والتاء، مثال الواو؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾. * الشيخ: نعم، كقوله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾، والواو هي أكثر ما يُسْتَعمل في القسم، الباء؟ * طالب: كقول القائل، كما جاء في الأحاديث: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ»[[ومنه ما أخرجه البخاري (٢٦١٥)، ومسلم (٢٤٦٩ / ١٢٧) عن أنس رضي الله عنه، قال: أهدي للنبي ﷺ جبة سندس، وكان ينهى عن الحرير، فعجب الناس منها، فقال: «والذي نفس محمد بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا».]]. * الشيخ: (والذي)، ما أريدها، أنا أريد الباء. * الطالب: كقول القائل: باللهِ الذي قلت لك هو حق. * الشيخ: نعم، أقسم بالله إن هذا حق، التاء؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات ٥٦]. * الشيخ: ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾، تمام. ﴿الْمُبِينِ﴾ ما معناها؟ * طالب: الْمُظْهِر للحق والباطل وكل شيء. * الشيخ: الْمُبِين لكل شيء يحتاج إلى بيان من أمور الدين والدنيا، تمام، هل لهذا القول الذي قلته شاهد في القرآن؟ * طالب: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. * الشيخ: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، بارك الله فيك. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، هذه تكلمنا عليها، ﴿جَعَلْنَاهُ﴾؟ * طالب: صَيَّرْنَاه. * الشيخ: صَيَّرْنَاه، وما معنى ﴿جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾؟ * طالب: أي: صَيَّرْنَاه باللغة العربية. * الشيخ: أي: صَيَّرْنَاه باللغة العربية، تمام، قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ مَن يُبَيِّن لنا معنى (لعل)؟ * طالب: العرب. * الشيخ: لا، (لعل) أيش معناها؟ * طالب: رجاء. * الشيخ: غلط. * طالب: (لعل) هنا المراد بها التعليل. * الشيخ: (لعل) للتعليل، أي: من أجل؟ * الطالب: أن تعقلوا. * الشيخ: أن تعقلوا، طيب، والمراد بالعقل هنا؟ * الطالب: المراد به عقل الرشد والفهم. * الشيخ: لا، ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ عقلَ الفهم؛ لأجل أن تفهموه. ويشبه من هذا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم ٤]. * من فوائد هذه الآية: أن هذا القرآن الذي أعجز العرب من الحروف التي يُرَكِّبُون منها كلامهم، ومع ذلك أعجزهم. * ومن الفوائد: جواز تأكيد الخبر بالقسم ولو كان الْمُخْبِر لا يحتمل خَبَرُه الكذب، وجه ذلك أن الله تعالى أقسم مع أن كلامه لا يحتمل الكذب، ولكن هذا من أجل أهمية الْمُقْسَم عليه. * ومنها: فضيلة القرآن الكريم وعِظَمه؛ لأن الله أقسم به، ولا يُقْسَم إلا بالشيء الْمُعَظَّم. * ومنها: أن القرآن الكريم مكتوب، وهو مكتوب في اللوح المحفوظ، ومكتوب في الصحف التي بأيدي الملائكة، ومكتوب في الصحف التي بين أيدينا. * ومنها: أن القرآن الكريم مُبَيِّنٌ لكل ما يحتاج إلى البيان؛ لقوله: ﴿الْمُبِينِ﴾، ولكن هل هذا البيان حاصل لكل أحد؟ اسمع للجواب: لا، ليس حاصلًا لكل أحد، من الناس مَن يفهم من القرآن أشياء كثيرة، ومن الناس مَن هو دون ذلك، ومن الناس مَن لا يفهم شيئًا، الأقسام ثلاثة: من الناس مَن يفتح الله عليه فيفهم من الآية الواحدة عشرات المسائل، ومن الناس مَن هو دون ذلك، ومن الناس مَن لا يفهم شيئًا. ولهذا لما سُئِل علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «هل عهد إليكم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بشيء؟ قال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما عهد إلينا بشيء إلا فَهْمًا يؤتيه الله تعالى مَن شاء في القرآن، وإلا ما في هذه الصحيفة»[[أخرج البخاري (١١١) بسنده عن أبي جحيفة، قال: قلت لعلي بن أبي طالب: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة. قال: قلت: فما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر.]]، وإنما سئل عليٌّ عن ذلك لأنه أُشِيعَ في زمنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عهد إليه بالخلافة، وقال: أنت الخليفة من بعدي، فَبَيَّن -رضي الله عنه- أن ذلك لم يكن. والشاهد من هذا الأثر قوله: إلا فهمًا يؤتيه الله من شاء من عباده، ولذلك ترى بعض العلماء إذا تكلَّم على الآية مستنبطًا فوائدها يأتي بالعجب العجاب، ومن أبلغ ما قرأت ما يحصل لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وتلميذه ابن القيم؛ فإن الله تعالى يفتح عليهما من فَهْم القرآن ما لا يكون لغيرهما. ومن الناس مَن فَهْمُه دون ذلك، لكن درجات، ومن الناس مَن لا يفهم شيئًا، دليل الأخير قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة ٧٨]، يعني: إلا قراءة، جمع أُمْنِيَّة، ومنه قول الشاعر في أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه: تَمَنَّى كِتَابَ اللَّهِ أَوَّلَ لَيْلِهِ ∗∗∗ وَآخِرَهُ لَاقَى حِمَامَ الْمَوَارِدِ (تَمَنَّى كِتَابَ اللَّهِ) ويش معناها؟ أي: قرأ كتاب الله؛ لأن أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه قُتِل شهيدًا في داره وهو يتهجد ويقرأ القرآن. هل الذي لا يفهم يقدح في كون القرآن تبيانًا لكل شيء؟ لا؛ لأن القرآن في حد ذاته تبيان لكل شيء، كما أن الجبان الذي بيده سيف بتَّار لا يقدر فيقتل به، وليس هذا عيبًا في السيف. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن الكريم حادث، يعني أنه بإرادة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، والله قادِر على أن يجعله بلغة أخرى لكن صَيَّره باللغة العربية، ومعلوم أن العرب حادثون أو أَزَلِيُّون؟ حادثون، فيكون ما نزل بلغتهم حادثًا، وهذا هو الحق؛ أن كلام الله عز وجل حادث، بمعنى أنه يتكلم متى شاء، متى شاء يتكلم، ومتى شاء لم يتكلم، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً بِكُمْ غَيْرَ نَسْيَانٍ»[[أخرجه الدارقطني في السنن (٤٣٩٦)، وابن المقري في معجمه -واللفظ له- (٤٧١) من حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه.]]. ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أن الله يتكلم بكلام حقيقي متى شاء، فيما شاء، كيف شاء. قلنا: إن كلام الله تعالى حادث، المعنى أنه يُحْدِث من كلامه ما شاء، ومن أصول أهل السنة والجماعة أن الله تعالى يتكلم بكلام حقيقي متى شاء، فيما شاء، كيف شاء. ألم تعلموا أن الأشعرية الذين ينتسبون إلى أبي الحسن الأشعري يقولون: إن الله ما يتكلم متى شاء؟ أبدًا، ليش؟ قال: لأن الكلام معنى قائم بنفسه أَزَلِيّ، لكنه يُحْدِث أصواتًا يخلقها متى شاء فتُسْمَع، فيرون أن الكلام لا يتعلق بمشيئته، بالله عليكم أيهما أكمل؛ من يتكلم بمشيئته ومتى شاء وكيف شاء، ومن لا يستطيع هذا؟ الأول، لكن أَبَتْ بدعتهم إلا أن يقولوا (...)، وقد ألَّف شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- كتابًا سَمَّاه التسعينية بيَّن بطلان هذا القول من تسعين وجهًا، رحمه الله وجزاه عن أمة محمد خيرًا. * من فوائد هذه الآية: أن كون القرآن باللغة العربية مَنْقَبَةٌ كبرى للعرب؛ أن يكون القرآن العظيم نزل بلغتنا؛ لقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾. فإذا قال قائل: هذه عصبية وحَمِيَّة للعرب، ويفتخر بها العرب الْمُلْحِدون، فما الجواب؟ لأن هذا مشكل، العرب الْمُلْحِدُون الذين يبنون الولاء والبراء على القواميس العربية يفخرون بهذا. فنقول: من كان كافرًا فلا فخر ولو كان من صميم العرب، الدليل: أبو لهب عم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنزل الله في حقه سورة كاملة تُتْلَى في الصلاة وفي المساء وفي كل مكان مما يُتْلى فيه القرآن إلى يوم القيامة، في مدحه أو ذَمِّه؟ في ذَمِّه، وهو من صميم العرب، عم النبي ﷺ، فالعروبة لا تجزي شيئًا مع الكفر، لكن إذا اجتمع الدين والدنيا فما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا، إذا صار مسلمًا وعربيًّا. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الحجة لا تقوم إلا بالفهم، أن الحجة لا تقوم على العباد إلا إذا فهموها؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، والعقل هنا بمعنى الفهم، فلو تُلِيَ القرآن على رجل أعجمي لا يدري معناه ولم يُقَل له: هذا كلام الله، فإنه لا حجة قائمة، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم ٤]، اسمع يا رجل، أفهمت الآن؟ هذه مسألة عظيمة؛ الحجة لا تقوم على العباد إلا بفهمها ومعرفة معناها، وإلا فأي حجة في رجل يتكلم كلامًا لا نفهمه؟ لا حُجَّةَ، ولذلك لو قام أعجمي أمامنا ونحن عرب لا نعرف لغته وتكلم بأفصح ما يكون في لغته، أنفهم شيئًا؟ أبدًا، فلا بد من فهم الحجة. فإن قال قائل: ماذا تقولون في قول الله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام ١٩]، ولم يقل: ومَن فهمه؟ فالجواب أن نقول: ﴿مَنْ بَلَغَ﴾ مُقَيَّد بالنصوص الأخرى الدالة على أنه لا بد من الفهم، أو يقال: ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ من العرب الذين يفهمونه ..

الزخرف 43:4

قال: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف ٤] (إنَّه) الضمير يعود على ﴿الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ وهو القرآن. ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ هو اللوح المحفوظ، وسُمِّي أُمًّا؛ لأنه مرجع لجميع ما يُكْتَب من بعده، والكتابة أنواع؛ الكتابة العظمى العامة الشاملة: ما كتب في اللوح المحفوظ. ﴿لَدَيْنَا﴾ أي: عندنا، والظرف هنا حال من ﴿أُمِّ الْكِتَابِ﴾؛ يعني أن الذي لدى الله في هذه الآية هو أم الكتاب؛ أي: اللوح المحفوظ عند الله عز وجل، وهو محفوظ من التغيير والتبديل؛ لأنه أم الكتاب. وأما الكتب التي جاءت بها الملائكة ففيها تغيير وتبديل كما قال عز وجل: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد ٣٩]. ﴿لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿لَعَلِيٌّ﴾ أي: ذو علو، ﴿حَكِيمٌ﴾ أي: ذو حُكْم وحكمة، وصفان عظيمان للقرآن الكريم وصف الله بهما نفسه، (عَلِيٌّ) بمعنى عالٍ لكنه أبلغ؛ لأن (عَلِيّ) على وزن فعيل صفة مشبهة، والصفة المشبهة تدل على الثبوت والاستمرار. ﴿حَكِيمٌ﴾ أي: ذو حكم وحكمة، فالقرآن حاكم والقرآن مشتمل على الحكمة، معنى قولنا: حاكم؛ أي: مرجع للحكم لا يُحْكَم بغيره، ومعنى (حاكم) أنه مهيمن على جميع الأمور، حاكم عليها. وقوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ هل المراد (إنه) أي: ذكره أو المراد نفس القرآن في اللوح المحفوظ؟ * طالب: الثاني. * طالب آخر: الأول. * الشيخ: يحتمل أن المراد ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: ذكره، كما قال عز وجل: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء ١٩٦] ومعلوم أن القرآن ليس في زبر الأولين ولكن في زبر الأولين ذكرُه. ولكن إذا تأملنا قلنا: الأصل الضمير يرجع إلى نفس المضمر الذي دلَّ عليه، وحينئذ يكون (إنه) أي: القرآن كله في اللوح المحفوظ. فإن قال قائل: هذا القول يَرِدُ عليه أن في القرآن الكريم كلمات تحدَّث الله بها عن شيء مضى؛ مثل قول الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ [المجادلة ١] هذا الخبر بعد المجادلة ولَّا قبل؟ * طلبة: بعد. * الشيخ: طيب، قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران ١٢١] إشارة إلى غزوة أحد، ﴿غَدَوْتَ﴾ خرجت في الغداة، هذا الخبر بعد وقوع المخبَر عنه أو قبله؟ * طلبة: قبله. * طلبة آخرون: بعده. * الشيخ: اللهم افتح علينا، ﴿إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾. * الطلبة: بعد. * الشيخ: ﴿إِذْ غَدَوْتَ﴾ هل هذا الخبر الآن قبل أن يخرج ولَّا بعد أن غدا؟ * الطلبة: بعد. * الشيخ: بعد أن غدا؛ لأن (غدا) فعل ماضٍ ﴿إِذْ غَدَوْتَ﴾، فهنا يُشْكِل؛ يقال: كيف كانت في اللوح المحفوظ يتحدث الله عن شيء حصل قبل أن تنزل الآية؟ فيقال: لا إشكال، والجواب أن الله كتب هذا في اللوح المحفوظ لعلمِه أنه سيقع، ثم أنزله بعد وقوعه، كما أن الحوادث الكونية مكتوبة في اللوح المحفوظ لعلمِه تعالى أنها ستقع، ثم تكون حين يريد الله أن تكون. وكنت قبل ذلك أرجِّح، بل أقول: يتعين أن الذي في اللوح المحفوظ ليس القرآن، لكن الذي في اللوح المحفوظ ذكر القرآن؛ أي: أنه سينزل قرآن على هذه الأمة، واستدلوا على هذا بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء ١٩٦]، والذي في زبر الأولين هو ذكر القرآن بلا شك، مستندًا إلى مثل الآيات التي ذكرت لكم ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ وقوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ﴾، حتى عثرت على كلام لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وبيَّن ما ذكرت لكم أخيرًا؛ أنه لا مانع من أن يُكْتَب في اللوح المحفوظ بلفظ الماضي؛ لأن الله علم أنه سيكون وأنه سَيُنْزل هذه الآية بعد أن يكون. وبناء عليه تبيَّن لي أن الذي في اللوح المحفوظ القرآن، بناء على ظاهر الآيات؛ ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج ٢١، ٢٢]، والحمد لله الذي فتح عليَّ، وجزى الله شيخ الإسلام ابن تيمية خيرًا. وهذا يدل على أن الإنسان مهما كان لا بد أن يعتريه النقص. وقوله: ﴿لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ قلنا: معناه حكمة وحكم. * نأخذ فوائد الآية: * من فوائد الآية: عناية الله تبارك وتعالى بهذا القرآن، وهذا يدل على شرفه (...)؛ حيث جعله عنده في أم الكتاب. * ومن فوائد هذه الآية: أن القرآن عالٍ، بل عَلِيٌّ، وهذا يدل على أن من تمسك بهذا القرآن فله العلو؛ كقوله عز وجل: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [محمد ٣٥]، فنقول: القرآن عليٌّ ومن تمسك به فله العلو. وشاهدُ هذا الواقعُ؛ لما كانت الأمة الإسلامية متمسكة بالإسلام كان لها العلو والظهور وملكت به مشارق الأرض ومغاربها، ولما تقاعست وتخاذلت وتنازعت وتباغضت صار الأمر بالعكس؛ صار لها الذل، الآن أمة العرب يدعون اليهود إلى السِّلم ويكررون ذلك، ويمدون أيديهم إلى دول النصارى لتساعدهم على السِّلم. لماذا؟ لأننا لم نتمسك بالقرآن، فكنا أذلة نتوسل بأعدائنا أن يقع السلم بيننا وبين أعدائنا. واضح؟ أجيبوا. * طلبة: نعم، واضح. * الشيخ: واضح يا جماعة؛ يعني لو قال لنا (...) في القرآن ومع ذلك فالناس في ذلٍّ؟ قلنا: لأننا لم نتمسك بالقرآن، ولو تمسكنا بالقرآن لغنمنا لأنفسنا العلو والغلبة والظهور، لكن الأمر بالعكس؛ الآن غالب المسلمين يلهثون وراء الدنيا معرضين عن الدين؛ ما الذي ينمي الاقتصاد؟ ما الذي يحصل به الترف؟ وما أشبه ذلك، لكن ما الذي يُقوِّي الدين؟ هذا قليل أو معدوم. إذن الكلمة ﴿لَعَلِيٌّ﴾ على ظاهرها وعلى معناها، لكن بشرط أن نتمسك بهذا القرآن. * ومن فوائد هذه الآية: أن مَنْ جادل بالقرآن فهو غانم؛ لأن الذي له العلو هو القرآن، أي إنسان يناظرك ووسيلة إقناعه ودحره القرآن، فإنَّك ستغلبه بلا شك، لكن لما عدل كثير من الأمة إلى كلام أهل الكلام -الكلام الفاضي- هل هُدوا إلى الصراط المستقيم؟ لا، هل غلبوا الأعداء؟ لا، تسلط عليهم الأعداء، حتى الفلاسفة الملحدون صاروا يحتجون بعمل الأشاعرة على ما هم عليه من الباطل، ويقولون: أنتم أيها الأشاعرة، أنتم أيها المعتزلة حرفتم النصوص إلى ما ترونه عقلًا، ونحن أيضًا انصرفنا عن النصوص إلى ما نراه عقلًا، فاحتجوا أهل البدع هؤلاء على إلحادهم وقالوا: نحن وأنتم سواء، أنتم حرَّفتم ونحن حرَّفنا. لكن لو تمسَّكْنا بالقرآن أيستطيع هؤلاء الفلاسفة أن يجادلوننا؟ لا يستطيعون. لكن اقرأ كتب أهل الكلام تجد صفحة صفحتين لا تأتي منهما بفائدة واحدة؛ ولهذا صح أن نقول: إنهم أهل الكلام وكلامهم كلام؛ بمعنى أنه كلام باطل لا فائدة منه. وانظر إلى قوله صلى الله عليه وعلى آله سلم لما شكى إليه الصحابة ما يجدون في نفوسهم من وساوس الشيطان قال: «ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ»[[أخرجه مسلم (١٣٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وأمر مَنْ وجد هذه الوساوس أن يستعيذ بالله وينتهي؛ «فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ»[[متفق عليه؛ البخاري واللفظ له (٣٢٧٦)، ومسلم (١٣٤ / ٢١٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، كلمتان. ماذا يكتب الفلاسفة والمتكلمون على هذا؟ يكتبون كثيرًا مما يدَّعون أنه عقليات وهو وهميات، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم التمسك بهذا الكتاب العزيز وأن يعزنا به. * طالب: شيخ -جزاكم الله خيرًا- هل فهم القرآن يكون على حسب ذكاء الشخص أو على حسب تقواه لله جل وعلا؟ * الشيخ: كلاهما؛ ولهذا يقول عليٌّ.. هذا يسأل يقول: هل فهم القرآن على حسب الفهم أو على حسب التقوى؟ الجواب على هذا وهذا، ولذلك قال علي رضي الله عنه: «إلَّا فهمًا يؤتيه الله تعالى مَنْ شاء في كتابه»[[أخرج البخاري (١١١) بسنده عن أبي جحيفة، قال: قلت لعلي بن أبي طالب: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم.. الحديث.]]، والتقوى لها تأثير في فهم القرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد ١٧]، وقال في القرآن: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ٢]. * طالب: ما هو القول الراجح في أن للقرآن نزولًا واحدًا أو له نزولَيْن؛ أي: أنه نزل إلى السماء الدنيا أولًا، وبعد ذلك نزل؟ * الشيخ: لا، الظاهر أنه نزول واحد، نزل من عند الله عز وجل، تكلم به سبحانه وتعالى، ثم سمعه جبريل ثم نزل به. * طالب: شيخ، ذكرتم -حفظكم الله- أنكم وجدتم فائدة لشيخ الإسلام ابن تيمية، فأين وجدتموها؟ * الشيخ: الظاهر أنها في الفتاوى. * طالب: شيخ، قولكم: إن الحجة لا تقوم إلا بفهم، هل ينبني على هذا -حفظكم الله- أن القبوريين الذين لم يفهموا باب العبادة حق الفهم، ويقرؤون القرآن أنهم معذورون بذلك؛ لأن البعض يقول: الحجة قائمة بوجود الكتاب والسنة؟ * الشيخ: هؤلاء مُقصِّرون؛ يعني أنهم يُعْرَض عليهم الحق، ولكنهم لا يقبلون، لكن لو فرضنا أن أناسًا بعيدين عن الهدى وعن العلم وهم مسلمون يصلون ويعملون كل أعمال الإسلام وهم قبوريون، هؤلاء لا تقوم عليهم الحجة، لكن غالب القبوريين الآن -إن لم يكن كلهم- قد قيل لهم: إن هذا شرك، ولكن قَصَّروا وقالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٢٢]. * طالب: شيخ، القول بأن للقرآن نزولًا واحدًا؛ يعني كيف نفسر ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر ١]؟ * الشيخ: أحسنت، نفسر هذا بأن الله بدأ إنزاله في ليلة القدر. * طالب: الأعاجم الآن (...) وسب للدين (...) على الإسلام أنا أقول: إنهم (...)؟ * الشيخ: لا، هم معاندون، غالبهم معاند، لكن جحدوا (...)، لو كان الناس بعيدين عن نور الوحي، والعلم فهم معذورون، لكن هم معاندون، تأتي -مثلًا- للراهب وتقول: مذهبكم هذا باطل، يقول: لا، قال آية الله، قال حجة الله، (...) هذا معاند. * طالب: هل يوصف القرآن بالحدوث؟ * الشيخ: نعم، أو محدث، محدث أو حادث كله واحد، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ [الشعراء ٥]، لكن لاحظوا لا تظن أن معنى (محدث) أي: مخلوق، لا، (محدث) يعني أن الله تكلم به حين نزوله.

الزخرف 43:5

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥) وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٧) فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف ٥ - ٩]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف ٥] الهمزة هنا للاستفهام المراد به النفي، بدليل أن المفسِّر قدَّر بعد ذلك قوله: (لا)؛ يعني: لن نضرب عنكم الذكر صفحًا، المعنى أننا لا يمكن أن نترككم بدون إنذار لكونكم قومًا مسرفين، بل لا بد من الإنذار، كما تقول: ضربت عن هذا صفحًا؛ يعني: أعرضت عنه ولم ترفع به رأسًا. والمراد بهذا -كما قلت- النفي توبيخًا لهؤلاء القوم الذين أعرضوا عما جاء به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والضمير في قوله: (نضرب) يعود إلى الله عز وجل، وأتى بالضمير الدالِّ على الجميع تعظيمًا لله تعالى وليس للتعدد؛ لأن الله عز وجل واحد لا شريك له. والضمير في قوله: ﴿عَنْكُمُ﴾ يعود إلى كفار قريش الذين كذَّبوا محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقوله: ﴿صَفْحًا﴾ مصدر معنوي لكلمة (نضرب)؛ لأن معناه: إعراضًا. أظنكم الآن عرفتم المعنى الإجمالي، المعنى: أن أعرضوا عن تذكيركم وإنذاركم، هذا معنى الآية. وهذا الذي سمعتم يفعله العرب في كلامهم، يقول: أعرضت عنك صفحًا؛ يعني: لم أبالِ بك، ولم أتلفت إليك. ﴿أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ (أن) و(ما) دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول لأجله؛ أي: لأجل أن كنتم قومًا مسرفين، فهي تعليلية. والإسراف: مجاوزة الحد. * يستفاد من هذه الآية: أن الله تبارك وتعالى لم يترك عباده هملًا، بل بيَّن لهم الحق ودعاهم إليه، وخوَّفهم من مخالفته، فلم يبق لأحد عذر. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان معذور بالجهل إذا لم تبلغه الرسالة. وهذا له أدلة؛ منها قول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣] إلى قوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥]، ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء ١٥]، ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص ٥٩]، والأدلة على هذا كثيرة. وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِمَا جِئْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ»[[أخرجه مسلم (١٥٣ / ٢٤٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، فقال: «لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ». فإن قال قائل: وهل يُشتَرَط مع بلوغ الرسالة أن يفهمها المخاطب؟ فالجواب: نعم، يُشترَط هذا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم ٤]، أي فائدة في رسول يأتي إلى قوم لا يعرفون لغته وهو لا يعرف لغتهم؟ أي فائدة تحصل؟ لا فائدة، والله عز وجل أرحم، وأحكم من أن يُعذِّب قومًا بدون أن يفهموا ما جاءت به الرسل. يبقى النظر: إذا كان الإنسان مسلمًا، ولكنه يقوم بأعمال شركيَّة لا يظن أنها شرك، فهل يُحْكَم بشركه؟ فالجواب: لا، حتى تقوم عليه الحجة، فإذا قامت عليه الحجة فحينئذٍ نحكم بشركه. وإذا قال قائل: رجل في الغابات بعيدٌ عن المدن، بعيد عن الحضارات، لكنه ينتمي إلى دين كفر، فهل هذا معذور؟ فالجواب: أما في أحكام الدنيا فليس بمعذور؛ يعني: أننا نعامله معاملة الكافر؛ لأنه لا ينتمي إلى دين الإسلام بخلاف الأول، نعامله في الدنيا معاملة الكافر، أما في الآخرة فأمرُه إلى الله عز وجل لا ندري ماذا يكون، وقد جاء في الحديث أن أهل الفترة يُرسِل الله إليهم رسلًا يوم القيامة يمتحنهم؛ من أطاع دخل الجنة، ومن عصى دخل النار[[أخرج أحمد (١٦٣٠١) وابن حبان -واللفظ له- (٧٣٥٧) عن الأسود بن سريع رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ قال: «أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل أصم، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في الفترة؛ فأما الأصم، فيقول: يا رب، لقد جاء الإسلام، وما أسمع شيئًا، وأما الأحمق، فيقول: رب، قد جاء الإسلام والصبيان يحذفونني بالبعر، وأما الهرم، فيقول: رب، لقد جاء الإسلام وما أعقل، وأما الذي مات في الفترة، فيقول: رب، ما أتاني لك رسول، فيأخذ مواثيقهم ليطيعنَّه، فيرسل إليهم رسولًا أن ادخلوا النار، قال: فو الذي نفسي بيده لو دخلوها كانت عليهم بردًا وسلامًا». وأخرجه إسحاق ابن راهويه في مسنده (٥١٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله ﷺ قال: «أربع كلهم يدلي على الله بحجة وعذر: رجل مات في الفترة، ورجل مات هرمًا، ورجل معتوه، ورجل أصمُّ أبكم، فيقول الله لهم: إني أرسل إليكم رسولًا فأطيعوه، فيأتيهم فيتأجج لهم نارًا فيقول: اقتحموها. مَن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن لم يقتحمْها حقَّت عليه كلمة العذاب».]]. فإن قال قائل: على قولك هذا يلزم أن تكون الآخرةُ دارَ تكليف، إذا قلت: إن الله يرسل رسولًا فينظر؛ لزم أن تكون الآخرة دار تكليف؟ فالجواب: نعم، نلتزم بهذا، وقد دلَّ القرآن على أن الآخرة دار تكليف، فقال عز وجل: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم ٤٢، ٤٣]، فهنا كُلِّفوا بالسجود، مع أن الآخرة ليست دار تكليف في الأصل، لكن قد يُكَلَّف الناس فيها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أحكامَ الله عز وجل مُعَلَّلة بعللٍ مناسبة للحكم، وهذا من مقتضى حكمته؛ ألا تجد حكمًا إلا وله حكمة، ولكن هل يلزم من كونه له حكمة أن تكون معلومةً لنا؟ الجواب: لا؛ لأن أفهامنا وعقولنا أدنى من أن تحيط علمًا بحكمة الله عز وجل، لكننا نعلم أنه لا يحكم بشيء قدرًا أو شرعًا إلا وله حكمة، رأيتَ الله عز وجل حكم حكمًا في الكتاب أو السنة فلا تبغ به بديلًا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب ٣٦]، ولمَّا سُئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن الحائض تقتضي الصوم دون الصلاة، قالت: «كان يصيبُنا ذلك فنُؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢١)، ومسلم واللفظ له (٣٣٥/٦٩) من حديث عائشة رضي الله عنها.]].

الزخرف 43:6

ثم قال عز وجل: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف ٦] (كمْ) هذه خبرية تدل على الكثرة، عامِلُها ما بعدها: ﴿أَرْسَلْنَا﴾، والإرسال هو الإيحاء إلى بشر بشريعة ويُؤْمَر بتبليغها. وقوله: ﴿مِنْ نَبِيٍّ﴾ بيان لـ(كم)، والمراد هنا الرسول؛ لأنه قال: ﴿كَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ﴾، والنبي يُطلق على الرسول كثيرًا في القرآن الكريم؛ ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم ٤١] وأمثال ذلك، والمراد الرسول. ﴿فِي الْأَوَّلِينَ﴾ أي السابقين على هذه الأمة. (﴿وَمَا﴾ كان ﴿يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ) (﴿وَمَا﴾ كان ﴿يَأْتِيهِمْ﴾ ﴾) قدَّر المؤلف (كان)؛ لأن الأمر قد مضى، ولو كان على نسقِ الكلام ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ﴾ لكان هذا في المستقبل؛ لذلك قدَّر المفسِّر (كان)، وهذا يدل على عُمق علم المفسِّر. ولكن خيرًا من ذلك أن نقولَ: لا حاجةَ إلى التقدير؛ لأنه إذا دار الأمر بين أن يكون في الكلام مقدَّر أو غير المقدَّر، فالأصل عدم التقدير، فنقول: الآية باقية على ظاهرها، لكنها على حكاية الحال؛ يعني كأن الماضي حاضر الآن، وهذا أبلغ في تخويف قريش من المخالفة. المؤلف قَدَّر (كان) لماذا؟ لأن القرآن يتحدَّث عن شيء مضى، فلا بد مِن أن نُقَدِّر فعلًا ماضيًا، ونحن نقول: لا حاجة إلى التقدير، وجاءت الآية في سياق الفعل المضارع الدال على الاستقبال؛ حكايةً للحال، كأن الأمر واقع الآن، فيكون هذا أبلغَ في إنذار قريش وتحذيرهم. ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ﴾ (من) هذه زائدة إعرابًا، لكنها مفيدة معنى، زائدة إعرابًا بمعنى أنها لو نُزِعَت من السياق لتمَّ بدونها؛ لو كان لفظ الآية الكريمة: وما يأتيهم نبيٌّ، يستقيم الكلام ولَّا لا؟ * طالب: يستقيم. * الشيخ: لكن جاءت (من) زيادة في الفائدة، فما هي الفائدة؟ الفائدة يقول علماء البلاغة وعلماء النحو: إن زيادة الكلمة -يعني الحرف- في الجملة تدلُّ على التوكيد، فعليه: كل كلمة زائدة في القرآن من حيث الإعراب فهي مفيدة لمعنى. ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الزخرف ٧] شوف -والعياذ بالله- ما يأتيهم إلا استهزؤوا، ﴿إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ هذه حالهم لا يقبلونه ولا يسكتون بل يستهزئون. والاستهزاء السخرية؛ بمعنى أنهم يسخرون بهم ويحتقرونهم؛ ليحذِّروا الناس منهم. فانظر إلى رحمة الله عز وجل كيف يرسل الرسل وهو يعلم أن هؤلاء المزعومين سيقابلونهم بالاستهزاء، ولكن إقامة للحجة. * من فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى أرسلَ عددًا كثيرًا من الأنبياء في السابقين، وقد جاء في بعضِ الأحاديث أنهم مئة وأربعة وعشرون ألفًا[[أخرج أحمد (٢٢٢٨٨) بسنده عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، كم وَفَّى عدة الأنبياء؟ قال: «مئة ألف وأربعة وعشرون ألفًا، الرسل من ذلك ثلاث مئة وخمسة عشر جمًّا غفيرًا..» ]]، فالله أعلم؛ لأنَّ هذا يحتاج إلى دليل صحيح صريح، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر ٧٨]، ومعلوم أنَّ مَن لم يُقْصَصْ علينا فلن نستطيع أن نعرف عددهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى أقام الحجة على جميع الخلق، ويؤيِّد هذا قولُه: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤]. * ومن فوائد هذه الآية: تسلية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾؛ فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا علم أنَّ الرسل من قبله يُسْتَهزأ بهم فإنه يتسلى، ولا شكَّ، وأنت تجد هذا من نفسك؛ إذا أصبت بمصيبة وأصيب غيرك بمثلها أو أشد ألست تتسلى بهذا وتهون عليك المصيبة؟ * طلبة: بلى. * الشيخ: طيب صحيح، وفي هذا يقول الله عز وجل: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف ٣٩]؛ يعني أن اشتراكهم في العذاب لا يخفِّف العذاب عنكم ولا يحصل لكم به تسلٍّ؛ لأن كل واحد من أهل النار -أعاذنا الله وإياكم منها- لا يرى أن أحدًا منه أخف عذابًا، ولذلك يشتد حزنه -والعياذ بالله- إذا رأى أنه هو أشد الناس عذابًا وهو أهونهم. * ومن فوائد هذه الآية: أن الاستهزاء بالرسل تكليف لهم وزيادة؛ لقوله: ﴿إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. واعلم أن الاستهزاء بالرسل كفر، والاستهزاء بالكتب كفر، والاستهزاء بالله كفر؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة ٦٥، ٦٦]. واختلف العلماء رحمهم الله فيمن استهزأ بالله أو آياته أو رسوله، أو سبَّ الله أو كتابه أو رسوله، هل تُقبل توبته أو لا تقبل؟ على قولين. والصحيح: التفصيل في هذا؛ وهو أنه إن وُجِد ما يدل على استقامته وصحة توبته فإنها تُقبل، وإلَّا فلا. وذلك أن لهذا المستهزئ أو الساخر أو الساب ثلاث حالات: الحال الأولى: أن يستمرَّ في ذلك، فهذا لا توبةَ له، ويقتل ردةً. الثانية: أن نعلم أنه تاب توبة نصوحًا؛ لأنه استقام وصلحت حاله، فهذا تقبل توبته بلا إشكال. والثالثة: أن نتردد؛ هل هو صادق في توبته أو غير صادق؟ فهذا يُقْتَل، ويكون أمره إلى الله عز وجل، نقتله لظاهر حاله؛ لأننا لم نتيقنْ أن هذه الحال قد تغيَّرت إلى ما يمنع قتله فنقتله، أما في الآخرة فأمره إلى الله. فإن قال قائل: الاستهزاء بالله وسبِّ الله عز وجل ذنبٌ عظيم لا يتحمَّل أن تقبل توبة فاعله؟ فالجواب: أن نقرأَ قول الله عز وجل في نفس الآية: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ [التوبة ٦٦]؛ يعني: إن عفونا عن طائفة بتوبتهم عذبنا الطائفة الأخرى التي لم تَتُبْ، واقرأ قول الله عز وجل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر ٥٣].

الزخرف 43:7

ثم قال عز وجل: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف ٦] (كمْ) هذه خبرية تدل على الكثرة، عامِلُها ما بعدها: ﴿أَرْسَلْنَا﴾، والإرسال هو الإيحاء إلى بشر بشريعة ويُؤْمَر بتبليغها. وقوله: ﴿مِنْ نَبِيٍّ﴾ بيان لـ(كم)، والمراد هنا الرسول؛ لأنه قال: ﴿كَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ﴾، والنبي يُطلق على الرسول كثيرًا في القرآن الكريم؛ ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم ٤١] وأمثال ذلك، والمراد الرسول. ﴿فِي الْأَوَّلِينَ﴾ أي السابقين على هذه الأمة. (﴿وَمَا﴾ كان ﴿يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ) (﴿وَمَا﴾ كان ﴿يَأْتِيهِمْ﴾ ﴾) قدَّر المؤلف (كان)؛ لأن الأمر قد مضى، ولو كان على نسقِ الكلام ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ﴾ لكان هذا في المستقبل؛ لذلك قدَّر المفسِّر (كان)، وهذا يدل على عُمق علم المفسِّر. ولكن خيرًا من ذلك أن نقولَ: لا حاجةَ إلى التقدير؛ لأنه إذا دار الأمر بين أن يكون في الكلام مقدَّر أو غير المقدَّر، فالأصل عدم التقدير، فنقول: الآية باقية على ظاهرها، لكنها على حكاية الحال؛ يعني كأن الماضي حاضر الآن، وهذا أبلغ في تخويف قريش من المخالفة. المؤلف قَدَّر (كان) لماذا؟ لأن القرآن يتحدَّث عن شيء مضى، فلا بد مِن أن نُقَدِّر فعلًا ماضيًا، ونحن نقول: لا حاجة إلى التقدير، وجاءت الآية في سياق الفعل المضارع الدال على الاستقبال؛ حكايةً للحال، كأن الأمر واقع الآن، فيكون هذا أبلغَ في إنذار قريش وتحذيرهم. ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ﴾ (من) هذه زائدة إعرابًا، لكنها مفيدة معنى، زائدة إعرابًا بمعنى أنها لو نُزِعَت من السياق لتمَّ بدونها؛ لو كان لفظ الآية الكريمة: وما يأتيهم نبيٌّ، يستقيم الكلام ولَّا لا؟ * طالب: يستقيم. * الشيخ: لكن جاءت (من) زيادة في الفائدة، فما هي الفائدة؟ الفائدة يقول علماء البلاغة وعلماء النحو: إن زيادة الكلمة -يعني الحرف- في الجملة تدلُّ على التوكيد، فعليه: كل كلمة زائدة في القرآن من حيث الإعراب فهي مفيدة لمعنى. ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الزخرف ٧] شوف -والعياذ بالله- ما يأتيهم إلا استهزؤوا، ﴿إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ هذه حالهم لا يقبلونه ولا يسكتون بل يستهزئون. والاستهزاء السخرية؛ بمعنى أنهم يسخرون بهم ويحتقرونهم؛ ليحذِّروا الناس منهم. فانظر إلى رحمة الله عز وجل كيف يرسل الرسل وهو يعلم أن هؤلاء المزعومين سيقابلونهم بالاستهزاء، ولكن إقامة للحجة. * من فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى أرسلَ عددًا كثيرًا من الأنبياء في السابقين، وقد جاء في بعضِ الأحاديث أنهم مئة وأربعة وعشرون ألفًا[[أخرج أحمد (٢٢٢٨٨) بسنده عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، كم وَفَّى عدة الأنبياء؟ قال: «مئة ألف وأربعة وعشرون ألفًا، الرسل من ذلك ثلاث مئة وخمسة عشر جمًّا غفيرًا..» ]]، فالله أعلم؛ لأنَّ هذا يحتاج إلى دليل صحيح صريح، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر ٧٨]، ومعلوم أنَّ مَن لم يُقْصَصْ علينا فلن نستطيع أن نعرف عددهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى أقام الحجة على جميع الخلق، ويؤيِّد هذا قولُه: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤]. * ومن فوائد هذه الآية: تسلية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾؛ فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا علم أنَّ الرسل من قبله يُسْتَهزأ بهم فإنه يتسلى، ولا شكَّ، وأنت تجد هذا من نفسك؛ إذا أصبت بمصيبة وأصيب غيرك بمثلها أو أشد ألست تتسلى بهذا وتهون عليك المصيبة؟ * طلبة: بلى. * الشيخ: طيب صحيح، وفي هذا يقول الله عز وجل: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف ٣٩]؛ يعني أن اشتراكهم في العذاب لا يخفِّف العذاب عنكم ولا يحصل لكم به تسلٍّ؛ لأن كل واحد من أهل النار -أعاذنا الله وإياكم منها- لا يرى أن أحدًا منه أخف عذابًا، ولذلك يشتد حزنه -والعياذ بالله- إذا رأى أنه هو أشد الناس عذابًا وهو أهونهم. * ومن فوائد هذه الآية: أن الاستهزاء بالرسل تكليف لهم وزيادة؛ لقوله: ﴿إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. واعلم أن الاستهزاء بالرسل كفر، والاستهزاء بالكتب كفر، والاستهزاء بالله كفر؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة ٦٥، ٦٦]. واختلف العلماء رحمهم الله فيمن استهزأ بالله أو آياته أو رسوله، أو سبَّ الله أو كتابه أو رسوله، هل تُقبل توبته أو لا تقبل؟ على قولين. والصحيح: التفصيل في هذا؛ وهو أنه إن وُجِد ما يدل على استقامته وصحة توبته فإنها تُقبل، وإلَّا فلا. وذلك أن لهذا المستهزئ أو الساخر أو الساب ثلاث حالات: الحال الأولى: أن يستمرَّ في ذلك، فهذا لا توبةَ له، ويقتل ردةً. الثانية: أن نعلم أنه تاب توبة نصوحًا؛ لأنه استقام وصلحت حاله، فهذا تقبل توبته بلا إشكال. والثالثة: أن نتردد؛ هل هو صادق في توبته أو غير صادق؟ فهذا يُقْتَل، ويكون أمره إلى الله عز وجل، نقتله لظاهر حاله؛ لأننا لم نتيقنْ أن هذه الحال قد تغيَّرت إلى ما يمنع قتله فنقتله، أما في الآخرة فأمره إلى الله. فإن قال قائل: الاستهزاء بالله وسبِّ الله عز وجل ذنبٌ عظيم لا يتحمَّل أن تقبل توبة فاعله؟ فالجواب: أن نقرأَ قول الله عز وجل في نفس الآية: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ [التوبة ٦٦]؛ يعني: إن عفونا عن طائفة بتوبتهم عذبنا الطائفة الأخرى التي لم تَتُبْ، واقرأ قول الله عز وجل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر ٥٣].

الزخرف 43:8

قال الله تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ [الزخرف ٨]. ﴿أَهْلَكْنَا﴾ يعني: بالموت، ﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ ﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ﴾ أي: من كفار قريش، ﴿بَطْشًا﴾ أي: قوة. (﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: سبق في آيات ﴿مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ ) ﴿أَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ يعني: قوةً كقوم هود وقوم صالح ومن أشبههم، أهلكهم اللهُ وهم أشد من هؤلاء الذين كذَّبوا محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم أشد بطشًا وأكثر أموالًا وأولادًا، ومع ذلك ما أغنتهم شيئًا. * وفي هذه الآية: بيان شِدَّة صبر الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ حيث إنهم يُستهزأ بهم وهم صابرون حتى يأتي أمر الله، وإلَّا فمن الذي يطيق أن يدعو الناس وهم يستهزئون به، لولا أن يثبت الله عز وجل الإنسان بالقول الثابت، كما قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء ٧٤، ٧٥]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحذير قريش لرد دعوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن الله تعالى توعدهم بذكر إهلاك من سبق، وكل إنسان له قلب، إذا ذُكِر له حال الأمم السابقة وأنهم أهلكوا فلا بد أن يتعظ، ولا بد أن يخاف ويخشى. * ومن فوائد هذه الآية: جوازُ التحويل على شيء سابق؛ لقوله: ﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي: حالهم وصفاتهم. والتحويل فيه فائدة؛ وهو أن يتذكَّر الإنسان ما مضى وأن يعود إليه. وقد عاب قوم على الحافظ ابن حجر رحمه الله بكثرة حَوالاته في فتح الباري، والحقيقة أن لا عيب، ولا يَرِد على هذا أنه أحيانًا يُحيلُ ولا نجد ما أحال إليه، أحيانًا يقول: يأتي في باب كذا ولا تجده؛ لأنه قد يكون معذورًا بنسيان، أو ألحقه بنسخة لم تصل إلينا، أو ما أشبه ذلك. المهم فائدة الإحالات تذكيرُ الإنسان ما سبق واهتمامُه بالكتاب ورواج الكتاب كله؛ لأنه إذا كان هناك إحالات فلازم هذا أن يكون عندك كل الكتاب؛ لأنه سيُحال عليه، فلا بد أن يكون عندك.

الزخرف 43:9

ثم قال عز وجل: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف ٩]. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ الخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الجملة هذه فيها شرط وفيها قسم؛ فيها شرط وهي (إن)، وفيها قسم دلَّت عليه اللام؛ لأن اللام موطئة للقسم. القسَم يحتاج إلى جواب، والشرط يحتاج إلى جواب، أليس كذلك؟ القسَم يحتاج إلى جواب؛ وهو ذكر المقسم عليه، والشرط يحتاج إلى جواب؛ وهو جواب الشرط. إذا اجتمعا، ماذا نقدم؟ يقول ابن مالك رحمه الله في الألفية: وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَــــــوَابَ مَـــا أَخَّـــــرْتَ فَهْـــــوُمُـــلْتَـــــزَمْ الآية الكريمة معنا، ما هو المؤخر؛ القسم أو الشرط؟ * طلبة: الشرط. * الشيخ: الشرط، إذن احذف جواب الشرط، واكتفِ بجواب القسم عنه. ولذلك نجد أن الآية قُرِن بالجواب اللام وهو ﴿لَيَقُولُنَّ﴾، ولو كان هذا جوابًا للشرط لم نحتجْ إلى اللام. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ﴾ حُذِف منه نون الرفع؛ لتوالي النونات، وواو الضمير؛ لالتقاء الساكنين ﴿لَيَقُولُنَّ﴾، أصلها قبل الحذف: لَيَقُولُونَنَّ، كم عندنا من النون؟ ثلاثة، احذف الأولى؛ لأن حذفها معتاد؛ أي: حذف نون الرفع من المضارع كثير، ولأن نون التوكيد جاءت لغرضٍ، لو حذفناها لفات الغرض وهو التوكيد، إذن فنحذف نون الرفع؛ وهي النون الأولى لتوالي النونات. ثم يأتي دور الضمير (لَيَقُولُونَنَّ)، الواو لماذا حذفناها؟ حذفناها لالتقاءِ الساكنين؛ الساكنان هما: الواو ساكنة، والنون المشددة الحرف الأول منها ساكن، فتُحذف الواو. هذا التعليل هو من النحويين لا شكَّ، وإلا فالرجل العربي حينما يتكلَّم بهذه الكلمات هل يخطُر على باله أنه حذف نون الرفع ثم حذف واو الضمير، وما أشبه ذلك؟ لا، لكن علماء النحو رحمهم الله يلتمسون التوجيهات لكلام العرب، فوجدوا هذا التوجيه. لو قلت لهم: من خلق السماوات والأرض؟ ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف ٩]، شوف الجواب؛ جواب صحيح مئة بالمئة. ﴿خَلَقَهُنَّ﴾ أي: السماوات والأرض، ﴿الْعَزِيزُ﴾ ذو العزة، والعزة أبرزُ معانيها الغَلَبة، يقال: عَزَّ فلانٌ فغَلَب، ولها معنى آخر وهي القَدْر يعني: الشرف والرفعة، ولها معنى ثالث وهو الشدة والصلابة، ومنه قولهم: أرض عَزَاز؛ أي: شديدة صلبة. إذا أردنا أن نطبق هذه المعاني على الوصف الذي اتصف الله به مِن العزة، فنقول: عزيز من العزِّ، وهو الغلبة، عزيز من عزة القَدْر، ومعلوم أن الله عز وجل أعظم قدرًا من كل شيء. الثالث: عزة الشدة والصلابة والامتناع؛ وذلك أن الله تعالى ممتنع أن يتصف بأي سوء وأي عيب. ﴿الْعَلِيمُ﴾ أي: ذو العلم التام، وتأمل كيف جاؤوا بهذه العبارة ﴿الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ إشارةً إلى أنهم مُقِرُّون بأنهم أذلاء أمام الله عز وجل، وأن جميع ما في السماوات والأرض فإنه صادر عن علم ﴿الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾، هذا الإقرار يلزمه أن يُقرِّوا بأنه لا إله إلا الله، لكنهم لم يفعلوا. * في هذه الآية الكريمة: دليل على أن المشركين يُقِرُّون بتوحيد الربوبية؛ لقولهم في الجواب: ﴿خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾، والأمر كذلك. وإقرارهم بتوحيد الربوبية يُلْزِمهم أن يقروا بتوحيد الألوهية، فيقال: إذا أقررتم بأنه لا خالق إلا الله، فأقروا بأنه لا معبود حقًّا إلا الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن السماوات عدد؛ لقوله: ﴿السَّمَوَاتِ﴾، وقد جاء في القرآنِ الكريم وفي السنة النبوية أن عدد السماوات سبع، قال الله تبارك وتعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ [الطلاق ١٢]. أما الأرضُ فلم يأت في القرآن تصريح بأنها سبع، لكن ظاهر القرآن كذلك؛ مثل قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢]، فإن المماثلةَ هنا لا يمكن أن تكون بالحجم ولا بالقوة؛ لأن السماوات أوسع وأعظم من الأرض وأقوى، فلم يبقَ إلا العدد. وقد جاءت السُّنَّة صريحةً في ذلك فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٩٨) مسلم واللفظ له (١٦١٠) من حديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل رضي الله عنه، ولفظه: «من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا، طوِّقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين».]]. السماوات طِباق؛ واحد فوق الآخر، وإذا كان واحد فوق الآخر لزم أن تكون السماء الثانية أوسع من الأولى، أليس كذلك؟ نعم؛ لأنها دائرة، الثالثة أوسع من الثانية، وهلُمَّ جرًّا؛ ولهذا قال عز وجل: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات ٤٧]، كلما ارتفعت في السماوات اتَّسعت السماوات، وهي طباق بلا شك كما في القرآن الكريم، وكما جاء ذلك صريحًا في حديث المعراج. أمَّا الأرض فهي طباق أيضًا؛ بدليل أنَّ مَن اقتطع شبرًا من الأرض التي نحن عليها طوقه من سبع أرضين، ولولا أنَّ الأرض الثانية تحت، والثالثة تحتها وهكذا، لم يُطَوَّق الإنسانُ بسبعِ أرضين؛ لأنه ما غصب إلا ظاهر الأرض، فتكون الأرضون طباقًا. أما كيف هذه الطباق؟ فإلى الآن لم نصلْ إلى علمٍ بها، وعلماءُ الجيولوجيا الذين يحفرون أعماق الأرض لا يطلعون على هذا، فهو مجهولٌ لنا، لكن الحديث: «طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» يدل على أن أيش؟ * طالب: على أنها طباق. * الشيخ: على أنها طباق. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات هذين الاسمين لله عز وجل؛ وهما: ﴿الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾. واعلم أخي، اعلم أن كل اسم من أسماء الله فهو متضمن لصفة؛ العزيز متضمن لصفة العزة، والعليم متضمن لصفة العلم، وليس كل صفة يُشتَقُّ منها اسم؛ ولهذا نقول: إن باب الصفات أوسع من باب الأسماء؛ لأنه يوجد صفات ليس لله منها أسماء، لكن لا يوجد اسم إلا ومنه صفة، والله أعلم. * طالب: (...) تقبل توبته؟ * الشيخ: الصحيح أنها تُقبَل إذا أقام الدليل على أنه صادق، أما إذا كان يلعب بنا يقول: إنه تائب، ولكنه على ما هو عليه فلا نقبله. * طالب: يقتل؟ * الشيخ: يقتل، نعم، بقتل ما لم نعلم أنه تاب. * طالب: جزاكَ الله خيرًا يا شيخ، ذكرنا أن هذه الأعمال الشركية للمسلمين لا نحكم عليه بشركه حتى تقام الحجة عليه، كذلك الذين يفعلون البدع؟ * الشيخ: إي نعم، لكن المبتدِع أشد؛ لأن المبتدع والعياذ بالله يَضل به أناس كثيرون. * طالب: الشرك؟ * الشيخ: لا يضر إلا صاحبه، اللَّهم إلا أن يكون هذا المشرك له طاعة في قومه، (...) سيد في قومه يتبعونه (...)، أما إذا كان عاميًّا فإنه لا يُؤَثِّر إلا على نفسه، ولهذا قال بعض العلماء: المبتدع لا توبة له؛ لأنه وإن تاب بنفسه لم يسْلَمْ من ضلال الذين اتبعوه. * طالب: أحسن الله إليك، ما معنى قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف ٤٠]؟ * الشيخ: المعنى أن هذا تعليقٌ على مستحيل ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾، الجَمَل البهيمة المعروفة، وأما قول بعضهم: إنه حبل غليظ فهذا قول باطل؛ لأنَّ الله لم يقُل: حتى يُدْخَلَ الجمل، قال: حتى يَدْخُل الجمل، وهل الحبل له إرادة يدخل ويخرج؟ أجبني. * الطالب: لا. * الشيخ: ما الذي يدخل ويخرج؟ * طالب: الجمل؛ البعير. * الشيخ: الجمل البهيمة، فالصواب أن المراد هو الجمل الحقيقي، والمعنى: أنه لا يمكن أن يدخل الجنة، كما أنه لا يمكن أن الجمل يدخل في سَمِّ الخياط؛ جب الإبرة، وهذا كقول الشاعر: إِذَا شَابَ الْغُرَابُ أَتَيْتُ أَهْلِي ∗∗∗ وَصَــــارَ الْقَــارُ كَاللَّبَنِالْحَلِيبِ هل يمكن هذا؟ الغراب ما يمكن يصير أبيض، والقار لا يمكن أن يكون كاللبن. * طالب: أحسن الله إليكم، إذا كان رجل من المشركين آتاه رجل مسلم لكنه صوفي، فأتاه الإسلام على وجه الصوفية وآثار المبتدعة، فصار يعمل بهذا، ويعتقد أن هذا هو الإسلام، هل يؤاخذ عليه؟ * الشيخ: لا، هو (...) من الله عز وجل لا من غيره، لا يمكن أن يعذب أحدٌ على باطل إلا إذا كان يعلم أنه باطل، الله عز وجل أرحم وأحكم من أن يعذب شخصًا وهو لا يدري، لكن فيه أناس معاندون يُذْكَر لهم الحق يقول: لا، أنا أبغي أتبع شيخي، حتى لو كان الذي ذكر له الحق عالمًا معروفًا، يقول: لا، أبغي أتبع مشايخي، هذا ما يُعذَر، لكنه لو أن عاميًّا أعلمه؛ يا الله، هذا العمل هذا لا يجوز، هذا شرك، ومشايخه كلهم يقولون: هذا حسن، هل هو هذا معذور أو غير معذور؟ * طالب: غير معذور إذا عرف الحق. * طالب آخر: معذور. * الشيخ: ما عرف الحق، عنده مشايخ يرى أنهم مشايخ حقًّا، وجاء إنسان عامي في السوق قال: هذا شرك، يُعْذر أو لا يُعْذر؟ * طالب: يُعْذر. * الشيخ: يُعْذر؛ لأنه ما يثق، لم يأته الحق على وجه يثق به، الآن نحن علماؤنا، لو جاءنا إنسانٌ على عكس ما يقول علماؤنا ونحن لا نعرف عنه ما اتبعناه، لكن قد يقال: كونه أُعْلِم بأنه على باطل وأن الحق خلافه يُلزِمه بأن يبحث ويسأل، فقد يؤاخَذ من هنا؛ أي: من التقصير في طلب الحق. * طالب: شيخ -أحسن الله إليك- بعض الصوفيين يعطون الأذكار للمريدين على شريطة أنهم لو تركوا شيئًا كفروا؟ * الشيخ: هذه مشكلة، ودول عوام المسلمين؟ * الطالب: إي نعم، يقولون: إذا تركنا شيئًا كفرنا. * الشيخ: لا، وأيضًا هؤلاء يغترُّون بظاهر حال الصوفي، ظاهر حال الصوفي أنه تقي؛ تجده دائمًا في خشوع، وربما تجده يبكي، ثم يأتي بالأذكار على وجه يهيِّج الإنسان، هذا بلاء، والعياذ بالله. * طالب: شيخ -حفظكم الله- ما حكم المستهزئ بأهل الدين؟ * الشيخ: اللي يستهزئ بأهل الدين؛ إذا استهزئ بهم لدينهم فهو مستهزئ بالدين، وإن استهزَأ بهم لشكل فلا؛ ولذلك الآن لو وجدوا أحدًا رفع ثوبه إلى نصف الساق من العلماء المعتبرين المطاعين لا تجد أحدًا يستهزئ بهم، لكن لو جاء إنسان عامي عادي استهزؤوا به، فهنا نقول: الاستهزاء ليس استهزاءً بالدين، ولكنه استهزاء بهذا الرجل، فيجب التفريق بين هذا وهذا. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الزخرف ٩ - ١١]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف ٦]، ﴿كَمْ﴾ هذه؟ * طالب: تكثيريَّة. * الشيخ: تكثيرية، وتُسَمَّى؟ * طالب: للعدد. * طالب آخر: تُسَمى خبرية. * الشيخ: تُسَمى خبرية. إذن ما معنى ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾؟ * طالب: ما أكثر ما أهلكنا. * الشيخ: نعم، أي: كثيرًا أهلكنا من قبلك، وكثيرًا أرسلنا من الأنبياء. هل كل أمة أُرْسِل إليها رسول؟ * طالب: نعم. * الشيخ: نعم، ما الدليل؟ * الطالب: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الرعد ٣٨]. * الشيخ: لا. * طالب: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤] * الشيخ: نعم ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾، والعقل يقتضي هذا؛ يعني نقلي، وعقلي. طيب، ما حال الأمم السابقة بالنسبة للرسل؟ * طالب: يستهزئون. * الشيخ: الاستهزاء بهم، الدليل؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الحجر ١١]. * الشيخ: نعم، ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. طيب، ﴿أَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ﴾ الضمير يعود على مَن؟ * طالب: ﴿أَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ﴾ قريش. * الشيخ: قريش، أحسنت. ومعنى ﴿بَطْشًا﴾؟ * طالب: قوة. * الشيخ: قوة. مثال لذلك؟ * طالب: عادٌ. * الشيخ: عادٌ، فإنهم كانوا من أشد الناس قوة حتى إنهم قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥]، فأهلكهم الله.

الزخرف 43:10

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾ [الزخرف ٩، ١٠] (طُرُقًا) ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ﴾ هذا ليس من كلام الذين سألهم النبي ﷺ، انتهى كلامهم عند قوله: ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾، أما ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ فهذا من كلام الله عز وجل. ومعنى ﴿جَعَلَ﴾ صيَّر، ﴿لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ أي: كالمهد مُوَطَّأة، قرارٌ، يطمئن بها الإنسان. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾ أي: صيَّر لكم فيها سبلًا؛ أي: طرقًا، هذه الطرق تكون بين الشعاب والجبال والوهاد، حتى إنه لتأتي الرياح الشديدة، وتبقى هذه الطرق معلومة، يُسْتَدل على هذه الطرق بالجبال والشعاب والنجوم، كما قال عز وجل: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل ١٦]. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (لعل) هنا للتعليل، ومن المعلوم أن (لعل) تأتي للتعليل كما هنا، وتأتي للترجي، وتأتي للتوقُّع، والذي يُعَيِّن المعنى هو سياق الكلام وقرائن الأحوال. ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ بعدها، التفسير. * طالب: (إلى مقاصدكم في أسفاركم). * الشيخ: نعم، ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي: تعلمون الطُّرق، فالهداية هنا هداية الطرق، (إلى مقاصدكم في أسفاركم) الآن -والحمد لله- وُجِدَت طرق مُمَهَّدَة بيِّنة من المدن والقرى وغير هذا، كل ذلك بنعمة الله عز وجل، أظن عندكم ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾. * طالب: (...). * الشيخ: أنا عندي ﴿﴿مِهَادًا﴾ ﴾، ولم يُشر إلى القراءة التي في المصحف، وهي على حال قراءتان: ﴿﴿مِهَادًا﴾ ﴾، وقد جاءت في آية أخرى بهذا اللفظ، و﴿مَهْدًا﴾ وهي بمعنى مِهَاد. ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [الزخرف ١١] ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ أي: أنزله شيئًا فشيئًا، فتجد المطر ينزل من السماء نقطًا، ولو جاء كأفواه القِرَب لأفسد الأرض وهدَّم البناء، ولكن من رحمة الله عز وجل أن جعله ينزل شيئًا فشيئًا، ومع ذلك تسيل منه الأودية وهو على نقطة نقطة، لكن مع كثرته تسيل به الشعاب. ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ السماء هنا المراد بها العلو. واعلم أن السماء يطلق على معنيين: المعنى الأول: العلو من حيث هو، والمعنى الثاني: السقف المحفوظ الذي هو السموات السبع. فقوله تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة ١٦٤] المراد بالسماء هنا السقف المحفوظ، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء ٣٢]. وأما قوله: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ فالمراد به العلو؛ لأن المطر ليس ينزل من السماء نفسها ولكنه ينزل من العلو، بدليل قوله: ﴿السَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، السحاب ليس في السماء لاصقًا، ولكنه بين السماء والأرض، وهو إلى الأرض أقرب. (﴿نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾ أي: بقَدْر حاجتكم إليه، ولم ينزله طوفانًا) قوله: ﴿بِقَدَرٍ﴾ فسره المؤلف أي: بقدر ما تحتاجون إليه، وله معنى آخر ﴿بِقَدَرٍ﴾ يعني: أنه مُقَدَّر محددٌ، حتى النقطة قد عَلِمها الله عز وجل، وعلم كيف تنزل، وعلم متى تنزل، وعلم أين تنزل، كل شيء بقدَرٍ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر ٤٩]، فيكون المعنى على هذا أن هذا المطر الذي ينزل على كثرته وكثرة عدد نقاطه ينزل بقَدْرٍ محددٍ، والمعنى الذي ذكره المؤلف معنى صحيح، والآية تحتمل هذا وهذا، والقاعدة عندنا في التفسير: أن الكلمة في القرآن أو في السنة إذا كانت تحتمل معنيين على السواء ولا منافاة بينهما فإنه يجب أن تُحْمَل عليهما؛ توسعة للمعنى. ﴿فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ ﴿أَنْشَرْنَا﴾ أي: أحيينا، كما جاء ذلك في آيات أخرى، في قوله: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [الزخرف ١١] فإذن ﴿أَنْشَرْنَا﴾ بمعنى: أحيينا، وهذا شيء مشاهد؛ تجد الأرض قاحلة مجدبة ليس فيها خضراء، فإذا نزل المطر أصبحت تهتز من النبات من كل زوج بهيج. وقوله: (أحيينا ﴿بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ﴾ أي: مثل هذا الإحياء، ﴿تُخْرَجُونَ﴾ ) يعني: كما أنا أحيينا الأرض بالمطر فكذلك نحييكم يوم القيامة، قال الله عز وجل في آية أخرى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ هامدة، ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ أي: علتْ بنباتها، ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت ٣٩]. * في هذه الآيات فوائد: * منها: بيان نعمة الله عز وجل؛ حيث جعل لنا الأرض مهادًا، ولو كانت صلبة ما استقررنا عليها ولا حرثناها ولا انتفعنا بها كثيرًا، ولو كانت رخوة كذلك لم ننتفع بها ولغاصت أقدامنا فيها، ولكن من نعمة الله أنه جعلها كالمهاد. * ومن فوائد الآية الكريمة: نعمة الله علينا بما جعل لنا من الطرق في هذه الأرض على تباعد أقطارها. ولكن بأي شيء نستدل على الطرق؟ ذكرنا أنه يُسْتَدل عليها بالشعاب وبالجبال وكذلك بالنجوم. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات حكمة الله فيما يخلق في قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، وحكمة الله عز وجل فيما يخلق وفيما يشرع ثابتة، لكن من الحِكَم ما نعلم، ومن الحِكَم ما لا نعلم لقصور أفهامنا، ومن الحِكَم ما يعلمها كثير من الناس وتخفى على كثيرين آخرين. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه إذا كان المقصود الحسي يحتاج إلى طرق فكذلك المقصود المعنوي، وهو الوصول إلى دار كرامة الله عز وجل، فإنه يحتاج إلى طرق، لا بد أن نسلك هذه الطرق حتى نصل إلى المقصود، فإن لم نسلكها فلن نصل إلى المقصود. * ومن فوائد الآية الثانية: قدرة الله عز وجل بإنزال المطر. * ومنها: رحمة الله عز وجل بإنزال المطر من فوق؛ لأنه لو كان من أسفل لغرقت الأرض السفلى دون أن يصل الماء إلى قمم الجبال، ولكن الله تعالى جعله ينزل من فوق حتى يُرْوِي العالي والنازل، وإذا ارتوى العالي نزل إلى النازل. * ومن فوائد الآية: أن هذا الماء النازل من السماء ينزل بقدر على المعنيين اللذين ذكرناهما. * ومن فوائد الآية: أن الله تعالى يحيي الأرض بعد موتها بهذا الماء. * ومن فوائد الآية: إطلاق لفظ الموت على ما لا روح فيه؛ أي: ما لا روح فيه تُحِس؛ لقوله: ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾، وإلا فمن المعلوم أن الأرض ليست كحياة الحيوان حياة إحساس، بل هي حياة نمو. * ومن فوائد الآية: قياس المعقول على المحسوس، وإن شئت فقل: قياس الغائب على الحاضر؛ لقوله: ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾. * ومن فوائدها: إثبات القياس وأنه دليل. لكن هل هو دليل عقلي أو دليل سمعي؟ الجواب هو دليل عقلي ثابت بالدليل السمعي؛ وذلك لأن العقل ينتقل من المقيس عليه إلى المقيس، فهو دليل عقلي باعتبار كيفية الاستدلال به، ودليل سمعي لثبوته شرعًا.

الزخرف 43:11

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾ [الزخرف ٩، ١٠] (طُرُقًا) ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ﴾ هذا ليس من كلام الذين سألهم النبي ﷺ، انتهى كلامهم عند قوله: ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾، أما ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ فهذا من كلام الله عز وجل. ومعنى ﴿جَعَلَ﴾ صيَّر، ﴿لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ أي: كالمهد مُوَطَّأة، قرارٌ، يطمئن بها الإنسان. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾ أي: صيَّر لكم فيها سبلًا؛ أي: طرقًا، هذه الطرق تكون بين الشعاب والجبال والوهاد، حتى إنه لتأتي الرياح الشديدة، وتبقى هذه الطرق معلومة، يُسْتَدل على هذه الطرق بالجبال والشعاب والنجوم، كما قال عز وجل: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل ١٦]. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (لعل) هنا للتعليل، ومن المعلوم أن (لعل) تأتي للتعليل كما هنا، وتأتي للترجي، وتأتي للتوقُّع، والذي يُعَيِّن المعنى هو سياق الكلام وقرائن الأحوال. ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ بعدها، التفسير. * طالب: (إلى مقاصدكم في أسفاركم). * الشيخ: نعم، ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي: تعلمون الطُّرق، فالهداية هنا هداية الطرق، (إلى مقاصدكم في أسفاركم) الآن -والحمد لله- وُجِدَت طرق مُمَهَّدَة بيِّنة من المدن والقرى وغير هذا، كل ذلك بنعمة الله عز وجل، أظن عندكم ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾. * طالب: (...). * الشيخ: أنا عندي ﴿﴿مِهَادًا﴾ ﴾، ولم يُشر إلى القراءة التي في المصحف، وهي على حال قراءتان: ﴿﴿مِهَادًا﴾ ﴾، وقد جاءت في آية أخرى بهذا اللفظ، و﴿مَهْدًا﴾ وهي بمعنى مِهَاد. ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [الزخرف ١١] ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ أي: أنزله شيئًا فشيئًا، فتجد المطر ينزل من السماء نقطًا، ولو جاء كأفواه القِرَب لأفسد الأرض وهدَّم البناء، ولكن من رحمة الله عز وجل أن جعله ينزل شيئًا فشيئًا، ومع ذلك تسيل منه الأودية وهو على نقطة نقطة، لكن مع كثرته تسيل به الشعاب. ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ السماء هنا المراد بها العلو. واعلم أن السماء يطلق على معنيين: المعنى الأول: العلو من حيث هو، والمعنى الثاني: السقف المحفوظ الذي هو السموات السبع. فقوله تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة ١٦٤] المراد بالسماء هنا السقف المحفوظ، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء ٣٢]. وأما قوله: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ فالمراد به العلو؛ لأن المطر ليس ينزل من السماء نفسها ولكنه ينزل من العلو، بدليل قوله: ﴿السَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، السحاب ليس في السماء لاصقًا، ولكنه بين السماء والأرض، وهو إلى الأرض أقرب. (﴿نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾ أي: بقَدْر حاجتكم إليه، ولم ينزله طوفانًا) قوله: ﴿بِقَدَرٍ﴾ فسره المؤلف أي: بقدر ما تحتاجون إليه، وله معنى آخر ﴿بِقَدَرٍ﴾ يعني: أنه مُقَدَّر محددٌ، حتى النقطة قد عَلِمها الله عز وجل، وعلم كيف تنزل، وعلم متى تنزل، وعلم أين تنزل، كل شيء بقدَرٍ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر ٤٩]، فيكون المعنى على هذا أن هذا المطر الذي ينزل على كثرته وكثرة عدد نقاطه ينزل بقَدْرٍ محددٍ، والمعنى الذي ذكره المؤلف معنى صحيح، والآية تحتمل هذا وهذا، والقاعدة عندنا في التفسير: أن الكلمة في القرآن أو في السنة إذا كانت تحتمل معنيين على السواء ولا منافاة بينهما فإنه يجب أن تُحْمَل عليهما؛ توسعة للمعنى. ﴿فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ ﴿أَنْشَرْنَا﴾ أي: أحيينا، كما جاء ذلك في آيات أخرى، في قوله: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [الزخرف ١١] فإذن ﴿أَنْشَرْنَا﴾ بمعنى: أحيينا، وهذا شيء مشاهد؛ تجد الأرض قاحلة مجدبة ليس فيها خضراء، فإذا نزل المطر أصبحت تهتز من النبات من كل زوج بهيج. وقوله: (أحيينا ﴿بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ﴾ أي: مثل هذا الإحياء، ﴿تُخْرَجُونَ﴾ ) يعني: كما أنا أحيينا الأرض بالمطر فكذلك نحييكم يوم القيامة، قال الله عز وجل في آية أخرى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ هامدة، ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ أي: علتْ بنباتها، ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت ٣٩]. * في هذه الآيات فوائد: * منها: بيان نعمة الله عز وجل؛ حيث جعل لنا الأرض مهادًا، ولو كانت صلبة ما استقررنا عليها ولا حرثناها ولا انتفعنا بها كثيرًا، ولو كانت رخوة كذلك لم ننتفع بها ولغاصت أقدامنا فيها، ولكن من نعمة الله أنه جعلها كالمهاد. * ومن فوائد الآية الكريمة: نعمة الله علينا بما جعل لنا من الطرق في هذه الأرض على تباعد أقطارها. ولكن بأي شيء نستدل على الطرق؟ ذكرنا أنه يُسْتَدل عليها بالشعاب وبالجبال وكذلك بالنجوم. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات حكمة الله فيما يخلق في قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، وحكمة الله عز وجل فيما يخلق وفيما يشرع ثابتة، لكن من الحِكَم ما نعلم، ومن الحِكَم ما لا نعلم لقصور أفهامنا، ومن الحِكَم ما يعلمها كثير من الناس وتخفى على كثيرين آخرين. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه إذا كان المقصود الحسي يحتاج إلى طرق فكذلك المقصود المعنوي، وهو الوصول إلى دار كرامة الله عز وجل، فإنه يحتاج إلى طرق، لا بد أن نسلك هذه الطرق حتى نصل إلى المقصود، فإن لم نسلكها فلن نصل إلى المقصود. * ومن فوائد الآية الثانية: قدرة الله عز وجل بإنزال المطر. * ومنها: رحمة الله عز وجل بإنزال المطر من فوق؛ لأنه لو كان من أسفل لغرقت الأرض السفلى دون أن يصل الماء إلى قمم الجبال، ولكن الله تعالى جعله ينزل من فوق حتى يُرْوِي العالي والنازل، وإذا ارتوى العالي نزل إلى النازل. * ومن فوائد الآية: أن هذا الماء النازل من السماء ينزل بقدر على المعنيين اللذين ذكرناهما. * ومن فوائد الآية: أن الله تعالى يحيي الأرض بعد موتها بهذا الماء. * ومن فوائد الآية: إطلاق لفظ الموت على ما لا روح فيه؛ أي: ما لا روح فيه تُحِس؛ لقوله: ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾، وإلا فمن المعلوم أن الأرض ليست كحياة الحيوان حياة إحساس، بل هي حياة نمو. * ومن فوائد الآية: قياس المعقول على المحسوس، وإن شئت فقل: قياس الغائب على الحاضر؛ لقوله: ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾. * ومن فوائدها: إثبات القياس وأنه دليل. لكن هل هو دليل عقلي أو دليل سمعي؟ الجواب هو دليل عقلي ثابت بالدليل السمعي؛ وذلك لأن العقل ينتقل من المقيس عليه إلى المقيس، فهو دليل عقلي باعتبار كيفية الاستدلال به، ودليل سمعي لثبوته شرعًا.

الزخرف 43:12

﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ [الزخرف: ١٢] هذه عطف على ما سبق، وهو من باب عطف الصفات، وليس من باب عطف الذوات، والأصل في العطف أن يكون بين متغايرين في ذاتهما، هذا الأصل، فإذا قام الدليل على أن الذات واحدة صار من باب عطف الصفات. اقرأ قول الله عز وجل: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى ١ - ٤] هذا العطف من باب عطف الصفات؛ لأن الموصوف واحد، لكن الأصل في العطف أنه من باب أيش؟ تغاير الذوات، ما لم يقم دليل على أن المعطوف عليه شيء واحد فيكون من باب عطف الصفات بعضها على بعض لموصوف واحد. الآيات التي معنا من أي القسمين؟ من باب عطف الصفات؛ لأن الموصوف واحد. ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ ﴿الْأَزْوَاجَ﴾ بمعنى: الأصناف كما قال عز وجل: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات ٢٢] أي: أصنافهم، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص ٥٨]. ﴿خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ أي: الأصناف، كل الأصناف الخالق لها هو الله عز وجل. وإنك لتعجب حينما تأتي إلى روضة تجد هذه الأشجار بعضها زهرها أحمر، وبعضها أزرق، وبعضها أصفر؛ ملونة، من الذي خلقها ولونها؟ هو الله عز وجل. ويحتمل في الآية معنى آخر ﴿خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ يعني الشيئين المزدوجين اللذين يتولد بينهما ثالث؛ كالذكر والأنثى، والسالب والموجب، وما أشبه ذلك، الآية تحتمل المعنيين جميعًا وهما لا يتنافيان فتُحْمَل عليهما جميعًا. (﴿خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ﴾ السفن، ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾ كالإبل، ﴿مَا تَرْكَبُونَ﴾ ) ﴿جَعَلَ لَكُمْ﴾ بمعنى صير، وقوله: ﴿مَا تَرْكَبُونَ﴾ مفعول ﴿جَعَلَ﴾ أي: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ﴾ وهي السفن البحرية، وكان الناس لا يعرفون سواها فيما سبق، الآن جاءت السفن الجوية، وهي؟ * طالب: الطائرات. * الشيخ: الطائرات، أما الأنعام فمثل الإبل، والبغال وغيرها مما يركب. ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ [الزخرف ١٢] أي: الذي تركبون، وهذه من نعمة الله عز وجل. ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ اللام لام العاقبة، وليست لام التعليل؛ لأنه من الممكن أن يكون عند الإنسان أنعام كثيرة، إبل كثيرة، ولا يركبها، لكن اللام للعاقبة. تأتي اللام للعاقبة في القرآن الكريم وغيره كثيرًا، ومنه قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨]، اللام في قوله: ﴿لِيَكُونَ﴾ ليست للتعليل؛ لأن آل فرعون لم يلتقطوه لهذا الغرض، لكن التقطوه فصارت هذه النتيجة، وتُسمَّى اللام في مثل هذا تُسمَّى لام العاقبة. وقوله: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ أي: تعلوا عليها، وتستقروا عليها، ﴿عَلَى ظُهُورِهِ﴾ يقول: (ذكَّر الضمير وجمع الظهر نظرًا للفظ (ما) ومعناها). ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ جمَعَ الظَّهر، ولم يقل: على ظهره، وأفرد الضمير، ولم يقل: على ظهورها؛ نظرًا للفظ (ما) ومعناها؛ لأن (ما) تصلح للمفرد وللجمع، فتارة يُراعى اللفظ، وتارة يُراعى المعنى، إذا رُوعي اللفظ أُفرِد الضمير، وإذا رُوعي المعنى صار بحسب المعنى المقصود، وكذلك (مَن) تارة يراعى لفظها، وتارة يراعى معناها؛ اقرأ قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الطلاق ١١]، ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ﴾ راعى أيش؟ * طلبة: اللفظ. * الشيخ: اللفظ أفرده، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ المعنى. ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ أي: ظهور ما تركبون من الفلك والأنعام، فجمعها باعتبار المعنى، وأفردها باعتبار اللفظ. ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ لأنه إن استوى الإنسان على الفلك أو على الأنعام يتذكَّر نعمة الله عليه، حيث يسَّر له هذا المركوب، ولولا تيسير الله ما تمكن من هذا، لو جعل الله الإبل صعبةً لا يمكن أن تُرْكب ما انتفع الناس بها، ولو فُقِدت السفن ما استطاع الناس أن يعبروا من يابس إلى يابس، فليذْكُر الإنسان نعمة الله إذا استوى على ظهره، ﴿وَتَقُولُوا﴾ أي: بألسنتكم معترفين بقلوبكم، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ أي: ذللَّه لنا، (﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ مطيقين)، ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ قال: (لمنصرفون). * من فوائد هذه الآية الكريمة: نعمة الله عز وجل على عباده؛ حيث جعل لهم من الفلك والأنعام ما يركبونه، وذكرنا أن الفُلك يشمل الفلك الجوي والبحري، ويمكن أن نقول: والبري أيضًا كالسيارات، فهذه أفلاك، فإذن الأفلاك جوية، وبحرية، وبرية. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تذليل الله عز وجل الأنعام لنا؛ حيث سخرها لنركبها ونحملها وهي ذليلة بين أيدينا؛ لقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ﴾. * ومن فوائد هذه الآية: أنه ينبغي للإنسان إذا ركب الأنعام وكذلك الفُلك أن يجعل مركبه مريحًا؛ لقوله: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾؛ إذ إنه لو لم يكن مريحًا لم تتم النعمة، فينبغي أن يجعله مريحًا بقدر الإمكان وعلى حسب الحال. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يتذكر نعمة الله عليه بما سخر له من الفلك والأنعام؛ لقوله: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾، النعمة هنا مفرد مضاف فهل المراد أن نذكر جميع النعم أو نذكر النعمة المناسبة للحال؟ الظاهر هو الثاني؛ لأن الإنسان قد لا يستحضر حينما يركب كل النعم من الأموال والأولاد والأمن والطمأنينة، ولكن يذكر النعمة الحاضرة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: استحباب هذا الذكر عند الركوب، وهو: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾. فإن قال قائل: لماذا اختير كلمة (سبحان) دون (الله أكبر) مثلًا؟ فالجواب: أن تسبيحَ الله يعني: تنزيهه عن كل نقص وعيب، بخلاف الإنسان فإنه محتاج إلى الركوب، فهو ناقص، فناسب أن يقول: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ حتى يتذكَّر بذلك أنه هو في حاجةٍ إلى هذه المركوبات، وأن الله عز وجل منزه عن الحاجة. يعني لو قال قائل: لماذا لم يقل: ما أعظم منة الله عليكم أو الله أكبر؟ فالجواب: أنه لما رأى نفسه محتاجًا إلى الركوب نزَّه الله عز وجل عن الحاجة، فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾. * ومن فوائد الآية: أن نذكُر نعمة الله علينا بتسخير هذه الأنعام؛ لقوله: ﴿الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾؛ أي: مطيقين، لولا أن الله سخَّر البعير لنا ما أطقناها، البعير أقوى منا، وأكبر منا جسمًا، لو أن الله سبحانه تعالى جعلها صعبة هل يمكن لأحد أن يستقرَّ عليها، أو أن يحمِّل عليها، أو أن يدخلها إلى أي مكان شاء، أو أن يخرجها متى شاء؟ لا، ولكن الله سخرها لنا. * ومن فوائد الآية الكريمة: اعترافُ العبد بقصوره وضعفه؛ لقوله: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾؛ أي: مطيقين. * ومن فوائد الآية: أن الإنسان إذا ركب هذه المركوبات يتذكَّر الركوب الذي هو غاية الدنيا؛ لقوله: ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾، وتفسير المؤلف رحمه الله لها بالانصراف -أي: منصرفون إلى الله- فيه قصور، والصواب ما ذكرنا أنك إذا ركبت فتذكر ركوبك على النعش حين تنقلب إلى الله عزَّ وجل، فيكون في هذا تذكر للحال المستقبل لبني آدم، وهي حال الانقلاب إلى الله عز وجل. هل هذا الذكر خاص بما إذا ركب للسَّفر أو هو عام؟ الجواب: عام، كلما ركبت السيارة أو البعير أو الطائرة فاذكر هذا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾.

الزخرف 43:13

﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ [الزخرف: ١٢] هذه عطف على ما سبق، وهو من باب عطف الصفات، وليس من باب عطف الذوات، والأصل في العطف أن يكون بين متغايرين في ذاتهما، هذا الأصل، فإذا قام الدليل على أن الذات واحدة صار من باب عطف الصفات. اقرأ قول الله عز وجل: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى ١ - ٤] هذا العطف من باب عطف الصفات؛ لأن الموصوف واحد، لكن الأصل في العطف أنه من باب أيش؟ تغاير الذوات، ما لم يقم دليل على أن المعطوف عليه شيء واحد فيكون من باب عطف الصفات بعضها على بعض لموصوف واحد. الآيات التي معنا من أي القسمين؟ من باب عطف الصفات؛ لأن الموصوف واحد. ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ ﴿الْأَزْوَاجَ﴾ بمعنى: الأصناف كما قال عز وجل: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات ٢٢] أي: أصنافهم، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص ٥٨]. ﴿خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ أي: الأصناف، كل الأصناف الخالق لها هو الله عز وجل. وإنك لتعجب حينما تأتي إلى روضة تجد هذه الأشجار بعضها زهرها أحمر، وبعضها أزرق، وبعضها أصفر؛ ملونة، من الذي خلقها ولونها؟ هو الله عز وجل. ويحتمل في الآية معنى آخر ﴿خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ يعني الشيئين المزدوجين اللذين يتولد بينهما ثالث؛ كالذكر والأنثى، والسالب والموجب، وما أشبه ذلك، الآية تحتمل المعنيين جميعًا وهما لا يتنافيان فتُحْمَل عليهما جميعًا. (﴿خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ﴾ السفن، ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾ كالإبل، ﴿مَا تَرْكَبُونَ﴾ ) ﴿جَعَلَ لَكُمْ﴾ بمعنى صير، وقوله: ﴿مَا تَرْكَبُونَ﴾ مفعول ﴿جَعَلَ﴾ أي: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ﴾ وهي السفن البحرية، وكان الناس لا يعرفون سواها فيما سبق، الآن جاءت السفن الجوية، وهي؟ * طالب: الطائرات. * الشيخ: الطائرات، أما الأنعام فمثل الإبل، والبغال وغيرها مما يركب. ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ [الزخرف ١٢] أي: الذي تركبون، وهذه من نعمة الله عز وجل. ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ اللام لام العاقبة، وليست لام التعليل؛ لأنه من الممكن أن يكون عند الإنسان أنعام كثيرة، إبل كثيرة، ولا يركبها، لكن اللام للعاقبة. تأتي اللام للعاقبة في القرآن الكريم وغيره كثيرًا، ومنه قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨]، اللام في قوله: ﴿لِيَكُونَ﴾ ليست للتعليل؛ لأن آل فرعون لم يلتقطوه لهذا الغرض، لكن التقطوه فصارت هذه النتيجة، وتُسمَّى اللام في مثل هذا تُسمَّى لام العاقبة. وقوله: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ أي: تعلوا عليها، وتستقروا عليها، ﴿عَلَى ظُهُورِهِ﴾ يقول: (ذكَّر الضمير وجمع الظهر نظرًا للفظ (ما) ومعناها). ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ جمَعَ الظَّهر، ولم يقل: على ظهره، وأفرد الضمير، ولم يقل: على ظهورها؛ نظرًا للفظ (ما) ومعناها؛ لأن (ما) تصلح للمفرد وللجمع، فتارة يُراعى اللفظ، وتارة يُراعى المعنى، إذا رُوعي اللفظ أُفرِد الضمير، وإذا رُوعي المعنى صار بحسب المعنى المقصود، وكذلك (مَن) تارة يراعى لفظها، وتارة يراعى معناها؛ اقرأ قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الطلاق ١١]، ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ﴾ راعى أيش؟ * طلبة: اللفظ. * الشيخ: اللفظ أفرده، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ المعنى. ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ أي: ظهور ما تركبون من الفلك والأنعام، فجمعها باعتبار المعنى، وأفردها باعتبار اللفظ. ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ لأنه إن استوى الإنسان على الفلك أو على الأنعام يتذكَّر نعمة الله عليه، حيث يسَّر له هذا المركوب، ولولا تيسير الله ما تمكن من هذا، لو جعل الله الإبل صعبةً لا يمكن أن تُرْكب ما انتفع الناس بها، ولو فُقِدت السفن ما استطاع الناس أن يعبروا من يابس إلى يابس، فليذْكُر الإنسان نعمة الله إذا استوى على ظهره، ﴿وَتَقُولُوا﴾ أي: بألسنتكم معترفين بقلوبكم، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ أي: ذللَّه لنا، (﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ مطيقين)، ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ قال: (لمنصرفون). * من فوائد هذه الآية الكريمة: نعمة الله عز وجل على عباده؛ حيث جعل لهم من الفلك والأنعام ما يركبونه، وذكرنا أن الفُلك يشمل الفلك الجوي والبحري، ويمكن أن نقول: والبري أيضًا كالسيارات، فهذه أفلاك، فإذن الأفلاك جوية، وبحرية، وبرية. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تذليل الله عز وجل الأنعام لنا؛ حيث سخرها لنركبها ونحملها وهي ذليلة بين أيدينا؛ لقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ﴾. * ومن فوائد هذه الآية: أنه ينبغي للإنسان إذا ركب الأنعام وكذلك الفُلك أن يجعل مركبه مريحًا؛ لقوله: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾؛ إذ إنه لو لم يكن مريحًا لم تتم النعمة، فينبغي أن يجعله مريحًا بقدر الإمكان وعلى حسب الحال. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يتذكر نعمة الله عليه بما سخر له من الفلك والأنعام؛ لقوله: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾، النعمة هنا مفرد مضاف فهل المراد أن نذكر جميع النعم أو نذكر النعمة المناسبة للحال؟ الظاهر هو الثاني؛ لأن الإنسان قد لا يستحضر حينما يركب كل النعم من الأموال والأولاد والأمن والطمأنينة، ولكن يذكر النعمة الحاضرة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: استحباب هذا الذكر عند الركوب، وهو: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾. فإن قال قائل: لماذا اختير كلمة (سبحان) دون (الله أكبر) مثلًا؟ فالجواب: أن تسبيحَ الله يعني: تنزيهه عن كل نقص وعيب، بخلاف الإنسان فإنه محتاج إلى الركوب، فهو ناقص، فناسب أن يقول: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ حتى يتذكَّر بذلك أنه هو في حاجةٍ إلى هذه المركوبات، وأن الله عز وجل منزه عن الحاجة. يعني لو قال قائل: لماذا لم يقل: ما أعظم منة الله عليكم أو الله أكبر؟ فالجواب: أنه لما رأى نفسه محتاجًا إلى الركوب نزَّه الله عز وجل عن الحاجة، فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾. * ومن فوائد الآية: أن نذكُر نعمة الله علينا بتسخير هذه الأنعام؛ لقوله: ﴿الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾؛ أي: مطيقين، لولا أن الله سخَّر البعير لنا ما أطقناها، البعير أقوى منا، وأكبر منا جسمًا، لو أن الله سبحانه تعالى جعلها صعبة هل يمكن لأحد أن يستقرَّ عليها، أو أن يحمِّل عليها، أو أن يدخلها إلى أي مكان شاء، أو أن يخرجها متى شاء؟ لا، ولكن الله سخرها لنا. * ومن فوائد الآية الكريمة: اعترافُ العبد بقصوره وضعفه؛ لقوله: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾؛ أي: مطيقين. * ومن فوائد الآية: أن الإنسان إذا ركب هذه المركوبات يتذكَّر الركوب الذي هو غاية الدنيا؛ لقوله: ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾، وتفسير المؤلف رحمه الله لها بالانصراف -أي: منصرفون إلى الله- فيه قصور، والصواب ما ذكرنا أنك إذا ركبت فتذكر ركوبك على النعش حين تنقلب إلى الله عزَّ وجل، فيكون في هذا تذكر للحال المستقبل لبني آدم، وهي حال الانقلاب إلى الله عز وجل. هل هذا الذكر خاص بما إذا ركب للسَّفر أو هو عام؟ الجواب: عام، كلما ركبت السيارة أو البعير أو الطائرة فاذكر هذا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾.

الزخرف 43:14

﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ [الزخرف: ١٢] هذه عطف على ما سبق، وهو من باب عطف الصفات، وليس من باب عطف الذوات، والأصل في العطف أن يكون بين متغايرين في ذاتهما، هذا الأصل، فإذا قام الدليل على أن الذات واحدة صار من باب عطف الصفات. اقرأ قول الله عز وجل: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى ١ - ٤] هذا العطف من باب عطف الصفات؛ لأن الموصوف واحد، لكن الأصل في العطف أنه من باب أيش؟ تغاير الذوات، ما لم يقم دليل على أن المعطوف عليه شيء واحد فيكون من باب عطف الصفات بعضها على بعض لموصوف واحد. الآيات التي معنا من أي القسمين؟ من باب عطف الصفات؛ لأن الموصوف واحد. ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ ﴿الْأَزْوَاجَ﴾ بمعنى: الأصناف كما قال عز وجل: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات ٢٢] أي: أصنافهم، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص ٥٨]. ﴿خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ أي: الأصناف، كل الأصناف الخالق لها هو الله عز وجل. وإنك لتعجب حينما تأتي إلى روضة تجد هذه الأشجار بعضها زهرها أحمر، وبعضها أزرق، وبعضها أصفر؛ ملونة، من الذي خلقها ولونها؟ هو الله عز وجل. ويحتمل في الآية معنى آخر ﴿خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ يعني الشيئين المزدوجين اللذين يتولد بينهما ثالث؛ كالذكر والأنثى، والسالب والموجب، وما أشبه ذلك، الآية تحتمل المعنيين جميعًا وهما لا يتنافيان فتُحْمَل عليهما جميعًا. (﴿خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ﴾ السفن، ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾ كالإبل، ﴿مَا تَرْكَبُونَ﴾ ) ﴿جَعَلَ لَكُمْ﴾ بمعنى صير، وقوله: ﴿مَا تَرْكَبُونَ﴾ مفعول ﴿جَعَلَ﴾ أي: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ﴾ وهي السفن البحرية، وكان الناس لا يعرفون سواها فيما سبق، الآن جاءت السفن الجوية، وهي؟ * طالب: الطائرات. * الشيخ: الطائرات، أما الأنعام فمثل الإبل، والبغال وغيرها مما يركب. ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ [الزخرف ١٢] أي: الذي تركبون، وهذه من نعمة الله عز وجل. ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ اللام لام العاقبة، وليست لام التعليل؛ لأنه من الممكن أن يكون عند الإنسان أنعام كثيرة، إبل كثيرة، ولا يركبها، لكن اللام للعاقبة. تأتي اللام للعاقبة في القرآن الكريم وغيره كثيرًا، ومنه قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨]، اللام في قوله: ﴿لِيَكُونَ﴾ ليست للتعليل؛ لأن آل فرعون لم يلتقطوه لهذا الغرض، لكن التقطوه فصارت هذه النتيجة، وتُسمَّى اللام في مثل هذا تُسمَّى لام العاقبة. وقوله: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ أي: تعلوا عليها، وتستقروا عليها، ﴿عَلَى ظُهُورِهِ﴾ يقول: (ذكَّر الضمير وجمع الظهر نظرًا للفظ (ما) ومعناها). ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ جمَعَ الظَّهر، ولم يقل: على ظهره، وأفرد الضمير، ولم يقل: على ظهورها؛ نظرًا للفظ (ما) ومعناها؛ لأن (ما) تصلح للمفرد وللجمع، فتارة يُراعى اللفظ، وتارة يُراعى المعنى، إذا رُوعي اللفظ أُفرِد الضمير، وإذا رُوعي المعنى صار بحسب المعنى المقصود، وكذلك (مَن) تارة يراعى لفظها، وتارة يراعى معناها؛ اقرأ قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الطلاق ١١]، ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ﴾ راعى أيش؟ * طلبة: اللفظ. * الشيخ: اللفظ أفرده، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ المعنى. ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ أي: ظهور ما تركبون من الفلك والأنعام، فجمعها باعتبار المعنى، وأفردها باعتبار اللفظ. ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ لأنه إن استوى الإنسان على الفلك أو على الأنعام يتذكَّر نعمة الله عليه، حيث يسَّر له هذا المركوب، ولولا تيسير الله ما تمكن من هذا، لو جعل الله الإبل صعبةً لا يمكن أن تُرْكب ما انتفع الناس بها، ولو فُقِدت السفن ما استطاع الناس أن يعبروا من يابس إلى يابس، فليذْكُر الإنسان نعمة الله إذا استوى على ظهره، ﴿وَتَقُولُوا﴾ أي: بألسنتكم معترفين بقلوبكم، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ أي: ذللَّه لنا، (﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ مطيقين)، ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ قال: (لمنصرفون). * من فوائد هذه الآية الكريمة: نعمة الله عز وجل على عباده؛ حيث جعل لهم من الفلك والأنعام ما يركبونه، وذكرنا أن الفُلك يشمل الفلك الجوي والبحري، ويمكن أن نقول: والبري أيضًا كالسيارات، فهذه أفلاك، فإذن الأفلاك جوية، وبحرية، وبرية. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تذليل الله عز وجل الأنعام لنا؛ حيث سخرها لنركبها ونحملها وهي ذليلة بين أيدينا؛ لقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ﴾. * ومن فوائد هذه الآية: أنه ينبغي للإنسان إذا ركب الأنعام وكذلك الفُلك أن يجعل مركبه مريحًا؛ لقوله: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾؛ إذ إنه لو لم يكن مريحًا لم تتم النعمة، فينبغي أن يجعله مريحًا بقدر الإمكان وعلى حسب الحال. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يتذكر نعمة الله عليه بما سخر له من الفلك والأنعام؛ لقوله: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾، النعمة هنا مفرد مضاف فهل المراد أن نذكر جميع النعم أو نذكر النعمة المناسبة للحال؟ الظاهر هو الثاني؛ لأن الإنسان قد لا يستحضر حينما يركب كل النعم من الأموال والأولاد والأمن والطمأنينة، ولكن يذكر النعمة الحاضرة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: استحباب هذا الذكر عند الركوب، وهو: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾. فإن قال قائل: لماذا اختير كلمة (سبحان) دون (الله أكبر) مثلًا؟ فالجواب: أن تسبيحَ الله يعني: تنزيهه عن كل نقص وعيب، بخلاف الإنسان فإنه محتاج إلى الركوب، فهو ناقص، فناسب أن يقول: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ حتى يتذكَّر بذلك أنه هو في حاجةٍ إلى هذه المركوبات، وأن الله عز وجل منزه عن الحاجة. يعني لو قال قائل: لماذا لم يقل: ما أعظم منة الله عليكم أو الله أكبر؟ فالجواب: أنه لما رأى نفسه محتاجًا إلى الركوب نزَّه الله عز وجل عن الحاجة، فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾. * ومن فوائد الآية: أن نذكُر نعمة الله علينا بتسخير هذه الأنعام؛ لقوله: ﴿الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾؛ أي: مطيقين، لولا أن الله سخَّر البعير لنا ما أطقناها، البعير أقوى منا، وأكبر منا جسمًا، لو أن الله سبحانه تعالى جعلها صعبة هل يمكن لأحد أن يستقرَّ عليها، أو أن يحمِّل عليها، أو أن يدخلها إلى أي مكان شاء، أو أن يخرجها متى شاء؟ لا، ولكن الله سخرها لنا. * ومن فوائد الآية الكريمة: اعترافُ العبد بقصوره وضعفه؛ لقوله: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾؛ أي: مطيقين. * ومن فوائد الآية: أن الإنسان إذا ركب هذه المركوبات يتذكَّر الركوب الذي هو غاية الدنيا؛ لقوله: ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾، وتفسير المؤلف رحمه الله لها بالانصراف -أي: منصرفون إلى الله- فيه قصور، والصواب ما ذكرنا أنك إذا ركبت فتذكر ركوبك على النعش حين تنقلب إلى الله عزَّ وجل، فيكون في هذا تذكر للحال المستقبل لبني آدم، وهي حال الانقلاب إلى الله عز وجل. هل هذا الذكر خاص بما إذا ركب للسَّفر أو هو عام؟ الجواب: عام، كلما ركبت السيارة أو البعير أو الطائرة فاذكر هذا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾.

الزخرف 43:15

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف ١٥]، ﴿وَجَعَلُوا﴾ الضمير يعود على مشركي قريش؛ أي: صيَّروا، ﴿لَهُ﴾ أي: لله، ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي: من مخلوقاته، وجميع المخلوقات عِبادٌ لله عز وجل، والمراد بالعباد هنا الملائكة، ﴿جُزْءًا﴾ أي: بعضًا منه؛ حيث قالوا: الملائكة بنات الله، اليهود قالوا: عزيرٌ ابن الله، النصارى قالوا: المسيح ابن الله. وقوله: ﴿جُزْءًا﴾؛ لأن الولد جزء من أبيه، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ابنته فاطمة: «إِنَّهَا بَضْعَةٌ مِنِّي»[[أخرج البخاري (٣٧١٤) ومسلم (٢٤٤٩/٩٤) بسنده عن المسور بن مخرمة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ، قال: «فاطمة بضعة مني، فمَن أغضبها أغضبني».]]. هؤلاء المشركون -والعياذ بالله- جعلوا لله من عباده جزءًا، وتأمل قوله: ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ يتبين لك أن كونهم عبادًا لله يمنع غاية المنع أن يكونوا جزءًا من الله عز وجل؛ لأن المعبود غير العابد، فلا يمكن أن يكون العابد جزءًا من المعبود. ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ المراد الجنس؛ يعني: إن جنس الإنسان لكفور بَيَّنُ الكفر. فلا يَرِد على هذا أن يقال: من الإنسان ما هو مؤمن كامل الإيمان؛ لأننا نقول: إنه قد يراد به الجنس، كقوله: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب ٧٢]، والمؤمن ليس ظلومًا جهولًا، لكن جنس الإنسان ظلوم جهول. فإذا قال قائل: هل كل ما جاء بمثل هذا التعبير نحملها على الجنس؟ فالجواب: لا، لا نحمله على الجنس إلا إذا قام الدليل على هذا، وإلَّا فالأصل العموم، كقوله: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨]، هذه المراد الجنس ولَّا كل إنسان؟ المراد كل إنسان، لكن إذا تعذَّر أن نحملها على العموم جعلناها للجنس. وأضرب لكم مثلًا ليتبين به المقال: الرجل خير من المرأة، المراد الجنس، وليس المعنى: كل واحد من الرجال خير من كل امرأة من النساء؛ لأن من النساء مَن هي خير من كثير من الرجال، لكن المراد الجنس؛ يعني: هذا الجنس خير من هذا الجنس. * طالب: بارك الله فيكم يا شيخ، بدأ الله عز وجل في هذه السورة بقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾.. جعلناها للجنس. وأضرب لكم مثلًا ليتبين المقال: الرجل خير من المرأة، المراد؟ * طلبة: الجنس. * الشيخ: الجنس، وليس المعنى: كل واحد من الرجال خير من كل ما امرأة من النساء؛ لأن من النساء من هو خير من كثير من الرجال، لكن المراد الجنس؛ يعني هذا الجنس خير من هذا الجنس. * طالب: بارك الله فيكم يا شيخ، بدأ الله عز وجل في هذه السورة بقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف ٣]، ثم بعد ذلك قال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ [الزخرف ١٠]، ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ﴾ [الزخرف ١٢]؛ جعَلَ، جعَلَ، جعَلَ، ثم جاء بعدها: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف ١٥]، فهل فيه ترابط بينها..؟ * الشيخ: تناسق. * الطالب: تناسق نعم. * الشيخ: قد يقال: إن هذا تناسق لفظي؛ لأنه أحيانًا يكون الكلام إذا كان على نسق واحد أبلغ، فيكون هذا من باب التناسق اللفظي. * طالب: دعاء نزول المكان: «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ»[[أخرجه مسلم (٢٧٠٨ / ٥٤) من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.]]، هل هو خاص بالسفر أو عام؟ * الشيخ: لا، عام، حتى إذا نزلت بينًا تقول: أعوذ بكلمات الله التامات، وعند النوم تقول: أعوذ بكلمات الله التامات، وفي أطراف الليل والنهار: أعوذ بكلمات الله التامات. * الطالب: المسجد؟ * الشيخ: المسجد له ذكر خاص، والمسجدُ الإنسانُ ما هو نازل فيه، إنما هو مقيم لطاعة معيَّنةٍ ويمشي. * طالب: يا شيخ حفظكم الله، المصعد الكهربائي يشرع فيه هذا الدعاء: سبحان الذي سخر لنا هذا؟ * الشيخ: هذا محل نظر؛ لأن هذا المصعد الكهربائي بمنزلة الدرجة وليس بمنزلة الراكب اللي يسير، هذا يصعد إلى فوق، ففي كونه من باب المركوبات نظرٌ. * طالب: تفسير ﴿جَعَلْنَاهُ﴾؟ * الشيخ: بمعنى: صيَّرناه، أحيانًا (جعل) تكون بمعنى صيَّرَ، وأحيانًا بمعنى خلَقَ، حسب السياق؛ إذا نصبت المفعولين فهي بمعنى صيَّر، وإن نصبت مفعولًا واحدًا فهي بمعنى خلَقَ، مثل قولِه تعالى ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام ١] هذه بمعنى خلَقَ؛ لأنها لم تنصب إلا مفعولًا واحدًا، أما إذا نصبت مفعولين فهي بمعنى صيَّر. * طالب: يا شيخ، قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الزخرف ١٠]، المقصود بالهداية هداية الطرق، كما ذكرتم فضيلتكم، هل يمكن أن يُحْمل على هداية الاعتبار بالآية؟ * الشيخ: لا، أصل هذا يمنع هذا. * طالب: يا شيخ، في قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، فيه بعض الكلمات في القرآن أصلها جديد (...)؟ * الشيخ: هذا يسأل يقول: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ مع أن فيه بعض كلمات القرآن ما أصله غير عربي، نقول: إنه لما تكلمت به العرب صار عربيًّا بالاستعمال وإن كان أصله غير عربي. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨) وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف ١٥ - ١٩]. * الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فإن تفسير القرآن العظيم من أهم واجبات المسلمين أن يعرفوا معنى كلام الله سبحانه وتعالى؛ لأن الكلام إذا لم يُفْهَم معناه لا يُنْتَفَع به، والذي يقرأ ولا يفهم بمنزلة الأمي الذي لا يقرأ، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة ٧٨]؛ أي: إلا قراءة، فسمَّاهم الله أمِّيين. والقرآن يُفَسَّر بالقرآن، فإن لم يكن فبالسنة، فإن لم يكن فبأقوال الصحابة ولا سيما المشهورون منهم بعلم التفسير، فإن لم يكن فبما قاله كبار التابعين من أهل التفسير، هذه هي القاعدة التي مشى عليها أهل السنة والجماعة. وأما التفسير بالرأي فمنهم المخطئ ومنهم المصيب، ولكن لا يجوز للإنسان أن يفسِّر القرآن برأيه، بمعنى أن يحول القرآن إلى رأيه، فإن من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار. مثال ذلك: الذين يفسِّرون قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة ٦٤] بأنهما النعمة، هؤلاء قالوا في القرآن برأيهم؛ لأن هذا المعنى غير المراد قطعًا، وكذلك الذين يقولون ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤]؛ يعني: استولى على العرش، فإن هذا مُنْكرٌ من القول، وتفسير الآية به من القول على الله بلا علم؛ من الافتراء على الله سبحانه وتعالى. هؤلاء نقول: إنهم قالوا في القرآن برأيهم؛ أي: حولوا القرآن إلى رأيهم، وأما من فسَّر القرآن بمقتضى الحقائق الشرعية واللغوية -إذا لم تكن حقيقة شرعية- فإنه لم يقُلْ في القرآن برأيه. وقد سبقت هذه القاعدة أول ما بدأنا في علم التفسير، فلتكن مرجعًا لكم، يُفَسَّر القرآن أولًا؟ * طلبة: بالقرآن. * الشيخ: ثم؟ * طلبة: بالسنة. * الشيخ: ثم؟ * طلبة: بأقوال الصحابة. * الشيخ: ثم؟ * الطلبة: كبار التابعين. * الشيخ: كبار التابعين الذين اعتنوا بالتفسير؛ كمجاهد بن جبر رحمه الله الذي أخذ التفسير عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه. سبق لنا في التفسير أن الله تعالى قاس الغائب على الحاضر، فما هو؟ * طالب: قوله تعالى ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الزخرف ١١]. * الشيخ: نعم. * الطالب: قاس الحاضر وهو إحياء.. * الشيخ: لا، ما هو الحاضر، قاس الغائب -وهو إحياء الموتى- على الحاضر الذي يشاهدونه؛ أنزل من السماء ماء، فأنبت به من كل الثمرات، فقاس المستقبل على الحاضر، وهذا من طرق التعليم والتفهيم. قوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الزخرف ١١]، ما المراد بالسماء؟ * طالب: السماء هي السقف الذي فوق الأرض. * الشيخ: إذن المطر ينزل من السماء الدنيا. * الطالب: من السماء الدنيا. * الشيخ: أكذلك تعتقد؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: أخطأت تفسيرًا واعتقادًا. * طالب: السماء -بارك الله فيكم- هي العلو. * الشيخ: المراد بها العلو؛ لأن من المعلوم أن المطر لا ينزل من السماء الدنيا إنما ينزل من السحاب المسخَّر بين السماء والأرض. هل هناك حكمة أن الله تعالى أنزله -أي المطر- من فوق ولا..؟ * طالب: لو كان المطر من الأرض لغرقت الأرض ولم يصل إلى قمم الجبال. * الشيخ: إي، يعني له حكمة؛ لأجل أن يروي الأرض عُلويها وسُفليها، تمام. هل هناك من حكمة أن الله جعله نقطًا؟ * طالب: حتى لا تغرق الأرض. * الشيخ: لا، هي تغرق وإن كان نقطًا. * طالب: حتى لا يتهدم البنيان. * الشيخ: نعم، حتى لا تفسد الأرض ويتهدم البنيان، لو كان ينزل كأفواه القِرب لفسدت الأرض، لكن من حكمة الله أنه أنزله نقطًا. قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف ١٥] ﴿جَعَلُوا﴾ الضمير يعود على المشركين وعلى اليهود وعلى النصارى، ﴿لَهُ﴾ أي: لله، ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي: مخلوقاته، ﴿جُزْءًا﴾ أي بعضًا؛ وذلك لقول المشركين: إن الملائكة بنات الله، وقول اليهود: إن عُزيرًا ابن الله، وقول النصارى: إن المسيح ابن الله. ووجه كونه جزءًا أن الولد جزءٌ من أبيه، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ابنته فاطمة رضي الله عنها: «إِنَّهَا بَضْعَةٌ مِنِّي، يَرِيبُهَا مَا رَابَنِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٣٠) ومسلم (٢٤٤٩ / ٩٣) بلفظ: «فإنما ابنتي بضعة مني، يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها».]]، حينما تحدَّث الناس أن علي بن أبي طالب يريد أن يتزوج عليها بنت أبي جهل، فأنكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذلك، وقال: لا يمكن أن تكون بنت نبي الله مع ابنة عدو الله[[أخرج البخاري (٣٧٢٩) عن المسور بن مخرمة قال: إن عليًّا خطب بنت أبي جهل، فسمعت بذلك، فاطمة فأتت رسول الله ﷺ، فقالت: يزعم قومك أنك لا تغضب لبناتك، وهذا علي ناكح بنت أبي جهل، فقام رسول الله ﷺ، فسمعته حين تشهد، يقول: «أما بعد، أنكحت أبا العاص بن الربيع، فحدثني وصدقني، وإن فاطمة بضعة مني، وإني أكره أن يسوءها، والله لا تجتمع بنت رسول الله ﷺ وبنت عدو الله عند رجل واحد».]]. إذن الجزء: البعض، والقائل ثلاثة أصناف من الناس: المشركون، واليهود، والنصارى. ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾ المراد الجنس، ﴿لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ أي: بيِّنُ الكفر؛ وذلك أن (بان) بمعنى (ظهَرَ) تكون بالهمز وتكون بغير الهمز، بمعنى أنه يجوز لغةً أن تقول: بان الفجرُ، وأبان الفجرُ، وعليه فيكون معنى ﴿مُبِينٌ﴾ أي: واضح الكفر، ولا شك أن الذي يقول: الملائكة بنات الله، أو عيسى ابن الله، أو عزير ابن الله، لا شك أنه كفَرَ كُفْرًا بيِّنًا. وتُسْتَعمل (أبان) بالهمز مُتعدِّيةً، يقال: أبان الشيءَ؛ بمعنى: أظهره. ومنه قوله تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الزخرف ١، ٢] الذي سبق في أول السورة؛ أي: المظهِر للحقائق، المبيِّن لها. ثم قال الله عز وجل: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ [الزخرف ١٦] (أمْ) هنا منقطعة بمعنى: بل والهمزة. واعلم أن (أمْ) تأتي متصلة إذا كانت بين شيئين متساويين، ومنقطعة إذا كان ما بعدها منقطع عما قبلها، ففي قوله تعالى: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [يس ١٠] هذه؟ * طالب: متصلة. * الشيخ: متصلة، وفي مثل هذه الآية (أم) منقطعة، المنقطعة يُقَدِّرها النحويون بـ(بل والهمزة)؛ (بل أَتَّخَذ). * طالب: (أمْ: بمعنى همزة الإنكار، والقول مقدر؛ أي: أتقولون ﴿اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ لنفسه، ﴿وَأَصْفَاكُمْ﴾ أخلصكم، ﴿بِالْبَنِينَ﴾ اللازم من قولكم السابق، فهو من جملة المنكَرِ). * الشيخ: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ قدَّره المؤلف بمعنى: (بل أيقولون)، ولا حاجة لهذا التقدير، بل هو كلام من عند الله أنكره على هؤلاء؛ يعني بل على قولكم اتَّخذ مما يخلق بنات؛ لأنهم قالوا الملائكة بنات الله. ﴿وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ يعني: وأخلصكم بالبنين وخصَّكم بها؛ لأنهم يقولون: البنات لله، والبنون لنا. فهل هذا عدل؟ هل هذا حق؟ هذا منكر وجور، على الأقل لو قالوا: إنهم سواء، لكان أهون مع أنه منكر، لكن يجعلون لله البنات ولهم ما يشتهون، هذا غاية ما يكون من الجور والظلم. ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ وهم الملائكة الذين زعموا أنهم بنات الله، ﴿وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ فالهمزة إذن المقدَّرة للإنكار. * في هذه الآيتين فوائد؛ منها: أن الولد جزء من والده؛ لقوله ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾، ولذلك كان الولد في التعصيب في باب الميراث مُقَدَّمًا على الوالد؛ بمعنى أنه لو مات ميتٌ عن أبيه وابنه؛ فلأبيه السدس فرضًا، والباقي للابن تعصيبًا، فسهمُ الابن الآن خمسةٌ من ستة، وسهمُ الأبِ واحد من ستة. لماذا؟ لأن الابن جزء من أبيه، فقُدِّمَ. * ومن الفوائد: أنه يجوز للأب أن يتملك من مال ولده؛ لأن ولده جزؤه، وإذا كان جزءًا منه صار كسائر جسده، ولهذا جاء في الحديث: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ»[[أخرجه ابن ماجه (٢٢٩١) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.]]، فللأب أن يتملَّك من مال ولده ما شاء، بشرط ألَّا يكون الولد محتاجًا إليه أو تتعلَّق به نفسه. فمثلًا: إذا كان عند الابن أمَةٌ قد تسرَّاها وتعلَّقت بها نفسه، فإنه لا يجوز للأب أن يتملَّكها، مع أنه لا يمكن أن يطأها؛ لأنها حليلة ابنه، لكن حتى ولا التملُّك. لماذا؟ لأن حاجته متعلقة بها. كذلك لو تعلَّقت بماله ضرورة؛ كابن عنده مال أعدَّه للمهر حين يتزوج، فليس للأب أن يأخذ منه شيئًا، كذلك لو كان عنده سيارة أعدَّها لحاجته وضرورته، فليس للأب أن يتملكها، إنما يتملك الفضل فقط، دليل هذا قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»[[أخرجه ابن ماجه (٢٣٤٠) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان عتو المشركين واليهود والنصارى، حيث جعلوا الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، جعلوه والدًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان بطبيعته كفور مبين، هذا إذا جعلنا (الإنسان) للجنس، أما إذا جعلنا (الإنسان) يعود على ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ فإنه يكون خاصًّا، لكن معنى الأول هو ظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب ٧٢]، فأصل الإنسان الظلم والجهل، إلا أن يَمُنَّ الله عليه بالعلم والإيمان. * ومن فوائد الآية الثانية: الإنكار على هؤلاء الذين جعلوا لله ولدًا؛ لقوله: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾. * ومن فوائده: أنه كيف يكون المخلوق ولدًا للخالق، ولهذا قال: ﴿مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾، وهذا لا يمكن؛ لأن المخلوق منفصل بائن عن الخالق، فلا يصح أن يكون ولدًا له. * ومن فوائد هذه الآية: الإشارة إلى جور أولئك القائلين بأن الملائكة بنات الله؛ لقوله: ﴿وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ يعني: أيُعْقَلُ أن يكون هكذا؟! ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ﴾ يعني بذلك قريشًا وأشباههم ممن يكرهون البنات ويَئِدُونهم، ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ﴾؛ أي: أُخْبِرَ بأن وُلِدَ له بنت ظلَّ وجهه مُسْودًّا. وقوله هنا: ﴿بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ ولم يقل كما قال في الآية الثانية: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى﴾ [النحل ٥٨]؛ لأنه سبقها ذكر قول هؤلاء: إن الملائكة بنات الله، فضربوها مثلًا لله عز وجل، إذا بُشِّرَ أحدهم بهذا الذي ضربوه مثلًا للرحمن، ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ أي: صار وجهه مُسودًّا، و(ظلَّ) هنا بالظاء المشالة؛ لأنها بمعنى صار، أما (ضلَّ) التي هي بالصاد فهي بمعنى: تاه وضاع، تقول: ضل الطريق بمعنى: تاه وأضاعه، أما ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ فهي بمعنى: صار وجهه مُسْودًّا؛ أي: بعد أن كان أبيض. وقوله: ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي: مملوءٌ غيظًا وحزنًا. اقرأ التفسير.

الزخرف 43:16

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف ١٥]، ﴿وَجَعَلُوا﴾ الضمير يعود على مشركي قريش؛ أي: صيَّروا، ﴿لَهُ﴾ أي: لله، ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي: من مخلوقاته، وجميع المخلوقات عِبادٌ لله عز وجل، والمراد بالعباد هنا الملائكة، ﴿جُزْءًا﴾ أي: بعضًا منه؛ حيث قالوا: الملائكة بنات الله، اليهود قالوا: عزيرٌ ابن الله، النصارى قالوا: المسيح ابن الله. وقوله: ﴿جُزْءًا﴾؛ لأن الولد جزء من أبيه، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ابنته فاطمة: «إِنَّهَا بَضْعَةٌ مِنِّي»[[أخرج البخاري (٣٧١٤) ومسلم (٢٤٤٩/٩٤) بسنده عن المسور بن مخرمة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ، قال: «فاطمة بضعة مني، فمَن أغضبها أغضبني».]]. هؤلاء المشركون -والعياذ بالله- جعلوا لله من عباده جزءًا، وتأمل قوله: ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ يتبين لك أن كونهم عبادًا لله يمنع غاية المنع أن يكونوا جزءًا من الله عز وجل؛ لأن المعبود غير العابد، فلا يمكن أن يكون العابد جزءًا من المعبود. ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ المراد الجنس؛ يعني: إن جنس الإنسان لكفور بَيَّنُ الكفر. فلا يَرِد على هذا أن يقال: من الإنسان ما هو مؤمن كامل الإيمان؛ لأننا نقول: إنه قد يراد به الجنس، كقوله: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب ٧٢]، والمؤمن ليس ظلومًا جهولًا، لكن جنس الإنسان ظلوم جهول. فإذا قال قائل: هل كل ما جاء بمثل هذا التعبير نحملها على الجنس؟ فالجواب: لا، لا نحمله على الجنس إلا إذا قام الدليل على هذا، وإلَّا فالأصل العموم، كقوله: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨]، هذه المراد الجنس ولَّا كل إنسان؟ المراد كل إنسان، لكن إذا تعذَّر أن نحملها على العموم جعلناها للجنس. وأضرب لكم مثلًا ليتبين به المقال: الرجل خير من المرأة، المراد الجنس، وليس المعنى: كل واحد من الرجال خير من كل امرأة من النساء؛ لأن من النساء مَن هي خير من كثير من الرجال، لكن المراد الجنس؛ يعني: هذا الجنس خير من هذا الجنس. * طالب: بارك الله فيكم يا شيخ، بدأ الله عز وجل في هذه السورة بقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾.. جعلناها للجنس. وأضرب لكم مثلًا ليتبين المقال: الرجل خير من المرأة، المراد؟ * طلبة: الجنس. * الشيخ: الجنس، وليس المعنى: كل واحد من الرجال خير من كل ما امرأة من النساء؛ لأن من النساء من هو خير من كثير من الرجال، لكن المراد الجنس؛ يعني هذا الجنس خير من هذا الجنس. * طالب: بارك الله فيكم يا شيخ، بدأ الله عز وجل في هذه السورة بقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف ٣]، ثم بعد ذلك قال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ [الزخرف ١٠]، ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ﴾ [الزخرف ١٢]؛ جعَلَ، جعَلَ، جعَلَ، ثم جاء بعدها: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف ١٥]، فهل فيه ترابط بينها..؟ * الشيخ: تناسق. * الطالب: تناسق نعم. * الشيخ: قد يقال: إن هذا تناسق لفظي؛ لأنه أحيانًا يكون الكلام إذا كان على نسق واحد أبلغ، فيكون هذا من باب التناسق اللفظي. * طالب: دعاء نزول المكان: «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ»[[أخرجه مسلم (٢٧٠٨ / ٥٤) من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.]]، هل هو خاص بالسفر أو عام؟ * الشيخ: لا، عام، حتى إذا نزلت بينًا تقول: أعوذ بكلمات الله التامات، وعند النوم تقول: أعوذ بكلمات الله التامات، وفي أطراف الليل والنهار: أعوذ بكلمات الله التامات. * الطالب: المسجد؟ * الشيخ: المسجد له ذكر خاص، والمسجدُ الإنسانُ ما هو نازل فيه، إنما هو مقيم لطاعة معيَّنةٍ ويمشي. * طالب: يا شيخ حفظكم الله، المصعد الكهربائي يشرع فيه هذا الدعاء: سبحان الذي سخر لنا هذا؟ * الشيخ: هذا محل نظر؛ لأن هذا المصعد الكهربائي بمنزلة الدرجة وليس بمنزلة الراكب اللي يسير، هذا يصعد إلى فوق، ففي كونه من باب المركوبات نظرٌ. * طالب: تفسير ﴿جَعَلْنَاهُ﴾؟ * الشيخ: بمعنى: صيَّرناه، أحيانًا (جعل) تكون بمعنى صيَّرَ، وأحيانًا بمعنى خلَقَ، حسب السياق؛ إذا نصبت المفعولين فهي بمعنى صيَّر، وإن نصبت مفعولًا واحدًا فهي بمعنى خلَقَ، مثل قولِه تعالى ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام ١] هذه بمعنى خلَقَ؛ لأنها لم تنصب إلا مفعولًا واحدًا، أما إذا نصبت مفعولين فهي بمعنى صيَّر. * طالب: يا شيخ، قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الزخرف ١٠]، المقصود بالهداية هداية الطرق، كما ذكرتم فضيلتكم، هل يمكن أن يُحْمل على هداية الاعتبار بالآية؟ * الشيخ: لا، أصل هذا يمنع هذا. * طالب: يا شيخ، في قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، فيه بعض الكلمات في القرآن أصلها جديد (...)؟ * الشيخ: هذا يسأل يقول: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ مع أن فيه بعض كلمات القرآن ما أصله غير عربي، نقول: إنه لما تكلمت به العرب صار عربيًّا بالاستعمال وإن كان أصله غير عربي. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨) وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف ١٥ - ١٩]. * الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فإن تفسير القرآن العظيم من أهم واجبات المسلمين أن يعرفوا معنى كلام الله سبحانه وتعالى؛ لأن الكلام إذا لم يُفْهَم معناه لا يُنْتَفَع به، والذي يقرأ ولا يفهم بمنزلة الأمي الذي لا يقرأ، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة ٧٨]؛ أي: إلا قراءة، فسمَّاهم الله أمِّيين. والقرآن يُفَسَّر بالقرآن، فإن لم يكن فبالسنة، فإن لم يكن فبأقوال الصحابة ولا سيما المشهورون منهم بعلم التفسير، فإن لم يكن فبما قاله كبار التابعين من أهل التفسير، هذه هي القاعدة التي مشى عليها أهل السنة والجماعة. وأما التفسير بالرأي فمنهم المخطئ ومنهم المصيب، ولكن لا يجوز للإنسان أن يفسِّر القرآن برأيه، بمعنى أن يحول القرآن إلى رأيه، فإن من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار. مثال ذلك: الذين يفسِّرون قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة ٦٤] بأنهما النعمة، هؤلاء قالوا في القرآن برأيهم؛ لأن هذا المعنى غير المراد قطعًا، وكذلك الذين يقولون ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤]؛ يعني: استولى على العرش، فإن هذا مُنْكرٌ من القول، وتفسير الآية به من القول على الله بلا علم؛ من الافتراء على الله سبحانه وتعالى. هؤلاء نقول: إنهم قالوا في القرآن برأيهم؛ أي: حولوا القرآن إلى رأيهم، وأما من فسَّر القرآن بمقتضى الحقائق الشرعية واللغوية -إذا لم تكن حقيقة شرعية- فإنه لم يقُلْ في القرآن برأيه. وقد سبقت هذه القاعدة أول ما بدأنا في علم التفسير، فلتكن مرجعًا لكم، يُفَسَّر القرآن أولًا؟ * طلبة: بالقرآن. * الشيخ: ثم؟ * طلبة: بالسنة. * الشيخ: ثم؟ * طلبة: بأقوال الصحابة. * الشيخ: ثم؟ * الطلبة: كبار التابعين. * الشيخ: كبار التابعين الذين اعتنوا بالتفسير؛ كمجاهد بن جبر رحمه الله الذي أخذ التفسير عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه. سبق لنا في التفسير أن الله تعالى قاس الغائب على الحاضر، فما هو؟ * طالب: قوله تعالى ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الزخرف ١١]. * الشيخ: نعم. * الطالب: قاس الحاضر وهو إحياء.. * الشيخ: لا، ما هو الحاضر، قاس الغائب -وهو إحياء الموتى- على الحاضر الذي يشاهدونه؛ أنزل من السماء ماء، فأنبت به من كل الثمرات، فقاس المستقبل على الحاضر، وهذا من طرق التعليم والتفهيم. قوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الزخرف ١١]، ما المراد بالسماء؟ * طالب: السماء هي السقف الذي فوق الأرض. * الشيخ: إذن المطر ينزل من السماء الدنيا. * الطالب: من السماء الدنيا. * الشيخ: أكذلك تعتقد؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: أخطأت تفسيرًا واعتقادًا. * طالب: السماء -بارك الله فيكم- هي العلو. * الشيخ: المراد بها العلو؛ لأن من المعلوم أن المطر لا ينزل من السماء الدنيا إنما ينزل من السحاب المسخَّر بين السماء والأرض. هل هناك حكمة أن الله تعالى أنزله -أي المطر- من فوق ولا..؟ * طالب: لو كان المطر من الأرض لغرقت الأرض ولم يصل إلى قمم الجبال. * الشيخ: إي، يعني له حكمة؛ لأجل أن يروي الأرض عُلويها وسُفليها، تمام. هل هناك من حكمة أن الله جعله نقطًا؟ * طالب: حتى لا تغرق الأرض. * الشيخ: لا، هي تغرق وإن كان نقطًا. * طالب: حتى لا يتهدم البنيان. * الشيخ: نعم، حتى لا تفسد الأرض ويتهدم البنيان، لو كان ينزل كأفواه القِرب لفسدت الأرض، لكن من حكمة الله أنه أنزله نقطًا. قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف ١٥] ﴿جَعَلُوا﴾ الضمير يعود على المشركين وعلى اليهود وعلى النصارى، ﴿لَهُ﴾ أي: لله، ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي: مخلوقاته، ﴿جُزْءًا﴾ أي بعضًا؛ وذلك لقول المشركين: إن الملائكة بنات الله، وقول اليهود: إن عُزيرًا ابن الله، وقول النصارى: إن المسيح ابن الله. ووجه كونه جزءًا أن الولد جزءٌ من أبيه، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ابنته فاطمة رضي الله عنها: «إِنَّهَا بَضْعَةٌ مِنِّي، يَرِيبُهَا مَا رَابَنِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٣٠) ومسلم (٢٤٤٩ / ٩٣) بلفظ: «فإنما ابنتي بضعة مني، يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها».]]، حينما تحدَّث الناس أن علي بن أبي طالب يريد أن يتزوج عليها بنت أبي جهل، فأنكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذلك، وقال: لا يمكن أن تكون بنت نبي الله مع ابنة عدو الله[[أخرج البخاري (٣٧٢٩) عن المسور بن مخرمة قال: إن عليًّا خطب بنت أبي جهل، فسمعت بذلك، فاطمة فأتت رسول الله ﷺ، فقالت: يزعم قومك أنك لا تغضب لبناتك، وهذا علي ناكح بنت أبي جهل، فقام رسول الله ﷺ، فسمعته حين تشهد، يقول: «أما بعد، أنكحت أبا العاص بن الربيع، فحدثني وصدقني، وإن فاطمة بضعة مني، وإني أكره أن يسوءها، والله لا تجتمع بنت رسول الله ﷺ وبنت عدو الله عند رجل واحد».]]. إذن الجزء: البعض، والقائل ثلاثة أصناف من الناس: المشركون، واليهود، والنصارى. ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾ المراد الجنس، ﴿لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ أي: بيِّنُ الكفر؛ وذلك أن (بان) بمعنى (ظهَرَ) تكون بالهمز وتكون بغير الهمز، بمعنى أنه يجوز لغةً أن تقول: بان الفجرُ، وأبان الفجرُ، وعليه فيكون معنى ﴿مُبِينٌ﴾ أي: واضح الكفر، ولا شك أن الذي يقول: الملائكة بنات الله، أو عيسى ابن الله، أو عزير ابن الله، لا شك أنه كفَرَ كُفْرًا بيِّنًا. وتُسْتَعمل (أبان) بالهمز مُتعدِّيةً، يقال: أبان الشيءَ؛ بمعنى: أظهره. ومنه قوله تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الزخرف ١، ٢] الذي سبق في أول السورة؛ أي: المظهِر للحقائق، المبيِّن لها. ثم قال الله عز وجل: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ [الزخرف ١٦] (أمْ) هنا منقطعة بمعنى: بل والهمزة. واعلم أن (أمْ) تأتي متصلة إذا كانت بين شيئين متساويين، ومنقطعة إذا كان ما بعدها منقطع عما قبلها، ففي قوله تعالى: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [يس ١٠] هذه؟ * طالب: متصلة. * الشيخ: متصلة، وفي مثل هذه الآية (أم) منقطعة، المنقطعة يُقَدِّرها النحويون بـ(بل والهمزة)؛ (بل أَتَّخَذ). * طالب: (أمْ: بمعنى همزة الإنكار، والقول مقدر؛ أي: أتقولون ﴿اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ لنفسه، ﴿وَأَصْفَاكُمْ﴾ أخلصكم، ﴿بِالْبَنِينَ﴾ اللازم من قولكم السابق، فهو من جملة المنكَرِ). * الشيخ: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ قدَّره المؤلف بمعنى: (بل أيقولون)، ولا حاجة لهذا التقدير، بل هو كلام من عند الله أنكره على هؤلاء؛ يعني بل على قولكم اتَّخذ مما يخلق بنات؛ لأنهم قالوا الملائكة بنات الله. ﴿وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ يعني: وأخلصكم بالبنين وخصَّكم بها؛ لأنهم يقولون: البنات لله، والبنون لنا. فهل هذا عدل؟ هل هذا حق؟ هذا منكر وجور، على الأقل لو قالوا: إنهم سواء، لكان أهون مع أنه منكر، لكن يجعلون لله البنات ولهم ما يشتهون، هذا غاية ما يكون من الجور والظلم. ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ وهم الملائكة الذين زعموا أنهم بنات الله، ﴿وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ فالهمزة إذن المقدَّرة للإنكار. * في هذه الآيتين فوائد؛ منها: أن الولد جزء من والده؛ لقوله ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾، ولذلك كان الولد في التعصيب في باب الميراث مُقَدَّمًا على الوالد؛ بمعنى أنه لو مات ميتٌ عن أبيه وابنه؛ فلأبيه السدس فرضًا، والباقي للابن تعصيبًا، فسهمُ الابن الآن خمسةٌ من ستة، وسهمُ الأبِ واحد من ستة. لماذا؟ لأن الابن جزء من أبيه، فقُدِّمَ. * ومن الفوائد: أنه يجوز للأب أن يتملك من مال ولده؛ لأن ولده جزؤه، وإذا كان جزءًا منه صار كسائر جسده، ولهذا جاء في الحديث: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ»[[أخرجه ابن ماجه (٢٢٩١) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.]]، فللأب أن يتملَّك من مال ولده ما شاء، بشرط ألَّا يكون الولد محتاجًا إليه أو تتعلَّق به نفسه. فمثلًا: إذا كان عند الابن أمَةٌ قد تسرَّاها وتعلَّقت بها نفسه، فإنه لا يجوز للأب أن يتملَّكها، مع أنه لا يمكن أن يطأها؛ لأنها حليلة ابنه، لكن حتى ولا التملُّك. لماذا؟ لأن حاجته متعلقة بها. كذلك لو تعلَّقت بماله ضرورة؛ كابن عنده مال أعدَّه للمهر حين يتزوج، فليس للأب أن يأخذ منه شيئًا، كذلك لو كان عنده سيارة أعدَّها لحاجته وضرورته، فليس للأب أن يتملكها، إنما يتملك الفضل فقط، دليل هذا قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»[[أخرجه ابن ماجه (٢٣٤٠) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان عتو المشركين واليهود والنصارى، حيث جعلوا الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، جعلوه والدًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان بطبيعته كفور مبين، هذا إذا جعلنا (الإنسان) للجنس، أما إذا جعلنا (الإنسان) يعود على ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ فإنه يكون خاصًّا، لكن معنى الأول هو ظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب ٧٢]، فأصل الإنسان الظلم والجهل، إلا أن يَمُنَّ الله عليه بالعلم والإيمان. * ومن فوائد الآية الثانية: الإنكار على هؤلاء الذين جعلوا لله ولدًا؛ لقوله: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾. * ومن فوائده: أنه كيف يكون المخلوق ولدًا للخالق، ولهذا قال: ﴿مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾، وهذا لا يمكن؛ لأن المخلوق منفصل بائن عن الخالق، فلا يصح أن يكون ولدًا له. * ومن فوائد هذه الآية: الإشارة إلى جور أولئك القائلين بأن الملائكة بنات الله؛ لقوله: ﴿وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ يعني: أيُعْقَلُ أن يكون هكذا؟! ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ﴾ يعني بذلك قريشًا وأشباههم ممن يكرهون البنات ويَئِدُونهم، ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ﴾؛ أي: أُخْبِرَ بأن وُلِدَ له بنت ظلَّ وجهه مُسْودًّا. وقوله هنا: ﴿بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ ولم يقل كما قال في الآية الثانية: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى﴾ [النحل ٥٨]؛ لأنه سبقها ذكر قول هؤلاء: إن الملائكة بنات الله، فضربوها مثلًا لله عز وجل، إذا بُشِّرَ أحدهم بهذا الذي ضربوه مثلًا للرحمن، ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ أي: صار وجهه مُسودًّا، و(ظلَّ) هنا بالظاء المشالة؛ لأنها بمعنى صار، أما (ضلَّ) التي هي بالصاد فهي بمعنى: تاه وضاع، تقول: ضل الطريق بمعنى: تاه وأضاعه، أما ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ فهي بمعنى: صار وجهه مُسْودًّا؛ أي: بعد أن كان أبيض. وقوله: ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي: مملوءٌ غيظًا وحزنًا. اقرأ التفسير.

الزخرف 43:17

طالب: (﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ جعل له شَبَهًا بنسبة البنات إليه؛ لأن الولد يُشْبِه الوالد، المعنى: إذا أُخْبِر أحدُهم بالبنت تُولَدُ له، ﴿ظلَّ﴾ صار، ﴿وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ مُتغيِّرًا تغيُّرَ مُغْتَمٍّ، ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ممتلئ غمًّا، فكيف يُنْسَبُ البنات إليه؟! تعالى عن ذلك). * الشيخ: هذا معنى ما تكلمنا به. * من فوائد هذه الآية: ذكر حال هؤلاء عندما يُبَشَّرون بالبنات؛ أن الواحد منهم يتغيَّر ظاهره وباطنه؛ ظاهره باسوداد وجهه، وباطنه امتلائه غمًّا. * ومنها: التنديد التام بهؤلاء؛ حيث إنهم إذا بُشِّروا بالأنثى صارت لهم هذه الحال وهم يدَّعونها للخالق عزَّ وجل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات اسم الرحمن لله عز وجل، والرحمن؛ يعني: ذو الرحمة الواسعة. وهذا الاسم الكريم تُنْكِرُه قريش؛ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان ٦٠]، «ولما أراد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يكتب كتاب الصلح في الحديبية وقال للكاتب: «اكْتُبْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ». أَبَى رسول قريش وقال: إننا لا نعرف الرحمن، ولكن اكتب: باسمك اللهم، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «اكْتُبْ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ»[[حديث صلح الحديبية الطويل أخرجه البخاري (٢٧٣١) من حديث المسور بن مخرمة رضي الله عنه.]]. وليس هذا من باب التنزُّل، ولكن من باب التأليف وإمضاء المعاهدة. قلنا: إن الرحمن؛ يعني: ذو الرحمة الواسعة، فهل رحمة الله عز وجل تشمل الكافرين؟ فالجواب: نعم، لولا رحمة الله ما بقي الكافر لحظة واحدة، فالكافر مرحوم، والمؤمن مرحوم، لكن الفرق أن المؤمن مرحوم في الدنيا والآخرة، والكافر مرحوم في الدنيا، قد أغدَقَ اللهُ عليه النعم، وعجَّل له الطيبات، لكنه في الآخرة يُعامل بالعدل ويُجَازى بما يستحق. إذن نقول: الرحمة العامة تشمل المؤمن والكافر، والخاصة تختصُّ بالمؤمنين. * ومن فوائد هذه الآية: تغيُّر البشَرَة بما يسُرُّ أو يسوءُ؛ إذا بُشِّرَ الإنسان بما يسُرَّ فإنه وجهه يبرق من السرور، وتحس بأنه مسرور به، والعكس بالعكس. * ويتفرع على هذه الفائدة: أن الجسم تَبَعٌ للقلب؛ إذا استنار القلب وفرح فكذلك الجسم، والعكس بالعكس. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المشركين لا يرضون بتقدير الله، فإنهم يتغيَّرون ظاهرًا وباطنًا؛ ظاهرًا باسْوِداد الوجوه، وباطنًا بالامتلاء غمًّا.

الزخرف 43:18

ثم قال عز وجل: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف ١٨] الهمزة للاستفهام، والواو حرف عطف، و(من) اسم موصول؛ يعني: أو الذي، ﴿يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ أي: يُرَبَّى فيها ويحتاج إليها، ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ أي: غير مظهرٍ لما في نفسه؛ يعني: كمن ليس كذلك، والإشارة في هذا الوصف إلى الأنثى؛ لأن الأنثى تُنَشَّأُ في الحلية، وتُحَلَّى لتتجمل، فتحتاج إلى ما يكمِّلها، وهي أيضًا ليست ذات خصومة، بل هي في الخصام غير مبين، كمن ليس كذلك؟ * طالب: يا شيخ حفظكم الله، هل يجوز تفسير القرآن بما يُعْرف بالإعجاز العلمي من القرآن والسنة؟ * الشيخ: الإعجاز العلمي نوعان: نوع دلَّ عليه القرآن وأشار إليه، فهذا لا بأس به، وهو من تفسير القرآن. ونوع لا يدلُّ عليه القرآن، وإنما يؤخذ منه بتكلُّف، وربما لا يدل عليه أصلًا، فهذا لا يجوز تفسير القرآن به. مثال ذلك: قال الله عز وجل: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن ٣٣]، فسَّره بعضهم بالعلم، وطبَّق هذا على الوصول إلى القمر، هذا لا يحِلُّ؛ لأن الآية لا تدل على ذلك، الآية فيها بيان حال يوم القيامة، ولهذا قال: ﴿مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ومعلوم أن هؤلاء لم ينفذوا من أقطار السماوات. فالإعجاز العلمي الذي ليس به تكلُّف لا بأس به؛ لأن القرآن واسعٌ. ومما يُنْكَر أيضًا -مما يُقال: الإعجاز العلمي- ما يسمونه بالإعجاز العددي المبني على تسعة عشر، هذا أيضًا باطل، ولا يجوز أن يقال: إن القرآن معجز من هذه الناحية. أولًا: لأن القراءات مختلفة، وهم يقولون مثلًا: التاء تكررت كذا وكذا مرَّة، إذا قسمتها على تسعة عشر انقسمت، اللام تكررت كذا وكذا مرة، إذا قسمتها على تسعة عشر انقسمت بلا كسر. هكذا يزعمون، وهذا لا شك أنه باطل، حتى قال لي بعضهم: إن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران ٩٦]، وقال في سورة الفتح: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح ٢٤]، قال: إن الله ذكر (بكَّة) من أجل أن تتم الباء العدد الذي ينقسم على تسعة عشر، وهذا لا شك أنه كذب. الدليل: مثلًا في القرآن كلمات فيها قراءات ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات ٦] فيها قراءة ﴿﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ ﴾، إذن اختل العدد؛ صار بدل النون ثاء وبدل الياء باء. كذلك ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤]، وفيه قراءة: ﴿﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴾ بحذف الألف، فنقصت الألف. فالقصد أن هذا لا شك أنه كذب، ولا يجوز أن يُفسَّر القرآن بالإعجاز العددي؛ لأنه أولًا: ليس فيه إعجاز كما قالوا، وثانيًا: القرآن ما نزل على أنه تمرين حسابي، نزل على أنه موعظة وشفاء لما في الصدور. * طالب: شيخنا حفظكم الله، الذي أطلق هذه البدعة رجل كان ينكر القسم الثاني من الشهادة، ويقول: إن الشهادة فقط تقتصر على لا إله إلا الله. * الشيخ: على كل حال، ما نعرف من حاله إلا ما ذكرت أنت الآن، وهو رجل أظن يسمى رشادًا، ونشره فيما سبق قبل سنوات، ولكنه قُتِلَ، قتله بعض الناس؛ لأنه ابتدع في دين الله ما ليس منه، ولكن هذه الأيام الأخيرة وجدت إنسانًا معه ورقة صفحة من هذا النوع، يريد أن يطبعها على حسابه الخاص ويوزعها بين الناس، فقلت له: هذا لا يجوز، ومزقت الورقة اللي أعطاني، وقلت: يجب أن تعلم أن القرآن إنما نزل لإصلاح الخلق، لا لامتحان عقولهم بالعدد وما أشبه ذلك. ثم -كما سمعتم الآن- فيه آيات مختلفة تمنع هذا التركيب الذي ذكره. * طالب: شيخ أحسن الله إليك، ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ هذه في الدنيا والآخرة أم في الدنيا؟ * الشيخ: في الدنيا. * طالب: شيخ حفظكم الله، الآن فيه أوراق، مثلًا يقول: عدد حروف المصحف كذا وكذا، فإذا قرأت المصحف كاملًا يضربها في عشرة، يقول: يكون لك عدد الحسنات كذا وإذا قرأت..؟ * الشيخ: هذا كذب، مَرَّ ابن مسعود رضي الله عنه بقوم يسبِّحون ويعدُّون بالحصا، فقال لهم: إنكم لن تحصوا أعمالكم، أعمالكم الصالحة مُحصاةٌ لكم مكتوبة، لكن أحصوا أعمالكم السيئة؛ من أجل أن تتوبوا إلى الله منها، وهذا حق، فكل هذه الأشياء الذي ذكرته أنا والذي ذكرتها أنت كلها هذه محدثة، والله عز وجل لا يضيع أجر أحد، يعلم عدد حروف القرآن، ويعلم ما يترتب عليه من الثواب، ولن يضيع. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠) أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٢٠ - ٢٣]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق أن الله سبحانه وتعالى أنكر على أولئك الذين جعلوا لله البنات وجعلوا لهم البنين، وقال: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف ١٥]. فما هو الجزء؟ * طالب: أي: ولد. * الشيخ: ويش معنى كون الولد جزءًا؟ ما هو الدليل؟ * الطالب: الدليل قول النبي ﷺ لفاطمة: هذه جزءٌ منِّي. * الشيخ: جزءٌ منِّي، هكذا؟ * الطالب: «بَضْعَةٌ مِنِّي». * الشيخ: «بَضْعَةٌ مِنِّي»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٧١٤)، ومسلم (٢٤٤٩/٩٤) عن المسور بن مخرمة رضي الله عنه.]]، نعم. قوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾، ما هو الذي ضرب للرحمن مثلًا؟ * طالب: قالوا: إن الرحمن اتخذ من الملائكة بناتٍ. * الشيخ: ﴿بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾؛ أي: جعلهم. * الطالب: أي: جعل لنفسه البناتِ، ولهم البنين. * الشيخ: شبيهًا له؛ حيث ادَّعوا أن الملائكة بنات الله. (كظيم) معناها؟ * طالب: كظيم: مليءٌ غيظًا. * الشيخ: ممتلئٌ غيظًا، إذن يتغيَّر ظاهره؟ * الطالب: وباطنه. * الشيخ: ظاهره بماذا؟ * الطالب: بتغيُّر البشرة. * الشيخ: إي، يظل وجهه مسودًا. وباطنه؟ * الطالب: بالغم. * الشيخ: قال: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف ١٨]، ﴿أَوَمَنْ﴾ الهمزة للاستفهام، والواو حرف عطف، و(مَن) بمعنى الذي، والمعنى: أو الذي يُنَشَّأ، ومعنى ﴿يُنَشَّأُ﴾ أي: يُرَبَّى، و﴿فِي الْحِلْيَةِ﴾ قال المفسر: (أي الزينة)، ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ﴾ عند الخصومة، (﴿غَيْرُ مُبِينٍ﴾ غير مُظْهِرٌ للحُجَّة؛ لضعفه عنها بالأنوثة) التفسير. ﴿أَوَمَنْ﴾ يقول: (همزة الإنكار، واو العطف بجملة أي: أَوَيجعلونَ للهِ مَن يُنَشَّأُ) يعني أن العطف هنا على تقدير: يجعلون. بقي عندنا أين المعادل؟ المعادِلُ: كمن ليس كذلك. ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ يعني: المرأة ليست جميلة بذاتها ولكنها محتاجة إلى ما يجمِّلها، ولهذا تجد عند النساء من الموضات، ليس لها هم إلا الموضات والتجمل والتحسين، وما أشبه ذلك. لماذا؟ لأنها بنفسها قاصرة. كذلك أيضًا بقولها قاصرة ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ عند المخاصمة تكون مغلوبة لا تُظْهِرُ الحُجَّة؛ لأنها ضعيفة بالأنوثة. باقٍ ما هو المقابل؟ ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ﴾ لا بد من مقابل أيش؟ أجيبوا يا جماعة. * طلبة: كمن ليس كذلك. * الشيخ: كمن ليس كذلك؛ كمن لا يحتاج إلى أن يُنَشَّأُ في الحلية، وكمن هو في الخصام مُبِينٌ، وهو الذَّكَر، المعنى: أن الله يُضِيفُ لَومًا إلى لَوم على هؤلاء، حيث يجعلون لله القاصر في مقاله وفعاله، ويجعلون لهم الكامل. * في هذه الآية فوائد؛ منها: قصور المرأة، وأنه لا يمكن أن تساوي الرجل في عقلها ودَلِّها؛ لقوله: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ إلى آخره. * ومنها: أن المرأة ليس لها همٌّ إلا التجميل والعناية بمظهرها. * ومنها: أن المرأة ليست ذات خصام بل هي ضعيفة لا تستطيع أن تخاصم، ولا تُبَيِّن ما في قلبها من الحجة، ولهذا لما تولت بنت كسرى على الفرس، وبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً»[[أخرجه البخاري (٤٤٢٥) عن أبي بكرة رضي الله عنه.]]. واختلف الناس في معنى قوله: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً» هل هذا خاص بهذه القضية المعينة، بمعنى أن هؤلاء لن يفلحوا؛ لأنهم ولَّوا أمرهم امرأة، أو أن هذا عام لكل من ولَّى أمره امرأة؟ فإن نظرنا إلى العموم «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً» قلنا: هذا عام في كل قوم ولَّوا أمرهم امرأة، وإن نظرنا إلى القضية المعينة قلنا: إنه خاص. وإذا نظرنا إلى الواقع فهل المرأة التي تتولى أمور الرجال هل تُفْلِح؟ الجواب: إن أفلحت فذلك بمعونة الرجال أو فلاحٌ نسبي، يعني مثلًا امرأة تكون رئيسة وزراء لن تفلح، لن يفلح قومها إلا بمساندة الرجال لها، هذه واحدة. أو يُقال: هو فلاح نسبيٌّ، لو تولَّى غيرُها -رجلًا- لكان ذلك أفلَحَ لهم. وكذلك أيضًا لن يُفْلحوا إذا ولَّوا أمرهم في غير الرئاسة؛ كالوزارة مثلًا لن يفلحوا. ومَن عَرَفَ النساء وكثرة خصومهن ومشاكلهن إذا تولوا حتى إدارة المدرسة عَرَفَ أن المرأة لا تصلح إطلاقًا للولاية، اللهم إلا على بني جنسها، فهذا ربما؛ لأن الضعيفَ للضعيف. * ومن فوائد هذه الآية: الثناء على الرجال؛ لأنه إذا كانت النساء لا تكمل بذاتها؛ لا بالفعال ولا بالمقال، فهذا يعني أن الرجال كُمَّلٌ. وانظر إلى قول الله تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم ١٢] ولَّا من القانتات؟ * طالب: ﴿مِنَ الْقَانِتِينَ﴾. * الشيخ: ﴿مِنَ الْقَانِتِينَ﴾، يتبين لك أن القنوت والعبادة في الرجال أكثر، ولهذا جاء في الحديث: «كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا أَرْبَعٌ: آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ. وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ»[[أخرجه البخاري (٣٧٦٩)، ومسلم (٢٤٣١ / ٧٠) من حديث عن أبي موسى، بلفظ: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء غير مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون. وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام».وأخرجه الثعلبي في تفسيره ٩/٣٥٣ عن أبي موسى بلفظ: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلَّا أربع: آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد. وفضل عائشة على النّساء كفضل الثريد على سائر الطعام».]]. كل هذا نريد أن يبقى في أذهاننا أن المرأة قاصرة، وأن من يحاولون أن يجعلوها كالرجال فإنهم مخالفون للفطرة والطبيعة كما أنهم مخالفون للشريعة. خطب النبي ﷺ النساء في يوم عيد يوم الفرح والسرور وبيَّنَ حالَهنَّ، فقال: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ»[[أخرجه البخاري (٣٠٤) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]]، مع أنه يوم فرح ويوم سرور، كان من المتوقع أن يُدْخِل النبي ﷺ السرور لكن لا بد أن يبيِّن حالهم. الآن أولئك القوم من الكفَّار وغيرهم الذين ساووا النساء بالرجال في أكثر الأشياء أحوالهم غير مستقيمة وغير تامة، مع أنهم لن يستطيعوا أن يُلْحِقوا النساء بالرجال من كل وجه، أبدًا، هذا مستحيل.

الزخرف 43:19

قال: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف ١٩]، (جعلوا) الضمير يعود على المشركين، ومعنى (جعلوا)؛ أي: صيروا، ولذلك نصبت مفعولين، ﴿الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ الذين أتموا العبودية على الوجه الأكمل، حيث وصفهم الله عز وجل بأنهم عباد مُكْرَمونَ لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، ﴿إِنَاثًا﴾ وذلك بقولهم: إن الملائكة بنات الله. انظروا هذا الافتراء؛ أولًا: افتروا بأنهم بنات الله. ثانيًا: افتروا بأنهم بنات، وما يدريهم أن الملائكة بنات، لكن لما كان وصف الأنوثة وصفًا رديئًا قالوا: هم إناث. والبنون لمن؟ البنون لهم. قال الله عز وجل مُنْكِرًا عليهم: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾؛ يعني: أحضروا خلقهم وعرفوا أنهم إناث، والاستفهام هنا للإنكار أو للتحدي؛ يعني أن الله أنكَرَ عليهم أو تحدَّاهم هل حضروا أو لا، وهذا كقوله تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف ٥١]. قال تعالى: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ﴾ بأنهم إناث، ﴿سَتُكْتَبُ﴾ تُكْتَبُ على أنها فريةٌ وشهادةُ زورٍ ويُعاقَبون عليها، والسين هنا للتقريب والتحقيق، و(تُكْتَبُ) لم يُبَيِّن الفاعل فاعلَ الكتابةِ، فالله أعلم: هل يكتبها الله أو الملائكة؟ والظاهر أنهم الملائكة؛ لأن الملائكة مُوَكَّلون بعمل بني آدم يكتبونه، ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق ١٨]. (﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ﴾ بأنهم إناث، ﴿وَيُسْأَلُونَ﴾ عنها في الآخرة، فيترتب عليها العقاب). * من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان افتراء هؤلاء المشركين، من وجهين؛ الوجه الأول؟ * طالب: أنهم جعلوا الملائكة إناثًا. * الشيخ: الوجه الأول: أنهم الملائكة جعلوا الملائكة إناثًا، وما يدريهم؟! الوجه الثاني؟ * طالب: قالوا: إن الملائكة هم بنات الله. * الشيخ: نعم، أنهم نسبوهم إلى الله عز وجل. * من فوائد هذه الآية الكريمة: تحدي هؤلاء المفترين، تحدي هؤلاء المفترين بأيش؟ * طالب: لما ذكروا الملائكة أنهم إناث. * الشيخ: كيف؟ بأي لفظة نعرف أنه مُتَحدِّيهم؟ أين الكلمة التي تدلُّ على التحدي؟ * الطالب: ﴿عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾. * طالب آخر: قال تعالى: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾. * الشيخ: في قوله تعالى: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾، والجواب: لا. * من فوائد هذه الآية الكريمة: تهديد أولئك المفترين بأن شهادتهم ستُكْتَبُ ويُعاقَبون عليها؛ لقوله: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ﴾. * ومن فوائد الآية: إثبات الحساب في قوله: ﴿وَيُسْأَلُونَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية: أن أقوال الإنسان تُكْتَبُ عليه كأفعاله؛ لأن الشهادة هنا بالقول.

الزخرف 43:20

ثم قال عز وجل: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف ٢٠]، (﴿مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ أي: الملائكة، فعبادتنا إياهم بمشيئته، فهو راضٍ بها، قال الله تعالى) إلى آخره. ﴿وَقَالُوا﴾ أي: المشركون، ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ (لو) هذه حرف امتناع لامتناعٍ، (لو شاء الله ما عبدناهم) لكنا عبدناهم لمشيئة الله. والعجب أنهم قالوا: ﴿مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ فإن كانوا يريدون الملائكة فقد تناقضوا، وإن كانوا يريدون الأصنام فهذا له كلام آخر؛ إذا كانوا يريدون الملائكة فهم قالوا: ﴿مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ مع أنهم جعلوا الملائكة إناثًا، وكان مقتضى ذلك أن يقولوا: ما عبدناهن، فيرجع الضمير إلى الملائكة؛ ضمير المؤنث، أما إذا كانوا مرادهم ﴿مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ أي: ما عبدنا آلهتنا، فلا إشكال. المفسِّر ذهَبَ إلى أي شيء؟ الإشكال قوله: ﴿مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ ووجه الإشكال فيها؟ * طالب: وجه الإشكال إن كان المراد الملائكة فهم ناقضوا. * الشيخ: إذا كانوا يعنون الملائكة فقد ناقضوا. * الطالب: أي: أنهم جعلوهم إناثًا، والضمير (هم) وهو للملائكة. * الشيخ: وهو للملائكة، أحسنت. وإن كان للأصنام؟ * الطالب: فلا إشكال. * الشيخ: فلا إشكال. قال الله عز وجل: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ (﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ﴾ القول مِن الرضا بعبادتها، ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾، ﴿إِنْ هُمْ﴾ أي: ما هم، ﴿إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ يكذبون، فيترتَّب عليهم العقاب به). قال الله عز وجل: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ (من) هنا تُعْرَبُ: زائدة إعرابًا، لكنها في المعنى مفيدة تفيد التوكيد، وسياق الكلام لولا القرآن لكان السياق: ما لهم بذلك علم، لكن تُزَاد الحروف للتوكيد؛ لتوكيد النفي في هذه الآية؛ يعني أن قولهم: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ قول مَبْنِيٌّ على الخرْص والظن والمحاجة بالباطل، وإلا فهم عملوا وعبدوا بدون أن يعلموا أنه مكتوب عليهم؛ لأنه لا يُعْلَمُ المكتوب إلا إذا وقع. * في هذه الآية فوائد؛ منها: أن هؤلاء احتجوا بالقدر فقالوا: لو شاء الرحمن ما عبدناهم. * ومنها: بطلان الاحتجاج بالقدر؛ لقوله: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾. وهنا سؤالٌ هل قولهم: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ هل هو صحيح؟ * طلبة: صحيح. * الشيخ: صحيح، لكن الاحتجاج به غير صحيح، لو شاء الرحمن ما عبدوهم، كقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا﴾ [البقرة ٢٥٣]، فهذا القول صحيح لكن الاحتجاج به؟ * طلبة: غير صحيح. * الشيخ: غير صحيح، وإنما قلنا: إنه صحيح؛ لأن الله تعالى يشاء كل شيء، كل شيء فهو واقع بمشيئة الله، ولكن لا حُجَّة بشيء لا تعلمه أنت؛ إذ إنك لا تعلم أن هذا مُقدَّرٌ عليك إلا أيش؟ * طلبة: إذا وقع. * الشيخ: إلا إذا وقع، فالقدر سرٌّ مكتوم لا يُعْلَمُ إلا إذا وقع المقدور. * ومن فوائد هذه الآية: الرد على القدرية الذين ينكرون أن الله تعالى يشاء أفعال العباد، فالقدرية -وهم المعتزلة- يقولون: إن الإنسان خالقٌ عملَه، مُريدٌ له، مُستقلٌّ به، وإن الله عز وجل لا إرادة له به، سبحان الله! أيقول الله عز وجل: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر ٤٩]، وتقولون أنتم: لا؟! قابلهم قوم آخرون -وهم الجبرية- وقالوا: كل شيء واقع فهو بمشيئة الله، والإنسان مُجْبَرٌ على العمل وليس مختارًا. وهذا أيضًا قول باطل، كلٌّ يعرف الفرق بين الفعل الاختياري وبين الفعل الاضطراري، كلٌّ يعرف الفرق بين أن ينزل الإنسان من السطح على الدرج شيئًا فشيئًا وبين أن يتدحرج بدون اختيار منه، هم يقولون: إن الكل -أعني الجبرية- يقولون: الكل سواء، ينزل باختيار أو يتدحرج بدون اختيار، الكل سواء، ما حركة الإنسان إلا كحركة السَّعفة في الريح. وهذا أيضًا قول باطل، ولا يمكن أن تقوم به أمة، ولا أن تقوم به ملة، ولا أن تقوم به دنيا ولا أخرى، وإلا لقلنا: كل إنسان يتسلَّط على آخر، ثم يقول: واللهِ هذا بقضاء الله وقدره، ما أملك. هل يرضى هؤلاء أن يأتي شخص، ويرضُّهم رضًّا، ثم يقول: هذا بقدر الله؟ * طالب: لا. * الشيخ: الجواب: لا، لا أحد يرضى بذلك. ولمَّا أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن تقطع يد السارق، قال: مهلًا يا أمير المؤمنين، والله ما سرقت إلا بقدر الله. قال: ونحن لا نقطع يديك إلا بقدَرِ الله. فكل إنسان يعرف أن الإنسان مختارٌ، وله إرادة تامة بها يفعل. لو أننا قلنا بقول الجبرية لكانت عقوبة الله للمجرمين ظلمًا؛ لأنهم سيقولون: يا ربنا، فعلنا هذا بغير اختيار، والذين يقولون: إن الله لا علاقة له بفعل العبد، أيضًا هم مخطئون، ولهذا يُسَمَّى هؤلاء القدرية مجوسَ هذه الأمة. لماذا؟ لأنهم جعلوا للحوادث خالقَينِ: حوادث بشرية مِن خلْقِ البشر، وحوادث إلهية من خلْقِ الله عز وجل، فسمُّوا مجوس هذه الأمة؛ لأن المجوس يقولون: إن الحوادث لها خالقان؛ الشر تخلقه الظلمة، والنور يخلق الخير، هذه عقيدة المجوس، وفي ذلك يقول المتنبي في ممدوحه: وَكَمْ لِظَلَامِ اللَّيْلِ عِنْدَكَ مِنْ يَدٍ ∗∗∗ تُخَــــبِّرُ أَنَّ الْمَـــانَـــــوِيَّةَتَكْــــذِبُ ظلام الليل ظلمة، وأنت أيها الممدوح لك الكرمُ في الليل والنهار. على كل حال يا إخوان، نرجع إلى الآية، هل قولهم: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ صحيح أو لا؟ * طلبة: صحيح. * الشيخ: صحيح، لكن هل هو حجة؟ لا، ولهذا قال عزَّ وجلَّ: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن المحتجَّ بالقدر لا علم عنده. كيف لا يكون عنده علم وهو يعلم أنه ما وقع إلا بمشيئة الله؟ فالجواب: هو إنما علم بعد الوقوع، لكن قبل الوقوع يعلم أو لا يعلم؟ * طلبة: لا يعلم. * الشيخ: لا يعلم، إذن لا حُجَّة له؛ لأن الحجة دليل، والدليل لا بد أن يسبق المدلول، فعلْمُهم لاحقٌ وليس بسابقٍ. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن قولهم هذا مبنيٌّ على الكذبِ؛ لقوله: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾؛ أي: يكذبون. ولنا أن نقول: ﴿يَخْرُصُونَ﴾ بمعنى يظنون، كما قال عز وجل في آية أخرى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية ٢٤].

الزخرف 43:21

ثم قال الله عز وجل: (﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: القرآن بعبادة غير الله ﴿فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ ) ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ﴾ (أم) بمعنى (بل) وهمزة الاستفهام، والمعنى: بل هل نحن آتيناهم كتابًا من قبلِ القرآنِ فهُم به مستمسكون؟ ما الجواب؟ * طلبة: لا. * الشيخ: لا، لم يقع ذلك، فأولُ كتابٍ نزل على العرب هو القرآن، وهو آخر كتاب؛ لأنه لم يُبْعَثْ من العرب رسولٌ إلا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما قال عزَّ وجل في دعاء إبراهيم وإسماعيل: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة ١٢٩]. ولهذا لو قال قائل: هل في العرب رسول سوى محمد ﷺ؟ لقلنا: لا، ما فيه إلا واحد. ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾؟ الجواب: لا. * في هذه الآية من الفوائد: تكرار الحُجج بقدر إنكار الخَصم، وكلَّما تكررت الحُجج ازداد الأمر قوة. * ومن فوائدها: أنك إذا أتيت بدليل مُقنِعٍ فلا لوم عليك إذا أتيت بدليل آخر وثالثٍ، ما دام المقام يقتضي ذلك. انظروا إلى الذين يجادلون أهل الباطل، وبالأخص شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، كيف يأتون بالأدلة متتابعة متكاثرة مع أن المدلول يمكن أن يثبت بدليل واحد؛ من أجل التقوية، شيخ الإسلام له كتاب اسمه التسعينية في الرد على الأشعرية الذين قالوا: إن الكلام هو المعنى القائم بالنفس، أبطل رحمه الله هذا القول من تسعين وجهًا، ويكفي في إبطاله وجه واحد؛ لأنه كلما تكررت الأدلة قويت الحُجة. أرأيتم الآن في الأمور المحسوسة، لو أن شخصًا أتى وأخبركم بخبر وهو ثقة عندكم صدقتموه، فإذا جاء آخر ازدادت الثقة، وإذا جاء ثالث ازدادت الثقة، ولهذا قال العلماء: إن المتواتر يُفيد القطع؛ لكثرة من رووه. المتواتر يعني الحديث الذي يأتي من طرق كثيرة، يُفيد القطع لكثرة الرواة. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لم ينزل على العرب كتاب سوى القرآن؛ لقوله: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ﴾. * ومن فوائد هذه الآية: مِنَّةُ الله عزَّ وجل على العرب، حيث أنزل عليهم كتابًا واحدًا هداية للخلق أجمعين إلى يوم القيامة، بينما الرسل الآخرون تنزل عليهم الكتب هداية لأقوامهم، فهي -أي الكتب- هداية في قوم معينين وفي وقت معينٍ، لكن هذا الكتاب -جعلنا الله وإياكم من المتمسكين به- هذا نازل صالح لكل زمانٍ ومكانٍ وأمَّةٍ.

الزخرف 43:22

ثم قال عزَّ وجل: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٢٢]، (بل) هذه للإضراب؛ إضراب انتقال؛ يعني انتقلوا إلى شيء آخر، (﴿قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ أي: على ملة، و﴿إِنَّا﴾ ماشون ﴿عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ بهم، وكانوا يعبدون غير الله) هذه حُجة من حُججهم. احتجوا بالأول بأيش؟ * طالب: بالقدر. * الشيخ: بالقدر الآن احتجوا بالقدوة ﴿قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾. والآية فيها فوائد، لكن نتكلم على معنى (أُمَّة) يقول: (مِلَّة)، وقد ذكرنا قريبًا أن (أمة) في القرآن تدل على عدة معانٍ، واحد؟ * طالب: بمعنى إمام. * الشيخ: تكون بمعنى (إمام)، مثِّل. * طالب: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ [النحل ١٢٠]. * الشيخ: وتكون بمعنى؟ * طالب: تكون بمعنى (وقت). * الشيخ: تكون بمعنى (وقت). * الطالب: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف ٤٥]. * الشيخ: لقوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾، هذه اثنان. * طالب: تكون بمعنى طائفة من الناس. * الشيخ: تكون بمعنى طائفة من الناس. * الطالب: كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ [النحل ٣٦]. * الشيخ: كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾. * طالب: بمعنى الدين. * الشيخ: بمعنى الدين. مثالُه؟ * الطالب: هذه الآية. * الشيخ: ويش الآية؟ * الطالب: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾. * الشيخ: كقوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾؛ أي: على مِلَّة. إذا قال قائل: هذه الكلمات التي تأتي لعدة معانٍ، ما الذي يُعيِّن المعنى؟ * طلبة: السياق. * الشيخ: السياق وقرائن الأحوال؛ إذا قلت لرجل غني: الْبَس العباءة، ولرجل فقير: الْبَس العباءة. هل تختلف العباءتان؟ الأول الغني: الْبَس عباءة غني، والثاني: الْبَس عَباءةَ فقيرٍ، شوف اختلف المعنى لحال المخاطَب. فالمهم أن الذي يعين المعني هو السياق. ومن ثَمَّ قلنا: إنه لا مجاز في اللغة العربية إطلاقًا ولا في القرآن أيضًا، والمسألة هذه لها أقوال ثلاثة: القول الأول: إن المجاز واقع في اللغة العربية والقرآن. وهذا الذي عليه جمهور العلماء. والثاني: أنه واقع في اللغة غير واقع في القرآن. اختاره طائفة، منهم الشيخ محمد الأمين الشنقيطي صاحب أضواء البيان. ومنهم من قال: لا مجاز في القرآن ولا في اللغة. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وتلميذه ابن القيم، وهذا هو الحق؛ لأن الكلمة ليس لها معنى ذاتي، الكلمة في ضمن جملة، فإذا دلت الكلمة في موقع ما على معنى من المعاني فهو الحقيقة، لو قلت: رأيت أسدًا يحمل الحقيبة إلى المسجد ليقرأ، هل يمكن أن يتبادر إلى ذهن واحد من الناس أن المراد بالأسد السبع المعروف؟ لا، بل لو ادَّعى هذا مدعٍ لَردَّ عليه كل أحد. ما الذي منع هذا؟ * طالب: السياق. * الشيخ: السياق، إذن (الأسد) هنا حقيقة في موضعها، وهي تدل على الشجاعة، بدل ما أقول: رأيت رجلًا شجاعًا يحمل الحقيبة، أقول: رأيت أسدًا، انتبهوا لهذا ففيه فائدة عظيمة. وكثيرًا ما يحتج الناس يقولون: كيف لا يكون في القرآن مجاز والله يقول: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف ٧٧]؛ أي مائلًا، الجدار ما له إرادة؟ فنقول: أولًا: نمنع قولك: الجدار ليس له إرادة بل له إرادة بلا شك، قال الله عز وجل: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤]، فهذه المخلوقات تسبح بإرادة ولَّا بغير إرادة؟ * طلبة: بإرادة. * الشيخ: بإرادة بلا شكٍّ، وإلا لم يكن في هذا ثناء على الله. ثانيًا: نقول: ما الذي يمنع الإرادة في الجماد، والنبي ﷺ ثبت عنه أنه قال في أُحُدٍ -وهو جبل حصى-: «جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري واللفظ له (١٤٨١)، ومسلم (١٣٩٢ / ٥٠٣) من حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه.]]، فأثبت المحبة لهذا الجبل، والمحبة أخص من الإرادة. ثالثًا: نقول: إرادة كل شيء بحسبه، فميل الجدار يعني أنه يريد أن يسقط، كميل الإنسان نعرف أنه يريد أن يركع مثلًا، ولا مانع. قالوا: طيب، تخلصت من هذا، ما تقولون في قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء ٢٤]؟ المعنى: تواضع لهما رحمةً بهما، فيقولون: الذل له جناح؟ نقول: أما الذل فهو أمرٌ معنوي، والإنسان إذا لم يذل ترفَّع وعلا بنفسه، فقال: اخفض جناح الذل، بدل: جناح الترفع، وذكر الجناح لأنه هو الذي يطير به الطير إلى السماء، فالآية واضحة أن المعنى: تتطامَنْ للوالدين وتذلَّلْ لهما واخفض لهما الجناح، وهذا غاية ما يكون من التذلل لهما. * طالب: شيخ بارك الله فيك، ما المحذور الشرعي في إثبات المجاز إذا قلنا بالمجاز؟ * الشيخ: أول محذور أن المجاز -باتفاق القائلين به- يصح نفيه، وهذا يعني يصح تكذيب القرآن، فيقول مثلًا: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾، الجدار ما له إرادة. وهل هذا يصح؟ * الطالب: لا يصح. * الشيخ: ما يصح، ولهذا اعتمد الشنقيطي رحمه الله هذه الحجة اعتمادًا قويًّا، قال: أبرز علامات المجاز أنه يصح نفيه، وما في القرآن شيء يصح نفيه. هذه واحدة. ثانيًا: أن هذا المجاز الذي سماه ابن القيم طاغوتًا توصلوا به إلى إنكار الصفات، وقالوا: اليد مجاز على النعمة، الاستواء مجاز عن الاستيلاء، العين مجاز عن الإحاطة، وهلم جرًّا. ومن قال: إن شيخ الإسلام وابن القيم أنكرا ذلك وشدَّدا في الإنكار لأن أهل التعطيل توصلوا بالمجاز إلى إنكار الصفات، فهذا كذب عليهما؛ على شيخ الإسلام وابن القيم، بل هما أنكراه مطلقًا حتى في أبسط الأشياء. * طالب: شيخ أثابكم الله، على قراءة نافع: ﴿﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِنْدَ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ ﴾. * الشيخ: ﴿عِبَادُ﴾. * الطالب: لا، على قراءة نافع (...)؟ * الشيخ: ﴿عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ كما جاء في القرآن. * طالب: شيخ جزاكم الله خيرًا، ما الرد على القائلين بأن المجاز في القرآن يدل على فصاحة وإعجاز القرآن الكريم؟ * الشيخ: غلط، كيف يدل على فصاحته وهو يصح أن يُنْفَى ويُكَذَّب؟! * طالب: أقول: في كتاب فتح رب البرية، كأنه يُفْهَم من الكلام إثبات أصل المجاز، لأنكم قلتم: المعنى المجازي لا يُقْبَلُ إلا بثلاثة شروط، ومن حجج الذين يثبتون المجاز يقول: القرآن جاء على أساليب اللغة، فاللغة فيها مجاز، يعني من أعجاز القرآن أنه ما خرج عن أساليب.. * الشيخ: نعم، لكن نحن نقول: اللغة ليس فيها مجاز أصلًا؛ يعني ننكر الأصل، وما كتبناه أولًا أصول الفقه الأصول حيث ذكرنا المجاز فإننا ماشون على خطة رُسِمَت لنا من قبل المعاهد، وليس عن اعتقاد منَّا، وقد نبهناهم بأنه يجب أن تكتبوا حاشية على هذا، فتقولوا: هذا على القول بالمجاز، وأننا لا نرى ذلك، ما أعلم هل كتبوها أو لا. * * * الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. قبل أن نبدأ درس اليوم أودُّ أن أنبهكم على المقصود من التعلم، المقصود من العلم اتِّباع ما علِمْتم، ومن ذلك التحلي بمكارم الأخلاق وأعالي الآداب، ولقد رأينا منكم جفاءً عظيمًا أشدَّ من جفاء البدو، وعدَمَ مبالاة بالآداب الإسلامية والأخلاق، أقل شيء وأهون شيء إفشاء السلام، إفشاء السلام من أسباب دخول الجنة؛ لقول النبي ﷺ: «وَاللَّهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ»[[أخرجه مسلم (٥٤ / ٩٣)، وأبو داود واللفظ له (٥١٩٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وهذا معدوم في كثير منكم، أنا لا أدري لماذا تتعلموا! لا أدري إلى متى لا تتحلون بالأخلاق الفاضلة! يمر الإنسان بإخوانه لا يُسَلِّم عليهم، أهذا من آداب الإسلام؟ أجيبوا. * طلبة: لا. * الشيخ: أهذا من آداب طالب العلم؟ * طلبة: لا. * الشيخ: أهذا من آداب صاحب المروءة؟ * طلبة: لا. * الشيخ: سبحان الله! أنا لا أدري كيف أبذر، ثم يخرج زرعٌ لا ثمرة فيه، فما الفائدة؟ إذا لم يكن هناك ثمرة ملموسة فإن الإنسان قد يأخذه اليأس، ويقول: هؤلاء القوم إنما جاؤوا لمجرَّد المعرفة النظرية دون التطبيقية، هذا مع أن الإنسان إذا سلَّم على أخيه يحصل على عشر حسنات، تنفعه يوم القيامة إذا لم يكن عنده درهم ولا دينار. أرجو الانتباه، أرجو الأدب، أرجو العمل بما علِمْتم، وإلا فلا فائدة. أقول هذا من قلبي، وأرجو أن يحِلَّ في قلوبكم، سبحان الله! سبحان الله! سبحان الله! يمرُّ الرجل بزميله جنبًا إلى جنب لا يسلِّم، ولا أخلاق باديةٌ. دعنا من الأشياء الأخرى، قد يكون هناك أشياء أيضًا تخل بالمروءة والآداب الإسلامية، لكن هذا أبْيَنُ ما يكون وأوضح ما يكون، فأرجو ألَّا أجد أحدًا منكم يتحلَّى بهذا الخلق الذميم، وهو عدم إفشاء السلام، سلِّم يا أخي، ويش يضرك؟! قد يقول له الشيطان: لا تسلم على هذا؛ لأنه واقف مع زميله، قد يكون بينهما أحاديث سرِّية، أنت سلِّم، وإن ردوا فهذا مطلوب، وإن لم يردوا؛ فإن كان لهم عذر فهم معذورون، وإن لم يكن لهم عذر فهم آثمون. أرجو ألَّا أعود إلى مثل هذا بناءً على أنكم استقمتم، والله الموفِّق. * * * * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزخرف ٢٤]. * الشيخ: بس ليش تقول: ﴿قَالُوا﴾ ﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ﴾. * الطالب: تكرار يا شيخ. * الشيخ: قِفْ على قوله: ﴿بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾، قفْ، ولا (...) ﴿قَالُوا﴾، ثم تعود وتقول: ﴿قَالُوا﴾، هذه عادة عند كثير من القراء الذين يدَّعون أنهم جوَّدوا القرآن، تجده يقف على غير موقف، ثم يعيد الكلمة، أو ربما الجملة، يا أخي قفْ بالأول على الموقف السليم، ثم اقرأ، ولو أراد أن يقول: أعادها ليكون الكلام متتابعًا، قلنا: أَعِدِ الجملة اللي قبلها أيضًا؛ حتى يكمل أول الآية. ثم إني أقول: إذا انقطع النفس فابدأ بما انقطع النفس عليه مُطلَقًا؛ لأن هذا الوقوف لعذر، ما حاجة تكرر الكلمة، ألم تعلم قول الله عز وجل: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون ٤] آيةٌ يُوقَفُ عليها، ثم يبدأ فيقول: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون ٥]، فالوقوف على الآيات ولو تعلَّقت الثانية بالأولى، والوقوف للعذر ولو تعلق الثانية بالأولى، يبدأ من حيث وقَفَ.

الزخرف 43:23

الطالب: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٢٤) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨) بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف ٢٤ - ٢٩]. * الشيخ: قال الله عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٢٣] يعني يمثل هذا الذي قِيلَ لك قِيلَ لمن قبلك. ﴿مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف ٢٣]، والحكمة من هذا تسلية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من وجه، وإنذار هؤلاء المكذبين له من وجه آخر، وأنه سيصيبهم ما أصاب غيرهم مما أصروا على تقليد آبائهم الباطلة. وقوله: ﴿مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ﴾. اقرأ التفسير. * طالب: (﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾ أي: مُتنعِّموها مثْل قول قومك). * الشيخ: لا، مُتنعِّموها ولا مُنعَّموها؟ * الطالب: مُتنعِّموها. * الشيخ: بالتاء؟ * الطالب: نعم، عندي بالتاء. * الشيخ: لا، غلط، (مُنعَّموها) هو الصواب. * الطالب: (مُنعَّموها مثْلَ قولِ قومِك: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ مِلَّةٍ، ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ مُتَّبِعون). * الشيخ: هذا الحكمة منه هو تسلية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإنذار هؤلاء المكذبين، أن جميع الأمم السابقة يقولون لأقوامهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾؛ أي: على مِلَّة، ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ﴾؛ أي: ما يسيرون عليه من الدين، ﴿مُقْتَدُونَ﴾؛ أي: مُتَّبِعون مُقلِّدون. * ففي هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: تسلية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأن هذا الذي قيل له قد قيل لمن قبله، كقوله تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت ٤٣]. * ومنها: اتفاق أهل الباطل على هدف واحد، ألا هو تكذيب الرسل واتباع آبائهم. * ومنها: تحريم التقليد بالباطل، وأما التقليد بالحق فلا بأس به، فإذا كان رجل لا يعرف حكم المسألة في دين الله وليس عنده قدرة على الاجتهاد، فإن فرضَه التقليد؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٤٣]، ولقول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، ولقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦]. وأما من حرَّمَ التقليد مطلقًا فقوله باطلٌ مخالفٌ لظاهر القرآن، وأما من ألزم به مطلقًا فقوله باطلٌ مخالِفٌ لما يجب الإيمان به من اتباع الرسل. فالصواب أن التقليد للضرورة جائز، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: التقليد بمنزلة أكل الميتة؛ إن اضطر إنسانٌ إليه فهو جائز، وإلا فلا. ولكن هل يمكن أن نقول للعامي صاحب السوق: اجتهد في هذه المسألة حتى تعرف حكم الله؟ لا يمكن، ولو بقي يجتهد لخبَّط، لكن فرضه أن يسأل. وهل يحوز التقليد في أصول الدين أو في فروع الدين فقط؟ فالجواب أولًا: تقسيم الدين إلى أصول وفروع حادث لم يكن معروفًا بعهد الصحابة، ويدل على بُطلانه أنه يجعلون الصلاة والزكاة والصيام والحج، يجعلونهم من فروع الدين مع أنهم أركان الإسلام، فالصواب أن الشرع لا ينقسم إلى أصول وفروع، وأن هذا اصطلاح حادث، لكنه ينقسم إلى أصول علمية وأصول عملية؛ فالأصول العلمية هي الاعتقادات، والعملية هي العبادات المكلَّف بها، هذا هو الذي يدل عليه النص. إذن نقول: قولنا: هل يجوز التقليد في أصول الدين وفروعه أو فروعه فقط؟ أصل التقسيم حادثٌ مبتدَعٌ وإن كان عليه أكثر العلماء الآن، وهو أيضًا غير صحيح، وجه بطلانه؟ * طالب: أنهم جعلوا الصلاة.. * الشيخ: أنهم جعلوا الصلاة والزكاة والصيام والحج من فروع الدين، وهي أصل من أصول الدين؛ أركان الإسلام. ثم نقول: التقليد فيما تسميه أصل الدين وفروعه جائز، قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٤٣]، والرسالة على تقسيم هؤلاء إلى أصول وفروع من الأصول ولَّا من الفروع؟ * طالب: من الأصول. * الشيخ: الرسالة من الأصول؛ عقيدة، ومع هذا يقول عز وجل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾، اسألوا هل أرسلنا رجالًا أو أرسلنا ملائكة إن كنتم لا تعلمون، والقاعدة أن كل من عجز أن يدرك الحق بنفسه وجب عليه التقليد، سواء بالنسبة للأمور العلمية أو العملية لا فرق. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء القوم المكذبين للرسل ليس عندهم حجة إلا مجرد ما كان عليه الآباء، وهذا ليس بحجة. وعلى هذا فلا يجوز الاحتجاج بعمل الناس كما يفعله بعض القوم، فإذا نهيته عن شيء قال: كل الناس يفعلونه، هذا ليس بحجة، ولا يمكن أن تقابل الله بهذه الحجة؛ كل الناس يفعلون هذا، هذا لا يمكن أن ينفعك عند الله، قل: هذا دلَّ الكتاب على جوازه أو السنة على جوازه، قلنا: نعم، على العين والرأس، أما كل الناس يفعلونه فلا.

الزخرف 43:24

طالب: (﴿قَالَ﴾ أي: لهم، ﴿أَوَلَوْ﴾ تتبعون ذلك، ﴿جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ أنت ومن قبلك ﴿كَافِرُونَ﴾ ). * الشيخ: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ﴾ ﴿قَالَ﴾ أي: الرسول الذي يرسله الله عز وجل، ويقابل بأنهم وجدوا آباءهم على أمة، قال لهم: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾؛ يعني: أتردُّون قولي وتتَّبعون ما كان عليه آباؤكم ولو جئتكم بأهدى منه؟! والاستفهام هنا واضح أنه للإنكار والتوبيخ؛ يعني كيف تتَّبعون ما عليه آباؤكم وأنا قد جئتكم بأهدى؟! يعني: أتردُّون قولي، وتتَّبِعون ما كان عليه آباؤكم ولو جئتكم بأهدى منه؟ والاستفهام هنا واضح أنه للإنكار والتوبيخ، يعني: كيف تتبعون ما عليه آباؤكم وأنا قد جئتكم بأهدى؟! ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ [الزخرف ٢٤]، وهو شرع الله عز وجل، ومع هذا الرد واحد، ﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزخرف ٢٤]، وهذا غاية ما يكون من العناد، يعني حتى ولو جئتنا بأهدى مما وجدنا عليه آباءنا فإنا كافرون، ولا نقول كما قلنا أولًا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف ٢٣]، بل نقول: ﴿كَافِرُونَ﴾ مطلقًا، وهذا أبلغ ما يكون في العناد -نسأل الله العافية- وهذا كقول الذين استكبروا من قوم صالح، ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الأعراف ٧٦]. * في هذه الآية: بيان معالجة الرسل عليهم الصلاة والسلام للمكذِّبين أنهم يُدْلُون عليهم بالحجج الْمُقْنِعَة، ولكن الكافرين يعاندون. * ومنها: جواز التفضيل بين شيئين قد لا يكون في الطرف الآخر شيء من المعنى؛ لقوله: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾، (أهدى) اسم تفضيل، ومع ذلك فإننا نقول: ما وجدوا عليه آباءهم ليس به هدى، لكن التَّنَزُّل مع الخصم لا بأس به وإن لم يكن في الطرف الآخر شيء، انظر إلى قول الله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل ٥٩]، هذه الأصنام، هل في الأصنام خير؟ * طلبة: لا. * الشيخ: لا، لكن من أجل مجادلة الخصم نقول له: هل الله خير أم آلهتك؟ وإنا نعلم أن هذا ليس فيه خير، هنا قال: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾، مع العلم أن ما كان عليه آباؤهم ليس فيه هدى، بل هو ضلال، ولكن المخاطِب مَن يرى أنه هدى، فنخاطبه على قدر ما عنده من الفهم، ومن ذلك ما يستعمله شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من العلماء في مجادلة أهل الكلام، حيث يتمشى فيما يجادلهم به على حسب اصطلاحهم، وإن كان ينكر أصل ما هم عليه، لكن المجادلة مع الخصم لا بأس أن ينزل الإنسان على حسب فهم الخصم، حتى يكون ذلك أبلغ في الاحتجاج عليه. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن أولئك المعانِدِين الذين يتبعون ما وجدوا عليه آباءهم ليس عندهم نية أن يؤمنوا؛ لأنهم لما غُلِبُوا في الحجة ماذا قالوا؟ ﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾، يعني: لن يؤمن، مهما أتيتم من الحجة فلن نؤمن، وهذا غاية ما يكون من الاستكبار عن الحق.

الزخرف 43:25

قال الله تعالى:﴿ ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴾ [الزخرف: ٢٥]، ﴿انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ أي: أنزلنا بهم النقمة، وهي العقوبة، ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ انظر يا محمد، أو انظر أيها المخاطب كيف كان عاقبة المكذِّبين، إذا نظرنا وجدنا العاقبة الهلاك والدمار فلنعتبر. * في هذه الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل، وأنه تبارك وتعالى يُمْلِي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْه، فإن الله قادر على أن ينتقم منهم بأول مرة، لكن يُمْلِي للظالم، فإذا أَخَذَهُ أَخَذَهُ أَخْذَ عزيز مقتدر. * ومن فوائد الآية الكريمة: الأمر بالاعتبار والنظر في الأمور؛ لقوله: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾، النظر هنا نظر عين ولَّا نظر قلب؟ * الطلبة: قلب. * الشيخ: نظر قلب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عاقبة المكذِّبين الهلاك والدمار؛ لأن الله أهلك كل المكذِّبين؛ أهلك قوم نوح، قوم هود، قوم صالح، قوم لوط، فرعون، كل المكذِّبين أهلكهم الله عز وجل، لكن هذه الأمة -ولله الحمد- جعل الله هلاك عدوها على يدها، وذلك بالحروب؛ لأن هلاك عدوك على يدك أشفى من هلاكه من عند الله عز وجل، أشفى للقلب، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: نعم، نقول: بلى، هلاك عدوك على يدك أشفى لك من هلاكه من عند الله عز وجل، ولهذا كان هلاك المكذِّبين للرسول محمد ﷺ على أيديهم، كما قال عز وجل: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة ١٤، ١٥]. * من فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: وجوب النظر والاعتبار. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عاقبة المكذِّبين للرسل هي الهلاك والدمار. * ومن فوائدها: تحذير هذه الأمة من تكذيب رسولها أن يصيبهم ما أصاب غيرهم.

الزخرف 43:26

ثم قال عز وجل: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف ٢٦]، (إذ) مفعول يُبَيِّن المحذوف، التقدير: واذكر إذ قال إبراهيم، وإنما ذَكَرَ إبراهيم؛ لأن إبراهيم تنتمي إليه جميع الأمم؛ اليهود قالوا: إنه يهودي، والنصارى قالوا: إنه نصراني، والعرب قالوا: إنهم مُتَّبِعُون مِلَّتَه، فأراد الله أن يُبَيِّن أن إبراهيم عليه السلام كان بريئًا من الشرك وأهله، ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾، (إذ) أيش؟ * طالب: (إذ) فعل يبين المحذوف. * الشيخ: فعل أو فاعل أو مفعول؟ * طالب: التقدير: واذكر. * الشيخ: إي، لكن هو ويش إعرابه؟ * طالب: المحذوف تقديره: واذكر. * الشيخ: أحسنت، تقديره: اذكر هذا الواقع، ﴿إِذْ قَالَ﴾، اذكر إذا قال إبراهيم، إبراهيم الخليل عليه السلام هو إمام الحنفاء الذي قال الله تعالى فيه لنبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل ١٢٣]، ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾، ﴿لِأَبِيهِ﴾، وهو آزر، ﴿وَقَوْمِهِ﴾: الذين أُرْسِلَ إليهم، وقد ذَكَرَ الله تبارك وتعالى مُحَاجَّة إبراهيم لأبيه في سورة مريم على وجه مبسوط، وفي غيرها على وجه مختصر أحيانًا، ومتوسط أحيانًا. فَجَرَتْ المحاورة بينه وبين أبيه في سورة مريم، فقال عز وجل: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم ٤١، ٤٢]، إنْ دَعَوْتَهُ لم يسمعك، وإن وافقتَه لم يَرَكَ، وإن استعنت به لم ينفعك، ولا يغني عنك شيئًا، بعده؟ * طالب: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ [مريم ٤٣]. * الشيخ: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾، الخطاب الآن مَبْنِيٌّ على الترقيق، والتلطيف، والتَّنَزُّل أمام الأب، ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾، ولم يقل: يا أبت إنك جاهل وأنا عالم، بل قال: ﴿إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾، وهذا من أَدَبِهِ عليه السلام، جاءه من العلم الوحي، وأبوه ليس كذلك، جاءه من العلم التوحيد وأبوه ليس كذلك، ﴿فَاتَّبِعْنِي﴾، الولد يقول لأبيه: اتَّبِعْنِي؛ لأن الابن معه الحق، والأب ليس كذلك. ﴿أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم ٤٣، ٤٤]، ﴿لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ يعني: عبادة الطاعة، وكل مَن أطاع شيئًا فقد عَبَدَهُ على حسب الحال. ﴿الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ أي: عاصيًا، ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [مريم ٤٥] أي: يصيبك، ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم ٤٥]، فجعل ولايته للشيطان من العذاب؛ لأن إعراض الإنسان عن الحق مصيبة ببعض الذنوب، كما قال عز وجل: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة ٤٩]، قف، نحن نظن أن العقوبات هي البلاء ينزل بالإنسان، من مرض وفقر وفَقْدٍ (...)، وما أشبه ذلك، وهذا حق، بلى العقوبة، لكن هناك عقوبة أشد، وهي (...)، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾، هذا أعظم من عقوبة البلاء الحسي الجسدي، ولهذا قال: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم ٤٥]، ماذا كان جواب الأب؟ جواب الأب جواب قاسٍ، ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [مريم ٤٦]، شوف، أنكر عليه الرغبة، ولهذا قال أهل البلاغة: الذي يلي همزة الاستفهام هو الْمُنْكَر، يعني لم يقل: يا إبراهيم أراغب، بل بدأ بالإنكار على الطريقة (...)، ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ﴾، وهذا استفهام إنكار وتوبيخ، ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ [مريم ٤٦] يعني: عن دعوتك إياي إلى التوحيد، ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ أيش؟ * الطلبة: ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم ٤٦]. * الشيخ: ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾، وَعِيدٌ يقوله الأب لابنه، وابنه يترقَّقَ له، ويتحَنَّن إليه بقوله: يا أبت، يا أبت، يا أبت، وهنا جواب الأب، وهذا القول: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ قاله أيضًا غيره من المكذِّبِين للرسل؛ فرعون قال لموسى: ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء ٢٩]. ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم ٤٦] يعني: اتركني، ﴿مَلِيًّا﴾ أي: زمنًا طويلًا، يعني يقول: دعني على ما أنا عليه ولا تكلمني. ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ [مريم ٤٧] هذه النهاية من إبراهيم، فما أَحْلَمَه عليه الصلاة والسلام، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة ١١٤]، ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم ٤٧]، فاستغفر له حتى نهاه الله عز وجل. الشاهد من هذا أن أبا إبراهيم كان مشركًا، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: اسمه؟ * الطلبة: آزر. * الشيخ: آزر، كما قال عز وجل: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ [الأنعام ٧٤]، العجب أن بعض الناس -نسأل الله العافية- حَرَّفَ كلام الله عَمَّا أراد الله بناءً على هواه، فقال: أبو إبراهيم ليس مشركًا، بل هو على التوحيد، ولا يمكن أن يكون أبو النبي مشركًا، وآزر هو عَمُّه وليس أباه، لا حول ولا قوة إلا بالله، شوف كيف الهوى؟! «وَمَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»[[أخرجه الترمذي (٢٩٥١) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.]]، كيف نقول: ليس أباه بل هو عمه، وهو يقول: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾، كيف نقول: إنه عمه، وهو يقول: ﴿يَا أَبَتِ﴾، أما يستحيي قائل هذا القول؟ أما يتقي الله عز وجل بتحريف الكلم عن مواضعه بناء على عقيدة فاسدة أن أَبَا الرسول لا يمكن أن يكون كافرًا، فنقول: سبحان الله! تأملوا، كون أبي الرسولِ كافرًا وابنه نبي أعظم دليل على قدرة الله عز وجل، وأنه يحيي الحي من الميت، وأن النَّسَب لا يرفع أصحابه، أليس كذلك يا جماعة؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: والله لو قلنا هذا لعجوز من عجائز المسلمين: إن آزر عم إبراهيم وليس أباه لانتقدتنا، بل نقول: أبو إبراهيم كافر، وأبو محمد كافر، وماذا يضر النبي إذا كان أبوه كافرًا؟ لا يضره شيئًا، بل هذا أكبر دليل على كمال قدرة الله عز وجل، وأنه يُخْرِج الأنبياء من أصلاب هؤلاء الكفار، لكن الحمد لله ما خرج نبي أبدًا من سِفَاحٍ، أبدًا، أما مسألة الكفر والإيمان فهذا لا يعد انتهاكًا لأعراض الأنبياء. الشاهد من هذا أن إبراهيم عليه السلام قال لأبيه صراحة وقال لقومه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف ٢٦]، ﴿بَرَاءٌ﴾ المفسر قال: (بريء)، وهذا نقص من المفسر؛ لأن (براء) صفة مشبهة، و(بريء) اسم فاعل، وأيهما أعظم؟ الصفة المشبهة أعظم؛ لأنها تدل على الدوام والثبات والاستمرار، فـ(براء) أعظم من (بريء)، ﴿بَرَاءٌ﴾، يعني: صفة البراءة، الصفة الدائمة الثابتة المستمرة البراء مما أنتم عليه، ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف ٢٦، ٢٧]، وأظن لا يمكن أن نكمل الآية، انتهى الوقت. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨) بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩) وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزخرف ٢٨ - ٣٠]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. * طالب: الآية التي قبلها. * الشيخ: اللي قبلها؟ ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾؟ * الطالب: اللي بعدها. * الشيخ: هذه ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً﴾. * الطالب: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾. * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾، (إذ) هذه ويش محلها من الإعراب؟ * طالب: مفعول به. * الشيخ: لأيش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: والتقدير: واذكر إذ قال، نعم، اذكر، يعني لهؤلاء المكذِّبين، اذكر هذا القول الذي قاله إبراهيم عليه الصلاة والسلام، والذي كانوا يفتخرون بالانتساب إليه وإلى مِلَّتِه حتى تقيم عليهم الحجة، ﴿إِذْ قَالَ﴾ ﴿لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾، وأبوه هو آزر، وله معه مناظرات سبق الكلام عليها، ﴿وَقَوْمِهِ﴾ أصحابه الذين بُعِثَ إليهم، وكان إبراهيم عليه السلام كغيره من الأنبياء بُعِثَ إلى قومه خاصة، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي»، مِنْهَا: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨)، ومسلم (٥٢١/٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.]]. ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ الجملة هذه مُؤَكَّدَة -كما هو معلوم- بـ(إن)، و﴿بَرَاءٌ﴾ صفة مشبهة، وهي أبلغ من كلمة (بريء)؛ لأن الصفة المشبهة تقتضي الدوام والثبوت، ﴿مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾، أي: من الذي تعبدونه، ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾، والمراد بيعبدونه الأصنام التي ينحتونها هم بأيديهم ثم يعبدونها، ولهذا قال لهم إبراهيم عليه السلام في جملة مناظراته: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات ٩٥، ٩٦]، فكيف تعبدونها وهي مخلوقة؟ كيف تعبدونها وأنتم الذين تنحتونها؟ وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾، (إلا) أداة استثناء، لكن هل الاستثناء هنا منقطع أو هو متصل؟ فالجواب: إن كانوا يعبدون الله وغيره فالاستثناء متصل، وإن كانوا لا يعبدون الله فالاستثناء منقطع، والاستثناء المنقطع هو الذي يكون ما بعد (إلا) من غير جنس الذي قبلها، هذا هو الاستثناء المتقطع، ومَثَّلَ له النحويون بقولهم: جاء القوم إلا حمارًا، حمارًا من جنس القوم أو من غيرهم؟ * طالب: من غيرهم. * الشيخ: من غير جنسهم، فيكون الاستثناء منقطعًا، أما إذا قيل: جاء القوم إلا زيدًا، فالاستثناء هنا متصل؛ لأن زيدًا من جنس الْمُسْتَثْنَى منه، فهنا نُطَبِّق هذه القاعدة، ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ إن كانوا يعبدون الله وغيره فالاستثناء؟ * طلبة: متصل. * الشيخ: متصل، وإن كانوا لا يعبدون الله فالاستثناء منقطع، وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾، لم يقل: إلا الله، من أجل أن يُقِيمَ الدليل على أنه لا يستحق العبادة إلا هو، فالذي فطرك أول مرة وأوجدك من العدم هو الذي يستحق أن يُعْبَد؛ لأنه الذي خلقك، انتبه. يعني لو قال قائل: لماذا لم يقل: إلا الله؟ فالجواب: ليقيم الحجة على أنه لا ينبغي أن يُعْبَد إلا اللهُ عز وجل، وهذا كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة ٢١]، ومعلوم أن (رب) خالق، لكنه أتى بقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ وهو معلوم؛ ليقيم الحجة على أنه المستحق للعبادة وحده، ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ قال المؤلف: (خلقني). ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾: سيرشدني لدينه، والهداية نوعان، كما سيأتي إن شاء الله في بيان الفوائد. ﴿وَجَعَلَهَا﴾ أي: كلمة التوحيد المفهومة من قوله: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات ٩٩]، ﴿جَعَلَهَا﴾ الضمير يعود على الكلمة التي قالها، وما هي الكلمة التي قالها؟ اسمع كلام المفسِّر، قال: هي قوله: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، وهذا غلط من المؤلف، الكلمة التي قالها هي أقرب كلمة، وهي: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾، وهي كلمة التوحيد، أما قوله: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ فلا علاقة لها في الآية، إذن ﴿جَعَلَهَا﴾ الضمير يعود على أيش؟ * طالب: قوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾. * الشيخ: لا ﴿جَعَلَهَا﴾ الضمير يعود على أيش؟ على الكلمة التي قالها، وهي؟ * الطالب: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾. * الشيخ: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾، ومعنى قوله: ﴿جَعَلَهَا﴾ أي: صَيَّرَهَا هي الطريقة التي يصير عليها مَن بعده، ﴿كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ عَقِبِ مَن؟ * طالب: عقب إبراهيم. * الشيخ: عقب إبراهيم، قال: أي ذريته، فلا يزال فيهم مَن يُوَحِّدُ الله، هكذا قال المؤلف، أن المعنى أن هذه الكلمة ستبقى في ذريته، ولا يمكن أن تُشْرِكَ الذرية كلها، بل لا بد أن تبقى، والصواب خلاف هذا، الصواب أن المعنى: جعل هذه الكلمة هي الكلمة الوحيدة التي يسير عليها مَن بعده، سواء التزموها أم لم يلتزموها. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ أي: أهل مكة، ولو قيل: ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ أي: عقبه؛ لأن الآيات ما فيها ذِكْر أهل مكة، فيها العَقِب، ومعلوم أن أهل مكة مِن عَقِبِه، وأن بني إسرائيل من عَقِبِه، فإذا قلنا: إن الضمير في ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ يعود على ﴿عَقِبِهِ﴾ صار أعمَّ مما قال المؤلف؛ لأن المؤلف خَصَّهَا بجزء من العقب، وهذا قصور بلا شك، ولهذا اتَّخِذ هذه القاعدة، لا تُفَسِّر القرآن بأَخَصّ مما يدل عليه، بمعنى: إذا كان القرآن يدل على شيء عامّ فلا تُخَصِّصْه إلا إذا كان هناك دليل، وإلا فَأَبْقِهِ على عمومه، إذن ﴿جَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف ٢٨]، الضمير يعود على مَن؟ * طلبة: عقبه. * الشيخ: على العقب؛ من قريش وبني إسرائيل، لكن ما معنى ﴿جَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً﴾؟ على كلام المؤلف رحمه الله المفسِّر يعني أنها ستبقى هذه الكلمة في العقب فلا يمكن أن يُفْقَد منهم التوحيد، والصواب أنه جعلها جَعْلًا شَرْعِيًّا، بمعنى أنه عَهِدَ إلى عقبه أن يُوَحِّدوا الله عز وجل، فمنهم مَن أطاع، ومنهم مَن عصى. * في هذه الآية الكريمة: مَزِيَّة عظيمة لإبراهيم عليه السلام، وهي إعلانه بالبراءة مما يعبد قومه، ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾. * ومنها: التوحيد الخالص في إبراهيم؛ لقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾، وهذا معنى قوله: (لا إله إلا الله)، فـ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾ بإزاء (لا إله)، ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾؟ أجيبوا. * طلبة: (إلا الله). * الشيخ: بإزاء (إلا الله)، إذن هذه الكلمة ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ بمعنى (لا إله إلا الله) تمامًا، أليس كذلك؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يقرن الحكم بالدليل؛ لأنه أبلغ، ذلك حين قال إبراهيم: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: قوة الرجاء، أي: رجاء إبراهيم بالله عز وجل؛ لقوله: ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾، والسين هذه تدل على التحقيق، والهداية نوعان؛ النوع الأول: هداية الدلالة، وهذه تكون من الله، ومن عباد الله، والثاني: هداية التوفيق للحق، وهذه لا تكون إلا من الله عز وجل، لا أحد يَمْلِكُهَا، استمع، الهداية نوعان: الأول؟ * الطلبة: هداية الدلالة. * الشيخ: هداية الدلالة، بمعنى الدلالة على الحق، وهذه تكون من الله، ومن غيره، والثاني: هداية التوفيق، وهذه لا تكون إلا من الله وحده، لا أحد يملكها، نسأل الله أن يَهْدِيَنَا وإياكم. ثم الآيات الواردة في هذا منها ما يتعين حمله على هداية التوفيق، ومنها ما يتعين حمله على هداية الدلالة، ومنها ما يشمل الأمرين، الآيات الواردة في الهداية، فقول المصلي: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة ٦] يشمل؟ * طلبة: هداية الدلالة. * الشيخ: الأمرين: هداية الدلالة؛ وهي العلم، وهداية التوفيق؛ وهي العمل، فهل أنت أيها المصلي تشعر بهذا إذا قلت: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾؟ أو تشعر بأنك تتلو قرآنًا فقط؟ أخبرونا بالصدق. * طالب: الثاني. * الشيخ: الثاني غالبًا، ما هو كل الناس، أكثر الناس يقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ يقرؤها على أنها آية تُقْرَأ، لا يشعر بأن المعنى: اهْدِنِي عَلِّمْنِي ووَفِّقْنِي للعمل، ما يشعر بهذا، لكن استشعر هذا الشيء حتى تعرف على أي شيء تُؤَمِّن. مثال هداية الدلالة وحدها: قول الله تبارك وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى ٥٢] هذه هداية أيش؟ * الطلبة: دلالة. * الشيخ: الدلالة، يعني: تدل الناس إلى الصراط المستقيم، ومثال دلالة هداية التوفيق قول الله تبارك وتعالى ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص ٥٦] يقوله للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يعني: لن توفِّق أحدًا للهداية ولو كنت تحبه، ولهذا حاول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين حضر عمَّه أبا طالب وهو في سياق الموت، حاول أن يُوَحِّد اللهَ ولكن عجز، قال في سياق الموت: «يَا عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ»[[أخرجه البخاري (٣٨٨٤) من حديث المسيب بن حزن رضي الله عنه.]]، وكان عنده رجلان من قريش جليسا سوء، فقالا لأبي طالب: أترغب عن مِلَّةِ عبد المطلب، شوف -والعياذ بالله- النخوة، أترغب عن مِلَّةِ عبد المطلب، يعني جده الذي تفتخر به قريش، فكان آخر ما قال: هو على مِلَّةِ عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فما هي الهداية التي عجز عنها النبي ﷺ في هذا؟ * الطلبة: هداية التوفيق. * الشيخ: هداية التوفيق، أما هداية الدلالة فقال: «قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ». قول الله عز وجل: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت ١٧]، من أي النوعين؟ * الطلبة: الدلالة. * الشيخ: هداية الدلالة، قوله تعالى: ﴿اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل ١٢١]. * طلبة: يشمل الأمرين. * الشيخ: يشمل الأمرين جميعًا. * من فوائد هذه الآية الكريمة: تمام نصح إبراهيم عليه السلام لِعَقِبِهِ، حيث جعل كلمة التوحيد باقية فيهم، وهذا بمنزلة الوصية للعَقِب أن يقوموا بهذه الوصية. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرجوع إلى ما كان عليه الأسلاف من الحق؛ لقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.

الزخرف 43:27

ثم قال عز وجل: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف ٢٦]، (إذ) مفعول يُبَيِّن المحذوف، التقدير: واذكر إذ قال إبراهيم، وإنما ذَكَرَ إبراهيم؛ لأن إبراهيم تنتمي إليه جميع الأمم؛ اليهود قالوا: إنه يهودي، والنصارى قالوا: إنه نصراني، والعرب قالوا: إنهم مُتَّبِعُون مِلَّتَه، فأراد الله أن يُبَيِّن أن إبراهيم عليه السلام كان بريئًا من الشرك وأهله، ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾، (إذ) أيش؟ * طالب: (إذ) فعل يبين المحذوف. * الشيخ: فعل أو فاعل أو مفعول؟ * طالب: التقدير: واذكر. * الشيخ: إي، لكن هو ويش إعرابه؟ * طالب: المحذوف تقديره: واذكر. * الشيخ: أحسنت، تقديره: اذكر هذا الواقع، ﴿إِذْ قَالَ﴾، اذكر إذا قال إبراهيم، إبراهيم الخليل عليه السلام هو إمام الحنفاء الذي قال الله تعالى فيه لنبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل ١٢٣]، ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾، ﴿لِأَبِيهِ﴾، وهو آزر، ﴿وَقَوْمِهِ﴾: الذين أُرْسِلَ إليهم، وقد ذَكَرَ الله تبارك وتعالى مُحَاجَّة إبراهيم لأبيه في سورة مريم على وجه مبسوط، وفي غيرها على وجه مختصر أحيانًا، ومتوسط أحيانًا. فَجَرَتْ المحاورة بينه وبين أبيه في سورة مريم، فقال عز وجل: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم ٤١، ٤٢]، إنْ دَعَوْتَهُ لم يسمعك، وإن وافقتَه لم يَرَكَ، وإن استعنت به لم ينفعك، ولا يغني عنك شيئًا، بعده؟ * طالب: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ [مريم ٤٣]. * الشيخ: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾، الخطاب الآن مَبْنِيٌّ على الترقيق، والتلطيف، والتَّنَزُّل أمام الأب، ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾، ولم يقل: يا أبت إنك جاهل وأنا عالم، بل قال: ﴿إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾، وهذا من أَدَبِهِ عليه السلام، جاءه من العلم الوحي، وأبوه ليس كذلك، جاءه من العلم التوحيد وأبوه ليس كذلك، ﴿فَاتَّبِعْنِي﴾، الولد يقول لأبيه: اتَّبِعْنِي؛ لأن الابن معه الحق، والأب ليس كذلك. ﴿أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم ٤٣، ٤٤]، ﴿لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ يعني: عبادة الطاعة، وكل مَن أطاع شيئًا فقد عَبَدَهُ على حسب الحال. ﴿الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ أي: عاصيًا، ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [مريم ٤٥] أي: يصيبك، ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم ٤٥]، فجعل ولايته للشيطان من العذاب؛ لأن إعراض الإنسان عن الحق مصيبة ببعض الذنوب، كما قال عز وجل: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة ٤٩]، قف، نحن نظن أن العقوبات هي البلاء ينزل بالإنسان، من مرض وفقر وفَقْدٍ (...)، وما أشبه ذلك، وهذا حق، بلى العقوبة، لكن هناك عقوبة أشد، وهي (...)، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾، هذا أعظم من عقوبة البلاء الحسي الجسدي، ولهذا قال: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم ٤٥]، ماذا كان جواب الأب؟ جواب الأب جواب قاسٍ، ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [مريم ٤٦]، شوف، أنكر عليه الرغبة، ولهذا قال أهل البلاغة: الذي يلي همزة الاستفهام هو الْمُنْكَر، يعني لم يقل: يا إبراهيم أراغب، بل بدأ بالإنكار على الطريقة (...)، ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ﴾، وهذا استفهام إنكار وتوبيخ، ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ [مريم ٤٦] يعني: عن دعوتك إياي إلى التوحيد، ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ أيش؟ * الطلبة: ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم ٤٦]. * الشيخ: ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾، وَعِيدٌ يقوله الأب لابنه، وابنه يترقَّقَ له، ويتحَنَّن إليه بقوله: يا أبت، يا أبت، يا أبت، وهنا جواب الأب، وهذا القول: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ قاله أيضًا غيره من المكذِّبِين للرسل؛ فرعون قال لموسى: ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء ٢٩]. ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم ٤٦] يعني: اتركني، ﴿مَلِيًّا﴾ أي: زمنًا طويلًا، يعني يقول: دعني على ما أنا عليه ولا تكلمني. ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ [مريم ٤٧] هذه النهاية من إبراهيم، فما أَحْلَمَه عليه الصلاة والسلام، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة ١١٤]، ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم ٤٧]، فاستغفر له حتى نهاه الله عز وجل. الشاهد من هذا أن أبا إبراهيم كان مشركًا، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: اسمه؟ * الطلبة: آزر. * الشيخ: آزر، كما قال عز وجل: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ [الأنعام ٧٤]، العجب أن بعض الناس -نسأل الله العافية- حَرَّفَ كلام الله عَمَّا أراد الله بناءً على هواه، فقال: أبو إبراهيم ليس مشركًا، بل هو على التوحيد، ولا يمكن أن يكون أبو النبي مشركًا، وآزر هو عَمُّه وليس أباه، لا حول ولا قوة إلا بالله، شوف كيف الهوى؟! «وَمَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»[[أخرجه الترمذي (٢٩٥١) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.]]، كيف نقول: ليس أباه بل هو عمه، وهو يقول: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾، كيف نقول: إنه عمه، وهو يقول: ﴿يَا أَبَتِ﴾، أما يستحيي قائل هذا القول؟ أما يتقي الله عز وجل بتحريف الكلم عن مواضعه بناء على عقيدة فاسدة أن أَبَا الرسول لا يمكن أن يكون كافرًا، فنقول: سبحان الله! تأملوا، كون أبي الرسولِ كافرًا وابنه نبي أعظم دليل على قدرة الله عز وجل، وأنه يحيي الحي من الميت، وأن النَّسَب لا يرفع أصحابه، أليس كذلك يا جماعة؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: والله لو قلنا هذا لعجوز من عجائز المسلمين: إن آزر عم إبراهيم وليس أباه لانتقدتنا، بل نقول: أبو إبراهيم كافر، وأبو محمد كافر، وماذا يضر النبي إذا كان أبوه كافرًا؟ لا يضره شيئًا، بل هذا أكبر دليل على كمال قدرة الله عز وجل، وأنه يُخْرِج الأنبياء من أصلاب هؤلاء الكفار، لكن الحمد لله ما خرج نبي أبدًا من سِفَاحٍ، أبدًا، أما مسألة الكفر والإيمان فهذا لا يعد انتهاكًا لأعراض الأنبياء. الشاهد من هذا أن إبراهيم عليه السلام قال لأبيه صراحة وقال لقومه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف ٢٦]، ﴿بَرَاءٌ﴾ المفسر قال: (بريء)، وهذا نقص من المفسر؛ لأن (براء) صفة مشبهة، و(بريء) اسم فاعل، وأيهما أعظم؟ الصفة المشبهة أعظم؛ لأنها تدل على الدوام والثبات والاستمرار، فـ(براء) أعظم من (بريء)، ﴿بَرَاءٌ﴾، يعني: صفة البراءة، الصفة الدائمة الثابتة المستمرة البراء مما أنتم عليه، ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف ٢٦، ٢٧]، وأظن لا يمكن أن نكمل الآية، انتهى الوقت. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨) بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩) وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزخرف ٢٨ - ٣٠]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. * طالب: الآية التي قبلها. * الشيخ: اللي قبلها؟ ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾؟ * الطالب: اللي بعدها. * الشيخ: هذه ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً﴾. * الطالب: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾. * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾، (إذ) هذه ويش محلها من الإعراب؟ * طالب: مفعول به. * الشيخ: لأيش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: والتقدير: واذكر إذ قال، نعم، اذكر، يعني لهؤلاء المكذِّبين، اذكر هذا القول الذي قاله إبراهيم عليه الصلاة والسلام، والذي كانوا يفتخرون بالانتساب إليه وإلى مِلَّتِه حتى تقيم عليهم الحجة، ﴿إِذْ قَالَ﴾ ﴿لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾، وأبوه هو آزر، وله معه مناظرات سبق الكلام عليها، ﴿وَقَوْمِهِ﴾ أصحابه الذين بُعِثَ إليهم، وكان إبراهيم عليه السلام كغيره من الأنبياء بُعِثَ إلى قومه خاصة، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي»، مِنْهَا: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨)، ومسلم (٥٢١/٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.]]. ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ الجملة هذه مُؤَكَّدَة -كما هو معلوم- بـ(إن)، و﴿بَرَاءٌ﴾ صفة مشبهة، وهي أبلغ من كلمة (بريء)؛ لأن الصفة المشبهة تقتضي الدوام والثبوت، ﴿مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾، أي: من الذي تعبدونه، ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾، والمراد بيعبدونه الأصنام التي ينحتونها هم بأيديهم ثم يعبدونها، ولهذا قال لهم إبراهيم عليه السلام في جملة مناظراته: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات ٩٥، ٩٦]، فكيف تعبدونها وهي مخلوقة؟ كيف تعبدونها وأنتم الذين تنحتونها؟ وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾، (إلا) أداة استثناء، لكن هل الاستثناء هنا منقطع أو هو متصل؟ فالجواب: إن كانوا يعبدون الله وغيره فالاستثناء متصل، وإن كانوا لا يعبدون الله فالاستثناء منقطع، والاستثناء المنقطع هو الذي يكون ما بعد (إلا) من غير جنس الذي قبلها، هذا هو الاستثناء المتقطع، ومَثَّلَ له النحويون بقولهم: جاء القوم إلا حمارًا، حمارًا من جنس القوم أو من غيرهم؟ * طالب: من غيرهم. * الشيخ: من غير جنسهم، فيكون الاستثناء منقطعًا، أما إذا قيل: جاء القوم إلا زيدًا، فالاستثناء هنا متصل؛ لأن زيدًا من جنس الْمُسْتَثْنَى منه، فهنا نُطَبِّق هذه القاعدة، ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ إن كانوا يعبدون الله وغيره فالاستثناء؟ * طلبة: متصل. * الشيخ: متصل، وإن كانوا لا يعبدون الله فالاستثناء منقطع، وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾، لم يقل: إلا الله، من أجل أن يُقِيمَ الدليل على أنه لا يستحق العبادة إلا هو، فالذي فطرك أول مرة وأوجدك من العدم هو الذي يستحق أن يُعْبَد؛ لأنه الذي خلقك، انتبه. يعني لو قال قائل: لماذا لم يقل: إلا الله؟ فالجواب: ليقيم الحجة على أنه لا ينبغي أن يُعْبَد إلا اللهُ عز وجل، وهذا كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة ٢١]، ومعلوم أن (رب) خالق، لكنه أتى بقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ وهو معلوم؛ ليقيم الحجة على أنه المستحق للعبادة وحده، ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ قال المؤلف: (خلقني). ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾: سيرشدني لدينه، والهداية نوعان، كما سيأتي إن شاء الله في بيان الفوائد. ﴿وَجَعَلَهَا﴾ أي: كلمة التوحيد المفهومة من قوله: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات ٩٩]، ﴿جَعَلَهَا﴾ الضمير يعود على الكلمة التي قالها، وما هي الكلمة التي قالها؟ اسمع كلام المفسِّر، قال: هي قوله: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، وهذا غلط من المؤلف، الكلمة التي قالها هي أقرب كلمة، وهي: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾، وهي كلمة التوحيد، أما قوله: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ فلا علاقة لها في الآية، إذن ﴿جَعَلَهَا﴾ الضمير يعود على أيش؟ * طالب: قوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾. * الشيخ: لا ﴿جَعَلَهَا﴾ الضمير يعود على أيش؟ على الكلمة التي قالها، وهي؟ * الطالب: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾. * الشيخ: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾، ومعنى قوله: ﴿جَعَلَهَا﴾ أي: صَيَّرَهَا هي الطريقة التي يصير عليها مَن بعده، ﴿كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ عَقِبِ مَن؟ * طالب: عقب إبراهيم. * الشيخ: عقب إبراهيم، قال: أي ذريته، فلا يزال فيهم مَن يُوَحِّدُ الله، هكذا قال المؤلف، أن المعنى أن هذه الكلمة ستبقى في ذريته، ولا يمكن أن تُشْرِكَ الذرية كلها، بل لا بد أن تبقى، والصواب خلاف هذا، الصواب أن المعنى: جعل هذه الكلمة هي الكلمة الوحيدة التي يسير عليها مَن بعده، سواء التزموها أم لم يلتزموها. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ أي: أهل مكة، ولو قيل: ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ أي: عقبه؛ لأن الآيات ما فيها ذِكْر أهل مكة، فيها العَقِب، ومعلوم أن أهل مكة مِن عَقِبِه، وأن بني إسرائيل من عَقِبِه، فإذا قلنا: إن الضمير في ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ يعود على ﴿عَقِبِهِ﴾ صار أعمَّ مما قال المؤلف؛ لأن المؤلف خَصَّهَا بجزء من العقب، وهذا قصور بلا شك، ولهذا اتَّخِذ هذه القاعدة، لا تُفَسِّر القرآن بأَخَصّ مما يدل عليه، بمعنى: إذا كان القرآن يدل على شيء عامّ فلا تُخَصِّصْه إلا إذا كان هناك دليل، وإلا فَأَبْقِهِ على عمومه، إذن ﴿جَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف ٢٨]، الضمير يعود على مَن؟ * طلبة: عقبه. * الشيخ: على العقب؛ من قريش وبني إسرائيل، لكن ما معنى ﴿جَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً﴾؟ على كلام المؤلف رحمه الله المفسِّر يعني أنها ستبقى هذه الكلمة في العقب فلا يمكن أن يُفْقَد منهم التوحيد، والصواب أنه جعلها جَعْلًا شَرْعِيًّا، بمعنى أنه عَهِدَ إلى عقبه أن يُوَحِّدوا الله عز وجل، فمنهم مَن أطاع، ومنهم مَن عصى. * في هذه الآية الكريمة: مَزِيَّة عظيمة لإبراهيم عليه السلام، وهي إعلانه بالبراءة مما يعبد قومه، ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾. * ومنها: التوحيد الخالص في إبراهيم؛ لقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾، وهذا معنى قوله: (لا إله إلا الله)، فـ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾ بإزاء (لا إله)، ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾؟ أجيبوا. * طلبة: (إلا الله). * الشيخ: بإزاء (إلا الله)، إذن هذه الكلمة ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ بمعنى (لا إله إلا الله) تمامًا، أليس كذلك؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يقرن الحكم بالدليل؛ لأنه أبلغ، ذلك حين قال إبراهيم: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: قوة الرجاء، أي: رجاء إبراهيم بالله عز وجل؛ لقوله: ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾، والسين هذه تدل على التحقيق، والهداية نوعان؛ النوع الأول: هداية الدلالة، وهذه تكون من الله، ومن عباد الله، والثاني: هداية التوفيق للحق، وهذه لا تكون إلا من الله عز وجل، لا أحد يَمْلِكُهَا، استمع، الهداية نوعان: الأول؟ * الطلبة: هداية الدلالة. * الشيخ: هداية الدلالة، بمعنى الدلالة على الحق، وهذه تكون من الله، ومن غيره، والثاني: هداية التوفيق، وهذه لا تكون إلا من الله وحده، لا أحد يملكها، نسأل الله أن يَهْدِيَنَا وإياكم. ثم الآيات الواردة في هذا منها ما يتعين حمله على هداية التوفيق، ومنها ما يتعين حمله على هداية الدلالة، ومنها ما يشمل الأمرين، الآيات الواردة في الهداية، فقول المصلي: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة ٦] يشمل؟ * طلبة: هداية الدلالة. * الشيخ: الأمرين: هداية الدلالة؛ وهي العلم، وهداية التوفيق؛ وهي العمل، فهل أنت أيها المصلي تشعر بهذا إذا قلت: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾؟ أو تشعر بأنك تتلو قرآنًا فقط؟ أخبرونا بالصدق. * طالب: الثاني. * الشيخ: الثاني غالبًا، ما هو كل الناس، أكثر الناس يقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ يقرؤها على أنها آية تُقْرَأ، لا يشعر بأن المعنى: اهْدِنِي عَلِّمْنِي ووَفِّقْنِي للعمل، ما يشعر بهذا، لكن استشعر هذا الشيء حتى تعرف على أي شيء تُؤَمِّن. مثال هداية الدلالة وحدها: قول الله تبارك وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى ٥٢] هذه هداية أيش؟ * الطلبة: دلالة. * الشيخ: الدلالة، يعني: تدل الناس إلى الصراط المستقيم، ومثال دلالة هداية التوفيق قول الله تبارك وتعالى ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص ٥٦] يقوله للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يعني: لن توفِّق أحدًا للهداية ولو كنت تحبه، ولهذا حاول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين حضر عمَّه أبا طالب وهو في سياق الموت، حاول أن يُوَحِّد اللهَ ولكن عجز، قال في سياق الموت: «يَا عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ»[[أخرجه البخاري (٣٨٨٤) من حديث المسيب بن حزن رضي الله عنه.]]، وكان عنده رجلان من قريش جليسا سوء، فقالا لأبي طالب: أترغب عن مِلَّةِ عبد المطلب، شوف -والعياذ بالله- النخوة، أترغب عن مِلَّةِ عبد المطلب، يعني جده الذي تفتخر به قريش، فكان آخر ما قال: هو على مِلَّةِ عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فما هي الهداية التي عجز عنها النبي ﷺ في هذا؟ * الطلبة: هداية التوفيق. * الشيخ: هداية التوفيق، أما هداية الدلالة فقال: «قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ». قول الله عز وجل: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت ١٧]، من أي النوعين؟ * الطلبة: الدلالة. * الشيخ: هداية الدلالة، قوله تعالى: ﴿اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل ١٢١]. * طلبة: يشمل الأمرين. * الشيخ: يشمل الأمرين جميعًا. * من فوائد هذه الآية الكريمة: تمام نصح إبراهيم عليه السلام لِعَقِبِهِ، حيث جعل كلمة التوحيد باقية فيهم، وهذا بمنزلة الوصية للعَقِب أن يقوموا بهذه الوصية. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرجوع إلى ما كان عليه الأسلاف من الحق؛ لقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.

الزخرف 43:28

ثم قال عز وجل: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف ٢٦]، (إذ) مفعول يُبَيِّن المحذوف، التقدير: واذكر إذ قال إبراهيم، وإنما ذَكَرَ إبراهيم؛ لأن إبراهيم تنتمي إليه جميع الأمم؛ اليهود قالوا: إنه يهودي، والنصارى قالوا: إنه نصراني، والعرب قالوا: إنهم مُتَّبِعُون مِلَّتَه، فأراد الله أن يُبَيِّن أن إبراهيم عليه السلام كان بريئًا من الشرك وأهله، ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾، (إذ) أيش؟ * طالب: (إذ) فعل يبين المحذوف. * الشيخ: فعل أو فاعل أو مفعول؟ * طالب: التقدير: واذكر. * الشيخ: إي، لكن هو ويش إعرابه؟ * طالب: المحذوف تقديره: واذكر. * الشيخ: أحسنت، تقديره: اذكر هذا الواقع، ﴿إِذْ قَالَ﴾، اذكر إذا قال إبراهيم، إبراهيم الخليل عليه السلام هو إمام الحنفاء الذي قال الله تعالى فيه لنبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل ١٢٣]، ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾، ﴿لِأَبِيهِ﴾، وهو آزر، ﴿وَقَوْمِهِ﴾: الذين أُرْسِلَ إليهم، وقد ذَكَرَ الله تبارك وتعالى مُحَاجَّة إبراهيم لأبيه في سورة مريم على وجه مبسوط، وفي غيرها على وجه مختصر أحيانًا، ومتوسط أحيانًا. فَجَرَتْ المحاورة بينه وبين أبيه في سورة مريم، فقال عز وجل: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم ٤١، ٤٢]، إنْ دَعَوْتَهُ لم يسمعك، وإن وافقتَه لم يَرَكَ، وإن استعنت به لم ينفعك، ولا يغني عنك شيئًا، بعده؟ * طالب: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ [مريم ٤٣]. * الشيخ: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾، الخطاب الآن مَبْنِيٌّ على الترقيق، والتلطيف، والتَّنَزُّل أمام الأب، ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾، ولم يقل: يا أبت إنك جاهل وأنا عالم، بل قال: ﴿إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾، وهذا من أَدَبِهِ عليه السلام، جاءه من العلم الوحي، وأبوه ليس كذلك، جاءه من العلم التوحيد وأبوه ليس كذلك، ﴿فَاتَّبِعْنِي﴾، الولد يقول لأبيه: اتَّبِعْنِي؛ لأن الابن معه الحق، والأب ليس كذلك. ﴿أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم ٤٣، ٤٤]، ﴿لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ يعني: عبادة الطاعة، وكل مَن أطاع شيئًا فقد عَبَدَهُ على حسب الحال. ﴿الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ أي: عاصيًا، ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [مريم ٤٥] أي: يصيبك، ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم ٤٥]، فجعل ولايته للشيطان من العذاب؛ لأن إعراض الإنسان عن الحق مصيبة ببعض الذنوب، كما قال عز وجل: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة ٤٩]، قف، نحن نظن أن العقوبات هي البلاء ينزل بالإنسان، من مرض وفقر وفَقْدٍ (...)، وما أشبه ذلك، وهذا حق، بلى العقوبة، لكن هناك عقوبة أشد، وهي (...)، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾، هذا أعظم من عقوبة البلاء الحسي الجسدي، ولهذا قال: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم ٤٥]، ماذا كان جواب الأب؟ جواب الأب جواب قاسٍ، ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [مريم ٤٦]، شوف، أنكر عليه الرغبة، ولهذا قال أهل البلاغة: الذي يلي همزة الاستفهام هو الْمُنْكَر، يعني لم يقل: يا إبراهيم أراغب، بل بدأ بالإنكار على الطريقة (...)، ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ﴾، وهذا استفهام إنكار وتوبيخ، ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ [مريم ٤٦] يعني: عن دعوتك إياي إلى التوحيد، ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ أيش؟ * الطلبة: ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم ٤٦]. * الشيخ: ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾، وَعِيدٌ يقوله الأب لابنه، وابنه يترقَّقَ له، ويتحَنَّن إليه بقوله: يا أبت، يا أبت، يا أبت، وهنا جواب الأب، وهذا القول: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ قاله أيضًا غيره من المكذِّبِين للرسل؛ فرعون قال لموسى: ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء ٢٩]. ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم ٤٦] يعني: اتركني، ﴿مَلِيًّا﴾ أي: زمنًا طويلًا، يعني يقول: دعني على ما أنا عليه ولا تكلمني. ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ [مريم ٤٧] هذه النهاية من إبراهيم، فما أَحْلَمَه عليه الصلاة والسلام، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة ١١٤]، ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم ٤٧]، فاستغفر له حتى نهاه الله عز وجل. الشاهد من هذا أن أبا إبراهيم كان مشركًا، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: اسمه؟ * الطلبة: آزر. * الشيخ: آزر، كما قال عز وجل: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ [الأنعام ٧٤]، العجب أن بعض الناس -نسأل الله العافية- حَرَّفَ كلام الله عَمَّا أراد الله بناءً على هواه، فقال: أبو إبراهيم ليس مشركًا، بل هو على التوحيد، ولا يمكن أن يكون أبو النبي مشركًا، وآزر هو عَمُّه وليس أباه، لا حول ولا قوة إلا بالله، شوف كيف الهوى؟! «وَمَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»[[أخرجه الترمذي (٢٩٥١) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.]]، كيف نقول: ليس أباه بل هو عمه، وهو يقول: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾، كيف نقول: إنه عمه، وهو يقول: ﴿يَا أَبَتِ﴾، أما يستحيي قائل هذا القول؟ أما يتقي الله عز وجل بتحريف الكلم عن مواضعه بناء على عقيدة فاسدة أن أَبَا الرسول لا يمكن أن يكون كافرًا، فنقول: سبحان الله! تأملوا، كون أبي الرسولِ كافرًا وابنه نبي أعظم دليل على قدرة الله عز وجل، وأنه يحيي الحي من الميت، وأن النَّسَب لا يرفع أصحابه، أليس كذلك يا جماعة؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: والله لو قلنا هذا لعجوز من عجائز المسلمين: إن آزر عم إبراهيم وليس أباه لانتقدتنا، بل نقول: أبو إبراهيم كافر، وأبو محمد كافر، وماذا يضر النبي إذا كان أبوه كافرًا؟ لا يضره شيئًا، بل هذا أكبر دليل على كمال قدرة الله عز وجل، وأنه يُخْرِج الأنبياء من أصلاب هؤلاء الكفار، لكن الحمد لله ما خرج نبي أبدًا من سِفَاحٍ، أبدًا، أما مسألة الكفر والإيمان فهذا لا يعد انتهاكًا لأعراض الأنبياء. الشاهد من هذا أن إبراهيم عليه السلام قال لأبيه صراحة وقال لقومه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف ٢٦]، ﴿بَرَاءٌ﴾ المفسر قال: (بريء)، وهذا نقص من المفسر؛ لأن (براء) صفة مشبهة، و(بريء) اسم فاعل، وأيهما أعظم؟ الصفة المشبهة أعظم؛ لأنها تدل على الدوام والثبات والاستمرار، فـ(براء) أعظم من (بريء)، ﴿بَرَاءٌ﴾، يعني: صفة البراءة، الصفة الدائمة الثابتة المستمرة البراء مما أنتم عليه، ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف ٢٦، ٢٧]، وأظن لا يمكن أن نكمل الآية، انتهى الوقت. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨) بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩) وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزخرف ٢٨ - ٣٠]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. * طالب: الآية التي قبلها. * الشيخ: اللي قبلها؟ ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾؟ * الطالب: اللي بعدها. * الشيخ: هذه ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً﴾. * الطالب: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾. * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾، (إذ) هذه ويش محلها من الإعراب؟ * طالب: مفعول به. * الشيخ: لأيش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: والتقدير: واذكر إذ قال، نعم، اذكر، يعني لهؤلاء المكذِّبين، اذكر هذا القول الذي قاله إبراهيم عليه الصلاة والسلام، والذي كانوا يفتخرون بالانتساب إليه وإلى مِلَّتِه حتى تقيم عليهم الحجة، ﴿إِذْ قَالَ﴾ ﴿لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾، وأبوه هو آزر، وله معه مناظرات سبق الكلام عليها، ﴿وَقَوْمِهِ﴾ أصحابه الذين بُعِثَ إليهم، وكان إبراهيم عليه السلام كغيره من الأنبياء بُعِثَ إلى قومه خاصة، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي»، مِنْهَا: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨)، ومسلم (٥٢١/٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.]]. ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ الجملة هذه مُؤَكَّدَة -كما هو معلوم- بـ(إن)، و﴿بَرَاءٌ﴾ صفة مشبهة، وهي أبلغ من كلمة (بريء)؛ لأن الصفة المشبهة تقتضي الدوام والثبوت، ﴿مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾، أي: من الذي تعبدونه، ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾، والمراد بيعبدونه الأصنام التي ينحتونها هم بأيديهم ثم يعبدونها، ولهذا قال لهم إبراهيم عليه السلام في جملة مناظراته: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات ٩٥، ٩٦]، فكيف تعبدونها وهي مخلوقة؟ كيف تعبدونها وأنتم الذين تنحتونها؟ وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾، (إلا) أداة استثناء، لكن هل الاستثناء هنا منقطع أو هو متصل؟ فالجواب: إن كانوا يعبدون الله وغيره فالاستثناء متصل، وإن كانوا لا يعبدون الله فالاستثناء منقطع، والاستثناء المنقطع هو الذي يكون ما بعد (إلا) من غير جنس الذي قبلها، هذا هو الاستثناء المتقطع، ومَثَّلَ له النحويون بقولهم: جاء القوم إلا حمارًا، حمارًا من جنس القوم أو من غيرهم؟ * طالب: من غيرهم. * الشيخ: من غير جنسهم، فيكون الاستثناء منقطعًا، أما إذا قيل: جاء القوم إلا زيدًا، فالاستثناء هنا متصل؛ لأن زيدًا من جنس الْمُسْتَثْنَى منه، فهنا نُطَبِّق هذه القاعدة، ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ إن كانوا يعبدون الله وغيره فالاستثناء؟ * طلبة: متصل. * الشيخ: متصل، وإن كانوا لا يعبدون الله فالاستثناء منقطع، وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾، لم يقل: إلا الله، من أجل أن يُقِيمَ الدليل على أنه لا يستحق العبادة إلا هو، فالذي فطرك أول مرة وأوجدك من العدم هو الذي يستحق أن يُعْبَد؛ لأنه الذي خلقك، انتبه. يعني لو قال قائل: لماذا لم يقل: إلا الله؟ فالجواب: ليقيم الحجة على أنه لا ينبغي أن يُعْبَد إلا اللهُ عز وجل، وهذا كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة ٢١]، ومعلوم أن (رب) خالق، لكنه أتى بقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ وهو معلوم؛ ليقيم الحجة على أنه المستحق للعبادة وحده، ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ قال المؤلف: (خلقني). ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾: سيرشدني لدينه، والهداية نوعان، كما سيأتي إن شاء الله في بيان الفوائد. ﴿وَجَعَلَهَا﴾ أي: كلمة التوحيد المفهومة من قوله: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات ٩٩]، ﴿جَعَلَهَا﴾ الضمير يعود على الكلمة التي قالها، وما هي الكلمة التي قالها؟ اسمع كلام المفسِّر، قال: هي قوله: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، وهذا غلط من المؤلف، الكلمة التي قالها هي أقرب كلمة، وهي: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾، وهي كلمة التوحيد، أما قوله: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ فلا علاقة لها في الآية، إذن ﴿جَعَلَهَا﴾ الضمير يعود على أيش؟ * طالب: قوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾. * الشيخ: لا ﴿جَعَلَهَا﴾ الضمير يعود على أيش؟ على الكلمة التي قالها، وهي؟ * الطالب: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾. * الشيخ: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾، ومعنى قوله: ﴿جَعَلَهَا﴾ أي: صَيَّرَهَا هي الطريقة التي يصير عليها مَن بعده، ﴿كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ عَقِبِ مَن؟ * طالب: عقب إبراهيم. * الشيخ: عقب إبراهيم، قال: أي ذريته، فلا يزال فيهم مَن يُوَحِّدُ الله، هكذا قال المؤلف، أن المعنى أن هذه الكلمة ستبقى في ذريته، ولا يمكن أن تُشْرِكَ الذرية كلها، بل لا بد أن تبقى، والصواب خلاف هذا، الصواب أن المعنى: جعل هذه الكلمة هي الكلمة الوحيدة التي يسير عليها مَن بعده، سواء التزموها أم لم يلتزموها. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ أي: أهل مكة، ولو قيل: ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ أي: عقبه؛ لأن الآيات ما فيها ذِكْر أهل مكة، فيها العَقِب، ومعلوم أن أهل مكة مِن عَقِبِه، وأن بني إسرائيل من عَقِبِه، فإذا قلنا: إن الضمير في ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ يعود على ﴿عَقِبِهِ﴾ صار أعمَّ مما قال المؤلف؛ لأن المؤلف خَصَّهَا بجزء من العقب، وهذا قصور بلا شك، ولهذا اتَّخِذ هذه القاعدة، لا تُفَسِّر القرآن بأَخَصّ مما يدل عليه، بمعنى: إذا كان القرآن يدل على شيء عامّ فلا تُخَصِّصْه إلا إذا كان هناك دليل، وإلا فَأَبْقِهِ على عمومه، إذن ﴿جَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف ٢٨]، الضمير يعود على مَن؟ * طلبة: عقبه. * الشيخ: على العقب؛ من قريش وبني إسرائيل، لكن ما معنى ﴿جَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً﴾؟ على كلام المؤلف رحمه الله المفسِّر يعني أنها ستبقى هذه الكلمة في العقب فلا يمكن أن يُفْقَد منهم التوحيد، والصواب أنه جعلها جَعْلًا شَرْعِيًّا، بمعنى أنه عَهِدَ إلى عقبه أن يُوَحِّدوا الله عز وجل، فمنهم مَن أطاع، ومنهم مَن عصى. * في هذه الآية الكريمة: مَزِيَّة عظيمة لإبراهيم عليه السلام، وهي إعلانه بالبراءة مما يعبد قومه، ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾. * ومنها: التوحيد الخالص في إبراهيم؛ لقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾، وهذا معنى قوله: (لا إله إلا الله)، فـ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾ بإزاء (لا إله)، ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾؟ أجيبوا. * طلبة: (إلا الله). * الشيخ: بإزاء (إلا الله)، إذن هذه الكلمة ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ بمعنى (لا إله إلا الله) تمامًا، أليس كذلك؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يقرن الحكم بالدليل؛ لأنه أبلغ، ذلك حين قال إبراهيم: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: قوة الرجاء، أي: رجاء إبراهيم بالله عز وجل؛ لقوله: ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾، والسين هذه تدل على التحقيق، والهداية نوعان؛ النوع الأول: هداية الدلالة، وهذه تكون من الله، ومن عباد الله، والثاني: هداية التوفيق للحق، وهذه لا تكون إلا من الله عز وجل، لا أحد يَمْلِكُهَا، استمع، الهداية نوعان: الأول؟ * الطلبة: هداية الدلالة. * الشيخ: هداية الدلالة، بمعنى الدلالة على الحق، وهذه تكون من الله، ومن غيره، والثاني: هداية التوفيق، وهذه لا تكون إلا من الله وحده، لا أحد يملكها، نسأل الله أن يَهْدِيَنَا وإياكم. ثم الآيات الواردة في هذا منها ما يتعين حمله على هداية التوفيق، ومنها ما يتعين حمله على هداية الدلالة، ومنها ما يشمل الأمرين، الآيات الواردة في الهداية، فقول المصلي: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة ٦] يشمل؟ * طلبة: هداية الدلالة. * الشيخ: الأمرين: هداية الدلالة؛ وهي العلم، وهداية التوفيق؛ وهي العمل، فهل أنت أيها المصلي تشعر بهذا إذا قلت: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾؟ أو تشعر بأنك تتلو قرآنًا فقط؟ أخبرونا بالصدق. * طالب: الثاني. * الشيخ: الثاني غالبًا، ما هو كل الناس، أكثر الناس يقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ يقرؤها على أنها آية تُقْرَأ، لا يشعر بأن المعنى: اهْدِنِي عَلِّمْنِي ووَفِّقْنِي للعمل، ما يشعر بهذا، لكن استشعر هذا الشيء حتى تعرف على أي شيء تُؤَمِّن. مثال هداية الدلالة وحدها: قول الله تبارك وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى ٥٢] هذه هداية أيش؟ * الطلبة: دلالة. * الشيخ: الدلالة، يعني: تدل الناس إلى الصراط المستقيم، ومثال دلالة هداية التوفيق قول الله تبارك وتعالى ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص ٥٦] يقوله للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يعني: لن توفِّق أحدًا للهداية ولو كنت تحبه، ولهذا حاول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين حضر عمَّه أبا طالب وهو في سياق الموت، حاول أن يُوَحِّد اللهَ ولكن عجز، قال في سياق الموت: «يَا عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ»[[أخرجه البخاري (٣٨٨٤) من حديث المسيب بن حزن رضي الله عنه.]]، وكان عنده رجلان من قريش جليسا سوء، فقالا لأبي طالب: أترغب عن مِلَّةِ عبد المطلب، شوف -والعياذ بالله- النخوة، أترغب عن مِلَّةِ عبد المطلب، يعني جده الذي تفتخر به قريش، فكان آخر ما قال: هو على مِلَّةِ عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فما هي الهداية التي عجز عنها النبي ﷺ في هذا؟ * الطلبة: هداية التوفيق. * الشيخ: هداية التوفيق، أما هداية الدلالة فقال: «قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ». قول الله عز وجل: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت ١٧]، من أي النوعين؟ * الطلبة: الدلالة. * الشيخ: هداية الدلالة، قوله تعالى: ﴿اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل ١٢١]. * طلبة: يشمل الأمرين. * الشيخ: يشمل الأمرين جميعًا. * من فوائد هذه الآية الكريمة: تمام نصح إبراهيم عليه السلام لِعَقِبِهِ، حيث جعل كلمة التوحيد باقية فيهم، وهذا بمنزلة الوصية للعَقِب أن يقوموا بهذه الوصية. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرجوع إلى ما كان عليه الأسلاف من الحق؛ لقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.

الزخرف 43:29

ثم قال الله عز وجل: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف ٢٩]، ﴿بَلْ﴾ هذه للإضراب، إضراب إبطال أو انتقال. * طالب: انتقال. * الشيخ: إضراب انتقال؛ لبيان مِنَّةِ الله عز وجل على قريش، (﴿مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ﴾ المشركين، أي: أَبْقَيْتُهُم، ﴿وآباءهم﴾، ولم أعاجلهم بالعقوبة)، بل أبقاهم بدون عقوبة مع شركهم وكفرهم واتخاذ الأصنام كاللات والعزى وهبل ومناة، ﴿حَتَّى﴾ للغاية، يعني: إلى أن جاءهم الحق ﴿وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾، ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾ يقول: (القرآن)، والصواب ما هو أعم؛ القرآن والإسلام والسُّنَّة، فهو أعم مما قاله المؤلف، ونحن نقول بالقاعدة التي أشرنا إليها قبل قليل، وهي أيش؟ * طلبة: لا نخصصه. * الشيخ: إبقاء القرآن على عمومه لا نخصصه، فنقول: ﴿جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾ أي: الذي أتى به رسول ﷺ من القرآن والسُّنَّة وغير ذلك من الشرعية، (﴿﴿وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ ﴾: مُظْهِرٌ علم الأحكام الشرعية، وهو محمد ﷺ)، ﴿رَسُولٌ﴾ نَكَّرَهُ للعلم به، ونَكَّرَهُ للتعظيم، وقوله: (﴿مُبِينٌ﴾ أي: مُظْهِرٌ للأحكام الشرعية)، والأمر كما قال الله عز وجل. * في هذه الآية الكريمة: بيان أن الله عز وجل بيده كل شيء، إن شاء مَتَّعَ الناس وأبقاهم، وإن شاء أهلكهم؛ لقوله: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ﴾، فالتمتيع عائد إليه وحده. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله عز وجل له حكمة في إبقاء الكافر على وجه الأرض، وإلا لأهلكه، لكن له الحكمة، من الحكمة أن يأتي حق فيؤمن به فيسعد في الدنيا والآخرة، ومن الحكمة في بقاء الكفار أن يكون في ذلك امتحان للمؤمنين مع هؤلاء الكفار بجهاد الكفار وظهور نعمة الله عز وجل على المسلمين بالإسلام. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما جاء به النبي ﷺ فهو حق، إن كان أخبارًا فهي أيش؟ صِدْق، وإن كانت أحكامًا فهي عدل، وليس فيما جاء به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم باطل، كله حق. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم رسول الله حقًّا. * ومن فوائدها: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بَيَّنَ كل ما تحتاج أمته إليه؛ من خير فتفعله، ومن شر فتتركه. قال أبو ذر رضي الله عنه: لقد تُوُفِّيَ رسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وما طائر يُقَلِّبُ جناحيه في السماء إلا ذَكَرَ لنا منه علمًا[[أخرجه أحمد (٢١٣٦١) عن أبي ذكر بلفظ: لقد تَرَكَنَا محمد ﷺ وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا أذكرنا منه علمًا.]]. وإذا شئت مِصْدَاق هذا القول فانظر، الشريعة الإسلامية جاءت لتقرير التوحيد، وهذا أعظم ما يكون، جاءت ببيان الصلاة والزكاة والحج والصيام، جاءت بآداب الأكل والشرب، جاءت بآداب التَّخَلِّي منهما؛ من الأكل والشرب، جاءت بآداب اللباس، حتى لبس الثوب جاءت الشريعة ببيانه، تُدْخِلُ الكُمَّ الأيمن قبل الأيسر، وتخلع الأيسر قبل الأيمن، جاءت بآداب معاملة الناس بعضهم مع بعض، كل شيء دقيق أو جليل فالشريعة جاءت ببيانه، ولله الحمد، لكن يَضِلُّ مَن يَضِلُّ، ويهتدي مَن يهتدي.

الزخرف 43:30

قال الله عز وجل: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزخرف ٣٠] -نسأل الله العافية- لما جاءهم الحق قالوا: هذا سحر، ويَعْنُونَ به القرآن؛ لأن القرآن أَبْيَنُ الكلام وأفصح الكلام، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا»[[أخرجه البخاري (٥٧٦٧) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.]]، ولهذا كانت قريش تأتي خُفْيَةً في الليل لتستمع قراءة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أَخَذَ بِأَلْبَابِهَا، وجرَّها جَرًّا عنيفًا إلى استماعه، فقالوا: هذا سِحْر، سَحَرَنا محمد، محمد ساحر، كاهن، مجنون، ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾ -نسأل الله العافية- أَكَّدُوا أنهم كافرون به؛ لأنه على زعمهم؟ * طلبة: ساحر. * الشيخ: سِحْر، وإذا كان القرآن سِحْرًا فالذي جاء به يكون ساحرًا، ولهذا لَقَّبُوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بألقاب السوء حتى ينفر الناس من دعوته، ولكن -والحمد لله- كلما أَحْدَثُوا شرًّا أحدث الله خيرًا. * من فوائد هذه الآية: شدة عناد المكذِّبين للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حيث زعموا أن ما جاء به سحر مع أنه حق. * ومن فوائد الآية: شدة عنادهم، حيث أعلنوا إعلانًا صريحًا أنهم كافرون به، ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾.

الزخرف 43:31

وقالوا أيضًا لما جاءهم الحق: (﴿وَقَالُوا لَوْلَا﴾ [الزخرف ٣١]: هَلَّا)، ﴿نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف ٣١] ﴿لَوْلَا﴾ بمعنى: هَلَّا، ولها أمثلة، مثل قوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور ١٣] أي: هَلَّا جاؤوا عليه بأربعة شهداء، وقوله: ﴿نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ﴾، هذه عِلَّةٌ أخرى لِرَدِّهِم للقرآن، يقولون: لو كان هذا القرآن نزل على رجل عظيم من القريتين؛ وهما مكة والطائف، يعني لكُنَّا قبلناه، لكنه لم ينزل على رجل عظيم من القريتين فلا نقبله، وسبحان الله! ما أعظم عنادهم! إن محمدًا ﷺ هو أعظم رجل في قريش، إن نظرت إلى السلسلة سلسلة آبائه وجدت الأمر كذلك، وإن نظرت إلى خُلُقِهِ ومعاملته وجدت الأمر كذلك، حتى كانوا يُلَقِّبُونَه بالأمين، ولَمَّا جاء الحق صار كَذَّابًا، صار ساحرًا، صار مجنونًا، صار كاهنًا. إذن تَعَلَّلُوا الآن بعلة ثانية، غير أن القرآن سِحْر، ما هي؟ * طلبة: (...). * الشيخ: العلة الثانية قالوا: لو أن هذا لقرآن نزل على رجل عظيم من أهل الطائف أو أهل مكة لقَبِلْنَاه، ولكن نزل على محمد، وليس عظيمًا في قومه فلا نقبله. يقول الْمُفَسِّر: (﴿عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ﴾، أي: من أَيَّةٍ منهما)؛ إما مكة، وإما الطائف، ﴿عَظِيمٍ﴾ أي: مُعَظَّمٍ في قومه، ثم سَمَّاهُم فقال: (أي الوليد بن المغيرة بمكة، أو عروة بن مسعود الثقفي بالطائف)، هذا التعليل يحتاج إلى دليل، فإذا صَحَّ من حيث التاريخ أن أهل مكة يعنون هذين الرجلين فلا غرابة، وإلا تبقى الآية على إبهامها، وأنهم تَعَلَّلُوا بهذه العلة الباطلة بأن القرآن لم ينزل على رجل عظيم من القريتين. قال الله عز وجل: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف ٣٢]، الاستفهام هنا للإنكار، يعني: هل هم الذين يقسمون رحمة الله فيجعلون لهذا حظًّا ولهذا حظًّا، أو يقولون: هذا لا يستحق، وهذا يستحق، ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف ٣٢] قال المؤلف: (بالنبوة)، وهذا أيضًا مما يُؤْخَذ على المؤلف، كيف ذلك؟ * طالب: خَصَّص. * الشيخ: خَصَّهَا بالنبوة، ونحن نقول: بالنبوة وغيرها، هم لا يقسمون رحمة الله، لا بالنبوة، ولا بالقوة، ولا بالأكل، ولا بالشرب، ولا غير ذلك، قال الله عز وجل: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف ٣٢]، وهذا دليل حِسِّيّ لا بمكن إنكاره، يعني: إن كانوا صادقين هم الذي يقسمون رحمة الله فلينظروا، ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف ٣٢] أي: قَدَّرْنَاهَا، هذا غني، وهذا فقير، وهذا متوسط، هذا قادر، وهذا عاجز، أليس كذلك؟ هل تُنْكِرُ قريش هذا؟ لا تنكره؛ لأن هذا شيء معلوم ملموس محسوس، ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، فجعلنا بعضهم غنيًّا وبعضهم فقيرًا، وهذا مثال، وإلا نقول: وجعلنا بعضهم قويًّا وبعضهم ضعيفًا، وبعضهم قادرًا وبعضهم عاجزًا، ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف ٣٢]، إلى آخره. أسئلة خمس دقائق. * طالب: شيخ، قوله: ﴿مَتَّعْتَهُمْ﴾ [الفرقان ١٨] الفاعل هو الله عز وجل؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: وهل يَتَّصِفُ الله بهذا؟ * الشيخ: أفعال الله ما لها حصر، فالذي مَتَّعَهُم هو الله عز وجل، كل ما في الكون فهو من فعل الله، فلا حصر لها. * طالب: شيخ بارك الله فيك، هل للإنسان أن يقول يدعو يقول: يا رب اهدني من هداية التوفيق، يُعَيِّن هداية معينة؟ * الشيخ: لا، يقول: اللهم اهدني، وينوي الهدايتين، أو يقول: اللهم عَلِّمْنِي ووَفِّقْنِي للعمل الصالح. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، ذكرنا أن الإنسان ما يُفَسِّر الآية بما هو أخص. * الشيخ: أخص من عمومها، إلا بدليل. * الطالب: لا بدليل، يا شيخ، أحسن الله إليك، إذا قال القائل: الآية هذه ﴿رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ مذكورة في سياق، ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ﴾.. اختص النبوة أن تكون لأحد الرجلين، من القريتين عظيم؟ * الشيخ: لا، نقول: نعم السياق هو في النبوة، لكن إذا كان عامًّا دخلت فيه النبوة، ولهذا قال الأصوليون: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. * الطالب: السياق ما يكون دليلًا؟ * الشيخ: لا، ما يكون دليلًا؛ لأننا إذا قلنا: إنها عامّ، لم يُخْرِج ما دل عليه السياق، أما إذا كان يُخْرِج ما دَلَّ عليه السياق فمعلوم أنه لا يصح، ويش عندنا؟ * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢) وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف ٣٣ - ٣٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف ٣١]، من قال هذا؟ كفار قريش، وما المراد بالقريتين؟ * طالب: مكة والطائف. * الشيخ: مكة والطائف، قال الله عز وجل -مبتدأ درس اليوم-: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾، الاستفهام هنا للنفي، يعني: ليسوا هم الذين يَقْسِمُونَ رحمة الله فيوزعونها كيف شاؤوا، ولكن فضل الله يؤتيه من يشاء، قال: (﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾: النبوة)، هكذا خَصَّهَا المؤلف رحمه الله بالنبوة بناء على قولهم: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾، ولكن الصحيح في مثل هذا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وعلى هذا نقول: المراد برحمة الله ما هو أعمُّ من النبوة، يعني: النبوة، وسعة الرزق، والأمن، وكثرة الأولاد، وما أشبه ذلك، هل هم الذين يَقْسِمُون هذا؟ الجواب بالنفي: لا. ثم بَيَّنَ الله تعالى حجةً عليهم لا يمكنهم التخلص منها، فقال: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، وهذا شيء لا يستطيعون إنكاره، فجعلنا بعضهم غنيًّا وبعضهم فقيرًا. (﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ﴾ بالغِنَى)، ﴿فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾، يقول: (بالغنى)، ولكن هذا أيضًا من القصور، والصواب أنه رفع بعضهم فوق بعض درجات في الغنى، والعلم، والعقل، والخُلُق، وغير ذلك، رفع الله بعض الناس على بعض درجات، أي: درجات واسعة. ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف ٣٢]، قال المؤلف: (﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ﴾: الغَنِيُّ، ﴿بَعْضًا﴾: الفقيرَِ، ﴿سُخْرِيًّا﴾: مُسَخَّرًا في العمل له بالأجرة، والياء للنسب، وقُرِئَ بكسر السين). رفع الله بعضهم فوق بعض درجات، ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ﴾ يقول المؤلف: الأغنياء، ﴿بَعْضًا﴾: الفقراء، فما تقول؟ * طالب: تخصيص. * الشيخ: هل هذا قاصر أو لا؟ * الطالب: قاصر. * الشيخ: قاصر؛ لأن المراد ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ حتى في غير الغنى، حتى في الذكاء، حتى في الصناعة، فتجد الرجل -مثلًا- عنده خبرة بالصناعة، يأتي بالعمال، هو فوقهم، كذلك بالذكاء، يجلس مع قوم ويتحدث إليهم بذكائه الْمُفْرِط وهم دون ذلك، فيرفعه الله. المهم أنه لا يجوز أن نُخَصِّص القرآن نخصص عمومه إلا بدليل، وقوله رحمه الله: (الياء للنسب)، أي: لنسب التسخير، وقوله: (قرئ بكسر السين)، (قرئ) المؤلف له اصطلاح لا بد أن نفهمه؛ إذا قال: (وفي قراءة) فهي سبعية، وإذا قال: (قرئ) فهي شاذة، هذا اصطلاحه، فهنا يقول: (قرئ بكسر السين) فتكون القراءة شاذة خارجة عن القراءات السبع، انتبه، وهذا هو الصواب أنها قراءة شاذة؛ لأن السين بالكسر: الاستهزاء، كما قال عز وجل: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ [ص ٦٣]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ [المؤمنون ١١٠] أي: هزءًا، وأما بالضم ﴿سُخْرِيًّا﴾ فهو من التسخير، يعني: التذليل، أفهمتم؟ إذن هنا كلمتان (سِخريًّا) و(سُخريًّا)، ما الفرق بينهما؟ * طالب: (سِخريًّا) بالكسر من التسخير. * الشيخ: (سِخريًّا) بالكسر من التسخير، وبالضم؟ * الطالب: (سُخريًّا) من السخرية. * الشيخ: من السخرية، أخطأت. * طالب: إذا قال: (سُخريًّا) من التسخير. * الشيخ: (سُخريًّا) بضم السين من التسخير. * الطالب: وبكسرها من الاستهزاء. * الشيخ: منين؟ * الطالب: من الاستهزاء. * طالب آخر: العكس يا شيخ. * الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله. * طالب: (سُخريًّا) تَذَلُّل. * الشيخ: نعم، (سُخْريًّا) بضم السين من؟ * الطالب: من التسخير. * الشيخ: من التسخير وهو التذليل. * الطالب: وبالكسر من الاستهزاء. * الشيخ: من السُّخْرِيَّة وهي الاستهزاء. ما المناسب هنا؛ الضم أو الكسر في القرآن؟ * طلبة: الضم. * الشيخ: الضم؛ لأنه من التسخير، لولا اختلاف الناس هذا الاختلاف لتعطلت المصالح، لو كانوا كلهم أغنياء مَن يقوم بالعمل؟ أجيبوا يا جماعة. * طلبة: لا أحد. * الشيخ: لا أحد يقوم؛ لأنه إذا طلب منه أن يعمل قال: إذا كان عندك ألف ريال فأنا عندي ألفان، كذلك أيضًا في بقية الأوصاف، لولا هذا الاختلاف ما قامت الدنيا أبدًا، وهذا من حكمة الله عز وجل. ثم هناك حكمة أخرى، وهي أن يُعْرَف بهذا قدرة الله تبارك وتعالى، حيث جعل هذا البشر من جنس واحد، وبقوى واحدة، ومع ذلك يتفاضلون تفاضلًا كبيرًا فيما أعطاهم الله عز وجل من الغنى وغيره، هذا جملة معترضة (...). .. عز وجل: (﴿ورحمة ربك﴾ أي: الجنة، ﴿خير مما يجمعون﴾ في الدنيا). قوله: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ﴾ أي: الجنة، فيه أيضًا شيء من القصور، الرحمة تُطْلَق على الجنة بلا شك، كما قال الله تعالى لها يخاطبها: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦/٣٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران ١٠٦، ١٠٧]، يعني: الجنة، لكن ينبغي أن يقال: رحمة الله أعمّ من هذا، حتى رحمة الله تعالى للعبد بهدايته للإسلام والإيمان خير مما يجمعون، فالأَوْلَى التعميم دون التخصيص. * في هذه الآية فوائد، منها: مجادلة المشركين بالباطل؛ لقوله، الدليل؟ * طالب: نعم. * الشيخ: مجادلة المشركين بالباطل، من أين تؤخذ؟ ما عندك علم؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾. * الشيخ: غلط. * طالب: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾. * الشيخ: لقولهم: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾، وجه ذلك أن قريشًا تعرف أن محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم أحق الناس بالرسالة لو صَدَّقُوا بها؛ لأنه من خيرة العرب نسبًا، ولأنه الأمين الصادق، وهم يُسَمُّونَه الأمين من قبل أن يأتي بالرسالة. * ومن فوائد هذه الآية: أن القرية تُطْلَق على المدن الكبيرة، بل على أُمِّ المدن؛ لقوله: ﴿مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾، ولقوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد ١٣]، ما هي قريته التي أخرجته؟ * طالب: مكة. * الشيخ: مكة، في عُرْفِنَا الآن تُطْلَق القرية على المدينة الصغيرة، ولو قلت لأهل المدينة الكبيرة: أنتم أهل القرية، لاشتاطوا غضبًا، ولكن يقال: القرآن بيننا، القرية تُطْلَق حتى على المدينة الكبيرة؛ لأنها مأخوذة من القَرْي وهو الاجتماع. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إنكار الله تعالى عليهم، وبيان أنهم ليسوا الذين يَقْسِمُون رحمة الله؛ لقوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾. * ومن فوائدها: إقامة الدليل الذي لا انفكاك عنه بأنهم لا يستطيعون قَسْم رحمة الله، تُؤْخَذ؟ * طالب: قوله: أهم يقسمون رحمة الله. * الشيخ: غلط. * طالب: قوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ﴾. * الشيخ: تؤخذ من قوله: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ﴾، فهذا لا يمكنهم إنكاره، هم يعرفون أن فيهم الغني والفقير، والقوي والضعيف، والذكي والبليد، والعاقل والسفيه، هم يعرفون هذا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الحكمة في أن الله عز وجل جعل الناس على درجات؛ لقوله: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾. * ومن فوائد الآية: إثبات التعليل والحكمة لأفعال الله سبحانه وتعالى، أي أنه عز وجل يفعل لحكمة، لا بد أن يكون لحكمة؛ لقوله: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾؛ لأن اللام هنا للتعليل، وتعليل أحكام الله الكونية موجود بكثرة في القرآن، وهل الأحكام الشرعية كالإيجاب والتحريم والإباحة مُعَلَّلَة؟ الجواب: نعم، مُعَلَّلَة، كل حُكْم من أحكام الله الكونية أو الشرعية فلا بد له من حكمة، ولكن هنا سؤال: هل هذه الْحِكَم معلومة للخلق أو ليست معلومة؟ فالجواب: منها ما هو معلوم، ومنها ما ليس بمعلوم، أليس كذلك؟ * طلبة: بلى. * الشيخ: لأن عقولنا قاصرة، مهما بلغنا من العقل فهو قاصر. إذن خذ هذه الفائدة: جميع أحكام الله الكونية والشرعية مُعَلَّلَة بحكمة، لكن من الْحِكَم ما نعلمه، ومنها ما لا نعلمه، هكذا يجب. فإن قال قائل: أيُّمَا أبلغ في التعبد؛ أن يعبد الله وهو لا يعرف الحكمة، أو أن يعبد الله وهو يعرف الحكمة؟ فالجواب: أما من جهة التَّذَلُّل الْمُطْلَق فتَعَبُّد الإنسان بشيء لا يعرف حكمته أبلغ ما تَعَبُّدِه بشيء يعرف حكمته؛ لأنه إذا تعبَّد لله بشيء يعرف حكمته فإنه قد يتعبَّد لله من أجل هذه الحكمة، لكن إذا لم يَعْرِف الحكمة صار أبلغ في التَّذَلُّل، كأنه يقول: سأعبد الله سواء عرفت الحكم من هذا أو لا. مثال ذلك: رَمْيُ الجمرات في الحج، يأتي الإنسان بحصى معينة ويرميها في مكان معين، بينما لو أتى بأضعاف هذه الحصى بعد عشرة أيام ورمى في هذا المكان لعُدَّ هذا عبثًا، فما الحكمة؟ الجواب: الحكمة أن ذلك لإقامة ذِكْرِ الله، ولهذا كلما رمى الإنسان قال: الله أكبر، ثانيًا: أن يظهر بذلك أثر التَّعَبُّد الْمُطْلَق، حيث يفعل الإنسان هذا الفعل دون أن يعرف الغاية منه على وجه التحديد، وأمثال هذا كثير. ولهذا أطلق الفقهاء -رحمهم الله- على الأحكام التي لا تُعْلَم حكمتها اسم تَعَبُّدِيَّة، أو هذا تعبُّد، أو ما أشبه ذلك؛ لأنه ليس الغرض منه إلا إقامة العبادة لله عز وجل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز استخدام العُمَّال، من قوله: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الحكمة العظيمة في هذا، أي: في التفاوت؛ لأنه لولا هذا التفاوت ما عُرِفَ قدر نعمة الله على الغَنِيّ بالغِنَى، وعلى العاقل بالعقل، وعلى القوي بالقوة، وهكذا، أليس كذلك؟ * طلبة: بلى. * الشيخ: نعم، لولا الجنون ما عُرِفَ قدر قيمة العقل، ولولا المرض ما عُرِفَ قدر قيمة الصحة، أتوافقون على هذا؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: إذن، هذا من الحكمة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن رحمة الله عز وجل، ومنها الجنة، خير مما يجمعون، أي: من كل ما يجمعون؛ لأن الله الغاية التي يسعى إليها كل مؤمن، بل يجب يسعى إليها كل عاقل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى خطورة الجمع، أي: جمع الأموال، وأن ذلك قد يُنْسِي الآخرة، وهو كذلك، جمع الأموال يُنْسِي الآخرة، إلا مَن رحم ربي، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى أَنْ تُفْتَحَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسَهَا مَنْ قَبْلَكُمْ، فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٥٨)، ومسلم (٢٩٦١/٦) من حديث عمرو بن عوف الأنصاري رضي الله عنه، ولفظه: «... فأبشروا وأَمِّلُوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى عليكم أن تُبْسَط الدنيا عليكم كما بسطت على مَن كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم». الحديث.]]، وهذا هو الواقع، الدنيا والدين في الغالب لا يجتمعان، إلا من رحم الله، وكم من إنسان كان فقيرًا مستقيمًا على دين الله فأغناه الله، فصار غِنَاه سببًا لطغيانه واستغنائه عن ربه، قال الله عز وجل: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق ٦، ٧].

الزخرف 43:32

وقالوا أيضًا لما جاءهم الحق: (﴿وَقَالُوا لَوْلَا﴾ [الزخرف ٣١]: هَلَّا)، ﴿نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف ٣١] ﴿لَوْلَا﴾ بمعنى: هَلَّا، ولها أمثلة، مثل قوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور ١٣] أي: هَلَّا جاؤوا عليه بأربعة شهداء، وقوله: ﴿نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ﴾، هذه عِلَّةٌ أخرى لِرَدِّهِم للقرآن، يقولون: لو كان هذا القرآن نزل على رجل عظيم من القريتين؛ وهما مكة والطائف، يعني لكُنَّا قبلناه، لكنه لم ينزل على رجل عظيم من القريتين فلا نقبله، وسبحان الله! ما أعظم عنادهم! إن محمدًا ﷺ هو أعظم رجل في قريش، إن نظرت إلى السلسلة سلسلة آبائه وجدت الأمر كذلك، وإن نظرت إلى خُلُقِهِ ومعاملته وجدت الأمر كذلك، حتى كانوا يُلَقِّبُونَه بالأمين، ولَمَّا جاء الحق صار كَذَّابًا، صار ساحرًا، صار مجنونًا، صار كاهنًا. إذن تَعَلَّلُوا الآن بعلة ثانية، غير أن القرآن سِحْر، ما هي؟ * طلبة: (...). * الشيخ: العلة الثانية قالوا: لو أن هذا لقرآن نزل على رجل عظيم من أهل الطائف أو أهل مكة لقَبِلْنَاه، ولكن نزل على محمد، وليس عظيمًا في قومه فلا نقبله. يقول الْمُفَسِّر: (﴿عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ﴾، أي: من أَيَّةٍ منهما)؛ إما مكة، وإما الطائف، ﴿عَظِيمٍ﴾ أي: مُعَظَّمٍ في قومه، ثم سَمَّاهُم فقال: (أي الوليد بن المغيرة بمكة، أو عروة بن مسعود الثقفي بالطائف)، هذا التعليل يحتاج إلى دليل، فإذا صَحَّ من حيث التاريخ أن أهل مكة يعنون هذين الرجلين فلا غرابة، وإلا تبقى الآية على إبهامها، وأنهم تَعَلَّلُوا بهذه العلة الباطلة بأن القرآن لم ينزل على رجل عظيم من القريتين. قال الله عز وجل: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف ٣٢]، الاستفهام هنا للإنكار، يعني: هل هم الذين يقسمون رحمة الله فيجعلون لهذا حظًّا ولهذا حظًّا، أو يقولون: هذا لا يستحق، وهذا يستحق، ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف ٣٢] قال المؤلف: (بالنبوة)، وهذا أيضًا مما يُؤْخَذ على المؤلف، كيف ذلك؟ * طالب: خَصَّص. * الشيخ: خَصَّهَا بالنبوة، ونحن نقول: بالنبوة وغيرها، هم لا يقسمون رحمة الله، لا بالنبوة، ولا بالقوة، ولا بالأكل، ولا بالشرب، ولا غير ذلك، قال الله عز وجل: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف ٣٢]، وهذا دليل حِسِّيّ لا بمكن إنكاره، يعني: إن كانوا صادقين هم الذي يقسمون رحمة الله فلينظروا، ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف ٣٢] أي: قَدَّرْنَاهَا، هذا غني، وهذا فقير، وهذا متوسط، هذا قادر، وهذا عاجز، أليس كذلك؟ هل تُنْكِرُ قريش هذا؟ لا تنكره؛ لأن هذا شيء معلوم ملموس محسوس، ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، فجعلنا بعضهم غنيًّا وبعضهم فقيرًا، وهذا مثال، وإلا نقول: وجعلنا بعضهم قويًّا وبعضهم ضعيفًا، وبعضهم قادرًا وبعضهم عاجزًا، ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف ٣٢]، إلى آخره. أسئلة خمس دقائق. * طالب: شيخ، قوله: ﴿مَتَّعْتَهُمْ﴾ [الفرقان ١٨] الفاعل هو الله عز وجل؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: وهل يَتَّصِفُ الله بهذا؟ * الشيخ: أفعال الله ما لها حصر، فالذي مَتَّعَهُم هو الله عز وجل، كل ما في الكون فهو من فعل الله، فلا حصر لها. * طالب: شيخ بارك الله فيك، هل للإنسان أن يقول يدعو يقول: يا رب اهدني من هداية التوفيق، يُعَيِّن هداية معينة؟ * الشيخ: لا، يقول: اللهم اهدني، وينوي الهدايتين، أو يقول: اللهم عَلِّمْنِي ووَفِّقْنِي للعمل الصالح. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، ذكرنا أن الإنسان ما يُفَسِّر الآية بما هو أخص. * الشيخ: أخص من عمومها، إلا بدليل. * الطالب: لا بدليل، يا شيخ، أحسن الله إليك، إذا قال القائل: الآية هذه ﴿رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ مذكورة في سياق، ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ﴾.. اختص النبوة أن تكون لأحد الرجلين، من القريتين عظيم؟ * الشيخ: لا، نقول: نعم السياق هو في النبوة، لكن إذا كان عامًّا دخلت فيه النبوة، ولهذا قال الأصوليون: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. * الطالب: السياق ما يكون دليلًا؟ * الشيخ: لا، ما يكون دليلًا؛ لأننا إذا قلنا: إنها عامّ، لم يُخْرِج ما دل عليه السياق، أما إذا كان يُخْرِج ما دَلَّ عليه السياق فمعلوم أنه لا يصح، ويش عندنا؟ * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢) وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف ٣٣ - ٣٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف ٣١]، من قال هذا؟ كفار قريش، وما المراد بالقريتين؟ * طالب: مكة والطائف. * الشيخ: مكة والطائف، قال الله عز وجل -مبتدأ درس اليوم-: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾، الاستفهام هنا للنفي، يعني: ليسوا هم الذين يَقْسِمُونَ رحمة الله فيوزعونها كيف شاؤوا، ولكن فضل الله يؤتيه من يشاء، قال: (﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾: النبوة)، هكذا خَصَّهَا المؤلف رحمه الله بالنبوة بناء على قولهم: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾، ولكن الصحيح في مثل هذا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وعلى هذا نقول: المراد برحمة الله ما هو أعمُّ من النبوة، يعني: النبوة، وسعة الرزق، والأمن، وكثرة الأولاد، وما أشبه ذلك، هل هم الذين يَقْسِمُون هذا؟ الجواب بالنفي: لا. ثم بَيَّنَ الله تعالى حجةً عليهم لا يمكنهم التخلص منها، فقال: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، وهذا شيء لا يستطيعون إنكاره، فجعلنا بعضهم غنيًّا وبعضهم فقيرًا. (﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ﴾ بالغِنَى)، ﴿فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾، يقول: (بالغنى)، ولكن هذا أيضًا من القصور، والصواب أنه رفع بعضهم فوق بعض درجات في الغنى، والعلم، والعقل، والخُلُق، وغير ذلك، رفع الله بعض الناس على بعض درجات، أي: درجات واسعة. ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف ٣٢]، قال المؤلف: (﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ﴾: الغَنِيُّ، ﴿بَعْضًا﴾: الفقيرَِ، ﴿سُخْرِيًّا﴾: مُسَخَّرًا في العمل له بالأجرة، والياء للنسب، وقُرِئَ بكسر السين). رفع الله بعضهم فوق بعض درجات، ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ﴾ يقول المؤلف: الأغنياء، ﴿بَعْضًا﴾: الفقراء، فما تقول؟ * طالب: تخصيص. * الشيخ: هل هذا قاصر أو لا؟ * الطالب: قاصر. * الشيخ: قاصر؛ لأن المراد ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ حتى في غير الغنى، حتى في الذكاء، حتى في الصناعة، فتجد الرجل -مثلًا- عنده خبرة بالصناعة، يأتي بالعمال، هو فوقهم، كذلك بالذكاء، يجلس مع قوم ويتحدث إليهم بذكائه الْمُفْرِط وهم دون ذلك، فيرفعه الله. المهم أنه لا يجوز أن نُخَصِّص القرآن نخصص عمومه إلا بدليل، وقوله رحمه الله: (الياء للنسب)، أي: لنسب التسخير، وقوله: (قرئ بكسر السين)، (قرئ) المؤلف له اصطلاح لا بد أن نفهمه؛ إذا قال: (وفي قراءة) فهي سبعية، وإذا قال: (قرئ) فهي شاذة، هذا اصطلاحه، فهنا يقول: (قرئ بكسر السين) فتكون القراءة شاذة خارجة عن القراءات السبع، انتبه، وهذا هو الصواب أنها قراءة شاذة؛ لأن السين بالكسر: الاستهزاء، كما قال عز وجل: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ [ص ٦٣]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ [المؤمنون ١١٠] أي: هزءًا، وأما بالضم ﴿سُخْرِيًّا﴾ فهو من التسخير، يعني: التذليل، أفهمتم؟ إذن هنا كلمتان (سِخريًّا) و(سُخريًّا)، ما الفرق بينهما؟ * طالب: (سِخريًّا) بالكسر من التسخير. * الشيخ: (سِخريًّا) بالكسر من التسخير، وبالضم؟ * الطالب: (سُخريًّا) من السخرية. * الشيخ: من السخرية، أخطأت. * طالب: إذا قال: (سُخريًّا) من التسخير. * الشيخ: (سُخريًّا) بضم السين من التسخير. * الطالب: وبكسرها من الاستهزاء. * الشيخ: منين؟ * الطالب: من الاستهزاء. * طالب آخر: العكس يا شيخ. * الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله. * طالب: (سُخريًّا) تَذَلُّل. * الشيخ: نعم، (سُخْريًّا) بضم السين من؟ * الطالب: من التسخير. * الشيخ: من التسخير وهو التذليل. * الطالب: وبالكسر من الاستهزاء. * الشيخ: من السُّخْرِيَّة وهي الاستهزاء. ما المناسب هنا؛ الضم أو الكسر في القرآن؟ * طلبة: الضم. * الشيخ: الضم؛ لأنه من التسخير، لولا اختلاف الناس هذا الاختلاف لتعطلت المصالح، لو كانوا كلهم أغنياء مَن يقوم بالعمل؟ أجيبوا يا جماعة. * طلبة: لا أحد. * الشيخ: لا أحد يقوم؛ لأنه إذا طلب منه أن يعمل قال: إذا كان عندك ألف ريال فأنا عندي ألفان، كذلك أيضًا في بقية الأوصاف، لولا هذا الاختلاف ما قامت الدنيا أبدًا، وهذا من حكمة الله عز وجل. ثم هناك حكمة أخرى، وهي أن يُعْرَف بهذا قدرة الله تبارك وتعالى، حيث جعل هذا البشر من جنس واحد، وبقوى واحدة، ومع ذلك يتفاضلون تفاضلًا كبيرًا فيما أعطاهم الله عز وجل من الغنى وغيره، هذا جملة معترضة (...). .. عز وجل: (﴿ورحمة ربك﴾ أي: الجنة، ﴿خير مما يجمعون﴾ في الدنيا). قوله: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ﴾ أي: الجنة، فيه أيضًا شيء من القصور، الرحمة تُطْلَق على الجنة بلا شك، كما قال الله تعالى لها يخاطبها: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦/٣٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران ١٠٦، ١٠٧]، يعني: الجنة، لكن ينبغي أن يقال: رحمة الله أعمّ من هذا، حتى رحمة الله تعالى للعبد بهدايته للإسلام والإيمان خير مما يجمعون، فالأَوْلَى التعميم دون التخصيص. * في هذه الآية فوائد، منها: مجادلة المشركين بالباطل؛ لقوله، الدليل؟ * طالب: نعم. * الشيخ: مجادلة المشركين بالباطل، من أين تؤخذ؟ ما عندك علم؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾. * الشيخ: غلط. * طالب: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾. * الشيخ: لقولهم: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾، وجه ذلك أن قريشًا تعرف أن محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم أحق الناس بالرسالة لو صَدَّقُوا بها؛ لأنه من خيرة العرب نسبًا، ولأنه الأمين الصادق، وهم يُسَمُّونَه الأمين من قبل أن يأتي بالرسالة. * ومن فوائد هذه الآية: أن القرية تُطْلَق على المدن الكبيرة، بل على أُمِّ المدن؛ لقوله: ﴿مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾، ولقوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد ١٣]، ما هي قريته التي أخرجته؟ * طالب: مكة. * الشيخ: مكة، في عُرْفِنَا الآن تُطْلَق القرية على المدينة الصغيرة، ولو قلت لأهل المدينة الكبيرة: أنتم أهل القرية، لاشتاطوا غضبًا، ولكن يقال: القرآن بيننا، القرية تُطْلَق حتى على المدينة الكبيرة؛ لأنها مأخوذة من القَرْي وهو الاجتماع. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إنكار الله تعالى عليهم، وبيان أنهم ليسوا الذين يَقْسِمُون رحمة الله؛ لقوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾. * ومن فوائدها: إقامة الدليل الذي لا انفكاك عنه بأنهم لا يستطيعون قَسْم رحمة الله، تُؤْخَذ؟ * طالب: قوله: أهم يقسمون رحمة الله. * الشيخ: غلط. * طالب: قوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ﴾. * الشيخ: تؤخذ من قوله: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ﴾، فهذا لا يمكنهم إنكاره، هم يعرفون أن فيهم الغني والفقير، والقوي والضعيف، والذكي والبليد، والعاقل والسفيه، هم يعرفون هذا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الحكمة في أن الله عز وجل جعل الناس على درجات؛ لقوله: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾. * ومن فوائد الآية: إثبات التعليل والحكمة لأفعال الله سبحانه وتعالى، أي أنه عز وجل يفعل لحكمة، لا بد أن يكون لحكمة؛ لقوله: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾؛ لأن اللام هنا للتعليل، وتعليل أحكام الله الكونية موجود بكثرة في القرآن، وهل الأحكام الشرعية كالإيجاب والتحريم والإباحة مُعَلَّلَة؟ الجواب: نعم، مُعَلَّلَة، كل حُكْم من أحكام الله الكونية أو الشرعية فلا بد له من حكمة، ولكن هنا سؤال: هل هذه الْحِكَم معلومة للخلق أو ليست معلومة؟ فالجواب: منها ما هو معلوم، ومنها ما ليس بمعلوم، أليس كذلك؟ * طلبة: بلى. * الشيخ: لأن عقولنا قاصرة، مهما بلغنا من العقل فهو قاصر. إذن خذ هذه الفائدة: جميع أحكام الله الكونية والشرعية مُعَلَّلَة بحكمة، لكن من الْحِكَم ما نعلمه، ومنها ما لا نعلمه، هكذا يجب. فإن قال قائل: أيُّمَا أبلغ في التعبد؛ أن يعبد الله وهو لا يعرف الحكمة، أو أن يعبد الله وهو يعرف الحكمة؟ فالجواب: أما من جهة التَّذَلُّل الْمُطْلَق فتَعَبُّد الإنسان بشيء لا يعرف حكمته أبلغ ما تَعَبُّدِه بشيء يعرف حكمته؛ لأنه إذا تعبَّد لله بشيء يعرف حكمته فإنه قد يتعبَّد لله من أجل هذه الحكمة، لكن إذا لم يَعْرِف الحكمة صار أبلغ في التَّذَلُّل، كأنه يقول: سأعبد الله سواء عرفت الحكم من هذا أو لا. مثال ذلك: رَمْيُ الجمرات في الحج، يأتي الإنسان بحصى معينة ويرميها في مكان معين، بينما لو أتى بأضعاف هذه الحصى بعد عشرة أيام ورمى في هذا المكان لعُدَّ هذا عبثًا، فما الحكمة؟ الجواب: الحكمة أن ذلك لإقامة ذِكْرِ الله، ولهذا كلما رمى الإنسان قال: الله أكبر، ثانيًا: أن يظهر بذلك أثر التَّعَبُّد الْمُطْلَق، حيث يفعل الإنسان هذا الفعل دون أن يعرف الغاية منه على وجه التحديد، وأمثال هذا كثير. ولهذا أطلق الفقهاء -رحمهم الله- على الأحكام التي لا تُعْلَم حكمتها اسم تَعَبُّدِيَّة، أو هذا تعبُّد، أو ما أشبه ذلك؛ لأنه ليس الغرض منه إلا إقامة العبادة لله عز وجل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز استخدام العُمَّال، من قوله: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الحكمة العظيمة في هذا، أي: في التفاوت؛ لأنه لولا هذا التفاوت ما عُرِفَ قدر نعمة الله على الغَنِيّ بالغِنَى، وعلى العاقل بالعقل، وعلى القوي بالقوة، وهكذا، أليس كذلك؟ * طلبة: بلى. * الشيخ: نعم، لولا الجنون ما عُرِفَ قدر قيمة العقل، ولولا المرض ما عُرِفَ قدر قيمة الصحة، أتوافقون على هذا؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: إذن، هذا من الحكمة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن رحمة الله عز وجل، ومنها الجنة، خير مما يجمعون، أي: من كل ما يجمعون؛ لأن الله الغاية التي يسعى إليها كل مؤمن، بل يجب يسعى إليها كل عاقل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى خطورة الجمع، أي: جمع الأموال، وأن ذلك قد يُنْسِي الآخرة، وهو كذلك، جمع الأموال يُنْسِي الآخرة، إلا مَن رحم ربي، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى أَنْ تُفْتَحَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسَهَا مَنْ قَبْلَكُمْ، فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٥٨)، ومسلم (٢٩٦١/٦) من حديث عمرو بن عوف الأنصاري رضي الله عنه، ولفظه: «... فأبشروا وأَمِّلُوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى عليكم أن تُبْسَط الدنيا عليكم كما بسطت على مَن كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم». الحديث.]]، وهذا هو الواقع، الدنيا والدين في الغالب لا يجتمعان، إلا من رحم الله، وكم من إنسان كان فقيرًا مستقيمًا على دين الله فأغناه الله، فصار غِنَاه سببًا لطغيانه واستغنائه عن ربه، قال الله عز وجل: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق ٦، ٧].

الزخرف 43:33

ثم قال عز وجل: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا﴾ [الزخرف ٣٣]، إلى آخره، ﴿لَوْلَا﴾ هذه حرف فيها شرط، لولا كذا لكان كذا، فهي حرف امتناع لوجوب، ﴿لَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا﴾، لكن امتنع الْجَعْل لِئَلَّا يكون الناس أمة واحدة، ﴿لَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَة﴾ على أي شيء؟ على الكفر، بدليل قوله: ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الزخرف ٣٣]، ﴿لَجَعَلْنَا﴾ أي: صَيَّرْنَا، ﴿لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ﴾ وهو الله عز وجل، ﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾ بدل مِن ﴿لِمَنْ﴾؟ بدل أيش؟ مر علينا البدل قريبًا. * طالب: اشتمال. * الشيخ: بدل اشتمال، ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ﴾، والبدل هو المقصود بالحكم، فيكون المعنى: لجعلنا لبيوت مَن يكفر بالرحمن، ﴿﴿سَقْفًا﴾ ﴾ بفتح السين وسكون القاف، وبضمهما جمعًا، بفتح السين وسكون القاف أي: سَقْفًا، مُفْرَد، وبضمهما جمعًا: ﴿سُقُفًا﴾. الْمُفَسِّر قال: بهذا وهذا، فهل يعني ذلك أنهما قراءتان؟ فالجواب: نعم، هما قراءتان سَبْعِيَّتَان؛ لأنه لم يُحْفَظ أحدهما على الآخر، فهما صحيحان، وهذا أيضًا من أسلوبه -رحمه الله- أنه إذا قال: بكذا وكذا، فهما قراءتان سَبْعِيَّتَان. إذن يجوز أن تَقْرَأ: ﴿﴿لِبُيُوتِهِمْ سَقْفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ ﴾، أو ﴿لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾، أفهمت؟ ﴿مِنْ فِضَّةٍ﴾ وهي معروفة، (﴿وَمَعَارِجَ﴾ كالدَّرَج من فضة أيضًا، ﴿عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾: يَعْلُونَ إلى السطح)، ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ﴾ أي: وجعلنا لبيوتهم أيضًا، ﴿أَبْوَابًا﴾ يعني: (من فضة)، وجعلنا لهم سُرُرًا يعني: (من فضة، جمع سرير)، ﴿عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾ أي: يعتمدون، ﴿وَزُخْرُفًا﴾: (ذهبًا). استمع لهذا التصوير، يعني: لولا أن يكفر الناس جميعًا لجعلنا للكافر هذه البيوت سُقُفًا من فضة، يعني بدل ما يكون السقف من خشب، أو من صَبَّات أسمنت، يكون من فضة، والمراد فضة لامعة تجذب النظر، وتسر العين. ﴿مَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ قيل: إنها الدَّرَج، وقال بعض المتأخرين: إنها المصاعد الكهربائية التي تسمى أسانسير، ولفت، ومصعد، وما أشبه ذلك؛ لأن الدرج العادية لا تلفت النظر كثيرًا، ولهذا قال: ﴿عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ أي: يَعْلُون حتى يصلوا إلى السقف، وأيًّا كان هذا أو هذا فإنها دَرَج غريبة ليست كالدَّرَج المعتاد، والثالث: أبواب. * طلبة: أبواب. * الشيخ: أبواب، المؤلف يقول: (من فضة)، بناء على ما ذُكِرَ في أول الآية، ﴿سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾، ولكن هذا ليس بِمُتَعَيِّن، بل نقول: ﴿أَبْوَابًا﴾: أبوابًا فخمة، ليست كالمعتادة، سواء من فضة، أو من حديد، أو من خشب، المهم أنها أبواب غير معتادة. ﴿وَسُرُرًا﴾ جمع سرير، وهو ما يُجْلَس عليه، ﴿عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾، أيضًا مع السُّرُر متكأ يَتَّكِئ عليه، أي: يُعْتَمَد، سواء من خلف الظهر، أو من اليمين، أو من الشمال، وهو كناية عن كثرة الإرفاه. ﴿وَزُخْرُفًا﴾ هذا الذهب، فهي كم من واحد؟ سُقُفًا من فضة، معارج عليها يظهرون، أبوابًا فخمة، سُرُرًا مُرِيحَة، زُخْرُفًا، يعني ذهب، خمسة أشياء، يعني المعنى: (لولا خوف الكفر على المؤمن من إعطاء الكافر ما ذُكِرَ لأعطيناه ذلك لقلة خَطَر الدنيا عندنا، وعدم حَظِّه في الآخرة في النعيم). ووجه ذلك أن النفوس مَيَّالَةٌ إلى اللهو واللعب والتَّرَف، فإذا رأى الإنسان هذا الترف للكافر فإن ذلك يُغْرِيه ويَغُرُّه، كما يُفْعَل الآن بالنسبة للمُنَصِّرِين ضُلَّال النصارى، يمشون على الأقاليم الفقيرة، ويُزَيِّنُون لهم الدنيا، وهؤلاء الفقراء يتبعونهم؛ لأن النفوس مجبولة على محبة المال والفخر والخيلاء. قال عز وجل: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف ٣٥]، الْمُفَسِّر قال: (إنْ مُخَفَّفَة من الثقيلة) الْمُشَدَّدَة، والْمُخَفَّفَة ما حُذِفَ تشديدها، (وإنْ مُخَفَّفَة من الثقيلة، ﴿﴿كُلُّ ذَلِكَ لَمَا﴾ ﴾ بالتخفيف، فـ(ما) زائدة، وبالتشديد بمعنى (إلَّا))، أي أن فيها قراءتين: ﴿﴿لَمَا﴾ ﴾ و﴿لَمَّا﴾، (فـ(إن) نافية)، خَلَّطَ المؤلف رحمه الله. الآن (إن) أعربها على أنها مُخَفَّفَة من الثقيلة فهي مؤكِّدة، ثم قال في الأخير: فإن نافية، وفرق بين الإثبات والنفي، لكن هذا ينبني على (لَمَا) إن قُرِئَت بالتخفيف فـ(إنْ) مُخَفَّفَة من الثقيلة، وإن قُرِئَت بالتشديد فـ(إنْ) نافية، انتبه. فصار اختلاف الإعراب في (إنْ) مبنيًّا على اختلاف القراءة في (لَمَا)، فعلى قراءة التشديد تكون (إنْ) نافية، و(لَمَّا) بمعنى (إِلَّا)، وشاهد هذا قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤]، أي: ما كل نفس إلا عليها حافظ، وأما إذا قُرِئَت (لَمَا) بالتخفيف فـ(إِنْ) مُخَفَّفَة من الثقيلة، وتكون (مَا) زائدة، ويكون التقدير: وإنْ كلُّ ذلك لَمَتَاعُ الحياة الدنيا؛ لأن (ما) زائدة، أرجو الانتباه. (لَمَا) فيها قراءتان؛ الأولى: التشديد، وبناء على هذه القراءة تكون (إنْ) نافية، و(لَمَّا) بمعنى (إلَّا)، والشاهد لهذا قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾، أي: ما كل نفس إلا عليها حافظ، القراءة الثانية: (لَمَا) بالتخفيف، وعلى هذه القراءة تكون (إِنْ) مُخَفَّفَة من الثقيلة بمعنى (إِنَّ)، وتكون (ما) زائدة، ويكون تقدير الكلام: إن كل ذلك لَمَتَاعُ الحياة الدنيا، واضح ولَّا غير واضح؟ * الطلبة: واضح. * الشيخ: المؤلف رحمه الله دَمَجَ القراءتين، ولكن هذا هو التفصيل، كيف التفصيل؟ * طالب: إن كانت .. * الشيخ: إن كانت (لَمَّا) مشددة. * الطالب: تكون (إنْ) نافية. * الشيخ: تكون (إنْ) نافية. * الطالب: و(لَمَّا) بمعنى (إلَّا). * الشيخ: و(لَمَّا) بمعنى (إلَّا) تمام، والتقدير: ما كل نفس إلا عليها.. ﴿﴿لَمَا﴾ ﴾ فيها قراءتان: الأولى التشديد، وبناء على هذه القراءة تكون (إِنْ) نافية، و(لَمَّا) بمعنى (إلا)، والشاهد لهذا قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤] أي: ما كل نفس إلا عليها حافظ، القراءة الثانية ﴿﴿لَمَا﴾ ﴾ بالتخفيف، وعلى هذه القراءة تكون (إِنْ) مُخَفَّفَةً من الثقيلة، بمعنى (إنَّ) وتكون (ما) زائدة، ويكون تقدير الكلام: إن كلُّ ذلك لمتاع الحياة الدنيا. المؤلف رحمه الله دمج القراءتين ولكن هذا هو التفصيل. كيف التفصيل؟ * طالب: إن كانت (لَمَّا) مشددة تكون (إِنْ) نافية، و(لَمَّا) بمعنى (إلَّا). * الشيخ: و(لَمَّا) بمعنى (إلَّا) تمام، والتقدير: ما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا. * الطالب: إن كانت مخففة تكون (إِنْ) مخففة من الثقيلة. * الشيخ: تكون مخففة من الثقيلة، فهي حرف توكيد و(ما).. * طالب: و(ما) زائدة. * الشيخ: و(ما) زائدة، والتقدير: وإن كل ذلك لمتاع الحياة الدنيا؛ لأن (ما) زائدة. (﴿متاع الحياة الدنيا﴾ يُتَمَتَّع به فيها ثم يزول، ﴿وَالْآخِرَةُ﴾ الجنة ﴿عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ) الآخرة، لو قيل: كل الآخرة: الجنة، وعرسات القيامة، وسلامتهم من شدة هول القيامة، وغير ذلك، لكان أعم، فصارت الدنيا للكُفَّار مهما أُعْطوا فإنه نعيمهم، والآخرة للمتقين جعلنا الله وإياك منهم. واعلم أن هذا الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، مهما بلغَتْ من النعيم فإنها سجن المؤمن، ومهما بلغَتْ من الجحيم فإنها جنة الكافر. اسمع القصة، ماذا قلنا؟ * طالب: أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، مهما بلغ من النعيم فإنها سجن المؤمن، ومهما بلغ من العذاب فإنها جنة الكافر. * الشيخ: هذه قِصة ذكرها العلماء في ترجمة ابن حجر رحمه الله، وكان ابن حجر قاضي القضاة في مصر، فمرَّ ذات يوم من بيته إلى مَقرِّ عمله على العربة تجرها الخيول أو البغال في موكب؛ مَرَّ ذات يوم برجل يهودي زيات -يعني: يبيع الزيت- فاستوقف اليهودي قاضي القضاة، وقال له: إنَّ نبيَّكم يقول: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، كيف يتفق هذا مع حالي وحالك؟ أنت الآن في نعيم، تَجُرُّك الخيول، ولك جاه وشرف ومنزلة، وهو اليهودي بهذا الذُّلِّ ثيابٌ وَسِخَة وتعب، كيف هذا؟ أتدرون، ماذا قال؟ قال: نعم، ما أنا فيه الآن بالنسبة لنعيم الجنة سجن؛ لأن نعيم الجنة أعلى وأعلى من هذا، أما بالنسبة لك فأنت في جنة بالنسبة لعذاب النار؛ لأنك إن مت على اليهودية فأنت في النار، ويُعْتَبر ما هو فيه الآن اليهودي يعتبر جنة، اليهودي -فيما يبدو لي، والله أعلم- أنه يَنْشُد الحقيقة، يريد الحقيقة، فلما بيَّن له ابن حجر هذا، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، سبحان الله! الإنسان العاقل الذي يريد الحقيقة لا بد أن يهتدي. المهم يقول عز وجل لما ذكر هذه الأشياء: ﴿لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الزخرف ٣٣] إلى آخره، قال: ما هذا إلا متاع الحياة الدنيا، شوف متاع كالمتاع يحمله المسافر ﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف ٣٥]؛ لأن الدنيا مهما طالت بالإنسان الحياة فلا بد من الزوال، إما أن تزول الدنيا عنه، وإما أن يزول هو عن الدنيا، وبهذا قال الشاعر: لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً ∗∗∗ لَـــــذَّاتُـــــهُ بِادِّكَارِ الْمَـــــوْتِوَالْهَـــــرَمِ صحيح الإنسان إذا تذكر، وإذا مآله: إما موت مبكر، وإما هرم مخرِّف. الآن يوجد الذين بلغوا عُمُرًا طويلًا ووصلوا إلى حدِّ الهذْرمة، هم بأنفسهم متضايقون وأهلوهم أيش؟ متضايقون، تجد الإنسان يتضايق من أبيه وأمه، وإن كان المؤمن يصبر، لكن لا بد أن يتضايق، أو موت عاجل وينتهي الموضوع، هذا حال الدنيا في الواقع، ولذلك الغنيمةَ الغنيمة، بادر العمر قبل فواته، اعمل صالحًا، وطلب العلم من أفضل الأعمال، بشرط أن يكون العالم عاملًا، أما علم بلا عمل فالجهل والله خير منه. * طالب: أحسن الله إليكم، القاعدة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، الآية ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف ٣٢]، لماذا لا يحتمل المعنيين: السخرية، وأيضًا المعنى الآخر؟ * الشيخ: وهو؟ * الطالب: السخرية وأيضًا.. * الشيخ: لا، ما يستقيم؛ لأنَّ اختلاف الطبقات ليس من أجل أن يستهزِئ بعضُهم ببعض، لكن من أجْل أن يُسَخِّر بعضُهم بعضًا بالعمل، ولا يمكن أن الله عز وجل بحكمته يجعل الطبقات مختلفة علشان يستهزئ بعضهم ببعض. * طالب: قول الله عز وجل: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الزخرف ٣٣] إلى أن قال: ﴿وَزُخْرُفًا﴾ [الزخرف ٣٥] هل قوله: ﴿وَزُخْرُفًا﴾ يشمل ما شمله الفضة؛ يعني يجعل البيوت..؟ * الشيخ: المهم أنه ذَهَبٌ سواء كان سقفًا أخرى ذهبًا، أو تماثيل ذَهَبٍ، أو غير ذلك، عام. * طالب: يقول المؤلف: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ﴾ يعني: أنه الجنة هل هذا من تأويله؟ * الشيخ: لا، من التقسيم في التفسير، لا شك أنها من التأويل؛ لأن الجنة رحمة، وذكرنا أن الله عز وجل قال للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦ / ٣٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، لكن كونه يقصرها على أنواع من الرحمة (...). * * * * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف ٣٦ - ٣٩] . * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ لمَّا ذكر أحوال الدنيا، وأنه لولا أن يكون الناس أمة واحدة على الكفر لمتَّع الكفار بما سمعتم، وهذه الدنيا لا بد أن تَحمِل الإنسان على الإعراض عن ذكر الله عز وجل؛ قال: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾. قوله: ﴿مَنْ يَعْشُ﴾ فسَّرها بـ(يعرض)، ولكن التفسيرَ المطابق أن معنى ﴿يَعْشُ﴾ أي: يتعامى حتى يرى رؤيةَ الأعشى الذي يُبصِر في النهار ولا يُبْصِر في الليل، فمعنى ﴿يَعْشُ﴾ أي: يتعامى كما فسرها بذلك ابن كثير وغيره من المفسرين، ولكن المفسر فسَّرها بـ(يعرض)؛ لأنه من لازم التعامي الإعراض قال: (﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ أي: القرآن)، فجعل المفسِّر ذكر الرحمن يعني القرآن، وأضافه الله إلى الرحمن؛ لأن إنزاله رحمة للخلق، هكذا مشى المفسر رحمه الله. والصواب خلاف ذلك، والمراد بـ ﴿ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ تَذَكُّر الرحمن يعني: مَن تعامى عن ذكر الرحمن بقلبه واستحضاره لعظمة ربه وجلاله فإنه يُقيَّد له الشيطان فيكون هذا جزاءً على إعراضه وتعاميه عن ذكر ربه، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن ١٧]، فالصواب أن المراد بـ ﴿ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ ليس القرآن، بل المراد بـ ﴿ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ ذكر الله نفسه؛ يعني: يغفُل قلبه عن ذكر الله ولا يذكر الله بقلبه، فهذا هو الذي يُقيَّد له الشيطان فيتَّبِع هواه كما قال عز وجل ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف ٢٨]. وقوله: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ [الزخرف ٣٦] قال: (نسبب له)، وهذا قريب من المعنى المطابق، وإلَّا فإن معنى ﴿نُقَيِّضْ﴾ أي: نهيِّئ له شيطانًا يحل محل ذكر الله عز وجل فيستولي الشيطانُ على قلبه، والشيطان يعظم بالفحشاء والمنكر، كما قال الله عز وجل: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٦٨]. ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ فهو أي: الشيطان ﴿لَهُ﴾ أي: للعاشي عن ذكر الله، قرين لا يفارقه -نعوذ بالله من الشيطان الرجيم- ووجه ذلك أن الإنسانَ فعَّال مريد متحرِّك قلبًا وقالَبًا، فلا بد من الاشتغال بشيء؛ فإما أن يكون بذكر الله، وإما أن يكون بوساوس الشيطان ولا بد، لا تجد أحدًا يكون قلبه ساكنًا لا يتحرك ولا يريد، هذا مستحيل؛ ولهذا جاء في الحديث في الأسماء: «أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ»[[أخرجه أبو داود (٤٩٥٠) من حديث أبي وهب الجُشَمِيِّ رضي الله عنه.]] «هَمَّام» : العبادة القلبية، و«حًارٍثٌ» :» العمل، كل إنسان لا بد، فيهيِّئ له هذا الشيطان الذي يقارنه ولا يفارقه. (﴿وَإِنَّهُمْ﴾ أي الشياطين ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ أي: العاشين ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ أي: طريق الهدى ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ). ﴿يَحْسَبُونَ﴾ أي: العاشون الذين صدتهم الشياطين ﴿أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (في الجَمْع رعاية معنى من). الشيطان -نعوذ بالله منه- إذا استولى على قلب الإنسان زَيَّن له سوءَ عملِه، وظنَّ أنه على حق، ولكنه على باطل، وهؤلاء هم أخسر الناس أعمالًا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف ١٠٣]. الجواب: نعم، بيَّنها الله؛ قال: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف ١٠٤]؛ لأن الشيطان زيَّن لهم هذا، وقال: أنتم على حق، أنتم الأعلون، وسوَّل لهم، وأملى لهم حتى تبعوه. ولهذا قال: (﴿وَإِنَّهُمْ﴾ يعني الشياطين ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ أي: العاشين ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ ) أي: سبيل الحق وطريق الهدى ﴿وَيَحْسَبُونَ﴾، الواو تعود على مَنْ؟ * طالب: على (العاشين). * الشيخ: تعود على (العاشين) ﴿أَنَّهُمْ﴾ أي: العاشين، ﴿مُهْتَدُونَ﴾ أي: على هدى، وهذا غاية ما يكون من الخسران، والعياذ بالله، أن يتمادى الإنسان بالباطل وهو يظن أنَّه على حق. قال المفسِّر: (في الجَمْعِ رعاية معنى (مَن)) الجمع وهو قوله: ﴿يَحْسَبُونَ﴾، ﴿إِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ﴾؛ ففيها رعاية بمعنى مَنْ في قولِه: ﴿مَنْ يَعْشُ﴾ كلمة (مَنْ)، و(ما) وما أشبههما من الألفاظ العامَّة يجوزُ مراعاة معناها، ومراعاة لفظها، اللفظ مفرد ولَّا جمع؟ مفرد، ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾؛ ولذلك عاد الضمير إليه للمفرد ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾، ﴿نُقَيِّضْ لَهُ﴾ أيضًا مراعاة اللفظ، ﴿فَهُوَ لَهُ﴾ مراعاة اللفظ، ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ مراعاة المعنى، ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ كذلك مراعاة المعنى، واضح؟ إذن إذا أتتك (مَنْ) موصولة كانت أو شرطية فلك أن تراعي في ضميرها اللفظة فتجعله مفردًا، والمعنى فتجعله حسب ما أريد به، وانظر إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الطلاق ١١] كل هذا مراعاة أيش؟ * طلبة: اللفظ. * الشيخ: اللفظ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ مراعاة المعنى، ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ﴾ مراعاة اللفظ، ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق ١١] فتجد هذه الآيات تارةً روعي اللفظ، وتارة روعي المعنى ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. (﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ العاشي بقرينه يوم القيامة قال له: ﴿يَا﴾ للتنبيه ﴿لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ أي: مثل بُعْدِ ما بين المشرق والمغرب ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ أَنْتَ لي). ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ يعني الشيطان وقرينه، وذلك يوم القيامة، تبرأ كل واحد من الآخر، وقال له: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ ﴿يَا﴾ هذه للتنبيه، ولا تصح أنْ تكونَ للنداء؛ لأن ﴿يَا﴾ التي للنداء لا تدخل إلا على اسم، لا تدخل على حرف كما هنا، ولا على فعل، فإذا وجدتها داخلة على حرف أو فعل فهي للتنبيه. ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ [يس ٢٦] فهي للتنبيه، وقيل إن: (يا) داخلة على منادى محذوف والتقدير في هذه الآية: يا هذا ليت بيني وبينك بعد المشرقين؛ يعني: تُقدِّر منادى اسمًا؛ يا هذا يا ليت بيني بينك بعد المشرقين. فإذا قال قائل: أيهما أولى أن نُقَدِّر منادى يناسب السياق من أجل أن يصِح حلول (يا) في هذا المكان، أو نقول: الأصل عدم التقدير ونجعل (يا) للتنبيه؟ * طالب: الثاني. * الشيخ: الثاني أولى؛ لأنه إذا دار الأمر بين أن يكون في الكلام شيء محذوف أو لا؛ فالأولى ألَّا يكون فيه شيء محذوف. وقوله: ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ يقول المؤلف: (ما بين المشرق والمغرب)، وعليه فيكون في الكلام تغليب، وهو تغليب المشرق على المغرب، والتغليب هذا جائز في اللغة العربية؛ مثل قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٢٧)، ومسلم (٨٣٨ / ٣٠٤) من حديث عبد الله بن مُغَفَّل المزني رضي الله عنه.]] إذا جعلنا مُطْلَق الأذان هو الأذان الذي يكون بكل وقت، أما إذا جعلنا الأذان بمعنى الإعلام، فإن الأذانَيْنِ ليس فيه تغليب؛ لأن كلًّا من الإقامة والأذان يُسمَّى الأذان. لكن قولهم: (القَمَران) يعنون بذلك الشمس والقمر، قولهم: (العُمَران) يعنون بذلك أبا بكر وعمر، هذا من باب التغليب، فيكون ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ أي: بعد ما بين المشرق والمغرب، ولكن ذُكِرَ بلفظ المشرق تغليبًا. ويحتمل أن يكون المعنى ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ أي: مشرقي الشمس شتاءً ومشرقها صيفًا؛ لأن بينهما مسافة عظيمة جدًّا لا يعلم قدْرَها إلا الله عز وجل، وكلا المعنيين صحيح؛ يعني: سواء جعلنا اللفظ فيه تغليب أو لا، والمراد أن هذا العاشي الذي أضله الشيطان إذا جاء معه يوم القيامة تبرَّأ منه، وقال: ليتك بعيد عني، وأنا بعيد عنك. وقوله: ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ هذه الجملة إنشائية للذمِّ، قال المؤلف: أنتَ يعني أنه قد حُذِفَ فيها المخصوص؛ لأن (بئس) و(نعم) لا بد فيها من فاعل ومخصوص، وتفصيل ذلك في كتب النحو، ولا علينا منه في هذا المكان. قال الله تعالى: (﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ﴾ أي: العاشين تمنِّيكم وندمكم ﴿الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ أي: تبيَّن لكم ظلمُكم بالإشراك في الدنيا أنَّكم مع قرنائكم ﴿فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ عِلَّةٌ بتقديرِ اللَّام؛ لعدم النفع و﴿إِذْ﴾ بدل من ﴿الْيَوْمَ﴾ ) يعني: لا ينفعكم اشتراككم في العذاب، هذا هو الصحيح، وعلى هذا فتكون ﴿أَنَّكُمْ﴾ ليست للتعليل، كما ذهب إليه المفسر، بل هي فاعل ينفع، والمعنى لا ينفعكم اشتراككم في العذاب، ووجه ذلك أنَّه جرت العادة أن الإنسان إذا عُذِّب ورأى غيرَه يُعَذَّب هان عليه الأمر وتسلَّى، وفي يوم القيامة يشترك أهل النار في العذاب، لكن هل ينفعُهم هذا شيئًا؟ لا ينفعهم، فهذا هو الصواب الذي تدل عليه الآية، أما المؤلف فجعل (أنَّ) ﴿أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ (عِلَّةٌ بتقديرِ اللَّام) أي: أنَّكم في العذاب مشتركون، ولكن هذا بعيد من اللفظة. قوله تعالى لما ذكر ما يجعله للكافرين: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ﴾ إلى آخره. * في هذه الآية فوائد: أن هذه المُتَعَ الدنيويَّة ما هي إلا متاع الحياة الدنيا، فهي زائلة، ويتفرع على هذه الفائدة ألَّا يتعلقَ الإنسان بها، وألا يهتم بها، وأن يرى أنه عايش بدونها، وليس لك من الدنيا إلا ما أكلتَ فأفنيتَ أو لبِسْتَ فأبليتَ أو تصدَّقْتَ فأمضيتَ. * ومن فوائد هذه الآية: التزهيدُ في هذه الأمور، وألًّا تهتم بها، لا تعلِّقْ قلبَكَ بمظاهرِ الدُّنْيا، فإنَّك إن فعلتَ هلكتَ، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا رأى من الدنيا ما يعجبه قال: «لَبَّيْكَ، إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةِ»[[أخرجه البيهقي (٩٠٣٥) من حديث مجاهد مرسلًا.]] «لَبَّيْكَ» يعني إجابةً لك ليصرِفَ قلبَه عن التعلُّقِ بما رآه مما يعجبه في الدنيا، ثم وطَّن نفسه، وقال: «إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةِ» والله هذا هو الحق أن عيش الدنيا فإنه مهما طاب لك محفوفٌ بنكدٍ قبلَه ونكدٍ بعدَه؛ لأن لم تحصله غالبًا إلا بتعب، ثم إذا حصَّلْتَه هل ستبقى لك أو لا تبقى؟ هو لا بد (...) إما أن تموت وتتركه، وإما أن يهلك وأنت حي. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: البُشرى للمتَّقين وأنَّ لهم الآخرة، فالآخرة خير للمتقين، ففيه البَشارة وأنَّ الإنسان المتقي إذا انتقل من الدنيا فلا يندم؛ لأنه انتقل إلى دار أفضل وأحسن مما ترك. * وفيه: الحسُّ على التقوى؛ وذلك لأنَّ ذِكْرَ الجزاء والثواب يستثير النفس حتى يصل الإنسان إلى الوصف الذي يحصل به على الثواب. ثم قال عز وجل: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ إلى آخره. * في هذه الآية الكريمة فوائد: * منها: التحذير من الغفلة عن ذكر الله؛ لأنك إذا غفلت عن ذكر الله حلَّ محل ذكر الله أيش؟ وساوس الشيطان. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ الله سبحانه وتعالى يعاقب العبد بما يقتضيه الذنب، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت ٤٠] فهذا الرجل لما أخلى قلبه من ذكر الله عوقب أن يحلَّ محله الشيطان. * ومنها: الحظر من قرناء السوء؛ لأن الشياطين ليس اسمًا خاصًّا بشياطين الجن، بل حتى الإنس لهم شياطين، أليس كذلك؟ * طالب: بلى. * الشيخ: قال الله عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام ١١٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس ١] إلى قوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس ٦]. ففي هذا التحذير من قرناء السوء، وقد حذَّر النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم من قرناء السوء؛ حيث شبَّه قرينَ السوء أو جليس السوء بنافخ الكير؛ إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه رائحة كريهة، ثم إن الواقع كذلك، فما أكثر ما يمر علينا ممن يتصلون بنا يَشْكُون من قوم كانوا مستقيمين وأئمة مساجد أو مؤذني مساجد، اتصل بهم أناس من أصحاب السوء فانحرفوا انحرافًا كاملًا، ومثل هؤلاء -والعياذ بالله- إذا انحرفوا -نسأل الله الثبات- يكون انحرافهم أشد وأعظم، كالماء الذي حبسته ثم أطلقت الحبس سيندفع بقوة. فالمهم أن الإنسان إذا أعرض عن ذكر الله قيضَّ له الشيطان من الإنس، كمل. * طالب: ومن الجن. * الشيخ: ومن الجن، فهو له قرين. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المُلازِمَ أشد تأثيرًا من العابد الذي يلازمك ويبقى قرينًا معك، أشد تأثيرًا من العابد؛ بمعنى أنك لو جلست مع إنسان صاحب سوء لمدة ساعة أو ساعتين ربما سيؤثِّر فيك، وربما يتأثر، لكن إذا كان مقارنًا فإنه سيؤثر؛ ولهذا قال: ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾. أقول هذا لتحْذَروا من الاستمرار لقرناءِ السُّوءِ؛ ولتعلموا أنكم متى علمتم أنه قرين سوء وجب عليكم البعد عنه، لا تقل: أخشى أن يتأثر، أخشى أن يقول: ليش؟ الرجل كان صاحب لي ثم فارقني؟ لا يهمُّك، الذي يهمك هو نفسك فأنقِذْها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عمى القلب -والعياذ بالله- لما تعامى بعينه عن ذكر الرحمن وبقلبه أيضًا قُيِّضَ له هذا الشيطان، الذي يصده عن الهدى، وهو يحسب أنه مهتد ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٣٧]، وما أكثر هذا، أهل البدع الذين أصرُّوا على بِدَعهم صغيرة كانت أم كبيرة، ألم يكونوا قد يستحسونها؟ * طالب: بلى. * الشيخ: لماذا استحسنوها وهي بدعة ضلالة؟ لأن الشيطان صدَّهم عن الحق، أهل الأفكار الرديئة كالعلمانيين والشيوعيين والبعثيين ومن أشبههم لماذا استمروا على ذلك؟ لأن الشيطان ركب قلوبهم -والعياذ بالله- فجعلهم يظنون أن هذا السيئ حسنًا، وهذا أشد ما يكون من الفتنة؛ أن يرى الإنسان السيئ حسنًا فيمضي فيه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن بعضَ الظنِّ إثم، وجهه أن هؤلاء ظنوا أنهم على حق فاستمروا في الباطل . * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذا القرين في الدنيا يتبرأ من صاحبه يوم القيامة، يقول: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف ٣٨] . * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه مع تمنِّيه هذا الذي لم يدرك منه شيئًا يثني على قرينه هذا بالذم والقدح، فيقول: ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من القرناء مَن هو قرينُ خير وقرين سوء، وهو كذلك، وقد بيَّن النبي ﷺ هذا أبين شيء حيث قال: «مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ؛ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ» يعني: يعطيك هدية، «وَإِمَّا أَنْ يَبِيعَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رَائِحَةً طَيِّبَةً، وَجَلِيسُ السُّوءِكَنَافِخِ الْكِيرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٣٤)، ومسلم (٢٦٢٨ / ١٤٦) من حديث أبي موسى رضي الله عنه، ولفظه: «مثل الجليس الصالح والسوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك: إما أن يُحْذِيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحا خبيثة».]] إما أن يحرق ثيابَك بالشرَّرِ الذي يتطاير من النار إذا نُفِخَت، وإما أن تَجِدَ منه رائحةً كريهة. * من فوائد هذه الآية الكريمة ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ [الزخرف ٣٩]: أن المشتركين في عذاب الآخرة لا ينفعهم الاشتراك، بخلاف الاشتراك في العذاب في الدنيا فإنه يُسَلِّي الإنسان ويهون عليه؛ ولهذا قالت الخنساء في رثاء أخيها صخر: وَلَــوْلَا كَــثْرَةُ الْبَاكِــــينَ حَــــــوْلِي ∗∗∗ عَـلَى إِخْــوَانِهِمْ لَقَـتَلْتُ نَـــفْسِي؎وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ ∗∗∗ أُسَــلِّي النَّــــفْسَ عَــــنْهُبِالتَّــــأَسِّي * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المُعذَّبين هم الذين ظلموا، وما ظُلِموا؛ لقوله: ﴿إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنهم أي المعذبين يعرفون أنهم مشتركون في العذاب، ولكن ذلك لا يُسلِّيهم، ولا يهوِّن عليهم المصيبة.

الزخرف 43:34

ثم قال عز وجل: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا﴾ [الزخرف ٣٣]، إلى آخره، ﴿لَوْلَا﴾ هذه حرف فيها شرط، لولا كذا لكان كذا، فهي حرف امتناع لوجوب، ﴿لَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا﴾، لكن امتنع الْجَعْل لِئَلَّا يكون الناس أمة واحدة، ﴿لَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَة﴾ على أي شيء؟ على الكفر، بدليل قوله: ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الزخرف ٣٣]، ﴿لَجَعَلْنَا﴾ أي: صَيَّرْنَا، ﴿لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ﴾ وهو الله عز وجل، ﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾ بدل مِن ﴿لِمَنْ﴾؟ بدل أيش؟ مر علينا البدل قريبًا. * طالب: اشتمال. * الشيخ: بدل اشتمال، ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ﴾، والبدل هو المقصود بالحكم، فيكون المعنى: لجعلنا لبيوت مَن يكفر بالرحمن، ﴿﴿سَقْفًا﴾ ﴾ بفتح السين وسكون القاف، وبضمهما جمعًا، بفتح السين وسكون القاف أي: سَقْفًا، مُفْرَد، وبضمهما جمعًا: ﴿سُقُفًا﴾. الْمُفَسِّر قال: بهذا وهذا، فهل يعني ذلك أنهما قراءتان؟ فالجواب: نعم، هما قراءتان سَبْعِيَّتَان؛ لأنه لم يُحْفَظ أحدهما على الآخر، فهما صحيحان، وهذا أيضًا من أسلوبه -رحمه الله- أنه إذا قال: بكذا وكذا، فهما قراءتان سَبْعِيَّتَان. إذن يجوز أن تَقْرَأ: ﴿﴿لِبُيُوتِهِمْ سَقْفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ ﴾، أو ﴿لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾، أفهمت؟ ﴿مِنْ فِضَّةٍ﴾ وهي معروفة، (﴿وَمَعَارِجَ﴾ كالدَّرَج من فضة أيضًا، ﴿عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾: يَعْلُونَ إلى السطح)، ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ﴾ أي: وجعلنا لبيوتهم أيضًا، ﴿أَبْوَابًا﴾ يعني: (من فضة)، وجعلنا لهم سُرُرًا يعني: (من فضة، جمع سرير)، ﴿عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾ أي: يعتمدون، ﴿وَزُخْرُفًا﴾: (ذهبًا). استمع لهذا التصوير، يعني: لولا أن يكفر الناس جميعًا لجعلنا للكافر هذه البيوت سُقُفًا من فضة، يعني بدل ما يكون السقف من خشب، أو من صَبَّات أسمنت، يكون من فضة، والمراد فضة لامعة تجذب النظر، وتسر العين. ﴿مَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ قيل: إنها الدَّرَج، وقال بعض المتأخرين: إنها المصاعد الكهربائية التي تسمى أسانسير، ولفت، ومصعد، وما أشبه ذلك؛ لأن الدرج العادية لا تلفت النظر كثيرًا، ولهذا قال: ﴿عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ أي: يَعْلُون حتى يصلوا إلى السقف، وأيًّا كان هذا أو هذا فإنها دَرَج غريبة ليست كالدَّرَج المعتاد، والثالث: أبواب. * طلبة: أبواب. * الشيخ: أبواب، المؤلف يقول: (من فضة)، بناء على ما ذُكِرَ في أول الآية، ﴿سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾، ولكن هذا ليس بِمُتَعَيِّن، بل نقول: ﴿أَبْوَابًا﴾: أبوابًا فخمة، ليست كالمعتادة، سواء من فضة، أو من حديد، أو من خشب، المهم أنها أبواب غير معتادة. ﴿وَسُرُرًا﴾ جمع سرير، وهو ما يُجْلَس عليه، ﴿عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾، أيضًا مع السُّرُر متكأ يَتَّكِئ عليه، أي: يُعْتَمَد، سواء من خلف الظهر، أو من اليمين، أو من الشمال، وهو كناية عن كثرة الإرفاه. ﴿وَزُخْرُفًا﴾ هذا الذهب، فهي كم من واحد؟ سُقُفًا من فضة، معارج عليها يظهرون، أبوابًا فخمة، سُرُرًا مُرِيحَة، زُخْرُفًا، يعني ذهب، خمسة أشياء، يعني المعنى: (لولا خوف الكفر على المؤمن من إعطاء الكافر ما ذُكِرَ لأعطيناه ذلك لقلة خَطَر الدنيا عندنا، وعدم حَظِّه في الآخرة في النعيم). ووجه ذلك أن النفوس مَيَّالَةٌ إلى اللهو واللعب والتَّرَف، فإذا رأى الإنسان هذا الترف للكافر فإن ذلك يُغْرِيه ويَغُرُّه، كما يُفْعَل الآن بالنسبة للمُنَصِّرِين ضُلَّال النصارى، يمشون على الأقاليم الفقيرة، ويُزَيِّنُون لهم الدنيا، وهؤلاء الفقراء يتبعونهم؛ لأن النفوس مجبولة على محبة المال والفخر والخيلاء. قال عز وجل: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف ٣٥]، الْمُفَسِّر قال: (إنْ مُخَفَّفَة من الثقيلة) الْمُشَدَّدَة، والْمُخَفَّفَة ما حُذِفَ تشديدها، (وإنْ مُخَفَّفَة من الثقيلة، ﴿﴿كُلُّ ذَلِكَ لَمَا﴾ ﴾ بالتخفيف، فـ(ما) زائدة، وبالتشديد بمعنى (إلَّا))، أي أن فيها قراءتين: ﴿﴿لَمَا﴾ ﴾ و﴿لَمَّا﴾، (فـ(إن) نافية)، خَلَّطَ المؤلف رحمه الله. الآن (إن) أعربها على أنها مُخَفَّفَة من الثقيلة فهي مؤكِّدة، ثم قال في الأخير: فإن نافية، وفرق بين الإثبات والنفي، لكن هذا ينبني على (لَمَا) إن قُرِئَت بالتخفيف فـ(إنْ) مُخَفَّفَة من الثقيلة، وإن قُرِئَت بالتشديد فـ(إنْ) نافية، انتبه. فصار اختلاف الإعراب في (إنْ) مبنيًّا على اختلاف القراءة في (لَمَا)، فعلى قراءة التشديد تكون (إنْ) نافية، و(لَمَّا) بمعنى (إِلَّا)، وشاهد هذا قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤]، أي: ما كل نفس إلا عليها حافظ، وأما إذا قُرِئَت (لَمَا) بالتخفيف فـ(إِنْ) مُخَفَّفَة من الثقيلة، وتكون (مَا) زائدة، ويكون التقدير: وإنْ كلُّ ذلك لَمَتَاعُ الحياة الدنيا؛ لأن (ما) زائدة، أرجو الانتباه. (لَمَا) فيها قراءتان؛ الأولى: التشديد، وبناء على هذه القراءة تكون (إنْ) نافية، و(لَمَّا) بمعنى (إلَّا)، والشاهد لهذا قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾، أي: ما كل نفس إلا عليها حافظ، القراءة الثانية: (لَمَا) بالتخفيف، وعلى هذه القراءة تكون (إِنْ) مُخَفَّفَة من الثقيلة بمعنى (إِنَّ)، وتكون (ما) زائدة، ويكون تقدير الكلام: إن كل ذلك لَمَتَاعُ الحياة الدنيا، واضح ولَّا غير واضح؟ * الطلبة: واضح. * الشيخ: المؤلف رحمه الله دَمَجَ القراءتين، ولكن هذا هو التفصيل، كيف التفصيل؟ * طالب: إن كانت .. * الشيخ: إن كانت (لَمَّا) مشددة. * الطالب: تكون (إنْ) نافية. * الشيخ: تكون (إنْ) نافية. * الطالب: و(لَمَّا) بمعنى (إلَّا). * الشيخ: و(لَمَّا) بمعنى (إلَّا) تمام، والتقدير: ما كل نفس إلا عليها.. ﴿﴿لَمَا﴾ ﴾ فيها قراءتان: الأولى التشديد، وبناء على هذه القراءة تكون (إِنْ) نافية، و(لَمَّا) بمعنى (إلا)، والشاهد لهذا قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤] أي: ما كل نفس إلا عليها حافظ، القراءة الثانية ﴿﴿لَمَا﴾ ﴾ بالتخفيف، وعلى هذه القراءة تكون (إِنْ) مُخَفَّفَةً من الثقيلة، بمعنى (إنَّ) وتكون (ما) زائدة، ويكون تقدير الكلام: إن كلُّ ذلك لمتاع الحياة الدنيا. المؤلف رحمه الله دمج القراءتين ولكن هذا هو التفصيل. كيف التفصيل؟ * طالب: إن كانت (لَمَّا) مشددة تكون (إِنْ) نافية، و(لَمَّا) بمعنى (إلَّا). * الشيخ: و(لَمَّا) بمعنى (إلَّا) تمام، والتقدير: ما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا. * الطالب: إن كانت مخففة تكون (إِنْ) مخففة من الثقيلة. * الشيخ: تكون مخففة من الثقيلة، فهي حرف توكيد و(ما).. * طالب: و(ما) زائدة. * الشيخ: و(ما) زائدة، والتقدير: وإن كل ذلك لمتاع الحياة الدنيا؛ لأن (ما) زائدة. (﴿متاع الحياة الدنيا﴾ يُتَمَتَّع به فيها ثم يزول، ﴿وَالْآخِرَةُ﴾ الجنة ﴿عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ) الآخرة، لو قيل: كل الآخرة: الجنة، وعرسات القيامة، وسلامتهم من شدة هول القيامة، وغير ذلك، لكان أعم، فصارت الدنيا للكُفَّار مهما أُعْطوا فإنه نعيمهم، والآخرة للمتقين جعلنا الله وإياك منهم. واعلم أن هذا الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، مهما بلغَتْ من النعيم فإنها سجن المؤمن، ومهما بلغَتْ من الجحيم فإنها جنة الكافر. اسمع القصة، ماذا قلنا؟ * طالب: أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، مهما بلغ من النعيم فإنها سجن المؤمن، ومهما بلغ من العذاب فإنها جنة الكافر. * الشيخ: هذه قِصة ذكرها العلماء في ترجمة ابن حجر رحمه الله، وكان ابن حجر قاضي القضاة في مصر، فمرَّ ذات يوم من بيته إلى مَقرِّ عمله على العربة تجرها الخيول أو البغال في موكب؛ مَرَّ ذات يوم برجل يهودي زيات -يعني: يبيع الزيت- فاستوقف اليهودي قاضي القضاة، وقال له: إنَّ نبيَّكم يقول: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، كيف يتفق هذا مع حالي وحالك؟ أنت الآن في نعيم، تَجُرُّك الخيول، ولك جاه وشرف ومنزلة، وهو اليهودي بهذا الذُّلِّ ثيابٌ وَسِخَة وتعب، كيف هذا؟ أتدرون، ماذا قال؟ قال: نعم، ما أنا فيه الآن بالنسبة لنعيم الجنة سجن؛ لأن نعيم الجنة أعلى وأعلى من هذا، أما بالنسبة لك فأنت في جنة بالنسبة لعذاب النار؛ لأنك إن مت على اليهودية فأنت في النار، ويُعْتَبر ما هو فيه الآن اليهودي يعتبر جنة، اليهودي -فيما يبدو لي، والله أعلم- أنه يَنْشُد الحقيقة، يريد الحقيقة، فلما بيَّن له ابن حجر هذا، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، سبحان الله! الإنسان العاقل الذي يريد الحقيقة لا بد أن يهتدي. المهم يقول عز وجل لما ذكر هذه الأشياء: ﴿لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الزخرف ٣٣] إلى آخره، قال: ما هذا إلا متاع الحياة الدنيا، شوف متاع كالمتاع يحمله المسافر ﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف ٣٥]؛ لأن الدنيا مهما طالت بالإنسان الحياة فلا بد من الزوال، إما أن تزول الدنيا عنه، وإما أن يزول هو عن الدنيا، وبهذا قال الشاعر: لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً ∗∗∗ لَـــــذَّاتُـــــهُ بِادِّكَارِ الْمَـــــوْتِوَالْهَـــــرَمِ صحيح الإنسان إذا تذكر، وإذا مآله: إما موت مبكر، وإما هرم مخرِّف. الآن يوجد الذين بلغوا عُمُرًا طويلًا ووصلوا إلى حدِّ الهذْرمة، هم بأنفسهم متضايقون وأهلوهم أيش؟ متضايقون، تجد الإنسان يتضايق من أبيه وأمه، وإن كان المؤمن يصبر، لكن لا بد أن يتضايق، أو موت عاجل وينتهي الموضوع، هذا حال الدنيا في الواقع، ولذلك الغنيمةَ الغنيمة، بادر العمر قبل فواته، اعمل صالحًا، وطلب العلم من أفضل الأعمال، بشرط أن يكون العالم عاملًا، أما علم بلا عمل فالجهل والله خير منه. * طالب: أحسن الله إليكم، القاعدة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، الآية ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف ٣٢]، لماذا لا يحتمل المعنيين: السخرية، وأيضًا المعنى الآخر؟ * الشيخ: وهو؟ * الطالب: السخرية وأيضًا.. * الشيخ: لا، ما يستقيم؛ لأنَّ اختلاف الطبقات ليس من أجل أن يستهزِئ بعضُهم ببعض، لكن من أجْل أن يُسَخِّر بعضُهم بعضًا بالعمل، ولا يمكن أن الله عز وجل بحكمته يجعل الطبقات مختلفة علشان يستهزئ بعضهم ببعض. * طالب: قول الله عز وجل: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الزخرف ٣٣] إلى أن قال: ﴿وَزُخْرُفًا﴾ [الزخرف ٣٥] هل قوله: ﴿وَزُخْرُفًا﴾ يشمل ما شمله الفضة؛ يعني يجعل البيوت..؟ * الشيخ: المهم أنه ذَهَبٌ سواء كان سقفًا أخرى ذهبًا، أو تماثيل ذَهَبٍ، أو غير ذلك، عام. * طالب: يقول المؤلف: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ﴾ يعني: أنه الجنة هل هذا من تأويله؟ * الشيخ: لا، من التقسيم في التفسير، لا شك أنها من التأويل؛ لأن الجنة رحمة، وذكرنا أن الله عز وجل قال للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦ / ٣٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، لكن كونه يقصرها على أنواع من الرحمة (...). * * * * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف ٣٦ - ٣٩] . * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ لمَّا ذكر أحوال الدنيا، وأنه لولا أن يكون الناس أمة واحدة على الكفر لمتَّع الكفار بما سمعتم، وهذه الدنيا لا بد أن تَحمِل الإنسان على الإعراض عن ذكر الله عز وجل؛ قال: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾. قوله: ﴿مَنْ يَعْشُ﴾ فسَّرها بـ(يعرض)، ولكن التفسيرَ المطابق أن معنى ﴿يَعْشُ﴾ أي: يتعامى حتى يرى رؤيةَ الأعشى الذي يُبصِر في النهار ولا يُبْصِر في الليل، فمعنى ﴿يَعْشُ﴾ أي: يتعامى كما فسرها بذلك ابن كثير وغيره من المفسرين، ولكن المفسر فسَّرها بـ(يعرض)؛ لأنه من لازم التعامي الإعراض قال: (﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ أي: القرآن)، فجعل المفسِّر ذكر الرحمن يعني القرآن، وأضافه الله إلى الرحمن؛ لأن إنزاله رحمة للخلق، هكذا مشى المفسر رحمه الله. والصواب خلاف ذلك، والمراد بـ ﴿ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ تَذَكُّر الرحمن يعني: مَن تعامى عن ذكر الرحمن بقلبه واستحضاره لعظمة ربه وجلاله فإنه يُقيَّد له الشيطان فيكون هذا جزاءً على إعراضه وتعاميه عن ذكر ربه، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن ١٧]، فالصواب أن المراد بـ ﴿ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ ليس القرآن، بل المراد بـ ﴿ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ ذكر الله نفسه؛ يعني: يغفُل قلبه عن ذكر الله ولا يذكر الله بقلبه، فهذا هو الذي يُقيَّد له الشيطان فيتَّبِع هواه كما قال عز وجل ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف ٢٨]. وقوله: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ [الزخرف ٣٦] قال: (نسبب له)، وهذا قريب من المعنى المطابق، وإلَّا فإن معنى ﴿نُقَيِّضْ﴾ أي: نهيِّئ له شيطانًا يحل محل ذكر الله عز وجل فيستولي الشيطانُ على قلبه، والشيطان يعظم بالفحشاء والمنكر، كما قال الله عز وجل: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٦٨]. ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ فهو أي: الشيطان ﴿لَهُ﴾ أي: للعاشي عن ذكر الله، قرين لا يفارقه -نعوذ بالله من الشيطان الرجيم- ووجه ذلك أن الإنسانَ فعَّال مريد متحرِّك قلبًا وقالَبًا، فلا بد من الاشتغال بشيء؛ فإما أن يكون بذكر الله، وإما أن يكون بوساوس الشيطان ولا بد، لا تجد أحدًا يكون قلبه ساكنًا لا يتحرك ولا يريد، هذا مستحيل؛ ولهذا جاء في الحديث في الأسماء: «أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ»[[أخرجه أبو داود (٤٩٥٠) من حديث أبي وهب الجُشَمِيِّ رضي الله عنه.]] «هَمَّام» : العبادة القلبية، و«حًارٍثٌ» :» العمل، كل إنسان لا بد، فيهيِّئ له هذا الشيطان الذي يقارنه ولا يفارقه. (﴿وَإِنَّهُمْ﴾ أي الشياطين ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ أي: العاشين ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ أي: طريق الهدى ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ). ﴿يَحْسَبُونَ﴾ أي: العاشون الذين صدتهم الشياطين ﴿أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (في الجَمْع رعاية معنى من). الشيطان -نعوذ بالله منه- إذا استولى على قلب الإنسان زَيَّن له سوءَ عملِه، وظنَّ أنه على حق، ولكنه على باطل، وهؤلاء هم أخسر الناس أعمالًا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف ١٠٣]. الجواب: نعم، بيَّنها الله؛ قال: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف ١٠٤]؛ لأن الشيطان زيَّن لهم هذا، وقال: أنتم على حق، أنتم الأعلون، وسوَّل لهم، وأملى لهم حتى تبعوه. ولهذا قال: (﴿وَإِنَّهُمْ﴾ يعني الشياطين ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ أي: العاشين ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ ) أي: سبيل الحق وطريق الهدى ﴿وَيَحْسَبُونَ﴾، الواو تعود على مَنْ؟ * طالب: على (العاشين). * الشيخ: تعود على (العاشين) ﴿أَنَّهُمْ﴾ أي: العاشين، ﴿مُهْتَدُونَ﴾ أي: على هدى، وهذا غاية ما يكون من الخسران، والعياذ بالله، أن يتمادى الإنسان بالباطل وهو يظن أنَّه على حق. قال المفسِّر: (في الجَمْعِ رعاية معنى (مَن)) الجمع وهو قوله: ﴿يَحْسَبُونَ﴾، ﴿إِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ﴾؛ ففيها رعاية بمعنى مَنْ في قولِه: ﴿مَنْ يَعْشُ﴾ كلمة (مَنْ)، و(ما) وما أشبههما من الألفاظ العامَّة يجوزُ مراعاة معناها، ومراعاة لفظها، اللفظ مفرد ولَّا جمع؟ مفرد، ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾؛ ولذلك عاد الضمير إليه للمفرد ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾، ﴿نُقَيِّضْ لَهُ﴾ أيضًا مراعاة اللفظ، ﴿فَهُوَ لَهُ﴾ مراعاة اللفظ، ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ مراعاة المعنى، ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ كذلك مراعاة المعنى، واضح؟ إذن إذا أتتك (مَنْ) موصولة كانت أو شرطية فلك أن تراعي في ضميرها اللفظة فتجعله مفردًا، والمعنى فتجعله حسب ما أريد به، وانظر إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الطلاق ١١] كل هذا مراعاة أيش؟ * طلبة: اللفظ. * الشيخ: اللفظ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ مراعاة المعنى، ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ﴾ مراعاة اللفظ، ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق ١١] فتجد هذه الآيات تارةً روعي اللفظ، وتارة روعي المعنى ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. (﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ العاشي بقرينه يوم القيامة قال له: ﴿يَا﴾ للتنبيه ﴿لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ أي: مثل بُعْدِ ما بين المشرق والمغرب ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ أَنْتَ لي). ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ يعني الشيطان وقرينه، وذلك يوم القيامة، تبرأ كل واحد من الآخر، وقال له: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ ﴿يَا﴾ هذه للتنبيه، ولا تصح أنْ تكونَ للنداء؛ لأن ﴿يَا﴾ التي للنداء لا تدخل إلا على اسم، لا تدخل على حرف كما هنا، ولا على فعل، فإذا وجدتها داخلة على حرف أو فعل فهي للتنبيه. ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ [يس ٢٦] فهي للتنبيه، وقيل إن: (يا) داخلة على منادى محذوف والتقدير في هذه الآية: يا هذا ليت بيني وبينك بعد المشرقين؛ يعني: تُقدِّر منادى اسمًا؛ يا هذا يا ليت بيني بينك بعد المشرقين. فإذا قال قائل: أيهما أولى أن نُقَدِّر منادى يناسب السياق من أجل أن يصِح حلول (يا) في هذا المكان، أو نقول: الأصل عدم التقدير ونجعل (يا) للتنبيه؟ * طالب: الثاني. * الشيخ: الثاني أولى؛ لأنه إذا دار الأمر بين أن يكون في الكلام شيء محذوف أو لا؛ فالأولى ألَّا يكون فيه شيء محذوف. وقوله: ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ يقول المؤلف: (ما بين المشرق والمغرب)، وعليه فيكون في الكلام تغليب، وهو تغليب المشرق على المغرب، والتغليب هذا جائز في اللغة العربية؛ مثل قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٢٧)، ومسلم (٨٣٨ / ٣٠٤) من حديث عبد الله بن مُغَفَّل المزني رضي الله عنه.]] إذا جعلنا مُطْلَق الأذان هو الأذان الذي يكون بكل وقت، أما إذا جعلنا الأذان بمعنى الإعلام، فإن الأذانَيْنِ ليس فيه تغليب؛ لأن كلًّا من الإقامة والأذان يُسمَّى الأذان. لكن قولهم: (القَمَران) يعنون بذلك الشمس والقمر، قولهم: (العُمَران) يعنون بذلك أبا بكر وعمر، هذا من باب التغليب، فيكون ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ أي: بعد ما بين المشرق والمغرب، ولكن ذُكِرَ بلفظ المشرق تغليبًا. ويحتمل أن يكون المعنى ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ أي: مشرقي الشمس شتاءً ومشرقها صيفًا؛ لأن بينهما مسافة عظيمة جدًّا لا يعلم قدْرَها إلا الله عز وجل، وكلا المعنيين صحيح؛ يعني: سواء جعلنا اللفظ فيه تغليب أو لا، والمراد أن هذا العاشي الذي أضله الشيطان إذا جاء معه يوم القيامة تبرَّأ منه، وقال: ليتك بعيد عني، وأنا بعيد عنك. وقوله: ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ هذه الجملة إنشائية للذمِّ، قال المؤلف: أنتَ يعني أنه قد حُذِفَ فيها المخصوص؛ لأن (بئس) و(نعم) لا بد فيها من فاعل ومخصوص، وتفصيل ذلك في كتب النحو، ولا علينا منه في هذا المكان. قال الله تعالى: (﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ﴾ أي: العاشين تمنِّيكم وندمكم ﴿الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ أي: تبيَّن لكم ظلمُكم بالإشراك في الدنيا أنَّكم مع قرنائكم ﴿فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ عِلَّةٌ بتقديرِ اللَّام؛ لعدم النفع و﴿إِذْ﴾ بدل من ﴿الْيَوْمَ﴾ ) يعني: لا ينفعكم اشتراككم في العذاب، هذا هو الصحيح، وعلى هذا فتكون ﴿أَنَّكُمْ﴾ ليست للتعليل، كما ذهب إليه المفسر، بل هي فاعل ينفع، والمعنى لا ينفعكم اشتراككم في العذاب، ووجه ذلك أنَّه جرت العادة أن الإنسان إذا عُذِّب ورأى غيرَه يُعَذَّب هان عليه الأمر وتسلَّى، وفي يوم القيامة يشترك أهل النار في العذاب، لكن هل ينفعُهم هذا شيئًا؟ لا ينفعهم، فهذا هو الصواب الذي تدل عليه الآية، أما المؤلف فجعل (أنَّ) ﴿أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ (عِلَّةٌ بتقديرِ اللَّام) أي: أنَّكم في العذاب مشتركون، ولكن هذا بعيد من اللفظة. قوله تعالى لما ذكر ما يجعله للكافرين: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ﴾ إلى آخره. * في هذه الآية فوائد: أن هذه المُتَعَ الدنيويَّة ما هي إلا متاع الحياة الدنيا، فهي زائلة، ويتفرع على هذه الفائدة ألَّا يتعلقَ الإنسان بها، وألا يهتم بها، وأن يرى أنه عايش بدونها، وليس لك من الدنيا إلا ما أكلتَ فأفنيتَ أو لبِسْتَ فأبليتَ أو تصدَّقْتَ فأمضيتَ. * ومن فوائد هذه الآية: التزهيدُ في هذه الأمور، وألًّا تهتم بها، لا تعلِّقْ قلبَكَ بمظاهرِ الدُّنْيا، فإنَّك إن فعلتَ هلكتَ، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا رأى من الدنيا ما يعجبه قال: «لَبَّيْكَ، إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةِ»[[أخرجه البيهقي (٩٠٣٥) من حديث مجاهد مرسلًا.]] «لَبَّيْكَ» يعني إجابةً لك ليصرِفَ قلبَه عن التعلُّقِ بما رآه مما يعجبه في الدنيا، ثم وطَّن نفسه، وقال: «إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةِ» والله هذا هو الحق أن عيش الدنيا فإنه مهما طاب لك محفوفٌ بنكدٍ قبلَه ونكدٍ بعدَه؛ لأن لم تحصله غالبًا إلا بتعب، ثم إذا حصَّلْتَه هل ستبقى لك أو لا تبقى؟ هو لا بد (...) إما أن تموت وتتركه، وإما أن يهلك وأنت حي. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: البُشرى للمتَّقين وأنَّ لهم الآخرة، فالآخرة خير للمتقين، ففيه البَشارة وأنَّ الإنسان المتقي إذا انتقل من الدنيا فلا يندم؛ لأنه انتقل إلى دار أفضل وأحسن مما ترك. * وفيه: الحسُّ على التقوى؛ وذلك لأنَّ ذِكْرَ الجزاء والثواب يستثير النفس حتى يصل الإنسان إلى الوصف الذي يحصل به على الثواب. ثم قال عز وجل: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ إلى آخره. * في هذه الآية الكريمة فوائد: * منها: التحذير من الغفلة عن ذكر الله؛ لأنك إذا غفلت عن ذكر الله حلَّ محل ذكر الله أيش؟ وساوس الشيطان. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ الله سبحانه وتعالى يعاقب العبد بما يقتضيه الذنب، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت ٤٠] فهذا الرجل لما أخلى قلبه من ذكر الله عوقب أن يحلَّ محله الشيطان. * ومنها: الحظر من قرناء السوء؛ لأن الشياطين ليس اسمًا خاصًّا بشياطين الجن، بل حتى الإنس لهم شياطين، أليس كذلك؟ * طالب: بلى. * الشيخ: قال الله عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام ١١٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس ١] إلى قوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس ٦]. ففي هذا التحذير من قرناء السوء، وقد حذَّر النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم من قرناء السوء؛ حيث شبَّه قرينَ السوء أو جليس السوء بنافخ الكير؛ إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه رائحة كريهة، ثم إن الواقع كذلك، فما أكثر ما يمر علينا ممن يتصلون بنا يَشْكُون من قوم كانوا مستقيمين وأئمة مساجد أو مؤذني مساجد، اتصل بهم أناس من أصحاب السوء فانحرفوا انحرافًا كاملًا، ومثل هؤلاء -والعياذ بالله- إذا انحرفوا -نسأل الله الثبات- يكون انحرافهم أشد وأعظم، كالماء الذي حبسته ثم أطلقت الحبس سيندفع بقوة. فالمهم أن الإنسان إذا أعرض عن ذكر الله قيضَّ له الشيطان من الإنس، كمل. * طالب: ومن الجن. * الشيخ: ومن الجن، فهو له قرين. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المُلازِمَ أشد تأثيرًا من العابد الذي يلازمك ويبقى قرينًا معك، أشد تأثيرًا من العابد؛ بمعنى أنك لو جلست مع إنسان صاحب سوء لمدة ساعة أو ساعتين ربما سيؤثِّر فيك، وربما يتأثر، لكن إذا كان مقارنًا فإنه سيؤثر؛ ولهذا قال: ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾. أقول هذا لتحْذَروا من الاستمرار لقرناءِ السُّوءِ؛ ولتعلموا أنكم متى علمتم أنه قرين سوء وجب عليكم البعد عنه، لا تقل: أخشى أن يتأثر، أخشى أن يقول: ليش؟ الرجل كان صاحب لي ثم فارقني؟ لا يهمُّك، الذي يهمك هو نفسك فأنقِذْها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عمى القلب -والعياذ بالله- لما تعامى بعينه عن ذكر الرحمن وبقلبه أيضًا قُيِّضَ له هذا الشيطان، الذي يصده عن الهدى، وهو يحسب أنه مهتد ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٣٧]، وما أكثر هذا، أهل البدع الذين أصرُّوا على بِدَعهم صغيرة كانت أم كبيرة، ألم يكونوا قد يستحسونها؟ * طالب: بلى. * الشيخ: لماذا استحسنوها وهي بدعة ضلالة؟ لأن الشيطان صدَّهم عن الحق، أهل الأفكار الرديئة كالعلمانيين والشيوعيين والبعثيين ومن أشبههم لماذا استمروا على ذلك؟ لأن الشيطان ركب قلوبهم -والعياذ بالله- فجعلهم يظنون أن هذا السيئ حسنًا، وهذا أشد ما يكون من الفتنة؛ أن يرى الإنسان السيئ حسنًا فيمضي فيه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن بعضَ الظنِّ إثم، وجهه أن هؤلاء ظنوا أنهم على حق فاستمروا في الباطل . * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذا القرين في الدنيا يتبرأ من صاحبه يوم القيامة، يقول: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف ٣٨] . * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه مع تمنِّيه هذا الذي لم يدرك منه شيئًا يثني على قرينه هذا بالذم والقدح، فيقول: ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من القرناء مَن هو قرينُ خير وقرين سوء، وهو كذلك، وقد بيَّن النبي ﷺ هذا أبين شيء حيث قال: «مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ؛ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ» يعني: يعطيك هدية، «وَإِمَّا أَنْ يَبِيعَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رَائِحَةً طَيِّبَةً، وَجَلِيسُ السُّوءِكَنَافِخِ الْكِيرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٣٤)، ومسلم (٢٦٢٨ / ١٤٦) من حديث أبي موسى رضي الله عنه، ولفظه: «مثل الجليس الصالح والسوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك: إما أن يُحْذِيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحا خبيثة».]] إما أن يحرق ثيابَك بالشرَّرِ الذي يتطاير من النار إذا نُفِخَت، وإما أن تَجِدَ منه رائحةً كريهة. * من فوائد هذه الآية الكريمة ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ [الزخرف ٣٩]: أن المشتركين في عذاب الآخرة لا ينفعهم الاشتراك، بخلاف الاشتراك في العذاب في الدنيا فإنه يُسَلِّي الإنسان ويهون عليه؛ ولهذا قالت الخنساء في رثاء أخيها صخر: وَلَــوْلَا كَــثْرَةُ الْبَاكِــــينَ حَــــــوْلِي ∗∗∗ عَـلَى إِخْــوَانِهِمْ لَقَـتَلْتُ نَـــفْسِي؎وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ ∗∗∗ أُسَــلِّي النَّــــفْسَ عَــــنْهُبِالتَّــــأَسِّي * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المُعذَّبين هم الذين ظلموا، وما ظُلِموا؛ لقوله: ﴿إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنهم أي المعذبين يعرفون أنهم مشتركون في العذاب، ولكن ذلك لا يُسلِّيهم، ولا يهوِّن عليهم المصيبة.

الزخرف 43:35

ثم قال عز وجل: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا﴾ [الزخرف ٣٣]، إلى آخره، ﴿لَوْلَا﴾ هذه حرف فيها شرط، لولا كذا لكان كذا، فهي حرف امتناع لوجوب، ﴿لَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا﴾، لكن امتنع الْجَعْل لِئَلَّا يكون الناس أمة واحدة، ﴿لَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَة﴾ على أي شيء؟ على الكفر، بدليل قوله: ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الزخرف ٣٣]، ﴿لَجَعَلْنَا﴾ أي: صَيَّرْنَا، ﴿لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ﴾ وهو الله عز وجل، ﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾ بدل مِن ﴿لِمَنْ﴾؟ بدل أيش؟ مر علينا البدل قريبًا. * طالب: اشتمال. * الشيخ: بدل اشتمال، ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ﴾، والبدل هو المقصود بالحكم، فيكون المعنى: لجعلنا لبيوت مَن يكفر بالرحمن، ﴿﴿سَقْفًا﴾ ﴾ بفتح السين وسكون القاف، وبضمهما جمعًا، بفتح السين وسكون القاف أي: سَقْفًا، مُفْرَد، وبضمهما جمعًا: ﴿سُقُفًا﴾. الْمُفَسِّر قال: بهذا وهذا، فهل يعني ذلك أنهما قراءتان؟ فالجواب: نعم، هما قراءتان سَبْعِيَّتَان؛ لأنه لم يُحْفَظ أحدهما على الآخر، فهما صحيحان، وهذا أيضًا من أسلوبه -رحمه الله- أنه إذا قال: بكذا وكذا، فهما قراءتان سَبْعِيَّتَان. إذن يجوز أن تَقْرَأ: ﴿﴿لِبُيُوتِهِمْ سَقْفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ ﴾، أو ﴿لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾، أفهمت؟ ﴿مِنْ فِضَّةٍ﴾ وهي معروفة، (﴿وَمَعَارِجَ﴾ كالدَّرَج من فضة أيضًا، ﴿عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾: يَعْلُونَ إلى السطح)، ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ﴾ أي: وجعلنا لبيوتهم أيضًا، ﴿أَبْوَابًا﴾ يعني: (من فضة)، وجعلنا لهم سُرُرًا يعني: (من فضة، جمع سرير)، ﴿عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾ أي: يعتمدون، ﴿وَزُخْرُفًا﴾: (ذهبًا). استمع لهذا التصوير، يعني: لولا أن يكفر الناس جميعًا لجعلنا للكافر هذه البيوت سُقُفًا من فضة، يعني بدل ما يكون السقف من خشب، أو من صَبَّات أسمنت، يكون من فضة، والمراد فضة لامعة تجذب النظر، وتسر العين. ﴿مَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ قيل: إنها الدَّرَج، وقال بعض المتأخرين: إنها المصاعد الكهربائية التي تسمى أسانسير، ولفت، ومصعد، وما أشبه ذلك؛ لأن الدرج العادية لا تلفت النظر كثيرًا، ولهذا قال: ﴿عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ أي: يَعْلُون حتى يصلوا إلى السقف، وأيًّا كان هذا أو هذا فإنها دَرَج غريبة ليست كالدَّرَج المعتاد، والثالث: أبواب. * طلبة: أبواب. * الشيخ: أبواب، المؤلف يقول: (من فضة)، بناء على ما ذُكِرَ في أول الآية، ﴿سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾، ولكن هذا ليس بِمُتَعَيِّن، بل نقول: ﴿أَبْوَابًا﴾: أبوابًا فخمة، ليست كالمعتادة، سواء من فضة، أو من حديد، أو من خشب، المهم أنها أبواب غير معتادة. ﴿وَسُرُرًا﴾ جمع سرير، وهو ما يُجْلَس عليه، ﴿عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾، أيضًا مع السُّرُر متكأ يَتَّكِئ عليه، أي: يُعْتَمَد، سواء من خلف الظهر، أو من اليمين، أو من الشمال، وهو كناية عن كثرة الإرفاه. ﴿وَزُخْرُفًا﴾ هذا الذهب، فهي كم من واحد؟ سُقُفًا من فضة، معارج عليها يظهرون، أبوابًا فخمة، سُرُرًا مُرِيحَة، زُخْرُفًا، يعني ذهب، خمسة أشياء، يعني المعنى: (لولا خوف الكفر على المؤمن من إعطاء الكافر ما ذُكِرَ لأعطيناه ذلك لقلة خَطَر الدنيا عندنا، وعدم حَظِّه في الآخرة في النعيم). ووجه ذلك أن النفوس مَيَّالَةٌ إلى اللهو واللعب والتَّرَف، فإذا رأى الإنسان هذا الترف للكافر فإن ذلك يُغْرِيه ويَغُرُّه، كما يُفْعَل الآن بالنسبة للمُنَصِّرِين ضُلَّال النصارى، يمشون على الأقاليم الفقيرة، ويُزَيِّنُون لهم الدنيا، وهؤلاء الفقراء يتبعونهم؛ لأن النفوس مجبولة على محبة المال والفخر والخيلاء. قال عز وجل: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف ٣٥]، الْمُفَسِّر قال: (إنْ مُخَفَّفَة من الثقيلة) الْمُشَدَّدَة، والْمُخَفَّفَة ما حُذِفَ تشديدها، (وإنْ مُخَفَّفَة من الثقيلة، ﴿﴿كُلُّ ذَلِكَ لَمَا﴾ ﴾ بالتخفيف، فـ(ما) زائدة، وبالتشديد بمعنى (إلَّا))، أي أن فيها قراءتين: ﴿﴿لَمَا﴾ ﴾ و﴿لَمَّا﴾، (فـ(إن) نافية)، خَلَّطَ المؤلف رحمه الله. الآن (إن) أعربها على أنها مُخَفَّفَة من الثقيلة فهي مؤكِّدة، ثم قال في الأخير: فإن نافية، وفرق بين الإثبات والنفي، لكن هذا ينبني على (لَمَا) إن قُرِئَت بالتخفيف فـ(إنْ) مُخَفَّفَة من الثقيلة، وإن قُرِئَت بالتشديد فـ(إنْ) نافية، انتبه. فصار اختلاف الإعراب في (إنْ) مبنيًّا على اختلاف القراءة في (لَمَا)، فعلى قراءة التشديد تكون (إنْ) نافية، و(لَمَّا) بمعنى (إِلَّا)، وشاهد هذا قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤]، أي: ما كل نفس إلا عليها حافظ، وأما إذا قُرِئَت (لَمَا) بالتخفيف فـ(إِنْ) مُخَفَّفَة من الثقيلة، وتكون (مَا) زائدة، ويكون التقدير: وإنْ كلُّ ذلك لَمَتَاعُ الحياة الدنيا؛ لأن (ما) زائدة، أرجو الانتباه. (لَمَا) فيها قراءتان؛ الأولى: التشديد، وبناء على هذه القراءة تكون (إنْ) نافية، و(لَمَّا) بمعنى (إلَّا)، والشاهد لهذا قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾، أي: ما كل نفس إلا عليها حافظ، القراءة الثانية: (لَمَا) بالتخفيف، وعلى هذه القراءة تكون (إِنْ) مُخَفَّفَة من الثقيلة بمعنى (إِنَّ)، وتكون (ما) زائدة، ويكون تقدير الكلام: إن كل ذلك لَمَتَاعُ الحياة الدنيا، واضح ولَّا غير واضح؟ * الطلبة: واضح. * الشيخ: المؤلف رحمه الله دَمَجَ القراءتين، ولكن هذا هو التفصيل، كيف التفصيل؟ * طالب: إن كانت .. * الشيخ: إن كانت (لَمَّا) مشددة. * الطالب: تكون (إنْ) نافية. * الشيخ: تكون (إنْ) نافية. * الطالب: و(لَمَّا) بمعنى (إلَّا). * الشيخ: و(لَمَّا) بمعنى (إلَّا) تمام، والتقدير: ما كل نفس إلا عليها.. ﴿﴿لَمَا﴾ ﴾ فيها قراءتان: الأولى التشديد، وبناء على هذه القراءة تكون (إِنْ) نافية، و(لَمَّا) بمعنى (إلا)، والشاهد لهذا قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤] أي: ما كل نفس إلا عليها حافظ، القراءة الثانية ﴿﴿لَمَا﴾ ﴾ بالتخفيف، وعلى هذه القراءة تكون (إِنْ) مُخَفَّفَةً من الثقيلة، بمعنى (إنَّ) وتكون (ما) زائدة، ويكون تقدير الكلام: إن كلُّ ذلك لمتاع الحياة الدنيا. المؤلف رحمه الله دمج القراءتين ولكن هذا هو التفصيل. كيف التفصيل؟ * طالب: إن كانت (لَمَّا) مشددة تكون (إِنْ) نافية، و(لَمَّا) بمعنى (إلَّا). * الشيخ: و(لَمَّا) بمعنى (إلَّا) تمام، والتقدير: ما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا. * الطالب: إن كانت مخففة تكون (إِنْ) مخففة من الثقيلة. * الشيخ: تكون مخففة من الثقيلة، فهي حرف توكيد و(ما).. * طالب: و(ما) زائدة. * الشيخ: و(ما) زائدة، والتقدير: وإن كل ذلك لمتاع الحياة الدنيا؛ لأن (ما) زائدة. (﴿متاع الحياة الدنيا﴾ يُتَمَتَّع به فيها ثم يزول، ﴿وَالْآخِرَةُ﴾ الجنة ﴿عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ) الآخرة، لو قيل: كل الآخرة: الجنة، وعرسات القيامة، وسلامتهم من شدة هول القيامة، وغير ذلك، لكان أعم، فصارت الدنيا للكُفَّار مهما أُعْطوا فإنه نعيمهم، والآخرة للمتقين جعلنا الله وإياك منهم. واعلم أن هذا الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، مهما بلغَتْ من النعيم فإنها سجن المؤمن، ومهما بلغَتْ من الجحيم فإنها جنة الكافر. اسمع القصة، ماذا قلنا؟ * طالب: أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، مهما بلغ من النعيم فإنها سجن المؤمن، ومهما بلغ من العذاب فإنها جنة الكافر. * الشيخ: هذه قِصة ذكرها العلماء في ترجمة ابن حجر رحمه الله، وكان ابن حجر قاضي القضاة في مصر، فمرَّ ذات يوم من بيته إلى مَقرِّ عمله على العربة تجرها الخيول أو البغال في موكب؛ مَرَّ ذات يوم برجل يهودي زيات -يعني: يبيع الزيت- فاستوقف اليهودي قاضي القضاة، وقال له: إنَّ نبيَّكم يقول: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، كيف يتفق هذا مع حالي وحالك؟ أنت الآن في نعيم، تَجُرُّك الخيول، ولك جاه وشرف ومنزلة، وهو اليهودي بهذا الذُّلِّ ثيابٌ وَسِخَة وتعب، كيف هذا؟ أتدرون، ماذا قال؟ قال: نعم، ما أنا فيه الآن بالنسبة لنعيم الجنة سجن؛ لأن نعيم الجنة أعلى وأعلى من هذا، أما بالنسبة لك فأنت في جنة بالنسبة لعذاب النار؛ لأنك إن مت على اليهودية فأنت في النار، ويُعْتَبر ما هو فيه الآن اليهودي يعتبر جنة، اليهودي -فيما يبدو لي، والله أعلم- أنه يَنْشُد الحقيقة، يريد الحقيقة، فلما بيَّن له ابن حجر هذا، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، سبحان الله! الإنسان العاقل الذي يريد الحقيقة لا بد أن يهتدي. المهم يقول عز وجل لما ذكر هذه الأشياء: ﴿لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الزخرف ٣٣] إلى آخره، قال: ما هذا إلا متاع الحياة الدنيا، شوف متاع كالمتاع يحمله المسافر ﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف ٣٥]؛ لأن الدنيا مهما طالت بالإنسان الحياة فلا بد من الزوال، إما أن تزول الدنيا عنه، وإما أن يزول هو عن الدنيا، وبهذا قال الشاعر: لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً ∗∗∗ لَـــــذَّاتُـــــهُ بِادِّكَارِ الْمَـــــوْتِوَالْهَـــــرَمِ صحيح الإنسان إذا تذكر، وإذا مآله: إما موت مبكر، وإما هرم مخرِّف. الآن يوجد الذين بلغوا عُمُرًا طويلًا ووصلوا إلى حدِّ الهذْرمة، هم بأنفسهم متضايقون وأهلوهم أيش؟ متضايقون، تجد الإنسان يتضايق من أبيه وأمه، وإن كان المؤمن يصبر، لكن لا بد أن يتضايق، أو موت عاجل وينتهي الموضوع، هذا حال الدنيا في الواقع، ولذلك الغنيمةَ الغنيمة، بادر العمر قبل فواته، اعمل صالحًا، وطلب العلم من أفضل الأعمال، بشرط أن يكون العالم عاملًا، أما علم بلا عمل فالجهل والله خير منه. * طالب: أحسن الله إليكم، القاعدة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، الآية ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف ٣٢]، لماذا لا يحتمل المعنيين: السخرية، وأيضًا المعنى الآخر؟ * الشيخ: وهو؟ * الطالب: السخرية وأيضًا.. * الشيخ: لا، ما يستقيم؛ لأنَّ اختلاف الطبقات ليس من أجل أن يستهزِئ بعضُهم ببعض، لكن من أجْل أن يُسَخِّر بعضُهم بعضًا بالعمل، ولا يمكن أن الله عز وجل بحكمته يجعل الطبقات مختلفة علشان يستهزئ بعضهم ببعض. * طالب: قول الله عز وجل: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الزخرف ٣٣] إلى أن قال: ﴿وَزُخْرُفًا﴾ [الزخرف ٣٥] هل قوله: ﴿وَزُخْرُفًا﴾ يشمل ما شمله الفضة؛ يعني يجعل البيوت..؟ * الشيخ: المهم أنه ذَهَبٌ سواء كان سقفًا أخرى ذهبًا، أو تماثيل ذَهَبٍ، أو غير ذلك، عام. * طالب: يقول المؤلف: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ﴾ يعني: أنه الجنة هل هذا من تأويله؟ * الشيخ: لا، من التقسيم في التفسير، لا شك أنها من التأويل؛ لأن الجنة رحمة، وذكرنا أن الله عز وجل قال للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦ / ٣٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، لكن كونه يقصرها على أنواع من الرحمة (...). * * * * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف ٣٦ - ٣٩] . * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ لمَّا ذكر أحوال الدنيا، وأنه لولا أن يكون الناس أمة واحدة على الكفر لمتَّع الكفار بما سمعتم، وهذه الدنيا لا بد أن تَحمِل الإنسان على الإعراض عن ذكر الله عز وجل؛ قال: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾. قوله: ﴿مَنْ يَعْشُ﴾ فسَّرها بـ(يعرض)، ولكن التفسيرَ المطابق أن معنى ﴿يَعْشُ﴾ أي: يتعامى حتى يرى رؤيةَ الأعشى الذي يُبصِر في النهار ولا يُبْصِر في الليل، فمعنى ﴿يَعْشُ﴾ أي: يتعامى كما فسرها بذلك ابن كثير وغيره من المفسرين، ولكن المفسر فسَّرها بـ(يعرض)؛ لأنه من لازم التعامي الإعراض قال: (﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ أي: القرآن)، فجعل المفسِّر ذكر الرحمن يعني القرآن، وأضافه الله إلى الرحمن؛ لأن إنزاله رحمة للخلق، هكذا مشى المفسر رحمه الله. والصواب خلاف ذلك، والمراد بـ ﴿ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ تَذَكُّر الرحمن يعني: مَن تعامى عن ذكر الرحمن بقلبه واستحضاره لعظمة ربه وجلاله فإنه يُقيَّد له الشيطان فيكون هذا جزاءً على إعراضه وتعاميه عن ذكر ربه، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن ١٧]، فالصواب أن المراد بـ ﴿ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ ليس القرآن، بل المراد بـ ﴿ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ ذكر الله نفسه؛ يعني: يغفُل قلبه عن ذكر الله ولا يذكر الله بقلبه، فهذا هو الذي يُقيَّد له الشيطان فيتَّبِع هواه كما قال عز وجل ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف ٢٨]. وقوله: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ [الزخرف ٣٦] قال: (نسبب له)، وهذا قريب من المعنى المطابق، وإلَّا فإن معنى ﴿نُقَيِّضْ﴾ أي: نهيِّئ له شيطانًا يحل محل ذكر الله عز وجل فيستولي الشيطانُ على قلبه، والشيطان يعظم بالفحشاء والمنكر، كما قال الله عز وجل: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٦٨]. ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ فهو أي: الشيطان ﴿لَهُ﴾ أي: للعاشي عن ذكر الله، قرين لا يفارقه -نعوذ بالله من الشيطان الرجيم- ووجه ذلك أن الإنسانَ فعَّال مريد متحرِّك قلبًا وقالَبًا، فلا بد من الاشتغال بشيء؛ فإما أن يكون بذكر الله، وإما أن يكون بوساوس الشيطان ولا بد، لا تجد أحدًا يكون قلبه ساكنًا لا يتحرك ولا يريد، هذا مستحيل؛ ولهذا جاء في الحديث في الأسماء: «أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ»[[أخرجه أبو داود (٤٩٥٠) من حديث أبي وهب الجُشَمِيِّ رضي الله عنه.]] «هَمَّام» : العبادة القلبية، و«حًارٍثٌ» :» العمل، كل إنسان لا بد، فيهيِّئ له هذا الشيطان الذي يقارنه ولا يفارقه. (﴿وَإِنَّهُمْ﴾ أي الشياطين ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ أي: العاشين ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ أي: طريق الهدى ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ). ﴿يَحْسَبُونَ﴾ أي: العاشون الذين صدتهم الشياطين ﴿أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (في الجَمْع رعاية معنى من). الشيطان -نعوذ بالله منه- إذا استولى على قلب الإنسان زَيَّن له سوءَ عملِه، وظنَّ أنه على حق، ولكنه على باطل، وهؤلاء هم أخسر الناس أعمالًا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف ١٠٣]. الجواب: نعم، بيَّنها الله؛ قال: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف ١٠٤]؛ لأن الشيطان زيَّن لهم هذا، وقال: أنتم على حق، أنتم الأعلون، وسوَّل لهم، وأملى لهم حتى تبعوه. ولهذا قال: (﴿وَإِنَّهُمْ﴾ يعني الشياطين ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ أي: العاشين ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ ) أي: سبيل الحق وطريق الهدى ﴿وَيَحْسَبُونَ﴾، الواو تعود على مَنْ؟ * طالب: على (العاشين). * الشيخ: تعود على (العاشين) ﴿أَنَّهُمْ﴾ أي: العاشين، ﴿مُهْتَدُونَ﴾ أي: على هدى، وهذا غاية ما يكون من الخسران، والعياذ بالله، أن يتمادى الإنسان بالباطل وهو يظن أنَّه على حق. قال المفسِّر: (في الجَمْعِ رعاية معنى (مَن)) الجمع وهو قوله: ﴿يَحْسَبُونَ﴾، ﴿إِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ﴾؛ ففيها رعاية بمعنى مَنْ في قولِه: ﴿مَنْ يَعْشُ﴾ كلمة (مَنْ)، و(ما) وما أشبههما من الألفاظ العامَّة يجوزُ مراعاة معناها، ومراعاة لفظها، اللفظ مفرد ولَّا جمع؟ مفرد، ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾؛ ولذلك عاد الضمير إليه للمفرد ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾، ﴿نُقَيِّضْ لَهُ﴾ أيضًا مراعاة اللفظ، ﴿فَهُوَ لَهُ﴾ مراعاة اللفظ، ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ مراعاة المعنى، ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ كذلك مراعاة المعنى، واضح؟ إذن إذا أتتك (مَنْ) موصولة كانت أو شرطية فلك أن تراعي في ضميرها اللفظة فتجعله مفردًا، والمعنى فتجعله حسب ما أريد به، وانظر إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الطلاق ١١] كل هذا مراعاة أيش؟ * طلبة: اللفظ. * الشيخ: اللفظ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ مراعاة المعنى، ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ﴾ مراعاة اللفظ، ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق ١١] فتجد هذه الآيات تارةً روعي اللفظ، وتارة روعي المعنى ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. (﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ العاشي بقرينه يوم القيامة قال له: ﴿يَا﴾ للتنبيه ﴿لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ أي: مثل بُعْدِ ما بين المشرق والمغرب ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ أَنْتَ لي). ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ يعني الشيطان وقرينه، وذلك يوم القيامة، تبرأ كل واحد من الآخر، وقال له: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ ﴿يَا﴾ هذه للتنبيه، ولا تصح أنْ تكونَ للنداء؛ لأن ﴿يَا﴾ التي للنداء لا تدخل إلا على اسم، لا تدخل على حرف كما هنا، ولا على فعل، فإذا وجدتها داخلة على حرف أو فعل فهي للتنبيه. ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ [يس ٢٦] فهي للتنبيه، وقيل إن: (يا) داخلة على منادى محذوف والتقدير في هذه الآية: يا هذا ليت بيني وبينك بعد المشرقين؛ يعني: تُقدِّر منادى اسمًا؛ يا هذا يا ليت بيني بينك بعد المشرقين. فإذا قال قائل: أيهما أولى أن نُقَدِّر منادى يناسب السياق من أجل أن يصِح حلول (يا) في هذا المكان، أو نقول: الأصل عدم التقدير ونجعل (يا) للتنبيه؟ * طالب: الثاني. * الشيخ: الثاني أولى؛ لأنه إذا دار الأمر بين أن يكون في الكلام شيء محذوف أو لا؛ فالأولى ألَّا يكون فيه شيء محذوف. وقوله: ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ يقول المؤلف: (ما بين المشرق والمغرب)، وعليه فيكون في الكلام تغليب، وهو تغليب المشرق على المغرب، والتغليب هذا جائز في اللغة العربية؛ مثل قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٢٧)، ومسلم (٨٣٨ / ٣٠٤) من حديث عبد الله بن مُغَفَّل المزني رضي الله عنه.]] إذا جعلنا مُطْلَق الأذان هو الأذان الذي يكون بكل وقت، أما إذا جعلنا الأذان بمعنى الإعلام، فإن الأذانَيْنِ ليس فيه تغليب؛ لأن كلًّا من الإقامة والأذان يُسمَّى الأذان. لكن قولهم: (القَمَران) يعنون بذلك الشمس والقمر، قولهم: (العُمَران) يعنون بذلك أبا بكر وعمر، هذا من باب التغليب، فيكون ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ أي: بعد ما بين المشرق والمغرب، ولكن ذُكِرَ بلفظ المشرق تغليبًا. ويحتمل أن يكون المعنى ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ أي: مشرقي الشمس شتاءً ومشرقها صيفًا؛ لأن بينهما مسافة عظيمة جدًّا لا يعلم قدْرَها إلا الله عز وجل، وكلا المعنيين صحيح؛ يعني: سواء جعلنا اللفظ فيه تغليب أو لا، والمراد أن هذا العاشي الذي أضله الشيطان إذا جاء معه يوم القيامة تبرَّأ منه، وقال: ليتك بعيد عني، وأنا بعيد عنك. وقوله: ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ هذه الجملة إنشائية للذمِّ، قال المؤلف: أنتَ يعني أنه قد حُذِفَ فيها المخصوص؛ لأن (بئس) و(نعم) لا بد فيها من فاعل ومخصوص، وتفصيل ذلك في كتب النحو، ولا علينا منه في هذا المكان. قال الله تعالى: (﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ﴾ أي: العاشين تمنِّيكم وندمكم ﴿الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ أي: تبيَّن لكم ظلمُكم بالإشراك في الدنيا أنَّكم مع قرنائكم ﴿فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ عِلَّةٌ بتقديرِ اللَّام؛ لعدم النفع و﴿إِذْ﴾ بدل من ﴿الْيَوْمَ﴾ ) يعني: لا ينفعكم اشتراككم في العذاب، هذا هو الصحيح، وعلى هذا فتكون ﴿أَنَّكُمْ﴾ ليست للتعليل، كما ذهب إليه المفسر، بل هي فاعل ينفع، والمعنى لا ينفعكم اشتراككم في العذاب، ووجه ذلك أنَّه جرت العادة أن الإنسان إذا عُذِّب ورأى غيرَه يُعَذَّب هان عليه الأمر وتسلَّى، وفي يوم القيامة يشترك أهل النار في العذاب، لكن هل ينفعُهم هذا شيئًا؟ لا ينفعهم، فهذا هو الصواب الذي تدل عليه الآية، أما المؤلف فجعل (أنَّ) ﴿أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ (عِلَّةٌ بتقديرِ اللَّام) أي: أنَّكم في العذاب مشتركون، ولكن هذا بعيد من اللفظة. قوله تعالى لما ذكر ما يجعله للكافرين: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ﴾ إلى آخره. * في هذه الآية فوائد: أن هذه المُتَعَ الدنيويَّة ما هي إلا متاع الحياة الدنيا، فهي زائلة، ويتفرع على هذه الفائدة ألَّا يتعلقَ الإنسان بها، وألا يهتم بها، وأن يرى أنه عايش بدونها، وليس لك من الدنيا إلا ما أكلتَ فأفنيتَ أو لبِسْتَ فأبليتَ أو تصدَّقْتَ فأمضيتَ. * ومن فوائد هذه الآية: التزهيدُ في هذه الأمور، وألًّا تهتم بها، لا تعلِّقْ قلبَكَ بمظاهرِ الدُّنْيا، فإنَّك إن فعلتَ هلكتَ، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا رأى من الدنيا ما يعجبه قال: «لَبَّيْكَ، إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةِ»[[أخرجه البيهقي (٩٠٣٥) من حديث مجاهد مرسلًا.]] «لَبَّيْكَ» يعني إجابةً لك ليصرِفَ قلبَه عن التعلُّقِ بما رآه مما يعجبه في الدنيا، ثم وطَّن نفسه، وقال: «إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةِ» والله هذا هو الحق أن عيش الدنيا فإنه مهما طاب لك محفوفٌ بنكدٍ قبلَه ونكدٍ بعدَه؛ لأن لم تحصله غالبًا إلا بتعب، ثم إذا حصَّلْتَه هل ستبقى لك أو لا تبقى؟ هو لا بد (...) إما أن تموت وتتركه، وإما أن يهلك وأنت حي. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: البُشرى للمتَّقين وأنَّ لهم الآخرة، فالآخرة خير للمتقين، ففيه البَشارة وأنَّ الإنسان المتقي إذا انتقل من الدنيا فلا يندم؛ لأنه انتقل إلى دار أفضل وأحسن مما ترك. * وفيه: الحسُّ على التقوى؛ وذلك لأنَّ ذِكْرَ الجزاء والثواب يستثير النفس حتى يصل الإنسان إلى الوصف الذي يحصل به على الثواب. ثم قال عز وجل: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ إلى آخره. * في هذه الآية الكريمة فوائد: * منها: التحذير من الغفلة عن ذكر الله؛ لأنك إذا غفلت عن ذكر الله حلَّ محل ذكر الله أيش؟ وساوس الشيطان. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ الله سبحانه وتعالى يعاقب العبد بما يقتضيه الذنب، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت ٤٠] فهذا الرجل لما أخلى قلبه من ذكر الله عوقب أن يحلَّ محله الشيطان. * ومنها: الحظر من قرناء السوء؛ لأن الشياطين ليس اسمًا خاصًّا بشياطين الجن، بل حتى الإنس لهم شياطين، أليس كذلك؟ * طالب: بلى. * الشيخ: قال الله عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام ١١٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس ١] إلى قوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس ٦]. ففي هذا التحذير من قرناء السوء، وقد حذَّر النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم من قرناء السوء؛ حيث شبَّه قرينَ السوء أو جليس السوء بنافخ الكير؛ إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه رائحة كريهة، ثم إن الواقع كذلك، فما أكثر ما يمر علينا ممن يتصلون بنا يَشْكُون من قوم كانوا مستقيمين وأئمة مساجد أو مؤذني مساجد، اتصل بهم أناس من أصحاب السوء فانحرفوا انحرافًا كاملًا، ومثل هؤلاء -والعياذ بالله- إذا انحرفوا -نسأل الله الثبات- يكون انحرافهم أشد وأعظم، كالماء الذي حبسته ثم أطلقت الحبس سيندفع بقوة. فالمهم أن الإنسان إذا أعرض عن ذكر الله قيضَّ له الشيطان من الإنس، كمل. * طالب: ومن الجن. * الشيخ: ومن الجن، فهو له قرين. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المُلازِمَ أشد تأثيرًا من العابد الذي يلازمك ويبقى قرينًا معك، أشد تأثيرًا من العابد؛ بمعنى أنك لو جلست مع إنسان صاحب سوء لمدة ساعة أو ساعتين ربما سيؤثِّر فيك، وربما يتأثر، لكن إذا كان مقارنًا فإنه سيؤثر؛ ولهذا قال: ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾. أقول هذا لتحْذَروا من الاستمرار لقرناءِ السُّوءِ؛ ولتعلموا أنكم متى علمتم أنه قرين سوء وجب عليكم البعد عنه، لا تقل: أخشى أن يتأثر، أخشى أن يقول: ليش؟ الرجل كان صاحب لي ثم فارقني؟ لا يهمُّك، الذي يهمك هو نفسك فأنقِذْها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عمى القلب -والعياذ بالله- لما تعامى بعينه عن ذكر الرحمن وبقلبه أيضًا قُيِّضَ له هذا الشيطان، الذي يصده عن الهدى، وهو يحسب أنه مهتد ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٣٧]، وما أكثر هذا، أهل البدع الذين أصرُّوا على بِدَعهم صغيرة كانت أم كبيرة، ألم يكونوا قد يستحسونها؟ * طالب: بلى. * الشيخ: لماذا استحسنوها وهي بدعة ضلالة؟ لأن الشيطان صدَّهم عن الحق، أهل الأفكار الرديئة كالعلمانيين والشيوعيين والبعثيين ومن أشبههم لماذا استمروا على ذلك؟ لأن الشيطان ركب قلوبهم -والعياذ بالله- فجعلهم يظنون أن هذا السيئ حسنًا، وهذا أشد ما يكون من الفتنة؛ أن يرى الإنسان السيئ حسنًا فيمضي فيه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن بعضَ الظنِّ إثم، وجهه أن هؤلاء ظنوا أنهم على حق فاستمروا في الباطل . * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذا القرين في الدنيا يتبرأ من صاحبه يوم القيامة، يقول: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف ٣٨] . * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه مع تمنِّيه هذا الذي لم يدرك منه شيئًا يثني على قرينه هذا بالذم والقدح، فيقول: ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من القرناء مَن هو قرينُ خير وقرين سوء، وهو كذلك، وقد بيَّن النبي ﷺ هذا أبين شيء حيث قال: «مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ؛ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ» يعني: يعطيك هدية، «وَإِمَّا أَنْ يَبِيعَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رَائِحَةً طَيِّبَةً، وَجَلِيسُ السُّوءِكَنَافِخِ الْكِيرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٣٤)، ومسلم (٢٦٢٨ / ١٤٦) من حديث أبي موسى رضي الله عنه، ولفظه: «مثل الجليس الصالح والسوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك: إما أن يُحْذِيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحا خبيثة».]] إما أن يحرق ثيابَك بالشرَّرِ الذي يتطاير من النار إذا نُفِخَت، وإما أن تَجِدَ منه رائحةً كريهة. * من فوائد هذه الآية الكريمة ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ [الزخرف ٣٩]: أن المشتركين في عذاب الآخرة لا ينفعهم الاشتراك، بخلاف الاشتراك في العذاب في الدنيا فإنه يُسَلِّي الإنسان ويهون عليه؛ ولهذا قالت الخنساء في رثاء أخيها صخر: وَلَــوْلَا كَــثْرَةُ الْبَاكِــــينَ حَــــــوْلِي ∗∗∗ عَـلَى إِخْــوَانِهِمْ لَقَـتَلْتُ نَـــفْسِي؎وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ ∗∗∗ أُسَــلِّي النَّــــفْسَ عَــــنْهُبِالتَّــــأَسِّي * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المُعذَّبين هم الذين ظلموا، وما ظُلِموا؛ لقوله: ﴿إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنهم أي المعذبين يعرفون أنهم مشتركون في العذاب، ولكن ذلك لا يُسلِّيهم، ولا يهوِّن عليهم المصيبة.

الزخرف 43:36

ثم قال عز وجل: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا﴾ [الزخرف ٣٣]، إلى آخره، ﴿لَوْلَا﴾ هذه حرف فيها شرط، لولا كذا لكان كذا، فهي حرف امتناع لوجوب، ﴿لَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا﴾، لكن امتنع الْجَعْل لِئَلَّا يكون الناس أمة واحدة، ﴿لَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَة﴾ على أي شيء؟ على الكفر، بدليل قوله: ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الزخرف ٣٣]، ﴿لَجَعَلْنَا﴾ أي: صَيَّرْنَا، ﴿لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ﴾ وهو الله عز وجل، ﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾ بدل مِن ﴿لِمَنْ﴾؟ بدل أيش؟ مر علينا البدل قريبًا. * طالب: اشتمال. * الشيخ: بدل اشتمال، ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ﴾، والبدل هو المقصود بالحكم، فيكون المعنى: لجعلنا لبيوت مَن يكفر بالرحمن، ﴿﴿سَقْفًا﴾ ﴾ بفتح السين وسكون القاف، وبضمهما جمعًا، بفتح السين وسكون القاف أي: سَقْفًا، مُفْرَد، وبضمهما جمعًا: ﴿سُقُفًا﴾. الْمُفَسِّر قال: بهذا وهذا، فهل يعني ذلك أنهما قراءتان؟ فالجواب: نعم، هما قراءتان سَبْعِيَّتَان؛ لأنه لم يُحْفَظ أحدهما على الآخر، فهما صحيحان، وهذا أيضًا من أسلوبه -رحمه الله- أنه إذا قال: بكذا وكذا، فهما قراءتان سَبْعِيَّتَان. إذن يجوز أن تَقْرَأ: ﴿﴿لِبُيُوتِهِمْ سَقْفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ ﴾، أو ﴿لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾، أفهمت؟ ﴿مِنْ فِضَّةٍ﴾ وهي معروفة، (﴿وَمَعَارِجَ﴾ كالدَّرَج من فضة أيضًا، ﴿عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾: يَعْلُونَ إلى السطح)، ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ﴾ أي: وجعلنا لبيوتهم أيضًا، ﴿أَبْوَابًا﴾ يعني: (من فضة)، وجعلنا لهم سُرُرًا يعني: (من فضة، جمع سرير)، ﴿عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾ أي: يعتمدون، ﴿وَزُخْرُفًا﴾: (ذهبًا). استمع لهذا التصوير، يعني: لولا أن يكفر الناس جميعًا لجعلنا للكافر هذه البيوت سُقُفًا من فضة، يعني بدل ما يكون السقف من خشب، أو من صَبَّات أسمنت، يكون من فضة، والمراد فضة لامعة تجذب النظر، وتسر العين. ﴿مَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ قيل: إنها الدَّرَج، وقال بعض المتأخرين: إنها المصاعد الكهربائية التي تسمى أسانسير، ولفت، ومصعد، وما أشبه ذلك؛ لأن الدرج العادية لا تلفت النظر كثيرًا، ولهذا قال: ﴿عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ أي: يَعْلُون حتى يصلوا إلى السقف، وأيًّا كان هذا أو هذا فإنها دَرَج غريبة ليست كالدَّرَج المعتاد، والثالث: أبواب. * طلبة: أبواب. * الشيخ: أبواب، المؤلف يقول: (من فضة)، بناء على ما ذُكِرَ في أول الآية، ﴿سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾، ولكن هذا ليس بِمُتَعَيِّن، بل نقول: ﴿أَبْوَابًا﴾: أبوابًا فخمة، ليست كالمعتادة، سواء من فضة، أو من حديد، أو من خشب، المهم أنها أبواب غير معتادة. ﴿وَسُرُرًا﴾ جمع سرير، وهو ما يُجْلَس عليه، ﴿عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾، أيضًا مع السُّرُر متكأ يَتَّكِئ عليه، أي: يُعْتَمَد، سواء من خلف الظهر، أو من اليمين، أو من الشمال، وهو كناية عن كثرة الإرفاه. ﴿وَزُخْرُفًا﴾ هذا الذهب، فهي كم من واحد؟ سُقُفًا من فضة، معارج عليها يظهرون، أبوابًا فخمة، سُرُرًا مُرِيحَة، زُخْرُفًا، يعني ذهب، خمسة أشياء، يعني المعنى: (لولا خوف الكفر على المؤمن من إعطاء الكافر ما ذُكِرَ لأعطيناه ذلك لقلة خَطَر الدنيا عندنا، وعدم حَظِّه في الآخرة في النعيم). ووجه ذلك أن النفوس مَيَّالَةٌ إلى اللهو واللعب والتَّرَف، فإذا رأى الإنسان هذا الترف للكافر فإن ذلك يُغْرِيه ويَغُرُّه، كما يُفْعَل الآن بالنسبة للمُنَصِّرِين ضُلَّال النصارى، يمشون على الأقاليم الفقيرة، ويُزَيِّنُون لهم الدنيا، وهؤلاء الفقراء يتبعونهم؛ لأن النفوس مجبولة على محبة المال والفخر والخيلاء. قال عز وجل: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف ٣٥]، الْمُفَسِّر قال: (إنْ مُخَفَّفَة من الثقيلة) الْمُشَدَّدَة، والْمُخَفَّفَة ما حُذِفَ تشديدها، (وإنْ مُخَفَّفَة من الثقيلة، ﴿﴿كُلُّ ذَلِكَ لَمَا﴾ ﴾ بالتخفيف، فـ(ما) زائدة، وبالتشديد بمعنى (إلَّا))، أي أن فيها قراءتين: ﴿﴿لَمَا﴾ ﴾ و﴿لَمَّا﴾، (فـ(إن) نافية)، خَلَّطَ المؤلف رحمه الله. الآن (إن) أعربها على أنها مُخَفَّفَة من الثقيلة فهي مؤكِّدة، ثم قال في الأخير: فإن نافية، وفرق بين الإثبات والنفي، لكن هذا ينبني على (لَمَا) إن قُرِئَت بالتخفيف فـ(إنْ) مُخَفَّفَة من الثقيلة، وإن قُرِئَت بالتشديد فـ(إنْ) نافية، انتبه. فصار اختلاف الإعراب في (إنْ) مبنيًّا على اختلاف القراءة في (لَمَا)، فعلى قراءة التشديد تكون (إنْ) نافية، و(لَمَّا) بمعنى (إِلَّا)، وشاهد هذا قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤]، أي: ما كل نفس إلا عليها حافظ، وأما إذا قُرِئَت (لَمَا) بالتخفيف فـ(إِنْ) مُخَفَّفَة من الثقيلة، وتكون (مَا) زائدة، ويكون التقدير: وإنْ كلُّ ذلك لَمَتَاعُ الحياة الدنيا؛ لأن (ما) زائدة، أرجو الانتباه. (لَمَا) فيها قراءتان؛ الأولى: التشديد، وبناء على هذه القراءة تكون (إنْ) نافية، و(لَمَّا) بمعنى (إلَّا)، والشاهد لهذا قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾، أي: ما كل نفس إلا عليها حافظ، القراءة الثانية: (لَمَا) بالتخفيف، وعلى هذه القراءة تكون (إِنْ) مُخَفَّفَة من الثقيلة بمعنى (إِنَّ)، وتكون (ما) زائدة، ويكون تقدير الكلام: إن كل ذلك لَمَتَاعُ الحياة الدنيا، واضح ولَّا غير واضح؟ * الطلبة: واضح. * الشيخ: المؤلف رحمه الله دَمَجَ القراءتين، ولكن هذا هو التفصيل، كيف التفصيل؟ * طالب: إن كانت .. * الشيخ: إن كانت (لَمَّا) مشددة. * الطالب: تكون (إنْ) نافية. * الشيخ: تكون (إنْ) نافية. * الطالب: و(لَمَّا) بمعنى (إلَّا). * الشيخ: و(لَمَّا) بمعنى (إلَّا) تمام، والتقدير: ما كل نفس إلا عليها.. ﴿﴿لَمَا﴾ ﴾ فيها قراءتان: الأولى التشديد، وبناء على هذه القراءة تكون (إِنْ) نافية، و(لَمَّا) بمعنى (إلا)، والشاهد لهذا قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤] أي: ما كل نفس إلا عليها حافظ، القراءة الثانية ﴿﴿لَمَا﴾ ﴾ بالتخفيف، وعلى هذه القراءة تكون (إِنْ) مُخَفَّفَةً من الثقيلة، بمعنى (إنَّ) وتكون (ما) زائدة، ويكون تقدير الكلام: إن كلُّ ذلك لمتاع الحياة الدنيا. المؤلف رحمه الله دمج القراءتين ولكن هذا هو التفصيل. كيف التفصيل؟ * طالب: إن كانت (لَمَّا) مشددة تكون (إِنْ) نافية، و(لَمَّا) بمعنى (إلَّا). * الشيخ: و(لَمَّا) بمعنى (إلَّا) تمام، والتقدير: ما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا. * الطالب: إن كانت مخففة تكون (إِنْ) مخففة من الثقيلة. * الشيخ: تكون مخففة من الثقيلة، فهي حرف توكيد و(ما).. * طالب: و(ما) زائدة. * الشيخ: و(ما) زائدة، والتقدير: وإن كل ذلك لمتاع الحياة الدنيا؛ لأن (ما) زائدة. (﴿متاع الحياة الدنيا﴾ يُتَمَتَّع به فيها ثم يزول، ﴿وَالْآخِرَةُ﴾ الجنة ﴿عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ) الآخرة، لو قيل: كل الآخرة: الجنة، وعرسات القيامة، وسلامتهم من شدة هول القيامة، وغير ذلك، لكان أعم، فصارت الدنيا للكُفَّار مهما أُعْطوا فإنه نعيمهم، والآخرة للمتقين جعلنا الله وإياك منهم. واعلم أن هذا الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، مهما بلغَتْ من النعيم فإنها سجن المؤمن، ومهما بلغَتْ من الجحيم فإنها جنة الكافر. اسمع القصة، ماذا قلنا؟ * طالب: أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، مهما بلغ من النعيم فإنها سجن المؤمن، ومهما بلغ من العذاب فإنها جنة الكافر. * الشيخ: هذه قِصة ذكرها العلماء في ترجمة ابن حجر رحمه الله، وكان ابن حجر قاضي القضاة في مصر، فمرَّ ذات يوم من بيته إلى مَقرِّ عمله على العربة تجرها الخيول أو البغال في موكب؛ مَرَّ ذات يوم برجل يهودي زيات -يعني: يبيع الزيت- فاستوقف اليهودي قاضي القضاة، وقال له: إنَّ نبيَّكم يقول: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، كيف يتفق هذا مع حالي وحالك؟ أنت الآن في نعيم، تَجُرُّك الخيول، ولك جاه وشرف ومنزلة، وهو اليهودي بهذا الذُّلِّ ثيابٌ وَسِخَة وتعب، كيف هذا؟ أتدرون، ماذا قال؟ قال: نعم، ما أنا فيه الآن بالنسبة لنعيم الجنة سجن؛ لأن نعيم الجنة أعلى وأعلى من هذا، أما بالنسبة لك فأنت في جنة بالنسبة لعذاب النار؛ لأنك إن مت على اليهودية فأنت في النار، ويُعْتَبر ما هو فيه الآن اليهودي يعتبر جنة، اليهودي -فيما يبدو لي، والله أعلم- أنه يَنْشُد الحقيقة، يريد الحقيقة، فلما بيَّن له ابن حجر هذا، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، سبحان الله! الإنسان العاقل الذي يريد الحقيقة لا بد أن يهتدي. المهم يقول عز وجل لما ذكر هذه الأشياء: ﴿لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الزخرف ٣٣] إلى آخره، قال: ما هذا إلا متاع الحياة الدنيا، شوف متاع كالمتاع يحمله المسافر ﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف ٣٥]؛ لأن الدنيا مهما طالت بالإنسان الحياة فلا بد من الزوال، إما أن تزول الدنيا عنه، وإما أن يزول هو عن الدنيا، وبهذا قال الشاعر: لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً ∗∗∗ لَـــــذَّاتُـــــهُ بِادِّكَارِ الْمَـــــوْتِوَالْهَـــــرَمِ صحيح الإنسان إذا تذكر، وإذا مآله: إما موت مبكر، وإما هرم مخرِّف. الآن يوجد الذين بلغوا عُمُرًا طويلًا ووصلوا إلى حدِّ الهذْرمة، هم بأنفسهم متضايقون وأهلوهم أيش؟ متضايقون، تجد الإنسان يتضايق من أبيه وأمه، وإن كان المؤمن يصبر، لكن لا بد أن يتضايق، أو موت عاجل وينتهي الموضوع، هذا حال الدنيا في الواقع، ولذلك الغنيمةَ الغنيمة، بادر العمر قبل فواته، اعمل صالحًا، وطلب العلم من أفضل الأعمال، بشرط أن يكون العالم عاملًا، أما علم بلا عمل فالجهل والله خير منه. * طالب: أحسن الله إليكم، القاعدة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، الآية ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف ٣٢]، لماذا لا يحتمل المعنيين: السخرية، وأيضًا المعنى الآخر؟ * الشيخ: وهو؟ * الطالب: السخرية وأيضًا.. * الشيخ: لا، ما يستقيم؛ لأنَّ اختلاف الطبقات ليس من أجل أن يستهزِئ بعضُهم ببعض، لكن من أجْل أن يُسَخِّر بعضُهم بعضًا بالعمل، ولا يمكن أن الله عز وجل بحكمته يجعل الطبقات مختلفة علشان يستهزئ بعضهم ببعض. * طالب: قول الله عز وجل: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الزخرف ٣٣] إلى أن قال: ﴿وَزُخْرُفًا﴾ [الزخرف ٣٥] هل قوله: ﴿وَزُخْرُفًا﴾ يشمل ما شمله الفضة؛ يعني يجعل البيوت..؟ * الشيخ: المهم أنه ذَهَبٌ سواء كان سقفًا أخرى ذهبًا، أو تماثيل ذَهَبٍ، أو غير ذلك، عام. * طالب: يقول المؤلف: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ﴾ يعني: أنه الجنة هل هذا من تأويله؟ * الشيخ: لا، من التقسيم في التفسير، لا شك أنها من التأويل؛ لأن الجنة رحمة، وذكرنا أن الله عز وجل قال للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦ / ٣٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، لكن كونه يقصرها على أنواع من الرحمة (...). * * * * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف ٣٦ - ٣٩] . * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ لمَّا ذكر أحوال الدنيا، وأنه لولا أن يكون الناس أمة واحدة على الكفر لمتَّع الكفار بما سمعتم، وهذه الدنيا لا بد أن تَحمِل الإنسان على الإعراض عن ذكر الله عز وجل؛ قال: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾. قوله: ﴿مَنْ يَعْشُ﴾ فسَّرها بـ(يعرض)، ولكن التفسيرَ المطابق أن معنى ﴿يَعْشُ﴾ أي: يتعامى حتى يرى رؤيةَ الأعشى الذي يُبصِر في النهار ولا يُبْصِر في الليل، فمعنى ﴿يَعْشُ﴾ أي: يتعامى كما فسرها بذلك ابن كثير وغيره من المفسرين، ولكن المفسر فسَّرها بـ(يعرض)؛ لأنه من لازم التعامي الإعراض قال: (﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ أي: القرآن)، فجعل المفسِّر ذكر الرحمن يعني القرآن، وأضافه الله إلى الرحمن؛ لأن إنزاله رحمة للخلق، هكذا مشى المفسر رحمه الله. والصواب خلاف ذلك، والمراد بـ ﴿ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ تَذَكُّر الرحمن يعني: مَن تعامى عن ذكر الرحمن بقلبه واستحضاره لعظمة ربه وجلاله فإنه يُقيَّد له الشيطان فيكون هذا جزاءً على إعراضه وتعاميه عن ذكر ربه، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن ١٧]، فالصواب أن المراد بـ ﴿ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ ليس القرآن، بل المراد بـ ﴿ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ ذكر الله نفسه؛ يعني: يغفُل قلبه عن ذكر الله ولا يذكر الله بقلبه، فهذا هو الذي يُقيَّد له الشيطان فيتَّبِع هواه كما قال عز وجل ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف ٢٨]. وقوله: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ [الزخرف ٣٦] قال: (نسبب له)، وهذا قريب من المعنى المطابق، وإلَّا فإن معنى ﴿نُقَيِّضْ﴾ أي: نهيِّئ له شيطانًا يحل محل ذكر الله عز وجل فيستولي الشيطانُ على قلبه، والشيطان يعظم بالفحشاء والمنكر، كما قال الله عز وجل: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٦٨]. ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ فهو أي: الشيطان ﴿لَهُ﴾ أي: للعاشي عن ذكر الله، قرين لا يفارقه -نعوذ بالله من الشيطان الرجيم- ووجه ذلك أن الإنسانَ فعَّال مريد متحرِّك قلبًا وقالَبًا، فلا بد من الاشتغال بشيء؛ فإما أن يكون بذكر الله، وإما أن يكون بوساوس الشيطان ولا بد، لا تجد أحدًا يكون قلبه ساكنًا لا يتحرك ولا يريد، هذا مستحيل؛ ولهذا جاء في الحديث في الأسماء: «أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ»[[أخرجه أبو داود (٤٩٥٠) من حديث أبي وهب الجُشَمِيِّ رضي الله عنه.]] «هَمَّام» : العبادة القلبية، و«حًارٍثٌ» :» العمل، كل إنسان لا بد، فيهيِّئ له هذا الشيطان الذي يقارنه ولا يفارقه. (﴿وَإِنَّهُمْ﴾ أي الشياطين ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ أي: العاشين ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ أي: طريق الهدى ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ). ﴿يَحْسَبُونَ﴾ أي: العاشون الذين صدتهم الشياطين ﴿أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (في الجَمْع رعاية معنى من). الشيطان -نعوذ بالله منه- إذا استولى على قلب الإنسان زَيَّن له سوءَ عملِه، وظنَّ أنه على حق، ولكنه على باطل، وهؤلاء هم أخسر الناس أعمالًا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف ١٠٣]. الجواب: نعم، بيَّنها الله؛ قال: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف ١٠٤]؛ لأن الشيطان زيَّن لهم هذا، وقال: أنتم على حق، أنتم الأعلون، وسوَّل لهم، وأملى لهم حتى تبعوه. ولهذا قال: (﴿وَإِنَّهُمْ﴾ يعني الشياطين ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ أي: العاشين ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ ) أي: سبيل الحق وطريق الهدى ﴿وَيَحْسَبُونَ﴾، الواو تعود على مَنْ؟ * طالب: على (العاشين). * الشيخ: تعود على (العاشين) ﴿أَنَّهُمْ﴾ أي: العاشين، ﴿مُهْتَدُونَ﴾ أي: على هدى، وهذا غاية ما يكون من الخسران، والعياذ بالله، أن يتمادى الإنسان بالباطل وهو يظن أنَّه على حق. قال المفسِّر: (في الجَمْعِ رعاية معنى (مَن)) الجمع وهو قوله: ﴿يَحْسَبُونَ﴾، ﴿إِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ﴾؛ ففيها رعاية بمعنى مَنْ في قولِه: ﴿مَنْ يَعْشُ﴾ كلمة (مَنْ)، و(ما) وما أشبههما من الألفاظ العامَّة يجوزُ مراعاة معناها، ومراعاة لفظها، اللفظ مفرد ولَّا جمع؟ مفرد، ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾؛ ولذلك عاد الضمير إليه للمفرد ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾، ﴿نُقَيِّضْ لَهُ﴾ أيضًا مراعاة اللفظ، ﴿فَهُوَ لَهُ﴾ مراعاة اللفظ، ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ مراعاة المعنى، ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ كذلك مراعاة المعنى، واضح؟ إذن إذا أتتك (مَنْ) موصولة كانت أو شرطية فلك أن تراعي في ضميرها اللفظة فتجعله مفردًا، والمعنى فتجعله حسب ما أريد به، وانظر إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الطلاق ١١] كل هذا مراعاة أيش؟ * طلبة: اللفظ. * الشيخ: اللفظ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ مراعاة المعنى، ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ﴾ مراعاة اللفظ، ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق ١١] فتجد هذه الآيات تارةً روعي اللفظ، وتارة روعي المعنى ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. (﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ العاشي بقرينه يوم القيامة قال له: ﴿يَا﴾ للتنبيه ﴿لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ أي: مثل بُعْدِ ما بين المشرق والمغرب ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ أَنْتَ لي). ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ يعني الشيطان وقرينه، وذلك يوم القيامة، تبرأ كل واحد من الآخر، وقال له: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ ﴿يَا﴾ هذه للتنبيه، ولا تصح أنْ تكونَ للنداء؛ لأن ﴿يَا﴾ التي للنداء لا تدخل إلا على اسم، لا تدخل على حرف كما هنا، ولا على فعل، فإذا وجدتها داخلة على حرف أو فعل فهي للتنبيه. ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ [يس ٢٦] فهي للتنبيه، وقيل إن: (يا) داخلة على منادى محذوف والتقدير في هذه الآية: يا هذا ليت بيني وبينك بعد المشرقين؛ يعني: تُقدِّر منادى اسمًا؛ يا هذا يا ليت بيني بينك بعد المشرقين. فإذا قال قائل: أيهما أولى أن نُقَدِّر منادى يناسب السياق من أجل أن يصِح حلول (يا) في هذا المكان، أو نقول: الأصل عدم التقدير ونجعل (يا) للتنبيه؟ * طالب: الثاني. * الشيخ: الثاني أولى؛ لأنه إذا دار الأمر بين أن يكون في الكلام شيء محذوف أو لا؛ فالأولى ألَّا يكون فيه شيء محذوف. وقوله: ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ يقول المؤلف: (ما بين المشرق والمغرب)، وعليه فيكون في الكلام تغليب، وهو تغليب المشرق على المغرب، والتغليب هذا جائز في اللغة العربية؛ مثل قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٢٧)، ومسلم (٨٣٨ / ٣٠٤) من حديث عبد الله بن مُغَفَّل المزني رضي الله عنه.]] إذا جعلنا مُطْلَق الأذان هو الأذان الذي يكون بكل وقت، أما إذا جعلنا الأذان بمعنى الإعلام، فإن الأذانَيْنِ ليس فيه تغليب؛ لأن كلًّا من الإقامة والأذان يُسمَّى الأذان. لكن قولهم: (القَمَران) يعنون بذلك الشمس والقمر، قولهم: (العُمَران) يعنون بذلك أبا بكر وعمر، هذا من باب التغليب، فيكون ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ أي: بعد ما بين المشرق والمغرب، ولكن ذُكِرَ بلفظ المشرق تغليبًا. ويحتمل أن يكون المعنى ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ أي: مشرقي الشمس شتاءً ومشرقها صيفًا؛ لأن بينهما مسافة عظيمة جدًّا لا يعلم قدْرَها إلا الله عز وجل، وكلا المعنيين صحيح؛ يعني: سواء جعلنا اللفظ فيه تغليب أو لا، والمراد أن هذا العاشي الذي أضله الشيطان إذا جاء معه يوم القيامة تبرَّأ منه، وقال: ليتك بعيد عني، وأنا بعيد عنك. وقوله: ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ هذه الجملة إنشائية للذمِّ، قال المؤلف: أنتَ يعني أنه قد حُذِفَ فيها المخصوص؛ لأن (بئس) و(نعم) لا بد فيها من فاعل ومخصوص، وتفصيل ذلك في كتب النحو، ولا علينا منه في هذا المكان. قال الله تعالى: (﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ﴾ أي: العاشين تمنِّيكم وندمكم ﴿الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ أي: تبيَّن لكم ظلمُكم بالإشراك في الدنيا أنَّكم مع قرنائكم ﴿فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ عِلَّةٌ بتقديرِ اللَّام؛ لعدم النفع و﴿إِذْ﴾ بدل من ﴿الْيَوْمَ﴾ ) يعني: لا ينفعكم اشتراككم في العذاب، هذا هو الصحيح، وعلى هذا فتكون ﴿أَنَّكُمْ﴾ ليست للتعليل، كما ذهب إليه المفسر، بل هي فاعل ينفع، والمعنى لا ينفعكم اشتراككم في العذاب، ووجه ذلك أنَّه جرت العادة أن الإنسان إذا عُذِّب ورأى غيرَه يُعَذَّب هان عليه الأمر وتسلَّى، وفي يوم القيامة يشترك أهل النار في العذاب، لكن هل ينفعُهم هذا شيئًا؟ لا ينفعهم، فهذا هو الصواب الذي تدل عليه الآية، أما المؤلف فجعل (أنَّ) ﴿أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ (عِلَّةٌ بتقديرِ اللَّام) أي: أنَّكم في العذاب مشتركون، ولكن هذا بعيد من اللفظة. قوله تعالى لما ذكر ما يجعله للكافرين: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ﴾ إلى آخره. * في هذه الآية فوائد: أن هذه المُتَعَ الدنيويَّة ما هي إلا متاع الحياة الدنيا، فهي زائلة، ويتفرع على هذه الفائدة ألَّا يتعلقَ الإنسان بها، وألا يهتم بها، وأن يرى أنه عايش بدونها، وليس لك من الدنيا إلا ما أكلتَ فأفنيتَ أو لبِسْتَ فأبليتَ أو تصدَّقْتَ فأمضيتَ. * ومن فوائد هذه الآية: التزهيدُ في هذه الأمور، وألًّا تهتم بها، لا تعلِّقْ قلبَكَ بمظاهرِ الدُّنْيا، فإنَّك إن فعلتَ هلكتَ، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا رأى من الدنيا ما يعجبه قال: «لَبَّيْكَ، إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةِ»[[أخرجه البيهقي (٩٠٣٥) من حديث مجاهد مرسلًا.]] «لَبَّيْكَ» يعني إجابةً لك ليصرِفَ قلبَه عن التعلُّقِ بما رآه مما يعجبه في الدنيا، ثم وطَّن نفسه، وقال: «إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةِ» والله هذا هو الحق أن عيش الدنيا فإنه مهما طاب لك محفوفٌ بنكدٍ قبلَه ونكدٍ بعدَه؛ لأن لم تحصله غالبًا إلا بتعب، ثم إذا حصَّلْتَه هل ستبقى لك أو لا تبقى؟ هو لا بد (...) إما أن تموت وتتركه، وإما أن يهلك وأنت حي. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: البُشرى للمتَّقين وأنَّ لهم الآخرة، فالآخرة خير للمتقين، ففيه البَشارة وأنَّ الإنسان المتقي إذا انتقل من الدنيا فلا يندم؛ لأنه انتقل إلى دار أفضل وأحسن مما ترك. * وفيه: الحسُّ على التقوى؛ وذلك لأنَّ ذِكْرَ الجزاء والثواب يستثير النفس حتى يصل الإنسان إلى الوصف الذي يحصل به على الثواب. ثم قال عز وجل: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ إلى آخره. * في هذه الآية الكريمة فوائد: * منها: التحذير من الغفلة عن ذكر الله؛ لأنك إذا غفلت عن ذكر الله حلَّ محل ذكر الله أيش؟ وساوس الشيطان. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ الله سبحانه وتعالى يعاقب العبد بما يقتضيه الذنب، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت ٤٠] فهذا الرجل لما أخلى قلبه من ذكر الله عوقب أن يحلَّ محله الشيطان. * ومنها: الحظر من قرناء السوء؛ لأن الشياطين ليس اسمًا خاصًّا بشياطين الجن، بل حتى الإنس لهم شياطين، أليس كذلك؟ * طالب: بلى. * الشيخ: قال الله عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام ١١٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس ١] إلى قوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس ٦]. ففي هذا التحذير من قرناء السوء، وقد حذَّر النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم من قرناء السوء؛ حيث شبَّه قرينَ السوء أو جليس السوء بنافخ الكير؛ إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه رائحة كريهة، ثم إن الواقع كذلك، فما أكثر ما يمر علينا ممن يتصلون بنا يَشْكُون من قوم كانوا مستقيمين وأئمة مساجد أو مؤذني مساجد، اتصل بهم أناس من أصحاب السوء فانحرفوا انحرافًا كاملًا، ومثل هؤلاء -والعياذ بالله- إذا انحرفوا -نسأل الله الثبات- يكون انحرافهم أشد وأعظم، كالماء الذي حبسته ثم أطلقت الحبس سيندفع بقوة. فالمهم أن الإنسان إذا أعرض عن ذكر الله قيضَّ له الشيطان من الإنس، كمل. * طالب: ومن الجن. * الشيخ: ومن الجن، فهو له قرين. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المُلازِمَ أشد تأثيرًا من العابد الذي يلازمك ويبقى قرينًا معك، أشد تأثيرًا من العابد؛ بمعنى أنك لو جلست مع إنسان صاحب سوء لمدة ساعة أو ساعتين ربما سيؤثِّر فيك، وربما يتأثر، لكن إذا كان مقارنًا فإنه سيؤثر؛ ولهذا قال: ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾. أقول هذا لتحْذَروا من الاستمرار لقرناءِ السُّوءِ؛ ولتعلموا أنكم متى علمتم أنه قرين سوء وجب عليكم البعد عنه، لا تقل: أخشى أن يتأثر، أخشى أن يقول: ليش؟ الرجل كان صاحب لي ثم فارقني؟ لا يهمُّك، الذي يهمك هو نفسك فأنقِذْها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عمى القلب -والعياذ بالله- لما تعامى بعينه عن ذكر الرحمن وبقلبه أيضًا قُيِّضَ له هذا الشيطان، الذي يصده عن الهدى، وهو يحسب أنه مهتد ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٣٧]، وما أكثر هذا، أهل البدع الذين أصرُّوا على بِدَعهم صغيرة كانت أم كبيرة، ألم يكونوا قد يستحسونها؟ * طالب: بلى. * الشيخ: لماذا استحسنوها وهي بدعة ضلالة؟ لأن الشيطان صدَّهم عن الحق، أهل الأفكار الرديئة كالعلمانيين والشيوعيين والبعثيين ومن أشبههم لماذا استمروا على ذلك؟ لأن الشيطان ركب قلوبهم -والعياذ بالله- فجعلهم يظنون أن هذا السيئ حسنًا، وهذا أشد ما يكون من الفتنة؛ أن يرى الإنسان السيئ حسنًا فيمضي فيه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن بعضَ الظنِّ إثم، وجهه أن هؤلاء ظنوا أنهم على حق فاستمروا في الباطل . * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذا القرين في الدنيا يتبرأ من صاحبه يوم القيامة، يقول: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف ٣٨] . * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه مع تمنِّيه هذا الذي لم يدرك منه شيئًا يثني على قرينه هذا بالذم والقدح، فيقول: ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من القرناء مَن هو قرينُ خير وقرين سوء، وهو كذلك، وقد بيَّن النبي ﷺ هذا أبين شيء حيث قال: «مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ؛ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ» يعني: يعطيك هدية، «وَإِمَّا أَنْ يَبِيعَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رَائِحَةً طَيِّبَةً، وَجَلِيسُ السُّوءِكَنَافِخِ الْكِيرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٣٤)، ومسلم (٢٦٢٨ / ١٤٦) من حديث أبي موسى رضي الله عنه، ولفظه: «مثل الجليس الصالح والسوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك: إما أن يُحْذِيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحا خبيثة».]] إما أن يحرق ثيابَك بالشرَّرِ الذي يتطاير من النار إذا نُفِخَت، وإما أن تَجِدَ منه رائحةً كريهة. * من فوائد هذه الآية الكريمة ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ [الزخرف ٣٩]: أن المشتركين في عذاب الآخرة لا ينفعهم الاشتراك، بخلاف الاشتراك في العذاب في الدنيا فإنه يُسَلِّي الإنسان ويهون عليه؛ ولهذا قالت الخنساء في رثاء أخيها صخر: وَلَــوْلَا كَــثْرَةُ الْبَاكِــــينَ حَــــــوْلِي ∗∗∗ عَـلَى إِخْــوَانِهِمْ لَقَـتَلْتُ نَـــفْسِي؎وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ ∗∗∗ أُسَــلِّي النَّــــفْسَ عَــــنْهُبِالتَّــــأَسِّي * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المُعذَّبين هم الذين ظلموا، وما ظُلِموا؛ لقوله: ﴿إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنهم أي المعذبين يعرفون أنهم مشتركون في العذاب، ولكن ذلك لا يُسلِّيهم، ولا يهوِّن عليهم المصيبة.