Tafsir Ibn Uthaymeen — الطور 52:1 – القمر 54:55
المحتويات
- الطور 52:1
- الطور 52:2
- الطور 52:3
- الطور 52:4
- الطور 52:5
- الطور 52:6
- الطور 52:7
- الطور 52:8
- الطور 52:9
- الطور 52:10
- الطور 52:11
- الطور 52:12
- الطور 52:13
- الطور 52:14
- الطور 52:15
- الطور 52:16
- الطور 52:17
- الطور 52:18
- الطور 52:19
- الطور 52:20
- الطور 52:21
- الطور 52:22
- الطور 52:23
- الطور 52:24
- الطور 52:25
- الطور 52:26
- الطور 52:27
- الطور 52:28
- الطور 52:29
- الطور 52:30
- الطور 52:31
- الطور 52:32
- الطور 52:33
- الطور 52:34
- الطور 52:35
- الطور 52:36
- الطور 52:37
- الطور 52:38
- الطور 52:39
- الطور 52:40
- الطور 52:41
- الطور 52:42
- الطور 52:43
- الطور 52:44
- الطور 52:45
- الطور 52:46
- الطور 52:47
- الطور 52:48
- الطور 52:49
- النجم 53:1
- النجم 53:2
- النجم 53:3
- النجم 53:4
- النجم 53:5
- النجم 53:6
- النجم 53:7
- النجم 53:8
- النجم 53:9
- النجم 53:10
- النجم 53:11
- النجم 53:12
- النجم 53:13
- النجم 53:14
- النجم 53:15
- النجم 53:16
- النجم 53:17
- النجم 53:18
- النجم 53:19
- النجم 53:20
- النجم 53:21
- النجم 53:22
- النجم 53:23
- النجم 53:24
- النجم 53:25
- النجم 53:26
- النجم 53:27
- النجم 53:28
- النجم 53:29
- النجم 53:30
- النجم 53:31
- النجم 53:32
- النجم 53:33
- النجم 53:34
- النجم 53:35
- النجم 53:36
- النجم 53:37
- النجم 53:38
- النجم 53:39
- النجم 53:42
- النجم 53:43
- النجم 53:44
- النجم 53:45
- النجم 53:46
- النجم 53:47
- النجم 53:48
- النجم 53:49
- النجم 53:50
- النجم 53:51
- النجم 53:52
- النجم 53:53
- النجم 53:54
- النجم 53:55
- النجم 53:56
- النجم 53:57
- القمر 54:1
- القمر 54:2
- القمر 54:3
- القمر 54:4
- القمر 54:5
- القمر 54:6
- القمر 54:7
- القمر 54:8
- القمر 54:9
- القمر 54:10
- القمر 54:11
- القمر 54:12
- القمر 54:13
- القمر 54:14
- القمر 54:15
- القمر 54:16
- القمر 54:17
- القمر 54:18
- القمر 54:19
- القمر 54:20
- القمر 54:21
- القمر 54:22
- القمر 54:23
- القمر 54:24
- القمر 54:25
- القمر 54:26
- القمر 54:27
- القمر 54:28
- القمر 54:29
- القمر 54:30
- القمر 54:31
- القمر 54:32
- القمر 54:33
- القمر 54:34
- القمر 54:35
- القمر 54:36
- القمر 54:37
- القمر 54:38
- القمر 54:39
- القمر 54:40
- القمر 54:41
- القمر 54:42
- القمر 54:43
- القمر 54:44
- القمر 54:45
- القمر 54:46
- القمر 54:47
- القمر 54:48
- القمر 54:49
- القمر 54:50
- القمر 54:51
- القمر 54:52
- القمر 54:53
- القمر 54:54
- القمر 54:55
الطور 52:1
قال الله تبارك وتعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
البسملة آية من كتاب الله، نزلت في ابتداء كل سورة، إلا سورة براءة فإنها لم تنزل للفصل بينها وبين سورة الأنفال، ولهذا لم تُكْتَب في المصحف، وليست من السورة التي افْتُتِحَت بها، فهي ليست من الفاتحة، خلافًا لما نشاهده في المصاحف أنها حُسِبَت من الفاتحة باعتبار الترقيم، والصحيح أنها ليست من الفاتحة، وأن أول آية في سورة الفاتحة هي قول الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ويدل لهذا السنة القولية والعملية:
أما القولية فما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ: أن الله قال: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ: فَإِذَا قَالَ:» ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ «قَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ «قَالَ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ «قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ «قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ:» ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ «قَالَ اللَّهُ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ»[[أخرجه مسلم (٣٩٥ / ٣٨) من حديث أبي هريرة.]].
وأما السنة العملية فهو أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان في صلاة الليل لا يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ويجهر بالفاتحة، وهذا يدل على أنها ليست من الفاتحة، وهذا هو القول الراجح.
يقول الله تبارك وتعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور ١ - ٦] هذه أشياء أقسم الله بها:
الأول: الطور؛ وهو الجبل الذي كلَّم الله عليه موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام، فإن الله تعالى كلَّمه أول ما كلَّمه على جبل الطور، فكان لهذا الجبل من الشرف والفضل ما سبق به غيره من الجبال، ولهذا أطلق كثير من العلماء أنه -أي: جبل الطور- أفضل الجبال وأشرفها.
وعلى هذا يكون أشرف وأفضل من جبل حِراء الذي ابتدأ فيه الوحي لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هذا ظاهر إطلاق كثير من العلماء.
ولكن في هذا الإطلاق نظر؛ لأن حِراء كُلم منه الرسول ﷺ، لكن كلَّمه جبريل مرسلًا من عند الله، فمنه ابتدأت أفضل الرسالات على أفضل الرسل.
وأيضًا: حِراء داخل الحرم المكي؛ لأنه من الحرم الذي لا يحل صيدُه، ولا يُقطع شجره، وبقعة الحرم أفضل البقاع، ويمكن أن يحمل إطلاق كثير من العلماء على هذا، فيقال: إلا جبل حِراء.
﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور ٢، ٣] الكتاب المسطور في الرق، اختلف فيه العلماء، وهذا الخلاف ينبني على كلمة (رَق)، هل الرَّق كل ما يُكتب فيه من جلد وورق وعظم وحجر وغير ذلك، أو هو خاص بما يُكتب فيه من جلود ونحوها؟
إن قلنا بالأول صار المراد بالكتاب عدة أشياء؛ منها: اللوح المحفوظ، ومنها: الكتب التي بأيدي الملائكة، ومنها: القرآن الكريم، ومنها: التوراة، فيشمل عدة كتب، إذا قلنا: إن الرَّق هو كل ما يُكتب فيه.
وإذا قلنا: إن الرَّق هو الورق وشبهه ما يكتب فيه عادة، فاللوح المحفوظ ليس معنا، فلا يدخل في هذا، وإنما المراد به إما التوراة، وإما القرآن.
فالذين قالوا: إنه التوراة رجَّحوا قولهم بأنه قُرِن بـ(الطور)، وهو الذي كلم منه موسى عليه الصلاة والسلام، فكان الكتاب المسطور هو التوراة الذي جاء بها موسى.
ومن قال: إن المراد به القرآن الكريم رجح ذلك بأن الله ذكر الطور الذي أوحي منه إلى موسى، والكتاب الذي هو القرآن أُوحِيَ إلى من؟ إلى محمد ﷺ، فيكون الله تبارك وتعالى ذكر أشرف الرسالات في بني إسرائيل إيماء إليها بذكر الطور، وذكر أشرف الرسالات التي بعث بها من بني إسماعيل محمدًا ﷺ، وعلى هذا فيتعين أن يكون المراد بالكتاب المسطور القرآن الكريم.
﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ الرَّق هو ما يُكتب فيه من جلد ونحوه. وقيل: كل ما يُكْتَب عليه حتى الحجر؛ لأنهم كانوا من قبل يكتبون القرآن على الأحجار، وعلى ظهور العظام، وعلى عسب النخل؛ لأن الورق ليس موجودًا بكثرة.
وقوله: ﴿مَنْشُورٍ﴾ صفة لـ﴿كِتَابٍ﴾، ويحتمل أن تكون صفة لـ﴿رَقٍّ﴾، والمعنى واحد.
والمراد بالمنشور؛ يعني المُفرَّق الذي يكون في أيدي كل قارئ، وهذا يصدق تمامًا على القرآن الكريم، فإنه -ولله الحمد- بين يدي كل قارئ، حتى الصغار من المسلمين يقرؤونه.
﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ هذا هو ثالث ما أقسم الله به في هذه الآيات، وهو بيت في السماء السابعة يُقال له: الطراح أو الصراح لعلوه، هذا البيت يدخله كل يوم سبعون ألف ملك يتعبدون فيه، ثم لا يعودون إليه، فأخبروني بناء على هذا كم عدد الملائكة؟ لا يحصيهم إلا الله، من يحصي الأيام؟! ثم من يحصي سبعين ألفًا؟! كل يوم يدخلون هذا البيت المعمور ولا يعودون إليه.
وقيل: إن المراد بالبيت المعمور بيت الله في الأرض، وهو الكعبة؛ لأنه معمور بالطائفين والعاكفين والقائمين والركع السجود، فهل يمكن أن تحمل الآية على المعنيين جميعًا؟
نحن نحب أن نذكر قاعدة في التفسير، وهي أن الآية إذا احتملت معنيين على السواء وليس بينهما منافاة وجب أن تُحْمَل على كلٍّ منهما؛ لأن المتكلم بها -وهو الله جلَّ وعلا- عالم بما تحتمله من المعاني، وإذا لم يبين أن المراد أحد المعاني فإنه يجب أن تحمل على كل ما تحتمله من المعاني الصحيحة، ما هي المعاني الباطلة.
فلننظر الآن هل هناك منافاة بين أن يكون المقسم به الكعبة أو البيت المعمور في السماء؟ الذي يظهر أن لا مُنافاة؛ لأن كلا البيتين مُعظَّم، ذاك مُعظَّم في أهل السماء، وهذا مُعظَّم في أهل الأرض، ولا مانع.
فالصواب أن الآية شاملة لهذا وهذا، إلا إذا وجدت قرينة ترجح أن المراد به البيت المعمور في السماء.
﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ أقسم الله تعالى بالسقف المرفوع وهو السماء، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ [الرعد ٢]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء ٣٢]، فالسماء سقف، والسماء مرفوعة.
إذن فالسقف المرفوع هو السماء، وسماه الله سقفًا لأنه قد غمر جميع الأرض من جميع الجوانب كما يغمر السقف الحجرة من جميع الجوانب، وإنما أقسم الله تعالى بالسماء لما فيها من الآيات العظيمة من نجوم وشمس وقمر وإحكام وإتقان، قال الله عز وجل: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك ٣، ٤]؛ يعني: مرة بعد مرة، ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك ٤]، وأخبر أنه ليس في السماء من فروج، ليس فيها تشقق، ليس فيها عيب، ليس فيها تصدع، لا تُبْلى على طول المدة فهي جديرة بأن يقسِمَ الله بها.
﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ كلمة (البحر) قيل: إن المراد به البحر الذي عليه عرش الرحمن عز وجل، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود ٧]. وقيل: المراد به البحر الذي في الأرض؛ لأنه مشاهد، المعلوم الذي فيه من آيات الله ما يبهر العقول.
والصحيح أن المراد به بحر الأرض؛ لأن (أل) في ﴿الْبَحْرِ﴾ للعهد الذهني؛ يعني: البحر المعهود الذي تعرفونه، فأقسم الله به لما فيه من آيات الله العظيمة؛ من أسماك، وأمواج، وغير هذا مما نعلمه وما لا نعلمه.
ومن أعظم ما فيه من آيات الله ما أشار إليه تعالى في قوله: ﴿الْمَسْجُورِ﴾؛ أي: الممنوع، ومنه سجر الكلب؛ يعني: في اللغة ليس المعنى هنا.. في اللغة يقال: سجرت الكلب؛ يعني: ربطته حتى لا يهرب، ﴿الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ الممنوع بقدرة من؟ بقدرة الله عز وجل.
إننا نعلم جميعًا أن الأرض كُرويَّة، وهذا البحر لو نظرنا إليه بمقتضى الطبيعة لكان يفيض على الأرض؛ لأنه لا يوجد جدران تمنع، والأرض كروية مثل الكرة، فلو نظرنا إلى هذا البحر بمقتضى الطبيعة لقلنا: لا بد أن يفيض على الأرض فيغرقها، ولكن الله تبارك وتعالى أمسكه بقدرته سبحانه وتعالى، فهو مسجور؛ أي: ممنوع من أن يفيض على الأرض فيغرق أهلها، وهذه آية من آيات الله.
صُبَّ فوق كرة من الكرات، صُبَّ فوقها ماءً. أين يذهب؟ يغمرها يمينًا وشمالًا، لكن هذا البحر لا يمكن أن يفيض على الأرض بقدرة الله سبحانه وتعالى، وانظر إلى الحكمة أحيانًا تأتي أيام المد والجزر نفس البحر يمتد امتدادًا عظيمًا لعدة أمتار وربما أميال، ثم ينحسر. من الذي مده، ولو شاء لبقي ممتدًا فتغرق الأرض؟ ومن الذي رده؟ هو الله، ولهذا كان هذا البحر جديرًا بأن يقسِمُ الله به.
في البحر آيات عظيمة، يقال: إنه ما من شيء على البر من حيوان وأشجار إلا وله نظير في البحر، بل أزيد؛ لأن البحر بالنسبة لليابس يمثل حوالي سبعين في المئة كبير جدًّا، ففيه من الأشياء ما ليس في البر؛ يعني فيه إنسان سمكة على شكل إنسان، فيه على شكل ذئب، على شكل ضبع، على شكل حيَّة، على شكل عقرب، فيه أشياء ما نرى لها نظيرًا في البر، هذه من آيات الله عز وجل.
﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ إذن أعظم آية في البحر هو أنه مسجور؛ أي: ممنوع من أن يفيض على الأرض فيغرق أهلها.
وقيل: المراد بـ﴿الْمَسْجُورِ﴾ الذي سيُسْجَرُ؛ أي: يوقد، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير ٦]؛ أي: أوقدت، فهذان قولان.
﴿الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ يعني القول الأول: الممنوع، ﴿الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ الذي سيُسْجَرُ؛ أي: يُوقَد، وهذا متى يكون؟ يوم القيامة، هذا الماء الذي نشاهده الآن، والذي لو سقطت فيه جمرة أو مَرَّ على جمرة لأطفأها، يوم القيامة يكون نارًا، يُسْجَرُ هذا الماء ويكون نارًا، هذا من آيات الله عزَّ وجل.
هذان قولان: القول الأول: المسجور الممنوع من أن يفيض على الأرض فيغرق أهلها. المسجور: الذي سيُسْجَر؛ أي: يُوقَد، وذلك يوم القيامة.
هل يمكن أن نقول: إن المراد به المعنيان جميعًا؟ نعم؛ لأنه لا مُنافاة بين هذا وهذا، فكلاهما من آيات الله عز وجل؛ يعني: أنه سواء قلنا: المسجور الممنوع من أن يفيض على الأرض، أو المسجورُ الذي سيُسْجَر؛ أي: يوقد، فكل ذلك من آيات الله.
﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [الطور ٧] هذا هو جواب القسم، والجملة هنا مؤكدة بمؤكدين بل بثلاثة: القسم المتعدد؛ خمسة إقسامات، واللام في قوله: ﴿لَوَاقِعٌ﴾، و﴿إِنَّ﴾ في قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ﴾، هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكداتٍ: بقسم بخمسة أشياء، وإذا كان قسمًا بخمسة أشياء صار كأنه أقسم عليها خمس مرات. والثاني: بـ(إنَّ). والثالث: باللام.
﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [الطور ٧]؛ يعني: لا بد أن يقع عذاب الله الذي وعد به، هذه واللهِ جملةٌ عظيمة مؤثِّرة، لكنها لا تؤثر إلا على قلب لينٍ كلِين الزبد أو أشد. أما القلب القاسي فلا يهتم بها، تمر عليه وكأنها ثلجة، كان عمر رضي الله عنه إذا قرأ هذه الآية يمرض حتى يعاد، يمرض من شدة ما يقع على قلبه من التأثر حتى يُعادَ، إذا كان واقعًا وليس له دافع أليس الجدير بنا أن نخاف؟! بلى واللهِ، هذا هو الجدير.
وقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾؛ يعني: لا بد أن يقع. ولكن هل هذا التأكيد بالنسبة لعذاب المؤمنين أو لعذاب الكافرين؟ لننظر، قال الله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾ [المعارج ١ - ٣]، ضُمَّ الآية هذه إلى الآية التي في الطور تجد أن قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور ٧، ٨] على من؟ على الكافرين، فعذاب الله على الكافرين ليس له دافع، لا أحد يدفعه؛ لا قبل وقوعه ولا بعد وقوعه، ولهذا لا تنفعهم الشفاعة، فيُرْفَع عنهم العذاب.
أما عذاب الله للمؤمن فإن الأصل أنه واقع، كل ذنبٍ توعد الله عليه بالعذاب فالأصل أنه واقع، لكنه مع ذلك قد يُرفع بفضلٍ من الله عز وجل؛ قد يرفع بالشفاعة، قد يرفع بأعمال صالحة تغمر الأعمال السيئة، ألم تر أن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨]، ألم تعلم أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جِنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا شَفَّعَهَمُ اللَّهُ فِيهِ»[[أخرجه مسلم (٩٤٨ / ٥٩) من حديث ابن عباس.]]، فيرتفع عنه العذاب.
وعلى هذا نقول: عذاب الله واقع على الكافرين لا محالة، ولا دافع له، أما على عصاة المؤمنين فإن الأصل الوقوع، ما الذي يمنع وقد أنذر الله العباد وخوفهم وبيَّن لهم؟ لكن مع ذلك قد يرتفع بأسباب متعددة.
﴿مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور ٨] (ما) نافية، و(دافع) مبتدأ مؤخَّر دخلت عليها (مِن) الزائدة للتوكيد؛ يعني: ما من أحد ولو عظُمَت منزلته وقوته يدفع عذاب الله عز وجل، أبدًا، لا يمنعه ولا يرفعه؛ لأن (دافع) هنا -يا إخوان- تشمل المنع والرفع؛ تشمل المنعَ قبل الوقوع والرفعَ بعد الوقوع، لا أحد يدفع عذاب الله، لا يمنعه أن ينزل ولا يرفعه إذا نزل، وإنما ذلك إلى الله وحده.
﴿
الطور 52:2
قال الله تبارك وتعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
البسملة آية من كتاب الله، نزلت في ابتداء كل سورة، إلا سورة براءة فإنها لم تنزل للفصل بينها وبين سورة الأنفال، ولهذا لم تُكْتَب في المصحف، وليست من السورة التي افْتُتِحَت بها، فهي ليست من الفاتحة، خلافًا لما نشاهده في المصاحف أنها حُسِبَت من الفاتحة باعتبار الترقيم، والصحيح أنها ليست من الفاتحة، وأن أول آية في سورة الفاتحة هي قول الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ويدل لهذا السنة القولية والعملية:
أما القولية فما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ: أن الله قال: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ: فَإِذَا قَالَ:» ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ «قَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ «قَالَ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ «قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ «قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ:» ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ «قَالَ اللَّهُ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ»[[أخرجه مسلم (٣٩٥ / ٣٨) من حديث أبي هريرة.]].
وأما السنة العملية فهو أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان في صلاة الليل لا يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ويجهر بالفاتحة، وهذا يدل على أنها ليست من الفاتحة، وهذا هو القول الراجح.
يقول الله تبارك وتعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور ١ - ٦] هذه أشياء أقسم الله بها:
الأول: الطور؛ وهو الجبل الذي كلَّم الله عليه موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام، فإن الله تعالى كلَّمه أول ما كلَّمه على جبل الطور، فكان لهذا الجبل من الشرف والفضل ما سبق به غيره من الجبال، ولهذا أطلق كثير من العلماء أنه -أي: جبل الطور- أفضل الجبال وأشرفها.
وعلى هذا يكون أشرف وأفضل من جبل حِراء الذي ابتدأ فيه الوحي لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هذا ظاهر إطلاق كثير من العلماء.
ولكن في هذا الإطلاق نظر؛ لأن حِراء كُلم منه الرسول ﷺ، لكن كلَّمه جبريل مرسلًا من عند الله، فمنه ابتدأت أفضل الرسالات على أفضل الرسل.
وأيضًا: حِراء داخل الحرم المكي؛ لأنه من الحرم الذي لا يحل صيدُه، ولا يُقطع شجره، وبقعة الحرم أفضل البقاع، ويمكن أن يحمل إطلاق كثير من العلماء على هذا، فيقال: إلا جبل حِراء.
﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور ٢، ٣] الكتاب المسطور في الرق، اختلف فيه العلماء، وهذا الخلاف ينبني على كلمة (رَق)، هل الرَّق كل ما يُكتب فيه من جلد وورق وعظم وحجر وغير ذلك، أو هو خاص بما يُكتب فيه من جلود ونحوها؟
إن قلنا بالأول صار المراد بالكتاب عدة أشياء؛ منها: اللوح المحفوظ، ومنها: الكتب التي بأيدي الملائكة، ومنها: القرآن الكريم، ومنها: التوراة، فيشمل عدة كتب، إذا قلنا: إن الرَّق هو كل ما يُكتب فيه.
وإذا قلنا: إن الرَّق هو الورق وشبهه ما يكتب فيه عادة، فاللوح المحفوظ ليس معنا، فلا يدخل في هذا، وإنما المراد به إما التوراة، وإما القرآن.
فالذين قالوا: إنه التوراة رجَّحوا قولهم بأنه قُرِن بـ(الطور)، وهو الذي كلم منه موسى عليه الصلاة والسلام، فكان الكتاب المسطور هو التوراة الذي جاء بها موسى.
ومن قال: إن المراد به القرآن الكريم رجح ذلك بأن الله ذكر الطور الذي أوحي منه إلى موسى، والكتاب الذي هو القرآن أُوحِيَ إلى من؟ إلى محمد ﷺ، فيكون الله تبارك وتعالى ذكر أشرف الرسالات في بني إسرائيل إيماء إليها بذكر الطور، وذكر أشرف الرسالات التي بعث بها من بني إسماعيل محمدًا ﷺ، وعلى هذا فيتعين أن يكون المراد بالكتاب المسطور القرآن الكريم.
﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ الرَّق هو ما يُكتب فيه من جلد ونحوه. وقيل: كل ما يُكْتَب عليه حتى الحجر؛ لأنهم كانوا من قبل يكتبون القرآن على الأحجار، وعلى ظهور العظام، وعلى عسب النخل؛ لأن الورق ليس موجودًا بكثرة.
وقوله: ﴿مَنْشُورٍ﴾ صفة لـ﴿كِتَابٍ﴾، ويحتمل أن تكون صفة لـ﴿رَقٍّ﴾، والمعنى واحد.
والمراد بالمنشور؛ يعني المُفرَّق الذي يكون في أيدي كل قارئ، وهذا يصدق تمامًا على القرآن الكريم، فإنه -ولله الحمد- بين يدي كل قارئ، حتى الصغار من المسلمين يقرؤونه.
﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ هذا هو ثالث ما أقسم الله به في هذه الآيات، وهو بيت في السماء السابعة يُقال له: الطراح أو الصراح لعلوه، هذا البيت يدخله كل يوم سبعون ألف ملك يتعبدون فيه، ثم لا يعودون إليه، فأخبروني بناء على هذا كم عدد الملائكة؟ لا يحصيهم إلا الله، من يحصي الأيام؟! ثم من يحصي سبعين ألفًا؟! كل يوم يدخلون هذا البيت المعمور ولا يعودون إليه.
وقيل: إن المراد بالبيت المعمور بيت الله في الأرض، وهو الكعبة؛ لأنه معمور بالطائفين والعاكفين والقائمين والركع السجود، فهل يمكن أن تحمل الآية على المعنيين جميعًا؟
نحن نحب أن نذكر قاعدة في التفسير، وهي أن الآية إذا احتملت معنيين على السواء وليس بينهما منافاة وجب أن تُحْمَل على كلٍّ منهما؛ لأن المتكلم بها -وهو الله جلَّ وعلا- عالم بما تحتمله من المعاني، وإذا لم يبين أن المراد أحد المعاني فإنه يجب أن تحمل على كل ما تحتمله من المعاني الصحيحة، ما هي المعاني الباطلة.
فلننظر الآن هل هناك منافاة بين أن يكون المقسم به الكعبة أو البيت المعمور في السماء؟ الذي يظهر أن لا مُنافاة؛ لأن كلا البيتين مُعظَّم، ذاك مُعظَّم في أهل السماء، وهذا مُعظَّم في أهل الأرض، ولا مانع.
فالصواب أن الآية شاملة لهذا وهذا، إلا إذا وجدت قرينة ترجح أن المراد به البيت المعمور في السماء.
﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ أقسم الله تعالى بالسقف المرفوع وهو السماء، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ [الرعد ٢]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء ٣٢]، فالسماء سقف، والسماء مرفوعة.
إذن فالسقف المرفوع هو السماء، وسماه الله سقفًا لأنه قد غمر جميع الأرض من جميع الجوانب كما يغمر السقف الحجرة من جميع الجوانب، وإنما أقسم الله تعالى بالسماء لما فيها من الآيات العظيمة من نجوم وشمس وقمر وإحكام وإتقان، قال الله عز وجل: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك ٣، ٤]؛ يعني: مرة بعد مرة، ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك ٤]، وأخبر أنه ليس في السماء من فروج، ليس فيها تشقق، ليس فيها عيب، ليس فيها تصدع، لا تُبْلى على طول المدة فهي جديرة بأن يقسِمَ الله بها.
﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ كلمة (البحر) قيل: إن المراد به البحر الذي عليه عرش الرحمن عز وجل، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود ٧]. وقيل: المراد به البحر الذي في الأرض؛ لأنه مشاهد، المعلوم الذي فيه من آيات الله ما يبهر العقول.
والصحيح أن المراد به بحر الأرض؛ لأن (أل) في ﴿الْبَحْرِ﴾ للعهد الذهني؛ يعني: البحر المعهود الذي تعرفونه، فأقسم الله به لما فيه من آيات الله العظيمة؛ من أسماك، وأمواج، وغير هذا مما نعلمه وما لا نعلمه.
ومن أعظم ما فيه من آيات الله ما أشار إليه تعالى في قوله: ﴿الْمَسْجُورِ﴾؛ أي: الممنوع، ومنه سجر الكلب؛ يعني: في اللغة ليس المعنى هنا.. في اللغة يقال: سجرت الكلب؛ يعني: ربطته حتى لا يهرب، ﴿الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ الممنوع بقدرة من؟ بقدرة الله عز وجل.
إننا نعلم جميعًا أن الأرض كُرويَّة، وهذا البحر لو نظرنا إليه بمقتضى الطبيعة لكان يفيض على الأرض؛ لأنه لا يوجد جدران تمنع، والأرض كروية مثل الكرة، فلو نظرنا إلى هذا البحر بمقتضى الطبيعة لقلنا: لا بد أن يفيض على الأرض فيغرقها، ولكن الله تبارك وتعالى أمسكه بقدرته سبحانه وتعالى، فهو مسجور؛ أي: ممنوع من أن يفيض على الأرض فيغرق أهلها، وهذه آية من آيات الله.
صُبَّ فوق كرة من الكرات، صُبَّ فوقها ماءً. أين يذهب؟ يغمرها يمينًا وشمالًا، لكن هذا البحر لا يمكن أن يفيض على الأرض بقدرة الله سبحانه وتعالى، وانظر إلى الحكمة أحيانًا تأتي أيام المد والجزر نفس البحر يمتد امتدادًا عظيمًا لعدة أمتار وربما أميال، ثم ينحسر. من الذي مده، ولو شاء لبقي ممتدًا فتغرق الأرض؟ ومن الذي رده؟ هو الله، ولهذا كان هذا البحر جديرًا بأن يقسِمُ الله به.
في البحر آيات عظيمة، يقال: إنه ما من شيء على البر من حيوان وأشجار إلا وله نظير في البحر، بل أزيد؛ لأن البحر بالنسبة لليابس يمثل حوالي سبعين في المئة كبير جدًّا، ففيه من الأشياء ما ليس في البر؛ يعني فيه إنسان سمكة على شكل إنسان، فيه على شكل ذئب، على شكل ضبع، على شكل حيَّة، على شكل عقرب، فيه أشياء ما نرى لها نظيرًا في البر، هذه من آيات الله عز وجل.
﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ إذن أعظم آية في البحر هو أنه مسجور؛ أي: ممنوع من أن يفيض على الأرض فيغرق أهلها.
وقيل: المراد بـ﴿الْمَسْجُورِ﴾ الذي سيُسْجَرُ؛ أي: يوقد، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير ٦]؛ أي: أوقدت، فهذان قولان.
﴿الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ يعني القول الأول: الممنوع، ﴿الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ الذي سيُسْجَرُ؛ أي: يُوقَد، وهذا متى يكون؟ يوم القيامة، هذا الماء الذي نشاهده الآن، والذي لو سقطت فيه جمرة أو مَرَّ على جمرة لأطفأها، يوم القيامة يكون نارًا، يُسْجَرُ هذا الماء ويكون نارًا، هذا من آيات الله عزَّ وجل.
هذان قولان: القول الأول: المسجور الممنوع من أن يفيض على الأرض فيغرق أهلها. المسجور: الذي سيُسْجَر؛ أي: يُوقَد، وذلك يوم القيامة.
هل يمكن أن نقول: إن المراد به المعنيان جميعًا؟ نعم؛ لأنه لا مُنافاة بين هذا وهذا، فكلاهما من آيات الله عز وجل؛ يعني: أنه سواء قلنا: المسجور الممنوع من أن يفيض على الأرض، أو المسجورُ الذي سيُسْجَر؛ أي: يوقد، فكل ذلك من آيات الله.
﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [الطور ٧] هذا هو جواب القسم، والجملة هنا مؤكدة بمؤكدين بل بثلاثة: القسم المتعدد؛ خمسة إقسامات، واللام في قوله: ﴿لَوَاقِعٌ﴾، و﴿إِنَّ﴾ في قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ﴾، هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكداتٍ: بقسم بخمسة أشياء، وإذا كان قسمًا بخمسة أشياء صار كأنه أقسم عليها خمس مرات. والثاني: بـ(إنَّ). والثالث: باللام.
﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [الطور ٧]؛ يعني: لا بد أن يقع عذاب الله الذي وعد به، هذه واللهِ جملةٌ عظيمة مؤثِّرة، لكنها لا تؤثر إلا على قلب لينٍ كلِين الزبد أو أشد. أما القلب القاسي فلا يهتم بها، تمر عليه وكأنها ثلجة، كان عمر رضي الله عنه إذا قرأ هذه الآية يمرض حتى يعاد، يمرض من شدة ما يقع على قلبه من التأثر حتى يُعادَ، إذا كان واقعًا وليس له دافع أليس الجدير بنا أن نخاف؟! بلى واللهِ، هذا هو الجدير.
وقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾؛ يعني: لا بد أن يقع. ولكن هل هذا التأكيد بالنسبة لعذاب المؤمنين أو لعذاب الكافرين؟ لننظر، قال الله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾ [المعارج ١ - ٣]، ضُمَّ الآية هذه إلى الآية التي في الطور تجد أن قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور ٧، ٨] على من؟ على الكافرين، فعذاب الله على الكافرين ليس له دافع، لا أحد يدفعه؛ لا قبل وقوعه ولا بعد وقوعه، ولهذا لا تنفعهم الشفاعة، فيُرْفَع عنهم العذاب.
أما عذاب الله للمؤمن فإن الأصل أنه واقع، كل ذنبٍ توعد الله عليه بالعذاب فالأصل أنه واقع، لكنه مع ذلك قد يُرفع بفضلٍ من الله عز وجل؛ قد يرفع بالشفاعة، قد يرفع بأعمال صالحة تغمر الأعمال السيئة، ألم تر أن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨]، ألم تعلم أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جِنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا شَفَّعَهَمُ اللَّهُ فِيهِ»[[أخرجه مسلم (٩٤٨ / ٥٩) من حديث ابن عباس.]]، فيرتفع عنه العذاب.
وعلى هذا نقول: عذاب الله واقع على الكافرين لا محالة، ولا دافع له، أما على عصاة المؤمنين فإن الأصل الوقوع، ما الذي يمنع وقد أنذر الله العباد وخوفهم وبيَّن لهم؟ لكن مع ذلك قد يرتفع بأسباب متعددة.
﴿مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور ٨] (ما) نافية، و(دافع) مبتدأ مؤخَّر دخلت عليها (مِن) الزائدة للتوكيد؛ يعني: ما من أحد ولو عظُمَت منزلته وقوته يدفع عذاب الله عز وجل، أبدًا، لا يمنعه ولا يرفعه؛ لأن (دافع) هنا -يا إخوان- تشمل المنع والرفع؛ تشمل المنعَ قبل الوقوع والرفعَ بعد الوقوع، لا أحد يدفع عذاب الله، لا يمنعه أن ينزل ولا يرفعه إذا نزل، وإنما ذلك إلى الله وحده.
﴿
الطور 52:3
قال الله تبارك وتعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
البسملة آية من كتاب الله، نزلت في ابتداء كل سورة، إلا سورة براءة فإنها لم تنزل للفصل بينها وبين سورة الأنفال، ولهذا لم تُكْتَب في المصحف، وليست من السورة التي افْتُتِحَت بها، فهي ليست من الفاتحة، خلافًا لما نشاهده في المصاحف أنها حُسِبَت من الفاتحة باعتبار الترقيم، والصحيح أنها ليست من الفاتحة، وأن أول آية في سورة الفاتحة هي قول الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ويدل لهذا السنة القولية والعملية:
أما القولية فما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ: أن الله قال: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ: فَإِذَا قَالَ:» ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ «قَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ «قَالَ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ «قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ «قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ:» ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ «قَالَ اللَّهُ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ»[[أخرجه مسلم (٣٩٥ / ٣٨) من حديث أبي هريرة.]].
وأما السنة العملية فهو أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان في صلاة الليل لا يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ويجهر بالفاتحة، وهذا يدل على أنها ليست من الفاتحة، وهذا هو القول الراجح.
يقول الله تبارك وتعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور ١ - ٦] هذه أشياء أقسم الله بها:
الأول: الطور؛ وهو الجبل الذي كلَّم الله عليه موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام، فإن الله تعالى كلَّمه أول ما كلَّمه على جبل الطور، فكان لهذا الجبل من الشرف والفضل ما سبق به غيره من الجبال، ولهذا أطلق كثير من العلماء أنه -أي: جبل الطور- أفضل الجبال وأشرفها.
وعلى هذا يكون أشرف وأفضل من جبل حِراء الذي ابتدأ فيه الوحي لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هذا ظاهر إطلاق كثير من العلماء.
ولكن في هذا الإطلاق نظر؛ لأن حِراء كُلم منه الرسول ﷺ، لكن كلَّمه جبريل مرسلًا من عند الله، فمنه ابتدأت أفضل الرسالات على أفضل الرسل.
وأيضًا: حِراء داخل الحرم المكي؛ لأنه من الحرم الذي لا يحل صيدُه، ولا يُقطع شجره، وبقعة الحرم أفضل البقاع، ويمكن أن يحمل إطلاق كثير من العلماء على هذا، فيقال: إلا جبل حِراء.
﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور ٢، ٣] الكتاب المسطور في الرق، اختلف فيه العلماء، وهذا الخلاف ينبني على كلمة (رَق)، هل الرَّق كل ما يُكتب فيه من جلد وورق وعظم وحجر وغير ذلك، أو هو خاص بما يُكتب فيه من جلود ونحوها؟
إن قلنا بالأول صار المراد بالكتاب عدة أشياء؛ منها: اللوح المحفوظ، ومنها: الكتب التي بأيدي الملائكة، ومنها: القرآن الكريم، ومنها: التوراة، فيشمل عدة كتب، إذا قلنا: إن الرَّق هو كل ما يُكتب فيه.
وإذا قلنا: إن الرَّق هو الورق وشبهه ما يكتب فيه عادة، فاللوح المحفوظ ليس معنا، فلا يدخل في هذا، وإنما المراد به إما التوراة، وإما القرآن.
فالذين قالوا: إنه التوراة رجَّحوا قولهم بأنه قُرِن بـ(الطور)، وهو الذي كلم منه موسى عليه الصلاة والسلام، فكان الكتاب المسطور هو التوراة الذي جاء بها موسى.
ومن قال: إن المراد به القرآن الكريم رجح ذلك بأن الله ذكر الطور الذي أوحي منه إلى موسى، والكتاب الذي هو القرآن أُوحِيَ إلى من؟ إلى محمد ﷺ، فيكون الله تبارك وتعالى ذكر أشرف الرسالات في بني إسرائيل إيماء إليها بذكر الطور، وذكر أشرف الرسالات التي بعث بها من بني إسماعيل محمدًا ﷺ، وعلى هذا فيتعين أن يكون المراد بالكتاب المسطور القرآن الكريم.
﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ الرَّق هو ما يُكتب فيه من جلد ونحوه. وقيل: كل ما يُكْتَب عليه حتى الحجر؛ لأنهم كانوا من قبل يكتبون القرآن على الأحجار، وعلى ظهور العظام، وعلى عسب النخل؛ لأن الورق ليس موجودًا بكثرة.
وقوله: ﴿مَنْشُورٍ﴾ صفة لـ﴿كِتَابٍ﴾، ويحتمل أن تكون صفة لـ﴿رَقٍّ﴾، والمعنى واحد.
والمراد بالمنشور؛ يعني المُفرَّق الذي يكون في أيدي كل قارئ، وهذا يصدق تمامًا على القرآن الكريم، فإنه -ولله الحمد- بين يدي كل قارئ، حتى الصغار من المسلمين يقرؤونه.
﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ هذا هو ثالث ما أقسم الله به في هذه الآيات، وهو بيت في السماء السابعة يُقال له: الطراح أو الصراح لعلوه، هذا البيت يدخله كل يوم سبعون ألف ملك يتعبدون فيه، ثم لا يعودون إليه، فأخبروني بناء على هذا كم عدد الملائكة؟ لا يحصيهم إلا الله، من يحصي الأيام؟! ثم من يحصي سبعين ألفًا؟! كل يوم يدخلون هذا البيت المعمور ولا يعودون إليه.
وقيل: إن المراد بالبيت المعمور بيت الله في الأرض، وهو الكعبة؛ لأنه معمور بالطائفين والعاكفين والقائمين والركع السجود، فهل يمكن أن تحمل الآية على المعنيين جميعًا؟
نحن نحب أن نذكر قاعدة في التفسير، وهي أن الآية إذا احتملت معنيين على السواء وليس بينهما منافاة وجب أن تُحْمَل على كلٍّ منهما؛ لأن المتكلم بها -وهو الله جلَّ وعلا- عالم بما تحتمله من المعاني، وإذا لم يبين أن المراد أحد المعاني فإنه يجب أن تحمل على كل ما تحتمله من المعاني الصحيحة، ما هي المعاني الباطلة.
فلننظر الآن هل هناك منافاة بين أن يكون المقسم به الكعبة أو البيت المعمور في السماء؟ الذي يظهر أن لا مُنافاة؛ لأن كلا البيتين مُعظَّم، ذاك مُعظَّم في أهل السماء، وهذا مُعظَّم في أهل الأرض، ولا مانع.
فالصواب أن الآية شاملة لهذا وهذا، إلا إذا وجدت قرينة ترجح أن المراد به البيت المعمور في السماء.
﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ أقسم الله تعالى بالسقف المرفوع وهو السماء، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ [الرعد ٢]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء ٣٢]، فالسماء سقف، والسماء مرفوعة.
إذن فالسقف المرفوع هو السماء، وسماه الله سقفًا لأنه قد غمر جميع الأرض من جميع الجوانب كما يغمر السقف الحجرة من جميع الجوانب، وإنما أقسم الله تعالى بالسماء لما فيها من الآيات العظيمة من نجوم وشمس وقمر وإحكام وإتقان، قال الله عز وجل: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك ٣، ٤]؛ يعني: مرة بعد مرة، ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك ٤]، وأخبر أنه ليس في السماء من فروج، ليس فيها تشقق، ليس فيها عيب، ليس فيها تصدع، لا تُبْلى على طول المدة فهي جديرة بأن يقسِمَ الله بها.
﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ كلمة (البحر) قيل: إن المراد به البحر الذي عليه عرش الرحمن عز وجل، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود ٧]. وقيل: المراد به البحر الذي في الأرض؛ لأنه مشاهد، المعلوم الذي فيه من آيات الله ما يبهر العقول.
والصحيح أن المراد به بحر الأرض؛ لأن (أل) في ﴿الْبَحْرِ﴾ للعهد الذهني؛ يعني: البحر المعهود الذي تعرفونه، فأقسم الله به لما فيه من آيات الله العظيمة؛ من أسماك، وأمواج، وغير هذا مما نعلمه وما لا نعلمه.
ومن أعظم ما فيه من آيات الله ما أشار إليه تعالى في قوله: ﴿الْمَسْجُورِ﴾؛ أي: الممنوع، ومنه سجر الكلب؛ يعني: في اللغة ليس المعنى هنا.. في اللغة يقال: سجرت الكلب؛ يعني: ربطته حتى لا يهرب، ﴿الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ الممنوع بقدرة من؟ بقدرة الله عز وجل.
إننا نعلم جميعًا أن الأرض كُرويَّة، وهذا البحر لو نظرنا إليه بمقتضى الطبيعة لكان يفيض على الأرض؛ لأنه لا يوجد جدران تمنع، والأرض كروية مثل الكرة، فلو نظرنا إلى هذا البحر بمقتضى الطبيعة لقلنا: لا بد أن يفيض على الأرض فيغرقها، ولكن الله تبارك وتعالى أمسكه بقدرته سبحانه وتعالى، فهو مسجور؛ أي: ممنوع من أن يفيض على الأرض فيغرق أهلها، وهذه آية من آيات الله.
صُبَّ فوق كرة من الكرات، صُبَّ فوقها ماءً. أين يذهب؟ يغمرها يمينًا وشمالًا، لكن هذا البحر لا يمكن أن يفيض على الأرض بقدرة الله سبحانه وتعالى، وانظر إلى الحكمة أحيانًا تأتي أيام المد والجزر نفس البحر يمتد امتدادًا عظيمًا لعدة أمتار وربما أميال، ثم ينحسر. من الذي مده، ولو شاء لبقي ممتدًا فتغرق الأرض؟ ومن الذي رده؟ هو الله، ولهذا كان هذا البحر جديرًا بأن يقسِمُ الله به.
في البحر آيات عظيمة، يقال: إنه ما من شيء على البر من حيوان وأشجار إلا وله نظير في البحر، بل أزيد؛ لأن البحر بالنسبة لليابس يمثل حوالي سبعين في المئة كبير جدًّا، ففيه من الأشياء ما ليس في البر؛ يعني فيه إنسان سمكة على شكل إنسان، فيه على شكل ذئب، على شكل ضبع، على شكل حيَّة، على شكل عقرب، فيه أشياء ما نرى لها نظيرًا في البر، هذه من آيات الله عز وجل.
﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ إذن أعظم آية في البحر هو أنه مسجور؛ أي: ممنوع من أن يفيض على الأرض فيغرق أهلها.
وقيل: المراد بـ﴿الْمَسْجُورِ﴾ الذي سيُسْجَرُ؛ أي: يوقد، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير ٦]؛ أي: أوقدت، فهذان قولان.
﴿الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ يعني القول الأول: الممنوع، ﴿الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ الذي سيُسْجَرُ؛ أي: يُوقَد، وهذا متى يكون؟ يوم القيامة، هذا الماء الذي نشاهده الآن، والذي لو سقطت فيه جمرة أو مَرَّ على جمرة لأطفأها، يوم القيامة يكون نارًا، يُسْجَرُ هذا الماء ويكون نارًا، هذا من آيات الله عزَّ وجل.
هذان قولان: القول الأول: المسجور الممنوع من أن يفيض على الأرض فيغرق أهلها. المسجور: الذي سيُسْجَر؛ أي: يُوقَد، وذلك يوم القيامة.
هل يمكن أن نقول: إن المراد به المعنيان جميعًا؟ نعم؛ لأنه لا مُنافاة بين هذا وهذا، فكلاهما من آيات الله عز وجل؛ يعني: أنه سواء قلنا: المسجور الممنوع من أن يفيض على الأرض، أو المسجورُ الذي سيُسْجَر؛ أي: يوقد، فكل ذلك من آيات الله.
﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [الطور ٧] هذا هو جواب القسم، والجملة هنا مؤكدة بمؤكدين بل بثلاثة: القسم المتعدد؛ خمسة إقسامات، واللام في قوله: ﴿لَوَاقِعٌ﴾، و﴿إِنَّ﴾ في قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ﴾، هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكداتٍ: بقسم بخمسة أشياء، وإذا كان قسمًا بخمسة أشياء صار كأنه أقسم عليها خمس مرات. والثاني: بـ(إنَّ). والثالث: باللام.
﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [الطور ٧]؛ يعني: لا بد أن يقع عذاب الله الذي وعد به، هذه واللهِ جملةٌ عظيمة مؤثِّرة، لكنها لا تؤثر إلا على قلب لينٍ كلِين الزبد أو أشد. أما القلب القاسي فلا يهتم بها، تمر عليه وكأنها ثلجة، كان عمر رضي الله عنه إذا قرأ هذه الآية يمرض حتى يعاد، يمرض من شدة ما يقع على قلبه من التأثر حتى يُعادَ، إذا كان واقعًا وليس له دافع أليس الجدير بنا أن نخاف؟! بلى واللهِ، هذا هو الجدير.
وقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾؛ يعني: لا بد أن يقع. ولكن هل هذا التأكيد بالنسبة لعذاب المؤمنين أو لعذاب الكافرين؟ لننظر، قال الله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾ [المعارج ١ - ٣]، ضُمَّ الآية هذه إلى الآية التي في الطور تجد أن قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور ٧، ٨] على من؟ على الكافرين، فعذاب الله على الكافرين ليس له دافع، لا أحد يدفعه؛ لا قبل وقوعه ولا بعد وقوعه، ولهذا لا تنفعهم الشفاعة، فيُرْفَع عنهم العذاب.
أما عذاب الله للمؤمن فإن الأصل أنه واقع، كل ذنبٍ توعد الله عليه بالعذاب فالأصل أنه واقع، لكنه مع ذلك قد يُرفع بفضلٍ من الله عز وجل؛ قد يرفع بالشفاعة، قد يرفع بأعمال صالحة تغمر الأعمال السيئة، ألم تر أن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨]، ألم تعلم أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جِنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا شَفَّعَهَمُ اللَّهُ فِيهِ»[[أخرجه مسلم (٩٤٨ / ٥٩) من حديث ابن عباس.]]، فيرتفع عنه العذاب.
وعلى هذا نقول: عذاب الله واقع على الكافرين لا محالة، ولا دافع له، أما على عصاة المؤمنين فإن الأصل الوقوع، ما الذي يمنع وقد أنذر الله العباد وخوفهم وبيَّن لهم؟ لكن مع ذلك قد يرتفع بأسباب متعددة.
﴿مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور ٨] (ما) نافية، و(دافع) مبتدأ مؤخَّر دخلت عليها (مِن) الزائدة للتوكيد؛ يعني: ما من أحد ولو عظُمَت منزلته وقوته يدفع عذاب الله عز وجل، أبدًا، لا يمنعه ولا يرفعه؛ لأن (دافع) هنا -يا إخوان- تشمل المنع والرفع؛ تشمل المنعَ قبل الوقوع والرفعَ بعد الوقوع، لا أحد يدفع عذاب الله، لا يمنعه أن ينزل ولا يرفعه إذا نزل، وإنما ذلك إلى الله وحده.
﴿
الطور 52:4
قال الله تبارك وتعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
البسملة آية من كتاب الله، نزلت في ابتداء كل سورة، إلا سورة براءة فإنها لم تنزل للفصل بينها وبين سورة الأنفال، ولهذا لم تُكْتَب في المصحف، وليست من السورة التي افْتُتِحَت بها، فهي ليست من الفاتحة، خلافًا لما نشاهده في المصاحف أنها حُسِبَت من الفاتحة باعتبار الترقيم، والصحيح أنها ليست من الفاتحة، وأن أول آية في سورة الفاتحة هي قول الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ويدل لهذا السنة القولية والعملية:
أما القولية فما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ: أن الله قال: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ: فَإِذَا قَالَ:» ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ «قَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ «قَالَ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ «قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ «قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ:» ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ «قَالَ اللَّهُ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ»[[أخرجه مسلم (٣٩٥ / ٣٨) من حديث أبي هريرة.]].
وأما السنة العملية فهو أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان في صلاة الليل لا يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ويجهر بالفاتحة، وهذا يدل على أنها ليست من الفاتحة، وهذا هو القول الراجح.
يقول الله تبارك وتعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور ١ - ٦] هذه أشياء أقسم الله بها:
الأول: الطور؛ وهو الجبل الذي كلَّم الله عليه موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام، فإن الله تعالى كلَّمه أول ما كلَّمه على جبل الطور، فكان لهذا الجبل من الشرف والفضل ما سبق به غيره من الجبال، ولهذا أطلق كثير من العلماء أنه -أي: جبل الطور- أفضل الجبال وأشرفها.
وعلى هذا يكون أشرف وأفضل من جبل حِراء الذي ابتدأ فيه الوحي لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هذا ظاهر إطلاق كثير من العلماء.
ولكن في هذا الإطلاق نظر؛ لأن حِراء كُلم منه الرسول ﷺ، لكن كلَّمه جبريل مرسلًا من عند الله، فمنه ابتدأت أفضل الرسالات على أفضل الرسل.
وأيضًا: حِراء داخل الحرم المكي؛ لأنه من الحرم الذي لا يحل صيدُه، ولا يُقطع شجره، وبقعة الحرم أفضل البقاع، ويمكن أن يحمل إطلاق كثير من العلماء على هذا، فيقال: إلا جبل حِراء.
﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور ٢، ٣] الكتاب المسطور في الرق، اختلف فيه العلماء، وهذا الخلاف ينبني على كلمة (رَق)، هل الرَّق كل ما يُكتب فيه من جلد وورق وعظم وحجر وغير ذلك، أو هو خاص بما يُكتب فيه من جلود ونحوها؟
إن قلنا بالأول صار المراد بالكتاب عدة أشياء؛ منها: اللوح المحفوظ، ومنها: الكتب التي بأيدي الملائكة، ومنها: القرآن الكريم، ومنها: التوراة، فيشمل عدة كتب، إذا قلنا: إن الرَّق هو كل ما يُكتب فيه.
وإذا قلنا: إن الرَّق هو الورق وشبهه ما يكتب فيه عادة، فاللوح المحفوظ ليس معنا، فلا يدخل في هذا، وإنما المراد به إما التوراة، وإما القرآن.
فالذين قالوا: إنه التوراة رجَّحوا قولهم بأنه قُرِن بـ(الطور)، وهو الذي كلم منه موسى عليه الصلاة والسلام، فكان الكتاب المسطور هو التوراة الذي جاء بها موسى.
ومن قال: إن المراد به القرآن الكريم رجح ذلك بأن الله ذكر الطور الذي أوحي منه إلى موسى، والكتاب الذي هو القرآن أُوحِيَ إلى من؟ إلى محمد ﷺ، فيكون الله تبارك وتعالى ذكر أشرف الرسالات في بني إسرائيل إيماء إليها بذكر الطور، وذكر أشرف الرسالات التي بعث بها من بني إسماعيل محمدًا ﷺ، وعلى هذا فيتعين أن يكون المراد بالكتاب المسطور القرآن الكريم.
﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ الرَّق هو ما يُكتب فيه من جلد ونحوه. وقيل: كل ما يُكْتَب عليه حتى الحجر؛ لأنهم كانوا من قبل يكتبون القرآن على الأحجار، وعلى ظهور العظام، وعلى عسب النخل؛ لأن الورق ليس موجودًا بكثرة.
وقوله: ﴿مَنْشُورٍ﴾ صفة لـ﴿كِتَابٍ﴾، ويحتمل أن تكون صفة لـ﴿رَقٍّ﴾، والمعنى واحد.
والمراد بالمنشور؛ يعني المُفرَّق الذي يكون في أيدي كل قارئ، وهذا يصدق تمامًا على القرآن الكريم، فإنه -ولله الحمد- بين يدي كل قارئ، حتى الصغار من المسلمين يقرؤونه.
﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ هذا هو ثالث ما أقسم الله به في هذه الآيات، وهو بيت في السماء السابعة يُقال له: الطراح أو الصراح لعلوه، هذا البيت يدخله كل يوم سبعون ألف ملك يتعبدون فيه، ثم لا يعودون إليه، فأخبروني بناء على هذا كم عدد الملائكة؟ لا يحصيهم إلا الله، من يحصي الأيام؟! ثم من يحصي سبعين ألفًا؟! كل يوم يدخلون هذا البيت المعمور ولا يعودون إليه.
وقيل: إن المراد بالبيت المعمور بيت الله في الأرض، وهو الكعبة؛ لأنه معمور بالطائفين والعاكفين والقائمين والركع السجود، فهل يمكن أن تحمل الآية على المعنيين جميعًا؟
نحن نحب أن نذكر قاعدة في التفسير، وهي أن الآية إذا احتملت معنيين على السواء وليس بينهما منافاة وجب أن تُحْمَل على كلٍّ منهما؛ لأن المتكلم بها -وهو الله جلَّ وعلا- عالم بما تحتمله من المعاني، وإذا لم يبين أن المراد أحد المعاني فإنه يجب أن تحمل على كل ما تحتمله من المعاني الصحيحة، ما هي المعاني الباطلة.
فلننظر الآن هل هناك منافاة بين أن يكون المقسم به الكعبة أو البيت المعمور في السماء؟ الذي يظهر أن لا مُنافاة؛ لأن كلا البيتين مُعظَّم، ذاك مُعظَّم في أهل السماء، وهذا مُعظَّم في أهل الأرض، ولا مانع.
فالصواب أن الآية شاملة لهذا وهذا، إلا إذا وجدت قرينة ترجح أن المراد به البيت المعمور في السماء.
﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ أقسم الله تعالى بالسقف المرفوع وهو السماء، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ [الرعد ٢]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء ٣٢]، فالسماء سقف، والسماء مرفوعة.
إذن فالسقف المرفوع هو السماء، وسماه الله سقفًا لأنه قد غمر جميع الأرض من جميع الجوانب كما يغمر السقف الحجرة من جميع الجوانب، وإنما أقسم الله تعالى بالسماء لما فيها من الآيات العظيمة من نجوم وشمس وقمر وإحكام وإتقان، قال الله عز وجل: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك ٣، ٤]؛ يعني: مرة بعد مرة، ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك ٤]، وأخبر أنه ليس في السماء من فروج، ليس فيها تشقق، ليس فيها عيب، ليس فيها تصدع، لا تُبْلى على طول المدة فهي جديرة بأن يقسِمَ الله بها.
﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ كلمة (البحر) قيل: إن المراد به البحر الذي عليه عرش الرحمن عز وجل، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود ٧]. وقيل: المراد به البحر الذي في الأرض؛ لأنه مشاهد، المعلوم الذي فيه من آيات الله ما يبهر العقول.
والصحيح أن المراد به بحر الأرض؛ لأن (أل) في ﴿الْبَحْرِ﴾ للعهد الذهني؛ يعني: البحر المعهود الذي تعرفونه، فأقسم الله به لما فيه من آيات الله العظيمة؛ من أسماك، وأمواج، وغير هذا مما نعلمه وما لا نعلمه.
ومن أعظم ما فيه من آيات الله ما أشار إليه تعالى في قوله: ﴿الْمَسْجُورِ﴾؛ أي: الممنوع، ومنه سجر الكلب؛ يعني: في اللغة ليس المعنى هنا.. في اللغة يقال: سجرت الكلب؛ يعني: ربطته حتى لا يهرب، ﴿الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ الممنوع بقدرة من؟ بقدرة الله عز وجل.
إننا نعلم جميعًا أن الأرض كُرويَّة، وهذا البحر لو نظرنا إليه بمقتضى الطبيعة لكان يفيض على الأرض؛ لأنه لا يوجد جدران تمنع، والأرض كروية مثل الكرة، فلو نظرنا إلى هذا البحر بمقتضى الطبيعة لقلنا: لا بد أن يفيض على الأرض فيغرقها، ولكن الله تبارك وتعالى أمسكه بقدرته سبحانه وتعالى، فهو مسجور؛ أي: ممنوع من أن يفيض على الأرض فيغرق أهلها، وهذه آية من آيات الله.
صُبَّ فوق كرة من الكرات، صُبَّ فوقها ماءً. أين يذهب؟ يغمرها يمينًا وشمالًا، لكن هذا البحر لا يمكن أن يفيض على الأرض بقدرة الله سبحانه وتعالى، وانظر إلى الحكمة أحيانًا تأتي أيام المد والجزر نفس البحر يمتد امتدادًا عظيمًا لعدة أمتار وربما أميال، ثم ينحسر. من الذي مده، ولو شاء لبقي ممتدًا فتغرق الأرض؟ ومن الذي رده؟ هو الله، ولهذا كان هذا البحر جديرًا بأن يقسِمُ الله به.
في البحر آيات عظيمة، يقال: إنه ما من شيء على البر من حيوان وأشجار إلا وله نظير في البحر، بل أزيد؛ لأن البحر بالنسبة لليابس يمثل حوالي سبعين في المئة كبير جدًّا، ففيه من الأشياء ما ليس في البر؛ يعني فيه إنسان سمكة على شكل إنسان، فيه على شكل ذئب، على شكل ضبع، على شكل حيَّة، على شكل عقرب، فيه أشياء ما نرى لها نظيرًا في البر، هذه من آيات الله عز وجل.
﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ إذن أعظم آية في البحر هو أنه مسجور؛ أي: ممنوع من أن يفيض على الأرض فيغرق أهلها.
وقيل: المراد بـ﴿الْمَسْجُورِ﴾ الذي سيُسْجَرُ؛ أي: يوقد، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير ٦]؛ أي: أوقدت، فهذان قولان.
﴿الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ يعني القول الأول: الممنوع، ﴿الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ الذي سيُسْجَرُ؛ أي: يُوقَد، وهذا متى يكون؟ يوم القيامة، هذا الماء الذي نشاهده الآن، والذي لو سقطت فيه جمرة أو مَرَّ على جمرة لأطفأها، يوم القيامة يكون نارًا، يُسْجَرُ هذا الماء ويكون نارًا، هذا من آيات الله عزَّ وجل.
هذان قولان: القول الأول: المسجور الممنوع من أن يفيض على الأرض فيغرق أهلها. المسجور: الذي سيُسْجَر؛ أي: يُوقَد، وذلك يوم القيامة.
هل يمكن أن نقول: إن المراد به المعنيان جميعًا؟ نعم؛ لأنه لا مُنافاة بين هذا وهذا، فكلاهما من آيات الله عز وجل؛ يعني: أنه سواء قلنا: المسجور الممنوع من أن يفيض على الأرض، أو المسجورُ الذي سيُسْجَر؛ أي: يوقد، فكل ذلك من آيات الله.
﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [الطور ٧] هذا هو جواب القسم، والجملة هنا مؤكدة بمؤكدين بل بثلاثة: القسم المتعدد؛ خمسة إقسامات، واللام في قوله: ﴿لَوَاقِعٌ﴾، و﴿إِنَّ﴾ في قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ﴾، هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكداتٍ: بقسم بخمسة أشياء، وإذا كان قسمًا بخمسة أشياء صار كأنه أقسم عليها خمس مرات. والثاني: بـ(إنَّ). والثالث: باللام.
﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [الطور ٧]؛ يعني: لا بد أن يقع عذاب الله الذي وعد به، هذه واللهِ جملةٌ عظيمة مؤثِّرة، لكنها لا تؤثر إلا على قلب لينٍ كلِين الزبد أو أشد. أما القلب القاسي فلا يهتم بها، تمر عليه وكأنها ثلجة، كان عمر رضي الله عنه إذا قرأ هذه الآية يمرض حتى يعاد، يمرض من شدة ما يقع على قلبه من التأثر حتى يُعادَ، إذا كان واقعًا وليس له دافع أليس الجدير بنا أن نخاف؟! بلى واللهِ، هذا هو الجدير.
وقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾؛ يعني: لا بد أن يقع. ولكن هل هذا التأكيد بالنسبة لعذاب المؤمنين أو لعذاب الكافرين؟ لننظر، قال الله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾ [المعارج ١ - ٣]، ضُمَّ الآية هذه إلى الآية التي في الطور تجد أن قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور ٧، ٨] على من؟ على الكافرين، فعذاب الله على الكافرين ليس له دافع، لا أحد يدفعه؛ لا قبل وقوعه ولا بعد وقوعه، ولهذا لا تنفعهم الشفاعة، فيُرْفَع عنهم العذاب.
أما عذاب الله للمؤمن فإن الأصل أنه واقع، كل ذنبٍ توعد الله عليه بالعذاب فالأصل أنه واقع، لكنه مع ذلك قد يُرفع بفضلٍ من الله عز وجل؛ قد يرفع بالشفاعة، قد يرفع بأعمال صالحة تغمر الأعمال السيئة، ألم تر أن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨]، ألم تعلم أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جِنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا شَفَّعَهَمُ اللَّهُ فِيهِ»[[أخرجه مسلم (٩٤٨ / ٥٩) من حديث ابن عباس.]]، فيرتفع عنه العذاب.
وعلى هذا نقول: عذاب الله واقع على الكافرين لا محالة، ولا دافع له، أما على عصاة المؤمنين فإن الأصل الوقوع، ما الذي يمنع وقد أنذر الله العباد وخوفهم وبيَّن لهم؟ لكن مع ذلك قد يرتفع بأسباب متعددة.
﴿مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور ٨] (ما) نافية، و(دافع) مبتدأ مؤخَّر دخلت عليها (مِن) الزائدة للتوكيد؛ يعني: ما من أحد ولو عظُمَت منزلته وقوته يدفع عذاب الله عز وجل، أبدًا، لا يمنعه ولا يرفعه؛ لأن (دافع) هنا -يا إخوان- تشمل المنع والرفع؛ تشمل المنعَ قبل الوقوع والرفعَ بعد الوقوع، لا أحد يدفع عذاب الله، لا يمنعه أن ينزل ولا يرفعه إذا نزل، وإنما ذلك إلى الله وحده.
﴿
الطور 52:5
قال الله تبارك وتعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
البسملة آية من كتاب الله، نزلت في ابتداء كل سورة، إلا سورة براءة فإنها لم تنزل للفصل بينها وبين سورة الأنفال، ولهذا لم تُكْتَب في المصحف، وليست من السورة التي افْتُتِحَت بها، فهي ليست من الفاتحة، خلافًا لما نشاهده في المصاحف أنها حُسِبَت من الفاتحة باعتبار الترقيم، والصحيح أنها ليست من الفاتحة، وأن أول آية في سورة الفاتحة هي قول الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ويدل لهذا السنة القولية والعملية:
أما القولية فما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ: أن الله قال: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ: فَإِذَا قَالَ:» ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ «قَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ «قَالَ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ «قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ «قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ:» ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ «قَالَ اللَّهُ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ»[[أخرجه مسلم (٣٩٥ / ٣٨) من حديث أبي هريرة.]].
وأما السنة العملية فهو أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان في صلاة الليل لا يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ويجهر بالفاتحة، وهذا يدل على أنها ليست من الفاتحة، وهذا هو القول الراجح.
يقول الله تبارك وتعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور ١ - ٦] هذه أشياء أقسم الله بها:
الأول: الطور؛ وهو الجبل الذي كلَّم الله عليه موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام، فإن الله تعالى كلَّمه أول ما كلَّمه على جبل الطور، فكان لهذا الجبل من الشرف والفضل ما سبق به غيره من الجبال، ولهذا أطلق كثير من العلماء أنه -أي: جبل الطور- أفضل الجبال وأشرفها.
وعلى هذا يكون أشرف وأفضل من جبل حِراء الذي ابتدأ فيه الوحي لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هذا ظاهر إطلاق كثير من العلماء.
ولكن في هذا الإطلاق نظر؛ لأن حِراء كُلم منه الرسول ﷺ، لكن كلَّمه جبريل مرسلًا من عند الله، فمنه ابتدأت أفضل الرسالات على أفضل الرسل.
وأيضًا: حِراء داخل الحرم المكي؛ لأنه من الحرم الذي لا يحل صيدُه، ولا يُقطع شجره، وبقعة الحرم أفضل البقاع، ويمكن أن يحمل إطلاق كثير من العلماء على هذا، فيقال: إلا جبل حِراء.
﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور ٢، ٣] الكتاب المسطور في الرق، اختلف فيه العلماء، وهذا الخلاف ينبني على كلمة (رَق)، هل الرَّق كل ما يُكتب فيه من جلد وورق وعظم وحجر وغير ذلك، أو هو خاص بما يُكتب فيه من جلود ونحوها؟
إن قلنا بالأول صار المراد بالكتاب عدة أشياء؛ منها: اللوح المحفوظ، ومنها: الكتب التي بأيدي الملائكة، ومنها: القرآن الكريم، ومنها: التوراة، فيشمل عدة كتب، إذا قلنا: إن الرَّق هو كل ما يُكتب فيه.
وإذا قلنا: إن الرَّق هو الورق وشبهه ما يكتب فيه عادة، فاللوح المحفوظ ليس معنا، فلا يدخل في هذا، وإنما المراد به إما التوراة، وإما القرآن.
فالذين قالوا: إنه التوراة رجَّحوا قولهم بأنه قُرِن بـ(الطور)، وهو الذي كلم منه موسى عليه الصلاة والسلام، فكان الكتاب المسطور هو التوراة الذي جاء بها موسى.
ومن قال: إن المراد به القرآن الكريم رجح ذلك بأن الله ذكر الطور الذي أوحي منه إلى موسى، والكتاب الذي هو القرآن أُوحِيَ إلى من؟ إلى محمد ﷺ، فيكون الله تبارك وتعالى ذكر أشرف الرسالات في بني إسرائيل إيماء إليها بذكر الطور، وذكر أشرف الرسالات التي بعث بها من بني إسماعيل محمدًا ﷺ، وعلى هذا فيتعين أن يكون المراد بالكتاب المسطور القرآن الكريم.
﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ الرَّق هو ما يُكتب فيه من جلد ونحوه. وقيل: كل ما يُكْتَب عليه حتى الحجر؛ لأنهم كانوا من قبل يكتبون القرآن على الأحجار، وعلى ظهور العظام، وعلى عسب النخل؛ لأن الورق ليس موجودًا بكثرة.
وقوله: ﴿مَنْشُورٍ﴾ صفة لـ﴿كِتَابٍ﴾، ويحتمل أن تكون صفة لـ﴿رَقٍّ﴾، والمعنى واحد.
والمراد بالمنشور؛ يعني المُفرَّق الذي يكون في أيدي كل قارئ، وهذا يصدق تمامًا على القرآن الكريم، فإنه -ولله الحمد- بين يدي كل قارئ، حتى الصغار من المسلمين يقرؤونه.
﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ هذا هو ثالث ما أقسم الله به في هذه الآيات، وهو بيت في السماء السابعة يُقال له: الطراح أو الصراح لعلوه، هذا البيت يدخله كل يوم سبعون ألف ملك يتعبدون فيه، ثم لا يعودون إليه، فأخبروني بناء على هذا كم عدد الملائكة؟ لا يحصيهم إلا الله، من يحصي الأيام؟! ثم من يحصي سبعين ألفًا؟! كل يوم يدخلون هذا البيت المعمور ولا يعودون إليه.
وقيل: إن المراد بالبيت المعمور بيت الله في الأرض، وهو الكعبة؛ لأنه معمور بالطائفين والعاكفين والقائمين والركع السجود، فهل يمكن أن تحمل الآية على المعنيين جميعًا؟
نحن نحب أن نذكر قاعدة في التفسير، وهي أن الآية إذا احتملت معنيين على السواء وليس بينهما منافاة وجب أن تُحْمَل على كلٍّ منهما؛ لأن المتكلم بها -وهو الله جلَّ وعلا- عالم بما تحتمله من المعاني، وإذا لم يبين أن المراد أحد المعاني فإنه يجب أن تحمل على كل ما تحتمله من المعاني الصحيحة، ما هي المعاني الباطلة.
فلننظر الآن هل هناك منافاة بين أن يكون المقسم به الكعبة أو البيت المعمور في السماء؟ الذي يظهر أن لا مُنافاة؛ لأن كلا البيتين مُعظَّم، ذاك مُعظَّم في أهل السماء، وهذا مُعظَّم في أهل الأرض، ولا مانع.
فالصواب أن الآية شاملة لهذا وهذا، إلا إذا وجدت قرينة ترجح أن المراد به البيت المعمور في السماء.
﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ أقسم الله تعالى بالسقف المرفوع وهو السماء، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ [الرعد ٢]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء ٣٢]، فالسماء سقف، والسماء مرفوعة.
إذن فالسقف المرفوع هو السماء، وسماه الله سقفًا لأنه قد غمر جميع الأرض من جميع الجوانب كما يغمر السقف الحجرة من جميع الجوانب، وإنما أقسم الله تعالى بالسماء لما فيها من الآيات العظيمة من نجوم وشمس وقمر وإحكام وإتقان، قال الله عز وجل: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك ٣، ٤]؛ يعني: مرة بعد مرة، ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك ٤]، وأخبر أنه ليس في السماء من فروج، ليس فيها تشقق، ليس فيها عيب، ليس فيها تصدع، لا تُبْلى على طول المدة فهي جديرة بأن يقسِمَ الله بها.
﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ كلمة (البحر) قيل: إن المراد به البحر الذي عليه عرش الرحمن عز وجل، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود ٧]. وقيل: المراد به البحر الذي في الأرض؛ لأنه مشاهد، المعلوم الذي فيه من آيات الله ما يبهر العقول.
والصحيح أن المراد به بحر الأرض؛ لأن (أل) في ﴿الْبَحْرِ﴾ للعهد الذهني؛ يعني: البحر المعهود الذي تعرفونه، فأقسم الله به لما فيه من آيات الله العظيمة؛ من أسماك، وأمواج، وغير هذا مما نعلمه وما لا نعلمه.
ومن أعظم ما فيه من آيات الله ما أشار إليه تعالى في قوله: ﴿الْمَسْجُورِ﴾؛ أي: الممنوع، ومنه سجر الكلب؛ يعني: في اللغة ليس المعنى هنا.. في اللغة يقال: سجرت الكلب؛ يعني: ربطته حتى لا يهرب، ﴿الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ الممنوع بقدرة من؟ بقدرة الله عز وجل.
إننا نعلم جميعًا أن الأرض كُرويَّة، وهذا البحر لو نظرنا إليه بمقتضى الطبيعة لكان يفيض على الأرض؛ لأنه لا يوجد جدران تمنع، والأرض كروية مثل الكرة، فلو نظرنا إلى هذا البحر بمقتضى الطبيعة لقلنا: لا بد أن يفيض على الأرض فيغرقها، ولكن الله تبارك وتعالى أمسكه بقدرته سبحانه وتعالى، فهو مسجور؛ أي: ممنوع من أن يفيض على الأرض فيغرق أهلها، وهذه آية من آيات الله.
صُبَّ فوق كرة من الكرات، صُبَّ فوقها ماءً. أين يذهب؟ يغمرها يمينًا وشمالًا، لكن هذا البحر لا يمكن أن يفيض على الأرض بقدرة الله سبحانه وتعالى، وانظر إلى الحكمة أحيانًا تأتي أيام المد والجزر نفس البحر يمتد امتدادًا عظيمًا لعدة أمتار وربما أميال، ثم ينحسر. من الذي مده، ولو شاء لبقي ممتدًا فتغرق الأرض؟ ومن الذي رده؟ هو الله، ولهذا كان هذا البحر جديرًا بأن يقسِمُ الله به.
في البحر آيات عظيمة، يقال: إنه ما من شيء على البر من حيوان وأشجار إلا وله نظير في البحر، بل أزيد؛ لأن البحر بالنسبة لليابس يمثل حوالي سبعين في المئة كبير جدًّا، ففيه من الأشياء ما ليس في البر؛ يعني فيه إنسان سمكة على شكل إنسان، فيه على شكل ذئب، على شكل ضبع، على شكل حيَّة، على شكل عقرب، فيه أشياء ما نرى لها نظيرًا في البر، هذه من آيات الله عز وجل.
﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ إذن أعظم آية في البحر هو أنه مسجور؛ أي: ممنوع من أن يفيض على الأرض فيغرق أهلها.
وقيل: المراد بـ﴿الْمَسْجُورِ﴾ الذي سيُسْجَرُ؛ أي: يوقد، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير ٦]؛ أي: أوقدت، فهذان قولان.
﴿الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ يعني القول الأول: الممنوع، ﴿الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ الذي سيُسْجَرُ؛ أي: يُوقَد، وهذا متى يكون؟ يوم القيامة، هذا الماء الذي نشاهده الآن، والذي لو سقطت فيه جمرة أو مَرَّ على جمرة لأطفأها، يوم القيامة يكون نارًا، يُسْجَرُ هذا الماء ويكون نارًا، هذا من آيات الله عزَّ وجل.
هذان قولان: القول الأول: المسجور الممنوع من أن يفيض على الأرض فيغرق أهلها. المسجور: الذي سيُسْجَر؛ أي: يُوقَد، وذلك يوم القيامة.
هل يمكن أن نقول: إن المراد به المعنيان جميعًا؟ نعم؛ لأنه لا مُنافاة بين هذا وهذا، فكلاهما من آيات الله عز وجل؛ يعني: أنه سواء قلنا: المسجور الممنوع من أن يفيض على الأرض، أو المسجورُ الذي سيُسْجَر؛ أي: يوقد، فكل ذلك من آيات الله.
﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [الطور ٧] هذا هو جواب القسم، والجملة هنا مؤكدة بمؤكدين بل بثلاثة: القسم المتعدد؛ خمسة إقسامات، واللام في قوله: ﴿لَوَاقِعٌ﴾، و﴿إِنَّ﴾ في قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ﴾، هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكداتٍ: بقسم بخمسة أشياء، وإذا كان قسمًا بخمسة أشياء صار كأنه أقسم عليها خمس مرات. والثاني: بـ(إنَّ). والثالث: باللام.
﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [الطور ٧]؛ يعني: لا بد أن يقع عذاب الله الذي وعد به، هذه واللهِ جملةٌ عظيمة مؤثِّرة، لكنها لا تؤثر إلا على قلب لينٍ كلِين الزبد أو أشد. أما القلب القاسي فلا يهتم بها، تمر عليه وكأنها ثلجة، كان عمر رضي الله عنه إذا قرأ هذه الآية يمرض حتى يعاد، يمرض من شدة ما يقع على قلبه من التأثر حتى يُعادَ، إذا كان واقعًا وليس له دافع أليس الجدير بنا أن نخاف؟! بلى واللهِ، هذا هو الجدير.
وقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾؛ يعني: لا بد أن يقع. ولكن هل هذا التأكيد بالنسبة لعذاب المؤمنين أو لعذاب الكافرين؟ لننظر، قال الله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾ [المعارج ١ - ٣]، ضُمَّ الآية هذه إلى الآية التي في الطور تجد أن قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور ٧، ٨] على من؟ على الكافرين، فعذاب الله على الكافرين ليس له دافع، لا أحد يدفعه؛ لا قبل وقوعه ولا بعد وقوعه، ولهذا لا تنفعهم الشفاعة، فيُرْفَع عنهم العذاب.
أما عذاب الله للمؤمن فإن الأصل أنه واقع، كل ذنبٍ توعد الله عليه بالعذاب فالأصل أنه واقع، لكنه مع ذلك قد يُرفع بفضلٍ من الله عز وجل؛ قد يرفع بالشفاعة، قد يرفع بأعمال صالحة تغمر الأعمال السيئة، ألم تر أن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨]، ألم تعلم أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جِنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا شَفَّعَهَمُ اللَّهُ فِيهِ»[[أخرجه مسلم (٩٤٨ / ٥٩) من حديث ابن عباس.]]، فيرتفع عنه العذاب.
وعلى هذا نقول: عذاب الله واقع على الكافرين لا محالة، ولا دافع له، أما على عصاة المؤمنين فإن الأصل الوقوع، ما الذي يمنع وقد أنذر الله العباد وخوفهم وبيَّن لهم؟ لكن مع ذلك قد يرتفع بأسباب متعددة.
﴿مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور ٨] (ما) نافية، و(دافع) مبتدأ مؤخَّر دخلت عليها (مِن) الزائدة للتوكيد؛ يعني: ما من أحد ولو عظُمَت منزلته وقوته يدفع عذاب الله عز وجل، أبدًا، لا يمنعه ولا يرفعه؛ لأن (دافع) هنا -يا إخوان- تشمل المنع والرفع؛ تشمل المنعَ قبل الوقوع والرفعَ بعد الوقوع، لا أحد يدفع عذاب الله، لا يمنعه أن ينزل ولا يرفعه إذا نزل، وإنما ذلك إلى الله وحده.
﴿
الطور 52:6
قال الله تبارك وتعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
البسملة آية من كتاب الله، نزلت في ابتداء كل سورة، إلا سورة براءة فإنها لم تنزل للفصل بينها وبين سورة الأنفال، ولهذا لم تُكْتَب في المصحف، وليست من السورة التي افْتُتِحَت بها، فهي ليست من الفاتحة، خلافًا لما نشاهده في المصاحف أنها حُسِبَت من الفاتحة باعتبار الترقيم، والصحيح أنها ليست من الفاتحة، وأن أول آية في سورة الفاتحة هي قول الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ويدل لهذا السنة القولية والعملية:
أما القولية فما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ: أن الله قال: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ: فَإِذَا قَالَ:» ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ «قَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ «قَالَ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ «قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ «قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ:» ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ «قَالَ اللَّهُ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ»[[أخرجه مسلم (٣٩٥ / ٣٨) من حديث أبي هريرة.]].
وأما السنة العملية فهو أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان في صلاة الليل لا يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ويجهر بالفاتحة، وهذا يدل على أنها ليست من الفاتحة، وهذا هو القول الراجح.
يقول الله تبارك وتعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور ١ - ٦] هذه أشياء أقسم الله بها:
الأول: الطور؛ وهو الجبل الذي كلَّم الله عليه موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام، فإن الله تعالى كلَّمه أول ما كلَّمه على جبل الطور، فكان لهذا الجبل من الشرف والفضل ما سبق به غيره من الجبال، ولهذا أطلق كثير من العلماء أنه -أي: جبل الطور- أفضل الجبال وأشرفها.
وعلى هذا يكون أشرف وأفضل من جبل حِراء الذي ابتدأ فيه الوحي لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هذا ظاهر إطلاق كثير من العلماء.
ولكن في هذا الإطلاق نظر؛ لأن حِراء كُلم منه الرسول ﷺ، لكن كلَّمه جبريل مرسلًا من عند الله، فمنه ابتدأت أفضل الرسالات على أفضل الرسل.
وأيضًا: حِراء داخل الحرم المكي؛ لأنه من الحرم الذي لا يحل صيدُه، ولا يُقطع شجره، وبقعة الحرم أفضل البقاع، ويمكن أن يحمل إطلاق كثير من العلماء على هذا، فيقال: إلا جبل حِراء.
﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور ٢، ٣] الكتاب المسطور في الرق، اختلف فيه العلماء، وهذا الخلاف ينبني على كلمة (رَق)، هل الرَّق كل ما يُكتب فيه من جلد وورق وعظم وحجر وغير ذلك، أو هو خاص بما يُكتب فيه من جلود ونحوها؟
إن قلنا بالأول صار المراد بالكتاب عدة أشياء؛ منها: اللوح المحفوظ، ومنها: الكتب التي بأيدي الملائكة، ومنها: القرآن الكريم، ومنها: التوراة، فيشمل عدة كتب، إذا قلنا: إن الرَّق هو كل ما يُكتب فيه.
وإذا قلنا: إن الرَّق هو الورق وشبهه ما يكتب فيه عادة، فاللوح المحفوظ ليس معنا، فلا يدخل في هذا، وإنما المراد به إما التوراة، وإما القرآن.
فالذين قالوا: إنه التوراة رجَّحوا قولهم بأنه قُرِن بـ(الطور)، وهو الذي كلم منه موسى عليه الصلاة والسلام، فكان الكتاب المسطور هو التوراة الذي جاء بها موسى.
ومن قال: إن المراد به القرآن الكريم رجح ذلك بأن الله ذكر الطور الذي أوحي منه إلى موسى، والكتاب الذي هو القرآن أُوحِيَ إلى من؟ إلى محمد ﷺ، فيكون الله تبارك وتعالى ذكر أشرف الرسالات في بني إسرائيل إيماء إليها بذكر الطور، وذكر أشرف الرسالات التي بعث بها من بني إسماعيل محمدًا ﷺ، وعلى هذا فيتعين أن يكون المراد بالكتاب المسطور القرآن الكريم.
﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ الرَّق هو ما يُكتب فيه من جلد ونحوه. وقيل: كل ما يُكْتَب عليه حتى الحجر؛ لأنهم كانوا من قبل يكتبون القرآن على الأحجار، وعلى ظهور العظام، وعلى عسب النخل؛ لأن الورق ليس موجودًا بكثرة.
وقوله: ﴿مَنْشُورٍ﴾ صفة لـ﴿كِتَابٍ﴾، ويحتمل أن تكون صفة لـ﴿رَقٍّ﴾، والمعنى واحد.
والمراد بالمنشور؛ يعني المُفرَّق الذي يكون في أيدي كل قارئ، وهذا يصدق تمامًا على القرآن الكريم، فإنه -ولله الحمد- بين يدي كل قارئ، حتى الصغار من المسلمين يقرؤونه.
﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ هذا هو ثالث ما أقسم الله به في هذه الآيات، وهو بيت في السماء السابعة يُقال له: الطراح أو الصراح لعلوه، هذا البيت يدخله كل يوم سبعون ألف ملك يتعبدون فيه، ثم لا يعودون إليه، فأخبروني بناء على هذا كم عدد الملائكة؟ لا يحصيهم إلا الله، من يحصي الأيام؟! ثم من يحصي سبعين ألفًا؟! كل يوم يدخلون هذا البيت المعمور ولا يعودون إليه.
وقيل: إن المراد بالبيت المعمور بيت الله في الأرض، وهو الكعبة؛ لأنه معمور بالطائفين والعاكفين والقائمين والركع السجود، فهل يمكن أن تحمل الآية على المعنيين جميعًا؟
نحن نحب أن نذكر قاعدة في التفسير، وهي أن الآية إذا احتملت معنيين على السواء وليس بينهما منافاة وجب أن تُحْمَل على كلٍّ منهما؛ لأن المتكلم بها -وهو الله جلَّ وعلا- عالم بما تحتمله من المعاني، وإذا لم يبين أن المراد أحد المعاني فإنه يجب أن تحمل على كل ما تحتمله من المعاني الصحيحة، ما هي المعاني الباطلة.
فلننظر الآن هل هناك منافاة بين أن يكون المقسم به الكعبة أو البيت المعمور في السماء؟ الذي يظهر أن لا مُنافاة؛ لأن كلا البيتين مُعظَّم، ذاك مُعظَّم في أهل السماء، وهذا مُعظَّم في أهل الأرض، ولا مانع.
فالصواب أن الآية شاملة لهذا وهذا، إلا إذا وجدت قرينة ترجح أن المراد به البيت المعمور في السماء.
﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ أقسم الله تعالى بالسقف المرفوع وهو السماء، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ [الرعد ٢]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء ٣٢]، فالسماء سقف، والسماء مرفوعة.
إذن فالسقف المرفوع هو السماء، وسماه الله سقفًا لأنه قد غمر جميع الأرض من جميع الجوانب كما يغمر السقف الحجرة من جميع الجوانب، وإنما أقسم الله تعالى بالسماء لما فيها من الآيات العظيمة من نجوم وشمس وقمر وإحكام وإتقان، قال الله عز وجل: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك ٣، ٤]؛ يعني: مرة بعد مرة، ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك ٤]، وأخبر أنه ليس في السماء من فروج، ليس فيها تشقق، ليس فيها عيب، ليس فيها تصدع، لا تُبْلى على طول المدة فهي جديرة بأن يقسِمَ الله بها.
﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ كلمة (البحر) قيل: إن المراد به البحر الذي عليه عرش الرحمن عز وجل، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود ٧]. وقيل: المراد به البحر الذي في الأرض؛ لأنه مشاهد، المعلوم الذي فيه من آيات الله ما يبهر العقول.
والصحيح أن المراد به بحر الأرض؛ لأن (أل) في ﴿الْبَحْرِ﴾ للعهد الذهني؛ يعني: البحر المعهود الذي تعرفونه، فأقسم الله به لما فيه من آيات الله العظيمة؛ من أسماك، وأمواج، وغير هذا مما نعلمه وما لا نعلمه.
ومن أعظم ما فيه من آيات الله ما أشار إليه تعالى في قوله: ﴿الْمَسْجُورِ﴾؛ أي: الممنوع، ومنه سجر الكلب؛ يعني: في اللغة ليس المعنى هنا.. في اللغة يقال: سجرت الكلب؛ يعني: ربطته حتى لا يهرب، ﴿الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ الممنوع بقدرة من؟ بقدرة الله عز وجل.
إننا نعلم جميعًا أن الأرض كُرويَّة، وهذا البحر لو نظرنا إليه بمقتضى الطبيعة لكان يفيض على الأرض؛ لأنه لا يوجد جدران تمنع، والأرض كروية مثل الكرة، فلو نظرنا إلى هذا البحر بمقتضى الطبيعة لقلنا: لا بد أن يفيض على الأرض فيغرقها، ولكن الله تبارك وتعالى أمسكه بقدرته سبحانه وتعالى، فهو مسجور؛ أي: ممنوع من أن يفيض على الأرض فيغرق أهلها، وهذه آية من آيات الله.
صُبَّ فوق كرة من الكرات، صُبَّ فوقها ماءً. أين يذهب؟ يغمرها يمينًا وشمالًا، لكن هذا البحر لا يمكن أن يفيض على الأرض بقدرة الله سبحانه وتعالى، وانظر إلى الحكمة أحيانًا تأتي أيام المد والجزر نفس البحر يمتد امتدادًا عظيمًا لعدة أمتار وربما أميال، ثم ينحسر. من الذي مده، ولو شاء لبقي ممتدًا فتغرق الأرض؟ ومن الذي رده؟ هو الله، ولهذا كان هذا البحر جديرًا بأن يقسِمُ الله به.
في البحر آيات عظيمة، يقال: إنه ما من شيء على البر من حيوان وأشجار إلا وله نظير في البحر، بل أزيد؛ لأن البحر بالنسبة لليابس يمثل حوالي سبعين في المئة كبير جدًّا، ففيه من الأشياء ما ليس في البر؛ يعني فيه إنسان سمكة على شكل إنسان، فيه على شكل ذئب، على شكل ضبع، على شكل حيَّة، على شكل عقرب، فيه أشياء ما نرى لها نظيرًا في البر، هذه من آيات الله عز وجل.
﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ إذن أعظم آية في البحر هو أنه مسجور؛ أي: ممنوع من أن يفيض على الأرض فيغرق أهلها.
وقيل: المراد بـ﴿الْمَسْجُورِ﴾ الذي سيُسْجَرُ؛ أي: يوقد، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير ٦]؛ أي: أوقدت، فهذان قولان.
﴿الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ يعني القول الأول: الممنوع، ﴿الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ الذي سيُسْجَرُ؛ أي: يُوقَد، وهذا متى يكون؟ يوم القيامة، هذا الماء الذي نشاهده الآن، والذي لو سقطت فيه جمرة أو مَرَّ على جمرة لأطفأها، يوم القيامة يكون نارًا، يُسْجَرُ هذا الماء ويكون نارًا، هذا من آيات الله عزَّ وجل.
هذان قولان: القول الأول: المسجور الممنوع من أن يفيض على الأرض فيغرق أهلها. المسجور: الذي سيُسْجَر؛ أي: يُوقَد، وذلك يوم القيامة.
هل يمكن أن نقول: إن المراد به المعنيان جميعًا؟ نعم؛ لأنه لا مُنافاة بين هذا وهذا، فكلاهما من آيات الله عز وجل؛ يعني: أنه سواء قلنا: المسجور الممنوع من أن يفيض على الأرض، أو المسجورُ الذي سيُسْجَر؛ أي: يوقد، فكل ذلك من آيات الله.
﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [الطور ٧] هذا هو جواب القسم، والجملة هنا مؤكدة بمؤكدين بل بثلاثة: القسم المتعدد؛ خمسة إقسامات، واللام في قوله: ﴿لَوَاقِعٌ﴾، و﴿إِنَّ﴾ في قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ﴾، هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكداتٍ: بقسم بخمسة أشياء، وإذا كان قسمًا بخمسة أشياء صار كأنه أقسم عليها خمس مرات. والثاني: بـ(إنَّ). والثالث: باللام.
﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [الطور ٧]؛ يعني: لا بد أن يقع عذاب الله الذي وعد به، هذه واللهِ جملةٌ عظيمة مؤثِّرة، لكنها لا تؤثر إلا على قلب لينٍ كلِين الزبد أو أشد. أما القلب القاسي فلا يهتم بها، تمر عليه وكأنها ثلجة، كان عمر رضي الله عنه إذا قرأ هذه الآية يمرض حتى يعاد، يمرض من شدة ما يقع على قلبه من التأثر حتى يُعادَ، إذا كان واقعًا وليس له دافع أليس الجدير بنا أن نخاف؟! بلى واللهِ، هذا هو الجدير.
وقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾؛ يعني: لا بد أن يقع. ولكن هل هذا التأكيد بالنسبة لعذاب المؤمنين أو لعذاب الكافرين؟ لننظر، قال الله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾ [المعارج ١ - ٣]، ضُمَّ الآية هذه إلى الآية التي في الطور تجد أن قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور ٧، ٨] على من؟ على الكافرين، فعذاب الله على الكافرين ليس له دافع، لا أحد يدفعه؛ لا قبل وقوعه ولا بعد وقوعه، ولهذا لا تنفعهم الشفاعة، فيُرْفَع عنهم العذاب.
أما عذاب الله للمؤمن فإن الأصل أنه واقع، كل ذنبٍ توعد الله عليه بالعذاب فالأصل أنه واقع، لكنه مع ذلك قد يُرفع بفضلٍ من الله عز وجل؛ قد يرفع بالشفاعة، قد يرفع بأعمال صالحة تغمر الأعمال السيئة، ألم تر أن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨]، ألم تعلم أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جِنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا شَفَّعَهَمُ اللَّهُ فِيهِ»[[أخرجه مسلم (٩٤٨ / ٥٩) من حديث ابن عباس.]]، فيرتفع عنه العذاب.
وعلى هذا نقول: عذاب الله واقع على الكافرين لا محالة، ولا دافع له، أما على عصاة المؤمنين فإن الأصل الوقوع، ما الذي يمنع وقد أنذر الله العباد وخوفهم وبيَّن لهم؟ لكن مع ذلك قد يرتفع بأسباب متعددة.
﴿مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور ٨] (ما) نافية، و(دافع) مبتدأ مؤخَّر دخلت عليها (مِن) الزائدة للتوكيد؛ يعني: ما من أحد ولو عظُمَت منزلته وقوته يدفع عذاب الله عز وجل، أبدًا، لا يمنعه ولا يرفعه؛ لأن (دافع) هنا -يا إخوان- تشمل المنع والرفع؛ تشمل المنعَ قبل الوقوع والرفعَ بعد الوقوع، لا أحد يدفع عذاب الله، لا يمنعه أن ينزل ولا يرفعه إذا نزل، وإنما ذلك إلى الله وحده.
﴿
الطور 52:7
قال الله تبارك وتعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
البسملة آية من كتاب الله، نزلت في ابتداء كل سورة، إلا سورة براءة فإنها لم تنزل للفصل بينها وبين سورة الأنفال، ولهذا لم تُكْتَب في المصحف، وليست من السورة التي افْتُتِحَت بها، فهي ليست من الفاتحة، خلافًا لما نشاهده في المصاحف أنها حُسِبَت من الفاتحة باعتبار الترقيم، والصحيح أنها ليست من الفاتحة، وأن أول آية في سورة الفاتحة هي قول الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ويدل لهذا السنة القولية والعملية:
أما القولية فما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ: أن الله قال: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ: فَإِذَا قَالَ:» ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ «قَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ «قَالَ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ «قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ «قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ:» ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ «قَالَ اللَّهُ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ»[[أخرجه مسلم (٣٩٥ / ٣٨) من حديث أبي هريرة.]].
وأما السنة العملية فهو أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان في صلاة الليل لا يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ويجهر بالفاتحة، وهذا يدل على أنها ليست من الفاتحة، وهذا هو القول الراجح.
يقول الله تبارك وتعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور ١ - ٦] هذه أشياء أقسم الله بها:
الأول: الطور؛ وهو الجبل الذي كلَّم الله عليه موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام، فإن الله تعالى كلَّمه أول ما كلَّمه على جبل الطور، فكان لهذا الجبل من الشرف والفضل ما سبق به غيره من الجبال، ولهذا أطلق كثير من العلماء أنه -أي: جبل الطور- أفضل الجبال وأشرفها.
وعلى هذا يكون أشرف وأفضل من جبل حِراء الذي ابتدأ فيه الوحي لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هذا ظاهر إطلاق كثير من العلماء.
ولكن في هذا الإطلاق نظر؛ لأن حِراء كُلم منه الرسول ﷺ، لكن كلَّمه جبريل مرسلًا من عند الله، فمنه ابتدأت أفضل الرسالات على أفضل الرسل.
وأيضًا: حِراء داخل الحرم المكي؛ لأنه من الحرم الذي لا يحل صيدُه، ولا يُقطع شجره، وبقعة الحرم أفضل البقاع، ويمكن أن يحمل إطلاق كثير من العلماء على هذا، فيقال: إلا جبل حِراء.
﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور ٢، ٣] الكتاب المسطور في الرق، اختلف فيه العلماء، وهذا الخلاف ينبني على كلمة (رَق)، هل الرَّق كل ما يُكتب فيه من جلد وورق وعظم وحجر وغير ذلك، أو هو خاص بما يُكتب فيه من جلود ونحوها؟
إن قلنا بالأول صار المراد بالكتاب عدة أشياء؛ منها: اللوح المحفوظ، ومنها: الكتب التي بأيدي الملائكة، ومنها: القرآن الكريم، ومنها: التوراة، فيشمل عدة كتب، إذا قلنا: إن الرَّق هو كل ما يُكتب فيه.
وإذا قلنا: إن الرَّق هو الورق وشبهه ما يكتب فيه عادة، فاللوح المحفوظ ليس معنا، فلا يدخل في هذا، وإنما المراد به إما التوراة، وإما القرآن.
فالذين قالوا: إنه التوراة رجَّحوا قولهم بأنه قُرِن بـ(الطور)، وهو الذي كلم منه موسى عليه الصلاة والسلام، فكان الكتاب المسطور هو التوراة الذي جاء بها موسى.
ومن قال: إن المراد به القرآن الكريم رجح ذلك بأن الله ذكر الطور الذي أوحي منه إلى موسى، والكتاب الذي هو القرآن أُوحِيَ إلى من؟ إلى محمد ﷺ، فيكون الله تبارك وتعالى ذكر أشرف الرسالات في بني إسرائيل إيماء إليها بذكر الطور، وذكر أشرف الرسالات التي بعث بها من بني إسماعيل محمدًا ﷺ، وعلى هذا فيتعين أن يكون المراد بالكتاب المسطور القرآن الكريم.
﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ الرَّق هو ما يُكتب فيه من جلد ونحوه. وقيل: كل ما يُكْتَب عليه حتى الحجر؛ لأنهم كانوا من قبل يكتبون القرآن على الأحجار، وعلى ظهور العظام، وعلى عسب النخل؛ لأن الورق ليس موجودًا بكثرة.
وقوله: ﴿مَنْشُورٍ﴾ صفة لـ﴿كِتَابٍ﴾، ويحتمل أن تكون صفة لـ﴿رَقٍّ﴾، والمعنى واحد.
والمراد بالمنشور؛ يعني المُفرَّق الذي يكون في أيدي كل قارئ، وهذا يصدق تمامًا على القرآن الكريم، فإنه -ولله الحمد- بين يدي كل قارئ، حتى الصغار من المسلمين يقرؤونه.
﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ هذا هو ثالث ما أقسم الله به في هذه الآيات، وهو بيت في السماء السابعة يُقال له: الطراح أو الصراح لعلوه، هذا البيت يدخله كل يوم سبعون ألف ملك يتعبدون فيه، ثم لا يعودون إليه، فأخبروني بناء على هذا كم عدد الملائكة؟ لا يحصيهم إلا الله، من يحصي الأيام؟! ثم من يحصي سبعين ألفًا؟! كل يوم يدخلون هذا البيت المعمور ولا يعودون إليه.
وقيل: إن المراد بالبيت المعمور بيت الله في الأرض، وهو الكعبة؛ لأنه معمور بالطائفين والعاكفين والقائمين والركع السجود، فهل يمكن أن تحمل الآية على المعنيين جميعًا؟
نحن نحب أن نذكر قاعدة في التفسير، وهي أن الآية إذا احتملت معنيين على السواء وليس بينهما منافاة وجب أن تُحْمَل على كلٍّ منهما؛ لأن المتكلم بها -وهو الله جلَّ وعلا- عالم بما تحتمله من المعاني، وإذا لم يبين أن المراد أحد المعاني فإنه يجب أن تحمل على كل ما تحتمله من المعاني الصحيحة، ما هي المعاني الباطلة.
فلننظر الآن هل هناك منافاة بين أن يكون المقسم به الكعبة أو البيت المعمور في السماء؟ الذي يظهر أن لا مُنافاة؛ لأن كلا البيتين مُعظَّم، ذاك مُعظَّم في أهل السماء، وهذا مُعظَّم في أهل الأرض، ولا مانع.
فالصواب أن الآية شاملة لهذا وهذا، إلا إذا وجدت قرينة ترجح أن المراد به البيت المعمور في السماء.
﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ أقسم الله تعالى بالسقف المرفوع وهو السماء، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ [الرعد ٢]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء ٣٢]، فالسماء سقف، والسماء مرفوعة.
إذن فالسقف المرفوع هو السماء، وسماه الله سقفًا لأنه قد غمر جميع الأرض من جميع الجوانب كما يغمر السقف الحجرة من جميع الجوانب، وإنما أقسم الله تعالى بالسماء لما فيها من الآيات العظيمة من نجوم وشمس وقمر وإحكام وإتقان، قال الله عز وجل: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك ٣، ٤]؛ يعني: مرة بعد مرة، ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك ٤]، وأخبر أنه ليس في السماء من فروج، ليس فيها تشقق، ليس فيها عيب، ليس فيها تصدع، لا تُبْلى على طول المدة فهي جديرة بأن يقسِمَ الله بها.
﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ كلمة (البحر) قيل: إن المراد به البحر الذي عليه عرش الرحمن عز وجل، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود ٧]. وقيل: المراد به البحر الذي في الأرض؛ لأنه مشاهد، المعلوم الذي فيه من آيات الله ما يبهر العقول.
والصحيح أن المراد به بحر الأرض؛ لأن (أل) في ﴿الْبَحْرِ﴾ للعهد الذهني؛ يعني: البحر المعهود الذي تعرفونه، فأقسم الله به لما فيه من آيات الله العظيمة؛ من أسماك، وأمواج، وغير هذا مما نعلمه وما لا نعلمه.
ومن أعظم ما فيه من آيات الله ما أشار إليه تعالى في قوله: ﴿الْمَسْجُورِ﴾؛ أي: الممنوع، ومنه سجر الكلب؛ يعني: في اللغة ليس المعنى هنا.. في اللغة يقال: سجرت الكلب؛ يعني: ربطته حتى لا يهرب، ﴿الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ الممنوع بقدرة من؟ بقدرة الله عز وجل.
إننا نعلم جميعًا أن الأرض كُرويَّة، وهذا البحر لو نظرنا إليه بمقتضى الطبيعة لكان يفيض على الأرض؛ لأنه لا يوجد جدران تمنع، والأرض كروية مثل الكرة، فلو نظرنا إلى هذا البحر بمقتضى الطبيعة لقلنا: لا بد أن يفيض على الأرض فيغرقها، ولكن الله تبارك وتعالى أمسكه بقدرته سبحانه وتعالى، فهو مسجور؛ أي: ممنوع من أن يفيض على الأرض فيغرق أهلها، وهذه آية من آيات الله.
صُبَّ فوق كرة من الكرات، صُبَّ فوقها ماءً. أين يذهب؟ يغمرها يمينًا وشمالًا، لكن هذا البحر لا يمكن أن يفيض على الأرض بقدرة الله سبحانه وتعالى، وانظر إلى الحكمة أحيانًا تأتي أيام المد والجزر نفس البحر يمتد امتدادًا عظيمًا لعدة أمتار وربما أميال، ثم ينحسر. من الذي مده، ولو شاء لبقي ممتدًا فتغرق الأرض؟ ومن الذي رده؟ هو الله، ولهذا كان هذا البحر جديرًا بأن يقسِمُ الله به.
في البحر آيات عظيمة، يقال: إنه ما من شيء على البر من حيوان وأشجار إلا وله نظير في البحر، بل أزيد؛ لأن البحر بالنسبة لليابس يمثل حوالي سبعين في المئة كبير جدًّا، ففيه من الأشياء ما ليس في البر؛ يعني فيه إنسان سمكة على شكل إنسان، فيه على شكل ذئب، على شكل ضبع، على شكل حيَّة، على شكل عقرب، فيه أشياء ما نرى لها نظيرًا في البر، هذه من آيات الله عز وجل.
﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ إذن أعظم آية في البحر هو أنه مسجور؛ أي: ممنوع من أن يفيض على الأرض فيغرق أهلها.
وقيل: المراد بـ﴿الْمَسْجُورِ﴾ الذي سيُسْجَرُ؛ أي: يوقد، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير ٦]؛ أي: أوقدت، فهذان قولان.
﴿الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ يعني القول الأول: الممنوع، ﴿الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ الذي سيُسْجَرُ؛ أي: يُوقَد، وهذا متى يكون؟ يوم القيامة، هذا الماء الذي نشاهده الآن، والذي لو سقطت فيه جمرة أو مَرَّ على جمرة لأطفأها، يوم القيامة يكون نارًا، يُسْجَرُ هذا الماء ويكون نارًا، هذا من آيات الله عزَّ وجل.
هذان قولان: القول الأول: المسجور الممنوع من أن يفيض على الأرض فيغرق أهلها. المسجور: الذي سيُسْجَر؛ أي: يُوقَد، وذلك يوم القيامة.
هل يمكن أن نقول: إن المراد به المعنيان جميعًا؟ نعم؛ لأنه لا مُنافاة بين هذا وهذا، فكلاهما من آيات الله عز وجل؛ يعني: أنه سواء قلنا: المسجور الممنوع من أن يفيض على الأرض، أو المسجورُ الذي سيُسْجَر؛ أي: يوقد، فكل ذلك من آيات الله.
﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [الطور ٧] هذا هو جواب القسم، والجملة هنا مؤكدة بمؤكدين بل بثلاثة: القسم المتعدد؛ خمسة إقسامات، واللام في قوله: ﴿لَوَاقِعٌ﴾، و﴿إِنَّ﴾ في قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ﴾، هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكداتٍ: بقسم بخمسة أشياء، وإذا كان قسمًا بخمسة أشياء صار كأنه أقسم عليها خمس مرات. والثاني: بـ(إنَّ). والثالث: باللام.
﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [الطور ٧]؛ يعني: لا بد أن يقع عذاب الله الذي وعد به، هذه واللهِ جملةٌ عظيمة مؤثِّرة، لكنها لا تؤثر إلا على قلب لينٍ كلِين الزبد أو أشد. أما القلب القاسي فلا يهتم بها، تمر عليه وكأنها ثلجة، كان عمر رضي الله عنه إذا قرأ هذه الآية يمرض حتى يعاد، يمرض من شدة ما يقع على قلبه من التأثر حتى يُعادَ، إذا كان واقعًا وليس له دافع أليس الجدير بنا أن نخاف؟! بلى واللهِ، هذا هو الجدير.
وقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾؛ يعني: لا بد أن يقع. ولكن هل هذا التأكيد بالنسبة لعذاب المؤمنين أو لعذاب الكافرين؟ لننظر، قال الله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾ [المعارج ١ - ٣]، ضُمَّ الآية هذه إلى الآية التي في الطور تجد أن قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور ٧، ٨] على من؟ على الكافرين، فعذاب الله على الكافرين ليس له دافع، لا أحد يدفعه؛ لا قبل وقوعه ولا بعد وقوعه، ولهذا لا تنفعهم الشفاعة، فيُرْفَع عنهم العذاب.
أما عذاب الله للمؤمن فإن الأصل أنه واقع، كل ذنبٍ توعد الله عليه بالعذاب فالأصل أنه واقع، لكنه مع ذلك قد يُرفع بفضلٍ من الله عز وجل؛ قد يرفع بالشفاعة، قد يرفع بأعمال صالحة تغمر الأعمال السيئة، ألم تر أن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨]، ألم تعلم أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جِنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا شَفَّعَهَمُ اللَّهُ فِيهِ»[[أخرجه مسلم (٩٤٨ / ٥٩) من حديث ابن عباس.]]، فيرتفع عنه العذاب.
وعلى هذا نقول: عذاب الله واقع على الكافرين لا محالة، ولا دافع له، أما على عصاة المؤمنين فإن الأصل الوقوع، ما الذي يمنع وقد أنذر الله العباد وخوفهم وبيَّن لهم؟ لكن مع ذلك قد يرتفع بأسباب متعددة.
﴿مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور ٨] (ما) نافية، و(دافع) مبتدأ مؤخَّر دخلت عليها (مِن) الزائدة للتوكيد؛ يعني: ما من أحد ولو عظُمَت منزلته وقوته يدفع عذاب الله عز وجل، أبدًا، لا يمنعه ولا يرفعه؛ لأن (دافع) هنا -يا إخوان- تشمل المنع والرفع؛ تشمل المنعَ قبل الوقوع والرفعَ بعد الوقوع، لا أحد يدفع عذاب الله، لا يمنعه أن ينزل ولا يرفعه إذا نزل، وإنما ذلك إلى الله وحده.
﴿
الطور 52:8
قال الله تبارك وتعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
البسملة آية من كتاب الله، نزلت في ابتداء كل سورة، إلا سورة براءة فإنها لم تنزل للفصل بينها وبين سورة الأنفال، ولهذا لم تُكْتَب في المصحف، وليست من السورة التي افْتُتِحَت بها، فهي ليست من الفاتحة، خلافًا لما نشاهده في المصاحف أنها حُسِبَت من الفاتحة باعتبار الترقيم، والصحيح أنها ليست من الفاتحة، وأن أول آية في سورة الفاتحة هي قول الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ويدل لهذا السنة القولية والعملية:
أما القولية فما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ: أن الله قال: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ: فَإِذَا قَالَ:» ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ «قَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ «قَالَ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ «قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ «قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ:» ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ «قَالَ اللَّهُ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ»[[أخرجه مسلم (٣٩٥ / ٣٨) من حديث أبي هريرة.]].
وأما السنة العملية فهو أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان في صلاة الليل لا يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ويجهر بالفاتحة، وهذا يدل على أنها ليست من الفاتحة، وهذا هو القول الراجح.
يقول الله تبارك وتعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور ١ - ٦] هذه أشياء أقسم الله بها:
الأول: الطور؛ وهو الجبل الذي كلَّم الله عليه موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام، فإن الله تعالى كلَّمه أول ما كلَّمه على جبل الطور، فكان لهذا الجبل من الشرف والفضل ما سبق به غيره من الجبال، ولهذا أطلق كثير من العلماء أنه -أي: جبل الطور- أفضل الجبال وأشرفها.
وعلى هذا يكون أشرف وأفضل من جبل حِراء الذي ابتدأ فيه الوحي لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هذا ظاهر إطلاق كثير من العلماء.
ولكن في هذا الإطلاق نظر؛ لأن حِراء كُلم منه الرسول ﷺ، لكن كلَّمه جبريل مرسلًا من عند الله، فمنه ابتدأت أفضل الرسالات على أفضل الرسل.
وأيضًا: حِراء داخل الحرم المكي؛ لأنه من الحرم الذي لا يحل صيدُه، ولا يُقطع شجره، وبقعة الحرم أفضل البقاع، ويمكن أن يحمل إطلاق كثير من العلماء على هذا، فيقال: إلا جبل حِراء.
﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور ٢، ٣] الكتاب المسطور في الرق، اختلف فيه العلماء، وهذا الخلاف ينبني على كلمة (رَق)، هل الرَّق كل ما يُكتب فيه من جلد وورق وعظم وحجر وغير ذلك، أو هو خاص بما يُكتب فيه من جلود ونحوها؟
إن قلنا بالأول صار المراد بالكتاب عدة أشياء؛ منها: اللوح المحفوظ، ومنها: الكتب التي بأيدي الملائكة، ومنها: القرآن الكريم، ومنها: التوراة، فيشمل عدة كتب، إذا قلنا: إن الرَّق هو كل ما يُكتب فيه.
وإذا قلنا: إن الرَّق هو الورق وشبهه ما يكتب فيه عادة، فاللوح المحفوظ ليس معنا، فلا يدخل في هذا، وإنما المراد به إما التوراة، وإما القرآن.
فالذين قالوا: إنه التوراة رجَّحوا قولهم بأنه قُرِن بـ(الطور)، وهو الذي كلم منه موسى عليه الصلاة والسلام، فكان الكتاب المسطور هو التوراة الذي جاء بها موسى.
ومن قال: إن المراد به القرآن الكريم رجح ذلك بأن الله ذكر الطور الذي أوحي منه إلى موسى، والكتاب الذي هو القرآن أُوحِيَ إلى من؟ إلى محمد ﷺ، فيكون الله تبارك وتعالى ذكر أشرف الرسالات في بني إسرائيل إيماء إليها بذكر الطور، وذكر أشرف الرسالات التي بعث بها من بني إسماعيل محمدًا ﷺ، وعلى هذا فيتعين أن يكون المراد بالكتاب المسطور القرآن الكريم.
﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ الرَّق هو ما يُكتب فيه من جلد ونحوه. وقيل: كل ما يُكْتَب عليه حتى الحجر؛ لأنهم كانوا من قبل يكتبون القرآن على الأحجار، وعلى ظهور العظام، وعلى عسب النخل؛ لأن الورق ليس موجودًا بكثرة.
وقوله: ﴿مَنْشُورٍ﴾ صفة لـ﴿كِتَابٍ﴾، ويحتمل أن تكون صفة لـ﴿رَقٍّ﴾، والمعنى واحد.
والمراد بالمنشور؛ يعني المُفرَّق الذي يكون في أيدي كل قارئ، وهذا يصدق تمامًا على القرآن الكريم، فإنه -ولله الحمد- بين يدي كل قارئ، حتى الصغار من المسلمين يقرؤونه.
﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ هذا هو ثالث ما أقسم الله به في هذه الآيات، وهو بيت في السماء السابعة يُقال له: الطراح أو الصراح لعلوه، هذا البيت يدخله كل يوم سبعون ألف ملك يتعبدون فيه، ثم لا يعودون إليه، فأخبروني بناء على هذا كم عدد الملائكة؟ لا يحصيهم إلا الله، من يحصي الأيام؟! ثم من يحصي سبعين ألفًا؟! كل يوم يدخلون هذا البيت المعمور ولا يعودون إليه.
وقيل: إن المراد بالبيت المعمور بيت الله في الأرض، وهو الكعبة؛ لأنه معمور بالطائفين والعاكفين والقائمين والركع السجود، فهل يمكن أن تحمل الآية على المعنيين جميعًا؟
نحن نحب أن نذكر قاعدة في التفسير، وهي أن الآية إذا احتملت معنيين على السواء وليس بينهما منافاة وجب أن تُحْمَل على كلٍّ منهما؛ لأن المتكلم بها -وهو الله جلَّ وعلا- عالم بما تحتمله من المعاني، وإذا لم يبين أن المراد أحد المعاني فإنه يجب أن تحمل على كل ما تحتمله من المعاني الصحيحة، ما هي المعاني الباطلة.
فلننظر الآن هل هناك منافاة بين أن يكون المقسم به الكعبة أو البيت المعمور في السماء؟ الذي يظهر أن لا مُنافاة؛ لأن كلا البيتين مُعظَّم، ذاك مُعظَّم في أهل السماء، وهذا مُعظَّم في أهل الأرض، ولا مانع.
فالصواب أن الآية شاملة لهذا وهذا، إلا إذا وجدت قرينة ترجح أن المراد به البيت المعمور في السماء.
﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ أقسم الله تعالى بالسقف المرفوع وهو السماء، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ [الرعد ٢]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء ٣٢]، فالسماء سقف، والسماء مرفوعة.
إذن فالسقف المرفوع هو السماء، وسماه الله سقفًا لأنه قد غمر جميع الأرض من جميع الجوانب كما يغمر السقف الحجرة من جميع الجوانب، وإنما أقسم الله تعالى بالسماء لما فيها من الآيات العظيمة من نجوم وشمس وقمر وإحكام وإتقان، قال الله عز وجل: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك ٣، ٤]؛ يعني: مرة بعد مرة، ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك ٤]، وأخبر أنه ليس في السماء من فروج، ليس فيها تشقق، ليس فيها عيب، ليس فيها تصدع، لا تُبْلى على طول المدة فهي جديرة بأن يقسِمَ الله بها.
﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ كلمة (البحر) قيل: إن المراد به البحر الذي عليه عرش الرحمن عز وجل، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود ٧]. وقيل: المراد به البحر الذي في الأرض؛ لأنه مشاهد، المعلوم الذي فيه من آيات الله ما يبهر العقول.
والصحيح أن المراد به بحر الأرض؛ لأن (أل) في ﴿الْبَحْرِ﴾ للعهد الذهني؛ يعني: البحر المعهود الذي تعرفونه، فأقسم الله به لما فيه من آيات الله العظيمة؛ من أسماك، وأمواج، وغير هذا مما نعلمه وما لا نعلمه.
ومن أعظم ما فيه من آيات الله ما أشار إليه تعالى في قوله: ﴿الْمَسْجُورِ﴾؛ أي: الممنوع، ومنه سجر الكلب؛ يعني: في اللغة ليس المعنى هنا.. في اللغة يقال: سجرت الكلب؛ يعني: ربطته حتى لا يهرب، ﴿الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ الممنوع بقدرة من؟ بقدرة الله عز وجل.
إننا نعلم جميعًا أن الأرض كُرويَّة، وهذا البحر لو نظرنا إليه بمقتضى الطبيعة لكان يفيض على الأرض؛ لأنه لا يوجد جدران تمنع، والأرض كروية مثل الكرة، فلو نظرنا إلى هذا البحر بمقتضى الطبيعة لقلنا: لا بد أن يفيض على الأرض فيغرقها، ولكن الله تبارك وتعالى أمسكه بقدرته سبحانه وتعالى، فهو مسجور؛ أي: ممنوع من أن يفيض على الأرض فيغرق أهلها، وهذه آية من آيات الله.
صُبَّ فوق كرة من الكرات، صُبَّ فوقها ماءً. أين يذهب؟ يغمرها يمينًا وشمالًا، لكن هذا البحر لا يمكن أن يفيض على الأرض بقدرة الله سبحانه وتعالى، وانظر إلى الحكمة أحيانًا تأتي أيام المد والجزر نفس البحر يمتد امتدادًا عظيمًا لعدة أمتار وربما أميال، ثم ينحسر. من الذي مده، ولو شاء لبقي ممتدًا فتغرق الأرض؟ ومن الذي رده؟ هو الله، ولهذا كان هذا البحر جديرًا بأن يقسِمُ الله به.
في البحر آيات عظيمة، يقال: إنه ما من شيء على البر من حيوان وأشجار إلا وله نظير في البحر، بل أزيد؛ لأن البحر بالنسبة لليابس يمثل حوالي سبعين في المئة كبير جدًّا، ففيه من الأشياء ما ليس في البر؛ يعني فيه إنسان سمكة على شكل إنسان، فيه على شكل ذئب، على شكل ضبع، على شكل حيَّة، على شكل عقرب، فيه أشياء ما نرى لها نظيرًا في البر، هذه من آيات الله عز وجل.
﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ إذن أعظم آية في البحر هو أنه مسجور؛ أي: ممنوع من أن يفيض على الأرض فيغرق أهلها.
وقيل: المراد بـ﴿الْمَسْجُورِ﴾ الذي سيُسْجَرُ؛ أي: يوقد، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير ٦]؛ أي: أوقدت، فهذان قولان.
﴿الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ يعني القول الأول: الممنوع، ﴿الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ الذي سيُسْجَرُ؛ أي: يُوقَد، وهذا متى يكون؟ يوم القيامة، هذا الماء الذي نشاهده الآن، والذي لو سقطت فيه جمرة أو مَرَّ على جمرة لأطفأها، يوم القيامة يكون نارًا، يُسْجَرُ هذا الماء ويكون نارًا، هذا من آيات الله عزَّ وجل.
هذان قولان: القول الأول: المسجور الممنوع من أن يفيض على الأرض فيغرق أهلها. المسجور: الذي سيُسْجَر؛ أي: يُوقَد، وذلك يوم القيامة.
هل يمكن أن نقول: إن المراد به المعنيان جميعًا؟ نعم؛ لأنه لا مُنافاة بين هذا وهذا، فكلاهما من آيات الله عز وجل؛ يعني: أنه سواء قلنا: المسجور الممنوع من أن يفيض على الأرض، أو المسجورُ الذي سيُسْجَر؛ أي: يوقد، فكل ذلك من آيات الله.
﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [الطور ٧] هذا هو جواب القسم، والجملة هنا مؤكدة بمؤكدين بل بثلاثة: القسم المتعدد؛ خمسة إقسامات، واللام في قوله: ﴿لَوَاقِعٌ﴾، و﴿إِنَّ﴾ في قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ﴾، هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكداتٍ: بقسم بخمسة أشياء، وإذا كان قسمًا بخمسة أشياء صار كأنه أقسم عليها خمس مرات. والثاني: بـ(إنَّ). والثالث: باللام.
﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [الطور ٧]؛ يعني: لا بد أن يقع عذاب الله الذي وعد به، هذه واللهِ جملةٌ عظيمة مؤثِّرة، لكنها لا تؤثر إلا على قلب لينٍ كلِين الزبد أو أشد. أما القلب القاسي فلا يهتم بها، تمر عليه وكأنها ثلجة، كان عمر رضي الله عنه إذا قرأ هذه الآية يمرض حتى يعاد، يمرض من شدة ما يقع على قلبه من التأثر حتى يُعادَ، إذا كان واقعًا وليس له دافع أليس الجدير بنا أن نخاف؟! بلى واللهِ، هذا هو الجدير.
وقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾؛ يعني: لا بد أن يقع. ولكن هل هذا التأكيد بالنسبة لعذاب المؤمنين أو لعذاب الكافرين؟ لننظر، قال الله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾ [المعارج ١ - ٣]، ضُمَّ الآية هذه إلى الآية التي في الطور تجد أن قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور ٧، ٨] على من؟ على الكافرين، فعذاب الله على الكافرين ليس له دافع، لا أحد يدفعه؛ لا قبل وقوعه ولا بعد وقوعه، ولهذا لا تنفعهم الشفاعة، فيُرْفَع عنهم العذاب.
أما عذاب الله للمؤمن فإن الأصل أنه واقع، كل ذنبٍ توعد الله عليه بالعذاب فالأصل أنه واقع، لكنه مع ذلك قد يُرفع بفضلٍ من الله عز وجل؛ قد يرفع بالشفاعة، قد يرفع بأعمال صالحة تغمر الأعمال السيئة، ألم تر أن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨]، ألم تعلم أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جِنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا شَفَّعَهَمُ اللَّهُ فِيهِ»[[أخرجه مسلم (٩٤٨ / ٥٩) من حديث ابن عباس.]]، فيرتفع عنه العذاب.
وعلى هذا نقول: عذاب الله واقع على الكافرين لا محالة، ولا دافع له، أما على عصاة المؤمنين فإن الأصل الوقوع، ما الذي يمنع وقد أنذر الله العباد وخوفهم وبيَّن لهم؟ لكن مع ذلك قد يرتفع بأسباب متعددة.
﴿مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور ٨] (ما) نافية، و(دافع) مبتدأ مؤخَّر دخلت عليها (مِن) الزائدة للتوكيد؛ يعني: ما من أحد ولو عظُمَت منزلته وقوته يدفع عذاب الله عز وجل، أبدًا، لا يمنعه ولا يرفعه؛ لأن (دافع) هنا -يا إخوان- تشمل المنع والرفع؛ تشمل المنعَ قبل الوقوع والرفعَ بعد الوقوع، لا أحد يدفع عذاب الله، لا يمنعه أن ينزل ولا يرفعه إذا نزل، وإنما ذلك إلى الله وحده.
﴿
الطور 52:9
﴾
﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور: ٩ - ١١].
هذه الجملة بل هذه المفردة: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ متعلقة بقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾؛ يعني: أن العذاب يقع في ذلك اليوم ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.
قوله: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ قد يظن الظان أن المصدر هنا ﴿مَوْرًا﴾ لمجرد التوكيد، ولكنه ليس كذلك بل هو لبيان تعظيم هذا الموقف، والمور بمعنى الاضطراب؛ يعني: أن السماء تضطرب وتتشقق وتتفتح وتختلف عما هي اليوم عليه، كما قال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار ١ - ٥]، ولا إنسان يتصور أو يعلم حقيقة ذلك اليوم، ولكننا نعلم المعنى بما أخبر الله به عنه، أما الحقيقة فهي شيء فوق ما نتصوره الآن.
﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ [الطور ١٠]؛ أي: تسير سيرًا عظيمًا، وذلك أن الجبال تكون هباء منثورًا، وتتطاير كما تتطاير الغيوم، وتسير سيرًا عظيمًا هائلًا؛ لشدة هول ذلك اليوم، وهذه الآية تدل على أن قول الله تبارك وتعالى في سورة النمل: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل ٨٨]، فإن هذه الآية هي نفس هذه الآية التي في الطور من حيث المعنى، فيكون قوله تبارك وتعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾؛ يعني: يوم القيامة ولا شكَّ.
ومن فسَّرها بأن ذلك في الدنيا، وأنه دليل على أن الأرض تدور فقد حرَّف الكلم عن مواضعه، وقال على الله ما لا يعلم، وتفسير القرآن ليس بالأمر الهين؛ لأن تفسير القرآن يعني أنك تشهد على أن الله أراد به كذا وكذا، فلا بد أن يكون هناك دليل؛ إما من القرآن نفسه، وإما من السنة، وإما من تفسير الصحابة، أما أن يحول الإنسان القرآن على المعنى الذي يراه بعقله أو برأيه، فقد قال النبي ﷺ: «مَنْ قَالَ فِي الْقُرَآنِ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»[[أخرجه الترمذي (٢٩٥٠)، والنسائي في الكبرى (٨٠٣١) من حديث ابن عباس.]].
والمهم أن هذا التفسير، أعني أن قوله: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ يُراد به في الدنيا تفسيرٌ باطلٌ، لا يجوز الاعتماد عليه ولا المعول عليه، أما كون الأرض تدور أو لا تدور، فهذا يُعلم من دليل آخر؛ إما بحسب الواقع، وإما بالقرآن، وإما بالسنة، ولا يجوز أبدًا أن نُحَمِّلَ القرآن معاني لا يدل عليها من أجل أن يؤيد نظرية أو أمرًا واقعًا، لكنه لا يدل عليه اللفظ؛ لأن هذا أمر خطير جدًّا.
قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور ١١]، (ويل) كلمة وعيدٍ وتهديدٍ، وإن كان قد رُوِي أنها وادٍ في جهنم[[أخرجه الترمذي (٣١٦٤)، وأحمد في المسند (١١٧١٢) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، لكن الصواب أنها كلمة تهديد ووعيد.
﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ المكذبين لله ورسله، الجاحدين لما قامت الأدلة على ثبوته، فإنهم سيجدون في ذلك اليوم من العذاب والنكال ما لا يخطر لهم على بالٍ.
الطور 52:10
﴾
﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور: ٩ - ١١].
هذه الجملة بل هذه المفردة: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ متعلقة بقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾؛ يعني: أن العذاب يقع في ذلك اليوم ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.
قوله: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ قد يظن الظان أن المصدر هنا ﴿مَوْرًا﴾ لمجرد التوكيد، ولكنه ليس كذلك بل هو لبيان تعظيم هذا الموقف، والمور بمعنى الاضطراب؛ يعني: أن السماء تضطرب وتتشقق وتتفتح وتختلف عما هي اليوم عليه، كما قال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار ١ - ٥]، ولا إنسان يتصور أو يعلم حقيقة ذلك اليوم، ولكننا نعلم المعنى بما أخبر الله به عنه، أما الحقيقة فهي شيء فوق ما نتصوره الآن.
﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ [الطور ١٠]؛ أي: تسير سيرًا عظيمًا، وذلك أن الجبال تكون هباء منثورًا، وتتطاير كما تتطاير الغيوم، وتسير سيرًا عظيمًا هائلًا؛ لشدة هول ذلك اليوم، وهذه الآية تدل على أن قول الله تبارك وتعالى في سورة النمل: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل ٨٨]، فإن هذه الآية هي نفس هذه الآية التي في الطور من حيث المعنى، فيكون قوله تبارك وتعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾؛ يعني: يوم القيامة ولا شكَّ.
ومن فسَّرها بأن ذلك في الدنيا، وأنه دليل على أن الأرض تدور فقد حرَّف الكلم عن مواضعه، وقال على الله ما لا يعلم، وتفسير القرآن ليس بالأمر الهين؛ لأن تفسير القرآن يعني أنك تشهد على أن الله أراد به كذا وكذا، فلا بد أن يكون هناك دليل؛ إما من القرآن نفسه، وإما من السنة، وإما من تفسير الصحابة، أما أن يحول الإنسان القرآن على المعنى الذي يراه بعقله أو برأيه، فقد قال النبي ﷺ: «مَنْ قَالَ فِي الْقُرَآنِ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»[[أخرجه الترمذي (٢٩٥٠)، والنسائي في الكبرى (٨٠٣١) من حديث ابن عباس.]].
والمهم أن هذا التفسير، أعني أن قوله: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ يُراد به في الدنيا تفسيرٌ باطلٌ، لا يجوز الاعتماد عليه ولا المعول عليه، أما كون الأرض تدور أو لا تدور، فهذا يُعلم من دليل آخر؛ إما بحسب الواقع، وإما بالقرآن، وإما بالسنة، ولا يجوز أبدًا أن نُحَمِّلَ القرآن معاني لا يدل عليها من أجل أن يؤيد نظرية أو أمرًا واقعًا، لكنه لا يدل عليه اللفظ؛ لأن هذا أمر خطير جدًّا.
قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور ١١]، (ويل) كلمة وعيدٍ وتهديدٍ، وإن كان قد رُوِي أنها وادٍ في جهنم[[أخرجه الترمذي (٣١٦٤)، وأحمد في المسند (١١٧١٢) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، لكن الصواب أنها كلمة تهديد ووعيد.
﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ المكذبين لله ورسله، الجاحدين لما قامت الأدلة على ثبوته، فإنهم سيجدون في ذلك اليوم من العذاب والنكال ما لا يخطر لهم على بالٍ.
الطور 52:11
﴾
﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور: ٩ - ١١].
هذه الجملة بل هذه المفردة: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ متعلقة بقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾؛ يعني: أن العذاب يقع في ذلك اليوم ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.
قوله: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ قد يظن الظان أن المصدر هنا ﴿مَوْرًا﴾ لمجرد التوكيد، ولكنه ليس كذلك بل هو لبيان تعظيم هذا الموقف، والمور بمعنى الاضطراب؛ يعني: أن السماء تضطرب وتتشقق وتتفتح وتختلف عما هي اليوم عليه، كما قال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار ١ - ٥]، ولا إنسان يتصور أو يعلم حقيقة ذلك اليوم، ولكننا نعلم المعنى بما أخبر الله به عنه، أما الحقيقة فهي شيء فوق ما نتصوره الآن.
﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ [الطور ١٠]؛ أي: تسير سيرًا عظيمًا، وذلك أن الجبال تكون هباء منثورًا، وتتطاير كما تتطاير الغيوم، وتسير سيرًا عظيمًا هائلًا؛ لشدة هول ذلك اليوم، وهذه الآية تدل على أن قول الله تبارك وتعالى في سورة النمل: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل ٨٨]، فإن هذه الآية هي نفس هذه الآية التي في الطور من حيث المعنى، فيكون قوله تبارك وتعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾؛ يعني: يوم القيامة ولا شكَّ.
ومن فسَّرها بأن ذلك في الدنيا، وأنه دليل على أن الأرض تدور فقد حرَّف الكلم عن مواضعه، وقال على الله ما لا يعلم، وتفسير القرآن ليس بالأمر الهين؛ لأن تفسير القرآن يعني أنك تشهد على أن الله أراد به كذا وكذا، فلا بد أن يكون هناك دليل؛ إما من القرآن نفسه، وإما من السنة، وإما من تفسير الصحابة، أما أن يحول الإنسان القرآن على المعنى الذي يراه بعقله أو برأيه، فقد قال النبي ﷺ: «مَنْ قَالَ فِي الْقُرَآنِ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»[[أخرجه الترمذي (٢٩٥٠)، والنسائي في الكبرى (٨٠٣١) من حديث ابن عباس.]].
والمهم أن هذا التفسير، أعني أن قوله: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ يُراد به في الدنيا تفسيرٌ باطلٌ، لا يجوز الاعتماد عليه ولا المعول عليه، أما كون الأرض تدور أو لا تدور، فهذا يُعلم من دليل آخر؛ إما بحسب الواقع، وإما بالقرآن، وإما بالسنة، ولا يجوز أبدًا أن نُحَمِّلَ القرآن معاني لا يدل عليها من أجل أن يؤيد نظرية أو أمرًا واقعًا، لكنه لا يدل عليه اللفظ؛ لأن هذا أمر خطير جدًّا.
قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور ١١]، (ويل) كلمة وعيدٍ وتهديدٍ، وإن كان قد رُوِي أنها وادٍ في جهنم[[أخرجه الترمذي (٣١٦٤)، وأحمد في المسند (١١٧١٢) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، لكن الصواب أنها كلمة تهديد ووعيد.
﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ المكذبين لله ورسله، الجاحدين لما قامت الأدلة على ثبوته، فإنهم سيجدون في ذلك اليوم من العذاب والنكال ما لا يخطر لهم على بالٍ.
الطور 52:12
﴿الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ [الطور: ١٢] ﴿الَّذِينَ هُمْ﴾ في الدنيا، ﴿فِي خَوْضٍ﴾ أي: في كلام باطل، ﴿يَلْعَبُونَ﴾؛ أي: لا يقولون الجد، ولا يعملون بالجد، وإنما أعمالهم كلها لعب ولغوٌ، ولذلك تجد أعمارهم ليس بها بركةٌ، تمرُّ بهم الليالي والأيام لا يستفيدون شيئًا.
الطور 52:13
﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣]، هذه متعلقة بما سبق أيضًا، و﴿يُدَعُّونَ﴾ بمعنى: يدفعون بعنف وشدة، ﴿إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾؛ لأنهم -والعياذ بالله- تُمَثَّل لهم النار كأنها سراب؛ أي: كأنها حوض نهر وهم على أشد ما يكون من العطش، فيذهبون إليها سراعًا يريدون أن يشربوا منها حتى يزول عنهم العطش، فإذا بلغوها وإذا هي النار والعياذ بالله، فكأنهم -والله أعلم- يتوقفون لئلا يتساقطوا فيها، فيدعون إليها دعًّا؛ أي: يدفعون بعنف وشدة، فيتساقطون فيها، أجارنا الله وإياكم من ذلك.
الطور 52:14
﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ﴾ ؛ يعني يقال لهم: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ كانوا في الدنيا يقولون: لا بعث ولا جزاء، ولا عقوبة ولا نار، وإنما هي أرحام تدفع وأرض تبلعُ ولا بعث، فيقال: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ في الدنيا يُكذِّبون بها ويقولون: لا نار ولا بعث ولا جزاء، فيُوَبَّخون على هذا الإنكار يوم القيامة، وما أشد حسرتهم إذا وُبِّخُوا على أمرٍ كان في إمكانهم أن يتخلوا عنه ولكنهم الآن لا يستطيعون إلى ذلك سبيلًا.
يقولون: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام ٢٧]، قال الله تعالى: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام ٢٨]؛ يعني حتى لو رُدُّوا إلى الدنيا عادوا وكذبوا، فلن يستقيموا على أمر الله، لكن يقولون هذا تمنيًا، ويقول العوام: التمني رأس مال المفاليس.
الطور 52:15
﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٥]؛ يعني: أفهذا الذي ترون اليوم سحرٌ كما كنتم تقولون ذلك في الدنيا، حيث يقولون: إن ما جاءت به الرسل سحر، ويصفون الرسول بأنه ساحر، فيقال: أسحر هذا أم أنتم لا تبصرون؟ يعني: لا تبصرون بعين البصيرة، بل أنتم عُميٌ عن الحق والعياذ بالله.
الطور 52:16
﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦] ﴿اصْلَوْهَا﴾؛ أي: احترقوا بها، والأمر هنا للإهانة، كقوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدخان ٤٩، ٥٠]، فانظر إلى هؤلاء كيف تتهكَّم فيهم الملائكة وتُذِلُّهم وتخزيهم -والعياذ بالله- وتُهِينهم!
﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور ١٦]؛ يعني: أن الصبر وعدمه سواء عليكم، ومعنى هذا: أنه لن يفرج عنكم سواء صبرتم أمْ لم تصبروا، مع أنه في الدنيا إذا أصيب الإنسان بشيء وصبر فإنه يفرج عنه، كما قال النبي ﷺ: «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا»[[أخرجه الترمذي (٢٥١٦)، وأحمد في المسند (٢٨٠٣) واللفظ له من حديث ابن عباس.]].
﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾؛ يعني: ما تُجْزَون إلا ما عملتموه، فلم تظلموا شيئًا.
الطور 52:17
ثم ذكر الله تعالى جزاء المؤمنين، فقال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ [الطور ١٧]، هذه الجملة خبرية مؤكدة بـ(إن).
وأشرح لكم التوكيد؛ إذا قلت مثلًا: العلم نافع، هذه جملة خبرية خالية من التوكيد. فإذا قلت: إن العلم نافع، فهذه جملة خبرية مؤكدة بمؤكد واحدٍ وهو (إن). فإذا قلت: إن العلم لنافع، فهذه جملة خبرية مؤكدة بمؤكدين: (إن، واللام). فإذا قلت: والله إن العلم لنافع، فهذه جملة خبرية مؤكدة بثلاثة مؤكدات، وهي: (القسَم، وإن، واللام).
والتوكيد أسلوب من أساليب اللغة العربية مستعمل عند العرب، وهذا القرآن نزل بلغة العرب، وإلا ففي الواقع أن خبر الله عز وجل لا يحتاج إلى توكيد؛ لأنه أصدق القول، فالرب عز وجل إذا أخبر بخبر فإنه لا يحتاج إلى أن يؤكَّد؛ لأن خبر الله صدق، لكن لما كان القرآن العظيم نزل بلسان عربي صار جاريًا على ما كان يعرفه العرب في لغتهم.
وهنا أكد الله عز وجل هذه الجملة: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ بماذا؟ بـ(إن)؛ يعني: بمؤكد واحد.
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾. من هم المتقون؟ المتقون هم الذين قاموا بطاعة الله امتثالًا لأمره واجتنابًا لنهيه، هذه هي التقوى.
إذن التقوى: طاعة الله بامتثال أمره واجتناب نهيه، فالذي يصلي امتثالًا لأمر الله نقول: هو متَّقٍ بصلاته، والذي يدَعُ الزنا نقول: هو متَّقٍ بترك الزنا. وإنما سمي ذلك تقوى؛ لأنه وقاية من عذاب الله، فإن الإنسان إذا قام بطاعة الله فقد اتخذ وقاية من عذاب الله عز وجل.
هؤلاء المتقون يقول الله عز وجل: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾، و(جنات) جمع جنة، وهي الدار التي أعدَّها الله تعالى للمتقين في الآخرة، بدليل قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران ١٣٣].
نحن قلنا: التي أعدها الله تعالى لعباده في الدار الآخرة. فهل يمكن أن تكون في الدنيا؟ نقول: أما بالنسبة لدخول الجنة التي هي الجنة، فهذا لا يمكن في الدنيا، أما بالنسبة لكون الإنسان يأتيه من نعيم الجنة ما يأتيه، فهذا يمكن، وذلك في القبر إذا سُئِل الإنسان عن ربه ودينه ونبيه، فأجاب بالصواب، فإنه يُفْرَش له فراش من الجنة، ويُفْتَح له باب إلى الجنة، ويُفْسَح له في قبره مَدَّ البصر.
إذن (جنات) جمع أيش؟ وهي الدار التي أعدها الله للمتقين في الآخرة، وجمعها لأنها أنواع، ذكر الله في سورة الرحمن أربعة أنواع: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٤٦]، ثم قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٦٢] إذن هذه أربع، تختلف هذه الجنان الأربع فيما جاء في وصفهما في سورة الرحمن.
يقول عز وجل: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ [الطور ١٧] (نعيم) أي: نعيم البدن ونعيم القلب، فهم في سرور دائم، وهم في صحة دائمة، وهم في حياة دائمة، فجميع أنواع النعيم كاملة لهم، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم.
الطور 52:18
﴿فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [الطور: ١٨] ﴿فَاكِهِينَ﴾، (الفاكه) هو المسرور، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين ٣١]؛ أي مسرورين، ﴿بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ أي: بما أعطاهم ربهم من النعيم، ﴿وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ فحصلوا على السلامة من الشرور بوقاية الجحيم، وعلى تمام السرور في جنات النعيم.
الطور 52:19
﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٩] (كلوا) نعربها على أنه أيش؟ على أنه فعل أمر، وهل هذا الأمر تكليف ولَّا تكريم؟ تكريم، فالأمر هنا للتكريم؛ أي: يقال لهم: كلوا واشربوا، كلوا من كل ما في الجنة من النعيم، وفيها من كل فاكهة زوجان، وفيها فاكهة ونخل ورمان، وفيها من كل النعيم.
﴿وَاشْرَبُوا﴾ مما فيها من الأنهار. وأنهار الجنة ذكرها الله تعالى أربعة في سورة القتال، ﴿أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد ١٥] معنى ﴿غَيْرِ آسِنٍ﴾ أي: غير متغيَّر، المياه في الدنيا إذا لم يأتِها ما يمدها وبقيت راكدة لا بد أن تتغير فتكون آسنة، ماء الجنة لا يتغير غير آسن.
﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ اللبن في الدنيا إذا بقِيَ يتغير ويفسد، لكن في الآخرة لا.
﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ خمر الدنيا فيه رائحة كريهة، ثم فيه أنه يقلب العاقل إلى مجنون، فيه أيضا الصداع، فيه خراب المعدة، لكن في الجنة لا.
﴿أَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾، وقد قال الله تعالى في سورة الصافات: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات ٤٧].
﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور ١٩] الهنيء هو الذي لا يكون له عاقبة سيئةٌ ولا تبعةٌ من تجاوز أو إسراف. ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: بسبب ما كنتم تعملون، فالباء هنا للسببية وليست الباء للعوض، أقول هذا لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٧٣)، ومسلم (٥٦٧٣ / ٧٢) من حديث أبي هريرة.]]، وهنا قال: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، فجعل الله تعالى ذلك بسبب العمل.
فقال بعض العلماء: كيف يقول رسول الله ﷺ: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ»، مع أن الله يقول: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾؟
والجواب على هذا الإشكال أن يقال: الباء تأتي للسببية وتأتي للبدلية؛ فإذا قيل: دخل الرجل الجنة بعمله، فالمعنى السببية، وإذا قيل: لن يدخل الجنة أحد بعمله، فالمعنى البدلية.
وأضرب مثلًا يبين هذا: بعتك الثوب بدرهم، الباء للبدلية؛ لأن الدرهم صار عوضًا عن الثوب، هذه للبدلية. وإذا قلت: أدَّبت الولد بعبثه، هذه للسببية.
إذن كلُّنا لن يدخل الجنة بعمله؛ لأن الله سبحانه وتعالى لو حاسبنا على عملنا ما قابل عملنا نعمة من نعم الله؛ نعمة واحدة. النفس الآن الذي هو من ضرورة الحياة، يخرج منك ويدخل بدون تعب وبدون مشقة، وكم ينفس الإنسان في الدقيقة؟ كثيرًا، لو أننا حُوسِبنا على أعمالنا بالمعاوضة والمبادلة لكانت نعمة واحدة تستوعب جميع العمل، أليس كذلك؟ ونحن الآن لا نحس بنعمة النفس، لكن لو أصيب أحد منا بكتم النفس لوجد أن النفس من أكبر نعم الله، لذلك نقول: إن الباء في قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ للسببية وليست للبدلية.
وفي قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ شمول لكل العمل؛ عمل الجوارح والقلب واللسان. فالجوارح الأفعال كالركوع والسجود، والأقوال كالأذكار، والقلوب كالخوف والرجاء والتوكل، وما أشبه ذلك، فكل هذه تُسمَّى أعمالنا.
الطور 52:20
ثم قال الله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾ [الطور ٢٠] ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ هذه حال؛ أي: حال كونهم متكئين، والمتكئ تدل هيئته على أنه في سرور وانشراح وطمأنينة؛ لأن الاتكاء يدل على ذلك. و(السرر) جمع سرير، وهي الكراسي الفخمة الْمُهيَّأة أحسن تهيئة للجالس عليها. ﴿مَصْفُوفَةٍ﴾؛ أي: مصفوف بعضها إلى بعض، يصُفُّها الخدم والولدان.
﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ أي: قَرَنَّاهم بحور عين، والحور جمع حوراء، والعين جمع عيناء، والأصل الحور والبياض، وأما العيناء فهي التي كانت جميلة العين في سوادها وبياضها، فهن حسان الوجوه حسان الأعين.
الطور 52:21
ثم قال عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور ٢١]، الذين آمنوا واتبعتهم الذرية بالإيمان، والذرية التي يكون إيمانها تبعًا هي الذرية الصغار، فيقول الله عز وجل: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾؛ أي: جعلنا ذريتهم تلحقهم في درجاتهم. وأما الكبار الذين تزوجوا فهم مستقلون بأنفسهم في درجاتهم في الجنة لا يلحقون بآبائهم؛ لأن لهم ذرية فهم في مَقرِّهم، أما الذرية الصغار التابعون لآبائهم فإنهم يرقون إلى آبائهم، هذه الترقية لا تستلزم النقص من ثواب ودرجات الآباء، ولهذا قال: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾، ﴿أَلَتْنَاهُمْ﴾ يعني: نقصناهم؛ يعني أن ذريتهم تلحق بهم، ولا يقال: اخصم من درجات الآباء بقدر ما رفعت من درجات الذرية، بل يقول: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾.
﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ هذه قاعدة عامة في جميع العاملين أن كل واحد فإنه رهين بعمله لا ينقص منه شيء، أما الزيادة فهي فضل من الله تبارك وتعالى على من شاء من عباده.
الطور 52:22
﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الطور: ٢٢]، أمدهم الله تعالى؛ أي أعطاهم عطاء مستمرًا إلى الأمد وإلى الأبد، ﴿بِفَاكِهَةٍ﴾ وهي ما يتفكه به من المأكولات، ﴿وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾؛ أي: مما يشتهونه ويستلذونه، وقد بيَّن الله تبارك وتعالى نوع هذا اللحم بأنه لحم طير، وهو أشهى ما يكون من اللحم وأبرؤه وأمرؤه.
الطور 52:23
﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا﴾ [الطور: ٢٣]؛ أي: أن أهل الجنة يتنازعون؛ ينازع بعضهم بعضًا على سبيل المداعبة وعلى سبيل الأنس والانشراح.
﴿كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور ٢٣]، والمراد بالكأس كأس الخمر، ومعنى ﴿لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ أنه لا يحصل بها ما يحصل من خمر الدنيا؛ فإن خمر الدنيا يحصل به السكر والهذيان، ولكن خمر الآخرة ليس فيه لغو ولا تأثيم؛ أي: لا يلغو بعضهم على بعض، ولا يتكلمون بالهذيان، ولا يعتدي بعضهم على بعض.
الطور 52:24
﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ [الطور: ٢٤]؛ أي: يتردد عليهم -أي: على أهل الجنة- وهم على سررهم متكئون ولدان مخلدون.
﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ﴾؛ أي: غلمان مهيئون لهم في الخدمة التامة المريحة، ﴿كَأَنَّهُمْ﴾ أي: الغلمان، ﴿لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾؛ أي: محفوظ عن الرياح والغبار وعن غير ذلك مما يفسده.
الطور 52:25
يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الطور ٢٥]؛ يعني: صار بعضهم يُسائل بعضًا لكن على وجه الأدب، يتكلم معه وهو مقابل له لوجهه، فلا يُصعِّر خدَّه له ولا يستدبره، بل يتكلم معه بأدب ومقابلة تامة.
الطور 52:26
﴿قَالُوا﴾ [الطور: ٢٦]؛ أي: قال بعضهم لبعض، ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ﴾؛ أي: في الدنيا، ﴿فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾؛ أي: خائفين من عذاب الله.
الطور 52:27
﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] (مَنَّ) أي: أنعم علينا بنعمة عظيمة، ﴿وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾؛ أي: عذاب النار.
الطور 52:28
﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ﴾ [الطور: ٢٨]؛ أي: قبل أن أصل إلى هذا المقر وذلك في الدنيا، ﴿نَدْعُوهُ﴾؛ أي: نعبده ونسأله؛ لأن الدعاء يطلق على معنيين: على العبادة، وعلى السؤال.
فمن إطلاقه على العبادة قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر ٦٠].
وأما دعاء بمعنى السؤال في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة ١٨٦].
فقولهم: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ يشمل دعاء العبادة؛ كالصلاة والصدقة والصيام والحج وبر الوالدين وصلة الأرحام، كل هذا دعاء وإن كان هو عبادة. لكن لو سألت العابد: لماذا تعبد الله؟ لقال: أرجو رحمته وأخاف عذابه، فيكون هذا لهذه العبادة بمعنى الدعاء.
كذلك ندعوه دعاء مسألة لا يسألون إلا الله ولا يلجئون إلا إلى الله؛ لأنهم يعلمون أنهم مفتقرون إليه، وأنه هو القادر على كل شيء.
﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ ﴿الْبَرُّ﴾ بمعنى: الواسع الإحسان والرحمة، ومن ذلك (البرية) للمكان الخالي من الأبنية، المعنى أنه جل وعلا واسع العطاء والإحسان والجود.
﴿الرَّحِيمُ﴾ أي: ذو الرحمة البالغة، يرحم بها من يشاء من عباده تبارك وتعالى.
* ففي هذه الآيات: بيان نعيم أهل الجنة.
* وفيها أيضًا: لما ذكر عذاب أهل النار ذكر نعيم أهل الجنة؛ لأن هذا القرآن الكريم مثانٍ تُثَنَّى فيه المعاني، إذا ذكر فيه الخير ذكر فيه الشر، وإذا ذكر فيه نعيم المتقين ذكر فيه جحيم الكافرين وهكذا، حتى يكون الإنسان قارئ القرآن بين الخوف والرجاء، إن قرأ آيات النعيم رجا، إن قرأ آيات العذاب خاف، فيعبد الله تبارك وتعالى بهذا وهذا. نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من أهل الجنات، الناجين من الدركات، إنه على كل شيء قدير.
الطور 52:29
﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩]، الخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، (ذكِّر) والمذكر محذوف، والتقدير: ذكِّر الناس، أو إن شئت فقل: ذكِّر من أُرسلت إليهم من الجن والإنس.
﴿فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ هذا نفي لما ادعاه المكذبون للرسول ﷺ بأنه كاهن أو مجنون، قال الله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ﴾؛ أي: بإنعام ربك عليك بما أنزل عليك من الوحي لست بكاهن ولا مجنون؛ والكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل، وكانت الكهانة في الجاهلية مشهورة؛ يكون للإنسان رَئِيٌّ من الجن يصحبه ويخدمه، ثم يصعد الجني إلى السماء يستمع ما يقال في السماء، وينزل به على هذا الكاهن، فيكون هذا علم غيب عن أهل الأرض، لكن الكاهن يزيد عليه أشياء كثيرة يتخرصها، فإذا وقع ما سمعه من السماء صار عظيمًا في قومه؛ لأنه أخبر عن شيء مستقبل فوقع.
فالكاهن إذن هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل، فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما جاء بالوحي ردَّه المشركون وكذَّبوه، وقالوا: إنما جاء به محمد من الكهانة؛ لأن الكهان يخبرون عن الشيء فيقع، ولأن الكهان أيضًا يأتون بكلام مسجوع يشبه القرآن، والقرآن كما تعلمون آيات مفصلة أتى بها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولهذا قال النبي ﷺ في كلام حمل بن النابغة الذي قال: يا رسول الله، كيف أغرم من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل، فمثل ذلك يُطَل؟! فقال النبي ﷺ: «إِنَّمَا هُوَ مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٥٨)، ومسلم (١٦٨١ /٣٦) من حديث أبي هريرة.]]، من أجل سجعه الذي سجع.
المهم أنهم يقولون: إن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنه كاهن، فنفى الله ذلك، ثم قالوا: إنه مجنون يأتي بما لا يعرف، فكذَّبهم الله، فقال: ﴿فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ [الطور ٢٩]، هذه الجملة منفية مؤكدة بالباء الزائدة إعرابًا، المفيدة معنًى.
﴿بِكَاهِنٍ﴾ أصلها: فما أنت بنعمة ربك كاهنًا ولا مجنونًا، لكن زيدت الباء توكيدًا للنفي.
الطور 52:30
ثم قال الله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ﴾ [الطور ٣٠]؛ يعني: بل أيقولون، و(أَمْ) هذه تُسمَّى عند المعربين منقطعة، لا عاطفة؛ لأن (بل) تأتي عاطفة وتأتي منقطعة، فهنا منقطعة، والتقدير: بل أيقولون شاعر، والاستفهام هنا للتوبيخ والإنكار عليهم.
وقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ﴾ الشاعر هو الذي يأتي بكلام مُقَفًّى، ويتضمن شعره أحيانًا حكمًا، ولهذا جاء في الحديث: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا، وَإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً»[[أخرجه البخاري (٥٧٦٧) من حديث ابن عمر.]]، فيقولون: إن محمدًا شاعرٌ.
﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ﴾؛ أي: ننتظر به، ﴿رَيْبَ الْمَنُونِ﴾؛ أي: حوادث الدهر وقوارعه، فيهلك كما هلك الشعراء من قبله ولا يكون له أثرٌ. انظروا -والعياذ بالله- كيف يترقَّبون موت الرسول عليه الصلاة والسلام، يقولون: هذا شاعر من جنس الشعراء يهلك وينتهي أمره!
وقوله: ﴿رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ قيل: إن المنون هو الدهر، وقيل: إن المنون هو الموت، وهما متلازمان، والمراد بذلك حوادث الدهر المهلكة المبيدة.
الطور 52:31
﴿قُلْ﴾ في جوابهم ﴿تَرَبَّصُوا﴾ [الطور ٣١]، والأمر هنا للتهديد والتحدي؛ أي: تربَّصوا بهذا الشاعر رَيب المنون، وانظروا هل يموت وتموت دعوته، أو أنكم أنتم تموتون وتموت معارضتكم؟ إذن ﴿تَرَبَّصُوا﴾ فعل الأمر للتحدي والتهديد أيضًا.
﴿تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾؛ يعني: فأنا منتظر أيضًا، انتظروا أنتم وأنا أنتظر لمن تكون العاقبة، وصارت العاقبة -والحمد لله- للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور ٣١].
الطور 52:32
﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ﴾ [الطور: ٣٢] (أم) هنا نقول: إنها منقطعة، و(أم) المنقطعة تقدر بـ(بل) والهمزة، المعنى: بل أتأمرهم، وهذا انتقال من الأول إلى الثاني.
أتأمرهم ﴿أَحْلَامُهُمْ﴾؛ أي: عقولهم بهذا، فيقولون: إنه مجنون، إنه كاهن، إنه شاعر، هل عقولهم تأمرهم بهذا؟
الجواب: ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾؛ أي: بل لا تأمرهم عقولهم بهذا، وكثير منهم يعلم أن محمدًا رسول الله ﷺ حق، لكن غلبتهم الكبرياء -والعياذ بالله- فأنكروا وكذبوا، ولهذا قال: ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾؛ أي: معتدون ظالمون، وأصل الطغيان مجاوزة الحد، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ﴾ [الحاقة ١١]؛ أي: زاد وارتفع عن عادته، ﴿حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾.
الطور 52:33
﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ [الطور: ٣٣] هذا أيضًا (...) آخر، و(أم) هنا منقطعة بمعنى: (بل) والهمزة، والمعنى: بل أيقولون تقوله؛ أي: اختلقه وكذب به، يعني قسمٌ منهم قالوا: محمد عليه الصلاة والسلام تقوَّل هذا القرآن واختلقه من عنده، وبعضهم يقولون: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل ١٠٣].
﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ يعني: بل هم لا يؤمنون، ولو آمنوا لعلموا أن القرآن لا يمكن أن يتقوَّله بشر؛ لأن كلام الله عز وجل لا يشبهه أيُّ كلام.
الطور 52:34
ثم تحداهم فقال: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور ٣٤]؛ يعني: إذا كنت أنت تقوَّلته فأنت مثلهم؛ بشر تتكلم كما يتكلمون، وتخطب كما يخطبون، وتقول كما يقولون، فإذا كنت متقوِّلًا له وهو من عندك فليأتوا بحديث مثله؛ لأن البشر يمكن أن يأتي بكلام يشبه كلام البشر الآخر، فإذا كان محمد ﷺ تقوَّله فهاتوا مثله.
﴿فَلْيَأْتُوا﴾ واللام هنا للأمر، والمقصود به التحدي والتعجيز، ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ وهذا غاية التحدي، عجزوا، ما استطاعوا أن يأتوا بحديث مثله مع أنهم أمراء البلاغة وسلاطين الفصاحة لكنهم عجزوا. فماذا يدل عجزهم عليه؟ يدل على أن القرآن ليس من كلام البشر بل هو من كلام الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾، ومع قوة المعارضة وقوة البلاغة والفصاحة عجزوا أن يأتوا بحديث مثله، ما استطاعوا، فدل ذلك على أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يتقوَّله، ولن يستطيع أن يأتي بمثله.
وفي قوله: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ كلمة (حديث) نكرةٌ، والنكرة تدل على الإطلاق، لكن جاء في آية أخرى أن الله قال: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس ٣٨]، ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود ١٣] وجاء في آية أخرى الإخبار بأنه لن يستطيع أحد أن يعارض القرآن، فقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء ٨٨] حتى ولو تعاونوا؟ ولو تعاونوا. ولهذا قال: ﴿وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨]، تبيَّن الآن بطلان قولهم: إنه تقوله بماذا؟ أن الله تحداهم أن يأتوا بمثله ولكن عجزوا، ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور ٣٤] أنك تقوَّلته؛ يعني: إن كانوا صادقين في دعواهم أنك تقوَّلته، فليأتوا بحديث مثله.
الطور 52:35
ثم قال الله تعالى مستدلًّا بربوبيته على ألوهيته، قال: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور ٣٥]، (أم) نقول فيها ما سبق بمعنى: بل والهمزة؛ بل أخلقوا من غير شيء، أي: من غير خالق ﴿أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾؟
والجواب: لا خُلِقوا من غير خالقٍ ولا هم الخالقون؛ أما كونهم لم يُخْلَقوا من غير خالق فلأن القاعدة العقلية الحسية التي أجمع عليها العقلاء: أن كل مُحْدَثٍ لا بد له من محدِث.
هذه قاعدة اتفق عليها العقلاء، فإذا كان كل حادث لا بد له من مُحْدِثٍ، نظرنا في أنفسنا: نحن حادثون، أليس كذلك؟ قال الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان ١]، الواحد منا الذي له عشرون سنة، هو قبل اثنين وعشرين سنة ليس شيئًا مذكورًا، ولا يُعْرَف ولا يُدْرَى عنه، إذن نحن حادثون، كل حادث -يا إخوان- لا بد له من مُحْدِث، فهل أنتم خُلِقْتُم من غير محدِث؟ الجواب: لا، هذا جواب عقلي لا يُنْكَرُ. أم هم الخالقون لأنفسهم؟ الجواب: لا؛ لأنهم قبل أن يُوجَدُوا عدمٌ، وكيف يمكن للعدم أن يخلِق؟ لا يمكن هذا.
فإذا تبين أنهم لم يُخْلَقوا من غير خالقٍ، وأنهم لم يخلِقوا أنفسهم؛ تعيَّن أن يكون لهم خالق قادر على إيجادهم. من هو؟ الله عز وجل، لا يستطيع أحدٌ منهم أن يقول: إن الذي خلقني أبي أو أمي، لا يستطيع أحد ذلك أن يقول هذا، فإذا لم يكن كذلك تعيَّن أن يكون لهم خالق وهو الله تبارك وتعالى، وإذا كان لهم خالق وهم مخلوقون مربوبون مُدبَّرون فالواجب أن يخضعوا لهذا الخالق وأن يعبدوه وحده، كما أنه هو الخالق وحده.
هذه الآية سمعها جبير بن مطعم، وكان قد قدِمَ على المدينة وهو مشرك، قدِمَ إلى النبي ﷺ في طلب الفداء لأسرى بدر، أظنه لا يخفى على كثير منكم أن بدرًا انتصر فيها النبي ﷺ وأصحابه والحمد لله، ونصرهم نصرٌ لنا، قتلوا من قريشٍ سبعين رجلًا، وأسروا سبعين رجلًا وجاؤوا بهم إلى المدينة، وانقسموا إلى أقسام: منهم من أطلقه النبي عليه الصلاة والسلام ومَنَّ عليه، ومنهم من فداه بمال، ومنهم من فداه بأسير، إن كان هناك أسير لا أدري، ومنهم مَن فداه بتعليم أهل المدينة الكتابة.
جبير بن مطعم أتى إلى النبي عليه الصلاة والسلام يطلب فداء أسرى بدر؛ لأنه من صميم قريش، والأسرى أيضًا من قريش، ويظهر لي -والله أعلم- أن جبيرًا سمع قول النبي ﷺ: «لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا فَكَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ»[[أخرجه البخاري (٣١٣٩) من حديث جبير بن مطعم.]]. لأنكم تعرفون قصة جبير حين رجع النبي عليه الصلاة والسلام من الطائف أجاره، وصار يمشي معه من حين دخل مكة إلى أن وصل إلى الكعبة، وأمر أبناءه وهم متقلدو السيوف أن يقف كل واحد على ركن من أركان الكعبة؛ حتى لا يعتدي على الرسول أحد، فهو أحسن إلى النبي عليه الصلاة والسلام، أبوه. هذا الإحسان قال النبي عليه الصلاة والسلام، وهو أوفى الناس عليه الصلاة والسلام في كرمه، قال: «لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا فَكَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى». من هم النتنى؟ الأسرى، ووصفهم بأنهم نَتْنَى لأن المشركين نجس، والنتن هو الرائحة الكريهة، «فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ».
جبير ابنه، فلعله -والله أعلم- سمع بهذه المقالة، فجاء إلى النبي ﷺ يطلب فداء الأسرى، «وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يقرأ في المغرب بسورة الطور لما بلغ هذه الآية:» ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ «قال جبير: كاد قلبي يطير»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٦٥)، ومسلم (٤٦٣ / ١٧٤)، وابن ماجه (٨٣٢) واللفظ له من حديث جبير بن مطعم.]]؛ لأن هذه حجة ملزمة لا يمكن أن يتخلص منها أحدٌ، قال: «ووقر الإيمان في قلبي»؛ معناه أنه دخل الإيمان في قلبه.
سبحان الله! انظر تأثير القرآن الكريم مع أنه ما دعاه الرسول ﷺ في تلك الساعة، لكن سمع هذه الآية العجيبة العظيمة فكاد قلبه يطير.
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾؟ الجواب بكل سهولة: لا، في الأمرين، لا خُلِقُوا من غير شيء، ولا هم الخالقون، بل لهم خالق وهو الله سبحانه وتعالى، ولا أحد يمكن أن ينكر هاتين المقدمتين، كلاهما حجة قطعية تدمغ كل كافر؛ لأنه إذا قال: نعم وله خالق خلقه، قلنا: إذن لماذا لا تعبده؛ لأنك عبدٌ له مملوكٌ له؟
الطور 52:36
﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الطور: ٣٦] انتقل من الأدنى إلى الأعلى، خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، انتقل من الأدنى إلى الأعلى، ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾؟ الجواب: لا؛ لأن (أمْ) هنا مثل سابقاتها، بل أخلقوا السماوات والأرض؟ والجواب: لا، حتى هم يُقِرُّون بهذا ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف ٩]، يُقرُّون بهذا لكن مع ذلك ما يعترفون بالرسالة، ولهذا قال: ﴿بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الطور ٣٦]؛ يعني: ليس عندهم إيقان في خلق السماوات والأرض أن الذي خلقهم هو الله؛ لأنه لو كان عندهم يقين لحملهم هذا اليقين على تصديق النبي ﷺ والإقرار برسالته.
هذه الإلزامات العظيمة التي ألزم الله بها قريشًا، كل هذا من أجل إقامة الحجة عليهم، ولو شاء سبحانه وتعالى لعاقبهم بدون أن تكون هذه المجادلة أو هذه المناقشة.
الطور 52:37
﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧]، (أم) هنا بمعنى بل والهمزةِ؛ يعني: بل أعندهم خزائن رزق الله عز وجل حتى يمنعوا من شاؤوا ويعطوا من شاؤوا؟
والجواب: لا، ليس عندهم ذلك ولا يملكون شيئًا من ذلك، بل الذي يملك الرزق عطاء ومنعًا هو الله تبارك وتعالى، ولما نفى أن يكون عندهم خزائن الله قال: ﴿أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾؛ يعني: بل أهم الذين لهم السيطرة والغلبة والسلطان والكلمة؟ والجواب: لا، فإذا لم يكن لهم شيء من هذا صاروا مربوبين، وصاروا أذلاء أمام قوة الله عز وجل.
الطور 52:38
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [الطور ٣٨]؛ يعني: بل ألهم سلم (...) سلم يصعدون فيه إلى السماء يستمعون ما يقال في السماء؟ الجواب: لا، فإنِ ادَّعوا ذلك ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾؛ أي: بحُجة بينة ظاهرة على أنه استمع ما يقال في السماء. والجواب: لن يجدوا إلى ذلك سبيلًا.
اللهم إلا الكهنة الذين لهم رِئِيٌّ من الجن، يستمع إلى ما يقال في السماء ثم يكذب مئة كذبة عما سمع، فيصدق بتلك الكلمة التي سمعها من السماء.
الطور 52:39
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ [الطور ٣٩]، وهذا أيضًا بمعنى (بل) والاستفهام الذي للتوبيخ والإنكار؛ يعني: أيكون لله البنات ولهم البنون؟! لأنهم ادعوا أن جنود الله تعالى بنات، وأن لهم البنين، ومعلوم أن من له البنين غالب على من له البنات؛ لأن جنده رجال ذكور أقوى وأحزم وأقدم من النساء، وقد جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا كما قال الله تعالى عنهم ذلك، قال: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف ١٩]؛ يعني: لم يشهدوا خلقهم حتى يقولوا: إنهم بنات، ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ﴾؛ أي: شهادتهم هذه التي هي زور وكذب ﴿وَيُسْأَلونَ﴾.
المهم أن هؤلاء المكذِّبين للرسول عليه الصلاة والسلام من قريش قالوا: لهم البنون وللهِ البنات، قال الله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل ٥٧] والذي يشتهونه (...) ﴿بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ (...) مملوء غيظًا وغمًّا من سوء ما بشر به (...).
الطور 52:40
﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠]؛ يعني: بل أتسألهم أجرًا، والاستفهام هنا للنفي، كل استفهام هنا للنفي والتوبيخ؛ يعني: هل أنت يا محمد حين دعوتهم إلى الله عز وجل، هل أنت تقول: أعطوني أجرًا مثقلًا كبيرًا لا يستطيعونه حتى يردوك؟ والجواب: لا، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص ٨٦]، فالنبي ﷺ لم يقل لأي واحد: أعطني أجرًا على دعوتي إياك، بل هو ﷺ يبذل المال ليؤلف القلوب، كما أعطى المؤلفة قلوبهم من الأموال شيئًا عظيمًا، وليس يطلُبُ من أحد أيَّ عوض على ما جاء به من الرسالة.
استدل بعض أهل العلم على أنه لا يجوز للإنسان أن يأخذ أجرًا على تعليم العلم، بمعنى: مؤاجرة، تقول للإنسان: لا أعلمك إلا بكذا وكذا.
لكن هذا فيه نظر؛ لأن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ»[[أخرجه البخاري (٥٧٣٧) من حديث ابن عباس.]].
الطور 52:41
﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١] ما غاب عن الناس ويحفظونه؟ والجواب: لا، ليس عندهم علم الغيب، بل إن الرسول عليه الصلاة والسلام نفسه لا يعلم شيئًا من الغيب، يكون (...) دخل ذات يوم والبرمة على النار تغلي باللحم، ولم يعلم ما هو، وحتى إن أبا هريرة كان معه فانخنس منه، ولم يعلم لأي شيء ذهب. فالحاصل أن الرسول نفسه لا يعلم الغيب، فمن دونه من باب أولى. وقد أمره الله تعالى أن يعلن بأنه لا يعلم الغيب، فقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام ٥٠]، وهنا يقول لهؤلاء المكذبين: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾؟ والجواب: لا.
الطور 52:42
ثم قال: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطور ٤٢] أيريد هؤلاء أن يكيدوا لك يا محمد بإبطال دعوتك وإهلاكك وإماتتك؟ الجواب: نعم، ولكن كيدهم ليس بشيء بالنسبة إلى كيد الله عز وجل؛ قال الله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال ٣٠]، وقد كادوا له أعظم كيد، فإنهم اجتمعوا ماذا يصنعون بمحمد، لما رأوا دعوته تنتشر وأنه لا قِبَلَ لهم بردها، اجتمعوا يتشاورون ذكروا ثلاثة آراء: الحبس، والقتل، والإخراج.
﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ﴾ أي: يحبسوك، ﴿أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾، قال الله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال ٣٠]، فاستقر رأيهم على القتل، لكن من يستطيع أن يقتله؟ لأن بني هاشم سوف يطالبون، قالوا: يجتمع عشرة شبان من قبائل متفرقة من العرب، ويُعْطَى كل واحد منهم سيفًا صارمًا، ويضربون محمدًا ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل، فتعجز بنو هاشم عن المطالبة. فعلوا ذلك، ولكنهم مكروا ومكر الله والله خير الماكرين، أنجاه الله منهم، ثم أذن له أن يهاجر، فهاجر إلى المدينة.
﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ [الطور ٤٢]، الجملة هنا جملة اسمية، معرَّف طرفاها، مفصولةٌ بضمير الفصل، مما يدل على التوكيد والحصر؛ يعني: فالكيد الكيد الكيد لمن؟ للذين كفروا.
وهنا سؤال يقول: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾، لم يقل: أم يريدون كيدًا فهم المكيدون، فماذا يسمى هذا الأسلوب عند علماء البلاغة؟ ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ لم يقل: فهم المكيدون، ماذا يسمى عند علماء البلاغة؟ يُسَمَّى الإظهار في موضع الإضمار؛ يعني بدل أن يقال: فهم المكيدون، قال الله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ولهذا فائدة بل أكثر، إذا قال: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ معناه: أن هؤلاء كفار، إذا قال: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ معناه: أن من كان كافرًا فهو المكيد وإن كان غير هؤلاء، ففيها فائدة، هاتان فائدتان معنويتان.
الفائدة الثالثة: تنبيه المخاطب؛ لأن الكلام إذا كان على نسق واحدٍ ربما ينسجم الإنسان ويغفل، لكن إذا جاء شيء يخرج الكلام عن النسق انتبه.
الطور 52:43
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور ٤٣]؛ يعني: بل ألهم إله غير الله؟ والجواب: حقيقةً لا، ادعاءً نعم، لهم آلهة غير الله يعبدونها؛ اللات، العزى، مَناة، هبل، وغيرها من الأصنام المعروفة عند العرب، ولهذا قال: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور ٤٣]، فنزه الله سبحانه وتعالى نفسه عما يُشْرِك به هؤلاء؛ ليبين أن هذه الأصنام باطلة، وأن الله مُنزَّه عن كل شريك.
﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [الطور ٤٣]؟
الجواب: حقيقةً لا، وباطلًا نعم، هم يعبدون غير الله ويقولون: إنها آلهة، ويقولون للرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص ٥]، ولهذا قال: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور ٤٣].
الطور 52:44
﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤]؛ يعني: لو نزل عليهم العذاب، والكسف هو العذاب كما قالوا: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الشعراء ١٨٧]، الكسف معناه: قطع العذاب، ﴿إِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾، وهذا يدل على أنهم يرون أنهم على حق، وأنهم غير مستحقين للعذاب، وأن هذا الكِسف النازل قطع العذاب ما هي إلا سحبٌ متراكمة، وهذا كقول عاد حين رأوا الرياح مقبلة عليهم: ﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف ٢٤]؛ لأن هؤلاء المكذبين -والعياذ بالله- معاندون يرون أنهم على حقٍّ، وأنهم غير مستحقين للعذاب، فإذا رأوا العذاب قالوا: هذا شيء عادي، ولن نهابه ولن نخافه.
الطور 52:45
قال الله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ﴾ [الطور ٤٥]: اتركهم ﴿يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا﴾؛ يخوضوا بأقوالهم، ويلعبوا بأفعالهم، ويلهوا في الدنيا، ويرون أنهم على حق، ﴿حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ وهو يوم موتهم؛ يعني: اترك هؤلاء؛ فإن مآلهم إلى الموت وإن فروا، وهم إذا لاقوا يومهم الذي يوعدون عرفوا أنهم على باطل، وأن محمدًا ﷺ على الحق.
الطور 52:46
﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [الطور: ٤٦]، فإذا جاءهم الموت ما أغنى عنهم كيدهم شيئًا؛ لأنهم في قبضة الله، وقد انتهى استعتابهم، وليس أمامهم إلا العذاب.
الطور 52:47
﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور: ٤٧]، ﴿إِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ والمراد بهم الكفَّار، قال الله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤].
﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾؛ يعني: دون عذاب الموت؛ وهو ما أصيبوا به من الجدب والقحط والخوف والحروب، وغير ذلك مما كان قبل الموت.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور ٤٧] بل أكثرهم في غفلة عن هذا، ولا يظنون أن ذلك من العذاب في شيء.
الطور 52:48
﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الطور: ٤٨] ﴿اصْبِرْ﴾؛ أي: محمد عليه الصلاة والسلام، والصبر حبس النفس عما لا ينبغي فعله.
وقوله: ﴿لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ يشمل الحكم الكوني والحكم الشرعي؛ يعني: اصبر لما حكم به ربك من وجوب إبلاغ الرسالة، وإن أصابك ما يصيبك اصبر لحكم ربك الكوني القدري؛ وهو ما يقدره الله تعالى عليك من هؤلاء السفهاء، من السخرية والعدوان والظلم. ولقد أوذي النبي ﷺ كما أُوذِيَ إخوانه من المرسلين، أوذي إيذاء عظيمًا، جُعِلَ سلى الجزور على ظهره وهو ساجد تحت الكعبة في آمن مكان، رمي بالحجارة حين خرج إلى أهل الطائف حتى أدموا عقبه صلوات الله وسلامه عليه، ولم يفق إلا وهو في قرن الثعالب، يلقون القاذورات والأنتان على عتبة بابه عليه الصلاة والسلام ويقول: «أَيُّ جُوَارٍ هَذَا؟!»[[أخرجه ابن سعد في الطبقات (١ / ٢٠١) من حديث عائشة.]]، وهذا من امتثال أمر الله، حيث قال الله له: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾.
﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور ٤٨]؛ أي: فإننا نراك بأعيننا ونراقبك ونلاحظك ونعتني بك، وهذا كما يقول القائل لمن أشفق عليه وأحبه: أنت في عيني، ومن المعلوم أن مثل هذا الأسلوب لا يعني أن مخاطبه حالٌ في عينه، بل المعنى: أنت مني على مرأى وعلى رقابة و على حماية.
* وفي هذه الآية: إثبات العين لله عز وجل، وهي حقيقة، لكنها لا تماثل أعين الخلق أبدًا؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١].
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور ٤٨، ٤٩]، ﴿سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾؛ أي قل: سبحان الله وبحمده، ﴿حِينَ تَقُومُ﴾ من أي شيء؟ حين تقوم من مجلسك، أو حين تقوم من منامك. المهم هي عامة، ولهذا كان كفارة المجلس أن يقول الإنسان: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، فينبغي للإنسان كلما قام من مجلس أن يختم مجلسه بهذا: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
الطور 52:49
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ [الطور: ٤٩]؛ يعني: وسبح ربك من الليل، لا كل الليل بل (مِن)، و(مِن) هنا للتبعيض، ولهذا لما سمع النبي ﷺ بأقوام من أصحابه قال أحدهم: أنا أقوم ولا أنام، قال النبي ﷺ: «أَمَّا أَنَا فَأَقُومُ وَأَنَامُ، وَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٦٣)، ومسلم (١٤٠١ / ٥) من حديث أنس بن مالك بنحوه.]]، ولذلك يُكره للإنسان أن يقوم الليل كله، حتى لو كان فيه قوة ونشاط فلا يقوم الليل كله، إلا في العشر الأواخر من رمضان؛ فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يحيي ليلها كله[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٢٤)، ومسلم (١١٧٤ / ٧) من حديث عائشة.]].
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور ٤٩]؛ يعني: وقت إدبارها. وهل المراد إدبار ضوئها بانتشار نور الشمس، أو إدبار ذواتها عند الغروب؟ فالجواب: هذا وهذا، والمراد بذلك صلاة الفجر؛ لأن صلاة الفجر بها تدبر النجوم، وصلاة الفجر وصلاة العصر هما أفضل الصلوات الخمس، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَإِنِ اسْتَطْعَتُمْ أَلَّا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلَاةٍ قَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٤)، ومسلم (٦٣٣ / ٢١١) من حديث جرير بن عبد الله.]]، والمراد بالصلاة قبل طلوع الشمس صلاة الفجر، وقبل غروبها صلاة العصر. وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٤)، ومسلم (٦٣٥ / ٢١٥) من حديث أبي موسى الأشعري.]]، والبردان هما صلاة الفجر وصلاة العصر، فصلاة الفجر براد الليل، وصلاة العصر براد النهار. ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾.
وبهذا انتهى الكلام بما يسر الله عز وجل على سورة الطور. نسأل الله تعالى أن ينفعنا وإياكم بما علمنا، وأن يهدينا صراطه المستقيم، وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ويهب لنا منه رحمة؛ إنه هو الوهاب.
النجم 53:1
يقول الله تبارك وتعالى، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم ١، ٢]، النجم: اسم جنس يُراد به جميع النجوم، وقوله: ﴿إِذَا هَوَى﴾ له معنيان؛ المعنى الأول: إذا غاب، والمعنى الثاني: ﴿إِذَا هَوَى﴾ أي: إذا سقط منه شهاب على الشياطين التي تسترق السمع ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ هذا جواب القسم ﴿وَالنجم إِذَا هَوَى﴾ المقسم به، جواب القسم يعني: المقسم عليه: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾، ﴿مَا ضَلَّ﴾ أي: ما جهل، ﴿وَمَا غَوَى﴾ أي: ما عاند؛ لأن مخالفة الحق إما أن تكون عن جهل، وإما أن تكون عن غي، قال الله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة ٢٥٦] فإذا انتفى عن النبي ﷺ الجهل، وانتفى عنه الغي تبين أن منهجه ﷺ علم ورشد، علم: ضد الجهل اللي هو الضلال: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾، ورشد: ضد الغي: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾.
إذن النبي عليه الصلاة والسلام كلامه حق، وشريعته حق؛ لأنها عن علم ورشد، وقوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ يخاطب قريشًا، جاء بهذا الوصف إشارة إلى أنهم يعرفونه، يعرفون نسبه، يعرفون صدقه، يعرفون أمانته، ليس شخصًا غريبًا عنهم حتى يقولوا: لا نؤمن به؛ لأننا لا نعرفه، بل هو صاحبهم الذي نشأ فيهم، هذه واحدة.
ثانيًا: أنه إذا كان صاحبهم فإن مقتضى الصحبة أن يصدقوه وينصروه، لا أن يكونوا أعداءً له، ففي قوله: ﴿صَاحِبُكُمْ﴾ -إذن- فائدتان: الفائدة الأولى: أنه صاحبهم الذي يعرفونه، ليس مجهولًا بينهم، وليس غريبًا عليهم، فكيف بالأمس يصفونه بالأمين والآن يصفونه بالكاذب الخائن؟!
الفائدة الثانية: أنه مقتضى الصحبة أن يصدقوه وأن ينصروه، لا أن يكونوا ضده؛ يعني: هو لم يقل: ما ضل رسول الله ﷺ، ما ضل محمد، ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ فالفائدة من هذا هو ما ذكرنا لكم: أن مقتضى الصحبة أن يكونوا عارفين به، ومقتضى الصحبة أن يكونوا مناصرين له.
النجم 53:2
يقول الله تبارك وتعالى، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم ١، ٢]، النجم: اسم جنس يُراد به جميع النجوم، وقوله: ﴿إِذَا هَوَى﴾ له معنيان؛ المعنى الأول: إذا غاب، والمعنى الثاني: ﴿إِذَا هَوَى﴾ أي: إذا سقط منه شهاب على الشياطين التي تسترق السمع ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ هذا جواب القسم ﴿وَالنجم إِذَا هَوَى﴾ المقسم به، جواب القسم يعني: المقسم عليه: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾، ﴿مَا ضَلَّ﴾ أي: ما جهل، ﴿وَمَا غَوَى﴾ أي: ما عاند؛ لأن مخالفة الحق إما أن تكون عن جهل، وإما أن تكون عن غي، قال الله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة ٢٥٦] فإذا انتفى عن النبي ﷺ الجهل، وانتفى عنه الغي تبين أن منهجه ﷺ علم ورشد، علم: ضد الجهل اللي هو الضلال: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾، ورشد: ضد الغي: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾.
إذن النبي عليه الصلاة والسلام كلامه حق، وشريعته حق؛ لأنها عن علم ورشد، وقوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ يخاطب قريشًا، جاء بهذا الوصف إشارة إلى أنهم يعرفونه، يعرفون نسبه، يعرفون صدقه، يعرفون أمانته، ليس شخصًا غريبًا عنهم حتى يقولوا: لا نؤمن به؛ لأننا لا نعرفه، بل هو صاحبهم الذي نشأ فيهم، هذه واحدة.
ثانيًا: أنه إذا كان صاحبهم فإن مقتضى الصحبة أن يصدقوه وينصروه، لا أن يكونوا أعداءً له، ففي قوله: ﴿صَاحِبُكُمْ﴾ -إذن- فائدتان: الفائدة الأولى: أنه صاحبهم الذي يعرفونه، ليس مجهولًا بينهم، وليس غريبًا عليهم، فكيف بالأمس يصفونه بالأمين والآن يصفونه بالكاذب الخائن؟!
الفائدة الثانية: أنه مقتضى الصحبة أن يصدقوه وأن ينصروه، لا أن يكونوا ضده؛ يعني: هو لم يقل: ما ضل رسول الله ﷺ، ما ضل محمد، ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ فالفائدة من هذا هو ما ذكرنا لكم: أن مقتضى الصحبة أن يكونوا عارفين به، ومقتضى الصحبة أن يكونوا مناصرين له.
النجم 53:3
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] أي: ما يتكلم بشيء صادر عن الهوى بأي حال من الأحوال، فما حكم بشيء من أجل الهوى، ولكنه ينطق بما أُوحي إليه من القرآن، وما أُوحي إليه من السنة، وما اجتهد به صلى الله عليه وعلى آله وسلم اجتهادًا يريد به المصلحة، فنطقه عليه الصلاة والسلام ثلاثة أقسام: الأول: أن ينطق بالقرآن.
الثاني: أن ينطق بالسنة الموحاة إليه، التي أقرها الله تعالى على لسانه.
الثالث: أن ينطق باجتهاد لا يريد به إلا المصلحة.
نحن ننطق عما نريد به المصلحة، وننطق عن الهوى، هل كل إنسان منا سالم من الهوى؟ لا، يميل مع صاحبه، يميل مع قريبه، يميل مع الغني، يميل مع الفقير، لكن النبي ﷺ لا يمكن أن يتكلم عن هوى.
وإذا كان لا يمكن أن ينطق عن الهوى صار لا ينطق إلا بحق؛ إن كان من القرآن فالقرآن، أو من السنة الموحاة فمن السنة، أو من السنة الاجتهادية فهو على كل حال مأجور.
النجم 53:4
ثم قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم ٤] يعني: ما القرآن الكريم إلا وحي يوحى، أي وحي من الله عز وجل، مَن الواسطة بين الله وبين الرسول؟ ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم ٥] يعني: عَلَّم النبي ﷺ هذا الوحي ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾ أي: ذو القوة الشديدة، وهو جبريل عليه السلام، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير ١٩، ٢٠] فجبريل عليه السلام قوي شديد أمين كريم، لا يمكن أبدًا أن يفرط بهذا الوحي الذي نقله إلى محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء ١٩٣، ١٩٤].
﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾، ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾ معناه: ذو القوى الشديدة، فهو من إضافة الصفة إلى موصوفها.
﴿شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ﴾ [النجم ٥، ٦]، ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾ يعني: أنه قوي، والمرة: الهيئة الحسنة، فهو ذو قوة وذو جمالٍ وحسن.
وقد رآه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على صورته التي خلق عليها له ستمائة جناح قد سد الأفق، فهو الذي نزل بهذا القرآن، حتى ألقاه على رسول الله ﷺ كما قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٣، ١٩٥].
وقوله: ﴿فَاسْتَوَى﴾ [الفتح ٢٩] أي: فعلًا، أو فكمل؛ لأن الاستواء في اللغة العربية تارة يذكر مطلقًا دون أن يقيد فيكون معناه: الكمال، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [القصص ١٤] أي: كمل.
وتارة يقيد بـ(على) فيكون معناه: العلو، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف ١٢، ١٣]، فقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾، وقال: ﴿إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: علوتم عليه.
ومنه قوله تعالى فيما وصف به نفسه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه ٥] أي: علا عليه عز وجل، العلو خاص بالعرش، وهذا غير العلو المطلق على جميع المخلوقات.
وتارة يتعدى بـ(إلى) يُقال: استوى إلى كذا، فيُفسر بأنه القصد والانتهاء، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت ١١].
وتارة يُقيد بالواو فيكون معناه: التساوي، مثل قولهم: استوى الماء والخشبة؛ أي: ساواها، فقوله هنا: فاستوى يحتمل أن المعنى: استوى: علا؛ لأن جبريل ينزل من السماء فيلقي الوحي على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم يصعد إلى السماء، ويحتمل أن معناه: كمل ويكون كامل القوة، كامل الهيئة، كاملًا من كل وجه مما يليق بالمخلوقات.
النجم 53:5
ثم قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم ٤] يعني: ما القرآن الكريم إلا وحي يوحى، أي وحي من الله عز وجل، مَن الواسطة بين الله وبين الرسول؟ ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم ٥] يعني: عَلَّم النبي ﷺ هذا الوحي ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾ أي: ذو القوة الشديدة، وهو جبريل عليه السلام، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير ١٩، ٢٠] فجبريل عليه السلام قوي شديد أمين كريم، لا يمكن أبدًا أن يفرط بهذا الوحي الذي نقله إلى محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء ١٩٣، ١٩٤].
﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾، ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾ معناه: ذو القوى الشديدة، فهو من إضافة الصفة إلى موصوفها.
﴿شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ﴾ [النجم ٥، ٦]، ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾ يعني: أنه قوي، والمرة: الهيئة الحسنة، فهو ذو قوة وذو جمالٍ وحسن.
وقد رآه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على صورته التي خلق عليها له ستمائة جناح قد سد الأفق، فهو الذي نزل بهذا القرآن، حتى ألقاه على رسول الله ﷺ كما قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٣، ١٩٥].
وقوله: ﴿فَاسْتَوَى﴾ [الفتح ٢٩] أي: فعلًا، أو فكمل؛ لأن الاستواء في اللغة العربية تارة يذكر مطلقًا دون أن يقيد فيكون معناه: الكمال، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [القصص ١٤] أي: كمل.
وتارة يقيد بـ(على) فيكون معناه: العلو، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف ١٢، ١٣]، فقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾، وقال: ﴿إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: علوتم عليه.
ومنه قوله تعالى فيما وصف به نفسه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه ٥] أي: علا عليه عز وجل، العلو خاص بالعرش، وهذا غير العلو المطلق على جميع المخلوقات.
وتارة يتعدى بـ(إلى) يُقال: استوى إلى كذا، فيُفسر بأنه القصد والانتهاء، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت ١١].
وتارة يُقيد بالواو فيكون معناه: التساوي، مثل قولهم: استوى الماء والخشبة؛ أي: ساواها، فقوله هنا: فاستوى يحتمل أن المعنى: استوى: علا؛ لأن جبريل ينزل من السماء فيلقي الوحي على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم يصعد إلى السماء، ويحتمل أن معناه: كمل ويكون كامل القوة، كامل الهيئة، كاملًا من كل وجه مما يليق بالمخلوقات.
النجم 53:6
ثم قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم ٤] يعني: ما القرآن الكريم إلا وحي يوحى، أي وحي من الله عز وجل، مَن الواسطة بين الله وبين الرسول؟ ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم ٥] يعني: عَلَّم النبي ﷺ هذا الوحي ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾ أي: ذو القوة الشديدة، وهو جبريل عليه السلام، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير ١٩، ٢٠] فجبريل عليه السلام قوي شديد أمين كريم، لا يمكن أبدًا أن يفرط بهذا الوحي الذي نقله إلى محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء ١٩٣، ١٩٤].
﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾، ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾ معناه: ذو القوى الشديدة، فهو من إضافة الصفة إلى موصوفها.
﴿شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ﴾ [النجم ٥، ٦]، ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾ يعني: أنه قوي، والمرة: الهيئة الحسنة، فهو ذو قوة وذو جمالٍ وحسن.
وقد رآه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على صورته التي خلق عليها له ستمائة جناح قد سد الأفق، فهو الذي نزل بهذا القرآن، حتى ألقاه على رسول الله ﷺ كما قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٣، ١٩٥].
وقوله: ﴿فَاسْتَوَى﴾ [الفتح ٢٩] أي: فعلًا، أو فكمل؛ لأن الاستواء في اللغة العربية تارة يذكر مطلقًا دون أن يقيد فيكون معناه: الكمال، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [القصص ١٤] أي: كمل.
وتارة يقيد بـ(على) فيكون معناه: العلو، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف ١٢، ١٣]، فقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾، وقال: ﴿إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: علوتم عليه.
ومنه قوله تعالى فيما وصف به نفسه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه ٥] أي: علا عليه عز وجل، العلو خاص بالعرش، وهذا غير العلو المطلق على جميع المخلوقات.
وتارة يتعدى بـ(إلى) يُقال: استوى إلى كذا، فيُفسر بأنه القصد والانتهاء، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت ١١].
وتارة يُقيد بالواو فيكون معناه: التساوي، مثل قولهم: استوى الماء والخشبة؛ أي: ساواها، فقوله هنا: فاستوى يحتمل أن المعنى: استوى: علا؛ لأن جبريل ينزل من السماء فيلقي الوحي على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم يصعد إلى السماء، ويحتمل أن معناه: كمل ويكون كامل القوة، كامل الهيئة، كاملًا من كل وجه مما يليق بالمخلوقات.
النجم 53:7
﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ [النجم: ٧] أي: جبريل عليه الصلاة والسلام ﴿بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ أي: الأرفع؛ وهو أفق السماء.
النجم 53:8
﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم: ٨] ﴿دَنَا﴾ من النبي ﷺ، ﴿فَتَدَلَّى﴾ أي: قرب من فوق، فكان أي: جبريل من النبي ﷺ ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم ٩]، وهذا مثل يُضرب للقرب، ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ يعني: قريبًا جدًّا بل أدنى، فقوله: ﴿أَوْ أَدْنَى﴾ بمعنى: بل، أي: بل هو أدنى من ذلك.
النجم 53:9
﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم: ٨] ﴿دَنَا﴾ من النبي ﷺ، ﴿فَتَدَلَّى﴾ أي: قرب من فوق، فكان أي: جبريل من النبي ﷺ ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم ٩]، وهذا مثل يُضرب للقرب، ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ يعني: قريبًا جدًّا بل أدنى، فقوله: ﴿أَوْ أَدْنَى﴾ بمعنى: بل، أي: بل هو أدنى من ذلك.
النجم 53:10
﴿فَأَوْحَى﴾ [النجم: ١٠] أي: جبريل ﴿إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم ١٠] أي: إلى عبد الله، فالضمير في أوحى يعود على جبريل، والضمير في عبده يعود إلى الله عز وجل؛ أي: أوحى جبريل إلى عبد الله ﴿مَا أَوْحَى﴾، ولم يبين ما أوحى به تعظيمًا له؛ لأن الإبهام يأتي مرادًا به التفخيم والتعظيم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه ٧٨] أي: غشيهم شيءٌ عظيم.
هنا ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ أي: من الشيء العظيم، ولا كلام أعظم من القرآن الكريم؛ لأنه كلام الله عز وجل.
النجم 53:11
ثم قال تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم ١١]، في قصة المعراج.
واعلم -أيها الأخ المسلم- أن للنبي ﷺ إسراءً ومعراجًا، فالإسراء ذكره الله في سورة الإسراء، والمعراج ذكره الله في سورة النجم، وكلاهما في ليلة واحدة قبل الهجرة بنحو ثلاث سنين أو سنة ونصف -اختلف المؤرخون في هذا- ثم إن الإسراء والمعراج كان ببدن النبي ﷺ وروحه، وليس بروحه فقط.
وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء ٦٠] فالمراد بها رؤية العين، لا رؤية المنام.
يقول الله تعالى في سياق الآيات في المعراج: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم ١١] ﴿الْفُؤَادُ﴾ القلب، والمعنى: أن ما رآه النبي ﷺ بعينه، فإنه رآه بقلبه وتيقنه وعلمه، وذلك أن العين قد ترى شيئًا فيكذبها القلب، وقد يرى القلب شيئًا فتكذبه العين، فمثلًا: الإنسان قد يرى شبحًا بعينه فيظنه فلان ابن فلان، ولكن القلب يأبى هذا؛ لأنه يعلم أن فلان ابن فلان لم يكن في هذا المكان، فهنا العين رأت والقلب كذَّب، أو بالعكس قد يتخيل الإنسان الشيء في قلبه، ولكن العين تكذبه.
أما ما رآه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليلة المعراج فإنه رآه حقًّا ببصره وبصيرته، ولهذا قال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم ١١]، بل تطابق القلب مع رؤية العين، فلم يكن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كاذبًا فيما رآه من الآيات العظيمة في تلك الليلة، بل هو صادق، ولكن تعلمون أن المشركين كذبوه، وقالوا: كيف يمكن أن يصل إلى بيت المقدس ويعرج إلى السماء في ليلة واحدة؟!
النجم 53:12
ولهذا قال: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ [النجم ١٢]، والاستفهام هنا للإنكار والتعجب، ومعنى تمارونه؛ أي: تجادلونه بقصد الغلبة، ولهذا عداها بـ(على) دون (في)؛ يعني: لم يقل: أفتمارونه فيما يرى، بل قال: ﴿عَلَى مَا يَرَى﴾ إشارة إلى أن الفعل ضمن معنى المغالبة؛ يعني: أفتجادلونه تريدون أن تغلبوه ﴿عَلَى مَا يَرَى﴾ أي: على شيءٍ رآه، ولكنه عبر عن الماضي بالمضارع، إشارة إلى استحضار هذا الشيء، وأنه عليه الصلاة والسلام حين أخبر به كأنما يراه الآن؛ لأن الإنسان إذا حدَّث عن ماضٍ فربما يقول قائل: لعله نسي فأخطأ، لكن إذا عبر بالمضارع صار كأنه يتحدث عن شيءٍ هو يشاهده.
﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ المعنى على ما يرى الآن ولّا على ما رأى من قبل، ولكن عَبَّر عما رأى من قبل بالمضارع؟
الثاني: وانتبهوا لهذه النكتة العظيمة، وأعني بالنكتة يعني: الحكمة البالغة؛ حيث تكون تعبيرات القرآن الكريم إذا عبر بخلاف ما يتوقع فلا بد أن يكون هناك حكمة تظهر للمتأمل.﴿ ﴾
النجم 53:13
﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣] (رآه) الفاعل: محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والمفعول به: جبريل، أي: رأى محمدٌ جبريل، ﴿نَزْلَةً أُخْرَى﴾ أي: مرة أخرى حين نزل، فما هي المرة الأولى؟ المرة الأولى رأى الرسول عليه الصلاة والسلام جبريل وهو في غار حراء، رآه على خلقته التي كان عليها، أتدرون كيف رآه؟ رآه وله ستمائة جناح قد سد الأفق، وهذا يدل على عظمته، كل الأفق اللي حول الرسول عليه الصلاة والسلام في حراء انسد من أجنحة هذا الملك الكريم، ولهذا وصفه الله بأنه ذو قوة، ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير ٢٠] وبأنه ذو مرة؛ أي: هيئة حسنة كما سبق في هذه السورة، فرآه مرة في الأرض ومرة في أفق السماء.
في الأرض في أي مكان؟ وهو في غار حراء، أما في السماء ففوق السماء، فتارة رآه من تحت السماء من فوق الأرض، وتارة من فوق السماء، ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ نزلة؛ أي: مرة أخرى.
النجم 53:14
﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ١٤] رآه عند السدرة؛ والسدرة معروفة في الأرض شجرة السدر، لكن السدرة التي في السماء السابعة ليست كصفة السدرة التي في الدنيا، نبقها كقلال هجر، وأوراقها كآذان الفيلة، فهي شجرة عظيمة، وسُمِّيت سدرة المنتهى؛ لأنه ينتهي إليها كل صاعدٍ من الأرض، وينتهي إليها كل نازلٍ من عند الله عز وجل، فهي منتهى من الطرفين؛ الطرف الأول: ما يصعد من الأرض إلى السماء ينتهي عند هذه السدرة، وما ينزل من الرب عز وجل ينتهي بهذه السدرة، وما يصعد من الأرض ينتهي إليها أيضًا فهي منتهى من الطرفين.
النجم 53:15
﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٥] إذن: الجنة فوق السماء السابعة؛ لأن إذا كانت السدرة فوق السماء السابعة وكانت الجنة عندها ماذا يكون؟ يلزم أن تكون الجنة فوق السماء السابعة وهو كذلك، وأعلاها وأوسطها الفردوس -جعلنا الله وإياكم من أهلها- التي فوقها عرش الرحمن جل وعلا، ولهذا قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين ١٨] وعليين مبالغة في العلو؛ يعني: في أعلى شيء، المهم أن الله يقول: ﴿عِنْدَهَا﴾ أي: عند هذه السدرة ﴿جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم ١٥] المأوى يعني: المصير، ومأوى مَن؟ مأوى من جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، هي مأواهم يأوون إليها ويخلدون فيها، وأما النار فهي مثوى الكافرين، والعياذ بالله.
وفي هذا دليل واضح على أن غاية الخلائق -الجن والإنس- إما إلى الجنة وإما إلى النار، ولا ثالث لهما، فالجن والإنس؛ إما في النار وإما في الجنة، قال السفاريني رحمه الله في عقيدته:
وَكُلُّ إِنْسَانٍ وَكُلُّ جِنَّةٍ ∗∗∗ فِي دَار نَارٍ أَوْ نَعِيمِ جَنَّةٍ
ما فيه دار غير هذه، القبور مثوى ومأوى؟ لا، ما هي مثوى ولا للموتى أيضًا؛ لأن القبور ممر ومعبر إذ أن وراء القبور بعث.
ويذكر أن بعض أعراب البادية سمع قارئًا يقرأ قول الله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر ١، ٢] فقال الأعرابي بفطرته وعربيته: والله ما الزائر بمقيم، وإن وراء ذلك شيئًا.
ويش معنى: الزائر ليس بمقيم؟ الزائر يزور ويمشي، أيضًا القبور يمكث الناس فيها ما شاء الله أن يمكثوا ثم يخرجوا منها، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون ١٠٠] فالناس لا بد أن يبعثوا.
والعبارة التي نسمعها أو نقرؤها أحيانًا: أن الرجل حملوه إلى مثواه الأخير -يعني: إلى المقبرة- عبارة غير صحيحة، ليش؟ لأن القبور ليست المثوى الأخير، ولو كان قائلها يعتقد معناها لكان لازم ذلك أن ينكر البعث.
﴿ ﴾
النجم 53:16
﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم: ١٦] السدرة ما هي؟ أي سدرة هي؟ سدرة المنتهى؛ لأنه قال في الأول: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم ١٣، ١٤] ثم قال: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ﴾ [النجم ١٦] و (أل) في مثل هذه العبارة تسمى عند النحويين أل للعهد الذكري، كقوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل ١٥، ١٦].
﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ﴾ [النجم ١٦] يعني: سدرة المنتهى، ﴿مَا يَغْشَى﴾ [النجم ١٦] أبهم الله ذلك للتفخيم والتعظيم؛ يعني: غشيها شيءٌ عظيم، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إنه غشيها من الحسن والبهاء ما لا يستطيع أحدٌ أن يصفه»[[أخرج مسلم (١٦٢/ ٢٥٩) عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «أتيت بالبراق، وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار، ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه»، وفيه: «فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها» الحديث.]] سبحان الله العظيم ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ نظير ذلك في الإبهام للتعظيم قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه ٧٨] أي: غطاهم من ماء البحر ما غطاهم، وهو شيء عظيم، هذا أيضًا: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ أي: غشيها شيء عظيم بأمر الله عز وجل، بلحظة كن فيكون.
النجم 53:17
﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧] البصر بَصَرُ مَنْ؟! بصر النبي ﷺ، ﴿وَمَا طَغَى﴾ يقول العلماء: زاغ؛ أي: انحرف يمينًا وشمالًا، طغى: أي: تجاوز أمامه؛ يعني: الرسول عليه الصلاة والسلام كان على كمال الأدب في هذا المقام العظيم، لم يلتفت يمينًا وشمالًا ولم يتقدم بصره أكثر مما أذن له فيه، وهذا من كمال أدبه عليه الصلاة والسلام، جرت العادة أن الإنسان إذا دخل منزلًا غريبًا تجده ينظر يمينًا وشمالًا، ويش هذا المنزل؟! خصوصًا إذا تغير تغيرًا عظيمًا في هذه اللحظة لا بد أن ينظر ما الذي حدث، لكن لكمال أدب النبي ﷺ ورباطة جأشه صلوات الله وسلامه عليه وتحمله ما لا يتحمله بشر سواه صار في هذا الأدب العظيم.
﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ﴾ بصر من؟ الرسول ﷺ؛ أي: ما انحرف يمينًا ولا شمالًا ما التفت يمينًا ولا شمالًا، ﴿وَمَا طَغَى﴾ ما تجاوز أمامه، بل كان على غاية من كمال الأدب عليه الصلاة والسلام، ولهذا قال الله عنه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم ٤].
النجم 53:18
ثم قال عز وجل: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم ١٨] رأى من؟ الرسول ﷺ، ﴿لَقَدْ رَأَى﴾ وأنت -أخي المسلم القارئ للقرآن- يمر بك مثل هذا التعبير دائمًا، ﴿لَقَدْ رَأَى﴾، ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد ٤]، ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون ١٢] إلى آخره، كثير من الأمثلة، هذه الجملة يقول العلماء: إنها مؤكدة بأنواع ثلاثة من المؤكدات: الأول: قسم مقدر، والثاني: اللام، والثالث: قد؛ لأن معنى (ولقد) معناه: والله لقد، فتكون جملة مؤكدة بأيش بالقسم، واللام، وقد، والقسم مقدر لكن دل عليه السياق.
و﴿رَأَى﴾ يعني: النبي ﷺ، ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم ١٨] الآية: هي العلامة المخصصة لمدلولها التي لا يشركه فيها أحد، وإلا لم تكن علامة؛ يعني لم تكن آية، فالآية لا بد أن تكون خاصة بمدلولها، فليس كل علامة آية، بل هي التي تختص بمدلولها.
هذا الذي رآه النبي عليه الصلاة والسلام من آيات الله كبير عظيم، وقوله: ﴿الْكُبْرَى﴾ قيل: إنها مفعول ثان لـ(رأى) ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ﴾ الآية ﴿الْكُبْرَى﴾ [النجم ١٨].
وقيل: إن الكبرى صفة لآيات، والمعنى: أنه رأى من آيات الله الكبيرة، والثاني أصح وأقرب؛ يعني: أنه رأى من الآيات الكبرى ما رأى، وليس ما رآه أكبر شيء، بل قد يكون هناك شيء أكبر ما نعلمه.
والحاصل: أن الرسول رأى في هذا المعراج من آيات الله الكبيرة ما لم يكن يره من قبل، وما لا يستطيع الصبر عليه أحدٌ من البشر، نحن لو رأينا سرادقًا عظيمًا لملك من الملوك لانبهرنا وتعجبنا وجعلنا نلتفت يمينًا وشمالًا، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يتغير عقله ولا اتزانه، بل كان على أكمل ما يكون من الاتزان، وإلا فقد أُسري به من المسجد الحرام؛ من الحجر عند الكعبة -والحجر من الكعبة- أسري به من ذلك المكان إلى بيت المقدس مسيرة شهر أو شهرين؟ شهرين، في لحظة؛ لأنه ركب على البراق، والبراق دابة عظيمة قوية سريعة خطوته مد بصره، وسريع جدًّا، وصل إلى هناك وصلى بالأنبياء، ثم عرج به إلى السماء؛ والسماء ويش بُعدها عن الأرض؟ بعيدة جدًّا، ثم من سماءٍ إلى سماء، وهو تتلقاه الملائكة، تسأله، تقول لجبريل: من معك؟ يقول: محمد، هل أُرسل إليه؟ يقول: نعم، ثم يسلم على بعض من في السماوات من الأنبياء، ثم تُفرض عليه الصلاة، ويتردد بين الله وموسى، كل هذا وهو ثابت الجأش عليه الصلاة والسلام، وهذا شيء حقيقي هو بنفسه عليه الصلاة والسلام صعد، ولهذا لما جاء وحدث الناس من الغد أنكرته قريش؛ لأنها تُنكر ما لا يمكن في عقلها، وإنكار ما لا يمكن في العقل ليس خاصًّا بكفار قريش حتى في من ينتسب لهذه الأمة أنكروا من صفات الله ما لا تدركه عقولهم، أليس كذلك؟ فيه أناس ينتسبون للأمة الإسلامية وهم من أهلها أنكروا شيئًا من صفات الله أثبته الله لنفسه؛ لأنه على زعمهم لا يمكن في العقل.
قريش أنكرت هذا المعراج، أرأيتم لو كان منامًا هل تنكره قريش؟ ما تنكره؛ لأن المنامات يكون فيها مثل هذا، لكنه أمر حسي حقيقي، أُسري بالرسول عليه الصلاة والسلام بجسده وعُرج به في ليلة واحدة، وحصلت كل ها الأمور اللي حصلت ثم عاد إلى الأرض، وصلى الفجر في مكة عليه الصلاة والسلام.
﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ وفي هذا إشارة إلى أن آيات الله عز وجل منها الكبير ومنها ما دون ذلك، ما نقول: ومنها الصغير؛ لأن الكبرى اسم تفضيل، وغلط من قال من المفسرين المتأخرين: إن الكبرى اسم فاعل، بل هي اسم تفضيل؛ لأن آيات الله عز وجل إما كبيرة، وإما كُبرى عُظْمى، فالمعراج الذي حصل لا شك أنه من الآيات الكبرى العظيمة.
النجم 53:19
لَمَّا بَيَّن الله سبحانه وتعالى ما رآه النبي ﷺ من آيات ربه العظيمة في الآفاق قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ وهذا الاستفهام للتحقير والانحطاط؛ أي: انحطاط رتبة هذه الأصنام التي ذكرها الله عز وجل يعني: أخبروني بعد أن سمعتم من آيات الله الكبرى ما سمعتم أخبروني عن شأن هذه الأصنام ما قيمتها، ما مرتبتها، ما عزتها؟
﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم ١٩، ٢٠] ثلاثة أصنامٍ مشهورة عند العرب يعبدونها من دون الله، يخضعون لها كما يخضعون لله، ويتقربون إليها كما يتقربون لله عز وجل، ومع ذلك هم يعتقدون أنها لن تنفعهم عند الشدة، إذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين، وعلموا أنه لا ينجيهم من هذه الشدة إلا رب العالمين، لكن الشيطان سَوَّلَ لهم وأملى لهم في عبادة هذه الأصنام التي يدعون أنها تقربهم من الله تعالى، كما قال الله عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر ٣] ولكنها في الحقيقة لا تقربهم إلى الله بل تبعدهم منه.
﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ﴾ [النجم ١٩، ٢٠] الثالثة بالنسبة للثنتين قبلها، ﴿الْأُخْرَى﴾ يعني: المتأخرة، وكأنها -والله أعلم- دون اللات والعزى في المرتبة عند العرب.
النجم 53:20
لَمَّا بَيَّن الله سبحانه وتعالى ما رآه النبي ﷺ من آيات ربه العظيمة في الآفاق قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ وهذا الاستفهام للتحقير والانحطاط؛ أي: انحطاط رتبة هذه الأصنام التي ذكرها الله عز وجل يعني: أخبروني بعد أن سمعتم من آيات الله الكبرى ما سمعتم أخبروني عن شأن هذه الأصنام ما قيمتها، ما مرتبتها، ما عزتها؟
﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم ١٩، ٢٠] ثلاثة أصنامٍ مشهورة عند العرب يعبدونها من دون الله، يخضعون لها كما يخضعون لله، ويتقربون إليها كما يتقربون لله عز وجل، ومع ذلك هم يعتقدون أنها لن تنفعهم عند الشدة، إذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين، وعلموا أنه لا ينجيهم من هذه الشدة إلا رب العالمين، لكن الشيطان سَوَّلَ لهم وأملى لهم في عبادة هذه الأصنام التي يدعون أنها تقربهم من الله تعالى، كما قال الله عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر ٣] ولكنها في الحقيقة لا تقربهم إلى الله بل تبعدهم منه.
﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ﴾ [النجم ١٩، ٢٠] الثالثة بالنسبة للثنتين قبلها، ﴿الْأُخْرَى﴾ يعني: المتأخرة، وكأنها -والله أعلم- دون اللات والعزى في المرتبة عند العرب.
النجم 53:21
ثم قال تعالى مُنكِرًا على هؤلاء المشركين: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ [النجم ٢١] يعني: أتجعلون لكم الذكور ولله الإناث؟! وذلك في قولهم: إن الملائكة بنات الله، وهم لم يشهدوا خلق الملائكة ولم يطلعوا على ذلك، كما قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف ١٩] والجواب؟ لا، لم يشهدوا خلقهم، لكن مع ذلك ستكتب هذه الشهادة عليهم ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ﴾ [الزخرف ١٩] نسأل الله العافية.
هم إذا بُشِّر أحدهم بالأنثى ماذا يصنع؟ ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ [النحل ٥٨، ٥٩] ومع ذلك يجعلون لرب العالمين الذي خلق الذكر والأنثى يجعلون له البنات ويجعلون لأنفسهم البنين، هل هذه القسمة قسمة عدل أو قسمة جور؟ اسمع الجواب: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم ٢٢] يعني: تلك القسمة، وهي أن يجعلوا لله البنات ولهم البنين ﴿قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ أي: جائرة مائلة عن الحق؛ لأننا لو قلنا بأنه جائز أن يكون لله ولد، لكان الأولى أن يكون له البنون؛ لأن البنين أعلى من البنات بلا شك، وهو سبحانه وتعالى أعلى من المخلوقين، فيجب أن يكون الأعلى للأعلى والأدنى للأدنى، هذه القسمة العادلة.
ثم هناك قسمة أخرى دونها في العدل، لكن فيها عدل: أن يجعلوا لله البنات ولهم بنات، ولله بنين ولهم بنين، لكن ما فعلوا هذا، جعلوا الأدنى للخالق والأعلى لهم، ولهذا قال عز وجل: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم ٢٢].
النجم 53:22
ثم قال تعالى مُنكِرًا على هؤلاء المشركين: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ [النجم ٢١] يعني: أتجعلون لكم الذكور ولله الإناث؟! وذلك في قولهم: إن الملائكة بنات الله، وهم لم يشهدوا خلق الملائكة ولم يطلعوا على ذلك، كما قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف ١٩] والجواب؟ لا، لم يشهدوا خلقهم، لكن مع ذلك ستكتب هذه الشهادة عليهم ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ﴾ [الزخرف ١٩] نسأل الله العافية.
هم إذا بُشِّر أحدهم بالأنثى ماذا يصنع؟ ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ [النحل ٥٨، ٥٩] ومع ذلك يجعلون لرب العالمين الذي خلق الذكر والأنثى يجعلون له البنات ويجعلون لأنفسهم البنين، هل هذه القسمة قسمة عدل أو قسمة جور؟ اسمع الجواب: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم ٢٢] يعني: تلك القسمة، وهي أن يجعلوا لله البنات ولهم البنين ﴿قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ أي: جائرة مائلة عن الحق؛ لأننا لو قلنا بأنه جائز أن يكون لله ولد، لكان الأولى أن يكون له البنون؛ لأن البنين أعلى من البنات بلا شك، وهو سبحانه وتعالى أعلى من المخلوقين، فيجب أن يكون الأعلى للأعلى والأدنى للأدنى، هذه القسمة العادلة.
ثم هناك قسمة أخرى دونها في العدل، لكن فيها عدل: أن يجعلوا لله البنات ولهم بنات، ولله بنين ولهم بنين، لكن ما فعلوا هذا، جعلوا الأدنى للخالق والأعلى لهم، ولهذا قال عز وجل: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم ٢٢].
النجم 53:23
ثم أعاد الله عز وجل إلى بيان حقيقة هذه الأصنام المعبودة، فقال: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [النجم ٢٣]، (إِنْ) هنا نافية بمعنى: ما، وهذا ضابط ينتفع به طالب العلم: أنه إذا أتت إلا مثبتة بعد (إِنْ) فـ(إِنْ) هنا تكون نافية، مثل: إن هذا إلا بشر، إن هذا إلا مجتهد، وما أشبه ذلك.
فإن هنا نافية، بمعنى: ما هي إلا أسماء سميتموها؛ يعني: ما هذه الأصنام إلا مجرد أسماء لا حقيقة لها، أسماء سموها إلهًا، سموها معبودًا، ولكنه لا حقيقة لذلك، ما هي إلا مجرد أسماء، وهل الاسم يدل على مسماه؟ لا، لو أنك سميت الحديد خشبًا ما صار خشبًا، ولو سميت الخشب حديدًا ما صار حديدًا، ولو سميت البغل حمارًا لم يكن حمارًا، وهكذا، هذه الأصنام يسمونها آلهة هل تكون إلهًا؟ لا.
مجرد اسم، والاسم بلا مُسمى لا فائدة منه، ولهذا قال: ﴿إِنْ هِيَ﴾ أي: ما هذه الأصنام والمسميات ﴿إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾، ﴿أَنْتُمْ﴾ المخاطبون الذين أدركوا البعثة، ﴿وَآبَاؤُكُمْ﴾ يعني: الأجداد السابقين، مجرد اسم ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾، ﴿مَا﴾ نافية يعني: أن الله عز وجل لم ينزل بها دليلًا، وسُمِّي الدليل سلطانًا؛ لأن صاحب الدليل معه سلطة يعلو بها على خصمه، ومن ليس له دليل ليس له سلطان، فالسلطان يأتي دائمًا بمعنى الحجة؛ أي: الدليل؛ لأن من معه الدليل ذو سلطة على خصمه.
﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [النجم ٢٣] ماذا تقولون في ﴿إِنْ﴾؟ ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ نافية بمعنى: ما بناء على الضابط اللي ذكرته لكم، أنه إذا جاءت (إلا) مثبتة بعد (إن) فـ(إن) تكون نافية، ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ﴾ أي: هؤلاء وآباؤهم ﴿إِلَّا الظَّنَّ﴾ أي: الوهم الذي لا حقيقة له؛ لأنهم يقولون: هذه آلهة، على أي شيء اعتمدوا؟ على الوهم، فالظن هنا بمعنى الوهم؛ يعني: ما يتبع هؤلاء لقولهم: إنها آلهة إلَّا الظن؛ أي: الوهم، الخيال الذي لا حقيقة له، ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ يعني: وما تميل إليه نفوسهم من الباطل.
ثم قال عز وجل: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم ٢٣] الجملة هنا مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم المحذوف، واللام، و(قد)، والتعبير على هذا الوجه كثيرٌ في القرآن الكريم، وهو تأكيدٌ بثلاثة مؤكداتٍ، كما قلت لكم: القسم، واللام، و(قد)، القسم تقديره: والله لقد جاءهم من ربهم الهدى، واللام موجودة، و(قد) موجودة، فيؤكد الله عز وجل هنا أنه قد جاءهم من ربهم الهدى، وفي قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ﴾ لم يقل: من الله إشارة إلى أنه لا يجوز تلقي الشريعة إلا من عند الله؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو الرب، والرب هو الخالق المالك المدبر.
﴿الْهُدَى﴾ فاعل جاء، والمراد به العلم المقابل بقوله: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ هم يتبعون الظن والعلم جاء من عند الله ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ أي: العلم على لسان رسله عليهم الصلاة والسلام الذين خُتموا بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
النجم 53:24
﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى﴾ [النجم: ٢٤]، ﴿أَمْ﴾ هنا منقطعة؛ لأنها تأتي منقطعة وتأتي متصلة، إذا كان هناك مقابل فهي متصلة، وإذا لم يكن مقابل فهي منقطعة، فإذا قلت: أعندك زيدٌ أم عمرو، فهي متصلة، وإذا قلت في مثل هذه الآية: ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى﴾ فهي بمعنى: بل وهمزة الاستفهام؛ يعني: بل أللإنسان ما تمنى؟ والاستفهام هنا للإنكار والنفي؛ أي: ليس للإنسان ما تمنى، كم يتمنى الإنسان من شيء ولكن لا يحصل؛ لأن هناك مدبرًا، وهو الله عز وجل، فليس للإنسان ما تمنى، إشارة إلى أي شيء إشارة إلى رد صنيع هؤلاء المشركين الذي يعبدون الأصنام، يقولون: إنها تقربهم إلى الله، فهل لهم ذلك؟
الجواب: ليس لهم ذلك، ما تقربهم، أيضًا رد لقولهم: إن لله البنات ولهم البنين، هل لهم ذلك؟ لا، هم وإن تمنوا هذا وصار في مخيلتهم، فإنه لا يحصل ذلك؛ لأن لله الآخرة والأولى، ولهذا قال: ﴿فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾ [النجم ٢٥]، وليس للإنسان ما تمنى، كثيرًا ما يتمنى الآن في الحياة اليومية، كثيرًا ما يتمنى الإنسان شيئًا ولكن لا يحصل، كثيرًا ما يتمنى الشيء ويسعى في أسبابه ولكن لا يحصل؛ لأن الأمر بيد الله جل وعلا، ولهذا قال: ﴿فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾ وبدأ بالآخرة؛ لأن ملك الله عز وجل في الآخرة يظهر أكثر مما في الدنيا، الدنيا فيها ملوك فيها رؤساء فيها زعماء يراهم العامة أن لهم تدبيرًا، لكن في الآخرة لا يوجد هذا، ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر ١٦] هكذا قال الله عز وجل.
النجم 53:25
﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى﴾ [النجم: ٢٤]، ﴿أَمْ﴾ هنا منقطعة؛ لأنها تأتي منقطعة وتأتي متصلة، إذا كان هناك مقابل فهي متصلة، وإذا لم يكن مقابل فهي منقطعة، فإذا قلت: أعندك زيدٌ أم عمرو، فهي متصلة، وإذا قلت في مثل هذه الآية: ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى﴾ فهي بمعنى: بل وهمزة الاستفهام؛ يعني: بل أللإنسان ما تمنى؟ والاستفهام هنا للإنكار والنفي؛ أي: ليس للإنسان ما تمنى، كم يتمنى الإنسان من شيء ولكن لا يحصل؛ لأن هناك مدبرًا، وهو الله عز وجل، فليس للإنسان ما تمنى، إشارة إلى أي شيء إشارة إلى رد صنيع هؤلاء المشركين الذي يعبدون الأصنام، يقولون: إنها تقربهم إلى الله، فهل لهم ذلك؟
الجواب: ليس لهم ذلك، ما تقربهم، أيضًا رد لقولهم: إن لله البنات ولهم البنين، هل لهم ذلك؟ لا، هم وإن تمنوا هذا وصار في مخيلتهم، فإنه لا يحصل ذلك؛ لأن لله الآخرة والأولى، ولهذا قال: ﴿فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾ [النجم ٢٥]، وليس للإنسان ما تمنى، كثيرًا ما يتمنى الآن في الحياة اليومية، كثيرًا ما يتمنى الإنسان شيئًا ولكن لا يحصل، كثيرًا ما يتمنى الشيء ويسعى في أسبابه ولكن لا يحصل؛ لأن الأمر بيد الله جل وعلا، ولهذا قال: ﴿فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾ وبدأ بالآخرة؛ لأن ملك الله عز وجل في الآخرة يظهر أكثر مما في الدنيا، الدنيا فيها ملوك فيها رؤساء فيها زعماء يراهم العامة أن لهم تدبيرًا، لكن في الآخرة لا يوجد هذا، ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر ١٦] هكذا قال الله عز وجل.
النجم 53:26
﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] ﴿كَمْ﴾ تكثيرية؛ لأنها تأتي تكثيرية؛ يعني: كثيرًا ما، وتأتي استفهامية، فإذا قلت لك: كم مالك؟ استفهامية، وفي قوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ [الأنبياء ١١] تكثيرية، هنا ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ يعني: كثيرٌ من الملائكة ﴿فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ﴾، وهنا يقول: ﴿كَمْ مِنْ مَلَكٍ﴾ وما أكرم الملائكة كما قال الله تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء ٢٦].
﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ لا في الأرض، والسماوات أعلى من الأرض، إذا كان هؤلاء الملائكة الكرام الذين مقرهم السماوات -إلا من أذن له أن ينزل إلى الأرض- إذا كان شفاعتهم لا تنفع، فهل يمكن أن تنفع شفاعة اللات والعزى ومناة؟ الجواب: لا؛ يعني: كأن الله يقول لهؤلاء: ما أصنامكم هذه التي تستشفعون بها إلى الله، ﴿كَمْ مِنْ مَلَكٍ﴾ وهو أشرف من هذه الأصنام ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ وهي أشرف من الأرض ﴿لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ لو شفعوا ما تغني إلا بشرطين: إلا ﴿أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ من الملائكة أن يشفع فيشفع، ﴿وَيَرْضَى﴾ أي: يرضى عن المشفوع له، وكذلك عن الشافع؛ لأنه لا يمكن أن يأذن للشافع إلا بعد أن يرضى عنه، ولا بد أن يرضى عن المشفوع له، وإلا فلا تنفع الشفاعة كما قال عز وجل: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء ٢٨]، فأصنامكم هذه لن تنفعكم، ولن يقبل الله شفاعتها، فشروط الشفاعة الآن ثلاثة: الأول: رضا الله عن الشافع بأن يكون أهلًا للشفاعة لكونه من المقربين إلى الله عز وجل.
والثاني: أن يرضى عن المشفوع له؛ بأن يكون أهلًا لأن يشفع له، أما الكافر ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر ٤٨].
الثالث: الإذن؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة ٢٥٥].
فلا بد من شروط ثلاثة: رضا الله عن الشافع، وعن المشفوع له، وإذنه في الشفاعة.
﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ وهذا فيه تيئيس هؤلاء المشركين من شفاعة آلهتهم لهم.
النجم 53:27
ثم قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى﴾ [النجم ٢٧]، أكد الله هذا الخبر بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ﴾ أكده بمؤكدين وهما: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى﴾ إن واللام.
ومعنى: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ لا يصدقون بها ولا بما فيها من الثواب والعقاب؛ إذ إن الإيمان بالآخرة لا بد أن يكون إيمانًا بأن هذا اليوم سيكون، وإيمانًا بكل ما ثبت من حصوله فيه ووقوعه فيه، إما في القرآن وإما في السنة، حتى إن شيخ الإسلام رحمه الله قال: إن مما يدخل في الإيمان بالله واليوم الآخر الإيمان بما يكون بعد الموت من فتنة القبر، وعذاب القبر، ونعيم القبر.
وصدق رحمه الله؛ لأن الإنسان إذا مات قامت قيامته، انتهى من الدنيا، كأن لم يكن، فكما أنه أتى على الإنسان حينٌ من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا، فسيأتي عليه حينٌ من الدهر لم يكن إلا خبرًا من الأخبار، كما قال الشاعر الحكيم في الدنيا:
بَيْنَا يُرَى الْإِنْسَانُ فِيهَا مُخْبِرًا ∗∗∗ حَتَّى يُرَى خَبَرًا مِنَ الْأَخْبَارِ
أنت الآن تخبر تقول: حصل كذا وحصل كذا، وقال فلان: كذا، في يومٍ من الأيام سوف يُخبر عنك: قال فلان كذا، وأنت رميم.
إذن الإيمان بالآخرة يتضمن الإيمان بوقوع اليوم الآخر، وأنه لا بد كائن.
ثانيًا: الإيمان بما سيكون في هذا اليوم من أهوال، حساب، موازين، صراط، جنة، نار، لا بد من هذا.
كذلك يدخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمان بما يكون في القبر من فتنة القبر، وهي -أعني فتنة القبر- سؤال الملكين الميت عن ثلاثة أشياء: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ هل أحد من الناس لا يؤمن بالآخرة؟ نعم كثير من الناس، أكثر الناس لا يؤمنون بالآخرة، حتى أن الله سبحانه وتعالى قال في الإنسان: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا﴾ يعجزنا فيه ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيم﴾ [يس ٧٨] ما أحسن قوله: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ قبل أن يقول مقالة هذا الإنسان؛ يعني هذا الإنسان قال: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾، ما هو خلقه؟ أنه لم يكن شيئًا، ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق ٦] فصار عظامًا وعصبًا ولحمًا، وصار إنسانًا ينطق ويخاصم: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس ٧٨، ٧٩] وذكر الأدلة على إمكان ذلك.
المهم أن من الناس من ينكر اليوم الآخر، يقول: ما فيه بعث. وهذا من سفه في عقله، وضلالة في دينه، وإلا فهل من الحكمة أن تخلق هذه الخليقة، وتبتلى بالأمر والنهي، ويحصل الجهاد وقتال الأعداء، واستحلال دمائهم وأموالهم ونسائهم، ثم تكون النتيجة لا شيء، هذا لا يمكن، تأباه الحكمة أشد الإباء، إذن الذين لا يؤمنون بالآخرة سفهاء عقولًا، ضلالٌ دينًا.
﴿لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى﴾ [النجم ٢٧] يعني: يجعلون الملائكة إناثًا كالمشركين، قالوا: الملائكة بنات الله، فسموا الملائكة بتسمية الأنثى وهي البنت؛ لأنهم لا يؤمنون بالآخرة، لو آمنوا بالعقاب ما قالوا هذا، لكنهم لا يؤمنون فيقولون ما يريدون.
النجم 53:28
قال الله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ [النجم ٢٨] نفى أن يكون لهم بذلك علم؛ لأن هذا هو الواقع، هل شهدوا خلق الملائكة؟ لا، ولهذا قال الله في آية أخرى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف ١٩]، والجواب: لا، لكن: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ﴾ [الزخرف ١٩] حين لا يجدون جوابًا، هؤلاء الذين قالوا: الملائكة بنات الله، يقول عز وجل: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ [النجم ٢٨]، و﴿عِلْمٍ﴾ هنا مجرورة بحرف الجر، وحرف الجر هنا عند المعربين ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ [النجم ٢٨] حرف جرٍ زائد، الفائدة منها توكيد النفي، ولهذا نعطيكم قاعدة مفيدة: جميع الحروف الزائدة يقصد بها التوكيد هي من أدوات التوكيد كل الحروف الزائدة سواء الباء أو اللام أو غيرها فإنها تفيد التوكيد، ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ [النجم ٢٨] يعني: لا قليل ولا كثير؛ لأنهم لم يشهدوا خلقهم.
﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ (إن) هنا بمعنى ما، والضابط أنه إذا جاءت (إلا) بعد (إن) فهي بمعنى (ما)، إن هذا إلا بشر؛ أي: ما هذا إلا بشر ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف ٣١] أي: ما هذا إلا ملك كريم، ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [إبراهيم ١٠] أي: ما أنتم إلا بشرٌ مثلنا، ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية ٢٤] أي: ما هم إلا يظنون، والأمثلة على هذا كثيرة.
﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ يعني: ما يتبعون إلا الظن، والمراد بالظن هنا الوهم الكاذب، وليس المراد بالظن هنا الراجح من أحد الاحتمالين.
وانتبه لهذه النقطة: أن الظن يأتي بمعنى التهمة، ويأتي بمعنى رجحان الشيء، ويأتي بمعنى اليقين، كم هذا يا أخ؟ ثلاثة.
بمعنى التهمة الثاني رجحان الشيء الثالث اليقين.
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة ٤٦] المراد اليقين، ما يكفي الظن في اليوم الآخر، لا بد يتيقن، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٠١)، ومسلم (٥٧٢ / ٨٩) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.]]، والتحري هنا يعني: الظن الغالب، وهنا ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية ٢٤] ظن الاتهام؛ يعني: يظنون ظنًّا هو وَهْمٌ ليس له أصل.
بعض العلماء أخذ من هذه الآية: أنه لا يجوز العمل بالظن في المسائل الفقهية وغيرها، وهذا خطأ؛ لأن كثيرًا من المسائل الفقهية ظنية؛ إما لخفاء الدليل، أو خفاء الدلالة، ليس كل مسألة في الفقه يقول بها الإنسان على سبيل اليقين أبدًا، بل بعضها يقين وبعضها ظن، والظن إذا تعذر اليقين مما أحله الله.
والحمد لله، من نعمة الله أنه إذا تعذر اليقين رجعنا إلى غلبة الظن، فليس كل ظنٍ منكرًا، لكن الظن الذي ليس له أصل يُبنى عليه هذا هو المنكر، هؤلاء الذين سموا الملائكة تسمية الأنثى هل لهم بذلك علم؟ أبدًا، ظن مبني على وهم، وربما يكون مبنيًّا على هوى؛ يعني: أنه لم يطرأ ببالهم أنهم إناث، لكن تبعوا آباءهم.
﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾، ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ﴾ أيُّ ظنٍ هذا؟ المبني على الوهم لا على القرائن، ﴿لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ أي: لا يفيد شيئًا من الحق؛ لأنه وهم باطل، والوهم الباطل لا يمكن أن يفيد.
النجم 53:29
ثم قال عز وجل: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [النجم ٢٩] أعرض الخطاب للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو المراد به كل من يصح أن يوجَّه إليه الخطاب، فعلى الأول يكون المعنى: أعرض يا محمد، وعلى الثاني: أعرض أيها الإنسان المؤمن.
﴿عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ يعني: أعرض عنه لا تتبعه، ولا يهمنك أمره، وليس المعنى: أعرض عنه لا تنصحه، لا، التذكير واجب، قال الله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات ٥٥] يعني ذكر كل أحد، فمن الناس من ينتفع ومنهم من لا ينتفع، والذي ينتفع هو المؤمن، فعلى هذا نقول: معنى أعرض أعني: لا تبالِ به، ولا يهمنك أمره، ولا تستحسر من أجل توليه، بل ادع إلى سبيل الله عز وجل أيًّا كان، لكن من أعرض وتولى لا يهمك أمره.
﴿أَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾ وهو القرآن، ويحتمل أن يكون الذكر بمعنى التذكير، أي: عن تذكيرنا، وكلا المعنيين متلازمان صحيحان، ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾ عن القرآن، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف ٤٤] وقال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس ٦٩] أو أن المعنى: ﴿عَنْ ذِكْرِنَا﴾ أي: عن تذكيرنا، بالمواعظ التي ينزلها الله عز وجل.
﴿وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ اللهم أعذنا من فتنة الدنيا؛ يعني: لا يريد الآخرة ولا يهتم بها، همه الدنيا، ويش المركوب، ويش الملبوس، ويش المسكون، ويش المنكوح، اتبعوا ما أُترفوا فيه وكانوا مجرمين، ما يهتم بالآخرة، أهم شيء عنده هي الدنيا، أما ذكر الله القرآن أو تذكير الله فإنه متولٍ عنه -والعياذ بالله- نسأل الله السلامة والعافية.
﴿أَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ ولكن شوف ﴿الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ وصفها بالدنيا من الدنو، وهو القرب؛ وذلك لانحطاط مرتبتها، ولسبقها على الآخرة؛ لأن الدار الدنيا هي أول دار ينزلها الإنسان، وهي سابقة في الزمن على الآخرة، فهي دنيا -يعني: قريبة- هي أيضًا دنيا من حيث المرتبة ليست بشيء بالنسبة للآخرة، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام فيما صح عنه: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه البخاري (٢٨٩٢) من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه.]]، اللهم اجعل لنا موضعًا فيها، خير من الدنيا وما فيها، ما هي خير من الدنيا اللي أنت فيها فقط، من الدنيا منذ خلقها الله إلى أن تفنى، موضع السوط الذي يكون بقدر المتر في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها، إذن هي دنيا.
ولهذا إذا مات الإنسان وهو مؤمن -جعلنا الله وإياكم منهم- ثم حُمل من بيته الذي يسكنه ويأوي إليه، وفيه أهله وماله وحشمه، إذا خرج تقول روحه: قَدِّموني قَدِّموني، لماذا؟ لأن ما ستذهب إليه خيرٌ مما تخرج منه، قال الله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى ١٦، ١٧] الآخرة خير وأبقى، لكن لمن؟ ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [النساء ٧٧] لكنها شرٌ لمن لم يتق.
يذكر أن ابن حجر العسقلاني -رحمه الله- وكان رئيس القضاة في مصر، مر يومًا من الأيام في موكبه على العربة تجره البغال وحوله الجنود، برجلٍ يهودي زيات -يبيع الزيت- قد تدنست ثيابه بالزيت، وشقي في طلب المعيشة، فأوقف الموكب -الذي أوقفه اليهودي- وقال لابن حجر: إن نبيكم يزعم «أَنَّ الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ»[[أخرجه مسلم (٢٩٥٦ / ١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، فكيف يتفق هذا الحديث مع الواقع؟! أنت الآن مؤمن وهو يهودي، وأيهما أشقى؟ في هذه المسألة اليهودي أشقى، فكيف يتفق مع الواقع؟! فقال: نعم، ما أنا فيه الآن بالنسبة للآخرة سجن؛ لأن الآخرة خير لمن اتقى، وما أنت فيه بالنسبة للآخرة جنة؛ لأن الآخرة مالك فيها إلا النار وبئس القرار، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، شوف كيف فتح الله عليه، حيث ظهر صدق كلام الرسول عليه الصلاة والسلام بكل سهولة.
المهم أن الآخرة خيرٌ من الدنيا وما فيها، ولهذا ذم الله هذا الذي أعرض عن ذكر الله، ولم يرد إلا الحياة الدنيا، ولنسأل: هل من أراد الحياة الدنيا تحصل له؟
لا، ما تحصل له، قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ﴾ [الإسراء ١٨]، ما هو ما يشاء، هو ﴿مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء ١٨، ١٩]، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ [الشورى ٢٠] لأنه يعطى الدنيا والآخرة ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ بعضها ما هو كلها ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى ٢٠].
النجم 53:30
﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [النجم: ٣٠] أي ﴿ذَلِكَ﴾ والمشار إليه؛ كونهم متولين مُعرضين لا يريدون إلا الحياة الدنيا؛ يعني: ذلك منتهى بلوغ علمهم؛ لأن علمهم قاصر، لا ينظرون إلى المستقبل ولا يصدقون بخبر، فتجد أكبر همهم أن يصلحوا حالهم في الدنيا، معرضين عن حالهم في الآخرة، ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [النجم ٣٠] وفي الدعاء المأثور: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا»[[أخرجه الترمذي (٣٥٠٢) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، ولفظه: «ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا».]].
ثم قال عز وجل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ [النجم ٣٠] هو أعلم عز وجل بمن ضل عن سبيله فعلًا ومن سيضل؛ لأنه عالمٌ بما كان وما يكون، فقوله: ﴿بِمَنْ ضَلَّ﴾ لا تعني أنه لا يعلم إلا من حصل منه الضلال بالفعل، بل هو يعلم من حصل منه الضلال بالفعل ومن سيحصل منه؛ لأن الله سبحانه وتعالى موصوفٌ بالعلم التام في الحاضر والمستقبل والماضي، وقوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ [النجم ٣٠] ضد الضلال، فالناس بين فئتين: إما مهتدٍ، وإما ضال، وإنما بيَّن الله سبحانه وتعالى أنه ﴿أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ لفائدتين: الفائدة الأولى: أن نعلم أن ما وقع من الضلال والهداية فهو صادرٌ عن علم الله وبإرادته؛ إذ لا يمكن أن يوجد في خلقه خلاف معلومه، لو قدر أن يوجد في خلقه خلاف معلومه لكان الله جاهلًا، وحاشاه من ذلك.
الفائدة الثانية: التحذير من الضلال والترغيب في الاهتداء، ما دام الإنسان يعلم أن أي عملٍ صدر منه فعلمه عند الله فإنه سوف يخشى أن يعصي الله، وسوف يرضى أن يرضي الله عز وجل، فإذن الفائدة أمران: الأولى: ترغيب في الهداية أو في الاهتداء والترهيب من الضلال؛ يعني: كأنه يقول: إن ضللت فالله عالمٌ بك، وإن اهتديت فالله عالمٌ بك، فيجزي الذين أساءوا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ [النجم ٣٠] .
النجم 53:31
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [النجم ٣١] يقول علماء البلاغة: إنه إذا تقدم شيء حقُّه التأخير فهو دليلٌ على الحصر والتخصيص، فلننظر في هذه الآية هل فيها تأخير وتقديم؟ ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، (لِلَّهِ) هذه خبر مقدم، و﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ مبتدأ مؤخر.
إذن قَدَّم فيها ما حقه التأخير وهو الخبر؛ لأن حق الخبر أن يكون متأخرًا عن المبتدأ، تقول: الرجل قائمٌ، ولا تقل: قائمٌ الرجل، فالأصل أن المبتدأ على اسمه يكون هو الأول والخبر هو الثاني، لكن أحيانًا يقدم الخبر لفائدة، فهنا الفائدة: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ الفائدة الحصر يا إخوان، الحصر يعني: لله لا لغيره، ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ولا أحد يملك ما في السماوات وما في الأرض إلا الله تبارك وتعالى، نحن نملك ما نملك من أموالنا لكن هل ملكنا عام؟ ليس عامًّا، حقيبتي ليست حقيبة لك، وحقيبتك ليست حقيبةً لي، فأملاكنا ليست عامة، ثم هل نحن نملك التصرف بما هو ملكنا كما نشاء؟ لا، تصرفنا محدود حسب الشريعة، ولهذا لو تراضى اثنان في بيع الربا قلنا: إنكما لا تملكان ذلك، لو أراد الإنسان أن يحرق ماله، قلنا: هذا ممنوع.
إذن ملك غير الله قاصر، غير شامل، وملك غير الله قاصر حتى بالتصرف، الواحد منا لا يملك أن يتصرف في ماله كما يشاء؛ لأن تصرفنا في المال محدود حسب ما جاءت به الشريعة.
إذن الملك التام الواسع الشامل لمن؟ لله عز وجل، ولهذا قال: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الشورى ٤٩] فهو مالكٌ لذواتهما، مالكٌ لما فيهما أيضًا، وكم من ملك في السماوات؟ كم من مخلوقٍ في الأرض؟ كله ملكٌ لله عز وجل يتصرف فيه كما يشاء، حسب ما تقتضيه حكمته، وإيماننا بهذا يا إخواننا إيماننا بأن لله ملك السماوات والأرض يفيد أيضًا فائدتين عظيمتين:
الفائدة الأولى: الرضا بقضاء الله، وأن الله عز وجل لو قضى عليك مرضًا لا تعترض، لو قضى عليك فقرًا لا تعترض؛ لماذا؟ لأنك ملكه يتصرف فيك كما يشاء، فهو كما يتصرف في السحاب يمطر أو لا يمطر، يمضي أو لا يمضي، ويتصرف في الشمس والقمر، ويتصرف في المخلوقات، يتصرف فيك أيضًا كما يشاء، إن شاء أعطاك صحة وإن شاء سلبها، إن شاء أعطاك عقلًا وإن شاء سلبك، إن شاء أعطاك مالًا وإن شاء سلبك، أنت ملكه، فإذا آمنت بهذا رضيت بقضائه.
كذلك أيضًا الفائدة الثانية: الرضا بشرعه، وقبول شرعه والقيام به؛ لأنك ملكه، قال لك: افعل افعل، قال: لا تفعل لا تفعل، أرأيت لو كان لك ملك عبد رقيق فأمرته ولكنه لم يفعل، هل تعتقد أن سيادتك تامة عليه؟ لا، أو نهيته ففعل فالسيادة ناقصة.
إذن أنت إذا عصيت ربك إما بفعل محرم وإما بترك واجب؛ فإنك خرجت عن مقتضى العبودية التامة؛ لأن مقتضى العبودية التامة أن تخضع لشرعه كما أنك خاضعٌ كرهًا أو طائعًا لقضائه وقدره، ليس معنى قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الشورى ٤٩] أن يخبرنا أنه مالك فقط، لكن لأجل أن نعتقد مقتضى هذا الملك، وما هو مقتضاه؟ الرضا بقضائه والرضا بشرعه، هذا حقيقة الملك.
﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم ٣١]، شوف جاء بكلمة اللام ﴿لِيَجْزِيَ﴾ يعني كأن قائلًا يقول: وإذا تبين أن الملك لله عز وجل فما النتيجة؟ النتيجة أن الناس بين محسن وبين مسيء، كما قال عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن ٢]، إذا كانوا بين محسن ومسيء فما جزاء كل واحد؟ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا﴾ [النجم ٣١] ﴿الَّذِينَ أَسَاءُوا﴾ وهم الذين خالفوا المأمور أو ارتكبوا المحذور، هذا الضابط، الذين أساؤوا، هؤلاء أساؤوا ليجزيهم بما عملوا السيئة بسيئة لا تزيد، أو يعفو عز وجل لمن يستحق العفو، وهو كل من مات على غير الشرك مستحق للعفو، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨] المهم أنه لا يمكن أن يزيد سيئة لم يعملها الإنسان، ولهذا قال: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا﴾ [النجم ٣١] بدون زيادة، ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم ٣١] ولم يقل: بما عملوا؛ لأن فضل الله أوسع من أعمالنا، ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم ٣١] أنت إذا فعلت حسنة فكم تكون عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعافٍ كثيرة.
انظر الآن، نضرب مثلًا قريبًا صلاة الظهر باقي عليها ثلثين ساعة مثلًا عندما تتوضأ وتسبغ الوضوء ثم تخرج إلى الصلاة لا يخرجك من بيتك إلا الصلاة فما الثمرات التي تحصل عليها؟ كل خطوة تخطوها يرفع الله لك بها درجة ويحط عنك بها خطيئة، كم خطواتك؟ لا يحصيها إلا الله عز وجل، مع أن المقصود شيء واحد وهو الصلاة، لكن سعيك إلى الصلاة فيه أجر، ما دمت خرجت من بيتك لا يخرجك إلا الصلاة وتأهبت في بيتك، أسبغت الوضوء في بيتك، فأنت لا تخطو خطوة إلا رفع الله لك بها درجة وحط عنك بها خطيئة، أحص خطواتك لا يحصيها إلا الله.
ثم إذا وصلت المسجد وصليت ما شاء الله، ثم انتظرت الصلاة، ولو تأخر مجيء الإمام وصلاة الجماعة يُكتب لك أجر المصلي «لَا يَزَالُ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ»[[أخرج البخاري (٦٤٧) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، يقول: قال رسول الله ﷺ: «صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسًا وعشرين ضعفًا»، وفيه: «ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة».]] أليس هذا أحسن من أعمالنا؟ بلى، ولهذا قال: ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم ٣١] أي: بما هو أحسن وأكثر من عملهم، وهذا يدلك على سعة فضل الله عز وجل وإحسانه وكمال عدله، فالمسيئون يجازيهم بالعدل أو يعفو، والمحسنون يجازيهم بالفضل.
النجم 53:32
ثم ذكر شيئًا من أوصافهم، فقال: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم ٣٢] ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾ أي: يبتعدون عنها، وسُمِّي الابتعاد اجتنابًا؛ لأن الإنسان يقع في جانب، والذي أُبعد عنه يقع في جانبٍ آخر، فيبعدون ولا يتصلون بكبائر الإثم والفواحش ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾، ﴿كَبَائِرَ الْأِثْمِ﴾ هي الكبيرة؛ كبائر جمع كبيرة، والكبيرة بعض العلماء عدها، وبعض العلماء حَدَّها، والصواب الحد، أي: أنها محدودة وليست معدودة، والذين ذكروها عدًّا الظاهر -والله أعلم- أنهم أرادوا المثال، فمثلًا: إذا قال إنسان هي: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، هذه سبع، إذا قال إنسان: هذه الكبائر، ليس معنى قوله أنها محصورة في هذا، إذ من الممكن أن يحمل كلامه على أن ذلك على سبيل التمثيل فقط.
أما الذين حدوها- يعني: جعلوا لها ضابطًا؛ يعني ما عَدّوا واحد اثنان ثلاثة أربعة، لا، ضابط- قالوا في ضابطها: كل ذنبٍ رتَّب الله عليه لعنة، أو غضبًا، أو سخطًا، أو تبرؤًا منه، أو ما أشبه ذلك فهو كبيرة، ورأيت لبعضهم -ومنهم شيخ الإسلام رحمه الله- أنه قال: كل ذنبٍ جُعلت له عقوبة خاصة إما في الدنيا أو في الآخرة فهو كبيرة، على هذا الزنا فيه عقوبة وهي الجلد أو الرجم، السرقة كبيرة، قطع الطريق كبيرة، عقوق الوالدين كبيرة، وهلم جرًّا، كلما رأيت شيئًا من الذنوب جعل الشارع له عقوبة خاصة فهو كبيرة.
أما الذنب الذي نُهِي عنه فقط فهو صغيرة، كنظر الرجل للمرأة الأجنبية لشهوة هذا ليس كبيرة، هو صغيرة من الصغائر، لكن إن أصر الإنسان عليه وصار هذا ديدنه صار كبيرة بالإصرار لا بالفعل، مكالمة المرأة على وجه التلذذ حرام وليس بكبيرة، ولكن إذا أصر الإنسان عليه وصار ليس له هم إلا أن يشغل الهاتف على هؤلاء النساء ويتحدث إليهن صار كبيرة، فالإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة من حيث الإصرار؛ لأن إصراره على الصغيرة يدل على تهاونه بالله عز وجل، وأنه غير مبال بما حرم الله.
إذن كبائر الإثم: كل ذنبٍ رتب الشارع عليه عقوبة خاصة إما في الدنيا وإما في الآخرة، وأما ما حرمه وسكت ولم يذكر له عقوبة خاصة بل دخل في العموم فهذا من الصغائر، ولكن الصغائر إذا أصر عليها صارت كبيرة من حيث الإصرار.
وقوله: ﴿وَالْفَوَاحِشَ﴾ هذه كبائر الكبائر؛ لأن الكبائر منها ما هو فاحش يُستفحش ويُستعظم ويُستقبح بشدة، ومنها ما هو دون ذلك، فمثلًا: الزنا فاحشة ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء ٣٢] اللواط فاحشة أعظم من الزنا؛ لأن الله قال في الزنا: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء ٣٢]، وقال في اللواط لوط لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف ٨٠] فأتى بـ(أل) الدالة على القبح، وأنها جامعة لكل أنواع الفواحش.
نكاح المحارم فاحشة، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء ٢٢] فهو أشد من الزنا؛ يعني: لو زنا الإنسان بامرأة أجنبية منه، وبأم زوجته مثلًا، صار الثاني أعظم وأشد وأشنع، ولهذا كان القول الراجح من أقوال العلماء: أن من زنا بامرأة من محارمه وإن لم يكن محصنًا فإنه يُرجم؛ يعني: الزنا بذوات المحارم ما فيه جلد ما فيه إلا الرجم؛ لأن الله فرق بين الزنا وبين نكاح ذوات المحارم، نكاح ذوات المحارم وصفه بوصفين: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا﴾ [النساء ٢٢] والزنا وصفه بواحد وهو: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء ٣٢].
وجاءت السنة بالتفريق بينهما -أي: بين من زنا بامرأة من محارمه أو بامرأة أجنبية- فجعلت حد الأول القتل بكل حال وإن لم يتزوج، وإن لم يكن ثيِّبًا؛ لأن هذا أعظم -والعياذ بالله- إنسان بيزني بأمه ولّا أخته ولّا أم زوجته ولّا بنت زوجته التي دخل بها، فاحشة عظيمة.
إذن ﴿يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾ قلنا: الفواحش كبائر الكبائر، أعظم.
هل نأخذ من هذه الآية أن الكبائر تختلف والفواحش تختلف؟ نعم، نأخذ من الآية أنها تختلف؛ لأن (كبائر) وصف كلما كان أعظم صار أشد كبيرة، والفواحش كذلك، ولهذا الآن أنتم سمعتم ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا﴾ [النساء ٢٢].
﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء ٣٢] ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف ٨٠] فرق الله مع أنها كلها فواحش لكن بعضها أعظم من بعض.
﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم ٣٢]، قوله: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ قيل: إنه استثناء متصل، وقيل: إنه استثناء منقطع؛ لأن اللمم الشيء القليل، هذا القليل، فهل المعنى: إلا الشيء القليل من الكبائر، أي: أنهم يأتون الشيء القليل من الكبائر، أو المعنى ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾: إلا الصغائر من الذنوب؟ إن قلنا بالأول فالاستثناء متصل، وإن قلنا بالثاني فالاستثناء منقطع، وتكون ﴿إِلَّا﴾ بمعنى: لكن، والمعنى الثاني أقرب من حيث التقسيم؛ لأن الله ذكر الكبائر والفواحش والصغائر، وعلى هذا فيكون معنى: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ يعني: إلا أن هؤلاء الذين أحسنوا يأتون الصغائر، والصغائر -والحمد لله- مكفرة بالحسنات، قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء ٣١] وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ»[[أخرجه مسلم (٢٣٣ / ١٦) عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ كان يقول: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتُنِب الكبائر».]]، وقال عليه الصلاة والسلام: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٧٧٣)، ومسلم (١٣٤٩ / ٤٣٧) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وعلى هذا فيكون المعنى: أن الصغائر تقع مكفرة إما باجتناب الكبائر، أو باجتناب الكبائر مضمومًا إليها فعل هذه الحسنات العظيمة؛ الصلوات الخمس، الجمعة إلى الجمعة، رمضان إلى رمضان.
والخلاصة: الصغائر تقع مغفورًا للإنسان منها إذا اجتُنِب الكبائر، وإذا أحسن في الصلوات الخمس والجمعة ورمضان.
﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم ٣٢] في هذه الجملة إشارة إلى قوله: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ يعني: أن اللمم يقع في سعة مغفرة الله عز وجل فيغفره الله عز وجل، والمغفرة: هي ستر الذنب مع التجاوز عنه، إن الله يستر عليك الذنب ويتجاوز، ولا يكفي ستر الذنب، لا بد من تجاوز، والدليل على هذا أمران: لغوي، وسمعي؛ أما اللغوي: فلأن المغفرة مشتقة من المغفر؛ المغفر: هو ما يوضع على الرأس عند القتال، ويُسمى خوذة، ويُسمى بيضة، يوضع على الرأس على أساس يتقي السهام، هذا الذي يوضع على الرأس جمع بين أمرين: الوقاية والستر، فإذن المغفرة لا بد من ستر ووقاية.
أما السمعي: فهو «قوله تبارك وتعالى إذا خلا بعبده المؤمن يوم القيامة وقرره بذنوبه وأقر، قال: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]] فدل هذا على أن الوقاية من الذنوب وعدم المؤاخذة من المغفرة.
﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم ٣٢]، وتقدم قوله: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ أن لها معنين إلا اللمم: يعني الصغائر، هذه واحد.
والثاني: القليل من الكبائر والفواحش، ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ يعني: إلا القليل، ذكرنا بناء على اختلاف القولين الاختلاف في ﴿إِلَّا﴾ هل هي متصلة أو منقطعة؟ ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ متى تكون منقطعة؟ إذا فسرنا ﴿اللَّمَمَ﴾ بالصغائر صارت منقطعة، والمنقطعة علامتها أن ما بعدها ليس من جنس ما قبلها، علامة (إلا) المنقطعة أن ما بعدها ليس من جنس ما قبلها، فمثلًا: ﴿كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم ٣٢] إذا قلنا: اللمم الصغائر، فهل الصغائر من الكبائر والفواحش؟ لا، إذا قلنا: المراد باللمم القليل من الكبائر والفواحش صارت (إلا) متصلة؛ لأن اللمم القليل مما سبق، فهو من جنسه، إذن الاستثناء عندنا يكون منقطعًا ويكون متصلًا، فما هو المتصل؟
إذا كان المستثنى من جنس المستثنى منه فهو متصل، وإذا كان من غير جنسه فهو منقطع، وإليك ما مثل به النحويون يقولون: إذا قلت: جاء القوم إلا أميرهم، الاستثناء؟
* طالب: متصل.
* الشيخ: لماذا؟ لأن الأمير من الجنس، منهم.
وقالوا: إذا قلت: جاء القوم إلا حمارًا، فالاستثناء منقطع؛ لأن الحمار ليس من جنس القوم.
ثم قال عز وجل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم ٣٢]، إشارة إلى أنها الصغائر، وقد ثبت في القرآن الكريم أن الصغائر تُغفر باجتناب الكبائر، فقال جل وعلا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء ٣١] ، ولهذا قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾.
أما إذا قلنا: اللمم: القليل من الفواحش والكبائر، فيكون قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ إشارة إلى أن الكبائر إذا تاب الإنسان منها غفر الله له، وكأنها لم تكن، وإن لم يتب منها فهو تحت المشيئة، إن شاء الله غفر له، وإن شاء عاقبه بما تستحق هذه الكبيرة.
فيه قومٌ من هذه الأمة يقولون: إن الكبيرة لا تُغفر، مَن هم؟ الخوارج والمعتزلة، شوف الخوارج والمعتزلة يقولون: الإنسان إذا زنى خلاص من أهل النار وهو كافر، إذا سرق كذلك، إذا شرب الخمر كذلك، لكن قولهم باطل، والصواب: أن فاعل الكبيرة داخل تحت قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨].
لو قال قائل: أنت إذا قلت هذا، فتحت الباب على مصراعيه لفعل الكبائر؛ لأن أي إنسان يفعل كبيرة يقول: أنا يمكن يغفر الله لي، وهذا فعلًا يحتج به العوام، يقول: إذا كان الله يقول: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أي: ما دون الشرك لمن يشاء، إذن سيفعل الكبائر ويقول: يغفر الله لي، هذه حُجة، كيف تجيبه؟ نجيبه بأن الله قال: ﴿يَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ ما قال: لكل أحد، قال: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾، فهل أنت تتيقن الآن أنك ممن شاء الله أن يغفر له؟ أحدٌ يتيقن هذا؟ لا أحد يتيقن. إذن: لا حُجَّة فيها لأهل المعاصي.
ثم إن قوله تعالى: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ نعلم أن الله حكيم، لا يشاء أن يغفر للمذنب غير الشرك إلا إذا اقتضت الحكمة ذلك، ومن منا يستطيع أن يقول: إن حكمة الله تقتضي أن يغفر لي؟! لا أحد يقول هذا، بل لو قال هذا لقلنا: إن قولك هذا من أسباب المؤاخذة والمعاقبة؛ لأنك تأليت على الله.
ثم قال عز وجل: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [النجم ٣٢] أعلم بنا من ذلك الوقت الطويل البعيد، ﴿إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ بماذا؟ بخلق أبينا آدم؛ لأن آدم خُلق من التراب، ثم صار طينًا ثم صار صلصالًا، ثم خلقه الله بيده جسمًا ونفخ فيه الروح فصار آدميًّا إنسانًا، هذا ﴿إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ أول النشء.
إذن نحن من الأرض، سبحان الله نحن من الأرض؟! نعم، نحن من الأرض، ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه ٥٥] الإخراج الذي ليس بعده وفاة، يوم القيامة.
﴿إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ ولذلك الآن بنو آدم كالأرض تمامًا، فيهم الحزن الصلب الشديد، وفيهم السهل، وفيهم ما بين ذلك، وفيهم الأبيض، فيهم الأحمر، فيهم الأسود؛ لأن الأراضي تختلف هكذا، وقد ذُكر أن الله لما أراد أن يخلق آدم أخذ من كل الأرض؛ سهلها وحزنها، أسودها وأبيضها، وكلها.
﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النجم ٣٢]، وهذه النشأة الثانية ﴿أَجِنَّةٌ﴾: جمع جنين وهو الحمل، وسُمِّي الحمل جنينًا؛ لأنه مستتر ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ﴾ يعني: مستترين في بطون أمهاتكم، من وإلى؟ من حين أن كان الإنسان نطفة، ومن النطفة يُخلق، وهذا معنى قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون ١٣] فمن حين ما يكون نطفة يكون جنينًا، ثم يتطور كم طورًا؟ أربعة.
أولًا: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة مُخلَّقة وغير مُخلقة، ثم أنشأناه خلقًا آخر، الطور الأخير الذي فيه تحل الروح.
إذن هو عالمٌ بنا حين النشأة الأولى وحين النشأة الثانية في بطون أمهاتنا.
﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم ٣٢] لا تزكوها، وتقول: عملت كذا وكذا، صليت زكيت صمت جاهدت حججت لا تقل هكذا، تدل بعملك على ربك، هذا لا يجوز، فإن قال قائل: أليس الله يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس ٩]؟ فالجواب: بلى، لكن معنى: ﴿مَنْ زَكَّاهَا﴾ أي: من عمل عملًا تزكو به نفسه، وليس المعنى: ﴿مَنْ زَكَّاهَا﴾ من أثنى عليها ومدحها بأنها عملت وعملت، بل المراد عمل عملًا تزكو به نفسه، فلا معارضة بين الآيتين، ولهذا نقول: من زكى نفسه بذكر ما عمل من الصالحات فإنه لم يزكِ نفسه حقيقة، من زكى نفسه فإنه لم يزكِ نفسه، فرق بينهما، التزكية التي يُحمد عليها الإنسان: أن يعمل الإنسان عملًا صالحًا تزكو به نفسه.
والتزكية التي يُذم عليها: أن يدل بعمله على ربه ويمدحه، وكأنه يمُنُّ على الله، يقول: صليت، تصدقت، صمت، حججت، جاهدت، بَرَرْت والدي، وما أشبه ذلك، هذه لا يجوز للإنسان أن يزكي نفسه، ويقول: أنا من أنا.
وفي هذا رد على أولئك الصوفية الذين يدعون أنهم أئمة، ويزكون أنفسهم، ويقول: وصلنا إلى حدٍ لا تلزمنا الطاعات؛ لأن فيه الآن ناس يقول: إنه وصل إلى عالم الملكوت ولا عليه صلاة، ولا عليه صدقة، ولا عليه صيام، ولا يحرم عليه شيء، هؤلاء منسلخون من الدين انسلاخًا تامًا، لذلك نقول: هؤلاء الذين يزكون أنفسهم هم أبعد الناس عن الزكاة؛ لأنهم أعجبوا بأعمالهم وأدلوا بها على الله عز وجل، وجعلوا لأنفسهم منصبًا لم يجعله الله تعالى لهم.
﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم ٣٢] كأنه يقول: لماذا تزكون أنفسكم؟ أتريدون أن تعلموا الله بما أنتم عليه؟ الجواب: لا، ولهذا قال: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ يعني: إن كنت متقيًا لله فالله أعلم بك، ما حاجة أن تقول لله: إني فعلت وفعلت.
في هذا إشارة إلى أن النطق بالنية عند فعل العبادة قد يدخل فيه نوع من التزكية؛ يعني: إذا أردت تتوضأ هل تقول: اللهم إني نويت أن أتوضأ؟ لا، هل تقولها سرًّا؟ لا، بعض العلماء يقول: قلها سرًّا بينك وبين نفسك، وعللوا هذا، قالوا: من أجل أن يطابق اللسان القلب، القلب نوى لكن قل باللسان: اللهم إني نويت أن أتوضأ، نويت أصلي أيضًا، تريد تصلي قل: اللهم إني نويت أن أصلي، متى؟ الظهر ولّا العصر؟ بَيِّن، الظهر، وهل تحتاج إلى عدد الركعات ولّا ما تحتاج؟ لا تحتاج إلى عدد، ما دام عينت يكفي، بعض العلماء يقول هكذا يا إخوان، علماء أجلاء من الفقهاء.
التعليل ليش النطق باللسان؟ لتطابق القول القلبي واللساني، فيُقال: هذا غلط، هذا قياسٌ في مقابلة النص، هل الرسول عليه الصلاة والسلام شرع لأمته أن ينطقوا بالنية؟ أبدًا، لا في حديث لا صحيح ولا ضعيف؛ أن الإنسان إذا أراد العمل نطق النية، أبدًا ما يوجد.
ومن الطُرَف الطريفة: أن رجلًا في المسجد الحرام عاميًّا سمع شخصًا يريد أن يصلي، فقال بعد أن أقيمت الصلاة: اللهم إني نويت أن أصلي الظهر أربع ركعات في المسجد الحرام، لما أراد يكبر قال له: باقي عليك، قال: ويش الباقي؟ قال: باقي التاريخ، قل: في اليوم الفلاني، أنت الآن ذكرت المكان وذكرت العمل باقي التاريخ، قل: في اليوم الفلاني من الشهر الفلاني من السنة الفلانية.
* طالب: مأمومًا؟
* الشيخ: ما أدري عاد مأموم ولا غير مأموم، المهم أنه قال له الكلام هذا، فانتبه الرجل، وقال له: يا أخي، أنت تُعلم ربك بنيتك، الله أعلم بنيتك: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر ١٩] ما حاجة.
عند الصيام مثلًا: إذا تسحر الإنسان وأراد أن يصوم يقول: اللهم إني نويت الصيام إلى الليل؟ لا يقول هذا، كان ونحن صغار يلقنوننا هذا، يقول: إذا تسحرت قل: اللهم إني نويت الصيام إلى الليل، ونقوله؛ لأننا ما ندري، لكن في الواقع أن هذا من البدع.
بقي أن يُقال في الحج هل تقول: اللهم إني نويت العمرة، أو نويت الحج، أو نويت القران، أو التمتع؟ لا، ما تقوله، حتى في الحج عندما تغتسل وتلبس الإحرام لا تقل: اللهم إني نويت العمرة أو نويت الحج، تكفي التلبية؛ لأنك سوف تقول: لبيك عمرة إن كنت في عمرة، أو لبيك حجًّا إن كنت في حج، أو لبيك عمرة وحجًّا إن كنت قارنًا، فلا حاجة، فكل العبادات لا يُنطق فيها بالنية، ولهذا قال عز وجل: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم ٣٢].
النجم 53:33
ثم قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾ إلى آخره [النجم: ٣٣، ٣٥]، ﴿أَفَرَأَيْتَ﴾ يعني: أخبرني، كلما جاءت أرأيت في القرآن فهي بمعنى أخبرني، ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾ أخبرني عنه ﴿تَوَلَّى﴾ يعني عن طاعة الله عن الإيمان بالله ورسوله عن إقامة شعائر الإسلام، ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا﴾ أي: أعطى قليلًا من المال ﴿وَأَكْدَى﴾ أي: منع؛ يعني أنه هو ليس مطيعًا لله، وليس نافعًا لعباد الله، فهو متولٍّ عن طاعة الله وهو مانع فضل الله عز وجل، فلذلك يسأل الله عز وجل يقول: أخبرني عن هذا، وهذا الاستخبار ليس لعدم علمه جل وعلا، ولكن لشحذ النفوس والهمم إلى الاستماع لما يلقى فيقول: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾ والجواب: لا، ليس عنده علم الغيب، وهو يدعى أنه بتوليه وإعطائه القليل سلم ونجا، ولكنه لم يسلم ولم ينجُ، وليس عنده علم من الغيب اطلع عليه.
النجم 53:34
ثم قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾ إلى آخره [النجم: ٣٣، ٣٥]، ﴿أَفَرَأَيْتَ﴾ يعني: أخبرني، كلما جاءت أرأيت في القرآن فهي بمعنى أخبرني، ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾ أخبرني عنه ﴿تَوَلَّى﴾ يعني عن طاعة الله عن الإيمان بالله ورسوله عن إقامة شعائر الإسلام، ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا﴾ أي: أعطى قليلًا من المال ﴿وَأَكْدَى﴾ أي: منع؛ يعني أنه هو ليس مطيعًا لله، وليس نافعًا لعباد الله، فهو متولٍّ عن طاعة الله وهو مانع فضل الله عز وجل، فلذلك يسأل الله عز وجل يقول: أخبرني عن هذا، وهذا الاستخبار ليس لعدم علمه جل وعلا، ولكن لشحذ النفوس والهمم إلى الاستماع لما يلقى فيقول: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾ والجواب: لا، ليس عنده علم الغيب، وهو يدعى أنه بتوليه وإعطائه القليل سلم ونجا، ولكنه لم يسلم ولم ينجُ، وليس عنده علم من الغيب اطلع عليه.
النجم 53:35
ثم قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾ إلى آخره [النجم: ٣٣، ٣٥]، ﴿أَفَرَأَيْتَ﴾ يعني: أخبرني، كلما جاءت أرأيت في القرآن فهي بمعنى أخبرني، ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾ أخبرني عنه ﴿تَوَلَّى﴾ يعني عن طاعة الله عن الإيمان بالله ورسوله عن إقامة شعائر الإسلام، ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا﴾ أي: أعطى قليلًا من المال ﴿وَأَكْدَى﴾ أي: منع؛ يعني أنه هو ليس مطيعًا لله، وليس نافعًا لعباد الله، فهو متولٍّ عن طاعة الله وهو مانع فضل الله عز وجل، فلذلك يسأل الله عز وجل يقول: أخبرني عن هذا، وهذا الاستخبار ليس لعدم علمه جل وعلا، ولكن لشحذ النفوس والهمم إلى الاستماع لما يلقى فيقول: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾ والجواب: لا، ليس عنده علم الغيب، وهو يدعى أنه بتوليه وإعطائه القليل سلم ونجا، ولكنه لم يسلم ولم ينجُ، وليس عنده علم من الغيب اطلع عليه.
النجم 53:36
ثم قال: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ﴾ أي: لم يخبر ﴿بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم ٣٦، ٣٧] أي: هو أيضًا لم يُخبر بما في صُحُف موسى ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ أي: وفَّى ما أمر الله به، كقوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة ١٢٤] يعني هل هذا الرجل الذي تولى عن طاعة الله وأعطى القليل ومنع الكثير هل عنده علم الغيب أنه ناجٍ بذلك أو لا؟ وهل جاءه الخبر بما في صحف موسى عليه الصلاة والسلام وإبراهيم؟ وذكر موسى؛ لأنه أفضل أنبياء بني إسرائيل، وذكر إبراهيم؛ لأنه أبو الأنبياء، فهو أبو الأنبياء في بني إسماعيل وأبو الأنبياء في بني إسرائيل.
وقوله: ﴿الَّذِي وَفَّى﴾ أي: وفَّى ما أمر به، قال الله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ وهنا قدَّم موسى على إبراهيم، وفي سورة الأعلى قدَّم إبراهيم على موسى، ولا شك أن الأحق بالتقديم إبراهيم؛ لأنه أسبق زمنًا وأعلى مرتبة، ولكن مراعاة لفواصل الآيات قدَّم موسى؛ ولأجل الثناء الخاص بإبراهيم أيضا قدَّم موسى، فقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾.
ما الذي في صحف إبراهيم وموسى؟ قال: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم ٣٨] أي لا تحمل نفس ﴿وَازِرَةٌ﴾ أي: يلحقها الإثم ﴿وِزْرَ﴾ أي: إثم، ﴿أُخْرَى﴾: يعني أن النفوس لا يحمل بعضها وزر بعض، الوزر على من؟ على صاحبه الذي استحق أن يأثم، وأما غيره فلا يمكن.
ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت ١٢] المعنى: اتبعوا طريقنا ونحن نحمل خطاياكم يعني والإثم علينا، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت ١٢، ١٣] والآية ليس فيها تعارض قوله: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ هذا في الواقع ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت ١٣] لأنهم هم الذين أضلوا الناس ومن أضل شخصًا فعليه وزره ووزر من عمل به.
المهم ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ فإن قال قائل: ألم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن «من دل على سوء فعليه إثمه وإثم من تبعه، ومن سن في الإسلام سُنة سيئة فعليه وزرها ووز من عمل بها»[[أخرج أحمد (١٩٢٠٦) عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه، قال رسول الله ﷺ: «لا يسن عبد سنة صالحة، يعمل بها من بعده إلا كان له مثل أجر من عمل بها، لا ينقص من أجورهم شيء، ولا يسن عبد سنة سوء، يعمل بها من بعده إلا كان عليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص من أوزارهم شيء».]]؟ فالجواب: بلى، ثبت هذا، لكن لما كان هو الداعي إلى هذا الوزر والإثم صار كالفاعل، فالوزر الذي حمل من أوزار من اتبعه هو السبب فيه، فكان عليه إثمه.
النجم 53:37
ثم قال: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ﴾ أي: لم يخبر ﴿بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم ٣٦، ٣٧] أي: هو أيضًا لم يُخبر بما في صُحُف موسى ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ أي: وفَّى ما أمر الله به، كقوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة ١٢٤] يعني هل هذا الرجل الذي تولى عن طاعة الله وأعطى القليل ومنع الكثير هل عنده علم الغيب أنه ناجٍ بذلك أو لا؟ وهل جاءه الخبر بما في صحف موسى عليه الصلاة والسلام وإبراهيم؟ وذكر موسى؛ لأنه أفضل أنبياء بني إسرائيل، وذكر إبراهيم؛ لأنه أبو الأنبياء، فهو أبو الأنبياء في بني إسماعيل وأبو الأنبياء في بني إسرائيل.
وقوله: ﴿الَّذِي وَفَّى﴾ أي: وفَّى ما أمر به، قال الله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ وهنا قدَّم موسى على إبراهيم، وفي سورة الأعلى قدَّم إبراهيم على موسى، ولا شك أن الأحق بالتقديم إبراهيم؛ لأنه أسبق زمنًا وأعلى مرتبة، ولكن مراعاة لفواصل الآيات قدَّم موسى؛ ولأجل الثناء الخاص بإبراهيم أيضا قدَّم موسى، فقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾.
ما الذي في صحف إبراهيم وموسى؟ قال: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم ٣٨] أي لا تحمل نفس ﴿وَازِرَةٌ﴾ أي: يلحقها الإثم ﴿وِزْرَ﴾ أي: إثم، ﴿أُخْرَى﴾: يعني أن النفوس لا يحمل بعضها وزر بعض، الوزر على من؟ على صاحبه الذي استحق أن يأثم، وأما غيره فلا يمكن.
ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت ١٢] المعنى: اتبعوا طريقنا ونحن نحمل خطاياكم يعني والإثم علينا، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت ١٢، ١٣] والآية ليس فيها تعارض قوله: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ هذا في الواقع ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت ١٣] لأنهم هم الذين أضلوا الناس ومن أضل شخصًا فعليه وزره ووزر من عمل به.
المهم ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ فإن قال قائل: ألم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن «من دل على سوء فعليه إثمه وإثم من تبعه، ومن سن في الإسلام سُنة سيئة فعليه وزرها ووز من عمل بها»[[أخرج أحمد (١٩٢٠٦) عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه، قال رسول الله ﷺ: «لا يسن عبد سنة صالحة، يعمل بها من بعده إلا كان له مثل أجر من عمل بها، لا ينقص من أجورهم شيء، ولا يسن عبد سنة سوء، يعمل بها من بعده إلا كان عليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص من أوزارهم شيء».]]؟ فالجواب: بلى، ثبت هذا، لكن لما كان هو الداعي إلى هذا الوزر والإثم صار كالفاعل، فالوزر الذي حمل من أوزار من اتبعه هو السبب فيه، فكان عليه إثمه.
النجم 53:38
ثم قال: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ﴾ أي: لم يخبر ﴿بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم ٣٦، ٣٧] أي: هو أيضًا لم يُخبر بما في صُحُف موسى ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ أي: وفَّى ما أمر الله به، كقوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة ١٢٤] يعني هل هذا الرجل الذي تولى عن طاعة الله وأعطى القليل ومنع الكثير هل عنده علم الغيب أنه ناجٍ بذلك أو لا؟ وهل جاءه الخبر بما في صحف موسى عليه الصلاة والسلام وإبراهيم؟ وذكر موسى؛ لأنه أفضل أنبياء بني إسرائيل، وذكر إبراهيم؛ لأنه أبو الأنبياء، فهو أبو الأنبياء في بني إسماعيل وأبو الأنبياء في بني إسرائيل.
وقوله: ﴿الَّذِي وَفَّى﴾ أي: وفَّى ما أمر به، قال الله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ وهنا قدَّم موسى على إبراهيم، وفي سورة الأعلى قدَّم إبراهيم على موسى، ولا شك أن الأحق بالتقديم إبراهيم؛ لأنه أسبق زمنًا وأعلى مرتبة، ولكن مراعاة لفواصل الآيات قدَّم موسى؛ ولأجل الثناء الخاص بإبراهيم أيضا قدَّم موسى، فقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾.
ما الذي في صحف إبراهيم وموسى؟ قال: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم ٣٨] أي لا تحمل نفس ﴿وَازِرَةٌ﴾ أي: يلحقها الإثم ﴿وِزْرَ﴾ أي: إثم، ﴿أُخْرَى﴾: يعني أن النفوس لا يحمل بعضها وزر بعض، الوزر على من؟ على صاحبه الذي استحق أن يأثم، وأما غيره فلا يمكن.
ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت ١٢] المعنى: اتبعوا طريقنا ونحن نحمل خطاياكم يعني والإثم علينا، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت ١٢، ١٣] والآية ليس فيها تعارض قوله: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ هذا في الواقع ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت ١٣] لأنهم هم الذين أضلوا الناس ومن أضل شخصًا فعليه وزره ووزر من عمل به.
المهم ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ فإن قال قائل: ألم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن «من دل على سوء فعليه إثمه وإثم من تبعه، ومن سن في الإسلام سُنة سيئة فعليه وزرها ووز من عمل بها»[[أخرج أحمد (١٩٢٠٦) عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه، قال رسول الله ﷺ: «لا يسن عبد سنة صالحة، يعمل بها من بعده إلا كان له مثل أجر من عمل بها، لا ينقص من أجورهم شيء، ولا يسن عبد سنة سوء، يعمل بها من بعده إلا كان عليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص من أوزارهم شيء».]]؟ فالجواب: بلى، ثبت هذا، لكن لما كان هو الداعي إلى هذا الوزر والإثم صار كالفاعل، فالوزر الذي حمل من أوزار من اتبعه هو السبب فيه، فكان عليه إثمه.
النجم 53:39
﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، فسعي غيره لا ينفعه، ليس لك إلا ما سعيت، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة ٢٨٦] فإن قال قائل: أليس العالم الذي يدل على الخير إذا فعله غيره فله مثله؟ قلنا: بلى، لكن دلالته على الخير من سعيه، أليس من سَنَّ في الإسلام سُنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها؟ بلى، لكن كونه سنها هذا من سعيه.
واستدل بعض العلماء بهذه الآية على أن إهداء القرب لا ينفع من أُهدي إليه، فلو صليت وقلت: اللهم اجعل ثوابها لأبي لم ينفعه، ولو صُمْتَ وقلت: اللهم اجعل ثوابه لأبي لم ينفعه؛ لأنه ليس للإنسان إلا ما سعى، وأما سعي غيره فلا ينفعه إلا أن ما وردت به السنة، فلا بد من القول به، فالصوم عن من مات وعليه صيام جاءت به السنة، قال النبي ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٥٢)، ومسلم (١١٤٧) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]، الحج عن من لا يستطيع الحج يجوز؛ لأن «امرأة سألت النبي ﷺ قالت: إن أبي أدركته فريضة الله على عباده في الحج شيخًا لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: «نَعَمْ»[[أخرج البخاري (١٨٥٥) عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: كان الفضل رديف النبي ﷺ، فجاءت امرأة من خثعم، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل النبي ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، فقالت: إن فريضة الله أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: «نعم» وذلك في حجة الوداع.]].
إذن هذا الحج، الصوم والحج الواجب، الصوم الواجب، والحج الواجب، الصدقة جائزة؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم «سأله سعد بن عبادة رضي الله عنه، له مِخْراف –يعني: حائط يُخرف- نخل، هل يتصدق به لأمه فينفعها؟ فقال النبي ﷺ: «نَعَمْ»[[أخرج البخاري (٢٧٥٦) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن سعد بن عبادة رضي الله عنه تُوفيت أمه وهو غائب عنها، فقال: يا رسول الله، إن أمي تُوفيت وأنا غائب عنها، أينفعها شيء إن تصدقت به عنها؟ قال: «نعم»، قال: فإني أشهدك أن حائطي المخراف صدقة عليها.]]، وسأله رجل آخر «قال يا رسول الله إن أمي افتلتت نفسها -يعني: ماتت بغتة- وإنها لو تكلمت لتصدقت أفأتصدق عنها، قال: «نَعَمْ»[[أخرج البخاري (٢٧٦٠)، ومسلم (١٠٠٤ / ٥١) عن عائشة، أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أمي افتُلِتَت نفسها ولم توص، وأظنها لو تكلمت تصدقت، أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: «نعم».]]، فهذه ثلاث جاءت بها السنة، والعتق كذلك، فما جاءت به السنة فهو على العين والرأس، ويكون مُخَصِّصًا لقوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم ٣٩]، وذهب بعض العلماء إلى أن إهداء القرب للأموات جائز سواء كان مما جاءت به السنة أو لا؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سُئل عن قضايا أعيان، قضية بعينها، فقال: نعم، فيُقال: ومثلها جميع الطاعات، من باب القياس.
وهؤلاء يحملون قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم ٣٩]، أن المعنى أنه لا يمكن أن يأخذ من عمل غيره، لكن إذا أهدى إليه العامل فإن هذا لا بأس به، كما أن الإنسان ليس له التصرف إلا في ماله، ولو أعطاه شخص مالًا لتصرف فيه، لو أعطاه مالًا يتصرف فيه، وهذا القول هو الذي عليه الإمام أحمد -رحمه الله- وأصحابه في المشهور عنهم؛ أن أي قربة فعلها الإنسان وجعل ثوابها لميت أو حي نفعه ذلك، وقد نقل الجمل في حاشيته على الجلالين في هذا الموضع نقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله: أنه يجوز إهداء القرب، وأن الميت ينتفع بذلك، وذكر لهذا أكثر من عشرين وجهًا، فمن أحب أن يراجعه فليراجعه، والكتاب اسمه الفتوحات الإلهية.
النجم 53:42
﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ٤٢] وهذه الآية فيها قراءتان: القراءة الأولى: فتح الهمزة: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم ٤٢]، والثانية: كسر الهمزة: ﴿﴿وَإنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ ﴾، وكلاهما قراءتان صحيحتان سبعيتان، إذا قرأ الإنسان بإحداهما صح، بل الأولى للإنسان الذي يعرف القراءات أن يقرأ بهذه القراءة مرة وبهذه القراءة مرة أخرى، لكن لا على ملأ من الناس وسماعٍ منهم؛ لأن العامة إذا سمعوك تقرأ على خلاف ما يعلمون فسيحصل بذلك مفسدة؛ إما أن يقولوا: إن هذا الرجل لا يعرف القرآن، وإما أن يتشككوا في القرآن، حيث يظن العامي أن (...)، لذلك ننصح إخواننا الذين أعطاهم الله تعالى علمًا في القراءة ألا يقرؤوا إلا بالقراءة المعروفة عند العامة حتى لا يحصل اللبس، لكن فيما بينك وبين نفسك إذا كنت تدرك القراءة الثانية إدراكًا تامًا فاقرأ بها أحيانًا؛ لأن الكل سُنَّة، الكل كلام الله عز وجل.
فإذا كانت بالكسر: ﴿﴿وإِنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ ﴾ صارت هذه الجملة وما بعدها ليست في صحف إبراهيم وموسى، بل تكون استئنافية، وإذا كانت بالفتح: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ صارت هذه الجملة وما بعدها مما جاء في صحف إبراهيم وموسى، وعلى كلٍ فهي كلام الله عز وجل.
﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ في أي شيء؟ في أمور الدين والدنيا، فإلى الله المنتهى في مسائل العلم، عندما تشكل علينا مسألة من مسائل العلم إلى أين ننتهي؟ إلى الله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء ٥٩]، والنبي ﷺ لا يقول شيئًا من عنده، إنما هو من عند الله عز وجل، فيكون المنتهى إلى الله في الحكم بين الناس وفي الحكم في الناس.
﴿إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ أيضًا منتهى الخلائق؛ لأن هذا الخلق الموجود الآن سوف يفنى وينتقل إلى خلقٍ آخر، كما قال عز وجل: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق ١٥] المنتهى على هذا التقدير هو يوم القيامة، فإلى الله المنتهى: إلى الله المصير، فمنتهى أحوالنا وأحكامنا وجميع ما يصدر منا وعلينا إلى الله عز وجل.
وإذا كان إلى الله المنتهى فإلى من تشكو إذا أصابك الضر؟ إلى الله عز وجل، وإذا أردت النفع فمن تطلب؟ الله عز وجل؛ لأنه إلى الله المنتهى، وكم من إنسان انعقد له أسباب الرزق وإذا به يُحرم منه على آخر لحظة، ربما يشتغل بإنشاء محطة مثلًا على أنه يريد أن يرتزق بها، وإذا كان الله لم يُرِد هذا احترقت المحطة.
إذن: لا يجلب لك الخير إلا الله، ولا يمنع عنك الضرر إلا الله عز وجل، فاجعله منتهاك في كل أمورك.
النجم 53:43
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: ٤٣] هل المراد حقيقة الضحك أو المراد لازم ذلك؛ وهو الفرح؟ وكذلك يُقال في أبكى: هل المراد حقيقة البكاء أو المراد الحزن؟ إذا نظرنا إلى ظاهر اللفظ قلنا: الضحك الحقيقي، والضحك الحقيقي لا ينشأ إلا عن سرور، ﴿وَأَبْكَى﴾ البكاء الحقيقي، والبكاء لا يحصل إلا عن حزن، فالله تعالى أضحك في الدنيا وأبكى، وأضحك في الآخرة وأبكى.
الكفار في الدنيا الآن يضحكون على من؟ على المسلمين، على المؤمنين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين ٢٩]، لكن هذا ضحك سيعقبه بكاء في يوم القيامة: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين ٣٤]، فالذي أضحك في الدنيا وأبكى، والذي أضحك في الآخرة وأبكى هو الله عز وجل.
إذن: هو مقدر ما يكون به الضحك، ومقدر ما يكون به البكاء، وأتى بالأمرين، وهما متقابلان؛ ليعلم بذلك أن الله سبحانه وتعالى على كل شيءٍ قدير، وهو القادر على خلق الضدين.
النجم 53:44
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ [النجم: ٤٤] أمات في الدنيا وأحيا في الدنيا، وأمات أيضًا في الدنيا وأحيا في الآخرة، ﴿أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾: الآن البشر تجد هذا، تُنفخ فيه الروح اليوم فيكون الله قد أحياه، والآخر تُنزع روحه من بدنه فيكون الله قد أماته، وهكذا دواليك، هو الذي أمات وأحيا، هناك أيضًا ميتة عامة وحياة عامة، أمات العالم في الدنيا وأحياهم في الآخرة، فهو الذي خلق الموت وهو الذي خلق الحياة، وهذان أيضًا متضادان؛ حياة وموت، كلها من عند الله عز وجل؛ لأن الله تعالى على كل شيء قدير.
النجم 53:45
﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [النجم: ٤٥، ٤٦] ﴿خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ﴾ الزوج بمعنى: الصنف، ومثاله قوله تعالى: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص ٥٨] أي: أصناف، وقوله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات ٢٢] ليس المراد: زوجاتهم، المراد: أزواجهم؛ أي: أصنافهم.
إذن ﴿الزَّوْجَيْنِ﴾ يعني أيش؟ الصنفين، ثم بَيَّن هذين الصنفين، فقال: ﴿الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [النجم ٤٥]، من مادة واحدة ﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾ وهي المني، ﴿إِذَا تُمْنَى﴾ [النجم ٤٦] أي: تُراق وتُصب في رحم المرأة، فالله عز وجل خلق هذين الصنفين المختلفين خلقة، المختلفين مزاجًا، المختلفين عقلًا، المختلفين فكرًا، خلقهما من شيءٍ واحد، من نطفة، ولهذا قال الله تبارك وتعالى في سورة القيامة في آخر السورة، قال: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة ٣٩، ٤٠]؟
الجواب: بلى، فالله تعالى خلق الزوجين، الذكر والأنثى من شيء واحد، وهذا يدل على كمال قدرته جل وعلا، إذ أنه خلق صنفين مختلفين في كل الأحوال، حتى في القوى البدنية يختلف الرجل عن المرأة، والعقلية والفكرية والتنظيمية يختلف الذكر عن الأنثى، وبذلك نعرف ضلال أولئك القوم الذين يريدون أن يلحقوا المرأة بالرجل في أعمالٍ تختص بالرجل، فإنهم سفهاء العقول، ضُلّال الأديان، وكيف يمكن أن نسوي بين شيئين، أو بين صنفين فرق الله بينهما خلقة وشرفًا؟!
هناك أحكام يُطالب بها الرجل ولا تُطالب بها المرأة، وأحكام تُطالب بها المرأة ولا يُطالب بها الرجل، وأما قدرًا وخلقة فالأمر واضح، لكن هؤلاء الذين لم يوفقوا وسلب الله عقولهم وأضعف أديانهم يحاولون الآن أن يلحقوا النساء بالرجال، وهذه لا شك أنها فكرة خاطئة مخالفة للفطرة مخالفة للطبيعة، كما أنها مخالفة للشريعة.
﴿مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾ [النجم ٤٦] ما معنى تُمنى؟ أي: تُصب وتُراق في الرحم، ومنه سُمي المكان منى الذي حول مكة قال العلماء: لأنها تمنى فيه الدماء؛ لأن الهدي أين يُذبح؟ يُذبح يوم العيد في مِنَى، فتراق فيه الدماء؛ ولذلك سُمّي هذا المكان باسم ما يحدث فيه.
النجم 53:46
﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [النجم: ٤٥، ٤٦] ﴿خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ﴾ الزوج بمعنى: الصنف، ومثاله قوله تعالى: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص ٥٨] أي: أصناف، وقوله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات ٢٢] ليس المراد: زوجاتهم، المراد: أزواجهم؛ أي: أصنافهم.
إذن ﴿الزَّوْجَيْنِ﴾ يعني أيش؟ الصنفين، ثم بَيَّن هذين الصنفين، فقال: ﴿الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [النجم ٤٥]، من مادة واحدة ﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾ وهي المني، ﴿إِذَا تُمْنَى﴾ [النجم ٤٦] أي: تُراق وتُصب في رحم المرأة، فالله عز وجل خلق هذين الصنفين المختلفين خلقة، المختلفين مزاجًا، المختلفين عقلًا، المختلفين فكرًا، خلقهما من شيءٍ واحد، من نطفة، ولهذا قال الله تبارك وتعالى في سورة القيامة في آخر السورة، قال: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة ٣٩، ٤٠]؟
الجواب: بلى، فالله تعالى خلق الزوجين، الذكر والأنثى من شيء واحد، وهذا يدل على كمال قدرته جل وعلا، إذ أنه خلق صنفين مختلفين في كل الأحوال، حتى في القوى البدنية يختلف الرجل عن المرأة، والعقلية والفكرية والتنظيمية يختلف الذكر عن الأنثى، وبذلك نعرف ضلال أولئك القوم الذين يريدون أن يلحقوا المرأة بالرجل في أعمالٍ تختص بالرجل، فإنهم سفهاء العقول، ضُلّال الأديان، وكيف يمكن أن نسوي بين شيئين، أو بين صنفين فرق الله بينهما خلقة وشرفًا؟!
هناك أحكام يُطالب بها الرجل ولا تُطالب بها المرأة، وأحكام تُطالب بها المرأة ولا يُطالب بها الرجل، وأما قدرًا وخلقة فالأمر واضح، لكن هؤلاء الذين لم يوفقوا وسلب الله عقولهم وأضعف أديانهم يحاولون الآن أن يلحقوا النساء بالرجال، وهذه لا شك أنها فكرة خاطئة مخالفة للفطرة مخالفة للطبيعة، كما أنها مخالفة للشريعة.
﴿مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾ [النجم ٤٦] ما معنى تُمنى؟ أي: تُصب وتُراق في الرحم، ومنه سُمي المكان منى الذي حول مكة قال العلماء: لأنها تمنى فيه الدماء؛ لأن الهدي أين يُذبح؟ يُذبح يوم العيد في مِنَى، فتراق فيه الدماء؛ ولذلك سُمّي هذا المكان باسم ما يحدث فيه.
النجم 53:47
ثم قال: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم ٤٧] على من؟ على الله، وفي هذا دليل على أن الله أوجب على نفسه أن يبعث الناس؛ لأنه لو كان الناس يحيون ويموتون بلا إرجاع لكان هذا عبثًا محضًا؛ لأننا نعلم الآن أن الناس في الدنيا يختلفون في الغنى والفقر، والقوة والضعف، والذكاء والعقل، وغير ذلك، لو كان الخلق هكذا فقط بدون إرجاع لكان هذا منافيًا للحكمة تمامًا، لكن لا بد من رجوع.
ولهذا قال: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ﴾ و(على) تفيد؟ مثلًا: إذا قلت: عليك تفعل كذا يعني: واجب، فـ(على) تفيد الوجوب، فيكون الله أوجب على نفسه أن ينشئ الناس مرة أخرى، ولا مانع من أن الله يفرض على نفسه ما شاء، كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام ٥٤] أي: أوجب على نفسه الرحمة.
كذلك هنا قال: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم ٤٧] أي: على الله، أوجب الله على نفسه أن ينشئ الناس نشأة أخرى للجزاء كلٌ بحسب عمله، والنشأة الأخرى تفيد بأن هناك نشأة قبلُ، وهي النشأة الأولى، وهي ابتداء خلق الناس من عند الله عز وجل.
ففي قوله: (الأخرى) فائدة عظيمة، وهي الإشارة إلى أن القادر على الأولى قادر على الآخرة، والنشأة الآخرة أهون من الأولى، كما قال عز وجل: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧]، وكله عليه هين، لكن الهين يختلف باعتبار ذاته لا باعتبار قدرة الله، قدرة الله لا تختلف، كن فيكون، سواء كان أعلى شيء أو أدنى شيء.
لكن بالنسبة للمقدور عليه أيهما أهون؟ الإعادة أهون أما بالنسبة لقدرة الله فكلها واحدة؛ لأن المسألة لا تعدو أن يقول: كن فيكون.
وبهذا نعرف أن بعض المفسرين -رحمهم الله وعفا عنهم- قالوا في قوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧]، قال المعنى: وهو هين عليه، هذا غلط، كيف يقول الله عن نفسه: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ ونقول: وهو هين؟! لكن نقول: الهون له نسبتان: نسبة للمفعول، ونسبة للفاعل، بالنسبة للفاعل هما سواء؛ لأن كل شيء منهما يتكون بكلمة واحدة: كن فيكون.
بالنسبة للمفعول يختلف، لا شك أن الأول أشد من الثاني.
إذن ﴿النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾ قلنا كلمة: ﴿الْأُخْرَى﴾ فيها فائدة، وهي الإشارة إلى أن القادر على الأخرى قادر على الأولى من باب أولى، ثم استشهدنا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧].
النجم 53:48
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ [النجم: ٤٨] يعني: أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، فهو الذي أغنى؛ يعني أغنى من شاء من خلقه، ﴿وَأَقْنَى﴾ قيل: معناها أفقر؛ لأنها في مقابلة أغنى، وقيل: ﴿أَغْنَى﴾ بالكفاية، ﴿وَأَقْنَى﴾ بما زاد عن الكفاية؛ يعني: أن الله عز وجل بسط الرزق للعباد، فمنهم من أغناه عن غيره ومنهم من أقناه؛ أي: جعل له قُنية، وهي الزائد عن الكفاية.
وكما ذكرنا مرارًا أن الكلمة إذا كانت تحتمل معنيين ليس بينهما منافاة ولا مرجح لأحدهما على الآخر فإنها تُحمل عليهما؛ لأنه أعم للمعنى.
فالذي يغني هو الله، والذي يقني هو الله عز وجل، وليست هذه الأصنام التي هي: اللات والعزى ومناة، بل ذلك إلى الله عز وجل وحده.
النجم 53:49
﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ [النجم: ٤٩] أتى بضمير الفصل تأكيدًا للجملة، و﴿رَبُّ الشِّعْرَى﴾ أي: خالقها ومالكها ومدبرها، و﴿الشِّعْرَى﴾ هي: النجم المضيء الذي يخرج في شدة الحر، ونص على هذا النجم؛ لأن بعض العرب كانوا يعبدونها ويعظمونها، فَبَيَّن تبارك وتعالى أن الشعرى من جملة المخلوقات المربوبات، فليست إلهًا، ولا تستحق أن تعبد.
النجم 53:50
﴿وَأَنَّهُ﴾ أي: الله عز وجل ﴿أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾ [النجم ٥٠] وهم قوم هود.
و﴿الْأُولَى﴾: وصف كاشف وليس وصفًا مُقيدًا؛ يعني: ليس هناك عاد أولى وعاد ثانية، هي واحدة، لكنها عاد قديمة سابقة، ولهذا وصفها بأنها الأولى؛ يعني: القديمة السابقة، وليس ثمة عادٌ أخرى.
عاد: هم قوم هود، وكان الله تعالى قد أعطاهم من القوة والنشاط وشدة البطش ما ليس لغيرهم، حتى إنهم قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥]، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت ١٥]، هؤلاء القوم يفتخرون بشدتهم وقوتهم فأهلكهم الله تعالى بألطف الأشياء، أهلكهم بريح صرصر عاتية، ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة ٧] ابتدأت من بعد الفجر وانتهت عند الغروب، فصارت الأيام ثمانية والليالي سبعًا ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة ٧] تحمل الإنسان إلى القمة ثم تقذف به على الأرض، فصاروا كأنهم أعجاز نخلٍ خاوية، والعياذ بالله، أو ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر ٢٠].
فهؤلاء القوم مع شدة بطشهم وشدة بأسهم لم يمنعهم ذلك من عذاب الله عز وجل.
النجم 53:51
وقوله: ﴿وَثَمُودَ﴾ [النجم ٥١] يعني: وأهلك ثمود فما أبقاهم، وثمود هم أصحاب الحَجَر، حيث أرسل الله إليهم صالحًا فكذبوه، وكان الله تعالى قد أعطاهم قوة وأعطاهم معرفة وعلمًا بهندسة البناء، لكن مع ذلك ما فعلوا ما أراد الله بهم، صيح بهم ورجفت بهم الأرض، فأصبحوا في ديارهم جاثمين، والعياذ بالله.
النجم 53:52
﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ﴾ [النجم: ٥٢] يعني: وأهلك قوم نوحٍ من قبل، أهلكهم بالغرق، كما قال الله تعالى في سورة (اقتربت الساعة وانشق القمر) قال عن نبيهم نوح: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر ١٠-١١] وفي قراءة: ﴿ففتَّحنا﴾ مما يدل على الكثرة وشدة الانفتاح، ﴿أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر ١١] يعني: نازلٍ بشدة، ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر ١٢] الأرض كلها كانت عيونًا؛ يعني ليس فيها موضع شبر إلا وهو يفور، حتى إن التنور الذي هو محل الإيقاد صار يفور، مع أن محل الإيقاد أبعد ما يكون عن الرطوبة، لكنه فار، فصارت الأرض كلها عيونًا والسماء تمطر.
﴿الْتَقَى الْمَاءُ﴾ [القمر ١٢] ماء السماء وماء الأرض، ﴿عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر ١٢]؛ يعني: أمر مقدر محدد بدون زيادة ولا نقص، سبحان الله العظيم، فغرق القوم حتى بلغ الماء قمم الجبال، ويذكر أن «امرأة كان معها صبي، فكلما علا الماء صعدت الجبل كلما علا الماء صعدت الجبل، حتى وصل الماء إلى قمة الجبل، ووصل إلى المرأة وارتفع في جسدها، وكان معها صبي، فحملت الصبي على يديها، ترفعه لئلا يغرق قبلها، وجاء في الحديث: «لَوْ رَحِمَ اللَّهُ أَحَدًا لَرَحِمَ أُمَّ الصَّبِيِّ»[[أخرج الحاكم (٣٣٤٩) عن عائشة زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: «لو رحم الله أحدًا من قوم نوح لرحم أم الصبي»، قال رسول الله ﷺ: «كان نوح مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، يدعوهم حتى كان آخر زمانه غرس شجرة، فعظمت، وذهبت كل مذهب، ثم قطعها، ثم جعل يعملها سفينة، ويمرون فيسألونه، فيقول: أعملها سفينة، فيسخرون منه، ويقولون: تعمل سفينة في البر، وكيف تجري؟ قال: سوف تعلمون فلما فرغ منها، فار التنور، وكثر الماء في السكك، خشيت أم الصبي عليه، وكانت تحبه حبًّا شديدًا، فخرجت إلى الجبل حتى بلغت ثلمة، فلما بلغها الماء خرجت به حتى استوت على الجبل، فلما بلغ الماء رقبتها رفعته بيدها حتى ذهب بها الماء، فلو رحم الله منهم أحدًا لرحم أم الصبي».]]، لكن إذا حقت كلمة الله فلا راد لقضاء الله تعالى، أجارنا الله وإياكم من العذاب الأليم.
وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى﴾ [النجم ٥٢] اختلف المفسرون في قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى﴾، فقيل: إن الضمير يعود على قوم نوح فقط، وقيل: إنه يعود على كل الأمم التي ذكرها الله عز وجل ممن أهلكهم.
فعلى القول الأول يكون المعنى؛ أن قوم نوحٍ أظلم وأطغى من قوم ثمود وعاد، ووجه ذلك؛ أنه حصل منهم عتو واستكبار مع طول المدة، حيث إن نوحًا عليه الصلاة والسلام لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، يقول الله تبارك وتعالى عنه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [نوح ٥، ٧] حتى لا يسمعوا، ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ [نوح ٧] تغطوا بها حتى لا يبصروا، وهذا يدل على شدة كراهتهم لما يدعوهم إليه عليه الصلاة والسلام، ﴿وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ [نوح ٧] يعني: استكبارًا عظيمًا فلم يخضعوا لعبادة الله عز وجل، فكانوا أظلم وأطغى من عاد وثمود.
وعلى القول الثاني: أن الضمير يعود على كل هؤلاء الأمم، يكون المعنى: إن هؤلاء كانوا أظلم وأطغى من قريش الذين كذبوك يا محمد. فيكون في هذا تسلية للرسول ﷺ؛ بأن الله تعالى أهلك هؤلاء القوم مع أنهم أظلم وأطغى من قومك، والذي أهلك من سَبَق قادرٌ على أن يهلك من لحق، وكلا المعنيين صحيح، فهؤلاء الأمم أظلم وأطغى من قريش، وقوم نوح أظلم وأطغى من عادٍ وثمود.
النجم 53:53
ثم قال عز وجل: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ [النجم ٥٣] أي: أسقط، ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ﴾ هي قرى قوم لوط، ﴿أَهْوَى﴾ بمعنى: أنزل، واختلف المفسرون في قوله: ﴿أَهْوَى﴾ هل المعنى: أنه أهوى بها من فوق إلى أسفل بناءً على أن الله تعالى رفع هذه القرى إلى فوق ثم قلبها، أو أن المعنى: أنه ﴿أَهْوَى﴾ أسقطها بمعنى: أرسل عليها الحجارة حتى تهدم البناء فصار أعلى البناء أسفله.
المهم، أن الله تعالى أخبر عن قوم لوط بأن الله أهواهم -أي: أسقطهم- سواء من الجو أو من سقوط البناء على أسفله.
النجم 53:54
﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ [النجم: ٥٤] غشاها؛ أي: غطاها، وقوله: ﴿مَا غَشَّى﴾ مبهم للتعظيم والتفخيم، كقوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه ٧٨] أي: غشيهم شيءٌ عظيم، فالإبهام أحيانًا يُراد به التعظيم والتهويل والتفخيم كما في هذه الآية: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾ [النجم ٥٤، ٥٥]، الاستفهام هنا للتوبيخ، و﴿تَتَمَارَى﴾ تتشكك، والآلاء: النعم؛ أي: بِأَيِّ نعم الله تتشكك أيها الإنسان؟! إذ أن الواجب أن الإنسان يقر بنعم الله ويشكر الله عليها، لا أن يتشكك ويقول: هذا من عملي، هذا من كذا، هذا من كذا، كما كانت العرب تقول: مطرنا بنوء كذا وكذا؛ يعني: بالنجم، وينسون الخالق عز وجل.
النجم 53:55
﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ [النجم: ٥٤] غشاها؛ أي: غطاها، وقوله: ﴿مَا غَشَّى﴾ مبهم للتعظيم والتفخيم، كقوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه ٧٨] أي: غشيهم شيءٌ عظيم، فالإبهام أحيانًا يُراد به التعظيم والتهويل والتفخيم كما في هذه الآية: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾ [النجم ٥٤، ٥٥]، الاستفهام هنا للتوبيخ، و﴿تَتَمَارَى﴾ تتشكك، والآلاء: النعم؛ أي: بِأَيِّ نعم الله تتشكك أيها الإنسان؟! إذ أن الواجب أن الإنسان يقر بنعم الله ويشكر الله عليها، لا أن يتشكك ويقول: هذا من عملي، هذا من كذا، هذا من كذا، كما كانت العرب تقول: مطرنا بنوء كذا وكذا؛ يعني: بالنجم، وينسون الخالق عز وجل.
النجم 53:56
ثم قال جل وعلا: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾ [النجم ٥٦] هذا المشار إليه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ﴿نَذِيرٌ﴾ بمعنى: منذر، والمنذر: هو الذي يعلم بالشيء على وجه التخويف؛ لأن الإنذار هو إعلام بتخويف، والبشارة هو إعلام برجاء، ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾ ولم يقل: بشير؛ لأن المقام لا يقتضي إلا ذكر الإنذار، إذ أن الله تحدث من أول السورة إلى آخرها عن قريش وتكذيبها للرسول ﷺ، وعبادتها الأصنام، فيقول: محمد ﷺ نذير من النُذُر الأولى؛ أي: من الرسل السابقين؛ يعني: فكما أن الذين كذبوا الرسل حل بهم العقاب والنكال، فأنتم أيها المكذبون لرسول الله ﷺ يوشك أن يحل بكم النكال والعقوبة؛ لأن محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم مثل غيره، نذيرٌ من النذر، فإذا كان نذيرًا من النذر فإن من كذبه سيقع به مثل ما وقع بالأمم السابقة.
النجم 53:57
﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٧] أي: قربت القيامة؛ ﴿الْآزِفَةُ﴾: القيامة، وأزف بمعنى: قرب، ومنه قول الشاعر:
أَزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أَنَّ رِكَابَنَا ∗∗∗ لَمَّا تَزُلْ بِرِحَالِنَا وَكَأْنَ قَدِ
الآزفة هي القيامة؛ لأن الساعة قريبة، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى ١٧]، وقال تعالى في الآية الثانية: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب ٦٣] فهي قريبة، ويدل لقربها أن محمدًا ﷺ خاتم الرسل معناه: أن الأمر قريب، ومع كون الله تعالى يذكر أن الأمر قريب كم بيننا وبين نزول القرآن؟ أربعة عشر قرنًا، ونحن في الخامس عشر، ومع ذلك يقول الله عز وجل: إن الساعة قريب، من هنا نعرف أن عمر الدنيا طويل وبعيد، ولكن هل نأخذ بقول هؤلاء الذين يتخرصون ويقولون: عمر الدنيا الماضي كذا وكذا؟ لا، هؤلاء لا نصدقهم ولا نكذبهم، أحيانًا يقولون: إنهم عثروا على آثار حيوان له كذا وكذا من ملايين السنين، أو على أحجار أو ما أشبه ذلك، هذا لا نصدقه ولا نكذبه؛ لأنهم لا يعلمون الغيب الماضي وإنما يقيسونه بحال الحاضر؛ يعني: يقيسون مثلًا عمر هذا الأثر.
القمر 54:1
ثم قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر ١].
(اقتربت) بمعنى: قرُبت، لكن العلماء يقولون: إن زيادة المبنى يدل على زيادة المعنى، وهنا (اقتربت) فيها زيادة في المبنى على قربت، ويش الزيادة؟ الهمزة والتاء، فيدل على أن الاقتراب قريب جدًّا، أو يدل على أن القرب قريب جدًّا، فمعنى (اقتربت) أي: قربت جدًّا.
والساعة هي يوم القيامة، وقد قال الله تعالى فيها: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد ١٨] أي: علاماتها.
من علاماتها: بعثة النبي ﷺ، فإن بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام وكونه خاتم الأنبياء دليل على أنه قد قربت الساعة، ولهذا حقق النبي عليه الصلاة والسلام هذا بقوله: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ» وَقَالَ بِأُصْبُعِهِ الْوُسْطَى وَالسَّبَابَةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٣٠١)، ومسلم (٢٩٥٠/١٣٢) من حديث سهل بن سعد.]].
الآن السبابة قريبة من الوسطى أليس كذلك؟ ليس بينهما إلا جزء يسير مقدار الظفر، وهذا يدل على قربها، لكن مع ذلك كم بيننا وبين الرسول ﷺ الآن، نحن في القرن الخامس عشر الهجري أيضًا بعد بعثة الرسول ﷺ بثلاث عشرة سنة، ومع ذلك ما زالت الدنيا باقية، مما يدل على أن ما مضى طويل جدًّا، حتى إن الرسول ﷺ خطب الناس ذات يوم عند غروب الشمس فقال: «إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا» يعني بالنسبة لمن سبقكم «إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا»[[أخرجه الترمذي (٢١٩١) من حديث أبي سعيد الخدري.]] ».
إذن: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ أي: قرب يوم القيامة.
﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ وكأن الله عز وجل أشار إلى أن هذا من أشراط الساعة، انشق القمر يعني صار فرقتين، تميز بعضهما عن بعض، أحدهما على جبل أبي قبيس والثاني على جبل قعيقعان، يعني: واحد على الصفا وواحد على المروة، والمسافة في رؤيا العين ما بين الصفا والمروة بعيدة جدًّا قد تستغرق سنوات.
انشق القمر في لحظة بأمر الله عز وجل، وتباعدت أجزاؤه بلحظة؛ لأن قريشًا كانوا يتحدون الرسول عليه الصلاة والسلام ويطلبون منه الآيات، وقد قال الله ردًّا عليهم: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت ٥٠، ٥١]، لكن ما هو كافيهم؛ لأنهم معاندون لا يريدون الحق، أتوا إلى رسول الله ﷺ، قالوا: يا محمد، أنت تقول: إنك رسول وإنك يأتيك الخبر من السماء وكذا وكذا؛ أرنا آيةً، فأشار النبي ﷺ إلى القمر ودعا ربه، فانفلق فلقتين في لحظة. مَن يفك هذا الجسم العظيم الأفقي العالي إلا رب العالمين عز وجل! أراهم إياه، لكن هل نفع؟ لا، ما نفع، وقالوا: سحرنا محمد، وبعضهم قال: سحر القمرَ، وأنكروا، فقال بعضهم لبعض: اسألوا المسافرين إذا قدِموا هل رأوه أم لا؟ فصاروا يسألون المسافرين من كل وجه يقدَمون مكة فيقولون: نعم، رأيناه في الليلة الفلانية كذا وكذا، وهذا بالنسبة للقريبين منهم كأهل الجزيرة مثلًا، أما البعيدون فقد لا يرونه، ليش؟ للبعد.
وكما نعلم الآن أن الليل هنا يكون نهارًا في مكان آخر، أو يوجد غيوم وضباب كثير يمنع الرؤية، ولهذا لا يمكن أبدًا لأي عاقل أن ينكر انشقاق القمر انشقاقًا حسيًّا؛ لأنه لم يُذكر في تاريخ اليونان، ولم يذكر في تاريخ الهند، ولم يذكر في كذا وكذا، هذا ليس حجة يُبطَل بها ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من أن القمر انشق فعلا انشقاقًا حسيًّا.
ونحن نؤمن بأن القادر على أن يطوي السماوات بيمينه كطي السجل للكتب قادر على أن يفلق القمر فلقتين، أي شيء يعجزه؟ لا شيء؛ ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤].
ولهذا لا وجه لإنكار مَن أنكر ذلك ممن ينتسبون إلى الإسلام، ويقولون: إن الأفلاك السماوية لا يمكن أن تتغير، من الذي خلق الأفلاك السماوية؟ أليس الله؟ بلى، إذن هو قادر على أن يغيرها؛ ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢].
إذن انشقاق القمر انشقاق حسي، انفلق فلقتين، ورآه الناس وشاهدوه، ولكن المكابر المعاند لا يقبل شيئًا.
القمر 54:2
ولهذا قال: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ [القمر ٢] ، (آية) نكرة في سياق الشرط، ﴿إِنْ يَرَوْا﴾ يعني أي آية يرونها يُعرِضون عنها ولا يقبلونها، ويجمعون بين الإعراض وبين الإنكار باللسان.
﴿يُعْرِضُوا﴾ أي: بقلوبهم وأبدانهم، ﴿وَيَقُولُوا﴾ بألسنتهم: هذا ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾. وتعرفون أن السحر يؤثر لا في قلب الأعيان ولكن في رؤية الأعيان.
ألم تروا أن موسى عليه الصلاة والسلام لما ألقى السحرة سحرهم كان يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، حيَّات، انقلب الوادي كله حيات تسعى، حتى إن موسى أوجس في نفسه خيفة من هول ما رأى، لكن هذه الحبال والعصي هل انقلبت إلى حيات أو هي هي؟ هي هي، لكن حسب نظر الرائي أنها حيات، فهم يقولون: هذا سحر، سحرنا محمد حتى كانت أعيننا ترى القمر وهو واحد تراه فلقتين.
﴿وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر ٢] قيل: إن المعنى: زائل ذاهب، مِن مر بالشيء إذا تجاوزه، يقول: هذا سحر ولن يستقر ولا قرار له، وقيل: ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾ يعني أن كل الآيات التي يأتي بها سحر، أي: مستمر من إمرار الشيء ودوام الشيء، وأيًّا كان فإنهم أنكروا وكذبوا، ولهذا قال: ﴿وَكَذَّبُوا﴾ أي: كذَّبوا النبي ﷺ وكذبوا بآياته ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القمر ٣] أي: ما يريدون من الباطل ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر ٣] يعني: لا بد له من قرار.
فهؤلاء المكذبون قرارهم الذل والخسران في الدنيا، والنار في الآخرة، والنبي ﷺ ومن اتبعه أمرهم مستقر بالنصر والتأييد في الدنيا، والجنة في الآخرة، جعلنا الله وإياكم منها.
القمر 54:3
ولهذا قال: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ [القمر ٢] ، (آية) نكرة في سياق الشرط، ﴿إِنْ يَرَوْا﴾ يعني أي آية يرونها يُعرِضون عنها ولا يقبلونها، ويجمعون بين الإعراض وبين الإنكار باللسان.
﴿يُعْرِضُوا﴾ أي: بقلوبهم وأبدانهم، ﴿وَيَقُولُوا﴾ بألسنتهم: هذا ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾. وتعرفون أن السحر يؤثر لا في قلب الأعيان ولكن في رؤية الأعيان.
ألم تروا أن موسى عليه الصلاة والسلام لما ألقى السحرة سحرهم كان يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، حيَّات، انقلب الوادي كله حيات تسعى، حتى إن موسى أوجس في نفسه خيفة من هول ما رأى، لكن هذه الحبال والعصي هل انقلبت إلى حيات أو هي هي؟ هي هي، لكن حسب نظر الرائي أنها حيات، فهم يقولون: هذا سحر، سحرنا محمد حتى كانت أعيننا ترى القمر وهو واحد تراه فلقتين.
﴿وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر ٢] قيل: إن المعنى: زائل ذاهب، مِن مر بالشيء إذا تجاوزه، يقول: هذا سحر ولن يستقر ولا قرار له، وقيل: ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾ يعني أن كل الآيات التي يأتي بها سحر، أي: مستمر من إمرار الشيء ودوام الشيء، وأيًّا كان فإنهم أنكروا وكذبوا، ولهذا قال: ﴿وَكَذَّبُوا﴾ أي: كذَّبوا النبي ﷺ وكذبوا بآياته ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القمر ٣] أي: ما يريدون من الباطل ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر ٣] يعني: لا بد له من قرار.
فهؤلاء المكذبون قرارهم الذل والخسران في الدنيا، والنار في الآخرة، والنبي ﷺ ومن اتبعه أمرهم مستقر بالنصر والتأييد في الدنيا، والجنة في الآخرة، جعلنا الله وإياكم منها.
القمر 54:4
﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٤، ٥].
أكد الله تعالى في هذه الجملة ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ﴾ لأنهم، أي: قريشًا ﴿جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ﴾ أي: الأخبار التي فيها رشدهم وصلاحهم وفلاحهم ﴿مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾، أي: ازدجار عن الشرك والعصيان، لكنهم لم ينتفعوا بذلك.
وهذه الجملة -كما تسمعون- فيها اللام وفيها (قد)، وهما من أدوات التوكيد، وفيها قسم مقدَّر دلت عليه اللام في قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ﴾، وعليه فتكون هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم، واللام، و(قد). والله سبحانه وتعالى صادق بغير توكيد لخبره، لكن هذا القرآن بلسان عربي مبين، واللسان العربي من بلاغته تأكيد الأشياء الهامة حتى تثبت وترسخ في الذهن. قال الله تعالى: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾، يعني أن الأنباء التي جاءتهم حكمة، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء ١١٣] والحكمة هي: موافقة الشيء لموضعه، ويُعبَّر عنها بقولهم: تنزيل الشيء منزلته اللائقة به، ولا شك أن شريعة الله كلها حكمة، كلها مطابقة لِما فيه صلاح العباد في معاشهم ومعادهم.
وقوله: ﴿بَالِغَةٌ﴾ أي: تامة واصلة إلى الغرض المقصود منها.
﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ (ما) هذه يَحتمل أن تكون نافية، يعني أن النُّذُر لا تغنيهم شيئًا، ويحتمل أن تكون استفهامًا على وجه التوبيخ، يعني: فأي شيء تغنيهم، وكلاهما صحيح، فالنُّذر لم تغنهم شيئًا، وإذا لم تغنهم هذه النذر المشتملة على الحكمة البالغة فأي شيء يغنيهم؟!
الجواب: لا شيء؛ لأنهم معانِدون مستكبِرون.
القمر 54:5
﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٤، ٥].
أكد الله تعالى في هذه الجملة ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ﴾ لأنهم، أي: قريشًا ﴿جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ﴾ أي: الأخبار التي فيها رشدهم وصلاحهم وفلاحهم ﴿مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾، أي: ازدجار عن الشرك والعصيان، لكنهم لم ينتفعوا بذلك.
وهذه الجملة -كما تسمعون- فيها اللام وفيها (قد)، وهما من أدوات التوكيد، وفيها قسم مقدَّر دلت عليه اللام في قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ﴾، وعليه فتكون هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم، واللام، و(قد). والله سبحانه وتعالى صادق بغير توكيد لخبره، لكن هذا القرآن بلسان عربي مبين، واللسان العربي من بلاغته تأكيد الأشياء الهامة حتى تثبت وترسخ في الذهن. قال الله تعالى: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾، يعني أن الأنباء التي جاءتهم حكمة، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء ١١٣] والحكمة هي: موافقة الشيء لموضعه، ويُعبَّر عنها بقولهم: تنزيل الشيء منزلته اللائقة به، ولا شك أن شريعة الله كلها حكمة، كلها مطابقة لِما فيه صلاح العباد في معاشهم ومعادهم.
وقوله: ﴿بَالِغَةٌ﴾ أي: تامة واصلة إلى الغرض المقصود منها.
﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ (ما) هذه يَحتمل أن تكون نافية، يعني أن النُّذُر لا تغنيهم شيئًا، ويحتمل أن تكون استفهامًا على وجه التوبيخ، يعني: فأي شيء تغنيهم، وكلاهما صحيح، فالنُّذر لم تغنهم شيئًا، وإذا لم تغنهم هذه النذر المشتملة على الحكمة البالغة فأي شيء يغنيهم؟!
الجواب: لا شيء؛ لأنهم معانِدون مستكبِرون.
القمر 54:6
ثم قال عز وجل: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ [القمر ٦]، وإلى هنا ينتهي الكلام، (تول) الخطاب للرسول ﷺ عن هؤلاء لأنهم معاندون مستكبرون، ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ١٠١].
وإن يروا كل آية يعرضوا ويقولوا: سحر مستمر (...) سوف يأتيهم ما وُعدوا به، وسوف يتحقق لك ما وعدت به. ويحسن هنا أن تقف: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ ثم تستأنف وتقول: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾؛ لأنك لو وصلت لَأَوْهَمَ أن التوليَ يكون يوم يدعو الداعي، ومعلوم أن التولي في الدنيا وليس يوم يدعو الداعي.
وقوله: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ هو ظرف، والظرف لا بد له من عامل؛ كالجار والمجرور لا بد له من عامل، كجميع المفعولات لا بد لها من عامل، فما هو العامل في قوله: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ [المعارج ٤٣]؟ العامل قوله: ﴿يَخْرُجُونَ﴾.
﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ﴾ [القمر ٦، ٧] فهي متعلقة بـ﴿يَخْرُجُونَ﴾، أي: سوف يأتيهم العذاب في ذلك الوقت ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾.
وقوله: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ هو داعي يوم القيامة، ﴿إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ أي: منكر عظيم لشدة أهواله، فإنه لا شيء أنكر على النفوس من ذلك اليوم؛ لأنهم لم يشاهدوا له نظيرًا.
قوله: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ أي أن أبصارهم خاشعة ذليلة، كما قال الله عز وجل: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى ٤٥] هم الآن مستكبرون رافعو رؤوسهم، يرون أن الناس تحتهم وأنهم فوق الناس، لكن سيأتي اليوم الذي يكونون بالعكس.يوم ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ الأجداث هي القبور، و﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ الجراد المنتشر: المنبث في الأرض الذي لا يدري أين وجهه، ليس له طريق قائمة يعرف كيف ينتهي، ولكنهم منتشرون، وهذا من أدق التشبيهات؛ لأن الجراد المنتشر تجده يروح يمينًا ويسارًا لا يدري أين يذهب، فهم سيخرجون من الأجداث على هذا الوجه، بينما هم في الدنيا لهم قائد، لهم أمير، لهم موجِّه يعرفون طريقهم، وإن كان طريقًا فاسدًا.
القمر 54:7
ثم قال عز وجل: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ [القمر ٦]، وإلى هنا ينتهي الكلام، (تول) الخطاب للرسول ﷺ عن هؤلاء لأنهم معاندون مستكبرون، ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ١٠١].
وإن يروا كل آية يعرضوا ويقولوا: سحر مستمر (...) سوف يأتيهم ما وُعدوا به، وسوف يتحقق لك ما وعدت به. ويحسن هنا أن تقف: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ ثم تستأنف وتقول: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾؛ لأنك لو وصلت لَأَوْهَمَ أن التوليَ يكون يوم يدعو الداعي، ومعلوم أن التولي في الدنيا وليس يوم يدعو الداعي.
وقوله: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ هو ظرف، والظرف لا بد له من عامل؛ كالجار والمجرور لا بد له من عامل، كجميع المفعولات لا بد لها من عامل، فما هو العامل في قوله: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ [المعارج ٤٣]؟ العامل قوله: ﴿يَخْرُجُونَ﴾.
﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ﴾ [القمر ٦، ٧] فهي متعلقة بـ﴿يَخْرُجُونَ﴾، أي: سوف يأتيهم العذاب في ذلك الوقت ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾.
وقوله: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ هو داعي يوم القيامة، ﴿إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ أي: منكر عظيم لشدة أهواله، فإنه لا شيء أنكر على النفوس من ذلك اليوم؛ لأنهم لم يشاهدوا له نظيرًا.
قوله: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ أي أن أبصارهم خاشعة ذليلة، كما قال الله عز وجل: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى ٤٥] هم الآن مستكبرون رافعو رؤوسهم، يرون أن الناس تحتهم وأنهم فوق الناس، لكن سيأتي اليوم الذي يكونون بالعكس.يوم ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ الأجداث هي القبور، و﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ الجراد المنتشر: المنبث في الأرض الذي لا يدري أين وجهه، ليس له طريق قائمة يعرف كيف ينتهي، ولكنهم منتشرون، وهذا من أدق التشبيهات؛ لأن الجراد المنتشر تجده يروح يمينًا ويسارًا لا يدري أين يذهب، فهم سيخرجون من الأجداث على هذا الوجه، بينما هم في الدنيا لهم قائد، لهم أمير، لهم موجِّه يعرفون طريقهم، وإن كان طريقًا فاسدًا.
القمر 54:8
قال تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ [القمر ٨] يعني أنهم مسرعون خاضعو الأعناق، كالرجل إذا أسرع وركض تجده يقدم رأسه يخضعه، فهم يخرجون من الأجداث مهطعين إلى الداعي، أي: مسرعين خافضي رؤوسهم، من الفزع والهول والشدة: ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر ٨] وتأمل قوله: ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ﴾ ولم يقل: يقول الناس؛ لأن هذا اليوم العسر لا شك أنه في حد ذاته عسر شديد عظيم، ولكنه على الكافرين عسير وعلى المؤمنين يسير، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان ٢٦]، وقال تعالى: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾ [المدثر ١٠]، وأما على المؤمنين فهو يسير ولله الحمد، جعلنا الله وإياكم منهم ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾.
القمر 54:9
ثم بدأ الله عز وجل بقصص الأنبياء على وجه مختصر في هذه السورة، لكنه مؤثر تأثيرًا بالغًا، لو قرأتها بتمهل وتدبر لوجدت أنها مؤثرة جدًّا، كلمات مختصرة لكنها رادعة تمامًا: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [القمر ٩] ونوح هو أول الرسل، أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض هو نوح بدلالة القرآن والسنة؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد ٢٦]، وبهذا نعرف أن ما ذكره بعض المؤرخين من أن إدريس هو الجد لنوح كذب لا شك فيه، وليس قبل نوح رسول، حتى في حديث الشفاعة فيه التصريح أنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، ولذلك كان من عقيدتنا أن أول الرسل نوح، وأن آخر الأنبياء محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو نبي رسول.
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [القمر ٩] ولم يفصل الله عز وجل هذا التكذيب، لكنه أنزل في ذلك سورة تامة، وهي سورة نوح، فصل الله فيها تفصيلًا تامًّا في تكذيبهم وأخذهم.
﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا﴾ [القمر ٩] وهو نوح، وصفه الله بالعبودية لأن العبودية أشرف ألقاب البشر، العبودية لله أشرف ألقاب البشر، وهي: التذلل له في الطاعة والإنابة والتوكل وغير ذلك، العبودية من حيث هي ثلاثة أنواع:
عبودية عامة تشمل جميع الخلق، وهي التذلل للأمر الكوني؛ كقوله تبارك وتعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣]، ﴿إِنْ كُلُّ﴾ يعني: ما كل من في السماوات والأرض إلا هذه حاله؛ أنه آتي الرحمن عبدًا، وهذه العبودية للأمر الكوني؛ لأن أمر الله عز وجل كوني ما يمكن أحد أن يفر منه مهما كانت قوته.
النوع الثاني: العبودية الخاصة بالمؤمنين، مثل قول الله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان ٦٣] هذه عامة لكل مؤمن.
الثالث: العبودية الخاصة بالأنبياء، وهذه مثل قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء ١]، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان ١]، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف ١]، ومن ذلك هذه الآية: ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا﴾ [القمر ٩].
وقد لبث فيهم نوح عليه الصلاة والسلام ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى الله، لكنهم كلما دعاهم إلى الله ليغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم حتى لا يسمعوا قوله، واستغشوا ثيابهم حتى لا يروه، واستكبروا استكبارًا، ولا أبلغ من هذا الاستكبار؛ أن يضع الإنسان يده في أذنيه حتى لا يسمع قول الداعي، وأن يستغشي ثوبه فيتغطى به حتى لا يراه.
قوله: ﴿وَقَالُوا مَجْنُونٌ﴾ [القمر ٩] المجنون: فاقد العقل، الذي يهذي بما لا يدري. قالوا: إنه مجنون، هذه القولة قيلت لكل الرسل، قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات ٥٢] و(أو) هنا إما للتنويع، يعني بعضهم يقول: ساحر، وبعضهم يقول: مجنون، أو أنهم يقولون هذا وهذا، وعلى كل حال فأولًا نوح قيل له: إنه مجنون.
﴿وَازْدُجِرَ﴾ [القمر ٩] ازدجر يعني زجر زجرًا شديدًا، والزجر: هو النهر بشدة وعنف، والدال هنا منقلبة عن تاء، وقد قال العلماء: إن زيادة المبنى يدل على زيادة المعنى، والمعنى أنه زجرٌ شديدٌ، وقوله: ﴿وَازْدُجِرَ﴾ ينبغي ألا توصل بما قبلها؛ لأنك لو وصلت وقلت: ﴿وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ لتوهم السامع أنهم يقولون: مجنون وازدجر يعني: زجره غيره، لكن لا، المعنى خلاف ذلك، فكذبوا عبدنا وازدجر هذا المعنى، كذبوا وازدجر.
إذن الأولى أن تقف: ﴿وَقَالُوا مَجْنُونٌ﴾ ثم تصل وتقول: ﴿وَازْدُجِرَ﴾ فيكون هنا لم يقتصر هؤلاء المكذبون على أن كذبوا، بل كذبوا وزجروا وتوعدوا وسخروا.
القمر 54:10
لما طال الأمد دعا ربه: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر ١٠] الله أكبر! كلمتان: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ ولقد دعا أهلًا للإجابة جل وعلا، أجاب الله فقال: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر ١١] فتحنا، وفي قراءة: ﴿﴿فتَّحنا﴾ ﴾، وكلاهما حق.
وينبغي لمن علم القراءة الأخرى أن يقرأ بهذه تارة وبهذه تارة، بشرط ألا يكون ذلك بحضرة العوام؛ لأن العوام لا ينبغي أن تقرأ عليهم بقراءة خارجة عن المصحف الذي بأيديهم، فتحدث لهم تشويشًا، وربما تهبط منزلة القرآن من نفوسهم، أو ينسبوك إلى الغلط والتحريف، لكن عند طلبة العلم وعند التعليم، أو فيما بينك وبين نفسك، ينبغي أن تقرأ بالقراءات الثابتة، مرة بهذه ومرة بهذه.
كما نقول هذا أيضًا في العبادات المتنوعة، تفعل هذا مرة وهذا مرة؛ كالاستفتاحات ونحوها.
قوله: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ﴾، ﴿أَبْوَابَ﴾ كل باب في السماء انفتح، ﴿بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ أي: منصب صبًّا شديدًا، فكان كأفواه القِرب، ليس كالذرات المعروفة، لا، أشد.
القمر 54:11
لما طال الأمد دعا ربه: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر ١٠] الله أكبر! كلمتان: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ ولقد دعا أهلًا للإجابة جل وعلا، أجاب الله فقال: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر ١١] فتحنا، وفي قراءة: ﴿﴿فتَّحنا﴾ ﴾، وكلاهما حق.
وينبغي لمن علم القراءة الأخرى أن يقرأ بهذه تارة وبهذه تارة، بشرط ألا يكون ذلك بحضرة العوام؛ لأن العوام لا ينبغي أن تقرأ عليهم بقراءة خارجة عن المصحف الذي بأيديهم، فتحدث لهم تشويشًا، وربما تهبط منزلة القرآن من نفوسهم، أو ينسبوك إلى الغلط والتحريف، لكن عند طلبة العلم وعند التعليم، أو فيما بينك وبين نفسك، ينبغي أن تقرأ بالقراءات الثابتة، مرة بهذه ومرة بهذه.
كما نقول هذا أيضًا في العبادات المتنوعة، تفعل هذا مرة وهذا مرة؛ كالاستفتاحات ونحوها.
قوله: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ﴾، ﴿أَبْوَابَ﴾ كل باب في السماء انفتح، ﴿بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ أي: منصب صبًّا شديدًا، فكان كأفواه القِرب، ليس كالذرات المعروفة، لا، أشد.
القمر 54:12
قال تعالى: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر ١٢] أي: عيونًا من المياه، وتأمل قول الله: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ ولم يقل: فجرنا عيون الأرض، كأن الأرض كلها كانت عيونًا متفجرة، حتى التنور الذي هو أبعد ما يكون عن الماء لحرارته ويبوسته صار يفور، كما قال عز وجل: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود ٤٠]، وفي هذا من الدلالة على قدرة الله تبارك وتعالى ما لا يخفى، وأن هذه الفيضانات التي تحدث الآن وقبل الآن إنما تحدث بأمر الله عز وجل، وليست كما قال الطبائعيون: إنها من الطبيعة، يقول: هاجت الطبيعة، غضبت الطبيعة، وما أشبه ذلك -نسأل الله العافية- بل هي بأمر من يقول للشيء: كن فيكون.
﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر ١٢] هنا ماءان؛ ماء نازل من السماء دل عليه قوله: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر ١١]، وماء من الأرض نابع دل عليه قوله: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾، فلماذا لم يقل: فالتقى الماءان؛ لأن المراد ماء السماء وماء الأرض؟
قال العلماء: إنه أراد الجنس؛ لأن جنس الماء هنا واحد؛ ماء الأرض وماء السماء، أو يقال: لأنه لما كان المقصود بهذين الماءين شيئًا واحدًا وهو عذابهم صح الإفراد، ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ أي: على شيء قد قضاه الله تعالى وقدره في الأزل، فإنه ما من شيء يحدث إلا وهو مكتوب، قال الله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس ١٢] يعني: من أعمال بني آدم، ومما يقع في الأرض كل شيء محصى، ولهذا قال: ﴿عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾.
القمر 54:13
﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر: ١٣، ١٤].
﴿وَحَمَلْنَاهُ﴾ أي: حملنا نوحًا وأهله إلا من سبق عليه القول منهم. وأمره الله تعالى أن يحمل فيها من كلٍّ زوجين اثنين ومن آمن معه ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود ٤٠]، حمله الله على ذات ألواح ودسر، يعني: على سفينة ذات ألواح ودسر، وكان نوح عليه الصلاة والسلام يصنعها فيمر به قومه فيسخرون منه فيقول: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود ٣٨، ٣٩].
هذه السفينة وصفها الله بأنها ذات ألواح ودسر، و(ألواح) جمع منكَّر يدل على شيئين: الشيء الأول: كثرة ألواحها. والثاني: عظمة هذه الألواح ومتانتها.
وحُق لسفينة تحمل البشر على ظهرها أن تكون ذات ألواح ودسر، ذات ألواح عظيمة.
﴿وَدُسُرٍ﴾ أي: مسامير، وقيل: إن الدسر ما تُربط به الأخشاب، فيكون أعم من المسامير؛ لأن الأخشاب قد تُربط بالمسامير وقد تُربط بالحبال، فالمهم أن توثيق هذه الألواح بعضها ببعض كان قويًّا، وإنما ذكر الله سبحانه وتعالى مادة صنع السفينة وأنها من الأخشاب والمسامير أو الروابط التي تربط بين تلك الأخشاب ليكون ذلك تعليمًا للبشر أن يصنعوا السفن على هذا النحو.
﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ أي: تسير على هذا الماء العظيم الذي بلغ قمم الجبال، والتقى فيه ماء الأرض والسماء. ﴿تَجْرِي﴾ أي: تسير على هذا الماء، ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ أي: ونحن نراها بأعيننا ونكلؤها ونحفظها، والباء في قوله: ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ الباء للمصاحبة، يعني أن عين الله عز وجل تصحب هذه السفينة فيراها جل وعلا ويكلؤها ويحفظها؛ لأنها سفينة بُنيت لتقوى الله عز وجل وإنجاء أوليائه من الغرق الذي شمل أعداءه.
﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾: ﴿جَزَاءً﴾ أي: مكافأة، ﴿لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ أي: لمن كان كفر به، وهو نوح عليه الصلاة والسلام، فبيَّن الله عز وجل أن إنجاء نوح بهذه السفينة كان جزاءً له، والله سبحانه وتعالى يجزي المحسنين أكثر من إحسانهم.
القمر 54:14
﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر: ١٣، ١٤].
﴿وَحَمَلْنَاهُ﴾ أي: حملنا نوحًا وأهله إلا من سبق عليه القول منهم. وأمره الله تعالى أن يحمل فيها من كلٍّ زوجين اثنين ومن آمن معه ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود ٤٠]، حمله الله على ذات ألواح ودسر، يعني: على سفينة ذات ألواح ودسر، وكان نوح عليه الصلاة والسلام يصنعها فيمر به قومه فيسخرون منه فيقول: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود ٣٨، ٣٩].
هذه السفينة وصفها الله بأنها ذات ألواح ودسر، و(ألواح) جمع منكَّر يدل على شيئين: الشيء الأول: كثرة ألواحها. والثاني: عظمة هذه الألواح ومتانتها.
وحُق لسفينة تحمل البشر على ظهرها أن تكون ذات ألواح ودسر، ذات ألواح عظيمة.
﴿وَدُسُرٍ﴾ أي: مسامير، وقيل: إن الدسر ما تُربط به الأخشاب، فيكون أعم من المسامير؛ لأن الأخشاب قد تُربط بالمسامير وقد تُربط بالحبال، فالمهم أن توثيق هذه الألواح بعضها ببعض كان قويًّا، وإنما ذكر الله سبحانه وتعالى مادة صنع السفينة وأنها من الأخشاب والمسامير أو الروابط التي تربط بين تلك الأخشاب ليكون ذلك تعليمًا للبشر أن يصنعوا السفن على هذا النحو.
﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ أي: تسير على هذا الماء العظيم الذي بلغ قمم الجبال، والتقى فيه ماء الأرض والسماء. ﴿تَجْرِي﴾ أي: تسير على هذا الماء، ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ أي: ونحن نراها بأعيننا ونكلؤها ونحفظها، والباء في قوله: ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ الباء للمصاحبة، يعني أن عين الله عز وجل تصحب هذه السفينة فيراها جل وعلا ويكلؤها ويحفظها؛ لأنها سفينة بُنيت لتقوى الله عز وجل وإنجاء أوليائه من الغرق الذي شمل أعداءه.
﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾: ﴿جَزَاءً﴾ أي: مكافأة، ﴿لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ أي: لمن كان كفر به، وهو نوح عليه الصلاة والسلام، فبيَّن الله عز وجل أن إنجاء نوح بهذه السفينة كان جزاءً له، والله سبحانه وتعالى يجزي المحسنين أكثر من إحسانهم.
القمر 54:15
قوله: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ١٥]، قوله: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا﴾ كلمة الضمير (ها) اختلف فيها المفسرون؛ هل المعنى: ولقد تركنا هذه القصة وهي قصة نوح وإغراق قومه أبقيناها آية لمن يأتي بعدهم، هذا وجه.
الوجه الثاني: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا﴾ أي: السفينة، والمراد الجنس أي: جنس هذه السفينة أبقيناها آية لمن بعد نوح، وكلا الأمرين محتمِل، والقاعدة في التفسير: أن الآية إذا احتملت معنيين لا ينافي بعضهما الآخر، وليس أحدهما بأرجح من الآخر، فإنها تُحمَل على المعنيين جميعًا.
فنقول: إن الله ترك القصة آية وعبرة لمن يأتي بعد نوح، ترك السفينة آية وعبرة يصنع مثلها من يأتي بعده، ويدل لهذا القول وأنه غير ممتنع أن الضمائر أحيانًا تعود إلى الجنس، لا إلى الفرد، نظيره قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون ١٢، ١٣]، خلقنا الإنسان من سلالة من طين، ما المراد بالإنسان؟ آدم، ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً﴾ [المؤمنون ١٣] ليس آدم هو الذي جُعل نطفة في قرار مكين، بل الإنسان الذي هو جنس آدم، وهم بنو آدم.
ومثل ذلك عند بعض العلماء قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك ٥] ليست المصابيح التي في السماء هي التي ترجم الشياطين، ولكنها شهب تخرج منها فترجم الشياطين.
المهم أن قوله: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا﴾ لها معنيان ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾، ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ هذا الاستفهام هنا للتشويق، يعني: هل أحد يدكر ويتعظ بما جرى للمكذبين للرسل من إهلاكهم وتدميرهم؟ وقيل: إن الاستفهام للأمر، وإن المعنى: فادكروا، وسواء قلنا: للتشويق أو للأمر، فإن الواجب علينا أن نتذكر، وأن نخشى من عقاب الله تبارك وتعالى، وعقاب الله تعالى لهذه الأمة خاصة لا يمكن أن يشملهم جميعًا، لكن قد يشمل مناطق معينة تؤخَذ بالعذاب بما فعله السفهاء منهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال ٢٥].
القمر 54:16
﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر: ١٦]، (كيف) هنا للتفخيم والتعجيب، يعني: ما أعظم العداء والنذر، وقيل: إن الاستفهام للتقرير؛ لأن الله يقررنا بالعذاب وبالنذر، لكن المعنى الأول أعظم: أنه للتفخيم والتعظيم، أي: ما أعظم عذابي النازل بأعدائي، وما أعظم نُذري التي تُنذر وتخوف من العقاب أن ينزل بمن خالف، فالعذاب الذي حصل لقوم نوح عذاب حصل بالنسبة لنا يعتبر من النُّذر المخوفة لنا من مخالفة أمر الله ورسوله.
القمر 54:17
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]، ﴿يَسَّرْنَا﴾ يعني: سهلنا، والقرآن هو كتاب الله الذي نزل على محمد ﷺ، وسُمي قرآنًا لأنه يُقرأ، أي: يُتلى.
وقوله: ﴿لِلذِّكْرِ﴾ قال بعضهم: للحفظ، وأن القرآن ميسر لمن أراد أن يحفظه، وقيل: المراد بالذكر: الادكار والاتعاظ، يعني أن من قرأ القرآن ليتذكر به ويتعظ به سهل عليه ذلك، واتعظ وانتفع، وهذا المعنى أقرب للصواب، بدليل قوله: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أي: هل أحد يدكر، مع أن الله سهل القرآن للذكر؟ أفلا يليق بنا وقد يسر الله القرآن للذكر، أفلا يليق بنا أن نتعظ ونتذكر؟ بلى.
هذا هو اللائق ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾.
القمر 54:18
﴿كَذَّبَتْ عَادٌ﴾ [القمر: ١٨] هذه هي الأمة الثانية ممن قصهم الله علينا في هذه السورة الكريمة، وعاد تتلو قوم نوح غالبًا، وقد تتقدم عليها كما في الذاريات، ولكن الغالب أن قصة نوح هي الأولى في قصص الأنبياء؛ لأنه أول نبي أُرسل إلى أهل الأرض.
﴿كَذَّبَتْ عَادٌ﴾ وهم قوم هود، كما قال تعالى: ﴿أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ [هود ٦٠] كذبوا نبيهم هودًا عليه الصلاة والسلام، وكانوا أشداء أقوياء، وكانوا يفتخرون بشدتهم وقوتهم، ويقولون: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥]، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [فصلت ١٥، ١٦].
يقول هنا: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾.
والجواب كان شديدًا عظيمًا واقعًا موقعه، فالاستفهام إذن للتفخيم والتعظيم والتقرير، وهو أن عذاب الله كان عظيمًا وكان واقعًا موقعه.
نُذُره -يعني آياته- كذلك كانت عظيمة واقعة موقعها، فبماذا أهلكهم الله؟ أهلكهم الله بألطف شيء، وهو الريح التي تملأ الآفاق، ومع ذلك لا يحس الإنسان بها؛ لأنها سهلة لينة يخترقها الإنسان بسهولة، مكاننا الآن الذي نحن فيه مملوء من الهواء، أليس كذلك؟ ومع ذلك نخترقه لا نحس به، فهي من ألطف الأشياء.
أهلك الله عادًا الذين يفتخرون بقوتهم بهذه الريح، كما قال الله عز وجل هنا: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر ١٩] الجملة هنا مؤكدة بـ(إن)، و﴿أَرْسَلْنَا﴾ يعني الرب عز وجل نفسه، يعني أن الرب عز وجل يعني نفسه بقوله: ﴿أَرْسَلْنَا﴾، وجمع الضمير للتعظيم.
﴿عَلَيْهِمْ﴾ أي: على عاد، ﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾ أي: ذات صرير؛ لقوتها وشدتها، حتى إن مجرد نفوذها يُسمَع له الصرير، وإن لم تصطدم بما يقتضي الصرير؛ لأنها قوية عظيمة جدًّا، وهي الريح الغربية، أتت من قبل الغرب، أي: من جهة الغرب لعاد، فقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف ٢٤] وكانوا قد أجدبوا قبل ذلك سنواتٍ، فلما أقبلت بسوادها وعظمتها وزمجرتها قالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾، ولكن الأمر كان بالعكس، كانت ريحًا فيها عذاب أليم، كانت ريحًا عقيمًا ليس فيها مطر ولا يُرجَى أن يأتي منها مطر.
فهنا يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ أي ريح هي؟ الغربية التي تأتي من ناحية المغرب.
﴿صَرْصَرًا﴾ أي: شديدة الصوت والصرير لقوتها وسرعتها.
﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾، ﴿نَحْسٍ﴾ أي: في يوم شؤم ﴿مُسْتَمِرٍّ﴾ بالنسبة لعاد، ما هو في كل وقت، فاليوم الذي أُهلكوا فيه ليس هو نفسه نحسًا مستمرًّا، ولكنه بالنسبة لهؤلاء كان يوم نحس مستمر، كما قال الله تعالى عن قوم نوح: ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ [نوح ٢٥]، هؤلاء أُهلكوا بالريح فأُدخلوا النار، فالنحس -أي: الشؤم- كان مستمرًّا معهم، عذاب الآخرة متصل بعذاب الدنيا.
القمر 54:19
﴿كَذَّبَتْ عَادٌ﴾ [القمر: ١٨] هذه هي الأمة الثانية ممن قصهم الله علينا في هذه السورة الكريمة، وعاد تتلو قوم نوح غالبًا، وقد تتقدم عليها كما في الذاريات، ولكن الغالب أن قصة نوح هي الأولى في قصص الأنبياء؛ لأنه أول نبي أُرسل إلى أهل الأرض.
﴿كَذَّبَتْ عَادٌ﴾ وهم قوم هود، كما قال تعالى: ﴿أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ [هود ٦٠] كذبوا نبيهم هودًا عليه الصلاة والسلام، وكانوا أشداء أقوياء، وكانوا يفتخرون بشدتهم وقوتهم، ويقولون: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥]، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [فصلت ١٥، ١٦].
يقول هنا: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾.
والجواب كان شديدًا عظيمًا واقعًا موقعه، فالاستفهام إذن للتفخيم والتعظيم والتقرير، وهو أن عذاب الله كان عظيمًا وكان واقعًا موقعه.
نُذُره -يعني آياته- كذلك كانت عظيمة واقعة موقعها، فبماذا أهلكهم الله؟ أهلكهم الله بألطف شيء، وهو الريح التي تملأ الآفاق، ومع ذلك لا يحس الإنسان بها؛ لأنها سهلة لينة يخترقها الإنسان بسهولة، مكاننا الآن الذي نحن فيه مملوء من الهواء، أليس كذلك؟ ومع ذلك نخترقه لا نحس به، فهي من ألطف الأشياء.
أهلك الله عادًا الذين يفتخرون بقوتهم بهذه الريح، كما قال الله عز وجل هنا: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر ١٩] الجملة هنا مؤكدة بـ(إن)، و﴿أَرْسَلْنَا﴾ يعني الرب عز وجل نفسه، يعني أن الرب عز وجل يعني نفسه بقوله: ﴿أَرْسَلْنَا﴾، وجمع الضمير للتعظيم.
﴿عَلَيْهِمْ﴾ أي: على عاد، ﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾ أي: ذات صرير؛ لقوتها وشدتها، حتى إن مجرد نفوذها يُسمَع له الصرير، وإن لم تصطدم بما يقتضي الصرير؛ لأنها قوية عظيمة جدًّا، وهي الريح الغربية، أتت من قبل الغرب، أي: من جهة الغرب لعاد، فقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف ٢٤] وكانوا قد أجدبوا قبل ذلك سنواتٍ، فلما أقبلت بسوادها وعظمتها وزمجرتها قالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾، ولكن الأمر كان بالعكس، كانت ريحًا فيها عذاب أليم، كانت ريحًا عقيمًا ليس فيها مطر ولا يُرجَى أن يأتي منها مطر.
فهنا يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ أي ريح هي؟ الغربية التي تأتي من ناحية المغرب.
﴿صَرْصَرًا﴾ أي: شديدة الصوت والصرير لقوتها وسرعتها.
﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾، ﴿نَحْسٍ﴾ أي: في يوم شؤم ﴿مُسْتَمِرٍّ﴾ بالنسبة لعاد، ما هو في كل وقت، فاليوم الذي أُهلكوا فيه ليس هو نفسه نحسًا مستمرًّا، ولكنه بالنسبة لهؤلاء كان يوم نحس مستمر، كما قال الله تعالى عن قوم نوح: ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ [نوح ٢٥]، هؤلاء أُهلكوا بالريح فأُدخلوا النار، فالنحس -أي: الشؤم- كان مستمرًّا معهم، عذاب الآخرة متصل بعذاب الدنيا.
القمر 54:20
﴿تَنْزِعُ النَّاسَ﴾ [القمر: ٢٠] أي: تأخذهم بشدة وقوة وترفعهم إلى السماء -نسأل الله العافية- حتى قال بعضهم: ترفعهم حتى يغيب الإنسان عن الرؤية من علوه ثم تطرحه في الأرض، إذا سقطوا على الأرض سقطوا على أم رؤوسهم، ثم انفصل الرأس من الجسد من شدة الصدمة.
﴿تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ﴾ في حال سقوطهم إلى الأرض ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ أعجاز أي: أصول، والنخل معروف، والمنقعر: الساقط من أصله، يعني كأنهم نخل سقط من أصله وبقِيت جثثه، لماذا صاروا كأعواد النخل؟ لأنهم ليس لهم رؤوس على ما قال المفسرون، حيث إن رؤوسهم انفصلت من شدة الصدمة، فسبحان القوي العزيز، هؤلاء القوم الأشداء الأقوياء وصلوا إلى هذه الحال بريح من عند الله عز وجل.
﴿تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر٢٠، ٢١] وهنا أسأل: هنا قال: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾، وفي الحاقة: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة ٧] والمعنى متقارب، لكن من بلاغة القرآن أن يجري الكلام فيه على نسق واحد، فهناك: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ مناسب للفواصل التي في الحاقة، أليس كذلك؟ أما هنا: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ فمناسب للفواصل التي في سورة القمر؛ لأن تناسب الكلام واتساقه من كمال بلاغته.
القمر 54:21
﴿تَنْزِعُ النَّاسَ﴾ [القمر: ٢٠] أي: تأخذهم بشدة وقوة وترفعهم إلى السماء -نسأل الله العافية- حتى قال بعضهم: ترفعهم حتى يغيب الإنسان عن الرؤية من علوه ثم تطرحه في الأرض، إذا سقطوا على الأرض سقطوا على أم رؤوسهم، ثم انفصل الرأس من الجسد من شدة الصدمة.
﴿تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ﴾ في حال سقوطهم إلى الأرض ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ أعجاز أي: أصول، والنخل معروف، والمنقعر: الساقط من أصله، يعني كأنهم نخل سقط من أصله وبقِيت جثثه، لماذا صاروا كأعواد النخل؟ لأنهم ليس لهم رؤوس على ما قال المفسرون، حيث إن رؤوسهم انفصلت من شدة الصدمة، فسبحان القوي العزيز، هؤلاء القوم الأشداء الأقوياء وصلوا إلى هذه الحال بريح من عند الله عز وجل.
﴿تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر٢٠، ٢١] وهنا أسأل: هنا قال: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾، وفي الحاقة: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة ٧] والمعنى متقارب، لكن من بلاغة القرآن أن يجري الكلام فيه على نسق واحد، فهناك: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ مناسب للفواصل التي في الحاقة، أليس كذلك؟ أما هنا: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ فمناسب للفواصل التي في سورة القمر؛ لأن تناسب الكلام واتساقه من كمال بلاغته.
القمر 54:22
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٢٢] كرر الله تعالى هذا عند آخر كل قصة من أجل أن نحرص على التذكر للقرآن، وتدبر القرآن، وتفهُّم القرآن؛ لأنه ميسَّر، والجملة كما ترون مؤكدة بمؤكدات ثلاثة: القَسَم، واللام، و(قد)، مما يدل على الرغبة، بل على الترغيب في تذكر القرآن والتذكر به ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من المدكرين بكتاب الله عز وجل، إنه على كل شيء قدير.
القمر 54:23
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ [القمر: ٢٣] أي: بما جاءهم من النذر، وهي الآيات التي جاء بها صالح عليه الصلاة والسلام، وديارهم معروفة الآن في بلاد الحِجر في طريق تبوك من المدينة، كان صالح عليه الصلاة والسلام مرسلًا إلى قومه يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له كسائر الأنبياء، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل ٣٦]، أرسله الله عز وجل إلى قومه، وأعطاه آية وهي ناقة لها شِربٌ ولهم شرب، أي أن بئر الناقة الكبير الغزير الماء يومٌ تأتي به الناقة وتشرب، وقد ذكروا أنها إذا شربت إناءً من الماء فإن الذي يسقيها إناء من الماء يحلِب من لبنها بقدر ما سقاها، وهذا من آيات الله عز وجل؛ أن ناقة تشرب ماءً ثم تُخرِجه في الحال لبنًا، فإن هذا ليس له عادة، ولكنها آية من آيات الله عز وجل، أراهم الله تبارك وتعالى إياها حتى يعتبروا؛ لأن الله لم يرسل رسولًا إلا آتاه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر رحمة منه وحكمة؛ لأنه لا يعقل أن رجلًا من بين الناس يأتي ويقول: إني رسول الله إليكم إلا إذا آتاه الله آياتٍ تدل على صدقه.
قال العلماء: وما من آية أُوتِيَها نبي من الأنبياء السابقين إلا كان لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مثلها أو أشد، ولكن قد تكون غير متوفرة في حياة الرسول عليه الصلاة والسلام، لكنها موجودة في أمته الذين اتبعوه، ولهذا كان من القواعد المقررة عند العلماء: أن كل كرامة لولي فهي آيةٌ للنبي الذي اتبعه؛ لأن هذه الكرامة تشهد بصدق ما كان عليه الولي، وهذا الولي تابع لرسولٍ سابق، فيكون في ذلك آية على أن هذا الشرع الذي عليه هذا الولي حق، وهذه تكون آية للنبي، فالقاعدة الآن: أن كل كرامة لولي فهي آية للنبي الذي اتبعه.
وعليه فنقول: من آيات موسى أنه ضرب الحجر، وإذا ضربه انفجر عيونا تنبع ماءً من حجر يابس، فهل كان للرسول الله ﷺ مثله؟
الجواب: كان له أعظم؛ فإن النبي ﷺ جيء إليه بقدحٍ من ماء وليس مع الناس ماءٌ إلا ما في هذا الركوة، فوضع يده فيه فجعل الماء ينبع من بين أصابع يده كالعيون[[أخرجه البخاري (٣٥٧٦) من حديث جابر.]] -سبحان الله! - هذه أعظم من آية موسى، يعني: آية موسى يخرج الماء من الحجر، وخروج الماء من الحجر معتاد، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة ٧٤]، لكن هل جرت العادة أن يخرج الماء من الإناء الذي بينه وبين الأرض فاصل؟ لا. إذن هذه أعظم.
موسى عليه الصلاة والسلام ضرب البحر فانفلق فكان أسواقًا يابسة، وهذه لا شك آيةٌ عظيمة، جرى لهذه الأمة أعظم من هذه، مشوا على الماء دون أن يُضْرَب لهم طريقٌ يابس، مشوا على الماء المائع الهين -الذي يغوص فيه من يقع فيه- بدوابهم وأرجلهم، ولم يغرقوا، في قصة العلاء بن الحضرمي[[انظر: صفة الصفوة (١/٢٧٠).]]، وفي قصة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه[[أخرجه ابن أبي شيبة (٣٣٧٤٧).]]، مشوا على الماء، وهذا أعظم من أن يمشوا على الأرض التي يتفرق عنها الماء.
فالمهم أنه ما من نبي بعثه الله إلا أعطاه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، قلنا: هذا رحمة وحكمة، رحمة بالناس من أجل أن تحملهم هذه الآيات على التصديق فينجوا من عذاب الله، حكمة لأنه ليس من الحكمة أن يقوم إنسان من بين الناس ويقول: أنا رسول الله حتى يؤتَى آيات.
من آية صالح هذه الناقة، لها شرب ولثمود شرب، لها يوم ولهؤلاء يوم، هذه من آيات الله، وقع مثلها للرسول عليه الصلاة والسلام في الهجرة، فإنه مر براعي غنم وعنده ماعز أو ضأن ليس فيها لبن، فمسح النبي ﷺ ضروعها فجعلت تبش من اللبن[[أخرجه الحاكم (٤٣٢٠) من حديث هشام بن حبيش.]]، هذاك آية معينة في عين معينة، ناقة معينة هذا فيه أي شيء.
يقول عز وجل: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ [القمر ٢٣] النذر: جمع نذير، والمراد به الآيات التي أُوتيها صالح عليه الصلاة والسلام، فقالوا من جملة ما قالوا في تكذيبهم: ﴿أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ [القمر ٢٤] نسأل الله العافية! أنكروا الآيات، ما كأنها أتتهم، يعني: أنتبع بشرًا منَّا واحًدا؟! لا نقبل، ما نقبل، وهذا النفي بمعنى الإنكار، يعني: لا يمكن أن نتبع واحدًا منا ﴿إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر ٢٤] يعني: إنا إن اتبعناه لفي ضلال وسعر، أي: لفي جهل وفي عذاب، كأنه وعدهم بأنهم إن اتبعوه اهتدوا ونجوا من النار، فقالوا بالعكس: لو اتبعناك لضللنا واعترفنا بالسُّعُر؛ بالنار، عكس ما قال، وهذا من أشد المراغمة للرسل عليهم الصلاة والسلام والمحادة لله تبارك وتعالى.
القمر 54:24
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ [القمر: ٢٣] أي: بما جاءهم من النذر، وهي الآيات التي جاء بها صالح عليه الصلاة والسلام، وديارهم معروفة الآن في بلاد الحِجر في طريق تبوك من المدينة، كان صالح عليه الصلاة والسلام مرسلًا إلى قومه يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له كسائر الأنبياء، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل ٣٦]، أرسله الله عز وجل إلى قومه، وأعطاه آية وهي ناقة لها شِربٌ ولهم شرب، أي أن بئر الناقة الكبير الغزير الماء يومٌ تأتي به الناقة وتشرب، وقد ذكروا أنها إذا شربت إناءً من الماء فإن الذي يسقيها إناء من الماء يحلِب من لبنها بقدر ما سقاها، وهذا من آيات الله عز وجل؛ أن ناقة تشرب ماءً ثم تُخرِجه في الحال لبنًا، فإن هذا ليس له عادة، ولكنها آية من آيات الله عز وجل، أراهم الله تبارك وتعالى إياها حتى يعتبروا؛ لأن الله لم يرسل رسولًا إلا آتاه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر رحمة منه وحكمة؛ لأنه لا يعقل أن رجلًا من بين الناس يأتي ويقول: إني رسول الله إليكم إلا إذا آتاه الله آياتٍ تدل على صدقه.
قال العلماء: وما من آية أُوتِيَها نبي من الأنبياء السابقين إلا كان لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مثلها أو أشد، ولكن قد تكون غير متوفرة في حياة الرسول عليه الصلاة والسلام، لكنها موجودة في أمته الذين اتبعوه، ولهذا كان من القواعد المقررة عند العلماء: أن كل كرامة لولي فهي آيةٌ للنبي الذي اتبعه؛ لأن هذه الكرامة تشهد بصدق ما كان عليه الولي، وهذا الولي تابع لرسولٍ سابق، فيكون في ذلك آية على أن هذا الشرع الذي عليه هذا الولي حق، وهذه تكون آية للنبي، فالقاعدة الآن: أن كل كرامة لولي فهي آية للنبي الذي اتبعه.
وعليه فنقول: من آيات موسى أنه ضرب الحجر، وإذا ضربه انفجر عيونا تنبع ماءً من حجر يابس، فهل كان للرسول الله ﷺ مثله؟
الجواب: كان له أعظم؛ فإن النبي ﷺ جيء إليه بقدحٍ من ماء وليس مع الناس ماءٌ إلا ما في هذا الركوة، فوضع يده فيه فجعل الماء ينبع من بين أصابع يده كالعيون[[أخرجه البخاري (٣٥٧٦) من حديث جابر.]] -سبحان الله! - هذه أعظم من آية موسى، يعني: آية موسى يخرج الماء من الحجر، وخروج الماء من الحجر معتاد، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة ٧٤]، لكن هل جرت العادة أن يخرج الماء من الإناء الذي بينه وبين الأرض فاصل؟ لا. إذن هذه أعظم.
موسى عليه الصلاة والسلام ضرب البحر فانفلق فكان أسواقًا يابسة، وهذه لا شك آيةٌ عظيمة، جرى لهذه الأمة أعظم من هذه، مشوا على الماء دون أن يُضْرَب لهم طريقٌ يابس، مشوا على الماء المائع الهين -الذي يغوص فيه من يقع فيه- بدوابهم وأرجلهم، ولم يغرقوا، في قصة العلاء بن الحضرمي[[انظر: صفة الصفوة (١/٢٧٠).]]، وفي قصة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه[[أخرجه ابن أبي شيبة (٣٣٧٤٧).]]، مشوا على الماء، وهذا أعظم من أن يمشوا على الأرض التي يتفرق عنها الماء.
فالمهم أنه ما من نبي بعثه الله إلا أعطاه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، قلنا: هذا رحمة وحكمة، رحمة بالناس من أجل أن تحملهم هذه الآيات على التصديق فينجوا من عذاب الله، حكمة لأنه ليس من الحكمة أن يقوم إنسان من بين الناس ويقول: أنا رسول الله حتى يؤتَى آيات.
من آية صالح هذه الناقة، لها شرب ولثمود شرب، لها يوم ولهؤلاء يوم، هذه من آيات الله، وقع مثلها للرسول عليه الصلاة والسلام في الهجرة، فإنه مر براعي غنم وعنده ماعز أو ضأن ليس فيها لبن، فمسح النبي ﷺ ضروعها فجعلت تبش من اللبن[[أخرجه الحاكم (٤٣٢٠) من حديث هشام بن حبيش.]]، هذاك آية معينة في عين معينة، ناقة معينة هذا فيه أي شيء.
يقول عز وجل: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ [القمر ٢٣] النذر: جمع نذير، والمراد به الآيات التي أُوتيها صالح عليه الصلاة والسلام، فقالوا من جملة ما قالوا في تكذيبهم: ﴿أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ [القمر ٢٤] نسأل الله العافية! أنكروا الآيات، ما كأنها أتتهم، يعني: أنتبع بشرًا منَّا واحًدا؟! لا نقبل، ما نقبل، وهذا النفي بمعنى الإنكار، يعني: لا يمكن أن نتبع واحدًا منا ﴿إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر ٢٤] يعني: إنا إن اتبعناه لفي ضلال وسعر، أي: لفي جهل وفي عذاب، كأنه وعدهم بأنهم إن اتبعوه اهتدوا ونجوا من النار، فقالوا بالعكس: لو اتبعناك لضللنا واعترفنا بالسُّعُر؛ بالنار، عكس ما قال، وهذا من أشد المراغمة للرسل عليهم الصلاة والسلام والمحادة لله تبارك وتعالى.
القمر 54:25
﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [القمر: ٢٥] هذا أيضًا استفهام احتقار، يعني: كيف يُ لقَى الذكر عليه من بيننا؟! ما الذي ميزه؟ وكل هذا شبهات لا دلالات، فكونه بشرًا لا يمنع أن يكون رسولًا، بل لا بد أن يكون رسول البشر بشرًا؛ لأن الله قال: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام ٨، ٩]، يعني: لو أرسلنا ملكًا للزم أن نجعله بصورة البشر؛ حتى يمكن أن يختلط بالناس ويأتلف بهم، وإذا جعلنا الملك بشرًا لبسنا عليهم ما يلبسون، فعادت المسألة مختلطة.
إذن ننظر الآن: الشبهة الأولى: أنهم قالوا: إنه بشر، الثانية: إنه منا، لا يتميز علينا بشيء، الثالثة: أنه واحد لم يؤيَّد، والله عز وجل يقول: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس ١٣، ١٤] قويناهم، هؤلاء يقولون: واحد ما يكفي، لا بد يُعزَّز بثانٍ وثالث.
الرابع: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [القمر ٢٥] يعني: كيف يُلقَى عليه الذكر والوحي من بيننا؟! هذا لا يمكن.
إذن: أربع شبهات وهم يرونها حججًا توجب رد صالح عليه الصلاة والسلام، والواقع أنها ليست بحجة، بل هي شبه وتضليل، وهكذا المبطلون يا إخوان، المبطلون في كل زمانٍ ومكان يوردون الشبه على الحق، ولكن الله سبحانه وتعالى لا بد أن يبين الحق ليهلك من هلك عن بينه، ويحيا من حي عن بينة.
ثم قالوا: ﴿بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ [القمر ٢٥] ﴿بَلْ﴾ هنا لإبطال دعواهم أنه حق، ﴿كَذَّابٌ﴾ صيغة مبالغة، وفي نفس الوقت وصف؛ لأن كلمة فعال تأتي للمبالغة، وتأتي للوصف، فإذا قلت: فلان نجار، يعني: من النجارين، وإلا ما ينجر إلا مرة واحدة، وإذا قلت: فلان حداد لكثرة استعمال الحديد صارت مبالغة، هم يرونه -والعياذ بالله- أنه كذاب موصوفٌ بالكذب، ليس له صفة إلا الكذب، وكثير الكذب أيضا ﴿أَشِرٌ﴾ أي: بطر، متعالٍ، متعاظم، مستكبِر، مدَّعٍ ما ليس له.
القمر 54:26
قال الله تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾ [القمر ٢٦] سيعلمون غدًا، متى؟ يوم القيامة، والسين هنا للتحقيق والتقريب؛ لأنك إذا قلت: سيقوم زيد فهذا تأكيد وتقريب أيضًا.
فإذا قال قائل: التحقيق معروف أنه حق أن الساعة آتية لا ريب فيها، لكن كيف التقريب؟
قلنا: إن الله يقول: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب ٦٣]، ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى ١٧] ومن الأمثال العابرة: كل آتٍ قريب.
الذي بقي عليه ألف سنة أقرب من الذي لم يمض عليه إلا عشر دقائق، أليس كذلك؟ لأن الذي مضى عليه عشر دقائق لا يمكن أن يرجع، لكن المستقبل لا بد أن يأتي: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ [الأنعام ١٣٤].
إذن ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ السين هنا لأيش؟
* الطلبة: للتحقيق.
* الشيخ: وأيش؟
* الطلبة: التقريب.
* الشيخ: والتقريب: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾، ﴿غَدًا﴾ يوم القيامة، سُمي غدًا لأنه يأتي بعد يومك، سيعلمون ﴿مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾ فمن هو الآن، أسألكم؟ أصالح أم ثمود؟
* طالب: صالح.
* الشيخ: صالح؟
* طالب: الثاني.
* الشيخ: الثاني، ثمود، سيعلمون يوم القيامة من هو الكاذب الأشر؛ أصالح هو الكذاب الأشر، أم هؤلاء؟ وهذا وعيدٌ عظيم، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء ٢٢٧]، الإنسان بشر في غفلة عن هذا اليوم العظيم، قال الله تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [المؤمنون ٦٣] يعني: من عمل الآخرة، بل قلوبهم في غمرة مغطاة عن عمل الآخرة: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ [المؤمنون ٦٣]، يعني: أعمال الدنيا هم لها عاملون، أتى بالجملة اسمية، يعني أنهم محققون للعمل فيها، لا يتركونها ولا يفرطون فيها، وأما الآخرة فهم في غفلةٍ منها.
﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ﴾ [القمر ٢٧] ﴿إِنَّا﴾ يعني نفسه جل وعلا، وأتى بها بصيغة الجمع تعظيمًا له جل وعلا؛ لعظمة صفاته وكثرة كمالاته وكثرة جنوده، فلذلك يكني عن نفسه بصيغة التعظيم: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ﴾ يعني: باعثوها، ﴿فِتْنَةً لَهُمْ﴾ اختبارًا، هل يؤمنون أو لا يؤمنون؟ وماذا كان الأمر؟ آمنوا أو لا؟ ما آمنوا.
وفي هذا إشارة إلى أن الله تعالى قد يظهر للإنسان من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، حتى إذا استكبر كان استكباره عن علم، فكان عقابه أشد وأوجع، ولهذا جعل الله الناقة فتنة؛ لأنها أظهرت الحق لهم، ولكن لم يقبلوا، وانتبه لهذا الاستدراج من الله عز وجل، انتبه، إذا يسر الله لك أسباب المعصية لا تفعل، فإن الله ربما ييسر أسباب المعصية للإنسان فتنةً له، أرأيتم أصحاب السبت من بني إسرائيل، يُسرت لهم أسباب المعصية فتنة، وهي أنَّ الله حرم عليهم صيد السمك يوم السبت، فكانت الحوت تأتي يوم السبت شُرَّعًا على وجه الماء، وبكثرة عظيمة، لكنهم ملتزمون لم يصيدوا السمك في يوم السبت، فلما طال عليهم الأمد عجزوا عن ملك أنفسهم، فرجعوا إلى طبيعتهم، وهي الغدر والحيلة والمكر، فاحتالوا على صيد السمك، صاروا يجعلون شباكًا يوم الجمعة، فتأتي الحيتان تدخل في الشباك، فإذا كان يوم الأحد أخذوا الحيتان، وهذه حيلة واضحة، فقلبهم الله قردة، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة ٦٥].
في صدر هذه الأمة حرم الله على المحرمين الصيد: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة ٩٥] فبعث الله الصيد عليهم وهم محرمون، تناله أيديهم ورماحهم، يعني أن الزاحف يمسكونه باليد مثل أرنب مثلًا، الغزال يمسكه الواحد بيده، ﴿وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة ٩٤] يعني الطائر، كان الطير لا يناله إلا بالسهم؛ لأنه بعيد، لكن صار الطير يطير وكأنه على الأرض، الرمح يدركه، فتنة، هنا يسر الله لهم أسباب المعصية أو لا؟
* الطلبة: يسرها.
* الشيخ: يسرها، لكن الصحابة رضي الله عنهم خير الناس لم يأخذ أحدٌ منهم صيدةً واحدة رضي الله عنهم، بينما بنو إسرائيل تحيلوا وخدعوا الله، أما سلف هذه الأمة -وفقنا الله وإياكم لمرافقتهم في الدنيا في أعمالهم وفي الآخرة في مساكنهم- فإنهم لم يأخذوا.
فهنا الناقة أرسلها الله تعالى فتنةً لثمودَ، لكن ما أغنتهم.
﴿فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ [القمر ٢٧، ٢٨] ﴿فَارْتَقِبْهُمْ﴾ يعني: ارتقب عذابهم، أو ارتقب أفعالهم وانظر ماذا يفعلون ﴿وَاصْطَبِرْ﴾ يعني: اصبر، لكن فيها التاء زائدة، وأصل (اصطبر): اصتبر بالتاء للمبالغة، لكن قُلبت التاء طاءً لعلةٍ تصريفيةٍ اقتضتها اللغةُ العربية، يعني أن الله قال لرسولهم صالح: ارتقب هؤلاء واصطبِر؛ اصبر فالنصر قريب.
القمر 54:27
قال الله تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾ [القمر ٢٦] سيعلمون غدًا، متى؟ يوم القيامة، والسين هنا للتحقيق والتقريب؛ لأنك إذا قلت: سيقوم زيد فهذا تأكيد وتقريب أيضًا.
فإذا قال قائل: التحقيق معروف أنه حق أن الساعة آتية لا ريب فيها، لكن كيف التقريب؟
قلنا: إن الله يقول: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب ٦٣]، ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى ١٧] ومن الأمثال العابرة: كل آتٍ قريب.
الذي بقي عليه ألف سنة أقرب من الذي لم يمض عليه إلا عشر دقائق، أليس كذلك؟ لأن الذي مضى عليه عشر دقائق لا يمكن أن يرجع، لكن المستقبل لا بد أن يأتي: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ [الأنعام ١٣٤].
إذن ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ السين هنا لأيش؟
* الطلبة: للتحقيق.
* الشيخ: وأيش؟
* الطلبة: التقريب.
* الشيخ: والتقريب: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾، ﴿غَدًا﴾ يوم القيامة، سُمي غدًا لأنه يأتي بعد يومك، سيعلمون ﴿مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾ فمن هو الآن، أسألكم؟ أصالح أم ثمود؟
* طالب: صالح.
* الشيخ: صالح؟
* طالب: الثاني.
* الشيخ: الثاني، ثمود، سيعلمون يوم القيامة من هو الكاذب الأشر؛ أصالح هو الكذاب الأشر، أم هؤلاء؟ وهذا وعيدٌ عظيم، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء ٢٢٧]، الإنسان بشر في غفلة عن هذا اليوم العظيم، قال الله تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [المؤمنون ٦٣] يعني: من عمل الآخرة، بل قلوبهم في غمرة مغطاة عن عمل الآخرة: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ [المؤمنون ٦٣]، يعني: أعمال الدنيا هم لها عاملون، أتى بالجملة اسمية، يعني أنهم محققون للعمل فيها، لا يتركونها ولا يفرطون فيها، وأما الآخرة فهم في غفلةٍ منها.
﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ﴾ [القمر ٢٧] ﴿إِنَّا﴾ يعني نفسه جل وعلا، وأتى بها بصيغة الجمع تعظيمًا له جل وعلا؛ لعظمة صفاته وكثرة كمالاته وكثرة جنوده، فلذلك يكني عن نفسه بصيغة التعظيم: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ﴾ يعني: باعثوها، ﴿فِتْنَةً لَهُمْ﴾ اختبارًا، هل يؤمنون أو لا يؤمنون؟ وماذا كان الأمر؟ آمنوا أو لا؟ ما آمنوا.
وفي هذا إشارة إلى أن الله تعالى قد يظهر للإنسان من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، حتى إذا استكبر كان استكباره عن علم، فكان عقابه أشد وأوجع، ولهذا جعل الله الناقة فتنة؛ لأنها أظهرت الحق لهم، ولكن لم يقبلوا، وانتبه لهذا الاستدراج من الله عز وجل، انتبه، إذا يسر الله لك أسباب المعصية لا تفعل، فإن الله ربما ييسر أسباب المعصية للإنسان فتنةً له، أرأيتم أصحاب السبت من بني إسرائيل، يُسرت لهم أسباب المعصية فتنة، وهي أنَّ الله حرم عليهم صيد السمك يوم السبت، فكانت الحوت تأتي يوم السبت شُرَّعًا على وجه الماء، وبكثرة عظيمة، لكنهم ملتزمون لم يصيدوا السمك في يوم السبت، فلما طال عليهم الأمد عجزوا عن ملك أنفسهم، فرجعوا إلى طبيعتهم، وهي الغدر والحيلة والمكر، فاحتالوا على صيد السمك، صاروا يجعلون شباكًا يوم الجمعة، فتأتي الحيتان تدخل في الشباك، فإذا كان يوم الأحد أخذوا الحيتان، وهذه حيلة واضحة، فقلبهم الله قردة، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة ٦٥].
في صدر هذه الأمة حرم الله على المحرمين الصيد: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة ٩٥] فبعث الله الصيد عليهم وهم محرمون، تناله أيديهم ورماحهم، يعني أن الزاحف يمسكونه باليد مثل أرنب مثلًا، الغزال يمسكه الواحد بيده، ﴿وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة ٩٤] يعني الطائر، كان الطير لا يناله إلا بالسهم؛ لأنه بعيد، لكن صار الطير يطير وكأنه على الأرض، الرمح يدركه، فتنة، هنا يسر الله لهم أسباب المعصية أو لا؟
* الطلبة: يسرها.
* الشيخ: يسرها، لكن الصحابة رضي الله عنهم خير الناس لم يأخذ أحدٌ منهم صيدةً واحدة رضي الله عنهم، بينما بنو إسرائيل تحيلوا وخدعوا الله، أما سلف هذه الأمة -وفقنا الله وإياكم لمرافقتهم في الدنيا في أعمالهم وفي الآخرة في مساكنهم- فإنهم لم يأخذوا.
فهنا الناقة أرسلها الله تعالى فتنةً لثمودَ، لكن ما أغنتهم.
﴿فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ [القمر ٢٧، ٢٨] ﴿فَارْتَقِبْهُمْ﴾ يعني: ارتقب عذابهم، أو ارتقب أفعالهم وانظر ماذا يفعلون ﴿وَاصْطَبِرْ﴾ يعني: اصبر، لكن فيها التاء زائدة، وأصل (اصطبر): اصتبر بالتاء للمبالغة، لكن قُلبت التاء طاءً لعلةٍ تصريفيةٍ اقتضتها اللغةُ العربية، يعني أن الله قال لرسولهم صالح: ارتقب هؤلاء واصطبِر؛ اصبر فالنصر قريب.
القمر 54:28
قال تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ أخبرهم أن الماء قسمة بينهم، كل له شرب وللناقة شرب، ولهذا قال: ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ يعني كل شربٍ يحضره من يستحقه إما الناقة وإما هم، وبقوا على هذا، لكن لم يستمروا، ما استمروا على ذلك.
القمر 54:29
نادوا صاحبهم الذي يرونه قويًّا شجاعًا وقالوا له: هذه الناقة ضايقتنا، لو أننا عقرناها لكنا نشرب كل يوم، فطلبوا منه أن يعقرها -نسأل الله العافية- هل هذا الصاحب القوي الشجاع الذين يرونه أشد منهم إقدامًا، بقطع النظر عن اسمه، يعني بعض المفسرين سماه لكن ما يهم، هل تأبّى؟ ما تأَبّى ولا تأخر، بل بادر.
﴿فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ [القمر ٢٩] تعاطى: تفاعل، من العطاء يعني: بذل نفسه وبسرعة، تدل على السرعة الفاء في قوله: ﴿فَتَعَاطَى﴾ من حين نادوه على طول وافق ﴿فَعَقَرَ﴾ عقر الناقة -نسأل الله العافية- قطّع أطرافها أولًا، ثم نحرها ثانيًا، وهي من آيات الله عز وجل، ومن مصالحهم، لكن -نسأل الله العافية- نفوسهم لا تقبل ﴿فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾.
القمر 54:30
﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر: 30] يقول الله عز وجل يخاطب الإنسان: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ هل وقع موقعه؟ وهل كان شديدًا؟
الجواب: نعم كان في موقعه، وكان شديدًا، ما هذا العذاب؟
القمر 54:31
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [القمر: ٣١] صِيح بهم -والعياذ بالله- مع الرجفة، ففي السماء أصوات، وفي الأرض رجفان، أخرجتهم الرجفة والصيحة ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ [هود ٦٧، ٦٨] كأنهم ما وجدوا.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر ٣١].
يعني: الحظار يجعله الإنسان لغنمه، لا أدري تعرفون هذا أم لا؟ البدوي في البادية يجعل على الغنم حظارًا من الشجر اليابس، ومن عسبان النخل، وما أشبه ذلك؛ لئلا تخرج، ولئلا تعدو عليها السباع، هذا الحظار، مع طول الزمن والشمس والرياح يتفتت حتى يتلاشى. كان هؤلاء الأقوياء الأشداء المكذبون لرسولهم كهشيم المحتظر، أي: كالحظار حينما يتلف، وهذا من آيات الله عز وجل وتمام قدرته وسلطانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]، فكانوا كهشيم المحتظر.
القمر 54:32
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: 32]، ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ سبق تفسيرها، وقلنا: إن المعنى أن الله تعالى يسر القرآن، أي: يسر معانيه لمن تدبره، ويسر ألفاظه لمن حفظه، فإذا اتجهت اتجاهًا سليمًا إلى القرآن للحفظ يسره الله عليك، وإذا اتجهت اتجاهًا حقيقيًّا إلى التدبر وتفهم المعاني يسره الله عليك: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾، (هل) هذه للتشويق، يشوقنا الله عز وجل إلى أن ندكر القرآن فنتعظ به، جعلنا الله وإياكم ممن يتلونه حق تلاوته لفظًا ومعنًى وعملًا، إنه على كل شيءٍ قدير.
القمر 54:33
انتهينا إلى قول الله تعالى في سورة القمر ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ [القمر ٣٣] قوم لوط هم أناس كفروا بالله عز وجل وأشركوا به، وكان ما اختصوا به من المعاصي هذه الفعلة القبيحة الشنيعة، وهي اللواط، أي: إتيان الذكر الذكر، وحذرهم نبيهم من هذا وقال لهم: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشعراء ١٦٥، ١٦٦].
ولكنهم والعياذ بالله استمروا على هذا حتى جاءهم العذاب، وهذه السورة ذكر الله تعالى فيها قصص الأنبياء على سبيل الإجمال فقال ما تقدم الكلام عليه، وقال هنا: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ النذر: جمع نذير، وهي الكلمات التي أنذرهم فيها لوط عليه الصلاة والسلام، وجمعها يدل على أنه كان يكرر عليهم هذا، ولكنهم أبوا وأصروا على هذا الفعل، فبين الله عقوبتهم بقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ [القمر٣٤]، ﴿حَاصِبًا﴾ يعني شيئًا يحصبهم من السماء، أمطر الله عليهم حجارة من سجيل فهدمت بيوتهم حتى كانت عاليها سافلها؛ لأن البناء إذا تهدم صار أعلاه أسفله.
﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ﴾ وآل لوط هم أهل بيته إلا زوجته؛ كما قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦]، نبي يبعث إلى قومه ولم يتبعه إلا أهل بيته، إلا امرأته أيضًا، فكانت كافرة، ومع ذلك فهو صابر حتى أُذن له بالخروج.
﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾، أي: في السحر في الصباح، وذلك أن هؤلاء القوم أخذهم العذاب صباحًا كما ابتدأ عذاب عادٍ بالصباح، ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة ٧]؛ لأنه ابتدأ في الصباح، فأخذهم العذاب -والعياذ بالله- في الصباح، فأهلكهم الله.
القمر 54:34
انتهينا إلى قول الله تعالى في سورة القمر ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ [القمر ٣٣] قوم لوط هم أناس كفروا بالله عز وجل وأشركوا به، وكان ما اختصوا به من المعاصي هذه الفعلة القبيحة الشنيعة، وهي اللواط، أي: إتيان الذكر الذكر، وحذرهم نبيهم من هذا وقال لهم: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشعراء ١٦٥، ١٦٦].
ولكنهم والعياذ بالله استمروا على هذا حتى جاءهم العذاب، وهذه السورة ذكر الله تعالى فيها قصص الأنبياء على سبيل الإجمال فقال ما تقدم الكلام عليه، وقال هنا: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ النذر: جمع نذير، وهي الكلمات التي أنذرهم فيها لوط عليه الصلاة والسلام، وجمعها يدل على أنه كان يكرر عليهم هذا، ولكنهم أبوا وأصروا على هذا الفعل، فبين الله عقوبتهم بقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ [القمر٣٤]، ﴿حَاصِبًا﴾ يعني شيئًا يحصبهم من السماء، أمطر الله عليهم حجارة من سجيل فهدمت بيوتهم حتى كانت عاليها سافلها؛ لأن البناء إذا تهدم صار أعلاه أسفله.
﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ﴾ وآل لوط هم أهل بيته إلا زوجته؛ كما قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦]، نبي يبعث إلى قومه ولم يتبعه إلا أهل بيته، إلا امرأته أيضًا، فكانت كافرة، ومع ذلك فهو صابر حتى أُذن له بالخروج.
﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾، أي: في السحر في الصباح، وذلك أن هؤلاء القوم أخذهم العذاب صباحًا كما ابتدأ عذاب عادٍ بالصباح، ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة ٧]؛ لأنه ابتدأ في الصباح، فأخذهم العذاب -والعياذ بالله- في الصباح، فأهلكهم الله.
القمر 54:35
﴿نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ [القمر: ٣٥] أي: أنعمنا على آل لوطٍ نعمة من عند الله عز وجل من وجهين: الوجه الأول: أن الله أنجاهم.
والوجه الثاني: أن الله أهلك عدوهم.
لأن إهلاك العدو من نعمة الله، فصارت نعمة الله على آل لوط بالنجاة وإهلاك العدو.
﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ﴾ [القمر ٣٥] أي: مثل هذا الجزاء، وهو الإنجاء والنعمة، نجزي من شكر نعمة الله، وشكرُ نعمة الله تعالى -أيها الإخوة- هو القيام بطاعته، وليس مجرد قول الإنسان: أشكر الله، بل لابد من القيام بالطاعة.
ولهذا من قال: أشكر الله وهو مقيم على معاصيه فإنه ليس بشاكر، بل هو كافر بالنعمة، مستهزئٌ بالله عز وجل؛ إذ إن مقتضى النعمة أن يشكر الله، ولكنه عكس الأمر، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [إبراهيم ٢٨، ٢٩]. فكل من شكر الله فإن الله تعالى ينجيه ويهلك عدوه.
القمر 54:36
﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا﴾ [القمر: ٣٦] يعني أن لوطًا عليه الصلاة والسلام أنذر قومه البطشة، وهي الأخذ بالقوة، ﴿فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ [القمر ٣٦] أي: تشككوا فيه، ولم يؤمنوا به.
القمر 54:37
﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾ [القمر: ٣٧] يعني أن قومه راودوه عن ضيفه الذي جاء إليه من الملائكة، وكان الله تعالى قد بعث إليه الملائكة على صورة شبابٍ مُرْدٍ ذوي جمال وهيئة امتحانًا من الله عز وجل، فلما سمع قوم لوط بهؤلاء الضيف أتوا يُهرَعون إليه، يسرعون يريدون هؤلاء الضيف ليفعلوا بهم الفاحشة والعياذ بالله، فراودوه عن ضيفه، فطمس الله أعينهم.
أما كيف طمس أعينهم هل جبريل ضربهم بجناحه أو غير ذلك الله أعلم، إنما علينا أن نؤمن بأن الله تعالى طمس أعينهم حتى أصبحوا لا يبصرون.
﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر ٣٧] والأمر هنا للامتهان، أو إنه أمرٌ كوني، يعني أن الله أمرهم أمر إهانة، أو أمرًا كونيًّا أن يذوقوا العذاب، ومثل هذا قول الله تبارك وتعالى عن صاحب الجحيم: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٩]؛ فإن هذا الأمر أمر إهانة بلا شك، وليس أمر إكرام، ولا أمر إباحة.
القمر 54:38
﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر:٣٨، ٣٩] يعني أن العذاب صبحهم وأتاهم في الصباح على حين قيامهم من النوم واستقبالهم يومهم وهم فرحون، كل واحد منهم يفكر فيما يفعل في هذا اليوم، فإذا بالعذاب يقع بهم -نسأل الله العافية- ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾.
من العبر في هذه الآية: أن هؤلاء الذين قلب الله فطرتهم وطبيعتهم قلب الله عليهم البنيان برميهم بحجارة من سجيل، فتهدم البنيان حتى صار أعلاه أسفله، وقيل: إن الله تعالى قلب بهم ديارهم، اقتلعها من أساسها، حتى رفعها ثم قلبها، فإن صح هذا فالله على كل شيء قدير، وإن لم يصح فليس علينا إلا أن نأخذ بظاهر القرآن؛ أنهم أُمطروا بحجارة من سجيل فتهدم البناء عليهم.
أخذ أهل العلم من ذلك أن اللوطي يُقتَل بكل حال، الفاعل والمفعول به، وهذا هو القول الراجح، أن اللواط يجب فيه القتل على كل حال، وليس كالزنا، الزنا يفرق فيه بين المتزوج وغير المتزوج، أما اللواط فيقتل فيه على كل حال ما دام الفاعل والمفعول به بالغين عاقلين، فإنه يجب قتلهما بكل حال إلا المكره، المكره ليس عليه شيء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أجمع الصحابة رضي الله عنهم على قتل الفاعل والمفعول به، إلا أنهم اختلفوا كيف يقتلان؟ فقال بعضهم: يقتلان بالرجم بالحجارة حتى يموتا، وقال بعضهم: يُقتلان بأن يلقيا من أعلى مكانٍ في البلد ويُتبَعان بالحجارة، وحرق أبو بكر رضي الله عنه اللوطية بالنار، وكذلك خالد بن الوليد وأحد خلفاء بني أمية، حرقوهم بالنار لعظم جرمهم والعياذ بالله، ولأن هذه الفاحشة إذا انتشرت في قومٍ صار رجالها نساءً، وصار الواحد منهم يتتبع فحول الرجال حتى يفعلوا به الفاحشة والعياذ بالله، وانقلبت الأوضاع، وضاع النسل، بمعنى أن الناس ينصرفون إلى الذكور ويدعون النساء اللاتي هن حرث للرجال. والتحرز منه صعب؛ لأنه لا يمكن أن نجد اثنين ونقول: كيف صحبت هذا مثلًا؟ لكن لو وجدنا رجلًا وامرأة يمكن التحرز منهما، فلذلك كان دواء المجتمع من هذه الفعلة القبيحة الشنيعة أن يُقتل الفاعل والمفعول به، وقد جاء في ذلك حديث عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ»[[أخرجه أبو داود (٤٤٦٢)، والترمذي (١٤٥٦) من حديث ابن عباس.]].
ولهذا يجب علينا -أيها الإخوة- أن نحترز من هذا غاية الاحتراز، وأن نتفقد أبناءنا أين ذهبوا؟ ومن أين جاءوا؟ ومن أصدقاؤهم؟ وهل هم على الاستقامة أو لا؟ حتى نحمي المجتمع من هذا العمل الخبيث.
ثم قال عز وجل: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ٤٠] يسر الله عز وجل القرآن للذكر لحفظه ولفهم معناه، وهذا الخبر يُراد به الحث على حفظ القرآن وعلى تدبر معناه؛ لأنه ميسَّر سهل، وأنت جرب تدبر في آيات الله عز وجل لتفهم معناها، وانظر كيف ييسر الله لك فهمها حتى تفهم منها ما لا يفهمه كثيرٌ من الناس، ولهذا قال: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ٤٠] والاستفهام هنا للتشويق، يعني: هل أحد يدكر، يتذكر، يتعظ بما في القرآن؟
القمر 54:39
﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر:٣٨، ٣٩] يعني أن العذاب صبحهم وأتاهم في الصباح على حين قيامهم من النوم واستقبالهم يومهم وهم فرحون، كل واحد منهم يفكر فيما يفعل في هذا اليوم، فإذا بالعذاب يقع بهم -نسأل الله العافية- ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾.
من العبر في هذه الآية: أن هؤلاء الذين قلب الله فطرتهم وطبيعتهم قلب الله عليهم البنيان برميهم بحجارة من سجيل، فتهدم البنيان حتى صار أعلاه أسفله، وقيل: إن الله تعالى قلب بهم ديارهم، اقتلعها من أساسها، حتى رفعها ثم قلبها، فإن صح هذا فالله على كل شيء قدير، وإن لم يصح فليس علينا إلا أن نأخذ بظاهر القرآن؛ أنهم أُمطروا بحجارة من سجيل فتهدم البناء عليهم.
أخذ أهل العلم من ذلك أن اللوطي يُقتَل بكل حال، الفاعل والمفعول به، وهذا هو القول الراجح، أن اللواط يجب فيه القتل على كل حال، وليس كالزنا، الزنا يفرق فيه بين المتزوج وغير المتزوج، أما اللواط فيقتل فيه على كل حال ما دام الفاعل والمفعول به بالغين عاقلين، فإنه يجب قتلهما بكل حال إلا المكره، المكره ليس عليه شيء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أجمع الصحابة رضي الله عنهم على قتل الفاعل والمفعول به، إلا أنهم اختلفوا كيف يقتلان؟ فقال بعضهم: يقتلان بالرجم بالحجارة حتى يموتا، وقال بعضهم: يُقتلان بأن يلقيا من أعلى مكانٍ في البلد ويُتبَعان بالحجارة، وحرق أبو بكر رضي الله عنه اللوطية بالنار، وكذلك خالد بن الوليد وأحد خلفاء بني أمية، حرقوهم بالنار لعظم جرمهم والعياذ بالله، ولأن هذه الفاحشة إذا انتشرت في قومٍ صار رجالها نساءً، وصار الواحد منهم يتتبع فحول الرجال حتى يفعلوا به الفاحشة والعياذ بالله، وانقلبت الأوضاع، وضاع النسل، بمعنى أن الناس ينصرفون إلى الذكور ويدعون النساء اللاتي هن حرث للرجال. والتحرز منه صعب؛ لأنه لا يمكن أن نجد اثنين ونقول: كيف صحبت هذا مثلًا؟ لكن لو وجدنا رجلًا وامرأة يمكن التحرز منهما، فلذلك كان دواء المجتمع من هذه الفعلة القبيحة الشنيعة أن يُقتل الفاعل والمفعول به، وقد جاء في ذلك حديث عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ»[[أخرجه أبو داود (٤٤٦٢)، والترمذي (١٤٥٦) من حديث ابن عباس.]].
ولهذا يجب علينا -أيها الإخوة- أن نحترز من هذا غاية الاحتراز، وأن نتفقد أبناءنا أين ذهبوا؟ ومن أين جاءوا؟ ومن أصدقاؤهم؟ وهل هم على الاستقامة أو لا؟ حتى نحمي المجتمع من هذا العمل الخبيث.
ثم قال عز وجل: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ٤٠] يسر الله عز وجل القرآن للذكر لحفظه ولفهم معناه، وهذا الخبر يُراد به الحث على حفظ القرآن وعلى تدبر معناه؛ لأنه ميسَّر سهل، وأنت جرب تدبر في آيات الله عز وجل لتفهم معناها، وانظر كيف ييسر الله لك فهمها حتى تفهم منها ما لا يفهمه كثيرٌ من الناس، ولهذا قال: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ٤٠] والاستفهام هنا للتشويق، يعني: هل أحد يدكر، يتذكر، يتعظ بما في القرآن؟
القمر 54:40
﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر:٣٨، ٣٩] يعني أن العذاب صبحهم وأتاهم في الصباح على حين قيامهم من النوم واستقبالهم يومهم وهم فرحون، كل واحد منهم يفكر فيما يفعل في هذا اليوم، فإذا بالعذاب يقع بهم -نسأل الله العافية- ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾.
من العبر في هذه الآية: أن هؤلاء الذين قلب الله فطرتهم وطبيعتهم قلب الله عليهم البنيان برميهم بحجارة من سجيل، فتهدم البنيان حتى صار أعلاه أسفله، وقيل: إن الله تعالى قلب بهم ديارهم، اقتلعها من أساسها، حتى رفعها ثم قلبها، فإن صح هذا فالله على كل شيء قدير، وإن لم يصح فليس علينا إلا أن نأخذ بظاهر القرآن؛ أنهم أُمطروا بحجارة من سجيل فتهدم البناء عليهم.
أخذ أهل العلم من ذلك أن اللوطي يُقتَل بكل حال، الفاعل والمفعول به، وهذا هو القول الراجح، أن اللواط يجب فيه القتل على كل حال، وليس كالزنا، الزنا يفرق فيه بين المتزوج وغير المتزوج، أما اللواط فيقتل فيه على كل حال ما دام الفاعل والمفعول به بالغين عاقلين، فإنه يجب قتلهما بكل حال إلا المكره، المكره ليس عليه شيء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أجمع الصحابة رضي الله عنهم على قتل الفاعل والمفعول به، إلا أنهم اختلفوا كيف يقتلان؟ فقال بعضهم: يقتلان بالرجم بالحجارة حتى يموتا، وقال بعضهم: يُقتلان بأن يلقيا من أعلى مكانٍ في البلد ويُتبَعان بالحجارة، وحرق أبو بكر رضي الله عنه اللوطية بالنار، وكذلك خالد بن الوليد وأحد خلفاء بني أمية، حرقوهم بالنار لعظم جرمهم والعياذ بالله، ولأن هذه الفاحشة إذا انتشرت في قومٍ صار رجالها نساءً، وصار الواحد منهم يتتبع فحول الرجال حتى يفعلوا به الفاحشة والعياذ بالله، وانقلبت الأوضاع، وضاع النسل، بمعنى أن الناس ينصرفون إلى الذكور ويدعون النساء اللاتي هن حرث للرجال. والتحرز منه صعب؛ لأنه لا يمكن أن نجد اثنين ونقول: كيف صحبت هذا مثلًا؟ لكن لو وجدنا رجلًا وامرأة يمكن التحرز منهما، فلذلك كان دواء المجتمع من هذه الفعلة القبيحة الشنيعة أن يُقتل الفاعل والمفعول به، وقد جاء في ذلك حديث عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ»[[أخرجه أبو داود (٤٤٦٢)، والترمذي (١٤٥٦) من حديث ابن عباس.]].
ولهذا يجب علينا -أيها الإخوة- أن نحترز من هذا غاية الاحتراز، وأن نتفقد أبناءنا أين ذهبوا؟ ومن أين جاءوا؟ ومن أصدقاؤهم؟ وهل هم على الاستقامة أو لا؟ حتى نحمي المجتمع من هذا العمل الخبيث.
ثم قال عز وجل: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ٤٠] يسر الله عز وجل القرآن للذكر لحفظه ولفهم معناه، وهذا الخبر يُراد به الحث على حفظ القرآن وعلى تدبر معناه؛ لأنه ميسَّر سهل، وأنت جرب تدبر في آيات الله عز وجل لتفهم معناها، وانظر كيف ييسر الله لك فهمها حتى تفهم منها ما لا يفهمه كثيرٌ من الناس، ولهذا قال: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ٤٠] والاستفهام هنا للتشويق، يعني: هل أحد يدكر، يتذكر، يتعظ بما في القرآن؟
القمر 54:41
﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ يعني قومه، وعلى رأسهم فرعون، كما أخبر الله تعالى في آياتٍ أخرى متعددة أنه أرسل موسى إلى فرعون وملئه.
جاءتهم النذر، النُّذُر قيل: إنه بمعنى الإنذار، وهو التخويف، وقيل: إنه جمع نذير، وهو كل ما ينذر به العبد، والمراد به الآيات التي جاء بها موسى، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء ١٠١] وهذا الأخير هو الصحيح: أن النذر جمع نذير، وليست بمعنى الإنذار، ويدل لهذا قوله: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا﴾ [القمر ٤٢]، أي: بكل الآيات الدالة على صدق رسالة موسى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كذبوا بها وقالوا: إن موسى مجنون، وإنه ساحر، حتى إن فرعون من كبريائه قال: ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء ٢٧].
ولما كذبوا بالآيات أخذهم الله تعالى ﴿أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ جل وعلا ﴿عَزِيزٍ﴾ أي: غالب ﴿مُقْتَدِرٍ﴾ أي: قادر، ولكنها أبلغ من كلمة قادر؛ لما فيها من زيادة الحروف، وقد قيل: إن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، وهذا في الغالب وليس دائمًا.
وإنما ذكر الله تعالى أن أخذه إياهم أخذ عزيزٍ مقتدر لأن فرعون كان متكبرًا، وكان يقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات ٢٤]، وكان يسخر من موسى ومَن أرسله، فناسب أن يذكر الله تعالى أخذه أخذ عزيزٍ مقتدر، وهو الله عز وجل.
وقد أجمل الله تعالى هذه القصة في هذه الآية، ولكنه بينها في آياتٍ كثيرة، وأن أخذهم كان بإغراقهم في البحر، فأغرقه الله عز وجل بمثل ما كان يفتخر به؛ لأنه كان يقول لقومه: ﴿يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ يقررهم بهذا، سيقولون: بلى ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥١، ٥٢]، يعني بذلك موسى، أغرقهم الله باليم حين جمع فرعون جنوده واتبع موسى ومن اتبعه ليقضي عليهم، ولكن الله بحمده وعزته قضى عليه.
القمر 54:42
﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ يعني قومه، وعلى رأسهم فرعون، كما أخبر الله تعالى في آياتٍ أخرى متعددة أنه أرسل موسى إلى فرعون وملئه.
جاءتهم النذر، النُّذُر قيل: إنه بمعنى الإنذار، وهو التخويف، وقيل: إنه جمع نذير، وهو كل ما ينذر به العبد، والمراد به الآيات التي جاء بها موسى، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء ١٠١] وهذا الأخير هو الصحيح: أن النذر جمع نذير، وليست بمعنى الإنذار، ويدل لهذا قوله: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا﴾ [القمر ٤٢]، أي: بكل الآيات الدالة على صدق رسالة موسى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كذبوا بها وقالوا: إن موسى مجنون، وإنه ساحر، حتى إن فرعون من كبريائه قال: ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء ٢٧].
ولما كذبوا بالآيات أخذهم الله تعالى ﴿أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ جل وعلا ﴿عَزِيزٍ﴾ أي: غالب ﴿مُقْتَدِرٍ﴾ أي: قادر، ولكنها أبلغ من كلمة قادر؛ لما فيها من زيادة الحروف، وقد قيل: إن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، وهذا في الغالب وليس دائمًا.
وإنما ذكر الله تعالى أن أخذه إياهم أخذ عزيزٍ مقتدر لأن فرعون كان متكبرًا، وكان يقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات ٢٤]، وكان يسخر من موسى ومَن أرسله، فناسب أن يذكر الله تعالى أخذه أخذ عزيزٍ مقتدر، وهو الله عز وجل.
وقد أجمل الله تعالى هذه القصة في هذه الآية، ولكنه بينها في آياتٍ كثيرة، وأن أخذهم كان بإغراقهم في البحر، فأغرقه الله عز وجل بمثل ما كان يفتخر به؛ لأنه كان يقول لقومه: ﴿يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ يقررهم بهذا، سيقولون: بلى ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥١، ٥٢]، يعني بذلك موسى، أغرقهم الله باليم حين جمع فرعون جنوده واتبع موسى ومن اتبعه ليقضي عليهم، ولكن الله بحمده وعزته قضى عليه.
القمر 54:43
ثم قال تعالى: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ﴾ [القمر ٤٣] الخطاب هنا لقريش، يعني: هل كفاركم خيرٌ من هذه الأمم السابقة التي أهلكها الله، ﴿أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر ٤٣] يعني: أم لكم براءة في الكتب أن الله تعالى مبرئكم من عاقبة أفعالكم؟ ما الجواب؟ لا هذا ولا هذا.
إما أن يكون كفاركم خيرًا من الكفار السابقين، وإما أن يكون لكم براءة من الله عز وجل كتبها الله لكم ألا يعاقبكم، وكل هذا لم يكن، فليس كفارهم خيرًا من الكفار السابقين وليس لهم براءة في الزبر.
لهم دعوة ثالثة: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر ٤٤]، و(أم) هنا بمعنى (بل) الإضرابية، وهي إضراب الانتقام، يعني: بل يقولون نحن. والضمير لقريش ﴿جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ جميعٌ هنا بمعنى جمع، ولهذا قال: منتصر، ولم يقل: منتصرون، يعني: جمع كثير منتصر على محمدٍ وقومه، هذا معنى كلامه، فأعجبوا بأنفسهم وظنوا أنهم قادرون على القضاء على محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ورسالته.
فماذا كان جوابهم من الله؟
القمر 54:44
ثم قال تعالى: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ﴾ [القمر ٤٣] الخطاب هنا لقريش، يعني: هل كفاركم خيرٌ من هذه الأمم السابقة التي أهلكها الله، ﴿أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر ٤٣] يعني: أم لكم براءة في الكتب أن الله تعالى مبرئكم من عاقبة أفعالكم؟ ما الجواب؟ لا هذا ولا هذا.
إما أن يكون كفاركم خيرًا من الكفار السابقين، وإما أن يكون لكم براءة من الله عز وجل كتبها الله لكم ألا يعاقبكم، وكل هذا لم يكن، فليس كفارهم خيرًا من الكفار السابقين وليس لهم براءة في الزبر.
لهم دعوة ثالثة: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر ٤٤]، و(أم) هنا بمعنى (بل) الإضرابية، وهي إضراب الانتقام، يعني: بل يقولون نحن. والضمير لقريش ﴿جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ جميعٌ هنا بمعنى جمع، ولهذا قال: منتصر، ولم يقل: منتصرون، يعني: جمع كثير منتصر على محمدٍ وقومه، هذا معنى كلامه، فأعجبوا بأنفسهم وظنوا أنهم قادرون على القضاء على محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ورسالته.
فماذا كان جوابهم من الله؟
القمر 54:45
قال الله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر ٤٥] (يهزم) أي: يخذلون شر خذيلة، ويولون الدبر، ولا يستطيعون المقاومة ولا المدافعة ولا المهاجمة، مع أنهم كانوا يقولون: ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾، ولكن لا انتصار لهم، وهذا هو الذي وقع ولله الحمد، وأول ما وقع في غزوة بدر حين اجتمع رؤساؤهم وكبراؤهم وصناديدهم في نحو ما بين تسع مئة إلى ألف رجل، في مقابل ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهُزموا -ولله الحمد- شر هزيمة، وتحدثت بهم الأخبار، وأُلقي أربعة وعشرون نفرًا من رؤسائهم في قَليبٍ من قُلُب بدر خبيثة مُنتِنة، وهذا شر هزيمة لا شك.
ولذا قال: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ هذا عقوبتهم في الدنيا، وفي الآخرة: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر ٤٦] يعني: أضف إلى ذلك أن الساعة موعدهم، وهو يوم البعث، ﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ أي: أشد فتكًا وأمَرُّ مذاقًا؛ لأن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا.
القمر 54:46
قال الله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر ٤٥] (يهزم) أي: يخذلون شر خذيلة، ويولون الدبر، ولا يستطيعون المقاومة ولا المدافعة ولا المهاجمة، مع أنهم كانوا يقولون: ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾، ولكن لا انتصار لهم، وهذا هو الذي وقع ولله الحمد، وأول ما وقع في غزوة بدر حين اجتمع رؤساؤهم وكبراؤهم وصناديدهم في نحو ما بين تسع مئة إلى ألف رجل، في مقابل ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهُزموا -ولله الحمد- شر هزيمة، وتحدثت بهم الأخبار، وأُلقي أربعة وعشرون نفرًا من رؤسائهم في قَليبٍ من قُلُب بدر خبيثة مُنتِنة، وهذا شر هزيمة لا شك.
ولذا قال: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ هذا عقوبتهم في الدنيا، وفي الآخرة: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر ٤٦] يعني: أضف إلى ذلك أن الساعة موعدهم، وهو يوم البعث، ﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ أي: أشد فتكًا وأمَرُّ مذاقًا؛ لأن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا.
القمر 54:47
ثم قال الله عز وجل مبيِّنًا ماذا يحدث لهم ولأمثالهم فقال: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر ٤٧] الضلال في الدنيا: لا يهتدون، والسعر في الآخرة، أي: في نارٍ شديدة التأجج تحرقهم، كلما نضجت جلودهم بدلهم الله جلودًا غيرها ليذوقوا العذاب، ويحتمل أن قوله: ﴿فِي ضَلَالٍ﴾ أي: في ضلالٍ عن الطريق الذي يهتدون به إلى الجنة؛ لأنهم ضلوا في الدنيا فضلوا في الآخرة.
القمر 54:48
﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: ٤٨] يُسحبون سحبًا كما تُسحب الجيفة ليبعد بها عن المنازل، وليسوا يسحبون على ظهورهم، بل على وجوههم والعياذ بالله، ويقال: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر ٤٨]، ولقد قال الله تعالى في آيةٍ أخرى: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ٢٤] ﴿يَتَّقِي بِوَجْهِهِ﴾ الذي كان يتقي في الدنيا عن الحر بيديه لوقاية وجهه، لكنه في النار ليس له ما يقي وجهه النار، بل يتقي بوجهه -نسأل الله العافية- يعني ليس له وقاية تقي وجهه من حر النار، فهم يُسحَبون في النار على وجوههم.
هذه -يا إخواني- ليست أساطير الأولين، ليست قصصًا تقال، هذه حقيقة نشهد بها -والله- كأننا نراها رأي العين، لا بد أن يكون هذا لكل مجرم ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾، والساحب هم الملائكة الموكلون بهم؛ لأن للنار ملائكة موكلين بها، ويقال: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾.
انظر يا أخي إلى الإذلال؛ جسدي وقلبي، الجسدي: هو أنهم يُسحَبون على وجوههم، والقلبي: أنهم يُوبَّخون، ويقال: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ أي: صلاها. وسقر من أسماء النار. نسأل الله العافية لنا ولكم.
القمر 54:49
ثم قال جل وعلا: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر ٤٩]، لما ذكر عذاب أهل النار، ثم سيذكر نعيم أهل الجنة؛ ذكر بينهما أن هذا الخلق وتفاوته بقدر الله عز وجل، فكل شيءٍ مخلوق فهو بقدر، انتبه يا أخي، كل ذرةٍ في رملة فهي مخلوقة بقدر، كل نقطةٍ تقع على الأرض من السحاب فهي مخلوقة بقدر كل شيء، ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ تعم ما سوى الخالق؛ لأنه ما ثَم إلا مخلوق وخالق، فإذا كان كل شيءٍ مخلوقًا كان الخالق وحده الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء. والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء.
قال النبي ﷺ: «كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ، حَتَّى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ»[[أخرجه مسلم (٢٦٥٥/١٨) من حديث ابن عمر.]] العجز: يعني تكاسل الإنسان، والكيس: يعني حزم الإنسان ونشاطه في طلب ما ينفعه والبعد عما يضر، كل شيء.
وفي هذه الآية الكريمة دليل على أن الإنسان مخلوقٌ لله تعالى، وأن أفعاله مخلوقة لله، وأن كل شيءٍ قد قُدر وانتهى، وإذا كان كذلك فلمن يلجأ الإنسان إذا أصابته الضراء؟ إلى الله الخالق، وإذا أراد السراء أيضًا يلتجئ إلى الله الخالق، لا يفخرنّ ويعجبنّ بنفسه إذا حصل له المطلوب، ولا يبأس إذا أصابه مكروب، فالأمر بيد الله.
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ»[[أخرجه مسلم (٢٦٦٤/٣٤) من حديث أبي هريرة.]] القوي في إيمانه، القوي في إرادته وهمته ونشاطه، وليس المراد القوي في بدنه، قوة البدن إما لك وإما عليك، إن استعملتها في العمل الصالح فهي لك، وإن عجزت عنه مع فعلك إياه في حال القوة كُتب لك، وإن استعملت هذه القوة في معصية الله كانت عليك، لكن المراد بقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الْقَوِيُّ» أي: في إيمانه وإرادته، أما قوة البدن فهي لك أو عليك.
قال: «وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ» في كل من القوي والضعيف خير، وهذه الجملة يسميها علماء البلاغة جملة احترازية؛ لأنه لما قال: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ» يظن الظان أن المؤمن الضعيف ليس فيه خير، فقال: «وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ» ولها نظائر، قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ يعني من قبل صلح الحديبية ﴿وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ﴾ [الحديد ١٠] كلًّا من هؤلاء وهؤلاء، يعني: فلا تظنوا أن هذا التفاوت يحط من قدر الآخرين ويحرمهم الخير، وقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء ٩٥].
فهنا قال النبي ﷺ: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجِزْ»، فإذا فعلت ذلك حرصت على ما ينفع واستعنت بالله، وكنت حازمًا نشيطًا قويًّا في مرادك. قال: «فَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا لَكَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ»، يعني هذا قدر الله «وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ»، أنت عليك أن تسعى للخير، وليس عليك أن يتم لك ما تريد.
المهم أن كل شيءٍ بقدر، حتى العجز والكيس، فمن قدَّر الله له الهداية فبالقدر، ومن قدر له الشقاء فهو بقدر، ولكن ما السبب لتقدير الله الشقاء على العبد؟ هو نفس العمل؛ لقول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف ٥].
القمر 54:50
قال: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ يعني: ما أمرنا فيما نريد أن يكون ﴿إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ أي: إلا مرة واحدة بدون تكرار ﴿كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر ٥٠] بدون تأخر، سبحان الله! أمْر الله عز وجل واحد لا تكرار، والثاني بسرعة فورية أسرع ما يمكن أن يكون كلمحٍ بالبصر: كن فيكون، واشتهر عند العوام يقولون: (يا من أمره بين الكاف والنون)، وهذا غلط، ليس أمر الله بين الكاف والنون، بل بعد الكاف والنون؛ لأن الله قال: كن فيكون، متى؟ بعد كن، فقولهم: بين الكاف والنون غلط، يعني: ما تم الأمر بين الكاف والنون، لا يتم الأمر إلا بالكاف والنون، لكنه بعد الكاف والنون فورًا كلمحٍ بالبصر، وإن شئت أن ترى عجائب ذلك فانظر إلى الزلازل تصيب مئات القرى، أو آلاف القرى، وبلحظةٍ واحدة، تعدمها بلحظة واحدة، لو جاءت المعاول والدركترات والقنابل ما فعلت مثل فعل لحظة واحدة من أمر الله عز وجل، واسأل الخبراء بالزلازل تجد الجواب.
انظر إلى ما هو أعظم من ذلك، الموتى في قبورهم والحشرات والحيوانات، وكل الأشياء، تُبعَث يوم القيامة بكلمةٍ واحدة؛ كما قال جل وعلا: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس ٥٣]، أسأل الله أن يجعلني وإياكم ممن يُحضر إلى الخير ﴿صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ فقط، ﴿فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ﴾ كلهم ﴿لَدَيْنَا﴾ أي: عندنا ﴿مُحْضَرُونَ﴾ فصدق الله عز وجل وعده، ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ مثل لمح البصر.
القمر 54:51
ثم قال عز وجل: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ٥١] الخطاب لكفار قريش، وقوله: ﴿أَشْيَاعَكُمْ﴾ يعني أشبهاكم من الكفار السابقين، وقد قص الله تعالى في هذه السورة من نبئهم ما فيه عبرةٌ وعظة، قص علينا ما حصل لقوم نوح، وما حصل لعاد ولثمود وللوط، ولآل فرعون، وفي هذا مدكَر لمن أراد الادكار، ولهذا قال: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ يعني: هل من متعظ ومعتبر بما جرى على السابقين أن يجري على اللاحقين؛ لأن الله سبحانه وتعالى ليس بينه وبين عباده محاباة أو نسب، بل أكرمهم عند الله أتقاهم له، من أي جنسٍ كان، وفي أي مكانٍ كان، وفي أي زمانٍ كان، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات ١٣].
القمر 54:52
ثم قال عز وجل: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر٥٢] ﴿كُلُّ﴾ مبتدأ و ﴿فِي الزُّبُرِ﴾ خبره، وليس هذا من باب الاشتغال، بل هو خبرٌ محض، يعني أن ﴿كُلُّ﴾ لا يمكن أن تكون مفعولًا لـ ﴿فَعَلُوهُ﴾، بل هي مبتدأ على كل حال، و﴿فِي الزُّبُرِ﴾ خبر. ﴿كُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ﴾ أي: فعلته الأمم السابقة أو الأمم اللاحقة فإنه مكتوب ﴿فِي الزُّبُرِ﴾ أي: في الكتب، وكتابة الأعمال كتابةٌ سابقة وكتابةٌ لاحقة، الكتابة السابقة كتابة على أن هذا سيفعل كذا، وهذه الكتابة لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب؛ لأن المرء لم يكلَّف بها بعد، كتابةٌ لاحقة هي كتابة أنه فعل، فإذا فعل الإنسان حسنة كتبها الله، إذا فعل سيئة كتبها الله، وهذه الكتابة اللاحقة هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب.
وبما قررناه يزول الإشكال عند بعض الناس في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد ٣١]، فإن بعض الناس قد يشكل عليه هذه الآية، كيف يقول عز وجل: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾ وهو قد علم، فيقال حتى نعلم يعني العلم الذي يترتب عليه الثواب، وأما علم الله السابق، فإنه لا يترتب عليه الثواب ولا العقاب.
إذن ﴿كُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ أي: كل شيءٍ فعلوه مكتوب، الكتابة السابقة: كتابة أيش عمله الآن مكتوب سابقًا ولاحقًا، الكتابة السابقة كتابة أنه سيفعل كذا، والكتابة اللاحقة كتابة أنه فعل، طيب ما هي الكتابة التي يترتب عليها العقوبة أو الثواب السابقة أو اللاحقة؟ اللاحقة، أما الكتابة السابقة فإن الله سبحانه وتعالى كتب في اللوح المحفوظ كل شيء، كما جاء في الحديث الصحيح: «إِنَّ اللهَ لَمَّا خَلَقَ الْقَلَمَ قَالَ لَهُ: اكْتُبْ، قَالَ: رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه أبو داود (٤٧٠٠)، والترمذي (٢١٥٥) من حديث عبادة بن الصامت.]].
فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة، فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، نؤمن بهذا، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج ٧٠]، وقال عز وجل: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥] الكتابة اللاحقة: هي أن الله سبحانه وتعالى إذا عمل الإنسان عملا كُتب هذا، قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار ٩-١١] وهذه كتابة هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب.
﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾، معنى الآية: أن كل شيءٍ يفعله الإنسان فإنه مكتوب كل شيء، فلا تظن أنه يضيع عليك شيء أبدًا، كما قال عز وجل: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ سبحان الله! بعد مئات السنين التي لا يعلمها إلا الله يجدونه حاضرًا ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف ٤٩].
القمر 54:53
﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر: ٥٣] كل صغير مما يحدث في هذا الكون من مخلوقات وأوصافها وأعمالها مستطر، أي: مسطر في الكتاب العزيز، اللوح المحفوظ، كل صغيرٍ وكبير، حتى الشوكة يشاكها الإنسان تكتب، حتى ما يزن مثقال ذرة من الأعمال يُكتَب، كل صغيرٍ وكبير إذا آمنت -يا أخي- بذلك، ويجب عليك أن تؤمن به، فإنه يجب عليك الحذر من المخالفة، إياك أن تخالف بقولك أو فعلك أو تركك، إياك أن تخالف؛ لأن كل شيءٍ مكتوب، قال الله عز وجل: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق ١٨]، وما يفعل من فعل كذلك؛ لأنه إذا كانت الأقوال تُكتَب وهي أكثر بآلاف المرات من الأفعال، كم تنطق به من حرف لا يسعها، كم تفعل من فعل؟ أقل، لا يُحصَر، لكن قليل بالنسبة للقول، فإذا كانت الأقوال تُكتَب فالأفعال من باب أولى.
عليك أن تتقي الله عز وجل، اتقِ ربك، لا تخالف الله، إذا سمعت الله يقول شيئًا خبرًا، فقل: آمنت به وصدقت، وإذا سمعت الله يقول شيئًا أمرًا، فقل: آمنت به وسمعًا وطاعة. نهيًا فقل: آمنت به وسمعًا وطاعة. فاترك المنهي عنه، وافعل المأمور به، هذه نصيحة.
﴿كُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ الحركات مكتوبة، الحروف حروف الأقوال مكتوبة، كل شيءٍ مكتوب.
القمر 54:54
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ [القمر: ٥٤] هذه مقابل قوله: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر٤٧، ٤٨]، ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ الجنات: جمع جنة، وقد ذكر الله تعالى أصنافها في سورة الرحمن أربعة: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٤٦] ثم قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٦٢] فهي إذن أربعة؛ التي ذكرها الله في سورة الرحمن، إذن ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ يعني في هذه الجنات الأربع هذه أصناف، لكن أنواعها كثيرة.
والجنات نفسرها بأنها شرعًا هي دور المتقين؛ فيها ما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمِعت، ولا خطَر على قلب بشر، فسِّر الجنات التي في الآخرة بهذا التفسير، هي التي أعد الله للمتقين؛ فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
لكن عندما تقرأ قول الله تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [القلم ١٧]، كيف تفسر الجنة بأنها البستان الكثير الأشجار، عندما تقرأ: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ [الكهف ٣٣] تفسر بأنها بستان كثير الأشجار، لكن لا تفسر جنة النعيم في الآخرة بهذا التفسير، إنك إن فسرتها بهذا التفسير قَلَّت الرغبة فيها، وهبطت عظمتها في قلوب الناس، لكن قل: هي الدار التي أعدها الله لأوليائه، فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، سكانها خير البشر، النبيون والصديقون، والشهداء، والصالحون، حتى تحفز النفوس على العمل لها، وحتى لا يتصور الجاهل أن ما فيها كأمثال ما في الدنيا.
وقوله: ﴿وَنَهَرٍ﴾ يعني بذلك الأنهار، وذكر الله تعالى أصنافها أربعة في سورة القتال، ما هي؟
* طالب: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد ١٥].
* الشيخ: طيب هذه أربعة أصناف: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ أي: وصفها ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ﴾ هذا بيان للوصف، ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ يعني: لا يتغير أبدًا؛ لا بتكدر، ولا بطعم، ولا بلون، ولا بريح. ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ اللبن في الدنيا إذا تأخر تغير طعمه وفسد وانتقل إلى حموضةٍ لا يطاق. ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ وليس لذته كلذة خمر الدنيا، وليس فيه شيء من عيوب الدنيا ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة ١٩]. ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ -اللهم اجعلنا ممن يشربون منها- أنهارٌ من عسل مصفى ليس فيه شمع النحل، ولا أذاه، مصفى من كل كدر.
هذا تفسيرٌ لقوله تعالى: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾، يأتيك هذا المكان ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ [القمر ٥٥] يعني: في مقعد ليس فيه كذب، لا في الخبر عنه، ولا في وصفه، كله حق، وعند من؟ ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر ٥٥] وهو الله جل وعلا -اللهم اجعلنا منهم- ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ يتنعمون بلذة النظر إلى الله عز وجل، وهو أنعم ما يكون لأهل الجنة، قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦] الحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله. وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ يعني حسنة بهية ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٢، ٢٣] يكسوها الله تعالى نضرًا -أي: حسنا وجمالا وبهاءً- لتكون مستعدة للنظر إلى الله عز وجل، ثم ينظرون إلى الله فيزدادون حسنًا إلى حسنهم، ولهذا إذا رجعوا إلى أهليهم قال لهم أهلوهم: إنكم ازددتم بعدنا حسنًا بالنظر إلى وجه الله تبارك وتعالى.
اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى، وصفاتك العليا، أن تجعلنا من هؤلاء بمنك وكرمك، إنك على كل شيءٍ قدير.
القمر 54:55
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ [القمر: ٥٤] هذه مقابل قوله: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر٤٧، ٤٨]، ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ الجنات: جمع جنة، وقد ذكر الله تعالى أصنافها في سورة الرحمن أربعة: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٤٦] ثم قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٦٢] فهي إذن أربعة؛ التي ذكرها الله في سورة الرحمن، إذن ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ يعني في هذه الجنات الأربع هذه أصناف، لكن أنواعها كثيرة.
والجنات نفسرها بأنها شرعًا هي دور المتقين؛ فيها ما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمِعت، ولا خطَر على قلب بشر، فسِّر الجنات التي في الآخرة بهذا التفسير، هي التي أعد الله للمتقين؛ فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
لكن عندما تقرأ قول الله تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [القلم ١٧]، كيف تفسر الجنة بأنها البستان الكثير الأشجار، عندما تقرأ: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ [الكهف ٣٣] تفسر بأنها بستان كثير الأشجار، لكن لا تفسر جنة النعيم في الآخرة بهذا التفسير، إنك إن فسرتها بهذا التفسير قَلَّت الرغبة فيها، وهبطت عظمتها في قلوب الناس، لكن قل: هي الدار التي أعدها الله لأوليائه، فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، سكانها خير البشر، النبيون والصديقون، والشهداء، والصالحون، حتى تحفز النفوس على العمل لها، وحتى لا يتصور الجاهل أن ما فيها كأمثال ما في الدنيا.
وقوله: ﴿وَنَهَرٍ﴾ يعني بذلك الأنهار، وذكر الله تعالى أصنافها أربعة في سورة القتال، ما هي؟
* طالب: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد ١٥].
* الشيخ: طيب هذه أربعة أصناف: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ أي: وصفها ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ﴾ هذا بيان للوصف، ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ يعني: لا يتغير أبدًا؛ لا بتكدر، ولا بطعم، ولا بلون، ولا بريح. ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ اللبن في الدنيا إذا تأخر تغير طعمه وفسد وانتقل إلى حموضةٍ لا يطاق. ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ وليس لذته كلذة خمر الدنيا، وليس فيه شيء من عيوب الدنيا ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة ١٩]. ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ -اللهم اجعلنا ممن يشربون منها- أنهارٌ من عسل مصفى ليس فيه شمع النحل، ولا أذاه، مصفى من كل كدر.
هذا تفسيرٌ لقوله تعالى: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾، يأتيك هذا المكان ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ [القمر ٥٥] يعني: في مقعد ليس فيه كذب، لا في الخبر عنه، ولا في وصفه، كله حق، وعند من؟ ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر ٥٥] وهو الله جل وعلا -اللهم اجعلنا منهم- ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ يتنعمون بلذة النظر إلى الله عز وجل، وهو أنعم ما يكون لأهل الجنة، قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦] الحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله. وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ يعني حسنة بهية ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٢، ٢٣] يكسوها الله تعالى نضرًا -أي: حسنا وجمالا وبهاءً- لتكون مستعدة للنظر إلى الله عز وجل، ثم ينظرون إلى الله فيزدادون حسنًا إلى حسنهم، ولهذا إذا رجعوا إلى أهليهم قال لهم أهلوهم: إنكم ازددتم بعدنا حسنًا بالنظر إلى وجه الله تبارك وتعالى.
اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى، وصفاتك العليا، أن تجعلنا من هؤلاء بمنك وكرمك، إنك على كل شيءٍ قدير.