Tafsir Ibn Uthaymeen — الانفطار 82:1 – الأعلى 87:19
المحتويات
- الانفطار 82:1
- الانفطار 82:2
- الانفطار 82:3
- الانفطار 82:4
- الانفطار 82:5
- الانفطار 82:6
- الانفطار 82:7
- الانفطار 82:8
- الانفطار 82:9
- الانفطار 82:10
- الانفطار 82:11
- الانفطار 82:12
- الانفطار 82:13
- الانفطار 82:14
- الانفطار 82:15
- الانفطار 82:16
- الانفطار 82:17
- الانفطار 82:18
- الانفطار 82:19
- المطففين 83:1
- المطففين 83:2
- المطففين 83:3
- المطففين 83:4
- المطففين 83:5
- المطففين 83:6
- المطففين 83:7
- المطففين 83:8
- المطففين 83:9
- المطففين 83:10
- المطففين 83:11
- المطففين 83:12
- المطففين 83:13
- المطففين 83:14
- المطففين 83:15
- المطففين 83:16
- المطففين 83:17
- المطففين 83:18
- المطففين 83:19
- المطففين 83:20
- المطففين 83:21
- المطففين 83:22
- المطففين 83:23
- المطففين 83:24
- المطففين 83:25
- المطففين 83:26
- المطففين 83:27
- المطففين 83:28
- المطففين 83:29
- المطففين 83:30
- المطففين 83:31
- المطففين 83:32
- المطففين 83:33
- المطففين 83:34
- المطففين 83:35
- المطففين 83:36
- الانشقاق 84:1
- الانشقاق 84:2
- الانشقاق 84:3
- الانشقاق 84:4
- الانشقاق 84:5
- الانشقاق 84:6
- الانشقاق 84:7
- الانشقاق 84:8
- الانشقاق 84:9
- الانشقاق 84:10
- الانشقاق 84:11
- الانشقاق 84:12
- الانشقاق 84:13
- الانشقاق 84:14
- الانشقاق 84:15
- الانشقاق 84:16
- الانشقاق 84:17
- الانشقاق 84:18
- الانشقاق 84:19
- الانشقاق 84:20
- الانشقاق 84:21
- الانشقاق 84:22
- الانشقاق 84:23
- الانشقاق 84:24
- الانشقاق 84:25
- البروج 85:1
- البروج 85:2
- البروج 85:3
- البروج 85:4
- البروج 85:5
- البروج 85:6
- البروج 85:7
- البروج 85:8
- البروج 85:9
- البروج 85:10
- البروج 85:11
- البروج 85:12
- البروج 85:13
- البروج 85:14
- البروج 85:15
- البروج 85:16
- البروج 85:19
- البروج 85:20
- البروج 85:21
- البروج 85:22
- الطارق 86:1
- الطارق 86:2
- الطارق 86:3
- الطارق 86:4
- الطارق 86:5
- الطارق 86:6
- الطارق 86:7
- الطارق 86:8
- الطارق 86:9
- الطارق 86:10
- الطارق 86:11
- الطارق 86:12
- الطارق 86:13
- الطارق 86:14
- الطارق 86:15
- الطارق 86:16
- الطارق 86:17
- الأعلى 87:1
- الأعلى 87:2
- الأعلى 87:3
- الأعلى 87:6
- الأعلى 87:7
- الأعلى 87:8
- الأعلى 87:9
- الأعلى 87:10
- الأعلى 87:11
- الأعلى 87:12
- الأعلى 87:13
- الأعلى 87:14
- الأعلى 87:15
- الأعلى 87:16
- الأعلى 87:17
- الأعلى 87:18
- الأعلى 87:19
الانفطار 82:1
سورة الانفطار يقول الله عز وجل: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار ١-٥]، هذه أربعة أشياء إذا حصلت عَلِمَت النفس ما قَدَّمَت في أول عمرها وما أَخَّرَت.
فقوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ يعني: انشقت، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق ١، ٢].
﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ يعني: النجوم صغيرها وكبيرها تنتثر وتتفرق وتتساقط؛ لأن العالم انتهى.
﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ أي: فُجِّر بعضها على بعض وملأت الأرض.
﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ أي: أُخْرِجَ ما فيها من الأموات حتى قاموا لله عز وجل.
في حصول هذه الأمور الأربعة ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾، ﴿نَفْسٌ﴾ هنا نكرة، لكنها بمعنى العموم؛ إذ إن المعنى: عَلِمَت كل نفس ما قَدَّمَت وأَخَّرَت، وذلك بما يُعْرَض عليها من الكتاب، فكل إنسان أَلْزَمَه الله طائره في عنقه، ويُخْرِجُ له يوم القيامة كتابًا يلقاه منشورًا، ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾. [الإسراء: ١٤].
وفي ذلك اليوم يقول المجرمون: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف ٤٩]، فيعلم الإنسان ما قَدَّمَ وأَخَّرَ، بينما هو في الدنيا قد نسي، فنحن الآن نسينا ماذا عملنا منذ أزمان بعيدة، لكن يوم القيامة يُعْرَض علينا عملنا، فتعلم كل نفس ما قدَّمت وأَخَّرَت.
والغرض من هذا التحذير تحذيرُ العبد من أن يعمل مخالفة لله ورسوله؛ لأنه سوف يعلم بذلك ويحاسَب عليه.
﴿ ﴾
الانفطار 82:2
سورة الانفطار يقول الله عز وجل: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار ١-٥]، هذه أربعة أشياء إذا حصلت عَلِمَت النفس ما قَدَّمَت في أول عمرها وما أَخَّرَت.
فقوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ يعني: انشقت، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق ١، ٢].
﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ يعني: النجوم صغيرها وكبيرها تنتثر وتتفرق وتتساقط؛ لأن العالم انتهى.
﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ أي: فُجِّر بعضها على بعض وملأت الأرض.
﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ أي: أُخْرِجَ ما فيها من الأموات حتى قاموا لله عز وجل.
في حصول هذه الأمور الأربعة ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾، ﴿نَفْسٌ﴾ هنا نكرة، لكنها بمعنى العموم؛ إذ إن المعنى: عَلِمَت كل نفس ما قَدَّمَت وأَخَّرَت، وذلك بما يُعْرَض عليها من الكتاب، فكل إنسان أَلْزَمَه الله طائره في عنقه، ويُخْرِجُ له يوم القيامة كتابًا يلقاه منشورًا، ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾. [الإسراء: ١٤].
وفي ذلك اليوم يقول المجرمون: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف ٤٩]، فيعلم الإنسان ما قَدَّمَ وأَخَّرَ، بينما هو في الدنيا قد نسي، فنحن الآن نسينا ماذا عملنا منذ أزمان بعيدة، لكن يوم القيامة يُعْرَض علينا عملنا، فتعلم كل نفس ما قدَّمت وأَخَّرَت.
والغرض من هذا التحذير تحذيرُ العبد من أن يعمل مخالفة لله ورسوله؛ لأنه سوف يعلم بذلك ويحاسَب عليه.
﴿ ﴾
الانفطار 82:3
سورة الانفطار يقول الله عز وجل: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار ١-٥]، هذه أربعة أشياء إذا حصلت عَلِمَت النفس ما قَدَّمَت في أول عمرها وما أَخَّرَت.
فقوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ يعني: انشقت، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق ١، ٢].
﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ يعني: النجوم صغيرها وكبيرها تنتثر وتتفرق وتتساقط؛ لأن العالم انتهى.
﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ أي: فُجِّر بعضها على بعض وملأت الأرض.
﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ أي: أُخْرِجَ ما فيها من الأموات حتى قاموا لله عز وجل.
في حصول هذه الأمور الأربعة ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾، ﴿نَفْسٌ﴾ هنا نكرة، لكنها بمعنى العموم؛ إذ إن المعنى: عَلِمَت كل نفس ما قَدَّمَت وأَخَّرَت، وذلك بما يُعْرَض عليها من الكتاب، فكل إنسان أَلْزَمَه الله طائره في عنقه، ويُخْرِجُ له يوم القيامة كتابًا يلقاه منشورًا، ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾. [الإسراء: ١٤].
وفي ذلك اليوم يقول المجرمون: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف ٤٩]، فيعلم الإنسان ما قَدَّمَ وأَخَّرَ، بينما هو في الدنيا قد نسي، فنحن الآن نسينا ماذا عملنا منذ أزمان بعيدة، لكن يوم القيامة يُعْرَض علينا عملنا، فتعلم كل نفس ما قدَّمت وأَخَّرَت.
والغرض من هذا التحذير تحذيرُ العبد من أن يعمل مخالفة لله ورسوله؛ لأنه سوف يعلم بذلك ويحاسَب عليه.
﴿ ﴾
الانفطار 82:4
سورة الانفطار يقول الله عز وجل: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار ١-٥]، هذه أربعة أشياء إذا حصلت عَلِمَت النفس ما قَدَّمَت في أول عمرها وما أَخَّرَت.
فقوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ يعني: انشقت، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق ١، ٢].
﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ يعني: النجوم صغيرها وكبيرها تنتثر وتتفرق وتتساقط؛ لأن العالم انتهى.
﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ أي: فُجِّر بعضها على بعض وملأت الأرض.
﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ أي: أُخْرِجَ ما فيها من الأموات حتى قاموا لله عز وجل.
في حصول هذه الأمور الأربعة ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾، ﴿نَفْسٌ﴾ هنا نكرة، لكنها بمعنى العموم؛ إذ إن المعنى: عَلِمَت كل نفس ما قَدَّمَت وأَخَّرَت، وذلك بما يُعْرَض عليها من الكتاب، فكل إنسان أَلْزَمَه الله طائره في عنقه، ويُخْرِجُ له يوم القيامة كتابًا يلقاه منشورًا، ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾. [الإسراء: ١٤].
وفي ذلك اليوم يقول المجرمون: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف ٤٩]، فيعلم الإنسان ما قَدَّمَ وأَخَّرَ، بينما هو في الدنيا قد نسي، فنحن الآن نسينا ماذا عملنا منذ أزمان بعيدة، لكن يوم القيامة يُعْرَض علينا عملنا، فتعلم كل نفس ما قدَّمت وأَخَّرَت.
والغرض من هذا التحذير تحذيرُ العبد من أن يعمل مخالفة لله ورسوله؛ لأنه سوف يعلم بذلك ويحاسَب عليه.
﴿ ﴾
الانفطار 82:5
سورة الانفطار يقول الله عز وجل: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار ١-٥]، هذه أربعة أشياء إذا حصلت عَلِمَت النفس ما قَدَّمَت في أول عمرها وما أَخَّرَت.
فقوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ يعني: انشقت، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق ١، ٢].
﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ يعني: النجوم صغيرها وكبيرها تنتثر وتتفرق وتتساقط؛ لأن العالم انتهى.
﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ أي: فُجِّر بعضها على بعض وملأت الأرض.
﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ أي: أُخْرِجَ ما فيها من الأموات حتى قاموا لله عز وجل.
في حصول هذه الأمور الأربعة ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾، ﴿نَفْسٌ﴾ هنا نكرة، لكنها بمعنى العموم؛ إذ إن المعنى: عَلِمَت كل نفس ما قَدَّمَت وأَخَّرَت، وذلك بما يُعْرَض عليها من الكتاب، فكل إنسان أَلْزَمَه الله طائره في عنقه، ويُخْرِجُ له يوم القيامة كتابًا يلقاه منشورًا، ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾. [الإسراء: ١٤].
وفي ذلك اليوم يقول المجرمون: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف ٤٩]، فيعلم الإنسان ما قَدَّمَ وأَخَّرَ، بينما هو في الدنيا قد نسي، فنحن الآن نسينا ماذا عملنا منذ أزمان بعيدة، لكن يوم القيامة يُعْرَض علينا عملنا، فتعلم كل نفس ما قدَّمت وأَخَّرَت.
والغرض من هذا التحذير تحذيرُ العبد من أن يعمل مخالفة لله ورسوله؛ لأنه سوف يعلم بذلك ويحاسَب عليه.
﴿ ﴾
الانفطار 82:6
﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦]، ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ﴾ المراد بالإنسان هنا قيل: هو الكافر، وقيل: الإنسان من حيث هو إنسان؛ لأن الإنسان من حيث هو إنسان ظَلُومٌ جَهُول، ظَلُوم كَفَّار، ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم ٣٤].
فيقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ﴾، ويخاطب الإنسان من حيث هو إنسان بقطع النظر عن ديانته، ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ يعني: أيّ شيء غَرَّك بالله، حيث تُكَذِّبُه في البعث، تعصيه في الأمر والنهي، بل ربما يوجَد مَن يُنكِر الله عز وجل، فما الذي غَرَّكَ؟!
قال بعض العلماء: إن قوله تعالى: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ إشارة إلى الجواب، وهو أن الذي غَرَّ الإنسان كَرَمُ الله عز وجل وإمهاله وحِلْمُه، لكنه لا يجوز أن يغترَّ الإنسان بذلك، فإن الله يُمْلِي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفْلِته.
إذن ما غَرَّك بربك الكريم؟ الجواب: كرمه وحلمه، هذا هو الذي غرَّ الإنسان، وصار يتمادى في المعصية، يتمادى في التكذيب، يتمادى في المخالفة.
الانفطار 82:7
﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار: ٧] خلقك من العدم، وأوجدك من العدم، و﴿سَوَّاكَ﴾ جعلك مستوي الخلقة، ليست يد أطول من يد، ولا رِجْل أطول من رِجْل، ولا أصبع أطول من أصبع، بحسب اليدين والرِّجْلَين، فتجد الطويل في يد هو الطويل في اليد الأخرى، والقصير هو القصير، وهلم جرّا، سوّى الله عز وجل الإنسان من كل ناحية من ناحية الخِلْقَة.
﴿فَعَدَلَكَ﴾ وفي قراءة سبعية: ﴿فَعَدَّلَكَ﴾ أي: جعلك معتدل القامة، مستوي الخِلْقَة، لست كالبهائم التي لم تكن معدَّلَة، بل تسير على يديها ورجليها، أما الإنسان فإنه خَصَّهُ الله بهذه الخصيصة.
الانفطار 82:8
﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٨]، يعني: الله رَكَّبَك في أي صورة شاء، مِن الناس مَن هو جميل، ومنهم مَن هو قبيح، ومنهم المتوسط، ومنهم الأبيض، ومنهم الأحمر، ومنهم الأسود، ومنهم ما بين ذلك، أيّ صورة يُرَكِّبُك الله عز وجل على حسب مشيئته، ولكنه عز وجل شاء للإنسان أن تكون صورته أحسن الصور.
الانفطار 82:9
ثم قال: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ [الانفطار ٩] ﴿كَلَّا﴾ حرف ردع، بل للإضراب، يعني: مع هذا الخلق والإمداد والإعداد تكذِّبُون بالدِّين، أي: بالجزاء، وتقولون: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون ٣٧]، فتكذِّبُون بالدين، أي: بالجزاء، وربما نقول: وتكذِّبُون أيضًا بالدين نفسه، فلا تقرُّون بالدين الذي جاءت به الرسل، والآية شاملة لهذا وهذا؛ لأن القاعدة في علم التفسير وعلم شرح الحديث أنه إذا كان النص يحتمل معنيين لا ينافي أحدُهما الآخر فإنه يُحْمَل عليهما.
الانفطار 82:10
﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠-١٢]، تأكيد بِمُؤَكِّدَيْن (إنّ) واللام، ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ الإنسان عليه حافظ يحفظه، ويكتب كل ما عمل، قال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق ١٨].
فعلى كل إنسان حَفَظَة يكتبون كل ما قال، كل ما فعل، وهؤلاء الحفظة كرام ليسوا لئامًا، بل عندهم من الكرم ما ينافي أن يَظْلِمُوا أحدًا فيكتبوا عليه ما لم يعمل، أو يُهْدِرُوا ما عمل؛ لأنهم موصوفون بالكرم.
﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾، إما بالمشاهدة إن كان فعلًا، وإما بالسماع إن كان قولًا، بل إن عمل القلب يُطْلِعُهُم الله عليه فيكتبونه، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ هَمَّ بِالْحَسَنَةِ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ حَسَنَةً، وَمَنْ هَمَّ بِالسَّيِّئَةِ وَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ حَسَنَةً كَامِلَةً»[[متفق عليه، البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١/٢٠٧)، عن ابن عباس رضي الله عنهما.]]؛ لأنه تركها لله عز وجل، والأول يثاب على مُجَرَّد الهمّ بالحسنة.
الانفطار 82:11
﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠-١٢]، تأكيد بِمُؤَكِّدَيْن (إنّ) واللام، ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ الإنسان عليه حافظ يحفظه، ويكتب كل ما عمل، قال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق ١٨].
فعلى كل إنسان حَفَظَة يكتبون كل ما قال، كل ما فعل، وهؤلاء الحفظة كرام ليسوا لئامًا، بل عندهم من الكرم ما ينافي أن يَظْلِمُوا أحدًا فيكتبوا عليه ما لم يعمل، أو يُهْدِرُوا ما عمل؛ لأنهم موصوفون بالكرم.
﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾، إما بالمشاهدة إن كان فعلًا، وإما بالسماع إن كان قولًا، بل إن عمل القلب يُطْلِعُهُم الله عليه فيكتبونه، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ هَمَّ بِالْحَسَنَةِ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ حَسَنَةً، وَمَنْ هَمَّ بِالسَّيِّئَةِ وَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ حَسَنَةً كَامِلَةً»[[متفق عليه، البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١/٢٠٧)، عن ابن عباس رضي الله عنهما.]]؛ لأنه تركها لله عز وجل، والأول يثاب على مُجَرَّد الهمّ بالحسنة.
الانفطار 82:12
﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠-١٢]، تأكيد بِمُؤَكِّدَيْن (إنّ) واللام، ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ الإنسان عليه حافظ يحفظه، ويكتب كل ما عمل، قال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق ١٨].
فعلى كل إنسان حَفَظَة يكتبون كل ما قال، كل ما فعل، وهؤلاء الحفظة كرام ليسوا لئامًا، بل عندهم من الكرم ما ينافي أن يَظْلِمُوا أحدًا فيكتبوا عليه ما لم يعمل، أو يُهْدِرُوا ما عمل؛ لأنهم موصوفون بالكرم.
﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾، إما بالمشاهدة إن كان فعلًا، وإما بالسماع إن كان قولًا، بل إن عمل القلب يُطْلِعُهُم الله عليه فيكتبونه، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ هَمَّ بِالْحَسَنَةِ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ حَسَنَةً، وَمَنْ هَمَّ بِالسَّيِّئَةِ وَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ حَسَنَةً كَامِلَةً»[[متفق عليه، البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١/٢٠٧)، عن ابن عباس رضي الله عنهما.]]؛ لأنه تركها لله عز وجل، والأول يثاب على مُجَرَّد الهمّ بالحسنة.
الانفطار 82:13
﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣]، هذا بيان للنهاية والجزاء، ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ﴾ جمع بَرّ، وهم كثيرو فعل الخير، المتباعِدون عن الشر، ﴿لَفِي نَعِيمٍ﴾ أي: نعيم في القلب ونعيم في البدن، ولهذا لا نجد أحدًا أطيب قلبًا، ولا أنعم بالًا من الأبرار أهل البِرّ، حتى قال بعض السلف: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالَدُونَا عليه بالسيوف، وهذا النعيم الحاصل يكون في الدنيا وفي الآخرة؛ أما في الآخرة فالجنة، وأما في الدنيا فنعيم القلب وطمأنينته ورضاه بقضاء الله وقدره، فإن هذا هو النعيم حقيقةً، ليس النعيم في الدنيا أن تُتْرَف بَدَنِيًّا، النعيم نعيم القلب.
الانفطار 82:14
﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٤] الفُجَّار هم الكفار، ضد الأبرار، ﴿لَفِي جَحِيمٍ﴾ أي: في نار حامية -والعياذ بالله-.
الانفطار 82:15
﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الانفطار: ١٥] يعني: يحترقون بها، ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾ أي: يوم الجزاء، وذلك يوم القيامة.
الانفطار 82:16
﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٦] أي: لن يغيبوا عنها فيُخْرَجُوا منها، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر ٤٨]؛ لأنهم مُخَلَّدُون بها أبدًا، والعياذ بالله.
الانفطار 82:17
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار: ١٧، ١٨] هذا الاستفهام للتفخيم والتعظيم، يعني: أي شيء أَعْلَمَك بيوم الدين؟ يعني: معناه اعلم هذا اليوم واقْدُرْه قدره، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾. ﴿ ﴾
الانفطار 82:18
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار: ١٧، ١٨] هذا الاستفهام للتفخيم والتعظيم، يعني: أي شيء أَعْلَمَك بيوم الدين؟ يعني: معناه اعلم هذا اليوم واقْدُرْه قدره، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾. ﴿ ﴾
الانفطار 82:19
﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩]، في يوم القيامة لا أحد يملك لأحد شيئًا، لا بجلب خير، ولا بدفع ضرر، إلا بإذن الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾، في الدنيا هناك أناس يأمرون من الأمراء، والوزراء، والرؤساء، والآباء، والأمهات، لكن في الآخرة ما فيه، الأمر لله عز وجل، ولا تملك نفس لنفس شيئًا إلا بإذن الله.
ولهذا كان الناس في ذلك اليوم يلحقهم من الغم والكرب ما لا يطيقون، ثم يطلبون الشفاعة من آدم، ثم نوح، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، حتى تنتهي إلى نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيشفع بإذن الله، فيريح الله العالم من الموقف.
﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾، فإن قال قائل: أليس الأمر لله في ذلك اليوم وفي غيره؟
قلنا: بلى، الأمر لله تعالى في يوم الدين وفيما قبله، لكن ظهور أمره في ذلك اليوم أكثر بكثير من ظهور أمره في الدنيا؛ لأن في الدنيا يخالف الإنسان أوامر الله عز وجل، ويطيع أمر سيده، فلا يكون الأمر لله بالنسبة لهذا، لكن في الآخرة ما فيه إلا أمر الله عز وجل، وهذا كقوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر ١٦]، والملك لله في الدنيا وفي الآخرة، لكن في ذلك اليوم يظهر ملكوت الله عز وجل وأمره، ويتبيَّن أنه ليس هناك آمِر في ذلك اليوم إلا الله عز وجل.
المطففين 83:1
أمَّا ما كنَّا نتحدث عنه في اللقاءات السابقة من تفسير الآيات الكريمات فنحن كنَّا وقفنا على سورة المطففين، فنتكلم بكلامٍ موجَزٍ على ما تيسَّر منها فنقول: إنَّ الله ابتدأ هذه السورة بكلمة ﴿وَيْلٌ﴾ [المطففين ١]، و﴿وَيْلٌ﴾ تكرَّرت في القرآن كثيرًا، وهي على الأصح كلمةُ وعيدٍ يتوعَّد الله سبحانه وتعالى بها مَن خالَف أَمْرَه أو ارتكبَ نهيَه على الوجه المقيَّد في الجملة التي بعدها.
فهنا يقول عز وجل: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين ١]، فمَن هؤلاء المطفِّفون؟
المطففين 83:2
هؤلاء المطفِّفون فسَّرتهم الآيات التي بعدها، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين ٢، ٣].
﴿إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾ يعني: اشتروا منهم ما يُكال، استوفوا منهم الحقَّ كاملًا بدون نَقْص.
﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾ يعني: إذا كالوا لهم؛ بأن كانوا هم الذين باعوا الطعام كيلًا، فإنهم إذا كالوا للناس أو باعوا عليهم شيئًا وزنًا إذا وَزَنوا للناس نقصوا؛ ﴿يُخْسِرُونَ﴾، فهؤلاء -والعياذ بالله- يستوفون حقَّهم كاملًا وينقصون حقَّ غيرهم، فجمعوا بين الأمرين؛ بين الشُّحِّ والبخل؛ الشُّح في طلب حقِّهم كاملًا بدون مراعاةٍ أو مسامحة، والبخل بمنع ما يجب عليهم من إتمام الكيل والوزن.
وهذا المثال الذي ذكره الله عز وجل في الكيل والوزن هو في الحقيقة مثال، فيُقاس عليه كلُّ ما أشبه، كلُّ مَن طلب حقَّه كاملًا مِمَّن هو عليه ومنعَ الحقَّ الذي عليه فإنه داخلٌ في الآية الكريمة؛ فمثلًا الزوج يريد من زوجته أن تعطيه حقَّه كاملًا ولا يتهاون في شيءٍ من حقِّه، لكنَّه عند أداء حقِّها يتهاون ولا يعطيها الذي لها، وما أكثر ما تشكي النساءُ من هذا الطراز من الأزواج، والعياذُ بالله؛ حيث إنَّ كثيرًا من النساء يريد منها الزوج أن تقوم بحقِّه كاملًا، لكنَّه هو لا يعطيها حقَّها كاملًا، ربما ينقص أكثر حقِّها من النفقة والعِشرة بالمعروف وغير ذلك.
والغريب -أيها الإخوة- أنَّ هذا يقع كثيرًا من الناس الذين ظاهِرهم الالتزام، حتى إنَّ بعض النساء تقول: أنا ما اخترتُ قبول هذا الزوج إلا لِمَا له من السُّمعة الحسنة والالتزام. فإذا به ينقلب ويكون أسوأَ حالًا بالنسبة لزوجته من أهل الفسق، فلا أدري عن هؤلاء الذين ظاهرهم الالتزام، هل يظنُّون أنَّ الالتزام أن يقوم الإنسان بعبادة الله فقط ويُضيع حقوقَ الناس؟! إنَّ ظُلم الناسِ أشدُّ من ظُلم الإنسان نفسَه في حقِّ الله؛ لأنَّ ظُلم الإنسان نفسَه في حقِّ الله تحت المشيئة إذا كان دون الشرك؛ إن شاء الله غفر له وإن شاء عاقبه عليه، لكن حق الآدميِّين ليس داخلًا تحت المشيئة، لا بدَّ أن يُوفَى، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ تَعُدُّونَ الْمُفْلِسَ فِيكُمْ؟». قالوا: مَن لا درهم عنده ولا دينار، أو قالوا: ولا متاع. قال: «لَا، الْمُفْلِسُ مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ -كثيرة- فَيَأْتِي وَقَدْ ظَلَمَ هَذَا، وَشَتَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، وَأَخَذَ مَالَ هَذَا، فَيَأْخُذُ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ بَقِيَ مِنْ حَسَنَاتِهِ شَيءٌ، وَإِلَّا أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ فَطُرِحَ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ»[[أخرج مسلم (٢٥٨١ / ٥٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله ﷺ قال: «أتدرون ما المفلس؟». قالوا: المفلس فينا مَن لا درهم له ولا متاع. فقال: «إنَّ المفلس من أمَّتي يأتي يوم القيامة بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ، ويأتي قد شتم هذا، وقَذَف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطَى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإنْ فَنِيتْ حسناتُه قبل أن يُقضى ما عليه أُخِذَ من خطاياهم فطُرِحتْ عليه، ثم طُرِح في النار».]]. فنصيحتي لهؤلاء الإخوة الذين يفرِّطون في حقِّ أزواجهم سواءٌ كانوا من الملتزمين أو من غيرهم أنْ يتَّقوا الله عز وجل؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ أوصى بذلك في أكبر مجمعٍ شَهِده العالَم الإسلامي في حياة الرسول عليه الصلاة والسلام في يوم عرفة في حجَّة الوداع، قال: «اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ؛ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ»[[أخرجه مسلم (١٢١٨ / ١٤٧) من حديث جابر بن عبد الله.]]، فأَمَرنا أن نتَّقي الله تعالى في النساء، وقال: «اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ؛ فَإِنَّهُنَّ عَوَانٍ عِنْدَكُمْ»[[أخرجه أحمد (٢٠٦٩٥) من حديث عم أبي حرة الرقاشي رضي الله عنه ولفظه: «فإنهنَّ عندكم عوانٍ».]]. أي: بمنزلة الأسرى؛ لأنَّ الأسير إن شاء فكَّه الذي أَسَره وإن شاء أبقاه، المرأة عند زوجها كذلك إن شاء طلَّقها وإن شاء أبقاها، فهي بمنزلة الأسير عنده، فليتَّقِ الله فيها.
كذلك أيضًا نجد بعضَ الناس يريد من أولاده أن يقوموا بحقِّه على التمام لكنَّه مفرِّطٌ في حقِّهم، فيريد من أولاده أن يبرُّوه ويقوموا بحقِّه؛ أن يبرُّوه في المال وفي البَدَن وفي كلِّ شيءٍ يكون به البر، لكنَّه هو مضيِّعٌ لهؤلاء الأولاد، غيرُ قائمٍ بما يجب عليه نحوهم، نقول: هذا مطفِّف.كما نقول في المسألة الأولى -في مسألة الزوج مع زوجته-: إنَّه إذا أراد منها أن تقوم بحقِّه كاملًا وهو يبخس حقَّها، نقول: إنَّه مطفِّف. هذا الأب الذي أراد من أولاده أن يبرُّوه تمام البرِّ وهو مقصِّر في حقِّهم نقول: إنك مطفِّف. ونقول له: تذكَّر قولَ الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين ١ - ٣].
المطففين 83:3
هؤلاء المطفِّفون فسَّرتهم الآيات التي بعدها، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين ٢، ٣].
﴿إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾ يعني: اشتروا منهم ما يُكال، استوفوا منهم الحقَّ كاملًا بدون نَقْص.
﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾ يعني: إذا كالوا لهم؛ بأن كانوا هم الذين باعوا الطعام كيلًا، فإنهم إذا كالوا للناس أو باعوا عليهم شيئًا وزنًا إذا وَزَنوا للناس نقصوا؛ ﴿يُخْسِرُونَ﴾، فهؤلاء -والعياذ بالله- يستوفون حقَّهم كاملًا وينقصون حقَّ غيرهم، فجمعوا بين الأمرين؛ بين الشُّحِّ والبخل؛ الشُّح في طلب حقِّهم كاملًا بدون مراعاةٍ أو مسامحة، والبخل بمنع ما يجب عليهم من إتمام الكيل والوزن.
وهذا المثال الذي ذكره الله عز وجل في الكيل والوزن هو في الحقيقة مثال، فيُقاس عليه كلُّ ما أشبه، كلُّ مَن طلب حقَّه كاملًا مِمَّن هو عليه ومنعَ الحقَّ الذي عليه فإنه داخلٌ في الآية الكريمة؛ فمثلًا الزوج يريد من زوجته أن تعطيه حقَّه كاملًا ولا يتهاون في شيءٍ من حقِّه، لكنَّه عند أداء حقِّها يتهاون ولا يعطيها الذي لها، وما أكثر ما تشكي النساءُ من هذا الطراز من الأزواج، والعياذُ بالله؛ حيث إنَّ كثيرًا من النساء يريد منها الزوج أن تقوم بحقِّه كاملًا، لكنَّه هو لا يعطيها حقَّها كاملًا، ربما ينقص أكثر حقِّها من النفقة والعِشرة بالمعروف وغير ذلك.
والغريب -أيها الإخوة- أنَّ هذا يقع كثيرًا من الناس الذين ظاهِرهم الالتزام، حتى إنَّ بعض النساء تقول: أنا ما اخترتُ قبول هذا الزوج إلا لِمَا له من السُّمعة الحسنة والالتزام. فإذا به ينقلب ويكون أسوأَ حالًا بالنسبة لزوجته من أهل الفسق، فلا أدري عن هؤلاء الذين ظاهرهم الالتزام، هل يظنُّون أنَّ الالتزام أن يقوم الإنسان بعبادة الله فقط ويُضيع حقوقَ الناس؟! إنَّ ظُلم الناسِ أشدُّ من ظُلم الإنسان نفسَه في حقِّ الله؛ لأنَّ ظُلم الإنسان نفسَه في حقِّ الله تحت المشيئة إذا كان دون الشرك؛ إن شاء الله غفر له وإن شاء عاقبه عليه، لكن حق الآدميِّين ليس داخلًا تحت المشيئة، لا بدَّ أن يُوفَى، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ تَعُدُّونَ الْمُفْلِسَ فِيكُمْ؟». قالوا: مَن لا درهم عنده ولا دينار، أو قالوا: ولا متاع. قال: «لَا، الْمُفْلِسُ مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ -كثيرة- فَيَأْتِي وَقَدْ ظَلَمَ هَذَا، وَشَتَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، وَأَخَذَ مَالَ هَذَا، فَيَأْخُذُ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ بَقِيَ مِنْ حَسَنَاتِهِ شَيءٌ، وَإِلَّا أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ فَطُرِحَ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ»[[أخرج مسلم (٢٥٨١ / ٥٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله ﷺ قال: «أتدرون ما المفلس؟». قالوا: المفلس فينا مَن لا درهم له ولا متاع. فقال: «إنَّ المفلس من أمَّتي يأتي يوم القيامة بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ، ويأتي قد شتم هذا، وقَذَف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطَى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإنْ فَنِيتْ حسناتُه قبل أن يُقضى ما عليه أُخِذَ من خطاياهم فطُرِحتْ عليه، ثم طُرِح في النار».]]. فنصيحتي لهؤلاء الإخوة الذين يفرِّطون في حقِّ أزواجهم سواءٌ كانوا من الملتزمين أو من غيرهم أنْ يتَّقوا الله عز وجل؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ أوصى بذلك في أكبر مجمعٍ شَهِده العالَم الإسلامي في حياة الرسول عليه الصلاة والسلام في يوم عرفة في حجَّة الوداع، قال: «اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ؛ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ»[[أخرجه مسلم (١٢١٨ / ١٤٧) من حديث جابر بن عبد الله.]]، فأَمَرنا أن نتَّقي الله تعالى في النساء، وقال: «اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ؛ فَإِنَّهُنَّ عَوَانٍ عِنْدَكُمْ»[[أخرجه أحمد (٢٠٦٩٥) من حديث عم أبي حرة الرقاشي رضي الله عنه ولفظه: «فإنهنَّ عندكم عوانٍ».]]. أي: بمنزلة الأسرى؛ لأنَّ الأسير إن شاء فكَّه الذي أَسَره وإن شاء أبقاه، المرأة عند زوجها كذلك إن شاء طلَّقها وإن شاء أبقاها، فهي بمنزلة الأسير عنده، فليتَّقِ الله فيها.
كذلك أيضًا نجد بعضَ الناس يريد من أولاده أن يقوموا بحقِّه على التمام لكنَّه مفرِّطٌ في حقِّهم، فيريد من أولاده أن يبرُّوه ويقوموا بحقِّه؛ أن يبرُّوه في المال وفي البَدَن وفي كلِّ شيءٍ يكون به البر، لكنَّه هو مضيِّعٌ لهؤلاء الأولاد، غيرُ قائمٍ بما يجب عليه نحوهم، نقول: هذا مطفِّف.كما نقول في المسألة الأولى -في مسألة الزوج مع زوجته-: إنَّه إذا أراد منها أن تقوم بحقِّه كاملًا وهو يبخس حقَّها، نقول: إنَّه مطفِّف. هذا الأب الذي أراد من أولاده أن يبرُّوه تمام البرِّ وهو مقصِّر في حقِّهم نقول: إنك مطفِّف. ونقول له: تذكَّر قولَ الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين ١ - ٣].
المطففين 83:4
ثم قال تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين ٤، ٥] يعني: ألَا يتيقَّن هؤلاء ويعلموا عِلْم اليقين. لأنَّ الظنَّ هنا بمعنى اليقين، والظنُّ بمعنى اليقين يأتي كثيرًا في القرآن؛ مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة ٤٦]، فقال: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ وهم يتيقَّنون أنهم ملاقو الله، لكن الظن يُستعمل بمعنى اليقين كثيرًا في اللغة العربية.
وهنا يقول عز وجل: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ﴾ ألَا يتيقَّن هؤلاء أنهم مبعوثون؛ أي: مُخرَجون من قبورهم لله رب العالمين.
﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ هذا اليوم عظيمٌ، ولا شك أنَّه عظيمٌ؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج ١]؛ عظيمٌ في طوله، في أهواله، فيما يحدث فيه، في كلِّ معنًى تحمله كلمة ﴿عَظِيمٌ﴾.
لكن هذا العظيم هو على قومٍ عسيرٌ، وعلى قومٍ يسيرٌ؛ قال تعالى: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر ١٠]، وقال تعالى: ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر ٨]، لكنَّه بالنسبة للمؤمنين -جعلني الله وإيَّاكم منهم- يسيرٌ كأنما يؤدِّي به صلاةَ فريضةٍ من سهولته عليه ويُسره عليه، لا سيَّما إذا كان مِمَّن استحقَّ هذه الوقاية العظيمة وكان من الذين يُظِلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه، المهم أن هذا يومٌ عظيمٌ لكنه بالنسبة للناس يكون يسيرًا ويكون عسيرًا.
المطففين 83:5
ثم قال تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين ٤، ٥] يعني: ألَا يتيقَّن هؤلاء ويعلموا عِلْم اليقين. لأنَّ الظنَّ هنا بمعنى اليقين، والظنُّ بمعنى اليقين يأتي كثيرًا في القرآن؛ مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة ٤٦]، فقال: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ وهم يتيقَّنون أنهم ملاقو الله، لكن الظن يُستعمل بمعنى اليقين كثيرًا في اللغة العربية.
وهنا يقول عز وجل: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ﴾ ألَا يتيقَّن هؤلاء أنهم مبعوثون؛ أي: مُخرَجون من قبورهم لله رب العالمين.
﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ هذا اليوم عظيمٌ، ولا شك أنَّه عظيمٌ؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج ١]؛ عظيمٌ في طوله، في أهواله، فيما يحدث فيه، في كلِّ معنًى تحمله كلمة ﴿عَظِيمٌ﴾.
لكن هذا العظيم هو على قومٍ عسيرٌ، وعلى قومٍ يسيرٌ؛ قال تعالى: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر ١٠]، وقال تعالى: ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر ٨]، لكنَّه بالنسبة للمؤمنين -جعلني الله وإيَّاكم منهم- يسيرٌ كأنما يؤدِّي به صلاةَ فريضةٍ من سهولته عليه ويُسره عليه، لا سيَّما إذا كان مِمَّن استحقَّ هذه الوقاية العظيمة وكان من الذين يُظِلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه، المهم أن هذا يومٌ عظيمٌ لكنه بالنسبة للناس يكون يسيرًا ويكون عسيرًا.
المطففين 83:6
﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] يعني: هذا اليوم العظيم هو ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، يقومون من قبورهم حُفاةً ليس لهم نعالٌ ولا خفافٌ، عُراةً ليس عليهم ثيابٌ؛ لا قُمُصٌ ولا سراويلُ ولا أُزُر ولا أرديةٌ، «حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا»[[أخرج البخاري (٣٣٤٩)، ومسلم (٢٨٦٠ / ٥٨) واللفظ له، بسنديهما من حديث ابن عباس قال: قام فينا رسول الله ﷺ خطيبًا بموعظةٍ فقال: «يا أيها الناسُ، إنَّكم تُحشَرون إلى الله حفاةً عُراةً غُرْلًا؛ ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] ...» الحديث.]] أي: غير مختونين؛ بمعنى أنَّ القلفة التي تُقطع في الختان تعود يوم القيامة مع صاحبها؛ كما قال الله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء ١٠٤]، ويُعيده الله عز وجل لبيان كمال قدرته تعالى وأنَّه يُعيد الخلق كما بدأهم، والقلفة إنما قُطعتْ في الدنيا من أجْل النزاهة عن الأقذار؛ لأنها إن بَقِيتْ فإنَّه ينحبس فيها شيءٌ من البول وتكون عُرضةً للتلويث، لكن هذا في الآخرة لا حاجة إليه؛ لأن الآخرة ليست دار تكليفٍ بل هي دارُ جزاءٍ، إلا أنَّ الله سبحانه وتعالى قد يكلِّف فيها امتحانًا؛ كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم ٤٢- ٤٣]، المهمُّ أنَّ الناس يقومون على هذا الوصف: «حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا»، وفي بعض الأحاديث: «بُهْمًا»[[أخرجه أحمد (١٦٠٤٢) من حديث عبد الله بن أُنيس رضي الله عنه، ولفظه: «يُحشَر الناسُ يوم القيامة -أو قال: العبادُ- عُراةً غُرْلًا بُهْمًا».]]، قال العلماء: (البُهْم) يعني الذين لا مال معهم؛ ففي يوم القيامة لا مال يفدي به الإنسانُ نفسَه من العذاب، في يوم القيامة ليس هناك ابنٌ يجزي عن أبيه شيئًا، ولا أبٌ يجزي عن ابنه شيئًا، ولا صاحبة، ولا قبيلة، كلٌّ يقول: نفسي نفسي؛ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٧]. نسأل الله تعالى أن يُعيننا وإيَّاكم على أهواله وأن يُيَسِّره علينا.
قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وهو الله جل وعلا، وفي هذا اليوم تتلاشى جميع الأملاك إلا ملْك ربِّ العالمين جل وعلا؛ قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦) الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر ١٦-١٧].
وإلى هنا ينتهي بنا الكلام على هذه الآيات الكريمة من سورة المطففين.
المطففين 83:7
(...) في تفسير سورة المطففين الذي انتهينا فيه إلى قول الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾ [المطففين ٧، ٨] إلى أخره.
﴿كَلَّا﴾ إذا وردتْ في القرآن لها معانٍ حسب السياق؛ قد تكون حرفَ رَدْعٍ وزَجْر، وقد تكون بمعنى (حقًّا)، وقد يكون لها معانٍ أخرى يعيِّنها السياق؛ لأنَّ الكلمات في اللغة العربية ليس لها معنًى ذاتِيٌّ لا تتجاوزه، بل كثيرٌ من الكلمات العربية لها معانٍ تختلف بحسب سياق الكلام.
في هذه الآية يقول: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾، فتحتمل أن تكون بمعنى: حقًّا إنَّ كتاب الفجَّار لَفي سجِّين. أو تكون بمعنى الردع عن التكذيب بيوم الدين، وعلى كلِّ حالٍ فبيَّن الله تعالى في هذه الآية الكريمة أنَّ كتاب الفجَّار في سجِّين.
و(السجِّين) قال العلماء: إنَّه مأخوذٌ من السجن، وهو الضِّيق؛ أي: في مكانٍ ضيِّقٍ، وهذا المكان الضيِّق هو نار جهنَّم -والعياذ بالله- كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان ١٣، ١٤]، وجاء في حديث البراء بن عازب الطويل المشهور في قصَّة المحتضَر وما يكون بعد الموت أنَّ الله سبحانه وتعالى يقول: «اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي سِجِّينٍ» -يعني الكافر-« فِي الْأَرْضِ السَّابِعَةِ السُّفْلَى»[[أخرجه ابن أبي شيبة (١٢٠٥٩)، وأحمد (١٨٥٣٤)، والبيهقي في إثبات عذاب القبر (٤٤)، من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه، ولفظه عند البيهقي: «اكتبوا كتابَه في سجِّين في الأرض السابعة السُّفلى». وعند ابن أبي شيبة بلفظ: «اكتبوا كتابَ عبدي في سجِّين في الأرض السُّفلى».]]، فـ(سجِّين) هو أسفل ما يكون من الأرض الذي هو مقرُّ النار -نعوذ بالله منها- فهذا الكتاب في سجِّين.
المطففين 83:8
ثم عظَّم الله عز وجل هذا السجِّين بقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾، فالاستفهام هنا للتعظيم؛ أي: ما الذي أعلَمك بسجِّين؟! وهل بحثتَ عنه؟! وهل سألتَ عنه حتى يُبَيَّن لك؟!
والتعظيم قد يكون لعظمة الشيء رفعةً وقد يكون لعظمة الشيء نزولًا، وهذا التعظيم في (سجِّين) ليس لرفعته وعُلوِّه، ولكنَّه لسُفوله ونزوله.
المطففين 83:9
ثم قال تعالى: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين ٩] ﴿كِتَابٌ﴾ هذه لا تعود على (سجِّين)، وإنما تعود على ﴿كِتَابَ﴾؛ ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ﴾ [المطففين ٧]، فما هذا الكتاب؟
فقال: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ يعني: مكتوبٌ لا يُزاد فيه ولا يُنقص، ولا يُبدَّل ولا يُغيَّر، بل هذا مآلُهم ومقرُّهم -والعياذُ بالله- أبد الآبدين.
المطففين 83:10
﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المطففين: ٩، ١٠]. ﴾﴿وَيْلٌ﴾ سبق الكلام عليها في هذه السورة وقُلنا: إنها كلمةُ وعيدٍ يتوعَّد الله بها مَن يستحقُّ الوعيد، وهي كثيرة في القرآن الكريم.
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المطففين ١٠، ١١] والكلام كلُّه في يوم الدين من أول السورة إلى آخرها، كلُّه في يوم الدين والجزاء، هؤلاء الذين يكذِّبون بيوم الدين توعَّدهم الله بالويل؛ لأنَّ هؤلاء المكذِّبين بيوم الدين لا يمكن أن يستقيموا على شريعة الله، لا يستقيم على شريعة الله إلا مَن آمَن بيوم الدين؛ لأنَّ مَن لم يؤمن به وإنما آمَن بالحياة فقط فهو لا يهتمُّ بما وراءها ولا يعمل لذلك، وإنما يبقى كالأنعام؛ ﴿يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد ١٢].
ولهذا أظنُّكم تعلمون معي أنَّ الله يَقْرن الإيمانَ به بالإيمان باليوم الآخِر دائمًا؛ لأنَّ الإيمان بالله ابتداء، والإيمان باليوم الآخِر انتهاء، فتؤمن بالله ثم تعمل لليوم الآخِر الذي هو المقرُّ، فهؤلاء -والعياذ بالله- كذَّبوا بيوم الدين، ومَن كذَّب به لا يمكن أن يعمل له أبدًا؛ لأنَّ العمل مبنِيٌّ على عقيدة، إذا لم يكن عندك عقيدة فكيف تعمل؟! ولهذا قال: ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ [المطففين ١٢] يعني: ما يكذِّب بيوم الدين ويُنكره ﴿إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ أي: مُعْتدٍ في أفعاله أثيمٍ في أقواله، وقيل: مُعْتدٍ في أفعاله أثيمٍ في كَسْبه؛ أي إنَّ مآله إلى الإثم، والمعنيان متقاربان، المهمُّ أنَّه لا يمكن أن يكذِّب بيوم الدين إلا رجلٌ معتدٍ أثيمٌ آثمٌ كاسبٌ للآثام التي تؤدِّي به إلى نار جهنَّم، نعوذ بالله.
المطففين 83:11
﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المطففين: ٩، ١٠]. ﴾﴿وَيْلٌ﴾ سبق الكلام عليها في هذه السورة وقُلنا: إنها كلمةُ وعيدٍ يتوعَّد الله بها مَن يستحقُّ الوعيد، وهي كثيرة في القرآن الكريم.
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المطففين ١٠، ١١] والكلام كلُّه في يوم الدين من أول السورة إلى آخرها، كلُّه في يوم الدين والجزاء، هؤلاء الذين يكذِّبون بيوم الدين توعَّدهم الله بالويل؛ لأنَّ هؤلاء المكذِّبين بيوم الدين لا يمكن أن يستقيموا على شريعة الله، لا يستقيم على شريعة الله إلا مَن آمَن بيوم الدين؛ لأنَّ مَن لم يؤمن به وإنما آمَن بالحياة فقط فهو لا يهتمُّ بما وراءها ولا يعمل لذلك، وإنما يبقى كالأنعام؛ ﴿يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد ١٢].
ولهذا أظنُّكم تعلمون معي أنَّ الله يَقْرن الإيمانَ به بالإيمان باليوم الآخِر دائمًا؛ لأنَّ الإيمان بالله ابتداء، والإيمان باليوم الآخِر انتهاء، فتؤمن بالله ثم تعمل لليوم الآخِر الذي هو المقرُّ، فهؤلاء -والعياذ بالله- كذَّبوا بيوم الدين، ومَن كذَّب به لا يمكن أن يعمل له أبدًا؛ لأنَّ العمل مبنِيٌّ على عقيدة، إذا لم يكن عندك عقيدة فكيف تعمل؟! ولهذا قال: ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ [المطففين ١٢] يعني: ما يكذِّب بيوم الدين ويُنكره ﴿إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ أي: مُعْتدٍ في أفعاله أثيمٍ في أقواله، وقيل: مُعْتدٍ في أفعاله أثيمٍ في كَسْبه؛ أي إنَّ مآله إلى الإثم، والمعنيان متقاربان، المهمُّ أنَّه لا يمكن أن يكذِّب بيوم الدين إلا رجلٌ معتدٍ أثيمٌ آثمٌ كاسبٌ للآثام التي تؤدِّي به إلى نار جهنَّم، نعوذ بالله.
المطففين 83:12
﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المطففين: ٩، ١٠]. ﴾﴿وَيْلٌ﴾ سبق الكلام عليها في هذه السورة وقُلنا: إنها كلمةُ وعيدٍ يتوعَّد الله بها مَن يستحقُّ الوعيد، وهي كثيرة في القرآن الكريم.
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المطففين ١٠، ١١] والكلام كلُّه في يوم الدين من أول السورة إلى آخرها، كلُّه في يوم الدين والجزاء، هؤلاء الذين يكذِّبون بيوم الدين توعَّدهم الله بالويل؛ لأنَّ هؤلاء المكذِّبين بيوم الدين لا يمكن أن يستقيموا على شريعة الله، لا يستقيم على شريعة الله إلا مَن آمَن بيوم الدين؛ لأنَّ مَن لم يؤمن به وإنما آمَن بالحياة فقط فهو لا يهتمُّ بما وراءها ولا يعمل لذلك، وإنما يبقى كالأنعام؛ ﴿يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد ١٢].
ولهذا أظنُّكم تعلمون معي أنَّ الله يَقْرن الإيمانَ به بالإيمان باليوم الآخِر دائمًا؛ لأنَّ الإيمان بالله ابتداء، والإيمان باليوم الآخِر انتهاء، فتؤمن بالله ثم تعمل لليوم الآخِر الذي هو المقرُّ، فهؤلاء -والعياذ بالله- كذَّبوا بيوم الدين، ومَن كذَّب به لا يمكن أن يعمل له أبدًا؛ لأنَّ العمل مبنِيٌّ على عقيدة، إذا لم يكن عندك عقيدة فكيف تعمل؟! ولهذا قال: ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ [المطففين ١٢] يعني: ما يكذِّب بيوم الدين ويُنكره ﴿إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ أي: مُعْتدٍ في أفعاله أثيمٍ في أقواله، وقيل: مُعْتدٍ في أفعاله أثيمٍ في كَسْبه؛ أي إنَّ مآله إلى الإثم، والمعنيان متقاربان، المهمُّ أنَّه لا يمكن أن يكذِّب بيوم الدين إلا رجلٌ معتدٍ أثيمٌ آثمٌ كاسبٌ للآثام التي تؤدِّي به إلى نار جهنَّم، نعوذ بالله.
المطففين 83:13
﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المطففين: ١٣]، ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ﴾ يعني: إذا تلاها عليه أحد، وهو يدلُّ على أنَّ هذا الرجل لا يفكِّر أن يتلو آيات الله ولكنَّها تُتلى عليه، فإذا تُليتْ عليه قال: أساطير الأولين؛ أي: هذه أساطير الأولين.
و﴿أَسَاطِيرُ﴾ جمع أُسطورة، وهي الكلام الذي يُذْكر للتسلِّي ولا حقيقة له ولا أصل له، فيقول: هذا القرآن أساطير الأولين. لماذا لا ينتفع بالقرآن وهو أبلغُ الكلام وأشدُّه تأثيرًا على القلب حتى قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق ٣٧]؟
(...) أنَّه لا يكذِّب بيوم الدين إلا كلُّ معتدٍ أثيم، بيَّن حالَ هذا الرجل إذا دُعِي إلى الحقِّ وإلى التصديق بخبر الله أنَّه لا يقبل ذلك؛ ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي إنَّ هذه أساطير وسواليف ليست إلا لإشغال المجالس والتلهِّي بها فقط؛ وذلك لأنَّه -والعياذ بالله- لم يكن مؤمنًا، فلا يَصِل نورُ آيات الله عز وجل إلى قلبه، ويراها مِثل أساطير الأولين التي يتكلم بها العجائز والشيوخ وليس لها أيُّ حقيقة وليس فيها أيُّ جِدٍّ.
المطففين 83:14
قال الله عز وجل: ﴿كَلَّا﴾ أي: ليست أساطير الأولين، ولكنَّ هؤلاء ﴿رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ أي: اجتمع عليها وحجبها عن الحق.
﴿رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٤] أي: من الأعمال السيئات؛ لأنَّ الأعمال السيئات تَحُول بين المرء وبين الهدى؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد ١٧]، فمَن اهتدى بهدى الله، واتَّبع ما أَمَر الله به، وتَرَك ما نهى الله عنه، وصدَّق بما أخبر الله به، وفعل مِثل ذلك فيما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ فلا شكَّ أن قلبه يستنير، وأنَّه يرى الحقَّ حقًّا، ويرى الباطلَ باطلًا، ويعظِّم آيات الله عز وجل ويرى أنها فوق كلِّ كلام، وأنَّ هدي محمدٍ ﷺ فوق كلِّ هدي، هذا مَن أنار الله قلْبَه بالإيمان.
أمَّا -والعياذ بالله- مَن تلطَّخ قلبُه بأرجاس المعاصي وأنجاسها فإنَّه لا يرى هذه الآيات حقًّا، بل لا يراها إلا أساطير الأولين كما في هذه الآية.
﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٤] وفي ﴿بَلْ﴾ سكتةٌ لطيفةٌ عند بعض القُرَّاء، وعند آخرين لا سَكْتة، فيجوز على هذا أن تقول: ﴿كَلَّا بَل رَّانَ﴾، ويجوز أن تقول: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، وهذه لا تُغيِّر المعنى؛ أي سواءٌ سكتَّ أمْ لم تسكت فالمعنى لا يتغيَّر.
المطففين 83:15
﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] أي: حقًّا إنهم عن ربهم لمحجوبون، وذلك في يوم القيامة؛ فإنهم يُحجَبون عن رؤية الله عز وجل كما حُجِبوا عن رؤية شريعته وآياته فرأوا أنَّها أساطير الأولين.
وبهذه الآية استدلَّ أهل السُّنة والجماعة على ثبوت رؤية الله عز وجل، ووجْه الدلالة ظاهرٌ؛ فإنَّه ما حَجَب هؤلاء في حال السخط إلا وقد مكَّن للأبرار من رؤيته تعالى في حال الرضا، فإذا كان هؤلاء المحجوبين فإنَّ الأبرار غير محجوبين، ولو كان الحَجْب لكلٍّ منهم لم يكن لتخصيصه بالفجَّار فائدةٌ إطلاقًا.
ورؤية الله عز وجل ثابتةٌ بالكتابِ ومتواترِ السُّنة وإجماعِ الصحابة والأئمَّة، لا إشكال في هذا أنَّه تعالى يُرى حقًّا بالعَينِ؛ كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٢، ٢٣]، وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦]، وقد فسَّر النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم الزيادةَ بأنَّها النظر إلى وجه الله تعالى، وكما في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق ٣٥]، والمزيد هنا هو بمعنى الزيادة في قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، وكما قال تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام ١٠٣]؛ فإنَّ نَفْي الإدراك يدلُّ على ثبوت أصل الرؤية، ولهذا كانت هذه الآية مما استدلَّ به السلف على رؤية الله واستدلَّ به الخلف على عدم رؤية الله، ولا شكَّ أنَّ الآية دليلٌ عليهم؛ لأنَّ الله لم يَنْفِ بها الرؤية وإنما نفى الإدراكَ، ونفي الإدراك يدلُّ على ثبوت أصل الرؤية، فالحاصل أنَّ القرآن دلَّ على ثبوت رؤية الله عز وجل حقًّا بالعين.
وكذلك جاءت السُّنة بذلك صريحةً؛ حيث قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَانًا كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ صَحْوًا لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ»[[أخرجه البخاري (٧٤٣٥) من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه.]]، «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ»[[أخرجه بهذا اللفظ الترمذي (٢٥٥٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، والحديث متفق عليه؛ البخاري (٥٥٤)، ومسلم (٦٣٣ / ٢١١)، من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه بلفظ مقارب.]]. وقد آمَن بذلك الصحابة رضي الله عنهم والتابعون لهم بإحسانٍ من سلف هذه الأمَّة وأئمَّتها، وأنكر ذلك مَن حُجِبتْ عقولُهم وقلوبهم عن الحقِّ فقالوا: إنَّ الله لا يمكن أن يُرى بالعين، وإنَّ المراد بالرؤية في الآيات هي رؤية القلب؛ أي: اليقين. ولا شكَّ أنَّ هذا قولٌ باطلٌ مخالفٌ للقرآن والسُّنة وإجماع السلف، ثم إنَّ اليقين ثابتٌ لغيرهم أيضًا، حتى الفجَّار يوم القيامة سوف يَرَون ما وُعِدوا به حقًّا ويتيقَّنونه، وليس هذا موضع إطالةٍ في إثباتِ رؤية الله عز وجل والمناقشةِ في أدلَّة الفريقين؛ لأنَّ الأمر -ولله الحمد- من الوضوح أوضحُ من أن يُطال الكلامُ فيه.
المطففين 83:16
﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ﴾ [المطففين: ١٥، ١٦] إنَّ هؤلاء الفجَّار لَصالو الجحيم؛ أي: يَصْلَونها؛ يَصْلون حرارتَها وعذابَها، نسأل الله العافية.
المطففين 83:17
﴿ثُمَّ يُقَالُ﴾ تقريعًا لهم وتوبيخًا ﴿هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين١٧]، فيجتمع عليهم العذابُ البدنيُّ والألمُ البدنيُّ بصَلْي النار، وكذلك العذابُ القلبيُّ بالتوبيخ والتنديم حيث يُقال: هذا الذي كنتم به تكذِّبون. ولهذا يقولون: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام٢٧]، قال الله تعالى: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام٢٨].
* * *
﴿
المطففين 83:18
﴾﴿﴾تكلمنا على التفسير الذي ابتدأناه من سورة النبأ حتى انتهينا إلى قوله تعالى:
﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] من سورة المطففين، ففي هذه الآية يذكر الله عز وجل خبرًا مؤكَّدًا بـ(إنَّ)، لأن (إنَّ) في اللغة العربية من أدوات التوكيد؛ فإنَّك إذا قلت: (الرجلُ قائمٌ) هذا خبر غير مؤكَّد، فإذا قلت: (إنَّ الرجلَ قائمٌ) صار خبرًا مؤكَّدًا.
فيقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾، وهذا مقابل ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾، فكتاب الفجَّار في سجِّين في أسفل الأرض، وكتاب الأبرار في علِّيِّين في أعلى الجنة؛ أي إنهم في هذا المكان العالي، قد كُتِب ذلك عند الله عز وجل قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.
المطففين 83:19
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾ [المطففين: ١٩] أي: ما الذي أعلمك ما علِّيُّون؟! وهذا الاستفهام يُراد به التفخيم والتعظيم؛ يعني: أيُّ شيءٍ أدراك به؟! فإنَّه عظيم.
المطففين 83:20
قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين ٢٠] هذا بيانٌ لقوله: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ﴾؛ أي إنَّ كتابَ الأبرار كتابٌ مرقومٌ مكتوبٌ لا يتغيَّر ولا يتبدَّل.
المطففين 83:21
﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢١] أي: يحضره، أو يشهد به المقرَّبون. والمقرَّبون عند الله هم الذين تقرَّبوا إلى الله سبحانه وتعالى بطاعته، وكلَّما كان الإنسانُ أكثرَ طاعةً لله كان أقرب إلى الله، وكلَّما كان الإنسانُ أشدَّ تواضعًا لله كان أعزَّ عند الله وكان أرفع عند الله؛ قال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة ١١]، فالمقرَّبون هم الذين تقرَّبوا إلى الله تعالى بصالح الأعمال فقرَّبهم الله من عنده.
المطففين 83:22
﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٢٢، ٢٣] ﴿الْأَبْرَارَ﴾ جمع بَرٍّ، والبَرُّ: كثير الخير، كثير الطاعة، كثير الإحسان في عبادة الله والإحسان إلى عباد الله، فهؤلاء الأبرار الذين مَنَّ الله عليهم بفعل الخيرات وتَرْك المنكرات في نعيم.
﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ والنعيم هنا يشمل نعيمَ البدن ونعيمَ القلب؛ أمَّا نعيم البدن فلا تسأل عنه؛ فإنَّ الله سبحانه وتعالى قال في الجنة: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف ٧١]، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]، وأمَّا نعيم القلب فلا تسأل عنه أيضًا؛ فإنهم يُقال لهم وقد شاهدوا الموتَ قد ذُبح، يُقال لهم: «يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ وَلَا مَوْتَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٧٣٠)، ومسلم (٢٨٤٩ / ٤٠)، والنسائي (١٦٨) واللفظ له، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]] ويقال لهم: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾ [الحجر ٤٦، ق ٣٤]، ويقال لهم: «إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْأَسُوا أَبَدًا، وَأَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَمْرَضُوا أَبَدًا، وَأَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا»[[أخرج مسلم (٢٨٣٧ / ٢٢) عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: «ينادي منادٍ: إنَّ لكم أن تَصِحُّوا فلا تسقموا أبدًا، وإنَّ لكم أن تَحْيَوا فلا تموتوا أبدًا، وإنَّ لكم أن تَشِبُّوا فلا تهرموا أبدًا، وإنَّ لكم أن تَنْعموا فلا تبتئسوا أبدًا. فذلك قوله عز وجل: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]».]]، وكلُّ هذا مما يُدخل السرورَ على القلب، فيحصل لهم بذلك نعيمُ القلب ونعيمُ البدن، والملائكة يدخلون عليهم من كل بابٍ يقولون لهم: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد ٢٤]، جعلني الله وإيَّاكم منهم.
المطففين 83:23
وقوله تعالى: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين ٢٣]، ﴿الْأَرَائِكِ﴾ جمع أَرِيكة، وهي السرير المزخرَف المزيَّن الذي وُضِع عليه مثل الظل، وهو من أفخر أنواع الأَسِرَّة، فهُم ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ على هذه الأَسِرَّة الناعمة الحسنة البهيَّة ﴿يَنْظُرُونَ﴾ يعني: ينظرون ما أنعم الله به عليهم من النعيم الذي لا تدركه الأنفس الآن؛ ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾.
وقال بعض العلماء: إنَّ هذا النظر يشمل حتى النظر إلى وجه الله، وجعلوا هذه الآية من الأدلَّة على ثبوت رؤية الله عز وجل في الجنة.
المطففين 83:24
﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤] أي: تعرف أيُّها الناظر إليهم في وجوههم نضرةَ النعيم؛ أي: حُسْنَ النعيم وبهاءَه؛ أي: التَّنَعُّم، وأنتم تشاهدون الآن في الدنيا أنَّ المنعَّمين المترَفين وجوههم غير وجوه الكادحين العاملين، تجدها نضرة، تجدها حسنة، تجدها منعَّمة، فأهل الجنة تعرف في وجوههم نضرة النعيم؛ أي: التنعُّم والسرور؛ لأنهم أَسَرُّ ما يكون، وأنعمُ ما يكون.
المطففين 83:25
ثم قال الله تعالى في بيان ما لهم من النعيم: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ [المطففين ٢٥] إلى آخره.
ونتكلَّم عليه إن شاء الله في الجلسة القادمة.
* * *
(...) ونُكمل سورة المطففين، حيث وقفنا على قول الله تبارك وتعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين ٢٥، ٢٦] الضمير في قوله: ﴿يُسْقَوْنَ﴾ يعني الأبرار، يسقيهم الله عز وجل بأيدي الخدم الذين وَصَفهم الله بقوله: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة ١٧ - ١٩].
﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ﴾ أي: من شرابٍ خالصٍ لا شَوْب فيه، ولا ضرر فيه على العقل، ولا ألَمَ فيه في الرأس، بخلاف شراب الدنيا فإنَّه يغتال العقل ويصدع الرأس، أمَّا هذا فإنه رحيقٌ خالصٌ ليس فيه أيُّ أذًى.
﴿مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ أي: بقيَّته وآخره مِسْك؛ أي: طيِّب الريح، بخلاف خمر الدنيا فإنَّه خبيث الرائحة، فهؤلاء القوم الأبرار لَمَّا حبسوا أنفسَهم عن الملاذِّ التي حرَّمها الله عليهم في الدنيا أُعطوها يوم القيامة.
﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين ٢٦] أي: وفي هذا الثواب والجزاء ﴿فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ أي: فليتسابق المتسابقون سباقًا يَصِل بهم إلى حدِّ النفَس، وهو كنايةٌ عن السرعة في المسابقة؛ يقال: نافَسْتُه، أي: سابَقْتُه سِباقًا بلغ بي النفس.
والمنافَسة في الخير هي المسابقة إلى طاعة الله عز وجل وإلى ما يُرضي الله سبحانه وتعالى، والبُعد عمَّا يُسخط الله.
المطففين 83:26
ثم قال الله تعالى في بيان ما لهم من النعيم: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ [المطففين ٢٥] إلى آخره.
ونتكلَّم عليه إن شاء الله في الجلسة القادمة.
* * *
(...) ونُكمل سورة المطففين، حيث وقفنا على قول الله تبارك وتعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين ٢٥، ٢٦] الضمير في قوله: ﴿يُسْقَوْنَ﴾ يعني الأبرار، يسقيهم الله عز وجل بأيدي الخدم الذين وَصَفهم الله بقوله: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة ١٧ - ١٩].
﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ﴾ أي: من شرابٍ خالصٍ لا شَوْب فيه، ولا ضرر فيه على العقل، ولا ألَمَ فيه في الرأس، بخلاف شراب الدنيا فإنَّه يغتال العقل ويصدع الرأس، أمَّا هذا فإنه رحيقٌ خالصٌ ليس فيه أيُّ أذًى.
﴿مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ أي: بقيَّته وآخره مِسْك؛ أي: طيِّب الريح، بخلاف خمر الدنيا فإنَّه خبيث الرائحة، فهؤلاء القوم الأبرار لَمَّا حبسوا أنفسَهم عن الملاذِّ التي حرَّمها الله عليهم في الدنيا أُعطوها يوم القيامة.
﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين ٢٦] أي: وفي هذا الثواب والجزاء ﴿فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ أي: فليتسابق المتسابقون سباقًا يَصِل بهم إلى حدِّ النفَس، وهو كنايةٌ عن السرعة في المسابقة؛ يقال: نافَسْتُه، أي: سابَقْتُه سِباقًا بلغ بي النفس.
والمنافَسة في الخير هي المسابقة إلى طاعة الله عز وجل وإلى ما يُرضي الله سبحانه وتعالى، والبُعد عمَّا يُسخط الله.
المطففين 83:27
ثم قال عز وجل: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين ٢٧، ٢٨] أي: مِزاج هذا الشراب الذي يُسقاه هؤلاء الأبرار ﴿مِنْ تَسْنِيمٍ﴾ أي: من عينٍ رفيعةٍ معنًى وحِسًّا؛ وذلك لأنَّ أنهار الجنة تفجَّر من الفردوس، والفردوس هو أعلى الجنة وأوسط الجنة، وفوقه عرش الربِّ عز وجل كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهذا الشراب يُمزج بهذا الطِّيب الذي يأتي من التسنيم؛ أي: من المكان المسنَّم الرفيع العالي، وهو جنة عدن.
﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ أي إنَّ هذه العين والمياه النابعة والأنهار الجارية يشرب بها المقرَّبون.
وهنا سيقول قائل: لماذا قال: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾؟ هل هي إناءٌ يُحمَل حتى يقال: شَرِب بالإناء؟
فالجواب: لا؛ لأنَّ العين والنهر لا يُحمَل.
إذَنْ لماذا لم يَقُل: يشرب منها المقرَّبون؟
والجواب عن هذا الإشكال من أحد وجهين؛ فمن العلماء مَن قال: إن الباء بمعنى (مِن)، فمعنى ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ أي: يشرب منها.
ومنهم مَن قال: إنَّ ﴿يَشْرَبُ﴾ بمعنى (يَرْوَى)، ضُمِّنت معنى (يَرْوَى)، فمعنى ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ أي: يَرْوَى بها المقرَّبون. وهذا الوجه أحسنُ من الوجه الذي قبله؛ لأنَّ هذا الوجه يتضمَّن شيئين -أي: يُرَجِّحانه- وهما:
أولًا: إبقاء حرف الجر على معناه الأصلي.
والثاني: أنَّ الفعل ﴿يَشْرَبُ﴾ ضُمِّن معنًى أعلى من الشُّرب وهو الرِّيُّ؛ فكم من إنسانٍ يشرب ولا يَرْوَى، لكن إذا رَوِي فقد شرب.
وعلى هذا فالوجه الثاني أحسن، وهو أن يُضَمَّن الفعل ﴿يَشْرَبُ﴾ يعني يَرْوَى.
المطففين 83:28
ثم قال عز وجل: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين ٢٧، ٢٨] أي: مِزاج هذا الشراب الذي يُسقاه هؤلاء الأبرار ﴿مِنْ تَسْنِيمٍ﴾ أي: من عينٍ رفيعةٍ معنًى وحِسًّا؛ وذلك لأنَّ أنهار الجنة تفجَّر من الفردوس، والفردوس هو أعلى الجنة وأوسط الجنة، وفوقه عرش الربِّ عز وجل كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهذا الشراب يُمزج بهذا الطِّيب الذي يأتي من التسنيم؛ أي: من المكان المسنَّم الرفيع العالي، وهو جنة عدن.
﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ أي إنَّ هذه العين والمياه النابعة والأنهار الجارية يشرب بها المقرَّبون.
وهنا سيقول قائل: لماذا قال: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾؟ هل هي إناءٌ يُحمَل حتى يقال: شَرِب بالإناء؟
فالجواب: لا؛ لأنَّ العين والنهر لا يُحمَل.
إذَنْ لماذا لم يَقُل: يشرب منها المقرَّبون؟
والجواب عن هذا الإشكال من أحد وجهين؛ فمن العلماء مَن قال: إن الباء بمعنى (مِن)، فمعنى ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ أي: يشرب منها.
ومنهم مَن قال: إنَّ ﴿يَشْرَبُ﴾ بمعنى (يَرْوَى)، ضُمِّنت معنى (يَرْوَى)، فمعنى ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ أي: يَرْوَى بها المقرَّبون. وهذا الوجه أحسنُ من الوجه الذي قبله؛ لأنَّ هذا الوجه يتضمَّن شيئين -أي: يُرَجِّحانه- وهما:
أولًا: إبقاء حرف الجر على معناه الأصلي.
والثاني: أنَّ الفعل ﴿يَشْرَبُ﴾ ضُمِّن معنًى أعلى من الشُّرب وهو الرِّيُّ؛ فكم من إنسانٍ يشرب ولا يَرْوَى، لكن إذا رَوِي فقد شرب.
وعلى هذا فالوجه الثاني أحسن، وهو أن يُضَمَّن الفعل ﴿يَشْرَبُ﴾ يعني يَرْوَى.
المطففين 83:29
﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩].
﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ أي: قاموا بالجُرم، وهو المعصية والمخالفة ﴿كَانُوا﴾ أي: في الدنيا ﴿مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ استهزاءً وسُخريةً واستصغارًا لهم.
المطففين 83:30
﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين: ٣٠]. ﴿إِذَا مَرُّوا﴾ الفاعل هل هم الذين أجرموا، أو الذين آمنوا؟
الآية تصلح لهذا وهذا؛ يعني يصح أن يكون: إذا مرَّ المؤمنون بالمجرمين، أو: إذا مرَّ المجرمون بالمؤمنين، والقاعدة التي ينبغي أن تفهموها في التفسير أنَّ الآية إذا احتملتْ معنيين لا يُنافي أحدُهما الآخَر وجبَ حملُها على المعنيين؛ لأنَّ ذلك أعمُّ. أمفهومٌ هذا عندكم؟ ﴿إِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ مَن المار؟ سؤال موجَّه لكم.
* طلبة: (...).
* الشيخ: يحتمل: إذا مرَّ المجرمون بالمؤمنين، أو: إذا مرَّ المؤمنون بالمجرمين، فإذا جعلناها للأمرين صار المعنى أنَّ المجرمين إذا مرُّوا بالمؤمنين وهم جلوسٌ تغامزوا، وإذا مرَّ المؤمنون بالمجرمين وهم جلوسٌ تغامزوا أيضًا، فتكون شاملةً للحالين: حال مرور المجرمين بالمؤمنين، وحال مرور المؤمنين بالمجرمين.
﴿يَتَغَامَزُونَ﴾ يعني: يغمز بعضُهم بعضًا: انظر إلى هؤلاء. سخريةً واستهزاءً واستصغارًا.
المطففين 83:31
﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين: ٣١] إذا انقلب المجرمون إلى أهلهم ﴿انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ يعني: متفكِّهين بما نالوه من السخرية بهؤلاء المؤمنين، فهُم يستهزئون ويسخرون ويتفكَّهون بهذا ظنًّا منهم أنهم نجحوا وأنهم غلبوا المؤمنين، ولكن الأمر بالعكس.
المطففين 83:32
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين ٣٢].
﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ﴾ أي: رأى المجرمون المؤمنين ﴿قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ ضالُّون عن الصواب، متأخِّرون، متزمِّتون، متشدِّدون ... إلى غير ذلك من الألقاب.
ولقد كان لهؤلاء السلف خلفٌ في زماننا اليوم وما قبله وما بعده؛ مِن الناس مَن يقول عن أهل الخير: إنهم رجعيُّون، إنهم متخلِّفون. ويقولون عن الملتزم: إنه متشدِّد متزمِّت. وفوق هذا كلِّه مَن قالوا للرسل: إنهم سَحَرة أو مجانين؛ قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات ٥٢]، فوَرَثة الرُّسُل من أهل العلم والدين سينالهم من أعداء الرُّسُل ما نال الرُّسُل من ألقاب السوء والسخرية وما أشبهَ ذلك، ومن هذا تلقيبُ أهلِ البدع أهلِ التعطيل للسلفِ أهلِ الإثبات بأنهم حشوية، مجسِّمة، مشبِّهة، وما أشبهَ ذلك من ألقاب السوء التي يُنَفِّرون بها الناسَ عن الطريقِ السويِّ.
المطففين 83:33
﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَ1الُّونَ (٣٢) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾ [المطففين: ٣٢، ٣٣] أي إنَّ هؤلاء المجرمين ما بُعِثوا حافظين لهؤلاء يرقبونهم ويحكمون عليهم، بل الحُكم لله عز وجل.
المطففين 83:34
ثم قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين ٣٤] ﴿الْيَوْمَ﴾ يعني: يومَ القيامة الذين آمَنوا يضحكون من الكفَّار، فـ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، و﴿يَضْحَكُونَ﴾ خبره، و﴿مِنَ الْكُفَّارِ﴾ متعلِّق بـ﴿يَضْحَكُونَ﴾، المعنى: فالذين آمَنوا يضحكون اليوم من الكفار. وهذا واللهِ هو الضحك الذي لا بكاء بعده، أمَّا ضحكُ المجرمين بالمؤمنين في الدنيا فسيعقبه البكاء والحزن والويل والثُّبور.
المطففين 83:35
﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٣٥] أي إنَّ المؤمنين على الأرائك في الجنة، والأرائك هي السُّرُر الفخمة الحسنة النضيرة.
﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ أي: ينظرون ما أعدَّ الله لهم من الثواب، وينظرون أولئك الذين يسخرون بهم في الدنيا؛ كما قال الله تعالى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤)﴾ [الصافات ٥١- ٥٤] يقول لأصحابه في الجنة يعرض عليهم أن يطَّلعوا إلى قرينه الذي كان في الدنيا يُنكر البعث ويكذِّب به، ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات ٥٥] في قعره وأصله، قال له: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات ٥٦، ٥٧]، فأنت ترى الآن أنَّ المؤمنين يرون الكفَّار وهم يُعَذَّبون في قعر النار والمؤمنون في الجنة.
قال:﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ إذَنْ ينظرون شيئين:
الشيء الأول: ما أعدَّ الله لهم من النعيم، ومنه النظر إلى وجه الله عز وجل.
والثاني: ينظرون إلى هؤلاء المكذِّبين الذين كانوا في الدنيا يسخرون بهم ويستهزئون بهم، ينظرون إليهم وهم في عذاب الله.
المطففين 83:36
ثم قال تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين ٣٦].
﴿ثُوِّبَ﴾ أي: جُوزِيَ، و﴿هَلْ﴾ هنا للتقرير؛ أي إنَّ الله تعالى قد ثَوَّب الكفارَ وجازاهم جزاءَ فِعلهم في الدنيا، وهو سبحانه وتعالى حَكَمٌ عَدْلٌ، فحُكمه دائرٌ بين العدل والفضل؛ بالنسبة للذين آمنوا حُكمه وجزاؤه فَضْل، وبالنسبة للكافرين حُكمه وجزاؤه عَدْل، فالحمد لله ربِّ العالمين.
وبهذا تمَّ الكلام الذي يسَّره الله عز وجل على سورة المطففين، نسأل الله تعالى أن ينفعنا وإيَّاكم به وأن يجعلنا من المتَّعظين الواعظين.
الانشقاق 84:1
نبدأ كالعادة بالكلام على ما تيسَّر من كتاب الله سبحانه وتعالى، ونحن قد انتهينا من سورة النبأ إلى آخر المطففين.
يقول الله عز وجل: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق ١]، وقد تقدَّم الكلام على البسملة، وبيَّنَّا أنَّ البسملة آيةٌ من كتاب الله مستقلَّةٌ ليست من السورة التي قبلها ولا من السورة التي بعدها، وإنما يؤتى بها في ابتداء السُّوَر إلا سورة (براءة)، وليست آيةً من الفاتحة وإن كان الموجود في المصاحف أنها آية، ولكن القول الراجح وهو مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله وعليه عامَّة أصحابه أنها ليست آيةً من الفاتحة، وهو الذي دلَّ عليه حديث أبي هريرة رضي الله عنه؛ حيث قال النبي عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن الله: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ؛ فَإِذَا قَالَ» ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ «قَالَ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ «قَالَ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ «قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ «قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَإِذَا قَالَ:» ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ «قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ»[[أخرج مسلم (٣٩٥ / ٣٨) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «قال الله تعالى: قسمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال: مجَّدني عبدي، وقال مرَّة: فوض إليَّ عبدي، فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل».]]. وعلى هذا تكون الآية الأولى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، والثانية ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، والثالثة ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، والرابعة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، والخامسة ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، والسادسة ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، والسابعة ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.
وهذا كما أنَّه الموافق لِمَا دلَّتْ عليه السُّنَّة فهو الموافق أيضًا للسورة لفظًا ومعنًى؛ أمَّا لفظًا فالآيات الثلاث الأولى كلُّها لِحَقِّ الله عز وجل، والآيات الثلاث الأخيرة كلُّها لِحَقِّ الإنسان ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، كلُّها لِحَقِّ الإنسان، والآية الرابعة الوسطى بين الله وبين العبد، هذا هو القول الراجح في الفاتحة أنها سبع آيات أولها ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
أمَّا السورة التي نبتدئ بها الآن فهي قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، ﴿انْشَقَّتْ﴾ انفتحت وانفرجت؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾ [المرسلات ٩]، وكقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (٣٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٨) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن ٣٧ - ٣٩]، إذَن فانشقاقها يوم القيامة، ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾.
﴿ ﴾
الانشقاق 84:2
﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ٢] ﴿أَذِنَتْ﴾ بمعنى استمعت وأطاعت، أَمَرها ربُّها عز وجل أن تنشقَّ فانشقَّت، بينما هي كانت كما وَصَفها الله تعالى ﴿سَبْعًا شِدَادًا﴾ [النبأ ١٢]، قوية كما قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات ٤٧] أي: بقُوَّة، فهذه السماء القوية العظيمة تنشقُّ يوم القيامة، تتشقَّق، تتفرَّج بإذْن الله سبحانه وتعالى.
﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ أي: حُقَّ لها أن تأذن؛ أي: تسمع وتطيع؛ لأنَّ الذي أَمَرها مَن؟ أَمَرها الله ربُّها، خالُقها عز وجل، فتسمع وتطيع، كما أنها سمعت وأطاعت في ابتداء خَلْقها؛ ففي ابتداء خلقها قال الله تبارك وتعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت ١١]، فتأمَّل أيها الآدمي البَشَر الضعيف كيف كانت هذه المخلوقات العظيمة تسمع وتطيع لله عز وجل هذه الطاعةَ العظيمةَ في ابتداء الخلق وفي انتهاء الخلق! في ابتداء الخلق قال: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾، في انتهاء الخلق ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ حُقَّ لها أن تأذن؛ تسمع وتطيع.
ثم أعاد قال: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق ٥] تأكيدًا لاستماعها لربها وطاعتها لربها.
الانشقاق 84:3
﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ [الانشقاق: ٣] هذه الأرض التي نحن عليها الآن هي غير ممدودة؛ أولًا: أنها كُرَة مدوَّرة، وإن كانت جوانبها الشمالية والجنوبية منفتحةً قليلًا؛ أي: ممتدَّة قليلًا، فهي مدورة الآن.
ثم هي أيضًا معرَّجة؛ فيها المرتفع جدًّا وفيها المنخفض، فيها الأودية، فيها السهول، فيها الرمال، فهي غير مستوية، لكن يوم القيامة ﴿إِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ أي: تُمَدُّ مدًّا واحدًا كمَدِّ الأديم؛ يعني: كمَدِّ الجلد، كأنما تفرش جلدًا أو سماطًا، تُمدُّ، حتى إنَّ الذين عليها -وهم الخلائق- يُسمعهم الداعي وينفذهم البصر، لكن الآن لا يمكن، لا ينفذهم البصر، لو امتدَّ الناس على الأرض لوجدتَ البعيدين منخفضين لا تراهم، لكن يوم القيامة إذا مُدَّت صار أقصاهم مثل أدناهم كما جاء في الحديث: «يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، وَيَنْفُذُهُم الْبَصَرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٧١٢)، ومسلم (١٩٤ / ٣٢٧)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
﴿
الانشقاق 84:4
﴾﴿﴾﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ٣ - ٥].
﴿أَلْقَتْ مَا فِيهَا﴾ ما الذي فيها؟ فيها جُثَثُ بني آدم تُلْقيها يوم القيامة، تُلقي هذه الجثث، يخرجون من قبورهم لله عز وجل، كما بدأهم أول خَلْق، أي: كما خرجوا من بطون أمهاتهم يخرجون من بطون الأرض، وأنت خرجتَ من بطن أمِّك حافيًا أو منتعلًا؟ أجيبوا.
* طلبة: حافيًا.
* الشيخ: كاسيًا أو عاريًا؟ عاريًا. مختونًا أو أَغْرل؟ أَغْرل، إلا أنَّ بعض الناس قد يُخلَق مختونًا، لكن عامة الناس يخرجون من بطون أمهاتهم غرلًا، كذلك تخرج من بطن الأرض يوم القيامة حافيًا ليس عليك نِعال، عاريًا ليس عليك كساء، أغرل لستَ مختونًا، ولما حدَّث النبي عليه الصلاة والسلام بذلك قالت عائشة: يا رسول الله: الرجال والنساء؟!
قال: الرجال والنساء.
-بادية عوراتهم؟!
-نعم، لكن الأمر أعظم من أن يهمَّهم ذلك[[أخرج البخاري (٦٥٢٧) ومسلم (٢٨٥٩ / ٥٦) عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «يُحشَر الناس يوم القيامة حُفاةً عُراةً غُرْلًا». قلتُ: يا رسول الله، النساء والرجال جميعًا ينظر بعضهم إلى بعض! قال ﷺ: «يا عائشة، الأمر أشدُّ من أن ينظر بعضُهم إلى بعض».]].
الأمر شديد، كلُّ إنسانٍ لاهٍ عن نفسه؛ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٧].
والإنسان إذا تصوَّر الناسَ في ذلك الوقت، إذا تصوَّر مجرَّد تصوُّر فإنَّه يرتعد ويخاف، وإذا كان عاقلًا مؤمنًا عمل لهذا اليوم، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ ﴾
الانشقاق 84:5
﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ٣ - ٥]. ﴿أَذِنَتْ﴾ يعني استمعت وأطاعت لربها وحُقَّت، فبعد أن كانت مدوَّرة فيها الرفيع والنازل صارت كأنها جِلد، ممتدَّة امتدادًا واحدًا.
الانشقاق 84:6
ثم قال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا﴾ [الانشقاق ٦] الكادح هو الساعي بجِدٍّ ونوعِ مشقَّة، وقوله: ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾ يعني أنَّك تكدح كدحًا يوصلك إلى ربك، كدحًا يوصل إلى الله؛ يعني أنَّ منتهى كَدْحك مهما كنتَ ينتهي إلى مَن؟ إلى الله؛ لأنَّنا سنموت، وإذا متنا رجعنا إلى الله عز وجل، فمهما عملتَ فإنَّ المنتهى هو الله عز وجل؛ ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم ٤٢]، ولهذا قال: ﴿كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا﴾، حتى العاصي كادحٌ غايته الله عز وجل؛ ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية ٢٥، ٢٦].
لكن الفرق بين المطيع والعاصي أنَّ المطيع يعمل عملًا يرضاه الله، يَصِل به إلى مرضاة الله يوم القيامة، العاصي يعمل عملًا يُغضب الله، لكن مع ذلك أين ينتهي؟ إلى الله عز وجل، إذَن قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ﴾ يعُمُّ كلَّ إنسان مؤمن وكافر.
﴿إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ الفاء يقول النحويون: إنها تدلُّ على الترتيب والتعقيب؛ يعني: فأنت مُلاقيه. عن بُعد أو عن قُرب؟ عن قرب؛ ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ [الأنعام ١٣٤]، وكل آتٍ قريب، ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى ١٧].
وإذا شئتَ أن يتبيَّن لك أنَّ ملاقاة الربِّ عز وجل قريبة، إذا شئتَ أن يتبيَّن لك فانظر ما مضى من عمرك الآن، لو مضى لك مئة سنة كأنما هذه السنة أيش؟ ساعة واحدة، كل اللي مضى من أعمارنا كأنَّه ساعةٌ واحدة، إذَن هو قريب، ثم إذا مات الإنسان أتظنُّون أن البرزخ الذي بين الحياة الدنيا والآخرة أتظنُّونه طويلًا؟ هو قريب كاللحظة؛ الإنسان إذا نام نومًا هادئًا ولِنَقُل: نام أربعًا وعشرين ساعة، وقام، ويش يقدِّر النوم هذا؟
* طالب: دقيقة.
* الشيخ: دقيقة واحدة، مع أنه يمكن نام أربعًا وعشرين ساعة، إذا كان هذا في مفارقة الروح في الحياة يمضي الوقت بهذه السرعة، فما بالُك إذا كانت الروح بعد خروجها من البدن مشغولةً إمَّا بنعيم أو جحيم، ستمرُّ ملايين السنين على الإنسان وهي كأنها لا شيء؛ لأنَّ امتداد الزمن في حال يقظتنا ليس كامتداد الزمن في حال نومنا، أليس كذلك؟ توافقون على هذا. يعني الإنسان الصاحي من طلوع الشمس إلى زوال الشمس مسافة يحس بها بأنَّ الوقت طويل، لكن لو كان نائمًا ما كأنها شيء.
الذي أماته الله مئة عامٍ ثم بعثه ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [البقرة ٢٥٩] مئة سنة، أصحاب الكهف لَبِثوا في كهفهم ثلاث مئة سنين وتسع سنين، فلمَّا بُعثوا قال بعضهم لبعض: كم لبثتم؟ قالوا: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف ١٩]، وهذا يدلُّ على أن الناس .. يعني الإنسان يتعجَّب؛ كيف ملايين السنين تذهب على ها الأموات؟ نقول: نعم، هذه ملايين السنين، لكن ما كأنها إلا دقيقة واحدة؛ يعني حالُ الإنسان بعد أن تفارق روحُه بدنَه سواءٌ كانت مفارَقة كلِّية أو جزئية غيرُ حاله إذا كانت الروح في البدن؛ إذا كانت الروح في البدن يعاني من المشقة والمشاكل والهواجيس والوساوس، أشياء تُطيل عليه الزمن، لكن في النوم يتقلَّص الزمن كثيرًا، في الموت يتقلص أكثر وأكثر، فهؤلاء الذين ماتوا لهم ملايين السنين أو آلاف السنين كأنهم لم يموتوا إلا اليوم، لو بُعثوا لقيل لهم: كم لَبِثتم؟ قالوا: لَبِثنا يومًا أو بعض يوم.
وهذه مسألة قد يَرِد على الإنسان فيها إشكال، ولكن لا إشكال في الموضوع، مهما طالت المدة بأهل القبور فإنها قصيرة، ولهذا قال: ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾ أتى بالفاء الدالَّة على أيش؟ الترتيب والتعقيب، وما أسرعَ أن تُلاقي الله عز وجل.
ثم قسَّم الله عز وجل الناسَ عند ملاقاة الله تعالى إلى قِسْمين: منهم مَن يأخذ كتابه بيمينه -وأسأل الله أن يجعلني وإيَّاكم منهم- ومنهم مَن يأخذ كتابه من وراء ظهره.
ويأتي إن شاء الله تعالى الكلام على ذلك في الجلسة القادمة.
الانشقاق 84:7
يقول الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق ٧، ٨].
لَمَّا ذكر أنَّ العبد، بل الإنسان -كل الإنسان- كادحٌ إلى ربِّه، (كادحٌ) أي: عاملٌ بجدٍّ ونشاط (إلى ربِّه) أي إنَّ عمله هذا ينتهي إلى الله عز وجل؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود ١٢٣] لما ذكر هذا قال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ إشارة إلى أن هؤلاء العاملين منهم مَن يؤتَى كتابَه بيمينه، ومنهم مَن يؤتَى كتابَه من وراء ظهره.
﴿أَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾، و﴿أُوتِيَ﴾ هنا فِعلٌ مبنيٌّ لِمَا لم يُسَمَّ فاعلُه، فمن الذي يؤتيه؟ يحتمل أنَّه الملائكة أو غير ذلك، لا ندري، المهمُّ أنَّه يُعطَى كتابَه بيمينه، يستلمه باليُمنى.
﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق ٨] أي: يحاسبه الله تعالى بإحصاء عمله عليه، لكنَّه حسابٌ يسيرٌ ليس فيه أيُّ عُسر؛ كما جاءت بذلك السُّنَّة أنَّ الله عز وجل يخلو بعبده المؤمن ويُقَرِّره بذنوبه فيقول: عملتَ كذا، عملتَ كذا، عملتَ كذا. ويُقِرُّ بذلك ولا يُنكر، فيقول الله تعالى: قد سترتُها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم[[أخرج البخاري (٢٤٤١) ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) عن ابن عمر رضي الله عنه أنَّ رجلًا سأله: كيف سمعتَ رسول الله ﷺ يقول في النجوى؟ قال: سمعتُه يقول: «يُدنَى المؤمنُ يوم القيامة من ربِّه عز وجل حتى يضع عليه كَنَفه، فيقرِّره بذنوبه فيقول: هل تعرف؟ فيقول: أي ربِّ أعرف. قال: فإني قد سترتُها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم. فيُعطى صحيفة حسناته، وأمَّا الكفار والمنافقون فيُنادَى بهم على رؤوس الخلائق: هؤلاء الذين كذبوا على الله».]]، ولا شكَّ أنَّ هذا حسابٌ يسيرٌ يظهر فيه منَّةُ الله على العبد وفرحُه بذلك واستبشارُه.
﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ والمحاسِب له هو الله عز وجل؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية ٢٥، ٢٦].
﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق ٨، ٩] ينقلبُ من الحساب إلى أهله في الجنة مسرورًا؛ أي: مسرور القلب، وقد أخبر النبيُّ عليه الصلاة والسلام أن «أَوَّل زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٦)، ومسلم (٢٨٣٤ / ١٤)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، ثم هُم بعد ذلك درجات، وهذا يدلُّ على سرور القلب؛ لأن القلب إذا سُرَّ استنار الوجه.
الانشقاق 84:8
يقول الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق ٧، ٨].
لَمَّا ذكر أنَّ العبد، بل الإنسان -كل الإنسان- كادحٌ إلى ربِّه، (كادحٌ) أي: عاملٌ بجدٍّ ونشاط (إلى ربِّه) أي إنَّ عمله هذا ينتهي إلى الله عز وجل؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود ١٢٣] لما ذكر هذا قال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ إشارة إلى أن هؤلاء العاملين منهم مَن يؤتَى كتابَه بيمينه، ومنهم مَن يؤتَى كتابَه من وراء ظهره.
﴿أَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾، و﴿أُوتِيَ﴾ هنا فِعلٌ مبنيٌّ لِمَا لم يُسَمَّ فاعلُه، فمن الذي يؤتيه؟ يحتمل أنَّه الملائكة أو غير ذلك، لا ندري، المهمُّ أنَّه يُعطَى كتابَه بيمينه، يستلمه باليُمنى.
﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق ٨] أي: يحاسبه الله تعالى بإحصاء عمله عليه، لكنَّه حسابٌ يسيرٌ ليس فيه أيُّ عُسر؛ كما جاءت بذلك السُّنَّة أنَّ الله عز وجل يخلو بعبده المؤمن ويُقَرِّره بذنوبه فيقول: عملتَ كذا، عملتَ كذا، عملتَ كذا. ويُقِرُّ بذلك ولا يُنكر، فيقول الله تعالى: قد سترتُها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم[[أخرج البخاري (٢٤٤١) ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) عن ابن عمر رضي الله عنه أنَّ رجلًا سأله: كيف سمعتَ رسول الله ﷺ يقول في النجوى؟ قال: سمعتُه يقول: «يُدنَى المؤمنُ يوم القيامة من ربِّه عز وجل حتى يضع عليه كَنَفه، فيقرِّره بذنوبه فيقول: هل تعرف؟ فيقول: أي ربِّ أعرف. قال: فإني قد سترتُها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم. فيُعطى صحيفة حسناته، وأمَّا الكفار والمنافقون فيُنادَى بهم على رؤوس الخلائق: هؤلاء الذين كذبوا على الله».]]، ولا شكَّ أنَّ هذا حسابٌ يسيرٌ يظهر فيه منَّةُ الله على العبد وفرحُه بذلك واستبشارُه.
﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ والمحاسِب له هو الله عز وجل؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية ٢٥، ٢٦].
﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق ٨، ٩] ينقلبُ من الحساب إلى أهله في الجنة مسرورًا؛ أي: مسرور القلب، وقد أخبر النبيُّ عليه الصلاة والسلام أن «أَوَّل زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٦)، ومسلم (٢٨٣٤ / ١٤)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، ثم هُم بعد ذلك درجات، وهذا يدلُّ على سرور القلب؛ لأن القلب إذا سُرَّ استنار الوجه.
الانشقاق 84:9
يقول الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق ٧، ٨].
لَمَّا ذكر أنَّ العبد، بل الإنسان -كل الإنسان- كادحٌ إلى ربِّه، (كادحٌ) أي: عاملٌ بجدٍّ ونشاط (إلى ربِّه) أي إنَّ عمله هذا ينتهي إلى الله عز وجل؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود ١٢٣] لما ذكر هذا قال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ إشارة إلى أن هؤلاء العاملين منهم مَن يؤتَى كتابَه بيمينه، ومنهم مَن يؤتَى كتابَه من وراء ظهره.
﴿أَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾، و﴿أُوتِيَ﴾ هنا فِعلٌ مبنيٌّ لِمَا لم يُسَمَّ فاعلُه، فمن الذي يؤتيه؟ يحتمل أنَّه الملائكة أو غير ذلك، لا ندري، المهمُّ أنَّه يُعطَى كتابَه بيمينه، يستلمه باليُمنى.
﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق ٨] أي: يحاسبه الله تعالى بإحصاء عمله عليه، لكنَّه حسابٌ يسيرٌ ليس فيه أيُّ عُسر؛ كما جاءت بذلك السُّنَّة أنَّ الله عز وجل يخلو بعبده المؤمن ويُقَرِّره بذنوبه فيقول: عملتَ كذا، عملتَ كذا، عملتَ كذا. ويُقِرُّ بذلك ولا يُنكر، فيقول الله تعالى: قد سترتُها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم[[أخرج البخاري (٢٤٤١) ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) عن ابن عمر رضي الله عنه أنَّ رجلًا سأله: كيف سمعتَ رسول الله ﷺ يقول في النجوى؟ قال: سمعتُه يقول: «يُدنَى المؤمنُ يوم القيامة من ربِّه عز وجل حتى يضع عليه كَنَفه، فيقرِّره بذنوبه فيقول: هل تعرف؟ فيقول: أي ربِّ أعرف. قال: فإني قد سترتُها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم. فيُعطى صحيفة حسناته، وأمَّا الكفار والمنافقون فيُنادَى بهم على رؤوس الخلائق: هؤلاء الذين كذبوا على الله».]]، ولا شكَّ أنَّ هذا حسابٌ يسيرٌ يظهر فيه منَّةُ الله على العبد وفرحُه بذلك واستبشارُه.
﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ والمحاسِب له هو الله عز وجل؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية ٢٥، ٢٦].
﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق ٨، ٩] ينقلبُ من الحساب إلى أهله في الجنة مسرورًا؛ أي: مسرور القلب، وقد أخبر النبيُّ عليه الصلاة والسلام أن «أَوَّل زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٦)، ومسلم (٢٨٣٤ / ١٤)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، ثم هُم بعد ذلك درجات، وهذا يدلُّ على سرور القلب؛ لأن القلب إذا سُرَّ استنار الوجه.
الانشقاق 84:10
﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق: ١٠ - ١٢] هؤلاء هم الأشقياء والعياذ بالله، يؤتَى كتابَه وراء ظهره وليس عن يمينه، وفي الآية الأخرى في سورة الحاقة: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [الحاقة ٢٥]، فقيل: إنَّ مَن لا يؤتَى كتابَه بيمينه ينقسم إلى قِسمين: منهم مَن يؤتى كتابَه بالشمال، ومنهم مَن يؤتى كتابَه وراء ظهره. والأقرب -والله أعلم- أنَّه يؤتى كتابَه بالشمال، ولكنَّه تُعْكَس يدُه حتى تكون من وراء ظهره إشارةً إلى أنَّه نَبَذَ كتابَ الله وراء ظهره، فيكون الأخذ بالشمال ثم تُلوى يدُه إلى الخلف إشارةً إلى أنَّه قد ولَّى ظهرَه كتابَ الله عز وجل ولم يُبالِ به، ولم يرفعْ به رأسًا، ولم يرَ بمخالفته بأسًا.
الانشقاق 84:11
﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ [الانشقاق: ١١] أي: يدعو على وَيْله؛ يعني: يدعو على نفسه بالثبور؛ يقول: واثُبُوراه! يا ويلاه! وما أشبهَ ذلك من كلمات الندم والحسرة؛ ولكنَّ هذا لا ينفع في ذلك اليوم؛ لأنه انتهى وقت العمل، فوقت العمل هو في الدنيا، أمَّا في الآخرة فلا عمل، وإنما هو الجزاء.
الانشقاق 84:12
﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق: ١١، ١٢] أي: يصلى النار التي تُسَعَّر به -والعياذ بالله- ويكون مخلَّدًا فيها أبدًا لأنَّه كافر.
الانشقاق 84:13
﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: ١٣] إنَّه كان في الدنيا في أهله مسرورًا؛ ولكن هذا السرور أعقبه الندم والحزن الدائم المستمر، واربطْ بين قوله تعالى فيمن أُوتي كتابَه بيمينه: ﴿يَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ وهذا -والعياذ بالله- ﴿كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ تجد الفرق بين السرورين؛ فالسرور الأول سرورٌ دائمٌ، نسأل الله أن يجعلنا وإيَّاكم منهم، والسرور الثاني سرورٌ زائلٌ، ذَهَبَ؛ ﴿كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ أمَّا الآن فلا سرور عنده.
الانشقاق 84:14
﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الانشقاق: ١٤]، ﴿ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ أن لا يرجع بعد الموت، ولهذا كانوا ينكرون البعث ويقولون: لا بعث، ويقول: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨].
الانشقاق 84:15
﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ قال تعالى: ﴿بَلَى﴾ أي: سيحور ويرجع ﴿إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ [الانشقاق ١٥] يعني: إنَّه سيرجع إلى الله عز وجل الذي هو بصيرٌ بأعماله، وسوف يحاسبه عليها على ما تقتضيه حكمته وعدله.
الانشقاق 84:16
(...) يوم الخميس، وبه نختتم ما بقي من سورة الانشقاق، فقد انتهينا إلى قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق ١٦ - ١٩]. هذه الجملة مكوَّنة من قَسَم، ومُقسَم به، ومقسَم عليه، ومُقسِم، فالقسم في قوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ قد يظنُّ الظانُّ أن معنى ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ نفي، وليس كذلك، بل هو إثبات، و(لا) هنا جيء بها للتنبيه، ولو حُذفتْ في غير القرآن لَاستقام الكلام، ولها نظائر مثل: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد ١]، ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة ١]. ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ﴾ [المعارج ٤٠]، ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة ٣٨]، وكلُّها يقول العلماء: إن (لَا) فيها للتنبيه، وإنَّ القَسَم مثبت.
أمَّا المقْسِم فهو الله عز وجل، فهو سبحانه مُقْسِمٌ، أمَّا المقسَم به في هذه الآية فهو الشَّفَق وما عُطف عليه.
فإن قال قائل: لماذا يُقسم الله على خبره وهو سبحانه الصادق بلا قَسَم؟ وكذلك يُقسم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على خبره وهو صادقٌ بلا قَسَم؟
قلنا: إنَّ القَسَم يؤكِّد الكلام، والقرآن العربي نزل باللسان العربي، وإذا كان مِن عادتهم أنهم يؤكِّدون الكلام بالقسم صار هذا الأسلوب جاريًا على اللسان العربي الذي نزل به القرآن.
وقوله: ﴿بِالشَّفَقِ﴾ الشَّفَق هو الحُمرة التي تكون بعد غروب الشمس، وإذا غابت هذه الحُمرة خرج وقتُ المغرب ودخل وقتُ العشاء، هذا قول أكثر العلماء. وبعضهم قال: إذا غاب البياض، وهو يغيب بعد الحُمرة بنحو نصف ساعة، لكن الذي عليه الجمهور -ويقال: إنَّ أبا حنيفة رحمه الله رجع إليه- هو أنَّ الشَّفَق هو الحُمرة، وإذا غاب هذا الشَّفَق فإنَّه يدخل وقت العشاء ويخرج وقت المغرب.
﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ هذا أيضًا مُقْسَمٌ به معطوفٌ على الشفق؛ يعني: وأُقسِم بالليل وما وسق. وهذان قَسَمان: الليل، وما وسق. الليل معروف، فما معنى ﴿مَا وَسَقَ﴾؟ أي: ما جمع؛ لأنَّ الليل يجمع الوحوش والهوامَّ وما أشبهَ ذلك، تجتمع وتخرج، تَبرز من جحورها وبيوتها، وكذلك ربما يشير إلى اجتماع الناس بعضهم إلى بعض.
﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ القمر معروف، ومعنى ﴿إِذَا اتَّسَقَ﴾ يعني: إذا اجتمع نوره وتمَّ وكمل، وذلك في ليالي الإبدار، فأقسمَ الله عز وجل باللَّيل وما وَسَق؛ أي: ما جمع، وبالقمر لأنَّه آية الليل.
ثم قال بعد ذلك: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ والخطاب هنا لجميع الناس؛ أي: لتركبُنَّ حالًا عن حال، وهو يعني أنَّ الأحوال تتغيَّر؛ فيشمل أحوال الزمان، وأحوال المكان، وأحوال الأبدان، وأحوال القلوب، انتبِهوا، تضمَّن أربعة أشياء، ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ ما قلنا فيها؟ حالًا بعد حال. فماهي؟ قلنا: أحوال الزمان، وأحوال المكان، وأحوال الأبدان، وأحوال القلوب.
أحوال الزمان نعرف أنها تتنقَّل؛ ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ١٤٠]، فيومٌ يكون فيه السرور والانشراح وانبساط النفس، ويومٌ آخَر يكون بالعكس، حتى إنَّ الإنسان لَيشعر بهذا من غير أن يكون هناك سببٌ معلوم، وفي هذا يقول الشاعر:
وَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا ∗∗∗ وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرّْ
وهذا شيءٌ يعرفه مِنَّا كلُّ واحدٍ بنفسه، تصبح اليوم مستأنسًا فرحًا مسرورًا، في اليوم الثاني بالعكس بدون سبب، لكن هكذا لا بدَّ أن الإنسان يركب طبقًا عن طبق.
كذلك في الأمكنة؛ ينزل الإنسان هذا اليوم منزلًا، وفي اليوم التالي منزلًا آخَر، وثالثًا، ورابعًا، إلى أن تنتهي به المنازل في الآخرة، وما قبل الآخرة وهو القبور هي منازل مؤقتة، القبور ليست هي آخر المنازل، بل هي مرحلة. وسمع أعرابيٌّ رجلًا يقرأ قول الله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر ١، ٢] فقال الأعرابي: واللهِ ما الزائر بمقيم. يعني الأعرابي بفطرته عرف أنَّ وراء هذه القبور شيئًا يكون المصير إليه؛ لأنَّه كما نعرف الزائر يزور ويمشي، وبه نعرف أنَّ ما نسمعه في الجرائد: فلان تُوُفِّي ثم نقلوه إلى مثواه الأخير، أنَّ هذه الكلمة غلط كبير، ومدلولها كفرٌ باليوم الآخِر؛ لأنك إذا جعلتَ القبر هو المثوى الأخير، فهذا يعني أنَّه ليس بعده شيء، وهذا كفر، الذي يرى أنَّ القبر هو المثوى الأخير وليس بعده مثوى كافرٌ، المثوى الأخير إمَّا جنة وإمَّا نار.
ذكرنا الآن حالين: الحال الأولى الزمان، والثانية المكان.
الثالث: الأبدان؛ الأبدان يركب الإنسان فيها طبقًا عن طبق، واستمعْ إلى قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم ٥٤]. أول ما يُخلَق الإنسان طفلًا صغيرًا، يمكن أن تجمع يديه ورِجليه بيدٍ واحدةٍ منك وتحمله بهذه اليد، ضعيف، ثم لا يزال يَقوى رويدًا رويدًا حتى يكون شابًّا جلدًا قويًّا، ثم إذا استكمل القوة عاد فرجع إلى الضعف.
وقد شبَّه بعضُ العلماء حال البدن بحال القمر يبدو هلالًا ضعيفًا، ثم يكبر شيئًا فشيئًا حتى يمتلىء نورًا، ثم يعود ينقص شيئًا فشيئًا حتى يضمحلَّ، نسأل الله أن يُحسن لنا ولكم الخاتمة، هذا حال الأبدان.
الرابعة: حال القلوب، وما أدراك ما أحوال القلوب! أحوال القلوب هي البليَّة، هي المصيبة، هي النعمة، هي النقمة، القلوبُ كلُّ قلوبِ بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلِّبه كيف يشاء، فإنْ شاء أزاغه وإن شاء هداه، كلُّ قلب، ولَمَّا حدَّث النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الحديث قال: «اللَّهُمَّ مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»[[أخرجه أحمد (٢٦٥٧٦) من حديث أم سلمة رضي الله عنها.]]، فالقلوب لها أحوال عجيبة؛ تارةً يتعلَّق القلب بالدنيا، وتارةً يتعلَّق بشيءٍ من الدنيا، تارةً يتعلَّق بالمال ويكون المالُ أكبرَ همِّه، تارةً يتعلَّق بالنساء وتكون النساءُ أكبرَ همِّه، تارةً يتعلَّق بالقصور والمنازل ويكون ذلك أكبرَ همِّه، تارةً يتعلَّق بالمركوبات والسيارات ويكون ذلك أكبرَ همِّه، تارةً يكون مع الله عز وجل، دائمًا مع الله، يتعلَّق بالله سبحانه وتعالى، ويرى أنَّ الدنيا كلَّها وسيلةٌ إلى عبادة الله وإلى طاعة الله، فيستخدم الدنيا لأنها خُلِقت له، ولا تستخدمه الدنيا.
شوفوا يا إخواني، أصحاب الدنيا هل تظنُّون أن الدنيا تخدمهم أمْ هم يخدمونها؟ هم الذين يخدمونها، هم الذين أتعبوا أنفسَهم في تحصيلها، لكن أصحاب الآخرة هم الذين استخدموا الدنيا وخَدَمتْهم الدنيا، ولذلك لا يأخذونها إلا عن طريق رضا الله، ولا يصرفونها إلا في رضا الله عز وجل، فاستخدموها أخذًا وصرفًا، لكن أصحاب الدنيا الذين تَعِبوا بها؛ سهروا الليالي يراجعون الدفاتر، يراجعون الشيكات، يراجعون المصروفات، يراجعون المدفوعات، يراجعون ما أخذوا وما صرفوا، هؤلاء في الحقيقة استخدمتْهم الدنيا ولم يستخدموها، لكن الرجُل المطمئن الذي جعلَ اللَّهُ رِزقَه كفافًا يستغني به عن الناس ولا يشتغل به عن طاعة الله، هذا هو الذي خدمتْه الدنيا، هذه أحوال القلوب.
أحوال القلوب هي أعظم الأحوال الأربع، ولهذا يجب علينا جميعًا -وأقوله لنفسي قبلكم- أن نراجع قلوبَنا كلَّ ساعة، كلَّ لحظة: أين انصرفتَ أيها القلب؟ أين ذهبتَ؟ لماذا تنصرف عن الله؟ لماذا تلتفت يمينًا وشمالًا؟ ولكن نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وغلب على كثيرٍ من الناس، حتى إنَّه لَيصرف الإنسانَ عن صلاته التي هي رأس ماله بعد الشهادتين، فتجده إذا دخل في صلاته ذهب قلبُه يمينًا وشمالًا حتى يخرج من صلاته ولم يعقل منها شيئًا، والناس يصيحون يقولون: صلاتُنا لا تنهانا عن الفحشاء والمنكر، أين وَعْد الله؟!
فيقال: يا أخي هل صلاتك صلاة؟! إذا كنتَ من حين تُكَبِّر تفتح لك باب الهواجيس التي لا نهاية لها، فهل أنت مُصَلٍّ؟! صلَّيتَ بجسمك لكن لم تُصَلِّ بقلبك، وقد جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهُ لَيْسَ لَكَ مِنْ صَلَاتِكَ إِلَّا مَا عَقَلْتَ مِنْهَا»[[هو أثرٌ من قول عمار بن ياسر رضي الله عنه، ذكره أبو طالب المكي في قوت القلوب (٢ / ١٧٠) بلفظ: إنما يُكتَب للعبد من صلاته ما عقل منها. وأخرج ابن المبارك في الزهد (١٣٠٠) عن عمار رضي الله عنه قوله: لا يُكتَب للرجل من صلاته ما سها عنه.]]، نصفها، رُبعها، ثُلثها، عُشرها، خُمسها، حسب ما تعقل منها. إذَنْ فالقلوب تركب طبقًا عن طبق.
الانشقاق 84:17
(...) يوم الخميس، وبه نختتم ما بقي من سورة الانشقاق، فقد انتهينا إلى قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق ١٦ - ١٩]. هذه الجملة مكوَّنة من قَسَم، ومُقسَم به، ومقسَم عليه، ومُقسِم، فالقسم في قوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ قد يظنُّ الظانُّ أن معنى ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ نفي، وليس كذلك، بل هو إثبات، و(لا) هنا جيء بها للتنبيه، ولو حُذفتْ في غير القرآن لَاستقام الكلام، ولها نظائر مثل: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد ١]، ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة ١]. ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ﴾ [المعارج ٤٠]، ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة ٣٨]، وكلُّها يقول العلماء: إن (لَا) فيها للتنبيه، وإنَّ القَسَم مثبت.
أمَّا المقْسِم فهو الله عز وجل، فهو سبحانه مُقْسِمٌ، أمَّا المقسَم به في هذه الآية فهو الشَّفَق وما عُطف عليه.
فإن قال قائل: لماذا يُقسم الله على خبره وهو سبحانه الصادق بلا قَسَم؟ وكذلك يُقسم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على خبره وهو صادقٌ بلا قَسَم؟
قلنا: إنَّ القَسَم يؤكِّد الكلام، والقرآن العربي نزل باللسان العربي، وإذا كان مِن عادتهم أنهم يؤكِّدون الكلام بالقسم صار هذا الأسلوب جاريًا على اللسان العربي الذي نزل به القرآن.
وقوله: ﴿بِالشَّفَقِ﴾ الشَّفَق هو الحُمرة التي تكون بعد غروب الشمس، وإذا غابت هذه الحُمرة خرج وقتُ المغرب ودخل وقتُ العشاء، هذا قول أكثر العلماء. وبعضهم قال: إذا غاب البياض، وهو يغيب بعد الحُمرة بنحو نصف ساعة، لكن الذي عليه الجمهور -ويقال: إنَّ أبا حنيفة رحمه الله رجع إليه- هو أنَّ الشَّفَق هو الحُمرة، وإذا غاب هذا الشَّفَق فإنَّه يدخل وقت العشاء ويخرج وقت المغرب.
﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ هذا أيضًا مُقْسَمٌ به معطوفٌ على الشفق؛ يعني: وأُقسِم بالليل وما وسق. وهذان قَسَمان: الليل، وما وسق. الليل معروف، فما معنى ﴿مَا وَسَقَ﴾؟ أي: ما جمع؛ لأنَّ الليل يجمع الوحوش والهوامَّ وما أشبهَ ذلك، تجتمع وتخرج، تَبرز من جحورها وبيوتها، وكذلك ربما يشير إلى اجتماع الناس بعضهم إلى بعض.
﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ القمر معروف، ومعنى ﴿إِذَا اتَّسَقَ﴾ يعني: إذا اجتمع نوره وتمَّ وكمل، وذلك في ليالي الإبدار، فأقسمَ الله عز وجل باللَّيل وما وَسَق؛ أي: ما جمع، وبالقمر لأنَّه آية الليل.
ثم قال بعد ذلك: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ والخطاب هنا لجميع الناس؛ أي: لتركبُنَّ حالًا عن حال، وهو يعني أنَّ الأحوال تتغيَّر؛ فيشمل أحوال الزمان، وأحوال المكان، وأحوال الأبدان، وأحوال القلوب، انتبِهوا، تضمَّن أربعة أشياء، ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ ما قلنا فيها؟ حالًا بعد حال. فماهي؟ قلنا: أحوال الزمان، وأحوال المكان، وأحوال الأبدان، وأحوال القلوب.
أحوال الزمان نعرف أنها تتنقَّل؛ ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ١٤٠]، فيومٌ يكون فيه السرور والانشراح وانبساط النفس، ويومٌ آخَر يكون بالعكس، حتى إنَّ الإنسان لَيشعر بهذا من غير أن يكون هناك سببٌ معلوم، وفي هذا يقول الشاعر:
وَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا ∗∗∗ وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرّْ
وهذا شيءٌ يعرفه مِنَّا كلُّ واحدٍ بنفسه، تصبح اليوم مستأنسًا فرحًا مسرورًا، في اليوم الثاني بالعكس بدون سبب، لكن هكذا لا بدَّ أن الإنسان يركب طبقًا عن طبق.
كذلك في الأمكنة؛ ينزل الإنسان هذا اليوم منزلًا، وفي اليوم التالي منزلًا آخَر، وثالثًا، ورابعًا، إلى أن تنتهي به المنازل في الآخرة، وما قبل الآخرة وهو القبور هي منازل مؤقتة، القبور ليست هي آخر المنازل، بل هي مرحلة. وسمع أعرابيٌّ رجلًا يقرأ قول الله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر ١، ٢] فقال الأعرابي: واللهِ ما الزائر بمقيم. يعني الأعرابي بفطرته عرف أنَّ وراء هذه القبور شيئًا يكون المصير إليه؛ لأنَّه كما نعرف الزائر يزور ويمشي، وبه نعرف أنَّ ما نسمعه في الجرائد: فلان تُوُفِّي ثم نقلوه إلى مثواه الأخير، أنَّ هذه الكلمة غلط كبير، ومدلولها كفرٌ باليوم الآخِر؛ لأنك إذا جعلتَ القبر هو المثوى الأخير، فهذا يعني أنَّه ليس بعده شيء، وهذا كفر، الذي يرى أنَّ القبر هو المثوى الأخير وليس بعده مثوى كافرٌ، المثوى الأخير إمَّا جنة وإمَّا نار.
ذكرنا الآن حالين: الحال الأولى الزمان، والثانية المكان.
الثالث: الأبدان؛ الأبدان يركب الإنسان فيها طبقًا عن طبق، واستمعْ إلى قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم ٥٤]. أول ما يُخلَق الإنسان طفلًا صغيرًا، يمكن أن تجمع يديه ورِجليه بيدٍ واحدةٍ منك وتحمله بهذه اليد، ضعيف، ثم لا يزال يَقوى رويدًا رويدًا حتى يكون شابًّا جلدًا قويًّا، ثم إذا استكمل القوة عاد فرجع إلى الضعف.
وقد شبَّه بعضُ العلماء حال البدن بحال القمر يبدو هلالًا ضعيفًا، ثم يكبر شيئًا فشيئًا حتى يمتلىء نورًا، ثم يعود ينقص شيئًا فشيئًا حتى يضمحلَّ، نسأل الله أن يُحسن لنا ولكم الخاتمة، هذا حال الأبدان.
الرابعة: حال القلوب، وما أدراك ما أحوال القلوب! أحوال القلوب هي البليَّة، هي المصيبة، هي النعمة، هي النقمة، القلوبُ كلُّ قلوبِ بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلِّبه كيف يشاء، فإنْ شاء أزاغه وإن شاء هداه، كلُّ قلب، ولَمَّا حدَّث النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الحديث قال: «اللَّهُمَّ مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»[[أخرجه أحمد (٢٦٥٧٦) من حديث أم سلمة رضي الله عنها.]]، فالقلوب لها أحوال عجيبة؛ تارةً يتعلَّق القلب بالدنيا، وتارةً يتعلَّق بشيءٍ من الدنيا، تارةً يتعلَّق بالمال ويكون المالُ أكبرَ همِّه، تارةً يتعلَّق بالنساء وتكون النساءُ أكبرَ همِّه، تارةً يتعلَّق بالقصور والمنازل ويكون ذلك أكبرَ همِّه، تارةً يتعلَّق بالمركوبات والسيارات ويكون ذلك أكبرَ همِّه، تارةً يكون مع الله عز وجل، دائمًا مع الله، يتعلَّق بالله سبحانه وتعالى، ويرى أنَّ الدنيا كلَّها وسيلةٌ إلى عبادة الله وإلى طاعة الله، فيستخدم الدنيا لأنها خُلِقت له، ولا تستخدمه الدنيا.
شوفوا يا إخواني، أصحاب الدنيا هل تظنُّون أن الدنيا تخدمهم أمْ هم يخدمونها؟ هم الذين يخدمونها، هم الذين أتعبوا أنفسَهم في تحصيلها، لكن أصحاب الآخرة هم الذين استخدموا الدنيا وخَدَمتْهم الدنيا، ولذلك لا يأخذونها إلا عن طريق رضا الله، ولا يصرفونها إلا في رضا الله عز وجل، فاستخدموها أخذًا وصرفًا، لكن أصحاب الدنيا الذين تَعِبوا بها؛ سهروا الليالي يراجعون الدفاتر، يراجعون الشيكات، يراجعون المصروفات، يراجعون المدفوعات، يراجعون ما أخذوا وما صرفوا، هؤلاء في الحقيقة استخدمتْهم الدنيا ولم يستخدموها، لكن الرجُل المطمئن الذي جعلَ اللَّهُ رِزقَه كفافًا يستغني به عن الناس ولا يشتغل به عن طاعة الله، هذا هو الذي خدمتْه الدنيا، هذه أحوال القلوب.
أحوال القلوب هي أعظم الأحوال الأربع، ولهذا يجب علينا جميعًا -وأقوله لنفسي قبلكم- أن نراجع قلوبَنا كلَّ ساعة، كلَّ لحظة: أين انصرفتَ أيها القلب؟ أين ذهبتَ؟ لماذا تنصرف عن الله؟ لماذا تلتفت يمينًا وشمالًا؟ ولكن نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وغلب على كثيرٍ من الناس، حتى إنَّه لَيصرف الإنسانَ عن صلاته التي هي رأس ماله بعد الشهادتين، فتجده إذا دخل في صلاته ذهب قلبُه يمينًا وشمالًا حتى يخرج من صلاته ولم يعقل منها شيئًا، والناس يصيحون يقولون: صلاتُنا لا تنهانا عن الفحشاء والمنكر، أين وَعْد الله؟!
فيقال: يا أخي هل صلاتك صلاة؟! إذا كنتَ من حين تُكَبِّر تفتح لك باب الهواجيس التي لا نهاية لها، فهل أنت مُصَلٍّ؟! صلَّيتَ بجسمك لكن لم تُصَلِّ بقلبك، وقد جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهُ لَيْسَ لَكَ مِنْ صَلَاتِكَ إِلَّا مَا عَقَلْتَ مِنْهَا»[[هو أثرٌ من قول عمار بن ياسر رضي الله عنه، ذكره أبو طالب المكي في قوت القلوب (٢ / ١٧٠) بلفظ: إنما يُكتَب للعبد من صلاته ما عقل منها. وأخرج ابن المبارك في الزهد (١٣٠٠) عن عمار رضي الله عنه قوله: لا يُكتَب للرجل من صلاته ما سها عنه.]]، نصفها، رُبعها، ثُلثها، عُشرها، خُمسها، حسب ما تعقل منها. إذَنْ فالقلوب تركب طبقًا عن طبق.
الانشقاق 84:18
(...) يوم الخميس، وبه نختتم ما بقي من سورة الانشقاق، فقد انتهينا إلى قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق ١٦ - ١٩]. هذه الجملة مكوَّنة من قَسَم، ومُقسَم به، ومقسَم عليه، ومُقسِم، فالقسم في قوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ قد يظنُّ الظانُّ أن معنى ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ نفي، وليس كذلك، بل هو إثبات، و(لا) هنا جيء بها للتنبيه، ولو حُذفتْ في غير القرآن لَاستقام الكلام، ولها نظائر مثل: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد ١]، ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة ١]. ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ﴾ [المعارج ٤٠]، ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة ٣٨]، وكلُّها يقول العلماء: إن (لَا) فيها للتنبيه، وإنَّ القَسَم مثبت.
أمَّا المقْسِم فهو الله عز وجل، فهو سبحانه مُقْسِمٌ، أمَّا المقسَم به في هذه الآية فهو الشَّفَق وما عُطف عليه.
فإن قال قائل: لماذا يُقسم الله على خبره وهو سبحانه الصادق بلا قَسَم؟ وكذلك يُقسم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على خبره وهو صادقٌ بلا قَسَم؟
قلنا: إنَّ القَسَم يؤكِّد الكلام، والقرآن العربي نزل باللسان العربي، وإذا كان مِن عادتهم أنهم يؤكِّدون الكلام بالقسم صار هذا الأسلوب جاريًا على اللسان العربي الذي نزل به القرآن.
وقوله: ﴿بِالشَّفَقِ﴾ الشَّفَق هو الحُمرة التي تكون بعد غروب الشمس، وإذا غابت هذه الحُمرة خرج وقتُ المغرب ودخل وقتُ العشاء، هذا قول أكثر العلماء. وبعضهم قال: إذا غاب البياض، وهو يغيب بعد الحُمرة بنحو نصف ساعة، لكن الذي عليه الجمهور -ويقال: إنَّ أبا حنيفة رحمه الله رجع إليه- هو أنَّ الشَّفَق هو الحُمرة، وإذا غاب هذا الشَّفَق فإنَّه يدخل وقت العشاء ويخرج وقت المغرب.
﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ هذا أيضًا مُقْسَمٌ به معطوفٌ على الشفق؛ يعني: وأُقسِم بالليل وما وسق. وهذان قَسَمان: الليل، وما وسق. الليل معروف، فما معنى ﴿مَا وَسَقَ﴾؟ أي: ما جمع؛ لأنَّ الليل يجمع الوحوش والهوامَّ وما أشبهَ ذلك، تجتمع وتخرج، تَبرز من جحورها وبيوتها، وكذلك ربما يشير إلى اجتماع الناس بعضهم إلى بعض.
﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ القمر معروف، ومعنى ﴿إِذَا اتَّسَقَ﴾ يعني: إذا اجتمع نوره وتمَّ وكمل، وذلك في ليالي الإبدار، فأقسمَ الله عز وجل باللَّيل وما وَسَق؛ أي: ما جمع، وبالقمر لأنَّه آية الليل.
ثم قال بعد ذلك: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ والخطاب هنا لجميع الناس؛ أي: لتركبُنَّ حالًا عن حال، وهو يعني أنَّ الأحوال تتغيَّر؛ فيشمل أحوال الزمان، وأحوال المكان، وأحوال الأبدان، وأحوال القلوب، انتبِهوا، تضمَّن أربعة أشياء، ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ ما قلنا فيها؟ حالًا بعد حال. فماهي؟ قلنا: أحوال الزمان، وأحوال المكان، وأحوال الأبدان، وأحوال القلوب.
أحوال الزمان نعرف أنها تتنقَّل؛ ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ١٤٠]، فيومٌ يكون فيه السرور والانشراح وانبساط النفس، ويومٌ آخَر يكون بالعكس، حتى إنَّ الإنسان لَيشعر بهذا من غير أن يكون هناك سببٌ معلوم، وفي هذا يقول الشاعر:
وَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا ∗∗∗ وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرّْ
وهذا شيءٌ يعرفه مِنَّا كلُّ واحدٍ بنفسه، تصبح اليوم مستأنسًا فرحًا مسرورًا، في اليوم الثاني بالعكس بدون سبب، لكن هكذا لا بدَّ أن الإنسان يركب طبقًا عن طبق.
كذلك في الأمكنة؛ ينزل الإنسان هذا اليوم منزلًا، وفي اليوم التالي منزلًا آخَر، وثالثًا، ورابعًا، إلى أن تنتهي به المنازل في الآخرة، وما قبل الآخرة وهو القبور هي منازل مؤقتة، القبور ليست هي آخر المنازل، بل هي مرحلة. وسمع أعرابيٌّ رجلًا يقرأ قول الله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر ١، ٢] فقال الأعرابي: واللهِ ما الزائر بمقيم. يعني الأعرابي بفطرته عرف أنَّ وراء هذه القبور شيئًا يكون المصير إليه؛ لأنَّه كما نعرف الزائر يزور ويمشي، وبه نعرف أنَّ ما نسمعه في الجرائد: فلان تُوُفِّي ثم نقلوه إلى مثواه الأخير، أنَّ هذه الكلمة غلط كبير، ومدلولها كفرٌ باليوم الآخِر؛ لأنك إذا جعلتَ القبر هو المثوى الأخير، فهذا يعني أنَّه ليس بعده شيء، وهذا كفر، الذي يرى أنَّ القبر هو المثوى الأخير وليس بعده مثوى كافرٌ، المثوى الأخير إمَّا جنة وإمَّا نار.
ذكرنا الآن حالين: الحال الأولى الزمان، والثانية المكان.
الثالث: الأبدان؛ الأبدان يركب الإنسان فيها طبقًا عن طبق، واستمعْ إلى قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم ٥٤]. أول ما يُخلَق الإنسان طفلًا صغيرًا، يمكن أن تجمع يديه ورِجليه بيدٍ واحدةٍ منك وتحمله بهذه اليد، ضعيف، ثم لا يزال يَقوى رويدًا رويدًا حتى يكون شابًّا جلدًا قويًّا، ثم إذا استكمل القوة عاد فرجع إلى الضعف.
وقد شبَّه بعضُ العلماء حال البدن بحال القمر يبدو هلالًا ضعيفًا، ثم يكبر شيئًا فشيئًا حتى يمتلىء نورًا، ثم يعود ينقص شيئًا فشيئًا حتى يضمحلَّ، نسأل الله أن يُحسن لنا ولكم الخاتمة، هذا حال الأبدان.
الرابعة: حال القلوب، وما أدراك ما أحوال القلوب! أحوال القلوب هي البليَّة، هي المصيبة، هي النعمة، هي النقمة، القلوبُ كلُّ قلوبِ بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلِّبه كيف يشاء، فإنْ شاء أزاغه وإن شاء هداه، كلُّ قلب، ولَمَّا حدَّث النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الحديث قال: «اللَّهُمَّ مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»[[أخرجه أحمد (٢٦٥٧٦) من حديث أم سلمة رضي الله عنها.]]، فالقلوب لها أحوال عجيبة؛ تارةً يتعلَّق القلب بالدنيا، وتارةً يتعلَّق بشيءٍ من الدنيا، تارةً يتعلَّق بالمال ويكون المالُ أكبرَ همِّه، تارةً يتعلَّق بالنساء وتكون النساءُ أكبرَ همِّه، تارةً يتعلَّق بالقصور والمنازل ويكون ذلك أكبرَ همِّه، تارةً يتعلَّق بالمركوبات والسيارات ويكون ذلك أكبرَ همِّه، تارةً يكون مع الله عز وجل، دائمًا مع الله، يتعلَّق بالله سبحانه وتعالى، ويرى أنَّ الدنيا كلَّها وسيلةٌ إلى عبادة الله وإلى طاعة الله، فيستخدم الدنيا لأنها خُلِقت له، ولا تستخدمه الدنيا.
شوفوا يا إخواني، أصحاب الدنيا هل تظنُّون أن الدنيا تخدمهم أمْ هم يخدمونها؟ هم الذين يخدمونها، هم الذين أتعبوا أنفسَهم في تحصيلها، لكن أصحاب الآخرة هم الذين استخدموا الدنيا وخَدَمتْهم الدنيا، ولذلك لا يأخذونها إلا عن طريق رضا الله، ولا يصرفونها إلا في رضا الله عز وجل، فاستخدموها أخذًا وصرفًا، لكن أصحاب الدنيا الذين تَعِبوا بها؛ سهروا الليالي يراجعون الدفاتر، يراجعون الشيكات، يراجعون المصروفات، يراجعون المدفوعات، يراجعون ما أخذوا وما صرفوا، هؤلاء في الحقيقة استخدمتْهم الدنيا ولم يستخدموها، لكن الرجُل المطمئن الذي جعلَ اللَّهُ رِزقَه كفافًا يستغني به عن الناس ولا يشتغل به عن طاعة الله، هذا هو الذي خدمتْه الدنيا، هذه أحوال القلوب.
أحوال القلوب هي أعظم الأحوال الأربع، ولهذا يجب علينا جميعًا -وأقوله لنفسي قبلكم- أن نراجع قلوبَنا كلَّ ساعة، كلَّ لحظة: أين انصرفتَ أيها القلب؟ أين ذهبتَ؟ لماذا تنصرف عن الله؟ لماذا تلتفت يمينًا وشمالًا؟ ولكن نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وغلب على كثيرٍ من الناس، حتى إنَّه لَيصرف الإنسانَ عن صلاته التي هي رأس ماله بعد الشهادتين، فتجده إذا دخل في صلاته ذهب قلبُه يمينًا وشمالًا حتى يخرج من صلاته ولم يعقل منها شيئًا، والناس يصيحون يقولون: صلاتُنا لا تنهانا عن الفحشاء والمنكر، أين وَعْد الله؟!
فيقال: يا أخي هل صلاتك صلاة؟! إذا كنتَ من حين تُكَبِّر تفتح لك باب الهواجيس التي لا نهاية لها، فهل أنت مُصَلٍّ؟! صلَّيتَ بجسمك لكن لم تُصَلِّ بقلبك، وقد جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهُ لَيْسَ لَكَ مِنْ صَلَاتِكَ إِلَّا مَا عَقَلْتَ مِنْهَا»[[هو أثرٌ من قول عمار بن ياسر رضي الله عنه، ذكره أبو طالب المكي في قوت القلوب (٢ / ١٧٠) بلفظ: إنما يُكتَب للعبد من صلاته ما عقل منها. وأخرج ابن المبارك في الزهد (١٣٠٠) عن عمار رضي الله عنه قوله: لا يُكتَب للرجل من صلاته ما سها عنه.]]، نصفها، رُبعها، ثُلثها، عُشرها، خُمسها، حسب ما تعقل منها. إذَنْ فالقلوب تركب طبقًا عن طبق.
الانشقاق 84:19
(...) يوم الخميس، وبه نختتم ما بقي من سورة الانشقاق، فقد انتهينا إلى قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق ١٦ - ١٩]. هذه الجملة مكوَّنة من قَسَم، ومُقسَم به، ومقسَم عليه، ومُقسِم، فالقسم في قوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ قد يظنُّ الظانُّ أن معنى ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ نفي، وليس كذلك، بل هو إثبات، و(لا) هنا جيء بها للتنبيه، ولو حُذفتْ في غير القرآن لَاستقام الكلام، ولها نظائر مثل: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد ١]، ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة ١]. ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ﴾ [المعارج ٤٠]، ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة ٣٨]، وكلُّها يقول العلماء: إن (لَا) فيها للتنبيه، وإنَّ القَسَم مثبت.
أمَّا المقْسِم فهو الله عز وجل، فهو سبحانه مُقْسِمٌ، أمَّا المقسَم به في هذه الآية فهو الشَّفَق وما عُطف عليه.
فإن قال قائل: لماذا يُقسم الله على خبره وهو سبحانه الصادق بلا قَسَم؟ وكذلك يُقسم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على خبره وهو صادقٌ بلا قَسَم؟
قلنا: إنَّ القَسَم يؤكِّد الكلام، والقرآن العربي نزل باللسان العربي، وإذا كان مِن عادتهم أنهم يؤكِّدون الكلام بالقسم صار هذا الأسلوب جاريًا على اللسان العربي الذي نزل به القرآن.
وقوله: ﴿بِالشَّفَقِ﴾ الشَّفَق هو الحُمرة التي تكون بعد غروب الشمس، وإذا غابت هذه الحُمرة خرج وقتُ المغرب ودخل وقتُ العشاء، هذا قول أكثر العلماء. وبعضهم قال: إذا غاب البياض، وهو يغيب بعد الحُمرة بنحو نصف ساعة، لكن الذي عليه الجمهور -ويقال: إنَّ أبا حنيفة رحمه الله رجع إليه- هو أنَّ الشَّفَق هو الحُمرة، وإذا غاب هذا الشَّفَق فإنَّه يدخل وقت العشاء ويخرج وقت المغرب.
﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ هذا أيضًا مُقْسَمٌ به معطوفٌ على الشفق؛ يعني: وأُقسِم بالليل وما وسق. وهذان قَسَمان: الليل، وما وسق. الليل معروف، فما معنى ﴿مَا وَسَقَ﴾؟ أي: ما جمع؛ لأنَّ الليل يجمع الوحوش والهوامَّ وما أشبهَ ذلك، تجتمع وتخرج، تَبرز من جحورها وبيوتها، وكذلك ربما يشير إلى اجتماع الناس بعضهم إلى بعض.
﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ القمر معروف، ومعنى ﴿إِذَا اتَّسَقَ﴾ يعني: إذا اجتمع نوره وتمَّ وكمل، وذلك في ليالي الإبدار، فأقسمَ الله عز وجل باللَّيل وما وَسَق؛ أي: ما جمع، وبالقمر لأنَّه آية الليل.
ثم قال بعد ذلك: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ والخطاب هنا لجميع الناس؛ أي: لتركبُنَّ حالًا عن حال، وهو يعني أنَّ الأحوال تتغيَّر؛ فيشمل أحوال الزمان، وأحوال المكان، وأحوال الأبدان، وأحوال القلوب، انتبِهوا، تضمَّن أربعة أشياء، ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ ما قلنا فيها؟ حالًا بعد حال. فماهي؟ قلنا: أحوال الزمان، وأحوال المكان، وأحوال الأبدان، وأحوال القلوب.
أحوال الزمان نعرف أنها تتنقَّل؛ ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ١٤٠]، فيومٌ يكون فيه السرور والانشراح وانبساط النفس، ويومٌ آخَر يكون بالعكس، حتى إنَّ الإنسان لَيشعر بهذا من غير أن يكون هناك سببٌ معلوم، وفي هذا يقول الشاعر:
وَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا ∗∗∗ وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرّْ
وهذا شيءٌ يعرفه مِنَّا كلُّ واحدٍ بنفسه، تصبح اليوم مستأنسًا فرحًا مسرورًا، في اليوم الثاني بالعكس بدون سبب، لكن هكذا لا بدَّ أن الإنسان يركب طبقًا عن طبق.
كذلك في الأمكنة؛ ينزل الإنسان هذا اليوم منزلًا، وفي اليوم التالي منزلًا آخَر، وثالثًا، ورابعًا، إلى أن تنتهي به المنازل في الآخرة، وما قبل الآخرة وهو القبور هي منازل مؤقتة، القبور ليست هي آخر المنازل، بل هي مرحلة. وسمع أعرابيٌّ رجلًا يقرأ قول الله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر ١، ٢] فقال الأعرابي: واللهِ ما الزائر بمقيم. يعني الأعرابي بفطرته عرف أنَّ وراء هذه القبور شيئًا يكون المصير إليه؛ لأنَّه كما نعرف الزائر يزور ويمشي، وبه نعرف أنَّ ما نسمعه في الجرائد: فلان تُوُفِّي ثم نقلوه إلى مثواه الأخير، أنَّ هذه الكلمة غلط كبير، ومدلولها كفرٌ باليوم الآخِر؛ لأنك إذا جعلتَ القبر هو المثوى الأخير، فهذا يعني أنَّه ليس بعده شيء، وهذا كفر، الذي يرى أنَّ القبر هو المثوى الأخير وليس بعده مثوى كافرٌ، المثوى الأخير إمَّا جنة وإمَّا نار.
ذكرنا الآن حالين: الحال الأولى الزمان، والثانية المكان.
الثالث: الأبدان؛ الأبدان يركب الإنسان فيها طبقًا عن طبق، واستمعْ إلى قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم ٥٤]. أول ما يُخلَق الإنسان طفلًا صغيرًا، يمكن أن تجمع يديه ورِجليه بيدٍ واحدةٍ منك وتحمله بهذه اليد، ضعيف، ثم لا يزال يَقوى رويدًا رويدًا حتى يكون شابًّا جلدًا قويًّا، ثم إذا استكمل القوة عاد فرجع إلى الضعف.
وقد شبَّه بعضُ العلماء حال البدن بحال القمر يبدو هلالًا ضعيفًا، ثم يكبر شيئًا فشيئًا حتى يمتلىء نورًا، ثم يعود ينقص شيئًا فشيئًا حتى يضمحلَّ، نسأل الله أن يُحسن لنا ولكم الخاتمة، هذا حال الأبدان.
الرابعة: حال القلوب، وما أدراك ما أحوال القلوب! أحوال القلوب هي البليَّة، هي المصيبة، هي النعمة، هي النقمة، القلوبُ كلُّ قلوبِ بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلِّبه كيف يشاء، فإنْ شاء أزاغه وإن شاء هداه، كلُّ قلب، ولَمَّا حدَّث النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الحديث قال: «اللَّهُمَّ مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»[[أخرجه أحمد (٢٦٥٧٦) من حديث أم سلمة رضي الله عنها.]]، فالقلوب لها أحوال عجيبة؛ تارةً يتعلَّق القلب بالدنيا، وتارةً يتعلَّق بشيءٍ من الدنيا، تارةً يتعلَّق بالمال ويكون المالُ أكبرَ همِّه، تارةً يتعلَّق بالنساء وتكون النساءُ أكبرَ همِّه، تارةً يتعلَّق بالقصور والمنازل ويكون ذلك أكبرَ همِّه، تارةً يتعلَّق بالمركوبات والسيارات ويكون ذلك أكبرَ همِّه، تارةً يكون مع الله عز وجل، دائمًا مع الله، يتعلَّق بالله سبحانه وتعالى، ويرى أنَّ الدنيا كلَّها وسيلةٌ إلى عبادة الله وإلى طاعة الله، فيستخدم الدنيا لأنها خُلِقت له، ولا تستخدمه الدنيا.
شوفوا يا إخواني، أصحاب الدنيا هل تظنُّون أن الدنيا تخدمهم أمْ هم يخدمونها؟ هم الذين يخدمونها، هم الذين أتعبوا أنفسَهم في تحصيلها، لكن أصحاب الآخرة هم الذين استخدموا الدنيا وخَدَمتْهم الدنيا، ولذلك لا يأخذونها إلا عن طريق رضا الله، ولا يصرفونها إلا في رضا الله عز وجل، فاستخدموها أخذًا وصرفًا، لكن أصحاب الدنيا الذين تَعِبوا بها؛ سهروا الليالي يراجعون الدفاتر، يراجعون الشيكات، يراجعون المصروفات، يراجعون المدفوعات، يراجعون ما أخذوا وما صرفوا، هؤلاء في الحقيقة استخدمتْهم الدنيا ولم يستخدموها، لكن الرجُل المطمئن الذي جعلَ اللَّهُ رِزقَه كفافًا يستغني به عن الناس ولا يشتغل به عن طاعة الله، هذا هو الذي خدمتْه الدنيا، هذه أحوال القلوب.
أحوال القلوب هي أعظم الأحوال الأربع، ولهذا يجب علينا جميعًا -وأقوله لنفسي قبلكم- أن نراجع قلوبَنا كلَّ ساعة، كلَّ لحظة: أين انصرفتَ أيها القلب؟ أين ذهبتَ؟ لماذا تنصرف عن الله؟ لماذا تلتفت يمينًا وشمالًا؟ ولكن نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وغلب على كثيرٍ من الناس، حتى إنَّه لَيصرف الإنسانَ عن صلاته التي هي رأس ماله بعد الشهادتين، فتجده إذا دخل في صلاته ذهب قلبُه يمينًا وشمالًا حتى يخرج من صلاته ولم يعقل منها شيئًا، والناس يصيحون يقولون: صلاتُنا لا تنهانا عن الفحشاء والمنكر، أين وَعْد الله؟!
فيقال: يا أخي هل صلاتك صلاة؟! إذا كنتَ من حين تُكَبِّر تفتح لك باب الهواجيس التي لا نهاية لها، فهل أنت مُصَلٍّ؟! صلَّيتَ بجسمك لكن لم تُصَلِّ بقلبك، وقد جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهُ لَيْسَ لَكَ مِنْ صَلَاتِكَ إِلَّا مَا عَقَلْتَ مِنْهَا»[[هو أثرٌ من قول عمار بن ياسر رضي الله عنه، ذكره أبو طالب المكي في قوت القلوب (٢ / ١٧٠) بلفظ: إنما يُكتَب للعبد من صلاته ما عقل منها. وأخرج ابن المبارك في الزهد (١٣٠٠) عن عمار رضي الله عنه قوله: لا يُكتَب للرجل من صلاته ما سها عنه.]]، نصفها، رُبعها، ثُلثها، عُشرها، خُمسها، حسب ما تعقل منها. إذَنْ فالقلوب تركب طبقًا عن طبق.
الانشقاق 84:20
ثم قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق ٢٠، ٢١] ﴿مَا لَهُمْ﴾ أيُّ شيءٍ يمنعهم من الإيمان؟! ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ [النساء ٣٩]، أيُّ شيءٍ يمنعهم من الإيمان؟! وأيُّ شيءٍ يضرُّهم إذا آمنوا؟!
قال مؤمن آل فرعون: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر ٢٨]، فأيُّ شيءٍ على الإنسان إذا آمَن؟! ولهذا قال موبِّخًا لهم: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
الانشقاق 84:21
﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ أي: لا يخضعون لله عز وجل، فالسجود هنا بمعنى الخضوع لله وإن لم تسجد على الأرض، لكن يسجد قلبُك لله ذُلًّا وخضوعًا إذا سمعتَ آياته.
وجرِّبْ نفسَك يا أخي، إذا تُلِيَ عليك القرآنُ هل قلبُك يسجد ويلين ويَذِلُّ؟ إن كان الأمرُ كذلك فأنت من المؤمنين؛ ﴿إِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال ٢]، وإن لم يكن قلبُك كذلك ففيك شبهٌ من المشركين الذين إذا قُرِئ عليهم القرآنُ لا يسجدون.
ومن علامات الخضوع لله عز وجل عند قراءة القرآن أنَّ الإنسان إذا قرأ آيةَ سجدةٍ سَجَدَ لله ذُلًّا له وخضوعًا له، وقد استدلَّ بعضُ العلماء بهذه الآية على وجوب السجود؛ أي: سجود التلاوة، وقال: إنَّ الإنسان إذا مرَّ بآية سجدةٍ ولم يسجد كان آثِمًا.
والصحيح أنها ليست بواجبة، وإنْ كان هذا القول -أعني القولَ بالوجوب- هو مذهب أبي حنيفة واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، لكن هذا قولٌ مرجوحٌ؛ وذلك أنَّه ثبت في الصحيح عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه «أنَّه خطب الناسَ يومًا فقرأ سورةَ النحل، فلمَّا وصل آيةَ السجدة نزلَ من المنبر فسجد، ثم قرأها من الجمعة الثانية فمرَّ بها ولم يسجد، فقال رضي الله عنه: إنَّ الله لم يفرض علينا السجودَ إلا أن نشاء»[[أخرج البخاري (١٠٧٧) عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير التيمي أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل، حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها، حتى إذا جاء السجدة قال: يا أيها الناس، إنَّا نمرُّ بالسجود، فمَن سجد فقد أصاب، ومَن لم يسجد فلا إثم عليه. ولم يسجد عمر رضي الله عنه.]]. وكان ذلك بمحضرٍ من الصحابة ولم يُنكر عليه أحد، وسُنَّته رضي الله عنه من السُّنَن التي أُمِرنا باتِّباعها، وعلى هذا فالقول الراجح أنَّ سجود التلاوة ليس بواجبٍ لكنه سُنَّة مؤكَّدة، فإذا مررتَ بآية سجدةٍ فاسجدْ في أيِّ وقتٍ كنتَ؛ في الصباح، في المساء، في الليل، في النهار، تُكَبِّر عند السجود، وإذا رفعتَ فلا تُكَبِّر ولا تُسَلِّم، هذا إذا سجدتَ خارج الصلاة. أمَّا إنْ سجدتَ في الصلاة فلا بدَّ أن تُكَبِّر إذا سجدتَ وأن تُكَبِّر إذا نهضتَ؛ لأنها لَمَّا كانت في الصلاة كان لها حُكم السجود في الصلاة.
قال الله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ [الانشقاق ٢٢، ٢٣].
ونقتصر على هذا لأنَّ الوقت الباقي يكون للأسئلة، وبقية السورة -وإن كنَّا قد وعدناكم أن نكملها- تكون في الجلسة القادمة إن شاء الله.
الانشقاق 84:22
في هذا اللقاء سنتكلم عن آخر سورة الانشقاق وهو قوله تبارك وتعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الانشقاق ٢٢ - ٢٥].
لَمَّا ذكر سبحانه وتعالى أنَّهم إذا قُرِئَ عليهم القرآن لا يسجدون بيَّن سبحانه وتعالى أنَّ سبب تَرْكهم السجودَ هو تكذيبهم بما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ لأنَّ كلَّ مَن كان إيمانُه صادقًا فلا بدَّ أن يمتثل الأمر وأن يجتنب النهي؛ لأنَّ الإيمان الصادق يحمل صاحبَه على ذلك، ولا تجد شخصًا ينتهك المحارمَ أو يَتْرك الواجبات إلا بسبب ضَعْف إيمانه، ولهذا كان الإيمانُ عند أهل السُّنَّة والجماعة هو التصديق المستلزِم للقبول والإذعان، فمتى رأيتَ الرجل يترك الواجبات أو بعضًا منها أو يفعل المحرَّمات فاعلم أنَّ إيمانه ضعيف؛ إذ لو كان إيمانه قويًّا ما أضاع الواجبات ولا انتهك المحظورات، ولهذا قال هنا: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ أي: في تَرْكهم السجود، كان ذلك بسبب تكذيبهم لِمَا جاءت به الرسل.
الانشقاق 84:23
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ أي إنَّه سبحانه وتعالى أعلم بما يوعونه؛ أي: بما يجمعونه في صدورهم، وما يجمعونه من أموالهم، وما يجتمعون عليه من منابَذة الرسل ومخالَفة الرسل، بل محارَبة الرسل وقتالهم. وأنتم تعلمون أنَّ الكفار أعداءٌ للرسل من حين بعث الله الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأنهم يجمعون لهم ويكيدون لهم، فتوعَّدهم الله تعالى في هذه الآية ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ أي: بما يجمعون من أقوالٍ وأفعالٍ وضغائنَ وعداواتٍ وأموالٍ ضدَّ الرسل عليهم الصلاة والسلام.
الانشقاق 84:24
ثم قال: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أخبِرْهم بالعذاب الأليم الذي لا بدَّ أن يكون. والخطاب في قوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾ عامٌّ للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولكلِّ مَن يصِحُّ منه الخطاب، كلُّ مَن يصحُّ خطابه فإنه داخلٌ في هذا وأنْ نُبَشِّر كلَّ كافرٍ بعذابٍ أليم، فنحن نُبَشِّر كلَّ كافرٍ بعذابٍ أليمٍ ينتظره؛ كما قال تعالى: ﴿وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ [السجدة ٣٠].
الانشقاق 84:25
ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، ﴿إِلَّا﴾ هذه بمعنى (لكن)، ولا تصح أن تكون استثناءً متَّصلًا؛ لأنَّ الذين آمنوا ليسوا من المكذِّبين في شيء، بل هم مؤمنون مصدِّقون، وهذا هو الاستثناء المنقطع؛ أي: إذا كان المستثنى ليس من جنس المستثنى منه فهو استثناءٌ منقطع، وتُقَدَّر (إلا) بـ(لكن)؛ أي: لكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجرٌ غير ممنون.
الذين آمنوا بقلوبهم، واستلزم إيمانُهم قيامَهم بالعمل الصالح، هؤلاء هم الذين ليس لهم عذابٌ ولا ينتظرون العذاب، لهم أجرٌ غير ممنون.
فإن قيل: ما هو العمل الصالح؟
فالجواب أنَّ العمل الصالح ما جمع شيئين:
الأول: الإخلاص لله تعالى بأنْ يكون الحامل على العمل هو الإخلاص لله عز وجل ابتغاءَ مرضاته، ابتغاءَ ثوابه، ابتغاءَ النجاة من النار، لا يريد الإنسان بعمله شيئًا من الدنيا، ولهذا قال العلماء: إنَّ الأعمال التي لا تقع إلا عبادةً لا يصحُّ أخْذ الأجرة عليها؛ كالأذان مثلًا؛ لا يصح أن تؤذِّن بأُجرة، والإمامة؛ لا يصح أن تؤمَّ بأُجرة، وقراءة القرآن؛ لا يصح أن تقرأ بأُجرة، بخلاف تعليم القرآن فيصح بالأجرة لأنَّه متعدٍّ، وتكون الأجرة على العمل لا على التلاوة، لكن يريد بقراءة القرآن تلاوة القرآن؛ لو جاء إنسانٌ قال: أنا أريد أن أتلو القرآن بأُجرة، فإنَّ ذلك لا يصحُّ ولا يحلُّ؛ لأنَّ من شرط العمل الصالح أن يكون مخلَصًا لله عز وجل، ومَن قرأ بأجرة أو تعبَّد بأجرة فإنَّه لم يُخْلص العملَ لله، فلا يكون عمله مقبولًا.
أمَّا الشيء الثاني فهو أن يكون متَّبعًا فيه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ أي أن يتَّبع الإنسان رسول الله ﷺ في عمله فعلًا لِمَا فَعَل وتركًا لِمَا تَرَك؛ فما فعله النبي ﷺ مع وجود سببه فالسُّنَّة فِعله؛ يعني إذا وُجِد سبب الشيء في عهد الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم يفعله فإنَّ السُّنة تَرْكه.
ولهذا نقول: إنَّ ما يفعله كثيرٌ من المسلمين اليومَ أو أكثرُ المسلمين اليوم من الاحتفال بمولد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في اليوم الثاني عشر من هذا الشهر بدعةٌ ليس لها أصلٌ من السُّنة؛ لأنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يحتفل بعيد مولده ولا خلفاؤه الراشدون، مع أنَّنا نعلم عِلْم اليقين أنَّه لو كان مشروعًا ما تَرَكه النبيُّ عليه الصلاة والسلام بلا بيانٍ للأُمَّة؛ لأنَّ عليه البلاغ، فلمَّا لم يَقُل للأُمَّة: إنَّه يُشرع الاحتفال بهذه المناسبة، ولَمَّا لم يفعله هو بنفسه ولم يفعله خلفاؤه الراشدون عُلم أنَّه بدعة وأنَّه لا يزيد فاعلُه من الله إلا بُعدًا، نسأل الله العافية.
وهذه البدعة حدثتْ أول ما حدثتْ في القرن الرابع؛ أي: بعد مُضِيِّ أكثر من ثلاثمائة سنة على الأُمَّة الإسلامية حدثت هذه البدعة، زعموا أنهم يعظِّمون فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والحقيقة أن كلَّ بدعةٍ ليس فيها تعظيمٌ لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنَّ تعظيم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنما هو في اتِّباع سُنَّته كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات ١].
ولننظر هذه البدعة هل لها أصلٌ من التاريخ؟ هل لها أصلٌ من الشرع؟
نقول: ليس لها أصل من التاريخ؛ وذلك أنَّ مولد الرسول عليه الصلاة والسلام مختلَفٌ فيه على أكثر من خمسة أقوال بعد الاتفاق على أنَّه في ربيع، لكن مختلَفٌ؛ في أول يوم، في ثاني يوم، في التاسع، في العاشر، في الثاني عشر، فيها أقوال، وقد رجَّح بعضُ علماء العصر الفلكيِّين أنَّه كان في اليوم التاسع وليس في اليوم الثاني عشر، فبطل من الناحية التاريخية أن يكون في اليوم الثاني عشر.
أمَّا من الناحية الشرعية فهو باطلٌ لوجوه:
الأول: أنَّه عبادةٌ لم يشرعها الله ولا رسوله ولا الخلفاءُ الراشدون الذين أُمِرنا باتِّباع سُنتهم، فإن ادَّعى مدَّعٍ أنَّ ذلك مشروعٌ في القرآن والسنة أو في عمل الخلفاء الراشدين أو الصحابة فعليه الدليل؛ لأنَّ البيِّنة على المدَّعي، ومَن يستطيع إلى ذلك سبيلًا؟! لن يستطيع سبيلًا أن يأتي بدليلٍ واحدٍ من الكتاب أو السنة أو فِعل الخلفاء الراشدين أو الصحابة على أنه يُسَنُّ الاحتفال بيوم ميلاد الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ثانيًا: أن نقول: هذه البدعة إمَّا أن تكون حقًّا أو تكون باطلًا، فإنْ كانت حقًّا لَزِم من ذلك أن يكون النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم إمَّا جاهلًا بالحق وإمَّا عالِمًا به وكاتمًا له، وكِلَا الأمرين باطلٌ يمتنع غاية الامتناع؛ أن يكون الرسول ﷺ جاهلًا بشيءٍ من شريعة الله أو أن يكون عالِمًا به ولكن لم يبيِّنه للأُمَّة؛ لأنَّ الاحتمال الأول يقتضي أن يكون جاهلًا بالشرع مع أنَّه هو صاحب الشرع، والاحتمال الثاني يقتضي أن يكون كاتمًا ما أنزل الله إليه، وحاشاه من ذلك، لو كان كاتمًا ما أنزل الله إليه لَكَتَم قولَ الله تعالى: ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب ٣٧].
ثالثًا: أن نقول: إذا تبيَّن أنها بدعةٌ فإنه لا يحلُّ لأحدٍ أن يُقيمها؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ»[[أخرجه أبو داود (٤٦٠٧) من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه دون قوله: «وكل ضلالةٍ في النار» فهو من حديثٍ آخر أخرجه النسائي (١٥٧٨) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.]]، ولو اتَّبع الحقُّ أهواءهم وصار كلُّ مَن عنَّ له أنَّ في هذا مشروعية شرعه، لَاختلفت الأُمَّة، ولَتمزَّق الدين، ولَكان كلُّ قومٍ لهم دينٌ معيَّن، وهذا خلافُ ما جاءت به الشريعة الإسلامية من وجوب الاتفاق على كلمة الله وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
رابعًا: نقول: هذه البدعة لم تقتصر على مجرَّد الاجتماع والصلاة على النبي ﷺ وذِكر محاسنه وذِكر مآثره وذِكر شريعته، بل عُدِل عن هذا إلى شيءٍ آخَر، إلى قصائد المديح البالغة في الغُلوِّ غايته، بل المتجاوزة لطبيعة البشر إلى حقوق الإله عز وجل؛ فقد كان هؤلاء الذين يجتمعون يترنَّمون بقصيدة البوصيري الذي كان يقول فيها يخاطب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يقول:
يَا أَكْــرمَ الْخَـــلْقِ مَــا لِي مَنْ أَلُــوذُبِهِ ∗∗∗ سِوَاكَ عِنْدَ حُلُولِ الْحَادِثِ الْعَمِمِ؎إِنْ لَمْ تَكُنْ آخِذًا يَوْمَ الْمَعَادِ يَدِي ∗∗∗ عَـــــــــــفْوًا وَإِلَّا فَقُـــــلْ يَا زَلَّةَالْقَـــــــدَمِ؎فَإِنَّ مِــنْ جُـــــودِكَ الدُّنْيَاوَضَـــرَّتَهَــا ∗∗∗ ............................(ضرَّتها) ما هي؟
* طلبة: الآخرة.
* الشيخ: الآخرة.
......................... ∗∗∗ وَمِنْ عُلُومِكَ عِلْمَ اللَّوْحِوَالْقَلَمِ
قال بعض العلماء: إذا كان الأمر هكذا لم يبق لله شيء. ولم يكن الله تعالى هو الملجأ عند الشدائد والفزع، بل كان الرسول عليه الصلاة والسلام الذي لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا إلا ما شاء الله هو الملجأ، وهذا غاية ما يكون من الغُلُوِّ الذي نهى عنه الرسول عليه الصلاة والسلام، فصار هؤلاء الذين يدَّعون أنهم يتقرَّبون إلى الله بمثل هذه الاحتفالات وأنهم المحبُّون لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، صاروا في الحقيقة هم الذين يبتعدون عن الله عز وجل بما أشركوا به ما لم يُنَزِّل به سلطانًا، ولا شك أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يرضى بمثل هذا أبدًا.
فإذا قالوا: إنَّ منشأ هذا هو محبَّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن أجْل أن نبيِّن للنصارى أننا نعتني برسولنا كما كانوا يعتنون برسولهم فيجعلون لميلاده عيدًا.
قلنا: إذا كنتم صادقين في محبَّة الله ورسوله فهنا ميزانُ قِسْط عادلٌ هو قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران ٣١]، ولهذا كلما كان الإنسان أشدَّ حبًّا لله كان أشدَّ اتِّباعًا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكلما كان أقلَّ حبًّا لله كان أقلَّ اتباعًا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا رأيتَ الرجلَ يدَّعي محبَّة الله ورسوله ولكنَّه لا يلتزم بالشريعة فاعلمْ أنَّه كاذب؛ لأنَّ محبَّة الله ورسوله تُنتج انتاجًا لازمًا اتِّباعَ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
فالحاصل أنَّه يجب على طلبة العلم هنا في السعودية وفي غيرها من البلاد الإسلامية أن يبيِّنوا للعامَّة ولغير العامَّة أنَّ هذا الاحتفال ليس له أصلٌ من السُّنة، وأنَّه بدعة، وأنَّه لا يزيد الإنسانَ إلا بُعدًا من الله عز وجل؛ لأنَّه شرع في دين الله ما ليس منه.
فإن قال قائل: أليست الصلاة على الرسول عليه الصلاة والسلام مشروعةً كلَّ وقت؟
فالجواب: بلى، أكثِرْ من الصلاة على الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يُعْظِم الله لكم بها أجرًا، ومَن صلَّى عليه مرَّةً واحدةً صلَّى الله عليه بها عشرًا، لكن ترتيبها في ليلةٍ معيَّنةٍ، والاجتماع إليها، وذِكر المدائح والقصائد الغالية البالغة في الغلوِّ غايتَه، هذا هو الممنوع.
ونحن لا نقول: لا تصلُّوا على الرسول، نقول: أكثِروا من الصلاة، ولا نقول: لا تحب الرسول، نقول: أحبُّوا الرسول أكثر مما تحبُّون أنفسَكم، ولا يتمُّ إيمانُكم إلا بذلك، لكن لا تُحْدثوا في دينه ما ليس منه.
فالواجب على طلبة العلم أن يبيِّنوا للناس وأن يقولوا لهم: اشتغِلوا بالعبادات الشرعية الصحيحة، اذكروا الله، صلُّوا على النبي في كلِّ وقت، أقيموا الصلاة، آتوا الزكاة، أحسِنوا إلى المسلمين في كلِّ وقت، أمَّا أن تجعلوا عيدًا معيَّنًا في السَّنَة -والله تعالى لم يجعل في السَّنَة إلا ثلاثة أعياد فقط: عيد الأضحى، وعيد الفِطْر، وعيد الأسبوع وهو الجمعة- أمَّا أن تُحْدثوا أعيادًا أخرى فإنكم تُحْدثون في دين الله ما لم يشرعه.
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، ﴿لَهُمْ أَجْرٌ﴾ أي: ثواب، ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أي: غير مقطوع، بل هو مستمرٌّ أبد الآبدين، والآيات في تأبيد الجنَّة كثيرة معلومة في الكتاب والسُّنة، وليست من الصعوبة بحيث نسوقها إليكم الآن لأنها واضحة ولله الحمد.
فأجر الآخرة لا ينقطع أبدًا، ليس كالدنيا فيه وقت تُثمر الأشجار ووقت لا تُثمر، أو وقت تُنبت الأرض ووقت لا تُنبت، لا، الأجر فيها دائم؛ ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم ٦٢].
نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإيَّاكم من المؤمنين العاملين بالصالحات، المجتنبين للسيِّئات، إنَّه جوادٌ كريم، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
البروج 85:1
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
نفتتح لقاءنا هذا، وهو اللقاء الثاني من شهر ربيع الثاني، يوم الخميس الحادي والعشرين من شهر ربيع الثاني عام أربعة عشر وأربع مئة وألف، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك لنا جميعًا في أعمارنا وأعمالنا، وأن يجعل خير أعمارنا آخرها، وخير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا وأسعدها يوم نلقاه.
هذه اللقاءات المباركة بين الناس، بين العلماء وطلبة العلم، وبين طلبة العلم وعوامِّ الناس، لا شكَّ أنها لقاءاتٌ خَيِّرةٌ نافعةٌ، تجعل الناسَ يستبصرون في دينهم، ويتآلفون فيما بينهم، ويشكو بعضهم إلى بعضٍ حوائجَه ونوائبَه، ولا غرابة في ذلك؛ فإنَّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤٦)، ومسلم (٢٥٨٥ / ٦٥)، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.]]، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ»[[أخرج البخاري (٦٠١١)، ومسلم (٢٥٨٦ / ٦٦) واللفظ له، عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «مَثَل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم مَثَل الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمَّى».]]. وهذا هو الواجب في حقِّ الأُمَّة الإسلامية أن تكون جسدًا واحدًا، إذا تألَّم منه عضو تألَّم سائر الجسد له حتى يبرأ ويهدأ، وكذلك يجب أن يكونوا كالبُنيان يشدُّ بعضُه بعضًا، وشبَّك النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين أصابعه إشارةً إلى أنَّ البنيان كلَّما تراصَّ وتلاءم كان أقوى له.
لقاءاتُنا هذه -ولله الحمد- فيها بركة، يستفيد منها الحاضرون، ويستفيد منها المستمعون، ويستفيد منها السامعون بما منَّ الله به علينا في هذا الزمن من تسهيل الأشرطة المنتشرة بين الناس؛ يكون الإنسانُ قائدًا لسيارته وهو يستمع إلى الشيخ يحدِّثه بدون تعبٍ وبدون مَلَل، ويكون الإنسانُ مضطجعًا في فراشه وهو يستمع إلى العلم، كلُّ هذا بما منَّ الله به علينا من هذه الأشرطة، ولذلك نرى -ولله الحمد- آثارَ هذه الأشرطة في البيوت، في الصغار والكبار والنساء والرجال، وهذا لا شكَّ أنه من الخير والبركة.
ومن عادتنا أنَّنا نفتتح اللقاء بالكلام على آياتٍ من القرآن الكريم ابتدأناها بسورة النبأ حتى وصلنا إلى سورة البروج، واخترنا هذا الجزء لأنَّه يَكثر سماعه من الناس في الصلوات، والقرآنُ الكريمُ لم ينزل لمجرَّد التلاوة، بل نزل للتلاوة وللتدبُّر وللتذكُّر؛ كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص ٢٩]، وكان الصحابة رضي الله عنهم لا يتجاوزون عشر آياتٍ حتى يتعلَّموها وما فيها من العلم والعمل[[أخرج الطحاوي في مشكل الآثار (١٤٥٢) عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: كان أصحابُنا يُقرئونا ويعلِّمونا ويخبرونا أنَّ النبي ﷺ كان يُقرِئ أحدَهم عشر آياتٍ فما يَجُوزها حتى يتعلَّم العمل فيها. قال: وقالوا: علمنا القرآنَ والعملَ جميعًا.]].
والذي ليس حظُّه من القرآن إلا التلاوة هو أُمِّيٌّ في الحقيقة؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة ٧٨] أي: إلا قراءةً، فوصَفهم الله بأنهم أُمِّيُّون مع أنهم يقرؤون، فلا بدَّ من أن يتعلَّم المسلمون معانِيَ القرآن؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه الذي يُسَمَّى مقدمة في علم التفسير، قال: إنَّ الناس لو جُعِل لهم كتابٌ يدرسونه في الطب أو في أيِّ علمٍ كان، فلا بدَّ أن يفهموا معناه حتى يستفيدوا منه، فإذا كان هذا في الكتب العلمية التي هي من كلام البشر، فكيف بأمِّ العلم وأصل العلم الذي هو من كلام الله عز وجل؟! هو أَوْلى وأجدر أن نعتني به وأن نعرف معناه وتفسيره، ونتلقَّاه من أئمة التفسير الذين عُرِفوا بصحَّة العقيدة وسلامة المنهج.
وقفنا على سورة البروج، قال الله سبحانه وتعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ [البروج ١، ٢].
البسملة آيةٌ مستقلَّةٌ في الكتاب العزيز ليست من السورة التي قبلها ولا من السورة التي بعدها، يؤتَى بها في أول كلِّ سورة إلا سورة (براءة)، فإنَّ الصحابة رضي الله عنهم لم يكتبوها في هذه السورة فبقيتْ بدون بسملة، وما اشتهر عند العوامِّ من أنَّ الجنَّ اختطفوا بسملة سورة (براءة) فهذا لا شكَّ أنَّه باطلٌ؛ لأنَّ الله يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر ٩]، ولا يمكن أن يُسَلَّط عليه الشياطين أو الجن حتى يختطفوا منه، بل إنَّ الله تعالى حماه حين نزوله وحماه بعد نزوله، وما ذُكِر عن بعض العلماء أنَّها لم يُذكَر فيها البسملة لأنَّها نزلتْ بالسيف ففيها الأمر بقتال المشركين، فهذا أيضًا غير صحيح؛ لأنَّ البسملة بركة، والجهاد في سبيل الله من أعظم ما يُطلَب فيه البركة. على كلِّ حالٍ هي آيةٌ مستقلَّةٌ في أول كلِّ سورةٍ إلا سورة (براءة).
وليستْ من الفاتحة على القول الراجح الذي دلَّ عليه الحديث القدسي، وهو قوله تبارك وتعالى فيما رواه عنه نبيُّه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ:» ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ «قَالَ: حَمِدَنِي عَبْدِي ...» إلى آخر الحديث، وهذا يدلُّ على أنَّ البسملة ليستْ من الفاتحة، وكذلك أول ما نزل على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم سورة (اقرأ)، أقرَأَه إيَّاها جبريلُ ولم يكن فيها (بسم الله الرحمن الرحيم)، فدلَّ هذا على أنها ليست من السورة.
قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج ١] الواو هذه حرف قَسَم؛ يعني يُقسم الله تعالى بالسماء ذاتِ البروج؛ أي: صاحبة البروج.
والبروج هي جمع بُرج، وهو المجموعة العظيمة من النجوم، وسُمِّيتْ بُروجًا لعُلُوِّها وارتفاعها وظهورها وبيانها، والبروج عند الفلكيِّين اثنا عشر بُرجًا جُمِعتْ في قول الناظم:
حَمْلٌ فَثَوْرُ فَجَوْزَاءُ فَسَرْطَانُ ∗∗∗ فَأَسَـــــــــدٌ سُنْبُـــــــــلَةٌمِـــيـــــــــزَانُ؎فَعَقْرَبٌ قَـوسٌ فَجَدْيٌ وَكَـذَا ∗∗∗ دَلْوٌ وَذِي آخِــــرُهَا الْحِــــيتَانُ
فهي اثنا عشر برجًا؛ ثلاثةٌ منها للربيع، وثلاثةٌ للصيف، وثلاثةٌ للخريف، وثلاثةٌ للشتاء. فيُقسِم الله تعالى بالسماء ذاتِ البروج، وله تعالى أن يُقسم بما شاء من خَلْقه، أمَّا نحن فلا نُقسم إلا بالله؛ بأسمائه وصفاته، ولا نُقسم بشيءٍ من المخلوقات؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ»[[أخرجه البخاري (٢٦٧٩) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.]]، ولقوله: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ» أو: «أَشْرَكَ»[[أخرجه الترمذي (١٥٣٥) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.]].
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ إذَنْ ﴿ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ أي: صاحبة البروج، وهي المجموعة العظيمة من النجوم، وفي السماء اثنا عشر برجًا.
البروج 85:2
﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ [البروج: ٢] اليوم الموعود هو يوم القيامة، وَعَد اللَّهُ سبحانه وتعالى به وبيَّنه في كتابه، ونصب عليه الأدلَّة العقلية التي تدلُّ على أنَّه واقعٌ حتمًا؛ كما قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٤].
البروج 85:3
﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣] ذكر العلماء -علماء التفسير- في الشاهد والمشهود عِدَّة أقوال، يجمعها أنَّ الله أَقْسم بكلِّ شاهدٍ وبكلِّ مشهودٍ، والشهود كثيرون، ومنهم محمدٌ رسولُ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم شهيدٌ علينا، ومنهم نحن هذه الأمَّة شهداء على الناس، ومنهم أعضاء الإنسان يوم القيامة تشهد عليه بما عَمِل من خيرٍ وشرٍّ، ومنهم الملائكة يشهدون يوم القيامة، فكلُّ مَن شَهِد بحقٍّ فهو داخلٌ في قوله: ﴿وَشَاهِدٍ﴾.
وأمَّا المشهود فهو يوم القيامة وما يُعْرَض فيه من الأهوال العظيمة؛ كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود ١٠٣]. فأقسمَ الله بكلِّ شاهدٍ وبكلِّ مشهودٍ.
﴿الْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ ما هو؟
* طلبة: يوم القيامة.
* الشيخ: يوم القيامة.
البروج 85:4
﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤]، ﴿قُتِلَ﴾ يعني: أُهْلِكَ. وقيل: القَتْل هنا بمعنى اللَّعْن وهو الطرد والإبعاد عن رحمة الله.
و﴿أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ هم قومٌ كُفَّارٌ أحرقوا المؤمنين بالنار، وقد وردتْ قصص متعدِّدة في هؤلاء القوم منها شيءٌ في الشام ومنها شيءٌ في اليمن، والمقصود أنَّ هؤلاء الكفار حاولوا بالمؤمنين أن يرتدُّوا عن دينهم ولكنَّهم عجزوا، فحفروا أُخدودًا -حُفَرًا ممدودةً في الأرض كالنهر- وجمعوا الحطبَ الكثيرَ وأحرقوا المؤمنين بها -والعياذ بالله- ولهذا قال: ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ [البروج ٥]؛ يعني أنَّ الأخدود هي أخدود النار. ﴿ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ أي: الحطب الكثير المتأجِّج.
البروج 85:5
﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤]، ﴿قُتِلَ﴾ يعني: أُهْلِكَ. وقيل: القَتْل هنا بمعنى اللَّعْن وهو الطرد والإبعاد عن رحمة الله.
و﴿أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ هم قومٌ كُفَّارٌ أحرقوا المؤمنين بالنار، وقد وردتْ قصص متعدِّدة في هؤلاء القوم منها شيءٌ في الشام ومنها شيءٌ في اليمن، والمقصود أنَّ هؤلاء الكفار حاولوا بالمؤمنين أن يرتدُّوا عن دينهم ولكنَّهم عجزوا، فحفروا أُخدودًا -حُفَرًا ممدودةً في الأرض كالنهر- وجمعوا الحطبَ الكثيرَ وأحرقوا المؤمنين بها -والعياذ بالله- ولهذا قال: ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ [البروج ٥]؛ يعني أنَّ الأخدود هي أخدود النار. ﴿ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ أي: الحطب الكثير المتأجِّج.
البروج 85:6
﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾ [البروج: ٦] يعني أنَّ هؤلاء الذين حفروا الأخاديد وألقوا فيها المؤمنين كانوا -والعياذ بالله- عندهم قسوة وجبروت، يَرَوْن النارَ تَلْتَهم هؤلاء البشر وهم قعودٌ عليها على الأسِرَّة فَكِهون كأنَّ شيئًا لم يكن، والعياذ بالله، وهذا من الجبروت أن يَرى الإنسانُ البشرَ تَلْتهمه النارُ وهو جالسٌ على سريره يتفكَّه بالحديث ولا يبالي.
البروج 85:7
﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ [البروج: ٧] يعني: هم شهودٌ على ما يفعلون بالمؤمنين؛ أي: حضورٌ لا يغيب عنهم ما فعلوه بالمؤمنين، ولذلك استحقُّوا هذا الوعيد، بل استحقُّوا هذه العقوبة أنَّ الله أهلكهم ولَعَنهم وطَرَدهم وأبعدهم عن رحمته.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يختم لنا ولكم بالخير وأن يُحسِن لنا ولعامَّة المسلمين العاقبة.
البروج 85:8
كُنَّا تكلَّمنا في الأسبوع الماضي على أول آيات البروج إلى أن وقفنا على قول الله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج ٨] أي: ما أنكر هؤلاء الذين سَعَّروا النارَ بأجساد هؤلاء المؤمنين إلا هذا؛ أي: إلا أنهم آمنوا بالله عز وجل؛ ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾، وهذا الإنكار أحقُّ أن يُنكَر؛ لأنَّ المؤمن بالله العزيز الحميد يجب أن يُساعَد ويُعان وأن تُسَهَّل له الطرق، أمَّا أن يُمنع ويُردع حتى يَصِل الحدُّ إلى أن يُحرق بالنار فلا شكَّ أنَّ هذا عدوانٌ كبير، وليس هذا بمنكرٍ عليهم، بل هم يُحمدون على ذلك لأنهم عبدوا مَن هو أهلٌ للعبادة، وهو الله جل وعلا الذي خَلَق الخلْقَ ليقوموا بعبادته، فمَن قام بهذه العبادة فقد عرف الحكمة من الخلق وأعطاها حقَّها.
وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ العزيز هو الغالب الذي لا يغلبه شيء، فهو سبحانه وتعالى له الغَلَبة والعزَّة على كلِّ أحد، ولَمَّا قال المنافقون: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون ٨].
وقوله: ﴿الْحَمِيدِ﴾ بمعنى المحمود، فالله سبحانه وتعالى محمودٌ على كلِّ حال، وكان من هَدْي النبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنَّه إذا جاءه ما يُسَرُّ به قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ»،وإذا جاءه خلاف ذلك قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ»[[أخرج ابن ماجه (٣٨٠٣) عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا رأى ما يحب قال: «الحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات»، وإذا رأى ما يكره قال: «الحمد لله على كلِّ حال».]]، وهذا هو الذي ينبغي للإنسان؛ أن يقول عند المكروه: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ»، أمَّا ما نسمعه من بعض الناس يقول: الحمد لله الذي لا يُحمد على مكروهٍ سِواه، فهذا خلافُ ما جاءت به السُّنة، بل قلْ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ»، أمَّا أن تقول: الذي لا يُحمد على مكروهٍ سِواه، فكأنَّك الآن تُعلن أنَّك كارهٌ ما قدَّر الله عليك، وهذا لا ينبغي، بل الواجب أن يرضى الإنسانُ بما قدَّر الله عليه مما يسوؤه أو يَسُرُّه؛ لأنَّ الذي قدَّره عليك مَن؟ الله عز وجل، هو ربُّك وأنت عَبْده، هو مالكك وأنت مملوكٌ له، فإذا كان الله هو الذي قدَّر عليك ما تكره فلا تجزع، يجب عليك الرضا والصبر وألَّا تتسخَّط لا بقلبك ولا بلسانك ولا بجوارحك، اصبِرْ وتحمَّل والأمر سيزول، دوام الحال من المحال، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا»[[أخرجه أحمد (٢٨٠٣)، والطبراني (١١٢٤٣) واللفظ له، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]]. فقوله جل وعلا: ﴿الْحَمِيدِ﴾ ما معنى ﴿الْحَمِيدِ﴾؟ أجيبوني.
* طلبة: المحمود.
* الشيخ: المحمود على كلِّ حالٍ من سَرَّاء أو ضَرَّاء؛ لأنه إن قدَّر السرَّاء فهو ابتلاءٌ وامتحان؛ قال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء ٣٥].
ولَمَّا رأى سليمانُ عرش بلقيس بين يديه بلحظةٍ ماذا قال؟ ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل ٤٠]، فأنت يا أخي إذا أُصِبتَ بالنعمة لا تأخذها على أنها نعمة فتمرح وتفرح، هي نعمة لا شكَّ، لكن اعلمْ أنَّك ممتحَنٌ بها هل تؤدِّي شُكرها أو لا تؤدِّي، إن أصابتك ضرَّاء فاصبِرْ فإنَّ ذلك أيضًا ابتلاء وامتحان من الله عز وجل ليبلوك هل تصبر أو لا تصبر، وإذا صبرتَ واحتسبتَ الأجر من الله فإنَّ الله يقول: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر ١٠].
ويجوز أن يكون معنى قوله: ﴿الْحَمِيدِ﴾ أن يكون له معنًى آخَر وهو الحامد؛ فإنه سبحانه وتعالى يَحمد مَن يستحقُّ الحمد، يُثني على عباده من المرسَلين والأنبياء والصالحين، والثناء عليهم حمدٌ لهم، فهو جل وعلا حامدٌ وهو كذلك محمودٌ، وقد ثبتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام «أنَّ الله يرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشَّربة فيحمده عليها»[[أخرجه مسلم (٢٧٣٤ / ٨٩) من حديث أنس رضي الله عنه بلفظ: «إنَّ الله لَيَرضى عن العبد أن يأكل الأكلة...» الحديث.]]؛ لأنَّه لولا أنَّ الله يَسَّر لك هذه الأكلة والشربة ما حصلتَ عليها؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة ٦٣، ٦٤]. أجبْ على هذا السؤال، الله يسألنا: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾، ما هو الجواب؟
* الطلبة: الله.
* الشيخ: الجواب: بل أنت يا رب. ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة ٦٥]، بعد أن يخرج وتتعلَّق به النفوس يجعله الله حطامًا، ولم يقُلْ عز وجل: لو نشاء لم نُنبِتْه؛ لأنَّ كونه ينبت وتتعلَّق به النفس ثم يكون حُطامًا أشدُّ وقعًا على النفس من كونه لا ينبت أصلًا؛ ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة ٦٥ - ٦٧]، ثم جاء للشُّرب فقال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة ٦٨، ٦٩] الجواب: بل أنت يا ربَّنا. ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ أي: مالحًا غير عذبٍ، لا يستطيع الإنسانُ أن يشربه ﴿فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة ٧٠] يعني: فهلَّا تشكرون الله على ذلك. وهنا لم يقُل عز وجل: لو نشاء لم نُنزله من المزن؛ لأنَّ كونه ينزل ولكن لا يُشرب لا يُطاق أشدُّ من كونه لم ينزل أصلًا، فتأمَّلوا يا أهل القرآن الكريم تجدوا فيه من الأسرار والحِكَم الشيءَ الكثير.
﴿
البروج 85:9
﴾﴿﴾﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٨، ٩].
﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ له وحده مُلك السماوات والأرض، لا يملكها إلا هو عز وجل، فهو يملك السماوات ومَن فيها، والأرضين ومَن فيها، وما بينهما وما فيه، كلُّ شيءٍ ملكٌ لله ولا يشاركه أحدٌ في ملكه، وما يُضاف إلينا من الملك فيقال مثلًا: هذا البيت ملكٌ لفلان، هذه السيارة ملكٌ لفلان، فهو ملكٌ قاصرٌ وليس ملكًا حقيقيًّا؛ لأنَّه لو أنَّ إنسانًا أراد أن يهدم بيتَه بدون سببٍ فهل يملك ذلك؟ أجيبوا.
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، لو أردتَ أن تهدم بيتك بدون سببٍ ما يمكنك هذا، هذا حرام عليك؛ لأنَّ النبي ﷺ نهى عن إضاعة المال.
لو أردتَ أن تحرق سيارتك بدون سبب، تملك هذا؟ ما تملك، حتى لو أنَّك فعلتَ لَحَجَر الناسُ، حتى القاضي يحجر عليك، يمنعك من التصرُّف في مالك، مع أنَّ الله مَنَعك قَبْل. إذَنْ ملكُنا قاصر، والملك التامُّ لله. ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ مُطَّلع عز وجل على كلِّ شيء، ومن جملته ما يفعله هؤلاء الكفار بالمؤمنين من الإحراق بالنار، وسوف يجازيهم.
البروج 85:10
ولكنْ مع ذلك ومع فعلهم هذه الفعلة الشنيعة قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج ١٠]. قال بعض السلف: انظُر إلى حِلم الله عز وجل؛ يحرقون أولياءه ثم يعرض عليهم التوبة؛ يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾، وإنْ تابوا فلا شيء عليهم، فتأمَّل يا أخي حِلم الله عز وجل، حيث يحرِّق هؤلاء الكفَّارُ أولياءَه، والتحريق أشدُّ ما يكون من التعذيب، ثم يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾.
قال العلماء: ﴿فَتَنُوا﴾ بمعنى أحرقوا؛ كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الذاريات ١٣، ١٤]، هؤلاء أحرقوا المؤمنين وأحرقوا المؤمنات؛ يأتون بالرجل، بالمرأة، يحرقونهم في النار.
يقول عز وجل: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ أي: يرجعوا إلى الله ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ لأنهم أحرقوا أولياءَ الله، فكان جزاؤهم مثل عملهم جزاءً وِفاقًا.
في هذه الآيات من العِبَر: أنَّ الله سبحانه وتعالى قد يُسَلِّط أعداءَه على أوليائه، فلا تستغرب إذا سَلَّط الله عز وجل الكفارَ على المؤمنين وقتلوهم وحرَّقوهم وانتهكوا أعراضَهم، لا تستغرب، لله تعالى في هذا حكمة، المصابون من المؤمنين أجرُهم عند الله عظيم، وهؤلاء الكفار المعتدون أَمْلى لهم الله سبحانه وتعالى ويستدرجهم من حيث لا يعلمون.
والمسلمون الباقون لهم عِبرة وعِظَة فيما حصل لإخوانهم؛ فمثلًا نحن الآن نسمع ما يحصل بالبوسنة والهرسك من الانتهاكات العظيمة؛ انتهاك الأعراض، وإتلاف الأموال، وتجويع الصغار والعجائز، نسمع أشياء تُبكي، فنقول: سبحان الله! ما هذا التسليط الذي سلَّطه الله على هؤلاء المؤمنين؟!
نقول: يا أخي، لا تستغربْ؛ فالله سبحانه وتعالى ضرب لنا أمثالًا فيمَن سبق، يحرِّقون المؤمنين بالنار، فهؤلاء الذين سُلِّطوا على إخواننا في البوسنة والهرسك وغيرها من بلاد المسلمين .. لا تستغربْ، هذا رِفْعةُ درجاتٍ للمصابين وتكفيرُ سيِّئات، وهو عبرةٌ للباقين، علينا أن نعتبر، وهو أيضًا إغراءٌ لهؤلاء الكافرين حتى يتسلَّطوا فيأخذهم الله عز وجل أخْذ عزيزٍ مقتدر.
وفي هذه الآيات من العِبَر: أنَّ هؤلاء الكفار لم يأخذوا على المسلمين بذنب، إلا شيئًا واحدًا وهو أنهم يؤمنون بالله العزيز الحميد، وهذا ليس بذنب، بل هذا هو الحق، ومَن أنكره فهو الذي يُنكَر عليه.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينصر المسلمين في كل مكان، وأن يقينا شرَّ أعدائنا وأن يجعل كيدهم في نحورهم، إنَّه على كل شيءٍ قدير.
* * *
(...) أمَّا بعدُ فهذا هو اللقاء الثالث في شهر جمادى الثانية عام أربعة عشر وأربع مئةٍ وألف الذي يكون كلَّ خميس، نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا جميعًا به، وأن يرزقنا وإيَّاكم العلمَ النافعَ والعملَ الصالحَ وأن يتوفَّانا على الإيمان.
اخترنا في أول لقاءاتنا أن نتكلم على التفسير من سورة النبأ؛ لأن هذا الجزء الأخير من الكتاب العزيز تكثر قراءته، فاخترنا أن يكون الناسُ فيه على علم؛ لأنَّ الفائدة من القرآن هي التدبُّر والاتِّعاظ؛ كما قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص ٢٩].
وانتهينا إلى قوله تعالى في سورة البروج: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج ١٠]، فتنوهم يعني: أحرقوهم، على قول بعض أهل العلم؛ لأنَّ هؤلاء المجرمين خَدُّوا أخاديد؛ أي: شقُّوا سراديبَ في الأرض، وأوقدوا فيها النيران، وأحرقوا فيها المؤمنين، فيكون معنى ﴿فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: أحرقوا المؤمنين. وقيل: فتنوهم؛ أي: صَدُّوهم عن دينهم. والصحيح أنَّ الآية شاملةٌ للمعنيين جميعًا؛ لأنه ينبغي أن نعلم أن القرآن معانيه أوسع من أفهامنا، معاني القرآن أوسع من أفهامنا، وأنَّه مهما بلغْنا من الذكاء والفطنة فلن نحيط به علمًا، إنما نعلم منه ما تيسَّر، والقاعدة في علم التفسير أنَّه إذا كانت الآية تحتمل معنيين لا يتضادَّانِ فإنها تُحمَل عليهما جميعًا، فنقول: هم فتنوا المؤمنين بصدِّهم عن سبيل الله وفتنوهم بالإحراق أيضًا.
ولكن مع هذا يقول الله عز وجل: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾، فدلَّت الآية الكريمة على أنهم لو تابوا لَغفر الله لهم، حتى ولو فعلوا بأوليائه ما فعلوا فإنَّ الله يتوب عليهم؛ لأنَّ الله يقول: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى ٢٥].
﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ أي: عذاب النار يُعذَّبون بها، ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ يُحرَقون في نار جهنم، نسأل الله العافية.
وفي الآية إشارةٌ إلى أنَّ التوبة تهدم ما قبلها، ولكن يا إخواني لا بدَّ أن نعلم أنَّ التوبة لا تكون توبةً نصوحًا مقبولةً عند الله إلا إذا اشتملتْ على شروطٍ خمسة:
الأول: الإخلاص لله عز وجل بأنْ يكون الحامل للإنسان على التوبة خوفَ الله عز وجل ورجاءَ ثوابه؛ لأنَّ الإنسان قد يتوب من الذنب من أجل أن يمدحه الناس، أو من أجل دَفْع مَذَمَّة الناس له، أو من أجل مرتبةٍ يَصِل إليها، أو من أجل مالٍ يحصل عليه، كلُّ هؤلاء لا تُقبل توبتُهم، لماذا؟ لأنَّ التوبة يجب أن تكون خالصةً لله عز وجل، وأمَّا مَن أراد بعمله الدنيا فإنَّ الله تعالى يقول في كتابه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ [هود ١٥، ١٦].
الثاني من شروط كون التوبة نصوحًا: الندم على ما حصل من الذنب؛ بمعنى ألَّا يكون الإنسانُ كأنَّه لم يُذنب ما يتحسَّر ولا يحزن، لا بدَّ أن يندم؛ إذا ذكر عظمة الله نَدِم: كيف أعصي ربي وهو الذي خلقني ورزقني وهداني؟! فيندم، كما لو عصى الإنسانُ أباه فإنه يندم.
الثالث: أن يُقلع عن الذنب؛ فلا تصحُّ التوبة مع الإصرار على الذنب؛ لأنَّ التائب هو الراجع، فإذا كان الإنسان يقول: أستغفرُ الله وأتوبُ إليه مِن أكْل الربا، ولكنَّه لايزال يُرابي، فهل تصحُّ توبتُه؟ لا، لا تصحُّ توبتُه.
لو قال: أستغفر الله من الغِيبة، والغِيبة ذِكْرك أخاك بما يكره، ولكنَّه في كلِّ مجلسٍ يغتاب الناس، هل تصحُّ توبتُه؟ لا، كيف تصح وهو مُصِرٌّ على المعصية؟! فلا بدَّ أن يُقلع.
إذا تاب من أكْل أموال الناس وقد سَرَق من هذا وأخَذ مالَ هذا بخداعٍ وغشٍّ، فهل تصِحُّ توبتُه؟ لا، حتى يرُدَّه، حتى يرُدَّ ما أخذ من أموال الناس إلى الناس.
لو فرضْنا أنَّ شخصًا أدخلَ مراسيمه في ملك جاره واقتطع جزءًا من أرضه، وقال: إني تائب، ماذا نقول له؟ رُدَّ المراسيم إلى حدودها الأولى، وإلَّا فإنَّ توبتك لا تُقبل؛ لأنه لا بدَّ من الإقلاع عن الذنب الذي تاب منه.
والشرط الرابع: أن يعزم عزمًا تامًّا ألَّا يعود إلى الذنب، فإنْ تاب وهو في نفسه لو حصل له الفرصة لَعاد إلى الذنب فإنَّ توبته لا تُقبل، بل لا بدَّ أن يعزم عزمًا أكيدًا على ألَّا يعود.
والشرط الخامس: أن تكون التوبة في وقتٍ تُقبل فيه التوبة؛ لأنَّه يأتي أوقاتٌ ما تُقبل فيها التوبة، انتبِهوا لهذا الشرط الأخير، تأتي أوقاتٌ لا تُقبل توبة الإنسان، وذلك في حالين:
الحال الأولى: إذا حضره الموت فإنَّ توبته لا تُقبل؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨]، بعدما عاين الموتَ وشاهدَ العذابَ يقول: تبت؟! ما ينفع هذا.
ومثالٌ واقعٌ لهذه المسألة وهو أنَّ فرعون لَمَّا أدركه الغرقُ ماذا قال؟ ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس ٩٠]؛ يعني بالله، ولم يقل: آمنتُ بالله، إذلالًا لنفسه؛ حيث كان يحارب بني إسرائيل على الإيمان بالله، والآن يقول: آمنتُ بالذي آمَنوا به، فكأنَّه جعل نفسَه تابعًا لِمَن؟ لبني إسرائيل، إلى هذا الحد بلغ به الذلُّ، ومع ذلك قيل له: ﴿آلْآنَ﴾ آلآن تتوب؟! آلآن تؤمن بالذي آمَنَتْ به بنو إسرائيل؟! ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس ٩١]، إذَنْ إذا حضر الموتُ فإنَّ التوبة لا تُقبل.
وأنا أسأل كلَّ واحدٍ منكم: هل يعلم متى يحضره الموت؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: لا، إذَنْ لا بدَّ من المبادرة بالتوبة؛ لأنَّك لا تدري في أيِّ وقتٍ يحضرك الموت؛ ألَمْ تعلموا أنَّ مِن الناس مَن نام على فراشه في صحَّةٍ وعافيةٍ ثم حُمِل من فراشه إلى سرير تغسيله؟! نعلم هذا، وقع. ألَمْ تعلموا أنَّ بعض الناس جَلَس على كرسيِّ العمل يعمل، ثم حُمِل مِن كرسيِّ العمل إلى سرير التغسيل؟! كل هذا واقع. فإذَنْ يجب أن نُبادر بالتوبة، أن نُبادر بها، نسأل الله أن يُعينني وإيَّاكم على ذلك، بادِروا بالتوبة قبل أن تُغلق الأبواب، بادروا.
يقول جل وعلا: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ قلنا: إنها لا تُقبل التوبة في حالين:
الحالة الأولى: إذا حضره الموت.
والحالة الثانية: إذا طلعت الشمسُ من مغربها؛ فإنَّ الشمس إذا طلعت من مغربها ورآها الناس آمَنوا، لكن الله يقول: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام ١٥٨].
فشروط قبول التوبة خمسة، نسأل الله أن يُعيننا وإيَّاكم على تحقيقها.
البروج 85:11
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ [البروج ١١].
لَمَّا ذكر عقاب المجرمين ذكر ثواب المؤمنين، وهذه هي الطريقة المتَّبَعة فيما يُراد به الترغيب والترهيب، والقرآن الكريم قال الله تعالى إنه ﴿مَثَانِيَ﴾ [الزمر ٢٣] تُذْكر فيه المعاني المتقابلة؛ فيُذكر فيه عذابُ أهل النار ونعيمُ أهل الجنة، صفاتُ المؤمنين وصفاتُ الكافرين، من أجل أن يكون الإنسانُ سائرًا إلى الله تعالى بين الخوف والرجاء، ويعرف نعمة الله عليه بالإسلام، ويعرف حكمة الله تعالى في وجود هؤلاء الكافرين المجرمين. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾. ونقتصر على هذا الجزء، ونؤجل الكلام على هذه الآية إن شاء الله إلى الأسبوع القادم.
* * *
(...) بما كُنَّا نبدأ به أولًا من تفسير القرآن الكريم، وقد وصلنا إلى قوله تعالى في سورة البروج: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هم الذين آمَنوا بالله، وملائكته، وكُتُبه، ورُسُله، واليوم الآخِر، والقدر خيره وشرِّه، فإنَّ هذا هو الإيمان كما فسَّره النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين سأله جبريل عن الإيمان فقال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[[أخرجه مسلم (٨ / ١) عن عمر رضي الله عنه، ولفظه: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكُتُبه، ورُسُله، واليوم الآخِر، وتؤمن بالقَدَر خيرِه وشرِّه».]].
وأمَّا قوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فالمراد عملوا الأعمالَ الصالحة، والأعمالُ الصالحةُ هي التي بُنِيتْ على الإخلاص لله واتِّباع شريعة الله، فمَن عَمِل عملًا أشركَ به مع الله غيرَه فعَمَلُه مردودٌ عليه؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما يرويه عن ربِّه أنَّه تعالى قال: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ؛ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
وأمَّا المتابَعة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنَّ مَن عَمِل عملًا ليس على شريعة الله فإنَّه باطلٌ مردودٌ؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧) بنحوه، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) واللفظ له، من حديث عائشة رضي الله عنها.]]، وبناءً على ذلك تكون عبادة الْمُرائي الذي يعبد الله لكن يُرائي الناس؛ أي: يُظهِر العبادةَ ليراه الناسُ فيمدحوه، هو لا يريد التقرُّبَ إلى الناس، يريد التقرُّبَ إلى الله، لكن يريد أن يمدحه الناسُ على تقرُّبه إلى الله وعبادته لله، فهذا مُراءٍ وعملُه مردودٌ أيضًا. كذلك مَن تكلَّم بكلامٍ: قرآنٍ أو ذِكْرٍ، ورَفَع صوتَه ليسمعه الناسُ ويمدحوه على ذِكْره لله، فهذا أيضًا مُراءٍ، عَمَلُه مردودٌ عليه؛ لأنَّه أشرك فيه مع الله غيرَه، أراد أن يمدحه الناسُ على عبادة الله.
أمَّا مَن تعبَّد للناس فهذا مشركٌ شركًا أكبر؛ يعني مَن قام يصلِّي أمامَ شخصٍ تعظيمًا له لا لله وركع للشخص وسجد للشخص فهذا مشركٌ شركًا أكبر مخرجًا عن الملَّة، وكذلك أيضًا مَن ابتدع في دين الله ما ليس منه؛ كما لو رتَّب أذكارًا معيَّنةً في وقتٍ معيَّنٍ فإنَّ ذلك لا يُقبل منه، حتى ولو كان ذِكْر الله؛ لو كان تسبيحًا أو تحميدًا أو تكبيرًا أو تهليلًا ولكنَّه رتَّبه على وجهٍ لم تَرِد به السُّنَّة فإنَّ ذلك ليس مقبولًا عند الله عز وجل؛ لأنَّه عمل عملًا ليس عليه أمر الله ورسوله، فالمهمُّ أن الله اشترطَ مع الإيمان العملَ الصالح.
وبهذا نعرف أنَّه لا ينبغي لنا أن نركِّز دائمًا على العقيدة ونقول: نحن على العقيدة الإسلامية وعلى كذا وعلى كذا، ولم نذكر العمل؛ لأنَّ مجرَّد العقيدة لا يكفي، لا بدَّ من عمل، فينبغي عندما تذكر أنَّنا على العقيدة الإسلامية، ينبغي أن تقول: ونعمل العمل الصالح؛ لأنَّ الله يقرن دائمًا بين الإيمان المتضمِّن للعقيدة وبين العمل الصالح حتى لا يخلو الإنسانُ من عملٍ صالحٍ، أمَّا مجرَّد العقيدة فلا ينفع؛ لو أنَّ الإنسان يقول: أنا مؤمنٌ بالله، لكن لا يعمل، أين الإيمان بالله؟! ولهذا كان القول الراجح من أقوال العلماء أنَّ تارك الصلاة كافرٌ كفرًا مخرجًا عن الملَّة، وقد بيَّنَّا أدلَّةَ ذلك في رسالةٍ لنا صغيرةٍ، وكذلك أيضًا يمرُّ علينا في نور على الدرب أسئلةٌ حول هذا الموضوع ونبيِّن الأدلَّة بما يغني عن إعادتها هنا.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، ﴿لَهُمْ﴾ يعني: عند الله، ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، وذلك بعد البعث؛ فإنهم يدخلون هذه الجنات التي فيها ما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمعتْ، ولا خطر على قلب بَشَر، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]، وقال الله في الحديث القدسي: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[أخرجه مسلم (٢٨٢٥ / ٥) من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه.]]؛ لأنَّ فيها من النعيم ما لا يتصوَّره الإنسان، والله تعالى يذكر فيها -أي: في الجنات- نخلًا ورمَّانًا وفاكهةً ولحمَ طيرٍ وعسلًا ولبنًا وماءً وخمرًا، لكنْ لا تظنُّوا أنَّ حقائق هذه الأشياء كحقائق ما في الدنيا أبدًا؛ لأنها لو كانت حقائقها كحقائق ما في الدنيا لَكُنَّا نعلم ما أُخْفِي لنا من هذا، ولكنَّها أعظم وأعظم بكثيرٍ مما تتصوَّره؛ فالرُّمَّان، وإنْ كُنَّا نعرف معنى الرُّمَّان ونعرف أنَّه على شكلٍ معيَّنٍ وطعمٍ معيَّنٍ وذو حبَّاتٍ معيَّنة، لكن ليس الرُّمَّان الذي في الآخرة كهذا، أعظم بكثير، لا من جهة الحجم، ولا من جهة اللون، ولا من جهة المذاق، لكن كما قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: «ليس في الدنيا شيءٌ مما في الجنَّة إلا الأسماء فقط»[[أخرجه هنَّاد في الزهد (٣) عنه ولفظه: «ليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء».]]، أمَّا الحقائق فهي غير معلومة.
وقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ قال العلماء: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ أي: من تحت أشجارها وقصورها. وإلَّا فهي على السطح، فوق، ثم هذه الأنهار جاء في الأحاديث أنَّها لا تحتاج إلى حَفْر، ولا تحتاج إلى بناء أخدود[[أخرج أبو نعيم في الحلية (٦ / ٢٠٥) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «لعلَّكم تظنُّون أنَّ أنهار الجنة أخدودٌ في الأرض، لا واللهِ، إنها لَسائحةٌ على وجه الأرض، حافتاها خيام اللؤلؤ، وطينها المسك الأذفر». قلت: يا رسول الله، وما الأذفر؟ قال: «الذي لا خِلط معه». وأخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٦٩) عن أنسٍ موقوفًا.]]، وفي هذا يقول ابن القيم في النونية:
أَنْهَارُهَا فِي غَيْرِ أُخْدُودٍ جَرَتْ ∗∗∗ سُبْحَانَ مُمْسِكِهَا عَنِ الْفَيَضَانِ
الأنهار في المعروف عندنا أنها تحتاج إلى حَفْرٍ أو إلى أخدودٍ تمنع من تسرُّب الماء يمينًا وشمالًا، لكن في الجنة لا تحتاج إلى أخدود، تجري حيث شاء الإنسان؛ يعني يوجِّهها كما شاء بدون حَفْرٍ وبدون إقامة أخدود، والأنهار هنا وفي آياتٍ كثيرةٍ مجملةٌ، لكنَّها فُصِّلت في سورة القتال؛ سورة محمد؛ قال: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد ١٥].
﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾، ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه الجنات وما فيها من النعيم.
﴿الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ يعني: الذي به النجاةُ من كلِّ مرهوبٍ وحصولُ كلِّ مطلوب؛ لأنَّ الفوز هو عبارةٌ عن حصول المطلوب وزوال المكروه، والجنة كذلك فيها كلُّ مطلوبٍ وقد زال عنها كلُّ مرهوب؛ فلا يذوقون فيها الموتَ، ولا المرضَ، ولا السقمَ، ولا الهمَّ، ولا النَّصَبَ، نسأل الله أن يجعلنا وإيَّاكم من أهلها.
البروج 85:12
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ [البروج ١٢، ١٣].
﴿بَطْشَ﴾ يعني: أخْذه بالعقاب شديد؛ كما قال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٩٨]، فبطْش الله يعني: انتقامه وأخْذه شديدٌ عظيمٌ، ولكنَّه لِمَن يستحقُّ ذلك، أمَّا مَن لا يستحقُّ ذلك فإنَّ رحمة الله تعالى أوسع؛ ما أكثرَ ما يعفو الله عن الذنوب! ما أكثرَ ما يستر الله من العيوب! ما أكثرَ ما يدفع الله من النِّقَم! وما أكثرَ ما يجري من النِّعم! لكنْ إذا أَخَذ الظالِمَ لم يُفلته؛ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ، حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»، وتلا قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود ١٠٢][[متفق عليه؛ البخاري (٤٦٨٦) واللفظ له، ومسلم (٢٥٨٣ / ٦١)، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.]].
وعلى هذا فنقول: ﴿بَطْشَ رَبِّكَ﴾ أي: فيمن يستحقُّ البطشَ، أمَّا مَن لا يستحقُّه فإنَّ الله تعالى يعامله بالرحمة، ويعامله بالكرم، ويعامله بالجود، ورحمة الله تعالى سبقتْ غضبَه.
البروج 85:13
﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ يعني أنَّ الأمر إليه ابتداءً وإعادةً، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم ٢٧]، فهو الذي بدأ الأشياء، وإليه تنتهي الأشياء، الأشياءُ منه وإليه، في كلِّ شيء، الخلْق من الله وإليه، الشرائع من الله وإليه، كلُّ الأمور من الله وإليه، ولهذا قال: ﴿يُبْدِئُ﴾ ولم يذكر ما الذي يُبْدِئه، فمعناه: يُبْدِئُ كلَّ شيء، ويُعيد كلَّ شيء، فكلُّ الأمر بيده عز وجل، فأنت اعرفْ أصلَك من أين أنت وأنَّك ابتدأتَ من عدم، واعرفْ منتهاك وغايتَك وأنَّ غايتَك إلى الله عز وجل.
البروج 85:14
﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج: ١٣ - ١٥] ﴿هُوَ الْغَفُورُ﴾ يعني ذا المغفرة، والمغفرة سَتْرُ الذنب والعفوُ عنه، فليست المغفرةُ سَتْر الذنب فقط بل سَتْره وعدم المؤاخذة عليه؛ كما جاء في الحديث الصحيح «أنَّ الله يخلو بعبده المؤمن يوم القيامة ويُقَرِّره بذنوبه حتى يُقِرَّ بها ويعترف، فيقول الله عز وجل: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[أخرج البخاري (٤٦٨٥) -واللفظ له- ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) عن صفوان بن محرز قال: بينا ابن عمر يطوف إذْ عَرَض رجلٌ فقال: يا أبا عبد الرحمن -أو قال: يا ابن عمر- سمعتَ النبيَّ ﷺ في النجوى؟ فقال سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: «يُدنَى المؤمنُ من ربِّه -وقال هشام: يدنو المؤمن- حتى يَضَع عليه كَنَفه فيقرِّره بذنوبه: تعرفُ ذَنْب كذا؟ يقول: أعرفُ. يقول: ربِّ أعرفُ. مرَّتين. فيقول: سترتُها في الدنيا، وأغفرها لك اليوم. ثم تُطوى صحيفة حسناته، وأمَّا الآخرون -أو الكفار- فيُنادى على رؤوس الأشهاد: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨].]]. ذنوبُنا كثيرة؛ ذنوب قلبية، وذنوب قولية، وذنوب فعلية، ما أكثرها! لكنَّ الله تعالى -ولله الحمد- يسترها.
ويُذكر أنَّ بني إسرائيل كانوا إذا أذنبَ الواحدُ منهم ذنبًا وجده مكتوبًا على باب بيته؛ فضيحةً وعارًا والعياذ بالله، لكن نحن -ولله الحمد- قد سَتَر الله علينا، تُبْ إلى الله واستغفرْ من الذنب فتُمحى آثارُه نهائيًّا، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ﴾ أي: الساترُ لذنوب عباده المتجاوزُ عنها.
﴿الْوَدُودُ﴾ مأخوذة من الودِّ، والودُّ هو خالص المحبَّة، فهو جل وعلا ودودٌ.
وما معنى (ودود)؟ هل معناه أنَّه محبوبٌ أو أنَّه حابٌّ؟
والجواب: يشمل الوجهين جميعًا؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة ٥٤]، فهو جل وعلا وادٌّ؛ يحبُّ الأعمالَ، ويحبُّ الأشخاصَ، ويحبُّ الأمكنةَ، وهو كذلك أيضًا محبوبٌ يحبُّه أولياؤه؛ ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران ٣١]، فكلَّما كان الإنسان أَتْبع لرسول الله ﷺ كان أحبَّ إلى الله، فهو جل وعلا وادٌّ، وهو أيضًا مودودٌ؛ أي إنَّه يُحِبُّ ويُحَبُّ، يحبُّ سبحانه وتعالى الأعمالَ ويحبُّ العاملين، ويحبُّ الأشخاصَ؛ يعني أنَّ محبَّة الله قد تتعلَّق بشخصٍ معيَّنٍ؛ مثل قول الرسول عليه الصلاة والسلام في يوم خيبر قال: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ». فباتَ الناسُ ثم غَدَوا إلى رسول الله ﷺ كلُّهم يرجو أن يُعطاها، فقال: «أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ»؟ قالوا: يشتكي عينيه. فدعا به فأتى، فبَصَق في عينيه فبرأ كأنْ لم يكن به وجعٌ في الحال، ثم أعطاه الراية وقال: «انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ»[[أخرج البخاري (٣٠٠٩) واللفظ له، ومسلم (٢٤٠٦ / ٣٦) من حديث سهلٍ رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ يوم خيبر: «لَأُعْطينَّ الرَّايةَ غدًا رجلًا يُفتَح على يديه، يحبُّ اللَّهَ ورسولَه ويحبُّه اللَّهُ ورسولُه». فبات الناسُ ليلتهم: أيُّهم يُعطى، فغَدَوْا كلُّهم يرجوه، فقال: «أين عليٌّ؟». فقيل: يشتكي عينيه. فبَصَق في عينيه ودعا له، فبَرَأ كأنْ لم يكن به وجع، فأعطاه فقال: أُقاتلهم حتى يكونوا مِثْلنا؟ فقال: «انفُذ على رِسْلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعُهم إلى الإسلام، وأَخْبِرهم بما يجب عليهم، فواللهِ لَأنْ يهدي الله بك رجلًا خيرٌ لك من أن يكون لك حُمْر النَّعَم».]]. الشاهد قوله: «يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ»، فهنا أثبت أنَّ الله يحبُّ هذا الرجل بعينه؛ علي بن أبي طالب.
ولَمَّا بعث رجلًا على سريَّةٍ صار يقرأ لهم في الصلاة، ويختم القراءة بـ(قل هو الله أحد)، فلمَّا رجعوا إلى النبيِّ ﷺ أخبروه بذلك؛ لأنَّ عمله هذا غير معروف، أنَّ الإنسان كلَّما قرأ في الصلاة يجعل آخر قراءته (قل هو الله أحد)، فقال: «سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ»؟ فسألوه فقال: إنها صفة الله، وأنا أحبُّ أن أقرأها. فقال النبي ﷺ: «أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ»[[أخرج البخاري (٧٣٧٥)، ومسلم (٨١٣ / ٢٦٣)، عن عائشة رضي الله عنها أنَّ رسول الله ﷺ بَعَث رجلًا على سَرِيَّة، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بـ(قل هو الله أحد)، فلمَّا رجعوا ذُكِر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «سَلُوه لأيِّ شيءٍ يصنع ذلك». فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن، فأنا أحبُّ أن أقرأ بها. فقال رسول الله ﷺ: «أَخْبِروه أنَّ الله يحبُّه».]]، فهنا تجدون المحبة عُلِّقت بشخص معيَّن؛ محبة الله.
وقد تكون محبَّة الله بمعيَّنين بأوصافهم؛ مثل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة ٤]،﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة ١٩٥]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف ٤]، هذا ما فيه شخص معيَّن، لكن فيه شخص موصوف بصفة.
كذلك يحبُّ الله سبحانه وتعالى الأماكن؛ أَحَبُّ البِقاع إلى الله مساجدها[[أخرج مسلم (٦٧١ / ٢٨٨) عن أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ قال: «أحَبُّ البلادِ إلى الله مساجدُها، وأبغَضُ البلادِ إلى الله أسواقُها».]]، وأخبر النبيُّ عليه الصلاة والسلام أنَّ مكة أحبُّ البقاع إلى الله[[أخرج النسائي في الكبرى (٤٢٤٠) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ وهو في سوق الحزورة بمكة: «واللهِ إنَّكِ لَخَيرُ أرضِ الله وأحبُّ البلادِ إلى الله، ولولا أني أُخرِجتُ منكِ ما خرجتُ».]]، هذه المحبَّة متعلِّقة بالأماكن، فالله تعالى يُحِبُّ ويُحَبُّ، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾.
البروج 85:15
ثم بيَّن عظمتَه وتمامَ سلطانه في قوله: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج ١٥، ١٦]، ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ أي: صاحب العرش، والعرش هو الذي استوى عليه الله عز وجل، وهو أعظم المخلوقات وأكبرها وأوسعها، وقد جاء في الأثر أنَّ السماوات السبع والأرضين السبع بالنسبة إلى الكرسي كحلقةٍ أُلقِيتْ في فلاةٍ من الأرض، حلقة الدرع صغيرة أُلقيت في فلاةٍ من الأرض ليست بشيءٍ بالنسبة لها، وإنَّ فَضْل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة[[أخرج ابن حبان (٣٦١) عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه أنَّ النبي ﷺ قال: «ما السماوات السبع مع الكرسيِّ إلا كحلقةٍ مُلقاةٍ بأرض فلاة، وفَضْل العرشِ على الكرسيِّ كفضل الفلاة على الحلقة...» الحديث.]]. إذَن الكرسي لا أحد يقدر عن سعته، وإذا كُنَّا نشاهد من المخلوقات المشهودة الآن التباين العظيم في أحجامها؛ أَطْلعني رجلٌ على صورةِ الشمس، مصوَّرة، وصورةِ الأرض، فوجدتُ أنَّ الأرض بالنسبة لهذه الشمس كنقطةٍ غير كبيرة في تبسي واسع كبير، وأنها لا تُنسَب إلى الشمس إطلاقًا، ما هي شيء، فإذا كان هذا في الأشياء المشهودة التي تُدرَك بالتلسكوب وغيره، فما بالُك بالأشياء الغائبة عنَّا! لأنَّ ما غاب عنَّا أعظم مما نشاهد؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٨٥]، فالحاصل أنَّ العرش هو هذا الذي هو سَقْف المخلوقات كلِّها، عرشٌ عظيمٌ، استوى عليه الرحمنُ جل وعلا؛ كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه ٥].
وقوله: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ هذه فيها قراءتان: ﴿﴿الْمَجِيدِ﴾ ﴾ و﴿الْمَجِيدُ﴾، فعلى القراءة الأولى تكون وصفًا للعرش، وعلى الثانية تكون وصفًا للربِّ عز وجل، وكلاهما صحيح؛ فالعرش مجيدٌ، وكذلك الربُّ عز وجل مجيدٌ، ونحن نقول في التشهد: إنك حميدٌ مجيدٌ.
البروج 85:16
﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ كلُّ ما يريده فإنَّه يفعله عز وجل؛ لأنَّه تامُّ السلطانِ، لا أحد يمانعه، لا معقِّب لحُكمه، ولا رادَّ لقضائه، ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد ١١]، فكلُّ ما يريده فإنَّه يفعله، لكن ملوك الدنيا وإن عظمتْ ملكيَّتهم لا يفعلون كلَّ ما يريدون، ما أكثر ما يريدون ثم يوجد مانع يمنع، أمَّا الربُّ فهو ذو السلطان الأعظم الذي لا يردُّ ما أراده شيءٌ؛ ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾، وفي هذا دليلٌ على أن جميع ما وقع في الكون فإنه بإرادة الله عز وجل؛ لأن الله هو الذي خَلَقه فيكون واقعًا بإرادته، ولكن اعلموا أنَّ الله لا يريد شيئًا إلا لحِكمة، فكلُّ ما يقع من أفعال الله فإنه لحِكمةٍ عظيمةٍ قد نعلمها وقد لا نعلمها.
ونتوقَّف عند هذه الآية الكريمة، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا وإيَّاكم ممن يتلون كتابَه حقَّ تلاوته وأن يرزقنا فَهْمه ويُعيننا على العمل به، إنَّه جوادٌ كريم.
البروج 85:19
(...) ولقاؤنا هذا اليوم يشتمل على تفسير بقيَّة البروج ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾، وعلى ما يَرِد من أسئلةٍ نُجيب عليها بتوفيق الله سبحانه وتعالى.
انتهينا إلى قول الله تبارك وتعالى في سورة البروج: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج ١٩، ٢٠]. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يشمل كلَّ مَن كفر بالله ورسوله سواءٌ كان من المشركين أو من اليهود أو النصارى أو غيرهم؛ وذلك لأنَّ اليهود والنصارى الآن وبعد بعثة الرسول ﷺ ليسوا على دين، ولا تنفعهم أديانهم؛ لأنه -أي النبي ﷺ- خاتم الأنبياء، فمَن لم يؤمن به فليس على شيءٍ من دينه، بل إنَّه سبق لنا أنَّ مَن لم يؤمن برسولٍ واحدٍ من الرسل فهو كافرٌ بجميع الرسل؛ يعني مثلًا مَن لم يؤمن بنوحٍ أنَّه رسولٌ -ولو آمَن بغيره من الأنبياء- فإنَّه مكذِّبٌ لجميع الأنبياء، والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥]، فبيَّن الله أنَّ هؤلاء كذَّبوا جميع الرسل مع أنهم لم يُكَذِّبوا إلا رسولًا واحدًا؛ إذْ إنَّه ليس قَبْل نوحٍ رسولٌ، كذلك الذي كذَّب محمدًا ﷺ هو مُكَذِّب لغيره من الرسل، فإذا ادَّعت اليهود أنهم على دينٍ وأنهم يتَّبعون التوراة التي جاء بها موسى نقول لهم: أنتم كافرون بموسى، كافرون بالتوراة. وإذا ادَّعت النصارى الذين يُسَمُّون أنفسَهم اليوم بالمسيحيِّين أنهم مؤمنون بعيسى قُلنا لهم: كَذَبتم، أنتم كافرون بعيسى؛ لأنَّكم كافرون بمحمد عليه الصلاة والسلام.
والعجب أنَّ هؤلاء اليهود والنصارى يكفرون بمحمد عليه الصلاة والسلام مع أنهم ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف ١٥٧]، ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة ١٤٦]، لكن العناد والكبرياء والحسد مَنَعهم أن يؤمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام؛ ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة ١٠٩]، فالحاصل أنَّ قوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يشمل كلَّ مَن كفر بمحمد حتى من اليهود والنصارى، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ» -يعني أُمَّة الدعوة- «يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ لَا يُؤْمِنُ بِمَا جِئْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ»[[أخرج مسلم (١٥٣ / ٢٤٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله ﷺ قال: «والذي نفس محمدٍ بيده، لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأُمَّة يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ ثم يموت ولم يؤمنْ بالذي أُرْسِلتُ به إلَّا كان من أصحاب النار».]]. كلُّ الكفَّار في تكذيب، وقال: ﴿فِي تَكْذِيبٍ﴾ فجعل التكذيبَ كالظرف لهم؛ يعني أنَّه محيطٌ بهم من كلِّ جانبٍ والعياذُ بالله.
البروج 85:20
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ يعني أنَّ الله تعالى محيطٌ بهم من كلِّ جانبٍ لا يشذُّون عنه؛ لا عن عِلْمه ولا سُلطانه ولا عقابه، ولكنَّه عز وجل قد يُمْلي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفلته.
البروج 85:21
﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١، ٢٢].
﴿بَلْ هُوَ﴾ أي: ما جاء به الرسولُ عليه الصلاة والسلام ﴿قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ أي: ذو عظمةٍ ومجد، ووَصْف القرآنِ بأنَّه مجيدٌ لا يعني أن المجد وصْفٌ للقرآن نفسه فقط، بل هو وصْفٌ للقرآن ولِمَن تحمَّل هذا القرآنَ فحمله وقام بواجبه من تلاوته حقَّ تلاوته، فإنَّه سيكون له المجد والعِزَّة والرِّفعة.
وقوله تعالى: ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ يعني بذلك اللوحَ المحفوظَ عند الله عز وجل الذي هو أمُّ الكتاب؛ كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد ٣٩].
هذا اللوح لو سألَنا سائلٌ: من أيِّ مادَّةٍ هو؟ ماذا نقول؟
* طالب: نقول: الله أعلم.
* الشيخ: نقول: الله أعلم. يعني لو قال: هل من خشب؟ من حديد؟ من زجاج؟ من ذهب؟ من فضة؟ ما ندري، هو لوحٌ كتب الله به مقاديرَ كلِّ شيءٍ، ومن جُملة ما كتب به أنَّ هذا القرآن سينزل على محمد ﷺ، فهو ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾.
قال العلماء: ﴿مَحْفُوظٍ﴾ لا يناله أحدٌ، محفوظٌ عن التغيير والتبديل. والتبديلُ والتغييرُ إنما يكون في الكتب الأخرى؛ لأنَّ الكتابة من الله عز وجل أنواعٌ، وأرجو أن تنتبهوا لهذا:
النوع الأول: الكتابة في اللوح المحفوظ، وهذه الكتابة لا تُبَدَّل ولا تُغَيَّر، ولهذا سَمَّاه الله لوحًا محفوظًا، لا يمكن أن يُبَدَّل أو يُغَيَّر ما فيه؛ لأنَّه هو النهائي.
الثاني: الكتابة على بني آدم وهُم في بطون أمَّهاتهم؛ لأنَّ الإنسان في بطن أمِّه إذا تَمَّ له أربعة أشهرٍ بعثَ الله إليه ملكًا موكَّلًا بالأرحام فينفخ فيه الروح بإذن الله، لأنَّ الجسد عبارة عن قطعة من لحم إذا نُفِخت فيه الروح صار إنسانًا، ويؤمَر بأربع كلمات: بكَتْب رِزقه، وأجَله، وعمله، وشقيٌّ أو سعيدٌ[[أخرج البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣ / ١)، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: حدَّثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق قال: «إنَّ أحدكم يُجمع خَلْقه في بطن أُمِّه أربعين يومًا، ثم يكون عَلَقَةً مِثْل ذلك، ثم يكون مُضْغةً مِثْل ذلك، ثم يَبْعثُ الله مَلَكًا فيُؤمَر بأربع كلمات ويُقال له: اكتبْ عملَه، ورِزقه، وأجَلَه، وشقيٌّ أو سعيدٌ...» الحديث.]].
هناك كتابة أخرى حوليَّة؛ كلَّ سَنَة، وهي الكتابة التي تكون في ليلة القَدْر؛ فإنَّ الله سبحانه وتعالى يُقَدِّر في هذه الليلة ما يكون في تلك السَّنَة؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان ٤]، فيُكتَب في هذه الليلة ما يكون في تلك السَّنَة.
هناك كتابة رابعة، وهي كتابة الصُّحُف التي في أيدي الملائكة، وهذه الكتابة تكون بعد العمل، والكتابات الثلاث السابقة كلُّها قبل العمل، لكن الكتابة الأخيرة هذه تكون بعد العمل، يُكتَب على الإنسان ما يعمل من قولٍ بلسانه أو فعلٍ بجوارحه أو اعتقادٍ بقلبه، فإنَّ الملائكة الموكَّلين بحفظ بني آدم -أي: بحفظ أعمالهم- يكتبون؛ قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار ٩ - ١٢].
لكن هذه الكتابة الأخيرة تختلف عن الكتابات الثلاث السابقة؛ لأنها كتابة ما بعد العمل حتى يُكتَب على الإنسان ما عَمِل، فإذا كان يوم القيامة فإنَّه يُعطى هذا الكتاب؛ كما قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء ١٣، ١٤]، يعني تُعطَى الكتابَ ويُقال: أنت، اقرأْ وحاسبْ نفسَك. قال بعض السلف: لقد أَنْصفك مَن جعلك حسيبًا على نفسك. وهذا صحيح، أيُّ إنصافٍ أَبْلغ مِن أن يُقال للشخص: تفضَّل، هذا ما عَمِلْتَ، حاسبْ نفسَك؟! أليس هذا هو الإنصاف؟! أكبرُ إنصافٍ هو هذا، فيوم القيامة تُعطى هذا الكتابَ منشورًا مفتوحًا أمامك ليس مغلقًا، تقرأ، ويتبيَّن لك أنك عملتَ في يوم كذا في مكان كذا: كذا وكذا، شيءٌ مضبوطٌ ما يتغيَّر، وإذا أنكرتَ هنا مَن يشهد عليك؟ ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ﴾ يقول اللسان: نطقتُ بكذا، ﴿أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور ٢٤]، تقول اليد: بطشتُ، تقول الرِّجل: مشيتُ، بل يقول الجِلد أيضًا، الجلود تشهد بما لمست؛ ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [فصلت ٢١].
المهمُّ الآن أنَّ اللوح المحفوظ هو هذا اللوح الذي كتب الله فيه مقاديرَ كلِّ شيءٍ، هو محفوظٌ من التغيير، محفوظٌ من أن يناله أحدٌ، والله سبحانه وتعالى يعلم ما كتب فيه، وقلنا: إنَّه محفوظٌ لأنه لا يتغيَّر، وما بأيدي الملائكة يتغيَّر. وقلنا: إنَّ الكتابات أربع: اللوح المحفوظ، الثاني: كتابة الأجنَّة، والثالث: الكتابة الحوليَّة تكون في ليلة القدر، والرابعة: كتابة الأعمال بعد وقوعها وتكون هذه بأيدي الملائكة؛ عن اليمين واحد من الملائكة وعن الشمال واحد، يسجِّلون على الإنسان كلَّ ما يقول.
نحن الآن نسجِّل في مسجِّل في الشريط لا يفوت شيءٌ من كلامنا، حتى النَّفَس يُدرَك بهذا الشريط، هم أيضًا -الملائكة- يكتبون كلَّ شيءٍ؛ ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد﴾ [ق ١٨]، و﴿مِنْ قَوْلٍ﴾ هذه يقول علماء البلاغة: إنَّ النكرة في سياق النفي تكون للعموم؛ أيُّ قولٍ تقوله فعندك رقيبٌ عتيدٌ حاضرٌ لا يغيب عنك.
ويُذكَر أنَّ الإمام أحمد رحمه الله كان مريضًا، وكان يئِنُّ في مرضه من شدَّة المرض، فدخل عليه أحد أصحابه وقال: يا أبا عبد الله، إنَّ طاوسًا -وهو رجلٌ من التابعين معروفٌ- يقول: إنَّ الملائكة تكتب على الإنسان حتى أنينَ المرض، حتى أنينَه في مرضه. فأمسكَ رحمه الله عن الأنين. فالأمر ليس بالأمر الهيِّن، نسأل الله تعالى أن يتولَّانا وإيَّاكم بعَفْوه ومغفرته.
وإلى هنا ينتهي الكلامُ على هذه السورة العظيمة التي ابتدأها الله تعالى بالقَسَم بالسماء ذاتِ البروج وأنهاها بقوله: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج ٢١، ٢٢]، فمَن تمسَّك بهذا القرآن العظيم فله المجدُ والعِزَّة والكرامة والرِّفعة، ولهذا ننصح أُمَّتنا الإسلامية بادئينَ بأفراد شعوبها أن يتمسَّكوا بالقرآن العظيم، ونُوجِّه الدعوة على وجهٍ أوكد وأوكد إلى وُلاةِ أُمُورها أن يتمسَّكوا بالقرآن العظيم، وألَّا يغُرَّهم البهرج المزخرف الذي يَرِدُ من الأُمَم الكافرة التي تضع القوانين المخالِفة للشريعة، المخالِفة للعدل، المخالِفة لإصلاح الخلْق، أن يضعوها موضعَ التنفيذ ثم ينبذوا كتابَ الله وسُنَّة رسوله وراء ظهورهم، فإنَّ هذا -واللهِ- سببُ التأخُّر، ولا أظنُّ أحدًا يتصوَّر الآن أن أمَّةً بهذا العدد الهائل تكون متأخِّرةً هذا التأخُّرَ وكأنَّها إمارةٌ في قريةٍ بالنسبة للدول الكافرة، لكن سبب ذلك -لا شك- معلومٌ؛ هو أنَّنا تَرَكْنا ما به عِزَّتُنا وكرامتُنا وهو التمسُّك بهذا القرآن العظيم، وذهبْنا نلهثُ وراء أنظمةٍ بائدةٍ فاسدةٍ مخالفةٍ للعدل، مبنيَّةٍ على الظلم والجور.
فنحن نُناشد وُلاةَ أُمُورنا -وأقصد بوُلاة أمورنا وُلاةَ أُمُور المسلمين جميعًا؛ لأنَّنا أُمَّةٌ واحدةٌ وإن تفرَّقت بنا البلدان واختلفتْ منَّا الألسُن- أُناشِدُهم أن يتَّقوا الله عز وجل، وأن يرجعوا رجوعًا حقيقيًّا إلى كتاب الله وسُنَّة رسوله ﷺ، حتى يستتبَّ لهم الأمنُ والاستقرارُ، وتحصلَ لهم العِزَّة والمجد والرِّفعة، وتطيعَهم شعوبُهم، ولا يكون في قلوب شعوبهم عليهم شيءٌ؛ وذلك لأنَّ الإنسان إذا أصلح ما بينه وبين ربِّه أصلح الله ما بينه وبين الناس، فإذا كان وُلاة الأمور يريدون أن تُذعِن لهم الشعوبُ وأن يطيعوا الله فيهم فلْيُطيعوا الله أوَّلًا حتى تطيعهم أُمَمُهم، وإلَّا فليس من المعقول أن يعصوا الملك الأكبر -وهو الله عز وجل- ثم يريدون أن تطيعهم شعوبُهم، هذا بعيد، بل كلَّما بَعُد القلبُ عن الله بَعُد الناسُ عن صاحبه-نسأل الله العافية- كلَّما قَرُب من الله قَرُب الناسُ منه، فنسأل الله أن يُعيد لهذه الأُمَّة الإسلامية مجدَها وكرامتَها، وأن يُذِلَّ أعداءَ المسلمين في كلِّ مكان، ونسأل الله تعالى أن ينصر إخوانَنا المسلمين في البوسنة والهرسك وأن يُعينهم على ما أصابهم من هؤلاء النصارى الذين لا يريدون أن يقوم للمسلمين قائمةٌ في أيِّ مكان، ونسأل الله أن يُذِلَّ النصارى واليهودَ، وأن يَكْبتهم، وأن يَرُدَّهم على أعقابهم خائبين، وكذلك كل عدوٍّ للمسلمين، إنَّه على كلِّ شيءٍ قدير.
البروج 85:22
﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١، ٢٢].
﴿بَلْ هُوَ﴾ أي: ما جاء به الرسولُ عليه الصلاة والسلام ﴿قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ أي: ذو عظمةٍ ومجد، ووَصْف القرآنِ بأنَّه مجيدٌ لا يعني أن المجد وصْفٌ للقرآن نفسه فقط، بل هو وصْفٌ للقرآن ولِمَن تحمَّل هذا القرآنَ فحمله وقام بواجبه من تلاوته حقَّ تلاوته، فإنَّه سيكون له المجد والعِزَّة والرِّفعة.
وقوله تعالى: ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ يعني بذلك اللوحَ المحفوظَ عند الله عز وجل الذي هو أمُّ الكتاب؛ كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد ٣٩].
هذا اللوح لو سألَنا سائلٌ: من أيِّ مادَّةٍ هو؟ ماذا نقول؟
* طالب: نقول: الله أعلم.
* الشيخ: نقول: الله أعلم. يعني لو قال: هل من خشب؟ من حديد؟ من زجاج؟ من ذهب؟ من فضة؟ ما ندري، هو لوحٌ كتب الله به مقاديرَ كلِّ شيءٍ، ومن جُملة ما كتب به أنَّ هذا القرآن سينزل على محمد ﷺ، فهو ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾.
قال العلماء: ﴿مَحْفُوظٍ﴾ لا يناله أحدٌ، محفوظٌ عن التغيير والتبديل. والتبديلُ والتغييرُ إنما يكون في الكتب الأخرى؛ لأنَّ الكتابة من الله عز وجل أنواعٌ، وأرجو أن تنتبهوا لهذا:
النوع الأول: الكتابة في اللوح المحفوظ، وهذه الكتابة لا تُبَدَّل ولا تُغَيَّر، ولهذا سَمَّاه الله لوحًا محفوظًا، لا يمكن أن يُبَدَّل أو يُغَيَّر ما فيه؛ لأنَّه هو النهائي.
الثاني: الكتابة على بني آدم وهُم في بطون أمَّهاتهم؛ لأنَّ الإنسان في بطن أمِّه إذا تَمَّ له أربعة أشهرٍ بعثَ الله إليه ملكًا موكَّلًا بالأرحام فينفخ فيه الروح بإذن الله، لأنَّ الجسد عبارة عن قطعة من لحم إذا نُفِخت فيه الروح صار إنسانًا، ويؤمَر بأربع كلمات: بكَتْب رِزقه، وأجَله، وعمله، وشقيٌّ أو سعيدٌ[[أخرج البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣ / ١)، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: حدَّثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق قال: «إنَّ أحدكم يُجمع خَلْقه في بطن أُمِّه أربعين يومًا، ثم يكون عَلَقَةً مِثْل ذلك، ثم يكون مُضْغةً مِثْل ذلك، ثم يَبْعثُ الله مَلَكًا فيُؤمَر بأربع كلمات ويُقال له: اكتبْ عملَه، ورِزقه، وأجَلَه، وشقيٌّ أو سعيدٌ...» الحديث.]].
هناك كتابة أخرى حوليَّة؛ كلَّ سَنَة، وهي الكتابة التي تكون في ليلة القَدْر؛ فإنَّ الله سبحانه وتعالى يُقَدِّر في هذه الليلة ما يكون في تلك السَّنَة؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان ٤]، فيُكتَب في هذه الليلة ما يكون في تلك السَّنَة.
هناك كتابة رابعة، وهي كتابة الصُّحُف التي في أيدي الملائكة، وهذه الكتابة تكون بعد العمل، والكتابات الثلاث السابقة كلُّها قبل العمل، لكن الكتابة الأخيرة هذه تكون بعد العمل، يُكتَب على الإنسان ما يعمل من قولٍ بلسانه أو فعلٍ بجوارحه أو اعتقادٍ بقلبه، فإنَّ الملائكة الموكَّلين بحفظ بني آدم -أي: بحفظ أعمالهم- يكتبون؛ قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار ٩ - ١٢].
لكن هذه الكتابة الأخيرة تختلف عن الكتابات الثلاث السابقة؛ لأنها كتابة ما بعد العمل حتى يُكتَب على الإنسان ما عَمِل، فإذا كان يوم القيامة فإنَّه يُعطى هذا الكتاب؛ كما قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء ١٣، ١٤]، يعني تُعطَى الكتابَ ويُقال: أنت، اقرأْ وحاسبْ نفسَك. قال بعض السلف: لقد أَنْصفك مَن جعلك حسيبًا على نفسك. وهذا صحيح، أيُّ إنصافٍ أَبْلغ مِن أن يُقال للشخص: تفضَّل، هذا ما عَمِلْتَ، حاسبْ نفسَك؟! أليس هذا هو الإنصاف؟! أكبرُ إنصافٍ هو هذا، فيوم القيامة تُعطى هذا الكتابَ منشورًا مفتوحًا أمامك ليس مغلقًا، تقرأ، ويتبيَّن لك أنك عملتَ في يوم كذا في مكان كذا: كذا وكذا، شيءٌ مضبوطٌ ما يتغيَّر، وإذا أنكرتَ هنا مَن يشهد عليك؟ ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ﴾ يقول اللسان: نطقتُ بكذا، ﴿أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور ٢٤]، تقول اليد: بطشتُ، تقول الرِّجل: مشيتُ، بل يقول الجِلد أيضًا، الجلود تشهد بما لمست؛ ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [فصلت ٢١].
المهمُّ الآن أنَّ اللوح المحفوظ هو هذا اللوح الذي كتب الله فيه مقاديرَ كلِّ شيءٍ، هو محفوظٌ من التغيير، محفوظٌ من أن يناله أحدٌ، والله سبحانه وتعالى يعلم ما كتب فيه، وقلنا: إنَّه محفوظٌ لأنه لا يتغيَّر، وما بأيدي الملائكة يتغيَّر. وقلنا: إنَّ الكتابات أربع: اللوح المحفوظ، الثاني: كتابة الأجنَّة، والثالث: الكتابة الحوليَّة تكون في ليلة القدر، والرابعة: كتابة الأعمال بعد وقوعها وتكون هذه بأيدي الملائكة؛ عن اليمين واحد من الملائكة وعن الشمال واحد، يسجِّلون على الإنسان كلَّ ما يقول.
نحن الآن نسجِّل في مسجِّل في الشريط لا يفوت شيءٌ من كلامنا، حتى النَّفَس يُدرَك بهذا الشريط، هم أيضًا -الملائكة- يكتبون كلَّ شيءٍ؛ ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد﴾ [ق ١٨]، و﴿مِنْ قَوْلٍ﴾ هذه يقول علماء البلاغة: إنَّ النكرة في سياق النفي تكون للعموم؛ أيُّ قولٍ تقوله فعندك رقيبٌ عتيدٌ حاضرٌ لا يغيب عنك.
ويُذكَر أنَّ الإمام أحمد رحمه الله كان مريضًا، وكان يئِنُّ في مرضه من شدَّة المرض، فدخل عليه أحد أصحابه وقال: يا أبا عبد الله، إنَّ طاوسًا -وهو رجلٌ من التابعين معروفٌ- يقول: إنَّ الملائكة تكتب على الإنسان حتى أنينَ المرض، حتى أنينَه في مرضه. فأمسكَ رحمه الله عن الأنين. فالأمر ليس بالأمر الهيِّن، نسأل الله تعالى أن يتولَّانا وإيَّاكم بعَفْوه ومغفرته.
وإلى هنا ينتهي الكلامُ على هذه السورة العظيمة التي ابتدأها الله تعالى بالقَسَم بالسماء ذاتِ البروج وأنهاها بقوله: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج ٢١، ٢٢]، فمَن تمسَّك بهذا القرآن العظيم فله المجدُ والعِزَّة والكرامة والرِّفعة، ولهذا ننصح أُمَّتنا الإسلامية بادئينَ بأفراد شعوبها أن يتمسَّكوا بالقرآن العظيم، ونُوجِّه الدعوة على وجهٍ أوكد وأوكد إلى وُلاةِ أُمُورها أن يتمسَّكوا بالقرآن العظيم، وألَّا يغُرَّهم البهرج المزخرف الذي يَرِدُ من الأُمَم الكافرة التي تضع القوانين المخالِفة للشريعة، المخالِفة للعدل، المخالِفة لإصلاح الخلْق، أن يضعوها موضعَ التنفيذ ثم ينبذوا كتابَ الله وسُنَّة رسوله وراء ظهورهم، فإنَّ هذا -واللهِ- سببُ التأخُّر، ولا أظنُّ أحدًا يتصوَّر الآن أن أمَّةً بهذا العدد الهائل تكون متأخِّرةً هذا التأخُّرَ وكأنَّها إمارةٌ في قريةٍ بالنسبة للدول الكافرة، لكن سبب ذلك -لا شك- معلومٌ؛ هو أنَّنا تَرَكْنا ما به عِزَّتُنا وكرامتُنا وهو التمسُّك بهذا القرآن العظيم، وذهبْنا نلهثُ وراء أنظمةٍ بائدةٍ فاسدةٍ مخالفةٍ للعدل، مبنيَّةٍ على الظلم والجور.
فنحن نُناشد وُلاةَ أُمُورنا -وأقصد بوُلاة أمورنا وُلاةَ أُمُور المسلمين جميعًا؛ لأنَّنا أُمَّةٌ واحدةٌ وإن تفرَّقت بنا البلدان واختلفتْ منَّا الألسُن- أُناشِدُهم أن يتَّقوا الله عز وجل، وأن يرجعوا رجوعًا حقيقيًّا إلى كتاب الله وسُنَّة رسوله ﷺ، حتى يستتبَّ لهم الأمنُ والاستقرارُ، وتحصلَ لهم العِزَّة والمجد والرِّفعة، وتطيعَهم شعوبُهم، ولا يكون في قلوب شعوبهم عليهم شيءٌ؛ وذلك لأنَّ الإنسان إذا أصلح ما بينه وبين ربِّه أصلح الله ما بينه وبين الناس، فإذا كان وُلاة الأمور يريدون أن تُذعِن لهم الشعوبُ وأن يطيعوا الله فيهم فلْيُطيعوا الله أوَّلًا حتى تطيعهم أُمَمُهم، وإلَّا فليس من المعقول أن يعصوا الملك الأكبر -وهو الله عز وجل- ثم يريدون أن تطيعهم شعوبُهم، هذا بعيد، بل كلَّما بَعُد القلبُ عن الله بَعُد الناسُ عن صاحبه-نسأل الله العافية- كلَّما قَرُب من الله قَرُب الناسُ منه، فنسأل الله أن يُعيد لهذه الأُمَّة الإسلامية مجدَها وكرامتَها، وأن يُذِلَّ أعداءَ المسلمين في كلِّ مكان، ونسأل الله تعالى أن ينصر إخوانَنا المسلمين في البوسنة والهرسك وأن يُعينهم على ما أصابهم من هؤلاء النصارى الذين لا يريدون أن يقوم للمسلمين قائمةٌ في أيِّ مكان، ونسأل الله أن يُذِلَّ النصارى واليهودَ، وأن يَكْبتهم، وأن يَرُدَّهم على أعقابهم خائبين، وكذلك كل عدوٍّ للمسلمين، إنَّه على كلِّ شيءٍ قدير.
الطارق 86:1
الحمد لله ربِّ العالمين، وأصلِّي وأسلِّم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد، فهذا هو اللقاء الأخير في شهر جمادى الثانية عام أربعة عشر وأربع مئة وألف، الذي يتمُّ كلَّ يوم خميس من كل أسبوع، وقد لمسْنا -ولله الحمد- فيه خيرًا كثيرًا من الإخوة الذين يحضرون أو الذين يستمعون إلى الأشرطة المسجَّلة، وهذا من نعمة الله سبحانه وتعالى على الجميع، لا شكَّ في هذا.
في درس الأسبوع الماضي تكلَّمنا على حكم المسح على الخفَّين وما يتعلَّق به، أمَّا هذا الأسبوع فإنَّا سوف نستمرُّ فيما كنَّا نقوم به من تفسير آخر جزءٍ من القرآن؛ لأنه الذي يَكثُر وُروده وسماعه على الناس، وقد شرعنا في تفسير سورة الطارق بعد أنْ أكملنا ما سبقها.
يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق ١ - ٣] وهنا كما تَرَون فيه قَسَم أقسمَ الله تعالى به، وهو (السماء) وكذلك (الطارق).
وقد يُشكل على بعض الناس كيف يُقسِم الله سبحانه وتعالى بالمخلوقات مع أنَّ القَسَم بالمخلوقات شِركٌ؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَر» أو «أَشْرَكَ»[[أخرجه الترمذي (١٥٣٥) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.]]، وقال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٧٩)، ومسلم (١٦٤٦)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.]]، فلا يجوز الحلف بغير الله؛ لا بالأنبياء، ولا بالملائكة، ولا بالكعبة، ولا بالوطن، ولا بأيِّ شيءٍ من المخلوقات؟
والجواب على هذا الإشكال أن نقول: إنَّ الله سبحانه وتعالى له أن يُقسم بما شاء من خلْقه، وإقسامُه بما يُقسم به من خلْقه يدلُّ على عظمة الله عز وجل؛ لأن عِظَم المخلوق يدلُّ على عِظَم الخالق، وقد أقسمَ الله تعالى بأشياء كثيرة من خلْقه، ومِن أحسن مَن رأيتُه تكلَّم على هذا الموضوع ابن القيم رحمه الله في كتابه التبيان في أقسام القرآن، وهو كتابٌ جيِّدٌ ينفع طالبَ العلم كثيرًا، فهنا يُقسم الله تعالى بالسماء، والسماء هي كلُّ ما علاك، كلُّ ما علاك فهو سماء، حتى السحاب الذي ينزل منه المطر يُسَمَّى سماءً كما قال الله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد ١٧]، وإذا كان يُطلق على كلِّ ما علاك فإنه يشمل ما بين السماء والأرض ويشمل السماوات كلَّها؛ لأنها كلَّها قد علتْك وهي فوقك.
وأمَّا قوله: ﴿وَالطَّارِقِ﴾ فهو قَسَمٌ ثانٍ؛ أي إنَّ الله أقسمَ بالطارق، فما هو الطارق؟
ليس الطارق هو الذي يَطْرق أهلَه ليلًا، بل فسَّره الله عز وجل بقوله: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾، هذا هو الطارق، والنجم هنا يحتمل أن يكون المراد به جميع النجوم فتكون (أل) للجنس، ويحتمل أنه النجم الثاقب؛ أي: النجم اللامع؛ أي: قويُّ اللمعان؛ لأنه يثقب الظلامَ بنوره، وأيًّا كان فإنَّ هذه النجوم من آيات الله عز وجل الدالَّة على كمال قدرته في سيرها، وانتظامها، واختلاف أشكالها، واختلاف منافعها أيضًا؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل ١٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك ٥]، فهي زينةٌ للسماء، ورُجومٌ للشياطين، وعلاماتٌ يُهتدى بها.
الطارق 86:2
الحمد لله ربِّ العالمين، وأصلِّي وأسلِّم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد، فهذا هو اللقاء الأخير في شهر جمادى الثانية عام أربعة عشر وأربع مئة وألف، الذي يتمُّ كلَّ يوم خميس من كل أسبوع، وقد لمسْنا -ولله الحمد- فيه خيرًا كثيرًا من الإخوة الذين يحضرون أو الذين يستمعون إلى الأشرطة المسجَّلة، وهذا من نعمة الله سبحانه وتعالى على الجميع، لا شكَّ في هذا.
في درس الأسبوع الماضي تكلَّمنا على حكم المسح على الخفَّين وما يتعلَّق به، أمَّا هذا الأسبوع فإنَّا سوف نستمرُّ فيما كنَّا نقوم به من تفسير آخر جزءٍ من القرآن؛ لأنه الذي يَكثُر وُروده وسماعه على الناس، وقد شرعنا في تفسير سورة الطارق بعد أنْ أكملنا ما سبقها.
يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق ١ - ٣] وهنا كما تَرَون فيه قَسَم أقسمَ الله تعالى به، وهو (السماء) وكذلك (الطارق).
وقد يُشكل على بعض الناس كيف يُقسِم الله سبحانه وتعالى بالمخلوقات مع أنَّ القَسَم بالمخلوقات شِركٌ؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَر» أو «أَشْرَكَ»[[أخرجه الترمذي (١٥٣٥) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.]]، وقال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٧٩)، ومسلم (١٦٤٦)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.]]، فلا يجوز الحلف بغير الله؛ لا بالأنبياء، ولا بالملائكة، ولا بالكعبة، ولا بالوطن، ولا بأيِّ شيءٍ من المخلوقات؟
والجواب على هذا الإشكال أن نقول: إنَّ الله سبحانه وتعالى له أن يُقسم بما شاء من خلْقه، وإقسامُه بما يُقسم به من خلْقه يدلُّ على عظمة الله عز وجل؛ لأن عِظَم المخلوق يدلُّ على عِظَم الخالق، وقد أقسمَ الله تعالى بأشياء كثيرة من خلْقه، ومِن أحسن مَن رأيتُه تكلَّم على هذا الموضوع ابن القيم رحمه الله في كتابه التبيان في أقسام القرآن، وهو كتابٌ جيِّدٌ ينفع طالبَ العلم كثيرًا، فهنا يُقسم الله تعالى بالسماء، والسماء هي كلُّ ما علاك، كلُّ ما علاك فهو سماء، حتى السحاب الذي ينزل منه المطر يُسَمَّى سماءً كما قال الله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد ١٧]، وإذا كان يُطلق على كلِّ ما علاك فإنه يشمل ما بين السماء والأرض ويشمل السماوات كلَّها؛ لأنها كلَّها قد علتْك وهي فوقك.
وأمَّا قوله: ﴿وَالطَّارِقِ﴾ فهو قَسَمٌ ثانٍ؛ أي إنَّ الله أقسمَ بالطارق، فما هو الطارق؟
ليس الطارق هو الذي يَطْرق أهلَه ليلًا، بل فسَّره الله عز وجل بقوله: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾، هذا هو الطارق، والنجم هنا يحتمل أن يكون المراد به جميع النجوم فتكون (أل) للجنس، ويحتمل أنه النجم الثاقب؛ أي: النجم اللامع؛ أي: قويُّ اللمعان؛ لأنه يثقب الظلامَ بنوره، وأيًّا كان فإنَّ هذه النجوم من آيات الله عز وجل الدالَّة على كمال قدرته في سيرها، وانتظامها، واختلاف أشكالها، واختلاف منافعها أيضًا؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل ١٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك ٥]، فهي زينةٌ للسماء، ورُجومٌ للشياطين، وعلاماتٌ يُهتدى بها.
الطارق 86:3
الحمد لله ربِّ العالمين، وأصلِّي وأسلِّم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد، فهذا هو اللقاء الأخير في شهر جمادى الثانية عام أربعة عشر وأربع مئة وألف، الذي يتمُّ كلَّ يوم خميس من كل أسبوع، وقد لمسْنا -ولله الحمد- فيه خيرًا كثيرًا من الإخوة الذين يحضرون أو الذين يستمعون إلى الأشرطة المسجَّلة، وهذا من نعمة الله سبحانه وتعالى على الجميع، لا شكَّ في هذا.
في درس الأسبوع الماضي تكلَّمنا على حكم المسح على الخفَّين وما يتعلَّق به، أمَّا هذا الأسبوع فإنَّا سوف نستمرُّ فيما كنَّا نقوم به من تفسير آخر جزءٍ من القرآن؛ لأنه الذي يَكثُر وُروده وسماعه على الناس، وقد شرعنا في تفسير سورة الطارق بعد أنْ أكملنا ما سبقها.
يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق ١ - ٣] وهنا كما تَرَون فيه قَسَم أقسمَ الله تعالى به، وهو (السماء) وكذلك (الطارق).
وقد يُشكل على بعض الناس كيف يُقسِم الله سبحانه وتعالى بالمخلوقات مع أنَّ القَسَم بالمخلوقات شِركٌ؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَر» أو «أَشْرَكَ»[[أخرجه الترمذي (١٥٣٥) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.]]، وقال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٧٩)، ومسلم (١٦٤٦)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.]]، فلا يجوز الحلف بغير الله؛ لا بالأنبياء، ولا بالملائكة، ولا بالكعبة، ولا بالوطن، ولا بأيِّ شيءٍ من المخلوقات؟
والجواب على هذا الإشكال أن نقول: إنَّ الله سبحانه وتعالى له أن يُقسم بما شاء من خلْقه، وإقسامُه بما يُقسم به من خلْقه يدلُّ على عظمة الله عز وجل؛ لأن عِظَم المخلوق يدلُّ على عِظَم الخالق، وقد أقسمَ الله تعالى بأشياء كثيرة من خلْقه، ومِن أحسن مَن رأيتُه تكلَّم على هذا الموضوع ابن القيم رحمه الله في كتابه التبيان في أقسام القرآن، وهو كتابٌ جيِّدٌ ينفع طالبَ العلم كثيرًا، فهنا يُقسم الله تعالى بالسماء، والسماء هي كلُّ ما علاك، كلُّ ما علاك فهو سماء، حتى السحاب الذي ينزل منه المطر يُسَمَّى سماءً كما قال الله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد ١٧]، وإذا كان يُطلق على كلِّ ما علاك فإنه يشمل ما بين السماء والأرض ويشمل السماوات كلَّها؛ لأنها كلَّها قد علتْك وهي فوقك.
وأمَّا قوله: ﴿وَالطَّارِقِ﴾ فهو قَسَمٌ ثانٍ؛ أي إنَّ الله أقسمَ بالطارق، فما هو الطارق؟
ليس الطارق هو الذي يَطْرق أهلَه ليلًا، بل فسَّره الله عز وجل بقوله: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾، هذا هو الطارق، والنجم هنا يحتمل أن يكون المراد به جميع النجوم فتكون (أل) للجنس، ويحتمل أنه النجم الثاقب؛ أي: النجم اللامع؛ أي: قويُّ اللمعان؛ لأنه يثقب الظلامَ بنوره، وأيًّا كان فإنَّ هذه النجوم من آيات الله عز وجل الدالَّة على كمال قدرته في سيرها، وانتظامها، واختلاف أشكالها، واختلاف منافعها أيضًا؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل ١٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك ٥]، فهي زينةٌ للسماء، ورُجومٌ للشياطين، وعلاماتٌ يُهتدى بها.
الطارق 86:4
ثم بيَّن الله المقسَم عليه في قوله: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤]، ﴿إِنْ﴾ هنا نافية؛ يعني: ما كلُّ نفسٍ. و﴿لَمَّا﴾ بمعنى (إلَّا)؛ يعني: ما كلُّ نفسٍ إلا عليها حافظٌ من الله. وبيَّن الله سبحانه وتعالى مُهِمَّة هذا الحافظ بقوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار ١٠ - ١٢]، هؤلاء الحَفَظة يحفظون على الإنسان عمله؛ ما له وما عليه، ويجده يوم القيامة كتابًا منشورًا، يُقال له: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء ١٤]، هؤلاء الحَفَظة يكتبون ما يقوم به الإنسان من قولٍ وما يقوم به من فعلٍ، سواءٌ كان ظاهرًا كأقوال اللسان وأعمال الجوارح أو باطنًا، حتى ما في القلب مما يعتقده الإنسان فإنَّه يُكتب عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق ١٦ - ١٨]، هذا الحافظ يحفظ عمل بني آدم، وهناك حَفَظةٌ آخرون ذكرهم الله في قوله: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد ١١].
الطارق 86:5
﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥] اللام هنا للأمر، والمراد بالنظر هنا نظر الاعتبار، وهو النظر بالبصيرة؛ يعني: ليفكِّر الإنسانُ: ممَّ خُلِق؟ هل خُلِق من حديد؟ هل خُلِق من فولاذ؟ هل خُلِق من شيءٍ قاسٍ قويٍّ؟
والجواب على هذه التساؤلات أنَّه ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق ٦] وهو ماء الرجُل، ووَصَفه الله تعالى في آيات أخرى بأنه ماءٌ مَهينٌ ضعيفُ السيلان ليس كالماء العادي المنطلق، ووَصَفه الله تعالى في آيةٍ أخرى أنه نُطْفة؛ أي: قليلٌ من الماء، هذا الذي خُلِق منه الإنسان، والعجب أن يُخلَق الإنسان من هذا الماء المهين ثم يكون قلبُه أقسى من الحجارة -والعياذ بالله- إلا مَن ألانَ الله قلبَه لدين الله.
ثم بيَّن أنَّ هذا الماء الدافق ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق ٧]؛ من بين صُلب الرجل وترائبه؛ أعلى صدره، وهذا يدلُّ على عُمق مخرج هذا الماء وأنَّه يخرج من مكانٍ مكينٍ في الجسد، والصواب أنَّ هذا الوصف لماء الرجل، وقال بعض العلماء: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ﴾ أي: صُلب الرجل وترائب المرأة. ولكنَّ هذا خلافُ ظاهر اللفظ، والصواب أنَّ الذي يخرج من بين الصلب والترائب هو ماء الرجل؛ لأنَّ الله تعالى وصَفه بذلك.
الطارق 86:6
﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥] اللام هنا للأمر، والمراد بالنظر هنا نظر الاعتبار، وهو النظر بالبصيرة؛ يعني: ليفكِّر الإنسانُ: ممَّ خُلِق؟ هل خُلِق من حديد؟ هل خُلِق من فولاذ؟ هل خُلِق من شيءٍ قاسٍ قويٍّ؟
والجواب على هذه التساؤلات أنَّه ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق ٦] وهو ماء الرجُل، ووَصَفه الله تعالى في آيات أخرى بأنه ماءٌ مَهينٌ ضعيفُ السيلان ليس كالماء العادي المنطلق، ووَصَفه الله تعالى في آيةٍ أخرى أنه نُطْفة؛ أي: قليلٌ من الماء، هذا الذي خُلِق منه الإنسان، والعجب أن يُخلَق الإنسان من هذا الماء المهين ثم يكون قلبُه أقسى من الحجارة -والعياذ بالله- إلا مَن ألانَ الله قلبَه لدين الله.
ثم بيَّن أنَّ هذا الماء الدافق ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق ٧]؛ من بين صُلب الرجل وترائبه؛ أعلى صدره، وهذا يدلُّ على عُمق مخرج هذا الماء وأنَّه يخرج من مكانٍ مكينٍ في الجسد، والصواب أنَّ هذا الوصف لماء الرجل، وقال بعض العلماء: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ﴾ أي: صُلب الرجل وترائب المرأة. ولكنَّ هذا خلافُ ظاهر اللفظ، والصواب أنَّ الذي يخرج من بين الصلب والترائب هو ماء الرجل؛ لأنَّ الله تعالى وصَفه بذلك.
الطارق 86:7
﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥] اللام هنا للأمر، والمراد بالنظر هنا نظر الاعتبار، وهو النظر بالبصيرة؛ يعني: ليفكِّر الإنسانُ: ممَّ خُلِق؟ هل خُلِق من حديد؟ هل خُلِق من فولاذ؟ هل خُلِق من شيءٍ قاسٍ قويٍّ؟
والجواب على هذه التساؤلات أنَّه ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق ٦] وهو ماء الرجُل، ووَصَفه الله تعالى في آيات أخرى بأنه ماءٌ مَهينٌ ضعيفُ السيلان ليس كالماء العادي المنطلق، ووَصَفه الله تعالى في آيةٍ أخرى أنه نُطْفة؛ أي: قليلٌ من الماء، هذا الذي خُلِق منه الإنسان، والعجب أن يُخلَق الإنسان من هذا الماء المهين ثم يكون قلبُه أقسى من الحجارة -والعياذ بالله- إلا مَن ألانَ الله قلبَه لدين الله.
ثم بيَّن أنَّ هذا الماء الدافق ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق ٧]؛ من بين صُلب الرجل وترائبه؛ أعلى صدره، وهذا يدلُّ على عُمق مخرج هذا الماء وأنَّه يخرج من مكانٍ مكينٍ في الجسد، والصواب أنَّ هذا الوصف لماء الرجل، وقال بعض العلماء: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ﴾ أي: صُلب الرجل وترائب المرأة. ولكنَّ هذا خلافُ ظاهر اللفظ، والصواب أنَّ الذي يخرج من بين الصلب والترائب هو ماء الرجل؛ لأنَّ الله تعالى وصَفه بذلك.
الطارق 86:8
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ [الطارق ٨ - ١٠].
﴿إِنَّهُ﴾ أي: الله عز وجل ﴿عَلَى رَجْعِهِ﴾ أي: على رجْع الإنسانِ ﴿لَقَادِرٌ﴾ وذلك يوم القيامة؛ لقوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾، فالذي قدر على أن يخلق الإنسانَ من هذا الماء الدافق المهين قادرٌ على أن يُعيده يوم القيامة، وهذا من باب الاستدلال بالمحسوس على المنظور المترقَّب، وهو قياسٌ عقليٌّ؛ فإنَّ الإنسان بعقله يقول: إذا كان الله قادرًا على أن يخلق الإنسانَ من هذا الماء المهين ويُحييه قادرٌ على أن يُعيده مرَّةً ثانية؛ ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧]، ولهذا يستدلُّ الله عز وجل بالمبدأ على المعاد؛ لأنه قياسٌ جلِيٌّ واضحٌ، ينتقل العقل من هذا إلى هذا بسرعةٍ وبدون كُلفة.
الطارق 86:9
وقوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ أي: تُختبَر السرائر، وهي القلوب؛ فإنَّ الحساب يوم القيامة على ما في القلوب، والحساب في الدنيا على ما في الجوارح، ولهذا عاملَ النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم المنافقين معاملةَ المسلمين؛ حيث كان يُستأذَن في قتلهم فيقال: «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٩٠٥)، ومسلم ( ٢٥٨٤ / ٦٣)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.]]، فكان لا يقتلهم وهو يعلم أنَّ فلانًا منافقٌ وفلانًا منافقٌ، لكن العمل في الدنيا على الظاهر، ويومَ القيامة على الباطن.
﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ أي: تُختبَر، وهذا كقوله: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾ [العاديات ٩]، ولهذا يجب علينا يا إخواني، يجب علينا العناية بعمل القلب أكثر من العناية بعمل الجوارح، عملُ الجوارح علامةٌ ظاهرةٌ، لكن عمل القلب هو الذي عليه المدار، ولهذا أَخبر النبيُّ عليه الصلاة والسلام عن الخوارج يخاطب الصحابةَ يقول: «يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ» يعني أنهم يجتهدون في الأعمال الظاهرة، لكن قلوبهم خاليةٌ والعياذ بالله، لا يتجاوز الإسلامُ حناجرهم «يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦١٠)، ومسلم (١٠٦٥ / ١٤٨) واللفظ له، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]]. فعلينا أيُّها الإخوة أنْ نعتني بالقلوب وإصلاحِها وأعمالِها وعقائدِها واتجاهاتِها؛ قال الحسن البصري رحمه الله: «واللهِ ما سَبَقهم أبو بكرٍ بصلاةٍ ولا صومٍ، وإنما سَبَقهم بما وَقَرَ في قلبه من الإيمان»[[قال العجلوني في كشف الخفاء (٢ / ١٩٠): ذكره في الإحياء بلفظ: «ما فَضَلَكُم»، وقال مخرِّجه العراقي: لم أجده مرفوعًا، وهو عند الحكيم الترمذي وأبي يعلى عن عائشة، وأحمد بن منيعٍ عن أبي بكر، كلاهما مرفوع، وقال في النوادر: إنَّه من قول بكر بن عبد الله المزني.]]. والإيمان إذا وقَرَ في القلب حَمَل الإنسانَ على العمل، لكن العمل الظاهر قد لا يحمل الإنسانَ على إصلاح قلبه، فعلينا أيها الإخوة أنْ نعتني بقلوبنا وإصلاحها وتخليصها من شوائب الشركِ، والبِدَعِ، والحقدِ، والبَغْضاءِ، وكراهةِ ما أنزل الله على رسوله، وكراهةِ الصحابة رضي الله عنهم، وغيرِ ذلك مما يجب تنزيه القلب عنه.
الطارق 86:10
ثم قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ [الطارق ١٠] يعني يوم القيامة ما للإنسان قوَّةٌ ذاتيَّةٌ، ﴿وَلَا نَاصِرٍ﴾ وهي القوة الخارجية، هو بنفسه لا يستطيع أن يدافع عن نفسه، ولا أحد يستطيع أن يدافع عنه؛ قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون ١٠١]، في الدنيا يتساءلون؛ يسأل بعضُهم بعضًا ويحتمي بعضُهم ببعض، لكن يوم القيامة لا أنساب؛ يعني: لا قَرابة، لا تنفع القرابة ولا يتساءلون. فنسأل الله تعالى أن يُصلح قلوبنا وقلوبكم وأعمالنا وأعمالكم، وأن يَهَب لنا منه رحمةً إنه هو الوهاب.
الطارق 86:11
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد، نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا جميعًا بما علَّمنا، وأن يجعلنا هداةً مهتدين وصالحين مصلحين.
عادتُنا أن نبدأ هذا اللقاء بتفسير آياتٍ من كتاب الله، وقد ابتدأنا من سورة النبأ، وها نحن الآن في آخر سورة الطارق.
قال الله تبارك وتعالى بعد أن ذكر الإقسامَ بالسماء والطارق إلى آخره، إلى قوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ [الطارق ٩ - ١٠]، قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق ١١ - ١٢]، هذا هو القَسَم الثاني بالسماء، والقَسَم الأول ما كان في أول السورة، فهناك قال: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق ١ - ٣]، وهنا قال: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق ١١ - ١٣]، والمناسبة بين القَسَمين -والله أعلم- أنَّ الأول فيه إشارةٌ إلى الطارق الذي هو النجم، والنجم كما نعلم تُرمَى به الشياطين الذين يسترِقون السمعَ، وفي رمْي الشياطين بذلك حفظٌ لكتاب الله عز وجل، أمَّا هنا فأقسمَ بالسماء ذات الرجْع أنَّ هذا القرآن قولٌ فصلٌ، فأقسمَ على أنَّ القرآن قولٌ فصلٌ، فصار القَسَم الأول مناسبتُه أنَّ فيه الإشارة إلى ما يُحفظ به هذا القرآن حال إنزاله، وفي القَسَم الثاني الإشارةُ إلى أنَّ القرآن حياةٌ؛ لأنه قال: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ الرجْع هو المطر، يُسمَّى رجْعًا لأنه يرجع ويتكرَّر، ومعلومٌ أنَّ المطر به حياة الأرض.
﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ الصَّدع هو الانشقاق؛ يعني التشقُّق لخروج النبات منها، فأقسمَ بالمطر الذي هو سببُ خروج النبات، وبالتشقُّق الذي يخرج منه النبات، وكلُّه إشارةٌ إلى حياة الأرض بعد موتها، والقرآن به حياة القلوب بعد موتها كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى ٥٢]، فسَمَّى الله القرآنَ روحًا لأنَّه تحيا به القلوب.
يقول عز وجل: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ أي: ذات المطر.
﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ أي: ذات الانشقاق لخروج النبات منها.
الطارق 86:12
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد، نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا جميعًا بما علَّمنا، وأن يجعلنا هداةً مهتدين وصالحين مصلحين.
عادتُنا أن نبدأ هذا اللقاء بتفسير آياتٍ من كتاب الله، وقد ابتدأنا من سورة النبأ، وها نحن الآن في آخر سورة الطارق.
قال الله تبارك وتعالى بعد أن ذكر الإقسامَ بالسماء والطارق إلى آخره، إلى قوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ [الطارق ٩ - ١٠]، قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق ١١ - ١٢]، هذا هو القَسَم الثاني بالسماء، والقَسَم الأول ما كان في أول السورة، فهناك قال: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق ١ - ٣]، وهنا قال: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق ١١ - ١٣]، والمناسبة بين القَسَمين -والله أعلم- أنَّ الأول فيه إشارةٌ إلى الطارق الذي هو النجم، والنجم كما نعلم تُرمَى به الشياطين الذين يسترِقون السمعَ، وفي رمْي الشياطين بذلك حفظٌ لكتاب الله عز وجل، أمَّا هنا فأقسمَ بالسماء ذات الرجْع أنَّ هذا القرآن قولٌ فصلٌ، فأقسمَ على أنَّ القرآن قولٌ فصلٌ، فصار القَسَم الأول مناسبتُه أنَّ فيه الإشارة إلى ما يُحفظ به هذا القرآن حال إنزاله، وفي القَسَم الثاني الإشارةُ إلى أنَّ القرآن حياةٌ؛ لأنه قال: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ الرجْع هو المطر، يُسمَّى رجْعًا لأنه يرجع ويتكرَّر، ومعلومٌ أنَّ المطر به حياة الأرض.
﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ الصَّدع هو الانشقاق؛ يعني التشقُّق لخروج النبات منها، فأقسمَ بالمطر الذي هو سببُ خروج النبات، وبالتشقُّق الذي يخرج منه النبات، وكلُّه إشارةٌ إلى حياة الأرض بعد موتها، والقرآن به حياة القلوب بعد موتها كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى ٥٢]، فسَمَّى الله القرآنَ روحًا لأنَّه تحيا به القلوب.
يقول عز وجل: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ أي: ذات المطر.
﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ أي: ذات الانشقاق لخروج النبات منها.
الطارق 86:13
﴿إِنَّهُ﴾ أي: القرآن ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق ١٣] فوصَفه الله بأنَّه قولٌ من قول الله عز وجل، فهو الذي تكلَّم به وألقاه إلى جبريل، ثم نزل به جبريل على قلب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد أضاف الله القرآنَ قولًا إلى جبريل وإلى محمد عليهما الصلاة والسلام؛ فقال تعالى في الأول: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير ١٩ - ٢١]، وقال في الثاني -إضافته إلى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة ٤٠، ٤١]، ففي الأول أضاف القولَ إلى جبريل لأنه بلَّغه عن الله إلى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفي الثاني أضافه إلى محمد لأنه بلَّغه إلى الناس، وإلَّا فإنَّ الذي قاله ابتداءً هو الله سبحانه وتعالى.
﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾، ﴿فَصْلٌ﴾ يفصل بين الحق والباطل، وبين المتقين والظالمين، بل إنَّه ﴿فَصْلٌ﴾ أي: قاطعٌ لكلِّ مَن ناوأه وعاداه، ولهذا نجد المسلمين لَمَّا كانوا يجاهدون الكفار بالقرآن نجدهم غلبوا الكفار وقطعوا دابرهم وقُضِي بينهم وبينهم، فلمَّا أعرضوا عن القرآن هُزِموا وأُذِلُّوا بقدر بُعدهم عن القرآن، وكلَّما أبعد الإنسان عن كتاب الله ابتعدتْ عنه العزَّة وابتعد عنه النصر حتى يرجع إلى كتاب الله عز وجل.
الطارق 86:14
قال: ﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ [الطارق ١٤] أي: ما هو باللعب والعَبَث واللَّغو، بل هو حقٌّ، كلماته كلُّها حقٌّ، أخباره صدقٌ، وأحكامه عدلٌ، وتلاوته أجرٌ، لو تلاه الإنسانُ كلَّ أوانه لم يملَّ منه، وإذا تلاه بتدبُّرٍ وتفكُّرٍ فتح الله عليه من المعاني ما لم يكن عنده من قبل، وهذا شيءٌ مشاهَد، اقرأ القرآنَ وتدبَّره، كلَّما قرأتَه وتدبَّرتَه حصل لك من معانيه ما لم يكن يحصل لك من قبل، كلُّ هذا لأنه فصلٌ وليس بالهزل، لكن الكلام اللغو من كلام الناس كلَّما كرَّرتَه مججتَه وكَرِهتَه ومللتَه، أمَّا كتاب الله فلا.
الطارق 86:15
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطارق ١٥] ﴿إِنَّهُمْ﴾ يعني الكفار المكذِّبين للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ﴿يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ أي: كيدًا عظيمًا، يكيدون للرسول عليه الصلاة والسلام ويكيدون لمن اتَّبعه، وانظر ماذا كانوا يفعلون في المؤمنين أيام كانوا في مكة من التعذيب والتوبيخ والتشريد، هاجر المسلمون مرَّتين إلى الحبشة، ثم هاجروا إلى المدينة، كلُّ ذلك فرارًا بدينهم من هؤلاء المجرمين الذين آذَوهم بكل كيد، وأعظم ما فعلوا بالنبي عليه الصلاة والسلام حين الهجرة؛ حيث اجتمع رؤساؤهم وأشرافهم يتشاورون ماذا يفعلون بمحمد، فكلَّما ذكروا رأيًا نقضوه؛ قالوا: هذا لا يصلح، حتى أشار إليهم -فيما ذكره التاريخ- الشيطانُ الذي جاء بصورة رجُلٍ وقال لهم: إنِّي أرى أن تختاروا عشرة شُبَّان من قبائل متفرِّقة وتعطوا كلَّ واحدٍ منهم سيفًا حتى يقتلوا محمدًا قتْلةَ رجُلٍ واحدٍ، فإذا فعلوا ذلك تفرَّق دمُه في القبائل، فلم تستطع بنو هاشم أن تقتصَّ من القبائل كلِّها فيرضخون إلى أخْذ الدِّية. وهذا هو الذي يريدون، فأجمعوا على هذا الرأي واستحسنوا هذا الرأي، وفِعْلًا جلس الشُّبَّان العشرة ينتظرون خروجَ النبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليقتلوه، ولكنَّ النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم خرج من الباب وهُم جلوسٌ ولم يشاهدوه، وذكر التاريخ أنه جعل يذرُّ الترابَ على رؤوسهم إذلالًا لهم ويقرأ قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس ٩].
ولا تتعجَّبوا كيف خرج النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم من بينهم ولم يشاهدوه، لا تعجُّب من هذا؛ فها هم قريشٌ حين اختبأ النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الغار لَمَّا خرج من مكة يريد المدينة، اختبأ في الغار ثلاثة أيامٍ ليخِفَّ عنه الطلب؛ لأنَّ قريشًا صارت تطلبه، وجعلتْ لمن جاء به مئة بعير، ولمن جاء به مع أبي بكر مئتَيْ بعير، وهذه جائزة كبيرة، فوقفوا على الغار الذي فيه النبي ﷺ وأبو بكر، وكلُّنا يعلم أنَّ الغار المفتوح إذا كان فيه أحدٌ فسوف يُرى، ولكنَّهم لم يَرَوا النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا أبا بكر رضي الله عنه، فقال: يا رسول الله، لو نظر أحدهم إلى قدمه لأبصرنا. فقال: «لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا، فَمَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا؟!»[[هذان حديثان في حديث: الأول أخرجه البخاري (٣٦١٥)، ومسلم (٢٠٠٩ / ٧٥)، من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه؛ قول أبي بكر رضي الله عنه: فارتحلنا بعدما مالت الشمس، واتَّبعنا سراقة بن مالك، فقلت: أُتينا يا رسول الله. فقال: «لا تحزن إنَّ الله معنا». والثاني أخرجه البخاري (٤٦٦٣) ومسلم (٢٣٨١ / ١) عن أنسٍ قال: حدثني أبو بكر رضي الله عنه قال: كنتُ مع النبي ﷺ في الغار فرأيتُ آثار المشركين، قلتُ: يا رسول الله، لو أنَّ أحدهم رفع قدمه رآنا. قال: «ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما؟!».]]، فاطمأنَّ أبو بكر. هؤلاء القوم الذين وقفوا على الغار ليس عندهم قصورٌ في السمع، ولا قصورٌ في البصر، ولا قصورٌ في الذكاء، ولكن أعمى الله أبصارهم عنه، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصاحبه، فلا تعجبوا أنْ خرج من بين هؤلاء الشُّبَّان العشرة كما قال أهل التاريخ وجعل يذرُّ الترابَ على رؤوسهم ويقول: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس ٩].
هنا يقول عز وجل في سورة الطارق: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾، واتلُ قولَ الله تعالى في سورة الأنفال: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ﴾ يعني: يحبسوك ﴿أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال ٣٠].
الطارق 86:16
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطارق ١٥] ﴿إِنَّهُمْ﴾ يعني الكفار المكذِّبين للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ﴿يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ أي: كيدًا عظيمًا، يكيدون للرسول عليه الصلاة والسلام ويكيدون لمن اتَّبعه، وانظر ماذا كانوا يفعلون في المؤمنين أيام كانوا في مكة من التعذيب والتوبيخ والتشريد، هاجر المسلمون مرَّتين إلى الحبشة، ثم هاجروا إلى المدينة، كلُّ ذلك فرارًا بدينهم من هؤلاء المجرمين الذين آذَوهم بكل كيد، وأعظم ما فعلوا بالنبي عليه الصلاة والسلام حين الهجرة؛ حيث اجتمع رؤساؤهم وأشرافهم يتشاورون ماذا يفعلون بمحمد، فكلَّما ذكروا رأيًا نقضوه؛ قالوا: هذا لا يصلح، حتى أشار إليهم -فيما ذكره التاريخ- الشيطانُ الذي جاء بصورة رجُلٍ وقال لهم: إنِّي أرى أن تختاروا عشرة شُبَّان من قبائل متفرِّقة وتعطوا كلَّ واحدٍ منهم سيفًا حتى يقتلوا محمدًا قتْلةَ رجُلٍ واحدٍ، فإذا فعلوا ذلك تفرَّق دمُه في القبائل، فلم تستطع بنو هاشم أن تقتصَّ من القبائل كلِّها فيرضخون إلى أخْذ الدِّية. وهذا هو الذي يريدون، فأجمعوا على هذا الرأي واستحسنوا هذا الرأي، وفِعْلًا جلس الشُّبَّان العشرة ينتظرون خروجَ النبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليقتلوه، ولكنَّ النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم خرج من الباب وهُم جلوسٌ ولم يشاهدوه، وذكر التاريخ أنه جعل يذرُّ الترابَ على رؤوسهم إذلالًا لهم ويقرأ قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس ٩].
ولا تتعجَّبوا كيف خرج النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم من بينهم ولم يشاهدوه، لا تعجُّب من هذا؛ فها هم قريشٌ حين اختبأ النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الغار لَمَّا خرج من مكة يريد المدينة، اختبأ في الغار ثلاثة أيامٍ ليخِفَّ عنه الطلب؛ لأنَّ قريشًا صارت تطلبه، وجعلتْ لمن جاء به مئة بعير، ولمن جاء به مع أبي بكر مئتَيْ بعير، وهذه جائزة كبيرة، فوقفوا على الغار الذي فيه النبي ﷺ وأبو بكر، وكلُّنا يعلم أنَّ الغار المفتوح إذا كان فيه أحدٌ فسوف يُرى، ولكنَّهم لم يَرَوا النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا أبا بكر رضي الله عنه، فقال: يا رسول الله، لو نظر أحدهم إلى قدمه لأبصرنا. فقال: «لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا، فَمَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا؟!»[[هذان حديثان في حديث: الأول أخرجه البخاري (٣٦١٥)، ومسلم (٢٠٠٩ / ٧٥)، من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه؛ قول أبي بكر رضي الله عنه: فارتحلنا بعدما مالت الشمس، واتَّبعنا سراقة بن مالك، فقلت: أُتينا يا رسول الله. فقال: «لا تحزن إنَّ الله معنا». والثاني أخرجه البخاري (٤٦٦٣) ومسلم (٢٣٨١ / ١) عن أنسٍ قال: حدثني أبو بكر رضي الله عنه قال: كنتُ مع النبي ﷺ في الغار فرأيتُ آثار المشركين، قلتُ: يا رسول الله، لو أنَّ أحدهم رفع قدمه رآنا. قال: «ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما؟!».]]، فاطمأنَّ أبو بكر. هؤلاء القوم الذين وقفوا على الغار ليس عندهم قصورٌ في السمع، ولا قصورٌ في البصر، ولا قصورٌ في الذكاء، ولكن أعمى الله أبصارهم عنه، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصاحبه، فلا تعجبوا أنْ خرج من بين هؤلاء الشُّبَّان العشرة كما قال أهل التاريخ وجعل يذرُّ الترابَ على رؤوسهم ويقول: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس ٩].
هنا يقول عز وجل في سورة الطارق: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾، واتلُ قولَ الله تعالى في سورة الأنفال: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ﴾ يعني: يحبسوك ﴿أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال ٣٠].
الطارق 86:17
ثم قال عز وجل: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق ١٧] (مَهِّلْ) و(أَمْهِلْ) معناهما واحدٌ؛ يعني: انتظِرْ بِمُهلة، ولا تنتظرْ بِمُهلةٍ طويلة، ﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ أي: قليلًا. و﴿رُوَيْدًا﴾ تصغير (رَوْد) أو (إرواد)، والمراد به الشيء القليل.
وفي هذه الآية تهديدٌ لقريش، وتسليةٌ للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ووعدٌ له بالنصر، وحصل الأمر كما أخبر الله عز وجل؛ خرج النبيُّ عليه الصلاة والسلام مهاجرًا منهم وحصل بينه وبينهم حروب، وفي السنة الثانية من الهجرة قُتِل من صناديد قريش وكُبَرائهم وزعمائهم نحو أربعةٍ وعشرين رجلًا منهم قائدهم أبو جهل، وبعد ثماني سنوات، بل أقل من ثماني سنوات، دخل النبيُّ ﷺ مكة فاتحًا منصورًا ظافرًا، حتى إنَّه قال -كما جاء في التاريخ- قال وهو ممسِكٌ بعِضَادتَيْ[[عِضادتَا الباب هما خشبتاه من جانبيه.]] باب الكعبة وقريش تحته، قال لهم: «مَا تُرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟»؛ لأنَّ الأمر أصبح أمرُهم بيده عليه الصلاة والسلام، «مَا تُرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟» قالوا: أخٌ كريم، وابنُ أخٍ كريم. فقال: «إِنِّي أَقُولُ لَكُمْ كَمَا قَالَ يُوسُفُ لِإِخْوَتِهِ:» ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ «[يوسف: ٩٢]، اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ»[[أخرجه النسائي في السنن الكبرى (١١٢٣٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٥٣٣١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. إلا قوله: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ» فأخرجه الطبري في التاريخ (٣ / ٦١) من حديث قتادة بن دعامة مرسلًا.]]. وإنما مَنَّ عليهم هذه المنَّة عليه الصلاة والسلام لأنهم أسلموا، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال ٣٨].
هذا هو آخر هذه السورة من كتاب الله عز وجل، وإنِّي في نهايتها أحثُّكم على تدبُّر القرآن وتفهُّم معناه، خذوا معناه من أفواه العلماء الموثوقين أو مِن كُتُب التفسير الموثوقة؛ مثل: تفسير ابن كثير، تفسير الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، وما أشبههما من التفاسير التي تعرفون أصحابها أنهم موثوقون في عقيدتهم وفي آرائهم.
نسأل الله أن يجعلنا جميعًا ممن يتلون كتابَ الله حقَّ تلاوته، وأن ينفعنا به، وأن يجعله شفيعًا لنا يوم القيامة، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
الأعلى 87:1
إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفُسنا ومن سيِّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أمَّا بعدُ فإنَّنا نستفتح لقاءنا هذا الأسبوعيَّ الثاني من شهر رجب عام أربعة عشر وأربع مئة وألف، والذي يتمُّ في كلِّ يوم خميس، نستفتحه بتفسير سورة (سبح اسم ربك الأعلى)؛ لأنَّه انتهى بنا المطاف في تفسير جزء النبأ إلى هذه السورة، واخترنا أنْ نفسِّر الآيات القصيرة في المفصَّل لأنها تُقرأ كثيرًا في الصلوات على العامَّة.
والقرآن نزل لأمورٍ ثلاثة:
الأمر الأول: التعبُّد لله سبحانه وتعالى بتلاوته الذي يترتَّب عليه الأجر؛ فإنَّ مَن قرأ حرفًا من القرآن كان له به عشر حسنات.
والثاني: التدبُّر لمعانيه.
والثالث: الاتِّعاظ به؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص ٢٩].
ولا يمكن أن يتذكَّر أحدٌ بالقرآن إلا إذا عرف المعنى؛ لأنَّ الذي لا يعرف المعنى بمنزلة الذي لا يقرأ؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة ٧٨] أي: إلا قراءة. لهذا ينبغي للمسلم أن يحرص على معرفة معنى القرآن حتى ينتفع به، وحتى يكون متَّبِعًا لآثار السلف؛ فإنهم كانوا لا يتجاوزون عشر آياتٍ حتى يتعلَّموها وما فيها من العلم والعمل، فنبدأ بأول سورة (سبح اسم ربك الأعلى).
البسملة سبق الكلام عليها وأنها آيةٌ من كتاب الله مستقلَّةٌ، ليست من الفاتحة ولا من البقرة ولا من آل عمران، ولا من أيِّ سورة في القرآن، لكنَّها آيةٌ مستقلَّةٌ تنزل في ابتداء كلِّ سورة، ولهذا كان الصحيح أنَّ الفاتحة أول آيةٍ فيها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، والثانية: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، والثالثة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، والرابعة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، والخامسة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، والسادسة: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، والسابعة: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. هذا هو القول الصحيح الذي دلَّت عليه سُنَّة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
يقول الله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى ١] والخِطاب هنا للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والخطاب الموجَّه للرسول في القرآن الكريم على ثلاثة أقسام:
القِسم الأول: أن يقوم الدليلُ على أنَّه خاصٌّ به فيختص به.
الثاني: أن يقوم الدليلُ على أنَّه عامٌّ فيعُم.
والثالث: ألَّا يدلَّ دليلٌ على هذا ولا على هذا، فيكون خاصًّا به لفظًا، عامًّا له وللأُمَّة حكمًا.
مثال الأول قوله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح ١، ٢]، ومثاله أيضًا قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ [النساء ٧٩]؛ فإنَّ هذا من المعلوم أنَّه خاصٌّ بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ومثالُ الثاني الموجَّه للرسول عليه الصلاة والسلام وفيه قرينةٌ تدلُّ على العموم قولُه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق ١]؛ فوجَّه الخطابَ أولًا للرسول عليه الصلاة والسلام، قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ ولم يَقُل: يا أيُّها الذين آمنوا إذا طلَّقتم، قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ ولم يَقُل: يا أيُّها النبي إذا طلقتَ. قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾، فدلَّ هذا على أنَّ الخطاب الموجَّه للرسول عليه الصلاة والسلام موجَّهٌ له وللأُمَّة.
وأمَّا أمثلة الثالث فهي كثيرةٌ جدًّا، يوجِّه الله الخطابَ للرسول عليه الصلاة والسلام والمراد الخطابُ له لفظًا وللعموم حُكمًا.
هنا يقول الله عز وجل: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ﴿سَبِّحِ﴾ يعني: نَزِّه اللَّهَ عن كلِّ ما لا يليق بجلاله وعظمته، فإنَّ التسبيح يعني التنزيه؛ إذا قلت: (سُبحان الله)، يعني أنَّني أُنَزِّه اللَّهَ عن كلِّ سوء، عن كلِّ عيب، عن كلِّ نَقْص، ولهذا كان من أسماء الله تعالى: السلام، القدوس؛ لأنَّه متنَزِّهٌ عن كلِّ عيب، ونحن نضرب لكم أمثلة:
من صفات الله تعالى (الحياة)، هل في حياته نَقْص؟ لا. حياة المخلوق فيها نَقْص؛ أولًا: لأنها مسبوقة بالعدم؛ الإنسان ليس أزليًّا. وثانيًا: أنها ملحوقةٌ بالفناء؛ ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن ٢٦].
(السمع) سَمْع الله عز وجل فيه نَقْص؟ الجواب: لا، ليس فيه نَقْص، يسمع كلَّ شيء، حتى إنَّ المرأة التي جاءتْ تشتكي إلى النبي ﷺ، والتي ذكر الله تعالى قصَّتها في سورة المجادلة، كانت تُحدِّث النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعائشةُ في الحُجرة يخفى عليها بعضُ حديثها، والله تعالى يقول في كتابه: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة ١]، ولهذا قالت عائشة: «الحمد لله الذي وَسِع سمعُه الأصواتَ، إنَّ المرأة المجادِلة لَتشتكي إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإنَّه لَيَخفى عليَّ بعضُ حديثها»[[أخرج النسائي (٣٤٦٠) وابن ماجه (١٨٨) عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: الحمد لله الذي وَسِعَ سمعُه الأصوات؛ لقد جاءت خولة إلى رسول الله ﷺ تشكو زوجَها فكان يخفى عليَّ كلامُها، فأنزل الله عز وجل: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة: ١] الآية.]]. إذَنْ معنى ﴿سَبِّحِ﴾ (سبحان الله) معناها أيش؟ أُنَزِّه الله عن كلِّ عيبٍ ونَقْص.
وقوله: ﴿اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال بعض المفسِّرين: إنَّ قوله ﴿اسْمَ رَبِّكَ﴾ يعني مسمَّى ربِّك؛ لأنَّ التسبيح ليس للاسم بل لله نفسه، ولكن الصحيح أنَّ معناها: سَبِّحْ ربَّك ذاكرًا اسمه، يعني لا تُسَبِّحه بالقلب فقط، بلْ سَبِّحه بالقلب واللسان، وذلك بذِكر اسمه تعالى، ويدلُّ لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة ٧٤] يعني: سبِّح تسبيحًا مقرونًا بالاسم؛ وذلك لأنَّ تسبيح الله تعالى قد يكون بالقلب، بالعقيدة، وقد يكون باللسان، وقد يكون بهما جميعًا، والمقصود أن يُسبِّح بهما جميعًا؛ بقَلْبه لافظًا بلسانه.
وقوله: ﴿رَبِّكَ﴾ الربُّ معناه: الخالق المالك المدبِّر لجميع الأمور. فالله تعالى هو الخالق، وهو المالك، وهو المدبِّر لجميع الأمور.
وهل المشركون يُقِرُّون بذلك؟
الجواب: نعم، يُقِرُّون بذلك؛ ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان ٢٥]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف ٨٧]، وأَخْبر الله سبحانه وتعالى أنهم إذا سُئلوا ﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس ٣١]، فهُمْ يُقِرُّون بأنَّ الله له الملْك وله التدبير وله الخلْق، لكن يعبدون معه غيره من الجهل، كيف تُقِرُّ بأنَّ الله وحده هو الخالق المالك المدبِّر للأمور كلِّها وتعبد معه غيره؟! إذَنْ معنى الرب على هذا هو الخالق المالك المدبِّر لجميع الأمور، وكلُّ إنسانٍ يُقِرُّ بذلك يَلزمه ألَّا يعبد إلا الله كما تدلُّ عليه الآيات الكثيرة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة ٢١]. قال: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ يعني: لا تعبدوا غيره.
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ﴿الْأَعْلَى﴾ من العلوِّ، وعلوُّ الله عز وجل نوعان: علوُّ صفةٍ، وعلوُّ ذاتٍ.
أمَّا علوُّ الصفة فإنَّ أكمل الصفات لله عز وجل؛ قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل ٦٠].
وأمَّا علوُّ الذات فهو أنَّ الله تعالى فوق عباده مستوٍ على عرشه، والإنسان إذا قال: يا الله، أين يتَّجه؟
* طالب: إلى السماء.
* الشيخ: يتَّجه إلى السماء، إلى فوق؛ فالله جل وعلا فوق كلِّ شيءٍ، مستوٍ على عرشه.
إذَن ﴿الْأَعْلَى﴾ إذا قرأتَها فاستشعِرْ بنفسك أنَّ الله عالٍ بصفاته وعالٍ بذاته، ولهذا كان الإنسان إذا سجد يقول أيش؟ (سبحان ربِّي الأعلى)، يتذكَّر بسفوله هو؛ لأنه هو الآن نَزَل، أَنْزلُ شيءٍ هو هذا؛ فأشرفُ ما في الإنسان وأعلى ما في الإنسان هو وجهه، ومع ذلك يُنزله، يجعله في الأرض التي تُداس بالأقدام، فكان من الحكمة أن يقول: (سبحان ربِّي الأعلى) يعني: أُنَزِّه ربِّي الذي هو فوق كلِّ شيء؛ لأنِّي نزلتُ أنا أسفل كلِّ شيء، فتُسبِّح اللَّهَ الأعلى بصفاته والأعلى بذاته، وتشعر عندما تقول: (سبحان ربِّي الأعلى) أنَّ ربَّك تعالى فوق كلِّ شيء، وأنَّه أكملُ كلِّ شيء في الصفات.
الأعلى 87:2
ثم قال: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى ٢]، ﴿خَلَقَ﴾ يعني: أوجَدَ من العدم، كلُّ المخلوقات أوجدها الله عز وجل؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الحج ٧٣] سبحان الله! الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا﴾ استمع، ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ [الحج ٧٣]، واللَّهِ مثلٌ عظيم، كلُّ الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابًا ولو اجتمعوا له؛ لو يجتمع جميع الآلهة التي تُعبَد من دون الله وجميع السلاطين وجميع الرؤساء وجميع المهندسين على أن يخلقوا ذبابًا واحدًا ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، الآن ونحن في هذا العصر وقد تقدَّمت الصناعة هذا التقدم الهائل، لو اجتمع كلُّ هؤلاء الخلق أن يخلقوا ذبابًا ما استطاعوا، حتى لو أنهم كما يقولون: إنهم صنعوا آدميًّا آليًّا، ما يستطيعون أن يخلقوا ذبابًا، هذا الآدمِيُّ الآلِيُّ ما هو إلا آلات تتحرَّك فقط، لكنْ لا تجوع، ولا تعطش، ولا تحترُّ، ولا تَبرد، ولا تتحرَّك إلا بتحريك. الذبابُ لا يمكن أن يخلقه كلُّ مَن سِوى الله، فالله سبحانه وتعالى وحده هو الخالق، وبماذا يَخلق؟ بكلمةٍ واحدةٍ؛ ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران ٥٩]، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]، كلمة واحدة، الخلائق كلُّها تموت وتفنى وتأكلها الأرض، وتأكلها السباع، وتحرقها النيران، وإذا كان يوم القيامة زَجَرها الله زجرةً واحدةً: اخرجي. فتخرج؛ ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣، ١٤]، ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس ٥٣]، كلُّ العالَم من إنسٍ وجنٍّ ووحوشٍ وحشراتٍ وغيرها، كلُّها يوم القيامة تُحشَر بكلمةٍ واحدة.
إذَن فالله عز وجل وحده هو الخالق ولا أحد يَخلق معه، والخلْق لا يُعسره ولا يُعجزه، وهو سهلٌ عليه، ويكون بكلمةٍ واحدة.
وقوله: ﴿فَسَوَّى﴾، ﴿خَلَقَ فَسَوَّى﴾ يعني: سَوَّى ما خَلَق على أحسن صورة، وعلى الصورة المناسِبة؛ الإنسان مثلًا قال الله تعالى في سورة الانفطار: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار ٧، ٨]، ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين ٤]، لا يوجد في الخلائق شيءٌ أحسنُ من خِلقة الإنسان؛ رأسُه فوق، وقلبُه في الصدر، وعلى هيئةٍ تامَّة، ولهذا أول مَن يدخل في قوله: ﴿فَسَوَّى﴾ هو تسوية الإنسان، ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ كلُّ شيءٍ يُسَوَّى على الوجه الذي يكون لائقًا به.
الأعلى 87:3
﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٣] قدَّرَ كلَّ شيءٍ عز وجل؛ كما قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان ٢]، قدَّره في حاله وفي مآله، في ذاته وفي صفاته، كلُّ شيءٍ له قَدْرٌ محدودٌ، الآجال محدودة، الأحوال محدودة، الأجسام محدودة، كلُّ شيءٍ مقدَّر تقديرًا كما قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾.
وقوله: ﴿فَهَدَى﴾ يشمل الهداية الشرعية والهداية الكونية:
الهداية الكونية أنَّ الله هدى كلَّ شيءٍ لِمَا خُلِق له؛ قال فرعون لموسى: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه ٤٩، ٥٠]، تجد كلَّ مخلوقٍ قد هداه الله تعالى لِمَا يحتاج إليه؛ الطفل الآن.. انظر إلى الطفل إذا خرج من بطن أمِّه وأراد أن يرضع، هل فيه أحد يقول: ارفعْ رأسَك، ارضعْ من الثدي؟ لا. ولو كان فيه أحد ما فَقَه، لكن يهديه الله عز وجل إلى هذا الثدي يرتضع منه. وانظر إلى أدنى الحشرات؛ النمل مثلًا، أين تضع بيوتها؟ لا تضع بيوتها إلا في مكانٍ مرتفعٍ من الأرض، على ربوةٍ من الأرض، لماذا؟ تخشى من السيول تدخل بيوتها فتُفسدها، أيضًا إذا جاء المطر وكان في جحورها أو في بيوتها طعامٌ من الحبوب تخرج به إذا طلعت الشمس تنشره، لماذا؟ لئلَّا يعفن، وهي قبل أن تدَّخره تأكل أطرافها -أطرافَ الحبَّة- لئلَّا تنبت فتفسد عليهم، هذا الشيء مشاهَد مجرَّب، مَن الذي هداها لذلك؟ هداها الله عز وجل، هذه هداية كونية؛ أنَّه هَدَى كلَّ مخلوقٍ لِمَا يحتاج إليه.
أمَّا الهداية الشرعية -وهي الأهمُّ بالنسبة لبني آدم- فهي أيضًا بيَّنها الله عز وجل، حتى الكفَّار قد هداهم الله؛ يعني بيَّن لهم؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت ١٧]، والعياذ بالله، استحبُّوا الكفرَ على الإيمان.
الهداية الشرعية هي المقصودة من حياة بني آدم؛ ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦]، وإنما أخبرنا الله بذلك لأجْل أن نلجأ إليه في جميع أُمورنا؛ إذا عَلِمنا أنَّه هو الخالق بعد العَدَم وأصابنا المرض إلى مَن نلجأ؟ نعم، إلى الله، الجأْ إلى الله؛ لأنَّ الذي خَلَقك وأَوْجدك من العدم قادرٌ على أن يصحِّح بَدَنك، إذَن الجأ إلى ربك، اعتمدْ عليه، ولا حرج أن تتناول ما أباح لك من الدواء لكنْ مع اعتقاد أنَّ هذا الدواء مثلًا سببٌ من الأسباب جَعَله الله عز وجل، وإذا شُفيتَ بهذا السبب فمَن الذي شفاك؟ الله عز وجل، هو الذي جعل هذا الدواءَ سببًا لشفائك، ولو شاء لَجعل هذا الدواء سببًا لهلاكك، فإذا عَلِمنا أنَّ الله هو الخالق فنحن نلجأ في أمورنا كلِّها إلى الله عز وجل، إذا عَلِمنا أنه هو الهادي فإننا نستهدي بهدايته، بشريعته؛ حتى نَصِل إلى ما أعدَّ لنا ربُّنا عز وجل من الكرامة.
نسأل الله تعالى أن يهدينا وإيَّاكم الصراط المستقيم، وأن يُحِلَّنا وإيَّاكم دارَ كرامته مع الذين أنعم الله عليهم من النبيِّين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين.
وإلى هنا ينتهى الكلام على هذه الآيات الكريمة، وأحثُّكم مرَّةً أخرى على تعلُّم معاني آيات القرآن، إذا شئتم أن تنتفعوا به حقيقةً فعليكم بمعرفة معناه، لكن مِن أين؟ من العلماء الموثوقين، أو من تفاسير العلماء الموثوقين؛ لأنَّ الناس تكلموا في كلام الله وبحثوا في معانيه، لكن منهم مَن هُدي إلى الصراط المستقيم، ومنهم مَن حصل له انحرافٌ لسببٍ من الأسباب؛ إمَّا لقُصور عِلْمه أو فَهْمه، أو سوء نيَّته؛ لأنَّ الإنسان قد يُحرَم الصوابَ بسبب سوء النيَّة والعياذ بالله.
الأعلى 87:6
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
(...) نتكلَّم فيه أولًا على ما بَقِي من سورة (سبح اسم ربك الأعلى) من قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ [الأعلى ٦ - ٨]، فهذا وعدٌ من الله سبحانه وتعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنَّه يُقرئه القرآنَ ولا ينساه الرسول، يُقرئه إيَّاه ولا ينساه، وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يتعجَّل إذا جاء جبريل يُلقِي عليه الوحي، فقال الله له: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة ١٦ - ١٩]، فصار النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يُنصت حتى ينتهي جبريل من قراءة الوحي ثم يقرؤه، وهنا يقول: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ يعني: إلا ما شاء الله أن تنساه، فإنَّ الأمر بيده عز وجل؛ ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد ٣٩]، ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة ١٠٦، ١٠٧]، وربما نُسِّيَ النبيُّ ﷺ آيةً من كتاب الله ولكنَّه سرعان ما يذكرها عليه الصلاة والسلام.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ﴾ أي إنَّ الله تعالى يعلم الجهر؛ ما يجهر به الإنسان ويتكلَّم به مسموعًا.
﴿وَمَا يَخْفَى﴾ أي: ما يكون خفيًّا لا يُظهَر فإنَّ الله يعلمه؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [الفاتحة ١٦]، فهو يعلم -عز وجل- الجهرَ ويعلم أيضًا ما يخفى.
الأعلى 87:7
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
(...) نتكلَّم فيه أولًا على ما بَقِي من سورة (سبح اسم ربك الأعلى) من قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ [الأعلى ٦ - ٨]، فهذا وعدٌ من الله سبحانه وتعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنَّه يُقرئه القرآنَ ولا ينساه الرسول، يُقرئه إيَّاه ولا ينساه، وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يتعجَّل إذا جاء جبريل يُلقِي عليه الوحي، فقال الله له: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة ١٦ - ١٩]، فصار النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يُنصت حتى ينتهي جبريل من قراءة الوحي ثم يقرؤه، وهنا يقول: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ يعني: إلا ما شاء الله أن تنساه، فإنَّ الأمر بيده عز وجل؛ ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد ٣٩]، ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة ١٠٦، ١٠٧]، وربما نُسِّيَ النبيُّ ﷺ آيةً من كتاب الله ولكنَّه سرعان ما يذكرها عليه الصلاة والسلام.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ﴾ أي إنَّ الله تعالى يعلم الجهر؛ ما يجهر به الإنسان ويتكلَّم به مسموعًا.
﴿وَمَا يَخْفَى﴾ أي: ما يكون خفيًّا لا يُظهَر فإنَّ الله يعلمه؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [الفاتحة ١٦]، فهو يعلم -عز وجل- الجهرَ ويعلم أيضًا ما يخفى.
الأعلى 87:8
﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ وهذا أيضًا وعدٌ من الله عز وجل لرسوله عليه الصلاة والسلام أن يُيَسِّره لليُسرى، فما هي اليُسرى؟
اليُسرى أن تكون أموره مُيَسَّرة، ولا سيَّما في طاعة الله عز وجل، ولَمَّا أخبر النبيُّ عليه الصلاة والسلام أنَّه ما من أحدٍ من الناس إلا وقد كُتِب مقعده من الجنَّة ومقعدُه من النار، كلُّ بني آدم مكتوبٌ مقعده من الجنَّة إن كان من أهل الجنة، ومقعده من النار إن كان من أهل النار، قالوا: يا رسول الله، أفلا نَدَعُ العملَ ونتَّكل -يعني على ما كُتِب- قال: «لَا، اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ»، فأهل السعادة يُيَسَّرون لعمل أهل السعادة، وأهل الشقاوة يُيَسَّرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل ٥ - ٧][[أخرجه مسلم (٢٦٤٧ / ٦) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه بلفظ: «اعملوا، فكلٌّ ميسَّر؛ أمَّا أهل السعادة فيُيَسَّرون لعمل أهل السعادة، وأمَّا أهل الشقاوة فيُيَسَّرون لعمل أهل الشقاوة». ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠].]].
وهذا الحديث يقطع حُجَّة مَن يحتجُّ بالقَدَر على معاصي الله فيعصي اللَّهَ ويقول: هذا مكتوبٌ عليَّ. نقول: هذا غلط؛ لأنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ»، هل أحدٌ يحجزك عن العمل الصالح لو أردتَه؟ أبدًا. هل أحدٌ يجبرك على المعصية لو لم تُرِدها؟ أبدًا، لا أحد. ولهذا لو أنَّ أحدًا أجبرك على المعصية وأكرهك عليها لم يكن عليك إثمٌ، ولا يترتَّب على فِعْلك لها ما يترتَّب على فعل المختار لها، حتى إنَّ الكفر وهو أعظم الذنوب قال الله تعالى فيه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل ١٠٦]، إذَنْ نقول: اعملْ أيُّها الإنسان، اعمل الخيرَ، تجنَّب الشرَّ؛ حتى يُيَسِّرك الله لليُسرى ويُجَنِّبك العُسرى، فرسول الله ﷺ وَعَده الله بأن يُيَسِّره لليُسرى فيُسَهِّل عليه الأمور، ولهذا لم يَقَع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في شِدَّةٍ وضَنْكٍ إلا وجد له مخرجًا عليه الصلاة والسلام.
الأعلى 87:9
ثم أَمَره تعالى أن يُذَكِّر فقال: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى ٩] يعني: ذَكِّر الناس، ذَكِّرهم بآيات الله، ذَكِّرهم بأيام الله، عِظْهم.
﴿إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ يعني: في محلٍّ تنفع فيه الذِّكْرى، وعلى هذا فتكون ﴿إِنْ﴾ شرطية، والمعنى: إنْ نفعت الذِّكرى فذَكِّر، وإنْ لم تنفع فلا تُذَكِّر؛ لأنَّه لا فائدة من تذكير قومٍ نعلم أنَّهم لا ينتفعون، هذا ما قيل في هذه الآية.
وقال بعض العلماء: المعنى: ذَكِّرْ على كلِّ حالٍ إنْ كان هؤلاء القوم تنفع فيهم الذِّكرى، فيكون الشرط هنا ليس المقصود به أنَّه لا يُذكِّر إلا إذا نفعتْ، بل المعنى: ذَكِّر إنْ كان هؤلاء القوم ينفع فيهم التذكير. فالمعنى على هذا القول: ذَكِّر بكلِّ حالٍ والذِّكْرى سوف تنفع. تنفع مَن؟ تنفع المؤمنين، وتنفع الْمُذكِّر أيضًا، فالْمُذكِّر منتفعٌ على كلِّ حال، والْمُذكَّر إن انتفع بها فهو مؤمن، وإن لم ينتفعْ بها فإنَّ ذلك لا ينقص من أجر المذكِّر شيئًا، إذَنْ نحن نُذَكِّر سواءٌ نفعت الذِّكْرى أمْ لم تنفع.
وقال بعض العلماء: إنْ ظنَّ أنَّ الذِّكْرى تنفع وجبتْ، وإنْ ظنَّ أنها لا تنفع فهو مخيَّر؛ إنْ شاء ذَكَّر وإن شاء لم يُذَكِّر، ولكن على كلِّ حالٍ نقول: لا بدَّ من التذكير، حتى وإنْ ظننتَ أنها لا تنفع فإنها سوف تنفعك أنت، وسوف يعلم الناسُ أنَّ هذا الشيء الذي ذَكَّرتَ عنه إمَّا واجبٌ وإمَّا حرام، وإذا سكتَّ والناس يفعلون المحرَّم قال الناس: لو كان هذا محرَّمًا لذَكَّر به العلماء، أو: لو كان هذا واجبًا لذَكَّر به العلماء، فلا بدَّ من التذكير، ولا بدَّ من نَشْر الشريعة سواءٌ نفعتْ أمْ لم تنفع.
ثم ذكر الله عز وجل مَن سيَذَّكَّر ومَن لا يَذَّكَّر، وسنتكلم عليه إن شاء الله في الجلسة القادمة أو في اللقاء القادم.
الأعلى 87:10
(...) وموضوع مقدمة هذا اللقاء هو الكلام على قول الله تبارك وتعالى في سورة الأعلى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾ [الأعلى ١٠، ١١] إلى آخره.
أَمَر الله سبحانه وتعالى نبيَّه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يُذَكِّر فقال: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾، ثم قال: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾ فبَيَّن تعالى أنَّ الناس ينقسمون بعد الذِّكرى إلى قِسمين:
القِسم الأول: مَن يخشى اللَّهَ عز وجل؛ أي: يخافه خوفًا عن علمٍ لعظمة الخالق جل وعلا، فهذا إذا ذُكِّر بآيات ربِّه تذكَّر؛ كما قال تعالى في وصف عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان ٧٣]، فمَن يخشى الله ويخاف الله إذا ذُكِّر ووُعِظ بآيات الله اتَّعظ وانتفع.
أمَّا القِسم الثاني فقال: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾ أي: يتجنَّب هذه الذِّكرى ولا ينتفع بها الأشقى.
﴿الْأَشْقَى﴾ هنا اسم تفضيل من الشقاء، وهو ضدُّ السعادة؛ كما في سورة هود: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ﴾ [هود ١٠٦]، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ﴾ [هود ١٠٨]، فالأشقى -والعياذ بالله- المتَّصفُ بالشقاوة، يتجنَّب الذِّكرى ولا ينتفع بها، والأشقى هو البالغ في الشقاوة غايتَها، وهذا هو الكافر؛ فإنَّ الكافر يُذَكَّر ولا ينتفع بالذِّكرى، ولهذا قال: ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [الأعلى ١٢، ١٣] الذي يَصْلى النارَ الموصوفةَ بأنها الكُبرى، وهي نار جهنم؛ لأنَّ نار الدنيا صُغرى بالنسبة لها؛ فقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنَّ نار الدنيا جزءٌ من سبعين جزءًا من نار الآخرة[[أخرج البخاري (٣٢٦٥)، ومسلم (٢٨٤٣ / ٣٠) واللفظ له، عن أبي هريرة أنَّ النبي ﷺ قال: «نارُكم هذه التي يوقِد ابنُ آدم جزءٌ من سبعين جزءًا من حرِّ جهنم». قالوا: واللهِ إنْ كانت لَكافيةً يا رسول الله. قال: «فإنها فُضِّلتْ عليها بتسعةٍ وستين جزءًا كلُّها مِثْل حرِّها».]]؛ أي إنَّ نار الآخرة فُضِّلتْ على نار الدنيا بتسعةٍ وستين جزءًا، والمراد نار الدنيا كلِّها، ما هي نار مخصوصة، أشدُّ ما يكون من نار الدنيا فإنَّ نار الآخرة فُضِّلتْ عليها بتسعةٍ وستين جزءًا، ولهذا وَصَفها بقوله: ﴿النَّارَ الْكُبْرَى﴾.
﴿ثُمَّ﴾ إذا صلاها ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ المعنى: لا يموت فيستريح، ولا يحيا حياةً سعيدةً، وإلا فهُم أحياءٌ في الواقع، لكن أحياءٌ يُعذَّبون؛ ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء ٥٦]، كما قال الله عز وجل ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ وهو خازن النار ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ يعني ليُهلِكْنا ويُرِحنا من هذا العذاب ﴿قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف ٧٧]، ولا راحة، ويقال لهم: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف ٧٨]، هذا معنى قوله: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾، لأنه قد يُشْكل على بعض الناس كيف يكون الإنسان لا حيٌّ ولا ميِّت، والإنسانُ إمَّا حيٌّ وإمَّا ميِّت؟
فيقال: لا يموت فيها ميتةً يستريح بها، ولا يحيا حياةً يَسْعد بها، فهو -والعياذ بالله- في عذابٍ وجحيمٍ وشدَّةٍ، يتمنَّى الموتَ ولكن لا يحصل له، هذا هو معنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾.
الأعلى 87:11
(...) وموضوع مقدمة هذا اللقاء هو الكلام على قول الله تبارك وتعالى في سورة الأعلى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾ [الأعلى ١٠، ١١] إلى آخره.
أَمَر الله سبحانه وتعالى نبيَّه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يُذَكِّر فقال: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾، ثم قال: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾ فبَيَّن تعالى أنَّ الناس ينقسمون بعد الذِّكرى إلى قِسمين:
القِسم الأول: مَن يخشى اللَّهَ عز وجل؛ أي: يخافه خوفًا عن علمٍ لعظمة الخالق جل وعلا، فهذا إذا ذُكِّر بآيات ربِّه تذكَّر؛ كما قال تعالى في وصف عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان ٧٣]، فمَن يخشى الله ويخاف الله إذا ذُكِّر ووُعِظ بآيات الله اتَّعظ وانتفع.
أمَّا القِسم الثاني فقال: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾ أي: يتجنَّب هذه الذِّكرى ولا ينتفع بها الأشقى.
﴿الْأَشْقَى﴾ هنا اسم تفضيل من الشقاء، وهو ضدُّ السعادة؛ كما في سورة هود: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ﴾ [هود ١٠٦]، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ﴾ [هود ١٠٨]، فالأشقى -والعياذ بالله- المتَّصفُ بالشقاوة، يتجنَّب الذِّكرى ولا ينتفع بها، والأشقى هو البالغ في الشقاوة غايتَها، وهذا هو الكافر؛ فإنَّ الكافر يُذَكَّر ولا ينتفع بالذِّكرى، ولهذا قال: ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [الأعلى ١٢، ١٣] الذي يَصْلى النارَ الموصوفةَ بأنها الكُبرى، وهي نار جهنم؛ لأنَّ نار الدنيا صُغرى بالنسبة لها؛ فقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنَّ نار الدنيا جزءٌ من سبعين جزءًا من نار الآخرة[[أخرج البخاري (٣٢٦٥)، ومسلم (٢٨٤٣ / ٣٠) واللفظ له، عن أبي هريرة أنَّ النبي ﷺ قال: «نارُكم هذه التي يوقِد ابنُ آدم جزءٌ من سبعين جزءًا من حرِّ جهنم». قالوا: واللهِ إنْ كانت لَكافيةً يا رسول الله. قال: «فإنها فُضِّلتْ عليها بتسعةٍ وستين جزءًا كلُّها مِثْل حرِّها».]]؛ أي إنَّ نار الآخرة فُضِّلتْ على نار الدنيا بتسعةٍ وستين جزءًا، والمراد نار الدنيا كلِّها، ما هي نار مخصوصة، أشدُّ ما يكون من نار الدنيا فإنَّ نار الآخرة فُضِّلتْ عليها بتسعةٍ وستين جزءًا، ولهذا وَصَفها بقوله: ﴿النَّارَ الْكُبْرَى﴾.
﴿ثُمَّ﴾ إذا صلاها ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ المعنى: لا يموت فيستريح، ولا يحيا حياةً سعيدةً، وإلا فهُم أحياءٌ في الواقع، لكن أحياءٌ يُعذَّبون؛ ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء ٥٦]، كما قال الله عز وجل ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ وهو خازن النار ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ يعني ليُهلِكْنا ويُرِحنا من هذا العذاب ﴿قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف ٧٧]، ولا راحة، ويقال لهم: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف ٧٨]، هذا معنى قوله: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾، لأنه قد يُشْكل على بعض الناس كيف يكون الإنسان لا حيٌّ ولا ميِّت، والإنسانُ إمَّا حيٌّ وإمَّا ميِّت؟
فيقال: لا يموت فيها ميتةً يستريح بها، ولا يحيا حياةً يَسْعد بها، فهو -والعياذ بالله- في عذابٍ وجحيمٍ وشدَّةٍ، يتمنَّى الموتَ ولكن لا يحصل له، هذا هو معنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾.
الأعلى 87:12
(...) وموضوع مقدمة هذا اللقاء هو الكلام على قول الله تبارك وتعالى في سورة الأعلى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾ [الأعلى ١٠، ١١] إلى آخره.
أَمَر الله سبحانه وتعالى نبيَّه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يُذَكِّر فقال: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾، ثم قال: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾ فبَيَّن تعالى أنَّ الناس ينقسمون بعد الذِّكرى إلى قِسمين:
القِسم الأول: مَن يخشى اللَّهَ عز وجل؛ أي: يخافه خوفًا عن علمٍ لعظمة الخالق جل وعلا، فهذا إذا ذُكِّر بآيات ربِّه تذكَّر؛ كما قال تعالى في وصف عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان ٧٣]، فمَن يخشى الله ويخاف الله إذا ذُكِّر ووُعِظ بآيات الله اتَّعظ وانتفع.
أمَّا القِسم الثاني فقال: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾ أي: يتجنَّب هذه الذِّكرى ولا ينتفع بها الأشقى.
﴿الْأَشْقَى﴾ هنا اسم تفضيل من الشقاء، وهو ضدُّ السعادة؛ كما في سورة هود: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ﴾ [هود ١٠٦]، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ﴾ [هود ١٠٨]، فالأشقى -والعياذ بالله- المتَّصفُ بالشقاوة، يتجنَّب الذِّكرى ولا ينتفع بها، والأشقى هو البالغ في الشقاوة غايتَها، وهذا هو الكافر؛ فإنَّ الكافر يُذَكَّر ولا ينتفع بالذِّكرى، ولهذا قال: ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [الأعلى ١٢، ١٣] الذي يَصْلى النارَ الموصوفةَ بأنها الكُبرى، وهي نار جهنم؛ لأنَّ نار الدنيا صُغرى بالنسبة لها؛ فقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنَّ نار الدنيا جزءٌ من سبعين جزءًا من نار الآخرة[[أخرج البخاري (٣٢٦٥)، ومسلم (٢٨٤٣ / ٣٠) واللفظ له، عن أبي هريرة أنَّ النبي ﷺ قال: «نارُكم هذه التي يوقِد ابنُ آدم جزءٌ من سبعين جزءًا من حرِّ جهنم». قالوا: واللهِ إنْ كانت لَكافيةً يا رسول الله. قال: «فإنها فُضِّلتْ عليها بتسعةٍ وستين جزءًا كلُّها مِثْل حرِّها».]]؛ أي إنَّ نار الآخرة فُضِّلتْ على نار الدنيا بتسعةٍ وستين جزءًا، والمراد نار الدنيا كلِّها، ما هي نار مخصوصة، أشدُّ ما يكون من نار الدنيا فإنَّ نار الآخرة فُضِّلتْ عليها بتسعةٍ وستين جزءًا، ولهذا وَصَفها بقوله: ﴿النَّارَ الْكُبْرَى﴾.
﴿ثُمَّ﴾ إذا صلاها ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ المعنى: لا يموت فيستريح، ولا يحيا حياةً سعيدةً، وإلا فهُم أحياءٌ في الواقع، لكن أحياءٌ يُعذَّبون؛ ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء ٥٦]، كما قال الله عز وجل ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ وهو خازن النار ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ يعني ليُهلِكْنا ويُرِحنا من هذا العذاب ﴿قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف ٧٧]، ولا راحة، ويقال لهم: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف ٧٨]، هذا معنى قوله: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾، لأنه قد يُشْكل على بعض الناس كيف يكون الإنسان لا حيٌّ ولا ميِّت، والإنسانُ إمَّا حيٌّ وإمَّا ميِّت؟
فيقال: لا يموت فيها ميتةً يستريح بها، ولا يحيا حياةً يَسْعد بها، فهو -والعياذ بالله- في عذابٍ وجحيمٍ وشدَّةٍ، يتمنَّى الموتَ ولكن لا يحصل له، هذا هو معنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾.
الأعلى 87:13
(...) وموضوع مقدمة هذا اللقاء هو الكلام على قول الله تبارك وتعالى في سورة الأعلى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾ [الأعلى ١٠، ١١] إلى آخره.
أَمَر الله سبحانه وتعالى نبيَّه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يُذَكِّر فقال: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾، ثم قال: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾ فبَيَّن تعالى أنَّ الناس ينقسمون بعد الذِّكرى إلى قِسمين:
القِسم الأول: مَن يخشى اللَّهَ عز وجل؛ أي: يخافه خوفًا عن علمٍ لعظمة الخالق جل وعلا، فهذا إذا ذُكِّر بآيات ربِّه تذكَّر؛ كما قال تعالى في وصف عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان ٧٣]، فمَن يخشى الله ويخاف الله إذا ذُكِّر ووُعِظ بآيات الله اتَّعظ وانتفع.
أمَّا القِسم الثاني فقال: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾ أي: يتجنَّب هذه الذِّكرى ولا ينتفع بها الأشقى.
﴿الْأَشْقَى﴾ هنا اسم تفضيل من الشقاء، وهو ضدُّ السعادة؛ كما في سورة هود: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ﴾ [هود ١٠٦]، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ﴾ [هود ١٠٨]، فالأشقى -والعياذ بالله- المتَّصفُ بالشقاوة، يتجنَّب الذِّكرى ولا ينتفع بها، والأشقى هو البالغ في الشقاوة غايتَها، وهذا هو الكافر؛ فإنَّ الكافر يُذَكَّر ولا ينتفع بالذِّكرى، ولهذا قال: ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [الأعلى ١٢، ١٣] الذي يَصْلى النارَ الموصوفةَ بأنها الكُبرى، وهي نار جهنم؛ لأنَّ نار الدنيا صُغرى بالنسبة لها؛ فقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنَّ نار الدنيا جزءٌ من سبعين جزءًا من نار الآخرة[[أخرج البخاري (٣٢٦٥)، ومسلم (٢٨٤٣ / ٣٠) واللفظ له، عن أبي هريرة أنَّ النبي ﷺ قال: «نارُكم هذه التي يوقِد ابنُ آدم جزءٌ من سبعين جزءًا من حرِّ جهنم». قالوا: واللهِ إنْ كانت لَكافيةً يا رسول الله. قال: «فإنها فُضِّلتْ عليها بتسعةٍ وستين جزءًا كلُّها مِثْل حرِّها».]]؛ أي إنَّ نار الآخرة فُضِّلتْ على نار الدنيا بتسعةٍ وستين جزءًا، والمراد نار الدنيا كلِّها، ما هي نار مخصوصة، أشدُّ ما يكون من نار الدنيا فإنَّ نار الآخرة فُضِّلتْ عليها بتسعةٍ وستين جزءًا، ولهذا وَصَفها بقوله: ﴿النَّارَ الْكُبْرَى﴾.
﴿ثُمَّ﴾ إذا صلاها ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ المعنى: لا يموت فيستريح، ولا يحيا حياةً سعيدةً، وإلا فهُم أحياءٌ في الواقع، لكن أحياءٌ يُعذَّبون؛ ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء ٥٦]، كما قال الله عز وجل ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ وهو خازن النار ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ يعني ليُهلِكْنا ويُرِحنا من هذا العذاب ﴿قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف ٧٧]، ولا راحة، ويقال لهم: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف ٧٨]، هذا معنى قوله: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾، لأنه قد يُشْكل على بعض الناس كيف يكون الإنسان لا حيٌّ ولا ميِّت، والإنسانُ إمَّا حيٌّ وإمَّا ميِّت؟
فيقال: لا يموت فيها ميتةً يستريح بها، ولا يحيا حياةً يَسْعد بها، فهو -والعياذ بالله- في عذابٍ وجحيمٍ وشدَّةٍ، يتمنَّى الموتَ ولكن لا يحصل له، هذا هو معنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾.
الأعلى 87:14
وقد سبق الكلام على قوله تعالى ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى ١٤، ١٥]، وبيَّنَّا أنَّ المراد بقوله: ﴿تَزَكَّى﴾ أي: في نفسه؛ أي: زكَّاها وأخرجها من رِجْس الشرك إلى زكاة التوحيد.
ويأتي إن شاء الله بقيَّة الكلام على السورة من أجْل أن نُفسح المجال للإخوة.
* * *
أمَّا بعدُ فهذا هو اللقاء الثالث والخمسون من اللقاء المسمَّى بلقاء الباب المفتوح، وهو اللقاء الرابع باعتبار شهر شوال عام أربعة عشر وأربع مئةٍ وألف، ونتكلم يسيرًا على ما تبقى من سورة الأعلى، وهو قوله تبارك وتعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى ١٤، ١٥].
﴿أَفْلَحَ﴾ مأخوذٌ من الفَلَاح، والفَلَاح كلمةٌ جامعةٌ، وهو الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب، هذا هو معنى الفَلَاح، فهي كلمةٌ جامعةٌ لكلِّ خيرٍ، دافعةٌ لكلِّ شر.
وقوله: ﴿مَنْ تَزَكَّى﴾ مأخوذ من التزكية وهي التطهير، ومنه سُمِّيت الزكاة زكاةً لأنها تُطَهِّر الإنسانَ من أخلاق الرذيلة، أخلاق البخل؛ كما قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة ١٠٣]، إذَنْ ﴿تَزَكَّى﴾ يعني تطهَّر.
ومن أيِّ شيءٍ تزكَّى؟
يتزكَّى أولًا من الشرك بالنسبة لمعاملة الله، فيعبد اللَّهَ مخلصًا له الدين لا يُرائي ولا يسمِّع، ولا يطلب جاهًا ولا رئاسةً فيما يتعبَّد به لله عز وجل، وإنما يريد بهذا وجهَ الله والدارَ الآخرة.
تزكَّى في اتِّباع الرسول عليه الصلاة والسلام؛ بحيث لا يبتدع في شريعته لا بقليل ولا كثير، لا في الاعتقاد، ولا في الأقوال، ولا في الأفعال.
وهذا -أعني التزكِّي بالنسبة للرسول عليه الصلاة والسلام، وهو اتِّباعٌ من غير ابتداع- لا ينطبق تمامًا إلا على الطريقة السلفية؛ طريقة أهل السُّنة والجماعة الذين يؤمنون بكلِّ ما وَصَف الله به نفسَه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، على الطريقة السلفية الذين لا يبتدعون في العبادات القولية ولا في العبادات الفعلية شيئًا في دين الله، تجدهم يتَّبعون ما جاء به الشرع، خلافًا لِمَا يصنعه بعض المبتدِعة في الأذكار المبتدَعة؛ إمَّا في نوعها، وإمَّا في كيفيَّتها وصِفَتها، وإمَّا في أدائها؛ كما يفعله بعض أصحاب الطُّرُق من الصوفية وغيرهم.
كذلك يتزكَّى بالنسبة لمعاملة الخلْق بحيث يطهِّر قلبَه من الغِلِّ والحقد على إخوانه المسلمين، فتجده دائمًا طاهرَ القلب، يحبُّ لإخوانه ما يحبُّ لنفسه، لا يرضى لأحدٍ أن يمسَّه سوءٌ، بل يودُّ أنَّ جميع الناس سالمون من كلِّ شر، موفَّقون لكلِّ خير.
فصارت التزكية لها ثلاثة متعلقات: الأول في حق الله، والثاني في حق الرسول، والثالث في حق عامَّة الناس.
في حق الله: يتزكَّى من الشرك، فيعبد الله تعالى مخلصًا له الدين.
في حق الرسول: يتزكَّى من الابتداع، فيعبد الله على مقتضى شريعة النبي ﷺ في العقيدة والقول والعمل.
في معاملة الناس: يتزكَّى من الغِلِّ والحقدِ والعداوةِ والبغضاءِ وكلِّ ما يجلب ذلك، كل ما يجلب العداوةَ والبغضاءَ بين المسلمين يتجنَّبه، ويفعل كلَّ ما فيه المودَّة والمحبَّة، ومن ذلك إفشاء السلام الذي قال فيه الرسول ﷺ: «وَاللَّهِ لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ»[[أخرج مسلم (٥٤ / ٩٣)، وأبو داود (٥١٩٣) واللفظ له، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنَّة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا، أفلا أدلُّكم على أمرٍ إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم».]]. فالسلام من أقوى الأسباب التي تجلب المحبَّة والمودَّة بين المسلمين، وهذا شيءٌ مشاهَدٌ؛ لو مرَّ بك رجلٌ ولم يسلِّم عليك صار في نفسك شيء، وإذا لم تسلِّم عليه أنت صار في نفسه شيء، لكن لو سلَّمتَ عليه أو سلَّمَ عليك صار هذا كالرِّباط بينكما يوجب المودَّة والمحبَّة، وقد قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام في السلام: «وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٢)، ومسلم (٣٩ / ٦٣)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.]].
وأكثر الناس اليوم إذا سلَّم يسلِّم على مَن يعرف، وأمَّا مَن لا يعرفه فلا يسلِّم عليه، وهذا غلط؛ لأنَّك إذا سلَّمتَ على مَن تعرف لم يكن السلام خالصًا لله، سلِّم على مَن عرفتَ ومَن لم تعرف من المسلمين حتى تنال بذلك محبَّة المسلمين بعضهم من بعضٍ وتمامَ الإيمان، والنهاية دخول الجنة، جعلنا الله وإيَّاكم من أهلها.وقوله: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى ١٥] يعني: ذكر اسمَ الله تعالى بالتعبُّد له فصلَّى، ويدخل في ذِكْر اسم الله الوضوءُ مثلًا، فالوضوء من ذِكْر اسم الله؛ أولًا: لأنَّ الإنسان لا يتوضأ إلا امتثالًا لأمر الله، وثانيًا: أنَّه إذا ابتدأ وضوءَه قال: باسم الله، وإذا انتهى قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهمَّ اجعلني من التوَّابين واجعلني من المتطهِّرين.
ومِن ذِكْر الله عز وجل خطبة الجمعة؛ فإنَّ خطبة الجمعة مِن ذِكْر الله لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة ٩]، وعلى هذا فقوله: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ يعني الخطيب يوم الجمعة ﴿فَصَلَّى﴾ أي: صلاة الجمعة، فهذه الآية تشمل كلَّ الصلوات التي يسبقها ذِكْر، وما من صلاةٍ إلا ويسبقها ذِكْرٌ في الغالب. نعم، قد يصلِّي الإنسانُ صلاةً قد توضأ فيها من قبل، لكن الغالب أنَّ الإنسان يتوضأ قُبيل الصلاة فيذكر اسمَ الله ثم يصلي.
* * *
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد، فهذا هو المجلس الثامن والخمسون من اللقاء المفتوح، والذي ابتدأناه بعد انتهاء موسم الحج في يوم الخميس الثاني والعشرين من شهر ذي الحجة عام أربعة عشر وأربع مئة وألف، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يختم عامَنا بالخير والعفو والمغفرة.
بقي علينا من التفسير في سورة الأعلى قول الله تبارك و تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى ٩ - ١٩].
بقي من قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾، هذه الجملة جملة فعليَّة مؤكَّدة بـ(قَدْ) ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾، والفلاح كلمةٌ عامَّة يُراد بها النجاةُ من المكروه والفوزُ بالمحبوب.
وقوله: ﴿مَنْ تَزَكَّى﴾ أي: مَن تطهَّر ظاهرُه وباطنُه؛ فتطهَّر باطنُه من الشرك بالله عز وجل، ومن الشك، ومن النفاق، ومن العداوة للمسلمين والبغضاء، وغير ذلك مما يجب أن يتطهَّر القلب منه، وتطهَّر ظاهرُه من إطلاق لسانه وجوارحه في العدوان على عباد الله عز وجل؛ فلا يغتاب أحدًا، ولا ينمُّ عن أحد، ولا يسبُّ أحدًا، ولا يعتدي على أحدٍ بضربٍ أو جَحْدِ مالٍ أو غير ذلك، فالتزكِّي كلمة عامَّة تشمل التطهُّرَ من كلِّ درنٍ ظاهرٍ أو باطنٍ.
﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾، ﴿ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ أي: ذكر اللَّهَ، ولكنَّه ذكر سبحانه وتعالى الاسمَ من أجْل أن يكون الذِّكر باللسان؛ لأنَّ الذِّكر باللسان ينطق اللسان فيه باسم الله؛ فيقول مثلًا: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، فيذكر اسم الله.
وقد ذكر بعض العلماء أنَّ المراد بذِكر اسم الله هنا خطبةُ الجمعة؛ لقوله بعد ذلك: ﴿فَصَلَّى﴾، ولكن الصحيح أنها أعمُّ من هذا وأنَّ المراد به كلُّ ذِكْرِ اسمِ الله عز وجل؛ أي: كلَّما ذَكَر الإنسانُ اسمَ الله اتَّعظَ وأقبلَ إلى الله وصلَّى، والصلاة معروفة؛ هي عبادةٌ ذاتُ أقوالٍ وأفعالٍ مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم.
الأعلى 87:15
وقد سبق الكلام على قوله تعالى ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى ١٤، ١٥]، وبيَّنَّا أنَّ المراد بقوله: ﴿تَزَكَّى﴾ أي: في نفسه؛ أي: زكَّاها وأخرجها من رِجْس الشرك إلى زكاة التوحيد.
ويأتي إن شاء الله بقيَّة الكلام على السورة من أجْل أن نُفسح المجال للإخوة.
* * *
أمَّا بعدُ فهذا هو اللقاء الثالث والخمسون من اللقاء المسمَّى بلقاء الباب المفتوح، وهو اللقاء الرابع باعتبار شهر شوال عام أربعة عشر وأربع مئةٍ وألف، ونتكلم يسيرًا على ما تبقى من سورة الأعلى، وهو قوله تبارك وتعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى ١٤، ١٥].
﴿أَفْلَحَ﴾ مأخوذٌ من الفَلَاح، والفَلَاح كلمةٌ جامعةٌ، وهو الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب، هذا هو معنى الفَلَاح، فهي كلمةٌ جامعةٌ لكلِّ خيرٍ، دافعةٌ لكلِّ شر.
وقوله: ﴿مَنْ تَزَكَّى﴾ مأخوذ من التزكية وهي التطهير، ومنه سُمِّيت الزكاة زكاةً لأنها تُطَهِّر الإنسانَ من أخلاق الرذيلة، أخلاق البخل؛ كما قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة ١٠٣]، إذَنْ ﴿تَزَكَّى﴾ يعني تطهَّر.
ومن أيِّ شيءٍ تزكَّى؟
يتزكَّى أولًا من الشرك بالنسبة لمعاملة الله، فيعبد اللَّهَ مخلصًا له الدين لا يُرائي ولا يسمِّع، ولا يطلب جاهًا ولا رئاسةً فيما يتعبَّد به لله عز وجل، وإنما يريد بهذا وجهَ الله والدارَ الآخرة.
تزكَّى في اتِّباع الرسول عليه الصلاة والسلام؛ بحيث لا يبتدع في شريعته لا بقليل ولا كثير، لا في الاعتقاد، ولا في الأقوال، ولا في الأفعال.
وهذا -أعني التزكِّي بالنسبة للرسول عليه الصلاة والسلام، وهو اتِّباعٌ من غير ابتداع- لا ينطبق تمامًا إلا على الطريقة السلفية؛ طريقة أهل السُّنة والجماعة الذين يؤمنون بكلِّ ما وَصَف الله به نفسَه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، على الطريقة السلفية الذين لا يبتدعون في العبادات القولية ولا في العبادات الفعلية شيئًا في دين الله، تجدهم يتَّبعون ما جاء به الشرع، خلافًا لِمَا يصنعه بعض المبتدِعة في الأذكار المبتدَعة؛ إمَّا في نوعها، وإمَّا في كيفيَّتها وصِفَتها، وإمَّا في أدائها؛ كما يفعله بعض أصحاب الطُّرُق من الصوفية وغيرهم.
كذلك يتزكَّى بالنسبة لمعاملة الخلْق بحيث يطهِّر قلبَه من الغِلِّ والحقد على إخوانه المسلمين، فتجده دائمًا طاهرَ القلب، يحبُّ لإخوانه ما يحبُّ لنفسه، لا يرضى لأحدٍ أن يمسَّه سوءٌ، بل يودُّ أنَّ جميع الناس سالمون من كلِّ شر، موفَّقون لكلِّ خير.
فصارت التزكية لها ثلاثة متعلقات: الأول في حق الله، والثاني في حق الرسول، والثالث في حق عامَّة الناس.
في حق الله: يتزكَّى من الشرك، فيعبد الله تعالى مخلصًا له الدين.
في حق الرسول: يتزكَّى من الابتداع، فيعبد الله على مقتضى شريعة النبي ﷺ في العقيدة والقول والعمل.
في معاملة الناس: يتزكَّى من الغِلِّ والحقدِ والعداوةِ والبغضاءِ وكلِّ ما يجلب ذلك، كل ما يجلب العداوةَ والبغضاءَ بين المسلمين يتجنَّبه، ويفعل كلَّ ما فيه المودَّة والمحبَّة، ومن ذلك إفشاء السلام الذي قال فيه الرسول ﷺ: «وَاللَّهِ لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ»[[أخرج مسلم (٥٤ / ٩٣)، وأبو داود (٥١٩٣) واللفظ له، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنَّة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا، أفلا أدلُّكم على أمرٍ إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم».]]. فالسلام من أقوى الأسباب التي تجلب المحبَّة والمودَّة بين المسلمين، وهذا شيءٌ مشاهَدٌ؛ لو مرَّ بك رجلٌ ولم يسلِّم عليك صار في نفسك شيء، وإذا لم تسلِّم عليه أنت صار في نفسه شيء، لكن لو سلَّمتَ عليه أو سلَّمَ عليك صار هذا كالرِّباط بينكما يوجب المودَّة والمحبَّة، وقد قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام في السلام: «وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٢)، ومسلم (٣٩ / ٦٣)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.]].
وأكثر الناس اليوم إذا سلَّم يسلِّم على مَن يعرف، وأمَّا مَن لا يعرفه فلا يسلِّم عليه، وهذا غلط؛ لأنَّك إذا سلَّمتَ على مَن تعرف لم يكن السلام خالصًا لله، سلِّم على مَن عرفتَ ومَن لم تعرف من المسلمين حتى تنال بذلك محبَّة المسلمين بعضهم من بعضٍ وتمامَ الإيمان، والنهاية دخول الجنة، جعلنا الله وإيَّاكم من أهلها.وقوله: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى ١٥] يعني: ذكر اسمَ الله تعالى بالتعبُّد له فصلَّى، ويدخل في ذِكْر اسم الله الوضوءُ مثلًا، فالوضوء من ذِكْر اسم الله؛ أولًا: لأنَّ الإنسان لا يتوضأ إلا امتثالًا لأمر الله، وثانيًا: أنَّه إذا ابتدأ وضوءَه قال: باسم الله، وإذا انتهى قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهمَّ اجعلني من التوَّابين واجعلني من المتطهِّرين.
ومِن ذِكْر الله عز وجل خطبة الجمعة؛ فإنَّ خطبة الجمعة مِن ذِكْر الله لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة ٩]، وعلى هذا فقوله: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ يعني الخطيب يوم الجمعة ﴿فَصَلَّى﴾ أي: صلاة الجمعة، فهذه الآية تشمل كلَّ الصلوات التي يسبقها ذِكْر، وما من صلاةٍ إلا ويسبقها ذِكْرٌ في الغالب. نعم، قد يصلِّي الإنسانُ صلاةً قد توضأ فيها من قبل، لكن الغالب أنَّ الإنسان يتوضأ قُبيل الصلاة فيذكر اسمَ الله ثم يصلي.
* * *
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد، فهذا هو المجلس الثامن والخمسون من اللقاء المفتوح، والذي ابتدأناه بعد انتهاء موسم الحج في يوم الخميس الثاني والعشرين من شهر ذي الحجة عام أربعة عشر وأربع مئة وألف، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يختم عامَنا بالخير والعفو والمغفرة.
بقي علينا من التفسير في سورة الأعلى قول الله تبارك و تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى ٩ - ١٩].
بقي من قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾، هذه الجملة جملة فعليَّة مؤكَّدة بـ(قَدْ) ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾، والفلاح كلمةٌ عامَّة يُراد بها النجاةُ من المكروه والفوزُ بالمحبوب.
وقوله: ﴿مَنْ تَزَكَّى﴾ أي: مَن تطهَّر ظاهرُه وباطنُه؛ فتطهَّر باطنُه من الشرك بالله عز وجل، ومن الشك، ومن النفاق، ومن العداوة للمسلمين والبغضاء، وغير ذلك مما يجب أن يتطهَّر القلب منه، وتطهَّر ظاهرُه من إطلاق لسانه وجوارحه في العدوان على عباد الله عز وجل؛ فلا يغتاب أحدًا، ولا ينمُّ عن أحد، ولا يسبُّ أحدًا، ولا يعتدي على أحدٍ بضربٍ أو جَحْدِ مالٍ أو غير ذلك، فالتزكِّي كلمة عامَّة تشمل التطهُّرَ من كلِّ درنٍ ظاهرٍ أو باطنٍ.
﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾، ﴿ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ أي: ذكر اللَّهَ، ولكنَّه ذكر سبحانه وتعالى الاسمَ من أجْل أن يكون الذِّكر باللسان؛ لأنَّ الذِّكر باللسان ينطق اللسان فيه باسم الله؛ فيقول مثلًا: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، فيذكر اسم الله.
وقد ذكر بعض العلماء أنَّ المراد بذِكر اسم الله هنا خطبةُ الجمعة؛ لقوله بعد ذلك: ﴿فَصَلَّى﴾، ولكن الصحيح أنها أعمُّ من هذا وأنَّ المراد به كلُّ ذِكْرِ اسمِ الله عز وجل؛ أي: كلَّما ذَكَر الإنسانُ اسمَ الله اتَّعظَ وأقبلَ إلى الله وصلَّى، والصلاة معروفة؛ هي عبادةٌ ذاتُ أقوالٍ وأفعالٍ مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم.
الأعلى 87:16
ثم قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى ١٦، ١٧] ﴿بَلْ﴾ هنا للإضراب الانتقالي. لأنَّ (بل) تأتي للإضراب الإبطالي، وتأتي للإضراب الانتقالي؛ أي إنَّه سبحانه وتعالى انتقل ليبيِّن حالَ الإنسان أنَّه مُؤْثِرٌ للحياة الدنيا لأنها عاجلة، والإنسان خُلِق من عَجَل ويحبُّ ما فيه العجلة، فتجده يُؤْثِر الحياة الدنيا، وهي في الحقيقة على وصْفها دُنيا؛ دُنيا زمنًا، ودُنيا وصفًا؛ أمَّا كونُها دُنيا زمنًا فلأنها سابقةٌ على الآخرة فهي متقدِّمةٌ عليها، والدُّنُوُّ بمعنى القُرب، وأمَّا كونُها دُنيا ناقصة، فكذلك هو الواقع، فإنَّ الدنيا مهما طالت بالإنسان فإنَّ أَمَدَها الفناء، فإنَّ منتهاها الفناء، ومهما ازدهرتْ للإنسان فإن عاقبتها الذبول، ولهذا لا يكاد يمرُّ بك يومٌ في سرورٍ إلا وعقبه حزن، وفي هذا يقول الشاعر:
فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا ∗∗∗ وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرّْ
تأمَّلْ حالَك في الدنيا تجدْ أنَّه لا يمرُّ بك وقتٌ ويكون الصفو فيه دائمًا بل لا بدَّ من كَدَر، ولا يكون السرور دائمًا بل لا بدَّ من حزن، ولا تكون راحةٌ دائمًا بل لا بدَّ من تعب، فالدنيا على اسمها دُنيا.
﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ الآخرة خيرٌ من الدنيا وأبقى، خيرٌ؛ فيها من النعيم والسرور الدائم الذي لا يُنَغَّص بكَدَر؛ ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر ٤٨]، كذلك أيضًا هي أبقى من الدنيا؛ لأنَّ بقاء الدنيا -كما أسلفْنا- قليلٌ زائلٌ مضمحِلٌّ، بخلاف بقاء الآخرة فإنَّه أبد الآبدين.
الأعلى 87:17
ثم قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى ١٦، ١٧] ﴿بَلْ﴾ هنا للإضراب الانتقالي. لأنَّ (بل) تأتي للإضراب الإبطالي، وتأتي للإضراب الانتقالي؛ أي إنَّه سبحانه وتعالى انتقل ليبيِّن حالَ الإنسان أنَّه مُؤْثِرٌ للحياة الدنيا لأنها عاجلة، والإنسان خُلِق من عَجَل ويحبُّ ما فيه العجلة، فتجده يُؤْثِر الحياة الدنيا، وهي في الحقيقة على وصْفها دُنيا؛ دُنيا زمنًا، ودُنيا وصفًا؛ أمَّا كونُها دُنيا زمنًا فلأنها سابقةٌ على الآخرة فهي متقدِّمةٌ عليها، والدُّنُوُّ بمعنى القُرب، وأمَّا كونُها دُنيا ناقصة، فكذلك هو الواقع، فإنَّ الدنيا مهما طالت بالإنسان فإنَّ أَمَدَها الفناء، فإنَّ منتهاها الفناء، ومهما ازدهرتْ للإنسان فإن عاقبتها الذبول، ولهذا لا يكاد يمرُّ بك يومٌ في سرورٍ إلا وعقبه حزن، وفي هذا يقول الشاعر:
فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا ∗∗∗ وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرّْ
تأمَّلْ حالَك في الدنيا تجدْ أنَّه لا يمرُّ بك وقتٌ ويكون الصفو فيه دائمًا بل لا بدَّ من كَدَر، ولا يكون السرور دائمًا بل لا بدَّ من حزن، ولا تكون راحةٌ دائمًا بل لا بدَّ من تعب، فالدنيا على اسمها دُنيا.
﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ الآخرة خيرٌ من الدنيا وأبقى، خيرٌ؛ فيها من النعيم والسرور الدائم الذي لا يُنَغَّص بكَدَر؛ ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر ٤٨]، كذلك أيضًا هي أبقى من الدنيا؛ لأنَّ بقاء الدنيا -كما أسلفْنا- قليلٌ زائلٌ مضمحِلٌّ، بخلاف بقاء الآخرة فإنَّه أبد الآبدين.
الأعلى 87:18
﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى: ١٨، ١٩].
﴿إِنَّ هَذَا﴾ أي: ما ذُكِر من كون الإنسان يُؤْثر الحياة الدنيا على الآخرة وينسى الآخرة، وكذلك ما تضمَّنته الآيات من المواعظ ﴿فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ أي: السابقة على هذه الأُمَّة.
﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ وهي صُحُفٌ جاء بها إبراهيم وموسى عليهما الصلاة والسلام، وفيها من المواعظ ما تلين به القلوبُ وتَصلح به الأحوال.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا و إيَّاكم ممن أُوتي في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً ووقاه الله عذابَ النار.
الأعلى 87:19
﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى: ١٨، ١٩].
﴿إِنَّ هَذَا﴾ أي: ما ذُكِر من كون الإنسان يُؤْثر الحياة الدنيا على الآخرة وينسى الآخرة، وكذلك ما تضمَّنته الآيات من المواعظ ﴿فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ أي: السابقة على هذه الأُمَّة.
﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ وهي صُحُفٌ جاء بها إبراهيم وموسى عليهما الصلاة والسلام، وفيها من المواعظ ما تلين به القلوبُ وتَصلح به الأحوال.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا و إيَّاكم ممن أُوتي في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً ووقاه الله عذابَ النار.