Tafsir Ibn Uthaymeen — الغاشية 88:1 – التين 95:8
المحتويات
- الغاشية 88:1
- الغاشية 88:2
- الغاشية 88:3
- الغاشية 88:4
- الغاشية 88:5
- الغاشية 88:6
- الغاشية 88:7
- الغاشية 88:8
- الغاشية 88:9
- الغاشية 88:10
- الغاشية 88:11
- الغاشية 88:12
- الغاشية 88:13
- الغاشية 88:14
- الغاشية 88:15
- الغاشية 88:16
- الغاشية 88:17
- الغاشية 88:18
- الغاشية 88:19
- الغاشية 88:20
- الغاشية 88:21
- الغاشية 88:22
- الغاشية 88:23
- الغاشية 88:24
- الغاشية 88:25
- الغاشية 88:26
- الفجر 89:1
- الفجر 89:2
- الفجر 89:3
- الفجر 89:4
- الفجر 89:6
- الفجر 89:7
- الفجر 89:8
- الفجر 89:9
- الفجر 89:10
- الفجر 89:11
- الفجر 89:12
- الفجر 89:13
- الفجر 89:14
- الفجر 89:15
- الفجر 89:16
- الفجر 89:17
- الفجر 89:18
- الفجر 89:19
- الفجر 89:20
- الفجر 89:21
- الفجر 89:22
- الفجر 89:23
- الفجر 89:24
- الفجر 89:25
- الفجر 89:26
- الفجر 89:27
- الفجر 89:28
- الفجر 89:29
- الفجر 89:30
- البلد 90:1
- البلد 90:2
- البلد 90:3
- البلد 90:4
- البلد 90:5
- البلد 90:6
- البلد 90:7
- البلد 90:8
- البلد 90:9
- البلد 90:10
- البلد 90:11
- البلد 90:12
- البلد 90:13
- البلد 90:14
- البلد 90:15
- البلد 90:16
- البلد 90:17
- البلد 90:18
- البلد 90:19
- البلد 90:20
- الشمس 91:1
- الشمس 91:2
- الشمس 91:3
- الشمس 91:4
- الشمس 91:5
- الشمس 91:6
- الشمس 91:7
- الشمس 91:8
- الشمس 91:9
- الشمس 91:10
- الشمس 91:11
- الشمس 91:12
- الشمس 91:13
- الشمس 91:14
- الشمس 91:15
- الليل 92:1
- الليل 92:2
- الليل 92:3
- الليل 92:4
- الليل 92:5
- الليل 92:6
- الليل 92:7
- الليل 92:8
- الليل 92:9
- الليل 92:10
- الليل 92:11
- الليل 92:12
- الليل 92:13
- الليل 92:14
- الليل 92:15
- الليل 92:16
- الليل 92:17
- الليل 92:18
- الليل 92:19
- الليل 92:20
- الليل 92:21
- الشرح 94:4
- الشرح 94:5
- الشرح 94:6
- الشرح 94:7
- الشرح 94:8
- التين 95:1
- التين 95:2
- التين 95:3
- التين 95:4
- التين 95:5
- التين 95:6
- التين 95:7
- التين 95:8
الغاشية 88:1
نبدأ هذا المجلس بتفسير سورة الغاشية، يقول الله عز وجل: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية ١]، والبسملة آيةٌ من كتاب الله مستقلَّة، ليستْ من السورة التي قبلها ولا من السورة التي بعدها، بل هي آيةٌ مستقلَّة، ولهذا كان القول الراجح أنها ليست من الفاتحة، وأنَّ أول الفاتحة هو ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وهلُمَّ جرًّا.
يقول الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ الخِطاب إمَّا للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإمَّا لكلِّ مَن يصحُّ خطابُه، وهذا يأتي في القرآن كثيرًا؛ يوجِّه الله الخطابَ ويكون للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو لكلِّ مَن يتأتَّى خطابُه ويصحُّ خطابُه، إلا أنَّه أحيانًا يتعيَّن أن يكون للرسول عليه الصلاة والسلام؛ مثل ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١] هذا لا يمكن أن يكون إلا للرسول عليه الصلاة والسلام، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧] هذا لا يمكن أن يكون إلا للرسول ﷺ.
وأحيانًا يترجَّح العموم؛ مثل ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق ١]، فهذا أول الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام، وآخره ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ عامٌّ.
فقوله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ يجوز أن يكون الخطاب موجَّهًا للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وحده وأُمَّتُه تَبَعٌ له، ويجوز أن يكون عامًّا لكلِّ مَن يتأتَّى خطابهم.
والاستفهام هنا للتشويق، فهو كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف ١٠]، ويجوز أن يكون للتعظيم؛ لعِظَم هذا الحديث عن الغاشية.
﴿حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ أي: نَبَؤُها، فالغاشية هي الداهية العظيمة التي تَغْشى الناسَ، وهي يوم القيامة التي تحدَّث الله عنها في القرآن كثيرًا ووَصَفها بأوصافٍ عظيمة؛ مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج ١، ٢].
الغاشية 88:2
ثم قَسَّم الله سبحانه وتعالى الناسَ في هذا اليوم إلى قِسمين فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ [الغاشية ٢، ٣]، ﴿خَاشِعَةٌ﴾ أي: ذليلة؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى ٤٥]، فمعنى ﴿خَاشِعَةٌ﴾ يعني ذليلة.
الغاشية 88:3
﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣] عاملةٌ عملًا يكون به النَّصَب، وهو التعب.
قال العلماء: وذلك أنَّهم يُكلَّفون يوم القيامة بجرِّ السلاسل والأغلال والخوضِ في نار جهنم -والعياذ بالله- كما يخوض الرجُل في الوحل، فهي عاملةٌ تَعِبةٌ من العمل الذي تُكَلَّف به يوم القيامة؛ لأنه عملُ عذابٍ وعقابٍ -نسأل الله العافية- وليس كما قال بعض الناس: إن المراد بها الكفار الذين ضلَّ سعيُهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صُنعًا. وذلك لأنَّ الله قيَّد هذا بقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أي: يومَ إذْ تأتي الغاشية، وهذا لا يكون إلا يوم القيامة، إذَنْ فهي ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ بما تُكَلَّف به من جرِّ السلاسل والأغلال والخوضِ في نار جهنم، أعاذنا الله وإيَّاكم منها.
الغاشية 88:4
﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية: ٤] أي: تُدخَل في نارِ جهنَّم -والعياذ بالله- النار الحامية التي بلغتْ من حموها أنها فضِّلتْ على نار الدنيا بتسعةٍ وستين جزءًا؛ يعني نار الدنيا كلُّها بما فيها من أشدِّ ما يكون من حرارةٍ، نارُ جهنم أشدُّ منها بتسعةٍ وستين جزءًا.
ويدلُّك على شدَّة حرارتها أنَّ هذه الشمس حرارتها تَصِل إلينا مع بُعد ما بيننا وبينها، ومع أنها تنفذ من خلال أجواءٍ باردةٍ غاية البرودة تَصِل إلينا هذه الحرارة التي تُدركونها، ولا سيَّما في أيام الصيف، فالنار -أعاذنا الله وإيَّاكم منها- نارٌ حاميةٌ.
الغاشية 88:5
﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٥، ٦] لَمَّا بيَّن مكانَهم -والعياذ بالله- وأنهم في نار جهنم الحامية، بيَّن طعامَهم وشرابَهم فقال: ﴿تُسْقَى﴾ أي: هذه الوجوه ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أي: شديدة الحرارة، هذا بالنسبة لشرابهم، ومع هذا لا يأتي هذا الشراب بكلِّ سهولةٍ أو كلَّما عطشوا سُقُوا، لا، إنما يُؤتَون كلَّما اشتدَّ عطشُهم -والعياذ بالله- واستغاثوا كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ [الكهف ٢٩]، هذا الماء إذا قَرُبَ من وُجوههم شواها وتساقط لحمُها، وإذا دخل في أجوافهم يقول عز وجل: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد ١٥]، إذَنْ لا يستفيدون منه لا ظاهرًا ولا باطنًا؛ لا ظاهرًا بالبرودة يُبَرِّد الوجوه، ولا باطنًا بالرِّيِّ، ولكنهم -والعياذ بالله- يُغاثون بهذا الماء، ولهذا قال: ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾.
فإذا قال قائل: كيف تكون هذه العين في نار جهنم والعادةُ أنَّ الماء يُطفئ النار؟ أليس كذلك؟
فالجواب: إنَّ أُمور الآخرة لا تُقاس بأُمور الدنيا، لو أنها قِيستْ بأمور الدنيا ما استطعنا أن نتصوَّر كيف يكون؛ أليست الشمس تدنو يوم القيامة من رؤوس الناس على قدر مِيلٍ! والميل إمَّا مِيل المكحلة وهو نصف الإصبع، أو مِيل المسافة؛ كيلو وثُلث أو نحو ذلك، وحتى لو كان كذلك فإنَّه لو كانت الآخرة كالدنيا لَشوت الناسَ شيًّا، لكن الآخرة لا تقاس بالدنيا.
أيضًا يُحشَر الناس يوم القيامة في مكانٍ واحدٍ، منهم مَن هو في ظُلمةٍ شديدةٍ، ومنهم مَن هو في نورٍ؛ ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [التحريم ٨]، يُحشَرون في مكانٍ واحدٍ ويعرقون؛ منهم مَن يَصِل العرق إلى كعبيه، ومنهم مَن يَصِل إلى رُكبتيه، ومنهم مَن يَصِل إلى حقويه، ومع ذلك هم في مكانٍ واحد، إذَنْ أحوال الآخرة لا يجوز أن تُقاس بأحوال الدنيا.
فلو قال قائل: كيف يكون الماء في النار؟
قلنا: أولًا: أحوال الآخرة لا تُقاس بأحوال الدنيا.
ثانيًا: إنَّ الله على كلِّ شيءٍ قدير. ها نحن الآن نجد أنَّ الشجر الأخضر تُوقَد منه النار كما قال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس ٨٠] الشجر الأخضر رطب، ومع ذلك إذا ضُرِب بعضُه ببعض أو ضُرِب بالزند انقدح، خرج منه نارٌ حارَّة يابسة وهو رطبٌ بارد، فالله على كلِّ شيءٍ قدير، فهُم يُسقَون من عينٍ آنيةٍ في النار، ولا يتنافى ذلك مع قدرة الله عز وجل.
الغاشية 88:6
أمَّا طعامُهم فقال: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية ٦، ٧].
(الضريع) قالوا: إنَّه شجرٌ ذو شوكٍ عظيمٍ إذا يَبِس لا يرعاه ولا البهائم، وإن كان أخضر رَعَتْه الإبل، ويُسَمَّى عندنا الشبرق، هذا الضريع؛ هو شجرٌ ذو شوك، إذا يَبِس لا يُرعى لأنه شوك، وإذا كان أخضر ترعاه الإبل. هم -والعياذ بالله- في نار جهنم ليس لهم طعامٌ إلا من هذا الضريع، ولكن لا تظنوا أنَّ الضريع الذي في نار جهنم كالضريع الذي في الدنيا، يختلف عنه اختلافًا عظيمًا، ولهذا قال: ﴿لَا يُسْمِنُ﴾ فلا ينفع الأبدانَ في ظاهرها ﴿وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ فلا ينفعها في باطنها، فهو لا خير فيه، ليس فيه إلا الشوك، والتجرُّع العظيم، والمرارة، والرائحة المنتنة التي لا يستفيدون منها شيئًا.
الغاشية 88:7
أمَّا طعامُهم فقال: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية ٦، ٧].
(الضريع) قالوا: إنَّه شجرٌ ذو شوكٍ عظيمٍ إذا يَبِس لا يرعاه ولا البهائم، وإن كان أخضر رَعَتْه الإبل، ويُسَمَّى عندنا الشبرق، هذا الضريع؛ هو شجرٌ ذو شوك، إذا يَبِس لا يُرعى لأنه شوك، وإذا كان أخضر ترعاه الإبل. هم -والعياذ بالله- في نار جهنم ليس لهم طعامٌ إلا من هذا الضريع، ولكن لا تظنوا أنَّ الضريع الذي في نار جهنم كالضريع الذي في الدنيا، يختلف عنه اختلافًا عظيمًا، ولهذا قال: ﴿لَا يُسْمِنُ﴾ فلا ينفع الأبدانَ في ظاهرها ﴿وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ فلا ينفعها في باطنها، فهو لا خير فيه، ليس فيه إلا الشوك، والتجرُّع العظيم، والمرارة، والرائحة المنتنة التي لا يستفيدون منها شيئًا.
الغاشية 88:8
ثم ذكر الله عز وجل القِسم الثاني من أقسام الناس في يوم الغاشية فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ﴾ [الغاشية ٨] إلى آخره، وسنذكرها -إن شاء الله- في الجلسة القادمة.
نسأل الله تعالى أن يُعيذنا وإيَّاكم من النار، وأن يرزقنا وإيَّاكم دار القرار، إنَّه على كلِّ شيءٍ قدير.
* * *
(...) أمَّا بعدُ، فهذا هو لقاء الباب المفتوح الموفي للستين لقاءً من ابتدائه، وهو اللقاء الثاني من شهر المحرم عام خمسة عشر وأربع مئةٍ وألف، وهو اليوم السابع من الشهر.
في هذا اللقاء نتكلم على قول الله تبارك وتعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (١٠) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾ [الغاشية ٨ - ١١] إلى آخر الآيات.
قسَّم الله سبحانه وتعالى الناسَ يوم القيامة إلى قِسمين:
القِسم الأول: وجوهٌ عاملةٌ خاشعةٌ ناصبةٌ، وسبق الكلامُ على ذلك.
القِسم الثاني: وجوهٌ ناعمةٌ؛ أي: ناعمةٌ بما أعطاها الله عز وجل من السرور والثواب الجزيل؛ لأنها عَلِمت ذلك وهي في قبورها؛ فإنَّ الإنسان في قبره يُنَعَّم، يُفتَح له بابٌ إلى الجنة فيأتيه من رَوحها ونعيمها، فهي ناعمة.
الغاشية 88:9
﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٩] أي: لعملها الذي عَمِلتْه في الدنيا راضية؛ لأنها وصلتْ به إلى هذا النعيم وهذا السرور وهذا الفرح، فهي راضيةٌ لسَعْيها، بخلاف الوجوه الأولى فإنها غاضبةٌ -والعياذ بالله- غيرُ راضيةٍ على ما قدَّمت.
الغاشية 88:10
﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ [الغاشية: ١٠] الجنَّة هي دار النعيم التي أعدَّها الله عز وجل لأوليائه يوم القيامة، فيها ما لا عينٌ رأتْ، ولا أُذنٌ سمعتْ، ولا خَطَر على قلب بَشَر؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]، وقال الله تبارك وتعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون ١ - ١١]، وقال الله تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف ٧١]، فهُم في جنَّةٍ عالية، العلوُّ ضدُّ السُّفول، فهي فوق السماوات السبع، ومن المعلوم أنَّه في يوم القيامة تزول السماوات السبع والأرضون ولا يبقى إلا الجنة والنار، فهي عالية، وأعلاها ووسطها الفردوس الذي فوقه عرش الربِّ جل وعلا.
الغاشية 88:11
﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١] أي: لا تَسمع في هذه الجنة قولةً لاغيةً أو نفْسًا لاغيةً، بل كلُّ ما فيها جِدٌّ، كلُّ ما فيها سلامٌ، كلُّ ما فيها تسبيح، تحميد، تهليل، تكبير؛ يُلهَمون التسبيحَ كما يُلهَمون النَّفَس؛ أي إنَّه لا يشقُّ عليهم ولا يتأثَّرون به، فهُم دائمًا في ذِكر الله عز وجل وتسبيحٍ وأُنسٍ وسرورٍ، يأتي بعضهم إلى بعضٍ، يزور بعضهم بعضًا، في حبورٍ لا نظير له، نسأل الله أن يجعلنا وإيَّاكم من أهلها.
الغاشية 88:12
﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ [الغاشية: ١٢] وهذه العين بيَّن الله عز وجل أنَّها أنهار؛ ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد ١٥].
﴿جَارِيَةٌ﴾ أي: تجري حيث أراد أهلُها؛ لا تحتاج إلى حَفْر ساقيةٍ ولا إقامةِ أُخدود؛ كما قال ابن القيم رحمه الله:
أَنْهَارُهَا فِي غَيْرِ أُخْدُودٍ جَرَتْ ∗∗∗ سُبْحَانَ مُمْسِكِهَا عَنِ الْفَيَضَانِ
الغاشية 88:13
﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: ١٣ - ١٦]، انظر للتقابل:
﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ عاليةٌ، يجلسون عليها يتفكَّهون؛ ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس ٥٦].
﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ الأكواب جمع كوب، وهو الكأس ونحوه. ﴿مَوْضُوعَةٌ﴾ يعني: ليست مرفوعةً عنهم، بل هي موضوعةٌ لهم متى شاؤوا شربوا فيها من هذه الأنهار الأربعة التي سبق ذكرها.
﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ النمارق جمع نُمرقة، وهي الوسادة أو ما يُتَّكأ عليه، مصفوفةٌ على أحسن وجهٍ، تلتذُّ العينُ بها قبل أن يلتذَّ البدنُ بالاتِّكاء إليها.
﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ الزرابيُّ أعلى أنواع الفُرُش. ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ منشورةٌ في كلِّ مكانٍ، ولا تظنُّوا أنَّ هذه النمارق وهذه الأكواب وهذه السُّرُر وهذه الزرابيُّ، لا تظنُّوا أنها تُشبه ما في الدنيا؛ لأنها لو كانت تُشبه ما في الدنيا لَكُنَّا نعلم نعيم الآخرة ونعلم حقيقته، لكنَّها لا تُشبهه؛ لقول الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]، إنما الأسماء واحدة والحقائق مختلفة، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: «ليس في الآخرة مما في الدنيا إلا الأسماء فقط»[[أخرجه هنَّاد في الزهد (٣)، والبيهقي في البعث والنشور (٣٣٢).]]. فنحن لا نعلم حقيقة هذه النِّعم المذكورة في الجنة وإن كُنَّا نشاهد ما يوافقها في الاسم في الدنيا، لكن هناك فرق بين هذا وهذا.
الغاشية 88:14
﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: ١٣ - ١٦]، انظر للتقابل:
﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ عاليةٌ، يجلسون عليها يتفكَّهون؛ ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس ٥٦].
﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ الأكواب جمع كوب، وهو الكأس ونحوه. ﴿مَوْضُوعَةٌ﴾ يعني: ليست مرفوعةً عنهم، بل هي موضوعةٌ لهم متى شاؤوا شربوا فيها من هذه الأنهار الأربعة التي سبق ذكرها.
﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ النمارق جمع نُمرقة، وهي الوسادة أو ما يُتَّكأ عليه، مصفوفةٌ على أحسن وجهٍ، تلتذُّ العينُ بها قبل أن يلتذَّ البدنُ بالاتِّكاء إليها.
﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ الزرابيُّ أعلى أنواع الفُرُش. ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ منشورةٌ في كلِّ مكانٍ، ولا تظنُّوا أنَّ هذه النمارق وهذه الأكواب وهذه السُّرُر وهذه الزرابيُّ، لا تظنُّوا أنها تُشبه ما في الدنيا؛ لأنها لو كانت تُشبه ما في الدنيا لَكُنَّا نعلم نعيم الآخرة ونعلم حقيقته، لكنَّها لا تُشبهه؛ لقول الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]، إنما الأسماء واحدة والحقائق مختلفة، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: «ليس في الآخرة مما في الدنيا إلا الأسماء فقط»[[أخرجه هنَّاد في الزهد (٣)، والبيهقي في البعث والنشور (٣٣٢).]]. فنحن لا نعلم حقيقة هذه النِّعم المذكورة في الجنة وإن كُنَّا نشاهد ما يوافقها في الاسم في الدنيا، لكن هناك فرق بين هذا وهذا.
الغاشية 88:15
﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: ١٣ - ١٦]، انظر للتقابل:
﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ عاليةٌ، يجلسون عليها يتفكَّهون؛ ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس ٥٦].
﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ الأكواب جمع كوب، وهو الكأس ونحوه. ﴿مَوْضُوعَةٌ﴾ يعني: ليست مرفوعةً عنهم، بل هي موضوعةٌ لهم متى شاؤوا شربوا فيها من هذه الأنهار الأربعة التي سبق ذكرها.
﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ النمارق جمع نُمرقة، وهي الوسادة أو ما يُتَّكأ عليه، مصفوفةٌ على أحسن وجهٍ، تلتذُّ العينُ بها قبل أن يلتذَّ البدنُ بالاتِّكاء إليها.
﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ الزرابيُّ أعلى أنواع الفُرُش. ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ منشورةٌ في كلِّ مكانٍ، ولا تظنُّوا أنَّ هذه النمارق وهذه الأكواب وهذه السُّرُر وهذه الزرابيُّ، لا تظنُّوا أنها تُشبه ما في الدنيا؛ لأنها لو كانت تُشبه ما في الدنيا لَكُنَّا نعلم نعيم الآخرة ونعلم حقيقته، لكنَّها لا تُشبهه؛ لقول الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]، إنما الأسماء واحدة والحقائق مختلفة، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: «ليس في الآخرة مما في الدنيا إلا الأسماء فقط»[[أخرجه هنَّاد في الزهد (٣)، والبيهقي في البعث والنشور (٣٣٢).]]. فنحن لا نعلم حقيقة هذه النِّعم المذكورة في الجنة وإن كُنَّا نشاهد ما يوافقها في الاسم في الدنيا، لكن هناك فرق بين هذا وهذا.
الغاشية 88:16
﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: ١٣ - ١٦]، انظر للتقابل:
﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ عاليةٌ، يجلسون عليها يتفكَّهون؛ ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس ٥٦].
﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ الأكواب جمع كوب، وهو الكأس ونحوه. ﴿مَوْضُوعَةٌ﴾ يعني: ليست مرفوعةً عنهم، بل هي موضوعةٌ لهم متى شاؤوا شربوا فيها من هذه الأنهار الأربعة التي سبق ذكرها.
﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ النمارق جمع نُمرقة، وهي الوسادة أو ما يُتَّكأ عليه، مصفوفةٌ على أحسن وجهٍ، تلتذُّ العينُ بها قبل أن يلتذَّ البدنُ بالاتِّكاء إليها.
﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ الزرابيُّ أعلى أنواع الفُرُش. ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ منشورةٌ في كلِّ مكانٍ، ولا تظنُّوا أنَّ هذه النمارق وهذه الأكواب وهذه السُّرُر وهذه الزرابيُّ، لا تظنُّوا أنها تُشبه ما في الدنيا؛ لأنها لو كانت تُشبه ما في الدنيا لَكُنَّا نعلم نعيم الآخرة ونعلم حقيقته، لكنَّها لا تُشبهه؛ لقول الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]، إنما الأسماء واحدة والحقائق مختلفة، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: «ليس في الآخرة مما في الدنيا إلا الأسماء فقط»[[أخرجه هنَّاد في الزهد (٣)، والبيهقي في البعث والنشور (٣٣٢).]]. فنحن لا نعلم حقيقة هذه النِّعم المذكورة في الجنة وإن كُنَّا نشاهد ما يوافقها في الاسم في الدنيا، لكن هناك فرق بين هذا وهذا.
الغاشية 88:17
ثم قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية ١٧] ويكون -إن شاء الله- الكلامُ عليه في لقاءٍ مُقبل.
* * *
(...) والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله خاتم النبيين وإمام المتقين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد، فهذا هو المجلس الحادي والستون من المجالس المعبَّر عنها بـ(لقاء الباب المفتوح) والتي تتمُّ كلَّ خميسٍ من كلِّ أسبوع، وهذا هو اليوم الرابع عشر من شهر المحرم عام خمسة عشر وأربع مئةٍ وألف، نبدؤه كالعادة بما تيسَّر من تفسير كلام الله عز وجل، وقد انتهينا في الدرس الماضي إلى قول الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية ١٧].
لَمَّا قرَّر الله عز وجل في هذه السورة حديث الغاشية، وهي يوم القيامة، وبيَّن أنَّ الناس ينقسمون إلى قِسمين: وجوهٌ خاشعةٌ عاملةٌ ناصبةٌ تَصْلَى نارًا حاميةً، ووجوهٌ ناعمةٌ لِسَعْيها راضيةٌ، وبيَّن جزاء هؤلاء وهؤلاء، قال: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾، وهذا الاستفهام للتوبيخ؛ أي إنَّ الله يوبِّخ هؤلاء الذين أنكروا ما أخبر الله به عن يوم القيامة وعن الثواب والعقاب، أَنكر عليهم إعراضَهم عن النظر في آيات الله تعالى التي بين أيديهم، وبدأ بالإبل؛ لأنَّ أكثر ما يُلابس الناس في ذلك الوقت الإبل، فهُم يركبونها، ويحلبونها، ويأكلون لحمها، وينتفعون من أوبارها، إلى غير ذلك من المنافع، فقال: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ﴾ وهي الأباعر.
﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ يعني: كيف خلقها الله عز وجل بهذا الجسم الكبير المتحمِّل؛ تجد البعير تمشي المسافات الطويلة التي لا يبلغها الإنسان إلا بشِقِّ الأنفس وهي متحمِّلة، وتجد البعيرَ أيضًا يحمل الأثقالَ وهو باركٌ ثم يقوم في حِمله لا يحتاج إلى مساعدة، والعادة أنَّ الحيوان لا يكاد يقوم إذا حُمِّل وهو باركٌ، لكن هذه الإبل أعطاها الله عز وجل قوةً وقدرةً من أجل مصلحة الإنسان؛ لأنَّ الإنسان لا يمكن أن يحمل عليها وهي قائمةٌ لطولها، ولكن الله تعالى يسَّر له الحمل عليها وهي باركةٌ ثم تقوم بحِملها، وكما قال الله تعالى في سورة يس: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ [يس ٧٣]، منافعها كثيرةٌ لا تُحصَى، وأهلُها الذين يمارسونها أعلم منَّا بذلك، فلهذا قال: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾، ولم يَذكر سِواها من الحيوان كالغنم والبقر والظباء وغيرها؛ لأنها -كما قلت لكم- هي أعمُّ الحيوانات نفعًا وأكثرُها مصلحةً للعباد.
الغاشية 88:18
﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ [الغاشية: ١٨] يعني: وينظرون إلى السماء كيف رُفِعتْ بما فيها من النجوم والشمس والقمر وغير هذا من الآيات العظيمة التي لم يتبيَّن كثيرٌ منها إلَّا الآن، ولا نقول: إنَّ هذه الآيات السماوية هي كلُّ الآيات. بل لعلَّ هناك آياتٍ كبيرةً عظيمةً لا نُدركها حتى الآن.
وقوله: ﴿كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ أي: رُفِعَت هذا الارتفاع العظيم، ومع هذا فليس لها عَمَدٌ، مع أنَّ العادة أنَّ السقوف لا تكون إلا على عَمَدٍ، لكن هذا السقف العظيم المحفوظ قام على غير عمدٍ؛ ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد ٢].
الغاشية 88:19
﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ [الغاشية: ١٩] هذه الجبال العظيمة التي تحمل الصخور والقِطَع المتجاورات المتباينات، الجبال مكوَّنة من أحجارٍ كثيرةٍ وأنواعٍ كثيرةٍ فيها المعادنُ المتنوعة وهي متجاورة، ومع ذلك تجد مثلًا هذا الخطَّ في وسط الصخر تجده يشتمل على معادن لا توجد فيما قَرُب منه من هذا الصخر، ويَعرف هذا أهلُ الجيولوجيا كيف نَصَب الله هذه الجبالَ العظيمةَ، ونصبها جل وعلا بهذا الارتفاع لتكون رواسي في الأرض لئلَّا تميد بالناس، لولا أنَّ الله عز وجل خلق هذه الجبالَ لَمادت الأرضُ بأهلها؛ لأنَّ الأرض في وسط الماء، الماء محيطٌ بها من كلِّ جانب، وما ظنُّك بكُرةٍ تجعلها في وسط الماء؟ سوف تتحرَّك وتضطربُ وتتدحرجُ أحيانًا وتنقلب أحيانًا، لكن الله جعل هذه الجبال رواسي تُمسك الأرضَ كما تُمسك الأطنابُ الخيمةَ، وهي راسية ثابتة على ما يحصل من الأرض من الأعاصير العظيمة التي تهدم البنايات التي بناها الآدميُّون، لكن هذه الجبال لا تتزحزح، راسية ولو جاءت الأعاصير العظيمة، بل إنَّ مِن فوائدها أنها تحجب الأعاصير العظيمة البالغة التي تنطلق من البحار أو من غير البحار لئلَّا تعصف بالناس، وهذا شيءٌ مُشاهَد؛ تجد الذين في سُفوح الجبال وتحتها في الأرض تجده في مأمنٍ من أعاصير الرياح العظيمة التي تأتي من خلف الجبل، فهي فيها فوائد عظيمة، وهي رواسٍ؛ لو أنَّ الخلق اجتمعوا على أن يضعوا سلسلةً مثل هذه السلسلة من الجبال ما استطاعوا إلى هذا سبيلًا، مهما بلغتْ صناعتُهم وقوَّتُهم وقدرتُهم وطال أَمَدُهم فإنهم لا يستطيعون أن يأتوا بمثل هذه الجبال.
وقد قال بعض العلماء: إنَّ هذه الجبال راسيةٌ في الأرض بمقدار علوِّها في السماء؛ يعني مثلًا أنَّ الجبل له جرثومةٌ وجذرٌ في داخل الأرض في عُمقٍ يساوي ارتفاعَه في السماء، وليس هذا ببعيدٍ أن يُمَكِّن الله لهذا الجبل في الأرض حتى يكون بقَدْر ما هو في السماء لئلَّا تُزعزعه الرياح، فلهذا يقول عز وجل: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل ١٥، ١٦].
الغاشية 88:20
يقول عز وجل: ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية ١٩، ٢٠] كيف سَطَح الله هذه الأرضَ الواسعةَ وجَعَلها سطحًا واسعًا ليتمكن الناسُ من العيش فيه بالزراعة والبناء وغير هذا، فما ظنُّكم لو كانت الأرضُ صَبَبًا غير مُسَطَّحة؛ يعني مثل الجبال يُرقَى لها ويُصعَد؟ لَكانت شاقَّةً ولَمَا استقرَّ الناسُ عليها، لكنَّ الله عز وجل جَعَلها سطحًا ممهَّدًا للخلق.
وقد استدلَّ بعضُ العلماء بهذه الآية على أنَّ الأرض ليست كُرَويَّةً بلْ سطحٌ ممتدٌّ، لكن هذا الاستدلال فيه نظر؛ لأنَّ هناك آياتٍ تدلُّ على أنَّ الأرض كُرَويَّة، والواقع شاهدٌ بذلك؛ فيقول الله عز وجل: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر ٥]، والتكوير: التدوير، ومعلومٌ أنَّ الليل والنهار يتعاقبانِ على الأرض، فإذا كانَا مُكَوَّرينِ لَزِم أن تكون الأرض مُكَوَّرة؛ وقال الله تبارك وتعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق ١ - ٤]، فقال: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾، وقد جاء في الحديث أنها يوم القيامة تُمَدُّ مَدَّ الأديم -أي: مَدَّ الجلدِ- حتى لا يكون فيها جبالٌ ولا أوديةٌ ولا أشجارٌ ولا بناءٌ، يَذَرُها الربُّ عز وجل قاعًا صفصفًا لا ترى فيها عِوَجًا ولا أَمْتًا[[أخرجه عبد الرزاق في التفسير (٣٥٤٩) من حديث علي بن الحسين.]]، فقوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ متى تنشقُّ السماء؟ كلُّنا يعرف أنها لا تنشقُّ إلا يوم القيامة وأنها الآن غير منشقَّة، إذَنْ قوله: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ يعني يومَ القيامة، فهي إذَن الآن غير ممدودة، إذَنْ فما هي؟ هي مُكَوَّرة.
والواقع المحسوس المتيقَّن الآن أنها كُرويَّةٌ لا شك، والدليل على هذا أنَّك لو سِرتَ بخطٍّ مستقيمٍ من هنا من المملكة متَّجِهًا غربًا لَأتيت من ناحية الشرق، ولا تجد شيئًا (...)، تدور على الأرض ثم تأتي إلى النقطة التي انطلقتَ منها، وكذلك بالعكس؛ لو سِرتَ متَّجِهًا نحو المشرق وجدتَك راجعًا إلى النقطة التي قُمتَ منها من نحو المغرب، إذَنْ فهي الآن أمرٌ لا شكَّ فيه أنها كُرويَّة.
فإذا قال إنسان: إذا كانت كما زعمْتَ كُرويَّةً كيف تَثْبت مياهُ البحار عليها وهي كُرويَّة؟
نقول في الجواب عن ذلك: الذي أمسكَ السماءَ أن تقع على الأرض إلا بإذنه يُمسك البحارَ أن تفيض على الناس فتغرقهم، والله على كلِّ شيءٍ قدير.
قال بعض أهل العلم: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير ٦] أي: حُبِستْ ومُنِعتْ من أن تفيض على الناس، كالشيء الذي يُسجَر؛ يُربَط.
وعلى كلِّ حالٍ القدرة الإلهية لا يمكن لنا أن نُعارِض فيها، نقول: قدرة الله عز وجل أمسكتْ هذه البحار أن تفيض على أهل الأرض فتغرقهم وإنْ كانت الأرضُ كُرويَّة.
الغاشية 88:21
ثم قال عز وجل لَمَّا بيَّن من آياته هذه الآيات الأربع: الإبل، والسماء، والجبال، والأرض، قال لنبيِّه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿فَذَكِّرْ﴾ [الغاشية ٢١] أَمَره الله أن يُذَكِّر، ولم يُخَصِّص أحدًا بالتذكير؛ أي: لم يقُل: ذَكِّرْ فلانًا وفلانًا، فالتذكير عامٌّ؛ لأنَّ الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بُعِث إلى الناس كافَّة؛ ذَكِّرْ كلَّ أحدٍ في كلِّ حالٍ وفي كلِّ مكانٍ، فذَكَّرَ النبيُّ عليه الصلاة والسلام، وذَكَّرَ خلفاؤه مِن بعده الذين خَلَفوه في أُمَّته في العلم والعمل والدعوة، ذَكَّروا، ولكنْ هذه الذِّكرى هل ينتفع بها كلُّ الناس؟
الجواب: لا، ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات ٥٥]، أمَّا غير المؤمن فإنَّ الذِّكرى تُقيم عليه الحُجَّة لكن لا تنفعه، لا تنفع الذِّكرى إلا المؤمن، ونقول: إذا رأيتَ قلبَك لا يتذكَّر بالذِّكرى فاتَّهِمْه بأيش؟ بعدم الإيمان؛ لأنَّ الله يقول: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فإذا ذُكِّرتَ ولم تجد من قلبك تأثُّرًا وانتفاعًا فاتَّهِمْ نفسَك واعلمْ أنَّ فيك نَقْصَ إيمانٍ؛ لأنَّه لو كان إيمانُك كاملًا لانتفعتَ بالذِّكرى، لا بدَّ أن تنفع المؤمن.
﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية ٢١] يعني أنَّ محمدًا عليه الصلاة والسلام ليس إلا مُذَكِّرًا مُبَلِّغًا، وأمَّا الهداية فبيَدِ مَن؟ بيَدِ الله؛ ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة ٢٧٢]، وقد قام صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالذِّكرى والتذكير إلى آخِر رَمَقٍ في حياته، حتى إنَّه في آخِر حياته يقول: «الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ»[[أخرجه ابن ماجه (١٦٢٥) من حديث أم سلمة.]]، حتى جعل يغرغر بها عليه الصلاة والسلام، فذَكَّرَ صلوات الله وسلامه عليه منذ بُعِث وقيل له: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر ٢] إلى أن توفَّاه الله، لم يألُ جهدًا في التذكير في كلِّ موضع في كلِّ زمان على ما أصابه من الأذى من قومه ومن غير قومه، والذي قرأ منكم التاريخ؛ السيرة النبوية، يعرف ما جرى له من أهل مكة، من قومه الذين هم أقربُ الناسِ إليه، والذين كانوا يعرفونه، ويسمُّونه بالأمين يُلقِّبونه بذلك ويثقون به، حتى حكَّموه في وضْع الحجر الأسود في الكعبة؛ حينما هدموا الكعبة ووصلوا إلى حدِّ الحجر قالوا: مَن ينصب الحجر؟ فتنازعوا بينهم، كلُّ قبيلةٍ تقول: نحن الذين نتولَّى وضْعَ الحجر في مكانه، حتى جاء النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم وحكَّموه فيما بينهم، وأَمَر أن يوضَع رداءٌ وأن يمسك كلُّ واحدٍ من هذه القبائل بطرفٍ من هذا الرداء حتى يرفعوه، فإذا حاذَوْا محلَّه أَخَذه هو بيده الكريمة ونَصَبه في مكانه[[أخرجه أبو داود الطيالسي (١١٥)، والبيهقي في السنن (٩٢٠٨) والدلائل (٤١٥)، من حديث علي بن أبي طالب.]]، فكانوا يسمُّونه الأمين، لكنْ لَمَّا أكرمه الله تعالى بالنبوة انقلبت المعايير فصاروا يقولون: إنَّه ساحرٌ، وكاهنٌ، وشاعرٌ، ومجنونٌ، وكذَّابٌ، ورَمَوه بكلِّ سبٍّ، فالرسول عليه الصلاة والسلام يُذَكِّر، وليس عليه إلا التذكير.
ومن هنا نأخذ أنَّنا نحن لا يجب علينا أن نهدي الخلْق، ولا يمكننا أن نهدي الخلق أبدًا، لا يمكن أن نهدي أقربَ الناسِ إلينا؛ ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص ٥٦]، فلا نجزع إذا ذكَّرْنا إنسانًا ووجدناه يعاند أو يخاصم أو يقول: ما عليك منه، أو: أنا بأعمل ما شئتُ، أو ما أشبه ذلك؛ قال الله تعالى لنبيِّه: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٣] لا تُهلك نفسَك إذا لم يؤمنوا، إيمانهم لهم وكُفرهم ليس عليك، ولهذا قال: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية ٢٢] يعني: ليس لك سُلطة عليهم ولا سيطرة عليهم، لِمَن السُّلطة والسيطرة؟ لله ربِّ العالمين، أنت عليك البلاغ بَلِّغْ، عليك أن يعمل الناس بذلك؟ لا، هذا إلى الله عز وجل، والسلطان والسيطرة لله.
الغاشية 88:22
ثم قال عز وجل لَمَّا بيَّن من آياته هذه الآيات الأربع: الإبل، والسماء، والجبال، والأرض، قال لنبيِّه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿فَذَكِّرْ﴾ [الغاشية ٢١] أَمَره الله أن يُذَكِّر، ولم يُخَصِّص أحدًا بالتذكير؛ أي: لم يقُل: ذَكِّرْ فلانًا وفلانًا، فالتذكير عامٌّ؛ لأنَّ الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بُعِث إلى الناس كافَّة؛ ذَكِّرْ كلَّ أحدٍ في كلِّ حالٍ وفي كلِّ مكانٍ، فذَكَّرَ النبيُّ عليه الصلاة والسلام، وذَكَّرَ خلفاؤه مِن بعده الذين خَلَفوه في أُمَّته في العلم والعمل والدعوة، ذَكَّروا، ولكنْ هذه الذِّكرى هل ينتفع بها كلُّ الناس؟
الجواب: لا، ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات ٥٥]، أمَّا غير المؤمن فإنَّ الذِّكرى تُقيم عليه الحُجَّة لكن لا تنفعه، لا تنفع الذِّكرى إلا المؤمن، ونقول: إذا رأيتَ قلبَك لا يتذكَّر بالذِّكرى فاتَّهِمْه بأيش؟ بعدم الإيمان؛ لأنَّ الله يقول: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فإذا ذُكِّرتَ ولم تجد من قلبك تأثُّرًا وانتفاعًا فاتَّهِمْ نفسَك واعلمْ أنَّ فيك نَقْصَ إيمانٍ؛ لأنَّه لو كان إيمانُك كاملًا لانتفعتَ بالذِّكرى، لا بدَّ أن تنفع المؤمن.
﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية ٢١] يعني أنَّ محمدًا عليه الصلاة والسلام ليس إلا مُذَكِّرًا مُبَلِّغًا، وأمَّا الهداية فبيَدِ مَن؟ بيَدِ الله؛ ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة ٢٧٢]، وقد قام صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالذِّكرى والتذكير إلى آخِر رَمَقٍ في حياته، حتى إنَّه في آخِر حياته يقول: «الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ»[[أخرجه ابن ماجه (١٦٢٥) من حديث أم سلمة.]]، حتى جعل يغرغر بها عليه الصلاة والسلام، فذَكَّرَ صلوات الله وسلامه عليه منذ بُعِث وقيل له: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر ٢] إلى أن توفَّاه الله، لم يألُ جهدًا في التذكير في كلِّ موضع في كلِّ زمان على ما أصابه من الأذى من قومه ومن غير قومه، والذي قرأ منكم التاريخ؛ السيرة النبوية، يعرف ما جرى له من أهل مكة، من قومه الذين هم أقربُ الناسِ إليه، والذين كانوا يعرفونه، ويسمُّونه بالأمين يُلقِّبونه بذلك ويثقون به، حتى حكَّموه في وضْع الحجر الأسود في الكعبة؛ حينما هدموا الكعبة ووصلوا إلى حدِّ الحجر قالوا: مَن ينصب الحجر؟ فتنازعوا بينهم، كلُّ قبيلةٍ تقول: نحن الذين نتولَّى وضْعَ الحجر في مكانه، حتى جاء النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم وحكَّموه فيما بينهم، وأَمَر أن يوضَع رداءٌ وأن يمسك كلُّ واحدٍ من هذه القبائل بطرفٍ من هذا الرداء حتى يرفعوه، فإذا حاذَوْا محلَّه أَخَذه هو بيده الكريمة ونَصَبه في مكانه[[أخرجه أبو داود الطيالسي (١١٥)، والبيهقي في السنن (٩٢٠٨) والدلائل (٤١٥)، من حديث علي بن أبي طالب.]]، فكانوا يسمُّونه الأمين، لكنْ لَمَّا أكرمه الله تعالى بالنبوة انقلبت المعايير فصاروا يقولون: إنَّه ساحرٌ، وكاهنٌ، وشاعرٌ، ومجنونٌ، وكذَّابٌ، ورَمَوه بكلِّ سبٍّ، فالرسول عليه الصلاة والسلام يُذَكِّر، وليس عليه إلا التذكير.
ومن هنا نأخذ أنَّنا نحن لا يجب علينا أن نهدي الخلْق، ولا يمكننا أن نهدي الخلق أبدًا، لا يمكن أن نهدي أقربَ الناسِ إلينا؛ ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص ٥٦]، فلا نجزع إذا ذكَّرْنا إنسانًا ووجدناه يعاند أو يخاصم أو يقول: ما عليك منه، أو: أنا بأعمل ما شئتُ، أو ما أشبه ذلك؛ قال الله تعالى لنبيِّه: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٣] لا تُهلك نفسَك إذا لم يؤمنوا، إيمانهم لهم وكُفرهم ليس عليك، ولهذا قال: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية ٢٢] يعني: ليس لك سُلطة عليهم ولا سيطرة عليهم، لِمَن السُّلطة والسيطرة؟ لله ربِّ العالمين، أنت عليك البلاغ بَلِّغْ، عليك أن يعمل الناس بذلك؟ لا، هذا إلى الله عز وجل، والسلطان والسيطرة لله.
الغاشية 88:23
﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾ [الغاشية: ٢٣، ٢٤] قال العلماء: ﴿إِلَّا﴾ هنا بمعنى (لكنْ)؛ يعني أنَّ الاستثناء في الآية منقطعٌ وليس بمتَّصل، والفرق بين المتصل والمنقطع أنَّ المتصل يكون فيه المستثنى من جنس المستثنى منه، والمنقطع يكون أجنبيًّا منه؛ فمثلًا لو قلنا: إنَّه متَّصلٌ، لَصار معنى الآية: لستَ عليهم بمسيطرٍ إلا مَن تولَّى وكَفَر فأنت عليهم مسيطرٌ. وليس الأمر كذلك، بل المعنى: لكنْ مَن تولَّى وكفر بعد أن ذكَّرتَه فيعذِّبه الله العذابَ الأكبر. فمَن تولَّى وكَفَر بعد أن بلغه الوحيُ النازلُ على رسول الله ﷺ فإنَّه سيُعذَّب؛ ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾.
التولِّي يعني الإعراض، فلا يتَّجه للحقِّ، ولا يقبل الحقَّ، ولا يسمع الحقَّ، حتى لو سمعه بأُذُنه لم يسمعه بقلبه كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢٠، ٢١] أي: لا ينقادون.
فهنا يقول عز وجل: ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾؛ ﴿تَوَلَّى﴾ أعرضَ، ﴿كَفَرَ﴾ أي: استكبر ولم يَقبل ما جاء به الرسولُ عليه الصلاة والسلام.
﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾ يعني يوم القيامة؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ [السجدة ٢١]، والعذاب الأكبر يوم القيامة، وهنا قال: ﴿الْأَكْبَرَ﴾، ولم يذكر المفضَّل عليه؛ يعني لم يَقُل: الأكبر من كذا، فهو قد بلغ الغايةَ في الكِبَر والمشقَّة والإهانة، والعياذ بالله، كلُّ مَن تولَّى وكفر فإنَّ الله يعذِّبه العذابَ الأكبر.
هل هناك عذابٌ أصغر؟
نقول: نعم، فيه عذاب أصغر في الدنيا؛ قد يُبتلى المتولِّي المعرِض بأمراضٍ في بدنه، في عقله، في أهله، في ماله، في مجتمعه، وكلُّ هذا بالنسبة لعذاب النار عذابٌ أصغر، لكن العذاب الأكبر إنما يكون يوم القيامة، ولهذا قال بعدها:
الغاشية 88:24
﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾ [الغاشية: ٢٣، ٢٤] قال العلماء: ﴿إِلَّا﴾ هنا بمعنى (لكنْ)؛ يعني أنَّ الاستثناء في الآية منقطعٌ وليس بمتَّصل، والفرق بين المتصل والمنقطع أنَّ المتصل يكون فيه المستثنى من جنس المستثنى منه، والمنقطع يكون أجنبيًّا منه؛ فمثلًا لو قلنا: إنَّه متَّصلٌ، لَصار معنى الآية: لستَ عليهم بمسيطرٍ إلا مَن تولَّى وكَفَر فأنت عليهم مسيطرٌ. وليس الأمر كذلك، بل المعنى: لكنْ مَن تولَّى وكفر بعد أن ذكَّرتَه فيعذِّبه الله العذابَ الأكبر. فمَن تولَّى وكَفَر بعد أن بلغه الوحيُ النازلُ على رسول الله ﷺ فإنَّه سيُعذَّب؛ ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾.
التولِّي يعني الإعراض، فلا يتَّجه للحقِّ، ولا يقبل الحقَّ، ولا يسمع الحقَّ، حتى لو سمعه بأُذُنه لم يسمعه بقلبه كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢٠، ٢١] أي: لا ينقادون.
فهنا يقول عز وجل: ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾؛ ﴿تَوَلَّى﴾ أعرضَ، ﴿كَفَرَ﴾ أي: استكبر ولم يَقبل ما جاء به الرسولُ عليه الصلاة والسلام.
﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾ يعني يوم القيامة؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ [السجدة ٢١]، والعذاب الأكبر يوم القيامة، وهنا قال: ﴿الْأَكْبَرَ﴾، ولم يذكر المفضَّل عليه؛ يعني لم يَقُل: الأكبر من كذا، فهو قد بلغ الغايةَ في الكِبَر والمشقَّة والإهانة، والعياذ بالله، كلُّ مَن تولَّى وكفر فإنَّ الله يعذِّبه العذابَ الأكبر.
هل هناك عذابٌ أصغر؟
نقول: نعم، فيه عذاب أصغر في الدنيا؛ قد يُبتلى المتولِّي المعرِض بأمراضٍ في بدنه، في عقله، في أهله، في ماله، في مجتمعه، وكلُّ هذا بالنسبة لعذاب النار عذابٌ أصغر، لكن العذاب الأكبر إنما يكون يوم القيامة، ولهذا قال بعدها:
الغاشية 88:25
﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥، ٢٦].
﴿إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ أي: مرجعُهم، فالرجوع إلى الله، مهما فرَّ الإنسانُ فإنَّه راجعٌ إلى ربِّه عز وجل، لو طالتْ به الحياة، راجعٌ إلى الله، ولهذا قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق ٦]، استعدَّ يا أخي لهذه الملاقاة؛ لأنَّك سوف تُلاقي ربَّك، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ» مباشرةً بدون مترجم، يكلمه الله يوم القيامة «فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ» - يعني على اليسار- «فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ»[[أخرجه البخاري (٦٥٣٩) من حديث عدي بن حاتم.]]. كلُّنا سيخلو به ربُّه عز وجل يوم القيامة يقرِّره بذنوبه؛ يقول: فعلتَ كذا في يوم كذا، حتى يُقِرَّ ويعترف، فإذا أقرَّ واعترفَ قال الله تعالى: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٨٦ / ٥٢)، من حديث عبد الله بن عمر.]]. وكم من ذنوبٍ سَتَرها الله عز وجل، كم من ذنوبٍ اقترفناها لم يعلم بها أحد، ولكنَّ الله تعالى عَلِم بها. موقفنا من هذه الذنوب أن نستغفر الله عز وجل، أن نُكثر من الأعمال الصالحة المكفِّرة للسيئات؛ حتى نلقى الله عز وجل ونحن على ما يُرضيه سبحانه وتعالى.
﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ نحاسبهم، قال العلماء: وكيفية الحساب ليس مناقشةً يُناقَش الإنسان؛ لأنَّه لو يُناقَش هلك، لو يناقشك الله عز وجل (...) الحساب هلكتَ.
افرضْ ناقشك في نعمةٍ من النعم كالبصر، لا يمكن أن تجد أيَّ شيءٍ تعمله يُقابل نعمةَ البصر. نعمة النَّفَس؛ النَّفَس الذي يخرج ويدخل بدون أيِّ مشقَّة وبدون أيِّ عناء، فالإنسان يتكلم وينام ويأكل ويشرب، ومع ذلك لا يحسُّ بالنَّفَس ولا يعرف قَدْر النَّفَس إلا إذا أُصيبَ بما يمنع النَّفَس، فحينئذٍ يذكر نعمة الله، لكن ما دام في عافية فهو شيء طبيعي، لكن لو أنَّه أُصيبَ بكتم النَّفَس لَعرف قَدْر النعمة، فلو نُوقِشَ لَهلك؛ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لعائشة: «مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ» أو قال: «عُذِّبَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٣٦)، ومسلم (٢٨٧٦ / ٧٩)، من حديث عائشة.]].
لكن كيفية الحساب؛ أمَّا المؤمن فإنَّ الله تعالى يخلو به بنفسه ليس عندهما أحدٌ، ويقرِّره بذنوبه: فعلتَ كذا، فعلتَ كذا، فعلتَ كذا. حتى إذا أقرَّ بها قال الله تعالى: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ».
أمَّا الكفار فلا يُحاسَبون هذا الحسابَ؛ لأنَّه ما لهم حسناتٌ تمحو سيئاتهم، لكنَّها تُحصى عليهم أعمالُهم ويُقَرَّرون بها أمام العالَم ويُخزَون بها، ويُنادَى على رؤوس الأشهاد ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود ١٨][[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٨٦ / ٥٢)، من حديث عبد الله بن عمر.]]، نعوذ بالله من الخذلان.
وبهذا ينتهي الكلام على هذه السورة العظيمة، وهي إحدى السورتين اللتين كان النبي ﷺ يقرأ بهما في المجامع الكبيرة؛ فقد كان يقرأ في صلاتي العيدين (سبِّح اسمَ ربك الأعلى) و(هل أتاك حديث الغاشية)، وكذلك في صلاة الجمعة، ويقرأ أحيانًا في العيدين (ق والقرآن المجيد) و(اقتربت الساعة وانشقَّ القمر)، وفي الجمعةِ سورةَ الجمعة والمنافقين، ينوِّع مرَّةً هذا ومرَّةً هذا.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإيَّاكم ممن تكون وجوههم ناعمة لسعيها راضية، وأن يتولَّانا بعنايته في الدنيا والآخرة، إنَّه على كلِّ شيءٍ قدير.
الغاشية 88:26
﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥، ٢٦].
﴿إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ أي: مرجعُهم، فالرجوع إلى الله، مهما فرَّ الإنسانُ فإنَّه راجعٌ إلى ربِّه عز وجل، لو طالتْ به الحياة، راجعٌ إلى الله، ولهذا قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق ٦]، استعدَّ يا أخي لهذه الملاقاة؛ لأنَّك سوف تُلاقي ربَّك، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ» مباشرةً بدون مترجم، يكلمه الله يوم القيامة «فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ» - يعني على اليسار- «فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ»[[أخرجه البخاري (٦٥٣٩) من حديث عدي بن حاتم.]]. كلُّنا سيخلو به ربُّه عز وجل يوم القيامة يقرِّره بذنوبه؛ يقول: فعلتَ كذا في يوم كذا، حتى يُقِرَّ ويعترف، فإذا أقرَّ واعترفَ قال الله تعالى: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٨٦ / ٥٢)، من حديث عبد الله بن عمر.]]. وكم من ذنوبٍ سَتَرها الله عز وجل، كم من ذنوبٍ اقترفناها لم يعلم بها أحد، ولكنَّ الله تعالى عَلِم بها. موقفنا من هذه الذنوب أن نستغفر الله عز وجل، أن نُكثر من الأعمال الصالحة المكفِّرة للسيئات؛ حتى نلقى الله عز وجل ونحن على ما يُرضيه سبحانه وتعالى.
﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ نحاسبهم، قال العلماء: وكيفية الحساب ليس مناقشةً يُناقَش الإنسان؛ لأنَّه لو يُناقَش هلك، لو يناقشك الله عز وجل (...) الحساب هلكتَ.
افرضْ ناقشك في نعمةٍ من النعم كالبصر، لا يمكن أن تجد أيَّ شيءٍ تعمله يُقابل نعمةَ البصر. نعمة النَّفَس؛ النَّفَس الذي يخرج ويدخل بدون أيِّ مشقَّة وبدون أيِّ عناء، فالإنسان يتكلم وينام ويأكل ويشرب، ومع ذلك لا يحسُّ بالنَّفَس ولا يعرف قَدْر النَّفَس إلا إذا أُصيبَ بما يمنع النَّفَس، فحينئذٍ يذكر نعمة الله، لكن ما دام في عافية فهو شيء طبيعي، لكن لو أنَّه أُصيبَ بكتم النَّفَس لَعرف قَدْر النعمة، فلو نُوقِشَ لَهلك؛ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لعائشة: «مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ» أو قال: «عُذِّبَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٣٦)، ومسلم (٢٨٧٦ / ٧٩)، من حديث عائشة.]].
لكن كيفية الحساب؛ أمَّا المؤمن فإنَّ الله تعالى يخلو به بنفسه ليس عندهما أحدٌ، ويقرِّره بذنوبه: فعلتَ كذا، فعلتَ كذا، فعلتَ كذا. حتى إذا أقرَّ بها قال الله تعالى: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ».
أمَّا الكفار فلا يُحاسَبون هذا الحسابَ؛ لأنَّه ما لهم حسناتٌ تمحو سيئاتهم، لكنَّها تُحصى عليهم أعمالُهم ويُقَرَّرون بها أمام العالَم ويُخزَون بها، ويُنادَى على رؤوس الأشهاد ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود ١٨][[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٨٦ / ٥٢)، من حديث عبد الله بن عمر.]]، نعوذ بالله من الخذلان.
وبهذا ينتهي الكلام على هذه السورة العظيمة، وهي إحدى السورتين اللتين كان النبي ﷺ يقرأ بهما في المجامع الكبيرة؛ فقد كان يقرأ في صلاتي العيدين (سبِّح اسمَ ربك الأعلى) و(هل أتاك حديث الغاشية)، وكذلك في صلاة الجمعة، ويقرأ أحيانًا في العيدين (ق والقرآن المجيد) و(اقتربت الساعة وانشقَّ القمر)، وفي الجمعةِ سورةَ الجمعة والمنافقين، ينوِّع مرَّةً هذا ومرَّةً هذا.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإيَّاكم ممن تكون وجوههم ناعمة لسعيها راضية، وأن يتولَّانا بعنايته في الدنيا والآخرة، إنَّه على كلِّ شيءٍ قدير.
الفجر 89:1
وكان من عادتنا أن نتكلم بما يسَّر الله سبحانه وتعالى من تفسير القرآن الكريم الذي ابتدأناه بسورة النبأ، وقد انتهينا إلى سورة الفجر، فنقول-وبالله نقول-: قال الله سبحانه وتعالى : ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ [الفجر ١ - ٤] كل هذه إقسامات بـ﴿الْفَجْرِ﴾ و﴿لَيَالٍ عَشْرٍ﴾ و﴿الشَّفْعِ﴾ و﴿الْوَتْرِ﴾ و﴿اللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾، خمسة أشياء أقسم الله تعالى بها:
الأول: ﴿الْفَجْرِ﴾ والفجر هو النور الساطع الذي يكون في الأُفُق الشرقي قربَ طلوع الشمس، وبينه وبين طلوع الشمس ما بين ساعة واثنتين وثلاثين دقيقة إلى ساعة وسبع عشرة دقيقة، ويختلف باختلاف الفصول؛ يعني أحيانًا تطول الحصَّة ما بين الفجر وطلوع الشمس وأحيانًا تقصُر؛ حسب الفصول.
والفجر فجرانِ: فجرٌ صادقٌ، وفجرٌ كاذبٌ، والمقصود بالفجر هنا الفجرُ الصادقُ، والفرق بين الفجر الصادق والكاذب من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: الفجر الكاذب يكون مستطيلًا في السماء، ليس عرضًا ولكنه طولًا، وأمَّا الفجر الصادق فيكون عرضًا؛ يمتدُّ من الشمال إلى الجنوب.
الفرق الثاني: أن الفجر الصادق لا ظُلْمة بعده، بل يزداد الضياء حتى تطلع الشمس، وأمَّا الفجر الكاذب فإنه يكون بعده ظُلْمة، يحدث بعده ظُلْمة بعد أن يكون هذا الضياء، ولهذا سُمِّي كاذبًا لأنه يضمحلُّ ويزول.
والفرق الثالث: أن الفجر الصادق متصل بالأُفُق، أمَّا الفجر الكاذب فبينه وبين الأُفُق ظُلْمة.
هذه ثلاث فروقٍ آفاقية حِسِّيَّة يعرفها الناس إذا كانوا في البر، أمَّا في المدن فلا يعرفون ذلك؛ لأن الأنوار تحجب هذه العلامات.
وأَقْسَمَ الله بالفجر لأنه ابتداء النهار، وهو في الحقيقة انتقالٌ من ظُلْمةٍ دامسةٍ إلى فجرٍ ساطعٍ، وأقسمَ الله به لأنه لا يقدر على الإتيان بهذا الفجر إلا الله عز وجل؛ كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص ٧١].
وأَقْسَمَ الله بالفجر لأنه يترتَّب عليه أحكامٌ شرعيةٌ مثل إمساك الصائم؛ فإنه إذا طَلَعَ الفجرُ وَجَبَ على الصائم أن يُمسِك إذا كان صومه فرضًا أو نفلًا إذا أراد أن يتمَّ صومه، ويترتَّب عليه أيضًا دخولُ وقت صلاة الفجر، وهما حُكمانِ شرعيَّانِ عظيمانِ، أهمُّهما دخول وقت الصلاة؛ أي إنه يجب أن نراعي الفجر من أجْل دخول وقت الصلاة أكثر مما نراعيه من أجْل الإمساك في حال الصوم، لماذا؟ لأننا في الإمساك عن المفطرات في الصيام لو فرضنا أنَّنا أخطأنا فإنَّنا بنينا على أصل وهو بقاء الليل، لكن في الصلاة لو أخطأنا وصلينا قبل الفجر لم نكن بنينا على أصل؛ لأن الأصل بقاءُ الليل وعدمُ دخول وقت الصلاة، ولهذا لو أن الإنسان صلى الفجرَ قبل دخول وقت الصلاة بدقيقة واحدة فصلاتُه نَفْلٌ ولا تَبْرأ بها ذِمَّته، ومِن ثَمَّ ندعوكم أيُّها الإخوة إلى ملاحظة هذه المسألة -أعني العناية بدخول وقت صلاة الفجر- لأن كثيرًا من المؤذِّنين يؤذِّنون قبل الفجر، وهذا غلط؛ لأن الأذان قبل الوقت ليس بمشروع؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٢٨)، ومسلم (٦٧٤ / ٢٩٢)، من حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه.]].
ومتى يكون حضور الصلاة؟ أسألكم.
* طلبة: بدخول الوقت.
* الشيخ: إذا دخل وقتُها، فلو أذَّن الإنسانُ قبل دخول وقت الصلاة فأذانُه غير صحيح، يجب عليه الإعادة، والعناية بدخول الفجر مهمة جدًّا من أجل مراعاة وقت الصلاة.
الفجر 89:2
وقوله تعالى: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ قيل: المراد بالليالي العشر عشرُ ذي الحجة، وأُطلِقَ على الأيام ليالٍ لأن اللغة العربية واسعة؛ قد تُطلق الليالي ويُراد بها الأيام، والأيامُ ويُراد بها الليالي. وقيل: المراد بالليالي العشر ليالي العشر الأخيرة من رمضان.
أمَّا على الأول -الذين يقولون: المراد بالليالي العشر عشرُ ذي الحجة- فلأن عشر ذي الحجة أيامٌ فاضلةٌ قال فيها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ». قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ»[[أخرجه أبو داود (٢٤٣٨) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]].
وأما الذين قالوا: إن المراد بالليالي العشر هي ليالي عشر رمضان الأخيرة، فقالوا: إن الأصل في الليالي أنها الليالي ما هي الأيام، وقالوا: إن ليالي العشر الأخيرة من رمضان فيها ليلة القَدْر التي قال الله عنها: إنها ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر ٣]، وقال: إنها مباركة، وقال: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان ٤]، وهذا القول أرجحُ من القول الأول، وإن كان القول الأول هو قول الجمهور، لكن اللفظ لا يُسعف قول الجمهور، وإنما يرجِّح القولَ الثاني أنها الليالي العشر الأواخر من رمضان، وأقسمَ اللهُ بها لشرفها، ولأن فيها ليلة القدر، ولأن المسلمين يختمون بها شهر رمضان الذي هو وقت فريضةٍ من فرائض الإسلام وأركان الإسلام، فلذلك أقسم الله بهذه الليالي.
الفجر 89:3
وأمَّا قوله: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ فقيل: إن المراد به كلُّ الخلق، كلُّ الخلق إما شَفْع وإما وتْر، والله عز وجل يقول: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات ٤٩]. العبادات إما شَفْع وإما وتَر، فيكون المراد بالشفع والوتر كلُّ ما كان مخلوقًا من شفْعٍ ووتْر، وكلُّ ما كان مشروعًا من شفْعٍ ووتْر.
وقيل: المراد بالشفع الخلقُ كلهم، والمراد بالوترِ اللهُ عز وجل. واعلموا أن قوله: ﴿وَالْوَتْرِ﴾ فيها قراءتان صحيحتان: ﴿﴿وَالْوِتْرِ﴾ ﴾ و﴿وَالْوَتْرِ﴾؛ يعني لو قلت: ﴿﴿وَالشَّفْعِ وَالْوِتْرِ﴾ ﴾ صح، ولو قلت: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ صح أيضًا، فقالوا: إن الشفع هو الخلق؛ لأن المخلوقات كلها مكونة من شيئين ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾، والوَتْر أو الوِتْر هو الله؛ لقول النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ»[[أخرجه مسلم (٢٦٧٧ / ٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وإذا كانت الآية تحتمل معنيين ولا منافاة بينهما فلتكُنْ لكل المعاني التي تحتملها الآية، هذه قاعدة في علم التفسير: أن الآية إذا كانت تحتمل معنيين وأحدُهما لا ينافي الآخَر فهي محمولةٌ على المعنيين جميعًا.
الفجر 89:4
قال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ أقسمَ اللهُ أيضًا بالليل إذا يسري، والسُّرَى هو السير في الليل، والليل -كما نعلم- يسير، يبدأ بالمغرب وينتهي بطلوع الفجر، فهو يمشي، زمنًا يمشي ما يتوقف، فهو دائمًا في سريان، فأقسم الله به لما في ساعاته من العبادات؛ كصلاة المغرب، والعشاء، وقيام الليل، والوتر، وغير ذلك، ولأن في الليل مناسبةً عظيمةً، وهي «أن الله عز وجل ينزل كلَّ ليلةٍ إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخِر فيقول: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟»[[متفق عليه؛ البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨ / ١٦٨)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، ولهذا نقول: إن الثلث الآخِر من الليل إنه وقْتُ إجابة، فينبغي أن ينتهز الإنسانُ هذه الفرصة فيقوم لله عز وجل يتهجَّد ويدعو الله سبحانه وتعالى بما شاء من خير الدنيا والآخرة لعله يصادف ساعةَ إجابةٍ ينتفع بها في دنياه وأُخراه. ولْنقتصر على هذا (...).
الفجر 89:6
الحمد لله رب العالمين، وأصلِّي وأسلم على نبيِّنا محمدٍ خاتم النبيين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أمَّا بعدُ فهذا هو المجلس الثالث والستون، بل هذا هو اللقاء الثالث والستون من اللقاءات التي تتمُّ في كل يوم خميس من كل أسبوع، وهذا الخميس هو الثامن والعشرون من شهر محرم عام خمسة عشر وأربع مئةٍ وألف، نبتدئ هذا اللقاء بما اعتدناه من تفسير شيءٍ من آيات الله الكريمة، حيث انتهى بنا المطاف إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر ٥].
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ [الفجر ٦، ٧] الخطاب هنا لكل من يوجَّه إليه هذا الكتابُ العزيزُ وهم البشر كلُّهم، بل والجنُّ أيضًا.
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أيها المخاطَب ﴿كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ يعني: ما الذي فَعَلَ بهم. وعادٌ قبيلةٌ معروفةٌ في جنوب الجزيرة العربية، أرسلَ الله تعالى إليهم هودًا عليه الصلاة والسلام فبلغهم الرسالة، ولكنهم عَتَوْا وبَغَوْا وقالوا: مَن أشدُّ منَّا قوةً، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت ١٥]، فهُم افتخروا في قوَّتهم، ولكن الله بيَّن أنهم ضعفاء أمام قوَّة الله، ولهذا قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾، ولم يقُل: أن الله أشدُّ منهم قوة، بل قال: ﴿الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾ ليبيِّن ضَعْفهم وأنه جل وعلا أقوى منهم، لأن الخالق أقوى من المخلوق، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦)﴾ [فصلت ١٥، ١٦].
هنا يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ الذي فَعَل بهم أنه أرسلَ عليهم الريحَ العقيمَ ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة ٧]، ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف ٢٥]، وهذا الاستفهام الذي لَفَتَ الله فيه النظر إلى ما فعل بهؤلاء يُراد به الاعتبار؛ يعني: اعتبرْ أيها المكذِّب للرسول محمد ﷺ بهؤلاء كيف أُذيقوا هذا العذاب، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود ٨٣].
وقوله: ﴿إِرَمَ﴾ هذه وصْفٌ للقبيلة، وقيل: اسمٌ للقرية، وقيل غير ذلك، فسواءٌ كانت اسمًا للقبيلة أو اسمًا للقرية فإن الله تعالى نكَّل بهم نكالًا عظيمًا مع أنهم أقوياء.
وقوله: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر ٧، ٨] يعني: أصحاب العماد؛ الأبنية القوية ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾، ﴿لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا﴾ أي: لم يُصنع مثلُها في البلاد لأنها قويةٌ محكمةٌ، وهذا هو الذي غرهم ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾.
وفي قوله تعالى: ﴿لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ مع أن الذي صَنَعها الآدميُّ دليلٌ على أن الآدميَّ قد يوصَف بالْخَلْق فيقال: خَلَق كذا، ومنه قول النبي عليه الصلاة والسلام في المصوِّرين: «يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٥١)، ومسلم (٢١٠٨ / ٩٧)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]]، لكن الخلْق الذي يُنسب للبشر، بل الخلْق الذي يُنسب للمخلوق ليس هو الخلْق المنسوب إلى الله؛ الخلْق المنسوب إلى الله إيجادٌ بعد عَدَمٍ وتحويلٌ وتغييرٌ، أمَّا الخلْق المنسوب لغير الله فهو مجرَّد تحويل وتغيير، وأضربُ لكم مثلًا: هذا البابُ من خشب، مَن الذي خَلَقَ الخشب؟ الله، لا يمكن للبشر أن يخلقوه، لكن البشر يستطيع أن يحوِّل جذوعَ الخشب وأغصانَ الخشب إلى أبواب، إلى دواليب، وما أشبه ذلك، فالخلْق المنسوب للمخلوق ليس هو الخلْق المنسوب للخالق، الفرق؟ أجيبوا.
* طالب: تحويل، الخلق المنسوب..
* الشيخ: الخلق المنسوب للخالق إيجاد من عَدَم، وهذا لا يستطيعه أحدٌ، والمنسوب للمخلوق تغيير وتحويل؛ يحوِّل الشيء من صفة إلى صفة، أمَّا أن يغيِّر الذوات بمعنى يجعل الذهبَ فضةً، أو الفضةَ حديدًا، أو ما أشبهَ ذلك، فهذا مستحيلٌ لا يمكن إلا لله وحده لا شريك له.
الفجر 89:7
الحمد لله رب العالمين، وأصلِّي وأسلم على نبيِّنا محمدٍ خاتم النبيين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أمَّا بعدُ فهذا هو المجلس الثالث والستون، بل هذا هو اللقاء الثالث والستون من اللقاءات التي تتمُّ في كل يوم خميس من كل أسبوع، وهذا الخميس هو الثامن والعشرون من شهر محرم عام خمسة عشر وأربع مئةٍ وألف، نبتدئ هذا اللقاء بما اعتدناه من تفسير شيءٍ من آيات الله الكريمة، حيث انتهى بنا المطاف إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر ٥].
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ [الفجر ٦، ٧] الخطاب هنا لكل من يوجَّه إليه هذا الكتابُ العزيزُ وهم البشر كلُّهم، بل والجنُّ أيضًا.
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أيها المخاطَب ﴿كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ يعني: ما الذي فَعَلَ بهم. وعادٌ قبيلةٌ معروفةٌ في جنوب الجزيرة العربية، أرسلَ الله تعالى إليهم هودًا عليه الصلاة والسلام فبلغهم الرسالة، ولكنهم عَتَوْا وبَغَوْا وقالوا: مَن أشدُّ منَّا قوةً، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت ١٥]، فهُم افتخروا في قوَّتهم، ولكن الله بيَّن أنهم ضعفاء أمام قوَّة الله، ولهذا قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾، ولم يقُل: أن الله أشدُّ منهم قوة، بل قال: ﴿الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾ ليبيِّن ضَعْفهم وأنه جل وعلا أقوى منهم، لأن الخالق أقوى من المخلوق، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦)﴾ [فصلت ١٥، ١٦].
هنا يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ الذي فَعَل بهم أنه أرسلَ عليهم الريحَ العقيمَ ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة ٧]، ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف ٢٥]، وهذا الاستفهام الذي لَفَتَ الله فيه النظر إلى ما فعل بهؤلاء يُراد به الاعتبار؛ يعني: اعتبرْ أيها المكذِّب للرسول محمد ﷺ بهؤلاء كيف أُذيقوا هذا العذاب، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود ٨٣].
وقوله: ﴿إِرَمَ﴾ هذه وصْفٌ للقبيلة، وقيل: اسمٌ للقرية، وقيل غير ذلك، فسواءٌ كانت اسمًا للقبيلة أو اسمًا للقرية فإن الله تعالى نكَّل بهم نكالًا عظيمًا مع أنهم أقوياء.
وقوله: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر ٧، ٨] يعني: أصحاب العماد؛ الأبنية القوية ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾، ﴿لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا﴾ أي: لم يُصنع مثلُها في البلاد لأنها قويةٌ محكمةٌ، وهذا هو الذي غرهم ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾.
وفي قوله تعالى: ﴿لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ مع أن الذي صَنَعها الآدميُّ دليلٌ على أن الآدميَّ قد يوصَف بالْخَلْق فيقال: خَلَق كذا، ومنه قول النبي عليه الصلاة والسلام في المصوِّرين: «يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٥١)، ومسلم (٢١٠٨ / ٩٧)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]]، لكن الخلْق الذي يُنسب للبشر، بل الخلْق الذي يُنسب للمخلوق ليس هو الخلْق المنسوب إلى الله؛ الخلْق المنسوب إلى الله إيجادٌ بعد عَدَمٍ وتحويلٌ وتغييرٌ، أمَّا الخلْق المنسوب لغير الله فهو مجرَّد تحويل وتغيير، وأضربُ لكم مثلًا: هذا البابُ من خشب، مَن الذي خَلَقَ الخشب؟ الله، لا يمكن للبشر أن يخلقوه، لكن البشر يستطيع أن يحوِّل جذوعَ الخشب وأغصانَ الخشب إلى أبواب، إلى دواليب، وما أشبه ذلك، فالخلْق المنسوب للمخلوق ليس هو الخلْق المنسوب للخالق، الفرق؟ أجيبوا.
* طالب: تحويل، الخلق المنسوب..
* الشيخ: الخلق المنسوب للخالق إيجاد من عَدَم، وهذا لا يستطيعه أحدٌ، والمنسوب للمخلوق تغيير وتحويل؛ يحوِّل الشيء من صفة إلى صفة، أمَّا أن يغيِّر الذوات بمعنى يجعل الذهبَ فضةً، أو الفضةَ حديدًا، أو ما أشبهَ ذلك، فهذا مستحيلٌ لا يمكن إلا لله وحده لا شريك له.
الفجر 89:8
الحمد لله رب العالمين، وأصلِّي وأسلم على نبيِّنا محمدٍ خاتم النبيين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أمَّا بعدُ فهذا هو المجلس الثالث والستون، بل هذا هو اللقاء الثالث والستون من اللقاءات التي تتمُّ في كل يوم خميس من كل أسبوع، وهذا الخميس هو الثامن والعشرون من شهر محرم عام خمسة عشر وأربع مئةٍ وألف، نبتدئ هذا اللقاء بما اعتدناه من تفسير شيءٍ من آيات الله الكريمة، حيث انتهى بنا المطاف إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر ٥].
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ [الفجر ٦، ٧] الخطاب هنا لكل من يوجَّه إليه هذا الكتابُ العزيزُ وهم البشر كلُّهم، بل والجنُّ أيضًا.
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أيها المخاطَب ﴿كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ يعني: ما الذي فَعَلَ بهم. وعادٌ قبيلةٌ معروفةٌ في جنوب الجزيرة العربية، أرسلَ الله تعالى إليهم هودًا عليه الصلاة والسلام فبلغهم الرسالة، ولكنهم عَتَوْا وبَغَوْا وقالوا: مَن أشدُّ منَّا قوةً، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت ١٥]، فهُم افتخروا في قوَّتهم، ولكن الله بيَّن أنهم ضعفاء أمام قوَّة الله، ولهذا قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾، ولم يقُل: أن الله أشدُّ منهم قوة، بل قال: ﴿الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾ ليبيِّن ضَعْفهم وأنه جل وعلا أقوى منهم، لأن الخالق أقوى من المخلوق، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦)﴾ [فصلت ١٥، ١٦].
هنا يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ الذي فَعَل بهم أنه أرسلَ عليهم الريحَ العقيمَ ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة ٧]، ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف ٢٥]، وهذا الاستفهام الذي لَفَتَ الله فيه النظر إلى ما فعل بهؤلاء يُراد به الاعتبار؛ يعني: اعتبرْ أيها المكذِّب للرسول محمد ﷺ بهؤلاء كيف أُذيقوا هذا العذاب، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود ٨٣].
وقوله: ﴿إِرَمَ﴾ هذه وصْفٌ للقبيلة، وقيل: اسمٌ للقرية، وقيل غير ذلك، فسواءٌ كانت اسمًا للقبيلة أو اسمًا للقرية فإن الله تعالى نكَّل بهم نكالًا عظيمًا مع أنهم أقوياء.
وقوله: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر ٧، ٨] يعني: أصحاب العماد؛ الأبنية القوية ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾، ﴿لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا﴾ أي: لم يُصنع مثلُها في البلاد لأنها قويةٌ محكمةٌ، وهذا هو الذي غرهم ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾.
وفي قوله تعالى: ﴿لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ مع أن الذي صَنَعها الآدميُّ دليلٌ على أن الآدميَّ قد يوصَف بالْخَلْق فيقال: خَلَق كذا، ومنه قول النبي عليه الصلاة والسلام في المصوِّرين: «يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٥١)، ومسلم (٢١٠٨ / ٩٧)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]]، لكن الخلْق الذي يُنسب للبشر، بل الخلْق الذي يُنسب للمخلوق ليس هو الخلْق المنسوب إلى الله؛ الخلْق المنسوب إلى الله إيجادٌ بعد عَدَمٍ وتحويلٌ وتغييرٌ، أمَّا الخلْق المنسوب لغير الله فهو مجرَّد تحويل وتغيير، وأضربُ لكم مثلًا: هذا البابُ من خشب، مَن الذي خَلَقَ الخشب؟ الله، لا يمكن للبشر أن يخلقوه، لكن البشر يستطيع أن يحوِّل جذوعَ الخشب وأغصانَ الخشب إلى أبواب، إلى دواليب، وما أشبه ذلك، فالخلْق المنسوب للمخلوق ليس هو الخلْق المنسوب للخالق، الفرق؟ أجيبوا.
* طالب: تحويل، الخلق المنسوب..
* الشيخ: الخلق المنسوب للخالق إيجاد من عَدَم، وهذا لا يستطيعه أحدٌ، والمنسوب للمخلوق تغيير وتحويل؛ يحوِّل الشيء من صفة إلى صفة، أمَّا أن يغيِّر الذوات بمعنى يجعل الذهبَ فضةً، أو الفضةَ حديدًا، أو ما أشبهَ ذلك، فهذا مستحيلٌ لا يمكن إلا لله وحده لا شريك له.
الفجر 89:9
ثم قال: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ [الفجر ٩] (ثمود) هم قوم صالحٍ، ومساكنهم معروفةٌ الآن، كما قال تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الحجر ٨٠] في سورة ﴿الر﴾ [الحجر ١]، ذكر الله أن ثمود كانوا في بلاد الحِجر، وهي معروفة، مرَّ عليها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في طريقه إلى تبوك وأسرعَ، وقنَّع رأسه ﷺ وقال: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ؛ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٧٠٢)، ومسلم (٢٩٨٠ / ٣٨)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]]، هؤلاء القوم أعطاهم الله قوةً حتى صاروا يخرقون الجبالَ، الحصى، الصخورَ العظيمة، يخرقونها ويصنعون منها بيوتًا، ولهذا قال: ﴿جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ أي: وادي ثمود، وهو معروف، هؤلاء أيضًا فَعَلَ الله بهم ما فَعَلَ من العذاب والنَّكال؛ حيث قيل لهم: تمتَّعوا في داركم ثلاثة أيام، ثم بعد الثلاثة الأيام أخذتْهم الصيحةُ والرجفةُ فأصبحوا في ديارهم جاثمين.
فعلينا أيُّها الإخوة أن نعتبر بحال هؤلاء المكذبين الذين صار مآلُهم إلى الهلاك والدمار، وليُعلَم أن هذه الأمَّة لن تُهلَك بما أهلكتْ به الأمم السابقة بهذا العذاب العام؛ فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم «سأل اللهَ تعالى ألَّا يُهلكهم بسَنَةٍ بعامَّةٍ»[[أخرجه مسلم (٢٨٨٩ / ١٩) من حديث ثوبان رضي الله عنه.]]، ولكن قد تُهلَك هذه الأمَّة بأن يجعل الله بأسَهم بينهم، فتجري بينهم الحروب والْمُقاتلة، ويكون هلاك بعضهم على يد بعضٍ لا بشيءٍ ينزل من السماء كما صنعَ الله تعالى بالأمم السابقة، ولهذا يجب علينا أن نحذر الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن نبتعد عن كلِّ ما يُثير الناسَ بعضهم على بعض، وأن نَلْزم دائمًا الهدوء، وأن نبتعد عن القيل والقال وكثرة السؤال، فإن ذلك مما نهى عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم[[أخرج البخاري (١٤٧٧) ومسلم (٥٩٣ / ١٢) من حديث المغيرة بن شعبة عن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ، وَوَأْدَ الْبَنَاتِ، وَمَنْعًا وَهَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ».]]، وكم من كلمةٍ واحدةٍ صنعت ما تصنعه السيوف الباترة، فالواجب الحذرُ من الفتن، وأن نكون أمَّةً متآلِفةً متحابَّةًَ، يتطلَّب كلُّ واحدٍ منَّا العذرَ لأخيه إذا رأى منه ما يكره. نسأل الله أن يوفِّقنا جميعًا لما فيه الخير والصلاح وأن يجمع قلوبنا على طاعته.
الفجر 89:10
قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ [الفجر ٦ - ٩].
قال: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾ [الفجر ١٠] فرعون هو الذي أرسلَ الله إليه موسى عليه الصلاة والسلام، وكان قد استذلَّ بني إسرائيل في مصر يُذَبِّح أبنائهم ويستحيي نساءهم.
وقد اختلف العلماء في السبب الذي أدَّى به إلى هذه الفعلة القبيحة، لماذا يُقَتِّل الأبناءَ ويُبقي النساء؟ فقال بعض العلماء: إنَّ كَهَنَتَهُ قالوا له: إنه سيُولَد في بني إسرائيل رجلٌ يكون هلاكك على يده، فصار يُقَتِّل الأبناء ويستبقي النساء. ومن العلماء مَن قال: إنه فَعَلَ ذلك من أجْل أن يُضعِف بني إسرائيل؛ لأن الأُمَّة إذا قُتِّلتْ رجالُها واستُبقِيتْ نساؤها ذلَّتْ بلا شك. فالأول تعليلُ أهلِ الأثر، والثاني تعليلُ أهلِ النَّظَر؛ أهل العقل، ولا يَبْعد أن يكون الأمرانِ جميعًا قد صارا علةً لهذا الفعل، ولكن بقدرة الله عز وجل أن هذا الرجل الذي كان هلاكُ فرعون على يده تَرَبَّى في نفس بيت فرعون، فإنَّ امرأة فرعون التقطتْه وربَّتْه في بيت فرعون، فرعون استكبرَ في الأرض وعلا في الأرض، وقال لقومه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات ٢٤]، وقال لهم: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص ٣٨]، وقال لهم: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ [الزخرف ٥٢] يعني موسى ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥٢]، قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف ٥٤]، وتعلمون أنه قال لقومه مقرِّرًا لهم: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف ٥١] افتخر بالأنهار وهي مياه، فأُغرِقَ بالماء.
﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾ أي: ذي القوة؛ لأن جنوده كانوا له بمنزلة الوتد، والوتد كما نعلم تُربَط به حبالُ الخيمة فتستقِرُّ وتَثْبت، فله جنودٌ، أُمَمٌ عظيمةٌ ما بين ساحرٍ وكاهنٍ وغيرِ ذلك، لكن الله سبحانه وتعالى فوق كلِّ شيء.
الفجر 89:11
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر ١١] الطغيان: مجاوزة الحدِّ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة ١١] أي: لَمَّا زاد الماء حملناكم في الجارية؛ يعني بذلك السفينةَ التي صَنَعها نوحٌ عليه الصلاة والسلام، فمعنى ﴿طَغَوْا فِي الْبِلَادِ﴾ أي: زادوا عن حدِّهم واعتدوا على عباد الله.
الفجر 89:12
﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾ [الفجر: ١٢] الفساد هل هو الفساد الحسِّي أو المعنوي؟
الجواب: هو الفساد المعنوي، والفساد المعنوي يتبعه الفساد الحسِّي، ودليل ذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف ٩٦]، ولهذا قال بعض العلماء في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف ٥٦] قالوا: لا تُفسدوها بالمعاصي، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿أَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾ أي: الفساد المعنوي، لكن الفساد المعنوي يتبعه الفساد الحسِّي، وكان فيما سبق من الأُمَم أن الله تعالى يدمِّر هؤلاء المكَذِّبين عن آخِرهم، لكن هذه الأمَّة رفعَ الله عنها هذا النوع من العقوبة وجعل عقوبتها أن يكون بأسُهم بينهم، هم فيما بينهم يدمِّر بعضهم بعضًا، وعلى هذا فما حصل من المسلمين من قتال بعضهم بعضًا ومن تدمير بعضهم بعضًا إنما هو بسبب أيش؟ إنما سببه المعاصي والذنوب، يُسَلِّط الله بعضَهم على بعضٍ ويكون هذا عقوبةً من الله سبحانه وتعالى، ولهذا قال: ﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ [الفجر ١٢، ١٣].
الفجر 89:13
﴿صَبَّ عَلَيْهِمْ﴾ : الصَّبُّ معروفٌ أنه يكون من فوق، والعذاب الذي أتى هؤلاء من فوق؛ من عند الله عز وجل.
و﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ السَّوْط هو العصا التي يُضرب بها، ومعلوم أن الضرب بالعصا نوع من العذاب، لكن هل هذا السوط الذي صبَّه الله تعالى على عادٍ وثمودَ وفرعون هل هو العصا المعروف الذي نعرف، أو أنه عصا عذابٍ أهلكهم؟
الجواب: الثاني؛ عصا عذابٍ أهلكهم وأبادهم. نسأل الله تعالى أن يجعل لنا ولكم فيما سبق من الأُمَم عبرةً نتَّعظ بها وننتفع بها، ونكون طائعين لله عز وجل غير طاغين، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الفجر 89:14
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أمَّا بعدُ، فهذا هو اللقاء الخامس والستون من اللقاء الأسبوعي الذي يتمُّ في كل يوم خميس، وهذا هو يوم الخميس الثالث عشر من شهر صفر عام خمسة عشر وأربع مئة وألف.
لقاؤنا هذا اليوم سيكون في تفسير آياتٍ من سورة الفجر، حيث وقفْنا على قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ [الفجر ١٣].
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر ١٤] الخطاب هنا للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو لكلِّ من يتوجَّه إليه الخطاب، يبيِّن الله عز وجل أنه بالمرصاد لكلِّ مَن طغى واعتدى وتكبَّر، فإنه له بالمرصاد، سوف يُعاقبه ويُؤاخذه، وهذا المعنى له نظائر في القرآن الكريم؛ منها قوله تبارك وتعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد ١٠]، وكقول شعيب لقومه: ﴿أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود ٨٩]، فسُنَّة الله سبحانه وتعالى واحدةٌ في المكذِّبين لرسله، المستكبرين عن عبادته، هو لهم بالمرصاد، وهذه الآية تفيد التهديد والوعيد لمن استكبر عن عبادة الله أو كذَّبَ خبره.
الفجر 89:15
ثم قال الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر ١٥، ١٦] الابتلاء من الله عز وجل يكون بالخير وبالشر كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء ٣٥]، فيُبتلَى الإنسانُ بالخير ليبلوه الله عز وجل أيشكر أمْ يكفر، ويُبتلَى بالشر ليبلوه أيصبر أم يفجر، وأحوال الإنسان -كما تعلمون جميعًا- دائرةٌ بين خيرٍ وشرٍّ، بين خيرٍ يلائمه ويسرُّه وبين شرٍّ لا يلائمه ولا يسرُّه، وكلُّه ابتلاءٌ من الله.
الإنسان بطبيعته الإنسانية المبنية على الظلم والجهل إذا ابتلاه ربُّه فأكرمه ونعَّمَه يقول: ﴿رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ يعني: إنني أهلٌ للإكرام، ولا يعترف بفضل الله عز وجل، وهذا كقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص ٧٨]، لَمَّا ذُكِّر بنعمة الله عليه قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾، ولم يعترف بفضل الله، وما أكثرَ الناسَ الذين هذه حالُهُم، إذا أكرمهم الله عز وجل ونعَّمَهم قالوا: هذا إكرامٌ من الله لنا لأننا أهلٌ لذلك. ولو أن الإنسان قال: إن الله أكرمني بكذا، اعترافًا بفضله وتحدُّثًا بنعمته، لم يكن عليه في ذلك بأسٌ، لكن إذا قال: أكرمني؛ يعني: إنني أهلٌ للإكرام، كما يقول مثلًا كبيرُ القوم إذا نزلَ ضيفًا على أحدهم قال: أكرمني فلانٌ لأنني أهلٌ لذلك.
﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ يعني ضيَّقَ عليه الرزقَ ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ يعني لا، يقول: إن الله تعالى ظلمني فأهانني، ولم يرزقني كما رزق فلانًا، ولم يُكرمني كما أكرمَ فلانًا، فصار عند الرخاء لا يشكر، يُعجَب بنفسه ويقول هذا حقٌّ لي، وعند الشِدَّة لا يصبر، بل يعترض على ربِّه ويقول: ﴿رَبِّي أَهَانَنِ﴾، وهذا حالُ الإنسان باعتباره إنسانًا، أمَّا المؤمن فليس كذلك، المؤمن إذا أكرمه الله ونعَّمَه شكرَ ربه على ذلك، ورأى أن هذا فضلٌ من الله عز وجل وإحسانٌ، وليس من باب الإكرام الذي يقدَّم لصاحبه على أنه مستحِقٌّ، وإذا ابتلاه الله عز وجل وقَدَر عليه رزقَه صبر واحتسب وقال: هذا بذنبي، والربُّ عز وجل لم يُهِنِّي ولم يظلمني. فيكون صابرًا عند البلاء، شاكرًا عند الرخاء.
وفي الآيتين إشارةٌ إلى أنه يجب على الإنسان أن يتبصَّر فيقول مثلًا: لماذا أعطاني الله المال؟ ماذا يريد مني؟ يريد مني أن أشكر، لماذا ابتلاني الله بالفقر، بالمرض، وما أشبه ذلك؟ يريد مني أن أصبر، فلْيَكُن محاسبًا لنفسه حتى لا يكون مثل حال الإنسان المبنية على الجهل والظلم.
الفجر 89:16
ثم قال الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر ١٥، ١٦] الابتلاء من الله عز وجل يكون بالخير وبالشر كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء ٣٥]، فيُبتلَى الإنسانُ بالخير ليبلوه الله عز وجل أيشكر أمْ يكفر، ويُبتلَى بالشر ليبلوه أيصبر أم يفجر، وأحوال الإنسان -كما تعلمون جميعًا- دائرةٌ بين خيرٍ وشرٍّ، بين خيرٍ يلائمه ويسرُّه وبين شرٍّ لا يلائمه ولا يسرُّه، وكلُّه ابتلاءٌ من الله.
الإنسان بطبيعته الإنسانية المبنية على الظلم والجهل إذا ابتلاه ربُّه فأكرمه ونعَّمَه يقول: ﴿رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ يعني: إنني أهلٌ للإكرام، ولا يعترف بفضل الله عز وجل، وهذا كقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص ٧٨]، لَمَّا ذُكِّر بنعمة الله عليه قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾، ولم يعترف بفضل الله، وما أكثرَ الناسَ الذين هذه حالُهُم، إذا أكرمهم الله عز وجل ونعَّمَهم قالوا: هذا إكرامٌ من الله لنا لأننا أهلٌ لذلك. ولو أن الإنسان قال: إن الله أكرمني بكذا، اعترافًا بفضله وتحدُّثًا بنعمته، لم يكن عليه في ذلك بأسٌ، لكن إذا قال: أكرمني؛ يعني: إنني أهلٌ للإكرام، كما يقول مثلًا كبيرُ القوم إذا نزلَ ضيفًا على أحدهم قال: أكرمني فلانٌ لأنني أهلٌ لذلك.
﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ يعني ضيَّقَ عليه الرزقَ ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ يعني لا، يقول: إن الله تعالى ظلمني فأهانني، ولم يرزقني كما رزق فلانًا، ولم يُكرمني كما أكرمَ فلانًا، فصار عند الرخاء لا يشكر، يُعجَب بنفسه ويقول هذا حقٌّ لي، وعند الشِدَّة لا يصبر، بل يعترض على ربِّه ويقول: ﴿رَبِّي أَهَانَنِ﴾، وهذا حالُ الإنسان باعتباره إنسانًا، أمَّا المؤمن فليس كذلك، المؤمن إذا أكرمه الله ونعَّمَه شكرَ ربه على ذلك، ورأى أن هذا فضلٌ من الله عز وجل وإحسانٌ، وليس من باب الإكرام الذي يقدَّم لصاحبه على أنه مستحِقٌّ، وإذا ابتلاه الله عز وجل وقَدَر عليه رزقَه صبر واحتسب وقال: هذا بذنبي، والربُّ عز وجل لم يُهِنِّي ولم يظلمني. فيكون صابرًا عند البلاء، شاكرًا عند الرخاء.
وفي الآيتين إشارةٌ إلى أنه يجب على الإنسان أن يتبصَّر فيقول مثلًا: لماذا أعطاني الله المال؟ ماذا يريد مني؟ يريد مني أن أشكر، لماذا ابتلاني الله بالفقر، بالمرض، وما أشبه ذلك؟ يريد مني أن أصبر، فلْيَكُن محاسبًا لنفسه حتى لا يكون مثل حال الإنسان المبنية على الجهل والظلم.
الفجر 89:17
ولهذا قال تعالى: ﴿كَلَّا﴾ [الفجر ١٧] يعني: لم يُعطِك ما أعطاك إكرامًا لك لأنك مستحِقٌّ ولكنه تَفَضُّلٌ منه، ولم يُهِنْك حين قَدَر عليك رزقه، بل هذا مقتضى حِكمته وعدله.
ثم قال تعالى: ﴿بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ [الفجر ١٧] يعني: أنتم إذا أكرمكم الله عز وجل بالنعم لا تعطفون على المستحقِّين للإكرام، وهم اليتامى، فاليتيم هنا اسمُ جنسٍ، ليس المرادُ يتيمًا واحدًا، بل جنس اليتامى، واليتيم قال العلماء: هو الذي مات أبوه قبل بُلُوغه من ذَكَر أو أنثى، وأمَّا مَن ماتت أمُّه فليس بيتيم.
يقول: ﴿بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾، وقوله تعالى: ﴿الْيَتِيمَ﴾ يشمل الفقير من اليتامى والغني، يعني حتى الغني من اليتامى ينبغي الإحسانُ إليه وإكرامُه؛ لأنه انكسر قلبُه بفَقْدِ أبيه ومَن يقوم بمصالحه، فأوصى الله تعالى به حتى يزول هذا الكسر الذي أصابه.
الفجر 89:18
﴿وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨] يعني: لا يحضُّ بعضُكم بعضًا على أن يُطعم المسكين، وإذا كان لا يحضُّ غيرَه فهو أيضًا لا يفعله بنفسه، فهو لا يُطعم المسكينَ ولا يحضُّ على طعام المسكين، وفي هذا إشارةٌ إلى أنه ينبغي لنا أن نكرم الأيتام، وأن يحضَّ بعضُنا بعضًا على إطعام المساكين؛ لأنهم في حاجة، والله تعالى في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
الفجر 89:19
﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: ١٩، ٢٠].
﴿التُّرَاثَ﴾ ما يُورِثه اللهُ العبدَ من المال، سواء ورِثه عن ميِّتٍ، أو باع واشترى وكسب، أو خرج إلى البر وأتى بما يأتي به من عُشبٍ وحطبٍ وغير ذلك، المهم أن التراث ما يَرِثه الإنسانُ، أو ما يورثه اللهُ الإنسانَ من المال، فإن بني آدم يأكلونه أكلًا لَمًّا.
الفجر 89:20
وأمَّا المال فقال: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ أي: عظيمًا، وهذا هو طبيعة الإنسان، لكن الإيمان له مؤثِّراته، قد يكون الإنسان بإيمانه لا يهتمُّ بالمال، وإن جاء شَكَرَ اللهَ عليه وأدَّى ما يجب، وإن ذهبَ لا يهتمُّ به، لكن طبيعة الإنسان من حيث هو كما وصفه الله عز وجل في هاتين الآيتين، نسأل الله تعالى أن يوفِّقنا وإياكم لما فيه الخير والصلاح وأن يقينا شرَّ أنفسنا إنه على كل شيء قدير.
الفجر 89:21
الحمد لله رب العالمين، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أمَّا بعد، فهذا هو اللقاء الأخير في شهر صفر عام خمسة عشر وأربع مئة وألف من اللقاء المعروف بـ (لقاء الباب المفتوح) والذي يكون كل يوم خميس من كل أسبوع، وهذا اليوم هو اليوم السابع والعشرون من شهر صفر، وكان من عادتنا أن نتكلم على تفسير شيءٍ من آيات الله، وقد انتهينا إلى قوله تبارك وتعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر ٢١ - ٢٣]، فيذكِّر الله سبحانه وتعالى الناسَ بيوم القيامة، ﴿إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ دَكّ، حتَّى لا ترى فيها عِوَجًا ولا أَمْتًا، تُدَكُّ الجبال، ولا بناء، ولا أشجار، تُمَدُّ الأرض كمَدِّ الأديم، يكون الناس عليها في مكانٍ واحدٍ، يُسمعهم الداعي وينفذُهم البصر، في هذا اليوم ﴿يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر ٢٣ - ٢٤]، ولكن قد فات الأوان، إلَّا أننا اليوم في مجال العمل، في زمن الْمُهلة، يمكن للإنسان أن يكتسب لمستقرِّه، كما قال مؤمن آل فرعون: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر ٣٩]، متاعٌ يتمتَّع به الإنسان كما يتمتَّع المسافر بمتاع السفر حتى ينتهي سفره، فهكذا الدنيا.
واعتبِرْ يا أخي، اعتبِرْ ما يُستقبل بما مضى، كلُّ ما مضى كأنه ساعةٌ من نهار، كأننا الآن مخلوقون، فكذلك ما يُستقبل سوف يمرُّ بنا سريعًا ويمضي جميعًا، وينتهي السفر إلى مكانٍ آخَر ليس مستقَرًّا، إلى الأجداث، إلى القبور، ومع هذا فإنها ليست محلَّ استقرار؛ لقول الله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر ١، ٢]، سمع أعرابيٌّ رجلًا يقرأ هذه الآية فقال: واللهِ ما الزائرُ بِمُقيمٍ، ولا بدَّ من مفارقةٍ لهذا المكان. وهذا استنباطٌ قويٌّ وفهمٌ جيِّدٌ يؤيِّده الآيات الكثيرة الصريحة في ذلك كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون ١٥، ١٦].
الفجر 89:22
وذكَّر الله سبحانه وتعالى ما يكون في هذا اليوم فقال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر ٢٢] أي: صفًّا بعد صفٍّ.
﴿جَاءَ رَبُّكَ﴾، وهذا المجيء هو مجيئُه هو عز وجل؛ لأن الفعل أُسنِدَ إلى الله، وكلُّ فعلٍ يُسند إلى الله فهو قائمٌ به لا بغيره، هذه هي القاعدة في اللغة العربية والقاعدة في أسماء الله وصفاته؛ كلُّ ما أَسنَدَهُ الله إلى نفسه فهو له نفسه لا لغيره، وعلى هذا فالذي يأتي هو الله عز وجل، وليس كما حرَّفه أهل التعطيل حيث قالوا: إنه جاء أمْر الله. فإن هذا إخراجٌ للكلام عن ظاهره بلا دليل، فنحن من عقيدتنا أن نُجري كلام الله ورسوله على ظاهره وألَّا نُحَرِّف فيه، ونقول: إن الله تعالى يجيء يوم القيامة هو نفسه، ولكن كيف هذا المجيء؟ هذا هو الذي لا عِلْم لنا به، لا ندري كيف يجيء، والسؤال عن مِثْل هذا بدعةٌ كما قال الإمام مالك رحمه الله حين سُئل عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، كيف استوى؟ سائلٌ يسأل يقول: كيف استوى؟ يعني: ويش لون الاستواء؟ فأَطْرقَ مالكٌ برأسه حتى علاه الرُّحَضاء -يعني العَرَق- لشدة هذا السؤال على قلبه؛ لأنه سؤالٌ عظيمٌ، سؤالُ متنطِّعٍ، سؤالُ متعنِّتٍ أو مبتدعٍ يريد السوء، ثم رفع رأسه وقال: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة»[[أخرج البيهقي في الأسماء والصفات (٨٦٧) عن يحيى بن يحيى قال: كُنَّا عند مالك بن أنسٍ، فجاء رجلٌ فقال: يا أبا عبد الله، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، فكيف استوى؟ قال: فأَطْرقَ مالكٌ برأسه حتى علاه الرُّحَضَاءُ ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعًا. فأمر به أن يُخْرَج.]]. الشاهد الكلمة الأخيرة: «السؤال عنه بدعة»، واعتبِرْ هذا في جميع صفات الله، فلو سألنا سائلٌ قال: إن الله يقول: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص ٧٥] يعني آدم، كيف خَلَقه بيده؟
نقول: هذا السؤال بدعة.
قال: أنا أريد العلم، لا أحبُّ أن يخفى عليَّ شيء من صفات ربي، فأريد أن أعلم كيف خَلَقه.
نقول: نحن نسألك أسئلة سهلة: هل أنت أَحْرصُ على العلم من الصحابة رضي الله عنهم؟
إما أن يقول: نعم، وإما أن يقول: لا، والمتوقَّع أن يقول أيش؟ لا.
طيب، هل الذي وجهتَ إليه السؤال أعلم بكيفية صفات الله عز وجل أم الرسول عليه الصلاة والسلام؟
سيقول: الرسول.
إذَن الصحابة أَحْرصُ منك على العلم، والمسؤول الذي يوجَّه إليه السؤال أعلمُ مِن الذي تسأله، ومع ذلك ما سألوا؛ لأنهم يلتزمون الأدبَ مع الله عز وجل، ويقولون بقلوبهم وربما بألسنتهم: إن الله أجلُّ وأعظمُ مِن أن تحيط أفهامُنا وعقولُنا بكيفيات صفاته. والله عز وجل يقول في كتابه في الأمور المعقولة: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه ١١٠]، وفي الأمور المحسوسة: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام ١٠٣]، فنقول: يا أخي، الزَم الأدبَ، لا تسأل كيف خَلَق الله آدم بيده؛ فإن هذا بدعة، وكذلك بقية الصفات لو سأل كيف عين الله عز وجل؟ قلنا له: هذا بدعة، لو سأل كيف اليد؛ يد الله عز وجل؟ قلنا: هذا بدعة، وعليك أن تلزم الأدب وألَّا تسأل عن كيفية صفات الله عز وجل.
لما قال هنا في الآية الكريمة: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ وسأل: كيف يجيء؟ ماذا نقول له؟ أجيبوا.
* طالب: هذا بدعة.
* الشيخ: نقول: هذا بدعة. هذه القاعدة، التزموها، هذا السؤال بدعة، وكلُّ إنسانٍ يسأل عن كيفية صفات الله فهو مبتدع متنطِّع، سائل عمَّا لا يمكن الوصول إليه، فموقفنا من مثل هذه الآية ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ أن نؤمن بأن الله يجيء، لكن على أيِّ كيفية؟ الله أعلم.
طيب، لو قال قائل: هل يحتمل أن يكون مجيئُه كمجيء الإنسان أو كمجيء الملِك إلى مكان الاحتفال؟
الجواب: لا، هذا نعلم أنه لا يكون؛ الدليل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١]، فنحن نعلم النفي ولا نعلم الإثبات؛ يعني نعلم أنه لا يمكن أن يأتي على كيفية إتيان البشر، ولكننا لا نُثبت الكيفية، وهذا هو الواجب علينا.
وقوله: ﴿وَالْمَلَكُ﴾ (أل) هنا للعموم؛ يعني جميع الملائكة يأتون، ينزلون ويحيطون بالخلْق، تنزل ملائكة السماء الدنيا ثم ملائكة السماء الثانية وهلُمَّ جرًّا، يحيطون بالخلْق إظهارًا للعظمة، وإلا فإنَّ الخلق لا يمكن أن يفرُّوا يمينًا ولا شمالًا، لكن إظهارًا لعظمة الله وتهويلًا لهذا اليوم العظيم تنزل الملائكة يحيطون بالخلق، وهذا اليوم يومٌ مشهودٌ يشهده الملائكة والإنس والجن والحشرات وكلُّ شيء؛ ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير ٥]، فهو يومٌ عظيمٌ، لا ندركه الآن، ولا نتصوَّره؛ لأنه أعظم مما يُتَصوَّر.
الفجر 89:23
الأمر الثالث مما به الإنذار في هذا اليوم بعد أن عرفْنا الأمرَ الأول وهو مجيء الله، ثم صفوف الملائكة قال: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر ٢٣] ﴿جِيءَ يَوْمَئِذٍ﴾ ولم يذكر الجائي، لكن قد دلَّت السُّنة أنه يؤتى بالنار تُقاد بسبعين ألف زِمام، كلُّ زِمامٍ منها يقوده سبعون ألف مَلَك[[أخرجه مسلم (2842 / 29)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.]]، وما أدراك ما قوة الملائكة؟! قوةٌ ليست كقوة البشر ولا كقوة الجن، بل هي أعظم وأعظم بكثير، ولهذا لَمَّا قال عفريتٌ من الجن لسليمان: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾ بعرش بلقيس ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل ٣٩، ٤٠] فرآه مستقِرًّا عنده، قال العلماء: لأن الرجل هذا دعا الله، فحَمَلَتْه الملائكة فجاءت به إلى سليمان في الشام من اليمن، فقوَّة الملائكة عظيمة، وهم يجرُّون هذه النار بسبعين ألف زِمام، كل زِمام يجرُّه سبعون ألف مَلَك، إذَن هي عظيمة، نسأل الله العافية، ونسأل الله أن يُجيرنا وإياكم منها، هذه النار ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ﴾ أي: رأتْ أهلها ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان ١٢]، وليس كزفير الطائرات أو المعدَّات، زفيرٌ تنخلع منه القلوب والعياذ بالله، ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك ٨]، وقال الله عز وجل: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك ٨] تكاد تقطَّع من شدة الغيظ على أهلها والعياذ بالله، فلهذا أنذرنا الله تعالى منها، فهذه ثلاثة أمور كلُّها إنذار: مجيء الربِّ جل جلاله، صفوف الملائكة، الثالث: الإتيان بجهنم.
﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر ٢٣] ﴿يَتَذَكَّرُ﴾ يتَّعظ، لكن أنَّى له الاتعاظ، فات الأوان، انقطع الاتعاظ بحضور الأجَل في الدنيا قبل أن يَصِل الإنسانُ إلى الآخرة، ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء ١٨]، فنسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من المتَّعظين بآياته، ونسأله تعالى أن يرزقنا علمًا نافعًا وعملًا صالحًا ورزقًا طيبًا واسعًا.
* * *
(...) كان من عادتنا أن نتكلم على ما يسَّر الله عز وجل من تفسير القرآن الكريم، وقد انتهينا إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر ٢٤-٢٦]، وهذا هو آخر سورة الفجر.
يقول الله عز وجل: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ يعني إذا جاء الله يوم القيامة، وجاء الملائكة صفوفًا صفوفًا وأحاطوا بالخلْق، وحصلت الأهوال والأفزاع، يتذكَّر الإنسان، يتذكَّر أنه وُعِد بهذا اليوم، وأنه أُعلِم به من قِبَل الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأَنْذروا وخَوَّفوا، ولكن من حقَّتْ عليه كلمة العذاب فإنه لا يؤمن ولو جاءتْه كلُّ آيةٍ، والعياذ بالله، حينئذٍ يتذكَّر، لكن يقول الله عز وجل: ﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾، أين يكون له الذكرى في هذا اليوم الذي رأى فيه ما أُخبِر عنه يقينا! والإيمان عن المشاهدة لا ينفع؛ لأن كلَّ إنسان يؤمن بما شاهد، الإيمان النافع هو الإيمان بالغيب؛ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة ٣]، فيصدِّق بما أخبرتْ به الرسل عن الله عز وجل وعن اليوم الآخر، في ذلك اليوم يتذكَّر الإنسان، ولكن قال الله عز وجل: ﴿أَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ أي: بعيدٌ أن ينتفع بهذه الذكرى التي حصلت منه حين شاهد الحق.
الفجر 89:24
﴿يَقُولُ﴾ الإنسان ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر ٢٤] يتمنى أنه قدَّم لحياته.
وما هي حياته؟ أتظنون أنه يريد حياة الدنيا؟ لا واللهِ، حياة الدنيا انتهت وقضت، وليست الحياة الدنيا حياةً في الواقع، الواقع أنها همومٌ وأكدار، كلُّ صَفْوٍ يَعْقبه كَدَر، كلُّ عافيةٍ يتبعها مرض، كلُّ اجتماعٍ يَعْقبه تفرُّق، انظروا ما حصل؛ أين الآباء؟! أين الإخوان؟! أين الأبناء؟! أين الأزواج؟! هل هذه حياة؟! أبدًا، ولهذا قال بعض الشعراء الحكماء:
لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً ∗∗∗ لَذَّاتُهُ بِادِّكَــــــارِ الْمَـــوْتِوَالْهَــــــــرَمِ
كلُّ إنسانٍ يتذكَّر أن مآله أحد أمرين: إمَّا الموت، وإمَّا الهرم.
نحن نعرف أُناسًا كانوا شبابًا في عُنفوان الشباب عُمِّروا لكن رجعوا إلى أرذل العمر، يَرِقُ لهم الإنسان إذا رآهم، في حالة بؤس، حتى وإن كان عندهم من الأموال ما عندهم وعندهم من الأهل ما عندهم لكنهم في حال بؤس، وهكذا كلُّ إنسان إما أن يموت مبكِّرًا، وإما أن يُعَمَّر فيُرَدَّ إلى أرذل العمر، فهل هذه حياة؟!
الحياة هي ما بيَّنه الله عز وجل: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ يعني: لَهِي الحياة التامَّة ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت ٦٤]. يقول هذا: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ يتمني، لكن ما يحصل، ﴿أَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾.
الفجر 89:25
قال تعالى: ﴿﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثَقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ ﴾ [الفجر: ٢٥، ٢٦]، يعني في هذا اليوم لا أحدَ يُعَذَّب عذابَه، ولا أحدَ يُوثَق وثاقَه، ومعلومٌ أن هذا الكافر -المؤمن، يأتينا ذكْر المؤمن إن شاء الله- الكافر لا يعذَّب أحدٌ عذابَه في ذلك اليوم، وأُخبِركم لماذا؟ لأنه يُلقَى على أهل النار في الموقف العطشُ الشديدُ، فينظرون إلى النار كأنها السَّراب، والسراب هو ما يشاهده الإنسان في أيام الصيف في عزة الحرِّ من البقاع حتى يُخَيَّل إليه أنه ماء، ينظرون إلى النار كأنها سرابٌ وهم عِطاش فيتهافتون عليها، يذهبون إليها سِراعًا يريدون أي شيء؟ يريدون الشُّرب، فإذا جاؤوها ﴿فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الزمر ٧١]، قد قامت عليكم الحجَّة، فيُوَبِّخونهم قبل أن يدخلوا النار، والتوبيخ عذابٌ قلبيٌّ وألَمٌ نفسيٌّ قبل أن يذوقوا ألَمَ النار والعياذ بالله، أعاذني الله وإياكم منها.
في النار يوبِّخهم الجبار عز وجل توبيخًا أعظم من هذا؛ يقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون ١٠٦، ١٠٧]، قال الله تعالى وهو أرحم الراحمين: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨]، أبلغ من هذا الإذلال والعياذ بالله! ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ يقولها أرحم الراحمين، فمَن يرحمهم بعد الرحمن؟! لا راحِمَ لهم. وقد أخبر النبي ﷺ «بأنَّ أهونَ أهل النار عذابًا مَن عليه نعلانِ يغلي منهما دِماغُه، ولا يرى أن أحدًا أشدُّ منه عذابًا، يرى أنه أشدُّ الناسِ عذابًا وهو أهونهم عذابًا، وعليه نعلانِ يغلي منهما الدماغ»[[أخرج مسلم في صحيحه (٢١٣ / ٣٦٤) بسنده عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا مَنْ لَهُ نَعْلَانِ وَشِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَلُ، مَا يَرَى أَنَّ أَحدًا أَشَدُّ مِنْهُ عَذَابًا، وَإِنَّهُ لَأَهْوَنُهُمْ عَذَابًا».]]، النعلان في أسفل البدن والدماغ في أعلاه، فإذا كان أعلى البدن يغلي من أسفله فالوسط من بابِ أشد، أجارنا الله وإياكم من النار.
﴿﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثَقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ ﴾ لأنهم -والعياذُ بالله- يُوثَقون؛ ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة ٣٢]. أَدخِلوه في هذه السلسلة، تُغَلُّ أيديهم، نسأل الله العافية، ولا أحد يتصوَّر الآن ما هم فيه من البؤس والشقاء والعذاب، واللهِ إن الإنسان أحيانًا يتمنى أنه لم يُخلَق خوفًا من النار؛ «كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: ليت أمِّي لم تلدْني، ليتني شجرةٌ تُعْضَد»[[الشطر الأول: "ليت أُمِّي لم تلدْني" أخرجه ابن أبي شيبة (٣٤٤٨٠) من قول عمر رضي الله عنه، أما الشطر الثاني: "يا ليتني شجرةٌ تُعضَد" فأخرجه ابن أبي شيبة (٣٤٥٢١) من قول ابن مسعود، وأخرجه أحمد في الزهد (٧٨٦) من قول أبي ذر، وأخرجه ابن أبي الدنيا في المتمنين (١٠) من قول أبي بكر، وأخرجه البيهقي في الشُّعَب (٧٦٨) من قول أبي الدرداء، رضي الله عنهم.]]. لأن الإنسان ما يدري؛ أولًا: ما يدري ما هو عليه الآن، هل هو على صواب أو على خطأ؟ هل في عباداته رياء؟ هل في عباداته بدعة؟ ثم لا يرى أيضًا -وهو أخطر- لا يرى ماذا يُختَم له به؛ «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٩٤)، ومسلم (٢٦٤٣ / ١)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.]]. مَن الذي يأمن عند الموت أن يُصَدَّ و يُضَلَّ ويأتيه الشيطان يقول: أنا أبوك، اتركْ يا بُنَيَّ الإسلامَ وكنْ نصرانيًّا أو يهوديًّا، لأن بعض الناس -والعياذ بالله- عند الموت يُفتَن؛ تُعرَض عليه الأديان ويقال: اختر النصارى، اختر اليهود، أعرِضْ عن الإسلام. ولهذا (...) ومن فتنة المحيا وأيش؟ والممات، ومَن الذي يأمن؟ أسأل الله أن يُحسِن لي ولكم الخاتمة، من الذي يأمن؟ إذَن على الإنسان أن يستعد، ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾.
ثم ختم الله تعالى هذه السورة بما يبهج القلب ويشرح الصدر فقال: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾، اللهمَّ اجعلْ نفوسَنا مطمئنة، ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر ٢٧، ٢٨]. ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ يُقال هذا القول للإنسان عند النَّزْع في آخِر لحظةٍ من الدنيا، يُقال لروحه: اخرجي أيتها النفس المطمئنة، اخرجي إلى رحمةٍ من الله ورضوان، فتستبشر، تفرح، ويسهل خروجها من البدن؛ لأنها بُشِّرت بما هو أنعم مما في الدنيا كلِّها، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه البخاري (٣٢٥٠) من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه.]]. سوط الإنسان: العصا القصيرة، موضع السوط في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها، وليست دنياك أنت، الدنيا من أولها إلى آخِرها بما فيها من النعيم والْمُلْك والرفاهية وغيرها، موضعُ سوطٍ خيرٌ من الدنيا وما فيها، فكيف بِمَن ينظر في مُلْكه مسيرة ألفيْ عام، ألفيْ سنة، يرى أقصاه كما يرى أدناه! نعيمٌ لا يمكن أن ندركه بنفوسنا ولا بتصوُّرنا؛ ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧].
معنى ﴿الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ يعني المؤمنة الآمنة؛ لأنك لا تجد أطْمَنَ نفسًا من نفس المؤمن أبدًا، المؤمن يا إخواني نفسُه طيِّبة مطمئنة، ولهذا تعجَّب الرسول ﷺ من المؤمن، قال: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٩٩) من حديث صهيب رضي الله عنه.]]، مطمئن، ماشٍ مع الله بقضائه وقدره، لا يسخط عند المصائب، ولا يَبْطر عند النعم، بل هو شاكرٌ عند النعم صابرٌ عند البلاء، فتجده مطمئنًّا، لكن الكافر أو ضعيف الإيمان لا يطمئنُّ؛ إذا أصابه البلاء جزعَ وسخِطَ ورأى أنه مظلومٌ من قِبَل اللهِ، والعياذ بالله، حتى إن بعضهم ينتحر، ما يصبر، ما يطمئن، يكون دائمًا في قلق، ينظر إلى نفسه وإذا هو قليل المال، قليل العيال، ليس عنده زوجة، ليس له قومٌ يحمونه، فيقول: أنا لستُ في نعمة؛ لأن فلانًا عنده مال، عنده زوجات، عنده أولاد، عنده قبيلة تحميه، أنا ليس عندي. فلا يرى لله عليه نعمة؛ لأنه ضعيف الإيمان، فليس بمطمئن، دائمًا في قلق، ولهذا نجد الناسَ الآن يذهبون إلى كل مكانٍ ليُرَفِّهوا عن أنفسهم، ليُزيلوا عنها الأَلَم، التَّعَب، لكن ما فيه، لا يُزيل ذلك عنك إلا أيش؟ إلا الإيمان الحقيقي، هو الذي يؤدِّي إلى الطمأنينة، فالنفس المطمئنة هي المؤمِنة، أيش؟ الآمنة، مؤمِنة في الدنيا، آمِنة من عذاب الله يوم القيامة، اللهمَّ اجعلْ نفوسَنا هكذا.
يا إخواني، قال بعض السلف كلمةً عجيبةً، قال: «لو يعلم الملوكُ وأبناءُ الملوك ما نحن فيه لَجالَدُونا عليه بالسيوف»[[القول لإبراهيم بن أدهم الزاهد، وقد أخرجه البيهقي في الزهد الكبير (٨٠).]]. هل تجدون أنعم في الدنيا من الملوك وأبنائهم؟ أجيبوا.
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، لا يوجد أحد أنعم منهم في الظاهر؛ يعني نعومة الجسد أو نعمة الجسد، لكن قلوبهم ليست كقلوب المؤمنين، المؤمن الذي ليس عليه إلا ثوبٌ مُرَقَّع وكوخٌ لا يحميه من المطر ولا من الحر ولكنه مؤمن، دُنياه ونعيمه في الدنيا أفضل من الملوك وأبناء الملوك؛ لأن قلبه مستنيرٌ بنور الله، بنور الإيمان.
شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- حُبِس وأُوذِي في الله عز وجل، فلمَّا أُدخِل الحبسَ وأغلقوا عليه الباب قال رحمه الله: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد ١٣]. يقول هذا تحدُّثًا بنعمة الله لا افتخارًا، ثم قال: ما يصنع أعدائي بي؟! أيُّ شيءٍ يصنعون؟! إن جَنَّتي في صدري. ما هي الجنة؟ الإيمان والعلم واليقين، وإن حَبْسي خَلْوة، ونَفْيي -إن نَفَوه من البلد- سياحة، وقتلي شهادة. سبحان الله! هذا اليقين، هذه الطمأنينة، الإنسان لو دخل الحبس عندنا كان يُخَمِّس ويُسَدِّس: ما مستقبلي! ما مستقبل أولادي! أهلي! قومي! هذا يقول: جَنَّتي في صدري. وصَدَق، ولعل هذا هو السر في قوله تبارك وتعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان ٥٦]، يعني في الجنة ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾، معلومٌ الجنة ما فيها موتة لا أولى ولا ثانية، لكن لَمَّا كان نعيم القلب ممتدًّا من الدنيا إلى دخول الجنة صارتْ كأنَّ الدنيا والآخرة كلها جنة، وليس فيها إلا موتة واحدة، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يُحسِن لنا ولكم الخاتمة، وأن يجمعنا وإياكم وإخواننا المسلمين الذين أنعم الله عليهم في الجنة من النبيِّين والصديقين والشهداء والصالحين، إنه على كل شيء قدير.
يقول تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾. ﴿رَاضِيَةً﴾ بما أعطاكِ الله من النعيم، ﴿مَرْضِيَّةً﴾ عند الله عز وجل؛ كما قال تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة ١١٩].
﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر ٢٩] أي: ادخلي في عبادي الصالحين، من جملتهم؛ لأن الصالحين عباد الله هم خير طبقات البشر، البشر طبقاته ثلاث: مُنعَمٌ عليهم، ومغضوبٌ عليهم، وضالُّون. كلُّ هذه الطبقات مذكورة في سورة، ما هي؟
* الطلبة: الفاتحة.
* الشيخ: سورة الفاتحة؛ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة ٦، ٧].
وأنا بأسألكم، هل أنتم عندما تقرؤون هذه الآية، هل أحدكم يشعر بأن الذين أنعمَ اللهُ عليهم هم النبيُّون والصديقون والشهداء والصالحون ويشعر بأنه يسأل الله أن يهديه صِراطَ هؤلاء؟
أكثر الناس لا يشعر، أكثر الناس يقرؤها هكذا، لكن ما يشعر أن هذه تاريخ؛ يعني تُشير إلى تاريخ الأُمَم.
وأمَّا الطبقة الثانية ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ هم اليهود وأشباه اليهود مِن كلِّ مَن عَلِمَ الحقَّ وخالفه، كلُّ مَن عَلِمَ الحقَّ وخالفه ففيه شَبَهٌ من اليهود كما قال سفيان بن عيينة رحمه الله، قال: «مَن فَسَدَ من علمائنا ففيه شَبَهٌ من اليهود»[[ذكره ابن كثير (٤ / ١٣٨) عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤].]].
(الضالون) مَن؟ النصارى، هم الذين جَهِلوا الحقَّ، أرادوه لكن عموا عنه، والعياذ بالله، ما اهتدوا إليه، قال ابن عيينة: «وكلُّ مَن فَسَدَ مِن عُبَّادنا ففيه شَبَهٌ من النصارى»[[السابق.]]. لأنهم -العُبَّاد- يريدون الخير، يريدون العبادة، لكن ما عندهم عِلْم، فهم ضالُّون.
فأقول يا إخواني: الناس طبقاتٌ ثلاث: المنعَم عليهم، والمغضوب عليهم، والضالون.
وهنا يقول: ﴿ادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ مَن العِباد؟ المراد أيُّ الطبقات؟ الطبقة الأولى المنعم عليهم.
﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر ٣٠] جنَّته التي أعدَّها الله عز وجل لأوليائه، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهلها، أضافها الله إلى نفسه تشريفًا لها وتعظيمًا، وإعلامًا للخَلْق بعنايته بها جل وعلا، والله سبحانه وتعالى قد خَلَقَها خلقًا غير خَلْق الدنيا، خَلَقَ لنا في الدنيا فاكهةً ونخلًا ورُمَّانًا، في الجنة فاكهةٌ ونخلٌ ورُمَّانٌ، أتظنُّون أن ما في الجنة كالذي في الدنيا؟ أبدًا، لا يمكن؛ لأن الله يقول: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة ١٧]، ولو كان ما في الجنة كالذي في الدنيا لكُنَّا نعلم، إذا هو مِثْله في الاسم، لكن ليس مِثْلَه في الحقيقة ولا في الكيفية، ولهذا قال: ﴿ادْخُلِي جَنَّتِي﴾ فأضافها الله إلى نفسه للدلالة على شَرَفِها وعنايةِ الله بها، وهذا يُوجِب للإنسان أن يَرْغب فيها غايةَ الرغبة، كما أنه يرغب في بيوت الله اللي هي المساجد لأنه أضافها لنفسه، فكذلك يرغب في هذه الدار التي أضافها الله إلى نفسه، والأمر يسيرٌ؛ «قال رجلٌ للرسول ﷺ: دُلَّني على عملٍ يُدخِلُني الجنةَ ويُباعِدُني من النار. فقال: «لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ». هو صحيح عظيم؛ ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران ١٨٥]، ولكن «وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ» اللهمَّ يَسِّرنا لليُسرى «لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ؛ تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ ...»[[أخرجه أحمد (٢٢٠١٦) من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه.]]، وذكر الحديث، المهمُّ أن الدين -والحمد لله- يسيرٌ وسهلٌ، لكن النفوسُ الأمَّارةُ بالسوء هي التي تحول بيننا وبين ديننا، والشهواتُ، والشبهاتُ. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة ٢٠١]، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران ٨].
* * *
يقول الله عز وجل: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد ١، ٢].
ولي تعريجة يسيرة على ما سبق في الدرس الماضي في قوله تعالى: ﴿﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثَقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ ﴾ [الفجر: ٢٥، ٢٦]، فإني قرأتُها هكذا، وفسَّرتُها على هذه القراءة؛ لأنَّ في الآيتين المذكورتين قراءتين: القراءة الأولى التي في المصحف: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ أي: لا يُعَذِّب عذابَ اللهِ أحدٌ، بل عذابُ اللهِ أشدُّ، ولا يُوثِق وثاقَ اللهِ أحدٌ، بل هو أشدُّ.
أمَّا على قراءة ﴿﴿لَا يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ ﴾ أي: لا يعذَّب عذابَ هذا الرجلِ ولا يُوثَق وثاقَ هذا الرجلِ، وهذا هو الذي قرأنا الآية عليه وفسَّرناها به، فلأجل هذا جرى التنبيه.
الفجر 89:26
قال تعالى: ﴿﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثَقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ ﴾ [الفجر: ٢٥، ٢٦]، يعني في هذا اليوم لا أحدَ يُعَذَّب عذابَه، ولا أحدَ يُوثَق وثاقَه، ومعلومٌ أن هذا الكافر -المؤمن، يأتينا ذكْر المؤمن إن شاء الله- الكافر لا يعذَّب أحدٌ عذابَه في ذلك اليوم، وأُخبِركم لماذا؟ لأنه يُلقَى على أهل النار في الموقف العطشُ الشديدُ، فينظرون إلى النار كأنها السَّراب، والسراب هو ما يشاهده الإنسان في أيام الصيف في عزة الحرِّ من البقاع حتى يُخَيَّل إليه أنه ماء، ينظرون إلى النار كأنها سرابٌ وهم عِطاش فيتهافتون عليها، يذهبون إليها سِراعًا يريدون أي شيء؟ يريدون الشُّرب، فإذا جاؤوها ﴿فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الزمر ٧١]، قد قامت عليكم الحجَّة، فيُوَبِّخونهم قبل أن يدخلوا النار، والتوبيخ عذابٌ قلبيٌّ وألَمٌ نفسيٌّ قبل أن يذوقوا ألَمَ النار والعياذ بالله، أعاذني الله وإياكم منها.
في النار يوبِّخهم الجبار عز وجل توبيخًا أعظم من هذا؛ يقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون ١٠٦، ١٠٧]، قال الله تعالى وهو أرحم الراحمين: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨]، أبلغ من هذا الإذلال والعياذ بالله! ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ يقولها أرحم الراحمين، فمَن يرحمهم بعد الرحمن؟! لا راحِمَ لهم. وقد أخبر النبي ﷺ «بأنَّ أهونَ أهل النار عذابًا مَن عليه نعلانِ يغلي منهما دِماغُه، ولا يرى أن أحدًا أشدُّ منه عذابًا، يرى أنه أشدُّ الناسِ عذابًا وهو أهونهم عذابًا، وعليه نعلانِ يغلي منهما الدماغ»[[أخرج مسلم في صحيحه (٢١٣ / ٣٦٤) بسنده عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا مَنْ لَهُ نَعْلَانِ وَشِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَلُ، مَا يَرَى أَنَّ أَحدًا أَشَدُّ مِنْهُ عَذَابًا، وَإِنَّهُ لَأَهْوَنُهُمْ عَذَابًا».]]، النعلان في أسفل البدن والدماغ في أعلاه، فإذا كان أعلى البدن يغلي من أسفله فالوسط من بابِ أشد، أجارنا الله وإياكم من النار.
﴿﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثَقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ ﴾ لأنهم -والعياذُ بالله- يُوثَقون؛ ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة ٣٢]. أَدخِلوه في هذه السلسلة، تُغَلُّ أيديهم، نسأل الله العافية، ولا أحد يتصوَّر الآن ما هم فيه من البؤس والشقاء والعذاب، واللهِ إن الإنسان أحيانًا يتمنى أنه لم يُخلَق خوفًا من النار؛ «كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: ليت أمِّي لم تلدْني، ليتني شجرةٌ تُعْضَد»[[الشطر الأول: "ليت أُمِّي لم تلدْني" أخرجه ابن أبي شيبة (٣٤٤٨٠) من قول عمر رضي الله عنه، أما الشطر الثاني: "يا ليتني شجرةٌ تُعضَد" فأخرجه ابن أبي شيبة (٣٤٥٢١) من قول ابن مسعود، وأخرجه أحمد في الزهد (٧٨٦) من قول أبي ذر، وأخرجه ابن أبي الدنيا في المتمنين (١٠) من قول أبي بكر، وأخرجه البيهقي في الشُّعَب (٧٦٨) من قول أبي الدرداء، رضي الله عنهم.]]. لأن الإنسان ما يدري؛ أولًا: ما يدري ما هو عليه الآن، هل هو على صواب أو على خطأ؟ هل في عباداته رياء؟ هل في عباداته بدعة؟ ثم لا يرى أيضًا -وهو أخطر- لا يرى ماذا يُختَم له به؛ «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٩٤)، ومسلم (٢٦٤٣ / ١)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.]]. مَن الذي يأمن عند الموت أن يُصَدَّ و يُضَلَّ ويأتيه الشيطان يقول: أنا أبوك، اتركْ يا بُنَيَّ الإسلامَ وكنْ نصرانيًّا أو يهوديًّا، لأن بعض الناس -والعياذ بالله- عند الموت يُفتَن؛ تُعرَض عليه الأديان ويقال: اختر النصارى، اختر اليهود، أعرِضْ عن الإسلام. ولهذا (...) ومن فتنة المحيا وأيش؟ والممات، ومَن الذي يأمن؟ أسأل الله أن يُحسِن لي ولكم الخاتمة، من الذي يأمن؟ إذَن على الإنسان أن يستعد، ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾.
ثم ختم الله تعالى هذه السورة بما يبهج القلب ويشرح الصدر فقال: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾، اللهمَّ اجعلْ نفوسَنا مطمئنة، ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر ٢٧، ٢٨]. ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ يُقال هذا القول للإنسان عند النَّزْع في آخِر لحظةٍ من الدنيا، يُقال لروحه: اخرجي أيتها النفس المطمئنة، اخرجي إلى رحمةٍ من الله ورضوان، فتستبشر، تفرح، ويسهل خروجها من البدن؛ لأنها بُشِّرت بما هو أنعم مما في الدنيا كلِّها، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه البخاري (٣٢٥٠) من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه.]]. سوط الإنسان: العصا القصيرة، موضع السوط في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها، وليست دنياك أنت، الدنيا من أولها إلى آخِرها بما فيها من النعيم والْمُلْك والرفاهية وغيرها، موضعُ سوطٍ خيرٌ من الدنيا وما فيها، فكيف بِمَن ينظر في مُلْكه مسيرة ألفيْ عام، ألفيْ سنة، يرى أقصاه كما يرى أدناه! نعيمٌ لا يمكن أن ندركه بنفوسنا ولا بتصوُّرنا؛ ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧].
معنى ﴿الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ يعني المؤمنة الآمنة؛ لأنك لا تجد أطْمَنَ نفسًا من نفس المؤمن أبدًا، المؤمن يا إخواني نفسُه طيِّبة مطمئنة، ولهذا تعجَّب الرسول ﷺ من المؤمن، قال: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٩٩) من حديث صهيب رضي الله عنه.]]، مطمئن، ماشٍ مع الله بقضائه وقدره، لا يسخط عند المصائب، ولا يَبْطر عند النعم، بل هو شاكرٌ عند النعم صابرٌ عند البلاء، فتجده مطمئنًّا، لكن الكافر أو ضعيف الإيمان لا يطمئنُّ؛ إذا أصابه البلاء جزعَ وسخِطَ ورأى أنه مظلومٌ من قِبَل اللهِ، والعياذ بالله، حتى إن بعضهم ينتحر، ما يصبر، ما يطمئن، يكون دائمًا في قلق، ينظر إلى نفسه وإذا هو قليل المال، قليل العيال، ليس عنده زوجة، ليس له قومٌ يحمونه، فيقول: أنا لستُ في نعمة؛ لأن فلانًا عنده مال، عنده زوجات، عنده أولاد، عنده قبيلة تحميه، أنا ليس عندي. فلا يرى لله عليه نعمة؛ لأنه ضعيف الإيمان، فليس بمطمئن، دائمًا في قلق، ولهذا نجد الناسَ الآن يذهبون إلى كل مكانٍ ليُرَفِّهوا عن أنفسهم، ليُزيلوا عنها الأَلَم، التَّعَب، لكن ما فيه، لا يُزيل ذلك عنك إلا أيش؟ إلا الإيمان الحقيقي، هو الذي يؤدِّي إلى الطمأنينة، فالنفس المطمئنة هي المؤمِنة، أيش؟ الآمنة، مؤمِنة في الدنيا، آمِنة من عذاب الله يوم القيامة، اللهمَّ اجعلْ نفوسَنا هكذا.
يا إخواني، قال بعض السلف كلمةً عجيبةً، قال: «لو يعلم الملوكُ وأبناءُ الملوك ما نحن فيه لَجالَدُونا عليه بالسيوف»[[القول لإبراهيم بن أدهم الزاهد، وقد أخرجه البيهقي في الزهد الكبير (٨٠).]]. هل تجدون أنعم في الدنيا من الملوك وأبنائهم؟ أجيبوا.
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، لا يوجد أحد أنعم منهم في الظاهر؛ يعني نعومة الجسد أو نعمة الجسد، لكن قلوبهم ليست كقلوب المؤمنين، المؤمن الذي ليس عليه إلا ثوبٌ مُرَقَّع وكوخٌ لا يحميه من المطر ولا من الحر ولكنه مؤمن، دُنياه ونعيمه في الدنيا أفضل من الملوك وأبناء الملوك؛ لأن قلبه مستنيرٌ بنور الله، بنور الإيمان.
شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- حُبِس وأُوذِي في الله عز وجل، فلمَّا أُدخِل الحبسَ وأغلقوا عليه الباب قال رحمه الله: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد ١٣]. يقول هذا تحدُّثًا بنعمة الله لا افتخارًا، ثم قال: ما يصنع أعدائي بي؟! أيُّ شيءٍ يصنعون؟! إن جَنَّتي في صدري. ما هي الجنة؟ الإيمان والعلم واليقين، وإن حَبْسي خَلْوة، ونَفْيي -إن نَفَوه من البلد- سياحة، وقتلي شهادة. سبحان الله! هذا اليقين، هذه الطمأنينة، الإنسان لو دخل الحبس عندنا كان يُخَمِّس ويُسَدِّس: ما مستقبلي! ما مستقبل أولادي! أهلي! قومي! هذا يقول: جَنَّتي في صدري. وصَدَق، ولعل هذا هو السر في قوله تبارك وتعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان ٥٦]، يعني في الجنة ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾، معلومٌ الجنة ما فيها موتة لا أولى ولا ثانية، لكن لَمَّا كان نعيم القلب ممتدًّا من الدنيا إلى دخول الجنة صارتْ كأنَّ الدنيا والآخرة كلها جنة، وليس فيها إلا موتة واحدة، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يُحسِن لنا ولكم الخاتمة، وأن يجمعنا وإياكم وإخواننا المسلمين الذين أنعم الله عليهم في الجنة من النبيِّين والصديقين والشهداء والصالحين، إنه على كل شيء قدير.
يقول تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾. ﴿رَاضِيَةً﴾ بما أعطاكِ الله من النعيم، ﴿مَرْضِيَّةً﴾ عند الله عز وجل؛ كما قال تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة ١١٩].
﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر ٢٩] أي: ادخلي في عبادي الصالحين، من جملتهم؛ لأن الصالحين عباد الله هم خير طبقات البشر، البشر طبقاته ثلاث: مُنعَمٌ عليهم، ومغضوبٌ عليهم، وضالُّون. كلُّ هذه الطبقات مذكورة في سورة، ما هي؟
* الطلبة: الفاتحة.
* الشيخ: سورة الفاتحة؛ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة ٦، ٧].
وأنا بأسألكم، هل أنتم عندما تقرؤون هذه الآية، هل أحدكم يشعر بأن الذين أنعمَ اللهُ عليهم هم النبيُّون والصديقون والشهداء والصالحون ويشعر بأنه يسأل الله أن يهديه صِراطَ هؤلاء؟
أكثر الناس لا يشعر، أكثر الناس يقرؤها هكذا، لكن ما يشعر أن هذه تاريخ؛ يعني تُشير إلى تاريخ الأُمَم.
وأمَّا الطبقة الثانية ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ هم اليهود وأشباه اليهود مِن كلِّ مَن عَلِمَ الحقَّ وخالفه، كلُّ مَن عَلِمَ الحقَّ وخالفه ففيه شَبَهٌ من اليهود كما قال سفيان بن عيينة رحمه الله، قال: «مَن فَسَدَ من علمائنا ففيه شَبَهٌ من اليهود»[[ذكره ابن كثير (٤ / ١٣٨) عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤].]].
(الضالون) مَن؟ النصارى، هم الذين جَهِلوا الحقَّ، أرادوه لكن عموا عنه، والعياذ بالله، ما اهتدوا إليه، قال ابن عيينة: «وكلُّ مَن فَسَدَ مِن عُبَّادنا ففيه شَبَهٌ من النصارى»[[السابق.]]. لأنهم -العُبَّاد- يريدون الخير، يريدون العبادة، لكن ما عندهم عِلْم، فهم ضالُّون.
فأقول يا إخواني: الناس طبقاتٌ ثلاث: المنعَم عليهم، والمغضوب عليهم، والضالون.
وهنا يقول: ﴿ادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ مَن العِباد؟ المراد أيُّ الطبقات؟ الطبقة الأولى المنعم عليهم.
﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر ٣٠] جنَّته التي أعدَّها الله عز وجل لأوليائه، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهلها، أضافها الله إلى نفسه تشريفًا لها وتعظيمًا، وإعلامًا للخَلْق بعنايته بها جل وعلا، والله سبحانه وتعالى قد خَلَقَها خلقًا غير خَلْق الدنيا، خَلَقَ لنا في الدنيا فاكهةً ونخلًا ورُمَّانًا، في الجنة فاكهةٌ ونخلٌ ورُمَّانٌ، أتظنُّون أن ما في الجنة كالذي في الدنيا؟ أبدًا، لا يمكن؛ لأن الله يقول: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة ١٧]، ولو كان ما في الجنة كالذي في الدنيا لكُنَّا نعلم، إذا هو مِثْله في الاسم، لكن ليس مِثْلَه في الحقيقة ولا في الكيفية، ولهذا قال: ﴿ادْخُلِي جَنَّتِي﴾ فأضافها الله إلى نفسه للدلالة على شَرَفِها وعنايةِ الله بها، وهذا يُوجِب للإنسان أن يَرْغب فيها غايةَ الرغبة، كما أنه يرغب في بيوت الله اللي هي المساجد لأنه أضافها لنفسه، فكذلك يرغب في هذه الدار التي أضافها الله إلى نفسه، والأمر يسيرٌ؛ «قال رجلٌ للرسول ﷺ: دُلَّني على عملٍ يُدخِلُني الجنةَ ويُباعِدُني من النار. فقال: «لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ». هو صحيح عظيم؛ ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران ١٨٥]، ولكن «وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ» اللهمَّ يَسِّرنا لليُسرى «لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ؛ تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ ...»[[أخرجه أحمد (٢٢٠١٦) من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه.]]، وذكر الحديث، المهمُّ أن الدين -والحمد لله- يسيرٌ وسهلٌ، لكن النفوسُ الأمَّارةُ بالسوء هي التي تحول بيننا وبين ديننا، والشهواتُ، والشبهاتُ. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة ٢٠١]، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران ٨].
* * *
يقول الله عز وجل: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد ١، ٢].
ولي تعريجة يسيرة على ما سبق في الدرس الماضي في قوله تعالى: ﴿﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثَقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ ﴾ [الفجر: ٢٥، ٢٦]، فإني قرأتُها هكذا، وفسَّرتُها على هذه القراءة؛ لأنَّ في الآيتين المذكورتين قراءتين: القراءة الأولى التي في المصحف: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ أي: لا يُعَذِّب عذابَ اللهِ أحدٌ، بل عذابُ اللهِ أشدُّ، ولا يُوثِق وثاقَ اللهِ أحدٌ، بل هو أشدُّ.
أمَّا على قراءة ﴿﴿لَا يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ ﴾ أي: لا يعذَّب عذابَ هذا الرجلِ ولا يُوثَق وثاقَ هذا الرجلِ، وهذا هو الذي قرأنا الآية عليه وفسَّرناها به، فلأجل هذا جرى التنبيه.
الفجر 89:27
قال تعالى: ﴿﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثَقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ ﴾ [الفجر: ٢٥، ٢٦]، يعني في هذا اليوم لا أحدَ يُعَذَّب عذابَه، ولا أحدَ يُوثَق وثاقَه، ومعلومٌ أن هذا الكافر -المؤمن، يأتينا ذكْر المؤمن إن شاء الله- الكافر لا يعذَّب أحدٌ عذابَه في ذلك اليوم، وأُخبِركم لماذا؟ لأنه يُلقَى على أهل النار في الموقف العطشُ الشديدُ، فينظرون إلى النار كأنها السَّراب، والسراب هو ما يشاهده الإنسان في أيام الصيف في عزة الحرِّ من البقاع حتى يُخَيَّل إليه أنه ماء، ينظرون إلى النار كأنها سرابٌ وهم عِطاش فيتهافتون عليها، يذهبون إليها سِراعًا يريدون أي شيء؟ يريدون الشُّرب، فإذا جاؤوها ﴿فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الزمر ٧١]، قد قامت عليكم الحجَّة، فيُوَبِّخونهم قبل أن يدخلوا النار، والتوبيخ عذابٌ قلبيٌّ وألَمٌ نفسيٌّ قبل أن يذوقوا ألَمَ النار والعياذ بالله، أعاذني الله وإياكم منها.
في النار يوبِّخهم الجبار عز وجل توبيخًا أعظم من هذا؛ يقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون ١٠٦، ١٠٧]، قال الله تعالى وهو أرحم الراحمين: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨]، أبلغ من هذا الإذلال والعياذ بالله! ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ يقولها أرحم الراحمين، فمَن يرحمهم بعد الرحمن؟! لا راحِمَ لهم. وقد أخبر النبي ﷺ «بأنَّ أهونَ أهل النار عذابًا مَن عليه نعلانِ يغلي منهما دِماغُه، ولا يرى أن أحدًا أشدُّ منه عذابًا، يرى أنه أشدُّ الناسِ عذابًا وهو أهونهم عذابًا، وعليه نعلانِ يغلي منهما الدماغ»[[أخرج مسلم في صحيحه (٢١٣ / ٣٦٤) بسنده عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا مَنْ لَهُ نَعْلَانِ وَشِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَلُ، مَا يَرَى أَنَّ أَحدًا أَشَدُّ مِنْهُ عَذَابًا، وَإِنَّهُ لَأَهْوَنُهُمْ عَذَابًا».]]، النعلان في أسفل البدن والدماغ في أعلاه، فإذا كان أعلى البدن يغلي من أسفله فالوسط من بابِ أشد، أجارنا الله وإياكم من النار.
﴿﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثَقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ ﴾ لأنهم -والعياذُ بالله- يُوثَقون؛ ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة ٣٢]. أَدخِلوه في هذه السلسلة، تُغَلُّ أيديهم، نسأل الله العافية، ولا أحد يتصوَّر الآن ما هم فيه من البؤس والشقاء والعذاب، واللهِ إن الإنسان أحيانًا يتمنى أنه لم يُخلَق خوفًا من النار؛ «كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: ليت أمِّي لم تلدْني، ليتني شجرةٌ تُعْضَد»[[الشطر الأول: "ليت أُمِّي لم تلدْني" أخرجه ابن أبي شيبة (٣٤٤٨٠) من قول عمر رضي الله عنه، أما الشطر الثاني: "يا ليتني شجرةٌ تُعضَد" فأخرجه ابن أبي شيبة (٣٤٥٢١) من قول ابن مسعود، وأخرجه أحمد في الزهد (٧٨٦) من قول أبي ذر، وأخرجه ابن أبي الدنيا في المتمنين (١٠) من قول أبي بكر، وأخرجه البيهقي في الشُّعَب (٧٦٨) من قول أبي الدرداء، رضي الله عنهم.]]. لأن الإنسان ما يدري؛ أولًا: ما يدري ما هو عليه الآن، هل هو على صواب أو على خطأ؟ هل في عباداته رياء؟ هل في عباداته بدعة؟ ثم لا يرى أيضًا -وهو أخطر- لا يرى ماذا يُختَم له به؛ «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٩٤)، ومسلم (٢٦٤٣ / ١)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.]]. مَن الذي يأمن عند الموت أن يُصَدَّ و يُضَلَّ ويأتيه الشيطان يقول: أنا أبوك، اتركْ يا بُنَيَّ الإسلامَ وكنْ نصرانيًّا أو يهوديًّا، لأن بعض الناس -والعياذ بالله- عند الموت يُفتَن؛ تُعرَض عليه الأديان ويقال: اختر النصارى، اختر اليهود، أعرِضْ عن الإسلام. ولهذا (...) ومن فتنة المحيا وأيش؟ والممات، ومَن الذي يأمن؟ أسأل الله أن يُحسِن لي ولكم الخاتمة، من الذي يأمن؟ إذَن على الإنسان أن يستعد، ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾.
ثم ختم الله تعالى هذه السورة بما يبهج القلب ويشرح الصدر فقال: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾، اللهمَّ اجعلْ نفوسَنا مطمئنة، ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر ٢٧، ٢٨]. ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ يُقال هذا القول للإنسان عند النَّزْع في آخِر لحظةٍ من الدنيا، يُقال لروحه: اخرجي أيتها النفس المطمئنة، اخرجي إلى رحمةٍ من الله ورضوان، فتستبشر، تفرح، ويسهل خروجها من البدن؛ لأنها بُشِّرت بما هو أنعم مما في الدنيا كلِّها، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه البخاري (٣٢٥٠) من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه.]]. سوط الإنسان: العصا القصيرة، موضع السوط في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها، وليست دنياك أنت، الدنيا من أولها إلى آخِرها بما فيها من النعيم والْمُلْك والرفاهية وغيرها، موضعُ سوطٍ خيرٌ من الدنيا وما فيها، فكيف بِمَن ينظر في مُلْكه مسيرة ألفيْ عام، ألفيْ سنة، يرى أقصاه كما يرى أدناه! نعيمٌ لا يمكن أن ندركه بنفوسنا ولا بتصوُّرنا؛ ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧].
معنى ﴿الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ يعني المؤمنة الآمنة؛ لأنك لا تجد أطْمَنَ نفسًا من نفس المؤمن أبدًا، المؤمن يا إخواني نفسُه طيِّبة مطمئنة، ولهذا تعجَّب الرسول ﷺ من المؤمن، قال: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٩٩) من حديث صهيب رضي الله عنه.]]، مطمئن، ماشٍ مع الله بقضائه وقدره، لا يسخط عند المصائب، ولا يَبْطر عند النعم، بل هو شاكرٌ عند النعم صابرٌ عند البلاء، فتجده مطمئنًّا، لكن الكافر أو ضعيف الإيمان لا يطمئنُّ؛ إذا أصابه البلاء جزعَ وسخِطَ ورأى أنه مظلومٌ من قِبَل اللهِ، والعياذ بالله، حتى إن بعضهم ينتحر، ما يصبر، ما يطمئن، يكون دائمًا في قلق، ينظر إلى نفسه وإذا هو قليل المال، قليل العيال، ليس عنده زوجة، ليس له قومٌ يحمونه، فيقول: أنا لستُ في نعمة؛ لأن فلانًا عنده مال، عنده زوجات، عنده أولاد، عنده قبيلة تحميه، أنا ليس عندي. فلا يرى لله عليه نعمة؛ لأنه ضعيف الإيمان، فليس بمطمئن، دائمًا في قلق، ولهذا نجد الناسَ الآن يذهبون إلى كل مكانٍ ليُرَفِّهوا عن أنفسهم، ليُزيلوا عنها الأَلَم، التَّعَب، لكن ما فيه، لا يُزيل ذلك عنك إلا أيش؟ إلا الإيمان الحقيقي، هو الذي يؤدِّي إلى الطمأنينة، فالنفس المطمئنة هي المؤمِنة، أيش؟ الآمنة، مؤمِنة في الدنيا، آمِنة من عذاب الله يوم القيامة، اللهمَّ اجعلْ نفوسَنا هكذا.
يا إخواني، قال بعض السلف كلمةً عجيبةً، قال: «لو يعلم الملوكُ وأبناءُ الملوك ما نحن فيه لَجالَدُونا عليه بالسيوف»[[القول لإبراهيم بن أدهم الزاهد، وقد أخرجه البيهقي في الزهد الكبير (٨٠).]]. هل تجدون أنعم في الدنيا من الملوك وأبنائهم؟ أجيبوا.
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، لا يوجد أحد أنعم منهم في الظاهر؛ يعني نعومة الجسد أو نعمة الجسد، لكن قلوبهم ليست كقلوب المؤمنين، المؤمن الذي ليس عليه إلا ثوبٌ مُرَقَّع وكوخٌ لا يحميه من المطر ولا من الحر ولكنه مؤمن، دُنياه ونعيمه في الدنيا أفضل من الملوك وأبناء الملوك؛ لأن قلبه مستنيرٌ بنور الله، بنور الإيمان.
شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- حُبِس وأُوذِي في الله عز وجل، فلمَّا أُدخِل الحبسَ وأغلقوا عليه الباب قال رحمه الله: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد ١٣]. يقول هذا تحدُّثًا بنعمة الله لا افتخارًا، ثم قال: ما يصنع أعدائي بي؟! أيُّ شيءٍ يصنعون؟! إن جَنَّتي في صدري. ما هي الجنة؟ الإيمان والعلم واليقين، وإن حَبْسي خَلْوة، ونَفْيي -إن نَفَوه من البلد- سياحة، وقتلي شهادة. سبحان الله! هذا اليقين، هذه الطمأنينة، الإنسان لو دخل الحبس عندنا كان يُخَمِّس ويُسَدِّس: ما مستقبلي! ما مستقبل أولادي! أهلي! قومي! هذا يقول: جَنَّتي في صدري. وصَدَق، ولعل هذا هو السر في قوله تبارك وتعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان ٥٦]، يعني في الجنة ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾، معلومٌ الجنة ما فيها موتة لا أولى ولا ثانية، لكن لَمَّا كان نعيم القلب ممتدًّا من الدنيا إلى دخول الجنة صارتْ كأنَّ الدنيا والآخرة كلها جنة، وليس فيها إلا موتة واحدة، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يُحسِن لنا ولكم الخاتمة، وأن يجمعنا وإياكم وإخواننا المسلمين الذين أنعم الله عليهم في الجنة من النبيِّين والصديقين والشهداء والصالحين، إنه على كل شيء قدير.
يقول تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾. ﴿رَاضِيَةً﴾ بما أعطاكِ الله من النعيم، ﴿مَرْضِيَّةً﴾ عند الله عز وجل؛ كما قال تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة ١١٩].
﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر ٢٩] أي: ادخلي في عبادي الصالحين، من جملتهم؛ لأن الصالحين عباد الله هم خير طبقات البشر، البشر طبقاته ثلاث: مُنعَمٌ عليهم، ومغضوبٌ عليهم، وضالُّون. كلُّ هذه الطبقات مذكورة في سورة، ما هي؟
* الطلبة: الفاتحة.
* الشيخ: سورة الفاتحة؛ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة ٦، ٧].
وأنا بأسألكم، هل أنتم عندما تقرؤون هذه الآية، هل أحدكم يشعر بأن الذين أنعمَ اللهُ عليهم هم النبيُّون والصديقون والشهداء والصالحون ويشعر بأنه يسأل الله أن يهديه صِراطَ هؤلاء؟
أكثر الناس لا يشعر، أكثر الناس يقرؤها هكذا، لكن ما يشعر أن هذه تاريخ؛ يعني تُشير إلى تاريخ الأُمَم.
وأمَّا الطبقة الثانية ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ هم اليهود وأشباه اليهود مِن كلِّ مَن عَلِمَ الحقَّ وخالفه، كلُّ مَن عَلِمَ الحقَّ وخالفه ففيه شَبَهٌ من اليهود كما قال سفيان بن عيينة رحمه الله، قال: «مَن فَسَدَ من علمائنا ففيه شَبَهٌ من اليهود»[[ذكره ابن كثير (٤ / ١٣٨) عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤].]].
(الضالون) مَن؟ النصارى، هم الذين جَهِلوا الحقَّ، أرادوه لكن عموا عنه، والعياذ بالله، ما اهتدوا إليه، قال ابن عيينة: «وكلُّ مَن فَسَدَ مِن عُبَّادنا ففيه شَبَهٌ من النصارى»[[السابق.]]. لأنهم -العُبَّاد- يريدون الخير، يريدون العبادة، لكن ما عندهم عِلْم، فهم ضالُّون.
فأقول يا إخواني: الناس طبقاتٌ ثلاث: المنعَم عليهم، والمغضوب عليهم، والضالون.
وهنا يقول: ﴿ادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ مَن العِباد؟ المراد أيُّ الطبقات؟ الطبقة الأولى المنعم عليهم.
﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر ٣٠] جنَّته التي أعدَّها الله عز وجل لأوليائه، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهلها، أضافها الله إلى نفسه تشريفًا لها وتعظيمًا، وإعلامًا للخَلْق بعنايته بها جل وعلا، والله سبحانه وتعالى قد خَلَقَها خلقًا غير خَلْق الدنيا، خَلَقَ لنا في الدنيا فاكهةً ونخلًا ورُمَّانًا، في الجنة فاكهةٌ ونخلٌ ورُمَّانٌ، أتظنُّون أن ما في الجنة كالذي في الدنيا؟ أبدًا، لا يمكن؛ لأن الله يقول: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة ١٧]، ولو كان ما في الجنة كالذي في الدنيا لكُنَّا نعلم، إذا هو مِثْله في الاسم، لكن ليس مِثْلَه في الحقيقة ولا في الكيفية، ولهذا قال: ﴿ادْخُلِي جَنَّتِي﴾ فأضافها الله إلى نفسه للدلالة على شَرَفِها وعنايةِ الله بها، وهذا يُوجِب للإنسان أن يَرْغب فيها غايةَ الرغبة، كما أنه يرغب في بيوت الله اللي هي المساجد لأنه أضافها لنفسه، فكذلك يرغب في هذه الدار التي أضافها الله إلى نفسه، والأمر يسيرٌ؛ «قال رجلٌ للرسول ﷺ: دُلَّني على عملٍ يُدخِلُني الجنةَ ويُباعِدُني من النار. فقال: «لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ». هو صحيح عظيم؛ ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران ١٨٥]، ولكن «وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ» اللهمَّ يَسِّرنا لليُسرى «لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ؛ تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ ...»[[أخرجه أحمد (٢٢٠١٦) من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه.]]، وذكر الحديث، المهمُّ أن الدين -والحمد لله- يسيرٌ وسهلٌ، لكن النفوسُ الأمَّارةُ بالسوء هي التي تحول بيننا وبين ديننا، والشهواتُ، والشبهاتُ. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة ٢٠١]، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران ٨].
* * *
يقول الله عز وجل: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد ١، ٢].
ولي تعريجة يسيرة على ما سبق في الدرس الماضي في قوله تعالى: ﴿﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثَقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ ﴾ [الفجر: ٢٥، ٢٦]، فإني قرأتُها هكذا، وفسَّرتُها على هذه القراءة؛ لأنَّ في الآيتين المذكورتين قراءتين: القراءة الأولى التي في المصحف: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ أي: لا يُعَذِّب عذابَ اللهِ أحدٌ، بل عذابُ اللهِ أشدُّ، ولا يُوثِق وثاقَ اللهِ أحدٌ، بل هو أشدُّ.
أمَّا على قراءة ﴿﴿لَا يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ ﴾ أي: لا يعذَّب عذابَ هذا الرجلِ ولا يُوثَق وثاقَ هذا الرجلِ، وهذا هو الذي قرأنا الآية عليه وفسَّرناها به، فلأجل هذا جرى التنبيه.
الفجر 89:28
قال تعالى: ﴿﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثَقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ ﴾ [الفجر: ٢٥، ٢٦]، يعني في هذا اليوم لا أحدَ يُعَذَّب عذابَه، ولا أحدَ يُوثَق وثاقَه، ومعلومٌ أن هذا الكافر -المؤمن، يأتينا ذكْر المؤمن إن شاء الله- الكافر لا يعذَّب أحدٌ عذابَه في ذلك اليوم، وأُخبِركم لماذا؟ لأنه يُلقَى على أهل النار في الموقف العطشُ الشديدُ، فينظرون إلى النار كأنها السَّراب، والسراب هو ما يشاهده الإنسان في أيام الصيف في عزة الحرِّ من البقاع حتى يُخَيَّل إليه أنه ماء، ينظرون إلى النار كأنها سرابٌ وهم عِطاش فيتهافتون عليها، يذهبون إليها سِراعًا يريدون أي شيء؟ يريدون الشُّرب، فإذا جاؤوها ﴿فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الزمر ٧١]، قد قامت عليكم الحجَّة، فيُوَبِّخونهم قبل أن يدخلوا النار، والتوبيخ عذابٌ قلبيٌّ وألَمٌ نفسيٌّ قبل أن يذوقوا ألَمَ النار والعياذ بالله، أعاذني الله وإياكم منها.
في النار يوبِّخهم الجبار عز وجل توبيخًا أعظم من هذا؛ يقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون ١٠٦، ١٠٧]، قال الله تعالى وهو أرحم الراحمين: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨]، أبلغ من هذا الإذلال والعياذ بالله! ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ يقولها أرحم الراحمين، فمَن يرحمهم بعد الرحمن؟! لا راحِمَ لهم. وقد أخبر النبي ﷺ «بأنَّ أهونَ أهل النار عذابًا مَن عليه نعلانِ يغلي منهما دِماغُه، ولا يرى أن أحدًا أشدُّ منه عذابًا، يرى أنه أشدُّ الناسِ عذابًا وهو أهونهم عذابًا، وعليه نعلانِ يغلي منهما الدماغ»[[أخرج مسلم في صحيحه (٢١٣ / ٣٦٤) بسنده عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا مَنْ لَهُ نَعْلَانِ وَشِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَلُ، مَا يَرَى أَنَّ أَحدًا أَشَدُّ مِنْهُ عَذَابًا، وَإِنَّهُ لَأَهْوَنُهُمْ عَذَابًا».]]، النعلان في أسفل البدن والدماغ في أعلاه، فإذا كان أعلى البدن يغلي من أسفله فالوسط من بابِ أشد، أجارنا الله وإياكم من النار.
﴿﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثَقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ ﴾ لأنهم -والعياذُ بالله- يُوثَقون؛ ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة ٣٢]. أَدخِلوه في هذه السلسلة، تُغَلُّ أيديهم، نسأل الله العافية، ولا أحد يتصوَّر الآن ما هم فيه من البؤس والشقاء والعذاب، واللهِ إن الإنسان أحيانًا يتمنى أنه لم يُخلَق خوفًا من النار؛ «كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: ليت أمِّي لم تلدْني، ليتني شجرةٌ تُعْضَد»[[الشطر الأول: "ليت أُمِّي لم تلدْني" أخرجه ابن أبي شيبة (٣٤٤٨٠) من قول عمر رضي الله عنه، أما الشطر الثاني: "يا ليتني شجرةٌ تُعضَد" فأخرجه ابن أبي شيبة (٣٤٥٢١) من قول ابن مسعود، وأخرجه أحمد في الزهد (٧٨٦) من قول أبي ذر، وأخرجه ابن أبي الدنيا في المتمنين (١٠) من قول أبي بكر، وأخرجه البيهقي في الشُّعَب (٧٦٨) من قول أبي الدرداء، رضي الله عنهم.]]. لأن الإنسان ما يدري؛ أولًا: ما يدري ما هو عليه الآن، هل هو على صواب أو على خطأ؟ هل في عباداته رياء؟ هل في عباداته بدعة؟ ثم لا يرى أيضًا -وهو أخطر- لا يرى ماذا يُختَم له به؛ «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٩٤)، ومسلم (٢٦٤٣ / ١)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.]]. مَن الذي يأمن عند الموت أن يُصَدَّ و يُضَلَّ ويأتيه الشيطان يقول: أنا أبوك، اتركْ يا بُنَيَّ الإسلامَ وكنْ نصرانيًّا أو يهوديًّا، لأن بعض الناس -والعياذ بالله- عند الموت يُفتَن؛ تُعرَض عليه الأديان ويقال: اختر النصارى، اختر اليهود، أعرِضْ عن الإسلام. ولهذا (...) ومن فتنة المحيا وأيش؟ والممات، ومَن الذي يأمن؟ أسأل الله أن يُحسِن لي ولكم الخاتمة، من الذي يأمن؟ إذَن على الإنسان أن يستعد، ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾.
ثم ختم الله تعالى هذه السورة بما يبهج القلب ويشرح الصدر فقال: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾، اللهمَّ اجعلْ نفوسَنا مطمئنة، ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر ٢٧، ٢٨]. ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ يُقال هذا القول للإنسان عند النَّزْع في آخِر لحظةٍ من الدنيا، يُقال لروحه: اخرجي أيتها النفس المطمئنة، اخرجي إلى رحمةٍ من الله ورضوان، فتستبشر، تفرح، ويسهل خروجها من البدن؛ لأنها بُشِّرت بما هو أنعم مما في الدنيا كلِّها، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه البخاري (٣٢٥٠) من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه.]]. سوط الإنسان: العصا القصيرة، موضع السوط في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها، وليست دنياك أنت، الدنيا من أولها إلى آخِرها بما فيها من النعيم والْمُلْك والرفاهية وغيرها، موضعُ سوطٍ خيرٌ من الدنيا وما فيها، فكيف بِمَن ينظر في مُلْكه مسيرة ألفيْ عام، ألفيْ سنة، يرى أقصاه كما يرى أدناه! نعيمٌ لا يمكن أن ندركه بنفوسنا ولا بتصوُّرنا؛ ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧].
معنى ﴿الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ يعني المؤمنة الآمنة؛ لأنك لا تجد أطْمَنَ نفسًا من نفس المؤمن أبدًا، المؤمن يا إخواني نفسُه طيِّبة مطمئنة، ولهذا تعجَّب الرسول ﷺ من المؤمن، قال: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٩٩) من حديث صهيب رضي الله عنه.]]، مطمئن، ماشٍ مع الله بقضائه وقدره، لا يسخط عند المصائب، ولا يَبْطر عند النعم، بل هو شاكرٌ عند النعم صابرٌ عند البلاء، فتجده مطمئنًّا، لكن الكافر أو ضعيف الإيمان لا يطمئنُّ؛ إذا أصابه البلاء جزعَ وسخِطَ ورأى أنه مظلومٌ من قِبَل اللهِ، والعياذ بالله، حتى إن بعضهم ينتحر، ما يصبر، ما يطمئن، يكون دائمًا في قلق، ينظر إلى نفسه وإذا هو قليل المال، قليل العيال، ليس عنده زوجة، ليس له قومٌ يحمونه، فيقول: أنا لستُ في نعمة؛ لأن فلانًا عنده مال، عنده زوجات، عنده أولاد، عنده قبيلة تحميه، أنا ليس عندي. فلا يرى لله عليه نعمة؛ لأنه ضعيف الإيمان، فليس بمطمئن، دائمًا في قلق، ولهذا نجد الناسَ الآن يذهبون إلى كل مكانٍ ليُرَفِّهوا عن أنفسهم، ليُزيلوا عنها الأَلَم، التَّعَب، لكن ما فيه، لا يُزيل ذلك عنك إلا أيش؟ إلا الإيمان الحقيقي، هو الذي يؤدِّي إلى الطمأنينة، فالنفس المطمئنة هي المؤمِنة، أيش؟ الآمنة، مؤمِنة في الدنيا، آمِنة من عذاب الله يوم القيامة، اللهمَّ اجعلْ نفوسَنا هكذا.
يا إخواني، قال بعض السلف كلمةً عجيبةً، قال: «لو يعلم الملوكُ وأبناءُ الملوك ما نحن فيه لَجالَدُونا عليه بالسيوف»[[القول لإبراهيم بن أدهم الزاهد، وقد أخرجه البيهقي في الزهد الكبير (٨٠).]]. هل تجدون أنعم في الدنيا من الملوك وأبنائهم؟ أجيبوا.
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، لا يوجد أحد أنعم منهم في الظاهر؛ يعني نعومة الجسد أو نعمة الجسد، لكن قلوبهم ليست كقلوب المؤمنين، المؤمن الذي ليس عليه إلا ثوبٌ مُرَقَّع وكوخٌ لا يحميه من المطر ولا من الحر ولكنه مؤمن، دُنياه ونعيمه في الدنيا أفضل من الملوك وأبناء الملوك؛ لأن قلبه مستنيرٌ بنور الله، بنور الإيمان.
شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- حُبِس وأُوذِي في الله عز وجل، فلمَّا أُدخِل الحبسَ وأغلقوا عليه الباب قال رحمه الله: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد ١٣]. يقول هذا تحدُّثًا بنعمة الله لا افتخارًا، ثم قال: ما يصنع أعدائي بي؟! أيُّ شيءٍ يصنعون؟! إن جَنَّتي في صدري. ما هي الجنة؟ الإيمان والعلم واليقين، وإن حَبْسي خَلْوة، ونَفْيي -إن نَفَوه من البلد- سياحة، وقتلي شهادة. سبحان الله! هذا اليقين، هذه الطمأنينة، الإنسان لو دخل الحبس عندنا كان يُخَمِّس ويُسَدِّس: ما مستقبلي! ما مستقبل أولادي! أهلي! قومي! هذا يقول: جَنَّتي في صدري. وصَدَق، ولعل هذا هو السر في قوله تبارك وتعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان ٥٦]، يعني في الجنة ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾، معلومٌ الجنة ما فيها موتة لا أولى ولا ثانية، لكن لَمَّا كان نعيم القلب ممتدًّا من الدنيا إلى دخول الجنة صارتْ كأنَّ الدنيا والآخرة كلها جنة، وليس فيها إلا موتة واحدة، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يُحسِن لنا ولكم الخاتمة، وأن يجمعنا وإياكم وإخواننا المسلمين الذين أنعم الله عليهم في الجنة من النبيِّين والصديقين والشهداء والصالحين، إنه على كل شيء قدير.
يقول تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾. ﴿رَاضِيَةً﴾ بما أعطاكِ الله من النعيم، ﴿مَرْضِيَّةً﴾ عند الله عز وجل؛ كما قال تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة ١١٩].
﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر ٢٩] أي: ادخلي في عبادي الصالحين، من جملتهم؛ لأن الصالحين عباد الله هم خير طبقات البشر، البشر طبقاته ثلاث: مُنعَمٌ عليهم، ومغضوبٌ عليهم، وضالُّون. كلُّ هذه الطبقات مذكورة في سورة، ما هي؟
* الطلبة: الفاتحة.
* الشيخ: سورة الفاتحة؛ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة ٦، ٧].
وأنا بأسألكم، هل أنتم عندما تقرؤون هذه الآية، هل أحدكم يشعر بأن الذين أنعمَ اللهُ عليهم هم النبيُّون والصديقون والشهداء والصالحون ويشعر بأنه يسأل الله أن يهديه صِراطَ هؤلاء؟
أكثر الناس لا يشعر، أكثر الناس يقرؤها هكذا، لكن ما يشعر أن هذه تاريخ؛ يعني تُشير إلى تاريخ الأُمَم.
وأمَّا الطبقة الثانية ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ هم اليهود وأشباه اليهود مِن كلِّ مَن عَلِمَ الحقَّ وخالفه، كلُّ مَن عَلِمَ الحقَّ وخالفه ففيه شَبَهٌ من اليهود كما قال سفيان بن عيينة رحمه الله، قال: «مَن فَسَدَ من علمائنا ففيه شَبَهٌ من اليهود»[[ذكره ابن كثير (٤ / ١٣٨) عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤].]].
(الضالون) مَن؟ النصارى، هم الذين جَهِلوا الحقَّ، أرادوه لكن عموا عنه، والعياذ بالله، ما اهتدوا إليه، قال ابن عيينة: «وكلُّ مَن فَسَدَ مِن عُبَّادنا ففيه شَبَهٌ من النصارى»[[السابق.]]. لأنهم -العُبَّاد- يريدون الخير، يريدون العبادة، لكن ما عندهم عِلْم، فهم ضالُّون.
فأقول يا إخواني: الناس طبقاتٌ ثلاث: المنعَم عليهم، والمغضوب عليهم، والضالون.
وهنا يقول: ﴿ادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ مَن العِباد؟ المراد أيُّ الطبقات؟ الطبقة الأولى المنعم عليهم.
﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر ٣٠] جنَّته التي أعدَّها الله عز وجل لأوليائه، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهلها، أضافها الله إلى نفسه تشريفًا لها وتعظيمًا، وإعلامًا للخَلْق بعنايته بها جل وعلا، والله سبحانه وتعالى قد خَلَقَها خلقًا غير خَلْق الدنيا، خَلَقَ لنا في الدنيا فاكهةً ونخلًا ورُمَّانًا، في الجنة فاكهةٌ ونخلٌ ورُمَّانٌ، أتظنُّون أن ما في الجنة كالذي في الدنيا؟ أبدًا، لا يمكن؛ لأن الله يقول: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة ١٧]، ولو كان ما في الجنة كالذي في الدنيا لكُنَّا نعلم، إذا هو مِثْله في الاسم، لكن ليس مِثْلَه في الحقيقة ولا في الكيفية، ولهذا قال: ﴿ادْخُلِي جَنَّتِي﴾ فأضافها الله إلى نفسه للدلالة على شَرَفِها وعنايةِ الله بها، وهذا يُوجِب للإنسان أن يَرْغب فيها غايةَ الرغبة، كما أنه يرغب في بيوت الله اللي هي المساجد لأنه أضافها لنفسه، فكذلك يرغب في هذه الدار التي أضافها الله إلى نفسه، والأمر يسيرٌ؛ «قال رجلٌ للرسول ﷺ: دُلَّني على عملٍ يُدخِلُني الجنةَ ويُباعِدُني من النار. فقال: «لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ». هو صحيح عظيم؛ ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران ١٨٥]، ولكن «وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ» اللهمَّ يَسِّرنا لليُسرى «لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ؛ تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ ...»[[أخرجه أحمد (٢٢٠١٦) من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه.]]، وذكر الحديث، المهمُّ أن الدين -والحمد لله- يسيرٌ وسهلٌ، لكن النفوسُ الأمَّارةُ بالسوء هي التي تحول بيننا وبين ديننا، والشهواتُ، والشبهاتُ. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة ٢٠١]، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران ٨].
* * *
يقول الله عز وجل: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد ١، ٢].
ولي تعريجة يسيرة على ما سبق في الدرس الماضي في قوله تعالى: ﴿﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثَقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ ﴾ [الفجر: ٢٥، ٢٦]، فإني قرأتُها هكذا، وفسَّرتُها على هذه القراءة؛ لأنَّ في الآيتين المذكورتين قراءتين: القراءة الأولى التي في المصحف: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ أي: لا يُعَذِّب عذابَ اللهِ أحدٌ، بل عذابُ اللهِ أشدُّ، ولا يُوثِق وثاقَ اللهِ أحدٌ، بل هو أشدُّ.
أمَّا على قراءة ﴿﴿لَا يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ ﴾ أي: لا يعذَّب عذابَ هذا الرجلِ ولا يُوثَق وثاقَ هذا الرجلِ، وهذا هو الذي قرأنا الآية عليه وفسَّرناها به، فلأجل هذا جرى التنبيه.
الفجر 89:29
قال تعالى: ﴿﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثَقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ ﴾ [الفجر: ٢٥، ٢٦]، يعني في هذا اليوم لا أحدَ يُعَذَّب عذابَه، ولا أحدَ يُوثَق وثاقَه، ومعلومٌ أن هذا الكافر -المؤمن، يأتينا ذكْر المؤمن إن شاء الله- الكافر لا يعذَّب أحدٌ عذابَه في ذلك اليوم، وأُخبِركم لماذا؟ لأنه يُلقَى على أهل النار في الموقف العطشُ الشديدُ، فينظرون إلى النار كأنها السَّراب، والسراب هو ما يشاهده الإنسان في أيام الصيف في عزة الحرِّ من البقاع حتى يُخَيَّل إليه أنه ماء، ينظرون إلى النار كأنها سرابٌ وهم عِطاش فيتهافتون عليها، يذهبون إليها سِراعًا يريدون أي شيء؟ يريدون الشُّرب، فإذا جاؤوها ﴿فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الزمر ٧١]، قد قامت عليكم الحجَّة، فيُوَبِّخونهم قبل أن يدخلوا النار، والتوبيخ عذابٌ قلبيٌّ وألَمٌ نفسيٌّ قبل أن يذوقوا ألَمَ النار والعياذ بالله، أعاذني الله وإياكم منها.
في النار يوبِّخهم الجبار عز وجل توبيخًا أعظم من هذا؛ يقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون ١٠٦، ١٠٧]، قال الله تعالى وهو أرحم الراحمين: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨]، أبلغ من هذا الإذلال والعياذ بالله! ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ يقولها أرحم الراحمين، فمَن يرحمهم بعد الرحمن؟! لا راحِمَ لهم. وقد أخبر النبي ﷺ «بأنَّ أهونَ أهل النار عذابًا مَن عليه نعلانِ يغلي منهما دِماغُه، ولا يرى أن أحدًا أشدُّ منه عذابًا، يرى أنه أشدُّ الناسِ عذابًا وهو أهونهم عذابًا، وعليه نعلانِ يغلي منهما الدماغ»[[أخرج مسلم في صحيحه (٢١٣ / ٣٦٤) بسنده عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا مَنْ لَهُ نَعْلَانِ وَشِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَلُ، مَا يَرَى أَنَّ أَحدًا أَشَدُّ مِنْهُ عَذَابًا، وَإِنَّهُ لَأَهْوَنُهُمْ عَذَابًا».]]، النعلان في أسفل البدن والدماغ في أعلاه، فإذا كان أعلى البدن يغلي من أسفله فالوسط من بابِ أشد، أجارنا الله وإياكم من النار.
﴿﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثَقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ ﴾ لأنهم -والعياذُ بالله- يُوثَقون؛ ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة ٣٢]. أَدخِلوه في هذه السلسلة، تُغَلُّ أيديهم، نسأل الله العافية، ولا أحد يتصوَّر الآن ما هم فيه من البؤس والشقاء والعذاب، واللهِ إن الإنسان أحيانًا يتمنى أنه لم يُخلَق خوفًا من النار؛ «كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: ليت أمِّي لم تلدْني، ليتني شجرةٌ تُعْضَد»[[الشطر الأول: "ليت أُمِّي لم تلدْني" أخرجه ابن أبي شيبة (٣٤٤٨٠) من قول عمر رضي الله عنه، أما الشطر الثاني: "يا ليتني شجرةٌ تُعضَد" فأخرجه ابن أبي شيبة (٣٤٥٢١) من قول ابن مسعود، وأخرجه أحمد في الزهد (٧٨٦) من قول أبي ذر، وأخرجه ابن أبي الدنيا في المتمنين (١٠) من قول أبي بكر، وأخرجه البيهقي في الشُّعَب (٧٦٨) من قول أبي الدرداء، رضي الله عنهم.]]. لأن الإنسان ما يدري؛ أولًا: ما يدري ما هو عليه الآن، هل هو على صواب أو على خطأ؟ هل في عباداته رياء؟ هل في عباداته بدعة؟ ثم لا يرى أيضًا -وهو أخطر- لا يرى ماذا يُختَم له به؛ «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٩٤)، ومسلم (٢٦٤٣ / ١)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.]]. مَن الذي يأمن عند الموت أن يُصَدَّ و يُضَلَّ ويأتيه الشيطان يقول: أنا أبوك، اتركْ يا بُنَيَّ الإسلامَ وكنْ نصرانيًّا أو يهوديًّا، لأن بعض الناس -والعياذ بالله- عند الموت يُفتَن؛ تُعرَض عليه الأديان ويقال: اختر النصارى، اختر اليهود، أعرِضْ عن الإسلام. ولهذا (...) ومن فتنة المحيا وأيش؟ والممات، ومَن الذي يأمن؟ أسأل الله أن يُحسِن لي ولكم الخاتمة، من الذي يأمن؟ إذَن على الإنسان أن يستعد، ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾.
ثم ختم الله تعالى هذه السورة بما يبهج القلب ويشرح الصدر فقال: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾، اللهمَّ اجعلْ نفوسَنا مطمئنة، ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر ٢٧، ٢٨]. ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ يُقال هذا القول للإنسان عند النَّزْع في آخِر لحظةٍ من الدنيا، يُقال لروحه: اخرجي أيتها النفس المطمئنة، اخرجي إلى رحمةٍ من الله ورضوان، فتستبشر، تفرح، ويسهل خروجها من البدن؛ لأنها بُشِّرت بما هو أنعم مما في الدنيا كلِّها، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه البخاري (٣٢٥٠) من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه.]]. سوط الإنسان: العصا القصيرة، موضع السوط في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها، وليست دنياك أنت، الدنيا من أولها إلى آخِرها بما فيها من النعيم والْمُلْك والرفاهية وغيرها، موضعُ سوطٍ خيرٌ من الدنيا وما فيها، فكيف بِمَن ينظر في مُلْكه مسيرة ألفيْ عام، ألفيْ سنة، يرى أقصاه كما يرى أدناه! نعيمٌ لا يمكن أن ندركه بنفوسنا ولا بتصوُّرنا؛ ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧].
معنى ﴿الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ يعني المؤمنة الآمنة؛ لأنك لا تجد أطْمَنَ نفسًا من نفس المؤمن أبدًا، المؤمن يا إخواني نفسُه طيِّبة مطمئنة، ولهذا تعجَّب الرسول ﷺ من المؤمن، قال: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٩٩) من حديث صهيب رضي الله عنه.]]، مطمئن، ماشٍ مع الله بقضائه وقدره، لا يسخط عند المصائب، ولا يَبْطر عند النعم، بل هو شاكرٌ عند النعم صابرٌ عند البلاء، فتجده مطمئنًّا، لكن الكافر أو ضعيف الإيمان لا يطمئنُّ؛ إذا أصابه البلاء جزعَ وسخِطَ ورأى أنه مظلومٌ من قِبَل اللهِ، والعياذ بالله، حتى إن بعضهم ينتحر، ما يصبر، ما يطمئن، يكون دائمًا في قلق، ينظر إلى نفسه وإذا هو قليل المال، قليل العيال، ليس عنده زوجة، ليس له قومٌ يحمونه، فيقول: أنا لستُ في نعمة؛ لأن فلانًا عنده مال، عنده زوجات، عنده أولاد، عنده قبيلة تحميه، أنا ليس عندي. فلا يرى لله عليه نعمة؛ لأنه ضعيف الإيمان، فليس بمطمئن، دائمًا في قلق، ولهذا نجد الناسَ الآن يذهبون إلى كل مكانٍ ليُرَفِّهوا عن أنفسهم، ليُزيلوا عنها الأَلَم، التَّعَب، لكن ما فيه، لا يُزيل ذلك عنك إلا أيش؟ إلا الإيمان الحقيقي، هو الذي يؤدِّي إلى الطمأنينة، فالنفس المطمئنة هي المؤمِنة، أيش؟ الآمنة، مؤمِنة في الدنيا، آمِنة من عذاب الله يوم القيامة، اللهمَّ اجعلْ نفوسَنا هكذا.
يا إخواني، قال بعض السلف كلمةً عجيبةً، قال: «لو يعلم الملوكُ وأبناءُ الملوك ما نحن فيه لَجالَدُونا عليه بالسيوف»[[القول لإبراهيم بن أدهم الزاهد، وقد أخرجه البيهقي في الزهد الكبير (٨٠).]]. هل تجدون أنعم في الدنيا من الملوك وأبنائهم؟ أجيبوا.
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، لا يوجد أحد أنعم منهم في الظاهر؛ يعني نعومة الجسد أو نعمة الجسد، لكن قلوبهم ليست كقلوب المؤمنين، المؤمن الذي ليس عليه إلا ثوبٌ مُرَقَّع وكوخٌ لا يحميه من المطر ولا من الحر ولكنه مؤمن، دُنياه ونعيمه في الدنيا أفضل من الملوك وأبناء الملوك؛ لأن قلبه مستنيرٌ بنور الله، بنور الإيمان.
شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- حُبِس وأُوذِي في الله عز وجل، فلمَّا أُدخِل الحبسَ وأغلقوا عليه الباب قال رحمه الله: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد ١٣]. يقول هذا تحدُّثًا بنعمة الله لا افتخارًا، ثم قال: ما يصنع أعدائي بي؟! أيُّ شيءٍ يصنعون؟! إن جَنَّتي في صدري. ما هي الجنة؟ الإيمان والعلم واليقين، وإن حَبْسي خَلْوة، ونَفْيي -إن نَفَوه من البلد- سياحة، وقتلي شهادة. سبحان الله! هذا اليقين، هذه الطمأنينة، الإنسان لو دخل الحبس عندنا كان يُخَمِّس ويُسَدِّس: ما مستقبلي! ما مستقبل أولادي! أهلي! قومي! هذا يقول: جَنَّتي في صدري. وصَدَق، ولعل هذا هو السر في قوله تبارك وتعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان ٥٦]، يعني في الجنة ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾، معلومٌ الجنة ما فيها موتة لا أولى ولا ثانية، لكن لَمَّا كان نعيم القلب ممتدًّا من الدنيا إلى دخول الجنة صارتْ كأنَّ الدنيا والآخرة كلها جنة، وليس فيها إلا موتة واحدة، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يُحسِن لنا ولكم الخاتمة، وأن يجمعنا وإياكم وإخواننا المسلمين الذين أنعم الله عليهم في الجنة من النبيِّين والصديقين والشهداء والصالحين، إنه على كل شيء قدير.
يقول تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾. ﴿رَاضِيَةً﴾ بما أعطاكِ الله من النعيم، ﴿مَرْضِيَّةً﴾ عند الله عز وجل؛ كما قال تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة ١١٩].
﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر ٢٩] أي: ادخلي في عبادي الصالحين، من جملتهم؛ لأن الصالحين عباد الله هم خير طبقات البشر، البشر طبقاته ثلاث: مُنعَمٌ عليهم، ومغضوبٌ عليهم، وضالُّون. كلُّ هذه الطبقات مذكورة في سورة، ما هي؟
* الطلبة: الفاتحة.
* الشيخ: سورة الفاتحة؛ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة ٦، ٧].
وأنا بأسألكم، هل أنتم عندما تقرؤون هذه الآية، هل أحدكم يشعر بأن الذين أنعمَ اللهُ عليهم هم النبيُّون والصديقون والشهداء والصالحون ويشعر بأنه يسأل الله أن يهديه صِراطَ هؤلاء؟
أكثر الناس لا يشعر، أكثر الناس يقرؤها هكذا، لكن ما يشعر أن هذه تاريخ؛ يعني تُشير إلى تاريخ الأُمَم.
وأمَّا الطبقة الثانية ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ هم اليهود وأشباه اليهود مِن كلِّ مَن عَلِمَ الحقَّ وخالفه، كلُّ مَن عَلِمَ الحقَّ وخالفه ففيه شَبَهٌ من اليهود كما قال سفيان بن عيينة رحمه الله، قال: «مَن فَسَدَ من علمائنا ففيه شَبَهٌ من اليهود»[[ذكره ابن كثير (٤ / ١٣٨) عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤].]].
(الضالون) مَن؟ النصارى، هم الذين جَهِلوا الحقَّ، أرادوه لكن عموا عنه، والعياذ بالله، ما اهتدوا إليه، قال ابن عيينة: «وكلُّ مَن فَسَدَ مِن عُبَّادنا ففيه شَبَهٌ من النصارى»[[السابق.]]. لأنهم -العُبَّاد- يريدون الخير، يريدون العبادة، لكن ما عندهم عِلْم، فهم ضالُّون.
فأقول يا إخواني: الناس طبقاتٌ ثلاث: المنعَم عليهم، والمغضوب عليهم، والضالون.
وهنا يقول: ﴿ادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ مَن العِباد؟ المراد أيُّ الطبقات؟ الطبقة الأولى المنعم عليهم.
﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر ٣٠] جنَّته التي أعدَّها الله عز وجل لأوليائه، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهلها، أضافها الله إلى نفسه تشريفًا لها وتعظيمًا، وإعلامًا للخَلْق بعنايته بها جل وعلا، والله سبحانه وتعالى قد خَلَقَها خلقًا غير خَلْق الدنيا، خَلَقَ لنا في الدنيا فاكهةً ونخلًا ورُمَّانًا، في الجنة فاكهةٌ ونخلٌ ورُمَّانٌ، أتظنُّون أن ما في الجنة كالذي في الدنيا؟ أبدًا، لا يمكن؛ لأن الله يقول: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة ١٧]، ولو كان ما في الجنة كالذي في الدنيا لكُنَّا نعلم، إذا هو مِثْله في الاسم، لكن ليس مِثْلَه في الحقيقة ولا في الكيفية، ولهذا قال: ﴿ادْخُلِي جَنَّتِي﴾ فأضافها الله إلى نفسه للدلالة على شَرَفِها وعنايةِ الله بها، وهذا يُوجِب للإنسان أن يَرْغب فيها غايةَ الرغبة، كما أنه يرغب في بيوت الله اللي هي المساجد لأنه أضافها لنفسه، فكذلك يرغب في هذه الدار التي أضافها الله إلى نفسه، والأمر يسيرٌ؛ «قال رجلٌ للرسول ﷺ: دُلَّني على عملٍ يُدخِلُني الجنةَ ويُباعِدُني من النار. فقال: «لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ». هو صحيح عظيم؛ ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران ١٨٥]، ولكن «وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ» اللهمَّ يَسِّرنا لليُسرى «لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ؛ تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ ...»[[أخرجه أحمد (٢٢٠١٦) من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه.]]، وذكر الحديث، المهمُّ أن الدين -والحمد لله- يسيرٌ وسهلٌ، لكن النفوسُ الأمَّارةُ بالسوء هي التي تحول بيننا وبين ديننا، والشهواتُ، والشبهاتُ. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة ٢٠١]، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران ٨].
* * *
يقول الله عز وجل: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد ١، ٢].
ولي تعريجة يسيرة على ما سبق في الدرس الماضي في قوله تعالى: ﴿﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثَقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ ﴾ [الفجر: ٢٥، ٢٦]، فإني قرأتُها هكذا، وفسَّرتُها على هذه القراءة؛ لأنَّ في الآيتين المذكورتين قراءتين: القراءة الأولى التي في المصحف: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ أي: لا يُعَذِّب عذابَ اللهِ أحدٌ، بل عذابُ اللهِ أشدُّ، ولا يُوثِق وثاقَ اللهِ أحدٌ، بل هو أشدُّ.
أمَّا على قراءة ﴿﴿لَا يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ ﴾ أي: لا يعذَّب عذابَ هذا الرجلِ ولا يُوثَق وثاقَ هذا الرجلِ، وهذا هو الذي قرأنا الآية عليه وفسَّرناها به، فلأجل هذا جرى التنبيه.
الفجر 89:30
قال تعالى: ﴿﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثَقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ ﴾ [الفجر: ٢٥، ٢٦]، يعني في هذا اليوم لا أحدَ يُعَذَّب عذابَه، ولا أحدَ يُوثَق وثاقَه، ومعلومٌ أن هذا الكافر -المؤمن، يأتينا ذكْر المؤمن إن شاء الله- الكافر لا يعذَّب أحدٌ عذابَه في ذلك اليوم، وأُخبِركم لماذا؟ لأنه يُلقَى على أهل النار في الموقف العطشُ الشديدُ، فينظرون إلى النار كأنها السَّراب، والسراب هو ما يشاهده الإنسان في أيام الصيف في عزة الحرِّ من البقاع حتى يُخَيَّل إليه أنه ماء، ينظرون إلى النار كأنها سرابٌ وهم عِطاش فيتهافتون عليها، يذهبون إليها سِراعًا يريدون أي شيء؟ يريدون الشُّرب، فإذا جاؤوها ﴿فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الزمر ٧١]، قد قامت عليكم الحجَّة، فيُوَبِّخونهم قبل أن يدخلوا النار، والتوبيخ عذابٌ قلبيٌّ وألَمٌ نفسيٌّ قبل أن يذوقوا ألَمَ النار والعياذ بالله، أعاذني الله وإياكم منها.
في النار يوبِّخهم الجبار عز وجل توبيخًا أعظم من هذا؛ يقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون ١٠٦، ١٠٧]، قال الله تعالى وهو أرحم الراحمين: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨]، أبلغ من هذا الإذلال والعياذ بالله! ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ يقولها أرحم الراحمين، فمَن يرحمهم بعد الرحمن؟! لا راحِمَ لهم. وقد أخبر النبي ﷺ «بأنَّ أهونَ أهل النار عذابًا مَن عليه نعلانِ يغلي منهما دِماغُه، ولا يرى أن أحدًا أشدُّ منه عذابًا، يرى أنه أشدُّ الناسِ عذابًا وهو أهونهم عذابًا، وعليه نعلانِ يغلي منهما الدماغ»[[أخرج مسلم في صحيحه (٢١٣ / ٣٦٤) بسنده عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا مَنْ لَهُ نَعْلَانِ وَشِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَلُ، مَا يَرَى أَنَّ أَحدًا أَشَدُّ مِنْهُ عَذَابًا، وَإِنَّهُ لَأَهْوَنُهُمْ عَذَابًا».]]، النعلان في أسفل البدن والدماغ في أعلاه، فإذا كان أعلى البدن يغلي من أسفله فالوسط من بابِ أشد، أجارنا الله وإياكم من النار.
﴿﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثَقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ ﴾ لأنهم -والعياذُ بالله- يُوثَقون؛ ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة ٣٢]. أَدخِلوه في هذه السلسلة، تُغَلُّ أيديهم، نسأل الله العافية، ولا أحد يتصوَّر الآن ما هم فيه من البؤس والشقاء والعذاب، واللهِ إن الإنسان أحيانًا يتمنى أنه لم يُخلَق خوفًا من النار؛ «كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: ليت أمِّي لم تلدْني، ليتني شجرةٌ تُعْضَد»[[الشطر الأول: "ليت أُمِّي لم تلدْني" أخرجه ابن أبي شيبة (٣٤٤٨٠) من قول عمر رضي الله عنه، أما الشطر الثاني: "يا ليتني شجرةٌ تُعضَد" فأخرجه ابن أبي شيبة (٣٤٥٢١) من قول ابن مسعود، وأخرجه أحمد في الزهد (٧٨٦) من قول أبي ذر، وأخرجه ابن أبي الدنيا في المتمنين (١٠) من قول أبي بكر، وأخرجه البيهقي في الشُّعَب (٧٦٨) من قول أبي الدرداء، رضي الله عنهم.]]. لأن الإنسان ما يدري؛ أولًا: ما يدري ما هو عليه الآن، هل هو على صواب أو على خطأ؟ هل في عباداته رياء؟ هل في عباداته بدعة؟ ثم لا يرى أيضًا -وهو أخطر- لا يرى ماذا يُختَم له به؛ «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٩٤)، ومسلم (٢٦٤٣ / ١)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.]]. مَن الذي يأمن عند الموت أن يُصَدَّ و يُضَلَّ ويأتيه الشيطان يقول: أنا أبوك، اتركْ يا بُنَيَّ الإسلامَ وكنْ نصرانيًّا أو يهوديًّا، لأن بعض الناس -والعياذ بالله- عند الموت يُفتَن؛ تُعرَض عليه الأديان ويقال: اختر النصارى، اختر اليهود، أعرِضْ عن الإسلام. ولهذا (...) ومن فتنة المحيا وأيش؟ والممات، ومَن الذي يأمن؟ أسأل الله أن يُحسِن لي ولكم الخاتمة، من الذي يأمن؟ إذَن على الإنسان أن يستعد، ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾.
ثم ختم الله تعالى هذه السورة بما يبهج القلب ويشرح الصدر فقال: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾، اللهمَّ اجعلْ نفوسَنا مطمئنة، ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر ٢٧، ٢٨]. ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ يُقال هذا القول للإنسان عند النَّزْع في آخِر لحظةٍ من الدنيا، يُقال لروحه: اخرجي أيتها النفس المطمئنة، اخرجي إلى رحمةٍ من الله ورضوان، فتستبشر، تفرح، ويسهل خروجها من البدن؛ لأنها بُشِّرت بما هو أنعم مما في الدنيا كلِّها، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه البخاري (٣٢٥٠) من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه.]]. سوط الإنسان: العصا القصيرة، موضع السوط في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها، وليست دنياك أنت، الدنيا من أولها إلى آخِرها بما فيها من النعيم والْمُلْك والرفاهية وغيرها، موضعُ سوطٍ خيرٌ من الدنيا وما فيها، فكيف بِمَن ينظر في مُلْكه مسيرة ألفيْ عام، ألفيْ سنة، يرى أقصاه كما يرى أدناه! نعيمٌ لا يمكن أن ندركه بنفوسنا ولا بتصوُّرنا؛ ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧].
معنى ﴿الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ يعني المؤمنة الآمنة؛ لأنك لا تجد أطْمَنَ نفسًا من نفس المؤمن أبدًا، المؤمن يا إخواني نفسُه طيِّبة مطمئنة، ولهذا تعجَّب الرسول ﷺ من المؤمن، قال: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٩٩) من حديث صهيب رضي الله عنه.]]، مطمئن، ماشٍ مع الله بقضائه وقدره، لا يسخط عند المصائب، ولا يَبْطر عند النعم، بل هو شاكرٌ عند النعم صابرٌ عند البلاء، فتجده مطمئنًّا، لكن الكافر أو ضعيف الإيمان لا يطمئنُّ؛ إذا أصابه البلاء جزعَ وسخِطَ ورأى أنه مظلومٌ من قِبَل اللهِ، والعياذ بالله، حتى إن بعضهم ينتحر، ما يصبر، ما يطمئن، يكون دائمًا في قلق، ينظر إلى نفسه وإذا هو قليل المال، قليل العيال، ليس عنده زوجة، ليس له قومٌ يحمونه، فيقول: أنا لستُ في نعمة؛ لأن فلانًا عنده مال، عنده زوجات، عنده أولاد، عنده قبيلة تحميه، أنا ليس عندي. فلا يرى لله عليه نعمة؛ لأنه ضعيف الإيمان، فليس بمطمئن، دائمًا في قلق، ولهذا نجد الناسَ الآن يذهبون إلى كل مكانٍ ليُرَفِّهوا عن أنفسهم، ليُزيلوا عنها الأَلَم، التَّعَب، لكن ما فيه، لا يُزيل ذلك عنك إلا أيش؟ إلا الإيمان الحقيقي، هو الذي يؤدِّي إلى الطمأنينة، فالنفس المطمئنة هي المؤمِنة، أيش؟ الآمنة، مؤمِنة في الدنيا، آمِنة من عذاب الله يوم القيامة، اللهمَّ اجعلْ نفوسَنا هكذا.
يا إخواني، قال بعض السلف كلمةً عجيبةً، قال: «لو يعلم الملوكُ وأبناءُ الملوك ما نحن فيه لَجالَدُونا عليه بالسيوف»[[القول لإبراهيم بن أدهم الزاهد، وقد أخرجه البيهقي في الزهد الكبير (٨٠).]]. هل تجدون أنعم في الدنيا من الملوك وأبنائهم؟ أجيبوا.
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، لا يوجد أحد أنعم منهم في الظاهر؛ يعني نعومة الجسد أو نعمة الجسد، لكن قلوبهم ليست كقلوب المؤمنين، المؤمن الذي ليس عليه إلا ثوبٌ مُرَقَّع وكوخٌ لا يحميه من المطر ولا من الحر ولكنه مؤمن، دُنياه ونعيمه في الدنيا أفضل من الملوك وأبناء الملوك؛ لأن قلبه مستنيرٌ بنور الله، بنور الإيمان.
شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- حُبِس وأُوذِي في الله عز وجل، فلمَّا أُدخِل الحبسَ وأغلقوا عليه الباب قال رحمه الله: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد ١٣]. يقول هذا تحدُّثًا بنعمة الله لا افتخارًا، ثم قال: ما يصنع أعدائي بي؟! أيُّ شيءٍ يصنعون؟! إن جَنَّتي في صدري. ما هي الجنة؟ الإيمان والعلم واليقين، وإن حَبْسي خَلْوة، ونَفْيي -إن نَفَوه من البلد- سياحة، وقتلي شهادة. سبحان الله! هذا اليقين، هذه الطمأنينة، الإنسان لو دخل الحبس عندنا كان يُخَمِّس ويُسَدِّس: ما مستقبلي! ما مستقبل أولادي! أهلي! قومي! هذا يقول: جَنَّتي في صدري. وصَدَق، ولعل هذا هو السر في قوله تبارك وتعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان ٥٦]، يعني في الجنة ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾، معلومٌ الجنة ما فيها موتة لا أولى ولا ثانية، لكن لَمَّا كان نعيم القلب ممتدًّا من الدنيا إلى دخول الجنة صارتْ كأنَّ الدنيا والآخرة كلها جنة، وليس فيها إلا موتة واحدة، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يُحسِن لنا ولكم الخاتمة، وأن يجمعنا وإياكم وإخواننا المسلمين الذين أنعم الله عليهم في الجنة من النبيِّين والصديقين والشهداء والصالحين، إنه على كل شيء قدير.
يقول تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾. ﴿رَاضِيَةً﴾ بما أعطاكِ الله من النعيم، ﴿مَرْضِيَّةً﴾ عند الله عز وجل؛ كما قال تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة ١١٩].
﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر ٢٩] أي: ادخلي في عبادي الصالحين، من جملتهم؛ لأن الصالحين عباد الله هم خير طبقات البشر، البشر طبقاته ثلاث: مُنعَمٌ عليهم، ومغضوبٌ عليهم، وضالُّون. كلُّ هذه الطبقات مذكورة في سورة، ما هي؟
* الطلبة: الفاتحة.
* الشيخ: سورة الفاتحة؛ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة ٦، ٧].
وأنا بأسألكم، هل أنتم عندما تقرؤون هذه الآية، هل أحدكم يشعر بأن الذين أنعمَ اللهُ عليهم هم النبيُّون والصديقون والشهداء والصالحون ويشعر بأنه يسأل الله أن يهديه صِراطَ هؤلاء؟
أكثر الناس لا يشعر، أكثر الناس يقرؤها هكذا، لكن ما يشعر أن هذه تاريخ؛ يعني تُشير إلى تاريخ الأُمَم.
وأمَّا الطبقة الثانية ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ هم اليهود وأشباه اليهود مِن كلِّ مَن عَلِمَ الحقَّ وخالفه، كلُّ مَن عَلِمَ الحقَّ وخالفه ففيه شَبَهٌ من اليهود كما قال سفيان بن عيينة رحمه الله، قال: «مَن فَسَدَ من علمائنا ففيه شَبَهٌ من اليهود»[[ذكره ابن كثير (٤ / ١٣٨) عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤].]].
(الضالون) مَن؟ النصارى، هم الذين جَهِلوا الحقَّ، أرادوه لكن عموا عنه، والعياذ بالله، ما اهتدوا إليه، قال ابن عيينة: «وكلُّ مَن فَسَدَ مِن عُبَّادنا ففيه شَبَهٌ من النصارى»[[السابق.]]. لأنهم -العُبَّاد- يريدون الخير، يريدون العبادة، لكن ما عندهم عِلْم، فهم ضالُّون.
فأقول يا إخواني: الناس طبقاتٌ ثلاث: المنعَم عليهم، والمغضوب عليهم، والضالون.
وهنا يقول: ﴿ادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ مَن العِباد؟ المراد أيُّ الطبقات؟ الطبقة الأولى المنعم عليهم.
﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر ٣٠] جنَّته التي أعدَّها الله عز وجل لأوليائه، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهلها، أضافها الله إلى نفسه تشريفًا لها وتعظيمًا، وإعلامًا للخَلْق بعنايته بها جل وعلا، والله سبحانه وتعالى قد خَلَقَها خلقًا غير خَلْق الدنيا، خَلَقَ لنا في الدنيا فاكهةً ونخلًا ورُمَّانًا، في الجنة فاكهةٌ ونخلٌ ورُمَّانٌ، أتظنُّون أن ما في الجنة كالذي في الدنيا؟ أبدًا، لا يمكن؛ لأن الله يقول: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة ١٧]، ولو كان ما في الجنة كالذي في الدنيا لكُنَّا نعلم، إذا هو مِثْله في الاسم، لكن ليس مِثْلَه في الحقيقة ولا في الكيفية، ولهذا قال: ﴿ادْخُلِي جَنَّتِي﴾ فأضافها الله إلى نفسه للدلالة على شَرَفِها وعنايةِ الله بها، وهذا يُوجِب للإنسان أن يَرْغب فيها غايةَ الرغبة، كما أنه يرغب في بيوت الله اللي هي المساجد لأنه أضافها لنفسه، فكذلك يرغب في هذه الدار التي أضافها الله إلى نفسه، والأمر يسيرٌ؛ «قال رجلٌ للرسول ﷺ: دُلَّني على عملٍ يُدخِلُني الجنةَ ويُباعِدُني من النار. فقال: «لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ». هو صحيح عظيم؛ ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران ١٨٥]، ولكن «وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ» اللهمَّ يَسِّرنا لليُسرى «لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ؛ تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ ...»[[أخرجه أحمد (٢٢٠١٦) من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه.]]، وذكر الحديث، المهمُّ أن الدين -والحمد لله- يسيرٌ وسهلٌ، لكن النفوسُ الأمَّارةُ بالسوء هي التي تحول بيننا وبين ديننا، والشهواتُ، والشبهاتُ. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة ٢٠١]، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران ٨].
* * *
يقول الله عز وجل: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد ١، ٢].
ولي تعريجة يسيرة على ما سبق في الدرس الماضي في قوله تعالى: ﴿﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثَقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ ﴾ [الفجر: ٢٥، ٢٦]، فإني قرأتُها هكذا، وفسَّرتُها على هذه القراءة؛ لأنَّ في الآيتين المذكورتين قراءتين: القراءة الأولى التي في المصحف: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ أي: لا يُعَذِّب عذابَ اللهِ أحدٌ، بل عذابُ اللهِ أشدُّ، ولا يُوثِق وثاقَ اللهِ أحدٌ، بل هو أشدُّ.
أمَّا على قراءة ﴿﴿لَا يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ ﴾ أي: لا يعذَّب عذابَ هذا الرجلِ ولا يُوثَق وثاقَ هذا الرجلِ، وهذا هو الذي قرأنا الآية عليه وفسَّرناها به، فلأجل هذا جرى التنبيه.
البلد 90:1
يقول الله عز وجل: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد ١، ٢].
ولي تعريجة يسيرة على ما سبق في الدرس الماضي في قوله تعالى: ﴿﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثَقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ ﴾ [الفجر: ٢٥، ٢٦]، فإني قرأتُها هكذا، وفسَّرتُها على هذه القراءة؛ لأنَّ في الآيتين المذكورتين قراءتين: القراءة الأولى التي في المصحف: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ أي: لا يُعَذِّب عذابَ اللهِ أحدٌ، بل عذابُ اللهِ أشدُّ، ولا يُوثِق وثاقَ اللهِ أحدٌ، بل هو أشدُّ.
أمَّا على قراءة ﴿﴿لَا يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ ﴾ أي: لا يعذَّب عذابَ هذا الرجلِ ولا يُوثَق وثاقَ هذا الرجلِ، وهذا هو الذي قرأنا الآية عليه وفسَّرناها به، فلأجل هذا جرى التنبيه.
يقول الله عز وجل: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد ١] ﴿لَا﴾ هذه للاستفتاح، لاستفتاح الكلام وتوكيد الكلام، وليست نافيةً؛ لأن المراد إثبات القَسَم؛ يعني: أنا أُقسم بهذا البلد، لكن ﴿لَا﴾ هذه تأتي هنا للتنبيه والتأكيد.
و﴿أُقْسِمُ﴾ القسم: تأكيد الشيء بذِكْر معظَّمٍ على وجهٍ مخصوصٍ، إذَن كلُّ شيءٍ محلوفٍ به فإنه لا بدَّ أن يكون معظَّمًا لدى الحالف، وقد لا يكون معظَّمًا في حدِّ ذاته؛ فمثلًا الذين يحلفون باللات والعُزَّى هي معظَّمة عندهم، لكن هي في الواقع ليست عظيمة ولا معظَّمة. فالحَلِف إذَن أو القَسَم أو اليمين -والمعنى واحد- هي تأكيد الشيء بأيش؟ بذِكْر معظَّم، عند مَن؟ عند الحالف على صفةٍ مخصوصةٍ.
وحروف القَسَم هي: الباء، والواو، والتاء. والذي في الآية الكريمة هنا: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ أيُّ الحروف؟ الباء.
﴿بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ البلد هنا مكة، وأَقْسم الله بها لشرفها وعِظَمها، فهي أعظم بقاع الأرض حُرمةً، وأحبُّ بقاع الأرض إلى الله عز وجل، ولهذا بُعث منها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي هو سيد البشر صلوات الله وسلامه عليه، فجديرٌ بهذا البلد الأمين أن يُقسَم به، ولكن نحن لا نُقسم به؛ لأنه مخلوق، وليس لنا الحق أن نُقسم بمخلوق؛ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ» أو: «أَشْرَكَ»[[أخرجه الترمذي (١٥٣٥) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]]، أمَّا الله عز وجل فإنه يُقسِم بما شاء، ولهذا أَقسم هنا بمكة؛ ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾.
البلد 90:2
﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ٢].
قيل: المعنى: أُقسِم بهذا البلد حال كونك حالًّا فيه؛ لأن حلول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في مكة يزيدها شرفًا إلى شرفها.
وقيل: المعنى: وأنت تستحلُّ هذا البلد، فيكون إقسام الله تعالى بمكة حالَ كونها حِلًّا للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذلك عام الفتح؛ لأن مكة عامَ الفتح أُحِلَّتْ للرسول عليه الصلاة والسلام، ولم تحلَّ لأحدٍ قبله، ولا تحلُّ بعد ذلك لأحد؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: «وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٣٢) ومسلم (١٣٥٤ / ٤٤٦) من حديث أبي شريح العدوي رضي الله عنه.]].
فيكون إقسام الله تعالى بهذا البلد مقيَّدًا بما إذا كانت حِلًّا للرسول، وذلك متى؟ عام الفتح؛ لأنها في ذلك اليوم تزداد شرفًا إلى شرفها حيثُ طُهِّرتْ من الأصنام، وهُزِم المشركون، وفُتحت عليهم بلادُهم عنوةً، وصارت هذه البلد بعد أن كانت بلاد كفرٍ صارت بلاد إيمان، وبعد أن كانت بلاد شركٍ؛ صارت بلاد توحيد، وبعد أن كانت بلاد عنادٍ صارت بلاد إسلام، فأشرفُ حالٍ لمكة كانت عند الفتح، إذَن في قوله: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ معنيان أرجو أن يكونا على بالكم.
البلد 90:3
﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد: ١ - ٣] أي: وأُقسم بالوالد وما ولد، فمَن المراد بالوالد، ومَن المراد بالولد؟
قيل: المراد بالوالد آدم، وبالولد بنو آدم، وعلى هذا تكون (ما) بمعنى (مَن) أي: ووالدٍ ومَن ولد؛ لأن (مَن) للعقلاء، و(ما) لغير العُقلاء.
وقيل: المراد بالوالد وما ولد كلُّ والدٍ وما ولد؛ الإنسانُ، والبهائمُ، وكلُّ شيء؛ لأن الوالد والمولود كلاهما من آيات الله عز وجل؛ كيف يخرج -مثلًا- هذا المولود حيًّا سويًّا سميعًا بصيرًا من نُطفةٍ، من ماءٍ؟! فهذا دليلٌ على كمال قدرة الله عز وجل؛ هذا الولد السوِيُّ يخرج من نطفة؛ ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس ٧٧]، كذلك الحشرات وغيرها تخرج ضعيفةً هزيلةً ثم تكبر إلى ما شاء الله تعالى من حدٍّ. ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ إذَن الصحيح أنَّ هذه عامَّةٌ تشمل كلَّ والدٍ وكلَّ مولودٍ.
البلد 90:4
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: ٤] اللام هنا واقعةٌ في جواب القَسَم لتزيد الجملة تأكيدًا، و(قد) تزيد الجملة تأكيدًا أيضًا فتكون جملة ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ مؤكَّدةً بثلاثة مؤكِّدات وهي: القسم، والثاني: اللام، والثالث: (قد).
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾، ﴿الْإِنْسَانَ﴾ اسم جنسٍ يشمل كلَّ واحدٍ من بني آدم.
﴿فِي كَبَدٍ﴾ فيها معنيان:
المعنى الأول: في استقامةٍ؛ يعني أنه خُلِق على أكمل وجهٍ في الخِلْقة؛ مستقيمًا، يمشي على قدميه، ويرفع رأسَه، وبدنُه معتدل، والبهائم بالعكس؛ الرأس على حذاء الدُّبُر، أليس كذلك؟! أمَّا بنو آدم لا؛ الرأس مرتفعٌ أعلى البدن، فهو كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين ٤].
وقيل: المراد بالكَبَد مُكابدة الأشياء ومعاناتُها، وأنَّ الإنسان يعاني المشقَّة في أمور الدنيا؛ في طلب الرزق، في إصلاح الحرث، في غير ذلك، ويعاني أيضًا معاناةً أشدَّ مع نفسه ومجاهدتها على طاعة الله واجتناب معاصي الله، وهذا هو الجهاد الذي أشقُّ مِن معاناة طلب الرزق، ولا سيَّما إذا ابتُلي الإنسانُ ببيئةٍ منحرفةٍ وصار بينهم غريبًا فإنه سيجد المشقَّة في معاناة نفسِه وفي معاناة الناس أيضًا.
فإن قال قائل: أفلا يمكن أن تكون الآيةُ شاملةً للمعنيين؟
فالجواب: بلى، وهكذا ينبغي إذا وجدتَ في الكتاب العزيز آيةً تحتمل معنيين وليس بينهما مناقضةٌ، فاحملها على المعنيين؛ لأن القرآن أشمل وأوسع، فإنْ كان بينهما مناقضةٌ فانظر الراجح؛ فمثلًا قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة ٢٢٨] ﴿قُرُوءٍ﴾ جمع قَرء، بفتح القاف، فما هو القَرء؟ قيل: هو الحيض. وقيل: هو الطُّهر. هنا لا يمكن أن تحمل الآية على المعنيين جميعًا، لماذا؟ للتناقض. لكن اطلب المرجِّح لأحد القولين وخُذ به.
فهُنا نقول: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ يصح أن تكون الآية شاملةً للمعنيين؛ أي: في حُسنِ قامةٍ واستقامةٍ، و﴿فِي كَبَدٍ﴾ في معاناةٍ لمشاقِّ الأمور.
ولنقتصر على هذا القَدْر من آيات الله البيِّنات لنتفرغ للأسئلة، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا جميعًا ممن يتلون كتابه حقَّ تلاوته، وأن يَهَب لنا منه رحمةً إنه هو الوهاب.
* * *
(...) والذي يتمُّ فيه اللقاء مع الإخوة في كل أسبوع، وهذا هو اللقاء الموفي للسبعين لقاءً، وهو الذي يتمُّ في شهر ربيع الأول عام خمسة عشر وأربع مئة وألف، ومن عادتنا أن نتكلم أولًا عن تفسير آياتٍ كنَّا معها من سورة النبأ حتى انتهينا إلى أول سورة البلد في قوله تبارك وتعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ [البلد ٤ - ٧]، وبيَّنَّا أن قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ له معنيان عند أهل العلم:
المعنى الأول: الكَبَد يعني التمام والرِّفعة في الخِلْقة والعقل وغير ذلك.
والمعنى الثاني: في مُكابدةٍ لمشاقِّ الأعمال الدنيوية والأُخروية.
والقاعدة في تفسير كتاب الله عز وجل يا إخواننا، القاعدة أنَّ الآية إذا كانت تحتمل معنيين ولا تناقُض بينهما فإنها تُحمَل على المعنيين جميعًا؛ لأن ذلك أوسع في التفسير والعلم.
البلد 90:5
يقول الله عز وجل: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ [البلد ٥] يعني أنَّ الإنسان في نفسه وقوَّته يظنُّ أن لن يقدر عليه أحد؛ لأنَّه في عنفوان شبابه وقوَّته وكبريائه وغطرسته، فيقول: لا أحد يقدر عليَّ، أنا أعمل ما شئتُ. ومنه قوله تبارك وتعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ فقال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥] .
إذَن فالإنسان في حال صحَّته وعنفوان شبابه يظنُّ أنه لا يقدر عليه أحد، وهذا لا شك بالنسبة للكافر، حتى الربُّ عز وجل؛ يظنُّ أنَّه لا يقدر عليه. أمَّا المؤمن فإنه يعلم أن الله قادرٌ عليه وأنه على كلِّ شيء قديرٌ فيخافُ اللَّهَ.
البلد 90:6
﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا﴾ [البلد: ٦] يقول الإنسانُ أيضًا في حال غِناه وبَسْط الرزق له: ﴿أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا﴾ أي: مالًا كثيرًا، في شهواته وفي مَلذَّاته.
البلد 90:7
يقول الله عز وجل: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ [البلد ٧] أيظنُّ هذا أنه لا يراه أحدٌ في تبذيره المالَ، وصَرْفه فيما لا ينفع؟! وكلُّ هذا تهديدٌ للإنسان؛ أنْ يتغطرس وأنْ يستكبر من أجل قوَّته البدنية أو كثرةِ ماله.
البلد 90:8
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ٨ - ١٠] هذه ثلاث نِعَمٍ من أكبر النِّعم على الإنسان.
﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ [البلد ٨] يعني يُبصر بهما ويرى بهما، وهاتان العينان تؤدِّيان إلى القلب ما نظر إليه الإنسانُ؛ إنْ نَظَر نظرةً محرَّمةً كان آثمًا، وإنْ نَظَر نظرًا يُقَرِّبه إلى الله كان غانمًا، وإنْ نَظَر إلى ما يُباح له فإنَّه لا يُحمَد ولا يُذَمُّ، ما لم يكن هذا النظر مُفضيًا إلى محظورٍ شرعيٍّ فيكون آثمًا بهذا النظر.
﴿وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾ [البلد ٩] لسانًا ينطق به، وشَفَتين يضبط بهما النُّطق، وهذه من نِعَم الله العظيمة؛ لأنه بهذا اللسان والشفتين يستطيع أن يعبِّر عمَّا في نفسه، ولولا هذا ما استطاع، لو كان لا يتكلم فكيف يؤدِّي ما في قلبه؟! كيف يُعلم الناسَ بما في نفسه؟! اللَّهم إلا بإشارةٍ تُتعب؛ يتعب هو -أي: المشير- ويتعب المشار الذي أُشير له، ولكن من نعمة الله أن جعل له لسانًا ناطقًا وشفتين يضبط بهما النطق، وهذا من نعمة الله، وهو أيضًا من عجائب قُدرته؛ مِن أين يأتي النُّطق؟ من هواءٍ يكون من الرئة، يخرج من مخارج معيَّنة، إنْ مرَّ بشيءٍ صار حرفًا، وإنْ مرَّ بشيءٍ آخَر صار حرفًا آخَر، وهو هواءٌ واحدٌ من مخرجٍ واحدٍ، لكن يمرُّ بشعيراتٍ دقيقةٍ في الحلقِ وفي الشفتين وفي اللثة، هذه الشعرات تُكوِّن الحروف، فتجد مثلًا الباء والشين كُلُّها بهواءٍ يندفع من الرئة، ومع ذلك تختلف باختلاف ما يمرُّ عليه في هذا الفم ومخارج الحروف المعروفة، هذا من تمام قدرة الله عز وجل.
قال: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ١٠] ﴿هَدَيْنَاهُ﴾ أي: بيَّنَّا له طريقَ الخير وطريقَ الشر، هذا قول.
القول الثاني: ﴿هَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ دلَلْناه على ما به غِذاؤه، وهو الثديان؛ فإنهما نجدانِ لارتفاعهما فوق الصدر، فهداه الله تعالى وهو رضيعٌ لا يعرف؛ مِن حين أن يخرج وتضعه أمُّه يطلب الثدي، مَن الذي أعلمه؟ الله عز وجل. فبيَّن الله عز وجل مِنَّته على هذا الإنسان؛ مِن حين أن يخرج يهتدي إلى النجدين.
وفي بطن أُمِّه يتغذَّى عن طريق السُّرَّة؛ لأنه لا يستطيع أن يتغذَّى من غير هذا، لو تغذَّى عن طريق الفم لاحتاج إلى بولٍ وغائطٍ، وكيف ذلك؟! لكنَّه عن طريق السُّرَّة، يأتيه الدم من دم أمِّه وينتشر في عروقه حتى يحيا إلى أنْ يأذن الله تعالى بإخراجه.
ثم قال الله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد ١١] و(...).
البلد 90:9
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ٨ - ١٠] هذه ثلاث نِعَمٍ من أكبر النِّعم على الإنسان.
﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ [البلد ٨] يعني يُبصر بهما ويرى بهما، وهاتان العينان تؤدِّيان إلى القلب ما نظر إليه الإنسانُ؛ إنْ نَظَر نظرةً محرَّمةً كان آثمًا، وإنْ نَظَر نظرًا يُقَرِّبه إلى الله كان غانمًا، وإنْ نَظَر إلى ما يُباح له فإنَّه لا يُحمَد ولا يُذَمُّ، ما لم يكن هذا النظر مُفضيًا إلى محظورٍ شرعيٍّ فيكون آثمًا بهذا النظر.
﴿وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾ [البلد ٩] لسانًا ينطق به، وشَفَتين يضبط بهما النُّطق، وهذه من نِعَم الله العظيمة؛ لأنه بهذا اللسان والشفتين يستطيع أن يعبِّر عمَّا في نفسه، ولولا هذا ما استطاع، لو كان لا يتكلم فكيف يؤدِّي ما في قلبه؟! كيف يُعلم الناسَ بما في نفسه؟! اللَّهم إلا بإشارةٍ تُتعب؛ يتعب هو -أي: المشير- ويتعب المشار الذي أُشير له، ولكن من نعمة الله أن جعل له لسانًا ناطقًا وشفتين يضبط بهما النطق، وهذا من نعمة الله، وهو أيضًا من عجائب قُدرته؛ مِن أين يأتي النُّطق؟ من هواءٍ يكون من الرئة، يخرج من مخارج معيَّنة، إنْ مرَّ بشيءٍ صار حرفًا، وإنْ مرَّ بشيءٍ آخَر صار حرفًا آخَر، وهو هواءٌ واحدٌ من مخرجٍ واحدٍ، لكن يمرُّ بشعيراتٍ دقيقةٍ في الحلقِ وفي الشفتين وفي اللثة، هذه الشعرات تُكوِّن الحروف، فتجد مثلًا الباء والشين كُلُّها بهواءٍ يندفع من الرئة، ومع ذلك تختلف باختلاف ما يمرُّ عليه في هذا الفم ومخارج الحروف المعروفة، هذا من تمام قدرة الله عز وجل.
قال: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ١٠] ﴿هَدَيْنَاهُ﴾ أي: بيَّنَّا له طريقَ الخير وطريقَ الشر، هذا قول.
القول الثاني: ﴿هَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ دلَلْناه على ما به غِذاؤه، وهو الثديان؛ فإنهما نجدانِ لارتفاعهما فوق الصدر، فهداه الله تعالى وهو رضيعٌ لا يعرف؛ مِن حين أن يخرج وتضعه أمُّه يطلب الثدي، مَن الذي أعلمه؟ الله عز وجل. فبيَّن الله عز وجل مِنَّته على هذا الإنسان؛ مِن حين أن يخرج يهتدي إلى النجدين.
وفي بطن أُمِّه يتغذَّى عن طريق السُّرَّة؛ لأنه لا يستطيع أن يتغذَّى من غير هذا، لو تغذَّى عن طريق الفم لاحتاج إلى بولٍ وغائطٍ، وكيف ذلك؟! لكنَّه عن طريق السُّرَّة، يأتيه الدم من دم أمِّه وينتشر في عروقه حتى يحيا إلى أنْ يأذن الله تعالى بإخراجه.
ثم قال الله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد ١١] و(...).
البلد 90:10
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ٨ - ١٠] هذه ثلاث نِعَمٍ من أكبر النِّعم على الإنسان.
﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ [البلد ٨] يعني يُبصر بهما ويرى بهما، وهاتان العينان تؤدِّيان إلى القلب ما نظر إليه الإنسانُ؛ إنْ نَظَر نظرةً محرَّمةً كان آثمًا، وإنْ نَظَر نظرًا يُقَرِّبه إلى الله كان غانمًا، وإنْ نَظَر إلى ما يُباح له فإنَّه لا يُحمَد ولا يُذَمُّ، ما لم يكن هذا النظر مُفضيًا إلى محظورٍ شرعيٍّ فيكون آثمًا بهذا النظر.
﴿وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾ [البلد ٩] لسانًا ينطق به، وشَفَتين يضبط بهما النُّطق، وهذه من نِعَم الله العظيمة؛ لأنه بهذا اللسان والشفتين يستطيع أن يعبِّر عمَّا في نفسه، ولولا هذا ما استطاع، لو كان لا يتكلم فكيف يؤدِّي ما في قلبه؟! كيف يُعلم الناسَ بما في نفسه؟! اللَّهم إلا بإشارةٍ تُتعب؛ يتعب هو -أي: المشير- ويتعب المشار الذي أُشير له، ولكن من نعمة الله أن جعل له لسانًا ناطقًا وشفتين يضبط بهما النطق، وهذا من نعمة الله، وهو أيضًا من عجائب قُدرته؛ مِن أين يأتي النُّطق؟ من هواءٍ يكون من الرئة، يخرج من مخارج معيَّنة، إنْ مرَّ بشيءٍ صار حرفًا، وإنْ مرَّ بشيءٍ آخَر صار حرفًا آخَر، وهو هواءٌ واحدٌ من مخرجٍ واحدٍ، لكن يمرُّ بشعيراتٍ دقيقةٍ في الحلقِ وفي الشفتين وفي اللثة، هذه الشعرات تُكوِّن الحروف، فتجد مثلًا الباء والشين كُلُّها بهواءٍ يندفع من الرئة، ومع ذلك تختلف باختلاف ما يمرُّ عليه في هذا الفم ومخارج الحروف المعروفة، هذا من تمام قدرة الله عز وجل.
قال: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ١٠] ﴿هَدَيْنَاهُ﴾ أي: بيَّنَّا له طريقَ الخير وطريقَ الشر، هذا قول.
القول الثاني: ﴿هَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ دلَلْناه على ما به غِذاؤه، وهو الثديان؛ فإنهما نجدانِ لارتفاعهما فوق الصدر، فهداه الله تعالى وهو رضيعٌ لا يعرف؛ مِن حين أن يخرج وتضعه أمُّه يطلب الثدي، مَن الذي أعلمه؟ الله عز وجل. فبيَّن الله عز وجل مِنَّته على هذا الإنسان؛ مِن حين أن يخرج يهتدي إلى النجدين.
وفي بطن أُمِّه يتغذَّى عن طريق السُّرَّة؛ لأنه لا يستطيع أن يتغذَّى من غير هذا، لو تغذَّى عن طريق الفم لاحتاج إلى بولٍ وغائطٍ، وكيف ذلك؟! لكنَّه عن طريق السُّرَّة، يأتيه الدم من دم أمِّه وينتشر في عروقه حتى يحيا إلى أنْ يأذن الله تعالى بإخراجه.
ثم قال الله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد ١١] و(...).
البلد 90:11
(...) نبتدئ هذا اللقاء بتكميل الكلام على سورة البلد، حيث وقفنا على قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد ١١ - ١٣] إلى آخر السورة.
﴿فَلَا اقْتَحَمَ﴾ أي: الإنسان الذي كان يقول: أهلكتُ مالًا لُبَدًا ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد ١١] يعني: هلَّا اقتحم العقبة. والاقتحام هو التجاوز بمشقَّة، تجاوُز الشيءِ بمشقَّةٍ يُسَمَّى اقتحامًا، والعَقَبةُ هي الطريق في الجبل الوعر، ولا شك أن اقتحام هذه العَقَبة لا شك أنه صعبٌ شاقٌّ على النفوس، لا يقوم به إلا مَن كان عنده نِيَّةٌ صادقةٌ في تجاوُز هذه العَقَبة.
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ [البلد ١٢] هذا الاستفهام للتشويق والتفخيم أيضًا؛ يعني: ما الذي أَعلمك شأنَ هذه العَقبة التي قال الله عنها: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾؟
بيَّنَها الله بقوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد ١٣ - ١٧] إلى آخره.
فقوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد ١٣] هي خبرٌ لمبتدأ محذوف، والتقدير: هي فكُّ رقبةٍ. وفكُّ الرقبة له معنيان:
المعنى الأول: فَكُّها من الرِّقِّ، بحيث يُعتق الإنسانُ العبيدَ المملوكين سواءٌ كانوا في مُلكه فيُعتقهم أو كانوا في مُلك غيره فيشتريهم ويُعتقهم، هذا نوع.
النوع الثاني: فكُّ رقبةٍ من الأَسْر؛ فإنَّ فكاك الأسير من أفضل الأعمال إلى الله عز وجل، والأسير ربما لا يفكُّه العدوُّ إلا بفِديةٍ ماليَّةٍ، وربما تكون هذه الفِدية فِديةً باهظةً كثيرةً لا يقتحمها إلا مَن كان عنده إيمانٌ بالله عز وجل بأنْ يُخلِف عليه ما أنفق وأنْ يُثيبه على ما تصدَّق.
فصار فكُّ الرقبة له معنيان:
المعنى الأول: فكُّ الرقبة من الرِّقِّ بحيث يحرِّرها؛ إنْ كانت في مُلكه ففي مُلكه، وإلَّا اشتراها وحرَّرها.
والثاني: فكُّ الرقبة من الأَسْر.
البلد 90:12
(...) نبتدئ هذا اللقاء بتكميل الكلام على سورة البلد، حيث وقفنا على قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد ١١ - ١٣] إلى آخر السورة.
﴿فَلَا اقْتَحَمَ﴾ أي: الإنسان الذي كان يقول: أهلكتُ مالًا لُبَدًا ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد ١١] يعني: هلَّا اقتحم العقبة. والاقتحام هو التجاوز بمشقَّة، تجاوُز الشيءِ بمشقَّةٍ يُسَمَّى اقتحامًا، والعَقَبةُ هي الطريق في الجبل الوعر، ولا شك أن اقتحام هذه العَقَبة لا شك أنه صعبٌ شاقٌّ على النفوس، لا يقوم به إلا مَن كان عنده نِيَّةٌ صادقةٌ في تجاوُز هذه العَقَبة.
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ [البلد ١٢] هذا الاستفهام للتشويق والتفخيم أيضًا؛ يعني: ما الذي أَعلمك شأنَ هذه العَقبة التي قال الله عنها: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾؟
بيَّنَها الله بقوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد ١٣ - ١٧] إلى آخره.
فقوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد ١٣] هي خبرٌ لمبتدأ محذوف، والتقدير: هي فكُّ رقبةٍ. وفكُّ الرقبة له معنيان:
المعنى الأول: فَكُّها من الرِّقِّ، بحيث يُعتق الإنسانُ العبيدَ المملوكين سواءٌ كانوا في مُلكه فيُعتقهم أو كانوا في مُلك غيره فيشتريهم ويُعتقهم، هذا نوع.
النوع الثاني: فكُّ رقبةٍ من الأَسْر؛ فإنَّ فكاك الأسير من أفضل الأعمال إلى الله عز وجل، والأسير ربما لا يفكُّه العدوُّ إلا بفِديةٍ ماليَّةٍ، وربما تكون هذه الفِدية فِديةً باهظةً كثيرةً لا يقتحمها إلا مَن كان عنده إيمانٌ بالله عز وجل بأنْ يُخلِف عليه ما أنفق وأنْ يُثيبه على ما تصدَّق.
فصار فكُّ الرقبة له معنيان:
المعنى الأول: فكُّ الرقبة من الرِّقِّ بحيث يحرِّرها؛ إنْ كانت في مُلكه ففي مُلكه، وإلَّا اشتراها وحرَّرها.
والثاني: فكُّ الرقبة من الأَسْر.
البلد 90:13
(...) نبتدئ هذا اللقاء بتكميل الكلام على سورة البلد، حيث وقفنا على قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد ١١ - ١٣] إلى آخر السورة.
﴿فَلَا اقْتَحَمَ﴾ أي: الإنسان الذي كان يقول: أهلكتُ مالًا لُبَدًا ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد ١١] يعني: هلَّا اقتحم العقبة. والاقتحام هو التجاوز بمشقَّة، تجاوُز الشيءِ بمشقَّةٍ يُسَمَّى اقتحامًا، والعَقَبةُ هي الطريق في الجبل الوعر، ولا شك أن اقتحام هذه العَقَبة لا شك أنه صعبٌ شاقٌّ على النفوس، لا يقوم به إلا مَن كان عنده نِيَّةٌ صادقةٌ في تجاوُز هذه العَقَبة.
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ [البلد ١٢] هذا الاستفهام للتشويق والتفخيم أيضًا؛ يعني: ما الذي أَعلمك شأنَ هذه العَقبة التي قال الله عنها: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾؟
بيَّنَها الله بقوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد ١٣ - ١٧] إلى آخره.
فقوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد ١٣] هي خبرٌ لمبتدأ محذوف، والتقدير: هي فكُّ رقبةٍ. وفكُّ الرقبة له معنيان:
المعنى الأول: فَكُّها من الرِّقِّ، بحيث يُعتق الإنسانُ العبيدَ المملوكين سواءٌ كانوا في مُلكه فيُعتقهم أو كانوا في مُلك غيره فيشتريهم ويُعتقهم، هذا نوع.
النوع الثاني: فكُّ رقبةٍ من الأَسْر؛ فإنَّ فكاك الأسير من أفضل الأعمال إلى الله عز وجل، والأسير ربما لا يفكُّه العدوُّ إلا بفِديةٍ ماليَّةٍ، وربما تكون هذه الفِدية فِديةً باهظةً كثيرةً لا يقتحمها إلا مَن كان عنده إيمانٌ بالله عز وجل بأنْ يُخلِف عليه ما أنفق وأنْ يُثيبه على ما تصدَّق.
فصار فكُّ الرقبة له معنيان:
المعنى الأول: فكُّ الرقبة من الرِّقِّ بحيث يحرِّرها؛ إنْ كانت في مُلكه ففي مُلكه، وإلَّا اشتراها وحرَّرها.
والثاني: فكُّ الرقبة من الأَسْر.
البلد 90:14
قال: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد ١٤] ﴿أَوْ﴾ هذه للتنويع؛ يعني: وإمَّا إطعامٌ في يومٍ ذي مَسْغبةٍ؛ أي: ذي مجاعةٍ شديدةٍ؛ لأن الناس قد يُصابون بالمجاعة الشديدة إمَّا لقِلَّة الحاصل من الثمار والزروع، وإمَّا لأمراضٍ في أجسامهم؛ يأكلُ الإنسانُ ولا يشبع، وهذا قد وقع فيما نسمع عنه، وقع في البلاد النجدية وربما في غيرها أيضًا أنَّ الناس يأكلون ولا يشبعون، يأكل الواحد مأكل العشرة ولا يشبع، ويموتون من الجوع في الأسواق، يتساقطون في الأسواق من الجوع، هذه من المساغب.
أو قِلَّة المحصول؛ بحيث لا تُثمر الأشجار، ولا تنبت الزروع، فيقلُّ الحاصل وتحصل المسغبة، ويموت الناسُ جوعًا، وربما يهاجرون عن بلادهم.
البلد 90:15
﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥، ١٦]، ﴿يَتِيمًا﴾ اليتيم هو مَن مات أبوه قبل أن يَبْلغ سواءٌ كان ذكرًا أمْ أنثى، فإنْ بلغ فإنه لا يكون يتيمًا؛ لأنه بلغ وانفصل، وكذلك أيضًا لو ماتتْ أُمُّه فإنه لا يكون يتيمًا خلافًا لِمَا يظنُّه بعضُ العامَّة أنَّ اليتيم مَن ماتتْ أُمُّه، وهذا ليس بصحيح، اليتيمُ مَن مات أبوه؛ لأنه إذا مات أبوه لم يكن له كاسبٌ من الخلْق يكسب عليه.
وقوله: ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ أي: ذا قرابةٍ من الإنسان؛ لأنه إذا كان يتيمًا كان له حظٌّ من الإكرام والصدقات، وإذا كان قريبًا ازداد حظُّه من ذلك لأنه يكون واجبَ الصِّلة، فمَن جمع هذين الوصفين: اليُتْم والقرابة، فإنَّ الإنفاق عليه من اقتحام العَقبة إذا كان ذلك في يوم مَسْغبة.
البلد 90:16
﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] يعني: أو إطعامٌ في يومٍ ذي مَسْغبةٍ مسكينًا ذا مَتْربة.
المسكين: هو الذي لا يجد قوته ولا قوت عياله، والمتربة: مكان التراب، والمعنى أنه مسكين ليس بيديه شيءٌ إلا التراب، ومعلومٌ أنه إذا قيل عن الرجل: ليس عنده إلا التراب، فالمعنى أنَّه فقيرٌ جِدًّا، ليس عنده طعام، وليس عنده كساء، وليس عنده مال، فهو مسكينٌ ذو مَتْربة.
البلد 90:17
﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد: ١٧].
﴿ثُمَّ كَانَ﴾ يعني: ثم هو بعد ذلك ليس محسنًا على اليتامى وعلى المساكين، بل هو ذو إيمانٍ بالله.
﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ الذين آمنوا بِمَن؟ آمنوا بكلِّ ما يجب الإيمان به، وقد بيَّن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم مَن الذي يجب الإيمان به فقال حين سأله جبريل عن الإيمان: «الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، والْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[[أخرجه مسلم (٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٧٧) واللفظ له، من حديث عمر رضي الله عنه.]].
وقوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ أي: أَوْصى بعضُهم بعضًا بالصبر، والصبر ثلاثة أنواع: صبرٌ على طاعة الله، وصبرٌ عن معصية الله، وصبرٌ على أقدار الله المؤلمة. فهُم صابرون متواصون بالصبر، وأيُّ هذه الأنواع أفضل؟ الأفضل الصبر على طاعة الله، ثم الصبر عن معصية الله، ثم الصبر على أقدار الله المؤلمة، وقد اجتمعتْ هذه الأنواع الثلاثة؛ اجتمعتْ في الرُّسُل عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم.
فها هو الرسول عليه الصلاة والسلام صابرٌ على طاعة الله؛ يجاهد في سبيل الله، ويدعو إلى الله، ويؤذَى، ويُعتدَى عليه بالضرب، حتى همَّ المشركون بقتله، وهو مع ذلك صابرٌ محتسبٌ.
هو أيضًا صابرٌ عن معصية الله؛ لا يمكن أنْ يغدر بأحد، ولا أنْ يَكذب أحدًا، ولا أنْ يخون أحدًا، وهو أيضًا مُتَّقٍ لله تعالى بقَدْر ما يستطيع.
كذلك صابرٌ على طاعة الله؛ كم أُوذِيَ في الله عز وجل من أجْل طاعته؛ أليست قريشٌ قد آذَوْه حتى إذا رأوه ساجدًا تحت الكعبة أمروا مَن يأتي بسَلَى ناقةٍ فيضعه على ظهره وهو ساجدٌ عليه الصلاة والسلام، وهو صابرٌ في ذلك كُلِّه.
يوسف عليه الصلاة والسلام صَبَرَ على أقدار الله، وقد أُلقِيَ في البئر في غيابة الجبِّ، وأُوذِيَ في الله بالسجن، ومع ذلك فهو صابرٌ محتسبٌ لم يتضجَّر ولم يُنكر ما وقع به.
وقوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ أي: أَوْصى بعضُهم بعضًا أن يرحم الآخَر. والرحمة رحمة الإنسان للمخلوقات، تكون في البهائم وتكون في الناطق؛ فهو يرحم آباءه وأمهاته، وأبناءه وبناته، وإخوانه وأخواته، وأعمامه وعماته ... وهكذا، ويرحم كذلك سائر البشر، وهو أيضًا يرحم الحيوان البهيم؛ فيرحم ناقته، وفرسه، وحماره، وبقرته، وشاته، وغير ذلك، وقد قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: «ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ»[[أخرجه الترمذي (١٩٢٤) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.]].
البلد 90:18
﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ [البلد: ١٨]، ﴿أُولَئِكَ﴾ أي: هؤلاء الموصوفون بهذه الصفات ﴿أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ أي: أصحاب اليمين الذين يُؤتَوْن كتابَهم يوم القيامة بأيمانهم؛ ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق ٧ - ٩].
البلد 90:19
ثم قال عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ [البلد ١٩].
لما ذكر المؤمنين ذكر الكافرين فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: جحدوا بها ﴿هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ الضمير هنا جاء للتوكيد، ولو قيل في غير القرآن: والذين كفروا بآياتنا أصحابُ المشأمة، لَصحَّ، لكن هذا من باب التوكيد، و﴿الْمَشْأَمَةِ﴾ يعني الشمال أو الشؤم.
البلد 90:20
﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ [البلد: ٢٠] أي: عليهم نارٌ مُغلَقة -والعياذ بالله- لا يخرجون منها ولا يستطيعون.
نسأل الله أن يجعلنا وإيَّاكم من الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصَوْا بالصبر وتواصَوْا بالمرحمة.
الشمس 91:1
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أمَّا بعد، فهذا هو اللقاء الثالث والسبعون من لقاءات الباب المفتوح الذي يتمُّ كلَّ خميس من كلِّ أسبوع، وهذا الخميس هو العاشر من شهر ربيع الثاني عام خمسة عشر وأربع مئة وألف، نتكلَّم فيه على أول سورة الشمس حيث قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس ١ - ٧] إلى آخره.
أمَّا البسملة فلا نُعيد الكلام عليها لأنَّه معروفٌ ومتكرِّر، لكن نبدأ بالآيات:
في قول الله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾؛ أَقْسَمَ الله تعالى بالشمس وضُحاها، وهو ضوؤها؛ لِمَا في ذلك من الآيات العظيمة الدالَّة على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى وكمال عِلْمه ورحمته؛ فإنَّ في هذه الشمس من الآيات ما لا يُدركه بعضُ الناس، وأضربُ لكم مثلًا: إذا طلعت الشمسُ فكَمْ تُوفِّر على العالَم من طاقةٍ كهربائية؟ تُوفِّر آلاف الملايين؛ لأنَّهم يستغنون بها عن هذه الطاقة، وكمْ يَحْصل للأرض من حرارتها من نُضْج الثمار وطِيب الأشجار ما لا يعلمه إلا الله عز وجل، ويَحْصل فيها فوائد كثيرة لا أستطيع أن أعُدَّها؛ لأن غالبها يتعلَّق في علم الفَلَك وعلم الأرض والجيولوجيا ولا أستطيع أن أعُدَّها، لكنَّها من آيات الله العظيمة.
الشمس 91:2
﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ قيل: إذا تلاها في السَّير، وقيل: إذا تلاها في الإضاءة، وما دامت الآية تحتمل هذا وهذا فإنَّ القاعدة في علم التفسير أنَّ الآية إذا احتملت معنيَيْنِ وَجَبَ الأخذُ بهما جميعًا؛ لأنَّ الأخذ بالمعنيَيْنِ جميعًا أوسع للمعنى.
فنقول: إذا تلاها في السَّير؛ لأن القمر يتأخَّر كلَّ يومٍ عن الشمس، فبينما تجده في أول الشهر قريبًا منها في المغرب إذا هو في نصف الشهر أبعدُ ما يكون عنها في المشرق؛ لأنه يتأخَّر كلَّ يوم. أو: إذا تلاها في الإضاءة؛ لأنها إذا غابت بَدَا ضوءُ القمر، لا سِيَّما في الربع الثاني إلى نهاية الربع الثالث فإنَّ ضوء القمر يكون بيِّنًا واضحًا؛ يعني إذا مضى سبعة أيام وبقي سبعة أيام يكون الضوء ضعيفًا، إذا مضى سبعة أيام إلى أنْ يبقى سبعة أيام يكون الضوء قويًّا، وأمَّا في السبعة الأولى والأخيرة فهو ضعيف، وعلى كلِّ حال فإنَّ إضاءة القمر لا تكون إلا بعد ذهاب ضوء الشمس كما هو ظاهر، فيكون الله أَقْسمَ بالشمس لأنها آية النهار، وبالقمر لأنه آية الليل.
الشمس 91:3
﴿ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ تضادٌّ؛ النهار إذا جَلَّى الأرضَ وبيَّنها ووضَّحها لأنَّه نهارٌ تَبينُ به الأشياء وتتَّضح.
الشمس 91:4
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ إذا يُغطِّي الأرضَ حتى يكون كالعباءة المفروشة على شيءٍ من الأشياء، وهذا يتَّضح جَلِيًّا فيما إذا غابت الشمس وأنت في الطائرة؛ إذا غابت الشمس وأنت في الطائرة تجد أنَّ الأرض سوداء تحتك؛ لأنك الآن تشاهد الشمسَ لارتفاعك، لكن الأرض اللي تحتك حيث غربتْ عليها الشمس تجدها سوداء، كأنَّها مغطَّاةٌ بعباءةٍ سوداء، وهذا معنى قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾.
الشمس 91:5
﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالْأَرْضِ﴾ السماءُ والأرضُ متقابلات.
﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾.
﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ قال المفسرون: إنَّ (ما) هنا مصدرية؛ أي: والسماءِ وبنائها؛ لأن السماء عظيمةٌ بارتفاعها وسَعتِها وقوَّتها وغير ذلك مما هو من آيات الله فيها، وكذلك بِناؤها بناءٌ مُحْكمٌ كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك ٣، ٤].
الشمس 91:6
﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾ [الشمس:٦] يعني: الأرض وما سوَّاها حتى كانت مستوية، وحتى كانت ليست ليِّنةً جِدًّا وليست قويةً جِدًّا صلبةً، بل هي مناسبةٌ للخَلْق على حسب ما تقوم به حوائجهم، وهذه من نعمة الله سبحانه وتعالى على عباده أنْ سَوَّى لهم الأرض وجَعَلها بين اللِّين وبين الخشونة إلا في مواضع، لكن هذا القليل لا يُحكَم به على الكثير.
الشمس 91:7
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ ﴿نَفْسٍ﴾ هنا وإنْ كانت واحدةً لكن المراد العموم؛ يعني: كل نفسٍ.
﴿وَمَا سَوَّاهَا﴾ سَوَّاها خِلْقةً وسَوَّاها فِطْرةً؛ سَوَّاها خِلْقةً حيث خَلَقَ كلَّ شيءٍ على الوجه الذي يناسبه ويناسب حاله؛ قال الله تعالى: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ أي: خَلْقَه المناسبَ له ﴿ثُمَّ هَدَى﴾ [طه ٥٠] أي: هداه لمصالحه.
وكذلك سَوَّاه فِطْرةً، ولا سِيَّما البَشَر، فإنَّ الله تعالى جَعَلَ فِطْرتهم هي الإخلاص والتوحيد؛ كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم ٣٠].
الشمس 91:8
﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٨] مَن الملهِم؟ الله عز وجل، أَلْهَمَ هذه النفوس.
﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ بدأ بالفجور قبل التقوى مع أنَّ التقوى -لا شكَّ- أَفْضل، قالوا: مراعاةً لفواصل الآيات.
﴿أَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ ما هو الفجور؟ نقول: هو ما يُقابل التقوى، والتقوى طاعة الله، إذَنْ فالفجور معصية الله، فكلُّ عاصٍ فهو فاجرٌ، وإنْ كان الفاجر خُصَّ عُرفًا بأنه مَن ليس بعفيف، لكن هو شرعًا يعُمُّ كلَّ مَن خرج عن طاعة الله؛ كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين ٧] والمراد الكُفَّار.
وألْهَمَها تقواها، ألْهَمَها التقوى، أيُّهما الموافق للفطرة: الثاني أو الأول؟
* طلبة: الثاني.
* الشيخ: الثاني؛ لأنَّ الفجور خارجٌ عن الفِطْرة، لكن قد يُلْهمه اللَّهُ بعضَ النفوس لانحرافها؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]، والله تعالى لا يظلم أحدًا، لكن مَن عَلِمَ منه أنه لا يريد الحقَّ أزاغَ اللَّهُ قَلْبَه، نسأل الله العافية.
الشمس 91:9
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩، ١٠].
﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ أي: فاز بالمطلوب ونجا من المرهوب.
﴿مَنْ زَكَّاهَا﴾ أي: مَن زَكَّى نفسَه، وليس المرادُ بالتزكية هُنا التزكيةَ المنهيَّ عنها في قوله: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم ٣٢]، المراد بالتزكية هنا أنْ يُزَكِّي نفسَه بإخلاصها من الشِّرك وشوائب المعاصي حتى تبقى زكيَّةً طاهرةً نقيَّةً.
الشمس 91:10
﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ أي: مَن أرداها في المهالك والمعاصي، وهذا في الواقع يحتاج إلى دُعاء الله سبحانه وتعالى أن يُثبِّت الله الإنسانَ على طاعته وبالقول الثابت، فعليك يا أخي المسلم دائمًا أنْ تسأل اللَّهَ الثباتَ والعلمَ النافعَ والعملَ الصالِحَ؛ فإنَّ الله تعالى قال في كتابه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة ١٨٦].
نسأل اللَّهَ أنْ يجعلنا وإيَّاكم من الراشدين الصالحين المصلحين.
الشمس 91:11
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أمَّا بعد، فهذا هو اللقاء الرابع والسبعون من اللقاءات التي تتمُّ في كلِّ يوم خميس، وهذا هو الخميس الرابع والعشرون من شهر ربيع الثاني عام خمسة عشر وأربع مئة وألف، في هذا اللقاء نُكمل تفسير سورة (والشمس وضحاها) حيث وصلْنا إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ [الشمس ١١، ١٢].
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ﴾ ثمود اسم قبيلة، ونبيُّهم صالِحٌ عليه الصلاة والسلام، وديارهم في الحِجْر معروفةٌ في طريق الناس، هؤلاء كذَّبوا نبيَّهم صالحًا، ونبيُّهم صالحٌ عليه الصلاة والسلام كغيره من الأنبياء يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥]، دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأعطاه الله سبحانه وتعالى آيةً تدلُّ على نُبُوَّته، وهي الناقةُ العظيمةُ التي تشربُ من البئر يومًا وتسقيهم لبنًا في اليوم الثاني.
وقد قال بعض العلماء: إنه كلَّما جاء إنسانٌ وأعطاها من الماء بقدرٍ أعطتْه من اللبن بقَدْره. ولكن اللي يظهر من القرآن خلافُ ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء ١٥٥]، فالناقة تشربُ من البئر يومًا ثم تدرُّ اللبنَ في اليوم الثاني، ولكن هل نفعتْهم هذه الآية؟
استمع إلى قول الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ [الشمس١١] أي: بطُغيانها وعُتُوِّها، والباء هنا للسببيَّة أي: بسبب كونها طاغيةً كذَّبت الرسول.
﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ [الشمس ١٢] هذا بيانٌ للطغيان الذي ذكره الله عز وجل، وذلك حين انبعث أشقاها، ﴿انْبَعَثَ﴾ يعني: انطلقَ بسرعة، و﴿أَشْقَاهَا﴾ أي: أشقى ثمود؛ يعني: أعلاهم في الشقاءِ -والعياذُ بالله- يريد أنْ يقضي على هذه الناقة، فقال لهم صالح: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس ١٣]، قال لهم: ﴿نَاقَةَ﴾ أي: ذَرُوا ناقةَ الله؛ لقوله تعالى في آية أخرى: ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾ [الأعراف ٧٣] يعني: اتركوا الناقةَ، لا تقتلوها، لا تتعرَّضوا لها بسوءٍ، ولكن كانت النتيجة بالعكس.
الشمس 91:12
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أمَّا بعد، فهذا هو اللقاء الرابع والسبعون من اللقاءات التي تتمُّ في كلِّ يوم خميس، وهذا هو الخميس الرابع والعشرون من شهر ربيع الثاني عام خمسة عشر وأربع مئة وألف، في هذا اللقاء نُكمل تفسير سورة (والشمس وضحاها) حيث وصلْنا إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ [الشمس ١١، ١٢].
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ﴾ ثمود اسم قبيلة، ونبيُّهم صالِحٌ عليه الصلاة والسلام، وديارهم في الحِجْر معروفةٌ في طريق الناس، هؤلاء كذَّبوا نبيَّهم صالحًا، ونبيُّهم صالحٌ عليه الصلاة والسلام كغيره من الأنبياء يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥]، دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأعطاه الله سبحانه وتعالى آيةً تدلُّ على نُبُوَّته، وهي الناقةُ العظيمةُ التي تشربُ من البئر يومًا وتسقيهم لبنًا في اليوم الثاني.
وقد قال بعض العلماء: إنه كلَّما جاء إنسانٌ وأعطاها من الماء بقدرٍ أعطتْه من اللبن بقَدْره. ولكن اللي يظهر من القرآن خلافُ ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء ١٥٥]، فالناقة تشربُ من البئر يومًا ثم تدرُّ اللبنَ في اليوم الثاني، ولكن هل نفعتْهم هذه الآية؟
استمع إلى قول الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ [الشمس١١] أي: بطُغيانها وعُتُوِّها، والباء هنا للسببيَّة أي: بسبب كونها طاغيةً كذَّبت الرسول.
﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ [الشمس ١٢] هذا بيانٌ للطغيان الذي ذكره الله عز وجل، وذلك حين انبعث أشقاها، ﴿انْبَعَثَ﴾ يعني: انطلقَ بسرعة، و﴿أَشْقَاهَا﴾ أي: أشقى ثمود؛ يعني: أعلاهم في الشقاءِ -والعياذُ بالله- يريد أنْ يقضي على هذه الناقة، فقال لهم صالح: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس ١٣]، قال لهم: ﴿نَاقَةَ﴾ أي: ذَرُوا ناقةَ الله؛ لقوله تعالى في آية أخرى: ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾ [الأعراف ٧٣] يعني: اتركوا الناقةَ، لا تقتلوها، لا تتعرَّضوا لها بسوءٍ، ولكن كانت النتيجة بالعكس.
الشمس 91:13
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أمَّا بعد، فهذا هو اللقاء الرابع والسبعون من اللقاءات التي تتمُّ في كلِّ يوم خميس، وهذا هو الخميس الرابع والعشرون من شهر ربيع الثاني عام خمسة عشر وأربع مئة وألف، في هذا اللقاء نُكمل تفسير سورة (والشمس وضحاها) حيث وصلْنا إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ [الشمس ١١، ١٢].
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ﴾ ثمود اسم قبيلة، ونبيُّهم صالِحٌ عليه الصلاة والسلام، وديارهم في الحِجْر معروفةٌ في طريق الناس، هؤلاء كذَّبوا نبيَّهم صالحًا، ونبيُّهم صالحٌ عليه الصلاة والسلام كغيره من الأنبياء يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥]، دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأعطاه الله سبحانه وتعالى آيةً تدلُّ على نُبُوَّته، وهي الناقةُ العظيمةُ التي تشربُ من البئر يومًا وتسقيهم لبنًا في اليوم الثاني.
وقد قال بعض العلماء: إنه كلَّما جاء إنسانٌ وأعطاها من الماء بقدرٍ أعطتْه من اللبن بقَدْره. ولكن اللي يظهر من القرآن خلافُ ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء ١٥٥]، فالناقة تشربُ من البئر يومًا ثم تدرُّ اللبنَ في اليوم الثاني، ولكن هل نفعتْهم هذه الآية؟
استمع إلى قول الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ [الشمس١١] أي: بطُغيانها وعُتُوِّها، والباء هنا للسببيَّة أي: بسبب كونها طاغيةً كذَّبت الرسول.
﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ [الشمس ١٢] هذا بيانٌ للطغيان الذي ذكره الله عز وجل، وذلك حين انبعث أشقاها، ﴿انْبَعَثَ﴾ يعني: انطلقَ بسرعة، و﴿أَشْقَاهَا﴾ أي: أشقى ثمود؛ يعني: أعلاهم في الشقاءِ -والعياذُ بالله- يريد أنْ يقضي على هذه الناقة، فقال لهم صالح: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس ١٣]، قال لهم: ﴿نَاقَةَ﴾ أي: ذَرُوا ناقةَ الله؛ لقوله تعالى في آية أخرى: ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾ [الأعراف ٧٣] يعني: اتركوا الناقةَ، لا تقتلوها، لا تتعرَّضوا لها بسوءٍ، ولكن كانت النتيجة بالعكس.
الشمس 91:14
﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ [الشمس: ١٤] أي: كذَّبوا صالحًا وقالوا: إنك لَسْتَ برسول. وهكذا كلُّ الرُّسُل الذين أُرْسِلوا إلى أقوامهم يَصِمُهم أقوامُهم بالعيب؛ كما قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات ٥٢]، كلُّ الرسل قيل لهم هذا: ساحرٌ أو مجنونٌ، كما قيل للرسول عليه الصلاة والسلام: إنه ساحرٌ، كذَّابٌ، مجنونٌ، شاعرٌ، كاهنٌ، ولكن هل ألقابُ السوء التي يُلقِّبها الأعداءُ لأولياء الله هل تضرُّهم؟
الجواب: لا تضرُّهم، بل يزدادون بذلك رفعةً عند الله سبحانه وتعالى، وإذا احتسبوا الأجرَ أُثِيبوا على ذلك.
فيقول عز وجل: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ [الشمس ١٤] أي: عقروا الناقةَ عَقْرًا حَصَل به الهلاك.
﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾ [الشمس ١٤]، ﴿دَمْدَمَ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: أطْبَقَ عليهم فأهلكهم؛ كما تقول: دَمْدَمْتُ البئرَ؛ أي: أطبقْتُ عليها التراب.
﴿دَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ﴾ أي: بسبب ذنوبهم؛ لأن الله سبحانه وتعالى ﴿لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس ٤٤]، فالذنوب سببٌ للهلاك والدمار والفساد؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم ٤١]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء ١٦]، وقال الله تعالى يخاطب أشرفَ الخلْق وخير القرون: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران ١٦٥]، فالإنسان يُصاب بالمصائب من عند نفسه، ولهذا قال: ﴿دَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ﴾ أي: بسبب ذنبهم.
﴿فَسَوَّاهَا﴾ أي: عَمَّها بالهلاك حتى لم يَبْقَ منهم أحدٌ وأصبحوا في ديارهم جاثمين.
الشمس 91:15
قال تعالى: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ [الشمس ١٥] يعني أنَّ الله تعالى لا يخاف من عاقبة هؤلاء الذين عذَّبهم ولا يخاف مِن تَبِعتهم؛ لأن له الملْك وبيده كلُّ شيء، بخلاف غيره من الملوك، الملوك لو انتصروا على غيرهم أو عاقبوا غيرهم تجدهم في خوفٍ؛ يخشون أنْ تكون الكرَّةُ عليهم، أمَّا الله عز وجل فإنَّه ﴿لَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ أي: لا يخاف عاقبة مَن عذَّبهم؛ لأنه سبحانه وتعالى له الملْك كلُّه، وله الحمد كلُّه، فسبحانه وتعالى، ما أَعْظَمَه! وما أَجَلَّ سلطانَه!
الليل 92:1
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أمَّا بعد، فهذا هو اللقاء الخامس والسبعون من لقاءات الباب المفتوح الذي يتمُّ في كلِّ يوم خميس من كلِّ أسبوع، وهذا هو الخميس الثامن من شهر جمادى الأولى عام خمسة عشر وأربع مئة وألف، نفتتح هذا اللقاء بتفسير سورة الليل، حيث قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل ١ - ٤]، فأَقْسم الله سبحانه وتعالى بالليل إذا يَغْشى؛ يعني: حين يَغْشى الأرضَ ويُغَطِّيها بظلامه؛ لأن الغِشاء بمعنى الغطاء.
الليل 92:2
﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ أي: إذا ظَهَر وبان، وذلك بطلوع الفجر الذي هو النور، الذي هو مقدمة طلوع الشمس، والشمس هي آيةُ النهار كما أنَّ القمر آيةُ الليل.
الليل 92:3
﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ يعني: وخَلْقِ الذَّكَرِ والأُنثى، على أحد التفسيرين الذي جعل (ما) هنا مصدرية. أو: والذي خَلَق الذَّكَرَ والأُنثى؛ وهو الله عز وجل، على التفسير الآخَر. فعلى المعنى الأول يكون الله سبحانه وتعالى أَقْسَمَ بخَلْق الذَّكَر والأُنثى، وعلى الثاني يكون الله تعالى أَقْسَمَ بنفسه لأنه هو الذي خَلَق الذَّكَر والأُنثى.
الليل 92:4
﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ يعني: إنَّ عملكم لشتَّى؛ أي: لَمُتفرِّقٌ تَفَرُّقًا عظيمًا.
فأنت ترى الآن أنَّ الله أَقْسَمَ بأشياء متضادَّة على أشياء متضادَّة؛ الليلُ ضِدُّ النهار، الذَّكَر ضِدُّ الأُنثى، السَّعيُ متضادٌّ صالِحٌ وسَيِّئٌ، فتناسبَ المقْسَم به والمقْسَم عليه، وهذا من بلاغة القرآن، فكأنَّ الله عز وجل يقول: إنَّ اختلاف الليل والنهار والذَّكَر والأنثى أمرٌ ظاهرٌ لا يخفى، فكذلك الأعمال، أعمال العباد متباينةٌ متفاوتةٌ؛ منها الصالح، ومنها الفاسد، ومنها ما يخلط صالحًا وفاسدًا، كلُّ ذلك بتقدير الله عز وجل، والله يهدي مَن يشاء إلى صراطٍ مستقيمٍ.
الليل 92:5
ثم فصَّل هذا السعي المتفرِّق فقال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل ٥ - ٧].
﴿أَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾ أي: أعطى ما أُمِرَ بإعطائه مِن مالٍ أو جاهٍ أو عِلْم.
﴿وَاتَّقَى﴾ اتَّقى ما أُمِر باتِّقائه من المحرَّمات.
﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ أي: صدَّق بالقَوْلة الحُسْنى، وهي قول الله عز وجل وقول رسوله؛ لأن أَصْدق الكلامِ وأحسنَ الكلامِ كلامُ الله عز وجل.
﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ السين هنا للتحقيق؛ أي: إنَّ مَن أعطى واتَّقى وصدَّق بالحُسْنى فسيُيَسِّره الله عز وجل لليُسرى في أُمُوره كلِّها، في أُمُور دِينه ودنياه، ولهذا تجد أَيْسَرَ الناسِ عملًا هو مَن اتَّقى اللَّهَ عز وجل ﴿مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾، وكُلَّما كان الإنسانُ أَتْقَى لله كانت أُمُوره أَيْسَرَ له؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق ٤].
وكُلَّما كان الإنسانُ أبعدَ عن الله كان أشدَّ عُسْرًا في أُمُوره، ولهذا قال:
الليل 92:6
ثم فصَّل هذا السعي المتفرِّق فقال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل ٥ - ٧].
﴿أَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾ أي: أعطى ما أُمِرَ بإعطائه مِن مالٍ أو جاهٍ أو عِلْم.
﴿وَاتَّقَى﴾ اتَّقى ما أُمِر باتِّقائه من المحرَّمات.
﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ أي: صدَّق بالقَوْلة الحُسْنى، وهي قول الله عز وجل وقول رسوله؛ لأن أَصْدق الكلامِ وأحسنَ الكلامِ كلامُ الله عز وجل.
﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ السين هنا للتحقيق؛ أي: إنَّ مَن أعطى واتَّقى وصدَّق بالحُسْنى فسيُيَسِّره الله عز وجل لليُسرى في أُمُوره كلِّها، في أُمُور دِينه ودنياه، ولهذا تجد أَيْسَرَ الناسِ عملًا هو مَن اتَّقى اللَّهَ عز وجل ﴿مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾، وكُلَّما كان الإنسانُ أَتْقَى لله كانت أُمُوره أَيْسَرَ له؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق ٤].
وكُلَّما كان الإنسانُ أبعدَ عن الله كان أشدَّ عُسْرًا في أُمُوره، ولهذا قال:
الليل 92:7
ثم فصَّل هذا السعي المتفرِّق فقال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل ٥ - ٧].
﴿أَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾ أي: أعطى ما أُمِرَ بإعطائه مِن مالٍ أو جاهٍ أو عِلْم.
﴿وَاتَّقَى﴾ اتَّقى ما أُمِر باتِّقائه من المحرَّمات.
﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ أي: صدَّق بالقَوْلة الحُسْنى، وهي قول الله عز وجل وقول رسوله؛ لأن أَصْدق الكلامِ وأحسنَ الكلامِ كلامُ الله عز وجل.
﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ السين هنا للتحقيق؛ أي: إنَّ مَن أعطى واتَّقى وصدَّق بالحُسْنى فسيُيَسِّره الله عز وجل لليُسرى في أُمُوره كلِّها، في أُمُور دِينه ودنياه، ولهذا تجد أَيْسَرَ الناسِ عملًا هو مَن اتَّقى اللَّهَ عز وجل ﴿مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾، وكُلَّما كان الإنسانُ أَتْقَى لله كانت أُمُوره أَيْسَرَ له؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق ٤].
وكُلَّما كان الإنسانُ أبعدَ عن الله كان أشدَّ عُسْرًا في أُمُوره، ولهذا قال:
الليل 92:8
﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾ فلَمْ يُعْطِ ما أُمِرَ بإعطائه، ﴿وَاسْتَغْنَى﴾ [الليل ٨] استغنى عن الله عز وجل ولَمْ يَتَّقِ ربَّه، بلْ رأى أنَّه في غِنًى عن رحمة الله -نسأل الله العافية والسلامة- ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل ٩] أي: بالقَوْلة الحُسْنى وهي قول الله ورسوله، ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل ١٠] يُيَسَّر للعُسرى في أُمُوره كلِّها.
ولكنْ قد يأتي الشيطانُ للإنسان فيقول: نَجِدُ أنَّ الكفَّار تُيَسَّر أُمُورهم. فيُقال: نعم، قد تُيَسَّر أُمُورهم، لكنَّ قلوبهم تشتعل نارًا وضيقًا وحرجًا؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام ١٢٥]، ثم ما يُنَعَّمون به فهو تنعيمُ جسدٍ فقط لا تنعيمُ روح، ثم هو أيضًا وبالٌ عليهم؛ لقول الله تعالى فيهم: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم ٤٤، ٤٥]، وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ، حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»، وتلا قولَه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود ١٠٢][[متفق عليه؛ البخاري (٤٦٨٦) واللفظ له، ومسلم (٢٥٨٣ / ٦١)، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. ]]. وهؤلاء عُجِّلتْ لهم طيِّباتُهم في حياتهم الدنيا، ومع ذلك فإنَّ هذه الدنيا جنَّةٌ لهم بالنسبة للآخرة.
وقد ذكروا عن ابن حجر العسقلاني شارح البخاري بالشرح الذي سَمَّاه فتح الباري، وكان قاضي القُضاة في مصر، أنَّه مَرَّ ذات يومٍ وهو على عَرَبته تَجُرُّه البغالُ والناسُ حوله، مَرَّ برجلٍ يهوديٍّ سَمَّانٍ -يعني يبيع السَّمْن والزَّيْت- وتعلمون أنَّ بيَّاع السَّمن والزيت تكون ثيابُه وَسِخةً وحالُه سيِّئةً، فأوقفَ العربة وقال لابن حجر: إنَّ نبيَّكم يقول: «الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ»[[أخرجه مسلم (٢٩٥٦ / ١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، فكيف أكونُ أنا بهذه الحال وأنت بهذه الحال؟! فقال له ابن حجر على البديهة: أنا في سجنٍ بالنسبة لِمَا أعدَّ اللَّهُ تعالى للمؤمنين من الثواب والنعيم؛ لأن الدنيا بالنسبة للآخرة ليستْ بشيءٍ؛ كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه البخاري (٢٨٩٢) من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه.]]، وأمَّا أنت -يقول لليهودي- فأنت في جنَّةٍ بالنسبة لِمَا أُعِدَّ لك من العذاب إن مِتَّ على الكُفر. فاقتنع بذلك اليهوديُّ وصار ذلك سببًا في إسلامه وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمدًا رسولُ الله.
الليل 92:9
﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾ فلَمْ يُعْطِ ما أُمِرَ بإعطائه، ﴿وَاسْتَغْنَى﴾ [الليل ٨] استغنى عن الله عز وجل ولَمْ يَتَّقِ ربَّه، بلْ رأى أنَّه في غِنًى عن رحمة الله -نسأل الله العافية والسلامة- ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل ٩] أي: بالقَوْلة الحُسْنى وهي قول الله ورسوله، ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل ١٠] يُيَسَّر للعُسرى في أُمُوره كلِّها.
ولكنْ قد يأتي الشيطانُ للإنسان فيقول: نَجِدُ أنَّ الكفَّار تُيَسَّر أُمُورهم. فيُقال: نعم، قد تُيَسَّر أُمُورهم، لكنَّ قلوبهم تشتعل نارًا وضيقًا وحرجًا؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام ١٢٥]، ثم ما يُنَعَّمون به فهو تنعيمُ جسدٍ فقط لا تنعيمُ روح، ثم هو أيضًا وبالٌ عليهم؛ لقول الله تعالى فيهم: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم ٤٤، ٤٥]، وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ، حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»، وتلا قولَه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود ١٠٢][[متفق عليه؛ البخاري (٤٦٨٦) واللفظ له، ومسلم (٢٥٨٣ / ٦١)، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. ]]. وهؤلاء عُجِّلتْ لهم طيِّباتُهم في حياتهم الدنيا، ومع ذلك فإنَّ هذه الدنيا جنَّةٌ لهم بالنسبة للآخرة.
وقد ذكروا عن ابن حجر العسقلاني شارح البخاري بالشرح الذي سَمَّاه فتح الباري، وكان قاضي القُضاة في مصر، أنَّه مَرَّ ذات يومٍ وهو على عَرَبته تَجُرُّه البغالُ والناسُ حوله، مَرَّ برجلٍ يهوديٍّ سَمَّانٍ -يعني يبيع السَّمْن والزَّيْت- وتعلمون أنَّ بيَّاع السَّمن والزيت تكون ثيابُه وَسِخةً وحالُه سيِّئةً، فأوقفَ العربة وقال لابن حجر: إنَّ نبيَّكم يقول: «الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ»[[أخرجه مسلم (٢٩٥٦ / ١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، فكيف أكونُ أنا بهذه الحال وأنت بهذه الحال؟! فقال له ابن حجر على البديهة: أنا في سجنٍ بالنسبة لِمَا أعدَّ اللَّهُ تعالى للمؤمنين من الثواب والنعيم؛ لأن الدنيا بالنسبة للآخرة ليستْ بشيءٍ؛ كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه البخاري (٢٨٩٢) من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه.]]، وأمَّا أنت -يقول لليهودي- فأنت في جنَّةٍ بالنسبة لِمَا أُعِدَّ لك من العذاب إن مِتَّ على الكُفر. فاقتنع بذلك اليهوديُّ وصار ذلك سببًا في إسلامه وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمدًا رسولُ الله.
الليل 92:10
﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾ فلَمْ يُعْطِ ما أُمِرَ بإعطائه، ﴿وَاسْتَغْنَى﴾ [الليل ٨] استغنى عن الله عز وجل ولَمْ يَتَّقِ ربَّه، بلْ رأى أنَّه في غِنًى عن رحمة الله -نسأل الله العافية والسلامة- ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل ٩] أي: بالقَوْلة الحُسْنى وهي قول الله ورسوله، ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل ١٠] يُيَسَّر للعُسرى في أُمُوره كلِّها.
ولكنْ قد يأتي الشيطانُ للإنسان فيقول: نَجِدُ أنَّ الكفَّار تُيَسَّر أُمُورهم. فيُقال: نعم، قد تُيَسَّر أُمُورهم، لكنَّ قلوبهم تشتعل نارًا وضيقًا وحرجًا؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام ١٢٥]، ثم ما يُنَعَّمون به فهو تنعيمُ جسدٍ فقط لا تنعيمُ روح، ثم هو أيضًا وبالٌ عليهم؛ لقول الله تعالى فيهم: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم ٤٤، ٤٥]، وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ، حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»، وتلا قولَه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود ١٠٢][[متفق عليه؛ البخاري (٤٦٨٦) واللفظ له، ومسلم (٢٥٨٣ / ٦١)، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. ]]. وهؤلاء عُجِّلتْ لهم طيِّباتُهم في حياتهم الدنيا، ومع ذلك فإنَّ هذه الدنيا جنَّةٌ لهم بالنسبة للآخرة.
وقد ذكروا عن ابن حجر العسقلاني شارح البخاري بالشرح الذي سَمَّاه فتح الباري، وكان قاضي القُضاة في مصر، أنَّه مَرَّ ذات يومٍ وهو على عَرَبته تَجُرُّه البغالُ والناسُ حوله، مَرَّ برجلٍ يهوديٍّ سَمَّانٍ -يعني يبيع السَّمْن والزَّيْت- وتعلمون أنَّ بيَّاع السَّمن والزيت تكون ثيابُه وَسِخةً وحالُه سيِّئةً، فأوقفَ العربة وقال لابن حجر: إنَّ نبيَّكم يقول: «الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ»[[أخرجه مسلم (٢٩٥٦ / ١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، فكيف أكونُ أنا بهذه الحال وأنت بهذه الحال؟! فقال له ابن حجر على البديهة: أنا في سجنٍ بالنسبة لِمَا أعدَّ اللَّهُ تعالى للمؤمنين من الثواب والنعيم؛ لأن الدنيا بالنسبة للآخرة ليستْ بشيءٍ؛ كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه البخاري (٢٨٩٢) من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه.]]، وأمَّا أنت -يقول لليهودي- فأنت في جنَّةٍ بالنسبة لِمَا أُعِدَّ لك من العذاب إن مِتَّ على الكُفر. فاقتنع بذلك اليهوديُّ وصار ذلك سببًا في إسلامه وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمدًا رسولُ الله.
الليل 92:11
ثم قال عز وجل: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل ١١] يعني: أيُّ شيءٍ يُغني عنه مالُه إذا بَخِل به وتردَّى هو؛ أيْ هَلَكَ، أيُّ شيءٍ يُغني المالُ؟! لا يُغني شيئًا.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ [الليل ١٢] ويأتي إن شاء الله ذلك في لقاءٍ مستقبل.
الليل 92:12
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أمَّا بعد، فهذا هو اللقاء السادس والسبعون من اللقاء المعروف باسم (لقاء الباب المفتوح)، والذي يتمُّ في كُلِّ يوم خميس من كُلِّ أسبوع، وهذا هو الخميس، الخامس عشر من شهر جمادى الأولى عام خمسة عشر وأربع مئة وألف، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل لقاءاتنا جميعًا لقاءات خيرٍ وبركةٍ، إنَّه على كُلِّ شيءٍ قدير.
هذا اللقاء نفتتحه بتفسير بقيَّة سورة (والليل إذا يغشى)، حيث قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ [الليل ١٢، ١٣].
فقوله عز وجل: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ فيه التزامٌ من الله عز وجل أن يُبَيِّن للخَلْق ما يهتدون به إليه، والمراد بالهدى هنا هُدى البيان والإرشاد؛ فإنَّ الله تعالى التزم على نفْسه بيانَ ذلك حتى لا يكون للناس على الله حُجَّة، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣] إلى أن قال: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥] انتبِهوا يا إخوان، لا يمكن للعقل البشري أن يستقلَّ بمعرفة الهدى، ولذلك التزمَ اللَّهُ عز وجل بأنْ يبيِّن الهدى له؛ للإنسان: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾.
وليُعْلَم أنَّ الهدى نوعان: هُدى توفيقٍ؛ فهذا لا يقدر عليه إلا الله، وهُدى إرشادٍ ودلالة؛ فهذا يكون من الله ويكون من الخلْق؛ من الرُّسُل، من العلماء؛ كما قال الله لنبيِّه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى ٥٢]، أمَّا هداية التوفيق فهي إلى الله، لا أحد يستطيع أنْ يوفِّق شخصًا إلى الخير؛ كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص ٥٦].
إذا نظرنا إلى هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ وجدْنا أنَّ الله تعالى بيَّنَ كُلَّ شيءٍ، بيَّنَ ما يَلْزم الناسَ في العقيدة، وما يَلْزمهم في العبادة، وما يَلْزمهم في الأخلاق، وما يَلْزمهم في المعاملات، وما يجب عليهم اجتنابُه في هذا كُلِّه، حتى قال أبو ذرٍّ رضي الله عنه: «لقد تُوُفِّيَ رسولُ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وما طائرٌ يُقَلِّبُ جناحَيْه في السماء إلَّا ذَكَرَ لنا منه عِلْمًا»[[أخرجه أحمد (٢١٣٦١) عن أبي ذرٍّ بلفظ: لقد تَرَكنا محمدٌ ﷺ وما يحرِّك طائرٌ جناحيه في السماء إلا أذكرنا منه علمًا.]]. «وقال رجلٌ من المشركين لسلمان الفارسي: علَّمكم نبيُّكم حتى الخِراءةَ. قال: أَجَلْ، علَّمَنا حتى الخِراءة»[[أخرجه مسلم (٢٦٢ / ٥٧) عن سلمان قال: قيل له: قد علَّمكم نبيُّكم -ﷺ- كلَّ شيءٍ حتى الخراءة. قال: فقال: أجَلْ؛ لقد نهانا أن نستقبل القِبلة لغائطٍ أو بولٍ، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقلَّ من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيعٍ أو بعظمٍ».]]. يعني: حتى آداب قضاء الحاجة علَّمَها النبيُّ ﷺ أُمَّتَه، ويؤيِّد هذا قولُه تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة ٣].
الليل 92:13
﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ يعني: لنا الآخِرة والأُولى، الأُولى متقدِّمةٌ على الآخِرة في الزمن، لكنَّه في هذه الآية أخَّرَها، فلماذا؟
نقول: لفائدتين، الفائدة الأولى معنويَّة، والفائدة الثانية لفظيَّة.
أمَّا المعنويَّة فلأنَّ الآخِرة أهمُّ من الدنيا، ولأنَّ الآخِرة يظهر فيها مُلْكُ الله تعالى تمامًا؛ في الدنيا هناك رؤساء وهناك ملوك وهناك أُمراء يملكون ما أعطاهم الله عز وجل من الْمُلْك، لكن في الآخِرة لا مُلْكَ لأحدٍ؛ ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر ١٦]، فلهذا قدَّم ذِكْر الآخِرة من أجْل هذه الفائدة المعنويَّة.
أمَّا الفائدة اللفظية فهي مراعاة الفواصل؛ يعني أواخِر الآيات كُلُّها كما ترون آخرها أَلِف: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾، فلو قال: وإنَّ لنا للأولى والآخرة، اختلفتْ رؤوسُ الآيات، فمِن ثَمَّ قال: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾.
هنا يتبيَّن أنَّ الله سبحانه وتعالى قال: ﴿عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾، فما الفرق؟
الفرق أنَّ الهدى التزمَ الله تعالى ببيانه وإيضاحه للخَلْق، أمَّا الْمُلْك فهو لله، مُلْك الآخِرة والأولى، ولهذا قال: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾.
الليل 92:14
ثم قال عز وجل: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل ١٤] ﴿أَنْذَرْتُكُمْ﴾ يعني خَوَّفْتُكم، والنار يعني بها نار الآخرة، ﴿تَلَظَّى﴾ تشتعل، ولها أوصافٌ كثيرةٌ في القرآن والسُّنة، أجارني الله وإيَّاكم منها.
الليل 92:15
﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ [الليل: ١٥] يعني: لا يحترق بها إلا الأشقى؛ يعني: الذي قُدِّرتْ له الشقاوة -والعياذ بالله- والشقاوةُ ضِدُّ السعادة؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ﴾ [هود ١٠٦] وقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ﴾ [هود ١٠٨]، فالمراد بـ﴿الْأَشْقَى﴾ يعني الذي لم تُكْتَب له السعادة، هذا هو الذي يصلى النار التي تَلَظَّى.
ثم بيَّن هذا بقوله: ﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل ١٦] التكذيبُ في مقابل الخبر، والتولِّي في مقابل الأَمْر والنَّهْي، فهذا كَذَّبَ الخبَرَ ولم يُصَدِّق؛ قيل له: إنَّك ستُبْعَث، قال: لا أُبْعَث. قيل: فيه جنَّة ونار، قال: ما فيه جنَّة ونار. قيل: سيكون كذا وكذا، قال: ما يكون. هذا تكذيب.
﴿تَوَلَّى﴾ يعني: أَعْرضَ عن طاعة الله وأَعْرضَ عمَّا جاءتْ به رُسُله، فهذا هو الأَشْقى، نسأل الله أن يُعيذنا وإيَّاكم من الشقاوة.
الليل 92:16
﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ [الليل: ١٥] يعني: لا يحترق بها إلا الأشقى؛ يعني: الذي قُدِّرتْ له الشقاوة -والعياذ بالله- والشقاوةُ ضِدُّ السعادة؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ﴾ [هود ١٠٦] وقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ﴾ [هود ١٠٨]، فالمراد بـ﴿الْأَشْقَى﴾ يعني الذي لم تُكْتَب له السعادة، هذا هو الذي يصلى النار التي تَلَظَّى.
ثم بيَّن هذا بقوله: ﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل ١٦] التكذيبُ في مقابل الخبر، والتولِّي في مقابل الأَمْر والنَّهْي، فهذا كَذَّبَ الخبَرَ ولم يُصَدِّق؛ قيل له: إنَّك ستُبْعَث، قال: لا أُبْعَث. قيل: فيه جنَّة ونار، قال: ما فيه جنَّة ونار. قيل: سيكون كذا وكذا، قال: ما يكون. هذا تكذيب.
﴿تَوَلَّى﴾ يعني: أَعْرضَ عن طاعة الله وأَعْرضَ عمَّا جاءتْ به رُسُله، فهذا هو الأَشْقى، نسأل الله أن يُعيذنا وإيَّاكم من الشقاوة.
الليل 92:17
﴿وَسَيُجَنَّبُهَا﴾ أي: يُجَنَّب هذه النارَ التي تَلَظَّى ﴿الْأَتْقَى﴾ [الليل ١٧]، و﴿الْأَتْقَى﴾ اسم تفضيل من التقوى؛ يعني: الذي اتَّقى اللَّهَ تعالى حقَّ تُقاته.
الليل 92:18
﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ [الليل: ١٨] يعني: يُعطي مالَه مَن يستحِقُّه على وجْهٍ يتزكَّى به؛ أي: يتطهَّر به؛ قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة ١٠٣]، فقوله: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ يفيد أنَّه لا يُبَذِّر ولا يَبْخل، وإنما يؤتي المالَ على وجْهٍ يكون به التزكية، وضابطُ ذلك ما ذكره الله في سورة الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان ٦٧].
نجد بعضَ الناس يُعطيه الله مالًا، ولكنْ يَبْخل، يُقَتِّر، حتى الواجب عليه لزوجته وأولاده وأقاربه لا يقوم به، ونرى بعضَ الناس قد قَدَرَ اللَّهُ عليه الرِّزق وضيَّق عليه بعضَ الشيء، ومع ذلك يذهب يتديَّن من الناس من أجْل أن يُكمل بيتَه حتى يكون مثْل بيت فلان وفلان، أو من أجْل أنْ يشتري سيَّارةً فخمةً كسيَّارة فلان وفلان، وكِلا المنهجين والطريقين منهجٌ باطلٌ؛ الأول قَصَّرَ، والثاني أَفْرَطَ، والواجبُ على الإنسان أن يكون إنفاقُه بحسب حاله ﴿يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾.
فإن قال قائل: هل يجوز أن يتديَّن الإنسانُ ليتصدق؟
فالجواب: لا؛ لأنَّ الصدقة تطوُّع، والتزامُ الدَّين خطرٌ عظيمٌ؛ لأنَّ الدَّين ليس بالأمر الهيِّن، الإنسانُ إذا مات فإنَّ نفسه معلَّقة بدَينه حتى يُقضى عنه.
وكثيرٌ من الورثة لا يهتمُّ بدَين الميت، تجده يتأخَّر، يُماطِل، وربما لا يُوفيه -نسأل الله السلامة- وقد «كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا قُدِّمتْ إليه جنازةٌ سأل: «هَلْ عَلَيْهِ دَينٌ؟»، «لَهُ وَفَاءٌ؟»، فإن قالوا: لا، قال: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» ولم يُصَلِّ عليه»[[أخرج البخاري (٢٢٩٨) ومسلم (١٦١٩ / ١٤) عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله ﷺ كان يُؤتى بالرجُل المتوفَّى عليه الدَّيْن فيسأل: «هل تَرَك لدَيْنه فضلًا؟». فإنْ حُدِّث أنه تَرَك لدَيْنه وفاءً صلَّى، وإلَّا قال للمسلمين: «صَلُّوا على صاحبكم». فلمَّا فتح الله عليه الفتوح قال: «أنا أَوْلى بالمؤمنين من أنفسهم، فمَن تُوُفِّي من المؤمنين فترك دَيْنًا فعليَّ قضاؤه، ومَن ترك مالًا فلِوَرَثتِه».]]، وأخبر صلى الله عليه وعلى آله وسلم «أنَّ الشهادة في سبيل الله تُكَفِّر كلَّ شيءٍ إلا الدَّين»[[أخرج مسلم (١٨٨٦ / ١٢٠) عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنَّ النبي ﷺ قال: «القتلُ في سبيل الله يُكَفِّر كلَّ شيءٍ إلا الدَّيْن».]]، فالدَّين أمره عظيمٌ لا يجوز للإنسان أن يتهاون به.
الليل 92:19
ثم قال: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ [الليل ١٩] يعني أنه لا يُعطي المالَ مُكافأةً على نعمةٍ سابقةٍ من شخصٍ، ليس لأحدٍ عليه فضلٌ حتى يُعطيه مكافأةً، ولكنَّه يعطي ابتغاءَ وجْهِ الله، ولهذا قال: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل ٢٠]، فهو لا يُنفق إلا طَلَبَ وجْهِ الله؛ أي: طَلَبَ الوصولِ إلى دار كرامةِ الله التي يكون بها رؤيةُ الله عز وجل.
الليل 92:20
ثم قال: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ [الليل ١٩] يعني أنه لا يُعطي المالَ مُكافأةً على نعمةٍ سابقةٍ من شخصٍ، ليس لأحدٍ عليه فضلٌ حتى يُعطيه مكافأةً، ولكنَّه يعطي ابتغاءَ وجْهِ الله، ولهذا قال: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل ٢٠]، فهو لا يُنفق إلا طَلَبَ وجْهِ الله؛ أي: طَلَبَ الوصولِ إلى دار كرامةِ الله التي يكون بها رؤيةُ الله عز وجل.
الليل 92:21
﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل: ٢١] يعني: سوف يُرضيه الله عز وجل بما يُعطيه من الثواب الكثير، وقد بيَّنَ الله ذلك في قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٦١].
نسأل الله أن يجعلنا وإيَّاكم من هؤلاء البررة الأطهار الكرام، إنَّه على كُلِّ شيءٍ قدير.
الشرح 94:4
كُنَّا نقدِّم في هذا اللقاء تفسيرًا لكتاب الله العزيز الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت ٤٢]، والذي يجب على كل مسلمٍ أن يتعلم من معانيه ما يحتاج إليه في أمور دينه ودنياه؛ لأن الله إنما نزَّل القرآن للتلاوة والتدبُّر والاتعاظ؛ يعني: ليس المقصود من إنزال القرآن أن نتعبَّد لله بتلاوته فحسْب، بل أنْ نتعبَّد بتلاوته ومعرفة معانيه والعمل به، والدليل لذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص ٢٩]، ولم يقُل: ليتلوه تلاوةً لفظية، قال: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص ٢٩] يتدبَّرونها: يتفهَّمون معناها، ويتذكَّرون بها: يعملون بها.
وقد وصلْنا في هذا التفسير المبتدأ من سورة النبأ إلى سورة الانشراح؛ انتهينا إلى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح ١ - ٤]، فرفْع ذِكْر الرسول عليه الصلاة والسلام لا أحد يشكُّ فيه؛ لأنه يُرفع ذِكْره عند كلِّ صلاة في أعلى مكان، وذلك في أيش؟ في الأذان: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله.
ثانيًا: يُرفع ذِكْره في كلِّ صلاة فرضًا في التشهد؛ فإنَّ التشهد مفروضٌ، وفيه: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
ثالثا: يُرفع ذِكْره عند كلِّ عبادة، كلُّ عبادة مرفوعٌ فيها ذِكْر الرسول عليه الصلاة والسلام، كيف ذلك؟ لأن كل عبادة لا بدَّ فيها من شرطين أساسيَّين هما: الإخلاص لله، والمتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام. ومن المعلوم أن المتابعَ للرسول سوف يستحضر عند العبادة أنه متَّبعٌ فيها رسولَ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهذا من رفْع ذِكْره.
الشرح 94:5
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥، ٦] هذا بشارةٌ من الله عز وجل للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولسائر الأُمَّة، ونسأل: هل جرى على الرسول عليه الصلاة والسلام عُسْر؟ وين هو فيه؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، حين كان بمكة، يُضَيَّق عليه في مكة، وفي الطائف، وكذلك أيضًا في المدينة من المنافقين.
فالله يقول: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ يعني: كما شرحْنا لك صدرَك، ووضعنا عنك وِزْرك، ورفعنا لك ذِكْرك، وهذه نِعَمٌ عظيمة، كذلك هذا العُسْر الذي يصيبك لا بدَّ أن يكون له يُسْر.
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ قال ابن عباس عند هذه الآية: «لن يغلب عُسْرٌ يُسْرينِ»[[أخرجه الحاكم (٣٩٩٤) عن الحسن عن النبي ﷺ مرسلًا، وورد من قول عمر وعليٍّ وابن مسعود رضي الله عنهم، وقال السخاوي في المقاصد الحسنة (صـ٣٣٩): "وفي الباب عن ابن عباس من قوله؛ ذكره الفراء عن الكلبي عن أبي صالح عنه".]]. فكيف توجيه كلامه رضي الله عنه مع أن العُسر ذُكِر مرَّتين واليُسر ذُكِر مرَّتين؟
قال أهل البلاغة: توجيه كلامه أنَّ العُسر لم يُذكر إلا مرَّةً واحدةً؛ ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ العُسْر الأول أُعِيد في الثانية بـ(أل)، فـ(أل) هنا للعهد الذِّكري، وأمَّا (يُسر) فإنه لم يأتِ معرَّفًا، بل جاء منكَّرًا، والقاعدة أنه إذا كُرِّر الاسم مرَّتين بصيغة التنكير أنَّ الثاني غير الأول إلا ما نَدَر، والعكس: إذا كُرِّر الاسم مرَّتين وهو معرَّف فالثاني هو الأول إلا ما ندر.
انتبهوا لهذه القاعدة، القاعدة الآن: إذا كُرِّر الاسم مرَّتين بصيغة التعريف فالثاني هو الأول إلا ما نَدَر، وإذا كُرِّر الاسم مرَّتين بصيغة التنكير فالثاني غير الأول؛ لأن الثاني نكرةٌ فهو غير الأول.
إذَنْ في الآيتين الكريمتين يُسران وفيهما عُسْر واحد؛ لأن العُسر كُرِّر مرَّتين بصيغة التعريف.
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ هذا الكلام خبرٌ مِمَّن؟ من الله عز وجل، وخبره أكمل الأخبار صدقًا، ووعدُه لا يُخلَف، فكلَّما تعسَّر عليك الأمر يا أخي فانتظر التيسير.
أمَّا في الأمور الشرعية فظاهر؛ «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ»[[أخرجه البخاري (١١١٧) من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه.]]. هذا تيسير، إذا شقَّ عليك القيام اجلسْ، إنْ شقَّ عليك الجلوس صَلِّ وأنت على جنْب.
في الصيام؛ إنْ قدرتَ وأنت في الحضر فصُمْ، وإنْ لم تقدر فأفطِر، إذا كنتَ مسافرًا فأفطِر.
في الحج؛ إذا استطعتَ إليه سبيلًا فحُجَّ، وإنْ لم تستطع فلا حجَّ عليك، بل إذا شرعتَ في الحجِّ وحصل لك ظرفٌ لا تتمكَّن معه من إكمال الحج فتحلَّل، افسخ الحجَّ وأَهْدِ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة ١٩٦].
إذَنْ كل عُسرٍ يحدث للإنسان في العبادة يجد التسهيل واليُسر.
كذلك في القضاء والقدر؛ يعني: تقدير الله على الإنسان من مصائب وضيق عيشٍ وضيق صدرٍ وغيره، لا ييئس؛ ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، التيسير قد يكون أمرًا ظاهرًا حسِّيًّا؛ مثل أنْ يكون الإنسان فقيرًا فتضيق عليه الأمور فيُيَسِّر الله له الغنى، هذا تيسير حسِّي. أليس كذلك؟
إنسانٌ مريضٌ، يتعب، يشقُّ عليه المرض فيشفيه الله عز وجل، هذا أيضًا تيسير حسِّي.
هناك تيسيرٌ معنويٌّ، وهو معونة الله الإنسانَ على الصبر، هذا تيسير، إذا أعانك الله على الصبر تيسَّر لك العسير، صار هذا الأمر العسير الذي لو نزل على الجبال لدكَّها، صار بما أعانك الله عليه من الصبر صار أمرًا يسيرًا، يعني لا تظنَّ أنَّ اليُسر معناه أنه ينفرج شيءٌ مرَّةً، لا، اليُسر أنْ ينفرج الكرب ويزول، وهذا يُسْرٌ حِسِّي، وأنْ يُعين اللَّهُ الإنسانَ على الصبر حتى يكون هذا الأمر الشديد العسير أمرًا سهلًا عليه، نقول هذا لأنَّنا واثقون بوعد الله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾.
الشرح 94:6
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥، ٦] هذا بشارةٌ من الله عز وجل للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولسائر الأُمَّة، ونسأل: هل جرى على الرسول عليه الصلاة والسلام عُسْر؟ وين هو فيه؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، حين كان بمكة، يُضَيَّق عليه في مكة، وفي الطائف، وكذلك أيضًا في المدينة من المنافقين.
فالله يقول: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ يعني: كما شرحْنا لك صدرَك، ووضعنا عنك وِزْرك، ورفعنا لك ذِكْرك، وهذه نِعَمٌ عظيمة، كذلك هذا العُسْر الذي يصيبك لا بدَّ أن يكون له يُسْر.
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ قال ابن عباس عند هذه الآية: «لن يغلب عُسْرٌ يُسْرينِ»[[أخرجه الحاكم (٣٩٩٤) عن الحسن عن النبي ﷺ مرسلًا، وورد من قول عمر وعليٍّ وابن مسعود رضي الله عنهم، وقال السخاوي في المقاصد الحسنة (صـ٣٣٩): "وفي الباب عن ابن عباس من قوله؛ ذكره الفراء عن الكلبي عن أبي صالح عنه".]]. فكيف توجيه كلامه رضي الله عنه مع أن العُسر ذُكِر مرَّتين واليُسر ذُكِر مرَّتين؟
قال أهل البلاغة: توجيه كلامه أنَّ العُسر لم يُذكر إلا مرَّةً واحدةً؛ ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ العُسْر الأول أُعِيد في الثانية بـ(أل)، فـ(أل) هنا للعهد الذِّكري، وأمَّا (يُسر) فإنه لم يأتِ معرَّفًا، بل جاء منكَّرًا، والقاعدة أنه إذا كُرِّر الاسم مرَّتين بصيغة التنكير أنَّ الثاني غير الأول إلا ما نَدَر، والعكس: إذا كُرِّر الاسم مرَّتين وهو معرَّف فالثاني هو الأول إلا ما ندر.
انتبهوا لهذه القاعدة، القاعدة الآن: إذا كُرِّر الاسم مرَّتين بصيغة التعريف فالثاني هو الأول إلا ما نَدَر، وإذا كُرِّر الاسم مرَّتين بصيغة التنكير فالثاني غير الأول؛ لأن الثاني نكرةٌ فهو غير الأول.
إذَنْ في الآيتين الكريمتين يُسران وفيهما عُسْر واحد؛ لأن العُسر كُرِّر مرَّتين بصيغة التعريف.
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ هذا الكلام خبرٌ مِمَّن؟ من الله عز وجل، وخبره أكمل الأخبار صدقًا، ووعدُه لا يُخلَف، فكلَّما تعسَّر عليك الأمر يا أخي فانتظر التيسير.
أمَّا في الأمور الشرعية فظاهر؛ «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ»[[أخرجه البخاري (١١١٧) من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه.]]. هذا تيسير، إذا شقَّ عليك القيام اجلسْ، إنْ شقَّ عليك الجلوس صَلِّ وأنت على جنْب.
في الصيام؛ إنْ قدرتَ وأنت في الحضر فصُمْ، وإنْ لم تقدر فأفطِر، إذا كنتَ مسافرًا فأفطِر.
في الحج؛ إذا استطعتَ إليه سبيلًا فحُجَّ، وإنْ لم تستطع فلا حجَّ عليك، بل إذا شرعتَ في الحجِّ وحصل لك ظرفٌ لا تتمكَّن معه من إكمال الحج فتحلَّل، افسخ الحجَّ وأَهْدِ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة ١٩٦].
إذَنْ كل عُسرٍ يحدث للإنسان في العبادة يجد التسهيل واليُسر.
كذلك في القضاء والقدر؛ يعني: تقدير الله على الإنسان من مصائب وضيق عيشٍ وضيق صدرٍ وغيره، لا ييئس؛ ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، التيسير قد يكون أمرًا ظاهرًا حسِّيًّا؛ مثل أنْ يكون الإنسان فقيرًا فتضيق عليه الأمور فيُيَسِّر الله له الغنى، هذا تيسير حسِّي. أليس كذلك؟
إنسانٌ مريضٌ، يتعب، يشقُّ عليه المرض فيشفيه الله عز وجل، هذا أيضًا تيسير حسِّي.
هناك تيسيرٌ معنويٌّ، وهو معونة الله الإنسانَ على الصبر، هذا تيسير، إذا أعانك الله على الصبر تيسَّر لك العسير، صار هذا الأمر العسير الذي لو نزل على الجبال لدكَّها، صار بما أعانك الله عليه من الصبر صار أمرًا يسيرًا، يعني لا تظنَّ أنَّ اليُسر معناه أنه ينفرج شيءٌ مرَّةً، لا، اليُسر أنْ ينفرج الكرب ويزول، وهذا يُسْرٌ حِسِّي، وأنْ يُعين اللَّهُ الإنسانَ على الصبر حتى يكون هذا الأمر الشديد العسير أمرًا سهلًا عليه، نقول هذا لأنَّنا واثقون بوعد الله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾.
الشرح 94:7
﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٧، ٨] المعنى أن -هذه الآية- إذا فرغتَ من أعمالك فانصبْ لعملٍ آخَر؛ يعني: اتعبْ لعملٍ آخَر، لا تجعل الدنيا تضيع عليك، ولهذا كانت حياة الإنسان العاقل حياةَ جدٍّ، كلَّما فرغ من عملٍ شرع في عملٍ آخَر، ما فيه ضياع وقت، الزمن لا يرحم كما يقولون، الزمن يمشي، يفوت على الإنسان في حال يقظته ومنامه وشُغله وفراغه، يسير، هل يمكن لأحد أن يمسك الزمن؟ لا، لا يمكن، لو اجتمع الخلْق كلهم يوقِفون الشمسَ حتى يطول النهار ما تمكَّنوا، الزمن لا يمكن أحدًا أن يمسكه.
إذَن اجعل حياتك جدًّا، إذا فرغتَ من عمل فانصبْ في عملٍ آخَر، إذا فرغتَ من عمل الدنيا عليك بعمل الآخرة، فرغتَ من أمر الآخرة اشتغلْ في أمر الدنيا، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ في يوم الجمعة، صلاة الجمعة يكتنفها عملانِ دنيويَّانِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ يعني: وأنتم مشتغلون في دنياكم ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة ٩، ١٠] اسعَوْا، بيعوا واشتروا، فرغْنا من شغلٍ اشتغلْنا في آخَر، فرغْنا منه اشتغلنا في آخَر، وهكذا ينبغي أن يكون الإنسان دائمًا في جِدٍّ.
فإذا قال قائل: لو أنني استعملتُ الجِدَّ في كلِّ حياتي لتعِبتُ ومللتُ.
قلنا: إنَّ استراحتك لتنشيط نفسك وإعادة النشاط يُعتبر أيش؟ يُعتبر شغلًا وعملًا؛ يعني مو لازم الشغل بالحركات، لا، فراغُك من أجْل أن تنشط للعمل الآخَر يُعتبر عملًا، المهمُّ أن تجعل حياتَك كلَّها جِدًّا، عملًا.
الشرح 94:8
﴿إِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ أي: إذا عملتَ الأعمالَ التي فرغْتَ منها ونصبتَ في الأخرى فارغبْ إلى الله عز وجل في أيش؟ ارغبْ إلى الله في حصول الثواب، في حصول الأجر، في الإعانة، كنْ مع الله عز وجل قبل العمل وبعد العمل؛ قبل العمل كنْ مع الله تستعينه عز وجل، وبعده ترجو منه الثواب؛ ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾.
وفي قوله: ﴿إِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ فائدةٌ بلاغيةٌ أسألكم عنها: ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾ متعلِّقة بأيش؟ متعلِّقة من حيث الإعراب بـ﴿ارْغَبْ﴾ مقدَّمة عليها، وتقديم المعمول يفيد الحصر؛ يعني: إلى الله لا إلى غيره. فارغبْ في جميع أمورك، وثقْ بأنك متى علَّقتَ رغبتك بالله عز وجل فإنه سوف يُيَسِّر لك الأمور، وكثيرٌ من الناس تنقصهم هذه الحال؛ أي: ينقصهم أن يكونوا دائمًا راغبين إلى الله، فتجدهم يختلُّ كثيرٌ من أعمالهم؛ لأنهم لم يكن بينهم وبين الله تعالى صلةٌ في أعمالهم.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم ممتثلين لأوامره، مصدِّقين بأخباره، إنه على كل شيءٍ قدير.
التين 95:1
يقول الله عز وجل: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين ١ - ٣] إلى آخِر السورة.
فقوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ إقسامٌ بهذه الأشياء الأربعة؛ أَقْسَمَ الله تعالى بالتين، والزيتون، وبطور سينين، وهذا البلد الأمين -يعني مكَّة- لأنَّ السورة مكِّيَّة، فالمشار إليه قريبٌ وهو مكة، والتِّين هو الثَّمَر المعروف، وكذلك الزيتون، وأَقْسَمَ الله بهما لأنهما يَكْثران في فلسطين.
﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ أَقْسَمَ الله به لأنَّه الجبل الذي كلَّمَ الله عنده موسى صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ أَقْسَمَ الله به -أعني مكة- لأنَّها أحبُّ البقاع إلى الله وأشرفُ البقاع عند الله عز وجل.
قال بعض أهل العلم: أَقْسَمَ الله بهذه الثلاثة لأنَّ الأول ﴿التِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ أرضُ فلسطين التي فيها الأنبياء، وآخِرُ أنبياء بني إسرائيل هو عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام، وبطور سينين لأنه الجبل الذي أوحى الله تعالى إلى موسى حوله، وأمَّا البلدُ الأمينُ فهو مكة الذي بعث الله منه محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
قال العلماء: ومعنى قوله: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ أي: طور البَرَكة؛ لأن الله تعالى وَصَفَه أو وَصَفَ ما حوله بالوادي المقدَّس.
التين 95:2
يقول الله عز وجل: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين ١ - ٣] إلى آخِر السورة.
فقوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ إقسامٌ بهذه الأشياء الأربعة؛ أَقْسَمَ الله تعالى بالتين، والزيتون، وبطور سينين، وهذا البلد الأمين -يعني مكَّة- لأنَّ السورة مكِّيَّة، فالمشار إليه قريبٌ وهو مكة، والتِّين هو الثَّمَر المعروف، وكذلك الزيتون، وأَقْسَمَ الله بهما لأنهما يَكْثران في فلسطين.
﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ أَقْسَمَ الله به لأنَّه الجبل الذي كلَّمَ الله عنده موسى صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ أَقْسَمَ الله به -أعني مكة- لأنَّها أحبُّ البقاع إلى الله وأشرفُ البقاع عند الله عز وجل.
قال بعض أهل العلم: أَقْسَمَ الله بهذه الثلاثة لأنَّ الأول ﴿التِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ أرضُ فلسطين التي فيها الأنبياء، وآخِرُ أنبياء بني إسرائيل هو عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام، وبطور سينين لأنه الجبل الذي أوحى الله تعالى إلى موسى حوله، وأمَّا البلدُ الأمينُ فهو مكة الذي بعث الله منه محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
قال العلماء: ومعنى قوله: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ أي: طور البَرَكة؛ لأن الله تعالى وَصَفَه أو وَصَفَ ما حوله بالوادي المقدَّس.
التين 95:3
يقول الله عز وجل: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين ١ - ٣] إلى آخِر السورة.
فقوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ إقسامٌ بهذه الأشياء الأربعة؛ أَقْسَمَ الله تعالى بالتين، والزيتون، وبطور سينين، وهذا البلد الأمين -يعني مكَّة- لأنَّ السورة مكِّيَّة، فالمشار إليه قريبٌ وهو مكة، والتِّين هو الثَّمَر المعروف، وكذلك الزيتون، وأَقْسَمَ الله بهما لأنهما يَكْثران في فلسطين.
﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ أَقْسَمَ الله به لأنَّه الجبل الذي كلَّمَ الله عنده موسى صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ أَقْسَمَ الله به -أعني مكة- لأنَّها أحبُّ البقاع إلى الله وأشرفُ البقاع عند الله عز وجل.
قال بعض أهل العلم: أَقْسَمَ الله بهذه الثلاثة لأنَّ الأول ﴿التِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ أرضُ فلسطين التي فيها الأنبياء، وآخِرُ أنبياء بني إسرائيل هو عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام، وبطور سينين لأنه الجبل الذي أوحى الله تعالى إلى موسى حوله، وأمَّا البلدُ الأمينُ فهو مكة الذي بعث الله منه محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
قال العلماء: ومعنى قوله: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ أي: طور البَرَكة؛ لأن الله تعالى وَصَفَه أو وَصَفَ ما حوله بالوادي المقدَّس.
التين 95:4
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] هذا هو المقْسَم عليه، أَقْسم الله تعالى أنه خَلَق الإنسانَ في أحسن تقويم، وإذا تأمَّلتَ الجملة -أي: الجملة التي فيها المقْسَم عليه- تبيَّن لك أنها مؤكَّدةٌ بثلاثة مؤكِّدات: القَسَم، واللام، و(قَدْ)، فأَقْسم الله أنَّه خَلَق الإنسانَ في أحسن تقويم؛ في أحسن تقويمٍ هيئةً وخِلْقةً، وفي أحسن تقويمٍ فِطْرةً وقَصْدًا؛ لأنه لا يوجد أحدٌ من المخلوقات أحسنُ من بني آدمَ خِلْقةً، فالمخلوقات الأرضيَّة كُلُّها دون بني آدم في الخِلْقة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾.
﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين ٥] هذه الرِّدَّة التي ذَكَرها الله عز وجل تعني أنَّ الله تعالى يَرُدُّ الإنسانَ أسفلَ سافلينَ خِلْقةً؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ [النحل ٧٠]، فكُلَّما ازدادت السِّنُّ في الإنسان تغيَّر إلى أَرْدأ، لا في القوَّة الجسدية، ولا في الهيئة الجسدية، ولا في نَضَارة الوجه، ولا غير ذلك، يُرَدُّ أسفلَ سافلينَ.
وإذا قُلنا: إن ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ تشمل حتى الفِطْرة التي جَبَلَ اللَّهُ الخلْقَ عليها والعبادةَ التي تترتَّب أو تنبني على هذه الفِطْرة، فإنَّ هذا إشارةٌ إلى أنَّ مِن الناس مَن تَعُود به حالُه -والعياذ بالله- إلى أنْ يكون أسفلَ سافلينَ بعد أن كان في الأعلى والقِمَّة من الإيمان والعلم، والآية تشمل المعنيينِ جميعًا.
التين 95:5
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] هذا هو المقْسَم عليه، أَقْسم الله تعالى أنه خَلَق الإنسانَ في أحسن تقويم، وإذا تأمَّلتَ الجملة -أي: الجملة التي فيها المقْسَم عليه- تبيَّن لك أنها مؤكَّدةٌ بثلاثة مؤكِّدات: القَسَم، واللام، و(قَدْ)، فأَقْسم الله أنَّه خَلَق الإنسانَ في أحسن تقويم؛ في أحسن تقويمٍ هيئةً وخِلْقةً، وفي أحسن تقويمٍ فِطْرةً وقَصْدًا؛ لأنه لا يوجد أحدٌ من المخلوقات أحسنُ من بني آدمَ خِلْقةً، فالمخلوقات الأرضيَّة كُلُّها دون بني آدم في الخِلْقة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾.
﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين ٥] هذه الرِّدَّة التي ذَكَرها الله عز وجل تعني أنَّ الله تعالى يَرُدُّ الإنسانَ أسفلَ سافلينَ خِلْقةً؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ [النحل ٧٠]، فكُلَّما ازدادت السِّنُّ في الإنسان تغيَّر إلى أَرْدأ، لا في القوَّة الجسدية، ولا في الهيئة الجسدية، ولا في نَضَارة الوجه، ولا غير ذلك، يُرَدُّ أسفلَ سافلينَ.
وإذا قُلنا: إن ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ تشمل حتى الفِطْرة التي جَبَلَ اللَّهُ الخلْقَ عليها والعبادةَ التي تترتَّب أو تنبني على هذه الفِطْرة، فإنَّ هذا إشارةٌ إلى أنَّ مِن الناس مَن تَعُود به حالُه -والعياذ بالله- إلى أنْ يكون أسفلَ سافلينَ بعد أن كان في الأعلى والقِمَّة من الإيمان والعلم، والآية تشمل المعنيينِ جميعًا.
التين 95:6
ثم قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين ٦] هذا استثناءٌ من قوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾؛ يعني: إلا المؤمنين الذين آمنوا وعملوا الصالحات فإنَّهم لا يُرَدُّون إلى أسفل السافلين؛ لأنهم متمسِّكون بإيمانهم وأعمالهم، فيبقون عليها إلى أن يموتوا.
وقوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ﴾ أي: ثوابٌ ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ غير مقطوعٍ ولا ممنونٍ به أيضًا، فكلمة ﴿مَمْنُونٍ﴾ صالحةٌ لمعنى القَطْع وصالحةٌ لمعنى الْمِنَّة، فهُم لهم أَجْرٌ لا ينقطع ولا يُمَنُّ عليهم به؛ يعني أنهم إذا استوفَوا هذا الأجرَ لا يُمَنُّ عليهم فيقال: أعطيناكم، وفَعَلْنا، وفَعَلْنا. وإنْ كانت المنَّةُ لله عز وجل عليهم بالإيمان والعمل الصالح والثواب، كلُّها مِنَّةٌ من الله، لكن لا يُمَنُّ عليهم به؛ أي: لا يُؤذَوْن بالْمَنِّ كما يجري ذلك في أمور الدنيا، إذا أحسنَ إليك أحدٌ من الناس فربما يؤذيك بِمَنِّه عليك؛ في كلِّ مناسبةٍ يقول: فعلتُ بك، وأعطيتُك، وما أشبهَ ذلك.
التين 95:7
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين ٧] انتقلَ الله تعالى من الكلام على وجْهِ الغَيْبة إلى الكلام على وجْهِ المقابلة والخِطاب، قال: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ أي: أيُّ شيءٍ يُكَذِّبك أيُّها الإنسان بعد هذا البيان ﴿بِالدِّينِ﴾ أي: بما أَمَرَ الله به من الدين، ولهذا كُلَّما نَظَرَ الإنسانُ إلى نفسه وأصله وخِلْقته وأنَّ الله اجتباه وأحسنَ خِلْقتَه وأحسنَ فِطْرتَه، فإنَّه يزداد إيمانًا بالله عز وجل وتصديقًا بكتابه وبما أخبرتْ به رُسُلُه.
التين 95:8
ثم قال: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين ٨] وهذا الاستفهام للتقرير؛ يُقَرِّر الله عز وجل أنَّه أحكمُ الحاكمين، و(أَحْكَم) هنا اسم تفضيل، وهو مأخوذٌ من الحِكْمة ومن الْحُكْم، فالْحُكْم الأكبر الأعظم الذي لا يُعارضه شيءٌ هو حُكْم الله عز وجل، والحِكْمة العُليا البالغة هي حِكْمة الله عز وجل، فهو سبحانه وتعالى أَحْكَمُ الحاكمين قَدَرًا وشرعًا، وله الْحُكْم، وإليه يُرجَع الأمرُ كُلُّه.
نحنُ حرصنا على أن يكون التفسير في آخِر أجزاء القرآن لأنه تكثر قراءتُه في الصلوات، والذي ينبغي لكل مؤمنٍ أن يحرص على معرفة معاني كتاب الله عز وجل؛ لأنه لا يستقيم العمل بالقرآن إلا بمعرفة معناه، بل إن الله تعالى وَصَفَ الذين لا يعلمون المعنى بأنهم أُمِّيُّونَ فقال: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة ٧٨] يعني: إلا قراءةً. وكثيرٌ من الناس اليوم -إنْ لَمْ أقُل: أكثرهم- لا يعرفون من القرآن إلا اللفظ فقط، وحَرِيٌّ بطلبة العلم أن يحرصوا في كلِّ مناسبة إذا اجتمعوا بالعامَّة يأتون بآيةٍ من كتاب الله يفسِّرونها، لا سِيَّما ما يكثر تردادُه على العامَّة مثل الفاتحة، الفاتحةُ لو تأتي بعامِّي بلْ بكثيرٍ مِن الناس تريد أن تسأله عن معناها لم يعرف شيئًا منها.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا وإيَّاكم العلم بكتابه وسُنَّة رسوله ﷺ، إنَّه على كلِّ شيءٍ قدير.