Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — الإخلاص 112:1 – الناس 114:6

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. الإخلاص 112:1
  2. الإخلاص 112:2
  3. الإخلاص 112:3
  4. الإخلاص 112:4
  5. الفلق 113:1
  6. الفلق 113:2
  7. الفلق 113:3
  8. الفلق 113:4
  9. الفلق 113:5
  10. الناس 114:1
  11. الناس 114:2
  12. الناس 114:3
  13. الناس 114:4
  14. الناس 114:5
  15. الناس 114:6

الإخلاص 112:1

نبتدئ هذا اللقاء بالكلام على قول الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص ١، ٢] وما تيسر من السورتين بعدها. يقول الله تبارك وتعالى للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وهذا الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام وللأُمَّة أيضًا. و﴿هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ﴿هُوَ﴾ ضمير الشأن عند المعربين، ولفظ الجلالة ﴿اللَّهُ﴾ هو خبر المبتدأ[[هذا جارٍ على أن ﴿هُوَ﴾ مبتدأ خبره الأول اسم الجلالة ﴿اللَّهُ﴾ وخبره الثاني ﴿أَحَدٌ﴾، وإذا أعربنا ﴿هُوَ﴾ ضمير الشأن يكون اسم الجلالة ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأً ثانيًا، و﴿أَحَدٌ﴾ خبر المبتدأ الثاني، وجملة ﴿اللَّهُ أَحَدٌ﴾ خبر المبتدأ الأول وهو ضمير الشأن.]]، و﴿أَحَدٌ﴾ خبر ثان، و﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ جملة مستقلة. ذكروا في سبب نزول هذه السورة «أنَّ المشركين أو اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: صِفْ لنا ربَّك من أيِّ شيءٍ هو. فأنزل الله هذه السورة»[[أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٦٠٦) من حديث ابن عباس رضي الله عنه.]]. ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ أي: هو الله الذي تتحدَّثون عنه وتسألون عنه ﴿أَحَدٌ﴾ أي: متوحِّدٌ بجلاله وعظمته، ليس له مثيل، وليس له شريك، بل هو متفرِّدٌ بالجلال والعظمة عز وجل. ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ جملة مستقلَّة، بيَّن الله تعالى أنه ﴿الصَّمَدُ﴾، فما معنى ﴿الصَّمَدُ﴾؟ أجمعُ ما قيل في معناه أنه الكامل في صفاته، الذي افتقرتْ إليه جميعُ مخلوقاته، فقد رُوي عن ابن عباس «أن ﴿الصَّمَدُ﴾ هو الكامل في عِلْمه، الكامل في حِلْمه، الكامل في عِزَّته، الكامل في قدرته، إلى آخر ما ذُكِر في الأثر»[[أخرج ابن جرير في تفسيره (٢٤ / ٦٩٢) بسنده عن ابن عباس في قوله: ﴿الصَّمَدُ﴾ يقول: السيد الذي قد كمُل في سُؤدده، والشريف الذي قد كمُل في شرفه، والعظيم الذي قد عظُم في عظمته، والحليم الذي قد كمُل في حِلْمه، والغني الذي قد كمُل في غِناه، والجبَّار الذي قد كمُل في جبروته، والعالِم الذي قد كمُل في علمه، والحكيم الذي قد كمُل في حِكْمته، وهو الذي قد كمُل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه، هذه صفته لا تنبغي إلا له.]]، وهذا يعني أنه مستغنٍ عن جميع المخلوقات؛ لأنه كامل، ووَرَدَ أيضًا في تفسيرها أن ﴿الصَّمَدُ﴾ هو الذي تَصْمُد إليه الخلائق في حوائجها، وهذا يعني أن جميع المخلوقات مفتقرةٌ إليه، وعلى هذا فيكون المعنى الجامع لـ﴿الصَّمَدُ﴾ هو: الكامل في صفاته، الذي افتقرتْ إليه جميعُ مخلوقاته. ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص ٣]. ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ لأنه جلَّ وعلا لا مثيل له، والوَلَد مشتقٌّ من والده وجزءٌ منه؛ كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في فاطمة: «إِنَّهَا بَضْعَةٌ مِنِّي»[[أخرج البخاري (٣٧١٤) ومسلم (٢٤٤٩ / ٩٤)، واللفظ للبخاري، من حديث المسور بن مخرمة أن رسول الله ﷺ قال: «فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي».]]، والله جلَّ وعلا لا مثيل له، ثم إن الولد إنما يكون للحاجة إليه؛ إمَّا في المعونة على مُكابدة الدنيا، وإمَّا في الحاجة إلى بقاء النسل، والله عز وجل مستغنٍ عن ذلك، فلهذا ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ لأنه لا مثيل له، ولأنه مستغنٍ عن كلِّ أحدٍ عز وجل. وقد أشار الله عز وجل إلى امتناع ولادته أيضًا في قوله تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام ١٠١]، فالولد يحتاج إلى صاحبة تلده، وكذلك هو خالقُ كلِّ شيء، فإذا كان خالقَ كلِّ شيءٍ فكلُّ شيءٍ منفصلٌ عنه بائنٌ منه. ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ لأنه عز وجل هو الأول الذي ليس قبله شيء، فكيف يكون مولودًا؟! وفي هذه الجملة الأخيرة ردٌّ على ثلاث طوائف منحرفة من بني آدم وهم المشركون واليهودُ والنصارى؛ لأن المشركين جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا وقالوا: إن الملائكة بنات الله، واليهود قالوا: عُزَير ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله، فكذَّبهم الله بقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾. فقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ فيه ردٌّ على ثلاث طوائف -وأنا جعلتُها الأخيرة ولكن الصواب هو الأول- ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ ردٌّ على ثلاث طوائف من بني آدم كلُّها ضالَّة: المشركون، واليهود، والنصارى؛ لأن المشركين يقولون: إن الملائكة بنات الله، والنصارى يقولون: إن المسيح ابن الله، واليهود يقولون: عُزَير ابن الله. ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ لأنه الأول الذي ليس قبله شيء. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ٤] أي: لم يكن له أحدٌ مساويًا في جميع صفاته، فنفى الله عنه -سبحانه وتعالى- نفى عن نفسه أن يكون والدًا أو مولودًا أو له مثيل. هذه السورة لها فضلٌ عظيم؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ»[[أخرجه البخاري (٥٠١٣) من حديث أبي سعيد الخدري، ومسلم (٨١١ / ٢٥٩) من حديث أبي الدرداء.]]، لكنها تَعْدِله ولا تقوم مقامه، تَعْدل ثُلث القرآن لكنْ لا تقوم مقام ثُلث القرآن؛ بدليل أن الإنسان لو كرَّرها في الصلاة الفريضة ثلاث مرَّاتٍ لم تَكْفِهِ عن الفاتحة، مع أنه إذا قرأها ثلاث مرَّاتٍ فكأنَّما قرأ القرآن كُلَّه، لكنها لا تُجزئ عنه، ولا تستغربْ أن يكون الشيءُ معادلًا للشيء ولا يجزئ عنه؛ فها هو النبي عليه الصلاة والسلام أخبر أنَّ «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؛ فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ»[[أخرج مسلم (٢٦٩٣ / ٣٠) بسنده من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، عَشْرَ مِرَارٍ، كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ».]]، ومع ذلك لو كان عليه رقبةٌ كَفَّارة وقال هذا الذِّكْر لم يَكْفه عن الكفَّارة، فلا يَلْزم من مُعادَلة الشيء للشيء أن يكون قائمًا مقامه في الإجزاء. هذه السورة كان الرسول عليه الصلاة والسلام يقرأُ بها في الركعة الثانية في سُنَّة الفجر، وفي سُنَّة المغرب، وفي ركعتي الطواف، وكذلك يقرأُ بها في الثالثة في الوتر؛ لأنها مبنيَّةٌ على الإخلاص التامِّ لله، ولهذا تُسَمَّى سورة الإخلاص.

الإخلاص 112:2

نبتدئ هذا اللقاء بالكلام على قول الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص ١، ٢] وما تيسر من السورتين بعدها. يقول الله تبارك وتعالى للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وهذا الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام وللأُمَّة أيضًا. و﴿هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ﴿هُوَ﴾ ضمير الشأن عند المعربين، ولفظ الجلالة ﴿اللَّهُ﴾ هو خبر المبتدأ[[هذا جارٍ على أن ﴿هُوَ﴾ مبتدأ خبره الأول اسم الجلالة ﴿اللَّهُ﴾ وخبره الثاني ﴿أَحَدٌ﴾، وإذا أعربنا ﴿هُوَ﴾ ضمير الشأن يكون اسم الجلالة ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأً ثانيًا، و﴿أَحَدٌ﴾ خبر المبتدأ الثاني، وجملة ﴿اللَّهُ أَحَدٌ﴾ خبر المبتدأ الأول وهو ضمير الشأن.]]، و﴿أَحَدٌ﴾ خبر ثان، و﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ جملة مستقلة. ذكروا في سبب نزول هذه السورة «أنَّ المشركين أو اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: صِفْ لنا ربَّك من أيِّ شيءٍ هو. فأنزل الله هذه السورة»[[أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٦٠٦) من حديث ابن عباس رضي الله عنه.]]. ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ أي: هو الله الذي تتحدَّثون عنه وتسألون عنه ﴿أَحَدٌ﴾ أي: متوحِّدٌ بجلاله وعظمته، ليس له مثيل، وليس له شريك، بل هو متفرِّدٌ بالجلال والعظمة عز وجل. ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ جملة مستقلَّة، بيَّن الله تعالى أنه ﴿الصَّمَدُ﴾، فما معنى ﴿الصَّمَدُ﴾؟ أجمعُ ما قيل في معناه أنه الكامل في صفاته، الذي افتقرتْ إليه جميعُ مخلوقاته، فقد رُوي عن ابن عباس «أن ﴿الصَّمَدُ﴾ هو الكامل في عِلْمه، الكامل في حِلْمه، الكامل في عِزَّته، الكامل في قدرته، إلى آخر ما ذُكِر في الأثر»[[أخرج ابن جرير في تفسيره (٢٤ / ٦٩٢) بسنده عن ابن عباس في قوله: ﴿الصَّمَدُ﴾ يقول: السيد الذي قد كمُل في سُؤدده، والشريف الذي قد كمُل في شرفه، والعظيم الذي قد عظُم في عظمته، والحليم الذي قد كمُل في حِلْمه، والغني الذي قد كمُل في غِناه، والجبَّار الذي قد كمُل في جبروته، والعالِم الذي قد كمُل في علمه، والحكيم الذي قد كمُل في حِكْمته، وهو الذي قد كمُل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه، هذه صفته لا تنبغي إلا له.]]، وهذا يعني أنه مستغنٍ عن جميع المخلوقات؛ لأنه كامل، ووَرَدَ أيضًا في تفسيرها أن ﴿الصَّمَدُ﴾ هو الذي تَصْمُد إليه الخلائق في حوائجها، وهذا يعني أن جميع المخلوقات مفتقرةٌ إليه، وعلى هذا فيكون المعنى الجامع لـ﴿الصَّمَدُ﴾ هو: الكامل في صفاته، الذي افتقرتْ إليه جميعُ مخلوقاته. ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص ٣]. ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ لأنه جلَّ وعلا لا مثيل له، والوَلَد مشتقٌّ من والده وجزءٌ منه؛ كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في فاطمة: «إِنَّهَا بَضْعَةٌ مِنِّي»[[أخرج البخاري (٣٧١٤) ومسلم (٢٤٤٩ / ٩٤)، واللفظ للبخاري، من حديث المسور بن مخرمة أن رسول الله ﷺ قال: «فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي».]]، والله جلَّ وعلا لا مثيل له، ثم إن الولد إنما يكون للحاجة إليه؛ إمَّا في المعونة على مُكابدة الدنيا، وإمَّا في الحاجة إلى بقاء النسل، والله عز وجل مستغنٍ عن ذلك، فلهذا ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ لأنه لا مثيل له، ولأنه مستغنٍ عن كلِّ أحدٍ عز وجل. وقد أشار الله عز وجل إلى امتناع ولادته أيضًا في قوله تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام ١٠١]، فالولد يحتاج إلى صاحبة تلده، وكذلك هو خالقُ كلِّ شيء، فإذا كان خالقَ كلِّ شيءٍ فكلُّ شيءٍ منفصلٌ عنه بائنٌ منه. ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ لأنه عز وجل هو الأول الذي ليس قبله شيء، فكيف يكون مولودًا؟! وفي هذه الجملة الأخيرة ردٌّ على ثلاث طوائف منحرفة من بني آدم وهم المشركون واليهودُ والنصارى؛ لأن المشركين جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا وقالوا: إن الملائكة بنات الله، واليهود قالوا: عُزَير ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله، فكذَّبهم الله بقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾. فقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ فيه ردٌّ على ثلاث طوائف -وأنا جعلتُها الأخيرة ولكن الصواب هو الأول- ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ ردٌّ على ثلاث طوائف من بني آدم كلُّها ضالَّة: المشركون، واليهود، والنصارى؛ لأن المشركين يقولون: إن الملائكة بنات الله، والنصارى يقولون: إن المسيح ابن الله، واليهود يقولون: عُزَير ابن الله. ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ لأنه الأول الذي ليس قبله شيء. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ٤] أي: لم يكن له أحدٌ مساويًا في جميع صفاته، فنفى الله عنه -سبحانه وتعالى- نفى عن نفسه أن يكون والدًا أو مولودًا أو له مثيل. هذه السورة لها فضلٌ عظيم؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ»[[أخرجه البخاري (٥٠١٣) من حديث أبي سعيد الخدري، ومسلم (٨١١ / ٢٥٩) من حديث أبي الدرداء.]]، لكنها تَعْدِله ولا تقوم مقامه، تَعْدل ثُلث القرآن لكنْ لا تقوم مقام ثُلث القرآن؛ بدليل أن الإنسان لو كرَّرها في الصلاة الفريضة ثلاث مرَّاتٍ لم تَكْفِهِ عن الفاتحة، مع أنه إذا قرأها ثلاث مرَّاتٍ فكأنَّما قرأ القرآن كُلَّه، لكنها لا تُجزئ عنه، ولا تستغربْ أن يكون الشيءُ معادلًا للشيء ولا يجزئ عنه؛ فها هو النبي عليه الصلاة والسلام أخبر أنَّ «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؛ فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ»[[أخرج مسلم (٢٦٩٣ / ٣٠) بسنده من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، عَشْرَ مِرَارٍ، كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ».]]، ومع ذلك لو كان عليه رقبةٌ كَفَّارة وقال هذا الذِّكْر لم يَكْفه عن الكفَّارة، فلا يَلْزم من مُعادَلة الشيء للشيء أن يكون قائمًا مقامه في الإجزاء. هذه السورة كان الرسول عليه الصلاة والسلام يقرأُ بها في الركعة الثانية في سُنَّة الفجر، وفي سُنَّة المغرب، وفي ركعتي الطواف، وكذلك يقرأُ بها في الثالثة في الوتر؛ لأنها مبنيَّةٌ على الإخلاص التامِّ لله، ولهذا تُسَمَّى سورة الإخلاص.

الإخلاص 112:3

نبتدئ هذا اللقاء بالكلام على قول الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص ١، ٢] وما تيسر من السورتين بعدها. يقول الله تبارك وتعالى للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وهذا الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام وللأُمَّة أيضًا. و﴿هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ﴿هُوَ﴾ ضمير الشأن عند المعربين، ولفظ الجلالة ﴿اللَّهُ﴾ هو خبر المبتدأ[[هذا جارٍ على أن ﴿هُوَ﴾ مبتدأ خبره الأول اسم الجلالة ﴿اللَّهُ﴾ وخبره الثاني ﴿أَحَدٌ﴾، وإذا أعربنا ﴿هُوَ﴾ ضمير الشأن يكون اسم الجلالة ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأً ثانيًا، و﴿أَحَدٌ﴾ خبر المبتدأ الثاني، وجملة ﴿اللَّهُ أَحَدٌ﴾ خبر المبتدأ الأول وهو ضمير الشأن.]]، و﴿أَحَدٌ﴾ خبر ثان، و﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ جملة مستقلة. ذكروا في سبب نزول هذه السورة «أنَّ المشركين أو اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: صِفْ لنا ربَّك من أيِّ شيءٍ هو. فأنزل الله هذه السورة»[[أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٦٠٦) من حديث ابن عباس رضي الله عنه.]]. ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ أي: هو الله الذي تتحدَّثون عنه وتسألون عنه ﴿أَحَدٌ﴾ أي: متوحِّدٌ بجلاله وعظمته، ليس له مثيل، وليس له شريك، بل هو متفرِّدٌ بالجلال والعظمة عز وجل. ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ جملة مستقلَّة، بيَّن الله تعالى أنه ﴿الصَّمَدُ﴾، فما معنى ﴿الصَّمَدُ﴾؟ أجمعُ ما قيل في معناه أنه الكامل في صفاته، الذي افتقرتْ إليه جميعُ مخلوقاته، فقد رُوي عن ابن عباس «أن ﴿الصَّمَدُ﴾ هو الكامل في عِلْمه، الكامل في حِلْمه، الكامل في عِزَّته، الكامل في قدرته، إلى آخر ما ذُكِر في الأثر»[[أخرج ابن جرير في تفسيره (٢٤ / ٦٩٢) بسنده عن ابن عباس في قوله: ﴿الصَّمَدُ﴾ يقول: السيد الذي قد كمُل في سُؤدده، والشريف الذي قد كمُل في شرفه، والعظيم الذي قد عظُم في عظمته، والحليم الذي قد كمُل في حِلْمه، والغني الذي قد كمُل في غِناه، والجبَّار الذي قد كمُل في جبروته، والعالِم الذي قد كمُل في علمه، والحكيم الذي قد كمُل في حِكْمته، وهو الذي قد كمُل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه، هذه صفته لا تنبغي إلا له.]]، وهذا يعني أنه مستغنٍ عن جميع المخلوقات؛ لأنه كامل، ووَرَدَ أيضًا في تفسيرها أن ﴿الصَّمَدُ﴾ هو الذي تَصْمُد إليه الخلائق في حوائجها، وهذا يعني أن جميع المخلوقات مفتقرةٌ إليه، وعلى هذا فيكون المعنى الجامع لـ﴿الصَّمَدُ﴾ هو: الكامل في صفاته، الذي افتقرتْ إليه جميعُ مخلوقاته. ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص ٣]. ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ لأنه جلَّ وعلا لا مثيل له، والوَلَد مشتقٌّ من والده وجزءٌ منه؛ كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في فاطمة: «إِنَّهَا بَضْعَةٌ مِنِّي»[[أخرج البخاري (٣٧١٤) ومسلم (٢٤٤٩ / ٩٤)، واللفظ للبخاري، من حديث المسور بن مخرمة أن رسول الله ﷺ قال: «فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي».]]، والله جلَّ وعلا لا مثيل له، ثم إن الولد إنما يكون للحاجة إليه؛ إمَّا في المعونة على مُكابدة الدنيا، وإمَّا في الحاجة إلى بقاء النسل، والله عز وجل مستغنٍ عن ذلك، فلهذا ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ لأنه لا مثيل له، ولأنه مستغنٍ عن كلِّ أحدٍ عز وجل. وقد أشار الله عز وجل إلى امتناع ولادته أيضًا في قوله تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام ١٠١]، فالولد يحتاج إلى صاحبة تلده، وكذلك هو خالقُ كلِّ شيء، فإذا كان خالقَ كلِّ شيءٍ فكلُّ شيءٍ منفصلٌ عنه بائنٌ منه. ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ لأنه عز وجل هو الأول الذي ليس قبله شيء، فكيف يكون مولودًا؟! وفي هذه الجملة الأخيرة ردٌّ على ثلاث طوائف منحرفة من بني آدم وهم المشركون واليهودُ والنصارى؛ لأن المشركين جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا وقالوا: إن الملائكة بنات الله، واليهود قالوا: عُزَير ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله، فكذَّبهم الله بقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾. فقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ فيه ردٌّ على ثلاث طوائف -وأنا جعلتُها الأخيرة ولكن الصواب هو الأول- ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ ردٌّ على ثلاث طوائف من بني آدم كلُّها ضالَّة: المشركون، واليهود، والنصارى؛ لأن المشركين يقولون: إن الملائكة بنات الله، والنصارى يقولون: إن المسيح ابن الله، واليهود يقولون: عُزَير ابن الله. ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ لأنه الأول الذي ليس قبله شيء. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ٤] أي: لم يكن له أحدٌ مساويًا في جميع صفاته، فنفى الله عنه -سبحانه وتعالى- نفى عن نفسه أن يكون والدًا أو مولودًا أو له مثيل. هذه السورة لها فضلٌ عظيم؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ»[[أخرجه البخاري (٥٠١٣) من حديث أبي سعيد الخدري، ومسلم (٨١١ / ٢٥٩) من حديث أبي الدرداء.]]، لكنها تَعْدِله ولا تقوم مقامه، تَعْدل ثُلث القرآن لكنْ لا تقوم مقام ثُلث القرآن؛ بدليل أن الإنسان لو كرَّرها في الصلاة الفريضة ثلاث مرَّاتٍ لم تَكْفِهِ عن الفاتحة، مع أنه إذا قرأها ثلاث مرَّاتٍ فكأنَّما قرأ القرآن كُلَّه، لكنها لا تُجزئ عنه، ولا تستغربْ أن يكون الشيءُ معادلًا للشيء ولا يجزئ عنه؛ فها هو النبي عليه الصلاة والسلام أخبر أنَّ «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؛ فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ»[[أخرج مسلم (٢٦٩٣ / ٣٠) بسنده من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، عَشْرَ مِرَارٍ، كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ».]]، ومع ذلك لو كان عليه رقبةٌ كَفَّارة وقال هذا الذِّكْر لم يَكْفه عن الكفَّارة، فلا يَلْزم من مُعادَلة الشيء للشيء أن يكون قائمًا مقامه في الإجزاء. هذه السورة كان الرسول عليه الصلاة والسلام يقرأُ بها في الركعة الثانية في سُنَّة الفجر، وفي سُنَّة المغرب، وفي ركعتي الطواف، وكذلك يقرأُ بها في الثالثة في الوتر؛ لأنها مبنيَّةٌ على الإخلاص التامِّ لله، ولهذا تُسَمَّى سورة الإخلاص.

الإخلاص 112:4

نبتدئ هذا اللقاء بالكلام على قول الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص ١، ٢] وما تيسر من السورتين بعدها. يقول الله تبارك وتعالى للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وهذا الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام وللأُمَّة أيضًا. و﴿هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ﴿هُوَ﴾ ضمير الشأن عند المعربين، ولفظ الجلالة ﴿اللَّهُ﴾ هو خبر المبتدأ[[هذا جارٍ على أن ﴿هُوَ﴾ مبتدأ خبره الأول اسم الجلالة ﴿اللَّهُ﴾ وخبره الثاني ﴿أَحَدٌ﴾، وإذا أعربنا ﴿هُوَ﴾ ضمير الشأن يكون اسم الجلالة ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأً ثانيًا، و﴿أَحَدٌ﴾ خبر المبتدأ الثاني، وجملة ﴿اللَّهُ أَحَدٌ﴾ خبر المبتدأ الأول وهو ضمير الشأن.]]، و﴿أَحَدٌ﴾ خبر ثان، و﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ جملة مستقلة. ذكروا في سبب نزول هذه السورة «أنَّ المشركين أو اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: صِفْ لنا ربَّك من أيِّ شيءٍ هو. فأنزل الله هذه السورة»[[أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٦٠٦) من حديث ابن عباس رضي الله عنه.]]. ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ أي: هو الله الذي تتحدَّثون عنه وتسألون عنه ﴿أَحَدٌ﴾ أي: متوحِّدٌ بجلاله وعظمته، ليس له مثيل، وليس له شريك، بل هو متفرِّدٌ بالجلال والعظمة عز وجل. ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ جملة مستقلَّة، بيَّن الله تعالى أنه ﴿الصَّمَدُ﴾، فما معنى ﴿الصَّمَدُ﴾؟ أجمعُ ما قيل في معناه أنه الكامل في صفاته، الذي افتقرتْ إليه جميعُ مخلوقاته، فقد رُوي عن ابن عباس «أن ﴿الصَّمَدُ﴾ هو الكامل في عِلْمه، الكامل في حِلْمه، الكامل في عِزَّته، الكامل في قدرته، إلى آخر ما ذُكِر في الأثر»[[أخرج ابن جرير في تفسيره (٢٤ / ٦٩٢) بسنده عن ابن عباس في قوله: ﴿الصَّمَدُ﴾ يقول: السيد الذي قد كمُل في سُؤدده، والشريف الذي قد كمُل في شرفه، والعظيم الذي قد عظُم في عظمته، والحليم الذي قد كمُل في حِلْمه، والغني الذي قد كمُل في غِناه، والجبَّار الذي قد كمُل في جبروته، والعالِم الذي قد كمُل في علمه، والحكيم الذي قد كمُل في حِكْمته، وهو الذي قد كمُل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه، هذه صفته لا تنبغي إلا له.]]، وهذا يعني أنه مستغنٍ عن جميع المخلوقات؛ لأنه كامل، ووَرَدَ أيضًا في تفسيرها أن ﴿الصَّمَدُ﴾ هو الذي تَصْمُد إليه الخلائق في حوائجها، وهذا يعني أن جميع المخلوقات مفتقرةٌ إليه، وعلى هذا فيكون المعنى الجامع لـ﴿الصَّمَدُ﴾ هو: الكامل في صفاته، الذي افتقرتْ إليه جميعُ مخلوقاته. ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص ٣]. ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ لأنه جلَّ وعلا لا مثيل له، والوَلَد مشتقٌّ من والده وجزءٌ منه؛ كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في فاطمة: «إِنَّهَا بَضْعَةٌ مِنِّي»[[أخرج البخاري (٣٧١٤) ومسلم (٢٤٤٩ / ٩٤)، واللفظ للبخاري، من حديث المسور بن مخرمة أن رسول الله ﷺ قال: «فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي».]]، والله جلَّ وعلا لا مثيل له، ثم إن الولد إنما يكون للحاجة إليه؛ إمَّا في المعونة على مُكابدة الدنيا، وإمَّا في الحاجة إلى بقاء النسل، والله عز وجل مستغنٍ عن ذلك، فلهذا ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ لأنه لا مثيل له، ولأنه مستغنٍ عن كلِّ أحدٍ عز وجل. وقد أشار الله عز وجل إلى امتناع ولادته أيضًا في قوله تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام ١٠١]، فالولد يحتاج إلى صاحبة تلده، وكذلك هو خالقُ كلِّ شيء، فإذا كان خالقَ كلِّ شيءٍ فكلُّ شيءٍ منفصلٌ عنه بائنٌ منه. ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ لأنه عز وجل هو الأول الذي ليس قبله شيء، فكيف يكون مولودًا؟! وفي هذه الجملة الأخيرة ردٌّ على ثلاث طوائف منحرفة من بني آدم وهم المشركون واليهودُ والنصارى؛ لأن المشركين جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا وقالوا: إن الملائكة بنات الله، واليهود قالوا: عُزَير ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله، فكذَّبهم الله بقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾. فقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ فيه ردٌّ على ثلاث طوائف -وأنا جعلتُها الأخيرة ولكن الصواب هو الأول- ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ ردٌّ على ثلاث طوائف من بني آدم كلُّها ضالَّة: المشركون، واليهود، والنصارى؛ لأن المشركين يقولون: إن الملائكة بنات الله، والنصارى يقولون: إن المسيح ابن الله، واليهود يقولون: عُزَير ابن الله. ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ لأنه الأول الذي ليس قبله شيء. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ٤] أي: لم يكن له أحدٌ مساويًا في جميع صفاته، فنفى الله عنه -سبحانه وتعالى- نفى عن نفسه أن يكون والدًا أو مولودًا أو له مثيل. هذه السورة لها فضلٌ عظيم؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ»[[أخرجه البخاري (٥٠١٣) من حديث أبي سعيد الخدري، ومسلم (٨١١ / ٢٥٩) من حديث أبي الدرداء.]]، لكنها تَعْدِله ولا تقوم مقامه، تَعْدل ثُلث القرآن لكنْ لا تقوم مقام ثُلث القرآن؛ بدليل أن الإنسان لو كرَّرها في الصلاة الفريضة ثلاث مرَّاتٍ لم تَكْفِهِ عن الفاتحة، مع أنه إذا قرأها ثلاث مرَّاتٍ فكأنَّما قرأ القرآن كُلَّه، لكنها لا تُجزئ عنه، ولا تستغربْ أن يكون الشيءُ معادلًا للشيء ولا يجزئ عنه؛ فها هو النبي عليه الصلاة والسلام أخبر أنَّ «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؛ فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ»[[أخرج مسلم (٢٦٩٣ / ٣٠) بسنده من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، عَشْرَ مِرَارٍ، كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ».]]، ومع ذلك لو كان عليه رقبةٌ كَفَّارة وقال هذا الذِّكْر لم يَكْفه عن الكفَّارة، فلا يَلْزم من مُعادَلة الشيء للشيء أن يكون قائمًا مقامه في الإجزاء. هذه السورة كان الرسول عليه الصلاة والسلام يقرأُ بها في الركعة الثانية في سُنَّة الفجر، وفي سُنَّة المغرب، وفي ركعتي الطواف، وكذلك يقرأُ بها في الثالثة في الوتر؛ لأنها مبنيَّةٌ على الإخلاص التامِّ لله، ولهذا تُسَمَّى سورة الإخلاص.

الفلق 113:1

أمَّا السورتان بعدها فهما: (قُلْ أعوذُ بربِّ الفَلَق) و(قُلْ أعوذُ بربِّ الناس). يقول الله عز وجل: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق ١]، وربُّ الفَلَق هو الله، والفَلَق: الإصباح، ويجوز أن يكون أعمَّ من ذلك؛ أنَّ الفَلَق كلُّ ما يفلقه الله تعالى من الإصباح والنوى والحب؛ كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام ٩٥]، وقال: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام ٩٦]. ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق ٢] أي: من شرِّ جميع المخلوقات، حتى من شرِّ نفسِك؛ لأن النفس أمَّارةٌ بالسوء، فإذا قلت: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ فأول ما يدخل فيه نفسُك؛ كما جاء في خطبة الحاجة: «نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا»[[أخرجه الترمذي (١١٠٥) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.]]، وقوله: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ يشمل شياطين الإنس والجن والهوام وغير ذلك، ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾. ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق ٣] الغاسق قيل: إنه الليل، وقيل: إنه القمر، والصحيح أنه عامٌّ لهذا وهذا: أمَّا كونه الليل فلأنَّ الله تعالى قال: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء ٧٨]، وكما نعلم جميعًا أن الليل تكثر فيه الهوامُّ والوحوشُ، فلذلك استعاذ من شرِّ الغاسق؛ أي: الليل. وأمَّا القمر فقد جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام «أن النبي ﷺ أَرَى عائشةَ القمرَ وقال: «هَذَا هُوَ الْغَاسِقُ»[[أخرج الترمذي (٣٣٦٦) من حديث عائشة أن النبي ﷺ نظر إلى القمر فقال: «يَا عَائِشَةُ، اسْتَعِيذِي بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا؛ فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْغَاسِقُ إِذَا وَقَبَ».]]، وإنما كان غاسقًا لأن سُلطانه يكون في الليل. وقوله: ﴿مِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ هو معطوف على ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ من باب عطف الخاصِّ على العامِّ؛ لأن الغاسق من مخلوقات الله عز وجل. وقوله: ﴿إِذَا وَقَبَ﴾ أي: إذا دخل، فالليل إذا دخل بظلامه غاسقٌ، وكذلك القمر إذا أضاء بنوره فإنه غاسقٌ، ولا يكون ذلك إلا في الليل. ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق ٤، ٥]. ﴿النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ هنَّ الساحرات؛ يَعقِدْنَ الحبالَ وغيرها، وتَنْفُث بقراءةٍ مُطَلْسمةٍ فيها أسماء الشياطين على هذه العُقَد، على كلِّ عُقدة؛ تَعْقد ثم تَنْفُث، تَعْقد ثم تَنْفُث، تَعْقد ثم تَنْفُث، وهي بنفسها الخبيثة تريد شخصًا معيَّنًا، فيؤثر هذا السِّحر بالنسبة للمسحور. وذَكَر اللهُ النفَّاثات دون النفَّاثين لأن الغالب أن الذي يستعمل هذا النوع من السِّحر هنَّ النساء، فلهذا قال: ﴿النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾، ويحتمل أن يقال: إن ﴿النَّفَّاثَاتِ﴾ يعني الأنفُسَ النفَّاثات، فيشمل الرجال والنساء. ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ الحاسد هو الذي يَكْره نعمةَ الله عليك، فتجده يضيق ذَرْعًا إذا أنعمَ اللهُ على هذا الإنسان بمالٍ أو جاهٍ أو علمٍ أو غير ذلك فيحسده. ولكن الْحُسَّاد نوعان: نوعٌ يحسد ويَكْره في قلبه نعمةَ الله على غيره لكن لا يتعرَّض للمحسود بشيء، تجده مهمومًا مغمومًا من نِعَم الله على غيره، لكن لا يعتدي على صاحبه، والشرُّ والبلاءُ إنما هو بالحاسد متى؟ إذا حَسَدَ، ولهذا قال: ﴿إِذَا حَسَدَ﴾. ومن حَسَدِ الحاسدِ العينُ التي تُصيب المعيون، يكون هذا الرجل -نسأل الله العافية- عنده كراهةٌ لنِعَم الله على الغير، فإذا أحسَّ بنفسه أن الله أنعمَ على فلانٍ بنعمةٍ خرج من نفسه الخبيثة معنًى لا نستطيع أن نَصِفَه؛ لأنه مجهول، فيُصيب بالعين من تسلَّطَ عليه، أحيانًا يموت، وأحيانًا يمرض، وأحيانًا يُجَنُّ، حتى الحاسد يتسلَّط على الحديد فيُوقِف اشتغاله؛ ربما يُصيب السيارة بعينٍ وتنكسر أو تتعطَّل، ربما يُصيب رفَّاعةَ الماء، حرَّاثةَ الأرض، المهم أن العين حقٌّ، تُصيب بإذْن الله عز وجل. ذَكَر اللهُ عز وجل الغاسقَ إذا وَقَب، النفاثاتِ في العُقَد، الحاسدَ إذا حَسَد؛ لأن البلاء كُلَّه في هذه الأحوال الثلاثة يكون خَفِيًّا: الليل سِتْر وغِشاء؛ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل ١]، يكمن فيه الشر ولا يُعلم به، ﴿النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ أيضًا كذلك، السِّحر خَفِيٌّ ما يُعلم، (الحاسد إذا حَسَد) العائن أيضًا خَفِيٌّ، تأتي العين من شخصٍ تظنُّ أنه من أحبِّ الناس إليك وأنت من أحبِّ الناس إليه ومع ذلك يُصيبك بالعين، لهذا السبب خصَّ اللهُ هذه الأمورَ الثلاثة: الغاسق إذا وَقَب، والنفَّاثات في العُقَد، والحاسد إذا حَسَد، وإلَّا فهي داخلةٌ في قوله: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾. فإذا قال قائل: ما هو الطريق إلى التخلُّص من هذه الشرور الثلاثة؟ قُلنا: الطريق إلى التخلُّص أن يُعَلِّقَ الإنسانُ قلبَه بربِّه، ويُفوِّضَ أمْرَه إليه، ويُحقِّقَ التوكل على الله، ويستعملَ الأوراد الشرعيَّة التي بها يُحَصِّن نفسَه ويحفظها من شرِّ هؤلاء، وما كَثُر الأمر في الناس في الآونة الأخيرة من السَّحَرةِ والْحُسَّادِ وما أشبهَ ذلك إلا من أجْل غفلتهم عن الله، وضَعْف توكلهم على الله عز وجل، وقِلَّة استعمالهم للأوراد الشرعيَّة التي بها يتحصَّنون، وإلا فنحن نعلم أن الأوراد الشرعيَّة حِصْنٌ منيعٌ، أشدُّ من سدِّ يأجوج ومأجوج، لكن مع الأسف أن كثيرًا من الناس لا يعرف عن هذه الأوراد شيئًا، ومَن عَرَفَ فقد يَغْفُل كثيرًا، ومَن قرأها فقَلْبُه غيرُ حاضر، وكلُّ هذا نَقْصٌ، ولو أن الناس استعملوا الأورادَ على ما جاءت به الشريعةُ لَسَلِمُوا مِن شرورٍ كثيرة.

الفلق 113:2

أمَّا السورتان بعدها فهما: (قُلْ أعوذُ بربِّ الفَلَق) و(قُلْ أعوذُ بربِّ الناس). يقول الله عز وجل: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق ١]، وربُّ الفَلَق هو الله، والفَلَق: الإصباح، ويجوز أن يكون أعمَّ من ذلك؛ أنَّ الفَلَق كلُّ ما يفلقه الله تعالى من الإصباح والنوى والحب؛ كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام ٩٥]، وقال: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام ٩٦]. ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق ٢] أي: من شرِّ جميع المخلوقات، حتى من شرِّ نفسِك؛ لأن النفس أمَّارةٌ بالسوء، فإذا قلت: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ فأول ما يدخل فيه نفسُك؛ كما جاء في خطبة الحاجة: «نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا»[[أخرجه الترمذي (١١٠٥) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.]]، وقوله: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ يشمل شياطين الإنس والجن والهوام وغير ذلك، ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾. ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق ٣] الغاسق قيل: إنه الليل، وقيل: إنه القمر، والصحيح أنه عامٌّ لهذا وهذا: أمَّا كونه الليل فلأنَّ الله تعالى قال: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء ٧٨]، وكما نعلم جميعًا أن الليل تكثر فيه الهوامُّ والوحوشُ، فلذلك استعاذ من شرِّ الغاسق؛ أي: الليل. وأمَّا القمر فقد جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام «أن النبي ﷺ أَرَى عائشةَ القمرَ وقال: «هَذَا هُوَ الْغَاسِقُ»[[أخرج الترمذي (٣٣٦٦) من حديث عائشة أن النبي ﷺ نظر إلى القمر فقال: «يَا عَائِشَةُ، اسْتَعِيذِي بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا؛ فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْغَاسِقُ إِذَا وَقَبَ».]]، وإنما كان غاسقًا لأن سُلطانه يكون في الليل. وقوله: ﴿مِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ هو معطوف على ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ من باب عطف الخاصِّ على العامِّ؛ لأن الغاسق من مخلوقات الله عز وجل. وقوله: ﴿إِذَا وَقَبَ﴾ أي: إذا دخل، فالليل إذا دخل بظلامه غاسقٌ، وكذلك القمر إذا أضاء بنوره فإنه غاسقٌ، ولا يكون ذلك إلا في الليل. ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق ٤، ٥]. ﴿النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ هنَّ الساحرات؛ يَعقِدْنَ الحبالَ وغيرها، وتَنْفُث بقراءةٍ مُطَلْسمةٍ فيها أسماء الشياطين على هذه العُقَد، على كلِّ عُقدة؛ تَعْقد ثم تَنْفُث، تَعْقد ثم تَنْفُث، تَعْقد ثم تَنْفُث، وهي بنفسها الخبيثة تريد شخصًا معيَّنًا، فيؤثر هذا السِّحر بالنسبة للمسحور. وذَكَر اللهُ النفَّاثات دون النفَّاثين لأن الغالب أن الذي يستعمل هذا النوع من السِّحر هنَّ النساء، فلهذا قال: ﴿النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾، ويحتمل أن يقال: إن ﴿النَّفَّاثَاتِ﴾ يعني الأنفُسَ النفَّاثات، فيشمل الرجال والنساء. ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ الحاسد هو الذي يَكْره نعمةَ الله عليك، فتجده يضيق ذَرْعًا إذا أنعمَ اللهُ على هذا الإنسان بمالٍ أو جاهٍ أو علمٍ أو غير ذلك فيحسده. ولكن الْحُسَّاد نوعان: نوعٌ يحسد ويَكْره في قلبه نعمةَ الله على غيره لكن لا يتعرَّض للمحسود بشيء، تجده مهمومًا مغمومًا من نِعَم الله على غيره، لكن لا يعتدي على صاحبه، والشرُّ والبلاءُ إنما هو بالحاسد متى؟ إذا حَسَدَ، ولهذا قال: ﴿إِذَا حَسَدَ﴾. ومن حَسَدِ الحاسدِ العينُ التي تُصيب المعيون، يكون هذا الرجل -نسأل الله العافية- عنده كراهةٌ لنِعَم الله على الغير، فإذا أحسَّ بنفسه أن الله أنعمَ على فلانٍ بنعمةٍ خرج من نفسه الخبيثة معنًى لا نستطيع أن نَصِفَه؛ لأنه مجهول، فيُصيب بالعين من تسلَّطَ عليه، أحيانًا يموت، وأحيانًا يمرض، وأحيانًا يُجَنُّ، حتى الحاسد يتسلَّط على الحديد فيُوقِف اشتغاله؛ ربما يُصيب السيارة بعينٍ وتنكسر أو تتعطَّل، ربما يُصيب رفَّاعةَ الماء، حرَّاثةَ الأرض، المهم أن العين حقٌّ، تُصيب بإذْن الله عز وجل. ذَكَر اللهُ عز وجل الغاسقَ إذا وَقَب، النفاثاتِ في العُقَد، الحاسدَ إذا حَسَد؛ لأن البلاء كُلَّه في هذه الأحوال الثلاثة يكون خَفِيًّا: الليل سِتْر وغِشاء؛ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل ١]، يكمن فيه الشر ولا يُعلم به، ﴿النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ أيضًا كذلك، السِّحر خَفِيٌّ ما يُعلم، (الحاسد إذا حَسَد) العائن أيضًا خَفِيٌّ، تأتي العين من شخصٍ تظنُّ أنه من أحبِّ الناس إليك وأنت من أحبِّ الناس إليه ومع ذلك يُصيبك بالعين، لهذا السبب خصَّ اللهُ هذه الأمورَ الثلاثة: الغاسق إذا وَقَب، والنفَّاثات في العُقَد، والحاسد إذا حَسَد، وإلَّا فهي داخلةٌ في قوله: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾. فإذا قال قائل: ما هو الطريق إلى التخلُّص من هذه الشرور الثلاثة؟ قُلنا: الطريق إلى التخلُّص أن يُعَلِّقَ الإنسانُ قلبَه بربِّه، ويُفوِّضَ أمْرَه إليه، ويُحقِّقَ التوكل على الله، ويستعملَ الأوراد الشرعيَّة التي بها يُحَصِّن نفسَه ويحفظها من شرِّ هؤلاء، وما كَثُر الأمر في الناس في الآونة الأخيرة من السَّحَرةِ والْحُسَّادِ وما أشبهَ ذلك إلا من أجْل غفلتهم عن الله، وضَعْف توكلهم على الله عز وجل، وقِلَّة استعمالهم للأوراد الشرعيَّة التي بها يتحصَّنون، وإلا فنحن نعلم أن الأوراد الشرعيَّة حِصْنٌ منيعٌ، أشدُّ من سدِّ يأجوج ومأجوج، لكن مع الأسف أن كثيرًا من الناس لا يعرف عن هذه الأوراد شيئًا، ومَن عَرَفَ فقد يَغْفُل كثيرًا، ومَن قرأها فقَلْبُه غيرُ حاضر، وكلُّ هذا نَقْصٌ، ولو أن الناس استعملوا الأورادَ على ما جاءت به الشريعةُ لَسَلِمُوا مِن شرورٍ كثيرة.

الفلق 113:3

أمَّا السورتان بعدها فهما: (قُلْ أعوذُ بربِّ الفَلَق) و(قُلْ أعوذُ بربِّ الناس). يقول الله عز وجل: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق ١]، وربُّ الفَلَق هو الله، والفَلَق: الإصباح، ويجوز أن يكون أعمَّ من ذلك؛ أنَّ الفَلَق كلُّ ما يفلقه الله تعالى من الإصباح والنوى والحب؛ كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام ٩٥]، وقال: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام ٩٦]. ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق ٢] أي: من شرِّ جميع المخلوقات، حتى من شرِّ نفسِك؛ لأن النفس أمَّارةٌ بالسوء، فإذا قلت: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ فأول ما يدخل فيه نفسُك؛ كما جاء في خطبة الحاجة: «نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا»[[أخرجه الترمذي (١١٠٥) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.]]، وقوله: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ يشمل شياطين الإنس والجن والهوام وغير ذلك، ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾. ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق ٣] الغاسق قيل: إنه الليل، وقيل: إنه القمر، والصحيح أنه عامٌّ لهذا وهذا: أمَّا كونه الليل فلأنَّ الله تعالى قال: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء ٧٨]، وكما نعلم جميعًا أن الليل تكثر فيه الهوامُّ والوحوشُ، فلذلك استعاذ من شرِّ الغاسق؛ أي: الليل. وأمَّا القمر فقد جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام «أن النبي ﷺ أَرَى عائشةَ القمرَ وقال: «هَذَا هُوَ الْغَاسِقُ»[[أخرج الترمذي (٣٣٦٦) من حديث عائشة أن النبي ﷺ نظر إلى القمر فقال: «يَا عَائِشَةُ، اسْتَعِيذِي بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا؛ فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْغَاسِقُ إِذَا وَقَبَ».]]، وإنما كان غاسقًا لأن سُلطانه يكون في الليل. وقوله: ﴿مِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ هو معطوف على ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ من باب عطف الخاصِّ على العامِّ؛ لأن الغاسق من مخلوقات الله عز وجل. وقوله: ﴿إِذَا وَقَبَ﴾ أي: إذا دخل، فالليل إذا دخل بظلامه غاسقٌ، وكذلك القمر إذا أضاء بنوره فإنه غاسقٌ، ولا يكون ذلك إلا في الليل. ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق ٤، ٥]. ﴿النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ هنَّ الساحرات؛ يَعقِدْنَ الحبالَ وغيرها، وتَنْفُث بقراءةٍ مُطَلْسمةٍ فيها أسماء الشياطين على هذه العُقَد، على كلِّ عُقدة؛ تَعْقد ثم تَنْفُث، تَعْقد ثم تَنْفُث، تَعْقد ثم تَنْفُث، وهي بنفسها الخبيثة تريد شخصًا معيَّنًا، فيؤثر هذا السِّحر بالنسبة للمسحور. وذَكَر اللهُ النفَّاثات دون النفَّاثين لأن الغالب أن الذي يستعمل هذا النوع من السِّحر هنَّ النساء، فلهذا قال: ﴿النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾، ويحتمل أن يقال: إن ﴿النَّفَّاثَاتِ﴾ يعني الأنفُسَ النفَّاثات، فيشمل الرجال والنساء. ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ الحاسد هو الذي يَكْره نعمةَ الله عليك، فتجده يضيق ذَرْعًا إذا أنعمَ اللهُ على هذا الإنسان بمالٍ أو جاهٍ أو علمٍ أو غير ذلك فيحسده. ولكن الْحُسَّاد نوعان: نوعٌ يحسد ويَكْره في قلبه نعمةَ الله على غيره لكن لا يتعرَّض للمحسود بشيء، تجده مهمومًا مغمومًا من نِعَم الله على غيره، لكن لا يعتدي على صاحبه، والشرُّ والبلاءُ إنما هو بالحاسد متى؟ إذا حَسَدَ، ولهذا قال: ﴿إِذَا حَسَدَ﴾. ومن حَسَدِ الحاسدِ العينُ التي تُصيب المعيون، يكون هذا الرجل -نسأل الله العافية- عنده كراهةٌ لنِعَم الله على الغير، فإذا أحسَّ بنفسه أن الله أنعمَ على فلانٍ بنعمةٍ خرج من نفسه الخبيثة معنًى لا نستطيع أن نَصِفَه؛ لأنه مجهول، فيُصيب بالعين من تسلَّطَ عليه، أحيانًا يموت، وأحيانًا يمرض، وأحيانًا يُجَنُّ، حتى الحاسد يتسلَّط على الحديد فيُوقِف اشتغاله؛ ربما يُصيب السيارة بعينٍ وتنكسر أو تتعطَّل، ربما يُصيب رفَّاعةَ الماء، حرَّاثةَ الأرض، المهم أن العين حقٌّ، تُصيب بإذْن الله عز وجل. ذَكَر اللهُ عز وجل الغاسقَ إذا وَقَب، النفاثاتِ في العُقَد، الحاسدَ إذا حَسَد؛ لأن البلاء كُلَّه في هذه الأحوال الثلاثة يكون خَفِيًّا: الليل سِتْر وغِشاء؛ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل ١]، يكمن فيه الشر ولا يُعلم به، ﴿النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ أيضًا كذلك، السِّحر خَفِيٌّ ما يُعلم، (الحاسد إذا حَسَد) العائن أيضًا خَفِيٌّ، تأتي العين من شخصٍ تظنُّ أنه من أحبِّ الناس إليك وأنت من أحبِّ الناس إليه ومع ذلك يُصيبك بالعين، لهذا السبب خصَّ اللهُ هذه الأمورَ الثلاثة: الغاسق إذا وَقَب، والنفَّاثات في العُقَد، والحاسد إذا حَسَد، وإلَّا فهي داخلةٌ في قوله: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾. فإذا قال قائل: ما هو الطريق إلى التخلُّص من هذه الشرور الثلاثة؟ قُلنا: الطريق إلى التخلُّص أن يُعَلِّقَ الإنسانُ قلبَه بربِّه، ويُفوِّضَ أمْرَه إليه، ويُحقِّقَ التوكل على الله، ويستعملَ الأوراد الشرعيَّة التي بها يُحَصِّن نفسَه ويحفظها من شرِّ هؤلاء، وما كَثُر الأمر في الناس في الآونة الأخيرة من السَّحَرةِ والْحُسَّادِ وما أشبهَ ذلك إلا من أجْل غفلتهم عن الله، وضَعْف توكلهم على الله عز وجل، وقِلَّة استعمالهم للأوراد الشرعيَّة التي بها يتحصَّنون، وإلا فنحن نعلم أن الأوراد الشرعيَّة حِصْنٌ منيعٌ، أشدُّ من سدِّ يأجوج ومأجوج، لكن مع الأسف أن كثيرًا من الناس لا يعرف عن هذه الأوراد شيئًا، ومَن عَرَفَ فقد يَغْفُل كثيرًا، ومَن قرأها فقَلْبُه غيرُ حاضر، وكلُّ هذا نَقْصٌ، ولو أن الناس استعملوا الأورادَ على ما جاءت به الشريعةُ لَسَلِمُوا مِن شرورٍ كثيرة.

الفلق 113:4

أمَّا السورتان بعدها فهما: (قُلْ أعوذُ بربِّ الفَلَق) و(قُلْ أعوذُ بربِّ الناس). يقول الله عز وجل: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق ١]، وربُّ الفَلَق هو الله، والفَلَق: الإصباح، ويجوز أن يكون أعمَّ من ذلك؛ أنَّ الفَلَق كلُّ ما يفلقه الله تعالى من الإصباح والنوى والحب؛ كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام ٩٥]، وقال: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام ٩٦]. ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق ٢] أي: من شرِّ جميع المخلوقات، حتى من شرِّ نفسِك؛ لأن النفس أمَّارةٌ بالسوء، فإذا قلت: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ فأول ما يدخل فيه نفسُك؛ كما جاء في خطبة الحاجة: «نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا»[[أخرجه الترمذي (١١٠٥) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.]]، وقوله: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ يشمل شياطين الإنس والجن والهوام وغير ذلك، ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾. ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق ٣] الغاسق قيل: إنه الليل، وقيل: إنه القمر، والصحيح أنه عامٌّ لهذا وهذا: أمَّا كونه الليل فلأنَّ الله تعالى قال: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء ٧٨]، وكما نعلم جميعًا أن الليل تكثر فيه الهوامُّ والوحوشُ، فلذلك استعاذ من شرِّ الغاسق؛ أي: الليل. وأمَّا القمر فقد جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام «أن النبي ﷺ أَرَى عائشةَ القمرَ وقال: «هَذَا هُوَ الْغَاسِقُ»[[أخرج الترمذي (٣٣٦٦) من حديث عائشة أن النبي ﷺ نظر إلى القمر فقال: «يَا عَائِشَةُ، اسْتَعِيذِي بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا؛ فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْغَاسِقُ إِذَا وَقَبَ».]]، وإنما كان غاسقًا لأن سُلطانه يكون في الليل. وقوله: ﴿مِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ هو معطوف على ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ من باب عطف الخاصِّ على العامِّ؛ لأن الغاسق من مخلوقات الله عز وجل. وقوله: ﴿إِذَا وَقَبَ﴾ أي: إذا دخل، فالليل إذا دخل بظلامه غاسقٌ، وكذلك القمر إذا أضاء بنوره فإنه غاسقٌ، ولا يكون ذلك إلا في الليل. ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق ٤، ٥]. ﴿النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ هنَّ الساحرات؛ يَعقِدْنَ الحبالَ وغيرها، وتَنْفُث بقراءةٍ مُطَلْسمةٍ فيها أسماء الشياطين على هذه العُقَد، على كلِّ عُقدة؛ تَعْقد ثم تَنْفُث، تَعْقد ثم تَنْفُث، تَعْقد ثم تَنْفُث، وهي بنفسها الخبيثة تريد شخصًا معيَّنًا، فيؤثر هذا السِّحر بالنسبة للمسحور. وذَكَر اللهُ النفَّاثات دون النفَّاثين لأن الغالب أن الذي يستعمل هذا النوع من السِّحر هنَّ النساء، فلهذا قال: ﴿النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾، ويحتمل أن يقال: إن ﴿النَّفَّاثَاتِ﴾ يعني الأنفُسَ النفَّاثات، فيشمل الرجال والنساء. ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ الحاسد هو الذي يَكْره نعمةَ الله عليك، فتجده يضيق ذَرْعًا إذا أنعمَ اللهُ على هذا الإنسان بمالٍ أو جاهٍ أو علمٍ أو غير ذلك فيحسده. ولكن الْحُسَّاد نوعان: نوعٌ يحسد ويَكْره في قلبه نعمةَ الله على غيره لكن لا يتعرَّض للمحسود بشيء، تجده مهمومًا مغمومًا من نِعَم الله على غيره، لكن لا يعتدي على صاحبه، والشرُّ والبلاءُ إنما هو بالحاسد متى؟ إذا حَسَدَ، ولهذا قال: ﴿إِذَا حَسَدَ﴾. ومن حَسَدِ الحاسدِ العينُ التي تُصيب المعيون، يكون هذا الرجل -نسأل الله العافية- عنده كراهةٌ لنِعَم الله على الغير، فإذا أحسَّ بنفسه أن الله أنعمَ على فلانٍ بنعمةٍ خرج من نفسه الخبيثة معنًى لا نستطيع أن نَصِفَه؛ لأنه مجهول، فيُصيب بالعين من تسلَّطَ عليه، أحيانًا يموت، وأحيانًا يمرض، وأحيانًا يُجَنُّ، حتى الحاسد يتسلَّط على الحديد فيُوقِف اشتغاله؛ ربما يُصيب السيارة بعينٍ وتنكسر أو تتعطَّل، ربما يُصيب رفَّاعةَ الماء، حرَّاثةَ الأرض، المهم أن العين حقٌّ، تُصيب بإذْن الله عز وجل. ذَكَر اللهُ عز وجل الغاسقَ إذا وَقَب، النفاثاتِ في العُقَد، الحاسدَ إذا حَسَد؛ لأن البلاء كُلَّه في هذه الأحوال الثلاثة يكون خَفِيًّا: الليل سِتْر وغِشاء؛ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل ١]، يكمن فيه الشر ولا يُعلم به، ﴿النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ أيضًا كذلك، السِّحر خَفِيٌّ ما يُعلم، (الحاسد إذا حَسَد) العائن أيضًا خَفِيٌّ، تأتي العين من شخصٍ تظنُّ أنه من أحبِّ الناس إليك وأنت من أحبِّ الناس إليه ومع ذلك يُصيبك بالعين، لهذا السبب خصَّ اللهُ هذه الأمورَ الثلاثة: الغاسق إذا وَقَب، والنفَّاثات في العُقَد، والحاسد إذا حَسَد، وإلَّا فهي داخلةٌ في قوله: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾. فإذا قال قائل: ما هو الطريق إلى التخلُّص من هذه الشرور الثلاثة؟ قُلنا: الطريق إلى التخلُّص أن يُعَلِّقَ الإنسانُ قلبَه بربِّه، ويُفوِّضَ أمْرَه إليه، ويُحقِّقَ التوكل على الله، ويستعملَ الأوراد الشرعيَّة التي بها يُحَصِّن نفسَه ويحفظها من شرِّ هؤلاء، وما كَثُر الأمر في الناس في الآونة الأخيرة من السَّحَرةِ والْحُسَّادِ وما أشبهَ ذلك إلا من أجْل غفلتهم عن الله، وضَعْف توكلهم على الله عز وجل، وقِلَّة استعمالهم للأوراد الشرعيَّة التي بها يتحصَّنون، وإلا فنحن نعلم أن الأوراد الشرعيَّة حِصْنٌ منيعٌ، أشدُّ من سدِّ يأجوج ومأجوج، لكن مع الأسف أن كثيرًا من الناس لا يعرف عن هذه الأوراد شيئًا، ومَن عَرَفَ فقد يَغْفُل كثيرًا، ومَن قرأها فقَلْبُه غيرُ حاضر، وكلُّ هذا نَقْصٌ، ولو أن الناس استعملوا الأورادَ على ما جاءت به الشريعةُ لَسَلِمُوا مِن شرورٍ كثيرة.

الفلق 113:5

أمَّا السورتان بعدها فهما: (قُلْ أعوذُ بربِّ الفَلَق) و(قُلْ أعوذُ بربِّ الناس). يقول الله عز وجل: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق ١]، وربُّ الفَلَق هو الله، والفَلَق: الإصباح، ويجوز أن يكون أعمَّ من ذلك؛ أنَّ الفَلَق كلُّ ما يفلقه الله تعالى من الإصباح والنوى والحب؛ كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام ٩٥]، وقال: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام ٩٦]. ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق ٢] أي: من شرِّ جميع المخلوقات، حتى من شرِّ نفسِك؛ لأن النفس أمَّارةٌ بالسوء، فإذا قلت: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ فأول ما يدخل فيه نفسُك؛ كما جاء في خطبة الحاجة: «نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا»[[أخرجه الترمذي (١١٠٥) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.]]، وقوله: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ يشمل شياطين الإنس والجن والهوام وغير ذلك، ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾. ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق ٣] الغاسق قيل: إنه الليل، وقيل: إنه القمر، والصحيح أنه عامٌّ لهذا وهذا: أمَّا كونه الليل فلأنَّ الله تعالى قال: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء ٧٨]، وكما نعلم جميعًا أن الليل تكثر فيه الهوامُّ والوحوشُ، فلذلك استعاذ من شرِّ الغاسق؛ أي: الليل. وأمَّا القمر فقد جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام «أن النبي ﷺ أَرَى عائشةَ القمرَ وقال: «هَذَا هُوَ الْغَاسِقُ»[[أخرج الترمذي (٣٣٦٦) من حديث عائشة أن النبي ﷺ نظر إلى القمر فقال: «يَا عَائِشَةُ، اسْتَعِيذِي بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا؛ فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْغَاسِقُ إِذَا وَقَبَ».]]، وإنما كان غاسقًا لأن سُلطانه يكون في الليل. وقوله: ﴿مِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ هو معطوف على ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ من باب عطف الخاصِّ على العامِّ؛ لأن الغاسق من مخلوقات الله عز وجل. وقوله: ﴿إِذَا وَقَبَ﴾ أي: إذا دخل، فالليل إذا دخل بظلامه غاسقٌ، وكذلك القمر إذا أضاء بنوره فإنه غاسقٌ، ولا يكون ذلك إلا في الليل. ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق ٤، ٥]. ﴿النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ هنَّ الساحرات؛ يَعقِدْنَ الحبالَ وغيرها، وتَنْفُث بقراءةٍ مُطَلْسمةٍ فيها أسماء الشياطين على هذه العُقَد، على كلِّ عُقدة؛ تَعْقد ثم تَنْفُث، تَعْقد ثم تَنْفُث، تَعْقد ثم تَنْفُث، وهي بنفسها الخبيثة تريد شخصًا معيَّنًا، فيؤثر هذا السِّحر بالنسبة للمسحور. وذَكَر اللهُ النفَّاثات دون النفَّاثين لأن الغالب أن الذي يستعمل هذا النوع من السِّحر هنَّ النساء، فلهذا قال: ﴿النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾، ويحتمل أن يقال: إن ﴿النَّفَّاثَاتِ﴾ يعني الأنفُسَ النفَّاثات، فيشمل الرجال والنساء. ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ الحاسد هو الذي يَكْره نعمةَ الله عليك، فتجده يضيق ذَرْعًا إذا أنعمَ اللهُ على هذا الإنسان بمالٍ أو جاهٍ أو علمٍ أو غير ذلك فيحسده. ولكن الْحُسَّاد نوعان: نوعٌ يحسد ويَكْره في قلبه نعمةَ الله على غيره لكن لا يتعرَّض للمحسود بشيء، تجده مهمومًا مغمومًا من نِعَم الله على غيره، لكن لا يعتدي على صاحبه، والشرُّ والبلاءُ إنما هو بالحاسد متى؟ إذا حَسَدَ، ولهذا قال: ﴿إِذَا حَسَدَ﴾. ومن حَسَدِ الحاسدِ العينُ التي تُصيب المعيون، يكون هذا الرجل -نسأل الله العافية- عنده كراهةٌ لنِعَم الله على الغير، فإذا أحسَّ بنفسه أن الله أنعمَ على فلانٍ بنعمةٍ خرج من نفسه الخبيثة معنًى لا نستطيع أن نَصِفَه؛ لأنه مجهول، فيُصيب بالعين من تسلَّطَ عليه، أحيانًا يموت، وأحيانًا يمرض، وأحيانًا يُجَنُّ، حتى الحاسد يتسلَّط على الحديد فيُوقِف اشتغاله؛ ربما يُصيب السيارة بعينٍ وتنكسر أو تتعطَّل، ربما يُصيب رفَّاعةَ الماء، حرَّاثةَ الأرض، المهم أن العين حقٌّ، تُصيب بإذْن الله عز وجل. ذَكَر اللهُ عز وجل الغاسقَ إذا وَقَب، النفاثاتِ في العُقَد، الحاسدَ إذا حَسَد؛ لأن البلاء كُلَّه في هذه الأحوال الثلاثة يكون خَفِيًّا: الليل سِتْر وغِشاء؛ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل ١]، يكمن فيه الشر ولا يُعلم به، ﴿النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ أيضًا كذلك، السِّحر خَفِيٌّ ما يُعلم، (الحاسد إذا حَسَد) العائن أيضًا خَفِيٌّ، تأتي العين من شخصٍ تظنُّ أنه من أحبِّ الناس إليك وأنت من أحبِّ الناس إليه ومع ذلك يُصيبك بالعين، لهذا السبب خصَّ اللهُ هذه الأمورَ الثلاثة: الغاسق إذا وَقَب، والنفَّاثات في العُقَد، والحاسد إذا حَسَد، وإلَّا فهي داخلةٌ في قوله: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾. فإذا قال قائل: ما هو الطريق إلى التخلُّص من هذه الشرور الثلاثة؟ قُلنا: الطريق إلى التخلُّص أن يُعَلِّقَ الإنسانُ قلبَه بربِّه، ويُفوِّضَ أمْرَه إليه، ويُحقِّقَ التوكل على الله، ويستعملَ الأوراد الشرعيَّة التي بها يُحَصِّن نفسَه ويحفظها من شرِّ هؤلاء، وما كَثُر الأمر في الناس في الآونة الأخيرة من السَّحَرةِ والْحُسَّادِ وما أشبهَ ذلك إلا من أجْل غفلتهم عن الله، وضَعْف توكلهم على الله عز وجل، وقِلَّة استعمالهم للأوراد الشرعيَّة التي بها يتحصَّنون، وإلا فنحن نعلم أن الأوراد الشرعيَّة حِصْنٌ منيعٌ، أشدُّ من سدِّ يأجوج ومأجوج، لكن مع الأسف أن كثيرًا من الناس لا يعرف عن هذه الأوراد شيئًا، ومَن عَرَفَ فقد يَغْفُل كثيرًا، ومَن قرأها فقَلْبُه غيرُ حاضر، وكلُّ هذا نَقْصٌ، ولو أن الناس استعملوا الأورادَ على ما جاءت به الشريعةُ لَسَلِمُوا مِن شرورٍ كثيرة.

الناس 114:1

أمَّا السورة الثالثة فهي سورة الناس: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس ١ - ٦]. ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ وهو الله عز وجل، وهو ربُّ الناس وغيرهم، ربُّ الناس، ربُّ الملائكة، ربُّ الجن، ربُّ السموات، ربُّ الأرض، ربُّ الشمس، ربُّ القمر، ربُّ كلِّ شيء، لكن للمناسبة خصَّ الناس. ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ أي: الملِكُ الذي له السُّلطةُ العُليا في الناس والتصرُّفُ الكاملُ هو الله عز وجل. ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ أي: مألوهُهم ومعبودهم، فالمعبود حقًّا الذي تَأْلَهُهُ القلوبُ وتُحِبُّه وتعظِّمه هو الله عز وجل. ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾. ﴿الْوَسْوَاسِ﴾ قال العلماء: إنها مصدرٌ يُراد به اسمُ الفاعل؛ أي: الموسوِس، والوسوسة هي ما يُلقَى في القلب من الأفكار والأوهام والتخيُّلات التي لا حقيقة لها. ﴿الْخَنَّاسِ﴾ الذي يَخْنس وينهزم ويولِّي ويُدْبر عند ذِكْر اللهِ عز وجل، وهو الشيطان، ولهذا «إذا أذَّن المؤذِّن انصرفَ الشيطانُ وهَرَبَ وله ضُراطٌ من شدَّة ما وجد من الضيق، فإذا انتهى الأذانُ رَجَع»[[أخرج البخاري (٦٠٨) واللفظ له، ومسلم (٣٨٩ / ١٩) من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا قَضَى النِّدَاءَ أَقْبَلَ...» إلى آخر الحديث. ]]، نسأل الله العافية، ولهذا جاء في الأثر: «إِذَا تَغَوَّلَتِ الْغِيلَانُ فَبَادِرُوا بِالْأَذَانِ»[[أخرجه أحمد (١٤٢٧٧) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.]]، والغِيلان هي الشياطين التي تتخيَّل للمسافر في سَفَرِه وكأنها أشياءُ مَهُولةٌ أو عدوٌ أو ما أشبهَ ذلك، فإذا كبَّرَ الإنسانُ انصرفت، فقوله عز وجل: ﴿الْخَنَّاسِ﴾ يعني الذي يَخْنس؛ أي: ينصرف ويُدْبر ويولِّي ويَذِل أمامَ ذِكْر الله عز وجل. وقوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ أيْ إن الوَسواس يكون من الجِنِّ ويكون من بني آدم؛ أمَّا وسوسة الجنِّ فظاهرٌ؛ لأنه يجري من ابن آدم مجرى الدم، وأمَّا وسوسة بني آدم فما أكثرَ الذين يأتون إلى الإنسان يُوحون إليه بالشرِّ ويُزَيِّنونه في قلبه حتى يأخذ هذا الكلامُ بلُبِّه وينصرف إليه. هذه السُّوَر الثلاث[[يعني سورة الإخلاص وسورة الفَلَق وسورة الناس.]] «كان النبيُّ ﷺ إذا أَوَى إلى فِراشه نَفَثَ في كَفِّه ومَسَحَ بذلك وجهه وما استطاع من بَدَنِهِ»[[أخرجه البخاري (٥٠١٧) من حديث عائشة رضي الله عنها. ]]، «وربما قرأها خلفَ الصلوات الخمس»[[أخرج الترمذي (٢٩٠٣) بسنده عن عقبة بن عامر قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمعوِّذتين في دُبُر كل صلاة.]]، فينبغي للإنسان أن يتحرَّى السُّنَّة في تلاوتها في مواضعها كما وَرَدَ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وبهذا نختم آخِر جُزءٍ في القرآن وهو جُزء النبأ.

الناس 114:2

أمَّا السورة الثالثة فهي سورة الناس: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس ١ - ٦]. ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ وهو الله عز وجل، وهو ربُّ الناس وغيرهم، ربُّ الناس، ربُّ الملائكة، ربُّ الجن، ربُّ السموات، ربُّ الأرض، ربُّ الشمس، ربُّ القمر، ربُّ كلِّ شيء، لكن للمناسبة خصَّ الناس. ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ أي: الملِكُ الذي له السُّلطةُ العُليا في الناس والتصرُّفُ الكاملُ هو الله عز وجل. ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ أي: مألوهُهم ومعبودهم، فالمعبود حقًّا الذي تَأْلَهُهُ القلوبُ وتُحِبُّه وتعظِّمه هو الله عز وجل. ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾. ﴿الْوَسْوَاسِ﴾ قال العلماء: إنها مصدرٌ يُراد به اسمُ الفاعل؛ أي: الموسوِس، والوسوسة هي ما يُلقَى في القلب من الأفكار والأوهام والتخيُّلات التي لا حقيقة لها. ﴿الْخَنَّاسِ﴾ الذي يَخْنس وينهزم ويولِّي ويُدْبر عند ذِكْر اللهِ عز وجل، وهو الشيطان، ولهذا «إذا أذَّن المؤذِّن انصرفَ الشيطانُ وهَرَبَ وله ضُراطٌ من شدَّة ما وجد من الضيق، فإذا انتهى الأذانُ رَجَع»[[أخرج البخاري (٦٠٨) واللفظ له، ومسلم (٣٨٩ / ١٩) من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا قَضَى النِّدَاءَ أَقْبَلَ...» إلى آخر الحديث. ]]، نسأل الله العافية، ولهذا جاء في الأثر: «إِذَا تَغَوَّلَتِ الْغِيلَانُ فَبَادِرُوا بِالْأَذَانِ»[[أخرجه أحمد (١٤٢٧٧) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.]]، والغِيلان هي الشياطين التي تتخيَّل للمسافر في سَفَرِه وكأنها أشياءُ مَهُولةٌ أو عدوٌ أو ما أشبهَ ذلك، فإذا كبَّرَ الإنسانُ انصرفت، فقوله عز وجل: ﴿الْخَنَّاسِ﴾ يعني الذي يَخْنس؛ أي: ينصرف ويُدْبر ويولِّي ويَذِل أمامَ ذِكْر الله عز وجل. وقوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ أيْ إن الوَسواس يكون من الجِنِّ ويكون من بني آدم؛ أمَّا وسوسة الجنِّ فظاهرٌ؛ لأنه يجري من ابن آدم مجرى الدم، وأمَّا وسوسة بني آدم فما أكثرَ الذين يأتون إلى الإنسان يُوحون إليه بالشرِّ ويُزَيِّنونه في قلبه حتى يأخذ هذا الكلامُ بلُبِّه وينصرف إليه. هذه السُّوَر الثلاث[[يعني سورة الإخلاص وسورة الفَلَق وسورة الناس.]] «كان النبيُّ ﷺ إذا أَوَى إلى فِراشه نَفَثَ في كَفِّه ومَسَحَ بذلك وجهه وما استطاع من بَدَنِهِ»[[أخرجه البخاري (٥٠١٧) من حديث عائشة رضي الله عنها. ]]، «وربما قرأها خلفَ الصلوات الخمس»[[أخرج الترمذي (٢٩٠٣) بسنده عن عقبة بن عامر قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمعوِّذتين في دُبُر كل صلاة.]]، فينبغي للإنسان أن يتحرَّى السُّنَّة في تلاوتها في مواضعها كما وَرَدَ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وبهذا نختم آخِر جُزءٍ في القرآن وهو جُزء النبأ.

الناس 114:3

أمَّا السورة الثالثة فهي سورة الناس: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس ١ - ٦]. ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ وهو الله عز وجل، وهو ربُّ الناس وغيرهم، ربُّ الناس، ربُّ الملائكة، ربُّ الجن، ربُّ السموات، ربُّ الأرض، ربُّ الشمس، ربُّ القمر، ربُّ كلِّ شيء، لكن للمناسبة خصَّ الناس. ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ أي: الملِكُ الذي له السُّلطةُ العُليا في الناس والتصرُّفُ الكاملُ هو الله عز وجل. ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ أي: مألوهُهم ومعبودهم، فالمعبود حقًّا الذي تَأْلَهُهُ القلوبُ وتُحِبُّه وتعظِّمه هو الله عز وجل. ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾. ﴿الْوَسْوَاسِ﴾ قال العلماء: إنها مصدرٌ يُراد به اسمُ الفاعل؛ أي: الموسوِس، والوسوسة هي ما يُلقَى في القلب من الأفكار والأوهام والتخيُّلات التي لا حقيقة لها. ﴿الْخَنَّاسِ﴾ الذي يَخْنس وينهزم ويولِّي ويُدْبر عند ذِكْر اللهِ عز وجل، وهو الشيطان، ولهذا «إذا أذَّن المؤذِّن انصرفَ الشيطانُ وهَرَبَ وله ضُراطٌ من شدَّة ما وجد من الضيق، فإذا انتهى الأذانُ رَجَع»[[أخرج البخاري (٦٠٨) واللفظ له، ومسلم (٣٨٩ / ١٩) من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا قَضَى النِّدَاءَ أَقْبَلَ...» إلى آخر الحديث. ]]، نسأل الله العافية، ولهذا جاء في الأثر: «إِذَا تَغَوَّلَتِ الْغِيلَانُ فَبَادِرُوا بِالْأَذَانِ»[[أخرجه أحمد (١٤٢٧٧) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.]]، والغِيلان هي الشياطين التي تتخيَّل للمسافر في سَفَرِه وكأنها أشياءُ مَهُولةٌ أو عدوٌ أو ما أشبهَ ذلك، فإذا كبَّرَ الإنسانُ انصرفت، فقوله عز وجل: ﴿الْخَنَّاسِ﴾ يعني الذي يَخْنس؛ أي: ينصرف ويُدْبر ويولِّي ويَذِل أمامَ ذِكْر الله عز وجل. وقوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ أيْ إن الوَسواس يكون من الجِنِّ ويكون من بني آدم؛ أمَّا وسوسة الجنِّ فظاهرٌ؛ لأنه يجري من ابن آدم مجرى الدم، وأمَّا وسوسة بني آدم فما أكثرَ الذين يأتون إلى الإنسان يُوحون إليه بالشرِّ ويُزَيِّنونه في قلبه حتى يأخذ هذا الكلامُ بلُبِّه وينصرف إليه. هذه السُّوَر الثلاث[[يعني سورة الإخلاص وسورة الفَلَق وسورة الناس.]] «كان النبيُّ ﷺ إذا أَوَى إلى فِراشه نَفَثَ في كَفِّه ومَسَحَ بذلك وجهه وما استطاع من بَدَنِهِ»[[أخرجه البخاري (٥٠١٧) من حديث عائشة رضي الله عنها. ]]، «وربما قرأها خلفَ الصلوات الخمس»[[أخرج الترمذي (٢٩٠٣) بسنده عن عقبة بن عامر قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمعوِّذتين في دُبُر كل صلاة.]]، فينبغي للإنسان أن يتحرَّى السُّنَّة في تلاوتها في مواضعها كما وَرَدَ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وبهذا نختم آخِر جُزءٍ في القرآن وهو جُزء النبأ.

الناس 114:4

أمَّا السورة الثالثة فهي سورة الناس: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس ١ - ٦]. ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ وهو الله عز وجل، وهو ربُّ الناس وغيرهم، ربُّ الناس، ربُّ الملائكة، ربُّ الجن، ربُّ السموات، ربُّ الأرض، ربُّ الشمس، ربُّ القمر، ربُّ كلِّ شيء، لكن للمناسبة خصَّ الناس. ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ أي: الملِكُ الذي له السُّلطةُ العُليا في الناس والتصرُّفُ الكاملُ هو الله عز وجل. ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ أي: مألوهُهم ومعبودهم، فالمعبود حقًّا الذي تَأْلَهُهُ القلوبُ وتُحِبُّه وتعظِّمه هو الله عز وجل. ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾. ﴿الْوَسْوَاسِ﴾ قال العلماء: إنها مصدرٌ يُراد به اسمُ الفاعل؛ أي: الموسوِس، والوسوسة هي ما يُلقَى في القلب من الأفكار والأوهام والتخيُّلات التي لا حقيقة لها. ﴿الْخَنَّاسِ﴾ الذي يَخْنس وينهزم ويولِّي ويُدْبر عند ذِكْر اللهِ عز وجل، وهو الشيطان، ولهذا «إذا أذَّن المؤذِّن انصرفَ الشيطانُ وهَرَبَ وله ضُراطٌ من شدَّة ما وجد من الضيق، فإذا انتهى الأذانُ رَجَع»[[أخرج البخاري (٦٠٨) واللفظ له، ومسلم (٣٨٩ / ١٩) من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا قَضَى النِّدَاءَ أَقْبَلَ...» إلى آخر الحديث. ]]، نسأل الله العافية، ولهذا جاء في الأثر: «إِذَا تَغَوَّلَتِ الْغِيلَانُ فَبَادِرُوا بِالْأَذَانِ»[[أخرجه أحمد (١٤٢٧٧) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.]]، والغِيلان هي الشياطين التي تتخيَّل للمسافر في سَفَرِه وكأنها أشياءُ مَهُولةٌ أو عدوٌ أو ما أشبهَ ذلك، فإذا كبَّرَ الإنسانُ انصرفت، فقوله عز وجل: ﴿الْخَنَّاسِ﴾ يعني الذي يَخْنس؛ أي: ينصرف ويُدْبر ويولِّي ويَذِل أمامَ ذِكْر الله عز وجل. وقوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ أيْ إن الوَسواس يكون من الجِنِّ ويكون من بني آدم؛ أمَّا وسوسة الجنِّ فظاهرٌ؛ لأنه يجري من ابن آدم مجرى الدم، وأمَّا وسوسة بني آدم فما أكثرَ الذين يأتون إلى الإنسان يُوحون إليه بالشرِّ ويُزَيِّنونه في قلبه حتى يأخذ هذا الكلامُ بلُبِّه وينصرف إليه. هذه السُّوَر الثلاث[[يعني سورة الإخلاص وسورة الفَلَق وسورة الناس.]] «كان النبيُّ ﷺ إذا أَوَى إلى فِراشه نَفَثَ في كَفِّه ومَسَحَ بذلك وجهه وما استطاع من بَدَنِهِ»[[أخرجه البخاري (٥٠١٧) من حديث عائشة رضي الله عنها. ]]، «وربما قرأها خلفَ الصلوات الخمس»[[أخرج الترمذي (٢٩٠٣) بسنده عن عقبة بن عامر قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمعوِّذتين في دُبُر كل صلاة.]]، فينبغي للإنسان أن يتحرَّى السُّنَّة في تلاوتها في مواضعها كما وَرَدَ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وبهذا نختم آخِر جُزءٍ في القرآن وهو جُزء النبأ.

الناس 114:5

أمَّا السورة الثالثة فهي سورة الناس: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس ١ - ٦]. ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ وهو الله عز وجل، وهو ربُّ الناس وغيرهم، ربُّ الناس، ربُّ الملائكة، ربُّ الجن، ربُّ السموات، ربُّ الأرض، ربُّ الشمس، ربُّ القمر، ربُّ كلِّ شيء، لكن للمناسبة خصَّ الناس. ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ أي: الملِكُ الذي له السُّلطةُ العُليا في الناس والتصرُّفُ الكاملُ هو الله عز وجل. ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ أي: مألوهُهم ومعبودهم، فالمعبود حقًّا الذي تَأْلَهُهُ القلوبُ وتُحِبُّه وتعظِّمه هو الله عز وجل. ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾. ﴿الْوَسْوَاسِ﴾ قال العلماء: إنها مصدرٌ يُراد به اسمُ الفاعل؛ أي: الموسوِس، والوسوسة هي ما يُلقَى في القلب من الأفكار والأوهام والتخيُّلات التي لا حقيقة لها. ﴿الْخَنَّاسِ﴾ الذي يَخْنس وينهزم ويولِّي ويُدْبر عند ذِكْر اللهِ عز وجل، وهو الشيطان، ولهذا «إذا أذَّن المؤذِّن انصرفَ الشيطانُ وهَرَبَ وله ضُراطٌ من شدَّة ما وجد من الضيق، فإذا انتهى الأذانُ رَجَع»[[أخرج البخاري (٦٠٨) واللفظ له، ومسلم (٣٨٩ / ١٩) من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا قَضَى النِّدَاءَ أَقْبَلَ...» إلى آخر الحديث. ]]، نسأل الله العافية، ولهذا جاء في الأثر: «إِذَا تَغَوَّلَتِ الْغِيلَانُ فَبَادِرُوا بِالْأَذَانِ»[[أخرجه أحمد (١٤٢٧٧) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.]]، والغِيلان هي الشياطين التي تتخيَّل للمسافر في سَفَرِه وكأنها أشياءُ مَهُولةٌ أو عدوٌ أو ما أشبهَ ذلك، فإذا كبَّرَ الإنسانُ انصرفت، فقوله عز وجل: ﴿الْخَنَّاسِ﴾ يعني الذي يَخْنس؛ أي: ينصرف ويُدْبر ويولِّي ويَذِل أمامَ ذِكْر الله عز وجل. وقوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ أيْ إن الوَسواس يكون من الجِنِّ ويكون من بني آدم؛ أمَّا وسوسة الجنِّ فظاهرٌ؛ لأنه يجري من ابن آدم مجرى الدم، وأمَّا وسوسة بني آدم فما أكثرَ الذين يأتون إلى الإنسان يُوحون إليه بالشرِّ ويُزَيِّنونه في قلبه حتى يأخذ هذا الكلامُ بلُبِّه وينصرف إليه. هذه السُّوَر الثلاث[[يعني سورة الإخلاص وسورة الفَلَق وسورة الناس.]] «كان النبيُّ ﷺ إذا أَوَى إلى فِراشه نَفَثَ في كَفِّه ومَسَحَ بذلك وجهه وما استطاع من بَدَنِهِ»[[أخرجه البخاري (٥٠١٧) من حديث عائشة رضي الله عنها. ]]، «وربما قرأها خلفَ الصلوات الخمس»[[أخرج الترمذي (٢٩٠٣) بسنده عن عقبة بن عامر قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمعوِّذتين في دُبُر كل صلاة.]]، فينبغي للإنسان أن يتحرَّى السُّنَّة في تلاوتها في مواضعها كما وَرَدَ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وبهذا نختم آخِر جُزءٍ في القرآن وهو جُزء النبأ.

الناس 114:6

أمَّا السورة الثالثة فهي سورة الناس: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس ١ - ٦]. ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ وهو الله عز وجل، وهو ربُّ الناس وغيرهم، ربُّ الناس، ربُّ الملائكة، ربُّ الجن، ربُّ السموات، ربُّ الأرض، ربُّ الشمس، ربُّ القمر، ربُّ كلِّ شيء، لكن للمناسبة خصَّ الناس. ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ أي: الملِكُ الذي له السُّلطةُ العُليا في الناس والتصرُّفُ الكاملُ هو الله عز وجل. ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ أي: مألوهُهم ومعبودهم، فالمعبود حقًّا الذي تَأْلَهُهُ القلوبُ وتُحِبُّه وتعظِّمه هو الله عز وجل. ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾. ﴿الْوَسْوَاسِ﴾ قال العلماء: إنها مصدرٌ يُراد به اسمُ الفاعل؛ أي: الموسوِس، والوسوسة هي ما يُلقَى في القلب من الأفكار والأوهام والتخيُّلات التي لا حقيقة لها. ﴿الْخَنَّاسِ﴾ الذي يَخْنس وينهزم ويولِّي ويُدْبر عند ذِكْر اللهِ عز وجل، وهو الشيطان، ولهذا «إذا أذَّن المؤذِّن انصرفَ الشيطانُ وهَرَبَ وله ضُراطٌ من شدَّة ما وجد من الضيق، فإذا انتهى الأذانُ رَجَع»[[أخرج البخاري (٦٠٨) واللفظ له، ومسلم (٣٨٩ / ١٩) من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا قَضَى النِّدَاءَ أَقْبَلَ...» إلى آخر الحديث. ]]، نسأل الله العافية، ولهذا جاء في الأثر: «إِذَا تَغَوَّلَتِ الْغِيلَانُ فَبَادِرُوا بِالْأَذَانِ»[[أخرجه أحمد (١٤٢٧٧) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.]]، والغِيلان هي الشياطين التي تتخيَّل للمسافر في سَفَرِه وكأنها أشياءُ مَهُولةٌ أو عدوٌ أو ما أشبهَ ذلك، فإذا كبَّرَ الإنسانُ انصرفت، فقوله عز وجل: ﴿الْخَنَّاسِ﴾ يعني الذي يَخْنس؛ أي: ينصرف ويُدْبر ويولِّي ويَذِل أمامَ ذِكْر الله عز وجل. وقوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ أيْ إن الوَسواس يكون من الجِنِّ ويكون من بني آدم؛ أمَّا وسوسة الجنِّ فظاهرٌ؛ لأنه يجري من ابن آدم مجرى الدم، وأمَّا وسوسة بني آدم فما أكثرَ الذين يأتون إلى الإنسان يُوحون إليه بالشرِّ ويُزَيِّنونه في قلبه حتى يأخذ هذا الكلامُ بلُبِّه وينصرف إليه. هذه السُّوَر الثلاث[[يعني سورة الإخلاص وسورة الفَلَق وسورة الناس.]] «كان النبيُّ ﷺ إذا أَوَى إلى فِراشه نَفَثَ في كَفِّه ومَسَحَ بذلك وجهه وما استطاع من بَدَنِهِ»[[أخرجه البخاري (٥٠١٧) من حديث عائشة رضي الله عنها. ]]، «وربما قرأها خلفَ الصلوات الخمس»[[أخرج الترمذي (٢٩٠٣) بسنده عن عقبة بن عامر قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمعوِّذتين في دُبُر كل صلاة.]]، فينبغي للإنسان أن يتحرَّى السُّنَّة في تلاوتها في مواضعها كما وَرَدَ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وبهذا نختم آخِر جُزءٍ في القرآن وهو جُزء النبأ.