Tafsir Ibn Uthaymeen — العاديات 100:1 – المسد 111:5
المحتويات
- العاديات 100:1
- العاديات 100:2
- العاديات 100:3
- العاديات 100:4
- العاديات 100:5
- العاديات 100:6
- العاديات 100:7
- العاديات 100:8
- العاديات 100:9
- العاديات 100:10
- العاديات 100:11
- القارعة 101:1
- القارعة 101:2
- القارعة 101:3
- القارعة 101:4
- القارعة 101:5
- القارعة 101:6
- القارعة 101:7
- القارعة 101:8
- القارعة 101:9
- القارعة 101:10
- القارعة 101:11
- التكاثر 102:1
- التكاثر 102:2
- التكاثر 102:3
- التكاثر 102:4
- التكاثر 102:5
- التكاثر 102:6
- التكاثر 102:7
- التكاثر 102:8
- العصر 103:1
- العصر 103:2
- العصر 103:3
- الهمزة 104:1
- الهمزة 104:2
- الهمزة 104:3
- الهمزة 104:4
- الهمزة 104:5
- الهمزة 104:6
- الهمزة 104:7
- الهمزة 104:8
- الهمزة 104:9
- الفيل 105:1
- الفيل 105:2
- الفيل 105:3
- الفيل 105:4
- الفيل 105:5
- قريش 106:1
- قريش 106:2
- قريش 106:3
- قريش 106:4
- الماعون 107:1
- الماعون 107:2
- الماعون 107:3
- الماعون 107:4
- الماعون 107:5
- الماعون 107:6
- الماعون 107:7
- الكوثر 108:1
- الكوثر 108:2
- الكوثر 108:3
- الكافرون 109:1
- الكافرون 109:2
- الكافرون 109:3
- الكافرون 109:4
- الكافرون 109:5
- الكافرون 109:6
- النصر 110:1
- النصر 110:2
- النصر 110:3
- المسد 111:1
- المسد 111:2
- المسد 111:3
- المسد 111:4
- المسد 111:5
العاديات 100:1
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
نبتدئ هذا اللقاء بما يسَّر الله تعالى من تفسير سورة العاديات.
يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ [العاديات ١ - ٥] إلى آخِر السورة.
ولا يخفى على الجميع أن هذا قَسَمٌ: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾، وأنَّ ﴿الْعَادِيَاتِ﴾ صِفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ، فما هو هذا الموصوف؟ هل المراد الخيل؛ يعني: والخيلِ العاديات، أو المراد الإبل؛ يعني: والإبلِ العاديات؟
في هذا قولانِ للمفسرين: فمنهم مَن قال: إن الموصوف هي الإبل، والتقدير: والإبلِ العاديات، ويعني بها الإبلَ التي تعدو من عرفة إلى مزدلفة ثم إلى مِنى، وذلك في مناسك الحج، واستدلُّوا لهذا: بأن هذه السورة مكِّية، وأنه ليس في مكَّة جهادٌ على الخيل حتى يُقسَم بها.
أمَّا القول الثاني من جمهور المفسرين -وهو الصحيح- فإنَّ المحذوف هو الخيل، والتقدير: والخيلِ العاديات. والخيلُ العادياتُ معلومةٌ للعرب حتى قبل مشروعيَّة الجهاد؛ هناك خيلٌ تعدو على أعدائها سواء بحقٍّ وبغير حقٍّ فيما قبل الإسلام، أمَّا بعد الإسلام فالخيل تعدو على أعدائها بحقٍّ.
يقول الله تعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾ والعادِي اسمُ فاعلٍ من العَدْو، وهو سرعة المشي والانطلاق.
وقوله: ﴿ضَبْحًا﴾ الضَّبْح: ما يُسمع من أجواف الخيل حين تعدو بسرعةٍ، يكون لها صوتٌ يخرج من صدورها، وهذا يدلُّ على قوة سَعْيها وشِدَّته.
﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ ﴿الْمُورِيَاتِ﴾ مِن (أَوْرَى) بمعنى قَدَح، ويعني بذلك قَدْحَ النارِ حينما يضرب الأحجارُ بعضها بعضًا، كما هو مشهورٌ عندنا في حَجَر المرْوِ؛ فإنك إذا ضربْتَ بعضَه ببعض انقَدَحَ.
هذه الإبل لقوَّةِ سَعْيها وشِدَّته وضَرْبها الأرضَ إذا ضربت الحجرَ ضربت الحجرَ الثاني، يضرب الحجرَ الثاني ثم يشعط نارًا؛ وذلك لقوَّتها وقوَّة سَعْيها وضربها الأرض، ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾.
﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾ أي: فالتي تُغِير صباحًا على العدُوِّ، وهذا أحسن وقتٍ يُغار به على العدُوِّ .. ﴿الْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾ أي: التي تُغير على عدُوِّها في الصباح، وهذا أحسن ما يكون إغارةً على العدُوِّ أن يكون في الصباح؛ لأنه في غفلةٍ ونوم، وحتى لو استيقظ من الغارة فسوف يكون على كَسَلٍ وعلى إعياء، فاختار الله عز وجل للقَسَم بهذه الخيول أحسن وقتٍ للإغارة وهو الصباح، «وكان النبي ﷺ لا يُغير على قوم في الليل، بلْ ينتظر، فإذا أصبحَ إنْ سَمِعَ أذانًا كفَّ وإلَّا أغارَ»[[أخرج البخاري (٦١٠) عن أنس بن مالك أنَّ النبي ﷺ كان إذا غَزَا بنا قومًا لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر، فإنْ سمع أذانًا كفَّ عنهم، وإنْ لم يسمع أذانًا أغارَ عليهم. قال: فخرجْنا إلى خيبر، فانتهينا إليهم ليلًا، فلمَّا أصبح ولم يسمع أذانًا ركب، وركبتُ خلف أبي طلحة وإنَّ قدمي لَتمسُّ قدم النبي ﷺ. قال: فخرجوا إلينا بمكاتلهم ومساحيهم، فلما رأوا النبيَّ ﷺ قالوا: محمدٌ واللهِ، محمدٌ والخميسُ. قال: فلمَّا رآهم رسول الله ﷺ قال: «الله أكبر، الله أكبر، خربتْ خيبر، إنَّا إذا نزلْنا بساحة قومٍ فساء صباحُ المنذَرين».]].﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ أي: أَثَرْنَ بهذا العَدْوِ وهذه الإغارةِ ﴿نَقْعًا﴾ وهو الغُبار الذي يَثُور من شِدَّة السعي، فإن الخيل إذا سَعَتْ إذا اشتدَّ عَدْوُها في الأرض صار لها غُبار من الكَرِّ والفَرِّ.
﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ أي: توسَّطْنَ بهذا الغُبارِ ﴿جَمْعًا﴾ أي: جُمُوعًا من الأعداء؛ أيْ إنها ليس لها غايةٌ ولا تنتهي غايتُها إلا وسط الأعداء، وهذا غايةُ ما يكون من منافع الخيل، مع أنَّ الخيل كلَّها خيرٌ كما قال النبي ﷺ: «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٥٠)، ومسلم (١٨٧٣ / ٩٨)، من حديث عروة بن الجعد البارقي رضي الله عنه.]].
أقْسَمَ الله تعالى بهذه العاديات؛ بهذه الخيل التي بَلَغَت الغاية، وهي الإغارة على العدُوِّ، وتوسُّط العدُوِّ من غير خوفٍ ولا تعبٍ ولا مَلَل.
العاديات 100:2
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
نبتدئ هذا اللقاء بما يسَّر الله تعالى من تفسير سورة العاديات.
يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ [العاديات ١ - ٥] إلى آخِر السورة.
ولا يخفى على الجميع أن هذا قَسَمٌ: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾، وأنَّ ﴿الْعَادِيَاتِ﴾ صِفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ، فما هو هذا الموصوف؟ هل المراد الخيل؛ يعني: والخيلِ العاديات، أو المراد الإبل؛ يعني: والإبلِ العاديات؟
في هذا قولانِ للمفسرين: فمنهم مَن قال: إن الموصوف هي الإبل، والتقدير: والإبلِ العاديات، ويعني بها الإبلَ التي تعدو من عرفة إلى مزدلفة ثم إلى مِنى، وذلك في مناسك الحج، واستدلُّوا لهذا: بأن هذه السورة مكِّية، وأنه ليس في مكَّة جهادٌ على الخيل حتى يُقسَم بها.
أمَّا القول الثاني من جمهور المفسرين -وهو الصحيح- فإنَّ المحذوف هو الخيل، والتقدير: والخيلِ العاديات. والخيلُ العادياتُ معلومةٌ للعرب حتى قبل مشروعيَّة الجهاد؛ هناك خيلٌ تعدو على أعدائها سواء بحقٍّ وبغير حقٍّ فيما قبل الإسلام، أمَّا بعد الإسلام فالخيل تعدو على أعدائها بحقٍّ.
يقول الله تعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾ والعادِي اسمُ فاعلٍ من العَدْو، وهو سرعة المشي والانطلاق.
وقوله: ﴿ضَبْحًا﴾ الضَّبْح: ما يُسمع من أجواف الخيل حين تعدو بسرعةٍ، يكون لها صوتٌ يخرج من صدورها، وهذا يدلُّ على قوة سَعْيها وشِدَّته.
﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ ﴿الْمُورِيَاتِ﴾ مِن (أَوْرَى) بمعنى قَدَح، ويعني بذلك قَدْحَ النارِ حينما يضرب الأحجارُ بعضها بعضًا، كما هو مشهورٌ عندنا في حَجَر المرْوِ؛ فإنك إذا ضربْتَ بعضَه ببعض انقَدَحَ.
هذه الإبل لقوَّةِ سَعْيها وشِدَّته وضَرْبها الأرضَ إذا ضربت الحجرَ ضربت الحجرَ الثاني، يضرب الحجرَ الثاني ثم يشعط نارًا؛ وذلك لقوَّتها وقوَّة سَعْيها وضربها الأرض، ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾.
﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾ أي: فالتي تُغِير صباحًا على العدُوِّ، وهذا أحسن وقتٍ يُغار به على العدُوِّ .. ﴿الْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾ أي: التي تُغير على عدُوِّها في الصباح، وهذا أحسن ما يكون إغارةً على العدُوِّ أن يكون في الصباح؛ لأنه في غفلةٍ ونوم، وحتى لو استيقظ من الغارة فسوف يكون على كَسَلٍ وعلى إعياء، فاختار الله عز وجل للقَسَم بهذه الخيول أحسن وقتٍ للإغارة وهو الصباح، «وكان النبي ﷺ لا يُغير على قوم في الليل، بلْ ينتظر، فإذا أصبحَ إنْ سَمِعَ أذانًا كفَّ وإلَّا أغارَ»[[أخرج البخاري (٦١٠) عن أنس بن مالك أنَّ النبي ﷺ كان إذا غَزَا بنا قومًا لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر، فإنْ سمع أذانًا كفَّ عنهم، وإنْ لم يسمع أذانًا أغارَ عليهم. قال: فخرجْنا إلى خيبر، فانتهينا إليهم ليلًا، فلمَّا أصبح ولم يسمع أذانًا ركب، وركبتُ خلف أبي طلحة وإنَّ قدمي لَتمسُّ قدم النبي ﷺ. قال: فخرجوا إلينا بمكاتلهم ومساحيهم، فلما رأوا النبيَّ ﷺ قالوا: محمدٌ واللهِ، محمدٌ والخميسُ. قال: فلمَّا رآهم رسول الله ﷺ قال: «الله أكبر، الله أكبر، خربتْ خيبر، إنَّا إذا نزلْنا بساحة قومٍ فساء صباحُ المنذَرين».]].﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ أي: أَثَرْنَ بهذا العَدْوِ وهذه الإغارةِ ﴿نَقْعًا﴾ وهو الغُبار الذي يَثُور من شِدَّة السعي، فإن الخيل إذا سَعَتْ إذا اشتدَّ عَدْوُها في الأرض صار لها غُبار من الكَرِّ والفَرِّ.
﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ أي: توسَّطْنَ بهذا الغُبارِ ﴿جَمْعًا﴾ أي: جُمُوعًا من الأعداء؛ أيْ إنها ليس لها غايةٌ ولا تنتهي غايتُها إلا وسط الأعداء، وهذا غايةُ ما يكون من منافع الخيل، مع أنَّ الخيل كلَّها خيرٌ كما قال النبي ﷺ: «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٥٠)، ومسلم (١٨٧٣ / ٩٨)، من حديث عروة بن الجعد البارقي رضي الله عنه.]].
أقْسَمَ الله تعالى بهذه العاديات؛ بهذه الخيل التي بَلَغَت الغاية، وهي الإغارة على العدُوِّ، وتوسُّط العدُوِّ من غير خوفٍ ولا تعبٍ ولا مَلَل.
العاديات 100:3
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
نبتدئ هذا اللقاء بما يسَّر الله تعالى من تفسير سورة العاديات.
يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ [العاديات ١ - ٥] إلى آخِر السورة.
ولا يخفى على الجميع أن هذا قَسَمٌ: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾، وأنَّ ﴿الْعَادِيَاتِ﴾ صِفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ، فما هو هذا الموصوف؟ هل المراد الخيل؛ يعني: والخيلِ العاديات، أو المراد الإبل؛ يعني: والإبلِ العاديات؟
في هذا قولانِ للمفسرين: فمنهم مَن قال: إن الموصوف هي الإبل، والتقدير: والإبلِ العاديات، ويعني بها الإبلَ التي تعدو من عرفة إلى مزدلفة ثم إلى مِنى، وذلك في مناسك الحج، واستدلُّوا لهذا: بأن هذه السورة مكِّية، وأنه ليس في مكَّة جهادٌ على الخيل حتى يُقسَم بها.
أمَّا القول الثاني من جمهور المفسرين -وهو الصحيح- فإنَّ المحذوف هو الخيل، والتقدير: والخيلِ العاديات. والخيلُ العادياتُ معلومةٌ للعرب حتى قبل مشروعيَّة الجهاد؛ هناك خيلٌ تعدو على أعدائها سواء بحقٍّ وبغير حقٍّ فيما قبل الإسلام، أمَّا بعد الإسلام فالخيل تعدو على أعدائها بحقٍّ.
يقول الله تعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾ والعادِي اسمُ فاعلٍ من العَدْو، وهو سرعة المشي والانطلاق.
وقوله: ﴿ضَبْحًا﴾ الضَّبْح: ما يُسمع من أجواف الخيل حين تعدو بسرعةٍ، يكون لها صوتٌ يخرج من صدورها، وهذا يدلُّ على قوة سَعْيها وشِدَّته.
﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ ﴿الْمُورِيَاتِ﴾ مِن (أَوْرَى) بمعنى قَدَح، ويعني بذلك قَدْحَ النارِ حينما يضرب الأحجارُ بعضها بعضًا، كما هو مشهورٌ عندنا في حَجَر المرْوِ؛ فإنك إذا ضربْتَ بعضَه ببعض انقَدَحَ.
هذه الإبل لقوَّةِ سَعْيها وشِدَّته وضَرْبها الأرضَ إذا ضربت الحجرَ ضربت الحجرَ الثاني، يضرب الحجرَ الثاني ثم يشعط نارًا؛ وذلك لقوَّتها وقوَّة سَعْيها وضربها الأرض، ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾.
﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾ أي: فالتي تُغِير صباحًا على العدُوِّ، وهذا أحسن وقتٍ يُغار به على العدُوِّ .. ﴿الْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾ أي: التي تُغير على عدُوِّها في الصباح، وهذا أحسن ما يكون إغارةً على العدُوِّ أن يكون في الصباح؛ لأنه في غفلةٍ ونوم، وحتى لو استيقظ من الغارة فسوف يكون على كَسَلٍ وعلى إعياء، فاختار الله عز وجل للقَسَم بهذه الخيول أحسن وقتٍ للإغارة وهو الصباح، «وكان النبي ﷺ لا يُغير على قوم في الليل، بلْ ينتظر، فإذا أصبحَ إنْ سَمِعَ أذانًا كفَّ وإلَّا أغارَ»[[أخرج البخاري (٦١٠) عن أنس بن مالك أنَّ النبي ﷺ كان إذا غَزَا بنا قومًا لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر، فإنْ سمع أذانًا كفَّ عنهم، وإنْ لم يسمع أذانًا أغارَ عليهم. قال: فخرجْنا إلى خيبر، فانتهينا إليهم ليلًا، فلمَّا أصبح ولم يسمع أذانًا ركب، وركبتُ خلف أبي طلحة وإنَّ قدمي لَتمسُّ قدم النبي ﷺ. قال: فخرجوا إلينا بمكاتلهم ومساحيهم، فلما رأوا النبيَّ ﷺ قالوا: محمدٌ واللهِ، محمدٌ والخميسُ. قال: فلمَّا رآهم رسول الله ﷺ قال: «الله أكبر، الله أكبر، خربتْ خيبر، إنَّا إذا نزلْنا بساحة قومٍ فساء صباحُ المنذَرين».]].﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ أي: أَثَرْنَ بهذا العَدْوِ وهذه الإغارةِ ﴿نَقْعًا﴾ وهو الغُبار الذي يَثُور من شِدَّة السعي، فإن الخيل إذا سَعَتْ إذا اشتدَّ عَدْوُها في الأرض صار لها غُبار من الكَرِّ والفَرِّ.
﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ أي: توسَّطْنَ بهذا الغُبارِ ﴿جَمْعًا﴾ أي: جُمُوعًا من الأعداء؛ أيْ إنها ليس لها غايةٌ ولا تنتهي غايتُها إلا وسط الأعداء، وهذا غايةُ ما يكون من منافع الخيل، مع أنَّ الخيل كلَّها خيرٌ كما قال النبي ﷺ: «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٥٠)، ومسلم (١٨٧٣ / ٩٨)، من حديث عروة بن الجعد البارقي رضي الله عنه.]].
أقْسَمَ الله تعالى بهذه العاديات؛ بهذه الخيل التي بَلَغَت الغاية، وهي الإغارة على العدُوِّ، وتوسُّط العدُوِّ من غير خوفٍ ولا تعبٍ ولا مَلَل.
العاديات 100:4
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
نبتدئ هذا اللقاء بما يسَّر الله تعالى من تفسير سورة العاديات.
يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ [العاديات ١ - ٥] إلى آخِر السورة.
ولا يخفى على الجميع أن هذا قَسَمٌ: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾، وأنَّ ﴿الْعَادِيَاتِ﴾ صِفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ، فما هو هذا الموصوف؟ هل المراد الخيل؛ يعني: والخيلِ العاديات، أو المراد الإبل؛ يعني: والإبلِ العاديات؟
في هذا قولانِ للمفسرين: فمنهم مَن قال: إن الموصوف هي الإبل، والتقدير: والإبلِ العاديات، ويعني بها الإبلَ التي تعدو من عرفة إلى مزدلفة ثم إلى مِنى، وذلك في مناسك الحج، واستدلُّوا لهذا: بأن هذه السورة مكِّية، وأنه ليس في مكَّة جهادٌ على الخيل حتى يُقسَم بها.
أمَّا القول الثاني من جمهور المفسرين -وهو الصحيح- فإنَّ المحذوف هو الخيل، والتقدير: والخيلِ العاديات. والخيلُ العادياتُ معلومةٌ للعرب حتى قبل مشروعيَّة الجهاد؛ هناك خيلٌ تعدو على أعدائها سواء بحقٍّ وبغير حقٍّ فيما قبل الإسلام، أمَّا بعد الإسلام فالخيل تعدو على أعدائها بحقٍّ.
يقول الله تعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾ والعادِي اسمُ فاعلٍ من العَدْو، وهو سرعة المشي والانطلاق.
وقوله: ﴿ضَبْحًا﴾ الضَّبْح: ما يُسمع من أجواف الخيل حين تعدو بسرعةٍ، يكون لها صوتٌ يخرج من صدورها، وهذا يدلُّ على قوة سَعْيها وشِدَّته.
﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ ﴿الْمُورِيَاتِ﴾ مِن (أَوْرَى) بمعنى قَدَح، ويعني بذلك قَدْحَ النارِ حينما يضرب الأحجارُ بعضها بعضًا، كما هو مشهورٌ عندنا في حَجَر المرْوِ؛ فإنك إذا ضربْتَ بعضَه ببعض انقَدَحَ.
هذه الإبل لقوَّةِ سَعْيها وشِدَّته وضَرْبها الأرضَ إذا ضربت الحجرَ ضربت الحجرَ الثاني، يضرب الحجرَ الثاني ثم يشعط نارًا؛ وذلك لقوَّتها وقوَّة سَعْيها وضربها الأرض، ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾.
﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾ أي: فالتي تُغِير صباحًا على العدُوِّ، وهذا أحسن وقتٍ يُغار به على العدُوِّ .. ﴿الْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾ أي: التي تُغير على عدُوِّها في الصباح، وهذا أحسن ما يكون إغارةً على العدُوِّ أن يكون في الصباح؛ لأنه في غفلةٍ ونوم، وحتى لو استيقظ من الغارة فسوف يكون على كَسَلٍ وعلى إعياء، فاختار الله عز وجل للقَسَم بهذه الخيول أحسن وقتٍ للإغارة وهو الصباح، «وكان النبي ﷺ لا يُغير على قوم في الليل، بلْ ينتظر، فإذا أصبحَ إنْ سَمِعَ أذانًا كفَّ وإلَّا أغارَ»[[أخرج البخاري (٦١٠) عن أنس بن مالك أنَّ النبي ﷺ كان إذا غَزَا بنا قومًا لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر، فإنْ سمع أذانًا كفَّ عنهم، وإنْ لم يسمع أذانًا أغارَ عليهم. قال: فخرجْنا إلى خيبر، فانتهينا إليهم ليلًا، فلمَّا أصبح ولم يسمع أذانًا ركب، وركبتُ خلف أبي طلحة وإنَّ قدمي لَتمسُّ قدم النبي ﷺ. قال: فخرجوا إلينا بمكاتلهم ومساحيهم، فلما رأوا النبيَّ ﷺ قالوا: محمدٌ واللهِ، محمدٌ والخميسُ. قال: فلمَّا رآهم رسول الله ﷺ قال: «الله أكبر، الله أكبر، خربتْ خيبر، إنَّا إذا نزلْنا بساحة قومٍ فساء صباحُ المنذَرين».]].﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ أي: أَثَرْنَ بهذا العَدْوِ وهذه الإغارةِ ﴿نَقْعًا﴾ وهو الغُبار الذي يَثُور من شِدَّة السعي، فإن الخيل إذا سَعَتْ إذا اشتدَّ عَدْوُها في الأرض صار لها غُبار من الكَرِّ والفَرِّ.
﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ أي: توسَّطْنَ بهذا الغُبارِ ﴿جَمْعًا﴾ أي: جُمُوعًا من الأعداء؛ أيْ إنها ليس لها غايةٌ ولا تنتهي غايتُها إلا وسط الأعداء، وهذا غايةُ ما يكون من منافع الخيل، مع أنَّ الخيل كلَّها خيرٌ كما قال النبي ﷺ: «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٥٠)، ومسلم (١٨٧٣ / ٩٨)، من حديث عروة بن الجعد البارقي رضي الله عنه.]].
أقْسَمَ الله تعالى بهذه العاديات؛ بهذه الخيل التي بَلَغَت الغاية، وهي الإغارة على العدُوِّ، وتوسُّط العدُوِّ من غير خوفٍ ولا تعبٍ ولا مَلَل.
العاديات 100:5
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
نبتدئ هذا اللقاء بما يسَّر الله تعالى من تفسير سورة العاديات.
يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ [العاديات ١ - ٥] إلى آخِر السورة.
ولا يخفى على الجميع أن هذا قَسَمٌ: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾، وأنَّ ﴿الْعَادِيَاتِ﴾ صِفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ، فما هو هذا الموصوف؟ هل المراد الخيل؛ يعني: والخيلِ العاديات، أو المراد الإبل؛ يعني: والإبلِ العاديات؟
في هذا قولانِ للمفسرين: فمنهم مَن قال: إن الموصوف هي الإبل، والتقدير: والإبلِ العاديات، ويعني بها الإبلَ التي تعدو من عرفة إلى مزدلفة ثم إلى مِنى، وذلك في مناسك الحج، واستدلُّوا لهذا: بأن هذه السورة مكِّية، وأنه ليس في مكَّة جهادٌ على الخيل حتى يُقسَم بها.
أمَّا القول الثاني من جمهور المفسرين -وهو الصحيح- فإنَّ المحذوف هو الخيل، والتقدير: والخيلِ العاديات. والخيلُ العادياتُ معلومةٌ للعرب حتى قبل مشروعيَّة الجهاد؛ هناك خيلٌ تعدو على أعدائها سواء بحقٍّ وبغير حقٍّ فيما قبل الإسلام، أمَّا بعد الإسلام فالخيل تعدو على أعدائها بحقٍّ.
يقول الله تعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾ والعادِي اسمُ فاعلٍ من العَدْو، وهو سرعة المشي والانطلاق.
وقوله: ﴿ضَبْحًا﴾ الضَّبْح: ما يُسمع من أجواف الخيل حين تعدو بسرعةٍ، يكون لها صوتٌ يخرج من صدورها، وهذا يدلُّ على قوة سَعْيها وشِدَّته.
﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ ﴿الْمُورِيَاتِ﴾ مِن (أَوْرَى) بمعنى قَدَح، ويعني بذلك قَدْحَ النارِ حينما يضرب الأحجارُ بعضها بعضًا، كما هو مشهورٌ عندنا في حَجَر المرْوِ؛ فإنك إذا ضربْتَ بعضَه ببعض انقَدَحَ.
هذه الإبل لقوَّةِ سَعْيها وشِدَّته وضَرْبها الأرضَ إذا ضربت الحجرَ ضربت الحجرَ الثاني، يضرب الحجرَ الثاني ثم يشعط نارًا؛ وذلك لقوَّتها وقوَّة سَعْيها وضربها الأرض، ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾.
﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾ أي: فالتي تُغِير صباحًا على العدُوِّ، وهذا أحسن وقتٍ يُغار به على العدُوِّ .. ﴿الْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾ أي: التي تُغير على عدُوِّها في الصباح، وهذا أحسن ما يكون إغارةً على العدُوِّ أن يكون في الصباح؛ لأنه في غفلةٍ ونوم، وحتى لو استيقظ من الغارة فسوف يكون على كَسَلٍ وعلى إعياء، فاختار الله عز وجل للقَسَم بهذه الخيول أحسن وقتٍ للإغارة وهو الصباح، «وكان النبي ﷺ لا يُغير على قوم في الليل، بلْ ينتظر، فإذا أصبحَ إنْ سَمِعَ أذانًا كفَّ وإلَّا أغارَ»[[أخرج البخاري (٦١٠) عن أنس بن مالك أنَّ النبي ﷺ كان إذا غَزَا بنا قومًا لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر، فإنْ سمع أذانًا كفَّ عنهم، وإنْ لم يسمع أذانًا أغارَ عليهم. قال: فخرجْنا إلى خيبر، فانتهينا إليهم ليلًا، فلمَّا أصبح ولم يسمع أذانًا ركب، وركبتُ خلف أبي طلحة وإنَّ قدمي لَتمسُّ قدم النبي ﷺ. قال: فخرجوا إلينا بمكاتلهم ومساحيهم، فلما رأوا النبيَّ ﷺ قالوا: محمدٌ واللهِ، محمدٌ والخميسُ. قال: فلمَّا رآهم رسول الله ﷺ قال: «الله أكبر، الله أكبر، خربتْ خيبر، إنَّا إذا نزلْنا بساحة قومٍ فساء صباحُ المنذَرين».]].﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ أي: أَثَرْنَ بهذا العَدْوِ وهذه الإغارةِ ﴿نَقْعًا﴾ وهو الغُبار الذي يَثُور من شِدَّة السعي، فإن الخيل إذا سَعَتْ إذا اشتدَّ عَدْوُها في الأرض صار لها غُبار من الكَرِّ والفَرِّ.
﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ أي: توسَّطْنَ بهذا الغُبارِ ﴿جَمْعًا﴾ أي: جُمُوعًا من الأعداء؛ أيْ إنها ليس لها غايةٌ ولا تنتهي غايتُها إلا وسط الأعداء، وهذا غايةُ ما يكون من منافع الخيل، مع أنَّ الخيل كلَّها خيرٌ كما قال النبي ﷺ: «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٥٠)، ومسلم (١٨٧٣ / ٩٨)، من حديث عروة بن الجعد البارقي رضي الله عنه.]].
أقْسَمَ الله تعالى بهذه العاديات؛ بهذه الخيل التي بَلَغَت الغاية، وهي الإغارة على العدُوِّ، وتوسُّط العدُوِّ من غير خوفٍ ولا تعبٍ ولا مَلَل.
العاديات 100:6
أمَّا المقْسَم عليه فهو الإنسان؛ فقال: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات ٦] والمراد بالإنسان هُنا الجنس؛ أي: إنَّ جنس الإنسان إذا لم يُوفَّق للهداية فإنَّه كفورٌ لنعمة الله عز وجل، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب ٧٢]، وقيل: المراد بالإنسان هو الكافر، فعلى هذا يكون عامًّا أُريد به الخاصُّ، والأظهر أنَّ المراد به العموم وأنَّ جنس الإنسان لولا هدايةُ اللهِ لكان كَنُودًا لربِّه عز وجل.
والكَنُود هو الكَفُور؛ أي: كافرٌ بنعمة الله عز وجل، يَرْزقه الله عز وجل فيزدادُ بهذا الرزقِ عُتُوًّا ونُفُورًا، فإن مِن الناس مَن يطغى إذا رآه قد استغنى عن الله، وما أَكْثرَ ما أَفْسَدَ الغِنَى مِن بني آدم! فهو كَفُورٌ بنعمة الله عز وجل، يجحد نعمة الله، ولا يقوم بشُكرِها، ولا يقوم بطاعة الله؛ لأنه كنودٌ لنعمة الله.
العاديات 100:7
﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ [العاديات: ٧] ﴿إِنَّهُ﴾ الضمير قيل: يعود على الله؛ أي: إن الله تعالى يَشْهد على العبد بأنَّه كَفُورٌ بنعمة الله، وقيل: إنه عائدٌ على الإنسان نفسِه؛ أي: إن الإنسان يَشْهد على نفسه بكُفر نعمة الله عز وجل، والصواب أنَّ الآية شاملةٌ لهذا وهذا؛ فالله شهيدٌ على ما في قلب ابن آدم وشهيدٌ على عَمَله، والإنسانُ أيضًا شهيدٌ على نفسه، لكنْ قد يُقِرُّ بهذه الشهادة في الدنيا، وقد لا يُقِرُّ بها فيشهد على نفسه يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور ٢٤].
العاديات 100:8
﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: الإنسان ﴿لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات ٨] ﴿الْخَيْرِ﴾ هو المالُ؛ كما قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة ١٨٠] أي: إن تَرَك مالًا كثيرًا، فالخير هو المال، والإنسانُ حُبُّه للمال أمرٌ ظاهِرٌ؛ قال الله تعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر ٢٠]، ولا تكاد تجد أحدًا يَسْلم من الحبِّ الشديدِ للمال، أمَّا مُطْلق الحبِّ فهذا ثابتٌ لكُلِّ أحدٍ؛ ما مِن إنسانٍ إلا ويُحِبُّ المال، لكن الشِّدَّة ما هي لكُلِّ أحدٍ؛ بعضُ الناسِ يحبُّ المالَ الذي تقوم به الكفايةُ ويستغني به عن عباد الله، وبعضُ الناسِ يريد أكثرَ، وبعضُ الناسِ يريد أوسعَ وأوسعَ، المهمُّ أنَّ كلَّ إنسانٍ فإنه محبٌّ للخير؛ أي: للمال، لكن الشِّدَّة يختلف فيها الناسُ من شخصٍ لآخَر.
العاديات 100:9
ثم إن الله تعالى ذكَّر الإنسانَ حالًا لا بُدَّ له منها فقال: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾ [العاديات ٩] فيعمل لذلك ولا يكون هَمُّه المال.
﴿أَفَلَا يَعْلَمُ﴾ أي: يتيقَّن ﴿إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾ أي: نُشِرَ وأُظْهِرَ؛ فإن الناس يخرجون من قبورهم لربِّ العالمين كأنهم جرادٌ منتشر، يخرجون جميعًا بصيحةٍ واحدةٍ؛ ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس ٥٣].
العاديات 100:10
قال تعالى: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات ١٠] أي: ما في القلوب من النِّيَّاتِ وأعمالِ القلب؛ كالتوكُّل، والرغبة، والرهبة، والخوف، والرجاء، وما أشبهَ ذلك.
وهُنا جَعَلَ الله عز وجل العمدةَ ما في الصدور، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ [الطارق ٩، ١٠]؛ لأنه في الدنيا يُعامَل الناس معاملةَ الظاهر، حتى المنافق يُعامَل كما يُعامَل المسلمُ حقًّا، لكن في الآخرةِ العملُ على ما في القلب، ولهذا يجب علينا أن نعتني بقلوبنا قبل كلِّ شيء، قبل الأعمال؛ لأن القلب هو الذي عليه المدار، وهو الذي سيكون الجزاءُ عليه يوم القيامة، ولهذا قال: ﴿حُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾.
ومناسبة الآيتين بعضهما لبعض أن بَعْثرة ما في القبور إخراجٌ للأجساد من بواطن الأرض، وتحصيل ما في الصدور إخراجٌ لما في الصدور مما تُكِنُّه الصدور، فالبعثرة -بعثرة ما في القبور- عمَّا تُكِنُّه الأرض، وهنا عمَّا يُكِنُّه الصدر، والتناسب بينهما ظاهر.
العاديات 100:11
﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات: ١١] أي: إنَّ الله عز وجل بهم -أي: بالعِباد- لخبيرٌ، وقال: ﴿بِهِمْ﴾ ولم يقُل: بِهِ، مع أن الإنسان مفردٌ باعتبار المعنى؛ أي إنه أعاد الضمير على الإنسان باعتبار المعنى؛ لأن معنى ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾ أي: إنَّ كُلَّ إنسانٍ، وعلَّق العِلْم بذلك اليوم ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ﴾ لأنه يوم الجزاء والحساب، وإلَّا فإنَّ الله تعالى عليمٌ خبيرٌ في ذلك اليوم وفيما قبله، فهو جلَّ وعلا عالِمٌ بما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون.
هذا هو التفسير اليسير لهذه السورة العظيمة، ومَن أراد البَسْط فعليه بكُتُب التفاسير التي تَبْسُط القولَ في هذا، وإنما نحن نشير إلى المعاني إشارةً موجزةً، وقد بيَّنَّا أوَّل ما بدأْنا في هذا الجزء المبارك أنَّنا اخترنا هذا لأنَّه كثيرًا ما يسمعه الناسُ في الصلاة الجهريَّة في المغرب والعشاء والفجر.
نسأل الله لنا ولكم الهدايةَ والتوفيقَ وأنْ يجعلنا مِمَّن يتلون كتابَ الله حقَّ تلاوته، إنَّه على كلِّ شيءٍ قدير.
القارعة 101:1
نبتدئ هذا اللقاء بما انتهينا إليه من تفسير جُزءِ النبأ، حيث انتهينا إلى سورة القارعة.
يقول الله تبارك وتعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة ١، ٢] إلى آخره.
البسملة آيةٌ من كتاب الله يُؤتى بها في ابتداء كلِّ سورة، ولا تُحسَب من آيات السورة لا في الفاتحة ولا في غيرها على القول الراجح من أقوال العلماء، فأوَّل آية في الفاتحة هي قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، والثانية: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، والثالثة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، والرابعة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، والخامسة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، والسادسة: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، والسابعة: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، إلَّا أنَّه لم يُؤْتَ بها في أول سورة (براءة) نظرًا لأنَّ ذلك لم يَثْبت عند الصحابة رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأشْكَلَ عليهم الأمر؛ هلْ هي بقيَّة سورة الأنفال أمْ هي سورةٌ مستقِلَّة، فلِهذا وضعوا فاصلًا دون البسملة.
يقول الله تعالى هنا: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ﴾ ﴿الْقَارِعَةُ﴾ اسمُ فاعلٍ من (قَرَعَ)، والمراد: التي تَقْرع القلوبَ وتُفزِعها، وذلك عند النفخ في الصور كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل ٨٧]، فهي تَقْرع القلوبَ بعد قَرْعِ الأسماع، وهذه القارعة هي قارعةٌ عظيمةٌ لا نظير لها قبل ذلك، وهي من أسماء يوم القيامة كما تُسَمَّى (الغاشية) و(الحاقَّة).
وقوله: ﴿مَا الْقَارِعَةُ﴾ ﴿مَا﴾ هنا استفهام بمعنى التعظيم والتفخيم؛ يعني: ما هي القارعة التي يُنَوَّه عنها؟!
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة ٣] هذا زيادةٌ في التفخيم والتعظيم والتهويل؛ يعني: أيُّ شيءٍ أَعْلَمَك عن هذه القارعة؟! أيْ: ما أَعْظَمَها! وما أشَدَّها!
القارعة 101:2
نبتدئ هذا اللقاء بما انتهينا إليه من تفسير جُزءِ النبأ، حيث انتهينا إلى سورة القارعة.
يقول الله تبارك وتعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة ١، ٢] إلى آخره.
البسملة آيةٌ من كتاب الله يُؤتى بها في ابتداء كلِّ سورة، ولا تُحسَب من آيات السورة لا في الفاتحة ولا في غيرها على القول الراجح من أقوال العلماء، فأوَّل آية في الفاتحة هي قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، والثانية: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، والثالثة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، والرابعة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، والخامسة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، والسادسة: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، والسابعة: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، إلَّا أنَّه لم يُؤْتَ بها في أول سورة (براءة) نظرًا لأنَّ ذلك لم يَثْبت عند الصحابة رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأشْكَلَ عليهم الأمر؛ هلْ هي بقيَّة سورة الأنفال أمْ هي سورةٌ مستقِلَّة، فلِهذا وضعوا فاصلًا دون البسملة.
يقول الله تعالى هنا: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ﴾ ﴿الْقَارِعَةُ﴾ اسمُ فاعلٍ من (قَرَعَ)، والمراد: التي تَقْرع القلوبَ وتُفزِعها، وذلك عند النفخ في الصور كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل ٨٧]، فهي تَقْرع القلوبَ بعد قَرْعِ الأسماع، وهذه القارعة هي قارعةٌ عظيمةٌ لا نظير لها قبل ذلك، وهي من أسماء يوم القيامة كما تُسَمَّى (الغاشية) و(الحاقَّة).
وقوله: ﴿مَا الْقَارِعَةُ﴾ ﴿مَا﴾ هنا استفهام بمعنى التعظيم والتفخيم؛ يعني: ما هي القارعة التي يُنَوَّه عنها؟!
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة ٣] هذا زيادةٌ في التفخيم والتعظيم والتهويل؛ يعني: أيُّ شيءٍ أَعْلَمَك عن هذه القارعة؟! أيْ: ما أَعْظَمَها! وما أشَدَّها!
القارعة 101:3
نبتدئ هذا اللقاء بما انتهينا إليه من تفسير جُزءِ النبأ، حيث انتهينا إلى سورة القارعة.
يقول الله تبارك وتعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة ١، ٢] إلى آخره.
البسملة آيةٌ من كتاب الله يُؤتى بها في ابتداء كلِّ سورة، ولا تُحسَب من آيات السورة لا في الفاتحة ولا في غيرها على القول الراجح من أقوال العلماء، فأوَّل آية في الفاتحة هي قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، والثانية: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، والثالثة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، والرابعة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، والخامسة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، والسادسة: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، والسابعة: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، إلَّا أنَّه لم يُؤْتَ بها في أول سورة (براءة) نظرًا لأنَّ ذلك لم يَثْبت عند الصحابة رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأشْكَلَ عليهم الأمر؛ هلْ هي بقيَّة سورة الأنفال أمْ هي سورةٌ مستقِلَّة، فلِهذا وضعوا فاصلًا دون البسملة.
يقول الله تعالى هنا: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ﴾ ﴿الْقَارِعَةُ﴾ اسمُ فاعلٍ من (قَرَعَ)، والمراد: التي تَقْرع القلوبَ وتُفزِعها، وذلك عند النفخ في الصور كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل ٨٧]، فهي تَقْرع القلوبَ بعد قَرْعِ الأسماع، وهذه القارعة هي قارعةٌ عظيمةٌ لا نظير لها قبل ذلك، وهي من أسماء يوم القيامة كما تُسَمَّى (الغاشية) و(الحاقَّة).
وقوله: ﴿مَا الْقَارِعَةُ﴾ ﴿مَا﴾ هنا استفهام بمعنى التعظيم والتفخيم؛ يعني: ما هي القارعة التي يُنَوَّه عنها؟!
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة ٣] هذا زيادةٌ في التفخيم والتعظيم والتهويل؛ يعني: أيُّ شيءٍ أَعْلَمَك عن هذه القارعة؟! أيْ: ما أَعْظَمَها! وما أشَدَّها!
القارعة 101:4
ثم بيَّن متى تكونُ فقال جلَّ وعلا: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة ٤] أي: إنَّها تكون في ذلك الوقت؛ يومَ يكون الناسُ كالفَراشِ المبثوثِ حين يخرجون من قبورهم.
قال العلماء: يكونون كالفَراش المبثوث، والفَراش كما تعرفون هو هذه الطيور الصغيرة التي تتزاحمُ عند وجود النَّار في الليل، وهي ضعيفةٌ، وتكاد تمشي بدون هُدًى وتتراكم، وربما لطَيْشِها تَقَعُ في النار وهي لا تدري، فهُم يُشْبِهون الفَراشَ في ضَعْفِه وحَيْرتِهِ وتَرَاكُمِهِ وسَيْرِهِ إلى غير هُدًى.
و﴿الْمَبْثُوثِ﴾ يعني المنتشر، فهو كقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر ٧]، لو تصوَّرتَ هذا المشهد؛ يخرج الناس من قبورهم على هذا الوجه، لَتصوَّرتَ أمرًا عظيمًا لا نظير له؛ هؤلاء العالَم مِن آدم إلى أنْ تقوم الساعةُ كلُّهم يخرجون خروجَ رجُلٍ واحدٍ في آنٍ واحدٍ من هذه القبور المبعثَرة في مشارق الأرض ومغاربها، ومِن غير القبور؛ كالذي أُلْقِيَ في لُجَّةِ البحر وأكلتْه الحيتانُ، أو في فَلَواتِ الأرض وأكلتْه السِّباع، أو ما أشبهَ ذلك، كلُّهم سيخرجون مرَّةً واحدةً يصولون ويجولون في هذه الأرض.
القارعة 101:5
أمَّا الجبال، وهي تلْك الجبالُ العظيمةُ الراسيةُ الصلبةُ فتكون ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة ٥]، العِهْن: الصوف، والمنفوش: المبعثَر، أو إنَّ العِهْن هو القُطْن، والمعنى واحدٌ، المهِمُّ أنَّها تكون بعد أنْ كانت صلبةً قويَّةً راسِخةً تكون مِثْل العِهْن المنفوش؛ الصوف أو القُطن. و﴿الْمَنْفُوشِ﴾ -كما قُلنا-: المبعثَر، سواءٌ نَفَشْتَه بيدك أو بالْمِنْدافِ، فإنَّه يكون خفيفًا يتطاير مع أدنى ريح، وقد قال الله تعالى في آيةٍ أُخرى: إنَّ الجبال تكون هباءً منثورًا[[أراد قول الله تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٥، ٦].]]، وقال جلَّ وعلا هُنا: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾.
القارعة 101:6
﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة: ٦ - ١١] قَسَّمَ اللَّهُ تعالى الناسَ إلى قِسْمين:
القسم الأول: مَنْ ثَقُلتْ مَوَازينه؛ وهو الذي رَجَحَتْ حسناتُه على سيئاتِه.
والثاني: مَنْ خفَّتْ مَوَازينه؛ وهو الذي رَجَحَتْ سيئاتُه على حسناتِه، أو الذي ليس له حسنةٌ أصْلًا كالكافر.
يقول تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ العِيشَةُ مأخوذةٌ من العَيْش، وهو الحياة؛ يُقال: عاشَ الرجُلُ زَمَنًا طويلًا؛ أي: بَقِيَ وحَيِيَ زَمَنًا طويلًا. والعِيشَةُ هُنا على وزن (فِعْلَة)، فهي هيئةٌ وليستْ مصدرًا، المصدر الدالُّ على الوحدة أنْ تقول: (عَيْشَة)، وأمَّا إذا قلت: (عِيشَة) فهي (فِعْلَة) تدلُّ على الهيئة؛ كما قال ابن مالك رحمه الله:
وَ(فَعْلَةٌ) لِمَرَّةٍ كَجَلْسَهْ ∗∗∗ وَ(فِعْلَةٌ) لِهَيْئَةٍ كَجِلْسَهْ
المعنى أنَّه في حياةٍ طيِّبةٍ راضية.
و﴿رَاضِيَةٍ﴾ قيل: إنها اسمُ فاعلٍ بمعنى اسم المفعول؛ أي: مَرْضِيَّة. وقيل: إنها اسمُ فاعلٍ من باب النِّسبة؛ أي: ذات رِضًا، وكِلا المعنيين واحدٌ؛ المعنى أنَّها عِيشةٌ طيِّبةٌ ليس فيها نَكَدٌ، وليس فيها صَخَبٌ، وليس فيها نَصَبٌ، كاملةٌ من كلِّ وجه، وهذا -يعني العيش في الجنة، جعلنا الله وإيَّاكم منهم- هذا العيش ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر ٤٨]، لا يحزنون، ولا يخافون، في أَنْعَمِ عيشٍ وأَطْيبِ بالٍ، وأَسَرِّ حالٍ، فهي عيشةٌ راضِية.
﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ و﴿مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ قُلنا: إنَّه الكافر الذي ليس له أيُّ حسنةٍ؛ لأن حسنات الكافر يُجازَى بها في الدنيا ولا تنفعُه في الآخرة، أو إنَّه مسلمٌ لكنَّه مُسْرِفٌ على نفسه وسيئاتُه أكْثَر.
﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ (أُم) هُنا بمعنى: مقصوده؛ أي: الذي يقصده الهاوية. والهاويةُ من أسماء النار؛ يعني أنَّه مآلُه إلى نار جهنَّم والعياذ بالله، وقيل: إن المراد بالأُمِّ هُنا أُمُّ الدِّماغ؛ والمعنى أنَّه يُلْقَى في النار على أمِّ رأسه، نسأل الله السلامة، وإذا كانت الآية تحتمل معنيَيْنِ لا يترجَّح أحدُهما على الآخَر ولا يتنافيانِ فإنَّه يُؤخَذ بالمعنيينِ جميعًا فيُقال: يُرمَى في النار على أُمِّ رأسه، وأيضًا: ليس له مأوًى ولا مقصدٌ إلا النار.
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾ هذا من باب التفخيم والتعظيم لهذه الهاوية، والعياذُ بالله، يَسْأل: ما هي؟ أتدري ما هي؟ إنَّها لَشَيءٌ عظيمٌ، إنَّها ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ في غاية ما يكون من الحمو، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَى نَارِ الدُّنْيَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا»[[أخرج البخاري (٣٢٦٥)، ومسلم (٢٨٤٣ / ٣٠) واللفظ له، عن أبي هريرة أنَّ النبي ﷺ قال: «نارُكم هذه التي يُوقِد ابنُ آدم جزءٌ من سبعين جزءًا من حرِّ جهنَّم». قالوا: واللهِ إنْ كانت لَكافيةً يا رسول الله. قال: «فإنها فُضِّلتْ عليها بتسعةٍ وستين جزءًا كلُّها مِثْل حرِّها».]]. إذا تأمَّلتَ نارَ الدنيا كلَّها سواء نارُ الحطب أو الوَرَق أو البوتغاز أو أشد من ذلك، فإنَّ نار جهنَّم مفضَّلةٌ عليها بتسعةٍ وستين جزءًا، نسأل الله العافية.
* في هذه الآية: التخويفُ والتحذيرُ من هذا اليوم، وأنَّ الناس لا يخرجون عن حالين: إمَّا رجُلٌ رَجَحَتْ حسناتُه، أو رجُلٌ رَجَحَتْ سيئاتُه.
* وفيها أيضًا: دليلٌ على أن يوم القيامة فيه موازين، وقد جاء في بعض النصوص أنَّه ميزانٌ، فهل هو واحدٌ أو متعدِّد؟
قال بعض أهل العلم: إنَّه واحدٌ، وإنما جُمِعَ باعتبار الموزون؛ لأنَّه يُوزَن فيه الحسناتُ والسيئاتُ، وتُوزَن فيه حسناتُ فلان وفلان، وتُوزَن فيه حسناتُ الأُمَّةِ هذه والأُمَّةِ الأُخرى، فهو مجموعٌ باعتبار الموزون لا باعتبار الميزان، وإلَّا فالميزان واحد.
وقال بعض أهل العلم: إنها موازين متعدِّدة؛ لكلِّ أُمَّةٍ ميزان، ولكُلِّ عملٍ ميزانٌ، فلهذا جُمِعَتْ.
والأظهر -والله أعلم- أنَّه ميزانٌ واحدٌ، لكنَّه جُمِعَ باعتبار الموزون على حسب الأعمال، أو على حسب الأُمَم، أو على حسب الأفراد.
* وفي هذه الآية: دليلٌ على أن الإنسان إذا تساوتْ حسناتُه وسيِّئاتُه فإنَّه قد سُكِتَ عنه في هذه الآية، ولكنْ بيَّن الله تعالى في سورة الأعراف أنَّهم لا يدخلون النار، وإنما يُحبَسون في مكانٍ يُقال له الأعراف، وذكر اللَّهُ تعالى في سورة الأعراف ما يَجْري بينهم وبين المؤمنين، وأنَّهم ﴿إِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف ٤٧]، نسأل الله تعالى أنْ يجعلنا وإيَّاكم مِمَّن رَجَحَتْ حسناتُه على سيئاتِهِ وأنْ يغفر لنا ولكم ويعاملنا بعفوه، إنَّه على كلِّ شيءٍ قدير.
القارعة 101:7
﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة: ٦ - ١١] قَسَّمَ اللَّهُ تعالى الناسَ إلى قِسْمين:
القسم الأول: مَنْ ثَقُلتْ مَوَازينه؛ وهو الذي رَجَحَتْ حسناتُه على سيئاتِه.
والثاني: مَنْ خفَّتْ مَوَازينه؛ وهو الذي رَجَحَتْ سيئاتُه على حسناتِه، أو الذي ليس له حسنةٌ أصْلًا كالكافر.
يقول تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ العِيشَةُ مأخوذةٌ من العَيْش، وهو الحياة؛ يُقال: عاشَ الرجُلُ زَمَنًا طويلًا؛ أي: بَقِيَ وحَيِيَ زَمَنًا طويلًا. والعِيشَةُ هُنا على وزن (فِعْلَة)، فهي هيئةٌ وليستْ مصدرًا، المصدر الدالُّ على الوحدة أنْ تقول: (عَيْشَة)، وأمَّا إذا قلت: (عِيشَة) فهي (فِعْلَة) تدلُّ على الهيئة؛ كما قال ابن مالك رحمه الله:
وَ(فَعْلَةٌ) لِمَرَّةٍ كَجَلْسَهْ ∗∗∗ وَ(فِعْلَةٌ) لِهَيْئَةٍ كَجِلْسَهْ
المعنى أنَّه في حياةٍ طيِّبةٍ راضية.
و﴿رَاضِيَةٍ﴾ قيل: إنها اسمُ فاعلٍ بمعنى اسم المفعول؛ أي: مَرْضِيَّة. وقيل: إنها اسمُ فاعلٍ من باب النِّسبة؛ أي: ذات رِضًا، وكِلا المعنيين واحدٌ؛ المعنى أنَّها عِيشةٌ طيِّبةٌ ليس فيها نَكَدٌ، وليس فيها صَخَبٌ، وليس فيها نَصَبٌ، كاملةٌ من كلِّ وجه، وهذا -يعني العيش في الجنة، جعلنا الله وإيَّاكم منهم- هذا العيش ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر ٤٨]، لا يحزنون، ولا يخافون، في أَنْعَمِ عيشٍ وأَطْيبِ بالٍ، وأَسَرِّ حالٍ، فهي عيشةٌ راضِية.
﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ و﴿مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ قُلنا: إنَّه الكافر الذي ليس له أيُّ حسنةٍ؛ لأن حسنات الكافر يُجازَى بها في الدنيا ولا تنفعُه في الآخرة، أو إنَّه مسلمٌ لكنَّه مُسْرِفٌ على نفسه وسيئاتُه أكْثَر.
﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ (أُم) هُنا بمعنى: مقصوده؛ أي: الذي يقصده الهاوية. والهاويةُ من أسماء النار؛ يعني أنَّه مآلُه إلى نار جهنَّم والعياذ بالله، وقيل: إن المراد بالأُمِّ هُنا أُمُّ الدِّماغ؛ والمعنى أنَّه يُلْقَى في النار على أمِّ رأسه، نسأل الله السلامة، وإذا كانت الآية تحتمل معنيَيْنِ لا يترجَّح أحدُهما على الآخَر ولا يتنافيانِ فإنَّه يُؤخَذ بالمعنيينِ جميعًا فيُقال: يُرمَى في النار على أُمِّ رأسه، وأيضًا: ليس له مأوًى ولا مقصدٌ إلا النار.
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾ هذا من باب التفخيم والتعظيم لهذه الهاوية، والعياذُ بالله، يَسْأل: ما هي؟ أتدري ما هي؟ إنَّها لَشَيءٌ عظيمٌ، إنَّها ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ في غاية ما يكون من الحمو، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَى نَارِ الدُّنْيَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا»[[أخرج البخاري (٣٢٦٥)، ومسلم (٢٨٤٣ / ٣٠) واللفظ له، عن أبي هريرة أنَّ النبي ﷺ قال: «نارُكم هذه التي يُوقِد ابنُ آدم جزءٌ من سبعين جزءًا من حرِّ جهنَّم». قالوا: واللهِ إنْ كانت لَكافيةً يا رسول الله. قال: «فإنها فُضِّلتْ عليها بتسعةٍ وستين جزءًا كلُّها مِثْل حرِّها».]]. إذا تأمَّلتَ نارَ الدنيا كلَّها سواء نارُ الحطب أو الوَرَق أو البوتغاز أو أشد من ذلك، فإنَّ نار جهنَّم مفضَّلةٌ عليها بتسعةٍ وستين جزءًا، نسأل الله العافية.
* في هذه الآية: التخويفُ والتحذيرُ من هذا اليوم، وأنَّ الناس لا يخرجون عن حالين: إمَّا رجُلٌ رَجَحَتْ حسناتُه، أو رجُلٌ رَجَحَتْ سيئاتُه.
* وفيها أيضًا: دليلٌ على أن يوم القيامة فيه موازين، وقد جاء في بعض النصوص أنَّه ميزانٌ، فهل هو واحدٌ أو متعدِّد؟
قال بعض أهل العلم: إنَّه واحدٌ، وإنما جُمِعَ باعتبار الموزون؛ لأنَّه يُوزَن فيه الحسناتُ والسيئاتُ، وتُوزَن فيه حسناتُ فلان وفلان، وتُوزَن فيه حسناتُ الأُمَّةِ هذه والأُمَّةِ الأُخرى، فهو مجموعٌ باعتبار الموزون لا باعتبار الميزان، وإلَّا فالميزان واحد.
وقال بعض أهل العلم: إنها موازين متعدِّدة؛ لكلِّ أُمَّةٍ ميزان، ولكُلِّ عملٍ ميزانٌ، فلهذا جُمِعَتْ.
والأظهر -والله أعلم- أنَّه ميزانٌ واحدٌ، لكنَّه جُمِعَ باعتبار الموزون على حسب الأعمال، أو على حسب الأُمَم، أو على حسب الأفراد.
* وفي هذه الآية: دليلٌ على أن الإنسان إذا تساوتْ حسناتُه وسيِّئاتُه فإنَّه قد سُكِتَ عنه في هذه الآية، ولكنْ بيَّن الله تعالى في سورة الأعراف أنَّهم لا يدخلون النار، وإنما يُحبَسون في مكانٍ يُقال له الأعراف، وذكر اللَّهُ تعالى في سورة الأعراف ما يَجْري بينهم وبين المؤمنين، وأنَّهم ﴿إِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف ٤٧]، نسأل الله تعالى أنْ يجعلنا وإيَّاكم مِمَّن رَجَحَتْ حسناتُه على سيئاتِهِ وأنْ يغفر لنا ولكم ويعاملنا بعفوه، إنَّه على كلِّ شيءٍ قدير.
القارعة 101:8
﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة: ٦ - ١١] قَسَّمَ اللَّهُ تعالى الناسَ إلى قِسْمين:
القسم الأول: مَنْ ثَقُلتْ مَوَازينه؛ وهو الذي رَجَحَتْ حسناتُه على سيئاتِه.
والثاني: مَنْ خفَّتْ مَوَازينه؛ وهو الذي رَجَحَتْ سيئاتُه على حسناتِه، أو الذي ليس له حسنةٌ أصْلًا كالكافر.
يقول تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ العِيشَةُ مأخوذةٌ من العَيْش، وهو الحياة؛ يُقال: عاشَ الرجُلُ زَمَنًا طويلًا؛ أي: بَقِيَ وحَيِيَ زَمَنًا طويلًا. والعِيشَةُ هُنا على وزن (فِعْلَة)، فهي هيئةٌ وليستْ مصدرًا، المصدر الدالُّ على الوحدة أنْ تقول: (عَيْشَة)، وأمَّا إذا قلت: (عِيشَة) فهي (فِعْلَة) تدلُّ على الهيئة؛ كما قال ابن مالك رحمه الله:
وَ(فَعْلَةٌ) لِمَرَّةٍ كَجَلْسَهْ ∗∗∗ وَ(فِعْلَةٌ) لِهَيْئَةٍ كَجِلْسَهْ
المعنى أنَّه في حياةٍ طيِّبةٍ راضية.
و﴿رَاضِيَةٍ﴾ قيل: إنها اسمُ فاعلٍ بمعنى اسم المفعول؛ أي: مَرْضِيَّة. وقيل: إنها اسمُ فاعلٍ من باب النِّسبة؛ أي: ذات رِضًا، وكِلا المعنيين واحدٌ؛ المعنى أنَّها عِيشةٌ طيِّبةٌ ليس فيها نَكَدٌ، وليس فيها صَخَبٌ، وليس فيها نَصَبٌ، كاملةٌ من كلِّ وجه، وهذا -يعني العيش في الجنة، جعلنا الله وإيَّاكم منهم- هذا العيش ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر ٤٨]، لا يحزنون، ولا يخافون، في أَنْعَمِ عيشٍ وأَطْيبِ بالٍ، وأَسَرِّ حالٍ، فهي عيشةٌ راضِية.
﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ و﴿مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ قُلنا: إنَّه الكافر الذي ليس له أيُّ حسنةٍ؛ لأن حسنات الكافر يُجازَى بها في الدنيا ولا تنفعُه في الآخرة، أو إنَّه مسلمٌ لكنَّه مُسْرِفٌ على نفسه وسيئاتُه أكْثَر.
﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ (أُم) هُنا بمعنى: مقصوده؛ أي: الذي يقصده الهاوية. والهاويةُ من أسماء النار؛ يعني أنَّه مآلُه إلى نار جهنَّم والعياذ بالله، وقيل: إن المراد بالأُمِّ هُنا أُمُّ الدِّماغ؛ والمعنى أنَّه يُلْقَى في النار على أمِّ رأسه، نسأل الله السلامة، وإذا كانت الآية تحتمل معنيَيْنِ لا يترجَّح أحدُهما على الآخَر ولا يتنافيانِ فإنَّه يُؤخَذ بالمعنيينِ جميعًا فيُقال: يُرمَى في النار على أُمِّ رأسه، وأيضًا: ليس له مأوًى ولا مقصدٌ إلا النار.
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾ هذا من باب التفخيم والتعظيم لهذه الهاوية، والعياذُ بالله، يَسْأل: ما هي؟ أتدري ما هي؟ إنَّها لَشَيءٌ عظيمٌ، إنَّها ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ في غاية ما يكون من الحمو، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَى نَارِ الدُّنْيَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا»[[أخرج البخاري (٣٢٦٥)، ومسلم (٢٨٤٣ / ٣٠) واللفظ له، عن أبي هريرة أنَّ النبي ﷺ قال: «نارُكم هذه التي يُوقِد ابنُ آدم جزءٌ من سبعين جزءًا من حرِّ جهنَّم». قالوا: واللهِ إنْ كانت لَكافيةً يا رسول الله. قال: «فإنها فُضِّلتْ عليها بتسعةٍ وستين جزءًا كلُّها مِثْل حرِّها».]]. إذا تأمَّلتَ نارَ الدنيا كلَّها سواء نارُ الحطب أو الوَرَق أو البوتغاز أو أشد من ذلك، فإنَّ نار جهنَّم مفضَّلةٌ عليها بتسعةٍ وستين جزءًا، نسأل الله العافية.
* في هذه الآية: التخويفُ والتحذيرُ من هذا اليوم، وأنَّ الناس لا يخرجون عن حالين: إمَّا رجُلٌ رَجَحَتْ حسناتُه، أو رجُلٌ رَجَحَتْ سيئاتُه.
* وفيها أيضًا: دليلٌ على أن يوم القيامة فيه موازين، وقد جاء في بعض النصوص أنَّه ميزانٌ، فهل هو واحدٌ أو متعدِّد؟
قال بعض أهل العلم: إنَّه واحدٌ، وإنما جُمِعَ باعتبار الموزون؛ لأنَّه يُوزَن فيه الحسناتُ والسيئاتُ، وتُوزَن فيه حسناتُ فلان وفلان، وتُوزَن فيه حسناتُ الأُمَّةِ هذه والأُمَّةِ الأُخرى، فهو مجموعٌ باعتبار الموزون لا باعتبار الميزان، وإلَّا فالميزان واحد.
وقال بعض أهل العلم: إنها موازين متعدِّدة؛ لكلِّ أُمَّةٍ ميزان، ولكُلِّ عملٍ ميزانٌ، فلهذا جُمِعَتْ.
والأظهر -والله أعلم- أنَّه ميزانٌ واحدٌ، لكنَّه جُمِعَ باعتبار الموزون على حسب الأعمال، أو على حسب الأُمَم، أو على حسب الأفراد.
* وفي هذه الآية: دليلٌ على أن الإنسان إذا تساوتْ حسناتُه وسيِّئاتُه فإنَّه قد سُكِتَ عنه في هذه الآية، ولكنْ بيَّن الله تعالى في سورة الأعراف أنَّهم لا يدخلون النار، وإنما يُحبَسون في مكانٍ يُقال له الأعراف، وذكر اللَّهُ تعالى في سورة الأعراف ما يَجْري بينهم وبين المؤمنين، وأنَّهم ﴿إِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف ٤٧]، نسأل الله تعالى أنْ يجعلنا وإيَّاكم مِمَّن رَجَحَتْ حسناتُه على سيئاتِهِ وأنْ يغفر لنا ولكم ويعاملنا بعفوه، إنَّه على كلِّ شيءٍ قدير.
القارعة 101:9
﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة: ٦ - ١١] قَسَّمَ اللَّهُ تعالى الناسَ إلى قِسْمين:
القسم الأول: مَنْ ثَقُلتْ مَوَازينه؛ وهو الذي رَجَحَتْ حسناتُه على سيئاتِه.
والثاني: مَنْ خفَّتْ مَوَازينه؛ وهو الذي رَجَحَتْ سيئاتُه على حسناتِه، أو الذي ليس له حسنةٌ أصْلًا كالكافر.
يقول تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ العِيشَةُ مأخوذةٌ من العَيْش، وهو الحياة؛ يُقال: عاشَ الرجُلُ زَمَنًا طويلًا؛ أي: بَقِيَ وحَيِيَ زَمَنًا طويلًا. والعِيشَةُ هُنا على وزن (فِعْلَة)، فهي هيئةٌ وليستْ مصدرًا، المصدر الدالُّ على الوحدة أنْ تقول: (عَيْشَة)، وأمَّا إذا قلت: (عِيشَة) فهي (فِعْلَة) تدلُّ على الهيئة؛ كما قال ابن مالك رحمه الله:
وَ(فَعْلَةٌ) لِمَرَّةٍ كَجَلْسَهْ ∗∗∗ وَ(فِعْلَةٌ) لِهَيْئَةٍ كَجِلْسَهْ
المعنى أنَّه في حياةٍ طيِّبةٍ راضية.
و﴿رَاضِيَةٍ﴾ قيل: إنها اسمُ فاعلٍ بمعنى اسم المفعول؛ أي: مَرْضِيَّة. وقيل: إنها اسمُ فاعلٍ من باب النِّسبة؛ أي: ذات رِضًا، وكِلا المعنيين واحدٌ؛ المعنى أنَّها عِيشةٌ طيِّبةٌ ليس فيها نَكَدٌ، وليس فيها صَخَبٌ، وليس فيها نَصَبٌ، كاملةٌ من كلِّ وجه، وهذا -يعني العيش في الجنة، جعلنا الله وإيَّاكم منهم- هذا العيش ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر ٤٨]، لا يحزنون، ولا يخافون، في أَنْعَمِ عيشٍ وأَطْيبِ بالٍ، وأَسَرِّ حالٍ، فهي عيشةٌ راضِية.
﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ و﴿مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ قُلنا: إنَّه الكافر الذي ليس له أيُّ حسنةٍ؛ لأن حسنات الكافر يُجازَى بها في الدنيا ولا تنفعُه في الآخرة، أو إنَّه مسلمٌ لكنَّه مُسْرِفٌ على نفسه وسيئاتُه أكْثَر.
﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ (أُم) هُنا بمعنى: مقصوده؛ أي: الذي يقصده الهاوية. والهاويةُ من أسماء النار؛ يعني أنَّه مآلُه إلى نار جهنَّم والعياذ بالله، وقيل: إن المراد بالأُمِّ هُنا أُمُّ الدِّماغ؛ والمعنى أنَّه يُلْقَى في النار على أمِّ رأسه، نسأل الله السلامة، وإذا كانت الآية تحتمل معنيَيْنِ لا يترجَّح أحدُهما على الآخَر ولا يتنافيانِ فإنَّه يُؤخَذ بالمعنيينِ جميعًا فيُقال: يُرمَى في النار على أُمِّ رأسه، وأيضًا: ليس له مأوًى ولا مقصدٌ إلا النار.
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾ هذا من باب التفخيم والتعظيم لهذه الهاوية، والعياذُ بالله، يَسْأل: ما هي؟ أتدري ما هي؟ إنَّها لَشَيءٌ عظيمٌ، إنَّها ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ في غاية ما يكون من الحمو، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَى نَارِ الدُّنْيَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا»[[أخرج البخاري (٣٢٦٥)، ومسلم (٢٨٤٣ / ٣٠) واللفظ له، عن أبي هريرة أنَّ النبي ﷺ قال: «نارُكم هذه التي يُوقِد ابنُ آدم جزءٌ من سبعين جزءًا من حرِّ جهنَّم». قالوا: واللهِ إنْ كانت لَكافيةً يا رسول الله. قال: «فإنها فُضِّلتْ عليها بتسعةٍ وستين جزءًا كلُّها مِثْل حرِّها».]]. إذا تأمَّلتَ نارَ الدنيا كلَّها سواء نارُ الحطب أو الوَرَق أو البوتغاز أو أشد من ذلك، فإنَّ نار جهنَّم مفضَّلةٌ عليها بتسعةٍ وستين جزءًا، نسأل الله العافية.
* في هذه الآية: التخويفُ والتحذيرُ من هذا اليوم، وأنَّ الناس لا يخرجون عن حالين: إمَّا رجُلٌ رَجَحَتْ حسناتُه، أو رجُلٌ رَجَحَتْ سيئاتُه.
* وفيها أيضًا: دليلٌ على أن يوم القيامة فيه موازين، وقد جاء في بعض النصوص أنَّه ميزانٌ، فهل هو واحدٌ أو متعدِّد؟
قال بعض أهل العلم: إنَّه واحدٌ، وإنما جُمِعَ باعتبار الموزون؛ لأنَّه يُوزَن فيه الحسناتُ والسيئاتُ، وتُوزَن فيه حسناتُ فلان وفلان، وتُوزَن فيه حسناتُ الأُمَّةِ هذه والأُمَّةِ الأُخرى، فهو مجموعٌ باعتبار الموزون لا باعتبار الميزان، وإلَّا فالميزان واحد.
وقال بعض أهل العلم: إنها موازين متعدِّدة؛ لكلِّ أُمَّةٍ ميزان، ولكُلِّ عملٍ ميزانٌ، فلهذا جُمِعَتْ.
والأظهر -والله أعلم- أنَّه ميزانٌ واحدٌ، لكنَّه جُمِعَ باعتبار الموزون على حسب الأعمال، أو على حسب الأُمَم، أو على حسب الأفراد.
* وفي هذه الآية: دليلٌ على أن الإنسان إذا تساوتْ حسناتُه وسيِّئاتُه فإنَّه قد سُكِتَ عنه في هذه الآية، ولكنْ بيَّن الله تعالى في سورة الأعراف أنَّهم لا يدخلون النار، وإنما يُحبَسون في مكانٍ يُقال له الأعراف، وذكر اللَّهُ تعالى في سورة الأعراف ما يَجْري بينهم وبين المؤمنين، وأنَّهم ﴿إِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف ٤٧]، نسأل الله تعالى أنْ يجعلنا وإيَّاكم مِمَّن رَجَحَتْ حسناتُه على سيئاتِهِ وأنْ يغفر لنا ولكم ويعاملنا بعفوه، إنَّه على كلِّ شيءٍ قدير.
القارعة 101:10
﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة: ٦ - ١١] قَسَّمَ اللَّهُ تعالى الناسَ إلى قِسْمين:
القسم الأول: مَنْ ثَقُلتْ مَوَازينه؛ وهو الذي رَجَحَتْ حسناتُه على سيئاتِه.
والثاني: مَنْ خفَّتْ مَوَازينه؛ وهو الذي رَجَحَتْ سيئاتُه على حسناتِه، أو الذي ليس له حسنةٌ أصْلًا كالكافر.
يقول تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ العِيشَةُ مأخوذةٌ من العَيْش، وهو الحياة؛ يُقال: عاشَ الرجُلُ زَمَنًا طويلًا؛ أي: بَقِيَ وحَيِيَ زَمَنًا طويلًا. والعِيشَةُ هُنا على وزن (فِعْلَة)، فهي هيئةٌ وليستْ مصدرًا، المصدر الدالُّ على الوحدة أنْ تقول: (عَيْشَة)، وأمَّا إذا قلت: (عِيشَة) فهي (فِعْلَة) تدلُّ على الهيئة؛ كما قال ابن مالك رحمه الله:
وَ(فَعْلَةٌ) لِمَرَّةٍ كَجَلْسَهْ ∗∗∗ وَ(فِعْلَةٌ) لِهَيْئَةٍ كَجِلْسَهْ
المعنى أنَّه في حياةٍ طيِّبةٍ راضية.
و﴿رَاضِيَةٍ﴾ قيل: إنها اسمُ فاعلٍ بمعنى اسم المفعول؛ أي: مَرْضِيَّة. وقيل: إنها اسمُ فاعلٍ من باب النِّسبة؛ أي: ذات رِضًا، وكِلا المعنيين واحدٌ؛ المعنى أنَّها عِيشةٌ طيِّبةٌ ليس فيها نَكَدٌ، وليس فيها صَخَبٌ، وليس فيها نَصَبٌ، كاملةٌ من كلِّ وجه، وهذا -يعني العيش في الجنة، جعلنا الله وإيَّاكم منهم- هذا العيش ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر ٤٨]، لا يحزنون، ولا يخافون، في أَنْعَمِ عيشٍ وأَطْيبِ بالٍ، وأَسَرِّ حالٍ، فهي عيشةٌ راضِية.
﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ و﴿مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ قُلنا: إنَّه الكافر الذي ليس له أيُّ حسنةٍ؛ لأن حسنات الكافر يُجازَى بها في الدنيا ولا تنفعُه في الآخرة، أو إنَّه مسلمٌ لكنَّه مُسْرِفٌ على نفسه وسيئاتُه أكْثَر.
﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ (أُم) هُنا بمعنى: مقصوده؛ أي: الذي يقصده الهاوية. والهاويةُ من أسماء النار؛ يعني أنَّه مآلُه إلى نار جهنَّم والعياذ بالله، وقيل: إن المراد بالأُمِّ هُنا أُمُّ الدِّماغ؛ والمعنى أنَّه يُلْقَى في النار على أمِّ رأسه، نسأل الله السلامة، وإذا كانت الآية تحتمل معنيَيْنِ لا يترجَّح أحدُهما على الآخَر ولا يتنافيانِ فإنَّه يُؤخَذ بالمعنيينِ جميعًا فيُقال: يُرمَى في النار على أُمِّ رأسه، وأيضًا: ليس له مأوًى ولا مقصدٌ إلا النار.
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾ هذا من باب التفخيم والتعظيم لهذه الهاوية، والعياذُ بالله، يَسْأل: ما هي؟ أتدري ما هي؟ إنَّها لَشَيءٌ عظيمٌ، إنَّها ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ في غاية ما يكون من الحمو، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَى نَارِ الدُّنْيَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا»[[أخرج البخاري (٣٢٦٥)، ومسلم (٢٨٤٣ / ٣٠) واللفظ له، عن أبي هريرة أنَّ النبي ﷺ قال: «نارُكم هذه التي يُوقِد ابنُ آدم جزءٌ من سبعين جزءًا من حرِّ جهنَّم». قالوا: واللهِ إنْ كانت لَكافيةً يا رسول الله. قال: «فإنها فُضِّلتْ عليها بتسعةٍ وستين جزءًا كلُّها مِثْل حرِّها».]]. إذا تأمَّلتَ نارَ الدنيا كلَّها سواء نارُ الحطب أو الوَرَق أو البوتغاز أو أشد من ذلك، فإنَّ نار جهنَّم مفضَّلةٌ عليها بتسعةٍ وستين جزءًا، نسأل الله العافية.
* في هذه الآية: التخويفُ والتحذيرُ من هذا اليوم، وأنَّ الناس لا يخرجون عن حالين: إمَّا رجُلٌ رَجَحَتْ حسناتُه، أو رجُلٌ رَجَحَتْ سيئاتُه.
* وفيها أيضًا: دليلٌ على أن يوم القيامة فيه موازين، وقد جاء في بعض النصوص أنَّه ميزانٌ، فهل هو واحدٌ أو متعدِّد؟
قال بعض أهل العلم: إنَّه واحدٌ، وإنما جُمِعَ باعتبار الموزون؛ لأنَّه يُوزَن فيه الحسناتُ والسيئاتُ، وتُوزَن فيه حسناتُ فلان وفلان، وتُوزَن فيه حسناتُ الأُمَّةِ هذه والأُمَّةِ الأُخرى، فهو مجموعٌ باعتبار الموزون لا باعتبار الميزان، وإلَّا فالميزان واحد.
وقال بعض أهل العلم: إنها موازين متعدِّدة؛ لكلِّ أُمَّةٍ ميزان، ولكُلِّ عملٍ ميزانٌ، فلهذا جُمِعَتْ.
والأظهر -والله أعلم- أنَّه ميزانٌ واحدٌ، لكنَّه جُمِعَ باعتبار الموزون على حسب الأعمال، أو على حسب الأُمَم، أو على حسب الأفراد.
* وفي هذه الآية: دليلٌ على أن الإنسان إذا تساوتْ حسناتُه وسيِّئاتُه فإنَّه قد سُكِتَ عنه في هذه الآية، ولكنْ بيَّن الله تعالى في سورة الأعراف أنَّهم لا يدخلون النار، وإنما يُحبَسون في مكانٍ يُقال له الأعراف، وذكر اللَّهُ تعالى في سورة الأعراف ما يَجْري بينهم وبين المؤمنين، وأنَّهم ﴿إِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف ٤٧]، نسأل الله تعالى أنْ يجعلنا وإيَّاكم مِمَّن رَجَحَتْ حسناتُه على سيئاتِهِ وأنْ يغفر لنا ولكم ويعاملنا بعفوه، إنَّه على كلِّ شيءٍ قدير.
القارعة 101:11
﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة: ٦ - ١١] قَسَّمَ اللَّهُ تعالى الناسَ إلى قِسْمين:
القسم الأول: مَنْ ثَقُلتْ مَوَازينه؛ وهو الذي رَجَحَتْ حسناتُه على سيئاتِه.
والثاني: مَنْ خفَّتْ مَوَازينه؛ وهو الذي رَجَحَتْ سيئاتُه على حسناتِه، أو الذي ليس له حسنةٌ أصْلًا كالكافر.
يقول تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ العِيشَةُ مأخوذةٌ من العَيْش، وهو الحياة؛ يُقال: عاشَ الرجُلُ زَمَنًا طويلًا؛ أي: بَقِيَ وحَيِيَ زَمَنًا طويلًا. والعِيشَةُ هُنا على وزن (فِعْلَة)، فهي هيئةٌ وليستْ مصدرًا، المصدر الدالُّ على الوحدة أنْ تقول: (عَيْشَة)، وأمَّا إذا قلت: (عِيشَة) فهي (فِعْلَة) تدلُّ على الهيئة؛ كما قال ابن مالك رحمه الله:
وَ(فَعْلَةٌ) لِمَرَّةٍ كَجَلْسَهْ ∗∗∗ وَ(فِعْلَةٌ) لِهَيْئَةٍ كَجِلْسَهْ
المعنى أنَّه في حياةٍ طيِّبةٍ راضية.
و﴿رَاضِيَةٍ﴾ قيل: إنها اسمُ فاعلٍ بمعنى اسم المفعول؛ أي: مَرْضِيَّة. وقيل: إنها اسمُ فاعلٍ من باب النِّسبة؛ أي: ذات رِضًا، وكِلا المعنيين واحدٌ؛ المعنى أنَّها عِيشةٌ طيِّبةٌ ليس فيها نَكَدٌ، وليس فيها صَخَبٌ، وليس فيها نَصَبٌ، كاملةٌ من كلِّ وجه، وهذا -يعني العيش في الجنة، جعلنا الله وإيَّاكم منهم- هذا العيش ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر ٤٨]، لا يحزنون، ولا يخافون، في أَنْعَمِ عيشٍ وأَطْيبِ بالٍ، وأَسَرِّ حالٍ، فهي عيشةٌ راضِية.
﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ و﴿مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ قُلنا: إنَّه الكافر الذي ليس له أيُّ حسنةٍ؛ لأن حسنات الكافر يُجازَى بها في الدنيا ولا تنفعُه في الآخرة، أو إنَّه مسلمٌ لكنَّه مُسْرِفٌ على نفسه وسيئاتُه أكْثَر.
﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ (أُم) هُنا بمعنى: مقصوده؛ أي: الذي يقصده الهاوية. والهاويةُ من أسماء النار؛ يعني أنَّه مآلُه إلى نار جهنَّم والعياذ بالله، وقيل: إن المراد بالأُمِّ هُنا أُمُّ الدِّماغ؛ والمعنى أنَّه يُلْقَى في النار على أمِّ رأسه، نسأل الله السلامة، وإذا كانت الآية تحتمل معنيَيْنِ لا يترجَّح أحدُهما على الآخَر ولا يتنافيانِ فإنَّه يُؤخَذ بالمعنيينِ جميعًا فيُقال: يُرمَى في النار على أُمِّ رأسه، وأيضًا: ليس له مأوًى ولا مقصدٌ إلا النار.
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾ هذا من باب التفخيم والتعظيم لهذه الهاوية، والعياذُ بالله، يَسْأل: ما هي؟ أتدري ما هي؟ إنَّها لَشَيءٌ عظيمٌ، إنَّها ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ في غاية ما يكون من الحمو، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَى نَارِ الدُّنْيَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا»[[أخرج البخاري (٣٢٦٥)، ومسلم (٢٨٤٣ / ٣٠) واللفظ له، عن أبي هريرة أنَّ النبي ﷺ قال: «نارُكم هذه التي يُوقِد ابنُ آدم جزءٌ من سبعين جزءًا من حرِّ جهنَّم». قالوا: واللهِ إنْ كانت لَكافيةً يا رسول الله. قال: «فإنها فُضِّلتْ عليها بتسعةٍ وستين جزءًا كلُّها مِثْل حرِّها».]]. إذا تأمَّلتَ نارَ الدنيا كلَّها سواء نارُ الحطب أو الوَرَق أو البوتغاز أو أشد من ذلك، فإنَّ نار جهنَّم مفضَّلةٌ عليها بتسعةٍ وستين جزءًا، نسأل الله العافية.
* في هذه الآية: التخويفُ والتحذيرُ من هذا اليوم، وأنَّ الناس لا يخرجون عن حالين: إمَّا رجُلٌ رَجَحَتْ حسناتُه، أو رجُلٌ رَجَحَتْ سيئاتُه.
* وفيها أيضًا: دليلٌ على أن يوم القيامة فيه موازين، وقد جاء في بعض النصوص أنَّه ميزانٌ، فهل هو واحدٌ أو متعدِّد؟
قال بعض أهل العلم: إنَّه واحدٌ، وإنما جُمِعَ باعتبار الموزون؛ لأنَّه يُوزَن فيه الحسناتُ والسيئاتُ، وتُوزَن فيه حسناتُ فلان وفلان، وتُوزَن فيه حسناتُ الأُمَّةِ هذه والأُمَّةِ الأُخرى، فهو مجموعٌ باعتبار الموزون لا باعتبار الميزان، وإلَّا فالميزان واحد.
وقال بعض أهل العلم: إنها موازين متعدِّدة؛ لكلِّ أُمَّةٍ ميزان، ولكُلِّ عملٍ ميزانٌ، فلهذا جُمِعَتْ.
والأظهر -والله أعلم- أنَّه ميزانٌ واحدٌ، لكنَّه جُمِعَ باعتبار الموزون على حسب الأعمال، أو على حسب الأُمَم، أو على حسب الأفراد.
* وفي هذه الآية: دليلٌ على أن الإنسان إذا تساوتْ حسناتُه وسيِّئاتُه فإنَّه قد سُكِتَ عنه في هذه الآية، ولكنْ بيَّن الله تعالى في سورة الأعراف أنَّهم لا يدخلون النار، وإنما يُحبَسون في مكانٍ يُقال له الأعراف، وذكر اللَّهُ تعالى في سورة الأعراف ما يَجْري بينهم وبين المؤمنين، وأنَّهم ﴿إِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف ٤٧]، نسأل الله تعالى أنْ يجعلنا وإيَّاكم مِمَّن رَجَحَتْ حسناتُه على سيئاتِهِ وأنْ يغفر لنا ولكم ويعاملنا بعفوه، إنَّه على كلِّ شيءٍ قدير.
التكاثر 102:1
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
نفتتح هذا اللِّقاء بما انتهينا إليه من تفسير جُزءِ سورة النبأ حيث وصلْنا إلى سورة التكاثر.
يقول الله عز وجل: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر ١، ٢] هذه الجملة جملةٌ خبريَّة يُخبر الله عز وجل بها العباد مخاطبًا لهم يقول: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، ومعنى ﴿أَلْهَاكُمُ﴾ أي: شَغَلَكم حتى لَهَوْتم عمَّا هو أهمُّ من ذِكْر الله تعالى والقيام بطاعته، والخطاب هنا لجميع الأُمَّة، إلا أنه يُخصَّص بمن شَغَلَتْهم أمور الآخرة عن أمور الدنيا وهُم قليل، وإنما نقول: هُم قليل؛ لأنه ثَبَت في الصحيحين «أنَّ الله تبارك وتعالى يقول يوم القيامة: «يَا آدَمُ. فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ. فَيَقُولُ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ»[[أخرج البخاري (٤٧٤١) واللفظ له، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩)، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا آدم. يقول: لبَّيك ربَّنا وسعدَيْك. فيُنادى بصوت: إنَّ الله يأمرك أن تُخرِج من ذرِّيتك بعثًا إلى النار. قال: يا رب، وما بعثُ النار؟ قال: من كل ألفٍ -أراه قال- تسع مئة وتسعة وتسعين...» الحديث.]]. واحدٌ في الجنَّة والباقي في النار، وهذا عددٌ هائلٌ؛ إذا لم يكن من بني آدم إلا واحدٌ من الألْف من أهل الجنة والباقون من أهل النار إذَنْ فالخطاب بالعموم في مِثْل هذه الآية جارٍ على أَصْله؛ لأن الواحد من الألْف ليس بشيء بالنسبة إليه.
وأمَّا قوله: ﴿التَّكَاثُرُ﴾ فهو يشمل التكاثر بالمال، والتكاثر بالقبيلة، والتكاثر بالجاه، والتكاثر بالعلم، وبكلِّ ما يمكن أن يقع فيه التفاخر، ويدلُّ لذلك قولُ صاحب الجنة لصاحبه: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف ٣٤]، فالإنسان قد يتكاثر بماله فيطلب أن يكون أكثر من الآخَر مالًا وأوسعَ تجارةً، وقد يتكاثر الإنسانُ بقبيلته يقول: نحن أكثر منهم عددًا، كما قال الشاعر:
وَلَسْتَ بِالْأَكْثَرِ مِنْهُمْ حَصًى ∗∗∗ وَإِنَّمَـــــــــا الْــعِـــــــــزَّةُلِلْـــــكَــــــــاثِرِ
(أَكْثر منهم حصًى) لأنهم كانوا فيما سبق يعدُّون الأشياء بالحصى؛ فمَثَلًا: إذا كان هؤلاء حصاهم عشرة آلاف، والآخَرون حصاهم ثمانية آلاف صار الأول أيش؟ أَكْثرَ وأَعَزَّ، فيقول الشاعر:
وَلَسْتَ بِالْأَكْثَرِ مِنْهُمْ حَصًى ∗∗∗ وَإِنَّمَـــــــا الْـــعِــــــــزَّةُلِلْــــكَـــــــاثِرِ
كذلك يتكاثر الإنسانُ بالعِلم فتجده يَفْخر على غيره بالعِلم، لكنْ إنْ كان بالعلم الشرعي فهو خير، وإنْ كان بالعلم غير الشرعي فهو إمَّا مباحٌ وإمَّا محرَّمٌ، المهم أنَّ مِمَّا يقع فيه التكاثر العِلم، وهذا هو الغالب على بني آدم؛ التكاثر، فيتكاثرون في هذه الأمور عمَّا خُلِقوا له من عبادة الله عز وجل.
وقوله: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ يعني: إلى أن زُرْتم المقابر؛ يعني: إلى أن متُّم، فالإنسانُ مجبولٌ على التكاثر إلى أن يموت، بلْ كلَّما ازداد به الكِبَر ازداد به الأَمَل، فهو يشيبُ في السِّنِّ ويشبُّ في الأَمَل، حتى إن الرجل له تسعون سَنَةً مثلًا تجد عنده من الآمال وطول الأَمَل ما ليس عند الشابِّ الذي له خمس عشرة سَنَة، هذا هو معنى الآية الكريمة؛ أي: إنَّكم تَلَهَّيتم بالتكاثُر عن الآخرة إلى أن متُّم.
وقيل: إن معنى ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ حتى أصبحتم تتكاثرون بالأموات كما تتكاثرون بالأحياء، فيأتي إنسانٌ ويقول: أنا قبيلتي أكثرُ من قبيلتك، وإذا شئتَ فاذهبْ إلى القبور، عُدَّ القبورَ مِنَّا وعُدَّ القبورَ منكم، فأيُّنا أكثر؟ لكن هذا قولٌ ضعيفٌ بعيدٌ من سياق الآية، والمعنى الأول هو الصحيح، أنه أيش؟ أنَّكم تتكاثرون إلى أن تموتوا.
وقوله: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ استدلَّ به عمر بن عبد العزيز رحمه الله على أن الزائر لا بدَّ أن يرجع إلى وطنه، وأنَّ القبور ليست بدار إقامة، وكذلك يُذكَر عن بعض الأعراب أنه سمع قارئًا يقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾، فقال: واللهِ لَنُبْعَثَنَّ. لماذا؟ لأن الزائر كما هو معروف يزور ويرجع، فقال: واللهِ لَنُبْعَثَنَّ. وهذا هو الحق، وبهذا نعرف أن ما يذكره بعض الناس الآن في الجرائد وغيرها يقول عن الرجل إذا مات: إنه انتقل إلى مثواه الأخير، أنَّ هذا كلامٌ باطلٌ وكَذِبٌ؛ لأن القبور ليس هي المثوى الأخير، بل لو أن الإنسان اعتقد مدلولَ هذا اللفظ لصار أيش؟ كافرًا بالبعث، والكفر بالبعث رِدَّةٌ عن الإسلام، لكن كثيرًا من الناس يأخذون الكلمات على عواهنها ولا يدرون ما معناها، ولعل هذه موروثةٌ عن الملحدين الذين لا يُقِرُّون بالبعث بعد الموت.
التكاثر 102:2
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
نفتتح هذا اللِّقاء بما انتهينا إليه من تفسير جُزءِ سورة النبأ حيث وصلْنا إلى سورة التكاثر.
يقول الله عز وجل: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر ١، ٢] هذه الجملة جملةٌ خبريَّة يُخبر الله عز وجل بها العباد مخاطبًا لهم يقول: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، ومعنى ﴿أَلْهَاكُمُ﴾ أي: شَغَلَكم حتى لَهَوْتم عمَّا هو أهمُّ من ذِكْر الله تعالى والقيام بطاعته، والخطاب هنا لجميع الأُمَّة، إلا أنه يُخصَّص بمن شَغَلَتْهم أمور الآخرة عن أمور الدنيا وهُم قليل، وإنما نقول: هُم قليل؛ لأنه ثَبَت في الصحيحين «أنَّ الله تبارك وتعالى يقول يوم القيامة: «يَا آدَمُ. فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ. فَيَقُولُ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ»[[أخرج البخاري (٤٧٤١) واللفظ له، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩)، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا آدم. يقول: لبَّيك ربَّنا وسعدَيْك. فيُنادى بصوت: إنَّ الله يأمرك أن تُخرِج من ذرِّيتك بعثًا إلى النار. قال: يا رب، وما بعثُ النار؟ قال: من كل ألفٍ -أراه قال- تسع مئة وتسعة وتسعين...» الحديث.]]. واحدٌ في الجنَّة والباقي في النار، وهذا عددٌ هائلٌ؛ إذا لم يكن من بني آدم إلا واحدٌ من الألْف من أهل الجنة والباقون من أهل النار إذَنْ فالخطاب بالعموم في مِثْل هذه الآية جارٍ على أَصْله؛ لأن الواحد من الألْف ليس بشيء بالنسبة إليه.
وأمَّا قوله: ﴿التَّكَاثُرُ﴾ فهو يشمل التكاثر بالمال، والتكاثر بالقبيلة، والتكاثر بالجاه، والتكاثر بالعلم، وبكلِّ ما يمكن أن يقع فيه التفاخر، ويدلُّ لذلك قولُ صاحب الجنة لصاحبه: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف ٣٤]، فالإنسان قد يتكاثر بماله فيطلب أن يكون أكثر من الآخَر مالًا وأوسعَ تجارةً، وقد يتكاثر الإنسانُ بقبيلته يقول: نحن أكثر منهم عددًا، كما قال الشاعر:
وَلَسْتَ بِالْأَكْثَرِ مِنْهُمْ حَصًى ∗∗∗ وَإِنَّمَـــــــــا الْــعِـــــــــزَّةُلِلْـــــكَــــــــاثِرِ
(أَكْثر منهم حصًى) لأنهم كانوا فيما سبق يعدُّون الأشياء بالحصى؛ فمَثَلًا: إذا كان هؤلاء حصاهم عشرة آلاف، والآخَرون حصاهم ثمانية آلاف صار الأول أيش؟ أَكْثرَ وأَعَزَّ، فيقول الشاعر:
وَلَسْتَ بِالْأَكْثَرِ مِنْهُمْ حَصًى ∗∗∗ وَإِنَّمَـــــــا الْـــعِــــــــزَّةُلِلْــــكَـــــــاثِرِ
كذلك يتكاثر الإنسانُ بالعِلم فتجده يَفْخر على غيره بالعِلم، لكنْ إنْ كان بالعلم الشرعي فهو خير، وإنْ كان بالعلم غير الشرعي فهو إمَّا مباحٌ وإمَّا محرَّمٌ، المهم أنَّ مِمَّا يقع فيه التكاثر العِلم، وهذا هو الغالب على بني آدم؛ التكاثر، فيتكاثرون في هذه الأمور عمَّا خُلِقوا له من عبادة الله عز وجل.
وقوله: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ يعني: إلى أن زُرْتم المقابر؛ يعني: إلى أن متُّم، فالإنسانُ مجبولٌ على التكاثر إلى أن يموت، بلْ كلَّما ازداد به الكِبَر ازداد به الأَمَل، فهو يشيبُ في السِّنِّ ويشبُّ في الأَمَل، حتى إن الرجل له تسعون سَنَةً مثلًا تجد عنده من الآمال وطول الأَمَل ما ليس عند الشابِّ الذي له خمس عشرة سَنَة، هذا هو معنى الآية الكريمة؛ أي: إنَّكم تَلَهَّيتم بالتكاثُر عن الآخرة إلى أن متُّم.
وقيل: إن معنى ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ حتى أصبحتم تتكاثرون بالأموات كما تتكاثرون بالأحياء، فيأتي إنسانٌ ويقول: أنا قبيلتي أكثرُ من قبيلتك، وإذا شئتَ فاذهبْ إلى القبور، عُدَّ القبورَ مِنَّا وعُدَّ القبورَ منكم، فأيُّنا أكثر؟ لكن هذا قولٌ ضعيفٌ بعيدٌ من سياق الآية، والمعنى الأول هو الصحيح، أنه أيش؟ أنَّكم تتكاثرون إلى أن تموتوا.
وقوله: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ استدلَّ به عمر بن عبد العزيز رحمه الله على أن الزائر لا بدَّ أن يرجع إلى وطنه، وأنَّ القبور ليست بدار إقامة، وكذلك يُذكَر عن بعض الأعراب أنه سمع قارئًا يقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾، فقال: واللهِ لَنُبْعَثَنَّ. لماذا؟ لأن الزائر كما هو معروف يزور ويرجع، فقال: واللهِ لَنُبْعَثَنَّ. وهذا هو الحق، وبهذا نعرف أن ما يذكره بعض الناس الآن في الجرائد وغيرها يقول عن الرجل إذا مات: إنه انتقل إلى مثواه الأخير، أنَّ هذا كلامٌ باطلٌ وكَذِبٌ؛ لأن القبور ليس هي المثوى الأخير، بل لو أن الإنسان اعتقد مدلولَ هذا اللفظ لصار أيش؟ كافرًا بالبعث، والكفر بالبعث رِدَّةٌ عن الإسلام، لكن كثيرًا من الناس يأخذون الكلمات على عواهنها ولا يدرون ما معناها، ولعل هذه موروثةٌ عن الملحدين الذين لا يُقِرُّون بالبعث بعد الموت.
التكاثر 102:3
ثم قال الله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر ٣، ٤] قيل: إن ﴿كَلَّا﴾ بمعنى الرَّدْع؛ يعني: ارتدعوا عن هذا التكاثر، وقيل: إنها بمعنى حقًّا.
ومعنى ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي: سوف تعلمون عاقبةَ أَمْركم إذا رجعتم إلى الآخرة وأنَّ هذا التكاثر لا ينفعكم، وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ فيما رواه مسلم[[أخرجه مسلم (٢٩٥٨ / ٣) من حديث عبد الله بن الشخير رضي الله عنه، ولفظه: «يقول ابن آدم: مالي، مالي. قال: وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلْتَ فأفنيتَ، أو لبسْتَ فأَبليْتَ، أو تصدَّقتَ فأمضيتَ؟».]] «أنَّ العبد يقول: مَالِي ومَالِي». يعني: يفتخر به «وَلَيْسَ لَكَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ»، والباقي تاركه لغيرك، وهذا هو الحقُّ؛ الآن أموالُنا التي بين أيدينا إمَّا أن نأكلها فتفنى، وإمَّا أن نَلْبسها فأيش؟ فتبلى، وإمَّا أن نتصدق بها فنُمضيها وتكون أمامنا يوم القيامة، وإمَّا أن نتركها لغيرنا، لا يمكن أن يخرج المالُ الذي بأيدينا عن هذه القِسمة الرباعية.
﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي: سوف تعلمون عاقبةَ أَمْركم بالتكاثر الذي ألهاكم عن الآخِرة.
﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وهذه الجملة تأكيدٌ للرَّدْع مرَّةً ثانية.
التكاثر 102:4
ثم قال الله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر ٣، ٤] قيل: إن ﴿كَلَّا﴾ بمعنى الرَّدْع؛ يعني: ارتدعوا عن هذا التكاثر، وقيل: إنها بمعنى حقًّا.
ومعنى ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي: سوف تعلمون عاقبةَ أَمْركم إذا رجعتم إلى الآخرة وأنَّ هذا التكاثر لا ينفعكم، وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ فيما رواه مسلم[[أخرجه مسلم (٢٩٥٨ / ٣) من حديث عبد الله بن الشخير رضي الله عنه، ولفظه: «يقول ابن آدم: مالي، مالي. قال: وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلْتَ فأفنيتَ، أو لبسْتَ فأَبليْتَ، أو تصدَّقتَ فأمضيتَ؟».]] «أنَّ العبد يقول: مَالِي ومَالِي». يعني: يفتخر به «وَلَيْسَ لَكَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ»، والباقي تاركه لغيرك، وهذا هو الحقُّ؛ الآن أموالُنا التي بين أيدينا إمَّا أن نأكلها فتفنى، وإمَّا أن نَلْبسها فأيش؟ فتبلى، وإمَّا أن نتصدق بها فنُمضيها وتكون أمامنا يوم القيامة، وإمَّا أن نتركها لغيرنا، لا يمكن أن يخرج المالُ الذي بأيدينا عن هذه القِسمة الرباعية.
﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي: سوف تعلمون عاقبةَ أَمْركم بالتكاثر الذي ألهاكم عن الآخِرة.
﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وهذه الجملة تأكيدٌ للرَّدْع مرَّةً ثانية.
التكاثر 102:5
ثم قال: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر ٥] يعني: حقًّا لو تعلمون عِلْم اليقين لَعرفتم أنكم في ضلال، ولكنَّكم لا تعلمون عِلْم اليقين لأنكم غافلون لاهون في هذه الدنيا، ولو عَلِمتم عِلْمَ اليقين لَعرفتم أنَّكم في ضلالٍ وفي خطأٍ عظيمٍ.
ثم قال تعالى: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر ٦، ٧] ﴿لَتَرَوُنَّ﴾ هذه الجملة مستقِلَّة ليست جواب (لَوْ)، ولهذا يجب على القارئ أن يقِفَ عند قوله: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾، ونحن نسمع كثيرًا من الأئمة الذين عندهم عِلْمٌ يَصِلُون فيقولون: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾، وهذا الوصل إمَّا غفلةٌ منهم ونسيانٌ، وإمَّا أنهم لم يتأمَّلوا الآيةَ حقَّ التأمُّل، وإلا لو تأمَّلوها حقَّ التأمُّل لَوجدوا أن الوصل يُفسد المعنى؛ لأنه إذا قال: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ صار رؤيةُ الجحيم مشروطةً بماذا؟ بعِلْمهم، وهذا ليس بصحيح، لذلك يجب التنبُّه والتنبيه لهذا، إذا سمعتم أحدًا يقرأ: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ نبِّهوه؛ قل: يا أخي، وَصْلُك يُوهِم فساد المعنى، وأنت قِفْ؛ أولًا: لأنها رأسُ آية، والمشروع أن يقِفَ الإنسانُ عند رأس كلِّ آية، وثانيًا: أنَّ الوصل يُفسد المعنى.
﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ إذَنْ ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ لا صِلَةَ لها بما قبلها، وهي جملةٌ قَسَميَّة فيها قَسَمٌ مقدَّر، والتقدير: واللهِ لَتَرَوُنَّ الجحيمَ. ولِهذا يقول المعربون في إعرابها: إنَّ اللام موطِّئةٌ للقَسَم، وجملة (تَرَوُنَّ) هي جواب القَسَم، والقَسَم محذوفٌ والتقدير: واللهِ لَتَرَوُنَّ الجحيمَ. و﴿الْجَحِيمَ﴾ اسمٌ من أسماء النار.
التكاثر 102:6
ثم قال: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر ٥] يعني: حقًّا لو تعلمون عِلْم اليقين لَعرفتم أنكم في ضلال، ولكنَّكم لا تعلمون عِلْم اليقين لأنكم غافلون لاهون في هذه الدنيا، ولو عَلِمتم عِلْمَ اليقين لَعرفتم أنَّكم في ضلالٍ وفي خطأٍ عظيمٍ.
ثم قال تعالى: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر ٦، ٧] ﴿لَتَرَوُنَّ﴾ هذه الجملة مستقِلَّة ليست جواب (لَوْ)، ولهذا يجب على القارئ أن يقِفَ عند قوله: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾، ونحن نسمع كثيرًا من الأئمة الذين عندهم عِلْمٌ يَصِلُون فيقولون: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾، وهذا الوصل إمَّا غفلةٌ منهم ونسيانٌ، وإمَّا أنهم لم يتأمَّلوا الآيةَ حقَّ التأمُّل، وإلا لو تأمَّلوها حقَّ التأمُّل لَوجدوا أن الوصل يُفسد المعنى؛ لأنه إذا قال: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ صار رؤيةُ الجحيم مشروطةً بماذا؟ بعِلْمهم، وهذا ليس بصحيح، لذلك يجب التنبُّه والتنبيه لهذا، إذا سمعتم أحدًا يقرأ: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ نبِّهوه؛ قل: يا أخي، وَصْلُك يُوهِم فساد المعنى، وأنت قِفْ؛ أولًا: لأنها رأسُ آية، والمشروع أن يقِفَ الإنسانُ عند رأس كلِّ آية، وثانيًا: أنَّ الوصل يُفسد المعنى.
﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ إذَنْ ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ لا صِلَةَ لها بما قبلها، وهي جملةٌ قَسَميَّة فيها قَسَمٌ مقدَّر، والتقدير: واللهِ لَتَرَوُنَّ الجحيمَ. ولِهذا يقول المعربون في إعرابها: إنَّ اللام موطِّئةٌ للقَسَم، وجملة (تَرَوُنَّ) هي جواب القَسَم، والقَسَم محذوفٌ والتقدير: واللهِ لَتَرَوُنَّ الجحيمَ. و﴿الْجَحِيمَ﴾ اسمٌ من أسماء النار.
التكاثر 102:7
﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٧] تأكيدٌ لرؤيتها. ومتى تُرى؟ تُرى يوم القيامة، يؤتى بها تُجَرُّ بسبعين ألْف زِمام، كلُّ زِمام يجرُّه سبعون ألْف مَلَك[[أخرج مسلم (٢٨٤٢ / ٢٩) عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «يُؤتى بجهنَّم يومئذٍ لها سبعون ألف زِمام، مع كلِّ زِمامٍ سبعون ألف مَلَكٍ يجرُّونها».]]، فما ظنُّك بهذه الدار والعياذ بالله، إنها دارٌ كبيرةٌ عظيمةٌ؛ لأن فيها سبعين ألف زِمام، كلُّ زِمام يجرُّه سبعون ألف مَلَك، والملائكة عِظامٌ شِدادٌ، فهي نارٌ عظيمةٌ أعاذنا الله وإيَّاكم منها.
التكاثر 102:8
﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٦ - ٨] يعني: ثم في ذلك الوقت في ذلك الموقف العظيم تُسألون عن النعيم.
واختلف العلماء رحمهم الله في قوله: ﴿لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ هل المراد الكافر أم المراد المؤمن والكافر، والصواب أن المراد المؤمنُ والكافرُ، كلٌّ يُسأل عن النعيم، لكن الكافر يُسأل سؤالَ توبيخٍ وتقريعٍ، والمؤمن يُسأل سؤالَ تذكيرٍ، والدليل على أنه عامٌّ ما جرى في قصَّة النبي ﷺ وأبي بكرٍ وعمر «حيثُ خرجوا ذات يومٍ من الجوع، فذهبوا إلى بُستانِ رجُلٍ يُقال له أبو الهيثم بن التَّيِّهان فاستأذنوا، فقال النبي ﷺ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ»، وكانت امرأتُه وراءَ الباب فلمْ تَرُدَّ عليهم، فقال: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ»، فلمْ تَرُدَّ، فقال: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ»، فلمْ تَرُدَّ، فانصرفَ النبيُّ ﷺ وأصحابُه»؛ لأن الإنسان إذا استأذن ثلاثًا ولم يؤذَن له فإنه يَرْجِع، «فلَحِقَتْهم وقالت: إنِّي سمعتُ سلامَكم، ولكنِّي أحببتُ أن أزداد في الخير.» يعني الرسول يدعو بالسلام عليهم، أحبَّتْ أنَّه يتكرَّر دعاء الرسول عليه الصلاة والسلام لهم، «فرجعوا فسألوا عن زوجها فقالت: إنه ذهبَ يستعذِبُ الماءَ -أي: يأتي بالماء العذب الطيِّب- فجلسوا، ثم جاء الرجُل ففرح بهم فرحًا عظيمًا وقال: إنه لا أحدَ أَكْرمُ أضيافًا منِّي اليوم، ثم قَطَعَ لهم عِذْقًا من نَخْلٍ وأتى به وألقاه بين أيديهم، فقال النبي ﷺ: «هَلَّا جَنَيْتَ؟». (جَنَيْتَ) يعني خَرَفْتَ، وتعلمون أن الخراف أن يأخذ الإنسانُ الرُّطَبَ فقط، «فقال: أردتُ يا رسول الله أن يكون بين أيديكم البُسر والرُّطَب والمذنِّب». لأن العِذْق يشمل هذا وهذا، يشمل كلَّ الثلاثة، «فأكلوا، ثم دَعَوْا بالماء فشَرِبوا، فقال رسول الله ﷺ: «مَاءٌ طَيِّبٌ، وَطَعَامٌ طَيِّبٌ، وَظِلٌّ طَيِّبٌ، لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ»[[أخرج أبو يعلي (٢٥٠) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: خرج رسول الله ﷺ عند الظهيرة، فوجد أبا بكر في المسجد، فقال: «ما أخرجك هذه الساعة؟». قال: أخرجني الذي أخرجك يا رسول الله. وجاء عمر بن الخطاب فقال: «يا ابن الخطاب، ما أخرجك؟». قال: أخرجني الذي أخرجكما يا رسول الله. فقعد عمر، وأقبل رسول الله ﷺ يحدِّثهما، ثم قال: «هل بِكُما من قوَّة فتنطلقان إلى هذا النخل فتصيبان طعامًا وشرابًا وظلًّا؟». قلنا: نعم. قال: «مُرُّوا بنا إلى منزل ابن التَّيِّهان أبي الهيثم الأنصاري». فتقدَّم رسول الله ﷺ بين أيدينا فسلَّم فاستأذن ثلاث مرَّاتٍ، وأمُّ الهيثم وراء الباب تسمع الكلام وتريد أن يزيدها رسول الله ﷺ، فلمَّا أراد رسول الله ﷺ أن ينصرف خرجتْ أمُّ الهيثم تسعى خلفهم فقالت: يا رسول الله، قد واللهِ سمعتُ تسليمك، ولكنِّي أردتُ أن تزيدنا من سلامك. فقال لها رسول الله ﷺ خيرًا، وقال: «أين أبو الهيثم؟ ما أراه». قالت: هو قريبٌ، ذهب يستعذبُ لنا من الماء، ادخلوا فإنَّه يأتي الساعةَ إن شاء الله. فبسطتْ لهم بساطًا تحت شجرةٍ، فجاء أبو الهيثم وفَرِح بهم وقرَّت عينُه بهم، وصَعِد على نخلةٍ فَصَرمَ لهم عِذْقًا، وقال رسول الله ﷺ: «حسْبُك يا أبا الهيثم». قال: يا رسول الله، تأكلون من بُسْره ومن رُطَبه ومن تَذْنوبه. ثم أتاهم بماء فشربوا عليه، فقال رسول الله ﷺ: «هذا من النعيم الذي تُسألون عنه ...» الحديث. وفي حديث أبي هريرة عند الترمذي (٢٣٦٩): فقال النبي ﷺ: «أفلا تنقَّيتَ لنا من رُطَبه؟». فقال: يا رسول الله، إني أردتُ أن تختاروا. أو قال: تخيَّروا من رُطَبه وبُسره. فأكلوا وشربوا من ذلك الماء ...» الحديث.]]، وهذا دليل على أن الذي يُسأل المؤمن والكافر، لكن يختلف السؤال؛ سؤال المؤمن سؤال أيش؟ تذكير بنعمة الله عز وجل عليه؛ حتى يفرح ويعلم أن الذي أَنْعَمَ عليه في الدنيا ينعم عليه في الآخرة؛ بمعنى أنه إذا تكرَّمَ بنعمته عليه في الدنيا تكرَّمَ عليه بنعمته في الآخرة، أمَّا الكافر فإنه سؤال توبيخٍ وتنديم.
نسأل الله تعالى أن يستعملنا وإيَّاكم في طاعته، وأن يجعل ما رزقنا مَعُونًا على طاعته، إنَّه على كل شيء قدير.
العصر 103:1
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أمَّا بعد، فهذا هو اللقاء الأسبوعي المسمَّى بلقاء الباب المفتوح، وهو التاسع والتسعون، يتمُّ هذا اللقاء يوم الخميس الرابع عشر من شهر ربيع الأول عام ستة عشر وأربع مئة وألف، نتكلم فيه بما شاء الله عز وجل من تفسير سورة العصر.
يقول الله عز وجل: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر ١، ٢]، فما المراد بالعصر؟
قيل: إن المراد بالعصر آخِر النهار؛ لأن آخِر النهار أَفْضلُه، وصلاة العصر تُسَمَّى الصلاة الوسطى؛ أي: الفُضْلى، كما سَمَّاها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك.
وقيل: إن العصر هو الزمان، وهذا هو الأصحُّ أنَّ العصر هو الزمان، أَقْسَمَ الله به لِمَا يقع فيه من اختلاف الأحوال، وتَقَلُّبات الأمور، ومُداولة الأيام بين الناس، وغير ذلك مِمَّا هو مُشاهَدٌ في الحاضر ومُتَحَدَّثٌ عنه في الغابر، فالعصر هو الزمان الذي يعيشه الخلْق، وتختلف أوقاته شِدَّةً ورخاءً، وحربًا وسِلْمًا، وصِحَّةً ومرضًا، وعملًا صالحًا وعملًا سيِّئًا، إلى غير ذلك مما هو معروفٌ للجميع.
أَقْسَمَ الله به على أيِّ شيءٍ؟ على قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾، والإنسان هنا عامٌّ؛ لأن المراد به الجنس، وعلامة الإنسان الذي يُراد به العموم أن يحلَّ مَحَلَّه -أي: محلَّ (أل)- كلمة (كُل)، فهُنا لو قيل: كلُّ إنسانٍ في خُسْر، لكان هذا هو المعنى.
ومعنى الآية الكريمة أن الله أَقْسَمَ قَسَمًا على حال الإنسان أنَّه في خُسْر؛ أي: في خُسرانٍ ونُقْصانٍ في كلِّ أحواله في الدنيا وفي الآخرة إلَّا مَن استثنى اللَّهُ عز وجل. وهذه الجملة كما ترون مؤكَّدةٌ بثلاثة مؤكِّدات؛ الأول: القَسَم، والثاني: ﴿إِنَّ﴾، والثالث: اللام، وأتى بقوله: ﴿لَفِي خُسْرٍ﴾ ليكون أَبْلَغ من قوله: لَخاسِرٌ؛ وذلك أنَّ (في) معناها أيش؟ معناها الظرفية، فكأنَّ الإنسان منغمسٌ في الْخُسْر، والْخُسْران محيطٌ به من كلِّ جانب.
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر ٣] استثنى اللَّهُ سبحانه وتعالى هؤلاء المتَّصفين بهذه الصفات الأربع؛ الصفة الأولى: الإيمان الذي لا يخالجه شكٌّ ولا تردُّد، بماذا؟ بما بيَّنه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين سأله جبريل عن الإيمان؛ قال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[[أخرجه مسلم (٨ / ١) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]]. وشرحُ هذا الحديث يطول لو تكلَّمْنا عليه الآن، لكنه قد تكلَّمْنا عليه في مواطن كثيرة، فالذين آمنوا بهذه الأصول السِّتَّة هم المؤمنون، ولكن يجب أن يكون إيمانًا لا شكَّ معه ولا تردُّد؛ بمعنى أنك تؤمن بهذه الأشياء وكأنك تراها رأي العين.
والناسُ في هذا المقام ثلاثة أقسام:
القِسم الأول: مؤمنٌ خالصٌ إيمانًا لا شكَّ فيه ولا تردُّد.
والقِسم الثاني: كافرٌ جاحدٌ مُنْكِر.
والقِسم الثالث: متردِّد.
فمَن الناجي مِن هؤلاء الأقسام الثلاثة؟ الناجي القِسم الأول الذي يؤمن إيمانًا لا تردُّد فيه، يؤمن بالله؛ بوُجوده، بأسمائه، بصفاته، بأُلُوهيَّته ورُبُوبيَّته، وغير ذلك مِمَّا هو معلومٌ من صفات الربِّ جل وعلا، ويؤمن بالملائكة وهم عالَمٌ غَيْبِيٌّ، خَلَقهم الله تعالى من نور، وكَلَّفهم بأعمالٍ منها ما هو معلومٌ ومنها ما ليس بمعلوم؛ فجبريل عليه الصلاة والسلام مُكَلَّفٌ بالوحي يَنْزل به مِن عند الله إلى الأنبياء والرُّسُل، وميكائيل مُكَلَّفٌ بالقَطْر والنبات؛ يعني وكَّلَهُ اللَّهُ على المطر وكلِّ ما يتعلَّق به المطر وعلى النبات، وإسرافيل مُوَكَّلٌ بالنفخ في الصُّور، ومالِكٌ مُوَكَّلٌ بالنار، ورضوان مُوَكَّلٌ بالجنة، ومِن الملائكة مَن لا نعلم أسماءهم ولا نعلم أعمالهم أيضًا، لكنْ جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنَّه «ما مِن موضعِ أَرْبعِ أصابعٍ في السماء إلَّا وفيه مَلَكٌ قائمٌ لله أو راكعٌ أو ساجدٌ»[[أخرج الترمذي (٢٣١٢) من حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إنِّي أرى ما لا تَرَون وأسمع ما لا تسمعون، أطَّت السماءُ، وحُقَّ لها أن تَئِطَّ؛ ما فيها موضعُ أربع أصابع إلا ومَلَكٌ واضعٌ جبهته ساجدًا لله، واللهِ لو تعلمون ما أعلمُ لَضحكتم قليلًا، ولَبكيتم كثيرًا، وما تلذَّذْتم بالنساء على الفُرُش، ولَخرجتم إلى الصُّعُدات تجأرون إلى الله» لَودِدتُ أنِّي كنتُ شجرةً تُعضَد. وعبارة: "لَودِدتُ أنِّي كنتُ شجرةً تُعضَد" من قول أبي ذرٍّ رضي الله عنه، انظر مسند أحمد (٢١٥١٦).]].
كذلك نؤمن بالكُتُب التي أنزلها الله على الرُّسُل عليهم الصلاة والسلام، ونؤمن بالرُّسُل؛ الذين قَصَّهم الله علينا نؤمن بهم بأعيانهم، والذين لم يَقُصَّهم علينا نؤمن بهم إجمالًا؛ لأن الله لم يَقُصَّ علينا جميع أنباء الرُّسُل؛ قال الله تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر ٧٨].
واليومُ الآخِرُ هو يوم البعث، يوم يخرج الناسُ من قبورهم للجزاء «حُفاةً عُراةً غُرْلًا بُهْمًا»[[أخرج البخاري (٣٣٤٩)، ومسلم (٢٨٦٠ / ٥٨) واللفظ له، بسنديهما من حديث ابن عباس قال: قام فينا رسول الله ﷺ خطيبًا بموعظةٍ فقال: «يا أيها الناسُ، إنَّكم تُحشَرون إلى الله حفاةً عُراةً غُرْلًا؛ ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] ...» الحديث، وأمَّا لفظ «بُهْمًا» فجاء فيما أخرجه أحمد (١٦٠٤٢) من حديث عبد الله بن أُنيس رضي الله عنه، جاء فيه: «يُحشَر الناسُ يوم القيامة -أو قال: العبادُ- عُراةً غُرْلًا بُهْمًا».]]؛ فالْحُفاة يعني: الذين ليس عليهم نِعالٌ ولا خِفافٌ؛ أي إن أقدامهم عاريةٌ، والعُراة: الذين ليس عليهم ثيابٌ، والغُرْل: الذين لم يُخْتَنوا، والبُهْم: الذين ليس معهم مال. يُحشَرون كذلك، «ولَمَّا حدَّثَ النبيُّ عليه الصلاة والسلام بأنهم عُرَاةٌ قالت عائشة: يا رسول الله، الرِّجال والنِّساء ينظُر بعضُهم إلى بعض؟! قال: «الْأَمْرُ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ»[[أخرج البخاري (٦٥٢٧)، ومسلم (٢٨٥٩ / ٥٦) واللفظ له، بسنديهما إلى عائشة قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «يُحشَر الناسُ يوم القيامة حُفاةً عُراةً غُرْلًا» قلتُ: يا رسول الله، النساء والرجال جميعًا ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال ﷺ: «يا عائشة، الأمر أشدُّ من أن ينظر بعضهم إلى بعض». وأمَّا لفظ «بُهْمًا» فجاء فيما أخرجه أحمد (١٦٠٤٢) من حديث عبد الله بن أُنيس رضي الله عنه، جاء فيه: «يُحشَر الناسُ يوم القيامة -أو قال: العبادُ- عُراةً غُرْلًا بُهْمًا».]]؛ أي: مِنْ أن ينظر بعضهم إلى بعض؛ لأن الناس كلٌّ مشغولٌ بنفسه.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: ومِن الإيمانِ باليوم الآخِر الإيمانُ بكلِّ ما أخبر به النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم مِمَّا يكون بعد الموت، فيجب أن تؤمن بفتنة القبر؛ أي: بالاختبار الذي يكون للميت إذا دُفِنَ وتَوَلَّى عنه أصحابُه؛ فإنَّه يأتيه مَلَكانِ يسألانِهِ عن ربِّه ودِينه ونبيِّه[[أخرج أبو داود (٤٧٥٣) بسنده عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازةِ رجُلٍ من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولَمَّا يُلحد، فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله كأنما على رؤوسنا الطير وفي يده عودٌ ينكت به في الأرض، فرفع رأسَه فقال: «استعيذوا بالله من عذاب القبر» مرتين أو ثلاثًا. زاد في حديث جرير هاهنا: وقال: «وإنَّه لَيسمع خَفْق نعالهم إذا ولَّوا مدبرين حين يُقال له: يا هذا، مَن ربُّك؟ وما دينك؟ ومَن نبيُّك؟ ...» الحديث.]]، وتؤمن كذلك بأن القبر إمَّا روضةٌ من رياض الجنة وإمَّا حُفْرة من حُفَر النار[[أخرج الطبراني في الأوسط (٨٦١٣) بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «القبر روضةٌ من رياض الجنة أو حفرةٌ من حُفَر النار».]]؛ أي إن فيه العذاب أو الثواب، وتؤمن كذلك بالجنة والنار، وكلُّ ما يتعلَّق باليوم الآخِر فإنه داخلٌ في قولنا: أنْ تؤمن بالله واليوم الآخِر.
القَدَر: تقدير الله عز وجل؛ يعني يجب أن تؤمن بأن الله تعالى قدَّر كلَّ شيء؛ وذلك «أن الله خَلَق القَلَمَ فقال له: اكتُبْ. قال: وماذا أكتُبُ؟ قال: اكتُبْ ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة»[[أخرجه الترمذي (٢١٥٥) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، ولفظه: «إنَّ أول ما خلق الله القلم، فقال: اكتُبْ، فقال: ما أكتبُ؟ قال: اكتُب القدرَ ما كان وما هو كائنٌ إلى الأبد».]]. فجرى في تلك الساعة بما هو كائنٌ إلى يوم القيامة.
إذَن الإيمان في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يشمل أيش؟ الإيمانَ بالأصول الستة التي بيَّنها الرسولُ عليه الصلاة والسلام.
أمَّا قوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فمعناه أنهم قاموا بالأعمال الصالحة من صلاةٍ، وزكاةٍ، وصيامٍ، وحجٍّ، وبِرٍّ للوالدين، وصلةٍ للأرحام، وغير ذلك؛ لم يقتصروا على مجرَّد ما في القلب، بل عَمِلوا وأنتجوا.
والصالحاتُ هي التي اشتملتْ على شيئين؛ الأول: الإخلاص لله، والثاني: المتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام؛ وذلك أنَّ العمل إذا لم يكن خالصًا لله فهو مردودٌ؛ قال الله تبارك وتعالى في الحديث القدسي الذي يرويه النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم عنه، قال الله: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. فلو قُمْتَ تُصلِّي مُراءاةً للناس، أو تصدَّقْتَ مُراءاةً للناس، أو طلبتَ العلم مُراءاةً للناس، أو وَصَلْتَ الرَّحِمَ مُراءاةً للناس، أو غير ذلك، فالعمل مردودٌ حتى وإنْ كان صالحًا؛ يعني في ظاهره.
كذلك الاتِّباع؛ لو أنَّك عَمِلتَ عملًا لم يعمله الرسولُ عليه الصلاة والسلام وتقرَّبْتَ به إلى الله مع الإخلاص لله فإنَّه لا يُقبل منك؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧) بنحوه، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) واللفظ له، من حديث عائشة رضي الله عنها.]].
إذَن العملُ الصالحُ ما جَمَعَ وَصْفين؛ الأول: الإخلاص لله، والثاني أيش؟ المتابعةُ للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ أي: صار بعضُهم يُوصي بعضًا بالحقِّ، والحقُّ هو الشَّرع؛ يعني: كلُّ واحدٍ منهم يُوصي الآخَر، إذا رآهُ مُفَرِّطًا في واجبٍ أوصاه؛ قال: يا أخي، انفعْ نفسَك، قُمْ بالواجب. إذا رآه فاعلًا محرَّمًا أوصاه؛ قال: يا أخي، اجتنب الحرام. فهُمْ لم يقتصروا على نفْعِ أنفسهم، بل نفعوا أنفسَهم وغيرَهم، ﴿تَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾، الحقُّ هنا بمعنى أيش؟ الشرع، يُوصي بعضُهم بعضًا به.
﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ والصبر: حَبْس النفس عمَّا لا ينبغي فِعْله، وقسَّمه أهل العلم إلى ثلاثة أقسامٍ فقالوا: إن الصبر صبرٌ على طاعة الله، وصبرٌ عن محارم الله، وصبرٌ على أقدار الله؛ ثلاثة أقسام.
الصبر على الطاعة؛ كثيرٌ من الناس يكون فيه كَسَلٌ عن الصلاة مع الجماعة مَثَلًا، لا يذهب إلى المسجد، يقول: أُصَلِّي في البيت وأدَّيتُ الواجب، فيكسل، نقول: يا أخي اصبرْ نفسَك، احبِسْها، كلِّفْها على أن تصلِّي مع الجماعة.
كثيرٌ من الناس إذا رأى زكاة ماله كثيرةً شَحَّ وبَخِلَ وصار يتردَّد: أُخرِج هذا المالَ الكثيرَ، أو أتركه، أو بَعْدِين أطلعه؟ وما أشبهَ ذلك، نقول: يا أخي، اصبرْ نفسَك، أَكْرِهها على أداء الزكاة.
وهكذا بقيَّة العبادات، فإن العبادات كما قال الله تعالى في الصلاة: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة ٤٥]، أكثر عباد الله تجد أن العبادات عليهم ثقيلة، فهم يتواصون بالصبر: اصبرْ على الطاعة، لا تَمَلَّ، لا تكسل.
كذلك الصبر عن المعصية؛ بعضُ الناس تجرُّه نفسُه إلى أكسابٍ محرَّمةٍ؛ إمَّا بالرِّبا، وإمَّا بالغِشِّ والكذب، وإمَّا بالتدليس، أو بغير ذلك من أنواع الحرام، فنقول: اصبرْ يا أخي، اصبرْ نفسَك، لا تتعاملْ على وجهٍ محرَّم.
بعضُ الناس أيضًا يُبتلَى بالنظر إلى النساء، تجده ماشيًا في السوق كُلَّما مَرَّت امرأةٌ أَتْبَعَها بَصَرَهُ، نقول: يا أخي اصبرْ، احبِسْ نفسَك عن هذا الشيء.
على أقدار الله؛ يُصاب الإنسانُ بمرضٍ في بَدَنِه، يُصاب الإنسانُ بفَقْد شيءٍ من ماله، يُصاب الإنسانُ بفَقْد أحِبَّته، فيجزع ويتسخَّط ويتألَّم، فيوصون فيما بينهم: اصبرْ يا أخي، هذا أمْرٌ مُقَدَّر، والجزعُ لا يُفيد شيئًا، واستمرارُ الحزنِ لا يرفع الحزنَ، اصبرْ، قَدِّر أنَّ هذا الشيءَ لَمْ يكُنْ أصلًا؛ يعني مَثَلًا إنسان فَقَدَ مليون ريال فحَزِنَ لذلك وتعذَّب منه، ماذا نقول له؟ نقول: اصبرْ يا أخي، قَدِّر أنَّ هذا المليون لم يوجَد، ألسْتَ قد خرجْتَ من بطن أُمِّك ليس عليك ثياب؟! قَدِّر أنَّ هذا ما كان.
كذلك أيضًا الأولاد؛ مَثَلًا إنسان امتُحِنَ بموت ابنه، نقول: يا أخي، اصبرْ، قَدِّر أنَّ هذا الابن لم يُخْلَق، ثم كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام لإحدى بناته: «مُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ؛ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى»[[أخرج البخاري (٧٤٤٨)، ومسلم (٩٢٣ / ١١) واللفظ له، بسنديهما عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: كنَّا عند النبي ﷺ، فأرسلتْ إليه إحدى بناته تدعوه وتخبره أن صبيًّا لها أو ابنًا لها في الموت، فقال للرسول: «ارجعْ إليها فأخبرْها أنَّ لله ما أخذ وله ما أعطى، وكلُّ شيءٍ عنده بأجَلٍ مُسَمًّى، فمُرْها فلتصبر ولتحتسبْ ...» الحديث.]]، الأمر كلُّه لله ما هو لك، فإذا أخذ الله تعالى ملْكَه كيف تعتبُ على ربِّك؟! كيف تتسخَّط؟!
فهذه أنواع الصبر؛ الصبر الأول: على طاعة الله، والثاني: عن معصية الله، والثالث: على أقدار الله.
أيُّها أشقُّ على النفوس؟ هذا يختلف؛ بعضُ الناس يشقُّ عليه القيامُ بالطاعة وتكون ثقيلةً عليه جِدًّا، وبعضُ الناس بالعكس؛ الطاعة هيِّنة عليه، لكنْ تَرْك المعصية صعبٌ شاقٌّ يشقُّ عليه مشقَّة كبيرة، وبعضُ الناس يَسْهُل عليه الصبرُ على الطاعة والصبرُ عن المعصية لكنْ لا يتحمَّل الصبرَ على المصائب، يعجز، حتى إنَّه قد تَصِل به الحال إلى أن يرتَدَّ -والعياذُ بالله- كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج ١١].
إذَنْ نأخذ من هذه الآية أنَّ الله سبحانه وتعالى أكَّدَ بالقَسَم المؤكَّد بـ(إنَّ) واللام أنَّ جميع بني آدم أيش؟ خاسرون، بل في خُسْرٍ؛ الْخُسْر محيطٌ بهم من كلِّ جانب، إلَّا مَن اتَّصَفَ بهذه الصفات الأربع: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر.
قال الشافعي رحمه الله: لولم يُنزل اللَّهُ على عباده حُجَّةً إلا هذه السورة لَكَفَتْهم. يعني: كَفَتْهم موعظةً، وليس كَفَتْهم تشريعًا؛ لأنه ما فيها شيءٌ من التشريع؛ ما فيها طهارةٌ ولا صلاةٌ ولا زكاةٌ ولا حجٌّ ولا صيامٌ، لكنْ كَفَتْهم موعظةً، كل إنسان عاقل يعرف أنَّه في خُسْرٍ إلَّا إذا اتَّصَفَ بهذه الصفات الأربع فإنه سوف يحاول بقَدْر ما يستطيع أن يتَّصِفَ بهذه الصفات الأربع.
نسأل الله أن يجعلنا وإيَّاكم من الرابحين الموفَّقين.
العصر 103:2
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أمَّا بعد، فهذا هو اللقاء الأسبوعي المسمَّى بلقاء الباب المفتوح، وهو التاسع والتسعون، يتمُّ هذا اللقاء يوم الخميس الرابع عشر من شهر ربيع الأول عام ستة عشر وأربع مئة وألف، نتكلم فيه بما شاء الله عز وجل من تفسير سورة العصر.
يقول الله عز وجل: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر ١، ٢]، فما المراد بالعصر؟
قيل: إن المراد بالعصر آخِر النهار؛ لأن آخِر النهار أَفْضلُه، وصلاة العصر تُسَمَّى الصلاة الوسطى؛ أي: الفُضْلى، كما سَمَّاها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك.
وقيل: إن العصر هو الزمان، وهذا هو الأصحُّ أنَّ العصر هو الزمان، أَقْسَمَ الله به لِمَا يقع فيه من اختلاف الأحوال، وتَقَلُّبات الأمور، ومُداولة الأيام بين الناس، وغير ذلك مِمَّا هو مُشاهَدٌ في الحاضر ومُتَحَدَّثٌ عنه في الغابر، فالعصر هو الزمان الذي يعيشه الخلْق، وتختلف أوقاته شِدَّةً ورخاءً، وحربًا وسِلْمًا، وصِحَّةً ومرضًا، وعملًا صالحًا وعملًا سيِّئًا، إلى غير ذلك مما هو معروفٌ للجميع.
أَقْسَمَ الله به على أيِّ شيءٍ؟ على قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾، والإنسان هنا عامٌّ؛ لأن المراد به الجنس، وعلامة الإنسان الذي يُراد به العموم أن يحلَّ مَحَلَّه -أي: محلَّ (أل)- كلمة (كُل)، فهُنا لو قيل: كلُّ إنسانٍ في خُسْر، لكان هذا هو المعنى.
ومعنى الآية الكريمة أن الله أَقْسَمَ قَسَمًا على حال الإنسان أنَّه في خُسْر؛ أي: في خُسرانٍ ونُقْصانٍ في كلِّ أحواله في الدنيا وفي الآخرة إلَّا مَن استثنى اللَّهُ عز وجل. وهذه الجملة كما ترون مؤكَّدةٌ بثلاثة مؤكِّدات؛ الأول: القَسَم، والثاني: ﴿إِنَّ﴾، والثالث: اللام، وأتى بقوله: ﴿لَفِي خُسْرٍ﴾ ليكون أَبْلَغ من قوله: لَخاسِرٌ؛ وذلك أنَّ (في) معناها أيش؟ معناها الظرفية، فكأنَّ الإنسان منغمسٌ في الْخُسْر، والْخُسْران محيطٌ به من كلِّ جانب.
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر ٣] استثنى اللَّهُ سبحانه وتعالى هؤلاء المتَّصفين بهذه الصفات الأربع؛ الصفة الأولى: الإيمان الذي لا يخالجه شكٌّ ولا تردُّد، بماذا؟ بما بيَّنه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين سأله جبريل عن الإيمان؛ قال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[[أخرجه مسلم (٨ / ١) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]]. وشرحُ هذا الحديث يطول لو تكلَّمْنا عليه الآن، لكنه قد تكلَّمْنا عليه في مواطن كثيرة، فالذين آمنوا بهذه الأصول السِّتَّة هم المؤمنون، ولكن يجب أن يكون إيمانًا لا شكَّ معه ولا تردُّد؛ بمعنى أنك تؤمن بهذه الأشياء وكأنك تراها رأي العين.
والناسُ في هذا المقام ثلاثة أقسام:
القِسم الأول: مؤمنٌ خالصٌ إيمانًا لا شكَّ فيه ولا تردُّد.
والقِسم الثاني: كافرٌ جاحدٌ مُنْكِر.
والقِسم الثالث: متردِّد.
فمَن الناجي مِن هؤلاء الأقسام الثلاثة؟ الناجي القِسم الأول الذي يؤمن إيمانًا لا تردُّد فيه، يؤمن بالله؛ بوُجوده، بأسمائه، بصفاته، بأُلُوهيَّته ورُبُوبيَّته، وغير ذلك مِمَّا هو معلومٌ من صفات الربِّ جل وعلا، ويؤمن بالملائكة وهم عالَمٌ غَيْبِيٌّ، خَلَقهم الله تعالى من نور، وكَلَّفهم بأعمالٍ منها ما هو معلومٌ ومنها ما ليس بمعلوم؛ فجبريل عليه الصلاة والسلام مُكَلَّفٌ بالوحي يَنْزل به مِن عند الله إلى الأنبياء والرُّسُل، وميكائيل مُكَلَّفٌ بالقَطْر والنبات؛ يعني وكَّلَهُ اللَّهُ على المطر وكلِّ ما يتعلَّق به المطر وعلى النبات، وإسرافيل مُوَكَّلٌ بالنفخ في الصُّور، ومالِكٌ مُوَكَّلٌ بالنار، ورضوان مُوَكَّلٌ بالجنة، ومِن الملائكة مَن لا نعلم أسماءهم ولا نعلم أعمالهم أيضًا، لكنْ جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنَّه «ما مِن موضعِ أَرْبعِ أصابعٍ في السماء إلَّا وفيه مَلَكٌ قائمٌ لله أو راكعٌ أو ساجدٌ»[[أخرج الترمذي (٢٣١٢) من حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إنِّي أرى ما لا تَرَون وأسمع ما لا تسمعون، أطَّت السماءُ، وحُقَّ لها أن تَئِطَّ؛ ما فيها موضعُ أربع أصابع إلا ومَلَكٌ واضعٌ جبهته ساجدًا لله، واللهِ لو تعلمون ما أعلمُ لَضحكتم قليلًا، ولَبكيتم كثيرًا، وما تلذَّذْتم بالنساء على الفُرُش، ولَخرجتم إلى الصُّعُدات تجأرون إلى الله» لَودِدتُ أنِّي كنتُ شجرةً تُعضَد. وعبارة: "لَودِدتُ أنِّي كنتُ شجرةً تُعضَد" من قول أبي ذرٍّ رضي الله عنه، انظر مسند أحمد (٢١٥١٦).]].
كذلك نؤمن بالكُتُب التي أنزلها الله على الرُّسُل عليهم الصلاة والسلام، ونؤمن بالرُّسُل؛ الذين قَصَّهم الله علينا نؤمن بهم بأعيانهم، والذين لم يَقُصَّهم علينا نؤمن بهم إجمالًا؛ لأن الله لم يَقُصَّ علينا جميع أنباء الرُّسُل؛ قال الله تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر ٧٨].
واليومُ الآخِرُ هو يوم البعث، يوم يخرج الناسُ من قبورهم للجزاء «حُفاةً عُراةً غُرْلًا بُهْمًا»[[أخرج البخاري (٣٣٤٩)، ومسلم (٢٨٦٠ / ٥٨) واللفظ له، بسنديهما من حديث ابن عباس قال: قام فينا رسول الله ﷺ خطيبًا بموعظةٍ فقال: «يا أيها الناسُ، إنَّكم تُحشَرون إلى الله حفاةً عُراةً غُرْلًا؛ ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] ...» الحديث، وأمَّا لفظ «بُهْمًا» فجاء فيما أخرجه أحمد (١٦٠٤٢) من حديث عبد الله بن أُنيس رضي الله عنه، جاء فيه: «يُحشَر الناسُ يوم القيامة -أو قال: العبادُ- عُراةً غُرْلًا بُهْمًا».]]؛ فالْحُفاة يعني: الذين ليس عليهم نِعالٌ ولا خِفافٌ؛ أي إن أقدامهم عاريةٌ، والعُراة: الذين ليس عليهم ثيابٌ، والغُرْل: الذين لم يُخْتَنوا، والبُهْم: الذين ليس معهم مال. يُحشَرون كذلك، «ولَمَّا حدَّثَ النبيُّ عليه الصلاة والسلام بأنهم عُرَاةٌ قالت عائشة: يا رسول الله، الرِّجال والنِّساء ينظُر بعضُهم إلى بعض؟! قال: «الْأَمْرُ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ»[[أخرج البخاري (٦٥٢٧)، ومسلم (٢٨٥٩ / ٥٦) واللفظ له، بسنديهما إلى عائشة قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «يُحشَر الناسُ يوم القيامة حُفاةً عُراةً غُرْلًا» قلتُ: يا رسول الله، النساء والرجال جميعًا ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال ﷺ: «يا عائشة، الأمر أشدُّ من أن ينظر بعضهم إلى بعض». وأمَّا لفظ «بُهْمًا» فجاء فيما أخرجه أحمد (١٦٠٤٢) من حديث عبد الله بن أُنيس رضي الله عنه، جاء فيه: «يُحشَر الناسُ يوم القيامة -أو قال: العبادُ- عُراةً غُرْلًا بُهْمًا».]]؛ أي: مِنْ أن ينظر بعضهم إلى بعض؛ لأن الناس كلٌّ مشغولٌ بنفسه.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: ومِن الإيمانِ باليوم الآخِر الإيمانُ بكلِّ ما أخبر به النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم مِمَّا يكون بعد الموت، فيجب أن تؤمن بفتنة القبر؛ أي: بالاختبار الذي يكون للميت إذا دُفِنَ وتَوَلَّى عنه أصحابُه؛ فإنَّه يأتيه مَلَكانِ يسألانِهِ عن ربِّه ودِينه ونبيِّه[[أخرج أبو داود (٤٧٥٣) بسنده عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازةِ رجُلٍ من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولَمَّا يُلحد، فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله كأنما على رؤوسنا الطير وفي يده عودٌ ينكت به في الأرض، فرفع رأسَه فقال: «استعيذوا بالله من عذاب القبر» مرتين أو ثلاثًا. زاد في حديث جرير هاهنا: وقال: «وإنَّه لَيسمع خَفْق نعالهم إذا ولَّوا مدبرين حين يُقال له: يا هذا، مَن ربُّك؟ وما دينك؟ ومَن نبيُّك؟ ...» الحديث.]]، وتؤمن كذلك بأن القبر إمَّا روضةٌ من رياض الجنة وإمَّا حُفْرة من حُفَر النار[[أخرج الطبراني في الأوسط (٨٦١٣) بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «القبر روضةٌ من رياض الجنة أو حفرةٌ من حُفَر النار».]]؛ أي إن فيه العذاب أو الثواب، وتؤمن كذلك بالجنة والنار، وكلُّ ما يتعلَّق باليوم الآخِر فإنه داخلٌ في قولنا: أنْ تؤمن بالله واليوم الآخِر.
القَدَر: تقدير الله عز وجل؛ يعني يجب أن تؤمن بأن الله تعالى قدَّر كلَّ شيء؛ وذلك «أن الله خَلَق القَلَمَ فقال له: اكتُبْ. قال: وماذا أكتُبُ؟ قال: اكتُبْ ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة»[[أخرجه الترمذي (٢١٥٥) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، ولفظه: «إنَّ أول ما خلق الله القلم، فقال: اكتُبْ، فقال: ما أكتبُ؟ قال: اكتُب القدرَ ما كان وما هو كائنٌ إلى الأبد».]]. فجرى في تلك الساعة بما هو كائنٌ إلى يوم القيامة.
إذَن الإيمان في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يشمل أيش؟ الإيمانَ بالأصول الستة التي بيَّنها الرسولُ عليه الصلاة والسلام.
أمَّا قوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فمعناه أنهم قاموا بالأعمال الصالحة من صلاةٍ، وزكاةٍ، وصيامٍ، وحجٍّ، وبِرٍّ للوالدين، وصلةٍ للأرحام، وغير ذلك؛ لم يقتصروا على مجرَّد ما في القلب، بل عَمِلوا وأنتجوا.
والصالحاتُ هي التي اشتملتْ على شيئين؛ الأول: الإخلاص لله، والثاني: المتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام؛ وذلك أنَّ العمل إذا لم يكن خالصًا لله فهو مردودٌ؛ قال الله تبارك وتعالى في الحديث القدسي الذي يرويه النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم عنه، قال الله: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. فلو قُمْتَ تُصلِّي مُراءاةً للناس، أو تصدَّقْتَ مُراءاةً للناس، أو طلبتَ العلم مُراءاةً للناس، أو وَصَلْتَ الرَّحِمَ مُراءاةً للناس، أو غير ذلك، فالعمل مردودٌ حتى وإنْ كان صالحًا؛ يعني في ظاهره.
كذلك الاتِّباع؛ لو أنَّك عَمِلتَ عملًا لم يعمله الرسولُ عليه الصلاة والسلام وتقرَّبْتَ به إلى الله مع الإخلاص لله فإنَّه لا يُقبل منك؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧) بنحوه، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) واللفظ له، من حديث عائشة رضي الله عنها.]].
إذَن العملُ الصالحُ ما جَمَعَ وَصْفين؛ الأول: الإخلاص لله، والثاني أيش؟ المتابعةُ للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ أي: صار بعضُهم يُوصي بعضًا بالحقِّ، والحقُّ هو الشَّرع؛ يعني: كلُّ واحدٍ منهم يُوصي الآخَر، إذا رآهُ مُفَرِّطًا في واجبٍ أوصاه؛ قال: يا أخي، انفعْ نفسَك، قُمْ بالواجب. إذا رآه فاعلًا محرَّمًا أوصاه؛ قال: يا أخي، اجتنب الحرام. فهُمْ لم يقتصروا على نفْعِ أنفسهم، بل نفعوا أنفسَهم وغيرَهم، ﴿تَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾، الحقُّ هنا بمعنى أيش؟ الشرع، يُوصي بعضُهم بعضًا به.
﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ والصبر: حَبْس النفس عمَّا لا ينبغي فِعْله، وقسَّمه أهل العلم إلى ثلاثة أقسامٍ فقالوا: إن الصبر صبرٌ على طاعة الله، وصبرٌ عن محارم الله، وصبرٌ على أقدار الله؛ ثلاثة أقسام.
الصبر على الطاعة؛ كثيرٌ من الناس يكون فيه كَسَلٌ عن الصلاة مع الجماعة مَثَلًا، لا يذهب إلى المسجد، يقول: أُصَلِّي في البيت وأدَّيتُ الواجب، فيكسل، نقول: يا أخي اصبرْ نفسَك، احبِسْها، كلِّفْها على أن تصلِّي مع الجماعة.
كثيرٌ من الناس إذا رأى زكاة ماله كثيرةً شَحَّ وبَخِلَ وصار يتردَّد: أُخرِج هذا المالَ الكثيرَ، أو أتركه، أو بَعْدِين أطلعه؟ وما أشبهَ ذلك، نقول: يا أخي، اصبرْ نفسَك، أَكْرِهها على أداء الزكاة.
وهكذا بقيَّة العبادات، فإن العبادات كما قال الله تعالى في الصلاة: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة ٤٥]، أكثر عباد الله تجد أن العبادات عليهم ثقيلة، فهم يتواصون بالصبر: اصبرْ على الطاعة، لا تَمَلَّ، لا تكسل.
كذلك الصبر عن المعصية؛ بعضُ الناس تجرُّه نفسُه إلى أكسابٍ محرَّمةٍ؛ إمَّا بالرِّبا، وإمَّا بالغِشِّ والكذب، وإمَّا بالتدليس، أو بغير ذلك من أنواع الحرام، فنقول: اصبرْ يا أخي، اصبرْ نفسَك، لا تتعاملْ على وجهٍ محرَّم.
بعضُ الناس أيضًا يُبتلَى بالنظر إلى النساء، تجده ماشيًا في السوق كُلَّما مَرَّت امرأةٌ أَتْبَعَها بَصَرَهُ، نقول: يا أخي اصبرْ، احبِسْ نفسَك عن هذا الشيء.
على أقدار الله؛ يُصاب الإنسانُ بمرضٍ في بَدَنِه، يُصاب الإنسانُ بفَقْد شيءٍ من ماله، يُصاب الإنسانُ بفَقْد أحِبَّته، فيجزع ويتسخَّط ويتألَّم، فيوصون فيما بينهم: اصبرْ يا أخي، هذا أمْرٌ مُقَدَّر، والجزعُ لا يُفيد شيئًا، واستمرارُ الحزنِ لا يرفع الحزنَ، اصبرْ، قَدِّر أنَّ هذا الشيءَ لَمْ يكُنْ أصلًا؛ يعني مَثَلًا إنسان فَقَدَ مليون ريال فحَزِنَ لذلك وتعذَّب منه، ماذا نقول له؟ نقول: اصبرْ يا أخي، قَدِّر أنَّ هذا المليون لم يوجَد، ألسْتَ قد خرجْتَ من بطن أُمِّك ليس عليك ثياب؟! قَدِّر أنَّ هذا ما كان.
كذلك أيضًا الأولاد؛ مَثَلًا إنسان امتُحِنَ بموت ابنه، نقول: يا أخي، اصبرْ، قَدِّر أنَّ هذا الابن لم يُخْلَق، ثم كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام لإحدى بناته: «مُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ؛ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى»[[أخرج البخاري (٧٤٤٨)، ومسلم (٩٢٣ / ١١) واللفظ له، بسنديهما عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: كنَّا عند النبي ﷺ، فأرسلتْ إليه إحدى بناته تدعوه وتخبره أن صبيًّا لها أو ابنًا لها في الموت، فقال للرسول: «ارجعْ إليها فأخبرْها أنَّ لله ما أخذ وله ما أعطى، وكلُّ شيءٍ عنده بأجَلٍ مُسَمًّى، فمُرْها فلتصبر ولتحتسبْ ...» الحديث.]]، الأمر كلُّه لله ما هو لك، فإذا أخذ الله تعالى ملْكَه كيف تعتبُ على ربِّك؟! كيف تتسخَّط؟!
فهذه أنواع الصبر؛ الصبر الأول: على طاعة الله، والثاني: عن معصية الله، والثالث: على أقدار الله.
أيُّها أشقُّ على النفوس؟ هذا يختلف؛ بعضُ الناس يشقُّ عليه القيامُ بالطاعة وتكون ثقيلةً عليه جِدًّا، وبعضُ الناس بالعكس؛ الطاعة هيِّنة عليه، لكنْ تَرْك المعصية صعبٌ شاقٌّ يشقُّ عليه مشقَّة كبيرة، وبعضُ الناس يَسْهُل عليه الصبرُ على الطاعة والصبرُ عن المعصية لكنْ لا يتحمَّل الصبرَ على المصائب، يعجز، حتى إنَّه قد تَصِل به الحال إلى أن يرتَدَّ -والعياذُ بالله- كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج ١١].
إذَنْ نأخذ من هذه الآية أنَّ الله سبحانه وتعالى أكَّدَ بالقَسَم المؤكَّد بـ(إنَّ) واللام أنَّ جميع بني آدم أيش؟ خاسرون، بل في خُسْرٍ؛ الْخُسْر محيطٌ بهم من كلِّ جانب، إلَّا مَن اتَّصَفَ بهذه الصفات الأربع: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر.
قال الشافعي رحمه الله: لولم يُنزل اللَّهُ على عباده حُجَّةً إلا هذه السورة لَكَفَتْهم. يعني: كَفَتْهم موعظةً، وليس كَفَتْهم تشريعًا؛ لأنه ما فيها شيءٌ من التشريع؛ ما فيها طهارةٌ ولا صلاةٌ ولا زكاةٌ ولا حجٌّ ولا صيامٌ، لكنْ كَفَتْهم موعظةً، كل إنسان عاقل يعرف أنَّه في خُسْرٍ إلَّا إذا اتَّصَفَ بهذه الصفات الأربع فإنه سوف يحاول بقَدْر ما يستطيع أن يتَّصِفَ بهذه الصفات الأربع.
نسأل الله أن يجعلنا وإيَّاكم من الرابحين الموفَّقين.
العصر 103:3
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أمَّا بعد، فهذا هو اللقاء الأسبوعي المسمَّى بلقاء الباب المفتوح، وهو التاسع والتسعون، يتمُّ هذا اللقاء يوم الخميس الرابع عشر من شهر ربيع الأول عام ستة عشر وأربع مئة وألف، نتكلم فيه بما شاء الله عز وجل من تفسير سورة العصر.
يقول الله عز وجل: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر ١، ٢]، فما المراد بالعصر؟
قيل: إن المراد بالعصر آخِر النهار؛ لأن آخِر النهار أَفْضلُه، وصلاة العصر تُسَمَّى الصلاة الوسطى؛ أي: الفُضْلى، كما سَمَّاها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك.
وقيل: إن العصر هو الزمان، وهذا هو الأصحُّ أنَّ العصر هو الزمان، أَقْسَمَ الله به لِمَا يقع فيه من اختلاف الأحوال، وتَقَلُّبات الأمور، ومُداولة الأيام بين الناس، وغير ذلك مِمَّا هو مُشاهَدٌ في الحاضر ومُتَحَدَّثٌ عنه في الغابر، فالعصر هو الزمان الذي يعيشه الخلْق، وتختلف أوقاته شِدَّةً ورخاءً، وحربًا وسِلْمًا، وصِحَّةً ومرضًا، وعملًا صالحًا وعملًا سيِّئًا، إلى غير ذلك مما هو معروفٌ للجميع.
أَقْسَمَ الله به على أيِّ شيءٍ؟ على قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾، والإنسان هنا عامٌّ؛ لأن المراد به الجنس، وعلامة الإنسان الذي يُراد به العموم أن يحلَّ مَحَلَّه -أي: محلَّ (أل)- كلمة (كُل)، فهُنا لو قيل: كلُّ إنسانٍ في خُسْر، لكان هذا هو المعنى.
ومعنى الآية الكريمة أن الله أَقْسَمَ قَسَمًا على حال الإنسان أنَّه في خُسْر؛ أي: في خُسرانٍ ونُقْصانٍ في كلِّ أحواله في الدنيا وفي الآخرة إلَّا مَن استثنى اللَّهُ عز وجل. وهذه الجملة كما ترون مؤكَّدةٌ بثلاثة مؤكِّدات؛ الأول: القَسَم، والثاني: ﴿إِنَّ﴾، والثالث: اللام، وأتى بقوله: ﴿لَفِي خُسْرٍ﴾ ليكون أَبْلَغ من قوله: لَخاسِرٌ؛ وذلك أنَّ (في) معناها أيش؟ معناها الظرفية، فكأنَّ الإنسان منغمسٌ في الْخُسْر، والْخُسْران محيطٌ به من كلِّ جانب.
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر ٣] استثنى اللَّهُ سبحانه وتعالى هؤلاء المتَّصفين بهذه الصفات الأربع؛ الصفة الأولى: الإيمان الذي لا يخالجه شكٌّ ولا تردُّد، بماذا؟ بما بيَّنه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين سأله جبريل عن الإيمان؛ قال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[[أخرجه مسلم (٨ / ١) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]]. وشرحُ هذا الحديث يطول لو تكلَّمْنا عليه الآن، لكنه قد تكلَّمْنا عليه في مواطن كثيرة، فالذين آمنوا بهذه الأصول السِّتَّة هم المؤمنون، ولكن يجب أن يكون إيمانًا لا شكَّ معه ولا تردُّد؛ بمعنى أنك تؤمن بهذه الأشياء وكأنك تراها رأي العين.
والناسُ في هذا المقام ثلاثة أقسام:
القِسم الأول: مؤمنٌ خالصٌ إيمانًا لا شكَّ فيه ولا تردُّد.
والقِسم الثاني: كافرٌ جاحدٌ مُنْكِر.
والقِسم الثالث: متردِّد.
فمَن الناجي مِن هؤلاء الأقسام الثلاثة؟ الناجي القِسم الأول الذي يؤمن إيمانًا لا تردُّد فيه، يؤمن بالله؛ بوُجوده، بأسمائه، بصفاته، بأُلُوهيَّته ورُبُوبيَّته، وغير ذلك مِمَّا هو معلومٌ من صفات الربِّ جل وعلا، ويؤمن بالملائكة وهم عالَمٌ غَيْبِيٌّ، خَلَقهم الله تعالى من نور، وكَلَّفهم بأعمالٍ منها ما هو معلومٌ ومنها ما ليس بمعلوم؛ فجبريل عليه الصلاة والسلام مُكَلَّفٌ بالوحي يَنْزل به مِن عند الله إلى الأنبياء والرُّسُل، وميكائيل مُكَلَّفٌ بالقَطْر والنبات؛ يعني وكَّلَهُ اللَّهُ على المطر وكلِّ ما يتعلَّق به المطر وعلى النبات، وإسرافيل مُوَكَّلٌ بالنفخ في الصُّور، ومالِكٌ مُوَكَّلٌ بالنار، ورضوان مُوَكَّلٌ بالجنة، ومِن الملائكة مَن لا نعلم أسماءهم ولا نعلم أعمالهم أيضًا، لكنْ جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنَّه «ما مِن موضعِ أَرْبعِ أصابعٍ في السماء إلَّا وفيه مَلَكٌ قائمٌ لله أو راكعٌ أو ساجدٌ»[[أخرج الترمذي (٢٣١٢) من حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إنِّي أرى ما لا تَرَون وأسمع ما لا تسمعون، أطَّت السماءُ، وحُقَّ لها أن تَئِطَّ؛ ما فيها موضعُ أربع أصابع إلا ومَلَكٌ واضعٌ جبهته ساجدًا لله، واللهِ لو تعلمون ما أعلمُ لَضحكتم قليلًا، ولَبكيتم كثيرًا، وما تلذَّذْتم بالنساء على الفُرُش، ولَخرجتم إلى الصُّعُدات تجأرون إلى الله» لَودِدتُ أنِّي كنتُ شجرةً تُعضَد. وعبارة: "لَودِدتُ أنِّي كنتُ شجرةً تُعضَد" من قول أبي ذرٍّ رضي الله عنه، انظر مسند أحمد (٢١٥١٦).]].
كذلك نؤمن بالكُتُب التي أنزلها الله على الرُّسُل عليهم الصلاة والسلام، ونؤمن بالرُّسُل؛ الذين قَصَّهم الله علينا نؤمن بهم بأعيانهم، والذين لم يَقُصَّهم علينا نؤمن بهم إجمالًا؛ لأن الله لم يَقُصَّ علينا جميع أنباء الرُّسُل؛ قال الله تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر ٧٨].
واليومُ الآخِرُ هو يوم البعث، يوم يخرج الناسُ من قبورهم للجزاء «حُفاةً عُراةً غُرْلًا بُهْمًا»[[أخرج البخاري (٣٣٤٩)، ومسلم (٢٨٦٠ / ٥٨) واللفظ له، بسنديهما من حديث ابن عباس قال: قام فينا رسول الله ﷺ خطيبًا بموعظةٍ فقال: «يا أيها الناسُ، إنَّكم تُحشَرون إلى الله حفاةً عُراةً غُرْلًا؛ ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] ...» الحديث، وأمَّا لفظ «بُهْمًا» فجاء فيما أخرجه أحمد (١٦٠٤٢) من حديث عبد الله بن أُنيس رضي الله عنه، جاء فيه: «يُحشَر الناسُ يوم القيامة -أو قال: العبادُ- عُراةً غُرْلًا بُهْمًا».]]؛ فالْحُفاة يعني: الذين ليس عليهم نِعالٌ ولا خِفافٌ؛ أي إن أقدامهم عاريةٌ، والعُراة: الذين ليس عليهم ثيابٌ، والغُرْل: الذين لم يُخْتَنوا، والبُهْم: الذين ليس معهم مال. يُحشَرون كذلك، «ولَمَّا حدَّثَ النبيُّ عليه الصلاة والسلام بأنهم عُرَاةٌ قالت عائشة: يا رسول الله، الرِّجال والنِّساء ينظُر بعضُهم إلى بعض؟! قال: «الْأَمْرُ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ»[[أخرج البخاري (٦٥٢٧)، ومسلم (٢٨٥٩ / ٥٦) واللفظ له، بسنديهما إلى عائشة قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «يُحشَر الناسُ يوم القيامة حُفاةً عُراةً غُرْلًا» قلتُ: يا رسول الله، النساء والرجال جميعًا ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال ﷺ: «يا عائشة، الأمر أشدُّ من أن ينظر بعضهم إلى بعض». وأمَّا لفظ «بُهْمًا» فجاء فيما أخرجه أحمد (١٦٠٤٢) من حديث عبد الله بن أُنيس رضي الله عنه، جاء فيه: «يُحشَر الناسُ يوم القيامة -أو قال: العبادُ- عُراةً غُرْلًا بُهْمًا».]]؛ أي: مِنْ أن ينظر بعضهم إلى بعض؛ لأن الناس كلٌّ مشغولٌ بنفسه.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: ومِن الإيمانِ باليوم الآخِر الإيمانُ بكلِّ ما أخبر به النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم مِمَّا يكون بعد الموت، فيجب أن تؤمن بفتنة القبر؛ أي: بالاختبار الذي يكون للميت إذا دُفِنَ وتَوَلَّى عنه أصحابُه؛ فإنَّه يأتيه مَلَكانِ يسألانِهِ عن ربِّه ودِينه ونبيِّه[[أخرج أبو داود (٤٧٥٣) بسنده عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازةِ رجُلٍ من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولَمَّا يُلحد، فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله كأنما على رؤوسنا الطير وفي يده عودٌ ينكت به في الأرض، فرفع رأسَه فقال: «استعيذوا بالله من عذاب القبر» مرتين أو ثلاثًا. زاد في حديث جرير هاهنا: وقال: «وإنَّه لَيسمع خَفْق نعالهم إذا ولَّوا مدبرين حين يُقال له: يا هذا، مَن ربُّك؟ وما دينك؟ ومَن نبيُّك؟ ...» الحديث.]]، وتؤمن كذلك بأن القبر إمَّا روضةٌ من رياض الجنة وإمَّا حُفْرة من حُفَر النار[[أخرج الطبراني في الأوسط (٨٦١٣) بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «القبر روضةٌ من رياض الجنة أو حفرةٌ من حُفَر النار».]]؛ أي إن فيه العذاب أو الثواب، وتؤمن كذلك بالجنة والنار، وكلُّ ما يتعلَّق باليوم الآخِر فإنه داخلٌ في قولنا: أنْ تؤمن بالله واليوم الآخِر.
القَدَر: تقدير الله عز وجل؛ يعني يجب أن تؤمن بأن الله تعالى قدَّر كلَّ شيء؛ وذلك «أن الله خَلَق القَلَمَ فقال له: اكتُبْ. قال: وماذا أكتُبُ؟ قال: اكتُبْ ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة»[[أخرجه الترمذي (٢١٥٥) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، ولفظه: «إنَّ أول ما خلق الله القلم، فقال: اكتُبْ، فقال: ما أكتبُ؟ قال: اكتُب القدرَ ما كان وما هو كائنٌ إلى الأبد».]]. فجرى في تلك الساعة بما هو كائنٌ إلى يوم القيامة.
إذَن الإيمان في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يشمل أيش؟ الإيمانَ بالأصول الستة التي بيَّنها الرسولُ عليه الصلاة والسلام.
أمَّا قوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فمعناه أنهم قاموا بالأعمال الصالحة من صلاةٍ، وزكاةٍ، وصيامٍ، وحجٍّ، وبِرٍّ للوالدين، وصلةٍ للأرحام، وغير ذلك؛ لم يقتصروا على مجرَّد ما في القلب، بل عَمِلوا وأنتجوا.
والصالحاتُ هي التي اشتملتْ على شيئين؛ الأول: الإخلاص لله، والثاني: المتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام؛ وذلك أنَّ العمل إذا لم يكن خالصًا لله فهو مردودٌ؛ قال الله تبارك وتعالى في الحديث القدسي الذي يرويه النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم عنه، قال الله: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. فلو قُمْتَ تُصلِّي مُراءاةً للناس، أو تصدَّقْتَ مُراءاةً للناس، أو طلبتَ العلم مُراءاةً للناس، أو وَصَلْتَ الرَّحِمَ مُراءاةً للناس، أو غير ذلك، فالعمل مردودٌ حتى وإنْ كان صالحًا؛ يعني في ظاهره.
كذلك الاتِّباع؛ لو أنَّك عَمِلتَ عملًا لم يعمله الرسولُ عليه الصلاة والسلام وتقرَّبْتَ به إلى الله مع الإخلاص لله فإنَّه لا يُقبل منك؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧) بنحوه، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) واللفظ له، من حديث عائشة رضي الله عنها.]].
إذَن العملُ الصالحُ ما جَمَعَ وَصْفين؛ الأول: الإخلاص لله، والثاني أيش؟ المتابعةُ للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ أي: صار بعضُهم يُوصي بعضًا بالحقِّ، والحقُّ هو الشَّرع؛ يعني: كلُّ واحدٍ منهم يُوصي الآخَر، إذا رآهُ مُفَرِّطًا في واجبٍ أوصاه؛ قال: يا أخي، انفعْ نفسَك، قُمْ بالواجب. إذا رآه فاعلًا محرَّمًا أوصاه؛ قال: يا أخي، اجتنب الحرام. فهُمْ لم يقتصروا على نفْعِ أنفسهم، بل نفعوا أنفسَهم وغيرَهم، ﴿تَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾، الحقُّ هنا بمعنى أيش؟ الشرع، يُوصي بعضُهم بعضًا به.
﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ والصبر: حَبْس النفس عمَّا لا ينبغي فِعْله، وقسَّمه أهل العلم إلى ثلاثة أقسامٍ فقالوا: إن الصبر صبرٌ على طاعة الله، وصبرٌ عن محارم الله، وصبرٌ على أقدار الله؛ ثلاثة أقسام.
الصبر على الطاعة؛ كثيرٌ من الناس يكون فيه كَسَلٌ عن الصلاة مع الجماعة مَثَلًا، لا يذهب إلى المسجد، يقول: أُصَلِّي في البيت وأدَّيتُ الواجب، فيكسل، نقول: يا أخي اصبرْ نفسَك، احبِسْها، كلِّفْها على أن تصلِّي مع الجماعة.
كثيرٌ من الناس إذا رأى زكاة ماله كثيرةً شَحَّ وبَخِلَ وصار يتردَّد: أُخرِج هذا المالَ الكثيرَ، أو أتركه، أو بَعْدِين أطلعه؟ وما أشبهَ ذلك، نقول: يا أخي، اصبرْ نفسَك، أَكْرِهها على أداء الزكاة.
وهكذا بقيَّة العبادات، فإن العبادات كما قال الله تعالى في الصلاة: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة ٤٥]، أكثر عباد الله تجد أن العبادات عليهم ثقيلة، فهم يتواصون بالصبر: اصبرْ على الطاعة، لا تَمَلَّ، لا تكسل.
كذلك الصبر عن المعصية؛ بعضُ الناس تجرُّه نفسُه إلى أكسابٍ محرَّمةٍ؛ إمَّا بالرِّبا، وإمَّا بالغِشِّ والكذب، وإمَّا بالتدليس، أو بغير ذلك من أنواع الحرام، فنقول: اصبرْ يا أخي، اصبرْ نفسَك، لا تتعاملْ على وجهٍ محرَّم.
بعضُ الناس أيضًا يُبتلَى بالنظر إلى النساء، تجده ماشيًا في السوق كُلَّما مَرَّت امرأةٌ أَتْبَعَها بَصَرَهُ، نقول: يا أخي اصبرْ، احبِسْ نفسَك عن هذا الشيء.
على أقدار الله؛ يُصاب الإنسانُ بمرضٍ في بَدَنِه، يُصاب الإنسانُ بفَقْد شيءٍ من ماله، يُصاب الإنسانُ بفَقْد أحِبَّته، فيجزع ويتسخَّط ويتألَّم، فيوصون فيما بينهم: اصبرْ يا أخي، هذا أمْرٌ مُقَدَّر، والجزعُ لا يُفيد شيئًا، واستمرارُ الحزنِ لا يرفع الحزنَ، اصبرْ، قَدِّر أنَّ هذا الشيءَ لَمْ يكُنْ أصلًا؛ يعني مَثَلًا إنسان فَقَدَ مليون ريال فحَزِنَ لذلك وتعذَّب منه، ماذا نقول له؟ نقول: اصبرْ يا أخي، قَدِّر أنَّ هذا المليون لم يوجَد، ألسْتَ قد خرجْتَ من بطن أُمِّك ليس عليك ثياب؟! قَدِّر أنَّ هذا ما كان.
كذلك أيضًا الأولاد؛ مَثَلًا إنسان امتُحِنَ بموت ابنه، نقول: يا أخي، اصبرْ، قَدِّر أنَّ هذا الابن لم يُخْلَق، ثم كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام لإحدى بناته: «مُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ؛ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى»[[أخرج البخاري (٧٤٤٨)، ومسلم (٩٢٣ / ١١) واللفظ له، بسنديهما عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: كنَّا عند النبي ﷺ، فأرسلتْ إليه إحدى بناته تدعوه وتخبره أن صبيًّا لها أو ابنًا لها في الموت، فقال للرسول: «ارجعْ إليها فأخبرْها أنَّ لله ما أخذ وله ما أعطى، وكلُّ شيءٍ عنده بأجَلٍ مُسَمًّى، فمُرْها فلتصبر ولتحتسبْ ...» الحديث.]]، الأمر كلُّه لله ما هو لك، فإذا أخذ الله تعالى ملْكَه كيف تعتبُ على ربِّك؟! كيف تتسخَّط؟!
فهذه أنواع الصبر؛ الصبر الأول: على طاعة الله، والثاني: عن معصية الله، والثالث: على أقدار الله.
أيُّها أشقُّ على النفوس؟ هذا يختلف؛ بعضُ الناس يشقُّ عليه القيامُ بالطاعة وتكون ثقيلةً عليه جِدًّا، وبعضُ الناس بالعكس؛ الطاعة هيِّنة عليه، لكنْ تَرْك المعصية صعبٌ شاقٌّ يشقُّ عليه مشقَّة كبيرة، وبعضُ الناس يَسْهُل عليه الصبرُ على الطاعة والصبرُ عن المعصية لكنْ لا يتحمَّل الصبرَ على المصائب، يعجز، حتى إنَّه قد تَصِل به الحال إلى أن يرتَدَّ -والعياذُ بالله- كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج ١١].
إذَنْ نأخذ من هذه الآية أنَّ الله سبحانه وتعالى أكَّدَ بالقَسَم المؤكَّد بـ(إنَّ) واللام أنَّ جميع بني آدم أيش؟ خاسرون، بل في خُسْرٍ؛ الْخُسْر محيطٌ بهم من كلِّ جانب، إلَّا مَن اتَّصَفَ بهذه الصفات الأربع: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر.
قال الشافعي رحمه الله: لولم يُنزل اللَّهُ على عباده حُجَّةً إلا هذه السورة لَكَفَتْهم. يعني: كَفَتْهم موعظةً، وليس كَفَتْهم تشريعًا؛ لأنه ما فيها شيءٌ من التشريع؛ ما فيها طهارةٌ ولا صلاةٌ ولا زكاةٌ ولا حجٌّ ولا صيامٌ، لكنْ كَفَتْهم موعظةً، كل إنسان عاقل يعرف أنَّه في خُسْرٍ إلَّا إذا اتَّصَفَ بهذه الصفات الأربع فإنه سوف يحاول بقَدْر ما يستطيع أن يتَّصِفَ بهذه الصفات الأربع.
نسأل الله أن يجعلنا وإيَّاكم من الرابحين الموفَّقين.
الهمزة 104:1
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه ومن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
(...) على تفسير هذه السورة على ما تيسَّر، وهي قوله تبارك وتعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة ١ - ٩].
ففي هذه السورة يبتدئ الله سبحانه وتعالى بكلمة ﴿وَيْلٌ﴾، وهي كلمةُ وعيدٍ؛ أي إنها تدلُّ على ثبوت وعيدٍ لِمَن اتَّصَفَ بهذه الصفات: ﴿هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ إلى آخره، وقيل: إن ﴿وَيْلٌ﴾ اسمٌ لوادٍ في جهنم، ولكن الأول أصح.
﴿لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ (كُل) من صِيَغ العموم، والْهُمَزَة واللُّمَزَة: وصْفانِ لموصوفٍ واحدٍ، فهلْ هما بمعنًى واحد -يعني أن ﴿هُمَزَةٍ﴾ و﴿لُمَزَةٍ﴾ معناهما واحد- أو يختلفان في المعنى؟
قال بعض العلماء: إنهما لفظانِ لمعنًى واحدٍ؛ يعني أن الْهُمَزَة هو اللُّمَزَة. وقال بعضهم: بل لكلِّ واحدٍ منهما معنًى غير المعنى الآخَر.
وثَمَّ قاعدةٌ أُحِبُّ أن أُنَبِّه عليها في التفسير وغير التفسير، وهي أنَّه إذا دار الأمر بين أن تكون الكلمةُ مع الأخرى بمعنًى واحدٍ أو لكلِّ كلمةٍ معنًى فإنَّنا نتَّبع الثاني؛ أي نجعل لكلِّ واحدةٍ معنًى؛ لأنَّنا إذا جعلْنا الكلمتين بمعنًى واحدٍ صار في هذا تكرارٌ لا داعيَ له، لكن إذا جعلْنا كلَّ واحدةٍ لها معنًى صار هذا تأسيسًا وتفريقًا بين الكلمتين، والصحيح في هذه الآية: ﴿لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ أنَّ بينهما فرقًا؛ فالْهَمْزُ بالفعل، واللَّمْزُ باللِّسان؛ كما قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة ٥٨].
الْهَمْزُ بالفعل؛ يعني أنَّه يسخر من الناس بفِعْله؛ إمَّا أن يلوي وجهه أو يعبس بوجهه أو ما أشبهَ ذلك، أو بالإشارة؛ لَمَّا يُشير إلى شخصٍ يقول: انظروا إليه، لِيَعيبه، أو ما أشبهَ ذلك.
فالهمْزُ يكون بأيش؟ بالفعل، واللَّمْز باللِّسان، يعني أنَّ بعض الناس -والعياذ بالله- مشغوفٌ بعيب البَشَر؛ إمَّا بفِعْله وهو الهمَّاز، وإمَّا بقوله وهو اللَّمَّاز، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم ١٠، ١١].
الهمزة 104:2
﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ هذه أيضًا من أوصافه القبيحة، جَمَّاعٌ مَنَّاعٌ؛ يجمع المالَ ويمنع العطاءَ، فهو بخيلٌ لا يعطي، يجمع المالَ ويُعَدِّده.
قيل: معنى التعديد يعني: الإحصاء؛ يعني لشَغَفِهِ بالمال كلَّ مرَّةٍ يذهب إلى الصندوق ويعُدُّ؛ يعُدُّ الدراهم في الصندوق في الصباح، وفي آخِر النهار يعُدُّها، وهو يعرف أنه لم يأخذ منه شيئًا ولم يُضِف إليه شيئًا، لكن لشِدَّة شَغَفِهِ بالمال يتردَّد عليه ويُعَدِّده، ولهذا جاءتْ بصيغة المبالغة ﴿عَدَّدَهُ﴾ يعني: أكثرَ تعداده، لماذا؟ لشِدَّة شَغَفِهِ ومحبَّته له، يخشى أن يكون قد نقص، أو يريد أن يطمئنَّ زيادةً على ما سبق، فهو دائمًا يُعَدِّد المال.
وقيل: معنى ﴿عَدَّدَهُ﴾ أي: جعله عُدَّةً له؛ يعني: ادَّخره لنوائب الدهر، وهذا وإنْ كان اللفظ يحتمله ولكنَّه بعيد؛ لأن إعداد المالِ لنوائب الدهر مع القيام بالواجب بأداءِ ما يجب فيه من زكاةٍ وحقوقٍ ليس مذمومًا، المذمومُ أن يكون أكبر هَمِّ الإنسانِ هو المال، يتردَّد إليه ويُعَدِّده وينظر هل زاد، هل نقص، فالقول بأن المراد ﴿عَدَّدَهُ﴾ أي: (...) قولٌ ضعيفٌ.
الهمزة 104:3
﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ يعني: يظنُّ هذا الرجل أن ماله سيُخْلِده ويُبقيه، إمَّا بجسمه وإمَّا بذِكْره؛ لأنَّ عُمر الإنسانِ ليس ما بَقِيَ في الدنيا، بل عُمر الإنسانِ -حقيقةً- ما يُخَلِّده بعد موته ويكون ذِكْراه في قلوب الناس وعلى ألسنتهم، فيقول في هذه الآية: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ أي: أَخْلَدَ ذِكْره أو أطالَ عُمره، والأمر ليس كذلك؛ فإنَّ أهل الأموال إذا لم يُعرَفوا بالبَذْل والكَرَم فإنهم يُخَلَّدون لكنْ بالذِّكْر السيِّئ؛ فيقال: أَبْخَلُ مِنْ فُلان، وأَبْخَلُ مِنْ فُلان، ويُذْكَر في المجالس ويُعاب.
الهمزة 104:4
ولهذا قال: ﴿كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ ﴿كَلَّا﴾ هنا يُسَمِّيها العلماء حرفَ رَدْع؛ أيْ تَرْدَع هذا القائلَ أو هذا الحاسبَ عن قوله أو عن حُسْبانه، ويحتمل أنْ تكون بمعنى حقًّا؛ يعني: حقًّا لَيُنْبَذَنَّ، وكلاهما صحيح.
هذا الرجُل لن يُخْلِده مالُه ولن يُخْلِد ذِكْراه، بلْ سيُنسى ويُطوَى ذِكْرُه، وربما يُذْكَر بالسوء لعدم قيامه بما أوجبَ الله عليه من البَذْل.
﴿لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ اللام هذه واقعةٌ في جواب القَسَم المقدَّر، والتقدير: واللهِ لَيُنْبَذَنَّ في الْحُطَمَة؛ أي: يُطرَح طرحًا. وإذا قُلنا: إن اللام في جواب القَسَم صارتْ الجملةُ هذه مؤكَّدةً باللام ونون التوكيد والقَسَم المحذوف، ومِثْل هذا كثيرٌ في القرآن الكريم؛ أي: تأكيدُ الشيء باليمين واللام والنون هذا شيءٌ كثيرٌ في القرآن، والله تعالى يُقْسِم بالشيء تأكيدًا له وتعظيمًا لشأنه.
وقوله: ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾ ما الذي يُنْبذ؟ هل هو صاحبُ المالِ أو المالُ؟ قد نقول: كلاهما يُنْبَذ؛ أمَّا صاحبُ المال فإنَّ الله يقول في آية أخرى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور ١٣] يُدفَعون ويُداسون بالأيدي أو بما شاء الله، وهُنا يقول: يُنْبَذ؛ أي: يُطْرَح.
﴿فِي الْحُطَمَةِ﴾ والْحُطَمَة هي التي تحطم الشيءَ؛ أي: تُفَتِّتُه وتُكَسِّره، فما هي؟
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾ وهذه الصيغة للتعظيم والتفخيم.
﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾ هذا الجواب؛ أي: هي نارُ اللهِ الموقَدة، وأضافها الله سبحانه وتعالى إلى نفسه لأنَّه يُعَذِّب بها مَن يستحقُّ العذاب، فهي عقوبةُ عدلٍ وليست عقوبةَ ظُلْم؛ أي: نارٌ يحرق اللَّهُ بها مَن يستحقُّ أن يُعَذَّب بها، إذَنْ هي نارُ عدلٍ وليست نارَ ظُلْم؛ لأن الإحراق بالنار قد يكون ظُلْمًا وقد يكون عدلًا؛ فتعذيب الكافرين بالنار لا شَكَّ أنه عدلٌ وأنَّه يُثْنَى به على الربِّ عز وجل حيث عامَلَ هؤلاء بما يستحقُّون.
وتأمَّل قوله: (حُطَمَةُ) مع فِعْل هذا الفاعل؛ (هُمَزَة) (لُمَزَة)، (حُطَمَة) على وزنٍ واحدٍ؛ ليكون الجزاءُ مطابقًا للعمل حتى في اللفظ.
﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾ أي: المسجرة المسعَّرة.
الهمزة 104:5
ولهذا قال: ﴿كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ ﴿كَلَّا﴾ هنا يُسَمِّيها العلماء حرفَ رَدْع؛ أيْ تَرْدَع هذا القائلَ أو هذا الحاسبَ عن قوله أو عن حُسْبانه، ويحتمل أنْ تكون بمعنى حقًّا؛ يعني: حقًّا لَيُنْبَذَنَّ، وكلاهما صحيح.
هذا الرجُل لن يُخْلِده مالُه ولن يُخْلِد ذِكْراه، بلْ سيُنسى ويُطوَى ذِكْرُه، وربما يُذْكَر بالسوء لعدم قيامه بما أوجبَ الله عليه من البَذْل.
﴿لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ اللام هذه واقعةٌ في جواب القَسَم المقدَّر، والتقدير: واللهِ لَيُنْبَذَنَّ في الْحُطَمَة؛ أي: يُطرَح طرحًا. وإذا قُلنا: إن اللام في جواب القَسَم صارتْ الجملةُ هذه مؤكَّدةً باللام ونون التوكيد والقَسَم المحذوف، ومِثْل هذا كثيرٌ في القرآن الكريم؛ أي: تأكيدُ الشيء باليمين واللام والنون هذا شيءٌ كثيرٌ في القرآن، والله تعالى يُقْسِم بالشيء تأكيدًا له وتعظيمًا لشأنه.
وقوله: ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾ ما الذي يُنْبذ؟ هل هو صاحبُ المالِ أو المالُ؟ قد نقول: كلاهما يُنْبَذ؛ أمَّا صاحبُ المال فإنَّ الله يقول في آية أخرى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور ١٣] يُدفَعون ويُداسون بالأيدي أو بما شاء الله، وهُنا يقول: يُنْبَذ؛ أي: يُطْرَح.
﴿فِي الْحُطَمَةِ﴾ والْحُطَمَة هي التي تحطم الشيءَ؛ أي: تُفَتِّتُه وتُكَسِّره، فما هي؟
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾ وهذه الصيغة للتعظيم والتفخيم.
﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾ هذا الجواب؛ أي: هي نارُ اللهِ الموقَدة، وأضافها الله سبحانه وتعالى إلى نفسه لأنَّه يُعَذِّب بها مَن يستحقُّ العذاب، فهي عقوبةُ عدلٍ وليست عقوبةَ ظُلْم؛ أي: نارٌ يحرق اللَّهُ بها مَن يستحقُّ أن يُعَذَّب بها، إذَنْ هي نارُ عدلٍ وليست نارَ ظُلْم؛ لأن الإحراق بالنار قد يكون ظُلْمًا وقد يكون عدلًا؛ فتعذيب الكافرين بالنار لا شَكَّ أنه عدلٌ وأنَّه يُثْنَى به على الربِّ عز وجل حيث عامَلَ هؤلاء بما يستحقُّون.
وتأمَّل قوله: (حُطَمَةُ) مع فِعْل هذا الفاعل؛ (هُمَزَة) (لُمَزَة)، (حُطَمَة) على وزنٍ واحدٍ؛ ليكون الجزاءُ مطابقًا للعمل حتى في اللفظ.
﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾ أي: المسجرة المسعَّرة.
الهمزة 104:6
ولهذا قال: ﴿كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ ﴿كَلَّا﴾ هنا يُسَمِّيها العلماء حرفَ رَدْع؛ أيْ تَرْدَع هذا القائلَ أو هذا الحاسبَ عن قوله أو عن حُسْبانه، ويحتمل أنْ تكون بمعنى حقًّا؛ يعني: حقًّا لَيُنْبَذَنَّ، وكلاهما صحيح.
هذا الرجُل لن يُخْلِده مالُه ولن يُخْلِد ذِكْراه، بلْ سيُنسى ويُطوَى ذِكْرُه، وربما يُذْكَر بالسوء لعدم قيامه بما أوجبَ الله عليه من البَذْل.
﴿لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ اللام هذه واقعةٌ في جواب القَسَم المقدَّر، والتقدير: واللهِ لَيُنْبَذَنَّ في الْحُطَمَة؛ أي: يُطرَح طرحًا. وإذا قُلنا: إن اللام في جواب القَسَم صارتْ الجملةُ هذه مؤكَّدةً باللام ونون التوكيد والقَسَم المحذوف، ومِثْل هذا كثيرٌ في القرآن الكريم؛ أي: تأكيدُ الشيء باليمين واللام والنون هذا شيءٌ كثيرٌ في القرآن، والله تعالى يُقْسِم بالشيء تأكيدًا له وتعظيمًا لشأنه.
وقوله: ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾ ما الذي يُنْبذ؟ هل هو صاحبُ المالِ أو المالُ؟ قد نقول: كلاهما يُنْبَذ؛ أمَّا صاحبُ المال فإنَّ الله يقول في آية أخرى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور ١٣] يُدفَعون ويُداسون بالأيدي أو بما شاء الله، وهُنا يقول: يُنْبَذ؛ أي: يُطْرَح.
﴿فِي الْحُطَمَةِ﴾ والْحُطَمَة هي التي تحطم الشيءَ؛ أي: تُفَتِّتُه وتُكَسِّره، فما هي؟
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾ وهذه الصيغة للتعظيم والتفخيم.
﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾ هذا الجواب؛ أي: هي نارُ اللهِ الموقَدة، وأضافها الله سبحانه وتعالى إلى نفسه لأنَّه يُعَذِّب بها مَن يستحقُّ العذاب، فهي عقوبةُ عدلٍ وليست عقوبةَ ظُلْم؛ أي: نارٌ يحرق اللَّهُ بها مَن يستحقُّ أن يُعَذَّب بها، إذَنْ هي نارُ عدلٍ وليست نارَ ظُلْم؛ لأن الإحراق بالنار قد يكون ظُلْمًا وقد يكون عدلًا؛ فتعذيب الكافرين بالنار لا شَكَّ أنه عدلٌ وأنَّه يُثْنَى به على الربِّ عز وجل حيث عامَلَ هؤلاء بما يستحقُّون.
وتأمَّل قوله: (حُطَمَةُ) مع فِعْل هذا الفاعل؛ (هُمَزَة) (لُمَزَة)، (حُطَمَة) على وزنٍ واحدٍ؛ ليكون الجزاءُ مطابقًا للعمل حتى في اللفظ.
﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾ أي: المسجرة المسعَّرة.
الهمزة 104:7
﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ ﴿الْأَفْئِدَةِ﴾ جمع فؤادٍ وهو القلب، والمعنى أنها تَصِل إلى القلوب -والعياذ بالله- من شِدَّة حرارتها، مع أن القلوب مكنونةٌ في الصدور وبينها وبين الجلد الظاهر ما بينها من الطبقات، لكنْ مع ذلك تَصِل هذه النار إلى الأفئدة.
الهمزة 104:8
﴿إِنَّهَا﴾ أي: الْحُطَمَة، وهي نارُ اللهِ الموقَدة ﴿عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ على مَن؟ على الهمَّاز اللَّمَّاز الجمَّاع للمالِ المنَّاع للخير، ولم يَقُل: إنها عليه، مع أنَّ المرجع مفرد؛ ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ﴾، لكنَّه أعاد الضمير بلفظ الجمع باعتبار المعنى؛ لأن ﴿لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ عامٌّ يشمل جميع الهمَّازين وجميع اللَّمَّازين.
﴿﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُوصَدَةٌ﴾ ﴾ أي: مُغْلَقة؛ مُغْلَقة الأبواب، لا يُرجَى لهم فَرَجٌ والعياذ بالله، ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة ٢٠] يعني يُرْفَعون إلى أبوابها حتى يطمعوا في الخروج، ثم بعد ذلك يُركَسون فيها ويُعادون فيها، كلُّ هذا لِشِدَّة التعذيب؛ لأن الإنسان إذا طَمِع في الفَرَج وأنَّه سينجو ويُخَلَّص يَفْرَح، فإذا أُعِيدَ صارتْ انتكاسة جديدة والعياذ بالله، فهكذا يعذَّبون بضمائرهم وأبدانهم، وعذابُ أهل النار مذكورٌ مفصَّلًا في القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية.
﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ مُغْلَقة، تأمَّل الآن لو أنَّ -مَثَلًا- إنسانًا كان في حُجرةٍ أو في سيارةٍ اتَّقدت النيرانُ فيها وليس له مَخْرج، الأبواب مُغْلَقة، ماذا يكون؟ في حسرةٍ عظيمةٍ لا يمكن أن يماثلها حسرةٌ، هُم -والعياذ بالله- هكذا في النار، النار عليهم مؤصَدة.
الهمزة 104:9
﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ أيْ: إنَّ هذه النار مؤصَدة وعليها أعمدةٌ مُمَدَّدة؛ يعني مثلما نقول: شبوك عظيمة، حتى لا يحاول أحدٌ فتحها.
﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ أي: ممدودةٍ على جميع النواحي والزوايا حتى لا أحد يتمكَّن من فَتْحها أو الخروج منها.
حَكَى الله سبحانه وتعالى ذلك علينا وبيَّنه لنا لا لمجرَّد أن نَتْلوها بألسنتنا أو نعرف معناها بأفهامنا، لكن المراد أن نَحْذر من ذلك، أن نَحْذر من هذه الأوصاف الذميمة: عَيْب الناس بالقول، عَيْب الناس بالفعل، الحرص على المال حتى كأنَّ الإنسان إنما خُلِق للمال لِيُخَلَّد له أو يُخَلَّد المالُ له، ونعلم أن مَن كانت هذه حاله فإنَّ جزاءه هذه النار التي هي كما وَصَفَها الله:﴿الْحُطَمَةُ﴾، ﴿تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾، ﴿مُوصَدَةٌ﴾، ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾، نسأل الله تعالى أن يُجيرنا وإيَّاكم منها، وأن يرزقنا الإخلاصَ في القولِ والعملِ والاستقامةَ على دِينه.
الفيل 105:1
.. نستعرض فيه استعراضًا خفيفًا لتفسير قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل ١] إلى آخر السورة؛ لأنها السورة التي وقفنا عليها سابقًا.
فيقول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ يخاطبُ النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو يخاطب كلَّ مَن يصحُّ توجُّه الخطاب إليه؛ فعلى الأول يكون خطابُ النبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم خطابًا له وللأُمَّة؛ لأن أُمَّته تابعةٌ له، وعلى الثاني يكون الخطاب عامًّا له ولأُمَّته ابتداءً، وعلى كلٍّ فإنَّ الله تعالى يُقَرِّر ما فعل سبحانه وتعالى بأصحاب الفيل.
وأصحابُ الفيل هم أهلُ اليمن الذين جاؤوا لِهَدْم الكعبة بفيلٍ عظيمٍ أرسله إليهم ملك الحبشة، وسببُ ذلك أن مَلِك اليمن أراد أن يَصُدَّ الناس عن الحجِّ إلى الكعبة بيت الله عز وجل، فبنى بيتًا يُشبه الكعبة، ودعا الناس إلى حَجِّه ليصُدَّهم عن حجِّ بيت الله، فغضب لذلك العربُ وذهبَ رجُلٌ منهم إلى هذا البيت الذي جعله ملِك اليمن بدلًا عن الكعبة وتَغَوَّطَ فيه ولطَّخَ جُدرانه بالقَذَر، فغضب ملِكُ اليمن غضبًا شديدًا، وأخبر ملِكَ الحبشة بذلك فأرسل إليه هذا الفيل العظيم، قيل: وكان معه ستة فِيَلة لتساعده، فجاء هذا الرجُل -أعني ملك اليمن- جاء بجنوده ليهدم الكعبة على زَعْمه، ولكنَّ الله سبحانه وتعالى حافِظُ بيتِهِ؛ لَمَّا وصلوا إلى مكان يُسَمَّى الْمُغَمَّس وَقَفَ الفيلُ وحَرَنَ وأَبَى أن يتَّجه إلى الكعبة، فزَجَره سائسُه ولكنه أَبَى؛ إذا وجَّهوه إلى اليمن انطلق يُهرول، وإنْ وجَّهوه إلى مكة وَقَفَ، وهذه آيةٌ من آيات الله عز وجل، ثم بَقُوا حتى أرسل اللَّهُ عليهم ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الفيل ٣، ٤].
قال العلماء: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ يعني: جماعات متفرِّقة، كلُّ طيرٍ في منقاره حَجَرٌ صلبٌ من سِجِّيل، وهو الطين المشوي؛ لأنه يكون أصلب، وهذا الحجَر ليس كبيرًا، بل هو صغيرٌ يضرب الواحدَ من هؤلاء مع رأسه ويخرج من دُبُره، والعياذُ بالله.
﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل ٥] أي: كزرعٍ أكلتْه الدوابُّ ووطِئتْه بأقدامها حتى تفتَّتَ.
هذا مُجْمَل هذه السورة العظيمة التي بيَّن الله سبحانه وتعالى فيها ما فعل بأصحاب الفيل وأنَّ كيدهم صار في نحورهم، وهكذا كلُّ مَن أراد الحقَّ بسوء فإنَّ الله تعالى يجعل كيدَه في نحره.
وإنما حَمَى اللَّهُ عز وجل الكعبةَ عن هذا الفيل، مع أنه «في آخِر الزمان سوف يُسَلَّط عليها رجُلٌ من الحبشة يهدمها حَجَرًا حَجَرًا حتى تتساوى بالأرض»[[أخرج البخاري (١٥٩٥) عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: «كأنِّي به أَسْودَ أفْحَجَ يقلعها حجرًا حجرًا».]]؛ لأن قصَّة أصحاب الفيل مقدِّمة لبعْثة محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم التي يكون فيها تعظيمُ البيت، أمَّا في آخِر الزمان فإن أهل البيت إذا أهانوه وأرادوا بإلحادٍ فيه بظُلْمٍ ولَمْ يعرفوا قَدْره، حينئذٍ يُسَلِّط اللَّهُ عليه مَن يهدمه حتى لا يبقى على وجه الأرض، ولهذا يجب على أهل مكة خاصَّةً أن يحترزوا من المعاصي والذنوب والكبائر لئلَّا يُهينوا الكعبةَ فيُذِلَّهم اللَّهُ عز وجل، نسأل الله تعالى أن يحمي دينَنا وبيتَه الحرامَ من كَيْد كلِّ كائدٍ إنه على كل شيء قدير.
الفيل 105:2
.. نستعرض فيه استعراضًا خفيفًا لتفسير قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل ١] إلى آخر السورة؛ لأنها السورة التي وقفنا عليها سابقًا.
فيقول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ يخاطبُ النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو يخاطب كلَّ مَن يصحُّ توجُّه الخطاب إليه؛ فعلى الأول يكون خطابُ النبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم خطابًا له وللأُمَّة؛ لأن أُمَّته تابعةٌ له، وعلى الثاني يكون الخطاب عامًّا له ولأُمَّته ابتداءً، وعلى كلٍّ فإنَّ الله تعالى يُقَرِّر ما فعل سبحانه وتعالى بأصحاب الفيل.
وأصحابُ الفيل هم أهلُ اليمن الذين جاؤوا لِهَدْم الكعبة بفيلٍ عظيمٍ أرسله إليهم ملك الحبشة، وسببُ ذلك أن مَلِك اليمن أراد أن يَصُدَّ الناس عن الحجِّ إلى الكعبة بيت الله عز وجل، فبنى بيتًا يُشبه الكعبة، ودعا الناس إلى حَجِّه ليصُدَّهم عن حجِّ بيت الله، فغضب لذلك العربُ وذهبَ رجُلٌ منهم إلى هذا البيت الذي جعله ملِك اليمن بدلًا عن الكعبة وتَغَوَّطَ فيه ولطَّخَ جُدرانه بالقَذَر، فغضب ملِكُ اليمن غضبًا شديدًا، وأخبر ملِكَ الحبشة بذلك فأرسل إليه هذا الفيل العظيم، قيل: وكان معه ستة فِيَلة لتساعده، فجاء هذا الرجُل -أعني ملك اليمن- جاء بجنوده ليهدم الكعبة على زَعْمه، ولكنَّ الله سبحانه وتعالى حافِظُ بيتِهِ؛ لَمَّا وصلوا إلى مكان يُسَمَّى الْمُغَمَّس وَقَفَ الفيلُ وحَرَنَ وأَبَى أن يتَّجه إلى الكعبة، فزَجَره سائسُه ولكنه أَبَى؛ إذا وجَّهوه إلى اليمن انطلق يُهرول، وإنْ وجَّهوه إلى مكة وَقَفَ، وهذه آيةٌ من آيات الله عز وجل، ثم بَقُوا حتى أرسل اللَّهُ عليهم ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الفيل ٣، ٤].
قال العلماء: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ يعني: جماعات متفرِّقة، كلُّ طيرٍ في منقاره حَجَرٌ صلبٌ من سِجِّيل، وهو الطين المشوي؛ لأنه يكون أصلب، وهذا الحجَر ليس كبيرًا، بل هو صغيرٌ يضرب الواحدَ من هؤلاء مع رأسه ويخرج من دُبُره، والعياذُ بالله.
﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل ٥] أي: كزرعٍ أكلتْه الدوابُّ ووطِئتْه بأقدامها حتى تفتَّتَ.
هذا مُجْمَل هذه السورة العظيمة التي بيَّن الله سبحانه وتعالى فيها ما فعل بأصحاب الفيل وأنَّ كيدهم صار في نحورهم، وهكذا كلُّ مَن أراد الحقَّ بسوء فإنَّ الله تعالى يجعل كيدَه في نحره.
وإنما حَمَى اللَّهُ عز وجل الكعبةَ عن هذا الفيل، مع أنه «في آخِر الزمان سوف يُسَلَّط عليها رجُلٌ من الحبشة يهدمها حَجَرًا حَجَرًا حتى تتساوى بالأرض»[[أخرج البخاري (١٥٩٥) عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: «كأنِّي به أَسْودَ أفْحَجَ يقلعها حجرًا حجرًا».]]؛ لأن قصَّة أصحاب الفيل مقدِّمة لبعْثة محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم التي يكون فيها تعظيمُ البيت، أمَّا في آخِر الزمان فإن أهل البيت إذا أهانوه وأرادوا بإلحادٍ فيه بظُلْمٍ ولَمْ يعرفوا قَدْره، حينئذٍ يُسَلِّط اللَّهُ عليه مَن يهدمه حتى لا يبقى على وجه الأرض، ولهذا يجب على أهل مكة خاصَّةً أن يحترزوا من المعاصي والذنوب والكبائر لئلَّا يُهينوا الكعبةَ فيُذِلَّهم اللَّهُ عز وجل، نسأل الله تعالى أن يحمي دينَنا وبيتَه الحرامَ من كَيْد كلِّ كائدٍ إنه على كل شيء قدير.
الفيل 105:3
.. نستعرض فيه استعراضًا خفيفًا لتفسير قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل ١] إلى آخر السورة؛ لأنها السورة التي وقفنا عليها سابقًا.
فيقول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ يخاطبُ النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو يخاطب كلَّ مَن يصحُّ توجُّه الخطاب إليه؛ فعلى الأول يكون خطابُ النبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم خطابًا له وللأُمَّة؛ لأن أُمَّته تابعةٌ له، وعلى الثاني يكون الخطاب عامًّا له ولأُمَّته ابتداءً، وعلى كلٍّ فإنَّ الله تعالى يُقَرِّر ما فعل سبحانه وتعالى بأصحاب الفيل.
وأصحابُ الفيل هم أهلُ اليمن الذين جاؤوا لِهَدْم الكعبة بفيلٍ عظيمٍ أرسله إليهم ملك الحبشة، وسببُ ذلك أن مَلِك اليمن أراد أن يَصُدَّ الناس عن الحجِّ إلى الكعبة بيت الله عز وجل، فبنى بيتًا يُشبه الكعبة، ودعا الناس إلى حَجِّه ليصُدَّهم عن حجِّ بيت الله، فغضب لذلك العربُ وذهبَ رجُلٌ منهم إلى هذا البيت الذي جعله ملِك اليمن بدلًا عن الكعبة وتَغَوَّطَ فيه ولطَّخَ جُدرانه بالقَذَر، فغضب ملِكُ اليمن غضبًا شديدًا، وأخبر ملِكَ الحبشة بذلك فأرسل إليه هذا الفيل العظيم، قيل: وكان معه ستة فِيَلة لتساعده، فجاء هذا الرجُل -أعني ملك اليمن- جاء بجنوده ليهدم الكعبة على زَعْمه، ولكنَّ الله سبحانه وتعالى حافِظُ بيتِهِ؛ لَمَّا وصلوا إلى مكان يُسَمَّى الْمُغَمَّس وَقَفَ الفيلُ وحَرَنَ وأَبَى أن يتَّجه إلى الكعبة، فزَجَره سائسُه ولكنه أَبَى؛ إذا وجَّهوه إلى اليمن انطلق يُهرول، وإنْ وجَّهوه إلى مكة وَقَفَ، وهذه آيةٌ من آيات الله عز وجل، ثم بَقُوا حتى أرسل اللَّهُ عليهم ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الفيل ٣، ٤].
قال العلماء: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ يعني: جماعات متفرِّقة، كلُّ طيرٍ في منقاره حَجَرٌ صلبٌ من سِجِّيل، وهو الطين المشوي؛ لأنه يكون أصلب، وهذا الحجَر ليس كبيرًا، بل هو صغيرٌ يضرب الواحدَ من هؤلاء مع رأسه ويخرج من دُبُره، والعياذُ بالله.
﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل ٥] أي: كزرعٍ أكلتْه الدوابُّ ووطِئتْه بأقدامها حتى تفتَّتَ.
هذا مُجْمَل هذه السورة العظيمة التي بيَّن الله سبحانه وتعالى فيها ما فعل بأصحاب الفيل وأنَّ كيدهم صار في نحورهم، وهكذا كلُّ مَن أراد الحقَّ بسوء فإنَّ الله تعالى يجعل كيدَه في نحره.
وإنما حَمَى اللَّهُ عز وجل الكعبةَ عن هذا الفيل، مع أنه «في آخِر الزمان سوف يُسَلَّط عليها رجُلٌ من الحبشة يهدمها حَجَرًا حَجَرًا حتى تتساوى بالأرض»[[أخرج البخاري (١٥٩٥) عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: «كأنِّي به أَسْودَ أفْحَجَ يقلعها حجرًا حجرًا».]]؛ لأن قصَّة أصحاب الفيل مقدِّمة لبعْثة محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم التي يكون فيها تعظيمُ البيت، أمَّا في آخِر الزمان فإن أهل البيت إذا أهانوه وأرادوا بإلحادٍ فيه بظُلْمٍ ولَمْ يعرفوا قَدْره، حينئذٍ يُسَلِّط اللَّهُ عليه مَن يهدمه حتى لا يبقى على وجه الأرض، ولهذا يجب على أهل مكة خاصَّةً أن يحترزوا من المعاصي والذنوب والكبائر لئلَّا يُهينوا الكعبةَ فيُذِلَّهم اللَّهُ عز وجل، نسأل الله تعالى أن يحمي دينَنا وبيتَه الحرامَ من كَيْد كلِّ كائدٍ إنه على كل شيء قدير.
الفيل 105:4
.. نستعرض فيه استعراضًا خفيفًا لتفسير قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل ١] إلى آخر السورة؛ لأنها السورة التي وقفنا عليها سابقًا.
فيقول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ يخاطبُ النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو يخاطب كلَّ مَن يصحُّ توجُّه الخطاب إليه؛ فعلى الأول يكون خطابُ النبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم خطابًا له وللأُمَّة؛ لأن أُمَّته تابعةٌ له، وعلى الثاني يكون الخطاب عامًّا له ولأُمَّته ابتداءً، وعلى كلٍّ فإنَّ الله تعالى يُقَرِّر ما فعل سبحانه وتعالى بأصحاب الفيل.
وأصحابُ الفيل هم أهلُ اليمن الذين جاؤوا لِهَدْم الكعبة بفيلٍ عظيمٍ أرسله إليهم ملك الحبشة، وسببُ ذلك أن مَلِك اليمن أراد أن يَصُدَّ الناس عن الحجِّ إلى الكعبة بيت الله عز وجل، فبنى بيتًا يُشبه الكعبة، ودعا الناس إلى حَجِّه ليصُدَّهم عن حجِّ بيت الله، فغضب لذلك العربُ وذهبَ رجُلٌ منهم إلى هذا البيت الذي جعله ملِك اليمن بدلًا عن الكعبة وتَغَوَّطَ فيه ولطَّخَ جُدرانه بالقَذَر، فغضب ملِكُ اليمن غضبًا شديدًا، وأخبر ملِكَ الحبشة بذلك فأرسل إليه هذا الفيل العظيم، قيل: وكان معه ستة فِيَلة لتساعده، فجاء هذا الرجُل -أعني ملك اليمن- جاء بجنوده ليهدم الكعبة على زَعْمه، ولكنَّ الله سبحانه وتعالى حافِظُ بيتِهِ؛ لَمَّا وصلوا إلى مكان يُسَمَّى الْمُغَمَّس وَقَفَ الفيلُ وحَرَنَ وأَبَى أن يتَّجه إلى الكعبة، فزَجَره سائسُه ولكنه أَبَى؛ إذا وجَّهوه إلى اليمن انطلق يُهرول، وإنْ وجَّهوه إلى مكة وَقَفَ، وهذه آيةٌ من آيات الله عز وجل، ثم بَقُوا حتى أرسل اللَّهُ عليهم ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الفيل ٣، ٤].
قال العلماء: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ يعني: جماعات متفرِّقة، كلُّ طيرٍ في منقاره حَجَرٌ صلبٌ من سِجِّيل، وهو الطين المشوي؛ لأنه يكون أصلب، وهذا الحجَر ليس كبيرًا، بل هو صغيرٌ يضرب الواحدَ من هؤلاء مع رأسه ويخرج من دُبُره، والعياذُ بالله.
﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل ٥] أي: كزرعٍ أكلتْه الدوابُّ ووطِئتْه بأقدامها حتى تفتَّتَ.
هذا مُجْمَل هذه السورة العظيمة التي بيَّن الله سبحانه وتعالى فيها ما فعل بأصحاب الفيل وأنَّ كيدهم صار في نحورهم، وهكذا كلُّ مَن أراد الحقَّ بسوء فإنَّ الله تعالى يجعل كيدَه في نحره.
وإنما حَمَى اللَّهُ عز وجل الكعبةَ عن هذا الفيل، مع أنه «في آخِر الزمان سوف يُسَلَّط عليها رجُلٌ من الحبشة يهدمها حَجَرًا حَجَرًا حتى تتساوى بالأرض»[[أخرج البخاري (١٥٩٥) عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: «كأنِّي به أَسْودَ أفْحَجَ يقلعها حجرًا حجرًا».]]؛ لأن قصَّة أصحاب الفيل مقدِّمة لبعْثة محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم التي يكون فيها تعظيمُ البيت، أمَّا في آخِر الزمان فإن أهل البيت إذا أهانوه وأرادوا بإلحادٍ فيه بظُلْمٍ ولَمْ يعرفوا قَدْره، حينئذٍ يُسَلِّط اللَّهُ عليه مَن يهدمه حتى لا يبقى على وجه الأرض، ولهذا يجب على أهل مكة خاصَّةً أن يحترزوا من المعاصي والذنوب والكبائر لئلَّا يُهينوا الكعبةَ فيُذِلَّهم اللَّهُ عز وجل، نسأل الله تعالى أن يحمي دينَنا وبيتَه الحرامَ من كَيْد كلِّ كائدٍ إنه على كل شيء قدير.
الفيل 105:5
.. نستعرض فيه استعراضًا خفيفًا لتفسير قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل ١] إلى آخر السورة؛ لأنها السورة التي وقفنا عليها سابقًا.
فيقول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ يخاطبُ النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو يخاطب كلَّ مَن يصحُّ توجُّه الخطاب إليه؛ فعلى الأول يكون خطابُ النبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم خطابًا له وللأُمَّة؛ لأن أُمَّته تابعةٌ له، وعلى الثاني يكون الخطاب عامًّا له ولأُمَّته ابتداءً، وعلى كلٍّ فإنَّ الله تعالى يُقَرِّر ما فعل سبحانه وتعالى بأصحاب الفيل.
وأصحابُ الفيل هم أهلُ اليمن الذين جاؤوا لِهَدْم الكعبة بفيلٍ عظيمٍ أرسله إليهم ملك الحبشة، وسببُ ذلك أن مَلِك اليمن أراد أن يَصُدَّ الناس عن الحجِّ إلى الكعبة بيت الله عز وجل، فبنى بيتًا يُشبه الكعبة، ودعا الناس إلى حَجِّه ليصُدَّهم عن حجِّ بيت الله، فغضب لذلك العربُ وذهبَ رجُلٌ منهم إلى هذا البيت الذي جعله ملِك اليمن بدلًا عن الكعبة وتَغَوَّطَ فيه ولطَّخَ جُدرانه بالقَذَر، فغضب ملِكُ اليمن غضبًا شديدًا، وأخبر ملِكَ الحبشة بذلك فأرسل إليه هذا الفيل العظيم، قيل: وكان معه ستة فِيَلة لتساعده، فجاء هذا الرجُل -أعني ملك اليمن- جاء بجنوده ليهدم الكعبة على زَعْمه، ولكنَّ الله سبحانه وتعالى حافِظُ بيتِهِ؛ لَمَّا وصلوا إلى مكان يُسَمَّى الْمُغَمَّس وَقَفَ الفيلُ وحَرَنَ وأَبَى أن يتَّجه إلى الكعبة، فزَجَره سائسُه ولكنه أَبَى؛ إذا وجَّهوه إلى اليمن انطلق يُهرول، وإنْ وجَّهوه إلى مكة وَقَفَ، وهذه آيةٌ من آيات الله عز وجل، ثم بَقُوا حتى أرسل اللَّهُ عليهم ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الفيل ٣، ٤].
قال العلماء: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ يعني: جماعات متفرِّقة، كلُّ طيرٍ في منقاره حَجَرٌ صلبٌ من سِجِّيل، وهو الطين المشوي؛ لأنه يكون أصلب، وهذا الحجَر ليس كبيرًا، بل هو صغيرٌ يضرب الواحدَ من هؤلاء مع رأسه ويخرج من دُبُره، والعياذُ بالله.
﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل ٥] أي: كزرعٍ أكلتْه الدوابُّ ووطِئتْه بأقدامها حتى تفتَّتَ.
هذا مُجْمَل هذه السورة العظيمة التي بيَّن الله سبحانه وتعالى فيها ما فعل بأصحاب الفيل وأنَّ كيدهم صار في نحورهم، وهكذا كلُّ مَن أراد الحقَّ بسوء فإنَّ الله تعالى يجعل كيدَه في نحره.
وإنما حَمَى اللَّهُ عز وجل الكعبةَ عن هذا الفيل، مع أنه «في آخِر الزمان سوف يُسَلَّط عليها رجُلٌ من الحبشة يهدمها حَجَرًا حَجَرًا حتى تتساوى بالأرض»[[أخرج البخاري (١٥٩٥) عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: «كأنِّي به أَسْودَ أفْحَجَ يقلعها حجرًا حجرًا».]]؛ لأن قصَّة أصحاب الفيل مقدِّمة لبعْثة محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم التي يكون فيها تعظيمُ البيت، أمَّا في آخِر الزمان فإن أهل البيت إذا أهانوه وأرادوا بإلحادٍ فيه بظُلْمٍ ولَمْ يعرفوا قَدْره، حينئذٍ يُسَلِّط اللَّهُ عليه مَن يهدمه حتى لا يبقى على وجه الأرض، ولهذا يجب على أهل مكة خاصَّةً أن يحترزوا من المعاصي والذنوب والكبائر لئلَّا يُهينوا الكعبةَ فيُذِلَّهم اللَّهُ عز وجل، نسأل الله تعالى أن يحمي دينَنا وبيتَه الحرامَ من كَيْد كلِّ كائدٍ إنه على كل شيء قدير.
قريش 106:1
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
(...) نتكلم فيه على قول الله تبارك وتعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش ١ - ٤].
هذه السورة لها صِلَةٌ بالسورة التي قبلها؛ إذْ إن السورة التي قبلها فيها بيانُ مِنَّةِ اللهِ عز وجل على أهل مكة بما فَعَلَ بأصحاب الفيل الذين قَصَدوا مكَّةَ لهدم الكعبة، فبيَّن الله في هذه السورة نعمةً أُخرى كبيرة على أهل مكة؛ على قريش، وهي إيلافُهم مرَّتينِ في السَّنَة؛ مرَّةً في الصيف ومرَّةً في الشتاء.
والإيلاف بمعنى الجمع والضمِّ، ويُراد به التجارة التي كانوا يقومون بها مرَّةً في الشتاء ومرَّةً في الصيف؛ أمَّا في الشتاء فيتَّجهون نحو اليَمَن للمحصولات الزراعية فيه ولأن الجوَّ مناسبٌ، وأمَّا في الصيف فيتَّجهون إلى الشام لأن غالِبَ تجارة الفواكه وغيرها تكون في هذا الوقت؛ في الصيف، مع مناسبة الجو البارد، فهي نعمةٌ من الله سبحانه وتعالى على قريش في هاتين الرحلتين؛ الرحلة الأولى: رحلة الشتاء، في أيِّ وقت؟
* طالب: الشتاء.
* الشيخ: لأيِّ جهة؟ اليمن. والثانية: رحلة الصيف بجهة الشام.
لَمَّا ذكَّرَهم بهذه النعمة وهي نعمةٌ عظيمةٌ؛ لأنه يحصل منها فوائدُ كثيرةٌ ومكاسبُ كبيرةٌ في هذه التجارة، أَمَرهم عز وجل أن يعبدوا ربَّ البيت عز وجل؛ قال: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ شكرًا له على هذه النعمة، والفاء هذه إمَّا أن تكون فاء السببيَّة؛ أي: فبسبب هاتين الرحلتينِ لِيعبدوا ربَّ هذا البيت، أو تكون فاء التفريع، وأيًّا كان فهي مبنيَّةٌ على ما سبق؛ أي: فبهذه النِّعَم العظيمة يجب عليهم أن يعبدوا الله.
والعبادة هي التذلُّل لله عز وجل محبَّةً وتعظيمًا؛ أن يتعبَّد الإنسان لله، يتذلَّل له بالسمع والطاعة، إذا بَلَغَه عن الله ورسوله أَمْرٌ قال: سَمِعْنا وأَطَعْنا، وإذا بَلَغَه خَبَرٌ قال: سَمِعْنا وآمَنَّا، على وجْه المحبة والتعظيم؛ فبالمحبة يقوم الإنسان بفِعْل الأوامر، وبالتعظيم يترك النواهي خوفًا من هذا العظيم عز وجل، هذا معنًى من معاني العبادة.
وتُطلق العبادة على نفْس المتعبَّد به، وقد حدَّها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بهذا المعنى فقال: إن العبادة اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. ولهذا لو سألك سائلٌ: الصلاة ما هي؟ أعبادةٌ أمْ عادة؟ قلْتَ: عبادة. ولو سألك سائلٌ: أنت الآن تصلِّي، فما معنى صلاتك هذه؟ لَقُلتَ: معناها العبادة لله، أتَعَبَّد لله عز وجل، أتَذَلَّل له بالسمع والطاعة وبما أَمَرني به.
وقوله: ﴿رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ يعني به الكعبة المعظَّمة، وقد أضافها الله تعالى إلى نفْسه في قوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج ٢٦]، وهنا أضاف رُبوبيَّته إليه؛ قال: ﴿رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾.
وهل هو ربٌّ لغيره؟ الجواب: نعم، لكن إضافة الربوبيَّة إليه على سبيل التشريف والتعظيم.
طيب، ﴿طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ أليس كلُّ شيءٍ فهو لله؟! لله مُلك السماوات والأرض، كلُّ شيءٍ لله، كلُّ شيءٍ ملْكٌ لله، لماذا أضاف اللَّهُ البيتَ إليه؟ تشريفًا وتعظيمًا.
إذَن خصَّصَه بالربوبيَّة -أي: خصَّصَ البيتَ بالربوبيَّة- مرَّةً، وأضافه إلى نفْسه مرَّةً أُخرى تشريفًا وتعظيمًا.
في آيةٍ ثانيةٍ: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ وبعدها قال أيش؟ ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ [النمل ٩١] احترازًا مِن أن يتوهَّم واهمٌ بأنه ربُّ البلدةِ وَحْدَها فقال: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾، ولكلِّ مقامٍ صيغةٌ مناسِبةٌ؛ ففي قوله: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ مناسَبةُ بيانِ عموم مُلْكه لئلَّا يدَّعي المشركون أنه ربُّ للبلدة فقط، أمَّا هنا فالمقامُ مقامُ تعظيمٍ للبيت فناسَبَ ذِكْره وحده.
﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ ﴿الَّذِي﴾ هذه صفةٌ لـ﴿رَبَّ﴾ أو لـ﴿الْبَيْتِ﴾؟ .
* طلبة: لـ﴿رَبَّ﴾.
* الشيخ: لـ﴿رَبَّ﴾، إذَنْ محلُّها النصب، ولهذا يَحْسُن أن تقِفَ فتقول: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ ثم تقول: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ﴾؛ لأنك لو وصَلْتَ فقلت: ﴿رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ﴾ لظنَّ السامعُ أن ﴿الَّذِي﴾ صفةٌ لـ﴿الْبَيْتِ﴾، وهذا بعيدٌ من المعنى ولا يستقيم به المعنى.
﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ بيَّنَ الله تعالى نعمته عليهم، النعمةَ الظاهرةَ والباطنةَ؛ فإطعامهم من الجوع وقايةٌ من الهلاك في أَمْرٍ باطنٍ وهو الطعام الذي يأكلونه، ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ وقايةٌ من الخلاف في الأمر، أيش؟ الظاهر؛ لأن الخوف ظاهرٌ؛ إذا كانت البلادُ مَحُوطةً بالعدوِّ خاف أهلُها وامتنعوا عن الخروج وبقوا في ملاجئهم، فذكَّرهم الله بهذه النعمة؛ ﴿أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾، وآمَنُ مكانٍ في الأرض هو مكة، هي آمَنُ مكانٍ في الأرض، ولذلك لا يُقطَع شَجَرُها، ولا يُحشُّ حشيشُها، ولا تُلْتقَط ساقطتُها، ولا يُصَادُ صيدُها، ولا يُسْفَك فيها دمٌ، وهذه الخصائص لا توجد في البلاد الأخرى، حتى المدينة محرَّمةٌ ولها حَرَمٌ لكنَّ حَرَمَها دون حَرَمِ مكَّة بكثير؛ حَرَمُ مكة لا يمكن يأتيه أحدٌ من المسلمين لم يأته أوَّلَ مرَّةٍ إلا مُحْرِمًا، يجب عليه أن يُحْرِم، والمدينةُ ليست كذلك، حَرَمُ مكة يَحْرُم حشيشُه وشَجَرُهُ مُطْلقًا، وأمَّا حَرَمُ المدينة فرُخِّص في بعض شَجَرِهِ للحرث ونحوه، صَيْد مكة حرامٌ وفيه الجزاء، وصَيْد المدينة ليس فيه الجزاء، المهِمُّ أن أعظم مكانٍ آمِنٍ هو مكة، حتى الأشجارُ آمِنَةٌ فيه، وحتى الصيود آمِنَةٌ فيه، ولولا أن الله تعالى يسَّرَ على عباده لكان حتى البهائم؛ يعني قصدي حتى بهيمة الأنعام التي ليست صيودًا، لكن الله تعالى رَحِم العبادَ وأَذِنَ لهم أن يذبحوا وينحروا في هذا المكان، وهذه النعمة ذكَّرهم الله بها في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت ٦٧]؛ يعني أفلا يشكرون الله على هذا؟! فهذه السورة كما ترى كلُّها تذكيرٌ لقريشٍ بما أنعم الله عليهم في هذا البيت العظيم، وفي الأمن من الخوف، وفي الإطعام من الجوع.
فإذا قال قائل: ما واجبُ قريش نحو هذه النعمة؟ وكذلك ما واجبُ مَن حَلَّ في مكة الآن من قريش أو غيرهم؟
قُلنا: الواجبُ الشكرُ لله تعالى بالقيام بطاعته بامتثال أَمْره واجتناب نهيه، ولهذا إذا كَثُرت المعاصي في الحرم فالخطرُ على أهله أكثرُ من الخطر على غيرهم؛ لأن المعصية في مكانٍ فاضلٍ أعظمُ من المعصية في مكانٍ مفضولٍ، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج ٢٥]، فتوعَّد الله تعالى مَن أراد فيه؛ أي: مَن هَمَّ فيه بإلحادٍ فضلًا عمَّن أَلْحَدَ.
والواجب على المرء أن يَذْكر نعمةَ الله عليه في كلِّ مكانٍ لا في مكة فحسْب، بلادنا -ولله الحمد- اليوم مِن آمَنِ بلاد العالَم، وهي مِن أشدِّ بلاد العالَم رَغَدًا وعَيْشًا، أطْعَمَنا الله تعالى من الجوع وآمَنَنا من الخوف، فعلينا أنْ نشكر هذه النعمة، وأنْ نتعاون على البِرِّ والتقوى، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى الدعوة إلى الله على بصيرةٍ وتأنٍّ وتَثَبُّتٍ، وأن نكون إخوةً متآلفين.
والواجب علينا -ولا سِيَّما على طَلَبة العلم- إذا اختلفوا بينهم أنْ يجلسوا للتشاور وللمناقشة الهادئة التي يُقصَد منها الوصولُ إلى الحقِّ، ومتى تبيَّن الحقُّ لإنسانٍ وَجَبَ عليه اتِّباعُه، ولا يجوز أن ينتصر لرأيه؛ لأنه ليس مُشَرِّعًا معصومًا حتى يقول: إن رأيي هو الصواب وإن ما عداه فهو الخطأ، الواجب على الإنسان المؤمن أن يكون كما أراد الله منه؛ ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب ٣٦]، أمَّا كون الإنسانِ ينتصر لرأيه ويُصِرُّ على ما هو عليه ولو تبيَّن له أنه باطل فهذا خطأٌ، هذا من دَأْب المشركين الذين أَبَوْا أن يتَّبعوا الرسول وقالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٢٢].
نسأل الله أن يُديم علينا وعليكم نعمة الإسلام والأمن في الأوطان، وأن يجعلنا إخوةً متآلفين على كتاب الله وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
قريش 106:2
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
(...) نتكلم فيه على قول الله تبارك وتعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش ١ - ٤].
هذه السورة لها صِلَةٌ بالسورة التي قبلها؛ إذْ إن السورة التي قبلها فيها بيانُ مِنَّةِ اللهِ عز وجل على أهل مكة بما فَعَلَ بأصحاب الفيل الذين قَصَدوا مكَّةَ لهدم الكعبة، فبيَّن الله في هذه السورة نعمةً أُخرى كبيرة على أهل مكة؛ على قريش، وهي إيلافُهم مرَّتينِ في السَّنَة؛ مرَّةً في الصيف ومرَّةً في الشتاء.
والإيلاف بمعنى الجمع والضمِّ، ويُراد به التجارة التي كانوا يقومون بها مرَّةً في الشتاء ومرَّةً في الصيف؛ أمَّا في الشتاء فيتَّجهون نحو اليَمَن للمحصولات الزراعية فيه ولأن الجوَّ مناسبٌ، وأمَّا في الصيف فيتَّجهون إلى الشام لأن غالِبَ تجارة الفواكه وغيرها تكون في هذا الوقت؛ في الصيف، مع مناسبة الجو البارد، فهي نعمةٌ من الله سبحانه وتعالى على قريش في هاتين الرحلتين؛ الرحلة الأولى: رحلة الشتاء، في أيِّ وقت؟
* طالب: الشتاء.
* الشيخ: لأيِّ جهة؟ اليمن. والثانية: رحلة الصيف بجهة الشام.
لَمَّا ذكَّرَهم بهذه النعمة وهي نعمةٌ عظيمةٌ؛ لأنه يحصل منها فوائدُ كثيرةٌ ومكاسبُ كبيرةٌ في هذه التجارة، أَمَرهم عز وجل أن يعبدوا ربَّ البيت عز وجل؛ قال: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ شكرًا له على هذه النعمة، والفاء هذه إمَّا أن تكون فاء السببيَّة؛ أي: فبسبب هاتين الرحلتينِ لِيعبدوا ربَّ هذا البيت، أو تكون فاء التفريع، وأيًّا كان فهي مبنيَّةٌ على ما سبق؛ أي: فبهذه النِّعَم العظيمة يجب عليهم أن يعبدوا الله.
والعبادة هي التذلُّل لله عز وجل محبَّةً وتعظيمًا؛ أن يتعبَّد الإنسان لله، يتذلَّل له بالسمع والطاعة، إذا بَلَغَه عن الله ورسوله أَمْرٌ قال: سَمِعْنا وأَطَعْنا، وإذا بَلَغَه خَبَرٌ قال: سَمِعْنا وآمَنَّا، على وجْه المحبة والتعظيم؛ فبالمحبة يقوم الإنسان بفِعْل الأوامر، وبالتعظيم يترك النواهي خوفًا من هذا العظيم عز وجل، هذا معنًى من معاني العبادة.
وتُطلق العبادة على نفْس المتعبَّد به، وقد حدَّها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بهذا المعنى فقال: إن العبادة اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. ولهذا لو سألك سائلٌ: الصلاة ما هي؟ أعبادةٌ أمْ عادة؟ قلْتَ: عبادة. ولو سألك سائلٌ: أنت الآن تصلِّي، فما معنى صلاتك هذه؟ لَقُلتَ: معناها العبادة لله، أتَعَبَّد لله عز وجل، أتَذَلَّل له بالسمع والطاعة وبما أَمَرني به.
وقوله: ﴿رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ يعني به الكعبة المعظَّمة، وقد أضافها الله تعالى إلى نفْسه في قوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج ٢٦]، وهنا أضاف رُبوبيَّته إليه؛ قال: ﴿رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾.
وهل هو ربٌّ لغيره؟ الجواب: نعم، لكن إضافة الربوبيَّة إليه على سبيل التشريف والتعظيم.
طيب، ﴿طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ أليس كلُّ شيءٍ فهو لله؟! لله مُلك السماوات والأرض، كلُّ شيءٍ لله، كلُّ شيءٍ ملْكٌ لله، لماذا أضاف اللَّهُ البيتَ إليه؟ تشريفًا وتعظيمًا.
إذَن خصَّصَه بالربوبيَّة -أي: خصَّصَ البيتَ بالربوبيَّة- مرَّةً، وأضافه إلى نفْسه مرَّةً أُخرى تشريفًا وتعظيمًا.
في آيةٍ ثانيةٍ: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ وبعدها قال أيش؟ ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ [النمل ٩١] احترازًا مِن أن يتوهَّم واهمٌ بأنه ربُّ البلدةِ وَحْدَها فقال: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾، ولكلِّ مقامٍ صيغةٌ مناسِبةٌ؛ ففي قوله: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ مناسَبةُ بيانِ عموم مُلْكه لئلَّا يدَّعي المشركون أنه ربُّ للبلدة فقط، أمَّا هنا فالمقامُ مقامُ تعظيمٍ للبيت فناسَبَ ذِكْره وحده.
﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ ﴿الَّذِي﴾ هذه صفةٌ لـ﴿رَبَّ﴾ أو لـ﴿الْبَيْتِ﴾؟ .
* طلبة: لـ﴿رَبَّ﴾.
* الشيخ: لـ﴿رَبَّ﴾، إذَنْ محلُّها النصب، ولهذا يَحْسُن أن تقِفَ فتقول: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ ثم تقول: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ﴾؛ لأنك لو وصَلْتَ فقلت: ﴿رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ﴾ لظنَّ السامعُ أن ﴿الَّذِي﴾ صفةٌ لـ﴿الْبَيْتِ﴾، وهذا بعيدٌ من المعنى ولا يستقيم به المعنى.
﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ بيَّنَ الله تعالى نعمته عليهم، النعمةَ الظاهرةَ والباطنةَ؛ فإطعامهم من الجوع وقايةٌ من الهلاك في أَمْرٍ باطنٍ وهو الطعام الذي يأكلونه، ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ وقايةٌ من الخلاف في الأمر، أيش؟ الظاهر؛ لأن الخوف ظاهرٌ؛ إذا كانت البلادُ مَحُوطةً بالعدوِّ خاف أهلُها وامتنعوا عن الخروج وبقوا في ملاجئهم، فذكَّرهم الله بهذه النعمة؛ ﴿أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾، وآمَنُ مكانٍ في الأرض هو مكة، هي آمَنُ مكانٍ في الأرض، ولذلك لا يُقطَع شَجَرُها، ولا يُحشُّ حشيشُها، ولا تُلْتقَط ساقطتُها، ولا يُصَادُ صيدُها، ولا يُسْفَك فيها دمٌ، وهذه الخصائص لا توجد في البلاد الأخرى، حتى المدينة محرَّمةٌ ولها حَرَمٌ لكنَّ حَرَمَها دون حَرَمِ مكَّة بكثير؛ حَرَمُ مكة لا يمكن يأتيه أحدٌ من المسلمين لم يأته أوَّلَ مرَّةٍ إلا مُحْرِمًا، يجب عليه أن يُحْرِم، والمدينةُ ليست كذلك، حَرَمُ مكة يَحْرُم حشيشُه وشَجَرُهُ مُطْلقًا، وأمَّا حَرَمُ المدينة فرُخِّص في بعض شَجَرِهِ للحرث ونحوه، صَيْد مكة حرامٌ وفيه الجزاء، وصَيْد المدينة ليس فيه الجزاء، المهِمُّ أن أعظم مكانٍ آمِنٍ هو مكة، حتى الأشجارُ آمِنَةٌ فيه، وحتى الصيود آمِنَةٌ فيه، ولولا أن الله تعالى يسَّرَ على عباده لكان حتى البهائم؛ يعني قصدي حتى بهيمة الأنعام التي ليست صيودًا، لكن الله تعالى رَحِم العبادَ وأَذِنَ لهم أن يذبحوا وينحروا في هذا المكان، وهذه النعمة ذكَّرهم الله بها في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت ٦٧]؛ يعني أفلا يشكرون الله على هذا؟! فهذه السورة كما ترى كلُّها تذكيرٌ لقريشٍ بما أنعم الله عليهم في هذا البيت العظيم، وفي الأمن من الخوف، وفي الإطعام من الجوع.
فإذا قال قائل: ما واجبُ قريش نحو هذه النعمة؟ وكذلك ما واجبُ مَن حَلَّ في مكة الآن من قريش أو غيرهم؟
قُلنا: الواجبُ الشكرُ لله تعالى بالقيام بطاعته بامتثال أَمْره واجتناب نهيه، ولهذا إذا كَثُرت المعاصي في الحرم فالخطرُ على أهله أكثرُ من الخطر على غيرهم؛ لأن المعصية في مكانٍ فاضلٍ أعظمُ من المعصية في مكانٍ مفضولٍ، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج ٢٥]، فتوعَّد الله تعالى مَن أراد فيه؛ أي: مَن هَمَّ فيه بإلحادٍ فضلًا عمَّن أَلْحَدَ.
والواجب على المرء أن يَذْكر نعمةَ الله عليه في كلِّ مكانٍ لا في مكة فحسْب، بلادنا -ولله الحمد- اليوم مِن آمَنِ بلاد العالَم، وهي مِن أشدِّ بلاد العالَم رَغَدًا وعَيْشًا، أطْعَمَنا الله تعالى من الجوع وآمَنَنا من الخوف، فعلينا أنْ نشكر هذه النعمة، وأنْ نتعاون على البِرِّ والتقوى، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى الدعوة إلى الله على بصيرةٍ وتأنٍّ وتَثَبُّتٍ، وأن نكون إخوةً متآلفين.
والواجب علينا -ولا سِيَّما على طَلَبة العلم- إذا اختلفوا بينهم أنْ يجلسوا للتشاور وللمناقشة الهادئة التي يُقصَد منها الوصولُ إلى الحقِّ، ومتى تبيَّن الحقُّ لإنسانٍ وَجَبَ عليه اتِّباعُه، ولا يجوز أن ينتصر لرأيه؛ لأنه ليس مُشَرِّعًا معصومًا حتى يقول: إن رأيي هو الصواب وإن ما عداه فهو الخطأ، الواجب على الإنسان المؤمن أن يكون كما أراد الله منه؛ ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب ٣٦]، أمَّا كون الإنسانِ ينتصر لرأيه ويُصِرُّ على ما هو عليه ولو تبيَّن له أنه باطل فهذا خطأٌ، هذا من دَأْب المشركين الذين أَبَوْا أن يتَّبعوا الرسول وقالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٢٢].
نسأل الله أن يُديم علينا وعليكم نعمة الإسلام والأمن في الأوطان، وأن يجعلنا إخوةً متآلفين على كتاب الله وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
قريش 106:3
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
(...) نتكلم فيه على قول الله تبارك وتعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش ١ - ٤].
هذه السورة لها صِلَةٌ بالسورة التي قبلها؛ إذْ إن السورة التي قبلها فيها بيانُ مِنَّةِ اللهِ عز وجل على أهل مكة بما فَعَلَ بأصحاب الفيل الذين قَصَدوا مكَّةَ لهدم الكعبة، فبيَّن الله في هذه السورة نعمةً أُخرى كبيرة على أهل مكة؛ على قريش، وهي إيلافُهم مرَّتينِ في السَّنَة؛ مرَّةً في الصيف ومرَّةً في الشتاء.
والإيلاف بمعنى الجمع والضمِّ، ويُراد به التجارة التي كانوا يقومون بها مرَّةً في الشتاء ومرَّةً في الصيف؛ أمَّا في الشتاء فيتَّجهون نحو اليَمَن للمحصولات الزراعية فيه ولأن الجوَّ مناسبٌ، وأمَّا في الصيف فيتَّجهون إلى الشام لأن غالِبَ تجارة الفواكه وغيرها تكون في هذا الوقت؛ في الصيف، مع مناسبة الجو البارد، فهي نعمةٌ من الله سبحانه وتعالى على قريش في هاتين الرحلتين؛ الرحلة الأولى: رحلة الشتاء، في أيِّ وقت؟
* طالب: الشتاء.
* الشيخ: لأيِّ جهة؟ اليمن. والثانية: رحلة الصيف بجهة الشام.
لَمَّا ذكَّرَهم بهذه النعمة وهي نعمةٌ عظيمةٌ؛ لأنه يحصل منها فوائدُ كثيرةٌ ومكاسبُ كبيرةٌ في هذه التجارة، أَمَرهم عز وجل أن يعبدوا ربَّ البيت عز وجل؛ قال: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ شكرًا له على هذه النعمة، والفاء هذه إمَّا أن تكون فاء السببيَّة؛ أي: فبسبب هاتين الرحلتينِ لِيعبدوا ربَّ هذا البيت، أو تكون فاء التفريع، وأيًّا كان فهي مبنيَّةٌ على ما سبق؛ أي: فبهذه النِّعَم العظيمة يجب عليهم أن يعبدوا الله.
والعبادة هي التذلُّل لله عز وجل محبَّةً وتعظيمًا؛ أن يتعبَّد الإنسان لله، يتذلَّل له بالسمع والطاعة، إذا بَلَغَه عن الله ورسوله أَمْرٌ قال: سَمِعْنا وأَطَعْنا، وإذا بَلَغَه خَبَرٌ قال: سَمِعْنا وآمَنَّا، على وجْه المحبة والتعظيم؛ فبالمحبة يقوم الإنسان بفِعْل الأوامر، وبالتعظيم يترك النواهي خوفًا من هذا العظيم عز وجل، هذا معنًى من معاني العبادة.
وتُطلق العبادة على نفْس المتعبَّد به، وقد حدَّها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بهذا المعنى فقال: إن العبادة اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. ولهذا لو سألك سائلٌ: الصلاة ما هي؟ أعبادةٌ أمْ عادة؟ قلْتَ: عبادة. ولو سألك سائلٌ: أنت الآن تصلِّي، فما معنى صلاتك هذه؟ لَقُلتَ: معناها العبادة لله، أتَعَبَّد لله عز وجل، أتَذَلَّل له بالسمع والطاعة وبما أَمَرني به.
وقوله: ﴿رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ يعني به الكعبة المعظَّمة، وقد أضافها الله تعالى إلى نفْسه في قوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج ٢٦]، وهنا أضاف رُبوبيَّته إليه؛ قال: ﴿رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾.
وهل هو ربٌّ لغيره؟ الجواب: نعم، لكن إضافة الربوبيَّة إليه على سبيل التشريف والتعظيم.
طيب، ﴿طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ أليس كلُّ شيءٍ فهو لله؟! لله مُلك السماوات والأرض، كلُّ شيءٍ لله، كلُّ شيءٍ ملْكٌ لله، لماذا أضاف اللَّهُ البيتَ إليه؟ تشريفًا وتعظيمًا.
إذَن خصَّصَه بالربوبيَّة -أي: خصَّصَ البيتَ بالربوبيَّة- مرَّةً، وأضافه إلى نفْسه مرَّةً أُخرى تشريفًا وتعظيمًا.
في آيةٍ ثانيةٍ: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ وبعدها قال أيش؟ ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ [النمل ٩١] احترازًا مِن أن يتوهَّم واهمٌ بأنه ربُّ البلدةِ وَحْدَها فقال: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾، ولكلِّ مقامٍ صيغةٌ مناسِبةٌ؛ ففي قوله: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ مناسَبةُ بيانِ عموم مُلْكه لئلَّا يدَّعي المشركون أنه ربُّ للبلدة فقط، أمَّا هنا فالمقامُ مقامُ تعظيمٍ للبيت فناسَبَ ذِكْره وحده.
﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ ﴿الَّذِي﴾ هذه صفةٌ لـ﴿رَبَّ﴾ أو لـ﴿الْبَيْتِ﴾؟ .
* طلبة: لـ﴿رَبَّ﴾.
* الشيخ: لـ﴿رَبَّ﴾، إذَنْ محلُّها النصب، ولهذا يَحْسُن أن تقِفَ فتقول: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ ثم تقول: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ﴾؛ لأنك لو وصَلْتَ فقلت: ﴿رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ﴾ لظنَّ السامعُ أن ﴿الَّذِي﴾ صفةٌ لـ﴿الْبَيْتِ﴾، وهذا بعيدٌ من المعنى ولا يستقيم به المعنى.
﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ بيَّنَ الله تعالى نعمته عليهم، النعمةَ الظاهرةَ والباطنةَ؛ فإطعامهم من الجوع وقايةٌ من الهلاك في أَمْرٍ باطنٍ وهو الطعام الذي يأكلونه، ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ وقايةٌ من الخلاف في الأمر، أيش؟ الظاهر؛ لأن الخوف ظاهرٌ؛ إذا كانت البلادُ مَحُوطةً بالعدوِّ خاف أهلُها وامتنعوا عن الخروج وبقوا في ملاجئهم، فذكَّرهم الله بهذه النعمة؛ ﴿أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾، وآمَنُ مكانٍ في الأرض هو مكة، هي آمَنُ مكانٍ في الأرض، ولذلك لا يُقطَع شَجَرُها، ولا يُحشُّ حشيشُها، ولا تُلْتقَط ساقطتُها، ولا يُصَادُ صيدُها، ولا يُسْفَك فيها دمٌ، وهذه الخصائص لا توجد في البلاد الأخرى، حتى المدينة محرَّمةٌ ولها حَرَمٌ لكنَّ حَرَمَها دون حَرَمِ مكَّة بكثير؛ حَرَمُ مكة لا يمكن يأتيه أحدٌ من المسلمين لم يأته أوَّلَ مرَّةٍ إلا مُحْرِمًا، يجب عليه أن يُحْرِم، والمدينةُ ليست كذلك، حَرَمُ مكة يَحْرُم حشيشُه وشَجَرُهُ مُطْلقًا، وأمَّا حَرَمُ المدينة فرُخِّص في بعض شَجَرِهِ للحرث ونحوه، صَيْد مكة حرامٌ وفيه الجزاء، وصَيْد المدينة ليس فيه الجزاء، المهِمُّ أن أعظم مكانٍ آمِنٍ هو مكة، حتى الأشجارُ آمِنَةٌ فيه، وحتى الصيود آمِنَةٌ فيه، ولولا أن الله تعالى يسَّرَ على عباده لكان حتى البهائم؛ يعني قصدي حتى بهيمة الأنعام التي ليست صيودًا، لكن الله تعالى رَحِم العبادَ وأَذِنَ لهم أن يذبحوا وينحروا في هذا المكان، وهذه النعمة ذكَّرهم الله بها في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت ٦٧]؛ يعني أفلا يشكرون الله على هذا؟! فهذه السورة كما ترى كلُّها تذكيرٌ لقريشٍ بما أنعم الله عليهم في هذا البيت العظيم، وفي الأمن من الخوف، وفي الإطعام من الجوع.
فإذا قال قائل: ما واجبُ قريش نحو هذه النعمة؟ وكذلك ما واجبُ مَن حَلَّ في مكة الآن من قريش أو غيرهم؟
قُلنا: الواجبُ الشكرُ لله تعالى بالقيام بطاعته بامتثال أَمْره واجتناب نهيه، ولهذا إذا كَثُرت المعاصي في الحرم فالخطرُ على أهله أكثرُ من الخطر على غيرهم؛ لأن المعصية في مكانٍ فاضلٍ أعظمُ من المعصية في مكانٍ مفضولٍ، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج ٢٥]، فتوعَّد الله تعالى مَن أراد فيه؛ أي: مَن هَمَّ فيه بإلحادٍ فضلًا عمَّن أَلْحَدَ.
والواجب على المرء أن يَذْكر نعمةَ الله عليه في كلِّ مكانٍ لا في مكة فحسْب، بلادنا -ولله الحمد- اليوم مِن آمَنِ بلاد العالَم، وهي مِن أشدِّ بلاد العالَم رَغَدًا وعَيْشًا، أطْعَمَنا الله تعالى من الجوع وآمَنَنا من الخوف، فعلينا أنْ نشكر هذه النعمة، وأنْ نتعاون على البِرِّ والتقوى، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى الدعوة إلى الله على بصيرةٍ وتأنٍّ وتَثَبُّتٍ، وأن نكون إخوةً متآلفين.
والواجب علينا -ولا سِيَّما على طَلَبة العلم- إذا اختلفوا بينهم أنْ يجلسوا للتشاور وللمناقشة الهادئة التي يُقصَد منها الوصولُ إلى الحقِّ، ومتى تبيَّن الحقُّ لإنسانٍ وَجَبَ عليه اتِّباعُه، ولا يجوز أن ينتصر لرأيه؛ لأنه ليس مُشَرِّعًا معصومًا حتى يقول: إن رأيي هو الصواب وإن ما عداه فهو الخطأ، الواجب على الإنسان المؤمن أن يكون كما أراد الله منه؛ ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب ٣٦]، أمَّا كون الإنسانِ ينتصر لرأيه ويُصِرُّ على ما هو عليه ولو تبيَّن له أنه باطل فهذا خطأٌ، هذا من دَأْب المشركين الذين أَبَوْا أن يتَّبعوا الرسول وقالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٢٢].
نسأل الله أن يُديم علينا وعليكم نعمة الإسلام والأمن في الأوطان، وأن يجعلنا إخوةً متآلفين على كتاب الله وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
قريش 106:4
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
(...) نتكلم فيه على قول الله تبارك وتعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش ١ - ٤].
هذه السورة لها صِلَةٌ بالسورة التي قبلها؛ إذْ إن السورة التي قبلها فيها بيانُ مِنَّةِ اللهِ عز وجل على أهل مكة بما فَعَلَ بأصحاب الفيل الذين قَصَدوا مكَّةَ لهدم الكعبة، فبيَّن الله في هذه السورة نعمةً أُخرى كبيرة على أهل مكة؛ على قريش، وهي إيلافُهم مرَّتينِ في السَّنَة؛ مرَّةً في الصيف ومرَّةً في الشتاء.
والإيلاف بمعنى الجمع والضمِّ، ويُراد به التجارة التي كانوا يقومون بها مرَّةً في الشتاء ومرَّةً في الصيف؛ أمَّا في الشتاء فيتَّجهون نحو اليَمَن للمحصولات الزراعية فيه ولأن الجوَّ مناسبٌ، وأمَّا في الصيف فيتَّجهون إلى الشام لأن غالِبَ تجارة الفواكه وغيرها تكون في هذا الوقت؛ في الصيف، مع مناسبة الجو البارد، فهي نعمةٌ من الله سبحانه وتعالى على قريش في هاتين الرحلتين؛ الرحلة الأولى: رحلة الشتاء، في أيِّ وقت؟
* طالب: الشتاء.
* الشيخ: لأيِّ جهة؟ اليمن. والثانية: رحلة الصيف بجهة الشام.
لَمَّا ذكَّرَهم بهذه النعمة وهي نعمةٌ عظيمةٌ؛ لأنه يحصل منها فوائدُ كثيرةٌ ومكاسبُ كبيرةٌ في هذه التجارة، أَمَرهم عز وجل أن يعبدوا ربَّ البيت عز وجل؛ قال: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ شكرًا له على هذه النعمة، والفاء هذه إمَّا أن تكون فاء السببيَّة؛ أي: فبسبب هاتين الرحلتينِ لِيعبدوا ربَّ هذا البيت، أو تكون فاء التفريع، وأيًّا كان فهي مبنيَّةٌ على ما سبق؛ أي: فبهذه النِّعَم العظيمة يجب عليهم أن يعبدوا الله.
والعبادة هي التذلُّل لله عز وجل محبَّةً وتعظيمًا؛ أن يتعبَّد الإنسان لله، يتذلَّل له بالسمع والطاعة، إذا بَلَغَه عن الله ورسوله أَمْرٌ قال: سَمِعْنا وأَطَعْنا، وإذا بَلَغَه خَبَرٌ قال: سَمِعْنا وآمَنَّا، على وجْه المحبة والتعظيم؛ فبالمحبة يقوم الإنسان بفِعْل الأوامر، وبالتعظيم يترك النواهي خوفًا من هذا العظيم عز وجل، هذا معنًى من معاني العبادة.
وتُطلق العبادة على نفْس المتعبَّد به، وقد حدَّها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بهذا المعنى فقال: إن العبادة اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. ولهذا لو سألك سائلٌ: الصلاة ما هي؟ أعبادةٌ أمْ عادة؟ قلْتَ: عبادة. ولو سألك سائلٌ: أنت الآن تصلِّي، فما معنى صلاتك هذه؟ لَقُلتَ: معناها العبادة لله، أتَعَبَّد لله عز وجل، أتَذَلَّل له بالسمع والطاعة وبما أَمَرني به.
وقوله: ﴿رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ يعني به الكعبة المعظَّمة، وقد أضافها الله تعالى إلى نفْسه في قوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج ٢٦]، وهنا أضاف رُبوبيَّته إليه؛ قال: ﴿رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾.
وهل هو ربٌّ لغيره؟ الجواب: نعم، لكن إضافة الربوبيَّة إليه على سبيل التشريف والتعظيم.
طيب، ﴿طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ أليس كلُّ شيءٍ فهو لله؟! لله مُلك السماوات والأرض، كلُّ شيءٍ لله، كلُّ شيءٍ ملْكٌ لله، لماذا أضاف اللَّهُ البيتَ إليه؟ تشريفًا وتعظيمًا.
إذَن خصَّصَه بالربوبيَّة -أي: خصَّصَ البيتَ بالربوبيَّة- مرَّةً، وأضافه إلى نفْسه مرَّةً أُخرى تشريفًا وتعظيمًا.
في آيةٍ ثانيةٍ: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ وبعدها قال أيش؟ ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ [النمل ٩١] احترازًا مِن أن يتوهَّم واهمٌ بأنه ربُّ البلدةِ وَحْدَها فقال: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾، ولكلِّ مقامٍ صيغةٌ مناسِبةٌ؛ ففي قوله: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ مناسَبةُ بيانِ عموم مُلْكه لئلَّا يدَّعي المشركون أنه ربُّ للبلدة فقط، أمَّا هنا فالمقامُ مقامُ تعظيمٍ للبيت فناسَبَ ذِكْره وحده.
﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ ﴿الَّذِي﴾ هذه صفةٌ لـ﴿رَبَّ﴾ أو لـ﴿الْبَيْتِ﴾؟ .
* طلبة: لـ﴿رَبَّ﴾.
* الشيخ: لـ﴿رَبَّ﴾، إذَنْ محلُّها النصب، ولهذا يَحْسُن أن تقِفَ فتقول: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ ثم تقول: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ﴾؛ لأنك لو وصَلْتَ فقلت: ﴿رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ﴾ لظنَّ السامعُ أن ﴿الَّذِي﴾ صفةٌ لـ﴿الْبَيْتِ﴾، وهذا بعيدٌ من المعنى ولا يستقيم به المعنى.
﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ بيَّنَ الله تعالى نعمته عليهم، النعمةَ الظاهرةَ والباطنةَ؛ فإطعامهم من الجوع وقايةٌ من الهلاك في أَمْرٍ باطنٍ وهو الطعام الذي يأكلونه، ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ وقايةٌ من الخلاف في الأمر، أيش؟ الظاهر؛ لأن الخوف ظاهرٌ؛ إذا كانت البلادُ مَحُوطةً بالعدوِّ خاف أهلُها وامتنعوا عن الخروج وبقوا في ملاجئهم، فذكَّرهم الله بهذه النعمة؛ ﴿أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾، وآمَنُ مكانٍ في الأرض هو مكة، هي آمَنُ مكانٍ في الأرض، ولذلك لا يُقطَع شَجَرُها، ولا يُحشُّ حشيشُها، ولا تُلْتقَط ساقطتُها، ولا يُصَادُ صيدُها، ولا يُسْفَك فيها دمٌ، وهذه الخصائص لا توجد في البلاد الأخرى، حتى المدينة محرَّمةٌ ولها حَرَمٌ لكنَّ حَرَمَها دون حَرَمِ مكَّة بكثير؛ حَرَمُ مكة لا يمكن يأتيه أحدٌ من المسلمين لم يأته أوَّلَ مرَّةٍ إلا مُحْرِمًا، يجب عليه أن يُحْرِم، والمدينةُ ليست كذلك، حَرَمُ مكة يَحْرُم حشيشُه وشَجَرُهُ مُطْلقًا، وأمَّا حَرَمُ المدينة فرُخِّص في بعض شَجَرِهِ للحرث ونحوه، صَيْد مكة حرامٌ وفيه الجزاء، وصَيْد المدينة ليس فيه الجزاء، المهِمُّ أن أعظم مكانٍ آمِنٍ هو مكة، حتى الأشجارُ آمِنَةٌ فيه، وحتى الصيود آمِنَةٌ فيه، ولولا أن الله تعالى يسَّرَ على عباده لكان حتى البهائم؛ يعني قصدي حتى بهيمة الأنعام التي ليست صيودًا، لكن الله تعالى رَحِم العبادَ وأَذِنَ لهم أن يذبحوا وينحروا في هذا المكان، وهذه النعمة ذكَّرهم الله بها في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت ٦٧]؛ يعني أفلا يشكرون الله على هذا؟! فهذه السورة كما ترى كلُّها تذكيرٌ لقريشٍ بما أنعم الله عليهم في هذا البيت العظيم، وفي الأمن من الخوف، وفي الإطعام من الجوع.
فإذا قال قائل: ما واجبُ قريش نحو هذه النعمة؟ وكذلك ما واجبُ مَن حَلَّ في مكة الآن من قريش أو غيرهم؟
قُلنا: الواجبُ الشكرُ لله تعالى بالقيام بطاعته بامتثال أَمْره واجتناب نهيه، ولهذا إذا كَثُرت المعاصي في الحرم فالخطرُ على أهله أكثرُ من الخطر على غيرهم؛ لأن المعصية في مكانٍ فاضلٍ أعظمُ من المعصية في مكانٍ مفضولٍ، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج ٢٥]، فتوعَّد الله تعالى مَن أراد فيه؛ أي: مَن هَمَّ فيه بإلحادٍ فضلًا عمَّن أَلْحَدَ.
والواجب على المرء أن يَذْكر نعمةَ الله عليه في كلِّ مكانٍ لا في مكة فحسْب، بلادنا -ولله الحمد- اليوم مِن آمَنِ بلاد العالَم، وهي مِن أشدِّ بلاد العالَم رَغَدًا وعَيْشًا، أطْعَمَنا الله تعالى من الجوع وآمَنَنا من الخوف، فعلينا أنْ نشكر هذه النعمة، وأنْ نتعاون على البِرِّ والتقوى، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى الدعوة إلى الله على بصيرةٍ وتأنٍّ وتَثَبُّتٍ، وأن نكون إخوةً متآلفين.
والواجب علينا -ولا سِيَّما على طَلَبة العلم- إذا اختلفوا بينهم أنْ يجلسوا للتشاور وللمناقشة الهادئة التي يُقصَد منها الوصولُ إلى الحقِّ، ومتى تبيَّن الحقُّ لإنسانٍ وَجَبَ عليه اتِّباعُه، ولا يجوز أن ينتصر لرأيه؛ لأنه ليس مُشَرِّعًا معصومًا حتى يقول: إن رأيي هو الصواب وإن ما عداه فهو الخطأ، الواجب على الإنسان المؤمن أن يكون كما أراد الله منه؛ ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب ٣٦]، أمَّا كون الإنسانِ ينتصر لرأيه ويُصِرُّ على ما هو عليه ولو تبيَّن له أنه باطل فهذا خطأٌ، هذا من دَأْب المشركين الذين أَبَوْا أن يتَّبعوا الرسول وقالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٢٢].
نسأل الله أن يُديم علينا وعليكم نعمة الإسلام والأمن في الأوطان، وأن يجعلنا إخوةً متآلفين على كتاب الله وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
الماعون 107:1
نبتدئ هذا اللقاء بتفسير قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ [الماعون ١، ٢] إلى آخِر السورة إن شاء الله.
فيقول الله تبارك وتعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ [الماعون ١] ﴿أَرَأَيْتَ﴾ خِطاب، لكن لِمَن؟ هل هو للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأنه الذي أُنْزِل عليه القرآن، أو هو عامٌّ لكلِّ مَن يتوجَّه إليه الخطاب؟ العموم أَوْلى، فنقول: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي﴾ عامٌّ لكلِّ مَن يتوجَّه إليه الخطاب.
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ أي: بالجزاء، وهؤلاء هم الذين يُنكرون البعثَ ويقولون: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الصافات ١٦، ١٧]، ويقول القائل منهم: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨]، هؤلاء يُكَذِّبون بيوم الدِّين، ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ أي: بالجزاء.
الماعون 107:2
﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الماعون: ٢، ٣] فجمع بين أَمْرين:
الأمر الأول: عدم الرحمة بالأيتام الذين هم محلُّ الرحمة؛ لأن الأيتام هم الذين مات آباؤهم قبل أن يَبْلغوا، وهم محلُّ الشفقة والرحمة؛ لأنه فاقدٌ لأبيه، فقَلْبُه منكسرٌ يحتاج إلى جَبْر، ولهذا وردت النصوص بفضل الإحسان إلى الأيتام، لكن هذا -والعياذ بالله- ﴿يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ أي: يَدْفعه بعُنف؛ لأن الدَّعَّ هو الدَّفْع بعُنفٍ كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور ١٣] أي: دفعًا شديدًا، فتجد اليتيمَ إذا جاء إليه يستجديه شيئًَا أو يُكلِّمه في شيءٍ يحتقره ويدفعه بشِدَّة فلا يرحمه.
أيضًا: لا يَحُثُّون على رحمة الغير؛ ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾، فالمسكين الفقير المحتاج إلى الطعام لا يحضُّ هذا على إطعامه؛ لأن قَلْبه حَجَرٌ والعياذ بالله، قاسٍ، فقلوبهم كالحجارة أو أشدُّ قسوة، إذَنْ ليس فيه رحمة لا للأيتام ولا للمساكين، فهو قاسي القلب والعياذ بالله.
الماعون 107:3
﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الماعون: ٢، ٣] فجمع بين أَمْرين:
الأمر الأول: عدم الرحمة بالأيتام الذين هم محلُّ الرحمة؛ لأن الأيتام هم الذين مات آباؤهم قبل أن يَبْلغوا، وهم محلُّ الشفقة والرحمة؛ لأنه فاقدٌ لأبيه، فقَلْبُه منكسرٌ يحتاج إلى جَبْر، ولهذا وردت النصوص بفضل الإحسان إلى الأيتام، لكن هذا -والعياذ بالله- ﴿يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ أي: يَدْفعه بعُنف؛ لأن الدَّعَّ هو الدَّفْع بعُنفٍ كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور ١٣] أي: دفعًا شديدًا، فتجد اليتيمَ إذا جاء إليه يستجديه شيئًَا أو يُكلِّمه في شيءٍ يحتقره ويدفعه بشِدَّة فلا يرحمه.
أيضًا: لا يَحُثُّون على رحمة الغير؛ ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾، فالمسكين الفقير المحتاج إلى الطعام لا يحضُّ هذا على إطعامه؛ لأن قَلْبه حَجَرٌ والعياذ بالله، قاسٍ، فقلوبهم كالحجارة أو أشدُّ قسوة، إذَنْ ليس فيه رحمة لا للأيتام ولا للمساكين، فهو قاسي القلب والعياذ بالله.
الماعون 107:4
ثم قال عز وجل: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون ٤] (وَيْل) هذه كلمة وعيدٍ، وهي تتكرَّر في القرآن كثيرًا، والمعنى: الوعيد الشديد على هؤلاء.
﴿لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون ٤، ٥] هؤلاء مُصَلُّون يُصَلُّون مع الناس أو أفرادًا، لكنهم ﴿عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ أي: غافلون عنها، لا يُقيمونها على ما ينبغي، يؤخِّرونها عن الوقت الفاضل، لا يُقيمون ركوعَها ولا سجودَها ولا قيامَها ولا قعودَها، لا يقرؤون ما يجب فيها من قراءة سواءٌ كانت قرآنًا أو ذِكْرًا، إذا دَخَلَ في صلاته وإذا هو غافلٌ، قَلْبه يتجوَّل يمينًا وشِمالًا، فهو ساهٍ عن صلاته، وهذا مذمومٌ؛ الذي يسهو عن الصلاة ويَغْفل عنها ويتهاون بها لا شكَّ أنه مذمومٌ، أمَّا الساهي في صلاته فهذا لا يُلام، والفرق بينهما أن الساهي في الصلاة معناه أنه نَسِي شيئًا؛ نَسِي عددَ الركعات، نَسِي شيئًا من الواجبات وما أشبهَ ذلك، ولهذا وقع السهوُ من رسول الله ﷺ، وهو أشدُّ الناسِ إقبالًا على صلاته بل إنه قال عليه الصلاة والسلام: «جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ»[[أخرجه النسائي (٣٩٤٠)، وأحمد (١٤٠٣٧)، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.]]، ومع ذلك سها في صلاته؛ لأن السهو في الشيء معناه أنه نَسِي شيئًا على وجهٍ لا يُلام عليه، أمَّا الساهي عن صلاته فهو متعمِّدٌ للتهاون في صلاته، ومن السهو عن الصلاة أولئك القوم الذين يَدَعُون الصلاةَ مع الجماعة، فإنهم لا شكَّ عن صلاتهم ساهون، فيدخلون في هذا الوعيد؛ ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾.
الماعون 107:5
ثم قال عز وجل: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون ٤] (وَيْل) هذه كلمة وعيدٍ، وهي تتكرَّر في القرآن كثيرًا، والمعنى: الوعيد الشديد على هؤلاء.
﴿لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون ٤، ٥] هؤلاء مُصَلُّون يُصَلُّون مع الناس أو أفرادًا، لكنهم ﴿عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ أي: غافلون عنها، لا يُقيمونها على ما ينبغي، يؤخِّرونها عن الوقت الفاضل، لا يُقيمون ركوعَها ولا سجودَها ولا قيامَها ولا قعودَها، لا يقرؤون ما يجب فيها من قراءة سواءٌ كانت قرآنًا أو ذِكْرًا، إذا دَخَلَ في صلاته وإذا هو غافلٌ، قَلْبه يتجوَّل يمينًا وشِمالًا، فهو ساهٍ عن صلاته، وهذا مذمومٌ؛ الذي يسهو عن الصلاة ويَغْفل عنها ويتهاون بها لا شكَّ أنه مذمومٌ، أمَّا الساهي في صلاته فهذا لا يُلام، والفرق بينهما أن الساهي في الصلاة معناه أنه نَسِي شيئًا؛ نَسِي عددَ الركعات، نَسِي شيئًا من الواجبات وما أشبهَ ذلك، ولهذا وقع السهوُ من رسول الله ﷺ، وهو أشدُّ الناسِ إقبالًا على صلاته بل إنه قال عليه الصلاة والسلام: «جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ»[[أخرجه النسائي (٣٩٤٠)، وأحمد (١٤٠٣٧)، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.]]، ومع ذلك سها في صلاته؛ لأن السهو في الشيء معناه أنه نَسِي شيئًا على وجهٍ لا يُلام عليه، أمَّا الساهي عن صلاته فهو متعمِّدٌ للتهاون في صلاته، ومن السهو عن الصلاة أولئك القوم الذين يَدَعُون الصلاةَ مع الجماعة، فإنهم لا شكَّ عن صلاتهم ساهون، فيدخلون في هذا الوعيد؛ ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾.
الماعون 107:6
﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٦، ٧] أيضًا إذا فَعَلوا الطاعةَ فإنما يقصدون بها التزَلُّفَ إلى الناس وأن يكون لهم قيمةٌ في المجتمع، ليس قَصْدهم التقرُّب إلى الله عز وجل؛ فهذا الْمُرائي -والعياذ بالله- يتصدَّق من أجْل أن يقول الناس: ما أَكْرَمَهُ! هذا المصلِّي يُحسن صلاتَه من أجْل أن يقول الناس: ما أَحْسَنَ صلاتَه! وما أشبهَ ذلك، هؤلاء يُراؤون، أَصْل العبادة لله، لكنْ يريدون مع ذلك أن يحمدهم الناسُ عليها، ويتقرَّبون إلى الناس بتقرُّبهم إلى الله، هؤلاء المراؤون والعياذ بالله.
أمَّا مَن يُصلِّي لأجْل الناس؛ بمعنى أنه يصلِّي بين يَدَي الملِك مثلًا أو غيرِهِ يخضع له ركوعًا أو سجودًا فهذا مُشْرِكٌ كافرٌ، قد حرَّمَ الله عليه الجنةَ ومأواه النار.
لكن هذا يصلِّي لله مع مراعاة أن يحمده الناسُ على عبادته، على أنه عابدٌ لله عز وجل، وهذا يقع كثيرًا في المنافقين؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء ١٤٢]، انظر لهذا الوصف: ﴿إِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾، إذَنْ هم عن صلاتهم ساهون، ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾.
هُنا يقول: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾، فإنْ قال إنسان: وهل الذين يُسَمِّعون مثلهم؟ يعني الإنسان مَثَلًا يقرأ قرآنًا، يجهر بالقراءة، يُحَسِّن القراءة، يُحَسِّن الأداء والصوت من أجْل أن يُقال: ما أَقْرأَهُ! هل يكون مِثْل الذين يُراؤون؟
الجواب: نعم، كما جاء في الحديث: «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ رَاءَى رَاءَى اللَّهُ بِهِ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٦ / ٤٧) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.]]، المعنى: مَنْ سَمَّع فَضَحَهُ اللَّهُ وبيَّنَ للناس أن الرجُل ليس مخلصًا، ولكنه يريد أن يسمعه الناسُ فيمدحوه على عبادته، ومَنْ راءى كذلك راءى اللَّهُ به؛ فالإنسان الذي يُرائي الناس أو يُسَمِّع الناس سوف يفضحه الله، وسوف يتبيَّن أَمْره إنْ عاجِلًا أمْ آجِلًا.
الماعون 107:7
﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ أي: يمنعون ما يجب بَذْلُه من المواعين، وهي الأواني؛ يعني يأتي الإنسانُ إليهم يستعير آنِيةً يقول: أنا محتاج إلى دَلْو، محتاج إلى إناءٍ أشرب فيه، محتاج إلى لمبة كهرباء وما أشبهَ ذلك، ويمنع، هذا أيضًا مذموم.
ومَنْعُ الماعون ينقسم إلى قِسمين: قِسْمٌ يأثم به الإنسان، وقِسْمٌ لا يأثم به لكنْ يَفُوته الخير؛ فما وَجَبَ بَذْلُه فإن الإنسان يأثم بمنعه، وما لم يجب بَذْلُه فإن الإنسان لا يأثم بمنعه لكنْ يفوته الخير.
مثالُ ذلك: إنسانٌ جاءه رجلٌ مضطرٌّ يقول: أعطني إناءً أشرب به، فإنْ لم أشربْ مِتُّ. بَذْلُ الإناء له أيش؟ واجبٌ، يأثم به الإنسانُ، حتى إنَّ بعض العلماء يقول: لو مات هذا الإنسان فإنه يضمنه ذاك بالدِّية؛ لأنه هو سبب ما فيه، ويجب عليه بَذْلُ ما طلبه.
جاء إنسانٌ إلى آخَر يقول: أعطني ثوبًا أَدْفأُ به عن البَرْد وإلا هلكتُ. هُنا يجب عليه أن يَبْذل له ذلك الثوبَ وجوبًا.
لكن اختلف العلماء في هذه المسألة: هل يجب على المستعير في هذه الحال أن يُعطي المعيرَ أجرةً أو لا يجب؟ أو يجب في المنافع دون الأعيان؟ كيف هذا؟ مَثَلًا إنسانٌ أتاك وهو مضطرٌّ إلى طعام، فإنْ لم تطعمه هَلَكَ، هنا يجب عليك أن تُطعمه، لكن هل يجب عليه أن يُعطيك قيمةَ الطعام؟
قال بعض أهل العلم: يجب عليه أن يُعطيك قيمةَ الطعام، وقال آخرون: لا يجب؛ لأن إطعامه في هذه الحال واجبٌ عليك من عند الله، وهذا القول هو الراجح أنَّه ليس له عِوَض؛ لأن إنقاذ الواقع في هَلَكة واجبٌ، ولا يمكن أن يأخذ الإنسانُ أجرًا على ما أوجبَ الله عليه.
في المسألة الثانية: جاءك إنسانٌ مضطرٌّ إلى ثوبٍ خوفًا من البَرْد، فأعطيتَه الثوبَ، فهل يجب عليه أُجْرة لهذا الثوب؟
بعض العلماء يقول: يجب عليه أُجرة، وبعضهم يقول: لا يجب، والصحيح أنه لا يجب عليه الأُجرة، ولكنْ إنْ أعطيتَه إيَّاه على سبيل التملُّك فهو ملْكه، وإنْ أعطيتَه إيَّاه على سبيل العاريَّة وجبَ عليه إذا وجد ثوبًا غيره أن يَرُدَّه عليك، هذا القول هو الصحيح، وبهذا ينتهي الكلام على هذه السورة.
فيجب على المرء أن ينظر في نفْسه هل هو مِمَّن اتَّصَفَ بهذه الصفات أو لا، إنْ كان مِمَّن اتَّصَفَ بهذه الصفات؛ قد أضاعَ الصلاةَ وسها عنها ومَنَعَ الخيرَ عن الغير فليُبْشِر بالويل والعياذُ بالله، وإنْ كان قد تَنَزَّهَ عن ذلك فليُبْشِر بالخير.
والقرآن الكريم ليس المقصود منه أن يتلوه الإنسانُ فقط ليتعبَّد لله تعالى بتلاوته، المقصود أن يتأدَّبَ به، ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها: «إنَّ النبي ﷺ كان خُلُقه القرآن»[[أخرج أحمد (٢٥٣٠٢) عن سعد بن هشام قال: سألتُ عائشةَ فقلتُ: أخبريني عن خُلُق رسول الله ﷺ. فقالت: كان خُلُقه القرآن.]]. (خُلُقه) يعني أخلاقه التي يتخلَّق بها يأخذها من القرآن. وفَّقَنا الله وإيَّاكم لِمَا فيه الخير والصلاح في الدنيا والآخرة.
الكوثر 108:1
نبتدئ هذا اللقاء بالكلام على سورة: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر ١ - ٣].
هذه السورة قيل: إنها مَكِّيَّة، وقيل: إنها مَدَنِيَّة، والمكيُّ هو الذي نزل قبل هجرة النبي ﷺ إلى المدينةِ سواء نزل في مكة أو في المدينة أو في الطريق؛ في السَّفَر يعني، كلُّ ما نزل بعد الهجرة فهو مدنِيٌّ، وما نزل قبلها فهو مَكِّيٌّ، هذا القول الراجح من أقوال العلماء.
يقول الله عز وجل مخاطبًا النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، والكوثر في اللغة العربية هو الخير الكثير، وهكذا كان النبي ﷺ أعطاه الله تعالى خيرًا كثيرًا في الدنيا والآخرة؛ فمِن ذلك النهرُ العظيمُ الذي في الجنة والذي يصُبُّ منه ميزابانِ على حوضه المورود ﷺ، ماؤه أشدُّ بياضًا من اللبن، وأحلى مَذَاقًا من العسل، وأطيب رائحةً من المسك. وهذا الحوض في عَرَصات القيامة يَرِدُهُ المؤمنون من أُمَّة النبي ﷺ، وآنِيتُهُ كنجوم السماء كثرةً وحُسْنًا[[أخرج مسلم (٢٣٠٠ / ٣٦) بسنده عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله ما آنيةُ الحوض؟ قال: «والذي نفسُ محمَّدٍ بيده لَآنيتُهُ أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها، ألا في الليلة المظلمة المصْحِية، آنيةُ الجنة، مَن شَرِب منها لم يظمأْ آخِرَ ما عليه، يَشْخُب فيه ميزابانِ من الجنة، مَن شَرِب منه لم يظمأْ، عَرْضُه مثلُ طُوله، ما بين عمَّان إلى أَيْلَةَ، ماؤه أشدُّ بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل». ]]، فمَنْ كان واردًا على شريعته في الدنيا كان واردًا على حوضه في الآخرة، ومَن لم يكن واردًا على شريعته فإنه محرومٌ منه في الآخرة، نسألُ الله أن يُورِدَنا وإيَّاكم حوضَه ويسقينا منه.
ومن الخيرات الكثيرة التي أُعطِيَها ﷺ في الدنيا ما ثَبَتَ في الصحيحين من حديث جابرٍ رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا؛ فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِمُ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وهذا لفظ البخاري.]]. هذا من الخير الكثير؛ لأن بَعْثَه إلى الناس عامةً يستلزم أن يكون أكثرَ الأنبياءِ أتباعًا، وهو كذلك، فهو أكثرُهم أتباعًا عليه الصلاة والسلام.
ومن المعلوم أن الدالَّ على الخير كفاعل الخير، والذي دلَّ هذه الأُمَّة العظيمةَ التي فاقت الأُمَمَ كثرةً هو محمدٌ ﷺ، وعلى هذا فيكون للرسول عليه الصلاة والسلام من أجْر كلِّ واحدٍ من أُمَّته نصيبٌ من الأجر، ومَن يُحصِي الأُمَّةَ إلا اللهُ عز وجل؟!
ومن الخير الذي أُعْطِيَه في الآخرة المقامُ المحمودُ، ومنه الشفاعةُ العظمى؛ فإن الناس في يوم القيامة يَلْحقهم من الكَرْب والغَمِّ ما لا يُطيقون، فيطلبون الشفاعة، فيأتون إلى آدم، ثم نوح، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، حتى تصل إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيقوم ويَشْفع، ويقضي الله تعالى بين العباد بشفاعته[[إشارة إلى حديث الشفاعة الطويل الذي أخرجه البخاري (٤٤٧٦) ومسلم (١٩٣ / ٣٢٢) من حديث أنسٍ رضي الله عنه. ]]، وهذا المقام يحمده عليه الأوَّلون والآخِرون، داخل في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء ٧٩].
إذَن ﴿الْكَوْثَرَ﴾ يعني أيش؟ الخير الكثير، ومنه النهرُ الذي في الجنة، فالنهرُ الذي في الجنة هو الكوثر لا شكَّ، ويُسَمَّى كوثرًا، لكن ليس هو فقط الذي أعطاه الله نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الخير.
الكوثر 108:2
ولما ذَكَر مِنَّتَه عليه بهذا الخير الكثير قال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، شُكْرًا لله على هذه النعمة العظيمة أنْ تُصَلِّي وتنحر لله، والمراد بالصلاة هُنا جميعُ الصلوات، وأوَّل ما يدخل فيها الصلاةُ المقرونةُ بالنحر، وهي صلاةُ عيدِ الأضحى، لكن الآية شاملة عامَّة؛ ﴿صَلِّ لِرَبِّكَ﴾ الصلوات المفروضة، والنوافل، صلوات العيد، والجمعة.
﴿وَانْحَرْ﴾ أي: تَقَرَّبْ إليه بالنَّحْر، والنَّحْر يختصُّ بالإبل، والذَّبح للبقر والغَنَم، لكنه ذَكَر النحر لأن الإبل أنفع من غيرها بالنسبة للمساكين، ولهذا أهداها النبيُّ ﷺ في حَجِّه، أَهْدى مئةَ بعيرٍ، ونَحَرَ منها ثلاثًا وستين بيده، وأعطى عليَّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه الباقيَ فنَحَرَه، وتصدَّق بجميع أجزائها إلا بضعةً واحدةً من كلِّ ناقةٍ، فأخذها، وجُعِلتْ في قِدْرٍ فطَبَخَها، فأكل من لحمها وشَرِبَ من مَرَقِها[[أخرج مسلم (١٢١٨ / ١٤٧) من حديث جابر رضي الله عنهما قال: ... ثم انصرف إلى الْمَنْحر فنَحَرَ ثلاثًا وستين بيده، ثم أعطى عليًّا فنَحَرَ ما غَبَرَ، وأَشْركه في هَدْيِه، ثم أَمَر مِن كلِّ بَدَنَةٍ ببضْعةٍ فجُعِلتْ في قِدْرٍ فطُبِخَتْ، فأكَلَا من لحمها وشَرِبَا من مَرَقِها... الحديث. ]]، وأَمَر بالصدقة حتى بجِلالها وجلودها[[أخرج البخاري (١٧٠٧) ومسلم (١٣١٧ / ٣٤٩) من حديث على بن أبي طالب قال: أَمَرني رسولُ الله ﷺ أن أتصدَّق بجِلال البُدْن التي نُحِرَتْ وبجلودها. هذا لفظ البخاري، والجِلال -بكسر الجيم-: جمع جُلٍّ -بضم الجيم- وهو ما يُطرَح على ظهر البعير من كساء ونحوه.]]، عليه الصلاة والسلام، والأمر له أمرٌ له وللأُمَّة، فعلينا أن نُخْلِص الصلاةَ لله وأن نُخْلِص النحرَ لله كما أُمِر بذلك نبيُّنا ﷺ.
الكوثر 108:3
ثم قال: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ هذا في مقابل إعطاء الكوثر، قال: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾، ﴿شَانِئَكَ﴾ أي: مُبْغِضك، والشَّنَآن: البُغْض، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة ٢] أي: لا يَحْمِلنَّكم بُغْضُهم أن تعتدوا. ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ أي: لا يَحْمِلنَّكم بُغْضُهم على تَرْكِ العدلِ ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة ٨]، فـ﴿شَانِئَكَ﴾ في قوله: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ﴾ يعني: مُبْغِضك.
﴿هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ ﴿الْأَبْتَرُ﴾ اسم تفضيل؛ من (بَتَرَ) بمعنى قَطَعَ، يعني: هو الأَقْطَعُ المنقطعُ من كل خير؛ وذلك أن كُفَّار قريش يقولون: محمد أَبْتر، لا خير فيه ولا بَرَكة فيه ولا في اتِّباعه، أَبْتر. لَمَّا مات ابنُه القاسمُ رضي الله عنه قالوا: محمدٌ أَبْتر لا يُولَد له، ولو وُلِدَ له فهو مقطوعُ النَّسْل. فبيَّنَ اللهُ عزَّ وجلَّ أن الأَبْتر هو مُبْغِضُ الرسولِ عليه الصلاة والسلام، فهو الأَبْترُ المقطوعُ عن كلِّ خير، الذي ليس فيه بَرَكة، وحياتُهُ ندامةٌ عليه، وإذا كان هذا في مُبْغِضه فهو أيضًا في مُبْغِض شَرْعِه؛ فمَنْ أبغضَ شريعةَ الرسول عليه الصلاة والسلام، أو أبغضَ شعيرةً من شعائر الإسلام، أو أبغضَ أيَّ طاعةٍ مِمَّا يتعبَّد به الناسُ في دين الإسلام فإنه كافرٌ خارجٌ عن الدين؛ لقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد ٩] ولا حُبُوطَ للعمل إلا بالكفر، فمَن كَرِهَ فَرْض الصلوات فهو كافرٌ ولو صلَّى، ومَن كَرِهَ فَرْض الزكاة فهو كافرٌ ولو زكَّى، لكن مَن استثقلها مع عَدَم الكراهة فهذا فيه خصلةٌ من خصال النفاق لكنه لا يكفر، وفرقٌ بين من استثقلَ الشيءَ ومن كَرِه الشيء.
إذَنْ هذه الآية تضمَّنتْ بيانَ نعمةِ الله على رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بإعطائه الخيرَ الكثيرَ، ثم الأمرَ بالإخلاص لله عز وجل في الصلوات والنَّحْر وكذلك في سائر العبادات، ثم بيانَ أن مَن أبغضَ الرسولَ عليه الصلاة والسلام أو أبغضَ شيئًا من شريعته فإنه هو الأقطعُ الذي لا خير فيه ولا بَرَكة فيه.
الكافرون 109:1
ثم قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون ١ - ٦].
هذه السورة هي إحدى سورتَيِ الإخلاص؛ لأن سورتَيِ الإخلاص: (قل يا أيها الكافرون) و (قل هو الله أحد)، «وكان النبي ﷺ يقرأُ بهما في سُنَّة الفجر، وفي سُنَّة المغرب، وفي ركعتَيِ الطواف»[[أخرج أحمد (٥٢١٥) عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ رسول الله ﷺ قرأ في الركعتين قبل الفجر والركعتين بعد المغرب بضعًا وعشرين مرَّةً أو بضع عشرة مرَّةً: (قل يا أيها الكافرون) و(قل هو الله أحد). وأخرج مسلم (١٢١٨ /١٤٧) من حديث جابر الطويل في الحج أنَّ النبي ﷺ كان يقرأ في الركعتين (قل هو الله أحد) و(قل يا أيها الكافرون).]]؛ لِمَا تضمَّناه من الإخلاص لله عز وجل، والثناء عليه بالصفات الكاملة في سورة (قل هو الله أحد).
يقول الله آمِرًا نبيَّه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ يُناديهم، يُعْلن لهم بالنداء: ﴿يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وهذا يشمل كلَّ كافرٍ؛ سواءٌ كان من المشركين، أو من اليهود، أو من النصارى، أو من الشيوعيِّين، أو من غيرهم؛ كلُّ كافرٍ يجب أن تناديه بقلبك أو بلسانك إن كان حاضرًا لتتبرَّأ منه ومن عبادته.
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ كُرِّرت الْجُمَل على مرَّتين مرَّتين.
﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ أي: لا أعبدُ الذين تعبدونهم، وهم الأصنام.
﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ وهو الله. و﴿مَا﴾ هنا في قوله: ﴿مَا أَعْبُدُ﴾ بمعنى (مَن)؛ لأن اسم الموصول إذا عاد إلى الله فإنه يأتي بلفظ (مَن).
﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ يعني: أنا لا أعبدُ أصنامَكم، وأنتم لا تعبدون الله.
﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ الآن يظنُّ الظانُّ أن هذه مكرَّرة للتوكيد، وليس كذلك؛ لأن الصيغة مختلفة؛ ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ هذا فِعْل أو اسم؟ سؤال.
* الطلبة: فِعْل.
* الشيخ: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ فِعْل. ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾، ﴿عَابِدٌ﴾ و﴿عَابِدُونَ﴾؟
* طلبة: اسم.
* الشيخ: اسم، والتوكيد لا بدَّ أن تكون الجملة الثانية كالأولى، إذَن القول بأنه كُرِّر للتوكيد ضعيفٌ، إذَن لماذا هذا التكرار؟
قال بعض العلماء: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ الآنَ، ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ في المستقبل، هذا قول، فصار: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ يعني أيش؟ في الحال، ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ يعني في المستقبل؛ لأن الفِعل المضارع يدلُّ على الحال، واسم الفاعل يدلُّ على الاستقبال، بدليل أنه عَمِل، واسمُ الفاعل لا يعمل إلا إذا كان للاستقبال.
فإذَن ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ في الحاضر، ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾.. ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ الآن، ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ يعني الآن، ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ يعني في المستقبل، ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ يعني في المستقبل.
لكن أُورِدَ على هذا القول، أُورِد إيرادٌ: كيف قال: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ مع أنهم قد يؤمنون فيعبدون الله؟! وعلى هذا فيكون في هذا القول نوعٌ من الضعف.
أجابوا عن ذلك بأنَّ قوله: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ يخاطب المشركين الذين عَلِمَ اللَّهُ تعالى أنهم لن يؤمنوا، فيكون الخطاب ليس عامًّا، وهذا مِمَّا يُضعف القولَ بعض الشيء، فعندنا الآن قولانِ؛ الأول: أنها توكيد، والثاني: أنها أيش؟ في المستقبل.
القول الثالث: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ أي: لا أعبدُ الأصنامَ التي تعبدونها، ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ أي: لا تعبدون الله، ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ أي: في العبادة، يعني: ليست عبادتي كعبادتِكم ولا عبادتُكم كعبادتي، فيكون هذا نفيًا للفعل لا للمفعول له؛ يعني: ليس نفيًا للمعبود، ولكنه نفيٌ للعبادة؛ أي: لا أعبدُ كعبادتكم ولا تعبدون أنتم كعبادتي؛ لأن عبادتي خالصةٌ لله، وعبادتكم عبادة شِرك.
الأقوال الآن كم؟ ثلاثة.
القول الرابع اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن قوله: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ هذا الفِعل، فوافق القولَ الأولَ في هذه الجملة، ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ أي: في القَبول؛ بمعنى: ولنْ أقبلَ غير عبادتي، ولنْ أقبلَ عبادتكم، وأنتم كذلك لنْ تقبلوا. فتكون الجملةُ الأولى عائدةً على الفِعل، والجملةُ الثانية عائدةً على القَبول والرضا؛ يعني: لا أعبده ولا أرضى به، وأنتم كذلك لا تعبدون الله ولا ترضون بعبادته. وهذا القول إذا تأمَّلتَه لا يَرِدُ عليه شيءٌ من (...) السابقة، فيكون قولًا حسنًا جيِّدًا.
ومن هنا نأخذ أن القرآن الكريم ليس فيه شيءٌ مكرَّرٌ لغير فائدةٍ إطلاقًا، ليس فيه شيءٌ مكرَّرٌ إلا وله فائدة؛ لأننا لو قُلنا: إن في القرآن شيئًا مكرَّرًا بدون فائدة لَكان في القرآن ما هو لَغْوٌ، وهو مُنَزَّهٌ عن ذلك، وعلى هذا فالتكرار في سورة الرحمن: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن ١٣] وفي سورة المرسلات: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات ١٥] ليس ليس ذا فائدة، بلْ هو تكرارٌ لفائدةٍ عظيمةٍ؛ وهي أنَّ كُلَّ آيةٍ مما بين هذه الآية المكرَّرة فإنها تشتمل على نِعَمٍ عظيمةٍ وآلاءٍ جسيمةٍ، ثُمَّ إنَّ فيها من الفائدة اللفظية تنبيه المخاطَب؛ حيث يُكرَّر عليه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ويُكرَّر عليه: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.
الكافرون 109:2
ثم قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون ١ - ٦].
هذه السورة هي إحدى سورتَيِ الإخلاص؛ لأن سورتَيِ الإخلاص: (قل يا أيها الكافرون) و (قل هو الله أحد)، «وكان النبي ﷺ يقرأُ بهما في سُنَّة الفجر، وفي سُنَّة المغرب، وفي ركعتَيِ الطواف»[[أخرج أحمد (٥٢١٥) عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ رسول الله ﷺ قرأ في الركعتين قبل الفجر والركعتين بعد المغرب بضعًا وعشرين مرَّةً أو بضع عشرة مرَّةً: (قل يا أيها الكافرون) و(قل هو الله أحد). وأخرج مسلم (١٢١٨ /١٤٧) من حديث جابر الطويل في الحج أنَّ النبي ﷺ كان يقرأ في الركعتين (قل هو الله أحد) و(قل يا أيها الكافرون).]]؛ لِمَا تضمَّناه من الإخلاص لله عز وجل، والثناء عليه بالصفات الكاملة في سورة (قل هو الله أحد).
يقول الله آمِرًا نبيَّه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ يُناديهم، يُعْلن لهم بالنداء: ﴿يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وهذا يشمل كلَّ كافرٍ؛ سواءٌ كان من المشركين، أو من اليهود، أو من النصارى، أو من الشيوعيِّين، أو من غيرهم؛ كلُّ كافرٍ يجب أن تناديه بقلبك أو بلسانك إن كان حاضرًا لتتبرَّأ منه ومن عبادته.
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ كُرِّرت الْجُمَل على مرَّتين مرَّتين.
﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ أي: لا أعبدُ الذين تعبدونهم، وهم الأصنام.
﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ وهو الله. و﴿مَا﴾ هنا في قوله: ﴿مَا أَعْبُدُ﴾ بمعنى (مَن)؛ لأن اسم الموصول إذا عاد إلى الله فإنه يأتي بلفظ (مَن).
﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ يعني: أنا لا أعبدُ أصنامَكم، وأنتم لا تعبدون الله.
﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ الآن يظنُّ الظانُّ أن هذه مكرَّرة للتوكيد، وليس كذلك؛ لأن الصيغة مختلفة؛ ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ هذا فِعْل أو اسم؟ سؤال.
* الطلبة: فِعْل.
* الشيخ: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ فِعْل. ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾، ﴿عَابِدٌ﴾ و﴿عَابِدُونَ﴾؟
* طلبة: اسم.
* الشيخ: اسم، والتوكيد لا بدَّ أن تكون الجملة الثانية كالأولى، إذَن القول بأنه كُرِّر للتوكيد ضعيفٌ، إذَن لماذا هذا التكرار؟
قال بعض العلماء: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ الآنَ، ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ في المستقبل، هذا قول، فصار: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ يعني أيش؟ في الحال، ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ يعني في المستقبل؛ لأن الفِعل المضارع يدلُّ على الحال، واسم الفاعل يدلُّ على الاستقبال، بدليل أنه عَمِل، واسمُ الفاعل لا يعمل إلا إذا كان للاستقبال.
فإذَن ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ في الحاضر، ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾.. ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ الآن، ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ يعني الآن، ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ يعني في المستقبل، ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ يعني في المستقبل.
لكن أُورِدَ على هذا القول، أُورِد إيرادٌ: كيف قال: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ مع أنهم قد يؤمنون فيعبدون الله؟! وعلى هذا فيكون في هذا القول نوعٌ من الضعف.
أجابوا عن ذلك بأنَّ قوله: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ يخاطب المشركين الذين عَلِمَ اللَّهُ تعالى أنهم لن يؤمنوا، فيكون الخطاب ليس عامًّا، وهذا مِمَّا يُضعف القولَ بعض الشيء، فعندنا الآن قولانِ؛ الأول: أنها توكيد، والثاني: أنها أيش؟ في المستقبل.
القول الثالث: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ أي: لا أعبدُ الأصنامَ التي تعبدونها، ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ أي: لا تعبدون الله، ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ أي: في العبادة، يعني: ليست عبادتي كعبادتِكم ولا عبادتُكم كعبادتي، فيكون هذا نفيًا للفعل لا للمفعول له؛ يعني: ليس نفيًا للمعبود، ولكنه نفيٌ للعبادة؛ أي: لا أعبدُ كعبادتكم ولا تعبدون أنتم كعبادتي؛ لأن عبادتي خالصةٌ لله، وعبادتكم عبادة شِرك.
الأقوال الآن كم؟ ثلاثة.
القول الرابع اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن قوله: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ هذا الفِعل، فوافق القولَ الأولَ في هذه الجملة، ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ أي: في القَبول؛ بمعنى: ولنْ أقبلَ غير عبادتي، ولنْ أقبلَ عبادتكم، وأنتم كذلك لنْ تقبلوا. فتكون الجملةُ الأولى عائدةً على الفِعل، والجملةُ الثانية عائدةً على القَبول والرضا؛ يعني: لا أعبده ولا أرضى به، وأنتم كذلك لا تعبدون الله ولا ترضون بعبادته. وهذا القول إذا تأمَّلتَه لا يَرِدُ عليه شيءٌ من (...) السابقة، فيكون قولًا حسنًا جيِّدًا.
ومن هنا نأخذ أن القرآن الكريم ليس فيه شيءٌ مكرَّرٌ لغير فائدةٍ إطلاقًا، ليس فيه شيءٌ مكرَّرٌ إلا وله فائدة؛ لأننا لو قُلنا: إن في القرآن شيئًا مكرَّرًا بدون فائدة لَكان في القرآن ما هو لَغْوٌ، وهو مُنَزَّهٌ عن ذلك، وعلى هذا فالتكرار في سورة الرحمن: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن ١٣] وفي سورة المرسلات: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات ١٥] ليس ليس ذا فائدة، بلْ هو تكرارٌ لفائدةٍ عظيمةٍ؛ وهي أنَّ كُلَّ آيةٍ مما بين هذه الآية المكرَّرة فإنها تشتمل على نِعَمٍ عظيمةٍ وآلاءٍ جسيمةٍ، ثُمَّ إنَّ فيها من الفائدة اللفظية تنبيه المخاطَب؛ حيث يُكرَّر عليه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ويُكرَّر عليه: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.
الكافرون 109:3
ثم قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون ١ - ٦].
هذه السورة هي إحدى سورتَيِ الإخلاص؛ لأن سورتَيِ الإخلاص: (قل يا أيها الكافرون) و (قل هو الله أحد)، «وكان النبي ﷺ يقرأُ بهما في سُنَّة الفجر، وفي سُنَّة المغرب، وفي ركعتَيِ الطواف»[[أخرج أحمد (٥٢١٥) عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ رسول الله ﷺ قرأ في الركعتين قبل الفجر والركعتين بعد المغرب بضعًا وعشرين مرَّةً أو بضع عشرة مرَّةً: (قل يا أيها الكافرون) و(قل هو الله أحد). وأخرج مسلم (١٢١٨ /١٤٧) من حديث جابر الطويل في الحج أنَّ النبي ﷺ كان يقرأ في الركعتين (قل هو الله أحد) و(قل يا أيها الكافرون).]]؛ لِمَا تضمَّناه من الإخلاص لله عز وجل، والثناء عليه بالصفات الكاملة في سورة (قل هو الله أحد).
يقول الله آمِرًا نبيَّه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ يُناديهم، يُعْلن لهم بالنداء: ﴿يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وهذا يشمل كلَّ كافرٍ؛ سواءٌ كان من المشركين، أو من اليهود، أو من النصارى، أو من الشيوعيِّين، أو من غيرهم؛ كلُّ كافرٍ يجب أن تناديه بقلبك أو بلسانك إن كان حاضرًا لتتبرَّأ منه ومن عبادته.
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ كُرِّرت الْجُمَل على مرَّتين مرَّتين.
﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ أي: لا أعبدُ الذين تعبدونهم، وهم الأصنام.
﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ وهو الله. و﴿مَا﴾ هنا في قوله: ﴿مَا أَعْبُدُ﴾ بمعنى (مَن)؛ لأن اسم الموصول إذا عاد إلى الله فإنه يأتي بلفظ (مَن).
﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ يعني: أنا لا أعبدُ أصنامَكم، وأنتم لا تعبدون الله.
﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ الآن يظنُّ الظانُّ أن هذه مكرَّرة للتوكيد، وليس كذلك؛ لأن الصيغة مختلفة؛ ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ هذا فِعْل أو اسم؟ سؤال.
* الطلبة: فِعْل.
* الشيخ: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ فِعْل. ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾، ﴿عَابِدٌ﴾ و﴿عَابِدُونَ﴾؟
* طلبة: اسم.
* الشيخ: اسم، والتوكيد لا بدَّ أن تكون الجملة الثانية كالأولى، إذَن القول بأنه كُرِّر للتوكيد ضعيفٌ، إذَن لماذا هذا التكرار؟
قال بعض العلماء: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ الآنَ، ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ في المستقبل، هذا قول، فصار: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ يعني أيش؟ في الحال، ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ يعني في المستقبل؛ لأن الفِعل المضارع يدلُّ على الحال، واسم الفاعل يدلُّ على الاستقبال، بدليل أنه عَمِل، واسمُ الفاعل لا يعمل إلا إذا كان للاستقبال.
فإذَن ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ في الحاضر، ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾.. ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ الآن، ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ يعني الآن، ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ يعني في المستقبل، ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ يعني في المستقبل.
لكن أُورِدَ على هذا القول، أُورِد إيرادٌ: كيف قال: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ مع أنهم قد يؤمنون فيعبدون الله؟! وعلى هذا فيكون في هذا القول نوعٌ من الضعف.
أجابوا عن ذلك بأنَّ قوله: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ يخاطب المشركين الذين عَلِمَ اللَّهُ تعالى أنهم لن يؤمنوا، فيكون الخطاب ليس عامًّا، وهذا مِمَّا يُضعف القولَ بعض الشيء، فعندنا الآن قولانِ؛ الأول: أنها توكيد، والثاني: أنها أيش؟ في المستقبل.
القول الثالث: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ أي: لا أعبدُ الأصنامَ التي تعبدونها، ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ أي: لا تعبدون الله، ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ أي: في العبادة، يعني: ليست عبادتي كعبادتِكم ولا عبادتُكم كعبادتي، فيكون هذا نفيًا للفعل لا للمفعول له؛ يعني: ليس نفيًا للمعبود، ولكنه نفيٌ للعبادة؛ أي: لا أعبدُ كعبادتكم ولا تعبدون أنتم كعبادتي؛ لأن عبادتي خالصةٌ لله، وعبادتكم عبادة شِرك.
الأقوال الآن كم؟ ثلاثة.
القول الرابع اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن قوله: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ هذا الفِعل، فوافق القولَ الأولَ في هذه الجملة، ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ أي: في القَبول؛ بمعنى: ولنْ أقبلَ غير عبادتي، ولنْ أقبلَ عبادتكم، وأنتم كذلك لنْ تقبلوا. فتكون الجملةُ الأولى عائدةً على الفِعل، والجملةُ الثانية عائدةً على القَبول والرضا؛ يعني: لا أعبده ولا أرضى به، وأنتم كذلك لا تعبدون الله ولا ترضون بعبادته. وهذا القول إذا تأمَّلتَه لا يَرِدُ عليه شيءٌ من (...) السابقة، فيكون قولًا حسنًا جيِّدًا.
ومن هنا نأخذ أن القرآن الكريم ليس فيه شيءٌ مكرَّرٌ لغير فائدةٍ إطلاقًا، ليس فيه شيءٌ مكرَّرٌ إلا وله فائدة؛ لأننا لو قُلنا: إن في القرآن شيئًا مكرَّرًا بدون فائدة لَكان في القرآن ما هو لَغْوٌ، وهو مُنَزَّهٌ عن ذلك، وعلى هذا فالتكرار في سورة الرحمن: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن ١٣] وفي سورة المرسلات: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات ١٥] ليس ليس ذا فائدة، بلْ هو تكرارٌ لفائدةٍ عظيمةٍ؛ وهي أنَّ كُلَّ آيةٍ مما بين هذه الآية المكرَّرة فإنها تشتمل على نِعَمٍ عظيمةٍ وآلاءٍ جسيمةٍ، ثُمَّ إنَّ فيها من الفائدة اللفظية تنبيه المخاطَب؛ حيث يُكرَّر عليه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ويُكرَّر عليه: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.
الكافرون 109:4
ثم قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون ١ - ٦].
هذه السورة هي إحدى سورتَيِ الإخلاص؛ لأن سورتَيِ الإخلاص: (قل يا أيها الكافرون) و (قل هو الله أحد)، «وكان النبي ﷺ يقرأُ بهما في سُنَّة الفجر، وفي سُنَّة المغرب، وفي ركعتَيِ الطواف»[[أخرج أحمد (٥٢١٥) عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ رسول الله ﷺ قرأ في الركعتين قبل الفجر والركعتين بعد المغرب بضعًا وعشرين مرَّةً أو بضع عشرة مرَّةً: (قل يا أيها الكافرون) و(قل هو الله أحد). وأخرج مسلم (١٢١٨ /١٤٧) من حديث جابر الطويل في الحج أنَّ النبي ﷺ كان يقرأ في الركعتين (قل هو الله أحد) و(قل يا أيها الكافرون).]]؛ لِمَا تضمَّناه من الإخلاص لله عز وجل، والثناء عليه بالصفات الكاملة في سورة (قل هو الله أحد).
يقول الله آمِرًا نبيَّه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ يُناديهم، يُعْلن لهم بالنداء: ﴿يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وهذا يشمل كلَّ كافرٍ؛ سواءٌ كان من المشركين، أو من اليهود، أو من النصارى، أو من الشيوعيِّين، أو من غيرهم؛ كلُّ كافرٍ يجب أن تناديه بقلبك أو بلسانك إن كان حاضرًا لتتبرَّأ منه ومن عبادته.
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ كُرِّرت الْجُمَل على مرَّتين مرَّتين.
﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ أي: لا أعبدُ الذين تعبدونهم، وهم الأصنام.
﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ وهو الله. و﴿مَا﴾ هنا في قوله: ﴿مَا أَعْبُدُ﴾ بمعنى (مَن)؛ لأن اسم الموصول إذا عاد إلى الله فإنه يأتي بلفظ (مَن).
﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ يعني: أنا لا أعبدُ أصنامَكم، وأنتم لا تعبدون الله.
﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ الآن يظنُّ الظانُّ أن هذه مكرَّرة للتوكيد، وليس كذلك؛ لأن الصيغة مختلفة؛ ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ هذا فِعْل أو اسم؟ سؤال.
* الطلبة: فِعْل.
* الشيخ: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ فِعْل. ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾، ﴿عَابِدٌ﴾ و﴿عَابِدُونَ﴾؟
* طلبة: اسم.
* الشيخ: اسم، والتوكيد لا بدَّ أن تكون الجملة الثانية كالأولى، إذَن القول بأنه كُرِّر للتوكيد ضعيفٌ، إذَن لماذا هذا التكرار؟
قال بعض العلماء: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ الآنَ، ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ في المستقبل، هذا قول، فصار: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ يعني أيش؟ في الحال، ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ يعني في المستقبل؛ لأن الفِعل المضارع يدلُّ على الحال، واسم الفاعل يدلُّ على الاستقبال، بدليل أنه عَمِل، واسمُ الفاعل لا يعمل إلا إذا كان للاستقبال.
فإذَن ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ في الحاضر، ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾.. ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ الآن، ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ يعني الآن، ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ يعني في المستقبل، ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ يعني في المستقبل.
لكن أُورِدَ على هذا القول، أُورِد إيرادٌ: كيف قال: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ مع أنهم قد يؤمنون فيعبدون الله؟! وعلى هذا فيكون في هذا القول نوعٌ من الضعف.
أجابوا عن ذلك بأنَّ قوله: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ يخاطب المشركين الذين عَلِمَ اللَّهُ تعالى أنهم لن يؤمنوا، فيكون الخطاب ليس عامًّا، وهذا مِمَّا يُضعف القولَ بعض الشيء، فعندنا الآن قولانِ؛ الأول: أنها توكيد، والثاني: أنها أيش؟ في المستقبل.
القول الثالث: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ أي: لا أعبدُ الأصنامَ التي تعبدونها، ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ أي: لا تعبدون الله، ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ أي: في العبادة، يعني: ليست عبادتي كعبادتِكم ولا عبادتُكم كعبادتي، فيكون هذا نفيًا للفعل لا للمفعول له؛ يعني: ليس نفيًا للمعبود، ولكنه نفيٌ للعبادة؛ أي: لا أعبدُ كعبادتكم ولا تعبدون أنتم كعبادتي؛ لأن عبادتي خالصةٌ لله، وعبادتكم عبادة شِرك.
الأقوال الآن كم؟ ثلاثة.
القول الرابع اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن قوله: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ هذا الفِعل، فوافق القولَ الأولَ في هذه الجملة، ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ أي: في القَبول؛ بمعنى: ولنْ أقبلَ غير عبادتي، ولنْ أقبلَ عبادتكم، وأنتم كذلك لنْ تقبلوا. فتكون الجملةُ الأولى عائدةً على الفِعل، والجملةُ الثانية عائدةً على القَبول والرضا؛ يعني: لا أعبده ولا أرضى به، وأنتم كذلك لا تعبدون الله ولا ترضون بعبادته. وهذا القول إذا تأمَّلتَه لا يَرِدُ عليه شيءٌ من (...) السابقة، فيكون قولًا حسنًا جيِّدًا.
ومن هنا نأخذ أن القرآن الكريم ليس فيه شيءٌ مكرَّرٌ لغير فائدةٍ إطلاقًا، ليس فيه شيءٌ مكرَّرٌ إلا وله فائدة؛ لأننا لو قُلنا: إن في القرآن شيئًا مكرَّرًا بدون فائدة لَكان في القرآن ما هو لَغْوٌ، وهو مُنَزَّهٌ عن ذلك، وعلى هذا فالتكرار في سورة الرحمن: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن ١٣] وفي سورة المرسلات: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات ١٥] ليس ليس ذا فائدة، بلْ هو تكرارٌ لفائدةٍ عظيمةٍ؛ وهي أنَّ كُلَّ آيةٍ مما بين هذه الآية المكرَّرة فإنها تشتمل على نِعَمٍ عظيمةٍ وآلاءٍ جسيمةٍ، ثُمَّ إنَّ فيها من الفائدة اللفظية تنبيه المخاطَب؛ حيث يُكرَّر عليه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ويُكرَّر عليه: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.
الكافرون 109:5
ثم قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون ١ - ٦].
هذه السورة هي إحدى سورتَيِ الإخلاص؛ لأن سورتَيِ الإخلاص: (قل يا أيها الكافرون) و (قل هو الله أحد)، «وكان النبي ﷺ يقرأُ بهما في سُنَّة الفجر، وفي سُنَّة المغرب، وفي ركعتَيِ الطواف»[[أخرج أحمد (٥٢١٥) عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ رسول الله ﷺ قرأ في الركعتين قبل الفجر والركعتين بعد المغرب بضعًا وعشرين مرَّةً أو بضع عشرة مرَّةً: (قل يا أيها الكافرون) و(قل هو الله أحد). وأخرج مسلم (١٢١٨ /١٤٧) من حديث جابر الطويل في الحج أنَّ النبي ﷺ كان يقرأ في الركعتين (قل هو الله أحد) و(قل يا أيها الكافرون).]]؛ لِمَا تضمَّناه من الإخلاص لله عز وجل، والثناء عليه بالصفات الكاملة في سورة (قل هو الله أحد).
يقول الله آمِرًا نبيَّه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ يُناديهم، يُعْلن لهم بالنداء: ﴿يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وهذا يشمل كلَّ كافرٍ؛ سواءٌ كان من المشركين، أو من اليهود، أو من النصارى، أو من الشيوعيِّين، أو من غيرهم؛ كلُّ كافرٍ يجب أن تناديه بقلبك أو بلسانك إن كان حاضرًا لتتبرَّأ منه ومن عبادته.
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ كُرِّرت الْجُمَل على مرَّتين مرَّتين.
﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ أي: لا أعبدُ الذين تعبدونهم، وهم الأصنام.
﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ وهو الله. و﴿مَا﴾ هنا في قوله: ﴿مَا أَعْبُدُ﴾ بمعنى (مَن)؛ لأن اسم الموصول إذا عاد إلى الله فإنه يأتي بلفظ (مَن).
﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ يعني: أنا لا أعبدُ أصنامَكم، وأنتم لا تعبدون الله.
﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ الآن يظنُّ الظانُّ أن هذه مكرَّرة للتوكيد، وليس كذلك؛ لأن الصيغة مختلفة؛ ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ هذا فِعْل أو اسم؟ سؤال.
* الطلبة: فِعْل.
* الشيخ: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ فِعْل. ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾، ﴿عَابِدٌ﴾ و﴿عَابِدُونَ﴾؟
* طلبة: اسم.
* الشيخ: اسم، والتوكيد لا بدَّ أن تكون الجملة الثانية كالأولى، إذَن القول بأنه كُرِّر للتوكيد ضعيفٌ، إذَن لماذا هذا التكرار؟
قال بعض العلماء: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ الآنَ، ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ في المستقبل، هذا قول، فصار: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ يعني أيش؟ في الحال، ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ يعني في المستقبل؛ لأن الفِعل المضارع يدلُّ على الحال، واسم الفاعل يدلُّ على الاستقبال، بدليل أنه عَمِل، واسمُ الفاعل لا يعمل إلا إذا كان للاستقبال.
فإذَن ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ في الحاضر، ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾.. ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ الآن، ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ يعني الآن، ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ يعني في المستقبل، ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ يعني في المستقبل.
لكن أُورِدَ على هذا القول، أُورِد إيرادٌ: كيف قال: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ مع أنهم قد يؤمنون فيعبدون الله؟! وعلى هذا فيكون في هذا القول نوعٌ من الضعف.
أجابوا عن ذلك بأنَّ قوله: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ يخاطب المشركين الذين عَلِمَ اللَّهُ تعالى أنهم لن يؤمنوا، فيكون الخطاب ليس عامًّا، وهذا مِمَّا يُضعف القولَ بعض الشيء، فعندنا الآن قولانِ؛ الأول: أنها توكيد، والثاني: أنها أيش؟ في المستقبل.
القول الثالث: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ أي: لا أعبدُ الأصنامَ التي تعبدونها، ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ أي: لا تعبدون الله، ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ أي: في العبادة، يعني: ليست عبادتي كعبادتِكم ولا عبادتُكم كعبادتي، فيكون هذا نفيًا للفعل لا للمفعول له؛ يعني: ليس نفيًا للمعبود، ولكنه نفيٌ للعبادة؛ أي: لا أعبدُ كعبادتكم ولا تعبدون أنتم كعبادتي؛ لأن عبادتي خالصةٌ لله، وعبادتكم عبادة شِرك.
الأقوال الآن كم؟ ثلاثة.
القول الرابع اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن قوله: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ هذا الفِعل، فوافق القولَ الأولَ في هذه الجملة، ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ أي: في القَبول؛ بمعنى: ولنْ أقبلَ غير عبادتي، ولنْ أقبلَ عبادتكم، وأنتم كذلك لنْ تقبلوا. فتكون الجملةُ الأولى عائدةً على الفِعل، والجملةُ الثانية عائدةً على القَبول والرضا؛ يعني: لا أعبده ولا أرضى به، وأنتم كذلك لا تعبدون الله ولا ترضون بعبادته. وهذا القول إذا تأمَّلتَه لا يَرِدُ عليه شيءٌ من (...) السابقة، فيكون قولًا حسنًا جيِّدًا.
ومن هنا نأخذ أن القرآن الكريم ليس فيه شيءٌ مكرَّرٌ لغير فائدةٍ إطلاقًا، ليس فيه شيءٌ مكرَّرٌ إلا وله فائدة؛ لأننا لو قُلنا: إن في القرآن شيئًا مكرَّرًا بدون فائدة لَكان في القرآن ما هو لَغْوٌ، وهو مُنَزَّهٌ عن ذلك، وعلى هذا فالتكرار في سورة الرحمن: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن ١٣] وفي سورة المرسلات: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات ١٥] ليس ليس ذا فائدة، بلْ هو تكرارٌ لفائدةٍ عظيمةٍ؛ وهي أنَّ كُلَّ آيةٍ مما بين هذه الآية المكرَّرة فإنها تشتمل على نِعَمٍ عظيمةٍ وآلاءٍ جسيمةٍ، ثُمَّ إنَّ فيها من الفائدة اللفظية تنبيه المخاطَب؛ حيث يُكرَّر عليه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ويُكرَّر عليه: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.
الكافرون 109:6
ثم قال عز وجل: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ لكم دينُكم الذي أنتم عليه وتدينون به ولي ديني، فأنا بريءٌ من دينكم وأنتم بريؤون من ديني.
قال بعض أهل العلم: وهذه السورة نزلتْ قبل فَرْض الجهاد؛ لأنه بعد الجهاد لا يُقَرُّ الكافرُ على دِينه إلا بالجِزية إنْ كان من أهل الكتاب، وعلى القول الراجح: أو مِن غيرهم.
ولكنَّ الصحيح أنها لا تُنافي الأمرَ بالجهاد حتى نقول: إنها منسوخة، بل هي باقيةٌ، ويجب أن نتبرَّأ من دين اليهود والنصارى والمشركين في كُلِّ وقتٍ وحينٍ، ولهذا نُقِرُّ اليهودَ والنصارى على دينهم بالجِزية ونحن نعبدُ اللَّهَ وهُم يعبدون ما يعبدون.
على كلِّ حالٍ هذه السورة فيها البراءةُ والتخلِّي من عبادة غير الله عز وجل سواءٌ في المعبود أو في نوع الفعل، وفيها الإخلاص لله عز وجل وألَّا نعبد إلا الله وحده لا شريك له.
وإلى هنا ينتهي ما تيسَّر من الكلام على هذه السورة.
النصر 110:1
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمدٍ خاتم النبيِّين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
في هذا اللقاء سنتكلم على سورتين من كتاب الله عز وجل، أُولاهما: سورة النَّصر.
يقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر ١ - ٣]، الخِطاب للنبي ﷺ لا شكَّ فيه.
يقول الله عز وجل: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ النصر هو تسليطُ الإنسانِ على عدوِّه بحيث يتمكَّن منه ويَخْذلُه ويَكْبِتُه، وهو -أعني النصر- أعظمُ سُرُورٍ يَحْصل للعبد في أعماله؛ لأن المنتصِر يجد نشوةً عظيمةً وفرحًا وطربًا، لكنه إذا كان بحقٍّ فهو خيرٌ، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ»[[ متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨) ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.]]؛ أي إن عدوَّه مرعوبٌ منه إذا كان بينه وبينه مسافةُ شهرٍ، والرُّعبُ أشدُّ شيءٍ يفتك بالعدو؛ لأن الذي حَصَلَ في قَلْبه الرُّعبُ لا يمكن أن يَثْبت أبدًا، بل سيطير طيرانَ الريحِ، فقوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ أي: نصرُ اللهِ إيَّاكَ على عدُوِّك.
﴿وَالْفَتْحُ﴾ معطوف على النصر، والفتحُ به نصرٌ لا شكَّ، لكنَّه عَطَفَه على النصر تنويهًا بشأنه، وهو من باب عَطْف الخاصِّ على العامِّ؛ كقوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر ٤] أي: في ليلة القَدْر، فالملائكة هم الملائكة، والروح: جبريل، وخصَّه بذِكْره لِشَرَفه.
و(أل) في قوله: ﴿وَالْفَتْحُ﴾ للعهد الذِّهني؛ أي: الفتح المعهود المعروف في أذهانكم، وهو فتْح مكة، وكان فتْح مكة في السنة الثامنة من الهجرة في رمضان، وسَبَبُهُ «أنَّ النبي ﷺ لَمَّا صالَحَ قُريشًا في غزوة الحديبية الصُّلحَ المشهورَ نقضوا العهد، فغَزَاهم النبي عليه الصلاة والسلام، وخرج إليهم مختفيًا وقال: «اللَّهُمَّ عَمِّ أَخْبَارَنَا عَنْهُمْ»، فلم يَفْجأهم إلا وهو محيط بهم عليه الصلاة والسلام»[[انظر دلائل النبوة لأبي إسماعيل الأصبهاني (١ / ٧٤).]]، ودخل مكة في العشرين من شهر رمضان عامَ ثمانٍ من الهجرة منصورًا مُظَفَّرًا مؤيَّدًا، حتى إنه في النهاية «اجتمع إليه كُفَّار قريشٍ حول الكعبة، فوقف على الباب يقول: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَا تُرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟». وهو الذي كان قبل ثماني سنوات كان هاربًا منهم، وكانوا الآن في قبضته وتحت تصرُّفه، قال: «مَا تُرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟»، قالوا: خيرًا، أخٌ كريمٌ وابنُ أخٍ كريمٌ، قال: «إِنِّي أَقُولُ لَكُمْ كَمَا قَالَ يُوسُفُ لِإِخْوَتِهِ:» ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [يوسف ٩٢]«»، ثم مَنَّ عليهم عليه الصلاة والسلام بالعفو فعَفَا عنهم»[[مغازي الواقدي (٢ / ٨٣٥)، والشفا للقاضي عياض (١ / ١١٠).]].
هذا الفتح سَمَّاه الله تعالى فتحًا مبينًا فقال: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح ١] أي: بَيِّنًا عظيمًا واضحًا. ولَمَّا حَصَلَ عَرَف العربُ بلْ عَرَف الناسُ جميعًا أنَّ العاقبة لمحمدٍ ﷺ، وأنَّ دور قريشٍ وأتباعِها قد انقضى، فصار الناس ﴿يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ أي: جماعات، بعدما كانوا يدخلون فيه أفرادًا، ولا يدخل فيه الإنسانُ في بعض الأحيان إلا مختفيًا، صاروا يدخلون أفواجًا في دين الله، وصارت الوفود تَرِدُ على النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة من كلِّ جانب، حتى سُمِّيَ العامُ التاسعُ عامَ الوُفودِ، فجعل الناسُ يدخلون في دين الله أفواجًا.
يقول الله عز وجل: إذا رأيتَ هذه العلامة ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾، كان المتوقَّع أن يكون الجواب: فاشكُر اللهَ على هذه النعمة واحمد اللهَ عليها؛ نَصْر وفَتْح، ما جزاؤه من العبد؟
* طالب: الشُّكر.
* الشيخ: الشُّكر، هذا هو المتوقَّع، لكن صار المتوقع على خلاف ما نتوقَّع؛ قال: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الإنسان ٢٣، ٢٤]، كان المتوقَّع -﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ - أنْ يُقال: فاشكُر ربَّك على هذا التنزيل وقُمْ بحقِّه، وما أشبهَ ذلك، لكن قال: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ إيذانًا بأنه سوف يناله أذىً بواسطة إبلاغ هذا القرآن ونشره بين الأُمَّة. ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ فكان الجواب يبدو متنافرًا مع الشرط، لكن عندما تتأمَّل تعرف الحكمة؛ المعنى أنَّه إذا جاء نصرُ الله والفتحُ فقد قَرُبَ أجَلُكَ، فما بَقِي عليك إلا الاستغفار والحمد، إلا التسبيح والحمد؛ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾.
ومعنى ﴿سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أي: سَبِّحْهُ تسبيحًا مقرونًا بالحمد، والتسبيحُ تَنْزيهُ الله تعالى عمَّا لا يليق بجلاله، والحمد هو الثناء عليه بالكمال مع المحبة والتعظيم، اجمعْ بين التنزيه وبين الحمد، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ يعني: اسألْه المغفرة، فأَمَره الله تعالى بأمرين؛ الأمر الأول: التسبيح المقرون بالحمد. والثاني: الاستغفار.
والاستغفار هو طلب المغفرة، والمغفرة سَتْر اللهِ تعالى على عَبْده ذنوبَه مع مَحْوها والتجاوز عنها، وهذا غاية ما يريد العبد؛ لأن العبد ذَنُوب؛ أي: كثير الذنْب، يحتاج إلى مغفرة، إنْ لم يتغمَّده الله برحمته هَلَكَ، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٧٣) ومسلم (٢٨١٦ / ٧٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. اللهم تغمَّدْنا برحمتك، ما هنا أحدٌ يدخل بعمله الجنةَ أبدًا؛ لأن عملك هذا لو أردتَ أن تجعله في مقابلة نعمةٍ من النِّعم، نعمة واحدة، لأحاطتْ به النعمة، فكيف يكون عِوَضًا تدخل به الجنة؟! ولهذا قال بعضُ العارفين في نَظْمٍ له:
إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَةً ∗∗∗ عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ؎فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ ∗∗∗ وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ واتَّصَلَالعُمْرُ
﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ أي: لم يَزَلْ عزَّ وجلَّ تَوَّابًا على عِباده، فإذا استغفرتَهُ تابَ عليك، هذا هو معنى السورة.
لكن السورة لها مَغْزى عظيم لا يتفطَّن له إلا الأذكياء، ولهذا لَمَّا سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنَّ الناس انتقدوه في كونه يُدنِي عبدَ الله بن عباس رضي الله عنهما مع صِغَر سِنِّه ولا يُدنِي أمثالَه من شباب المسلمين، وعمر رضي الله عنه مِن أَعْدل الخلفاء الراشدين، أراد أن يُبَيِّن للناس أنه لم يُحابِ ابنَ عباسٍ في شيء، فجَمَعَ كبار المهاجرين والأنصار في يومٍ من الأيام ومعهم عبد الله بن عباس وقال لهم: ما تقولون في هذه السورة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾؟ ففسَّروها بحسب ما يظهر فقط، فقال: ما تقول يا ابن عباس؟ قال: يا أمير المؤمنين، هذا أَجَلُ رسولِ الله ﷺ؛ المعنى: كأنَّ الله يقول له: إذا جاء نصرُ اللهِ والفتحُ ورأيتَ الناسَ يدخلون في دِين اللهِ أفواجًا فقد انتهتْ مُهِمَّتُك ولم يَبْقَ عليك إلا الرحيل، وأنت ما خُلِقْتَ للدنيا لتتنعَّمَ فيها وتبقى فيها طويلًا، خُلِقْتَ لمهمَّةٍ انتهتْ، فهو أَجَلُ رسولِ الله ﷺ، فقال: واللهِ ما أعلمُ منها إلا ما تعلم[[أخرج البخاري (٣٦٢٧) بسنده عن ابن عباس قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يُدني ابنَ عباس، فقال له عبد الرحمن بن عوف: إنَّ لنا أبناءً مثله. فقال: إنه من حيث تعلم. فسأل عمرُ ابنَ عباس عن هذه الآية: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، فقال: أجَلُ رسولِ الله ﷺ أَعْلمه إيَّاه. قال: ما أعلم منها إلا ما تعلم.]]. فتبيَّن بذلك فَضْلُ ابن عباسٍ وتميُّزُه، وأنَّ عنده من الذكاء والمعرفة بمراد الله عز وجل ما افتقده كثيرٌ من الناس.
«لَمَّا نزلتْ هذه السورة جَعَلَ رسولُ الله ﷺ الذي هو أشدُّ الناسِ عبادةً لله وأتقاهم لله، جَعَلَ يُكْثر أنْ يقول في ركوعه وسجوده: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي»[[أخرج مسلم (٤٨٤ / ٢١٨) بسنده عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول قبل أن يموت: «سبحانك وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك». قالت: قلت يا رسول الله، ما هذه الكلمات التي أراك أحدثتَها تقولها؟ قال: «جُعِلت لي علامةٌ في أمَّتي إذا رأيتُها قلتُها؛ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ » إلى آخر السورة.]].
فنقول: سُبحانك اللهمَّ ربَّنا وبحمدك، اللهمَّ اغفِرْ لنا ذُنُوبَنا، وإسرافَنا في أمْرِنا، وثَبِّتْ أقدامَنا، وانصُرنا على القوم الكافرين.
النصر 110:2
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمدٍ خاتم النبيِّين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
في هذا اللقاء سنتكلم على سورتين من كتاب الله عز وجل، أُولاهما: سورة النَّصر.
يقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر ١ - ٣]، الخِطاب للنبي ﷺ لا شكَّ فيه.
يقول الله عز وجل: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ النصر هو تسليطُ الإنسانِ على عدوِّه بحيث يتمكَّن منه ويَخْذلُه ويَكْبِتُه، وهو -أعني النصر- أعظمُ سُرُورٍ يَحْصل للعبد في أعماله؛ لأن المنتصِر يجد نشوةً عظيمةً وفرحًا وطربًا، لكنه إذا كان بحقٍّ فهو خيرٌ، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ»[[ متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨) ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.]]؛ أي إن عدوَّه مرعوبٌ منه إذا كان بينه وبينه مسافةُ شهرٍ، والرُّعبُ أشدُّ شيءٍ يفتك بالعدو؛ لأن الذي حَصَلَ في قَلْبه الرُّعبُ لا يمكن أن يَثْبت أبدًا، بل سيطير طيرانَ الريحِ، فقوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ أي: نصرُ اللهِ إيَّاكَ على عدُوِّك.
﴿وَالْفَتْحُ﴾ معطوف على النصر، والفتحُ به نصرٌ لا شكَّ، لكنَّه عَطَفَه على النصر تنويهًا بشأنه، وهو من باب عَطْف الخاصِّ على العامِّ؛ كقوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر ٤] أي: في ليلة القَدْر، فالملائكة هم الملائكة، والروح: جبريل، وخصَّه بذِكْره لِشَرَفه.
و(أل) في قوله: ﴿وَالْفَتْحُ﴾ للعهد الذِّهني؛ أي: الفتح المعهود المعروف في أذهانكم، وهو فتْح مكة، وكان فتْح مكة في السنة الثامنة من الهجرة في رمضان، وسَبَبُهُ «أنَّ النبي ﷺ لَمَّا صالَحَ قُريشًا في غزوة الحديبية الصُّلحَ المشهورَ نقضوا العهد، فغَزَاهم النبي عليه الصلاة والسلام، وخرج إليهم مختفيًا وقال: «اللَّهُمَّ عَمِّ أَخْبَارَنَا عَنْهُمْ»، فلم يَفْجأهم إلا وهو محيط بهم عليه الصلاة والسلام»[[انظر دلائل النبوة لأبي إسماعيل الأصبهاني (١ / ٧٤).]]، ودخل مكة في العشرين من شهر رمضان عامَ ثمانٍ من الهجرة منصورًا مُظَفَّرًا مؤيَّدًا، حتى إنه في النهاية «اجتمع إليه كُفَّار قريشٍ حول الكعبة، فوقف على الباب يقول: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَا تُرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟». وهو الذي كان قبل ثماني سنوات كان هاربًا منهم، وكانوا الآن في قبضته وتحت تصرُّفه، قال: «مَا تُرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟»، قالوا: خيرًا، أخٌ كريمٌ وابنُ أخٍ كريمٌ، قال: «إِنِّي أَقُولُ لَكُمْ كَمَا قَالَ يُوسُفُ لِإِخْوَتِهِ:» ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [يوسف ٩٢]«»، ثم مَنَّ عليهم عليه الصلاة والسلام بالعفو فعَفَا عنهم»[[مغازي الواقدي (٢ / ٨٣٥)، والشفا للقاضي عياض (١ / ١١٠).]].
هذا الفتح سَمَّاه الله تعالى فتحًا مبينًا فقال: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح ١] أي: بَيِّنًا عظيمًا واضحًا. ولَمَّا حَصَلَ عَرَف العربُ بلْ عَرَف الناسُ جميعًا أنَّ العاقبة لمحمدٍ ﷺ، وأنَّ دور قريشٍ وأتباعِها قد انقضى، فصار الناس ﴿يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ أي: جماعات، بعدما كانوا يدخلون فيه أفرادًا، ولا يدخل فيه الإنسانُ في بعض الأحيان إلا مختفيًا، صاروا يدخلون أفواجًا في دين الله، وصارت الوفود تَرِدُ على النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة من كلِّ جانب، حتى سُمِّيَ العامُ التاسعُ عامَ الوُفودِ، فجعل الناسُ يدخلون في دين الله أفواجًا.
يقول الله عز وجل: إذا رأيتَ هذه العلامة ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾، كان المتوقَّع أن يكون الجواب: فاشكُر اللهَ على هذه النعمة واحمد اللهَ عليها؛ نَصْر وفَتْح، ما جزاؤه من العبد؟
* طالب: الشُّكر.
* الشيخ: الشُّكر، هذا هو المتوقَّع، لكن صار المتوقع على خلاف ما نتوقَّع؛ قال: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الإنسان ٢٣، ٢٤]، كان المتوقَّع -﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ - أنْ يُقال: فاشكُر ربَّك على هذا التنزيل وقُمْ بحقِّه، وما أشبهَ ذلك، لكن قال: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ إيذانًا بأنه سوف يناله أذىً بواسطة إبلاغ هذا القرآن ونشره بين الأُمَّة. ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ فكان الجواب يبدو متنافرًا مع الشرط، لكن عندما تتأمَّل تعرف الحكمة؛ المعنى أنَّه إذا جاء نصرُ الله والفتحُ فقد قَرُبَ أجَلُكَ، فما بَقِي عليك إلا الاستغفار والحمد، إلا التسبيح والحمد؛ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾.
ومعنى ﴿سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أي: سَبِّحْهُ تسبيحًا مقرونًا بالحمد، والتسبيحُ تَنْزيهُ الله تعالى عمَّا لا يليق بجلاله، والحمد هو الثناء عليه بالكمال مع المحبة والتعظيم، اجمعْ بين التنزيه وبين الحمد، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ يعني: اسألْه المغفرة، فأَمَره الله تعالى بأمرين؛ الأمر الأول: التسبيح المقرون بالحمد. والثاني: الاستغفار.
والاستغفار هو طلب المغفرة، والمغفرة سَتْر اللهِ تعالى على عَبْده ذنوبَه مع مَحْوها والتجاوز عنها، وهذا غاية ما يريد العبد؛ لأن العبد ذَنُوب؛ أي: كثير الذنْب، يحتاج إلى مغفرة، إنْ لم يتغمَّده الله برحمته هَلَكَ، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٧٣) ومسلم (٢٨١٦ / ٧٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. اللهم تغمَّدْنا برحمتك، ما هنا أحدٌ يدخل بعمله الجنةَ أبدًا؛ لأن عملك هذا لو أردتَ أن تجعله في مقابلة نعمةٍ من النِّعم، نعمة واحدة، لأحاطتْ به النعمة، فكيف يكون عِوَضًا تدخل به الجنة؟! ولهذا قال بعضُ العارفين في نَظْمٍ له:
إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَةً ∗∗∗ عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ؎فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ ∗∗∗ وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ واتَّصَلَالعُمْرُ
﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ أي: لم يَزَلْ عزَّ وجلَّ تَوَّابًا على عِباده، فإذا استغفرتَهُ تابَ عليك، هذا هو معنى السورة.
لكن السورة لها مَغْزى عظيم لا يتفطَّن له إلا الأذكياء، ولهذا لَمَّا سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنَّ الناس انتقدوه في كونه يُدنِي عبدَ الله بن عباس رضي الله عنهما مع صِغَر سِنِّه ولا يُدنِي أمثالَه من شباب المسلمين، وعمر رضي الله عنه مِن أَعْدل الخلفاء الراشدين، أراد أن يُبَيِّن للناس أنه لم يُحابِ ابنَ عباسٍ في شيء، فجَمَعَ كبار المهاجرين والأنصار في يومٍ من الأيام ومعهم عبد الله بن عباس وقال لهم: ما تقولون في هذه السورة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾؟ ففسَّروها بحسب ما يظهر فقط، فقال: ما تقول يا ابن عباس؟ قال: يا أمير المؤمنين، هذا أَجَلُ رسولِ الله ﷺ؛ المعنى: كأنَّ الله يقول له: إذا جاء نصرُ اللهِ والفتحُ ورأيتَ الناسَ يدخلون في دِين اللهِ أفواجًا فقد انتهتْ مُهِمَّتُك ولم يَبْقَ عليك إلا الرحيل، وأنت ما خُلِقْتَ للدنيا لتتنعَّمَ فيها وتبقى فيها طويلًا، خُلِقْتَ لمهمَّةٍ انتهتْ، فهو أَجَلُ رسولِ الله ﷺ، فقال: واللهِ ما أعلمُ منها إلا ما تعلم[[أخرج البخاري (٣٦٢٧) بسنده عن ابن عباس قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يُدني ابنَ عباس، فقال له عبد الرحمن بن عوف: إنَّ لنا أبناءً مثله. فقال: إنه من حيث تعلم. فسأل عمرُ ابنَ عباس عن هذه الآية: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، فقال: أجَلُ رسولِ الله ﷺ أَعْلمه إيَّاه. قال: ما أعلم منها إلا ما تعلم.]]. فتبيَّن بذلك فَضْلُ ابن عباسٍ وتميُّزُه، وأنَّ عنده من الذكاء والمعرفة بمراد الله عز وجل ما افتقده كثيرٌ من الناس.
«لَمَّا نزلتْ هذه السورة جَعَلَ رسولُ الله ﷺ الذي هو أشدُّ الناسِ عبادةً لله وأتقاهم لله، جَعَلَ يُكْثر أنْ يقول في ركوعه وسجوده: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي»[[أخرج مسلم (٤٨٤ / ٢١٨) بسنده عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول قبل أن يموت: «سبحانك وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك». قالت: قلت يا رسول الله، ما هذه الكلمات التي أراك أحدثتَها تقولها؟ قال: «جُعِلت لي علامةٌ في أمَّتي إذا رأيتُها قلتُها؛ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ » إلى آخر السورة.]].
فنقول: سُبحانك اللهمَّ ربَّنا وبحمدك، اللهمَّ اغفِرْ لنا ذُنُوبَنا، وإسرافَنا في أمْرِنا، وثَبِّتْ أقدامَنا، وانصُرنا على القوم الكافرين.
النصر 110:3
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمدٍ خاتم النبيِّين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
في هذا اللقاء سنتكلم على سورتين من كتاب الله عز وجل، أُولاهما: سورة النَّصر.
يقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر ١ - ٣]، الخِطاب للنبي ﷺ لا شكَّ فيه.
يقول الله عز وجل: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ النصر هو تسليطُ الإنسانِ على عدوِّه بحيث يتمكَّن منه ويَخْذلُه ويَكْبِتُه، وهو -أعني النصر- أعظمُ سُرُورٍ يَحْصل للعبد في أعماله؛ لأن المنتصِر يجد نشوةً عظيمةً وفرحًا وطربًا، لكنه إذا كان بحقٍّ فهو خيرٌ، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ»[[ متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨) ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.]]؛ أي إن عدوَّه مرعوبٌ منه إذا كان بينه وبينه مسافةُ شهرٍ، والرُّعبُ أشدُّ شيءٍ يفتك بالعدو؛ لأن الذي حَصَلَ في قَلْبه الرُّعبُ لا يمكن أن يَثْبت أبدًا، بل سيطير طيرانَ الريحِ، فقوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ أي: نصرُ اللهِ إيَّاكَ على عدُوِّك.
﴿وَالْفَتْحُ﴾ معطوف على النصر، والفتحُ به نصرٌ لا شكَّ، لكنَّه عَطَفَه على النصر تنويهًا بشأنه، وهو من باب عَطْف الخاصِّ على العامِّ؛ كقوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر ٤] أي: في ليلة القَدْر، فالملائكة هم الملائكة، والروح: جبريل، وخصَّه بذِكْره لِشَرَفه.
و(أل) في قوله: ﴿وَالْفَتْحُ﴾ للعهد الذِّهني؛ أي: الفتح المعهود المعروف في أذهانكم، وهو فتْح مكة، وكان فتْح مكة في السنة الثامنة من الهجرة في رمضان، وسَبَبُهُ «أنَّ النبي ﷺ لَمَّا صالَحَ قُريشًا في غزوة الحديبية الصُّلحَ المشهورَ نقضوا العهد، فغَزَاهم النبي عليه الصلاة والسلام، وخرج إليهم مختفيًا وقال: «اللَّهُمَّ عَمِّ أَخْبَارَنَا عَنْهُمْ»، فلم يَفْجأهم إلا وهو محيط بهم عليه الصلاة والسلام»[[انظر دلائل النبوة لأبي إسماعيل الأصبهاني (١ / ٧٤).]]، ودخل مكة في العشرين من شهر رمضان عامَ ثمانٍ من الهجرة منصورًا مُظَفَّرًا مؤيَّدًا، حتى إنه في النهاية «اجتمع إليه كُفَّار قريشٍ حول الكعبة، فوقف على الباب يقول: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَا تُرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟». وهو الذي كان قبل ثماني سنوات كان هاربًا منهم، وكانوا الآن في قبضته وتحت تصرُّفه، قال: «مَا تُرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟»، قالوا: خيرًا، أخٌ كريمٌ وابنُ أخٍ كريمٌ، قال: «إِنِّي أَقُولُ لَكُمْ كَمَا قَالَ يُوسُفُ لِإِخْوَتِهِ:» ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [يوسف ٩٢]«»، ثم مَنَّ عليهم عليه الصلاة والسلام بالعفو فعَفَا عنهم»[[مغازي الواقدي (٢ / ٨٣٥)، والشفا للقاضي عياض (١ / ١١٠).]].
هذا الفتح سَمَّاه الله تعالى فتحًا مبينًا فقال: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح ١] أي: بَيِّنًا عظيمًا واضحًا. ولَمَّا حَصَلَ عَرَف العربُ بلْ عَرَف الناسُ جميعًا أنَّ العاقبة لمحمدٍ ﷺ، وأنَّ دور قريشٍ وأتباعِها قد انقضى، فصار الناس ﴿يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ أي: جماعات، بعدما كانوا يدخلون فيه أفرادًا، ولا يدخل فيه الإنسانُ في بعض الأحيان إلا مختفيًا، صاروا يدخلون أفواجًا في دين الله، وصارت الوفود تَرِدُ على النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة من كلِّ جانب، حتى سُمِّيَ العامُ التاسعُ عامَ الوُفودِ، فجعل الناسُ يدخلون في دين الله أفواجًا.
يقول الله عز وجل: إذا رأيتَ هذه العلامة ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾، كان المتوقَّع أن يكون الجواب: فاشكُر اللهَ على هذه النعمة واحمد اللهَ عليها؛ نَصْر وفَتْح، ما جزاؤه من العبد؟
* طالب: الشُّكر.
* الشيخ: الشُّكر، هذا هو المتوقَّع، لكن صار المتوقع على خلاف ما نتوقَّع؛ قال: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الإنسان ٢٣، ٢٤]، كان المتوقَّع -﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ - أنْ يُقال: فاشكُر ربَّك على هذا التنزيل وقُمْ بحقِّه، وما أشبهَ ذلك، لكن قال: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ إيذانًا بأنه سوف يناله أذىً بواسطة إبلاغ هذا القرآن ونشره بين الأُمَّة. ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ فكان الجواب يبدو متنافرًا مع الشرط، لكن عندما تتأمَّل تعرف الحكمة؛ المعنى أنَّه إذا جاء نصرُ الله والفتحُ فقد قَرُبَ أجَلُكَ، فما بَقِي عليك إلا الاستغفار والحمد، إلا التسبيح والحمد؛ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾.
ومعنى ﴿سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أي: سَبِّحْهُ تسبيحًا مقرونًا بالحمد، والتسبيحُ تَنْزيهُ الله تعالى عمَّا لا يليق بجلاله، والحمد هو الثناء عليه بالكمال مع المحبة والتعظيم، اجمعْ بين التنزيه وبين الحمد، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ يعني: اسألْه المغفرة، فأَمَره الله تعالى بأمرين؛ الأمر الأول: التسبيح المقرون بالحمد. والثاني: الاستغفار.
والاستغفار هو طلب المغفرة، والمغفرة سَتْر اللهِ تعالى على عَبْده ذنوبَه مع مَحْوها والتجاوز عنها، وهذا غاية ما يريد العبد؛ لأن العبد ذَنُوب؛ أي: كثير الذنْب، يحتاج إلى مغفرة، إنْ لم يتغمَّده الله برحمته هَلَكَ، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٧٣) ومسلم (٢٨١٦ / ٧٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. اللهم تغمَّدْنا برحمتك، ما هنا أحدٌ يدخل بعمله الجنةَ أبدًا؛ لأن عملك هذا لو أردتَ أن تجعله في مقابلة نعمةٍ من النِّعم، نعمة واحدة، لأحاطتْ به النعمة، فكيف يكون عِوَضًا تدخل به الجنة؟! ولهذا قال بعضُ العارفين في نَظْمٍ له:
إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَةً ∗∗∗ عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ؎فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ ∗∗∗ وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ واتَّصَلَالعُمْرُ
﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ أي: لم يَزَلْ عزَّ وجلَّ تَوَّابًا على عِباده، فإذا استغفرتَهُ تابَ عليك، هذا هو معنى السورة.
لكن السورة لها مَغْزى عظيم لا يتفطَّن له إلا الأذكياء، ولهذا لَمَّا سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنَّ الناس انتقدوه في كونه يُدنِي عبدَ الله بن عباس رضي الله عنهما مع صِغَر سِنِّه ولا يُدنِي أمثالَه من شباب المسلمين، وعمر رضي الله عنه مِن أَعْدل الخلفاء الراشدين، أراد أن يُبَيِّن للناس أنه لم يُحابِ ابنَ عباسٍ في شيء، فجَمَعَ كبار المهاجرين والأنصار في يومٍ من الأيام ومعهم عبد الله بن عباس وقال لهم: ما تقولون في هذه السورة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾؟ ففسَّروها بحسب ما يظهر فقط، فقال: ما تقول يا ابن عباس؟ قال: يا أمير المؤمنين، هذا أَجَلُ رسولِ الله ﷺ؛ المعنى: كأنَّ الله يقول له: إذا جاء نصرُ اللهِ والفتحُ ورأيتَ الناسَ يدخلون في دِين اللهِ أفواجًا فقد انتهتْ مُهِمَّتُك ولم يَبْقَ عليك إلا الرحيل، وأنت ما خُلِقْتَ للدنيا لتتنعَّمَ فيها وتبقى فيها طويلًا، خُلِقْتَ لمهمَّةٍ انتهتْ، فهو أَجَلُ رسولِ الله ﷺ، فقال: واللهِ ما أعلمُ منها إلا ما تعلم[[أخرج البخاري (٣٦٢٧) بسنده عن ابن عباس قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يُدني ابنَ عباس، فقال له عبد الرحمن بن عوف: إنَّ لنا أبناءً مثله. فقال: إنه من حيث تعلم. فسأل عمرُ ابنَ عباس عن هذه الآية: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، فقال: أجَلُ رسولِ الله ﷺ أَعْلمه إيَّاه. قال: ما أعلم منها إلا ما تعلم.]]. فتبيَّن بذلك فَضْلُ ابن عباسٍ وتميُّزُه، وأنَّ عنده من الذكاء والمعرفة بمراد الله عز وجل ما افتقده كثيرٌ من الناس.
«لَمَّا نزلتْ هذه السورة جَعَلَ رسولُ الله ﷺ الذي هو أشدُّ الناسِ عبادةً لله وأتقاهم لله، جَعَلَ يُكْثر أنْ يقول في ركوعه وسجوده: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي»[[أخرج مسلم (٤٨٤ / ٢١٨) بسنده عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول قبل أن يموت: «سبحانك وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك». قالت: قلت يا رسول الله، ما هذه الكلمات التي أراك أحدثتَها تقولها؟ قال: «جُعِلت لي علامةٌ في أمَّتي إذا رأيتُها قلتُها؛ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ » إلى آخر السورة.]].
فنقول: سُبحانك اللهمَّ ربَّنا وبحمدك، اللهمَّ اغفِرْ لنا ذُنُوبَنا، وإسرافَنا في أمْرِنا، وثَبِّتْ أقدامَنا، وانصُرنا على القوم الكافرين.
المسد 111:1
أمَّا السورة الثانية فهي قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد ١ - ٥].
سبحان الله! هذا القرآن فيه من الدلالات الكثيرة ما يدلُّ دلالةً واضحةً على أن رسول الله ﷺ حقٌّ، ليس يدعو لِمُلْك ولا لِجَاهٍ، ولا لرئاسة قومه أبدًا، له أعمامٌ -الرسول عليه الصلاة والسلام- انقسموا في معاملته ومعاملة ربِّه عز وجل إلى ثلاثة أقسام: قِسْمٌ آمَنَ به وجاهَدَ معه وأسلمَ لله ربِّ العالمين، وقِسْمٌ سانَدَ وساعَدَ لكنَّه باقٍ على الكفر والعِياذ بالله، وقِسْمٌ عانَدَ وعارَضَ وهو كافر.
أمَّا الأول فالعبَّاس بن عبد المطلب، وحمزة بن عبد المطلب، والثاني أفضل من الأول؛ لأن الثاني من أفضل الشهداء عند الله عز وجل، «ووَصَفَه النبيُّ عليه الصلاة والسلام بأنه أسدُ اللهِ وأسدُ رسولِهِ»[[أخرج الطبراني في الكبير (٢٩٥٢) بسنده من حديث لبيبة الأشهلي رضي الله عنه أنَّ رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده إنَّه لَمكتوبٌ عند الله في السماء السابعة: حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله».]]، واستُشهِدَ رضي الله عنه في أُحُدٍ في السَّنَة الثالثة من الهجرة، جمعني الله وإيَّاكم به في جنات النعيم.
أمَّا الذي سانَدَ وساعَدَ مع بقائه على الكفر فهو أبو طالب، أبو طالبٍ قام مع النبي ﷺ خيرَ قيامٍ في الدفاع عنه ومساندته، ولكنه -والعياذ بالله- قد سبقتْ له كلمة العذاب، لم يُسْلِم، حتى «في آخِر حياته في آخِر لحظة من الدنيا عَرَضَ عليه النبي ﷺ أنْ يُسْلِم، ولكنه أَبَى، بلْ ومات على قوله: إنه على مِلَّة عبد المطلب»[[أخرج البخاري (١٣٦٠) ومسلم واللفظ له (٢٤ / ٣٩) بسنديهما من حديث المسيب بن حزن رضي الله عنه قال: لَمَّا حضرت أبا طالبٍ الوفاةُ جاءه رسول الله ﷺ فوجد عنده أبا جهل، وعبد الله بن أبي أُمَيَّة بن المغيرة، فقال رسول الله ﷺ: «يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله». فقال أبو جهلٍ وعبد الله بن أبي أُميَّة: يا أبا طالب، أترغب عن مِلَّة عبد المطَّلب؟! فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه ويعيد له تلك المقالة حتى قال أبو طالبٍ آخِر ما كلَّمهم: هو على مِلَّة عبد المطَّلب. وأبَى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ: «أما والله لأستغفرنَّ لك ما لم أُنْهَ عنك». فأنزل الله عز وجل: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]، وأنزل الله تعالى في أبي طالبٍ فقال لرسول الله ﷺ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦].]]، «فشَفَعَ له النبيُّ عليه الصلاة والسلام حتى كان في ضَحْضَاحٍ من نارٍ وعليه نعلانِ يغلي منهما دِماغُه»[[أخرج البخاري (٣٨٨٣) ومسلم واللفظ له (٢٠٩ / ٣٧٥) بسنديهما من حديث العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، قال للنبي ﷺ: ما أغنيتَ عن عمِّك؟ فإنَّه كان يحوطك ويغضب لك. قال: «هو في ضَحضاحٍ من نار، ولولا أنا لَكان في الدرك الأسفل من النار».]].
أمَّا الثالث الذي عانَدَ وعارَضَ فهو أبو لهب، أنزلَ الله فيه سورةً كاملةً تُتلى في الصلوات فرضِها ونَفْلها، في السرِّ والعَلَن، يُثَابُ المرءُ على تلاوتها على كلِّ حرفٍ عَشْر حسنات؛ يعني اللي يقرأ سيرة أبي لهب التي في هذه السورة له في كلِّ حرفٍ عَشْر حسنات، لكن لو تقرأ سيرة أبي بكر من سيرة ابن إسحاق، أو من سيرة البداية والنهاية وغيرها ما حصل لك هذا الأجر، فالإنسان كأنه يُدْعَى دعوةً أكيدةً إلى قراءة سيرة أبي لهب، كلُّ حرفٍ تقرؤه من (تَبَّتْ) لك به عَشْر حسنات.
يقول الله عز وجل: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ وهذا ردٌّ على قوله -أي: قول أبي لهب- «حين جمعهم النبيُّ ﷺ ليدعوهم إلى الله فبَشَّرَ وأَنْذَرَ، قال أبو لهب: تبًّا لك، أَلِهذا جَمَعْتَنا؟!»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٨٠١) ومسلم بنحوه (٢٠٨ / ٣٥٥) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]]. هذه الإشارة للتحقير؛ يعني هذا أمْرٌ حقيرٌ ما يحتاج أن يُجمَع له زعماءُ قريش، وهذا كقولهم: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء ٣٦] أي: يعيبها ويسبُّها؛ يعني الرسول، قريش تقول: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾، المعنى التحقير، ليس شيئًا، ولا يستحقُّ، ولا يُهتَمُّ به، كما قالوا: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف ٣١].
فالحاصل أن أبا لهب قال: تبًّا لك، ألِهَذا جمعْتَنا؟! فردَّ الله عليه بهذه السورة: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾، والتَّبَاب: الْخَسَار، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ [غافر ٣٧]. أي: خَسَار. وبدأ بيديه قبل ذاته لأن اليدين هما آلة العمل والحركة والأخذ والعطاء وما أشبهَ ذلك.
وهذا اللقب (أبو لهب) لقبٌ مناسبٌ تمامًا لحالِهِ ومآلِهِ، وجْهُ المناسبة أن هذا الرجل سوف يكون في نارٍ تلظَّى والعياذ بالله، تتلظَّى لَهَبًا عظيمًا، فهي -أي: كُنْيتُه- مطابقة لحالِهِ ومآلِهِ، يقول الشاعر:
وَقَلَّ أَنْ أَبْصَرَتْ عَيْنَاكَ ذَا لَقَبٍ ∗∗∗ إِلَّا وَمَعْنَاهُ -إِنْ فَكَّرْتَ- فِيلَقَبِهْ
«ولَمَّا أَقْبل سُهَيلُ بن عمروٍ في قصة غزوة الحديبية قال الرسول ﷺ: «هَذَا سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَمَا أُرَاهُ إِلَّا سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ»[[أخرج البخاري (٢٧٣١) بسندهعن المسور بن مخرمة: قال النبي ﷺ: «هذا مِكْرَز، وهو رجلٌ فاجرٌ». فجعل يكلم النبيَّ ﷺ، فبينما هو يكلمه إذْ جاء سُهيل بن عمرو. قال معمر: فأخبرني أيوب عن عكرمة أنه لَمَّا جاء سُهيل بن عمرو قال النبي ﷺ: «لقد سَهُل لكم من أَمْركم».]]؛ لأن الاسم مطابق للفعل.
المسد 111:2
يقول عز وجل: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ ﴿مَا﴾ هذه يحتمل أن تكون استفهامية، والمعنى: أيُّ شيءٍ أَغْنَى عنه مالُه وما كَسَب؟ أيُّ شيء؟ الجواب: لا شيء. ويحتمل أن تكون ﴿مَا﴾ نافية؛ أي: ما أَغْنَى عنه؛ أي: لم يُغْنِ عنه مالُه وما كَسَب شيئًا، وكِلا المعنيين متلازمان، ومعناهما أن ماله وما كَسَب لَمْ يُغْنِ عنه شيئًا، مع أن العادة أنَّ المال ينفع؛ المالُ يَفْدي به الإنسانُ نفسَه، لو تسلَّطَ عليه عدوٌّ وقال: أنا أُعطيك كذا وكذا من المال وأطْلِقْني، يُطْلِقه، لكن قد يطلب مالًا كثيرًا أو قليلًا، لو مرض انتفع بماله، لو جاع انتفع بماله، فالمال ينفع، لكن النفع الذي لا يُنجي صاحبَه من النار ليس بنفعٍ، ولهذا قال: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ﴾ يعني: مِن الله شيئًا.
وقوله: ﴿وَمَا كَسَبَ﴾ قيل: المعنى: وما كَسَب من الوَلَد، كأنه قال: ما أَغْنَى عنه مالُه ووَلَدُه؛ كقول نوح: ﴿وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا﴾ [نوح ٢١]، فجعلوا قوله: ﴿وَمَا كَسَبَ﴾ يعني بذلك الوَلَد، وأَيَّدوا هذا القولَ بقول النبي ﷺ: «إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ»[[أخرجه الترمذي (١٣٥٨) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]، والصواب أن الآية أعمُّ من هذا، وأن الآية تشمل الأولادَ وتشمل المالَ المكتسَبَ الذي ليس في يده الآن، وتشمل ما كَسَبه من شرفٍ وجاهٍ، كل ما كَسَبه مما يزيده شَرَفًا وعِزًّا فإنه لا يُغني عنه شيئًا، ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾.
المسد 111:3
﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ والسين في قوله: ﴿سَيَصْلَى﴾ للتنفيس المفيد للحقيقة والقُرب؛ يعني أن الله تعالى وَعَدَه أو تَوَعَّدَه بأنه سيصلى نارًا ذات لهب. قلتُ لكم: السين للتحقيق والتقريب؛ يعني أنه سوف يَصْلى عن قريبٍ نارًا ذات لهب؛ لأن البقاء في الدنيا مهما طال فإنَّ الآخِرة قريبة، حتى الناس في البرزخ وإنْ مرَّتْ عليهم ملايينُ السنين فإنها كأنها ساعة؛ ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف ٣٥]، وشيءٌ يُقَدَّر بساعةٍ من نهارٍ أظُنُّنَا نتَّفق على أنه قريب ولا شيء.
يقول عز وجل: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ (...) السين هذه تفيد التحقيق والتقريب، فكونه يَصْلى النارَ ذاتَ اللهب أمرٌ محقَّقٌ وقريب.
المسد 111:4
﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ يعني: وكذلك امرأتُه مَعَه -والعياذُ بالله- وهي امرأةٌ من أشراف قريش، لكن لم يُغْنِ عنها شَرَفُها شيئًا لكونها شاركتْ زوجَها في العُدوان والإثم والبقاء على الكفر.
وقوله: ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ قُرِئتْ بالنصب وبالرفع؛ أمَّا النصب فإنها تكون حالًا من (امرأة)؛ يعني: وامرأتُه حالَ كونِها حمَّالةَ الحطب. أو تكون منصوبةً على الذَّمِّ؛ لأن النعت المقطوع يجوز نصبُه على الذَّمِّ؛ أي: أذُمُّ حمَّالةَ الحطب. وأمَّا على قراءة الرفع فهي صفة لـ(امرأة).
﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ أيش الحطب اللي هي تَحمِل وتحمله بكثرة؛ يعني ﴿حَمَّالَةَ﴾ صيغة مبالغة؟
ذكروا أنها تحمل الحطب الذي فيه الشوك تَضَعُه في طريق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم والعياذُ بالله؛ من أجْل أذى الرسول ﷺ.
المسد 111:5
وقوله: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ الجِيد: العُنُق، والحبل معروف، والْمَسَد: الليف؛ يعني أنها متقلِّدةٌ حبلًا من الليف تخرج به إلى الصحراء لتربط به الحطبَ الذي تأتي به لتضعه في طريق النبي ﷺ، نعوذ بالله من ذلك، وهو إشارةٌ إلى دُنُوِّ منزلتها وأنها أهانتْ نفسَها، امرأةٌ من قريش من أكابر قبائل قريش تخرج إلى الصحراء وتضع هذا الحبل في عُنُقها، وهو من الليف، مع ما فيه من المهانة، لكن من أجْل أذِيَّة الرسول عليه الصلاة والسلام، نسأل الله العافية.
وبهذا انتهى الكلام بما يسَّره الله عز وجل على هاتين السورتين.