Lafzullah

Tafsir Makhi — الفاتحة 1:1 – البقرة 2:147

المؤلف / المصدر: Tafsir Makhi

المحتويات
  1. الفاتحة 1:1
  2. الفاتحة 1:2
  3. الفاتحة 1:3
  4. الفاتحة 1:4
  5. الفاتحة 1:5
  6. الفاتحة 1:6
  7. الفاتحة 1:7
  8. البقرة 2:1
  9. البقرة 2:2
  10. البقرة 2:3
  11. البقرة 2:4
  12. البقرة 2:5
  13. البقرة 2:6
  14. البقرة 2:7
  15. البقرة 2:8
  16. البقرة 2:9
  17. البقرة 2:10
  18. البقرة 2:11
  19. البقرة 2:12
  20. البقرة 2:13
  21. البقرة 2:14
  22. البقرة 2:15
  23. البقرة 2:16
  24. البقرة 2:17
  25. البقرة 2:18
  26. البقرة 2:19
  27. البقرة 2:20
  28. البقرة 2:21
  29. البقرة 2:22
  30. البقرة 2:23
  31. البقرة 2:24
  32. البقرة 2:25
  33. البقرة 2:26
  34. البقرة 2:27
  35. البقرة 2:28
  36. البقرة 2:29
  37. البقرة 2:30
  38. البقرة 2:31
  39. البقرة 2:33
  40. البقرة 2:35
  41. البقرة 2:36
  42. البقرة 2:37
  43. البقرة 2:38
  44. البقرة 2:40
  45. البقرة 2:41
  46. البقرة 2:42
  47. البقرة 2:43
  48. البقرة 2:44
  49. البقرة 2:45
  50. البقرة 2:46
  51. البقرة 2:47
  52. البقرة 2:48
  53. البقرة 2:49
  54. البقرة 2:50
  55. البقرة 2:51
  56. البقرة 2:52
  57. البقرة 2:53
  58. البقرة 2:54
  59. البقرة 2:55
  60. البقرة 2:56
  61. البقرة 2:57
  62. البقرة 2:58
  63. البقرة 2:59
  64. البقرة 2:60
  65. البقرة 2:61
  66. البقرة 2:62
  67. البقرة 2:63
  68. البقرة 2:65
  69. البقرة 2:66
  70. البقرة 2:67
  71. البقرة 2:68
  72. البقرة 2:69
  73. البقرة 2:71
  74. البقرة 2:72
  75. البقرة 2:73
  76. البقرة 2:74
  77. البقرة 2:75
  78. البقرة 2:76
  79. البقرة 2:78
  80. البقرة 2:79
  81. البقرة 2:80
  82. البقرة 2:81
  83. البقرة 2:82
  84. البقرة 2:83
  85. البقرة 2:84
  86. البقرة 2:85
  87. البقرة 2:87
  88. البقرة 2:88
  89. البقرة 2:89
  90. البقرة 2:90
  91. البقرة 2:91
  92. البقرة 2:92
  93. البقرة 2:93
  94. البقرة 2:94
  95. البقرة 2:95
  96. البقرة 2:96
  97. البقرة 2:97
  98. البقرة 2:98
  99. البقرة 2:99
  100. البقرة 2:100
  101. البقرة 2:101
  102. البقرة 2:102
  103. البقرة 2:103
  104. البقرة 2:104
  105. البقرة 2:105
  106. البقرة 2:106
  107. البقرة 2:107
  108. البقرة 2:108
  109. البقرة 2:109
  110. البقرة 2:110
  111. البقرة 2:111
  112. البقرة 2:112
  113. البقرة 2:113
  114. البقرة 2:114
  115. البقرة 2:115
  116. البقرة 2:116
  117. البقرة 2:117
  118. البقرة 2:118
  119. البقرة 2:119
  120. البقرة 2:120
  121. البقرة 2:121
  122. البقرة 2:122
  123. البقرة 2:124
  124. البقرة 2:125
  125. البقرة 2:126
  126. البقرة 2:127
  127. البقرة 2:128
  128. البقرة 2:129
  129. البقرة 2:130
  130. البقرة 2:131
  131. البقرة 2:132
  132. البقرة 2:133
  133. البقرة 2:134
  134. البقرة 2:135
  135. البقرة 2:136
  136. البقرة 2:137
  137. البقرة 2:138
  138. البقرة 2:139
  139. البقرة 2:140
  140. البقرة 2:141
  141. البقرة 2:142
  142. البقرة 2:143
  143. البقرة 2:144
  144. البقرة 2:145
  145. البقرة 2:146
  146. البقرة 2:147

الفاتحة 1:1

قال أبو محمد: نذكر في هذا الموضع جملة من علل النحويين في ﴿بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ﴾، ونستقصي إن شاء الله ذلك في سورة النمل إذ هي بعض آية هناك بإجماع. فمن ذلك أن في كسر الباء قولين: - أحدهما: إنها كسرت لتكون حركتها مشبهة لعملها. القول الثاني: إنها كسرت ليفرق بين ما لا يكون إلا "[حرفاً وبين ما] قد يكون اسماً نحو الكاف، وكذلك لام الجر. وأصل الحروف التي تدخل للمعاني أن تكون مفتوحة لخفة الفتحة نحو حروف العطف وألف الاستفهام وشبهه. ولكن خرجت الباء واللام عن الأصل للعلة التي ذكرنا. وقيل: إنما كسرت لام الجر للفرق بينها، وبين لام التأكيد في قولك: "إن هذا لزيد" إذا أردت أن المشار إليه هو زيد، وإذا أردت أن المشار إليه في ملك زيد كسرت اللام. ويدل على أن أصلها الفتح أنها تفتح مع المضمر إذ قد أمن اللبس لأن علامة المجرور خلاف علامة المرفوع. تقول: "هذا له وهذا لك"، وأيضاً فإن الإضمار يرد الأشياء إلى أصولها. هذا أصل مجمع عليه في كلام العرب، وسترى منه أشياء فيما بعد إن شاء الله. ومن ذلك أن "اسما" فيه أربع لغات: "اسم" بكسر الألف وبضمها، و "سِم" بضم السين وبكسرها. فَمن ضَم الألف في الابتداء جعله من "سما يسمو" إذ ارتفع "كدعا يدعو". ومَن كسرها جعله من [سَميَ يَسْمَى] "كرَضِيَ يَرْضَى". قال ابن كيسان: "يقال: "سموت وسميت كعلوت وعليت، وأصله سُمْوٌ أو سِمْوٌ على [وزن] فُعْلٌ أو فِعْلٌ، ثم حذفت الواو استخفافاً لكثرة الاستعمال. فلما تغير آخره غير أوله بالسكون، فاحتيج إلى ألف وصل ليوصل بها إلى النطق بالساكن وهو السين المغيرة إلى السكون". واختلف في كسرة الألف المجتلبة. فقيل: اجتلبت ساكنة وبعدها ساكن فكسرت لالتقاء الساكنين. وقيل: بل اجتلبت مكسورة، وإنما ضمت إذا كان الثالث من الفعل مضموماً لاستثقال الخروج من كسر إلى ضم ، وضمت الألف إذا كان الثالث من الفعل مضموماً ليخرج الناطق من ضم إلى ضم، نحو: "أُقْتل، أُخْرج"، فذلك أسهل من الخروج من كسر إلى ضم. وقيل: بل أصلها السكون لكن لا بد من حركتها إذ لا يبدأ بساكن فأتبعت ثالث الفعل، فكسرت إذا كان الثالث مكسوراً نحو "إضرب". وضمت إذا كان الثالث مضموماً نحو "أُقْتُل". ولم تفتح إذا كان الثالث مفتوحاً لئلا تشبه ألف المتكلم فكسرت، وكان الكسر أولى بها والثالث مفتوح لأن الخفض والنصب أخوان، وذلك نحو: "اصنع". و "اسم" عند البصريين مشتق من السمو؛ يدل على ذلك قولهم في التصغير "سمي". فرجعت اللام المحذوفة إلى أصلها، ورجعت السين إلى حركتها لأن التصغير والجمع يردان الأشياء إلى أصولها. وقال الكوفيون: "هو مشتق من السمة وهي العلامة لأن صاحبه يعرف به، وليس يسمو به، كما ذكر البصريون أن اشتقاقه من السمو وهو العلو". قال أبو محمد: وقول الكوفيين قول يساعده المعنى ويبطله التصريف لأنهم يلزمهم أن يقولوا في التصغير "وُسَيْمٌ"، لأن فاء الفعل واو محذوفة فيجب ردها في التصغير، وذلك لا يقوله أحد. وقد شرحنا هذه المسألة بأشبع من هذا في غير هذا الكتاب. والباء من ﴿بِسمِ ٱللهِ﴾ متعلقة بمحذوف. ذلك المحذوف خبر ابتداء مضمر قامت الباء وما اتصل بها مقامه، فهي وما بعدها في موضع رفع إذ سدت مسد الخبر للابتداء المحذوف، تقديره: "ابتدائي ثابت بسم الله" أو "مستقر بسم الله"، ثم حذف الخبر وقامت الباء وما بعدها مقامه، وهذا مذهب البصريين. وقال الكوفيون: "الباء متعلقة بفعل محذوف، وهي وما بعدها في موضع نصب بذلك الفعل"، تقديره عندهم: "ابتدأت بسم الله". والاسم هو المسمى عند أهل السنة. قال أبو عبيدة: "معنى باسم الله: بالله". وقال: "اسم الشيء هو الشيء". ودل على ذلك قوله "﴿سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ﴾ [الأعلى: ١] أي سبح ربك، أي نزه ربك. واختلف النحويون في علة حذف الألف من الخط في ﴿بِسمِ ٱلله﴾؛ فقال الكسائي والفراء: "حذفت لكثرة الاستعمال". وقال الأخفش "حذفت لعدمها من اللفظ. ويلزمه ذلك في كل ألف وصل لأنها معدومة أبداً في اللفظ في الوصل، لكنه قال: "مع كثرة الاستعمال بجعل حذفها لاجتماع العلتين". وقيل [بل] حذفت لأن الباء دخلت على سين مكسورة أو مضمومة. حكى ابن زيد أنه يقال: "سِمٌ" و "سُمٌ"، ثم أسكنت السين إذ ليس في الكلام فعل على مذهب من ضم السين وأسكنت على مذهب مَن كسر السين استخفافاً. وقيل: حذفت الألف للزوم الباء هذا الاسم في الابتداء، فإن كتبت "بسم الرحمٰن" أو "بسم الخالق" و﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، فالأخفش والكسائي يكتبان هذا وما أشبهه بغير ألف "كبسم الله". والفراء يكتبه بألف إذ لم يكثر استعماله، ككثرة استعمال "بسم الله". ولا يحسن الحذف للألف من الخط عند جميعهم إلا مع الباء. لو قلت: "لاسم الله حلاوة" أو قلت: "ليس اسم كاسم الله"، لم يجز حذف الألف مع غير الباء من حروف الجر، إلا على قول مَن قال: "سِمٌ" أو "سُمٌ" فأما مَن قال "اسم" بألف في الابتداء بكسر الألف أو بضمها فلا يجوز حذف الألف من الخط مع غير الباء عند أحد من النحويين إذ لم يكثر استعماله. والحمد لله معناه الثناء الكامل. والشكر الشامل لله يكون لأفعاله الحسنة وفضائله الكاملة، والحمد أعم من الشكر وأمدح. ورفعه بالابتداء، "وَلِلَّهِ" في موضع الخبر تقديره: "الحمد ثابت لله" أو "مستقر لله". فاللام متعلقة بهذا المحذوف الذي قامت اللام وما بعدها مقامه. والنصب جائز في الحمد في الكلام على المصدر، لكن الرفع فيه أعم لأن معناه إذا رفعتَه جميع "الحمد مني ومن جميع الخلق لله" وإذا نصبت فمعناه: "أحمد الله حمداً"، فإنما هو حمد منك لله لا غير. فالرفع يدل على أن الحمد منك ومن غيرك لله، فهو أعم وأكمل، فلذلك أجمع القراء على رفعه في جميع ما وقع في القرآن من لفظ ﴿ٱلْحَمْدُ للَّهِ﴾، إذ لم يكن قبله عامل فإذا كان "الحمد" مبتدأ، و "لله" خبر، وهو في اللفظ بمنزلة قولك: "المال لزيد" في حكم الإعراب، وليس مثله في المعنى لأنك إذا قلت: "الحمد لله" أخبرت بهذا، وأنت معتمد أن تكون حامداً لله داخلاً في جملة الحامدين طالباً للأجر على قولك، مقراً إذا رفعته أن جميع الحمد منك ومن غيرك لله متقرباً بذلك إلى الله، متعرضاً لعفوه مظهراً ما في قلبك بلسانك، شاهداً بذلك لله. ولست تخبر أحداً بشيء يجهله، فأنت غير مخبر على الحقيقة بشيء استقر علمه عندك، وليس ذلك العلم عند غيرك. وإذا قلت: "المال لزيد"، فأنت مخبر بما استقر علمه عندك مما ليس علمه عند غيرك. فاعرف الفرق بينهما. فأما علة حذف الألف الثانية من "الله" في الخط ففيها أيضاً اختلاف. قال قطرب: "حذف استخفافاً إذ كان طرحها من الخط لا يلبس. وقيل: إنما حذفت الألف على لغة مَن يقول قال: "الله بغير مد، كقول الشاعر: ؎ أقْبَلَ سَيْلٌ جَاءَ مِنْ عِنْدِ الله وقيل: حذفت الثانية لأن الأولى تكتفي عنها، وتدل عليها. وقيل: إنما حذفت لئلا يشبه خط "اللات" في قول من وقف عليه بالهاء. فأما حذف ألف ﴿الرَّحْمٰنِ﴾ من الخط فلكثرة الاستعمال والاستخفاف، ولأن المعنى لا يشكل بغيره. وقدم ﴿الرَّحْمٰنِ﴾ على ﴿الرَّحِيـمِ﴾ لأن "الرحمٰن" اسم شريف مبني للمبالغة لا يتسمى به غير الله جل ذكره، والرحيم قد يوصف به الخلق فأخر لذلك. وقيل: الرحيم، ولم يقل: الراحم، لأن فعيلا فيه مبالغة أيضاً تقارب مبالغة الرحمٰن، فقرن بالرحمٰن دون الراحم إذ الراحم لا مبالغة في بنيته لأنه يوصف بالراحم مَن رحم مرة في عمره، ولا يوصف بالرحيم إلا مَن تكررت منه الرحمة. وقيل: إنما قدم الرحمٰن على الرحيم لأن النبي عليه السلام كان يكتب في كتبه "باسمك اللهم" حتى نزل: ﴿بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا﴾ [هود: ٤١] فكتب ﴿بِسمِ ٱلله﴾، حتى نزل: ﴿قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ﴾ [الإسراء: ١١٠]، فكتب ﴿بِسمِ ٱلله﴾، فسبق نزول الرحمٰن. ثم نزل: ﴿وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠]. فكتب ذلك على ترتيب ما أنزل عليه ﷺ. وقال ابن مسعود "كنا نكتب زماناً باسمك اللهم" حتى نزلت: ﴿أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ﴾، فكتبنا "بسم الله الرحمٰن" فلما نزلت "التي في النمل كتبناها". * * ومعنى ﴿الرَّحْمٰنِ﴾: الرفيق بخلقه، ومعنى: ﴿الرَّحِيـمِ﴾ العاطف على خلقه بالرزق وغيره. وقيل: إنما جيء بالرحيم ليعلم الخلق أن ﴿الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ﴾ على اجتماعهما لم يتسم بهما غير الله جل ذكره، لأن الرحمٰن على انفراده قد تسمى به مسيلمة الكذاب لعنه الله، و ﴿الرَّحِيـمِ﴾ على انفراده قد يوصف به المخلوق. فكرر الرحيم بعد الرحمٰن، وهما صفتان لله أو اسمان، ليعلم الخلق ما انفرد به الله تعالى ذكره من اجتماعهما له، وما ادعى بعضه بعض خلقه. وهذا القول هو معنى قول عطاء لأنه قال: "لما اختُزِلَ الرحمٰن من أسمائه - أي تسمى به غيره -، صار لله الرحمٰن الرحيم". والألف واللام في ﴿الرَّحِيـمِ﴾ للتعريف، وإنما اختيرا للتعريف، لأن الهمزة تختل بالتسهيل والحذف والبدل وبإلقاء حركتها على ما قبلها، واللام تدغم في أكثر الحروف وكلاهما من الحروف الزوائد.

الفاتحة 1:2

في وصل ﴿الرَّحِيـمِ﴾ بـ ﴿ٱلْحَمْدُ﴾، عند النحويين ثلاثة أوجه: - أحدها: أن تقول "الرَّحِيْمِ. الحَمْدُ لله" فتكسر الميم وتقف عليها وتقطع ألف الحمد. وهذا مستعمل عند القراء حسن، وهو مروي عن النبي ﷺ روته أم سلمة. - والثاني: أن تقول: "الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لله"، فَتَصِل الألف وتعرب الرحيم بحقه من الإعراب فتكون الكسرة خفضاً، وإن شئت قدرت أنك وقفت على الرحيم بالإسكان، ثم وصلت فكسرت الميم لسكونها وسكون لام الحمد بعدها، ولا يعتد بألف الوصل لسقوطها في درج الكلام. وهذان الوجهان حسنان مستعملان في القراءة. - والوجه الثالث: حكاه الكسائي سماعاً من العرب، أن تقول: "الرَّحِيمَِ الحَمْدُ" فتح الميم ووصل الألف وذلك أنك تقدر أنك أسكنت الميم للوقف عليها وقطعت ألف الحمد للابتداء بها، ثم ألقيت حركتها على الميم وحذفتها فانفتحت الميم. ولا يقرأ بهذا. وقد ذكر الفراء هذا التقدير في قوله تعالى: ﴿الۤمۤ * ٱللَّهُ﴾ [آ ل عمران: ١-٢] وذكره غيره. وستراه إن شاء الله ومثله قياس وصل "نَسْتَعِينُ" بِـ "اهْدِنَا". والألف الأول من اسم "الله" تحذف من الخط مع اللام، تقول: "لله الحجة، ولله الأمر"، فإن قلت: "بالله أتق"، و "ليس كالله أحد"؛ لم يجز حذف الألف من الخط، وعلة حذفها من الخط مع اللام، دون سائر حروف الجر، أنَّ اللام مع الألف يصيران حرفاً واحداً في رأي العين. والألف مع اللام الثانية بمنزلة "قَدْ" لأنهما زيدا معاً للتعريف لا يفترقان. فلو أثبتت الألف مع اللام الأولى، كنت قد فصلتها مع اللام الأولى من اللام الثانية. وقيل: إنما حذفت الألف من الخط مع اللام، لئلا تصير "لا" فتشبه النفي. فإن كانت الألف مقطوعة لم تحذف الألف مع اللام، ولا مع غيرها من حروف الجر في الخط نحو قولك: "لألواحك حُسْنٌ، ولألواحِك بياض"، وإنما ذلك، لأن الألف في هذا ليست مع اللام للتعريف إذ اللام أصلية فجاز انفصالها من اللام الثانية مع اللام الأولى. * * قوله: ﴿رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾. الرب المالك. فمعناه: مالك العالمين. وقيل: الرب السيد. وقيل: المصلح، يقال: "رَبَّه يَرُبُّه رَبّاً" إذا أصلحه. ويقال على التكثير: رَبَّتَهُ وِرَِبَّاهُ ورَبَّبَهُ. فالذين يقولون: "رَبَّتَه" بالتاء، أصله عندهم رَبَّبَهُ ثم أبدلوا من الباء الثالثة "ياء"، كما يقال، تقَضَّيْتُ" في "تَقَضَّضْتُ" ثم أبدلوا من الياء تاء. كما أبدلوا من الواو تاء في "تُراتٍ"، و "تُجاهٍ" و "تولج" وأصله "وولج" على "فوعل، من "ولجت". وبدل التاء من الياء قليل شاذ، وهو في الواو كثير. و ﴿ٱلْعَالَمِينَ﴾ جمع عالم. والعالم هو جميع الخلق الموجود في كل زمان. وروى عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه في قول الله: ﴿ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾. قال: "العالمون ثمانية عشر ألف ملك في نواحي الأرض الأربع، في كل ناحية أربعة آلاف ملك وخمسمائة ملك مع كل ملك منهم عدد الجن والإنس، فبهم يدفع الله العذاب عن أهل الأرض".

الفاتحة 1:3

قد تقدم الكلام عليه في التسمية. وإنما كرر، وقد تقدم ذكره في التسمية، لأن الأول ليس بآية من الحمد، وهذا آية، فلذلك وقع التكرير في آيتين متجاورتين. وهذا مما يدل على أن ﴿بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ﴾ ليس بآية من الحمد، إذ لو كانت آية كما يقول المخالف لكنا قد أتينا بآيتين متجاورتين متكررتين بمعنى، وهذا لا يوجد في كتاب الله جل ذكره إلا بفصول تفصل بين الأولى والثانية، أو بكلام يعترض بين الأولى والثانية. - فإن قيل: قد فصل في هذا بـ ﴿ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾. - فالجواب إن "الرحمٰن الرحيم" في الحمد مؤخر يراد به التقديم، وإنما تقديره: "الحمد لله الرحمٰن الرحيم رب العالمين"، فلا فاصل بين "الرحمن الرحيم" الأول والثاني. فإن كان ذلك كذلك، دل على أن التسمية ليست بآية من الحمد إذ لا نظير لها في كتاب الله جل ذكره، وإنما حكمنا على أن المراد" "بالرحمٰن الرحيم" في "الحمد" التقديم، لأن قوله: ﴿مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ﴾ مثل قوله: ﴿رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ في المعنى، لأن معناه أنه إخبار من الله أنه يملك يوم الدين، و ﴿رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ هو إخبار من الله أنه يملك العالمين فاتصال الملك بالملك أولى في الحكمة ومجاورة صفته بالرحمة صفته بالحمد والثناء أولى. فكل واحد مرتبط إلى نظيره في المعنى فدل على أن ﴿ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ في "الحمد لله" متصل به، يراد به التقديم. و ﴿مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ﴾ متصل بـِ ﴿رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ إذ هو نظيره في المعنى، وذلك أبلغ في الحكمة. والتقديم والتأخير كثير في القرآن.

الفاتحة 1:4

الدين الجزاء في هذا الموضع. وقد يكون الدين التوحيد، نحو قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ﴾ [آل عمران: ١٩]. ويكون الدين الحكم، نحو قوله: ﴿رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ﴾ [النور: ٢] أي في حكمه. ويكون الدين الإسلام نحو قوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣]، و ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ﴾ [آل عمران: ١٩]. وقال مجاهد، "الدين الحساب"، كما قال: ﴿غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦]. أي غير محاسبين. ويكون الدين العادة، ولم يقع في القرآن. وقد روى الزهري أن النبي ﷺ قرأ (مالك) بألف. وأبو بكر، وعمر، وعثمان، كذلك قرأوها وبذلك قرأ علي، وابن مسعود، وأُبي، ومعاذ بن جبل وطلحة، والزبير. وبذلك قرأ عاصم والكسائي. وقد بَيَّنا كشف وجوه القراءات في كتاب: "الكشف عن وجوه القراءات"، فأغنانا ذلك عن الكلام فيها في هذا الكتاب. فأما من قرأ، ﴿مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ﴾، فهم الأكثر من القراء وشاهده إجماعهم على ﴿مَلِكِ ٱلنَّاسِ﴾ [الناس: ٢] بغير ألف.

الفاتحة 1:5

اختلف النحويون في "إياك وإياه وإياي"؛ فللبصريين فيها قولان: - أحدهما: أن "إيا" اسم مضمر أضيف إلى ما بعده للبيان لا للتعريف. ولا يعرف في كلام العرب اسم مضمر مضاف إلى ما بعده غير هذا. وحكى الخليل عن العرب: "إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب". فأضاف "إيا" إلى الشواب للبيان. - والقول الثاني: مروي عن المبرد قال: "إن "إيا" اسم مبهم أضيف للتخصيص لا للتعريف، ولا يعرف في كلام العرب اسم مبهم أضيف إلى ما بعده غير هذا". وللكوفيين في هذا أيضاً ثلاثة أقوال. - حكى ابن كيسان وغيره. عنهم أن "إياك" بكماله اسم مضمر، ولا يعرف اسم مضمر يتغير آخره غيره، فتقول: "إياه وإياك وإياي". - والقول الثاني: إن الكاف والهاء والياء، هن الاسم المضمر في "إياك وإياه وإياي"، لكنه اسم لا يقوم بنفسه ولا ينفرد ولا يكون إلا متصلاً بما قبله من الأفعال، فلما تقدم على الفعل لم يقم بنفسه فجعل "إيا" عماداً له ليتصل به، ولو أخرت لا تصل المضمر بالفعل واستغنيت عن "إيا" فقلت: "نعبده" و "نعبدك". وهو اختيار ابن كيسان. - والقول الثالث: حكاه أيضاً ابن كيسان؛ وهو أن "إيا" اسم مبهم يكنى به عن المنصوب وزيدت إليه الكاف والهاء والياء في: إياك وإياه وإياي". "ليعلم المخاطب من الغائب من المُخْبِر عن نفسه ولا موضع للكاف والهاء والياء من الإعراب، فهي كالكاف في "ذلك" وأرأيتك زيداً ما صنع". ذكر معنى جميع ذلك ابن كيسان في كتابه في تفسير القرآن وإعرابه ومعانيه. والعبادة في اللغة التذلل بالطاعة والخضوع. فمعنى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: نذل لك ونخضع بالعبادة لك ونستعين بك على ذلك. وإنما قدم ﴿نَعْبُدُ﴾ على ﴿نَسْتَعِينُ﴾ وقد علم أن الاستعانة قبل العبادة، والعمل لا يقوم إلا بعون الله، لأن العبادة لا سبيل إليها إلا بالمعونة، والمعان على العبادة لا يكون إلا عابداً. فكل واحد مرتبط بالآخر: لا عمل إلا بمعونة ولا معونة إلا تتبعها عبادة، فلم يكن أحدهما أولى بالتقديم من الآخر، وأيضاً فإن الواو لا توجب ترتيباً عند أكثر النحويين. وأما علة تكرير ﴿إِيَّاكَ﴾ فمن أجل اختلاف الفعلين إذ أحدهما عبادة والآخر استعانة. وقيل: كرر للتأكيد كما تقول: "المال بين زيد وعمرو، بين زيد وبين عمرو"، فتعيد "بين" للتأكيد. * * قوله: ﴿نَسْتَعِينُ﴾. أصله "نَسْتَعْوِنُ" على وزن "نَسْتَفْعِلُ" من العون. والمصدر منه استعانة، وأصله استعواناً، فقلبت حركة الواو على العين، فلما انفتح ما قبل الواو - وهي في نية حركة - انقلبت ألفاً، فالتقى ألفان، فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين. فقيل: المحذوفة الثانية لأنها زائدة، والأولى أصلية. وقيل: بل المحذوفة الأولى لأن الثانية تدل على معنى ولزمته الهاء عوضاً من الألف المحذوفة. والنون الأولى في ﴿نَسْتَعِينُ﴾ يجوز فيها الكسر لغة مشهورة وكذلك التاء والهمزة في قولك: "أنْتَ تَسْتَعِين وأنا أسْتَعينُ". وإنما ذلك في كل فعل سمي فاعله فيه زوائد أو مما يأتي من الثلاثي على "فَعِلَ، يَفْعَلُ" بفتح العين في المستقبل، وكسرها في الماضي نحو: "أنت تعلم وأنا أعلم".

الفاتحة 1:6

معناه ثبتنا، لأنهم كانوا مهتدين، وإنما هو رغبة إلى الله أن يثبتنا على ذلك حتى يأتي الموت ونحن عليه. وقيل: معناه ألهمنا الثبات على الصراط المستقيم، وهو دين الإسلام، وهو مروي عن ابن عباس. و "هَدَى" يكون بمعنى: "أَرْشَد"، نحو قوله: ﴿وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ﴾ [ص: ٢٢]، أي أرشدنا. ويكون بمعنى "بَيَّنَ" كقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت: ١٧]، أي بينّا لهم الصواب من الخطأ، فاستحبوا الخطأ. ويكون بمعنى "أَلْهَمَ" كقوله: ﴿ثُمَّ هَدَىٰ﴾ [طه: ٥٠]، أي ألهم الذَّكَر من الحيوان إلى إتيان الأنثى. وقيل: معناه ألهم المصلحة ويكون هدى بمعنى "وَفَّقَ" كما قال" ﴿لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] أي لا يوفقهم. والصراط المستقيم كتاب الله. وهو مروي عن النبي [عليه السلام]. وقال ابن عباس: "هو الطريق إلى الله عز وجل". وعن جماعة من الصحابة أنه الإسلام. وقال جابر بن عبد الله: "هو الإسلام وهو أوسع مما بين السماء والأرض". وعن أبي العالية أنه: "رسول الله ﷺ وصاحباه ابو بكر وعمر". وهو قول الحسن. وأصله الطريق الواضح. وقال ابن الحنفية: "هو دين الله تعالى". وسمي مستقيماً لأنه لا عوج فيه ولا خطأ. وقيل: سمي بذلك لاستقامته بأهله إلى الجنة. وأصل ﴿ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾: "الْمُسْتَقْوِم"، فألقيت حركة الواو على القاف وبقيت الواو ساكنة فقلبت ياء لسكونها وانكسار ما قبلها. كما قالوا ميزان، وهو من الوزن. وأصله "مِوْزَان"، ثم قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها. وكذلك يقلبون الياء واواً إذا انضم ما قبلها نحو "مُوقِنٍ" و "موسِرٍ" لأنه من اليقين واليسار.

الفاتحة 1:7

قوله: ﴿صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. صراط بدل من الأول. والذين أنعم عليهم هم الأنبياء صلوات الله عليهم والصدِّيقون والصالحون بدلالة قوله: ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩]. وقيل: هم أصحاب النبي [عليه السلام]، قاله الحسن. وقيل: هم المؤمنون من بني إسرائيل الذين لم يغيروا ولا بدلوا، بدليل قوله: ﴿يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]. فلذلك قال هنا: ﴿صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. وقيل: هم المسلمون. وقال أبو العالية: "هم محمد [عليه السلام] وأبو بكر وعمر". وقال قتادة: "هم الأنبياء خاصة". وقال ابن عباس: "هم أصحاب موسى قبل أن يبدلوا". وهذا دعاء أمر الله عز وجل رسول الله ﷺ والمؤمنين أن يدعوا به وألا يكونوا مثل المغضوب عليهم - وهم اليهود -، ولا مثل الضالين - وهم النصارى -، ولا على صراطهم. ودخلت "لا" في قوله: ﴿وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ﴾ لئلا يتوهم أن ﴿ٱلضَّآلِّينَ﴾ عطف على ﴿ٱلَّذِينَ﴾ في قوله: ﴿صِرَاطَ ٱلَّذِينَ﴾. فبدخول "لا" امتنع أن يتوهم متوهم ذلك إذ لا تقع "لا" إلا بعد نفي أو ما هو في معنى النفي. وقيل: "لا" زائدة. وقيل: هي تأكيد بمعنى: "غير". ولم يجمع ﴿ٱلْمَغْضُوبِ﴾، لأنه في معنى الذين غضب عليهم فلا ضمير فيه إذ لا يتعدى إلا بحرف جر. فلو قدرت فيه ضميراً، كنت قد عديته إلى مفعولين أحدهما بحرف جر وهذا ليس يحسن فيه. إنما تقول: "غضبت على زيد" و "غضب على زيد". فالمخفوض يقوم مقام الفاعل. وكذلك ﴿عَلَيْهِم﴾ في موضع رفع يقوم مقام المفعول الذي لم يسم فاعله. والهاء والميم يعودان على الألف واللام. والغضب من الله البعد من رحمته. والضلال الحيرة. "و ﴿غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ﴾" خفض على النعت "للذين" من قوله ﴿صِرَاطَ ٱلَّذِينَ﴾، وحَسَنٌ ذلك لأنه شائع لا يراد به جمع بعينه فصار كالنكرة، فجاز نعته "بغير"، و"غير" نكرة وإن أضيفت إلى معرفة. ويجوز أن تخفض "غير" على البدل من [الذين. وقد قرئ] بالنصب على الحال أو على الاستثناء، وقد شرحت هذا في كتاب: "مشكل الإعراب" بأشبع من هذا. ويقول المأموم إذا سمع ﴿وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ﴾: آمين. ويقولها وحده. واختلف في قول الإمام إياها عن مالك. و (آمين)، قيل: هو اسم من أسماء الله تعالى. وقيل: هو دعاء بمعنى: "اللَّهم استجب". وقال ابن عباس والحسن: "معنى "آمين": كذلك يكون". وهي تمد وتقصر لغتان. والمؤمن داع. فقد قال الله لموسى وهارون: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩]. وموسى كان هو الداعي، وهارون يؤمن، والمؤمن إذا قال: "اللهم استجب" فهو داع بالإجابة، وهو مبني لوقوعه موقع الدعاء وبني على حركة لالتقاء الساكنين وكان الفتح أولى به لأن قبل آخره ياء. وروى أبو هريرة عن النبي [عليه السلام] قال: "إِذَا قَالَ الإمَامُ ﴿غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ﴾، فَقُولُوا: آمينَ، فإنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلاَئِكَةِ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ"، أي من وافقه في الإجابة.

البقرة 2:1

واختلف العلماء في معاني أوائل السور: فعن ابن عباس أقوال، منها: أنه قال: "الۤمۤ؛ أنا الله أعلم، الۤرۤ؛ أنا الله أرى". فالألف: يؤدي عن "أنا"، واللام: يؤدي عن اسم الله. والميم: تؤدي عن "أعلم"، والراء: يؤدي عن "أرى". وعنه [أن] أوائل السور مأخوذة من أسماء الله. فيقول في ﴿كۤهيعۤصۤ﴾ [مريم: ١]: "إن الكاف: من كاف، والهاء: من هاد". وعنه أيضاً "أنها أقسام، أقسم الله بها، وهي من أسماء الله جل ذكره". وقد قال بكل قول من هذه الأقوال جماعة من العلماء. وروى عنه عطاء أنه قال في ﴿الۤـمۤ﴾: "الألف: الله، واللام: جبريل، والميم: محمد ﷺ" [وكذلك] روى الضحاك عنه. وقال قتادة: "الۤمۤ، اسم من أسماء القرآن". وروي مثله عن مجاهد. وعن مجاهد أيضاً أنه قال: "هي فواتح السور". وقال أبو عبيدة والأخفش: "هي افتتاح كلام". وقال زيد بن أسلم: "هي أسماء السور". وروى ابن جبير عن ابن عباس: "﴿كۤهيعۤصۤ﴾ [مريم: ١]: كبير، هاد، عزيز، صادق". وقال محمد بن كعب: ﴿حـمۤ * عۤسۤقۤ﴾: الحاء والميم: من الرحمان، والعين: من العليم، والسين: من القدوس، والقاف: من القهار". وقال في ﴿الۤمۤصۤ﴾: "الألف واللام: الله، والصاد: من الصمد". وقال بعض أهل النظر: "هي تنبيه". وقال قطرب في معناها: "كان المشركون ينفرون عند قراءة القرآن. فلما سمعوا" ﴿الۤـمۤ﴾ و ﴿الۤمۤصۤ﴾ وقفوا ليفهموا ما هو وأنصتوا، فاتصلت تلاوة القرآن بها فسمعوه، وثبتت عليهم الحجة، وجحدوا بعد سماع ما هو حجة عليهم. وهذه حكمة بالغة من الله، والله أعلم بذلك". وعن قطرب أيضاً أنه قال: "هي حروف ذكرت لتدل على أن هذا القرآن مؤلف من هذه الحروف المقطعة". وقال أبو العالية: "هي الحروف من التسعة وعشرين حرفاً دارت بها الألسن كلها، ليس فيها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه، وليس منها حرف إلا وهو في آلائه ونعمائه، وليس منها (حرف) إلا وهو في مدة أقوام وآجالهم. الألف: مفتاح اسمه: الله، واللام مفتاح اسمه: لطيف، والميم مفتاح اسمه: مجيد. الألف: آلاء الله، واللام: لطفه، والميم: مجده. الألف: سنة، واللام: ثلاثون سنة، والميم: أربعون سنة". وقال جماعة: "هي مما لا يعلمه إلا الله، ولله في [كل كتاب] سر، وهذه الحروف سره في كتابه". وقيل: هي اسم الله الأعظم. رواه السدي عن ابن عباس. ويروى أن اليهود لما سمعت ﴿الۤـمۤ﴾، قالوا: "الألف واحد، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة، وهي مدة ملك محمد. أفتدخلون في دين، إنما مدة ملكه إحدى وسبعون سنة. فلما سمعوا ﴿الۤمۤصۤ﴾ [الأعراف: ١] قالوا: هذا أثقل وأطول؛ الألف واحد، واللام ثلاثون، والميم أربعون والصاد ستون فذلك إحدى وثلاثون ومائة سنة، فلما سمعوا ﴿الۤر﴾ [يونس: ١] و﴿الۤمۤر﴾ [الرعد: ١] و﴿حـمۤ * عۤسۤقۤ﴾ [الشورى: ١-٢]، قالوا: قد لبس علينا الأمر، فما ندري ما يقيم ملكه. فأنزل الله عز وجل: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]. فهذا الذي اشتبه عليهم في هذا التأويل والله أعلم. وهذه الحروف تسمى حروف المعجم، وإنما سميت بذلك لأنها مبينة للكلام فاشتق لها هذا الاسم من قولهم: "أعجَمْتُ الِكتَابَ" إذا بَيَّنْتَهُ. وقيل: إنما اشتق لها هذا من قولهم: "عَجَمْتُ الْعُودَ" إذا عَضَضْتَهُ لِتَخْتَبِرَهُ. فيكون "المعجم" من هذا أتى على توهم زيادة الهمزة، كما أتى "لواقع" على توهم حذف الهمزة من "ألْقَحْتُ"، وكان الأصل "ملاقح". كذلك كان الأصل "المعجوم"، إذا جعلته من "عَجَمْت". وقد قالوا: "مسعود"، على تقدير حذف الهمزة من "أسعده الله"، وقرئ: ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ﴾ [هود: ١٠٨] - بضم السين - على ذلك التقدير. فكذلك المعجم من "عجمت" على تقدير حذف الهمزة من "أعجمت"، فيكون معناه حروف الاختبار، وهي موقوفة مبنية على السكون أبداً، إلا أن تخبر عن شيء منها، أو تعطف بعضها على بعض، فتعربها، تقول: هذه جاء وياء". وهي تؤنث وتذكر.

البقرة 2:2

قوله عز وجل: ﴿ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ﴾. أكثر أهل التفسير على أن "ذلك" بمعنى "هذا". كما تقول للرجل وهو يحدثك: "ذلك، والله الحق"، أي هذا والله الحق. قال الله جل ذكره: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: ١٩]. أي هذا ما كنت منه تحيد. وقال: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]، أي هذه عشرة كاملة. وقال: ﴿ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. أي هذا الحكم لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام. وقال: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ﴾ [ص: ٦٤] أي إن هذا وهو كثير في كلام العرب والقرآن. وقيل: إن ﴿ذٰلِكَ﴾ على بابها للإشارة إلى شيء معلوم. واختلف في ذلك المشار إليه. ما هو؟ فقيل: إن ﴿ذٰلِكَ﴾ إشارة إلى ما نزل من القرآن قبل سورة البقرة. وقال الكسائي: "﴿ذٰلِكَ﴾ إشارة إلى الرسالة والقرآن وعمّا في السماء". وقيل: إشارة إلى اللوح المحفوظ. وحكى الطبري أن بعض المفسرين قال: "﴿ذٰلِكَ﴾: إشارة إلى التوراة والإنجيل". وقيل: ﴿ذٰلِكَ﴾: إشارة إلى ما وعد به النبي ﷺ من أنه سينزل عليه كتاب فوقعت الإشارة على ما تقدم من الوعد. وجيء باللام في ﴿ذٰلِكَ﴾ للتأكيد في بعد الإشارة. وقال الكسائي: "جيء بها لئلا يتوهم أن ﴿ذٰلِكَ﴾ مضاف إلى الكاف". وقيل: جيء بها عوضاً عن المحذوف من "ذا"، لأن أصل "ذا" أن يكون على ثلاثة أحرف، لأن أقل الأسماء ما يأتي على ثلاثة أحرف. وقال علي بن سليمان: "جيء باللام لتدل على شدة التراخي، وكسرت لئلا تشبه لام الملك. وقيل: كسرت لأنها بدل من همزة مكسورة لأن أصل "ذا" "ذاء" على ثلاثة أحرف بهمزة مكسورة، ومن العرب من يقول في "ذلك" "ذاءك" بالهمز حكاه الفراء وغيره، قال: "وإنما أبدلوا من الهمزة لاماً لأن "ذاء" خرج عن لفظ المضاف، وليس بمضاف، واللام من أدوات المضاف، فأبدلوا من الهمزة لاماً وكسرت لأن الهمزة كانت مكسورة لالتقاء الساكنين". كان أصل ذا أن يكون بألفين ليكون على ثلاثة أحرف إذ هي أقل أصول الأسماء فأبدلت الألف الثانية همزة وكسرت لسكونها وسكون الألف قبلها. وقد قال الكسائي: "إنما أبدلوا من الهمزة لاماً لئلا تشبه المضاف" وقيل: إنما كسرت اللام لالتقاء الساكنين لأنها اجتلبت ساكنة، وقبلها الألف من "ذا" ساكنة، وكسرت اللام لالتقاء الساكنين. والاسم من "ذلك"، ذا وقيل: الاسم الذال، وزيدت الألف للتقوية. ولا موضع للكاف من الإعراب، إنما هي للخطاب، ولو كان لها موضع من الإعراب لكانت في موضع خفض بالإضافة على ظاهر اللفظ. و "ذا" لا يضاف في شيء من كلام العرب، لأنه معرفة، ولأن اللام تفصل بينهما، ولأن المعنى على غير معنى الإضافة. والكتاب مشتق من الكتيبة وهي الخيل المجتمعة، يقال: "تَكتَّب القَوْمُ" إذا اجتمعوا. فسمي المكتوب كتاباً لاجتماع بعض الحروف إلى بعض. ومنه قول العرب: "كُتِبَتْ القِرْبَة" إذا جُمِعَتْ خُرَزاً إلى خُرَز، وكَتَبْتُ البَغلَةَ" إذا جَمَعْتَ بين شُفْرَيْهَا بِحَلْقَة. قوله عز وجل: ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾. الهاء تعود على (الكتاب) . وقيل على ﴿ذٰلِكَ﴾. وقيل: على ﴿الۤـمۤ﴾ على أن تكون ﴿الۤـمۤ﴾ إسماً من أسماء القرآن. وقيل: هي راجعة على ﴿هُدًى﴾ مقدمة عليه، يراد به التقديم. أي ذلك الكتاب هدى لا ريب فيه، أي في الهدى. ورجوعها على ﴿ٱلْكِتَابُ﴾ أبينها. والكتاب القرآن هو نفي عام نفى الله جل ذكره أن يكون فيه شك عند من وفقه الله، وقد ارتاب فيه من خذله الله ولم يوفقه، ولذلك قال: ﴿وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣]. معناه: وإن كنتم على زعمكم في شك من ذلك فأتوا ببرهان على ذلك، فقد أتيناكم بما لا ريب فيه لمن وفق. والريب مصدر "رَابَني الأَمْرُ رَيْباً". وحكى المبرد: "رَابَني الشيء تبينت فيه الريبة، وأَرَابَنِي إذا لم أتبينها فيه". وحكى غيره: "أَرَابَ الرجل في نفسه، ورَابَ غيره". * * وقوله: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾. الهدى: الرشد والبيان. والتقى: اسم جامع لكل خصلة محمودة العاقبة، ومن اتقى الشرك فهو من المتقين، وهو أعظم التقى، وأصله من التَّوقّي وهو التستر، فكأن التقي يستر على جميع ما يذم عليه. وقد فسرنا إعراب هذا وما شابهه في كتاب "تفسير مشكل الإعراب"، فأخلينا هذا الكتاب من بسط الإعراب لئلا يطول إلا أن يقع نادر من الإعراب فنذكره على شرطنا المتقدم. فاعلم ذلك.

البقرة 2:3

وقوله: ﴿ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ﴾ الآية. "الذين": اسم مبهم ناقص لا بد له من صلة وعائد، وهو مبني في الجمع والواحد لمشابهة الحروف، ولأنه بعض اسم، فإن ثَنَّيْتَهُ أَعْربتَه، لأن التثنية تخرجه من مشابهة الحروف إذ الحروف لا تثنى. فإن قيل: فأعربه في الجمع إذ الحروف لا تجمع. فالجواب: إن الجمع مشبه بالواحد، لأنه يأتي إعرابه في آخره كالواحد، ولأنه يأتي على صور وأبنية مختلفة كالواحد، فجرى مجرى الواحد في البناء، والتثنية لا تختلف أبنيتها، ولا يقع إعرابها في آخرها، فخالفت الواحد والجمع فأعربت، هذه لغة القرآن وأكثر كلام العرب. ومن العرب من يعرب الجمع فيقول في الرفع "أَلَّذُون" فهؤلاء أعربوا الجمع إذ الحروف لا تجمع، وأصل "الذي" تدغم الياء منه محذوفة للتنوين كما تحذف في "عم" و "قاض" في الرفع والخفض. فلما دخلته الألف واللام رجعت الياء لزوال التنوين، وكتب "الذي" بلام واحدة، وأصلها لامان، تخفيفاً ولكثرة الاستعمال. وجرى "الذين" في الجمع على ذلك لقربه من الواحد في المشابهة المتقدمة الذكر، وكتبت "اللذين" في التثنية بلامين على الأصل، لأن التثنية لا تختلف ولا تأتي في جمع الأسماء إلا على نظام واحد. فلما جرت على أصلها، ولم تختلف كاختلاف الجمع جرت على أصلها في الخط. وأصل الإيمان: التصديق، فالعبد المؤمن يُصَدِّقُ بما أتاه من ربه، والله يصدق عبده بانتظاره ما وعده به من المجازاة على إيمانه، فالله جل ذكره مؤمن، ولا يقال: بكذا، والعبد مؤمن بكذا. وقد قيل: إن المؤمن مأخوذ من الأمان، وذلك أن العبد يُؤَمِّن نفسه من عذاب الله بإيمانه. والله مُؤَمِّن: أي: يُؤَمِّنُ مطيعه من عذابه. والهمز في "يؤمن" الأصل، وبدل الهمزة بواو لانضمام ما قبلها حسن فصيح. والغيب: كل ما استتر عنك. وهو في هذه الآية البعث، والحساب، والجنة، والنار، وشبهه. قاله سفيان وغيره. وقيل: معنى ﴿بِٱلْغَيْبِ﴾: بالقدر. وقال عطاء: "﴿بِٱلْغَيْبِ﴾: بالله جل ذكره". وقيل: بالقرآن. وقال بعض المتصوفة: "الغيب: القلب، أي يؤمنون بقلوبهم، لأن المنافق يؤمن بلسانه لا بقلبه". فالإيمان الصحيح النافع ما اعتقده القلب. وقال بعض العلماء: ﴿يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ﴾، أي: يؤمنون إذا غابوا عن الناس، كما يؤمنون إذا حضروا، أي ليسوا كمن يؤمن بالحضرة، ويكفر بالغيب. * * وقوله: ﴿وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلٰوةَ﴾. معناه يديمون أداءها بفروضها في أوقاتها. وقال الضحاك: "إقامتها تمام سجودها وركوعها وخشوعها وتلاوتها وسنتها". وأصل "يُقيمُونَ، "يُقْوِمُونَ" على وزن "يُفْعِلُونَ" فألقيت حركة الواو على القاف وأبدل من الواو ياء لسكونها، وانكسار ما قبلها. كما قالوا: ميزانٌ وميعادٌ، وهما من الوَعْدِ والْوَزْنِ. وأصل الصلاة في اللغة: الدعاء، لكن سمي الركوع والسجود صلاة للدعاء المستعمل فيها. والعرب تسمي الشيء باسم [ما لابَسَه وقاربه]. والصلاة من الله: الرحمة لعباده، ومن الملائكة. والأنبياء: الدعاء، وكذلك هي من الناس. وروى أبو هريرة أن النبي [ﷺ] قال: "إذا دُعِيَ أحَدُكُمْ إلى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ، فإنْ كَانَ مُفْطِراً فَلْيَأكُلْ، وإنْ كَانَ صَائِمَاً فَلْيُصَلِّ"أي: فليدع. وقال الأعشى لابنته لما دعت له في قولها: ؎ ... ... ... ... ∗∗∗ "يا ربِّ جَنِّب أَبي الأوصَابَ والْوَجَعَا. ؎ عليك مثل الذي صليت فاغتمضي ∗∗∗ نوماً فإن لجنب المرء مضطجعاً. أي: دعوت. وقيل: إنما سميت الصلاة صلاة لأنها مشتقة من الصلويْن وهما عرقان في الردف، ينحنيان في الصلاة. وكتبت الصلاة في المصاحف بالواو لتدل على أصلها، لأن أصل الألف الواو، وأصلها صلوة. فلما تحركت الواو وانفتح ما قبلها، قلبت في اللفظ ألفاً؛ دليله قولهم في الجمع: "صَلَواتٌ". وقد ذكرنا أن الجمع يرد الأشياء إلى أصولها ولذلك قلنا: إن أصل "ماء": مَوْهٌ" وإن الألف بدل من الواو، والهمزة بدل من الهاء. ودل على ذلك قولهم في الجمع: أمْوَاءٌ، فرد إلى أصله. وقيل: إنما كتبت بالواو لأن بعض العرب يفخم اللام والألف حتى تظهر الألف كأن لفظها يشوبه شيء من الواو. والقول الأول والآخر، به يعلل ما كتبوه من "الزكوة" و "الحيوة" وشبهه بالواو، فأعلمه. وهاتان الآيتان نزلتا في مؤمني العرب دون غيرهم، بدلالة قوله بعد ذلك: ﴿وٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ يريد من آمن من اليهود والنصارى. وقيل: [بل الأربع] الآيات نزلت في مؤمني أهل الكتاب. وقيل: بل هي في جميع من آمن بمحمد عليه السلام. إذ لم يؤمن [أحد به] إلا وهو مؤمن بالغيب مما أخبره به النبي ﷺ والكتاب. واختار الطبري القول الأول. وقال مجاهد: "أربع آيات من سورة البقرة في نعت المؤمنين وآيتان بعدها في نعت الكافرين وهم قادة الأحزاب و [ثلاث عشر] آية بعد ذلك في المنافقين". * * وقوله: ﴿وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. معناه: يتصدقون ويزكون. وقيل: "هي نفقة الرجل على عياله". قاله السدي. وأصل "ما" في قوله: ﴿وَممَّا﴾ أن تكتب منفصلة، لأنها بمعنى "الذي". والهاء محذوفة من ﴿رَزَقْنَاهُمْ﴾، أي وبعض الذي رزقناهم ينفقون منه. فحذفت من صلة "ما" لطول الاسم. فإن كانت "ما" بغير معنى "الذي"، وإنما هي صلة، كان أصلها أن تكتب متصلة بما قبلها نحو قوله: ﴿إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١]، ﴿إِنَّمَآ أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ [الحج: ٤٩] وشبهه. وقد وقعت "ما" متصلة بما قبلها من الجار في الخط، وهي بمعنى "الذي"، وأصلها الانفصال، وإنما جاز ذلك فيها لأن الجار والمجرور كالشيء الواحد، وذلك نحو "مما" و "عما". وأيضاً فإنه لما كان حرف الجر الذي على حرف واحد لا ينفصل مما جرى ما كان على حرفين على ذلك لأنها كلها حروف الجر، فوصلن بما قبلهن من الجار في الخط لارتباط الجار بالمجرور مع كثرة الاستعمال. وقيل: إنه لما أدغمت النون في الميم فلم يظهر للنون لفظ لم يثبت في الخط في مواضع وثبت في الخط في مواضع لبقاء الغنة ظاهرة، فمرة حمل على زوال لفظ النون ومرة حمل على بقاء الغنة في اللفظ. واعلم أن "كل ما"، إذا كانت بمعنى "إذا" و "متى"، وصلتها مع "ما"، فإن كانت على غير ذلك فصلتها من "كل"، تقول: "كلما جاءني زيد أكرمني. أي "إذا جاءني زيد"، فتصل "ما" "بكل". وتقول "يسرني كل ما يسرك" فتفصل "ما" من "كل" لأنها بمعنى "الذي". وقد كتبت "بِئْسَما" و "نِعِمّا" مَوْصُولةَ وأصلها أن تفصل "ما" مما قبلها في الخط لأن "ما" اسم، وليست بصلة وكذلك وصلت "حينئِذٍ" و "يؤمَئِِذٍ". وأصل "إذا" الانفصال مما قبلها، لكن وصلت لكثرة الاستعمال والاختصار والإيجاز.

البقرة 2:4

وقوله: ﴿بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أي: بالقرآن. ﴿وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾. أي: بالتوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وبجميع ما أنزله الله على أنبيائه. * * وقوله: ﴿وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. أي: بالبعث والحشر والجنة والنار يصدقون. وسميت الآخرة آخرة لأنها بعد الأولى وهي الدنيا. وقيل: سميت بذلك لتأخرها عن الناس. * * وقوله: ﴿يُوقِنُونَ﴾ أي: يصدقون بالبعث والحشر والجنة والنار.

البقرة 2:5

وقوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ﴾ أي على هداية ورشد وبيان. قال محمد بن إسحاق: "على نور من ربهم واستقامة على ما جاءهم". و "أولاء" جمع "ذا" المبهم من غير لفظه، وهو مبني على الكسر لالتقاء الساكنين. وعلة بنائه مشابهته للحروف، وإنما شابه الحروف لمخالفته لجميع الأسماء إذ لا يستقر على مسمى، فلما خالف جميع الأسماء والحروف أيضاً مخالفة لجميع الأسماء إذ لا تفيد معنى في نفسها، إنما تفيده في غيرها، والأسماء تفيد المعاني بأنفسها، فاتفقا في مخالفة الأسماء فبنيت هذه الأسماء لذلك. وحق البناء السكون، لكن اجتمع في آخر "أولاء" ألفان فأبدل من الثانية همزة وكسرت لسكونها وسكون ما قبلها والكاف لا موضع لها، إنما هي للمخاطب ككاف "ذلك". * * وقوله: ﴿هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾. ﴿هُمُ﴾: مبتدأ و ﴿ٱلْمُفْلِحُونَ﴾: الخبر، والجملة: خبر عن ﴿أُوْلَـٰئِكَ﴾ ويجوز أن تكون ﴿هُمُ﴾: فاصلة لا موضع لها من الإعراب وهي وأخواتها يدخلن فواصل بين الابتداء والخبر دخل عليه عامل أم لم يدخل، ولا تكون إلا إذا كان الخبر معرفة أو ما قارب المعرفة، فإن كان الخبر نكرة أو فعلاً أو جملة لم تكن إلا مبتدأة. فهذا أصل الفاصلة فاعرفه، وهي تكون فاصلة على أحد ثلاثة أوجه: - إما أن تكون فصلاً بين المعرفة والنكرة، فيكون دخولها يدل على أن الخبر معرفة أو ما قرب من المعرفة. - والثاني: أن تدخل فصلاً بين النعت والخبر، فدخولها فاصلة يدل على أن ما بعدها خبر لما قبلها، وليس بنعت لما قبلها، فإذا قلت: "إن زيداً هو الظريف" علم بدخول "هو" أن "الظريف" خبر، وليس بنعت لزيد. - والثالث: أن تدل بدخولها مع "كان"، على أن "كان" هي الناقصة التي تحتاج إلى خبر، وليست بـ "كان" التامة التي لا تحتاج إلى خبر، ولا تكون الفاصلة إلا وهي الأولى. في المعنى تقول: "كان زيد هو العاقل". "فهو": هو زيد في المعنى، ولو قلت: "كان زيد أنت الضارب إياه"، لم تكن "أنت" فاصلة، لأنها ليست هي الأولى في المعنى، ولا تكون هنا إلا مبتدأة. وأصل الفلاح البقاء في الخير، فالمعنى: وأولئك هم الباقون في النعيم المقيم، والمؤمن مفلح لبقائه في الجنة، ثم اتسع فيه، فقيل لكل من قال خيراً: مفلح.

البقرة 2:6

قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ﴾. هذه الآية نزلت في قوم سبق في علم الله فيهم أنهم لا يؤمنون، فأعلم الله نبيه ﷺ أن الإنذار لا ينفعهم لما سبق لهم في علمه، وَثَمَّ كفار أُخَر نفعهم الإنذار فآمنوا لما سبق لهم في علم الله سبحانه من الإيمان به، فالآية عامة في ظاهر اللفظ يراد به الخصوص، فهي في من تقدم له في علم الله أنه لا يؤمن خاصة، ومثله ﴿وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣]. وذلك أن رسول الله ﷺ كان حريصاً على إيمان جميع الخلق، فأعلمه الله عز وجل في هذه الآية أن من سبق له في علم الله [سبحانه الكفر والثبات عليه] إلى الموت لا يؤمن ولا ينفعه الإنذار، وأن الإنذار وتركه سواء عليه. وهذا مما يدل على ثبات القدر بخلاف ما تقوله المعتزلة. وقيل: نزل ذلك في قادة الأحزاب، وهم الذين نزل فيهم ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ كُفْراً﴾ [إبراهيم: ٢٨] الآية. وهم الذين قتلوا يوم بدر، قال ذلك الربيع بن أنس. وقال ابن عباس: "نزلت في اليهود الذين جحدوا بمحمد ﷺ استكباراً وحسداً مع معرفتهم أنه نبي ﷺ". وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال: "حيي بن أخطب، وكعب بن الأشرف مع أصحابهما من رؤساء اليهود الذين دخلوا على النبي [عليه السلام] وسألوه عن ﴿الۤـمۤ * ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ﴾". وقيل: هي عامة في كل كافر تقدم له في علم الله أنه لا يؤمن. وأصل الكفر التغطية. ومنه قيل لِلّيل: كافر، لأنه يستر بظلمته ما فيه. ويقال للزراع: كفّار، لأنهم يسترون الحب في الأرض، ومنه قوله ﴿يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ﴾ [الفتح: ٢٩]. ومنه قولهم: "كَفّارَةُ اليمين". لأنها تستر الإثم عن الحالف، ومنه سمي الكافر لأنه يستر الإيمان بجحوده. ومعنى لفظ الاستفهام في ﴿ءَأَنذَرْتَهُمْ﴾ للتسوية، وهو في المعنى خبر، لكن التسوية تجري في اللفظ مجرى لفظ الاستفهام، والمعنى [على الخبر]، تقول: "سواء عليَّ أقمت أم قعدت. وإنما صار لفظ التسوية مثل لفظ الاستفهام للمضارعة التي بينهما، وذلك أنك إذا قلت: "قد علمت أزيد في الدار أم عمرو"، فقد سويت علم المخاطب فيهما، فلا يدري أيهما في الدار، وقد اسْتَوَى علمك في ذلك، وتدري أحدهما في الدار ولا تدريه بعينه. فهذا تسوية. وتقول في الاستفهام: "أزيد في الدار أم عمرو؟"، فأنت لا تدري أيهما في الدار، وقد استوى علمك في ذلك وتدري أن أحدهما في الدار، ولا تدري عينه منهما، فقد صار الاستفهام كالتسوية في عواقب الأمور، غير أن التسوية إبهام على المخاطب وعلم يقين عند المتكلم، والاستفهام إبهام على المتكلم. ويجوز أن يكون المخاطب مثل المتكلم في ذلك، ويجوز أن يكون عنده يقين ما سئل عنه. فاعرف الفرق بينهما. * * وقوله: ﴿ءَأَنذَرْتَهُمْ﴾، فيه عشرة أوجه. - الأول: تحقيق الهمزة الأولى، وتخفيف الثانية بين الهمزة والألف. وهي لغة قريش وكنانة، وهي قراءة ورش عن نافع وابن كثير. - والثاني تحقيق الأولى وبدل الثانية بألف، وهو مروي عن ورش وفيه ضعف. - والثالث: تحقيق الهمزيين وهي قراءة أهل الكوفة، وابن ذكوان عن ابن عامر. - والرابع: حذف الهمزة الأولى وتحقيق الثانية. وهو مروي عن الزهري، وهي قراءة ابن محيصن، وذلك لأن "أم" تدل على الألف المحذوفة. - والخامس: تحقيقهما جميعاً وإدخال ألف بينهما. وبذلك قرأ ابن أبي إسحاق. - والسادس: تحقيق الأولى، وتخفيف الثانية بين الهمزة والألف، وإدخال ألف بينهما. وبذلك قرأ أبو عمرو، وقالون، وإسماعيل بن جعفر عن نافع، وهشام بن عمار عن ابن عامر. - والسابع: ذكره أبو حاتم قال: "يجوز أن تدخل بينهما أيضاً، وتحذف الثانية"، فيصير لفظ هذا الوجه كلفظ الوجه الثاني المذكور. - والثامن: ذكره الأخفش قال: "يجوز أن تخفف الأولى منهما وتحقق الثانية"، ولم يقرأ بهذا أحد، وهو بعيد ضعيف لأن الاستثقال لا يقع في أول الكلام، ولأن الهمزة المخففة بين بين، لا يبتدأ بها إلا أن تريد أن تصل الهمزة بما قبلها وتلقي حركتها على الميم الساكنة قبلها، فهو قياس، وليس عليه عمل. - والتاسع: ذكره أبو حاتم أيضاً قال: "يجوز أن تخفف الهمزتين". وهو بعيد، ولم يقرأ به أحد، وله قياس إذا وصلت كلامك، فتلقي حركة الأولى على الميم الساكنة قبلها، وتخفف الثانية بين بين، وهو بعيد جداً. - والعاشر: ذكره الأخفش أيضاً؛ قال: "يجوز أن تبدل من الأولى هاء، فتقول: "هانْذَرْتَهُمْ". ولم يقرأ به أحد ومخالف للخط، وقياسه في العربية جيد. ويجوز مع بدل الأولى "بهاء" أن تحقق الثانية وأن تخففها، وتدخل بين الهمزة والهاء ألفاً، وأن تحقق الثانية وتدخل بينهما ألفاً، فتبلغ الوجوه إلى أربعة عشر وجهاً.

البقرة 2:7

قوله: ﴿خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ﴾. معناه طبع الله عليها مجازاة لهم بكفرهم. وقيل: معناه: حكم الله عليهم بذلك لما سبق في علمه من أنهم لا يؤمنون. وقيل: معناه: أنهم [لما تجاهلوا عن] قبول أمر الله عز وجل وفهمه، وَصَمُّوا عن أمر الله سبحانه، جعل الله تعالى ذلك منسوباً إليهم عن فعلهم، كما يقال: "أهلكه المال" أي هلك به. وقيل: معناه: أن الله تعالى جعل ذلك علامة تعرفهم بها الملائكة. وأصل الختم الطبع. والرين على القلب دون الطبع، والقفل أشد من الختم. قال مجاهد: "القلب مثل الكف، فإذا أذنب العبد قبض عليه - وأشار بقبض الخنصر تمثيلاً - ثم إذا أذنب قبض عليه، ومثل بقبض البنصر هكذا حتى ضَمَّ أصابعه كلها. ثم يطبع عليه أي يختم". وقال ابن عباس: "إنما سمي القلب قلباً لأنه يتقلب". وروى أبو موسى الأشعري أن النبي [عليه السلام] قال: "الْقَلْبُ مِثْلُ رِيشَةٍ فِي فَلاَةٍ يُقَلّبُهَا الرّيحُ وعنه في حديث آخر: "تُقَلِّبُهَا الرِّيحُ بِأرضِ "فضاءِ ظَهْر البَطْنٍ" قوله: ﴿عَلَىٰ قُلُوبِهمْ﴾. تكتب "على" "وإلى" و "لدى" بالياء دون سائر الحروف مثلها لأنها أخف من الأفعال، وكثر استعمالها، ولأن ألفها يرجع إلى الياء مع المضمر دون سائر الحروف فكتبت مع المظهر بالياء لذلك. وتقع "على" بمعنى الباء، تقول: "آركب على اسم الله" أي باسم الله. وتقع بمعنى "مع" نحو قولك: "جئت على زيد" أي معه. وتقع بمعنى "من" نحو قوله: ﴿عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ٢] أي من الناس. وتقع أيضاً في مواضع حروف أخر قد ذكرناها في كتاب مفرد للحروف. * * وقوله: ﴿وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ﴾. إنما وُحِّد السمع لأنه مصدر يقع على القليل والكثير. وقيل: وُحِّد لأنه يؤدي عن الجمع. وقيل: التقدير: "وعلى مواضع سمعهم"، ثم حذف المضاف وإنما أعيدت "على" في قوله: "﴿وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَٰرِهِمْ﴾ للتأكيد في الوعيد. وقيل: أعيدت لأجل مخالفة السمع للقلوب في أنه أتى بلفظ التوحيد، وأتت القلوب بالجمع. وقيل: أعيدت لأن الفعل مضمر مع الحرف تقديره: "وختم على سمعهم". فأما إعادة الحرف في ﴿وَعَلَىٰ أَبْصَٰرِهِمْ﴾، فلِلعِلَلِ التي ذكرنا، ولأنه حرف متصل بفعل مضمر غير الأول فقويت فيه الإعادة، والتقدير: "وجعل على أبصارهم غشاوة". وهذا، إنما هو على قراءة من نصب غشاوة، وهو مروي عن عاصم. فأما من رفع، فإنما أعيد الحرف لأنه مخالف للأول، لأنه خبر ابتداء. ومعنى الغشاوة الغطاء، ومنه: "غاشية السيف والسرج" أي غطاؤه. وفي ﴿غِشَاوَةٌ﴾، لغات قرئ بها، وهي فتح الغين؛ وبه قرأ أبو حيوة، وضم الغين؛ وبه قرأ الحسن. وقرأ الأعمش "غَشْوَة" على فعلة.

البقرة 2:8

وقوله: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ﴾ الآية. أصل نون "مِنْ" أن تكسر لالتقاء الساكنين كنون "عَنْ" إذا لقيها ساكن، لكنها فتحت استثقالاً لاجتماع كسرتين في حرف على حرفين. والهاءات من قوله: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ﴾ تعود على الكفار كلهم على من سبق في علم الله منهم أنه لا يؤمن. وقيل: تعود على كفار اليهود الذين عاندوا النبي ﷺ بالمدينة، والسورة مدنية. وقيل: عني بهذه الآية المنافقون؛ يظهرون الإيمان ويضمرون الكفر.

البقرة 2:9

قوله: ﴿يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ﴾. الخداع: إظهار خلاف الاعتقاد. * * وقوله: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم﴾. أي وباله يرجع عليهم. واختار جماعة من العلماء: (وَمَا يَخْدَعُون) - بفتح الياء وسكون الخاء - من غير ألف، وهي قراءة ابن عامر وأهل الكوفة، وإنما اختاروا ذلك لأن الله جل ذكره أخبر عنهم أولاً أنهم ﴿يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ﴾. ولفظ قوله: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم﴾، نفي ذلك، فيصير في ظاهر اللفظ قد أوجب شيئاً ثم نفاه بعينه، فوجب أن يختاروا ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ﴾ ليكون المنفي على معنى مخالفاً للموجب. [فأما وجه] قراءة من قرأ الثاني" ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ﴾ بألف فهو على معنى: وما يخادعون تلك المخادعة المذكورة عنهم إلا أنفسهم، إذ وبالها راجع عليهم. و "خادع" في اللغة، يجوز أي يكون معناه معنى "خدع" من واحد. ومعنى "خدع" بلغ مراده. فلذلك أجمع القراء على ﴿يُخَادِعُونَ﴾ في الأول لأنه ليس بواقع، وفي الثاني ﴿يُخَادِعُونَ﴾ بغير ألف لأنه أخبر تعالى أنه واقع بهم وراجع عليهم. وذكر القتبي أن معنى الأول: يخادعون بالله الذين آمنوا وهو قولهم إذا لقوا المؤمنين: آمنا". وأصل المفاعلة أن تكون من اثنين، لكن قد أتت من واحد، قالوا: "عَاقَبْتُ اللِّصَّ"، "وَطارَقْتُ النَّعْلَ" و "جَازَيْتُ فُلاناً وَحَادَيْتُهُ وَوَادَعْتُهُ وَدارَيْتُهُ". والمخادعة في هذا المعنى إنما هي للنبي ﷺ وأصحابه، أي يخادعون نبي الله وأولياءه. و "خدع" فعل واقع، و "خادع" فعل يجوز أن يقع، ويجوز ألا يقع، فلذلك اختار بعض العلماء، ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ﴾ إلا أنفسهم لأنه فعل واقع بهم بلا شك، "فَيَخْدَعُون" أولى من "يخادعون" الذي يجوز أن يقع، ويجوز ألا يقع. * * وقوله: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. أي ليس يشعرون، أي يعلمون أن ضر مخادعتهم راجع عليهم.

البقرة 2:10

وقوله: ﴿وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي مؤلم. وجمع "أليم" فيه ثلاثة أوجه: إن شئت: "إلام" كَكَريم وكِرَامٍ، وإن شئت: أُلَماء كَظَريفٍ وَظُرَفَاء وإن شئت "أَلاْمٌ" كَشَرِيف وأَشْرافٍ. و "فعيل" يأتي على ضربين: اسم وصفة؛ فإذا كان اسماً، فجمعه في أقل العدد على "أَفْعِلة"، وفي أكثره على "فَعُل" كَرَغِيفٍ وأَرْغِفَةٍ ورُغفٍ. وقد يأتي في الكثير على "فُعْلانٍ"، قالوا: "رُغْفَانٌ وقُضْبَانٌ وكُثْبَانٌ"، وقد أتى على "أفْعِلاَء"، نصيبٌ وأنصباءٌ، وخميسٌ وأخْمِساءٌ". فإن كان "فَعيلٌ" صفة، فهو على نوعين: سالم ومعتل: - فالسالم يجمع على "فُعَلاء" نحو "كرماء"، و "عُلَماء" وقد قالوا: كِرامٌ وشِرافٌ. - والمعتل يجمع على أفعلاء نحو "أَوْلِياء" و "أَصْفِياءَ". وكذلك المضاعف نحو "أَشِدَّاء" و "أَشِحَّاء"، وقد قالوا: أَنبياءٌ يجمع على أفعلاء على تقدير لزوم تخفيف الهمزة فيصير "كَتَقي وأَتْقِياء". ومن همز قال: نَبِئاء على"فُعلاَءَ" ويجوز على مذهب من همز أنبياء [بجعله نادراً] "كخميس وأخمساء". وقد قالوا: [في جمع] جليل: جلّة، وهو نادر استغنوا به عن "أَجِلاّء". * * وقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾. أي: شك ونفاق. * * ﴿فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً﴾. الزيادة هنا هي نزول القرآن بالفروض فلا يتبعونها، فيزدادون شكاً، ويزداد المؤمنون بعمل الفرائض إيماناً كما قال: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً﴾ [التوبة: ١٢٤-١٢٥]. * * وقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾. أي بتكذيبهم الرسل. وقيل: بتكذيبهم محمداً ﷺ. وهذا التفسير يدل على صحة قراءة من قرأ ﴿يَكْذِبُونَ﴾ بالتشديد، ويدل على قوة التشديد أن الكذب لا يوجب العذاب الأليم، إنما يوجبه التكذيب. وأيضاً فإنه تعالى أخبر عنهم بالشك في أول الكلام، ومن شك في شيء فقد كذب به، فالتكذيب أولى بآخر الآية على هذا القول. ومما استدل به من قرأه ﴿يَكْذِبُونَ﴾ بالتخفيف؛ أن الله جل ذكره أخبر أنهم يقولون: ﴿آمَنَّا﴾ وقال: ﴿مَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾. فأخبر عنهم بالكذب في قولهم: ﴿آمَنَّا﴾. وتوعَّدهم عليه بالعذاب الأليم، وهو من الكذب أولى من أن يكون من التكذيب إذ لم يتقدم في صدر الآية إلا الإخبار عنهم بالكذب، لا بالتكذيب. والقراءتان قويتان متداخلتان حسنتان لأن المَرَض الشك ومن شك في شيء فقد كذب به.

البقرة 2:11

قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾. كل النحويين على أن "إذا" ظرف زمان مستقبل. وقال المبرد: "هي في المفاجأة ظرف مكان إذا قلت: "خرجت فإذا زيد". واستدل على ذلك بأنها قد تضمنت الجثة، وظروف الزمان لا تتضمن الجثة، لو قلت "اليوم زيد" لم يجز إلا على حذف مضاف تقديره : اليوم حدوث زيد. وقال أكثر النحويين: "إذا": في المفاجأة ظرف زمان على أصلها والتقدير: "خرجت فإذا حدوث زيد وظروف الزمان تتضمن المصادر كظروف المكان. وأصل "قيل": "قول" فألقيت حركة الواو على القاف وانقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها. وكذلك "بِيعْ" أصله "بِيِعَ"، فألقيت حركة الياء على الباء، فصارت ذوات الواو والياء بلفظ واحد، وهي اللغة المشهورة المستعملة. ولك أن تشم القاف والياء بالضم الذي هو أصلها، وقد قرئ به. ولك في غير القرآن أن تقول: "قُوْل": فتسكن الواو استثقالاً للكسر عليها، وتترك القاف على ضمتها، وكذلك يجوز لك فيما كان عينه ياء، نحو: "بُوع المتاع"، فيصير ذوات الواو والباء بلفظ واحد، كما صار في اللغة الأولى المستعملة بالياء فيهما. * * قوله: ﴿لاَ تُفْسِدُواْ﴾. أي: لا تعبدوا إلا الله، وعبادة غير الله من أعظم الفساد. وحكى الكسائي "اللَّرض" بتشديد اللام وعوض من الهمزة لاماً، وإدغامها في لام التعريف. وقال الفراء في هذه اللغة: "إن لام التعريف لما ألقي عليها حركة الهمزة استكره ذلك فيها إذ أصلها السكون، فزيد بعدها لام أخرى وأسكن الأولى فردها إلى أصلها وأدغمها في اللام المزيدة، فرجعت لام التعريف إلى أصلها وهو السكون". * * قوله: ﴿قَالُوۤاْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾. هذا قولهم على دعواهم وليسوا كذلك، لأن من أبطن الكفر وأظهر الإيمان فهو من أعظم المفسدين. وهذا كله خبر عن المنافقين. قال مجاهد وغيره: "أربع آيات من أول سورة البقرة نزلت في نعت المؤمنين وآيتان بعد ذلك في نعت الكافرين، [وثلاث عشرة] آية بعد ذلك في نعت المنافقين. وقال مقاتل بن سليمان: "الآيتان الأوليان من سورة البقرة اللتان آخرهما ﴿يُنْفِقُونَ﴾ نزلتا في المؤمنين من أصحاب رسول الله ﷺ المهاجرين. والآيتان اللتان آخرهما ﴿ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ نزلتا في المؤمنين من أهل التوراة، والآيتان اللتان بعدهما، اللتان آخرهما ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ﴾ نزلتا في الكفار. [وثلاث عشرة] آية بعدهما نزلن في المنافقين من أهل الكتاب". * * قوله: ﴿نَحْنُ﴾. هو اسم مضمر يقع للواحد الجليل القدر، وللاثنين وللجماعة. وحقه البناء على السكون لأنه مضمر، والمضمرات كلها مبنية؛ وإنما بنيت لأنها مشابهة للحروف، إذ لا تخص شيئاً بعينه، ولأنها تكون على حرف واحد، وحرف واحد لا يعرب. وإنما حرك "نحن" وحقه السكون لأن قبل آخره ساكن يحرك الآخر لالتقاء الساكنين. واختير لها الضم في قول المبرد لأنها مشبهة بِـ "قَبْلُ" و "بَعْدُ"، وذلك لأنها تتعلق بالإخبار عن اثنين فأكثر. وقال هشام الكوفي: "أصل "نَحْنُ": نَحُن، فردت حركة الحاء على النون بعدها". وقال أحمد بن يحيى: "ضمت "نحن" لقوتها لأنها تضمنت التثنية [والجمع]، وقد تكون للواحد فأعطيت أقوى الحركات وهي الضم". وقيل: إنما ضمت لتضمنها تثنية وجمعاً، فصارت مشبهة بـ "حيث" لانها تضمنت مكائن. وقال الزجاج: "لما كانت الواو من علامات الجماعة واحتيج إلى حركة النون من "نحن" لسكونها وسكون ما قبلها، حركت بما يشبه الواو وما هو منها، وهي الضمة. ولهذا ضموا واو الجمع إذا احتاجوا إلى حركتها في نحو قوله: ﴿ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ﴾ [البقرة: ١٦]. وقال علي بن سليمان: "نحن" من علامات المضمر المرفوع فلما احتيج إلى حركته حركوه بأخت الرفع وهو الضم". ومعنى قولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ أي هذا الذي تسمونه فساداً هو صلاح عندنا. وقيل: إن معناه: [أنهم قالوا]: نريد الإصلاح بين المؤمنين وأهل الكتاب. وعن سلمان الفارسي أنه قال: "لم يجىء هؤلاء بعد". وأكثر المفسرين على أن هذا نزل في المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ. وقيل: معنى قول سلمان: "لم يجئ هؤلاء بعد" أي لا يأتون لأنهم قد انقرضوا. فإن قيل: ما على من لم يعلم أنه مفسد من الذم، فقد أخبر الله عنهم أنهم لا يعلمون أنهم مفسدون فالجواب أن القوم كانوا يبطنون الفساد وهم يعلمون به، ويظهرون الصلاح الذي ادعوا، وهم لا يشعرون أن الله يظهر ما يبطنون، فإنما معنى ﴿وَلَـٰكِن لاَّ يَعْلَمُونَ﴾: أي لا يعلمون أن الله يظهر ما يبطنون من النفاق والكفر. والهاءات من: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ إلى ﴿يَشْعُرُونَ﴾ يعدن على "من" في قوله: ﴿مَن يَقُولُ آمَنَّا﴾ وهم المنافقون. وعلى هذا أكثر الناس. ودخلت الألف واللام في (المُفْسِدينَ)، لأنه جواب كلام سبق منهم إذ قالوا: محمد وأصحابه مفسدون في الأرض. فأخبر الله أنهم هم المفسدون، ولو كان على غير جواب لم يدخله الألف واللام. ألا ترى لو أنك قال لك قائل: "أنت ظالم"، فأردت أن ترميه بغير الظلم لقلت: "أنت كاذب أنت فاسق"، ولا تقوله بالألف واللام، لأنه غير جواب قوله. فإن أردت أن ترميه بمثل ما رماك به، قلت له: "أنت الظالم"، ولو أضمرت لقلت: "أنت هو". ولو رميته بمثل ما رماك به لم يجز الإضمار في جوابك، إنما تضمر إذا رميته بمثل ما رماك به، لأنه معرفة، فالجواب معرف أبداً إذا كان رد اللفظ الأول.

البقرة 2:12

قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾. كل النحويين على أن "إذا" ظرف زمان مستقبل. وقال المبرد: "هي في المفاجأة ظرف مكان إذا قلت: "خرجت فإذا زيد". واستدل على ذلك بأنها قد تضمنت الجثة، وظروف الزمان لا تتضمن الجثة، لو قلت "اليوم زيد" لم يجز إلا على حذف مضاف تقديره : اليوم حدوث زيد. وقال أكثر النحويين: "إذا": في المفاجأة ظرف زمان على أصلها والتقدير: "خرجت فإذا حدوث زيد وظروف الزمان تتضمن المصادر كظروف المكان. وأصل "قيل": "قول" فألقيت حركة الواو على القاف وانقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها. وكذلك "بِيعْ" أصله "بِيِعَ"، فألقيت حركة الياء على الباء، فصارت ذوات الواو والياء بلفظ واحد، وهي اللغة المشهورة المستعملة. ولك أن تشم القاف والياء بالضم الذي هو أصلها، وقد قرئ به. ولك في غير القرآن أن تقول: "قُوْل": فتسكن الواو استثقالاً للكسر عليها، وتترك القاف على ضمتها، وكذلك يجوز لك فيما كان عينه ياء، نحو: "بُوع المتاع"، فيصير ذوات الواو والباء بلفظ واحد، كما صار في اللغة الأولى المستعملة بالياء فيهما. * * قوله: ﴿لاَ تُفْسِدُواْ﴾. أي: لا تعبدوا إلا الله، وعبادة غير الله من أعظم الفساد. وحكى الكسائي "اللَّرض" بتشديد اللام وعوض من الهمزة لاماً، وإدغامها في لام التعريف. وقال الفراء في هذه اللغة: "إن لام التعريف لما ألقي عليها حركة الهمزة استكره ذلك فيها إذ أصلها السكون، فزيد بعدها لام أخرى وأسكن الأولى فردها إلى أصلها وأدغمها في اللام المزيدة، فرجعت لام التعريف إلى أصلها وهو السكون". * * قوله: ﴿قَالُوۤاْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾. هذا قولهم على دعواهم وليسوا كذلك، لأن من أبطن الكفر وأظهر الإيمان فهو من أعظم المفسدين. وهذا كله خبر عن المنافقين. قال مجاهد وغيره: "أربع آيات من أول سورة البقرة نزلت في نعت المؤمنين وآيتان بعد ذلك في نعت الكافرين، [وثلاث عشرة] آية بعد ذلك في نعت المنافقين. وقال مقاتل بن سليمان: "الآيتان الأوليان من سورة البقرة اللتان آخرهما ﴿يُنْفِقُونَ﴾ نزلتا في المؤمنين من أصحاب رسول الله ﷺ المهاجرين. والآيتان اللتان آخرهما ﴿ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ نزلتا في المؤمنين من أهل التوراة، والآيتان اللتان بعدهما، اللتان آخرهما ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ﴾ نزلتا في الكفار. [وثلاث عشرة] آية بعدهما نزلن في المنافقين من أهل الكتاب". * * قوله: ﴿نَحْنُ﴾. هو اسم مضمر يقع للواحد الجليل القدر، وللاثنين وللجماعة. وحقه البناء على السكون لأنه مضمر، والمضمرات كلها مبنية؛ وإنما بنيت لأنها مشابهة للحروف، إذ لا تخص شيئاً بعينه، ولأنها تكون على حرف واحد، وحرف واحد لا يعرب. وإنما حرك "نحن" وحقه السكون لأن قبل آخره ساكن يحرك الآخر لالتقاء الساكنين. واختير لها الضم في قول المبرد لأنها مشبهة بِـ "قَبْلُ" و "بَعْدُ"، وذلك لأنها تتعلق بالإخبار عن اثنين فأكثر. وقال هشام الكوفي: "أصل "نَحْنُ": نَحُن، فردت حركة الحاء على النون بعدها". وقال أحمد بن يحيى: "ضمت "نحن" لقوتها لأنها تضمنت التثنية [والجمع]، وقد تكون للواحد فأعطيت أقوى الحركات وهي الضم". وقيل: إنما ضمت لتضمنها تثنية وجمعاً، فصارت مشبهة بـ "حيث" لانها تضمنت مكائن. وقال الزجاج: "لما كانت الواو من علامات الجماعة واحتيج إلى حركة النون من "نحن" لسكونها وسكون ما قبلها، حركت بما يشبه الواو وما هو منها، وهي الضمة. ولهذا ضموا واو الجمع إذا احتاجوا إلى حركتها في نحو قوله: ﴿ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ﴾ [البقرة: ١٦]. وقال علي بن سليمان: "نحن" من علامات المضمر المرفوع فلما احتيج إلى حركته حركوه بأخت الرفع وهو الضم". ومعنى قولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ أي هذا الذي تسمونه فساداً هو صلاح عندنا. وقيل: إن معناه: [أنهم قالوا]: نريد الإصلاح بين المؤمنين وأهل الكتاب. وعن سلمان الفارسي أنه قال: "لم يجىء هؤلاء بعد". وأكثر المفسرين على أن هذا نزل في المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ. وقيل: معنى قول سلمان: "لم يجئ هؤلاء بعد" أي لا يأتون لأنهم قد انقرضوا. فإن قيل: ما على من لم يعلم أنه مفسد من الذم، فقد أخبر الله عنهم أنهم لا يعلمون أنهم مفسدون فالجواب أن القوم كانوا يبطنون الفساد وهم يعلمون به، ويظهرون الصلاح الذي ادعوا، وهم لا يشعرون أن الله يظهر ما يبطنون، فإنما معنى ﴿وَلَـٰكِن لاَّ يَعْلَمُونَ﴾: أي لا يعلمون أن الله يظهر ما يبطنون من النفاق والكفر. والهاءات من: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ إلى ﴿يَشْعُرُونَ﴾ يعدن على "من" في قوله: ﴿مَن يَقُولُ آمَنَّا﴾ وهم المنافقون. وعلى هذا أكثر الناس. ودخلت الألف واللام في (المُفْسِدينَ)، لأنه جواب كلام سبق منهم إذ قالوا: محمد وأصحابه مفسدون في الأرض. فأخبر الله أنهم هم المفسدون، ولو كان على غير جواب لم يدخله الألف واللام. ألا ترى لو أنك قال لك قائل: "أنت ظالم"، فأردت أن ترميه بغير الظلم لقلت: "أنت كاذب أنت فاسق"، ولا تقوله بالألف واللام، لأنه غير جواب قوله. فإن أردت أن ترميه بمثل ما رماك به، قلت له: "أنت الظالم"، ولو أضمرت لقلت: "أنت هو". ولو رميته بمثل ما رماك به لم يجز الإضمار في جوابك، إنما تضمر إذا رميته بمثل ما رماك به، لأنه معرفة، فالجواب معرف أبداً إذا كان رد اللفظ الأول.

البقرة 2:13

قوله: ﴿كَمَآ آمَنَ ٱلسُّفَهَآءُ﴾. أصل السفه قلة الحلم، فقيل للجاهل سفيه لقلة حلمه يقال: ثوب سفيه، أي بال رقيق. قول: ﴿أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ﴾. ردَّ الله عليهم قولهم وأعلم المؤمنين أنهم أحق بهذا الاسم، ولا عذر لهم فيما وصفهم الله به من السفه لأنهم إنما لحقهم ذلك إذ عَابوا الحق وخالفوه، وسفهوا المؤمنين واستحقوا هذا الاسم لفعلهم، وكانوا به أولى من المؤمنين. * * قوله: ﴿وَلَـٰكِن لاَّ يَعْلَمُونَ﴾. معناه [أنهم لا يعلمون] أنهم أولى بهذا الاسم وهو السفه، وأن الله يطلع المؤمنين على ما يبطنون.

البقرة 2:14

قوله: ﴿وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ الآية. أصل "لَقُوا": "لقيُوا"، فألقيت حركة الياء على القاف، وحذفت الياء لسكونها وسكون الواو بعدها. [وهذه] صفة المنافقين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر. * * قوله: ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ﴾. يعني أصحابهم، وقيل: رؤساؤهم في الكفر قال الله: ﴿شَيَٰطِينَ ٱلإِنْسِ﴾ [الأنعام: ١١٢] فسمى أهل الفسق من الإنس شياطين. وقيل: الشياطين هنا الكهان. وقيل: هم الكفار والمنافقون إذا لقوهم قالوا: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ أي على دينكم. و "إلى" بمعنى "مع"، كما قال: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]، أي مع أموالكم. وقيل: إلى على بابها. [والعرب] تقول: "خلوت به"، و "خلوت إليه ومعه"، لكن الباء يجوز أن تدل على أن معنى "خلوت به" من السخرية و "إلى" لا تدل إلا على "خلوت إليه" في أمر ما. والآية ليست على معنى السخرية، فلذلك لم يأت بالباء لما فيها من الإشكال إذ هي تحتمل معنى "إلى"، وتحتمل السخرية. وأيضاً فإن معنى "إلى" أنه على معنى: [وإذا صرفوا] إلى شياطينهم قالوا: إنا معكم، أي على دينكم [فالجالب لِـ إلى"] الانصراف الذي دل عليه الكلام، والباء لا تدخل مع الانصراف الذي دل عليه الكلام، فلذلك أيضاً لم تدخل مع "خلوا". وفي اشتقاق "شيطان" قولان: - قيل: هو فعلان من "شيط" فلا ينصرف إذا سميت به في المعرفة للتعريف والزيادتين كعثمان، وينصرف في النكرة، وذلك المستعمل فيه في الكلام والقرآن. أعني النكرة على أنه واحد من جنسه كَسِرْحَان اسم واحد "الذِّئَاب". - وقيل: هو (فَيْعَال) من الشطن وهو الحبل، فيكون معناه أنه ممتد في الشر، ومنه "بِئْر شَطُونٌ"، إذا كانت بعيدة الاستقاء. وهو عند القتبي فَيْعال "من شطن" أي بَعُدَ من الخير يقال: "شطنت داره"، أي بعدت. فهو ينصرف على هذين القولين في المعرفة والنكرة. وتصغيره على القول الأول في المعرفة شيطان، ولا يجمع على شياطين إلا أن تجعله نكرة فيجمع على شياطين. "كسرحان، وسراحين، ووزنه فعالين على مذهب من جعله مِنْ "شَيَّطَ" ووزنه (فياعيل) على مذهب من جعله من "شطن" وتصغيره على القولين الآخرين "شييطين" في المعرفة والنكرة. * * قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. أي نستهزئ بالمؤمنين في قولنا لهم: "آمنا". وهمزة "مستهزئون" يجوز في تخفيفها وجهان: أحدهما: أن تجعلها بين الهمزة المضمومة والواو الساكنة، وهو قول سيبويه. والوجه الثاني: أن تجعلها بين الهمزة المضمومة والياء الساكنة لأجل انكسار ما قبلها وهو قول الأخفش. وحكى بدلها بياء مضمومة وليس بقياس.

البقرة 2:15

قوله: ﴿ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾. معناه: الله يجازيهم على قولهم. والعرب تسمي جزاء الذنب باسمه. قال الله جل ذكره: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. وقال: ﴿فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]. فالأول من هذا استهزاء وسيئة، وعدوان، والثاني: جزاء عليه، فسمي باسمه اتساعاً لأن المعنى قد علم. وقيل: معنى ﴿ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾: أي يقطع عنهم نورهم يوم القيامة إذا أخلوا على الصراط [ويديم نور] المؤمنين وهو قوله: ﴿فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ﴾ [الحديد: ١٣]، فهو يعطيهم يوم القيامة نوراً لا يتم لهم، ولا ينتفعون به لانقطاعه عنهم. وقال الحسن: "إن جهنم تجمد كما تجمد الإهالة في القدر، فيقال لهم: هذا طريق، فيمضون فيه فيخسف بهم إلى الدرك الأسفل من النار. وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال: "يقال لأهل النار يوم القيامة: أخرجوا من النار. وتفتح لهم أبواب النار فإذا رأوا الأبواب قد فتحت أقبلوا إليها، يريدون الخروج منها، والمؤمنون ينظرون إليهم من الجنة - وهم على الأرائك - فإذا انتهى أهل النار إلى أبوابها يريدون الخروج منها غلقت [أبوابها دونهم]، فذلك قوله: ﴿ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾، قال: ويضحك المؤمنون عند ذلك، وهو قوله: ﴿فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٣٤]. وقيل: معنى: ﴿ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾ أي يظهر لهم من أحكامه في الدنيا في حقن دمائهم وسلامة أموالهم خلاف ما يظهر لهم من عذابه يوم القيامة جزاء على إظهارهم للمؤمنين في الدنيا خلاف ما يبطنون. وقيل: معناه: يُمْلي لهم، كما قال: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ٤٤]. قوله: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. أي يطيل لهم في الأجل المكتوب لهم، وهم في طغيانهم يتحيرون. والطغيان والعتو والعلو بغير الحق، والعمه التحير. وقيل: معنى ﴿يَعْمَهُونَ﴾ يركبون رؤوسهم، فلا يبصرون رشدهم كما قال: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ﴾ [الملك: ٢٢] وهذا كله من صفات المنافقين عند أكثر المفسرين. وقال الضحاك: "هو في اليهود".

البقرة 2:16

قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ﴾ الآية. أي هؤلاء الذين تقدمت صفاتهم هم الذين باعوا الهدى بالضلالة لأنهم لَمَّا مَالُوا إلى الضلالة وتركوا الهدى، كانوا بمنزلة من باع شيئاً بشيء، فوصفوا بذلك. وأصل الضلالة الحيرة، ويسمى الهالك التالف ضالاً نحو قوله: ﴿أَءِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ [السجدة: ١٠] أي هلكنا وتلفنا. ومنه قوله: ﴿أَضَلَّ أَعْمَٰلَهُمْ﴾ [محمد: ١]، أي أتلفها وأهلكها وأبطلها. ومنه قوله: ﴿فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٤] أي لن يبطلها ويتلفها ويهلكها. فكأن هؤلاء لما أخذوا الضلالة، وتركوا الهدى كانوا بمنزلة من لم يربح في تجارته، وأضاف الربح إلى التجارة لأن المعنى مفهوم وهو من اتساع العرب ومجازه. وهو كثير في القرآن أي في كتاب الله، إذ هو من كلام العرب، والقرآن نزل بكلامهم فلا ينكر أن يأتي القرآن بما هو في كلام العرب معروف مشهور إلا من عدم حسه وفارق فطنته، ومثله قولهم: "نَهَارُكَ صَائِمٌ وَلَيْلُكَ قَائِمٌ"، ومنه قوله: ﴿بَلْ مَكْرُ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣]. وهو كثير في الكلام والقرآن. وحركت الواو في "اشْتَرُوا" لسكونها، وسكون لام التعريف بعدها، وكان الضم أولى بها لأنها واو جمع، ولأن الضمة عليها أخف من الكسرة، ولأن لام الفعل المحذوفة قبلها كانت مضمومة. وأصله "اشتريوا" فقلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، وحذفت الألف لسكونها وسكون الواو بعدها. وبقيت الفتحة تدل على الألف، ولم ترد الألف عند حركة الواو لأن حركتها عارضة ليست بلازمة. ويجوز في الواو الكسر والفتح. ويجوز الهمز، وهو بعيد جداً. * * وقوله: ﴿وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾. أي لم يكونوا في علم الله السابق ممن يهتدي فيؤثر الهدى على الضلالة.

البقرة 2:17

قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً﴾ الآية. معناه مثل هؤلاء المنافقين في حقنهم دماءهم بما أظهروا من الإيمان وَسِتْرِهم على غير ذلك، كمثل الذي استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حوله، ذهب الله بنورهم. فضياء ما حولهم هو ما حقن إقرارهم من دمائهم ومنع من أموالهم في الدنيا. * * وقوله: ﴿ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾. هو ما يجدون يوم القيامة من عدم نورهم لأنهم لا ينتفعون بما أظهروا من الإيمان إذ كان باطنهم خلاف [ما أظهروا]. * * وقوله: ﴿ٱسْتَوْقَدَ نَاراً﴾. أي استوقدها من غيره. وقيل: معناه: أوقد، أي أوقدها هو. واستفعل في كلام العرب يأتي على وجهين: - يكون بمعنى استدعى الفعل من غيره نحو قوله: ﴿وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ﴾ [البقرة: ٦٠]. أي استدعى أن يسقوا. - ويكون بمعنى فعل، نحو قوله: ﴿وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ﴾ [التغابن: ٦] فلم يستدع غني من واحد، وبعده: ﴿وَٱللَّهُ غَنِيٌّ﴾ [التغابن: ٦] يدل على ذلك. و "ما" في قوله: ﴿أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ في موضع نصب بِـ "أَضَاءَتْ". وقيل: هي زائدة لا موضع لها من الإعراب. والمعنى: "فلما أضاءت النار، الموضع الذي بحوله. "فما" غير زائدة. قال قتادة: "هي لا إله إلا الله، قالوها بأفواههم فَسَلِمُوا بها من القتل حتى إذا ماتوا ذهب الله بنورهم". قال مجاهد: "هو إقبالهم على المؤمنين والهدى. وذهاب النور، هو إقبالهم على الكفار. وقيل: ذهب الله بنورهم، أي أظهر المؤمنين على ما أبطنوا من الكفر والنفاق. فبعد أن كان لهم عند المؤمنين نور بما أظهروا من الإيمان صاروا لا نور لهم عندهم، لما أعلمهم به من سوء ما أبطنوا. والقول الأول عليه أكثر المفسرين؛ أن ذهاب نورهم إنما يكون يوم القيامة وهو الذي ذكره الله في قوله: ﴿يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]. والهاء والميم تعود على "الذي" لأنه بمعنى "الذين كما قال: ﴿وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣]. وفي هذا اختلاف ستراه في موضعه إن شاء الله. ومنه قول الشاعر: ؎ إنَّ الَّذي حَانَتْ بِفَلْجٍ دِمَاؤُهُمْ ∗∗∗ هُمُ الْقَوْمُ كُلَّ الْقَوْمِ يَا وأُمَّ خَالِدِ وقيل: تعود على المنافقين المتقدمي الذكر. وجواب "لما" محذوف تقديره: فلما أضاءت ما حوله طفئت، ذهب الله بنورهم. * * قوله: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَٰتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ﴾. هذا تمثيل للكفر الذي هم فيه يسيرون. وقيل: هو شيء يكون في الآخرة، وهو قوله: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ﴾ [الحديد: ١٣]. فظلمات جمع ظلمة، ويجوز إسكان اللام من "ظلمات" استخفافاً، ومن العرب من يبدل من الضمة فتحة، فيقول ظُلَمَات. وقال الكسائي: "من قال: ظُلَمَات بفتح اللام فهو جمع "ظُلَم"، و "ظُلَم" جمع "ظُلْمَة". ولا يجوز الفتح في مثل هذا في الحرف الثاني مما لامه واو ونحو خطوات. إنما يجوز الإسكان لا غير. فإن كان اللام ياء لم يجز فيه إلا الإسكان نحو [كُلْيَةٍ وَكُلْيَاتٍ].

البقرة 2:18

قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾. أي هم صم عن الحق وسماعه، وهم بكم عن قول الإيمان وهم عمي عن النظر إلى الآيات الدالات على الإيمان بالله ورسوله. وإنما وصفوا بذلك، ولم يكونوا صماً ولا بكماً وعمياً، لأنهم لَمَّا لم ينتفعوا بهذه الجوارح كانوا بمنزلة من عُدِمها، فلم ينتفع بها. * * وقوله: ﴿فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ أي لا يرجعون عن ضلالتهم.

البقرة 2:19

قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ الآية. الصَّيِّب: المطر، وأصله "صَيْوِبٌ" عند البصريين من "صابَ "يَصُوبُ"، والصَّوْبُ: نزول المطر. يقال: "صَابَ المطر" إذا نزل. وقال الكوفيون: "أصله صَوِيب على فعيلٍ كَرَغِيفٍ، ويلزمهم ألا يعلوه كما لم يعلوا "طويلاً". واعتل عند البصريين لأن الياء إذا أسكنت وأتت بعدها واو، قلب من الواو ياء وأدغمت الأولى في الثانية "كَمَيِّتٍ" و "هَيِّنٍ". وقيل: الصَّيِب: السحاب الذي فيه المطر، لا المطر، روي عن ابن عباس. ومعنى: صاب: نزل وقصد. والمعنى أن الله جل ذكره أباح للمؤمنين أن يمثلوا المنافقين بالذي استوقد ناراً أو بالصيب. و "أو" للإباحة. وجمع "صيب": صيائب. والرعد: مختلف فيه، فقال مجاهد: "هو ملك يزجر السحاب بصوته، فالمسموع صوته". وقال شهر بن حوشب: "الرعد ملك يتوكل بالسحاب يسوقه كما يسوق الحادي الإبل يسبح كلما خالفت سحابة صاح بها، فإذا اشتد غضبه، طارت النار من فيه فهي الصواعق". وقال ابن عباس: "الرعد ريح"، قيل: إنها تختنق تحت السحاب، فتتصاعد فيكون منه ذلك الصوت. وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: "الرعد اسم ملك، وصوته هذا تسبيحه، فإذا اشتد زجره بالسحاب، اضطرم السحاب من خوفه فيحتك، فتخرج الصواعق من بينه". ومعنى الآية عند ابن عباس أنه مثل ضربه الله في المنافقين، فالظلمات ما هم فيه من الكفر والحذر من القتل على ما أبطنوا. ومعنى: ﴿يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَٰرَهُمْ﴾ أي يكاد الحق الذي دعوا إليه فخالفوه أن يهلكهم. * * وقوله: ﴿مُحِيطٌ بِٱلْكَٰفِرِينَ﴾ أي جامعهم بقوة.

البقرة 2:20

قوله: ﴿كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ﴾. هو مثل لما أظهروا من الإيمان الذي حقن دماءهم ومنع من أموالهم. ﴿وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ﴾: أي ثبتوا على ما أبطنوا من كفرهم. وقال ابن مسعود: "كان رجلان من المنافقين هربا من النبي ﷺ إلى المشركين فأصابهما هذا المطر الذي ذكر الله، واشتد عليهم البرق والصواعق وأيقنا بالهلاك، فقالا: ليتنا قد أصبحنا فنأتي محمداً ﷺ، نضع بأيدينا في يده، فأصبحا فأتياه، وحسن إسلامَهُما. فضرب الله شأنهما وما نزل بهما مثلاً للمنافقين الذين كانوا بالمدينة. وكان المنافقون إذا حضروا مجلس النبي ﷺ جعلوا أصابعهم في آذانهم فرقاً مما ينزل على النبي ﷺ فيهم من نفي أو قتل كما فعل الرجلان خوفاً من صوت الصواعق". ودل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ﴾ [التوبة: ٦٤]. وعن ابن مسعود أيضاً في الآية أن قوله: ﴿كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ﴾ معناه: إذا كثرت أموالهم وغنموا ودامت سلامتهم قالوا: إن دين محمد ﷺ دين صدق وتمادوا على إظهار الإيمان وهو قوله: ﴿كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ﴾ أي تمادَوْا على حالهم، فإذا أحربوا وهلكت أموالهم، قالوا: هذا من أجل دين محمد ﷺ، وهو قوله: ﴿وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ﴾ أي رجعوا إلى كفرهم ونفاقهم. وقال الحسن: "معنى المثل الأول في قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً﴾ أنه تعالى مثل المنافقين كمثل رجل يمشي في ليلة مظلمة وفي يده شعلة من نار فهو يبصر بها موضع قدميه، فبينا هو كذلك أحوج ما كان إلى الضياء طُفئت ناره فلم يبصر كيف يمشي. وإن المنافق تكلم بـ "لا إله إلا الله" فناكح بها المسلمين وحقن دمه وأحرز ماله. فلما كان عند الموت والحاجة إليها سلبه الله إياها إذ لم تكن حقيقة، فبقي لا شيء معه كما بقي ذلك الرجل في ظلمة لا ضوء معه". وقيل: هي مثل في اليهود إذ في كتابهم ذكر محمد [عليه السلام] وصفته، فرأوه وعلموه فلم ينفعهم ذلك وكفروا به على علم منهم أنه نبي حق". وعلى أن الأمثال ضربها الله في المنافقين أكثر أهل التفسير. قال الربيع بن أنس: معنى ذلك مثلهم كمثل قوم صاروا في ليلة مظلمة فيها رعد ومطر وبرق على جادة ظلماء، فإذا [أبرق أبصروا] ومشوا، وإذا أظلم تحيروا وشكوا في الجادة. وكذلك المنافق؛ إذا تكلم بكلمة الإخلاص أضاء له الأمر، وإذا شك تحيَّر وانتكس فصار في ظلمة من أمره". * * قوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَٰرِهِمْ﴾ الآية. خص الله جل ذكره ذكر السمع والبصر [لتقدم ذكرهما] قبل ذلك، ووحَّد السمع لأنه مصدر يدل على القليل والكثير من جنسه. وقيل: معنى الآية: "لو شاء الله لأطلع نبيه ﷺ على نفاقهم وكفرهم فيستحلَّ دماءهم وأموالهم وأولادهم، وفيه تهديد ووعيد. واختلف في البرق؛ فروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: "هو مخاريق الملائكة". وعنه أنه قال: "يحدث من ضرب الملك السحاب بمخراق من حديد" وقال "الرعد صوت الملك". وعن ابن عباس: "أن البرق سوط من نور يزجي به الملك السحاب" يريد أن البرق نور السوط إذا ضرب به. وقال مجاهد: "البرق مصع الملك" والمصع الضرب، والمصاع عند العرب المجالدة بالسيوف والمخاريق السياط، واحدها مخراق وهو السوط. وروى مجاهد عن ابن عباس "أن البرق ملك يتراءى". وفي يَخْطَفُ "أوجه وقراءات أفصحها "يخطف" بفتح الطاء مخففاً. ولغة أخرى بكسر الطاء مخففاً، وبه قرأ علي بن الحسين وابن وثاب، فدل ذلك على أنه يقال: خَطَفَ، يَخْطَفُ، وَخَطِفَ يَخْطِف لغتان فيه. - ووجه ثالث: قرأ به الحسين وقتادة وعاصم الجحدري وهو كسر الخاء والطاء والتشديد، وأصله، "يَخِطِّفُ"، فأدغم التاء في الطاء بعد أن أسكنها وكسر الخاء لالتقاء الساكنين. - ووجه رابع: وهو فتح الخاء وكسر الطاء مشدداً وأصله أيضاً "يَخْتَطِفُ"، ثم ألقى حركة التاء [على الخاء]، وأدغم التاء في الطاء، وهو مروي أيضاً عن الحسن. وحكى الفراء إسكان الخاء، والتشديد عن بعض أهل المدينة. كأنه أدغم التاء في الطاء، وترك الخاء على سكونها في "يختطف"، وهو بعيد، لأنه جمع بين ساكنين ليس أحدهما حرف لين. - ووجه سادس: ذكره الأخفش والكسائي والفراء، وهو كسر الياء والخاء والتشديد، وهو كالوجه الثالث إلا أنه كسر الياء للاتباع. - ووجه سابع: قرأ به أُبَيٌّ، وهو "يَتَخَطَّفُ "على "يَتَفَعَّلُ" مثل "يَتَغَسَّلُ". ومعنى يخطف يأخذ بسرعة. وفي "أضاء" لغتان: ضاء وأضاء بمعنى حكاهما الفراء.

البقرة 2:21

قوله: ﴿يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ﴾ الآية. قال ابن مسعود: "كل شيء في القرآن، ﴿يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾ فهو مكي، وكل شيء في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ فهو مدني". وقاله عروة بن الزبير والضحاك. قال أبو محمد: وهذا القول إنما هو على الأكثر وليس بعام، لأن البقرة والنساء مدنيتان وفيهما ﴿يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾. وفي كثير من السور المكية ﴿يَاأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [البقرة: ١٠٤] ومعنى الآية يا أيها الناس، أخلصوا العبادة لربكم الذي خلقكم، وخلق الذين كانوا من قبلكم، وإنما خاطب الله الكفار بهذا لأنهم كانوا مقرين بأن الله خالقهم، دليل ذلك قوله: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]. فقيل لهم: إذا كنتم مقرين بأن الله خالقكم فاعبدوه، ولا تجعلوا له شركاء، ومعنى الخلق الاختراع. وقيل: هو التقدير، تقول: "خلقت الأديم" إذا دبرته وقدرته. والخلق الذي هو الاختراع والابتداع على أربعة أوجه: - الأول: خلق ما لم يكن كخلق الله العالم من غير شيء. - والثاني: قلب عين إلى عين، كقلب الله النطفة علقة والعلقة مضغة، والمضغة عظاماً فالثاني غير الأول. - والخلق الثالث: تغيير العين وهي موجودة كرد الله الصغير كبيراً، والأبيض أصفر، فالعين قائمة والصفة تغيرت. - والرابع: تغير الحال والعين كما هو، نحو كون القائم قاعداً، والعاجز قادراً، فلم تتغير العين ولا الصفة، إنما تغيرت الحال. * * قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. أي تتقون ما نهاكم الله عنه. وقيل: معناه لعلكم تتقون "الذي جعل". "فالذي" في موضع نصب بـ ﴿تَتَّقُونَ﴾. و "لعل" مردودة إلى المخاطبين. والمعنى اعبدوه واتقوه على رجائكم وطمعكم. وحكى الزجاج: أن "لعل" بمعنى "كي" في هذا الموضع، وهو بعيد.

البقرة 2:22

قوله: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً﴾. أي بساطاً، وإنما سميت الأرض أرضاً لارتعادها عند الزلازل. يقال: "رجل ما روض" إذا كانت به رعدة، "وأرض ماروضة" إذا كانت كثيرة الزلازل. وقوله: (مهاداً) هو خصوص مهد الله من الأرض ما بالناس إليه حاجة ومنفعة. وإلا ففيها السهل والوعر والجبال والأودية والهبوط والصعود. * * قوله: ﴿وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً﴾. أي مرتفعة عليكم. والسماء تذكر وتؤنث. وقال المبرد: "السماء هنا جمع السماوات [كتمرة وتمر]، ودليله قوله: ﴿فَسَوَّٰهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٩]. ولم يقل "فسواها". وتجمع السماء إذا كانت واحدة على ستة أبنية: - جمعان مسلمان، تقول: سماوات وسماءات. - وجمعان مكسران لأقل العدد، تقول: سماء واسم وأسمية. - وجمعان مكسران لأكثر العدد، تقول سماء وسمايا وسمي، وإن شئت كسرت السين في "سمي". وقد جاء في الشعر "سَمَاءِيَا". وفيه اتساعات ثلاثة. قال: الشاعر: ؎ سَمَاءُ الإلهِ فوقَ سَبْعِ سَمَاءِيَا. فعلى هذا يجوز أن تجمع سماء على سماء كصحار. فالشاعر شبه سماء برسالة لأن السَّمَاءَ فَعَالٌ، ورِسَالَةٌ فِعَالَةٌ، وهما أختان في عدد الحروف والحركات. - والثالث فيها ألف بعدها كسرة، فكان يجب أن تقول "سمايا"، كما تقول: "رَسائِلٌ" و "خطايا"، فأتى به على الأصل، فقال "سمائي"، ثم لحقته ضرورة أخرى فأجرى المعتل مجرى السالم فقال: سمائي، وكان [حقه إذ] أتى به على الأصل أن يقول "سماء" كجوار وقاض لكنه أجراه للضرورة مجرى ما لا ينصرف من السالم ففتح، ثم أطلق الفتحة فصارت ألفاً، فقال "سماءيا". ففيه ثلاثة اتساعات. وفي الوقف على السماء المنصوبة خمسة أوجه: - [أولها: أن تَقِفَ] على همزة ساكنة بعد مدة. - والثاني: أن تروم حركة الهمزة وتمد. - والثالث: أن تجعل الهمزة بين بين، وتروم الحركة وتمد. - والرابع: أن تبدل من الهمزة أيضاً ثم تحذفها لسكونها وسكون الألف التي قبلها ولا تمد. - والخامس: أن تبدل أيضاً وتحذف وتمد لتدل المدة على الأصل لأن الحذف عارض. وفي الوقف على بناء المنصوب أوجه: - "بناء" بهمزة مفتوحة بعدها ألف، وقبلها ألف، فتمد قبل الهمزة مداً مشبعاً، وبعدها مداً ممكناً، وعليه أكثر القراء. - والثاني: أن تجعل الهمزة بين بين، وتمد. وهو مذهب حمزة في الوقف. - والثالث: أن تحذف الهمزة، وتحذف الألف لالتقاء ألفين، ولا تمد، فيصير بلفظ المقصور لغة للعرب، لم يقرأ به أحد. - والرابع: أن تحذف الهمزة والألف على ما ذكرنا، وتمد لتدل على أن أصله المد. - والخامس: أن تبدل من الهمزة ياء، فتقول "بنايا" لغة للعرب لم يقرأ بها أحد حكى عن العرب: "اشتريت مايا"، يريدون ماء يشبهونه بـ "خطايا". وقد كان أصل خطاياءا، منقول من خطائي، ثم أبدلوا من الهمزة ياء. وقد قال ابن كيسان: "لا يكتب هذا المثال إلا بألفين، وإن شئت بثلاث ألفات وهو الأصل فيها. وكتب في المصاحف بألف واحدة اختصاراً". * * وقوله: ﴿جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً﴾. أي مهاداً، لا حزنة كلها، ولا جبال كلها. وقال بعض الصحابة في قوله: ﴿ٱلسَّمَاءَ بِنَآءً﴾، "بني السماء على الأرض كهيئة القبة، فهي سقف على الأرض". * * وقوله: ﴿وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ الآية. في الوقف على "السماء" المخفوض و "ماء". كالذي في الأول. "وبناء" مثل "ماء" في النصب. * * وقوله: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ﴾. "مِنْ" للتبعيض. و "السماء" في هذا الموضع يراد بها السحاب، لأن الماء منها ينزل كما قال: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً﴾ [النبأ: ١٤]. والمعصرات السحائب وكل ما علا فوقك فهو سماء. وسقف البيت سماؤه، وهو سماء لمن تحته. * * وقوله: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً﴾. أي أمثالاً. ونِدُّ الشيء مثله، والند خلاف الضد. وقيل: شركاء. وقيل: أشباها. وقيل: أكفاء. وروى ابن مسعود "أنه سأل النبي [عليه السلام] أي الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: [أنْ تجعلَ] للهِ نِداً وَهُوَ خَلَقَكَ"الحديث. وقال عكرمة: "هو قولهم: لولا كلبنا لدخل علينا اللص". وقال أبو عبيدة: "الند الضد". * * وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي تعلمون أن الله خلقكم وخلق السماوات والأرض. وقيل: معناه: وأنتم تعلمون أن الله لا شبيه له في التوراة والإنجيل، فيكون الكلام مخاطبة لأهل الكتاب على هذا التأويل. وعلى القول الأول هو مخاطبة لجميع الكفار. ومعنى العلم الذي نسبه إليهم أنه علم تقوم به عليهم الحجة، وليس بالعلم الذي هو ضد الجهل؛ دليله قوله ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونِّيۤ أَعْبُدُ أَيُّهَا ٱلْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤]. فثبت جهلهم لأنهم علموا أن الله خالقهم، وجعلوا له أنداداً. فأما قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. فهذا هو العلم الذي هو ضد الجهل.

البقرة 2:23

قوله: ﴿وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ الآية. أي إن كنتم أيها الناس في شك من القرآن أنه ليس من عند الله فأتوا بسورة من مثل القرآن. وقيل: من مثل محمد ﷺ في صدقه وأمانته. وقال ابن كيسان: "معناه أنهم زعموا أن محمداً شاعر وأنه ساحر، فقيل: إيتوا بسورة من مفترٍ أو من شاعر أو من ساحر. وقيل: معنى: "من مثله" من مثل التوراة والإنجيل. والاختيار عند الطبري أن يكون معناه من مثل القرآن في بيانه، دليله قوله تعالى في موضع آخر: ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨]. ولا يحسن هنا إلا مثل القرآن. فحمل الآيتين على معنى واحد أولى. ولم يعن بقوله: ﴿مِّن مِّثْلِهِ﴾ إذا جعلت الهاء للقرآن في التأليف والمعاني لأنه لا مثل للقرآن إنما عني ﴿مِّن مِّثْلِهِ﴾ في البيان لأن الله أنزله بلسان عربي مبين. فقيل لهم: كلامكم فيه البيان، وهذا القرآن فيه البيان فأتوا من كلامكم بسورة مثل القرآن في البيان، فأما التأليف والمعاني والرَّصف، فهي معان، بَايَن القرآن فيها المخلوقات، فلا مثل له في ذلك، يضاف إليه فاعلمه. وفي اشتقاق السورة أربعة أقاويل: - قيل: سميت سورة لأنها يرتفع بها من منزلة إلى منزلة، ويشرف فيها قارئها وحافظها على ما لم يكن عنده من العلم كإشرافه على سور البناء، فهي [منزلة رفعة]. كما قال: ألَمْ تَرَ أنَّ الله أعْطَاكَ سورة. أي منزلة في الشرف. - والثاني: إنما قيل لها سورة: لتمامها وكَمَالِهَا. يقال للناقة التامة: السورة. - والثالث: إنما سميت سورة لشرفها وارتفاعها في القَدْرِ، كما يقال لما ارتفع من البناء على هيئة سور. - والرابع: إنما سميت سورة لأنها بقية من القرآن وقطعة منه: يقال: "أَسْأَرْتُ في الإناء سُؤراً، أي أبقيت فيه بقية، "ودخل فلان في سائر الناس" أي في بقاياهم. فيكون أصله على هذا القول الرابع الهمز. * * قوله: ﴿وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم﴾. أي ادعوا آلهتكم للمعونة على الإتيان بسورة من مثل القرآن. وقيل: شهداءكم. معناه: أعوانكم على ما أنتم عليه. وقيل: معناه: ادعوا شهداءكم إذا أتيتم بالسورة يشهدون لكم أنها مثل القرآن. ومعنى ادعوهم: استعينوا بهم. وقيل: الشهداء العلماء، أي استعينوا بهم على ذلك، وواحد الشهداء شهيد، وواحد الشهود شاهد، وواحد الأشهاد شهيد وشاهد أيضاً، وهو من نوادر الجموع. فإن قيل لك: قد قال الله تعالى لهم في موضع آخر: ﴿فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ﴾ [هود: ١٣] وهم قد عجزوا عن الإتيان بسورة، وإنما يطالب من عجز عن الشيء بأقل منه لا بأكثر. - فالجواب عن ذلك أن قوله تعالى: ﴿فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ﴾ [هود: ١٣]، نزل قبل: ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ﴾ لأن الأول مكي وهذا مدني، فلما عجزوا عن عشر سور، قيل لهم: فأتوا بسورة. وقيل: إنما طولبوا في البقرة بسورة من مثله غير محدودة في مدح و [لا] ذم ولا تعظيم ولا غيره، بل تجمع معاني كما تجمع ذلك سور القرآن، وكلفوا في العشر السور أن تكون مفتريات، ومن كلف معنى واحداً أخف ممن كلف معاني لا تحصى ولا تدرك. فالتكليف في سورة البقرة أثقل وأضعف، وإن كانت سورة واحدة، وهو في هود أخف، وإن كان بعشر سور لأنها في معنى واحد وقع بها التكليف في هود، وفي معان كثيرة وقع بها التكليف في البقرة.

البقرة 2:24

قوله: ﴿وَلَن تَفْعَلُواْ﴾. أعلمهم الله أنهم لا يقدرون على ذلك، فهو رد ونفي لما كلفوا، أي إن كنتم صادقين. ﴿وَلَن تَفْعَلُواْ﴾ أي لن تطيقوا ذلك أبداً. فعلى هذا التأويل لا يحسن الوقف على "صادقين". * * قوله: ﴿ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ﴾. و "الوقود" بفتح الواو: الحطب، وبضم الواو: التوقد. وحكى الأخفش عن بعض العرب أن الفتح والضم معاً بمعنى الحطب. وقال الكسائي: "الفتح هو الحطب، والضم هو الفعل"، يعني المصدر. فعلى هذا لا تحسن القراءة إلا بفتح الواو لأنه تعالى أخبر أن الذي تتوقد به النار هو الناس أعاذنا الله منها ووفقنا لما ينجينا منها، وختم لنا بخير يبعدنا منها. ﴿وَٱلْحِجَارَةُ﴾. قيل: يعني حجارة الكبريت. وقيل: هي حجارة من كبريت خلقها الله يوم خلق السماوات والأرض. وعن النبي [عليه السلام] أنه قال: "هِيَ حِجَارَةٌ مِنْ كِبْرِيتٍ أَسْوَدَ فِي النَّارِ وروى أصبغ بن الفرج "أن عيسى بن مريم عليه السلام بينما هو في سياحته إذ سمع أنيناً فمضى إليه يؤمه حتى انتهى إليه، فإذا هو حجر يبكي، فقال له عيسى: ألا أراك تبكي وأنت حجر؟ قال: نعم يا روح الله إني أسمع الله يقول: ﴿نَاراً وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] فادع [لي الله] يا روح الله ألا يجعلني منها". وعلى ذلك أكثر أهل اللغة أن "الوَقُود" بالفتح الحطب، وبالضم التلهب. وقد روي عن الحسن وطلحة بن مصرف ومجاهد أنهم قرأوا بالضم فيكون ذلك على اللغة التي حكاها الأخفش أن الفتح والضم بمعنى الحطب.

البقرة 2:25

قوله: ﴿وَبَشِّرِ ٱلَّذِين آمَنُواْ﴾. البشارة والبشرى في اللغة من البشرة؛ فإذا قيل: استبشر فلان، فمعناه ظهر أمر في بشرته. وسميت الجنة جنة لأنها تجن من دخلها، أي تستره أشجارها وثمارها. والجنة عند العرب البستان ذو النخل والشجر. * * وقوله: ﴿مِن تَحْتِهَا﴾. أي من تحت شجرها ومساكنها، أي من دونها. يقال: داري تحت دارك، أي دونها، أي بجوارها. قوله: ﴿قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ﴾. معناه: أنهم لما أتوا بِثِمارِ الجنة شبهوها بثمار الدنيا في المنظر، وهي مخالفة لها في الطعم والرائحة، فمعنى ﴿مِن قَبْلُ﴾ أي في الدنيا. وقيل: المعنى: قالوا: هذا الذي رزقنا وعدنا به في الدنيا. وقيل: معناه: إنهم أتوا بثمار في الجنة فأكلوا، ثم أتوا بمثلها في المنظر ومخالفاً في الطعم، فقالوا عند نظرهم إلى الثانية: هذا الذي أكلنا من قبل، أي من قبل هذا الوقت في الجنة. فيخبرون أن الطعم مختلف. * * قوله: ﴿وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً﴾. أي يشبه بعضه بعضاً في المنظر ويختلف في الطعم والرائحة، وذلك أَجَلٌّ في الملك والنعيم. وهذا القول مروي عن ابن مسعود وابن عباس. وهو مرفوع إلى النبي ﷺ. وقيل: معنى ﴿مُتَشَٰبِهاً﴾ أي أنه خيار حسن لا رذل فيه؛ يشبه بعضه بعضاً في الطيب والحسن. وهو قول الحسن. واحتج بأن ثمار الدنيا فيها الحسن والرذل والوسط، وثمار الجنة خيار كله. وقيل: معنى ﴿مُتَشَٰبِهاً﴾: أي يشبه اسمه اسم ثمار الدنيا، إلا أنه لا يشبهه في الطعم ولا في اللون ولا في الرائحة، وهو قول مروي عن عبد الرحمن بن زيد وعن ابن عباس. * * قوله: ﴿وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾. أي مطهرة من أوساخ بني آدم؛ لا يحضن ولا يتمخطن ولا يتغوطن ولا يبلن، فهن سالمات من جميع الأقذار ولا يلدن.

البقرة 2:26

قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً﴾. حكى الطبري أن "يستحيي" بمعنى "يخشى"، كما وقع "يخشى" بمعنى "يستحيي" في قوله: ﴿وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]. أي وتستحيي من الناس. و "تستحيي" فعل عينه ولامه حرفا علة صحت عينه واعتلت لامه، فتقول في الاسم: "هو مُسْتَحِي" بحذف لام الفعل في الرفع والخفض كقاض، وإثبات عينه. وتثبت اللام مع الغين في النصب، وتقول في التثنية: "رأيتهما مسْتَحْيِيَيْن" بثلاث ياءات فإن جمعت قلت: "هَؤُلاَءِ مُسْتَحْيُونَ"، بياء واحدة في الرفع. وفي النصب والخفض، "مُسْتَحْيينَ" بياءين. فالأولى عين الفعل، والثانية ياء الجمع، ولام الفعل محذوفة في الجمع المنصوب والمرفوع والمخفوض لأن العلة لحقتها، بأن استثقلت عليها الحركة وهي كسرة لأن أصلها "مُسْتَحْيُونَ". فلما سكنت حذفت لسكونها وسكون الحاء قبلها. وبنو تميم يحذفون لام الفعل، ويعلون العين في الجمع، فيقولون: هُمْ مُسْتَحُونَ". ومن العرب من يحذف إحدى الياءين في الفعل فيقول: "يَسْتَحِي"، فيلقي حركة الياء الأولى على الحاء، فيكسرها ويحذف الياء لالتقاء الساكنين. * * وقوله: ﴿أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً﴾. معناه: إن الله جَلَّ ذكره لما ضرب المثل بالصيب وبالذي استوقد ناراً، قال المنافقون: "الله أعظم من أن يضرب مثلاً بهذا"، فأنزل الله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً﴾ الآية. قال الربيع: "هو مثل ضربه الله للدنيا، وذلك أن البعوضة تَحْيَا ما جاعت، فإذا شبعت ماتت، فكذلك الكافر إذا امتلأ من الدنيا أخذه الله، كما قال: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٤٤]. وقال قتادة: "معناه إن الله لا يستحيي أن يذكر شيئاً من الحق قَلَّ أوْ كَثُرَ". وقيل: إن هذا المثل مردود على "ما" في غير هذه السورة، وذلك أن الله جَلَّ ذكره لما ضرب المثل بالعنكبوت والذباب تكلموا وقالوا: ماذا أراد الله بهذا مثلاً، كما حكى الله تعالى عنهم فأنزل الله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً﴾ الآية. واختار الطبري أن يكون مردوداً على إنكارهم للأمثال في هذه السورة دون غيرها. * * وقوله: ﴿مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً﴾. "ما" و "ذا" اسم واحد للاستفهام في موضع نصب بـ "أراد" تقديره: أي شيء أراد الله. ﴿مَثَلاً﴾: نصب على التفسير. ويجوز أن [تكون "ما"] استفهاماً في موضع رفع بالابتداء. و "ذا" بمعنى "الذي"، "وهو" الخبر وصلته ما بعده. وأراد" واقع على هاء محذوفة، أي أراده الله. * * ومعنى ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ أي دونها في الصغر. وقيل: معناه: فما أكبر منها، وهو اختيار الطبري، لأن البعوضة متناهية في الصغر، وإن كان ثم ما هو أصغر منها. * * قوله: ﴿فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ﴾. أي يعلمون أن هذا المثل حق. * * قوله: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً﴾. أي يضل بهذا المثل خلقاً كثيراً، وهذا من قول المنافقين. وقيل: هو من قول الله جَلَّ ذكره، ودَلَّ عليه قوله: ﴿وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً﴾، وهذا لا يكون من قول المنافقين لأنهم لا يقرون أن هذا المثل يهدى به أحد، فهو من قول الله بلا اختلاف. وكذلك قوله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَٰسِقِينَ﴾ هو من قول الله؛ إذ لا يجوز أن يكون من قول المنافقين، لأنهم قد ضلوا به، ولا يقرون على أنفسهم بالفسق. فكذلك يجب أن يكون الذي قبله. ويدل على أنه كله من قول الله عز وجل قوله في موضع آخر: ﴿وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ [المدثر: ٣١] يعني المنافقين ﴿وَٱلْكَٰفِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ﴾ [المدثر: ٣١]. فقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ يعني به مثل ما قالوا في سورة البقرة، كذلك قالوا في هذا. وقال القتبي: "لما ضرب الله المثل بالعنكبوت والذبابة، قالت اليهود: ما هذه الأمثال التي لا تليق بالله، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً﴾ الآية، فقالت اليهود: ماذا أراد الله بمثل ينكره الناس، فيضل به فريقاً، ويهدي به فريقاً، فقال الله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَٰسِقِينَ﴾. فذكر الضلال والهدى في هذا القول من قول اليهود حكاه الله لنا عنهم. وأصل الفسق الخروج عن الشيء؛ يقال: "فَسَقَتِ الرَّطْبَةُ" إذا خرجت عن قشرها.

البقرة 2:27

وقوله: ﴿ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَٰقِهِ﴾. العهد هاهنا، هو ما أخذه الله عليهم إذ أخرجهم من ظهر آدم وبنيه كالذر، ودليله قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]. وقيل: العهد هاهنا هو ما أخذه الله على النبيين ومن اتبعهم ألا يكفروا بمحمد ﷺ ودليله قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ [آل عمران: ٨١]. * * قوله: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ﴾. معناه: يقطعون أمر دينه لئلا يتبع فيوصل الإيمان به. وقيل: معناه: يقطعون الرحم والقرابة التي بينهم وبين النبي ﷺ وأصحابه، لأنهم إذا كذبوه فقد قطعوه. فَـ "أَنْ" في موضع خفض على البدل من الهاء في "به" أو في موضع نصب على البدل من "ما" أو على أنه مفعول من أجله. * * قوله: ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأرْضِ﴾. الفساد في الأرض في هذا الموضع عبادة غير الله تعالى: [وهي أعظم الفساد]. * * وقوله: ﴿أُولَـۤئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ﴾. أصل الخسران النقص. والخاسر الناقص نفسه حظها من رحمة الله [عز وجل] بمعصيته كما يخسر الرجل في تجارته. وقيل: معنى "الخاسرين" الهالكون.

البقرة 2:28

قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ﴾ الآية. أي من أين يتجه لكم الكفر بالله مع نعمه عليكم إذ كنتم أمواتاً فأحياكم. أي لم تكونوا شيئاً فأوجدكم. وفي "كيْفَ" معنى التعجب من فعلهم وليست باستفهام، ولكنها توبيخ وتعجب. والعرب تسمي الشيء الممتنع ميتاً؛ يقولون: "هَذَا أَمْرٌ مَيِّتٌ" إذا كان ممتنعاً. وقيل: معناه كنتم تراباً، يعني به آدم ﷺ فجعلكم ذوي حياة. وقيل: معناه فأحياكم يعني في القبر للمساءلة ثم يميتكم في القبر بعد المساءلة، ثم يحييكم يوم القيامة. ويلزم قائل هذا أن تكون الآية إنما خوطب بها أهل القبور، وذلك بعيد إلا أن يحمل على أنه [خطاب لمن حضر]. والمراد به آباؤهم وأسلافهم. ويكون "تكفرون" بمعنى في موضع "كفرتم" وفيه بعد. و "قد" مضمرة مع "كنتم" لأنه حال مما قبله. وقيل: المعنى أنهم كانوا أمواتاً في أصلاب الآباء ثم أحياهم في الأرحام، ثم يميتهم في الدنيا عند انقضاء آجالهم، ثم يحييهم يوم القيامة. وقيل: المعنى أنه أحياهم إذ أخرجهم من ظهر آدم لأخذ الميثاق، وقد كانوا أمواتاً لا حياة فيهم. وقيل: أيضاً: الموتة الأولى هي موتة النطفة في وقت خروجها من الرجل إلى الرحم لأن كل ما في الحي فهو حي حتى [يفارقه فيكون] في عداد الأموات، وكذلك الأعضاء إذا فارقت الحي فهي ميتة، فكل ما في الإنسان من أعضائه وما يلزم جسده حي حتى يفارقه فيكون ميتاً. وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال: "أماته ثم أحياه في قبره - يعني لِلْمُسَاءَلَةِ - ثم أماته، ثم أحياه يوم القيامة". وهذا قول قد تقدم نظيره. وقال ابن مسعود: "هي مثل قوله: ﴿رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١]". وسترى تفسير هذا في موضعه. وقد قيل: إن معنى الآية: وكنتم أمواتَ الذِّكْرِ، فأحياكم حتى ذكرتم، ثم يميتكم، أي يردكم رفاتاً لا تذكرون، ثم يحييكم للحساب والجزاء فتذكرون. وهو مروي عن ابن عباس. وهو اختيار الطبري. والهاء في ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ تعود على الله عز وجل. وقيل: تعود على الأحياء للخلود في الجنة، أو في النار، أي ثم إلى الأحياء ترجعون. والأول أحسن.

البقرة 2:29

قوله: ﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ﴾. معناه: أقبل عليها. تقول العرب: "فلان مقبل على فلان، ثم استوى إليَّ يمشي"، أي أقبل إليّ. وقيل: معناه تحول أمره وفعله إلى السماء. وقال القتبي: "استوى، عمد إليها". وقال ابن كيسان: "استوى قصد". قال غيره: "معناه قصد إلى خلقها بالإرادة لا بالانتقال". يقال: "لما استويت إلى موضع كذا، ظهر لي كذا"، أي لما قصدت بإرادتي إلى أمر كذا، ظهر لي كذا. وقيل: استوى: استولى. تقول العرب: "استوى فلان على المملكة". أي استولى عليها واحتوى عليها. واختار الطبري وغيره أن يكون "استوى" بمعنى "علا" على المفهوم في لسان العرب. قال أبو محمد: وليس: "علا" في هذا المعنى أنه تعالى علا من سفل كان فيه إلى علو، ولا هو علو انتقال من مكان إلى مكان، ولا علو بحركة تعالى الله ربنا عن ذلك كله، لا يجوز أن يوصف بشيء من ذلك، لأنها صفات توجب الحدوث للموصوف بها، والله جَلَّ ذكره أول بلا نهاية لكن نقول: إنه علو قدرة واقتدار ولم يزل تعالى قادراً له الأسماء الحسنى والصفات العلا. فإنما دخلت "ثمَّ" في قوله: ﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ﴾ بمعنى القصد لخلق ما أراد أن يخلق على ما تقدم في علمه قبل، بلا أمد. والهاء في ﴿فَسَوَّٰهُنَّ﴾ تعود على السماء لأنها جمع سماوة. وقيل: السماء تدل على الجمع. وقيل: لما كانت السماء واسعة الأقطار، يقع على كل قطر منها اسم سماء جمع على هذا المعنى. والمعنى فَسَوَّى منهن سبع سماوات. وقيل: سبع سماوات بدل من الهاء والنون، فلا تقدير حرف جر على هذا محذوف منه. وقد روي عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهم في تفسير ذلك: "أن الله جَلَّ ذكره كان عرشه على الماء كما أخبرنا به في كتابه. قالوا: ثم أخرج من الماء دخاناً، فارتفع الدخان فوق الماء، فسما الدخان على الماء فَسَمَّاه سماء. ثم إنه تعالى بقدرته أيبس الماء، فجعله أرضاً واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع أرضين وذلك في يوم الأحد ويوم الاثنين، وجعل الأرض على حوت وهو النون، والحوت في الماء، والماء على ظهر صفا، والصفاة على ظهر ملك، والملك على صخرة، والصخرة على الريح، وهي الصخرة التي ذكر لقمان، فهي ليست في الأرض، ولا في السماء، فتحرك الحوت واضطرب، فتزلزلت الأرض فأرسى عليها الجبال، فذلك قوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٣١]. وخلق الجبال في الأرض وجعل فيها أقوات أهلها وشجرها ومصالحها في يومين، الثلاثاء والأربعاء، ودل على ذلك قوله: ﴿خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ [فصلت: ٩-١٠] - يعني اليومين الأولين والآخرين -، ثم قال: ﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١]. فجعل الدخان سماء واحدة، ثم فتقها سبع سماوات، وذلك في يومين الخميس والجمعة، ولذلك سمي يوم الجمعة لأنه اجتمع فيه تمام خلق السماوات والأرضين". وقال مجاهد: "خلق الله الأرض قبل السماء، فثار منها دخان، فخلق منه السماوات". وقد ذكر الله خلق الأرض قبل السماء في سورة السجدة، ثم ذكر في "والنازعات" دحو الأرض بعد السماء، فقال: ﴿وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠]، فقال ابن عباس في معنى ذلك: "إنه تعالى خلق الأرض بأقواتها قبل السماء غير أنه لم يدحها، ثم خلق السماوات، ثم دحا الأرض بعد ذلك". وقال ابن سلام: "بدأ الله الخلق يوم الأحد ، فخلق الأرضين يوم الأحد والاثنين، وخلق الأقوات والجبال في الثلاثاء والأربعاء، وخلق السماوات في الخميس والجمعة وخلق آدم ﷺ في آخر ساعة من يوم الجمعة". قال أبو محمد: ولو شاء تعالى ذكره لخلق ذلك كله في أقل من طرف عين، يفعل ما يشاء لا إله إلا هو، لا معقب لحكمه. * * قوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ . أي عليم بكل شيء قبل خلقه له، وقبل حدوثه، لا أنه علم محدث مع حدوث المعلومات تعالى عن ذلك، قد علم المعلومات كلها قبل حدوثها وكونها.

البقرة 2:30

قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ﴾ الآية. معناه: واذكر يا محمد إذ قال ربك. وقيل: معناه: ابتدأ خلقكم ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ﴾ لأنه ذكر معنى ذلك قبل هذا فقال: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] أي خلقكم إذ قال ربك. ودخلت الواو في "إذ" عطفاً على ما قبلها لأنه تعالى ذكر خلقه نعمه في إحيائهم بعد الموت، وأنه [خلق لهم] ما في الأرض جميعاً، وسوى لهم السماوات وغير ذلك من نعمه فعدد على خلقه نعمه. ثم قال: واذكروا فعلي بأبيكم آدم إذ قلت للملائكة اسجدوا له تفضيلاً له وابتلاء للملائكة. وإلى هذا المعنى ذهب الطبري في هذه الواو، [وفي و "إذا"]. * * وقوله: ﴿لِلْمَلَٰئِكَةِ﴾، اختلف في اشتقاق "ملك" وتقديره ومعناه. فقيل: واحدها مَلَكٌ، وأصله "ملأك" على وزن "مَفْعَل"، الهمزة بعد اللام وهي عين الفعل فجمع على الأصل على مفاعل، فقيل: "مَلائِكٌ" وزيدت الهاء للمبالغة. وقيل لتأنيت الصيغة. وقال ابن كيسان: "هو مشتق من "ملكت"، والهمزة في "مَلأْك" زائدة كزيادتها في شَمْأَلٍ، إذ هو من "شملت الريح" أي عمت". وقال غيره: هو مشتق من الأُلُوكَةِ، وهي الرسالة بالهمزة بالفعل لكن قلبت همزته وهي فاء، فصارت عيناً فأخرت بعد اللام وأَصْلُها "مَأْلَكٌ" ثم نقلت الهمزة بعد اللام فصارت "مَلَكاً"، وجمع على ذلك، ولم يرد إلى أصله وكان حقه أن يرده الجمع إلى أصله، [فخرج عن الأصل في الجمع]. وقيل: هو مشتق من المَلأَكَةِ وهي الرسالة أيضاً حكاها أبو عبيد، يقال: "لأَكَ إِليهِ يَلأَكُ مَلأَكَةً" إذا أرسل إليه رسالة. ويقال في لغة أخرى: "أَلَكَْتُ إِلَيْهِ أَألْكُ مَأْلَكَةً" إذا أرسلت. فعلى القول الأول من هذين القولين يكون "مَلَكٌ" مخفف الهمزة، ألقيت حركة الهمزة على اللام وأصله "مَلأَكٌ"، وجمعه "مَلاَئِكَةٌ". والهمزة عين الفعل ولا قلب فيه، إنما فيه في الواحد تخفيف الهمزة [بنقل حركتها] إلى الساكن قبلها وهو اللام. وعلى القول الثاني يكون "مَلأَكٌ" مقلوباً وأصله: "مَأْلَكٌ"، والهمزة فاء الفعل، ثم قلبت الهمزة، فصارت بعد اللام، ثم خففت الهمزة فألقيت حركتها على اللام قبلها كالأول فصار ملكاً، فجمع على قلبه، ولم يرده الجمع إلى أصله لقلة استعماله بالهمز في الواحد. ولو جمع على أصله لقال: "مَآلِكَة"، ولكن لم يسمع جمعه على الأصل. قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. معناه: إني جاعل في الأرض خلقاً يخلف بعضهم بعضاً لا بقاء لهم. وقيل: معناه: إني جاعل في الأرض خلقاً يخلفون من كان فيها ممن هلك، وذلك أن أهل التفسير ذكروا أنه روي أن الأرض كان فيها خلق من الجن فأفسدوا فيها فأهلكهم الله. والهاء في "خليفة" للمبالغة. وقيل: دخلت لأنه بمعنى داهية في المدح والذم، بمعنى بهيمة. قاله الفراء. وقيل: الهاء [لتأنيث الصيغة]، وهي بمعنى فاعلة على هذا القول كرحيم بمعنى راحم. وعلى القول الأول يكون خليفة: فعيلة، بمعنى مفعولة أي مخلوقة؛ أي يخلف بعضهم بعضاً لا بقاء لهم، فكل واحد مخلوف، لأن من يأتي من بعده يخلفه، فهو كجريح وقتيل، بمعنى مجروح ومقتول. ومعنى "جاعل" خالق ومستخلف. قال ابن عباس: "أخرج الله آدم ﷺ من الجنة قبل أن يخلقه، وقرأ ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. يريد أنه [قدَّر ذلك وعلمه وشاءه] قبل أن يخلق آدم. * * قوله: ﴿قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ الآية. روى كثير من المفسرين أن الملائكة علمت بفساد من سكن الأرض من الجن وسفكهم للدماء، فقالوا على طريق الاسترشاد وطلب الفائدة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ﴾؛ أي أيكونون مثل أولئك الذين أفسدوا؟، فسألوا مسترشدين لا منكرين، إذ لا علم عندهم بما يكون من أمر الخليفة التي أعلمهم الله أنه خالقها. وقيل: إنهم قالوا ذلك على طريق التعجب كما تقول العرب "أتحسن إلى فلان وهو يسيء إليك!". وقيل: إن الله جَلَّ ذكره أذن لهم في السؤال عن ذلك. وقيل: إن الله تعالى ذكره أعلمهم أنه يجعل في الأرض خليفة فسألوا على طريق الاسترشاد: ما يكون ذلك الخليفة؟ فقال: تكون له ذرية يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء. فقالوا عند ذلك على طريق الاستعظام والاستثبات لا على طريق الإنكار: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ الآية. [قيل: قالوا] ذلك على التعجب مما أعلمهم الله به من إفساد ذرية الخليفة في الأرض وسفكهم للدماء. والله أعلم بأي ذلك كان. فالألف في ﴿أَتَجْعَلُ﴾ لفظها لفظ الاستفهام ومعناها الاسترشاد أو التعجب على قول من رأى ذلك على ما ذكرنا. وعن ابن عباس أنه قال: "كان إبليس من حي من أحياء الملائكة، يقال لهم الجن وهم من الملائكة. خلق الله ذلك الحي من نار السموم، وخلق سائر الملائكة غير هذا الحي من نور، وخلقت الجن غير هذا الحي الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار، والمارج هو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت. وخلق الإنسان من طين. فأول من سكن الأرض الجن، فأفسدوا فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة وهم هذا الحي الذين في الأرض فقتلوا وطردوا حتى لحقوا بالبحار وأطراف الجبال فلما فعل إبليس ذلك اعتدَّ في نفسه وقال: قد صنعت ما لم يصنع غيري، وكان من خزان الجنة. فاطلع الله على ذلك منه فقال: إني جاعل في الأرض خليفة. فقالت الملائكة غير إبليس وحيه: أتجعل فيها من يفسد فيها كأولئك، على طريق الاسترشاد. أي هل يكونون مثل أولئك المفسدين أو يكونون مصلحين". وقيل: "قالوا ذلك على طريق التعجب، فقال الله لهم: ﴿إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾، أي إني اطلعت من قلب إبليس على ما لم تطّلعوا أنتم عليه. فخلق آدم ﷺ من طين لازب، واللازب اللزج الملتصق من الحمأ المسنون، والمسنون ذو الرائحة صار حمأ حمأ بعد أن كان طيناً لزجاً. فلما خلقه تعالى مكث آدم أربعين ليلة جسداً ملقى، فكان إبليس اللعين يأتيه فيضربه برجله فيصلصل ويصوت، فهو قول الله عز وجل: ﴿خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: ١٤]. ثم كان إبليس اللعين يدخل في في آدم [عليه السلام] ويخرج من دبره، ثم يقول: لشيء ما خلقت، لئن سلطت عليك لأهلكنك. فلما نفخ فيه الروح، أتت النفخة من قبل رأسه فلا تصل إلى شيء، إلا صار لحماً ودماً . فلما انتهت النفخة إلى سرته، نظر إلى جسده فأعجبه ما رأى من حسنه، فذهب لينهض فلم يقدر فهو قوله تعالى: ﴿وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً﴾ [الإسراء: ١١] و ﴿خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] . فلما تمت النفخة في بدنه عطس، فقال: الحمد لله رب العالمين، بإلهام الله له. فقال له الله: يرحمك ربك يا آدم، ثم قال الله تعالى لإبليس وحيِّه من الملائكة خاصة دون غيرهم: اسجدوا لآدم فسجدوا كلهم إلا إبليس تكبراً وعزة فأبلسه الله، أي أيأسه من الخير كله، وجعله شيطاناً رجيماً عقوبة له بالمعصية، ثم عَلَّم الله آدم الأسماء كلها. قال المفسرون: عَلَّمه اسم كل شيء حتى الضرطة. وقال الله للملائكة - جند إبليس -: أنبئوني بأسماء هؤلاء: فقالوا لا علم لنا. فقال يا آدم: أنبئهم بأسمائهم، فأنبأهم آدم بأسمائهم. وقيل: إنما عني بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ﴾ الملائكة الذين كانوا في الأرض بعد هلاك من كان فيها دون غيرهم من ملائكة السماوات. والله أعلم بأي ذلك كان، واللفظ على عمومه حتى [يأتي دليل تخصيصه]. * * قوله: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣]. معناه: أعلم ما أسر إبليس في نفسه من الكِبَرِ والعزة. وهذا التأويل يدل على أن الخطاب الذي تقدم في قوله: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ إنما كان من هذا النوع من الملائكة الذين حضروا مع إبليس قتال المفسدين في الأرض دون غيرهم من الملائكة. وهو قول الطبري. وقد روي عن ابن عباس أنه قال: "إن هذه القبيلة من الملائكة سميت الجن لأنهم كانوا من خزان الجنة". وهو من الاستجنان؛ وهو الاستتار. وإنما سميت الجنة جنة لأنها تَجن مَنْ دَخَلَها؛ أي تستره بشجرها وثمارها وعروشها. وروي عنه أيضاً أنه قال: "إن إبليس كان ملك سماء الدنيا، وكان خازناً للجنة مع ذلك. فلما تمكن دخله العجب والكبر، وقال: لم أُعط هذا إلا ولي مزية على الملائكة. فاطلع الله على ما في سرِّه فقال: إني جاعل في الأرض خليفة، فسألت الملائكة عن الخليفة فقال: تفسد ذريته في الأرض فتعجبوا وقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ﴾. فبعث الله جبريل ليأخذ من طين الأرض، فاستعاذت منه فرجع ولم يأخذ شيئاً إجلالاً لحق من استعاذت به، ثم بعث الله ميكائيل فاستعاذت، فرجع ولم يأخذ شيئاً. فبعث الله ملك الموت فاستعاذت منه، فاستعاذ هو منها، وأخذ ما أراد من تربة بيضاء وحمراء وسوداء، فلذلك بنو آدم مختلفو الألوان". ثم مضى الحديث كالأول أو قريب منه، غير أن فيه: "فكان آدم جسداً من طين أربعين سنة، ففزعت منه الملائكة وكان أشدهم فزعاً إبليس وفيه: أن آدم عليه السلام لما دخل الروح رأسه، قال: الحمد لله. فقالت له الملائكة رحمك ربك يا آدم. فلما دخل الروح في عينيه نظر إلى الجنة، فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام فوثب قبل أن يبلغ الروح رجليه". وهذه الرواية تدل على أن المخاطبين المأمورين بالسجود لآدم ﷺ هم الملائكة كلهم، وهو ظاهر القرآن. وقد قيل: إن معنى قوله تعالى: ﴿إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ أي أعلم أنه سيكون من ذرية آدم أنبياء ورسل وصالحون وعباد وأخيار وساكنو الجنة. * * قوله: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾. معناه: نعظمك بالحمد والشكر. وقيل: التسبيح الصلاة. وروي عن النبي [عليه السلام] أنه قال: "إِنَّ للهِ فِي السَّمَاوَاتِ السَّبْع مَلاَئِكَةً يُصَلُّونَ، وإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ الله: مَا صَلاتُهُمْ؟ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئاً، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عليه السلام، فَقَالَ لَهُ: يا نَبيَّ الله: سَأَلَكَ عُمَرُ عَنْ صَلاَةِ أَهْلِ السَّمَاءِ. قَالَ: نَعَمْ، فَقال لهُ: أَقْرِئْ عَلَى عُمَرَ السَّلامَ وأخْبِرْهُ أنَّ أَهْلَ السَّماءِ الدُّنْيَا سُجُودٌ إِلَى يَوْمِ القِيامَةِ، يَقُولُونَ: سُبْحَانَ ذِي المُلْكِ وَالمَلَكُوتِ. وإنَّ أهْلَ السَّماءِ الثَّانِيَةِ رُكُوعٌ إِلَى يَوْمِ القِيامَةِ يَقُولُونَ: سُبْحَانَ ذي العِزَّةِ وَالجَبَرُوتِ، وأَهْلِ السَّماءِ الثَّالثَةِ قِيَامٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، يَقُولُونَ: سُبْحَانَ الحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ وأصل التسبيح لله عند العرب التنزيه والتبرئة له سبحانه من إضافة ما ليس من صفته إليه. * * وقوله: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾. أصل التقديس التطهير. ومعناه نطهر أنفسنا لك. وقيل: التقديس الصلاة. وروي ذلك عن قتادة. وروي عن أبي صالح: "ونقدس لك، نعظمك ونمجدك. * * قوله: ﴿إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾. قد تقدم بيانه. وقد قيل فيه: إن معناه إني اطلعت من قلب إبليس على ما لم تطّلعوا عليه، إني علمت ما أضمر إبليس في نفسه من ترك السجود لآدم ﷺ [ومن] عداوته له ولذريته. وقيل: معناه إني عليم من آدم المعصية ثم التوبة عليه وإهباطه إلى الأرض، وما يكون من ذريته إلى يوم القيامة ومن هو سعيد، ومن هو شقي منهم. وروي أن إبليس اللعين لما رأى صورة آدم وحسنها قال للملائكة: إني أرى صورة مخلوق يكون له نبأ. أرأيتكم إن فضل عليكم ماذا تفعلون؟ قالوا: نطيع أمر ربنا، ونفعل الذي يأمرنا به. فهذا قوله: ﴿مَا تُبْدُونَ﴾. وقال إبليس في نفسه: "لئن فُضِّل علَيّ لا أطيعه، ولئن فُضِّلتُ عليه لأهلكنَّه، وهذا قوله: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾، فلما نفخ الله عز وجل في آدم ﷺ الروح جلس فعطس، فقال آدم: الحمد لله رب العالمين فكان ذلك أول ما تكلم به آدم عليه السلام فردَّ الله عليه: يرحمك الله لهذا خلقتك"، فهو قوله: ﴿وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٩]، أي للرحمة خلقهم. وقال مجاهد: "علم الله من إبليس المعصية وخلقه لها".

البقرة 2:31

قوله: ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ﴾ الآية. اختلف في اشتقاق آدم؛ فقال فيه ابن عباس: "سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض". وقال قطرب: "آدم أفعل من الأدمة". وقيل هو أفعل من "أدمت بين الشيئين" أي خلطتهما. وقال الطبري: "هو فعل ماض رباعي سمي به الشخص". وقال قطرب: "من قال هو من أديم الأرض، يلزمه صرفه لأنه فاعل". وذكر النحاس أنه أفعل من أديم الأرض وأدمتها، وهو ظاهر وجهها، ومنه سمي الإدام لأنه وجه الطعام وأعلاه والعرب تسمي الجلد الظاهر أدمة، والباطن بشرة. وحكي عن الأصمعي أن باطنه الأدمة وظاهره البشرة، وهو أولى من الأُولى. ويجمع آدم إذا كان صفة كحُمْر، وأوادم إذا كان اسماً "كأحامدٍ". * * قوله: ﴿ٱلأَسْمَآءَ﴾. قيل: "وعلمه أسماء كل شيء حتى القصعة والفسوة". قاله قتادة. وقيل: "علمه أسماء الملائكة خاصة" قاله الربيع بن خثيم. قال مجاهد: "علمه الله اسم كل شيء: هذا جبل، هذا بحر، هذا كذا، هذا كذا، لكل الأشياء". قال ابن جبير: "علمه اسم كل شيء حتى البعير والبقرة والشاة". قال عكرمة: "علمه اسم الغراب والحمامة وكل شيء". وقال غيرهم: "علمه أسماء الأجناس والأنواع". وقال ابن زيد: "علمه أسماء ذريته كلهم". واختار الطبري أن يكون علمه أسماء ذريته والملائكة لقوله: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ ولم يقل "عرضها" ولا "عرضهن" الذي هو لما لا يعقل. وقيل: علمه اسم كل شيء ومنفعته ولماذا يصلح. وقال القتبي: "علمه أسماء ما خلق في الأرض". وفي قراءة أُبي: "ثُمَّ عَرَضَها"، "يريد عرض الأسماء". وقوله "عَرَضَها" ولم يقل "عرضهم" يدل على أن الاسم هو المسمى، وهو مذهب أهل السنة. وفي قراءة عبد الله "ثُمّ عَرَضَهُنَّ" على التأنيث لما لا يعقل من الموات والأجناس. وقال ابن عباس: "إنما عرض الأسماء على الملائكة". وعن ابن مسعود: "أنه إنما عرض الخلق". فعلى الأول يكون "عرضها". وعلى الثاني يكون "عرضهم". قال مجاهد: "عرض أصحاب الأسماء على الملائكة". وقال ابن زيد: "عرض أسماء ذريته كلها، أخذهم من ظهره، ثم عرضهم على الملائكة". وقال ابن الأنباري: الهاء في "كلها" تعود على الأسماء، والهاء في "عَرَضَهم" تعود على الأشخاص. والهاء في "أنبِئهم" وفي "بأسمائهم"، وفي "أنبأهم" وفي "بأسمائهم" كلها تعود على الملائكة على قول من قال: إن الله تعالى علمه أسماء الملائكة، ويعود على الأشخاص على القول الآخر. * * قوله: ﴿إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ﴾. جوابه عند المبرد محذوف، معناه: إن كنتم صادقين أن بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء فأنبئوني.

البقرة 2:33

قوله: ﴿إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾. هو ما غاب عن الملائكة مما سبق في علمه مما ذَكَرَهُ في كتابه: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]. * * قوله: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾. هو قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾. و ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾: هو ما أضْمَر إبليس في نفسه من الكبر والعز. روي ذلك عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة والتابعين. وقال سفيان: "﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ هو ما أسر إبليس في نفسه من ترك السجود لآدم [والكبر]". وقال قتادة: "كتمانهم هو قولهم فيما بينهم: يخلق الله ما يشاء، فلن يخلق خلقاً إلا ونحن أكرم منه". وقيل: إنهم قالوا ذلك عند رؤيتهم لخلق آدم. وعن ابن عباس "أنه عام فيما يظهرون وما يكتمون". وإبليس إفعيل من "أبلس" إذا يئس كأنه يئس من الرحمة، لم يصرف لقلة. وقيل: هو أعجمي، ولذلك لم يصرف في المعرفة. قال أبو عبيد: "لم يصرف لأنه لا نظير له في الأسماء"، وهو عنده "فِعْلِيل" أو"إِفْعِيل". قوله: (أَبَى): أتى مستقبله على "يفعل" على التشبيه بِـ "قرأ، يقرأ"، لأن الهمزة تبدل منها الألف، وهي من حروف الحلق مثلها. وقالوا: "جبى، يجبي" من الجباية بالفتح، "وقلى يقلى" بالفتح على التشبيه أيضاً. وإبليس [في قول] ابن عباس: كان من حي من أحياء يقال لهم الجن، خلقوا من نار السموم، وكان اسمه الحارث، وكان من خزان الجنة. وروي عنه أيضاً أنه قال: "كان إبليس من الملائكة واسمه عزرائيل، وكان من سكان الأرض وكان شديد العبادة وواسع العلم، فدعاه ذلك إلى الكبر". وإنما سمي من الجن لأنه كان خازناً للجنة، فكأنه منسوب إليها، كما تقول: مكي وبصري وشامي. وقيل: سمي من الجن لأنه لا يرى، كما سمى الله الملائكة جناً، فقال: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً﴾ [الصافات: ١٥٨]. وأصله كله الاستتار. وقال شهر بن حوشب: "كان إبليس من الجن الذين طردتهم الملائكة في الأرض حين أفسدوا فأسره بعض الملائكة، فذهب به إلى السماء". وهذا غير معروف. وقال سعد بن مسعود: "سما إبليس من الأرض وهو صغير، فكان مع الملائكة فتعبد، فلما أمر بالسجود لآدم امتنع فذلك قوله ﴿كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠]. وقال ابن زيد: "إبليس أبو الجن، كما أن آدم أبو الإنس". وروى عكرمة عن ابن عباس أن الله خلق خلقاً فقال: "اسجدوا لآدم فأبوا فأحرقهم، ثم [خلقَ خَلقاً] آخر فأبوا فأحرقهم ثم خلق هؤلاء فسجدوا إلا إبليس كان من أولئك الذين أبو السجود لآدم". والسجود الذي أمروا به إنما هو على جهة التحية، لا على جهة العبادة. وقيل: أمروا بذلك إكراماً له. وقيل: معناه: اسجدوا إليه كما يسجد إلى الكعبة فجعل قبلة إكراماً له. وروي عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة أن آدم ﷺ استوحش في الجنة قبل أن تخلق حواء بعد لعن إبليس وخروجه من الجنة، فنام نومة فاستيقظ، فوجد امرأة عند رأسه قد خلقها الله من ضلعه من شقه الأيسر فسألها: من أنت؟ قالت: امرأة. قال: ولِمَ خلقت؟ قالت: لتسكن إلي. فقالت له الملائكة - ينظرون مبلغ علمه -: ما اسمها يا آدم؟ قال: حواء، قالوا: ولِمَ سميت حواء؟ قال: لأنها خلقت من شيء حي. فكان أصلها "حيّاء"، ثم أبدل من الياء واو".

البقرة 2:35

قوله: ﴿رَغَداً﴾ إلى قوله: ﴿مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾. * * قوله: ﴿رَغَداً﴾ أي واسعاً. وقيل: هنيئاً. وقال مجاهد: "رغداً لا حساب عليهما فيه"، وهو من السعة في المعيشة. قال ابن عباس في رواية أبي صالح عنه: "الشجرة شجرة العلم، فيها أنواع الثمار كلها". وعن ابن جريج أنه قال: "هي التينة". وعن ابن عباس أيضاً وأبي مالك: "الشجرة السنبلة لكن الحبة منها ككلى البقر ألين من الزبد وأحلى من العسل". وروى عن ابن مسعود أنها الكرمة. وذكر ذلك أيضاً عن ابن عباس، وعليه أكثر المفسرين، ولذلك حرم الله الخمر في قول بعضهم. قال أبو هريرة: "هي العنبة نهي آدم عنها، وجعلت فتنة لولده من بعده". وتزعم اليهود عليها اللعنة أنها الحنطة. * * قوله: ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾. أي استزلهما، ومن قرأ: (فَأَزَالَهُمَا) وهو حمزة فمعناه نحّاهُما. والهاء في "عَنْها" تعود على الشجرة، يعني حسدهما إبليس اللعين على ما كانا فيه، فاستزلهما وتكبر عن السجود لآدم ﷺ. وروى ابن القاسم عن مالك أنه قال: "بلغني أن أول معصية كانت الحسد والكبر والشح: حسد إبليس وتكبر على آدم، وشح آدم، فقيل له: كُلْ من شجر الجنة إلا التي نهى عنها فشح فأكل منها". قال وهب بن منبه: "لما أراد إبليس من آدم عليه السلام ما أراد دخل في جوف الحية، وكان لها أربع قوائم كالبختية، فدخلت الجنة، وخرج إبليس إلى الشجرة وأخذ منها، وجاء إلى حواء فقال لها: انظري ما أطيب هذه الشجرة وأحلاها وأحسن ريحها. فأكلت منها ثم مضت إلى آدم ﷺ فقالت له مثل ما قال إبليس، فأكل منها، فبدت له سوأته عند ذلك، وقام فدخل في جوف الشجرة. فقال الله تعالى: يا حواء أنت التي غررت عبدي، فإنك لا تحملين حملاً إلا حملتيه كرهاً، ولا تضعين ما في بطنك إلا أشرفت على الموت مراراً. ثم لعن الحية لعنة تحولت قوائمها في بطنها، ولا [رزق لها] إلا التراب، وجعلها عدوة لبني آدم، تهلكهم إذا لدغت أحدهم ويقتلونها إذا ظفروا بها". وقال ابن عباس: "أتى إبليس اللعين ليدخل على آدم ﷺ فمنعته الخزنة فقال للحية وهي كأحسن الدواب: أدخليني في فقمك، أي في جانب فمك، حتى أدخل الجنة ففعلت ومرت بالملائكة وهم لا يعلمون ما صنعت، فخرج إلى آدم فقال: ﴿يٰآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ﴾ [طه: ١٢٠]، كما حكى الله جل ذكره. وقال له: هل أدلك على شجرة إن أكلت منها كنت ملكاً مثل الله سبحانه أو تكون من الخالدين، وحلف لهما بالله إني لكما من الناصحين فأبى آدم عليه السلام أن يأكل، فتقدمت حواء فأكلت ثم قالت: يا آدم، كُلْ، فإني قد أكلت فلم تضرني، فلما أكل بدت لهما سوآتهما". وروي أنهما لما أكلا من الشجرة سقط عنهما لباسهما وهو النور الذي كان ألبسهما الله إياهما، فهرب آدم من ربه عز وجل مستتراً بورق الجنة، فناداه ربه: أفراراً مني يا آدم؟ قال: بل حياء منك يا رب. ما ظننت أن أحداً يقسم باسمك كاذباً، فقال له الله جل ذكره: أما خلقتك بيدي؟ أما أسجدت لك ملائكتي؟ أما نفخت فيك من روحي؟ أما أسكنتك في جواري؟ فَلِمَ عصيتني؟ أخرج من جواري، فلا يجاورني من عصاني، فقال آدم: سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله أنت رب، عملتُ سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي، إنك خير الغافرين. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، عملت سوءاً وظلمت نفسي فارحمني، إنك أرحم الراحمين. سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت ربي عملت سوءاً، وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم". فهذه الكلمات التي ألهمها الله عز وجل. * * قوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾. وروي عن النبي [عليه السلام] أنه قال: "لَمْ يَحْزَنْ حُزْنَ آدَمَ أَحَدٌ قَطْ؛ بَكَى أرْبَعينَ عاماً، وسَجَدَ أرْبَعينَ عاماً تائِباً حَتَّى قَبِل اللهُ مِنْهُ وقال الحسن: "بكى آدم عليه السلام على الجنة ثلاثمائة". وقال ابن زيد: "لو أن بكاء داود وبكاء جميع أهل الأرض عدل ببكاء آدم على الجنة ما عدله". وقال ابن إسحاق: "لما دخل إليهما إبليس بكى وناح عليهما كيداً منه، فقالا له: ما يبكيك؟ فقال: أبكي عليكما تموتان، وتفارقان ما أنتما فيه، فوقع ذلك في أنفسهما، ثم وسوس إليهما وحلف لهما فأكلا منها"، قال: و "ذهب آدم عليه السلام في الجنة هارباً لما أكل، فقال له [ربه: يا آدم] أمني تفر؟ قال: لا يا رب، ولكن حياء منك. قال الله: يا آدم: إنه أوتيتَ مِن قِبل حواء. قال: أي رب. قال الله: فإن لها علي أن أدميها في كل شهر مرة، وأن أجعلها سفيهة وأن أجعلها تحمل كرهاً وتضع كرهاً". وكان سعيد بن المسيب يحلف بالله أن آدم ما أكل من الشجرة وهو يعقل، ولكن حواء سقته الخمر، حتى إذا سكر قادته إليها فأكل. وقال جماعة من أهل التأويل: "لم يدخل إبليس الجنة وإنما وسوس إليه شيطانه الذي جعله الله ليبتلي به آدم وذريته ويأتي ابن آدم في يقظته ونومه، وعلى كل حال. وقد قال تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ٢٠]، وقال: ﴿يَابَنِيۤ ءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧] فأخبرنا أن الذي أخرج أبانا هو الذي يوسوس في صدورنا". وعن النبي [عليه السلام] أنه قال: "إنّ الشّيْطانَ يَجْري مِنْ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّم قوله: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. يعني آدم وحواء والحية وإبليس. فنزل إبليس أولاً نحو الأبُلَّة في المشرق، ونزل آدم على جبل من جبال الهند ونزلت حواء بجَدة، ونزلت الحية بأصبهان. وروي أنه لما خرج آدم إلى شقاء الدنيا أتاه جبريل عليه السلام فعلمه كيف يحرث فحرث، ثم زرع، ثم حصد، ثم درس، ثم خبز ثم أكل، فلما عرض له الخلاء جاء وذهب وتردد، وهو لا يدري ما حدث به ولا ما يصنع، فقعد وتعصر فخرج منه الحدَث مُنتِنا، فقال: يا رب ما هذا النتن؟ فقال: هذه ريح خطيئتك". * * قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾. أي قرار إلى حين، وقيل: القرار في القبور، وروي ذلك عن ابن عباس. * * قوله: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾، أي إلى الموت. وقيل: إلى قيام الساعة فتخرجون من القبور. وقيل ﴿إِلَىٰ حِينٍ﴾: إلى أجل قد علمه تعالى. وقال أبو موسى الأشعري: "إن الله حين أهبط آدم من الجنة إلى الأرض، علمه صنعة كل شيء، وزوَّده من ثمار الجنة، فثمركم هذه من ثمار الجنة، غير أن هذه تتغير، وتلك لا تتغير". * * قوله: ﴿فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ﴾. أي أخذها وقبلها. وقيل: ألهمها فانتفع بها إذا رفعت، ومَن نصب "آدم" فمعناه أن الكلمات رحمة من ربه أدركتْه قاستنقذته. فالكلمات فيما روي عن ابن عباس [قول آدم]: أي رب: ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى، ثم قال: أي رب ألم تنفخ فيّ من روحك؟ قال: بلى. ثم قال: أي رب ألم تسكني جنتك؟ قال: بلى، ثم قال: أي رب. أرأيت إن تبتُ وأصلحت، أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: بلى. فذلك تَلَقّيه". وزاد قتادة أنه قال: "وسبقت رحمتك إلي قبل غضبك، قيل له: بلى. قال: رب هل كتبت هذا علي قبل أن تخلقني؟ قيل له: نعم. قال رب إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: نعم". وقال الحسن: "هو قولهما: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا﴾ الآية". وقال قتادة: "هي قول آدم عليه السلام: يا رب أرأيت إن أنا تبت وأصلحت؟ قال: إذاً أدخلك الجنة". وقال عبيد بن عمير: "قال آدم: يا رب خطيئتي التي أخطأتها، أشيء كتبته علي قبل أن تخلقني؟ [أو شيء أنا ابتدعته] من قبل نفسي؟ قال: بل شيء كتبته عليك قبل أن أخلقك. قال: فكما كتبته علي فاغفرْهُ لي، فذلك الذي تلقى آدم". وقال عبد الرحمن بن زيد بن معاوية: "قال آدم: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك فتب علي إنك أنت التواب الرحيم، فذلك الذي تلقى". وروي عن مجاهد أنه قال: "هو قول آدم: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت خير الغافرين. اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فارحمني إنك خير الراحمين. اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم". وروي عنه أنه قال: "هو قول آدم: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا﴾ الآية". وروى عنه ابن جريج أنه قال: "هي قول آدم: رب أتتوب عَلَيَّ إن تبت؟ قال: نعم. فتاب عليه ربه". روي أن آدم رأى كَلِماً في الجنة مكتوب: لا إله إلا الله محمد عبدي ورسولي، فعلم آدم أن محمداً ﷺ أكرم الخلق عليه، فقال حين أخطأ: اللهم بحق محمد اغفر لي خطيئتي، فغفر الله له". وكانت كنيته أبا محمد، وقيل: أبا البشر. فذلك قوله: ﴿فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ﴾. قال ابن عباس: "تاب الله على آدم يوم عاشوراء".

البقرة 2:36

قوله: ﴿رَغَداً﴾ إلى قوله: ﴿مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾. * * قوله: ﴿رَغَداً﴾ أي واسعاً. وقيل: هنيئاً. وقال مجاهد: "رغداً لا حساب عليهما فيه"، وهو من السعة في المعيشة. قال ابن عباس في رواية أبي صالح عنه: "الشجرة شجرة العلم، فيها أنواع الثمار كلها". وعن ابن جريج أنه قال: "هي التينة". وعن ابن عباس أيضاً وأبي مالك: "الشجرة السنبلة لكن الحبة منها ككلى البقر ألين من الزبد وأحلى من العسل". وروى عن ابن مسعود أنها الكرمة. وذكر ذلك أيضاً عن ابن عباس، وعليه أكثر المفسرين، ولذلك حرم الله الخمر في قول بعضهم. قال أبو هريرة: "هي العنبة نهي آدم عنها، وجعلت فتنة لولده من بعده". وتزعم اليهود عليها اللعنة أنها الحنطة. * * قوله: ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾. أي استزلهما، ومن قرأ: (فَأَزَالَهُمَا) وهو حمزة فمعناه نحّاهُما. والهاء في "عَنْها" تعود على الشجرة، يعني حسدهما إبليس اللعين على ما كانا فيه، فاستزلهما وتكبر عن السجود لآدم ﷺ. وروى ابن القاسم عن مالك أنه قال: "بلغني أن أول معصية كانت الحسد والكبر والشح: حسد إبليس وتكبر على آدم، وشح آدم، فقيل له: كُلْ من شجر الجنة إلا التي نهى عنها فشح فأكل منها". قال وهب بن منبه: "لما أراد إبليس من آدم عليه السلام ما أراد دخل في جوف الحية، وكان لها أربع قوائم كالبختية، فدخلت الجنة، وخرج إبليس إلى الشجرة وأخذ منها، وجاء إلى حواء فقال لها: انظري ما أطيب هذه الشجرة وأحلاها وأحسن ريحها. فأكلت منها ثم مضت إلى آدم ﷺ فقالت له مثل ما قال إبليس، فأكل منها، فبدت له سوأته عند ذلك، وقام فدخل في جوف الشجرة. فقال الله تعالى: يا حواء أنت التي غررت عبدي، فإنك لا تحملين حملاً إلا حملتيه كرهاً، ولا تضعين ما في بطنك إلا أشرفت على الموت مراراً. ثم لعن الحية لعنة تحولت قوائمها في بطنها، ولا [رزق لها] إلا التراب، وجعلها عدوة لبني آدم، تهلكهم إذا لدغت أحدهم ويقتلونها إذا ظفروا بها". وقال ابن عباس: "أتى إبليس اللعين ليدخل على آدم ﷺ فمنعته الخزنة فقال للحية وهي كأحسن الدواب: أدخليني في فقمك، أي في جانب فمك، حتى أدخل الجنة ففعلت ومرت بالملائكة وهم لا يعلمون ما صنعت، فخرج إلى آدم فقال: ﴿يٰآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ﴾ [طه: ١٢٠]، كما حكى الله جل ذكره. وقال له: هل أدلك على شجرة إن أكلت منها كنت ملكاً مثل الله سبحانه أو تكون من الخالدين، وحلف لهما بالله إني لكما من الناصحين فأبى آدم عليه السلام أن يأكل، فتقدمت حواء فأكلت ثم قالت: يا آدم، كُلْ، فإني قد أكلت فلم تضرني، فلما أكل بدت لهما سوآتهما". وروي أنهما لما أكلا من الشجرة سقط عنهما لباسهما وهو النور الذي كان ألبسهما الله إياهما، فهرب آدم من ربه عز وجل مستتراً بورق الجنة، فناداه ربه: أفراراً مني يا آدم؟ قال: بل حياء منك يا رب. ما ظننت أن أحداً يقسم باسمك كاذباً، فقال له الله جل ذكره: أما خلقتك بيدي؟ أما أسجدت لك ملائكتي؟ أما نفخت فيك من روحي؟ أما أسكنتك في جواري؟ فَلِمَ عصيتني؟ أخرج من جواري، فلا يجاورني من عصاني، فقال آدم: سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله أنت رب، عملتُ سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي، إنك خير الغافرين. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، عملت سوءاً وظلمت نفسي فارحمني، إنك أرحم الراحمين. سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت ربي عملت سوءاً، وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم". فهذه الكلمات التي ألهمها الله عز وجل. * * قوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾. وروي عن النبي [عليه السلام] أنه قال: "لَمْ يَحْزَنْ حُزْنَ آدَمَ أَحَدٌ قَطْ؛ بَكَى أرْبَعينَ عاماً، وسَجَدَ أرْبَعينَ عاماً تائِباً حَتَّى قَبِل اللهُ مِنْهُ وقال الحسن: "بكى آدم عليه السلام على الجنة ثلاثمائة". وقال ابن زيد: "لو أن بكاء داود وبكاء جميع أهل الأرض عدل ببكاء آدم على الجنة ما عدله". وقال ابن إسحاق: "لما دخل إليهما إبليس بكى وناح عليهما كيداً منه، فقالا له: ما يبكيك؟ فقال: أبكي عليكما تموتان، وتفارقان ما أنتما فيه، فوقع ذلك في أنفسهما، ثم وسوس إليهما وحلف لهما فأكلا منها"، قال: و "ذهب آدم عليه السلام في الجنة هارباً لما أكل، فقال له [ربه: يا آدم] أمني تفر؟ قال: لا يا رب، ولكن حياء منك. قال الله: يا آدم: إنه أوتيتَ مِن قِبل حواء. قال: أي رب. قال الله: فإن لها علي أن أدميها في كل شهر مرة، وأن أجعلها سفيهة وأن أجعلها تحمل كرهاً وتضع كرهاً". وكان سعيد بن المسيب يحلف بالله أن آدم ما أكل من الشجرة وهو يعقل، ولكن حواء سقته الخمر، حتى إذا سكر قادته إليها فأكل. وقال جماعة من أهل التأويل: "لم يدخل إبليس الجنة وإنما وسوس إليه شيطانه الذي جعله الله ليبتلي به آدم وذريته ويأتي ابن آدم في يقظته ونومه، وعلى كل حال. وقد قال تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ٢٠]، وقال: ﴿يَابَنِيۤ ءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧] فأخبرنا أن الذي أخرج أبانا هو الذي يوسوس في صدورنا". وعن النبي [عليه السلام] أنه قال: "إنّ الشّيْطانَ يَجْري مِنْ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّم قوله: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. يعني آدم وحواء والحية وإبليس. فنزل إبليس أولاً نحو الأبُلَّة في المشرق، ونزل آدم على جبل من جبال الهند ونزلت حواء بجَدة، ونزلت الحية بأصبهان. وروي أنه لما خرج آدم إلى شقاء الدنيا أتاه جبريل عليه السلام فعلمه كيف يحرث فحرث، ثم زرع، ثم حصد، ثم درس، ثم خبز ثم أكل، فلما عرض له الخلاء جاء وذهب وتردد، وهو لا يدري ما حدث به ولا ما يصنع، فقعد وتعصر فخرج منه الحدَث مُنتِنا، فقال: يا رب ما هذا النتن؟ فقال: هذه ريح خطيئتك". * * قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾. أي قرار إلى حين، وقيل: القرار في القبور، وروي ذلك عن ابن عباس. * * قوله: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾، أي إلى الموت. وقيل: إلى قيام الساعة فتخرجون من القبور. وقيل ﴿إِلَىٰ حِينٍ﴾: إلى أجل قد علمه تعالى. وقال أبو موسى الأشعري: "إن الله حين أهبط آدم من الجنة إلى الأرض، علمه صنعة كل شيء، وزوَّده من ثمار الجنة، فثمركم هذه من ثمار الجنة، غير أن هذه تتغير، وتلك لا تتغير". * * قوله: ﴿فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ﴾. أي أخذها وقبلها. وقيل: ألهمها فانتفع بها إذا رفعت، ومَن نصب "آدم" فمعناه أن الكلمات رحمة من ربه أدركتْه قاستنقذته. فالكلمات فيما روي عن ابن عباس [قول آدم]: أي رب: ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى، ثم قال: أي رب ألم تنفخ فيّ من روحك؟ قال: بلى. ثم قال: أي رب ألم تسكني جنتك؟ قال: بلى، ثم قال: أي رب. أرأيت إن تبتُ وأصلحت، أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: بلى. فذلك تَلَقّيه". وزاد قتادة أنه قال: "وسبقت رحمتك إلي قبل غضبك، قيل له: بلى. قال: رب هل كتبت هذا علي قبل أن تخلقني؟ قيل له: نعم. قال رب إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: نعم". وقال الحسن: "هو قولهما: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا﴾ الآية". وقال قتادة: "هي قول آدم عليه السلام: يا رب أرأيت إن أنا تبت وأصلحت؟ قال: إذاً أدخلك الجنة". وقال عبيد بن عمير: "قال آدم: يا رب خطيئتي التي أخطأتها، أشيء كتبته علي قبل أن تخلقني؟ [أو شيء أنا ابتدعته] من قبل نفسي؟ قال: بل شيء كتبته عليك قبل أن أخلقك. قال: فكما كتبته علي فاغفرْهُ لي، فذلك الذي تلقى آدم". وقال عبد الرحمن بن زيد بن معاوية: "قال آدم: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك فتب علي إنك أنت التواب الرحيم، فذلك الذي تلقى". وروي عن مجاهد أنه قال: "هو قول آدم: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت خير الغافرين. اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فارحمني إنك خير الراحمين. اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم". وروي عنه أنه قال: "هو قول آدم: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا﴾ الآية". وروى عنه ابن جريج أنه قال: "هي قول آدم: رب أتتوب عَلَيَّ إن تبت؟ قال: نعم. فتاب عليه ربه". روي أن آدم رأى كَلِماً في الجنة مكتوب: لا إله إلا الله محمد عبدي ورسولي، فعلم آدم أن محمداً ﷺ أكرم الخلق عليه، فقال حين أخطأ: اللهم بحق محمد اغفر لي خطيئتي، فغفر الله له". وكانت كنيته أبا محمد، وقيل: أبا البشر. فذلك قوله: ﴿فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ﴾. قال ابن عباس: "تاب الله على آدم يوم عاشوراء".

البقرة 2:37

قوله: ﴿رَغَداً﴾ إلى قوله: ﴿مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾. * * قوله: ﴿رَغَداً﴾ أي واسعاً. وقيل: هنيئاً. وقال مجاهد: "رغداً لا حساب عليهما فيه"، وهو من السعة في المعيشة. قال ابن عباس في رواية أبي صالح عنه: "الشجرة شجرة العلم، فيها أنواع الثمار كلها". وعن ابن جريج أنه قال: "هي التينة". وعن ابن عباس أيضاً وأبي مالك: "الشجرة السنبلة لكن الحبة منها ككلى البقر ألين من الزبد وأحلى من العسل". وروى عن ابن مسعود أنها الكرمة. وذكر ذلك أيضاً عن ابن عباس، وعليه أكثر المفسرين، ولذلك حرم الله الخمر في قول بعضهم. قال أبو هريرة: "هي العنبة نهي آدم عنها، وجعلت فتنة لولده من بعده". وتزعم اليهود عليها اللعنة أنها الحنطة. * * قوله: ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾. أي استزلهما، ومن قرأ: (فَأَزَالَهُمَا) وهو حمزة فمعناه نحّاهُما. والهاء في "عَنْها" تعود على الشجرة، يعني حسدهما إبليس اللعين على ما كانا فيه، فاستزلهما وتكبر عن السجود لآدم ﷺ. وروى ابن القاسم عن مالك أنه قال: "بلغني أن أول معصية كانت الحسد والكبر والشح: حسد إبليس وتكبر على آدم، وشح آدم، فقيل له: كُلْ من شجر الجنة إلا التي نهى عنها فشح فأكل منها". قال وهب بن منبه: "لما أراد إبليس من آدم عليه السلام ما أراد دخل في جوف الحية، وكان لها أربع قوائم كالبختية، فدخلت الجنة، وخرج إبليس إلى الشجرة وأخذ منها، وجاء إلى حواء فقال لها: انظري ما أطيب هذه الشجرة وأحلاها وأحسن ريحها. فأكلت منها ثم مضت إلى آدم ﷺ فقالت له مثل ما قال إبليس، فأكل منها، فبدت له سوأته عند ذلك، وقام فدخل في جوف الشجرة. فقال الله تعالى: يا حواء أنت التي غررت عبدي، فإنك لا تحملين حملاً إلا حملتيه كرهاً، ولا تضعين ما في بطنك إلا أشرفت على الموت مراراً. ثم لعن الحية لعنة تحولت قوائمها في بطنها، ولا [رزق لها] إلا التراب، وجعلها عدوة لبني آدم، تهلكهم إذا لدغت أحدهم ويقتلونها إذا ظفروا بها". وقال ابن عباس: "أتى إبليس اللعين ليدخل على آدم ﷺ فمنعته الخزنة فقال للحية وهي كأحسن الدواب: أدخليني في فقمك، أي في جانب فمك، حتى أدخل الجنة ففعلت ومرت بالملائكة وهم لا يعلمون ما صنعت، فخرج إلى آدم فقال: ﴿يٰآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ﴾ [طه: ١٢٠]، كما حكى الله جل ذكره. وقال له: هل أدلك على شجرة إن أكلت منها كنت ملكاً مثل الله سبحانه أو تكون من الخالدين، وحلف لهما بالله إني لكما من الناصحين فأبى آدم عليه السلام أن يأكل، فتقدمت حواء فأكلت ثم قالت: يا آدم، كُلْ، فإني قد أكلت فلم تضرني، فلما أكل بدت لهما سوآتهما". وروي أنهما لما أكلا من الشجرة سقط عنهما لباسهما وهو النور الذي كان ألبسهما الله إياهما، فهرب آدم من ربه عز وجل مستتراً بورق الجنة، فناداه ربه: أفراراً مني يا آدم؟ قال: بل حياء منك يا رب. ما ظننت أن أحداً يقسم باسمك كاذباً، فقال له الله جل ذكره: أما خلقتك بيدي؟ أما أسجدت لك ملائكتي؟ أما نفخت فيك من روحي؟ أما أسكنتك في جواري؟ فَلِمَ عصيتني؟ أخرج من جواري، فلا يجاورني من عصاني، فقال آدم: سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله أنت رب، عملتُ سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي، إنك خير الغافرين. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، عملت سوءاً وظلمت نفسي فارحمني، إنك أرحم الراحمين. سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت ربي عملت سوءاً، وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم". فهذه الكلمات التي ألهمها الله عز وجل. * * قوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾. وروي عن النبي [عليه السلام] أنه قال: "لَمْ يَحْزَنْ حُزْنَ آدَمَ أَحَدٌ قَطْ؛ بَكَى أرْبَعينَ عاماً، وسَجَدَ أرْبَعينَ عاماً تائِباً حَتَّى قَبِل اللهُ مِنْهُ وقال الحسن: "بكى آدم عليه السلام على الجنة ثلاثمائة". وقال ابن زيد: "لو أن بكاء داود وبكاء جميع أهل الأرض عدل ببكاء آدم على الجنة ما عدله". وقال ابن إسحاق: "لما دخل إليهما إبليس بكى وناح عليهما كيداً منه، فقالا له: ما يبكيك؟ فقال: أبكي عليكما تموتان، وتفارقان ما أنتما فيه، فوقع ذلك في أنفسهما، ثم وسوس إليهما وحلف لهما فأكلا منها"، قال: و "ذهب آدم عليه السلام في الجنة هارباً لما أكل، فقال له [ربه: يا آدم] أمني تفر؟ قال: لا يا رب، ولكن حياء منك. قال الله: يا آدم: إنه أوتيتَ مِن قِبل حواء. قال: أي رب. قال الله: فإن لها علي أن أدميها في كل شهر مرة، وأن أجعلها سفيهة وأن أجعلها تحمل كرهاً وتضع كرهاً". وكان سعيد بن المسيب يحلف بالله أن آدم ما أكل من الشجرة وهو يعقل، ولكن حواء سقته الخمر، حتى إذا سكر قادته إليها فأكل. وقال جماعة من أهل التأويل: "لم يدخل إبليس الجنة وإنما وسوس إليه شيطانه الذي جعله الله ليبتلي به آدم وذريته ويأتي ابن آدم في يقظته ونومه، وعلى كل حال. وقد قال تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ٢٠]، وقال: ﴿يَابَنِيۤ ءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧] فأخبرنا أن الذي أخرج أبانا هو الذي يوسوس في صدورنا". وعن النبي [عليه السلام] أنه قال: "إنّ الشّيْطانَ يَجْري مِنْ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّم قوله: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. يعني آدم وحواء والحية وإبليس. فنزل إبليس أولاً نحو الأبُلَّة في المشرق، ونزل آدم على جبل من جبال الهند ونزلت حواء بجَدة، ونزلت الحية بأصبهان. وروي أنه لما خرج آدم إلى شقاء الدنيا أتاه جبريل عليه السلام فعلمه كيف يحرث فحرث، ثم زرع، ثم حصد، ثم درس، ثم خبز ثم أكل، فلما عرض له الخلاء جاء وذهب وتردد، وهو لا يدري ما حدث به ولا ما يصنع، فقعد وتعصر فخرج منه الحدَث مُنتِنا، فقال: يا رب ما هذا النتن؟ فقال: هذه ريح خطيئتك". * * قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾. أي قرار إلى حين، وقيل: القرار في القبور، وروي ذلك عن ابن عباس. * * قوله: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾، أي إلى الموت. وقيل: إلى قيام الساعة فتخرجون من القبور. وقيل ﴿إِلَىٰ حِينٍ﴾: إلى أجل قد علمه تعالى. وقال أبو موسى الأشعري: "إن الله حين أهبط آدم من الجنة إلى الأرض، علمه صنعة كل شيء، وزوَّده من ثمار الجنة، فثمركم هذه من ثمار الجنة، غير أن هذه تتغير، وتلك لا تتغير". * * قوله: ﴿فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ﴾. أي أخذها وقبلها. وقيل: ألهمها فانتفع بها إذا رفعت، ومَن نصب "آدم" فمعناه أن الكلمات رحمة من ربه أدركتْه قاستنقذته. فالكلمات فيما روي عن ابن عباس [قول آدم]: أي رب: ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى، ثم قال: أي رب ألم تنفخ فيّ من روحك؟ قال: بلى. ثم قال: أي رب ألم تسكني جنتك؟ قال: بلى، ثم قال: أي رب. أرأيت إن تبتُ وأصلحت، أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: بلى. فذلك تَلَقّيه". وزاد قتادة أنه قال: "وسبقت رحمتك إلي قبل غضبك، قيل له: بلى. قال: رب هل كتبت هذا علي قبل أن تخلقني؟ قيل له: نعم. قال رب إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: نعم". وقال الحسن: "هو قولهما: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا﴾ الآية". وقال قتادة: "هي قول آدم عليه السلام: يا رب أرأيت إن أنا تبت وأصلحت؟ قال: إذاً أدخلك الجنة". وقال عبيد بن عمير: "قال آدم: يا رب خطيئتي التي أخطأتها، أشيء كتبته علي قبل أن تخلقني؟ [أو شيء أنا ابتدعته] من قبل نفسي؟ قال: بل شيء كتبته عليك قبل أن أخلقك. قال: فكما كتبته علي فاغفرْهُ لي، فذلك الذي تلقى آدم". وقال عبد الرحمن بن زيد بن معاوية: "قال آدم: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك فتب علي إنك أنت التواب الرحيم، فذلك الذي تلقى". وروي عن مجاهد أنه قال: "هو قول آدم: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت خير الغافرين. اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فارحمني إنك خير الراحمين. اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم". وروي عنه أنه قال: "هو قول آدم: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا﴾ الآية". وروى عنه ابن جريج أنه قال: "هي قول آدم: رب أتتوب عَلَيَّ إن تبت؟ قال: نعم. فتاب عليه ربه". روي أن آدم رأى كَلِماً في الجنة مكتوب: لا إله إلا الله محمد عبدي ورسولي، فعلم آدم أن محمداً ﷺ أكرم الخلق عليه، فقال حين أخطأ: اللهم بحق محمد اغفر لي خطيئتي، فغفر الله له". وكانت كنيته أبا محمد، وقيل: أبا البشر. فذلك قوله: ﴿فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ﴾. قال ابن عباس: "تاب الله على آدم يوم عاشوراء".

البقرة 2:38

قوله: ﴿قُلْنَا ٱهْبِطُواْ﴾. يريد آدم وإبليس وذرية آدم. وقيل: آدم وإبليس وحواء والحية. وقيل: آدم وحواء فقط، وجمعا كما يخاطب الواحد بلفظ الجمع لشرفه. قال مجاهد: "أهبط آدم بأرض الهند فحج البيت على قدميه أربعين حجة، فقيل له: ولم تكن معه دابة تحمله؟ فقال: وأي دابة تطيقه؟ كانت خطوته مسيرة ثلاثة أيام، وموضع قدميه كالقرية". روى ابن وهب عن مالك أنه قال: "إن آدم لما أهبط إلى الأرض بالسند والهند، قال: يا رب أهذه أحب الأرض إليك أن نعبدك فيها؟ فقال: بل مكة، فسار آدم حتى أتى مكة فوجد عندها ملائكة يطوفون بالبيْت، ويعبدون الله، فقالوا: مرحَباً بآدم، أبي البشر، إنا منتظروك هنا منذ ألفي عام". * * قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى﴾. أي رسل وأنبياء مخاطبة لذرية آدم. وقيل: هُدى بيان من أمري. وقيل: الهدى محمد ﷺ. ﴿فَمَن تَبِعَ هُدَايَ﴾ أي من أطاعه وآمن به فلا خوف عليه في الآخرة. وبنو إسرائيل هم ولد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن ﷺ. و "إسرا": بمعنى عبد. و "إيل": هو الله [عز وجل] بالعبرانية، وهو مخاطبة لبني قريظة والنضير ثم عام في جميع بني إسرائيل.

البقرة 2:40

قوله: ﴿نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾. "هو أن جعلت منكم الرسل والأنبياء، وأنزلت عليكم الكتاب". قال ذلك أبو العالية. وقال مجاهد: "النعمة تفجر الحجر وإنزال المن والسلوى عليهم، وإنجاؤهم من آل فرعون". وقال ابن زيد: "نعمته الإسلام، ولا نعمة أعظم منها، وما سِواها تبع لها". * * قوله: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾. العهد هنا عن قتادة قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً﴾ [المائدة: ١٢]. من كل سبط شاهد على سبطه، إلى قوله: ﴿ٱلأَنْهَارُ﴾ [المائدة: ١٢]. وعن ابن عباس: "هو ما أخذ عليهم في التوراة والإنجيل من التصديق بمحمد ﷺ وطاعته واتباع أمره". ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾: الجنة والتجاوز عن الصغائر. واختيار الطبري أن يكون هو ما أخذ عليهم في التوراة من أن يبينوا للناس أمر النبي ﷺ كما قال تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧]. أي أمْر محمد ﷺ وقال: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. فالمعنى آمنوا بمحمد ﷺ وانصُروه كما عهدت إليكم في التوراة؛ أوف لكم بما عهدت لكم من دخولكم الجنة. وروي أن في التوراة: "هو أحمد الضحوك القتول يركب البعير ويلبس الشمْلة ويجتزي بالكسرة، سيفه على عاتقه". * * ومعنى ﴿فَٱرْهَبُونِ﴾ أي خافون واخشوني أن أنزل بكم ما أنزلت بمن كان قبلكم من النقمات.

البقرة 2:41

قوله: ﴿مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ﴾. أي هذا القرآن يصدق التوراة والإنجيل لأن فيها الأمر باتباع محمد ﷺ، وكذلك في القرآن. فمن لم يتبعه فقد كفر بالجميع؛ لأنهم يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل. وكذلك حكى الله عنهم، فإذا جحدوا به فقد جحدوا ما هو مكتوب عندهم، ومَن جحَد حرفاً واحداً من كتاب الله فهو جاحد للجميع. * * قوله: ﴿أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾. أي أول من كفر. وقيل: أول فريق كافر. وقيل: معناه: لا تسبوا الكفر وأنتم علماء فيُقتدى بكم. وقيل: معناه: [ولا تكونوا] أول من كفر به من أهل الكتاب؛ يريد قريظة والنضير خاصة، لأنه قد كفر به المشركون قبل ذلك بمكة، وليس نهيه أن تكونوا أول كافر يبيح لهم أن يكونوا ثانياً أو ثالثاً فما بعده، لأن النهي عن الشيء لا يكون دليلاً على إباحة أضداده. وذلك في الأمر جائز، يكون الأمر بالشيء دليلاً عن النهي عن أضداده. والهاء في "به" تعود على محمد ﷺ. وقيل: على كتابهم لأنهم إذا كفروا بمحمد ﷺ، فقد كفروا بكتابهم. وقيل: الهاء تعود على القرآن لأنه جرى ذكره في أول الآية، ولم يجر ذكر محمد ﷺ ولا التوراة والإنجيل باللفظ، ولكن جرى ذلك بالمعنى في قوله: ﴿لِّمَا مَعَكُمْ﴾. وقيل: إن هذا خطاب لقريظة والنضير لأن رسول الله ﷺ قدم عليهم فعصوه فكانوا أول من كفر به من اليهود. * * قوله: ﴿وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَٰتِي ثَمَناً قَلِيلاً﴾. كان لأشراف اليهود مأكلة يأكلونها من أموال الناس كل عام على الدين فخشوا أن يؤمنوا فتذهب مأكلتهم.

البقرة 2:42

قوله: ﴿وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ﴾. أي: [لا تخلطوا الحق بالباطل، وهو إظهار] المنافق الإيمان بلسانه وجحوده بقلبه. وقيل: هو قول بعض اليهود: "محمد نبي مرسل مبعوث إلا أنه لم يبعث إلينا"، فيقرون ثم يجحدون. وقال مجاهد: "لا تخلطوا اليهودية والنصرانية بالإسلام". وقال ابن زيد: "الحق التوراة، والباطل [ما كتبوه وغيروه] بأيديهم". * * قوله: ﴿وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي تكتمون أمر محمد وأنتم تعلمون أنه نبي مبعوث ﷺ إلى الخلق كافة، تجدونه مكتوباً عندكم كذلك في التوراة والإنجيل.

البقرة 2:43

قوله: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ﴾. إنما أمروا بهذا لأنهم كانوا يأمرون الناس به ولا يفعلونه، دل عليه قوله: ﴿أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي تتركون أنفسكم". والزكاة النماء والزيادة. سميت بذلك لأنها تنمي المال وتثمره. وروى أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: "رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي رجالاً تُقْرضُ شِفاهُهُمْ بِمَقَاريضَ مِنْ نارٍ، فَقُلْتُ: يا جِبْريلَ مَنْ هَؤُلاءِ؟ فقالَ: هؤلاءِ خُطَباءٌ يأْمرونَ النّاسَ بالبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ وقيل: كانوا ينهون الناس عن الكفر بشيء من التوراة والإنجيل ويقولون: تمسكوا بما فيهما، وهم يكفرون بما يجدونه فيهما من أمر محمد ﷺ وينقضون ما عهد إليهم في ذلك. وقيل: إنهم كانوا يخبرون الأنصار بصفة محمد ﷺ، ويأمرونهم بالإيمان به، وهم يؤمنون به قبل مبعثه، فلما بعث آمنت به الأنصار، وكفرت به اليهود.

البقرة 2:44

ثم قال تعالى: ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾. أي أفلا تعقلون أن وبال ذلك راجع عليكم. وأصل العقل المنع. يقال: "عَقَلْتُ نَفْسي عَنْ كَذا" أي مَنَعْتُها، "وَعَقَلْتُ البَعيرَ" إذا ربَطْتَهُ"، وعَقَلْتُ عَنِ الرّجُلِ" إذا لَزِمَتْهُ دِيَّةً فَأَعْطَيْتَها عَنْهُ. فهذا فرق بين عَقَلْتُهُ و "عَقَلْتُ عَنْهُ".

البقرة 2:45

قوله: ﴿بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَٰوةِ﴾. الصبر الصيام. وأصل الصيام الحبس. وقيل: معناه اصبروا على ما تكرهه نفوسكم من الطاعة والعمل. وفي رواية أبي صالح عن ابن عباس: "معناه بالصبر على أداء الفرائض، وبالصلاة على تمحيص الذنوب". وقال مقاتل: "معناه استعينوا بهما على طلب الآخرة". وقال مجاهد وغيره: "الصبر الصوم". وقيل: معناه: أصبروا أنفسكم عن المعاصي، أي أحبسوها. وذكر الصلاة ها هنا لما فيها من الذكر والخشوع. وكان رسول الله [ﷺ] "إذا حَزَبَهُ أَمْرٌ فَزَعَ إِلى الصَّلاةِ" وقال الله: ﴿إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] فهي مما يستعان بها على ترك المعاصي وفعل الخير كله. وكان ابن عباس إذا أصيب بمصيبة توضأ، وصلى ركعتين ثم قال: "اللهم قد فعلنا ما أمرتَنا فأنجز لنا ما وعدتَنا". وقال أبو العالية: "معناه واستعينوا بالصبر والصلاة على مرضاة الله، فإنهما من طاعته". * * قوله: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾. إنما وُحِّد، وأتى بضمير الصلاة لأن المعنى قد عرف، وكانت الصلاة أولى لقربها و "لجمعها الخير"، ولأنها أقرب إلى الضمير. وقيل: المعنى: وإن إجابة محمد ﷺ لكبيرة، فالهاء تعود على إجابته لأن الصبر والصلاة مما كان يدعو إليه ويأمر به. ومعنى "كبيرة" ثقيلة شديدة، إلا على الخاشعين وإلا على الذين هدى الله. والخاشع الخائف من الله. وأصله التواضع، والتذلل، والاستكانة. وقيل: الهاء في "إنها" تعود على تولية الكعبة. وقيل: تعود على الاستعانة ودل عليه "استعينوا".

البقرة 2:46

قوله: ﴿عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ﴾. أي على عالم [أهل ذلك الزمان] وذلك أنه فضلهم بالرسل والكتب. * * قوله: ﴿يَظُنُّونَ﴾. معناه: يوقنون. والهاء في "إليه" تعود على اللقاء. وقيل: على الله جل ذكره.

البقرة 2:47

قوله: ﴿عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ﴾. أي على عالم [أهل ذلك الزمان] وذلك أنه فضلهم بالرسل والكتب. * * قوله: ﴿يَظُنُّونَ﴾. معناه: يوقنون. والهاء في "إليه" تعود على اللقاء. وقيل: على الله جل ذكره.

البقرة 2:48

قوله: ﴿لاَّ تَجْزِي﴾. أي لا تقضي، "جزى عني الشيء"، قضى، و "أجزأني، كفاني، مهموز. وقيل: هما بمعنى واحد. وأصل الجزاء القضاء والتعويض. * * قوله: ﴿نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ﴾. أي لا تقضي ولا تغني. وهي خاصة لقول النبي [عليه السلام]: "شَفاعَتي لأَهْلِ الكَبائِرِ مِنْ أُمَّتِي ولقوله: "لَيْسَ مِنْ نَبِيّ، إلاّ وقَدْ أُعْطِيَ دَعْوَةً، وإِنّي اخْتَبأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأِمَّتِي وَهِيَ نائِلَة مِنْهُم مَنْ لا يُشْرِكُ بِالله شَيْئاً فألفاظ الآية عامة، ومعناها الخصوص، هي في الكفار خاصة، وفي هذه الآية رد على اليهود لأنهم زعموا أنهم لا يعذبون يوم القيامة لأنهم أبناء الأنبياء، وأن آباءهم يشفعون لهم عند الله، فرد الله ذلك عليهم في هذه الآية. * * قوله: ﴿مِنْهَا عَدْلٌ﴾. أي: فداء. وعن ابن عباس: "عدل: بدل". وعن النبي ﷺ: "العَدْلُ: الفِدْيَةُ". وقولهم: "لا يقبل منه، صرف ولا عدل". قيل: العدل: الفدية، والصرف: الحيلة. قاله ابن السكيت. وقال المازني: "العدل: الفريضة، والصرف: النافلة". وقيل: للفدية: عدل، لأنها مثل الشيء، وأصل "عدل الشيء" مثله. والعِدل - بكسر العين - ما حُمل على الظهر. يقال: "عِنْدي غلامٌ عِدْلُ غُلامِكَ، وَشاةٌ عِدْلُ شاتِكَ"، بِكسر العين، إذا كان أحدهما يعدل الآخر. وكذلك يفعل في كل شيء يماثل الشيء من جنسه فإن أردت أن عندك قيمته من غير جنسه فتحت العين فقلت: "عِنْدي عَدْلُ غُلاَمِكَ وَعَدْلُ شاتِكَ". أي قيمتها بفتح العين. وروي في "العدل" الذي بمعنى الفدية كسر العين لغة. والضمير في "ولاَّهُمْ" يعود على الكفار لأن النَّفْسَين [المذكورتين تدلان] على ذلك. وقيل: تعود على النفسين لأنهما بمعنى الجمع لم يقصد بهما قصد نفسين بأعيانهما ولأن التثنية أول الجمع، فهي جمع.

البقرة 2:49

قوله: ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾. أصله: أهله، وترجع الهاء في التصغير. وجمعه آلون. وجمع "آل" الذي هو السراب "أَأْوالٌ" كمالٍ وأمْوالٍ. و "آل" المختار فيه ألا يضاف إلا إلى الأسماء المشهورة نحو آل هشام وآل محمد ﷺ فإن أضفته إلى البلدان والأرضين لم يجز عند جماعة من أهل العربية واللغة لا يقال: آل المدينة ولا آل مصر، وإنما يقال بالهاء، حكاها الكسائي. وسمع الأخفش آل المدينة وآل مكة نادران لا يقاس عليهما. واسم فرعون الوليد بن مصعب. وقيل: مصعب بن الريان، وهو اسم كانت ملوك العمالقة تتسمى به. وكانت ملوك الروم تتسمى قيصراً وهِرقلاً، وملوك فارس تتسمى كسرى، وملوك اليمن تُبَّع". قال مجاهد: "فرعون موسى فارسي من أهل اصطخر قدم مصر فكان بها". * * قوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ أي: يوردونكم. وقيل: يذيقونكم. وقيل: يولونكم. وقيل: يصرفونكم في العذاب مرة كذا، مرة كذا. والعذاب هنا هو استخدام القبط الرجال من بني إسرائيل وقتل الأبناء؛ روي عن ابن عباس أنه قال: "ذكر فرعون ما وعد الله خليله إبراهيم ﷺ أنه يجعل من ذريته أنبياء ملوكاً، فأجمع رأيه مع أصحابه على أن يذبح كل مولود ولد في بني إسرائيل ففعل ثم رأى أن الكبار يموتون بآجالهم والصغار يذبحون فخاف أن يضطر إلى أن يتولى الخدمة بنفسه ويغني الناس فأمر أن يقتل الصغار سنة ويدعوهم سنة، فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا ذبح فيه، فولدته علانية، [وحملت] في العام المقبل بموسى ﷺ. وذكر عكرمة عن ابن عباس قال: "قالت الكهنة لفرعون: إنه يولد في هذا العام مولود يذهب بملكك. فجعل فرعون على كل ألف امرأة مائة رجل، وعلى كل مائة عشرة وعلى كل عشرةٍ رجلاً، وأمرهم بذبح الذكور إذا وضعن. وقال السدي: "كان ذلك من فرعون لرؤيا رآها، فعُبِّرت له أن يكون من بيت المقدس مولود يكون خراب مصر على يديه. فأمر بذبح الغلمان واستخدام الآباء تحت أيدي القبط، فأسرع الموت في مشيخة بني إسرائيل، فدخل كبراء القبط على فرعون فقالوا له: إن هؤلاء القوم يسرع فيهم الموت فيوشك أن تبقى بغير خدمة، فأمر بذبح الذكور سنة وبتركهم سنة". * * قوله: ﴿بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾. أي نعمة إذ نجاكم مما كنتم فيه. وقيل: معناه اختبار لكم من ربكم.

البقرة 2:50

قوله: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ﴾. أي جعلناه اثني عشر طريقاً على عدد الأسباط. ولما أتى موسى ﷺ البحر كناه أبا خالد وضربه، فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، أي كالجبل العظيم. ﴿وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾. قيل: إنهم كانوا ينظرون إلى آل فرعون يغرقون وهم ينجون. وقيل: أخرجوا لهم حتى رأوهم. وقيل: كانوا ينظرون انفلاق البحر لهم. وقال الفراء: "تنظرون: تعلمون"، واستبعد أن ينظروا إليهم في ذلك الوقت لأنهم كانوا في شغل عن ذلك. وكان فرعون قد خرج في طلب موسى ﷺ في سبعين ألفاً من دُهْم الخيل خاصة، وموسى ﷺ بين يديه حتى قابله البحر، فقال أصحاب موسى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١]. قال موسى ﷺ: كلا إن معي ربي سهديني للنجاة قد وَعَدني ذلك، وهو لا يخلف الميعاد. وكان قد أوحى الله إلى موسى ﷺ أن أضرب بعصاك البحر، وأمر البحر أن ينفلق إذا ضربه موسى ﷺ فبات البحر يضرب بعضه بعضا فرقاً من الله تعالى، فضربه موسى ﷺ بالعصا فانفلق، فسلك موسى ﷺ ببني إسرائيل وأتبعه فرعون وجنوده. ولما أتى فرعون في أثر موسى ﷺ وهو على حصان فأراد الدخول فهرب الحصان من البحر فعرض له جبريل على فرس أنثى فقربها منه فشمها ثم تقدم معها [الحصان عليه فرعون حتى دخل، ثم دخل آل فرعون في أثره، وجبريل ﷺ أمامه]، وميكائيل من وراء القوم على فرس يستحثهم حتى إذا فصل جبريل من البحر ليس قدامه أحد. وبقي ميكائيل من الناحية الأخرى ليس خلفه أحد طبق عليهم البحر. فلما رأى فرعون ما رأى نادى: ﴿لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠] وكان ذلك يوم عاشوراء. وروي عن ابن عباس أن موسى ﷺ سرى ليلاً كما قال تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً﴾ [الدخان: ٢٣]، فأتبعه فرعون في ألف ألف حصان سوى الإناث، وكان موسى ﷺ في ستمائة ألف فاحتقرهم فرعون، وقال حين اطلع عليهم: ﴿إِنَّ هَـٰؤُلاۤءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: ٥٤] [الثلاث الآيات]، ولما دخلوا البحر وتفرق كل سبط على طريق، قال السبط الذين مع موسى ﷺ لموسى: أين أصحابنا؟ قال: سيروا فإنهم على طريق مثل طريقكم، قالوا: لا نرضى حتى نراهم. قال موسى ﷺ: اللهم أعِنِّي على أخلاقهم السيئة. فأوحى الله إلى موسى ﷺ أن يزيد عصاه على البحر في الحيطان فصار فيه كوى ينظر بعضهم إلى بعض. وموسى اسم أعجمي، أصله فيما ذكر السدي: ماء وشجر، فهو ماء. وسمي بذلك لأن أمه حين ألقته في اليم بين أشجار عند بيت فرعون فوجده جواري آسية امرأة فرعون، فسمي باسم ذلك المكان الذي أصيب فيه. فأما موسى فمؤنثة عربية، مشتقة من أسوت إذا أصلحت، ويكون أصله الهمز. وقيل: هي من "أَوْسَوْتُ" إذا حلقت. وهذا أشبه بها، وكلاهما قريب من الآخر. و[الأصل] للواو في الهمز على هذا.

البقرة 2:51

قوله: ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾. أي: تمام أربعين ليلة. وقيل: معناه أربعين ليلة بتمامها. فالأربعون داخلة في الميعاد. * * قوله: ﴿ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ﴾. أي إلهاً، والأصل، اتَّخَذَ، يَتَّخِذُ، وهو "افْتَعَل" من الأخذ، وكثر في كلامهم فجعلوه بمنزلة ذوات الواو والياء التي تكون في موضع الفاء من الفعل. وهي تكون تاء في "افتعل" وما تصرف منه، وتدغم في تاء "افتعل". فأصل التاء الأولى همزة وقد قيل: أصلها تاء من "تخذت". وقال الأخفش: "أصلها همزة حملت على ذوات الواو. لأن الهمزة قد تدخل على الواو فيبدل كل واحدة من الأخرى". وقد قيل في لغة: "أخَذْتُهُ وأَخَذَهُ الله بذلك، وَوَاخَذَهُ". فصارت "اتخذ" مثل "اتعد". قال ابن عباس: "لما امتنع فرس فرعون أن يدخل به البحر، تمثل له جبريل عليه السلام على فرس أنثى فتقحم خلفها ودخل بفرعون، وكان السامري قد عرف جبريل لأن أمه خافت عليه الذبح، فخلَّفته في غار فانطبقت عليه الغار. فكان جبريل عليه السلام يأتيه فيغدوه بأصابعه، فيجد في إحدى أصابعه لبناً وفي الأخرى عسلاً وفي الأخرى سمناً. فلم يزل يغدوه حتى نشأ، فلما رأى جبريل عليه السلام عرفه، فأخذ من أثر فرسه قبضة من تراب، ورفعها عنده، وكان موسى ﷺ إذ أمر بني إسرائيل أن يخرجوا من أرض. مصر، أمرهم أن يستعيروا الحلي من القبط ويخرجوا به معهم. فلما تجاوز البحر وغرق آل فرعون استخلف موسى هارون على بني إسرائيل، ومضى لوَعْدِ ربه عز وجل، فقال لهم هارون: اجمعوا الحلي وادفنوه حتى يأتي موسى، فإن أحلَّها لكم أخذتموها. فجمعوا الحلي في حفرة، وألقي [في روع] السامري أنه لا يلقي تلك القبضة على شيء فيقول: كن كذا إلا كان، فقذفها في الحفرة وقال: كن عجْلاً جسداً له خوار، فصار الحلي كذلك، تدخل الريح من دبره وتخرج من فيه، يُسمع لها صوت، فقال لهم السامري: ﴿هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨]؛ أي نسي موسى ﷺ إلهه عندكم، ومضى يطلبه كأنه قد نسي. فعكفوا على العجل يعبدونه فنهاهم هارون ﷺ وقال: ﴿إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَٱتَّبِعُونِي﴾ [طه: ٩٠]. فأبوا حتى يرجع موسى [ﷺ]". وقيل: إنه كان يمشي ويخور. واسم السامري: موسى بن ظفر، واعتزل هارون بمن معه ممن لم يعبد العجل فلذلك قال له موسى: ﴿فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ﴾ [طه: ٩٤]. قال ابن عباس: "إن موسى ﷺ لما قطع البحر وأغرق الله آل فرعون، قالت بنو إسرائيل لموسى: إئتنا بكتاب من ربنا كما وعدتنا، وزعمت أنك تأتينا به إلى شهر. فاختار موسى سبعين رجلاً لينطلقوا معه، فلما تجهزوا، قال الله لموسى: أخبِر قومك أنك لن تأتيهم أربعين ليلة وذلك حين تمت بعشر، وهي عشر من ذي الحجة مع ذي القعدة. والهاء [في] من "بعده" تعود على موسى ﷺ. وقيل: تعود على انطلاق موسى إلى الجبل.

البقرة 2:52

قوله: ﴿مِّن بَعْدِ ذَلِكَ﴾. "ذلك" إشارة إلى اتخاذهم العجل إلهاً. قيل: إنهم عبدوا العجل، فلذلك قال: اتخذتم العجل يعني إلهاً. وعن قتادة: "إن السامري هو الذي اتخذ العجل إلهاً، ورضي بذلك بنو إسرائيل، فلذلك نسبه إليهم".

البقرة 2:53

قوله: ﴿ٱلْكِتَابَ وَٱلْفُرْقَانَ﴾. الكتاب: التوراة، والفرقان: انفراق البحر، قاله ابن زيد. و "يوم الفرقان: يوم التقى الجمعان" هو يوم بدر فرق الله بين الأمرين بين الحق والباطل. وقيل: الفرقان: الفرق بين الحق والباطل من الكتاب. وقيل: الفرقان القرآن، والتقدير على هذا: وآتينا محمداً الفرقان. قاله الفراء وقطرب، وهو بعيد في العربية، لا يجوز مثل هذا الإضمار، وقد ردَّه جماعة. وقال الزجاج: "الفرقان هو الكتاب أعيد ذكره بغير لفظه للتأكيد، وسمي فرقاناً لأنه فرق بين الحق والباطل". وقيل: الفرقان هو التفريق بينهم وبين قوم فرعون؛ غرق قوم فرعون ونجا قوم موسى.

البقرة 2:54

قوله: ﴿فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ﴾ الآية. قال السدي: "لما رجع موسى ﷺ إلى قومه قال: ﴿يٰقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً﴾ [طه: ٨٦] إلى قوله: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٧]، ثم أخذ العجل فحرقه [فأبرده] بالمبرد فذراه في اليم، ثم أمرهم موسى ﷺ أن يشربوا من اليم فشربوا. فمن كان في قلبه محبة من العجل خرج على شاربه الذهب، وهو قوله: ﴿وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٩٣]. فلما علموا أنهم قد ضلوا ندموا، فلم يقبل الله توبتهم إلا أن يقتل بعضهم بعضاً، فذلك قوله: ﴿فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ﴾ إلى ﴿ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾. فصفوا صفين، ثم اجتلدوا بالسيوف والخناجر، فكان من قتل شهيداً. قال علي بن أبي طالب: "كان الرجل يقتل أباه وأخاه حتى قتل منهم سبعون ألفاً، فأوحى الله إليه: (مرهم فليرفعوا) القتل فقد رحمتُ من قتل وتبت على من بقي". وروي أنهم قالوا لموسى ﷺ: كيف يَقْتُلُ الرجل أخاه وقريبه؟ فقال موسى: إن الله [تعالى يأمر الذين عبدوا] العجل أن يجثوا، ويأخذ الذين لم يعبدوا العجل السيوف. وقال الله جل ذكره لموسى عليه السلام: إني سأنزل سحابة سوداء حتى لا يبصر بعضهم بعضاً، ثم أمر الذين لم يعبدوا العجل أن يضربوا بالسيوف ففعلوا فقتلوهم أجمعين . فلما ارتفعت السحابة اشتد على موسى وعليهم ما صنعوا، فقال الله جل ذكره: يا موسى أما يرضيك أني أدخلت القاتل والمقتول الجنة؟ قال: بلى يا رب". وقال ابن شهاب: "لما أمرت بنو إسرائيل بقتل أنفسها برزوا ومعهم موسى فاضطربوا بالسيوف والخناجر، وموسى ﷺ رافع يديه يدعو، حتى إذا فتر أتاه بعضهم فقال: با نبي الله: ادع الله لنا. وأخذوا بعضديه يسندون يديه، فلم يزل أمرهم على ذلك حتى قبل الله توبتهم وقبض أيديهم فألقوا السلاح. وأحزن موسى ﷺ و [بني إسرائيل الذي] كان من القتل منهم، فأوحى الله جل ذكره إلى موسى: ما يحزنك؟ أما من قتل، فحَيّ عندي يُرزَق، وأما من بقي فقد قبلت توبته، فسُرّ بذلك موسى ﷺ وبنو إسرائيل.

البقرة 2:55

قوله: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً﴾ الآية. * * قوله: ﴿جَهْرَةً﴾: يجوز أن يكون حالاً من قولهم، على معنى: أرنا الله علانية. ويجوز أن يكون حالاً منهم؛ أي قالوا ذلك مجاهرين به أي: معلنين. والصاعقة الموت. وقيل: الفزع. وقيل: [العذاب الذي] يموتون منه. وأصل الصاعقة كل شيء هائل من عذاب أو زلزلة أو رجفة؛ قال الله تعالى: ﴿وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً﴾ [الأعراف: ١٤٣]، أي مغشياً عليه ولم يمت. والرجفة التي أخذت من معه كانت موتاً وأنتم تنظرون إلى الصاعقة.

البقرة 2:56

قوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَٰكُم﴾. أي: أحييناكم. وأصل البعث إثارة الشيء من محله؛ تقول العرب: "بَعَثْتُ ناقتي" أثرتها. "وبَعَثْتُ فلانا في كذا"، أي: أثرتُه للتوجه فيه. ويوم القيامة يوم البعث لأنه [يثار فيه الناس] للحساب. ومعنى ذلك أن موسى ﷺ لما أحرق العجل وذراه في اليم اختار من قومه سبعين رجلاً وقال: انطلقوا إلى الله عز وجل، وتوبوا إليه مما صنعتم وتطهروا وطهروا ثيابكم، وكان ذلك عن أمر الله له، فخرجوا معه فقالوا لموسى: اطلب لنا إلى ربك أن نسمع كلامه فقال: أفعل. فلما دنا موسى ﷺ من الجبل وقع عليه عمود من نور حتى تغشى الجبل كله فدخل فيه. وقال للقوم: ادنوا وكان موسى ﷺ إذا كلمه ربه عز وجل وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه، فضرب دونه الحجاب. ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام، وقعوا سجودا، فسمعوه وهو يكلم موسى ﷺ يأمره وينهاه: افعل ولا تفعل، فلما فرغ انكشف عن موسى الغمام فأقبل إليهم فقالوا: يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة عند ذلك فماتوا أجمعون. فقال موسى: رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي، قد سفهوا، أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل بما فعل السفهاء منا؟ يريد موسى ﷺ أن مُضِيِي إلى بني إسرائيل بغير من اخترت منهم [هلاك لهم] لأنهم بعد ذلك لا يأمنوني على أمر ولا يصدقوني. فلم يزل موسى - يطلب إلى ربه - ﷺ حتى رد عليهم أرواحهم، وطلب إليه التوبة لهم من عبادتهم العجل، فقال الله تعالى: لا. إلا أن يقتلوا أنفسهم. ذكر جميع ذلك عن السدي، قال: "فالذين أخذتهم الصاعقة هم السبعون الذين اختارهم موسى ﷺ للميقات". قال قتادة: "بعثهم الله عز وجل إلى بقية آجالهم ليستوفوها، ولو تمت آجال القوم ما بعثوا". وقال ابن زيد: "لما أتاهم موسى ﷺ بكتاب الله عز وجل، وقال لهم: خذوه، قالوا: لا نأخذه حتى نرى الله جهرة، فيقول: خذوه. فجاءتهم صاعقة بعد التوبة فصعقوا أجمعين، ثم أحياهم الله بعد موتهم. فقال لهم موسى: خذوا كتاب الله عز وجل فأبوا أن يأخذوه. فرفع فوقهم الجبل فأخذوا الكتاب، وأخذ موسى عليهم الميثاق، وهو قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ٨٣] الآية.

البقرة 2:57

قوله: ﴿[وَ]ظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ﴾. قيل: الغمام سحاب. وقال مجاهد: "هو الغمام الذي يأتي الله فيه يوم القيامة وليس بسحاب". وروي ذلك عن ابن عباس، وهو الغمام الذي أتت فيه الملائكة يوم بدر، وذلك أنهم كانوا في التيه، [فشكوا حر] الشمس، فظلّل الله عليهم الغمام وهو أبرد من السحاب وأطيب. وسمي الغمام غماماً لأنه يَعُمّ ما حل به، أي يستره، وسمي السحاب غماماً، لأنه يغم السماء، أي يسترها. وقيل للسحاب سحاب لأنه ينسحب بمسيره. والمن عن مجاهد: "صمغة". وقال قتادة: "كان ينزل، عليهم مثل الثلج". وقال الربيع. بن أنس: "المن شراب كان ينزل عليهم مثل العسل فيمزجونه بالماء ثم يشربونه". وقال ابن زيد: "المن عسل كان ينزل عليهم من السماء". ورواه ابن وهب عنه. وقال وهب: "المن خبز رقاق الذرة أو مثل النقي". وقال السدي: "المن الزنجبيل". وقيل: "هو الترنجبين". وعن ابن عباس: "المن هو الذي "يسقط من الشجر، فيأكله الناس". وقال قتادة: "كان يسقط عليهم في مجلسهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس كسقوط الثلج فيؤخذ منه بقدر ما يكفي ذلك اليوم فإن تعدى إلى أكثر فسد، إلا يوم الجمعة فإنه يؤخذ ما يكفي فيه للجمعة وللسبت، لأن يوم السبت عندهم يوم عبادة". وقيل: "المن: الترنجبين". وقيل: "المن أصمغة". وقال النبي [عليه السلام]: "الكَمْأَةُ مِنَ المَنّ وماؤُها شِفاءٌ لِلْعَيْنِ". قال أهل المعاني: "معنى: "مِنَ المَنّ" أي مما منَّ الله به على خلقه بلا زرع ولا تكلف سقي". والسلوى: طائر يشبه السُّمانَى كانت الجنوب تحشره عليهم. والسلوى والسمانى واحِدُه وجمعه بلفظ واحد. والمن: جمع لا واحد له مثل الخير والشر. وكان من قصة المن والسلوى أن الله عز وجل أمر موسى إلى بيت المقدس فيسكنها ويجاهد فيها من الجبارين، فأبوا القتال معه وقالوا: اذهب أنت وربك فقاتلا، فغضب موسى ﷺ لذلك فدعا عليهم وقال: ﴿فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٥]، فقال الله عز وجل: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي ٱلأَرْضِ﴾ [المائدة: ٢٦]. فندم موسى عليه السلام على دعائه عليهم فأوحى الله عز وجل إليه: ﴿فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٦] أي لا تحزن. فقالوا: يا موسى، فكيف لنا بالطعام؟ فأنزل الله عز وجل عليهم المن والسلوى. فكان يأتي أحدهم فينظر إلى الطير فإن وجده سميناً ذبحه، وإلا تركه، فإذا سمن أتاه، فقالوا: هذا الطعام، فأين الشراب؟ فأمر الله عز وجل موسى ﷺ أن يضرب بعصاه الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، لكل سبط عين. فقالوا: فأين الظل؟ فظللهم الله بالغمام فقالوا: فأين اللباس؟ [فجعل الله] ثيابهم تطول معهم كما يطول الصبيان، ولا يتخرق لهم ثوب ولا يتوسخ. * * قوله: ﴿مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. أي من مشتهيات رزقنا وقيل: من حلاله.

البقرة 2:58

قوله: ﴿وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً﴾. أي ركعاً. والباب باب حطة، معروف في بيت المقدس. ومعنى حطة عند الحسن وقتادة وأكثر المفسرين: "احطط عنا ذنوبنا وحط عنا خطايانا". وعن ابن عباس وعكرمة قالا: "حطة: لا إله إلا الله. وسميت بذلك لأنها تحط الذنوب". وقيل: كلمة أمروا بما تحط بها عنهم ذنوبهم. وقيل معناه: قولوا قولاً تحط به عنكم ذنوبكم. وقيل: حطة بمعنى الاستغفار. وهو مثل الأول.

البقرة 2:59

قوله: ﴿فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾. روى أبو هريرة عن النبي [عليه السلام] أنه [قال]: "قال الله تعالى لبني إسرائيلَ: ادْخُلوا البَابَ سجَّداً، وقُولُوا حِطَّةٌ يُغْفَرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ، فَبَدَّلُوا ودَخَلُوا البَابَ يَزْحُفُون على أسْتاهِهِم، وقالوا: حَبَّةٌ في شَعِيرة وقال ابن عباس عن النبي [عليه السلام] إنهم قالوا: "حنطة في شعير". وقيل: إنهم تكلموا بكلام بالنبطية على جهة الاستهزاء والخلاف. وقال ابن مسعود: "قالوا حنطة حمراء فيها شعير". وعن ابن عباس أنه قال: "إنهم دخلوا الباب من قِبلِ أستاههم، وكان باباً صغيراً ويقولون حنطة". قال الفراء: "قال ابن عباس: "أمروا أن [يستغفروا الله فخالفوا] الكلام بالنبطية. والزجر العذاب، والرجس النتن. وقال أبو العالية: "الرجز الغضب". وذلك أنهم لما بدلوا نعمة الله، نزل عليهم الطاعون فلم يبق أحداً، فهو الرجز. قاله ابن زيد. وقال الأخفش: "الرجز هو الرجس". كأن الزاي عنده بدل من السين كما يقال: "السَّرْعُ والزَّرْعُ، والزِّرَاطُ والصِّرَاطُ، وليس مثله في القياس. والرُّجْزُ - بالضم - صَنَم كانوا يعبدونه. وذكر يحيى أن الرجز: الطاعون، نزل بهم حين بدلوا، فمات منهم سبعون ألفاً، وقال قوم منهم: لا إله إلا الله، فهم المحسنون الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٥٨]، فقوم منهم بدلوا وقوم لم يبدلوا. وروي أن الذين بدلوا إنما قالوا بالعبرانية: "حبة سمراء"، يعنون الحبة. وقال ابن عباس: "لما بدلوا، نزل بهم طاعون فمات منهم أربعة وعشرون ألفاً". قال مقاتل: "هلك منهم بفعلهم سبعون ألفاً".

البقرة 2:60

قوله: ﴿وَلاَ تَعْثَوْاْ﴾. أي لا يشتد فسادكم وهو أشد الفساد. يقال: عَثَا يَعْثُو عُثُوّاً. وعَثِيَ يَعْثَى عَثّاً. وعَاثَ يَعِيثُ عيثاً وعِياثاً. ولغة القرآن عَثِيَ يَِعْثَى. * * قوله: ﴿ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ﴾. لما اشتكوا إلى موسى ﷺ الظمأ في التيه، وكانوا يحفرون الآبار حيثما نزلوا، فشق ذلك عليهم، فأتى موسى [بحجر مربع] من الطور، وأمر موسى ﷺ أن يضربه بعصاه، فكانوا يحملونه معهم، فإذا نزلوا ضربه موسى ﷺ فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً من كل ناحية [ثلاث عيون]، لكل سبط عين معلومة. قال ابن زيد: "سقوا من حجر مثل رأس الشاة يلقونه في جانب [الجَوالق إذ] ارتحلوا بعد أن يستمسك ماؤه عند رحلتهم فإذا نزلوا قرعه موسى بعصَاه، فعادت العيون بحسبها". قال مقاتل والكلبي: "انفجرت من الحجر اثنتا عشرة عيناً على عدد الأسباط، وكانوا إذا أخذوا حاجتهم زالت العيون وانسدت مواضعها. فإذا احتاجوا إلى الماء انفجرت العيون".

البقرة 2:61

قوله: ﴿مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا﴾ الآية. لما فقدوا أطعماتهم التي كانوا يأكلون بمصر، ولزموا شيئاً واحداً [ملّوا وقالوا] ذلك. ومن قال إن المن [خُبْز الحُوّارَى]، كان قوله "أدنى" بمعنى أقرب. وقال عطاء ومجاهد: "الفوم: الخبز". وقال قتادة والحسن: "الفوم: الحب الذي يختبز الناس". وعن ابن عباس قال: "الفوم: الحنطة والخبز". وروي عن مجاهد قال: "هو الثوم". وهو اختيار ابن قتيبة، وهو في مصحف ابن مسعود: "وثُومِهَا" بالثاء. فهذا يدل على أنها الثوم. وذكر ابن قتيبة: "أن الفوم: الحبوب". والعرب تبدل الثاء [من الفاء] يقولون: جَدَفٌ وجَدَثٌ، ومَغَافِيرٌ وَمَغَاثِيرٌ. [فهذا] يدل على أنه الثوم. وروي أن الفوم: القمح والعدس وسائر الحبوب؛ وذلك أنهم لما سلكوا التيه مع موسى شكوا الحر، فظلل الله عليهم الغمام يقيهم الحر، وجعل لهم عموداً من نار بالليل يضيء لهم مكان القمر، وأنزل الله عليهم المن والسلوى، فيأخذون منه قوتهم للغذاء والعشاء، فمن زاد على ذلك فسدت عليه الزيادة. وكانوا يأخذون يوم الجمعة للجمعة والسبت إذ لا يأتيهم يوم السبت، وكانوا يخبزون المن قرصاً، فيأكلون طعاماً مثل الشهد المعجون بالسمن. وروي أنهم نزل عليهم المن أولاً، فملوه لحلاوته، وسألوا لحماً فأنزل الله عليهم طيراً تجلبه عليهم ريح الجنوب، وأمر ألا يدخروا من لحمه فخالفوا فادخروا، فخنز عليهم وفسد. فيروى أنه لولا ذنوب بني إسرائيل ما فسد الطعام المدخر. وقيل: كانت السلوى تقع في مجالسهم كهيئة السماني، فملوا ذلك وسألوا القمح والحبوب والبصل، فأمروا أن يهبطوا مصر وهي الشام، لأنهم من مصر خرجوا، فهبطوا إلى الشام بعد انقضاء الأربعين عاماً التي عوقبوا بها في التيه لتخلفهم عن قتال الجبارين، ولقولهم لموسى ﷺ: ﴿فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]. ولم يدخل الشام أحد ممن أمر بقتال الجبارين، بل كلهم مات في التيه، وإنما دخلها أبناؤهم. قوله: ﴿قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ﴾. هو من قول موسى ﷺ. و "أدنى" بمعنى أقرب أي أقل قيمة. وقال علي بن سليمان: "أدنى من ذوات الهمز من قولهم: "دَنِيءٌ بَيِّنُ الدَّنَاءَةِ"، أبدل من الهمزة ألفاً". وقيل: معنى "أدنى": أقرب لكم في الدنيا مما هو لكم في الآخرة، فيكون من "دنا يدنو". وقد قرئ بالهمز. وقال مجاهد: "أدنى بمعنى: "أَرْدَأَ". وقيل: أصله "أدون" من الدون [ثم قلبت] اللام في موضع العين، وانقلب الواو ألفا لتطرفها. * * قوله: ﴿ٱهْبِطُواْ مِصْراً﴾. قال مجاهد وقتادة وغيرهما: "مصراً من الأمصار". وقال أبو العالية: "مصر هي التي كان بها فرعون". وقاله الكسائي، وفي قراءة أُبَيّ وابن مسعود: "اهْبِطُوا مصر" بغير صرف معرفة. وقيل: هي الشام. وروى أشهب عن مالك أنه قال له: "هي مصر قريتك في رأيي؛ هي بلاد فرعون". * * قوله: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ﴾. أي فرضت ووضعت من قولهم: "ضَرَبْتُ عَلَى عَبْدِي الخَرَاجَ، وَضَرَبَ عَلَيَّ الأَمِيرُ الخَرَاجَ" أي [فَرَضَهُ وَوَضَعَهُ] عَلَيَّ. وَضَرْبُ الذلةِ عليهم هو إعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون. والمسكنة الخشوع والذلة. وقيل: الحاجة. وقيل: الفاقة والفقر. فلست ترى يهودياً إلا وعليه الذلة والمسكنة، وإن كان معه قناطير الذهب والفضة. * * قوله: ﴿وَبَآءُو بِغَضَبٍ﴾. أي: رجعوا به. وقال الضحاك: "استحقوا غضباً". قال أبو عبيدة: "يقال بُؤْتُ بالذنب أي: احتملته ولزمني، وتَبَوَّأتُ الدار لزمتها، وبُؤْتُ بالشي اعترفت به، وبَوَّأْتُ القوم منزلاً إذا أنزلتهم إلى سند جبل أو عند نهر. فالاسم المباءة". * * قوله: ﴿بِآيَاتِ ٱللَّهِ﴾. الآية طائفة من القرآن وجماعة ، يقال: "جئنا بآيتِنَا" أي: بجماعتنا. وقيل: سميت آية لأنها علامة الانفصال مما قبلها. ووزن آية عند الخليل وسيبويه: "فَعْلَةٌ"، وأصلها "أيِيَةٌ، فقلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها وهو نادر، لأن أصله أن تعتل اللام وتسلم العين، فاعتلت العين وسلمت اللام. وقال الكسائي فيما حكى أبو بكر: "أصلها "آيِيَةٌ" مثل "مَاضِيَة"، فكان يلزم الياءين الإدغام فتصير "آيَّة" مثل "دَابَّة"، فتثقل، فحذفوا الياء الأولى". وقال الفراء: "أصلها فعلة، وأصلها "آيَّة" استثقلوا التضعيف فأبدلوا الياء ألفاً كما أبدلوا في التضعيف من "دِوَّانِ" و "قِرَّاطٍ" ياءً ومثله دِنَّار". وقد حكى غير أبي بكر عن بعض الكوفيين أن أصلها فعلة فاستثقل التضعيف فأعلت الأولى لانكسارها، وتحرك ما قبلها فقلبت ألفاً.

البقرة 2:62

قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ﴾ الآية. قال سفيان: "الذين آمنوا هنا هم المنافقون الذين آمنوا في الظاهر، يدل على ذلك قوله: ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِٱللَّهِ﴾؛ أي مَن صدق منهم بقلبه ووافق ظاهره باطنه". وقال غيره: "بل هم المؤمنون، وإنما أراد" بمن آمن"، من ثبت على الإيمان كما قال: ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ [آمِنُواْ]﴾ [النساء: ١٣٥] أي اثبتوا على تصديقكم. وقيل: المراد بهم: من كان يؤمن بموسى ﷺ، وعيسى ﷺ، والنصارى على هذا القول من خالف عيسى منهم، واليهود من خالف موسى، والصابئون قوم بين اليهود والنصارى، فيهم اختلاف قد ذكرناه. * * قوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ﴾. أي جمع مع إيمانه المتقدم إيمانه بمحمد ﷺ وبما جاء به. روي ذلك عن السدي. وقال السدي: "نزلت هذه الآية في أصحاب سلمان الفارسي". وذكر قصة طويلة معناها أن سلمان كان قد تنسك مع قوم من الرهبان قبل مبعث النبي ﷺ فأخبروه أنه سيبعث نبي، فإذا لحقته فصدق به. فلما بعث النبي ﷺ وأتى المدينة أتاه سلمان فنظر إلى الخاتم الذي هو علامة النبوة، وقد كانوا قالوا له: علامته خاتم بين كتفيه وهو لا يقبل الصدقة ويقبل الهدية. فلما رأى سلمان الخاتم مضى واشترى لحماً وخبزاً، وشوى اللحم وأتى به النبي ﷺ، فقال له: ما هذا؟ فقال له: صدقة. قال: لا آخذه، أعطه للمسلمين. ثم مضى [فاشترى شيئاً آخر فأتى] به النبي ﷺ، فقال له: ما هذا؟ قال له: هدية. فقال له: اجلس فكل، فأكل مع النبي ﷺ فسأله سلمان عن أولئك الرهبان ما حالهم في الآخرة وقد كانوا يقولون: لو لحقناك لآمنا بك، فأنزل الله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ الآية. أي من مات على دين موسى وعيسى صلى الله عليهما وسلم فله أجره عند ربه. وروي عن ابن عباس، وسعيد بن عبد العزيز أنها منسوخة نسختها: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]. أي من لحق بمبعث محمد ﷺ فليس يقبل منه غير الإيمان. وسميت اليهود يهوداً لقولهم: ﴿إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] أي تبنا ورجعنا. وقيل: سميت بذلك لانتسابهم إلى يهودا. والنصارى: جمع نصران ونصرانة. وقيل: سموا نصارى لأنهم نزلوا أرضاً يقال لها: ناصرة. وقيل: سموا نصارى لقوله تعالى: ﴿مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢]. وقيل: سموا نصارى، لأن قرية عيسى [عليه السلام] كانت تسمى ناصرة، وكان أصحابه يسمون الناصرين، وكان يقال لعيسى ﷺ الناصري. وقيل: سموا بذلك لأنهم نزلوا موضعاً يسمى ناصرة. والصابئين: قوم خرجوا من دين إلى دين. وقيل: هم قوم لا دين لهم. وقيل: الصابئين: قوم بين المجوس واليهود. وقال الحسن: "هم قوم يعبدون الملائكة، ويصلّون للقبلة، ويقرأون الزبور". ومعنى: ﴿وَعَمِلَ صَالِحاً﴾. أي آمن بمحمد [عليه السلام].

البقرة 2:63

قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ الآية. وقال ابن زيد: "لما رجع موسى ﷺ من عند ربه بالألواح، أمرهم باتباع ما فيها وقبوله والعمل به. فقالوا: ومن يأخذه بقولك أنت، لا والله حتى نرى الله جهرة وحتى يطلع علينا ويقول: هذا كتابي فخذوه. قال: فجاءته غضبة من الله فصعقوا فماتوا جميعاً، ثم أحياهم الله من بعد ذلك. فقال لهم موسى ﷺ: خذوا كتاب الله قالوا: لا. قال: أي شيء أصابكم؟ قالوا: أُمتنا ثم حُيينا. فقال: خذوا كتاب الله. قالوا: لا. فبعث الله ملائكة فنتقت الجبل فوقهم فهو تأويل. ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ﴾ فلما صار فوقهم، قيل لهم: خذوا، وإلا طرح عليكم. فأخذوه بالميثاق ، فهو قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ﴾ [البقرة: ٨٣] إلى ﴿وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٤]. ولو أخذوه أول مرة لأخذوه بغير ميثاق، ولكن عسروا فشدد الله عليهم". والطور: الجبل. وقيل: هو اسم جبل بعينه معروف كلم الله سبحانه عليه موسى ﷺ. وقيل: هو ما أنبت دون ما لم ينبت من الجبال. وقال السدي: "لما نظروا إلى الجبل فوقهم خروا سجّداً على شق، ونظروا إليه [بالشق الآخر فرحمهم] الله وكشف عنهم فهم يسجدون لذلك على شق". فقوله: ﴿وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧١] وقوله: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ﴾ واحد. ومعنى: ﴿بِقُوَّةٍ﴾ أي: بجد وعزيمة ورغبة وعمل، وهو التوراة. وروي أنهم قالوا: لا نقبل التوراة، فرفع الله فوقهم الطور كأنه ظلة، فأيقنوا أنه واقع عليهم، وبعث الله ناراً من قِبلِ وجوههم، وأتاهم بالبحر من خلفهم، فقال لهم موسى ﷺ: "إن أنتم لم تقبلوا التوراة بما فيها أحرقكم الله بهذه النار، وغرقكم في هذا البحر، وأطبق عليكم هذا الجبل". فأخذوها كارهين، وعاهدوا الله ليعملن بما فيها وسجدوا لله وهم ينظرون إلى الجبل بعين واحد مخافة أن يقع عليهم فصارت سنة فيهم لا يُصَلّون إلا هكذا. ثم عصوا بعد ذلك وخالفوا العهد، فهو قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ فَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ لعاجلهم بالعقوبة، فيخسرون دنياهم وآخراهم. * * قوله: ﴿وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ﴾. أي أتلوه. وقيل: معناه: اذكروا ما فيه من أمر الآخرة وهو الثواب والعقاب لعلكم تتقون ما تعاقبون عليه.

البقرة 2:65

وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ﴾. قال ابن عباس: "لم يبعث الله قط نبياً إلا عرفه فضل الجمعة وعظمها في السماوات وأن الساعة تقوم فيها، وتشريف الملائكة لها. وبلغت الرسل أممها ذلك، فسمع أكثرهم وأطاع وعرف فضلها. فلما كان موسى أخبر بني إسرائيل بفضلها على الأيام فقالوا: يا موسى، كيف تأمرنا بالجمعة وتفضلها على الأيام، والسبت أفضل لأن كل شيء سبت لله مطيعاً يوم السبت، وخلق الله السماوات والأرض في ستة أيام أولها الأحد وآخرها الجمعة. ويوم السبت كمل الأمر؟ وقالت النصارى لعيسى ﷺ إذ أمرهم بالجمعة وأخبرهم بفضلها: كيف تأمرنا بالجمعة وأول الأيام أفضلها وسيدها، والله واحد، والواحد الأول، والأحد أول؟ فأوحى الله عز وجل إلى عيسى ﷺ أن دَعْهُم والأحد، ولكن ليفعلوا فيه كذا وكذا فلم يفعلوا. وقال لموسى ﷺ كذلك في السبت. وأمرهم أن لا يصيدوا فيه سمكاً ولا غيره، ولا يعملوا فيه عملاً. فكان يوم السبت تظهر فيه الحيتان على وجه الماء فهو قوله: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٦٣] ثم إنهم تناولوها في السبت فلم ينكر بعضهم على بعض، ثم كفوا فلما رأوا العقوبة لا تنزل بهم عادوا وأخذوا. وكان موسى قد حذرهم العقوبة إن تعدوا في السبت، فلما رأوا لا تنزل عليهم عقوبة ظنوا ما قال لهم موسى ﷺ باطلاً، فمسخوا قردة وحيوا ثلاثة أيام وماتوا". قال ابن عباس: "لم يعش مسخ قط أكثر من ثلاثة أيام ولا يأكل ولا يشرب ولا ينسل. وكان الله تعالى قد خلق القردة والخنازير وسائر الخلق في الستة [الأيام التي ذكر، فمسخ أولئك في صور] القردة". قال الحسن: "كانت الحيتان تأتيهم يوم السبت فتبطح بأفنيتهم كأنها المخاض ثم تذهب فلا ترى". قال ابن عباس: "لما طال عليهم أمر الحيتان وإتيانها يوم السبت ولا تأتي في غيره، عمد رجل منهم فأخذ حوتاً يوم السبت فحزمه بخيط وأرسله في الماء وتّدَ له وتداً في الساحل فأوثقه، حتى إذا كان الغد أخذه فأكله، فلما كان السبت الآخر فعل مثل ذلك، فوجد الناس ريح الحيتان، ثم علموا بما فعل ذلك الرجل ففعلوا مثل ما [فعل وأكلوا زمناً طويلاً، ولم] يعجل الله عليهم بالعقوبة حتى صادوا علانية وباعوها في الأسواق. فقالت طائفة من أهل التقوى: "ويحكم اتقوا الله" ونهوهم عما يصنعون. وقالت طائفة أخرى لم يصنعوا مثل ما صنع أولئك: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ [الأعراف: ١٦٤]، فنجى الله الذين ينهون عن السوء ومسخ الفاعلين". واختلف في الذين لم يعملوا ولم ينهوا وقالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾ الآية. قيل: إنهم نجوا مع الناجين. وقيل: مُسِخُوا مع مَن مسخ. [والسبت أصله] الراحة والهدوء. والسبت ضرب من السير. والسبت [الحلق؛ يقال سَبَتَ رَأسَهُ] حَلَقَهُ. والسبت القطع. وجمعه: "أَسْبُتٌ" و "سَبَتَاتٌ" بالتحريك لأنه اسم. وفي الكثير السبوت والسبات. وقال السدي: "كان الرجل منهم من شهوة الحوت يحفر الحفرة ويجعل نهراً إلى البحر، فيدخله الماء يوم السبت بالحوت، ثم لا يقدر الحوت أن يرجع إلى البحر لقلة الماء، فيصبح يوم [الأحد ويأخذه]. فنهوهم علماؤهم عن ذلك فلم ينتهوا". وروي عن مجاهد أنه قال: "مسخت قلوبهم ولم يمسخوا قردة، وإنما هو مثل ضربه الله كمثل الحمار يحمل أسفاراً". وجميع أهل التفسير على خلاف ذلك لأنهم مسخوا قردة حقيقة. * * وقوله: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً﴾. هو أمر، وتأويله الخبر. أي: فكوناهم قردة، وهذا هو الأمر الذي يكون به الخلق، فحولهم من خلقة إلى خلقة أخرى، فهو مثل قوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]. ﴿خَاسِئِينَ﴾. أي: مبعدين، أي مطرودين. هذا قول أهل اللغة. وقال مجاهد وقتادة: "خاسئين: صاغرين". وقال الربيع: "أذلة صاغرين". وروي عن ابن عباس: "خاسئاً ذليلاً".

البقرة 2:66

قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً﴾. أي: فجعلنا العقوبة نكالاً وهي المسخة، وعليه أكثر أهل التفسير. وقيل: الهاء للقردة. وقيل: للأمة الذين اعتدوا. وروي عن ابن عباس أنه قال: ﴿جَعَلْنَاهَا﴾ [الحج: ٣٦]. أي: جعلنا الحيتان نَكَالاً لأن العقوبة من أجلها كانت. فدل الكلام عليها نكالاً لا عقوبة" عن ابن عباس. ومعنى "نَكَّلْتُ به" عند أهل اللغة: فعلت به ما ينكل غيره أن يفعل مثله فيصيبه مثل ما أصابه. * * قوله: ﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ أي: من بعدهم ليحذر ويتقي. ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ لمن بقي منهم عبرة. قاله ابن عباس. وقال الربيع: "لما خلا من ذنوبهم: أي عوقبوا [من أجل ما] خلا من ذنوبهم، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾: أي: عبرة لمن بقي من الناس". وروى عكرمة عن ابن عباس: ﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾: من القرى". وقال قتادة: ﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾: مِن ذنوبها التي مضت، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾: تعديهم في السبت وأخذهم الحيتان". وكذلك قال مجاهد. وقال السدي: "﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ ما سلف من ذنوبها، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾: للأمم التي بعدها ألا يعصوا فيصنع بهم مثل ذلك". * * قوله: ﴿وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾. أمة محمد ﷺ أن لا ينتهكوا ما حرم الله عليهم فيصيبهم مثل ذلك.

البقرة 2:67

قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾. قالوا: إنما جاء الجواب بغير فاء لأنه تعالى إنما أذكرهم هذا الذي كان، فجعل "قالوا" كالجواب لقوله على انقطاع الكلام وتمامه. فهو حكاية كانت من كلامين: أحدهما جواب للآخر، وليس أحدها محمولاً على الآخر. ولو أتى بالفاء لحسن. ولو قلت: "قُمْتُ قامَ زيْدٌ"، لم يجز إلا بالفاء، لأنه كلام واحد، الثاني محمول على الأول، فلم يتصلا إلا بحرف فاء أو واو، وليس مثل الآية فافهمه. * * قوله: ﴿قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ﴾. ذكر السدي أنه كان رجل من بني إسرائيل مكثراً من المال وله ابنة، وله ابن أخ فقير من المال، فخطب إليه، فأبى أن يزوجه، فعمل على قتله، وقال: والله لأقتلن عمي ولآخذن ماله، ولأنكحن ابنته، ولآكلن ديته. فلما قتله ليلاً جعله في بعض السكك وأصبح يطلب عمه، فوجد أهل ذلك الموضع قياماً عليه فأخذهم وقال: قتلتم عمي فأدوا ديته وجعل يبكي [فرفعهم إلى موسى ﷺ] فقضى عليهم بالدية، فقالوا: يا نبي الله ادع لنا ربك يبين لنا مَن صاحبه. فقال: اذبحوا بقرة. فقالوا: نحن نسألك عن القتيل، وأنت تأمرنا بذبح البقرة أتهزأ بنا؟ فقال: أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين". قال ابن عباس: "فلو اعترضوا بقرة ما، فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم". وقيل: [إنه أخو المقتول كان]. وقيل: كانوا جماعة ورثة استبطوا موته ليرثوه فقتلوه. وقال مقاتل: "كان القاتلان اثنين قتلا ابن عم لهما وطرحاه بين قريتين، فطولب أهل القريتين بالدية فحلفوا أنهم ما قتلوه".

البقرة 2:68

قوله: ﴿لاَّ فَارِضٌ﴾: أي: لا هرمة. ﴿وَلاَ بِكْرٌ﴾: أي: لا صغيرة. ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ﴾: أي: هي بين الصغيرة والكبيرة. ﴿فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا﴾: أي: صاف تعجب من ينظر إليها. و "ذلك" موحد يراد به بين ذلك الوصف الذي ذكرنا. والصفراء السوداء عند أبي عبيدة، ومثله: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٣] أي: سود. وقال الحسن: "صفر الظِلف والقرن". وقال ابن زيد: "هي صفراء كلها". وقال القتبي: "لا يقال صفراء بمعنى سوداء في البقر. إنما يقال ذلك في نعوت الإبل". * * قوله: ﴿فَاقِـعٌ﴾ يدل على أنها غير سوداء لأنه لا يقال أسود فاقع ويقال أصفر فاقع. وقيل: كانت صفراء كلها حتى الظلف والقرن". وقرأ يحيى بن وثاب: "إن الباقر" بألف. "يشَّابه" بالياء والرفع والتشديد؛ جعله فعلاً مستقبلاً. قال الأصمعي: "الباقر جمع باقرة"، قال: "ويجمع بقر على باقورة". وقيل: كانت صفراء كلها حتى القرن والظلف.

البقرة 2:69

قوله: ﴿لاَّ فَارِضٌ﴾: أي: لا هرمة. ﴿وَلاَ بِكْرٌ﴾: أي: لا صغيرة. ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ﴾: أي: هي بين الصغيرة والكبيرة. ﴿فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا﴾: أي: صاف تعجب من ينظر إليها. و "ذلك" موحد يراد به بين ذلك الوصف الذي ذكرنا. والصفراء السوداء عند أبي عبيدة، ومثله: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٣] أي: سود. وقال الحسن: "صفر الظِلف والقرن". وقال ابن زيد: "هي صفراء كلها". وقال القتبي: "لا يقال صفراء بمعنى سوداء في البقر. إنما يقال ذلك في نعوت الإبل". * * قوله: ﴿فَاقِـعٌ﴾ يدل على أنها غير سوداء لأنه لا يقال أسود فاقع ويقال أصفر فاقع. وقيل: كانت صفراء كلها حتى الظلف والقرن". وقرأ يحيى بن وثاب: "إن الباقر" بألف. "يشَّابه" بالياء والرفع والتشديد؛ جعله فعلاً مستقبلاً. قال الأصمعي: "الباقر جمع باقرة"، قال: "ويجمع بقر على باقورة". وقيل: كانت صفراء كلها حتى القرن والظلف.

البقرة 2:71

﴿لاَّ ذَلُولٌ﴾ لم يذللها العمل فتثير الأرض، ولا تعمل في الحرث. ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾: أي: من العيوب. ﴿لاَّ شِيَةَ فِيهَا﴾: أي: لا بياض. ولولا قولهم: ﴿إِن شَآءَ ٱللَّهُ﴾ ما اهتدوا إليها أبداً، فوجدوا البقرة عند عجوز عندها يتامى فأضعفت عليهم الثمن، فأتوا موسى ﷺ فأخبروه. فقال لهم: أعطوها رضاها، ففعلوا وذبحوها. وأمرهم موسى ﷺ بعضو منها يضربوا به القتيل ففعلوا. فرجع إليه روحه وسمَّى قاتله ومات فقُتل قاتله، وهو الذي أتى إلى موسى ﷺ يشتكي ويطلب الدية. وروي أن رجلاً صالحاً من بني إسرائيل كان له ابن صغير وله عجلة فأتى بالعجلة إلى غَيْضةٍ وقال "اللهم إني استودعتك هذه العجلة لابني حتى يكبر. فشبت العجلة في الغيضة. وكانت ترعى فيها فلا يقدر عليها أحد؛ تثب على من رامها [فيهرب منها]. فأتى ابن الرجل الصالح بعد موت أبيه ومعه حبل إليها، فخوفه الناس منها، فأقبلت البقرة إليه مذعنة فساقها إلى أمه وكان براً بها. فلم يجد بنو إسرائيل صفة البقرة التي أمروا بذبحها إلا تلك البقرة فاشتروها منه بملء جلدها دنانير. وعن ابن عباس قال: ﴿لاَّ شِيَةَ فِيهَا﴾: لا بياض فيها ولا سواد، ولا حمرة "أي: لونها واحد لا لمعة فيها تخالف لونها وهو الصفرة. قيل: كانت صفراء حتى ظلفها وقرنها أصفران. قال: "وطلبوها فلم يقدروا عليها، وكان رجل من بني إسرائيل من أبر الناس بأبيه، وأن رجلاً مر به ومعه لؤلؤ. يبيعه، وكان أبوه نائماً تحت رأسه المفتاح. فقال الرجل المار للولد البار: تشتري مني هذا اللؤلؤ بسبعين ألفاً؟ قال له الفتى: كما أنت، حتى يستيقظ والدي، وأنا آخذه بثمانين ألفاً. قال له الآخر: أيقظ أباك وهو لك بستين ألفاً، فجعل التاجر يحط له حتى بلغ ثلاثين ألفاً. وزاد الحدث على أن يصبر حتى يستيقظ أبوه حتى بلغ مائة ألف. فلما أكثر عليه حلف ألا يشتريه منه وأبى أن يوقظ أباه، فعوضه الله عز وجل من ذلك اللؤلؤ أن جعل تلك البقرة عنده. فسألوه بيعها فأبى فرفع في سومها فمضوا به إلى موسى، فقالوا: قد أعطيناه ثمنها وأبى أن يبيع. فقال: يا نبي الله: أنا أحق بمالي؟ قال له: نعم أنصفوه، واشتروا منه. فاشتروها منه بوزنها عشر مرات ذهباً". وقيل: ضرب بفخد البقرة الأيمن. وقيل: ضرب بعظم من عظامها. وقيل: بذنبها. وقيل: بلسانها. * * وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ﴾. في الكلام حذف واختصار، والتقدير: فضربوه فحيي فقيل لهم: كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته فاعتبروا. واستدل مالك في رواية ابن القاسم وابن وهب عنه على تصحيح الحكم بالقسامة [بهذا القتيل المذكور ضربوه] ببعضها فحيي وقال: "فلان قتلني"، فَقُتِلَ، بقوله. قال مالك: "فهذا مما يبين القسامة وأن يقبل قول الميت فيقسم عليه". وروي أنه قال: "ابن أخي قتلني" ومات، فَقُتِلَ به ولم يرث عمه. قال عبيدة السلماني: "فسقط ميراث القاتل عمداً ممن قتل [من حينئذ]". وهذه الآية عند مالك تدل على القسامة وعلى قبول قول المقتول: "فلان قتلني"، ويقسم على قوله الأولياء. * * قوله: ﴿ٱلآنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ﴾: أي: بينت لنا. وقيل: إنهم عرفوا عند من البقرة لما وصفها، وعلموا أنه ليس يجدون ما وصف لهم إلا في موضع بعينه، فقالوا: الآن جئت بالحق. ولم يريدوا أنك لم تأت بالحق من أول كلامك إلا الساعة، إنما معناه: الآن جئتنا بغاية البيان، لأنهم كانوا مذعنين للذبح ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم. * * قوله: ﴿وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾. أي: كادوا أن يضيعوا فرض الله عز وجل لغلائها وكثرة قيمتها. وقيل: أرادوا أن لا يفعلوا خوف الفضيحة وهم قاتلوا المقتول على قول من قال: كانوا ورثة. وقيل: لعزة وجودها على تلك الصفة. وروي عن ابن عباس أنه قال: "مكثوا في طلب البقرة أربعين سنة" وقال طلحة بن مصرف: "لم تخلق تلك البقرة من نتاج، إنما نزلت من السماء". * * قوله: ﴿فَٱدَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾. أي: اختلفتم وتدافعتم في الحكومة. وقيل: في النفس. وقيل: في القتلة. ورجوعها على النفس أولى لتقدم ذكرها. قوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ﴾. روي عن ابن عباس أنه قال: "لما أخبر المقتول بمن قتله مات، فأنكروا أنهم فعلوا بعد إخباره عنهم، فكذبوا ما رأوا. فذلك قساوة قلوبهم". * * قوله: ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾. "أَوْ" [للتخيير أي: شبهوهم بقساوة] الحجارة أو بأشد منها، لأنهم جحدوا بعدما عاينوا، فأنتم مخيّرون في تشبيههم. وقيل: معنى ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾، أي: هو أقسى من الحجارة لأن الحجارة ليس لها ثواب ولا عليها عقاب، وهي تخاف الله عز وجل. روي أن عيسى ابن مريم مر بجبل فسمع منه أنيناً فقال: "يا رب ائذن لهذا الجبل حتى يكلمني". فأذن الله للجبل فكلمه، فسأله عيسى [ﷺ] عن أنينه فقال: سمعت الله يقول: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] فخفت أن أكون من تلك الحجارة". وقيل: معناه: فقلوبهم مثل الحجارة أو أشد أي: منها ما هو مثل الحجارة، ومنها ما هو أشد كأنها لا تخرج من هذين القسمين. وقيل: "أو" بمعنى الواو. وقيل: بمعنى: "بل". * * قوله: ﴿لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَارُ﴾. هو حجر موسى ﷺ الذي [انفجرت منه] [اثنتا عشرة] عيناً. * * قوله: ﴿لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ﴾. هو الجبل الذي جعله الله دكاً إذ تجلى إليه، خرَّ لَهُ. * * قوله: ﴿لَمَا يَشَّقَّقُ﴾. هو العيون التي تخرج من سائر الجبال. * * قوله: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾. يعني ما أراهم من إحياء الميت ومن العصا والحجر والغمام والمن والسلوى والبحر والطور وغير ذلك. فلم يكونوا قط أعمى قلوباً، ولا أشد قسوة وتكذيباً لنبيهم منهم في ذلك الوقت.

البقرة 2:72

﴿لاَّ ذَلُولٌ﴾ لم يذللها العمل فتثير الأرض، ولا تعمل في الحرث. ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾: أي: من العيوب. ﴿لاَّ شِيَةَ فِيهَا﴾: أي: لا بياض. ولولا قولهم: ﴿إِن شَآءَ ٱللَّهُ﴾ ما اهتدوا إليها أبداً، فوجدوا البقرة عند عجوز عندها يتامى فأضعفت عليهم الثمن، فأتوا موسى ﷺ فأخبروه. فقال لهم: أعطوها رضاها، ففعلوا وذبحوها. وأمرهم موسى ﷺ بعضو منها يضربوا به القتيل ففعلوا. فرجع إليه روحه وسمَّى قاتله ومات فقُتل قاتله، وهو الذي أتى إلى موسى ﷺ يشتكي ويطلب الدية. وروي أن رجلاً صالحاً من بني إسرائيل كان له ابن صغير وله عجلة فأتى بالعجلة إلى غَيْضةٍ وقال "اللهم إني استودعتك هذه العجلة لابني حتى يكبر. فشبت العجلة في الغيضة. وكانت ترعى فيها فلا يقدر عليها أحد؛ تثب على من رامها [فيهرب منها]. فأتى ابن الرجل الصالح بعد موت أبيه ومعه حبل إليها، فخوفه الناس منها، فأقبلت البقرة إليه مذعنة فساقها إلى أمه وكان براً بها. فلم يجد بنو إسرائيل صفة البقرة التي أمروا بذبحها إلا تلك البقرة فاشتروها منه بملء جلدها دنانير. وعن ابن عباس قال: ﴿لاَّ شِيَةَ فِيهَا﴾: لا بياض فيها ولا سواد، ولا حمرة "أي: لونها واحد لا لمعة فيها تخالف لونها وهو الصفرة. قيل: كانت صفراء حتى ظلفها وقرنها أصفران. قال: "وطلبوها فلم يقدروا عليها، وكان رجل من بني إسرائيل من أبر الناس بأبيه، وأن رجلاً مر به ومعه لؤلؤ. يبيعه، وكان أبوه نائماً تحت رأسه المفتاح. فقال الرجل المار للولد البار: تشتري مني هذا اللؤلؤ بسبعين ألفاً؟ قال له الفتى: كما أنت، حتى يستيقظ والدي، وأنا آخذه بثمانين ألفاً. قال له الآخر: أيقظ أباك وهو لك بستين ألفاً، فجعل التاجر يحط له حتى بلغ ثلاثين ألفاً. وزاد الحدث على أن يصبر حتى يستيقظ أبوه حتى بلغ مائة ألف. فلما أكثر عليه حلف ألا يشتريه منه وأبى أن يوقظ أباه، فعوضه الله عز وجل من ذلك اللؤلؤ أن جعل تلك البقرة عنده. فسألوه بيعها فأبى فرفع في سومها فمضوا به إلى موسى، فقالوا: قد أعطيناه ثمنها وأبى أن يبيع. فقال: يا نبي الله: أنا أحق بمالي؟ قال له: نعم أنصفوه، واشتروا منه. فاشتروها منه بوزنها عشر مرات ذهباً". وقيل: ضرب بفخد البقرة الأيمن. وقيل: ضرب بعظم من عظامها. وقيل: بذنبها. وقيل: بلسانها. * * وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ﴾. في الكلام حذف واختصار، والتقدير: فضربوه فحيي فقيل لهم: كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته فاعتبروا. واستدل مالك في رواية ابن القاسم وابن وهب عنه على تصحيح الحكم بالقسامة [بهذا القتيل المذكور ضربوه] ببعضها فحيي وقال: "فلان قتلني"، فَقُتِلَ، بقوله. قال مالك: "فهذا مما يبين القسامة وأن يقبل قول الميت فيقسم عليه". وروي أنه قال: "ابن أخي قتلني" ومات، فَقُتِلَ به ولم يرث عمه. قال عبيدة السلماني: "فسقط ميراث القاتل عمداً ممن قتل [من حينئذ]". وهذه الآية عند مالك تدل على القسامة وعلى قبول قول المقتول: "فلان قتلني"، ويقسم على قوله الأولياء. * * قوله: ﴿ٱلآنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ﴾: أي: بينت لنا. وقيل: إنهم عرفوا عند من البقرة لما وصفها، وعلموا أنه ليس يجدون ما وصف لهم إلا في موضع بعينه، فقالوا: الآن جئت بالحق. ولم يريدوا أنك لم تأت بالحق من أول كلامك إلا الساعة، إنما معناه: الآن جئتنا بغاية البيان، لأنهم كانوا مذعنين للذبح ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم. * * قوله: ﴿وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾. أي: كادوا أن يضيعوا فرض الله عز وجل لغلائها وكثرة قيمتها. وقيل: أرادوا أن لا يفعلوا خوف الفضيحة وهم قاتلوا المقتول على قول من قال: كانوا ورثة. وقيل: لعزة وجودها على تلك الصفة. وروي عن ابن عباس أنه قال: "مكثوا في طلب البقرة أربعين سنة" وقال طلحة بن مصرف: "لم تخلق تلك البقرة من نتاج، إنما نزلت من السماء". * * قوله: ﴿فَٱدَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾. أي: اختلفتم وتدافعتم في الحكومة. وقيل: في النفس. وقيل: في القتلة. ورجوعها على النفس أولى لتقدم ذكرها. قوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ﴾. روي عن ابن عباس أنه قال: "لما أخبر المقتول بمن قتله مات، فأنكروا أنهم فعلوا بعد إخباره عنهم، فكذبوا ما رأوا. فذلك قساوة قلوبهم". * * قوله: ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾. "أَوْ" [للتخيير أي: شبهوهم بقساوة] الحجارة أو بأشد منها، لأنهم جحدوا بعدما عاينوا، فأنتم مخيّرون في تشبيههم. وقيل: معنى ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾، أي: هو أقسى من الحجارة لأن الحجارة ليس لها ثواب ولا عليها عقاب، وهي تخاف الله عز وجل. روي أن عيسى ابن مريم مر بجبل فسمع منه أنيناً فقال: "يا رب ائذن لهذا الجبل حتى يكلمني". فأذن الله للجبل فكلمه، فسأله عيسى [ﷺ] عن أنينه فقال: سمعت الله يقول: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] فخفت أن أكون من تلك الحجارة". وقيل: معناه: فقلوبهم مثل الحجارة أو أشد أي: منها ما هو مثل الحجارة، ومنها ما هو أشد كأنها لا تخرج من هذين القسمين. وقيل: "أو" بمعنى الواو. وقيل: بمعنى: "بل". * * قوله: ﴿لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَارُ﴾. هو حجر موسى ﷺ الذي [انفجرت منه] [اثنتا عشرة] عيناً. * * قوله: ﴿لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ﴾. هو الجبل الذي جعله الله دكاً إذ تجلى إليه، خرَّ لَهُ. * * قوله: ﴿لَمَا يَشَّقَّقُ﴾. هو العيون التي تخرج من سائر الجبال. * * قوله: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾. يعني ما أراهم من إحياء الميت ومن العصا والحجر والغمام والمن والسلوى والبحر والطور وغير ذلك. فلم يكونوا قط أعمى قلوباً، ولا أشد قسوة وتكذيباً لنبيهم منهم في ذلك الوقت.

البقرة 2:73

﴿لاَّ ذَلُولٌ﴾ لم يذللها العمل فتثير الأرض، ولا تعمل في الحرث. ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾: أي: من العيوب. ﴿لاَّ شِيَةَ فِيهَا﴾: أي: لا بياض. ولولا قولهم: ﴿إِن شَآءَ ٱللَّهُ﴾ ما اهتدوا إليها أبداً، فوجدوا البقرة عند عجوز عندها يتامى فأضعفت عليهم الثمن، فأتوا موسى ﷺ فأخبروه. فقال لهم: أعطوها رضاها، ففعلوا وذبحوها. وأمرهم موسى ﷺ بعضو منها يضربوا به القتيل ففعلوا. فرجع إليه روحه وسمَّى قاتله ومات فقُتل قاتله، وهو الذي أتى إلى موسى ﷺ يشتكي ويطلب الدية. وروي أن رجلاً صالحاً من بني إسرائيل كان له ابن صغير وله عجلة فأتى بالعجلة إلى غَيْضةٍ وقال "اللهم إني استودعتك هذه العجلة لابني حتى يكبر. فشبت العجلة في الغيضة. وكانت ترعى فيها فلا يقدر عليها أحد؛ تثب على من رامها [فيهرب منها]. فأتى ابن الرجل الصالح بعد موت أبيه ومعه حبل إليها، فخوفه الناس منها، فأقبلت البقرة إليه مذعنة فساقها إلى أمه وكان براً بها. فلم يجد بنو إسرائيل صفة البقرة التي أمروا بذبحها إلا تلك البقرة فاشتروها منه بملء جلدها دنانير. وعن ابن عباس قال: ﴿لاَّ شِيَةَ فِيهَا﴾: لا بياض فيها ولا سواد، ولا حمرة "أي: لونها واحد لا لمعة فيها تخالف لونها وهو الصفرة. قيل: كانت صفراء حتى ظلفها وقرنها أصفران. قال: "وطلبوها فلم يقدروا عليها، وكان رجل من بني إسرائيل من أبر الناس بأبيه، وأن رجلاً مر به ومعه لؤلؤ. يبيعه، وكان أبوه نائماً تحت رأسه المفتاح. فقال الرجل المار للولد البار: تشتري مني هذا اللؤلؤ بسبعين ألفاً؟ قال له الفتى: كما أنت، حتى يستيقظ والدي، وأنا آخذه بثمانين ألفاً. قال له الآخر: أيقظ أباك وهو لك بستين ألفاً، فجعل التاجر يحط له حتى بلغ ثلاثين ألفاً. وزاد الحدث على أن يصبر حتى يستيقظ أبوه حتى بلغ مائة ألف. فلما أكثر عليه حلف ألا يشتريه منه وأبى أن يوقظ أباه، فعوضه الله عز وجل من ذلك اللؤلؤ أن جعل تلك البقرة عنده. فسألوه بيعها فأبى فرفع في سومها فمضوا به إلى موسى، فقالوا: قد أعطيناه ثمنها وأبى أن يبيع. فقال: يا نبي الله: أنا أحق بمالي؟ قال له: نعم أنصفوه، واشتروا منه. فاشتروها منه بوزنها عشر مرات ذهباً". وقيل: ضرب بفخد البقرة الأيمن. وقيل: ضرب بعظم من عظامها. وقيل: بذنبها. وقيل: بلسانها. * * وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ﴾. في الكلام حذف واختصار، والتقدير: فضربوه فحيي فقيل لهم: كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته فاعتبروا. واستدل مالك في رواية ابن القاسم وابن وهب عنه على تصحيح الحكم بالقسامة [بهذا القتيل المذكور ضربوه] ببعضها فحيي وقال: "فلان قتلني"، فَقُتِلَ، بقوله. قال مالك: "فهذا مما يبين القسامة وأن يقبل قول الميت فيقسم عليه". وروي أنه قال: "ابن أخي قتلني" ومات، فَقُتِلَ به ولم يرث عمه. قال عبيدة السلماني: "فسقط ميراث القاتل عمداً ممن قتل [من حينئذ]". وهذه الآية عند مالك تدل على القسامة وعلى قبول قول المقتول: "فلان قتلني"، ويقسم على قوله الأولياء. * * قوله: ﴿ٱلآنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ﴾: أي: بينت لنا. وقيل: إنهم عرفوا عند من البقرة لما وصفها، وعلموا أنه ليس يجدون ما وصف لهم إلا في موضع بعينه، فقالوا: الآن جئت بالحق. ولم يريدوا أنك لم تأت بالحق من أول كلامك إلا الساعة، إنما معناه: الآن جئتنا بغاية البيان، لأنهم كانوا مذعنين للذبح ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم. * * قوله: ﴿وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾. أي: كادوا أن يضيعوا فرض الله عز وجل لغلائها وكثرة قيمتها. وقيل: أرادوا أن لا يفعلوا خوف الفضيحة وهم قاتلوا المقتول على قول من قال: كانوا ورثة. وقيل: لعزة وجودها على تلك الصفة. وروي عن ابن عباس أنه قال: "مكثوا في طلب البقرة أربعين سنة" وقال طلحة بن مصرف: "لم تخلق تلك البقرة من نتاج، إنما نزلت من السماء". * * قوله: ﴿فَٱدَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾. أي: اختلفتم وتدافعتم في الحكومة. وقيل: في النفس. وقيل: في القتلة. ورجوعها على النفس أولى لتقدم ذكرها. قوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ﴾. روي عن ابن عباس أنه قال: "لما أخبر المقتول بمن قتله مات، فأنكروا أنهم فعلوا بعد إخباره عنهم، فكذبوا ما رأوا. فذلك قساوة قلوبهم". * * قوله: ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾. "أَوْ" [للتخيير أي: شبهوهم بقساوة] الحجارة أو بأشد منها، لأنهم جحدوا بعدما عاينوا، فأنتم مخيّرون في تشبيههم. وقيل: معنى ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾، أي: هو أقسى من الحجارة لأن الحجارة ليس لها ثواب ولا عليها عقاب، وهي تخاف الله عز وجل. روي أن عيسى ابن مريم مر بجبل فسمع منه أنيناً فقال: "يا رب ائذن لهذا الجبل حتى يكلمني". فأذن الله للجبل فكلمه، فسأله عيسى [ﷺ] عن أنينه فقال: سمعت الله يقول: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] فخفت أن أكون من تلك الحجارة". وقيل: معناه: فقلوبهم مثل الحجارة أو أشد أي: منها ما هو مثل الحجارة، ومنها ما هو أشد كأنها لا تخرج من هذين القسمين. وقيل: "أو" بمعنى الواو. وقيل: بمعنى: "بل". * * قوله: ﴿لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَارُ﴾. هو حجر موسى ﷺ الذي [انفجرت منه] [اثنتا عشرة] عيناً. * * قوله: ﴿لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ﴾. هو الجبل الذي جعله الله دكاً إذ تجلى إليه، خرَّ لَهُ. * * قوله: ﴿لَمَا يَشَّقَّقُ﴾. هو العيون التي تخرج من سائر الجبال. * * قوله: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾. يعني ما أراهم من إحياء الميت ومن العصا والحجر والغمام والمن والسلوى والبحر والطور وغير ذلك. فلم يكونوا قط أعمى قلوباً، ولا أشد قسوة وتكذيباً لنبيهم منهم في ذلك الوقت.

البقرة 2:74

﴿لاَّ ذَلُولٌ﴾ لم يذللها العمل فتثير الأرض، ولا تعمل في الحرث. ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾: أي: من العيوب. ﴿لاَّ شِيَةَ فِيهَا﴾: أي: لا بياض. ولولا قولهم: ﴿إِن شَآءَ ٱللَّهُ﴾ ما اهتدوا إليها أبداً، فوجدوا البقرة عند عجوز عندها يتامى فأضعفت عليهم الثمن، فأتوا موسى ﷺ فأخبروه. فقال لهم: أعطوها رضاها، ففعلوا وذبحوها. وأمرهم موسى ﷺ بعضو منها يضربوا به القتيل ففعلوا. فرجع إليه روحه وسمَّى قاتله ومات فقُتل قاتله، وهو الذي أتى إلى موسى ﷺ يشتكي ويطلب الدية. وروي أن رجلاً صالحاً من بني إسرائيل كان له ابن صغير وله عجلة فأتى بالعجلة إلى غَيْضةٍ وقال "اللهم إني استودعتك هذه العجلة لابني حتى يكبر. فشبت العجلة في الغيضة. وكانت ترعى فيها فلا يقدر عليها أحد؛ تثب على من رامها [فيهرب منها]. فأتى ابن الرجل الصالح بعد موت أبيه ومعه حبل إليها، فخوفه الناس منها، فأقبلت البقرة إليه مذعنة فساقها إلى أمه وكان براً بها. فلم يجد بنو إسرائيل صفة البقرة التي أمروا بذبحها إلا تلك البقرة فاشتروها منه بملء جلدها دنانير. وعن ابن عباس قال: ﴿لاَّ شِيَةَ فِيهَا﴾: لا بياض فيها ولا سواد، ولا حمرة "أي: لونها واحد لا لمعة فيها تخالف لونها وهو الصفرة. قيل: كانت صفراء حتى ظلفها وقرنها أصفران. قال: "وطلبوها فلم يقدروا عليها، وكان رجل من بني إسرائيل من أبر الناس بأبيه، وأن رجلاً مر به ومعه لؤلؤ. يبيعه، وكان أبوه نائماً تحت رأسه المفتاح. فقال الرجل المار للولد البار: تشتري مني هذا اللؤلؤ بسبعين ألفاً؟ قال له الفتى: كما أنت، حتى يستيقظ والدي، وأنا آخذه بثمانين ألفاً. قال له الآخر: أيقظ أباك وهو لك بستين ألفاً، فجعل التاجر يحط له حتى بلغ ثلاثين ألفاً. وزاد الحدث على أن يصبر حتى يستيقظ أبوه حتى بلغ مائة ألف. فلما أكثر عليه حلف ألا يشتريه منه وأبى أن يوقظ أباه، فعوضه الله عز وجل من ذلك اللؤلؤ أن جعل تلك البقرة عنده. فسألوه بيعها فأبى فرفع في سومها فمضوا به إلى موسى، فقالوا: قد أعطيناه ثمنها وأبى أن يبيع. فقال: يا نبي الله: أنا أحق بمالي؟ قال له: نعم أنصفوه، واشتروا منه. فاشتروها منه بوزنها عشر مرات ذهباً". وقيل: ضرب بفخد البقرة الأيمن. وقيل: ضرب بعظم من عظامها. وقيل: بذنبها. وقيل: بلسانها. * * وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ﴾. في الكلام حذف واختصار، والتقدير: فضربوه فحيي فقيل لهم: كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته فاعتبروا. واستدل مالك في رواية ابن القاسم وابن وهب عنه على تصحيح الحكم بالقسامة [بهذا القتيل المذكور ضربوه] ببعضها فحيي وقال: "فلان قتلني"، فَقُتِلَ، بقوله. قال مالك: "فهذا مما يبين القسامة وأن يقبل قول الميت فيقسم عليه". وروي أنه قال: "ابن أخي قتلني" ومات، فَقُتِلَ به ولم يرث عمه. قال عبيدة السلماني: "فسقط ميراث القاتل عمداً ممن قتل [من حينئذ]". وهذه الآية عند مالك تدل على القسامة وعلى قبول قول المقتول: "فلان قتلني"، ويقسم على قوله الأولياء. * * قوله: ﴿ٱلآنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ﴾: أي: بينت لنا. وقيل: إنهم عرفوا عند من البقرة لما وصفها، وعلموا أنه ليس يجدون ما وصف لهم إلا في موضع بعينه، فقالوا: الآن جئت بالحق. ولم يريدوا أنك لم تأت بالحق من أول كلامك إلا الساعة، إنما معناه: الآن جئتنا بغاية البيان، لأنهم كانوا مذعنين للذبح ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم. * * قوله: ﴿وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾. أي: كادوا أن يضيعوا فرض الله عز وجل لغلائها وكثرة قيمتها. وقيل: أرادوا أن لا يفعلوا خوف الفضيحة وهم قاتلوا المقتول على قول من قال: كانوا ورثة. وقيل: لعزة وجودها على تلك الصفة. وروي عن ابن عباس أنه قال: "مكثوا في طلب البقرة أربعين سنة" وقال طلحة بن مصرف: "لم تخلق تلك البقرة من نتاج، إنما نزلت من السماء". * * قوله: ﴿فَٱدَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾. أي: اختلفتم وتدافعتم في الحكومة. وقيل: في النفس. وقيل: في القتلة. ورجوعها على النفس أولى لتقدم ذكرها. قوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ﴾. روي عن ابن عباس أنه قال: "لما أخبر المقتول بمن قتله مات، فأنكروا أنهم فعلوا بعد إخباره عنهم، فكذبوا ما رأوا. فذلك قساوة قلوبهم". * * قوله: ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾. "أَوْ" [للتخيير أي: شبهوهم بقساوة] الحجارة أو بأشد منها، لأنهم جحدوا بعدما عاينوا، فأنتم مخيّرون في تشبيههم. وقيل: معنى ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾، أي: هو أقسى من الحجارة لأن الحجارة ليس لها ثواب ولا عليها عقاب، وهي تخاف الله عز وجل. روي أن عيسى ابن مريم مر بجبل فسمع منه أنيناً فقال: "يا رب ائذن لهذا الجبل حتى يكلمني". فأذن الله للجبل فكلمه، فسأله عيسى [ﷺ] عن أنينه فقال: سمعت الله يقول: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] فخفت أن أكون من تلك الحجارة". وقيل: معناه: فقلوبهم مثل الحجارة أو أشد أي: منها ما هو مثل الحجارة، ومنها ما هو أشد كأنها لا تخرج من هذين القسمين. وقيل: "أو" بمعنى الواو. وقيل: بمعنى: "بل". * * قوله: ﴿لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَارُ﴾. هو حجر موسى ﷺ الذي [انفجرت منه] [اثنتا عشرة] عيناً. * * قوله: ﴿لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ﴾. هو الجبل الذي جعله الله دكاً إذ تجلى إليه، خرَّ لَهُ. * * قوله: ﴿لَمَا يَشَّقَّقُ﴾. هو العيون التي تخرج من سائر الجبال. * * قوله: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾. يعني ما أراهم من إحياء الميت ومن العصا والحجر والغمام والمن والسلوى والبحر والطور وغير ذلك. فلم يكونوا قط أعمى قلوباً، ولا أشد قسوة وتكذيباً لنبيهم منهم في ذلك الوقت.

البقرة 2:75

قوله: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ﴾. يخاطب المؤمنين بمحمد. والذين لا يؤمنون هم اليهود أعداء [الله. وهو استفهام فيه معنى الإنكار فأيأسهم من إيمان] اليهود ثم أخبر عن أسلافهم وما كانوا يفعلون كأنه يقول تعالى: إن كفر هؤلاء فلهم سابقة في ذلك؛ وهو أن فريقاً منهم كانوا ﴿يَسْمَعُونَ كَلاَمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ الآية. يريد به أسلافهم وما فعلوا على عهد موسى ﷺ. قال السدي: "هي التوراة حرفوها فيجعلون الحلال حراماً، والحرام حلالاً برشوة". وقال الربيع: "كانوا يسمعون من الوحي ما يسمع النبي ﷺ ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه". وروى محمد بن إسحاق أنهم خرجوا مع موسى ﷺ يسمعون كلام الله، فلما غشيهم الغمام أمرهم موسى ﷺ بالسجود فسجدوا، فسمعوا كلامه يأمرهم وينهاهم وعقلوا ما سمعوا، فلما رجعوا حرف فريق منهم ما سمع". ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: يعلمون أنهم مبطلون في تحريفه. وقال مقاتل: "هم السبعون الذين اختارهم موسى ﷺ.

البقرة 2:76

قوله: ﴿قَالُوۤاْ آمَنَّا﴾. أي: بأن صاحبكم نبي إليكم خاصة. وروي عن ابن عباس: "أي: إذا لقوا محمداً. قالوا: آمنا، وإذا خلوا كفروا، وهم المنافقون من اليهود". * * قوله: ﴿بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾. كانوا يستفتحون بمحمد ﷺ، فقالوا: لا تقروا بأنه نبي، وقد كنتم تستفتحون به، أي: تنظرون إذ سألتم الله به نصركم على عدوكم فقد علمتم أنه نبي، فإذا أقررتم لهم بنبوته حاجوكم بذلك عند ربكم. وقال أبو العالية: ﴿بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ يعني ما أنزل عليكم في التوراة من ذكر محمد ﷺ. وقال قتادة: "بما مَنّ الله عليكم في التوراة من ذكر محمد ﷺ فيحتجون عليكم بذلك". وروي أن النبي [عليه السلام قال لهم: يا إخْوَةَ القِرَدَةِ] والخَنَازِيرِ، فقالوا: مَنْ أَخْبَرَ بِهَذَا مُحَمَّداً؟ مَا جَرَى هَذَا إلاّ مِنْكُمْ. أَفَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ؟ وقال السدي: "كان ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا، وكانوا يحدثون المؤمنين بما مر على أسلافهم من العذاب، فقال بعضهم لبعض: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم من العذاب ليحاجوكم به. أي: يقولون لكم: نحن أحب إلى الله منكم وأكرم منكم؟". وعن ابن زيد قال: "كانوا إذا قيل لهم: أتعلمون أن في التوراة كذا وكذا؟ قالوا: نعم. فيقول لهم رؤساؤهم: لا تخبروهم بالذي أنزل عليكم، فيحاجوكم به عند ربكم. وقال النبي [عليه السلام]: لا يَدْخُلُ عَلَيْنَا قَصَبَةَ المَدينَةِ إِلاّ مُؤْمنٌ. فقال رؤساؤهم: اذهبوا فقولوا: آمنا وادخلوا. فإذا رجعتم اكفروا، وهو قوله: ﴿وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ﴾ [آل عمران: ٧٢] الآية. فكانوا يؤمنون بالبكرة ويكفرون بالعشي".

البقرة 2:78

قوله: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾. أي: ومن هؤلاء أميون. فهم أبعد من الإيمان من غيرهم. وقال ابن عباس: "هم قوم لم يصدقوا رسولاً ولا آمنوا بكتاب، فكتبوا كتاباً وقالوا للعوام: هذا من عند الله". وإنما سماهم أميين لجحودهم الكتاب إذ صاروا بمنزلة من لا يحسن شيئاً. وقيل: الأمي هنا الذي لا يكتب كأنه نسب إلى أمه كأنه على طبعها وجبلتها لا يحسن كما لا تحسن. وقيل: الأميون في هذا الموضع نصارى العرب. قاله عكرمة والضحاك. وقيل: هم قوم من أهل الكتاب، رفع كتابهم لذنوب أحدثوها فصاروا أميين [لا كتاب] لهم. وهم المجوس فيما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وقيل: هم طائفة من اليهود. قوله: ﴿لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَابَ﴾. أي: التوراة أي هم مثل البهائم. * * قوله: ﴿إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾. قال قتادة: "يتمنون على الله ما ليس لهم". وعن ابن عباس: [إلاَّ أمَانِيَّ: إلا أحاديث]. وقال مجاهد: "هم ناس كانوا لا يعلمون شيئاً، يقولون على التوراة ما ليس فيها، كأنهم يتمنون أن يكون ما قالوا فيها". وقال ابن زيد: "يقولون نحن من أهل الكتاب وليسوا منهم تمنياً" وقال الفراء وأبو عبيدة: [إلا أماني]: إلا تلاوة". ومنه قوله: ﴿إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] أي إذا تلا ألقى في تلاوته. فهم لا يعلمون منه إلا التلاوة ولا يفهمونه ولا يعملون به. وقال جماعة: [إلاّ أمَانِيَّ]: إلاَّ كذباً". ومنه قول عثمان رضي الله عنه: "ما تمنيت منذ أسلمت" أي: ما كذبت. * * قوله: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾. أي: يجحدون نبوتك، وما جئتم به ظناً لا يقيناً. وقيل: معناه: لا يعلمون الكتاب إلا تخرصاً وإن هم إلا يشكون فيه.

البقرة 2:79

قوله: ﴿فَوَيْلٌ﴾. قال سفيان وأبو عياض: "ويل ماء يسيل من صديد في أسفل جهنم". وروى عثمان بن عفان عن النبي [عليه السلام أنه قال : الوَيْلُ] جَبَلٌ في النَّار وروى عنه عليه السلام أبو سعيد الخدري أنه قال: "ويلٌ وَاد في جهنَّمَ يَهْوِي فِيهِ الكَافِرُ أرْبَعِينَ خَرِيفاً قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ ومعنى "ويل" عند أهل اللغة: قبوح. وويح ترحم، وويس تصغير. وهذه مصادر لا أفعال لها. والاختيار فيها الرفع على كل حال بالابتداء. ويجوز فيها النصب على معنى: ألزمه الله ويلاً. فإن كانت مضافة [حسن فيها] النصب، قال الله تعالى: ﴿وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ﴾ [طه: ٦١]. فأما ما كان من المصادر جارياً على الفعل، فالاختيار فيه الرفع إذا كان معرفة على الابتداء نحو: الحمد. ويجوز النصب على المصدر. فإن كان نكرة، فالاختيار في النصب على المصدر ويجوز الرفع على الابتداء، أو على معنى ثبت ذلك له. فإن كان مضافاً لم يجز إلا النصب كالأول. * * قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾. هم اليهود الذين غيروا التوراة وبدلوا اسم محمد ﷺ فيها وصفته لئلا يؤمن به العوام، وأخذوا على ذلك الرشا. وقيل: هم قوم من اليهود كتبوا كتباً من عند أنفسهم وقالوا: هذا من عند الله ليعطوا عليها الأجر. وقال ابن عباس: "بل فعل ذلك قوم أميون لم يصدقوا رسولاً، ولا آمنوا بكتاب فكتبوا بأيديهم للجهال كتاباً ليشتروا به ثمناً قليلاً". قال ابن اسحاق: "كانت صفة محمد ﷺ في التوراة أسمر ربعة فبدلوا وكتبوا آدم طويلاً". وقوله تعالى: ﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾. تأكيد ليعلم أنهم تولوا ذلك بأيديهم ولم يأمروا به غيرهم. ففي الإتيان بلفظ "الأيدي" زوال الاحتمال، إذ لو قال: "يكتبون الكتاب" لجاز أن يأمروا بكتابته وأن يتولوا ذلك بأنفسهم لأن العرب تقول: "كَتَبْتُ إلى فلان"، وإنما أمر من كتبه له "وكتب السلطانُ كتاباً إلى عامله" ولم يكتبه بيده، وإنما أمر من كتبه له. ففي ذكر "الأيدي رفع الاحتمال وبيان أنهم تولوا ذلك بأيديهم عن تعمد منهم. وقال ابن عباس: "هذا، كما تقول: حملتُ إلى بلد كذا قمحاً، وإنما أمرت من حمله". وقال تعالى في التابوت: ﴿تَحْمِلُهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ﴾ [البقرة: ٢٤٨] وإنما حمل بأمر الملائكة، ولم تحمله الملائكة [بأنفسها ولا ظهرت] للقوم في ذلك الوقت. ومن هذا قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم﴾ [آل عمران: ١٦٧]. إنما أكد بذكر الأفواه لأن القول قد يترجم به عن الإشارة وعن الكتاب. تقول العرب: "قال الأمير كذا" للفظ سمعه من كتاب أمر بكتابته الأمير. وقريب منه قوله تعالى: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٩٣] لأن اليمين تدل في كلام العرب على الشدة والقوة والبطش، فدل بذكر اليمين على شدة الضرب. ولو لم يذكر اليمين لجاز أن يكون ضرباً شديداً أو غير شديد فذكر اليمين يرفع الاحتمال ويدل على الشدة. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] ومنه: ﴿وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦].

البقرة 2:80

وقوله: ﴿إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً﴾. أي قالوا: "لن نعذب إلا الأربعين ليلة التي عبدنا فيها العجل ثم لا نعذب". قاله قتادة. وقال السدي: "قالوا: نمكث في النار أربعين ليلة حتى إذا أكلت النار خطايانا واستنقينا، نادى مناد: أخرجوا كل مختون من بني إسرائيل، ولذلك أمرنا أن نختتن". وقال أبو العالية: "قالت اليهود: أقسم ربنا ليعذبنا أربعين ليلة ثم يخرجنا، فأكذبهم الله". وقال ابن عباس: "قالت اليهود: وجدنا في التوراة أن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم، فإنما نعذب حتى ننتهي إليها". وروى سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس "أن اليهود قالت: إنما عُمْر الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما يعذب الناس يوم القيامة سبعة أيام، لكل ألف سنة يوم". ولم يُحَدِّدْ الله تعالى الأيام لأنها عندهم معلومة على قولهم، فترك ذكر عددها وبيانه لما تقدم عندهم. * * قوله: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْداً﴾. أي: هل تقدم لكم عند الله ميثاق وعهد بهذا التحديد الذي قد حددتم، فإن الله لا يخلف وعده، فأتوا بما تدعون، أم قلتم ما قلتم تخرصاً وكذباً. هذا تأويل أكثر الناس. وروى الضحاك عن ابن عباس: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْداً﴾. أي: هل قلتم لا إله إلا الله لم تشركوا ولم تكفروا ولم تبدلوا ولم تغيروا، فيكون ذلك ذخراً لكم عند الله ولا يخلف الله وعده لمن يفعل ذلك. أو قلتم ذلك تخرصاً وإفكاً، ولم يتقدم لكم إيمان تدخرونه عند الله فيوفي لكم به". وروى ابن أبي فروة أن النبي [ﷺ] قال [لناس من اليهود]: مَن أصْحَابُ النَّارِ غَداً؟ قالوا: نَحْنُ، سَبْعَةُ أيَّامٍ، ثُمَّ تَخْلِفُونَنَا فِيهَا، فَنَزَلَ: ﴿وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ﴾ إلى ﴿خَالِدُونَ﴾، من حديث ابن وهب. * * وقوله: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ﴾. وزنه "افتعلتم" فيجوز أن يكون من "تخذ يتخذ"، ويجوز أن يكون من "أخذ"، وأصله "ايتخذتم" ثم أبدل من الياء تاء وأدغمت في الأخرى، وإنما فعل ذلك لاستثقال الياء بعد كسرة الهمزة. وقيل: فعل ذلك لما يلزم من تغيير الياء وكونها ألفاً في المستقبل في "يأتخذ" وكونها واواً في المفتعل تقول: "موتخذ" فأبدلوا من الياء حرفاً جلداً لا يتغير في جميع الأحوال، وكانت التاء أولى بذلك، لأنها قد تبدل من الواو، فالواو أخت التاء. وقيل: كانت أولى لأن بعدها تاء فأبدلت للتجانس وليصح الإدغام، والمدغم أخف من المظهر.

البقرة 2:81

قوله: ﴿بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ الآية. أي: من عمل بمثل ما عملتم، وكفر بمثل ما كفرتم وقال ما قلتم، ﴿فَأُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ﴾ قاله ابن عباس. وقال مجاهد وقتادة: "السيئة هنا الشرك". وهو قول ابن جريج وعطاء والربيع. وقد قال الله: ﴿وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ﴾ [النمل: ٩٠]. وهي الشرك بلا اختلاف في ذلك. وقال الربيع بن خثيم: (وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَاتُهُ): مات على كفره". وعنه: "مات على معصيته". وقال السدي: "هي الذنوب". أي الكبائر. والأول أولى لأن الله لم يتوعد في النار بالتخليد إلا أهل الشرك. وقال النبي [عليه السلام]: "أهْلُ الإيمَانِ لاَ يُخَلَّدُونَ في النَّارِ، وَيُخَلَّدُ الكُفَّارُ و "خَطِيئاتُهُ": الذنوب، أي مات ولم يتب منها ولا أسلم. وقال ابن عباس: "أحاطت الخطيئة هو أن يحبط ما له من حسنة بكفره". وقال قتادة: "الخطيئة هنا الكبيرة الموجبة للنار". وقال عطاء: "الخطيئة الشرك". وهذا القول يدل على أن السيئة الذنوب، فيصح أن يتوعد الله مَن أذنب الكبائر أو الصغائر ثم أضاف إلى ذلك الشركِ ، وهي الخطيئة بالتخليد في النار. ومن قرأ ﴿خَطِيـۤئَتُهُ﴾ بالجمع فهي الكبائر بلا اختلاف، والسيئة الشرك. وهذا الخطاب لليهود مرتبط بما قبله.

البقرة 2:82

قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾ الآية. أي: آمنوا بمحمد ﷺ وعملوا بما جاء به، فهي عامة في جميع أمة محمد ﷺ. قاله ابن عباس وغيره. وقال ابن زيد: هي خاصة في محمد عليه السلام وأصحابه.

البقرة 2:83

قوله: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً﴾. مَن قرأه بالضم، فمعناه عند الزجاج قولاً ذا حسن. وقال الأخفش: "الضم والفتح بمعنى واحد بمنزلة البُخْلُ والبَخَلُ والسُّقْمُ والسَّقَمُ". وقيل: إن مَن قرأ بالفتح فهو نعت لمصدر محذوف. واستقبح المبرد: "مَرَرْتُ بِحَسَنٍ" على إقامة الصفة مقام الموصوف. وقد جاء هذا في القرآن بإجماع، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ [فصلت: ١٠]، ولم يقل: جِبَالاً رَوَاسِيَ. وقال: ﴿أَنِ ٱعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ: ١١]، ولم يقل: "دُرُوعاً سَابِغاتٍ". واختار بعض المتعقبين الضم لأن "الحُسْنَ" الاسم الذي يحوي ما تحته ويعمه، و "الحَسَنُ" إنما هو الشيء الحَسَنُ لا يعم غير ما هو نعت له، والعموم أكمل في المعنى هنا، لأنها وصية بالخير. فَفِعلُه كله، والأمر به أولى مِن فِعل بعضه، والأمر ببعضه دون بعض. وحكى الأخفش: "حُسْنَى"، بغير تنوين. وهو لحن لا يجوز لأنه لا يقال إلا بالألف واللام. * * وقوله: ﴿وَبِٱلْوَالِدَيْنِ﴾. معطوف على المعنى لأن المعنى: "بأن لا تعبدون" ثم حذفت "أن" مع الحرف، ودل على ذلك إعادة الباء فيما بعده. وهذا الميثاق هو الذي أخذ عليهم إذ أخرجهم كالذر. واليُتْم في الناس من قبل الأب، وفي البهائم من قبل الأم، قاله الأصمعي. ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ﴾: معطوف على المعنى في ﴿لاَ تَعْبُدُونَ﴾، فلذلك أتى بلفظ الأمر لأن صدر الكلام مبني على النهي. ومعنى: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً﴾: "مروهم بقول لا إله إلا الله". رواه الضحاك عن ابن عباس. وقال ابن جريج: "معناه: قولوا صدقاً في أمر محمد ﷺ. وقال سفيان الثوري: "مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر". وقال قتادة وغيره: "قولوا لهم حسناً من القول". وقال أبو عبيدة: "قولوا حسناً من القول للمسلم والكافر". وقال قتادة: "هي منسوخة بآية السيف". ولا يجوز أن تكون منسوخة إلا على قول مَن قال: إن المعنى: قولوا للجميع حُسْناً من القول. وباقي الأقوال لا يمكن أن تكون فيه منسوخة لأن الأمر بالمعروف لا ينسخ ، والأمر بإظهار الصدق في النبي عليه السلام لا ينسخ. * * قوله: ﴿آتُواْ ٱلزَّكَاةَ﴾. هي زكاة كانت عليهم تأكلها نار من السماءِ ومن لم تأكل النار زكاته فهو غير مقبول. * * قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ﴾. قال ابن عباس: "أعرضوا عما جاء به محمد ﷺ من الفروض إلا قليلاً منهم". وهو خطاب لمن بحضرة رسول الله [عليه السلام]. وقيل: هو إخبار عن أسلافهم، فمعناه: ثم تولى أسلافكم إلا قليلاً منهم، وأنتم الآن معرضون خطاب لمن بالحضرة أي: وأنتم مثل أولئك الذين تولوا من أسلافكم. ودل على هذا التاويل ما بعده من ذكر سفك الدماء أنه إخبار عن أسلافهم ومخاطبة لمن بالحضرة، ولم يسفك من بالحضرة الدماء، ولا أخرج بعضهم بعضاً من ديارهم، إنما ذلك فعل أسلافهم، فكون الكلام كله على سياق واحد أولى وأحسن.

البقرة 2:84

ومعنى: ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية أي يقتل بعضكم بعضاً، ويخرج بعضكم بعضاً. ﴿مِّن دِيَارِهِمْ﴾ يريد به أسلافهم. وقيل: المعنى: لا تقتلوا فيجب عليكم القصاص فتُقتلوا فتكونوا سبباً لقتل أنفسكم. ولا تفسدوا فيجب عليكم النفي فتكونوا سبباً لإخراجكم من دياركم. * * قوله: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾. أي: اعترفتم أن هذا قد أخذ عليكم. ومعناه: أقَرَّ أوائلُكم بذلك. وأنتم يا هؤلاء تشهدون على إقرارهم لأن في [كتابكم أخذي للميثاق] عليهم فأنتم شهود. وقيل: الخطاب من أوله لهم وهم المقرون، وذلك من بالحضرة من اليهود. * * وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾. لأوائلهم، وأوائلكم يشهدون بأخذي للميثاق عليهم ودل على ذلك قوله ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ﴾، فَوَبَّخَ من بالحضرة، وأشار إليهم بهاء التشبيه بعد أن مضى ذكر أسلافهم، ورجع إلى ذكرهم. ومخاطبتهم بقوله لهم: ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ هو أنهم كانوا قد افترقوا فرقتين: فرقة مع الأوس وفرقة مع الخَزْرَجِ. فإذا جرى بين الأوس والخزرج قِتَال أعانت كل فرقة منهم أصحابهم، فيقتل بعضهم بعضاً، ويجلي بعضهم بعضاً في الحمية وهم في أيديهم التوراة يعرفون ما عليهم، وكانت الأوس والخزرج أهل شرك لا كتاب لهم يعبدون الأوثان، فإذا وضعت الحرب فَدَوْا أسراهم تصديقاً لما في التوراة، كل ذلك مظاهرة لأهل الشرك، فذلك قوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾، يستحلون دماء بعضهم بعضاً، فذلك كفرهم. ويتحَرجون أن يبقى الأسرى في أيديهم فيتفادوا؛ فذلك البعض الذي يؤمنون به، وكان فرض عليهم أن لا يستعبدوا أحداً من بني إسرائيل وفرض عليهم ألا يقتلوا أحداً، ولا يخرجوا أحداً من ديارهم، فحللوا القتل والإخراج، ولم يحلوا ترك الفداء والإخراج من الديار، ويؤمنون بالفداء وترك الاستعباد. يعني بذلك كله بني [قينقاع وأعدائهم قريظة وبني] النضير وكانت الخزرج حلفاء بني قينقاع، والأوس حلفاء قريظة والنضير. وكان بين الأوس والخزرج عداوات وحروب، وهم مشركون، وبين بني قينقاع وقريظة والنضير عداوات وحروب، فيعاون كل قوم حلفاءهم إذا تحاربوا. * * قوله: ﴿وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَىٰ﴾. في موضع الحال، والأكثر أن يكون على "أَسْرى" كقراءة حمزة، كقتيل وقتلى، وجريح وجرحى. ومن قال: ﴿أُسَارَىٰ﴾ شبهه بـ "سكارى"، كما قالوا "سكرى" على التشبيه "بأسرى"، فكل واحد مشبه بالآخر في بابه، ولم يُجِز أبو حاتم "أسارى". وإنما يقال "فَعْلاَن" فيما كان آفة تدخل على العقل كما قال سيبويه. والفتح في "سُكَارَى" الأصل، والضم داخل عليه كأنه لغة، ويقال أُسَرَاءُ كَظُرفَاءَ. وَفَرَّقَ أبو عمرو بين أَسْرَى وأُسَارَى: فقال: "ما صار في أيديهم فهو أسارى كأنه آفة دخلت عليهم "كسَكْرَانَ"، وما أتى مستأسراً فهم الأسرى. وواحد "الأسرى" و "الأسارى" أسير؛ بمعنى مأسور، كجريح وقتيل. قوله: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ﴾. هو راجع إلى الإخراج، دل عليه: "تَخْرُجونَ". وقيل: هو مجهول كناية عن الأمر أو الشأن. وقال بعض الكوفيين: "هو فاصلة"، وذلك لا يجوز لأن حذفها يخل بالكلام، والفاصلة يجوز حذفها. * * قوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾. كفرهم هو قتل بعضهم بعضاً ومعاونة الأوس والخزرج لهم، وهم يعلمون أن ذلك محرم عليهم. وإيمانهم هو أنهم افترض عليهم ألا يستعبدوا أحداً من بني إسرائيل وأن يفدوهم. وكانوا إذا فرغوا من الحرب فدوا من أسر منهم بعضهم [من بعض]. * * قوله: ﴿إِلاَّ خِزْيٌ﴾. هو أخذ الجزية عن يد. وقيل: هو أخذ القاتل بمن قتل. وقيل: هو إجلاء رسول الله [عليه السلام] بني النضير عن ديارهم لأول الحشر إلى الشام. وقيل: هو قتل مقاتلة قريظة وسبي ذراريهم. وأصل الخزي الذل والصغار. وروي أن بني قينقاع من اليهود كانوا أعداء قريظة والنضير من اليهود، وكانت الأوس حلفاء بني قينقاع، والخزرج حلفاء قريظة والنضير. وقريظة والنضير كانا أخوين من أهل الكتاب، والأوس والخزرج أخوان افترقا، وافترق أيضاً قريظة والنضير. فكانت النضير مع الخزرج وقريظة مع الأوس، فإذا اقتتل الأوس والخزرج [أعانت النضير الخزرج وقريظة الأوس]، فقتل بعضهم بعضاً فعيرهم الله بذلك.

البقرة 2:85

ومعنى: ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية أي يقتل بعضكم بعضاً، ويخرج بعضكم بعضاً. ﴿مِّن دِيَارِهِمْ﴾ يريد به أسلافهم. وقيل: المعنى: لا تقتلوا فيجب عليكم القصاص فتُقتلوا فتكونوا سبباً لقتل أنفسكم. ولا تفسدوا فيجب عليكم النفي فتكونوا سبباً لإخراجكم من دياركم. * * قوله: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾. أي: اعترفتم أن هذا قد أخذ عليكم. ومعناه: أقَرَّ أوائلُكم بذلك. وأنتم يا هؤلاء تشهدون على إقرارهم لأن في [كتابكم أخذي للميثاق] عليهم فأنتم شهود. وقيل: الخطاب من أوله لهم وهم المقرون، وذلك من بالحضرة من اليهود. * * وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾. لأوائلهم، وأوائلكم يشهدون بأخذي للميثاق عليهم ودل على ذلك قوله ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ﴾، فَوَبَّخَ من بالحضرة، وأشار إليهم بهاء التشبيه بعد أن مضى ذكر أسلافهم، ورجع إلى ذكرهم. ومخاطبتهم بقوله لهم: ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ هو أنهم كانوا قد افترقوا فرقتين: فرقة مع الأوس وفرقة مع الخَزْرَجِ. فإذا جرى بين الأوس والخزرج قِتَال أعانت كل فرقة منهم أصحابهم، فيقتل بعضهم بعضاً، ويجلي بعضهم بعضاً في الحمية وهم في أيديهم التوراة يعرفون ما عليهم، وكانت الأوس والخزرج أهل شرك لا كتاب لهم يعبدون الأوثان، فإذا وضعت الحرب فَدَوْا أسراهم تصديقاً لما في التوراة، كل ذلك مظاهرة لأهل الشرك، فذلك قوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾، يستحلون دماء بعضهم بعضاً، فذلك كفرهم. ويتحَرجون أن يبقى الأسرى في أيديهم فيتفادوا؛ فذلك البعض الذي يؤمنون به، وكان فرض عليهم أن لا يستعبدوا أحداً من بني إسرائيل وفرض عليهم ألا يقتلوا أحداً، ولا يخرجوا أحداً من ديارهم، فحللوا القتل والإخراج، ولم يحلوا ترك الفداء والإخراج من الديار، ويؤمنون بالفداء وترك الاستعباد. يعني بذلك كله بني [قينقاع وأعدائهم قريظة وبني] النضير وكانت الخزرج حلفاء بني قينقاع، والأوس حلفاء قريظة والنضير. وكان بين الأوس والخزرج عداوات وحروب، وهم مشركون، وبين بني قينقاع وقريظة والنضير عداوات وحروب، فيعاون كل قوم حلفاءهم إذا تحاربوا. * * قوله: ﴿وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَىٰ﴾. في موضع الحال، والأكثر أن يكون على "أَسْرى" كقراءة حمزة، كقتيل وقتلى، وجريح وجرحى. ومن قال: ﴿أُسَارَىٰ﴾ شبهه بـ "سكارى"، كما قالوا "سكرى" على التشبيه "بأسرى"، فكل واحد مشبه بالآخر في بابه، ولم يُجِز أبو حاتم "أسارى". وإنما يقال "فَعْلاَن" فيما كان آفة تدخل على العقل كما قال سيبويه. والفتح في "سُكَارَى" الأصل، والضم داخل عليه كأنه لغة، ويقال أُسَرَاءُ كَظُرفَاءَ. وَفَرَّقَ أبو عمرو بين أَسْرَى وأُسَارَى: فقال: "ما صار في أيديهم فهو أسارى كأنه آفة دخلت عليهم "كسَكْرَانَ"، وما أتى مستأسراً فهم الأسرى. وواحد "الأسرى" و "الأسارى" أسير؛ بمعنى مأسور، كجريح وقتيل. قوله: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ﴾. هو راجع إلى الإخراج، دل عليه: "تَخْرُجونَ". وقيل: هو مجهول كناية عن الأمر أو الشأن. وقال بعض الكوفيين: "هو فاصلة"، وذلك لا يجوز لأن حذفها يخل بالكلام، والفاصلة يجوز حذفها. * * قوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾. كفرهم هو قتل بعضهم بعضاً ومعاونة الأوس والخزرج لهم، وهم يعلمون أن ذلك محرم عليهم. وإيمانهم هو أنهم افترض عليهم ألا يستعبدوا أحداً من بني إسرائيل وأن يفدوهم. وكانوا إذا فرغوا من الحرب فدوا من أسر منهم بعضهم [من بعض]. * * قوله: ﴿إِلاَّ خِزْيٌ﴾. هو أخذ الجزية عن يد. وقيل: هو أخذ القاتل بمن قتل. وقيل: هو إجلاء رسول الله [عليه السلام] بني النضير عن ديارهم لأول الحشر إلى الشام. وقيل: هو قتل مقاتلة قريظة وسبي ذراريهم. وأصل الخزي الذل والصغار. وروي أن بني قينقاع من اليهود كانوا أعداء قريظة والنضير من اليهود، وكانت الأوس حلفاء بني قينقاع، والخزرج حلفاء قريظة والنضير. وقريظة والنضير كانا أخوين من أهل الكتاب، والأوس والخزرج أخوان افترقا، وافترق أيضاً قريظة والنضير. فكانت النضير مع الخزرج وقريظة مع الأوس، فإذا اقتتل الأوس والخزرج [أعانت النضير الخزرج وقريظة الأوس]، فقتل بعضهم بعضاً فعيرهم الله بذلك.

البقرة 2:87

قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ﴾. لام (لَقَدْ) حيث وقعت لام تأكيد، وقد تقع جواباً للقسم، وعيسى لا ينصرف لأنه أعجمي معرفة. وقيل: هو عربي من "عَاسَهُ يَعُوسُهُ" إذا ساسه وقام عليه ولا ينصرف على هذا للتعريف والتأنيث. (القُدُسُ) أصله الطهر. وفيه لغة نادرة وهي فتح القاف والدال. والكتاب هو التوراة. ﴿وَقَفَّيْنَا﴾: أردفنا وأتبعنا بعضهم بعضاً على منهاج واحد، وشريعة واحدة، لأن كل من بعث بعد موسى ﷺ إلى زمان عيسى ﷺ فإنما يأمر بني إسرائل بلزوم التوراة والعمل بما فيها، فلذلك قال: ﴿مِن بَعْدِهِ بِٱلرُّسُلِ﴾. أي: على منهاجه وطريقته. * * ثم قال: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَاتِ﴾. ابتداء كلام آخر. وأصل "قَفَوْت" من القَفَا" يقال: "قَفَوْتُ فُلاناً" إذا صرت خلف قفاه. "ودَبَرْتُهُ" إذا صرت خلف دبره. والبينات التي أوتيها عيسى عليه السلام هي إحياء الموتى وإبراء الأكمه وخلق الطير. وغيره من الحجج والبينات. ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾: قويناه وأعناه ونصرناه [والأيد والأد] القوة. وقرأ ابن محيصن: "وأيدناه" بالمد. و "روح القدس": جبريل. قاله قتادة والسدي والضحاك والربيع بن أنس. وروي ذلك عن النبي [عليه السلام]. وقاله ابن عباس. وقال ابن زيد: "هو الإنجيل سمي روحاً كما سمي القرآن روحاً، فقال تعالى: ﴿أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]. ويرد هذا القولَ قولُه تعالى: ﴿إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ﴾ [المائدة: ١١٠]، ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ﴾﴿المائدة: ١١٠]. فدل هذا [على] أن روح القدس غير الإنجيل . فإن حُمل على أنه أعيد للتأكيد كما قال: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]، وقال: ﴿مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَٰلَ﴾ [البقرة: ٩٨]، فهو وجه. وروى الضحاك عن ابن عباس أنه قال: "روح القدس هو الاسم الذي كان يحيي به عيسى ﷺ الموتى". وقال مجاهد: "القدس: الله جل ذكره، وسمي جبريل روحاً لأنه كان بتكوين الله له من غير ولادة كما سمي عيسى ﷺ روحاً، فقال: ﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]. وقال السدي: "القدس هنا البركة". وقال الربيع: القدس هو الله، ويدل عليه قوله: ﴿ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ﴾ [الحشر: ٢٣]. والقدوس والقدس واحد". ورواه ابن وهب عن مجاهد أيضاً. * * قوله: ﴿أَفَكُلَّمَا﴾. معناه: التقرير والخبر، ولفظه لفظ الاستفهام.

البقرة 2:88

قوله: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾. هو جمع أغلف كأنها في غلاف وغطاء. يقال: "سيف أغْلَفُ إذا كان في غلافه". وقال قتادة: "معناه قلوبنا لا تفقه". وقال ابن عباس وغيره: "معناه: قلوبنا في غطاء وغلاف فليس نفهم ما تقول كما قال: ﴿قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا﴾ [فصلت: ٥]. ويجوز أن يكون "غُلْفٌ" جمع "غلاف"، لكن أسكن تخفيفاً. ومعناه: قلوبنا أوعية للعلم لا تحتاج إلى علم محمد ﷺ. وعلى ذلك قراءة من قرأ بِضَمِّ اللام، وهي قراءة الأعرجِ وابن محيصن ورويت عن أبي عمرو وابن عباس. * * قوله: ﴿بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ﴾. أي أبعدهم الله وطردهم وأخزاهم. وأصل اللعن الطرد والإبعاد والإقصاء. ﴿فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ﴾ نصبه على أنه نعت لمصدر محذوف أو لظرف محذوف. وقيل: هو منصوب بـ "يؤمِنُونَ"، و "ما" زائدة. ومعناه أنهم يقرون بالله ويوحدونه، ويكفرون بالنبي [عليه السلام] كما قال ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]. ويجوز أن يكون المعنى أنهم لم يؤمنوا البتة، تقول العرب "قَلّ الشَّيء" إذا لم يوجد. ويُقال: "قَلَّما رَأَيْتُ مِثْلَ هَذَا" أي: ما رأيت مثله. وحكى الكسائي عن العرب: "مَرَرْتُ بِبِلاَدٍ قَلَّ مَا تُنْبِتُ إلاَّ الكُرَّاثَ والبَصَلَ" أي: ما تنبت سواهما. وحكى سيبويه: "قلّ رجلٌ يقُولُ ذَلكَ إلاّ زَيْداً". وقال أهل التفسير: "معناه: فقليلاً منهم من يؤمن، لأن الذين آمنوا من المشركين أكثر كثيراً ممن آمن من اليهود". وهذا مروي عن قتادة ويلزم منه رفع "قليل". وقيل: المعنى: ليس يؤمنون مما في أيديهم إلا بقليل". والاختيار عند أكثرهم قول من قال: "إنهم قليلوا الإيمان بما أنزل على النبي [عليه السلام].

البقرة 2:89

قوله: ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ﴾ الآية. جواب "لما" محذوف، كأنه قال: كفروا، أو نحوه، كما قال: ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ لِيَسُوءُواْ﴾ [الإسراء: ٧]. أي: خليناكم وإياهم، فحذف، ومثله قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ [يس: ٤٥] أي: أعرضوا، ثم حذف جميعه لعلم السامع، وهو كثير في القرآن. والكتاب هنا؛ القرآن، أي: يصدق التوراة والإنجيل. * * قوله: ﴿وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ﴾ الآية. قال ابن عباس: "كانت العرب في الجاهلية يمرون على اليهود فيؤذونهم، واليهود يجدون صفة محمد ﷺ في التوراة فيسألون الله أن يعجل ببعثه فينصروا به على العرب لِما وصل إليهم من أذى العرب . فلما جاءهم محمد ﷺ الذي قد عرفوه وسألوا الله في بعثه كفروا به". وقال مجاهد: "كانوا يقولون: "اللهم ابعث لنا هذا النبي يفصل بيننا وبين الناس، فلما بعث كفروا به". وقيل: إنهم كانوا يرغبون إلى الله في النصر عند حروبهم بمحمد [عليه السلام] ويستشفعون به فينصرون فلما جاءهم بنفسه كفروا به حسداً وبغياً وهم يعلمون أنه رسول. وبمثل هذا القول قال السدي وعطاء وأبو العالية. وهذا من أدل ما يكون [على أنهم جحدوا نبوة] محمد ﷺ على علم به وصحة أنه نبي مبعوث إلى الخلق حسداً وبغياً.

البقرة 2:90

قوله: ﴿بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ﴾. أي: باعوا أنفسهم بالكفر من أجل ما أنزل الله على عبده محمد [صلى الله عليه سلم] حسداً وبغياً إذ لم يكن من بني إسرائيل. والعرب تقول: "شَرَيْتُ" و "اشْتَرَيْتُ" بمعنى بعت. والأكثر "شريت" بمعنى "بعت"، و "اشتريت" بمعنى "ابتعت". وربما استعمل كل واحد في موضع صاحبه. * * قوله: ﴿فَبَآءُو بِغَضَبٍ﴾. أي: لجحودهم بما قد تيقنوا أمره، وعلموا صحة نبوته فحسدوه وبغوه إذ لم يكن من ولد إسرائيل، وكان من ولد إسماعيل. ﴿عَلَىٰ غَضَبٍ﴾ متقدم، وهو بعبادتهم العجل [وكفرهم بعيسى عليه السلام]. وقال ابن عباس: "الغضب الأول [لتضييعهم لما] في التوراة، والثاني بجحودهم بمحمد ﷺ". وقال عكرمة: "الأول بكفرهم بعيسى، والثاني بكفرهم بمحمد [ﷺ]". وقال مجاهد: "الأول بكفرهم بعيسى [ﷺ] والإنجيل. والثاني بكفرهم بمحمد ﷺ والقرآن". * * قوله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾. أي وللجاحدين بمحمد ﷺ عذاب مهين. وسُمي مهيناً لأنه يذل الكافر فلا يخرج من ذلته أبداً. فأما العذاب الذي يعذب به أهل الكبائر فليس بمهين لأنه يتخلص منه برحمة الله وشفاعة النبي ﷺ. ووصف الله العذاب بالمهين يدل على أن ثم عذاباً غير مهين، وهو ما ذكرنا.

البقرة 2:91

قوله: ﴿نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ﴾. معناه أنهم إذا قيل لهم: آمنوا بالقرآن، قالوا: نؤمن بالتوراة، ويكفرون بغيرها من جميع الكتب. ["ووراء" هنا بمعنى: "سِوَى"]. وقيل: هي بمعنى "بعد". ﴿وَهُوَ ٱلْحَقُّ﴾. أي والذي بعد التوراة الحق مصدقاً للتوراة، وهو القرآن [لأن] كُتُب الله يصدق بعضها بعضاً، وفي كل واحد منها الأمر بالتصديق بغيره من الكتب. * * قوله: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ﴾. أي: إن كنتم تؤمنون بالتوراة كما زعمتم، فَلِمَ قتلتم الأنبياء؟. قال كعب: "كانت بنو إسرائيل يقتلون سبعين نبياً في يومهم، وتقوم سوق بقلهم في آخر النهار". فقال: فلم تقتلون أنبياء الله، وهو محرم عليكم في التوراة إن كنتم في ادعائكم أنكم تؤمنون بالتوراة صادقين. والمراد بهذا آباؤهم، كل ذلك تكذيب لهم وتعيير. "وتَقْتُلُونَ" بمعنى "قتلتم"، أي: فلم قتل أسلافكم ودل على ذلك قوله: ﴿مِن قَبْلُ﴾ [البقرة: ٢٥]. وقال في موضع آخر: ﴿قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِٱلْبَيِّنَاتِ وَبِٱلَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٨٣]. فأتى بلفظ الماضي على معنى: فلم قتلتم أسلافكم إن كنتم مؤمنين بما أنزل الله كما زعمتم. وقيل: إنَّ "إنْ" بمعنى "ما" والمعنى ما كنتم مؤمنين إذ فعلكم هذا ورضاكم به مُتماد. وإنما جاز أن يخاطبوا بذلك وهم لم يفعلوا لأنهم مقيمون على ما كان عليه أسلافهم من سفك الدماء وتغيير التوراة، فخوطبوا بما يخاطب به الفاعل لأنهم مثلهم وإن لم يفعلوا، إذ كان اعتقادهم لا يختلف فهم مشاركون لهم في الفعل راضون بما صنع أسلافهم. فألزموا ما لزم أسلافهم من التقريع والمخاطبة.

البقرة 2:92

قوله: ﴿وَلَقَدْ جَآءَكُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾ أي بالآيات الواضحات. ﴿ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ﴾ أي إلٰها. والهاء في ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ تعود على موسى ﷺ. وقيل على المجيء.

البقرة 2:93

قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ﴾ الآية. أخذ الله ميثاق بني إسرائيل بأن يعملوا بما في التوراة بقوة أي: بجد وعزم ونشاط وكان ذلك إذ رفع فوقهم الطور. قوله ﴿وَٱسْمَعُواْ﴾: أي: استمعوا ما أمرتم به، وتقبلوه بالطاعة. ﴿قَالُواْ سَمِعْنَا﴾: أي: سمعنا قولك وعصينا أمرك. وخرج في هذا من لفظ الخطاب إلى لفظ الغيبة كما قال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: ٢٢]. وقد يخرج من الغيبة إلى الخطاب كما قال تعالى: ﴿ٱلْحَمْدُ للَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢]، ثم قال بعد ذلك: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥]. * * قوله: ﴿وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾. أي: حب العجل من أجل كفرهم. وقيل: المعنى إنهم سقوا من الماء الذي ذري فيه براية العجل. وقال السدي: "إنهم شربوا من الماء الذي ذري فيه سحالة العجل بأمر موسى ﷺ لهم. فمن كان يحبه خرج على شاربه الذهب فذلك قوله: ﴿وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ﴾. وأولى هذه الأقوال قول من قال: حب العجل. لأن الماء لا يقال فيه: أشربته بمعنى "سقيته". وروي أنهم قالوا لموسى ﷺ: "إن عبادة العجل أسهل علينا من عبادة الرحمن، لأن العجل إن عصيناه لم يعذبنا، والرحمن إن عصيناه عذبنا". فأنزل الله: ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ﴾. * * قوله: ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ﴾. معناه أي: قل يا محمد: بئس الإيمان إيمان يأمركم بالكفر بمحمد ﷺ، لأن التوراة تنهى عن الجحود بمحمد ﷺ، وتنهى عن القتل وعن تبديل ما أنزل الله وأنتم على ذلك مصرون. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾: أي: في قولكم إن كنتم تؤمنون بما أنزل إليكم. وقيل: معناه: ما كنتم مؤمنين.

البقرة 2:94

قوله: ﴿فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ﴾. معناه: إن كانت لكم الجنة على قولكم وأنتم إليها صائرون، فتمنوا الموت فإن ذلك لا يضركم. ففضحهم الله تعالى في كذبهم ودعواهم، وَعَلِم الناس أن تأخرهم عن التمني يدل على كذبهم، وكذلك امتنع النصارى إذ دعاهم النبي [عليه السلام] إلى المباهلة في عيسى ﷺ فافتضحوا، وعلم أنهم كاذبون في دعواهم. قال النبي [عليه السلام] "لَوْ أنَّ اليَهُودَ تَمَنَّوا المَوْتَ لماتُوا وَلَرَأَوْأ مَقَاعِدَهُمْ مِنَ النَّارِ. وَلَوْ خَرَجَ الَّذِينَ يُبَاهِلُونَ لَرَجَعُوا لاَ يَجِدُونَ أهْلاً وَلا مَالاً"، رواه ابن عباس عن النبي ﷺ. وإنما دعوا إلى تمني الموت لأنهم كانوا يقولون: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]. ويقولون: ﴿لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ﴾ [البقرة: ١١١]. فقال الله لنبيه ﷺ: قل لهم: إن كنتم صادقين فيما تقولون، فتمنوا الموت فلم يفعلوا فَبَانَ كذبهم. قال ابن عباس: "[قيل لهم]: ادعوا بالموت على أي: الفريقين أكذب فأبوا". * * وقوله: ﴿مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ﴾. أي: من دون جميع الناس. وقيل: من دون محمد ﷺ وأصحابه.

البقرة 2:95

قوله: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً﴾. أي: لا يتمنونه لما يعلمون من ظلمهم وكذبهم وإنكارهم [لنبوة محمد] عليه السلام. وهو عندهم في التوراة [فلو يتمنوا الموت] لهلكوا، فهم لا يفعلون ذلك أبداً. * * قوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾. أي: من تكذيبهم للنبي ﷺ [وتبديلهم للتوراة وعبادتهم للعجل] وغير ذلك مما سلف لهم، فأضيفت الجناية إلى اليد، وإن كانت تكون بغير اليد من لسان واعتقاد لأن معظم الجنايات باليد تكون، فجرت الإضافة في كلام العرب إلى اليد في جميع ذلك من أجل أن بها يكون أعظم الجنايات. * * قوله: ﴿عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمينَ﴾. أي: عليم بمجازاتهم على ما فعلوا.

البقرة 2:96

قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ﴾. أي لتعلمنّهم يا محمد حريصين على الحياة لما يعلمون ما لهم في الآخرة من الخزي، لأنهم يعلمون أنك نبي ويجحدون ذلك. * * قوله: ﴿وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾ الآية. أي: وأحرص من الذين أشركوا وهم المجوس. وقيل: هم قوم يعبدون النور والظلمة. ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾: إخبار عن أحد الذين أشركوا لو يعمّر ألف سنة، كان قد بلغ من حبهم في الحياة أن جعلوا تَحِيَّتَهُمْ: "عِشْ أَلْفَ سَنَةٍ"، حرصاً على الحياة، فهؤلاء الذين يقولون أن لهم الجنة خالصة، هم أحب في الحياة من جميع الناس ومن هؤلاء الذين أدّاهم [حرصهم على الحياة أن جعلوا تحيتهم]: عِشْ ألف سنة" وذلك لما قد علموا من سوء ما قدموا لأنفسهم. وقيل: "إن [معنى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾: أي: أحد اليهود] الذين قيل لهم تمنوا الموت. والأول أشبه بالآية. قال قتادة: "حببت إليهم الخطيئة طول العمر". * * قوله: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ﴾ الآية. أي: وما أحدهم بمباعده. ومنجيه من العذاب التعمير. وقيل: المعنى وما التعمير بمباعده من العذاب (وَأَنْ يُعَمَّرَ)، بدل من التعمير. وقيل: "التقدير: وما الحديث، أو ما الأمر بمزحزحه من العذاب أن يعمر". وهو مذهب الكوفيين من النحويين. ولا يجيزه البصريون، لأن الباء لا تدخل على الجملة التي تفسر المجهول وهو الأمر أو الحديث أو الخبر ونحوه.

البقرة 2:97

قوله: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ﴾ الآية. قال ابن عباس: "جبرائيل وميكائيل مثل عبد الله وعبد الرحمان". قال عكرمة: "جبر" و "ميك" و "إسراف" [عبد و "إيل": الله عز وجل]. ومعنى الآية فيما قال ابن عباس: "إن عصابة من اليهود سألوا النبي [عليه السلام] عن مسائل، منها أن قالوا: أي الطعام حرّم إسرائيل على نفسه، وعن ماء الرجل وماء المرأة، وعن الذكر والأنثى، وقالوا أخبرنا من هذا النبي الأمي في التوراة؟ ومن وليُّه من الملائكة؟ فأخذ [عليهم النبي عليه السلام عهوداً] أنهم يؤمنون إن أخبرهم وناشدهم الله على ذلك فأخبرهم أن إِسْرَائِيلَ مَرِضَ مَرَضاً شَدِيداً فَنَذَرَ إِنْ عَافَاهُ اللهُ مِنْ سَقَمِهِ لَيُحَرِّمَنَّ أَحَبَّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إِلَيهِ، وَكَانَ أَحَبُّ الطَّعَامِ إِلَيْهِ لُحُومَ الإِبِلِ، وأَحَبُّ الشَّرَابِ إِلَيْهِ أَلْبَانَهَا، فَقَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "اللَّهُمّ اشْهَدْ، ثُمَّ نَاشَدَهُمْ اللهَ وَقالَ: "هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ مَاءَ الرَّجُل أَبْيَضٌ غَلِيظٌ، وَمَاءُ المَرْأَةِ أَصْفَرٌ رَقِيقٌ، فَأَيُّهُمَا عَلاَ كَانَ لَهُ الوَلَدُ وَالشَّبَهُ بِإِذْنِ الله عز وجل، وَإذَا عَلاَ مَاءُ الرَّجُلِ كَانَ الوَلَدُ ذَكَراً، وَإِِنْ عَلاَ مَاءُ المَرْأَةِ كَانَ أُنْثَى؟ قَالُوا: اللُّهُمَّ نَعَمْ. قَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ، ثُمَّ نَاشَدَهُمْ اللهَ، وَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ [هَذَا النَّبِيَّ الأُمِّيَّ تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلاَ يَنَامُ قَلْبُهُ؟] قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. قَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ: [قَالُوا: وَأَنْتَ] الآنَ، فَحَدِثْنَا مَنْ وَلِيُّكَ مِنَ المَلاَئِكَةِ وَنُجَامِعُكَ. فَقَالَ: إِنَّ وَليِّي جِبْرِيل وَلَمْ يَبْعَثِ اللهُ نَبِيّاً قَطْ إِلاَّ وَهُوَ وَلِيُّهُ. قَالُوا: فَعِنْدَهَا نُفَارِقُكَ؛ لَوْ كَانَ وَلِيُّكَ سِوَاهُ مِنَ المَلاَئِكَةِ تَابَعْنَاكَ وَصَدَّقْنَاكَ فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ﴾ إلى ﴿كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ وروى الشعبي أن عمر بن الخطاب جرت بينه وبين اليهود مناظرة طويلة، فأقسم عليهم: هل تعلمون أن محمداً نبي فأقروا به. فقال: ولمَ أهلكتم أنفسكم، وأنتم تعلمون أنه نبي؟ فقالوا: إنه قَرَن بنبوته عدونا من الملائكة وهو جبريل، ولو قرن بها ميكائيل لآمنا به. فسألهم عمر عن هذه العدواة فقالوا: إن جبريل ينزل بالعذاب والسخط والشدائد والغلظة، وإن ميكائيل ينزل بالرأفة والرحمة والتخفيف. فقال لهم عمر: وما منزلتهما عند الله؟ قالوا: أحدهما على يمينه، والآخر على يساره. فقال عمر: فوالله الذي لا إله إلا هو إنهما - والذي بينهما - لَعَدُوٌّ لمن عاداهما، وسِلْمٌ لمن سالمهما، ما ينبغي لجبريل أن يسالم عدو ميكائيل، ولا لميكائيل أن يسالم عدو جبريل. ثم انصرف [عمر عنهم، فوجد النبي [عليه السلام] خارجاً من خوخة [لبني فلان، فقال لعمر]: ألا أقرئك آيات نزلت قبل؟ فقرأ عليه: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ﴾ إلى ﴿كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾. فقال عمر: وَالذي بعثك بالحق، لقد جئت وأنا أريد أن أخبرك، فأسمع اللطيف الخبير سبقني إليك بالخبر". وروي عن عمر هذه القصة بغير هذه الألفاظ إلا أن المعنى يؤول إلى شيء واحد. ومعنى ما في هذا الحديث من ذكر اليمين واليسار، إنما يراد به القرب في المنزلة من الله عز وجل على التمثيل فلا يحل لأحد أن يتمثل في هذا، وفيما شابهه جارحة إذ ليس كمثله شيء. * * قوله: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ﴾ الآية. أي: نزل الفرقان من عند الله على قلب محمد، ولو قال قلبي لكان جيداً، والعرب تقول: "قل يا زيد للقوم عندي الخبر" "وقل لهم عندك الخبر". كل ذلك حسن جيد. ولا يقرأ إلا بما في المصحف. * * قوله: ﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: لما سلف من الكتب والرسل.

البقرة 2:98

ثم قال: ﴿مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ﴾ الآية. روي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه قال: "لقي يهودياً عمر رضي الله عنه فقال له اليهودي: إن الذي يذكره صاحبك هو عدو لنا. فقال له عمر: ﴿مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾ الآية، قال: ونزلت على لسان عمر. وكُرّر ذكر جبريل وميكائيل على معنى التأكيد. وقيل: لمعنى التفضيل والتخصيص. وقيل: كرر لأن من أجلهما نزلت الآيات، فكرر ذكرهما للإفهام، ولئلا يقولوا: إنهما غير داخلين في الملائكة المذكورين. وكرر إظهار اسم "الله" لما في الإضمار من الاحتمال إذ لو قال: (فإنه عدوٌ للكافرين) لجاز لكافر أن يقول: إن المعنى الذي يعادي هؤلاء عدو للكافرين فينقلب المعنى. ويجوز أن يُقال: إن الهاء تعود على أحد المذكورين جبريل أو ميكائيل فيشكل ذلك وظهر الاسم لارتفاع الاحتمال. وميكائل بالسريانية، وهو بالعربية عبيد الله، وإسرافيل بالسريانية واسمه بالعربية عبد الرحمن، وجبريل بالسريانية واسمه بالعربية عبد الله. هكذا وقع في كثير من التفاسير، والله أعلم بذلك.

البقرة 2:99

قوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾. روي عن ابن عباس "ان رجلاً من اليهود قال للنبي ﷺ: يا محمد، ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعك لها. فأنزل الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ أي: علامات واضحات، ﴿وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلاَّ ٱلْفَاسِقُونَ﴾.

البقرة 2:100

ثم قال: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً﴾ الآية. عهدهم هاهنا ما عقدوا على أنفسهم من اتباع التوراة، والعمل بما فيها، وإظهار أمر محمد ﷺ والإيمان به. ثم نقض ذلك فريق منهم، وهم الأكثر بدلالة قوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾. وفي قراءة عبد الله: "نَقَضَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ".

البقرة 2:101

قوله: ﴿وَلَمَّآ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ﴾ الآية. معناه: لما جاءهم محمد ﷺ يصدق التوراة وتصدقه. * * ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ﴾. نبذوا التوراة إذ جحدوا ما فيها من صفة النبي والأمر باتباعه، لأن من جحد آية من كتاب الله فقد جحد الجميع. وقيل: إنهم نبذوه مرة واحدة، واتبعوا ما تتلو الشياطين من السحر. * * ﴿كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾. أي: لا يعلمون أنه نبي صادق في قوله، فهم يعلمون ذلك، ولكنهم جحدوا به عن علم وكفروا بذلك عن قصد.

البقرة 2:102

قوله: ﴿وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ﴾ الآية. * * قوله: ﴿وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ﴾. يجو أن تكون "ما" نافية فيحسن الابتداء بها. وأن تكون بمعنى "الذي" أي: واتبعوا الذي أنزل على الملكين، فلا يبتدأ بها. وقيل: "ما" في موضع نصب بـ "يعلمونَ"، أي: ويعلمون ما أنزل على الملكين فيتعلمون أي فهم يتعلمون. وقال الفراء: هو معطوف على ﴿يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ﴾ ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ﴾ وأجاز أن يكون مردوداً على قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ على إضمار تقديره. "فيأتون فيتعلمون". ويجوز أن يكون مردوداً على ﴿فَلاَ تَكْفُرْ﴾ لأن معناه: "فلا تتعلم السحر". فيكون تقديره: "فلا تتعلم فيأتون فيتعلمون". * * قوله: ﴿عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ﴾. أي: في حين ملكه، "فعلى" بمعنى "في" كما وقعت "في" بمعنى "على" في قوله: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] أي على: جذوع النخل. ومعنى "تَتْلُو" تقرأ، وقيل: تروي. * * قوله: ﴿لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ﴾. "من" بمعنى "الذي"، وأجاز الفراء أن تكون للشرط ولا يجوز ذلك عند البصريين. والضمير في ﴿وَٱتَّبَعُواْ﴾ يعود على اليهود الذين وصفهم الله قبل، بنبذ الكتاب والكفر والجحود وغير ذلك، وهم اليهود الذين هم بحضرة رسول الله [عليه السلام] لأنهم تركوا كتابهم واتبعوا السحر. ﴿عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ﴾: أي: على عهده. قال السدي: "كانت الشياطين تصعد إلى السماء فتسمع ما أُخْبِرَ به الملائكة مما يحدث في الأرض من موت أو جدب أو غير ذلك فيخبرون به الكهنة، فتحدث الكهنة الناس ويزيدون فيه مع كل كلمة سبعين كلمة من الكذب. فاكتتب الناس ذلك في الكتب، وفشا في بني إسرائيل أن الجن تعلم الغيب. فجمع سليمان تلك الكتب فجعلها في صندوق ثم دفنها تحت كرسيه، ولم يكن أحد من الشياطين يدنو من كرسيه إلا احترق. وانتهى الناس عن إضافة الغيب إلى الشياطين. فلما مات سليمان ﷺ وانقرض العلماء، تمثل الشيطان في صورة الإنسان، وأتى نفراً من بني إسرائيل فقال: هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبداً؟ قالوا: نعم. قال: فاحفروا تحت الكرسي. وذهب معهم فأراهم المكان فحفروا، فوجدوا تلك الكتب، فلما أخرجوها قال: إن سليمان إنما كان يملك الجن والإنس والطير بهذا السحر. ثم ذهب عنهم، وفشا في الناس أن سليمان كان ساحراً، فطلب بنو إسرائيل السحر، فلما بعث النبي ﷺ خاصموه بها، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُواْ﴾". وقال الربيع في خبر رفعه إلى النبي ﷺ: أن اليهود سألوا النبي ﷺ عن السحر فقال لهم النبي [عليه السلام]: إِنِّما عَمَدَتِ الشَّيَاطِينُ فِي عَهْدِ سُلَيْمَانَ إِلَى السِّحْرِ وَالكَهَانَةِ فَوَضَعَتْهُ فِي كُتُبٍ وَدَفَنَتْه تَحْتَ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ، فَلَمَّا مَاتَ سُلَيْمَانُ اسْتَخْرَجُوا الكُتُبَ وَخَدَعُوا بِهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَاتَّبَعوهَا وقال ابن جريج: "عني بذلك اليهود الذين كانوا على عهد سليمان". وقال ابن إسحاق: "إنما كتبت الشياطين ما كتبت حين علمت بموت سليمان ﷺ؛ كتبت: من كان يحب أن يبلغ كذا وكذا فليفعل كذا وكذا. فكتبوا أصنافاً وختموا عليه وعنونوا: هذا ما كتب آصف بن برخيا الصِّديق للملك سليمان بن داود. ثم دفنوه تحت الكرسي. فاستخرجته بعد ذلك بقايا بني إسرائيل واتبعته، وقالوا: ما ملك سليمان إلا بهذا. فأفشوا السحر في الناس، فليس السحر في أحد أكثر منه في اليهود. وقد سحروا النبي ﷺ". وبابل: موضع يقال الملكان فيه في سرب من الأرض معلقين في ضوء كضوء النهار. وقيل: إنما سمي بابلاً لأن الألسنة فيه تبلبلت، وافترقت الأمم من ذلك المكان في الآفاق لاختلاف ألسنتها. وقيل: إن ذلك إنما كان على عهد فرعون إذ جمع الناس لبنيان الصرح، ومن ذلك الوقت لا تدع الريح بنياناً يبلغ ذراعاً إلا دمرته. وقال ابن عباس: "إن سليمان لما ذهب ملكه ارتد فئام من الناس من الجن والإنس وأحدثوا سحراً، واتبعوا الشهوات. فلما رجع سليمان إلى ملكه، أخذ تلك الكتب ودفنها. فلما مات ظهرت الإنس والجن على تلك الكتب، وقالوا: هذا كتاب من عند الله أخفاه عنا سليمان فجعلوه ديناً". * * ومعنى ﴿تَتْلُواْ﴾: تحدث وتروي وتتكلم. وقيل: معناه تتبع. * * قوله: ﴿عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ﴾. أي: في ملكه وعهده. قال ابن عباس: "كان سبب محنة سليمان ﷺ أن أهل امرأة له يقال لها جرادة اختصموا إليه مع خصماء لهم فكان هوى سليمان أن يكون الحق لأهل جرادة فيقضي لهم فعوقب حين لم يكن هواه فيهم واحداً. وكان سليمان ﷺ إذا أراد أن يدخل الخلاء أو يقضي حاجة أعطى خاتمه لجرادة، فلما أراد الله منه ما أراد جاء الشيطان يوماً في صورة سليمان إلى جرادة فقال: هاتي الخاتم. فأخذه فلبسه فدانت له الشياطين والجن والإنس. فلما جاءها سليمان يطلب الخاتم، قالت له: كذبت لست سليمان فعرف سليمان أنه ابتلي، فعند ذلك كتبت الشياطين سحراً ودفنوه تحت الكرسي، وأخرجوه بعد موته، فضل الناس به، وتبرأ كثير منهم من سليمان ﷺ. * * قوله: ﴿وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ﴾. "ما" في موضع نصب عطفاً على "ما" في قوله: ﴿وَٱتَّبَعُواْ مَا﴾. وإن شئت عطفاً على السحر أي: ﴿يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ﴾. وقيل: ما جحد قاله ابن عباس . أي لم ينزل على الملكين السحر. * * ومعنى ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾ أي يخبرانه بالسحر ليتجنبه ولئلا يقع فيه وهو لا يدري فيقولان: "السحر هو كذا وكذا، فاجتنبه فإنه كفر". وتقدير قول من جعل "ما". [نفيا أن يكون في] الكلام تقديم وتأخير على ترتيب: "واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان، وما كفر سليمان، وما أنزل على الملكين ولكن الشياطين كفروا يعلمان الناس السحر ببابل هاروت وماروت". وقيل: يعني بالملكين هنا: جبريل وميكائيل عليهما السلام، لأن سحرة اليهود تزعم أن الله تعالى أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل، فأكذبهم الله بذلك وأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين، وأن تعلم الناس ذلك ببابل وأن الذي يعلمه رجلان اسمهما هاروت وماروت. فهو رد على الشياطين. وقيل: الذي يتعلمه من الناس هاروت وماروت. فهو رد على الناس. وقال قتادة والزهري عن عبد الله: "كانا ملكين أهبطا إلى الأرض للحكم بين الناس فحاكمت إليهما امرأة فحافا، فأتيا ينهضان إلى السماء فلم [يقدرا، وخُيّرا] بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا فكانا يعلمان الناس السحر، فأخذ عليهما ألا يعلما أحداً حتى يقولا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ﴾. وذكر ابن الأعرابي في "الياقوتة" أن معنى "يُعَلِّمَان": "يُعْلِمانِ" مخففاً. قال: والعرب تقول: "تعلم مني" أي: اعلم. قال: ومعناه: أن الساحر يأتي الملكين فيقول: أخبراني عما نهى الله عنه [فننتهي عنه]، فيقولان: نهى عن الزنا، فيقول: وما الزنا؟ فيصفانه له. ويقولان: نهى عن اللواط ويصفانه. ونهى عن السحر ويصفانه له لينتهي عنه، فينصرف ويخالف ويكفر. فالمعنى: وما يعلمان من أحد حتى يقولا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ [فَلاَ تَكْفُرْ]﴾" أي: اختبار من الله فلا تكفر، فتعمل بما ينهاك عن العمل به. وروي عن ابن عباس في قصة الملكين: "أن الله تعالى أطلع الملائكة على أعمال بني آدم، فقالوا: يا رب هؤلاء بنو آدم الذي خلقته بيدك، و [أسجدت له] ملائكتك، وعلمته أسماء كل شيء يعملون بالخطايا. فقال الرب لهم: أما إنكم لو كنتم مكانهم لعملتم مثل أعمالهم. قالوا: سبحانك، ما كان ينبغي لنا. قال: فأمروا أن يختاروا ملكين ليهبطا إلى الأرض، فاختاروا هاروت وماروت فأهبطا إلى الأرض وأحل لهما كل شيء إلا الشرك والسرقة والزنا وشرب الخمر، وقتل النفس. قال: فما أشهرا حتى عرض لهما بامرأة، قد قسم لها بنصف الحسن، فلما أبصراها تعرضا لها، قالت: لا، إلا أن تشركا بالله شيئاً ، وتشربا الخمر وتقتلا النفس، وتسجدا لهذا الصنم. قالا: ما كنا لنشرك بالله شيئاً. فقال أحدهما للآخر: ارجع إليها. فقالت: لا، إلا أن تشربا الخمر، فشربا حتى ثملا، ودخل عليهما سائل فقتلاه. فلما وقعا فيما وقعا من الشر، أفرج الله لملائكة السماء لينظروا إليهما فقالوا: سبحانك أنت أعلم. فأوحى الله تعالى [إلى سليمان] بن داود أن يخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا". وروي عن ابن عباس أنه قال: "نزلت الزهرة إليهما في صورة امرأة من أهل فارس، وكانت الملائكة من قبل يستغفرون للذين آمنوا: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً﴾ [غافر: ٧] فلما وقع الملكان في الخطيئة استغفروا لمن في الأرض". وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: "كانت الزهرة امرأة جميلة من أهل فارس، فلما أراداها قالت: لا، إلا أن تعلماني الكلام الذي إذا تكلم به عرج إلى السماء. فعلماها فعرجت إلى السماء، فمسخت كوكباً". قال كعب: "والله ما أمسيا في الأرض من يومهما الذي أهبطا فيه حتى استكملا فعل جميع ما نهيا عنه". وقال السدي : "إن هاروت وماروت طعنا في بني آدم وأحكامهم. فقيل لهما: إني أعطيت بني آدم عشراً من الشهوات فيها يعصون. فقالا: لو أعطينا تلك الشهوات ونزلنا لحكمنا بالعدل. فأعطيا ذلك، ونزلا ببابل. فكانا يحكمان إلى المساء، ثم يصعدان، فإذا أصبحا نزلا. فأتتهما امرأة تخاصم زوجها فأعجبهما حسنها [فكلماها في نفسها]، فقالت: لا، حتى تقضيا لي على زوجي، فحكما لها عليه، ووعدتهما قرية خربة فأتياها. فلما أرادا منها الحاجة، قالت: لا، حتى تخبراني بأي كلام تصعدان إلى السماء، وبأي كلام تنزلان، فأخبراها، [فتكلمت فصعدت وأنساها الله] الاسم الذي تنزل به، فبقيت مكانها وجعلها الله تعالى كوكباً وهي الزهرة. فخُيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا". وكان ابن عمر يلعن الزهرة. رواه نافع عنه. وكل هذه الأخبار تدل على أن "ما" في قوله: ﴿وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ﴾ ليست بنفي. وروى ابن وهب أن خالد بن أبي عمران ذُكر عنده هاروت وماروت أنهما يعلمان السحر، فقال: "ننزههما عن هذا". فقرأ بعض القوم ﴿وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ﴾ فقال خالد: لم ينزل عليهما. وقرأ الحسن "المَلِكَيْنِ "بكسر اللام، وقال: "هاروت وماروت علجان من أهل بابل، وكذلك قرأه عبد الرحمن بن أبزى، لكنه قال: "هما داود وسليمان". قال السدي: "إذا أتى الملكين أَحَدٌ يتعلم السحر يقولان له: "لا تكفر إنما نحن فتنة". فإذا أبى قالا له: "إئت هذا الرماد فبل فيه. فإذا بال عليه خرج منه نور ساطع فيسطع حتى يدخل السماء، فذلك الإيمان. ثم أقبل شيء أسود كهيئة الدخان حتى يدخل في مسامعه فذلك غضب الله. فإذا أخبرهما بما رأى وبما فعل علماه". ومعنى ﴿إِنَّمَا نَحْنُ [فِتْنَةٌ]﴾: أي اختبار وابتلاء. وروي أن الله جل ذكره أخذ على هاروت وماروت الميثاق ألا [يعلما أحداً] السحر حتى يقولا له: "إنما نحن فتنة فلا تكفر بفعل السحر". وهذا يدل على قتل الساحر إذا سحر وظفر به من غير استتابة، لأنه شيء يخفيه فلا يُعلم بصحة توبته منه لو تاب. ويقال: إنهم كانا يعلمان من السحر ما يفرق به بين الزوجين خاصة كما ذكر الله. * * وقوله: ﴿إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾. أي: بعلمه وقضائه لا بأمره لأن الله سبحانه لا يأمر بالفحشاء، فلا تقع الفحشاء من فاعلها، إلا بعلم الله وقضائه وقدره. هذا مذهب أهل السنة والجماعة. وتعليمهم السحر هو فتنة أختبر بها الخلق. وقيل: هو تعليم إنذار منه وتحذير منه، لا تعليم دعاء له ورغبة في العمل به. * * قوله: ﴿إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾. أي: بقضائه المتقدم أنهم يفعلونه ويضرون به. وقيل: معناه بعلم الله. * * وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُواْ﴾. * * قوله: ﴿لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ﴾. أي: لمن استحبه وقبله وعمل به، ما له في الآخرة من خلاق. أي: علمت يهود في التوراة أن من اشترى السحر ما له في الآخرة من خلاق. أي: من نصيب وحظ. وقيل: من دين. وقيل: من قوام. وقيل: إن (علموا) يراد به الشياطين لأنه لو رد إلى اليهود لكان قوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ نفى عنهم العلم، وقد أخبر أنهم علموا. وقيل: علموا هو للمَلَكَين لأنهم يقولون: لا تكفر، فقد علموا أنه لا خلاق لمن اشتراه في الآخرة، وثُني كما يقال: "الزَّيدان قاموا". وقال الزجاج: "علموا": هم علماء اليهود". * * وقوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. قيل لهم ذلك لأنهم صاروا في محل من لا علم عنده إذ لم ينتفعوا بعلمهم، فصاروا بمنزلة الجاهل بهذا الأمر، فنفى عنهم العلم بعد أن أخبر أنهم علموا من أجل ذلك. وهذا مشابه لقوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] لأنهم لما لم ينتفعوا بهذه الأعضاء كانوا بمنزلة من عَدِمَها، فوصفوا بذلك وهم غير صم ولا بكم ولا عمي. ﴿وَشَرَوْاْ﴾ هنا بمعنى باعوا. وتقدير الكلام عند الطبري: وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله، ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم، ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون"، أي: يَعْلَمون أنه يضرهم في الآخرة ولا ينفعهم. يريد به الذين يتعلمون السحر للتفريق بين المرء وزوجه. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ﴾. يريد به علماء اليهود. فإيجاب العلم لعلماء اليهود ونفيه هو عن الذين يتعلمونه للتفريق. وقتل الساحر عند مالك واجب بهذه الآية إذا سحر بنفسه لأنه كفر لقوله تعالى: ﴿فَلاَ تَكْفُرْ﴾. والكافر إذا ستر كفره [قتل إلا أن] يأتي قبل أن يُعرف به، فيخبر بما كان سَتَر، فإن توبته تقبل. ومثله الزنديق عند مالك يقتل إذا قدر عليه ولا يستتاب. فإن أَظْهَره قبل أن يُظهر عليه استتيب، فإن تاب وإلا قتل. وهو والزنديق سواء. والزنديق هو الذي يظهر الإسلام ويُسِر الكفر، فلا تقبل توبته لأنا لا ندري ما في ضميره، وقد قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥]. فلا تنفع الساحر، [و] الزنديق توبتهما إذا ظفر بهما، وتنفعهما إذا أتيا قبل أن يُقدر عليهما، كما كان هؤلاء تنفعهم توبتهم قبل إتيان العذاب، ولا ينفعهم ذلك عند رؤية العذاب. وهو قول عثمان بن عفان، وابن عمر، وحفصة، وجماعة من الصحابة والتابعين. ولا يقتل ساحر أهل الكتاب عند مالك، ولكن يعاقب إلا أن يقتل بسحره فيقتل أو يُحدِث حَدثاً فيؤخذ منه بقدر ذلك. وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: "لا يقتل ساحر أهل العهد إلا أن يدخل بسحره ضرراً لم يعاهد عليه على مسلم". وكذلك روى ابن القاسم: قال مالك في المرأة تعقد زوجها عن نفسها أو عن غيرها. قال: "ينكل بها ولا تقتل". وقال الشافعي: "لا يقتل الساحر ولكن يسأل عن سحره، فإن كان كفراً استتيب منه، فإن تاب وإلا قتل، وكان ماله فيئاً".

البقرة 2:103

قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ وٱتَّقَوْا﴾. أي: لو أن الذين [يتعلمون السحر آمنوا أي: بمحمد ﷺ، وما أنزل الله، ﴿وٱتَّقَوْا﴾] أي اتقوا الكفر وعمل السحر - لوجب لهم عند الله الثواب على ذلك. فهو خير لهم لو كانوا يعلمون قدر ذلك. وقيل: ﴿لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾: أي لو علموا مبلغ ثواب الله ورضاه ومقدار ذلك. وقيل: معنى: ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾: لرجعة إلى الله خير. وقيل معنى ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾: أي: لأثيبوا على ذلك، فَاسْتُغْنِيَ بالمثوبة عن الثواب، لأن المثوبة مصدر يشتمل على الماضي وغيره. "ولو" تحتاج إلى جواب يكون ماضياً، ودلت المثوبة على الماضي. وقال ابن إسحاق: "معنى ﴿لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾، أي: يعملون بعلمهم. وقيل: يعلمون حقيقة الفضل في ذلك.

البقرة 2:104

قوله: ﴿لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا﴾. أي: خلافاً. وقيل: معناه أرعنا سمعك، أي: اسمع منا ونسمع منك. قال الضحاك: "كان الرجل من المشركين يقول: "أرعني سمعك"". قال قتادة: "هي كلمة كانت اليهود تقولها على الاستهزاء، فنهى الله المؤمنين أن يقولوا كقولهم". وقيل: إنها لغة كانت في الأنصار فنهوا عن قولها تعظيماً للنبي ﷺ وتبجيلاً له، لأن معناها: "أرعنا نرعك"، فكأنهم لا يرعونه حتى يرعاهم، بل يرعى ﷺ على كل حال. ولا يعرف أهل اللغة: "راعيت" بمعنى "خالفت" كما روى مجاهد. وقرأ الحسن "راعنا" من "الرعونة" منوناً ونصبها على المصدر: كأنه قال: رُعُونة. وقيل: بالقول انتصبت. وقرأ الأعمش: "أنظِرنا - بقطع الألف وكسر الظاء - أي: أخرنا، وذلك بعيد لأنهم لم يؤمروا بالتأخير ، إنما أمروا بالقرب منه والتلطف في الخطاب. وقيل: معنى قراءة الأعمش: أمهلنا. * * وقوله: ﴿وَٱسْمَعُواْ﴾ أي: واستمعوا ما يقال لكم، وَعُوه.

البقرة 2:105

ثم قال: ﴿مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ﴾ الآية. يعني بها اليهود والنصارى أنهم لا يحبون أن ينزل على المؤمنين خير من الله. * * ﴿وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ﴾. أي: بنبوته ورسالته فيرسلها إلى من يشاء، ويهدي من يشاء.

البقرة 2:106

قوله: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾. أي: من حكم آية، قرأ ابن عامر: ما نُنسِخْ - بضم النون الأولى وكسر السين، بمعنى: "ننسخك". قال أبو غانم: "يقال: نسخته وأنسخته مثل قبرته وأقبرته، [فقبرته دفنته، وأقبرته جعلت له] قبراً". * * قوله: ﴿أَوْ نُنسِهَا﴾. من ضم النون الأولى وَكَسَر السين، فمعناه: نتركها لا نبدلها. وهو مروي عن ابن عباس على معنى: نأمرك بتركها. ويلزم على هذا المعنى فتح النون ليصح معنى الترك إذ هو غير معروف في اللغة: أَنْسَيْتُ الشيء تركته، إنما يقال: "نسيت"، كما قال ﴿نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، أي: تركوه فتركهم. وهذا إنما يصح على قراءة من قرأ "نَنْسِهَا" بالفتح. والصواب في معنى: "نُنْسِها" بضم النون أن يكون من النسيان على معنى: "ننسكها" يا محمد فتذهب من حفظك". وعن ابن عباس أن في الآية: [تقديماً وتأخيراً]، والتقدير: ما نبدل من حكم آية نأت بخير منها أي بأنفع منها لكم أو مثلها. * * ثم قال: ﴿أَوْ نُنسِهَا﴾ أي نؤخرها فلا ننسخها ولا نبدلها. وقيل: معناه: نأمرك بتركها كأنه: "أو ننسكها"، أي: نجعلك تتركها. وقيل: معناه: ننسكها من النسيان أي: نزيل ذكرها من قلبك فلا تذكرها. والفرق بين إباحة الله تعالى لنبيه ﷺ النسخ، وبين إباحته الترك، أن النسخ أن تنسخ آية بآية أخرى كنسخ قوله: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] لقوله: ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]. والترك هو ترك الآية من غير آية تنسخها كإباحة الله للمؤمنين ترك امتحان من أتاهم بعد أن قال: ﴿فَٱمْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]. فأما قراءة من قرأ "نَنْسَأَهَا" بالهمز، فمعناه أو نؤخرها فلا ننزلها البتة. وقيل: معناه نؤخرها بعد إنزالها وتلاوتها فلا تتلى. وقيل: معناه نؤخر العمل بها [وننسخه ويبقى لفظه متلواً غير معمول] به. ولكل واحد من هذه المعاني أمثلة في كتاب الله عز وجل قد بيناها في كتاب: "الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه". فالنسخ يكون فيما نزل، والنَّسْءُ فيما لم ينزل فيؤخر. يقال: "نسَّأَ الله في أجلك وأَنسأَ" أي: أخر فيه. وقيل: معنى هذا القول: ما ننسخ من آية من اللوح المحفوظ فننزلها على محمد ﷺ "أو ننسأها" أي نؤخرها في اللوح فلا ننزلها، فالمنسوخ جميع القرآن، والمنسوء ما أخر، فلم ينزل هذا على هذا التأويل. وفيها قول ثان: وهو أن يكون معناه: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ أي: نرفعها، "أو ننسأها": أي نؤخرها فلا نرفعها. وفيها قول ثالث: وهو أن يكون "ننسأها" [معناه نؤخرها عن] التلاوة ويبقى الحكم بها نحو آية الرجم. وفيها قول رابع: وهو أن يكون "ننسأها" معناه نؤخره إلى وقت ما، نحو ما روي في قوله، ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]. وقرأ الضحاك بن مزاحم "أو تُنْسَها" - بالتاء مضمومة وفتح السين - على ما لم يُسَمَّ فاعله، أي: "ينسكها الله أو الشيطان" بدلالة قوله: ﴿وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَٰنُ﴾ [الأنعام: ٦٨]. وقوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا﴾. معناه عند أبي إسحاق وقطرب: "نأت منها بخير" وهو غلط عند النحويين. لأن من حقها أن تكون بعد "أفعل" لا قبله "وخير" أفعل فإن جعلت "خيرا" فعلاً الذي هو ضد الشر، ولم تجعله أفعل، جاز ذلك. وقيل: المعنى: نأت بخير منها لكم، إما في تخفيف وإما في زيادة أجر في الآخرة. وقيل: معنى ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا﴾ أي: بأنفع لكم منها في زيادة الأجر إذا صح من الأصل إذا [عملتم بها]. * * وقوله: ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾. أي: مثلها في الآخرة، لكنها أحب إليكم من المنسوخة نحو نسخ القبلة إلى بيت المقدس، نسخت بالتوجه إلى الكعبة فهي مثلها، وهو أحب إليهم من بيت المقدس فلذلك قال: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: ١٤٤]. فنسخت القبلة بمثلها، والناسخة أحب إليهم من المنسوخة. وقيل: المعنى نأت بأنفع لكم منها في الوقت الثاني، وأصلح لِحَالِكُم في النفع وصلاح الحال. وقال السدي وغيره: "﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا﴾ أي: من التي نسخنا، ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾: أي: مثل التي تركنا فلم ننزلها". وقيل: بخير من هذه أو هذه. ولا يجوز لذي علم ودين أن يتأول بهذا النص تفضيل بعض القرآن على بعض لأن القرآن كلام الله جل ذكره ليس بمخلوق وإنما يقع التفضيل بين المخلوقات فاعلمه. * * قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾. معناه أن النبي [عليه السلام] قد كان عالماً بذلك فضلاً من الله عليه، فخرج هذا الكلام مخرج التقرير على عادة العرب. تقول العرب للرجل: "ألم أكرمك، ألم أفضل عليك" يخبره بذلك، وينبهه عليه، وهو عالم به. ومعناه: قد علمت ذلك، فكذلك هذا. ومعناه: قد علمت يا محمد أن الله على كل شيء قدير وعلمت أن الله له ملك السماوات والأرض. وقال الطبري: "حرف الاستفهام في هذا داخل لمعنى الاستثبات والتنبيه لأصحاب النبي [عليه السلام] الذين قيل لهم: لا تقولوا راعنا. ويدل على صحة ذلك قوله بعد ذلك: ﴿وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾، فأتى بلفظ الجماعة. وقد قال تعالى: ﴿يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ﴾ [الطلاق: ١]، ثم قال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ﴾ [الطلاق: ١]. وقال: ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١]. ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [الأحزاب: ١]. ومعنى ذلك: "أَلَمْ تعلموا أن الله قادر على تعويض ما ينسخ من أحكامه وفرائضه للتخفيف عليكم أو لزيادة أجر لكم". وهذا كله إنما هو تنبيه لليهود على أن أحكام التوراة جائز أن [تُنسخ على يدي] نبي، أو بكتاب آخر لأنهم أنكروا ما أتى به ﷺ مما ليس في التوراة، فنبهوا على أن التوراة يجوز نسخها على لسان نبي غير موسى كما كانت التوراة ناسخة لما تقدمها من الكتب. ومعنى "يَنسخ بعض كتب الله بعضاً": أنه إنما ينسخ بعضها بعضاً في الشرائع لا غير، كما قال: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ [المائدة: ٤٨]. فالدين في الكتب كلها واحد وهو التوحيد، وهو دين الإسلام. والشرائع مختلفة يتعبد الله جل ذكره أهل كل كتاب بما شاء وبما أراد لا معقب لحكمه لا إله إلا هو.

البقرة 2:107

قوله: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾. أي: من حكم آية، قرأ ابن عامر: ما نُنسِخْ - بضم النون الأولى وكسر السين، بمعنى: "ننسخك". قال أبو غانم: "يقال: نسخته وأنسخته مثل قبرته وأقبرته، [فقبرته دفنته، وأقبرته جعلت له] قبراً". * * قوله: ﴿أَوْ نُنسِهَا﴾. من ضم النون الأولى وَكَسَر السين، فمعناه: نتركها لا نبدلها. وهو مروي عن ابن عباس على معنى: نأمرك بتركها. ويلزم على هذا المعنى فتح النون ليصح معنى الترك إذ هو غير معروف في اللغة: أَنْسَيْتُ الشيء تركته، إنما يقال: "نسيت"، كما قال ﴿نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، أي: تركوه فتركهم. وهذا إنما يصح على قراءة من قرأ "نَنْسِهَا" بالفتح. والصواب في معنى: "نُنْسِها" بضم النون أن يكون من النسيان على معنى: "ننسكها" يا محمد فتذهب من حفظك". وعن ابن عباس أن في الآية: [تقديماً وتأخيراً]، والتقدير: ما نبدل من حكم آية نأت بخير منها أي بأنفع منها لكم أو مثلها. * * ثم قال: ﴿أَوْ نُنسِهَا﴾ أي نؤخرها فلا ننسخها ولا نبدلها. وقيل: معناه: نأمرك بتركها كأنه: "أو ننسكها"، أي: نجعلك تتركها. وقيل: معناه: ننسكها من النسيان أي: نزيل ذكرها من قلبك فلا تذكرها. والفرق بين إباحة الله تعالى لنبيه ﷺ النسخ، وبين إباحته الترك، أن النسخ أن تنسخ آية بآية أخرى كنسخ قوله: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] لقوله: ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]. والترك هو ترك الآية من غير آية تنسخها كإباحة الله للمؤمنين ترك امتحان من أتاهم بعد أن قال: ﴿فَٱمْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]. فأما قراءة من قرأ "نَنْسَأَهَا" بالهمز، فمعناه أو نؤخرها فلا ننزلها البتة. وقيل: معناه نؤخرها بعد إنزالها وتلاوتها فلا تتلى. وقيل: معناه نؤخر العمل بها [وننسخه ويبقى لفظه متلواً غير معمول] به. ولكل واحد من هذه المعاني أمثلة في كتاب الله عز وجل قد بيناها في كتاب: "الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه". فالنسخ يكون فيما نزل، والنَّسْءُ فيما لم ينزل فيؤخر. يقال: "نسَّأَ الله في أجلك وأَنسأَ" أي: أخر فيه. وقيل: معنى هذا القول: ما ننسخ من آية من اللوح المحفوظ فننزلها على محمد ﷺ "أو ننسأها" أي نؤخرها في اللوح فلا ننزلها، فالمنسوخ جميع القرآن، والمنسوء ما أخر، فلم ينزل هذا على هذا التأويل. وفيها قول ثان: وهو أن يكون معناه: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ أي: نرفعها، "أو ننسأها": أي نؤخرها فلا نرفعها. وفيها قول ثالث: وهو أن يكون "ننسأها" [معناه نؤخرها عن] التلاوة ويبقى الحكم بها نحو آية الرجم. وفيها قول رابع: وهو أن يكون "ننسأها" معناه نؤخره إلى وقت ما، نحو ما روي في قوله، ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]. وقرأ الضحاك بن مزاحم "أو تُنْسَها" - بالتاء مضمومة وفتح السين - على ما لم يُسَمَّ فاعله، أي: "ينسكها الله أو الشيطان" بدلالة قوله: ﴿وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَٰنُ﴾ [الأنعام: ٦٨]. وقوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا﴾. معناه عند أبي إسحاق وقطرب: "نأت منها بخير" وهو غلط عند النحويين. لأن من حقها أن تكون بعد "أفعل" لا قبله "وخير" أفعل فإن جعلت "خيرا" فعلاً الذي هو ضد الشر، ولم تجعله أفعل، جاز ذلك. وقيل: المعنى: نأت بخير منها لكم، إما في تخفيف وإما في زيادة أجر في الآخرة. وقيل: معنى ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا﴾ أي: بأنفع لكم منها في زيادة الأجر إذا صح من الأصل إذا [عملتم بها]. * * وقوله: ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾. أي: مثلها في الآخرة، لكنها أحب إليكم من المنسوخة نحو نسخ القبلة إلى بيت المقدس، نسخت بالتوجه إلى الكعبة فهي مثلها، وهو أحب إليهم من بيت المقدس فلذلك قال: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: ١٤٤]. فنسخت القبلة بمثلها، والناسخة أحب إليهم من المنسوخة. وقيل: المعنى نأت بأنفع لكم منها في الوقت الثاني، وأصلح لِحَالِكُم في النفع وصلاح الحال. وقال السدي وغيره: "﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا﴾ أي: من التي نسخنا، ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾: أي: مثل التي تركنا فلم ننزلها". وقيل: بخير من هذه أو هذه. ولا يجوز لذي علم ودين أن يتأول بهذا النص تفضيل بعض القرآن على بعض لأن القرآن كلام الله جل ذكره ليس بمخلوق وإنما يقع التفضيل بين المخلوقات فاعلمه. * * قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾. معناه أن النبي [عليه السلام] قد كان عالماً بذلك فضلاً من الله عليه، فخرج هذا الكلام مخرج التقرير على عادة العرب. تقول العرب للرجل: "ألم أكرمك، ألم أفضل عليك" يخبره بذلك، وينبهه عليه، وهو عالم به. ومعناه: قد علمت ذلك، فكذلك هذا. ومعناه: قد علمت يا محمد أن الله على كل شيء قدير وعلمت أن الله له ملك السماوات والأرض. وقال الطبري: "حرف الاستفهام في هذا داخل لمعنى الاستثبات والتنبيه لأصحاب النبي [عليه السلام] الذين قيل لهم: لا تقولوا راعنا. ويدل على صحة ذلك قوله بعد ذلك: ﴿وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾، فأتى بلفظ الجماعة. وقد قال تعالى: ﴿يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ﴾ [الطلاق: ١]، ثم قال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ﴾ [الطلاق: ١]. وقال: ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١]. ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [الأحزاب: ١]. ومعنى ذلك: "أَلَمْ تعلموا أن الله قادر على تعويض ما ينسخ من أحكامه وفرائضه للتخفيف عليكم أو لزيادة أجر لكم". وهذا كله إنما هو تنبيه لليهود على أن أحكام التوراة جائز أن [تُنسخ على يدي] نبي، أو بكتاب آخر لأنهم أنكروا ما أتى به ﷺ مما ليس في التوراة، فنبهوا على أن التوراة يجوز نسخها على لسان نبي غير موسى كما كانت التوراة ناسخة لما تقدمها من الكتب. ومعنى "يَنسخ بعض كتب الله بعضاً": أنه إنما ينسخ بعضها بعضاً في الشرائع لا غير، كما قال: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ [المائدة: ٤٨]. فالدين في الكتب كلها واحد وهو التوحيد، وهو دين الإسلام. والشرائع مختلفة يتعبد الله جل ذكره أهل كل كتاب بما شاء وبما أراد لا معقب لحكمه لا إله إلا هو.

البقرة 2:108

قوله: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ﴾. "أم" تقع منقطعة بعد الخبر والاستفهام تقول: "جاءني زيد" ثم تقول: "أم جاءني عمرو"، وتقول: "هل عندك زيد أم [عندك عمرو]، "و - أزيد عندك أم لا؟" كأنه في هذا كله أدركه الشك، بعد أن مضى صدر الكلام فاستدرك بـ "أم". وتكون "أم" عاطفة بعد الاستفهام خاصة، تدل على ثبوت أحد الشيئين غير معين وعن عينه يسأل بها. فهي بمنزلة أيهما عندك" فتسأل عن العين بعد أن يستقر عندك أن ثمّ شخصاً ولا تدري من هو، ولا يكون الجواب إلا بالعين. يقول المجيب: "قلان أو فلان" ولا يجوز أن يقول: "لا، ولا نعم. وإنما لا ونعم جواب. أو إذا قلت: "أذا عندك أو ذا؟". وتقول "سواء علي أقمت أم قعدت"، فبالتسوية أجريته مجرى الاستفهام لأنك سويت الأمرين في علمك، كما استوى علمك في قولك: "أزيد عندك أم عمرو؟". فالتسوية تُجري هذا على حروف الاستفهام، كما أجرى الاختصاص ما ليس بمنادى على حروف النداء. قال بعض النحويين في ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾: "معناه: أتريدون". وقيل: هي منقطعة مما قبلها بمنزلة قول العرب: "إنها لإبل أم شاء". وهذا القول بعيد لأنه لا يصح في أكثر كلام العرب إلا على حدوث شك دخل المتكلم، وذلك لا يليق بالقرآن. وقيل: إنها مردودة على الاستفهام الذي قبلها وهو ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لأنه بمعنى: "ألم تعلموا"، ثم قال: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾. * * قوله: ﴿كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ﴾. قال ابن عباس: "[أتى رجلان من] اليهود إلى النبي [عليه السلام] فقالا له: إئتنا بكتاب نقرأه، وفَجِّر لنا أنهاراً نتبعك. فأنزل الله عز وجل: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ﴾ الآية. * * ومعنى ﴿سُئِلَ مُوسَىٰ﴾، هو قولهم: ﴿أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً﴾. وقال مجاهد: "سألت قريش [النبي عليه السلام] أن يجعل لهم الصفا ذهباً، فقال: نعم، هو لكم كالمائدة لبني إسرائيل. فأبوا ورجعوا، فأنزل الله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ الآية". وقال أبو العالية: "جاء رجل إلى النبي [عليه السلام] فقال: لو كانت كفاراتنا كفارات بني إسرائيل. فقال النبي [ عليه السلام لا نبغيها]: مَا أَعْطَاكُمُ اللهُ خَيْرٌ مِمَّا أَعْطَى بَنِي إِسْرائِيلَ؛ كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِذَا أَصَابَ أَحَدُهُمْ الْخَطِيئَةَ وَجَدَهَا مَكْتُوبَةً عَلَى بَابِهِ وَكَفّارَتَها، فَإِنْ كَفَّرَهَا كَانَتْ لَهُ خِزْياً في الدُّنْيا. وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، كَانَتْ لَهُ خِزْياً فِي الآخِرَةِ. فَقَدْ أَعْطَاكُمُ الله خَيْراً مِمّا أَعْطَى بَنِي إِسْرَائِيلَ قال: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ و "الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ كَفَّارَات لِمَا بَيْنَهُنْ". و "مَنْ هَمّ بِحَسَنَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ [لَهُ حَسَنَةٌ، فَإنْ] عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عشْر أَمْثَالِهَا". ثم أنزل الله بعقب ذلك: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ الآية. * * قوله: ﴿وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَانِ﴾. قال أبو العالية: "الشدة بالرخاء". وقيل: الجحود بالإيمان، وهو أولى. * * قوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾. أي: ذهب عنه وزاغ. والسواء هنا قصده ومنهجه. وأصل السواء الوسط.

البقرة 2:109

قوله: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ﴾. قيل: "كثير" هنا واحد، وهو كعب بن الأشرف . قاله الزهري. وقيل: هما ابنا أخطب. قاله ابن عباس. وقيل: هو عام في أكثرهم. وفي الآية تقديم وتأخير، معناها: "وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً". ومعنى: ﴿مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: لم يؤمروا به، ولا وجدوه في كتاب إنما اخترقوه واخترعوه من قبل أنفسهم. ﴿مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ﴾ أي: من بعد ما ظهر لهم أمر محمد ﷺ في التوراة [وصفته وعلاماته] فكفروا به وأحبوا أن تكفروا معهم به بعد إيمانكم حسداً وبغياً. * * ثم قال: ﴿فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ﴾. أمر الله عز وجل المؤمنين بالعفو عنهم إلى وقت يأتي فيه أمر الله تعالى بترك العفو. فالآية منسوخة بالأمر بقتالهم وقتلهم وهو قوله: ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] وقوله: ﴿قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] الآيتان. * * وقوله: ﴿وَٱقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١].

البقرة 2:110

وقوله: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ﴾. إقامة الصلاة هو أداؤها بفروضها لوقتها وهي الخمس الصلوات المفروضة. قال أنس بن مالك: "فرضت الصلاة على النبي ﷺ ليلة الإسراء خمسين، ثم نقصت حتى جعلت خمساً تخفيفاً من الله، ثم نودي يا مُحَمَّدُ: إِنَّهُ لاَ يُبَدَّلُ القَْولُ لَدَيَّ، وَإِنَّ لَكَ بِهَذَه الخَمْسِ خَمْسِين ويجمع أوقاتها قوله: ﴿فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾[الروم: ١٧]. يريد المغرب والعشاء الآخر ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] يريد الصبح. ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨]. يريد الظهر ﴿وَعَشِيّاً﴾ [الروم: ١٨]. العصر. فأما قوله تعالى: ﴿أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]. فقال علي بن أبي طالب "دلوكها غروبها". وهو قول ابن مسعود. وروي عن ابن عباس: "دلوكها زوالها". وقاله ابن عمر وأبو هريرة. ﴿وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] صلاة الصبح. وقال قتادة: "﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ﴾ [طه: ١٣٠]: هي صلاة الفجر ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠] صلاة العصر. ﴿وَمِنْ آنَآءِ ٱلْلَّيْلِ﴾ [طه: ١٣٠] صلاة المغرب والعشاء الآخرة. وأجمع أهل العلم على أن أول وقت الظهر الزوال. وقال مالك: "آخر وقتها أن يصير ظل كل شيء مثله بعد الزوال". وبه قال الثوري والشافعي وأبو ثور. وقال عطاء: "لا تفريط في الظهر حتى تصفرّ الشمس". وقال طاوس: "لا تفوت حتى الليل". وقال النعمان: "آخر وقتها ما لم يصر الظل قامتين" وأول وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثله". هذا قول مالك والثوري والشافعي وإسحاق وأحمد بن حنبل وأبي ثور. وقال النعمان: "أول وقت العصر أن يصير الظل قامتين بعد الزوال، ولا تجزئ الصلاة قبل ذلك". وآخر وقتها أن يصير ظلك مثليه. وقال أحمد وأبو ثور: "آخر وقتها ما لم تصفرّ الشمس على وجه الأرض". وقال إسحاق: "آخر وقتها أن يصلي منها ركعة قبل غروب الشمس لقول النبي عليه السلام "مَنْ أَدْرَكَ مِنَ العَصْرِ رَكْعَةً قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَقَدْ أَدْرَكَهَا وهذا عند الشافعي وغيره إنما هو لأهل العذر. وروي عن ابن عباس: "أن آخر وقتها غروب الشمس". "ووقت المغرب غروب الشمس وقتاً واحداً"، وهو قول مالك والشافعي والأوزاعي. وقال الثوري وأحمد وإسحاق: "وقتها إلى أن يغيب الشفق". ووقت العشاء مغيب الشفق. وهو الحُمرة في قول ابن عمر وابن عباس ومالك وسفيان وابن أبي ليلى والشافعي. وروي عن أبي هريرة "أنه البياض"، وهو قول زفر. وآخر وقتها عند النخعي ربع الليل. وروي عن عمر رضي الله عنه وأبي هريرة، وعمر بن عبد العزيز "إلى ثلث الليل" وهو قول مالك. وقال الثوري وابن المبارك وإسحاق "إلى نصف الليل". وروي ذلك عن عمر أيضاً. ووقت صلاة الصبح انصداع الفجر إلى طلوع الشمس، ووقت الجمعة بعد الزوال، ومن صلى الجمعة قبل الزوال لم تجزه عند الجميع إلا أحمد بن حنبل فإنه أجازه قبل الزوال. ومعنى قولهم في التشهد: "التحيات"، قال أبو عبيد "التحيات الملك، والصلوات هي الصلوات الخمس لله، والطيبات هي الأعمال الزكيات لله".

البقرة 2:111

قوله: ﴿وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ﴾. معناه قالت اليهود ذلك، وقالت النصارى ذلك، فأخبرنا الله أن ذلك هما يتمنون، فقيل لهم: هاتوا برهانكم على ذلك، أي حجتكم وبيّنتكم إن كنتم صادقين. وقد [أكذب الله تمنيهم وقولهم] ذلك بقوله: ﴿فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٩٤]، إي إن كنتم من أهل الجنة كما زعمتم، فتمنوا الموت لأنكم تنتقلون إلى ما هو خير لكم. فلما لم يفعلوا عُلم أن قولهم ذلك شيء لا حقيقة له وكذب وبهتان.

البقرة 2:112

ثم قال: ﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ﴾. أي: أخلص عمله ونيته بالطاعة والإيمان. وخص الوجه بالذكر دون سائر الأعضاء لأنه أشرف أعضاء بني آدم وأعظمها حُرمة. فإذا خَضَّع وجهه الذي هو أكرم الأعضاء كان ما سواه أحرى أن يخضع.

البقرة 2:113

قوله: ﴿وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ﴾. نزلت في قوم من أهل الكتابين تخاصموا عند النبي [عليه السلام] فكفر بعضهم بعضاً، فأخبرنا الله أنه قد فعل هذا من كان قبلهم ممن لا يعلم، وأنهم فعلوا ذلك وهم يجدون في كتبهم كذبهم فيما يقولون لأن كتب الله تعالى يصدق بعضها بعضاً، فلذلك قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ ٱلْكِتَابَ﴾. فهؤلاء قالوه وهم يعلمون أنهم كاذبون لأن في كتاب كل واحد منهم الأمر بالإيمان بالآخر وبمن جاء به. و ﴿ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أمم كانت قبلهم. وقيل: عني بذلك الجاهلية في العرب، قالوا: ليس محمد على شيء. وقيل: قالوا: ليست اليهود على شيء ولا النصارى على شيء. وقيل: إنهم قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا. فالذين من قبلهم قالوه وهم غير عالمين، وهؤلاء قالوا عن علم لأن ما قالوا كذب. ومعنى قولهم: ﴿لَيْسَتِ ٱلنَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ﴾، ﴿لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ﴾: إنما أرادوا أنهم ليسوا على شيء [مذ دانوا]، ولم يريدوا ليسوا على شيء الساعة لأنهم لو أرادوا ذلك لكانوا صادقين في قولهم، إذ كل فريق منهم قد جحد نبوة محمد ﷺ وهو يعلم أنه نبي ويجده في كتابه، فهو في ذلك الوقت ليس على شيء لأن من جحد آية من كتاب الله فقد جحده كله. فإنما أراد: قال كل فريق منهم: ليس هؤلاء على شيء منذ دانوا، ومنذ أنزل عليهم الكتاب [لا أنهم] أرادوا في الوقت الذي وقع فيه التنازع خاصة لأن ذلك لو كان لكانوا صادقين فيما قالوا، ولأنهم لو أرادوا ذلك لكفر كل واحد نفسه على لسانه، لأن جميعهم جاحد لنبوة محمد ﷺ، فإذا قال فريق: ليس هؤلاء على شيء، واعتقادهم واحد في محمد ﷺ. فكأنه قال: ليس نحن على شيء. إلى هذا يؤول الكلام لو حمل على أنهم أرادوا الوقت الذي تخاصموا فيه، وإنما أرادوا من تقدم قبل محمد [ﷺ] فأكذبهم الله عز وجل لأن أوائلهم قد كانوا على شيء. ولو أرادوا الزمان الذي بعث فيه محمد ﷺ لم يكذبهم الله في ذلك لأنهم كانوا على غير شيء إذ جحدوا ما عرفوا وبدلوا وغيروا وأنكروا ما في كتابهم، وجعل الله تعالى هذه الآية تحذيراً لئلا يُختلف في القرآن، لأن اختلافهم أخرجهم إلى الكفر، فحُذِّر المسلمون من ذلك. * * قوله: ﴿فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾: أي: يفصل. وقيل: معناه يريهم من يدخل الجنة عياناً، ومن يدخل النار عياناً. وسميت الآخرة القيامة لأن فيها يقوم الخلق كلهم من قبورهم.

البقرة 2:114

قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَّنَعَ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ﴾ الآية. عني بذلك النصارى منعوا الناس من بيت المقدس وكانوا يطرحون فيه الأوساخ قاله ابن عباس وغيره. وقال قتادة: "حمل بُغض النصارى لليهود أن أعانوا عدو الله بُخْتُنصر المجوسي البابلي على تخريب بيت المقدس". وقال السدي: "أعانت الروم بختنصر على خراب بيت المقدس عداوة منهم لليهود إذ قتلوا يحيى بن زكريا". وقال ابن زيد "عني بذلك مشركي العرب إذ منعوا رسول الله ﷺ من المسجد الحرام يوم الحديبية حتى نحر هديه بذي طوى وهادنهم. وكانوا قد قالوا له: لا تدخل علينا وقد قتلت أباءنا يوم بدر، [ومنا طارف يطرف] وقد كان الرجل يلقى قاتل أبيه وأخيه فلا يصده عن البيت فَصُدَّ النبي ﷺ عن البيت". * * وقوله: ﴿أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ﴾. قال قتادة: "هم اليوم لا يوجد أحد منهم في بيت المقدس إلا عوقب". وقال السدي: "لا يدخل رومي بيت المقدس إلا خائف أن تضرب عنقه مع أنهم أخيفوا بأداء الجزية". وقال ابن زيد: "معناه أن رسول الله ﷺ نادى: أَلاَّ يَحُجَّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وَلاَ يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ، فخاف المشركون وانْتَهَوُا ومعنى ﴿وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآ﴾ أي: في هدمها ونقضها. وقيل: هو خلاؤها أي: المنع من ذكر الله فيها من الصلاة وذكر الله فيها. وقال ابن زيد: "هو منع المشركين المسلمين من الحج والعمرة". والخزي أخذ الجزية منهم وهم صاغرون، أي: من اليهود والنصارى. وقال السدي: "الخزي هو قتل الروم عند قيام المهدي وفتح القسطنطينية ورومية".

البقرة 2:115

قوله: ﴿وَللَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ﴾. معناه: إنَّ له ما بين مشرقها كل يوم، ومغربها كل يوم، وإنما خص الله تعالى ذكره ذا أنه له وإن كان كل الأشياء له لأنه نزل في أمر معين، وذلك أن اليهود كانت تصلي نحو بيت المقدس، وصلى النبي ﷺ معهم إليها ستة عشر شهراً، ثم رجع إلى الكعبة. فاستعظم اليهود ذلك، وقالوا: ما ولاّهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ فقال الله جل ذكره لنبيه ﷺ: قل يا محمد، لله المشرق والمغرب يصرف من يشاء إلى أين يشاء، فحيثما تولوا فثمّ وجه الله. فهذا أول ناسخ في القرآن لأنه نسخ التوجه إلى بيت المقدس. وكان النبي ﷺ يصلي إلى بيت المقدس بأمر من الله تعالى، وكان يحب قبلة إبراهيم [عليه السلام]، وكان يدعو أو ينظر إلى السماء فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] فارتابت اليهود من ذلك فأنزل الله عز وجل: ﴿وَللَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ﴾ الآية. وقال قتادة: "هذا منسوخ، وذلك أن الله تعالى أباح لهم أولاً التوجه حيث شاءوا، وأخبرهم أنه أينما تولوا وجوهكم فثمَّ وجه الله، لأن له المشارق والمغارب، ثُمَّ نسخ ذلك بقوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾. وقال ابن زيد: "لما أنزل على النبي ﷺ ﴿وَللَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ﴾ وأباح له التوجه أين شاء. قال: هؤلاء يهود يستقبلون بيتاً من بيوت الله، فاستقبله النبي ﷺ معهم فبلغه أنهم قالوا: ما درى محمد ولا أصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم. فكره ذلك النبي ﷺ ورفع وجهه إلى السماء فأنزل الله ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ الآية، فاستقبل الكعبة". وقال ابن عمر: "الآية نزلت في التطوع، وكان يصلي حيثما توجهت به الراحلة ويقول: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ﴾". وقيل: "نزلت في قوم عميت عليهم القبلة، فصلوا إلى جهات مختلفة، فأعلموا أن صلاتهم ماضية". وروى عامر بن ربيعة عن أبيه أنه قال: "كنا مع رسول الله [ﷺ] في سفر فتغيمت السماء وأشكلت علينا القبلة. قال: فصلينا وعَلِمْنَا، فلما طلعت الشمس، إذا نحن صلينا لغير القبلة، وذكرنا ذلك لرسول الله [ﷺ]، فأنزل الله هذه الآية: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ﴾". وقيل: إنها نزلت في أمر النجاشي؛ قال قتادة: قال النبي ﷺ لأصحابه: "إنَّ أَخَاكُمْ النَّجَاشِي قَدْ مَاتَ، فَصَلُّوا عَلَيْهِ. فَقَالُوا: نُصَلِّي عَلَى رَجُلٍ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ. فَأَنْزَلَ الله عز وجل: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ﴾. فقالوا: وإنه كان لا يصلي إلى القبلة فأنزل الله ﴿وَللَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ﴾ الآية. وقد أفردنا كتاباً للناسخ والمنسوخ مبسوطاً بأشبع من هذا. ومعنى: ﴿وَجْهُ ٱللَّهِ﴾. أي جهته التي أمرتم باستقبالها. وقيل: معناه فثمَّ قبلة الله. وقيل: معناه: فثمَّ الله جلَّ ذكره. * * وقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ﴾. أي: تستقبلوا بوجوهكم. وقيل: معناه: تستدبروا من "وَلَّيْتُ عَنْهُ". وهو قول غريب. * * وقوله: ﴿وَاسِعٌ﴾ أي واسع الرحمة، ﴿عَلِيمٌ﴾ بكم وبما في قلب النجاشي من الإيمان.

البقرة 2:116

ثم قال: ﴿وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً﴾. أي: وقال الذين منعوا الذكر في مساجد الله وسعوا في خرابها: اتخذ الله ولداً. ﴿سُبْحَـٰنَهُ﴾: أي: براءة له من ذلك وتنزيهاً له. قال أبو إسحاق: "يريد به النصارى واليهود والمشركين من العرب، لأنهم قالوا: الملائكة بنات الله، وقالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله". وروي عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: قَال اللهُ تَعَالَى: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ. وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ. أَمّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَيَزْعُمُ أَنِّي لاَ أَقْدِرُ أَنْ أُعِيدَهُ كَمَا كَانَ. وَأَمّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ لِي وَلَدٌ، [فَسُبْحَانِي أَنْ أَتَّخِذَ صَاحِبَةً أَوْ] وَلَداً قوله: ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾. أي: مطيعون. وقيل: مطيعون يوم القيامة. وقيل: مقرون بالعبودية. وقال الفراء: "هو خصوص يراد به أهل الطاعة". وأصل القنوت في اللغة الطاعة، والقنوت القيام الطويل. وقال الحسن: "يعني اليهود والنصارى ومشركي العرب؛ كل [له قائم] بالشهادة بأنه عبد له". قال يحيى: "إنما خص الحسنُ اليهود والنصارى ومشركي العرب، لأنهم هم الذين كانوا بحضرة النبي [عليه السلام] يومئذ". وقال في آية أخرى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]. من تفسير ابن سلام. قوله: ﴿بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧]. ﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]. أي: كيف يكون له ولد وهو خلق السماوات والأرض بمن فيهما وابتدعهما من غير مثال. والمبدع المخترع للشيء، وبديع : بمعنى مبدع.

البقرة 2:117

ثم قال: ﴿وَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً﴾. أي: إذا حتم أمراً، أو أحكم أمراً. ومنه قيل للقاضي: حاكم، لأن أصل كل قضاء الإحكام له، والفراغ منه. * * قوله: ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. زعم [قوم أن] هذا مخصوص في إحياء الميت ومسخ الكافر ونحوه لأن الأمر لا يكون إلا لموجود ولا يكون لمعدوم. وهذا قول مرغوب عنه. ومعنى الآية: أنه تعالى عالم بالأشياء التي ستكون وكانت فقوله لها: "كن" إنما هو قول لموجود في علمه ليخرجه إلى العيان لنا. وقد قيل: إن المعنى: فإنما يقول من أجله كن. فـ "لَهُ" بمعنى من أجله. وهذا أيضاً قول لا يمتنع وهو عام، لا يقتضي الأمر لموجود، لأن القول من أجله وقع لا له. وقال الطبري: "أمره للشيء "يكن"، لا يتقدم الموجود ولا يتأخر عن الموجود، بل هو في حال يكون ذلك، فلا يكون الشيء مأموراً بالوجود إلا وهو موجود بالأمر. ولا موجود إلا وهو مأمور بالوجود". قال: "ونظير ذلك قيام الأموات من قبورهم لا يتقدم دعاء الله عز وجل ولا يتأخر عنه، وقد قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥]. فمعنى الآية أن الله مبدع الأشياء ومالكها، قد ابتدع المسيح ﷺ وأنشأه إذ أراد خلقه من غير ذكر". والهاء في "له" تعود على الأمر، و "له" بمعنى من أجله. وقيل: تعود على القضاء الذي دل عليه "قضى". وقيل تعود على المراد الذي عليه الكلام.

البقرة 2:118

قوله: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ﴾ الآية. قال مجاهد: "عني بذلك النصارى". وعن ابن عباس قال: "قال رافع [بن حريملة] من اليهود لرسول الله صلى الله عليه سلم: إن كنت رسولاً من عند الله، فقل لله يكلمنا حتى نسمع كلامه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ﴾، أي: هلا يكلمنا. وقال السدي والربيع وقتادة: "هم مشركو العرب، قالوا ذلك". قال مجاهد: "الذين من قبلهم هم اليهود لأنهم سألوا موسى ﷺ مثل ذلك من كلام الله ورؤيته سبحانه، فدل على أنهم النصارى". وهو اختيار الطبري أن يكون الذين عنوا بالآية هم النصارى. وقال قتادة: "الذين من قبلهم اليهود والنصارى". فعلى هذا يكون الذين عنوا بالآية مشركي العرب، وعلى هذا الاختيار يقع الاختلاف في ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. قيل: هم اليهود والنصارى. وقيل: هم العرب واليهود والنصارى. وقيل: ﴿ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ و ﴿ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾: هم قوم نوح وعاد وثمود وفرعون وجميع الأمم الماضية المكذبة الكافرة.

البقرة 2:119

قوله: ﴿وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ ٱلْجَحِيمِ﴾. معناه التعظيم لما هم فيه كما تقول: "لا تسال عن فلان" أي قد بلغ فوق ما تظن. وقيل: هو نهي نهى الله عز وجل نبيه ﷺ عن ذلك لما روي أن النبي [ﷺ]. قال: "لَيْتَ شِعْري مَا فَعَلَ أَبَوَايَ"، فأنزل الله عز وجل، ﴿وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ ٱلْجَحِيمِ﴾ فما سأل عنهم [ﷺ] حتى مات. ومن قرأ بالرفع، فهو في موضع الحال، تقديره: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ وغير مسؤول عن أصحاب الجحيم". وقيل: هو نفي، ولا "بمعنى" ليس كأنه قال: "ولست تسأل" كأنه أخبره أنه لا يسْأَلُ عن ذلك. واختار جماعة الرفع لأن الكلام المتقدم يدل عليه، لأنه تعالى قال بعد الذكر اليهود والنصارى وما صنعوا: * * ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾. أي: بشيراً لمن اتبعك، ونذيراً لمن كفر بك، "غير مسؤول عمن كفر بك. ولم يجر ما يوجب النهي. فجري الكلام على أوله أولى من جريه على خبر آحاد يقطعه مما قبله لأن أوله قد ثبت نصه وصحته، وخبر الآحاد لا يحكم على صحة مغيبه. فرده على ما يقطع على صحته في الغيب أولى. ومع ذلك فقراءة أُبي وعبد الله تشهدان للرفع، لأن قراءة أبي، "وما تُسْأل"، وقراءة عبد الله: "ولن تُسْأل" وذلك يشهد أن الرفع بمعنى النفي. وقال المحتج للجزم: إن الجزم إذا حمل على التعظيم لأمر من تقدم كان مردوداً على ما قبله فيصير مثل الرفع، ويزيد الجزم مزية، وهو أن يحمل على الخبر. فالجزم محتمل لمعنى الرفع وزيادة.

البقرة 2:120

قوله: ﴿وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَارَىٰ﴾ الآية. دعت كل فرقة منهم النبي ﷺ إلى ما هم عليه فأخبر الله تعالى أنهم لا يرضون عنه إلا أن يتبع ملتهم. ثم قال له: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُمْ﴾. هذا خطاب للنبي ﷺ يراد به أمته. وقيل: إنهم سألوا النبي ﷺ الهدنة. وطمعوه أن يتبعوه إن هادنهم وأمهلهم، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُمْ﴾ الآية.

البقرة 2:121

قوله: ﴿ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَتْلُونَهُ﴾. قال ابن مسعود: "ومعنى ﴿حَقَّ تِلاَوَتِهِ﴾، أي: يحل حلاله ويحرم حرامه، ويضعه على مواضعه. فمن قرأ منه شيئاً كان له بكل حرف عشر حسنات". وعني بذلك من آمن بالنبي [عليه السلام]، فيكون "يتلون" الخبر. وإن شئت "أولئك" الخبر، و "يتلون" حال. وقيل: عني بذلك من آمن بالنبي [عليه السلام] من بني إسرائيل والنصارى، فيكون "يتلون" الخبر، وهو اختيار الطبري. فيكون مردوداً على ما قبله من ذكرهم ولم يجر لأصحاب محمد ﷺ ذكر فيرد إليهم، ولآلهم ذكر بعدها، فتجعل الآية مبتدأة فيهم، ولا جاء أثر بأن ذلك فيهم. فردها إلى ما قبلها أولى وهو ذكر بني إسرائيل والنصارى. وأجاز ابن كيسان أن يكون: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ﴾ خبراً عن "الذين" على أن يكون "الذين" يراد بهم المرسلون والأنبياء صلوات الله عليهم. وأجاز أن يراد "بالذين" العاملون بالكتاب خاصة منهم؛ فيكون "يتلون" الخبر أيضاً. ويجوز وجوه أخرى أيضاً. وروي أنها مخصصة نزلت في أربعين رجلاً من أهل نجران بعضهم، ومن الحبشة بعضهم، ومن الروم منهم ثمانية؛ وهم الملاحون أصحاب السفينة الذين أقبلوا إلى النبي ﷺ مع جعفر بن أبي طالب أثنى الله تعالى عليهم إذ آمنوا بكتابهم وبالنبي ﷺ، فأثنى الله عز وجل عليهم في غير موضع من كتابه، فيكون "يتلون" خبراً عنهم.. وإن جعلته عاماً كان "يتلون" حالاً لا غير، لأنك إن جعلته خبراً أوجبت أن كل منْ أوتي الكتاب من النصارى ومن بني إسرائيل يتلونه حق تلاوته، وليسوا كذلك. * * قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾. أي: بمحمد ﷺ لأنهم إذا تلوا التوراة حق تلاوتها وجدوه مكتوباً فيها. فهم يؤمنون بمحمد ﷺ ضرورة إذا أنصفوا في التلاوة. * * ومعنى ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ﴾ أي: يتبعونه حق اتباعه. كذلك رواه مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قاله. أي: يتبعون ما فيه حق اتباعه. وقيل: معناه: يقرأونه حق قراءته. وقد قيل: إن الهاء في "به" عائدة على الكتاب كالهاء في "يتلونه" والهاء في "ومن يكفر به". قال ابن زيد: "تعود على محمد ﷺ". وقيل تعود على الكتاب.

البقرة 2:122

قوله: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ﴾. أي: على عالم زمانكم، وقد تقدم ذكر النعم وما فضلوا به، ومن أجَلّ نعمة أنعم بها عليهم أن موسى [عليه السلام] أخبرهم بعيسى وبمحمد ﷺ وأمرهم باتباعهما، فلم يحتاجوا إلى آية لو كانوا موفقين لأنهم قد سبق عندهم خبر الصادق بذلك، ففضلوا على سائر الخلق بما عندهم من العلم في أمر عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم ولم يتبعوهما، واتبعهما من لم يكن عنده مقدمة ولا خبر عنهما. كل ذلك بخذلان الله تعالى لهم وتوفيقه لغيرهم.

البقرة 2:124

قوله: ﴿وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾. قيل: فاعل "أتمهن": الله عز وجل، أي أكملهن الله له. وقيل: الفاعل إبراهيم ﷺ أخبره الله عز وجل بما سبق في علمه فيه ليكون الامتحان موجوداً معقولاً فتقع عليه المجازاة والثواب، إذ لا يقع جزاء على ما في علم الله تعالى دون ظهوره من العبد. أخبر الله عز وجل أنه أتمهن هنا، وقال في غير هذا الموضع: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ﴾ [النجم: ٣٧]. واختلف في الكلمات؛ فقال ابن عباس: "هي ثلاثون سهماً، عشر منها في براءة ﴿ٱلتَّائِبُونَ ٱلْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢]. وعشر في الأحزاب. ﴿إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]. في (المؤمنين) إلى قوله: ﴿يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٩] وعشر في ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ﴾ [المعارج: ١] إلى ﴿حَافِظُونَ﴾ [المعارج: ٢٩]. أيضاً. وقيل: هي عشر خمس في الرأس، وخمس في البدن، فالتي في الرأس قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الشعر. وروي في موضع الفرق: إعفاء اللحية. وفي الجسد تقليم الأظافر، وحلق العانة، ونتف الإبط، وغسل المخرجين بالماء، والختان. وعن ابن عباس أيضاً قال: "هي عشرة: ستة في الإنسان وهي: حلق العانة، والختان، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر وقص الشارب، والغسل يوم الجمعة. وأربع في المشاعر وهي: الطواف بالبيت، والسعي، ورمي الجمار، والإفاضة". وعن مجاهد قال: "هي أن الله تعالى قال لإبراهيم ﷺ. إني مبتليك بأمر، فما هو؟ قال: تجعلني للناس إماماً؟، قال الله: نعم. قال إبراهيم: ومن ذريتي؟ قال الله [عز وجل] : لا ينال عهدي الظالمين. قال إبراهيم: تجعل البيت مثابة للناس؟ قال الله: نعم. قال إبراهيم: وأمنا؟ قال الله: نعم. قال إبراهيم: [تجعلنا مسلمين لك] ومن ذريتنا أمة مسلمة لك؟ قال الله: نعم. قال إبراهيم: وترينا مناسكنا وتتوب علينا؟ قال الله: نعم. قال إبراهيم: وتجعل هذا البلد آمناً؟ قال الله: نعم. قال إبراهيم: وترزق أهله من الثمرات من آمن؟ قال الله: نعم". وقال جماعة: "تلك الكلمات مناسك الحج خاصة". وقال الحسن: "الكلمات هي الخلال الست التي ابتلي بها، وهي: الكوكب، والقمر، والشمس، والنار، والهجرة، والختان، ابتلي بهن فصبر عليهن ولم يزغ". وقيل: من ذلك الذبح. وقال السدي: "الكلمات: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ ﴿رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾، ﴿رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً﴾. وروي عن النبي [ﷺ] أنه قال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ﴾ "عَمَلُ يَوْمِهِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ فِي النَّهَارِ ورُوي عنه ﷺ أنه قال: "أَلاَ أُخْبِرُكُم لِمَ سَمَّى اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَهُ ﴿ٱلَّذِي وَفَّىٰ﴾ الآية. قال: كَانَ يَقُولُ كُلَّمَا أَصْبَحَ، وَكُلَّمَا أَمْسَى: ﴿فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ وروي أن الله جلَّ ذكره أوحى إليه أن تطهر فتمضمض، ثم أوحى الله إليه أن تطهر فاستنشق. ثم أوحى الله إليه أن تطهر فاستاك. ثم أوحى الله إليه أن تطهر فأخذ شاربه. ثم أوحى الله إليه أن تطهر ففرق شعره، ثم أوحى الله إليه أن تطهر فاستنجى. ثم أوحى الله إليه أن تطهر فحلق عانته، ثم أوحى الله إليه أن تطهر فنتف إبطه، ثم أوحى الله إليه أن تطهر فقلم أظفاره، ثم أوحى الله إليه أن تطهر فأقبل بوجهه على جسده ينظر ما يصنع، فردد البصر، فاختتن بعد عشرين ومائة سنة، فأوحى الله إليه: إني جاعلك للناس إماماً؛ أي: يقتدي بك الصالحون من بعدك. فأعجب ذلك إبراهيم صلى الله عليه سلم فقال: ومن ذريتي، أي: اجعل يا رب منهم أئمة، فقال له الله: لا ينال عهدي الظالمين، أي: من كان من ولدك ظالماً فلا يكون إماماً. قوله: ﴿لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾. أي يقتدي بك من في عصرك ومن يأتي بعدك. * * قوله: ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ﴾. قال ابن عباس: "عهدي. نبوتي". وقال مجاهد: "العهد هنا: الإمامة، لا يستحق الظالم الإمامة". وقيل: "معناه. لا عهد لظالم عليك أن تطيعه في ظلم، وإن عاهدته فانقضه". وقيل: "العهد الأمان. أي: لا أُؤَمِّنُ الظالم من الانتقام منه"، قاله قتادة. قال: "ذلك يوم القيامة، فأما في الدنيا فقد ناله الظالم". وقيل: عهد الله هنا دينه. أي: لا ينال ديني الظالمين. وقيل: العهد هنا الطاعة. أي: لا ينال طاعتي ظالم. والظالم هنا المشرك عن مجاهد. وقد أخبر الله عز وجل بذلك فقال: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣] يريد إبراهيم وإسحاق. وقال الضحاك: "معناه: طاعتي لا ينالها [عدو لي] ولا أَنْحَلُهَا إلا وَلِيّاً لي يطيعني".

البقرة 2:125

وقوله: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ﴾. "إذ" في موضع نصب عطف على "إذ" في قوله: ﴿وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾. و "إذ" في: ﴿وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ﴾ معطوفة على النعمة في قوله ﴿ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ﴾ أي واذكروا إذ ابتلى، واذكروا إذ جعلنا. والهاء في "مثابة" دخلت للمبالغة عند الأخفش مثل نسَّابة وعلاَّمة. وقال الكوفيون: "أُنِّثَ" لأنه أريد به البقعة التي يثاب إليها، أي: يرجع إليها، كما قالوا: المقامة على تأنيث البقعة، والمقام على تذكير المكان. ومعنى: ﴿مَثَابَةً﴾: "لا يقضون منه وطراً". قاله مجاهد: وقال السدي: "إذا أتاه مرة لا يدعه حتى يعود إليه". وقيل: معناه: لا ينصرف عنه منصرف إلا وهو يرى أنه لم يقض منه وطراً. * * قوله: ﴿وَأَمْناً﴾. هذا كان في الجاهلية لأنهم كانوا إذا لقي أحدهم قاتل أبيه وأخيه في الحرم لم يؤذه حتى يخرج منه، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧]. ويروىَ أن عمر قال: "قلت يا رسول الله، لو اتّخذت المقام مصلى، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. فهذا على قراءة من كَسَر الخاء، كأنه أمر من الله عز وجل بذلك. فأما مَن فتح فهو خبر معطوف على النعمة عند الأخفش كأنه قال: اُذكروا نعمتي، واذكروا إذ اتخذوا". وقال غيره: "هو معطوف على ﴿جَعَلْنَا﴾". والمقام هو الذي يصلى إليه اليوم. وهو الحجر الذي قام عليه إبراهيم ﷺ حين ارتفع بناؤه وضعف عن حمل الحجارة، فكان إسماعيل ﷺ يُناوِله الحجارة ويقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾. قاله ابن عباس. وروي عن ابن عباس أيضاً أن المقام هو الحج كله. وكذلك قال مجاهد وعلماء. وقيل: هو عرفة والمزدلفة، والجمار. روي ذلك عن عطاء. وقيل: مقامه عرفة. وعن مجاهد أنّ "مقامه الحرمُ كله". وقال الربيع بن أنس: "المقام هو الحجر الذي وضعت زوجة إسماعيل تحت قدم إبراهيم حين غسلت رأسه، فوضع رجله عليه وهو راكب، فغسلت شقه ثم رفعته من تحته وقد غابت رجله في الحَجَر، فوضعته تحت الشق الآخر فغابت رجله أيضاً فيه". وقال عمر بن الخطاب: "وافقني ربي في ثلاثة، قلت يا رسول الله، لو اُتخذت [مقام] إبراهيم مصلى. فأنزل الله تعالى: ﴿وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ وأشرت على النبي ﷺ بالحجاب، فأنزل الله سبحانه آية الحجاب، ووعظت نساء النبي فقلت لهن: لئن لم تنتهين ليبدلنه الله خيراً منكن، فأنزل الله عز وجل: ﴿عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ﴾ [التحريم: ٥]. * * ومعنى ﴿مُصَلًّى﴾: "مدعى يدعون عنده". قاله مجاهد. وقال قتادة: "مصلى يصلون إليه". * * قوله: ﴿أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾. أي: من الشرك والأوثان. وقيل له بيت ولم يكن ثَمَّ بيت، لأنه كان بيتاً في عهد نوح ﷺ فأمره أن يطهره قبل بنيانه من الأوساخ؛ من الأصنام وغيرها. وقيل: معناه أنهما أمرا ببنيانه مطهراً من الشرك. و ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ هم الغرباء. وقيل: هم كل من يطوف حوله، وهو أبين. و ﴿وَٱلْعَاكِفِينَ﴾؛ قال عطاء: "هم الجالسون من غير طواف". وقال مجاهد: "العاكفون المقيمون به، المجاورون له من الغرباء". وقال سعيد بن جبير: "العاكفون هم أهل البلد". وقال ابن عباس: "العاكفون المصلون". * * وقوله: ﴿وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ﴾ يمنع من هذا القول. والاختيار عند جماعة أن يكون العاكف المجاور للبيت بغير صلاة ولا طواف. وهو قول عطاء وغيره.

البقرة 2:126

قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً﴾. قيل: إِنّ إِبراهيم ﷺ سأل الله أن يحرم مكة فحرمها، واحتج من قال ذلك بقول النبي ﷺ: "إنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ عَبْدُ اللهِ وَخَلِيلُهُ وإني عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وإِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَإِنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا وقال قائلون: "لَمْ تُحَرَّم بسؤال إبراهيم ﷺ، بل كانت حراماً، [واحتجوا بقول النبي عليه السلام] يوم افتتح مكة : "هَذِهِ حَرَامٌ حَرَّمَهَا اللهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ: لَمْ تَحِلّ لأَحَدٍ مِنْ قَبْلِي، وَلاَ تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي.. أُحِلَّتْ لِي سَاعَةَ مِنْ نَهَارٍ". واحتجوا بقول إبراهيم ﷺ ﴿رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧]. وكان الطبري يجمع بين الخبرين، ويقول: "إن الله عز وجل حرّم مكة وقضى ذلك، ولم يتعبد الخلق بذلك حتى سأله إبراهيم أن يتعبد الخلق بذلك فأجابه. فإبراهيم كان سبب تعبد الخلق بتحريمها والتعبد بذلك، والله تعالى قد حرّمها يوم خلق السماوات والأرض". * * وقوله: ﴿عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧]. معناه الذي حرمته عندك، ولم تتعبد الخلق به. وروي أن إبراهيم ﷺ لما دعا فقال: ﴿وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ﴾ أجاب الله عز وجل دعاءه: فبعث جبريل عليه السلام إلى الشام، فاقتلع منها الطائف من موضع الأردن ثم طاف بها حول الكعبة أسبوعاً، ولذلك سميت الطائف. ثم أنزلها تهامة ولم يكن يومئذ بمكة غير إسماعيل ﷺ، ثم نزلت جرهم مع إسماعيل ﷺ بمكة، فلم يزالوا على الإسلام حتى نشأ عمرو بن [لحي الجرهمي فَغَيَّرَ] دين إبراهيم ﷺ وعَبَدَ الأصنام، وسَيَّبَ السوائب، وبَحَّرَ البحيرة وحَمَى الحامي، وَوَصَلَ الوصيلة، وغلب مكة، وقهر أهلها. وهم ولد إسماعيل ﷺ - وهو [الذي قال فيه النبي عليه السلام]: رَأَيْتُهُ فِي جَهَنَّمَ يَجرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ"أي: أمعاءه. * * قوله: ﴿قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً﴾. ذلك إخبار من الله عز وجل لنبيه ﷺ قاله أبي بن كعب. أي: أنا أرزق البر والفاجر فأمتع الفاجر قليلاً. وقال ابن عباس: "هو من قول إبراهيم ﷺ سأل ربه عز وجل أن يرزق من كفر فيمتعه قليلاً". ويجب على هذا التأويل وصل ألف "أَضْطَرُّهُ"، وفتح ألفَ أُمتِّعُهُ". ويجب أيضاً بناء الفعلين على السكون لأن طلب كالأمر، ولأنه؟ سؤال من إبراهيم ﷺ لله عز وجل. وإن كان الخبر من عند الله سبحانه كانت الألف في "أمتعه" ألف المتكلم، وكذلك هي في "أضطره"، ويرتفع الفعلان لأنهما إخبار عن الله جل ذكره. ومعنى: ﴿أَضْطَرُّهُ﴾ أكرهه وألجئه إلى ذلك.

البقرة 2:127

قوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ﴾. القواعد أساس البيت. قال عطاء: هي قواعد آدم ﷺ كانت قد اندرست وخفي أثرها فبوأها الله [إبراهيم. قال عطاء: قال آدم] حين أهبط: ربي إني لأسمع أصوات الملائكة. قال: بخطيئتك، ولكن اُهبط إلى الأرض فابْنِ لي بيتاً، ثم احفُف به كما رأيت الملائكة تحف ببيتي الذي في السماء. فبناه من خمسة أجبل، من حراء، وطور سيناء، وطور زيتا، والجودي، وأبي قبيس". وروي عن عبد الله بن عمرو أنه قال: "أهبط الله مع آدم ﷺ من السماء إلى الأرض بيتاً يطاف به كما يطاف بعرشه في السماء. ثم رفعه أيام الطوفان، فرفع إبراهيم ﷺ قواعد ذلك البيت. فكانت الأنبياء عليهم السلام يحجونه ولا يعلمونه حتى بوأه الله إبراهيم فأعلمه مكانه". وقال عطاء: لمَّا أهبط الله آدم من الجنة إلى الأرض، وأهبط طوله أي: نقص، شكا أنه استوحش لِفَقْدِ أصوات الملائكة، فَوُجه إلى مكة فكان موضع قدمه قَرْية، وما بين القدمين مفازة، فأنزل الله عز وجل عليه ياقوتة من ياقوت الجنة فكانت في موضع البيت. فلم يزل يطوف به حتى أنزل الطوفان، فرفعت إلى أن بعث الله إبراهيم ﷺ فبناه". وقال مجاهد: "لما أراد الله خلق الأرض علا الماءَ زبدةٌ حمراء أو بيضاء كهيئة القبة، ثم دحا الأرض من تحتها، وبقيت تلك الزبدة ربوة حتى بوأها الله إبراهيم ﷺ فبناه على أساسه، وأساسه على أركان أربعة في الأرض السابعة". وقال ابن عباس: "وضع البيت على أركان الماء؛ أربعة أركان قبل أن تخلق الدنيا بألفي عام، ثم دحيت الأرض من تحت البيت". وفي حرف ابن مسعود: "وإسماعيل يَقُولاَنِ: رَبَّنَا" فدل على أنهما جميعا دَعَوا. وقيل: القائل هو إسماعيل ﷺ وحده. والمعنى إذ يقول إسماعيل "ربنا". قال ابن عباس، "كان إبراهيم يبني، وإسماعيل ينقل الحجارة، فلما انتهى إلى موضع الحجر قال لإسماعيل: جئني بحجر حسن يكون عَلَماً للناس. فذهب إسماعيل فأتى بحجر فقال له: جئني بأحسن من هذا. فمضى إسماعيل ﷺ يطلب فنادى أبو قبيس: "يا إبراهيم، يا خليل الرحمن، إن لك عندي وديعة فَخُذها، فإذا هو بحجر أبيض من ياقوت الجنة كان قد نزل به آدم عليه السلام من الجنة". وروي أن أبا قبيس جبل هاجر من خراسان إلى مكة. وقال النبي [عليه السلام] "الحَجَرَ يَاقُوتَةٌ مِنْ يَاقُوتِ الجَنَّةِ [بَيْضَاءٌ، وَلَولاَ مَا لاَمَسَهُ] مِنْ أَجْنَاسِ المُشْرِكينَ وَأَرْجَاسِهِمْ مَا مَسَّهُ ذُو عَاهَةٍ إلاَّ شَفَاهُ اللهُ عز وجل وقال عليه السلام: "الحَجَرُ يَمينُ اللهِ يُصَافِحُ بِهِ عِبَادَهُ وَلَيَأْتِيَنِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالمَقَامُ، وَلَهُمَا لِسَانَانِ وَشَفَتَانِ يَشْهَدَانِ لِمَنْ وَافَاهُمَا بِالوَفَاءِ وذكر السدي أن إبراهيم وإسماعيل صلى الله عليهما وسلم لما أرادا البناء لم يدريا أين البيت. فبعث الله عز وجل ريحاً يقال لها الخجوج لها جناحان ورأس في صورة حية، فكنست لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأول، فوضعا المعاول يحفران حتى وضعا الأساس فذلك قوله: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ﴾ [ الحج: ٢٦]، فلما بلغا في البناء إلى الركن قال إبراهيم لإسماعيل: اطلب لي حجراً حسناً أضعه هنا. قال: يا أبت. إني كسلان تعب. قال: على ذلك. فانطلق يطلب [حجراً فجاءه بحجر فلم يرضه، فقال ائتني بحجر أحسن من هذا، فانطلق [يطلب حجراً] وجاء جبريل [عليه السلام] بالحجر الأسود وكان ياقوتة بيضاء مثل الثغامة وكان آدم ﷺ هبط به من الجنة فاسودّ من خطايا الناس، فجاءه إسماعيل ﷺ بحجر فوجده عند الركن، فقال: يا أبت من جاءك بهذا؟ فقال: جاء به من هو أنشط منك فبنياه". وقال عبيد بن عمير الليثي: أتى إبراهيم، وإسماعيل عليهما السلام يَبْرَى نبلاً قريباً من زمزم، فلما رآه [قام إليه]، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد، والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل إن الله [جل وعز] أمرني بأمر. قال: فاصنع ما أمرك ربك. قال: وتعينني؟ قال: وأعينك. قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتاً - وأشار إلى الكعبة مرتفعة على ما حولها - قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فكان إسماعيل صلى الله على محمد [و] عليه وسلم يأتي بالحجارة وإبراهيم ﷺ يبني، حتى ارتفع البناء، فجاء بهذا الحجر يعني المقام، فقام [عليه إبراهيم] يبني، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾. فمعنى الآية: أنها خبر من الله عز وجل عن إبراهيم وإسماعيل صلى الله على محمد و[عليهما وسلم] وما كانا يفعلان في بناء البيت، وما كانا يقولان وهما يبنيان.

البقرة 2:128

وقوله: ﴿رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾. أي: خاضعين لأمرك، مستسلمين لك، لا نشرك معك في الطاعة أحداً، فالمسلم الذي قد استسلم لأمر الله [عز وجل]. والمؤمن هو الذي أظهر القبول لأمر الله سبحانه فأضمر مثل ذلك. فأما قوله: ﴿قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]. فمعناه ولكن قولوا: خضعنا وأظهرنا الإسلام. فالمسلم على ضربين: مسلم أظهر مثل ما أضمر فهذا مؤمن مسلم، ومسلم يظهر غير ما يبطن، فهذا غير مؤمن. إنما هو مستسلم في الظاهر ولذلك قال لهم: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤] أي: إنما أظهرتم الإسلام خشية القتل، ولم يدخل في قلوبكم منه شيء. وقوله في الدعاء: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾. دخول "مِنْ" يدل على التخصيص لبعض الذرية، لأن الله تعالى قد أعلم إبراهيم ﷺ أن من ذريته من لا يناله عهده لظلمه وفجوره. فخص إبراهيم عليه السلام بدعوته، ولم يعم لما تقدم عنده من الخبر عن الله تعالى. والأمة هنا عني بها الجماعة. وتكون الأمة الإمام كقوله في إبراهيم ﷺ ﴿كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠]، أي: إماما يقتدى به. وتكون الأمة السنين كقوله:﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ﴾ [هود: ٨]، أي: إلى سنين. وتكون الأمة الملة كقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢]. أي: على ملة ودين. وقيل: الأمة هنا محمد وأمته ﷺ. [قوله] ﴿رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ﴾. يعني [محمداً عليه السلام]. وقول إبراهيم وإسماعيل: ﴿رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ يدل على أن الإسلام والإيمان سواء، إذ لم يسألا إلا أعلى الرتب وأشرف المنازل، وهو الإيمان الذي هو الإسلام. [قال] مالك: "لما وقف إبراهيم على المقام أوحى الله إلى الجبال أن تأخري عنه، فتأخرت حتى أراه موضع المناسك وهو قوله: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ﴾ إلى قوله: ﴿لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾. معناه أظهر لأعيننا مكان المناسك ان جعلته من رؤية العين. وقيل: معناه عَلِّمناها وعَرِّفناها. والمناسك: مناسك الحج ومعالمه. وقال قتادة: "فأراهما الله مناسكهما بالطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة والإفاضة من عرفات، ومن جمع، ورمي الجمار حتى أكمل لهما الدين". قال السدي: "لما فرغ إبراهيم ﷺ وعلى محمد من بنيان البيت، أمره الله [أن] ينادي، فقال: ﴿وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧]، فنادى بين أخشبي مكة: يا أيها الناس، إن الله يأمركم أن تحجوا بيته. قال: فوقرت في قلب كل مؤمن، فأجابه كل شيء سمعه من جبل أو شجر أو دابة: لبيك، لبيك - أجابوه بالتلبية -: لبيك اللهم لبيك، فأتاه من أتاه. وأمره الله عز وجل أن يخرج إلى عرفات، ونعتها الله له فخرج. فلما بلغ الشجرة عند العقبة، استقبله الشيطان يرده، فرماه بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، فطار اللعين فوقع على الجمرة الثانية [أيضاً فصده]، فرماه وكبّر فطار اللعين فوقع على الجمرة الثالثة فرماه وكبّر. فلما رأى أنه لا يطيقه انطلق حتى أتى ذا المجاز، ولم يدر إبراهيم ﷺ أين يذهب فلما أتى إبراهيم ﷺ ذا المجاز لم يعرفه فجازه، فسمي ذا المجاز. ثم انطلق، حتى وقع بعرفات فلما نظر إليها إبراهيم ﷺ عرف النعت، فقال: قد عرفت، فسمى ذلك المكان عرفات. فوقف إبراهيم ﷺ بعرفات حتى إذا أمسى ازدلف بجمع، فسميت المزدلفة. فوقف بجمع ثم أقبل حتى أتى الشيطان حيث لقيه أولاً فرماه بسبع حصيات، سبع حصيات، ثم أقام بمنى حتى فرغ من الحج". وقيل: المناسك المذابح. فالمعنى على هذا: وأرنا كيف ننسك لك يا رب نسائكنا، فنذبحها لك. قال عطاء: "مناسكنا ذبحنا". وعنه: "مذابحنا". وكذلك قال مجاهد. وقيل: مناسكنا متعبداتنا. ومنه قيل للعابد ناسك. قال ابن عباس: "لما قال إبراهيم ﷺ: "﴿رَبَّنَا وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾، أتاه [جبريل ﷺ] وعلى محمد بهذا الحجر من الجنة الذي يقال له المقام - وهو ياقوتة بيضاء - فأقامه عليه. ثم رفعه إلى السماء حتى أشرف به على البلاد كلها. فأراه أعلام الحرم وجميع مناسك الحج كلها عرفات، والمزدلفة، ومنى، وجميع المناسك. ثم قال له: ﴿وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ﴾. وواحد المناسك منسك مثل "مسجد". وقيل: منسك وكان يجب أن يكون على "مَنْسُك" بالضم لأنه من "فَعَلَ يَفْعُلُ" إلا أنه ليس في الكلام "مَفْعُلُ". وقيل: المنسك الموضع الذي ينسك فيه لله عز وجل، ويتقرب فيه إليه سبحانه بما يرضيه من الأعمال الصالحة. وأصله الموضع الذي يعتاده الإنسان يفعل فيه الخير، ولذلك [قيل: مناسك الحج لأنها مواضع] قد اعتادها الناس لفعل الخير. * * ثم قال: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَآ﴾. التوبة الرجوع من مكروه إلى محبوب، فتوبة العبد إلى ربه رجوعه مما هو عليه من المكروه بالندم عليه والإقلاع عنه والعزم على ترك العمود فيه. وتوبة الرب سبحانه على عبده عوده عليه بالعفو عنه عن جرمه وذنبه. - فإن قيل: وهل كانت لهما ذنوب فاحتاجا إلى مسألة ربهما التوبة؟. - فالجواب: أنه ليس أحد من خلق الله عز وجل إلا وله من العمل فيما بينه وبين ربه عز وجل ما يجب عليه الإنابة [منه والتوبة، فخصا] الموضع الذي كانا فيه بالدعاء ليستجاب لهما على طريق التبرك به، وليكون دعاؤهما في ذلك المكان سُنة لمن بعدهما، وليتخذ الناس بعدهما تلك البقعة موضع تنصل من الذنوب ورجوع عن المكروه. وقيل: عَنَيا بقولهما: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَآ﴾: وتب على الظلمة من ذريتنا الذين أعلمتنا أن منهم ظالماً. * * وقوله: ﴿إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾. معناه إنك أنت العائد في الفضل على عبادك، المتفضل بالغفران لذنوبهم، الرحيم بهم. * * ثم قال: ﴿رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾. هذه دعوة إبراهيم وإسماعيل صلى الله عليهما وسلم لنبينا محمد ﷺ. وكان النبي [عليه السلام يقول]: "أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْراهيمَ وَبُشْرَى عِيسَى قال قتادة: "[فأجاب] الله دعوتهما، فبعث الله فيهم رسولاً من أنفسهم يعرفون وجهه ونسبه، يخرجهم من الظلمات إلى النور، وهو محمد ﷺ" قال الربيع: "فقيل لإبراهيم: قد استجيب لك، وهو في آخر الزمان". * * وقوله: ﴿يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَٰتِكَ﴾. من نعت الرسول. أي: يقرأ عليهم كتابك، وكذلك ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ﴾ ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾، كله من نعت الرسول ﷺ. والكتاب القرآن. قال قتادة: "الحكمة: السنة". وقال ابن وهب: "قلت لمالك: ما الحكمة؟ فقال: المعرفة في الدين والفقه فيه والاتباع له". وقال ابن زيد: "الحكمة. العقل في الدين". * * ومعنى ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾: ويطهرهم من الشرك بك ويكثرهم بطاعتهم لك. * * ثم قال: ﴿إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ﴾. أي: أنت القوي الذي لا يعجزه شيء المنيع الغالب. وأصل العزة المنع والغلبة، والعرب تقول: "مَنْ [عزّ بَزّ]"، أي: من غلب استلب. وقولهم: "أَدَامَ اللهُ عِزَّكَ"، أي: غلبتك وظفرك. والحكيم الذي لا يدخل تدبيره خلل ولا زلل. وقال الطبري: "الحكيم ذو الحكمة". وقيل: "الحكيم الحاكم". وقيل: "الحكيم: معناه المحكم، أي المحكم ما خلق". وقال ابن عباس: "العليم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته".

البقرة 2:129

وقوله: ﴿رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾. أي: خاضعين لأمرك، مستسلمين لك، لا نشرك معك في الطاعة أحداً، فالمسلم الذي قد استسلم لأمر الله [عز وجل]. والمؤمن هو الذي أظهر القبول لأمر الله سبحانه فأضمر مثل ذلك. فأما قوله: ﴿قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]. فمعناه ولكن قولوا: خضعنا وأظهرنا الإسلام. فالمسلم على ضربين: مسلم أظهر مثل ما أضمر فهذا مؤمن مسلم، ومسلم يظهر غير ما يبطن، فهذا غير مؤمن. إنما هو مستسلم في الظاهر ولذلك قال لهم: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤] أي: إنما أظهرتم الإسلام خشية القتل، ولم يدخل في قلوبكم منه شيء. وقوله في الدعاء: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾. دخول "مِنْ" يدل على التخصيص لبعض الذرية، لأن الله تعالى قد أعلم إبراهيم ﷺ أن من ذريته من لا يناله عهده لظلمه وفجوره. فخص إبراهيم عليه السلام بدعوته، ولم يعم لما تقدم عنده من الخبر عن الله تعالى. والأمة هنا عني بها الجماعة. وتكون الأمة الإمام كقوله في إبراهيم ﷺ ﴿كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠]، أي: إماما يقتدى به. وتكون الأمة السنين كقوله:﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ﴾ [هود: ٨]، أي: إلى سنين. وتكون الأمة الملة كقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢]. أي: على ملة ودين. وقيل: الأمة هنا محمد وأمته ﷺ. [قوله] ﴿رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ﴾. يعني [محمداً عليه السلام]. وقول إبراهيم وإسماعيل: ﴿رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ يدل على أن الإسلام والإيمان سواء، إذ لم يسألا إلا أعلى الرتب وأشرف المنازل، وهو الإيمان الذي هو الإسلام. [قال] مالك: "لما وقف إبراهيم على المقام أوحى الله إلى الجبال أن تأخري عنه، فتأخرت حتى أراه موضع المناسك وهو قوله: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ﴾ إلى قوله: ﴿لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾. معناه أظهر لأعيننا مكان المناسك ان جعلته من رؤية العين. وقيل: معناه عَلِّمناها وعَرِّفناها. والمناسك: مناسك الحج ومعالمه. وقال قتادة: "فأراهما الله مناسكهما بالطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة والإفاضة من عرفات، ومن جمع، ورمي الجمار حتى أكمل لهما الدين". قال السدي: "لما فرغ إبراهيم ﷺ وعلى محمد من بنيان البيت، أمره الله [أن] ينادي، فقال: ﴿وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧]، فنادى بين أخشبي مكة: يا أيها الناس، إن الله يأمركم أن تحجوا بيته. قال: فوقرت في قلب كل مؤمن، فأجابه كل شيء سمعه من جبل أو شجر أو دابة: لبيك، لبيك - أجابوه بالتلبية -: لبيك اللهم لبيك، فأتاه من أتاه. وأمره الله عز وجل أن يخرج إلى عرفات، ونعتها الله له فخرج. فلما بلغ الشجرة عند العقبة، استقبله الشيطان يرده، فرماه بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، فطار اللعين فوقع على الجمرة الثانية [أيضاً فصده]، فرماه وكبّر فطار اللعين فوقع على الجمرة الثالثة فرماه وكبّر. فلما رأى أنه لا يطيقه انطلق حتى أتى ذا المجاز، ولم يدر إبراهيم ﷺ أين يذهب فلما أتى إبراهيم ﷺ ذا المجاز لم يعرفه فجازه، فسمي ذا المجاز. ثم انطلق، حتى وقع بعرفات فلما نظر إليها إبراهيم ﷺ عرف النعت، فقال: قد عرفت، فسمى ذلك المكان عرفات. فوقف إبراهيم ﷺ بعرفات حتى إذا أمسى ازدلف بجمع، فسميت المزدلفة. فوقف بجمع ثم أقبل حتى أتى الشيطان حيث لقيه أولاً فرماه بسبع حصيات، سبع حصيات، ثم أقام بمنى حتى فرغ من الحج". وقيل: المناسك المذابح. فالمعنى على هذا: وأرنا كيف ننسك لك يا رب نسائكنا، فنذبحها لك. قال عطاء: "مناسكنا ذبحنا". وعنه: "مذابحنا". وكذلك قال مجاهد. وقيل: مناسكنا متعبداتنا. ومنه قيل للعابد ناسك. قال ابن عباس: "لما قال إبراهيم ﷺ: "﴿رَبَّنَا وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾، أتاه [جبريل ﷺ] وعلى محمد بهذا الحجر من الجنة الذي يقال له المقام - وهو ياقوتة بيضاء - فأقامه عليه. ثم رفعه إلى السماء حتى أشرف به على البلاد كلها. فأراه أعلام الحرم وجميع مناسك الحج كلها عرفات، والمزدلفة، ومنى، وجميع المناسك. ثم قال له: ﴿وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ﴾. وواحد المناسك منسك مثل "مسجد". وقيل: منسك وكان يجب أن يكون على "مَنْسُك" بالضم لأنه من "فَعَلَ يَفْعُلُ" إلا أنه ليس في الكلام "مَفْعُلُ". وقيل: المنسك الموضع الذي ينسك فيه لله عز وجل، ويتقرب فيه إليه سبحانه بما يرضيه من الأعمال الصالحة. وأصله الموضع الذي يعتاده الإنسان يفعل فيه الخير، ولذلك [قيل: مناسك الحج لأنها مواضع] قد اعتادها الناس لفعل الخير. * * ثم قال: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَآ﴾. التوبة الرجوع من مكروه إلى محبوب، فتوبة العبد إلى ربه رجوعه مما هو عليه من المكروه بالندم عليه والإقلاع عنه والعزم على ترك العمود فيه. وتوبة الرب سبحانه على عبده عوده عليه بالعفو عنه عن جرمه وذنبه. - فإن قيل: وهل كانت لهما ذنوب فاحتاجا إلى مسألة ربهما التوبة؟. - فالجواب: أنه ليس أحد من خلق الله عز وجل إلا وله من العمل فيما بينه وبين ربه عز وجل ما يجب عليه الإنابة [منه والتوبة، فخصا] الموضع الذي كانا فيه بالدعاء ليستجاب لهما على طريق التبرك به، وليكون دعاؤهما في ذلك المكان سُنة لمن بعدهما، وليتخذ الناس بعدهما تلك البقعة موضع تنصل من الذنوب ورجوع عن المكروه. وقيل: عَنَيا بقولهما: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَآ﴾: وتب على الظلمة من ذريتنا الذين أعلمتنا أن منهم ظالماً. * * وقوله: ﴿إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾. معناه إنك أنت العائد في الفضل على عبادك، المتفضل بالغفران لذنوبهم، الرحيم بهم. * * ثم قال: ﴿رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾. هذه دعوة إبراهيم وإسماعيل صلى الله عليهما وسلم لنبينا محمد ﷺ. وكان النبي [عليه السلام يقول]: "أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْراهيمَ وَبُشْرَى عِيسَى قال قتادة: "[فأجاب] الله دعوتهما، فبعث الله فيهم رسولاً من أنفسهم يعرفون وجهه ونسبه، يخرجهم من الظلمات إلى النور، وهو محمد ﷺ" قال الربيع: "فقيل لإبراهيم: قد استجيب لك، وهو في آخر الزمان". * * وقوله: ﴿يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَٰتِكَ﴾. من نعت الرسول. أي: يقرأ عليهم كتابك، وكذلك ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ﴾ ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾، كله من نعت الرسول ﷺ. والكتاب القرآن. قال قتادة: "الحكمة: السنة". وقال ابن وهب: "قلت لمالك: ما الحكمة؟ فقال: المعرفة في الدين والفقه فيه والاتباع له". وقال ابن زيد: "الحكمة. العقل في الدين". * * ومعنى ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾: ويطهرهم من الشرك بك ويكثرهم بطاعتهم لك. * * ثم قال: ﴿إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ﴾. أي: أنت القوي الذي لا يعجزه شيء المنيع الغالب. وأصل العزة المنع والغلبة، والعرب تقول: "مَنْ [عزّ بَزّ]"، أي: من غلب استلب. وقولهم: "أَدَامَ اللهُ عِزَّكَ"، أي: غلبتك وظفرك. والحكيم الذي لا يدخل تدبيره خلل ولا زلل. وقال الطبري: "الحكيم ذو الحكمة". وقيل: "الحكيم الحاكم". وقيل: "الحكيم: معناه المحكم، أي المحكم ما خلق". وقال ابن عباس: "العليم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته".

البقرة 2:130

ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾. أي: ومن يزهد في دين إبراهيم الحنيفية المسلمة إلا من سفه نفسه ورغب عن ملته. واتخاذ اليهودية والنصرانية بدعة ليست من عند الله، هذا معنى قول قتادة والربيع. وقيل: المعنى: ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا سفيه جاهل بموضع حظ نفسه فيما ينفعها ويضرها في معادها. قال ابن زيد: "﴿إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾: معناه من أخطأ حظّه". ومذهب الفراء أن "نفسه" منصوب على التفسير مثل "ضِقْتُ بهِ ذَرْعاً". قال: وهو من المعرفة كالنكرة، ولا يجوز أن يكون التمييز معرفة عند البصريين ومثلها عنده: ﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ [القصص: ٥٨]. ولا يجوز عند الفراء التقديم. وقال الكسائي وهو أحد قولي الأخفش - المعنى: إلا من سفه في نفسه، فلما حذف الحرف نصب. ويُجيزان التقديم. ومذهب أهل التأويل أن معناه: سفه نفسه. فهو مفعول به. وقال يونس: "أراها لغة". وقال أبو عبيدة: "معناه: [أهلك نفسه". ومذهب] البصريين أنه مثل: "ضرب فلان الظهر والبطن" أي: في الظهر [والبطن] فلا حذف في نصبه. كذلك معناه: سفه في نفسه، ثم نصب لما حذف "في". "وقال الزجاج": معناه: جهل نفسه". فهو مفعول به عنده بجهل" أي: لم يفكر في نفسه. فالسفه والجهل سواء. وقيل: التقدير إلا من جهل رأي نفسه وقول نفسه، ثم حذف، مثل: ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. وقيل: التقدير، إلا من جهل قولُه نفسه، ثم حذف المؤكد وأقام التوكيد مقامه. * * ثم قال ﴿وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَاهُ فِي ٱلدُّنْيَا﴾. أي اخترناه للخلة والإمامة. [ثم قال]. ﴿وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾. أي: وإن إبراهيم ﷺ لمن المؤدين حقوق الله. وتقدير تعلق حرف الجر: "وإنه صالح، في الآخرة، لمن الصالحين"، ثم حذف. وقيل: إنه متعلق بالصالحين، والألف واللام ليستا بمعنى "الذي"، ولكنه اسم على حدته كالرجل والغلام.

البقرة 2:131

قوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ إلى قوله ﴿وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾. أي واذكروا إذ قال له ربه أسلم، أي أخلص لي العبادة والطاعة. ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾: أي قال إبراهيم ﷺ [و] على محمد مجيباً لربه عز وجل: خضعت بالطاعة وأخلصت العبادة لِمالِك جميع الخلق. ومدبرهم. ويجوز أن يكون العامل في: ﴿وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَاهُ﴾ أي ولقد اخترناه في الدنيا إذ قال له ربه أسلم، قال أسلمت، وهذا كان منه حين قال: ﴿يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً﴾ [الأنعام: ٧٨-٧٩]. قال الطبري: "وذلك في الوقت الذي قال له ربه فيه: أسلم، من بعد ما امتحنه بالكوكب والقمر والشمس". * * ثم قال تعالى: ﴿وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾. أي: وأوصى بقوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ إبراهيم - ﷺ [و] على محمد - بنيه، وأوصى بها يعقوب ﷺ [و] على محمد [بنيه]. والهاء في "بها" تعود على كلمة الإسلام وهي قوله: ﴿أَسْلَمْتُ﴾. وقيل: تعود على الملة، وكلمة الإسلام أقرب إليها. [وقيل: بل] أوصاهم باتباع الملة، فـ "يعقوب" على هذا معطوف على "إبراهيم". وقيل: إن يعقوب مرفوع بإضمار فعل. والتقدير "وقال يعقوب: يا بني إن الله". والمعنى في "أَوْصَى" عهد إليهم بذلك، وأمرهم به. قال ابن عباس: "وصّاهم بالإسلام". وفي التشديد في "وصَّى" معنى تكرير الوصية. * * وقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ﴾. معناه: اختاره لكم. ودخلت الألف واللام في "الدين" لتقدم علمهم به وتكرير الوصية عليهم. * * ثم قال: ﴿فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾. أي: فاتقوا الله أن تموتوا إلا على الإسلام. والمعنى: لا تفارقن هذا الدين أيام حياتكم لأن أحداً لا يدري متى تأتيه منيته، فلذلك قال لهم: لا تموتن إلا وأنتم مسلمون، لأنكم لا تدرون متى يأتيكم الموت، ولم ينههم عن الموت لأن ذلك ليس إليهم. وقيل: المعنى: الزموا الإسلام، فإذا أدرككم الموت صادفكم مسلمين. وعرف المعنى كما عرف في قول العرب "لا أَرَيَنَّكَ هَا هُنَا". فالنهي في اللفظ للمتكلم، وفي المعنى للمتكلم أي: لا تكن ها هنا، فإنه من يكن ها هنا أراه. قال الأخفش: "﴿بَنِيهِ﴾، قطع، ثم يبتدئ: ﴿وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ﴾، أي: وقال يعقوب: يا بني". وقال أبو حاتم وغيره: "الوقف ﴿وَيَعْقُوبُ﴾، ثم يبتدئ ﴿يَابَنِيَّ﴾". أي: وقال كل واحد منهما: ﴿يَابَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ﴾. ثم قال: "عز وجل ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ﴾. ﴿أَمْ﴾ بمعنى الألف، أي: أكنتم حاضرين يا معشر اليهود والنصارى المكذبين بمحمد ﷺ إذ نزل بيعقوب الموت حين قال لبنيه: ما تعبدون من بعد موتي؟ قالوا: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وهو جده - وإسماعيل - وهو عمه - وإسحاق - وهو أبوه - صلوات الله عليهم [و] على محمد. وقدم إسماعيل لأنه أكبر من إسحاق. ﴿إِلَـٰهاً وَاحِداً﴾؛ أي: معبوداً واحداً، لا نشرك به شيئاً. ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: أي: خاضعون متذللون بالعبادة له. وروي أنه لم يقبض الله نبياً قط حتى يخيّره بين الموت والحياة، فلما خيّر يعقوب عليه السلام قال: أنظرني حتى أسأل ولدي، وأوصيهم ففعل الله ذلك. فجمع يعقوب ولده وهم إثنا عشر - وهم الأسباط -، وجمع أولادهم فقال لهم: إنه قد حضرتْ وفاتي، وأنا أريد أن أسألكم وأوصيكم: فما تعبدون من بعدي؟ فأجابوه بما حكى الله تعالى عنهم، فدعا لهم ثم قبضه الله صلوات الله عليه وعليهم أجمعين وعلى محمد. فمعنى الكلام: إنكم يا أهل الكتابين لم تحضروا ذلك - ولا شاهدتموه فكفرتم بغير علم ولا يقين فادَّعَيْتُمْ على أنبياء الله الأباطيل ونحلتموهم إلى اليهودية والنصرانية، وإنما بعثهم الله [بالحنيفية المسلمة، وبذلك وصّوا بنيهم] فلو حضرتم ذلك وسمعتموه لعلمتم أنهم على غير ما تنحلونهم من الدين. وهذه الآيات نزلت تكذيباً من الله لليهود والنصارى في دعواهم إبراهيم ويعقوب أنهما كانا على ملتهم. وقرأ يحيى بن يعمر والحسن وأبو رجاء والجحذري "وإله أبيك" بلفظ التوحيد. فيحتمل أن يكون جمعاً مسلماً، فيكون كالقراءة التي عليها الجماعة. ويحتمل أن يكون موحداً وإبراهيم بدل منه وإسماعيل وإسحاق عطف على الأب وهما في القول الأول بدل الجمع الذي قبلهما. وجمع "إبراهيم" وإسماعيل" عند سيبويه والخليل: "بَرَاهيمُ" و "سَمَاعِيلُ". وحكى الكوفيون "بَرَاهِمَةٌ" و "سَمَاعِلَةٌ"، فالهاء بدل من الياء كزنادقة وزناديق. وجمعهما عند المبرد: "أَبَارِهٌ" و "أَسَامِعٌ" و "أَبَارِيهٌ" و "أَسَامِيعٌ". قال: لأن الهمزة ليس هذا موضوع زيادتها. وأجاز أحمد بن يحيى: "بِرَاهٌ" كما يجوز في التصغير "بُرَيْهٌ". وجمع إسحاق أَسَاحِيقٌ. وحكى الكوفيون أَسَاحِقَةٌ وأَسَاحِيقٌ وَيَعْقُوبٌ وَيَعَاقِيبٌ، وَيَعَاقِبَةٌ وَيَعَاقِبٌ". ولا يجوز عند أحد حذف الهمزة من "إسرائيل"، ويقال في جمعه: "أساريل". وحكى الكوفيون "أَسَارِلَةٌ" و "أَسَارِلٌ"، وجمعه كله مسلماً أحسن. * * وقوله: ﴿إِلَـٰهاً وَاحِداً﴾. نصب على الحال أو على البدل من "إله" الأول. فإذا كان حالاً كان تقديره: نعبد إلهك في حال انفراده ووحدانيته. وأجاز يعقوب الوقف على ﴿آبَائِكَ﴾ ويبتدئ: ﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾، ينصب ذلك على إضمار فعل. ومن قرأ (أَبِيكَ) بالتوحيد وقف على (إِسْحَاقَ). * * ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾. أي: قد مضت، أي: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب صلوات الله عليهم وعلى محمد، وولدهم قد مضوا، فَدَعُوا ذكرهم والكذب عليهم يا معشر اليهود والنصارى، ولا تنحلوهم الكفر واليهودية والنصرانية. والأمة الجماعة هاهنا. وإنما قيل لمن مضى وانقرض: "قد خلا" لتخليه من الدنيا وانفراده من الإنس والبشر. وأصله: من "خَلاَ الرَّجُلُ" إذا صار بالمكان الذي لا أنيس به. * * ثم قال: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ أي: عملت. * * ﴿وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. أي: لا تؤاخذون بذنوبهم ولا يؤاخذون بذنوبكم، فدعوا ما تنحلونهم من الأديان. قال الأخفش: "﴿قَدْ خَلَتْ﴾ وقف التمام". وقال أبو حاتم: "﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ هذا الوقف الكافي الحسن". * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُواْ﴾. أي: قالت اليهود: كونوا هوداً، وقالت النصارى: كونوا نصارى تهتدوا. وقال بعض العلماء: "أو" هذه [يقال لها المصنفة] ليست التي للتخيير ولا للإباحة ولا للشك". والمعنى: "وقال صنف: كونوا هوداً، وقال صنف: كونوا نصارى. وروي أن ابن صوريا الأعور قال لرسول الله [عليه السلام] ما الهدى إلا ما نحن عليه فاتّبِعنا يا محمد تهتدي. وقالت النصارى مثل ذلك. فأنزل الله عز وجل هذه الآية، ثم قال لرسوله عليه السلام: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾، أي: بل نتبع ملة إبراهيم حنيفاً لأن معنى ﴿كُونُواْ هُوداً﴾: اتّبعوا دين اليهودية]. والتقدير: بل نتبع أهل ملة إبراهيم. وقال أبو عبيدة: "هو نصب على الإغراء، و ﴿حَنِيفاً﴾ نصب على الحال". وقيل: على "أعني"، لأن الحال لا يكون من المضاف إليه. * * وقوله: ﴿هُوداً﴾ جمع هائد كحالٍ وحُولٍ. وقيل: هو مصدر يؤدي عن الجمع كقولك: "قوم صُومٌ"، و "قوم عدلٌ"، فيكون المعنى ذوي هود. وقيل: الأصل يهود ثم حذفت الياء. * * ومعنى ﴿حَنِيفاً﴾ مائلاً عن الكفر إلى الإيمان. وقيل: الحنيف الحاج. وقيل: الحنيف المخلص. * * ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾. أي: لم يكن ممن يدين بعبادة الأوثان. قال ابن مسعود: "سميت اليهود يهوداً لقول موسى ﷺ ﴿إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]. وسميت النصارى نصارى لقول عيسى ﷺ: ﴿مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢].

البقرة 2:132

قوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ إلى قوله ﴿وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾. أي واذكروا إذ قال له ربه أسلم، أي أخلص لي العبادة والطاعة. ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾: أي قال إبراهيم ﷺ [و] على محمد مجيباً لربه عز وجل: خضعت بالطاعة وأخلصت العبادة لِمالِك جميع الخلق. ومدبرهم. ويجوز أن يكون العامل في: ﴿وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَاهُ﴾ أي ولقد اخترناه في الدنيا إذ قال له ربه أسلم، قال أسلمت، وهذا كان منه حين قال: ﴿يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً﴾ [الأنعام: ٧٨-٧٩]. قال الطبري: "وذلك في الوقت الذي قال له ربه فيه: أسلم، من بعد ما امتحنه بالكوكب والقمر والشمس". * * ثم قال تعالى: ﴿وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾. أي: وأوصى بقوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ إبراهيم - ﷺ [و] على محمد - بنيه، وأوصى بها يعقوب ﷺ [و] على محمد [بنيه]. والهاء في "بها" تعود على كلمة الإسلام وهي قوله: ﴿أَسْلَمْتُ﴾. وقيل: تعود على الملة، وكلمة الإسلام أقرب إليها. [وقيل: بل] أوصاهم باتباع الملة، فـ "يعقوب" على هذا معطوف على "إبراهيم". وقيل: إن يعقوب مرفوع بإضمار فعل. والتقدير "وقال يعقوب: يا بني إن الله". والمعنى في "أَوْصَى" عهد إليهم بذلك، وأمرهم به. قال ابن عباس: "وصّاهم بالإسلام". وفي التشديد في "وصَّى" معنى تكرير الوصية. * * وقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ﴾. معناه: اختاره لكم. ودخلت الألف واللام في "الدين" لتقدم علمهم به وتكرير الوصية عليهم. * * ثم قال: ﴿فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾. أي: فاتقوا الله أن تموتوا إلا على الإسلام. والمعنى: لا تفارقن هذا الدين أيام حياتكم لأن أحداً لا يدري متى تأتيه منيته، فلذلك قال لهم: لا تموتن إلا وأنتم مسلمون، لأنكم لا تدرون متى يأتيكم الموت، ولم ينههم عن الموت لأن ذلك ليس إليهم. وقيل: المعنى: الزموا الإسلام، فإذا أدرككم الموت صادفكم مسلمين. وعرف المعنى كما عرف في قول العرب "لا أَرَيَنَّكَ هَا هُنَا". فالنهي في اللفظ للمتكلم، وفي المعنى للمتكلم أي: لا تكن ها هنا، فإنه من يكن ها هنا أراه. قال الأخفش: "﴿بَنِيهِ﴾، قطع، ثم يبتدئ: ﴿وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ﴾، أي: وقال يعقوب: يا بني". وقال أبو حاتم وغيره: "الوقف ﴿وَيَعْقُوبُ﴾، ثم يبتدئ ﴿يَابَنِيَّ﴾". أي: وقال كل واحد منهما: ﴿يَابَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ﴾. ثم قال: "عز وجل ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ﴾. ﴿أَمْ﴾ بمعنى الألف، أي: أكنتم حاضرين يا معشر اليهود والنصارى المكذبين بمحمد ﷺ إذ نزل بيعقوب الموت حين قال لبنيه: ما تعبدون من بعد موتي؟ قالوا: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وهو جده - وإسماعيل - وهو عمه - وإسحاق - وهو أبوه - صلوات الله عليهم [و] على محمد. وقدم إسماعيل لأنه أكبر من إسحاق. ﴿إِلَـٰهاً وَاحِداً﴾؛ أي: معبوداً واحداً، لا نشرك به شيئاً. ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: أي: خاضعون متذللون بالعبادة له. وروي أنه لم يقبض الله نبياً قط حتى يخيّره بين الموت والحياة، فلما خيّر يعقوب عليه السلام قال: أنظرني حتى أسأل ولدي، وأوصيهم ففعل الله ذلك. فجمع يعقوب ولده وهم إثنا عشر - وهم الأسباط -، وجمع أولادهم فقال لهم: إنه قد حضرتْ وفاتي، وأنا أريد أن أسألكم وأوصيكم: فما تعبدون من بعدي؟ فأجابوه بما حكى الله تعالى عنهم، فدعا لهم ثم قبضه الله صلوات الله عليه وعليهم أجمعين وعلى محمد. فمعنى الكلام: إنكم يا أهل الكتابين لم تحضروا ذلك - ولا شاهدتموه فكفرتم بغير علم ولا يقين فادَّعَيْتُمْ على أنبياء الله الأباطيل ونحلتموهم إلى اليهودية والنصرانية، وإنما بعثهم الله [بالحنيفية المسلمة، وبذلك وصّوا بنيهم] فلو حضرتم ذلك وسمعتموه لعلمتم أنهم على غير ما تنحلونهم من الدين. وهذه الآيات نزلت تكذيباً من الله لليهود والنصارى في دعواهم إبراهيم ويعقوب أنهما كانا على ملتهم. وقرأ يحيى بن يعمر والحسن وأبو رجاء والجحذري "وإله أبيك" بلفظ التوحيد. فيحتمل أن يكون جمعاً مسلماً، فيكون كالقراءة التي عليها الجماعة. ويحتمل أن يكون موحداً وإبراهيم بدل منه وإسماعيل وإسحاق عطف على الأب وهما في القول الأول بدل الجمع الذي قبلهما. وجمع "إبراهيم" وإسماعيل" عند سيبويه والخليل: "بَرَاهيمُ" و "سَمَاعِيلُ". وحكى الكوفيون "بَرَاهِمَةٌ" و "سَمَاعِلَةٌ"، فالهاء بدل من الياء كزنادقة وزناديق. وجمعهما عند المبرد: "أَبَارِهٌ" و "أَسَامِعٌ" و "أَبَارِيهٌ" و "أَسَامِيعٌ". قال: لأن الهمزة ليس هذا موضوع زيادتها. وأجاز أحمد بن يحيى: "بِرَاهٌ" كما يجوز في التصغير "بُرَيْهٌ". وجمع إسحاق أَسَاحِيقٌ. وحكى الكوفيون أَسَاحِقَةٌ وأَسَاحِيقٌ وَيَعْقُوبٌ وَيَعَاقِيبٌ، وَيَعَاقِبَةٌ وَيَعَاقِبٌ". ولا يجوز عند أحد حذف الهمزة من "إسرائيل"، ويقال في جمعه: "أساريل". وحكى الكوفيون "أَسَارِلَةٌ" و "أَسَارِلٌ"، وجمعه كله مسلماً أحسن. * * وقوله: ﴿إِلَـٰهاً وَاحِداً﴾. نصب على الحال أو على البدل من "إله" الأول. فإذا كان حالاً كان تقديره: نعبد إلهك في حال انفراده ووحدانيته. وأجاز يعقوب الوقف على ﴿آبَائِكَ﴾ ويبتدئ: ﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾، ينصب ذلك على إضمار فعل. ومن قرأ (أَبِيكَ) بالتوحيد وقف على (إِسْحَاقَ). * * ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾. أي: قد مضت، أي: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب صلوات الله عليهم وعلى محمد، وولدهم قد مضوا، فَدَعُوا ذكرهم والكذب عليهم يا معشر اليهود والنصارى، ولا تنحلوهم الكفر واليهودية والنصرانية. والأمة الجماعة هاهنا. وإنما قيل لمن مضى وانقرض: "قد خلا" لتخليه من الدنيا وانفراده من الإنس والبشر. وأصله: من "خَلاَ الرَّجُلُ" إذا صار بالمكان الذي لا أنيس به. * * ثم قال: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ أي: عملت. * * ﴿وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. أي: لا تؤاخذون بذنوبهم ولا يؤاخذون بذنوبكم، فدعوا ما تنحلونهم من الأديان. قال الأخفش: "﴿قَدْ خَلَتْ﴾ وقف التمام". وقال أبو حاتم: "﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ هذا الوقف الكافي الحسن". * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُواْ﴾. أي: قالت اليهود: كونوا هوداً، وقالت النصارى: كونوا نصارى تهتدوا. وقال بعض العلماء: "أو" هذه [يقال لها المصنفة] ليست التي للتخيير ولا للإباحة ولا للشك". والمعنى: "وقال صنف: كونوا هوداً، وقال صنف: كونوا نصارى. وروي أن ابن صوريا الأعور قال لرسول الله [عليه السلام] ما الهدى إلا ما نحن عليه فاتّبِعنا يا محمد تهتدي. وقالت النصارى مثل ذلك. فأنزل الله عز وجل هذه الآية، ثم قال لرسوله عليه السلام: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾، أي: بل نتبع ملة إبراهيم حنيفاً لأن معنى ﴿كُونُواْ هُوداً﴾: اتّبعوا دين اليهودية]. والتقدير: بل نتبع أهل ملة إبراهيم. وقال أبو عبيدة: "هو نصب على الإغراء، و ﴿حَنِيفاً﴾ نصب على الحال". وقيل: على "أعني"، لأن الحال لا يكون من المضاف إليه. * * وقوله: ﴿هُوداً﴾ جمع هائد كحالٍ وحُولٍ. وقيل: هو مصدر يؤدي عن الجمع كقولك: "قوم صُومٌ"، و "قوم عدلٌ"، فيكون المعنى ذوي هود. وقيل: الأصل يهود ثم حذفت الياء. * * ومعنى ﴿حَنِيفاً﴾ مائلاً عن الكفر إلى الإيمان. وقيل: الحنيف الحاج. وقيل: الحنيف المخلص. * * ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾. أي: لم يكن ممن يدين بعبادة الأوثان. قال ابن مسعود: "سميت اليهود يهوداً لقول موسى ﷺ ﴿إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]. وسميت النصارى نصارى لقول عيسى ﷺ: ﴿مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢].

البقرة 2:133

قوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ إلى قوله ﴿وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾. أي واذكروا إذ قال له ربه أسلم، أي أخلص لي العبادة والطاعة. ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾: أي قال إبراهيم ﷺ [و] على محمد مجيباً لربه عز وجل: خضعت بالطاعة وأخلصت العبادة لِمالِك جميع الخلق. ومدبرهم. ويجوز أن يكون العامل في: ﴿وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَاهُ﴾ أي ولقد اخترناه في الدنيا إذ قال له ربه أسلم، قال أسلمت، وهذا كان منه حين قال: ﴿يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً﴾ [الأنعام: ٧٨-٧٩]. قال الطبري: "وذلك في الوقت الذي قال له ربه فيه: أسلم، من بعد ما امتحنه بالكوكب والقمر والشمس". * * ثم قال تعالى: ﴿وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾. أي: وأوصى بقوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ إبراهيم - ﷺ [و] على محمد - بنيه، وأوصى بها يعقوب ﷺ [و] على محمد [بنيه]. والهاء في "بها" تعود على كلمة الإسلام وهي قوله: ﴿أَسْلَمْتُ﴾. وقيل: تعود على الملة، وكلمة الإسلام أقرب إليها. [وقيل: بل] أوصاهم باتباع الملة، فـ "يعقوب" على هذا معطوف على "إبراهيم". وقيل: إن يعقوب مرفوع بإضمار فعل. والتقدير "وقال يعقوب: يا بني إن الله". والمعنى في "أَوْصَى" عهد إليهم بذلك، وأمرهم به. قال ابن عباس: "وصّاهم بالإسلام". وفي التشديد في "وصَّى" معنى تكرير الوصية. * * وقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ﴾. معناه: اختاره لكم. ودخلت الألف واللام في "الدين" لتقدم علمهم به وتكرير الوصية عليهم. * * ثم قال: ﴿فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾. أي: فاتقوا الله أن تموتوا إلا على الإسلام. والمعنى: لا تفارقن هذا الدين أيام حياتكم لأن أحداً لا يدري متى تأتيه منيته، فلذلك قال لهم: لا تموتن إلا وأنتم مسلمون، لأنكم لا تدرون متى يأتيكم الموت، ولم ينههم عن الموت لأن ذلك ليس إليهم. وقيل: المعنى: الزموا الإسلام، فإذا أدرككم الموت صادفكم مسلمين. وعرف المعنى كما عرف في قول العرب "لا أَرَيَنَّكَ هَا هُنَا". فالنهي في اللفظ للمتكلم، وفي المعنى للمتكلم أي: لا تكن ها هنا، فإنه من يكن ها هنا أراه. قال الأخفش: "﴿بَنِيهِ﴾، قطع، ثم يبتدئ: ﴿وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ﴾، أي: وقال يعقوب: يا بني". وقال أبو حاتم وغيره: "الوقف ﴿وَيَعْقُوبُ﴾، ثم يبتدئ ﴿يَابَنِيَّ﴾". أي: وقال كل واحد منهما: ﴿يَابَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ﴾. ثم قال: "عز وجل ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ﴾. ﴿أَمْ﴾ بمعنى الألف، أي: أكنتم حاضرين يا معشر اليهود والنصارى المكذبين بمحمد ﷺ إذ نزل بيعقوب الموت حين قال لبنيه: ما تعبدون من بعد موتي؟ قالوا: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وهو جده - وإسماعيل - وهو عمه - وإسحاق - وهو أبوه - صلوات الله عليهم [و] على محمد. وقدم إسماعيل لأنه أكبر من إسحاق. ﴿إِلَـٰهاً وَاحِداً﴾؛ أي: معبوداً واحداً، لا نشرك به شيئاً. ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: أي: خاضعون متذللون بالعبادة له. وروي أنه لم يقبض الله نبياً قط حتى يخيّره بين الموت والحياة، فلما خيّر يعقوب عليه السلام قال: أنظرني حتى أسأل ولدي، وأوصيهم ففعل الله ذلك. فجمع يعقوب ولده وهم إثنا عشر - وهم الأسباط -، وجمع أولادهم فقال لهم: إنه قد حضرتْ وفاتي، وأنا أريد أن أسألكم وأوصيكم: فما تعبدون من بعدي؟ فأجابوه بما حكى الله تعالى عنهم، فدعا لهم ثم قبضه الله صلوات الله عليه وعليهم أجمعين وعلى محمد. فمعنى الكلام: إنكم يا أهل الكتابين لم تحضروا ذلك - ولا شاهدتموه فكفرتم بغير علم ولا يقين فادَّعَيْتُمْ على أنبياء الله الأباطيل ونحلتموهم إلى اليهودية والنصرانية، وإنما بعثهم الله [بالحنيفية المسلمة، وبذلك وصّوا بنيهم] فلو حضرتم ذلك وسمعتموه لعلمتم أنهم على غير ما تنحلونهم من الدين. وهذه الآيات نزلت تكذيباً من الله لليهود والنصارى في دعواهم إبراهيم ويعقوب أنهما كانا على ملتهم. وقرأ يحيى بن يعمر والحسن وأبو رجاء والجحذري "وإله أبيك" بلفظ التوحيد. فيحتمل أن يكون جمعاً مسلماً، فيكون كالقراءة التي عليها الجماعة. ويحتمل أن يكون موحداً وإبراهيم بدل منه وإسماعيل وإسحاق عطف على الأب وهما في القول الأول بدل الجمع الذي قبلهما. وجمع "إبراهيم" وإسماعيل" عند سيبويه والخليل: "بَرَاهيمُ" و "سَمَاعِيلُ". وحكى الكوفيون "بَرَاهِمَةٌ" و "سَمَاعِلَةٌ"، فالهاء بدل من الياء كزنادقة وزناديق. وجمعهما عند المبرد: "أَبَارِهٌ" و "أَسَامِعٌ" و "أَبَارِيهٌ" و "أَسَامِيعٌ". قال: لأن الهمزة ليس هذا موضوع زيادتها. وأجاز أحمد بن يحيى: "بِرَاهٌ" كما يجوز في التصغير "بُرَيْهٌ". وجمع إسحاق أَسَاحِيقٌ. وحكى الكوفيون أَسَاحِقَةٌ وأَسَاحِيقٌ وَيَعْقُوبٌ وَيَعَاقِيبٌ، وَيَعَاقِبَةٌ وَيَعَاقِبٌ". ولا يجوز عند أحد حذف الهمزة من "إسرائيل"، ويقال في جمعه: "أساريل". وحكى الكوفيون "أَسَارِلَةٌ" و "أَسَارِلٌ"، وجمعه كله مسلماً أحسن. * * وقوله: ﴿إِلَـٰهاً وَاحِداً﴾. نصب على الحال أو على البدل من "إله" الأول. فإذا كان حالاً كان تقديره: نعبد إلهك في حال انفراده ووحدانيته. وأجاز يعقوب الوقف على ﴿آبَائِكَ﴾ ويبتدئ: ﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾، ينصب ذلك على إضمار فعل. ومن قرأ (أَبِيكَ) بالتوحيد وقف على (إِسْحَاقَ). * * ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾. أي: قد مضت، أي: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب صلوات الله عليهم وعلى محمد، وولدهم قد مضوا، فَدَعُوا ذكرهم والكذب عليهم يا معشر اليهود والنصارى، ولا تنحلوهم الكفر واليهودية والنصرانية. والأمة الجماعة هاهنا. وإنما قيل لمن مضى وانقرض: "قد خلا" لتخليه من الدنيا وانفراده من الإنس والبشر. وأصله: من "خَلاَ الرَّجُلُ" إذا صار بالمكان الذي لا أنيس به. * * ثم قال: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ أي: عملت. * * ﴿وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. أي: لا تؤاخذون بذنوبهم ولا يؤاخذون بذنوبكم، فدعوا ما تنحلونهم من الأديان. قال الأخفش: "﴿قَدْ خَلَتْ﴾ وقف التمام". وقال أبو حاتم: "﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ هذا الوقف الكافي الحسن". * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُواْ﴾. أي: قالت اليهود: كونوا هوداً، وقالت النصارى: كونوا نصارى تهتدوا. وقال بعض العلماء: "أو" هذه [يقال لها المصنفة] ليست التي للتخيير ولا للإباحة ولا للشك". والمعنى: "وقال صنف: كونوا هوداً، وقال صنف: كونوا نصارى. وروي أن ابن صوريا الأعور قال لرسول الله [عليه السلام] ما الهدى إلا ما نحن عليه فاتّبِعنا يا محمد تهتدي. وقالت النصارى مثل ذلك. فأنزل الله عز وجل هذه الآية، ثم قال لرسوله عليه السلام: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾، أي: بل نتبع ملة إبراهيم حنيفاً لأن معنى ﴿كُونُواْ هُوداً﴾: اتّبعوا دين اليهودية]. والتقدير: بل نتبع أهل ملة إبراهيم. وقال أبو عبيدة: "هو نصب على الإغراء، و ﴿حَنِيفاً﴾ نصب على الحال". وقيل: على "أعني"، لأن الحال لا يكون من المضاف إليه. * * وقوله: ﴿هُوداً﴾ جمع هائد كحالٍ وحُولٍ. وقيل: هو مصدر يؤدي عن الجمع كقولك: "قوم صُومٌ"، و "قوم عدلٌ"، فيكون المعنى ذوي هود. وقيل: الأصل يهود ثم حذفت الياء. * * ومعنى ﴿حَنِيفاً﴾ مائلاً عن الكفر إلى الإيمان. وقيل: الحنيف الحاج. وقيل: الحنيف المخلص. * * ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾. أي: لم يكن ممن يدين بعبادة الأوثان. قال ابن مسعود: "سميت اليهود يهوداً لقول موسى ﷺ ﴿إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]. وسميت النصارى نصارى لقول عيسى ﷺ: ﴿مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢].

البقرة 2:134

قوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ إلى قوله ﴿وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾. أي واذكروا إذ قال له ربه أسلم، أي أخلص لي العبادة والطاعة. ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾: أي قال إبراهيم ﷺ [و] على محمد مجيباً لربه عز وجل: خضعت بالطاعة وأخلصت العبادة لِمالِك جميع الخلق. ومدبرهم. ويجوز أن يكون العامل في: ﴿وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَاهُ﴾ أي ولقد اخترناه في الدنيا إذ قال له ربه أسلم، قال أسلمت، وهذا كان منه حين قال: ﴿يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً﴾ [الأنعام: ٧٨-٧٩]. قال الطبري: "وذلك في الوقت الذي قال له ربه فيه: أسلم، من بعد ما امتحنه بالكوكب والقمر والشمس". * * ثم قال تعالى: ﴿وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾. أي: وأوصى بقوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ إبراهيم - ﷺ [و] على محمد - بنيه، وأوصى بها يعقوب ﷺ [و] على محمد [بنيه]. والهاء في "بها" تعود على كلمة الإسلام وهي قوله: ﴿أَسْلَمْتُ﴾. وقيل: تعود على الملة، وكلمة الإسلام أقرب إليها. [وقيل: بل] أوصاهم باتباع الملة، فـ "يعقوب" على هذا معطوف على "إبراهيم". وقيل: إن يعقوب مرفوع بإضمار فعل. والتقدير "وقال يعقوب: يا بني إن الله". والمعنى في "أَوْصَى" عهد إليهم بذلك، وأمرهم به. قال ابن عباس: "وصّاهم بالإسلام". وفي التشديد في "وصَّى" معنى تكرير الوصية. * * وقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ﴾. معناه: اختاره لكم. ودخلت الألف واللام في "الدين" لتقدم علمهم به وتكرير الوصية عليهم. * * ثم قال: ﴿فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾. أي: فاتقوا الله أن تموتوا إلا على الإسلام. والمعنى: لا تفارقن هذا الدين أيام حياتكم لأن أحداً لا يدري متى تأتيه منيته، فلذلك قال لهم: لا تموتن إلا وأنتم مسلمون، لأنكم لا تدرون متى يأتيكم الموت، ولم ينههم عن الموت لأن ذلك ليس إليهم. وقيل: المعنى: الزموا الإسلام، فإذا أدرككم الموت صادفكم مسلمين. وعرف المعنى كما عرف في قول العرب "لا أَرَيَنَّكَ هَا هُنَا". فالنهي في اللفظ للمتكلم، وفي المعنى للمتكلم أي: لا تكن ها هنا، فإنه من يكن ها هنا أراه. قال الأخفش: "﴿بَنِيهِ﴾، قطع، ثم يبتدئ: ﴿وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ﴾، أي: وقال يعقوب: يا بني". وقال أبو حاتم وغيره: "الوقف ﴿وَيَعْقُوبُ﴾، ثم يبتدئ ﴿يَابَنِيَّ﴾". أي: وقال كل واحد منهما: ﴿يَابَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ﴾. ثم قال: "عز وجل ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ﴾. ﴿أَمْ﴾ بمعنى الألف، أي: أكنتم حاضرين يا معشر اليهود والنصارى المكذبين بمحمد ﷺ إذ نزل بيعقوب الموت حين قال لبنيه: ما تعبدون من بعد موتي؟ قالوا: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وهو جده - وإسماعيل - وهو عمه - وإسحاق - وهو أبوه - صلوات الله عليهم [و] على محمد. وقدم إسماعيل لأنه أكبر من إسحاق. ﴿إِلَـٰهاً وَاحِداً﴾؛ أي: معبوداً واحداً، لا نشرك به شيئاً. ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: أي: خاضعون متذللون بالعبادة له. وروي أنه لم يقبض الله نبياً قط حتى يخيّره بين الموت والحياة، فلما خيّر يعقوب عليه السلام قال: أنظرني حتى أسأل ولدي، وأوصيهم ففعل الله ذلك. فجمع يعقوب ولده وهم إثنا عشر - وهم الأسباط -، وجمع أولادهم فقال لهم: إنه قد حضرتْ وفاتي، وأنا أريد أن أسألكم وأوصيكم: فما تعبدون من بعدي؟ فأجابوه بما حكى الله تعالى عنهم، فدعا لهم ثم قبضه الله صلوات الله عليه وعليهم أجمعين وعلى محمد. فمعنى الكلام: إنكم يا أهل الكتابين لم تحضروا ذلك - ولا شاهدتموه فكفرتم بغير علم ولا يقين فادَّعَيْتُمْ على أنبياء الله الأباطيل ونحلتموهم إلى اليهودية والنصرانية، وإنما بعثهم الله [بالحنيفية المسلمة، وبذلك وصّوا بنيهم] فلو حضرتم ذلك وسمعتموه لعلمتم أنهم على غير ما تنحلونهم من الدين. وهذه الآيات نزلت تكذيباً من الله لليهود والنصارى في دعواهم إبراهيم ويعقوب أنهما كانا على ملتهم. وقرأ يحيى بن يعمر والحسن وأبو رجاء والجحذري "وإله أبيك" بلفظ التوحيد. فيحتمل أن يكون جمعاً مسلماً، فيكون كالقراءة التي عليها الجماعة. ويحتمل أن يكون موحداً وإبراهيم بدل منه وإسماعيل وإسحاق عطف على الأب وهما في القول الأول بدل الجمع الذي قبلهما. وجمع "إبراهيم" وإسماعيل" عند سيبويه والخليل: "بَرَاهيمُ" و "سَمَاعِيلُ". وحكى الكوفيون "بَرَاهِمَةٌ" و "سَمَاعِلَةٌ"، فالهاء بدل من الياء كزنادقة وزناديق. وجمعهما عند المبرد: "أَبَارِهٌ" و "أَسَامِعٌ" و "أَبَارِيهٌ" و "أَسَامِيعٌ". قال: لأن الهمزة ليس هذا موضوع زيادتها. وأجاز أحمد بن يحيى: "بِرَاهٌ" كما يجوز في التصغير "بُرَيْهٌ". وجمع إسحاق أَسَاحِيقٌ. وحكى الكوفيون أَسَاحِقَةٌ وأَسَاحِيقٌ وَيَعْقُوبٌ وَيَعَاقِيبٌ، وَيَعَاقِبَةٌ وَيَعَاقِبٌ". ولا يجوز عند أحد حذف الهمزة من "إسرائيل"، ويقال في جمعه: "أساريل". وحكى الكوفيون "أَسَارِلَةٌ" و "أَسَارِلٌ"، وجمعه كله مسلماً أحسن. * * وقوله: ﴿إِلَـٰهاً وَاحِداً﴾. نصب على الحال أو على البدل من "إله" الأول. فإذا كان حالاً كان تقديره: نعبد إلهك في حال انفراده ووحدانيته. وأجاز يعقوب الوقف على ﴿آبَائِكَ﴾ ويبتدئ: ﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾، ينصب ذلك على إضمار فعل. ومن قرأ (أَبِيكَ) بالتوحيد وقف على (إِسْحَاقَ). * * ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾. أي: قد مضت، أي: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب صلوات الله عليهم وعلى محمد، وولدهم قد مضوا، فَدَعُوا ذكرهم والكذب عليهم يا معشر اليهود والنصارى، ولا تنحلوهم الكفر واليهودية والنصرانية. والأمة الجماعة هاهنا. وإنما قيل لمن مضى وانقرض: "قد خلا" لتخليه من الدنيا وانفراده من الإنس والبشر. وأصله: من "خَلاَ الرَّجُلُ" إذا صار بالمكان الذي لا أنيس به. * * ثم قال: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ أي: عملت. * * ﴿وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. أي: لا تؤاخذون بذنوبهم ولا يؤاخذون بذنوبكم، فدعوا ما تنحلونهم من الأديان. قال الأخفش: "﴿قَدْ خَلَتْ﴾ وقف التمام". وقال أبو حاتم: "﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ هذا الوقف الكافي الحسن". * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُواْ﴾. أي: قالت اليهود: كونوا هوداً، وقالت النصارى: كونوا نصارى تهتدوا. وقال بعض العلماء: "أو" هذه [يقال لها المصنفة] ليست التي للتخيير ولا للإباحة ولا للشك". والمعنى: "وقال صنف: كونوا هوداً، وقال صنف: كونوا نصارى. وروي أن ابن صوريا الأعور قال لرسول الله [عليه السلام] ما الهدى إلا ما نحن عليه فاتّبِعنا يا محمد تهتدي. وقالت النصارى مثل ذلك. فأنزل الله عز وجل هذه الآية، ثم قال لرسوله عليه السلام: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾، أي: بل نتبع ملة إبراهيم حنيفاً لأن معنى ﴿كُونُواْ هُوداً﴾: اتّبعوا دين اليهودية]. والتقدير: بل نتبع أهل ملة إبراهيم. وقال أبو عبيدة: "هو نصب على الإغراء، و ﴿حَنِيفاً﴾ نصب على الحال". وقيل: على "أعني"، لأن الحال لا يكون من المضاف إليه. * * وقوله: ﴿هُوداً﴾ جمع هائد كحالٍ وحُولٍ. وقيل: هو مصدر يؤدي عن الجمع كقولك: "قوم صُومٌ"، و "قوم عدلٌ"، فيكون المعنى ذوي هود. وقيل: الأصل يهود ثم حذفت الياء. * * ومعنى ﴿حَنِيفاً﴾ مائلاً عن الكفر إلى الإيمان. وقيل: الحنيف الحاج. وقيل: الحنيف المخلص. * * ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾. أي: لم يكن ممن يدين بعبادة الأوثان. قال ابن مسعود: "سميت اليهود يهوداً لقول موسى ﷺ ﴿إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]. وسميت النصارى نصارى لقول عيسى ﷺ: ﴿مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢].

البقرة 2:135

قوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ إلى قوله ﴿وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾. أي واذكروا إذ قال له ربه أسلم، أي أخلص لي العبادة والطاعة. ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾: أي قال إبراهيم ﷺ [و] على محمد مجيباً لربه عز وجل: خضعت بالطاعة وأخلصت العبادة لِمالِك جميع الخلق. ومدبرهم. ويجوز أن يكون العامل في: ﴿وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَاهُ﴾ أي ولقد اخترناه في الدنيا إذ قال له ربه أسلم، قال أسلمت، وهذا كان منه حين قال: ﴿يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً﴾ [الأنعام: ٧٨-٧٩]. قال الطبري: "وذلك في الوقت الذي قال له ربه فيه: أسلم، من بعد ما امتحنه بالكوكب والقمر والشمس". * * ثم قال تعالى: ﴿وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾. أي: وأوصى بقوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ إبراهيم - ﷺ [و] على محمد - بنيه، وأوصى بها يعقوب ﷺ [و] على محمد [بنيه]. والهاء في "بها" تعود على كلمة الإسلام وهي قوله: ﴿أَسْلَمْتُ﴾. وقيل: تعود على الملة، وكلمة الإسلام أقرب إليها. [وقيل: بل] أوصاهم باتباع الملة، فـ "يعقوب" على هذا معطوف على "إبراهيم". وقيل: إن يعقوب مرفوع بإضمار فعل. والتقدير "وقال يعقوب: يا بني إن الله". والمعنى في "أَوْصَى" عهد إليهم بذلك، وأمرهم به. قال ابن عباس: "وصّاهم بالإسلام". وفي التشديد في "وصَّى" معنى تكرير الوصية. * * وقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ﴾. معناه: اختاره لكم. ودخلت الألف واللام في "الدين" لتقدم علمهم به وتكرير الوصية عليهم. * * ثم قال: ﴿فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾. أي: فاتقوا الله أن تموتوا إلا على الإسلام. والمعنى: لا تفارقن هذا الدين أيام حياتكم لأن أحداً لا يدري متى تأتيه منيته، فلذلك قال لهم: لا تموتن إلا وأنتم مسلمون، لأنكم لا تدرون متى يأتيكم الموت، ولم ينههم عن الموت لأن ذلك ليس إليهم. وقيل: المعنى: الزموا الإسلام، فإذا أدرككم الموت صادفكم مسلمين. وعرف المعنى كما عرف في قول العرب "لا أَرَيَنَّكَ هَا هُنَا". فالنهي في اللفظ للمتكلم، وفي المعنى للمتكلم أي: لا تكن ها هنا، فإنه من يكن ها هنا أراه. قال الأخفش: "﴿بَنِيهِ﴾، قطع، ثم يبتدئ: ﴿وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ﴾، أي: وقال يعقوب: يا بني". وقال أبو حاتم وغيره: "الوقف ﴿وَيَعْقُوبُ﴾، ثم يبتدئ ﴿يَابَنِيَّ﴾". أي: وقال كل واحد منهما: ﴿يَابَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ﴾. ثم قال: "عز وجل ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ﴾. ﴿أَمْ﴾ بمعنى الألف، أي: أكنتم حاضرين يا معشر اليهود والنصارى المكذبين بمحمد ﷺ إذ نزل بيعقوب الموت حين قال لبنيه: ما تعبدون من بعد موتي؟ قالوا: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وهو جده - وإسماعيل - وهو عمه - وإسحاق - وهو أبوه - صلوات الله عليهم [و] على محمد. وقدم إسماعيل لأنه أكبر من إسحاق. ﴿إِلَـٰهاً وَاحِداً﴾؛ أي: معبوداً واحداً، لا نشرك به شيئاً. ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: أي: خاضعون متذللون بالعبادة له. وروي أنه لم يقبض الله نبياً قط حتى يخيّره بين الموت والحياة، فلما خيّر يعقوب عليه السلام قال: أنظرني حتى أسأل ولدي، وأوصيهم ففعل الله ذلك. فجمع يعقوب ولده وهم إثنا عشر - وهم الأسباط -، وجمع أولادهم فقال لهم: إنه قد حضرتْ وفاتي، وأنا أريد أن أسألكم وأوصيكم: فما تعبدون من بعدي؟ فأجابوه بما حكى الله تعالى عنهم، فدعا لهم ثم قبضه الله صلوات الله عليه وعليهم أجمعين وعلى محمد. فمعنى الكلام: إنكم يا أهل الكتابين لم تحضروا ذلك - ولا شاهدتموه فكفرتم بغير علم ولا يقين فادَّعَيْتُمْ على أنبياء الله الأباطيل ونحلتموهم إلى اليهودية والنصرانية، وإنما بعثهم الله [بالحنيفية المسلمة، وبذلك وصّوا بنيهم] فلو حضرتم ذلك وسمعتموه لعلمتم أنهم على غير ما تنحلونهم من الدين. وهذه الآيات نزلت تكذيباً من الله لليهود والنصارى في دعواهم إبراهيم ويعقوب أنهما كانا على ملتهم. وقرأ يحيى بن يعمر والحسن وأبو رجاء والجحذري "وإله أبيك" بلفظ التوحيد. فيحتمل أن يكون جمعاً مسلماً، فيكون كالقراءة التي عليها الجماعة. ويحتمل أن يكون موحداً وإبراهيم بدل منه وإسماعيل وإسحاق عطف على الأب وهما في القول الأول بدل الجمع الذي قبلهما. وجمع "إبراهيم" وإسماعيل" عند سيبويه والخليل: "بَرَاهيمُ" و "سَمَاعِيلُ". وحكى الكوفيون "بَرَاهِمَةٌ" و "سَمَاعِلَةٌ"، فالهاء بدل من الياء كزنادقة وزناديق. وجمعهما عند المبرد: "أَبَارِهٌ" و "أَسَامِعٌ" و "أَبَارِيهٌ" و "أَسَامِيعٌ". قال: لأن الهمزة ليس هذا موضوع زيادتها. وأجاز أحمد بن يحيى: "بِرَاهٌ" كما يجوز في التصغير "بُرَيْهٌ". وجمع إسحاق أَسَاحِيقٌ. وحكى الكوفيون أَسَاحِقَةٌ وأَسَاحِيقٌ وَيَعْقُوبٌ وَيَعَاقِيبٌ، وَيَعَاقِبَةٌ وَيَعَاقِبٌ". ولا يجوز عند أحد حذف الهمزة من "إسرائيل"، ويقال في جمعه: "أساريل". وحكى الكوفيون "أَسَارِلَةٌ" و "أَسَارِلٌ"، وجمعه كله مسلماً أحسن. * * وقوله: ﴿إِلَـٰهاً وَاحِداً﴾. نصب على الحال أو على البدل من "إله" الأول. فإذا كان حالاً كان تقديره: نعبد إلهك في حال انفراده ووحدانيته. وأجاز يعقوب الوقف على ﴿آبَائِكَ﴾ ويبتدئ: ﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾، ينصب ذلك على إضمار فعل. ومن قرأ (أَبِيكَ) بالتوحيد وقف على (إِسْحَاقَ). * * ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾. أي: قد مضت، أي: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب صلوات الله عليهم وعلى محمد، وولدهم قد مضوا، فَدَعُوا ذكرهم والكذب عليهم يا معشر اليهود والنصارى، ولا تنحلوهم الكفر واليهودية والنصرانية. والأمة الجماعة هاهنا. وإنما قيل لمن مضى وانقرض: "قد خلا" لتخليه من الدنيا وانفراده من الإنس والبشر. وأصله: من "خَلاَ الرَّجُلُ" إذا صار بالمكان الذي لا أنيس به. * * ثم قال: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ أي: عملت. * * ﴿وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. أي: لا تؤاخذون بذنوبهم ولا يؤاخذون بذنوبكم، فدعوا ما تنحلونهم من الأديان. قال الأخفش: "﴿قَدْ خَلَتْ﴾ وقف التمام". وقال أبو حاتم: "﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ هذا الوقف الكافي الحسن". * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُواْ﴾. أي: قالت اليهود: كونوا هوداً، وقالت النصارى: كونوا نصارى تهتدوا. وقال بعض العلماء: "أو" هذه [يقال لها المصنفة] ليست التي للتخيير ولا للإباحة ولا للشك". والمعنى: "وقال صنف: كونوا هوداً، وقال صنف: كونوا نصارى. وروي أن ابن صوريا الأعور قال لرسول الله [عليه السلام] ما الهدى إلا ما نحن عليه فاتّبِعنا يا محمد تهتدي. وقالت النصارى مثل ذلك. فأنزل الله عز وجل هذه الآية، ثم قال لرسوله عليه السلام: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾، أي: بل نتبع ملة إبراهيم حنيفاً لأن معنى ﴿كُونُواْ هُوداً﴾: اتّبعوا دين اليهودية]. والتقدير: بل نتبع أهل ملة إبراهيم. وقال أبو عبيدة: "هو نصب على الإغراء، و ﴿حَنِيفاً﴾ نصب على الحال". وقيل: على "أعني"، لأن الحال لا يكون من المضاف إليه. * * وقوله: ﴿هُوداً﴾ جمع هائد كحالٍ وحُولٍ. وقيل: هو مصدر يؤدي عن الجمع كقولك: "قوم صُومٌ"، و "قوم عدلٌ"، فيكون المعنى ذوي هود. وقيل: الأصل يهود ثم حذفت الياء. * * ومعنى ﴿حَنِيفاً﴾ مائلاً عن الكفر إلى الإيمان. وقيل: الحنيف الحاج. وقيل: الحنيف المخلص. * * ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾. أي: لم يكن ممن يدين بعبادة الأوثان. قال ابن مسعود: "سميت اليهود يهوداً لقول موسى ﷺ ﴿إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]. وسميت النصارى نصارى لقول عيسى ﷺ: ﴿مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢].

البقرة 2:136

قوله ﴿قُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ إلى قوله ﴿عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ معناه: قولوا أيها المؤمنون لهؤلاء اليهود والنصارى الذين قالوا لكم كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا: "آمنا بالله"، أي: صدقنا به، وصدقنا بما أنزل إلينا وهو القرآن، وبما أنزل إلى إبراهيم وإلى إسماعيل وإلى إسحاق وإلى يعقوب وإلى الأسباط، وهم اثنا عشر ولداً ليعقوب أنبياء كلهم، ولد كل واحد منهم أمة من الناس فسموا الأسباط. والسبط في اللغة الشجرة. أي: هم في الكثرة مثل الشجر. قال ابن عباس: "كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: نوح وهود وصالح ولوط وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل ومحمد ﷺ وعيسى صلى الله عليهم أجمعين". * * ثم قال: ﴿وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ﴾. أي: وصدقنا بما أوتي موسى وعيسى، يعني: التوراة والإنجيل، وصدقنا بما أوتي النبيون من ربهم يعني: من [الكتب، كل ذلك حق] ﴿لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾ أي: لا نفرق بين أحد من النبيين فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى، بل نؤمن بالكل وبما جاء به الكل. وقال ابن عباس ووهب بن منبه: "الأنبياء كلهم مائة وأربعة وعشرون ألف نبي كلهم من بني إسرائيل إلا عشرين نبياً. وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل صلوات الله عليهم أجمعين. وعدد الرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر كلهم من بني يعقوب إلا عشرين رسولاً". وقال غير ابن عباس مثل قوله وزاد، فقال: "عدد الأنبياء صلوات الله عليهم مائة وأربعة وعشرون ألف نبي، أولهم آدم وآخرهم محمد ﷺ وعليهم أجمعين. والرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولاً، ذكر الله منهم في القرآن ستة وعشرين وهم: آدم وإدريس ونوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وموسى وهارون والأسباط واليسع وإلياس ويونس وأيوب وداود وسليمان وزكرياء وعزير ويحيى وعيسى ومحمد ﷺ وعليهم أجمعين. ومنهم خمسة لم تذكر أسماؤهم وذكروا بغير أسمائهم وهم: الذي مرّ على القرية قيل هو أرميا، وصاحب موسى وهو الخضر، وقيل إنه ليس بنبي، وثلاثة ذكرهم الله في سورة "يس" ولم يذكر أسماؤهم، فأما ذو القرنين، فأكثر الناس على أنه ليس بنبي. وكذلك اختلف في ذي الكفل. * * ثم قال ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾. أي: خاضعون بالطاعة لله. وروى ابن عباس أن النبي [عليه السلام] سأله نفر من اليهود: بمن تؤمن من الرسل؟ فقرأ عليهم الآية. فلما ذكر عيسى جحدوا نبوّته، وقالوا: لا نؤمن بعيسى ولا بمن آمن بعيسى، فأنزل الله جل ذكره: ﴿قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ﴾ [المائدة: ٥٩] إلى ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٥٩]. [ثم قال]: ﴿فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ﴾. إي: إن صدقوا بجميع الأنبياء وبجميع الكتب التي أنزلها الله كما آمنتم فقد اهتدوا إلى الحق، يعني به اليهود والنصارى. ﴿وَّإِن تَوَلَّوْاْ﴾: أي: إن لم يؤمنوا بذلك وأعرضوا، ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾: أي: في مشاقة ومباعدة من الحق وفراق له ومحاربة له. وقيل: المعنى: قد صاروا في شق غير شق المسلمين. والمماثلة في الآية إنما وقعت بين التصديقين، أي: إن صدقوا بمثل تصديقكم وأقروا بمثل إقراركم. ولم يقع التمثيل بين المؤمن به وهو الله عز وجل وسبحانه وتعالى؛ هذا كفر لا يجوز. فإن قيل: وهل للإيمان مثل، هو غير الإيمان فتصح المماثلة به؟ فالجواب: أنه محمول على المعنى، والتقدير: فإن أتوا بتصديق مثل تصديقكم فقد اهتدوا: أي: صاروا مسلمين. وهذا من كلام العرب، يقول الرجل لمن يتلقاه: "بشر استقبل مثلي بهذا". وقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وتقول: "ليس كربنا شيء"، "وليس كمثل ربنا شيء". والمعنى سواء. هذا قول أبي حاتم وغيره. * * ثم قال تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ﴾ . أي: فسيكفيك الله يا محمد هؤلاء المخالفين لك من اليهود والنصارى إما بقتل وإما بجلاء عن جوارك. ﴿وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾: أي يسمع ما يقولون بألسنتهم ويعلم ما يبطنون لك ولأصحابك من البغضاء والحسد. فأنجز الله لرسوله وعده في اليهود وفي غيرهم وكفاه إياهم وسلَّطه عليهم وخذلهم، فقتل بعضاً، وأجلى بعضاً، وأذل بعضاً بالجزية. * * ثم قال تعالى: ﴿صِبْغَةَ ٱللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ﴾. "صبغة" منصوب على البدل من ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ فيكون المعنى: "بل صبغة الله"، وذلك أن النصارى إذا أرادت أن تنصر أطفالها جعلتهم في ماء لهم يزعمون أن ذلك تقديس" لهم بمنزلة الختانة لأهل الإسلام، ويقولون: إن ذلك صبغة لهم في النصرانية. فلما قالوا للمسلمين: ﴿كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُواْ﴾ قال الله لنبيه ﷺ: قل لهم: بل نتبع ملة إبراهيم، صبغة الله التي هي أحسن الصبغ وهي الحنيفية المسلمة، لا ما تغمسون فيه أبناءكم. وأجاز الكسائي نصبه على الإغراء والتقدير: الزموا تطهير الله بالإسلام لا ما تفعله اليهود والنصارى. وقيل: هو محمول على المعنى لأن معنى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ونحن متبعون صبغة الله. وقال قتادة: ﴿صِبْغَةَ ٱللَّهِ﴾: "دين الله". وكذا قال ابن عباس وغيره. قال قتادة: "إن اليهود تصبغ أولادها يهوداً، والنصارى تصبغ أولادها نصارى، وإن صبغة الله الإسلام، فلا صبغة أحسن من الإسلام ولا أطهر، وهو دين الله الذي بعث به نوحاً والأنبياء بعده صلوات الله عليهم". وقال مجاهد: "صبغة الله: فطرة الله؛ وهي فطرة الإسلام التي فطر الناس عليها". والفطرة ابتداء ما خلق عليه الخلق وهو الإسلام، ثم غيّروا دين أنبيائهم بدين آخر. وأصل الصبغ حدوث شيء فكأنهم أحدثوا ديناً غير ما خلقوا عليه. وقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ﴾، أي: خاضعون في اتباع أمره وتصديق كتبه ورسله. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾، أي: قل يا محمد لهؤلاء اليهود والنصارى: أتخاصموننا في دين الله وهو معبودنا ومعبودكم وإلهنا وإلهكم واحد، ونحن له مخلصون العبادة والطاعة، وأنتم قد عبدتم معه غيره، عبدت اليهود العجل، وعبدت النصارى المسيح. فكيف تخاصموننا وتزعمون أنكم أولى به منا وقد عبدتم غيره ونحن أخلصنا العبادة له. * * ثم قال: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ نَصَارَىٰ﴾. أي: أتقول اليهود: إن هؤلاء الأنبياء كانوا هوداً؟ أو أتقول النصارى: إن هؤلاء الأنبياء كانوا نصارى؟ قل لهم يا محمد: أنتم أعلم أم الله؟ فإن الله قد أعلمنا أنهم على الملة الحنيفية المسلمة. ومن قرأ بالتاء، جعله خطاباً لهم. ومن قرأه بالياء أجراه على الإخبار عنهم. * * ثم قال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ ٱللَّهِ﴾. أي: لا أحد أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله. أي: لا أحد أظلم منه. وقيل: عني بذلك كتمانهم نبوة محمد ﷺ وهم يعلمون ذلك ويجدونه في كتبهم. قاله قتادة وغيره. وقيل: إنما كتموا ما في كتبهم من اتباع ملة إبراهيم ﷺ ومن ذُكِرَ معه، وقد علموا أنهم كانوا حنفاء مسلمين فكتموا ذلك. وادّعت اليهود أنهم كانوا يهوداً، وادّعت النصارى أنهم كانوا نصارى، وهم مع ذلك قد علموا أن اليهودية والنصرانية إنما حدثت بعد موت [هؤلاء] الأنبياء صلى الله عليهم وسلم. والهاء في ﴿عِندَهُ﴾ تعود على الظالم ودل عليه ﴿أَظْلَمُ﴾. والأسباط من ولد يعقوب كالقبائل من ولد إسماعيل ﷺ وهم اثنا عشر سبطاً من اثني عشر ولداً ليعقوب عليه السلام. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. أي: ليس الله بغافل عن فعلكم وكتمانكم ما قد علمتموه، بل يحصيه عليكم ويجازيكم به. * * ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾. أي: إبراهيم ومن ذكر معه من الأنبياء صلوات الله عليهم أمة قد مضت بعملها. لها ما عملت، ولكم ما عملتم. ﴿وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾: أي: لا يسأل أحد عن ذنب أحد.

البقرة 2:137

قوله ﴿قُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ إلى قوله ﴿عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ معناه: قولوا أيها المؤمنون لهؤلاء اليهود والنصارى الذين قالوا لكم كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا: "آمنا بالله"، أي: صدقنا به، وصدقنا بما أنزل إلينا وهو القرآن، وبما أنزل إلى إبراهيم وإلى إسماعيل وإلى إسحاق وإلى يعقوب وإلى الأسباط، وهم اثنا عشر ولداً ليعقوب أنبياء كلهم، ولد كل واحد منهم أمة من الناس فسموا الأسباط. والسبط في اللغة الشجرة. أي: هم في الكثرة مثل الشجر. قال ابن عباس: "كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: نوح وهود وصالح ولوط وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل ومحمد ﷺ وعيسى صلى الله عليهم أجمعين". * * ثم قال: ﴿وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ﴾. أي: وصدقنا بما أوتي موسى وعيسى، يعني: التوراة والإنجيل، وصدقنا بما أوتي النبيون من ربهم يعني: من [الكتب، كل ذلك حق] ﴿لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾ أي: لا نفرق بين أحد من النبيين فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى، بل نؤمن بالكل وبما جاء به الكل. وقال ابن عباس ووهب بن منبه: "الأنبياء كلهم مائة وأربعة وعشرون ألف نبي كلهم من بني إسرائيل إلا عشرين نبياً. وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل صلوات الله عليهم أجمعين. وعدد الرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر كلهم من بني يعقوب إلا عشرين رسولاً". وقال غير ابن عباس مثل قوله وزاد، فقال: "عدد الأنبياء صلوات الله عليهم مائة وأربعة وعشرون ألف نبي، أولهم آدم وآخرهم محمد ﷺ وعليهم أجمعين. والرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولاً، ذكر الله منهم في القرآن ستة وعشرين وهم: آدم وإدريس ونوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وموسى وهارون والأسباط واليسع وإلياس ويونس وأيوب وداود وسليمان وزكرياء وعزير ويحيى وعيسى ومحمد ﷺ وعليهم أجمعين. ومنهم خمسة لم تذكر أسماؤهم وذكروا بغير أسمائهم وهم: الذي مرّ على القرية قيل هو أرميا، وصاحب موسى وهو الخضر، وقيل إنه ليس بنبي، وثلاثة ذكرهم الله في سورة "يس" ولم يذكر أسماؤهم، فأما ذو القرنين، فأكثر الناس على أنه ليس بنبي. وكذلك اختلف في ذي الكفل. * * ثم قال ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾. أي: خاضعون بالطاعة لله. وروى ابن عباس أن النبي [عليه السلام] سأله نفر من اليهود: بمن تؤمن من الرسل؟ فقرأ عليهم الآية. فلما ذكر عيسى جحدوا نبوّته، وقالوا: لا نؤمن بعيسى ولا بمن آمن بعيسى، فأنزل الله جل ذكره: ﴿قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ﴾ [المائدة: ٥٩] إلى ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٥٩]. [ثم قال]: ﴿فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ﴾. إي: إن صدقوا بجميع الأنبياء وبجميع الكتب التي أنزلها الله كما آمنتم فقد اهتدوا إلى الحق، يعني به اليهود والنصارى. ﴿وَّإِن تَوَلَّوْاْ﴾: أي: إن لم يؤمنوا بذلك وأعرضوا، ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾: أي: في مشاقة ومباعدة من الحق وفراق له ومحاربة له. وقيل: المعنى: قد صاروا في شق غير شق المسلمين. والمماثلة في الآية إنما وقعت بين التصديقين، أي: إن صدقوا بمثل تصديقكم وأقروا بمثل إقراركم. ولم يقع التمثيل بين المؤمن به وهو الله عز وجل وسبحانه وتعالى؛ هذا كفر لا يجوز. فإن قيل: وهل للإيمان مثل، هو غير الإيمان فتصح المماثلة به؟ فالجواب: أنه محمول على المعنى، والتقدير: فإن أتوا بتصديق مثل تصديقكم فقد اهتدوا: أي: صاروا مسلمين. وهذا من كلام العرب، يقول الرجل لمن يتلقاه: "بشر استقبل مثلي بهذا". وقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وتقول: "ليس كربنا شيء"، "وليس كمثل ربنا شيء". والمعنى سواء. هذا قول أبي حاتم وغيره. * * ثم قال تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ﴾ . أي: فسيكفيك الله يا محمد هؤلاء المخالفين لك من اليهود والنصارى إما بقتل وإما بجلاء عن جوارك. ﴿وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾: أي يسمع ما يقولون بألسنتهم ويعلم ما يبطنون لك ولأصحابك من البغضاء والحسد. فأنجز الله لرسوله وعده في اليهود وفي غيرهم وكفاه إياهم وسلَّطه عليهم وخذلهم، فقتل بعضاً، وأجلى بعضاً، وأذل بعضاً بالجزية. * * ثم قال تعالى: ﴿صِبْغَةَ ٱللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ﴾. "صبغة" منصوب على البدل من ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ فيكون المعنى: "بل صبغة الله"، وذلك أن النصارى إذا أرادت أن تنصر أطفالها جعلتهم في ماء لهم يزعمون أن ذلك تقديس" لهم بمنزلة الختانة لأهل الإسلام، ويقولون: إن ذلك صبغة لهم في النصرانية. فلما قالوا للمسلمين: ﴿كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُواْ﴾ قال الله لنبيه ﷺ: قل لهم: بل نتبع ملة إبراهيم، صبغة الله التي هي أحسن الصبغ وهي الحنيفية المسلمة، لا ما تغمسون فيه أبناءكم. وأجاز الكسائي نصبه على الإغراء والتقدير: الزموا تطهير الله بالإسلام لا ما تفعله اليهود والنصارى. وقيل: هو محمول على المعنى لأن معنى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ونحن متبعون صبغة الله. وقال قتادة: ﴿صِبْغَةَ ٱللَّهِ﴾: "دين الله". وكذا قال ابن عباس وغيره. قال قتادة: "إن اليهود تصبغ أولادها يهوداً، والنصارى تصبغ أولادها نصارى، وإن صبغة الله الإسلام، فلا صبغة أحسن من الإسلام ولا أطهر، وهو دين الله الذي بعث به نوحاً والأنبياء بعده صلوات الله عليهم". وقال مجاهد: "صبغة الله: فطرة الله؛ وهي فطرة الإسلام التي فطر الناس عليها". والفطرة ابتداء ما خلق عليه الخلق وهو الإسلام، ثم غيّروا دين أنبيائهم بدين آخر. وأصل الصبغ حدوث شيء فكأنهم أحدثوا ديناً غير ما خلقوا عليه. وقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ﴾، أي: خاضعون في اتباع أمره وتصديق كتبه ورسله. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾، أي: قل يا محمد لهؤلاء اليهود والنصارى: أتخاصموننا في دين الله وهو معبودنا ومعبودكم وإلهنا وإلهكم واحد، ونحن له مخلصون العبادة والطاعة، وأنتم قد عبدتم معه غيره، عبدت اليهود العجل، وعبدت النصارى المسيح. فكيف تخاصموننا وتزعمون أنكم أولى به منا وقد عبدتم غيره ونحن أخلصنا العبادة له. * * ثم قال: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ نَصَارَىٰ﴾. أي: أتقول اليهود: إن هؤلاء الأنبياء كانوا هوداً؟ أو أتقول النصارى: إن هؤلاء الأنبياء كانوا نصارى؟ قل لهم يا محمد: أنتم أعلم أم الله؟ فإن الله قد أعلمنا أنهم على الملة الحنيفية المسلمة. ومن قرأ بالتاء، جعله خطاباً لهم. ومن قرأه بالياء أجراه على الإخبار عنهم. * * ثم قال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ ٱللَّهِ﴾. أي: لا أحد أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله. أي: لا أحد أظلم منه. وقيل: عني بذلك كتمانهم نبوة محمد ﷺ وهم يعلمون ذلك ويجدونه في كتبهم. قاله قتادة وغيره. وقيل: إنما كتموا ما في كتبهم من اتباع ملة إبراهيم ﷺ ومن ذُكِرَ معه، وقد علموا أنهم كانوا حنفاء مسلمين فكتموا ذلك. وادّعت اليهود أنهم كانوا يهوداً، وادّعت النصارى أنهم كانوا نصارى، وهم مع ذلك قد علموا أن اليهودية والنصرانية إنما حدثت بعد موت [هؤلاء] الأنبياء صلى الله عليهم وسلم. والهاء في ﴿عِندَهُ﴾ تعود على الظالم ودل عليه ﴿أَظْلَمُ﴾. والأسباط من ولد يعقوب كالقبائل من ولد إسماعيل ﷺ وهم اثنا عشر سبطاً من اثني عشر ولداً ليعقوب عليه السلام. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. أي: ليس الله بغافل عن فعلكم وكتمانكم ما قد علمتموه، بل يحصيه عليكم ويجازيكم به. * * ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾. أي: إبراهيم ومن ذكر معه من الأنبياء صلوات الله عليهم أمة قد مضت بعملها. لها ما عملت، ولكم ما عملتم. ﴿وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾: أي: لا يسأل أحد عن ذنب أحد.

البقرة 2:138

قوله ﴿قُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ إلى قوله ﴿عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ معناه: قولوا أيها المؤمنون لهؤلاء اليهود والنصارى الذين قالوا لكم كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا: "آمنا بالله"، أي: صدقنا به، وصدقنا بما أنزل إلينا وهو القرآن، وبما أنزل إلى إبراهيم وإلى إسماعيل وإلى إسحاق وإلى يعقوب وإلى الأسباط، وهم اثنا عشر ولداً ليعقوب أنبياء كلهم، ولد كل واحد منهم أمة من الناس فسموا الأسباط. والسبط في اللغة الشجرة. أي: هم في الكثرة مثل الشجر. قال ابن عباس: "كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: نوح وهود وصالح ولوط وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل ومحمد ﷺ وعيسى صلى الله عليهم أجمعين". * * ثم قال: ﴿وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ﴾. أي: وصدقنا بما أوتي موسى وعيسى، يعني: التوراة والإنجيل، وصدقنا بما أوتي النبيون من ربهم يعني: من [الكتب، كل ذلك حق] ﴿لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾ أي: لا نفرق بين أحد من النبيين فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى، بل نؤمن بالكل وبما جاء به الكل. وقال ابن عباس ووهب بن منبه: "الأنبياء كلهم مائة وأربعة وعشرون ألف نبي كلهم من بني إسرائيل إلا عشرين نبياً. وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل صلوات الله عليهم أجمعين. وعدد الرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر كلهم من بني يعقوب إلا عشرين رسولاً". وقال غير ابن عباس مثل قوله وزاد، فقال: "عدد الأنبياء صلوات الله عليهم مائة وأربعة وعشرون ألف نبي، أولهم آدم وآخرهم محمد ﷺ وعليهم أجمعين. والرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولاً، ذكر الله منهم في القرآن ستة وعشرين وهم: آدم وإدريس ونوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وموسى وهارون والأسباط واليسع وإلياس ويونس وأيوب وداود وسليمان وزكرياء وعزير ويحيى وعيسى ومحمد ﷺ وعليهم أجمعين. ومنهم خمسة لم تذكر أسماؤهم وذكروا بغير أسمائهم وهم: الذي مرّ على القرية قيل هو أرميا، وصاحب موسى وهو الخضر، وقيل إنه ليس بنبي، وثلاثة ذكرهم الله في سورة "يس" ولم يذكر أسماؤهم، فأما ذو القرنين، فأكثر الناس على أنه ليس بنبي. وكذلك اختلف في ذي الكفل. * * ثم قال ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾. أي: خاضعون بالطاعة لله. وروى ابن عباس أن النبي [عليه السلام] سأله نفر من اليهود: بمن تؤمن من الرسل؟ فقرأ عليهم الآية. فلما ذكر عيسى جحدوا نبوّته، وقالوا: لا نؤمن بعيسى ولا بمن آمن بعيسى، فأنزل الله جل ذكره: ﴿قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ﴾ [المائدة: ٥٩] إلى ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٥٩]. [ثم قال]: ﴿فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ﴾. إي: إن صدقوا بجميع الأنبياء وبجميع الكتب التي أنزلها الله كما آمنتم فقد اهتدوا إلى الحق، يعني به اليهود والنصارى. ﴿وَّإِن تَوَلَّوْاْ﴾: أي: إن لم يؤمنوا بذلك وأعرضوا، ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾: أي: في مشاقة ومباعدة من الحق وفراق له ومحاربة له. وقيل: المعنى: قد صاروا في شق غير شق المسلمين. والمماثلة في الآية إنما وقعت بين التصديقين، أي: إن صدقوا بمثل تصديقكم وأقروا بمثل إقراركم. ولم يقع التمثيل بين المؤمن به وهو الله عز وجل وسبحانه وتعالى؛ هذا كفر لا يجوز. فإن قيل: وهل للإيمان مثل، هو غير الإيمان فتصح المماثلة به؟ فالجواب: أنه محمول على المعنى، والتقدير: فإن أتوا بتصديق مثل تصديقكم فقد اهتدوا: أي: صاروا مسلمين. وهذا من كلام العرب، يقول الرجل لمن يتلقاه: "بشر استقبل مثلي بهذا". وقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وتقول: "ليس كربنا شيء"، "وليس كمثل ربنا شيء". والمعنى سواء. هذا قول أبي حاتم وغيره. * * ثم قال تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ﴾ . أي: فسيكفيك الله يا محمد هؤلاء المخالفين لك من اليهود والنصارى إما بقتل وإما بجلاء عن جوارك. ﴿وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾: أي يسمع ما يقولون بألسنتهم ويعلم ما يبطنون لك ولأصحابك من البغضاء والحسد. فأنجز الله لرسوله وعده في اليهود وفي غيرهم وكفاه إياهم وسلَّطه عليهم وخذلهم، فقتل بعضاً، وأجلى بعضاً، وأذل بعضاً بالجزية. * * ثم قال تعالى: ﴿صِبْغَةَ ٱللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ﴾. "صبغة" منصوب على البدل من ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ فيكون المعنى: "بل صبغة الله"، وذلك أن النصارى إذا أرادت أن تنصر أطفالها جعلتهم في ماء لهم يزعمون أن ذلك تقديس" لهم بمنزلة الختانة لأهل الإسلام، ويقولون: إن ذلك صبغة لهم في النصرانية. فلما قالوا للمسلمين: ﴿كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُواْ﴾ قال الله لنبيه ﷺ: قل لهم: بل نتبع ملة إبراهيم، صبغة الله التي هي أحسن الصبغ وهي الحنيفية المسلمة، لا ما تغمسون فيه أبناءكم. وأجاز الكسائي نصبه على الإغراء والتقدير: الزموا تطهير الله بالإسلام لا ما تفعله اليهود والنصارى. وقيل: هو محمول على المعنى لأن معنى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ونحن متبعون صبغة الله. وقال قتادة: ﴿صِبْغَةَ ٱللَّهِ﴾: "دين الله". وكذا قال ابن عباس وغيره. قال قتادة: "إن اليهود تصبغ أولادها يهوداً، والنصارى تصبغ أولادها نصارى، وإن صبغة الله الإسلام، فلا صبغة أحسن من الإسلام ولا أطهر، وهو دين الله الذي بعث به نوحاً والأنبياء بعده صلوات الله عليهم". وقال مجاهد: "صبغة الله: فطرة الله؛ وهي فطرة الإسلام التي فطر الناس عليها". والفطرة ابتداء ما خلق عليه الخلق وهو الإسلام، ثم غيّروا دين أنبيائهم بدين آخر. وأصل الصبغ حدوث شيء فكأنهم أحدثوا ديناً غير ما خلقوا عليه. وقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ﴾، أي: خاضعون في اتباع أمره وتصديق كتبه ورسله. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾، أي: قل يا محمد لهؤلاء اليهود والنصارى: أتخاصموننا في دين الله وهو معبودنا ومعبودكم وإلهنا وإلهكم واحد، ونحن له مخلصون العبادة والطاعة، وأنتم قد عبدتم معه غيره، عبدت اليهود العجل، وعبدت النصارى المسيح. فكيف تخاصموننا وتزعمون أنكم أولى به منا وقد عبدتم غيره ونحن أخلصنا العبادة له. * * ثم قال: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ نَصَارَىٰ﴾. أي: أتقول اليهود: إن هؤلاء الأنبياء كانوا هوداً؟ أو أتقول النصارى: إن هؤلاء الأنبياء كانوا نصارى؟ قل لهم يا محمد: أنتم أعلم أم الله؟ فإن الله قد أعلمنا أنهم على الملة الحنيفية المسلمة. ومن قرأ بالتاء، جعله خطاباً لهم. ومن قرأه بالياء أجراه على الإخبار عنهم. * * ثم قال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ ٱللَّهِ﴾. أي: لا أحد أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله. أي: لا أحد أظلم منه. وقيل: عني بذلك كتمانهم نبوة محمد ﷺ وهم يعلمون ذلك ويجدونه في كتبهم. قاله قتادة وغيره. وقيل: إنما كتموا ما في كتبهم من اتباع ملة إبراهيم ﷺ ومن ذُكِرَ معه، وقد علموا أنهم كانوا حنفاء مسلمين فكتموا ذلك. وادّعت اليهود أنهم كانوا يهوداً، وادّعت النصارى أنهم كانوا نصارى، وهم مع ذلك قد علموا أن اليهودية والنصرانية إنما حدثت بعد موت [هؤلاء] الأنبياء صلى الله عليهم وسلم. والهاء في ﴿عِندَهُ﴾ تعود على الظالم ودل عليه ﴿أَظْلَمُ﴾. والأسباط من ولد يعقوب كالقبائل من ولد إسماعيل ﷺ وهم اثنا عشر سبطاً من اثني عشر ولداً ليعقوب عليه السلام. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. أي: ليس الله بغافل عن فعلكم وكتمانكم ما قد علمتموه، بل يحصيه عليكم ويجازيكم به. * * ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾. أي: إبراهيم ومن ذكر معه من الأنبياء صلوات الله عليهم أمة قد مضت بعملها. لها ما عملت، ولكم ما عملتم. ﴿وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾: أي: لا يسأل أحد عن ذنب أحد.

البقرة 2:139

قوله ﴿قُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ إلى قوله ﴿عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ معناه: قولوا أيها المؤمنون لهؤلاء اليهود والنصارى الذين قالوا لكم كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا: "آمنا بالله"، أي: صدقنا به، وصدقنا بما أنزل إلينا وهو القرآن، وبما أنزل إلى إبراهيم وإلى إسماعيل وإلى إسحاق وإلى يعقوب وإلى الأسباط، وهم اثنا عشر ولداً ليعقوب أنبياء كلهم، ولد كل واحد منهم أمة من الناس فسموا الأسباط. والسبط في اللغة الشجرة. أي: هم في الكثرة مثل الشجر. قال ابن عباس: "كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: نوح وهود وصالح ولوط وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل ومحمد ﷺ وعيسى صلى الله عليهم أجمعين". * * ثم قال: ﴿وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ﴾. أي: وصدقنا بما أوتي موسى وعيسى، يعني: التوراة والإنجيل، وصدقنا بما أوتي النبيون من ربهم يعني: من [الكتب، كل ذلك حق] ﴿لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾ أي: لا نفرق بين أحد من النبيين فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى، بل نؤمن بالكل وبما جاء به الكل. وقال ابن عباس ووهب بن منبه: "الأنبياء كلهم مائة وأربعة وعشرون ألف نبي كلهم من بني إسرائيل إلا عشرين نبياً. وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل صلوات الله عليهم أجمعين. وعدد الرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر كلهم من بني يعقوب إلا عشرين رسولاً". وقال غير ابن عباس مثل قوله وزاد، فقال: "عدد الأنبياء صلوات الله عليهم مائة وأربعة وعشرون ألف نبي، أولهم آدم وآخرهم محمد ﷺ وعليهم أجمعين. والرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولاً، ذكر الله منهم في القرآن ستة وعشرين وهم: آدم وإدريس ونوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وموسى وهارون والأسباط واليسع وإلياس ويونس وأيوب وداود وسليمان وزكرياء وعزير ويحيى وعيسى ومحمد ﷺ وعليهم أجمعين. ومنهم خمسة لم تذكر أسماؤهم وذكروا بغير أسمائهم وهم: الذي مرّ على القرية قيل هو أرميا، وصاحب موسى وهو الخضر، وقيل إنه ليس بنبي، وثلاثة ذكرهم الله في سورة "يس" ولم يذكر أسماؤهم، فأما ذو القرنين، فأكثر الناس على أنه ليس بنبي. وكذلك اختلف في ذي الكفل. * * ثم قال ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾. أي: خاضعون بالطاعة لله. وروى ابن عباس أن النبي [عليه السلام] سأله نفر من اليهود: بمن تؤمن من الرسل؟ فقرأ عليهم الآية. فلما ذكر عيسى جحدوا نبوّته، وقالوا: لا نؤمن بعيسى ولا بمن آمن بعيسى، فأنزل الله جل ذكره: ﴿قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ﴾ [المائدة: ٥٩] إلى ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٥٩]. [ثم قال]: ﴿فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ﴾. إي: إن صدقوا بجميع الأنبياء وبجميع الكتب التي أنزلها الله كما آمنتم فقد اهتدوا إلى الحق، يعني به اليهود والنصارى. ﴿وَّإِن تَوَلَّوْاْ﴾: أي: إن لم يؤمنوا بذلك وأعرضوا، ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾: أي: في مشاقة ومباعدة من الحق وفراق له ومحاربة له. وقيل: المعنى: قد صاروا في شق غير شق المسلمين. والمماثلة في الآية إنما وقعت بين التصديقين، أي: إن صدقوا بمثل تصديقكم وأقروا بمثل إقراركم. ولم يقع التمثيل بين المؤمن به وهو الله عز وجل وسبحانه وتعالى؛ هذا كفر لا يجوز. فإن قيل: وهل للإيمان مثل، هو غير الإيمان فتصح المماثلة به؟ فالجواب: أنه محمول على المعنى، والتقدير: فإن أتوا بتصديق مثل تصديقكم فقد اهتدوا: أي: صاروا مسلمين. وهذا من كلام العرب، يقول الرجل لمن يتلقاه: "بشر استقبل مثلي بهذا". وقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وتقول: "ليس كربنا شيء"، "وليس كمثل ربنا شيء". والمعنى سواء. هذا قول أبي حاتم وغيره. * * ثم قال تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ﴾ . أي: فسيكفيك الله يا محمد هؤلاء المخالفين لك من اليهود والنصارى إما بقتل وإما بجلاء عن جوارك. ﴿وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾: أي يسمع ما يقولون بألسنتهم ويعلم ما يبطنون لك ولأصحابك من البغضاء والحسد. فأنجز الله لرسوله وعده في اليهود وفي غيرهم وكفاه إياهم وسلَّطه عليهم وخذلهم، فقتل بعضاً، وأجلى بعضاً، وأذل بعضاً بالجزية. * * ثم قال تعالى: ﴿صِبْغَةَ ٱللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ﴾. "صبغة" منصوب على البدل من ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ فيكون المعنى: "بل صبغة الله"، وذلك أن النصارى إذا أرادت أن تنصر أطفالها جعلتهم في ماء لهم يزعمون أن ذلك تقديس" لهم بمنزلة الختانة لأهل الإسلام، ويقولون: إن ذلك صبغة لهم في النصرانية. فلما قالوا للمسلمين: ﴿كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُواْ﴾ قال الله لنبيه ﷺ: قل لهم: بل نتبع ملة إبراهيم، صبغة الله التي هي أحسن الصبغ وهي الحنيفية المسلمة، لا ما تغمسون فيه أبناءكم. وأجاز الكسائي نصبه على الإغراء والتقدير: الزموا تطهير الله بالإسلام لا ما تفعله اليهود والنصارى. وقيل: هو محمول على المعنى لأن معنى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ونحن متبعون صبغة الله. وقال قتادة: ﴿صِبْغَةَ ٱللَّهِ﴾: "دين الله". وكذا قال ابن عباس وغيره. قال قتادة: "إن اليهود تصبغ أولادها يهوداً، والنصارى تصبغ أولادها نصارى، وإن صبغة الله الإسلام، فلا صبغة أحسن من الإسلام ولا أطهر، وهو دين الله الذي بعث به نوحاً والأنبياء بعده صلوات الله عليهم". وقال مجاهد: "صبغة الله: فطرة الله؛ وهي فطرة الإسلام التي فطر الناس عليها". والفطرة ابتداء ما خلق عليه الخلق وهو الإسلام، ثم غيّروا دين أنبيائهم بدين آخر. وأصل الصبغ حدوث شيء فكأنهم أحدثوا ديناً غير ما خلقوا عليه. وقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ﴾، أي: خاضعون في اتباع أمره وتصديق كتبه ورسله. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾، أي: قل يا محمد لهؤلاء اليهود والنصارى: أتخاصموننا في دين الله وهو معبودنا ومعبودكم وإلهنا وإلهكم واحد، ونحن له مخلصون العبادة والطاعة، وأنتم قد عبدتم معه غيره، عبدت اليهود العجل، وعبدت النصارى المسيح. فكيف تخاصموننا وتزعمون أنكم أولى به منا وقد عبدتم غيره ونحن أخلصنا العبادة له. * * ثم قال: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ نَصَارَىٰ﴾. أي: أتقول اليهود: إن هؤلاء الأنبياء كانوا هوداً؟ أو أتقول النصارى: إن هؤلاء الأنبياء كانوا نصارى؟ قل لهم يا محمد: أنتم أعلم أم الله؟ فإن الله قد أعلمنا أنهم على الملة الحنيفية المسلمة. ومن قرأ بالتاء، جعله خطاباً لهم. ومن قرأه بالياء أجراه على الإخبار عنهم. * * ثم قال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ ٱللَّهِ﴾. أي: لا أحد أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله. أي: لا أحد أظلم منه. وقيل: عني بذلك كتمانهم نبوة محمد ﷺ وهم يعلمون ذلك ويجدونه في كتبهم. قاله قتادة وغيره. وقيل: إنما كتموا ما في كتبهم من اتباع ملة إبراهيم ﷺ ومن ذُكِرَ معه، وقد علموا أنهم كانوا حنفاء مسلمين فكتموا ذلك. وادّعت اليهود أنهم كانوا يهوداً، وادّعت النصارى أنهم كانوا نصارى، وهم مع ذلك قد علموا أن اليهودية والنصرانية إنما حدثت بعد موت [هؤلاء] الأنبياء صلى الله عليهم وسلم. والهاء في ﴿عِندَهُ﴾ تعود على الظالم ودل عليه ﴿أَظْلَمُ﴾. والأسباط من ولد يعقوب كالقبائل من ولد إسماعيل ﷺ وهم اثنا عشر سبطاً من اثني عشر ولداً ليعقوب عليه السلام. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. أي: ليس الله بغافل عن فعلكم وكتمانكم ما قد علمتموه، بل يحصيه عليكم ويجازيكم به. * * ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾. أي: إبراهيم ومن ذكر معه من الأنبياء صلوات الله عليهم أمة قد مضت بعملها. لها ما عملت، ولكم ما عملتم. ﴿وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾: أي: لا يسأل أحد عن ذنب أحد.

البقرة 2:140

قوله ﴿قُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ إلى قوله ﴿عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ معناه: قولوا أيها المؤمنون لهؤلاء اليهود والنصارى الذين قالوا لكم كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا: "آمنا بالله"، أي: صدقنا به، وصدقنا بما أنزل إلينا وهو القرآن، وبما أنزل إلى إبراهيم وإلى إسماعيل وإلى إسحاق وإلى يعقوب وإلى الأسباط، وهم اثنا عشر ولداً ليعقوب أنبياء كلهم، ولد كل واحد منهم أمة من الناس فسموا الأسباط. والسبط في اللغة الشجرة. أي: هم في الكثرة مثل الشجر. قال ابن عباس: "كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: نوح وهود وصالح ولوط وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل ومحمد ﷺ وعيسى صلى الله عليهم أجمعين". * * ثم قال: ﴿وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ﴾. أي: وصدقنا بما أوتي موسى وعيسى، يعني: التوراة والإنجيل، وصدقنا بما أوتي النبيون من ربهم يعني: من [الكتب، كل ذلك حق] ﴿لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾ أي: لا نفرق بين أحد من النبيين فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى، بل نؤمن بالكل وبما جاء به الكل. وقال ابن عباس ووهب بن منبه: "الأنبياء كلهم مائة وأربعة وعشرون ألف نبي كلهم من بني إسرائيل إلا عشرين نبياً. وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل صلوات الله عليهم أجمعين. وعدد الرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر كلهم من بني يعقوب إلا عشرين رسولاً". وقال غير ابن عباس مثل قوله وزاد، فقال: "عدد الأنبياء صلوات الله عليهم مائة وأربعة وعشرون ألف نبي، أولهم آدم وآخرهم محمد ﷺ وعليهم أجمعين. والرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولاً، ذكر الله منهم في القرآن ستة وعشرين وهم: آدم وإدريس ونوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وموسى وهارون والأسباط واليسع وإلياس ويونس وأيوب وداود وسليمان وزكرياء وعزير ويحيى وعيسى ومحمد ﷺ وعليهم أجمعين. ومنهم خمسة لم تذكر أسماؤهم وذكروا بغير أسمائهم وهم: الذي مرّ على القرية قيل هو أرميا، وصاحب موسى وهو الخضر، وقيل إنه ليس بنبي، وثلاثة ذكرهم الله في سورة "يس" ولم يذكر أسماؤهم، فأما ذو القرنين، فأكثر الناس على أنه ليس بنبي. وكذلك اختلف في ذي الكفل. * * ثم قال ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾. أي: خاضعون بالطاعة لله. وروى ابن عباس أن النبي [عليه السلام] سأله نفر من اليهود: بمن تؤمن من الرسل؟ فقرأ عليهم الآية. فلما ذكر عيسى جحدوا نبوّته، وقالوا: لا نؤمن بعيسى ولا بمن آمن بعيسى، فأنزل الله جل ذكره: ﴿قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ﴾ [المائدة: ٥٩] إلى ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٥٩]. [ثم قال]: ﴿فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ﴾. إي: إن صدقوا بجميع الأنبياء وبجميع الكتب التي أنزلها الله كما آمنتم فقد اهتدوا إلى الحق، يعني به اليهود والنصارى. ﴿وَّإِن تَوَلَّوْاْ﴾: أي: إن لم يؤمنوا بذلك وأعرضوا، ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾: أي: في مشاقة ومباعدة من الحق وفراق له ومحاربة له. وقيل: المعنى: قد صاروا في شق غير شق المسلمين. والمماثلة في الآية إنما وقعت بين التصديقين، أي: إن صدقوا بمثل تصديقكم وأقروا بمثل إقراركم. ولم يقع التمثيل بين المؤمن به وهو الله عز وجل وسبحانه وتعالى؛ هذا كفر لا يجوز. فإن قيل: وهل للإيمان مثل، هو غير الإيمان فتصح المماثلة به؟ فالجواب: أنه محمول على المعنى، والتقدير: فإن أتوا بتصديق مثل تصديقكم فقد اهتدوا: أي: صاروا مسلمين. وهذا من كلام العرب، يقول الرجل لمن يتلقاه: "بشر استقبل مثلي بهذا". وقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وتقول: "ليس كربنا شيء"، "وليس كمثل ربنا شيء". والمعنى سواء. هذا قول أبي حاتم وغيره. * * ثم قال تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ﴾ . أي: فسيكفيك الله يا محمد هؤلاء المخالفين لك من اليهود والنصارى إما بقتل وإما بجلاء عن جوارك. ﴿وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾: أي يسمع ما يقولون بألسنتهم ويعلم ما يبطنون لك ولأصحابك من البغضاء والحسد. فأنجز الله لرسوله وعده في اليهود وفي غيرهم وكفاه إياهم وسلَّطه عليهم وخذلهم، فقتل بعضاً، وأجلى بعضاً، وأذل بعضاً بالجزية. * * ثم قال تعالى: ﴿صِبْغَةَ ٱللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ﴾. "صبغة" منصوب على البدل من ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ فيكون المعنى: "بل صبغة الله"، وذلك أن النصارى إذا أرادت أن تنصر أطفالها جعلتهم في ماء لهم يزعمون أن ذلك تقديس" لهم بمنزلة الختانة لأهل الإسلام، ويقولون: إن ذلك صبغة لهم في النصرانية. فلما قالوا للمسلمين: ﴿كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُواْ﴾ قال الله لنبيه ﷺ: قل لهم: بل نتبع ملة إبراهيم، صبغة الله التي هي أحسن الصبغ وهي الحنيفية المسلمة، لا ما تغمسون فيه أبناءكم. وأجاز الكسائي نصبه على الإغراء والتقدير: الزموا تطهير الله بالإسلام لا ما تفعله اليهود والنصارى. وقيل: هو محمول على المعنى لأن معنى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ونحن متبعون صبغة الله. وقال قتادة: ﴿صِبْغَةَ ٱللَّهِ﴾: "دين الله". وكذا قال ابن عباس وغيره. قال قتادة: "إن اليهود تصبغ أولادها يهوداً، والنصارى تصبغ أولادها نصارى، وإن صبغة الله الإسلام، فلا صبغة أحسن من الإسلام ولا أطهر، وهو دين الله الذي بعث به نوحاً والأنبياء بعده صلوات الله عليهم". وقال مجاهد: "صبغة الله: فطرة الله؛ وهي فطرة الإسلام التي فطر الناس عليها". والفطرة ابتداء ما خلق عليه الخلق وهو الإسلام، ثم غيّروا دين أنبيائهم بدين آخر. وأصل الصبغ حدوث شيء فكأنهم أحدثوا ديناً غير ما خلقوا عليه. وقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ﴾، أي: خاضعون في اتباع أمره وتصديق كتبه ورسله. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾، أي: قل يا محمد لهؤلاء اليهود والنصارى: أتخاصموننا في دين الله وهو معبودنا ومعبودكم وإلهنا وإلهكم واحد، ونحن له مخلصون العبادة والطاعة، وأنتم قد عبدتم معه غيره، عبدت اليهود العجل، وعبدت النصارى المسيح. فكيف تخاصموننا وتزعمون أنكم أولى به منا وقد عبدتم غيره ونحن أخلصنا العبادة له. * * ثم قال: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ نَصَارَىٰ﴾. أي: أتقول اليهود: إن هؤلاء الأنبياء كانوا هوداً؟ أو أتقول النصارى: إن هؤلاء الأنبياء كانوا نصارى؟ قل لهم يا محمد: أنتم أعلم أم الله؟ فإن الله قد أعلمنا أنهم على الملة الحنيفية المسلمة. ومن قرأ بالتاء، جعله خطاباً لهم. ومن قرأه بالياء أجراه على الإخبار عنهم. * * ثم قال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ ٱللَّهِ﴾. أي: لا أحد أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله. أي: لا أحد أظلم منه. وقيل: عني بذلك كتمانهم نبوة محمد ﷺ وهم يعلمون ذلك ويجدونه في كتبهم. قاله قتادة وغيره. وقيل: إنما كتموا ما في كتبهم من اتباع ملة إبراهيم ﷺ ومن ذُكِرَ معه، وقد علموا أنهم كانوا حنفاء مسلمين فكتموا ذلك. وادّعت اليهود أنهم كانوا يهوداً، وادّعت النصارى أنهم كانوا نصارى، وهم مع ذلك قد علموا أن اليهودية والنصرانية إنما حدثت بعد موت [هؤلاء] الأنبياء صلى الله عليهم وسلم. والهاء في ﴿عِندَهُ﴾ تعود على الظالم ودل عليه ﴿أَظْلَمُ﴾. والأسباط من ولد يعقوب كالقبائل من ولد إسماعيل ﷺ وهم اثنا عشر سبطاً من اثني عشر ولداً ليعقوب عليه السلام. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. أي: ليس الله بغافل عن فعلكم وكتمانكم ما قد علمتموه، بل يحصيه عليكم ويجازيكم به. * * ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾. أي: إبراهيم ومن ذكر معه من الأنبياء صلوات الله عليهم أمة قد مضت بعملها. لها ما عملت، ولكم ما عملتم. ﴿وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾: أي: لا يسأل أحد عن ذنب أحد.

البقرة 2:141

قوله ﴿قُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ إلى قوله ﴿عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ معناه: قولوا أيها المؤمنون لهؤلاء اليهود والنصارى الذين قالوا لكم كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا: "آمنا بالله"، أي: صدقنا به، وصدقنا بما أنزل إلينا وهو القرآن، وبما أنزل إلى إبراهيم وإلى إسماعيل وإلى إسحاق وإلى يعقوب وإلى الأسباط، وهم اثنا عشر ولداً ليعقوب أنبياء كلهم، ولد كل واحد منهم أمة من الناس فسموا الأسباط. والسبط في اللغة الشجرة. أي: هم في الكثرة مثل الشجر. قال ابن عباس: "كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: نوح وهود وصالح ولوط وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل ومحمد ﷺ وعيسى صلى الله عليهم أجمعين". * * ثم قال: ﴿وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ﴾. أي: وصدقنا بما أوتي موسى وعيسى، يعني: التوراة والإنجيل، وصدقنا بما أوتي النبيون من ربهم يعني: من [الكتب، كل ذلك حق] ﴿لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾ أي: لا نفرق بين أحد من النبيين فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى، بل نؤمن بالكل وبما جاء به الكل. وقال ابن عباس ووهب بن منبه: "الأنبياء كلهم مائة وأربعة وعشرون ألف نبي كلهم من بني إسرائيل إلا عشرين نبياً. وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل صلوات الله عليهم أجمعين. وعدد الرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر كلهم من بني يعقوب إلا عشرين رسولاً". وقال غير ابن عباس مثل قوله وزاد، فقال: "عدد الأنبياء صلوات الله عليهم مائة وأربعة وعشرون ألف نبي، أولهم آدم وآخرهم محمد ﷺ وعليهم أجمعين. والرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولاً، ذكر الله منهم في القرآن ستة وعشرين وهم: آدم وإدريس ونوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وموسى وهارون والأسباط واليسع وإلياس ويونس وأيوب وداود وسليمان وزكرياء وعزير ويحيى وعيسى ومحمد ﷺ وعليهم أجمعين. ومنهم خمسة لم تذكر أسماؤهم وذكروا بغير أسمائهم وهم: الذي مرّ على القرية قيل هو أرميا، وصاحب موسى وهو الخضر، وقيل إنه ليس بنبي، وثلاثة ذكرهم الله في سورة "يس" ولم يذكر أسماؤهم، فأما ذو القرنين، فأكثر الناس على أنه ليس بنبي. وكذلك اختلف في ذي الكفل. * * ثم قال ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾. أي: خاضعون بالطاعة لله. وروى ابن عباس أن النبي [عليه السلام] سأله نفر من اليهود: بمن تؤمن من الرسل؟ فقرأ عليهم الآية. فلما ذكر عيسى جحدوا نبوّته، وقالوا: لا نؤمن بعيسى ولا بمن آمن بعيسى، فأنزل الله جل ذكره: ﴿قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ﴾ [المائدة: ٥٩] إلى ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٥٩]. [ثم قال]: ﴿فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ﴾. إي: إن صدقوا بجميع الأنبياء وبجميع الكتب التي أنزلها الله كما آمنتم فقد اهتدوا إلى الحق، يعني به اليهود والنصارى. ﴿وَّإِن تَوَلَّوْاْ﴾: أي: إن لم يؤمنوا بذلك وأعرضوا، ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾: أي: في مشاقة ومباعدة من الحق وفراق له ومحاربة له. وقيل: المعنى: قد صاروا في شق غير شق المسلمين. والمماثلة في الآية إنما وقعت بين التصديقين، أي: إن صدقوا بمثل تصديقكم وأقروا بمثل إقراركم. ولم يقع التمثيل بين المؤمن به وهو الله عز وجل وسبحانه وتعالى؛ هذا كفر لا يجوز. فإن قيل: وهل للإيمان مثل، هو غير الإيمان فتصح المماثلة به؟ فالجواب: أنه محمول على المعنى، والتقدير: فإن أتوا بتصديق مثل تصديقكم فقد اهتدوا: أي: صاروا مسلمين. وهذا من كلام العرب، يقول الرجل لمن يتلقاه: "بشر استقبل مثلي بهذا". وقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وتقول: "ليس كربنا شيء"، "وليس كمثل ربنا شيء". والمعنى سواء. هذا قول أبي حاتم وغيره. * * ثم قال تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ﴾ . أي: فسيكفيك الله يا محمد هؤلاء المخالفين لك من اليهود والنصارى إما بقتل وإما بجلاء عن جوارك. ﴿وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾: أي يسمع ما يقولون بألسنتهم ويعلم ما يبطنون لك ولأصحابك من البغضاء والحسد. فأنجز الله لرسوله وعده في اليهود وفي غيرهم وكفاه إياهم وسلَّطه عليهم وخذلهم، فقتل بعضاً، وأجلى بعضاً، وأذل بعضاً بالجزية. * * ثم قال تعالى: ﴿صِبْغَةَ ٱللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ﴾. "صبغة" منصوب على البدل من ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ فيكون المعنى: "بل صبغة الله"، وذلك أن النصارى إذا أرادت أن تنصر أطفالها جعلتهم في ماء لهم يزعمون أن ذلك تقديس" لهم بمنزلة الختانة لأهل الإسلام، ويقولون: إن ذلك صبغة لهم في النصرانية. فلما قالوا للمسلمين: ﴿كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُواْ﴾ قال الله لنبيه ﷺ: قل لهم: بل نتبع ملة إبراهيم، صبغة الله التي هي أحسن الصبغ وهي الحنيفية المسلمة، لا ما تغمسون فيه أبناءكم. وأجاز الكسائي نصبه على الإغراء والتقدير: الزموا تطهير الله بالإسلام لا ما تفعله اليهود والنصارى. وقيل: هو محمول على المعنى لأن معنى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ونحن متبعون صبغة الله. وقال قتادة: ﴿صِبْغَةَ ٱللَّهِ﴾: "دين الله". وكذا قال ابن عباس وغيره. قال قتادة: "إن اليهود تصبغ أولادها يهوداً، والنصارى تصبغ أولادها نصارى، وإن صبغة الله الإسلام، فلا صبغة أحسن من الإسلام ولا أطهر، وهو دين الله الذي بعث به نوحاً والأنبياء بعده صلوات الله عليهم". وقال مجاهد: "صبغة الله: فطرة الله؛ وهي فطرة الإسلام التي فطر الناس عليها". والفطرة ابتداء ما خلق عليه الخلق وهو الإسلام، ثم غيّروا دين أنبيائهم بدين آخر. وأصل الصبغ حدوث شيء فكأنهم أحدثوا ديناً غير ما خلقوا عليه. وقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ﴾، أي: خاضعون في اتباع أمره وتصديق كتبه ورسله. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾، أي: قل يا محمد لهؤلاء اليهود والنصارى: أتخاصموننا في دين الله وهو معبودنا ومعبودكم وإلهنا وإلهكم واحد، ونحن له مخلصون العبادة والطاعة، وأنتم قد عبدتم معه غيره، عبدت اليهود العجل، وعبدت النصارى المسيح. فكيف تخاصموننا وتزعمون أنكم أولى به منا وقد عبدتم غيره ونحن أخلصنا العبادة له. * * ثم قال: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ نَصَارَىٰ﴾. أي: أتقول اليهود: إن هؤلاء الأنبياء كانوا هوداً؟ أو أتقول النصارى: إن هؤلاء الأنبياء كانوا نصارى؟ قل لهم يا محمد: أنتم أعلم أم الله؟ فإن الله قد أعلمنا أنهم على الملة الحنيفية المسلمة. ومن قرأ بالتاء، جعله خطاباً لهم. ومن قرأه بالياء أجراه على الإخبار عنهم. * * ثم قال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ ٱللَّهِ﴾. أي: لا أحد أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله. أي: لا أحد أظلم منه. وقيل: عني بذلك كتمانهم نبوة محمد ﷺ وهم يعلمون ذلك ويجدونه في كتبهم. قاله قتادة وغيره. وقيل: إنما كتموا ما في كتبهم من اتباع ملة إبراهيم ﷺ ومن ذُكِرَ معه، وقد علموا أنهم كانوا حنفاء مسلمين فكتموا ذلك. وادّعت اليهود أنهم كانوا يهوداً، وادّعت النصارى أنهم كانوا نصارى، وهم مع ذلك قد علموا أن اليهودية والنصرانية إنما حدثت بعد موت [هؤلاء] الأنبياء صلى الله عليهم وسلم. والهاء في ﴿عِندَهُ﴾ تعود على الظالم ودل عليه ﴿أَظْلَمُ﴾. والأسباط من ولد يعقوب كالقبائل من ولد إسماعيل ﷺ وهم اثنا عشر سبطاً من اثني عشر ولداً ليعقوب عليه السلام. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. أي: ليس الله بغافل عن فعلكم وكتمانكم ما قد علمتموه، بل يحصيه عليكم ويجازيكم به. * * ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾. أي: إبراهيم ومن ذكر معه من الأنبياء صلوات الله عليهم أمة قد مضت بعملها. لها ما عملت، ولكم ما عملتم. ﴿وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾: أي: لا يسأل أحد عن ذنب أحد.

البقرة 2:142

قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾ إلى قوله: ﴿لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾. أي: سيقول الجهّال من الناس وهم اليهود والمنافقون: ما ولاّهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، أي: ما حملهم على [ترك التوجه إلى بيت المقدس وما صرفهم] عن ذلك، وذلك حين ترك النبي عليه السلام التوجه نحو بيت المقدس وتوجه إلى الكعبة. وقيل: هم كفار أهل مكة أعلم الله تعالى نبيه ﷺ ما هم قائلون عند تحويل القبلة إلى الكعبة، وأعلمه ما يقول لهم وما يجاوبهم به، فقال: قل يا محمد [إذا قالوا ذلك]: ﴿للَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾، وذلك أن النبي ﷺ صلّى نحو بيت المقدس سبعة عشر شهراً، وكان يتمنى أن يصرف إلى الكعبة ثم أراد الله جل ذكره صرف قبلته إلى نحو المسجد الحرام فأخبره عما سيقول المنافقون واليهود وأخبره [ما الذي] ينبغي أن يرد عليهم من الجواب. فلما رده الله تعالى إليها، أتاه نفر من اليهود فقالوا: "يا محمد، ما ولاّك عن قبلتك التي كنت عليها وأنت تزعم أنك على ملّة إبراهيم ودينه، ارجع إلى قبلتك ونصدقك" يريدون فتنته عن دينه. وقيل: إنه صلّى إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً، ثم صرف إلى الكعبة قبل بدر بشهرين. قاله ابن المسيب. وكان أول صلاة صرف فيها إلى الكعبة العصر، فلما صلاها إلى الكعبة خرج من عنده رجل، فمرّ بقوم يصلون فقال: أشهد، لقد صليت مع رسول الله ﷺ قِِبَلَ مكة، فداروا كما هم قِبَلَ البيت. وروى أنس بن مالك "أن النبي [عليه السلام] صلّى نحو بيت المقدس تسعة أشهر وعشرة أيام بعد هجرته. قال: فبينما هو قائم يصلي الظهر بالمدينة وقد صلى ركعتين نحو بيت المقدس، اُنصرف بوجهه إلى الكعبة فقال السفهاء: ﴿مَا وَلَّٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾. وقال معاذ بن جبل: "صلّى نحو بيت المقدس ثلاثة عشر شهراً". وروي عن الحسن وعكرمة أنهما قالا: "صلّى النبي ﷺ بعد هجرته نحو بيت المقدس اختياراً منه من غير أن يفرض ذلك عليه طمعاً من أن يستميل اليهود إذ هي قبلتهم، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَللَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. وقال أبو العالية: "ان [نبي الله عليه السلام] خُيِّر أن يُوجِّه وجهه حيث يشاء، فاختار بيت المقدس لكي يتألف أهل الكتابيين [وهو في ذلك يقلب وجهه في السماء، ثم وجّهه الله عز وجل إلى البيت] الحرام". وروي أنه صرف في رجب بعد مقدمه المدينة لسبعة عشر شهراً وكان بمكة والمدينة يصلي نحو بيت المقدس. فلما رجع سأله اليهود أن يرجع إلى قبلتهم يريدون فتنته، وقال كفار مكة: قد برد أمر محمد وهو راجع إلى دينكم عاجلاً. فأنزل الله في الجميع: ﴿سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ﴾، الآيات إلى قوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. وروي "أن الأنصار صلّت قبل قدوم النبي عليه السلام إلى المدينة نحو بيت المقدس حولين. فلما قدم النبي ﷺ المدينة صلّى معهم نحو بيت المقدس بضعة عشر شهراً، ثم نقله الله عز وجل إلى الكعبة. وقال ابن عباس: "لما هاجر [النبي عليه السلام إلى المدينة وكان أكثر أهلها] اليهود، أمره الله عز وجل أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها بضعة عشر شهراً. وكان ﷺ يحب قبلة إبراهيم ﷺ، وكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله جلّ ذكره: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ الآية. ورجع النبي ﷺ يصلي إلى الكعبة فارتاب [من ذلك اليهود]. وقالوا: ﴿مَا وَلَّٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾، فأنزل الله عز وجل: ﴿قُل للَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ الآية. وقال ابن جريج: كان النبي عليه السلام يصلي إلى الكعبة، ثم صرف إلى بيت المقدس، وصلّت الأنصار نحو بيت المقدس قبل قدومه المدينة بثلاث سنين، وصلّى بعد قدومه ستة عشر شهراً، ثم صرف إلى الكعبة. * * ثم قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾. أي: عدلاً. أي: كما هديناكم أيها المؤمنون بمحمد ﷺ وبما جاءكم به من الحق وفضلناكم بذلك، كذلك خصصناكم فجعلناكم أمة عدلاً خياراً. والأمة القرن من الناس. * * ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾. أي: تشهدون للأنبياء الذين أخبر الله بخبرهم محمداً ﷺ. فهو عام معناه الخصوص، إذ لم يطلع الله عز وجل نبيه ﷺ على [جميع النبيين وأخبارهم] بدلالة قوله: ﴿مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨] فإنما تشهد أمة محمد ﷺ على الأمم الذين أخبر الله نبيه بهم وبكفرهم وجحودهم دون من لم يطلع الله نبيه على خبرهم من أمم الأنبياء صلوات الله عليهم الذين لم يطلع الله نبيه عنهم، ولا أخبره بهم. فأمة محمد ﷺ تشهد للأنبياء الذين أخبر الله بهم النبي ﷺ على أممها أنها قد بلَّغت ما أرسلت به إلى الأمم. * * ﴿وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾. بإيمانكم وبما جاءكم به من عند الله. وقيل: "عليكم" بمعنى "لكم" مثل قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] أي: للنصب. وروى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: "يُدْعَى بِنُوحٍ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ مَا أُرْسِلْتَ بِهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيُقَالُ لِقَوْمِهِ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا جَاءَنَا مِنْ نَذِيرٍ. فَيُقالُ لَهُ: مَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ؟ فَيَقولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، فَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ وفي حديث آخر رواه أبو هريرة: "فَيَقولُ قَوْمُ نُوحٍ ﷺ: كَيْفَ يَشْهَدُونَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَوَّلُ الأُمَمِ وَهُمْ آخِرُ الأُمَمِ؟ فَيَقولونَ: نَشْهَدُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى بَعَثَ إِلَيْنَا رَسُولاً وَأَنْزَلَ عَلَينَا كِتَاباً وَكَانَ فِيمَا أَنْزَلَ عَلَيْنَا خَبَرَكُمْ وهذا المعنى: أيضاً مروي عن زيد بن أسلم. وروي أن أمة محمد [عليه السلام] تقول لهم: "كان فيما أنزل علينا: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] إلى قوله: ﴿ٱلْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٩]، فكذلك نشهد أنكم كذبتم الرسل. فتشهد للرسل أمة محمد ﷺ بالتبليغ. وروي عن النبي [عليه السلام] أنه قال: "إِذَا جَمَعَ اللهُ عِبَادَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، كَانَ أَوّلُ مَنْ يُدْعَى إسْرَافِيلُ، فَيَقُولُ لَهُ: مَا فَعَلْتَ فِي عَهْدِي؟، هَلْ بَلَّغْتَ عَهْدِي؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبّ، قَدْ بَلَّغْتُ جِبْرِيلُ، فَيُدْعَى جِبْريلُ فَيَقُولُ: قَدْ بَلَّغْتُ الرَّسُلَ. فَتُدْعَى الرُّسلُ، فَيَقُولونَ: قَدْ بَلَّغْنَا الأُمَمَ، فَتُدْعَى الأُمَمْ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ يُكَذِّبُ الرُّسُلَ، فَيَشْهَدُ لِلّرُّسُلِ أمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالتَّبْلِيغ وروى أشهب عن مالك أنه قال: "ينبغي للناس أن يأمروا بطاعة الله عز وجل. فإن عُصِيَ كان شهيداً على من عصاه". قال الله عز وجل: ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾. وروى أبو عامر "أن أول مَنْ يسأل يوم القيامة من الرسل عن البلاغ نوح ﷺ، فيقال له: هل بلغت قومك الرسالة؟ فيقول: نعم. فيقال لقومه: هل بلّغكم نوح الرسالة؟ فيجحدون؛ فيقولون: لم يبلغنا الرسالة. فيتنحى نوح من بين يدي الله عز وجل. فيكون بفناء العرش كئيباً حزيناً، وأمة محمد ﷺ غرّ محجلون من أثر الوضوء، فيأتون نوحاً عليه السلام فيقولون: ما لك يا شيخ، من أنت؟ فيقول: أنا نوح. فيقولون: ما لَكَ كئيباً حزيناً؟ فيقول: كذبني قومي، فيقولون له: ارجع إلى ربك فنحن نشهد لك بأنك قد بلّغت الرسالة، فيقول لهم: ومن أنتم؟ فيقولون: نحن أمة محمد ﷺ. فيقول: كيف تشهدون لي وأنتم آخر الأمم؟ فيقولون: إن نبيّنا أتانا بذلك فيقرأون عليه: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ﴾ [نوح: ١] إلى آخرها، فيرجع نوح إلى الله، فيقول: رب، إن أمة محمد يشهدون لي بالبلاغ. ثم يسأل نبياً نبياً فتجحده أمته فتشهد له أمة محمد ﷺ بالبلاغ، فماذا سئل محمد عن البلاغ شهدوا بأن محمداً قد بلّغ الرسالة". * * ثم قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾. قال ابن عباس: "إلا ليتميز أهل اليقين من أهل الشك والريبة". والتقدير: وما جعلنا صرفك عن بيت المقدس إلى الكعبة إلاّ لنعلم علم عيان تجب عليه المجازاة، من يتّبع الرسول على قبلته ممن يرجع عن إيمانه فيخالف الرسول. وقيل: المعنى: إلا لنُعْلِم رسولي وأوليائي ذلك. ومن شأن العرب إضافة ما فعله أتباع الرئيس وحزبه إليه، يقولون: "جبى الأمير الخراج وهزم العدو، وإنما فعله حزبه وأنصاره. ومثله في المعنى قول النبي ﷺ عن الله عز وجل: "مَرِضْتُ فَلَمْ يَعُدْنِي عَبْدِي، وَاسْتَقْرَضْتُهُ فَلَمْ يُقْرِضْنِي"يريد به عباده. وقيل: "علم" هنا بمعنى "رأى"، فالمعنى: إلا لنرى من يتبع. وقيل: إنهم خوطبوا على ما كانوا يسرون؛ كان اليهود والمنافقون والكفار ينكرون أن يعلم الله عز وجل الشيء قبل كونه، فيكون المعنى : إلا لنبين لكم أنّا نعلم الأشياء قبل كونها. وقيل: إنما قال: "لنعلم" على طريق الرفق بعباده، واستمالتهم إلى الطاعة كما قال: ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى﴾ [سبأ: ٢٤]. وقد علم أن محمداً ﷺ على هدى ، وأن الكفار على ضلال. فالمعنى: إلا لتعلموا أنتم إذ أنتم جهال به، فأضاف الفعل إلى نفسه، والمراد خلافه رفقاً به. وقال الضحاك: "قالت اليهود للنبي [عليه السلام]: إن كنت نبياً كما تزعم، فإن الأنبياء والرسل كانت قبلتهم نحو بيت المقدس، فإن صلّيت إلى بيت المقدس، اتبعناك، فابتلاهم الله بذلك. وأمره أن يصلي إلى بيت المقدس فصلى إليه سبعة عشر شهراً، فلم يتّبعوه، ثم صرفه الله عز وجل إلى البيت الحرام فذلك قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ﴾ يعني بيت المقدس. ﴿إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ﴾: إلى أي ناحية شاء. ﴿مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾: أي: لنعلم من يؤمن بالرسول من اليهود ومن لا يؤمن. وقيل: المعنى: وما جعلنا القبلة التي أنت عليها الآن، وهي الكعبة، إلا لنعلم من يتبع الرسول عليها. فكُنْتَ" بمعنى "أنت"، مثل ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] أي: أنتم خير أمة. فروي أنه لما استقبل الكعبة أظهر المنافقون نفاقهم [و] قالوا: ما بال محمد يحوّلنا مرة إلى ها هنا ومرة إلى ها هنا، وقال المسلمون في أنفسهم وفيمن مضى من إخوانهم المسلمين: بَطَل أعمالنا وأعمالهم، فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي: صلاتكم نحو بيت المقدس. وقالت اليهود: ﴿مَا وَلَّٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾، وكذلك قال المنافقون، فأنزل الله عز وجل، ﴿قُل للَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ﴾ الآية. وقيل: إن اليهود قالت للنبي [عليه السلام: إن كنت في القبلة] على هدى، فقد حوّلت عنه، وإن كنت على ضلالة، فقد مات أصحابك على ذلك. فأنزل الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي: صلاة من مات منكم وهو يصلي إلى بيت المقدس. وقال المشركون من أهل مكة؛ تحيّر محمد في دينه. فكان ذلك فتنة للناس واختباراً وتمحيصاً للمؤمنين. قال قتادة: "صلّت الأنصار حولين نحو بيت المقدس قبل هجرة النبي عليه السلام، ثم هاجر النبي ﷺ فصلّى نحوها ستة عشر شهراً. ثم وجّهه الله نحو الكعبة، فقال قائلون من الناس: ﴿مَا وَلَّٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾، وقالوا: لقد اشتاق الرجل إلى مولده. فابتلى الله عز وجل عباده بما شاء من أمره فأنزل الله تعالى في اليهود والمنافقين : ﴿سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾ إلى قوله: ﴿مُّسْتَقِيمٍ﴾، وأنزل في المؤمنين: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ إلى ﴿رَّحِيمٌ﴾. قال ابن جريج: "بلغني أن ناساً ممن أسلم رجعوا عن الإسلام حين استقبل النبي الكعبة، وقالوا مرة ها هنا ومرة ها هنا. فأظهر الله لخلقه من يرتد فينافق ويخالف الرسول في القبلة ممن اتبعه وآمن بما جاء به" * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ﴾ أي وإن كانت التولية لكبيرة. وقيل: المعنى: وإن كانت القبلة لكبيرة: وإن كانت التحويلة لكبيرة. وقيل: المعنى: وإن كانت الصلاة إلى بيت المقدس لكبيرة، أي: لعظيمة في صدور الناس حين قالوا: ما لهم صلّوا إلى هاهنا ستة عشر شهراً ثم انحرفوا، فعظم على قوم ذلك حتى نافقوا وارتدوا وحتى أظهر أهل النفاق نفاقهم. * * وقوله: ﴿إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ﴾. أي الذين وفق الله إلى الحق، فإنهم ثبتوا على إيمانهم، وقبلوا ما جاءهم به الرسول ﷺ. * * وقوله: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾. قال ابن عباس: "لما توجّه النبي ﷺ إلى الكعبة قالوا: كيف بمن مات من إخواننا قبل ذلك وهم يصلون نحو بيت المقدس؛ فأنزل الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾. وهذا معنى قول قتادة وغيره. وإنما أتى الجواب على الخطاب لهم دون الأموات، لأن الأموات غُيَّبٌ والسائلون عن ذلك مخاطبون. والعرب تغلب المخاطب على الغائب، فلذلك قال: ﴿لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾. ولم يقل إيمانهم. وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك أنه قال في قول الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾: "هي الصلاة إلى بيت المقدس قبل أن تصرف القبلة إلى الكعبة". * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾. أي: إن الله بجميع عباده لذو رأفة ورحمة، فكيف يضيع أعمالهم التي عملوها فلا يثيبهم عليها وكيف يؤاخذهم على ما لم يفترض عليهم. والرأفة أعلى معاني الرحمة، وهي عامة لجميع الخلق في الدنيا ولبعضهم في الآخرة. وتسمية الله [جل ذكره الصلاة إيماناً في هذه الآية] ردّ على المرجئة الذين يقولون إن الصلاة ليست من الإيمان. وقال أشهب: "وإني لأذكر بهذه الآية الرد على المرجئة وعلى أن الإيمان في هذه الآية يراد به الصلاة نحو بيت المقدس". وقاله البراء بن عازب، رفعه إلى النبي ﷺ، وهو قول قتادة والسدي والربيع بن أنس وابن المسيب وزيد بن أسلم ومالك وغيرهم.

البقرة 2:143

قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾ إلى قوله: ﴿لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾. أي: سيقول الجهّال من الناس وهم اليهود والمنافقون: ما ولاّهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، أي: ما حملهم على [ترك التوجه إلى بيت المقدس وما صرفهم] عن ذلك، وذلك حين ترك النبي عليه السلام التوجه نحو بيت المقدس وتوجه إلى الكعبة. وقيل: هم كفار أهل مكة أعلم الله تعالى نبيه ﷺ ما هم قائلون عند تحويل القبلة إلى الكعبة، وأعلمه ما يقول لهم وما يجاوبهم به، فقال: قل يا محمد [إذا قالوا ذلك]: ﴿للَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾، وذلك أن النبي ﷺ صلّى نحو بيت المقدس سبعة عشر شهراً، وكان يتمنى أن يصرف إلى الكعبة ثم أراد الله جل ذكره صرف قبلته إلى نحو المسجد الحرام فأخبره عما سيقول المنافقون واليهود وأخبره [ما الذي] ينبغي أن يرد عليهم من الجواب. فلما رده الله تعالى إليها، أتاه نفر من اليهود فقالوا: "يا محمد، ما ولاّك عن قبلتك التي كنت عليها وأنت تزعم أنك على ملّة إبراهيم ودينه، ارجع إلى قبلتك ونصدقك" يريدون فتنته عن دينه. وقيل: إنه صلّى إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً، ثم صرف إلى الكعبة قبل بدر بشهرين. قاله ابن المسيب. وكان أول صلاة صرف فيها إلى الكعبة العصر، فلما صلاها إلى الكعبة خرج من عنده رجل، فمرّ بقوم يصلون فقال: أشهد، لقد صليت مع رسول الله ﷺ قِِبَلَ مكة، فداروا كما هم قِبَلَ البيت. وروى أنس بن مالك "أن النبي [عليه السلام] صلّى نحو بيت المقدس تسعة أشهر وعشرة أيام بعد هجرته. قال: فبينما هو قائم يصلي الظهر بالمدينة وقد صلى ركعتين نحو بيت المقدس، اُنصرف بوجهه إلى الكعبة فقال السفهاء: ﴿مَا وَلَّٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾. وقال معاذ بن جبل: "صلّى نحو بيت المقدس ثلاثة عشر شهراً". وروي عن الحسن وعكرمة أنهما قالا: "صلّى النبي ﷺ بعد هجرته نحو بيت المقدس اختياراً منه من غير أن يفرض ذلك عليه طمعاً من أن يستميل اليهود إذ هي قبلتهم، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَللَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. وقال أبو العالية: "ان [نبي الله عليه السلام] خُيِّر أن يُوجِّه وجهه حيث يشاء، فاختار بيت المقدس لكي يتألف أهل الكتابيين [وهو في ذلك يقلب وجهه في السماء، ثم وجّهه الله عز وجل إلى البيت] الحرام". وروي أنه صرف في رجب بعد مقدمه المدينة لسبعة عشر شهراً وكان بمكة والمدينة يصلي نحو بيت المقدس. فلما رجع سأله اليهود أن يرجع إلى قبلتهم يريدون فتنته، وقال كفار مكة: قد برد أمر محمد وهو راجع إلى دينكم عاجلاً. فأنزل الله في الجميع: ﴿سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ﴾، الآيات إلى قوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. وروي "أن الأنصار صلّت قبل قدوم النبي عليه السلام إلى المدينة نحو بيت المقدس حولين. فلما قدم النبي ﷺ المدينة صلّى معهم نحو بيت المقدس بضعة عشر شهراً، ثم نقله الله عز وجل إلى الكعبة. وقال ابن عباس: "لما هاجر [النبي عليه السلام إلى المدينة وكان أكثر أهلها] اليهود، أمره الله عز وجل أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها بضعة عشر شهراً. وكان ﷺ يحب قبلة إبراهيم ﷺ، وكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله جلّ ذكره: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ الآية. ورجع النبي ﷺ يصلي إلى الكعبة فارتاب [من ذلك اليهود]. وقالوا: ﴿مَا وَلَّٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾، فأنزل الله عز وجل: ﴿قُل للَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ الآية. وقال ابن جريج: كان النبي عليه السلام يصلي إلى الكعبة، ثم صرف إلى بيت المقدس، وصلّت الأنصار نحو بيت المقدس قبل قدومه المدينة بثلاث سنين، وصلّى بعد قدومه ستة عشر شهراً، ثم صرف إلى الكعبة. * * ثم قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾. أي: عدلاً. أي: كما هديناكم أيها المؤمنون بمحمد ﷺ وبما جاءكم به من الحق وفضلناكم بذلك، كذلك خصصناكم فجعلناكم أمة عدلاً خياراً. والأمة القرن من الناس. * * ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾. أي: تشهدون للأنبياء الذين أخبر الله بخبرهم محمداً ﷺ. فهو عام معناه الخصوص، إذ لم يطلع الله عز وجل نبيه ﷺ على [جميع النبيين وأخبارهم] بدلالة قوله: ﴿مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨] فإنما تشهد أمة محمد ﷺ على الأمم الذين أخبر الله نبيه بهم وبكفرهم وجحودهم دون من لم يطلع الله نبيه على خبرهم من أمم الأنبياء صلوات الله عليهم الذين لم يطلع الله نبيه عنهم، ولا أخبره بهم. فأمة محمد ﷺ تشهد للأنبياء الذين أخبر الله بهم النبي ﷺ على أممها أنها قد بلَّغت ما أرسلت به إلى الأمم. * * ﴿وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾. بإيمانكم وبما جاءكم به من عند الله. وقيل: "عليكم" بمعنى "لكم" مثل قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] أي: للنصب. وروى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: "يُدْعَى بِنُوحٍ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ مَا أُرْسِلْتَ بِهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيُقَالُ لِقَوْمِهِ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا جَاءَنَا مِنْ نَذِيرٍ. فَيُقالُ لَهُ: مَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ؟ فَيَقولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، فَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ وفي حديث آخر رواه أبو هريرة: "فَيَقولُ قَوْمُ نُوحٍ ﷺ: كَيْفَ يَشْهَدُونَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَوَّلُ الأُمَمِ وَهُمْ آخِرُ الأُمَمِ؟ فَيَقولونَ: نَشْهَدُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى بَعَثَ إِلَيْنَا رَسُولاً وَأَنْزَلَ عَلَينَا كِتَاباً وَكَانَ فِيمَا أَنْزَلَ عَلَيْنَا خَبَرَكُمْ وهذا المعنى: أيضاً مروي عن زيد بن أسلم. وروي أن أمة محمد [عليه السلام] تقول لهم: "كان فيما أنزل علينا: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] إلى قوله: ﴿ٱلْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٩]، فكذلك نشهد أنكم كذبتم الرسل. فتشهد للرسل أمة محمد ﷺ بالتبليغ. وروي عن النبي [عليه السلام] أنه قال: "إِذَا جَمَعَ اللهُ عِبَادَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، كَانَ أَوّلُ مَنْ يُدْعَى إسْرَافِيلُ، فَيَقُولُ لَهُ: مَا فَعَلْتَ فِي عَهْدِي؟، هَلْ بَلَّغْتَ عَهْدِي؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبّ، قَدْ بَلَّغْتُ جِبْرِيلُ، فَيُدْعَى جِبْريلُ فَيَقُولُ: قَدْ بَلَّغْتُ الرَّسُلَ. فَتُدْعَى الرُّسلُ، فَيَقُولونَ: قَدْ بَلَّغْنَا الأُمَمَ، فَتُدْعَى الأُمَمْ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ يُكَذِّبُ الرُّسُلَ، فَيَشْهَدُ لِلّرُّسُلِ أمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالتَّبْلِيغ وروى أشهب عن مالك أنه قال: "ينبغي للناس أن يأمروا بطاعة الله عز وجل. فإن عُصِيَ كان شهيداً على من عصاه". قال الله عز وجل: ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾. وروى أبو عامر "أن أول مَنْ يسأل يوم القيامة من الرسل عن البلاغ نوح ﷺ، فيقال له: هل بلغت قومك الرسالة؟ فيقول: نعم. فيقال لقومه: هل بلّغكم نوح الرسالة؟ فيجحدون؛ فيقولون: لم يبلغنا الرسالة. فيتنحى نوح من بين يدي الله عز وجل. فيكون بفناء العرش كئيباً حزيناً، وأمة محمد ﷺ غرّ محجلون من أثر الوضوء، فيأتون نوحاً عليه السلام فيقولون: ما لك يا شيخ، من أنت؟ فيقول: أنا نوح. فيقولون: ما لَكَ كئيباً حزيناً؟ فيقول: كذبني قومي، فيقولون له: ارجع إلى ربك فنحن نشهد لك بأنك قد بلّغت الرسالة، فيقول لهم: ومن أنتم؟ فيقولون: نحن أمة محمد ﷺ. فيقول: كيف تشهدون لي وأنتم آخر الأمم؟ فيقولون: إن نبيّنا أتانا بذلك فيقرأون عليه: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ﴾ [نوح: ١] إلى آخرها، فيرجع نوح إلى الله، فيقول: رب، إن أمة محمد يشهدون لي بالبلاغ. ثم يسأل نبياً نبياً فتجحده أمته فتشهد له أمة محمد ﷺ بالبلاغ، فماذا سئل محمد عن البلاغ شهدوا بأن محمداً قد بلّغ الرسالة". * * ثم قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾. قال ابن عباس: "إلا ليتميز أهل اليقين من أهل الشك والريبة". والتقدير: وما جعلنا صرفك عن بيت المقدس إلى الكعبة إلاّ لنعلم علم عيان تجب عليه المجازاة، من يتّبع الرسول على قبلته ممن يرجع عن إيمانه فيخالف الرسول. وقيل: المعنى: إلا لنُعْلِم رسولي وأوليائي ذلك. ومن شأن العرب إضافة ما فعله أتباع الرئيس وحزبه إليه، يقولون: "جبى الأمير الخراج وهزم العدو، وإنما فعله حزبه وأنصاره. ومثله في المعنى قول النبي ﷺ عن الله عز وجل: "مَرِضْتُ فَلَمْ يَعُدْنِي عَبْدِي، وَاسْتَقْرَضْتُهُ فَلَمْ يُقْرِضْنِي"يريد به عباده. وقيل: "علم" هنا بمعنى "رأى"، فالمعنى: إلا لنرى من يتبع. وقيل: إنهم خوطبوا على ما كانوا يسرون؛ كان اليهود والمنافقون والكفار ينكرون أن يعلم الله عز وجل الشيء قبل كونه، فيكون المعنى : إلا لنبين لكم أنّا نعلم الأشياء قبل كونها. وقيل: إنما قال: "لنعلم" على طريق الرفق بعباده، واستمالتهم إلى الطاعة كما قال: ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى﴾ [سبأ: ٢٤]. وقد علم أن محمداً ﷺ على هدى ، وأن الكفار على ضلال. فالمعنى: إلا لتعلموا أنتم إذ أنتم جهال به، فأضاف الفعل إلى نفسه، والمراد خلافه رفقاً به. وقال الضحاك: "قالت اليهود للنبي [عليه السلام]: إن كنت نبياً كما تزعم، فإن الأنبياء والرسل كانت قبلتهم نحو بيت المقدس، فإن صلّيت إلى بيت المقدس، اتبعناك، فابتلاهم الله بذلك. وأمره أن يصلي إلى بيت المقدس فصلى إليه سبعة عشر شهراً، فلم يتّبعوه، ثم صرفه الله عز وجل إلى البيت الحرام فذلك قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ﴾ يعني بيت المقدس. ﴿إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ﴾: إلى أي ناحية شاء. ﴿مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾: أي: لنعلم من يؤمن بالرسول من اليهود ومن لا يؤمن. وقيل: المعنى: وما جعلنا القبلة التي أنت عليها الآن، وهي الكعبة، إلا لنعلم من يتبع الرسول عليها. فكُنْتَ" بمعنى "أنت"، مثل ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] أي: أنتم خير أمة. فروي أنه لما استقبل الكعبة أظهر المنافقون نفاقهم [و] قالوا: ما بال محمد يحوّلنا مرة إلى ها هنا ومرة إلى ها هنا، وقال المسلمون في أنفسهم وفيمن مضى من إخوانهم المسلمين: بَطَل أعمالنا وأعمالهم، فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي: صلاتكم نحو بيت المقدس. وقالت اليهود: ﴿مَا وَلَّٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾، وكذلك قال المنافقون، فأنزل الله عز وجل، ﴿قُل للَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ﴾ الآية. وقيل: إن اليهود قالت للنبي [عليه السلام: إن كنت في القبلة] على هدى، فقد حوّلت عنه، وإن كنت على ضلالة، فقد مات أصحابك على ذلك. فأنزل الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي: صلاة من مات منكم وهو يصلي إلى بيت المقدس. وقال المشركون من أهل مكة؛ تحيّر محمد في دينه. فكان ذلك فتنة للناس واختباراً وتمحيصاً للمؤمنين. قال قتادة: "صلّت الأنصار حولين نحو بيت المقدس قبل هجرة النبي عليه السلام، ثم هاجر النبي ﷺ فصلّى نحوها ستة عشر شهراً. ثم وجّهه الله نحو الكعبة، فقال قائلون من الناس: ﴿مَا وَلَّٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾، وقالوا: لقد اشتاق الرجل إلى مولده. فابتلى الله عز وجل عباده بما شاء من أمره فأنزل الله تعالى في اليهود والمنافقين : ﴿سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾ إلى قوله: ﴿مُّسْتَقِيمٍ﴾، وأنزل في المؤمنين: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ إلى ﴿رَّحِيمٌ﴾. قال ابن جريج: "بلغني أن ناساً ممن أسلم رجعوا عن الإسلام حين استقبل النبي الكعبة، وقالوا مرة ها هنا ومرة ها هنا. فأظهر الله لخلقه من يرتد فينافق ويخالف الرسول في القبلة ممن اتبعه وآمن بما جاء به" * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ﴾ أي وإن كانت التولية لكبيرة. وقيل: المعنى: وإن كانت القبلة لكبيرة: وإن كانت التحويلة لكبيرة. وقيل: المعنى: وإن كانت الصلاة إلى بيت المقدس لكبيرة، أي: لعظيمة في صدور الناس حين قالوا: ما لهم صلّوا إلى هاهنا ستة عشر شهراً ثم انحرفوا، فعظم على قوم ذلك حتى نافقوا وارتدوا وحتى أظهر أهل النفاق نفاقهم. * * وقوله: ﴿إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ﴾. أي الذين وفق الله إلى الحق، فإنهم ثبتوا على إيمانهم، وقبلوا ما جاءهم به الرسول ﷺ. * * وقوله: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾. قال ابن عباس: "لما توجّه النبي ﷺ إلى الكعبة قالوا: كيف بمن مات من إخواننا قبل ذلك وهم يصلون نحو بيت المقدس؛ فأنزل الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾. وهذا معنى قول قتادة وغيره. وإنما أتى الجواب على الخطاب لهم دون الأموات، لأن الأموات غُيَّبٌ والسائلون عن ذلك مخاطبون. والعرب تغلب المخاطب على الغائب، فلذلك قال: ﴿لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾. ولم يقل إيمانهم. وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك أنه قال في قول الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾: "هي الصلاة إلى بيت المقدس قبل أن تصرف القبلة إلى الكعبة". * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾. أي: إن الله بجميع عباده لذو رأفة ورحمة، فكيف يضيع أعمالهم التي عملوها فلا يثيبهم عليها وكيف يؤاخذهم على ما لم يفترض عليهم. والرأفة أعلى معاني الرحمة، وهي عامة لجميع الخلق في الدنيا ولبعضهم في الآخرة. وتسمية الله [جل ذكره الصلاة إيماناً في هذه الآية] ردّ على المرجئة الذين يقولون إن الصلاة ليست من الإيمان. وقال أشهب: "وإني لأذكر بهذه الآية الرد على المرجئة وعلى أن الإيمان في هذه الآية يراد به الصلاة نحو بيت المقدس". وقاله البراء بن عازب، رفعه إلى النبي ﷺ، وهو قول قتادة والسدي والربيع بن أنس وابن المسيب وزيد بن أسلم ومالك وغيرهم.

البقرة 2:144

قوله: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ﴾. إلى قوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. أي: قد نرى يا محمد تصرف نظرك نحو السماء. روي أنه ﷺ كان قبل تحويل قبلته من بيت المقدس إلى الكعبة يرفع بصره إلى السماء ينتظر من الله الأمر بالتحويل إلى الكعبة. قال قتادة: "كان النبي [ﷺ] يقلّب وجهه إلى السماء، يحب أن يصرفه الله تعالى إلى الكعبة حتى صرفه الله عز وجل إليها". وهذا يدل على أنه لم يصلِّ إلى بيت المقدس إلا بوحي، فكان ينتظر متى يؤمر بترك ما أمر به. ولو كان إنما صلّى إلى بيت المقدس باختياره لم ينتظر الأمر فيه، ولرجع إلى الكعبة باختياره أيضاً. وقد قال تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ﴾ [النجم: ٣]. فكيف يأمرهم بالصلاة إلى بيت المقدس من عند نفسه. هذا بعيد. وقال بعض العلماء: "إنما أحب النبي [عليه السلام] أن يُرَدَّ إلى الكعبة لأن اليهود كانوا يقولون: يتبع قبلتنا ويخالفنا في ديننا! فلما ردّه الله إلى الكعبة انقطع قول اليهود". وقال ابن زيد: "قال الله عز وجل لنبيه ﷺ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ﴾ فقال النبي [عليه السلام] "هَؤُلاَءِ قَوْمٌ يَهُودٌ يَسْتَقبلُونَ بَيْتاً مِنْ بُيُوتِ الله عز وجل، فَلَوْ أَنَّا اسْتَقْبَلْنَاهَا" فَاسْتَقْبَلَ النبي [عليه السلام] معهم بيت المقدس ستة عشر شهراً، فبلغه أن اليهود تقول: والله ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم. فكره ذلك النبي ﷺ، ورفع وجهه إلى السماء. فأنزل الله عليه ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ الآية فهذا يدل على أنه استقبل بيت المقدس من غير أمر أتاه من عند الله، وأنه إنما أتاه من الله الإباحة باستقبال أي موضع شاء. ثم نسخ الله فعله لأنه كان ﷺ يتبع آثار الأنبياء صلى الله عليهم وسلم، فلذلك صلّى نحو بيت المقدس مع ما طمع به من استمالة اليهود أن يؤمنوا به. وقال ابن عباس: "كان النبي عليه السلام لما هاجر إلى المدينة - وكان أكثر أهلها اليهود - أمره الله [جلَّ وعزَّ] أن يستقبل بيت المقدس ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهراً. فكان رسول الله ﷺ يحب قبلة أبيه إبراهيم وكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله عز وجل: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ إلى ﴿صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. فهذا يدل على أن الله سبحانه أمره باستقبال بيت المقدس ثم نسخها بالكعبة. وروي أن النبي [عليه السلام] كان يصلي بمكة نحو بيت المقدس مع استقباله الكعبة، فلما هاجر إلى المدينة صلى نحو بيت المقدس أيضاً سبعة عشر شهراً، ووقع في نفسه الصلاة نحو الكعبة، فأقبل يقلّب وجهه إلى السماء كيف يستقبل الكعبة. فأتاه جبريل عليه السلام، فقال له النبي ﷺ: "لَوَدِدْتُ يَا جِبْريلُ أَنَّ اللهَ صَرَفَنِي عَنْ قِبْلَةِ اليَهُودِ إِلَى غَيْرِهَا"، فقال له جبريل عليه السلام: إنما أنا عبد مثلك، وأنت كريم على الله، فادعه وسله، ثم ارتفع جبريل، وجعل النبي يديم النظر إلى السماء رجاء أن يأتيه جبريل بالذي سأل، فأنزل الله جل ذكره: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾ الآية وقال إبراهيم بن اسحاق: "أول أَمْر الصلاة أنها فرضت ركعتين بمكة في أول النهار، وركعتين في آخره. فلما كانت ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة، أسري به ﷺ وفرض عليه خمسون صلاة، ثم نقصت إلى خمس صلوات، فأتاه جبريل ﷺ فأمَّهُ عند البيت، فأول ما صلّى به الظهر نحو بيت المقدس مع استقبال الكعبة. ثم قدم المدينة في شهر ربيع الأول، فصلى إلى بيت المقدس تمام سنة إحدى عشرة وصلى من سنة اثنتين ستة أشهر ثم حوّلت القبلة في رجب. وروى الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن القبلة صرفت في جمادى. وقال الواقدي: "في النصف من شعبان صرفت". فوقع الاختلاف على مقدار اختلافهم في عدة الأشهر التي صلى في المدينة إلى بيت المقدس. وقيل: إنما نسخ الله باستقبال الكعبة قوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. فأباح له أن يستقبل إلى أي ناحية شاء. ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾. وقال ابن عباس: "أول ما نسخ من القرآن شأن القبلة". قال الله عز وجل لنبيه: ﴿وَللَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ﴾. فصلى نبيه عليه السلام نحو بيت المقدس وترك البيت العتيق ثم صرفه الله إلى البيت العتيق فقال: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ . ابن وهب عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أنه قال: "بينا الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال لهم: إن رسول الله ﷺ قد نزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة". وحدث مالك عن ابن المسيب أنه كان يقول: "صلى النبي ﷺ بعد أن قدم المدينة ستة عشر شهراً نحو بيت المقدس، ثم حوّلت القبلة قبل بدر بشهرين". وذكر البراء في ذلك كله نحوه. وقال أنس: "مرّ بهم رجل وهم ركوع نحو بيت المقدس، فنادى: "ألا إن القبلة قد صرفت إلى الكعبة". فمالوا كما هم ركوعاً". قال الواقدي: "صرفت يوم الثلاثاء للنصف من شعبان سنة اثنتين". وقال ابن شعبان: "صرفت إلى الكعبة في رجب". وقال: ﴿سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢]. يعنون بيت المقدس، فأنزل الله: ﴿قُل للَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. وروى ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "إن الصلاة أول ما فرضت، إنما فرضت ركعتين، ثم أتمّ الله صلاة الحضر، وأُقِرَّت صلاة السفر على حالها". قال ابن شهاب: فقلت لعروة: فما حمل عائشة على أن تصلي في السفر أربع ركعات؟ فقال عروة: تأولت عائشة في ذلك ما تأول عثمان [بن عفان] في إتمام الصلاة بمنى". قال أبو عبيد: تأول عثمان في إتمام الصلاة بمنى ثلاثة أوجه: فيقال: إنه اتخذ أهلاً بمكة. ويقال: إنه تأول: إني الخليفة فحيثما كنت فهو عملي. والوجه الثالث: أنه بلغه أن أعرابياً صلّى معه ركعتين فظن أن الفريضة ركعتان فانصرف إلى منزله فلم يزل يصلي ركعتين السنة كلها، فلما بلغه ذلك أتم الصلاة. وأما عائشة رضي الله عنها. فتأولت أنها أم المؤمنين فحيثما كانت فكأنها مع ولدها مقيمة". وروي أن أول من صلى إلى الكعبة من المسلمين بالمدينة البراء بن معرور من بني سلمة، وذلك أنه كان قد بايع النبي [عليه السلام] على العقبة وكان نقيباً، فقال له النبي ﷺ: "إِنِّي رَمَقْتُكَ فَأُحِبُّ أَنْ تَعُودَ إِليَّ حَتَّى تُهَاجِرَ مَعِي فَتَكُونَ لَكَ مَعَ النَّصْرَةِ هِجْرَةٌ". فلما توجه إلى المدينة مع السبعين الذين بايعوا رسول الله ﷺ من الأنصار على العقبة، مرض بالمدينة فكان يصلي إلى الكعبة لموعدة النبي صلى الله عليه سلم. فلما حضرته الوفاة، قال: اجعلوا مالي ثلاثة أثلاث: ثلثاً لله وثلثاً لرسوله وثلثاً لوليي، وإذا مت فحوّلوا وجهي نحو محمد ﷺ لموعدي معه. فكان أول من صلى إلى الكعبة، وأول من دفن نحوها، وأول من أوصى بثلثه. فلما قدم النبي ﷺ المدينة أخبر بوفاته وبالوصية، فقال: "أَمَّا ثُلُثِي فَرَدٌّ عَلَى وَلَدِهِ، وَأَمَّا [ثُلُثُ الله] فَأُنْفِقُهُ فِي سَبيلِ اللهِ عز وجل". وكان له ابن صالح من خيار النقباء اسمه بشر بن البراء، وفيه قال النبي ﷺ: "هُوَ سَيِّدُ بَنِي سَلَمَةَ". وهو الذي أكل من الشاة التي سمّت للنبي ﷺ ومن ذلك مات يوم خيبر. وقوله: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾: أي: فلنصرفنك إلى قبلة ترضاها وهي الكعبة. ومعنى ترضاها: تهواها وتحبها. * * ثم قال: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾. أي: نحوه وقصده وتلقاءه. قال عبد الله بن عمر: "صرفت قبلته حيال ميزاب الكعبة". وكان يجلس في المسجد الحرام حيال الميزاب، فإذا سئل عن ذلك تلا هذه الآية. وقال ابن عباس: ولّى وجهه نحن [البيت] كله"، وهو قول أكثر العلماء. وقد قال أسامة بن زيد: "رأيت النبي [عليه السلام] حين خرج من البيت أقبل بوجهه إلى الباب فقال: "هَذِهِ القِبْلَةُ هَذِهِ القِبْلَةُ وروي عنه ﷺ أنه صلى ركعتين مستقبلاً باب الكعبة وقال: "هَذِهِ القِبْلَةُ"، مرتين. ثم قال: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ﴾. أي: وأينما كنتم أيها المؤمنون فولّوا وجوهكم بصلاتكم نحو المسجد الحرام. فالهاء في "شَطْرِهِ" عائدة على المسجد الحرام. فأوجب الله بهذه الآية على المؤمنين فرض التوجه نحو المسجد الحرام في صلاتهم حيث ما كانوا من الأرض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ﴾. أي: وإن أحبار اليهود وعلماء النصارى ليعلمون أن التوجه نحو المسجد الحرام الحق الذي فرض الله على إبراهيم [عليه السلام] وذريته وسائر عباده بعده، فرض ذلك عليهم. قال قتادة والضحاك: "يعرفون أن القبلة هي الكعبة". قال الضحاك: "كمعرفتهم أبناءهم". والهاء في "أنه" تعود على التولية إلى الكعبة، ودل على التولية قوله: ﴿فَوَلِّ﴾. وعن الكسائي أنه قال: "الهاء تعود على الشطر". * * ثم قال: ﴿وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾. من قرأ بالتاء رده على الخطاب في قوله: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ﴾. ومن قرأه بالياء رده على الإخبار عن الذين أوتوا الكتاب لتقدم ذكرهم. * * ثم قال: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ﴾. أي: ولئن جئت يا محمد اليهود والنصارى بكل برهان وحجة بأن الحق ما جئتهم به من فرض التحول إلى المسجد الحرام، ما صدقوا به ولا اتبعوه مع قيام الحجة عليهم. * * وقوله: ﴿وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾. أي: ما لك من سبيل يا محمد إلى اتباع قبلتهم لأن اليهود تستقبل بيت المقدس بصلاتها، والنصارى تستقبل المشرق. فمن أين يكون لك يا محمد السبيل إلى اتباع قبلتهم مع اختلاف وجوهها، فالزم ما أمرت به من استقبال المسجد الحرام. * * ثم قال: ﴿وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾. أي: وما اليهود بتابعين قبلة النصارى، ولا النصارى بتابعين قبلة اليهود. قاله السدي وغيره. وقيل: معناه: وما الذين اتبعوك من اليهود بتابعين قبلة من لم يتبعك، ولا الذين لم يتبعوك بتابعين قبلة من اتبعك منهم. وقال السدي: "أنزل الله تعالى هذه الآية من أجل أن النبي ﷺ لما حوّل إلى الكعبة قالت اليهود: إن محمداً اشتاق إلى قبلة إبراهيم ومولده، ولو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون هو صاحبنا الذي ننتظره، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. وهو قول ابن زيد. * * ثم قال: ﴿وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾. أي: ولئن التمست يا محمد رضا هؤلاء اليهود والنصارى الذين قالوا لك ولأصحابك: ﴿كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ﴾، فاتبعت قبلتهم من بعد ما جاءك من العلم أنهم على باطل وعلى عناد للحق، وأنهم يعرفون أن الحق ما أنت عليه إنك إذاً لمن الظالمين لنفسك. وهذا خطاب للنبي [عليه السلام] ولسائر أمته. وقيل: المراد به أمته. * * ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ﴾. يعني أحبار اليهود وعلماء النصارى. ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ أي: يعرفون أن البيت الحرام هو قبلة إبراهيم ﷺ ومَن قبله مِن الأنبياء كما يعرفون أبناءهم. هذا قول قتادة وهو قول ابن عباس والربيع والسدي وابن زيد وابن جريج. وعن قتادة أيضاً: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ أي: يعرفون محمداً ﷺ أنه نبي كما يعرفون أبناءهم. وهو قول الزجاج. والهاء في ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ على القول الأول تعود على الشطر أو على التولية. وعلى القول الثاني تعود على محمد ﷺ ويكون التأويل: "يعرفونك يا محمد". لكن صرف الكلام من المخاطبة إلى الغيبة على مذهب العرب. وقال مقاتل: "الهاء في (يَعْرِفُونَهُ) تعود على البيت الحرام". * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. أي وإن طائفة من اليهود والنصارى ليكتمون أن القبلة هي المسجد الحرام وهم يعلمون أنها حق. وقال قتادة وغيره: "يكتمون أمر محمد ﷺ وهم يعلمون أنه حق يجدونه في التوراة والإنجيل".

البقرة 2:145

قوله: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ﴾. إلى قوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. أي: قد نرى يا محمد تصرف نظرك نحو السماء. روي أنه ﷺ كان قبل تحويل قبلته من بيت المقدس إلى الكعبة يرفع بصره إلى السماء ينتظر من الله الأمر بالتحويل إلى الكعبة. قال قتادة: "كان النبي [ﷺ] يقلّب وجهه إلى السماء، يحب أن يصرفه الله تعالى إلى الكعبة حتى صرفه الله عز وجل إليها". وهذا يدل على أنه لم يصلِّ إلى بيت المقدس إلا بوحي، فكان ينتظر متى يؤمر بترك ما أمر به. ولو كان إنما صلّى إلى بيت المقدس باختياره لم ينتظر الأمر فيه، ولرجع إلى الكعبة باختياره أيضاً. وقد قال تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ﴾ [النجم: ٣]. فكيف يأمرهم بالصلاة إلى بيت المقدس من عند نفسه. هذا بعيد. وقال بعض العلماء: "إنما أحب النبي [عليه السلام] أن يُرَدَّ إلى الكعبة لأن اليهود كانوا يقولون: يتبع قبلتنا ويخالفنا في ديننا! فلما ردّه الله إلى الكعبة انقطع قول اليهود". وقال ابن زيد: "قال الله عز وجل لنبيه ﷺ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ﴾ فقال النبي [عليه السلام] "هَؤُلاَءِ قَوْمٌ يَهُودٌ يَسْتَقبلُونَ بَيْتاً مِنْ بُيُوتِ الله عز وجل، فَلَوْ أَنَّا اسْتَقْبَلْنَاهَا" فَاسْتَقْبَلَ النبي [عليه السلام] معهم بيت المقدس ستة عشر شهراً، فبلغه أن اليهود تقول: والله ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم. فكره ذلك النبي ﷺ، ورفع وجهه إلى السماء. فأنزل الله عليه ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ الآية فهذا يدل على أنه استقبل بيت المقدس من غير أمر أتاه من عند الله، وأنه إنما أتاه من الله الإباحة باستقبال أي موضع شاء. ثم نسخ الله فعله لأنه كان ﷺ يتبع آثار الأنبياء صلى الله عليهم وسلم، فلذلك صلّى نحو بيت المقدس مع ما طمع به من استمالة اليهود أن يؤمنوا به. وقال ابن عباس: "كان النبي عليه السلام لما هاجر إلى المدينة - وكان أكثر أهلها اليهود - أمره الله [جلَّ وعزَّ] أن يستقبل بيت المقدس ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهراً. فكان رسول الله ﷺ يحب قبلة أبيه إبراهيم وكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله عز وجل: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ إلى ﴿صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. فهذا يدل على أن الله سبحانه أمره باستقبال بيت المقدس ثم نسخها بالكعبة. وروي أن النبي [عليه السلام] كان يصلي بمكة نحو بيت المقدس مع استقباله الكعبة، فلما هاجر إلى المدينة صلى نحو بيت المقدس أيضاً سبعة عشر شهراً، ووقع في نفسه الصلاة نحو الكعبة، فأقبل يقلّب وجهه إلى السماء كيف يستقبل الكعبة. فأتاه جبريل عليه السلام، فقال له النبي ﷺ: "لَوَدِدْتُ يَا جِبْريلُ أَنَّ اللهَ صَرَفَنِي عَنْ قِبْلَةِ اليَهُودِ إِلَى غَيْرِهَا"، فقال له جبريل عليه السلام: إنما أنا عبد مثلك، وأنت كريم على الله، فادعه وسله، ثم ارتفع جبريل، وجعل النبي يديم النظر إلى السماء رجاء أن يأتيه جبريل بالذي سأل، فأنزل الله جل ذكره: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾ الآية وقال إبراهيم بن اسحاق: "أول أَمْر الصلاة أنها فرضت ركعتين بمكة في أول النهار، وركعتين في آخره. فلما كانت ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة، أسري به ﷺ وفرض عليه خمسون صلاة، ثم نقصت إلى خمس صلوات، فأتاه جبريل ﷺ فأمَّهُ عند البيت، فأول ما صلّى به الظهر نحو بيت المقدس مع استقبال الكعبة. ثم قدم المدينة في شهر ربيع الأول، فصلى إلى بيت المقدس تمام سنة إحدى عشرة وصلى من سنة اثنتين ستة أشهر ثم حوّلت القبلة في رجب. وروى الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن القبلة صرفت في جمادى. وقال الواقدي: "في النصف من شعبان صرفت". فوقع الاختلاف على مقدار اختلافهم في عدة الأشهر التي صلى في المدينة إلى بيت المقدس. وقيل: إنما نسخ الله باستقبال الكعبة قوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. فأباح له أن يستقبل إلى أي ناحية شاء. ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾. وقال ابن عباس: "أول ما نسخ من القرآن شأن القبلة". قال الله عز وجل لنبيه: ﴿وَللَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ﴾. فصلى نبيه عليه السلام نحو بيت المقدس وترك البيت العتيق ثم صرفه الله إلى البيت العتيق فقال: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ . ابن وهب عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أنه قال: "بينا الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال لهم: إن رسول الله ﷺ قد نزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة". وحدث مالك عن ابن المسيب أنه كان يقول: "صلى النبي ﷺ بعد أن قدم المدينة ستة عشر شهراً نحو بيت المقدس، ثم حوّلت القبلة قبل بدر بشهرين". وذكر البراء في ذلك كله نحوه. وقال أنس: "مرّ بهم رجل وهم ركوع نحو بيت المقدس، فنادى: "ألا إن القبلة قد صرفت إلى الكعبة". فمالوا كما هم ركوعاً". قال الواقدي: "صرفت يوم الثلاثاء للنصف من شعبان سنة اثنتين". وقال ابن شعبان: "صرفت إلى الكعبة في رجب". وقال: ﴿سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢]. يعنون بيت المقدس، فأنزل الله: ﴿قُل للَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. وروى ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "إن الصلاة أول ما فرضت، إنما فرضت ركعتين، ثم أتمّ الله صلاة الحضر، وأُقِرَّت صلاة السفر على حالها". قال ابن شهاب: فقلت لعروة: فما حمل عائشة على أن تصلي في السفر أربع ركعات؟ فقال عروة: تأولت عائشة في ذلك ما تأول عثمان [بن عفان] في إتمام الصلاة بمنى". قال أبو عبيد: تأول عثمان في إتمام الصلاة بمنى ثلاثة أوجه: فيقال: إنه اتخذ أهلاً بمكة. ويقال: إنه تأول: إني الخليفة فحيثما كنت فهو عملي. والوجه الثالث: أنه بلغه أن أعرابياً صلّى معه ركعتين فظن أن الفريضة ركعتان فانصرف إلى منزله فلم يزل يصلي ركعتين السنة كلها، فلما بلغه ذلك أتم الصلاة. وأما عائشة رضي الله عنها. فتأولت أنها أم المؤمنين فحيثما كانت فكأنها مع ولدها مقيمة". وروي أن أول من صلى إلى الكعبة من المسلمين بالمدينة البراء بن معرور من بني سلمة، وذلك أنه كان قد بايع النبي [عليه السلام] على العقبة وكان نقيباً، فقال له النبي ﷺ: "إِنِّي رَمَقْتُكَ فَأُحِبُّ أَنْ تَعُودَ إِليَّ حَتَّى تُهَاجِرَ مَعِي فَتَكُونَ لَكَ مَعَ النَّصْرَةِ هِجْرَةٌ". فلما توجه إلى المدينة مع السبعين الذين بايعوا رسول الله ﷺ من الأنصار على العقبة، مرض بالمدينة فكان يصلي إلى الكعبة لموعدة النبي صلى الله عليه سلم. فلما حضرته الوفاة، قال: اجعلوا مالي ثلاثة أثلاث: ثلثاً لله وثلثاً لرسوله وثلثاً لوليي، وإذا مت فحوّلوا وجهي نحو محمد ﷺ لموعدي معه. فكان أول من صلى إلى الكعبة، وأول من دفن نحوها، وأول من أوصى بثلثه. فلما قدم النبي ﷺ المدينة أخبر بوفاته وبالوصية، فقال: "أَمَّا ثُلُثِي فَرَدٌّ عَلَى وَلَدِهِ، وَأَمَّا [ثُلُثُ الله] فَأُنْفِقُهُ فِي سَبيلِ اللهِ عز وجل". وكان له ابن صالح من خيار النقباء اسمه بشر بن البراء، وفيه قال النبي ﷺ: "هُوَ سَيِّدُ بَنِي سَلَمَةَ". وهو الذي أكل من الشاة التي سمّت للنبي ﷺ ومن ذلك مات يوم خيبر. وقوله: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾: أي: فلنصرفنك إلى قبلة ترضاها وهي الكعبة. ومعنى ترضاها: تهواها وتحبها. * * ثم قال: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾. أي: نحوه وقصده وتلقاءه. قال عبد الله بن عمر: "صرفت قبلته حيال ميزاب الكعبة". وكان يجلس في المسجد الحرام حيال الميزاب، فإذا سئل عن ذلك تلا هذه الآية. وقال ابن عباس: ولّى وجهه نحن [البيت] كله"، وهو قول أكثر العلماء. وقد قال أسامة بن زيد: "رأيت النبي [عليه السلام] حين خرج من البيت أقبل بوجهه إلى الباب فقال: "هَذِهِ القِبْلَةُ هَذِهِ القِبْلَةُ وروي عنه ﷺ أنه صلى ركعتين مستقبلاً باب الكعبة وقال: "هَذِهِ القِبْلَةُ"، مرتين. ثم قال: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ﴾. أي: وأينما كنتم أيها المؤمنون فولّوا وجوهكم بصلاتكم نحو المسجد الحرام. فالهاء في "شَطْرِهِ" عائدة على المسجد الحرام. فأوجب الله بهذه الآية على المؤمنين فرض التوجه نحو المسجد الحرام في صلاتهم حيث ما كانوا من الأرض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ﴾. أي: وإن أحبار اليهود وعلماء النصارى ليعلمون أن التوجه نحو المسجد الحرام الحق الذي فرض الله على إبراهيم [عليه السلام] وذريته وسائر عباده بعده، فرض ذلك عليهم. قال قتادة والضحاك: "يعرفون أن القبلة هي الكعبة". قال الضحاك: "كمعرفتهم أبناءهم". والهاء في "أنه" تعود على التولية إلى الكعبة، ودل على التولية قوله: ﴿فَوَلِّ﴾. وعن الكسائي أنه قال: "الهاء تعود على الشطر". * * ثم قال: ﴿وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾. من قرأ بالتاء رده على الخطاب في قوله: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ﴾. ومن قرأه بالياء رده على الإخبار عن الذين أوتوا الكتاب لتقدم ذكرهم. * * ثم قال: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ﴾. أي: ولئن جئت يا محمد اليهود والنصارى بكل برهان وحجة بأن الحق ما جئتهم به من فرض التحول إلى المسجد الحرام، ما صدقوا به ولا اتبعوه مع قيام الحجة عليهم. * * وقوله: ﴿وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾. أي: ما لك من سبيل يا محمد إلى اتباع قبلتهم لأن اليهود تستقبل بيت المقدس بصلاتها، والنصارى تستقبل المشرق. فمن أين يكون لك يا محمد السبيل إلى اتباع قبلتهم مع اختلاف وجوهها، فالزم ما أمرت به من استقبال المسجد الحرام. * * ثم قال: ﴿وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾. أي: وما اليهود بتابعين قبلة النصارى، ولا النصارى بتابعين قبلة اليهود. قاله السدي وغيره. وقيل: معناه: وما الذين اتبعوك من اليهود بتابعين قبلة من لم يتبعك، ولا الذين لم يتبعوك بتابعين قبلة من اتبعك منهم. وقال السدي: "أنزل الله تعالى هذه الآية من أجل أن النبي ﷺ لما حوّل إلى الكعبة قالت اليهود: إن محمداً اشتاق إلى قبلة إبراهيم ومولده، ولو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون هو صاحبنا الذي ننتظره، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. وهو قول ابن زيد. * * ثم قال: ﴿وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾. أي: ولئن التمست يا محمد رضا هؤلاء اليهود والنصارى الذين قالوا لك ولأصحابك: ﴿كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ﴾، فاتبعت قبلتهم من بعد ما جاءك من العلم أنهم على باطل وعلى عناد للحق، وأنهم يعرفون أن الحق ما أنت عليه إنك إذاً لمن الظالمين لنفسك. وهذا خطاب للنبي [عليه السلام] ولسائر أمته. وقيل: المراد به أمته. * * ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ﴾. يعني أحبار اليهود وعلماء النصارى. ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ أي: يعرفون أن البيت الحرام هو قبلة إبراهيم ﷺ ومَن قبله مِن الأنبياء كما يعرفون أبناءهم. هذا قول قتادة وهو قول ابن عباس والربيع والسدي وابن زيد وابن جريج. وعن قتادة أيضاً: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ أي: يعرفون محمداً ﷺ أنه نبي كما يعرفون أبناءهم. وهو قول الزجاج. والهاء في ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ على القول الأول تعود على الشطر أو على التولية. وعلى القول الثاني تعود على محمد ﷺ ويكون التأويل: "يعرفونك يا محمد". لكن صرف الكلام من المخاطبة إلى الغيبة على مذهب العرب. وقال مقاتل: "الهاء في (يَعْرِفُونَهُ) تعود على البيت الحرام". * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. أي وإن طائفة من اليهود والنصارى ليكتمون أن القبلة هي المسجد الحرام وهم يعلمون أنها حق. وقال قتادة وغيره: "يكتمون أمر محمد ﷺ وهم يعلمون أنه حق يجدونه في التوراة والإنجيل".

البقرة 2:146

قوله: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ﴾. إلى قوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. أي: قد نرى يا محمد تصرف نظرك نحو السماء. روي أنه ﷺ كان قبل تحويل قبلته من بيت المقدس إلى الكعبة يرفع بصره إلى السماء ينتظر من الله الأمر بالتحويل إلى الكعبة. قال قتادة: "كان النبي [ﷺ] يقلّب وجهه إلى السماء، يحب أن يصرفه الله تعالى إلى الكعبة حتى صرفه الله عز وجل إليها". وهذا يدل على أنه لم يصلِّ إلى بيت المقدس إلا بوحي، فكان ينتظر متى يؤمر بترك ما أمر به. ولو كان إنما صلّى إلى بيت المقدس باختياره لم ينتظر الأمر فيه، ولرجع إلى الكعبة باختياره أيضاً. وقد قال تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ﴾ [النجم: ٣]. فكيف يأمرهم بالصلاة إلى بيت المقدس من عند نفسه. هذا بعيد. وقال بعض العلماء: "إنما أحب النبي [عليه السلام] أن يُرَدَّ إلى الكعبة لأن اليهود كانوا يقولون: يتبع قبلتنا ويخالفنا في ديننا! فلما ردّه الله إلى الكعبة انقطع قول اليهود". وقال ابن زيد: "قال الله عز وجل لنبيه ﷺ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ﴾ فقال النبي [عليه السلام] "هَؤُلاَءِ قَوْمٌ يَهُودٌ يَسْتَقبلُونَ بَيْتاً مِنْ بُيُوتِ الله عز وجل، فَلَوْ أَنَّا اسْتَقْبَلْنَاهَا" فَاسْتَقْبَلَ النبي [عليه السلام] معهم بيت المقدس ستة عشر شهراً، فبلغه أن اليهود تقول: والله ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم. فكره ذلك النبي ﷺ، ورفع وجهه إلى السماء. فأنزل الله عليه ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ الآية فهذا يدل على أنه استقبل بيت المقدس من غير أمر أتاه من عند الله، وأنه إنما أتاه من الله الإباحة باستقبال أي موضع شاء. ثم نسخ الله فعله لأنه كان ﷺ يتبع آثار الأنبياء صلى الله عليهم وسلم، فلذلك صلّى نحو بيت المقدس مع ما طمع به من استمالة اليهود أن يؤمنوا به. وقال ابن عباس: "كان النبي عليه السلام لما هاجر إلى المدينة - وكان أكثر أهلها اليهود - أمره الله [جلَّ وعزَّ] أن يستقبل بيت المقدس ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهراً. فكان رسول الله ﷺ يحب قبلة أبيه إبراهيم وكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله عز وجل: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ إلى ﴿صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. فهذا يدل على أن الله سبحانه أمره باستقبال بيت المقدس ثم نسخها بالكعبة. وروي أن النبي [عليه السلام] كان يصلي بمكة نحو بيت المقدس مع استقباله الكعبة، فلما هاجر إلى المدينة صلى نحو بيت المقدس أيضاً سبعة عشر شهراً، ووقع في نفسه الصلاة نحو الكعبة، فأقبل يقلّب وجهه إلى السماء كيف يستقبل الكعبة. فأتاه جبريل عليه السلام، فقال له النبي ﷺ: "لَوَدِدْتُ يَا جِبْريلُ أَنَّ اللهَ صَرَفَنِي عَنْ قِبْلَةِ اليَهُودِ إِلَى غَيْرِهَا"، فقال له جبريل عليه السلام: إنما أنا عبد مثلك، وأنت كريم على الله، فادعه وسله، ثم ارتفع جبريل، وجعل النبي يديم النظر إلى السماء رجاء أن يأتيه جبريل بالذي سأل، فأنزل الله جل ذكره: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾ الآية وقال إبراهيم بن اسحاق: "أول أَمْر الصلاة أنها فرضت ركعتين بمكة في أول النهار، وركعتين في آخره. فلما كانت ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة، أسري به ﷺ وفرض عليه خمسون صلاة، ثم نقصت إلى خمس صلوات، فأتاه جبريل ﷺ فأمَّهُ عند البيت، فأول ما صلّى به الظهر نحو بيت المقدس مع استقبال الكعبة. ثم قدم المدينة في شهر ربيع الأول، فصلى إلى بيت المقدس تمام سنة إحدى عشرة وصلى من سنة اثنتين ستة أشهر ثم حوّلت القبلة في رجب. وروى الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن القبلة صرفت في جمادى. وقال الواقدي: "في النصف من شعبان صرفت". فوقع الاختلاف على مقدار اختلافهم في عدة الأشهر التي صلى في المدينة إلى بيت المقدس. وقيل: إنما نسخ الله باستقبال الكعبة قوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. فأباح له أن يستقبل إلى أي ناحية شاء. ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾. وقال ابن عباس: "أول ما نسخ من القرآن شأن القبلة". قال الله عز وجل لنبيه: ﴿وَللَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ﴾. فصلى نبيه عليه السلام نحو بيت المقدس وترك البيت العتيق ثم صرفه الله إلى البيت العتيق فقال: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ . ابن وهب عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أنه قال: "بينا الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال لهم: إن رسول الله ﷺ قد نزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة". وحدث مالك عن ابن المسيب أنه كان يقول: "صلى النبي ﷺ بعد أن قدم المدينة ستة عشر شهراً نحو بيت المقدس، ثم حوّلت القبلة قبل بدر بشهرين". وذكر البراء في ذلك كله نحوه. وقال أنس: "مرّ بهم رجل وهم ركوع نحو بيت المقدس، فنادى: "ألا إن القبلة قد صرفت إلى الكعبة". فمالوا كما هم ركوعاً". قال الواقدي: "صرفت يوم الثلاثاء للنصف من شعبان سنة اثنتين". وقال ابن شعبان: "صرفت إلى الكعبة في رجب". وقال: ﴿سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢]. يعنون بيت المقدس، فأنزل الله: ﴿قُل للَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. وروى ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "إن الصلاة أول ما فرضت، إنما فرضت ركعتين، ثم أتمّ الله صلاة الحضر، وأُقِرَّت صلاة السفر على حالها". قال ابن شهاب: فقلت لعروة: فما حمل عائشة على أن تصلي في السفر أربع ركعات؟ فقال عروة: تأولت عائشة في ذلك ما تأول عثمان [بن عفان] في إتمام الصلاة بمنى". قال أبو عبيد: تأول عثمان في إتمام الصلاة بمنى ثلاثة أوجه: فيقال: إنه اتخذ أهلاً بمكة. ويقال: إنه تأول: إني الخليفة فحيثما كنت فهو عملي. والوجه الثالث: أنه بلغه أن أعرابياً صلّى معه ركعتين فظن أن الفريضة ركعتان فانصرف إلى منزله فلم يزل يصلي ركعتين السنة كلها، فلما بلغه ذلك أتم الصلاة. وأما عائشة رضي الله عنها. فتأولت أنها أم المؤمنين فحيثما كانت فكأنها مع ولدها مقيمة". وروي أن أول من صلى إلى الكعبة من المسلمين بالمدينة البراء بن معرور من بني سلمة، وذلك أنه كان قد بايع النبي [عليه السلام] على العقبة وكان نقيباً، فقال له النبي ﷺ: "إِنِّي رَمَقْتُكَ فَأُحِبُّ أَنْ تَعُودَ إِليَّ حَتَّى تُهَاجِرَ مَعِي فَتَكُونَ لَكَ مَعَ النَّصْرَةِ هِجْرَةٌ". فلما توجه إلى المدينة مع السبعين الذين بايعوا رسول الله ﷺ من الأنصار على العقبة، مرض بالمدينة فكان يصلي إلى الكعبة لموعدة النبي صلى الله عليه سلم. فلما حضرته الوفاة، قال: اجعلوا مالي ثلاثة أثلاث: ثلثاً لله وثلثاً لرسوله وثلثاً لوليي، وإذا مت فحوّلوا وجهي نحو محمد ﷺ لموعدي معه. فكان أول من صلى إلى الكعبة، وأول من دفن نحوها، وأول من أوصى بثلثه. فلما قدم النبي ﷺ المدينة أخبر بوفاته وبالوصية، فقال: "أَمَّا ثُلُثِي فَرَدٌّ عَلَى وَلَدِهِ، وَأَمَّا [ثُلُثُ الله] فَأُنْفِقُهُ فِي سَبيلِ اللهِ عز وجل". وكان له ابن صالح من خيار النقباء اسمه بشر بن البراء، وفيه قال النبي ﷺ: "هُوَ سَيِّدُ بَنِي سَلَمَةَ". وهو الذي أكل من الشاة التي سمّت للنبي ﷺ ومن ذلك مات يوم خيبر. وقوله: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾: أي: فلنصرفنك إلى قبلة ترضاها وهي الكعبة. ومعنى ترضاها: تهواها وتحبها. * * ثم قال: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾. أي: نحوه وقصده وتلقاءه. قال عبد الله بن عمر: "صرفت قبلته حيال ميزاب الكعبة". وكان يجلس في المسجد الحرام حيال الميزاب، فإذا سئل عن ذلك تلا هذه الآية. وقال ابن عباس: ولّى وجهه نحن [البيت] كله"، وهو قول أكثر العلماء. وقد قال أسامة بن زيد: "رأيت النبي [عليه السلام] حين خرج من البيت أقبل بوجهه إلى الباب فقال: "هَذِهِ القِبْلَةُ هَذِهِ القِبْلَةُ وروي عنه ﷺ أنه صلى ركعتين مستقبلاً باب الكعبة وقال: "هَذِهِ القِبْلَةُ"، مرتين. ثم قال: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ﴾. أي: وأينما كنتم أيها المؤمنون فولّوا وجوهكم بصلاتكم نحو المسجد الحرام. فالهاء في "شَطْرِهِ" عائدة على المسجد الحرام. فأوجب الله بهذه الآية على المؤمنين فرض التوجه نحو المسجد الحرام في صلاتهم حيث ما كانوا من الأرض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ﴾. أي: وإن أحبار اليهود وعلماء النصارى ليعلمون أن التوجه نحو المسجد الحرام الحق الذي فرض الله على إبراهيم [عليه السلام] وذريته وسائر عباده بعده، فرض ذلك عليهم. قال قتادة والضحاك: "يعرفون أن القبلة هي الكعبة". قال الضحاك: "كمعرفتهم أبناءهم". والهاء في "أنه" تعود على التولية إلى الكعبة، ودل على التولية قوله: ﴿فَوَلِّ﴾. وعن الكسائي أنه قال: "الهاء تعود على الشطر". * * ثم قال: ﴿وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾. من قرأ بالتاء رده على الخطاب في قوله: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ﴾. ومن قرأه بالياء رده على الإخبار عن الذين أوتوا الكتاب لتقدم ذكرهم. * * ثم قال: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ﴾. أي: ولئن جئت يا محمد اليهود والنصارى بكل برهان وحجة بأن الحق ما جئتهم به من فرض التحول إلى المسجد الحرام، ما صدقوا به ولا اتبعوه مع قيام الحجة عليهم. * * وقوله: ﴿وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾. أي: ما لك من سبيل يا محمد إلى اتباع قبلتهم لأن اليهود تستقبل بيت المقدس بصلاتها، والنصارى تستقبل المشرق. فمن أين يكون لك يا محمد السبيل إلى اتباع قبلتهم مع اختلاف وجوهها، فالزم ما أمرت به من استقبال المسجد الحرام. * * ثم قال: ﴿وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾. أي: وما اليهود بتابعين قبلة النصارى، ولا النصارى بتابعين قبلة اليهود. قاله السدي وغيره. وقيل: معناه: وما الذين اتبعوك من اليهود بتابعين قبلة من لم يتبعك، ولا الذين لم يتبعوك بتابعين قبلة من اتبعك منهم. وقال السدي: "أنزل الله تعالى هذه الآية من أجل أن النبي ﷺ لما حوّل إلى الكعبة قالت اليهود: إن محمداً اشتاق إلى قبلة إبراهيم ومولده، ولو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون هو صاحبنا الذي ننتظره، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. وهو قول ابن زيد. * * ثم قال: ﴿وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾. أي: ولئن التمست يا محمد رضا هؤلاء اليهود والنصارى الذين قالوا لك ولأصحابك: ﴿كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ﴾، فاتبعت قبلتهم من بعد ما جاءك من العلم أنهم على باطل وعلى عناد للحق، وأنهم يعرفون أن الحق ما أنت عليه إنك إذاً لمن الظالمين لنفسك. وهذا خطاب للنبي [عليه السلام] ولسائر أمته. وقيل: المراد به أمته. * * ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ﴾. يعني أحبار اليهود وعلماء النصارى. ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ أي: يعرفون أن البيت الحرام هو قبلة إبراهيم ﷺ ومَن قبله مِن الأنبياء كما يعرفون أبناءهم. هذا قول قتادة وهو قول ابن عباس والربيع والسدي وابن زيد وابن جريج. وعن قتادة أيضاً: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ أي: يعرفون محمداً ﷺ أنه نبي كما يعرفون أبناءهم. وهو قول الزجاج. والهاء في ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ على القول الأول تعود على الشطر أو على التولية. وعلى القول الثاني تعود على محمد ﷺ ويكون التأويل: "يعرفونك يا محمد". لكن صرف الكلام من المخاطبة إلى الغيبة على مذهب العرب. وقال مقاتل: "الهاء في (يَعْرِفُونَهُ) تعود على البيت الحرام". * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. أي وإن طائفة من اليهود والنصارى ليكتمون أن القبلة هي المسجد الحرام وهم يعلمون أنها حق. وقال قتادة وغيره: "يكتمون أمر محمد ﷺ وهم يعلمون أنه حق يجدونه في التوراة والإنجيل".

البقرة 2:147

قوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ * ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾. أي: هذا الحق من ربك. ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ أي: لا تكونن من الشاكين أن القبلة التي وجهت إليها هي الحق وهي قبلة إبراهيم والأنبياء غيره صلوات الله عليهم. وهذا خطاب للنبي [عليه السلام] والمراد به أمته. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾. "هو" يرجع إلى "كُلٍّ". والهاء في "مُوَلِّيها" ترجع إلى القبلة. وقيل: "هُوَ" يرجع إلى الله جل ذكره. فأما من قرأ "هو مُوَلاَّها"، فهو يرجع إلى "كُلٍّ" لا غير. قال مجاهد: "معناه: ولكل صاحب ملة قبلة". يعني لليهود قبلة وللنصارى قبلة. قال ابن عباس: "يعني بذلك أهل الأديان؛ لكل أهل دين قبلة يرضونها. ووجهة الله عز وجل حيث توجه المؤمنون". وقال الضحاك: "معناه ولكل صاحب ملة قبلة، وصاحب القبلة يولِّيها وجهه". وقال السدي: "المعنى ولكل قوم قبلة قد ولّوها". والمعنى عند أهل العربية، هو موليها نفسه أو وجهه. فأما من قرأ: "مُوَلاَّهَا" فالضمير على هذه القراءة لواحد، أي: ولكل واحد من الناس قبلة، الواحد مولاها، أي: مصروف إليها. وقال الأخفش: "المعنى: موليها الله إياه على ما يزعمون" يريد على قراءة موليها. وقال علي بن سليمان: "المعنى هو متوليها، والوجهة والجهة والوجه واحد". وعن قتادة في قوله: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾، قال: "هي صلاتهم إلى بيت المقدس وصلاتهم إلى الكعبة". فيكون التقدير على هذا: ولكل ناحية وَجَّهَكَ إليها ربُّك يا محمد قبلةُ الله مولِّيها عباده". وهو قول الأخفش الذي تقدم. ومعنى "مولِّيها" مول وجهه إليها ومستقبلها. وقال الطبري: "التولية في الآية للكل، ووُجدت للفظ "كل"، قال: "فمعنى الكلام: ولكل أهل ملة وجهة، الكل موليها وجوههم. قال: وأما قراءة ابن عامر فمعناه: هو موجَّه نحوها، ويكون الكل حينئذ غير مسمى فاعله، ولو سمي فاعله لكان الكلام: ولكل ذي ملة وجهة، الله موليها إياه بمعنى موجهه إليها. ورويت قراءة شاذة بإضافة "كل" إلى "وجهة"، وهي قراءة لا تجوز لأنه لا فائدة في الكلام إذا لم يتم الخبر". ولو ثَنيتَ على قراءة الجماعة لقلت: "هُمَا مُوَلِّياهَا"، وفي الجمع [هُمْ مَوَلُّوهَا] وعلى قراءة ابن عباس في التثنية "هُمَا مُوَلَّياهَا". وفي الجمع [هُمْ مُوَلَّوْهَا]. فإن جئت بالمفعول الثاني في قراءة الجماعة، قلت في التثنية: "هُمَا [مُوَلِّياهَا هُمَا] وفي الجمع: "هُمْ مُوَلُّوهَا هُمْ". * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَاتِ﴾. أي: بادروا إلى عمل الصالحات واستقبال ما أمركم الله عز وجل باستقباله وهو المسجد الحرام. * * ثم قال: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً﴾. أي: في أي مكان تكونون بعد موتكم يأت بكم الله جميعاً يوم القيامة. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: على جمعكم بعد مماتكم وغير ذلك قدير. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ الآية. وقد تقدم شرحه ووقع التكرير للإفهام، ولئلا يصل ذلك إلى بعض دون بعض فكرر الله التأكيد ليصل إلى الجميع. * * ثم قال: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾. الناس هنا: مشركو العرب. والمعنى: عرفناكم أن لكل وجهة موليها لئلا يكون لمشركي العرب حجة أي: خصومة ودعوى باطل [إلا لمشركي] قريش فإن [لهم عليكم] دعوى باطلة وخصومة بغير حق لقولهم لكم: رجع [محمد إلى] قبلتنا، وسيرجع إلى ديننا. هذا معنى قول مجاهد. وقال قتادة: "هم مشركوا العرب، قالوا لمشركي قريش حين صرفت القبلة إلى الكعبة: قد رجع إلى قبلتكم، فيوشك أن يرجع إلى دينكم". قال الله تعالى: ﴿فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي﴾. وعن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من أصحاب النبي [عليه السلام] أنه لما صرفت القبلة نحو الكعبة قال المشركون من أهل مكة: تحير على محمد دينه فتوجه بقبلته إليكم، وعلم أنكم كنتم أهدى منه سبيلاً، ويوشك أن يدخل في دينكم، فأنزل الله فيهم: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي﴾. وهو قول عطاء والسدي وغيرهما. فهو على هذا التاويل استثناء صحيح، وهو مذهب الطبري، قال: "نفى الله جل ذكره أن يكون لأحد من الناس حجة على النبي ﷺ وأصحابه في استقباله الكعبة إلا مشركي قريش فإن لهم قِبَلَكُم خصومةً باطلة بأن يقولوا: إنما توجهتم إلى قبلتنا لأنا كنا أهدى منكم سبيلاً وأنكم كنتم على ضلالة في استقبالكم بيت المقدس". وقال بعض النحويين: "هو استثناء ليس من الأول، و "إلا" بمعنى "لكن". قال أبو عبيدة: ""إلا" بمعنى الواو". وهو قول بعيد من الصواب لأنه يفسد المعاني ويغير ما بني عليه الكلام. و "إلا" إذا كانت بمعنى "لكن"، فإنما هي إيجاب لشيء بعدما تؤكده. * * وقوله: ﴿فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي﴾. أي: لا تخشوا هؤلاء الذين سفهوا عليكم بالحجج الباطلة، واخشوا عقابي إن خالفتم أمري. وهذا تحضيض من الله تعالى للمؤمنين على لزوم الصلاة إلى الكعبة وترك التوجه إلى غيرها. وقال السدي: "معناه: فلا تخشوا أن أردكم إلى دينهم". * * ثم قال: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾. قال الأخفش: "هو معطوف على ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ﴾ أي: لئلا يكون، ولأتم نعمتي عليكم. فالمعنى: ولّوا وجوهكم حيث كنتم من الأرض إلى نحو المسجد الحرام كي لا يكون لأحد من الناس عليكم حجة سوى مشركي قريش، فإن لهم حجة باطلة، وكي أتم نعمتي عليكم بإتمام شرائح الملة الحنيفية. وقال ابن جبير: "﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾: "أي: ولأدخلكم الجنة". قال: "ولن تتم نعمة الله على عبد حتى يدخله الجنة". وقال الزجاج: "اللام متعلقة بمحذوف والتقدير: ولأتم نعمتي عليكم عرفتكم قبلتكم، وأنه لا حجة لأحد عليكم إلا الذين ظلموا فإنهم [سيحتجون عليكم] بالباطل". وقيل: التقدير: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾، ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. ففي الكلام على هذا القول تقديم وتأخير. وهو قول الأخفش المتقدم الذكر. * * ثم قال تعالى: ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ﴾. تقديره: ولعلكم تهتدون اهتداء مثل إرسالنا إليكم رسولاً منكم تالياً عليكم الكتاب ومطهراً لكم من الذنوب ومعلماً لكم ما لم تكونوا تعلمون. فكل ما بعد "رسول" نعوت له مكررة. وقال الزجاج: "الكاف متعلقة بما بعدها، أي: فاذكروني كما أرسلت فيكم رسولاً منكم". وهذا قول مردود لأن الأمر إذا كان له جواب لم يتعلق به ما قبله لاشتغاله بجوابه؛ تقول: "كما أحسنتُ إليك فأكرمني". فتكون الكاف من "كما" متعلقة بـ "أكرمني" إذ لا جواب له. فإن قلت: "كما أحسنت إليك فأكرمني أكرمك"، لم تتعلق الكاف من "كما" بـ "أكرمني" بأن له جواباً، ولكن تتعلق بشيء آخر أو بمضمر. فكذلك قوله: ﴿فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ﴾ هو أمر له جواب، فلا [تتعلق "كما" به ولا] يحوز ذلك إلا على التشبيه بالشرط الذي يجاوب بجوابين، نحو قولك: "إذا أتاك فلان فأته ترضه"، فتكون "كما" و "أذكركم" جوابين [للأمر. والأول أفصح] وأشهر. وقيل: هي متعلقة بقوله: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ أي: "ولأتم نعمتي عليكم إتماماً كما أرسلنا". وقيل: الكاف في موضع نصب على الحال، أي: ولأتم نعمتي عليكم في هذه الحال. وقيل: المعنى: ولأتم نعمتي عليكم بإتمام شرائع دين الحنيفية ملة إبراهيم كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم تالياً عليكم آياتي، ومطهراً لكم ومعلماً لكم الكتاب والحكمة وما لم تكونوا تعلمون. وكل ذلك بدعاء إبراهيم ﷺ [في قوله]: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] وقوله: ﴿رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩]. فدل هذا المعنى على ان الكاف متعلقة بقوله: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ فتلخيص المعنى: ولأتم نعمتي عليكم ببيان ملة أبيكم إبراهيم كما أجبنا دعوته فيكم، فأرسلنا إليكم رسولاً منكم. ومعنى "يزكيكم" يطهركم من دنس الذنوب. * * ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَابَ﴾ أي: القرآن، والحكمة والسنن والفقه في الدين. ﴿وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾. أي أخبار الأنبياء والأمم قبلكم، وما هو كائن من الأمور. * * ومعنى ﴿فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ﴾. قال ابن عباس: "إذا ذكر الله العبدُ وهو على طاعته ذكره برحمته، وإذا ذكره وهو على معصيته ذكره بلعنته". وقال عكرمة: "يقول الرب: يا ابن آدم اذكرني بعد صلاة الصبح ساعة وبعد صلاة العصر ساعة، وأنا أكفيك ما بينهما". وقال ابن جبير: "اذكروني بالطاعة أذكركم بالمغفرة". وقال الربيع في الآية: "إن الله ذاكر من ذكره، وزائد من شكره، ومعذب من كفره". وكان بعضهم يتأوله من الذكر والثناء والمدح. وقيل: المعنى: اذكروني واذكروا نعمتي عليكم شكراً لها، أذكركم برحمتي والزيادة من النعمة. وقال السدي: "ليس من عبد يذكر الله إلا ذكره الله جل وعز، لا يذكره مؤمن إلا ذكره برحمته، ولا يذكره كافر إلا ذكره بعذاب". والذكر فيما روي عن عمر رضي الله عنه ذكران. أحدهما أفضل من الآخر وهما: ذكر الله عند أوامره ونواهيه، وذكر الله بلسانه بالثناء عليه. فالأول أفضل، وكلاهما فيه فضل وأجر وثواب، إلا أن ذِكْر الله عند أمره ونهيه - فيفعل ما أمر به وينتهي عما نهى عنه - أفضل من ذكره باللسان مع مخالفة أمره ونهيه. والفضل كله والشرف والأجر والثواب في اجتماعهما من الإنسان. وهو ألا ينسى ذكر الله عند أمره فيأتمر، وعند نهيه فينتهي، ولا ينساه من ذكره بلسانه. وكذلك الصبر صبران. وهما: الصبر على الطاعة وعن المعصية، والصبر على المصيبة. والأول أفضل. * * وقوله: ﴿وَٱشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ﴾. أي اشكروه على نعمة الإسلام والهدى ولا تجحدوا إحسانه إليكم ونعمه عندكم. والشكر معناه الثناء على الرجل بأفعاله المحمودة. ومعنى الكفر التغطية للشي. * * ثم قال: ﴿يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ﴾. هذه الآية حض من الله تعالى للمؤمنين على طاعته، واحتمال المكروه في الله عز وجل. فالمعنى: استعينوا على طاعة الله بالصبر والتسليم لأمره في جميع ما يأمركم به، واستعينوا على ذلك أيضاً بالصلاة لأن بها تتقربون إلى الله سبحانه، فيجيب دعاءكم ويقضي حوائجكم. قال قتادة: "احتجوا على رسول الله ﷺ في انصرافه إلى الكعبة: [وقالوا: سيرجع محمد] إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا، فأمرهم الله تعالى أن يستعينوا بالصبر والصلاة". وقيل: الصبر هنا الصوم، لأنه يقطع عن اللذات. وقيل: الصبر هنا الصبر عن المعاصي. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ﴾: أي: ناصرهم وراض بفعلهم يظهر دينه على سائر الأديان لأن من كان الله معه فهو الغالب. ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ﴾. هذا يدل على أنه لا يقال للشهيد ميت، إنما يقال: شهيد وقتيل. فالمعنى: هم أحياء عند ربهم يرزقون من ثمر الجنة ويجدون ريحها وليسوا فيها. قاله مجاهد. قال قتادة: "كنا نحدث أن أرواح الشهداء تعارَف في طير [خضر تأكل من ثمار] الجنة، وأن مساكنهم السدرة، وأن للمجاهد في سبيل الله عز وجل ثلاث خصلات: من قتل في سبيل الله عز وجل منهم صار حياً مرزوقاً، ومن غلب آتاه الله أجراً عظيماً، ومن مات رزقه الله رزقاً حسناً". قال الربيع: "هم أحياء في صور طير خضر يطيرون في الجنة حيث شاءوا. منها يأكلون، من حيث شاءوا". وقال عكرمة: "أرواح الشهداء في طير بيض في الجنة". وروى ابن عباس عن النبي [ﷺ] أنه قال: "الشُّهَدَاءُ عَلَى نَهْرٍ بِبَابِ الجَنَّةِ فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ ويُرْوى أنهم بباب الجنة في روضة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشياً. [فنهى الله المسلمين أن يسموهم] أمواتاً وأمرهم أن يسموهم شهداء. وعن النبي [ﷺ] أنه قال في شهداء أحد: "هَؤُلاءِ الشُّهَدَاءُ، وَأَنَا عَلَيْهِمْ شَهِيدٌ، جَعَلَ اللهُ أَرْوَاحَهُمْ في طَيْرٍ خضرٍ تَرْتَعُ فِي رِيَاضِ الجَنَّةِ وقيل: المعنى: لا تقولوا: "هم أموات في دينهم، بل هم أحياء في دينهم". والقول الأول عليه أهل العلم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَاتِ﴾. أي: لنختبرنكم ولنمتحننكم بشدائد الأمور فيظهر من هو في الصبر والاحتساب على اتباع الرسول ﷺ باقٍ، ممن ينقلب على عقبيه كما ابْتَلَيْتُكُمْ بتحويل القبلة. وقد عدهم الله بذلك الامتحان في آية أخرى فقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم﴾ [البقرة: ٢١٤] الآية إلى ﴿قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]. قال ابن عباس: "أخبر الله عز وجل المؤمنين أن الدنيا دار بلاء وأنه مبتليهم فيها، وأمرهم بالصبر وبشّرهم، فقال: ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ﴾. وأخبر في الآية الأخرى أنه هكذا فعل بأوليائه قبلهم لتطيب أنفسهم فقال: ﴿مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ﴾ [البقرة: ٢١٤]. * * وقوله: ﴿بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ﴾. يعني خوف العدو. ﴿وَٱلْجُوعِ﴾: يعني القحط. * * ثم قال: ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ﴾: أي: الصابرين على الامتحان، ثم بيّنهم فقال: * * ﴿ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. أي نحن وأموالنا له، ونحن إليه راجعون. وقيل: معناه: ونحن مقرون بأن نبعث ونعطى الثواب على تصديقنا والصبر على ما ابتلينا به. * * ثم قال: ﴿أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾. أي: مغفرة من ربهم. وقيل: ترحم من ربهم ورحمة. ﴿وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾. قال الليث في قوله: ﴿إِنَّا للَّهِ﴾ الآية "معناها: نحن والذي أصبنا به لله ونحن وإياه إلى الله راجعون". قال ابن جبير: "لم يعط هذه الآية أحد من الأمم قبلنا ولا نبي قبل نبينا. ولو علمها يعقوب عليه السلام لم يقل: ﴿يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤]. وقال عكرمة: "انطفأ مصباح النبي [عليه السلام] ليلة فقال: ﴿إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. فَقِيلَ: يَا نَبِيَّ اللهِ: أَمُصِيبَةٌ هَذِهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، كُلُّ شَيْءٍ آذَى المُؤْمِنَ فَهُوَ لَهُ مُصِيبَةٌ، وَلَهُ فِيهِ أَجْرُ المُصِيبَةِ وروي أن النبي [ﷺ] قال: "مَا مِنْ أَحَدٍ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ فَاسْتَرْجَعَ إِلاَّ اسْتَوْجَبَ مِنَ الله ثَلاثَ خِصَالٍ؛ كُلُّ خَصْلَةٍ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا قَال أبو عبيد: يعني قوله: ﴿أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾.