Tafsir Makhi — البقرة 2:148 – البقرة 2:215
المحتويات
- البقرة 2:148
- البقرة 2:149
- البقرة 2:150
- البقرة 2:151
- البقرة 2:152
- البقرة 2:153
- البقرة 2:154
- البقرة 2:155
- البقرة 2:156
- البقرة 2:157
- البقرة 2:158
- البقرة 2:159
- البقرة 2:160
- البقرة 2:161
- البقرة 2:162
- البقرة 2:163
- البقرة 2:164
- البقرة 2:165
- البقرة 2:166
- البقرة 2:167
- البقرة 2:168
- البقرة 2:169
- البقرة 2:170
- البقرة 2:171
- البقرة 2:172
- البقرة 2:173
- البقرة 2:174
- البقرة 2:175
- البقرة 2:176
- البقرة 2:177
- البقرة 2:178
- البقرة 2:179
- البقرة 2:180
- البقرة 2:181
- البقرة 2:182
- البقرة 2:183
- البقرة 2:184
- البقرة 2:185
- البقرة 2:186
- البقرة 2:187
- البقرة 2:188
- البقرة 2:189
- البقرة 2:190
- البقرة 2:191
- البقرة 2:192
- البقرة 2:193
- البقرة 2:194
- البقرة 2:195
- البقرة 2:196
- البقرة 2:197
- البقرة 2:198
- البقرة 2:199
- البقرة 2:200
- البقرة 2:201
- البقرة 2:202
- البقرة 2:203
- البقرة 2:204
- البقرة 2:205
- البقرة 2:207
- البقرة 2:208
- البقرة 2:209
- البقرة 2:210
- البقرة 2:211
- البقرة 2:212
- البقرة 2:213
- البقرة 2:214
- البقرة 2:215
البقرة 2:148
قوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ * ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾.
أي: هذا الحق من ربك.
﴿فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ أي: لا تكونن من الشاكين أن القبلة التي وجهت إليها هي الحق وهي قبلة إبراهيم والأنبياء غيره صلوات الله عليهم.
وهذا خطاب للنبي [عليه السلام] والمراد به أمته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾.
"هو" يرجع إلى "كُلٍّ". والهاء في "مُوَلِّيها" ترجع إلى القبلة. وقيل: "هُوَ" يرجع إلى الله جل ذكره.
فأما من قرأ "هو مُوَلاَّها"، فهو يرجع إلى "كُلٍّ" لا غير.
قال مجاهد: "معناه: ولكل صاحب ملة قبلة". يعني لليهود قبلة وللنصارى قبلة.
قال ابن عباس: "يعني بذلك أهل الأديان؛ لكل أهل دين قبلة يرضونها. ووجهة الله عز وجل حيث توجه المؤمنون".
وقال الضحاك: "معناه ولكل صاحب ملة قبلة، وصاحب القبلة يولِّيها وجهه".
وقال السدي: "المعنى ولكل قوم قبلة قد ولّوها".
والمعنى عند أهل العربية، هو موليها نفسه أو وجهه.
فأما من قرأ: "مُوَلاَّهَا" فالضمير على هذه القراءة لواحد، أي: ولكل واحد من الناس قبلة، الواحد مولاها، أي: مصروف إليها.
وقال الأخفش: "المعنى: موليها الله إياه على ما يزعمون" يريد على قراءة موليها.
وقال علي بن سليمان: "المعنى هو متوليها، والوجهة والجهة والوجه واحد".
وعن قتادة في قوله: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾، قال: "هي صلاتهم إلى بيت المقدس وصلاتهم إلى الكعبة".
فيكون التقدير على هذا: ولكل ناحية وَجَّهَكَ إليها ربُّك يا محمد قبلةُ الله مولِّيها عباده". وهو قول الأخفش الذي تقدم.
ومعنى "مولِّيها" مول وجهه إليها ومستقبلها.
وقال الطبري: "التولية في الآية للكل، ووُجدت للفظ "كل"، قال: "فمعنى الكلام: ولكل أهل ملة وجهة، الكل موليها وجوههم. قال: وأما قراءة ابن عامر فمعناه: هو موجَّه نحوها، ويكون الكل حينئذ غير مسمى فاعله، ولو سمي فاعله لكان الكلام: ولكل ذي ملة وجهة، الله موليها إياه بمعنى موجهه إليها.
ورويت قراءة شاذة بإضافة "كل" إلى "وجهة"، وهي قراءة لا تجوز لأنه لا فائدة في الكلام إذا لم يتم الخبر".
ولو ثَنيتَ على قراءة الجماعة لقلت: "هُمَا مُوَلِّياهَا"، وفي الجمع [هُمْ مَوَلُّوهَا] وعلى قراءة ابن عباس في التثنية "هُمَا مُوَلَّياهَا". وفي الجمع [هُمْ مُوَلَّوْهَا]. فإن جئت بالمفعول الثاني في قراءة الجماعة، قلت في التثنية: "هُمَا [مُوَلِّياهَا هُمَا] وفي الجمع: "هُمْ مُوَلُّوهَا هُمْ".
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَاتِ﴾.
أي: بادروا إلى عمل الصالحات واستقبال ما أمركم الله عز وجل باستقباله وهو المسجد الحرام.
* *
ثم قال: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً﴾.
أي: في أي مكان تكونون بعد موتكم يأت بكم الله جميعاً يوم القيامة.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: على جمعكم بعد مماتكم وغير ذلك قدير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ الآية.
وقد تقدم شرحه ووقع التكرير للإفهام، ولئلا يصل ذلك إلى بعض دون بعض فكرر الله التأكيد ليصل إلى الجميع.
* *
ثم قال: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾.
الناس هنا: مشركو العرب. والمعنى: عرفناكم أن لكل وجهة موليها لئلا يكون لمشركي العرب حجة أي: خصومة ودعوى باطل [إلا لمشركي] قريش فإن [لهم عليكم] دعوى باطلة وخصومة بغير حق لقولهم لكم: رجع [محمد إلى] قبلتنا، وسيرجع إلى ديننا. هذا معنى قول مجاهد.
وقال قتادة: "هم مشركوا العرب، قالوا لمشركي قريش حين صرفت القبلة إلى الكعبة: قد رجع إلى قبلتكم، فيوشك أن يرجع إلى دينكم".
قال الله تعالى: ﴿فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي﴾.
وعن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من أصحاب النبي [عليه السلام] أنه لما صرفت القبلة نحو الكعبة قال المشركون من أهل مكة: تحير على محمد دينه فتوجه بقبلته إليكم، وعلم أنكم كنتم أهدى منه سبيلاً، ويوشك أن يدخل في دينكم، فأنزل الله فيهم: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي﴾.
وهو قول عطاء والسدي وغيرهما. فهو على هذا التاويل استثناء صحيح، وهو مذهب الطبري، قال: "نفى الله جل ذكره أن يكون لأحد من الناس حجة على النبي ﷺ وأصحابه في استقباله الكعبة إلا مشركي قريش فإن لهم قِبَلَكُم خصومةً باطلة بأن يقولوا: إنما توجهتم إلى قبلتنا لأنا كنا أهدى منكم سبيلاً وأنكم كنتم على ضلالة في استقبالكم بيت المقدس".
وقال بعض النحويين: "هو استثناء ليس من الأول، و "إلا" بمعنى "لكن".
قال أبو عبيدة: ""إلا" بمعنى الواو".
وهو قول بعيد من الصواب لأنه يفسد المعاني ويغير ما بني عليه الكلام. و "إلا" إذا كانت بمعنى "لكن"، فإنما هي إيجاب لشيء بعدما تؤكده.
* *
وقوله: ﴿فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي﴾.
أي: لا تخشوا هؤلاء الذين سفهوا عليكم بالحجج الباطلة، واخشوا عقابي إن خالفتم أمري. وهذا تحضيض من الله تعالى للمؤمنين على لزوم الصلاة إلى الكعبة وترك التوجه إلى غيرها.
وقال السدي: "معناه: فلا تخشوا أن أردكم إلى دينهم".
* *
ثم قال: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾.
قال الأخفش: "هو معطوف على ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ﴾ أي: لئلا يكون، ولأتم نعمتي عليكم. فالمعنى: ولّوا وجوهكم حيث كنتم من الأرض إلى نحو المسجد الحرام كي لا يكون لأحد من الناس عليكم حجة سوى مشركي قريش، فإن لهم حجة باطلة، وكي أتم نعمتي عليكم بإتمام شرائح الملة الحنيفية.
وقال ابن جبير: "﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾: "أي: ولأدخلكم الجنة". قال: "ولن تتم نعمة الله على عبد حتى يدخله الجنة".
وقال الزجاج: "اللام متعلقة بمحذوف والتقدير: ولأتم نعمتي عليكم عرفتكم قبلتكم، وأنه لا حجة لأحد عليكم إلا الذين ظلموا فإنهم [سيحتجون عليكم] بالباطل".
وقيل: التقدير: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾، ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. ففي الكلام على هذا القول تقديم وتأخير. وهو قول الأخفش المتقدم الذكر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ﴾.
تقديره: ولعلكم تهتدون اهتداء مثل إرسالنا إليكم رسولاً منكم تالياً عليكم الكتاب ومطهراً لكم من الذنوب ومعلماً لكم ما لم تكونوا تعلمون.
فكل ما بعد "رسول" نعوت له مكررة.
وقال الزجاج: "الكاف متعلقة بما بعدها، أي: فاذكروني كما أرسلت فيكم رسولاً منكم".
وهذا قول مردود لأن الأمر إذا كان له جواب لم يتعلق به ما قبله لاشتغاله بجوابه؛ تقول: "كما أحسنتُ إليك فأكرمني". فتكون الكاف من "كما" متعلقة بـ "أكرمني" إذ لا جواب له. فإن قلت: "كما أحسنت إليك فأكرمني أكرمك"، لم تتعلق الكاف من "كما" بـ "أكرمني" بأن له جواباً، ولكن تتعلق بشيء آخر أو بمضمر. فكذلك قوله: ﴿فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ﴾ هو أمر له جواب، فلا [تتعلق "كما" به ولا] يحوز ذلك إلا على التشبيه بالشرط الذي يجاوب بجوابين، نحو قولك: "إذا أتاك فلان فأته ترضه"، فتكون "كما" و "أذكركم" جوابين [للأمر. والأول أفصح] وأشهر.
وقيل: هي متعلقة بقوله: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ أي: "ولأتم نعمتي عليكم إتماماً كما أرسلنا".
وقيل: الكاف في موضع نصب على الحال، أي: ولأتم نعمتي عليكم في هذه الحال.
وقيل: المعنى: ولأتم نعمتي عليكم بإتمام شرائع دين الحنيفية ملة إبراهيم كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم تالياً عليكم آياتي، ومطهراً لكم ومعلماً لكم الكتاب والحكمة وما لم تكونوا تعلمون. وكل ذلك بدعاء إبراهيم ﷺ [في قوله]: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] وقوله: ﴿رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩].
فدل هذا المعنى على ان الكاف متعلقة بقوله: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ فتلخيص المعنى: ولأتم نعمتي عليكم ببيان ملة أبيكم إبراهيم كما أجبنا دعوته فيكم، فأرسلنا إليكم رسولاً منكم.
ومعنى "يزكيكم" يطهركم من دنس الذنوب.
* *
﴿وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَابَ﴾ أي: القرآن، والحكمة والسنن والفقه في الدين. ﴿وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾.
أي أخبار الأنبياء والأمم قبلكم، وما هو كائن من الأمور.
* *
ومعنى ﴿فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ﴾.
قال ابن عباس: "إذا ذكر الله العبدُ وهو على طاعته ذكره برحمته، وإذا ذكره وهو على معصيته ذكره بلعنته".
وقال عكرمة: "يقول الرب: يا ابن آدم اذكرني بعد صلاة الصبح ساعة وبعد صلاة العصر ساعة، وأنا أكفيك ما بينهما".
وقال ابن جبير: "اذكروني بالطاعة أذكركم بالمغفرة".
وقال الربيع في الآية: "إن الله ذاكر من ذكره، وزائد من شكره، ومعذب من كفره".
وكان بعضهم يتأوله من الذكر والثناء والمدح.
وقيل: المعنى: اذكروني واذكروا نعمتي عليكم شكراً لها، أذكركم برحمتي والزيادة من النعمة.
وقال السدي: "ليس من عبد يذكر الله إلا ذكره الله جل وعز، لا يذكره مؤمن إلا ذكره برحمته، ولا يذكره كافر إلا ذكره بعذاب". والذكر فيما روي عن عمر رضي الله عنه ذكران. أحدهما أفضل من الآخر وهما: ذكر الله عند أوامره ونواهيه، وذكر الله بلسانه بالثناء عليه. فالأول أفضل، وكلاهما فيه فضل وأجر وثواب، إلا أن ذِكْر الله عند أمره ونهيه - فيفعل ما أمر به وينتهي عما نهى عنه - أفضل من ذكره باللسان مع مخالفة أمره ونهيه. والفضل كله والشرف والأجر والثواب في اجتماعهما من الإنسان. وهو ألا ينسى ذكر الله عند أمره فيأتمر، وعند نهيه فينتهي، ولا ينساه من ذكره بلسانه.
وكذلك الصبر صبران. وهما: الصبر على الطاعة وعن المعصية، والصبر على المصيبة. والأول أفضل.
* *
وقوله: ﴿وَٱشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ﴾.
أي اشكروه على نعمة الإسلام والهدى ولا تجحدوا إحسانه إليكم ونعمه عندكم.
والشكر معناه الثناء على الرجل بأفعاله المحمودة.
ومعنى الكفر التغطية للشي.
* *
ثم قال: ﴿يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ﴾.
هذه الآية حض من الله تعالى للمؤمنين على طاعته، واحتمال المكروه في الله عز وجل. فالمعنى: استعينوا على طاعة الله بالصبر والتسليم لأمره في جميع ما يأمركم به، واستعينوا على ذلك أيضاً بالصلاة لأن بها تتقربون إلى الله سبحانه، فيجيب دعاءكم ويقضي حوائجكم.
قال قتادة: "احتجوا على رسول الله ﷺ في انصرافه إلى الكعبة: [وقالوا: سيرجع محمد] إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا، فأمرهم الله تعالى أن يستعينوا بالصبر والصلاة". وقيل: الصبر هنا الصوم، لأنه يقطع عن اللذات.
وقيل: الصبر هنا الصبر عن المعاصي.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ﴾: أي: ناصرهم وراض بفعلهم يظهر دينه على سائر الأديان لأن من كان الله معه فهو الغالب.
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ﴾.
هذا يدل على أنه لا يقال للشهيد ميت، إنما يقال: شهيد وقتيل. فالمعنى: هم أحياء عند ربهم يرزقون من ثمر الجنة ويجدون ريحها وليسوا فيها. قاله مجاهد.
قال قتادة: "كنا نحدث أن أرواح الشهداء تعارَف في طير [خضر تأكل من ثمار] الجنة، وأن مساكنهم السدرة، وأن للمجاهد في سبيل الله عز وجل ثلاث خصلات: من قتل في سبيل الله عز وجل منهم صار حياً مرزوقاً، ومن غلب آتاه الله أجراً عظيماً، ومن مات رزقه الله رزقاً حسناً".
قال الربيع: "هم أحياء في صور طير خضر يطيرون في الجنة حيث شاءوا. منها يأكلون، من حيث شاءوا".
وقال عكرمة: "أرواح الشهداء في طير بيض في الجنة".
وروى ابن عباس عن النبي [ﷺ] أنه قال: "الشُّهَدَاءُ عَلَى نَهْرٍ بِبَابِ الجَنَّةِ فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ
ويُرْوى أنهم بباب الجنة في روضة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشياً. [فنهى الله المسلمين أن يسموهم] أمواتاً وأمرهم أن يسموهم شهداء.
وعن النبي [ﷺ] أنه قال في شهداء أحد: "هَؤُلاءِ الشُّهَدَاءُ، وَأَنَا عَلَيْهِمْ شَهِيدٌ، جَعَلَ اللهُ أَرْوَاحَهُمْ في طَيْرٍ خضرٍ تَرْتَعُ فِي رِيَاضِ الجَنَّةِ
وقيل: المعنى: لا تقولوا: "هم أموات في دينهم، بل هم أحياء في دينهم". والقول الأول عليه أهل العلم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَاتِ﴾.
أي: لنختبرنكم ولنمتحننكم بشدائد الأمور فيظهر من هو في الصبر والاحتساب على اتباع الرسول ﷺ باقٍ، ممن ينقلب على عقبيه كما ابْتَلَيْتُكُمْ بتحويل القبلة. وقد عدهم الله بذلك الامتحان في آية أخرى فقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم﴾ [البقرة: ٢١٤] الآية إلى ﴿قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]. قال ابن عباس: "أخبر الله عز وجل المؤمنين أن الدنيا دار بلاء وأنه مبتليهم فيها، وأمرهم بالصبر وبشّرهم، فقال: ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ﴾. وأخبر في الآية الأخرى أنه هكذا فعل بأوليائه قبلهم لتطيب أنفسهم فقال: ﴿مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ﴾ [البقرة: ٢١٤].
* *
وقوله: ﴿بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ﴾. يعني خوف العدو.
﴿وَٱلْجُوعِ﴾: يعني القحط.
* *
ثم قال: ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ﴾: أي: الصابرين على الامتحان، ثم بيّنهم فقال:
* *
﴿ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.
أي نحن وأموالنا له، ونحن إليه راجعون.
وقيل: معناه: ونحن مقرون بأن نبعث ونعطى الثواب على تصديقنا والصبر على ما ابتلينا به.
* *
ثم قال: ﴿أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾.
أي: مغفرة من ربهم.
وقيل: ترحم من ربهم ورحمة. ﴿وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾.
قال الليث في قوله: ﴿إِنَّا للَّهِ﴾ الآية "معناها: نحن والذي أصبنا به لله ونحن وإياه إلى الله راجعون".
قال ابن جبير: "لم يعط هذه الآية أحد من الأمم قبلنا ولا نبي قبل نبينا. ولو علمها يعقوب عليه السلام لم يقل: ﴿يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤].
وقال عكرمة: "انطفأ مصباح النبي [عليه السلام] ليلة فقال: ﴿إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. فَقِيلَ: يَا نَبِيَّ اللهِ: أَمُصِيبَةٌ هَذِهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، كُلُّ شَيْءٍ آذَى المُؤْمِنَ فَهُوَ لَهُ مُصِيبَةٌ، وَلَهُ فِيهِ أَجْرُ المُصِيبَةِ
وروي أن النبي [ﷺ] قال: "مَا مِنْ أَحَدٍ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ فَاسْتَرْجَعَ إِلاَّ اسْتَوْجَبَ مِنَ الله ثَلاثَ خِصَالٍ؛ كُلُّ خَصْلَةٍ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا
قَال أبو عبيد: يعني قوله: ﴿أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾.
البقرة 2:149
قوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ * ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾.
أي: هذا الحق من ربك.
﴿فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ أي: لا تكونن من الشاكين أن القبلة التي وجهت إليها هي الحق وهي قبلة إبراهيم والأنبياء غيره صلوات الله عليهم.
وهذا خطاب للنبي [عليه السلام] والمراد به أمته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾.
"هو" يرجع إلى "كُلٍّ". والهاء في "مُوَلِّيها" ترجع إلى القبلة. وقيل: "هُوَ" يرجع إلى الله جل ذكره.
فأما من قرأ "هو مُوَلاَّها"، فهو يرجع إلى "كُلٍّ" لا غير.
قال مجاهد: "معناه: ولكل صاحب ملة قبلة". يعني لليهود قبلة وللنصارى قبلة.
قال ابن عباس: "يعني بذلك أهل الأديان؛ لكل أهل دين قبلة يرضونها. ووجهة الله عز وجل حيث توجه المؤمنون".
وقال الضحاك: "معناه ولكل صاحب ملة قبلة، وصاحب القبلة يولِّيها وجهه".
وقال السدي: "المعنى ولكل قوم قبلة قد ولّوها".
والمعنى عند أهل العربية، هو موليها نفسه أو وجهه.
فأما من قرأ: "مُوَلاَّهَا" فالضمير على هذه القراءة لواحد، أي: ولكل واحد من الناس قبلة، الواحد مولاها، أي: مصروف إليها.
وقال الأخفش: "المعنى: موليها الله إياه على ما يزعمون" يريد على قراءة موليها.
وقال علي بن سليمان: "المعنى هو متوليها، والوجهة والجهة والوجه واحد".
وعن قتادة في قوله: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾، قال: "هي صلاتهم إلى بيت المقدس وصلاتهم إلى الكعبة".
فيكون التقدير على هذا: ولكل ناحية وَجَّهَكَ إليها ربُّك يا محمد قبلةُ الله مولِّيها عباده". وهو قول الأخفش الذي تقدم.
ومعنى "مولِّيها" مول وجهه إليها ومستقبلها.
وقال الطبري: "التولية في الآية للكل، ووُجدت للفظ "كل"، قال: "فمعنى الكلام: ولكل أهل ملة وجهة، الكل موليها وجوههم. قال: وأما قراءة ابن عامر فمعناه: هو موجَّه نحوها، ويكون الكل حينئذ غير مسمى فاعله، ولو سمي فاعله لكان الكلام: ولكل ذي ملة وجهة، الله موليها إياه بمعنى موجهه إليها.
ورويت قراءة شاذة بإضافة "كل" إلى "وجهة"، وهي قراءة لا تجوز لأنه لا فائدة في الكلام إذا لم يتم الخبر".
ولو ثَنيتَ على قراءة الجماعة لقلت: "هُمَا مُوَلِّياهَا"، وفي الجمع [هُمْ مَوَلُّوهَا] وعلى قراءة ابن عباس في التثنية "هُمَا مُوَلَّياهَا". وفي الجمع [هُمْ مُوَلَّوْهَا]. فإن جئت بالمفعول الثاني في قراءة الجماعة، قلت في التثنية: "هُمَا [مُوَلِّياهَا هُمَا] وفي الجمع: "هُمْ مُوَلُّوهَا هُمْ".
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَاتِ﴾.
أي: بادروا إلى عمل الصالحات واستقبال ما أمركم الله عز وجل باستقباله وهو المسجد الحرام.
* *
ثم قال: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً﴾.
أي: في أي مكان تكونون بعد موتكم يأت بكم الله جميعاً يوم القيامة.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: على جمعكم بعد مماتكم وغير ذلك قدير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ الآية.
وقد تقدم شرحه ووقع التكرير للإفهام، ولئلا يصل ذلك إلى بعض دون بعض فكرر الله التأكيد ليصل إلى الجميع.
* *
ثم قال: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾.
الناس هنا: مشركو العرب. والمعنى: عرفناكم أن لكل وجهة موليها لئلا يكون لمشركي العرب حجة أي: خصومة ودعوى باطل [إلا لمشركي] قريش فإن [لهم عليكم] دعوى باطلة وخصومة بغير حق لقولهم لكم: رجع [محمد إلى] قبلتنا، وسيرجع إلى ديننا. هذا معنى قول مجاهد.
وقال قتادة: "هم مشركوا العرب، قالوا لمشركي قريش حين صرفت القبلة إلى الكعبة: قد رجع إلى قبلتكم، فيوشك أن يرجع إلى دينكم".
قال الله تعالى: ﴿فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي﴾.
وعن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من أصحاب النبي [عليه السلام] أنه لما صرفت القبلة نحو الكعبة قال المشركون من أهل مكة: تحير على محمد دينه فتوجه بقبلته إليكم، وعلم أنكم كنتم أهدى منه سبيلاً، ويوشك أن يدخل في دينكم، فأنزل الله فيهم: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي﴾.
وهو قول عطاء والسدي وغيرهما. فهو على هذا التاويل استثناء صحيح، وهو مذهب الطبري، قال: "نفى الله جل ذكره أن يكون لأحد من الناس حجة على النبي ﷺ وأصحابه في استقباله الكعبة إلا مشركي قريش فإن لهم قِبَلَكُم خصومةً باطلة بأن يقولوا: إنما توجهتم إلى قبلتنا لأنا كنا أهدى منكم سبيلاً وأنكم كنتم على ضلالة في استقبالكم بيت المقدس".
وقال بعض النحويين: "هو استثناء ليس من الأول، و "إلا" بمعنى "لكن".
قال أبو عبيدة: ""إلا" بمعنى الواو".
وهو قول بعيد من الصواب لأنه يفسد المعاني ويغير ما بني عليه الكلام. و "إلا" إذا كانت بمعنى "لكن"، فإنما هي إيجاب لشيء بعدما تؤكده.
* *
وقوله: ﴿فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي﴾.
أي: لا تخشوا هؤلاء الذين سفهوا عليكم بالحجج الباطلة، واخشوا عقابي إن خالفتم أمري. وهذا تحضيض من الله تعالى للمؤمنين على لزوم الصلاة إلى الكعبة وترك التوجه إلى غيرها.
وقال السدي: "معناه: فلا تخشوا أن أردكم إلى دينهم".
* *
ثم قال: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾.
قال الأخفش: "هو معطوف على ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ﴾ أي: لئلا يكون، ولأتم نعمتي عليكم. فالمعنى: ولّوا وجوهكم حيث كنتم من الأرض إلى نحو المسجد الحرام كي لا يكون لأحد من الناس عليكم حجة سوى مشركي قريش، فإن لهم حجة باطلة، وكي أتم نعمتي عليكم بإتمام شرائح الملة الحنيفية.
وقال ابن جبير: "﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾: "أي: ولأدخلكم الجنة". قال: "ولن تتم نعمة الله على عبد حتى يدخله الجنة".
وقال الزجاج: "اللام متعلقة بمحذوف والتقدير: ولأتم نعمتي عليكم عرفتكم قبلتكم، وأنه لا حجة لأحد عليكم إلا الذين ظلموا فإنهم [سيحتجون عليكم] بالباطل".
وقيل: التقدير: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾، ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. ففي الكلام على هذا القول تقديم وتأخير. وهو قول الأخفش المتقدم الذكر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ﴾.
تقديره: ولعلكم تهتدون اهتداء مثل إرسالنا إليكم رسولاً منكم تالياً عليكم الكتاب ومطهراً لكم من الذنوب ومعلماً لكم ما لم تكونوا تعلمون.
فكل ما بعد "رسول" نعوت له مكررة.
وقال الزجاج: "الكاف متعلقة بما بعدها، أي: فاذكروني كما أرسلت فيكم رسولاً منكم".
وهذا قول مردود لأن الأمر إذا كان له جواب لم يتعلق به ما قبله لاشتغاله بجوابه؛ تقول: "كما أحسنتُ إليك فأكرمني". فتكون الكاف من "كما" متعلقة بـ "أكرمني" إذ لا جواب له. فإن قلت: "كما أحسنت إليك فأكرمني أكرمك"، لم تتعلق الكاف من "كما" بـ "أكرمني" بأن له جواباً، ولكن تتعلق بشيء آخر أو بمضمر. فكذلك قوله: ﴿فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ﴾ هو أمر له جواب، فلا [تتعلق "كما" به ولا] يحوز ذلك إلا على التشبيه بالشرط الذي يجاوب بجوابين، نحو قولك: "إذا أتاك فلان فأته ترضه"، فتكون "كما" و "أذكركم" جوابين [للأمر. والأول أفصح] وأشهر.
وقيل: هي متعلقة بقوله: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ أي: "ولأتم نعمتي عليكم إتماماً كما أرسلنا".
وقيل: الكاف في موضع نصب على الحال، أي: ولأتم نعمتي عليكم في هذه الحال.
وقيل: المعنى: ولأتم نعمتي عليكم بإتمام شرائع دين الحنيفية ملة إبراهيم كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم تالياً عليكم آياتي، ومطهراً لكم ومعلماً لكم الكتاب والحكمة وما لم تكونوا تعلمون. وكل ذلك بدعاء إبراهيم ﷺ [في قوله]: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] وقوله: ﴿رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩].
فدل هذا المعنى على ان الكاف متعلقة بقوله: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ فتلخيص المعنى: ولأتم نعمتي عليكم ببيان ملة أبيكم إبراهيم كما أجبنا دعوته فيكم، فأرسلنا إليكم رسولاً منكم.
ومعنى "يزكيكم" يطهركم من دنس الذنوب.
* *
﴿وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَابَ﴾ أي: القرآن، والحكمة والسنن والفقه في الدين. ﴿وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾.
أي أخبار الأنبياء والأمم قبلكم، وما هو كائن من الأمور.
* *
ومعنى ﴿فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ﴾.
قال ابن عباس: "إذا ذكر الله العبدُ وهو على طاعته ذكره برحمته، وإذا ذكره وهو على معصيته ذكره بلعنته".
وقال عكرمة: "يقول الرب: يا ابن آدم اذكرني بعد صلاة الصبح ساعة وبعد صلاة العصر ساعة، وأنا أكفيك ما بينهما".
وقال ابن جبير: "اذكروني بالطاعة أذكركم بالمغفرة".
وقال الربيع في الآية: "إن الله ذاكر من ذكره، وزائد من شكره، ومعذب من كفره".
وكان بعضهم يتأوله من الذكر والثناء والمدح.
وقيل: المعنى: اذكروني واذكروا نعمتي عليكم شكراً لها، أذكركم برحمتي والزيادة من النعمة.
وقال السدي: "ليس من عبد يذكر الله إلا ذكره الله جل وعز، لا يذكره مؤمن إلا ذكره برحمته، ولا يذكره كافر إلا ذكره بعذاب". والذكر فيما روي عن عمر رضي الله عنه ذكران. أحدهما أفضل من الآخر وهما: ذكر الله عند أوامره ونواهيه، وذكر الله بلسانه بالثناء عليه. فالأول أفضل، وكلاهما فيه فضل وأجر وثواب، إلا أن ذِكْر الله عند أمره ونهيه - فيفعل ما أمر به وينتهي عما نهى عنه - أفضل من ذكره باللسان مع مخالفة أمره ونهيه. والفضل كله والشرف والأجر والثواب في اجتماعهما من الإنسان. وهو ألا ينسى ذكر الله عند أمره فيأتمر، وعند نهيه فينتهي، ولا ينساه من ذكره بلسانه.
وكذلك الصبر صبران. وهما: الصبر على الطاعة وعن المعصية، والصبر على المصيبة. والأول أفضل.
* *
وقوله: ﴿وَٱشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ﴾.
أي اشكروه على نعمة الإسلام والهدى ولا تجحدوا إحسانه إليكم ونعمه عندكم.
والشكر معناه الثناء على الرجل بأفعاله المحمودة.
ومعنى الكفر التغطية للشي.
* *
ثم قال: ﴿يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ﴾.
هذه الآية حض من الله تعالى للمؤمنين على طاعته، واحتمال المكروه في الله عز وجل. فالمعنى: استعينوا على طاعة الله بالصبر والتسليم لأمره في جميع ما يأمركم به، واستعينوا على ذلك أيضاً بالصلاة لأن بها تتقربون إلى الله سبحانه، فيجيب دعاءكم ويقضي حوائجكم.
قال قتادة: "احتجوا على رسول الله ﷺ في انصرافه إلى الكعبة: [وقالوا: سيرجع محمد] إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا، فأمرهم الله تعالى أن يستعينوا بالصبر والصلاة". وقيل: الصبر هنا الصوم، لأنه يقطع عن اللذات.
وقيل: الصبر هنا الصبر عن المعاصي.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ﴾: أي: ناصرهم وراض بفعلهم يظهر دينه على سائر الأديان لأن من كان الله معه فهو الغالب.
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ﴾.
هذا يدل على أنه لا يقال للشهيد ميت، إنما يقال: شهيد وقتيل. فالمعنى: هم أحياء عند ربهم يرزقون من ثمر الجنة ويجدون ريحها وليسوا فيها. قاله مجاهد.
قال قتادة: "كنا نحدث أن أرواح الشهداء تعارَف في طير [خضر تأكل من ثمار] الجنة، وأن مساكنهم السدرة، وأن للمجاهد في سبيل الله عز وجل ثلاث خصلات: من قتل في سبيل الله عز وجل منهم صار حياً مرزوقاً، ومن غلب آتاه الله أجراً عظيماً، ومن مات رزقه الله رزقاً حسناً".
قال الربيع: "هم أحياء في صور طير خضر يطيرون في الجنة حيث شاءوا. منها يأكلون، من حيث شاءوا".
وقال عكرمة: "أرواح الشهداء في طير بيض في الجنة".
وروى ابن عباس عن النبي [ﷺ] أنه قال: "الشُّهَدَاءُ عَلَى نَهْرٍ بِبَابِ الجَنَّةِ فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ
ويُرْوى أنهم بباب الجنة في روضة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشياً. [فنهى الله المسلمين أن يسموهم] أمواتاً وأمرهم أن يسموهم شهداء.
وعن النبي [ﷺ] أنه قال في شهداء أحد: "هَؤُلاءِ الشُّهَدَاءُ، وَأَنَا عَلَيْهِمْ شَهِيدٌ، جَعَلَ اللهُ أَرْوَاحَهُمْ في طَيْرٍ خضرٍ تَرْتَعُ فِي رِيَاضِ الجَنَّةِ
وقيل: المعنى: لا تقولوا: "هم أموات في دينهم، بل هم أحياء في دينهم". والقول الأول عليه أهل العلم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَاتِ﴾.
أي: لنختبرنكم ولنمتحننكم بشدائد الأمور فيظهر من هو في الصبر والاحتساب على اتباع الرسول ﷺ باقٍ، ممن ينقلب على عقبيه كما ابْتَلَيْتُكُمْ بتحويل القبلة. وقد عدهم الله بذلك الامتحان في آية أخرى فقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم﴾ [البقرة: ٢١٤] الآية إلى ﴿قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]. قال ابن عباس: "أخبر الله عز وجل المؤمنين أن الدنيا دار بلاء وأنه مبتليهم فيها، وأمرهم بالصبر وبشّرهم، فقال: ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ﴾. وأخبر في الآية الأخرى أنه هكذا فعل بأوليائه قبلهم لتطيب أنفسهم فقال: ﴿مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ﴾ [البقرة: ٢١٤].
* *
وقوله: ﴿بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ﴾. يعني خوف العدو.
﴿وَٱلْجُوعِ﴾: يعني القحط.
* *
ثم قال: ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ﴾: أي: الصابرين على الامتحان، ثم بيّنهم فقال:
* *
﴿ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.
أي نحن وأموالنا له، ونحن إليه راجعون.
وقيل: معناه: ونحن مقرون بأن نبعث ونعطى الثواب على تصديقنا والصبر على ما ابتلينا به.
* *
ثم قال: ﴿أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾.
أي: مغفرة من ربهم.
وقيل: ترحم من ربهم ورحمة. ﴿وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾.
قال الليث في قوله: ﴿إِنَّا للَّهِ﴾ الآية "معناها: نحن والذي أصبنا به لله ونحن وإياه إلى الله راجعون".
قال ابن جبير: "لم يعط هذه الآية أحد من الأمم قبلنا ولا نبي قبل نبينا. ولو علمها يعقوب عليه السلام لم يقل: ﴿يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤].
وقال عكرمة: "انطفأ مصباح النبي [عليه السلام] ليلة فقال: ﴿إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. فَقِيلَ: يَا نَبِيَّ اللهِ: أَمُصِيبَةٌ هَذِهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، كُلُّ شَيْءٍ آذَى المُؤْمِنَ فَهُوَ لَهُ مُصِيبَةٌ، وَلَهُ فِيهِ أَجْرُ المُصِيبَةِ
وروي أن النبي [ﷺ] قال: "مَا مِنْ أَحَدٍ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ فَاسْتَرْجَعَ إِلاَّ اسْتَوْجَبَ مِنَ الله ثَلاثَ خِصَالٍ؛ كُلُّ خَصْلَةٍ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا
قَال أبو عبيد: يعني قوله: ﴿أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾.
البقرة 2:150
قوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ * ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾.
أي: هذا الحق من ربك.
﴿فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ أي: لا تكونن من الشاكين أن القبلة التي وجهت إليها هي الحق وهي قبلة إبراهيم والأنبياء غيره صلوات الله عليهم.
وهذا خطاب للنبي [عليه السلام] والمراد به أمته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾.
"هو" يرجع إلى "كُلٍّ". والهاء في "مُوَلِّيها" ترجع إلى القبلة. وقيل: "هُوَ" يرجع إلى الله جل ذكره.
فأما من قرأ "هو مُوَلاَّها"، فهو يرجع إلى "كُلٍّ" لا غير.
قال مجاهد: "معناه: ولكل صاحب ملة قبلة". يعني لليهود قبلة وللنصارى قبلة.
قال ابن عباس: "يعني بذلك أهل الأديان؛ لكل أهل دين قبلة يرضونها. ووجهة الله عز وجل حيث توجه المؤمنون".
وقال الضحاك: "معناه ولكل صاحب ملة قبلة، وصاحب القبلة يولِّيها وجهه".
وقال السدي: "المعنى ولكل قوم قبلة قد ولّوها".
والمعنى عند أهل العربية، هو موليها نفسه أو وجهه.
فأما من قرأ: "مُوَلاَّهَا" فالضمير على هذه القراءة لواحد، أي: ولكل واحد من الناس قبلة، الواحد مولاها، أي: مصروف إليها.
وقال الأخفش: "المعنى: موليها الله إياه على ما يزعمون" يريد على قراءة موليها.
وقال علي بن سليمان: "المعنى هو متوليها، والوجهة والجهة والوجه واحد".
وعن قتادة في قوله: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾، قال: "هي صلاتهم إلى بيت المقدس وصلاتهم إلى الكعبة".
فيكون التقدير على هذا: ولكل ناحية وَجَّهَكَ إليها ربُّك يا محمد قبلةُ الله مولِّيها عباده". وهو قول الأخفش الذي تقدم.
ومعنى "مولِّيها" مول وجهه إليها ومستقبلها.
وقال الطبري: "التولية في الآية للكل، ووُجدت للفظ "كل"، قال: "فمعنى الكلام: ولكل أهل ملة وجهة، الكل موليها وجوههم. قال: وأما قراءة ابن عامر فمعناه: هو موجَّه نحوها، ويكون الكل حينئذ غير مسمى فاعله، ولو سمي فاعله لكان الكلام: ولكل ذي ملة وجهة، الله موليها إياه بمعنى موجهه إليها.
ورويت قراءة شاذة بإضافة "كل" إلى "وجهة"، وهي قراءة لا تجوز لأنه لا فائدة في الكلام إذا لم يتم الخبر".
ولو ثَنيتَ على قراءة الجماعة لقلت: "هُمَا مُوَلِّياهَا"، وفي الجمع [هُمْ مَوَلُّوهَا] وعلى قراءة ابن عباس في التثنية "هُمَا مُوَلَّياهَا". وفي الجمع [هُمْ مُوَلَّوْهَا]. فإن جئت بالمفعول الثاني في قراءة الجماعة، قلت في التثنية: "هُمَا [مُوَلِّياهَا هُمَا] وفي الجمع: "هُمْ مُوَلُّوهَا هُمْ".
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَاتِ﴾.
أي: بادروا إلى عمل الصالحات واستقبال ما أمركم الله عز وجل باستقباله وهو المسجد الحرام.
* *
ثم قال: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً﴾.
أي: في أي مكان تكونون بعد موتكم يأت بكم الله جميعاً يوم القيامة.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: على جمعكم بعد مماتكم وغير ذلك قدير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ الآية.
وقد تقدم شرحه ووقع التكرير للإفهام، ولئلا يصل ذلك إلى بعض دون بعض فكرر الله التأكيد ليصل إلى الجميع.
* *
ثم قال: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾.
الناس هنا: مشركو العرب. والمعنى: عرفناكم أن لكل وجهة موليها لئلا يكون لمشركي العرب حجة أي: خصومة ودعوى باطل [إلا لمشركي] قريش فإن [لهم عليكم] دعوى باطلة وخصومة بغير حق لقولهم لكم: رجع [محمد إلى] قبلتنا، وسيرجع إلى ديننا. هذا معنى قول مجاهد.
وقال قتادة: "هم مشركوا العرب، قالوا لمشركي قريش حين صرفت القبلة إلى الكعبة: قد رجع إلى قبلتكم، فيوشك أن يرجع إلى دينكم".
قال الله تعالى: ﴿فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي﴾.
وعن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من أصحاب النبي [عليه السلام] أنه لما صرفت القبلة نحو الكعبة قال المشركون من أهل مكة: تحير على محمد دينه فتوجه بقبلته إليكم، وعلم أنكم كنتم أهدى منه سبيلاً، ويوشك أن يدخل في دينكم، فأنزل الله فيهم: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي﴾.
وهو قول عطاء والسدي وغيرهما. فهو على هذا التاويل استثناء صحيح، وهو مذهب الطبري، قال: "نفى الله جل ذكره أن يكون لأحد من الناس حجة على النبي ﷺ وأصحابه في استقباله الكعبة إلا مشركي قريش فإن لهم قِبَلَكُم خصومةً باطلة بأن يقولوا: إنما توجهتم إلى قبلتنا لأنا كنا أهدى منكم سبيلاً وأنكم كنتم على ضلالة في استقبالكم بيت المقدس".
وقال بعض النحويين: "هو استثناء ليس من الأول، و "إلا" بمعنى "لكن".
قال أبو عبيدة: ""إلا" بمعنى الواو".
وهو قول بعيد من الصواب لأنه يفسد المعاني ويغير ما بني عليه الكلام. و "إلا" إذا كانت بمعنى "لكن"، فإنما هي إيجاب لشيء بعدما تؤكده.
* *
وقوله: ﴿فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي﴾.
أي: لا تخشوا هؤلاء الذين سفهوا عليكم بالحجج الباطلة، واخشوا عقابي إن خالفتم أمري. وهذا تحضيض من الله تعالى للمؤمنين على لزوم الصلاة إلى الكعبة وترك التوجه إلى غيرها.
وقال السدي: "معناه: فلا تخشوا أن أردكم إلى دينهم".
* *
ثم قال: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾.
قال الأخفش: "هو معطوف على ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ﴾ أي: لئلا يكون، ولأتم نعمتي عليكم. فالمعنى: ولّوا وجوهكم حيث كنتم من الأرض إلى نحو المسجد الحرام كي لا يكون لأحد من الناس عليكم حجة سوى مشركي قريش، فإن لهم حجة باطلة، وكي أتم نعمتي عليكم بإتمام شرائح الملة الحنيفية.
وقال ابن جبير: "﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾: "أي: ولأدخلكم الجنة". قال: "ولن تتم نعمة الله على عبد حتى يدخله الجنة".
وقال الزجاج: "اللام متعلقة بمحذوف والتقدير: ولأتم نعمتي عليكم عرفتكم قبلتكم، وأنه لا حجة لأحد عليكم إلا الذين ظلموا فإنهم [سيحتجون عليكم] بالباطل".
وقيل: التقدير: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾، ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. ففي الكلام على هذا القول تقديم وتأخير. وهو قول الأخفش المتقدم الذكر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ﴾.
تقديره: ولعلكم تهتدون اهتداء مثل إرسالنا إليكم رسولاً منكم تالياً عليكم الكتاب ومطهراً لكم من الذنوب ومعلماً لكم ما لم تكونوا تعلمون.
فكل ما بعد "رسول" نعوت له مكررة.
وقال الزجاج: "الكاف متعلقة بما بعدها، أي: فاذكروني كما أرسلت فيكم رسولاً منكم".
وهذا قول مردود لأن الأمر إذا كان له جواب لم يتعلق به ما قبله لاشتغاله بجوابه؛ تقول: "كما أحسنتُ إليك فأكرمني". فتكون الكاف من "كما" متعلقة بـ "أكرمني" إذ لا جواب له. فإن قلت: "كما أحسنت إليك فأكرمني أكرمك"، لم تتعلق الكاف من "كما" بـ "أكرمني" بأن له جواباً، ولكن تتعلق بشيء آخر أو بمضمر. فكذلك قوله: ﴿فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ﴾ هو أمر له جواب، فلا [تتعلق "كما" به ولا] يحوز ذلك إلا على التشبيه بالشرط الذي يجاوب بجوابين، نحو قولك: "إذا أتاك فلان فأته ترضه"، فتكون "كما" و "أذكركم" جوابين [للأمر. والأول أفصح] وأشهر.
وقيل: هي متعلقة بقوله: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ أي: "ولأتم نعمتي عليكم إتماماً كما أرسلنا".
وقيل: الكاف في موضع نصب على الحال، أي: ولأتم نعمتي عليكم في هذه الحال.
وقيل: المعنى: ولأتم نعمتي عليكم بإتمام شرائع دين الحنيفية ملة إبراهيم كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم تالياً عليكم آياتي، ومطهراً لكم ومعلماً لكم الكتاب والحكمة وما لم تكونوا تعلمون. وكل ذلك بدعاء إبراهيم ﷺ [في قوله]: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] وقوله: ﴿رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩].
فدل هذا المعنى على ان الكاف متعلقة بقوله: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ فتلخيص المعنى: ولأتم نعمتي عليكم ببيان ملة أبيكم إبراهيم كما أجبنا دعوته فيكم، فأرسلنا إليكم رسولاً منكم.
ومعنى "يزكيكم" يطهركم من دنس الذنوب.
* *
﴿وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَابَ﴾ أي: القرآن، والحكمة والسنن والفقه في الدين. ﴿وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾.
أي أخبار الأنبياء والأمم قبلكم، وما هو كائن من الأمور.
* *
ومعنى ﴿فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ﴾.
قال ابن عباس: "إذا ذكر الله العبدُ وهو على طاعته ذكره برحمته، وإذا ذكره وهو على معصيته ذكره بلعنته".
وقال عكرمة: "يقول الرب: يا ابن آدم اذكرني بعد صلاة الصبح ساعة وبعد صلاة العصر ساعة، وأنا أكفيك ما بينهما".
وقال ابن جبير: "اذكروني بالطاعة أذكركم بالمغفرة".
وقال الربيع في الآية: "إن الله ذاكر من ذكره، وزائد من شكره، ومعذب من كفره".
وكان بعضهم يتأوله من الذكر والثناء والمدح.
وقيل: المعنى: اذكروني واذكروا نعمتي عليكم شكراً لها، أذكركم برحمتي والزيادة من النعمة.
وقال السدي: "ليس من عبد يذكر الله إلا ذكره الله جل وعز، لا يذكره مؤمن إلا ذكره برحمته، ولا يذكره كافر إلا ذكره بعذاب". والذكر فيما روي عن عمر رضي الله عنه ذكران. أحدهما أفضل من الآخر وهما: ذكر الله عند أوامره ونواهيه، وذكر الله بلسانه بالثناء عليه. فالأول أفضل، وكلاهما فيه فضل وأجر وثواب، إلا أن ذِكْر الله عند أمره ونهيه - فيفعل ما أمر به وينتهي عما نهى عنه - أفضل من ذكره باللسان مع مخالفة أمره ونهيه. والفضل كله والشرف والأجر والثواب في اجتماعهما من الإنسان. وهو ألا ينسى ذكر الله عند أمره فيأتمر، وعند نهيه فينتهي، ولا ينساه من ذكره بلسانه.
وكذلك الصبر صبران. وهما: الصبر على الطاعة وعن المعصية، والصبر على المصيبة. والأول أفضل.
* *
وقوله: ﴿وَٱشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ﴾.
أي اشكروه على نعمة الإسلام والهدى ولا تجحدوا إحسانه إليكم ونعمه عندكم.
والشكر معناه الثناء على الرجل بأفعاله المحمودة.
ومعنى الكفر التغطية للشي.
* *
ثم قال: ﴿يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ﴾.
هذه الآية حض من الله تعالى للمؤمنين على طاعته، واحتمال المكروه في الله عز وجل. فالمعنى: استعينوا على طاعة الله بالصبر والتسليم لأمره في جميع ما يأمركم به، واستعينوا على ذلك أيضاً بالصلاة لأن بها تتقربون إلى الله سبحانه، فيجيب دعاءكم ويقضي حوائجكم.
قال قتادة: "احتجوا على رسول الله ﷺ في انصرافه إلى الكعبة: [وقالوا: سيرجع محمد] إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا، فأمرهم الله تعالى أن يستعينوا بالصبر والصلاة". وقيل: الصبر هنا الصوم، لأنه يقطع عن اللذات.
وقيل: الصبر هنا الصبر عن المعاصي.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ﴾: أي: ناصرهم وراض بفعلهم يظهر دينه على سائر الأديان لأن من كان الله معه فهو الغالب.
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ﴾.
هذا يدل على أنه لا يقال للشهيد ميت، إنما يقال: شهيد وقتيل. فالمعنى: هم أحياء عند ربهم يرزقون من ثمر الجنة ويجدون ريحها وليسوا فيها. قاله مجاهد.
قال قتادة: "كنا نحدث أن أرواح الشهداء تعارَف في طير [خضر تأكل من ثمار] الجنة، وأن مساكنهم السدرة، وأن للمجاهد في سبيل الله عز وجل ثلاث خصلات: من قتل في سبيل الله عز وجل منهم صار حياً مرزوقاً، ومن غلب آتاه الله أجراً عظيماً، ومن مات رزقه الله رزقاً حسناً".
قال الربيع: "هم أحياء في صور طير خضر يطيرون في الجنة حيث شاءوا. منها يأكلون، من حيث شاءوا".
وقال عكرمة: "أرواح الشهداء في طير بيض في الجنة".
وروى ابن عباس عن النبي [ﷺ] أنه قال: "الشُّهَدَاءُ عَلَى نَهْرٍ بِبَابِ الجَنَّةِ فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ
ويُرْوى أنهم بباب الجنة في روضة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشياً. [فنهى الله المسلمين أن يسموهم] أمواتاً وأمرهم أن يسموهم شهداء.
وعن النبي [ﷺ] أنه قال في شهداء أحد: "هَؤُلاءِ الشُّهَدَاءُ، وَأَنَا عَلَيْهِمْ شَهِيدٌ، جَعَلَ اللهُ أَرْوَاحَهُمْ في طَيْرٍ خضرٍ تَرْتَعُ فِي رِيَاضِ الجَنَّةِ
وقيل: المعنى: لا تقولوا: "هم أموات في دينهم، بل هم أحياء في دينهم". والقول الأول عليه أهل العلم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَاتِ﴾.
أي: لنختبرنكم ولنمتحننكم بشدائد الأمور فيظهر من هو في الصبر والاحتساب على اتباع الرسول ﷺ باقٍ، ممن ينقلب على عقبيه كما ابْتَلَيْتُكُمْ بتحويل القبلة. وقد عدهم الله بذلك الامتحان في آية أخرى فقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم﴾ [البقرة: ٢١٤] الآية إلى ﴿قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]. قال ابن عباس: "أخبر الله عز وجل المؤمنين أن الدنيا دار بلاء وأنه مبتليهم فيها، وأمرهم بالصبر وبشّرهم، فقال: ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ﴾. وأخبر في الآية الأخرى أنه هكذا فعل بأوليائه قبلهم لتطيب أنفسهم فقال: ﴿مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ﴾ [البقرة: ٢١٤].
* *
وقوله: ﴿بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ﴾. يعني خوف العدو.
﴿وَٱلْجُوعِ﴾: يعني القحط.
* *
ثم قال: ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ﴾: أي: الصابرين على الامتحان، ثم بيّنهم فقال:
* *
﴿ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.
أي نحن وأموالنا له، ونحن إليه راجعون.
وقيل: معناه: ونحن مقرون بأن نبعث ونعطى الثواب على تصديقنا والصبر على ما ابتلينا به.
* *
ثم قال: ﴿أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾.
أي: مغفرة من ربهم.
وقيل: ترحم من ربهم ورحمة. ﴿وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾.
قال الليث في قوله: ﴿إِنَّا للَّهِ﴾ الآية "معناها: نحن والذي أصبنا به لله ونحن وإياه إلى الله راجعون".
قال ابن جبير: "لم يعط هذه الآية أحد من الأمم قبلنا ولا نبي قبل نبينا. ولو علمها يعقوب عليه السلام لم يقل: ﴿يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤].
وقال عكرمة: "انطفأ مصباح النبي [عليه السلام] ليلة فقال: ﴿إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. فَقِيلَ: يَا نَبِيَّ اللهِ: أَمُصِيبَةٌ هَذِهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، كُلُّ شَيْءٍ آذَى المُؤْمِنَ فَهُوَ لَهُ مُصِيبَةٌ، وَلَهُ فِيهِ أَجْرُ المُصِيبَةِ
وروي أن النبي [ﷺ] قال: "مَا مِنْ أَحَدٍ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ فَاسْتَرْجَعَ إِلاَّ اسْتَوْجَبَ مِنَ الله ثَلاثَ خِصَالٍ؛ كُلُّ خَصْلَةٍ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا
قَال أبو عبيد: يعني قوله: ﴿أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾.
البقرة 2:151
قوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ * ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾.
أي: هذا الحق من ربك.
﴿فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ أي: لا تكونن من الشاكين أن القبلة التي وجهت إليها هي الحق وهي قبلة إبراهيم والأنبياء غيره صلوات الله عليهم.
وهذا خطاب للنبي [عليه السلام] والمراد به أمته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾.
"هو" يرجع إلى "كُلٍّ". والهاء في "مُوَلِّيها" ترجع إلى القبلة. وقيل: "هُوَ" يرجع إلى الله جل ذكره.
فأما من قرأ "هو مُوَلاَّها"، فهو يرجع إلى "كُلٍّ" لا غير.
قال مجاهد: "معناه: ولكل صاحب ملة قبلة". يعني لليهود قبلة وللنصارى قبلة.
قال ابن عباس: "يعني بذلك أهل الأديان؛ لكل أهل دين قبلة يرضونها. ووجهة الله عز وجل حيث توجه المؤمنون".
وقال الضحاك: "معناه ولكل صاحب ملة قبلة، وصاحب القبلة يولِّيها وجهه".
وقال السدي: "المعنى ولكل قوم قبلة قد ولّوها".
والمعنى عند أهل العربية، هو موليها نفسه أو وجهه.
فأما من قرأ: "مُوَلاَّهَا" فالضمير على هذه القراءة لواحد، أي: ولكل واحد من الناس قبلة، الواحد مولاها، أي: مصروف إليها.
وقال الأخفش: "المعنى: موليها الله إياه على ما يزعمون" يريد على قراءة موليها.
وقال علي بن سليمان: "المعنى هو متوليها، والوجهة والجهة والوجه واحد".
وعن قتادة في قوله: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾، قال: "هي صلاتهم إلى بيت المقدس وصلاتهم إلى الكعبة".
فيكون التقدير على هذا: ولكل ناحية وَجَّهَكَ إليها ربُّك يا محمد قبلةُ الله مولِّيها عباده". وهو قول الأخفش الذي تقدم.
ومعنى "مولِّيها" مول وجهه إليها ومستقبلها.
وقال الطبري: "التولية في الآية للكل، ووُجدت للفظ "كل"، قال: "فمعنى الكلام: ولكل أهل ملة وجهة، الكل موليها وجوههم. قال: وأما قراءة ابن عامر فمعناه: هو موجَّه نحوها، ويكون الكل حينئذ غير مسمى فاعله، ولو سمي فاعله لكان الكلام: ولكل ذي ملة وجهة، الله موليها إياه بمعنى موجهه إليها.
ورويت قراءة شاذة بإضافة "كل" إلى "وجهة"، وهي قراءة لا تجوز لأنه لا فائدة في الكلام إذا لم يتم الخبر".
ولو ثَنيتَ على قراءة الجماعة لقلت: "هُمَا مُوَلِّياهَا"، وفي الجمع [هُمْ مَوَلُّوهَا] وعلى قراءة ابن عباس في التثنية "هُمَا مُوَلَّياهَا". وفي الجمع [هُمْ مُوَلَّوْهَا]. فإن جئت بالمفعول الثاني في قراءة الجماعة، قلت في التثنية: "هُمَا [مُوَلِّياهَا هُمَا] وفي الجمع: "هُمْ مُوَلُّوهَا هُمْ".
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَاتِ﴾.
أي: بادروا إلى عمل الصالحات واستقبال ما أمركم الله عز وجل باستقباله وهو المسجد الحرام.
* *
ثم قال: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً﴾.
أي: في أي مكان تكونون بعد موتكم يأت بكم الله جميعاً يوم القيامة.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: على جمعكم بعد مماتكم وغير ذلك قدير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ الآية.
وقد تقدم شرحه ووقع التكرير للإفهام، ولئلا يصل ذلك إلى بعض دون بعض فكرر الله التأكيد ليصل إلى الجميع.
* *
ثم قال: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾.
الناس هنا: مشركو العرب. والمعنى: عرفناكم أن لكل وجهة موليها لئلا يكون لمشركي العرب حجة أي: خصومة ودعوى باطل [إلا لمشركي] قريش فإن [لهم عليكم] دعوى باطلة وخصومة بغير حق لقولهم لكم: رجع [محمد إلى] قبلتنا، وسيرجع إلى ديننا. هذا معنى قول مجاهد.
وقال قتادة: "هم مشركوا العرب، قالوا لمشركي قريش حين صرفت القبلة إلى الكعبة: قد رجع إلى قبلتكم، فيوشك أن يرجع إلى دينكم".
قال الله تعالى: ﴿فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي﴾.
وعن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من أصحاب النبي [عليه السلام] أنه لما صرفت القبلة نحو الكعبة قال المشركون من أهل مكة: تحير على محمد دينه فتوجه بقبلته إليكم، وعلم أنكم كنتم أهدى منه سبيلاً، ويوشك أن يدخل في دينكم، فأنزل الله فيهم: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي﴾.
وهو قول عطاء والسدي وغيرهما. فهو على هذا التاويل استثناء صحيح، وهو مذهب الطبري، قال: "نفى الله جل ذكره أن يكون لأحد من الناس حجة على النبي ﷺ وأصحابه في استقباله الكعبة إلا مشركي قريش فإن لهم قِبَلَكُم خصومةً باطلة بأن يقولوا: إنما توجهتم إلى قبلتنا لأنا كنا أهدى منكم سبيلاً وأنكم كنتم على ضلالة في استقبالكم بيت المقدس".
وقال بعض النحويين: "هو استثناء ليس من الأول، و "إلا" بمعنى "لكن".
قال أبو عبيدة: ""إلا" بمعنى الواو".
وهو قول بعيد من الصواب لأنه يفسد المعاني ويغير ما بني عليه الكلام. و "إلا" إذا كانت بمعنى "لكن"، فإنما هي إيجاب لشيء بعدما تؤكده.
* *
وقوله: ﴿فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي﴾.
أي: لا تخشوا هؤلاء الذين سفهوا عليكم بالحجج الباطلة، واخشوا عقابي إن خالفتم أمري. وهذا تحضيض من الله تعالى للمؤمنين على لزوم الصلاة إلى الكعبة وترك التوجه إلى غيرها.
وقال السدي: "معناه: فلا تخشوا أن أردكم إلى دينهم".
* *
ثم قال: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾.
قال الأخفش: "هو معطوف على ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ﴾ أي: لئلا يكون، ولأتم نعمتي عليكم. فالمعنى: ولّوا وجوهكم حيث كنتم من الأرض إلى نحو المسجد الحرام كي لا يكون لأحد من الناس عليكم حجة سوى مشركي قريش، فإن لهم حجة باطلة، وكي أتم نعمتي عليكم بإتمام شرائح الملة الحنيفية.
وقال ابن جبير: "﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾: "أي: ولأدخلكم الجنة". قال: "ولن تتم نعمة الله على عبد حتى يدخله الجنة".
وقال الزجاج: "اللام متعلقة بمحذوف والتقدير: ولأتم نعمتي عليكم عرفتكم قبلتكم، وأنه لا حجة لأحد عليكم إلا الذين ظلموا فإنهم [سيحتجون عليكم] بالباطل".
وقيل: التقدير: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾، ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. ففي الكلام على هذا القول تقديم وتأخير. وهو قول الأخفش المتقدم الذكر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ﴾.
تقديره: ولعلكم تهتدون اهتداء مثل إرسالنا إليكم رسولاً منكم تالياً عليكم الكتاب ومطهراً لكم من الذنوب ومعلماً لكم ما لم تكونوا تعلمون.
فكل ما بعد "رسول" نعوت له مكررة.
وقال الزجاج: "الكاف متعلقة بما بعدها، أي: فاذكروني كما أرسلت فيكم رسولاً منكم".
وهذا قول مردود لأن الأمر إذا كان له جواب لم يتعلق به ما قبله لاشتغاله بجوابه؛ تقول: "كما أحسنتُ إليك فأكرمني". فتكون الكاف من "كما" متعلقة بـ "أكرمني" إذ لا جواب له. فإن قلت: "كما أحسنت إليك فأكرمني أكرمك"، لم تتعلق الكاف من "كما" بـ "أكرمني" بأن له جواباً، ولكن تتعلق بشيء آخر أو بمضمر. فكذلك قوله: ﴿فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ﴾ هو أمر له جواب، فلا [تتعلق "كما" به ولا] يحوز ذلك إلا على التشبيه بالشرط الذي يجاوب بجوابين، نحو قولك: "إذا أتاك فلان فأته ترضه"، فتكون "كما" و "أذكركم" جوابين [للأمر. والأول أفصح] وأشهر.
وقيل: هي متعلقة بقوله: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ أي: "ولأتم نعمتي عليكم إتماماً كما أرسلنا".
وقيل: الكاف في موضع نصب على الحال، أي: ولأتم نعمتي عليكم في هذه الحال.
وقيل: المعنى: ولأتم نعمتي عليكم بإتمام شرائع دين الحنيفية ملة إبراهيم كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم تالياً عليكم آياتي، ومطهراً لكم ومعلماً لكم الكتاب والحكمة وما لم تكونوا تعلمون. وكل ذلك بدعاء إبراهيم ﷺ [في قوله]: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] وقوله: ﴿رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩].
فدل هذا المعنى على ان الكاف متعلقة بقوله: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ فتلخيص المعنى: ولأتم نعمتي عليكم ببيان ملة أبيكم إبراهيم كما أجبنا دعوته فيكم، فأرسلنا إليكم رسولاً منكم.
ومعنى "يزكيكم" يطهركم من دنس الذنوب.
* *
﴿وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَابَ﴾ أي: القرآن، والحكمة والسنن والفقه في الدين. ﴿وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾.
أي أخبار الأنبياء والأمم قبلكم، وما هو كائن من الأمور.
* *
ومعنى ﴿فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ﴾.
قال ابن عباس: "إذا ذكر الله العبدُ وهو على طاعته ذكره برحمته، وإذا ذكره وهو على معصيته ذكره بلعنته".
وقال عكرمة: "يقول الرب: يا ابن آدم اذكرني بعد صلاة الصبح ساعة وبعد صلاة العصر ساعة، وأنا أكفيك ما بينهما".
وقال ابن جبير: "اذكروني بالطاعة أذكركم بالمغفرة".
وقال الربيع في الآية: "إن الله ذاكر من ذكره، وزائد من شكره، ومعذب من كفره".
وكان بعضهم يتأوله من الذكر والثناء والمدح.
وقيل: المعنى: اذكروني واذكروا نعمتي عليكم شكراً لها، أذكركم برحمتي والزيادة من النعمة.
وقال السدي: "ليس من عبد يذكر الله إلا ذكره الله جل وعز، لا يذكره مؤمن إلا ذكره برحمته، ولا يذكره كافر إلا ذكره بعذاب". والذكر فيما روي عن عمر رضي الله عنه ذكران. أحدهما أفضل من الآخر وهما: ذكر الله عند أوامره ونواهيه، وذكر الله بلسانه بالثناء عليه. فالأول أفضل، وكلاهما فيه فضل وأجر وثواب، إلا أن ذِكْر الله عند أمره ونهيه - فيفعل ما أمر به وينتهي عما نهى عنه - أفضل من ذكره باللسان مع مخالفة أمره ونهيه. والفضل كله والشرف والأجر والثواب في اجتماعهما من الإنسان. وهو ألا ينسى ذكر الله عند أمره فيأتمر، وعند نهيه فينتهي، ولا ينساه من ذكره بلسانه.
وكذلك الصبر صبران. وهما: الصبر على الطاعة وعن المعصية، والصبر على المصيبة. والأول أفضل.
* *
وقوله: ﴿وَٱشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ﴾.
أي اشكروه على نعمة الإسلام والهدى ولا تجحدوا إحسانه إليكم ونعمه عندكم.
والشكر معناه الثناء على الرجل بأفعاله المحمودة.
ومعنى الكفر التغطية للشي.
* *
ثم قال: ﴿يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ﴾.
هذه الآية حض من الله تعالى للمؤمنين على طاعته، واحتمال المكروه في الله عز وجل. فالمعنى: استعينوا على طاعة الله بالصبر والتسليم لأمره في جميع ما يأمركم به، واستعينوا على ذلك أيضاً بالصلاة لأن بها تتقربون إلى الله سبحانه، فيجيب دعاءكم ويقضي حوائجكم.
قال قتادة: "احتجوا على رسول الله ﷺ في انصرافه إلى الكعبة: [وقالوا: سيرجع محمد] إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا، فأمرهم الله تعالى أن يستعينوا بالصبر والصلاة". وقيل: الصبر هنا الصوم، لأنه يقطع عن اللذات.
وقيل: الصبر هنا الصبر عن المعاصي.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ﴾: أي: ناصرهم وراض بفعلهم يظهر دينه على سائر الأديان لأن من كان الله معه فهو الغالب.
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ﴾.
هذا يدل على أنه لا يقال للشهيد ميت، إنما يقال: شهيد وقتيل. فالمعنى: هم أحياء عند ربهم يرزقون من ثمر الجنة ويجدون ريحها وليسوا فيها. قاله مجاهد.
قال قتادة: "كنا نحدث أن أرواح الشهداء تعارَف في طير [خضر تأكل من ثمار] الجنة، وأن مساكنهم السدرة، وأن للمجاهد في سبيل الله عز وجل ثلاث خصلات: من قتل في سبيل الله عز وجل منهم صار حياً مرزوقاً، ومن غلب آتاه الله أجراً عظيماً، ومن مات رزقه الله رزقاً حسناً".
قال الربيع: "هم أحياء في صور طير خضر يطيرون في الجنة حيث شاءوا. منها يأكلون، من حيث شاءوا".
وقال عكرمة: "أرواح الشهداء في طير بيض في الجنة".
وروى ابن عباس عن النبي [ﷺ] أنه قال: "الشُّهَدَاءُ عَلَى نَهْرٍ بِبَابِ الجَنَّةِ فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ
ويُرْوى أنهم بباب الجنة في روضة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشياً. [فنهى الله المسلمين أن يسموهم] أمواتاً وأمرهم أن يسموهم شهداء.
وعن النبي [ﷺ] أنه قال في شهداء أحد: "هَؤُلاءِ الشُّهَدَاءُ، وَأَنَا عَلَيْهِمْ شَهِيدٌ، جَعَلَ اللهُ أَرْوَاحَهُمْ في طَيْرٍ خضرٍ تَرْتَعُ فِي رِيَاضِ الجَنَّةِ
وقيل: المعنى: لا تقولوا: "هم أموات في دينهم، بل هم أحياء في دينهم". والقول الأول عليه أهل العلم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَاتِ﴾.
أي: لنختبرنكم ولنمتحننكم بشدائد الأمور فيظهر من هو في الصبر والاحتساب على اتباع الرسول ﷺ باقٍ، ممن ينقلب على عقبيه كما ابْتَلَيْتُكُمْ بتحويل القبلة. وقد عدهم الله بذلك الامتحان في آية أخرى فقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم﴾ [البقرة: ٢١٤] الآية إلى ﴿قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]. قال ابن عباس: "أخبر الله عز وجل المؤمنين أن الدنيا دار بلاء وأنه مبتليهم فيها، وأمرهم بالصبر وبشّرهم، فقال: ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ﴾. وأخبر في الآية الأخرى أنه هكذا فعل بأوليائه قبلهم لتطيب أنفسهم فقال: ﴿مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ﴾ [البقرة: ٢١٤].
* *
وقوله: ﴿بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ﴾. يعني خوف العدو.
﴿وَٱلْجُوعِ﴾: يعني القحط.
* *
ثم قال: ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ﴾: أي: الصابرين على الامتحان، ثم بيّنهم فقال:
* *
﴿ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.
أي نحن وأموالنا له، ونحن إليه راجعون.
وقيل: معناه: ونحن مقرون بأن نبعث ونعطى الثواب على تصديقنا والصبر على ما ابتلينا به.
* *
ثم قال: ﴿أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾.
أي: مغفرة من ربهم.
وقيل: ترحم من ربهم ورحمة. ﴿وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾.
قال الليث في قوله: ﴿إِنَّا للَّهِ﴾ الآية "معناها: نحن والذي أصبنا به لله ونحن وإياه إلى الله راجعون".
قال ابن جبير: "لم يعط هذه الآية أحد من الأمم قبلنا ولا نبي قبل نبينا. ولو علمها يعقوب عليه السلام لم يقل: ﴿يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤].
وقال عكرمة: "انطفأ مصباح النبي [عليه السلام] ليلة فقال: ﴿إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. فَقِيلَ: يَا نَبِيَّ اللهِ: أَمُصِيبَةٌ هَذِهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، كُلُّ شَيْءٍ آذَى المُؤْمِنَ فَهُوَ لَهُ مُصِيبَةٌ، وَلَهُ فِيهِ أَجْرُ المُصِيبَةِ
وروي أن النبي [ﷺ] قال: "مَا مِنْ أَحَدٍ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ فَاسْتَرْجَعَ إِلاَّ اسْتَوْجَبَ مِنَ الله ثَلاثَ خِصَالٍ؛ كُلُّ خَصْلَةٍ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا
قَال أبو عبيد: يعني قوله: ﴿أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾.
البقرة 2:152
قوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ * ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾.
أي: هذا الحق من ربك.
﴿فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ أي: لا تكونن من الشاكين أن القبلة التي وجهت إليها هي الحق وهي قبلة إبراهيم والأنبياء غيره صلوات الله عليهم.
وهذا خطاب للنبي [عليه السلام] والمراد به أمته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾.
"هو" يرجع إلى "كُلٍّ". والهاء في "مُوَلِّيها" ترجع إلى القبلة. وقيل: "هُوَ" يرجع إلى الله جل ذكره.
فأما من قرأ "هو مُوَلاَّها"، فهو يرجع إلى "كُلٍّ" لا غير.
قال مجاهد: "معناه: ولكل صاحب ملة قبلة". يعني لليهود قبلة وللنصارى قبلة.
قال ابن عباس: "يعني بذلك أهل الأديان؛ لكل أهل دين قبلة يرضونها. ووجهة الله عز وجل حيث توجه المؤمنون".
وقال الضحاك: "معناه ولكل صاحب ملة قبلة، وصاحب القبلة يولِّيها وجهه".
وقال السدي: "المعنى ولكل قوم قبلة قد ولّوها".
والمعنى عند أهل العربية، هو موليها نفسه أو وجهه.
فأما من قرأ: "مُوَلاَّهَا" فالضمير على هذه القراءة لواحد، أي: ولكل واحد من الناس قبلة، الواحد مولاها، أي: مصروف إليها.
وقال الأخفش: "المعنى: موليها الله إياه على ما يزعمون" يريد على قراءة موليها.
وقال علي بن سليمان: "المعنى هو متوليها، والوجهة والجهة والوجه واحد".
وعن قتادة في قوله: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾، قال: "هي صلاتهم إلى بيت المقدس وصلاتهم إلى الكعبة".
فيكون التقدير على هذا: ولكل ناحية وَجَّهَكَ إليها ربُّك يا محمد قبلةُ الله مولِّيها عباده". وهو قول الأخفش الذي تقدم.
ومعنى "مولِّيها" مول وجهه إليها ومستقبلها.
وقال الطبري: "التولية في الآية للكل، ووُجدت للفظ "كل"، قال: "فمعنى الكلام: ولكل أهل ملة وجهة، الكل موليها وجوههم. قال: وأما قراءة ابن عامر فمعناه: هو موجَّه نحوها، ويكون الكل حينئذ غير مسمى فاعله، ولو سمي فاعله لكان الكلام: ولكل ذي ملة وجهة، الله موليها إياه بمعنى موجهه إليها.
ورويت قراءة شاذة بإضافة "كل" إلى "وجهة"، وهي قراءة لا تجوز لأنه لا فائدة في الكلام إذا لم يتم الخبر".
ولو ثَنيتَ على قراءة الجماعة لقلت: "هُمَا مُوَلِّياهَا"، وفي الجمع [هُمْ مَوَلُّوهَا] وعلى قراءة ابن عباس في التثنية "هُمَا مُوَلَّياهَا". وفي الجمع [هُمْ مُوَلَّوْهَا]. فإن جئت بالمفعول الثاني في قراءة الجماعة، قلت في التثنية: "هُمَا [مُوَلِّياهَا هُمَا] وفي الجمع: "هُمْ مُوَلُّوهَا هُمْ".
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَاتِ﴾.
أي: بادروا إلى عمل الصالحات واستقبال ما أمركم الله عز وجل باستقباله وهو المسجد الحرام.
* *
ثم قال: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً﴾.
أي: في أي مكان تكونون بعد موتكم يأت بكم الله جميعاً يوم القيامة.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: على جمعكم بعد مماتكم وغير ذلك قدير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ الآية.
وقد تقدم شرحه ووقع التكرير للإفهام، ولئلا يصل ذلك إلى بعض دون بعض فكرر الله التأكيد ليصل إلى الجميع.
* *
ثم قال: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾.
الناس هنا: مشركو العرب. والمعنى: عرفناكم أن لكل وجهة موليها لئلا يكون لمشركي العرب حجة أي: خصومة ودعوى باطل [إلا لمشركي] قريش فإن [لهم عليكم] دعوى باطلة وخصومة بغير حق لقولهم لكم: رجع [محمد إلى] قبلتنا، وسيرجع إلى ديننا. هذا معنى قول مجاهد.
وقال قتادة: "هم مشركوا العرب، قالوا لمشركي قريش حين صرفت القبلة إلى الكعبة: قد رجع إلى قبلتكم، فيوشك أن يرجع إلى دينكم".
قال الله تعالى: ﴿فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي﴾.
وعن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من أصحاب النبي [عليه السلام] أنه لما صرفت القبلة نحو الكعبة قال المشركون من أهل مكة: تحير على محمد دينه فتوجه بقبلته إليكم، وعلم أنكم كنتم أهدى منه سبيلاً، ويوشك أن يدخل في دينكم، فأنزل الله فيهم: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي﴾.
وهو قول عطاء والسدي وغيرهما. فهو على هذا التاويل استثناء صحيح، وهو مذهب الطبري، قال: "نفى الله جل ذكره أن يكون لأحد من الناس حجة على النبي ﷺ وأصحابه في استقباله الكعبة إلا مشركي قريش فإن لهم قِبَلَكُم خصومةً باطلة بأن يقولوا: إنما توجهتم إلى قبلتنا لأنا كنا أهدى منكم سبيلاً وأنكم كنتم على ضلالة في استقبالكم بيت المقدس".
وقال بعض النحويين: "هو استثناء ليس من الأول، و "إلا" بمعنى "لكن".
قال أبو عبيدة: ""إلا" بمعنى الواو".
وهو قول بعيد من الصواب لأنه يفسد المعاني ويغير ما بني عليه الكلام. و "إلا" إذا كانت بمعنى "لكن"، فإنما هي إيجاب لشيء بعدما تؤكده.
* *
وقوله: ﴿فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي﴾.
أي: لا تخشوا هؤلاء الذين سفهوا عليكم بالحجج الباطلة، واخشوا عقابي إن خالفتم أمري. وهذا تحضيض من الله تعالى للمؤمنين على لزوم الصلاة إلى الكعبة وترك التوجه إلى غيرها.
وقال السدي: "معناه: فلا تخشوا أن أردكم إلى دينهم".
* *
ثم قال: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾.
قال الأخفش: "هو معطوف على ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ﴾ أي: لئلا يكون، ولأتم نعمتي عليكم. فالمعنى: ولّوا وجوهكم حيث كنتم من الأرض إلى نحو المسجد الحرام كي لا يكون لأحد من الناس عليكم حجة سوى مشركي قريش، فإن لهم حجة باطلة، وكي أتم نعمتي عليكم بإتمام شرائح الملة الحنيفية.
وقال ابن جبير: "﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾: "أي: ولأدخلكم الجنة". قال: "ولن تتم نعمة الله على عبد حتى يدخله الجنة".
وقال الزجاج: "اللام متعلقة بمحذوف والتقدير: ولأتم نعمتي عليكم عرفتكم قبلتكم، وأنه لا حجة لأحد عليكم إلا الذين ظلموا فإنهم [سيحتجون عليكم] بالباطل".
وقيل: التقدير: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾، ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. ففي الكلام على هذا القول تقديم وتأخير. وهو قول الأخفش المتقدم الذكر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ﴾.
تقديره: ولعلكم تهتدون اهتداء مثل إرسالنا إليكم رسولاً منكم تالياً عليكم الكتاب ومطهراً لكم من الذنوب ومعلماً لكم ما لم تكونوا تعلمون.
فكل ما بعد "رسول" نعوت له مكررة.
وقال الزجاج: "الكاف متعلقة بما بعدها، أي: فاذكروني كما أرسلت فيكم رسولاً منكم".
وهذا قول مردود لأن الأمر إذا كان له جواب لم يتعلق به ما قبله لاشتغاله بجوابه؛ تقول: "كما أحسنتُ إليك فأكرمني". فتكون الكاف من "كما" متعلقة بـ "أكرمني" إذ لا جواب له. فإن قلت: "كما أحسنت إليك فأكرمني أكرمك"، لم تتعلق الكاف من "كما" بـ "أكرمني" بأن له جواباً، ولكن تتعلق بشيء آخر أو بمضمر. فكذلك قوله: ﴿فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ﴾ هو أمر له جواب، فلا [تتعلق "كما" به ولا] يحوز ذلك إلا على التشبيه بالشرط الذي يجاوب بجوابين، نحو قولك: "إذا أتاك فلان فأته ترضه"، فتكون "كما" و "أذكركم" جوابين [للأمر. والأول أفصح] وأشهر.
وقيل: هي متعلقة بقوله: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ أي: "ولأتم نعمتي عليكم إتماماً كما أرسلنا".
وقيل: الكاف في موضع نصب على الحال، أي: ولأتم نعمتي عليكم في هذه الحال.
وقيل: المعنى: ولأتم نعمتي عليكم بإتمام شرائع دين الحنيفية ملة إبراهيم كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم تالياً عليكم آياتي، ومطهراً لكم ومعلماً لكم الكتاب والحكمة وما لم تكونوا تعلمون. وكل ذلك بدعاء إبراهيم ﷺ [في قوله]: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] وقوله: ﴿رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩].
فدل هذا المعنى على ان الكاف متعلقة بقوله: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ فتلخيص المعنى: ولأتم نعمتي عليكم ببيان ملة أبيكم إبراهيم كما أجبنا دعوته فيكم، فأرسلنا إليكم رسولاً منكم.
ومعنى "يزكيكم" يطهركم من دنس الذنوب.
* *
﴿وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَابَ﴾ أي: القرآن، والحكمة والسنن والفقه في الدين. ﴿وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾.
أي أخبار الأنبياء والأمم قبلكم، وما هو كائن من الأمور.
* *
ومعنى ﴿فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ﴾.
قال ابن عباس: "إذا ذكر الله العبدُ وهو على طاعته ذكره برحمته، وإذا ذكره وهو على معصيته ذكره بلعنته".
وقال عكرمة: "يقول الرب: يا ابن آدم اذكرني بعد صلاة الصبح ساعة وبعد صلاة العصر ساعة، وأنا أكفيك ما بينهما".
وقال ابن جبير: "اذكروني بالطاعة أذكركم بالمغفرة".
وقال الربيع في الآية: "إن الله ذاكر من ذكره، وزائد من شكره، ومعذب من كفره".
وكان بعضهم يتأوله من الذكر والثناء والمدح.
وقيل: المعنى: اذكروني واذكروا نعمتي عليكم شكراً لها، أذكركم برحمتي والزيادة من النعمة.
وقال السدي: "ليس من عبد يذكر الله إلا ذكره الله جل وعز، لا يذكره مؤمن إلا ذكره برحمته، ولا يذكره كافر إلا ذكره بعذاب". والذكر فيما روي عن عمر رضي الله عنه ذكران. أحدهما أفضل من الآخر وهما: ذكر الله عند أوامره ونواهيه، وذكر الله بلسانه بالثناء عليه. فالأول أفضل، وكلاهما فيه فضل وأجر وثواب، إلا أن ذِكْر الله عند أمره ونهيه - فيفعل ما أمر به وينتهي عما نهى عنه - أفضل من ذكره باللسان مع مخالفة أمره ونهيه. والفضل كله والشرف والأجر والثواب في اجتماعهما من الإنسان. وهو ألا ينسى ذكر الله عند أمره فيأتمر، وعند نهيه فينتهي، ولا ينساه من ذكره بلسانه.
وكذلك الصبر صبران. وهما: الصبر على الطاعة وعن المعصية، والصبر على المصيبة. والأول أفضل.
* *
وقوله: ﴿وَٱشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ﴾.
أي اشكروه على نعمة الإسلام والهدى ولا تجحدوا إحسانه إليكم ونعمه عندكم.
والشكر معناه الثناء على الرجل بأفعاله المحمودة.
ومعنى الكفر التغطية للشي.
* *
ثم قال: ﴿يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ﴾.
هذه الآية حض من الله تعالى للمؤمنين على طاعته، واحتمال المكروه في الله عز وجل. فالمعنى: استعينوا على طاعة الله بالصبر والتسليم لأمره في جميع ما يأمركم به، واستعينوا على ذلك أيضاً بالصلاة لأن بها تتقربون إلى الله سبحانه، فيجيب دعاءكم ويقضي حوائجكم.
قال قتادة: "احتجوا على رسول الله ﷺ في انصرافه إلى الكعبة: [وقالوا: سيرجع محمد] إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا، فأمرهم الله تعالى أن يستعينوا بالصبر والصلاة". وقيل: الصبر هنا الصوم، لأنه يقطع عن اللذات.
وقيل: الصبر هنا الصبر عن المعاصي.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ﴾: أي: ناصرهم وراض بفعلهم يظهر دينه على سائر الأديان لأن من كان الله معه فهو الغالب.
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ﴾.
هذا يدل على أنه لا يقال للشهيد ميت، إنما يقال: شهيد وقتيل. فالمعنى: هم أحياء عند ربهم يرزقون من ثمر الجنة ويجدون ريحها وليسوا فيها. قاله مجاهد.
قال قتادة: "كنا نحدث أن أرواح الشهداء تعارَف في طير [خضر تأكل من ثمار] الجنة، وأن مساكنهم السدرة، وأن للمجاهد في سبيل الله عز وجل ثلاث خصلات: من قتل في سبيل الله عز وجل منهم صار حياً مرزوقاً، ومن غلب آتاه الله أجراً عظيماً، ومن مات رزقه الله رزقاً حسناً".
قال الربيع: "هم أحياء في صور طير خضر يطيرون في الجنة حيث شاءوا. منها يأكلون، من حيث شاءوا".
وقال عكرمة: "أرواح الشهداء في طير بيض في الجنة".
وروى ابن عباس عن النبي [ﷺ] أنه قال: "الشُّهَدَاءُ عَلَى نَهْرٍ بِبَابِ الجَنَّةِ فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ
ويُرْوى أنهم بباب الجنة في روضة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشياً. [فنهى الله المسلمين أن يسموهم] أمواتاً وأمرهم أن يسموهم شهداء.
وعن النبي [ﷺ] أنه قال في شهداء أحد: "هَؤُلاءِ الشُّهَدَاءُ، وَأَنَا عَلَيْهِمْ شَهِيدٌ، جَعَلَ اللهُ أَرْوَاحَهُمْ في طَيْرٍ خضرٍ تَرْتَعُ فِي رِيَاضِ الجَنَّةِ
وقيل: المعنى: لا تقولوا: "هم أموات في دينهم، بل هم أحياء في دينهم". والقول الأول عليه أهل العلم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَاتِ﴾.
أي: لنختبرنكم ولنمتحننكم بشدائد الأمور فيظهر من هو في الصبر والاحتساب على اتباع الرسول ﷺ باقٍ، ممن ينقلب على عقبيه كما ابْتَلَيْتُكُمْ بتحويل القبلة. وقد عدهم الله بذلك الامتحان في آية أخرى فقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم﴾ [البقرة: ٢١٤] الآية إلى ﴿قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]. قال ابن عباس: "أخبر الله عز وجل المؤمنين أن الدنيا دار بلاء وأنه مبتليهم فيها، وأمرهم بالصبر وبشّرهم، فقال: ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ﴾. وأخبر في الآية الأخرى أنه هكذا فعل بأوليائه قبلهم لتطيب أنفسهم فقال: ﴿مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ﴾ [البقرة: ٢١٤].
* *
وقوله: ﴿بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ﴾. يعني خوف العدو.
﴿وَٱلْجُوعِ﴾: يعني القحط.
* *
ثم قال: ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ﴾: أي: الصابرين على الامتحان، ثم بيّنهم فقال:
* *
﴿ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.
أي نحن وأموالنا له، ونحن إليه راجعون.
وقيل: معناه: ونحن مقرون بأن نبعث ونعطى الثواب على تصديقنا والصبر على ما ابتلينا به.
* *
ثم قال: ﴿أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾.
أي: مغفرة من ربهم.
وقيل: ترحم من ربهم ورحمة. ﴿وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾.
قال الليث في قوله: ﴿إِنَّا للَّهِ﴾ الآية "معناها: نحن والذي أصبنا به لله ونحن وإياه إلى الله راجعون".
قال ابن جبير: "لم يعط هذه الآية أحد من الأمم قبلنا ولا نبي قبل نبينا. ولو علمها يعقوب عليه السلام لم يقل: ﴿يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤].
وقال عكرمة: "انطفأ مصباح النبي [عليه السلام] ليلة فقال: ﴿إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. فَقِيلَ: يَا نَبِيَّ اللهِ: أَمُصِيبَةٌ هَذِهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، كُلُّ شَيْءٍ آذَى المُؤْمِنَ فَهُوَ لَهُ مُصِيبَةٌ، وَلَهُ فِيهِ أَجْرُ المُصِيبَةِ
وروي أن النبي [ﷺ] قال: "مَا مِنْ أَحَدٍ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ فَاسْتَرْجَعَ إِلاَّ اسْتَوْجَبَ مِنَ الله ثَلاثَ خِصَالٍ؛ كُلُّ خَصْلَةٍ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا
قَال أبو عبيد: يعني قوله: ﴿أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾.
البقرة 2:153
قوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ * ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾.
أي: هذا الحق من ربك.
﴿فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ أي: لا تكونن من الشاكين أن القبلة التي وجهت إليها هي الحق وهي قبلة إبراهيم والأنبياء غيره صلوات الله عليهم.
وهذا خطاب للنبي [عليه السلام] والمراد به أمته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾.
"هو" يرجع إلى "كُلٍّ". والهاء في "مُوَلِّيها" ترجع إلى القبلة. وقيل: "هُوَ" يرجع إلى الله جل ذكره.
فأما من قرأ "هو مُوَلاَّها"، فهو يرجع إلى "كُلٍّ" لا غير.
قال مجاهد: "معناه: ولكل صاحب ملة قبلة". يعني لليهود قبلة وللنصارى قبلة.
قال ابن عباس: "يعني بذلك أهل الأديان؛ لكل أهل دين قبلة يرضونها. ووجهة الله عز وجل حيث توجه المؤمنون".
وقال الضحاك: "معناه ولكل صاحب ملة قبلة، وصاحب القبلة يولِّيها وجهه".
وقال السدي: "المعنى ولكل قوم قبلة قد ولّوها".
والمعنى عند أهل العربية، هو موليها نفسه أو وجهه.
فأما من قرأ: "مُوَلاَّهَا" فالضمير على هذه القراءة لواحد، أي: ولكل واحد من الناس قبلة، الواحد مولاها، أي: مصروف إليها.
وقال الأخفش: "المعنى: موليها الله إياه على ما يزعمون" يريد على قراءة موليها.
وقال علي بن سليمان: "المعنى هو متوليها، والوجهة والجهة والوجه واحد".
وعن قتادة في قوله: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾، قال: "هي صلاتهم إلى بيت المقدس وصلاتهم إلى الكعبة".
فيكون التقدير على هذا: ولكل ناحية وَجَّهَكَ إليها ربُّك يا محمد قبلةُ الله مولِّيها عباده". وهو قول الأخفش الذي تقدم.
ومعنى "مولِّيها" مول وجهه إليها ومستقبلها.
وقال الطبري: "التولية في الآية للكل، ووُجدت للفظ "كل"، قال: "فمعنى الكلام: ولكل أهل ملة وجهة، الكل موليها وجوههم. قال: وأما قراءة ابن عامر فمعناه: هو موجَّه نحوها، ويكون الكل حينئذ غير مسمى فاعله، ولو سمي فاعله لكان الكلام: ولكل ذي ملة وجهة، الله موليها إياه بمعنى موجهه إليها.
ورويت قراءة شاذة بإضافة "كل" إلى "وجهة"، وهي قراءة لا تجوز لأنه لا فائدة في الكلام إذا لم يتم الخبر".
ولو ثَنيتَ على قراءة الجماعة لقلت: "هُمَا مُوَلِّياهَا"، وفي الجمع [هُمْ مَوَلُّوهَا] وعلى قراءة ابن عباس في التثنية "هُمَا مُوَلَّياهَا". وفي الجمع [هُمْ مُوَلَّوْهَا]. فإن جئت بالمفعول الثاني في قراءة الجماعة، قلت في التثنية: "هُمَا [مُوَلِّياهَا هُمَا] وفي الجمع: "هُمْ مُوَلُّوهَا هُمْ".
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَاتِ﴾.
أي: بادروا إلى عمل الصالحات واستقبال ما أمركم الله عز وجل باستقباله وهو المسجد الحرام.
* *
ثم قال: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً﴾.
أي: في أي مكان تكونون بعد موتكم يأت بكم الله جميعاً يوم القيامة.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: على جمعكم بعد مماتكم وغير ذلك قدير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ الآية.
وقد تقدم شرحه ووقع التكرير للإفهام، ولئلا يصل ذلك إلى بعض دون بعض فكرر الله التأكيد ليصل إلى الجميع.
* *
ثم قال: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾.
الناس هنا: مشركو العرب. والمعنى: عرفناكم أن لكل وجهة موليها لئلا يكون لمشركي العرب حجة أي: خصومة ودعوى باطل [إلا لمشركي] قريش فإن [لهم عليكم] دعوى باطلة وخصومة بغير حق لقولهم لكم: رجع [محمد إلى] قبلتنا، وسيرجع إلى ديننا. هذا معنى قول مجاهد.
وقال قتادة: "هم مشركوا العرب، قالوا لمشركي قريش حين صرفت القبلة إلى الكعبة: قد رجع إلى قبلتكم، فيوشك أن يرجع إلى دينكم".
قال الله تعالى: ﴿فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي﴾.
وعن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من أصحاب النبي [عليه السلام] أنه لما صرفت القبلة نحو الكعبة قال المشركون من أهل مكة: تحير على محمد دينه فتوجه بقبلته إليكم، وعلم أنكم كنتم أهدى منه سبيلاً، ويوشك أن يدخل في دينكم، فأنزل الله فيهم: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي﴾.
وهو قول عطاء والسدي وغيرهما. فهو على هذا التاويل استثناء صحيح، وهو مذهب الطبري، قال: "نفى الله جل ذكره أن يكون لأحد من الناس حجة على النبي ﷺ وأصحابه في استقباله الكعبة إلا مشركي قريش فإن لهم قِبَلَكُم خصومةً باطلة بأن يقولوا: إنما توجهتم إلى قبلتنا لأنا كنا أهدى منكم سبيلاً وأنكم كنتم على ضلالة في استقبالكم بيت المقدس".
وقال بعض النحويين: "هو استثناء ليس من الأول، و "إلا" بمعنى "لكن".
قال أبو عبيدة: ""إلا" بمعنى الواو".
وهو قول بعيد من الصواب لأنه يفسد المعاني ويغير ما بني عليه الكلام. و "إلا" إذا كانت بمعنى "لكن"، فإنما هي إيجاب لشيء بعدما تؤكده.
* *
وقوله: ﴿فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي﴾.
أي: لا تخشوا هؤلاء الذين سفهوا عليكم بالحجج الباطلة، واخشوا عقابي إن خالفتم أمري. وهذا تحضيض من الله تعالى للمؤمنين على لزوم الصلاة إلى الكعبة وترك التوجه إلى غيرها.
وقال السدي: "معناه: فلا تخشوا أن أردكم إلى دينهم".
* *
ثم قال: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾.
قال الأخفش: "هو معطوف على ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ﴾ أي: لئلا يكون، ولأتم نعمتي عليكم. فالمعنى: ولّوا وجوهكم حيث كنتم من الأرض إلى نحو المسجد الحرام كي لا يكون لأحد من الناس عليكم حجة سوى مشركي قريش، فإن لهم حجة باطلة، وكي أتم نعمتي عليكم بإتمام شرائح الملة الحنيفية.
وقال ابن جبير: "﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾: "أي: ولأدخلكم الجنة". قال: "ولن تتم نعمة الله على عبد حتى يدخله الجنة".
وقال الزجاج: "اللام متعلقة بمحذوف والتقدير: ولأتم نعمتي عليكم عرفتكم قبلتكم، وأنه لا حجة لأحد عليكم إلا الذين ظلموا فإنهم [سيحتجون عليكم] بالباطل".
وقيل: التقدير: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾، ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. ففي الكلام على هذا القول تقديم وتأخير. وهو قول الأخفش المتقدم الذكر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ﴾.
تقديره: ولعلكم تهتدون اهتداء مثل إرسالنا إليكم رسولاً منكم تالياً عليكم الكتاب ومطهراً لكم من الذنوب ومعلماً لكم ما لم تكونوا تعلمون.
فكل ما بعد "رسول" نعوت له مكررة.
وقال الزجاج: "الكاف متعلقة بما بعدها، أي: فاذكروني كما أرسلت فيكم رسولاً منكم".
وهذا قول مردود لأن الأمر إذا كان له جواب لم يتعلق به ما قبله لاشتغاله بجوابه؛ تقول: "كما أحسنتُ إليك فأكرمني". فتكون الكاف من "كما" متعلقة بـ "أكرمني" إذ لا جواب له. فإن قلت: "كما أحسنت إليك فأكرمني أكرمك"، لم تتعلق الكاف من "كما" بـ "أكرمني" بأن له جواباً، ولكن تتعلق بشيء آخر أو بمضمر. فكذلك قوله: ﴿فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ﴾ هو أمر له جواب، فلا [تتعلق "كما" به ولا] يحوز ذلك إلا على التشبيه بالشرط الذي يجاوب بجوابين، نحو قولك: "إذا أتاك فلان فأته ترضه"، فتكون "كما" و "أذكركم" جوابين [للأمر. والأول أفصح] وأشهر.
وقيل: هي متعلقة بقوله: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ أي: "ولأتم نعمتي عليكم إتماماً كما أرسلنا".
وقيل: الكاف في موضع نصب على الحال، أي: ولأتم نعمتي عليكم في هذه الحال.
وقيل: المعنى: ولأتم نعمتي عليكم بإتمام شرائع دين الحنيفية ملة إبراهيم كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم تالياً عليكم آياتي، ومطهراً لكم ومعلماً لكم الكتاب والحكمة وما لم تكونوا تعلمون. وكل ذلك بدعاء إبراهيم ﷺ [في قوله]: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] وقوله: ﴿رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩].
فدل هذا المعنى على ان الكاف متعلقة بقوله: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ فتلخيص المعنى: ولأتم نعمتي عليكم ببيان ملة أبيكم إبراهيم كما أجبنا دعوته فيكم، فأرسلنا إليكم رسولاً منكم.
ومعنى "يزكيكم" يطهركم من دنس الذنوب.
* *
﴿وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَابَ﴾ أي: القرآن، والحكمة والسنن والفقه في الدين. ﴿وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾.
أي أخبار الأنبياء والأمم قبلكم، وما هو كائن من الأمور.
* *
ومعنى ﴿فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ﴾.
قال ابن عباس: "إذا ذكر الله العبدُ وهو على طاعته ذكره برحمته، وإذا ذكره وهو على معصيته ذكره بلعنته".
وقال عكرمة: "يقول الرب: يا ابن آدم اذكرني بعد صلاة الصبح ساعة وبعد صلاة العصر ساعة، وأنا أكفيك ما بينهما".
وقال ابن جبير: "اذكروني بالطاعة أذكركم بالمغفرة".
وقال الربيع في الآية: "إن الله ذاكر من ذكره، وزائد من شكره، ومعذب من كفره".
وكان بعضهم يتأوله من الذكر والثناء والمدح.
وقيل: المعنى: اذكروني واذكروا نعمتي عليكم شكراً لها، أذكركم برحمتي والزيادة من النعمة.
وقال السدي: "ليس من عبد يذكر الله إلا ذكره الله جل وعز، لا يذكره مؤمن إلا ذكره برحمته، ولا يذكره كافر إلا ذكره بعذاب". والذكر فيما روي عن عمر رضي الله عنه ذكران. أحدهما أفضل من الآخر وهما: ذكر الله عند أوامره ونواهيه، وذكر الله بلسانه بالثناء عليه. فالأول أفضل، وكلاهما فيه فضل وأجر وثواب، إلا أن ذِكْر الله عند أمره ونهيه - فيفعل ما أمر به وينتهي عما نهى عنه - أفضل من ذكره باللسان مع مخالفة أمره ونهيه. والفضل كله والشرف والأجر والثواب في اجتماعهما من الإنسان. وهو ألا ينسى ذكر الله عند أمره فيأتمر، وعند نهيه فينتهي، ولا ينساه من ذكره بلسانه.
وكذلك الصبر صبران. وهما: الصبر على الطاعة وعن المعصية، والصبر على المصيبة. والأول أفضل.
* *
وقوله: ﴿وَٱشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ﴾.
أي اشكروه على نعمة الإسلام والهدى ولا تجحدوا إحسانه إليكم ونعمه عندكم.
والشكر معناه الثناء على الرجل بأفعاله المحمودة.
ومعنى الكفر التغطية للشي.
* *
ثم قال: ﴿يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ﴾.
هذه الآية حض من الله تعالى للمؤمنين على طاعته، واحتمال المكروه في الله عز وجل. فالمعنى: استعينوا على طاعة الله بالصبر والتسليم لأمره في جميع ما يأمركم به، واستعينوا على ذلك أيضاً بالصلاة لأن بها تتقربون إلى الله سبحانه، فيجيب دعاءكم ويقضي حوائجكم.
قال قتادة: "احتجوا على رسول الله ﷺ في انصرافه إلى الكعبة: [وقالوا: سيرجع محمد] إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا، فأمرهم الله تعالى أن يستعينوا بالصبر والصلاة". وقيل: الصبر هنا الصوم، لأنه يقطع عن اللذات.
وقيل: الصبر هنا الصبر عن المعاصي.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ﴾: أي: ناصرهم وراض بفعلهم يظهر دينه على سائر الأديان لأن من كان الله معه فهو الغالب.
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ﴾.
هذا يدل على أنه لا يقال للشهيد ميت، إنما يقال: شهيد وقتيل. فالمعنى: هم أحياء عند ربهم يرزقون من ثمر الجنة ويجدون ريحها وليسوا فيها. قاله مجاهد.
قال قتادة: "كنا نحدث أن أرواح الشهداء تعارَف في طير [خضر تأكل من ثمار] الجنة، وأن مساكنهم السدرة، وأن للمجاهد في سبيل الله عز وجل ثلاث خصلات: من قتل في سبيل الله عز وجل منهم صار حياً مرزوقاً، ومن غلب آتاه الله أجراً عظيماً، ومن مات رزقه الله رزقاً حسناً".
قال الربيع: "هم أحياء في صور طير خضر يطيرون في الجنة حيث شاءوا. منها يأكلون، من حيث شاءوا".
وقال عكرمة: "أرواح الشهداء في طير بيض في الجنة".
وروى ابن عباس عن النبي [ﷺ] أنه قال: "الشُّهَدَاءُ عَلَى نَهْرٍ بِبَابِ الجَنَّةِ فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ
ويُرْوى أنهم بباب الجنة في روضة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشياً. [فنهى الله المسلمين أن يسموهم] أمواتاً وأمرهم أن يسموهم شهداء.
وعن النبي [ﷺ] أنه قال في شهداء أحد: "هَؤُلاءِ الشُّهَدَاءُ، وَأَنَا عَلَيْهِمْ شَهِيدٌ، جَعَلَ اللهُ أَرْوَاحَهُمْ في طَيْرٍ خضرٍ تَرْتَعُ فِي رِيَاضِ الجَنَّةِ
وقيل: المعنى: لا تقولوا: "هم أموات في دينهم، بل هم أحياء في دينهم". والقول الأول عليه أهل العلم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَاتِ﴾.
أي: لنختبرنكم ولنمتحننكم بشدائد الأمور فيظهر من هو في الصبر والاحتساب على اتباع الرسول ﷺ باقٍ، ممن ينقلب على عقبيه كما ابْتَلَيْتُكُمْ بتحويل القبلة. وقد عدهم الله بذلك الامتحان في آية أخرى فقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم﴾ [البقرة: ٢١٤] الآية إلى ﴿قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]. قال ابن عباس: "أخبر الله عز وجل المؤمنين أن الدنيا دار بلاء وأنه مبتليهم فيها، وأمرهم بالصبر وبشّرهم، فقال: ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ﴾. وأخبر في الآية الأخرى أنه هكذا فعل بأوليائه قبلهم لتطيب أنفسهم فقال: ﴿مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ﴾ [البقرة: ٢١٤].
* *
وقوله: ﴿بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ﴾. يعني خوف العدو.
﴿وَٱلْجُوعِ﴾: يعني القحط.
* *
ثم قال: ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ﴾: أي: الصابرين على الامتحان، ثم بيّنهم فقال:
* *
﴿ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.
أي نحن وأموالنا له، ونحن إليه راجعون.
وقيل: معناه: ونحن مقرون بأن نبعث ونعطى الثواب على تصديقنا والصبر على ما ابتلينا به.
* *
ثم قال: ﴿أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾.
أي: مغفرة من ربهم.
وقيل: ترحم من ربهم ورحمة. ﴿وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾.
قال الليث في قوله: ﴿إِنَّا للَّهِ﴾ الآية "معناها: نحن والذي أصبنا به لله ونحن وإياه إلى الله راجعون".
قال ابن جبير: "لم يعط هذه الآية أحد من الأمم قبلنا ولا نبي قبل نبينا. ولو علمها يعقوب عليه السلام لم يقل: ﴿يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤].
وقال عكرمة: "انطفأ مصباح النبي [عليه السلام] ليلة فقال: ﴿إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. فَقِيلَ: يَا نَبِيَّ اللهِ: أَمُصِيبَةٌ هَذِهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، كُلُّ شَيْءٍ آذَى المُؤْمِنَ فَهُوَ لَهُ مُصِيبَةٌ، وَلَهُ فِيهِ أَجْرُ المُصِيبَةِ
وروي أن النبي [ﷺ] قال: "مَا مِنْ أَحَدٍ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ فَاسْتَرْجَعَ إِلاَّ اسْتَوْجَبَ مِنَ الله ثَلاثَ خِصَالٍ؛ كُلُّ خَصْلَةٍ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا
قَال أبو عبيد: يعني قوله: ﴿أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾.
البقرة 2:154
قوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ * ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾.
أي: هذا الحق من ربك.
﴿فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ أي: لا تكونن من الشاكين أن القبلة التي وجهت إليها هي الحق وهي قبلة إبراهيم والأنبياء غيره صلوات الله عليهم.
وهذا خطاب للنبي [عليه السلام] والمراد به أمته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾.
"هو" يرجع إلى "كُلٍّ". والهاء في "مُوَلِّيها" ترجع إلى القبلة. وقيل: "هُوَ" يرجع إلى الله جل ذكره.
فأما من قرأ "هو مُوَلاَّها"، فهو يرجع إلى "كُلٍّ" لا غير.
قال مجاهد: "معناه: ولكل صاحب ملة قبلة". يعني لليهود قبلة وللنصارى قبلة.
قال ابن عباس: "يعني بذلك أهل الأديان؛ لكل أهل دين قبلة يرضونها. ووجهة الله عز وجل حيث توجه المؤمنون".
وقال الضحاك: "معناه ولكل صاحب ملة قبلة، وصاحب القبلة يولِّيها وجهه".
وقال السدي: "المعنى ولكل قوم قبلة قد ولّوها".
والمعنى عند أهل العربية، هو موليها نفسه أو وجهه.
فأما من قرأ: "مُوَلاَّهَا" فالضمير على هذه القراءة لواحد، أي: ولكل واحد من الناس قبلة، الواحد مولاها، أي: مصروف إليها.
وقال الأخفش: "المعنى: موليها الله إياه على ما يزعمون" يريد على قراءة موليها.
وقال علي بن سليمان: "المعنى هو متوليها، والوجهة والجهة والوجه واحد".
وعن قتادة في قوله: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾، قال: "هي صلاتهم إلى بيت المقدس وصلاتهم إلى الكعبة".
فيكون التقدير على هذا: ولكل ناحية وَجَّهَكَ إليها ربُّك يا محمد قبلةُ الله مولِّيها عباده". وهو قول الأخفش الذي تقدم.
ومعنى "مولِّيها" مول وجهه إليها ومستقبلها.
وقال الطبري: "التولية في الآية للكل، ووُجدت للفظ "كل"، قال: "فمعنى الكلام: ولكل أهل ملة وجهة، الكل موليها وجوههم. قال: وأما قراءة ابن عامر فمعناه: هو موجَّه نحوها، ويكون الكل حينئذ غير مسمى فاعله، ولو سمي فاعله لكان الكلام: ولكل ذي ملة وجهة، الله موليها إياه بمعنى موجهه إليها.
ورويت قراءة شاذة بإضافة "كل" إلى "وجهة"، وهي قراءة لا تجوز لأنه لا فائدة في الكلام إذا لم يتم الخبر".
ولو ثَنيتَ على قراءة الجماعة لقلت: "هُمَا مُوَلِّياهَا"، وفي الجمع [هُمْ مَوَلُّوهَا] وعلى قراءة ابن عباس في التثنية "هُمَا مُوَلَّياهَا". وفي الجمع [هُمْ مُوَلَّوْهَا]. فإن جئت بالمفعول الثاني في قراءة الجماعة، قلت في التثنية: "هُمَا [مُوَلِّياهَا هُمَا] وفي الجمع: "هُمْ مُوَلُّوهَا هُمْ".
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَاتِ﴾.
أي: بادروا إلى عمل الصالحات واستقبال ما أمركم الله عز وجل باستقباله وهو المسجد الحرام.
* *
ثم قال: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً﴾.
أي: في أي مكان تكونون بعد موتكم يأت بكم الله جميعاً يوم القيامة.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: على جمعكم بعد مماتكم وغير ذلك قدير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ الآية.
وقد تقدم شرحه ووقع التكرير للإفهام، ولئلا يصل ذلك إلى بعض دون بعض فكرر الله التأكيد ليصل إلى الجميع.
* *
ثم قال: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾.
الناس هنا: مشركو العرب. والمعنى: عرفناكم أن لكل وجهة موليها لئلا يكون لمشركي العرب حجة أي: خصومة ودعوى باطل [إلا لمشركي] قريش فإن [لهم عليكم] دعوى باطلة وخصومة بغير حق لقولهم لكم: رجع [محمد إلى] قبلتنا، وسيرجع إلى ديننا. هذا معنى قول مجاهد.
وقال قتادة: "هم مشركوا العرب، قالوا لمشركي قريش حين صرفت القبلة إلى الكعبة: قد رجع إلى قبلتكم، فيوشك أن يرجع إلى دينكم".
قال الله تعالى: ﴿فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي﴾.
وعن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من أصحاب النبي [عليه السلام] أنه لما صرفت القبلة نحو الكعبة قال المشركون من أهل مكة: تحير على محمد دينه فتوجه بقبلته إليكم، وعلم أنكم كنتم أهدى منه سبيلاً، ويوشك أن يدخل في دينكم، فأنزل الله فيهم: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي﴾.
وهو قول عطاء والسدي وغيرهما. فهو على هذا التاويل استثناء صحيح، وهو مذهب الطبري، قال: "نفى الله جل ذكره أن يكون لأحد من الناس حجة على النبي ﷺ وأصحابه في استقباله الكعبة إلا مشركي قريش فإن لهم قِبَلَكُم خصومةً باطلة بأن يقولوا: إنما توجهتم إلى قبلتنا لأنا كنا أهدى منكم سبيلاً وأنكم كنتم على ضلالة في استقبالكم بيت المقدس".
وقال بعض النحويين: "هو استثناء ليس من الأول، و "إلا" بمعنى "لكن".
قال أبو عبيدة: ""إلا" بمعنى الواو".
وهو قول بعيد من الصواب لأنه يفسد المعاني ويغير ما بني عليه الكلام. و "إلا" إذا كانت بمعنى "لكن"، فإنما هي إيجاب لشيء بعدما تؤكده.
* *
وقوله: ﴿فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي﴾.
أي: لا تخشوا هؤلاء الذين سفهوا عليكم بالحجج الباطلة، واخشوا عقابي إن خالفتم أمري. وهذا تحضيض من الله تعالى للمؤمنين على لزوم الصلاة إلى الكعبة وترك التوجه إلى غيرها.
وقال السدي: "معناه: فلا تخشوا أن أردكم إلى دينهم".
* *
ثم قال: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾.
قال الأخفش: "هو معطوف على ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ﴾ أي: لئلا يكون، ولأتم نعمتي عليكم. فالمعنى: ولّوا وجوهكم حيث كنتم من الأرض إلى نحو المسجد الحرام كي لا يكون لأحد من الناس عليكم حجة سوى مشركي قريش، فإن لهم حجة باطلة، وكي أتم نعمتي عليكم بإتمام شرائح الملة الحنيفية.
وقال ابن جبير: "﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾: "أي: ولأدخلكم الجنة". قال: "ولن تتم نعمة الله على عبد حتى يدخله الجنة".
وقال الزجاج: "اللام متعلقة بمحذوف والتقدير: ولأتم نعمتي عليكم عرفتكم قبلتكم، وأنه لا حجة لأحد عليكم إلا الذين ظلموا فإنهم [سيحتجون عليكم] بالباطل".
وقيل: التقدير: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾، ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. ففي الكلام على هذا القول تقديم وتأخير. وهو قول الأخفش المتقدم الذكر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ﴾.
تقديره: ولعلكم تهتدون اهتداء مثل إرسالنا إليكم رسولاً منكم تالياً عليكم الكتاب ومطهراً لكم من الذنوب ومعلماً لكم ما لم تكونوا تعلمون.
فكل ما بعد "رسول" نعوت له مكررة.
وقال الزجاج: "الكاف متعلقة بما بعدها، أي: فاذكروني كما أرسلت فيكم رسولاً منكم".
وهذا قول مردود لأن الأمر إذا كان له جواب لم يتعلق به ما قبله لاشتغاله بجوابه؛ تقول: "كما أحسنتُ إليك فأكرمني". فتكون الكاف من "كما" متعلقة بـ "أكرمني" إذ لا جواب له. فإن قلت: "كما أحسنت إليك فأكرمني أكرمك"، لم تتعلق الكاف من "كما" بـ "أكرمني" بأن له جواباً، ولكن تتعلق بشيء آخر أو بمضمر. فكذلك قوله: ﴿فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ﴾ هو أمر له جواب، فلا [تتعلق "كما" به ولا] يحوز ذلك إلا على التشبيه بالشرط الذي يجاوب بجوابين، نحو قولك: "إذا أتاك فلان فأته ترضه"، فتكون "كما" و "أذكركم" جوابين [للأمر. والأول أفصح] وأشهر.
وقيل: هي متعلقة بقوله: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ أي: "ولأتم نعمتي عليكم إتماماً كما أرسلنا".
وقيل: الكاف في موضع نصب على الحال، أي: ولأتم نعمتي عليكم في هذه الحال.
وقيل: المعنى: ولأتم نعمتي عليكم بإتمام شرائع دين الحنيفية ملة إبراهيم كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم تالياً عليكم آياتي، ومطهراً لكم ومعلماً لكم الكتاب والحكمة وما لم تكونوا تعلمون. وكل ذلك بدعاء إبراهيم ﷺ [في قوله]: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] وقوله: ﴿رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩].
فدل هذا المعنى على ان الكاف متعلقة بقوله: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ فتلخيص المعنى: ولأتم نعمتي عليكم ببيان ملة أبيكم إبراهيم كما أجبنا دعوته فيكم، فأرسلنا إليكم رسولاً منكم.
ومعنى "يزكيكم" يطهركم من دنس الذنوب.
* *
﴿وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَابَ﴾ أي: القرآن، والحكمة والسنن والفقه في الدين. ﴿وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾.
أي أخبار الأنبياء والأمم قبلكم، وما هو كائن من الأمور.
* *
ومعنى ﴿فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ﴾.
قال ابن عباس: "إذا ذكر الله العبدُ وهو على طاعته ذكره برحمته، وإذا ذكره وهو على معصيته ذكره بلعنته".
وقال عكرمة: "يقول الرب: يا ابن آدم اذكرني بعد صلاة الصبح ساعة وبعد صلاة العصر ساعة، وأنا أكفيك ما بينهما".
وقال ابن جبير: "اذكروني بالطاعة أذكركم بالمغفرة".
وقال الربيع في الآية: "إن الله ذاكر من ذكره، وزائد من شكره، ومعذب من كفره".
وكان بعضهم يتأوله من الذكر والثناء والمدح.
وقيل: المعنى: اذكروني واذكروا نعمتي عليكم شكراً لها، أذكركم برحمتي والزيادة من النعمة.
وقال السدي: "ليس من عبد يذكر الله إلا ذكره الله جل وعز، لا يذكره مؤمن إلا ذكره برحمته، ولا يذكره كافر إلا ذكره بعذاب". والذكر فيما روي عن عمر رضي الله عنه ذكران. أحدهما أفضل من الآخر وهما: ذكر الله عند أوامره ونواهيه، وذكر الله بلسانه بالثناء عليه. فالأول أفضل، وكلاهما فيه فضل وأجر وثواب، إلا أن ذِكْر الله عند أمره ونهيه - فيفعل ما أمر به وينتهي عما نهى عنه - أفضل من ذكره باللسان مع مخالفة أمره ونهيه. والفضل كله والشرف والأجر والثواب في اجتماعهما من الإنسان. وهو ألا ينسى ذكر الله عند أمره فيأتمر، وعند نهيه فينتهي، ولا ينساه من ذكره بلسانه.
وكذلك الصبر صبران. وهما: الصبر على الطاعة وعن المعصية، والصبر على المصيبة. والأول أفضل.
* *
وقوله: ﴿وَٱشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ﴾.
أي اشكروه على نعمة الإسلام والهدى ولا تجحدوا إحسانه إليكم ونعمه عندكم.
والشكر معناه الثناء على الرجل بأفعاله المحمودة.
ومعنى الكفر التغطية للشي.
* *
ثم قال: ﴿يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ﴾.
هذه الآية حض من الله تعالى للمؤمنين على طاعته، واحتمال المكروه في الله عز وجل. فالمعنى: استعينوا على طاعة الله بالصبر والتسليم لأمره في جميع ما يأمركم به، واستعينوا على ذلك أيضاً بالصلاة لأن بها تتقربون إلى الله سبحانه، فيجيب دعاءكم ويقضي حوائجكم.
قال قتادة: "احتجوا على رسول الله ﷺ في انصرافه إلى الكعبة: [وقالوا: سيرجع محمد] إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا، فأمرهم الله تعالى أن يستعينوا بالصبر والصلاة". وقيل: الصبر هنا الصوم، لأنه يقطع عن اللذات.
وقيل: الصبر هنا الصبر عن المعاصي.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ﴾: أي: ناصرهم وراض بفعلهم يظهر دينه على سائر الأديان لأن من كان الله معه فهو الغالب.
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ﴾.
هذا يدل على أنه لا يقال للشهيد ميت، إنما يقال: شهيد وقتيل. فالمعنى: هم أحياء عند ربهم يرزقون من ثمر الجنة ويجدون ريحها وليسوا فيها. قاله مجاهد.
قال قتادة: "كنا نحدث أن أرواح الشهداء تعارَف في طير [خضر تأكل من ثمار] الجنة، وأن مساكنهم السدرة، وأن للمجاهد في سبيل الله عز وجل ثلاث خصلات: من قتل في سبيل الله عز وجل منهم صار حياً مرزوقاً، ومن غلب آتاه الله أجراً عظيماً، ومن مات رزقه الله رزقاً حسناً".
قال الربيع: "هم أحياء في صور طير خضر يطيرون في الجنة حيث شاءوا. منها يأكلون، من حيث شاءوا".
وقال عكرمة: "أرواح الشهداء في طير بيض في الجنة".
وروى ابن عباس عن النبي [ﷺ] أنه قال: "الشُّهَدَاءُ عَلَى نَهْرٍ بِبَابِ الجَنَّةِ فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ
ويُرْوى أنهم بباب الجنة في روضة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشياً. [فنهى الله المسلمين أن يسموهم] أمواتاً وأمرهم أن يسموهم شهداء.
وعن النبي [ﷺ] أنه قال في شهداء أحد: "هَؤُلاءِ الشُّهَدَاءُ، وَأَنَا عَلَيْهِمْ شَهِيدٌ، جَعَلَ اللهُ أَرْوَاحَهُمْ في طَيْرٍ خضرٍ تَرْتَعُ فِي رِيَاضِ الجَنَّةِ
وقيل: المعنى: لا تقولوا: "هم أموات في دينهم، بل هم أحياء في دينهم". والقول الأول عليه أهل العلم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَاتِ﴾.
أي: لنختبرنكم ولنمتحننكم بشدائد الأمور فيظهر من هو في الصبر والاحتساب على اتباع الرسول ﷺ باقٍ، ممن ينقلب على عقبيه كما ابْتَلَيْتُكُمْ بتحويل القبلة. وقد عدهم الله بذلك الامتحان في آية أخرى فقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم﴾ [البقرة: ٢١٤] الآية إلى ﴿قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]. قال ابن عباس: "أخبر الله عز وجل المؤمنين أن الدنيا دار بلاء وأنه مبتليهم فيها، وأمرهم بالصبر وبشّرهم، فقال: ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ﴾. وأخبر في الآية الأخرى أنه هكذا فعل بأوليائه قبلهم لتطيب أنفسهم فقال: ﴿مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ﴾ [البقرة: ٢١٤].
* *
وقوله: ﴿بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ﴾. يعني خوف العدو.
﴿وَٱلْجُوعِ﴾: يعني القحط.
* *
ثم قال: ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ﴾: أي: الصابرين على الامتحان، ثم بيّنهم فقال:
* *
﴿ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.
أي نحن وأموالنا له، ونحن إليه راجعون.
وقيل: معناه: ونحن مقرون بأن نبعث ونعطى الثواب على تصديقنا والصبر على ما ابتلينا به.
* *
ثم قال: ﴿أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾.
أي: مغفرة من ربهم.
وقيل: ترحم من ربهم ورحمة. ﴿وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾.
قال الليث في قوله: ﴿إِنَّا للَّهِ﴾ الآية "معناها: نحن والذي أصبنا به لله ونحن وإياه إلى الله راجعون".
قال ابن جبير: "لم يعط هذه الآية أحد من الأمم قبلنا ولا نبي قبل نبينا. ولو علمها يعقوب عليه السلام لم يقل: ﴿يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤].
وقال عكرمة: "انطفأ مصباح النبي [عليه السلام] ليلة فقال: ﴿إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. فَقِيلَ: يَا نَبِيَّ اللهِ: أَمُصِيبَةٌ هَذِهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، كُلُّ شَيْءٍ آذَى المُؤْمِنَ فَهُوَ لَهُ مُصِيبَةٌ، وَلَهُ فِيهِ أَجْرُ المُصِيبَةِ
وروي أن النبي [ﷺ] قال: "مَا مِنْ أَحَدٍ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ فَاسْتَرْجَعَ إِلاَّ اسْتَوْجَبَ مِنَ الله ثَلاثَ خِصَالٍ؛ كُلُّ خَصْلَةٍ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا
قَال أبو عبيد: يعني قوله: ﴿أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾.
البقرة 2:155
قوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ * ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾.
أي: هذا الحق من ربك.
﴿فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ أي: لا تكونن من الشاكين أن القبلة التي وجهت إليها هي الحق وهي قبلة إبراهيم والأنبياء غيره صلوات الله عليهم.
وهذا خطاب للنبي [عليه السلام] والمراد به أمته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾.
"هو" يرجع إلى "كُلٍّ". والهاء في "مُوَلِّيها" ترجع إلى القبلة. وقيل: "هُوَ" يرجع إلى الله جل ذكره.
فأما من قرأ "هو مُوَلاَّها"، فهو يرجع إلى "كُلٍّ" لا غير.
قال مجاهد: "معناه: ولكل صاحب ملة قبلة". يعني لليهود قبلة وللنصارى قبلة.
قال ابن عباس: "يعني بذلك أهل الأديان؛ لكل أهل دين قبلة يرضونها. ووجهة الله عز وجل حيث توجه المؤمنون".
وقال الضحاك: "معناه ولكل صاحب ملة قبلة، وصاحب القبلة يولِّيها وجهه".
وقال السدي: "المعنى ولكل قوم قبلة قد ولّوها".
والمعنى عند أهل العربية، هو موليها نفسه أو وجهه.
فأما من قرأ: "مُوَلاَّهَا" فالضمير على هذه القراءة لواحد، أي: ولكل واحد من الناس قبلة، الواحد مولاها، أي: مصروف إليها.
وقال الأخفش: "المعنى: موليها الله إياه على ما يزعمون" يريد على قراءة موليها.
وقال علي بن سليمان: "المعنى هو متوليها، والوجهة والجهة والوجه واحد".
وعن قتادة في قوله: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾، قال: "هي صلاتهم إلى بيت المقدس وصلاتهم إلى الكعبة".
فيكون التقدير على هذا: ولكل ناحية وَجَّهَكَ إليها ربُّك يا محمد قبلةُ الله مولِّيها عباده". وهو قول الأخفش الذي تقدم.
ومعنى "مولِّيها" مول وجهه إليها ومستقبلها.
وقال الطبري: "التولية في الآية للكل، ووُجدت للفظ "كل"، قال: "فمعنى الكلام: ولكل أهل ملة وجهة، الكل موليها وجوههم. قال: وأما قراءة ابن عامر فمعناه: هو موجَّه نحوها، ويكون الكل حينئذ غير مسمى فاعله، ولو سمي فاعله لكان الكلام: ولكل ذي ملة وجهة، الله موليها إياه بمعنى موجهه إليها.
ورويت قراءة شاذة بإضافة "كل" إلى "وجهة"، وهي قراءة لا تجوز لأنه لا فائدة في الكلام إذا لم يتم الخبر".
ولو ثَنيتَ على قراءة الجماعة لقلت: "هُمَا مُوَلِّياهَا"، وفي الجمع [هُمْ مَوَلُّوهَا] وعلى قراءة ابن عباس في التثنية "هُمَا مُوَلَّياهَا". وفي الجمع [هُمْ مُوَلَّوْهَا]. فإن جئت بالمفعول الثاني في قراءة الجماعة، قلت في التثنية: "هُمَا [مُوَلِّياهَا هُمَا] وفي الجمع: "هُمْ مُوَلُّوهَا هُمْ".
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَاتِ﴾.
أي: بادروا إلى عمل الصالحات واستقبال ما أمركم الله عز وجل باستقباله وهو المسجد الحرام.
* *
ثم قال: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً﴾.
أي: في أي مكان تكونون بعد موتكم يأت بكم الله جميعاً يوم القيامة.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: على جمعكم بعد مماتكم وغير ذلك قدير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ الآية.
وقد تقدم شرحه ووقع التكرير للإفهام، ولئلا يصل ذلك إلى بعض دون بعض فكرر الله التأكيد ليصل إلى الجميع.
* *
ثم قال: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾.
الناس هنا: مشركو العرب. والمعنى: عرفناكم أن لكل وجهة موليها لئلا يكون لمشركي العرب حجة أي: خصومة ودعوى باطل [إلا لمشركي] قريش فإن [لهم عليكم] دعوى باطلة وخصومة بغير حق لقولهم لكم: رجع [محمد إلى] قبلتنا، وسيرجع إلى ديننا. هذا معنى قول مجاهد.
وقال قتادة: "هم مشركوا العرب، قالوا لمشركي قريش حين صرفت القبلة إلى الكعبة: قد رجع إلى قبلتكم، فيوشك أن يرجع إلى دينكم".
قال الله تعالى: ﴿فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي﴾.
وعن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من أصحاب النبي [عليه السلام] أنه لما صرفت القبلة نحو الكعبة قال المشركون من أهل مكة: تحير على محمد دينه فتوجه بقبلته إليكم، وعلم أنكم كنتم أهدى منه سبيلاً، ويوشك أن يدخل في دينكم، فأنزل الله فيهم: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي﴾.
وهو قول عطاء والسدي وغيرهما. فهو على هذا التاويل استثناء صحيح، وهو مذهب الطبري، قال: "نفى الله جل ذكره أن يكون لأحد من الناس حجة على النبي ﷺ وأصحابه في استقباله الكعبة إلا مشركي قريش فإن لهم قِبَلَكُم خصومةً باطلة بأن يقولوا: إنما توجهتم إلى قبلتنا لأنا كنا أهدى منكم سبيلاً وأنكم كنتم على ضلالة في استقبالكم بيت المقدس".
وقال بعض النحويين: "هو استثناء ليس من الأول، و "إلا" بمعنى "لكن".
قال أبو عبيدة: ""إلا" بمعنى الواو".
وهو قول بعيد من الصواب لأنه يفسد المعاني ويغير ما بني عليه الكلام. و "إلا" إذا كانت بمعنى "لكن"، فإنما هي إيجاب لشيء بعدما تؤكده.
* *
وقوله: ﴿فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي﴾.
أي: لا تخشوا هؤلاء الذين سفهوا عليكم بالحجج الباطلة، واخشوا عقابي إن خالفتم أمري. وهذا تحضيض من الله تعالى للمؤمنين على لزوم الصلاة إلى الكعبة وترك التوجه إلى غيرها.
وقال السدي: "معناه: فلا تخشوا أن أردكم إلى دينهم".
* *
ثم قال: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾.
قال الأخفش: "هو معطوف على ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ﴾ أي: لئلا يكون، ولأتم نعمتي عليكم. فالمعنى: ولّوا وجوهكم حيث كنتم من الأرض إلى نحو المسجد الحرام كي لا يكون لأحد من الناس عليكم حجة سوى مشركي قريش، فإن لهم حجة باطلة، وكي أتم نعمتي عليكم بإتمام شرائح الملة الحنيفية.
وقال ابن جبير: "﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾: "أي: ولأدخلكم الجنة". قال: "ولن تتم نعمة الله على عبد حتى يدخله الجنة".
وقال الزجاج: "اللام متعلقة بمحذوف والتقدير: ولأتم نعمتي عليكم عرفتكم قبلتكم، وأنه لا حجة لأحد عليكم إلا الذين ظلموا فإنهم [سيحتجون عليكم] بالباطل".
وقيل: التقدير: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾، ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. ففي الكلام على هذا القول تقديم وتأخير. وهو قول الأخفش المتقدم الذكر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ﴾.
تقديره: ولعلكم تهتدون اهتداء مثل إرسالنا إليكم رسولاً منكم تالياً عليكم الكتاب ومطهراً لكم من الذنوب ومعلماً لكم ما لم تكونوا تعلمون.
فكل ما بعد "رسول" نعوت له مكررة.
وقال الزجاج: "الكاف متعلقة بما بعدها، أي: فاذكروني كما أرسلت فيكم رسولاً منكم".
وهذا قول مردود لأن الأمر إذا كان له جواب لم يتعلق به ما قبله لاشتغاله بجوابه؛ تقول: "كما أحسنتُ إليك فأكرمني". فتكون الكاف من "كما" متعلقة بـ "أكرمني" إذ لا جواب له. فإن قلت: "كما أحسنت إليك فأكرمني أكرمك"، لم تتعلق الكاف من "كما" بـ "أكرمني" بأن له جواباً، ولكن تتعلق بشيء آخر أو بمضمر. فكذلك قوله: ﴿فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ﴾ هو أمر له جواب، فلا [تتعلق "كما" به ولا] يحوز ذلك إلا على التشبيه بالشرط الذي يجاوب بجوابين، نحو قولك: "إذا أتاك فلان فأته ترضه"، فتكون "كما" و "أذكركم" جوابين [للأمر. والأول أفصح] وأشهر.
وقيل: هي متعلقة بقوله: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ أي: "ولأتم نعمتي عليكم إتماماً كما أرسلنا".
وقيل: الكاف في موضع نصب على الحال، أي: ولأتم نعمتي عليكم في هذه الحال.
وقيل: المعنى: ولأتم نعمتي عليكم بإتمام شرائع دين الحنيفية ملة إبراهيم كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم تالياً عليكم آياتي، ومطهراً لكم ومعلماً لكم الكتاب والحكمة وما لم تكونوا تعلمون. وكل ذلك بدعاء إبراهيم ﷺ [في قوله]: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] وقوله: ﴿رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩].
فدل هذا المعنى على ان الكاف متعلقة بقوله: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ فتلخيص المعنى: ولأتم نعمتي عليكم ببيان ملة أبيكم إبراهيم كما أجبنا دعوته فيكم، فأرسلنا إليكم رسولاً منكم.
ومعنى "يزكيكم" يطهركم من دنس الذنوب.
* *
﴿وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَابَ﴾ أي: القرآن، والحكمة والسنن والفقه في الدين. ﴿وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾.
أي أخبار الأنبياء والأمم قبلكم، وما هو كائن من الأمور.
* *
ومعنى ﴿فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ﴾.
قال ابن عباس: "إذا ذكر الله العبدُ وهو على طاعته ذكره برحمته، وإذا ذكره وهو على معصيته ذكره بلعنته".
وقال عكرمة: "يقول الرب: يا ابن آدم اذكرني بعد صلاة الصبح ساعة وبعد صلاة العصر ساعة، وأنا أكفيك ما بينهما".
وقال ابن جبير: "اذكروني بالطاعة أذكركم بالمغفرة".
وقال الربيع في الآية: "إن الله ذاكر من ذكره، وزائد من شكره، ومعذب من كفره".
وكان بعضهم يتأوله من الذكر والثناء والمدح.
وقيل: المعنى: اذكروني واذكروا نعمتي عليكم شكراً لها، أذكركم برحمتي والزيادة من النعمة.
وقال السدي: "ليس من عبد يذكر الله إلا ذكره الله جل وعز، لا يذكره مؤمن إلا ذكره برحمته، ولا يذكره كافر إلا ذكره بعذاب". والذكر فيما روي عن عمر رضي الله عنه ذكران. أحدهما أفضل من الآخر وهما: ذكر الله عند أوامره ونواهيه، وذكر الله بلسانه بالثناء عليه. فالأول أفضل، وكلاهما فيه فضل وأجر وثواب، إلا أن ذِكْر الله عند أمره ونهيه - فيفعل ما أمر به وينتهي عما نهى عنه - أفضل من ذكره باللسان مع مخالفة أمره ونهيه. والفضل كله والشرف والأجر والثواب في اجتماعهما من الإنسان. وهو ألا ينسى ذكر الله عند أمره فيأتمر، وعند نهيه فينتهي، ولا ينساه من ذكره بلسانه.
وكذلك الصبر صبران. وهما: الصبر على الطاعة وعن المعصية، والصبر على المصيبة. والأول أفضل.
* *
وقوله: ﴿وَٱشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ﴾.
أي اشكروه على نعمة الإسلام والهدى ولا تجحدوا إحسانه إليكم ونعمه عندكم.
والشكر معناه الثناء على الرجل بأفعاله المحمودة.
ومعنى الكفر التغطية للشي.
* *
ثم قال: ﴿يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ﴾.
هذه الآية حض من الله تعالى للمؤمنين على طاعته، واحتمال المكروه في الله عز وجل. فالمعنى: استعينوا على طاعة الله بالصبر والتسليم لأمره في جميع ما يأمركم به، واستعينوا على ذلك أيضاً بالصلاة لأن بها تتقربون إلى الله سبحانه، فيجيب دعاءكم ويقضي حوائجكم.
قال قتادة: "احتجوا على رسول الله ﷺ في انصرافه إلى الكعبة: [وقالوا: سيرجع محمد] إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا، فأمرهم الله تعالى أن يستعينوا بالصبر والصلاة". وقيل: الصبر هنا الصوم، لأنه يقطع عن اللذات.
وقيل: الصبر هنا الصبر عن المعاصي.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ﴾: أي: ناصرهم وراض بفعلهم يظهر دينه على سائر الأديان لأن من كان الله معه فهو الغالب.
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ﴾.
هذا يدل على أنه لا يقال للشهيد ميت، إنما يقال: شهيد وقتيل. فالمعنى: هم أحياء عند ربهم يرزقون من ثمر الجنة ويجدون ريحها وليسوا فيها. قاله مجاهد.
قال قتادة: "كنا نحدث أن أرواح الشهداء تعارَف في طير [خضر تأكل من ثمار] الجنة، وأن مساكنهم السدرة، وأن للمجاهد في سبيل الله عز وجل ثلاث خصلات: من قتل في سبيل الله عز وجل منهم صار حياً مرزوقاً، ومن غلب آتاه الله أجراً عظيماً، ومن مات رزقه الله رزقاً حسناً".
قال الربيع: "هم أحياء في صور طير خضر يطيرون في الجنة حيث شاءوا. منها يأكلون، من حيث شاءوا".
وقال عكرمة: "أرواح الشهداء في طير بيض في الجنة".
وروى ابن عباس عن النبي [ﷺ] أنه قال: "الشُّهَدَاءُ عَلَى نَهْرٍ بِبَابِ الجَنَّةِ فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ
ويُرْوى أنهم بباب الجنة في روضة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشياً. [فنهى الله المسلمين أن يسموهم] أمواتاً وأمرهم أن يسموهم شهداء.
وعن النبي [ﷺ] أنه قال في شهداء أحد: "هَؤُلاءِ الشُّهَدَاءُ، وَأَنَا عَلَيْهِمْ شَهِيدٌ، جَعَلَ اللهُ أَرْوَاحَهُمْ في طَيْرٍ خضرٍ تَرْتَعُ فِي رِيَاضِ الجَنَّةِ
وقيل: المعنى: لا تقولوا: "هم أموات في دينهم، بل هم أحياء في دينهم". والقول الأول عليه أهل العلم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَاتِ﴾.
أي: لنختبرنكم ولنمتحننكم بشدائد الأمور فيظهر من هو في الصبر والاحتساب على اتباع الرسول ﷺ باقٍ، ممن ينقلب على عقبيه كما ابْتَلَيْتُكُمْ بتحويل القبلة. وقد عدهم الله بذلك الامتحان في آية أخرى فقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم﴾ [البقرة: ٢١٤] الآية إلى ﴿قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]. قال ابن عباس: "أخبر الله عز وجل المؤمنين أن الدنيا دار بلاء وأنه مبتليهم فيها، وأمرهم بالصبر وبشّرهم، فقال: ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ﴾. وأخبر في الآية الأخرى أنه هكذا فعل بأوليائه قبلهم لتطيب أنفسهم فقال: ﴿مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ﴾ [البقرة: ٢١٤].
* *
وقوله: ﴿بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ﴾. يعني خوف العدو.
﴿وَٱلْجُوعِ﴾: يعني القحط.
* *
ثم قال: ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ﴾: أي: الصابرين على الامتحان، ثم بيّنهم فقال:
* *
﴿ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.
أي نحن وأموالنا له، ونحن إليه راجعون.
وقيل: معناه: ونحن مقرون بأن نبعث ونعطى الثواب على تصديقنا والصبر على ما ابتلينا به.
* *
ثم قال: ﴿أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾.
أي: مغفرة من ربهم.
وقيل: ترحم من ربهم ورحمة. ﴿وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾.
قال الليث في قوله: ﴿إِنَّا للَّهِ﴾ الآية "معناها: نحن والذي أصبنا به لله ونحن وإياه إلى الله راجعون".
قال ابن جبير: "لم يعط هذه الآية أحد من الأمم قبلنا ولا نبي قبل نبينا. ولو علمها يعقوب عليه السلام لم يقل: ﴿يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤].
وقال عكرمة: "انطفأ مصباح النبي [عليه السلام] ليلة فقال: ﴿إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. فَقِيلَ: يَا نَبِيَّ اللهِ: أَمُصِيبَةٌ هَذِهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، كُلُّ شَيْءٍ آذَى المُؤْمِنَ فَهُوَ لَهُ مُصِيبَةٌ، وَلَهُ فِيهِ أَجْرُ المُصِيبَةِ
وروي أن النبي [ﷺ] قال: "مَا مِنْ أَحَدٍ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ فَاسْتَرْجَعَ إِلاَّ اسْتَوْجَبَ مِنَ الله ثَلاثَ خِصَالٍ؛ كُلُّ خَصْلَةٍ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا
قَال أبو عبيد: يعني قوله: ﴿أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾.
البقرة 2:156
قوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ * ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾.
أي: هذا الحق من ربك.
﴿فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ أي: لا تكونن من الشاكين أن القبلة التي وجهت إليها هي الحق وهي قبلة إبراهيم والأنبياء غيره صلوات الله عليهم.
وهذا خطاب للنبي [عليه السلام] والمراد به أمته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾.
"هو" يرجع إلى "كُلٍّ". والهاء في "مُوَلِّيها" ترجع إلى القبلة. وقيل: "هُوَ" يرجع إلى الله جل ذكره.
فأما من قرأ "هو مُوَلاَّها"، فهو يرجع إلى "كُلٍّ" لا غير.
قال مجاهد: "معناه: ولكل صاحب ملة قبلة". يعني لليهود قبلة وللنصارى قبلة.
قال ابن عباس: "يعني بذلك أهل الأديان؛ لكل أهل دين قبلة يرضونها. ووجهة الله عز وجل حيث توجه المؤمنون".
وقال الضحاك: "معناه ولكل صاحب ملة قبلة، وصاحب القبلة يولِّيها وجهه".
وقال السدي: "المعنى ولكل قوم قبلة قد ولّوها".
والمعنى عند أهل العربية، هو موليها نفسه أو وجهه.
فأما من قرأ: "مُوَلاَّهَا" فالضمير على هذه القراءة لواحد، أي: ولكل واحد من الناس قبلة، الواحد مولاها، أي: مصروف إليها.
وقال الأخفش: "المعنى: موليها الله إياه على ما يزعمون" يريد على قراءة موليها.
وقال علي بن سليمان: "المعنى هو متوليها، والوجهة والجهة والوجه واحد".
وعن قتادة في قوله: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾، قال: "هي صلاتهم إلى بيت المقدس وصلاتهم إلى الكعبة".
فيكون التقدير على هذا: ولكل ناحية وَجَّهَكَ إليها ربُّك يا محمد قبلةُ الله مولِّيها عباده". وهو قول الأخفش الذي تقدم.
ومعنى "مولِّيها" مول وجهه إليها ومستقبلها.
وقال الطبري: "التولية في الآية للكل، ووُجدت للفظ "كل"، قال: "فمعنى الكلام: ولكل أهل ملة وجهة، الكل موليها وجوههم. قال: وأما قراءة ابن عامر فمعناه: هو موجَّه نحوها، ويكون الكل حينئذ غير مسمى فاعله، ولو سمي فاعله لكان الكلام: ولكل ذي ملة وجهة، الله موليها إياه بمعنى موجهه إليها.
ورويت قراءة شاذة بإضافة "كل" إلى "وجهة"، وهي قراءة لا تجوز لأنه لا فائدة في الكلام إذا لم يتم الخبر".
ولو ثَنيتَ على قراءة الجماعة لقلت: "هُمَا مُوَلِّياهَا"، وفي الجمع [هُمْ مَوَلُّوهَا] وعلى قراءة ابن عباس في التثنية "هُمَا مُوَلَّياهَا". وفي الجمع [هُمْ مُوَلَّوْهَا]. فإن جئت بالمفعول الثاني في قراءة الجماعة، قلت في التثنية: "هُمَا [مُوَلِّياهَا هُمَا] وفي الجمع: "هُمْ مُوَلُّوهَا هُمْ".
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَاتِ﴾.
أي: بادروا إلى عمل الصالحات واستقبال ما أمركم الله عز وجل باستقباله وهو المسجد الحرام.
* *
ثم قال: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً﴾.
أي: في أي مكان تكونون بعد موتكم يأت بكم الله جميعاً يوم القيامة.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: على جمعكم بعد مماتكم وغير ذلك قدير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ الآية.
وقد تقدم شرحه ووقع التكرير للإفهام، ولئلا يصل ذلك إلى بعض دون بعض فكرر الله التأكيد ليصل إلى الجميع.
* *
ثم قال: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾.
الناس هنا: مشركو العرب. والمعنى: عرفناكم أن لكل وجهة موليها لئلا يكون لمشركي العرب حجة أي: خصومة ودعوى باطل [إلا لمشركي] قريش فإن [لهم عليكم] دعوى باطلة وخصومة بغير حق لقولهم لكم: رجع [محمد إلى] قبلتنا، وسيرجع إلى ديننا. هذا معنى قول مجاهد.
وقال قتادة: "هم مشركوا العرب، قالوا لمشركي قريش حين صرفت القبلة إلى الكعبة: قد رجع إلى قبلتكم، فيوشك أن يرجع إلى دينكم".
قال الله تعالى: ﴿فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي﴾.
وعن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من أصحاب النبي [عليه السلام] أنه لما صرفت القبلة نحو الكعبة قال المشركون من أهل مكة: تحير على محمد دينه فتوجه بقبلته إليكم، وعلم أنكم كنتم أهدى منه سبيلاً، ويوشك أن يدخل في دينكم، فأنزل الله فيهم: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي﴾.
وهو قول عطاء والسدي وغيرهما. فهو على هذا التاويل استثناء صحيح، وهو مذهب الطبري، قال: "نفى الله جل ذكره أن يكون لأحد من الناس حجة على النبي ﷺ وأصحابه في استقباله الكعبة إلا مشركي قريش فإن لهم قِبَلَكُم خصومةً باطلة بأن يقولوا: إنما توجهتم إلى قبلتنا لأنا كنا أهدى منكم سبيلاً وأنكم كنتم على ضلالة في استقبالكم بيت المقدس".
وقال بعض النحويين: "هو استثناء ليس من الأول، و "إلا" بمعنى "لكن".
قال أبو عبيدة: ""إلا" بمعنى الواو".
وهو قول بعيد من الصواب لأنه يفسد المعاني ويغير ما بني عليه الكلام. و "إلا" إذا كانت بمعنى "لكن"، فإنما هي إيجاب لشيء بعدما تؤكده.
* *
وقوله: ﴿فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي﴾.
أي: لا تخشوا هؤلاء الذين سفهوا عليكم بالحجج الباطلة، واخشوا عقابي إن خالفتم أمري. وهذا تحضيض من الله تعالى للمؤمنين على لزوم الصلاة إلى الكعبة وترك التوجه إلى غيرها.
وقال السدي: "معناه: فلا تخشوا أن أردكم إلى دينهم".
* *
ثم قال: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾.
قال الأخفش: "هو معطوف على ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ﴾ أي: لئلا يكون، ولأتم نعمتي عليكم. فالمعنى: ولّوا وجوهكم حيث كنتم من الأرض إلى نحو المسجد الحرام كي لا يكون لأحد من الناس عليكم حجة سوى مشركي قريش، فإن لهم حجة باطلة، وكي أتم نعمتي عليكم بإتمام شرائح الملة الحنيفية.
وقال ابن جبير: "﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾: "أي: ولأدخلكم الجنة". قال: "ولن تتم نعمة الله على عبد حتى يدخله الجنة".
وقال الزجاج: "اللام متعلقة بمحذوف والتقدير: ولأتم نعمتي عليكم عرفتكم قبلتكم، وأنه لا حجة لأحد عليكم إلا الذين ظلموا فإنهم [سيحتجون عليكم] بالباطل".
وقيل: التقدير: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾، ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. ففي الكلام على هذا القول تقديم وتأخير. وهو قول الأخفش المتقدم الذكر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ﴾.
تقديره: ولعلكم تهتدون اهتداء مثل إرسالنا إليكم رسولاً منكم تالياً عليكم الكتاب ومطهراً لكم من الذنوب ومعلماً لكم ما لم تكونوا تعلمون.
فكل ما بعد "رسول" نعوت له مكررة.
وقال الزجاج: "الكاف متعلقة بما بعدها، أي: فاذكروني كما أرسلت فيكم رسولاً منكم".
وهذا قول مردود لأن الأمر إذا كان له جواب لم يتعلق به ما قبله لاشتغاله بجوابه؛ تقول: "كما أحسنتُ إليك فأكرمني". فتكون الكاف من "كما" متعلقة بـ "أكرمني" إذ لا جواب له. فإن قلت: "كما أحسنت إليك فأكرمني أكرمك"، لم تتعلق الكاف من "كما" بـ "أكرمني" بأن له جواباً، ولكن تتعلق بشيء آخر أو بمضمر. فكذلك قوله: ﴿فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ﴾ هو أمر له جواب، فلا [تتعلق "كما" به ولا] يحوز ذلك إلا على التشبيه بالشرط الذي يجاوب بجوابين، نحو قولك: "إذا أتاك فلان فأته ترضه"، فتكون "كما" و "أذكركم" جوابين [للأمر. والأول أفصح] وأشهر.
وقيل: هي متعلقة بقوله: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ أي: "ولأتم نعمتي عليكم إتماماً كما أرسلنا".
وقيل: الكاف في موضع نصب على الحال، أي: ولأتم نعمتي عليكم في هذه الحال.
وقيل: المعنى: ولأتم نعمتي عليكم بإتمام شرائع دين الحنيفية ملة إبراهيم كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم تالياً عليكم آياتي، ومطهراً لكم ومعلماً لكم الكتاب والحكمة وما لم تكونوا تعلمون. وكل ذلك بدعاء إبراهيم ﷺ [في قوله]: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] وقوله: ﴿رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩].
فدل هذا المعنى على ان الكاف متعلقة بقوله: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ فتلخيص المعنى: ولأتم نعمتي عليكم ببيان ملة أبيكم إبراهيم كما أجبنا دعوته فيكم، فأرسلنا إليكم رسولاً منكم.
ومعنى "يزكيكم" يطهركم من دنس الذنوب.
* *
﴿وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَابَ﴾ أي: القرآن، والحكمة والسنن والفقه في الدين. ﴿وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾.
أي أخبار الأنبياء والأمم قبلكم، وما هو كائن من الأمور.
* *
ومعنى ﴿فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ﴾.
قال ابن عباس: "إذا ذكر الله العبدُ وهو على طاعته ذكره برحمته، وإذا ذكره وهو على معصيته ذكره بلعنته".
وقال عكرمة: "يقول الرب: يا ابن آدم اذكرني بعد صلاة الصبح ساعة وبعد صلاة العصر ساعة، وأنا أكفيك ما بينهما".
وقال ابن جبير: "اذكروني بالطاعة أذكركم بالمغفرة".
وقال الربيع في الآية: "إن الله ذاكر من ذكره، وزائد من شكره، ومعذب من كفره".
وكان بعضهم يتأوله من الذكر والثناء والمدح.
وقيل: المعنى: اذكروني واذكروا نعمتي عليكم شكراً لها، أذكركم برحمتي والزيادة من النعمة.
وقال السدي: "ليس من عبد يذكر الله إلا ذكره الله جل وعز، لا يذكره مؤمن إلا ذكره برحمته، ولا يذكره كافر إلا ذكره بعذاب". والذكر فيما روي عن عمر رضي الله عنه ذكران. أحدهما أفضل من الآخر وهما: ذكر الله عند أوامره ونواهيه، وذكر الله بلسانه بالثناء عليه. فالأول أفضل، وكلاهما فيه فضل وأجر وثواب، إلا أن ذِكْر الله عند أمره ونهيه - فيفعل ما أمر به وينتهي عما نهى عنه - أفضل من ذكره باللسان مع مخالفة أمره ونهيه. والفضل كله والشرف والأجر والثواب في اجتماعهما من الإنسان. وهو ألا ينسى ذكر الله عند أمره فيأتمر، وعند نهيه فينتهي، ولا ينساه من ذكره بلسانه.
وكذلك الصبر صبران. وهما: الصبر على الطاعة وعن المعصية، والصبر على المصيبة. والأول أفضل.
* *
وقوله: ﴿وَٱشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ﴾.
أي اشكروه على نعمة الإسلام والهدى ولا تجحدوا إحسانه إليكم ونعمه عندكم.
والشكر معناه الثناء على الرجل بأفعاله المحمودة.
ومعنى الكفر التغطية للشي.
* *
ثم قال: ﴿يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ﴾.
هذه الآية حض من الله تعالى للمؤمنين على طاعته، واحتمال المكروه في الله عز وجل. فالمعنى: استعينوا على طاعة الله بالصبر والتسليم لأمره في جميع ما يأمركم به، واستعينوا على ذلك أيضاً بالصلاة لأن بها تتقربون إلى الله سبحانه، فيجيب دعاءكم ويقضي حوائجكم.
قال قتادة: "احتجوا على رسول الله ﷺ في انصرافه إلى الكعبة: [وقالوا: سيرجع محمد] إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا، فأمرهم الله تعالى أن يستعينوا بالصبر والصلاة". وقيل: الصبر هنا الصوم، لأنه يقطع عن اللذات.
وقيل: الصبر هنا الصبر عن المعاصي.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ﴾: أي: ناصرهم وراض بفعلهم يظهر دينه على سائر الأديان لأن من كان الله معه فهو الغالب.
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ﴾.
هذا يدل على أنه لا يقال للشهيد ميت، إنما يقال: شهيد وقتيل. فالمعنى: هم أحياء عند ربهم يرزقون من ثمر الجنة ويجدون ريحها وليسوا فيها. قاله مجاهد.
قال قتادة: "كنا نحدث أن أرواح الشهداء تعارَف في طير [خضر تأكل من ثمار] الجنة، وأن مساكنهم السدرة، وأن للمجاهد في سبيل الله عز وجل ثلاث خصلات: من قتل في سبيل الله عز وجل منهم صار حياً مرزوقاً، ومن غلب آتاه الله أجراً عظيماً، ومن مات رزقه الله رزقاً حسناً".
قال الربيع: "هم أحياء في صور طير خضر يطيرون في الجنة حيث شاءوا. منها يأكلون، من حيث شاءوا".
وقال عكرمة: "أرواح الشهداء في طير بيض في الجنة".
وروى ابن عباس عن النبي [ﷺ] أنه قال: "الشُّهَدَاءُ عَلَى نَهْرٍ بِبَابِ الجَنَّةِ فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ
ويُرْوى أنهم بباب الجنة في روضة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشياً. [فنهى الله المسلمين أن يسموهم] أمواتاً وأمرهم أن يسموهم شهداء.
وعن النبي [ﷺ] أنه قال في شهداء أحد: "هَؤُلاءِ الشُّهَدَاءُ، وَأَنَا عَلَيْهِمْ شَهِيدٌ، جَعَلَ اللهُ أَرْوَاحَهُمْ في طَيْرٍ خضرٍ تَرْتَعُ فِي رِيَاضِ الجَنَّةِ
وقيل: المعنى: لا تقولوا: "هم أموات في دينهم، بل هم أحياء في دينهم". والقول الأول عليه أهل العلم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَاتِ﴾.
أي: لنختبرنكم ولنمتحننكم بشدائد الأمور فيظهر من هو في الصبر والاحتساب على اتباع الرسول ﷺ باقٍ، ممن ينقلب على عقبيه كما ابْتَلَيْتُكُمْ بتحويل القبلة. وقد عدهم الله بذلك الامتحان في آية أخرى فقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم﴾ [البقرة: ٢١٤] الآية إلى ﴿قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]. قال ابن عباس: "أخبر الله عز وجل المؤمنين أن الدنيا دار بلاء وأنه مبتليهم فيها، وأمرهم بالصبر وبشّرهم، فقال: ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ﴾. وأخبر في الآية الأخرى أنه هكذا فعل بأوليائه قبلهم لتطيب أنفسهم فقال: ﴿مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ﴾ [البقرة: ٢١٤].
* *
وقوله: ﴿بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ﴾. يعني خوف العدو.
﴿وَٱلْجُوعِ﴾: يعني القحط.
* *
ثم قال: ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ﴾: أي: الصابرين على الامتحان، ثم بيّنهم فقال:
* *
﴿ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.
أي نحن وأموالنا له، ونحن إليه راجعون.
وقيل: معناه: ونحن مقرون بأن نبعث ونعطى الثواب على تصديقنا والصبر على ما ابتلينا به.
* *
ثم قال: ﴿أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾.
أي: مغفرة من ربهم.
وقيل: ترحم من ربهم ورحمة. ﴿وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾.
قال الليث في قوله: ﴿إِنَّا للَّهِ﴾ الآية "معناها: نحن والذي أصبنا به لله ونحن وإياه إلى الله راجعون".
قال ابن جبير: "لم يعط هذه الآية أحد من الأمم قبلنا ولا نبي قبل نبينا. ولو علمها يعقوب عليه السلام لم يقل: ﴿يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤].
وقال عكرمة: "انطفأ مصباح النبي [عليه السلام] ليلة فقال: ﴿إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. فَقِيلَ: يَا نَبِيَّ اللهِ: أَمُصِيبَةٌ هَذِهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، كُلُّ شَيْءٍ آذَى المُؤْمِنَ فَهُوَ لَهُ مُصِيبَةٌ، وَلَهُ فِيهِ أَجْرُ المُصِيبَةِ
وروي أن النبي [ﷺ] قال: "مَا مِنْ أَحَدٍ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ فَاسْتَرْجَعَ إِلاَّ اسْتَوْجَبَ مِنَ الله ثَلاثَ خِصَالٍ؛ كُلُّ خَصْلَةٍ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا
قَال أبو عبيد: يعني قوله: ﴿أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾.
البقرة 2:157
قوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ * ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾.
أي: هذا الحق من ربك.
﴿فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ أي: لا تكونن من الشاكين أن القبلة التي وجهت إليها هي الحق وهي قبلة إبراهيم والأنبياء غيره صلوات الله عليهم.
وهذا خطاب للنبي [عليه السلام] والمراد به أمته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾.
"هو" يرجع إلى "كُلٍّ". والهاء في "مُوَلِّيها" ترجع إلى القبلة. وقيل: "هُوَ" يرجع إلى الله جل ذكره.
فأما من قرأ "هو مُوَلاَّها"، فهو يرجع إلى "كُلٍّ" لا غير.
قال مجاهد: "معناه: ولكل صاحب ملة قبلة". يعني لليهود قبلة وللنصارى قبلة.
قال ابن عباس: "يعني بذلك أهل الأديان؛ لكل أهل دين قبلة يرضونها. ووجهة الله عز وجل حيث توجه المؤمنون".
وقال الضحاك: "معناه ولكل صاحب ملة قبلة، وصاحب القبلة يولِّيها وجهه".
وقال السدي: "المعنى ولكل قوم قبلة قد ولّوها".
والمعنى عند أهل العربية، هو موليها نفسه أو وجهه.
فأما من قرأ: "مُوَلاَّهَا" فالضمير على هذه القراءة لواحد، أي: ولكل واحد من الناس قبلة، الواحد مولاها، أي: مصروف إليها.
وقال الأخفش: "المعنى: موليها الله إياه على ما يزعمون" يريد على قراءة موليها.
وقال علي بن سليمان: "المعنى هو متوليها، والوجهة والجهة والوجه واحد".
وعن قتادة في قوله: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾، قال: "هي صلاتهم إلى بيت المقدس وصلاتهم إلى الكعبة".
فيكون التقدير على هذا: ولكل ناحية وَجَّهَكَ إليها ربُّك يا محمد قبلةُ الله مولِّيها عباده". وهو قول الأخفش الذي تقدم.
ومعنى "مولِّيها" مول وجهه إليها ومستقبلها.
وقال الطبري: "التولية في الآية للكل، ووُجدت للفظ "كل"، قال: "فمعنى الكلام: ولكل أهل ملة وجهة، الكل موليها وجوههم. قال: وأما قراءة ابن عامر فمعناه: هو موجَّه نحوها، ويكون الكل حينئذ غير مسمى فاعله، ولو سمي فاعله لكان الكلام: ولكل ذي ملة وجهة، الله موليها إياه بمعنى موجهه إليها.
ورويت قراءة شاذة بإضافة "كل" إلى "وجهة"، وهي قراءة لا تجوز لأنه لا فائدة في الكلام إذا لم يتم الخبر".
ولو ثَنيتَ على قراءة الجماعة لقلت: "هُمَا مُوَلِّياهَا"، وفي الجمع [هُمْ مَوَلُّوهَا] وعلى قراءة ابن عباس في التثنية "هُمَا مُوَلَّياهَا". وفي الجمع [هُمْ مُوَلَّوْهَا]. فإن جئت بالمفعول الثاني في قراءة الجماعة، قلت في التثنية: "هُمَا [مُوَلِّياهَا هُمَا] وفي الجمع: "هُمْ مُوَلُّوهَا هُمْ".
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَاتِ﴾.
أي: بادروا إلى عمل الصالحات واستقبال ما أمركم الله عز وجل باستقباله وهو المسجد الحرام.
* *
ثم قال: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً﴾.
أي: في أي مكان تكونون بعد موتكم يأت بكم الله جميعاً يوم القيامة.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: على جمعكم بعد مماتكم وغير ذلك قدير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ الآية.
وقد تقدم شرحه ووقع التكرير للإفهام، ولئلا يصل ذلك إلى بعض دون بعض فكرر الله التأكيد ليصل إلى الجميع.
* *
ثم قال: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾.
الناس هنا: مشركو العرب. والمعنى: عرفناكم أن لكل وجهة موليها لئلا يكون لمشركي العرب حجة أي: خصومة ودعوى باطل [إلا لمشركي] قريش فإن [لهم عليكم] دعوى باطلة وخصومة بغير حق لقولهم لكم: رجع [محمد إلى] قبلتنا، وسيرجع إلى ديننا. هذا معنى قول مجاهد.
وقال قتادة: "هم مشركوا العرب، قالوا لمشركي قريش حين صرفت القبلة إلى الكعبة: قد رجع إلى قبلتكم، فيوشك أن يرجع إلى دينكم".
قال الله تعالى: ﴿فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي﴾.
وعن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من أصحاب النبي [عليه السلام] أنه لما صرفت القبلة نحو الكعبة قال المشركون من أهل مكة: تحير على محمد دينه فتوجه بقبلته إليكم، وعلم أنكم كنتم أهدى منه سبيلاً، ويوشك أن يدخل في دينكم، فأنزل الله فيهم: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي﴾.
وهو قول عطاء والسدي وغيرهما. فهو على هذا التاويل استثناء صحيح، وهو مذهب الطبري، قال: "نفى الله جل ذكره أن يكون لأحد من الناس حجة على النبي ﷺ وأصحابه في استقباله الكعبة إلا مشركي قريش فإن لهم قِبَلَكُم خصومةً باطلة بأن يقولوا: إنما توجهتم إلى قبلتنا لأنا كنا أهدى منكم سبيلاً وأنكم كنتم على ضلالة في استقبالكم بيت المقدس".
وقال بعض النحويين: "هو استثناء ليس من الأول، و "إلا" بمعنى "لكن".
قال أبو عبيدة: ""إلا" بمعنى الواو".
وهو قول بعيد من الصواب لأنه يفسد المعاني ويغير ما بني عليه الكلام. و "إلا" إذا كانت بمعنى "لكن"، فإنما هي إيجاب لشيء بعدما تؤكده.
* *
وقوله: ﴿فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي﴾.
أي: لا تخشوا هؤلاء الذين سفهوا عليكم بالحجج الباطلة، واخشوا عقابي إن خالفتم أمري. وهذا تحضيض من الله تعالى للمؤمنين على لزوم الصلاة إلى الكعبة وترك التوجه إلى غيرها.
وقال السدي: "معناه: فلا تخشوا أن أردكم إلى دينهم".
* *
ثم قال: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾.
قال الأخفش: "هو معطوف على ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ﴾ أي: لئلا يكون، ولأتم نعمتي عليكم. فالمعنى: ولّوا وجوهكم حيث كنتم من الأرض إلى نحو المسجد الحرام كي لا يكون لأحد من الناس عليكم حجة سوى مشركي قريش، فإن لهم حجة باطلة، وكي أتم نعمتي عليكم بإتمام شرائح الملة الحنيفية.
وقال ابن جبير: "﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾: "أي: ولأدخلكم الجنة". قال: "ولن تتم نعمة الله على عبد حتى يدخله الجنة".
وقال الزجاج: "اللام متعلقة بمحذوف والتقدير: ولأتم نعمتي عليكم عرفتكم قبلتكم، وأنه لا حجة لأحد عليكم إلا الذين ظلموا فإنهم [سيحتجون عليكم] بالباطل".
وقيل: التقدير: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾، ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. ففي الكلام على هذا القول تقديم وتأخير. وهو قول الأخفش المتقدم الذكر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ﴾.
تقديره: ولعلكم تهتدون اهتداء مثل إرسالنا إليكم رسولاً منكم تالياً عليكم الكتاب ومطهراً لكم من الذنوب ومعلماً لكم ما لم تكونوا تعلمون.
فكل ما بعد "رسول" نعوت له مكررة.
وقال الزجاج: "الكاف متعلقة بما بعدها، أي: فاذكروني كما أرسلت فيكم رسولاً منكم".
وهذا قول مردود لأن الأمر إذا كان له جواب لم يتعلق به ما قبله لاشتغاله بجوابه؛ تقول: "كما أحسنتُ إليك فأكرمني". فتكون الكاف من "كما" متعلقة بـ "أكرمني" إذ لا جواب له. فإن قلت: "كما أحسنت إليك فأكرمني أكرمك"، لم تتعلق الكاف من "كما" بـ "أكرمني" بأن له جواباً، ولكن تتعلق بشيء آخر أو بمضمر. فكذلك قوله: ﴿فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ﴾ هو أمر له جواب، فلا [تتعلق "كما" به ولا] يحوز ذلك إلا على التشبيه بالشرط الذي يجاوب بجوابين، نحو قولك: "إذا أتاك فلان فأته ترضه"، فتكون "كما" و "أذكركم" جوابين [للأمر. والأول أفصح] وأشهر.
وقيل: هي متعلقة بقوله: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ أي: "ولأتم نعمتي عليكم إتماماً كما أرسلنا".
وقيل: الكاف في موضع نصب على الحال، أي: ولأتم نعمتي عليكم في هذه الحال.
وقيل: المعنى: ولأتم نعمتي عليكم بإتمام شرائع دين الحنيفية ملة إبراهيم كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم تالياً عليكم آياتي، ومطهراً لكم ومعلماً لكم الكتاب والحكمة وما لم تكونوا تعلمون. وكل ذلك بدعاء إبراهيم ﷺ [في قوله]: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] وقوله: ﴿رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩].
فدل هذا المعنى على ان الكاف متعلقة بقوله: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ فتلخيص المعنى: ولأتم نعمتي عليكم ببيان ملة أبيكم إبراهيم كما أجبنا دعوته فيكم، فأرسلنا إليكم رسولاً منكم.
ومعنى "يزكيكم" يطهركم من دنس الذنوب.
* *
﴿وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَابَ﴾ أي: القرآن، والحكمة والسنن والفقه في الدين. ﴿وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾.
أي أخبار الأنبياء والأمم قبلكم، وما هو كائن من الأمور.
* *
ومعنى ﴿فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ﴾.
قال ابن عباس: "إذا ذكر الله العبدُ وهو على طاعته ذكره برحمته، وإذا ذكره وهو على معصيته ذكره بلعنته".
وقال عكرمة: "يقول الرب: يا ابن آدم اذكرني بعد صلاة الصبح ساعة وبعد صلاة العصر ساعة، وأنا أكفيك ما بينهما".
وقال ابن جبير: "اذكروني بالطاعة أذكركم بالمغفرة".
وقال الربيع في الآية: "إن الله ذاكر من ذكره، وزائد من شكره، ومعذب من كفره".
وكان بعضهم يتأوله من الذكر والثناء والمدح.
وقيل: المعنى: اذكروني واذكروا نعمتي عليكم شكراً لها، أذكركم برحمتي والزيادة من النعمة.
وقال السدي: "ليس من عبد يذكر الله إلا ذكره الله جل وعز، لا يذكره مؤمن إلا ذكره برحمته، ولا يذكره كافر إلا ذكره بعذاب". والذكر فيما روي عن عمر رضي الله عنه ذكران. أحدهما أفضل من الآخر وهما: ذكر الله عند أوامره ونواهيه، وذكر الله بلسانه بالثناء عليه. فالأول أفضل، وكلاهما فيه فضل وأجر وثواب، إلا أن ذِكْر الله عند أمره ونهيه - فيفعل ما أمر به وينتهي عما نهى عنه - أفضل من ذكره باللسان مع مخالفة أمره ونهيه. والفضل كله والشرف والأجر والثواب في اجتماعهما من الإنسان. وهو ألا ينسى ذكر الله عند أمره فيأتمر، وعند نهيه فينتهي، ولا ينساه من ذكره بلسانه.
وكذلك الصبر صبران. وهما: الصبر على الطاعة وعن المعصية، والصبر على المصيبة. والأول أفضل.
* *
وقوله: ﴿وَٱشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ﴾.
أي اشكروه على نعمة الإسلام والهدى ولا تجحدوا إحسانه إليكم ونعمه عندكم.
والشكر معناه الثناء على الرجل بأفعاله المحمودة.
ومعنى الكفر التغطية للشي.
* *
ثم قال: ﴿يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ﴾.
هذه الآية حض من الله تعالى للمؤمنين على طاعته، واحتمال المكروه في الله عز وجل. فالمعنى: استعينوا على طاعة الله بالصبر والتسليم لأمره في جميع ما يأمركم به، واستعينوا على ذلك أيضاً بالصلاة لأن بها تتقربون إلى الله سبحانه، فيجيب دعاءكم ويقضي حوائجكم.
قال قتادة: "احتجوا على رسول الله ﷺ في انصرافه إلى الكعبة: [وقالوا: سيرجع محمد] إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا، فأمرهم الله تعالى أن يستعينوا بالصبر والصلاة". وقيل: الصبر هنا الصوم، لأنه يقطع عن اللذات.
وقيل: الصبر هنا الصبر عن المعاصي.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ﴾: أي: ناصرهم وراض بفعلهم يظهر دينه على سائر الأديان لأن من كان الله معه فهو الغالب.
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ﴾.
هذا يدل على أنه لا يقال للشهيد ميت، إنما يقال: شهيد وقتيل. فالمعنى: هم أحياء عند ربهم يرزقون من ثمر الجنة ويجدون ريحها وليسوا فيها. قاله مجاهد.
قال قتادة: "كنا نحدث أن أرواح الشهداء تعارَف في طير [خضر تأكل من ثمار] الجنة، وأن مساكنهم السدرة، وأن للمجاهد في سبيل الله عز وجل ثلاث خصلات: من قتل في سبيل الله عز وجل منهم صار حياً مرزوقاً، ومن غلب آتاه الله أجراً عظيماً، ومن مات رزقه الله رزقاً حسناً".
قال الربيع: "هم أحياء في صور طير خضر يطيرون في الجنة حيث شاءوا. منها يأكلون، من حيث شاءوا".
وقال عكرمة: "أرواح الشهداء في طير بيض في الجنة".
وروى ابن عباس عن النبي [ﷺ] أنه قال: "الشُّهَدَاءُ عَلَى نَهْرٍ بِبَابِ الجَنَّةِ فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ
ويُرْوى أنهم بباب الجنة في روضة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشياً. [فنهى الله المسلمين أن يسموهم] أمواتاً وأمرهم أن يسموهم شهداء.
وعن النبي [ﷺ] أنه قال في شهداء أحد: "هَؤُلاءِ الشُّهَدَاءُ، وَأَنَا عَلَيْهِمْ شَهِيدٌ، جَعَلَ اللهُ أَرْوَاحَهُمْ في طَيْرٍ خضرٍ تَرْتَعُ فِي رِيَاضِ الجَنَّةِ
وقيل: المعنى: لا تقولوا: "هم أموات في دينهم، بل هم أحياء في دينهم". والقول الأول عليه أهل العلم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَاتِ﴾.
أي: لنختبرنكم ولنمتحننكم بشدائد الأمور فيظهر من هو في الصبر والاحتساب على اتباع الرسول ﷺ باقٍ، ممن ينقلب على عقبيه كما ابْتَلَيْتُكُمْ بتحويل القبلة. وقد عدهم الله بذلك الامتحان في آية أخرى فقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم﴾ [البقرة: ٢١٤] الآية إلى ﴿قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]. قال ابن عباس: "أخبر الله عز وجل المؤمنين أن الدنيا دار بلاء وأنه مبتليهم فيها، وأمرهم بالصبر وبشّرهم، فقال: ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ﴾. وأخبر في الآية الأخرى أنه هكذا فعل بأوليائه قبلهم لتطيب أنفسهم فقال: ﴿مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ﴾ [البقرة: ٢١٤].
* *
وقوله: ﴿بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ﴾. يعني خوف العدو.
﴿وَٱلْجُوعِ﴾: يعني القحط.
* *
ثم قال: ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ﴾: أي: الصابرين على الامتحان، ثم بيّنهم فقال:
* *
﴿ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.
أي نحن وأموالنا له، ونحن إليه راجعون.
وقيل: معناه: ونحن مقرون بأن نبعث ونعطى الثواب على تصديقنا والصبر على ما ابتلينا به.
* *
ثم قال: ﴿أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾.
أي: مغفرة من ربهم.
وقيل: ترحم من ربهم ورحمة. ﴿وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾.
قال الليث في قوله: ﴿إِنَّا للَّهِ﴾ الآية "معناها: نحن والذي أصبنا به لله ونحن وإياه إلى الله راجعون".
قال ابن جبير: "لم يعط هذه الآية أحد من الأمم قبلنا ولا نبي قبل نبينا. ولو علمها يعقوب عليه السلام لم يقل: ﴿يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤].
وقال عكرمة: "انطفأ مصباح النبي [عليه السلام] ليلة فقال: ﴿إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. فَقِيلَ: يَا نَبِيَّ اللهِ: أَمُصِيبَةٌ هَذِهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، كُلُّ شَيْءٍ آذَى المُؤْمِنَ فَهُوَ لَهُ مُصِيبَةٌ، وَلَهُ فِيهِ أَجْرُ المُصِيبَةِ
وروي أن النبي [ﷺ] قال: "مَا مِنْ أَحَدٍ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ فَاسْتَرْجَعَ إِلاَّ اسْتَوْجَبَ مِنَ الله ثَلاثَ خِصَالٍ؛ كُلُّ خَصْلَةٍ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا
قَال أبو عبيد: يعني قوله: ﴿أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾.
البقرة 2:158
قوله: ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ﴾.
إلى قوله: ﴿لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
الصفا والمروة جبلان متحاذيان بمكة معروفان، ولذلك دخلت الألف واللام فيهما للتعريف.
وجمع الصَّفَا أَصْفَاء كَرَحَا وأَرْحَاء. ويجوز في جمعه: صُفِيٌّ وصِفِيٌّ، كَعَصَا وَعُصِيُّ وعِصِيٌّ.
وجمع مَرْوَة مَرْو [كَتَمْرَةٍ وَثَمْرٍ]، وإن شئت مَرَوَاتٍ كَتَمَراتٍ.
والصفا في اللغة الحجارة الصلبة التي لا تنبت شيئاً.
والمروة الحصاة الصغيرة.
* *
وقوله: ﴿مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ﴾.
أي: من معالم الله التي جعلها لعباده مشعراً يعبدونه عندها إما بالدعاء وإما بالصلاة، وإما بأداء ما افترض عليهم من العمل عندهما.
وقيل: شعائر الله من أعلام الله التي تدل على طاعته من موقف ومشعر ومذبح، والواحدة شعيرة من "شَعَرْتُ بِهِ".
وكان مجاهد يرى أن الشعائر جمع شعيرة من إشعار الله تعالى عباده ما يجب عليهم من طاعته، قال: "أَشْعَرْتُهُ بِكَذَا"، أي: أعلمته به. وقال الطبري: "إنما أعلم الله عباده المؤمنين أن السعي بينهما من مشاعر الحج التي سنّها الله تعالى لهم، وأمر بها خليله إبراهيم ﷺ إذ سأله أن يريه مناسك الحج، وهو [خبر يراد به] الأمر لأن الله سبحانه قد أمر نبيه ﷺ والمؤمنين باتباع ملة إبراهيم.
* *
ثم قال: ﴿فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
هذه الآية نزلت في سبب أقوام من المؤمنين قالوا في سبب أصنام كانوا يطوفون بها في الجاهلية قبل الإسلام تعظيماً لها: كيف [نطوف بها، وقد] علمنا أن تعظيم الأصنام وجميع ما كانوا يعبدون من دون الله عز وجل شرك بالله سبحانه؟ فلا سبيل إلى تعظيم شيء مع الله عز وجل. فأنزل الله تعالى في ذلك ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ من أول الآية.
والجناح الإثم، مأخوذ من قولهم: "جَنَحَ عَلَيْه" إذا مال، و "جَنَحَ عَنِ الحَقّ" إذا مال عنه. ومنه سمي جناح الطائر لأنه مائل في ناحية، وقوله ﴿وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ [القصص: ٣٢]: معناه يدك لأنها في موضع الجناح. والهاء في (عَلَيْهِ) تعود على (مَنْ). و "من" تصلح للحاج أو المعتمر.
قال السدي: "ليس عليه إثم، ولكن له أجر".
قال الشعبي: "كان على الصفا في الجاهلية صَنَم يسمى "إِسافٌ"، وعلى المروة وثن يسمى "نَائِلَةٌ"، فكانوا في الجاهلية إذا طافوا بالبيت مسحوا الوَثَنيْن. فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام امتنع المسلمون من الطواف بالصفا والمروة لأجل الصنمين، فأنزل الله عز وجل ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ﴾ الآية.
وذُكر الصفا لأن الصنم الذي كان عليه مذكر - يعني إسافاً - وأُنِثَ المروة لأن الوثن التي كانت عليه مؤنثة - يعني نائلة -.
وقال أنس بن مالك: "كنا نكره الطواف بين الصفا والمروة لأنهما من شعائر الجاهلية حتى نزلت هذه الآية".
وقال عروة: "قلت لعائشة رضي الله عنها - وأنا يومئذ حديث السن -: أرأيت قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، فما أُرى على أحد شيئاً أن لا يطوف بهما". قالت عائشة: كلا، لو كانت كما تقول كانت: "فلا جناح عليه ألا يطوف بهما" إنما نزلت هذه الآية في الأنصار؛ كانوا يهلون لمناة، وكانت مناة حذو قديد، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة. فلما جاء الإسلام، سألوا [رسول الله] ﷺ عن ذلك فأنزل الله [جل ذكره]: ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ﴾ الآية. وهو قول مجاهد وابن زيد.
وعن ابن عباس أنه قال: "كان في الجاهلية شياطين تعزف الليل أجمع بين الصفا والمروة، وكانت بينهما آلهة. فلما جاء الإسلام قال المسلمون: يا رسول الله: لا نطوف بين الصفا والمروة فإنه شرك كنا نضعه في الجاهلية، فأنزل الله: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
وقال قتادة: "كان حي تهامة في الجاهلية لا يسعون بين الصفا والمروة، فأخبرهم الله عز وجل أن الصفا والمروة من شعائر الله".
والحج في اللغة القصد. يقال: "حججت إليه" بمعنى قصدت إليه. وقيل: الحج التكرر في الإتيان مرة بعد مرة. فمن أكثر الاختلاف إلى شيء فهو حاج. فعلى هذا إنما قيل للحجاج حاج لإنه يتكرر إلى البيت وقت الدخول ووقت الإفاضة وفي غير ذلك.
وقيل للمعتمر متعمر، لأنه إذا طاف انصرف بعد زيارته. فمعنى الاعتمار الزيارة، وكل من زار إنساناً فهو له معتمر، يقال: "اعْتَمرْتُ فُلاَناً"، أي: قصدته.
والطواف بين الصفا والمروة عند مالك والشافعي فرض، فمن نسي ذلك رجع وسعى، وإن بَعُد، فإن كان قد أصاب النساء، فعليه عمرة وهدي مع تمام سعيه إذا رجع. ومذهب الثوري وأبي حنيفة وأبي يوسف أن يجزيه دم إن نسي السعي بينهما، ولا عودة عليه إلا أن يشاء ذلك.
وقال عطاء: "هو تطوع ولا شيء عليه إذا نسي ذلك". واحتج بأن في قراءة ابن عباس: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. وكذلك هي في مصحف ابن مسعود.
وكذلك روي عن أنس بن مالك أنه قال: "هو تطوع". وروي ذلك عن مجاهد.
والعمل على القول الأول لإجماع المصاحف المعمول عليها، المجتمع على ما فيها من إسقاط "لا" منها كلها. وإيجابها عن ابن عباس أشهر وأوضح. والإسناد عن أنس ضعيف.
وجميع من قرأ على مجاهد من الأئمة المشهورين لم ينقل عنه إلا بغير "لا". وقد روى جابر عن النبي [ﷺ] أنه: "لَمّا دَنَا مِنَ الصَّفَا فِي حَجَّتِهِ قَالَ: "إنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ، أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ"، فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقَى عَلَيْهِ
ثم قال: ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾. أي: شاكر له على تطوعه، عليم بما تطوع.
وقال ابن زيد: "معناه: فمن تطوع خيراً فاعتمر، فإن الله شاكر عليم، والعمرة تطوع، والحج فرض".
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلْهُدَىٰ﴾.
يعني أحبار اليهود وعلماء النصارى كتموا أمر محمد ﷺ ونبوته وتركوا اتباعه مع كونه مذكوراً عندهم في التوراة والإنجيل موصوفاً.
وذكر عن ابن عباس أن معاذ بن جبل سأل بعض أحبار اليهود عن ما في التوراة من ذكر النبي عليه السلام فكتموه إياه، فأنزل الله ﷺ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾. إلى: ﴿ٱللاَّعِنُونَ﴾. وهو قول مجاهد.
وقال قتادة: "هم أهل الكتاب كتموا الإسلام، وهو دين الله سبحانه وكتموا محمداً وهم يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل".
وقوله: ﴿مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلْكِتَابِ﴾.
يعني بالكتاب هنا: التوراة والإنجيل. وهذه الآية وإن كانت خاصة لبعض الناس فإنها عامة لكل من سئل عن علم يعلمه فكتمه.
وقال النبي [ﷺ] "مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ يَعْلَمُهُ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ القِيامَةِ بِلِجَامٍ مِنَ النَّارِ
ثم قال: ﴿أُولَـٰئِكَ يَلعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ﴾.
أي: أولئك الذين كتموا أمر محمد ﷺ يلعنهم الله عز وجل بكتمانهم، أي: يبعدهم الله من رحمته ويطردهم.
* *
وقوله: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ﴾.
قيل: معناه: ويسأل ربَّهم اللاعنون أن يلعنهم لأن كل لاعن إنما يقول: "اللهم العن هذا".
وقيل: اللاعنون البهائم؛ إذا أسْنَتَتِ السَّنَةُ، قالت البهائم: "هذا من أجل عصاة بني آدم، لعن الله عصاة بني آدم".
وقال عكرمة: "يلعنهم كل شيء حتى الخنافس والعقارب يقولون: منعنا القطر بذنوب بني آدم".
وإنما جُمِعَ جَمْعَ السلامة على هذا القول، وهو ما لا يعقل لأنه لما أخبر عنهم بمثل ما يخبر عن بني آدم جمعهم كما يجمع بني آدم.
وقال قتادة: "اللاعنون هنا: "الملائكة والمؤمنون". وقاله الربيع.
قال مقاتل "اللاعنون كل ما على وجه الأرض إلا الثقلين: الجن والإنس، وذلك أن الكافر إذا أدخل قبره ضربته الملائكة بمقمعة حين تقول له: من ربك؟ فيقول: لا أدري، فيصيح صيحة يسمعها كل ما على وجه الأرض من غير الجن والإنس، فلا تَقِر تلك الصيحة في سمع شيء إلا لعنه".
قال مجاهد: "اللاعنون البهائم".
ولما وصفت باللعنة: جاز جمعها بالواو والنون، وإن كانت لا تعقل. وله نظائر كثيرة.
وقيل: اللاعنون الملائكة الذين يسوقون أهل الكفر إلى النار. والهاء في ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ تعود على اللعنة.
واللعن أصله الطرد والبعد من الرحمة.
قال مقاتل: "اللعنة النار". وحسن ذلك عنده لما كانت عاقبة اللعنة المصير إلى النار.
وقال السدي: "اللاعنون ما عدا بني آدم والجن".
وروي عن البراء بن عازب: "أن الكافر إذا وضع في قبره أتته دابة كأن عينيها قدران من نحاس، معها عمود من حديد، فتضربه ضربة بين كتفيه فيصيح، فلا يسمع أحد صوته إلا لعنه، ولا يبقى شيء إلا سمع صوته إلا الثقلين: الجن والإنس". وهو قول الضحاك.
ويروى عن ابن مسعود أنه قال: "اللاعنون: الاثنان إذا تلاعنا ألحقت اللعنة مستحقها منهما، فإن لم يستحقها واحد منهما رجعت على اليهود".
وقيل: هذه اللعنة إنما تكون يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [العنكبوت: ٢٥].
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ﴾.
أي تابوا من الكفر وأصلحوا أعمالهم فيما بينهم وبين الله عز وجل، وبيّنوا للناس أمر النبي ﷺ الذي هو عندهم في كتابهم موصوف.
وقيل: المعنى: وبيّنوا التوبة بإخلاص العمل.
* *
ثم قال: ﴿فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾: أي: أقبل توبتهم. ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ﴾: أي على من تاب.
﴿الرَّحِيمُ﴾ أي رحيم بالخلق أن أعذبهم بعد توبتهم من كفرهم.
* *
ثم قال: ﴿إِن الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ﴾.
أي: أبعدهم الله وأسحقهم من رحمته.
﴿وَٱلْمَلاۤئِكَةِ﴾: أي ولعنة الملائكة.
﴿وَٱلنَّاسِ﴾: يعني قول الناس: ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ﴾. وعني بالناس أجمعين هنا المؤمنون خاصة. قاله قتادة والربيع.
وعن أبي العالية أن ذلك يكون يوم القيامة، قال: "إن الكافر يوقف يوم القيامة فيلعنه الله، ثم تلعنه الملائكة، ثم يلعنه الناس أجمعون". وهو اختيار الطبري واحتج بقوله تعالى: ﴿أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨].
وقال السدي في قوله: ﴿وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾: "أنه لا يتلاعن إثنان مؤمنان ولا كافران فيقول أحدهما: "لعن الله الظالم" إلا وجبت تلك اللعنة على الكافر لأنه ظالم، فكل واحد من الخلق يلعنه".
* *
ثم قال تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ﴾.
أي: خالدين في جهنم باللعنة، لا يخفف عنهم العذاب يوم القيامة ولا هم ينظرون لمعتذرة يعتذرون بها كما قال: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥] ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦]. قاله أبو العالية.
[و] إنما جاء لفظ ﴿ٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ بلفظ العموم، وقد علم أن أهل دينهم لا يلعنونهم لأنهم وإن كانوا لا يقصدون باللعنة أهل دينهم فلا بد لهم أن يقولوا: "لعن الله الظالم" أو "الظالمين" فيدخل في ذلك كل كافر كائناً من كان.
* *
ثم قال: ﴿وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ﴾. أي: معبودكم أيها الناس واحد، لا معبود غيره يستحق العبادة.
﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ﴾ أي: الرحمن بجميع خلقه، الرحيم بأوليائه.
ومعنى "واحد" في صفته ونعته وأنه لا شبيه له ولا نظير. وليس معناه واحداً في العدد لأن كل مفرد من المخلوقات واحد في العدد، فالمعنى أنه من فرد واحد في الألوهية والقدرة والصفات [لا ثاني] له.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾ الآية.
هذه الآية فيها تنبيه من الله عز وجل لخلقه على قدرته ونعمه. والآية دالة على توحيده المقدم ذكره في الآية الأولى.
والمعنى: إن في رتبة هذه الأشياء وحدوثها وإحكام صنعتها لعلامات بينة، ودلالة واضحة على توحيد خالقها وإيجاب العبادة له دون غيره لقوم يعقلون.
وروي أن قوله: ﴿وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ﴾ الآية، لما نزلت، قال المشركون: "ما البرهان على ذلك ونحن ننكر ذلك، ونزعم أن لنا آلهة كثيرة؟ فأنزل الله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ الآية، احتجاجاً عليهم فيما ادّعوا. هذا قول عطاء.
والمعنى بهذه القدرة والآيات تعلمون أن الإله إله واحد لا تجب العبادة إلا له.
وقال أبو الضحى: "لما نزلت: ﴿وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ﴾ الآية، قال المشركون: إن كان هذه هكذا، فليأتنا بآية. فأنزل الله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ الآية.
وروى ابن جبير أن قريشاً سألت اليهود عما جاءهم به موسى من الآيات فحدثوهم بالعصا وبيده بيضاء، وسألوا النصارى عما جاءهم به عيسى ﷺ من الآيات، فحدثوهم أنه كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله. فقالت قريش للنبي ﷺ: "ادع الله أن يجعل لنا الصفا ذهباً، فنزداد يقيناً ونتقوى به على عدونا". فسأل النبي ﷺ ربّه، فأوحى الله عز وجل إليه: "إني أعطيهم أن أجعل لهم الصفا ذهباً، ولكن إن كذبوا بعد، عذبتهم عذاباً لم أعذبه أحداً من العالمين". فقال النبي ﷺ: "دَعْنِي وَقَوْمِي فَأَدْعُوهُم يَوْماً بِيَوْمٍ فَأَنْزَلَ الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ الآية. أي: إن في ذلك لآية لهم إن كانوا يريدون أن أجعل لهم آية. وقاله السدي وغيره.
البقرة 2:159
قوله: ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ﴾.
إلى قوله: ﴿لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
الصفا والمروة جبلان متحاذيان بمكة معروفان، ولذلك دخلت الألف واللام فيهما للتعريف.
وجمع الصَّفَا أَصْفَاء كَرَحَا وأَرْحَاء. ويجوز في جمعه: صُفِيٌّ وصِفِيٌّ، كَعَصَا وَعُصِيُّ وعِصِيٌّ.
وجمع مَرْوَة مَرْو [كَتَمْرَةٍ وَثَمْرٍ]، وإن شئت مَرَوَاتٍ كَتَمَراتٍ.
والصفا في اللغة الحجارة الصلبة التي لا تنبت شيئاً.
والمروة الحصاة الصغيرة.
* *
وقوله: ﴿مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ﴾.
أي: من معالم الله التي جعلها لعباده مشعراً يعبدونه عندها إما بالدعاء وإما بالصلاة، وإما بأداء ما افترض عليهم من العمل عندهما.
وقيل: شعائر الله من أعلام الله التي تدل على طاعته من موقف ومشعر ومذبح، والواحدة شعيرة من "شَعَرْتُ بِهِ".
وكان مجاهد يرى أن الشعائر جمع شعيرة من إشعار الله تعالى عباده ما يجب عليهم من طاعته، قال: "أَشْعَرْتُهُ بِكَذَا"، أي: أعلمته به. وقال الطبري: "إنما أعلم الله عباده المؤمنين أن السعي بينهما من مشاعر الحج التي سنّها الله تعالى لهم، وأمر بها خليله إبراهيم ﷺ إذ سأله أن يريه مناسك الحج، وهو [خبر يراد به] الأمر لأن الله سبحانه قد أمر نبيه ﷺ والمؤمنين باتباع ملة إبراهيم.
* *
ثم قال: ﴿فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
هذه الآية نزلت في سبب أقوام من المؤمنين قالوا في سبب أصنام كانوا يطوفون بها في الجاهلية قبل الإسلام تعظيماً لها: كيف [نطوف بها، وقد] علمنا أن تعظيم الأصنام وجميع ما كانوا يعبدون من دون الله عز وجل شرك بالله سبحانه؟ فلا سبيل إلى تعظيم شيء مع الله عز وجل. فأنزل الله تعالى في ذلك ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ من أول الآية.
والجناح الإثم، مأخوذ من قولهم: "جَنَحَ عَلَيْه" إذا مال، و "جَنَحَ عَنِ الحَقّ" إذا مال عنه. ومنه سمي جناح الطائر لأنه مائل في ناحية، وقوله ﴿وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ [القصص: ٣٢]: معناه يدك لأنها في موضع الجناح. والهاء في (عَلَيْهِ) تعود على (مَنْ). و "من" تصلح للحاج أو المعتمر.
قال السدي: "ليس عليه إثم، ولكن له أجر".
قال الشعبي: "كان على الصفا في الجاهلية صَنَم يسمى "إِسافٌ"، وعلى المروة وثن يسمى "نَائِلَةٌ"، فكانوا في الجاهلية إذا طافوا بالبيت مسحوا الوَثَنيْن. فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام امتنع المسلمون من الطواف بالصفا والمروة لأجل الصنمين، فأنزل الله عز وجل ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ﴾ الآية.
وذُكر الصفا لأن الصنم الذي كان عليه مذكر - يعني إسافاً - وأُنِثَ المروة لأن الوثن التي كانت عليه مؤنثة - يعني نائلة -.
وقال أنس بن مالك: "كنا نكره الطواف بين الصفا والمروة لأنهما من شعائر الجاهلية حتى نزلت هذه الآية".
وقال عروة: "قلت لعائشة رضي الله عنها - وأنا يومئذ حديث السن -: أرأيت قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، فما أُرى على أحد شيئاً أن لا يطوف بهما". قالت عائشة: كلا، لو كانت كما تقول كانت: "فلا جناح عليه ألا يطوف بهما" إنما نزلت هذه الآية في الأنصار؛ كانوا يهلون لمناة، وكانت مناة حذو قديد، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة. فلما جاء الإسلام، سألوا [رسول الله] ﷺ عن ذلك فأنزل الله [جل ذكره]: ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ﴾ الآية. وهو قول مجاهد وابن زيد.
وعن ابن عباس أنه قال: "كان في الجاهلية شياطين تعزف الليل أجمع بين الصفا والمروة، وكانت بينهما آلهة. فلما جاء الإسلام قال المسلمون: يا رسول الله: لا نطوف بين الصفا والمروة فإنه شرك كنا نضعه في الجاهلية، فأنزل الله: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
وقال قتادة: "كان حي تهامة في الجاهلية لا يسعون بين الصفا والمروة، فأخبرهم الله عز وجل أن الصفا والمروة من شعائر الله".
والحج في اللغة القصد. يقال: "حججت إليه" بمعنى قصدت إليه. وقيل: الحج التكرر في الإتيان مرة بعد مرة. فمن أكثر الاختلاف إلى شيء فهو حاج. فعلى هذا إنما قيل للحجاج حاج لإنه يتكرر إلى البيت وقت الدخول ووقت الإفاضة وفي غير ذلك.
وقيل للمعتمر متعمر، لأنه إذا طاف انصرف بعد زيارته. فمعنى الاعتمار الزيارة، وكل من زار إنساناً فهو له معتمر، يقال: "اعْتَمرْتُ فُلاَناً"، أي: قصدته.
والطواف بين الصفا والمروة عند مالك والشافعي فرض، فمن نسي ذلك رجع وسعى، وإن بَعُد، فإن كان قد أصاب النساء، فعليه عمرة وهدي مع تمام سعيه إذا رجع. ومذهب الثوري وأبي حنيفة وأبي يوسف أن يجزيه دم إن نسي السعي بينهما، ولا عودة عليه إلا أن يشاء ذلك.
وقال عطاء: "هو تطوع ولا شيء عليه إذا نسي ذلك". واحتج بأن في قراءة ابن عباس: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. وكذلك هي في مصحف ابن مسعود.
وكذلك روي عن أنس بن مالك أنه قال: "هو تطوع". وروي ذلك عن مجاهد.
والعمل على القول الأول لإجماع المصاحف المعمول عليها، المجتمع على ما فيها من إسقاط "لا" منها كلها. وإيجابها عن ابن عباس أشهر وأوضح. والإسناد عن أنس ضعيف.
وجميع من قرأ على مجاهد من الأئمة المشهورين لم ينقل عنه إلا بغير "لا". وقد روى جابر عن النبي [ﷺ] أنه: "لَمّا دَنَا مِنَ الصَّفَا فِي حَجَّتِهِ قَالَ: "إنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ، أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ"، فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقَى عَلَيْهِ
ثم قال: ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾. أي: شاكر له على تطوعه، عليم بما تطوع.
وقال ابن زيد: "معناه: فمن تطوع خيراً فاعتمر، فإن الله شاكر عليم، والعمرة تطوع، والحج فرض".
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلْهُدَىٰ﴾.
يعني أحبار اليهود وعلماء النصارى كتموا أمر محمد ﷺ ونبوته وتركوا اتباعه مع كونه مذكوراً عندهم في التوراة والإنجيل موصوفاً.
وذكر عن ابن عباس أن معاذ بن جبل سأل بعض أحبار اليهود عن ما في التوراة من ذكر النبي عليه السلام فكتموه إياه، فأنزل الله ﷺ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾. إلى: ﴿ٱللاَّعِنُونَ﴾. وهو قول مجاهد.
وقال قتادة: "هم أهل الكتاب كتموا الإسلام، وهو دين الله سبحانه وكتموا محمداً وهم يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل".
وقوله: ﴿مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلْكِتَابِ﴾.
يعني بالكتاب هنا: التوراة والإنجيل. وهذه الآية وإن كانت خاصة لبعض الناس فإنها عامة لكل من سئل عن علم يعلمه فكتمه.
وقال النبي [ﷺ] "مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ يَعْلَمُهُ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ القِيامَةِ بِلِجَامٍ مِنَ النَّارِ
ثم قال: ﴿أُولَـٰئِكَ يَلعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ﴾.
أي: أولئك الذين كتموا أمر محمد ﷺ يلعنهم الله عز وجل بكتمانهم، أي: يبعدهم الله من رحمته ويطردهم.
* *
وقوله: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ﴾.
قيل: معناه: ويسأل ربَّهم اللاعنون أن يلعنهم لأن كل لاعن إنما يقول: "اللهم العن هذا".
وقيل: اللاعنون البهائم؛ إذا أسْنَتَتِ السَّنَةُ، قالت البهائم: "هذا من أجل عصاة بني آدم، لعن الله عصاة بني آدم".
وقال عكرمة: "يلعنهم كل شيء حتى الخنافس والعقارب يقولون: منعنا القطر بذنوب بني آدم".
وإنما جُمِعَ جَمْعَ السلامة على هذا القول، وهو ما لا يعقل لأنه لما أخبر عنهم بمثل ما يخبر عن بني آدم جمعهم كما يجمع بني آدم.
وقال قتادة: "اللاعنون هنا: "الملائكة والمؤمنون". وقاله الربيع.
قال مقاتل "اللاعنون كل ما على وجه الأرض إلا الثقلين: الجن والإنس، وذلك أن الكافر إذا أدخل قبره ضربته الملائكة بمقمعة حين تقول له: من ربك؟ فيقول: لا أدري، فيصيح صيحة يسمعها كل ما على وجه الأرض من غير الجن والإنس، فلا تَقِر تلك الصيحة في سمع شيء إلا لعنه".
قال مجاهد: "اللاعنون البهائم".
ولما وصفت باللعنة: جاز جمعها بالواو والنون، وإن كانت لا تعقل. وله نظائر كثيرة.
وقيل: اللاعنون الملائكة الذين يسوقون أهل الكفر إلى النار. والهاء في ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ تعود على اللعنة.
واللعن أصله الطرد والبعد من الرحمة.
قال مقاتل: "اللعنة النار". وحسن ذلك عنده لما كانت عاقبة اللعنة المصير إلى النار.
وقال السدي: "اللاعنون ما عدا بني آدم والجن".
وروي عن البراء بن عازب: "أن الكافر إذا وضع في قبره أتته دابة كأن عينيها قدران من نحاس، معها عمود من حديد، فتضربه ضربة بين كتفيه فيصيح، فلا يسمع أحد صوته إلا لعنه، ولا يبقى شيء إلا سمع صوته إلا الثقلين: الجن والإنس". وهو قول الضحاك.
ويروى عن ابن مسعود أنه قال: "اللاعنون: الاثنان إذا تلاعنا ألحقت اللعنة مستحقها منهما، فإن لم يستحقها واحد منهما رجعت على اليهود".
وقيل: هذه اللعنة إنما تكون يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [العنكبوت: ٢٥].
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ﴾.
أي تابوا من الكفر وأصلحوا أعمالهم فيما بينهم وبين الله عز وجل، وبيّنوا للناس أمر النبي ﷺ الذي هو عندهم في كتابهم موصوف.
وقيل: المعنى: وبيّنوا التوبة بإخلاص العمل.
* *
ثم قال: ﴿فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾: أي: أقبل توبتهم. ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ﴾: أي على من تاب.
﴿الرَّحِيمُ﴾ أي رحيم بالخلق أن أعذبهم بعد توبتهم من كفرهم.
* *
ثم قال: ﴿إِن الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ﴾.
أي: أبعدهم الله وأسحقهم من رحمته.
﴿وَٱلْمَلاۤئِكَةِ﴾: أي ولعنة الملائكة.
﴿وَٱلنَّاسِ﴾: يعني قول الناس: ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ﴾. وعني بالناس أجمعين هنا المؤمنون خاصة. قاله قتادة والربيع.
وعن أبي العالية أن ذلك يكون يوم القيامة، قال: "إن الكافر يوقف يوم القيامة فيلعنه الله، ثم تلعنه الملائكة، ثم يلعنه الناس أجمعون". وهو اختيار الطبري واحتج بقوله تعالى: ﴿أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨].
وقال السدي في قوله: ﴿وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾: "أنه لا يتلاعن إثنان مؤمنان ولا كافران فيقول أحدهما: "لعن الله الظالم" إلا وجبت تلك اللعنة على الكافر لأنه ظالم، فكل واحد من الخلق يلعنه".
* *
ثم قال تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ﴾.
أي: خالدين في جهنم باللعنة، لا يخفف عنهم العذاب يوم القيامة ولا هم ينظرون لمعتذرة يعتذرون بها كما قال: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥] ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦]. قاله أبو العالية.
[و] إنما جاء لفظ ﴿ٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ بلفظ العموم، وقد علم أن أهل دينهم لا يلعنونهم لأنهم وإن كانوا لا يقصدون باللعنة أهل دينهم فلا بد لهم أن يقولوا: "لعن الله الظالم" أو "الظالمين" فيدخل في ذلك كل كافر كائناً من كان.
* *
ثم قال: ﴿وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ﴾. أي: معبودكم أيها الناس واحد، لا معبود غيره يستحق العبادة.
﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ﴾ أي: الرحمن بجميع خلقه، الرحيم بأوليائه.
ومعنى "واحد" في صفته ونعته وأنه لا شبيه له ولا نظير. وليس معناه واحداً في العدد لأن كل مفرد من المخلوقات واحد في العدد، فالمعنى أنه من فرد واحد في الألوهية والقدرة والصفات [لا ثاني] له.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾ الآية.
هذه الآية فيها تنبيه من الله عز وجل لخلقه على قدرته ونعمه. والآية دالة على توحيده المقدم ذكره في الآية الأولى.
والمعنى: إن في رتبة هذه الأشياء وحدوثها وإحكام صنعتها لعلامات بينة، ودلالة واضحة على توحيد خالقها وإيجاب العبادة له دون غيره لقوم يعقلون.
وروي أن قوله: ﴿وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ﴾ الآية، لما نزلت، قال المشركون: "ما البرهان على ذلك ونحن ننكر ذلك، ونزعم أن لنا آلهة كثيرة؟ فأنزل الله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ الآية، احتجاجاً عليهم فيما ادّعوا. هذا قول عطاء.
والمعنى بهذه القدرة والآيات تعلمون أن الإله إله واحد لا تجب العبادة إلا له.
وقال أبو الضحى: "لما نزلت: ﴿وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ﴾ الآية، قال المشركون: إن كان هذه هكذا، فليأتنا بآية. فأنزل الله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ الآية.
وروى ابن جبير أن قريشاً سألت اليهود عما جاءهم به موسى من الآيات فحدثوهم بالعصا وبيده بيضاء، وسألوا النصارى عما جاءهم به عيسى ﷺ من الآيات، فحدثوهم أنه كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله. فقالت قريش للنبي ﷺ: "ادع الله أن يجعل لنا الصفا ذهباً، فنزداد يقيناً ونتقوى به على عدونا". فسأل النبي ﷺ ربّه، فأوحى الله عز وجل إليه: "إني أعطيهم أن أجعل لهم الصفا ذهباً، ولكن إن كذبوا بعد، عذبتهم عذاباً لم أعذبه أحداً من العالمين". فقال النبي ﷺ: "دَعْنِي وَقَوْمِي فَأَدْعُوهُم يَوْماً بِيَوْمٍ فَأَنْزَلَ الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ الآية. أي: إن في ذلك لآية لهم إن كانوا يريدون أن أجعل لهم آية. وقاله السدي وغيره.
البقرة 2:160
قوله: ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ﴾.
إلى قوله: ﴿لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
الصفا والمروة جبلان متحاذيان بمكة معروفان، ولذلك دخلت الألف واللام فيهما للتعريف.
وجمع الصَّفَا أَصْفَاء كَرَحَا وأَرْحَاء. ويجوز في جمعه: صُفِيٌّ وصِفِيٌّ، كَعَصَا وَعُصِيُّ وعِصِيٌّ.
وجمع مَرْوَة مَرْو [كَتَمْرَةٍ وَثَمْرٍ]، وإن شئت مَرَوَاتٍ كَتَمَراتٍ.
والصفا في اللغة الحجارة الصلبة التي لا تنبت شيئاً.
والمروة الحصاة الصغيرة.
* *
وقوله: ﴿مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ﴾.
أي: من معالم الله التي جعلها لعباده مشعراً يعبدونه عندها إما بالدعاء وإما بالصلاة، وإما بأداء ما افترض عليهم من العمل عندهما.
وقيل: شعائر الله من أعلام الله التي تدل على طاعته من موقف ومشعر ومذبح، والواحدة شعيرة من "شَعَرْتُ بِهِ".
وكان مجاهد يرى أن الشعائر جمع شعيرة من إشعار الله تعالى عباده ما يجب عليهم من طاعته، قال: "أَشْعَرْتُهُ بِكَذَا"، أي: أعلمته به. وقال الطبري: "إنما أعلم الله عباده المؤمنين أن السعي بينهما من مشاعر الحج التي سنّها الله تعالى لهم، وأمر بها خليله إبراهيم ﷺ إذ سأله أن يريه مناسك الحج، وهو [خبر يراد به] الأمر لأن الله سبحانه قد أمر نبيه ﷺ والمؤمنين باتباع ملة إبراهيم.
* *
ثم قال: ﴿فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
هذه الآية نزلت في سبب أقوام من المؤمنين قالوا في سبب أصنام كانوا يطوفون بها في الجاهلية قبل الإسلام تعظيماً لها: كيف [نطوف بها، وقد] علمنا أن تعظيم الأصنام وجميع ما كانوا يعبدون من دون الله عز وجل شرك بالله سبحانه؟ فلا سبيل إلى تعظيم شيء مع الله عز وجل. فأنزل الله تعالى في ذلك ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ من أول الآية.
والجناح الإثم، مأخوذ من قولهم: "جَنَحَ عَلَيْه" إذا مال، و "جَنَحَ عَنِ الحَقّ" إذا مال عنه. ومنه سمي جناح الطائر لأنه مائل في ناحية، وقوله ﴿وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ [القصص: ٣٢]: معناه يدك لأنها في موضع الجناح. والهاء في (عَلَيْهِ) تعود على (مَنْ). و "من" تصلح للحاج أو المعتمر.
قال السدي: "ليس عليه إثم، ولكن له أجر".
قال الشعبي: "كان على الصفا في الجاهلية صَنَم يسمى "إِسافٌ"، وعلى المروة وثن يسمى "نَائِلَةٌ"، فكانوا في الجاهلية إذا طافوا بالبيت مسحوا الوَثَنيْن. فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام امتنع المسلمون من الطواف بالصفا والمروة لأجل الصنمين، فأنزل الله عز وجل ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ﴾ الآية.
وذُكر الصفا لأن الصنم الذي كان عليه مذكر - يعني إسافاً - وأُنِثَ المروة لأن الوثن التي كانت عليه مؤنثة - يعني نائلة -.
وقال أنس بن مالك: "كنا نكره الطواف بين الصفا والمروة لأنهما من شعائر الجاهلية حتى نزلت هذه الآية".
وقال عروة: "قلت لعائشة رضي الله عنها - وأنا يومئذ حديث السن -: أرأيت قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، فما أُرى على أحد شيئاً أن لا يطوف بهما". قالت عائشة: كلا، لو كانت كما تقول كانت: "فلا جناح عليه ألا يطوف بهما" إنما نزلت هذه الآية في الأنصار؛ كانوا يهلون لمناة، وكانت مناة حذو قديد، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة. فلما جاء الإسلام، سألوا [رسول الله] ﷺ عن ذلك فأنزل الله [جل ذكره]: ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ﴾ الآية. وهو قول مجاهد وابن زيد.
وعن ابن عباس أنه قال: "كان في الجاهلية شياطين تعزف الليل أجمع بين الصفا والمروة، وكانت بينهما آلهة. فلما جاء الإسلام قال المسلمون: يا رسول الله: لا نطوف بين الصفا والمروة فإنه شرك كنا نضعه في الجاهلية، فأنزل الله: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
وقال قتادة: "كان حي تهامة في الجاهلية لا يسعون بين الصفا والمروة، فأخبرهم الله عز وجل أن الصفا والمروة من شعائر الله".
والحج في اللغة القصد. يقال: "حججت إليه" بمعنى قصدت إليه. وقيل: الحج التكرر في الإتيان مرة بعد مرة. فمن أكثر الاختلاف إلى شيء فهو حاج. فعلى هذا إنما قيل للحجاج حاج لإنه يتكرر إلى البيت وقت الدخول ووقت الإفاضة وفي غير ذلك.
وقيل للمعتمر متعمر، لأنه إذا طاف انصرف بعد زيارته. فمعنى الاعتمار الزيارة، وكل من زار إنساناً فهو له معتمر، يقال: "اعْتَمرْتُ فُلاَناً"، أي: قصدته.
والطواف بين الصفا والمروة عند مالك والشافعي فرض، فمن نسي ذلك رجع وسعى، وإن بَعُد، فإن كان قد أصاب النساء، فعليه عمرة وهدي مع تمام سعيه إذا رجع. ومذهب الثوري وأبي حنيفة وأبي يوسف أن يجزيه دم إن نسي السعي بينهما، ولا عودة عليه إلا أن يشاء ذلك.
وقال عطاء: "هو تطوع ولا شيء عليه إذا نسي ذلك". واحتج بأن في قراءة ابن عباس: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. وكذلك هي في مصحف ابن مسعود.
وكذلك روي عن أنس بن مالك أنه قال: "هو تطوع". وروي ذلك عن مجاهد.
والعمل على القول الأول لإجماع المصاحف المعمول عليها، المجتمع على ما فيها من إسقاط "لا" منها كلها. وإيجابها عن ابن عباس أشهر وأوضح. والإسناد عن أنس ضعيف.
وجميع من قرأ على مجاهد من الأئمة المشهورين لم ينقل عنه إلا بغير "لا". وقد روى جابر عن النبي [ﷺ] أنه: "لَمّا دَنَا مِنَ الصَّفَا فِي حَجَّتِهِ قَالَ: "إنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ، أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ"، فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقَى عَلَيْهِ
ثم قال: ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾. أي: شاكر له على تطوعه، عليم بما تطوع.
وقال ابن زيد: "معناه: فمن تطوع خيراً فاعتمر، فإن الله شاكر عليم، والعمرة تطوع، والحج فرض".
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلْهُدَىٰ﴾.
يعني أحبار اليهود وعلماء النصارى كتموا أمر محمد ﷺ ونبوته وتركوا اتباعه مع كونه مذكوراً عندهم في التوراة والإنجيل موصوفاً.
وذكر عن ابن عباس أن معاذ بن جبل سأل بعض أحبار اليهود عن ما في التوراة من ذكر النبي عليه السلام فكتموه إياه، فأنزل الله ﷺ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾. إلى: ﴿ٱللاَّعِنُونَ﴾. وهو قول مجاهد.
وقال قتادة: "هم أهل الكتاب كتموا الإسلام، وهو دين الله سبحانه وكتموا محمداً وهم يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل".
وقوله: ﴿مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلْكِتَابِ﴾.
يعني بالكتاب هنا: التوراة والإنجيل. وهذه الآية وإن كانت خاصة لبعض الناس فإنها عامة لكل من سئل عن علم يعلمه فكتمه.
وقال النبي [ﷺ] "مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ يَعْلَمُهُ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ القِيامَةِ بِلِجَامٍ مِنَ النَّارِ
ثم قال: ﴿أُولَـٰئِكَ يَلعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ﴾.
أي: أولئك الذين كتموا أمر محمد ﷺ يلعنهم الله عز وجل بكتمانهم، أي: يبعدهم الله من رحمته ويطردهم.
* *
وقوله: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ﴾.
قيل: معناه: ويسأل ربَّهم اللاعنون أن يلعنهم لأن كل لاعن إنما يقول: "اللهم العن هذا".
وقيل: اللاعنون البهائم؛ إذا أسْنَتَتِ السَّنَةُ، قالت البهائم: "هذا من أجل عصاة بني آدم، لعن الله عصاة بني آدم".
وقال عكرمة: "يلعنهم كل شيء حتى الخنافس والعقارب يقولون: منعنا القطر بذنوب بني آدم".
وإنما جُمِعَ جَمْعَ السلامة على هذا القول، وهو ما لا يعقل لأنه لما أخبر عنهم بمثل ما يخبر عن بني آدم جمعهم كما يجمع بني آدم.
وقال قتادة: "اللاعنون هنا: "الملائكة والمؤمنون". وقاله الربيع.
قال مقاتل "اللاعنون كل ما على وجه الأرض إلا الثقلين: الجن والإنس، وذلك أن الكافر إذا أدخل قبره ضربته الملائكة بمقمعة حين تقول له: من ربك؟ فيقول: لا أدري، فيصيح صيحة يسمعها كل ما على وجه الأرض من غير الجن والإنس، فلا تَقِر تلك الصيحة في سمع شيء إلا لعنه".
قال مجاهد: "اللاعنون البهائم".
ولما وصفت باللعنة: جاز جمعها بالواو والنون، وإن كانت لا تعقل. وله نظائر كثيرة.
وقيل: اللاعنون الملائكة الذين يسوقون أهل الكفر إلى النار. والهاء في ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ تعود على اللعنة.
واللعن أصله الطرد والبعد من الرحمة.
قال مقاتل: "اللعنة النار". وحسن ذلك عنده لما كانت عاقبة اللعنة المصير إلى النار.
وقال السدي: "اللاعنون ما عدا بني آدم والجن".
وروي عن البراء بن عازب: "أن الكافر إذا وضع في قبره أتته دابة كأن عينيها قدران من نحاس، معها عمود من حديد، فتضربه ضربة بين كتفيه فيصيح، فلا يسمع أحد صوته إلا لعنه، ولا يبقى شيء إلا سمع صوته إلا الثقلين: الجن والإنس". وهو قول الضحاك.
ويروى عن ابن مسعود أنه قال: "اللاعنون: الاثنان إذا تلاعنا ألحقت اللعنة مستحقها منهما، فإن لم يستحقها واحد منهما رجعت على اليهود".
وقيل: هذه اللعنة إنما تكون يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [العنكبوت: ٢٥].
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ﴾.
أي تابوا من الكفر وأصلحوا أعمالهم فيما بينهم وبين الله عز وجل، وبيّنوا للناس أمر النبي ﷺ الذي هو عندهم في كتابهم موصوف.
وقيل: المعنى: وبيّنوا التوبة بإخلاص العمل.
* *
ثم قال: ﴿فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾: أي: أقبل توبتهم. ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ﴾: أي على من تاب.
﴿الرَّحِيمُ﴾ أي رحيم بالخلق أن أعذبهم بعد توبتهم من كفرهم.
* *
ثم قال: ﴿إِن الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ﴾.
أي: أبعدهم الله وأسحقهم من رحمته.
﴿وَٱلْمَلاۤئِكَةِ﴾: أي ولعنة الملائكة.
﴿وَٱلنَّاسِ﴾: يعني قول الناس: ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ﴾. وعني بالناس أجمعين هنا المؤمنون خاصة. قاله قتادة والربيع.
وعن أبي العالية أن ذلك يكون يوم القيامة، قال: "إن الكافر يوقف يوم القيامة فيلعنه الله، ثم تلعنه الملائكة، ثم يلعنه الناس أجمعون". وهو اختيار الطبري واحتج بقوله تعالى: ﴿أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨].
وقال السدي في قوله: ﴿وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾: "أنه لا يتلاعن إثنان مؤمنان ولا كافران فيقول أحدهما: "لعن الله الظالم" إلا وجبت تلك اللعنة على الكافر لأنه ظالم، فكل واحد من الخلق يلعنه".
* *
ثم قال تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ﴾.
أي: خالدين في جهنم باللعنة، لا يخفف عنهم العذاب يوم القيامة ولا هم ينظرون لمعتذرة يعتذرون بها كما قال: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥] ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦]. قاله أبو العالية.
[و] إنما جاء لفظ ﴿ٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ بلفظ العموم، وقد علم أن أهل دينهم لا يلعنونهم لأنهم وإن كانوا لا يقصدون باللعنة أهل دينهم فلا بد لهم أن يقولوا: "لعن الله الظالم" أو "الظالمين" فيدخل في ذلك كل كافر كائناً من كان.
* *
ثم قال: ﴿وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ﴾. أي: معبودكم أيها الناس واحد، لا معبود غيره يستحق العبادة.
﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ﴾ أي: الرحمن بجميع خلقه، الرحيم بأوليائه.
ومعنى "واحد" في صفته ونعته وأنه لا شبيه له ولا نظير. وليس معناه واحداً في العدد لأن كل مفرد من المخلوقات واحد في العدد، فالمعنى أنه من فرد واحد في الألوهية والقدرة والصفات [لا ثاني] له.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾ الآية.
هذه الآية فيها تنبيه من الله عز وجل لخلقه على قدرته ونعمه. والآية دالة على توحيده المقدم ذكره في الآية الأولى.
والمعنى: إن في رتبة هذه الأشياء وحدوثها وإحكام صنعتها لعلامات بينة، ودلالة واضحة على توحيد خالقها وإيجاب العبادة له دون غيره لقوم يعقلون.
وروي أن قوله: ﴿وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ﴾ الآية، لما نزلت، قال المشركون: "ما البرهان على ذلك ونحن ننكر ذلك، ونزعم أن لنا آلهة كثيرة؟ فأنزل الله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ الآية، احتجاجاً عليهم فيما ادّعوا. هذا قول عطاء.
والمعنى بهذه القدرة والآيات تعلمون أن الإله إله واحد لا تجب العبادة إلا له.
وقال أبو الضحى: "لما نزلت: ﴿وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ﴾ الآية، قال المشركون: إن كان هذه هكذا، فليأتنا بآية. فأنزل الله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ الآية.
وروى ابن جبير أن قريشاً سألت اليهود عما جاءهم به موسى من الآيات فحدثوهم بالعصا وبيده بيضاء، وسألوا النصارى عما جاءهم به عيسى ﷺ من الآيات، فحدثوهم أنه كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله. فقالت قريش للنبي ﷺ: "ادع الله أن يجعل لنا الصفا ذهباً، فنزداد يقيناً ونتقوى به على عدونا". فسأل النبي ﷺ ربّه، فأوحى الله عز وجل إليه: "إني أعطيهم أن أجعل لهم الصفا ذهباً، ولكن إن كذبوا بعد، عذبتهم عذاباً لم أعذبه أحداً من العالمين". فقال النبي ﷺ: "دَعْنِي وَقَوْمِي فَأَدْعُوهُم يَوْماً بِيَوْمٍ فَأَنْزَلَ الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ الآية. أي: إن في ذلك لآية لهم إن كانوا يريدون أن أجعل لهم آية. وقاله السدي وغيره.
البقرة 2:161
قوله: ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ﴾.
إلى قوله: ﴿لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
الصفا والمروة جبلان متحاذيان بمكة معروفان، ولذلك دخلت الألف واللام فيهما للتعريف.
وجمع الصَّفَا أَصْفَاء كَرَحَا وأَرْحَاء. ويجوز في جمعه: صُفِيٌّ وصِفِيٌّ، كَعَصَا وَعُصِيُّ وعِصِيٌّ.
وجمع مَرْوَة مَرْو [كَتَمْرَةٍ وَثَمْرٍ]، وإن شئت مَرَوَاتٍ كَتَمَراتٍ.
والصفا في اللغة الحجارة الصلبة التي لا تنبت شيئاً.
والمروة الحصاة الصغيرة.
* *
وقوله: ﴿مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ﴾.
أي: من معالم الله التي جعلها لعباده مشعراً يعبدونه عندها إما بالدعاء وإما بالصلاة، وإما بأداء ما افترض عليهم من العمل عندهما.
وقيل: شعائر الله من أعلام الله التي تدل على طاعته من موقف ومشعر ومذبح، والواحدة شعيرة من "شَعَرْتُ بِهِ".
وكان مجاهد يرى أن الشعائر جمع شعيرة من إشعار الله تعالى عباده ما يجب عليهم من طاعته، قال: "أَشْعَرْتُهُ بِكَذَا"، أي: أعلمته به. وقال الطبري: "إنما أعلم الله عباده المؤمنين أن السعي بينهما من مشاعر الحج التي سنّها الله تعالى لهم، وأمر بها خليله إبراهيم ﷺ إذ سأله أن يريه مناسك الحج، وهو [خبر يراد به] الأمر لأن الله سبحانه قد أمر نبيه ﷺ والمؤمنين باتباع ملة إبراهيم.
* *
ثم قال: ﴿فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
هذه الآية نزلت في سبب أقوام من المؤمنين قالوا في سبب أصنام كانوا يطوفون بها في الجاهلية قبل الإسلام تعظيماً لها: كيف [نطوف بها، وقد] علمنا أن تعظيم الأصنام وجميع ما كانوا يعبدون من دون الله عز وجل شرك بالله سبحانه؟ فلا سبيل إلى تعظيم شيء مع الله عز وجل. فأنزل الله تعالى في ذلك ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ من أول الآية.
والجناح الإثم، مأخوذ من قولهم: "جَنَحَ عَلَيْه" إذا مال، و "جَنَحَ عَنِ الحَقّ" إذا مال عنه. ومنه سمي جناح الطائر لأنه مائل في ناحية، وقوله ﴿وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ [القصص: ٣٢]: معناه يدك لأنها في موضع الجناح. والهاء في (عَلَيْهِ) تعود على (مَنْ). و "من" تصلح للحاج أو المعتمر.
قال السدي: "ليس عليه إثم، ولكن له أجر".
قال الشعبي: "كان على الصفا في الجاهلية صَنَم يسمى "إِسافٌ"، وعلى المروة وثن يسمى "نَائِلَةٌ"، فكانوا في الجاهلية إذا طافوا بالبيت مسحوا الوَثَنيْن. فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام امتنع المسلمون من الطواف بالصفا والمروة لأجل الصنمين، فأنزل الله عز وجل ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ﴾ الآية.
وذُكر الصفا لأن الصنم الذي كان عليه مذكر - يعني إسافاً - وأُنِثَ المروة لأن الوثن التي كانت عليه مؤنثة - يعني نائلة -.
وقال أنس بن مالك: "كنا نكره الطواف بين الصفا والمروة لأنهما من شعائر الجاهلية حتى نزلت هذه الآية".
وقال عروة: "قلت لعائشة رضي الله عنها - وأنا يومئذ حديث السن -: أرأيت قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، فما أُرى على أحد شيئاً أن لا يطوف بهما". قالت عائشة: كلا، لو كانت كما تقول كانت: "فلا جناح عليه ألا يطوف بهما" إنما نزلت هذه الآية في الأنصار؛ كانوا يهلون لمناة، وكانت مناة حذو قديد، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة. فلما جاء الإسلام، سألوا [رسول الله] ﷺ عن ذلك فأنزل الله [جل ذكره]: ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ﴾ الآية. وهو قول مجاهد وابن زيد.
وعن ابن عباس أنه قال: "كان في الجاهلية شياطين تعزف الليل أجمع بين الصفا والمروة، وكانت بينهما آلهة. فلما جاء الإسلام قال المسلمون: يا رسول الله: لا نطوف بين الصفا والمروة فإنه شرك كنا نضعه في الجاهلية، فأنزل الله: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
وقال قتادة: "كان حي تهامة في الجاهلية لا يسعون بين الصفا والمروة، فأخبرهم الله عز وجل أن الصفا والمروة من شعائر الله".
والحج في اللغة القصد. يقال: "حججت إليه" بمعنى قصدت إليه. وقيل: الحج التكرر في الإتيان مرة بعد مرة. فمن أكثر الاختلاف إلى شيء فهو حاج. فعلى هذا إنما قيل للحجاج حاج لإنه يتكرر إلى البيت وقت الدخول ووقت الإفاضة وفي غير ذلك.
وقيل للمعتمر متعمر، لأنه إذا طاف انصرف بعد زيارته. فمعنى الاعتمار الزيارة، وكل من زار إنساناً فهو له معتمر، يقال: "اعْتَمرْتُ فُلاَناً"، أي: قصدته.
والطواف بين الصفا والمروة عند مالك والشافعي فرض، فمن نسي ذلك رجع وسعى، وإن بَعُد، فإن كان قد أصاب النساء، فعليه عمرة وهدي مع تمام سعيه إذا رجع. ومذهب الثوري وأبي حنيفة وأبي يوسف أن يجزيه دم إن نسي السعي بينهما، ولا عودة عليه إلا أن يشاء ذلك.
وقال عطاء: "هو تطوع ولا شيء عليه إذا نسي ذلك". واحتج بأن في قراءة ابن عباس: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. وكذلك هي في مصحف ابن مسعود.
وكذلك روي عن أنس بن مالك أنه قال: "هو تطوع". وروي ذلك عن مجاهد.
والعمل على القول الأول لإجماع المصاحف المعمول عليها، المجتمع على ما فيها من إسقاط "لا" منها كلها. وإيجابها عن ابن عباس أشهر وأوضح. والإسناد عن أنس ضعيف.
وجميع من قرأ على مجاهد من الأئمة المشهورين لم ينقل عنه إلا بغير "لا". وقد روى جابر عن النبي [ﷺ] أنه: "لَمّا دَنَا مِنَ الصَّفَا فِي حَجَّتِهِ قَالَ: "إنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ، أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ"، فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقَى عَلَيْهِ
ثم قال: ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾. أي: شاكر له على تطوعه، عليم بما تطوع.
وقال ابن زيد: "معناه: فمن تطوع خيراً فاعتمر، فإن الله شاكر عليم، والعمرة تطوع، والحج فرض".
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلْهُدَىٰ﴾.
يعني أحبار اليهود وعلماء النصارى كتموا أمر محمد ﷺ ونبوته وتركوا اتباعه مع كونه مذكوراً عندهم في التوراة والإنجيل موصوفاً.
وذكر عن ابن عباس أن معاذ بن جبل سأل بعض أحبار اليهود عن ما في التوراة من ذكر النبي عليه السلام فكتموه إياه، فأنزل الله ﷺ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾. إلى: ﴿ٱللاَّعِنُونَ﴾. وهو قول مجاهد.
وقال قتادة: "هم أهل الكتاب كتموا الإسلام، وهو دين الله سبحانه وكتموا محمداً وهم يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل".
وقوله: ﴿مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلْكِتَابِ﴾.
يعني بالكتاب هنا: التوراة والإنجيل. وهذه الآية وإن كانت خاصة لبعض الناس فإنها عامة لكل من سئل عن علم يعلمه فكتمه.
وقال النبي [ﷺ] "مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ يَعْلَمُهُ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ القِيامَةِ بِلِجَامٍ مِنَ النَّارِ
ثم قال: ﴿أُولَـٰئِكَ يَلعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ﴾.
أي: أولئك الذين كتموا أمر محمد ﷺ يلعنهم الله عز وجل بكتمانهم، أي: يبعدهم الله من رحمته ويطردهم.
* *
وقوله: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ﴾.
قيل: معناه: ويسأل ربَّهم اللاعنون أن يلعنهم لأن كل لاعن إنما يقول: "اللهم العن هذا".
وقيل: اللاعنون البهائم؛ إذا أسْنَتَتِ السَّنَةُ، قالت البهائم: "هذا من أجل عصاة بني آدم، لعن الله عصاة بني آدم".
وقال عكرمة: "يلعنهم كل شيء حتى الخنافس والعقارب يقولون: منعنا القطر بذنوب بني آدم".
وإنما جُمِعَ جَمْعَ السلامة على هذا القول، وهو ما لا يعقل لأنه لما أخبر عنهم بمثل ما يخبر عن بني آدم جمعهم كما يجمع بني آدم.
وقال قتادة: "اللاعنون هنا: "الملائكة والمؤمنون". وقاله الربيع.
قال مقاتل "اللاعنون كل ما على وجه الأرض إلا الثقلين: الجن والإنس، وذلك أن الكافر إذا أدخل قبره ضربته الملائكة بمقمعة حين تقول له: من ربك؟ فيقول: لا أدري، فيصيح صيحة يسمعها كل ما على وجه الأرض من غير الجن والإنس، فلا تَقِر تلك الصيحة في سمع شيء إلا لعنه".
قال مجاهد: "اللاعنون البهائم".
ولما وصفت باللعنة: جاز جمعها بالواو والنون، وإن كانت لا تعقل. وله نظائر كثيرة.
وقيل: اللاعنون الملائكة الذين يسوقون أهل الكفر إلى النار. والهاء في ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ تعود على اللعنة.
واللعن أصله الطرد والبعد من الرحمة.
قال مقاتل: "اللعنة النار". وحسن ذلك عنده لما كانت عاقبة اللعنة المصير إلى النار.
وقال السدي: "اللاعنون ما عدا بني آدم والجن".
وروي عن البراء بن عازب: "أن الكافر إذا وضع في قبره أتته دابة كأن عينيها قدران من نحاس، معها عمود من حديد، فتضربه ضربة بين كتفيه فيصيح، فلا يسمع أحد صوته إلا لعنه، ولا يبقى شيء إلا سمع صوته إلا الثقلين: الجن والإنس". وهو قول الضحاك.
ويروى عن ابن مسعود أنه قال: "اللاعنون: الاثنان إذا تلاعنا ألحقت اللعنة مستحقها منهما، فإن لم يستحقها واحد منهما رجعت على اليهود".
وقيل: هذه اللعنة إنما تكون يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [العنكبوت: ٢٥].
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ﴾.
أي تابوا من الكفر وأصلحوا أعمالهم فيما بينهم وبين الله عز وجل، وبيّنوا للناس أمر النبي ﷺ الذي هو عندهم في كتابهم موصوف.
وقيل: المعنى: وبيّنوا التوبة بإخلاص العمل.
* *
ثم قال: ﴿فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾: أي: أقبل توبتهم. ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ﴾: أي على من تاب.
﴿الرَّحِيمُ﴾ أي رحيم بالخلق أن أعذبهم بعد توبتهم من كفرهم.
* *
ثم قال: ﴿إِن الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ﴾.
أي: أبعدهم الله وأسحقهم من رحمته.
﴿وَٱلْمَلاۤئِكَةِ﴾: أي ولعنة الملائكة.
﴿وَٱلنَّاسِ﴾: يعني قول الناس: ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ﴾. وعني بالناس أجمعين هنا المؤمنون خاصة. قاله قتادة والربيع.
وعن أبي العالية أن ذلك يكون يوم القيامة، قال: "إن الكافر يوقف يوم القيامة فيلعنه الله، ثم تلعنه الملائكة، ثم يلعنه الناس أجمعون". وهو اختيار الطبري واحتج بقوله تعالى: ﴿أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨].
وقال السدي في قوله: ﴿وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾: "أنه لا يتلاعن إثنان مؤمنان ولا كافران فيقول أحدهما: "لعن الله الظالم" إلا وجبت تلك اللعنة على الكافر لأنه ظالم، فكل واحد من الخلق يلعنه".
* *
ثم قال تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ﴾.
أي: خالدين في جهنم باللعنة، لا يخفف عنهم العذاب يوم القيامة ولا هم ينظرون لمعتذرة يعتذرون بها كما قال: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥] ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦]. قاله أبو العالية.
[و] إنما جاء لفظ ﴿ٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ بلفظ العموم، وقد علم أن أهل دينهم لا يلعنونهم لأنهم وإن كانوا لا يقصدون باللعنة أهل دينهم فلا بد لهم أن يقولوا: "لعن الله الظالم" أو "الظالمين" فيدخل في ذلك كل كافر كائناً من كان.
* *
ثم قال: ﴿وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ﴾. أي: معبودكم أيها الناس واحد، لا معبود غيره يستحق العبادة.
﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ﴾ أي: الرحمن بجميع خلقه، الرحيم بأوليائه.
ومعنى "واحد" في صفته ونعته وأنه لا شبيه له ولا نظير. وليس معناه واحداً في العدد لأن كل مفرد من المخلوقات واحد في العدد، فالمعنى أنه من فرد واحد في الألوهية والقدرة والصفات [لا ثاني] له.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾ الآية.
هذه الآية فيها تنبيه من الله عز وجل لخلقه على قدرته ونعمه. والآية دالة على توحيده المقدم ذكره في الآية الأولى.
والمعنى: إن في رتبة هذه الأشياء وحدوثها وإحكام صنعتها لعلامات بينة، ودلالة واضحة على توحيد خالقها وإيجاب العبادة له دون غيره لقوم يعقلون.
وروي أن قوله: ﴿وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ﴾ الآية، لما نزلت، قال المشركون: "ما البرهان على ذلك ونحن ننكر ذلك، ونزعم أن لنا آلهة كثيرة؟ فأنزل الله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ الآية، احتجاجاً عليهم فيما ادّعوا. هذا قول عطاء.
والمعنى بهذه القدرة والآيات تعلمون أن الإله إله واحد لا تجب العبادة إلا له.
وقال أبو الضحى: "لما نزلت: ﴿وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ﴾ الآية، قال المشركون: إن كان هذه هكذا، فليأتنا بآية. فأنزل الله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ الآية.
وروى ابن جبير أن قريشاً سألت اليهود عما جاءهم به موسى من الآيات فحدثوهم بالعصا وبيده بيضاء، وسألوا النصارى عما جاءهم به عيسى ﷺ من الآيات، فحدثوهم أنه كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله. فقالت قريش للنبي ﷺ: "ادع الله أن يجعل لنا الصفا ذهباً، فنزداد يقيناً ونتقوى به على عدونا". فسأل النبي ﷺ ربّه، فأوحى الله عز وجل إليه: "إني أعطيهم أن أجعل لهم الصفا ذهباً، ولكن إن كذبوا بعد، عذبتهم عذاباً لم أعذبه أحداً من العالمين". فقال النبي ﷺ: "دَعْنِي وَقَوْمِي فَأَدْعُوهُم يَوْماً بِيَوْمٍ فَأَنْزَلَ الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ الآية. أي: إن في ذلك لآية لهم إن كانوا يريدون أن أجعل لهم آية. وقاله السدي وغيره.
البقرة 2:162
قوله: ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ﴾.
إلى قوله: ﴿لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
الصفا والمروة جبلان متحاذيان بمكة معروفان، ولذلك دخلت الألف واللام فيهما للتعريف.
وجمع الصَّفَا أَصْفَاء كَرَحَا وأَرْحَاء. ويجوز في جمعه: صُفِيٌّ وصِفِيٌّ، كَعَصَا وَعُصِيُّ وعِصِيٌّ.
وجمع مَرْوَة مَرْو [كَتَمْرَةٍ وَثَمْرٍ]، وإن شئت مَرَوَاتٍ كَتَمَراتٍ.
والصفا في اللغة الحجارة الصلبة التي لا تنبت شيئاً.
والمروة الحصاة الصغيرة.
* *
وقوله: ﴿مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ﴾.
أي: من معالم الله التي جعلها لعباده مشعراً يعبدونه عندها إما بالدعاء وإما بالصلاة، وإما بأداء ما افترض عليهم من العمل عندهما.
وقيل: شعائر الله من أعلام الله التي تدل على طاعته من موقف ومشعر ومذبح، والواحدة شعيرة من "شَعَرْتُ بِهِ".
وكان مجاهد يرى أن الشعائر جمع شعيرة من إشعار الله تعالى عباده ما يجب عليهم من طاعته، قال: "أَشْعَرْتُهُ بِكَذَا"، أي: أعلمته به. وقال الطبري: "إنما أعلم الله عباده المؤمنين أن السعي بينهما من مشاعر الحج التي سنّها الله تعالى لهم، وأمر بها خليله إبراهيم ﷺ إذ سأله أن يريه مناسك الحج، وهو [خبر يراد به] الأمر لأن الله سبحانه قد أمر نبيه ﷺ والمؤمنين باتباع ملة إبراهيم.
* *
ثم قال: ﴿فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
هذه الآية نزلت في سبب أقوام من المؤمنين قالوا في سبب أصنام كانوا يطوفون بها في الجاهلية قبل الإسلام تعظيماً لها: كيف [نطوف بها، وقد] علمنا أن تعظيم الأصنام وجميع ما كانوا يعبدون من دون الله عز وجل شرك بالله سبحانه؟ فلا سبيل إلى تعظيم شيء مع الله عز وجل. فأنزل الله تعالى في ذلك ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ من أول الآية.
والجناح الإثم، مأخوذ من قولهم: "جَنَحَ عَلَيْه" إذا مال، و "جَنَحَ عَنِ الحَقّ" إذا مال عنه. ومنه سمي جناح الطائر لأنه مائل في ناحية، وقوله ﴿وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ [القصص: ٣٢]: معناه يدك لأنها في موضع الجناح. والهاء في (عَلَيْهِ) تعود على (مَنْ). و "من" تصلح للحاج أو المعتمر.
قال السدي: "ليس عليه إثم، ولكن له أجر".
قال الشعبي: "كان على الصفا في الجاهلية صَنَم يسمى "إِسافٌ"، وعلى المروة وثن يسمى "نَائِلَةٌ"، فكانوا في الجاهلية إذا طافوا بالبيت مسحوا الوَثَنيْن. فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام امتنع المسلمون من الطواف بالصفا والمروة لأجل الصنمين، فأنزل الله عز وجل ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ﴾ الآية.
وذُكر الصفا لأن الصنم الذي كان عليه مذكر - يعني إسافاً - وأُنِثَ المروة لأن الوثن التي كانت عليه مؤنثة - يعني نائلة -.
وقال أنس بن مالك: "كنا نكره الطواف بين الصفا والمروة لأنهما من شعائر الجاهلية حتى نزلت هذه الآية".
وقال عروة: "قلت لعائشة رضي الله عنها - وأنا يومئذ حديث السن -: أرأيت قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، فما أُرى على أحد شيئاً أن لا يطوف بهما". قالت عائشة: كلا، لو كانت كما تقول كانت: "فلا جناح عليه ألا يطوف بهما" إنما نزلت هذه الآية في الأنصار؛ كانوا يهلون لمناة، وكانت مناة حذو قديد، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة. فلما جاء الإسلام، سألوا [رسول الله] ﷺ عن ذلك فأنزل الله [جل ذكره]: ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ﴾ الآية. وهو قول مجاهد وابن زيد.
وعن ابن عباس أنه قال: "كان في الجاهلية شياطين تعزف الليل أجمع بين الصفا والمروة، وكانت بينهما آلهة. فلما جاء الإسلام قال المسلمون: يا رسول الله: لا نطوف بين الصفا والمروة فإنه شرك كنا نضعه في الجاهلية، فأنزل الله: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
وقال قتادة: "كان حي تهامة في الجاهلية لا يسعون بين الصفا والمروة، فأخبرهم الله عز وجل أن الصفا والمروة من شعائر الله".
والحج في اللغة القصد. يقال: "حججت إليه" بمعنى قصدت إليه. وقيل: الحج التكرر في الإتيان مرة بعد مرة. فمن أكثر الاختلاف إلى شيء فهو حاج. فعلى هذا إنما قيل للحجاج حاج لإنه يتكرر إلى البيت وقت الدخول ووقت الإفاضة وفي غير ذلك.
وقيل للمعتمر متعمر، لأنه إذا طاف انصرف بعد زيارته. فمعنى الاعتمار الزيارة، وكل من زار إنساناً فهو له معتمر، يقال: "اعْتَمرْتُ فُلاَناً"، أي: قصدته.
والطواف بين الصفا والمروة عند مالك والشافعي فرض، فمن نسي ذلك رجع وسعى، وإن بَعُد، فإن كان قد أصاب النساء، فعليه عمرة وهدي مع تمام سعيه إذا رجع. ومذهب الثوري وأبي حنيفة وأبي يوسف أن يجزيه دم إن نسي السعي بينهما، ولا عودة عليه إلا أن يشاء ذلك.
وقال عطاء: "هو تطوع ولا شيء عليه إذا نسي ذلك". واحتج بأن في قراءة ابن عباس: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. وكذلك هي في مصحف ابن مسعود.
وكذلك روي عن أنس بن مالك أنه قال: "هو تطوع". وروي ذلك عن مجاهد.
والعمل على القول الأول لإجماع المصاحف المعمول عليها، المجتمع على ما فيها من إسقاط "لا" منها كلها. وإيجابها عن ابن عباس أشهر وأوضح. والإسناد عن أنس ضعيف.
وجميع من قرأ على مجاهد من الأئمة المشهورين لم ينقل عنه إلا بغير "لا". وقد روى جابر عن النبي [ﷺ] أنه: "لَمّا دَنَا مِنَ الصَّفَا فِي حَجَّتِهِ قَالَ: "إنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ، أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ"، فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقَى عَلَيْهِ
ثم قال: ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾. أي: شاكر له على تطوعه، عليم بما تطوع.
وقال ابن زيد: "معناه: فمن تطوع خيراً فاعتمر، فإن الله شاكر عليم، والعمرة تطوع، والحج فرض".
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلْهُدَىٰ﴾.
يعني أحبار اليهود وعلماء النصارى كتموا أمر محمد ﷺ ونبوته وتركوا اتباعه مع كونه مذكوراً عندهم في التوراة والإنجيل موصوفاً.
وذكر عن ابن عباس أن معاذ بن جبل سأل بعض أحبار اليهود عن ما في التوراة من ذكر النبي عليه السلام فكتموه إياه، فأنزل الله ﷺ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾. إلى: ﴿ٱللاَّعِنُونَ﴾. وهو قول مجاهد.
وقال قتادة: "هم أهل الكتاب كتموا الإسلام، وهو دين الله سبحانه وكتموا محمداً وهم يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل".
وقوله: ﴿مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلْكِتَابِ﴾.
يعني بالكتاب هنا: التوراة والإنجيل. وهذه الآية وإن كانت خاصة لبعض الناس فإنها عامة لكل من سئل عن علم يعلمه فكتمه.
وقال النبي [ﷺ] "مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ يَعْلَمُهُ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ القِيامَةِ بِلِجَامٍ مِنَ النَّارِ
ثم قال: ﴿أُولَـٰئِكَ يَلعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ﴾.
أي: أولئك الذين كتموا أمر محمد ﷺ يلعنهم الله عز وجل بكتمانهم، أي: يبعدهم الله من رحمته ويطردهم.
* *
وقوله: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ﴾.
قيل: معناه: ويسأل ربَّهم اللاعنون أن يلعنهم لأن كل لاعن إنما يقول: "اللهم العن هذا".
وقيل: اللاعنون البهائم؛ إذا أسْنَتَتِ السَّنَةُ، قالت البهائم: "هذا من أجل عصاة بني آدم، لعن الله عصاة بني آدم".
وقال عكرمة: "يلعنهم كل شيء حتى الخنافس والعقارب يقولون: منعنا القطر بذنوب بني آدم".
وإنما جُمِعَ جَمْعَ السلامة على هذا القول، وهو ما لا يعقل لأنه لما أخبر عنهم بمثل ما يخبر عن بني آدم جمعهم كما يجمع بني آدم.
وقال قتادة: "اللاعنون هنا: "الملائكة والمؤمنون". وقاله الربيع.
قال مقاتل "اللاعنون كل ما على وجه الأرض إلا الثقلين: الجن والإنس، وذلك أن الكافر إذا أدخل قبره ضربته الملائكة بمقمعة حين تقول له: من ربك؟ فيقول: لا أدري، فيصيح صيحة يسمعها كل ما على وجه الأرض من غير الجن والإنس، فلا تَقِر تلك الصيحة في سمع شيء إلا لعنه".
قال مجاهد: "اللاعنون البهائم".
ولما وصفت باللعنة: جاز جمعها بالواو والنون، وإن كانت لا تعقل. وله نظائر كثيرة.
وقيل: اللاعنون الملائكة الذين يسوقون أهل الكفر إلى النار. والهاء في ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ تعود على اللعنة.
واللعن أصله الطرد والبعد من الرحمة.
قال مقاتل: "اللعنة النار". وحسن ذلك عنده لما كانت عاقبة اللعنة المصير إلى النار.
وقال السدي: "اللاعنون ما عدا بني آدم والجن".
وروي عن البراء بن عازب: "أن الكافر إذا وضع في قبره أتته دابة كأن عينيها قدران من نحاس، معها عمود من حديد، فتضربه ضربة بين كتفيه فيصيح، فلا يسمع أحد صوته إلا لعنه، ولا يبقى شيء إلا سمع صوته إلا الثقلين: الجن والإنس". وهو قول الضحاك.
ويروى عن ابن مسعود أنه قال: "اللاعنون: الاثنان إذا تلاعنا ألحقت اللعنة مستحقها منهما، فإن لم يستحقها واحد منهما رجعت على اليهود".
وقيل: هذه اللعنة إنما تكون يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [العنكبوت: ٢٥].
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ﴾.
أي تابوا من الكفر وأصلحوا أعمالهم فيما بينهم وبين الله عز وجل، وبيّنوا للناس أمر النبي ﷺ الذي هو عندهم في كتابهم موصوف.
وقيل: المعنى: وبيّنوا التوبة بإخلاص العمل.
* *
ثم قال: ﴿فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾: أي: أقبل توبتهم. ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ﴾: أي على من تاب.
﴿الرَّحِيمُ﴾ أي رحيم بالخلق أن أعذبهم بعد توبتهم من كفرهم.
* *
ثم قال: ﴿إِن الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ﴾.
أي: أبعدهم الله وأسحقهم من رحمته.
﴿وَٱلْمَلاۤئِكَةِ﴾: أي ولعنة الملائكة.
﴿وَٱلنَّاسِ﴾: يعني قول الناس: ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ﴾. وعني بالناس أجمعين هنا المؤمنون خاصة. قاله قتادة والربيع.
وعن أبي العالية أن ذلك يكون يوم القيامة، قال: "إن الكافر يوقف يوم القيامة فيلعنه الله، ثم تلعنه الملائكة، ثم يلعنه الناس أجمعون". وهو اختيار الطبري واحتج بقوله تعالى: ﴿أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨].
وقال السدي في قوله: ﴿وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾: "أنه لا يتلاعن إثنان مؤمنان ولا كافران فيقول أحدهما: "لعن الله الظالم" إلا وجبت تلك اللعنة على الكافر لأنه ظالم، فكل واحد من الخلق يلعنه".
* *
ثم قال تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ﴾.
أي: خالدين في جهنم باللعنة، لا يخفف عنهم العذاب يوم القيامة ولا هم ينظرون لمعتذرة يعتذرون بها كما قال: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥] ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦]. قاله أبو العالية.
[و] إنما جاء لفظ ﴿ٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ بلفظ العموم، وقد علم أن أهل دينهم لا يلعنونهم لأنهم وإن كانوا لا يقصدون باللعنة أهل دينهم فلا بد لهم أن يقولوا: "لعن الله الظالم" أو "الظالمين" فيدخل في ذلك كل كافر كائناً من كان.
* *
ثم قال: ﴿وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ﴾. أي: معبودكم أيها الناس واحد، لا معبود غيره يستحق العبادة.
﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ﴾ أي: الرحمن بجميع خلقه، الرحيم بأوليائه.
ومعنى "واحد" في صفته ونعته وأنه لا شبيه له ولا نظير. وليس معناه واحداً في العدد لأن كل مفرد من المخلوقات واحد في العدد، فالمعنى أنه من فرد واحد في الألوهية والقدرة والصفات [لا ثاني] له.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾ الآية.
هذه الآية فيها تنبيه من الله عز وجل لخلقه على قدرته ونعمه. والآية دالة على توحيده المقدم ذكره في الآية الأولى.
والمعنى: إن في رتبة هذه الأشياء وحدوثها وإحكام صنعتها لعلامات بينة، ودلالة واضحة على توحيد خالقها وإيجاب العبادة له دون غيره لقوم يعقلون.
وروي أن قوله: ﴿وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ﴾ الآية، لما نزلت، قال المشركون: "ما البرهان على ذلك ونحن ننكر ذلك، ونزعم أن لنا آلهة كثيرة؟ فأنزل الله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ الآية، احتجاجاً عليهم فيما ادّعوا. هذا قول عطاء.
والمعنى بهذه القدرة والآيات تعلمون أن الإله إله واحد لا تجب العبادة إلا له.
وقال أبو الضحى: "لما نزلت: ﴿وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ﴾ الآية، قال المشركون: إن كان هذه هكذا، فليأتنا بآية. فأنزل الله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ الآية.
وروى ابن جبير أن قريشاً سألت اليهود عما جاءهم به موسى من الآيات فحدثوهم بالعصا وبيده بيضاء، وسألوا النصارى عما جاءهم به عيسى ﷺ من الآيات، فحدثوهم أنه كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله. فقالت قريش للنبي ﷺ: "ادع الله أن يجعل لنا الصفا ذهباً، فنزداد يقيناً ونتقوى به على عدونا". فسأل النبي ﷺ ربّه، فأوحى الله عز وجل إليه: "إني أعطيهم أن أجعل لهم الصفا ذهباً، ولكن إن كذبوا بعد، عذبتهم عذاباً لم أعذبه أحداً من العالمين". فقال النبي ﷺ: "دَعْنِي وَقَوْمِي فَأَدْعُوهُم يَوْماً بِيَوْمٍ فَأَنْزَلَ الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ الآية. أي: إن في ذلك لآية لهم إن كانوا يريدون أن أجعل لهم آية. وقاله السدي وغيره.
البقرة 2:163
قوله: ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ﴾.
إلى قوله: ﴿لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
الصفا والمروة جبلان متحاذيان بمكة معروفان، ولذلك دخلت الألف واللام فيهما للتعريف.
وجمع الصَّفَا أَصْفَاء كَرَحَا وأَرْحَاء. ويجوز في جمعه: صُفِيٌّ وصِفِيٌّ، كَعَصَا وَعُصِيُّ وعِصِيٌّ.
وجمع مَرْوَة مَرْو [كَتَمْرَةٍ وَثَمْرٍ]، وإن شئت مَرَوَاتٍ كَتَمَراتٍ.
والصفا في اللغة الحجارة الصلبة التي لا تنبت شيئاً.
والمروة الحصاة الصغيرة.
* *
وقوله: ﴿مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ﴾.
أي: من معالم الله التي جعلها لعباده مشعراً يعبدونه عندها إما بالدعاء وإما بالصلاة، وإما بأداء ما افترض عليهم من العمل عندهما.
وقيل: شعائر الله من أعلام الله التي تدل على طاعته من موقف ومشعر ومذبح، والواحدة شعيرة من "شَعَرْتُ بِهِ".
وكان مجاهد يرى أن الشعائر جمع شعيرة من إشعار الله تعالى عباده ما يجب عليهم من طاعته، قال: "أَشْعَرْتُهُ بِكَذَا"، أي: أعلمته به. وقال الطبري: "إنما أعلم الله عباده المؤمنين أن السعي بينهما من مشاعر الحج التي سنّها الله تعالى لهم، وأمر بها خليله إبراهيم ﷺ إذ سأله أن يريه مناسك الحج، وهو [خبر يراد به] الأمر لأن الله سبحانه قد أمر نبيه ﷺ والمؤمنين باتباع ملة إبراهيم.
* *
ثم قال: ﴿فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
هذه الآية نزلت في سبب أقوام من المؤمنين قالوا في سبب أصنام كانوا يطوفون بها في الجاهلية قبل الإسلام تعظيماً لها: كيف [نطوف بها، وقد] علمنا أن تعظيم الأصنام وجميع ما كانوا يعبدون من دون الله عز وجل شرك بالله سبحانه؟ فلا سبيل إلى تعظيم شيء مع الله عز وجل. فأنزل الله تعالى في ذلك ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ من أول الآية.
والجناح الإثم، مأخوذ من قولهم: "جَنَحَ عَلَيْه" إذا مال، و "جَنَحَ عَنِ الحَقّ" إذا مال عنه. ومنه سمي جناح الطائر لأنه مائل في ناحية، وقوله ﴿وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ [القصص: ٣٢]: معناه يدك لأنها في موضع الجناح. والهاء في (عَلَيْهِ) تعود على (مَنْ). و "من" تصلح للحاج أو المعتمر.
قال السدي: "ليس عليه إثم، ولكن له أجر".
قال الشعبي: "كان على الصفا في الجاهلية صَنَم يسمى "إِسافٌ"، وعلى المروة وثن يسمى "نَائِلَةٌ"، فكانوا في الجاهلية إذا طافوا بالبيت مسحوا الوَثَنيْن. فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام امتنع المسلمون من الطواف بالصفا والمروة لأجل الصنمين، فأنزل الله عز وجل ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ﴾ الآية.
وذُكر الصفا لأن الصنم الذي كان عليه مذكر - يعني إسافاً - وأُنِثَ المروة لأن الوثن التي كانت عليه مؤنثة - يعني نائلة -.
وقال أنس بن مالك: "كنا نكره الطواف بين الصفا والمروة لأنهما من شعائر الجاهلية حتى نزلت هذه الآية".
وقال عروة: "قلت لعائشة رضي الله عنها - وأنا يومئذ حديث السن -: أرأيت قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، فما أُرى على أحد شيئاً أن لا يطوف بهما". قالت عائشة: كلا، لو كانت كما تقول كانت: "فلا جناح عليه ألا يطوف بهما" إنما نزلت هذه الآية في الأنصار؛ كانوا يهلون لمناة، وكانت مناة حذو قديد، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة. فلما جاء الإسلام، سألوا [رسول الله] ﷺ عن ذلك فأنزل الله [جل ذكره]: ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ﴾ الآية. وهو قول مجاهد وابن زيد.
وعن ابن عباس أنه قال: "كان في الجاهلية شياطين تعزف الليل أجمع بين الصفا والمروة، وكانت بينهما آلهة. فلما جاء الإسلام قال المسلمون: يا رسول الله: لا نطوف بين الصفا والمروة فإنه شرك كنا نضعه في الجاهلية، فأنزل الله: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
وقال قتادة: "كان حي تهامة في الجاهلية لا يسعون بين الصفا والمروة، فأخبرهم الله عز وجل أن الصفا والمروة من شعائر الله".
والحج في اللغة القصد. يقال: "حججت إليه" بمعنى قصدت إليه. وقيل: الحج التكرر في الإتيان مرة بعد مرة. فمن أكثر الاختلاف إلى شيء فهو حاج. فعلى هذا إنما قيل للحجاج حاج لإنه يتكرر إلى البيت وقت الدخول ووقت الإفاضة وفي غير ذلك.
وقيل للمعتمر متعمر، لأنه إذا طاف انصرف بعد زيارته. فمعنى الاعتمار الزيارة، وكل من زار إنساناً فهو له معتمر، يقال: "اعْتَمرْتُ فُلاَناً"، أي: قصدته.
والطواف بين الصفا والمروة عند مالك والشافعي فرض، فمن نسي ذلك رجع وسعى، وإن بَعُد، فإن كان قد أصاب النساء، فعليه عمرة وهدي مع تمام سعيه إذا رجع. ومذهب الثوري وأبي حنيفة وأبي يوسف أن يجزيه دم إن نسي السعي بينهما، ولا عودة عليه إلا أن يشاء ذلك.
وقال عطاء: "هو تطوع ولا شيء عليه إذا نسي ذلك". واحتج بأن في قراءة ابن عباس: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. وكذلك هي في مصحف ابن مسعود.
وكذلك روي عن أنس بن مالك أنه قال: "هو تطوع". وروي ذلك عن مجاهد.
والعمل على القول الأول لإجماع المصاحف المعمول عليها، المجتمع على ما فيها من إسقاط "لا" منها كلها. وإيجابها عن ابن عباس أشهر وأوضح. والإسناد عن أنس ضعيف.
وجميع من قرأ على مجاهد من الأئمة المشهورين لم ينقل عنه إلا بغير "لا". وقد روى جابر عن النبي [ﷺ] أنه: "لَمّا دَنَا مِنَ الصَّفَا فِي حَجَّتِهِ قَالَ: "إنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ، أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ"، فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقَى عَلَيْهِ
ثم قال: ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾. أي: شاكر له على تطوعه، عليم بما تطوع.
وقال ابن زيد: "معناه: فمن تطوع خيراً فاعتمر، فإن الله شاكر عليم، والعمرة تطوع، والحج فرض".
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلْهُدَىٰ﴾.
يعني أحبار اليهود وعلماء النصارى كتموا أمر محمد ﷺ ونبوته وتركوا اتباعه مع كونه مذكوراً عندهم في التوراة والإنجيل موصوفاً.
وذكر عن ابن عباس أن معاذ بن جبل سأل بعض أحبار اليهود عن ما في التوراة من ذكر النبي عليه السلام فكتموه إياه، فأنزل الله ﷺ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾. إلى: ﴿ٱللاَّعِنُونَ﴾. وهو قول مجاهد.
وقال قتادة: "هم أهل الكتاب كتموا الإسلام، وهو دين الله سبحانه وكتموا محمداً وهم يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل".
وقوله: ﴿مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلْكِتَابِ﴾.
يعني بالكتاب هنا: التوراة والإنجيل. وهذه الآية وإن كانت خاصة لبعض الناس فإنها عامة لكل من سئل عن علم يعلمه فكتمه.
وقال النبي [ﷺ] "مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ يَعْلَمُهُ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ القِيامَةِ بِلِجَامٍ مِنَ النَّارِ
ثم قال: ﴿أُولَـٰئِكَ يَلعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ﴾.
أي: أولئك الذين كتموا أمر محمد ﷺ يلعنهم الله عز وجل بكتمانهم، أي: يبعدهم الله من رحمته ويطردهم.
* *
وقوله: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ﴾.
قيل: معناه: ويسأل ربَّهم اللاعنون أن يلعنهم لأن كل لاعن إنما يقول: "اللهم العن هذا".
وقيل: اللاعنون البهائم؛ إذا أسْنَتَتِ السَّنَةُ، قالت البهائم: "هذا من أجل عصاة بني آدم، لعن الله عصاة بني آدم".
وقال عكرمة: "يلعنهم كل شيء حتى الخنافس والعقارب يقولون: منعنا القطر بذنوب بني آدم".
وإنما جُمِعَ جَمْعَ السلامة على هذا القول، وهو ما لا يعقل لأنه لما أخبر عنهم بمثل ما يخبر عن بني آدم جمعهم كما يجمع بني آدم.
وقال قتادة: "اللاعنون هنا: "الملائكة والمؤمنون". وقاله الربيع.
قال مقاتل "اللاعنون كل ما على وجه الأرض إلا الثقلين: الجن والإنس، وذلك أن الكافر إذا أدخل قبره ضربته الملائكة بمقمعة حين تقول له: من ربك؟ فيقول: لا أدري، فيصيح صيحة يسمعها كل ما على وجه الأرض من غير الجن والإنس، فلا تَقِر تلك الصيحة في سمع شيء إلا لعنه".
قال مجاهد: "اللاعنون البهائم".
ولما وصفت باللعنة: جاز جمعها بالواو والنون، وإن كانت لا تعقل. وله نظائر كثيرة.
وقيل: اللاعنون الملائكة الذين يسوقون أهل الكفر إلى النار. والهاء في ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ تعود على اللعنة.
واللعن أصله الطرد والبعد من الرحمة.
قال مقاتل: "اللعنة النار". وحسن ذلك عنده لما كانت عاقبة اللعنة المصير إلى النار.
وقال السدي: "اللاعنون ما عدا بني آدم والجن".
وروي عن البراء بن عازب: "أن الكافر إذا وضع في قبره أتته دابة كأن عينيها قدران من نحاس، معها عمود من حديد، فتضربه ضربة بين كتفيه فيصيح، فلا يسمع أحد صوته إلا لعنه، ولا يبقى شيء إلا سمع صوته إلا الثقلين: الجن والإنس". وهو قول الضحاك.
ويروى عن ابن مسعود أنه قال: "اللاعنون: الاثنان إذا تلاعنا ألحقت اللعنة مستحقها منهما، فإن لم يستحقها واحد منهما رجعت على اليهود".
وقيل: هذه اللعنة إنما تكون يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [العنكبوت: ٢٥].
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ﴾.
أي تابوا من الكفر وأصلحوا أعمالهم فيما بينهم وبين الله عز وجل، وبيّنوا للناس أمر النبي ﷺ الذي هو عندهم في كتابهم موصوف.
وقيل: المعنى: وبيّنوا التوبة بإخلاص العمل.
* *
ثم قال: ﴿فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾: أي: أقبل توبتهم. ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ﴾: أي على من تاب.
﴿الرَّحِيمُ﴾ أي رحيم بالخلق أن أعذبهم بعد توبتهم من كفرهم.
* *
ثم قال: ﴿إِن الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ﴾.
أي: أبعدهم الله وأسحقهم من رحمته.
﴿وَٱلْمَلاۤئِكَةِ﴾: أي ولعنة الملائكة.
﴿وَٱلنَّاسِ﴾: يعني قول الناس: ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ﴾. وعني بالناس أجمعين هنا المؤمنون خاصة. قاله قتادة والربيع.
وعن أبي العالية أن ذلك يكون يوم القيامة، قال: "إن الكافر يوقف يوم القيامة فيلعنه الله، ثم تلعنه الملائكة، ثم يلعنه الناس أجمعون". وهو اختيار الطبري واحتج بقوله تعالى: ﴿أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨].
وقال السدي في قوله: ﴿وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾: "أنه لا يتلاعن إثنان مؤمنان ولا كافران فيقول أحدهما: "لعن الله الظالم" إلا وجبت تلك اللعنة على الكافر لأنه ظالم، فكل واحد من الخلق يلعنه".
* *
ثم قال تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ﴾.
أي: خالدين في جهنم باللعنة، لا يخفف عنهم العذاب يوم القيامة ولا هم ينظرون لمعتذرة يعتذرون بها كما قال: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥] ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦]. قاله أبو العالية.
[و] إنما جاء لفظ ﴿ٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ بلفظ العموم، وقد علم أن أهل دينهم لا يلعنونهم لأنهم وإن كانوا لا يقصدون باللعنة أهل دينهم فلا بد لهم أن يقولوا: "لعن الله الظالم" أو "الظالمين" فيدخل في ذلك كل كافر كائناً من كان.
* *
ثم قال: ﴿وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ﴾. أي: معبودكم أيها الناس واحد، لا معبود غيره يستحق العبادة.
﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ﴾ أي: الرحمن بجميع خلقه، الرحيم بأوليائه.
ومعنى "واحد" في صفته ونعته وأنه لا شبيه له ولا نظير. وليس معناه واحداً في العدد لأن كل مفرد من المخلوقات واحد في العدد، فالمعنى أنه من فرد واحد في الألوهية والقدرة والصفات [لا ثاني] له.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾ الآية.
هذه الآية فيها تنبيه من الله عز وجل لخلقه على قدرته ونعمه. والآية دالة على توحيده المقدم ذكره في الآية الأولى.
والمعنى: إن في رتبة هذه الأشياء وحدوثها وإحكام صنعتها لعلامات بينة، ودلالة واضحة على توحيد خالقها وإيجاب العبادة له دون غيره لقوم يعقلون.
وروي أن قوله: ﴿وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ﴾ الآية، لما نزلت، قال المشركون: "ما البرهان على ذلك ونحن ننكر ذلك، ونزعم أن لنا آلهة كثيرة؟ فأنزل الله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ الآية، احتجاجاً عليهم فيما ادّعوا. هذا قول عطاء.
والمعنى بهذه القدرة والآيات تعلمون أن الإله إله واحد لا تجب العبادة إلا له.
وقال أبو الضحى: "لما نزلت: ﴿وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ﴾ الآية، قال المشركون: إن كان هذه هكذا، فليأتنا بآية. فأنزل الله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ الآية.
وروى ابن جبير أن قريشاً سألت اليهود عما جاءهم به موسى من الآيات فحدثوهم بالعصا وبيده بيضاء، وسألوا النصارى عما جاءهم به عيسى ﷺ من الآيات، فحدثوهم أنه كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله. فقالت قريش للنبي ﷺ: "ادع الله أن يجعل لنا الصفا ذهباً، فنزداد يقيناً ونتقوى به على عدونا". فسأل النبي ﷺ ربّه، فأوحى الله عز وجل إليه: "إني أعطيهم أن أجعل لهم الصفا ذهباً، ولكن إن كذبوا بعد، عذبتهم عذاباً لم أعذبه أحداً من العالمين". فقال النبي ﷺ: "دَعْنِي وَقَوْمِي فَأَدْعُوهُم يَوْماً بِيَوْمٍ فَأَنْزَلَ الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ الآية. أي: إن في ذلك لآية لهم إن كانوا يريدون أن أجعل لهم آية. وقاله السدي وغيره.
البقرة 2:164
قوله: ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ﴾.
إلى قوله: ﴿لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
الصفا والمروة جبلان متحاذيان بمكة معروفان، ولذلك دخلت الألف واللام فيهما للتعريف.
وجمع الصَّفَا أَصْفَاء كَرَحَا وأَرْحَاء. ويجوز في جمعه: صُفِيٌّ وصِفِيٌّ، كَعَصَا وَعُصِيُّ وعِصِيٌّ.
وجمع مَرْوَة مَرْو [كَتَمْرَةٍ وَثَمْرٍ]، وإن شئت مَرَوَاتٍ كَتَمَراتٍ.
والصفا في اللغة الحجارة الصلبة التي لا تنبت شيئاً.
والمروة الحصاة الصغيرة.
* *
وقوله: ﴿مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ﴾.
أي: من معالم الله التي جعلها لعباده مشعراً يعبدونه عندها إما بالدعاء وإما بالصلاة، وإما بأداء ما افترض عليهم من العمل عندهما.
وقيل: شعائر الله من أعلام الله التي تدل على طاعته من موقف ومشعر ومذبح، والواحدة شعيرة من "شَعَرْتُ بِهِ".
وكان مجاهد يرى أن الشعائر جمع شعيرة من إشعار الله تعالى عباده ما يجب عليهم من طاعته، قال: "أَشْعَرْتُهُ بِكَذَا"، أي: أعلمته به. وقال الطبري: "إنما أعلم الله عباده المؤمنين أن السعي بينهما من مشاعر الحج التي سنّها الله تعالى لهم، وأمر بها خليله إبراهيم ﷺ إذ سأله أن يريه مناسك الحج، وهو [خبر يراد به] الأمر لأن الله سبحانه قد أمر نبيه ﷺ والمؤمنين باتباع ملة إبراهيم.
* *
ثم قال: ﴿فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
هذه الآية نزلت في سبب أقوام من المؤمنين قالوا في سبب أصنام كانوا يطوفون بها في الجاهلية قبل الإسلام تعظيماً لها: كيف [نطوف بها، وقد] علمنا أن تعظيم الأصنام وجميع ما كانوا يعبدون من دون الله عز وجل شرك بالله سبحانه؟ فلا سبيل إلى تعظيم شيء مع الله عز وجل. فأنزل الله تعالى في ذلك ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ من أول الآية.
والجناح الإثم، مأخوذ من قولهم: "جَنَحَ عَلَيْه" إذا مال، و "جَنَحَ عَنِ الحَقّ" إذا مال عنه. ومنه سمي جناح الطائر لأنه مائل في ناحية، وقوله ﴿وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ [القصص: ٣٢]: معناه يدك لأنها في موضع الجناح. والهاء في (عَلَيْهِ) تعود على (مَنْ). و "من" تصلح للحاج أو المعتمر.
قال السدي: "ليس عليه إثم، ولكن له أجر".
قال الشعبي: "كان على الصفا في الجاهلية صَنَم يسمى "إِسافٌ"، وعلى المروة وثن يسمى "نَائِلَةٌ"، فكانوا في الجاهلية إذا طافوا بالبيت مسحوا الوَثَنيْن. فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام امتنع المسلمون من الطواف بالصفا والمروة لأجل الصنمين، فأنزل الله عز وجل ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ﴾ الآية.
وذُكر الصفا لأن الصنم الذي كان عليه مذكر - يعني إسافاً - وأُنِثَ المروة لأن الوثن التي كانت عليه مؤنثة - يعني نائلة -.
وقال أنس بن مالك: "كنا نكره الطواف بين الصفا والمروة لأنهما من شعائر الجاهلية حتى نزلت هذه الآية".
وقال عروة: "قلت لعائشة رضي الله عنها - وأنا يومئذ حديث السن -: أرأيت قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، فما أُرى على أحد شيئاً أن لا يطوف بهما". قالت عائشة: كلا، لو كانت كما تقول كانت: "فلا جناح عليه ألا يطوف بهما" إنما نزلت هذه الآية في الأنصار؛ كانوا يهلون لمناة، وكانت مناة حذو قديد، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة. فلما جاء الإسلام، سألوا [رسول الله] ﷺ عن ذلك فأنزل الله [جل ذكره]: ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ﴾ الآية. وهو قول مجاهد وابن زيد.
وعن ابن عباس أنه قال: "كان في الجاهلية شياطين تعزف الليل أجمع بين الصفا والمروة، وكانت بينهما آلهة. فلما جاء الإسلام قال المسلمون: يا رسول الله: لا نطوف بين الصفا والمروة فإنه شرك كنا نضعه في الجاهلية، فأنزل الله: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
وقال قتادة: "كان حي تهامة في الجاهلية لا يسعون بين الصفا والمروة، فأخبرهم الله عز وجل أن الصفا والمروة من شعائر الله".
والحج في اللغة القصد. يقال: "حججت إليه" بمعنى قصدت إليه. وقيل: الحج التكرر في الإتيان مرة بعد مرة. فمن أكثر الاختلاف إلى شيء فهو حاج. فعلى هذا إنما قيل للحجاج حاج لإنه يتكرر إلى البيت وقت الدخول ووقت الإفاضة وفي غير ذلك.
وقيل للمعتمر متعمر، لأنه إذا طاف انصرف بعد زيارته. فمعنى الاعتمار الزيارة، وكل من زار إنساناً فهو له معتمر، يقال: "اعْتَمرْتُ فُلاَناً"، أي: قصدته.
والطواف بين الصفا والمروة عند مالك والشافعي فرض، فمن نسي ذلك رجع وسعى، وإن بَعُد، فإن كان قد أصاب النساء، فعليه عمرة وهدي مع تمام سعيه إذا رجع. ومذهب الثوري وأبي حنيفة وأبي يوسف أن يجزيه دم إن نسي السعي بينهما، ولا عودة عليه إلا أن يشاء ذلك.
وقال عطاء: "هو تطوع ولا شيء عليه إذا نسي ذلك". واحتج بأن في قراءة ابن عباس: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. وكذلك هي في مصحف ابن مسعود.
وكذلك روي عن أنس بن مالك أنه قال: "هو تطوع". وروي ذلك عن مجاهد.
والعمل على القول الأول لإجماع المصاحف المعمول عليها، المجتمع على ما فيها من إسقاط "لا" منها كلها. وإيجابها عن ابن عباس أشهر وأوضح. والإسناد عن أنس ضعيف.
وجميع من قرأ على مجاهد من الأئمة المشهورين لم ينقل عنه إلا بغير "لا". وقد روى جابر عن النبي [ﷺ] أنه: "لَمّا دَنَا مِنَ الصَّفَا فِي حَجَّتِهِ قَالَ: "إنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ، أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ"، فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقَى عَلَيْهِ
ثم قال: ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾. أي: شاكر له على تطوعه، عليم بما تطوع.
وقال ابن زيد: "معناه: فمن تطوع خيراً فاعتمر، فإن الله شاكر عليم، والعمرة تطوع، والحج فرض".
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلْهُدَىٰ﴾.
يعني أحبار اليهود وعلماء النصارى كتموا أمر محمد ﷺ ونبوته وتركوا اتباعه مع كونه مذكوراً عندهم في التوراة والإنجيل موصوفاً.
وذكر عن ابن عباس أن معاذ بن جبل سأل بعض أحبار اليهود عن ما في التوراة من ذكر النبي عليه السلام فكتموه إياه، فأنزل الله ﷺ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾. إلى: ﴿ٱللاَّعِنُونَ﴾. وهو قول مجاهد.
وقال قتادة: "هم أهل الكتاب كتموا الإسلام، وهو دين الله سبحانه وكتموا محمداً وهم يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل".
وقوله: ﴿مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلْكِتَابِ﴾.
يعني بالكتاب هنا: التوراة والإنجيل. وهذه الآية وإن كانت خاصة لبعض الناس فإنها عامة لكل من سئل عن علم يعلمه فكتمه.
وقال النبي [ﷺ] "مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ يَعْلَمُهُ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ القِيامَةِ بِلِجَامٍ مِنَ النَّارِ
ثم قال: ﴿أُولَـٰئِكَ يَلعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ﴾.
أي: أولئك الذين كتموا أمر محمد ﷺ يلعنهم الله عز وجل بكتمانهم، أي: يبعدهم الله من رحمته ويطردهم.
* *
وقوله: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ﴾.
قيل: معناه: ويسأل ربَّهم اللاعنون أن يلعنهم لأن كل لاعن إنما يقول: "اللهم العن هذا".
وقيل: اللاعنون البهائم؛ إذا أسْنَتَتِ السَّنَةُ، قالت البهائم: "هذا من أجل عصاة بني آدم، لعن الله عصاة بني آدم".
وقال عكرمة: "يلعنهم كل شيء حتى الخنافس والعقارب يقولون: منعنا القطر بذنوب بني آدم".
وإنما جُمِعَ جَمْعَ السلامة على هذا القول، وهو ما لا يعقل لأنه لما أخبر عنهم بمثل ما يخبر عن بني آدم جمعهم كما يجمع بني آدم.
وقال قتادة: "اللاعنون هنا: "الملائكة والمؤمنون". وقاله الربيع.
قال مقاتل "اللاعنون كل ما على وجه الأرض إلا الثقلين: الجن والإنس، وذلك أن الكافر إذا أدخل قبره ضربته الملائكة بمقمعة حين تقول له: من ربك؟ فيقول: لا أدري، فيصيح صيحة يسمعها كل ما على وجه الأرض من غير الجن والإنس، فلا تَقِر تلك الصيحة في سمع شيء إلا لعنه".
قال مجاهد: "اللاعنون البهائم".
ولما وصفت باللعنة: جاز جمعها بالواو والنون، وإن كانت لا تعقل. وله نظائر كثيرة.
وقيل: اللاعنون الملائكة الذين يسوقون أهل الكفر إلى النار. والهاء في ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ تعود على اللعنة.
واللعن أصله الطرد والبعد من الرحمة.
قال مقاتل: "اللعنة النار". وحسن ذلك عنده لما كانت عاقبة اللعنة المصير إلى النار.
وقال السدي: "اللاعنون ما عدا بني آدم والجن".
وروي عن البراء بن عازب: "أن الكافر إذا وضع في قبره أتته دابة كأن عينيها قدران من نحاس، معها عمود من حديد، فتضربه ضربة بين كتفيه فيصيح، فلا يسمع أحد صوته إلا لعنه، ولا يبقى شيء إلا سمع صوته إلا الثقلين: الجن والإنس". وهو قول الضحاك.
ويروى عن ابن مسعود أنه قال: "اللاعنون: الاثنان إذا تلاعنا ألحقت اللعنة مستحقها منهما، فإن لم يستحقها واحد منهما رجعت على اليهود".
وقيل: هذه اللعنة إنما تكون يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [العنكبوت: ٢٥].
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ﴾.
أي تابوا من الكفر وأصلحوا أعمالهم فيما بينهم وبين الله عز وجل، وبيّنوا للناس أمر النبي ﷺ الذي هو عندهم في كتابهم موصوف.
وقيل: المعنى: وبيّنوا التوبة بإخلاص العمل.
* *
ثم قال: ﴿فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾: أي: أقبل توبتهم. ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ﴾: أي على من تاب.
﴿الرَّحِيمُ﴾ أي رحيم بالخلق أن أعذبهم بعد توبتهم من كفرهم.
* *
ثم قال: ﴿إِن الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ﴾.
أي: أبعدهم الله وأسحقهم من رحمته.
﴿وَٱلْمَلاۤئِكَةِ﴾: أي ولعنة الملائكة.
﴿وَٱلنَّاسِ﴾: يعني قول الناس: ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ﴾. وعني بالناس أجمعين هنا المؤمنون خاصة. قاله قتادة والربيع.
وعن أبي العالية أن ذلك يكون يوم القيامة، قال: "إن الكافر يوقف يوم القيامة فيلعنه الله، ثم تلعنه الملائكة، ثم يلعنه الناس أجمعون". وهو اختيار الطبري واحتج بقوله تعالى: ﴿أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨].
وقال السدي في قوله: ﴿وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾: "أنه لا يتلاعن إثنان مؤمنان ولا كافران فيقول أحدهما: "لعن الله الظالم" إلا وجبت تلك اللعنة على الكافر لأنه ظالم، فكل واحد من الخلق يلعنه".
* *
ثم قال تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ﴾.
أي: خالدين في جهنم باللعنة، لا يخفف عنهم العذاب يوم القيامة ولا هم ينظرون لمعتذرة يعتذرون بها كما قال: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥] ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦]. قاله أبو العالية.
[و] إنما جاء لفظ ﴿ٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ بلفظ العموم، وقد علم أن أهل دينهم لا يلعنونهم لأنهم وإن كانوا لا يقصدون باللعنة أهل دينهم فلا بد لهم أن يقولوا: "لعن الله الظالم" أو "الظالمين" فيدخل في ذلك كل كافر كائناً من كان.
* *
ثم قال: ﴿وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ﴾. أي: معبودكم أيها الناس واحد، لا معبود غيره يستحق العبادة.
﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ﴾ أي: الرحمن بجميع خلقه، الرحيم بأوليائه.
ومعنى "واحد" في صفته ونعته وأنه لا شبيه له ولا نظير. وليس معناه واحداً في العدد لأن كل مفرد من المخلوقات واحد في العدد، فالمعنى أنه من فرد واحد في الألوهية والقدرة والصفات [لا ثاني] له.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾ الآية.
هذه الآية فيها تنبيه من الله عز وجل لخلقه على قدرته ونعمه. والآية دالة على توحيده المقدم ذكره في الآية الأولى.
والمعنى: إن في رتبة هذه الأشياء وحدوثها وإحكام صنعتها لعلامات بينة، ودلالة واضحة على توحيد خالقها وإيجاب العبادة له دون غيره لقوم يعقلون.
وروي أن قوله: ﴿وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ﴾ الآية، لما نزلت، قال المشركون: "ما البرهان على ذلك ونحن ننكر ذلك، ونزعم أن لنا آلهة كثيرة؟ فأنزل الله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ الآية، احتجاجاً عليهم فيما ادّعوا. هذا قول عطاء.
والمعنى بهذه القدرة والآيات تعلمون أن الإله إله واحد لا تجب العبادة إلا له.
وقال أبو الضحى: "لما نزلت: ﴿وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ﴾ الآية، قال المشركون: إن كان هذه هكذا، فليأتنا بآية. فأنزل الله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ الآية.
وروى ابن جبير أن قريشاً سألت اليهود عما جاءهم به موسى من الآيات فحدثوهم بالعصا وبيده بيضاء، وسألوا النصارى عما جاءهم به عيسى ﷺ من الآيات، فحدثوهم أنه كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله. فقالت قريش للنبي ﷺ: "ادع الله أن يجعل لنا الصفا ذهباً، فنزداد يقيناً ونتقوى به على عدونا". فسأل النبي ﷺ ربّه، فأوحى الله عز وجل إليه: "إني أعطيهم أن أجعل لهم الصفا ذهباً، ولكن إن كذبوا بعد، عذبتهم عذاباً لم أعذبه أحداً من العالمين". فقال النبي ﷺ: "دَعْنِي وَقَوْمِي فَأَدْعُوهُم يَوْماً بِيَوْمٍ فَأَنْزَلَ الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ الآية. أي: إن في ذلك لآية لهم إن كانوا يريدون أن أجعل لهم آية. وقاله السدي وغيره.
البقرة 2:165
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَاداً﴾ إلى قوله: ﴿مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾.
أي: ومن الناس من يعبد آلهة وأصناماً من دون الله، يحبون الأصنام كحبهم لله. أي يُسوّون بين الله وبين الأصنام في المحبة، والمؤمنون أشد حباً لله من الكفار لآلهتهم.
وجاءت الهاء والميم للأصنام وهي لا تعقل لأنها كانت عندهم ممن يعقل ويفهم، فخوطبوا على ما كان في ظنهم فأجريت مجرى من يعقل بالهاء والميم.
قال ابن مسعود: "قال رسول الله [عليه السلام]: "مَنْ مَاتَ يَجْعَلُ لله نِداً، أَدْخَلَهُ اللهُ النَّارَ"، وأنا أقول: "من مات لا يجعل لله نداً، أدخله الله الجنة".
وقيل: المعنى: يحبون الأصنام كحبكم أنتم الله، وأنتم أشد حباً لله من الكفار لآلهتهم.
وقيل: جاء ضمير الأصنام بالهاء والميم، وهي لا تعقل لأنهم لما عبدوها أنزلوها منزلة من يعقل.
وقال السدي: "الأنداد هنا ساداتهم الذين كانوا يطيعونهم كما يطيعون الله.
* *
ثم قال: ﴿وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ﴾.
أي: ولو ترى يا محمد الذين كفروا وظلموا أنفسهم حين يرون عذاب الله لرأيت أمراً عظيماً، ولعلمت أن القوة لله جميعاً.
فجواب "لو" محذوف، وفتح "أن" على تقدير فعل محذوف وهو جواب "لو".
وقيل: إن "أنْ" فتحت بـ "تَرَى". وهو قول المبرد والأخفش.
و "ترى" بمعنى تعلم، التقدير: "ولو يعلم الذين ظلموا جميعاً لتبينوا ضرر اتخاذهم الآلهة دون الله". وهذا إنما يكون على قراءة من قرأ بالياء.
وقيل: معنى: "ترى" تنظر، وأن التقدير: ولو تنظر يا محمد الذين ظلموا حين يرون العذاب لأقروا أن القوة لله.
وقيل: فتحت "إن" على تقدير اللام أي: لأن القوة لله، والجواب أيضاً محذوف تقديره: لعلموا مبلغ عذاب الله ونحوه.
ومن كسر "إِنّ" كسرها على الابتداء، وجواب "لو" محذوف أيضاً.
وقيل: إنَّ كسرَها على إضمار القول أي: "يَقولونَ: إِنَّ القُوَّةَ للهِ".
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ﴾.
والمعنى: وإِن الله شديد العذاب حين تبرأ الذين اتُّبعوا - وهم سادات الكفار وأهل الرأي منهم الجبابرة - من الذين اتَّبعوا - وهم أتباع السادات.
﴿وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ﴾: أي: ورأى الجميع عذاب الله وذلك كله في القيامة.
* *
﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ﴾.
يعني القرابات التي كانت بينهم في الدنيا والصداقات فلم ينتفعوا. هذا قول قتادة وعطاء والربيع.
والهاء في "بِهِمْ" ترجع على التابعين والمتبوعين. وكذلك الهاء في "يُرِيهِمْ" و "أعْمالِهمْ".
وقال السدي: "الذين اتبعوا هم الشياطين تبرأُوا في القيامة ممن اتبعهم من الإنس".
وقيل: الآية عامة في كل من اتبع على شرك تبرأوا في الآخرة ممن اتبعهم.
قال مجاهد: "الأسباب: الوصايل والمودة". وقاله ابن عباس.
قال قتادة: "صارت مواصلتهم في الدنيا عداوة يوم القيامة".
قال تعالى ذكره: ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [العنكبوت: ٢٥].
وقال: ﴿ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧].
وعن ابن عباس أيضاً: "أن الأسباب هي المنازل التي كانت لهم من أهل الدنيا". وعنه أيضاً: "الأسباب: الأرحام".
وقال السدي: "الأسباب الأعمال التي كانوا يعملونها في الدنيا". وقاله ابن زيد.
﴿تَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ﴾: أعمال أهل التقوى.
وقيل: أعطوا [أسباب أعمالهم السيئة، وتقطعت بهم أسباب] أعمال أهل التقوى. وأصل "السبب" الحبل يتعلق به إلى الحاجة التي لا يوصل إليها إلا بالتعلق، ثم يقال لكل ما هو سبب إلى حاجة: سبب وإن لم يكن حبلاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ﴾.
أي: وقال الأتباع: لو أن لنا رجعة إلى الدنيا فنبرأ من هؤلاء القادة الجبابرة الذين اتبعناهم في الدنيا على الشرك كما تبرأوا منا الآن.
* *
ثم قال ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ .
أي: كما أراهم الله العذاب وتبرأ بعضهم من بعض كذلك يريهم أعمالهم حسرات عليهم: أي ندامات.
والمعنى: كذلك يريهم الله عذاب أعمالهم السيئة ليتحسروا على عملها. قاله الربيع وابن زيد. وهو اختيار الطبري.
وقيل: المعنى: كذلك يريهم الله ثواب أعمالهم التي افترضها الله عليهم في الدنيا فضيعوها، ولم يعملوا بها ليتحسروا على تركها.
قال السدي: "يرفع الله لهم الجنة فينظرون إليها وإلى بيوتهم فيها لو أنهم أطاعوا الله، فيقال لهم: تلك مساكنكم لو أطعتم الله، ثم تقسم بين المؤمنين فيريهم الله ذلك، فذلك حين يندمون". وقال ابن مسعود: "ليس من نفس إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة وبيت في النار وهو يوم الحسرة؛ فيرى أهل النار البيت الذي في الجنة فيقال لهم: لو عملتم، فتأخذهم الحسرة. ويرى أهل الجنة البيت الذي في النار، فيقال لهم: لولا أن الله مَنَّ عليكم".
فالمعنى على هذا: كذلك يريهم الله ثواب أعمالهم التي كانت تلزمهم في الدنيا فتركوها وضيعوها حسرات عليهم.
والحسرة في اللغة: أشد الندامة.
* *
ثم قال: ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ﴾.
أي: ليسوا يخرجون من النار أبداً، يعني به القوم الذين تقدمت صفتهم وتبرأ بعضهم من بعض، وتمنى بعضهم الرجعة إلى الدنيا. وهذه الآية تدل على فساد قول من زعم أن عذاب الله عز وجل للكفار له نهاية.
* *
وقوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً﴾.
أي: كلوا مما أحل الله لكم من الأطعمة على لسان محمد ﷺ.
قوله: ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ﴾.
قال ابن عباس: "خطواته: عمله".
وقال مجاهد: "خطاياه". وهو قول قتادة والضحاك وابن زيد. أي: خطاياه التي يأمر بها ويدعو إليها.
وقال السدي: "خطوات الشيطان: طاعته".
وقال أبو مجلز: "هي النذور في المعاصي".
* *
قوله: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾.
أي: ظاهر العداوة، فالمعنى: النهي عن اتباع ما يدعو إليه الشيطان مما هو خلاف لطاعة الله عز وجل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِٱلسُّوۤءِ﴾.
أي بما يسوؤكم، ولا تسركم عاقبته.
﴿وَٱلْفَحْشَآءِ﴾: أي: ما فحش ذكره مثل الزنا والكفر.
قال السدي: "السوء: المعصية، والفحشاء: الزنا".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾. أي ويأمركم أن تقولوا ذلك، وهو تحريم البحائر والسوائب والوصائل والحوام التي كانت أهل الجاهلية تحرمه، ولم يأمر الله بذلك.
البقرة 2:166
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَاداً﴾ إلى قوله: ﴿مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾.
أي: ومن الناس من يعبد آلهة وأصناماً من دون الله، يحبون الأصنام كحبهم لله. أي يُسوّون بين الله وبين الأصنام في المحبة، والمؤمنون أشد حباً لله من الكفار لآلهتهم.
وجاءت الهاء والميم للأصنام وهي لا تعقل لأنها كانت عندهم ممن يعقل ويفهم، فخوطبوا على ما كان في ظنهم فأجريت مجرى من يعقل بالهاء والميم.
قال ابن مسعود: "قال رسول الله [عليه السلام]: "مَنْ مَاتَ يَجْعَلُ لله نِداً، أَدْخَلَهُ اللهُ النَّارَ"، وأنا أقول: "من مات لا يجعل لله نداً، أدخله الله الجنة".
وقيل: المعنى: يحبون الأصنام كحبكم أنتم الله، وأنتم أشد حباً لله من الكفار لآلهتهم.
وقيل: جاء ضمير الأصنام بالهاء والميم، وهي لا تعقل لأنهم لما عبدوها أنزلوها منزلة من يعقل.
وقال السدي: "الأنداد هنا ساداتهم الذين كانوا يطيعونهم كما يطيعون الله.
* *
ثم قال: ﴿وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ﴾.
أي: ولو ترى يا محمد الذين كفروا وظلموا أنفسهم حين يرون عذاب الله لرأيت أمراً عظيماً، ولعلمت أن القوة لله جميعاً.
فجواب "لو" محذوف، وفتح "أن" على تقدير فعل محذوف وهو جواب "لو".
وقيل: إن "أنْ" فتحت بـ "تَرَى". وهو قول المبرد والأخفش.
و "ترى" بمعنى تعلم، التقدير: "ولو يعلم الذين ظلموا جميعاً لتبينوا ضرر اتخاذهم الآلهة دون الله". وهذا إنما يكون على قراءة من قرأ بالياء.
وقيل: معنى: "ترى" تنظر، وأن التقدير: ولو تنظر يا محمد الذين ظلموا حين يرون العذاب لأقروا أن القوة لله.
وقيل: فتحت "إن" على تقدير اللام أي: لأن القوة لله، والجواب أيضاً محذوف تقديره: لعلموا مبلغ عذاب الله ونحوه.
ومن كسر "إِنّ" كسرها على الابتداء، وجواب "لو" محذوف أيضاً.
وقيل: إنَّ كسرَها على إضمار القول أي: "يَقولونَ: إِنَّ القُوَّةَ للهِ".
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ﴾.
والمعنى: وإِن الله شديد العذاب حين تبرأ الذين اتُّبعوا - وهم سادات الكفار وأهل الرأي منهم الجبابرة - من الذين اتَّبعوا - وهم أتباع السادات.
﴿وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ﴾: أي: ورأى الجميع عذاب الله وذلك كله في القيامة.
* *
﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ﴾.
يعني القرابات التي كانت بينهم في الدنيا والصداقات فلم ينتفعوا. هذا قول قتادة وعطاء والربيع.
والهاء في "بِهِمْ" ترجع على التابعين والمتبوعين. وكذلك الهاء في "يُرِيهِمْ" و "أعْمالِهمْ".
وقال السدي: "الذين اتبعوا هم الشياطين تبرأُوا في القيامة ممن اتبعهم من الإنس".
وقيل: الآية عامة في كل من اتبع على شرك تبرأوا في الآخرة ممن اتبعهم.
قال مجاهد: "الأسباب: الوصايل والمودة". وقاله ابن عباس.
قال قتادة: "صارت مواصلتهم في الدنيا عداوة يوم القيامة".
قال تعالى ذكره: ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [العنكبوت: ٢٥].
وقال: ﴿ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧].
وعن ابن عباس أيضاً: "أن الأسباب هي المنازل التي كانت لهم من أهل الدنيا". وعنه أيضاً: "الأسباب: الأرحام".
وقال السدي: "الأسباب الأعمال التي كانوا يعملونها في الدنيا". وقاله ابن زيد.
﴿تَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ﴾: أعمال أهل التقوى.
وقيل: أعطوا [أسباب أعمالهم السيئة، وتقطعت بهم أسباب] أعمال أهل التقوى. وأصل "السبب" الحبل يتعلق به إلى الحاجة التي لا يوصل إليها إلا بالتعلق، ثم يقال لكل ما هو سبب إلى حاجة: سبب وإن لم يكن حبلاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ﴾.
أي: وقال الأتباع: لو أن لنا رجعة إلى الدنيا فنبرأ من هؤلاء القادة الجبابرة الذين اتبعناهم في الدنيا على الشرك كما تبرأوا منا الآن.
* *
ثم قال ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ .
أي: كما أراهم الله العذاب وتبرأ بعضهم من بعض كذلك يريهم أعمالهم حسرات عليهم: أي ندامات.
والمعنى: كذلك يريهم الله عذاب أعمالهم السيئة ليتحسروا على عملها. قاله الربيع وابن زيد. وهو اختيار الطبري.
وقيل: المعنى: كذلك يريهم الله ثواب أعمالهم التي افترضها الله عليهم في الدنيا فضيعوها، ولم يعملوا بها ليتحسروا على تركها.
قال السدي: "يرفع الله لهم الجنة فينظرون إليها وإلى بيوتهم فيها لو أنهم أطاعوا الله، فيقال لهم: تلك مساكنكم لو أطعتم الله، ثم تقسم بين المؤمنين فيريهم الله ذلك، فذلك حين يندمون". وقال ابن مسعود: "ليس من نفس إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة وبيت في النار وهو يوم الحسرة؛ فيرى أهل النار البيت الذي في الجنة فيقال لهم: لو عملتم، فتأخذهم الحسرة. ويرى أهل الجنة البيت الذي في النار، فيقال لهم: لولا أن الله مَنَّ عليكم".
فالمعنى على هذا: كذلك يريهم الله ثواب أعمالهم التي كانت تلزمهم في الدنيا فتركوها وضيعوها حسرات عليهم.
والحسرة في اللغة: أشد الندامة.
* *
ثم قال: ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ﴾.
أي: ليسوا يخرجون من النار أبداً، يعني به القوم الذين تقدمت صفتهم وتبرأ بعضهم من بعض، وتمنى بعضهم الرجعة إلى الدنيا. وهذه الآية تدل على فساد قول من زعم أن عذاب الله عز وجل للكفار له نهاية.
* *
وقوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً﴾.
أي: كلوا مما أحل الله لكم من الأطعمة على لسان محمد ﷺ.
قوله: ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ﴾.
قال ابن عباس: "خطواته: عمله".
وقال مجاهد: "خطاياه". وهو قول قتادة والضحاك وابن زيد. أي: خطاياه التي يأمر بها ويدعو إليها.
وقال السدي: "خطوات الشيطان: طاعته".
وقال أبو مجلز: "هي النذور في المعاصي".
* *
قوله: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾.
أي: ظاهر العداوة، فالمعنى: النهي عن اتباع ما يدعو إليه الشيطان مما هو خلاف لطاعة الله عز وجل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِٱلسُّوۤءِ﴾.
أي بما يسوؤكم، ولا تسركم عاقبته.
﴿وَٱلْفَحْشَآءِ﴾: أي: ما فحش ذكره مثل الزنا والكفر.
قال السدي: "السوء: المعصية، والفحشاء: الزنا".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾. أي ويأمركم أن تقولوا ذلك، وهو تحريم البحائر والسوائب والوصائل والحوام التي كانت أهل الجاهلية تحرمه، ولم يأمر الله بذلك.
البقرة 2:167
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَاداً﴾ إلى قوله: ﴿مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾.
أي: ومن الناس من يعبد آلهة وأصناماً من دون الله، يحبون الأصنام كحبهم لله. أي يُسوّون بين الله وبين الأصنام في المحبة، والمؤمنون أشد حباً لله من الكفار لآلهتهم.
وجاءت الهاء والميم للأصنام وهي لا تعقل لأنها كانت عندهم ممن يعقل ويفهم، فخوطبوا على ما كان في ظنهم فأجريت مجرى من يعقل بالهاء والميم.
قال ابن مسعود: "قال رسول الله [عليه السلام]: "مَنْ مَاتَ يَجْعَلُ لله نِداً، أَدْخَلَهُ اللهُ النَّارَ"، وأنا أقول: "من مات لا يجعل لله نداً، أدخله الله الجنة".
وقيل: المعنى: يحبون الأصنام كحبكم أنتم الله، وأنتم أشد حباً لله من الكفار لآلهتهم.
وقيل: جاء ضمير الأصنام بالهاء والميم، وهي لا تعقل لأنهم لما عبدوها أنزلوها منزلة من يعقل.
وقال السدي: "الأنداد هنا ساداتهم الذين كانوا يطيعونهم كما يطيعون الله.
* *
ثم قال: ﴿وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ﴾.
أي: ولو ترى يا محمد الذين كفروا وظلموا أنفسهم حين يرون عذاب الله لرأيت أمراً عظيماً، ولعلمت أن القوة لله جميعاً.
فجواب "لو" محذوف، وفتح "أن" على تقدير فعل محذوف وهو جواب "لو".
وقيل: إن "أنْ" فتحت بـ "تَرَى". وهو قول المبرد والأخفش.
و "ترى" بمعنى تعلم، التقدير: "ولو يعلم الذين ظلموا جميعاً لتبينوا ضرر اتخاذهم الآلهة دون الله". وهذا إنما يكون على قراءة من قرأ بالياء.
وقيل: معنى: "ترى" تنظر، وأن التقدير: ولو تنظر يا محمد الذين ظلموا حين يرون العذاب لأقروا أن القوة لله.
وقيل: فتحت "إن" على تقدير اللام أي: لأن القوة لله، والجواب أيضاً محذوف تقديره: لعلموا مبلغ عذاب الله ونحوه.
ومن كسر "إِنّ" كسرها على الابتداء، وجواب "لو" محذوف أيضاً.
وقيل: إنَّ كسرَها على إضمار القول أي: "يَقولونَ: إِنَّ القُوَّةَ للهِ".
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ﴾.
والمعنى: وإِن الله شديد العذاب حين تبرأ الذين اتُّبعوا - وهم سادات الكفار وأهل الرأي منهم الجبابرة - من الذين اتَّبعوا - وهم أتباع السادات.
﴿وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ﴾: أي: ورأى الجميع عذاب الله وذلك كله في القيامة.
* *
﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ﴾.
يعني القرابات التي كانت بينهم في الدنيا والصداقات فلم ينتفعوا. هذا قول قتادة وعطاء والربيع.
والهاء في "بِهِمْ" ترجع على التابعين والمتبوعين. وكذلك الهاء في "يُرِيهِمْ" و "أعْمالِهمْ".
وقال السدي: "الذين اتبعوا هم الشياطين تبرأُوا في القيامة ممن اتبعهم من الإنس".
وقيل: الآية عامة في كل من اتبع على شرك تبرأوا في الآخرة ممن اتبعهم.
قال مجاهد: "الأسباب: الوصايل والمودة". وقاله ابن عباس.
قال قتادة: "صارت مواصلتهم في الدنيا عداوة يوم القيامة".
قال تعالى ذكره: ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [العنكبوت: ٢٥].
وقال: ﴿ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧].
وعن ابن عباس أيضاً: "أن الأسباب هي المنازل التي كانت لهم من أهل الدنيا". وعنه أيضاً: "الأسباب: الأرحام".
وقال السدي: "الأسباب الأعمال التي كانوا يعملونها في الدنيا". وقاله ابن زيد.
﴿تَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ﴾: أعمال أهل التقوى.
وقيل: أعطوا [أسباب أعمالهم السيئة، وتقطعت بهم أسباب] أعمال أهل التقوى. وأصل "السبب" الحبل يتعلق به إلى الحاجة التي لا يوصل إليها إلا بالتعلق، ثم يقال لكل ما هو سبب إلى حاجة: سبب وإن لم يكن حبلاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ﴾.
أي: وقال الأتباع: لو أن لنا رجعة إلى الدنيا فنبرأ من هؤلاء القادة الجبابرة الذين اتبعناهم في الدنيا على الشرك كما تبرأوا منا الآن.
* *
ثم قال ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ .
أي: كما أراهم الله العذاب وتبرأ بعضهم من بعض كذلك يريهم أعمالهم حسرات عليهم: أي ندامات.
والمعنى: كذلك يريهم الله عذاب أعمالهم السيئة ليتحسروا على عملها. قاله الربيع وابن زيد. وهو اختيار الطبري.
وقيل: المعنى: كذلك يريهم الله ثواب أعمالهم التي افترضها الله عليهم في الدنيا فضيعوها، ولم يعملوا بها ليتحسروا على تركها.
قال السدي: "يرفع الله لهم الجنة فينظرون إليها وإلى بيوتهم فيها لو أنهم أطاعوا الله، فيقال لهم: تلك مساكنكم لو أطعتم الله، ثم تقسم بين المؤمنين فيريهم الله ذلك، فذلك حين يندمون". وقال ابن مسعود: "ليس من نفس إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة وبيت في النار وهو يوم الحسرة؛ فيرى أهل النار البيت الذي في الجنة فيقال لهم: لو عملتم، فتأخذهم الحسرة. ويرى أهل الجنة البيت الذي في النار، فيقال لهم: لولا أن الله مَنَّ عليكم".
فالمعنى على هذا: كذلك يريهم الله ثواب أعمالهم التي كانت تلزمهم في الدنيا فتركوها وضيعوها حسرات عليهم.
والحسرة في اللغة: أشد الندامة.
* *
ثم قال: ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ﴾.
أي: ليسوا يخرجون من النار أبداً، يعني به القوم الذين تقدمت صفتهم وتبرأ بعضهم من بعض، وتمنى بعضهم الرجعة إلى الدنيا. وهذه الآية تدل على فساد قول من زعم أن عذاب الله عز وجل للكفار له نهاية.
* *
وقوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً﴾.
أي: كلوا مما أحل الله لكم من الأطعمة على لسان محمد ﷺ.
قوله: ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ﴾.
قال ابن عباس: "خطواته: عمله".
وقال مجاهد: "خطاياه". وهو قول قتادة والضحاك وابن زيد. أي: خطاياه التي يأمر بها ويدعو إليها.
وقال السدي: "خطوات الشيطان: طاعته".
وقال أبو مجلز: "هي النذور في المعاصي".
* *
قوله: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾.
أي: ظاهر العداوة، فالمعنى: النهي عن اتباع ما يدعو إليه الشيطان مما هو خلاف لطاعة الله عز وجل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِٱلسُّوۤءِ﴾.
أي بما يسوؤكم، ولا تسركم عاقبته.
﴿وَٱلْفَحْشَآءِ﴾: أي: ما فحش ذكره مثل الزنا والكفر.
قال السدي: "السوء: المعصية، والفحشاء: الزنا".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾. أي ويأمركم أن تقولوا ذلك، وهو تحريم البحائر والسوائب والوصائل والحوام التي كانت أهل الجاهلية تحرمه، ولم يأمر الله بذلك.
البقرة 2:168
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَاداً﴾ إلى قوله: ﴿مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾.
أي: ومن الناس من يعبد آلهة وأصناماً من دون الله، يحبون الأصنام كحبهم لله. أي يُسوّون بين الله وبين الأصنام في المحبة، والمؤمنون أشد حباً لله من الكفار لآلهتهم.
وجاءت الهاء والميم للأصنام وهي لا تعقل لأنها كانت عندهم ممن يعقل ويفهم، فخوطبوا على ما كان في ظنهم فأجريت مجرى من يعقل بالهاء والميم.
قال ابن مسعود: "قال رسول الله [عليه السلام]: "مَنْ مَاتَ يَجْعَلُ لله نِداً، أَدْخَلَهُ اللهُ النَّارَ"، وأنا أقول: "من مات لا يجعل لله نداً، أدخله الله الجنة".
وقيل: المعنى: يحبون الأصنام كحبكم أنتم الله، وأنتم أشد حباً لله من الكفار لآلهتهم.
وقيل: جاء ضمير الأصنام بالهاء والميم، وهي لا تعقل لأنهم لما عبدوها أنزلوها منزلة من يعقل.
وقال السدي: "الأنداد هنا ساداتهم الذين كانوا يطيعونهم كما يطيعون الله.
* *
ثم قال: ﴿وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ﴾.
أي: ولو ترى يا محمد الذين كفروا وظلموا أنفسهم حين يرون عذاب الله لرأيت أمراً عظيماً، ولعلمت أن القوة لله جميعاً.
فجواب "لو" محذوف، وفتح "أن" على تقدير فعل محذوف وهو جواب "لو".
وقيل: إن "أنْ" فتحت بـ "تَرَى". وهو قول المبرد والأخفش.
و "ترى" بمعنى تعلم، التقدير: "ولو يعلم الذين ظلموا جميعاً لتبينوا ضرر اتخاذهم الآلهة دون الله". وهذا إنما يكون على قراءة من قرأ بالياء.
وقيل: معنى: "ترى" تنظر، وأن التقدير: ولو تنظر يا محمد الذين ظلموا حين يرون العذاب لأقروا أن القوة لله.
وقيل: فتحت "إن" على تقدير اللام أي: لأن القوة لله، والجواب أيضاً محذوف تقديره: لعلموا مبلغ عذاب الله ونحوه.
ومن كسر "إِنّ" كسرها على الابتداء، وجواب "لو" محذوف أيضاً.
وقيل: إنَّ كسرَها على إضمار القول أي: "يَقولونَ: إِنَّ القُوَّةَ للهِ".
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ﴾.
والمعنى: وإِن الله شديد العذاب حين تبرأ الذين اتُّبعوا - وهم سادات الكفار وأهل الرأي منهم الجبابرة - من الذين اتَّبعوا - وهم أتباع السادات.
﴿وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ﴾: أي: ورأى الجميع عذاب الله وذلك كله في القيامة.
* *
﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ﴾.
يعني القرابات التي كانت بينهم في الدنيا والصداقات فلم ينتفعوا. هذا قول قتادة وعطاء والربيع.
والهاء في "بِهِمْ" ترجع على التابعين والمتبوعين. وكذلك الهاء في "يُرِيهِمْ" و "أعْمالِهمْ".
وقال السدي: "الذين اتبعوا هم الشياطين تبرأُوا في القيامة ممن اتبعهم من الإنس".
وقيل: الآية عامة في كل من اتبع على شرك تبرأوا في الآخرة ممن اتبعهم.
قال مجاهد: "الأسباب: الوصايل والمودة". وقاله ابن عباس.
قال قتادة: "صارت مواصلتهم في الدنيا عداوة يوم القيامة".
قال تعالى ذكره: ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [العنكبوت: ٢٥].
وقال: ﴿ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧].
وعن ابن عباس أيضاً: "أن الأسباب هي المنازل التي كانت لهم من أهل الدنيا". وعنه أيضاً: "الأسباب: الأرحام".
وقال السدي: "الأسباب الأعمال التي كانوا يعملونها في الدنيا". وقاله ابن زيد.
﴿تَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ﴾: أعمال أهل التقوى.
وقيل: أعطوا [أسباب أعمالهم السيئة، وتقطعت بهم أسباب] أعمال أهل التقوى. وأصل "السبب" الحبل يتعلق به إلى الحاجة التي لا يوصل إليها إلا بالتعلق، ثم يقال لكل ما هو سبب إلى حاجة: سبب وإن لم يكن حبلاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ﴾.
أي: وقال الأتباع: لو أن لنا رجعة إلى الدنيا فنبرأ من هؤلاء القادة الجبابرة الذين اتبعناهم في الدنيا على الشرك كما تبرأوا منا الآن.
* *
ثم قال ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ .
أي: كما أراهم الله العذاب وتبرأ بعضهم من بعض كذلك يريهم أعمالهم حسرات عليهم: أي ندامات.
والمعنى: كذلك يريهم الله عذاب أعمالهم السيئة ليتحسروا على عملها. قاله الربيع وابن زيد. وهو اختيار الطبري.
وقيل: المعنى: كذلك يريهم الله ثواب أعمالهم التي افترضها الله عليهم في الدنيا فضيعوها، ولم يعملوا بها ليتحسروا على تركها.
قال السدي: "يرفع الله لهم الجنة فينظرون إليها وإلى بيوتهم فيها لو أنهم أطاعوا الله، فيقال لهم: تلك مساكنكم لو أطعتم الله، ثم تقسم بين المؤمنين فيريهم الله ذلك، فذلك حين يندمون". وقال ابن مسعود: "ليس من نفس إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة وبيت في النار وهو يوم الحسرة؛ فيرى أهل النار البيت الذي في الجنة فيقال لهم: لو عملتم، فتأخذهم الحسرة. ويرى أهل الجنة البيت الذي في النار، فيقال لهم: لولا أن الله مَنَّ عليكم".
فالمعنى على هذا: كذلك يريهم الله ثواب أعمالهم التي كانت تلزمهم في الدنيا فتركوها وضيعوها حسرات عليهم.
والحسرة في اللغة: أشد الندامة.
* *
ثم قال: ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ﴾.
أي: ليسوا يخرجون من النار أبداً، يعني به القوم الذين تقدمت صفتهم وتبرأ بعضهم من بعض، وتمنى بعضهم الرجعة إلى الدنيا. وهذه الآية تدل على فساد قول من زعم أن عذاب الله عز وجل للكفار له نهاية.
* *
وقوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً﴾.
أي: كلوا مما أحل الله لكم من الأطعمة على لسان محمد ﷺ.
قوله: ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ﴾.
قال ابن عباس: "خطواته: عمله".
وقال مجاهد: "خطاياه". وهو قول قتادة والضحاك وابن زيد. أي: خطاياه التي يأمر بها ويدعو إليها.
وقال السدي: "خطوات الشيطان: طاعته".
وقال أبو مجلز: "هي النذور في المعاصي".
* *
قوله: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾.
أي: ظاهر العداوة، فالمعنى: النهي عن اتباع ما يدعو إليه الشيطان مما هو خلاف لطاعة الله عز وجل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِٱلسُّوۤءِ﴾.
أي بما يسوؤكم، ولا تسركم عاقبته.
﴿وَٱلْفَحْشَآءِ﴾: أي: ما فحش ذكره مثل الزنا والكفر.
قال السدي: "السوء: المعصية، والفحشاء: الزنا".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾. أي ويأمركم أن تقولوا ذلك، وهو تحريم البحائر والسوائب والوصائل والحوام التي كانت أهل الجاهلية تحرمه، ولم يأمر الله بذلك.
البقرة 2:169
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَاداً﴾ إلى قوله: ﴿مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾.
أي: ومن الناس من يعبد آلهة وأصناماً من دون الله، يحبون الأصنام كحبهم لله. أي يُسوّون بين الله وبين الأصنام في المحبة، والمؤمنون أشد حباً لله من الكفار لآلهتهم.
وجاءت الهاء والميم للأصنام وهي لا تعقل لأنها كانت عندهم ممن يعقل ويفهم، فخوطبوا على ما كان في ظنهم فأجريت مجرى من يعقل بالهاء والميم.
قال ابن مسعود: "قال رسول الله [عليه السلام]: "مَنْ مَاتَ يَجْعَلُ لله نِداً، أَدْخَلَهُ اللهُ النَّارَ"، وأنا أقول: "من مات لا يجعل لله نداً، أدخله الله الجنة".
وقيل: المعنى: يحبون الأصنام كحبكم أنتم الله، وأنتم أشد حباً لله من الكفار لآلهتهم.
وقيل: جاء ضمير الأصنام بالهاء والميم، وهي لا تعقل لأنهم لما عبدوها أنزلوها منزلة من يعقل.
وقال السدي: "الأنداد هنا ساداتهم الذين كانوا يطيعونهم كما يطيعون الله.
* *
ثم قال: ﴿وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ﴾.
أي: ولو ترى يا محمد الذين كفروا وظلموا أنفسهم حين يرون عذاب الله لرأيت أمراً عظيماً، ولعلمت أن القوة لله جميعاً.
فجواب "لو" محذوف، وفتح "أن" على تقدير فعل محذوف وهو جواب "لو".
وقيل: إن "أنْ" فتحت بـ "تَرَى". وهو قول المبرد والأخفش.
و "ترى" بمعنى تعلم، التقدير: "ولو يعلم الذين ظلموا جميعاً لتبينوا ضرر اتخاذهم الآلهة دون الله". وهذا إنما يكون على قراءة من قرأ بالياء.
وقيل: معنى: "ترى" تنظر، وأن التقدير: ولو تنظر يا محمد الذين ظلموا حين يرون العذاب لأقروا أن القوة لله.
وقيل: فتحت "إن" على تقدير اللام أي: لأن القوة لله، والجواب أيضاً محذوف تقديره: لعلموا مبلغ عذاب الله ونحوه.
ومن كسر "إِنّ" كسرها على الابتداء، وجواب "لو" محذوف أيضاً.
وقيل: إنَّ كسرَها على إضمار القول أي: "يَقولونَ: إِنَّ القُوَّةَ للهِ".
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ﴾.
والمعنى: وإِن الله شديد العذاب حين تبرأ الذين اتُّبعوا - وهم سادات الكفار وأهل الرأي منهم الجبابرة - من الذين اتَّبعوا - وهم أتباع السادات.
﴿وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ﴾: أي: ورأى الجميع عذاب الله وذلك كله في القيامة.
* *
﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ﴾.
يعني القرابات التي كانت بينهم في الدنيا والصداقات فلم ينتفعوا. هذا قول قتادة وعطاء والربيع.
والهاء في "بِهِمْ" ترجع على التابعين والمتبوعين. وكذلك الهاء في "يُرِيهِمْ" و "أعْمالِهمْ".
وقال السدي: "الذين اتبعوا هم الشياطين تبرأُوا في القيامة ممن اتبعهم من الإنس".
وقيل: الآية عامة في كل من اتبع على شرك تبرأوا في الآخرة ممن اتبعهم.
قال مجاهد: "الأسباب: الوصايل والمودة". وقاله ابن عباس.
قال قتادة: "صارت مواصلتهم في الدنيا عداوة يوم القيامة".
قال تعالى ذكره: ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [العنكبوت: ٢٥].
وقال: ﴿ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧].
وعن ابن عباس أيضاً: "أن الأسباب هي المنازل التي كانت لهم من أهل الدنيا". وعنه أيضاً: "الأسباب: الأرحام".
وقال السدي: "الأسباب الأعمال التي كانوا يعملونها في الدنيا". وقاله ابن زيد.
﴿تَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ﴾: أعمال أهل التقوى.
وقيل: أعطوا [أسباب أعمالهم السيئة، وتقطعت بهم أسباب] أعمال أهل التقوى. وأصل "السبب" الحبل يتعلق به إلى الحاجة التي لا يوصل إليها إلا بالتعلق، ثم يقال لكل ما هو سبب إلى حاجة: سبب وإن لم يكن حبلاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ﴾.
أي: وقال الأتباع: لو أن لنا رجعة إلى الدنيا فنبرأ من هؤلاء القادة الجبابرة الذين اتبعناهم في الدنيا على الشرك كما تبرأوا منا الآن.
* *
ثم قال ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ .
أي: كما أراهم الله العذاب وتبرأ بعضهم من بعض كذلك يريهم أعمالهم حسرات عليهم: أي ندامات.
والمعنى: كذلك يريهم الله عذاب أعمالهم السيئة ليتحسروا على عملها. قاله الربيع وابن زيد. وهو اختيار الطبري.
وقيل: المعنى: كذلك يريهم الله ثواب أعمالهم التي افترضها الله عليهم في الدنيا فضيعوها، ولم يعملوا بها ليتحسروا على تركها.
قال السدي: "يرفع الله لهم الجنة فينظرون إليها وإلى بيوتهم فيها لو أنهم أطاعوا الله، فيقال لهم: تلك مساكنكم لو أطعتم الله، ثم تقسم بين المؤمنين فيريهم الله ذلك، فذلك حين يندمون". وقال ابن مسعود: "ليس من نفس إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة وبيت في النار وهو يوم الحسرة؛ فيرى أهل النار البيت الذي في الجنة فيقال لهم: لو عملتم، فتأخذهم الحسرة. ويرى أهل الجنة البيت الذي في النار، فيقال لهم: لولا أن الله مَنَّ عليكم".
فالمعنى على هذا: كذلك يريهم الله ثواب أعمالهم التي كانت تلزمهم في الدنيا فتركوها وضيعوها حسرات عليهم.
والحسرة في اللغة: أشد الندامة.
* *
ثم قال: ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ﴾.
أي: ليسوا يخرجون من النار أبداً، يعني به القوم الذين تقدمت صفتهم وتبرأ بعضهم من بعض، وتمنى بعضهم الرجعة إلى الدنيا. وهذه الآية تدل على فساد قول من زعم أن عذاب الله عز وجل للكفار له نهاية.
* *
وقوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً﴾.
أي: كلوا مما أحل الله لكم من الأطعمة على لسان محمد ﷺ.
قوله: ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ﴾.
قال ابن عباس: "خطواته: عمله".
وقال مجاهد: "خطاياه". وهو قول قتادة والضحاك وابن زيد. أي: خطاياه التي يأمر بها ويدعو إليها.
وقال السدي: "خطوات الشيطان: طاعته".
وقال أبو مجلز: "هي النذور في المعاصي".
* *
قوله: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾.
أي: ظاهر العداوة، فالمعنى: النهي عن اتباع ما يدعو إليه الشيطان مما هو خلاف لطاعة الله عز وجل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِٱلسُّوۤءِ﴾.
أي بما يسوؤكم، ولا تسركم عاقبته.
﴿وَٱلْفَحْشَآءِ﴾: أي: ما فحش ذكره مثل الزنا والكفر.
قال السدي: "السوء: المعصية، والفحشاء: الزنا".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾. أي ويأمركم أن تقولوا ذلك، وهو تحريم البحائر والسوائب والوصائل والحوام التي كانت أهل الجاهلية تحرمه، ولم يأمر الله بذلك.
البقرة 2:170
قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ﴾.
إلى قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
الهاء والميم في "لهُمُ" تعودان على "من" في قوله ﴿مَن يَتَّخِذُ﴾. وقيل: تعودان على "الناس" من قوله: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ﴾. وهو اختيار الطبري.
وذكر ابن عباس أن النبي [عليه السلام] دعا نفراً من اليهود إلى الإسلام، ورغبهم وحذرهم عذاب الله. فقالوا: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ﴾ أي: وجدنا.
فأنزل الله عز وجل في ذلك: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا﴾ الآية.
والمعنى: وإذا قيل لهؤلاء الكفار اتبعوا ما أنزل الله؛ أي: اتبعوا ما حرم الله عليكم فحرموه وما [أحل الله] لكم فحللوه، ولا تحدثوا تحريم ما أحل الله لكم مثل البحائر والوصايل والسوائب والحوام التي قد حرمتم من عند أنفسكم، قالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، فأبوا إلا الكفر واتباع الكفر.
قال الله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾.
أي: لا يعقلون شيئاً من الدين، ولا يهتدون إلى شيء من الخير تتبعونهم. فالمعنى: كيف تتركون ما أمركم به الله عز وجل وتتبعون طريق من لا يهتدي للحق ولا يعقل الخير.
* *
ثم قال: ﴿وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ﴾.
أي: مثل الكافر في قلة فهمه لما يتلى عليه من عند الله عز وجل وما يدعى إليه ويوعظ به، مثل البهيمة التي تسمع الصوت إذا نعق بها، ولا تعقل ما يقال لها.
قال عكرمة: "معناه: مثلهم كمثل البعير أو الحمار تدعوه فيسمع الصوت، ولا يفقه ما تقول له".
قال ابن عباس: "معناه: مثل الكافر كمثل البعير أو الحمار أو الشاة، إذا قلت لبعضها: كُلْ، لم تعلم ما تقول، غير أنها تسمع الصوت. كذلك الكافر إن أمرته بخير أو نهيته عن شر أو وعظته لم يعقل ما تقول غير أنه يسمع صوتك".
قال مجاهد: "هذا مثل ضربه الله تعالى للكافر يسمع ما يقال له، ولا يعقل، كمثل البهيمة تسمع النهيق ولا تعقل".
وعلى هذا المعنى فسره كل المفسرين.
وقوله: ﴿إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً﴾.
أي: لا تعقل البهيمة ما يقال لها، إنما تسمع دعاء ونداء، كذلك الكافر. والذي ينعق هو الراعي للغنم، فكما أن الغنم تسمع صوت الراعي إذا دعا بها ولا تفقهه، كذلك الكفار يسمعون ما يقول لهم محمد ﷺ وما يدعوهم إليه ولا يفهمونه ولذلك قال تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾.
أي: حالهم حال الأصم الأبكم الأعمى، إذ لا ينتفعون بذلك فيما يدعون إليه.
فالمعنى: صم عن سماع الحق [بكم عن قول الحق، عمي عن النظر إلى الحق]. وإنما قدم "صُمّ" في هذا الموضع وفي أول السورة على ما بعده لأنه أشد بلاء مما بعده لأنه يذهب به السمع والعقل. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ٤٢] فذكر ذهاب السمع [مع الصّمّ]، وذكر بعده ذهاب البصر مع العمي لا غير.
وعن ابن عباس أن التقدير: "مثل وعظ الذين كفروا وواعظهم، كمثل الناعق بالغنم، والمنعوق بهم".
فأضيف المثل إلى الذين كفروا، وترك ذكر الوعظ والواعظ لدلالة الكلام عليه. وقيل: التقدير: ومثل الذين كفروا في تخلف فهمهم عن الله عز وجل ورسوله كمثل المنعوق بهم من البهائم.
وقال ابن زيد: "معنى الآية: مثل الذين كفروا في دعائهم الآلهة التي لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع، كمثل الصائح في جوف الليل فيجيبه الصدى، فهو يصيح بما لا يسمع ويجيبه بما لا نفع فيه ولا حقيقة".
وقيل: المعنى: مثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم وهي لا تفهم عنهم، كمثل الناعق بالغنم ينعق بما لا يفهم عنه قوله. فكما لا ينتفع الناعق بالغنم بأن تفهم عنه، كذلك الكافر مع آلهته.
قال سيبويه: "تقديره: "مثلكم ومثل [الذين] كفروا، كمثل الناعق والمنعوق به الذي لا يسمع. قال: فلم يشبهوا بما ينعق، إنما شبهوا بالمنعوق به". وكذا قال أبو عبيدة.
وقال قطرب: "معناها: مثل الذين كفروا في دعائهم ما لا يعقل ولا يسمع، كمثل الراعي إذا [نعق بغنمه، وهو أن يصوت] بها، وهو لا يدري أين هي".
وهذه الآية عند الطبري نزلت في اليهود. وهو قول عطاء. ومعنى ينعق: يصوت.
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.
أي من حلال الرزق الذي أحله الله لكم، وذروا ما حرم عليكم. ﴿وَٱشْكُرُواْ للَّهِ﴾. أي: اثنوا عليه بما هو أهله على نعمه عندكم.
﴿إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾: أي: إن كنتم منقادين لأمره سامعين له مطيعين.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ﴾.
أي: لم يحرم عليكم شيئاً مما حرمتموه على أنفسكم من البحائر والوصائل والسوائب والحوام التي حرمتموها على أنفسكم، إنما حرم عليكم أكل لحم الميتة ولحم الخنزير وأكل الدم وأكل ما ذبح لغير الله مثل ما يذبح للأصنام والأوثان، وما ترك ذكر اسم الله عليه متعمداً، فإنْ تَرَكَه ناسياً فلا شيء عليه.
وهذا المحرم لفظه عام وفيه تخصيص لأن الميتة من الجراد وصيد البحر والدم المخالط للحم الذي هو غير جار وما نسي عليه التسمية كله حلال أكله.
ومعنى: ﴿وَمَآ أُهِلَّ﴾: ما ذبح لغير الله، يعني للأصنام. قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم.
فـ "ما" للأصنام... وقيل: هي للذبائح، للأصنام.
وقيل: للصياح؛ النداءُ الذي ينادى به لغير الله على الذبائح. وأصل الإهلال رفع الصوت.
وقيل: المعنى ما ذكر عليه غير اسم الله.
* *
ثم قال: ﴿فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ﴾.
أي فمن لحقته ضرورة من جوع وجهد وخوف على نفسه من الهلاك، ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ على المسلمين، ولا متعمد للأكل، ﴿وَلاَ عَادٍ﴾، أي متعد على الناس.
وقيل: ﴿وَلاَ عَادٍ﴾ معناه: ولا عائد لأكْلة أخرى لغير ضرورة فيكون من المقلوب، أخرت الياء فصار كقاض.
* *
قوله: ﴿فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. أي: لا حرج عليه في أكل ما يرد به روحه.
وقيل: "معناه: من أكره على أكل شيء من هذا المحرم فلا إثم عليه إنْ أكَله مكرهاً". قاله مجاهد.
وقال ابن عباس: "من أكل شيئاً من هذا وهو مضطر فلا حرج عليه، ومن أكله غير مضطر فقد بغى واعتدى".
قال ابن جبير في قوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ﴾، قال: "هو أن يقطع الطريق فلا رخصة له إذا جاع أن يأكل الميتة، وإذا عطش أن يشرب الخمر".
وهو قول قتادة وعكرمة.
وقال ابن زيد: "لا يأكل ذلك بغياً ولا تعدياً من الحلال إلى الحرام". وقال النخعي: "غير باغ على المسلمين".
قال مجاهد: ﴿وَلاَ عَادٍ﴾: ولا متعد عليهم: من خرج يقطع السبل ويقطع الرحم فلا يحل له شيء من ذلك وإن اضطر".
فذهب إلى أن الباغي قاطع الطريق. والعادي قاطع الرحم.
قال الحسن: "غير باغ فيها، ولا متعد فيها يأكلها، وهو عنها غني".
وقيل: المعنى: غير باغ ما حرم الله، ولا عاد. وله في تركها وجه.
وأجاز بكر القاضي لقاطع الطريق أن يأكل منها إذا اضطر، لأن قتله لنفسه معصية أخرى فلا يأمره بها.
قال مسروق: "ومن اضطر إلى الميتة فأبى أن يأكل حتى مات، دخل النار".
وقال مالك: "من اضطُر، أَكَل شِبَعه منها".
وقال غيره: "إنما يأكل منها ما يقيم به الرمق".
وقيل: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾: غير خارج على المسلمين بسيفه باغياً عليهم ولا عادياً عليهم بحرب ظلماً.
﴿فَلاۤ إِثْمَ﴾ أي: فلا حرج، إن الله غفور رحيم.
البقرة 2:171
قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ﴾.
إلى قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
الهاء والميم في "لهُمُ" تعودان على "من" في قوله ﴿مَن يَتَّخِذُ﴾. وقيل: تعودان على "الناس" من قوله: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ﴾. وهو اختيار الطبري.
وذكر ابن عباس أن النبي [عليه السلام] دعا نفراً من اليهود إلى الإسلام، ورغبهم وحذرهم عذاب الله. فقالوا: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ﴾ أي: وجدنا.
فأنزل الله عز وجل في ذلك: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا﴾ الآية.
والمعنى: وإذا قيل لهؤلاء الكفار اتبعوا ما أنزل الله؛ أي: اتبعوا ما حرم الله عليكم فحرموه وما [أحل الله] لكم فحللوه، ولا تحدثوا تحريم ما أحل الله لكم مثل البحائر والوصايل والسوائب والحوام التي قد حرمتم من عند أنفسكم، قالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، فأبوا إلا الكفر واتباع الكفر.
قال الله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾.
أي: لا يعقلون شيئاً من الدين، ولا يهتدون إلى شيء من الخير تتبعونهم. فالمعنى: كيف تتركون ما أمركم به الله عز وجل وتتبعون طريق من لا يهتدي للحق ولا يعقل الخير.
* *
ثم قال: ﴿وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ﴾.
أي: مثل الكافر في قلة فهمه لما يتلى عليه من عند الله عز وجل وما يدعى إليه ويوعظ به، مثل البهيمة التي تسمع الصوت إذا نعق بها، ولا تعقل ما يقال لها.
قال عكرمة: "معناه: مثلهم كمثل البعير أو الحمار تدعوه فيسمع الصوت، ولا يفقه ما تقول له".
قال ابن عباس: "معناه: مثل الكافر كمثل البعير أو الحمار أو الشاة، إذا قلت لبعضها: كُلْ، لم تعلم ما تقول، غير أنها تسمع الصوت. كذلك الكافر إن أمرته بخير أو نهيته عن شر أو وعظته لم يعقل ما تقول غير أنه يسمع صوتك".
قال مجاهد: "هذا مثل ضربه الله تعالى للكافر يسمع ما يقال له، ولا يعقل، كمثل البهيمة تسمع النهيق ولا تعقل".
وعلى هذا المعنى فسره كل المفسرين.
وقوله: ﴿إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً﴾.
أي: لا تعقل البهيمة ما يقال لها، إنما تسمع دعاء ونداء، كذلك الكافر. والذي ينعق هو الراعي للغنم، فكما أن الغنم تسمع صوت الراعي إذا دعا بها ولا تفقهه، كذلك الكفار يسمعون ما يقول لهم محمد ﷺ وما يدعوهم إليه ولا يفهمونه ولذلك قال تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾.
أي: حالهم حال الأصم الأبكم الأعمى، إذ لا ينتفعون بذلك فيما يدعون إليه.
فالمعنى: صم عن سماع الحق [بكم عن قول الحق، عمي عن النظر إلى الحق]. وإنما قدم "صُمّ" في هذا الموضع وفي أول السورة على ما بعده لأنه أشد بلاء مما بعده لأنه يذهب به السمع والعقل. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ٤٢] فذكر ذهاب السمع [مع الصّمّ]، وذكر بعده ذهاب البصر مع العمي لا غير.
وعن ابن عباس أن التقدير: "مثل وعظ الذين كفروا وواعظهم، كمثل الناعق بالغنم، والمنعوق بهم".
فأضيف المثل إلى الذين كفروا، وترك ذكر الوعظ والواعظ لدلالة الكلام عليه. وقيل: التقدير: ومثل الذين كفروا في تخلف فهمهم عن الله عز وجل ورسوله كمثل المنعوق بهم من البهائم.
وقال ابن زيد: "معنى الآية: مثل الذين كفروا في دعائهم الآلهة التي لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع، كمثل الصائح في جوف الليل فيجيبه الصدى، فهو يصيح بما لا يسمع ويجيبه بما لا نفع فيه ولا حقيقة".
وقيل: المعنى: مثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم وهي لا تفهم عنهم، كمثل الناعق بالغنم ينعق بما لا يفهم عنه قوله. فكما لا ينتفع الناعق بالغنم بأن تفهم عنه، كذلك الكافر مع آلهته.
قال سيبويه: "تقديره: "مثلكم ومثل [الذين] كفروا، كمثل الناعق والمنعوق به الذي لا يسمع. قال: فلم يشبهوا بما ينعق، إنما شبهوا بالمنعوق به". وكذا قال أبو عبيدة.
وقال قطرب: "معناها: مثل الذين كفروا في دعائهم ما لا يعقل ولا يسمع، كمثل الراعي إذا [نعق بغنمه، وهو أن يصوت] بها، وهو لا يدري أين هي".
وهذه الآية عند الطبري نزلت في اليهود. وهو قول عطاء. ومعنى ينعق: يصوت.
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.
أي من حلال الرزق الذي أحله الله لكم، وذروا ما حرم عليكم. ﴿وَٱشْكُرُواْ للَّهِ﴾. أي: اثنوا عليه بما هو أهله على نعمه عندكم.
﴿إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾: أي: إن كنتم منقادين لأمره سامعين له مطيعين.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ﴾.
أي: لم يحرم عليكم شيئاً مما حرمتموه على أنفسكم من البحائر والوصائل والسوائب والحوام التي حرمتموها على أنفسكم، إنما حرم عليكم أكل لحم الميتة ولحم الخنزير وأكل الدم وأكل ما ذبح لغير الله مثل ما يذبح للأصنام والأوثان، وما ترك ذكر اسم الله عليه متعمداً، فإنْ تَرَكَه ناسياً فلا شيء عليه.
وهذا المحرم لفظه عام وفيه تخصيص لأن الميتة من الجراد وصيد البحر والدم المخالط للحم الذي هو غير جار وما نسي عليه التسمية كله حلال أكله.
ومعنى: ﴿وَمَآ أُهِلَّ﴾: ما ذبح لغير الله، يعني للأصنام. قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم.
فـ "ما" للأصنام... وقيل: هي للذبائح، للأصنام.
وقيل: للصياح؛ النداءُ الذي ينادى به لغير الله على الذبائح. وأصل الإهلال رفع الصوت.
وقيل: المعنى ما ذكر عليه غير اسم الله.
* *
ثم قال: ﴿فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ﴾.
أي فمن لحقته ضرورة من جوع وجهد وخوف على نفسه من الهلاك، ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ على المسلمين، ولا متعمد للأكل، ﴿وَلاَ عَادٍ﴾، أي متعد على الناس.
وقيل: ﴿وَلاَ عَادٍ﴾ معناه: ولا عائد لأكْلة أخرى لغير ضرورة فيكون من المقلوب، أخرت الياء فصار كقاض.
* *
قوله: ﴿فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. أي: لا حرج عليه في أكل ما يرد به روحه.
وقيل: "معناه: من أكره على أكل شيء من هذا المحرم فلا إثم عليه إنْ أكَله مكرهاً". قاله مجاهد.
وقال ابن عباس: "من أكل شيئاً من هذا وهو مضطر فلا حرج عليه، ومن أكله غير مضطر فقد بغى واعتدى".
قال ابن جبير في قوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ﴾، قال: "هو أن يقطع الطريق فلا رخصة له إذا جاع أن يأكل الميتة، وإذا عطش أن يشرب الخمر".
وهو قول قتادة وعكرمة.
وقال ابن زيد: "لا يأكل ذلك بغياً ولا تعدياً من الحلال إلى الحرام". وقال النخعي: "غير باغ على المسلمين".
قال مجاهد: ﴿وَلاَ عَادٍ﴾: ولا متعد عليهم: من خرج يقطع السبل ويقطع الرحم فلا يحل له شيء من ذلك وإن اضطر".
فذهب إلى أن الباغي قاطع الطريق. والعادي قاطع الرحم.
قال الحسن: "غير باغ فيها، ولا متعد فيها يأكلها، وهو عنها غني".
وقيل: المعنى: غير باغ ما حرم الله، ولا عاد. وله في تركها وجه.
وأجاز بكر القاضي لقاطع الطريق أن يأكل منها إذا اضطر، لأن قتله لنفسه معصية أخرى فلا يأمره بها.
قال مسروق: "ومن اضطر إلى الميتة فأبى أن يأكل حتى مات، دخل النار".
وقال مالك: "من اضطُر، أَكَل شِبَعه منها".
وقال غيره: "إنما يأكل منها ما يقيم به الرمق".
وقيل: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾: غير خارج على المسلمين بسيفه باغياً عليهم ولا عادياً عليهم بحرب ظلماً.
﴿فَلاۤ إِثْمَ﴾ أي: فلا حرج، إن الله غفور رحيم.
البقرة 2:172
قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ﴾.
إلى قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
الهاء والميم في "لهُمُ" تعودان على "من" في قوله ﴿مَن يَتَّخِذُ﴾. وقيل: تعودان على "الناس" من قوله: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ﴾. وهو اختيار الطبري.
وذكر ابن عباس أن النبي [عليه السلام] دعا نفراً من اليهود إلى الإسلام، ورغبهم وحذرهم عذاب الله. فقالوا: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ﴾ أي: وجدنا.
فأنزل الله عز وجل في ذلك: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا﴾ الآية.
والمعنى: وإذا قيل لهؤلاء الكفار اتبعوا ما أنزل الله؛ أي: اتبعوا ما حرم الله عليكم فحرموه وما [أحل الله] لكم فحللوه، ولا تحدثوا تحريم ما أحل الله لكم مثل البحائر والوصايل والسوائب والحوام التي قد حرمتم من عند أنفسكم، قالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، فأبوا إلا الكفر واتباع الكفر.
قال الله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾.
أي: لا يعقلون شيئاً من الدين، ولا يهتدون إلى شيء من الخير تتبعونهم. فالمعنى: كيف تتركون ما أمركم به الله عز وجل وتتبعون طريق من لا يهتدي للحق ولا يعقل الخير.
* *
ثم قال: ﴿وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ﴾.
أي: مثل الكافر في قلة فهمه لما يتلى عليه من عند الله عز وجل وما يدعى إليه ويوعظ به، مثل البهيمة التي تسمع الصوت إذا نعق بها، ولا تعقل ما يقال لها.
قال عكرمة: "معناه: مثلهم كمثل البعير أو الحمار تدعوه فيسمع الصوت، ولا يفقه ما تقول له".
قال ابن عباس: "معناه: مثل الكافر كمثل البعير أو الحمار أو الشاة، إذا قلت لبعضها: كُلْ، لم تعلم ما تقول، غير أنها تسمع الصوت. كذلك الكافر إن أمرته بخير أو نهيته عن شر أو وعظته لم يعقل ما تقول غير أنه يسمع صوتك".
قال مجاهد: "هذا مثل ضربه الله تعالى للكافر يسمع ما يقال له، ولا يعقل، كمثل البهيمة تسمع النهيق ولا تعقل".
وعلى هذا المعنى فسره كل المفسرين.
وقوله: ﴿إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً﴾.
أي: لا تعقل البهيمة ما يقال لها، إنما تسمع دعاء ونداء، كذلك الكافر. والذي ينعق هو الراعي للغنم، فكما أن الغنم تسمع صوت الراعي إذا دعا بها ولا تفقهه، كذلك الكفار يسمعون ما يقول لهم محمد ﷺ وما يدعوهم إليه ولا يفهمونه ولذلك قال تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾.
أي: حالهم حال الأصم الأبكم الأعمى، إذ لا ينتفعون بذلك فيما يدعون إليه.
فالمعنى: صم عن سماع الحق [بكم عن قول الحق، عمي عن النظر إلى الحق]. وإنما قدم "صُمّ" في هذا الموضع وفي أول السورة على ما بعده لأنه أشد بلاء مما بعده لأنه يذهب به السمع والعقل. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ٤٢] فذكر ذهاب السمع [مع الصّمّ]، وذكر بعده ذهاب البصر مع العمي لا غير.
وعن ابن عباس أن التقدير: "مثل وعظ الذين كفروا وواعظهم، كمثل الناعق بالغنم، والمنعوق بهم".
فأضيف المثل إلى الذين كفروا، وترك ذكر الوعظ والواعظ لدلالة الكلام عليه. وقيل: التقدير: ومثل الذين كفروا في تخلف فهمهم عن الله عز وجل ورسوله كمثل المنعوق بهم من البهائم.
وقال ابن زيد: "معنى الآية: مثل الذين كفروا في دعائهم الآلهة التي لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع، كمثل الصائح في جوف الليل فيجيبه الصدى، فهو يصيح بما لا يسمع ويجيبه بما لا نفع فيه ولا حقيقة".
وقيل: المعنى: مثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم وهي لا تفهم عنهم، كمثل الناعق بالغنم ينعق بما لا يفهم عنه قوله. فكما لا ينتفع الناعق بالغنم بأن تفهم عنه، كذلك الكافر مع آلهته.
قال سيبويه: "تقديره: "مثلكم ومثل [الذين] كفروا، كمثل الناعق والمنعوق به الذي لا يسمع. قال: فلم يشبهوا بما ينعق، إنما شبهوا بالمنعوق به". وكذا قال أبو عبيدة.
وقال قطرب: "معناها: مثل الذين كفروا في دعائهم ما لا يعقل ولا يسمع، كمثل الراعي إذا [نعق بغنمه، وهو أن يصوت] بها، وهو لا يدري أين هي".
وهذه الآية عند الطبري نزلت في اليهود. وهو قول عطاء. ومعنى ينعق: يصوت.
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.
أي من حلال الرزق الذي أحله الله لكم، وذروا ما حرم عليكم. ﴿وَٱشْكُرُواْ للَّهِ﴾. أي: اثنوا عليه بما هو أهله على نعمه عندكم.
﴿إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾: أي: إن كنتم منقادين لأمره سامعين له مطيعين.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ﴾.
أي: لم يحرم عليكم شيئاً مما حرمتموه على أنفسكم من البحائر والوصائل والسوائب والحوام التي حرمتموها على أنفسكم، إنما حرم عليكم أكل لحم الميتة ولحم الخنزير وأكل الدم وأكل ما ذبح لغير الله مثل ما يذبح للأصنام والأوثان، وما ترك ذكر اسم الله عليه متعمداً، فإنْ تَرَكَه ناسياً فلا شيء عليه.
وهذا المحرم لفظه عام وفيه تخصيص لأن الميتة من الجراد وصيد البحر والدم المخالط للحم الذي هو غير جار وما نسي عليه التسمية كله حلال أكله.
ومعنى: ﴿وَمَآ أُهِلَّ﴾: ما ذبح لغير الله، يعني للأصنام. قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم.
فـ "ما" للأصنام... وقيل: هي للذبائح، للأصنام.
وقيل: للصياح؛ النداءُ الذي ينادى به لغير الله على الذبائح. وأصل الإهلال رفع الصوت.
وقيل: المعنى ما ذكر عليه غير اسم الله.
* *
ثم قال: ﴿فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ﴾.
أي فمن لحقته ضرورة من جوع وجهد وخوف على نفسه من الهلاك، ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ على المسلمين، ولا متعمد للأكل، ﴿وَلاَ عَادٍ﴾، أي متعد على الناس.
وقيل: ﴿وَلاَ عَادٍ﴾ معناه: ولا عائد لأكْلة أخرى لغير ضرورة فيكون من المقلوب، أخرت الياء فصار كقاض.
* *
قوله: ﴿فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. أي: لا حرج عليه في أكل ما يرد به روحه.
وقيل: "معناه: من أكره على أكل شيء من هذا المحرم فلا إثم عليه إنْ أكَله مكرهاً". قاله مجاهد.
وقال ابن عباس: "من أكل شيئاً من هذا وهو مضطر فلا حرج عليه، ومن أكله غير مضطر فقد بغى واعتدى".
قال ابن جبير في قوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ﴾، قال: "هو أن يقطع الطريق فلا رخصة له إذا جاع أن يأكل الميتة، وإذا عطش أن يشرب الخمر".
وهو قول قتادة وعكرمة.
وقال ابن زيد: "لا يأكل ذلك بغياً ولا تعدياً من الحلال إلى الحرام". وقال النخعي: "غير باغ على المسلمين".
قال مجاهد: ﴿وَلاَ عَادٍ﴾: ولا متعد عليهم: من خرج يقطع السبل ويقطع الرحم فلا يحل له شيء من ذلك وإن اضطر".
فذهب إلى أن الباغي قاطع الطريق. والعادي قاطع الرحم.
قال الحسن: "غير باغ فيها، ولا متعد فيها يأكلها، وهو عنها غني".
وقيل: المعنى: غير باغ ما حرم الله، ولا عاد. وله في تركها وجه.
وأجاز بكر القاضي لقاطع الطريق أن يأكل منها إذا اضطر، لأن قتله لنفسه معصية أخرى فلا يأمره بها.
قال مسروق: "ومن اضطر إلى الميتة فأبى أن يأكل حتى مات، دخل النار".
وقال مالك: "من اضطُر، أَكَل شِبَعه منها".
وقال غيره: "إنما يأكل منها ما يقيم به الرمق".
وقيل: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾: غير خارج على المسلمين بسيفه باغياً عليهم ولا عادياً عليهم بحرب ظلماً.
﴿فَلاۤ إِثْمَ﴾ أي: فلا حرج، إن الله غفور رحيم.
البقرة 2:173
قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ﴾.
إلى قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
الهاء والميم في "لهُمُ" تعودان على "من" في قوله ﴿مَن يَتَّخِذُ﴾. وقيل: تعودان على "الناس" من قوله: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ﴾. وهو اختيار الطبري.
وذكر ابن عباس أن النبي [عليه السلام] دعا نفراً من اليهود إلى الإسلام، ورغبهم وحذرهم عذاب الله. فقالوا: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ﴾ أي: وجدنا.
فأنزل الله عز وجل في ذلك: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا﴾ الآية.
والمعنى: وإذا قيل لهؤلاء الكفار اتبعوا ما أنزل الله؛ أي: اتبعوا ما حرم الله عليكم فحرموه وما [أحل الله] لكم فحللوه، ولا تحدثوا تحريم ما أحل الله لكم مثل البحائر والوصايل والسوائب والحوام التي قد حرمتم من عند أنفسكم، قالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، فأبوا إلا الكفر واتباع الكفر.
قال الله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾.
أي: لا يعقلون شيئاً من الدين، ولا يهتدون إلى شيء من الخير تتبعونهم. فالمعنى: كيف تتركون ما أمركم به الله عز وجل وتتبعون طريق من لا يهتدي للحق ولا يعقل الخير.
* *
ثم قال: ﴿وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ﴾.
أي: مثل الكافر في قلة فهمه لما يتلى عليه من عند الله عز وجل وما يدعى إليه ويوعظ به، مثل البهيمة التي تسمع الصوت إذا نعق بها، ولا تعقل ما يقال لها.
قال عكرمة: "معناه: مثلهم كمثل البعير أو الحمار تدعوه فيسمع الصوت، ولا يفقه ما تقول له".
قال ابن عباس: "معناه: مثل الكافر كمثل البعير أو الحمار أو الشاة، إذا قلت لبعضها: كُلْ، لم تعلم ما تقول، غير أنها تسمع الصوت. كذلك الكافر إن أمرته بخير أو نهيته عن شر أو وعظته لم يعقل ما تقول غير أنه يسمع صوتك".
قال مجاهد: "هذا مثل ضربه الله تعالى للكافر يسمع ما يقال له، ولا يعقل، كمثل البهيمة تسمع النهيق ولا تعقل".
وعلى هذا المعنى فسره كل المفسرين.
وقوله: ﴿إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً﴾.
أي: لا تعقل البهيمة ما يقال لها، إنما تسمع دعاء ونداء، كذلك الكافر. والذي ينعق هو الراعي للغنم، فكما أن الغنم تسمع صوت الراعي إذا دعا بها ولا تفقهه، كذلك الكفار يسمعون ما يقول لهم محمد ﷺ وما يدعوهم إليه ولا يفهمونه ولذلك قال تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾.
أي: حالهم حال الأصم الأبكم الأعمى، إذ لا ينتفعون بذلك فيما يدعون إليه.
فالمعنى: صم عن سماع الحق [بكم عن قول الحق، عمي عن النظر إلى الحق]. وإنما قدم "صُمّ" في هذا الموضع وفي أول السورة على ما بعده لأنه أشد بلاء مما بعده لأنه يذهب به السمع والعقل. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ٤٢] فذكر ذهاب السمع [مع الصّمّ]، وذكر بعده ذهاب البصر مع العمي لا غير.
وعن ابن عباس أن التقدير: "مثل وعظ الذين كفروا وواعظهم، كمثل الناعق بالغنم، والمنعوق بهم".
فأضيف المثل إلى الذين كفروا، وترك ذكر الوعظ والواعظ لدلالة الكلام عليه. وقيل: التقدير: ومثل الذين كفروا في تخلف فهمهم عن الله عز وجل ورسوله كمثل المنعوق بهم من البهائم.
وقال ابن زيد: "معنى الآية: مثل الذين كفروا في دعائهم الآلهة التي لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع، كمثل الصائح في جوف الليل فيجيبه الصدى، فهو يصيح بما لا يسمع ويجيبه بما لا نفع فيه ولا حقيقة".
وقيل: المعنى: مثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم وهي لا تفهم عنهم، كمثل الناعق بالغنم ينعق بما لا يفهم عنه قوله. فكما لا ينتفع الناعق بالغنم بأن تفهم عنه، كذلك الكافر مع آلهته.
قال سيبويه: "تقديره: "مثلكم ومثل [الذين] كفروا، كمثل الناعق والمنعوق به الذي لا يسمع. قال: فلم يشبهوا بما ينعق، إنما شبهوا بالمنعوق به". وكذا قال أبو عبيدة.
وقال قطرب: "معناها: مثل الذين كفروا في دعائهم ما لا يعقل ولا يسمع، كمثل الراعي إذا [نعق بغنمه، وهو أن يصوت] بها، وهو لا يدري أين هي".
وهذه الآية عند الطبري نزلت في اليهود. وهو قول عطاء. ومعنى ينعق: يصوت.
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.
أي من حلال الرزق الذي أحله الله لكم، وذروا ما حرم عليكم. ﴿وَٱشْكُرُواْ للَّهِ﴾. أي: اثنوا عليه بما هو أهله على نعمه عندكم.
﴿إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾: أي: إن كنتم منقادين لأمره سامعين له مطيعين.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ﴾.
أي: لم يحرم عليكم شيئاً مما حرمتموه على أنفسكم من البحائر والوصائل والسوائب والحوام التي حرمتموها على أنفسكم، إنما حرم عليكم أكل لحم الميتة ولحم الخنزير وأكل الدم وأكل ما ذبح لغير الله مثل ما يذبح للأصنام والأوثان، وما ترك ذكر اسم الله عليه متعمداً، فإنْ تَرَكَه ناسياً فلا شيء عليه.
وهذا المحرم لفظه عام وفيه تخصيص لأن الميتة من الجراد وصيد البحر والدم المخالط للحم الذي هو غير جار وما نسي عليه التسمية كله حلال أكله.
ومعنى: ﴿وَمَآ أُهِلَّ﴾: ما ذبح لغير الله، يعني للأصنام. قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم.
فـ "ما" للأصنام... وقيل: هي للذبائح، للأصنام.
وقيل: للصياح؛ النداءُ الذي ينادى به لغير الله على الذبائح. وأصل الإهلال رفع الصوت.
وقيل: المعنى ما ذكر عليه غير اسم الله.
* *
ثم قال: ﴿فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ﴾.
أي فمن لحقته ضرورة من جوع وجهد وخوف على نفسه من الهلاك، ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ على المسلمين، ولا متعمد للأكل، ﴿وَلاَ عَادٍ﴾، أي متعد على الناس.
وقيل: ﴿وَلاَ عَادٍ﴾ معناه: ولا عائد لأكْلة أخرى لغير ضرورة فيكون من المقلوب، أخرت الياء فصار كقاض.
* *
قوله: ﴿فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. أي: لا حرج عليه في أكل ما يرد به روحه.
وقيل: "معناه: من أكره على أكل شيء من هذا المحرم فلا إثم عليه إنْ أكَله مكرهاً". قاله مجاهد.
وقال ابن عباس: "من أكل شيئاً من هذا وهو مضطر فلا حرج عليه، ومن أكله غير مضطر فقد بغى واعتدى".
قال ابن جبير في قوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ﴾، قال: "هو أن يقطع الطريق فلا رخصة له إذا جاع أن يأكل الميتة، وإذا عطش أن يشرب الخمر".
وهو قول قتادة وعكرمة.
وقال ابن زيد: "لا يأكل ذلك بغياً ولا تعدياً من الحلال إلى الحرام". وقال النخعي: "غير باغ على المسلمين".
قال مجاهد: ﴿وَلاَ عَادٍ﴾: ولا متعد عليهم: من خرج يقطع السبل ويقطع الرحم فلا يحل له شيء من ذلك وإن اضطر".
فذهب إلى أن الباغي قاطع الطريق. والعادي قاطع الرحم.
قال الحسن: "غير باغ فيها، ولا متعد فيها يأكلها، وهو عنها غني".
وقيل: المعنى: غير باغ ما حرم الله، ولا عاد. وله في تركها وجه.
وأجاز بكر القاضي لقاطع الطريق أن يأكل منها إذا اضطر، لأن قتله لنفسه معصية أخرى فلا يأمره بها.
قال مسروق: "ومن اضطر إلى الميتة فأبى أن يأكل حتى مات، دخل النار".
وقال مالك: "من اضطُر، أَكَل شِبَعه منها".
وقال غيره: "إنما يأكل منها ما يقيم به الرمق".
وقيل: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾: غير خارج على المسلمين بسيفه باغياً عليهم ولا عادياً عليهم بحرب ظلماً.
﴿فَلاۤ إِثْمَ﴾ أي: فلا حرج، إن الله غفور رحيم.
البقرة 2:174
قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ﴾. [إلى قوله: ﴿ٱلْمُتَّقُونَ﴾.
هذه الآية عند قتادة وغيره نزلت في أهل الكتاب. كتموا ما أنزل الله عز وجل في كتابهم من أمر محمد ﷺ.
قال ابن عباس: "هم اليهود كتموا اسم محمد ﷺ وأخذوا عليه طمعاً قليلاً". وهو قول السدي والربيع.
وقال عكرمة في هذه الآية وفي قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [آل عمران: ٧٧]: نزلت جميعاً في يهود".
قال ابن مسعود: "قال النبي ﷺ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْطَعُ بِها مالاً لَقِيَ اللهَ، وهُوَ عَلَيْهِ غَضْبانٌ". وتصديقه في كتاب الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾.
* *
ومعنى ﴿يَشْتَرُونَ﴾ يبتاعون به.
والهاء في: "به" تعود على الكتمان، أي: وابتاعوا بكتمانهم ما أنزل الله عز وجل في كتابهم من ذكر محمد ﷺ.
﴿ثَمَناً قَلِيلاً﴾: أي: أخذوا عليه طمعاً قليلاً، أي: أخذوا الرشوة وكتموا ما أنزل الله عز وجل وبدلوه وحرفوه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أُولَـٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ ٱلنَّارَ﴾.
أي: ما يأكلون في بطونهم من الرشا إلا ما يؤديهم إلى النار، ومثله: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ [النساء: ١٠] أي: ما يوردهم النار. فاستغنى في الآيتين بذكر النار لفهم السامعين المعنى لأنه لما كان ما يأكلون من الطيبات بالرشا يوردهم النار كانوا كأنهم يأكلون النار. وإنما قال ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾، وقد علم أن الأكل لا يكون إلا في البطن لأن العرب تقول: "جُعْتُ فِي غَيْرِ بَطْنِي" و "شَبِعْتُ في غَيْرِ بَطْنِي". فقيل في الآية: ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ للفرق والتأكيد.
* *
وقوله: ﴿وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾.
أي: لا يكلمهم بما يحبون ولا بما يشتهون، ويكلمهم بما يكرهون لأنه قد أخبر بأنه يقول لهم ﴿قَالَ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] وقيل: معنى ﴿وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ﴾: يغضب عليهم. يقال: "فُلانٌ لا يُكَلِّمُ فُلاناً" إذا غضب عليه.
وقيل: المعنى: لا يسمعهم كلامه لأن الأبرار يسمعون كلامه.
وقيل: معناه: لا يرسل لهم الملائكة بالتحية.
* *
وقوله: ﴿وَلاَ يُزَكِّيهِمْ﴾: أي لا يطهرهم من دنس ذنوبهم وكفرهم.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: أي موجع.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ﴾.
أي: أولئك الذين أخذوا الضلالة، وتركوا الهدى، وأخذوا ما يوجب لهم عذاب الله يوم القيامة، وتركوا ما يوجب لهم عفوه. فاستغنى بذكر العذاب والمغفرة عن ذكر السبب الذي يوجبهما لفهم سامعي ذلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ﴾.
قال ابن عباس: "معناه: ما الذي صبرهم على النار".
وقال أبو عبيدة: "معناه: ما الذي أصبرهم على النار، ودعاهم إليها، وليس بتعجب". وهو قول السدي.
فَـ "ما" استفهام في القولين جميعاً.
وقال مجاهد والحسن وقتادة: "هو تعجب".
ومعنى التعجب في هذا أن الله جل ذكره يعجب خلقه منهم، ومن جرأتهم على عمل يوردهم النار.
وقال مجاهد: "معناه: ما أعملهم بأعمال أهل النار". أي: ما أشد جرأتهم على عمل يوجب لهم النار.
وقيل: معناه: ما أبقاهم في عذاب الله.
وقيل: معناه: ما أصبرهم على الأعمال التي توجب لهم النار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ﴾.
أي: بالواجب. وحيثما ذكر الحق فمعناه الواجب. أي: ذلك فعلهم، لأن الله نزل الكتاب بالحق.
وقيل: المعنى: ذلك العذاب المذكور لهم، لأن الله نزل الكتاب بالحق. فَـ "ذلك" في موضع رفع في القولين.
وقيل: المعنى: فعلنا ذلك لأن الله نزل الكتاب بالحق، فكفروا به، فـَ "ذَلِكَ" في موضع نصب في هذا القول.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِي ٱلْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾.
يعني به اليهود والنصارى؛ اختلفوا في الكتاب فكفرت اليهود بما قص الله فيه من قصص عيسى ﷺ وأمه، وصدقت النصارى ببعض ذلك. [و] كفروا جميعاً بما أنزل الله فيه من الأمر بتصديق محمد ﷺ.
والمعنى: [وإنهم لفي] منازعة ومباعدة للحق، بعيدة مِنَ الصواب والرشد.
قال السدي: "﴿لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾: لفي عداوة بعيدة".
* *
ثم قال تعالى: ﴿لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾.
أي: ليس البر الصلاة وحدها، ولكن البر الجمع لفعل هذه الخلال المذكورة بعده.
قال ابن عباس: "هذا حين نزلت الفرائض وحدت الحدود". وقاله الضحاك وغيره. وهو اختيار الطبري، وهو قول الربيع بن أنس.
وقال قتادة: "كانت اليهود تصلي قبل المغرب، والنصارى تصلي قبل المشرق، فأعلموا أن البر ليس هو كله ما يصنعون، ولكن البر عمل هذه الخصال التي بيَّنها بعد".
وقد قيل: إن هذه الآية خصوص في الأنبياء وحدهم صلوات الله عليهم، لأن هذه الأشياء التي وصفت في الآية لا يؤديها بكليتها على حق الواجب فيها إلا الأنبياء صلوات الله عليهم، ولكن الله قد أمر جميع الخلق بالعمل بجميع ما فيها.
* *
وقوله: ﴿وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ﴾.
أي: على محبته إياه وشحه عليه.
فالهاء في "حبه" تعود على المؤمن، أي: على حبه إياه، يعني المال. وقيل: هي راجعة على المال، أي: على حب الرجل المال. فأضيف الحب إلى المال فهو المفعول به. كما تقول: "أَعجبني أكلُ الخبز وشربُ الماء"، أي: أكلُ الرجلِ الخبزَ وشربُ الرجلِ الماءَ.
وقيل: الهاء ترجع على الإيتاء، ودل عليه: "وَآتَى"، والتقدير: على حب الإيتاء أي: على حب الرجل الإيتاء.
وقيل: الهاء تعود على المؤمن، وتنصب "ذَوِي الْقُرْبَى" في هذا الوجه بالحب، أي: على حب المؤمن ذوي القربى. وتنصب "ذَوِي" في الوجوه المتقدمة بـ "آتَى".
وقيل: الهاء ترجع على الله جل ذكره؛ أي: على حُبِّ الله"، وتنصب ذوي بـ "آتَى".
قال ابن مسعود: "هُوَ أنْ يُؤْتِيَهُ وَهُوَ صَحيحٌ شَحِيحٌ يَأْمَلُ العَيْشَ وَيَخَافُ الْفَقْرَ". ورواه ابن مسعود عن النبي [عليه السلام].
وروي عنه ﷺ أنه قال: "فِي المالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكاةِ". وتلا هذه الآية.
قوله تعالى: ﴿ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾: أي ذوي الأرحام.
وسئل النبي [عليه السلام] عن أفضل الصدقة فقال: "جُهْدُ المُقِلِّ عَلَى ذِي القَرَابَةِ الكاشِحِ
وقوله: ﴿وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ﴾. قال قتادة: "هو الضيف".
وقيل: "هو المسلم يمر عليك من بلد إلى بلد". قاله مجاهد وقتادة.
وقيل للمسافر: "ابن السبيل"، لملازمته السبيل وهي الطريق، كما يقال لطير الماء: ابن الماء لملازمته الماء. ويقال للرجل الذي أتت عليه الدهور: هو ابن الأيام والليالي.
وعلى هذا يُتأول حديث النبي [عليه السلام] في قوله: "لا يَدْخُلْ الجَنَّةَ وَلَدُ زِنا"، معناه اللازم للزنا، جعل ابن زنا لملازمته له، كما قيل: ابن السبيل، وابن ماء، وابن الأيام.
* *
وقوله: ﴿وَٱلسَّآئِلِينَ﴾. يعني به المعترضين الطالبين للصدقة.
* *
وقوله: ﴿وَفِي ٱلرِّقَابِ﴾.
يعني: يعان به المكاتبون الذين يسعون في فك رقابهم من العبودية.
* *
وقوله: ﴿وَأَقَامَ ٱلصَّلاةَ﴾. أي: أدام العمل بها بحدودها في أوقاتها.
* *
قوله: ﴿وَآتَى ٱلزَّكَاةَ﴾. أي أعطاها على ما فرضها الله تعالى عليه.
* *
وقوله: ﴿وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ﴾.
رفعت ﴿ٱلْمُوفُونَ﴾ على العطف على "مَنْ" في قوله: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾، أي: "ولكن البارُّ من آمن" على قراءة من خفف أو شدد.
وبعده: ﴿وَٱلصَّابِرِينَ﴾ هو نصب على المدح.
وقيل: ﴿ٱلْمُوفُونَ﴾ رفع على إضمار مبتدأ "وهم الموفون"، تجعله مدحاً للمضمرين داخلاً في صلة "من".
وتنصب "الصابرينَ" على العطف على ﴿ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾ أو على "أعني". وأجاز الكسائي رفع ﴿ٱلْمُوفُونَ﴾ على العطف على "مَنْ" في قوله: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ على ما تقدم.
وتنصب ﴿وَٱلصَّابِرِينَ﴾ على العطف على ﴿ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾. وهو خطأ لأنه يفرق بين الصلة والموصول، فيعطف على الموصول، ثم يعطف بعده على ما في الصلة، فيفرق بين الصلة وهي: ﴿وَٱلصَّابِرِينَ﴾ والموصول وهو: "مَنْ"، بـِ "المُوفُونَ": وليس بداخل في الصلة. إنما هو معطوف على الموصول.
وقيل: إن "المُوفُونَ" عطف على المضمر في "آمَنَ"، و "الصَّابِرِينَ" عطف على "ذَوِي القُرْبَى" أو على "أَعْنِي" على المدح.
وقيل: إن "الصَّابِرِينَ" عطف على "السَّائِلِينَ"، ومعنى الكلام: والذين لا ينقضون عهد [الله] بعد المعاهدة، ولكن يوفون به.
* *
وقوله: ﴿وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّآءِ﴾.
أصل الصبر الحبس عن الشيء.
فالمعنى: والحابسين أنفسهم عن ما يكرهه الله عز وجل في البأساء وفي الفقر، والضراء وهي السقم. قاله ابن مسعود.
وعنه: "أن البأساء: الجوع، والضراء: المرض". وعنه: "البأساء: الحاجة". وقال قتادة: "كنا نحدث أن البأساء: البؤس والفقر، والضراء: السقم" وهو قول الربيع.
وقال قتادة أيضاً: "البأساء: البؤس، والضراء: الزمانة في الجسد".
قال الضحاك: "البأساء: الفقر، والضراء: المرض".
* *
وقوله: ﴿وَحِينَ ٱلْبَأْسِ﴾.
قال ابن مسعود: "وحين القتال".
والضُّراء - بالضم - في اللغة الزمانة والمرض. والضَّراء بالفتح ضد النفع. و "البأْساءُ" و "الضَّرَّاءُ" جاءا على "فَعْلاءَ" وليس لهما "أفْعَلُ" لأنه اسم وليس بصفة، كما جاء "أَفْعَلُ" في الكلام وليس له "فَعْلاءُ" نحو "أَحْمَدَ". وقد قالوا في الصفة: "أَفعَلَ"، ولم يأت منه "فَعْلاءُ"؛ قالوا: "أنْتَ مِنْ ذَلِكَ أوْجَلُ"، ولم يقولوا: "وَجْلاءَ".
وقد قيل: البأساء والضراء اسمان للفعل بمعنى المصدر، فهما بمعنى البؤس والضر، يقعان "لمؤنث ولمذكر".
* *
ثم قال: ﴿أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ﴾.
أي: صدقوا الله في إيمانهم به وحققوا قولهم بفعلهم، لا مَن ولى وجهه قِبَل المشرق والمغرب وهو يخالف أمره ويكتم وحيه ويُكذِّب رسله.
* *
ثم قال: ﴿وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ﴾. أي هم الذين اتقوا عقاب الله، فتجنبوا معاصيه، ولم يتعدوا حدوده.
البقرة 2:175
قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ﴾. [إلى قوله: ﴿ٱلْمُتَّقُونَ﴾.
هذه الآية عند قتادة وغيره نزلت في أهل الكتاب. كتموا ما أنزل الله عز وجل في كتابهم من أمر محمد ﷺ.
قال ابن عباس: "هم اليهود كتموا اسم محمد ﷺ وأخذوا عليه طمعاً قليلاً". وهو قول السدي والربيع.
وقال عكرمة في هذه الآية وفي قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [آل عمران: ٧٧]: نزلت جميعاً في يهود".
قال ابن مسعود: "قال النبي ﷺ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْطَعُ بِها مالاً لَقِيَ اللهَ، وهُوَ عَلَيْهِ غَضْبانٌ". وتصديقه في كتاب الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾.
* *
ومعنى ﴿يَشْتَرُونَ﴾ يبتاعون به.
والهاء في: "به" تعود على الكتمان، أي: وابتاعوا بكتمانهم ما أنزل الله عز وجل في كتابهم من ذكر محمد ﷺ.
﴿ثَمَناً قَلِيلاً﴾: أي: أخذوا عليه طمعاً قليلاً، أي: أخذوا الرشوة وكتموا ما أنزل الله عز وجل وبدلوه وحرفوه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أُولَـٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ ٱلنَّارَ﴾.
أي: ما يأكلون في بطونهم من الرشا إلا ما يؤديهم إلى النار، ومثله: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ [النساء: ١٠] أي: ما يوردهم النار. فاستغنى في الآيتين بذكر النار لفهم السامعين المعنى لأنه لما كان ما يأكلون من الطيبات بالرشا يوردهم النار كانوا كأنهم يأكلون النار. وإنما قال ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾، وقد علم أن الأكل لا يكون إلا في البطن لأن العرب تقول: "جُعْتُ فِي غَيْرِ بَطْنِي" و "شَبِعْتُ في غَيْرِ بَطْنِي". فقيل في الآية: ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ للفرق والتأكيد.
* *
وقوله: ﴿وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾.
أي: لا يكلمهم بما يحبون ولا بما يشتهون، ويكلمهم بما يكرهون لأنه قد أخبر بأنه يقول لهم ﴿قَالَ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] وقيل: معنى ﴿وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ﴾: يغضب عليهم. يقال: "فُلانٌ لا يُكَلِّمُ فُلاناً" إذا غضب عليه.
وقيل: المعنى: لا يسمعهم كلامه لأن الأبرار يسمعون كلامه.
وقيل: معناه: لا يرسل لهم الملائكة بالتحية.
* *
وقوله: ﴿وَلاَ يُزَكِّيهِمْ﴾: أي لا يطهرهم من دنس ذنوبهم وكفرهم.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: أي موجع.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ﴾.
أي: أولئك الذين أخذوا الضلالة، وتركوا الهدى، وأخذوا ما يوجب لهم عذاب الله يوم القيامة، وتركوا ما يوجب لهم عفوه. فاستغنى بذكر العذاب والمغفرة عن ذكر السبب الذي يوجبهما لفهم سامعي ذلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ﴾.
قال ابن عباس: "معناه: ما الذي صبرهم على النار".
وقال أبو عبيدة: "معناه: ما الذي أصبرهم على النار، ودعاهم إليها، وليس بتعجب". وهو قول السدي.
فَـ "ما" استفهام في القولين جميعاً.
وقال مجاهد والحسن وقتادة: "هو تعجب".
ومعنى التعجب في هذا أن الله جل ذكره يعجب خلقه منهم، ومن جرأتهم على عمل يوردهم النار.
وقال مجاهد: "معناه: ما أعملهم بأعمال أهل النار". أي: ما أشد جرأتهم على عمل يوجب لهم النار.
وقيل: معناه: ما أبقاهم في عذاب الله.
وقيل: معناه: ما أصبرهم على الأعمال التي توجب لهم النار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ﴾.
أي: بالواجب. وحيثما ذكر الحق فمعناه الواجب. أي: ذلك فعلهم، لأن الله نزل الكتاب بالحق.
وقيل: المعنى: ذلك العذاب المذكور لهم، لأن الله نزل الكتاب بالحق. فَـ "ذلك" في موضع رفع في القولين.
وقيل: المعنى: فعلنا ذلك لأن الله نزل الكتاب بالحق، فكفروا به، فـَ "ذَلِكَ" في موضع نصب في هذا القول.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِي ٱلْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾.
يعني به اليهود والنصارى؛ اختلفوا في الكتاب فكفرت اليهود بما قص الله فيه من قصص عيسى ﷺ وأمه، وصدقت النصارى ببعض ذلك. [و] كفروا جميعاً بما أنزل الله فيه من الأمر بتصديق محمد ﷺ.
والمعنى: [وإنهم لفي] منازعة ومباعدة للحق، بعيدة مِنَ الصواب والرشد.
قال السدي: "﴿لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾: لفي عداوة بعيدة".
* *
ثم قال تعالى: ﴿لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾.
أي: ليس البر الصلاة وحدها، ولكن البر الجمع لفعل هذه الخلال المذكورة بعده.
قال ابن عباس: "هذا حين نزلت الفرائض وحدت الحدود". وقاله الضحاك وغيره. وهو اختيار الطبري، وهو قول الربيع بن أنس.
وقال قتادة: "كانت اليهود تصلي قبل المغرب، والنصارى تصلي قبل المشرق، فأعلموا أن البر ليس هو كله ما يصنعون، ولكن البر عمل هذه الخصال التي بيَّنها بعد".
وقد قيل: إن هذه الآية خصوص في الأنبياء وحدهم صلوات الله عليهم، لأن هذه الأشياء التي وصفت في الآية لا يؤديها بكليتها على حق الواجب فيها إلا الأنبياء صلوات الله عليهم، ولكن الله قد أمر جميع الخلق بالعمل بجميع ما فيها.
* *
وقوله: ﴿وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ﴾.
أي: على محبته إياه وشحه عليه.
فالهاء في "حبه" تعود على المؤمن، أي: على حبه إياه، يعني المال. وقيل: هي راجعة على المال، أي: على حب الرجل المال. فأضيف الحب إلى المال فهو المفعول به. كما تقول: "أَعجبني أكلُ الخبز وشربُ الماء"، أي: أكلُ الرجلِ الخبزَ وشربُ الرجلِ الماءَ.
وقيل: الهاء ترجع على الإيتاء، ودل عليه: "وَآتَى"، والتقدير: على حب الإيتاء أي: على حب الرجل الإيتاء.
وقيل: الهاء تعود على المؤمن، وتنصب "ذَوِي الْقُرْبَى" في هذا الوجه بالحب، أي: على حب المؤمن ذوي القربى. وتنصب "ذَوِي" في الوجوه المتقدمة بـ "آتَى".
وقيل: الهاء ترجع على الله جل ذكره؛ أي: على حُبِّ الله"، وتنصب ذوي بـ "آتَى".
قال ابن مسعود: "هُوَ أنْ يُؤْتِيَهُ وَهُوَ صَحيحٌ شَحِيحٌ يَأْمَلُ العَيْشَ وَيَخَافُ الْفَقْرَ". ورواه ابن مسعود عن النبي [عليه السلام].
وروي عنه ﷺ أنه قال: "فِي المالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكاةِ". وتلا هذه الآية.
قوله تعالى: ﴿ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾: أي ذوي الأرحام.
وسئل النبي [عليه السلام] عن أفضل الصدقة فقال: "جُهْدُ المُقِلِّ عَلَى ذِي القَرَابَةِ الكاشِحِ
وقوله: ﴿وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ﴾. قال قتادة: "هو الضيف".
وقيل: "هو المسلم يمر عليك من بلد إلى بلد". قاله مجاهد وقتادة.
وقيل للمسافر: "ابن السبيل"، لملازمته السبيل وهي الطريق، كما يقال لطير الماء: ابن الماء لملازمته الماء. ويقال للرجل الذي أتت عليه الدهور: هو ابن الأيام والليالي.
وعلى هذا يُتأول حديث النبي [عليه السلام] في قوله: "لا يَدْخُلْ الجَنَّةَ وَلَدُ زِنا"، معناه اللازم للزنا، جعل ابن زنا لملازمته له، كما قيل: ابن السبيل، وابن ماء، وابن الأيام.
* *
وقوله: ﴿وَٱلسَّآئِلِينَ﴾. يعني به المعترضين الطالبين للصدقة.
* *
وقوله: ﴿وَفِي ٱلرِّقَابِ﴾.
يعني: يعان به المكاتبون الذين يسعون في فك رقابهم من العبودية.
* *
وقوله: ﴿وَأَقَامَ ٱلصَّلاةَ﴾. أي: أدام العمل بها بحدودها في أوقاتها.
* *
قوله: ﴿وَآتَى ٱلزَّكَاةَ﴾. أي أعطاها على ما فرضها الله تعالى عليه.
* *
وقوله: ﴿وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ﴾.
رفعت ﴿ٱلْمُوفُونَ﴾ على العطف على "مَنْ" في قوله: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾، أي: "ولكن البارُّ من آمن" على قراءة من خفف أو شدد.
وبعده: ﴿وَٱلصَّابِرِينَ﴾ هو نصب على المدح.
وقيل: ﴿ٱلْمُوفُونَ﴾ رفع على إضمار مبتدأ "وهم الموفون"، تجعله مدحاً للمضمرين داخلاً في صلة "من".
وتنصب "الصابرينَ" على العطف على ﴿ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾ أو على "أعني". وأجاز الكسائي رفع ﴿ٱلْمُوفُونَ﴾ على العطف على "مَنْ" في قوله: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ على ما تقدم.
وتنصب ﴿وَٱلصَّابِرِينَ﴾ على العطف على ﴿ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾. وهو خطأ لأنه يفرق بين الصلة والموصول، فيعطف على الموصول، ثم يعطف بعده على ما في الصلة، فيفرق بين الصلة وهي: ﴿وَٱلصَّابِرِينَ﴾ والموصول وهو: "مَنْ"، بـِ "المُوفُونَ": وليس بداخل في الصلة. إنما هو معطوف على الموصول.
وقيل: إن "المُوفُونَ" عطف على المضمر في "آمَنَ"، و "الصَّابِرِينَ" عطف على "ذَوِي القُرْبَى" أو على "أَعْنِي" على المدح.
وقيل: إن "الصَّابِرِينَ" عطف على "السَّائِلِينَ"، ومعنى الكلام: والذين لا ينقضون عهد [الله] بعد المعاهدة، ولكن يوفون به.
* *
وقوله: ﴿وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّآءِ﴾.
أصل الصبر الحبس عن الشيء.
فالمعنى: والحابسين أنفسهم عن ما يكرهه الله عز وجل في البأساء وفي الفقر، والضراء وهي السقم. قاله ابن مسعود.
وعنه: "أن البأساء: الجوع، والضراء: المرض". وعنه: "البأساء: الحاجة". وقال قتادة: "كنا نحدث أن البأساء: البؤس والفقر، والضراء: السقم" وهو قول الربيع.
وقال قتادة أيضاً: "البأساء: البؤس، والضراء: الزمانة في الجسد".
قال الضحاك: "البأساء: الفقر، والضراء: المرض".
* *
وقوله: ﴿وَحِينَ ٱلْبَأْسِ﴾.
قال ابن مسعود: "وحين القتال".
والضُّراء - بالضم - في اللغة الزمانة والمرض. والضَّراء بالفتح ضد النفع. و "البأْساءُ" و "الضَّرَّاءُ" جاءا على "فَعْلاءَ" وليس لهما "أفْعَلُ" لأنه اسم وليس بصفة، كما جاء "أَفْعَلُ" في الكلام وليس له "فَعْلاءُ" نحو "أَحْمَدَ". وقد قالوا في الصفة: "أَفعَلَ"، ولم يأت منه "فَعْلاءُ"؛ قالوا: "أنْتَ مِنْ ذَلِكَ أوْجَلُ"، ولم يقولوا: "وَجْلاءَ".
وقد قيل: البأساء والضراء اسمان للفعل بمعنى المصدر، فهما بمعنى البؤس والضر، يقعان "لمؤنث ولمذكر".
* *
ثم قال: ﴿أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ﴾.
أي: صدقوا الله في إيمانهم به وحققوا قولهم بفعلهم، لا مَن ولى وجهه قِبَل المشرق والمغرب وهو يخالف أمره ويكتم وحيه ويُكذِّب رسله.
* *
ثم قال: ﴿وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ﴾. أي هم الذين اتقوا عقاب الله، فتجنبوا معاصيه، ولم يتعدوا حدوده.
البقرة 2:176
قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ﴾. [إلى قوله: ﴿ٱلْمُتَّقُونَ﴾.
هذه الآية عند قتادة وغيره نزلت في أهل الكتاب. كتموا ما أنزل الله عز وجل في كتابهم من أمر محمد ﷺ.
قال ابن عباس: "هم اليهود كتموا اسم محمد ﷺ وأخذوا عليه طمعاً قليلاً". وهو قول السدي والربيع.
وقال عكرمة في هذه الآية وفي قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [آل عمران: ٧٧]: نزلت جميعاً في يهود".
قال ابن مسعود: "قال النبي ﷺ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْطَعُ بِها مالاً لَقِيَ اللهَ، وهُوَ عَلَيْهِ غَضْبانٌ". وتصديقه في كتاب الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾.
* *
ومعنى ﴿يَشْتَرُونَ﴾ يبتاعون به.
والهاء في: "به" تعود على الكتمان، أي: وابتاعوا بكتمانهم ما أنزل الله عز وجل في كتابهم من ذكر محمد ﷺ.
﴿ثَمَناً قَلِيلاً﴾: أي: أخذوا عليه طمعاً قليلاً، أي: أخذوا الرشوة وكتموا ما أنزل الله عز وجل وبدلوه وحرفوه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أُولَـٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ ٱلنَّارَ﴾.
أي: ما يأكلون في بطونهم من الرشا إلا ما يؤديهم إلى النار، ومثله: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ [النساء: ١٠] أي: ما يوردهم النار. فاستغنى في الآيتين بذكر النار لفهم السامعين المعنى لأنه لما كان ما يأكلون من الطيبات بالرشا يوردهم النار كانوا كأنهم يأكلون النار. وإنما قال ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾، وقد علم أن الأكل لا يكون إلا في البطن لأن العرب تقول: "جُعْتُ فِي غَيْرِ بَطْنِي" و "شَبِعْتُ في غَيْرِ بَطْنِي". فقيل في الآية: ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ للفرق والتأكيد.
* *
وقوله: ﴿وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾.
أي: لا يكلمهم بما يحبون ولا بما يشتهون، ويكلمهم بما يكرهون لأنه قد أخبر بأنه يقول لهم ﴿قَالَ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] وقيل: معنى ﴿وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ﴾: يغضب عليهم. يقال: "فُلانٌ لا يُكَلِّمُ فُلاناً" إذا غضب عليه.
وقيل: المعنى: لا يسمعهم كلامه لأن الأبرار يسمعون كلامه.
وقيل: معناه: لا يرسل لهم الملائكة بالتحية.
* *
وقوله: ﴿وَلاَ يُزَكِّيهِمْ﴾: أي لا يطهرهم من دنس ذنوبهم وكفرهم.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: أي موجع.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ﴾.
أي: أولئك الذين أخذوا الضلالة، وتركوا الهدى، وأخذوا ما يوجب لهم عذاب الله يوم القيامة، وتركوا ما يوجب لهم عفوه. فاستغنى بذكر العذاب والمغفرة عن ذكر السبب الذي يوجبهما لفهم سامعي ذلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ﴾.
قال ابن عباس: "معناه: ما الذي صبرهم على النار".
وقال أبو عبيدة: "معناه: ما الذي أصبرهم على النار، ودعاهم إليها، وليس بتعجب". وهو قول السدي.
فَـ "ما" استفهام في القولين جميعاً.
وقال مجاهد والحسن وقتادة: "هو تعجب".
ومعنى التعجب في هذا أن الله جل ذكره يعجب خلقه منهم، ومن جرأتهم على عمل يوردهم النار.
وقال مجاهد: "معناه: ما أعملهم بأعمال أهل النار". أي: ما أشد جرأتهم على عمل يوجب لهم النار.
وقيل: معناه: ما أبقاهم في عذاب الله.
وقيل: معناه: ما أصبرهم على الأعمال التي توجب لهم النار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ﴾.
أي: بالواجب. وحيثما ذكر الحق فمعناه الواجب. أي: ذلك فعلهم، لأن الله نزل الكتاب بالحق.
وقيل: المعنى: ذلك العذاب المذكور لهم، لأن الله نزل الكتاب بالحق. فَـ "ذلك" في موضع رفع في القولين.
وقيل: المعنى: فعلنا ذلك لأن الله نزل الكتاب بالحق، فكفروا به، فـَ "ذَلِكَ" في موضع نصب في هذا القول.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِي ٱلْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾.
يعني به اليهود والنصارى؛ اختلفوا في الكتاب فكفرت اليهود بما قص الله فيه من قصص عيسى ﷺ وأمه، وصدقت النصارى ببعض ذلك. [و] كفروا جميعاً بما أنزل الله فيه من الأمر بتصديق محمد ﷺ.
والمعنى: [وإنهم لفي] منازعة ومباعدة للحق، بعيدة مِنَ الصواب والرشد.
قال السدي: "﴿لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾: لفي عداوة بعيدة".
* *
ثم قال تعالى: ﴿لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾.
أي: ليس البر الصلاة وحدها، ولكن البر الجمع لفعل هذه الخلال المذكورة بعده.
قال ابن عباس: "هذا حين نزلت الفرائض وحدت الحدود". وقاله الضحاك وغيره. وهو اختيار الطبري، وهو قول الربيع بن أنس.
وقال قتادة: "كانت اليهود تصلي قبل المغرب، والنصارى تصلي قبل المشرق، فأعلموا أن البر ليس هو كله ما يصنعون، ولكن البر عمل هذه الخصال التي بيَّنها بعد".
وقد قيل: إن هذه الآية خصوص في الأنبياء وحدهم صلوات الله عليهم، لأن هذه الأشياء التي وصفت في الآية لا يؤديها بكليتها على حق الواجب فيها إلا الأنبياء صلوات الله عليهم، ولكن الله قد أمر جميع الخلق بالعمل بجميع ما فيها.
* *
وقوله: ﴿وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ﴾.
أي: على محبته إياه وشحه عليه.
فالهاء في "حبه" تعود على المؤمن، أي: على حبه إياه، يعني المال. وقيل: هي راجعة على المال، أي: على حب الرجل المال. فأضيف الحب إلى المال فهو المفعول به. كما تقول: "أَعجبني أكلُ الخبز وشربُ الماء"، أي: أكلُ الرجلِ الخبزَ وشربُ الرجلِ الماءَ.
وقيل: الهاء ترجع على الإيتاء، ودل عليه: "وَآتَى"، والتقدير: على حب الإيتاء أي: على حب الرجل الإيتاء.
وقيل: الهاء تعود على المؤمن، وتنصب "ذَوِي الْقُرْبَى" في هذا الوجه بالحب، أي: على حب المؤمن ذوي القربى. وتنصب "ذَوِي" في الوجوه المتقدمة بـ "آتَى".
وقيل: الهاء ترجع على الله جل ذكره؛ أي: على حُبِّ الله"، وتنصب ذوي بـ "آتَى".
قال ابن مسعود: "هُوَ أنْ يُؤْتِيَهُ وَهُوَ صَحيحٌ شَحِيحٌ يَأْمَلُ العَيْشَ وَيَخَافُ الْفَقْرَ". ورواه ابن مسعود عن النبي [عليه السلام].
وروي عنه ﷺ أنه قال: "فِي المالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكاةِ". وتلا هذه الآية.
قوله تعالى: ﴿ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾: أي ذوي الأرحام.
وسئل النبي [عليه السلام] عن أفضل الصدقة فقال: "جُهْدُ المُقِلِّ عَلَى ذِي القَرَابَةِ الكاشِحِ
وقوله: ﴿وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ﴾. قال قتادة: "هو الضيف".
وقيل: "هو المسلم يمر عليك من بلد إلى بلد". قاله مجاهد وقتادة.
وقيل للمسافر: "ابن السبيل"، لملازمته السبيل وهي الطريق، كما يقال لطير الماء: ابن الماء لملازمته الماء. ويقال للرجل الذي أتت عليه الدهور: هو ابن الأيام والليالي.
وعلى هذا يُتأول حديث النبي [عليه السلام] في قوله: "لا يَدْخُلْ الجَنَّةَ وَلَدُ زِنا"، معناه اللازم للزنا، جعل ابن زنا لملازمته له، كما قيل: ابن السبيل، وابن ماء، وابن الأيام.
* *
وقوله: ﴿وَٱلسَّآئِلِينَ﴾. يعني به المعترضين الطالبين للصدقة.
* *
وقوله: ﴿وَفِي ٱلرِّقَابِ﴾.
يعني: يعان به المكاتبون الذين يسعون في فك رقابهم من العبودية.
* *
وقوله: ﴿وَأَقَامَ ٱلصَّلاةَ﴾. أي: أدام العمل بها بحدودها في أوقاتها.
* *
قوله: ﴿وَآتَى ٱلزَّكَاةَ﴾. أي أعطاها على ما فرضها الله تعالى عليه.
* *
وقوله: ﴿وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ﴾.
رفعت ﴿ٱلْمُوفُونَ﴾ على العطف على "مَنْ" في قوله: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾، أي: "ولكن البارُّ من آمن" على قراءة من خفف أو شدد.
وبعده: ﴿وَٱلصَّابِرِينَ﴾ هو نصب على المدح.
وقيل: ﴿ٱلْمُوفُونَ﴾ رفع على إضمار مبتدأ "وهم الموفون"، تجعله مدحاً للمضمرين داخلاً في صلة "من".
وتنصب "الصابرينَ" على العطف على ﴿ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾ أو على "أعني". وأجاز الكسائي رفع ﴿ٱلْمُوفُونَ﴾ على العطف على "مَنْ" في قوله: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ على ما تقدم.
وتنصب ﴿وَٱلصَّابِرِينَ﴾ على العطف على ﴿ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾. وهو خطأ لأنه يفرق بين الصلة والموصول، فيعطف على الموصول، ثم يعطف بعده على ما في الصلة، فيفرق بين الصلة وهي: ﴿وَٱلصَّابِرِينَ﴾ والموصول وهو: "مَنْ"، بـِ "المُوفُونَ": وليس بداخل في الصلة. إنما هو معطوف على الموصول.
وقيل: إن "المُوفُونَ" عطف على المضمر في "آمَنَ"، و "الصَّابِرِينَ" عطف على "ذَوِي القُرْبَى" أو على "أَعْنِي" على المدح.
وقيل: إن "الصَّابِرِينَ" عطف على "السَّائِلِينَ"، ومعنى الكلام: والذين لا ينقضون عهد [الله] بعد المعاهدة، ولكن يوفون به.
* *
وقوله: ﴿وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّآءِ﴾.
أصل الصبر الحبس عن الشيء.
فالمعنى: والحابسين أنفسهم عن ما يكرهه الله عز وجل في البأساء وفي الفقر، والضراء وهي السقم. قاله ابن مسعود.
وعنه: "أن البأساء: الجوع، والضراء: المرض". وعنه: "البأساء: الحاجة". وقال قتادة: "كنا نحدث أن البأساء: البؤس والفقر، والضراء: السقم" وهو قول الربيع.
وقال قتادة أيضاً: "البأساء: البؤس، والضراء: الزمانة في الجسد".
قال الضحاك: "البأساء: الفقر، والضراء: المرض".
* *
وقوله: ﴿وَحِينَ ٱلْبَأْسِ﴾.
قال ابن مسعود: "وحين القتال".
والضُّراء - بالضم - في اللغة الزمانة والمرض. والضَّراء بالفتح ضد النفع. و "البأْساءُ" و "الضَّرَّاءُ" جاءا على "فَعْلاءَ" وليس لهما "أفْعَلُ" لأنه اسم وليس بصفة، كما جاء "أَفْعَلُ" في الكلام وليس له "فَعْلاءُ" نحو "أَحْمَدَ". وقد قالوا في الصفة: "أَفعَلَ"، ولم يأت منه "فَعْلاءُ"؛ قالوا: "أنْتَ مِنْ ذَلِكَ أوْجَلُ"، ولم يقولوا: "وَجْلاءَ".
وقد قيل: البأساء والضراء اسمان للفعل بمعنى المصدر، فهما بمعنى البؤس والضر، يقعان "لمؤنث ولمذكر".
* *
ثم قال: ﴿أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ﴾.
أي: صدقوا الله في إيمانهم به وحققوا قولهم بفعلهم، لا مَن ولى وجهه قِبَل المشرق والمغرب وهو يخالف أمره ويكتم وحيه ويُكذِّب رسله.
* *
ثم قال: ﴿وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ﴾. أي هم الذين اتقوا عقاب الله، فتجنبوا معاصيه، ولم يتعدوا حدوده.
البقرة 2:177
قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ﴾. [إلى قوله: ﴿ٱلْمُتَّقُونَ﴾.
هذه الآية عند قتادة وغيره نزلت في أهل الكتاب. كتموا ما أنزل الله عز وجل في كتابهم من أمر محمد ﷺ.
قال ابن عباس: "هم اليهود كتموا اسم محمد ﷺ وأخذوا عليه طمعاً قليلاً". وهو قول السدي والربيع.
وقال عكرمة في هذه الآية وفي قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [آل عمران: ٧٧]: نزلت جميعاً في يهود".
قال ابن مسعود: "قال النبي ﷺ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْطَعُ بِها مالاً لَقِيَ اللهَ، وهُوَ عَلَيْهِ غَضْبانٌ". وتصديقه في كتاب الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾.
* *
ومعنى ﴿يَشْتَرُونَ﴾ يبتاعون به.
والهاء في: "به" تعود على الكتمان، أي: وابتاعوا بكتمانهم ما أنزل الله عز وجل في كتابهم من ذكر محمد ﷺ.
﴿ثَمَناً قَلِيلاً﴾: أي: أخذوا عليه طمعاً قليلاً، أي: أخذوا الرشوة وكتموا ما أنزل الله عز وجل وبدلوه وحرفوه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أُولَـٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ ٱلنَّارَ﴾.
أي: ما يأكلون في بطونهم من الرشا إلا ما يؤديهم إلى النار، ومثله: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ [النساء: ١٠] أي: ما يوردهم النار. فاستغنى في الآيتين بذكر النار لفهم السامعين المعنى لأنه لما كان ما يأكلون من الطيبات بالرشا يوردهم النار كانوا كأنهم يأكلون النار. وإنما قال ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾، وقد علم أن الأكل لا يكون إلا في البطن لأن العرب تقول: "جُعْتُ فِي غَيْرِ بَطْنِي" و "شَبِعْتُ في غَيْرِ بَطْنِي". فقيل في الآية: ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ للفرق والتأكيد.
* *
وقوله: ﴿وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾.
أي: لا يكلمهم بما يحبون ولا بما يشتهون، ويكلمهم بما يكرهون لأنه قد أخبر بأنه يقول لهم ﴿قَالَ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] وقيل: معنى ﴿وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ﴾: يغضب عليهم. يقال: "فُلانٌ لا يُكَلِّمُ فُلاناً" إذا غضب عليه.
وقيل: المعنى: لا يسمعهم كلامه لأن الأبرار يسمعون كلامه.
وقيل: معناه: لا يرسل لهم الملائكة بالتحية.
* *
وقوله: ﴿وَلاَ يُزَكِّيهِمْ﴾: أي لا يطهرهم من دنس ذنوبهم وكفرهم.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: أي موجع.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ﴾.
أي: أولئك الذين أخذوا الضلالة، وتركوا الهدى، وأخذوا ما يوجب لهم عذاب الله يوم القيامة، وتركوا ما يوجب لهم عفوه. فاستغنى بذكر العذاب والمغفرة عن ذكر السبب الذي يوجبهما لفهم سامعي ذلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ﴾.
قال ابن عباس: "معناه: ما الذي صبرهم على النار".
وقال أبو عبيدة: "معناه: ما الذي أصبرهم على النار، ودعاهم إليها، وليس بتعجب". وهو قول السدي.
فَـ "ما" استفهام في القولين جميعاً.
وقال مجاهد والحسن وقتادة: "هو تعجب".
ومعنى التعجب في هذا أن الله جل ذكره يعجب خلقه منهم، ومن جرأتهم على عمل يوردهم النار.
وقال مجاهد: "معناه: ما أعملهم بأعمال أهل النار". أي: ما أشد جرأتهم على عمل يوجب لهم النار.
وقيل: معناه: ما أبقاهم في عذاب الله.
وقيل: معناه: ما أصبرهم على الأعمال التي توجب لهم النار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ﴾.
أي: بالواجب. وحيثما ذكر الحق فمعناه الواجب. أي: ذلك فعلهم، لأن الله نزل الكتاب بالحق.
وقيل: المعنى: ذلك العذاب المذكور لهم، لأن الله نزل الكتاب بالحق. فَـ "ذلك" في موضع رفع في القولين.
وقيل: المعنى: فعلنا ذلك لأن الله نزل الكتاب بالحق، فكفروا به، فـَ "ذَلِكَ" في موضع نصب في هذا القول.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِي ٱلْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾.
يعني به اليهود والنصارى؛ اختلفوا في الكتاب فكفرت اليهود بما قص الله فيه من قصص عيسى ﷺ وأمه، وصدقت النصارى ببعض ذلك. [و] كفروا جميعاً بما أنزل الله فيه من الأمر بتصديق محمد ﷺ.
والمعنى: [وإنهم لفي] منازعة ومباعدة للحق، بعيدة مِنَ الصواب والرشد.
قال السدي: "﴿لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾: لفي عداوة بعيدة".
* *
ثم قال تعالى: ﴿لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾.
أي: ليس البر الصلاة وحدها، ولكن البر الجمع لفعل هذه الخلال المذكورة بعده.
قال ابن عباس: "هذا حين نزلت الفرائض وحدت الحدود". وقاله الضحاك وغيره. وهو اختيار الطبري، وهو قول الربيع بن أنس.
وقال قتادة: "كانت اليهود تصلي قبل المغرب، والنصارى تصلي قبل المشرق، فأعلموا أن البر ليس هو كله ما يصنعون، ولكن البر عمل هذه الخصال التي بيَّنها بعد".
وقد قيل: إن هذه الآية خصوص في الأنبياء وحدهم صلوات الله عليهم، لأن هذه الأشياء التي وصفت في الآية لا يؤديها بكليتها على حق الواجب فيها إلا الأنبياء صلوات الله عليهم، ولكن الله قد أمر جميع الخلق بالعمل بجميع ما فيها.
* *
وقوله: ﴿وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ﴾.
أي: على محبته إياه وشحه عليه.
فالهاء في "حبه" تعود على المؤمن، أي: على حبه إياه، يعني المال. وقيل: هي راجعة على المال، أي: على حب الرجل المال. فأضيف الحب إلى المال فهو المفعول به. كما تقول: "أَعجبني أكلُ الخبز وشربُ الماء"، أي: أكلُ الرجلِ الخبزَ وشربُ الرجلِ الماءَ.
وقيل: الهاء ترجع على الإيتاء، ودل عليه: "وَآتَى"، والتقدير: على حب الإيتاء أي: على حب الرجل الإيتاء.
وقيل: الهاء تعود على المؤمن، وتنصب "ذَوِي الْقُرْبَى" في هذا الوجه بالحب، أي: على حب المؤمن ذوي القربى. وتنصب "ذَوِي" في الوجوه المتقدمة بـ "آتَى".
وقيل: الهاء ترجع على الله جل ذكره؛ أي: على حُبِّ الله"، وتنصب ذوي بـ "آتَى".
قال ابن مسعود: "هُوَ أنْ يُؤْتِيَهُ وَهُوَ صَحيحٌ شَحِيحٌ يَأْمَلُ العَيْشَ وَيَخَافُ الْفَقْرَ". ورواه ابن مسعود عن النبي [عليه السلام].
وروي عنه ﷺ أنه قال: "فِي المالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكاةِ". وتلا هذه الآية.
قوله تعالى: ﴿ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾: أي ذوي الأرحام.
وسئل النبي [عليه السلام] عن أفضل الصدقة فقال: "جُهْدُ المُقِلِّ عَلَى ذِي القَرَابَةِ الكاشِحِ
وقوله: ﴿وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ﴾. قال قتادة: "هو الضيف".
وقيل: "هو المسلم يمر عليك من بلد إلى بلد". قاله مجاهد وقتادة.
وقيل للمسافر: "ابن السبيل"، لملازمته السبيل وهي الطريق، كما يقال لطير الماء: ابن الماء لملازمته الماء. ويقال للرجل الذي أتت عليه الدهور: هو ابن الأيام والليالي.
وعلى هذا يُتأول حديث النبي [عليه السلام] في قوله: "لا يَدْخُلْ الجَنَّةَ وَلَدُ زِنا"، معناه اللازم للزنا، جعل ابن زنا لملازمته له، كما قيل: ابن السبيل، وابن ماء، وابن الأيام.
* *
وقوله: ﴿وَٱلسَّآئِلِينَ﴾. يعني به المعترضين الطالبين للصدقة.
* *
وقوله: ﴿وَفِي ٱلرِّقَابِ﴾.
يعني: يعان به المكاتبون الذين يسعون في فك رقابهم من العبودية.
* *
وقوله: ﴿وَأَقَامَ ٱلصَّلاةَ﴾. أي: أدام العمل بها بحدودها في أوقاتها.
* *
قوله: ﴿وَآتَى ٱلزَّكَاةَ﴾. أي أعطاها على ما فرضها الله تعالى عليه.
* *
وقوله: ﴿وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ﴾.
رفعت ﴿ٱلْمُوفُونَ﴾ على العطف على "مَنْ" في قوله: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾، أي: "ولكن البارُّ من آمن" على قراءة من خفف أو شدد.
وبعده: ﴿وَٱلصَّابِرِينَ﴾ هو نصب على المدح.
وقيل: ﴿ٱلْمُوفُونَ﴾ رفع على إضمار مبتدأ "وهم الموفون"، تجعله مدحاً للمضمرين داخلاً في صلة "من".
وتنصب "الصابرينَ" على العطف على ﴿ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾ أو على "أعني". وأجاز الكسائي رفع ﴿ٱلْمُوفُونَ﴾ على العطف على "مَنْ" في قوله: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ على ما تقدم.
وتنصب ﴿وَٱلصَّابِرِينَ﴾ على العطف على ﴿ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾. وهو خطأ لأنه يفرق بين الصلة والموصول، فيعطف على الموصول، ثم يعطف بعده على ما في الصلة، فيفرق بين الصلة وهي: ﴿وَٱلصَّابِرِينَ﴾ والموصول وهو: "مَنْ"، بـِ "المُوفُونَ": وليس بداخل في الصلة. إنما هو معطوف على الموصول.
وقيل: إن "المُوفُونَ" عطف على المضمر في "آمَنَ"، و "الصَّابِرِينَ" عطف على "ذَوِي القُرْبَى" أو على "أَعْنِي" على المدح.
وقيل: إن "الصَّابِرِينَ" عطف على "السَّائِلِينَ"، ومعنى الكلام: والذين لا ينقضون عهد [الله] بعد المعاهدة، ولكن يوفون به.
* *
وقوله: ﴿وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّآءِ﴾.
أصل الصبر الحبس عن الشيء.
فالمعنى: والحابسين أنفسهم عن ما يكرهه الله عز وجل في البأساء وفي الفقر، والضراء وهي السقم. قاله ابن مسعود.
وعنه: "أن البأساء: الجوع، والضراء: المرض". وعنه: "البأساء: الحاجة". وقال قتادة: "كنا نحدث أن البأساء: البؤس والفقر، والضراء: السقم" وهو قول الربيع.
وقال قتادة أيضاً: "البأساء: البؤس، والضراء: الزمانة في الجسد".
قال الضحاك: "البأساء: الفقر، والضراء: المرض".
* *
وقوله: ﴿وَحِينَ ٱلْبَأْسِ﴾.
قال ابن مسعود: "وحين القتال".
والضُّراء - بالضم - في اللغة الزمانة والمرض. والضَّراء بالفتح ضد النفع. و "البأْساءُ" و "الضَّرَّاءُ" جاءا على "فَعْلاءَ" وليس لهما "أفْعَلُ" لأنه اسم وليس بصفة، كما جاء "أَفْعَلُ" في الكلام وليس له "فَعْلاءُ" نحو "أَحْمَدَ". وقد قالوا في الصفة: "أَفعَلَ"، ولم يأت منه "فَعْلاءُ"؛ قالوا: "أنْتَ مِنْ ذَلِكَ أوْجَلُ"، ولم يقولوا: "وَجْلاءَ".
وقد قيل: البأساء والضراء اسمان للفعل بمعنى المصدر، فهما بمعنى البؤس والضر، يقعان "لمؤنث ولمذكر".
* *
ثم قال: ﴿أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ﴾.
أي: صدقوا الله في إيمانهم به وحققوا قولهم بفعلهم، لا مَن ولى وجهه قِبَل المشرق والمغرب وهو يخالف أمره ويكتم وحيه ويُكذِّب رسله.
* *
ثم قال: ﴿وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ﴾. أي هم الذين اتقوا عقاب الله، فتجنبوا معاصيه، ولم يتعدوا حدوده.
البقرة 2:178
قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى﴾. إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
معناه: فرض عليكم القصاص في قتلاكم.
فـ "كتب" بمعنى "فرض"، ومنه قوله: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ﴾ [النساء: ٧٧] أي: فرضته.
وقيل: كتب ذلك في اللوح المحفوظ.
ويكون "كَتَبَ" بمعنى "قَضَى". من قوله: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١]. أي: قضى علينا.
ويكون "كتب" بمعنى جعل كقوله: ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ﴾ [المجادلة: ٢٢].
وكقوله: ﴿فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣]. و﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦].
ويكون "كَتَبَ" بمعنى "أَمَرَ" كقوله: ﴿ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٢١].
والمعنى: فرض عليكم أن تقتصوا ممن قتل أولياءكم إن شئتم ذلك، وليس القصاص بفرض عليهم، إنما هو مباح لهم، وإن شاء الولي عفا وإن شاء أخذ الدية.
قال ابن عباس: "كان في بني إسرائيل القصاص، ولم تكن فيهم الدية، ثم بين تعالى كيف القصاص، فقال: ﴿ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ﴾، أي: يقتل هذا بهذا.
ولا يقتل حر في عبد عند مالك والشافعي.
وهذه الآية عند ابن عباس منسوخة بقوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ﴾ [المادة: ٤٥]، لأن آية البقرة توجب ألا تقتل امرأة قتلت رجلاً، ولا رجل قتل امرأة، ولا عبد قتل حراً، وآية المائدة توجب قتل النفس بالنفس، فيلزم منها يقتل الحر بالعبد. لكن فيها تخصيص.
قال ابن عباس: "كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة فأنزل الله ﴿ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ﴾ فجعل الله الأحرار في القصاص سواء فيما بينهم في العمد، - رجالَهم ونساءَهم - في النفس وفيما دون النفس".
وتأول أبو عبيد على ابن عباس أن مذهبه: أن آية المائدة ليست بناسخة لآية البقرة، وكأن آية المائدة مفسرة لآية البقرة، فبينت آية المائدة أن أنفس الأحرار متساوية فيما بينهم دون العبيد ذكوراً كانوا أو إناثاً، وأن أنفس المماليك متساوية أيضاً فيما بينهم وأنه لا قصاص للمماليك على الأحرار، فالآيتان محكمتان عنده إحداهما مبينة للأخرى مفسرة لها.
وقال الشعبي: "نزلت آية البقرة في قوم اقتتلوا فقتل بينهم خلق كثير، فقالت الغالبة العزيزة من القبيلتين المتقاتلتين: "لا نقتل بالعبد منا إلا الحر منهم ولا بالأنثى منا إلا الذكر منهم "فأنزل الله: ﴿ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ﴾. وقال السدي: "نزلت في فريقين وقعت بينهما قتلى، فأمر النبي [عليه السلام] أن يقاص بينهما، ديات النساء بديات النساء، والرجال بالرجال".
فالآية على هذا محكمة مخصوصة.
وقال الحسن: "الآية على التراجع: إذا قتل رجل امرأة، كان أولياء المرأة بالخيار، إن شاؤا قتلوا الرجل وأدوا نصف الدية، وإن شاؤا أخذوا نصف الدية. وإذا قتلت امرأة رجلاً؛ فإن شاء أولياء الرجل قتلوا المرأة وأخذوا نصف الدية، وإن شاؤا أخذوا الدية كاملة. وإذا قتل حر عبداً؛ فإن شاء مولى العبد أن يقتل الرجل ويؤدي بقية الدية بعد قيمة العبد.
وإذا قتل عبد رجلاً حراً، فإن شاء أولياء الرجل قتلوا العبد، ويأخذون بقية الدية".
وقال مالك: "أحسن ما سمعت في هذه الآية يراد بها الجنس: الذكر والأنثى فيه سواء"، يعني الأحرار وأعاد ذكر الأنثى إنكاراً لما كان في الجاهلية.
ولا يقتل الحر بالعبد عنده، ولكن عليه قيمته.
ولا يقتل المسلم بالذمي، وعليه الدية في العمد والخطأ. وبذلك قال عمر بن عبد العزيز والحسن وعطاء وعكرمة وابن دينار والشافعي. ودليل ذلك إجماعهم أنه لا يقتص للعبد من الحر فيما دون النفس، فكانت النفس كذلك.
فأما قوله: ﴿ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ﴾ فإنما هو إخبار عما فَرَضهُ الله على بني إسرائيل. وقد أجمع على القصاص بين الأحرار، فدخل في ذلك قتل الأنثى بالذكر، والذكر بالأنثى من الأحرار.
وقد قال ابن المسيب والشعبي والنخعي وقتادة والثوري وأصحاب الرأي: "يقتل الحر بالعبد بدليل قوله: ﴿أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، ولقول النبي [عليه السلام]: "المُؤْمِنونُ تَتَكافَأُ دِماءُهُمْ وَلِيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْناهُمْ"، والعبد المؤمن كالحر، وقالوا: لما لم يكن قوله: (الأُنْثَى بالأُنْثَى) بمانع من قتل الأنثى بالذكر والذكر بالأنثى، كذلك لا يمنع قوله: (العَبْدُ بالعَبْدِ) مِن قتل الحر بالعبد. وهذا باب واسع يستقصى إن شاء الله في كتاب الأحكام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾.
أي فمن ترك له ولي المقتول من الدية شيئاً.
﴿فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ أي فليتبع العافي القاتل بالمعروف.
* *
وقوله: ﴿وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾.
أي: وليؤد القاتل إلى الولي ما قَبِله من الدية بإحسان. وهذا قول مروي عن ابن عباس.
[فَالهاءُ في "لَهُ" تعود على هذا القول] للقاتل.
والهاء في "أخيه" للقاتل أيضاً.
والهاء في "إِلَيْهِ" لولي المقتول العافي.
و "مَنْ" اسم القاتل، و "الأخ" ولي الدم.
قال ابن عباس: "كان القصاص في بني إسرائيل، ولم تكن الدية، فأباح الله لهذه الأمة أخذ الدية تخفيفاً".
وقيل: المعنى: "فمن قبل منه ولي المقتول في العمد الدية فلْيَتْبعْ الولي أخذَ الدية بمعروف، وليؤد القاتل إلى الولي الدية بإحسان إذا قبلها منه في العمد، ولم يُطالبه بالقصاص".
وهو أيضاً مروي عن ابن عباس، وعن جابر بن زيد، وهو أبين في نص الآية، والهاءات على حالها.
قال مجاهد: "هو أن يعفو الولي عن الدم ويأخذ الدية". وهو القول الذي قبله.
وقال الحسن: "على هذا الطالب أن يطلب بمعروف، وعلى المطلوب أن يؤدي بإحسان". وهو قول الشعبي وقتادة وعطاء وغيرهم، وقالوا كلهم: "العفو أن يأخذ الدية في العمد".
وقيل: المعنى: فمن عفي له من الواجب له على أخيه من قصاص وَليِّه شيء، فاتباع من الولي بمعروف وأداء من القاتل إلى الولي بإحسان. وهو قول مالك.
فالهاء في "لَهُ" على هذا القول تعود على ولي المقتول، والهاء في "أَخيهِ" للولي. و "مَن" اسم ولي الدم، و "الأخ" اسم القاتل.
وفي هذه الآية نظر يطول تقصيه. وجملة الاختلاف فيها أن المعفو له عند مالك وغيره ولي الدم، والعافي القاتل، وعفى عنده بمعنى يسر، والمعفو له [عند غير مالك القاتل، والعافي ولي] الدم. وعفا بمعنى ترك.
هذا اختصار معنى الاختلاف في الآية فافهمه.
و "الأخ" عند مالك القاتل، وهو عند غيره ولي الدم.
و "مَنْ" على قول مالك اسم ولي الدم. وعند غيره اسم القاتل.
قال أبو محمد: انظر كيف سمّى القاتل عمداً أخا الولي، ولم يُخرجه بالقتل عن أخوة الإسلام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾.
أي: ذلك الذي حكمنا به في هذه الآية من إباحتي الدية في العمد ولم أبح ذلك لغيركم من الأمم تخفيفٌ من ربكم عليكم، خصصتُكم به دون غيركم من الأمم، ورحمة من ربكم لكم.
وذكر ابن بكير أن العافي هو القاتل، وأن أولياء المقتول مخيرون في قبول الدية أو القتل. قال: "ألا تراه قال: ﴿وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ﴾.
وقيل: إن هذه الآية ناسخة لما كان عليه بنو إسرائيل من القصاص بغير دية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
أي: مَن قتل بعد أخذ الدِّية فله عذاب مؤلم في الآخرة، وحكمه أن يقتل ولا تقبل منه الدية.
وقيل: العذاب الأليم هنا القتل.
وقيل: هو شيء إلى السلطان يعاقبه بما شاء.
وقال الحسن: "تؤخذ منه الدية التي أخذ، ولا يقتل".
وروي عن النبي [عليه السلام] أنه قال: "نُقْسِمُ أَلاّ يُعْفَى عَنْ رَجُلٍ عَفَا عَنِ الدَّمِ، وأَخَذَ الدِّيَةَ، ثُمَّ عَدَا فَقَتَلَ
وقيل: أمره إلى الإمام يفعل به ما رأى.
* *
ثم قال: ﴿وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
أي إذا عَلِم من يريد أن يقتل أنه يقاصَص فيُقتل، أَمْسَك عن القتل فصارت معرفته بالقصاص فيها حياته، وحياة من أراد قتله.
* *
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. أي: تتقون القتل فلا تتعدون إليه لعلمكم بالقصاص.
البقرة 2:179
قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى﴾. إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
معناه: فرض عليكم القصاص في قتلاكم.
فـ "كتب" بمعنى "فرض"، ومنه قوله: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ﴾ [النساء: ٧٧] أي: فرضته.
وقيل: كتب ذلك في اللوح المحفوظ.
ويكون "كَتَبَ" بمعنى "قَضَى". من قوله: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١]. أي: قضى علينا.
ويكون "كتب" بمعنى جعل كقوله: ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ﴾ [المجادلة: ٢٢].
وكقوله: ﴿فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣]. و﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦].
ويكون "كَتَبَ" بمعنى "أَمَرَ" كقوله: ﴿ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٢١].
والمعنى: فرض عليكم أن تقتصوا ممن قتل أولياءكم إن شئتم ذلك، وليس القصاص بفرض عليهم، إنما هو مباح لهم، وإن شاء الولي عفا وإن شاء أخذ الدية.
قال ابن عباس: "كان في بني إسرائيل القصاص، ولم تكن فيهم الدية، ثم بين تعالى كيف القصاص، فقال: ﴿ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ﴾، أي: يقتل هذا بهذا.
ولا يقتل حر في عبد عند مالك والشافعي.
وهذه الآية عند ابن عباس منسوخة بقوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ﴾ [المادة: ٤٥]، لأن آية البقرة توجب ألا تقتل امرأة قتلت رجلاً، ولا رجل قتل امرأة، ولا عبد قتل حراً، وآية المائدة توجب قتل النفس بالنفس، فيلزم منها يقتل الحر بالعبد. لكن فيها تخصيص.
قال ابن عباس: "كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة فأنزل الله ﴿ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ﴾ فجعل الله الأحرار في القصاص سواء فيما بينهم في العمد، - رجالَهم ونساءَهم - في النفس وفيما دون النفس".
وتأول أبو عبيد على ابن عباس أن مذهبه: أن آية المائدة ليست بناسخة لآية البقرة، وكأن آية المائدة مفسرة لآية البقرة، فبينت آية المائدة أن أنفس الأحرار متساوية فيما بينهم دون العبيد ذكوراً كانوا أو إناثاً، وأن أنفس المماليك متساوية أيضاً فيما بينهم وأنه لا قصاص للمماليك على الأحرار، فالآيتان محكمتان عنده إحداهما مبينة للأخرى مفسرة لها.
وقال الشعبي: "نزلت آية البقرة في قوم اقتتلوا فقتل بينهم خلق كثير، فقالت الغالبة العزيزة من القبيلتين المتقاتلتين: "لا نقتل بالعبد منا إلا الحر منهم ولا بالأنثى منا إلا الذكر منهم "فأنزل الله: ﴿ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ﴾. وقال السدي: "نزلت في فريقين وقعت بينهما قتلى، فأمر النبي [عليه السلام] أن يقاص بينهما، ديات النساء بديات النساء، والرجال بالرجال".
فالآية على هذا محكمة مخصوصة.
وقال الحسن: "الآية على التراجع: إذا قتل رجل امرأة، كان أولياء المرأة بالخيار، إن شاؤا قتلوا الرجل وأدوا نصف الدية، وإن شاؤا أخذوا نصف الدية. وإذا قتلت امرأة رجلاً؛ فإن شاء أولياء الرجل قتلوا المرأة وأخذوا نصف الدية، وإن شاؤا أخذوا الدية كاملة. وإذا قتل حر عبداً؛ فإن شاء مولى العبد أن يقتل الرجل ويؤدي بقية الدية بعد قيمة العبد.
وإذا قتل عبد رجلاً حراً، فإن شاء أولياء الرجل قتلوا العبد، ويأخذون بقية الدية".
وقال مالك: "أحسن ما سمعت في هذه الآية يراد بها الجنس: الذكر والأنثى فيه سواء"، يعني الأحرار وأعاد ذكر الأنثى إنكاراً لما كان في الجاهلية.
ولا يقتل الحر بالعبد عنده، ولكن عليه قيمته.
ولا يقتل المسلم بالذمي، وعليه الدية في العمد والخطأ. وبذلك قال عمر بن عبد العزيز والحسن وعطاء وعكرمة وابن دينار والشافعي. ودليل ذلك إجماعهم أنه لا يقتص للعبد من الحر فيما دون النفس، فكانت النفس كذلك.
فأما قوله: ﴿ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ﴾ فإنما هو إخبار عما فَرَضهُ الله على بني إسرائيل. وقد أجمع على القصاص بين الأحرار، فدخل في ذلك قتل الأنثى بالذكر، والذكر بالأنثى من الأحرار.
وقد قال ابن المسيب والشعبي والنخعي وقتادة والثوري وأصحاب الرأي: "يقتل الحر بالعبد بدليل قوله: ﴿أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، ولقول النبي [عليه السلام]: "المُؤْمِنونُ تَتَكافَأُ دِماءُهُمْ وَلِيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْناهُمْ"، والعبد المؤمن كالحر، وقالوا: لما لم يكن قوله: (الأُنْثَى بالأُنْثَى) بمانع من قتل الأنثى بالذكر والذكر بالأنثى، كذلك لا يمنع قوله: (العَبْدُ بالعَبْدِ) مِن قتل الحر بالعبد. وهذا باب واسع يستقصى إن شاء الله في كتاب الأحكام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾.
أي فمن ترك له ولي المقتول من الدية شيئاً.
﴿فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ أي فليتبع العافي القاتل بالمعروف.
* *
وقوله: ﴿وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾.
أي: وليؤد القاتل إلى الولي ما قَبِله من الدية بإحسان. وهذا قول مروي عن ابن عباس.
[فَالهاءُ في "لَهُ" تعود على هذا القول] للقاتل.
والهاء في "أخيه" للقاتل أيضاً.
والهاء في "إِلَيْهِ" لولي المقتول العافي.
و "مَنْ" اسم القاتل، و "الأخ" ولي الدم.
قال ابن عباس: "كان القصاص في بني إسرائيل، ولم تكن الدية، فأباح الله لهذه الأمة أخذ الدية تخفيفاً".
وقيل: المعنى: "فمن قبل منه ولي المقتول في العمد الدية فلْيَتْبعْ الولي أخذَ الدية بمعروف، وليؤد القاتل إلى الولي الدية بإحسان إذا قبلها منه في العمد، ولم يُطالبه بالقصاص".
وهو أيضاً مروي عن ابن عباس، وعن جابر بن زيد، وهو أبين في نص الآية، والهاءات على حالها.
قال مجاهد: "هو أن يعفو الولي عن الدم ويأخذ الدية". وهو القول الذي قبله.
وقال الحسن: "على هذا الطالب أن يطلب بمعروف، وعلى المطلوب أن يؤدي بإحسان". وهو قول الشعبي وقتادة وعطاء وغيرهم، وقالوا كلهم: "العفو أن يأخذ الدية في العمد".
وقيل: المعنى: فمن عفي له من الواجب له على أخيه من قصاص وَليِّه شيء، فاتباع من الولي بمعروف وأداء من القاتل إلى الولي بإحسان. وهو قول مالك.
فالهاء في "لَهُ" على هذا القول تعود على ولي المقتول، والهاء في "أَخيهِ" للولي. و "مَن" اسم ولي الدم، و "الأخ" اسم القاتل.
وفي هذه الآية نظر يطول تقصيه. وجملة الاختلاف فيها أن المعفو له عند مالك وغيره ولي الدم، والعافي القاتل، وعفى عنده بمعنى يسر، والمعفو له [عند غير مالك القاتل، والعافي ولي] الدم. وعفا بمعنى ترك.
هذا اختصار معنى الاختلاف في الآية فافهمه.
و "الأخ" عند مالك القاتل، وهو عند غيره ولي الدم.
و "مَنْ" على قول مالك اسم ولي الدم. وعند غيره اسم القاتل.
قال أبو محمد: انظر كيف سمّى القاتل عمداً أخا الولي، ولم يُخرجه بالقتل عن أخوة الإسلام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾.
أي: ذلك الذي حكمنا به في هذه الآية من إباحتي الدية في العمد ولم أبح ذلك لغيركم من الأمم تخفيفٌ من ربكم عليكم، خصصتُكم به دون غيركم من الأمم، ورحمة من ربكم لكم.
وذكر ابن بكير أن العافي هو القاتل، وأن أولياء المقتول مخيرون في قبول الدية أو القتل. قال: "ألا تراه قال: ﴿وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ﴾.
وقيل: إن هذه الآية ناسخة لما كان عليه بنو إسرائيل من القصاص بغير دية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
أي: مَن قتل بعد أخذ الدِّية فله عذاب مؤلم في الآخرة، وحكمه أن يقتل ولا تقبل منه الدية.
وقيل: العذاب الأليم هنا القتل.
وقيل: هو شيء إلى السلطان يعاقبه بما شاء.
وقال الحسن: "تؤخذ منه الدية التي أخذ، ولا يقتل".
وروي عن النبي [عليه السلام] أنه قال: "نُقْسِمُ أَلاّ يُعْفَى عَنْ رَجُلٍ عَفَا عَنِ الدَّمِ، وأَخَذَ الدِّيَةَ، ثُمَّ عَدَا فَقَتَلَ
وقيل: أمره إلى الإمام يفعل به ما رأى.
* *
ثم قال: ﴿وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
أي إذا عَلِم من يريد أن يقتل أنه يقاصَص فيُقتل، أَمْسَك عن القتل فصارت معرفته بالقصاص فيها حياته، وحياة من أراد قتله.
* *
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. أي: تتقون القتل فلا تتعدون إليه لعلمكم بالقصاص.
البقرة 2:180
قوله ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
معناه: فرض عليكم الوصية إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً - أي: مالاً - للوالدين والأقربين، كان الله عز وجل قد فرض علينا أن نوصي عند الموت للوالدين والأقربين، ثم نسخ ذلك بآيات الميراث في النساء.
وقيل: هي محكمة واجبة لمن لا يرث من الوالدين والأقربين. وهو اختيار الطبري.
وروي عن الضحاك أنه قال: "من مات ولم [يوص لذي] قرابته فقد ختم عمله بمعصية".
وقال الحسن: "إذا أوصى الرجل لغير ذي قرابته بثلثه فلهم ثلث الثلث وباقي الثلث لقرابته". وقاله طاوس.
وكونها منسوخة قول ابن عباس وقتادة.
وعن قتادة والحسن أنه "إنما نسخ منها الوالدان، وبقي الأقربون الذين لا يرثون بالوصية لهم فرض".
وقال ابن زيد: "نسخ الله ذلك كله، وفرض الفرائض". وهو قول ابن عمر وعكرمة ومجاهد والسدي.
واختلفوا في نسخها فقال أكثرهم: "نسختها آيات النساء في المواريث.
وقال بعضهم: "نسخها قول النبي [عليه السلام]: "لا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ
وجواب الشرط عند الأخفش فاء محذوفة، والتقدير: "فالوصية". فعلى هذا يبتدأ بها لأنها مرفوعة بالابتداء. ويجوز أن تجعل ﴿ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ﴾ جواب الشرط، وتقدر به التقديم لأن الشرط إذا كان فعلاً ماضياً جاز تقدم الجواب عليه، فيكون التقدير: "الوصية لِلوالدين والأقربين إن ترك خيراً، فيحسن رفع الوصية أيضاً بالابتداء، ويحسن رفعها على ما لم يسم فاعله.
وكلهم على أن ﴿خَيْراً﴾ في الآية: المال.
قال قتادة: "الخير: ألف دينار فما فوقه".
وروى هشام بن عروة عن عروة، أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه دخل على ابن عم له يعوده فقال: إني أريد أن أوصي، فقال: لا توص، فإنك لم تترك خيراً فتوصي. قال: فكان ما ترك من السبعمائة إلى التسعمائة".
وقالت عائشة رضي الله عنها لرجل معه أربع مائة دينار وله ولد كثير: "لا توص".
وقال النخعي: "هو ما بين الخمسمائة درهم إلى الألف".
وقال الزهري: "الوصية حق مما قل أو كثُر". وهو اختيار الطبري.
ويروى عن علي أنه قال: "أربعة آلاف درهم فما دونها نفقة".
* *
ومعنى ﴿بِٱلْمَعْرُوفِ﴾: أي لا يضار الورثة مما يوصي فيما يوصي، فيوصي بأكثر من الثلث.
* *
وقوله: ﴿حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ﴾: أي: على من اتقى الله فاتبع ما أمره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾.
أي: فمن بدل الإيصاء ولمن أوصى به بعدما سمعه من الميت فإنما إثمه على [من بدله].
* *
﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
أي: يسمع ما يوصي به الموصي ولمن يوصي وغير ذلك.
عليم بما تعملون وما تبدلُون وغير ذلك.
"والهاء" في "بدَّلَهُ" تعود على الإيصاء والموصى له، وإن لم يجر له ذكر. لكن الكلام الأول يدل عليه ويتضمنه لأن الوصية تدل على الإيصاء والإيصاء يتضمن موصياً وموصى له.
والوصية عند أكثر أهل العلم غير واجبة، إنما هي مندوب إليها إلا الزهري فإنه قال: "هي واجبة على من ترك خيراً". وكلهم أجمعوا على أن مَنْ قِبَلُه أماناتٌ وودائعٌ وديون ونحو ذلك الوصية فرض.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾.
أي: فمن حضر مريضاً يوصي بوصية لا تجوز له في الدين، فلا حرج عليه أن يصلح بينه وبين ورثته ويأمره بالعدل في وصيته، وينهاه عن منعه مما أذن الله له فيه وأباحه له.
وقيل: المعنى: فمن خاف جنفاً من الموصي فأصلح بين الورثة والموصى لهم فرد الوصية إلى العدل والحق فلا حرج عليه.
قال ابن عباس: "إذا أخطأ الميت في وصيته وخاف فيها فليس على الأولياء حرج أن يردوا خطأه إلى الصواب". وهو معنى قول قتادة والنخعي.
وقال عطاء: "معناها: من خاف من موص جنفاً في عطيته عند موته بعض ورثته دون بعض، فلا إثم عليه أن يصلح بين الورثة".
وقيل: معناه: من خاف من موص جنفاً في وصيته لمن لا يرثه بما يرجع نفعه على من يرثه فأصلح بين ورثته، فلا إثم عليه.
وهو معنى قول طاوس، قال: "جنفه توليجه بوصيته لبني ابنه ليكون المال إلى أبيهم، وتوصي المرأة لزوج ابنتها ليكون المال لابنتها، فيصلح بينهم الوصي والأمير، ويوعظ هو في حياته".
وقال السدي: "نزلت هذه الآية في الوالدين والأقربين".
فمعناها: فمن خاف من موص لآبائه وأقربائه جنفاً على بعضهم لبعض فأصلح بين الآباء والأقربين، فلا إثم عليه.
واختيار الطبري أن يكون معناها: من خاف من موص جنفاً أن يحيف في وصيته فيوصي بأكثر مما يجب له في وصيته، فلا حرج على الذي حضر أن يصلح بين الموصي والورثة بأن يأمر الميت بالمعروف والحق.
والضمير في "بَيْنَهُمْ" يعود على الورثة والموصى لهم. أو على الورثة والموصى على الاختلاف المتقدم.
وجاز إضمارهم، ولم يجر لهم ذكر، لأن معناهم في الخطاب وفحوى الكلام مفهوم، لأن الميت وذِكرَه يدل على الورثة، والوصية تدل على الموصى له والموصى والموصي إليه.
قال ابن عباس: "جنفاً: خطأ". وقال عطاء: "ميلاً".
وقال الضحاك: "الجنف: الخطأ، والإثم: العمد" وهو قول النخعي.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
أي: "غفور" للموصي فيما حدث به نفسه من الجنف والخطأ والإثم العمد إذا ترك ذلك ورجع إلى الحق، "رحيم" بالمصلح.
البقرة 2:181
قوله ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
معناه: فرض عليكم الوصية إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً - أي: مالاً - للوالدين والأقربين، كان الله عز وجل قد فرض علينا أن نوصي عند الموت للوالدين والأقربين، ثم نسخ ذلك بآيات الميراث في النساء.
وقيل: هي محكمة واجبة لمن لا يرث من الوالدين والأقربين. وهو اختيار الطبري.
وروي عن الضحاك أنه قال: "من مات ولم [يوص لذي] قرابته فقد ختم عمله بمعصية".
وقال الحسن: "إذا أوصى الرجل لغير ذي قرابته بثلثه فلهم ثلث الثلث وباقي الثلث لقرابته". وقاله طاوس.
وكونها منسوخة قول ابن عباس وقتادة.
وعن قتادة والحسن أنه "إنما نسخ منها الوالدان، وبقي الأقربون الذين لا يرثون بالوصية لهم فرض".
وقال ابن زيد: "نسخ الله ذلك كله، وفرض الفرائض". وهو قول ابن عمر وعكرمة ومجاهد والسدي.
واختلفوا في نسخها فقال أكثرهم: "نسختها آيات النساء في المواريث.
وقال بعضهم: "نسخها قول النبي [عليه السلام]: "لا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ
وجواب الشرط عند الأخفش فاء محذوفة، والتقدير: "فالوصية". فعلى هذا يبتدأ بها لأنها مرفوعة بالابتداء. ويجوز أن تجعل ﴿ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ﴾ جواب الشرط، وتقدر به التقديم لأن الشرط إذا كان فعلاً ماضياً جاز تقدم الجواب عليه، فيكون التقدير: "الوصية لِلوالدين والأقربين إن ترك خيراً، فيحسن رفع الوصية أيضاً بالابتداء، ويحسن رفعها على ما لم يسم فاعله.
وكلهم على أن ﴿خَيْراً﴾ في الآية: المال.
قال قتادة: "الخير: ألف دينار فما فوقه".
وروى هشام بن عروة عن عروة، أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه دخل على ابن عم له يعوده فقال: إني أريد أن أوصي، فقال: لا توص، فإنك لم تترك خيراً فتوصي. قال: فكان ما ترك من السبعمائة إلى التسعمائة".
وقالت عائشة رضي الله عنها لرجل معه أربع مائة دينار وله ولد كثير: "لا توص".
وقال النخعي: "هو ما بين الخمسمائة درهم إلى الألف".
وقال الزهري: "الوصية حق مما قل أو كثُر". وهو اختيار الطبري.
ويروى عن علي أنه قال: "أربعة آلاف درهم فما دونها نفقة".
* *
ومعنى ﴿بِٱلْمَعْرُوفِ﴾: أي لا يضار الورثة مما يوصي فيما يوصي، فيوصي بأكثر من الثلث.
* *
وقوله: ﴿حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ﴾: أي: على من اتقى الله فاتبع ما أمره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾.
أي: فمن بدل الإيصاء ولمن أوصى به بعدما سمعه من الميت فإنما إثمه على [من بدله].
* *
﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
أي: يسمع ما يوصي به الموصي ولمن يوصي وغير ذلك.
عليم بما تعملون وما تبدلُون وغير ذلك.
"والهاء" في "بدَّلَهُ" تعود على الإيصاء والموصى له، وإن لم يجر له ذكر. لكن الكلام الأول يدل عليه ويتضمنه لأن الوصية تدل على الإيصاء والإيصاء يتضمن موصياً وموصى له.
والوصية عند أكثر أهل العلم غير واجبة، إنما هي مندوب إليها إلا الزهري فإنه قال: "هي واجبة على من ترك خيراً". وكلهم أجمعوا على أن مَنْ قِبَلُه أماناتٌ وودائعٌ وديون ونحو ذلك الوصية فرض.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾.
أي: فمن حضر مريضاً يوصي بوصية لا تجوز له في الدين، فلا حرج عليه أن يصلح بينه وبين ورثته ويأمره بالعدل في وصيته، وينهاه عن منعه مما أذن الله له فيه وأباحه له.
وقيل: المعنى: فمن خاف جنفاً من الموصي فأصلح بين الورثة والموصى لهم فرد الوصية إلى العدل والحق فلا حرج عليه.
قال ابن عباس: "إذا أخطأ الميت في وصيته وخاف فيها فليس على الأولياء حرج أن يردوا خطأه إلى الصواب". وهو معنى قول قتادة والنخعي.
وقال عطاء: "معناها: من خاف من موص جنفاً في عطيته عند موته بعض ورثته دون بعض، فلا إثم عليه أن يصلح بين الورثة".
وقيل: معناه: من خاف من موص جنفاً في وصيته لمن لا يرثه بما يرجع نفعه على من يرثه فأصلح بين ورثته، فلا إثم عليه.
وهو معنى قول طاوس، قال: "جنفه توليجه بوصيته لبني ابنه ليكون المال إلى أبيهم، وتوصي المرأة لزوج ابنتها ليكون المال لابنتها، فيصلح بينهم الوصي والأمير، ويوعظ هو في حياته".
وقال السدي: "نزلت هذه الآية في الوالدين والأقربين".
فمعناها: فمن خاف من موص لآبائه وأقربائه جنفاً على بعضهم لبعض فأصلح بين الآباء والأقربين، فلا إثم عليه.
واختيار الطبري أن يكون معناها: من خاف من موص جنفاً أن يحيف في وصيته فيوصي بأكثر مما يجب له في وصيته، فلا حرج على الذي حضر أن يصلح بين الموصي والورثة بأن يأمر الميت بالمعروف والحق.
والضمير في "بَيْنَهُمْ" يعود على الورثة والموصى لهم. أو على الورثة والموصى على الاختلاف المتقدم.
وجاز إضمارهم، ولم يجر لهم ذكر، لأن معناهم في الخطاب وفحوى الكلام مفهوم، لأن الميت وذِكرَه يدل على الورثة، والوصية تدل على الموصى له والموصى والموصي إليه.
قال ابن عباس: "جنفاً: خطأ". وقال عطاء: "ميلاً".
وقال الضحاك: "الجنف: الخطأ، والإثم: العمد" وهو قول النخعي.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
أي: "غفور" للموصي فيما حدث به نفسه من الجنف والخطأ والإثم العمد إذا ترك ذلك ورجع إلى الحق، "رحيم" بالمصلح.
البقرة 2:182
قوله ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
معناه: فرض عليكم الوصية إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً - أي: مالاً - للوالدين والأقربين، كان الله عز وجل قد فرض علينا أن نوصي عند الموت للوالدين والأقربين، ثم نسخ ذلك بآيات الميراث في النساء.
وقيل: هي محكمة واجبة لمن لا يرث من الوالدين والأقربين. وهو اختيار الطبري.
وروي عن الضحاك أنه قال: "من مات ولم [يوص لذي] قرابته فقد ختم عمله بمعصية".
وقال الحسن: "إذا أوصى الرجل لغير ذي قرابته بثلثه فلهم ثلث الثلث وباقي الثلث لقرابته". وقاله طاوس.
وكونها منسوخة قول ابن عباس وقتادة.
وعن قتادة والحسن أنه "إنما نسخ منها الوالدان، وبقي الأقربون الذين لا يرثون بالوصية لهم فرض".
وقال ابن زيد: "نسخ الله ذلك كله، وفرض الفرائض". وهو قول ابن عمر وعكرمة ومجاهد والسدي.
واختلفوا في نسخها فقال أكثرهم: "نسختها آيات النساء في المواريث.
وقال بعضهم: "نسخها قول النبي [عليه السلام]: "لا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ
وجواب الشرط عند الأخفش فاء محذوفة، والتقدير: "فالوصية". فعلى هذا يبتدأ بها لأنها مرفوعة بالابتداء. ويجوز أن تجعل ﴿ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ﴾ جواب الشرط، وتقدر به التقديم لأن الشرط إذا كان فعلاً ماضياً جاز تقدم الجواب عليه، فيكون التقدير: "الوصية لِلوالدين والأقربين إن ترك خيراً، فيحسن رفع الوصية أيضاً بالابتداء، ويحسن رفعها على ما لم يسم فاعله.
وكلهم على أن ﴿خَيْراً﴾ في الآية: المال.
قال قتادة: "الخير: ألف دينار فما فوقه".
وروى هشام بن عروة عن عروة، أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه دخل على ابن عم له يعوده فقال: إني أريد أن أوصي، فقال: لا توص، فإنك لم تترك خيراً فتوصي. قال: فكان ما ترك من السبعمائة إلى التسعمائة".
وقالت عائشة رضي الله عنها لرجل معه أربع مائة دينار وله ولد كثير: "لا توص".
وقال النخعي: "هو ما بين الخمسمائة درهم إلى الألف".
وقال الزهري: "الوصية حق مما قل أو كثُر". وهو اختيار الطبري.
ويروى عن علي أنه قال: "أربعة آلاف درهم فما دونها نفقة".
* *
ومعنى ﴿بِٱلْمَعْرُوفِ﴾: أي لا يضار الورثة مما يوصي فيما يوصي، فيوصي بأكثر من الثلث.
* *
وقوله: ﴿حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ﴾: أي: على من اتقى الله فاتبع ما أمره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾.
أي: فمن بدل الإيصاء ولمن أوصى به بعدما سمعه من الميت فإنما إثمه على [من بدله].
* *
﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
أي: يسمع ما يوصي به الموصي ولمن يوصي وغير ذلك.
عليم بما تعملون وما تبدلُون وغير ذلك.
"والهاء" في "بدَّلَهُ" تعود على الإيصاء والموصى له، وإن لم يجر له ذكر. لكن الكلام الأول يدل عليه ويتضمنه لأن الوصية تدل على الإيصاء والإيصاء يتضمن موصياً وموصى له.
والوصية عند أكثر أهل العلم غير واجبة، إنما هي مندوب إليها إلا الزهري فإنه قال: "هي واجبة على من ترك خيراً". وكلهم أجمعوا على أن مَنْ قِبَلُه أماناتٌ وودائعٌ وديون ونحو ذلك الوصية فرض.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾.
أي: فمن حضر مريضاً يوصي بوصية لا تجوز له في الدين، فلا حرج عليه أن يصلح بينه وبين ورثته ويأمره بالعدل في وصيته، وينهاه عن منعه مما أذن الله له فيه وأباحه له.
وقيل: المعنى: فمن خاف جنفاً من الموصي فأصلح بين الورثة والموصى لهم فرد الوصية إلى العدل والحق فلا حرج عليه.
قال ابن عباس: "إذا أخطأ الميت في وصيته وخاف فيها فليس على الأولياء حرج أن يردوا خطأه إلى الصواب". وهو معنى قول قتادة والنخعي.
وقال عطاء: "معناها: من خاف من موص جنفاً في عطيته عند موته بعض ورثته دون بعض، فلا إثم عليه أن يصلح بين الورثة".
وقيل: معناه: من خاف من موص جنفاً في وصيته لمن لا يرثه بما يرجع نفعه على من يرثه فأصلح بين ورثته، فلا إثم عليه.
وهو معنى قول طاوس، قال: "جنفه توليجه بوصيته لبني ابنه ليكون المال إلى أبيهم، وتوصي المرأة لزوج ابنتها ليكون المال لابنتها، فيصلح بينهم الوصي والأمير، ويوعظ هو في حياته".
وقال السدي: "نزلت هذه الآية في الوالدين والأقربين".
فمعناها: فمن خاف من موص لآبائه وأقربائه جنفاً على بعضهم لبعض فأصلح بين الآباء والأقربين، فلا إثم عليه.
واختيار الطبري أن يكون معناها: من خاف من موص جنفاً أن يحيف في وصيته فيوصي بأكثر مما يجب له في وصيته، فلا حرج على الذي حضر أن يصلح بين الموصي والورثة بأن يأمر الميت بالمعروف والحق.
والضمير في "بَيْنَهُمْ" يعود على الورثة والموصى لهم. أو على الورثة والموصى على الاختلاف المتقدم.
وجاز إضمارهم، ولم يجر لهم ذكر، لأن معناهم في الخطاب وفحوى الكلام مفهوم، لأن الميت وذِكرَه يدل على الورثة، والوصية تدل على الموصى له والموصى والموصي إليه.
قال ابن عباس: "جنفاً: خطأ". وقال عطاء: "ميلاً".
وقال الضحاك: "الجنف: الخطأ، والإثم: العمد" وهو قول النخعي.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
أي: "غفور" للموصي فيما حدث به نفسه من الجنف والخطأ والإثم العمد إذا ترك ذلك ورجع إلى الحق، "رحيم" بالمصلح.
البقرة 2:183
قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
أي: فرض عليكم أن تصوموا أياماً معدودات كما كتب على الذين من قبلكم الصيام، يعني النصارى.
وقال الشعبي: "فرض على النصارى شهر رمضان كما فرض علينا، فحوَّلوه إلى الفصل، وذلك أنهم ربما صاموه في القيظ فعدّوا ثلاثين يوماً، ثم أتى قوم من بعدهم، فأخذوا بالشقة لأنفسهم، فصاموا قبل الثلاثين يوماً وبعدها يوماً. ثم لم يزل الآخر يستن بسنة القرن الذي قبله ويزيد يوماً أولاً ويوماً آخر. حتى صار إلى الخمسين يوماً، وقال: لو صمت السنة كلها لأفْطَرْتُ اليوم الذي يشك فيه، فيقال من شعبان، ويقال من رمضان".
وقال السدي: "﴿ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ هم النصارى كتب عليهم رمضان وكتب عليهم ألا يأكلوا ولا يشربوا بعد النوم، ولا ينكحوا النساء في شهر رمضان، فاشتد عليهم شهر رمضان وجعل يصعب عليهم في الصيف. فلما رأوا ذلك اجتمعوا على صيام في الفصل بين الشتاء والصيف، وقالوا: "نزيد عشرين يوماً. نكفر بِهَا ما صنعنا". فجعلوا صيامهم خمسين يوماً، فلم يزل المسلمون يتركون الأكل بعد النوم وقرب النساء في ليل رمضان حتى كان من أمر أبي قيس بن صرمة وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما ما كان، فأحل الله عز وجل لهم الأكل والشرب والجماع إلى طلوع الفجر".
وقال قتادة: "كان قد كتب الله عز وجل على الناس صوم ثلاثة أيام من كل شهر ثم فرض شهر رمضان".
وقال جابر بن سمرة: "نسخ صوم رمضان صوم يوم عاشوراء، لأن النبي [عليه السلام] كان أمر بصومه قبل أن يفرض رمضان. فمن شاء الآن صامه ومن شاء أفطره.".
وروى [أبو] قتادة أن النبي [عليه السلام] قال: "صَوْمُ يَوْمِ عاشوراءَ يُكَفِّرُ سَنَةٌ مُسْتَقَبَلَةً
قالت عائشة رضي الله عنها: "كان يوم عاشوراء يوماً تصومه قريش في الجاهلية. وكان رسول الله يصومه.. فلما قدم المدينة صامه، وأمر بصيامه فنزل صوم رمضان ، فكان رمضان هو الفريضة فمن شاء صام عاشوراء، ومن شاء ترك".
وقال تعالى: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ قال: "كان كتب عليهم صيام ثلاثة أيام من كل شهر".
والآية ناسخة لصيام ثلاثة أيام من كل شهر على هذا القول.
وقال أبو العالية والسدي: "هذه الآية منسوخة لأن الله تعالى كتب على من كان قبلنا إذا نام بعد المغرب لم يأكل ولم يقرب النساء، ثم كتب علينا ذلك في هذه الآية" فقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ ثم نسخه بقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] الآية".
وذكر الحسن عن النبي [عليه السلام] أنه قال: "كانَ عَلَى النَّصَارَى صَوْمُ شَهْر، فَمَرِضَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقال لَئِنِ اللهُ شَفاهُ ليَزيدَنَّ عَشْراً، ثُمَّ كانَ آخرُ فَأَكَلَ لَحْماً فَأَوْجَعَ فاهُ، فقالَ: لَئِنِ اللهُ شَفاهُ لَيَزيدَنَّ سَبْعاً، ثُمَّ كانَ مَلِكٌ آخَرٌ فَقالَ: "لَتَتِمَّنَ هَذِهِ السَّبْعَةُ عَشْراً، وَلأَجْعَلَنَّ صَوْمَنا في الرّبيعِ"، قالَ: فصارَ خمْسينَ يوْماً". يعني: بِـ "الرجال": ملوكاً سنوا سنناً وزادوا وبدلوا الأوقات.
واختار الطبري قول من قال: "فرض على من كان قبلنا من أهل الكتاب صوم شهر رمضان ففرضه علينا". وقال: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾. واستدل على ذلك أن مَنْ بعدَ إبراهيم - عليه السلام - من الأنبياء كانوا مأمورين بالاتباع له؛ وذلك أنَّ الله تعالى جعله [إماماً للناس] وأخبرنا أن دينه كان [الحنيفة المسلمة]، وأمر نبينا عليه السلام باتباعه فدل على أن إبراهيم ﷺ ومن كان بعده من الأنبياء صلوات الله عليهم فرض عليهم صوم شهر رمضان كما فرضه الله تعالى علينا الآن، فوقع التشبيه على الوقت.
وقيل: إنما فرض الله علينا شهراً، كما فرضه على من كان قبلنا شهراً، وفرض علينا ترك الأكل والوطء بعد النوم، ثم أباحه لنا إلى الفجر.
* *
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
أي تتقون أكل الطعام وشرب الشراب، وجماع النساء فيه. وهو معنى قول السدي وغيره.
وقيل: معناه: إن الصيام وصلة إلى التقى. فكأنه "صوموا ليقوى رجاؤكم في التقوى".
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ﴾.
قال عطاء: "كان على الناس صوم ثلاثة أيام من كل شهر، ثم فرض الله على المسلمين صوم شهر رمضان".
فهذا القول يدل على أن أياماً منصوبة بـ "كُتِبَ"، وهو قول الفراء. قال ابن عباس: "كان عليهم صيام ثلاثة أيام من كل شهر، ثم نسخه الله بصوم شهر رمضان". وهو قول قتادة.
وقيل: [الأيام المعدودات] هي أيام رمضان بعينها. فيكون نصبٌ: "أيام" بالصيام على هذا القول، وهو قول الأخفش، فتكون ظرفاً. ولا يكون نصبها على المفعول لأنك تفرق بين الصلة والموصول بالنعت وهو الكاف. وحسن ذلك في الظرف لأن الظرف تعمل فيها المعاني إلا أن تجعل الكاف مفعولاً للصيام، فيحسن أن تنصب "الأيام" على أنها مفعول بها.
والكاف من "كما يجوز أن تكون نعتاً لمصدر محذوف أي: [كَتْباً كَمَا]، ويجوز أن يكون "صَوْماً كَمَا"، فلا يدخل في الصلة على القول الأول، ويدخل على القول الثاني.
ويجوز أن تكون الكاف نصباً على الحال من الصيام، أي: مشبهاً لصيام من كان قبلكم.
ويجوز أن يكون في موضع رفع نعتاً للصيام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. أي: فمن لم يقدر على الصوم لمرض به أو لسفر فليفطر، وعليه أن يصوم مثل ما أفطر من أيام أخر.
فمن الفقهاء من يرى أن الصوم في رمضان في السفر أفضل، ومنهم من يرى الإفطار.
وكان أنس بن مالك يرى الصوم في السفر في رمضان، فقيل له: أين هذه الآية: ﴿أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، فقال: "إنها نزلت يوم نزلت، ونحن نرتحل جياعاً، وننزل على غير شبع، واليوم نرتحل شباعاً، وننزل على شبع".
و "أُخَرَ" لا تنصرف لأنها معدولة عن الألف واللام عند سيبويه، وذلك أن "فُعَلَ" سبيله أن يأتي بالألف واللام نحو "الكُبَر" و "الفُضَل". وقال الكسائي: "هي معدولة عن "أُخْرَاء" كما تقول "حُمْرَاءَ" و "حُمَرَ" فامتنعت من الصرف لذلك".
وقيل: منع من الصرف لأنه على وزن "جُمَع"، والعرب لا تقول "يوم أُخْرَى"، إنما تقول: "يوم أُخَر"، وإنما جاء "أَيَّامٍ أُخَر" لأن نعت "الأيام" مؤنث، فلذلك نعت بأخرى.
وقيل: "أُخَر" جمع "أُخْرَى"، كأنه قال "أيام أُخْرَى"، ثم كثرت الأيام فجمع "أُخْرَى" على "أُخَرَ".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. قال معاذ بن جبل: "قدم النبي ﷺ المدينة، فصام يوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر، ثم إن الله فرض شهر رمضان وقال: ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، فكان من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم مسكيناً. ثم إن الله عز وجل أوجب الصيام على الصحيح المقيم، وثبت الإطعام على الكبير إذا أفطر ولم يستطع الصوم، فأنزل الله عز وجل: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ الآية. وهو قول عكرمة والحسن.
وقال علقمة: "نسخها: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾".
وكذلك روى نافع عن ابن عمر. وهذه الآية في رواية ابن وهب عن مالك محكمة.
قال ابن وهب: "قال لي مالك: "إنما ذلك في الرجل يمرض فيفطر ثم يبرأ فلا يقضي ما أفطر حتى يدركه رمضان آخر من قابل، فعليه أن يبدأ برمضان الذي أدركه فيصومه، ثم يقضي الذي كان أفطر من رمضان الأول، ويطعم عن كل يوم مسكيناً مداً من حنطة. ولو اتصل به المرض إلى أن دخل عليه رمضان آخر، فليس عليه إطعام إذ لم يفرط".
فالمعنى على هذا القول: وعلى الذين يطيقونه القضاء لما عليهم فلا يقضون حتى يأتي رمضان آخر فدية طعام مساكين مع القضاء. يعني يطعم مداً لمسكين عن كل يوم فرط في قضائه.
وقال ابن أبي ليلى: "دخلت على عطاء وهو يأكل في رمضان فقال: إني شيخ كبير، وإن الصوم نزل فكان من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم مسكيناً حتى نزلت هذه الآية: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ الآية، قال: فوجب الصوم على كل أحد إلا مريضاً أو مسافراً أو شيخاً كبيراً مثلي يفتدي". وهو قول ابن شهاب.
[وقال ابن عباس]: "جعل الله في الصوم الأول فدية طعام مساكين، فمن شاء [من مسافر أو مقيم أن يفطر ويطعم مسكيناً] كان ذلك رخصة لهم، ثم أنزل الله في الصوم الأخير: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، ولم تدخل فيها الفدية، وثبت الصوم الآخر".
وروى ابن سيرين عن عبيدة أنه قال في قوله: ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، قال: "نسختها التي تليها: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ الآية".
وقال الضحاك: "فرض الله الصوم من العتمة إلى مثلها من القابلة؛ [وإذا صلى الرجل العتمة، حرم عليه] الطعام والشراب والجماع إلى مثلها من القابلة. ثم نزل الصوم الآخر بإحلال الطعام والشراب والجماع في الليل كله، وهو قوله: ﴿وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ﴾ الآية، وأحل الجماع بقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ﴾ الآية. وكان في الصوم الأول فدية، فمن شاء من مسافر أو مقيم أن يطعم مسكيناً عن كل يوم ويفطر فعل ذلك. ولم يذكر الله عز وجل في الصوم الآخر الفدية لكن قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فنسخ هذا الصوم الآخر الفدية".
وقال ابن جبير: "كانت الفدية للشيخ الكبير والعجوز إذا أفطر وهما يطيقان الصوم ثم نسختها الآية التي بعدها قوله: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، فنسخت الإطعام عن الكبيرَيْن إذا كانا يطيقان الصوم وأوجب عليهما الصوم، وثبت للشيخ والعجوز الفدية إذا كانا لا يطيقان الصوم، وللحبلى والمرضع إذا خافتا. وكذلك قال عكرمة والربيع.
وقال السدي: "الآية محكمة ومعناها: "وعلى الذين كانوا يطيقون الصوم في صحتهم إذا مرضوا أو كبروا أو عرض لهم مانع من المقدرة على الصوم كالحامل والمرضع، الفدية إطعام مسكين لكل يوم، وإن تكلف الصيام على ضره فصام فهو خير له". قال ابن عباس: "إذا خافت الحامل والمرضع [أفطرتا وأطعمتا] ولا تقضيان صوماً".
وقرأ ابن جبير وعطاء وعكرمة: "يُطَوَّقُونَهُ" بواو مشددة، أي: يكلفون صومه ولا يقدرون. يعني الشيخ والعجوز والحامل.
وهي قراءة تروى عن عائشة. وكان إسماعيل القاضي يضعف هذه القراءة ويقول: كيف [يقرأ: "يُطَوَّقُونَهُ" على معنى "يُكَلَّفُونَهُ"]، وهم لا يقدرون على صومه وبعده: ﴿وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾، وكيف يقال لمن لا يقدر على الصوم: ﴿وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾؟ هذا معنى كلامه. وقد قرأ مجاهد به، أعني بالتشديد للواو. وروي أيضاً عن عكرمة: ﴿عَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ بالتشديد في الياء والطاء على معنى: "يَتَطَيَّقُونَهُ".
وعن ابن عباس أنه قرأ: "يُطَيَّقُونَهُ" بضم الياء الأولى وتشديد الثانية.
قال ابن [الأنباري: في هاتين القراءتين] لحن، لأن الفعل من الواو مأخوذ من الطوق، فلا معنى لقلب الواو ياء بغير علة ولا أصل". وروي أيضاَ عن مجاهد: "يَطَوَّقُونَهُ" بفتح الياء وتشديد الطاء والواو بمعنى "يَتَكَلَّفُونَهُ". يعني الشيخ الكبير والعجوز لا يقدران على ذلك، فتكون الآية على هاتين القراءتين محكمة في الشيخ والعجوز والحامل ومن لا يقدر على الصوم لعذر يعرض له، وتكون الآية الثانية لجميع الأصحاء، فهما محكمتان.
قال مالك: "إذا خافت الحامل على نفسها أفطرت ولا إطعام عليها لأنه مرض، وعليها القضاء إذا صحت وقويت".
وروي عنه أنه قال: "تفطر وتطعم لكل يوم مداً بمد النبي عليه السلام. وذكره عن ابن عمر.
وتفطر المرضع إذا خافت على ولدها ولم تجد من يرضعه لها وتطعم وتقضي.
فمالك يفرق بين الحامل والمرضع، فيلزم المرضع الإطعام ولا يلزمه الحامل، لأنها مريضة.
وروي عن ابن عباس وابن عمر أنهما يفطران ويطعمان ولا قضاء عليهما. وقيل: بل يفطران ويقضيان، [ولا إطعام] عليهما، وهو قول الحسن وعطاء والضحاك والزهري وربيعة والأوزاعي وأهل العراق. وقيل: بل يفطران ويطعمان ويقضيان. وهو قول مجاهد والشافعي وأحمد بن حنبل.
وأجمع أهل العلم على أن الشيخ الكبير والعجوز يفطران إذا لم يقدرا على الصوم. ولا إطعام عليهما عند مالك. وهو قول ربيعة ومكحول وأبي ثور.
وقال ابن جبير وطاوس والأوزاعي والشافعي وأهل الرأي: "يطعم كل واحد منهما عن كل يوم أفطره مسكيناً واحداً".
والهاء في "يُطِيقُونَهُ" تعود على الصيام.
وقال بعضهم: "تعود على الإطعام"، وليس بشيء.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ﴾.
أي: فمن زاد فأطعم عن كل يوم أكثر من مسكين فهو خير وأجر مُدَّخَرٌ له. قاله ابن عباس وغيره.
وعن مجاهد أن معناه: "فمن أطعم المسكين أكثر من مد، فهو أجر مدخر له، إنما عليه مد".
وقال ابن شهاب: "معناه من صام مع الفدية فهو خير له في أخراه".
* *
ثم قال: ﴿وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ أي: والصيام خير لكم من أن تفطروا وتفتدوا.
قال السدي: "معناه: من تكلف الصيام فصام، فهو خير له من الفدية والإفطار".
وقال من جعل الآية الأولى غير منسوخة: هذا للشيخ الكبير والعجوز: اعلموا أن التكلف في الصيام خير لهم من الإفطار والفدية".
* *
ثم قال: ﴿إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
أي: إن علمتم أنكم تقدرون على الصوم، فالصوم خير لكم.
وقيل: معناه: إن كنتم تعلمون أيها المؤمنون خير الأمرين.
البقرة 2:184
قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
أي: فرض عليكم أن تصوموا أياماً معدودات كما كتب على الذين من قبلكم الصيام، يعني النصارى.
وقال الشعبي: "فرض على النصارى شهر رمضان كما فرض علينا، فحوَّلوه إلى الفصل، وذلك أنهم ربما صاموه في القيظ فعدّوا ثلاثين يوماً، ثم أتى قوم من بعدهم، فأخذوا بالشقة لأنفسهم، فصاموا قبل الثلاثين يوماً وبعدها يوماً. ثم لم يزل الآخر يستن بسنة القرن الذي قبله ويزيد يوماً أولاً ويوماً آخر. حتى صار إلى الخمسين يوماً، وقال: لو صمت السنة كلها لأفْطَرْتُ اليوم الذي يشك فيه، فيقال من شعبان، ويقال من رمضان".
وقال السدي: "﴿ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ هم النصارى كتب عليهم رمضان وكتب عليهم ألا يأكلوا ولا يشربوا بعد النوم، ولا ينكحوا النساء في شهر رمضان، فاشتد عليهم شهر رمضان وجعل يصعب عليهم في الصيف. فلما رأوا ذلك اجتمعوا على صيام في الفصل بين الشتاء والصيف، وقالوا: "نزيد عشرين يوماً. نكفر بِهَا ما صنعنا". فجعلوا صيامهم خمسين يوماً، فلم يزل المسلمون يتركون الأكل بعد النوم وقرب النساء في ليل رمضان حتى كان من أمر أبي قيس بن صرمة وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما ما كان، فأحل الله عز وجل لهم الأكل والشرب والجماع إلى طلوع الفجر".
وقال قتادة: "كان قد كتب الله عز وجل على الناس صوم ثلاثة أيام من كل شهر ثم فرض شهر رمضان".
وقال جابر بن سمرة: "نسخ صوم رمضان صوم يوم عاشوراء، لأن النبي [عليه السلام] كان أمر بصومه قبل أن يفرض رمضان. فمن شاء الآن صامه ومن شاء أفطره.".
وروى [أبو] قتادة أن النبي [عليه السلام] قال: "صَوْمُ يَوْمِ عاشوراءَ يُكَفِّرُ سَنَةٌ مُسْتَقَبَلَةً
قالت عائشة رضي الله عنها: "كان يوم عاشوراء يوماً تصومه قريش في الجاهلية. وكان رسول الله يصومه.. فلما قدم المدينة صامه، وأمر بصيامه فنزل صوم رمضان ، فكان رمضان هو الفريضة فمن شاء صام عاشوراء، ومن شاء ترك".
وقال تعالى: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ قال: "كان كتب عليهم صيام ثلاثة أيام من كل شهر".
والآية ناسخة لصيام ثلاثة أيام من كل شهر على هذا القول.
وقال أبو العالية والسدي: "هذه الآية منسوخة لأن الله تعالى كتب على من كان قبلنا إذا نام بعد المغرب لم يأكل ولم يقرب النساء، ثم كتب علينا ذلك في هذه الآية" فقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ ثم نسخه بقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] الآية".
وذكر الحسن عن النبي [عليه السلام] أنه قال: "كانَ عَلَى النَّصَارَى صَوْمُ شَهْر، فَمَرِضَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقال لَئِنِ اللهُ شَفاهُ ليَزيدَنَّ عَشْراً، ثُمَّ كانَ آخرُ فَأَكَلَ لَحْماً فَأَوْجَعَ فاهُ، فقالَ: لَئِنِ اللهُ شَفاهُ لَيَزيدَنَّ سَبْعاً، ثُمَّ كانَ مَلِكٌ آخَرٌ فَقالَ: "لَتَتِمَّنَ هَذِهِ السَّبْعَةُ عَشْراً، وَلأَجْعَلَنَّ صَوْمَنا في الرّبيعِ"، قالَ: فصارَ خمْسينَ يوْماً". يعني: بِـ "الرجال": ملوكاً سنوا سنناً وزادوا وبدلوا الأوقات.
واختار الطبري قول من قال: "فرض على من كان قبلنا من أهل الكتاب صوم شهر رمضان ففرضه علينا". وقال: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾. واستدل على ذلك أن مَنْ بعدَ إبراهيم - عليه السلام - من الأنبياء كانوا مأمورين بالاتباع له؛ وذلك أنَّ الله تعالى جعله [إماماً للناس] وأخبرنا أن دينه كان [الحنيفة المسلمة]، وأمر نبينا عليه السلام باتباعه فدل على أن إبراهيم ﷺ ومن كان بعده من الأنبياء صلوات الله عليهم فرض عليهم صوم شهر رمضان كما فرضه الله تعالى علينا الآن، فوقع التشبيه على الوقت.
وقيل: إنما فرض الله علينا شهراً، كما فرضه على من كان قبلنا شهراً، وفرض علينا ترك الأكل والوطء بعد النوم، ثم أباحه لنا إلى الفجر.
* *
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
أي تتقون أكل الطعام وشرب الشراب، وجماع النساء فيه. وهو معنى قول السدي وغيره.
وقيل: معناه: إن الصيام وصلة إلى التقى. فكأنه "صوموا ليقوى رجاؤكم في التقوى".
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ﴾.
قال عطاء: "كان على الناس صوم ثلاثة أيام من كل شهر، ثم فرض الله على المسلمين صوم شهر رمضان".
فهذا القول يدل على أن أياماً منصوبة بـ "كُتِبَ"، وهو قول الفراء. قال ابن عباس: "كان عليهم صيام ثلاثة أيام من كل شهر، ثم نسخه الله بصوم شهر رمضان". وهو قول قتادة.
وقيل: [الأيام المعدودات] هي أيام رمضان بعينها. فيكون نصبٌ: "أيام" بالصيام على هذا القول، وهو قول الأخفش، فتكون ظرفاً. ولا يكون نصبها على المفعول لأنك تفرق بين الصلة والموصول بالنعت وهو الكاف. وحسن ذلك في الظرف لأن الظرف تعمل فيها المعاني إلا أن تجعل الكاف مفعولاً للصيام، فيحسن أن تنصب "الأيام" على أنها مفعول بها.
والكاف من "كما يجوز أن تكون نعتاً لمصدر محذوف أي: [كَتْباً كَمَا]، ويجوز أن يكون "صَوْماً كَمَا"، فلا يدخل في الصلة على القول الأول، ويدخل على القول الثاني.
ويجوز أن تكون الكاف نصباً على الحال من الصيام، أي: مشبهاً لصيام من كان قبلكم.
ويجوز أن يكون في موضع رفع نعتاً للصيام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. أي: فمن لم يقدر على الصوم لمرض به أو لسفر فليفطر، وعليه أن يصوم مثل ما أفطر من أيام أخر.
فمن الفقهاء من يرى أن الصوم في رمضان في السفر أفضل، ومنهم من يرى الإفطار.
وكان أنس بن مالك يرى الصوم في السفر في رمضان، فقيل له: أين هذه الآية: ﴿أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، فقال: "إنها نزلت يوم نزلت، ونحن نرتحل جياعاً، وننزل على غير شبع، واليوم نرتحل شباعاً، وننزل على شبع".
و "أُخَرَ" لا تنصرف لأنها معدولة عن الألف واللام عند سيبويه، وذلك أن "فُعَلَ" سبيله أن يأتي بالألف واللام نحو "الكُبَر" و "الفُضَل". وقال الكسائي: "هي معدولة عن "أُخْرَاء" كما تقول "حُمْرَاءَ" و "حُمَرَ" فامتنعت من الصرف لذلك".
وقيل: منع من الصرف لأنه على وزن "جُمَع"، والعرب لا تقول "يوم أُخْرَى"، إنما تقول: "يوم أُخَر"، وإنما جاء "أَيَّامٍ أُخَر" لأن نعت "الأيام" مؤنث، فلذلك نعت بأخرى.
وقيل: "أُخَر" جمع "أُخْرَى"، كأنه قال "أيام أُخْرَى"، ثم كثرت الأيام فجمع "أُخْرَى" على "أُخَرَ".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. قال معاذ بن جبل: "قدم النبي ﷺ المدينة، فصام يوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر، ثم إن الله فرض شهر رمضان وقال: ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، فكان من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم مسكيناً. ثم إن الله عز وجل أوجب الصيام على الصحيح المقيم، وثبت الإطعام على الكبير إذا أفطر ولم يستطع الصوم، فأنزل الله عز وجل: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ الآية. وهو قول عكرمة والحسن.
وقال علقمة: "نسخها: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾".
وكذلك روى نافع عن ابن عمر. وهذه الآية في رواية ابن وهب عن مالك محكمة.
قال ابن وهب: "قال لي مالك: "إنما ذلك في الرجل يمرض فيفطر ثم يبرأ فلا يقضي ما أفطر حتى يدركه رمضان آخر من قابل، فعليه أن يبدأ برمضان الذي أدركه فيصومه، ثم يقضي الذي كان أفطر من رمضان الأول، ويطعم عن كل يوم مسكيناً مداً من حنطة. ولو اتصل به المرض إلى أن دخل عليه رمضان آخر، فليس عليه إطعام إذ لم يفرط".
فالمعنى على هذا القول: وعلى الذين يطيقونه القضاء لما عليهم فلا يقضون حتى يأتي رمضان آخر فدية طعام مساكين مع القضاء. يعني يطعم مداً لمسكين عن كل يوم فرط في قضائه.
وقال ابن أبي ليلى: "دخلت على عطاء وهو يأكل في رمضان فقال: إني شيخ كبير، وإن الصوم نزل فكان من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم مسكيناً حتى نزلت هذه الآية: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ الآية، قال: فوجب الصوم على كل أحد إلا مريضاً أو مسافراً أو شيخاً كبيراً مثلي يفتدي". وهو قول ابن شهاب.
[وقال ابن عباس]: "جعل الله في الصوم الأول فدية طعام مساكين، فمن شاء [من مسافر أو مقيم أن يفطر ويطعم مسكيناً] كان ذلك رخصة لهم، ثم أنزل الله في الصوم الأخير: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، ولم تدخل فيها الفدية، وثبت الصوم الآخر".
وروى ابن سيرين عن عبيدة أنه قال في قوله: ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، قال: "نسختها التي تليها: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ الآية".
وقال الضحاك: "فرض الله الصوم من العتمة إلى مثلها من القابلة؛ [وإذا صلى الرجل العتمة، حرم عليه] الطعام والشراب والجماع إلى مثلها من القابلة. ثم نزل الصوم الآخر بإحلال الطعام والشراب والجماع في الليل كله، وهو قوله: ﴿وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ﴾ الآية، وأحل الجماع بقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ﴾ الآية. وكان في الصوم الأول فدية، فمن شاء من مسافر أو مقيم أن يطعم مسكيناً عن كل يوم ويفطر فعل ذلك. ولم يذكر الله عز وجل في الصوم الآخر الفدية لكن قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فنسخ هذا الصوم الآخر الفدية".
وقال ابن جبير: "كانت الفدية للشيخ الكبير والعجوز إذا أفطر وهما يطيقان الصوم ثم نسختها الآية التي بعدها قوله: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، فنسخت الإطعام عن الكبيرَيْن إذا كانا يطيقان الصوم وأوجب عليهما الصوم، وثبت للشيخ والعجوز الفدية إذا كانا لا يطيقان الصوم، وللحبلى والمرضع إذا خافتا. وكذلك قال عكرمة والربيع.
وقال السدي: "الآية محكمة ومعناها: "وعلى الذين كانوا يطيقون الصوم في صحتهم إذا مرضوا أو كبروا أو عرض لهم مانع من المقدرة على الصوم كالحامل والمرضع، الفدية إطعام مسكين لكل يوم، وإن تكلف الصيام على ضره فصام فهو خير له". قال ابن عباس: "إذا خافت الحامل والمرضع [أفطرتا وأطعمتا] ولا تقضيان صوماً".
وقرأ ابن جبير وعطاء وعكرمة: "يُطَوَّقُونَهُ" بواو مشددة، أي: يكلفون صومه ولا يقدرون. يعني الشيخ والعجوز والحامل.
وهي قراءة تروى عن عائشة. وكان إسماعيل القاضي يضعف هذه القراءة ويقول: كيف [يقرأ: "يُطَوَّقُونَهُ" على معنى "يُكَلَّفُونَهُ"]، وهم لا يقدرون على صومه وبعده: ﴿وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾، وكيف يقال لمن لا يقدر على الصوم: ﴿وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾؟ هذا معنى كلامه. وقد قرأ مجاهد به، أعني بالتشديد للواو. وروي أيضاً عن عكرمة: ﴿عَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ بالتشديد في الياء والطاء على معنى: "يَتَطَيَّقُونَهُ".
وعن ابن عباس أنه قرأ: "يُطَيَّقُونَهُ" بضم الياء الأولى وتشديد الثانية.
قال ابن [الأنباري: في هاتين القراءتين] لحن، لأن الفعل من الواو مأخوذ من الطوق، فلا معنى لقلب الواو ياء بغير علة ولا أصل". وروي أيضاَ عن مجاهد: "يَطَوَّقُونَهُ" بفتح الياء وتشديد الطاء والواو بمعنى "يَتَكَلَّفُونَهُ". يعني الشيخ الكبير والعجوز لا يقدران على ذلك، فتكون الآية على هاتين القراءتين محكمة في الشيخ والعجوز والحامل ومن لا يقدر على الصوم لعذر يعرض له، وتكون الآية الثانية لجميع الأصحاء، فهما محكمتان.
قال مالك: "إذا خافت الحامل على نفسها أفطرت ولا إطعام عليها لأنه مرض، وعليها القضاء إذا صحت وقويت".
وروي عنه أنه قال: "تفطر وتطعم لكل يوم مداً بمد النبي عليه السلام. وذكره عن ابن عمر.
وتفطر المرضع إذا خافت على ولدها ولم تجد من يرضعه لها وتطعم وتقضي.
فمالك يفرق بين الحامل والمرضع، فيلزم المرضع الإطعام ولا يلزمه الحامل، لأنها مريضة.
وروي عن ابن عباس وابن عمر أنهما يفطران ويطعمان ولا قضاء عليهما. وقيل: بل يفطران ويقضيان، [ولا إطعام] عليهما، وهو قول الحسن وعطاء والضحاك والزهري وربيعة والأوزاعي وأهل العراق. وقيل: بل يفطران ويطعمان ويقضيان. وهو قول مجاهد والشافعي وأحمد بن حنبل.
وأجمع أهل العلم على أن الشيخ الكبير والعجوز يفطران إذا لم يقدرا على الصوم. ولا إطعام عليهما عند مالك. وهو قول ربيعة ومكحول وأبي ثور.
وقال ابن جبير وطاوس والأوزاعي والشافعي وأهل الرأي: "يطعم كل واحد منهما عن كل يوم أفطره مسكيناً واحداً".
والهاء في "يُطِيقُونَهُ" تعود على الصيام.
وقال بعضهم: "تعود على الإطعام"، وليس بشيء.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ﴾.
أي: فمن زاد فأطعم عن كل يوم أكثر من مسكين فهو خير وأجر مُدَّخَرٌ له. قاله ابن عباس وغيره.
وعن مجاهد أن معناه: "فمن أطعم المسكين أكثر من مد، فهو أجر مدخر له، إنما عليه مد".
وقال ابن شهاب: "معناه من صام مع الفدية فهو خير له في أخراه".
* *
ثم قال: ﴿وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ أي: والصيام خير لكم من أن تفطروا وتفتدوا.
قال السدي: "معناه: من تكلف الصيام فصام، فهو خير له من الفدية والإفطار".
وقال من جعل الآية الأولى غير منسوخة: هذا للشيخ الكبير والعجوز: اعلموا أن التكلف في الصيام خير لهم من الإفطار والفدية".
* *
ثم قال: ﴿إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
أي: إن علمتم أنكم تقدرون على الصوم، فالصوم خير لكم.
وقيل: معناه: إن كنتم تعلمون أيها المؤمنون خير الأمرين.
البقرة 2:185
قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
أي: المفترض عليكم شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن إلى سماء الدنيا وذلك ليلة أنزل الله جل ذكره القرآن من اللوح المحفوظ جملة إلى سماء الدنيا، ثم نزل بعد ذلك نجوماً على ما شاء الله. كذلك أتت الرواية عن النبي [عليه السلام].
قال ابن عباس: "أنزل الله القرآن جملة من الذكر في ليلة أربع وعشرين من شهر رمضان فجعل في بيت العزة".
وروى واثلة عن النبي ﷺ أنه قال: "نَزَلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَنَزَلَتْ التَّوْرَاةُ لِسِتٍ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ. [وَنَزَلَ الإِنْجِيلُ لِثَلاَثِ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْهُ. وَنَزَلَ الزَّبُورْ لِثَمَانِي عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ. وَنَزَلَ القُرْآنُ لأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ]. وَكَانَ بَيْنَ نُزُولِ أَوَّلِ الْقُرْآنِ وآخِرِهِ عِشْرُونَ سَنَةً
وقيل: معناه شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن بفرضه على الناس. فأما إعرابه على هذا المعنى، فيكون فيه معدّى إليه الفعل بحرف جر، لا ظرفاً. وعلى القول الأول، يكون فيه ظرفاً للنزول.
وروى جابر بن عبد الله أن النبي [عليه السلام] قال:"أَنْزَلَ الله أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ صُحُفَ [إبْرَاهِيمَ، وأنْزَلَ التَّوْراةَ عَلَى مُوسَى] لِسِتٍّ خَلَوْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَأَنْزَلَ الزَّبورَ عَلَى داوُدَ لاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةٍ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَأَنْزَلَ الإنْجِيلَ عَلى عِيسَى لِثمَانِي عَشْرَةَ ليلةً خَلَتْ مِنْ رَمَضانَ، وأنزل القرآن لأربع وعشرين [ليلة خلت من رمضان
وأكثر الناس على أن القرآن أنزل] ليلة القدر من رمضان، والله أعلم أي ليلة كانت، وذلك كله إلى سماء الدنيا، ثم نزل متفرقاً على ما ذكرنا.
فأما إعراب ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾؛ فيجوز أن يكون "شَهْرُ" رفع بالابتداء، و (الَّذِي أُنْزِلَ) الخبر.
ويجوز أن يكون التقدير: الأيام التي تصام شهر رمضان وشبهه.
وقرأ مجاهد وشهر بن حوشب: "شَهْرَ." بالنصب. ورويت عن عاصم ونصبه عند البصريين على الإغراء، وعند الكوفيين بالصيام، وهو قبيح للتفرقة بين الصلة والموصول.
وإنما سمي الشهر شهراً لشهرته ودخوله وخروجه، ومنه "شَهَرَ فُلانٌ سَيْفَهُ" إذا أخرجه من غمده.
فمن قال: "شَهْرُ رمضان" قال في التثنية "شهرَا رمضان" وفي الجمع "أَشْهُرَ رمضان"، و "شَهْرَات رمضان".
ومن قال: "رمضان" بغير شهر قال في الجميع "رَمَضَاناتٍ".
وحكى الكوفيون "رماضين"، وحكوا "أَرْمِضَة"، وحكي "رُمَاضٌ". ولم ينصرف لأن فيه ألفا ونوناً زائدتان، وهو معرفة.
قال قطرب: "سمي رمضان رمضان لأنهم كانوا يصومونه في الحر. فهو مشتق من الرمضاء، والرمضاء الرمل الحامي من الشمس".
وكره مجاهد أن يقال رمضان للشهر، ولا يقال إلا "شهر رمضان"، كما قال الله. وقال: "لعل رمضان اسم من أسماء الله". وقاله عطاء. وقد أتت الآثار عن النبي عليه السلام بذكر رمضان من غير لفظ شهر.
روى مالك أن ابن عباس قال: "إن رسول الله ذكر رمضان، فقال: "لا تَصُومُوا حَتَى تَرَوُا الهِلالَ
وقال أنس بن مالك: "سافرنا مع رسول الله [عليه السلام] في رمضان كثيراً".
وإنما سمي القرآن قرآناً لأنه يجمع السور الكثيرة من قولهم: "قَرَاْتُ الماءَ في الإناءِ"، أي جمعته وضممته.
وقيل: إنما سمي بذلك لأنهم يقولون: "قَرَأَتِ المَرْأَةُ"، و "قرأت" إذا حاضت وإذا ولدت، فكأنها تظهر شيئاً كان مستوراً. والقارئ إذا أظهر شيئاً وبيَّنه، فهو من إظهار الشي وتبيينه.
* *
وقوله: ﴿هُدًى لِّلنَّاسِ﴾. أي رشاد للناس إلى طريق النجاة.
* *
وقوله: ﴿وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ﴾.
أي: والقرآن أيضاً آيات واضحات من الرشاد، والفرق بين الحق والباطل.
* *
ثم قال: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
أي فمن شهد منكم الشهر في المصر وهو صحيح فليصمه. و "شَهِدَ" بمعنى "حضر". ومن كان مريضاً في المصر أو على سفر، فليفطر إن شاء، وعليه عدة من أيام أخر.
وقيل: المعنى: فمن دخل عليه الشهر وهو مقيم في المصر لزمه الصوم [سافر بعد ذلك أو أقام]. رواه الضحاك عن ابن عباس قال: "إذا شهدت أوله في المصر فصم وإن سافرت".
وكذلك قال السدي. ورواه أيضاً قتادة عن علي رضي الله عنه، وقاله عبيدة. وروي أيضاً عن عائشة رضي الله عنها.
وعلى القول الأول كل العلماء: إن للمسافر الإفطار، وإن أخذه أول الشهر في المصر، ولا يجزي صيام إلا بتبييت قبل الفجر.
ومذهب [مالك أنه إذا بيت الصيام] في أول الشهر أجزأه عن أن يبيته في كل ليلة من بقية الشهر.
وقال الشافعي وأحمد بن حنبل: "لا بد من تبييت الصوم في كل ليلة" وثبت عن حفصة أنها قالت: "لا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُجْمِع الصِّيامَ قَبْلَ الفَجْرِ"وأسندته إلى النبي [عليه السلام].
* *
ثم قال تعالى: ﴿[وَمَن كَانَ] مَرِيضاً﴾.
أي مريضاً بمرض يشق عليه الصوم ويشتد عليه أفطر، وكذلك المسافر، لهما أن يفطرا ويقضيا جميعاً، ولا إطعام عليهما.
ومن أكل أو شرب ناسياً في رمضان فعليه القضاء ولا كفارة عليه. وهو قول مالك وربيعة بن عبد الرحمن وأهل المدينة.
وعن علي وأبي هريرة وابن عمر أنه: "لا قضاء عليه".
و [به] قال عطاء وطاوس والنخعي والثوري والأوزاعي وابن أبي ذيب والشافعي وأحمد بن حنبل وأبو ثور وأصحاب الرأي.
ومن وطىء نهاراً في رمضان ناسياً فعليه القضاء عند مالك ولا كفارة عليه، وهو قول عطاء والليث بن سعد والأوزاعي.
وقال مجاهد والحسن والثوري والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي: "لا قضاء عليه ولا كفارة".
وقال أحمد بن حنبل: "عليه القضاء والكفارة".
وأجمعوا على أن من أكل ناسياً فظن أن ذلك قد فطره فجامع عامداً أن عليه القضاء ولا كفارة عليه.
ومن أكل أو شرب عامداً في نهار رمضان فعليه القضاء والكفارة كالمجامع عامداً.
وهو قول مالك والزهري، وبه قال الحسن وعطاء. وهو قول الثوري والأوزاعي وأبي ثور وإسحاق وأصحاب الرأي.
وقال ابن المسيب: "عليه صوم شهر".
وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: "عليه صوم اثني عشر يوماً على عدة الشهور".
وعن عطاء أنه "لا قضاء عليه، وعليه تحرير رقبة، فإن لم يجد فبدنة، أو بقرة، أو عشرون صاعاً طعاماً للمساكين".
وعن النخعي أن "عليه ثلاثة آلاف يوم".
وعن ابن عباس أن "عليه عتق رقبة، أو صوم شهر، أو إطعام ثلاثين مسكيناً".
وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: "مَن أفطر يوماً في رمضان متعمداً لم يقضه أبداً طول الدهر". وروي ذلك عن ابن مسعود.
وعن الزهري أيضاً أنه قال: "إن كان فعل ذلك ابتداعاً لدين غير الإسلام، ضربت عنقه، وإن كان فعل ذلك فسقاً جلد".
ومن استقاء فقاء، فعليه القضاء ولا كفارة عليه.
وهو قول علي بن أبي طالب وزيد بن أرقم، وابن عمر وعلقمة، وهو قول الزهري ومالك والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي.
وقال عطاء وأبو ثور: "عليه الكفارة مع القضاء". فإن دَرعه القيء فقاء فلا شيء عليه عند الجميع.
* *
ثم قال: ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ﴾.
أي يرخص الله عليكم إرادة التيسير، ولا يريد بكم العسر في دينكم.
* *
ثم قال: ﴿وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ﴾: أي تكملوا عدة ما أفطرتم فتقضوه في أيام أخر.
* *
ثم قال: ﴿وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ﴾.
قال ابن عباس: "حق على المسلمين أن يكبروا إذا نظروا إلى هلال شوال".
وقيل: هو التكبير في العيد عند الغدو إلى المصلى. قاله علي بن أبي طالب، وزيد بن أسلم.
وكذلك كان النبي [عليه السلام] يفعل إذا خرج إلى المصلى. فهو سنة عند الزهري وغيره. يقول الرجل: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.
* *
ثم قال: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. أي [تشكرون على تسهيله عليكم وهدايته] لكم.
البقرة 2:186
قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
قال الحسن: "هذه الآية نزلت في سائل سأل النبي [عليه السلام] فقال: أين ربنا؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾ الآية".
وروي أن سائلاً سأل [النبي عليه السلام] فقال: يا محمد: أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله [جل ذكره]: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾. الآية.
وروي أن المشركين قالوا: كيف يكون الله قريباً وبيننا وبينه سبع سماوات غلاظ، كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماءين كذلك؟ فأنزل الله سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾. الآية.
وقال عطاء: "لما نزلت: ﴿وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، قالوا: يا رسول الله، في أي ساعة؟ قال: فنزلت: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾. الآية.
قال السدي: "ليس من عبد مؤمن يدعو الله إلا استجاب له، فإن كان الذي يدعو به رَزقه في الدنيا، وإن لم يكن له رزقاً في الدنيا، ادُّخِر له إلى يوم القيامة أو دفع [به عنه] مكروه. وكذلك قال ابن عباس.
وعن النبي عليه السلام: أنه قال: "ما أُعْطِيَ أَحَدٌ الدُّعاءَ فَمُنِعَ الإِجَابَةَ لأنَّ اللهَ يقُولُ: ﴿ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
والمعنى عند الطبري: "فإني قريب في كل وقت أجيب دعوة الداعي إذا دعان".
وقال مجاهد: "لما نزلت: ﴿ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، قالوا: إلى أين؟ فنزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥].".
وقال قتادة: "لما نزلت: ﴿ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، قال قوم: كيف ندعو يا رسول الله؟ فنزلت: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ﴾" الآية.
* *
وقوله: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾.
فمعناه: إذا شئت كما قال: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ﴾ [الأنعام: ٤١].
* *
وقوله: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي﴾.
أي فليستجيبوا إلى طاعتي، يقال: "استَجبْتُ لَهُ واسْتجَبْتُهُ" بمعنى أجبته.
وقال أبو عبيدة: "معناه: فليجيبوني".
وتحقيق اللفظ عند أهل العلم: فليستدعوا الإجابة، كما يقال: "استنصر"، إذا استدعى النصر.
وعن أبي رجاء الخراساني أنه قال: "﴿فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي﴾ فليدعوني". وقيل: هو التلبية.
* *
وقوله: ﴿وَلْيُؤْمِنُواْ بِي﴾: أي وليصدقوا بي إذا هم استجابوا لي بالطاعة أني لهم من وراء طاعتهم لي في الثواب عليها، وإجزال الكرامة عليها.
وقال أبو رجاء: ﴿وَلْيُؤْمِنُواْ بِي﴾: معناه: و "ليصدقوا بي" أني أستجيب لهم.
* *
وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾. معناه: لعلهم يهتدون. و "لعل" من الله واجبة.
وقيل: معنى الإجابة هنا، هو الإجابة بالثواب على الأعمال [والطاعات]، فمعنى الدعاء هنا مسألة العبد ربه، إتمام ما وعده إياه من الجزاء على الطاعة.
وروي عن النبي [عليه السلام]. أنه قال: ""الدُّعَاءُ هُوَ العبادَةُ". ثم قرأ ﴿وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾
وقيل: معناه: أجيب دعوة الداعي إن شئت.
وقال الحسن في قوله تعالى: ﴿ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾: "اعملوا وأَبشروا فإنه حق على الله أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله".
* *
وقوله: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾. وقْف عند يعقوب. وقال نصير: الوقف "دعانِ" و "يَرْشُدُونَ".
والفعل من "يرْشُدونَ": رَِشَدَ يَرْشُدُ رُشْداً، ويقال: رَشَدَ يَرْشَدُ رَشَداً، فيقال: الرُّشْدُ وَالرَّشَدُ، كما يقال: البُخْلُ والبَخَلُ، والشُغْلُ والشَّغَلُ، وَالسُّقْمُ وَالسَّقَمُ، وَالعُدْمُ والعَدَمُ، وَالحُزْنُ وَالحَزَنُ، وَالسُّخْطُ وَالسَّخَطُ، وَالخُبْرُ وَالخَبَرُ، وَالعُرْبُ وَالعَرَبُ، وَالْعُجْمُ والعَجَمُ.
* *
ثم قال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ﴾.
أي أبيح لكم أيها المؤمنون أن تجامعوا نساءكم في ليالي الصيام قبل النوم وبعد النوم ما لم يطلع الفجر. وحَدُّ [الليل من مغيب الشمس] إلى طلوع الفجر الثاني. وَحَد النهار من طلوع الفجر الثاني إلى مغيب الشمس.
والرفث هنا كناية عن الجماع.
قال ابن عباس: "الرفث الجماع ولكن الله كريم يكني". وهو قول جميع المفسرين.
وقال الزجاج: "الرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من امرأته".
والرفث في غير هذا الموضع الإفحاش في المنطق، ومنه قوله: ﴿فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧].
* *
قوله: ﴿فَٱلآنَ بَٰشِرُوهُنَّ﴾.
المباشرة في هذا الموضع الجماع بدليل قوله: ﴿وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾، يريد الولد بإجماع من المفسرين.
وقد تكون المباشرة في غير هذا الموضع غير الجماع، وذلك المماسة ويدل [أيضاً على ذلك] أن الرفث عند جميع المفسرين كناية عن الجماع.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾.
سمَّى كلَّ واحد لباساً لصاحبه لتجردهما عند النوم وتضامهما واجتماعهما في ثوب واحد، حتى يصير كل واحد منهما في التصاقه إلى الآخر بمنزلة الثوب الذي يلبسه الإنسان.
وقال الربيع: "معناه: هن لحاف لكم، وأنتم لحاف لهن".
وقد [سُمي الفرش] لباساً والخاتم لباساً، وتقلد السيف لباساً. وهذا يدل على تحريم استعمال الحرير في الوطئ لتحريم النبي [عليه السلام] لباس الحرير.
وقيل: إنما جعل كل واحد منهما لصاحبه لباساً لأنه يسكن إليه، كما قال تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ لِبَاساً﴾ [الفرقان: ٤٧]، أي سكناً تسكنون فيه، فكذلك زوجة الرجل سكنه [يسكن إليها كما قال] ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]. فيكون كل واحد منهما لباساً لصاحبه لسكونه إليه. وهو معنى قول مجاهد.
والعرب تقول لما يستر الشيء ويواريه عن أبصار الناظرين: "هو لباسه وغشاؤه" فيكون قد قيل لكل [واحد] من الزوجين لباس للآخر لأنه يستر له فيما يكون بينهم من الجماع عن أبصار الناظرين. قال مجاهد وقتادة: "معناه: هن سكن لكم، وأنتم سكن لهن". وقال ابن عباس أيضاً.
* *
وقوله: ﴿عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾.
أي علم الله أيها المؤمنون أنكم كنتم تريدون أن تجامعوا النساء بعد النوم وتأكلوا وتشربوا بعد النوم، وذلك محرم عليكم فتاب عليكم مما [أضمرتم من مواقعة] الذنب وعفا عنكم. وذلك أن الله قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] يعني أهل الكتاب. وكانوا لا يجامعون في ليالي الصيام ولا يأكلون ولا يشربون بعد النوم، فصعب ذلك على المسلمين؛ حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاء يريد امرأته فقالت له: قد كنتُ نمتُ. فظن أنها تعتل، فوقع بها، وجاء رجل من الأنصار فأراد أن يطعم، فقالت له امرأته: نسخن لك شيئاً. فغلبته عينه فنام، فلما انتبه امتنع من الطعام لنومه فجعل يُغشى عليه، فنزلت هذه الآية ناسخة لذلك، فأبيح الأكل والشرب والجماع في ليالي الصيام ما لم يطلع الفجر.
وقال معاذ بن جبل: "كانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا لم يحل لهم شيء من ذلك. فكان رجل من الأنصار يدعى أبا صرمة يعمل في أرض له، فلما كان عند فطره نام فأصبح صائماً قد جهد، فلما رآه النبي [ﷺ] قال: ما لي أرى بك جهداً؟. فأخبره بما كان من أمره. واختان رجل نفسه في شأن النساء، فأنزل الله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ﴾ الآية.
وقال ابن عباس في الآية: "كان المسلمون في شهر رمضان إذا صلوا العشاء، حرم عليهم الطعام والنساء إلى مثلها من القابلة. ثم إن ناساً من المسلمين أصابوا الطعام [والنساء] في رمضان بعد النوم، منهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ فأنزل الله: ﴿عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية.
وقال كعب بن مالك: "كان الناس في رمضان إذا صام الرجل منهم فأمسى فنام، حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد. وإن عمر بن الخطاب رجع من عند النبي [عليه السلام] ذات ليلة وقد سمر عنده، فوجد امرأته قد نامت فأرادها، فقالت: [إني قد نمت، فقال: ما] نمت، فوقع بها. وصنع كعب بن مالك مثل ذلك فغدا عمر إلى النبي [ﷺ فأخبره فأنزل الله عز وجل: ﴿عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية.
وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: "كان الناس أول ما أسلموا يصوم أحدهم يومه، حتى إذا أمسى طعم من الطعام، وجامع فيما بينه وبين العتمة، حتى إذا صُليت العتمة حرم ذلك عليهم إلى الليلة القابلة وإن عمر بن الخطاب بينما هو نائم إذ سولت له نفسه فأتى أهله ليقضي حاجته، فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه كأشد ما رأيت من الملامة، ثم أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أعتذر إلى الله وإليك مع نفسي هذه الخاطئة؛ فإنها زيَّنت لي فواقعت أهلي. هل تجد لي من رخصة يا رسول الله؟ [قال: لم تكن حقيقاً] بذلك يا عمر، فلما بلغ بيته أرسل إليه [فأنبأه الله بعذره] في آية من القرآن، وأمره الله أن يضعها في المائة الوسطى من سورة البقرة وهي قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ﴾ الآية".
وبهذه المعاني فسرها مجاهد وعكرمة وقتادة.
وقال قتادة: "[كان بدء الصيام أنهم] أمروا بصيام ثلاثة أيام من كل شهر وركعتين غدوة، وركعتين عشية، ثم افترض عليهم رمضان وخمس صلوات، وكان الأكل والشرب والجماع [لهم مباحاً] ما لم يرقدوا، فإذا رقدوا حرم ذلك عليهم إلى مثلها من القابلة. وكانت خيانة القوم أنهم يأكلون ويشربون ويغشون نساءهم بعد النوم، ثم أباح الله عز وجل ذلك لهم إلى طلوع الفجر".
وقال السدي: "كتب الله على النصارى صوم شهر رمضان، وكتب عليهم ألا يأكلوا ولا يشربوا ولا ينكحوا النساء بعد النوم. وكتب على المؤمنين مثل ذلك، فوقع قوم من المؤمنين في الأكل والشرب والجماع بعد النوم فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ فنسخ الله عز وجل ذلك عنهم فقال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ﴾ الآية.
قال أبو العالية وعطاء: "هذه ناسخة لقوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
* *
وقوله: ﴿فَٱلآنَ بَٰشِرُوهُنَّ﴾.
أي جامعوهن في ليل الصيام ما لم يطلع الفجر إذا شئتم. فباشروهن كناية عن الجماع.
* *
وقوله: ﴿وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾. هذا لفظه لفظ أمر، ومعناه التأديب والندب.
قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن والسدي والربيع والضحاك: ﴿وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾: هو الولد". وقاله أنس بن مالك. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "وابتغوا ما كتب الله لكم من ليلة القدر".
وقال قتادة: "معناه: وابتغوا ما رخص الله لكم وأحل لكم، يعني الجماع".
وقيل معناه: "ابتغوا الذي كتب الله لكم في اللوح المحفوظ أنه يباح لكم وهو الوطء بعد النوم في ليالي الصيام. والولد هو [مما كتبه الله في اللوح] المحفوظ أيضاً.
* *
وقوله: ﴿حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ﴾.
أي بياض النهار من سواد الليل بطلوع الفجر.
وقال الحسن: "معناه: حتى يتبين لكم النهار من الليل". وقاله ابن عباس أيضاً. وهو مروي عن النبي [ عليه السلام].
ويروى أن عدي بن حاتم أخذ خيطين أسود وأبيض فنظر فيهما عند الفجر فرآهما سواء، فأتى النبي [عليه السلام] فقال له: يا رسول الله: فتلت خيطين من أسود وأبيض فنظرت فيهما من الليل فوجدتهما سواء. فضحك رسول الله ﷺ حتى رأى نواجذه، ثم قال له: "ألَمْ أَقَُلْ لَكَ مِنَ الفَجْرِ، إنّما هُوَ ضوءُ النَّهارِ مِنْ ظُلْمَةِ الليلْ
وقال سهل بن سعد. "نزلت هذه الآية: ﴿وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ﴾، ولم ينزل ﴿مِنَ ٱلْفَجْرِ﴾. قال: فكان رجال إذا أراد أحدهم الصوم ربط في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له أحدهما من الآخر، فأنزل الله عز وجل بعد ذلك (من الفجر) فعلموا أنه إنما عني بذلك من الليل والنهار".
وفي الكلام حذف وتقديم وتأخير والتقدير: "حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الفجر من الخيط الأسود من الليل".
وفي هذا دليل بالنص على أن الصائم إذا أصبح جنباً لا يضر ذلك صيامه. لأن له الوطء ما كان له الأكل والشرب، فإذا وطىء إلى الفجر أصبح جنباً ضرورة لا شك فيه، وصيامه تام بهذا النص من القرآن والسنة.
والفجر فجران: فجر [أول وهو الضوء] الساطع في السماء، يقال له الصبح الكاذب، فلا يمنع ذلك أكلاً ولا جماعاً. والفجر الثاني هو المنتشر الذي يملأ ببياضه وضوئه الطرق، فذلك يمنع الأكل والجماع، يسمى الفجر الصادق.
والفجر الأول يذهب في السماء طولاً كأنه ذنب السرحان مستدق صاعد في غير اعتراض.
والثاني يضرب إلى حمرة، وينتشر ضوؤه على الجبال، يقال له: المستطير أو المنتشر في الأفق وهو معترض. وكل شيء انتشر فقط استطار، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ [الإنسان: ٧]: أي منتشراً فاشياً.
والفجر في اللغة مصدر، "فجر الماء، يفجر فَجْراً" إذا بعثه وأجراه فكأنه اسم للمصدر، فقيل للطالع من تباشير ضياء الشمس من مطلعها: "فَجْرٌ"، لانبعاث ضوئه ونوره عليهم. والخيط في اللغة: اللون.
* *
وقوله: ﴿مِنَ ٱلْفَجْرِ﴾ معناه الذي هو من الفجر، وليس هو جميع الفجر. وقال التيمي: "هو ضوء الشمس من سواد الليل".
وحكي عن حذيفة أنه كان يتسحر بعد طلوع الفجر.
وحكى سالم مولى أبي حذيفة عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه كان يتسحر بعد طلوع الفجر. وكذلك ذكره البراء عن ابن مسعود قال: "تسحرت أنا وابن مسعود ثم خرجنا والناس في صلاة الصبح".
وليس العمل عند جميع الفقهاء على شيء من هذه الأقوال.
وعن التيمي أنه قال: "الوتر بالليل والسحور بالنهار".
وعنه: "السحور بالليل والوتر بالليل".
وبهذا العمل عند فقهاء الأمصار.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّليْلِ﴾.
إلى النهاية وليس بحد وإذا كانت نهاية، انتهى العمل إلى ما بعدها، ولا يدخل ما بعدها فيما قبلها، ولا صوم في شيء من الليل. والذي عليه أهل النظر أن "إلى" إذا كان الذي بعدها من صنف ما قبلها، دخل في حكم ما قبلها كقوله: ﴿إِلَى ٱلْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] و﴿إِلَى ٱلْكَعْبَينِ﴾ [المائدة: ٦]. والمرفقان والكعبان داخلان في الغسل. وإذا كان ما بعدها ليس من جنس ما قبلها، لم يدخل في حكم ما قبلها نحو: ﴿إِلَى ٱلَّليْلِ﴾. وقد بينا هذا في المائدة بأشرح من هذا.
* *
وقوله: ﴿وَلاَ تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَٰكِفُونَ فِي ٱلْمَسَٰجِدِ﴾.
أي لا تجامعوا أو تلامسوا وأنتم معتكفون. فهذا يدل على جواز الاعتكاف. وفيه دليل عند قوم على أنَّ الاعتكاف جائز في كل مسجد تقام فيه الصلاة وفي كل وقت، مفطراً كان أو صائماً، لأن الخطاب خرج مطلقاً.
ولا يعتكف عند مالك وغيره إلا صائم، ولا يعتكف إلا في مسجد تقام فيه الجمعة.
* *
ثم قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا﴾. أي لا تقربوا ما نهاكم عنه من حدوده.
* *
ثم قال: ﴿كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. أي يبين لهم ما حرم عليهم مما أحل لهم لعلهم يتقون حدوده ويخافون عذابه.
* *
ثم قال: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ﴾، أي: لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل.
﴿وَتُدْلُواْ بِهَا﴾ أي: وتخاصموا بالأموال إلى الحكام.
﴿لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ﴾ أي: من طائفة من أموالهم.
﴿بِٱلإِثْمِ﴾ أي: بالحرام.
﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: تعلمون أنكم ظالمون وأنه حرام عليكم.
قال ابن عباس: "هذا في الرجل يكون عليه مال، ولا بينة عليه فيجحد المال ويخاصم صاحبه وهو يعلم أنه إثم".
ويقال: من مشى مع خصمه وهو ظالم فهو آثم حتى يرجع إلى الحق. وقال عكرمة: "هو الرجل يشتري السلعة فيردها ويرد معه دراهم".
يقال: أدلى فلان إلى فلان بمال: خاصم. كأنه جعله كالرسالة.
ويقال: "أدلى فلان بحجته" إذا بيَّنها كأنه يرسلها إرسالاً. وأصله من إرسال الرجل الدلو في حبل؛ يقال: "أدليت الدلو" إذا أرسلتها، و "دَلَوْتُها" إذا رفعتها وأخرجتها.
البقرة 2:187
قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
قال الحسن: "هذه الآية نزلت في سائل سأل النبي [عليه السلام] فقال: أين ربنا؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾ الآية".
وروي أن سائلاً سأل [النبي عليه السلام] فقال: يا محمد: أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله [جل ذكره]: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾. الآية.
وروي أن المشركين قالوا: كيف يكون الله قريباً وبيننا وبينه سبع سماوات غلاظ، كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماءين كذلك؟ فأنزل الله سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾. الآية.
وقال عطاء: "لما نزلت: ﴿وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، قالوا: يا رسول الله، في أي ساعة؟ قال: فنزلت: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾. الآية.
قال السدي: "ليس من عبد مؤمن يدعو الله إلا استجاب له، فإن كان الذي يدعو به رَزقه في الدنيا، وإن لم يكن له رزقاً في الدنيا، ادُّخِر له إلى يوم القيامة أو دفع [به عنه] مكروه. وكذلك قال ابن عباس.
وعن النبي عليه السلام: أنه قال: "ما أُعْطِيَ أَحَدٌ الدُّعاءَ فَمُنِعَ الإِجَابَةَ لأنَّ اللهَ يقُولُ: ﴿ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
والمعنى عند الطبري: "فإني قريب في كل وقت أجيب دعوة الداعي إذا دعان".
وقال مجاهد: "لما نزلت: ﴿ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، قالوا: إلى أين؟ فنزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥].".
وقال قتادة: "لما نزلت: ﴿ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، قال قوم: كيف ندعو يا رسول الله؟ فنزلت: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ﴾" الآية.
* *
وقوله: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾.
فمعناه: إذا شئت كما قال: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ﴾ [الأنعام: ٤١].
* *
وقوله: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي﴾.
أي فليستجيبوا إلى طاعتي، يقال: "استَجبْتُ لَهُ واسْتجَبْتُهُ" بمعنى أجبته.
وقال أبو عبيدة: "معناه: فليجيبوني".
وتحقيق اللفظ عند أهل العلم: فليستدعوا الإجابة، كما يقال: "استنصر"، إذا استدعى النصر.
وعن أبي رجاء الخراساني أنه قال: "﴿فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي﴾ فليدعوني". وقيل: هو التلبية.
* *
وقوله: ﴿وَلْيُؤْمِنُواْ بِي﴾: أي وليصدقوا بي إذا هم استجابوا لي بالطاعة أني لهم من وراء طاعتهم لي في الثواب عليها، وإجزال الكرامة عليها.
وقال أبو رجاء: ﴿وَلْيُؤْمِنُواْ بِي﴾: معناه: و "ليصدقوا بي" أني أستجيب لهم.
* *
وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾. معناه: لعلهم يهتدون. و "لعل" من الله واجبة.
وقيل: معنى الإجابة هنا، هو الإجابة بالثواب على الأعمال [والطاعات]، فمعنى الدعاء هنا مسألة العبد ربه، إتمام ما وعده إياه من الجزاء على الطاعة.
وروي عن النبي [عليه السلام]. أنه قال: ""الدُّعَاءُ هُوَ العبادَةُ". ثم قرأ ﴿وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾
وقيل: معناه: أجيب دعوة الداعي إن شئت.
وقال الحسن في قوله تعالى: ﴿ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾: "اعملوا وأَبشروا فإنه حق على الله أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله".
* *
وقوله: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾. وقْف عند يعقوب. وقال نصير: الوقف "دعانِ" و "يَرْشُدُونَ".
والفعل من "يرْشُدونَ": رَِشَدَ يَرْشُدُ رُشْداً، ويقال: رَشَدَ يَرْشَدُ رَشَداً، فيقال: الرُّشْدُ وَالرَّشَدُ، كما يقال: البُخْلُ والبَخَلُ، والشُغْلُ والشَّغَلُ، وَالسُّقْمُ وَالسَّقَمُ، وَالعُدْمُ والعَدَمُ، وَالحُزْنُ وَالحَزَنُ، وَالسُّخْطُ وَالسَّخَطُ، وَالخُبْرُ وَالخَبَرُ، وَالعُرْبُ وَالعَرَبُ، وَالْعُجْمُ والعَجَمُ.
* *
ثم قال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ﴾.
أي أبيح لكم أيها المؤمنون أن تجامعوا نساءكم في ليالي الصيام قبل النوم وبعد النوم ما لم يطلع الفجر. وحَدُّ [الليل من مغيب الشمس] إلى طلوع الفجر الثاني. وَحَد النهار من طلوع الفجر الثاني إلى مغيب الشمس.
والرفث هنا كناية عن الجماع.
قال ابن عباس: "الرفث الجماع ولكن الله كريم يكني". وهو قول جميع المفسرين.
وقال الزجاج: "الرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من امرأته".
والرفث في غير هذا الموضع الإفحاش في المنطق، ومنه قوله: ﴿فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧].
* *
قوله: ﴿فَٱلآنَ بَٰشِرُوهُنَّ﴾.
المباشرة في هذا الموضع الجماع بدليل قوله: ﴿وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾، يريد الولد بإجماع من المفسرين.
وقد تكون المباشرة في غير هذا الموضع غير الجماع، وذلك المماسة ويدل [أيضاً على ذلك] أن الرفث عند جميع المفسرين كناية عن الجماع.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾.
سمَّى كلَّ واحد لباساً لصاحبه لتجردهما عند النوم وتضامهما واجتماعهما في ثوب واحد، حتى يصير كل واحد منهما في التصاقه إلى الآخر بمنزلة الثوب الذي يلبسه الإنسان.
وقال الربيع: "معناه: هن لحاف لكم، وأنتم لحاف لهن".
وقد [سُمي الفرش] لباساً والخاتم لباساً، وتقلد السيف لباساً. وهذا يدل على تحريم استعمال الحرير في الوطئ لتحريم النبي [عليه السلام] لباس الحرير.
وقيل: إنما جعل كل واحد منهما لصاحبه لباساً لأنه يسكن إليه، كما قال تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ لِبَاساً﴾ [الفرقان: ٤٧]، أي سكناً تسكنون فيه، فكذلك زوجة الرجل سكنه [يسكن إليها كما قال] ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]. فيكون كل واحد منهما لباساً لصاحبه لسكونه إليه. وهو معنى قول مجاهد.
والعرب تقول لما يستر الشيء ويواريه عن أبصار الناظرين: "هو لباسه وغشاؤه" فيكون قد قيل لكل [واحد] من الزوجين لباس للآخر لأنه يستر له فيما يكون بينهم من الجماع عن أبصار الناظرين. قال مجاهد وقتادة: "معناه: هن سكن لكم، وأنتم سكن لهن". وقال ابن عباس أيضاً.
* *
وقوله: ﴿عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾.
أي علم الله أيها المؤمنون أنكم كنتم تريدون أن تجامعوا النساء بعد النوم وتأكلوا وتشربوا بعد النوم، وذلك محرم عليكم فتاب عليكم مما [أضمرتم من مواقعة] الذنب وعفا عنكم. وذلك أن الله قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] يعني أهل الكتاب. وكانوا لا يجامعون في ليالي الصيام ولا يأكلون ولا يشربون بعد النوم، فصعب ذلك على المسلمين؛ حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاء يريد امرأته فقالت له: قد كنتُ نمتُ. فظن أنها تعتل، فوقع بها، وجاء رجل من الأنصار فأراد أن يطعم، فقالت له امرأته: نسخن لك شيئاً. فغلبته عينه فنام، فلما انتبه امتنع من الطعام لنومه فجعل يُغشى عليه، فنزلت هذه الآية ناسخة لذلك، فأبيح الأكل والشرب والجماع في ليالي الصيام ما لم يطلع الفجر.
وقال معاذ بن جبل: "كانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا لم يحل لهم شيء من ذلك. فكان رجل من الأنصار يدعى أبا صرمة يعمل في أرض له، فلما كان عند فطره نام فأصبح صائماً قد جهد، فلما رآه النبي [ﷺ] قال: ما لي أرى بك جهداً؟. فأخبره بما كان من أمره. واختان رجل نفسه في شأن النساء، فأنزل الله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ﴾ الآية.
وقال ابن عباس في الآية: "كان المسلمون في شهر رمضان إذا صلوا العشاء، حرم عليهم الطعام والنساء إلى مثلها من القابلة. ثم إن ناساً من المسلمين أصابوا الطعام [والنساء] في رمضان بعد النوم، منهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ فأنزل الله: ﴿عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية.
وقال كعب بن مالك: "كان الناس في رمضان إذا صام الرجل منهم فأمسى فنام، حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد. وإن عمر بن الخطاب رجع من عند النبي [عليه السلام] ذات ليلة وقد سمر عنده، فوجد امرأته قد نامت فأرادها، فقالت: [إني قد نمت، فقال: ما] نمت، فوقع بها. وصنع كعب بن مالك مثل ذلك فغدا عمر إلى النبي [ﷺ فأخبره فأنزل الله عز وجل: ﴿عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية.
وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: "كان الناس أول ما أسلموا يصوم أحدهم يومه، حتى إذا أمسى طعم من الطعام، وجامع فيما بينه وبين العتمة، حتى إذا صُليت العتمة حرم ذلك عليهم إلى الليلة القابلة وإن عمر بن الخطاب بينما هو نائم إذ سولت له نفسه فأتى أهله ليقضي حاجته، فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه كأشد ما رأيت من الملامة، ثم أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أعتذر إلى الله وإليك مع نفسي هذه الخاطئة؛ فإنها زيَّنت لي فواقعت أهلي. هل تجد لي من رخصة يا رسول الله؟ [قال: لم تكن حقيقاً] بذلك يا عمر، فلما بلغ بيته أرسل إليه [فأنبأه الله بعذره] في آية من القرآن، وأمره الله أن يضعها في المائة الوسطى من سورة البقرة وهي قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ﴾ الآية".
وبهذه المعاني فسرها مجاهد وعكرمة وقتادة.
وقال قتادة: "[كان بدء الصيام أنهم] أمروا بصيام ثلاثة أيام من كل شهر وركعتين غدوة، وركعتين عشية، ثم افترض عليهم رمضان وخمس صلوات، وكان الأكل والشرب والجماع [لهم مباحاً] ما لم يرقدوا، فإذا رقدوا حرم ذلك عليهم إلى مثلها من القابلة. وكانت خيانة القوم أنهم يأكلون ويشربون ويغشون نساءهم بعد النوم، ثم أباح الله عز وجل ذلك لهم إلى طلوع الفجر".
وقال السدي: "كتب الله على النصارى صوم شهر رمضان، وكتب عليهم ألا يأكلوا ولا يشربوا ولا ينكحوا النساء بعد النوم. وكتب على المؤمنين مثل ذلك، فوقع قوم من المؤمنين في الأكل والشرب والجماع بعد النوم فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ فنسخ الله عز وجل ذلك عنهم فقال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ﴾ الآية.
قال أبو العالية وعطاء: "هذه ناسخة لقوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
* *
وقوله: ﴿فَٱلآنَ بَٰشِرُوهُنَّ﴾.
أي جامعوهن في ليل الصيام ما لم يطلع الفجر إذا شئتم. فباشروهن كناية عن الجماع.
* *
وقوله: ﴿وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾. هذا لفظه لفظ أمر، ومعناه التأديب والندب.
قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن والسدي والربيع والضحاك: ﴿وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾: هو الولد". وقاله أنس بن مالك. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "وابتغوا ما كتب الله لكم من ليلة القدر".
وقال قتادة: "معناه: وابتغوا ما رخص الله لكم وأحل لكم، يعني الجماع".
وقيل معناه: "ابتغوا الذي كتب الله لكم في اللوح المحفوظ أنه يباح لكم وهو الوطء بعد النوم في ليالي الصيام. والولد هو [مما كتبه الله في اللوح] المحفوظ أيضاً.
* *
وقوله: ﴿حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ﴾.
أي بياض النهار من سواد الليل بطلوع الفجر.
وقال الحسن: "معناه: حتى يتبين لكم النهار من الليل". وقاله ابن عباس أيضاً. وهو مروي عن النبي [ عليه السلام].
ويروى أن عدي بن حاتم أخذ خيطين أسود وأبيض فنظر فيهما عند الفجر فرآهما سواء، فأتى النبي [عليه السلام] فقال له: يا رسول الله: فتلت خيطين من أسود وأبيض فنظرت فيهما من الليل فوجدتهما سواء. فضحك رسول الله ﷺ حتى رأى نواجذه، ثم قال له: "ألَمْ أَقَُلْ لَكَ مِنَ الفَجْرِ، إنّما هُوَ ضوءُ النَّهارِ مِنْ ظُلْمَةِ الليلْ
وقال سهل بن سعد. "نزلت هذه الآية: ﴿وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ﴾، ولم ينزل ﴿مِنَ ٱلْفَجْرِ﴾. قال: فكان رجال إذا أراد أحدهم الصوم ربط في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له أحدهما من الآخر، فأنزل الله عز وجل بعد ذلك (من الفجر) فعلموا أنه إنما عني بذلك من الليل والنهار".
وفي الكلام حذف وتقديم وتأخير والتقدير: "حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الفجر من الخيط الأسود من الليل".
وفي هذا دليل بالنص على أن الصائم إذا أصبح جنباً لا يضر ذلك صيامه. لأن له الوطء ما كان له الأكل والشرب، فإذا وطىء إلى الفجر أصبح جنباً ضرورة لا شك فيه، وصيامه تام بهذا النص من القرآن والسنة.
والفجر فجران: فجر [أول وهو الضوء] الساطع في السماء، يقال له الصبح الكاذب، فلا يمنع ذلك أكلاً ولا جماعاً. والفجر الثاني هو المنتشر الذي يملأ ببياضه وضوئه الطرق، فذلك يمنع الأكل والجماع، يسمى الفجر الصادق.
والفجر الأول يذهب في السماء طولاً كأنه ذنب السرحان مستدق صاعد في غير اعتراض.
والثاني يضرب إلى حمرة، وينتشر ضوؤه على الجبال، يقال له: المستطير أو المنتشر في الأفق وهو معترض. وكل شيء انتشر فقط استطار، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ [الإنسان: ٧]: أي منتشراً فاشياً.
والفجر في اللغة مصدر، "فجر الماء، يفجر فَجْراً" إذا بعثه وأجراه فكأنه اسم للمصدر، فقيل للطالع من تباشير ضياء الشمس من مطلعها: "فَجْرٌ"، لانبعاث ضوئه ونوره عليهم. والخيط في اللغة: اللون.
* *
وقوله: ﴿مِنَ ٱلْفَجْرِ﴾ معناه الذي هو من الفجر، وليس هو جميع الفجر. وقال التيمي: "هو ضوء الشمس من سواد الليل".
وحكي عن حذيفة أنه كان يتسحر بعد طلوع الفجر.
وحكى سالم مولى أبي حذيفة عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه كان يتسحر بعد طلوع الفجر. وكذلك ذكره البراء عن ابن مسعود قال: "تسحرت أنا وابن مسعود ثم خرجنا والناس في صلاة الصبح".
وليس العمل عند جميع الفقهاء على شيء من هذه الأقوال.
وعن التيمي أنه قال: "الوتر بالليل والسحور بالنهار".
وعنه: "السحور بالليل والوتر بالليل".
وبهذا العمل عند فقهاء الأمصار.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّليْلِ﴾.
إلى النهاية وليس بحد وإذا كانت نهاية، انتهى العمل إلى ما بعدها، ولا يدخل ما بعدها فيما قبلها، ولا صوم في شيء من الليل. والذي عليه أهل النظر أن "إلى" إذا كان الذي بعدها من صنف ما قبلها، دخل في حكم ما قبلها كقوله: ﴿إِلَى ٱلْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] و﴿إِلَى ٱلْكَعْبَينِ﴾ [المائدة: ٦]. والمرفقان والكعبان داخلان في الغسل. وإذا كان ما بعدها ليس من جنس ما قبلها، لم يدخل في حكم ما قبلها نحو: ﴿إِلَى ٱلَّليْلِ﴾. وقد بينا هذا في المائدة بأشرح من هذا.
* *
وقوله: ﴿وَلاَ تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَٰكِفُونَ فِي ٱلْمَسَٰجِدِ﴾.
أي لا تجامعوا أو تلامسوا وأنتم معتكفون. فهذا يدل على جواز الاعتكاف. وفيه دليل عند قوم على أنَّ الاعتكاف جائز في كل مسجد تقام فيه الصلاة وفي كل وقت، مفطراً كان أو صائماً، لأن الخطاب خرج مطلقاً.
ولا يعتكف عند مالك وغيره إلا صائم، ولا يعتكف إلا في مسجد تقام فيه الجمعة.
* *
ثم قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا﴾. أي لا تقربوا ما نهاكم عنه من حدوده.
* *
ثم قال: ﴿كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. أي يبين لهم ما حرم عليهم مما أحل لهم لعلهم يتقون حدوده ويخافون عذابه.
* *
ثم قال: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ﴾، أي: لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل.
﴿وَتُدْلُواْ بِهَا﴾ أي: وتخاصموا بالأموال إلى الحكام.
﴿لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ﴾ أي: من طائفة من أموالهم.
﴿بِٱلإِثْمِ﴾ أي: بالحرام.
﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: تعلمون أنكم ظالمون وأنه حرام عليكم.
قال ابن عباس: "هذا في الرجل يكون عليه مال، ولا بينة عليه فيجحد المال ويخاصم صاحبه وهو يعلم أنه إثم".
ويقال: من مشى مع خصمه وهو ظالم فهو آثم حتى يرجع إلى الحق. وقال عكرمة: "هو الرجل يشتري السلعة فيردها ويرد معه دراهم".
يقال: أدلى فلان إلى فلان بمال: خاصم. كأنه جعله كالرسالة.
ويقال: "أدلى فلان بحجته" إذا بيَّنها كأنه يرسلها إرسالاً. وأصله من إرسال الرجل الدلو في حبل؛ يقال: "أدليت الدلو" إذا أرسلتها، و "دَلَوْتُها" إذا رفعتها وأخرجتها.
البقرة 2:188
قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
قال الحسن: "هذه الآية نزلت في سائل سأل النبي [عليه السلام] فقال: أين ربنا؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾ الآية".
وروي أن سائلاً سأل [النبي عليه السلام] فقال: يا محمد: أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله [جل ذكره]: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾. الآية.
وروي أن المشركين قالوا: كيف يكون الله قريباً وبيننا وبينه سبع سماوات غلاظ، كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماءين كذلك؟ فأنزل الله سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾. الآية.
وقال عطاء: "لما نزلت: ﴿وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، قالوا: يا رسول الله، في أي ساعة؟ قال: فنزلت: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾. الآية.
قال السدي: "ليس من عبد مؤمن يدعو الله إلا استجاب له، فإن كان الذي يدعو به رَزقه في الدنيا، وإن لم يكن له رزقاً في الدنيا، ادُّخِر له إلى يوم القيامة أو دفع [به عنه] مكروه. وكذلك قال ابن عباس.
وعن النبي عليه السلام: أنه قال: "ما أُعْطِيَ أَحَدٌ الدُّعاءَ فَمُنِعَ الإِجَابَةَ لأنَّ اللهَ يقُولُ: ﴿ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
والمعنى عند الطبري: "فإني قريب في كل وقت أجيب دعوة الداعي إذا دعان".
وقال مجاهد: "لما نزلت: ﴿ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، قالوا: إلى أين؟ فنزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥].".
وقال قتادة: "لما نزلت: ﴿ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، قال قوم: كيف ندعو يا رسول الله؟ فنزلت: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ﴾" الآية.
* *
وقوله: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾.
فمعناه: إذا شئت كما قال: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ﴾ [الأنعام: ٤١].
* *
وقوله: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي﴾.
أي فليستجيبوا إلى طاعتي، يقال: "استَجبْتُ لَهُ واسْتجَبْتُهُ" بمعنى أجبته.
وقال أبو عبيدة: "معناه: فليجيبوني".
وتحقيق اللفظ عند أهل العلم: فليستدعوا الإجابة، كما يقال: "استنصر"، إذا استدعى النصر.
وعن أبي رجاء الخراساني أنه قال: "﴿فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي﴾ فليدعوني". وقيل: هو التلبية.
* *
وقوله: ﴿وَلْيُؤْمِنُواْ بِي﴾: أي وليصدقوا بي إذا هم استجابوا لي بالطاعة أني لهم من وراء طاعتهم لي في الثواب عليها، وإجزال الكرامة عليها.
وقال أبو رجاء: ﴿وَلْيُؤْمِنُواْ بِي﴾: معناه: و "ليصدقوا بي" أني أستجيب لهم.
* *
وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾. معناه: لعلهم يهتدون. و "لعل" من الله واجبة.
وقيل: معنى الإجابة هنا، هو الإجابة بالثواب على الأعمال [والطاعات]، فمعنى الدعاء هنا مسألة العبد ربه، إتمام ما وعده إياه من الجزاء على الطاعة.
وروي عن النبي [عليه السلام]. أنه قال: ""الدُّعَاءُ هُوَ العبادَةُ". ثم قرأ ﴿وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾
وقيل: معناه: أجيب دعوة الداعي إن شئت.
وقال الحسن في قوله تعالى: ﴿ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾: "اعملوا وأَبشروا فإنه حق على الله أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله".
* *
وقوله: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾. وقْف عند يعقوب. وقال نصير: الوقف "دعانِ" و "يَرْشُدُونَ".
والفعل من "يرْشُدونَ": رَِشَدَ يَرْشُدُ رُشْداً، ويقال: رَشَدَ يَرْشَدُ رَشَداً، فيقال: الرُّشْدُ وَالرَّشَدُ، كما يقال: البُخْلُ والبَخَلُ، والشُغْلُ والشَّغَلُ، وَالسُّقْمُ وَالسَّقَمُ، وَالعُدْمُ والعَدَمُ، وَالحُزْنُ وَالحَزَنُ، وَالسُّخْطُ وَالسَّخَطُ، وَالخُبْرُ وَالخَبَرُ، وَالعُرْبُ وَالعَرَبُ، وَالْعُجْمُ والعَجَمُ.
* *
ثم قال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ﴾.
أي أبيح لكم أيها المؤمنون أن تجامعوا نساءكم في ليالي الصيام قبل النوم وبعد النوم ما لم يطلع الفجر. وحَدُّ [الليل من مغيب الشمس] إلى طلوع الفجر الثاني. وَحَد النهار من طلوع الفجر الثاني إلى مغيب الشمس.
والرفث هنا كناية عن الجماع.
قال ابن عباس: "الرفث الجماع ولكن الله كريم يكني". وهو قول جميع المفسرين.
وقال الزجاج: "الرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من امرأته".
والرفث في غير هذا الموضع الإفحاش في المنطق، ومنه قوله: ﴿فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧].
* *
قوله: ﴿فَٱلآنَ بَٰشِرُوهُنَّ﴾.
المباشرة في هذا الموضع الجماع بدليل قوله: ﴿وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾، يريد الولد بإجماع من المفسرين.
وقد تكون المباشرة في غير هذا الموضع غير الجماع، وذلك المماسة ويدل [أيضاً على ذلك] أن الرفث عند جميع المفسرين كناية عن الجماع.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾.
سمَّى كلَّ واحد لباساً لصاحبه لتجردهما عند النوم وتضامهما واجتماعهما في ثوب واحد، حتى يصير كل واحد منهما في التصاقه إلى الآخر بمنزلة الثوب الذي يلبسه الإنسان.
وقال الربيع: "معناه: هن لحاف لكم، وأنتم لحاف لهن".
وقد [سُمي الفرش] لباساً والخاتم لباساً، وتقلد السيف لباساً. وهذا يدل على تحريم استعمال الحرير في الوطئ لتحريم النبي [عليه السلام] لباس الحرير.
وقيل: إنما جعل كل واحد منهما لصاحبه لباساً لأنه يسكن إليه، كما قال تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ لِبَاساً﴾ [الفرقان: ٤٧]، أي سكناً تسكنون فيه، فكذلك زوجة الرجل سكنه [يسكن إليها كما قال] ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]. فيكون كل واحد منهما لباساً لصاحبه لسكونه إليه. وهو معنى قول مجاهد.
والعرب تقول لما يستر الشيء ويواريه عن أبصار الناظرين: "هو لباسه وغشاؤه" فيكون قد قيل لكل [واحد] من الزوجين لباس للآخر لأنه يستر له فيما يكون بينهم من الجماع عن أبصار الناظرين. قال مجاهد وقتادة: "معناه: هن سكن لكم، وأنتم سكن لهن". وقال ابن عباس أيضاً.
* *
وقوله: ﴿عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾.
أي علم الله أيها المؤمنون أنكم كنتم تريدون أن تجامعوا النساء بعد النوم وتأكلوا وتشربوا بعد النوم، وذلك محرم عليكم فتاب عليكم مما [أضمرتم من مواقعة] الذنب وعفا عنكم. وذلك أن الله قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] يعني أهل الكتاب. وكانوا لا يجامعون في ليالي الصيام ولا يأكلون ولا يشربون بعد النوم، فصعب ذلك على المسلمين؛ حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاء يريد امرأته فقالت له: قد كنتُ نمتُ. فظن أنها تعتل، فوقع بها، وجاء رجل من الأنصار فأراد أن يطعم، فقالت له امرأته: نسخن لك شيئاً. فغلبته عينه فنام، فلما انتبه امتنع من الطعام لنومه فجعل يُغشى عليه، فنزلت هذه الآية ناسخة لذلك، فأبيح الأكل والشرب والجماع في ليالي الصيام ما لم يطلع الفجر.
وقال معاذ بن جبل: "كانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا لم يحل لهم شيء من ذلك. فكان رجل من الأنصار يدعى أبا صرمة يعمل في أرض له، فلما كان عند فطره نام فأصبح صائماً قد جهد، فلما رآه النبي [ﷺ] قال: ما لي أرى بك جهداً؟. فأخبره بما كان من أمره. واختان رجل نفسه في شأن النساء، فأنزل الله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ﴾ الآية.
وقال ابن عباس في الآية: "كان المسلمون في شهر رمضان إذا صلوا العشاء، حرم عليهم الطعام والنساء إلى مثلها من القابلة. ثم إن ناساً من المسلمين أصابوا الطعام [والنساء] في رمضان بعد النوم، منهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ فأنزل الله: ﴿عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية.
وقال كعب بن مالك: "كان الناس في رمضان إذا صام الرجل منهم فأمسى فنام، حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد. وإن عمر بن الخطاب رجع من عند النبي [عليه السلام] ذات ليلة وقد سمر عنده، فوجد امرأته قد نامت فأرادها، فقالت: [إني قد نمت، فقال: ما] نمت، فوقع بها. وصنع كعب بن مالك مثل ذلك فغدا عمر إلى النبي [ﷺ فأخبره فأنزل الله عز وجل: ﴿عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية.
وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: "كان الناس أول ما أسلموا يصوم أحدهم يومه، حتى إذا أمسى طعم من الطعام، وجامع فيما بينه وبين العتمة، حتى إذا صُليت العتمة حرم ذلك عليهم إلى الليلة القابلة وإن عمر بن الخطاب بينما هو نائم إذ سولت له نفسه فأتى أهله ليقضي حاجته، فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه كأشد ما رأيت من الملامة، ثم أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أعتذر إلى الله وإليك مع نفسي هذه الخاطئة؛ فإنها زيَّنت لي فواقعت أهلي. هل تجد لي من رخصة يا رسول الله؟ [قال: لم تكن حقيقاً] بذلك يا عمر، فلما بلغ بيته أرسل إليه [فأنبأه الله بعذره] في آية من القرآن، وأمره الله أن يضعها في المائة الوسطى من سورة البقرة وهي قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ﴾ الآية".
وبهذه المعاني فسرها مجاهد وعكرمة وقتادة.
وقال قتادة: "[كان بدء الصيام أنهم] أمروا بصيام ثلاثة أيام من كل شهر وركعتين غدوة، وركعتين عشية، ثم افترض عليهم رمضان وخمس صلوات، وكان الأكل والشرب والجماع [لهم مباحاً] ما لم يرقدوا، فإذا رقدوا حرم ذلك عليهم إلى مثلها من القابلة. وكانت خيانة القوم أنهم يأكلون ويشربون ويغشون نساءهم بعد النوم، ثم أباح الله عز وجل ذلك لهم إلى طلوع الفجر".
وقال السدي: "كتب الله على النصارى صوم شهر رمضان، وكتب عليهم ألا يأكلوا ولا يشربوا ولا ينكحوا النساء بعد النوم. وكتب على المؤمنين مثل ذلك، فوقع قوم من المؤمنين في الأكل والشرب والجماع بعد النوم فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ فنسخ الله عز وجل ذلك عنهم فقال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ﴾ الآية.
قال أبو العالية وعطاء: "هذه ناسخة لقوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
* *
وقوله: ﴿فَٱلآنَ بَٰشِرُوهُنَّ﴾.
أي جامعوهن في ليل الصيام ما لم يطلع الفجر إذا شئتم. فباشروهن كناية عن الجماع.
* *
وقوله: ﴿وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾. هذا لفظه لفظ أمر، ومعناه التأديب والندب.
قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن والسدي والربيع والضحاك: ﴿وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾: هو الولد". وقاله أنس بن مالك. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "وابتغوا ما كتب الله لكم من ليلة القدر".
وقال قتادة: "معناه: وابتغوا ما رخص الله لكم وأحل لكم، يعني الجماع".
وقيل معناه: "ابتغوا الذي كتب الله لكم في اللوح المحفوظ أنه يباح لكم وهو الوطء بعد النوم في ليالي الصيام. والولد هو [مما كتبه الله في اللوح] المحفوظ أيضاً.
* *
وقوله: ﴿حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ﴾.
أي بياض النهار من سواد الليل بطلوع الفجر.
وقال الحسن: "معناه: حتى يتبين لكم النهار من الليل". وقاله ابن عباس أيضاً. وهو مروي عن النبي [ عليه السلام].
ويروى أن عدي بن حاتم أخذ خيطين أسود وأبيض فنظر فيهما عند الفجر فرآهما سواء، فأتى النبي [عليه السلام] فقال له: يا رسول الله: فتلت خيطين من أسود وأبيض فنظرت فيهما من الليل فوجدتهما سواء. فضحك رسول الله ﷺ حتى رأى نواجذه، ثم قال له: "ألَمْ أَقَُلْ لَكَ مِنَ الفَجْرِ، إنّما هُوَ ضوءُ النَّهارِ مِنْ ظُلْمَةِ الليلْ
وقال سهل بن سعد. "نزلت هذه الآية: ﴿وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ﴾، ولم ينزل ﴿مِنَ ٱلْفَجْرِ﴾. قال: فكان رجال إذا أراد أحدهم الصوم ربط في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له أحدهما من الآخر، فأنزل الله عز وجل بعد ذلك (من الفجر) فعلموا أنه إنما عني بذلك من الليل والنهار".
وفي الكلام حذف وتقديم وتأخير والتقدير: "حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الفجر من الخيط الأسود من الليل".
وفي هذا دليل بالنص على أن الصائم إذا أصبح جنباً لا يضر ذلك صيامه. لأن له الوطء ما كان له الأكل والشرب، فإذا وطىء إلى الفجر أصبح جنباً ضرورة لا شك فيه، وصيامه تام بهذا النص من القرآن والسنة.
والفجر فجران: فجر [أول وهو الضوء] الساطع في السماء، يقال له الصبح الكاذب، فلا يمنع ذلك أكلاً ولا جماعاً. والفجر الثاني هو المنتشر الذي يملأ ببياضه وضوئه الطرق، فذلك يمنع الأكل والجماع، يسمى الفجر الصادق.
والفجر الأول يذهب في السماء طولاً كأنه ذنب السرحان مستدق صاعد في غير اعتراض.
والثاني يضرب إلى حمرة، وينتشر ضوؤه على الجبال، يقال له: المستطير أو المنتشر في الأفق وهو معترض. وكل شيء انتشر فقط استطار، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ [الإنسان: ٧]: أي منتشراً فاشياً.
والفجر في اللغة مصدر، "فجر الماء، يفجر فَجْراً" إذا بعثه وأجراه فكأنه اسم للمصدر، فقيل للطالع من تباشير ضياء الشمس من مطلعها: "فَجْرٌ"، لانبعاث ضوئه ونوره عليهم. والخيط في اللغة: اللون.
* *
وقوله: ﴿مِنَ ٱلْفَجْرِ﴾ معناه الذي هو من الفجر، وليس هو جميع الفجر. وقال التيمي: "هو ضوء الشمس من سواد الليل".
وحكي عن حذيفة أنه كان يتسحر بعد طلوع الفجر.
وحكى سالم مولى أبي حذيفة عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه كان يتسحر بعد طلوع الفجر. وكذلك ذكره البراء عن ابن مسعود قال: "تسحرت أنا وابن مسعود ثم خرجنا والناس في صلاة الصبح".
وليس العمل عند جميع الفقهاء على شيء من هذه الأقوال.
وعن التيمي أنه قال: "الوتر بالليل والسحور بالنهار".
وعنه: "السحور بالليل والوتر بالليل".
وبهذا العمل عند فقهاء الأمصار.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّليْلِ﴾.
إلى النهاية وليس بحد وإذا كانت نهاية، انتهى العمل إلى ما بعدها، ولا يدخل ما بعدها فيما قبلها، ولا صوم في شيء من الليل. والذي عليه أهل النظر أن "إلى" إذا كان الذي بعدها من صنف ما قبلها، دخل في حكم ما قبلها كقوله: ﴿إِلَى ٱلْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] و﴿إِلَى ٱلْكَعْبَينِ﴾ [المائدة: ٦]. والمرفقان والكعبان داخلان في الغسل. وإذا كان ما بعدها ليس من جنس ما قبلها، لم يدخل في حكم ما قبلها نحو: ﴿إِلَى ٱلَّليْلِ﴾. وقد بينا هذا في المائدة بأشرح من هذا.
* *
وقوله: ﴿وَلاَ تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَٰكِفُونَ فِي ٱلْمَسَٰجِدِ﴾.
أي لا تجامعوا أو تلامسوا وأنتم معتكفون. فهذا يدل على جواز الاعتكاف. وفيه دليل عند قوم على أنَّ الاعتكاف جائز في كل مسجد تقام فيه الصلاة وفي كل وقت، مفطراً كان أو صائماً، لأن الخطاب خرج مطلقاً.
ولا يعتكف عند مالك وغيره إلا صائم، ولا يعتكف إلا في مسجد تقام فيه الجمعة.
* *
ثم قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا﴾. أي لا تقربوا ما نهاكم عنه من حدوده.
* *
ثم قال: ﴿كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. أي يبين لهم ما حرم عليهم مما أحل لهم لعلهم يتقون حدوده ويخافون عذابه.
* *
ثم قال: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ﴾، أي: لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل.
﴿وَتُدْلُواْ بِهَا﴾ أي: وتخاصموا بالأموال إلى الحكام.
﴿لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ﴾ أي: من طائفة من أموالهم.
﴿بِٱلإِثْمِ﴾ أي: بالحرام.
﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: تعلمون أنكم ظالمون وأنه حرام عليكم.
قال ابن عباس: "هذا في الرجل يكون عليه مال، ولا بينة عليه فيجحد المال ويخاصم صاحبه وهو يعلم أنه إثم".
ويقال: من مشى مع خصمه وهو ظالم فهو آثم حتى يرجع إلى الحق. وقال عكرمة: "هو الرجل يشتري السلعة فيردها ويرد معه دراهم".
يقال: أدلى فلان إلى فلان بمال: خاصم. كأنه جعله كالرسالة.
ويقال: "أدلى فلان بحجته" إذا بيَّنها كأنه يرسلها إرسالاً. وأصله من إرسال الرجل الدلو في حبل؛ يقال: "أدليت الدلو" إذا أرسلتها، و "دَلَوْتُها" إذا رفعتها وأخرجتها.
البقرة 2:189
قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ﴾.
الهلال مشتق من استهلال الصبي إذا بكى، فقيل له: هلال لأن الناس حين يرونه يرفعون أصواتهم بذكره.
ويقال: أهَلَّ الهِلالُ واسْتَهَلّ. وسمي هلالاً لليلتين. وقيل: إلى الليلة السابعة. ومعنى الآية أنها سؤال من المشركين للنبي [ﷺ] سألوه عن نقصان القمر وزيادته ما هو، فقيل له: قل يا محمد: ﴿هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ﴾.
معناه عند الطبري: يسألونك يا محمد عن الأهلة واختلافها وتغيرها في محاقها وسرارها وتمامها واستوائها واستسرارها، وما المعنى الذي خالف له حالها حال الشمس التي لا تغير ولا تنتقل من حال إلى حال.
فقل يا محمد: فعل الله ذلك تعالى لتعلم عدة الآجال لمن استوجر وتصرم عدة النساء ووقت الصوم والإفطار وحلول ديونكم وأشباه هذا.
فهذا معنى قوله: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ﴾.
ومعنى: "والحج" أي وهي مواقيت للحج تعرفون بها وقت حجكم ونسككم وإحرامكم وغير ذلك. فمن أجل هذا خالف الله بين القمر والشمس. وكان ذلك لسؤال سائل سأل النبي [عليه السلام] عن الأهلة. قال ابن جريج: "سأل الناس: لم خُلقت هذه الأهلة، فأجيبوا بذلك". وكذلك قال ابن عباس وقتادة.
* *
وقوله: ﴿وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا﴾.
قال البراء: "كانت الأنصار إذا حجوا فرجعوا لم يدخلوا البيوت إلا من ظهورها. فجاء رجل من الأنصار، فدخل من بابه، فقيل له في ذلك، فنزلت هذه الآية إنذاراً لهم أن الدخول من ظهر البيت ليس من البر. فانتهوا عن ذلك".
وقال إبراهيم النخعي: "هم ناس من أهل الحجاز كانوا إذا أحرموا لم يدخلوا من أبواب البيوت، فنهوا عن ذلك".
وقال مجاهد: "كان المشركون إذا أحرم الرجل منهم ثقب كوة في ظهر بيته وجعل سلماً، ولم يدخل إلا من الكوة فنهوا في الإسلام عن ذلك".
وقال الزهري: "كان الناس من الأنصار إذا أحرموا لم يحل بينهم وبين السماء شيء، يتحرجون. وكان الرجل تبدو له الحاجة بعد خروجه فيرجع ولا يدخل من باب الحجرة من أجل سقيفة الباب أن تحول بينه وبين السماء، فيفتح في الجدار من وراء الحجرة ثم يدخل من ذلك الفتح. وكان الحمس لا يفعلون ذلك، فدخل النبي [عليه السلام من الباب وهو محرم، ودخل في إثره أنصاري]، فقال له النبي ﷺ: إني أحْمَسٌ، فقال [الأنصاري: وأنا] أحمس أي على دينك. فأنزل الله الآية
وقال السدي: "كان أولئك الذين يفعلون هذا يسمون الحمس".
وقال قوم من أهل اللغة: كان قوم من قريش وجماعة من العرب إذا توجه الرجل في حاجة فلم يقضها ولا تيسرت له، تطير بذلك ورجع، فلم يدخل من باب بيته، فنهوا عن ذلك.
وقال جماعة من أهل التفسير: "الحمس هم قريش وبنو عامر بن صعصعة وثقيف، وكان أحدهم إذا [أحرم لم يسأل السمن] ولم يبع الوبر ولم يدخل من باب بيته. وسموا حمساً لأنهم تحمسوا في دينهم، أي تشددوا".
والحملة الشدة في الغضب وغيره. فأعلمهم الله أن ذلك ليس من البر، وأن البر التقوى.
وذكر ابن الأنباري أن بعض الناس فسر البيوت بإتيان النساء في الأدبار مُنعوا من ذلك، وقيل لهم: إئتوا البيوت من أبوابها، أي ائتوا المرأة من الباب المحل لكم الذي منه يكون الولد، ولا تأتوها من غير هذا الباب فتجوروا وتعصوا. وهو قول شاذ.
وقال أبو عبيدة: "﴿وَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾: اطلبوا الخير من بابه ومن أهله ولا تطلبوه من الجهال المشركين".
وأكثر الناس على القول الأول.
البقرة 2:190
وقوله: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾.
هذه أول آية نزلت في القتال أمروا أن يقاتلوا من يقاتلهم ﴿وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾.
أي لا تقاتلوا من لم يقاتلكم. وقد نسخ الله ذلك في براءة بقوله: ﴿وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، وبقوله: ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] و ﴿وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً﴾. قاله ابن زيد.
وقال ابن عباس وعمر بن عبد العزيز وغيرهم: "الآية محكمة غير منسوخة".
* *
وقوله: ﴿وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ﴾ أي: لا تقتلوا الشيخ الكبير والنساء والذرية، ولا من ألقى إليكم السلم، فإن فعلتم اعتديتم.
* *
ومعنى ﴿ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ على قولهم: أي الذين فيهم مقدرة على قتالكم ومَن عادتُهم القتال. ولا تقاتلوا من ليس ذلك من شأنه كالرهبان [ومن أدى] الجزية، ولهذا نهى عن قتل الرهبان.
وقد قال بعض الفقهاء: ولا تؤخذ من الرهبان الجزية، وكذلك لا يحل قتل من أدى الجزية.
البقرة 2:191
قوله: ﴿وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم﴾ أي: في أي مكان تمكنتم بهم. ومعنى "الثقافة بالأمر": الحذق به والبصر. ومعنى "التَّثْقيفِ": التقويم.
* *
ثم قال: ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾.
هذا خطاب للمهاجرين أُمروا أن يُخرجوا الكفار من مكة، وهو الموضع الذي هاجروا - هم - منه، وأُخرجوا.
* *
﴿وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ﴾.
أي الشرك والكفر. هذا قول قتادة؛ أي أن يُقتل أحب إليه من أن يكفر. وأصل الفتنة الاختبار والابتلاء. فمعناه الاختبار الذي يؤدي إلى الكفر أشد من القتل.
* *
قوله: ﴿وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ الآية.
وجه قراءة حمزة والكسائي: "وَلاَ تَقْتُلُوهُمْ" بغير ألف، من القتل حتى [يقتلوكم مثله، فإن قتلوكم] مثله، أنهم أمروا ألا يقتلوا أحداً عند المسجد الحرام حتى يُقتلَ بعضهم فقال: [ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم] أي يقتلوا بعضكم. والعرب تقول: "قد قُتل بنو فلان" ولم يُقتل إلا الأقل منهم. "ومات الناس" ولم يمت إلا الأقل منهم. فأما معنى قراءة الجماعة بالألف في الثلاثة من القتال، فهو أنهم أمروا ألا يبدأوا بالقتال في المسجد الحرام حتى يبدأوهم، فإن بدأوهم به، قاتلوهم وقتلوهم.
وقال قتادة: "أمروا ألا يقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يبدأوهم ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ﴾ ﴿حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: لا يكون شرك ﴿وَيَكُونَ ٱلدِّينُ للَّهِ﴾ أي يقال: "لا إله إلا الله محمد رسول الله".
وروي عن قتادة أيضاً أنها منسوخة بقوله: ﴿فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾، [التوبة: ٥]. فأمروا بالقتال، ﴿حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] عند [انسلاخ الأشهر في الحل و] الحرم حتى يشهدوا [أن لا إله إلا الله وأن] محمداً رسول الله".
وقال مجاهد: "الآية غير منسوخة، ولا يحل لأحد أن يقاتل في الحرم أحداً إلا أن يبدأه بذلك فيقاتله". واحتَجَّ بحديث النبي ﷺ يوم فتح مكة: "إِنَّ مَكَّةَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ لَمْ تَحِل لأَحَدٍ قَبْلي، وَلاَ تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي
وأكثر الناس على أنها منسوخة، وأن المشركين يُقاتلون في كل موضع بقوله: ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ - وبراءة نزلت بعد البقرة - وبقوله: ﴿وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، والحجة بما ثبت نصه وتلاوته أولى من غيره.
* *
قوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، أي: شرك. والدين العبادة والطاعة.
* *
قوله: ﴿فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ﴾ أي: لا يُجازى إلا هم.
وسميت مجازاتهم عدواناً لأنها جزاء للاعتداء، وهو مذهب العرب. ومنه: ﴿فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤].
ومنه: ﴿ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، ومنه: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، ومنه: ﴿سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩].
ومعنى: ﴿فَلاَ عُدْوَانَ﴾، أي لا يُقاتَل إلا من قاتل.
قال الأخفش: "المعنى: فإن انتهى بعضهم فلا عدوان إلا على الذي لم ينته، وهو الظالم منهم".
البقرة 2:192
قوله: ﴿وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم﴾ أي: في أي مكان تمكنتم بهم. ومعنى "الثقافة بالأمر": الحذق به والبصر. ومعنى "التَّثْقيفِ": التقويم.
* *
ثم قال: ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾.
هذا خطاب للمهاجرين أُمروا أن يُخرجوا الكفار من مكة، وهو الموضع الذي هاجروا - هم - منه، وأُخرجوا.
* *
﴿وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ﴾.
أي الشرك والكفر. هذا قول قتادة؛ أي أن يُقتل أحب إليه من أن يكفر. وأصل الفتنة الاختبار والابتلاء. فمعناه الاختبار الذي يؤدي إلى الكفر أشد من القتل.
* *
قوله: ﴿وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ الآية.
وجه قراءة حمزة والكسائي: "وَلاَ تَقْتُلُوهُمْ" بغير ألف، من القتل حتى [يقتلوكم مثله، فإن قتلوكم] مثله، أنهم أمروا ألا يقتلوا أحداً عند المسجد الحرام حتى يُقتلَ بعضهم فقال: [ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم] أي يقتلوا بعضكم. والعرب تقول: "قد قُتل بنو فلان" ولم يُقتل إلا الأقل منهم. "ومات الناس" ولم يمت إلا الأقل منهم. فأما معنى قراءة الجماعة بالألف في الثلاثة من القتال، فهو أنهم أمروا ألا يبدأوا بالقتال في المسجد الحرام حتى يبدأوهم، فإن بدأوهم به، قاتلوهم وقتلوهم.
وقال قتادة: "أمروا ألا يقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يبدأوهم ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ﴾ ﴿حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: لا يكون شرك ﴿وَيَكُونَ ٱلدِّينُ للَّهِ﴾ أي يقال: "لا إله إلا الله محمد رسول الله".
وروي عن قتادة أيضاً أنها منسوخة بقوله: ﴿فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾، [التوبة: ٥]. فأمروا بالقتال، ﴿حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] عند [انسلاخ الأشهر في الحل و] الحرم حتى يشهدوا [أن لا إله إلا الله وأن] محمداً رسول الله".
وقال مجاهد: "الآية غير منسوخة، ولا يحل لأحد أن يقاتل في الحرم أحداً إلا أن يبدأه بذلك فيقاتله". واحتَجَّ بحديث النبي ﷺ يوم فتح مكة: "إِنَّ مَكَّةَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ لَمْ تَحِل لأَحَدٍ قَبْلي، وَلاَ تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي
وأكثر الناس على أنها منسوخة، وأن المشركين يُقاتلون في كل موضع بقوله: ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ - وبراءة نزلت بعد البقرة - وبقوله: ﴿وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، والحجة بما ثبت نصه وتلاوته أولى من غيره.
* *
قوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، أي: شرك. والدين العبادة والطاعة.
* *
قوله: ﴿فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ﴾ أي: لا يُجازى إلا هم.
وسميت مجازاتهم عدواناً لأنها جزاء للاعتداء، وهو مذهب العرب. ومنه: ﴿فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤].
ومنه: ﴿ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، ومنه: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، ومنه: ﴿سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩].
ومعنى: ﴿فَلاَ عُدْوَانَ﴾، أي لا يُقاتَل إلا من قاتل.
قال الأخفش: "المعنى: فإن انتهى بعضهم فلا عدوان إلا على الذي لم ينته، وهو الظالم منهم".
البقرة 2:193
قوله: ﴿وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم﴾ أي: في أي مكان تمكنتم بهم. ومعنى "الثقافة بالأمر": الحذق به والبصر. ومعنى "التَّثْقيفِ": التقويم.
* *
ثم قال: ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾.
هذا خطاب للمهاجرين أُمروا أن يُخرجوا الكفار من مكة، وهو الموضع الذي هاجروا - هم - منه، وأُخرجوا.
* *
﴿وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ﴾.
أي الشرك والكفر. هذا قول قتادة؛ أي أن يُقتل أحب إليه من أن يكفر. وأصل الفتنة الاختبار والابتلاء. فمعناه الاختبار الذي يؤدي إلى الكفر أشد من القتل.
* *
قوله: ﴿وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ الآية.
وجه قراءة حمزة والكسائي: "وَلاَ تَقْتُلُوهُمْ" بغير ألف، من القتل حتى [يقتلوكم مثله، فإن قتلوكم] مثله، أنهم أمروا ألا يقتلوا أحداً عند المسجد الحرام حتى يُقتلَ بعضهم فقال: [ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم] أي يقتلوا بعضكم. والعرب تقول: "قد قُتل بنو فلان" ولم يُقتل إلا الأقل منهم. "ومات الناس" ولم يمت إلا الأقل منهم. فأما معنى قراءة الجماعة بالألف في الثلاثة من القتال، فهو أنهم أمروا ألا يبدأوا بالقتال في المسجد الحرام حتى يبدأوهم، فإن بدأوهم به، قاتلوهم وقتلوهم.
وقال قتادة: "أمروا ألا يقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يبدأوهم ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ﴾ ﴿حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: لا يكون شرك ﴿وَيَكُونَ ٱلدِّينُ للَّهِ﴾ أي يقال: "لا إله إلا الله محمد رسول الله".
وروي عن قتادة أيضاً أنها منسوخة بقوله: ﴿فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾، [التوبة: ٥]. فأمروا بالقتال، ﴿حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] عند [انسلاخ الأشهر في الحل و] الحرم حتى يشهدوا [أن لا إله إلا الله وأن] محمداً رسول الله".
وقال مجاهد: "الآية غير منسوخة، ولا يحل لأحد أن يقاتل في الحرم أحداً إلا أن يبدأه بذلك فيقاتله". واحتَجَّ بحديث النبي ﷺ يوم فتح مكة: "إِنَّ مَكَّةَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ لَمْ تَحِل لأَحَدٍ قَبْلي، وَلاَ تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي
وأكثر الناس على أنها منسوخة، وأن المشركين يُقاتلون في كل موضع بقوله: ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ - وبراءة نزلت بعد البقرة - وبقوله: ﴿وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، والحجة بما ثبت نصه وتلاوته أولى من غيره.
* *
قوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، أي: شرك. والدين العبادة والطاعة.
* *
قوله: ﴿فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ﴾ أي: لا يُجازى إلا هم.
وسميت مجازاتهم عدواناً لأنها جزاء للاعتداء، وهو مذهب العرب. ومنه: ﴿فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤].
ومنه: ﴿ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، ومنه: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، ومنه: ﴿سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩].
ومعنى: ﴿فَلاَ عُدْوَانَ﴾، أي لا يُقاتَل إلا من قاتل.
قال الأخفش: "المعنى: فإن انتهى بعضهم فلا عدوان إلا على الذي لم ينته، وهو الظالم منهم".
البقرة 2:194
قوله: ﴿ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ﴾.
هو ذو القعدة وذلك أن النبي ﷺ صده المشركون عام الحديبية في ذي القعدة وهو محرم بعمرة، وذلك في سنة ست من هجرته، فرجع من الحديبية ونحر - ثَم - هديه وحلقوا وقصروا ثَم، وصالحهم في تلك السنة على أن يعود من العام المقبل، وهو سنة سبع من هجرته. فخرج النبي معتمراً في العام المقبل، وأخلى له المشركون مكة، فأتم عمرته، وأقام ثلاثة أيام، فقال الله له وللمسلمين: هذا الشهر الحرام الذي قضيتم فيه عمرتكم عِوَضٌ عن ذلك الشهر الذي صدكم فيه المشركون.
﴿وَٱلْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾: بعضها قصاص لبعض؛ شهر حرام بشهر حرام.
وإنما جمع في قوله: ﴿وَٱلْحُرُمَاتُ﴾ وليس ثم الأشهر بدل من شهر لأنه أراد الشهر الحرام، والبلد الحرام، وحرمة الحرم، فصارت حرمات قضاء الوقوف بها في عام سبع عوض من حرمات، صدوا عنها في عام ست.
وقال ابن عباس: "معناه: أن الله أطلق للمسلمين أن يقتصوا ممن اعتدى عليهم".
فتقديره: والحرمات منكم - إذا تعدي عليكم فيها - قصاص.
وكان الإنسان حراماً ضربُه وشتمه وجَرحُه وغير ذلك، فأبيح لهم القصاص.
قال: ثُمَّ نسخ ذلك، وصير الحكم إلى السلطان، فليس لأحد أن يقتص دون أن يرفع إلى السطان".
* *
قوله: ﴿فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ الآية.
قال ابن عباس: "أمروا في أول الإسلام أن ينتقموا ممن آذاهم مثل ما صنع بهم، ثم نسخ ذلك، فرد الأمر إلى السلطان".
وقال أكثر أهل التفسير: "الآية في القتال: أي: فمن قاتلكم في الشهر الحرام فقاتلوه بدلالة ما قبله من الأمر بالقتال، والنهي عنه في المسجد الحرام، وهو نظير قوله: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾. والآية منسوخة بالأمر بالقتال في الحرم وإن لم يبدأوا، بقوله: ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾، وبقوله: ﴿وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً﴾.
وبهذه الآية ونظيرها أجاز الشافعي أن يأخذ الرجل من مال من خانه بقدر ما خانه من غير رأيه. وقاله أصحاب الرأي. ولم يجزه مالك.
البقرة 2:195
قوله: ﴿وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ﴾.
قال النبي [عليه السلام]: مَنْ أَنْفَقَ نَفَقَةً في سَبِيلِ الله كُتِبَتْ لَهُ بِسَبْعِمائة ضِعْفٍ
و "إِلَى" متعلقة بـ ﴿تُلْقُواْ﴾. والباء متعلقة بالمصدر عند المبرد، وهي زائدة عند الأخفش.
والتهلكة: الهلاك. حضّ الله المسلمين على النفقة في سبيله والجهاد لئلا يقوى العدو، فتصير عاقبة أمرهم إلى الهلاك.
والتهلكة عند سفيان: ترك النفقة في سبيل الله عز وجل.
وقال ابن عباس: "التهلكة الإمساك عن النفقة في سبيل الله تعالى" وقال ابن زيد وغيره: "معناه: لا تخرجوا إلى الغزو بغير نفقة، أمروا أن ينفقوا في سبيل الله وأن لا يخرجوا بغير نفقة، فيهلكوا أنفسهم".
وقال زيد بن أسلم: "كان رجال يخرجون إلى البعوث بغير نفقة، فإما أن يقطع بهم، وإما أن يكونوا عالة على الناس، فأمروا ألا يخرجوا على تلك الحال".
وقال البراء بن عازب: "﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ﴾: هو الرجل يصيب الذَّنْبَ فيلقي بيده إلى التهلكة، يقول: "لا توبة لي". فأمروا ألا ييأسوا من رحمة الله عز وجل".
وقال أبو قلابة: هو الرجل يصيب الذنوب، فيقول: "لا توبة لي"، فينهمك في المعاصي، [فأمر ألا ييأس] من رحمة الله سبحانه". وقال أبو أيوب الأنصاري: "فينا نزلت هذه الآية، وذلك أنا معشر الأنصار لما أعز الله دينه قلنا سراً: إن أموالنا قد ضاعت، فلو أقمنا فيها نصلحها". فأنزل الله عز وجل يرد علينا ما قد هممنا به من التخلف عن الجهاد".
فمعناه: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ﴾ أي: لا تتأخروا عما هو أنفع لكم وهو الغزو. والعرب تقول: "ألْقَى فلان بيديه" إذا استسلم.
* *
قوله: ﴿وَأَحْسِنُوۤاْ﴾.
قيل: معناه: أحسنوا الظن بالله عز وجل في المغفرة لمن تاب. هذا على قول من قال: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ﴾. معناه في الذنوب، وألا ييأس من رحمة الله عز وجل.
وقيل معناه: أحسنوا الإنفاق.
وقيل: معناه: أداء الفرائض.
وقيل: معناه: أحسنوا الظن بالله تعالى أنه يضاعف الحسنات ويخلف النفقة.
البقرة 2:196
قوله: ﴿فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ﴾.
"ما" في موضع رفع، أي: فعليه ذلك.
وقيل: فوجب عليه ما استيسر. والمعنى واحد.
وقيل: هي في موضع نصب تقديره: فَليُهدِ ما استيسر من الهدي.
قال أبو عمرو: "الهدي جمع. واحده: هَدْيَةٌ، كَتَمْرَةٍ وتَمْرٍ".
وقيل: هو مصدر لا واحد له كرجال صَومٍ. فهو يقع للواحد والجمع والتأنيث كأنه مصدر "هدى إلى البيت هدياً" وبنو تميم يُثقلون ياء الهدي.
وقال الفراء: "لا واحد له".
* *
قوله: ﴿فَفِدْيَةٌ﴾ أي فعليه فدية.
ويجوز النصب على معنى: فليُفد فديةً، وفليأت فدية.
* *
قوله: ﴿فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ﴾. الثاني يجوز فيه ما جاز في الأول.
* *
قوله: ﴿ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ﴾ أي ذلك الفرض على من هذه حالته.
* *
قوله: ﴿وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ﴾.
أي: أتموا الحج إلى أقصى مناسكه، والعمرة إلى البيت، وفي قراءة عبد الله: "وأَتِمُّوا الحَجّ والعُمْرَةَ إلَى البَيْتِ لله عز وجل".
وقرأ الشعبي: "والعُمْرَةُ لله" بالرفع وكأنه تأول أن النصب يوجب فرض العمرة، وليس كذلك عند أكثر العلماء، وإنما معنى النصب هو الفرض بإتمام ما قد دخل فيه الرجل. فالعمرة ليست بفرض، وإتمامها إذا دخل فيها الداخل فرض.
فالقراءة بالرفع تخرج وجوب إتمام العمرة عند الدخول فيها أن يكون فرضاً بالآية.
ومعنى النصب: "أتموا الفرض والتطوع. والفرض قد بُيِن بقوله: ﴿وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧].
قال ابن عباس: "مَن أحرم بحج أو عمرة فليس له أن يحل حتى يتمهما".
وقال مجاهد: "إتمامهما أن يقضي مناسكهما".
وقال علي بن أبي طالب: إتمامهما أن تحرم من دويرة أهلك".
ويرد هذا فعل النبي [عليه السلام] إذ لم يحرم إلا من الميقات.
وقال طاوس: "إتمامهما أن تفرد ولا تقرن".
وقال قتادة: "إتمام العمرة أن يحرم بها في غير أشهر الحج".
وإتمام الحج: أن تأتي بمناسكه حتى لا يلزمك دم القِران ولا متعة لأن من أحرم من غيرها بعمرة في أشهر الحج، ثم حج عامة فهو متمتع وعليه دم.
وقال سفيان: "إتمامهما أن تخرج من بيتك لا تريد غيرهما، وتهل من الميقات. ليس أن تخرج لتجارة أو لحاجة حتى إذا صرت قريباً من مكة قلت: لو حججت أو اعتمرت".
وروي عن عثمان أنه قال: "إتمامهما ترك الفسخ وأن تكون النفقة حلالاً". وليست العمرة بواجبة عند مالك وأبي حنيفة، وهي واجبة عند الشافعي.
وقال عطاء وطاوس ومجاهد: "العمرة فرض كالحج". وهو قول ابن جبير وعلي بن الحسين. وروي ذلك عن ابن عباس وعن ابن عمر.
وروى جابر أن النبي [ﷺ] سئل عن العمرة: أواجبة هي؟ فقال: "لا، وأنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَك
وعنه أنه قال: "الحجُّ جِهادٌ، وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ
وهو قول نافع، والقاسم بن محمد.
وقال ابن مسعود: "الحج فريضة، والعمرة تطوع".
وليس في هذا دليل على فرض الحج، ولا العمرة، إنما افترض في قوله: ﴿وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]. إنما في هذه الآية فرض إتمام ما دخل فيه من حج أو عمرة. وهو داخل تحت قوله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]. فمن عقد عقداً من حج أو عمرة أو غير ذلك من الطاعات فعليه إتمامه فرضاً من الله بآية العقود.
فبان من هذا أن العمرة غير فرض إذ لم تأت بذلك آية، كما أتت في الحج.
ومعنى "اعتمر": قصد، كأنه افتعل من "عَمَرَ". والحج القصد.
وقيل: اعتمر، معناه: زار.
والإحصار عند مجاهد هو الحبس بمرض. وهو عند عطاء الحبس من كل شيء مرض أو خوف أو غيره.
وقال ابن عباس: "هو منع العدو لا غير".
وإنما أنزل الله الآية في إحصار العدو لرسول الله [عليه السلام] ومنعهم إياه أن يتم عمرته حين رجع، و [أحل في موضعه وعاد] في العام القابل.
وأكثر الناس على أن العلل العارضة المانعة من الحج غير داخلة في الإحصار، وحكمها حكم من فاته الحج، وليس حكم من منعه العدو حكم من فاته الحج.
* *
قوله: ﴿فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ﴾.
"هو شاة" قال ذلك علي وابن عباس.
وقال قتادة: "أعلاه بدنة، وأوسطه بقرة".
وقال ابن عمر: "هو البقرة دون البقرة في السن، والبعير دون البعير". وهو قول ابن الزبير وعائشة.
فمعنى ذلك أن من حبسه شيء عن إتمام حجه أو عمرته، فعليه إذا أراد أن يحل شاة أو بقرة أو بعير على ما ذكرنا من الاختلاف.
ومذهب مالك أن الشاة تجزي. ولا هدي عند مالك على من أحصر بعدو، ولا قضاء لحجه ولا لعمرته إلا أن يكون ضرورة فعليه الحج. فإن كان الإحصار بمرض ونحوه فلا يحله إلا البيت، وعليه الهدي، إذا فاته الحج ويفسخ حجه في عمرة، وعليه حج قابل يكون معه الهدي الذي لزمه لفوات الحج.
* *
قوله: ﴿وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾.
أي من أراد أن يحل، فلا [يحلق رأسه حتى يبلغ الهدي] محله لأن حلقه إحلال.
وبلوغ الهدي محله هو نحره أو ذبحه في أي موضع كان، إذا أحصر بخوف أو عدو، لأن النبي [عليه السلام] حل بالحديبية ونحر بها حين صد، وحلقوا رؤوسهم. والحديبية ليست من الحرم. فالنحر مقدم على حلق الرأس بهذه الآية.
* *
قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ أي بمرض أو نحوه، فمحله بعد الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة. وليس على من أحصر بعدو أو خوف قضاء ولا هدي، ويحل في موضعه، [وينحر في موضعه من حل] أو حرم إذا فاته الحج بحصر العدو بخلاف حصر المرض ونحوه الذي يلزم فيه القضاء ولا يحله إلا البيت، ويلزمه الهدي عند قضاء ما فاته من حج أو عمرة؛ هذا مذهب مالك. إنما القضاء على من فاته الحج من غير إحصار عدو بمرض أو فوات. فإن كان الذي أحصر لم يحج فعليه الحج لازم، وإن كان الذي أحصر بمرض لا يقدر على الوصول، ويخاف على الهدي أن يعطب، أرسله يُنحر بمكة، ويبقى هو على إحرامه حتى يطوف ويسعى وإن أقام سنين.
* *
قوله: ﴿أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ﴾. أي شقيقة أو وجع أو كثرة قمل.
وهذه الآية نزلت في كعب بن عَجُرَة إذ شكا إلى النبي [عليه السلام] كثرة قمله وذلك عام الحديبية، فأمره النبي [ﷺ] بحلقه، وأمره بالهدي، فقال: لا أجد، فقال النبي ﷺ: "صُمْ ثلاثَةَ أيامٍ أوْ [أطْعِمْ ستَّةَ مَساكينَ]. لكل مِسْكِينٍ نِصْفُ صاعٍ"، ففي ذلك نزلت الآية
وقال الحسن: "عليه صوم عشرة أيام، أو إطعام عشرة مساكين". وقاله عكرمة قياساً على المتمتع.
* *
قوله: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ﴾.
ومعنى التمتع عند الفقهاء المدنيين والكوفيين أن يعتمر الرجل الذي ليس من أهل مكة، ويحل من عمرته في أشهر الحج ثُمّ يحج من عامه ولم يرجع إلى أُفقه، أو أُفق مثل أفقه بين الحج والعمرة. فمن حصل له ذلك فهو متمتع، وعليه شاة. وقيل: بقرة، وقيل: بدنة.
فإن لم يجد صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى بلده، وهو معنى قوله: ﴿ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ أي هذا الحكم يجب على الغرباء إذا حلوا من عمرتهم في أشهر الحج ثم حجوا من عامهم. يعني من ليس بقاطن من الغرباء بمكة يلزمه ذلك، خاصة على ما فسرنا.
قال ابن عباس: "الثلاثة الأيام ما بين إحرامه إلى عرفة".
وعن ابن عمر: "هن [يوم قبل] التروية، ويوم التروية ويوم عرفة". وروي ذلك عن علي.
وروي عن علي أنه قال: "آخرها انقضاء أيام منى".
وقالت عائشة رضي الله عنها: "يصوم أيام منى".
وقال مالك: "يصوم ثلاثة أيام قبل النحر، فإن لم يصم صام أيام التشريق و [هي ثلاثة أيام] بعد يوم النحر، فإن لم يصبها صام بعد ذلك".
ولا اختلاف بين الفقهاء أن يوم النحر ويوم الفطر لا يجوز صومهما لأحد.
وقال ابن عباس: "إذا فاته الصوم في العشر، فعليه دم". وهو قول سعيد بن جبير. وهو قول أصحاب الرأي.
وقال ابن عباس: "صيامه الثلاثة الأيام ما بين إحرامه إلى يوم عرفة وليس له صوم، قبل إحرامه.
وقال مالك: "يصومهن إذا أهلّ متى ما أهل".
وقال مجاهد وطاوس: "له صومهن في أشهر الحج متى صام، وإذا دخل في الصوم ثُم وجد هدياً، وتمادى على الصوم أجزأ".
واستحب مالك أن يهدي إذا وجد قبل أن يتم قبل الصوم، إن كان صام يوماً أو يومين. فإذا صام أكثر من ذلك استحب أن يهدي. فإن لم يفعل فلا شيء عليه.
وروي عنه إيجاب الهدي إذا وجده، وقد صام يوماً أو يومين، ويصوم السبعة متى شاء؛ إن شاء أخرها حتى يعود إلى مصره، وإن شاء عجل صيامها.
* *
وقوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾.
إنما قال تعالى: "عَشَرَةٌ" لجواز أن يظن أن علية ثلاثة أو سبعة فبيّن إيجاب العددين بقوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾.
وقال المبرد: "إنما قيل: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ﴾ لأنه يجوز أن يظن السامع أن ثم شيئاً آخر بعد السبعة، فأزال اللبس".
فأما قوله: ﴿كَامِلَةٌ﴾، فقال الحسن: "معناه: كاملة من الهدي". أي قد كملت في المعنى الذي جعلت بدلاً منه.
وقيل: معناه الأمر، كأن معناه: "تلك عشرة فأكملوا صومها ولا تقصروا فيها.
وقيل: معنى "كاملة" التوكيد، كما تقول: "سمعته بأذني، ورأيته بعيني"، وكما قال: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦]. وقيل: معناه: تلك عشرة وافية للهدي.
وقيل: إنه قد كان جائزاً أن يقول: "وعليكم عشرة من قابل ونحوها" فلما قال: ﴿كَامِلَةٌ﴾، علم أنه لا فرض بعد ذلك، كما تقول في آخر الحساب: "فذلك كذا وكذا" لتدل على أنه لم يبق شيء.
وقيل: لما كانت العشرة تتركب من عددين عَيَّنَ الثلاثة والسبعة، ولو صامها أحد على غير [ثلاثة وسبعة] لم يكن بمكمل لما أراد الله عز وجل من الترتيب، فقال: ﴿كَامِلَةٌ﴾، أي إذا صامها أحدهم على هذا الترتيب كانت كاملة. وإن لم يفعل، فليست بكاملة في الفرض، وهي كاملة في العدد.
فـ "كاملةٌ" ليس بتأكيد للعشرة، وإنما هو تأكيد للكيفية في صومها وترتيبها.
وقيل: لما كانت الواو قد تقع بمعنى "أو"، فتكون مخيرة في صيام سبعة أو ثلاثة. أتى بـ ﴿عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ ليبين أن الواو ليست بمعنى "أو"، وأن السبعة والثلاثة يلزم صيامها، فبين بـِ "عشرة" ذلك، وأزال اللبس والاحتمال.
وهذا مبني على مذهب الكوفيين في إجازتهم لوقوع الواو بمعنى "أو"، وليس هو مذهب البصريين، لا تقع عندهم الواو بمعنى "أو" لاختلاف مَعْنيهما وحكميهما.
* *
قوله: ﴿ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾.
قيل: اللام بمعنى "على" أي ذلك الحكم على من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، كما قال: ﴿لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ﴾ [الرعد: ٢٥] أي [و] عليهم. ومنه قول النبي [عليه السلام لعائشة]: "اشتَرِطِي لَهُمْ الوَلاءَ"أي عليهم.
وقيل: اللام على بابها، وأن المعنى: أن التمتع لمن هو من غير أهل مكة ليس بقاطن بها، لأنهم تمتعوا بأحد السفرين إذا اعتمروا وحجوا في سفر واحد وانتقال واحد في أشهر الحج.
وقيل: يراد بذلك أهل الحرم كلهم، لا متعة عليهم.
وقال مالك: "هم أهل مكة وأهل ذي طوى لا متعة عليهم، وليس أهل منى منهم، بل يكونون متمتعين كغيرهم من غير أهل مكة والحرم".
وقيل: هم مَن منزلُه دون الميقات في حرم أو غيره. رواه ابن جريج عن عطاء.
وقال الزهري: "هو الذي بينه وبين مكة اليوم واليومان لا متعة عليه". وكان الطبري يقول: "هو الذي ليس بينه وبين مكة ما تقصر فيه الصلاة".
وقيل: التمتع لبس الثياب وأخذ الطيب فيما بين العمرة والحج. من فعله، فعليه ما استيسر من الهدي، وذلك إذا كانت عمرته في أشهر الحج، فتمتع؛ فلبس الثياب وأخذ الطيب، ثم حج من عامه، فهو متمتع إذا كان من غير أهل مكة. وهو خلاف قول أهل المدينة.
البقرة 2:197
قوله: ﴿فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ﴾.
فرق أبو عمرو بين الجدال والرفث والفسوق فجعل "لا" مع الجدال للتبرئة، وفتح وجعلها مع الرفث والفسوق، بمعنى "ليس" فرفع وذلك لأن الجدال أتى على غير معنى ما قبله، لأن معنى الأول النفي الذي ليس بعام إذ قد يقع فيه الرفث والفسوق من أهل الخطايا، فجعلت "لا" بمعنى "ليس".
ومعنى الثاني أنه نفي عام إذ قد استقرت معالم الحج وثبت فرضه واستقام أداؤه، فلا جدال في إيجابه لأحد من الناس، ففتحه على ذلك.
وقيل: المعنى: ولا جدال في كون الحج في ذي الحجة لأنهم كانوا يقدمون فيحجون في غير أشهر الحج ويؤخرون مثل ذلك.
وروي عن ابن عباس أنه قال: "الجدال أن تماري صاحبك".
فهذا التفسير يوجب أن تجري الثلاثة مجرى واحداً.
ويجوز في الكلام النصب في الثاني والثالث والتنوين، [تعطفه على موضع لفظ لا]، وما عملت فيه. ويجوز فتح الأول ورفع الثاني والثالث والتنوين؛ تعطفه على موضع "رفث" قبل دخول "لا". وقرأ أبو جعفر يزيد برفع الثلاثة والتنوين، أجراها مجرى واحداً.
* *
قوله: ﴿ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾.
معناه: أشهر الحج أشهر معلومات ثم حذف، وهي: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة.
وقيل: ذو الحجة كامل. وهما مرويان عن مالك.
* *
قوله: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ﴾ أي من أوجبه.
وقيل: من أحرم فيهن.
والرفث هو الإفحاش للمرأة بالكلام في الجماع.
وقال ابن عمر: "الرفث إتيان النساء، والتكلم بذلك للرجال والنساء". وهو مروي عن ابن عباس.
وقال مالك: "الرفث إصابة النساء"، قال: "والفسوق: الذبح للأصنام، والجدال هو تخاصمهم في المواقف".
* *
قوله: ﴿وَلاَ فُسُوقَ﴾.
لا معاصي فيما نهى عنه من قتل صيد أو أخذ شعر أو تقليم ظفر، ونحوه.
وروى مجاهد عن ابن عمر: "﴿لاَ فُسُوقَ﴾: لا سباب". وكذلك روى عن ابن عباس.
وقال ابن زيد: ﴿وَلاَ فُسُوقَ﴾ لا ذبح للأصنام، وقرأ: ﴿أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥].
* *
وقوله: ﴿وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ﴾: أي لا يماري المحرم أحداً.
وقيل: لا مراء فيه، أنه في ذي الحجة.
وقيل: معناه: لا يقال: حجي أتم من حجك.
وقيل: نهوا أن يختلفوا في اليوم الذي يكون فيه الحج.
وقيل: إنهم نهوا أن يتماروا في المناسك، فيقول هؤلاء: هذا موقف [إبراهيم ويقول الآخرون]: بل هذا.
وقيل: بل ذلك إخبار من الله أن الحج قد استقامت أوقاته لا تتقدم ولا تتأخر وأن [النسيء باطل لا نسء] فيه، قد استقام وثبتت أوقاته. فهذا على قراءة أبي عمرو حسن لأنه مخالف لما قبله في المعنى فخالف بين إعرابه. والأقاويل الأول تجري على قراءة من فتحها كلها. أو من نوَّنها كلها، لأنها منهاج واحد.
* *
قوله: ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ﴾.
نزلت هذه الآية في قوم كانوا يحجون بغير زاد، وكان بعضهم إذا أحرم رمى بما معه من الزاد، فأمروا بالزاد.
قال ابن جبير: "هو الكعك والسويق".
وقال الشعبي: "هو التمر والسويق".
وقال ابن جبير: "هو الكعك والزبيب".
وقال سفيان: "حجوا فسألوا في الطريق، فنهوا عن ذلك وأمروا بالزاد".
وقال ابن عباس: "كان ناس يخرجون ولا يتزودون، ويقولون: نحج ولا يطعمنا الله كأنهم يمتحنون الأمر، فأمروا بالزاد".
وقيل: هم قوم كانوا يخرجون بلا زاد، يقولون: نتوكل. فأمروا بالزاد".
* *
قوله: ﴿يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ﴾. أي يا أولي العقول.
[يقال: "لَبَبْتُ] أَلُبُّ، وليس في كلام العرب فعل يفعل في المضاعف غير هذا الحرف.
البقرة 2:198
قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾. أي لا حرج ولا ضيق في الشراء والبيع قبل الإحرام وبعده. ونزلت هذه الآية في قوم كانوا لا يتجرون إذا أحرموا، يرونه من البر، فأعلمهم الله أنه لا حرج فيه وليس من البر.
وقيل: إن قوماً كانوا يزعمون أنه ليس لتاجر ولا جَمَّال ولا أجير حج، فأعلمهم الله أن ذلك مباح.
* *
قوله: ﴿فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَٰتٍ﴾: أي اندفعتم.
وسميت عرفات بهذا الاسم، لأن نعتها كان عند إبراهيم ﷺ. فلما رآها عرفها، فقال: "قد عرفت" فسميت "عرفات".
وقال السدي: "لما أذَّن [إبراهيم في الناس بالحج] أجابوه بالتلبية، فأمره الله عز وجل أن يخرج إلى عرفات، ونعتها له فخرج. فلما بلغ الشجرة عند العقبة، استقبله الشيطان يرده فرماه بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة فطار، فوقع على الجمرة الثانية وهي [عقبة الثنية] فصده فرماه وكبر، فطار، فوقع على الجمرة الثالثة فرماه وكبر، فلما رأى أنه لا يطيقه ذهب، فلم يدر إبراهيم أين يذهب حتى أتى ذا المجاز رآه. فلما نظر إليه، لم يعرفه وهو مكان، فسمي ذلك "المجاز". ثم انطلق حتى وقف بعرفات، فلما نظر إليها عرف النعت، فقال: قد عرفت فسمي "عرفات"، فوقف بها حتى إذا أمسى ازدلف إلى "جمع"، فسمي "المزدلفة" فوقف "بِمَجمع".
وقال ابن عباس: "كان جبريل يُعَلِّمُ إبراهيم المناسك، وإبراهيم ﷺ يقول: قد عرفت، فلذلك سميت عرفات. وسمي الموسم موسماً لأن الناس يسم فيه بعضهم بعضاً أي يعرف".
والمشعر هو ما بين جبلي المزدلفة من حد منتهى مأزمي عرفة إلى محسر، وليس مأزماً عرفة من المشعر.
وموضع المصلى اليوم في بطن عرفة، فإذا خرج الإنسان منه صار بعرفة.
* *
قوله: ﴿وَإِن كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾.
معناه: وما كنتم من قبل الهدى إلا من الضالين، "فَإنْ" بمعنى "ما" واللام بمعنى "إلا".
وقد قيل: إنَّ "إنْ" بمعنى "قد" ذكره الطبري، وليس بجيد في اللغة.
البقرة 2:199
قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ﴾.
أمر الحمس وهم قريش أن يفيضوا من حيث أفاض جميع الناس لأنهم كانوا لا يقفون مع الناس بعرفة افتخاراً وتعالياً، ويقولون: نحن أهل الحرم، فلا نخرج منه إلى عرفات. فأمروا أن يقفوا مع الناس. ويفيضوا من حيث أفاض الناس أي من عرفة.
قالت عائشة رضي الله عنها: "كانت قريش ومَن دانها يقفون بالمزدلفة، ويقف الناس بعرفة فأمروا أن يقفوا مع الناس". وقال الضحاك: "معنى الآية: أن الله تعالى أمر جميع الناس أن يفيضوا من حيث أفاض الناس قبلهم".
والناس هم إبراهيم ﷺ ومن كان معه وذلك من جمع.
وتقدير ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ﴾: ثم أمرهم بذلك على معنى التأكيد لما أمر الله به أوّلاً، لأنه تعالى قد ذكر المشعر والإفاضة من عرفات قبل ذلك ثم قال: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ﴾. فإن كان عرفات فليس الإفاضة من عرفات بعد الذكر في المشعر الحرام، فالمعنى هو التأكيد لا أنه اتباع حكم لحكم تقدم.
وروي أن قريشاً كانت قد ابتدعت أشياء منها أنهم امتنعوا أن يَقِفُوا بعرفات لأجل أنها في الحل، فقالوا: لا ينبغي لنا أن نعظم إلا الحُرُم، فكانوا وحلفاؤهم يقفون يوم عرفة بمزدلفة، ويقف سائر العرب بعرفات وسموا أنفسهم ومَن وَالاَهم على ذلك الحمس، وابتدعوا ألا يأتقطوا الأقِط ولا يسألوا السمن وهم محرمون، ولا يدخلوا بيتاً من شعر وهم حرم، ولا يستظلوا وهم حرم إلا في بيوت الأُدْم، ولا يأكلوا وهم حرم من طعام جيء به من الحل، وابتدعوا ألا [يطوف القادم إلى البيت إلا في ثياب] الحمس، فإن لم يجد ذلك طاف عرياناً. فإذا تم طوافه أخذ ثيابه، فإن طاف أَحَدٌ بثيابه ألقاها إذا فرغ من طوافه، فلا يأخذها أبداً هو ولا غيره. وكانت العرب تسمي تلك الثياب اللُّقَى، وسمحوا للمرأة أن تدع عليها درعها. فلم يزل الأمر كذلك حتى بعث الله محمداً ﷺ فأنزل الله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ﴾. يعني قريشاً إذ كانت تفيض من مزدلفة.
وقيل: يعني سائر العرب، إذ كانوا يفيضون من عرفات، فيكون في الكلام على هذا القول تقديم وتأخير، وفي ذلك أنزل: ﴿يَابَنِيۤ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ﴾ [الأعراف: ٣١] فأباح لهم ما حرموا على أنفسهم من لبس الثياب، والطعام والشراب. وقد قيل: إن "ثُمَّ" بمعنى الواو في هذا.
فأما المعنى على قول الضحاك: فثم على بابها، لأنه يقول: أمرهم أن يفيضوا من جمع، والإفاضة من جمع لا شك أنها بعد الوقوف بمزدلفة وبعد الإفاضة من عرفات.
وقد قال الطبري: "إن من قال: إنه عرفات، ففي الكلام تقديم وتأخير، وتقدير. ومعناه: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٧]، قال: "ولولا الإجماع من أهل التأويل على أن المراد بقوله ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ﴾ من عرفات، لكان قول الضحاك هو الوجه البين؛ إن المراد به "جمع" لأنه على ترتيب الكلام وسياقه ولا تقديم فيه ولا تأخير".
ويدل على أن المراد به "جمع"، قوله: ﴿وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ﴾ وذلك أن النبي [عليه السلام] قال: "دَعَوْتُ اللهَ أَنْ يَغْفِرَ لأُمَّتِي ذُنُوبَهَا، فَأجَابَنِي: أَنِّي قَدْ غَفََرْتُ إِلاَّ ذُنُوبَهَا فيمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ خَلْقِي، فَأعْدَتُ الدُّعَاءَ يَوْمَئِذٍ، فَلَمْ أُجَبْ شَيْئاً، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ المُزْدَلِفَةِ قُلْتُ: يَا رَبّ، إنَّكَ قَادِرٌ أَنْ تُعَوِّضَ هَذَا الْمَظْلُوم مِنْ ظلاَمَتِهِ، وَتَغْفِرَ لِهَذَا الظَّالِمَ، فَأَجَابَنِي أَنِي قَدْ غَفَرْتُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: ضَحِكْتُ مِنْ عَدُوِّ اللهِ إِبْلِيسَ لَمَّا سَمِعَ مَا سَمِعَ، أَهْوَى يَدْعُو بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ وَيَضَعُ التُّرَابَ عَلَىَ رَأْسِهِ". فأمر المسلمون أن يستغفروا في ذلك الموضع الذي غفر الله [لهم فيه] التبعات فيما بينهم وهي أعظم من التبعات فيما بينهم وبين الله.
ومعنى: ﴿وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ﴾. استدعوا المغفرة.
البقرة 2:200
قوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ﴾. أي إهراقة الدماء. قاله مجاهد.
وقيل: متعبداتكم التي أمرتم بها في الحج وكان القوم في الجاهلية إذا فرغوا من حجهم وقفوا فيتفاخرون بمآثر آبائهم، فأمروا أن يكون ذلك الثناء على الله أو أشد منه، والخلاق: النصيب.
وقال عطاء: ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ﴾، هو قول الصبيان: "أبا، أبا" يلهج بذكر أبيه".
* *
قوله: ﴿رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا﴾.
قال مجاهد غيره: "كانوا يسألون الله لأمر دنياهم والظفر على عدوهم، ولا يسألونه إلى الآخرة شيئاً".
البقرة 2:201
قوله: ﴿رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً﴾.
أي عافية في الدنيا، وعافية في الآخرة. قاله قتادة.
وقيل: "الحسنة في الدنيا: العلم والعبادة. وفي الآخرة: الجنة". قاله الحسن وسفيان.
وقال ابن زيد: "الحسنة في الدنيا: المال، وفي الآخرة: الجنة"، وقاله السدي.
البقرة 2:202
ومعنى: ﴿سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾.
أي يحصي ما يحصيه بغير كلفة ولا تكلف، وليس مثل ما يتكلف له بنو آدم من العقد وغيره.
وقيل: معناه: يحاسبه بغير تذكر ولا كتاب.
وقيل: معناه: مجاز للفريقين على أعمالهم.
وقيل: معنى: "السرعة": أنه يغفر السيئات ويضعف الحسنات بلا حساب على من فعل به ذلك ولا كلفة.
البقرة 2:203
قوله: ﴿وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾.
هذه الأيام هي ثلاثة أيام بعد يوم النحر، وهي أيام التشريق، وهي أيام منى عند مالك.
وقال زيد بن أسلم: "المعلومات: يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق، والمعدودات: أيام التشريق".
وعن مجاهد وابن عباس: "المعلومات: العشر. والمعدودات: أيام التشريق".
وإنما سميت أيام التشريق لأن الناس يشرحون فيها اللحم ويقددونه، فالتشريق التشريح. فكأنها سميت أيام التشريح، فأمروا بالذكر فيها عند رمي الجمار وغيرها.
وقال النبي [عليه السلام] في أيام منى - وهي أيام التشريق -: "هِيَ أَيَّامُ أَكلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ
والأيام المعلومات هي: يوم النحر، ويومان بعده. فيوم النحر معلوم، ويومان بعده معلومان معدودات، واليوم الثالث بعد يوم النحر معدود.
* *
قوله: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
أرخص الله تعالى أن ينفر الناس اليوم الثاني من الأيام المعدودات وأعلمهم أن من تأخر إلى اليوم الثالث أنه لا إثم عليه، أي لا حرج ولا ضيق في تركه الرخصة، ومن تعجّل فلا إثم عليه في تركه الاتمام إلى اليوم الثالث.
وروي عن ابن مسعود وابن عمر: "لا إثم عليه: أي قد غفر له، ومن تأخر قد غُفر له".
وقال ابن عباس: "لا إثم عليه: أي رجع مغفوراً له"، وقال: "إن العمرة لتكفر ما معها من الذنوب، فكيف بالحج".
واستبعد جماعة تأويل من قال: "لا حرج عليه"، لأن من جلس إلى الثالث فقد أتى بالغاية، فليس يقال لمن أدى فرضه: "لا حرج عليك فيما صنعت".
وقيل: معناه: لا حرج عليك في تركك الرخصة.
ومن قال: "غفر له" معناه. فهو أبين وأحسن وعليه [أكثر] الناس. وقال مجاهد: "معناه: لا إثم عليه إلى الحج القابل".
* *
﴿وَمَن تَأَخَّرَ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
أي لا حرج عليه إلى الحج القابل، أي مغفور له إلى ذلك الوقت. وقال أبو العالية: "معناه: غفر له ما تقدم"، وفي مصحف عبد الله: "لمن اتقى الله".
قال ابن عباس: "معناه: لا حرج عليه لمن اتّقى المعاصي فيما يستقبل، أي غفر له".
وقيل: معنى ﴿لِمَنِ ٱتَّقَىٰ﴾ أي: اتقى قتال الصيد في الحرم.
وقال ابن مسعود أيضاً: "﴿إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أي: مغفور له إن اتّقى ما حرم عليه في الحج".
وروى أبو حازم عن أبي هريرة أن النبي [عليه السلام] قال: "مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهِ
وروي أن عمر قال لما سمع الآية: "خرج القوم من ذنوبهم، وربّ الكعبة".
وعن أبي هريرة أيضاً أن النبي ﷺ قال: "الحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الجَنَّةَ. والعُمْرَةُ إِلى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا"ومعنى اللام في ﴿لِمَنِ ٱتَّقَىٰ﴾: أي: هذا لمن اتّقى.
وقيل: المعنى: قلنا فلا إثم عليه لمن اتّقى. واللام متعلقة بالقول. وقال الأخفش: "ذلك لمن اتّقى".
وقيل: معنى: ﴿فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أي: لا يقل المتعجل للمتأخر: أنت آثم، ولا المتأخر للمتعجل: أنت آثم.
البقرة 2:204
قوله: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا﴾ الآية.
نزلت هذه الآية في الأخنس بن شريق، واسم الأخنس أبي، وأمه ضبيعة عمة عثمان رضي الله عنه، كان حليفاً لبني زهرة، وكان قد أتى مع قومه بني زهرة إلى بدر مع المشركين يريدون قتال النبي ﷺ فلما أتوا الجحفة، أشار على بني زهرة بترك القتال فأطاعوه، فأخنس بهم من المشركين، ورجع فسمي الأخنس فلما بلغ النبي [عليه السلام] قوله وما أشار به على بني زهرة عجب من ذلك، ففيه نزلت: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ الآية. ثم إنه بعد ذلك قدم على النبي [عليه السلام] فأظهر المحبة للإسلام، وحلف أنه ما قدم إلا لذلك، وأنه صادق في قوله، فأعجب النبي [عليه السلام] منه ذلك وكان يبطن الغش والنفاق، فلما خرج أفسد زَرْعَ الناس بالنار وأهلك مواشيهم، فذلك قوله: ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ﴾ أي: بالنار والنسل. وروي أنه عقر حمراً، وفيه نزلت: ﴿ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١]. وفيه نزلت: ﴿وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] إلى ﴿ٱلْخُرْطُومِ﴾ [القلم: ١٦]، لأنه حلف أنه ما قدم إلا رغبة في الإسلام وأنه صادق في يمينه، فقال الله عز وجل: ﴿وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ﴾ أي أنه صادق فيه قوله.
* *
وقوله: ﴿أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ﴾. أي شديد الخصومة.
وقيل: معناه أنه كاذب في قوله.
والخصام مصدر "خاصم".
وقال الزجاج والقتبي: "هو جمع خصم. يقال: خصم، وخصوم وخصام".
وعن ابن عباس أنه قال: "نزلت في السرية التي أصيبت للنبي عليه السلام تكلم قوم من المنافقين فيها، فأخبر الله عن اختلاف سريرتهم وعلانيتهم".
وقيل: إن الآية عامة في كل منافق أخبر الله أنه يقول بلسانه ما لا يعتقد بقلبه. وقد قال في موضع آخر، ﴿وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤا آمَنَّا﴾ [البقرة: ١٤]، وقال: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩]. فأخبر الله أنه يشهد على ما في قلبه. يريد أنه يقول ما يقول، ويستشهد بالله أنه صادق في قوله؛ يقول: الله يشهد أني صادق فيما أقول وهو كاذب. فأخبرنا الله تعالى أنه شديد الخصومة، وأنه إذا تولى سعى في الأرض بالفساد الذي هو سبب هلاك زرع الناس لأنه إذا أفسد اشتغل بالحرب والقتال عن الزرع، وإذا لم يكن زرع لم تجد البهائم ما تأكل، فيذهب النسل وقوله: ﴿وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ﴾. أي يقول: اللهم إنك تشهد أني صادق: "وهو كاذب". وقرأ ابن محيصن: "ويَشْهَدُ اللهُ" بفتح الياء، ورفع الاسم على معنى: [والله] يشهد أنه كاذب في قوله.
وقيل: معنى، ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ﴾ إذا غضب، فعل ذلك.
وقال مجاهد: "إنه إذا أفسد وتعدى، كان ذلك سبب إمساك الله القطر، وإمساكه هلاك الحرث والبهائم، وقرأ مجاهد: ﴿ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ﴾ [الروم: ٤١].
وقرأ الحسن وقتادة: ﴿وَيُهْلِكَ﴾ بالرفع عطفاه على يُعْجِبُكَ.
وقال أبو حاتم: "عطف على ﴿سَعَىٰ﴾، أي يسعى ويهلك، وقال الزجاج: "معناه: وهو يهلك".
وعن ابن كثير أنه قرأ: "ويهلك" بفتح الياء والنصب، الحرث والنسل بالرفع. ومثل الجماعة أشهر عنه.
البقرة 2:205
قوله: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا﴾ الآية.
نزلت هذه الآية في الأخنس بن شريق، واسم الأخنس أبي، وأمه ضبيعة عمة عثمان رضي الله عنه، كان حليفاً لبني زهرة، وكان قد أتى مع قومه بني زهرة إلى بدر مع المشركين يريدون قتال النبي ﷺ فلما أتوا الجحفة، أشار على بني زهرة بترك القتال فأطاعوه، فأخنس بهم من المشركين، ورجع فسمي الأخنس فلما بلغ النبي [عليه السلام] قوله وما أشار به على بني زهرة عجب من ذلك، ففيه نزلت: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ الآية. ثم إنه بعد ذلك قدم على النبي [عليه السلام] فأظهر المحبة للإسلام، وحلف أنه ما قدم إلا لذلك، وأنه صادق في قوله، فأعجب النبي [عليه السلام] منه ذلك وكان يبطن الغش والنفاق، فلما خرج أفسد زَرْعَ الناس بالنار وأهلك مواشيهم، فذلك قوله: ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ﴾ أي: بالنار والنسل. وروي أنه عقر حمراً، وفيه نزلت: ﴿ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١]. وفيه نزلت: ﴿وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] إلى ﴿ٱلْخُرْطُومِ﴾ [القلم: ١٦]، لأنه حلف أنه ما قدم إلا رغبة في الإسلام وأنه صادق في يمينه، فقال الله عز وجل: ﴿وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ﴾ أي أنه صادق فيه قوله.
* *
وقوله: ﴿أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ﴾. أي شديد الخصومة.
وقيل: معناه أنه كاذب في قوله.
والخصام مصدر "خاصم".
وقال الزجاج والقتبي: "هو جمع خصم. يقال: خصم، وخصوم وخصام".
وعن ابن عباس أنه قال: "نزلت في السرية التي أصيبت للنبي عليه السلام تكلم قوم من المنافقين فيها، فأخبر الله عن اختلاف سريرتهم وعلانيتهم".
وقيل: إن الآية عامة في كل منافق أخبر الله أنه يقول بلسانه ما لا يعتقد بقلبه. وقد قال في موضع آخر، ﴿وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤا آمَنَّا﴾ [البقرة: ١٤]، وقال: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩]. فأخبر الله أنه يشهد على ما في قلبه. يريد أنه يقول ما يقول، ويستشهد بالله أنه صادق في قوله؛ يقول: الله يشهد أني صادق فيما أقول وهو كاذب. فأخبرنا الله تعالى أنه شديد الخصومة، وأنه إذا تولى سعى في الأرض بالفساد الذي هو سبب هلاك زرع الناس لأنه إذا أفسد اشتغل بالحرب والقتال عن الزرع، وإذا لم يكن زرع لم تجد البهائم ما تأكل، فيذهب النسل وقوله: ﴿وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ﴾. أي يقول: اللهم إنك تشهد أني صادق: "وهو كاذب". وقرأ ابن محيصن: "ويَشْهَدُ اللهُ" بفتح الياء، ورفع الاسم على معنى: [والله] يشهد أنه كاذب في قوله.
وقيل: معنى، ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ﴾ إذا غضب، فعل ذلك.
وقال مجاهد: "إنه إذا أفسد وتعدى، كان ذلك سبب إمساك الله القطر، وإمساكه هلاك الحرث والبهائم، وقرأ مجاهد: ﴿ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ﴾ [الروم: ٤١].
وقرأ الحسن وقتادة: ﴿وَيُهْلِكَ﴾ بالرفع عطفاه على يُعْجِبُكَ.
وقال أبو حاتم: "عطف على ﴿سَعَىٰ﴾، أي يسعى ويهلك، وقال الزجاج: "معناه: وهو يهلك".
وعن ابن كثير أنه قرأ: "ويهلك" بفتح الياء والنصب، الحرث والنسل بالرفع. ومثل الجماعة أشهر عنه.
البقرة 2:207
قوله: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ الآية.
أي يبيع نفسه من أجل مرضاة الله، ونزلت في المهاجرين والأنصار المجاهدين منهم.
وقال عكرمة: "نزلت في صهيب بن سنان وأبي ذر الغفاري وهو جندب ابن السكن خرجوا مهاجرين وطلبهم أهلوهم، فأما أبو ذر فانفلت منهم، وأما صهيب فأخذه أهله، وافتدى بأهله وماله من مولاه وكان مملوكاً لزيد بن جدعان. وروي أنه كان يعرف بالرومي وأصله من العرب، وإنما سمي بذلك لأنه سبي وهو صغير، فسار إلى الشام، فتغير لسانه ثم صار مملوكاً لزيد بن جدعان، فلما أمر النبي [عليه السلام] بالهجرة آمن وافتدى من مولاه بماله كله، وخلى سبيله ، فخرجت بنو تميم في طلبه، فلما أدركوه أخذ قوسه وخوفهم من قبله، وتواعدهم، فخافوا رميه ونبله وكان رامياً مجوداً فرجعوا وتركوه، فلما وصل المدينة قال له عمر: "ربح بيعك لا تقيل ولا تقال". وشهد بدراً، ففيه نزلت ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ﴾ الآية. فيشري على هذا القول بمعنى يشتري، وعلى القول الأول بمعنى "يبيع".
وقال الربيع: "نزلت في رجل منع الخروج إلى النبي [ﷺ] فافتدى منهم بداره وماله، وخلوه فخرج إلى النبي عليه السلام فلقيه عمر في رجال فقال: ربح بيعك، قال: وبيعك، فلا خَسِر، فما ذاك؟ قال له: أنزل فيك كذا وكذا".
وقيل: نزلت الآية في رجل مسلم حمل على المشركين، بسيفه غضباً لله إذ سمع الكفر به من رجل من المشركين، فقاتل حتى قتل.
فيشري على هذا بمعنى يبيع.
وقيل: نزلت في رجل مسلم قال لمشرك: قل: لا إله إلا الله. فأبى أن يقولها، فقال المسلم: والله لأشرين نفسي من الله"، أي لأَبِيعَنَّهَا، ثم تقدم فقاتل حتى قتل رحمه الله.
وقال ابن المسيب: "أقبل صهيب مهاجراً فاتَّبعه نفر من المشركين. فنزل عن راحلته وانتثر ما في كنانته، وقال: يا معشر قريش، لقد علمتم أني من أرماكم رجلاً وأَيْمُ الله، لا تصلون إلي حتى أرمي بما في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم. فعاهدوه على أن يدلهم على بيته وماله بمكة ويدعوه ففعل، وقدم على النبي [عليه السلام] فقال له: أبا يحيى، ربح البيع، فأنزل الله ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ﴾ الآية.
وقيل: إنه عني بها كل من باع نفسه من الله، روي ذلك عن عمر وغيره. وهو أولى بظاهر الآية عند الطبري وغيره.
البقرة 2:208
قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ﴾.
قال ابن عباس: "السِّلْمُ - بالكسر - الإسلام", وهو قول أبي عمرو.
وَالسَّلْمُ - بالفتح - المسالمة والصلح. فعلى هذا يكون الكسر هنا أقوى وأحسن لأن الخطاب للمؤمنين، فليس للصلح وجه. وأهل اللغة يسوون بينهما، قاله الكسائي وغيره، ومعنى أمره إياهم بالدخول في الإسلام وهم مؤمنون على قول الضحاك، إنه إنما خاطب من آمن بالأنبياء أن يؤمنوا بمحمد [عليه السلام].
وقال عكرمة: "نزلت في ابن سلام وابني كعب: أسد وأسيد، قالوا بعد إسلامهم لرسول الله [عليه السلام]: إن السبت كان مفروضاً فأذن لنا أن نسبت وإن التوراة كتاب الله، فأذن لنا أن نحكم بها فأنزل الله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ﴾، أي في الإسلام.
﴿كَآفَّةً﴾: أي في جميعه، فيكون "﴿كَآفَّةً﴾" على هذا القول حالاً من السلم.
وقيل: هي مخاطبة لجميع من آمن بمحمد ﷺ، ومعناها: ادخلوا في جميع شرائع الإسلام وحدوده.
وقيل: نزلت في عبد الله بن سلام كان يقيم شرائع التوراة وشرائع القرآن، فأنكر ذلك [عليه المسلمون]، فقال: أنا أقوى على هذا، فنزلت الآية فترك ما كان عليه ورجع إلى شرائع الإسلام وما في القرآن.
واختار الطبري قراءة الكسر في السلم.
ويختار أن يكون مخاطبة للمؤمنين بمحمد [عليه السلام] وأن الصلح لا معنى له على هذا، واختار ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ﴾ [الأنفال: ٦١] لأنهم دعوه إلى الصلح، وليس في القرآن موضع أمر الله فيه المؤمنين بأن يبتدئوا بالصلح، إنما أمرهم بذلك إذا بدأهم به المشركون ورغبوا فيه، فلذلك يختار الكسر في البقرة لأنا لو فتحنا لأوجبنا أن الله أمر المؤمنين أن يبدأوا المشركين بالصلح، ويختار الفتح في "الأنفال" لأنه قال: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ﴾ [الأنفال: ٦١] أي ابتدأوا وطلبوا ذلك منكم، فافعل ما سألوا وتوكل على الله.
وإذا كان التأويل أن المؤمنين بمحمد ﷺ أمروا بذلك أو بعضهم، فيكون ﴿كَآفَّةً﴾ حالاً من السلم على معنى: "ادخلوا في الشرائع كافة"، أي في جميعها. وإذا كان التأويل أن المؤمنين بالأنبياء - صلوات الله عليهم - الذين لم يؤمنوا بمحمد ﷺ، أمروا بالإيمان لمحمد ﷺ، فيكون "كافة" حالاً من المأمورين، أي ادخلوا جميعاً.
وقال ابن عباس: "هم أهل الكتاب أمروا بالإيمان بمحمد ﷺ بالدخول في شرائعه".
ومعنى "كافة" الإحاطة والعموم، من "كَفَفْتُ فلاناً عن كذا"، منعته، ومنه "رجل مَكْفٌوفٌ" أي ممنوع من النظر، ومنه "كَفَّةٌ الميزان" لأنها تَكُفُّ الأخرى، أي تمنعها من أن تميل بها. ومنه سمي الْكَفُّ لأنه يمتنع بها.
فمعناه على هذا إذا جعلت حالاً من الضمير: لا يمتنع منكم أحد أن يكف بعضهم بعضاً من الامتناع.
ومن جعله حالاً من "السلم"، فمعناه: تمنعكم هذه الشرائع من اتباع غيرها.
قوله : ﴿خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ﴾. أي آثاره.
وقال الضحاك: "هي الخطايا التي يأمر بها".
البقرة 2:209
قوله: ﴿فَإِن زَلَلْتُمْ﴾. أي أخطأتم. وقيل: ضللتم.
وقال ابن عباس: "هو الشرك".
والبينات محمد ﷺ والقرآن.
* *
وقوله: ﴿عَزِيزٌ﴾ أي ذو عز لا يمنعه من الانتقام منكم مانع ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما يفعله بكم من العقوبة على زللكم بعد إقامة الحجة وظهور البراهين.
البقرة 2:210
قوله: ﴿فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ﴾.
مَن خَفَضَ "الملائكة" عَطَفَ على "﴿ظُلَلٍ﴾".
وقال أبو إسحاق: "هي عطف على الْغَمَامِ"، وهي قراءة أبي جعفر، وقراءة الجماعة [بالرفع على العطف] على الاسم المرفوع بعد "يَأتِيَهُمْ".
وقرأ أبو جعفر "فِي ظُلالٍ وَقَضَاءِ الأَمْرِ" بالمد والخفض.
وفي قراءة أبي: "إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ وَالْغَمَامُ فِي ظلل مِنَ المِلاَئِكَةِ".
وهذا الإتيان عند أكثرهم يوم القيامة يكون.
وقال قتادة: "ذلك عند الموت". وهو قول شاذ.
وقيل: معنى ﴿فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ﴾، "بظلل"، ففي بمعنى "الباء". وهذا قول حسن بَيِّن.
قال عكرمة: ﴿ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ﴾ "طاقات منه والملائكة حوله".
وأكثر أهل التفسير على أن في الكلام تقديماً وتأخيراً في قراءة من رفع الملائكة، والمعنى: إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام. قالوا: والرب يأتي كيف شاء، و ﴿فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ﴾ من حال الملائكة. وجماعة منهم على أنه تعالى يأتي في ظلل من الغمام، وتأتي الملائكة كيف شاء. وهذا اختيار الطبري.
وروى ابن عباس عن النبي [عليه السلام] أنه قال: "إن الغمامة [طاقات يأتي الله جل وعز] فيها محفوفاً
قال أبو محمد رضي الله عنه: [ويجب] أن تعتقد أن صفات الله جل ذكره بخلاف صفات المخلوقين، فلا تعتقد إلا أن الإتيان والمجيء من الله تبارك وتعالى صفة وصف بها نفسه لا إتيان انتقال وتغير حال، تعالى الله عن ذلك.
وقد قدره قوم على حذف كأنه "إلا أن يأتيهم أمر الله".
وقيل: معناه: ثواب الله وعقابه.
وهذا كله توعد لمن تقدم ذكره من التاركين للدخول في الإسلام ولسعيهم بالفساد في الأرض.
ومعنى: ﴿وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ﴾: فرغ منه.
* *
قوله: ﴿وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ﴾.
أعلمنا تعالى برد الحساب والعقاب إليه والأمور الآن وفي كل وقت إليه مصيرها، وبيده تصرفها، وعن مراده كونها. وإنما خص ذلك الوقت بالذكر لأنه وقت لا يدعي فيه أحد أمراً ولا نهياً ولا ملكاً ولا مقدرة، والدنيا فيها الجبارون والكافرون يدعون ذلك لأنفسهم، والآخرة لا يدعي فيها أحداً شيئاً، فلذلك خص الله رد الأمور إليه في الآخرة مع كونها مردودة إليه في الدنيا.
البقرة 2:211
قوله: ﴿سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ الآية.
كتبوا في المصحف ﴿نِعْمَةَ ٱللَّهِ﴾ هاهنا بالهاء، وكذلك في سائر القرآن إلا أحد عشر موضعاً كتبت بالتاء:
في البقرة: ﴿وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ [٢٣١].
وفي آل عمران ﴿وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ﴾ [١٠٣].
وفي المائدة: ﴿ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ﴾ [١١].
وفي إبراهيم: ﴿نِعْمَةَ ٱللَّهِ كُفْراً﴾ [٢٨].
وفيها: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾ [٣٤].
وفي النحل: ﴿وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ [٧٢].
وفيها: ﴿نِعْمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾ [٨٣].
وفيها ﴿وَٱشْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ﴾ [١١٤].
وفي لقمان: ﴿تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِنِعْمَةِ ٱللَّهِ﴾ [٣١].
وفي فاطر: ﴿نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ﴾ [٣].
وفي: والطور: ﴿فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ [٢٩].
والأصل في جميعها التاء، ولكن من وقف بالهاء فإنما ذلك للفرق بين الأفعال والأسماء نحو "قامت" و "شجرة".
[وقال] سيبويه: فعل ذلك للفرق بين التاء الأصلية والملحقة والزائدة في "العنت" و "ألفت"، و "عفريت"، و "ملكوت" و "شجرة". وهذه هي التاء الزائدة. ولغة طيء الوقف بالتاء.
وقال الفراء: "من وقف بالتاء، أراد الوصل، ومن وقف بالهاء أراد الوقف الصحيح". وأنكر ذلك ابن كيسان وغيره.
[وكل ما] كتب منه بالتاء، فمذهب المدنيين الوقف بالتاء على ما في المصحف. ومذهب أبي عمرو والكسائي وخلف وابن كيسان الوقف بالهاء على الأصل المشهور وقد قال ابن كيسان: "من وقف بالتاء فإنما نوى أصلها لأن أصلها التاء".
* *
وقوله: ﴿كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾.
يعني العصا وانفجار الحجر وانفلاق البحر ونحوه، ثم كفروا بعد ذلك وبدلوا هذه النعم، فأمر الله نبيه عليه السلام بالصبر وأخبره بفعل من قبله في سالف الدهر، وقال له: سلهم كم أعطوا من الآيات ثم لم ينفعهم ذلك.
* *
ومعنى ﴿وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ﴾ أي: من يغير ما عاهد الله عليه من قبول ما جاء به محمد ﷺ من الإسلام فيكفر، فإن الله يعاقبه.
البقرة 2:212
قوله: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ الآية.
أخبرنا الله تعالى أنه زين لهم حب الدنيا واتباعها، وأنهم يسخرون ممن اتبع الآخرة، وذلك أنهم قالوا: "لو كان محمد نبياً لاتبعه أشرافنا، وما نرى اتبعه إلا أهل الحاجة".
وقال الزجاج: "معنى ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي زينها لهم إبليس لأن الله تعالى قد زهد فيها".
وقيل: معناه خلق الأشياء الحسنة المعجبة، فنظر إليها الكفار بأكثر من مقدارها، ومثله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ﴾ [آل عمران: ١٤].
* *
قوله: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
قال قطرب: "معناه يعطي العدد، لا من عدد أكثر منه، فيوجب بذلك بقاء الكثير".
وقيل: معناه أن ثمة أشياء لا يحاسب بها ويغفرها.
وقيل معناه: ليس يرزق المؤمن على قدر إيمانه، والكافر على قدر كفره، أي ليس يرزق في الدنيا على قدر العمل.
وقيل: معناه: بغير محاسبة أي ما يخاف أحداً ، يحاسبه عليه.
وقيل: معناه: بغير حسبان للمعطي. أي يعطيه من حيث لا يحتسب.
البقرة 2:213
قوله: ﴿كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً﴾ الآية.
الأمة هنا في قول ابن عباس وعكرمة: من كان بين آدم ونوح، وهم عشرة قرون، وكانوا على دين من الحق، ثم اختلفوا بعد ذلك، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين. قال ذلك ابن عباس وغيره. وأول من بعث الله نوحاً عليه السلام.
والأمة هنا معناها الأمم، ودل الواحد على الجماعة. وأصل الأمة الجماعة [تجتمع على دين] واحد، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المائدة: ٤٨] أي على دين واحد.
وقيل: معناه: كان آدم وحواء عليهما السلام أمة واحدة في الطاعة. وسميا بالجماعة لأنهما أصل لها.
وقال أبي بن كعب: "معناه كان جميع الخلق أمة واحدة إذ استخرجهم من [صلب آدم] وقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ﴾ [الأعراف: ١٧٢]. فأقروا كلهم فكانوا كلهم أمة واحدة مسلمين، ثم اختلفوا إذ ظهروا إلى الدنيا فبعث الله النبيين مبشرين من أقام على عهده بالجنة. ومنذرين من خالف ما عهدَهُ إليه بالنار".
وقال ابن زيد عن أبيه" لم يكن الناس أمة واحدة قط، إلا حين أخرجهم الله من ظهر آدم ﷺ".
وقيل: الناس هنا: نوح ومن كان معه في السفينة.
وروي عن ابن عباس أيضاً أنه قال: "كانوا على الكفر فبعث الله النبيين".
* *
قوله: ﴿وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ﴾.
أي لم يختلف في التوراة إلا الذين نزلت عليهم.
﴿مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ﴾ الآية.
أي الحجج أنه من عند الله، فكان خلافهم تعمداً للبغي بينهم لحب الدنيا وملكها والتنافس فيها فبغى بعضهم على بعض، وقتل بعضهم بعضاً على ذلك.
وقال زيد بن أسلم: "اختلفوا في يوم الجمعة؛ فاتخذ اليهود السبت، والنصارى الأحد، فهدى الله أمة محمد ليوم الجمعة. واختلفوا في القبلة؛ فاستقبلت النصارى المشرق، واليهود بيت المقدس، وهدى الله أمة محمد صلى الله عليه [وسلم] للقبلة. واختلفوا في الصلاة؛ فمنهم من يركع ولا يسجد، ومنه من يسجد ولا يركع ومنهم من يصلي ويتكلم، ومنهم من يصلي وهو يمشي، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في الصيام؛ فمنهم من يصوم بعض النهار، ومنهم من يصوم عن بعض الطعام، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في إبراهيم ﷺ؛ فقالت اليهود: كان يهودياً، وقالت النصارى: كان نصرانياً، وجعله الله حنيفاً مسلماً، فهدى الله أمة محمد ﷺ للحق من ذلك، واختلفوا في عيسى ﷺ؛ فكفرت به اليهود، وقالوا في أُمِّهِ بهتاناً عظيماً، وجعلته النصارى إلهاً وولداً، وجعله الله روحه وكلمته، فهدى الله أمة محمد ﷺ للحق من ذلك".
والبغي: الاعتداء والطغيان، يقال للبحر إذا فاض وكثر ماؤه: "بَغَى الْبَحْرُ" أي طغى. وتقدير الكلام: وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه بغياً بينهم من بعد ما جاءتهم البينات.
وقد أنكر هذا قوم لأن المصدر لا يتقدم عليه ما تعلق به، وهذا الاعتراض لا يلزم لأن "من" متعلقة "بأُوتُوهُ" لا "بالبغي".
ومعنى: ﴿وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَٰبَ﴾ أي الكتب.
* *
قوله: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ﴾.
أي ليحكم الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه بما فيه.
وقرأ الجحدري. "لِنَحْكُمَ" بالنون.
وقالوا أبو إسحاق: "معنى ﴿وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ﴾. أي في النبي محمد ﷺ ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ﴾، أي أعطوا علم نبوته، فعلوا ذلك للبغي.
* *
قوله: ﴿فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾.
أي هداهم الله لمعرفة ما اختلفوا فيه من الحق إذ هداهم للإيمان بما اختلف فيه الأولون من الحق.
قال النبي ﷺ: "نَحْنُ الآخِرُونَ الأَوَّلُون يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ نَحْنُ أَوَّلُ النَّاسِ دُخُولاً الجَنَّة بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُو الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ فَهَدَانَا اللهُ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِهِ "فَهَذا اليّوْم الذِي هَدَانَا اللهُ لَهُ وَالنّاس لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، غداً لليهود، وبعد غَدٍ لِلنَّصَارى
وهذا الاختلاف الذي هدى الله المؤمنين إليه، ووفقهم لإصابته وهي الجمعة ضلوا عنها، وقد فرضت عليهم كما فرضت علينا فجعلوها السبت، وجعلها النصارى الأحد.
وقال ابن زيد: "اختلفوا في الصلاة؛ فمنهم من صلى إلى المشرق، ومنهم من صلى إلى بيت المقدس، فهدانا الله إلى الكعبة. واختلفوا في الصيام؛ فمنهم من يصوم بعض يوم، ومنهم من يصوم بعض ليلة، فهدانا الله له. واختلفوا في الجمعة؛ فأخذ اليهود السبت، وأخذ النصارى الأحد، فهدانا الله له. واختلفوا في إبراهيم ﷺ؛ فقالت اليهود: كان يهودياً، وقالت النصارى: كان نصرانياً، فهدانا الله إلى أنه كان حنيفاً مسلماً، وكذلك اختلفوا في عيسى ﷺ؛ فهدانا الله لجميع ذلك على الحق بمحمد ﷺ".
وهذا عند أكثر أهل العلم فيه قلب، والمعنى: فهدى الله الذين آمنوا للحق مما اختلفوا فيه، كما قال:
؎ كَانَ الزِّنَا فَرِيضَةَ الرَّجْمِ
فالهداية إنما هي للحق، ولم يهدهم للاختلاف.
وظاهر الآية يعطي الهداية للاختلاف لأنه قال: ﴿فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلْحَقِّ﴾. ولكن الكلام فيه قلب أتى على لغة العرب وعادتها في كلامها. وهذا قول الطبري واختياره.
وقد قيل: إن المعنى: إن الله هداهم للاختلاف أنه باطل، فآمنوا بما كفر به غيرهم.
البقرة 2:214
قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ﴾ الآية.
"أم" للخروج من حديث إلى حديث.
وقال الطبري: "أم" للاستفهام، ومعنى اللام "أحسبتم". قال: وإنما تكون "أم" للاستفهام إذا تقدمها كلام، فإن لم يتقدمها كلام لم تقع كذلك".
* *
قوله: ﴿حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ﴾.
النصب فيه على الغاية كأنك قلت: "وزلزلوا إلى أن يقول الرسول". فيكون الفعلان قد مضيا. ويجوز النصب في غير القرآن على أن تجعل الثاني من أجله وقع الأول، كأنك قلت: "كي يقول"، فالأول حدث كي يكون الثاني، ولا يحسن هذا في الآية.
والرفع في الآية على أن يكون ما بعدها جملة لا تعمل "حتى" فيه، أي "وزلزلوا، فقال الرسول"، ويكون الفعلان أيضاً مضيا أي حتى هذه حال الرسول، ويجوز الرفع في الكلام على أن يكون الأول قد مضى، والثاني في الحال؛ تقول: "سرت حتى أدخلها" أي حتى أنا الآن أدخلها، فالسير مضى، والدخول الآن، ولا يجوز هذا في الآية.
وقال أبو عمرو: "لما اختلف الفعلان في الآية، كان الوجه في الثاني النصب".
* *
قوله: ﴿أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ﴾.
يجوز في "قريب" النصب على أنه نعت لظرف محذوف. ولا يثنى قريب ولا يجمع ولا يؤنث إلا أن يكون للنسب والقرابة، فيجوز ذلك فيه.
ومعنى الآية: أحسبتم أيها المؤمنون أن تدخلوا الجنة ولم يصبكم مثل ما أصاب من كان قبلكم من اتباع الأنبياء من الشدائد والخوف حتى قال الرسول والذين معه: ﴿مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ﴾، كأنهم استبطأوا النصر فأخبرهم الله تعالى أن نصر الله قريب.
وقيل: إن في الآية تقديماً وتأخيراً وحذفاً للاختصار والتقدير: وزلزلوا حتى يقولوا؟ ﴿مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ﴾، ويقول لهم الرسول: ﴿أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ﴾ استبطأوا النصر وزاد عليهم الخوف، فقالوا: متى نصر الله؟ فقال لهم الرسول: ﴿أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ﴾.
فقوله: ﴿أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ﴾ من قول الرسول، وقوله: ﴿مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ﴾ من قول المؤمنين من أمة الرسول.
وهذه الآية في قول السدي وقتادة نزلت يوم الخندق حين اشتد على المؤمنين أمر الأحزاب وآذاهم البرد وضيق العيش، وفيه نزل: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ [الأحزاب: ٩] إلى ﴿قَدِيراً﴾ [الأحزاب: ٢٧].
قال السدي: [اشتد على المؤمنين الأمر] حتى قال قائلهم: ﴿مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً﴾ [الأحزاب: ١٢]. يريد قاله بعض المنافقين.
﴿وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ [الأنفال: ٤٩]. أي شك. قالوا ذلك أيضاً كذلك حكى الله عنهم في سورة الأحزاب. وقيل: "إنها نزلت في المهاجرين إذ تركوا أموالهم ودورهم بمكة، فحكم فيها المشركون، فضاقت بهم الحال في المدينة فَآخَى النبي [عليه السلام] بينهم وبين الأنصار فَوَاسَوْهُمْ فنزلت الآية تعزية لهم وتصبيراً.
وذكر وهب بن منبه: "أن سبعين نبياً دفنوا في مسجد الخيف، كلهم ماتوا من الجوع والقمل".
وقال النبي [ﷺ]: سأل نبي من الأنبياء سعة الرزق فأوحى الله إليه: (أَمَا يَكْفِيكَ أَنِّي عَصَمْتُكَ مِنَ الْكُفْرِ)
فلو رضيَ اللهُ الدنيا لأحد من أوليائه ما نال منها الكافر جرعة ماء، ولكن الله لم يجعلها ثواباً لمؤمن ولا عقاباً لكافر.
* *
قوله: ﴿ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ﴾ الفقر والمرض.
وقيل: القتل والفقر.
وقال القتبي: "البأساء: الشدة، والضراء: البلاء".
* *
ومعنى ﴿وَزُلْزِلُواْ﴾ خوفوا وحركوا.
وأصله من "زال الشيء من مكانه". ومعنى "زلزلته" كررت زلزلته.
البقرة 2:215
قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾.
سأل أصحاب النبي [عليه السلام] على من ينبغي أن يفضلوا، فأنزل الله الآية، وهذا قبل أن تفرض الزكاة.
وقيل: هي منسوخة بالزكاة.
وقيل: هي محكمة فيها صفة أين يوضع التطوع، والزكاة مفروضة على بابها.
وهذه الآية تدل على أن النفقة على الوالدين من الصدقة.