Tafsir Makhi — يوسف 12:1 – يوسف 12:111
المحتويات
- يوسف 12:1
- يوسف 12:2
- يوسف 12:3
- يوسف 12:4
- يوسف 12:5
- يوسف 12:6
- يوسف 12:7
- يوسف 12:8
- يوسف 12:9
- يوسف 12:10
- يوسف 12:11
- يوسف 12:12
- يوسف 12:13
- يوسف 12:14
- يوسف 12:15
- يوسف 12:16
- يوسف 12:17
- يوسف 12:18
- يوسف 12:19
- يوسف 12:20
- يوسف 12:21
- يوسف 12:22
- يوسف 12:23
- يوسف 12:24
- يوسف 12:25
- يوسف 12:26
- يوسف 12:27
- يوسف 12:28
- يوسف 12:29
- يوسف 12:30
- يوسف 12:31
- يوسف 12:32
- يوسف 12:33
- يوسف 12:34
- يوسف 12:35
- يوسف 12:36
- يوسف 12:37
- يوسف 12:38
- يوسف 12:39
- يوسف 12:40
- يوسف 12:41
- يوسف 12:42
- يوسف 12:43
- يوسف 12:44
- يوسف 12:45
- يوسف 12:46
- يوسف 12:47
- يوسف 12:48
- يوسف 12:49
- يوسف 12:50
- يوسف 12:51
- يوسف 12:52
- يوسف 12:53
- يوسف 12:54
- يوسف 12:55
- يوسف 12:56
- يوسف 12:57
- يوسف 12:58
- يوسف 12:59
- يوسف 12:60
- يوسف 12:61
- يوسف 12:62
- يوسف 12:63
- يوسف 12:64
- يوسف 12:65
- يوسف 12:66
- يوسف 12:67
- يوسف 12:68
- يوسف 12:69
- يوسف 12:70
- يوسف 12:71
- يوسف 12:72
- يوسف 12:73
- يوسف 12:74
- يوسف 12:75
- يوسف 12:76
- يوسف 12:77
- يوسف 12:78
- يوسف 12:79
- يوسف 12:80
- يوسف 12:81
- يوسف 12:82
- يوسف 12:83
- يوسف 12:84
- يوسف 12:85
- يوسف 12:86
- يوسف 12:87
- يوسف 12:88
- يوسف 12:89
- يوسف 12:90
- يوسف 12:91
- يوسف 12:92
- يوسف 12:93
- يوسف 12:94
- يوسف 12:95
- يوسف 12:96
- يوسف 12:97
- يوسف 12:98
- يوسف 12:99
- يوسف 12:100
- يوسف 12:101
- يوسف 12:102
- يوسف 12:103
- يوسف 12:104
- يوسف 12:105
- يوسف 12:106
- يوسف 12:107
- يوسف 12:108
- يوسف 12:109
- يوسف 12:110
- يوسف 12:111
يوسف 12:1
قوله تعالى: ﴿الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ إلى قوله ﴿سَاجِدِينَ﴾
قد تقدم الكلام في ﴿الۤر﴾. و ﴿تِلْكَ﴾ عند الطبري بمعنى "هذه". والمعنى: تلك آيات الكتاب المبين: "حلاله وحرامه، ورشده وهُداه".
﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ﴾ الهاء تعود على خبر يوسف، وهو اختيار النحاس، وغيره. أي:
إنا أنزلنا خبر يوسف، وذلك أن اليهود سألوا النبي، ﷺ: لِمَ انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر، وعن خبر يوسف. فأنزل الله، (عز وجل) هذا بمكة موافقاً لما في التوراة، وفيه زيادة ليس عندهم.
وقيل: إن "الهاء" تعود على الكتاب المبين، وهو القرآن. ومعنى: ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ آية: أي: مجموعاً، مبيناً عربياً. ﴿لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: أي: ﴿تَعْقِلُونَ﴾: أن محمداً ﷺ إذا أتاكم بأخبار الغيب، وهو ممن لا يقرأ كتاباً.
وقيل: معناه: إنه أنزله عربياً لينقطع عذر العرب، إذ نزل بلسانهم، فمعنى: (تعقلون): أي: لتعقلوا ما أنزل عليكم، ولا عذر لكم في ترك فهمه، إذ هو بلسانكم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ﴾: أي: نحن نخبرك يا محمد عن (الـ)أمم الماضية، والقرون السالفة أحسن الخبر، وأصحَّهُ. وما كنت يا محمد من قبل أن ينزل عليك هذا ﴿ٱلْقُرْآنَ وَإِن﴾ من الغافلين عن هذه القصص، والأخبار. وقيل: معنى نقص: نبين.
وقال ابن عباس: قال أصحاب النبي ﷺ، (له): لو قصصت علينا فنزلت: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ﴾.
وروي أن أصحاب النبي ﷺ، ملُّوا ملَّة. فقالوا:
يا رسول الله! حدثنا. فأنزل الله عز وجل: ﴿ٱللَّهُ﴾ [الزمر: ٢٣] ﴿نَزَّلَ﴾ [الزمر: ٢٣] ﴿أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً﴾ [الزمر: ٢٣].
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يٰأَبتِ﴾، العامل في "إذ" الغافلين.
وقرأ طلحة بن مصرف ﴿يُوسُفُ﴾ بالهمزة وكسر السين.
وحكى ابن زيد: يؤسف بالهمزة، وفتح السين. والوقف عند سيبويه وأصحابه على "يا أبه" بالهاء، لأن الهاء بدل من الياء التي للإضافة. ومذهب الفراء: الوقف بالتاء، لأن الياء عنده في النية.
ومن فتح التاء، فلأنها (أ) شبهت بالهاء التي هي علامة التأنيث، كما قال الشاعر: ؎ كليني لهم يا أميمة ناصب ∗∗∗ وهذا مذهب سيبويه.
وقال قُطْرُب: وهو أحد قولي الفراء، لأن الأصل: يا أبتا(ه)، ثم حذفت الألف. ويكون الوقف على قول سيبويه بالهاء، وهو قول الفراء الآخر.
والندبة في هذا لا يجوز، إذ ليس هو من مواضعها. والعلة التي من أجلها دخلت الهاء في هذا أن قولك: "أبوان": تثنية الأب. واللام يوجب أن يكون يستعمل (أب وأبت) كما أن قولك: "والدان" للأب والأم يُوجب: "والد، ووالدة". فلما لم يستعمل "أبِهِ" استغنى باللام - استعمل ذلك في النداء في "الأب"، وأَجْرُوه مجرى ما وصف فيه المذكر مما فيه الهاء نحو: "علامة وَنَسَّابة.
وقال الفراء: إنما هي الهاء التي تزاد في الوقت، أكثر بها الكلام فنبهت بهاء التأنيث.
قرأ الحسن، أبو جعفر "أحد عْشْر" بإسكان العين لكثرة الحركات.
وقال: رأيتهم لأنه أخبر عنها بالسجود، وهو فعل من يعقل، ومثله: ﴿ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨] و ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣].
وقيل: لما كان تفسير ذلك واقعاً على إخوة يوسف، وأبيه، وخالته، أخبر عنهم، بالهاء والميم. وذلك حقهم في الحكاية، والإخبار عنهم.
قال ابن عباس: كانت الرؤيا فيهم وحياً. والأحد عشر هم: أخوة يوسف، والشمس أمه، والقمر أبوه. هذا قول ابن عباس، وغيره.
ويروى أن رؤيا يوسف كانت ليلة الجمعة، وكانت ليلة القدر، فأشفق يعقوب أن يحسده إخوته على ذلك. فنهاه أن يقصَّها عليهم.
وقال قتادة، وغيره: الشمس خالته، والقمر أبوه. وظهرت رؤيا يوسف عليه السلام، بعد رؤيتها بأربعين سنة.
وقد روي أن يعقوب، عليه السلام، فسر الرؤيا: تأول الأحد عشر كوكباً: أحد عشر نفساً، لهم فضل يستضاء بهم، وهم إخوة يوسف، وتأوّل الشمس، والقمر: أبويه، فتأوّل أن يوسف يكون نبياً، وأن إخوته يكونون أنبياء، لأن الله، عز وجل، أعلمهم أنه يتم نعمته عليه، وعلى أبويه.
يوسف 12:2
قوله تعالى: ﴿الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ إلى قوله ﴿سَاجِدِينَ﴾
قد تقدم الكلام في ﴿الۤر﴾. و ﴿تِلْكَ﴾ عند الطبري بمعنى "هذه". والمعنى: تلك آيات الكتاب المبين: "حلاله وحرامه، ورشده وهُداه".
﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ﴾ الهاء تعود على خبر يوسف، وهو اختيار النحاس، وغيره. أي:
إنا أنزلنا خبر يوسف، وذلك أن اليهود سألوا النبي، ﷺ: لِمَ انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر، وعن خبر يوسف. فأنزل الله، (عز وجل) هذا بمكة موافقاً لما في التوراة، وفيه زيادة ليس عندهم.
وقيل: إن "الهاء" تعود على الكتاب المبين، وهو القرآن. ومعنى: ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ آية: أي: مجموعاً، مبيناً عربياً. ﴿لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: أي: ﴿تَعْقِلُونَ﴾: أن محمداً ﷺ إذا أتاكم بأخبار الغيب، وهو ممن لا يقرأ كتاباً.
وقيل: معناه: إنه أنزله عربياً لينقطع عذر العرب، إذ نزل بلسانهم، فمعنى: (تعقلون): أي: لتعقلوا ما أنزل عليكم، ولا عذر لكم في ترك فهمه، إذ هو بلسانكم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ﴾: أي: نحن نخبرك يا محمد عن (الـ)أمم الماضية، والقرون السالفة أحسن الخبر، وأصحَّهُ. وما كنت يا محمد من قبل أن ينزل عليك هذا ﴿ٱلْقُرْآنَ وَإِن﴾ من الغافلين عن هذه القصص، والأخبار. وقيل: معنى نقص: نبين.
وقال ابن عباس: قال أصحاب النبي ﷺ، (له): لو قصصت علينا فنزلت: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ﴾.
وروي أن أصحاب النبي ﷺ، ملُّوا ملَّة. فقالوا:
يا رسول الله! حدثنا. فأنزل الله عز وجل: ﴿ٱللَّهُ﴾ [الزمر: ٢٣] ﴿نَزَّلَ﴾ [الزمر: ٢٣] ﴿أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً﴾ [الزمر: ٢٣].
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يٰأَبتِ﴾، العامل في "إذ" الغافلين.
وقرأ طلحة بن مصرف ﴿يُوسُفُ﴾ بالهمزة وكسر السين.
وحكى ابن زيد: يؤسف بالهمزة، وفتح السين. والوقف عند سيبويه وأصحابه على "يا أبه" بالهاء، لأن الهاء بدل من الياء التي للإضافة. ومذهب الفراء: الوقف بالتاء، لأن الياء عنده في النية.
ومن فتح التاء، فلأنها (أ) شبهت بالهاء التي هي علامة التأنيث، كما قال الشاعر: ؎ كليني لهم يا أميمة ناصب ∗∗∗ وهذا مذهب سيبويه.
وقال قُطْرُب: وهو أحد قولي الفراء، لأن الأصل: يا أبتا(ه)، ثم حذفت الألف. ويكون الوقف على قول سيبويه بالهاء، وهو قول الفراء الآخر.
والندبة في هذا لا يجوز، إذ ليس هو من مواضعها. والعلة التي من أجلها دخلت الهاء في هذا أن قولك: "أبوان": تثنية الأب. واللام يوجب أن يكون يستعمل (أب وأبت) كما أن قولك: "والدان" للأب والأم يُوجب: "والد، ووالدة". فلما لم يستعمل "أبِهِ" استغنى باللام - استعمل ذلك في النداء في "الأب"، وأَجْرُوه مجرى ما وصف فيه المذكر مما فيه الهاء نحو: "علامة وَنَسَّابة.
وقال الفراء: إنما هي الهاء التي تزاد في الوقت، أكثر بها الكلام فنبهت بهاء التأنيث.
قرأ الحسن، أبو جعفر "أحد عْشْر" بإسكان العين لكثرة الحركات.
وقال: رأيتهم لأنه أخبر عنها بالسجود، وهو فعل من يعقل، ومثله: ﴿ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨] و ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣].
وقيل: لما كان تفسير ذلك واقعاً على إخوة يوسف، وأبيه، وخالته، أخبر عنهم، بالهاء والميم. وذلك حقهم في الحكاية، والإخبار عنهم.
قال ابن عباس: كانت الرؤيا فيهم وحياً. والأحد عشر هم: أخوة يوسف، والشمس أمه، والقمر أبوه. هذا قول ابن عباس، وغيره.
ويروى أن رؤيا يوسف كانت ليلة الجمعة، وكانت ليلة القدر، فأشفق يعقوب أن يحسده إخوته على ذلك. فنهاه أن يقصَّها عليهم.
وقال قتادة، وغيره: الشمس خالته، والقمر أبوه. وظهرت رؤيا يوسف عليه السلام، بعد رؤيتها بأربعين سنة.
وقد روي أن يعقوب، عليه السلام، فسر الرؤيا: تأول الأحد عشر كوكباً: أحد عشر نفساً، لهم فضل يستضاء بهم، وهم إخوة يوسف، وتأوّل الشمس، والقمر: أبويه، فتأوّل أن يوسف يكون نبياً، وأن إخوته يكونون أنبياء، لأن الله، عز وجل، أعلمهم أنه يتم نعمته عليه، وعلى أبويه.
يوسف 12:3
قوله تعالى: ﴿الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ إلى قوله ﴿سَاجِدِينَ﴾
قد تقدم الكلام في ﴿الۤر﴾. و ﴿تِلْكَ﴾ عند الطبري بمعنى "هذه". والمعنى: تلك آيات الكتاب المبين: "حلاله وحرامه، ورشده وهُداه".
﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ﴾ الهاء تعود على خبر يوسف، وهو اختيار النحاس، وغيره. أي:
إنا أنزلنا خبر يوسف، وذلك أن اليهود سألوا النبي، ﷺ: لِمَ انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر، وعن خبر يوسف. فأنزل الله، (عز وجل) هذا بمكة موافقاً لما في التوراة، وفيه زيادة ليس عندهم.
وقيل: إن "الهاء" تعود على الكتاب المبين، وهو القرآن. ومعنى: ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ آية: أي: مجموعاً، مبيناً عربياً. ﴿لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: أي: ﴿تَعْقِلُونَ﴾: أن محمداً ﷺ إذا أتاكم بأخبار الغيب، وهو ممن لا يقرأ كتاباً.
وقيل: معناه: إنه أنزله عربياً لينقطع عذر العرب، إذ نزل بلسانهم، فمعنى: (تعقلون): أي: لتعقلوا ما أنزل عليكم، ولا عذر لكم في ترك فهمه، إذ هو بلسانكم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ﴾: أي: نحن نخبرك يا محمد عن (الـ)أمم الماضية، والقرون السالفة أحسن الخبر، وأصحَّهُ. وما كنت يا محمد من قبل أن ينزل عليك هذا ﴿ٱلْقُرْآنَ وَإِن﴾ من الغافلين عن هذه القصص، والأخبار. وقيل: معنى نقص: نبين.
وقال ابن عباس: قال أصحاب النبي ﷺ، (له): لو قصصت علينا فنزلت: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ﴾.
وروي أن أصحاب النبي ﷺ، ملُّوا ملَّة. فقالوا:
يا رسول الله! حدثنا. فأنزل الله عز وجل: ﴿ٱللَّهُ﴾ [الزمر: ٢٣] ﴿نَزَّلَ﴾ [الزمر: ٢٣] ﴿أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً﴾ [الزمر: ٢٣].
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يٰأَبتِ﴾، العامل في "إذ" الغافلين.
وقرأ طلحة بن مصرف ﴿يُوسُفُ﴾ بالهمزة وكسر السين.
وحكى ابن زيد: يؤسف بالهمزة، وفتح السين. والوقف عند سيبويه وأصحابه على "يا أبه" بالهاء، لأن الهاء بدل من الياء التي للإضافة. ومذهب الفراء: الوقف بالتاء، لأن الياء عنده في النية.
ومن فتح التاء، فلأنها (أ) شبهت بالهاء التي هي علامة التأنيث، كما قال الشاعر: ؎ كليني لهم يا أميمة ناصب ∗∗∗ وهذا مذهب سيبويه.
وقال قُطْرُب: وهو أحد قولي الفراء، لأن الأصل: يا أبتا(ه)، ثم حذفت الألف. ويكون الوقف على قول سيبويه بالهاء، وهو قول الفراء الآخر.
والندبة في هذا لا يجوز، إذ ليس هو من مواضعها. والعلة التي من أجلها دخلت الهاء في هذا أن قولك: "أبوان": تثنية الأب. واللام يوجب أن يكون يستعمل (أب وأبت) كما أن قولك: "والدان" للأب والأم يُوجب: "والد، ووالدة". فلما لم يستعمل "أبِهِ" استغنى باللام - استعمل ذلك في النداء في "الأب"، وأَجْرُوه مجرى ما وصف فيه المذكر مما فيه الهاء نحو: "علامة وَنَسَّابة.
وقال الفراء: إنما هي الهاء التي تزاد في الوقت، أكثر بها الكلام فنبهت بهاء التأنيث.
قرأ الحسن، أبو جعفر "أحد عْشْر" بإسكان العين لكثرة الحركات.
وقال: رأيتهم لأنه أخبر عنها بالسجود، وهو فعل من يعقل، ومثله: ﴿ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨] و ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣].
وقيل: لما كان تفسير ذلك واقعاً على إخوة يوسف، وأبيه، وخالته، أخبر عنهم، بالهاء والميم. وذلك حقهم في الحكاية، والإخبار عنهم.
قال ابن عباس: كانت الرؤيا فيهم وحياً. والأحد عشر هم: أخوة يوسف، والشمس أمه، والقمر أبوه. هذا قول ابن عباس، وغيره.
ويروى أن رؤيا يوسف كانت ليلة الجمعة، وكانت ليلة القدر، فأشفق يعقوب أن يحسده إخوته على ذلك. فنهاه أن يقصَّها عليهم.
وقال قتادة، وغيره: الشمس خالته، والقمر أبوه. وظهرت رؤيا يوسف عليه السلام، بعد رؤيتها بأربعين سنة.
وقد روي أن يعقوب، عليه السلام، فسر الرؤيا: تأول الأحد عشر كوكباً: أحد عشر نفساً، لهم فضل يستضاء بهم، وهم إخوة يوسف، وتأوّل الشمس، والقمر: أبويه، فتأوّل أن يوسف يكون نبياً، وأن إخوته يكونون أنبياء، لأن الله، عز وجل، أعلمهم أنه يتم نعمته عليه، وعلى أبويه.
يوسف 12:4
قوله تعالى: ﴿الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ إلى قوله ﴿سَاجِدِينَ﴾
قد تقدم الكلام في ﴿الۤر﴾. و ﴿تِلْكَ﴾ عند الطبري بمعنى "هذه". والمعنى: تلك آيات الكتاب المبين: "حلاله وحرامه، ورشده وهُداه".
﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ﴾ الهاء تعود على خبر يوسف، وهو اختيار النحاس، وغيره. أي:
إنا أنزلنا خبر يوسف، وذلك أن اليهود سألوا النبي، ﷺ: لِمَ انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر، وعن خبر يوسف. فأنزل الله، (عز وجل) هذا بمكة موافقاً لما في التوراة، وفيه زيادة ليس عندهم.
وقيل: إن "الهاء" تعود على الكتاب المبين، وهو القرآن. ومعنى: ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ آية: أي: مجموعاً، مبيناً عربياً. ﴿لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: أي: ﴿تَعْقِلُونَ﴾: أن محمداً ﷺ إذا أتاكم بأخبار الغيب، وهو ممن لا يقرأ كتاباً.
وقيل: معناه: إنه أنزله عربياً لينقطع عذر العرب، إذ نزل بلسانهم، فمعنى: (تعقلون): أي: لتعقلوا ما أنزل عليكم، ولا عذر لكم في ترك فهمه، إذ هو بلسانكم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ﴾: أي: نحن نخبرك يا محمد عن (الـ)أمم الماضية، والقرون السالفة أحسن الخبر، وأصحَّهُ. وما كنت يا محمد من قبل أن ينزل عليك هذا ﴿ٱلْقُرْآنَ وَإِن﴾ من الغافلين عن هذه القصص، والأخبار. وقيل: معنى نقص: نبين.
وقال ابن عباس: قال أصحاب النبي ﷺ، (له): لو قصصت علينا فنزلت: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ﴾.
وروي أن أصحاب النبي ﷺ، ملُّوا ملَّة. فقالوا:
يا رسول الله! حدثنا. فأنزل الله عز وجل: ﴿ٱللَّهُ﴾ [الزمر: ٢٣] ﴿نَزَّلَ﴾ [الزمر: ٢٣] ﴿أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً﴾ [الزمر: ٢٣].
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يٰأَبتِ﴾، العامل في "إذ" الغافلين.
وقرأ طلحة بن مصرف ﴿يُوسُفُ﴾ بالهمزة وكسر السين.
وحكى ابن زيد: يؤسف بالهمزة، وفتح السين. والوقف عند سيبويه وأصحابه على "يا أبه" بالهاء، لأن الهاء بدل من الياء التي للإضافة. ومذهب الفراء: الوقف بالتاء، لأن الياء عنده في النية.
ومن فتح التاء، فلأنها (أ) شبهت بالهاء التي هي علامة التأنيث، كما قال الشاعر: ؎ كليني لهم يا أميمة ناصب ∗∗∗ وهذا مذهب سيبويه.
وقال قُطْرُب: وهو أحد قولي الفراء، لأن الأصل: يا أبتا(ه)، ثم حذفت الألف. ويكون الوقف على قول سيبويه بالهاء، وهو قول الفراء الآخر.
والندبة في هذا لا يجوز، إذ ليس هو من مواضعها. والعلة التي من أجلها دخلت الهاء في هذا أن قولك: "أبوان": تثنية الأب. واللام يوجب أن يكون يستعمل (أب وأبت) كما أن قولك: "والدان" للأب والأم يُوجب: "والد، ووالدة". فلما لم يستعمل "أبِهِ" استغنى باللام - استعمل ذلك في النداء في "الأب"، وأَجْرُوه مجرى ما وصف فيه المذكر مما فيه الهاء نحو: "علامة وَنَسَّابة.
وقال الفراء: إنما هي الهاء التي تزاد في الوقت، أكثر بها الكلام فنبهت بهاء التأنيث.
قرأ الحسن، أبو جعفر "أحد عْشْر" بإسكان العين لكثرة الحركات.
وقال: رأيتهم لأنه أخبر عنها بالسجود، وهو فعل من يعقل، ومثله: ﴿ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨] و ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣].
وقيل: لما كان تفسير ذلك واقعاً على إخوة يوسف، وأبيه، وخالته، أخبر عنهم، بالهاء والميم. وذلك حقهم في الحكاية، والإخبار عنهم.
قال ابن عباس: كانت الرؤيا فيهم وحياً. والأحد عشر هم: أخوة يوسف، والشمس أمه، والقمر أبوه. هذا قول ابن عباس، وغيره.
ويروى أن رؤيا يوسف كانت ليلة الجمعة، وكانت ليلة القدر، فأشفق يعقوب أن يحسده إخوته على ذلك. فنهاه أن يقصَّها عليهم.
وقال قتادة، وغيره: الشمس خالته، والقمر أبوه. وظهرت رؤيا يوسف عليه السلام، بعد رؤيتها بأربعين سنة.
وقد روي أن يعقوب، عليه السلام، فسر الرؤيا: تأول الأحد عشر كوكباً: أحد عشر نفساً، لهم فضل يستضاء بهم، وهم إخوة يوسف، وتأوّل الشمس، والقمر: أبويه، فتأوّل أن يوسف يكون نبياً، وأن إخوته يكونون أنبياء، لأن الله، عز وجل، أعلمهم أنه يتم نعمته عليه، وعلى أبويه.
يوسف 12:5
قوله: ﴿قَالَ يٰبُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ﴾ إلى قوله ﴿حَكِيمٌ﴾.
(هذا اللفظ) يدل على أن يعقوب كان له علم بعبارة الرؤيا، ويدل على أنه كان قد أحسّ من إخوة يوسف ليوسف حسداً، فخافهم عليه. والمعنى. لا تخبرهم برؤياك هذه، فيحسدوك، ويبغوا لك الغوائل، ويطيعوا فيك الشيطان.
وكان يعقوب صلى الله عليه، (وعلى محمد) قد تبيَّن له من إخوة يوسف ليوسف الحسد. فلذلك قا(ل) له هذا. ولذلـ[ك] قال السدي: نزل يعقوب عليه السلام، الشام، فكان همه يوسف، وأخاه، فحسدهما أخوتهما.
* *
ومعنى ﴿فَيَكِيدُواْ لَكَ (كَيْداً)﴾ أي: فيتخذونك كيداً، وقيل: اللام زائدة. والمعنى: فيكيدوك كيداً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾: أي: وهكذا يجتبيك ربك: أي: يختارك، ويصطفيك.
﴿وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ﴾:
أي: كما أراك ربك الكواكب، والشمس، والقمر سجوداً لك، كذلك يصطفيك. وتأويل الأحاديث: عبارة الرؤيا، وقيل: أخبار الأمم.
﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ (أي): بالاصطفاء ﴿كَمَآ أَتَمَّهَآ عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ﴾: أخبره أنه يكون نبياً.
قال عكرمة: ويتم نعمته عليك، وعلى آل يعقوب، كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم، وإسحاق. فنعمته على إبراهيم، بأن نجَّاه من النار، وعلى إسحاق أن نجاه من الذبح.
﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ﴾ بخلـ(ـقه)، ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيره.
يوسف 12:6
قوله: ﴿قَالَ يٰبُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ﴾ إلى قوله ﴿حَكِيمٌ﴾.
(هذا اللفظ) يدل على أن يعقوب كان له علم بعبارة الرؤيا، ويدل على أنه كان قد أحسّ من إخوة يوسف ليوسف حسداً، فخافهم عليه. والمعنى. لا تخبرهم برؤياك هذه، فيحسدوك، ويبغوا لك الغوائل، ويطيعوا فيك الشيطان.
وكان يعقوب صلى الله عليه، (وعلى محمد) قد تبيَّن له من إخوة يوسف ليوسف الحسد. فلذلك قا(ل) له هذا. ولذلـ[ك] قال السدي: نزل يعقوب عليه السلام، الشام، فكان همه يوسف، وأخاه، فحسدهما أخوتهما.
* *
ومعنى ﴿فَيَكِيدُواْ لَكَ (كَيْداً)﴾ أي: فيتخذونك كيداً، وقيل: اللام زائدة. والمعنى: فيكيدوك كيداً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾: أي: وهكذا يجتبيك ربك: أي: يختارك، ويصطفيك.
﴿وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ﴾:
أي: كما أراك ربك الكواكب، والشمس، والقمر سجوداً لك، كذلك يصطفيك. وتأويل الأحاديث: عبارة الرؤيا، وقيل: أخبار الأمم.
﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ (أي): بالاصطفاء ﴿كَمَآ أَتَمَّهَآ عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ﴾: أخبره أنه يكون نبياً.
قال عكرمة: ويتم نعمته عليك، وعلى آل يعقوب، كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم، وإسحاق. فنعمته على إبراهيم، بأن نجَّاه من النار، وعلى إسحاق أن نجاه من الذبح.
﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ﴾ بخلـ(ـقه)، ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيره.
يوسف 12:7
قوله: ﴿لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ (لِّلسَّائِلِينَ)﴾ - إلى قوله - ﴿فَاعِلِينَ﴾.
من قرأ "آية"، فمعناه: عبرة، ومن جمع، فمعناه: عبرة للسائلين (عن أخبارهم)، وقصصهم.
وقيل: إن هذه السورة نزلت تسلية من الله تعالى، لمحمد ﷺ، فيما يلقى من أقاربه من قريش. فأعلمه ما لقي يوسف من إخوته، ثم قال ذلك ابن إسحاق.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِذْ قَالُواْ﴾ العامل في "إذ" معنى الآيات. والعصبة: العشرة فما فوق ذلك إلى خمسة عشر، وقيل: إلى الأربعين.
وقولهم: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾: أي لفي خطأ في إيثاره علينا يوسف، وأخاه من أمه بالمحبة.
ومعنى: ﴿مُّبِينٍ﴾: يبين عن نفسه أنه خطأ لمن تأمَّله فمعناه: أنه ضل في محبتهما، وتقديمهما علينا، وَهُمَا صَغِيرَانِ، ونحن أنفع منهما وأكبر. ولم يصفوه بالضلال في الدين. قال ذلك السدي.
ثم حكى عنهم تعالى إنهم قالوا: ﴿ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضاً﴾ أي: في أرض. وجاز حذف الحرف (منه)، على أنه مفعول ثان، وليس بظرف، (و) لأنه غير مبهم.
﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ أي: يتفرغ إليكم أبوكم من شغله بيوسف. ﴿وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ﴾: فالهاء في "بعده" تعود على الطرح، وقيل: على يوسف. وقيل: على القتل: أي: يتوبون من قتله بعد هلاكه.
وقال مقاتل: ﴿قَوْماً صَالِحِينَ﴾: أي: تصلح حالكم، وأمركم عند أبيكم.
* *
قوله: ﴿قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ﴾: نهاهم أحد الإخوة عن القتل، وأمرهم بطرحه في غيابات الجب. والقائل هذا روبيل كان أكبر القوم، وهو ابن خالة يوسف، قال ذلك قتادة، وابن إسحاق.
وقال مجاهد: كان (القائل) شمعون، وقيل: هو يهوذا، وكان يهوذا من أشدهم في العقل، وهو الذي قال: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِيۤ أَبِيۤ﴾ [يوسف: ٨٠].
ومعنى: ﴿كَبِيرُهُمْ﴾ أي كبيرهم في العقل، قاله مقاتل، وغيره. قال الضحاك: الذي قال ﴿لاَ تَقْتُلُوهُ﴾ هو الذي قال: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِيۤ أَبِيۤ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِي﴾ [يوسف: ٨٠].
وروي أنه كان ليعقوب ﷺ، عشرة من الولد، من خالة يوسف. وكان له من أم يوسف ولد غير يوسف، وهو الذي أخذ بالصاع. وروي أنهم كانوا من أربع نسوة.
وروي أنه أول من كان وقع في قلوب إخوة يوسف من يوسف ﷺ ما وقع أنه رأى قبل رؤيته الكو(ا)كب، كأنه خرج مع إخوته يَحْتَطِبُونَ، فسجدت حزم إخوته لحزمته، فأخبرهم بذلك. ذلك عليهم.
قال قتادة: الجب بئر بيت المقدس. والجب: البئر التي ليست بمطوية، سميت جُبّاً، لأنها قُطِعَت قطعاً، ولم يحدث فيها غير القطع، ولا طيّ ولا غيره. والجب يذكر ويؤنث.
وقرأ الحسن "تلتقطه" بالتاء، لأن بعض السيارة سيارة، فأتت على المعنى. ورويت عن مجاهد، وأبي رجاء، وقتادة. والمعنى: فأخذه "بعض مارة الطريق من المسافرين".
قال ابن عباس: "التقطه ناس من الأعراب".
﴿إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾: أي: "إن" كنتم فاعلين ما أقول لكم".
يوسف 12:8
قوله: ﴿لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ (لِّلسَّائِلِينَ)﴾ - إلى قوله - ﴿فَاعِلِينَ﴾.
من قرأ "آية"، فمعناه: عبرة، ومن جمع، فمعناه: عبرة للسائلين (عن أخبارهم)، وقصصهم.
وقيل: إن هذه السورة نزلت تسلية من الله تعالى، لمحمد ﷺ، فيما يلقى من أقاربه من قريش. فأعلمه ما لقي يوسف من إخوته، ثم قال ذلك ابن إسحاق.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِذْ قَالُواْ﴾ العامل في "إذ" معنى الآيات. والعصبة: العشرة فما فوق ذلك إلى خمسة عشر، وقيل: إلى الأربعين.
وقولهم: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾: أي لفي خطأ في إيثاره علينا يوسف، وأخاه من أمه بالمحبة.
ومعنى: ﴿مُّبِينٍ﴾: يبين عن نفسه أنه خطأ لمن تأمَّله فمعناه: أنه ضل في محبتهما، وتقديمهما علينا، وَهُمَا صَغِيرَانِ، ونحن أنفع منهما وأكبر. ولم يصفوه بالضلال في الدين. قال ذلك السدي.
ثم حكى عنهم تعالى إنهم قالوا: ﴿ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضاً﴾ أي: في أرض. وجاز حذف الحرف (منه)، على أنه مفعول ثان، وليس بظرف، (و) لأنه غير مبهم.
﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ أي: يتفرغ إليكم أبوكم من شغله بيوسف. ﴿وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ﴾: فالهاء في "بعده" تعود على الطرح، وقيل: على يوسف. وقيل: على القتل: أي: يتوبون من قتله بعد هلاكه.
وقال مقاتل: ﴿قَوْماً صَالِحِينَ﴾: أي: تصلح حالكم، وأمركم عند أبيكم.
* *
قوله: ﴿قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ﴾: نهاهم أحد الإخوة عن القتل، وأمرهم بطرحه في غيابات الجب. والقائل هذا روبيل كان أكبر القوم، وهو ابن خالة يوسف، قال ذلك قتادة، وابن إسحاق.
وقال مجاهد: كان (القائل) شمعون، وقيل: هو يهوذا، وكان يهوذا من أشدهم في العقل، وهو الذي قال: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِيۤ أَبِيۤ﴾ [يوسف: ٨٠].
ومعنى: ﴿كَبِيرُهُمْ﴾ أي كبيرهم في العقل، قاله مقاتل، وغيره. قال الضحاك: الذي قال ﴿لاَ تَقْتُلُوهُ﴾ هو الذي قال: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِيۤ أَبِيۤ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِي﴾ [يوسف: ٨٠].
وروي أنه كان ليعقوب ﷺ، عشرة من الولد، من خالة يوسف. وكان له من أم يوسف ولد غير يوسف، وهو الذي أخذ بالصاع. وروي أنهم كانوا من أربع نسوة.
وروي أنه أول من كان وقع في قلوب إخوة يوسف من يوسف ﷺ ما وقع أنه رأى قبل رؤيته الكو(ا)كب، كأنه خرج مع إخوته يَحْتَطِبُونَ، فسجدت حزم إخوته لحزمته، فأخبرهم بذلك. ذلك عليهم.
قال قتادة: الجب بئر بيت المقدس. والجب: البئر التي ليست بمطوية، سميت جُبّاً، لأنها قُطِعَت قطعاً، ولم يحدث فيها غير القطع، ولا طيّ ولا غيره. والجب يذكر ويؤنث.
وقرأ الحسن "تلتقطه" بالتاء، لأن بعض السيارة سيارة، فأتت على المعنى. ورويت عن مجاهد، وأبي رجاء، وقتادة. والمعنى: فأخذه "بعض مارة الطريق من المسافرين".
قال ابن عباس: "التقطه ناس من الأعراب".
﴿إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾: أي: "إن" كنتم فاعلين ما أقول لكم".
يوسف 12:9
قوله: ﴿لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ (لِّلسَّائِلِينَ)﴾ - إلى قوله - ﴿فَاعِلِينَ﴾.
من قرأ "آية"، فمعناه: عبرة، ومن جمع، فمعناه: عبرة للسائلين (عن أخبارهم)، وقصصهم.
وقيل: إن هذه السورة نزلت تسلية من الله تعالى، لمحمد ﷺ، فيما يلقى من أقاربه من قريش. فأعلمه ما لقي يوسف من إخوته، ثم قال ذلك ابن إسحاق.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِذْ قَالُواْ﴾ العامل في "إذ" معنى الآيات. والعصبة: العشرة فما فوق ذلك إلى خمسة عشر، وقيل: إلى الأربعين.
وقولهم: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾: أي لفي خطأ في إيثاره علينا يوسف، وأخاه من أمه بالمحبة.
ومعنى: ﴿مُّبِينٍ﴾: يبين عن نفسه أنه خطأ لمن تأمَّله فمعناه: أنه ضل في محبتهما، وتقديمهما علينا، وَهُمَا صَغِيرَانِ، ونحن أنفع منهما وأكبر. ولم يصفوه بالضلال في الدين. قال ذلك السدي.
ثم حكى عنهم تعالى إنهم قالوا: ﴿ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضاً﴾ أي: في أرض. وجاز حذف الحرف (منه)، على أنه مفعول ثان، وليس بظرف، (و) لأنه غير مبهم.
﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ أي: يتفرغ إليكم أبوكم من شغله بيوسف. ﴿وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ﴾: فالهاء في "بعده" تعود على الطرح، وقيل: على يوسف. وقيل: على القتل: أي: يتوبون من قتله بعد هلاكه.
وقال مقاتل: ﴿قَوْماً صَالِحِينَ﴾: أي: تصلح حالكم، وأمركم عند أبيكم.
* *
قوله: ﴿قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ﴾: نهاهم أحد الإخوة عن القتل، وأمرهم بطرحه في غيابات الجب. والقائل هذا روبيل كان أكبر القوم، وهو ابن خالة يوسف، قال ذلك قتادة، وابن إسحاق.
وقال مجاهد: كان (القائل) شمعون، وقيل: هو يهوذا، وكان يهوذا من أشدهم في العقل، وهو الذي قال: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِيۤ أَبِيۤ﴾ [يوسف: ٨٠].
ومعنى: ﴿كَبِيرُهُمْ﴾ أي كبيرهم في العقل، قاله مقاتل، وغيره. قال الضحاك: الذي قال ﴿لاَ تَقْتُلُوهُ﴾ هو الذي قال: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِيۤ أَبِيۤ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِي﴾ [يوسف: ٨٠].
وروي أنه كان ليعقوب ﷺ، عشرة من الولد، من خالة يوسف. وكان له من أم يوسف ولد غير يوسف، وهو الذي أخذ بالصاع. وروي أنهم كانوا من أربع نسوة.
وروي أنه أول من كان وقع في قلوب إخوة يوسف من يوسف ﷺ ما وقع أنه رأى قبل رؤيته الكو(ا)كب، كأنه خرج مع إخوته يَحْتَطِبُونَ، فسجدت حزم إخوته لحزمته، فأخبرهم بذلك. ذلك عليهم.
قال قتادة: الجب بئر بيت المقدس. والجب: البئر التي ليست بمطوية، سميت جُبّاً، لأنها قُطِعَت قطعاً، ولم يحدث فيها غير القطع، ولا طيّ ولا غيره. والجب يذكر ويؤنث.
وقرأ الحسن "تلتقطه" بالتاء، لأن بعض السيارة سيارة، فأتت على المعنى. ورويت عن مجاهد، وأبي رجاء، وقتادة. والمعنى: فأخذه "بعض مارة الطريق من المسافرين".
قال ابن عباس: "التقطه ناس من الأعراب".
﴿إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾: أي: "إن" كنتم فاعلين ما أقول لكم".
يوسف 12:10
قوله: ﴿لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ (لِّلسَّائِلِينَ)﴾ - إلى قوله - ﴿فَاعِلِينَ﴾.
من قرأ "آية"، فمعناه: عبرة، ومن جمع، فمعناه: عبرة للسائلين (عن أخبارهم)، وقصصهم.
وقيل: إن هذه السورة نزلت تسلية من الله تعالى، لمحمد ﷺ، فيما يلقى من أقاربه من قريش. فأعلمه ما لقي يوسف من إخوته، ثم قال ذلك ابن إسحاق.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِذْ قَالُواْ﴾ العامل في "إذ" معنى الآيات. والعصبة: العشرة فما فوق ذلك إلى خمسة عشر، وقيل: إلى الأربعين.
وقولهم: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾: أي لفي خطأ في إيثاره علينا يوسف، وأخاه من أمه بالمحبة.
ومعنى: ﴿مُّبِينٍ﴾: يبين عن نفسه أنه خطأ لمن تأمَّله فمعناه: أنه ضل في محبتهما، وتقديمهما علينا، وَهُمَا صَغِيرَانِ، ونحن أنفع منهما وأكبر. ولم يصفوه بالضلال في الدين. قال ذلك السدي.
ثم حكى عنهم تعالى إنهم قالوا: ﴿ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضاً﴾ أي: في أرض. وجاز حذف الحرف (منه)، على أنه مفعول ثان، وليس بظرف، (و) لأنه غير مبهم.
﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ أي: يتفرغ إليكم أبوكم من شغله بيوسف. ﴿وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ﴾: فالهاء في "بعده" تعود على الطرح، وقيل: على يوسف. وقيل: على القتل: أي: يتوبون من قتله بعد هلاكه.
وقال مقاتل: ﴿قَوْماً صَالِحِينَ﴾: أي: تصلح حالكم، وأمركم عند أبيكم.
* *
قوله: ﴿قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ﴾: نهاهم أحد الإخوة عن القتل، وأمرهم بطرحه في غيابات الجب. والقائل هذا روبيل كان أكبر القوم، وهو ابن خالة يوسف، قال ذلك قتادة، وابن إسحاق.
وقال مجاهد: كان (القائل) شمعون، وقيل: هو يهوذا، وكان يهوذا من أشدهم في العقل، وهو الذي قال: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِيۤ أَبِيۤ﴾ [يوسف: ٨٠].
ومعنى: ﴿كَبِيرُهُمْ﴾ أي كبيرهم في العقل، قاله مقاتل، وغيره. قال الضحاك: الذي قال ﴿لاَ تَقْتُلُوهُ﴾ هو الذي قال: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِيۤ أَبِيۤ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِي﴾ [يوسف: ٨٠].
وروي أنه كان ليعقوب ﷺ، عشرة من الولد، من خالة يوسف. وكان له من أم يوسف ولد غير يوسف، وهو الذي أخذ بالصاع. وروي أنهم كانوا من أربع نسوة.
وروي أنه أول من كان وقع في قلوب إخوة يوسف من يوسف ﷺ ما وقع أنه رأى قبل رؤيته الكو(ا)كب، كأنه خرج مع إخوته يَحْتَطِبُونَ، فسجدت حزم إخوته لحزمته، فأخبرهم بذلك. ذلك عليهم.
قال قتادة: الجب بئر بيت المقدس. والجب: البئر التي ليست بمطوية، سميت جُبّاً، لأنها قُطِعَت قطعاً، ولم يحدث فيها غير القطع، ولا طيّ ولا غيره. والجب يذكر ويؤنث.
وقرأ الحسن "تلتقطه" بالتاء، لأن بعض السيارة سيارة، فأتت على المعنى. ورويت عن مجاهد، وأبي رجاء، وقتادة. والمعنى: فأخذه "بعض مارة الطريق من المسافرين".
قال ابن عباس: "التقطه ناس من الأعراب".
﴿إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾: أي: "إن" كنتم فاعلين ما أقول لكم".
يوسف 12:11
قوله: ﴿قَالُواْ يَٰأَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَىٰ (يُوسُفَ) وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ إلى قوله ﴿لَّخَاسِرُونَ﴾.
وقرأ يزيد بن القعقاع، وعمرو بن عبيد: "تأمنَّا" بغير إشْمَامٍ.
وقرأ طلحة بن مصرف "تأَمَنَنَّا" بنونين ظاهرتين.
وقرأ يحيى بن وثَّاب، والأعمش، وأبو رزين تيمناً بتاء مكسورة بعدها ياء الإدغام. والمعنى: مالك لا تأمنا على يوسف يخرج معنا إذا خرجنا إلى الصحراء.
﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ * أَرْسِلْهُ مَعَنَا﴾ إلى قوله: ﴿لَحَافِظُونَ﴾
"نحُوطُهُ ونكلؤه". ومن قرأ "نرتعِ بالنون، وكسر العين، فمعناه: نرتع الغنم والإبل. وهو نفعتل من رعى (يرعو).
وقال مجاهد: نرتع: أي: نحفظ بعضنا بعضاً، أي: نتحارس، ونتكالؤ.
من: رعاك الله، ومن أسكن العين فمعناه: نقيم في الخصة والسعة، من رتع. يقال: رتَّع فلان في ماله: إذا لهى فيه.
ومعناه عند ابن عباس: يلهو، وينبسط.
ومن قرأ بالياء، وكسر العين، فهو يفتعل من "رعى" أي: يرعى الغنم، ويعقل، ويعرف الأمور.
ومن أسكن العين، وقرأ بالياء، فمعناه: أرسله يتفرَّجُ، وينشط في الصحراء: من رتع.
وقولهم: ﴿يَلْعَبْ﴾ ليس هو اللعب الصادُّ عن ذكر الله سبحانه. وروي عن قُنْبُل، عن ابن كثير إثبات الياء في "نرتعي"، على نية الضمة فيها، وفيه بعد. وإنما يجوز في الشعر.
ثم قال: تعالى حكاية عن قول يعقوب لهم: ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِيۤ﴾ إلى قوله: ﴿لَّخَاسِرُونَ﴾: من همز "الذئب" أخذه من قولهم: تذاءبت الريح: إذا جاءت من كل مكان. فهمز "الذئب" لأنه يجيء من كل مكان. قال ذلك أحمد بن يحيى كأنه شبهه في سرعته، وروغانه بالريح.
ومن لم يهمز فعلى تخفيف الهمز. وقيل: إنه جعله ليس بمشتق، مثل: الفيل، والميل، والكيس. وإنما خاف يعقوب، عليه السلام، من الذئب دون سائر السباع، لأنه كان رأى في المنام كأن ذئباً شد على يوسف، فخرجت تلك الرؤيا في دعواهم. ﴿وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾: أي: لا تشعرون ﴿قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ : أي: أحد عشر رجلاً ﴿إِنَّآ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ﴾: أي: لعجزة هالكون.
يوسف 12:12
قوله: ﴿قَالُواْ يَٰأَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَىٰ (يُوسُفَ) وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ إلى قوله ﴿لَّخَاسِرُونَ﴾.
وقرأ يزيد بن القعقاع، وعمرو بن عبيد: "تأمنَّا" بغير إشْمَامٍ.
وقرأ طلحة بن مصرف "تأَمَنَنَّا" بنونين ظاهرتين.
وقرأ يحيى بن وثَّاب، والأعمش، وأبو رزين تيمناً بتاء مكسورة بعدها ياء الإدغام. والمعنى: مالك لا تأمنا على يوسف يخرج معنا إذا خرجنا إلى الصحراء.
﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ * أَرْسِلْهُ مَعَنَا﴾ إلى قوله: ﴿لَحَافِظُونَ﴾
"نحُوطُهُ ونكلؤه". ومن قرأ "نرتعِ بالنون، وكسر العين، فمعناه: نرتع الغنم والإبل. وهو نفعتل من رعى (يرعو).
وقال مجاهد: نرتع: أي: نحفظ بعضنا بعضاً، أي: نتحارس، ونتكالؤ.
من: رعاك الله، ومن أسكن العين فمعناه: نقيم في الخصة والسعة، من رتع. يقال: رتَّع فلان في ماله: إذا لهى فيه.
ومعناه عند ابن عباس: يلهو، وينبسط.
ومن قرأ بالياء، وكسر العين، فهو يفتعل من "رعى" أي: يرعى الغنم، ويعقل، ويعرف الأمور.
ومن أسكن العين، وقرأ بالياء، فمعناه: أرسله يتفرَّجُ، وينشط في الصحراء: من رتع.
وقولهم: ﴿يَلْعَبْ﴾ ليس هو اللعب الصادُّ عن ذكر الله سبحانه. وروي عن قُنْبُل، عن ابن كثير إثبات الياء في "نرتعي"، على نية الضمة فيها، وفيه بعد. وإنما يجوز في الشعر.
ثم قال: تعالى حكاية عن قول يعقوب لهم: ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِيۤ﴾ إلى قوله: ﴿لَّخَاسِرُونَ﴾: من همز "الذئب" أخذه من قولهم: تذاءبت الريح: إذا جاءت من كل مكان. فهمز "الذئب" لأنه يجيء من كل مكان. قال ذلك أحمد بن يحيى كأنه شبهه في سرعته، وروغانه بالريح.
ومن لم يهمز فعلى تخفيف الهمز. وقيل: إنه جعله ليس بمشتق، مثل: الفيل، والميل، والكيس. وإنما خاف يعقوب، عليه السلام، من الذئب دون سائر السباع، لأنه كان رأى في المنام كأن ذئباً شد على يوسف، فخرجت تلك الرؤيا في دعواهم. ﴿وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾: أي: لا تشعرون ﴿قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ : أي: أحد عشر رجلاً ﴿إِنَّآ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ﴾: أي: لعجزة هالكون.
يوسف 12:13
قوله: ﴿قَالُواْ يَٰأَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَىٰ (يُوسُفَ) وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ إلى قوله ﴿لَّخَاسِرُونَ﴾.
وقرأ يزيد بن القعقاع، وعمرو بن عبيد: "تأمنَّا" بغير إشْمَامٍ.
وقرأ طلحة بن مصرف "تأَمَنَنَّا" بنونين ظاهرتين.
وقرأ يحيى بن وثَّاب، والأعمش، وأبو رزين تيمناً بتاء مكسورة بعدها ياء الإدغام. والمعنى: مالك لا تأمنا على يوسف يخرج معنا إذا خرجنا إلى الصحراء.
﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ * أَرْسِلْهُ مَعَنَا﴾ إلى قوله: ﴿لَحَافِظُونَ﴾
"نحُوطُهُ ونكلؤه". ومن قرأ "نرتعِ بالنون، وكسر العين، فمعناه: نرتع الغنم والإبل. وهو نفعتل من رعى (يرعو).
وقال مجاهد: نرتع: أي: نحفظ بعضنا بعضاً، أي: نتحارس، ونتكالؤ.
من: رعاك الله، ومن أسكن العين فمعناه: نقيم في الخصة والسعة، من رتع. يقال: رتَّع فلان في ماله: إذا لهى فيه.
ومعناه عند ابن عباس: يلهو، وينبسط.
ومن قرأ بالياء، وكسر العين، فهو يفتعل من "رعى" أي: يرعى الغنم، ويعقل، ويعرف الأمور.
ومن أسكن العين، وقرأ بالياء، فمعناه: أرسله يتفرَّجُ، وينشط في الصحراء: من رتع.
وقولهم: ﴿يَلْعَبْ﴾ ليس هو اللعب الصادُّ عن ذكر الله سبحانه. وروي عن قُنْبُل، عن ابن كثير إثبات الياء في "نرتعي"، على نية الضمة فيها، وفيه بعد. وإنما يجوز في الشعر.
ثم قال: تعالى حكاية عن قول يعقوب لهم: ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِيۤ﴾ إلى قوله: ﴿لَّخَاسِرُونَ﴾: من همز "الذئب" أخذه من قولهم: تذاءبت الريح: إذا جاءت من كل مكان. فهمز "الذئب" لأنه يجيء من كل مكان. قال ذلك أحمد بن يحيى كأنه شبهه في سرعته، وروغانه بالريح.
ومن لم يهمز فعلى تخفيف الهمز. وقيل: إنه جعله ليس بمشتق، مثل: الفيل، والميل، والكيس. وإنما خاف يعقوب، عليه السلام، من الذئب دون سائر السباع، لأنه كان رأى في المنام كأن ذئباً شد على يوسف، فخرجت تلك الرؤيا في دعواهم. ﴿وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾: أي: لا تشعرون ﴿قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ : أي: أحد عشر رجلاً ﴿إِنَّآ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ﴾: أي: لعجزة هالكون.
يوسف 12:14
قوله: ﴿قَالُواْ يَٰأَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَىٰ (يُوسُفَ) وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ إلى قوله ﴿لَّخَاسِرُونَ﴾.
وقرأ يزيد بن القعقاع، وعمرو بن عبيد: "تأمنَّا" بغير إشْمَامٍ.
وقرأ طلحة بن مصرف "تأَمَنَنَّا" بنونين ظاهرتين.
وقرأ يحيى بن وثَّاب، والأعمش، وأبو رزين تيمناً بتاء مكسورة بعدها ياء الإدغام. والمعنى: مالك لا تأمنا على يوسف يخرج معنا إذا خرجنا إلى الصحراء.
﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ * أَرْسِلْهُ مَعَنَا﴾ إلى قوله: ﴿لَحَافِظُونَ﴾
"نحُوطُهُ ونكلؤه". ومن قرأ "نرتعِ بالنون، وكسر العين، فمعناه: نرتع الغنم والإبل. وهو نفعتل من رعى (يرعو).
وقال مجاهد: نرتع: أي: نحفظ بعضنا بعضاً، أي: نتحارس، ونتكالؤ.
من: رعاك الله، ومن أسكن العين فمعناه: نقيم في الخصة والسعة، من رتع. يقال: رتَّع فلان في ماله: إذا لهى فيه.
ومعناه عند ابن عباس: يلهو، وينبسط.
ومن قرأ بالياء، وكسر العين، فهو يفتعل من "رعى" أي: يرعى الغنم، ويعقل، ويعرف الأمور.
ومن أسكن العين، وقرأ بالياء، فمعناه: أرسله يتفرَّجُ، وينشط في الصحراء: من رتع.
وقولهم: ﴿يَلْعَبْ﴾ ليس هو اللعب الصادُّ عن ذكر الله سبحانه. وروي عن قُنْبُل، عن ابن كثير إثبات الياء في "نرتعي"، على نية الضمة فيها، وفيه بعد. وإنما يجوز في الشعر.
ثم قال: تعالى حكاية عن قول يعقوب لهم: ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِيۤ﴾ إلى قوله: ﴿لَّخَاسِرُونَ﴾: من همز "الذئب" أخذه من قولهم: تذاءبت الريح: إذا جاءت من كل مكان. فهمز "الذئب" لأنه يجيء من كل مكان. قال ذلك أحمد بن يحيى كأنه شبهه في سرعته، وروغانه بالريح.
ومن لم يهمز فعلى تخفيف الهمز. وقيل: إنه جعله ليس بمشتق، مثل: الفيل، والميل، والكيس. وإنما خاف يعقوب، عليه السلام، من الذئب دون سائر السباع، لأنه كان رأى في المنام كأن ذئباً شد على يوسف، فخرجت تلك الرؤيا في دعواهم. ﴿وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾: أي: لا تشعرون ﴿قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ : أي: أحد عشر رجلاً ﴿إِنَّآ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ﴾: أي: لعجزة هالكون.
يوسف 12:15
قوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُوۤاْ أَن يَجْعَلُوهُ﴾: أي: أجمع رأيهم، وعزموا على ذلك. ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ﴾: أي: لتخبرنهم بما صنعوا بك، وهم لا يعلمون بك.
قال الضحاك: لما ألقي يوسف في الجب، نزل إليه جبريل، عليه السلام، فقال له: يا يوسف: ألا أعلمك كلمات إذا أنت قلتهنَّ عجل الله لك بخروجك من هذا الجب. فقال: نعم، فقال له جبريل، صلوات الله عليه،: قل يا صانع كل مصنوع، ويا جابر كل كسير، ويا شاهد كل نجوى ويا حاضر كل ملأ، ويا مفرج كل كربة، ويا صاحب كل غريب، ويا مؤنس كل وحشة: أيتني بالفرج والرخاء، وأقذف رجاءك في قلبي حتى لا أرجو أحداً سواك. فردَّدَها يوسف عليه السلام، في ليلته مراراً فأخرجه الله عز وجل، في صبـ [يـ]ـحة يومه ذلك من الجب.
وقال السدي: خرجوا به، وله عليهم كرامة، فلما برزوا به إلى البرية أظهروا له العداوة، وجعل أخوه يضربه، فيستغيث بالآخر (فيضربه فجعل "لا يرى منهم رحيماً" فضربوه حتى كادوا يقتلونه. فجعل يصيح، ويقول: يا أبتاه! يا يعقوب! لو علمت ما صنع بابنك بنو الإماء. فلما كادوا يقتلونه، قال يهوذا: أليس قد أعطيتموني موثقاً من الله لا تقتلونه. فانطلقوا به إلى الجب ليطرحوه، فجعلوا يدلونه في البئر وهو يتعلق بشفير البئر. فربطوا يديه ونزعوا عنه قميصه.
فقال: يا (أ)خوتاه: ردوا عليّ قميصي، أتوارى به في الجب. فقالوا له: ادع الشمس والقمر، والأحد عشر كوكباً ليُؤنسوكَ. فدلوه في البئر حتى إذا بلغ نصفها ألقوه إرَادَةَِ أن يموت. فكان في البير ماء، فسقط فيه ثم أوى إلى صخرة فيها. فقام عليها، وجعل يبكي، فنادوه، فظن أنها رحمة منهم، أدركتهم عليه. فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه بصخرة فيقتلوه. فقام يهوذا فمنعهم، وقال: قد أعطيتموني موثقاً ألا تقتلوه.
وقيل: كان الجب الذي ألقوه فيه، لا ماء فيه. فأحدث الله فيه ماء، حتى مال إليه الناس. وكان يهوذا يأتيه بالطعام.
والواو في "وأجمعوا" زائدة للتأكيد، وهو جواب "لما".
* *
قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ﴾: أي: إلى يوسف لتُخْبرن إخوتك بأمرهم هذا الذي صنعوا بك، وهم لا يعلمون، ولا يدرون. (و) هذا يدل على أنه أوحي إليه قبل البلوغ (بإلهامٍ)، أو في منام، أو برسول.
وقيل: المعنى "أوحى الله عز وجل إليه لتخبرنهم بما" ﴿صَنَعُواْ﴾، وهم لا يشعرون بالوحي الذي أوحى "الله عز وجل" إليه.
قال مجاهد، وابن زيد: وقيل: المعنى: ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾، (أن) الذي يخبرهم بصنيعهم هو يوسف.
وقيل: المعنى: ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ أنه نبي يوحى إليه.
وقيل: الهاء ليعقوب، أي: أوحى الله إلى يعقوب أن ابنك كاده إخوته، ولَتَعْرِفنهم بكيدهم، ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾: أي: وإخوة يوسف "لا يشعرون بالوحي إلى يعقوب".
(قال ابن عباس: لما دخل إخوة يوسف) على يوسف. (عرفهم)، ﴿وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [يوسف: ٥٨]. فقال: جئ بالصواع. فوضعه على يديه، (ثم) نقره، فطن فقال: إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم، يقال له: يوسف، يدنيه دونكم، وأنكم انطلقتم به، فألقيتموه في غيابات الجُبّ. قال: ثم نقره، فطَنَّ فأتيتم أباكم فقلتم: إن الذئب أكله، وجئتم على قميصه بدم كذب. فقال بعضكم لبعض: إن هذا الجام ليخبره بخبركم. فذلك معنى ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ أنك يوسف.
يوسف 12:16
قال تعالى: ﴿وَجَآءُوۤا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ﴾.
قال السدي: أتوا إلى أبيهم عشاءاً يبكون، فلما سمع أصواتهم فزع، وقال: ما لكم يا بني؟ هل أصابكم في غنمكم شيء؟ قالوا" لا، قال: فما فعل يوسف؟ فقالوا: ﴿يَٰأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾: كان السبق عندهم على الأرجل، كالسبق على الخيل، لأنه آلة للحرب. فلما قالوا: ﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ﴾ بكى الشيخ، وصاح بأعلى صوته، فقال: أين القميص؟ فجاؤو(ه) بالقميص، عليه دم كذب، فأخذ القميص فطرحه على وجهه، ثم بكى حتى تخضب وجهه من دم القميص.
* *
قوله: ﴿وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا﴾: أي: بمصدق لنا، ﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾: قال: المبرد: المعنى: وإن كنا صادقين.
وقيل المعنى: ليس بمصدق لنا لو كنا من أهل الصدق الذين لا يتهمون لِسُوءِ ظنك بنا.
وقيل: المعنى: ولو كنا عندك من أهل الصدق، لاتهمتنا في يوسف لمحبتك إياه.
وقيل: المعنى: قد وقع في قلبك إنّا لنصدقك في يوسف، فأنت لا تصدقنا. وذلك أن يعقوب كان (قد) اتَّهَمَهُمْ عليه، فلما وقع ما وقع، تأكدت التهمة لهم. وإلا فيعقوب، صلوات الله عليه، لا يكذب الصادق، وليس هذا من صفة الأنبياء، صلوات الله عليهم. وإنما كذبهم لتأكيد التهمة، وكثرة الدلائل على كذبهم. فالمعنى: ما أنت بمصدق لنا وقد وقع (بك) ما تحذر، ولو كنا عندك صادقين من قبل، غير متهمين، لوجب أن تتهمنا (الساعة) عند مصيبتك. فكيف وقد كنت متهماً لنا (فيه) من قبل.
يوسف 12:17
قال تعالى: ﴿وَجَآءُوۤا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ﴾.
قال السدي: أتوا إلى أبيهم عشاءاً يبكون، فلما سمع أصواتهم فزع، وقال: ما لكم يا بني؟ هل أصابكم في غنمكم شيء؟ قالوا" لا، قال: فما فعل يوسف؟ فقالوا: ﴿يَٰأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾: كان السبق عندهم على الأرجل، كالسبق على الخيل، لأنه آلة للحرب. فلما قالوا: ﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ﴾ بكى الشيخ، وصاح بأعلى صوته، فقال: أين القميص؟ فجاؤو(ه) بالقميص، عليه دم كذب، فأخذ القميص فطرحه على وجهه، ثم بكى حتى تخضب وجهه من دم القميص.
* *
قوله: ﴿وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا﴾: أي: بمصدق لنا، ﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾: قال: المبرد: المعنى: وإن كنا صادقين.
وقيل المعنى: ليس بمصدق لنا لو كنا من أهل الصدق الذين لا يتهمون لِسُوءِ ظنك بنا.
وقيل: المعنى: ولو كنا عندك من أهل الصدق، لاتهمتنا في يوسف لمحبتك إياه.
وقيل: المعنى: قد وقع في قلبك إنّا لنصدقك في يوسف، فأنت لا تصدقنا. وذلك أن يعقوب كان (قد) اتَّهَمَهُمْ عليه، فلما وقع ما وقع، تأكدت التهمة لهم. وإلا فيعقوب، صلوات الله عليه، لا يكذب الصادق، وليس هذا من صفة الأنبياء، صلوات الله عليهم. وإنما كذبهم لتأكيد التهمة، وكثرة الدلائل على كذبهم. فالمعنى: ما أنت بمصدق لنا وقد وقع (بك) ما تحذر، ولو كنا عندك صادقين من قبل، غير متهمين، لوجب أن تتهمنا (الساعة) عند مصيبتك. فكيف وقد كنت متهماً لنا (فيه) من قبل.
يوسف 12:18
قال تعالى: ﴿وَجَآءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾، أي: بدم ذي كذب. قال ابن عباس: ومجاهد: ذبحوا سخلة على قميصه.
وقال السدي: ذبحوا جدياً، ثم لطخوا القميص بدمه، ثم أقبلوا إلى أبيهم، فقال يعقوب عليه السلام، (إن كان هذا الذئب لرحيماً كيف أكل لحمه، ولم يخرق قميصه؟ يا بني، يا يوسف ما فعل بك بَنُو الإماء!؟
قال الحسن: جعل يعقوب يقلب القميص، ويقول: ما عهدت الذئب حليماً، إنه أكل ابني، وأبقى على قميصه.
ثم قال مكذباً لهم: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً﴾ أي: زينت لكم في يوسف، وحسنته لكم. ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾: أي: فأمري صبر جميل، وشأني صبر. (أي): فصبري عليه صبر جميل.
وقرأ عيسى بن عمر بالنصب على معنى: "فاصبر صبراً جميلاً" على المصدر. والرفع أبْلَغُ ، وأحسن، وإنما يختار النصب في الأمر خاصة. والصبر الجميل: هو الصبر الذي لا جزع معه.
وروي عن النبي ﷺ، أنه قال: هو الصبر الذي لا شكوى معه وكان يعقوب عليه السلام، قد سقط حاجباه،: فكان يرفعهما بخرقة. فقيل له: ما هذا؟ فقال: طول الزمان، وكثرة الأحزان، فأوحى الله عز وجل، إليه: أتشكوني يا يعقوب؟ فقال: رب خطيئة أخطأتها، فاغفرها لي
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾: أي: على احتماله. وقال قتادة: "على ما تكذبون".
قال الثوري: ثلاث من الصبر: أن لا تحدث بما يوجعك، ولا بمصيبتك، ولا تزكي نفسك.
ومن حديث ابن لهيعة، رفعه إلى ابن عمر، أن يعقوب عليه السلام قال لبنيه: يا بني "إيتو(ني)" بالذئب الذي أكل ولدي، إن كنتم صادقين، قال: فخرجوا إلى واد لهم يسعون فيه، فإذا هم بذئب قد انحطَّ عليهم من شفير الوادي، فاعترضو(ه) سراعاً، وأخذوه قسراً، وأوثقوه كتافاً، وعمدوا إلى حمل لهم من غنمهم، فذبحوه، ولطخوا جحفلة الذئب بدمه وصدره. ثم حملوه إلى أبيهم، فقالوا: هذا الذئب الذي أكل يوسف أخانا. فقال لهم أطلقـ(و)ا، فأطلقـ(و)ه فقال له: يعقوب: قف أيها الذئب بإذن الله، فوقف الذئب مقعى على ذنبه. فقال له: يعقوب: أسألك أيها الذئب بالذي اتخذني نبياً، وبعثني رسولاً. هل أكلت يوسف فيما أكلت؟ فقال له الذئب: والذي بعثك رسولاً، واتخذ(ك) نبياً. إن هذه البلاد ما دخلتها إلا ساعتي هذه، ثم حكى ليعقوب ما صنعوا به وبالحمل. ثم قال الذئب: يا نبي الله، وأنا أسمو إلى أكل نبيي! أو ما علمت أن لحوم الأنبياء محرمة على السباع؟ قال له يعقوب: "صدقت أيها الذئب. أنت كنت أشفق على يوسف من أخوته"، اذهب حيث شئت.
يوسف 12:19
قوله: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ﴾ - إلى قوله - ﴿أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.
والمعنى: ومر قوم يسيرون، من مارة الطريق، ﴿فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ﴾: وهو الذي يرد المنهل (أ) والمنزل، وور(و)ده إياه، مصير إليه ﴿فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ﴾، أي: أدخلها الجب، وأرسلها. يقال: أدليت الدلو: إذا أرسلتها في الجب، ودلوتها إذا أخرجتها؟. وفي الكلام حذف، والمعنى: فدلى دلوه: أي: أخرجها فتعلق بها (يوسف)، فقال المدلـ(ـي): (يا بشراي هذا غلام).
فقال السدي: لما رآه قد تعلق، نادى رجلاً من أصحابه، يقال له: بشرى: يا بشرى، هذا غلام. وكذلك قال ابن جبير، وقتادة.
وهو معنى قراءة من قرأ: "يا بشراي".
وقيل المعنى: يا بشار(تـ)ـي دعا بشارته.
ومن قرأ بغير ياء، احتمل أن يكون دعا رجلاً اسمه بشرى فلم يضفه إلى نفسه، فهو في موضع رفع.
وقيل: إنه دعا البشرى، كأنه قال: يا أيتها البشرى.
ومعنى نداء البشرى: أنه على تنبيه المخاطبين، وتوكيد القصة. فكأنه قال: يا قوم أبشروا، ويجوز أن تكون هذه القراءة، يراد بها الإضافة، ثم حذف(ت) الياء.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ أي: وأسر يوسف الوُرَّادُ بضاعة من التجار. قالوا لهم: هو معنا بضاعة، استَبْضَعْنَاهُ بعض أهل الماء "التي" إلى مصر. وذلك أن السدي قال: لما رفعه المستدلي، وأصحابه، باعو(ه) من رجلين. فخاف من التجار أن يعلموا بثمنه. فيقولـ(ـون) لهما: أشركانا فيه. فقالوا: هو بضاعة (معنا) لأهل الماء.
وقال مجاهد: المعنى "أسره التجار بعضهم من بعض".
وعن ابن عباس: أن المعنى: وأسره إخوته، وأسر يوسف نفسه (من التجار) خوفاً أن يقتله إخوته. واختار البيع، وذلك أن إخوته ذكروه لوارد القوم، فنادوا الوارد: يا بشرى هذا غلام يباع، فباعه إخوته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ أي: بثمن ذي بخس، أي: حرام. وقوله: (وشَرُوْهُ): يحتمل أن يكون معناه: وباعوه، وأن يكون اشتروه، وهو من الأضداد.
قال مجاهد: باعه إخوته حين أخرجه المدلى.
وقال قتادة، وغيره: المعنى: وباعه السيارة من بعض التجار، بثمن بخس. وقيل: المعنى: فاشتراه السيارة من إخوته بثمن بخس، وهو اختيار الطبري، ثم خافوا أن يشركهم فيه أصحابهم، وقالوا هو بضاعة.
معنى: ﴿وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّاهِدِينَ﴾، أي: إخوته.
وقيل: هم الذين اشتروه، والأول أحسن، لأن إِشراءَهُم إياه من التجار يدل على (آن) رغبتهم فيه، وبيع إخوته له بثمن بخس يدل على زهادتهم فيه.
ويجوز أن يكون الضمير: الوارد، أي: وكان الوارد الذي رفعه من الجب فيه من الزاهدين، والذين اشتروهم الذين اشتروه من الوارد، وليسوا بزاهدين فيه، بل اشتروه خوفاً أن يشركهم فيه غيرهم لرغبتهم فيه.
والبخس عند ابن عباس، والضحاك: الحرام. وقيل: هو الظلم، وهو قول قتادة.
وقال مجاهد: هو القليل، وهو قول عكرمة. والبخس في اللغة النقصان، فمعناه: [بـ]ـثمن مبخوس: أي: منقوص.
* *
ومعنى ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾: أي: غير موزونة، ناقصة.
وقيل: المعنى: أنها أقل من أربعين، لأنهم كانوا لا يزنون ما كان أقل من أربعين، لأ(ن) أقل أوزانهم، وأصغرها الأوقية، (وهي) أربعون درهماً.
وقال ابن عباس، وابن مسعود، وغيرهما: كانت عشرين درهماً.
وقال مجاهد: كانت اثنين وعشرين درهماً، أخذ كل واحد من إخوة يوسف درهمين، درهمين، وهم أحد عشر رجلاً.
وقال عكرمة: كانت أربعين. وكان إخوة يوسف فيه من الزاهدين، لا يعلمون نبوءته وكرامته على الله.
ثم قال (تعالى): ﴿وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي (مَثْوَاهُ)﴾: والذي اشتراه: هو الملك بمصر. اسمه: قطفير وهو العزيز. وكان على خزائن مصر، وكان الملك المعظم عندهم يومئذ: الريان بن الوليد، رجل من العمالقة. وكان اسم امرأة العزيز راعيل، وكان الملك زوجها لا ولد له، ولم يكن يأتـ[ـي] النساء، فأراد أن يتبناه.
وروي عن ابن مسعود أنه، قال: أفرس الناس ثلاثـ[ـة]: العزيز، حين قال لامرأته ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾، وابنة شعيب حين قالت لأبيها: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَأْجَرْتَ ٱلْقَوِيُّ (ٱلأَمِينُ)﴾ [القصص: ٢٦]، وأبو بكر الصديق، رضي الله عنه، حين ولى عمر، رضي الله عنه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ﴾: والمعنى وكما خلصناه من القتل من أيدي إخوته، كذلك مكنا له في الأرض، فجعلناه على خزائنها.
وقيل: المعنى: وكذلك مكنا له في الأرض، بأن عطفنا قلب الملك عليه حتى تمكن على الخزائن.
﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ﴾: مكناه، وهذا تصديق ليعقوب في قوله ليوسف: ﴿وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ﴾: وتأويل الأحاديث عبارة الرؤيا.
﴿وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ﴾: أي: مستولٍ على أمر يوسف.
وقيل: غالب على أمره: أي (مستول على أمره)، يفعل ما يشاء. "فالهاء" [في] المعنى الأول ليوسف، وفي الثاني لله. وقيل: إنها في القول الثاني ليوسف (أيضاً). [أي]: غالب على أمر يوسف، يفعل فيه ما يشاء.
﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾: وهم الذين باعوه بثمن بخس، وزهدوا فيه، والذين مضوا به إلى مصر وباعوه.
يوسف 12:20
قوله: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ﴾ - إلى قوله - ﴿أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.
والمعنى: ومر قوم يسيرون، من مارة الطريق، ﴿فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ﴾: وهو الذي يرد المنهل (أ) والمنزل، وور(و)ده إياه، مصير إليه ﴿فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ﴾، أي: أدخلها الجب، وأرسلها. يقال: أدليت الدلو: إذا أرسلتها في الجب، ودلوتها إذا أخرجتها؟. وفي الكلام حذف، والمعنى: فدلى دلوه: أي: أخرجها فتعلق بها (يوسف)، فقال المدلـ(ـي): (يا بشراي هذا غلام).
فقال السدي: لما رآه قد تعلق، نادى رجلاً من أصحابه، يقال له: بشرى: يا بشرى، هذا غلام. وكذلك قال ابن جبير، وقتادة.
وهو معنى قراءة من قرأ: "يا بشراي".
وقيل المعنى: يا بشار(تـ)ـي دعا بشارته.
ومن قرأ بغير ياء، احتمل أن يكون دعا رجلاً اسمه بشرى فلم يضفه إلى نفسه، فهو في موضع رفع.
وقيل: إنه دعا البشرى، كأنه قال: يا أيتها البشرى.
ومعنى نداء البشرى: أنه على تنبيه المخاطبين، وتوكيد القصة. فكأنه قال: يا قوم أبشروا، ويجوز أن تكون هذه القراءة، يراد بها الإضافة، ثم حذف(ت) الياء.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ أي: وأسر يوسف الوُرَّادُ بضاعة من التجار. قالوا لهم: هو معنا بضاعة، استَبْضَعْنَاهُ بعض أهل الماء "التي" إلى مصر. وذلك أن السدي قال: لما رفعه المستدلي، وأصحابه، باعو(ه) من رجلين. فخاف من التجار أن يعلموا بثمنه. فيقولـ(ـون) لهما: أشركانا فيه. فقالوا: هو بضاعة (معنا) لأهل الماء.
وقال مجاهد: المعنى "أسره التجار بعضهم من بعض".
وعن ابن عباس: أن المعنى: وأسره إخوته، وأسر يوسف نفسه (من التجار) خوفاً أن يقتله إخوته. واختار البيع، وذلك أن إخوته ذكروه لوارد القوم، فنادوا الوارد: يا بشرى هذا غلام يباع، فباعه إخوته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ أي: بثمن ذي بخس، أي: حرام. وقوله: (وشَرُوْهُ): يحتمل أن يكون معناه: وباعوه، وأن يكون اشتروه، وهو من الأضداد.
قال مجاهد: باعه إخوته حين أخرجه المدلى.
وقال قتادة، وغيره: المعنى: وباعه السيارة من بعض التجار، بثمن بخس. وقيل: المعنى: فاشتراه السيارة من إخوته بثمن بخس، وهو اختيار الطبري، ثم خافوا أن يشركهم فيه أصحابهم، وقالوا هو بضاعة.
معنى: ﴿وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّاهِدِينَ﴾، أي: إخوته.
وقيل: هم الذين اشتروه، والأول أحسن، لأن إِشراءَهُم إياه من التجار يدل على (آن) رغبتهم فيه، وبيع إخوته له بثمن بخس يدل على زهادتهم فيه.
ويجوز أن يكون الضمير: الوارد، أي: وكان الوارد الذي رفعه من الجب فيه من الزاهدين، والذين اشتروهم الذين اشتروه من الوارد، وليسوا بزاهدين فيه، بل اشتروه خوفاً أن يشركهم فيه غيرهم لرغبتهم فيه.
والبخس عند ابن عباس، والضحاك: الحرام. وقيل: هو الظلم، وهو قول قتادة.
وقال مجاهد: هو القليل، وهو قول عكرمة. والبخس في اللغة النقصان، فمعناه: [بـ]ـثمن مبخوس: أي: منقوص.
* *
ومعنى ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾: أي: غير موزونة، ناقصة.
وقيل: المعنى: أنها أقل من أربعين، لأنهم كانوا لا يزنون ما كان أقل من أربعين، لأ(ن) أقل أوزانهم، وأصغرها الأوقية، (وهي) أربعون درهماً.
وقال ابن عباس، وابن مسعود، وغيرهما: كانت عشرين درهماً.
وقال مجاهد: كانت اثنين وعشرين درهماً، أخذ كل واحد من إخوة يوسف درهمين، درهمين، وهم أحد عشر رجلاً.
وقال عكرمة: كانت أربعين. وكان إخوة يوسف فيه من الزاهدين، لا يعلمون نبوءته وكرامته على الله.
ثم قال (تعالى): ﴿وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي (مَثْوَاهُ)﴾: والذي اشتراه: هو الملك بمصر. اسمه: قطفير وهو العزيز. وكان على خزائن مصر، وكان الملك المعظم عندهم يومئذ: الريان بن الوليد، رجل من العمالقة. وكان اسم امرأة العزيز راعيل، وكان الملك زوجها لا ولد له، ولم يكن يأتـ[ـي] النساء، فأراد أن يتبناه.
وروي عن ابن مسعود أنه، قال: أفرس الناس ثلاثـ[ـة]: العزيز، حين قال لامرأته ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾، وابنة شعيب حين قالت لأبيها: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَأْجَرْتَ ٱلْقَوِيُّ (ٱلأَمِينُ)﴾ [القصص: ٢٦]، وأبو بكر الصديق، رضي الله عنه، حين ولى عمر، رضي الله عنه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ﴾: والمعنى وكما خلصناه من القتل من أيدي إخوته، كذلك مكنا له في الأرض، فجعلناه على خزائنها.
وقيل: المعنى: وكذلك مكنا له في الأرض، بأن عطفنا قلب الملك عليه حتى تمكن على الخزائن.
﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ﴾: مكناه، وهذا تصديق ليعقوب في قوله ليوسف: ﴿وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ﴾: وتأويل الأحاديث عبارة الرؤيا.
﴿وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ﴾: أي: مستولٍ على أمر يوسف.
وقيل: غالب على أمره: أي (مستول على أمره)، يفعل ما يشاء. "فالهاء" [في] المعنى الأول ليوسف، وفي الثاني لله. وقيل: إنها في القول الثاني ليوسف (أيضاً). [أي]: غالب على أمر يوسف، يفعل فيه ما يشاء.
﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾: وهم الذين باعوه بثمن بخس، وزهدوا فيه، والذين مضوا به إلى مصر وباعوه.
يوسف 12:21
قوله: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ﴾ - إلى قوله - ﴿أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.
والمعنى: ومر قوم يسيرون، من مارة الطريق، ﴿فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ﴾: وهو الذي يرد المنهل (أ) والمنزل، وور(و)ده إياه، مصير إليه ﴿فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ﴾، أي: أدخلها الجب، وأرسلها. يقال: أدليت الدلو: إذا أرسلتها في الجب، ودلوتها إذا أخرجتها؟. وفي الكلام حذف، والمعنى: فدلى دلوه: أي: أخرجها فتعلق بها (يوسف)، فقال المدلـ(ـي): (يا بشراي هذا غلام).
فقال السدي: لما رآه قد تعلق، نادى رجلاً من أصحابه، يقال له: بشرى: يا بشرى، هذا غلام. وكذلك قال ابن جبير، وقتادة.
وهو معنى قراءة من قرأ: "يا بشراي".
وقيل المعنى: يا بشار(تـ)ـي دعا بشارته.
ومن قرأ بغير ياء، احتمل أن يكون دعا رجلاً اسمه بشرى فلم يضفه إلى نفسه، فهو في موضع رفع.
وقيل: إنه دعا البشرى، كأنه قال: يا أيتها البشرى.
ومعنى نداء البشرى: أنه على تنبيه المخاطبين، وتوكيد القصة. فكأنه قال: يا قوم أبشروا، ويجوز أن تكون هذه القراءة، يراد بها الإضافة، ثم حذف(ت) الياء.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ أي: وأسر يوسف الوُرَّادُ بضاعة من التجار. قالوا لهم: هو معنا بضاعة، استَبْضَعْنَاهُ بعض أهل الماء "التي" إلى مصر. وذلك أن السدي قال: لما رفعه المستدلي، وأصحابه، باعو(ه) من رجلين. فخاف من التجار أن يعلموا بثمنه. فيقولـ(ـون) لهما: أشركانا فيه. فقالوا: هو بضاعة (معنا) لأهل الماء.
وقال مجاهد: المعنى "أسره التجار بعضهم من بعض".
وعن ابن عباس: أن المعنى: وأسره إخوته، وأسر يوسف نفسه (من التجار) خوفاً أن يقتله إخوته. واختار البيع، وذلك أن إخوته ذكروه لوارد القوم، فنادوا الوارد: يا بشرى هذا غلام يباع، فباعه إخوته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ أي: بثمن ذي بخس، أي: حرام. وقوله: (وشَرُوْهُ): يحتمل أن يكون معناه: وباعوه، وأن يكون اشتروه، وهو من الأضداد.
قال مجاهد: باعه إخوته حين أخرجه المدلى.
وقال قتادة، وغيره: المعنى: وباعه السيارة من بعض التجار، بثمن بخس. وقيل: المعنى: فاشتراه السيارة من إخوته بثمن بخس، وهو اختيار الطبري، ثم خافوا أن يشركهم فيه أصحابهم، وقالوا هو بضاعة.
معنى: ﴿وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّاهِدِينَ﴾، أي: إخوته.
وقيل: هم الذين اشتروه، والأول أحسن، لأن إِشراءَهُم إياه من التجار يدل على (آن) رغبتهم فيه، وبيع إخوته له بثمن بخس يدل على زهادتهم فيه.
ويجوز أن يكون الضمير: الوارد، أي: وكان الوارد الذي رفعه من الجب فيه من الزاهدين، والذين اشتروهم الذين اشتروه من الوارد، وليسوا بزاهدين فيه، بل اشتروه خوفاً أن يشركهم فيه غيرهم لرغبتهم فيه.
والبخس عند ابن عباس، والضحاك: الحرام. وقيل: هو الظلم، وهو قول قتادة.
وقال مجاهد: هو القليل، وهو قول عكرمة. والبخس في اللغة النقصان، فمعناه: [بـ]ـثمن مبخوس: أي: منقوص.
* *
ومعنى ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾: أي: غير موزونة، ناقصة.
وقيل: المعنى: أنها أقل من أربعين، لأنهم كانوا لا يزنون ما كان أقل من أربعين، لأ(ن) أقل أوزانهم، وأصغرها الأوقية، (وهي) أربعون درهماً.
وقال ابن عباس، وابن مسعود، وغيرهما: كانت عشرين درهماً.
وقال مجاهد: كانت اثنين وعشرين درهماً، أخذ كل واحد من إخوة يوسف درهمين، درهمين، وهم أحد عشر رجلاً.
وقال عكرمة: كانت أربعين. وكان إخوة يوسف فيه من الزاهدين، لا يعلمون نبوءته وكرامته على الله.
ثم قال (تعالى): ﴿وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي (مَثْوَاهُ)﴾: والذي اشتراه: هو الملك بمصر. اسمه: قطفير وهو العزيز. وكان على خزائن مصر، وكان الملك المعظم عندهم يومئذ: الريان بن الوليد، رجل من العمالقة. وكان اسم امرأة العزيز راعيل، وكان الملك زوجها لا ولد له، ولم يكن يأتـ[ـي] النساء، فأراد أن يتبناه.
وروي عن ابن مسعود أنه، قال: أفرس الناس ثلاثـ[ـة]: العزيز، حين قال لامرأته ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾، وابنة شعيب حين قالت لأبيها: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَأْجَرْتَ ٱلْقَوِيُّ (ٱلأَمِينُ)﴾ [القصص: ٢٦]، وأبو بكر الصديق، رضي الله عنه، حين ولى عمر، رضي الله عنه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ﴾: والمعنى وكما خلصناه من القتل من أيدي إخوته، كذلك مكنا له في الأرض، فجعلناه على خزائنها.
وقيل: المعنى: وكذلك مكنا له في الأرض، بأن عطفنا قلب الملك عليه حتى تمكن على الخزائن.
﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ﴾: مكناه، وهذا تصديق ليعقوب في قوله ليوسف: ﴿وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ﴾: وتأويل الأحاديث عبارة الرؤيا.
﴿وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ﴾: أي: مستولٍ على أمر يوسف.
وقيل: غالب على أمره: أي (مستول على أمره)، يفعل ما يشاء. "فالهاء" [في] المعنى الأول ليوسف، وفي الثاني لله. وقيل: إنها في القول الثاني ليوسف (أيضاً). [أي]: غالب على أمر يوسف، يفعل فيه ما يشاء.
﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾: وهم الذين باعوه بثمن بخس، وزهدوا فيه، والذين مضوا به إلى مصر وباعوه.
يوسف 12:22
قوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ - إلى قوله - ﴿مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ﴾: أي: ولما بلغ منتهى قوته، وشدته.
قال مجاهد: هو ثلاث وثلاثون سنة.
وقال ابن عباس: بضع وثلاثون سنة.
وقال الضحاك: عشرون سنة.
وقال ربيعة، وزيد بن أسلم، ومالك، رضي الله عنهم: الأشد الحُلُمُ. وقال الزجاج: الأشد: من سبع عشرة إلى أربعين. والأشد جمع عند سيبويه، واحدُهُ "شدة" كنعمة وأنْعُم.
وقال الكسائي: واحدة شدة كقد وأقُدُ.
وقال أبو عبيدة: لا واحد له من لفظه عند العرب.
وقال يونس الأشد جمع واحدةُ شد، وهو يذكر ويؤنث وفيه لغة، وهي ضم الهمزة.
* *
قوله: ﴿آتَيْنَاهُ حُكْماً (وَعِلْماً)﴾: قال مجاهد: العقل، والعلم قبل النبؤة.
وقيل: المعنى: جعلناه المستولي على الحكم، فكان يحكم في سلطان الملك.
وآتيناه علماً بالحكم.
﴿وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾. أي: ومثل ما فعلنا بيوسف، نفعل بمن أطاع، وأحسن في طاعته.
وقيل: المراد به محمد ﷺ. ولفظه عام، والمراد به الخصوص، والمعنى: وكما فعلنا بيوسف في تمكينه، ونجيناه من إخوته. كذلك نفعل بك يا محمد: نمكنك وننجيك من مشركي قريش، ونؤتيك الحكم والعلم.
ومن قرأ ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ بالفتح، فتح لالتقاء الساكنين.
ومن همز جعله من (تهيأت) (لك).
ومن كسر، لالتقاء الساكنين. ومن ضم كذلك شبهها بقبل وبعد.
ومن لم يهمز، أبدل من الهمزة تاءً. ويجوز أن يكون ليس من تهيأت، وإنما بني لأنه صوت، لا حظ له في الإعراب.
وقد قيل: إن من همز، فإنما هو من: "هاء يَهيءُ" مثل جاء يجيء. ومعناه: حسنة هيئتك.
ومن قرأ بالياء فعلى التخفيف من هذا المعنى، ويكون "لك" من كلام آخر، كما نقول: "لك عندي".
وقيل: إن من همزه، وضم التاء، فهي من تهيأت. والتاء للمتكلم كتاء قمت، (كما) يقول الرجل: هيأت للأمر، أهيء، هيأة. والمعنى وراودت يوسف امرأة العزيز عن نفسه للجماع، وغلقت أبواب البيت عليها، وعليه، وقالت: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾: أي: هلم لك، أي: اذْن، وتقرب، وتعال.
يقال: هيت فلان لفلان: إذا دعاه.
وقال ابن عباس: ﴿هِيْتَ﴾: كلام بالسريانية، تدعوه إلى نفسها.
قال يوسف لها: (معاذ الله): أي: أعوذ بالله معاذاً. والمصدر يدل على الفعل.
﴿إِنَّهُ رَبِّيۤ أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾: "أي: إن العزيز مالكي، وصاحبي، أحسن مثواي" وقيل: إن معنى الكلام: إن العزيز سيدي، يعني زوج المرأة.
وقيل: "الهاء" لله. والمعنى: إن الله ربي أحسن مثواي، فلا أعصيه. وقيل: "الهاء" عماد بمعنى الخبر، والأمر، فيكون "ربي" مبتدأ، و "أحسن" خبره. وعلى القول الأول: "ربي" خبر "إنَّ".
ومعنى: ﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ - إذا كان للعزيز-: أي: أحسن قراي، ومنزلي، وائتمنني فلا أخونه. وإذا كان لله: فمعناه: أحسن خلاصي، وعلمني، وخلقني فلا أعصيه, ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ﴾: أي: إن الحديث لأبقى للظالمين. وأصل الفلاح: البقاء، أي: "هذا الذي تدعونني إليه ظلم، ولا يفلح من عمل به.
والأبواب: وقف عند نافع، ولَكَ التمام عند غيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾. قيل: في الكلام تقديم وتأخير. والتقدير: ولقد همت به وهم بها كذلك لولا أن رأى برهان ربه، لنصرف عنه السوء".
وقيل: "كذلك": في موضعها لا تأخير فيها. ذكر أنها جعلت تذكر له محاسن نفسه، وتشوقه، إلى نفسها.
قال السدي: قالت له: يا يوسف! ما أحسن شعرك قال: هو أول ما يتناثر من جسدي. قالت له: يا يوسف! ما أحسن عينيك، قال: هي أول ما يسيل إلى الأرض من جسدي. قال: فلم تزل به حتى أطمعته (فهمت به، وهمّ بها) فدخلا البيت وغلقت الأبواب، وذهب ليحل سراويله، فإذا هو بصورة يعقوب، "قائماً في البيت" قد عضّ على إصبعه يقول: يا يوسف تواقعها، فإنما مثلك ما لم تواقعها مثل الطير في جو السماء لا يطاق. ومثلك إذا واقعتها مثله إذا مات وقع في الأرض، لا يستطيع أن يدفع عن نفسه. ومثلك إذا لم تواقعها مثل الثور الصعب، لا يعمل عليه. ومثلك إذا واقعتها مثل الثور حين يموت، فيدخل النمل في أصول قرونه، لا يستطيع أن يدفع عن نفسه. فربط سراويل(ه) وذهب، ليخرج يشتد، فأدركته، فأخذت بمؤخر قميصه من خلفه، فخرقته حتى أخرجته منه، وسقط، وَطَرَحَهُ يوسف، واشتد نحو الباب.
والهَمُّ بالشيء في كلام العرب: حديث النفس ﴿بِهِ﴾، ما لم يفعله.
ويروى أن يوسف، عليه السلام، لما خلا بها قامت لتستر ما بينهما، وبين الصنم، فقال لها يوسف: ما تفعلين؟ فقالت: أستر ما بيننا وبين هذا الصنم، لا يراني خاليةً معك. فقال لها يوسف: وأي شيء يستُرني من ربي.
وقال الحسن: زعموا - والله أعلم - أن سقف البيت انفرج، فرأى يوسف يعقوب عاضاً على إصبعه، فَولَّى هَارباً.
وقيل: رآه جبريل، عليهما السلام، قائلاً له: يا يوسف!. جعل الرحمان اسمك في الأنبياء، وتعمل عمل السفهاء. لئن واقعت الخطيئة، ليمحونك من ديوان النبؤة.
(و)قال ابن أبي مليكة عن ابن عباس: نودي أيا يوسف! أتزني؟ فتكون مثل الطير الذي نتف ريشه، وذهب يطير فلم يستطع.
وقيل: ركضه جبريل ﷺ، بعد النداء ركضةً في ظهره، فلم تبق فيه شهوة إلا خرجت. فوثب واستبقا الباب، وتطاير(ت) مسامير الباب، فلم تقدر أن تعلقه عليه. فتعلقت به، فقدّت قميصه من دبر.
وقال علي بن أبي طالب (رضي الله عنه): همّ يوسف أن يحل التكـ[ـة]، فقامت إلى صنم مكلل بالدُّرر، والياقوت، فسترته بثوب أبيض، فقال لها يوسف: أي شيء تصنعين؟ قالت: أستحي من إلاهي هذا أن يراني على هذه الصورة. فقال: أتستحين من صنم لا يعقل، ولا يسمع، ولا يأكل، ولا يشرب، ولا أستحي من إلاهي القائم على كل نفس بما كسبت، والله لا تنالها مني أبداً. وقيل: رأى في جدار البيت مكتوباً: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ﴾ [الإسراء: ٣٢] الآية.
وقال وهب: رأى كفاً فيها مكتوب: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٢]، ورأى (بعدها كفاً) فيها مكتوب ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار: ١٠] إلى قوله - ﴿تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٢]، ثم رأى كفاً ثالثة فيها مكتوب ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ﴾ [الإسراء: ٣٢] الآية -، ثم رأى رابعة فيها مكتوب ﴿وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] الآية. فولى يوسف هارباً.
وقال محمد بن كعب: رأى مكتوباً بين عينيها ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ﴾ الآية.
قال ابن عباس: همّ يوسف بها، حتى حمل الهِميان، وجلس منها مجلس الخاتن والروايات فيها كثيرة، لأنه قد حلّ وجلس، واستلقت هي له.
وقال أهل العلم: إنما ابتلى الله أنبياءه بالخطايا، ليكونوا على وَجَلٍ وإشفاقٍ، ولا يَتَّكِلوُا على سعة عفو الله عزّ وجلّ.
وقيل: بل ابتلاهم بذلك، ليعرفهم موضع نعمته عليهم ، بصفحه عن ذنوبهم.
وقال أبو عبيدة: المعنى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾: تَمَّ الكلام. ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾: أي: "لولا أن رأى برهان ربه، هَمَّ بها": على التقديم والتأخير، ينفي عن يوسف أن يكون هَمَّ بالخطيئة.
وقد خالفه في ذلك جميع أهل التفسير، ولا يجوز هذا أيضاً عند أهل العربية، لأنه لو كان كما قال، لكان باللام. لا يجوز عندهم: "ضربتك لولا زيد".
والمعنى عندهم: ﴿لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾، لأمضى ما همَّ به.
وقد قيل: إنَّ الهَمَّ بها: هو ما يخطر على القلب من حيل الشيطان، وذلك مما لا يؤاخذنا الله به.
وقيل: معنى ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾: أي: بضربها، ودفعها، ولم يفعل [ذلك] لئلا يكون [ذلك] لها حجة عليه. أَلقَى الله في نفسه ذلك فلم يفعله.
وقيل: إنه نودي، يا يوسف! تزني، وأنت مكتوب في الأنبياء، تعمل عمل السفهاء.
وقال الحسن: رأى صورة فيها وجه يعقوب، عاضّاً على أنامله، فدفع في صدره، فخرجت شهوته من أنامله. فكل ولد يعقوب ولد له، إثنا عشر ولداً، إلا يوسف فإنه ولد له أحد عشر ولداً، نقَّصَ له بتلك الشهوة ولداً.
وروي أنه نظر إلى يعقوب عاضاً على أنامله، يقول له: يا يوسف أتزني كما زنت الحمامة، فتساقط ريشها. وكان ذلك جبريل، عليه السلام.
وقيل: إنه سمع من قومه قائلاً، يقول ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٣٢].
وروي أنه كان لامرأة العزيز صنماً تعبده في بيتها، فلما أرادته أرخت على صنمها الستر لئلا يراها. فقال لها يوسف: أنت تستحيين من صنم، لا يسمع، [ولا يعقل]، ولا يبصر، وأنا لا أستحي من رب العالمين، الذي لا يحجبني عنه شيء. فولَّى هارباً.
وقيل: البرهان أنه تفكر فيما أوعد الله، عز وجل، على الزنا.
وقيل: إنه تذكر في قول الله عز وجل: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار: ١٠]، وفي قوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾ [يونس: ٦١]، وفي قوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] وفي قوله: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ﴾.
وروي عن ابن عباس أنه رأى تمثال الملك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ﴾: أي: استبق يوسف، وامرأة العزيز الباب ليهرب منها (فلحقت قميصه) فقدته من دبر، وصادفاً زوج المرأة، وهو العزيز عند الباب.
قال السدي: وجد زوجها جالساً عند الباب، وابن عمها معه، فلما رأته حضرها كيد، وخافت أن تفتضح، فقالت: ﴿مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا﴾، إنه راودني عن نفسي، فدفعته عن نفسي، فشققت قميصه. قال يوسف: بل هي راودتني عن نفسي، فأبيت وهربت منها. فأدركتني فشقت قميصي. فقال ابن عمها: تبيان هذا في القميص، فإن كان قُدَّ من قُبُل فصدقت، وإن كان من دبر، فكذبت. فأوتي بالقميص فوجد قد قُدَّ من دبر. فقال العزيز: ﴿إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ آية.
ومعنى: ﴿سُوۤءًا﴾ هنا: الزنا، ولم يكن يوسف يُريد أن يذْكُره لزوجها حتى كانـ(ـت) هي التي ابتدأت بالكيد، فغضب، فقال: هي ﴿رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي﴾ والشاهد ابن عمها. وقيل: هو صبي كان في المهد، قاله ابن عباس.
وقيل: كان من خاصة الملك، حكيماً من أهلها، وهو "أشبه" لأنه لو كان طفلاً كان في كلامه في المهد، وشهادته وحكمه (آية ليوسف) ولا يحتاج إلى ثوب، ولا غيره. والقول عند المازني مضمر، والمعنى: فقال: إن كان قميصه.
ويروى أنها قالت هو حوّل قميصه. وخرقه ليكون له حجة، فروي أن يوسف قال عند ذلك: هذه علامة في ظهري، لا تنالها يدي من كل جانب تناولته هي. فعلموا عند ذلك أنها التي قدَّت القميص، فعند ذلك قال العزيز: ﴿إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ﴾. وقيل: إن القائل هذا هو الشاهد، ورد الجواب على قولها: ﴿مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا﴾: أي: قال الشاهد: يا يوسف أعرض عما كان منها اليوم لا تذكره لأحد. ﴿وَٱسْتَغْفِرِي﴾ أنت زوجك: أي: سليه، ألا يعاقبك على ذنبك. ﴿إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ﴾ هذا كله قول الشاهد لهما. وقال: ﴿مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ﴾، ولم يقل: "من الخاطئات": لأنه قصد الخبر عن من يعقل "كلهم": المذكر والمؤنث، فغلّب المذكر. أي: إنك كنت من الناس الخاطئين.
يوسف 12:23
قوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ - إلى قوله - ﴿مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ﴾: أي: ولما بلغ منتهى قوته، وشدته.
قال مجاهد: هو ثلاث وثلاثون سنة.
وقال ابن عباس: بضع وثلاثون سنة.
وقال الضحاك: عشرون سنة.
وقال ربيعة، وزيد بن أسلم، ومالك، رضي الله عنهم: الأشد الحُلُمُ. وقال الزجاج: الأشد: من سبع عشرة إلى أربعين. والأشد جمع عند سيبويه، واحدُهُ "شدة" كنعمة وأنْعُم.
وقال الكسائي: واحدة شدة كقد وأقُدُ.
وقال أبو عبيدة: لا واحد له من لفظه عند العرب.
وقال يونس الأشد جمع واحدةُ شد، وهو يذكر ويؤنث وفيه لغة، وهي ضم الهمزة.
* *
قوله: ﴿آتَيْنَاهُ حُكْماً (وَعِلْماً)﴾: قال مجاهد: العقل، والعلم قبل النبؤة.
وقيل: المعنى: جعلناه المستولي على الحكم، فكان يحكم في سلطان الملك.
وآتيناه علماً بالحكم.
﴿وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾. أي: ومثل ما فعلنا بيوسف، نفعل بمن أطاع، وأحسن في طاعته.
وقيل: المراد به محمد ﷺ. ولفظه عام، والمراد به الخصوص، والمعنى: وكما فعلنا بيوسف في تمكينه، ونجيناه من إخوته. كذلك نفعل بك يا محمد: نمكنك وننجيك من مشركي قريش، ونؤتيك الحكم والعلم.
ومن قرأ ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ بالفتح، فتح لالتقاء الساكنين.
ومن همز جعله من (تهيأت) (لك).
ومن كسر، لالتقاء الساكنين. ومن ضم كذلك شبهها بقبل وبعد.
ومن لم يهمز، أبدل من الهمزة تاءً. ويجوز أن يكون ليس من تهيأت، وإنما بني لأنه صوت، لا حظ له في الإعراب.
وقد قيل: إن من همز، فإنما هو من: "هاء يَهيءُ" مثل جاء يجيء. ومعناه: حسنة هيئتك.
ومن قرأ بالياء فعلى التخفيف من هذا المعنى، ويكون "لك" من كلام آخر، كما نقول: "لك عندي".
وقيل: إن من همزه، وضم التاء، فهي من تهيأت. والتاء للمتكلم كتاء قمت، (كما) يقول الرجل: هيأت للأمر، أهيء، هيأة. والمعنى وراودت يوسف امرأة العزيز عن نفسه للجماع، وغلقت أبواب البيت عليها، وعليه، وقالت: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾: أي: هلم لك، أي: اذْن، وتقرب، وتعال.
يقال: هيت فلان لفلان: إذا دعاه.
وقال ابن عباس: ﴿هِيْتَ﴾: كلام بالسريانية، تدعوه إلى نفسها.
قال يوسف لها: (معاذ الله): أي: أعوذ بالله معاذاً. والمصدر يدل على الفعل.
﴿إِنَّهُ رَبِّيۤ أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾: "أي: إن العزيز مالكي، وصاحبي، أحسن مثواي" وقيل: إن معنى الكلام: إن العزيز سيدي، يعني زوج المرأة.
وقيل: "الهاء" لله. والمعنى: إن الله ربي أحسن مثواي، فلا أعصيه. وقيل: "الهاء" عماد بمعنى الخبر، والأمر، فيكون "ربي" مبتدأ، و "أحسن" خبره. وعلى القول الأول: "ربي" خبر "إنَّ".
ومعنى: ﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ - إذا كان للعزيز-: أي: أحسن قراي، ومنزلي، وائتمنني فلا أخونه. وإذا كان لله: فمعناه: أحسن خلاصي، وعلمني، وخلقني فلا أعصيه, ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ﴾: أي: إن الحديث لأبقى للظالمين. وأصل الفلاح: البقاء، أي: "هذا الذي تدعونني إليه ظلم، ولا يفلح من عمل به.
والأبواب: وقف عند نافع، ولَكَ التمام عند غيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾. قيل: في الكلام تقديم وتأخير. والتقدير: ولقد همت به وهم بها كذلك لولا أن رأى برهان ربه، لنصرف عنه السوء".
وقيل: "كذلك": في موضعها لا تأخير فيها. ذكر أنها جعلت تذكر له محاسن نفسه، وتشوقه، إلى نفسها.
قال السدي: قالت له: يا يوسف! ما أحسن شعرك قال: هو أول ما يتناثر من جسدي. قالت له: يا يوسف! ما أحسن عينيك، قال: هي أول ما يسيل إلى الأرض من جسدي. قال: فلم تزل به حتى أطمعته (فهمت به، وهمّ بها) فدخلا البيت وغلقت الأبواب، وذهب ليحل سراويله، فإذا هو بصورة يعقوب، "قائماً في البيت" قد عضّ على إصبعه يقول: يا يوسف تواقعها، فإنما مثلك ما لم تواقعها مثل الطير في جو السماء لا يطاق. ومثلك إذا واقعتها مثله إذا مات وقع في الأرض، لا يستطيع أن يدفع عن نفسه. ومثلك إذا لم تواقعها مثل الثور الصعب، لا يعمل عليه. ومثلك إذا واقعتها مثل الثور حين يموت، فيدخل النمل في أصول قرونه، لا يستطيع أن يدفع عن نفسه. فربط سراويل(ه) وذهب، ليخرج يشتد، فأدركته، فأخذت بمؤخر قميصه من خلفه، فخرقته حتى أخرجته منه، وسقط، وَطَرَحَهُ يوسف، واشتد نحو الباب.
والهَمُّ بالشيء في كلام العرب: حديث النفس ﴿بِهِ﴾، ما لم يفعله.
ويروى أن يوسف، عليه السلام، لما خلا بها قامت لتستر ما بينهما، وبين الصنم، فقال لها يوسف: ما تفعلين؟ فقالت: أستر ما بيننا وبين هذا الصنم، لا يراني خاليةً معك. فقال لها يوسف: وأي شيء يستُرني من ربي.
وقال الحسن: زعموا - والله أعلم - أن سقف البيت انفرج، فرأى يوسف يعقوب عاضاً على إصبعه، فَولَّى هَارباً.
وقيل: رآه جبريل، عليهما السلام، قائلاً له: يا يوسف!. جعل الرحمان اسمك في الأنبياء، وتعمل عمل السفهاء. لئن واقعت الخطيئة، ليمحونك من ديوان النبؤة.
(و)قال ابن أبي مليكة عن ابن عباس: نودي أيا يوسف! أتزني؟ فتكون مثل الطير الذي نتف ريشه، وذهب يطير فلم يستطع.
وقيل: ركضه جبريل ﷺ، بعد النداء ركضةً في ظهره، فلم تبق فيه شهوة إلا خرجت. فوثب واستبقا الباب، وتطاير(ت) مسامير الباب، فلم تقدر أن تعلقه عليه. فتعلقت به، فقدّت قميصه من دبر.
وقال علي بن أبي طالب (رضي الله عنه): همّ يوسف أن يحل التكـ[ـة]، فقامت إلى صنم مكلل بالدُّرر، والياقوت، فسترته بثوب أبيض، فقال لها يوسف: أي شيء تصنعين؟ قالت: أستحي من إلاهي هذا أن يراني على هذه الصورة. فقال: أتستحين من صنم لا يعقل، ولا يسمع، ولا يأكل، ولا يشرب، ولا أستحي من إلاهي القائم على كل نفس بما كسبت، والله لا تنالها مني أبداً. وقيل: رأى في جدار البيت مكتوباً: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ﴾ [الإسراء: ٣٢] الآية.
وقال وهب: رأى كفاً فيها مكتوب: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٢]، ورأى (بعدها كفاً) فيها مكتوب ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار: ١٠] إلى قوله - ﴿تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٢]، ثم رأى كفاً ثالثة فيها مكتوب ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ﴾ [الإسراء: ٣٢] الآية -، ثم رأى رابعة فيها مكتوب ﴿وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] الآية. فولى يوسف هارباً.
وقال محمد بن كعب: رأى مكتوباً بين عينيها ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ﴾ الآية.
قال ابن عباس: همّ يوسف بها، حتى حمل الهِميان، وجلس منها مجلس الخاتن والروايات فيها كثيرة، لأنه قد حلّ وجلس، واستلقت هي له.
وقال أهل العلم: إنما ابتلى الله أنبياءه بالخطايا، ليكونوا على وَجَلٍ وإشفاقٍ، ولا يَتَّكِلوُا على سعة عفو الله عزّ وجلّ.
وقيل: بل ابتلاهم بذلك، ليعرفهم موضع نعمته عليهم ، بصفحه عن ذنوبهم.
وقال أبو عبيدة: المعنى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾: تَمَّ الكلام. ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾: أي: "لولا أن رأى برهان ربه، هَمَّ بها": على التقديم والتأخير، ينفي عن يوسف أن يكون هَمَّ بالخطيئة.
وقد خالفه في ذلك جميع أهل التفسير، ولا يجوز هذا أيضاً عند أهل العربية، لأنه لو كان كما قال، لكان باللام. لا يجوز عندهم: "ضربتك لولا زيد".
والمعنى عندهم: ﴿لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾، لأمضى ما همَّ به.
وقد قيل: إنَّ الهَمَّ بها: هو ما يخطر على القلب من حيل الشيطان، وذلك مما لا يؤاخذنا الله به.
وقيل: معنى ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾: أي: بضربها، ودفعها، ولم يفعل [ذلك] لئلا يكون [ذلك] لها حجة عليه. أَلقَى الله في نفسه ذلك فلم يفعله.
وقيل: إنه نودي، يا يوسف! تزني، وأنت مكتوب في الأنبياء، تعمل عمل السفهاء.
وقال الحسن: رأى صورة فيها وجه يعقوب، عاضّاً على أنامله، فدفع في صدره، فخرجت شهوته من أنامله. فكل ولد يعقوب ولد له، إثنا عشر ولداً، إلا يوسف فإنه ولد له أحد عشر ولداً، نقَّصَ له بتلك الشهوة ولداً.
وروي أنه نظر إلى يعقوب عاضاً على أنامله، يقول له: يا يوسف أتزني كما زنت الحمامة، فتساقط ريشها. وكان ذلك جبريل، عليه السلام.
وقيل: إنه سمع من قومه قائلاً، يقول ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٣٢].
وروي أنه كان لامرأة العزيز صنماً تعبده في بيتها، فلما أرادته أرخت على صنمها الستر لئلا يراها. فقال لها يوسف: أنت تستحيين من صنم، لا يسمع، [ولا يعقل]، ولا يبصر، وأنا لا أستحي من رب العالمين، الذي لا يحجبني عنه شيء. فولَّى هارباً.
وقيل: البرهان أنه تفكر فيما أوعد الله، عز وجل، على الزنا.
وقيل: إنه تذكر في قول الله عز وجل: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار: ١٠]، وفي قوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾ [يونس: ٦١]، وفي قوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] وفي قوله: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ﴾.
وروي عن ابن عباس أنه رأى تمثال الملك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ﴾: أي: استبق يوسف، وامرأة العزيز الباب ليهرب منها (فلحقت قميصه) فقدته من دبر، وصادفاً زوج المرأة، وهو العزيز عند الباب.
قال السدي: وجد زوجها جالساً عند الباب، وابن عمها معه، فلما رأته حضرها كيد، وخافت أن تفتضح، فقالت: ﴿مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا﴾، إنه راودني عن نفسي، فدفعته عن نفسي، فشققت قميصه. قال يوسف: بل هي راودتني عن نفسي، فأبيت وهربت منها. فأدركتني فشقت قميصي. فقال ابن عمها: تبيان هذا في القميص، فإن كان قُدَّ من قُبُل فصدقت، وإن كان من دبر، فكذبت. فأوتي بالقميص فوجد قد قُدَّ من دبر. فقال العزيز: ﴿إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ آية.
ومعنى: ﴿سُوۤءًا﴾ هنا: الزنا، ولم يكن يوسف يُريد أن يذْكُره لزوجها حتى كانـ(ـت) هي التي ابتدأت بالكيد، فغضب، فقال: هي ﴿رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي﴾ والشاهد ابن عمها. وقيل: هو صبي كان في المهد، قاله ابن عباس.
وقيل: كان من خاصة الملك، حكيماً من أهلها، وهو "أشبه" لأنه لو كان طفلاً كان في كلامه في المهد، وشهادته وحكمه (آية ليوسف) ولا يحتاج إلى ثوب، ولا غيره. والقول عند المازني مضمر، والمعنى: فقال: إن كان قميصه.
ويروى أنها قالت هو حوّل قميصه. وخرقه ليكون له حجة، فروي أن يوسف قال عند ذلك: هذه علامة في ظهري، لا تنالها يدي من كل جانب تناولته هي. فعلموا عند ذلك أنها التي قدَّت القميص، فعند ذلك قال العزيز: ﴿إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ﴾. وقيل: إن القائل هذا هو الشاهد، ورد الجواب على قولها: ﴿مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا﴾: أي: قال الشاهد: يا يوسف أعرض عما كان منها اليوم لا تذكره لأحد. ﴿وَٱسْتَغْفِرِي﴾ أنت زوجك: أي: سليه، ألا يعاقبك على ذنبك. ﴿إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ﴾ هذا كله قول الشاهد لهما. وقال: ﴿مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ﴾، ولم يقل: "من الخاطئات": لأنه قصد الخبر عن من يعقل "كلهم": المذكر والمؤنث، فغلّب المذكر. أي: إنك كنت من الناس الخاطئين.
يوسف 12:24
قوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ - إلى قوله - ﴿مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ﴾: أي: ولما بلغ منتهى قوته، وشدته.
قال مجاهد: هو ثلاث وثلاثون سنة.
وقال ابن عباس: بضع وثلاثون سنة.
وقال الضحاك: عشرون سنة.
وقال ربيعة، وزيد بن أسلم، ومالك، رضي الله عنهم: الأشد الحُلُمُ. وقال الزجاج: الأشد: من سبع عشرة إلى أربعين. والأشد جمع عند سيبويه، واحدُهُ "شدة" كنعمة وأنْعُم.
وقال الكسائي: واحدة شدة كقد وأقُدُ.
وقال أبو عبيدة: لا واحد له من لفظه عند العرب.
وقال يونس الأشد جمع واحدةُ شد، وهو يذكر ويؤنث وفيه لغة، وهي ضم الهمزة.
* *
قوله: ﴿آتَيْنَاهُ حُكْماً (وَعِلْماً)﴾: قال مجاهد: العقل، والعلم قبل النبؤة.
وقيل: المعنى: جعلناه المستولي على الحكم، فكان يحكم في سلطان الملك.
وآتيناه علماً بالحكم.
﴿وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾. أي: ومثل ما فعلنا بيوسف، نفعل بمن أطاع، وأحسن في طاعته.
وقيل: المراد به محمد ﷺ. ولفظه عام، والمراد به الخصوص، والمعنى: وكما فعلنا بيوسف في تمكينه، ونجيناه من إخوته. كذلك نفعل بك يا محمد: نمكنك وننجيك من مشركي قريش، ونؤتيك الحكم والعلم.
ومن قرأ ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ بالفتح، فتح لالتقاء الساكنين.
ومن همز جعله من (تهيأت) (لك).
ومن كسر، لالتقاء الساكنين. ومن ضم كذلك شبهها بقبل وبعد.
ومن لم يهمز، أبدل من الهمزة تاءً. ويجوز أن يكون ليس من تهيأت، وإنما بني لأنه صوت، لا حظ له في الإعراب.
وقد قيل: إن من همز، فإنما هو من: "هاء يَهيءُ" مثل جاء يجيء. ومعناه: حسنة هيئتك.
ومن قرأ بالياء فعلى التخفيف من هذا المعنى، ويكون "لك" من كلام آخر، كما نقول: "لك عندي".
وقيل: إن من همزه، وضم التاء، فهي من تهيأت. والتاء للمتكلم كتاء قمت، (كما) يقول الرجل: هيأت للأمر، أهيء، هيأة. والمعنى وراودت يوسف امرأة العزيز عن نفسه للجماع، وغلقت أبواب البيت عليها، وعليه، وقالت: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾: أي: هلم لك، أي: اذْن، وتقرب، وتعال.
يقال: هيت فلان لفلان: إذا دعاه.
وقال ابن عباس: ﴿هِيْتَ﴾: كلام بالسريانية، تدعوه إلى نفسها.
قال يوسف لها: (معاذ الله): أي: أعوذ بالله معاذاً. والمصدر يدل على الفعل.
﴿إِنَّهُ رَبِّيۤ أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾: "أي: إن العزيز مالكي، وصاحبي، أحسن مثواي" وقيل: إن معنى الكلام: إن العزيز سيدي، يعني زوج المرأة.
وقيل: "الهاء" لله. والمعنى: إن الله ربي أحسن مثواي، فلا أعصيه. وقيل: "الهاء" عماد بمعنى الخبر، والأمر، فيكون "ربي" مبتدأ، و "أحسن" خبره. وعلى القول الأول: "ربي" خبر "إنَّ".
ومعنى: ﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ - إذا كان للعزيز-: أي: أحسن قراي، ومنزلي، وائتمنني فلا أخونه. وإذا كان لله: فمعناه: أحسن خلاصي، وعلمني، وخلقني فلا أعصيه, ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ﴾: أي: إن الحديث لأبقى للظالمين. وأصل الفلاح: البقاء، أي: "هذا الذي تدعونني إليه ظلم، ولا يفلح من عمل به.
والأبواب: وقف عند نافع، ولَكَ التمام عند غيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾. قيل: في الكلام تقديم وتأخير. والتقدير: ولقد همت به وهم بها كذلك لولا أن رأى برهان ربه، لنصرف عنه السوء".
وقيل: "كذلك": في موضعها لا تأخير فيها. ذكر أنها جعلت تذكر له محاسن نفسه، وتشوقه، إلى نفسها.
قال السدي: قالت له: يا يوسف! ما أحسن شعرك قال: هو أول ما يتناثر من جسدي. قالت له: يا يوسف! ما أحسن عينيك، قال: هي أول ما يسيل إلى الأرض من جسدي. قال: فلم تزل به حتى أطمعته (فهمت به، وهمّ بها) فدخلا البيت وغلقت الأبواب، وذهب ليحل سراويله، فإذا هو بصورة يعقوب، "قائماً في البيت" قد عضّ على إصبعه يقول: يا يوسف تواقعها، فإنما مثلك ما لم تواقعها مثل الطير في جو السماء لا يطاق. ومثلك إذا واقعتها مثله إذا مات وقع في الأرض، لا يستطيع أن يدفع عن نفسه. ومثلك إذا لم تواقعها مثل الثور الصعب، لا يعمل عليه. ومثلك إذا واقعتها مثل الثور حين يموت، فيدخل النمل في أصول قرونه، لا يستطيع أن يدفع عن نفسه. فربط سراويل(ه) وذهب، ليخرج يشتد، فأدركته، فأخذت بمؤخر قميصه من خلفه، فخرقته حتى أخرجته منه، وسقط، وَطَرَحَهُ يوسف، واشتد نحو الباب.
والهَمُّ بالشيء في كلام العرب: حديث النفس ﴿بِهِ﴾، ما لم يفعله.
ويروى أن يوسف، عليه السلام، لما خلا بها قامت لتستر ما بينهما، وبين الصنم، فقال لها يوسف: ما تفعلين؟ فقالت: أستر ما بيننا وبين هذا الصنم، لا يراني خاليةً معك. فقال لها يوسف: وأي شيء يستُرني من ربي.
وقال الحسن: زعموا - والله أعلم - أن سقف البيت انفرج، فرأى يوسف يعقوب عاضاً على إصبعه، فَولَّى هَارباً.
وقيل: رآه جبريل، عليهما السلام، قائلاً له: يا يوسف!. جعل الرحمان اسمك في الأنبياء، وتعمل عمل السفهاء. لئن واقعت الخطيئة، ليمحونك من ديوان النبؤة.
(و)قال ابن أبي مليكة عن ابن عباس: نودي أيا يوسف! أتزني؟ فتكون مثل الطير الذي نتف ريشه، وذهب يطير فلم يستطع.
وقيل: ركضه جبريل ﷺ، بعد النداء ركضةً في ظهره، فلم تبق فيه شهوة إلا خرجت. فوثب واستبقا الباب، وتطاير(ت) مسامير الباب، فلم تقدر أن تعلقه عليه. فتعلقت به، فقدّت قميصه من دبر.
وقال علي بن أبي طالب (رضي الله عنه): همّ يوسف أن يحل التكـ[ـة]، فقامت إلى صنم مكلل بالدُّرر، والياقوت، فسترته بثوب أبيض، فقال لها يوسف: أي شيء تصنعين؟ قالت: أستحي من إلاهي هذا أن يراني على هذه الصورة. فقال: أتستحين من صنم لا يعقل، ولا يسمع، ولا يأكل، ولا يشرب، ولا أستحي من إلاهي القائم على كل نفس بما كسبت، والله لا تنالها مني أبداً. وقيل: رأى في جدار البيت مكتوباً: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ﴾ [الإسراء: ٣٢] الآية.
وقال وهب: رأى كفاً فيها مكتوب: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٢]، ورأى (بعدها كفاً) فيها مكتوب ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار: ١٠] إلى قوله - ﴿تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٢]، ثم رأى كفاً ثالثة فيها مكتوب ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ﴾ [الإسراء: ٣٢] الآية -، ثم رأى رابعة فيها مكتوب ﴿وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] الآية. فولى يوسف هارباً.
وقال محمد بن كعب: رأى مكتوباً بين عينيها ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ﴾ الآية.
قال ابن عباس: همّ يوسف بها، حتى حمل الهِميان، وجلس منها مجلس الخاتن والروايات فيها كثيرة، لأنه قد حلّ وجلس، واستلقت هي له.
وقال أهل العلم: إنما ابتلى الله أنبياءه بالخطايا، ليكونوا على وَجَلٍ وإشفاقٍ، ولا يَتَّكِلوُا على سعة عفو الله عزّ وجلّ.
وقيل: بل ابتلاهم بذلك، ليعرفهم موضع نعمته عليهم ، بصفحه عن ذنوبهم.
وقال أبو عبيدة: المعنى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾: تَمَّ الكلام. ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾: أي: "لولا أن رأى برهان ربه، هَمَّ بها": على التقديم والتأخير، ينفي عن يوسف أن يكون هَمَّ بالخطيئة.
وقد خالفه في ذلك جميع أهل التفسير، ولا يجوز هذا أيضاً عند أهل العربية، لأنه لو كان كما قال، لكان باللام. لا يجوز عندهم: "ضربتك لولا زيد".
والمعنى عندهم: ﴿لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾، لأمضى ما همَّ به.
وقد قيل: إنَّ الهَمَّ بها: هو ما يخطر على القلب من حيل الشيطان، وذلك مما لا يؤاخذنا الله به.
وقيل: معنى ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾: أي: بضربها، ودفعها، ولم يفعل [ذلك] لئلا يكون [ذلك] لها حجة عليه. أَلقَى الله في نفسه ذلك فلم يفعله.
وقيل: إنه نودي، يا يوسف! تزني، وأنت مكتوب في الأنبياء، تعمل عمل السفهاء.
وقال الحسن: رأى صورة فيها وجه يعقوب، عاضّاً على أنامله، فدفع في صدره، فخرجت شهوته من أنامله. فكل ولد يعقوب ولد له، إثنا عشر ولداً، إلا يوسف فإنه ولد له أحد عشر ولداً، نقَّصَ له بتلك الشهوة ولداً.
وروي أنه نظر إلى يعقوب عاضاً على أنامله، يقول له: يا يوسف أتزني كما زنت الحمامة، فتساقط ريشها. وكان ذلك جبريل، عليه السلام.
وقيل: إنه سمع من قومه قائلاً، يقول ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٣٢].
وروي أنه كان لامرأة العزيز صنماً تعبده في بيتها، فلما أرادته أرخت على صنمها الستر لئلا يراها. فقال لها يوسف: أنت تستحيين من صنم، لا يسمع، [ولا يعقل]، ولا يبصر، وأنا لا أستحي من رب العالمين، الذي لا يحجبني عنه شيء. فولَّى هارباً.
وقيل: البرهان أنه تفكر فيما أوعد الله، عز وجل، على الزنا.
وقيل: إنه تذكر في قول الله عز وجل: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار: ١٠]، وفي قوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾ [يونس: ٦١]، وفي قوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] وفي قوله: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ﴾.
وروي عن ابن عباس أنه رأى تمثال الملك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ﴾: أي: استبق يوسف، وامرأة العزيز الباب ليهرب منها (فلحقت قميصه) فقدته من دبر، وصادفاً زوج المرأة، وهو العزيز عند الباب.
قال السدي: وجد زوجها جالساً عند الباب، وابن عمها معه، فلما رأته حضرها كيد، وخافت أن تفتضح، فقالت: ﴿مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا﴾، إنه راودني عن نفسي، فدفعته عن نفسي، فشققت قميصه. قال يوسف: بل هي راودتني عن نفسي، فأبيت وهربت منها. فأدركتني فشقت قميصي. فقال ابن عمها: تبيان هذا في القميص، فإن كان قُدَّ من قُبُل فصدقت، وإن كان من دبر، فكذبت. فأوتي بالقميص فوجد قد قُدَّ من دبر. فقال العزيز: ﴿إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ آية.
ومعنى: ﴿سُوۤءًا﴾ هنا: الزنا، ولم يكن يوسف يُريد أن يذْكُره لزوجها حتى كانـ(ـت) هي التي ابتدأت بالكيد، فغضب، فقال: هي ﴿رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي﴾ والشاهد ابن عمها. وقيل: هو صبي كان في المهد، قاله ابن عباس.
وقيل: كان من خاصة الملك، حكيماً من أهلها، وهو "أشبه" لأنه لو كان طفلاً كان في كلامه في المهد، وشهادته وحكمه (آية ليوسف) ولا يحتاج إلى ثوب، ولا غيره. والقول عند المازني مضمر، والمعنى: فقال: إن كان قميصه.
ويروى أنها قالت هو حوّل قميصه. وخرقه ليكون له حجة، فروي أن يوسف قال عند ذلك: هذه علامة في ظهري، لا تنالها يدي من كل جانب تناولته هي. فعلموا عند ذلك أنها التي قدَّت القميص، فعند ذلك قال العزيز: ﴿إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ﴾. وقيل: إن القائل هذا هو الشاهد، ورد الجواب على قولها: ﴿مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا﴾: أي: قال الشاهد: يا يوسف أعرض عما كان منها اليوم لا تذكره لأحد. ﴿وَٱسْتَغْفِرِي﴾ أنت زوجك: أي: سليه، ألا يعاقبك على ذنبك. ﴿إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ﴾ هذا كله قول الشاهد لهما. وقال: ﴿مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ﴾، ولم يقل: "من الخاطئات": لأنه قصد الخبر عن من يعقل "كلهم": المذكر والمؤنث، فغلّب المذكر. أي: إنك كنت من الناس الخاطئين.
يوسف 12:25
قوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ - إلى قوله - ﴿مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ﴾: أي: ولما بلغ منتهى قوته، وشدته.
قال مجاهد: هو ثلاث وثلاثون سنة.
وقال ابن عباس: بضع وثلاثون سنة.
وقال الضحاك: عشرون سنة.
وقال ربيعة، وزيد بن أسلم، ومالك، رضي الله عنهم: الأشد الحُلُمُ. وقال الزجاج: الأشد: من سبع عشرة إلى أربعين. والأشد جمع عند سيبويه، واحدُهُ "شدة" كنعمة وأنْعُم.
وقال الكسائي: واحدة شدة كقد وأقُدُ.
وقال أبو عبيدة: لا واحد له من لفظه عند العرب.
وقال يونس الأشد جمع واحدةُ شد، وهو يذكر ويؤنث وفيه لغة، وهي ضم الهمزة.
* *
قوله: ﴿آتَيْنَاهُ حُكْماً (وَعِلْماً)﴾: قال مجاهد: العقل، والعلم قبل النبؤة.
وقيل: المعنى: جعلناه المستولي على الحكم، فكان يحكم في سلطان الملك.
وآتيناه علماً بالحكم.
﴿وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾. أي: ومثل ما فعلنا بيوسف، نفعل بمن أطاع، وأحسن في طاعته.
وقيل: المراد به محمد ﷺ. ولفظه عام، والمراد به الخصوص، والمعنى: وكما فعلنا بيوسف في تمكينه، ونجيناه من إخوته. كذلك نفعل بك يا محمد: نمكنك وننجيك من مشركي قريش، ونؤتيك الحكم والعلم.
ومن قرأ ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ بالفتح، فتح لالتقاء الساكنين.
ومن همز جعله من (تهيأت) (لك).
ومن كسر، لالتقاء الساكنين. ومن ضم كذلك شبهها بقبل وبعد.
ومن لم يهمز، أبدل من الهمزة تاءً. ويجوز أن يكون ليس من تهيأت، وإنما بني لأنه صوت، لا حظ له في الإعراب.
وقد قيل: إن من همز، فإنما هو من: "هاء يَهيءُ" مثل جاء يجيء. ومعناه: حسنة هيئتك.
ومن قرأ بالياء فعلى التخفيف من هذا المعنى، ويكون "لك" من كلام آخر، كما نقول: "لك عندي".
وقيل: إن من همزه، وضم التاء، فهي من تهيأت. والتاء للمتكلم كتاء قمت، (كما) يقول الرجل: هيأت للأمر، أهيء، هيأة. والمعنى وراودت يوسف امرأة العزيز عن نفسه للجماع، وغلقت أبواب البيت عليها، وعليه، وقالت: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾: أي: هلم لك، أي: اذْن، وتقرب، وتعال.
يقال: هيت فلان لفلان: إذا دعاه.
وقال ابن عباس: ﴿هِيْتَ﴾: كلام بالسريانية، تدعوه إلى نفسها.
قال يوسف لها: (معاذ الله): أي: أعوذ بالله معاذاً. والمصدر يدل على الفعل.
﴿إِنَّهُ رَبِّيۤ أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾: "أي: إن العزيز مالكي، وصاحبي، أحسن مثواي" وقيل: إن معنى الكلام: إن العزيز سيدي، يعني زوج المرأة.
وقيل: "الهاء" لله. والمعنى: إن الله ربي أحسن مثواي، فلا أعصيه. وقيل: "الهاء" عماد بمعنى الخبر، والأمر، فيكون "ربي" مبتدأ، و "أحسن" خبره. وعلى القول الأول: "ربي" خبر "إنَّ".
ومعنى: ﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ - إذا كان للعزيز-: أي: أحسن قراي، ومنزلي، وائتمنني فلا أخونه. وإذا كان لله: فمعناه: أحسن خلاصي، وعلمني، وخلقني فلا أعصيه, ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ﴾: أي: إن الحديث لأبقى للظالمين. وأصل الفلاح: البقاء، أي: "هذا الذي تدعونني إليه ظلم، ولا يفلح من عمل به.
والأبواب: وقف عند نافع، ولَكَ التمام عند غيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾. قيل: في الكلام تقديم وتأخير. والتقدير: ولقد همت به وهم بها كذلك لولا أن رأى برهان ربه، لنصرف عنه السوء".
وقيل: "كذلك": في موضعها لا تأخير فيها. ذكر أنها جعلت تذكر له محاسن نفسه، وتشوقه، إلى نفسها.
قال السدي: قالت له: يا يوسف! ما أحسن شعرك قال: هو أول ما يتناثر من جسدي. قالت له: يا يوسف! ما أحسن عينيك، قال: هي أول ما يسيل إلى الأرض من جسدي. قال: فلم تزل به حتى أطمعته (فهمت به، وهمّ بها) فدخلا البيت وغلقت الأبواب، وذهب ليحل سراويله، فإذا هو بصورة يعقوب، "قائماً في البيت" قد عضّ على إصبعه يقول: يا يوسف تواقعها، فإنما مثلك ما لم تواقعها مثل الطير في جو السماء لا يطاق. ومثلك إذا واقعتها مثله إذا مات وقع في الأرض، لا يستطيع أن يدفع عن نفسه. ومثلك إذا لم تواقعها مثل الثور الصعب، لا يعمل عليه. ومثلك إذا واقعتها مثل الثور حين يموت، فيدخل النمل في أصول قرونه، لا يستطيع أن يدفع عن نفسه. فربط سراويل(ه) وذهب، ليخرج يشتد، فأدركته، فأخذت بمؤخر قميصه من خلفه، فخرقته حتى أخرجته منه، وسقط، وَطَرَحَهُ يوسف، واشتد نحو الباب.
والهَمُّ بالشيء في كلام العرب: حديث النفس ﴿بِهِ﴾، ما لم يفعله.
ويروى أن يوسف، عليه السلام، لما خلا بها قامت لتستر ما بينهما، وبين الصنم، فقال لها يوسف: ما تفعلين؟ فقالت: أستر ما بيننا وبين هذا الصنم، لا يراني خاليةً معك. فقال لها يوسف: وأي شيء يستُرني من ربي.
وقال الحسن: زعموا - والله أعلم - أن سقف البيت انفرج، فرأى يوسف يعقوب عاضاً على إصبعه، فَولَّى هَارباً.
وقيل: رآه جبريل، عليهما السلام، قائلاً له: يا يوسف!. جعل الرحمان اسمك في الأنبياء، وتعمل عمل السفهاء. لئن واقعت الخطيئة، ليمحونك من ديوان النبؤة.
(و)قال ابن أبي مليكة عن ابن عباس: نودي أيا يوسف! أتزني؟ فتكون مثل الطير الذي نتف ريشه، وذهب يطير فلم يستطع.
وقيل: ركضه جبريل ﷺ، بعد النداء ركضةً في ظهره، فلم تبق فيه شهوة إلا خرجت. فوثب واستبقا الباب، وتطاير(ت) مسامير الباب، فلم تقدر أن تعلقه عليه. فتعلقت به، فقدّت قميصه من دبر.
وقال علي بن أبي طالب (رضي الله عنه): همّ يوسف أن يحل التكـ[ـة]، فقامت إلى صنم مكلل بالدُّرر، والياقوت، فسترته بثوب أبيض، فقال لها يوسف: أي شيء تصنعين؟ قالت: أستحي من إلاهي هذا أن يراني على هذه الصورة. فقال: أتستحين من صنم لا يعقل، ولا يسمع، ولا يأكل، ولا يشرب، ولا أستحي من إلاهي القائم على كل نفس بما كسبت، والله لا تنالها مني أبداً. وقيل: رأى في جدار البيت مكتوباً: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ﴾ [الإسراء: ٣٢] الآية.
وقال وهب: رأى كفاً فيها مكتوب: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٢]، ورأى (بعدها كفاً) فيها مكتوب ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار: ١٠] إلى قوله - ﴿تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٢]، ثم رأى كفاً ثالثة فيها مكتوب ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ﴾ [الإسراء: ٣٢] الآية -، ثم رأى رابعة فيها مكتوب ﴿وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] الآية. فولى يوسف هارباً.
وقال محمد بن كعب: رأى مكتوباً بين عينيها ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ﴾ الآية.
قال ابن عباس: همّ يوسف بها، حتى حمل الهِميان، وجلس منها مجلس الخاتن والروايات فيها كثيرة، لأنه قد حلّ وجلس، واستلقت هي له.
وقال أهل العلم: إنما ابتلى الله أنبياءه بالخطايا، ليكونوا على وَجَلٍ وإشفاقٍ، ولا يَتَّكِلوُا على سعة عفو الله عزّ وجلّ.
وقيل: بل ابتلاهم بذلك، ليعرفهم موضع نعمته عليهم ، بصفحه عن ذنوبهم.
وقال أبو عبيدة: المعنى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾: تَمَّ الكلام. ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾: أي: "لولا أن رأى برهان ربه، هَمَّ بها": على التقديم والتأخير، ينفي عن يوسف أن يكون هَمَّ بالخطيئة.
وقد خالفه في ذلك جميع أهل التفسير، ولا يجوز هذا أيضاً عند أهل العربية، لأنه لو كان كما قال، لكان باللام. لا يجوز عندهم: "ضربتك لولا زيد".
والمعنى عندهم: ﴿لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾، لأمضى ما همَّ به.
وقد قيل: إنَّ الهَمَّ بها: هو ما يخطر على القلب من حيل الشيطان، وذلك مما لا يؤاخذنا الله به.
وقيل: معنى ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾: أي: بضربها، ودفعها، ولم يفعل [ذلك] لئلا يكون [ذلك] لها حجة عليه. أَلقَى الله في نفسه ذلك فلم يفعله.
وقيل: إنه نودي، يا يوسف! تزني، وأنت مكتوب في الأنبياء، تعمل عمل السفهاء.
وقال الحسن: رأى صورة فيها وجه يعقوب، عاضّاً على أنامله، فدفع في صدره، فخرجت شهوته من أنامله. فكل ولد يعقوب ولد له، إثنا عشر ولداً، إلا يوسف فإنه ولد له أحد عشر ولداً، نقَّصَ له بتلك الشهوة ولداً.
وروي أنه نظر إلى يعقوب عاضاً على أنامله، يقول له: يا يوسف أتزني كما زنت الحمامة، فتساقط ريشها. وكان ذلك جبريل، عليه السلام.
وقيل: إنه سمع من قومه قائلاً، يقول ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٣٢].
وروي أنه كان لامرأة العزيز صنماً تعبده في بيتها، فلما أرادته أرخت على صنمها الستر لئلا يراها. فقال لها يوسف: أنت تستحيين من صنم، لا يسمع، [ولا يعقل]، ولا يبصر، وأنا لا أستحي من رب العالمين، الذي لا يحجبني عنه شيء. فولَّى هارباً.
وقيل: البرهان أنه تفكر فيما أوعد الله، عز وجل، على الزنا.
وقيل: إنه تذكر في قول الله عز وجل: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار: ١٠]، وفي قوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾ [يونس: ٦١]، وفي قوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] وفي قوله: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ﴾.
وروي عن ابن عباس أنه رأى تمثال الملك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ﴾: أي: استبق يوسف، وامرأة العزيز الباب ليهرب منها (فلحقت قميصه) فقدته من دبر، وصادفاً زوج المرأة، وهو العزيز عند الباب.
قال السدي: وجد زوجها جالساً عند الباب، وابن عمها معه، فلما رأته حضرها كيد، وخافت أن تفتضح، فقالت: ﴿مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا﴾، إنه راودني عن نفسي، فدفعته عن نفسي، فشققت قميصه. قال يوسف: بل هي راودتني عن نفسي، فأبيت وهربت منها. فأدركتني فشقت قميصي. فقال ابن عمها: تبيان هذا في القميص، فإن كان قُدَّ من قُبُل فصدقت، وإن كان من دبر، فكذبت. فأوتي بالقميص فوجد قد قُدَّ من دبر. فقال العزيز: ﴿إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ آية.
ومعنى: ﴿سُوۤءًا﴾ هنا: الزنا، ولم يكن يوسف يُريد أن يذْكُره لزوجها حتى كانـ(ـت) هي التي ابتدأت بالكيد، فغضب، فقال: هي ﴿رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي﴾ والشاهد ابن عمها. وقيل: هو صبي كان في المهد، قاله ابن عباس.
وقيل: كان من خاصة الملك، حكيماً من أهلها، وهو "أشبه" لأنه لو كان طفلاً كان في كلامه في المهد، وشهادته وحكمه (آية ليوسف) ولا يحتاج إلى ثوب، ولا غيره. والقول عند المازني مضمر، والمعنى: فقال: إن كان قميصه.
ويروى أنها قالت هو حوّل قميصه. وخرقه ليكون له حجة، فروي أن يوسف قال عند ذلك: هذه علامة في ظهري، لا تنالها يدي من كل جانب تناولته هي. فعلموا عند ذلك أنها التي قدَّت القميص، فعند ذلك قال العزيز: ﴿إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ﴾. وقيل: إن القائل هذا هو الشاهد، ورد الجواب على قولها: ﴿مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا﴾: أي: قال الشاهد: يا يوسف أعرض عما كان منها اليوم لا تذكره لأحد. ﴿وَٱسْتَغْفِرِي﴾ أنت زوجك: أي: سليه، ألا يعاقبك على ذنبك. ﴿إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ﴾ هذا كله قول الشاهد لهما. وقال: ﴿مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ﴾، ولم يقل: "من الخاطئات": لأنه قصد الخبر عن من يعقل "كلهم": المذكر والمؤنث، فغلّب المذكر. أي: إنك كنت من الناس الخاطئين.
يوسف 12:26
قوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ - إلى قوله - ﴿مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ﴾: أي: ولما بلغ منتهى قوته، وشدته.
قال مجاهد: هو ثلاث وثلاثون سنة.
وقال ابن عباس: بضع وثلاثون سنة.
وقال الضحاك: عشرون سنة.
وقال ربيعة، وزيد بن أسلم، ومالك، رضي الله عنهم: الأشد الحُلُمُ. وقال الزجاج: الأشد: من سبع عشرة إلى أربعين. والأشد جمع عند سيبويه، واحدُهُ "شدة" كنعمة وأنْعُم.
وقال الكسائي: واحدة شدة كقد وأقُدُ.
وقال أبو عبيدة: لا واحد له من لفظه عند العرب.
وقال يونس الأشد جمع واحدةُ شد، وهو يذكر ويؤنث وفيه لغة، وهي ضم الهمزة.
* *
قوله: ﴿آتَيْنَاهُ حُكْماً (وَعِلْماً)﴾: قال مجاهد: العقل، والعلم قبل النبؤة.
وقيل: المعنى: جعلناه المستولي على الحكم، فكان يحكم في سلطان الملك.
وآتيناه علماً بالحكم.
﴿وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾. أي: ومثل ما فعلنا بيوسف، نفعل بمن أطاع، وأحسن في طاعته.
وقيل: المراد به محمد ﷺ. ولفظه عام، والمراد به الخصوص، والمعنى: وكما فعلنا بيوسف في تمكينه، ونجيناه من إخوته. كذلك نفعل بك يا محمد: نمكنك وننجيك من مشركي قريش، ونؤتيك الحكم والعلم.
ومن قرأ ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ بالفتح، فتح لالتقاء الساكنين.
ومن همز جعله من (تهيأت) (لك).
ومن كسر، لالتقاء الساكنين. ومن ضم كذلك شبهها بقبل وبعد.
ومن لم يهمز، أبدل من الهمزة تاءً. ويجوز أن يكون ليس من تهيأت، وإنما بني لأنه صوت، لا حظ له في الإعراب.
وقد قيل: إن من همز، فإنما هو من: "هاء يَهيءُ" مثل جاء يجيء. ومعناه: حسنة هيئتك.
ومن قرأ بالياء فعلى التخفيف من هذا المعنى، ويكون "لك" من كلام آخر، كما نقول: "لك عندي".
وقيل: إن من همزه، وضم التاء، فهي من تهيأت. والتاء للمتكلم كتاء قمت، (كما) يقول الرجل: هيأت للأمر، أهيء، هيأة. والمعنى وراودت يوسف امرأة العزيز عن نفسه للجماع، وغلقت أبواب البيت عليها، وعليه، وقالت: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾: أي: هلم لك، أي: اذْن، وتقرب، وتعال.
يقال: هيت فلان لفلان: إذا دعاه.
وقال ابن عباس: ﴿هِيْتَ﴾: كلام بالسريانية، تدعوه إلى نفسها.
قال يوسف لها: (معاذ الله): أي: أعوذ بالله معاذاً. والمصدر يدل على الفعل.
﴿إِنَّهُ رَبِّيۤ أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾: "أي: إن العزيز مالكي، وصاحبي، أحسن مثواي" وقيل: إن معنى الكلام: إن العزيز سيدي، يعني زوج المرأة.
وقيل: "الهاء" لله. والمعنى: إن الله ربي أحسن مثواي، فلا أعصيه. وقيل: "الهاء" عماد بمعنى الخبر، والأمر، فيكون "ربي" مبتدأ، و "أحسن" خبره. وعلى القول الأول: "ربي" خبر "إنَّ".
ومعنى: ﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ - إذا كان للعزيز-: أي: أحسن قراي، ومنزلي، وائتمنني فلا أخونه. وإذا كان لله: فمعناه: أحسن خلاصي، وعلمني، وخلقني فلا أعصيه, ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ﴾: أي: إن الحديث لأبقى للظالمين. وأصل الفلاح: البقاء، أي: "هذا الذي تدعونني إليه ظلم، ولا يفلح من عمل به.
والأبواب: وقف عند نافع، ولَكَ التمام عند غيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾. قيل: في الكلام تقديم وتأخير. والتقدير: ولقد همت به وهم بها كذلك لولا أن رأى برهان ربه، لنصرف عنه السوء".
وقيل: "كذلك": في موضعها لا تأخير فيها. ذكر أنها جعلت تذكر له محاسن نفسه، وتشوقه، إلى نفسها.
قال السدي: قالت له: يا يوسف! ما أحسن شعرك قال: هو أول ما يتناثر من جسدي. قالت له: يا يوسف! ما أحسن عينيك، قال: هي أول ما يسيل إلى الأرض من جسدي. قال: فلم تزل به حتى أطمعته (فهمت به، وهمّ بها) فدخلا البيت وغلقت الأبواب، وذهب ليحل سراويله، فإذا هو بصورة يعقوب، "قائماً في البيت" قد عضّ على إصبعه يقول: يا يوسف تواقعها، فإنما مثلك ما لم تواقعها مثل الطير في جو السماء لا يطاق. ومثلك إذا واقعتها مثله إذا مات وقع في الأرض، لا يستطيع أن يدفع عن نفسه. ومثلك إذا لم تواقعها مثل الثور الصعب، لا يعمل عليه. ومثلك إذا واقعتها مثل الثور حين يموت، فيدخل النمل في أصول قرونه، لا يستطيع أن يدفع عن نفسه. فربط سراويل(ه) وذهب، ليخرج يشتد، فأدركته، فأخذت بمؤخر قميصه من خلفه، فخرقته حتى أخرجته منه، وسقط، وَطَرَحَهُ يوسف، واشتد نحو الباب.
والهَمُّ بالشيء في كلام العرب: حديث النفس ﴿بِهِ﴾، ما لم يفعله.
ويروى أن يوسف، عليه السلام، لما خلا بها قامت لتستر ما بينهما، وبين الصنم، فقال لها يوسف: ما تفعلين؟ فقالت: أستر ما بيننا وبين هذا الصنم، لا يراني خاليةً معك. فقال لها يوسف: وأي شيء يستُرني من ربي.
وقال الحسن: زعموا - والله أعلم - أن سقف البيت انفرج، فرأى يوسف يعقوب عاضاً على إصبعه، فَولَّى هَارباً.
وقيل: رآه جبريل، عليهما السلام، قائلاً له: يا يوسف!. جعل الرحمان اسمك في الأنبياء، وتعمل عمل السفهاء. لئن واقعت الخطيئة، ليمحونك من ديوان النبؤة.
(و)قال ابن أبي مليكة عن ابن عباس: نودي أيا يوسف! أتزني؟ فتكون مثل الطير الذي نتف ريشه، وذهب يطير فلم يستطع.
وقيل: ركضه جبريل ﷺ، بعد النداء ركضةً في ظهره، فلم تبق فيه شهوة إلا خرجت. فوثب واستبقا الباب، وتطاير(ت) مسامير الباب، فلم تقدر أن تعلقه عليه. فتعلقت به، فقدّت قميصه من دبر.
وقال علي بن أبي طالب (رضي الله عنه): همّ يوسف أن يحل التكـ[ـة]، فقامت إلى صنم مكلل بالدُّرر، والياقوت، فسترته بثوب أبيض، فقال لها يوسف: أي شيء تصنعين؟ قالت: أستحي من إلاهي هذا أن يراني على هذه الصورة. فقال: أتستحين من صنم لا يعقل، ولا يسمع، ولا يأكل، ولا يشرب، ولا أستحي من إلاهي القائم على كل نفس بما كسبت، والله لا تنالها مني أبداً. وقيل: رأى في جدار البيت مكتوباً: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ﴾ [الإسراء: ٣٢] الآية.
وقال وهب: رأى كفاً فيها مكتوب: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٢]، ورأى (بعدها كفاً) فيها مكتوب ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار: ١٠] إلى قوله - ﴿تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٢]، ثم رأى كفاً ثالثة فيها مكتوب ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ﴾ [الإسراء: ٣٢] الآية -، ثم رأى رابعة فيها مكتوب ﴿وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] الآية. فولى يوسف هارباً.
وقال محمد بن كعب: رأى مكتوباً بين عينيها ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ﴾ الآية.
قال ابن عباس: همّ يوسف بها، حتى حمل الهِميان، وجلس منها مجلس الخاتن والروايات فيها كثيرة، لأنه قد حلّ وجلس، واستلقت هي له.
وقال أهل العلم: إنما ابتلى الله أنبياءه بالخطايا، ليكونوا على وَجَلٍ وإشفاقٍ، ولا يَتَّكِلوُا على سعة عفو الله عزّ وجلّ.
وقيل: بل ابتلاهم بذلك، ليعرفهم موضع نعمته عليهم ، بصفحه عن ذنوبهم.
وقال أبو عبيدة: المعنى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾: تَمَّ الكلام. ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾: أي: "لولا أن رأى برهان ربه، هَمَّ بها": على التقديم والتأخير، ينفي عن يوسف أن يكون هَمَّ بالخطيئة.
وقد خالفه في ذلك جميع أهل التفسير، ولا يجوز هذا أيضاً عند أهل العربية، لأنه لو كان كما قال، لكان باللام. لا يجوز عندهم: "ضربتك لولا زيد".
والمعنى عندهم: ﴿لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾، لأمضى ما همَّ به.
وقد قيل: إنَّ الهَمَّ بها: هو ما يخطر على القلب من حيل الشيطان، وذلك مما لا يؤاخذنا الله به.
وقيل: معنى ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾: أي: بضربها، ودفعها، ولم يفعل [ذلك] لئلا يكون [ذلك] لها حجة عليه. أَلقَى الله في نفسه ذلك فلم يفعله.
وقيل: إنه نودي، يا يوسف! تزني، وأنت مكتوب في الأنبياء، تعمل عمل السفهاء.
وقال الحسن: رأى صورة فيها وجه يعقوب، عاضّاً على أنامله، فدفع في صدره، فخرجت شهوته من أنامله. فكل ولد يعقوب ولد له، إثنا عشر ولداً، إلا يوسف فإنه ولد له أحد عشر ولداً، نقَّصَ له بتلك الشهوة ولداً.
وروي أنه نظر إلى يعقوب عاضاً على أنامله، يقول له: يا يوسف أتزني كما زنت الحمامة، فتساقط ريشها. وكان ذلك جبريل، عليه السلام.
وقيل: إنه سمع من قومه قائلاً، يقول ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٣٢].
وروي أنه كان لامرأة العزيز صنماً تعبده في بيتها، فلما أرادته أرخت على صنمها الستر لئلا يراها. فقال لها يوسف: أنت تستحيين من صنم، لا يسمع، [ولا يعقل]، ولا يبصر، وأنا لا أستحي من رب العالمين، الذي لا يحجبني عنه شيء. فولَّى هارباً.
وقيل: البرهان أنه تفكر فيما أوعد الله، عز وجل، على الزنا.
وقيل: إنه تذكر في قول الله عز وجل: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار: ١٠]، وفي قوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾ [يونس: ٦١]، وفي قوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] وفي قوله: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ﴾.
وروي عن ابن عباس أنه رأى تمثال الملك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ﴾: أي: استبق يوسف، وامرأة العزيز الباب ليهرب منها (فلحقت قميصه) فقدته من دبر، وصادفاً زوج المرأة، وهو العزيز عند الباب.
قال السدي: وجد زوجها جالساً عند الباب، وابن عمها معه، فلما رأته حضرها كيد، وخافت أن تفتضح، فقالت: ﴿مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا﴾، إنه راودني عن نفسي، فدفعته عن نفسي، فشققت قميصه. قال يوسف: بل هي راودتني عن نفسي، فأبيت وهربت منها. فأدركتني فشقت قميصي. فقال ابن عمها: تبيان هذا في القميص، فإن كان قُدَّ من قُبُل فصدقت، وإن كان من دبر، فكذبت. فأوتي بالقميص فوجد قد قُدَّ من دبر. فقال العزيز: ﴿إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ آية.
ومعنى: ﴿سُوۤءًا﴾ هنا: الزنا، ولم يكن يوسف يُريد أن يذْكُره لزوجها حتى كانـ(ـت) هي التي ابتدأت بالكيد، فغضب، فقال: هي ﴿رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي﴾ والشاهد ابن عمها. وقيل: هو صبي كان في المهد، قاله ابن عباس.
وقيل: كان من خاصة الملك، حكيماً من أهلها، وهو "أشبه" لأنه لو كان طفلاً كان في كلامه في المهد، وشهادته وحكمه (آية ليوسف) ولا يحتاج إلى ثوب، ولا غيره. والقول عند المازني مضمر، والمعنى: فقال: إن كان قميصه.
ويروى أنها قالت هو حوّل قميصه. وخرقه ليكون له حجة، فروي أن يوسف قال عند ذلك: هذه علامة في ظهري، لا تنالها يدي من كل جانب تناولته هي. فعلموا عند ذلك أنها التي قدَّت القميص، فعند ذلك قال العزيز: ﴿إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ﴾. وقيل: إن القائل هذا هو الشاهد، ورد الجواب على قولها: ﴿مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا﴾: أي: قال الشاهد: يا يوسف أعرض عما كان منها اليوم لا تذكره لأحد. ﴿وَٱسْتَغْفِرِي﴾ أنت زوجك: أي: سليه، ألا يعاقبك على ذنبك. ﴿إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ﴾ هذا كله قول الشاهد لهما. وقال: ﴿مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ﴾، ولم يقل: "من الخاطئات": لأنه قصد الخبر عن من يعقل "كلهم": المذكر والمؤنث، فغلّب المذكر. أي: إنك كنت من الناس الخاطئين.
يوسف 12:27
قوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ - إلى قوله - ﴿مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ﴾: أي: ولما بلغ منتهى قوته، وشدته.
قال مجاهد: هو ثلاث وثلاثون سنة.
وقال ابن عباس: بضع وثلاثون سنة.
وقال الضحاك: عشرون سنة.
وقال ربيعة، وزيد بن أسلم، ومالك، رضي الله عنهم: الأشد الحُلُمُ. وقال الزجاج: الأشد: من سبع عشرة إلى أربعين. والأشد جمع عند سيبويه، واحدُهُ "شدة" كنعمة وأنْعُم.
وقال الكسائي: واحدة شدة كقد وأقُدُ.
وقال أبو عبيدة: لا واحد له من لفظه عند العرب.
وقال يونس الأشد جمع واحدةُ شد، وهو يذكر ويؤنث وفيه لغة، وهي ضم الهمزة.
* *
قوله: ﴿آتَيْنَاهُ حُكْماً (وَعِلْماً)﴾: قال مجاهد: العقل، والعلم قبل النبؤة.
وقيل: المعنى: جعلناه المستولي على الحكم، فكان يحكم في سلطان الملك.
وآتيناه علماً بالحكم.
﴿وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾. أي: ومثل ما فعلنا بيوسف، نفعل بمن أطاع، وأحسن في طاعته.
وقيل: المراد به محمد ﷺ. ولفظه عام، والمراد به الخصوص، والمعنى: وكما فعلنا بيوسف في تمكينه، ونجيناه من إخوته. كذلك نفعل بك يا محمد: نمكنك وننجيك من مشركي قريش، ونؤتيك الحكم والعلم.
ومن قرأ ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ بالفتح، فتح لالتقاء الساكنين.
ومن همز جعله من (تهيأت) (لك).
ومن كسر، لالتقاء الساكنين. ومن ضم كذلك شبهها بقبل وبعد.
ومن لم يهمز، أبدل من الهمزة تاءً. ويجوز أن يكون ليس من تهيأت، وإنما بني لأنه صوت، لا حظ له في الإعراب.
وقد قيل: إن من همز، فإنما هو من: "هاء يَهيءُ" مثل جاء يجيء. ومعناه: حسنة هيئتك.
ومن قرأ بالياء فعلى التخفيف من هذا المعنى، ويكون "لك" من كلام آخر، كما نقول: "لك عندي".
وقيل: إن من همزه، وضم التاء، فهي من تهيأت. والتاء للمتكلم كتاء قمت، (كما) يقول الرجل: هيأت للأمر، أهيء، هيأة. والمعنى وراودت يوسف امرأة العزيز عن نفسه للجماع، وغلقت أبواب البيت عليها، وعليه، وقالت: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾: أي: هلم لك، أي: اذْن، وتقرب، وتعال.
يقال: هيت فلان لفلان: إذا دعاه.
وقال ابن عباس: ﴿هِيْتَ﴾: كلام بالسريانية، تدعوه إلى نفسها.
قال يوسف لها: (معاذ الله): أي: أعوذ بالله معاذاً. والمصدر يدل على الفعل.
﴿إِنَّهُ رَبِّيۤ أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾: "أي: إن العزيز مالكي، وصاحبي، أحسن مثواي" وقيل: إن معنى الكلام: إن العزيز سيدي، يعني زوج المرأة.
وقيل: "الهاء" لله. والمعنى: إن الله ربي أحسن مثواي، فلا أعصيه. وقيل: "الهاء" عماد بمعنى الخبر، والأمر، فيكون "ربي" مبتدأ، و "أحسن" خبره. وعلى القول الأول: "ربي" خبر "إنَّ".
ومعنى: ﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ - إذا كان للعزيز-: أي: أحسن قراي، ومنزلي، وائتمنني فلا أخونه. وإذا كان لله: فمعناه: أحسن خلاصي، وعلمني، وخلقني فلا أعصيه, ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ﴾: أي: إن الحديث لأبقى للظالمين. وأصل الفلاح: البقاء، أي: "هذا الذي تدعونني إليه ظلم، ولا يفلح من عمل به.
والأبواب: وقف عند نافع، ولَكَ التمام عند غيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾. قيل: في الكلام تقديم وتأخير. والتقدير: ولقد همت به وهم بها كذلك لولا أن رأى برهان ربه، لنصرف عنه السوء".
وقيل: "كذلك": في موضعها لا تأخير فيها. ذكر أنها جعلت تذكر له محاسن نفسه، وتشوقه، إلى نفسها.
قال السدي: قالت له: يا يوسف! ما أحسن شعرك قال: هو أول ما يتناثر من جسدي. قالت له: يا يوسف! ما أحسن عينيك، قال: هي أول ما يسيل إلى الأرض من جسدي. قال: فلم تزل به حتى أطمعته (فهمت به، وهمّ بها) فدخلا البيت وغلقت الأبواب، وذهب ليحل سراويله، فإذا هو بصورة يعقوب، "قائماً في البيت" قد عضّ على إصبعه يقول: يا يوسف تواقعها، فإنما مثلك ما لم تواقعها مثل الطير في جو السماء لا يطاق. ومثلك إذا واقعتها مثله إذا مات وقع في الأرض، لا يستطيع أن يدفع عن نفسه. ومثلك إذا لم تواقعها مثل الثور الصعب، لا يعمل عليه. ومثلك إذا واقعتها مثل الثور حين يموت، فيدخل النمل في أصول قرونه، لا يستطيع أن يدفع عن نفسه. فربط سراويل(ه) وذهب، ليخرج يشتد، فأدركته، فأخذت بمؤخر قميصه من خلفه، فخرقته حتى أخرجته منه، وسقط، وَطَرَحَهُ يوسف، واشتد نحو الباب.
والهَمُّ بالشيء في كلام العرب: حديث النفس ﴿بِهِ﴾، ما لم يفعله.
ويروى أن يوسف، عليه السلام، لما خلا بها قامت لتستر ما بينهما، وبين الصنم، فقال لها يوسف: ما تفعلين؟ فقالت: أستر ما بيننا وبين هذا الصنم، لا يراني خاليةً معك. فقال لها يوسف: وأي شيء يستُرني من ربي.
وقال الحسن: زعموا - والله أعلم - أن سقف البيت انفرج، فرأى يوسف يعقوب عاضاً على إصبعه، فَولَّى هَارباً.
وقيل: رآه جبريل، عليهما السلام، قائلاً له: يا يوسف!. جعل الرحمان اسمك في الأنبياء، وتعمل عمل السفهاء. لئن واقعت الخطيئة، ليمحونك من ديوان النبؤة.
(و)قال ابن أبي مليكة عن ابن عباس: نودي أيا يوسف! أتزني؟ فتكون مثل الطير الذي نتف ريشه، وذهب يطير فلم يستطع.
وقيل: ركضه جبريل ﷺ، بعد النداء ركضةً في ظهره، فلم تبق فيه شهوة إلا خرجت. فوثب واستبقا الباب، وتطاير(ت) مسامير الباب، فلم تقدر أن تعلقه عليه. فتعلقت به، فقدّت قميصه من دبر.
وقال علي بن أبي طالب (رضي الله عنه): همّ يوسف أن يحل التكـ[ـة]، فقامت إلى صنم مكلل بالدُّرر، والياقوت، فسترته بثوب أبيض، فقال لها يوسف: أي شيء تصنعين؟ قالت: أستحي من إلاهي هذا أن يراني على هذه الصورة. فقال: أتستحين من صنم لا يعقل، ولا يسمع، ولا يأكل، ولا يشرب، ولا أستحي من إلاهي القائم على كل نفس بما كسبت، والله لا تنالها مني أبداً. وقيل: رأى في جدار البيت مكتوباً: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ﴾ [الإسراء: ٣٢] الآية.
وقال وهب: رأى كفاً فيها مكتوب: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٢]، ورأى (بعدها كفاً) فيها مكتوب ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار: ١٠] إلى قوله - ﴿تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٢]، ثم رأى كفاً ثالثة فيها مكتوب ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ﴾ [الإسراء: ٣٢] الآية -، ثم رأى رابعة فيها مكتوب ﴿وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] الآية. فولى يوسف هارباً.
وقال محمد بن كعب: رأى مكتوباً بين عينيها ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ﴾ الآية.
قال ابن عباس: همّ يوسف بها، حتى حمل الهِميان، وجلس منها مجلس الخاتن والروايات فيها كثيرة، لأنه قد حلّ وجلس، واستلقت هي له.
وقال أهل العلم: إنما ابتلى الله أنبياءه بالخطايا، ليكونوا على وَجَلٍ وإشفاقٍ، ولا يَتَّكِلوُا على سعة عفو الله عزّ وجلّ.
وقيل: بل ابتلاهم بذلك، ليعرفهم موضع نعمته عليهم ، بصفحه عن ذنوبهم.
وقال أبو عبيدة: المعنى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾: تَمَّ الكلام. ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾: أي: "لولا أن رأى برهان ربه، هَمَّ بها": على التقديم والتأخير، ينفي عن يوسف أن يكون هَمَّ بالخطيئة.
وقد خالفه في ذلك جميع أهل التفسير، ولا يجوز هذا أيضاً عند أهل العربية، لأنه لو كان كما قال، لكان باللام. لا يجوز عندهم: "ضربتك لولا زيد".
والمعنى عندهم: ﴿لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾، لأمضى ما همَّ به.
وقد قيل: إنَّ الهَمَّ بها: هو ما يخطر على القلب من حيل الشيطان، وذلك مما لا يؤاخذنا الله به.
وقيل: معنى ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾: أي: بضربها، ودفعها، ولم يفعل [ذلك] لئلا يكون [ذلك] لها حجة عليه. أَلقَى الله في نفسه ذلك فلم يفعله.
وقيل: إنه نودي، يا يوسف! تزني، وأنت مكتوب في الأنبياء، تعمل عمل السفهاء.
وقال الحسن: رأى صورة فيها وجه يعقوب، عاضّاً على أنامله، فدفع في صدره، فخرجت شهوته من أنامله. فكل ولد يعقوب ولد له، إثنا عشر ولداً، إلا يوسف فإنه ولد له أحد عشر ولداً، نقَّصَ له بتلك الشهوة ولداً.
وروي أنه نظر إلى يعقوب عاضاً على أنامله، يقول له: يا يوسف أتزني كما زنت الحمامة، فتساقط ريشها. وكان ذلك جبريل، عليه السلام.
وقيل: إنه سمع من قومه قائلاً، يقول ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٣٢].
وروي أنه كان لامرأة العزيز صنماً تعبده في بيتها، فلما أرادته أرخت على صنمها الستر لئلا يراها. فقال لها يوسف: أنت تستحيين من صنم، لا يسمع، [ولا يعقل]، ولا يبصر، وأنا لا أستحي من رب العالمين، الذي لا يحجبني عنه شيء. فولَّى هارباً.
وقيل: البرهان أنه تفكر فيما أوعد الله، عز وجل، على الزنا.
وقيل: إنه تذكر في قول الله عز وجل: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار: ١٠]، وفي قوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾ [يونس: ٦١]، وفي قوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] وفي قوله: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ﴾.
وروي عن ابن عباس أنه رأى تمثال الملك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ﴾: أي: استبق يوسف، وامرأة العزيز الباب ليهرب منها (فلحقت قميصه) فقدته من دبر، وصادفاً زوج المرأة، وهو العزيز عند الباب.
قال السدي: وجد زوجها جالساً عند الباب، وابن عمها معه، فلما رأته حضرها كيد، وخافت أن تفتضح، فقالت: ﴿مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا﴾، إنه راودني عن نفسي، فدفعته عن نفسي، فشققت قميصه. قال يوسف: بل هي راودتني عن نفسي، فأبيت وهربت منها. فأدركتني فشقت قميصي. فقال ابن عمها: تبيان هذا في القميص، فإن كان قُدَّ من قُبُل فصدقت، وإن كان من دبر، فكذبت. فأوتي بالقميص فوجد قد قُدَّ من دبر. فقال العزيز: ﴿إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ آية.
ومعنى: ﴿سُوۤءًا﴾ هنا: الزنا، ولم يكن يوسف يُريد أن يذْكُره لزوجها حتى كانـ(ـت) هي التي ابتدأت بالكيد، فغضب، فقال: هي ﴿رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي﴾ والشاهد ابن عمها. وقيل: هو صبي كان في المهد، قاله ابن عباس.
وقيل: كان من خاصة الملك، حكيماً من أهلها، وهو "أشبه" لأنه لو كان طفلاً كان في كلامه في المهد، وشهادته وحكمه (آية ليوسف) ولا يحتاج إلى ثوب، ولا غيره. والقول عند المازني مضمر، والمعنى: فقال: إن كان قميصه.
ويروى أنها قالت هو حوّل قميصه. وخرقه ليكون له حجة، فروي أن يوسف قال عند ذلك: هذه علامة في ظهري، لا تنالها يدي من كل جانب تناولته هي. فعلموا عند ذلك أنها التي قدَّت القميص، فعند ذلك قال العزيز: ﴿إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ﴾. وقيل: إن القائل هذا هو الشاهد، ورد الجواب على قولها: ﴿مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا﴾: أي: قال الشاهد: يا يوسف أعرض عما كان منها اليوم لا تذكره لأحد. ﴿وَٱسْتَغْفِرِي﴾ أنت زوجك: أي: سليه، ألا يعاقبك على ذنبك. ﴿إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ﴾ هذا كله قول الشاهد لهما. وقال: ﴿مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ﴾، ولم يقل: "من الخاطئات": لأنه قصد الخبر عن من يعقل "كلهم": المذكر والمؤنث، فغلّب المذكر. أي: إنك كنت من الناس الخاطئين.
يوسف 12:28
قوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ - إلى قوله - ﴿مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ﴾: أي: ولما بلغ منتهى قوته، وشدته.
قال مجاهد: هو ثلاث وثلاثون سنة.
وقال ابن عباس: بضع وثلاثون سنة.
وقال الضحاك: عشرون سنة.
وقال ربيعة، وزيد بن أسلم، ومالك، رضي الله عنهم: الأشد الحُلُمُ. وقال الزجاج: الأشد: من سبع عشرة إلى أربعين. والأشد جمع عند سيبويه، واحدُهُ "شدة" كنعمة وأنْعُم.
وقال الكسائي: واحدة شدة كقد وأقُدُ.
وقال أبو عبيدة: لا واحد له من لفظه عند العرب.
وقال يونس الأشد جمع واحدةُ شد، وهو يذكر ويؤنث وفيه لغة، وهي ضم الهمزة.
* *
قوله: ﴿آتَيْنَاهُ حُكْماً (وَعِلْماً)﴾: قال مجاهد: العقل، والعلم قبل النبؤة.
وقيل: المعنى: جعلناه المستولي على الحكم، فكان يحكم في سلطان الملك.
وآتيناه علماً بالحكم.
﴿وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾. أي: ومثل ما فعلنا بيوسف، نفعل بمن أطاع، وأحسن في طاعته.
وقيل: المراد به محمد ﷺ. ولفظه عام، والمراد به الخصوص، والمعنى: وكما فعلنا بيوسف في تمكينه، ونجيناه من إخوته. كذلك نفعل بك يا محمد: نمكنك وننجيك من مشركي قريش، ونؤتيك الحكم والعلم.
ومن قرأ ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ بالفتح، فتح لالتقاء الساكنين.
ومن همز جعله من (تهيأت) (لك).
ومن كسر، لالتقاء الساكنين. ومن ضم كذلك شبهها بقبل وبعد.
ومن لم يهمز، أبدل من الهمزة تاءً. ويجوز أن يكون ليس من تهيأت، وإنما بني لأنه صوت، لا حظ له في الإعراب.
وقد قيل: إن من همز، فإنما هو من: "هاء يَهيءُ" مثل جاء يجيء. ومعناه: حسنة هيئتك.
ومن قرأ بالياء فعلى التخفيف من هذا المعنى، ويكون "لك" من كلام آخر، كما نقول: "لك عندي".
وقيل: إن من همزه، وضم التاء، فهي من تهيأت. والتاء للمتكلم كتاء قمت، (كما) يقول الرجل: هيأت للأمر، أهيء، هيأة. والمعنى وراودت يوسف امرأة العزيز عن نفسه للجماع، وغلقت أبواب البيت عليها، وعليه، وقالت: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾: أي: هلم لك، أي: اذْن، وتقرب، وتعال.
يقال: هيت فلان لفلان: إذا دعاه.
وقال ابن عباس: ﴿هِيْتَ﴾: كلام بالسريانية، تدعوه إلى نفسها.
قال يوسف لها: (معاذ الله): أي: أعوذ بالله معاذاً. والمصدر يدل على الفعل.
﴿إِنَّهُ رَبِّيۤ أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾: "أي: إن العزيز مالكي، وصاحبي، أحسن مثواي" وقيل: إن معنى الكلام: إن العزيز سيدي، يعني زوج المرأة.
وقيل: "الهاء" لله. والمعنى: إن الله ربي أحسن مثواي، فلا أعصيه. وقيل: "الهاء" عماد بمعنى الخبر، والأمر، فيكون "ربي" مبتدأ، و "أحسن" خبره. وعلى القول الأول: "ربي" خبر "إنَّ".
ومعنى: ﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ - إذا كان للعزيز-: أي: أحسن قراي، ومنزلي، وائتمنني فلا أخونه. وإذا كان لله: فمعناه: أحسن خلاصي، وعلمني، وخلقني فلا أعصيه, ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ﴾: أي: إن الحديث لأبقى للظالمين. وأصل الفلاح: البقاء، أي: "هذا الذي تدعونني إليه ظلم، ولا يفلح من عمل به.
والأبواب: وقف عند نافع، ولَكَ التمام عند غيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾. قيل: في الكلام تقديم وتأخير. والتقدير: ولقد همت به وهم بها كذلك لولا أن رأى برهان ربه، لنصرف عنه السوء".
وقيل: "كذلك": في موضعها لا تأخير فيها. ذكر أنها جعلت تذكر له محاسن نفسه، وتشوقه، إلى نفسها.
قال السدي: قالت له: يا يوسف! ما أحسن شعرك قال: هو أول ما يتناثر من جسدي. قالت له: يا يوسف! ما أحسن عينيك، قال: هي أول ما يسيل إلى الأرض من جسدي. قال: فلم تزل به حتى أطمعته (فهمت به، وهمّ بها) فدخلا البيت وغلقت الأبواب، وذهب ليحل سراويله، فإذا هو بصورة يعقوب، "قائماً في البيت" قد عضّ على إصبعه يقول: يا يوسف تواقعها، فإنما مثلك ما لم تواقعها مثل الطير في جو السماء لا يطاق. ومثلك إذا واقعتها مثله إذا مات وقع في الأرض، لا يستطيع أن يدفع عن نفسه. ومثلك إذا لم تواقعها مثل الثور الصعب، لا يعمل عليه. ومثلك إذا واقعتها مثل الثور حين يموت، فيدخل النمل في أصول قرونه، لا يستطيع أن يدفع عن نفسه. فربط سراويل(ه) وذهب، ليخرج يشتد، فأدركته، فأخذت بمؤخر قميصه من خلفه، فخرقته حتى أخرجته منه، وسقط، وَطَرَحَهُ يوسف، واشتد نحو الباب.
والهَمُّ بالشيء في كلام العرب: حديث النفس ﴿بِهِ﴾، ما لم يفعله.
ويروى أن يوسف، عليه السلام، لما خلا بها قامت لتستر ما بينهما، وبين الصنم، فقال لها يوسف: ما تفعلين؟ فقالت: أستر ما بيننا وبين هذا الصنم، لا يراني خاليةً معك. فقال لها يوسف: وأي شيء يستُرني من ربي.
وقال الحسن: زعموا - والله أعلم - أن سقف البيت انفرج، فرأى يوسف يعقوب عاضاً على إصبعه، فَولَّى هَارباً.
وقيل: رآه جبريل، عليهما السلام، قائلاً له: يا يوسف!. جعل الرحمان اسمك في الأنبياء، وتعمل عمل السفهاء. لئن واقعت الخطيئة، ليمحونك من ديوان النبؤة.
(و)قال ابن أبي مليكة عن ابن عباس: نودي أيا يوسف! أتزني؟ فتكون مثل الطير الذي نتف ريشه، وذهب يطير فلم يستطع.
وقيل: ركضه جبريل ﷺ، بعد النداء ركضةً في ظهره، فلم تبق فيه شهوة إلا خرجت. فوثب واستبقا الباب، وتطاير(ت) مسامير الباب، فلم تقدر أن تعلقه عليه. فتعلقت به، فقدّت قميصه من دبر.
وقال علي بن أبي طالب (رضي الله عنه): همّ يوسف أن يحل التكـ[ـة]، فقامت إلى صنم مكلل بالدُّرر، والياقوت، فسترته بثوب أبيض، فقال لها يوسف: أي شيء تصنعين؟ قالت: أستحي من إلاهي هذا أن يراني على هذه الصورة. فقال: أتستحين من صنم لا يعقل، ولا يسمع، ولا يأكل، ولا يشرب، ولا أستحي من إلاهي القائم على كل نفس بما كسبت، والله لا تنالها مني أبداً. وقيل: رأى في جدار البيت مكتوباً: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ﴾ [الإسراء: ٣٢] الآية.
وقال وهب: رأى كفاً فيها مكتوب: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٢]، ورأى (بعدها كفاً) فيها مكتوب ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار: ١٠] إلى قوله - ﴿تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٢]، ثم رأى كفاً ثالثة فيها مكتوب ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ﴾ [الإسراء: ٣٢] الآية -، ثم رأى رابعة فيها مكتوب ﴿وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] الآية. فولى يوسف هارباً.
وقال محمد بن كعب: رأى مكتوباً بين عينيها ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ﴾ الآية.
قال ابن عباس: همّ يوسف بها، حتى حمل الهِميان، وجلس منها مجلس الخاتن والروايات فيها كثيرة، لأنه قد حلّ وجلس، واستلقت هي له.
وقال أهل العلم: إنما ابتلى الله أنبياءه بالخطايا، ليكونوا على وَجَلٍ وإشفاقٍ، ولا يَتَّكِلوُا على سعة عفو الله عزّ وجلّ.
وقيل: بل ابتلاهم بذلك، ليعرفهم موضع نعمته عليهم ، بصفحه عن ذنوبهم.
وقال أبو عبيدة: المعنى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾: تَمَّ الكلام. ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾: أي: "لولا أن رأى برهان ربه، هَمَّ بها": على التقديم والتأخير، ينفي عن يوسف أن يكون هَمَّ بالخطيئة.
وقد خالفه في ذلك جميع أهل التفسير، ولا يجوز هذا أيضاً عند أهل العربية، لأنه لو كان كما قال، لكان باللام. لا يجوز عندهم: "ضربتك لولا زيد".
والمعنى عندهم: ﴿لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾، لأمضى ما همَّ به.
وقد قيل: إنَّ الهَمَّ بها: هو ما يخطر على القلب من حيل الشيطان، وذلك مما لا يؤاخذنا الله به.
وقيل: معنى ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾: أي: بضربها، ودفعها، ولم يفعل [ذلك] لئلا يكون [ذلك] لها حجة عليه. أَلقَى الله في نفسه ذلك فلم يفعله.
وقيل: إنه نودي، يا يوسف! تزني، وأنت مكتوب في الأنبياء، تعمل عمل السفهاء.
وقال الحسن: رأى صورة فيها وجه يعقوب، عاضّاً على أنامله، فدفع في صدره، فخرجت شهوته من أنامله. فكل ولد يعقوب ولد له، إثنا عشر ولداً، إلا يوسف فإنه ولد له أحد عشر ولداً، نقَّصَ له بتلك الشهوة ولداً.
وروي أنه نظر إلى يعقوب عاضاً على أنامله، يقول له: يا يوسف أتزني كما زنت الحمامة، فتساقط ريشها. وكان ذلك جبريل، عليه السلام.
وقيل: إنه سمع من قومه قائلاً، يقول ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٣٢].
وروي أنه كان لامرأة العزيز صنماً تعبده في بيتها، فلما أرادته أرخت على صنمها الستر لئلا يراها. فقال لها يوسف: أنت تستحيين من صنم، لا يسمع، [ولا يعقل]، ولا يبصر، وأنا لا أستحي من رب العالمين، الذي لا يحجبني عنه شيء. فولَّى هارباً.
وقيل: البرهان أنه تفكر فيما أوعد الله، عز وجل، على الزنا.
وقيل: إنه تذكر في قول الله عز وجل: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار: ١٠]، وفي قوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾ [يونس: ٦١]، وفي قوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] وفي قوله: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ﴾.
وروي عن ابن عباس أنه رأى تمثال الملك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ﴾: أي: استبق يوسف، وامرأة العزيز الباب ليهرب منها (فلحقت قميصه) فقدته من دبر، وصادفاً زوج المرأة، وهو العزيز عند الباب.
قال السدي: وجد زوجها جالساً عند الباب، وابن عمها معه، فلما رأته حضرها كيد، وخافت أن تفتضح، فقالت: ﴿مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا﴾، إنه راودني عن نفسي، فدفعته عن نفسي، فشققت قميصه. قال يوسف: بل هي راودتني عن نفسي، فأبيت وهربت منها. فأدركتني فشقت قميصي. فقال ابن عمها: تبيان هذا في القميص، فإن كان قُدَّ من قُبُل فصدقت، وإن كان من دبر، فكذبت. فأوتي بالقميص فوجد قد قُدَّ من دبر. فقال العزيز: ﴿إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ آية.
ومعنى: ﴿سُوۤءًا﴾ هنا: الزنا، ولم يكن يوسف يُريد أن يذْكُره لزوجها حتى كانـ(ـت) هي التي ابتدأت بالكيد، فغضب، فقال: هي ﴿رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي﴾ والشاهد ابن عمها. وقيل: هو صبي كان في المهد، قاله ابن عباس.
وقيل: كان من خاصة الملك، حكيماً من أهلها، وهو "أشبه" لأنه لو كان طفلاً كان في كلامه في المهد، وشهادته وحكمه (آية ليوسف) ولا يحتاج إلى ثوب، ولا غيره. والقول عند المازني مضمر، والمعنى: فقال: إن كان قميصه.
ويروى أنها قالت هو حوّل قميصه. وخرقه ليكون له حجة، فروي أن يوسف قال عند ذلك: هذه علامة في ظهري، لا تنالها يدي من كل جانب تناولته هي. فعلموا عند ذلك أنها التي قدَّت القميص، فعند ذلك قال العزيز: ﴿إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ﴾. وقيل: إن القائل هذا هو الشاهد، ورد الجواب على قولها: ﴿مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا﴾: أي: قال الشاهد: يا يوسف أعرض عما كان منها اليوم لا تذكره لأحد. ﴿وَٱسْتَغْفِرِي﴾ أنت زوجك: أي: سليه، ألا يعاقبك على ذنبك. ﴿إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ﴾ هذا كله قول الشاهد لهما. وقال: ﴿مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ﴾، ولم يقل: "من الخاطئات": لأنه قصد الخبر عن من يعقل "كلهم": المذكر والمؤنث، فغلّب المذكر. أي: إنك كنت من الناس الخاطئين.
يوسف 12:29
قوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ - إلى قوله - ﴿مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ﴾: أي: ولما بلغ منتهى قوته، وشدته.
قال مجاهد: هو ثلاث وثلاثون سنة.
وقال ابن عباس: بضع وثلاثون سنة.
وقال الضحاك: عشرون سنة.
وقال ربيعة، وزيد بن أسلم، ومالك، رضي الله عنهم: الأشد الحُلُمُ. وقال الزجاج: الأشد: من سبع عشرة إلى أربعين. والأشد جمع عند سيبويه، واحدُهُ "شدة" كنعمة وأنْعُم.
وقال الكسائي: واحدة شدة كقد وأقُدُ.
وقال أبو عبيدة: لا واحد له من لفظه عند العرب.
وقال يونس الأشد جمع واحدةُ شد، وهو يذكر ويؤنث وفيه لغة، وهي ضم الهمزة.
* *
قوله: ﴿آتَيْنَاهُ حُكْماً (وَعِلْماً)﴾: قال مجاهد: العقل، والعلم قبل النبؤة.
وقيل: المعنى: جعلناه المستولي على الحكم، فكان يحكم في سلطان الملك.
وآتيناه علماً بالحكم.
﴿وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾. أي: ومثل ما فعلنا بيوسف، نفعل بمن أطاع، وأحسن في طاعته.
وقيل: المراد به محمد ﷺ. ولفظه عام، والمراد به الخصوص، والمعنى: وكما فعلنا بيوسف في تمكينه، ونجيناه من إخوته. كذلك نفعل بك يا محمد: نمكنك وننجيك من مشركي قريش، ونؤتيك الحكم والعلم.
ومن قرأ ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ بالفتح، فتح لالتقاء الساكنين.
ومن همز جعله من (تهيأت) (لك).
ومن كسر، لالتقاء الساكنين. ومن ضم كذلك شبهها بقبل وبعد.
ومن لم يهمز، أبدل من الهمزة تاءً. ويجوز أن يكون ليس من تهيأت، وإنما بني لأنه صوت، لا حظ له في الإعراب.
وقد قيل: إن من همز، فإنما هو من: "هاء يَهيءُ" مثل جاء يجيء. ومعناه: حسنة هيئتك.
ومن قرأ بالياء فعلى التخفيف من هذا المعنى، ويكون "لك" من كلام آخر، كما نقول: "لك عندي".
وقيل: إن من همزه، وضم التاء، فهي من تهيأت. والتاء للمتكلم كتاء قمت، (كما) يقول الرجل: هيأت للأمر، أهيء، هيأة. والمعنى وراودت يوسف امرأة العزيز عن نفسه للجماع، وغلقت أبواب البيت عليها، وعليه، وقالت: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾: أي: هلم لك، أي: اذْن، وتقرب، وتعال.
يقال: هيت فلان لفلان: إذا دعاه.
وقال ابن عباس: ﴿هِيْتَ﴾: كلام بالسريانية، تدعوه إلى نفسها.
قال يوسف لها: (معاذ الله): أي: أعوذ بالله معاذاً. والمصدر يدل على الفعل.
﴿إِنَّهُ رَبِّيۤ أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾: "أي: إن العزيز مالكي، وصاحبي، أحسن مثواي" وقيل: إن معنى الكلام: إن العزيز سيدي، يعني زوج المرأة.
وقيل: "الهاء" لله. والمعنى: إن الله ربي أحسن مثواي، فلا أعصيه. وقيل: "الهاء" عماد بمعنى الخبر، والأمر، فيكون "ربي" مبتدأ، و "أحسن" خبره. وعلى القول الأول: "ربي" خبر "إنَّ".
ومعنى: ﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ - إذا كان للعزيز-: أي: أحسن قراي، ومنزلي، وائتمنني فلا أخونه. وإذا كان لله: فمعناه: أحسن خلاصي، وعلمني، وخلقني فلا أعصيه, ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ﴾: أي: إن الحديث لأبقى للظالمين. وأصل الفلاح: البقاء، أي: "هذا الذي تدعونني إليه ظلم، ولا يفلح من عمل به.
والأبواب: وقف عند نافع، ولَكَ التمام عند غيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾. قيل: في الكلام تقديم وتأخير. والتقدير: ولقد همت به وهم بها كذلك لولا أن رأى برهان ربه، لنصرف عنه السوء".
وقيل: "كذلك": في موضعها لا تأخير فيها. ذكر أنها جعلت تذكر له محاسن نفسه، وتشوقه، إلى نفسها.
قال السدي: قالت له: يا يوسف! ما أحسن شعرك قال: هو أول ما يتناثر من جسدي. قالت له: يا يوسف! ما أحسن عينيك، قال: هي أول ما يسيل إلى الأرض من جسدي. قال: فلم تزل به حتى أطمعته (فهمت به، وهمّ بها) فدخلا البيت وغلقت الأبواب، وذهب ليحل سراويله، فإذا هو بصورة يعقوب، "قائماً في البيت" قد عضّ على إصبعه يقول: يا يوسف تواقعها، فإنما مثلك ما لم تواقعها مثل الطير في جو السماء لا يطاق. ومثلك إذا واقعتها مثله إذا مات وقع في الأرض، لا يستطيع أن يدفع عن نفسه. ومثلك إذا لم تواقعها مثل الثور الصعب، لا يعمل عليه. ومثلك إذا واقعتها مثل الثور حين يموت، فيدخل النمل في أصول قرونه، لا يستطيع أن يدفع عن نفسه. فربط سراويل(ه) وذهب، ليخرج يشتد، فأدركته، فأخذت بمؤخر قميصه من خلفه، فخرقته حتى أخرجته منه، وسقط، وَطَرَحَهُ يوسف، واشتد نحو الباب.
والهَمُّ بالشيء في كلام العرب: حديث النفس ﴿بِهِ﴾، ما لم يفعله.
ويروى أن يوسف، عليه السلام، لما خلا بها قامت لتستر ما بينهما، وبين الصنم، فقال لها يوسف: ما تفعلين؟ فقالت: أستر ما بيننا وبين هذا الصنم، لا يراني خاليةً معك. فقال لها يوسف: وأي شيء يستُرني من ربي.
وقال الحسن: زعموا - والله أعلم - أن سقف البيت انفرج، فرأى يوسف يعقوب عاضاً على إصبعه، فَولَّى هَارباً.
وقيل: رآه جبريل، عليهما السلام، قائلاً له: يا يوسف!. جعل الرحمان اسمك في الأنبياء، وتعمل عمل السفهاء. لئن واقعت الخطيئة، ليمحونك من ديوان النبؤة.
(و)قال ابن أبي مليكة عن ابن عباس: نودي أيا يوسف! أتزني؟ فتكون مثل الطير الذي نتف ريشه، وذهب يطير فلم يستطع.
وقيل: ركضه جبريل ﷺ، بعد النداء ركضةً في ظهره، فلم تبق فيه شهوة إلا خرجت. فوثب واستبقا الباب، وتطاير(ت) مسامير الباب، فلم تقدر أن تعلقه عليه. فتعلقت به، فقدّت قميصه من دبر.
وقال علي بن أبي طالب (رضي الله عنه): همّ يوسف أن يحل التكـ[ـة]، فقامت إلى صنم مكلل بالدُّرر، والياقوت، فسترته بثوب أبيض، فقال لها يوسف: أي شيء تصنعين؟ قالت: أستحي من إلاهي هذا أن يراني على هذه الصورة. فقال: أتستحين من صنم لا يعقل، ولا يسمع، ولا يأكل، ولا يشرب، ولا أستحي من إلاهي القائم على كل نفس بما كسبت، والله لا تنالها مني أبداً. وقيل: رأى في جدار البيت مكتوباً: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ﴾ [الإسراء: ٣٢] الآية.
وقال وهب: رأى كفاً فيها مكتوب: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٢]، ورأى (بعدها كفاً) فيها مكتوب ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار: ١٠] إلى قوله - ﴿تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٢]، ثم رأى كفاً ثالثة فيها مكتوب ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ﴾ [الإسراء: ٣٢] الآية -، ثم رأى رابعة فيها مكتوب ﴿وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] الآية. فولى يوسف هارباً.
وقال محمد بن كعب: رأى مكتوباً بين عينيها ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ﴾ الآية.
قال ابن عباس: همّ يوسف بها، حتى حمل الهِميان، وجلس منها مجلس الخاتن والروايات فيها كثيرة، لأنه قد حلّ وجلس، واستلقت هي له.
وقال أهل العلم: إنما ابتلى الله أنبياءه بالخطايا، ليكونوا على وَجَلٍ وإشفاقٍ، ولا يَتَّكِلوُا على سعة عفو الله عزّ وجلّ.
وقيل: بل ابتلاهم بذلك، ليعرفهم موضع نعمته عليهم ، بصفحه عن ذنوبهم.
وقال أبو عبيدة: المعنى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾: تَمَّ الكلام. ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾: أي: "لولا أن رأى برهان ربه، هَمَّ بها": على التقديم والتأخير، ينفي عن يوسف أن يكون هَمَّ بالخطيئة.
وقد خالفه في ذلك جميع أهل التفسير، ولا يجوز هذا أيضاً عند أهل العربية، لأنه لو كان كما قال، لكان باللام. لا يجوز عندهم: "ضربتك لولا زيد".
والمعنى عندهم: ﴿لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾، لأمضى ما همَّ به.
وقد قيل: إنَّ الهَمَّ بها: هو ما يخطر على القلب من حيل الشيطان، وذلك مما لا يؤاخذنا الله به.
وقيل: معنى ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾: أي: بضربها، ودفعها، ولم يفعل [ذلك] لئلا يكون [ذلك] لها حجة عليه. أَلقَى الله في نفسه ذلك فلم يفعله.
وقيل: إنه نودي، يا يوسف! تزني، وأنت مكتوب في الأنبياء، تعمل عمل السفهاء.
وقال الحسن: رأى صورة فيها وجه يعقوب، عاضّاً على أنامله، فدفع في صدره، فخرجت شهوته من أنامله. فكل ولد يعقوب ولد له، إثنا عشر ولداً، إلا يوسف فإنه ولد له أحد عشر ولداً، نقَّصَ له بتلك الشهوة ولداً.
وروي أنه نظر إلى يعقوب عاضاً على أنامله، يقول له: يا يوسف أتزني كما زنت الحمامة، فتساقط ريشها. وكان ذلك جبريل، عليه السلام.
وقيل: إنه سمع من قومه قائلاً، يقول ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٣٢].
وروي أنه كان لامرأة العزيز صنماً تعبده في بيتها، فلما أرادته أرخت على صنمها الستر لئلا يراها. فقال لها يوسف: أنت تستحيين من صنم، لا يسمع، [ولا يعقل]، ولا يبصر، وأنا لا أستحي من رب العالمين، الذي لا يحجبني عنه شيء. فولَّى هارباً.
وقيل: البرهان أنه تفكر فيما أوعد الله، عز وجل، على الزنا.
وقيل: إنه تذكر في قول الله عز وجل: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار: ١٠]، وفي قوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾ [يونس: ٦١]، وفي قوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] وفي قوله: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ﴾.
وروي عن ابن عباس أنه رأى تمثال الملك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ﴾: أي: استبق يوسف، وامرأة العزيز الباب ليهرب منها (فلحقت قميصه) فقدته من دبر، وصادفاً زوج المرأة، وهو العزيز عند الباب.
قال السدي: وجد زوجها جالساً عند الباب، وابن عمها معه، فلما رأته حضرها كيد، وخافت أن تفتضح، فقالت: ﴿مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا﴾، إنه راودني عن نفسي، فدفعته عن نفسي، فشققت قميصه. قال يوسف: بل هي راودتني عن نفسي، فأبيت وهربت منها. فأدركتني فشقت قميصي. فقال ابن عمها: تبيان هذا في القميص، فإن كان قُدَّ من قُبُل فصدقت، وإن كان من دبر، فكذبت. فأوتي بالقميص فوجد قد قُدَّ من دبر. فقال العزيز: ﴿إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ آية.
ومعنى: ﴿سُوۤءًا﴾ هنا: الزنا، ولم يكن يوسف يُريد أن يذْكُره لزوجها حتى كانـ(ـت) هي التي ابتدأت بالكيد، فغضب، فقال: هي ﴿رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي﴾ والشاهد ابن عمها. وقيل: هو صبي كان في المهد، قاله ابن عباس.
وقيل: كان من خاصة الملك، حكيماً من أهلها، وهو "أشبه" لأنه لو كان طفلاً كان في كلامه في المهد، وشهادته وحكمه (آية ليوسف) ولا يحتاج إلى ثوب، ولا غيره. والقول عند المازني مضمر، والمعنى: فقال: إن كان قميصه.
ويروى أنها قالت هو حوّل قميصه. وخرقه ليكون له حجة، فروي أن يوسف قال عند ذلك: هذه علامة في ظهري، لا تنالها يدي من كل جانب تناولته هي. فعلموا عند ذلك أنها التي قدَّت القميص، فعند ذلك قال العزيز: ﴿إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ﴾. وقيل: إن القائل هذا هو الشاهد، ورد الجواب على قولها: ﴿مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا﴾: أي: قال الشاهد: يا يوسف أعرض عما كان منها اليوم لا تذكره لأحد. ﴿وَٱسْتَغْفِرِي﴾ أنت زوجك: أي: سليه، ألا يعاقبك على ذنبك. ﴿إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ﴾ هذا كله قول الشاهد لهما. وقال: ﴿مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ﴾، ولم يقل: "من الخاطئات": لأنه قصد الخبر عن من يعقل "كلهم": المذكر والمؤنث، فغلّب المذكر. أي: إنك كنت من الناس الخاطئين.
يوسف 12:30
قوله: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَةُ ٱلْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلصَّاغِرِينَ﴾:
المعنى: وتحدث نسوة بمصر بخبر امرأة العزيز، ولم ينكتم أمرهما، وقلن: امرأة العزيز تراود عبدها. والعرب تسمي المملوك فتى.
﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً﴾: أي قد بلغ حبه إلى شغاف قلبها، حتى غلب عليه. والشفاف: غلاف القلب. وقيل: حجابه وقيل: الشغاف: حبة القلب، وسويداؤه.
وقرأ أبو رجاء، والأعرج، وقتادة: "شعفها" بالعين، غير معجمة: أي: قد ذهب بها كل مذهب، لأن شغاف الجبال أعاليها.
وقال الشعبي: الشفاف: حب، والشغف: جنون.
﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي: في خطأ ظاهر، ﴿إِذْ رَاوَدتُّنَّ﴾ [يوسف: ٥١] غلامها عن نفسه. فلما سمعت امرأة العزيز بقول النسوة، وما مَكَرْن ذلك أنهن فيما روي، فعلن ذلك لتريهن يوسف. فقلن ما قلن مكراً بها، فلذلك سمي قولهن مكراً.
وقيل: إنها كانت أطلعتَهُنَّ على ذلك، واستكتمتهن، فأفشين ذلك، ومكرن بها. فلما سمعت بما فعلن، أرادت أن تُوقِعهن فيما وقعت هي فيه: ﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً﴾: أي: أعدت لهن مجلساً، أو مما يتكئن عليه من النمارق. وهو يفتعل من "وكأت". والأصل فيه: "مؤتكاً"، ففعل به ما فعل "بمتزر" من الوزر. وقد نطق به بالتاء مع غير تاء الإفتعال. قالوا: "تك الرجل متكئاً".
وقال ابن جبير: متكئاً: طعاماً وشراباً.
وقال السدي: ما يتكئن عليه. وقال ابن عباس: مجلساً. وقرأ الحسن: "متكى" بإسكان التاء من غير همز، على وزن "فعلـ(ـى) وهو المجلس والطعام.
وقال الضحاك: المتك: الزُّمَاوَرْد، وقيل هو الأترنج، روي ذلك عن ابن عباس.
وحكى القتيبي أنه يقال: "اتكأنا عند فلان، أي: أكلنا عنده"
* *
قوله: ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً﴾: يدل على أنه طعام يقطع بالسكاكين. فكأنه في التقدير: وأعتدت لهنَّ طعاماً متكئاً، ثم حذف مثل ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢]. والسكين: يُذَكر، ويؤنث عند الكسائي، والفراء، ولا يعرف الأصمعي إلا التذكير.
﴿وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ أي: قالت ليوسف: أخرج، فخرج (عليهن) ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾: أي عظم وجل في أعينهن، وكَبُر، وعظم، وبُهْتنَ. وقيل:
﴿أَكْبَرْنَهُ﴾: حضن الحيض البين.
"فالهاء" على القول الأول ليوسف، وعلى القول الثاني للحيض، كناية على المصدر. وأكبر[ن]، بمعنى حضن، مروي عن ابن عباس، والضحاك.
وعن مجاهد أن المعنى: فلما رأينه أعظمنه فحضن.
* *
وقوله: ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ بالحز بالسكاكين.
قال السدي: جعلن يحززن في أيديهن، وهن يحسبن أنهن يقطعن الأترج، ما يعقلن مما طرأ عليهن من جماله، وهيأته.
وقال قتادة، ومجاهد: "تقطعن أيديهن حتى ألقينها".
قال عكرمة: قطعن أيديهن: أي: أكمامهن. وروي أن يوسف، وأمه أعطيا ثلث الحسنوعن النبي ﷺ، أنهما أعطيا ثلث الحُسن
).
وقوله: ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾: أي: معاذ الله.
وحاشا يكون بمعنى التنزيه، وبمعنى الاستثناء، وهي هنا للتنزيه.
﴿مَا هَـٰذَا بَشَراً﴾: استَعظَمْنَ أمره، إذ لم يرين من البشر مثله.
﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾: أي: من الملائكة. قالت لهن: ﴿فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾: أي: فهذا الذي حلّ بكن في تقطيع أيديكنَّ الذي لمتنني في حبه. وقال الطبري: ذلك بمعنى هذا.
ثم قالت: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ﴾ إقراراً منها أن ما قيل حقٌّ، ﴿فَٱسَتَعْصَمَ﴾: قال قتادة: استعصى، وقال ابن عباس: امتنع.
﴿وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ آمُرُهُ (لَيُسْجَنَنَّ)﴾: أي: إن لم يطاوعني على ما أدعوه إليه ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ ﴿وَلَيَكُوناً مِّن ٱلصَّاغِرِينَ﴾: أي: من المهانين، المذلين بالحبس، والسجن.
وكأن في الكلام تقديماً، وتأخيراً، لأن تهديدها له بالسجن والهوان. أي: إن لم يساعدها إنما كان قبل تخريق القميص، وقبل معرفة زوجها بما (جرى) لها معه، والله أعلم بذلك.
فهذا الذي يدل عليه معنى النص: إذ بوقوف زوجها على القصة، انقطع ما بينهما، وطالبته بالعقوبة فسُجِن.
يوسف 12:31
قوله: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَةُ ٱلْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلصَّاغِرِينَ﴾:
المعنى: وتحدث نسوة بمصر بخبر امرأة العزيز، ولم ينكتم أمرهما، وقلن: امرأة العزيز تراود عبدها. والعرب تسمي المملوك فتى.
﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً﴾: أي قد بلغ حبه إلى شغاف قلبها، حتى غلب عليه. والشفاف: غلاف القلب. وقيل: حجابه وقيل: الشغاف: حبة القلب، وسويداؤه.
وقرأ أبو رجاء، والأعرج، وقتادة: "شعفها" بالعين، غير معجمة: أي: قد ذهب بها كل مذهب، لأن شغاف الجبال أعاليها.
وقال الشعبي: الشفاف: حب، والشغف: جنون.
﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي: في خطأ ظاهر، ﴿إِذْ رَاوَدتُّنَّ﴾ [يوسف: ٥١] غلامها عن نفسه. فلما سمعت امرأة العزيز بقول النسوة، وما مَكَرْن ذلك أنهن فيما روي، فعلن ذلك لتريهن يوسف. فقلن ما قلن مكراً بها، فلذلك سمي قولهن مكراً.
وقيل: إنها كانت أطلعتَهُنَّ على ذلك، واستكتمتهن، فأفشين ذلك، ومكرن بها. فلما سمعت بما فعلن، أرادت أن تُوقِعهن فيما وقعت هي فيه: ﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً﴾: أي: أعدت لهن مجلساً، أو مما يتكئن عليه من النمارق. وهو يفتعل من "وكأت". والأصل فيه: "مؤتكاً"، ففعل به ما فعل "بمتزر" من الوزر. وقد نطق به بالتاء مع غير تاء الإفتعال. قالوا: "تك الرجل متكئاً".
وقال ابن جبير: متكئاً: طعاماً وشراباً.
وقال السدي: ما يتكئن عليه. وقال ابن عباس: مجلساً. وقرأ الحسن: "متكى" بإسكان التاء من غير همز، على وزن "فعلـ(ـى) وهو المجلس والطعام.
وقال الضحاك: المتك: الزُّمَاوَرْد، وقيل هو الأترنج، روي ذلك عن ابن عباس.
وحكى القتيبي أنه يقال: "اتكأنا عند فلان، أي: أكلنا عنده"
* *
قوله: ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً﴾: يدل على أنه طعام يقطع بالسكاكين. فكأنه في التقدير: وأعتدت لهنَّ طعاماً متكئاً، ثم حذف مثل ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢]. والسكين: يُذَكر، ويؤنث عند الكسائي، والفراء، ولا يعرف الأصمعي إلا التذكير.
﴿وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ أي: قالت ليوسف: أخرج، فخرج (عليهن) ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾: أي عظم وجل في أعينهن، وكَبُر، وعظم، وبُهْتنَ. وقيل:
﴿أَكْبَرْنَهُ﴾: حضن الحيض البين.
"فالهاء" على القول الأول ليوسف، وعلى القول الثاني للحيض، كناية على المصدر. وأكبر[ن]، بمعنى حضن، مروي عن ابن عباس، والضحاك.
وعن مجاهد أن المعنى: فلما رأينه أعظمنه فحضن.
* *
وقوله: ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ بالحز بالسكاكين.
قال السدي: جعلن يحززن في أيديهن، وهن يحسبن أنهن يقطعن الأترج، ما يعقلن مما طرأ عليهن من جماله، وهيأته.
وقال قتادة، ومجاهد: "تقطعن أيديهن حتى ألقينها".
قال عكرمة: قطعن أيديهن: أي: أكمامهن. وروي أن يوسف، وأمه أعطيا ثلث الحسنوعن النبي ﷺ، أنهما أعطيا ثلث الحُسن
).
وقوله: ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾: أي: معاذ الله.
وحاشا يكون بمعنى التنزيه، وبمعنى الاستثناء، وهي هنا للتنزيه.
﴿مَا هَـٰذَا بَشَراً﴾: استَعظَمْنَ أمره، إذ لم يرين من البشر مثله.
﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾: أي: من الملائكة. قالت لهن: ﴿فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾: أي: فهذا الذي حلّ بكن في تقطيع أيديكنَّ الذي لمتنني في حبه. وقال الطبري: ذلك بمعنى هذا.
ثم قالت: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ﴾ إقراراً منها أن ما قيل حقٌّ، ﴿فَٱسَتَعْصَمَ﴾: قال قتادة: استعصى، وقال ابن عباس: امتنع.
﴿وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ آمُرُهُ (لَيُسْجَنَنَّ)﴾: أي: إن لم يطاوعني على ما أدعوه إليه ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ ﴿وَلَيَكُوناً مِّن ٱلصَّاغِرِينَ﴾: أي: من المهانين، المذلين بالحبس، والسجن.
وكأن في الكلام تقديماً، وتأخيراً، لأن تهديدها له بالسجن والهوان. أي: إن لم يساعدها إنما كان قبل تخريق القميص، وقبل معرفة زوجها بما (جرى) لها معه، والله أعلم بذلك.
فهذا الذي يدل عليه معنى النص: إذ بوقوف زوجها على القصة، انقطع ما بينهما، وطالبته بالعقوبة فسُجِن.
يوسف 12:32
قوله: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَةُ ٱلْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلصَّاغِرِينَ﴾:
المعنى: وتحدث نسوة بمصر بخبر امرأة العزيز، ولم ينكتم أمرهما، وقلن: امرأة العزيز تراود عبدها. والعرب تسمي المملوك فتى.
﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً﴾: أي قد بلغ حبه إلى شغاف قلبها، حتى غلب عليه. والشفاف: غلاف القلب. وقيل: حجابه وقيل: الشغاف: حبة القلب، وسويداؤه.
وقرأ أبو رجاء، والأعرج، وقتادة: "شعفها" بالعين، غير معجمة: أي: قد ذهب بها كل مذهب، لأن شغاف الجبال أعاليها.
وقال الشعبي: الشفاف: حب، والشغف: جنون.
﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي: في خطأ ظاهر، ﴿إِذْ رَاوَدتُّنَّ﴾ [يوسف: ٥١] غلامها عن نفسه. فلما سمعت امرأة العزيز بقول النسوة، وما مَكَرْن ذلك أنهن فيما روي، فعلن ذلك لتريهن يوسف. فقلن ما قلن مكراً بها، فلذلك سمي قولهن مكراً.
وقيل: إنها كانت أطلعتَهُنَّ على ذلك، واستكتمتهن، فأفشين ذلك، ومكرن بها. فلما سمعت بما فعلن، أرادت أن تُوقِعهن فيما وقعت هي فيه: ﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً﴾: أي: أعدت لهن مجلساً، أو مما يتكئن عليه من النمارق. وهو يفتعل من "وكأت". والأصل فيه: "مؤتكاً"، ففعل به ما فعل "بمتزر" من الوزر. وقد نطق به بالتاء مع غير تاء الإفتعال. قالوا: "تك الرجل متكئاً".
وقال ابن جبير: متكئاً: طعاماً وشراباً.
وقال السدي: ما يتكئن عليه. وقال ابن عباس: مجلساً. وقرأ الحسن: "متكى" بإسكان التاء من غير همز، على وزن "فعلـ(ـى) وهو المجلس والطعام.
وقال الضحاك: المتك: الزُّمَاوَرْد، وقيل هو الأترنج، روي ذلك عن ابن عباس.
وحكى القتيبي أنه يقال: "اتكأنا عند فلان، أي: أكلنا عنده"
* *
قوله: ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً﴾: يدل على أنه طعام يقطع بالسكاكين. فكأنه في التقدير: وأعتدت لهنَّ طعاماً متكئاً، ثم حذف مثل ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢]. والسكين: يُذَكر، ويؤنث عند الكسائي، والفراء، ولا يعرف الأصمعي إلا التذكير.
﴿وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ أي: قالت ليوسف: أخرج، فخرج (عليهن) ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾: أي عظم وجل في أعينهن، وكَبُر، وعظم، وبُهْتنَ. وقيل:
﴿أَكْبَرْنَهُ﴾: حضن الحيض البين.
"فالهاء" على القول الأول ليوسف، وعلى القول الثاني للحيض، كناية على المصدر. وأكبر[ن]، بمعنى حضن، مروي عن ابن عباس، والضحاك.
وعن مجاهد أن المعنى: فلما رأينه أعظمنه فحضن.
* *
وقوله: ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ بالحز بالسكاكين.
قال السدي: جعلن يحززن في أيديهن، وهن يحسبن أنهن يقطعن الأترج، ما يعقلن مما طرأ عليهن من جماله، وهيأته.
وقال قتادة، ومجاهد: "تقطعن أيديهن حتى ألقينها".
قال عكرمة: قطعن أيديهن: أي: أكمامهن. وروي أن يوسف، وأمه أعطيا ثلث الحسنوعن النبي ﷺ، أنهما أعطيا ثلث الحُسن
).
وقوله: ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾: أي: معاذ الله.
وحاشا يكون بمعنى التنزيه، وبمعنى الاستثناء، وهي هنا للتنزيه.
﴿مَا هَـٰذَا بَشَراً﴾: استَعظَمْنَ أمره، إذ لم يرين من البشر مثله.
﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾: أي: من الملائكة. قالت لهن: ﴿فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾: أي: فهذا الذي حلّ بكن في تقطيع أيديكنَّ الذي لمتنني في حبه. وقال الطبري: ذلك بمعنى هذا.
ثم قالت: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ﴾ إقراراً منها أن ما قيل حقٌّ، ﴿فَٱسَتَعْصَمَ﴾: قال قتادة: استعصى، وقال ابن عباس: امتنع.
﴿وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ آمُرُهُ (لَيُسْجَنَنَّ)﴾: أي: إن لم يطاوعني على ما أدعوه إليه ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ ﴿وَلَيَكُوناً مِّن ٱلصَّاغِرِينَ﴾: أي: من المهانين، المذلين بالحبس، والسجن.
وكأن في الكلام تقديماً، وتأخيراً، لأن تهديدها له بالسجن والهوان. أي: إن لم يساعدها إنما كان قبل تخريق القميص، وقبل معرفة زوجها بما (جرى) لها معه، والله أعلم بذلك.
فهذا الذي يدل عليه معنى النص: إذ بوقوف زوجها على القصة، انقطع ما بينهما، وطالبته بالعقوبة فسُجِن.
يوسف 12:33
قوله: ﴿قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّىٰ حِينٍ﴾
قرأ عثمان رضي الله عنه: "السَّجن بفتح السين والمعنى: رب، إن السجن أحب إلي، فهو مصدر. وهي قراءة ابن أبي إسحاق، والأعرج، ويعقوب. ورويت عن الزهري.
ومن كسر جعله إسماً. والمعنى: أن يوسف عليه السلام، اختار السجن على ما دعته إليه من الزنا.
* *
قوله: ﴿وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ يعني: مراودتُهُن. ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾: أي: أَمِلْ إليهن.
وقيل: أتابعُهُنَّ، وأكن بصبوتي من الذين جهلوا حقك، و[خـ]ـالفوا أمرك.
* *
قوله: ﴿أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا﴾: وقف. وقوله: ﴿مَا هَـٰذَا بَشَراً﴾: وقف عند نافع (فاستعصم): وقف. ثم أخبر تعالى أنه استجاب له بعصمه منها، ومن كيدها، وذلك أن في قوله: ﴿وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾، شكوى ما حل به منها، وكذلك رضاه بالسجن هو شكوى. فاستجاب له ذلك، فصرف الله عنه ما اشتكى به إليه.
﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ دعاء من دعاه، (العليم): بمصلحة خلقه.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ قيل: سنة، وقيل: سبع سنين. والحين: اسم للزمان يقع (عـ)ـلى القليل والكثير. وفاعل ﴿بَدَا﴾ عند سيبويه ليسجننه.
وعند المبرد مضمر، وهو المصدر: كأنه بدا لهم بداء.
والعرب تقول: بدا ليَّ بدءاً: أي تغيّر رأيي عمّا كان عليه، ومنهم من يقول: "قد بدا لي"، ولا يذكر "بدا" لكثرته في الكلام. وهذا من ذلك.
وقيل: المعنى: ثم بدا لهم رأي، ثم حذف الرأي. لأن الكلام يدل على المعنى، أي: ظهر لهم رأي لم يكونوا يعرفونَهُ، (ثم حذف الرأي).
فالمعنى: ثم ظهر للعزيز رأي أن يسجنه، وأخبر عنه بلفظ الجمع لأنه ملك ولأنه لم يذكر اسمه. فالمعنى: ثم ظهر للعزيز رأي أن يسجن يوسف من بعدما كان ظهر له أن يتركه مطلقاً، ومن بعدما رأوا الآيات ببراءته، وهي: (قد) القميص من دبر، وقطع أيدي النسوة، وخمش الوجوه. ومعنى ﴿حَتَّىٰ حِينٍ﴾: إلى سبع سنين.
وقيل: إن الله جعل ذلك الحبس ليوسف كفارة لذنبه، إذ همَّ بالخطيئة.
قال ابن عباس: عثر يوسف، عليه السلام، (ثلاث عثرات): حين همّ بها فسجن حتى حين، وحين قال: ﴿ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾. ونسي ذكر الله، (سبحانه) فلبث سنين في السجن، وحين قال: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف: ٧٠] فسكتوه بقولهم: ﴿قَالُوۤاْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾.
وعن ابن عباس (أيضاً): أنه قال: عوقب يوسف ﷺ، ثلاث مرات. وذكر ما ذكرنا عنه.
وقال السدي: كان أصل حبس يوسف أن امرأة العزيز قالت له: إن هذا العبد العبراني، قد فضحني في الناس، يعتذر إليهم، ويخبرهم أني راودته عن نفسه. ولست أطيق أن أعتذر بعذري. فإما أن تأذن لي في الخروج، وإما أن تحبسه كما حبستني. فظهر له أن يحبسه، ففعل.
والضمير في "لهم" للملك، وأعوانه، وأصحابه.
يوسف 12:34
قوله: ﴿قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّىٰ حِينٍ﴾
قرأ عثمان رضي الله عنه: "السَّجن بفتح السين والمعنى: رب، إن السجن أحب إلي، فهو مصدر. وهي قراءة ابن أبي إسحاق، والأعرج، ويعقوب. ورويت عن الزهري.
ومن كسر جعله إسماً. والمعنى: أن يوسف عليه السلام، اختار السجن على ما دعته إليه من الزنا.
* *
قوله: ﴿وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ يعني: مراودتُهُن. ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾: أي: أَمِلْ إليهن.
وقيل: أتابعُهُنَّ، وأكن بصبوتي من الذين جهلوا حقك، و[خـ]ـالفوا أمرك.
* *
قوله: ﴿أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا﴾: وقف. وقوله: ﴿مَا هَـٰذَا بَشَراً﴾: وقف عند نافع (فاستعصم): وقف. ثم أخبر تعالى أنه استجاب له بعصمه منها، ومن كيدها، وذلك أن في قوله: ﴿وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾، شكوى ما حل به منها، وكذلك رضاه بالسجن هو شكوى. فاستجاب له ذلك، فصرف الله عنه ما اشتكى به إليه.
﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ دعاء من دعاه، (العليم): بمصلحة خلقه.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ قيل: سنة، وقيل: سبع سنين. والحين: اسم للزمان يقع (عـ)ـلى القليل والكثير. وفاعل ﴿بَدَا﴾ عند سيبويه ليسجننه.
وعند المبرد مضمر، وهو المصدر: كأنه بدا لهم بداء.
والعرب تقول: بدا ليَّ بدءاً: أي تغيّر رأيي عمّا كان عليه، ومنهم من يقول: "قد بدا لي"، ولا يذكر "بدا" لكثرته في الكلام. وهذا من ذلك.
وقيل: المعنى: ثم بدا لهم رأي، ثم حذف الرأي. لأن الكلام يدل على المعنى، أي: ظهر لهم رأي لم يكونوا يعرفونَهُ، (ثم حذف الرأي).
فالمعنى: ثم ظهر للعزيز رأي أن يسجنه، وأخبر عنه بلفظ الجمع لأنه ملك ولأنه لم يذكر اسمه. فالمعنى: ثم ظهر للعزيز رأي أن يسجن يوسف من بعدما كان ظهر له أن يتركه مطلقاً، ومن بعدما رأوا الآيات ببراءته، وهي: (قد) القميص من دبر، وقطع أيدي النسوة، وخمش الوجوه. ومعنى ﴿حَتَّىٰ حِينٍ﴾: إلى سبع سنين.
وقيل: إن الله جعل ذلك الحبس ليوسف كفارة لذنبه، إذ همَّ بالخطيئة.
قال ابن عباس: عثر يوسف، عليه السلام، (ثلاث عثرات): حين همّ بها فسجن حتى حين، وحين قال: ﴿ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾. ونسي ذكر الله، (سبحانه) فلبث سنين في السجن، وحين قال: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف: ٧٠] فسكتوه بقولهم: ﴿قَالُوۤاْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾.
وعن ابن عباس (أيضاً): أنه قال: عوقب يوسف ﷺ، ثلاث مرات. وذكر ما ذكرنا عنه.
وقال السدي: كان أصل حبس يوسف أن امرأة العزيز قالت له: إن هذا العبد العبراني، قد فضحني في الناس، يعتذر إليهم، ويخبرهم أني راودته عن نفسه. ولست أطيق أن أعتذر بعذري. فإما أن تأذن لي في الخروج، وإما أن تحبسه كما حبستني. فظهر له أن يحبسه، ففعل.
والضمير في "لهم" للملك، وأعوانه، وأصحابه.
يوسف 12:35
قوله: ﴿قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّىٰ حِينٍ﴾
قرأ عثمان رضي الله عنه: "السَّجن بفتح السين والمعنى: رب، إن السجن أحب إلي، فهو مصدر. وهي قراءة ابن أبي إسحاق، والأعرج، ويعقوب. ورويت عن الزهري.
ومن كسر جعله إسماً. والمعنى: أن يوسف عليه السلام، اختار السجن على ما دعته إليه من الزنا.
* *
قوله: ﴿وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ يعني: مراودتُهُن. ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾: أي: أَمِلْ إليهن.
وقيل: أتابعُهُنَّ، وأكن بصبوتي من الذين جهلوا حقك، و[خـ]ـالفوا أمرك.
* *
قوله: ﴿أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا﴾: وقف. وقوله: ﴿مَا هَـٰذَا بَشَراً﴾: وقف عند نافع (فاستعصم): وقف. ثم أخبر تعالى أنه استجاب له بعصمه منها، ومن كيدها، وذلك أن في قوله: ﴿وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾، شكوى ما حل به منها، وكذلك رضاه بالسجن هو شكوى. فاستجاب له ذلك، فصرف الله عنه ما اشتكى به إليه.
﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ دعاء من دعاه، (العليم): بمصلحة خلقه.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ قيل: سنة، وقيل: سبع سنين. والحين: اسم للزمان يقع (عـ)ـلى القليل والكثير. وفاعل ﴿بَدَا﴾ عند سيبويه ليسجننه.
وعند المبرد مضمر، وهو المصدر: كأنه بدا لهم بداء.
والعرب تقول: بدا ليَّ بدءاً: أي تغيّر رأيي عمّا كان عليه، ومنهم من يقول: "قد بدا لي"، ولا يذكر "بدا" لكثرته في الكلام. وهذا من ذلك.
وقيل: المعنى: ثم بدا لهم رأي، ثم حذف الرأي. لأن الكلام يدل على المعنى، أي: ظهر لهم رأي لم يكونوا يعرفونَهُ، (ثم حذف الرأي).
فالمعنى: ثم ظهر للعزيز رأي أن يسجنه، وأخبر عنه بلفظ الجمع لأنه ملك ولأنه لم يذكر اسمه. فالمعنى: ثم ظهر للعزيز رأي أن يسجن يوسف من بعدما كان ظهر له أن يتركه مطلقاً، ومن بعدما رأوا الآيات ببراءته، وهي: (قد) القميص من دبر، وقطع أيدي النسوة، وخمش الوجوه. ومعنى ﴿حَتَّىٰ حِينٍ﴾: إلى سبع سنين.
وقيل: إن الله جعل ذلك الحبس ليوسف كفارة لذنبه، إذ همَّ بالخطيئة.
قال ابن عباس: عثر يوسف، عليه السلام، (ثلاث عثرات): حين همّ بها فسجن حتى حين، وحين قال: ﴿ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾. ونسي ذكر الله، (سبحانه) فلبث سنين في السجن، وحين قال: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف: ٧٠] فسكتوه بقولهم: ﴿قَالُوۤاْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾.
وعن ابن عباس (أيضاً): أنه قال: عوقب يوسف ﷺ، ثلاث مرات. وذكر ما ذكرنا عنه.
وقال السدي: كان أصل حبس يوسف أن امرأة العزيز قالت له: إن هذا العبد العبراني، قد فضحني في الناس، يعتذر إليهم، ويخبرهم أني راودته عن نفسه. ولست أطيق أن أعتذر بعذري. فإما أن تأذن لي في الخروج، وإما أن تحبسه كما حبستني. فظهر له أن يحبسه، ففعل.
والضمير في "لهم" للملك، وأعوانه، وأصحابه.
يوسف 12:36
قوله: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ إلى قوله ﴿لاَ يَشْكُرُونَ﴾. كان الفتيان غلامين من غلمان الملك الأكبر. أحدهما: صاحب شرابه، والآخر: صاحب طعامه سخط عليهما الملك. وذلك أنه بلغه أن صاحب الطعام يريد أن يَسُمَّهُ له وظن أن صاحب الشراب مالأه على ذلك. قال ذلك السدي: [قال]: لما دخل يوسف في السجن قال: إني أعبُر الأحلام. فقال أحد الشابين [لصاحبه]: هلم فلنجرب هذا [العبد] العبراني. فَتتَراءَيَا له، فَسَأَلاَه من غير أن يكونا رأيا شيئاً، فقال صاحب الطعام: ﴿إِنِّي أَرَانِيۤ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ﴾، وقال صاحب الشراب: ﴿إِنِّيۤ أَرَانِيۤ﴾ أعصر خمراً وقيل: بل كانا رأياها على صحة في منامهما.
وروي أنه لما فسر لهما ما رأيا رجعا، فقالا ما رأينا شيئاً، وإنما جربناك. فقال يوسف ﷺ: ﴿قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ أي: لا بد من كون ما قلت لكما من عبارة رؤياكما.
وقال ابن مسعود: قال الفتيان: إنما كنا تحالمنا لنجربا إنما كنا نلعب، فقال يوسف لهم: (﴿قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾) (قال مجاهد: قال يوسف لهما): أنشدكما الله أتحباني. فوالله ما [أ]حبني أحد قط، إلا دخل عليّ من حبه بلاء: لقد أحبتني عمتي، فدخل علي من حبها بلاء، ثم لقد أحبني أ[بي]، ولقد دخل عليّ من حبه بلاء، ثم لقد أحبتني زوجة صاحبي هذا، فدخل علي من حبها بلاء، فلا تحباني. بارك الله فيكما. (قال) فَأَبَيَا إلا حبه، وجعلا يعجبهما ما يريان من فهمه وعقله.
وفي قراءة ابن مسعود: "أعصر عنباً" ومعناه: خمر عنب.
قال ابن عباس: لغة عمان يسمون الخمر عنباً و (قيل): المعنى: أعصر عنب خمر ومعنى: ﴿فَوْقَ رَأْسِي﴾: أي: على رأسي.
* *
وقوله: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾: أي: تحسن إلينا.
قيل: كان يعود مريضهم، ويقوم عليه، ويعزي حزينهم. وكان إذا احتاج [منهم] إنسان جمع له، وإذا ضاق المكان وسع له، ويجتهد لربه.
قال: لما دخل السجن، وجد قوماً قد انقطع رجاؤهم، واشتد بلاؤهم، وطال حزنهم، فجعل يقول: اصبروا تُؤْجَرُوا أجراً [إ]ن لهذا ثواباً. فقالوا: يا فتى بارك الله فيك، ما أحسن وجهك، وأحسن خلقك، (لقد) بُورِكَ لنا في جوارك، ما نحب أنَّا كنا في غير هذا المكان لما تخبرنا من الأجر والكفارة، فمن أنت يا فتى؟ قال: أنا يوسف، نبي الله، ابن يعقوب بن ذبيح الله إسحاق، ابن خليل الله إبراهيم.
قال ابن مسعود: أعطي وأمه ثلث حسن الناس.
وقال جعفر بن محمد: أعطي يوسف نصف حسن الناس.
وروي مثله عن النبي ﷺ، أنه قال: إن كانت المرأة الحامل لتراه فتضع
).
وقيل معنى: ﴿مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾: إنْ نبَّأتنا بتأويل رؤيانا.
قال يوسف لهما ﴿لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾: أي: في منامكما ﴿إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ يعني: في يقظتكما ﴿قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا﴾ تأويل ما رأيتما. قال (ذلك السدي وابن اسحاق).
* *
ثم قال: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ أي: برئت منها.
وإنما أجابهما يوسف بهذا، وليس بداخل في السؤال، لأنه كره أن يجيبهما عن تأويل رؤياهما، لما علم فيها من رؤيا الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزاً. وأعرض عن جوابهما مرتين، وأخذ في غيره كذا قال ابن جريج ومعنى: ﴿لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾: إن الملك (كان) إذا أر(ا)د قتل إنسان، صنع له طعاماً معلوماً. فأرسل به إليه.
فقال يوسف لهما: ﴿لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ﴾: يعني: من عند الملك ﴿إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾: أي: أخبرتكما: هل هو طعام من يراد قتله، أو طعام من يراد به غير ذلك. فأعلمهما أن عنده علماً من معرفة الطعام. فيكون المعنى: في اليقظة، لا في النوم.
وكان هذا بعدوله عن تفسير رؤياهما لما كره من ذلك، فلم يدعاه يعدل عن جوابهما، وسألاه ثانية، وكره العبارة فتمادى في العدل. وقال: ﴿يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩] - إلى قوله - ﴿يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٦]: فلم يدعاه حتى سألاه ثالثة فعبر لهما، وقال ﴿يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا (فَيَسْقِي) رَبَّهُ خَمْراً﴾ - الآية - فلما عبر قالا: ما رأينا شيئاً، إنما كنا نلعب فقال: ﴿قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾.
* *
قوله: ﴿أَن يَأْتِيكُمَا﴾ وقف (وفي) "ربي": وقف.
يوسف 12:37
قوله: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ إلى قوله ﴿لاَ يَشْكُرُونَ﴾. كان الفتيان غلامين من غلمان الملك الأكبر. أحدهما: صاحب شرابه، والآخر: صاحب طعامه سخط عليهما الملك. وذلك أنه بلغه أن صاحب الطعام يريد أن يَسُمَّهُ له وظن أن صاحب الشراب مالأه على ذلك. قال ذلك السدي: [قال]: لما دخل يوسف في السجن قال: إني أعبُر الأحلام. فقال أحد الشابين [لصاحبه]: هلم فلنجرب هذا [العبد] العبراني. فَتتَراءَيَا له، فَسَأَلاَه من غير أن يكونا رأيا شيئاً، فقال صاحب الطعام: ﴿إِنِّي أَرَانِيۤ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ﴾، وقال صاحب الشراب: ﴿إِنِّيۤ أَرَانِيۤ﴾ أعصر خمراً وقيل: بل كانا رأياها على صحة في منامهما.
وروي أنه لما فسر لهما ما رأيا رجعا، فقالا ما رأينا شيئاً، وإنما جربناك. فقال يوسف ﷺ: ﴿قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ أي: لا بد من كون ما قلت لكما من عبارة رؤياكما.
وقال ابن مسعود: قال الفتيان: إنما كنا تحالمنا لنجربا إنما كنا نلعب، فقال يوسف لهم: (﴿قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾) (قال مجاهد: قال يوسف لهما): أنشدكما الله أتحباني. فوالله ما [أ]حبني أحد قط، إلا دخل عليّ من حبه بلاء: لقد أحبتني عمتي، فدخل علي من حبها بلاء، ثم لقد أحبني أ[بي]، ولقد دخل عليّ من حبه بلاء، ثم لقد أحبتني زوجة صاحبي هذا، فدخل علي من حبها بلاء، فلا تحباني. بارك الله فيكما. (قال) فَأَبَيَا إلا حبه، وجعلا يعجبهما ما يريان من فهمه وعقله.
وفي قراءة ابن مسعود: "أعصر عنباً" ومعناه: خمر عنب.
قال ابن عباس: لغة عمان يسمون الخمر عنباً و (قيل): المعنى: أعصر عنب خمر ومعنى: ﴿فَوْقَ رَأْسِي﴾: أي: على رأسي.
* *
وقوله: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾: أي: تحسن إلينا.
قيل: كان يعود مريضهم، ويقوم عليه، ويعزي حزينهم. وكان إذا احتاج [منهم] إنسان جمع له، وإذا ضاق المكان وسع له، ويجتهد لربه.
قال: لما دخل السجن، وجد قوماً قد انقطع رجاؤهم، واشتد بلاؤهم، وطال حزنهم، فجعل يقول: اصبروا تُؤْجَرُوا أجراً [إ]ن لهذا ثواباً. فقالوا: يا فتى بارك الله فيك، ما أحسن وجهك، وأحسن خلقك، (لقد) بُورِكَ لنا في جوارك، ما نحب أنَّا كنا في غير هذا المكان لما تخبرنا من الأجر والكفارة، فمن أنت يا فتى؟ قال: أنا يوسف، نبي الله، ابن يعقوب بن ذبيح الله إسحاق، ابن خليل الله إبراهيم.
قال ابن مسعود: أعطي وأمه ثلث حسن الناس.
وقال جعفر بن محمد: أعطي يوسف نصف حسن الناس.
وروي مثله عن النبي ﷺ، أنه قال: إن كانت المرأة الحامل لتراه فتضع
).
وقيل معنى: ﴿مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾: إنْ نبَّأتنا بتأويل رؤيانا.
قال يوسف لهما ﴿لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾: أي: في منامكما ﴿إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ يعني: في يقظتكما ﴿قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا﴾ تأويل ما رأيتما. قال (ذلك السدي وابن اسحاق).
* *
ثم قال: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ أي: برئت منها.
وإنما أجابهما يوسف بهذا، وليس بداخل في السؤال، لأنه كره أن يجيبهما عن تأويل رؤياهما، لما علم فيها من رؤيا الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزاً. وأعرض عن جوابهما مرتين، وأخذ في غيره كذا قال ابن جريج ومعنى: ﴿لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾: إن الملك (كان) إذا أر(ا)د قتل إنسان، صنع له طعاماً معلوماً. فأرسل به إليه.
فقال يوسف لهما: ﴿لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ﴾: يعني: من عند الملك ﴿إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾: أي: أخبرتكما: هل هو طعام من يراد قتله، أو طعام من يراد به غير ذلك. فأعلمهما أن عنده علماً من معرفة الطعام. فيكون المعنى: في اليقظة، لا في النوم.
وكان هذا بعدوله عن تفسير رؤياهما لما كره من ذلك، فلم يدعاه يعدل عن جوابهما، وسألاه ثانية، وكره العبارة فتمادى في العدل. وقال: ﴿يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩] - إلى قوله - ﴿يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٦]: فلم يدعاه حتى سألاه ثالثة فعبر لهما، وقال ﴿يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا (فَيَسْقِي) رَبَّهُ خَمْراً﴾ - الآية - فلما عبر قالا: ما رأينا شيئاً، إنما كنا نلعب فقال: ﴿قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾.
* *
قوله: ﴿أَن يَأْتِيكُمَا﴾ وقف (وفي) "ربي": وقف.
يوسف 12:38
قوله: ﴿وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـيۤ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾: أي: دينهم، وطريقتهم ﴿مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ (مِن شَيْءٍ)﴾: (دليله الشرك)، (ولفظه) لفظ الخبر، ومعناه النفي أي: لم يشرك بالله، دليله الشرك الذي بعده.
* *
قوله: ﴿ذٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ﴾ فهو مقابل له: أي: ما ينبغي لنا أن نشر(ك) في عبادة الله أحداً.
﴿ذٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ﴾ (أي تركنا الشرك، هو من فضل الله علينا) وعلى الناس، إذ جعلنا دعاة لهم إلى توحيده.
﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ﴾: أي: من يكفر لا يشكر.
قال ابن عباس: ﴿مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا﴾: إذ جعلنا أنبياء، "وعلى الناس: أن بعثنا إليهم رسلاً".
يوسف 12:39
قوله: ﴿يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ﴾ - إلى قوله - ﴿تَسْتَفْتِيَانِ﴾ روي أن يوسف عليه السلام قال: هذا لأن أحد الفَتييْن كان مشركاً، فدعاه بهذا إلى الإيمان، ونبذ الآلهة، فجعلهما صاحبي السجن لأنهما فيه. والمعنى: يا من في السجن. وهذا كقوله تعالى لسكان الجنة: ﴿أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ﴾ [البقرة: ٨٢، الأعراف: ٤٢، يونس: ٢٦، هود: ٢٣، الأحقاف: ١٤] ولسكان النار ﴿فَأُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: ٨١، ٢٧٥].
والمعنى: أعبادة أرباب متفرقين خير؟ أم عبادة ﴿ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ﴾.
قال قتادة: لما علم يوسف أن أحدهما مقتول دعاه إلى حظه في الآخرة.
ثم قال (تعالى): ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ﴾: فجمع، لأنه قصد المخاطب، وكل من عبد غير الله، فجمع على المعنى: أي: ما تعبد أنت، ومن هو على ملتك ﴿إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ﴾: أي: لم يأذن الله لكم بذلك، أنتم أحببتم أسماءها وآباؤكم.
﴿مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾: أي: من حجة، ومن كتاب، ومن دلالة. وقوله ﴿أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾: أي: أسس الدين عليه لئلا يُعبد غيره.
﴿ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ﴾: أي: ذلك الذي دعوتكم إليه هو الدين الذي لا أعُوِجَاجَ فيه ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾: وهم المشركون. ثم قال: ﴿يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ﴾: يخاطب الفَتَيَيْنِ ﴿أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً﴾: أي: سيده الملك، وهو (الذي) رأى أنه يعصر خمراً.
* *
﴿وَأَمَّا ٱلآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ﴾ فقال عند ذلك: ما رأينا شيئاً، فقال: ﴿قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي (فِيهِ) تَسْتَفْتِيَانِ﴾.
وقيل: إنما أنكر الذي أخبره أنه يصلب. فقال: قضي الأمر سواء رأيت، أو لم تر وكان اسمه مجلث، واسم الثاني نبو.
قال ثابت البنانـ(ـي): دخل جبريل عليه السلام على يوسف في السجن، فعرفه يوسف، فقال له: أيها الملك، الحسن وجهه الطيب ريحه، الكريم على ربه: ﴿هَل لَّكَ﴾ علم بيعقوب؟ قال: نعم. قال: فما صنع؟ قال: ابيضت عيناه من الحزن، قال: وفيم ذلك؟. قال: عليك. قال: فما بلغ من حزنه؟ (قال): حزن سبعين مُثْكِلَة قال: فما له من الأجر على ذلك؟ قال: أجر مائة شهيد.
قال الحسن: مكث يعقوب، عليه السلام، ثمانين سنة، أو نحوها، لا يفارق قلبه الحزن، ولا تجف عيناه من البكاء. وإنه لأَكْرَمُ أهل الأرض على الله يومئذٍ.
يوسف 12:40
قوله: ﴿يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ﴾ - إلى قوله - ﴿تَسْتَفْتِيَانِ﴾ روي أن يوسف عليه السلام قال: هذا لأن أحد الفَتييْن كان مشركاً، فدعاه بهذا إلى الإيمان، ونبذ الآلهة، فجعلهما صاحبي السجن لأنهما فيه. والمعنى: يا من في السجن. وهذا كقوله تعالى لسكان الجنة: ﴿أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ﴾ [البقرة: ٨٢، الأعراف: ٤٢، يونس: ٢٦، هود: ٢٣، الأحقاف: ١٤] ولسكان النار ﴿فَأُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: ٨١، ٢٧٥].
والمعنى: أعبادة أرباب متفرقين خير؟ أم عبادة ﴿ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ﴾.
قال قتادة: لما علم يوسف أن أحدهما مقتول دعاه إلى حظه في الآخرة.
ثم قال (تعالى): ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ﴾: فجمع، لأنه قصد المخاطب، وكل من عبد غير الله، فجمع على المعنى: أي: ما تعبد أنت، ومن هو على ملتك ﴿إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ﴾: أي: لم يأذن الله لكم بذلك، أنتم أحببتم أسماءها وآباؤكم.
﴿مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾: أي: من حجة، ومن كتاب، ومن دلالة. وقوله ﴿أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾: أي: أسس الدين عليه لئلا يُعبد غيره.
﴿ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ﴾: أي: ذلك الذي دعوتكم إليه هو الدين الذي لا أعُوِجَاجَ فيه ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾: وهم المشركون. ثم قال: ﴿يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ﴾: يخاطب الفَتَيَيْنِ ﴿أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً﴾: أي: سيده الملك، وهو (الذي) رأى أنه يعصر خمراً.
* *
﴿وَأَمَّا ٱلآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ﴾ فقال عند ذلك: ما رأينا شيئاً، فقال: ﴿قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي (فِيهِ) تَسْتَفْتِيَانِ﴾.
وقيل: إنما أنكر الذي أخبره أنه يصلب. فقال: قضي الأمر سواء رأيت، أو لم تر وكان اسمه مجلث، واسم الثاني نبو.
قال ثابت البنانـ(ـي): دخل جبريل عليه السلام على يوسف في السجن، فعرفه يوسف، فقال له: أيها الملك، الحسن وجهه الطيب ريحه، الكريم على ربه: ﴿هَل لَّكَ﴾ علم بيعقوب؟ قال: نعم. قال: فما صنع؟ قال: ابيضت عيناه من الحزن، قال: وفيم ذلك؟. قال: عليك. قال: فما بلغ من حزنه؟ (قال): حزن سبعين مُثْكِلَة قال: فما له من الأجر على ذلك؟ قال: أجر مائة شهيد.
قال الحسن: مكث يعقوب، عليه السلام، ثمانين سنة، أو نحوها، لا يفارق قلبه الحزن، ولا تجف عيناه من البكاء. وإنه لأَكْرَمُ أهل الأرض على الله يومئذٍ.
يوسف 12:41
قوله: ﴿يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ﴾ - إلى قوله - ﴿تَسْتَفْتِيَانِ﴾ روي أن يوسف عليه السلام قال: هذا لأن أحد الفَتييْن كان مشركاً، فدعاه بهذا إلى الإيمان، ونبذ الآلهة، فجعلهما صاحبي السجن لأنهما فيه. والمعنى: يا من في السجن. وهذا كقوله تعالى لسكان الجنة: ﴿أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ﴾ [البقرة: ٨٢، الأعراف: ٤٢، يونس: ٢٦، هود: ٢٣، الأحقاف: ١٤] ولسكان النار ﴿فَأُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: ٨١، ٢٧٥].
والمعنى: أعبادة أرباب متفرقين خير؟ أم عبادة ﴿ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ﴾.
قال قتادة: لما علم يوسف أن أحدهما مقتول دعاه إلى حظه في الآخرة.
ثم قال (تعالى): ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ﴾: فجمع، لأنه قصد المخاطب، وكل من عبد غير الله، فجمع على المعنى: أي: ما تعبد أنت، ومن هو على ملتك ﴿إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ﴾: أي: لم يأذن الله لكم بذلك، أنتم أحببتم أسماءها وآباؤكم.
﴿مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾: أي: من حجة، ومن كتاب، ومن دلالة. وقوله ﴿أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾: أي: أسس الدين عليه لئلا يُعبد غيره.
﴿ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ﴾: أي: ذلك الذي دعوتكم إليه هو الدين الذي لا أعُوِجَاجَ فيه ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾: وهم المشركون. ثم قال: ﴿يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ﴾: يخاطب الفَتَيَيْنِ ﴿أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً﴾: أي: سيده الملك، وهو (الذي) رأى أنه يعصر خمراً.
* *
﴿وَأَمَّا ٱلآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ﴾ فقال عند ذلك: ما رأينا شيئاً، فقال: ﴿قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي (فِيهِ) تَسْتَفْتِيَانِ﴾.
وقيل: إنما أنكر الذي أخبره أنه يصلب. فقال: قضي الأمر سواء رأيت، أو لم تر وكان اسمه مجلث، واسم الثاني نبو.
قال ثابت البنانـ(ـي): دخل جبريل عليه السلام على يوسف في السجن، فعرفه يوسف، فقال له: أيها الملك، الحسن وجهه الطيب ريحه، الكريم على ربه: ﴿هَل لَّكَ﴾ علم بيعقوب؟ قال: نعم. قال: فما صنع؟ قال: ابيضت عيناه من الحزن، قال: وفيم ذلك؟. قال: عليك. قال: فما بلغ من حزنه؟ (قال): حزن سبعين مُثْكِلَة قال: فما له من الأجر على ذلك؟ قال: أجر مائة شهيد.
قال الحسن: مكث يعقوب، عليه السلام، ثمانين سنة، أو نحوها، لا يفارق قلبه الحزن، ولا تجف عيناه من البكاء. وإنه لأَكْرَمُ أهل الأرض على الله يومئذٍ.
يوسف 12:42
قوله: (﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ (نَاجٍ مِّنْهُمَا﴾ - إلى قوله - ﴿بِعَالِمِينَ﴾
المعنى: وقال يوسف للذي علم أنه ناج) من الفتيين: اذكرني عند سيدك، وهو الملك الأعظم. وأعلمه بمظلمتي وأني محبوس بغير جرم.
وقيل: المعنى: اذكر ما رأيته مني من العلم بعبارة الرؤيا، وبحالـ(ـي) في العلم عند الملك.
* *
قوله: ﴿فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾، أي: أنسى الشيطان الساقي أن يذكر يوسف للملك. فالهاءان للساقي، بدلالة قوله: ﴿وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥]، أي: تذكَّر الساقي ما قاله له يوسف بعد حين، يدل على أن النسيان كان من الساقي: أنساه الله عز وجل، أن يذكر يوسف عليه السلام. وقيل: المعنى أنسى الشيطان يوسف ذكر ربه عز وجل فالهاءان ليوسف: أي: أنسى يوسُفَ الشيطان أن يرجع إلى ربه، ويسأله خلاصة، ويرد أمره إلى الله عز وجل ورجع إلى سؤال أحد الفتيين أن يذكره عند الملك، فلبث في السجن عقوبةً بضع سنين.
(قال النبي ﷺ: لولا كلمةُ يوسف، ما لبث في السجن ما لبث): يعني قوله: ﴿ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾: أي: عند سيدك.
قال ابن دينار لما قال يوسف للساقي: ﴿ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾. قيل: يا يوسف اتخذ[ت] من دوني وكيلاً، لاطيلنَّ حبسك. فبكى يوسف، وقال: يا رب: أنسى قلبي كثرة البلوى، فقلت كلمةً فويل لإخوتي.
ويروى أن يوسف لما قال لصاحب الشراب: ﴿ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾ أتاه جبريل عليه السلام فعاتبه، وخرق له بجناحه سبع أرضين، إلى منتهى الصخرة التي عليها الأرض، وقوَّى الله، عز وجل، بصر يوسف، حتى نظر إلى نملة، على الصخرة تجر حبة. فقال جبريل: يا يوسف لم يغفل ربك عن هذه النملة ورزقها، فكيف يغفل عنك، وأنت في السجن، حتى تشكو إلى صاحب الشراب، وتأمُرهُ بذكرك، وبذكر عذرك عند سيده. قال: فأخذ يوسف التراب فملأ به فمه، ورأسه، وقال: إلَهي! أسألك بوجه أبي وجدي - قال مجاهد -: فلم يذكره الساقي حتى رأى الملك الرؤيا.
قال قتادة: لبث في السجن سبع سنين.
قال وهب: أصاب أيوب البلاء سبع سنين، وترك يوسف في السجن سبع سنين، وعذب بختنصر فَحَوَّلَ في السباع سبع سنين وكذلك قال ابن جريج.
"والبضع": ما بين الثلاث إلى التسع.
وقال الأخفش: هو من واحد إلى عشر. قال قُطْرُبْ: هو ما بين الثلاث والسبع. وقال أبو عبيدة: من الواحد إلى الأربعة.
(قال الحسن ذكر لنا أن النبي، ﷺ، قال: لولا كلمة يوسف حيث يقول: ﴿ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾، ما لبث في السجن طول ما لبث. قال ابن عباس: عوقب بقوله للساقي: ﴿ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾ فطال سجنه.
وروي أن يوسف، عليه السلام، لما قال له: ﴿ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾ أوحى الله إلى الأرض أن النفرجـ(ـي) لعبدي يوسف. فانفرجت له. فقيل له: ما ترى؟ فقال: أرى أرضاً، وأرى ذرةً معها طعم لها. قال: فقال: يا يوسف! ألم (أغفل) عن هذه في هذا الموضع، وأغفل عنك لتَلْبَثَنَّ في السجن بضع سنين.
* *
وقوله: ﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّيۤ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ (سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ)﴾:
وهو ملك مصر (ا)لأعظم. والمعنى: (إني) أرى في منامي سبع بقرات سمان ﴿يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ فلم يكن عند الملك من يعبر ذلك، وقالوا له: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ﴾: أي: هي أضغاث. ووقع في نفسه أنها رؤيا كائنة (لا بد) من ذلك.
ومعنى: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ﴾: (أي: أخلاط أحلام) كاذبة.
﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلأَحْلاَمِ﴾ الكاذبة ﴿بِعَالِمِينَ﴾: وتقديره: وما نحن بعالمين بتأويل الأحلام والأضغاث. (والباء) في ﴿بِعَالِمِينَ﴾: لتأكيد النفي، (و "الباء" في ﴿بِتَأْوِيلِ﴾ للتعدية، متعلقة بعالمين) ففي الكلام تقديم وتأخير.
يوسف 12:43
قوله: (﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ (نَاجٍ مِّنْهُمَا﴾ - إلى قوله - ﴿بِعَالِمِينَ﴾
المعنى: وقال يوسف للذي علم أنه ناج) من الفتيين: اذكرني عند سيدك، وهو الملك الأعظم. وأعلمه بمظلمتي وأني محبوس بغير جرم.
وقيل: المعنى: اذكر ما رأيته مني من العلم بعبارة الرؤيا، وبحالـ(ـي) في العلم عند الملك.
* *
قوله: ﴿فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾، أي: أنسى الشيطان الساقي أن يذكر يوسف للملك. فالهاءان للساقي، بدلالة قوله: ﴿وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥]، أي: تذكَّر الساقي ما قاله له يوسف بعد حين، يدل على أن النسيان كان من الساقي: أنساه الله عز وجل، أن يذكر يوسف عليه السلام. وقيل: المعنى أنسى الشيطان يوسف ذكر ربه عز وجل فالهاءان ليوسف: أي: أنسى يوسُفَ الشيطان أن يرجع إلى ربه، ويسأله خلاصة، ويرد أمره إلى الله عز وجل ورجع إلى سؤال أحد الفتيين أن يذكره عند الملك، فلبث في السجن عقوبةً بضع سنين.
(قال النبي ﷺ: لولا كلمةُ يوسف، ما لبث في السجن ما لبث): يعني قوله: ﴿ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾: أي: عند سيدك.
قال ابن دينار لما قال يوسف للساقي: ﴿ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾. قيل: يا يوسف اتخذ[ت] من دوني وكيلاً، لاطيلنَّ حبسك. فبكى يوسف، وقال: يا رب: أنسى قلبي كثرة البلوى، فقلت كلمةً فويل لإخوتي.
ويروى أن يوسف لما قال لصاحب الشراب: ﴿ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾ أتاه جبريل عليه السلام فعاتبه، وخرق له بجناحه سبع أرضين، إلى منتهى الصخرة التي عليها الأرض، وقوَّى الله، عز وجل، بصر يوسف، حتى نظر إلى نملة، على الصخرة تجر حبة. فقال جبريل: يا يوسف لم يغفل ربك عن هذه النملة ورزقها، فكيف يغفل عنك، وأنت في السجن، حتى تشكو إلى صاحب الشراب، وتأمُرهُ بذكرك، وبذكر عذرك عند سيده. قال: فأخذ يوسف التراب فملأ به فمه، ورأسه، وقال: إلَهي! أسألك بوجه أبي وجدي - قال مجاهد -: فلم يذكره الساقي حتى رأى الملك الرؤيا.
قال قتادة: لبث في السجن سبع سنين.
قال وهب: أصاب أيوب البلاء سبع سنين، وترك يوسف في السجن سبع سنين، وعذب بختنصر فَحَوَّلَ في السباع سبع سنين وكذلك قال ابن جريج.
"والبضع": ما بين الثلاث إلى التسع.
وقال الأخفش: هو من واحد إلى عشر. قال قُطْرُبْ: هو ما بين الثلاث والسبع. وقال أبو عبيدة: من الواحد إلى الأربعة.
(قال الحسن ذكر لنا أن النبي، ﷺ، قال: لولا كلمة يوسف حيث يقول: ﴿ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾، ما لبث في السجن طول ما لبث. قال ابن عباس: عوقب بقوله للساقي: ﴿ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾ فطال سجنه.
وروي أن يوسف، عليه السلام، لما قال له: ﴿ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾ أوحى الله إلى الأرض أن النفرجـ(ـي) لعبدي يوسف. فانفرجت له. فقيل له: ما ترى؟ فقال: أرى أرضاً، وأرى ذرةً معها طعم لها. قال: فقال: يا يوسف! ألم (أغفل) عن هذه في هذا الموضع، وأغفل عنك لتَلْبَثَنَّ في السجن بضع سنين.
* *
وقوله: ﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّيۤ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ (سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ)﴾:
وهو ملك مصر (ا)لأعظم. والمعنى: (إني) أرى في منامي سبع بقرات سمان ﴿يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ فلم يكن عند الملك من يعبر ذلك، وقالوا له: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ﴾: أي: هي أضغاث. ووقع في نفسه أنها رؤيا كائنة (لا بد) من ذلك.
ومعنى: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ﴾: (أي: أخلاط أحلام) كاذبة.
﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلأَحْلاَمِ﴾ الكاذبة ﴿بِعَالِمِينَ﴾: وتقديره: وما نحن بعالمين بتأويل الأحلام والأضغاث. (والباء) في ﴿بِعَالِمِينَ﴾: لتأكيد النفي، (و "الباء" في ﴿بِتَأْوِيلِ﴾ للتعدية، متعلقة بعالمين) ففي الكلام تقديم وتأخير.
يوسف 12:44
قوله: (﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ (نَاجٍ مِّنْهُمَا﴾ - إلى قوله - ﴿بِعَالِمِينَ﴾
المعنى: وقال يوسف للذي علم أنه ناج) من الفتيين: اذكرني عند سيدك، وهو الملك الأعظم. وأعلمه بمظلمتي وأني محبوس بغير جرم.
وقيل: المعنى: اذكر ما رأيته مني من العلم بعبارة الرؤيا، وبحالـ(ـي) في العلم عند الملك.
* *
قوله: ﴿فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾، أي: أنسى الشيطان الساقي أن يذكر يوسف للملك. فالهاءان للساقي، بدلالة قوله: ﴿وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥]، أي: تذكَّر الساقي ما قاله له يوسف بعد حين، يدل على أن النسيان كان من الساقي: أنساه الله عز وجل، أن يذكر يوسف عليه السلام. وقيل: المعنى أنسى الشيطان يوسف ذكر ربه عز وجل فالهاءان ليوسف: أي: أنسى يوسُفَ الشيطان أن يرجع إلى ربه، ويسأله خلاصة، ويرد أمره إلى الله عز وجل ورجع إلى سؤال أحد الفتيين أن يذكره عند الملك، فلبث في السجن عقوبةً بضع سنين.
(قال النبي ﷺ: لولا كلمةُ يوسف، ما لبث في السجن ما لبث): يعني قوله: ﴿ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾: أي: عند سيدك.
قال ابن دينار لما قال يوسف للساقي: ﴿ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾. قيل: يا يوسف اتخذ[ت] من دوني وكيلاً، لاطيلنَّ حبسك. فبكى يوسف، وقال: يا رب: أنسى قلبي كثرة البلوى، فقلت كلمةً فويل لإخوتي.
ويروى أن يوسف لما قال لصاحب الشراب: ﴿ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾ أتاه جبريل عليه السلام فعاتبه، وخرق له بجناحه سبع أرضين، إلى منتهى الصخرة التي عليها الأرض، وقوَّى الله، عز وجل، بصر يوسف، حتى نظر إلى نملة، على الصخرة تجر حبة. فقال جبريل: يا يوسف لم يغفل ربك عن هذه النملة ورزقها، فكيف يغفل عنك، وأنت في السجن، حتى تشكو إلى صاحب الشراب، وتأمُرهُ بذكرك، وبذكر عذرك عند سيده. قال: فأخذ يوسف التراب فملأ به فمه، ورأسه، وقال: إلَهي! أسألك بوجه أبي وجدي - قال مجاهد -: فلم يذكره الساقي حتى رأى الملك الرؤيا.
قال قتادة: لبث في السجن سبع سنين.
قال وهب: أصاب أيوب البلاء سبع سنين، وترك يوسف في السجن سبع سنين، وعذب بختنصر فَحَوَّلَ في السباع سبع سنين وكذلك قال ابن جريج.
"والبضع": ما بين الثلاث إلى التسع.
وقال الأخفش: هو من واحد إلى عشر. قال قُطْرُبْ: هو ما بين الثلاث والسبع. وقال أبو عبيدة: من الواحد إلى الأربعة.
(قال الحسن ذكر لنا أن النبي، ﷺ، قال: لولا كلمة يوسف حيث يقول: ﴿ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾، ما لبث في السجن طول ما لبث. قال ابن عباس: عوقب بقوله للساقي: ﴿ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾ فطال سجنه.
وروي أن يوسف، عليه السلام، لما قال له: ﴿ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾ أوحى الله إلى الأرض أن النفرجـ(ـي) لعبدي يوسف. فانفرجت له. فقيل له: ما ترى؟ فقال: أرى أرضاً، وأرى ذرةً معها طعم لها. قال: فقال: يا يوسف! ألم (أغفل) عن هذه في هذا الموضع، وأغفل عنك لتَلْبَثَنَّ في السجن بضع سنين.
* *
وقوله: ﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّيۤ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ (سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ)﴾:
وهو ملك مصر (ا)لأعظم. والمعنى: (إني) أرى في منامي سبع بقرات سمان ﴿يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ فلم يكن عند الملك من يعبر ذلك، وقالوا له: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ﴾: أي: هي أضغاث. ووقع في نفسه أنها رؤيا كائنة (لا بد) من ذلك.
ومعنى: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ﴾: (أي: أخلاط أحلام) كاذبة.
﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلأَحْلاَمِ﴾ الكاذبة ﴿بِعَالِمِينَ﴾: وتقديره: وما نحن بعالمين بتأويل الأحلام والأضغاث. (والباء) في ﴿بِعَالِمِينَ﴾: لتأكيد النفي، (و "الباء" في ﴿بِتَأْوِيلِ﴾ للتعدية، متعلقة بعالمين) ففي الكلام تقديم وتأخير.
يوسف 12:45
قوله: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ - إلى قوله - ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾: المعنى: وقال الذي نجا [منهما] من القتل، يعني: من الفَتَيَيْن اللذين عبر لهما يوسف الرؤيا.
﴿وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾: أي: تذكر بعد حين وصية يوسف، وأمره.
قال الكلبي: تذكر بعد سنين، فذكر أمره للملك.
وقرأ ابن عباس، وعكرمة، وقتادة، والضحاك: "بعد أمه" بالهاء، وفتح الميم والتخفيف أي: بعد نسيان.
وقرأ مجاهد: "بعد أمْهٍ" بإسكان الميم، وبالهاء: جعله مصدر أمه أمهاً: إذا نسي. وتأويلها كتأويل من فتح الميم. وأصل المصدر فتح الميم، ومن أسكن فللتخفيف.
وقرأ الحسن: أنا آتيكم بتأويله قال: وكيف ينبؤهم العلم؟
* *
ثم قال: ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾: أي: فأطلقوني أمضي لآتيكم بتأويله من هذا العالم. قوله: ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾: وقف.
وقوله ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ﴾: أي: يا يوسف ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ﴾: أي: في سبع بقرات رُئينَ في المنام. ويأكلهن سبع عجاف - الآية -.
قال قتادة: السمان: السنين الخصبة ، والعجاف. سنون جدْبَة.
* *
ومعنى ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: أي: يعلمون تأويل رؤيا الملك.
وقيل: المعنى: لعلهم يعلمون مقدارك، فيخرجونك من السجن.
قال يوسف للسائل: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَباً﴾: أي: على عادتكم التي كنتم عليها. وقوله: ﴿فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ﴾ فهو خبر معناه الأمر: (أي): ازرعوا، وفيه إيماءٌ إلى تعبير الرؤيا، (فلفظه خبر معناه: الخبر عن تعبير الرؤيا) وفيه معنى الأمر لهم بالزرع سبع سنين، وتركه في سنبله. ودلّ على أنَّه أمر. قوله: ﴿فَذَرُوهُ﴾، فرجع إلى لفظ الأمر بعينه، وعطفه على معنى الأول.
وقيل: هو رأي رآه، ﷺ، لهم ليبقى طعامهم، فأمرهم أن يَدَعُوه في سنبله (إلاَّ ما يأكلون).
ثم قال له: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ﴾: أي: قحيطة، ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾. أي: يوكل فيهن ما أعددتم في السنين الخصبة من الطعام ووصفت السنون بالأكل، والمراد أنه يؤكل فيها، كما قال ﴿وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً﴾ [يونس: ٦٧، النمل: ٨٦، غافر: ٦١]: أي: يبصر فيه.
* *
وقوله: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ﴾: أي: تحرزونه، أي: ترفعونه للحرث. ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ﴾ أخبرهم، ﷺ، عما لم يكن في رؤيا الملك، وذلك من علم الغيب، الذي علمه الله، (عز وجل) دلالة على نبوته ﷺ، ومعنى ﴿فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ﴾: أي: بالمطر، والخصب.
﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾: أي: يعصرون العنب، والسمسم، والزيتون: وهو قول ابن عباس، والضحاك، وقتادة، وابن جريج، وغيرهم.
وقيل: المعنى: وفيه تحلبون مواشيكم.
وقال أبو عبيدة: معناه: وفيه تنجون من البلاء من العصر (وهو الملجأ).
يوسف 12:46
قوله: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ - إلى قوله - ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾: المعنى: وقال الذي نجا [منهما] من القتل، يعني: من الفَتَيَيْن اللذين عبر لهما يوسف الرؤيا.
﴿وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾: أي: تذكر بعد حين وصية يوسف، وأمره.
قال الكلبي: تذكر بعد سنين، فذكر أمره للملك.
وقرأ ابن عباس، وعكرمة، وقتادة، والضحاك: "بعد أمه" بالهاء، وفتح الميم والتخفيف أي: بعد نسيان.
وقرأ مجاهد: "بعد أمْهٍ" بإسكان الميم، وبالهاء: جعله مصدر أمه أمهاً: إذا نسي. وتأويلها كتأويل من فتح الميم. وأصل المصدر فتح الميم، ومن أسكن فللتخفيف.
وقرأ الحسن: أنا آتيكم بتأويله قال: وكيف ينبؤهم العلم؟
* *
ثم قال: ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾: أي: فأطلقوني أمضي لآتيكم بتأويله من هذا العالم. قوله: ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾: وقف.
وقوله ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ﴾: أي: يا يوسف ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ﴾: أي: في سبع بقرات رُئينَ في المنام. ويأكلهن سبع عجاف - الآية -.
قال قتادة: السمان: السنين الخصبة ، والعجاف. سنون جدْبَة.
* *
ومعنى ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: أي: يعلمون تأويل رؤيا الملك.
وقيل: المعنى: لعلهم يعلمون مقدارك، فيخرجونك من السجن.
قال يوسف للسائل: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَباً﴾: أي: على عادتكم التي كنتم عليها. وقوله: ﴿فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ﴾ فهو خبر معناه الأمر: (أي): ازرعوا، وفيه إيماءٌ إلى تعبير الرؤيا، (فلفظه خبر معناه: الخبر عن تعبير الرؤيا) وفيه معنى الأمر لهم بالزرع سبع سنين، وتركه في سنبله. ودلّ على أنَّه أمر. قوله: ﴿فَذَرُوهُ﴾، فرجع إلى لفظ الأمر بعينه، وعطفه على معنى الأول.
وقيل: هو رأي رآه، ﷺ، لهم ليبقى طعامهم، فأمرهم أن يَدَعُوه في سنبله (إلاَّ ما يأكلون).
ثم قال له: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ﴾: أي: قحيطة، ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾. أي: يوكل فيهن ما أعددتم في السنين الخصبة من الطعام ووصفت السنون بالأكل، والمراد أنه يؤكل فيها، كما قال ﴿وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً﴾ [يونس: ٦٧، النمل: ٨٦، غافر: ٦١]: أي: يبصر فيه.
* *
وقوله: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ﴾: أي: تحرزونه، أي: ترفعونه للحرث. ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ﴾ أخبرهم، ﷺ، عما لم يكن في رؤيا الملك، وذلك من علم الغيب، الذي علمه الله، (عز وجل) دلالة على نبوته ﷺ، ومعنى ﴿فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ﴾: أي: بالمطر، والخصب.
﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾: أي: يعصرون العنب، والسمسم، والزيتون: وهو قول ابن عباس، والضحاك، وقتادة، وابن جريج، وغيرهم.
وقيل: المعنى: وفيه تحلبون مواشيكم.
وقال أبو عبيدة: معناه: وفيه تنجون من البلاء من العصر (وهو الملجأ).
يوسف 12:47
قوله: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ - إلى قوله - ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾: المعنى: وقال الذي نجا [منهما] من القتل، يعني: من الفَتَيَيْن اللذين عبر لهما يوسف الرؤيا.
﴿وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾: أي: تذكر بعد حين وصية يوسف، وأمره.
قال الكلبي: تذكر بعد سنين، فذكر أمره للملك.
وقرأ ابن عباس، وعكرمة، وقتادة، والضحاك: "بعد أمه" بالهاء، وفتح الميم والتخفيف أي: بعد نسيان.
وقرأ مجاهد: "بعد أمْهٍ" بإسكان الميم، وبالهاء: جعله مصدر أمه أمهاً: إذا نسي. وتأويلها كتأويل من فتح الميم. وأصل المصدر فتح الميم، ومن أسكن فللتخفيف.
وقرأ الحسن: أنا آتيكم بتأويله قال: وكيف ينبؤهم العلم؟
* *
ثم قال: ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾: أي: فأطلقوني أمضي لآتيكم بتأويله من هذا العالم. قوله: ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾: وقف.
وقوله ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ﴾: أي: يا يوسف ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ﴾: أي: في سبع بقرات رُئينَ في المنام. ويأكلهن سبع عجاف - الآية -.
قال قتادة: السمان: السنين الخصبة ، والعجاف. سنون جدْبَة.
* *
ومعنى ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: أي: يعلمون تأويل رؤيا الملك.
وقيل: المعنى: لعلهم يعلمون مقدارك، فيخرجونك من السجن.
قال يوسف للسائل: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَباً﴾: أي: على عادتكم التي كنتم عليها. وقوله: ﴿فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ﴾ فهو خبر معناه الأمر: (أي): ازرعوا، وفيه إيماءٌ إلى تعبير الرؤيا، (فلفظه خبر معناه: الخبر عن تعبير الرؤيا) وفيه معنى الأمر لهم بالزرع سبع سنين، وتركه في سنبله. ودلّ على أنَّه أمر. قوله: ﴿فَذَرُوهُ﴾، فرجع إلى لفظ الأمر بعينه، وعطفه على معنى الأول.
وقيل: هو رأي رآه، ﷺ، لهم ليبقى طعامهم، فأمرهم أن يَدَعُوه في سنبله (إلاَّ ما يأكلون).
ثم قال له: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ﴾: أي: قحيطة، ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾. أي: يوكل فيهن ما أعددتم في السنين الخصبة من الطعام ووصفت السنون بالأكل، والمراد أنه يؤكل فيها، كما قال ﴿وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً﴾ [يونس: ٦٧، النمل: ٨٦، غافر: ٦١]: أي: يبصر فيه.
* *
وقوله: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ﴾: أي: تحرزونه، أي: ترفعونه للحرث. ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ﴾ أخبرهم، ﷺ، عما لم يكن في رؤيا الملك، وذلك من علم الغيب، الذي علمه الله، (عز وجل) دلالة على نبوته ﷺ، ومعنى ﴿فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ﴾: أي: بالمطر، والخصب.
﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾: أي: يعصرون العنب، والسمسم، والزيتون: وهو قول ابن عباس، والضحاك، وقتادة، وابن جريج، وغيرهم.
وقيل: المعنى: وفيه تحلبون مواشيكم.
وقال أبو عبيدة: معناه: وفيه تنجون من البلاء من العصر (وهو الملجأ).
يوسف 12:48
قوله: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ - إلى قوله - ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾: المعنى: وقال الذي نجا [منهما] من القتل، يعني: من الفَتَيَيْن اللذين عبر لهما يوسف الرؤيا.
﴿وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾: أي: تذكر بعد حين وصية يوسف، وأمره.
قال الكلبي: تذكر بعد سنين، فذكر أمره للملك.
وقرأ ابن عباس، وعكرمة، وقتادة، والضحاك: "بعد أمه" بالهاء، وفتح الميم والتخفيف أي: بعد نسيان.
وقرأ مجاهد: "بعد أمْهٍ" بإسكان الميم، وبالهاء: جعله مصدر أمه أمهاً: إذا نسي. وتأويلها كتأويل من فتح الميم. وأصل المصدر فتح الميم، ومن أسكن فللتخفيف.
وقرأ الحسن: أنا آتيكم بتأويله قال: وكيف ينبؤهم العلم؟
* *
ثم قال: ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾: أي: فأطلقوني أمضي لآتيكم بتأويله من هذا العالم. قوله: ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾: وقف.
وقوله ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ﴾: أي: يا يوسف ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ﴾: أي: في سبع بقرات رُئينَ في المنام. ويأكلهن سبع عجاف - الآية -.
قال قتادة: السمان: السنين الخصبة ، والعجاف. سنون جدْبَة.
* *
ومعنى ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: أي: يعلمون تأويل رؤيا الملك.
وقيل: المعنى: لعلهم يعلمون مقدارك، فيخرجونك من السجن.
قال يوسف للسائل: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَباً﴾: أي: على عادتكم التي كنتم عليها. وقوله: ﴿فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ﴾ فهو خبر معناه الأمر: (أي): ازرعوا، وفيه إيماءٌ إلى تعبير الرؤيا، (فلفظه خبر معناه: الخبر عن تعبير الرؤيا) وفيه معنى الأمر لهم بالزرع سبع سنين، وتركه في سنبله. ودلّ على أنَّه أمر. قوله: ﴿فَذَرُوهُ﴾، فرجع إلى لفظ الأمر بعينه، وعطفه على معنى الأول.
وقيل: هو رأي رآه، ﷺ، لهم ليبقى طعامهم، فأمرهم أن يَدَعُوه في سنبله (إلاَّ ما يأكلون).
ثم قال له: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ﴾: أي: قحيطة، ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾. أي: يوكل فيهن ما أعددتم في السنين الخصبة من الطعام ووصفت السنون بالأكل، والمراد أنه يؤكل فيها، كما قال ﴿وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً﴾ [يونس: ٦٧، النمل: ٨٦، غافر: ٦١]: أي: يبصر فيه.
* *
وقوله: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ﴾: أي: تحرزونه، أي: ترفعونه للحرث. ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ﴾ أخبرهم، ﷺ، عما لم يكن في رؤيا الملك، وذلك من علم الغيب، الذي علمه الله، (عز وجل) دلالة على نبوته ﷺ، ومعنى ﴿فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ﴾: أي: بالمطر، والخصب.
﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾: أي: يعصرون العنب، والسمسم، والزيتون: وهو قول ابن عباس، والضحاك، وقتادة، وابن جريج، وغيرهم.
وقيل: المعنى: وفيه تحلبون مواشيكم.
وقال أبو عبيدة: معناه: وفيه تنجون من البلاء من العصر (وهو الملجأ).
يوسف 12:49
قوله: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ - إلى قوله - ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾: المعنى: وقال الذي نجا [منهما] من القتل، يعني: من الفَتَيَيْن اللذين عبر لهما يوسف الرؤيا.
﴿وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾: أي: تذكر بعد حين وصية يوسف، وأمره.
قال الكلبي: تذكر بعد سنين، فذكر أمره للملك.
وقرأ ابن عباس، وعكرمة، وقتادة، والضحاك: "بعد أمه" بالهاء، وفتح الميم والتخفيف أي: بعد نسيان.
وقرأ مجاهد: "بعد أمْهٍ" بإسكان الميم، وبالهاء: جعله مصدر أمه أمهاً: إذا نسي. وتأويلها كتأويل من فتح الميم. وأصل المصدر فتح الميم، ومن أسكن فللتخفيف.
وقرأ الحسن: أنا آتيكم بتأويله قال: وكيف ينبؤهم العلم؟
* *
ثم قال: ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾: أي: فأطلقوني أمضي لآتيكم بتأويله من هذا العالم. قوله: ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾: وقف.
وقوله ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ﴾: أي: يا يوسف ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ﴾: أي: في سبع بقرات رُئينَ في المنام. ويأكلهن سبع عجاف - الآية -.
قال قتادة: السمان: السنين الخصبة ، والعجاف. سنون جدْبَة.
* *
ومعنى ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: أي: يعلمون تأويل رؤيا الملك.
وقيل: المعنى: لعلهم يعلمون مقدارك، فيخرجونك من السجن.
قال يوسف للسائل: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَباً﴾: أي: على عادتكم التي كنتم عليها. وقوله: ﴿فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ﴾ فهو خبر معناه الأمر: (أي): ازرعوا، وفيه إيماءٌ إلى تعبير الرؤيا، (فلفظه خبر معناه: الخبر عن تعبير الرؤيا) وفيه معنى الأمر لهم بالزرع سبع سنين، وتركه في سنبله. ودلّ على أنَّه أمر. قوله: ﴿فَذَرُوهُ﴾، فرجع إلى لفظ الأمر بعينه، وعطفه على معنى الأول.
وقيل: هو رأي رآه، ﷺ، لهم ليبقى طعامهم، فأمرهم أن يَدَعُوه في سنبله (إلاَّ ما يأكلون).
ثم قال له: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ﴾: أي: قحيطة، ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾. أي: يوكل فيهن ما أعددتم في السنين الخصبة من الطعام ووصفت السنون بالأكل، والمراد أنه يؤكل فيها، كما قال ﴿وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً﴾ [يونس: ٦٧، النمل: ٨٦، غافر: ٦١]: أي: يبصر فيه.
* *
وقوله: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ﴾: أي: تحرزونه، أي: ترفعونه للحرث. ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ﴾ أخبرهم، ﷺ، عما لم يكن في رؤيا الملك، وذلك من علم الغيب، الذي علمه الله، (عز وجل) دلالة على نبوته ﷺ، ومعنى ﴿فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ﴾: أي: بالمطر، والخصب.
﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾: أي: يعصرون العنب، والسمسم، والزيتون: وهو قول ابن عباس، والضحاك، وقتادة، وابن جريج، وغيرهم.
وقيل: المعنى: وفيه تحلبون مواشيكم.
وقال أبو عبيدة: معناه: وفيه تنجون من البلاء من العصر (وهو الملجأ).
يوسف 12:50
قوله: ﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ﴾ - إلى قوله - ﴿لاَ يَهْدِي كَيْدَ ٱلْخَائِنِينَ﴾. (المعنى): أن الملك لما أعلمه الرسول بتأويل رؤياه، علم أنه حق. وقال: ﴿ٱئْتُونِي بِهِ﴾.
فلما جاء يوسف الرسول يدعوه إلى الملك، قال [له] يوسف: ارجع إلى سيدك، ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾.
وأبى يوسف أن يخرج حتى يعلم صحة أمره. ولم يذكر امرأة العزيز فيهن: حُسْنَ عشرة منه، صلى الله عليه (وسلم)، خلطها بالنسوة، وأخبر عن الجميع.
(قال النبي ﷺ: رحم الله يوسف، لو كنت أنا المحبوس، ثم أرسل إلي لخرجت سريعاً. إن كان لحليماً، ذا أناة
(وقال ﷺ: لقد عجبت من يوسف، وصبره، وكرمه، والله يغفر له حين سئل عن البقرات: لو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى اشترطت أن يخرجوني. ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول لو كنت مكانه لبادرتهم الباب
).
قوله: ﴿مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ﴾ إنما خاطبهن لأنهن قلن ليوسف إذ رأينه: وما عليك أن تفعل، فراودنه عن نفسه.
وقيل: إنه خاطبهن من أجل أن امرأة العزيز فيهن، فجعل الخطاب للجميع، والمراد واحدةٌ منهن. ودليل هذا جوابها وحدها، إذ حكاه الله، عز وجل، عنها فقال: ﴿قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ﴾.
وقيل: إنما خاطبهن كلهن، لأن يوسف لما قال: ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ ظن الملك أنهن كذبن وراودنه، فسألهن عن ذلك، فجاوبته امرأة العزيز، وأقرت أنها هي الفاعلة.
وقيل: إنما جمعهن في الخطاب، لأنهن قلن: ﴿ٱمْرَأَةُ ٱلْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ﴾ وأشعن ذلك فقيل لهن: هل علمتنَّ ذنبه؟
﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ﴾ فعند ذلك، أقرت امرأة العزيز أنها هي راودته عن نفسه. فرجع الرسول، فقال ذلك للملك فأحضر الملك النسوة. والكلام دل على الحذف.
* *
ومعنى ﴿حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ﴾: تبين وظهر وانكشف، فقالت: ﴿أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴾ في قوله: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي﴾ وذلك أنها اضطرت إلى أن تبلغ مراد الملك في صرف الإبهام عنه بالرؤيا التي شغلت قلبه، فبرأت يوسف ليصح صدقه عند الملك، ويعلم أن ما أفتى في الرؤيا حق، فتعطفه عليه.
وحصحص مأخوذ من الحصة، أي: بانت حصة الحق من حصة الباطل. وأصله "حصص"، ثم أبدل من الصاد الثانية حاءً، كما قال:
﴿فَكُبْكِبُواْ﴾ [الشعراء: ٩٤]، والأصل "كذبوا"، وقيل: كبكب، والأصل "كبب" ورَدْرَدَ والأصل ردَّد.
* *
وقوله: ﴿ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ﴾ هذا من قول يوسف عليه السلام أي: قال: فعلت ذلك من ردي الرسول إليه، وتركي إجابته، والخروج إليه حتى يسأل النسوة، فيعلم الملك أني لم أذكره بسوء في الغيب.
(وقيل: المعنى: ليعلم العزيز أني لم أذكره بسوء في الغيب).
وقيل: المعنى: ليعلم العزيز أني لم أخنه في امرأته، وهو غائب (ويصح) ذلك عنده. وقد قيل: إنه من كلام المرأة كله لتقديم كلامها. لذلك قال ابن جريج: (هذا) متصل بما قبله، وفي الكلام تقديم وتأخير.
والمعنى: ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِ(هِنَّ) عَلِيمٌ﴾. ﴿ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ﴾. فعلى هذا يكون يوسف قاله وهو في السجن.
وعلى قول ابن عباس، وغيره إنما قاله (بعد أن خرج، فلا تقديم في الكلام، ولا تأخير. ولما قال يوسف ذلك قال له) جبريل، عليه السلام: ولا حين هممت؟ فقال يوسف: ﴿مَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ﴾. قاله ابن عباس، وابن جبير.
وقال السدي: امرأة العزيز هي التي قالت له: ولا حين هممت، فحللت السراويل فقال: ﴿وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ﴾.
وقيل: إنه من قول يوسف، وذلك أنه تذكر ما مضى. فقال ذلك معتذراً لمليكه.
وذكر ابن لهيعة: أن امرأة العزيز لما اشتدت عليها الحاجة، (والمسغبة) أرادت الدخول على يوسف لتشكو إليه حاجتها، وإعوازها، فقال لها أهلها وقومها: لا تفعلي، لأنا نخاف عليك، لأنه قد كان منك الذي كان، فقالت: كلا إني لا أخاف ممن يخاف الله، ويتقيه. فدخلت عليه، وقامت بين يديه، ثم قالت: الحمد لله الذي جعل العبيد ملوكاً بطاعته، وأشارت إليه، ثم قالت: والحمد لله الذي جعل الملوك عبيداً بمعصيته، وأشارت إلى نفسها. (قال): ثم تزوجها يوسف، عليه السلام، فأصابها بكراً، فقال لها: أليس هذا أحسن مما كنت أردتيه مني؟ قالت له: إني كنت قد ابتليت منك بأربع خصال: (كنت) أنت أجمل الناس، وكنت أنا أجمل النساء في دهري، وكان زوجي عنيناً، وكنت بكراً حَدِثة السن قال: فأولدها يوسف، ﷺ فأول ولد ولدته ابنة سماها "رحمة" وهي امرأة أيوب، عليهما السلام.
ويروى أن امرأة العزيز دخلت على يوسف، (ﷺ)، وقد ملك مصر، فقالت له: بالذي رفع العبيد بطاعتهم، ووضع الملوك بمعصيتهم، فتصدق عليها يوسف، وتزوجها.
يوسف 12:51
قوله: ﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ﴾ - إلى قوله - ﴿لاَ يَهْدِي كَيْدَ ٱلْخَائِنِينَ﴾. (المعنى): أن الملك لما أعلمه الرسول بتأويل رؤياه، علم أنه حق. وقال: ﴿ٱئْتُونِي بِهِ﴾.
فلما جاء يوسف الرسول يدعوه إلى الملك، قال [له] يوسف: ارجع إلى سيدك، ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾.
وأبى يوسف أن يخرج حتى يعلم صحة أمره. ولم يذكر امرأة العزيز فيهن: حُسْنَ عشرة منه، صلى الله عليه (وسلم)، خلطها بالنسوة، وأخبر عن الجميع.
(قال النبي ﷺ: رحم الله يوسف، لو كنت أنا المحبوس، ثم أرسل إلي لخرجت سريعاً. إن كان لحليماً، ذا أناة
(وقال ﷺ: لقد عجبت من يوسف، وصبره، وكرمه، والله يغفر له حين سئل عن البقرات: لو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى اشترطت أن يخرجوني. ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول لو كنت مكانه لبادرتهم الباب
).
قوله: ﴿مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ﴾ إنما خاطبهن لأنهن قلن ليوسف إذ رأينه: وما عليك أن تفعل، فراودنه عن نفسه.
وقيل: إنه خاطبهن من أجل أن امرأة العزيز فيهن، فجعل الخطاب للجميع، والمراد واحدةٌ منهن. ودليل هذا جوابها وحدها، إذ حكاه الله، عز وجل، عنها فقال: ﴿قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ﴾.
وقيل: إنما خاطبهن كلهن، لأن يوسف لما قال: ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ ظن الملك أنهن كذبن وراودنه، فسألهن عن ذلك، فجاوبته امرأة العزيز، وأقرت أنها هي الفاعلة.
وقيل: إنما جمعهن في الخطاب، لأنهن قلن: ﴿ٱمْرَأَةُ ٱلْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ﴾ وأشعن ذلك فقيل لهن: هل علمتنَّ ذنبه؟
﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ﴾ فعند ذلك، أقرت امرأة العزيز أنها هي راودته عن نفسه. فرجع الرسول، فقال ذلك للملك فأحضر الملك النسوة. والكلام دل على الحذف.
* *
ومعنى ﴿حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ﴾: تبين وظهر وانكشف، فقالت: ﴿أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴾ في قوله: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي﴾ وذلك أنها اضطرت إلى أن تبلغ مراد الملك في صرف الإبهام عنه بالرؤيا التي شغلت قلبه، فبرأت يوسف ليصح صدقه عند الملك، ويعلم أن ما أفتى في الرؤيا حق، فتعطفه عليه.
وحصحص مأخوذ من الحصة، أي: بانت حصة الحق من حصة الباطل. وأصله "حصص"، ثم أبدل من الصاد الثانية حاءً، كما قال:
﴿فَكُبْكِبُواْ﴾ [الشعراء: ٩٤]، والأصل "كذبوا"، وقيل: كبكب، والأصل "كبب" ورَدْرَدَ والأصل ردَّد.
* *
وقوله: ﴿ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ﴾ هذا من قول يوسف عليه السلام أي: قال: فعلت ذلك من ردي الرسول إليه، وتركي إجابته، والخروج إليه حتى يسأل النسوة، فيعلم الملك أني لم أذكره بسوء في الغيب.
(وقيل: المعنى: ليعلم العزيز أني لم أذكره بسوء في الغيب).
وقيل: المعنى: ليعلم العزيز أني لم أخنه في امرأته، وهو غائب (ويصح) ذلك عنده. وقد قيل: إنه من كلام المرأة كله لتقديم كلامها. لذلك قال ابن جريج: (هذا) متصل بما قبله، وفي الكلام تقديم وتأخير.
والمعنى: ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِ(هِنَّ) عَلِيمٌ﴾. ﴿ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ﴾. فعلى هذا يكون يوسف قاله وهو في السجن.
وعلى قول ابن عباس، وغيره إنما قاله (بعد أن خرج، فلا تقديم في الكلام، ولا تأخير. ولما قال يوسف ذلك قال له) جبريل، عليه السلام: ولا حين هممت؟ فقال يوسف: ﴿مَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ﴾. قاله ابن عباس، وابن جبير.
وقال السدي: امرأة العزيز هي التي قالت له: ولا حين هممت، فحللت السراويل فقال: ﴿وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ﴾.
وقيل: إنه من قول يوسف، وذلك أنه تذكر ما مضى. فقال ذلك معتذراً لمليكه.
وذكر ابن لهيعة: أن امرأة العزيز لما اشتدت عليها الحاجة، (والمسغبة) أرادت الدخول على يوسف لتشكو إليه حاجتها، وإعوازها، فقال لها أهلها وقومها: لا تفعلي، لأنا نخاف عليك، لأنه قد كان منك الذي كان، فقالت: كلا إني لا أخاف ممن يخاف الله، ويتقيه. فدخلت عليه، وقامت بين يديه، ثم قالت: الحمد لله الذي جعل العبيد ملوكاً بطاعته، وأشارت إليه، ثم قالت: والحمد لله الذي جعل الملوك عبيداً بمعصيته، وأشارت إلى نفسها. (قال): ثم تزوجها يوسف، عليه السلام، فأصابها بكراً، فقال لها: أليس هذا أحسن مما كنت أردتيه مني؟ قالت له: إني كنت قد ابتليت منك بأربع خصال: (كنت) أنت أجمل الناس، وكنت أنا أجمل النساء في دهري، وكان زوجي عنيناً، وكنت بكراً حَدِثة السن قال: فأولدها يوسف، ﷺ فأول ولد ولدته ابنة سماها "رحمة" وهي امرأة أيوب، عليهما السلام.
ويروى أن امرأة العزيز دخلت على يوسف، (ﷺ)، وقد ملك مصر، فقالت له: بالذي رفع العبيد بطاعتهم، ووضع الملوك بمعصيتهم، فتصدق عليها يوسف، وتزوجها.
يوسف 12:52
قوله: ﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ﴾ - إلى قوله - ﴿لاَ يَهْدِي كَيْدَ ٱلْخَائِنِينَ﴾. (المعنى): أن الملك لما أعلمه الرسول بتأويل رؤياه، علم أنه حق. وقال: ﴿ٱئْتُونِي بِهِ﴾.
فلما جاء يوسف الرسول يدعوه إلى الملك، قال [له] يوسف: ارجع إلى سيدك، ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾.
وأبى يوسف أن يخرج حتى يعلم صحة أمره. ولم يذكر امرأة العزيز فيهن: حُسْنَ عشرة منه، صلى الله عليه (وسلم)، خلطها بالنسوة، وأخبر عن الجميع.
(قال النبي ﷺ: رحم الله يوسف، لو كنت أنا المحبوس، ثم أرسل إلي لخرجت سريعاً. إن كان لحليماً، ذا أناة
(وقال ﷺ: لقد عجبت من يوسف، وصبره، وكرمه، والله يغفر له حين سئل عن البقرات: لو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى اشترطت أن يخرجوني. ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول لو كنت مكانه لبادرتهم الباب
).
قوله: ﴿مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ﴾ إنما خاطبهن لأنهن قلن ليوسف إذ رأينه: وما عليك أن تفعل، فراودنه عن نفسه.
وقيل: إنه خاطبهن من أجل أن امرأة العزيز فيهن، فجعل الخطاب للجميع، والمراد واحدةٌ منهن. ودليل هذا جوابها وحدها، إذ حكاه الله، عز وجل، عنها فقال: ﴿قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ﴾.
وقيل: إنما خاطبهن كلهن، لأن يوسف لما قال: ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ ظن الملك أنهن كذبن وراودنه، فسألهن عن ذلك، فجاوبته امرأة العزيز، وأقرت أنها هي الفاعلة.
وقيل: إنما جمعهن في الخطاب، لأنهن قلن: ﴿ٱمْرَأَةُ ٱلْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ﴾ وأشعن ذلك فقيل لهن: هل علمتنَّ ذنبه؟
﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ﴾ فعند ذلك، أقرت امرأة العزيز أنها هي راودته عن نفسه. فرجع الرسول، فقال ذلك للملك فأحضر الملك النسوة. والكلام دل على الحذف.
* *
ومعنى ﴿حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ﴾: تبين وظهر وانكشف، فقالت: ﴿أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴾ في قوله: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي﴾ وذلك أنها اضطرت إلى أن تبلغ مراد الملك في صرف الإبهام عنه بالرؤيا التي شغلت قلبه، فبرأت يوسف ليصح صدقه عند الملك، ويعلم أن ما أفتى في الرؤيا حق، فتعطفه عليه.
وحصحص مأخوذ من الحصة، أي: بانت حصة الحق من حصة الباطل. وأصله "حصص"، ثم أبدل من الصاد الثانية حاءً، كما قال:
﴿فَكُبْكِبُواْ﴾ [الشعراء: ٩٤]، والأصل "كذبوا"، وقيل: كبكب، والأصل "كبب" ورَدْرَدَ والأصل ردَّد.
* *
وقوله: ﴿ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ﴾ هذا من قول يوسف عليه السلام أي: قال: فعلت ذلك من ردي الرسول إليه، وتركي إجابته، والخروج إليه حتى يسأل النسوة، فيعلم الملك أني لم أذكره بسوء في الغيب.
(وقيل: المعنى: ليعلم العزيز أني لم أذكره بسوء في الغيب).
وقيل: المعنى: ليعلم العزيز أني لم أخنه في امرأته، وهو غائب (ويصح) ذلك عنده. وقد قيل: إنه من كلام المرأة كله لتقديم كلامها. لذلك قال ابن جريج: (هذا) متصل بما قبله، وفي الكلام تقديم وتأخير.
والمعنى: ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِ(هِنَّ) عَلِيمٌ﴾. ﴿ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ﴾. فعلى هذا يكون يوسف قاله وهو في السجن.
وعلى قول ابن عباس، وغيره إنما قاله (بعد أن خرج، فلا تقديم في الكلام، ولا تأخير. ولما قال يوسف ذلك قال له) جبريل، عليه السلام: ولا حين هممت؟ فقال يوسف: ﴿مَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ﴾. قاله ابن عباس، وابن جبير.
وقال السدي: امرأة العزيز هي التي قالت له: ولا حين هممت، فحللت السراويل فقال: ﴿وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ﴾.
وقيل: إنه من قول يوسف، وذلك أنه تذكر ما مضى. فقال ذلك معتذراً لمليكه.
وذكر ابن لهيعة: أن امرأة العزيز لما اشتدت عليها الحاجة، (والمسغبة) أرادت الدخول على يوسف لتشكو إليه حاجتها، وإعوازها، فقال لها أهلها وقومها: لا تفعلي، لأنا نخاف عليك، لأنه قد كان منك الذي كان، فقالت: كلا إني لا أخاف ممن يخاف الله، ويتقيه. فدخلت عليه، وقامت بين يديه، ثم قالت: الحمد لله الذي جعل العبيد ملوكاً بطاعته، وأشارت إليه، ثم قالت: والحمد لله الذي جعل الملوك عبيداً بمعصيته، وأشارت إلى نفسها. (قال): ثم تزوجها يوسف، عليه السلام، فأصابها بكراً، فقال لها: أليس هذا أحسن مما كنت أردتيه مني؟ قالت له: إني كنت قد ابتليت منك بأربع خصال: (كنت) أنت أجمل الناس، وكنت أنا أجمل النساء في دهري، وكان زوجي عنيناً، وكنت بكراً حَدِثة السن قال: فأولدها يوسف، ﷺ فأول ولد ولدته ابنة سماها "رحمة" وهي امرأة أيوب، عليهما السلام.
ويروى أن امرأة العزيز دخلت على يوسف، (ﷺ)، وقد ملك مصر، فقالت له: بالذي رفع العبيد بطاعتهم، ووضع الملوك بمعصيتهم، فتصدق عليها يوسف، وتزوجها.
يوسف 12:53
قوله: ﴿وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ﴾ - إلى قوله - ﴿وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ قوله: ﴿إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ﴾: "ما" في موضع نصب، استثناء، ليس من الأول.
والمعنى: إلا أن يرحم ربي من شاء من خلقه، فينجيه من اتباع هواه، وما تامر[ه] به نفسه. إن ربي ذو مغفرة عن ذنوب من تاب، (رحيم) (به) بعد توبته.
* *
قوله: ﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ﴾، أمر ملك مصر الأعظم، وهو الوليد بن الريان بالإتيان بيوسف ﷺ، لما تبين عذره. وقال: ﴿أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾: أي أجعله من خلصائي وخاصتي. ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ﴾: أي: ﴿فَلَمَّا﴾ كلم الملك يوسف ﷺ علم براءته، وحسن عقله. قال له: يا يوسف ﴿إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾: أي: متمكن مما أردت، أمينٌ على ما ائتمنت عليه من شيء.
وقيل: أمين، لا تخاف عذراً. ثم قال (له): ما من شيء إلا وأنا أحب أن تشركني فيه إلا أهلي، ولا يأكل معي عبدي، فقال (له) يوسف، (ﷺ): أتأنف أن آكل معك؟ وأنا أحق أن آنف منك، أنا ابن إبراهيم، خليل الرحمان، وأنا ابن إسحاق الذبيح، وابن يعقوب الذي ابيضت عيناه من الحزن.
* *
قوله: ﴿قَالَ ٱجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلأَرْضِ﴾ - إلى قوله - ﴿وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ والمعنى: قال يوسف ﷺ، للملك: "اجعلني على خزائن أرضك".
قال ابن زيد: فأسلم إليه فرعون سلطانه كله، فكان على خزائن الأطعمة، وغيرها من أمواله وعمله.
وروى مالك بن أنس، رضي الله عنه، عن ابن المنكدر عن جابر بن عبد الله، قال: كان يوسف النبي عليه السلام لا يشبع فقيل له:
ما لك لا تشبع، وبيدك خزائن الأرض؟. قال: إني إذا شبعت نسيت الجائعين.
* *
قوله: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ﴾: أي: لما وليت، ﴿عَلِيمٌ﴾ به. وقيل: (إن) المعنى: إني حافظ للحساب، عالم بالألسن.
وقيل: المعنى: إني حافظ للأموال عالم بالموضع الذي يجب أن يجعل فيه مما يرضي الله، عز وجل، ولذلك سأل يوسف، (ﷺ)، الملك في هذا ليتمكن له وضع الأشياء في حقوقها. فأراد بسؤاله الصلاح ﷺ.
ثم قال (تعالى) ﴿وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ﴾: أي: في أرض مصر ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ﴾: أي: يتخذ منزلاً أين شاء بعد الضيق والحبس. ومن قرأ بالنون، فمعناه: يصرفه في الأرض حيث يشاء.
﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَآءُ﴾: من خلقنا كما أصبنا بها يوسف.
﴿وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾: أي: لا نبطل أجر من أحسن (عملاً) فأطاع ربه، (عز وجل).
قال ابن إسحاق: ولاه الملك عمل العزيز زوج المرأة، فهلك العزيز في تلك الليالي، وزوج الملك زوجة العزيز ليوسف.
وقال ابن إسحاق: فلما دخلت عليه قال: أليس هذا خيراً مما كنت تريدين؟ فقالت له: أيها الصديق لا تلمني، فإني كنت امرأة أوتيت كما ترى حسناً وجمالاً، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنت كما خلقك الله في حسنك، وجمالك، فغلبتني نفسي على ما رأيت.
قال ابن إسحاق: فذكر أنه وجدها بكراً فأصابها، فولدت رجلين. فولي يوسف مصر، وملكها، وبيعها وشرابها، وجميع أمرها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾. والمعنى: ولثواب الآخرة خير لمن صدق، وآمن، وخاف عقاب الله عز وجل، واتقاه سبحانه مما أعطى يوسف في الدنيا من التمكين في أرض مصر.
يوسف 12:54
قوله: ﴿وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ﴾ - إلى قوله - ﴿وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ قوله: ﴿إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ﴾: "ما" في موضع نصب، استثناء، ليس من الأول.
والمعنى: إلا أن يرحم ربي من شاء من خلقه، فينجيه من اتباع هواه، وما تامر[ه] به نفسه. إن ربي ذو مغفرة عن ذنوب من تاب، (رحيم) (به) بعد توبته.
* *
قوله: ﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ﴾، أمر ملك مصر الأعظم، وهو الوليد بن الريان بالإتيان بيوسف ﷺ، لما تبين عذره. وقال: ﴿أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾: أي أجعله من خلصائي وخاصتي. ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ﴾: أي: ﴿فَلَمَّا﴾ كلم الملك يوسف ﷺ علم براءته، وحسن عقله. قال له: يا يوسف ﴿إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾: أي: متمكن مما أردت، أمينٌ على ما ائتمنت عليه من شيء.
وقيل: أمين، لا تخاف عذراً. ثم قال (له): ما من شيء إلا وأنا أحب أن تشركني فيه إلا أهلي، ولا يأكل معي عبدي، فقال (له) يوسف، (ﷺ): أتأنف أن آكل معك؟ وأنا أحق أن آنف منك، أنا ابن إبراهيم، خليل الرحمان، وأنا ابن إسحاق الذبيح، وابن يعقوب الذي ابيضت عيناه من الحزن.
* *
قوله: ﴿قَالَ ٱجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلأَرْضِ﴾ - إلى قوله - ﴿وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ والمعنى: قال يوسف ﷺ، للملك: "اجعلني على خزائن أرضك".
قال ابن زيد: فأسلم إليه فرعون سلطانه كله، فكان على خزائن الأطعمة، وغيرها من أمواله وعمله.
وروى مالك بن أنس، رضي الله عنه، عن ابن المنكدر عن جابر بن عبد الله، قال: كان يوسف النبي عليه السلام لا يشبع فقيل له:
ما لك لا تشبع، وبيدك خزائن الأرض؟. قال: إني إذا شبعت نسيت الجائعين.
* *
قوله: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ﴾: أي: لما وليت، ﴿عَلِيمٌ﴾ به. وقيل: (إن) المعنى: إني حافظ للحساب، عالم بالألسن.
وقيل: المعنى: إني حافظ للأموال عالم بالموضع الذي يجب أن يجعل فيه مما يرضي الله، عز وجل، ولذلك سأل يوسف، (ﷺ)، الملك في هذا ليتمكن له وضع الأشياء في حقوقها. فأراد بسؤاله الصلاح ﷺ.
ثم قال (تعالى) ﴿وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ﴾: أي: في أرض مصر ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ﴾: أي: يتخذ منزلاً أين شاء بعد الضيق والحبس. ومن قرأ بالنون، فمعناه: يصرفه في الأرض حيث يشاء.
﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَآءُ﴾: من خلقنا كما أصبنا بها يوسف.
﴿وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾: أي: لا نبطل أجر من أحسن (عملاً) فأطاع ربه، (عز وجل).
قال ابن إسحاق: ولاه الملك عمل العزيز زوج المرأة، فهلك العزيز في تلك الليالي، وزوج الملك زوجة العزيز ليوسف.
وقال ابن إسحاق: فلما دخلت عليه قال: أليس هذا خيراً مما كنت تريدين؟ فقالت له: أيها الصديق لا تلمني، فإني كنت امرأة أوتيت كما ترى حسناً وجمالاً، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنت كما خلقك الله في حسنك، وجمالك، فغلبتني نفسي على ما رأيت.
قال ابن إسحاق: فذكر أنه وجدها بكراً فأصابها، فولدت رجلين. فولي يوسف مصر، وملكها، وبيعها وشرابها، وجميع أمرها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾. والمعنى: ولثواب الآخرة خير لمن صدق، وآمن، وخاف عقاب الله عز وجل، واتقاه سبحانه مما أعطى يوسف في الدنيا من التمكين في أرض مصر.
يوسف 12:55
قوله: ﴿وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ﴾ - إلى قوله - ﴿وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ قوله: ﴿إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ﴾: "ما" في موضع نصب، استثناء، ليس من الأول.
والمعنى: إلا أن يرحم ربي من شاء من خلقه، فينجيه من اتباع هواه، وما تامر[ه] به نفسه. إن ربي ذو مغفرة عن ذنوب من تاب، (رحيم) (به) بعد توبته.
* *
قوله: ﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ﴾، أمر ملك مصر الأعظم، وهو الوليد بن الريان بالإتيان بيوسف ﷺ، لما تبين عذره. وقال: ﴿أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾: أي أجعله من خلصائي وخاصتي. ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ﴾: أي: ﴿فَلَمَّا﴾ كلم الملك يوسف ﷺ علم براءته، وحسن عقله. قال له: يا يوسف ﴿إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾: أي: متمكن مما أردت، أمينٌ على ما ائتمنت عليه من شيء.
وقيل: أمين، لا تخاف عذراً. ثم قال (له): ما من شيء إلا وأنا أحب أن تشركني فيه إلا أهلي، ولا يأكل معي عبدي، فقال (له) يوسف، (ﷺ): أتأنف أن آكل معك؟ وأنا أحق أن آنف منك، أنا ابن إبراهيم، خليل الرحمان، وأنا ابن إسحاق الذبيح، وابن يعقوب الذي ابيضت عيناه من الحزن.
* *
قوله: ﴿قَالَ ٱجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلأَرْضِ﴾ - إلى قوله - ﴿وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ والمعنى: قال يوسف ﷺ، للملك: "اجعلني على خزائن أرضك".
قال ابن زيد: فأسلم إليه فرعون سلطانه كله، فكان على خزائن الأطعمة، وغيرها من أمواله وعمله.
وروى مالك بن أنس، رضي الله عنه، عن ابن المنكدر عن جابر بن عبد الله، قال: كان يوسف النبي عليه السلام لا يشبع فقيل له:
ما لك لا تشبع، وبيدك خزائن الأرض؟. قال: إني إذا شبعت نسيت الجائعين.
* *
قوله: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ﴾: أي: لما وليت، ﴿عَلِيمٌ﴾ به. وقيل: (إن) المعنى: إني حافظ للحساب، عالم بالألسن.
وقيل: المعنى: إني حافظ للأموال عالم بالموضع الذي يجب أن يجعل فيه مما يرضي الله، عز وجل، ولذلك سأل يوسف، (ﷺ)، الملك في هذا ليتمكن له وضع الأشياء في حقوقها. فأراد بسؤاله الصلاح ﷺ.
ثم قال (تعالى) ﴿وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ﴾: أي: في أرض مصر ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ﴾: أي: يتخذ منزلاً أين شاء بعد الضيق والحبس. ومن قرأ بالنون، فمعناه: يصرفه في الأرض حيث يشاء.
﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَآءُ﴾: من خلقنا كما أصبنا بها يوسف.
﴿وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾: أي: لا نبطل أجر من أحسن (عملاً) فأطاع ربه، (عز وجل).
قال ابن إسحاق: ولاه الملك عمل العزيز زوج المرأة، فهلك العزيز في تلك الليالي، وزوج الملك زوجة العزيز ليوسف.
وقال ابن إسحاق: فلما دخلت عليه قال: أليس هذا خيراً مما كنت تريدين؟ فقالت له: أيها الصديق لا تلمني، فإني كنت امرأة أوتيت كما ترى حسناً وجمالاً، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنت كما خلقك الله في حسنك، وجمالك، فغلبتني نفسي على ما رأيت.
قال ابن إسحاق: فذكر أنه وجدها بكراً فأصابها، فولدت رجلين. فولي يوسف مصر، وملكها، وبيعها وشرابها، وجميع أمرها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾. والمعنى: ولثواب الآخرة خير لمن صدق، وآمن، وخاف عقاب الله عز وجل، واتقاه سبحانه مما أعطى يوسف في الدنيا من التمكين في أرض مصر.
يوسف 12:56
قوله: ﴿وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ﴾ - إلى قوله - ﴿وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ قوله: ﴿إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ﴾: "ما" في موضع نصب، استثناء، ليس من الأول.
والمعنى: إلا أن يرحم ربي من شاء من خلقه، فينجيه من اتباع هواه، وما تامر[ه] به نفسه. إن ربي ذو مغفرة عن ذنوب من تاب، (رحيم) (به) بعد توبته.
* *
قوله: ﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ﴾، أمر ملك مصر الأعظم، وهو الوليد بن الريان بالإتيان بيوسف ﷺ، لما تبين عذره. وقال: ﴿أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾: أي أجعله من خلصائي وخاصتي. ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ﴾: أي: ﴿فَلَمَّا﴾ كلم الملك يوسف ﷺ علم براءته، وحسن عقله. قال له: يا يوسف ﴿إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾: أي: متمكن مما أردت، أمينٌ على ما ائتمنت عليه من شيء.
وقيل: أمين، لا تخاف عذراً. ثم قال (له): ما من شيء إلا وأنا أحب أن تشركني فيه إلا أهلي، ولا يأكل معي عبدي، فقال (له) يوسف، (ﷺ): أتأنف أن آكل معك؟ وأنا أحق أن آنف منك، أنا ابن إبراهيم، خليل الرحمان، وأنا ابن إسحاق الذبيح، وابن يعقوب الذي ابيضت عيناه من الحزن.
* *
قوله: ﴿قَالَ ٱجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلأَرْضِ﴾ - إلى قوله - ﴿وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ والمعنى: قال يوسف ﷺ، للملك: "اجعلني على خزائن أرضك".
قال ابن زيد: فأسلم إليه فرعون سلطانه كله، فكان على خزائن الأطعمة، وغيرها من أمواله وعمله.
وروى مالك بن أنس، رضي الله عنه، عن ابن المنكدر عن جابر بن عبد الله، قال: كان يوسف النبي عليه السلام لا يشبع فقيل له:
ما لك لا تشبع، وبيدك خزائن الأرض؟. قال: إني إذا شبعت نسيت الجائعين.
* *
قوله: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ﴾: أي: لما وليت، ﴿عَلِيمٌ﴾ به. وقيل: (إن) المعنى: إني حافظ للحساب، عالم بالألسن.
وقيل: المعنى: إني حافظ للأموال عالم بالموضع الذي يجب أن يجعل فيه مما يرضي الله، عز وجل، ولذلك سأل يوسف، (ﷺ)، الملك في هذا ليتمكن له وضع الأشياء في حقوقها. فأراد بسؤاله الصلاح ﷺ.
ثم قال (تعالى) ﴿وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ﴾: أي: في أرض مصر ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ﴾: أي: يتخذ منزلاً أين شاء بعد الضيق والحبس. ومن قرأ بالنون، فمعناه: يصرفه في الأرض حيث يشاء.
﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَآءُ﴾: من خلقنا كما أصبنا بها يوسف.
﴿وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾: أي: لا نبطل أجر من أحسن (عملاً) فأطاع ربه، (عز وجل).
قال ابن إسحاق: ولاه الملك عمل العزيز زوج المرأة، فهلك العزيز في تلك الليالي، وزوج الملك زوجة العزيز ليوسف.
وقال ابن إسحاق: فلما دخلت عليه قال: أليس هذا خيراً مما كنت تريدين؟ فقالت له: أيها الصديق لا تلمني، فإني كنت امرأة أوتيت كما ترى حسناً وجمالاً، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنت كما خلقك الله في حسنك، وجمالك، فغلبتني نفسي على ما رأيت.
قال ابن إسحاق: فذكر أنه وجدها بكراً فأصابها، فولدت رجلين. فولي يوسف مصر، وملكها، وبيعها وشرابها، وجميع أمرها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾. والمعنى: ولثواب الآخرة خير لمن صدق، وآمن، وخاف عقاب الله عز وجل، واتقاه سبحانه مما أعطى يوسف في الدنيا من التمكين في أرض مصر.
يوسف 12:57
قوله: ﴿وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ﴾ - إلى قوله - ﴿وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ قوله: ﴿إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ﴾: "ما" في موضع نصب، استثناء، ليس من الأول.
والمعنى: إلا أن يرحم ربي من شاء من خلقه، فينجيه من اتباع هواه، وما تامر[ه] به نفسه. إن ربي ذو مغفرة عن ذنوب من تاب، (رحيم) (به) بعد توبته.
* *
قوله: ﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ﴾، أمر ملك مصر الأعظم، وهو الوليد بن الريان بالإتيان بيوسف ﷺ، لما تبين عذره. وقال: ﴿أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾: أي أجعله من خلصائي وخاصتي. ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ﴾: أي: ﴿فَلَمَّا﴾ كلم الملك يوسف ﷺ علم براءته، وحسن عقله. قال له: يا يوسف ﴿إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾: أي: متمكن مما أردت، أمينٌ على ما ائتمنت عليه من شيء.
وقيل: أمين، لا تخاف عذراً. ثم قال (له): ما من شيء إلا وأنا أحب أن تشركني فيه إلا أهلي، ولا يأكل معي عبدي، فقال (له) يوسف، (ﷺ): أتأنف أن آكل معك؟ وأنا أحق أن آنف منك، أنا ابن إبراهيم، خليل الرحمان، وأنا ابن إسحاق الذبيح، وابن يعقوب الذي ابيضت عيناه من الحزن.
* *
قوله: ﴿قَالَ ٱجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلأَرْضِ﴾ - إلى قوله - ﴿وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ والمعنى: قال يوسف ﷺ، للملك: "اجعلني على خزائن أرضك".
قال ابن زيد: فأسلم إليه فرعون سلطانه كله، فكان على خزائن الأطعمة، وغيرها من أمواله وعمله.
وروى مالك بن أنس، رضي الله عنه، عن ابن المنكدر عن جابر بن عبد الله، قال: كان يوسف النبي عليه السلام لا يشبع فقيل له:
ما لك لا تشبع، وبيدك خزائن الأرض؟. قال: إني إذا شبعت نسيت الجائعين.
* *
قوله: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ﴾: أي: لما وليت، ﴿عَلِيمٌ﴾ به. وقيل: (إن) المعنى: إني حافظ للحساب، عالم بالألسن.
وقيل: المعنى: إني حافظ للأموال عالم بالموضع الذي يجب أن يجعل فيه مما يرضي الله، عز وجل، ولذلك سأل يوسف، (ﷺ)، الملك في هذا ليتمكن له وضع الأشياء في حقوقها. فأراد بسؤاله الصلاح ﷺ.
ثم قال (تعالى) ﴿وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ﴾: أي: في أرض مصر ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ﴾: أي: يتخذ منزلاً أين شاء بعد الضيق والحبس. ومن قرأ بالنون، فمعناه: يصرفه في الأرض حيث يشاء.
﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَآءُ﴾: من خلقنا كما أصبنا بها يوسف.
﴿وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾: أي: لا نبطل أجر من أحسن (عملاً) فأطاع ربه، (عز وجل).
قال ابن إسحاق: ولاه الملك عمل العزيز زوج المرأة، فهلك العزيز في تلك الليالي، وزوج الملك زوجة العزيز ليوسف.
وقال ابن إسحاق: فلما دخلت عليه قال: أليس هذا خيراً مما كنت تريدين؟ فقالت له: أيها الصديق لا تلمني، فإني كنت امرأة أوتيت كما ترى حسناً وجمالاً، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنت كما خلقك الله في حسنك، وجمالك، فغلبتني نفسي على ما رأيت.
قال ابن إسحاق: فذكر أنه وجدها بكراً فأصابها، فولدت رجلين. فولي يوسف مصر، وملكها، وبيعها وشرابها، وجميع أمرها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾. والمعنى: ولثواب الآخرة خير لمن صدق، وآمن، وخاف عقاب الله عز وجل، واتقاه سبحانه مما أعطى يوسف في الدنيا من التمكين في أرض مصر.
يوسف 12:58
قوله ﴿وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ﴾ - إلى قوله - ﴿وَلاَ تَقْرَبُونِ﴾ المعنى: فيما ذكر ابن إسحاق أن يوسف عليه السلام لما أعلمهم بما يأتي من القحط، وأن يستعدوا لما يأتيهم، أتى الناس إلى مصر، يلتمسون المير(ة) من كل بلد. فأصاب الناس جهدٌ، فأمر يوسف ألا يحمل الرجل إلا بعيراً واحداً، تقسيطاً بين الناس، ومنع أن يحمل أحد بعيرين. فقدم عليه إخوته فيمن قدم يلتمسون الميرة، فعرفهم، ولم يعرفوه لما أراد الله عز وجل.
وذكر السدي: أنه لما أصاب الناس الجوع، أتى أخوة يوسف ليمتاروا، وهم عشرة: وأمسك يعقوب عند نفسه أخا يوسف بنيامين، فلما دخلوا على يوسف عرفهم، ولم يعرفوه. قال لهم: أخبروني بأمركم، فإني أنكر شأنكم؟ قالوا: نحن قوم من أرض الشام. قال وما جاء بكم؟ قالوا: جئنا نمتار طعاماً. قال: فأخبروني خبركم. قالوا: إنا أخوة، بنو رجل صديق. وكنا اثني عشر. وكان أبونا يحب أخاً [لـ]ـنا وإنه ذهب معنا إلى البرية فهلك فيها. وكان أحبنا إلى أبينا. قال: فإلى من يسكن أبوكم بعده؟ قالوا: إلى أخ لنا أصغر منه. قال: وكيف تخبروني أنَّ أباكم صديق، وهو يحب الصغير منكم دون الكبير . إيتوني بأخيكم هذا حتى أنظر إليه. قالوا: سنراود عنه أباه، قال: فضعوا رهينة حتى ترجعوا، فوضعوا شمعون وجهَّزوا أبْعِرتهم بالطعام. فقال لهم يوسف (ﷺ): إنكم إذا أتيتموني بأخيكم ازددتم من عند[ي] حمل بعير له.
﴿أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّيۤ أُوفِي ٱلْكَيْلَ﴾: "ولا أبخسه أحداً".
﴿وَأَنَاْ خَيْرُ ٱلْمُنْزِلِينَ﴾: أي: وأنا خير من أنزل ضيفاً على نفسه في هذا البلد. ﴿فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي﴾: أي: لا طعام أكيله لكم ﴿وَلاَ تَقْرَبُونِ﴾: أي: "لا تقربوا بلادي".
وقد اعترض بعض أهل الزيغ في هذا الخبر، وقال: كيف لم يعرفوه، (وقد) عرف أن لهم أخاً من أب، وسألهم الإتيان به.
فجواب ذلك على قول بعض أهل النظر أن يوسف كان لا يعطي لكل نفس إلا حِمْلاً في تلك المجاعة. (فلما) أخذوا لكل شخص منهم حِمْلاً. قالوا: لنا أخ من أبينا غاب فأعطنا له حملاً، فأعطاهم وقال لهم: إيتوني بهذا الأخ إن أردتم أن أعطيكم عنه حِمْلاً إذا رجعتم للمير(ة) لنعلم صدقكم. فإن لم تأتوني به علمت كذبكم، ولم أعطكم شيئاً. وهذا كله داخل في قوله: ﴿كَذٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ ﷺ.
يوسف 12:59
قوله ﴿وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ﴾ - إلى قوله - ﴿وَلاَ تَقْرَبُونِ﴾ المعنى: فيما ذكر ابن إسحاق أن يوسف عليه السلام لما أعلمهم بما يأتي من القحط، وأن يستعدوا لما يأتيهم، أتى الناس إلى مصر، يلتمسون المير(ة) من كل بلد. فأصاب الناس جهدٌ، فأمر يوسف ألا يحمل الرجل إلا بعيراً واحداً، تقسيطاً بين الناس، ومنع أن يحمل أحد بعيرين. فقدم عليه إخوته فيمن قدم يلتمسون الميرة، فعرفهم، ولم يعرفوه لما أراد الله عز وجل.
وذكر السدي: أنه لما أصاب الناس الجوع، أتى أخوة يوسف ليمتاروا، وهم عشرة: وأمسك يعقوب عند نفسه أخا يوسف بنيامين، فلما دخلوا على يوسف عرفهم، ولم يعرفوه. قال لهم: أخبروني بأمركم، فإني أنكر شأنكم؟ قالوا: نحن قوم من أرض الشام. قال وما جاء بكم؟ قالوا: جئنا نمتار طعاماً. قال: فأخبروني خبركم. قالوا: إنا أخوة، بنو رجل صديق. وكنا اثني عشر. وكان أبونا يحب أخاً [لـ]ـنا وإنه ذهب معنا إلى البرية فهلك فيها. وكان أحبنا إلى أبينا. قال: فإلى من يسكن أبوكم بعده؟ قالوا: إلى أخ لنا أصغر منه. قال: وكيف تخبروني أنَّ أباكم صديق، وهو يحب الصغير منكم دون الكبير . إيتوني بأخيكم هذا حتى أنظر إليه. قالوا: سنراود عنه أباه، قال: فضعوا رهينة حتى ترجعوا، فوضعوا شمعون وجهَّزوا أبْعِرتهم بالطعام. فقال لهم يوسف (ﷺ): إنكم إذا أتيتموني بأخيكم ازددتم من عند[ي] حمل بعير له.
﴿أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّيۤ أُوفِي ٱلْكَيْلَ﴾: "ولا أبخسه أحداً".
﴿وَأَنَاْ خَيْرُ ٱلْمُنْزِلِينَ﴾: أي: وأنا خير من أنزل ضيفاً على نفسه في هذا البلد. ﴿فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي﴾: أي: لا طعام أكيله لكم ﴿وَلاَ تَقْرَبُونِ﴾: أي: "لا تقربوا بلادي".
وقد اعترض بعض أهل الزيغ في هذا الخبر، وقال: كيف لم يعرفوه، (وقد) عرف أن لهم أخاً من أب، وسألهم الإتيان به.
فجواب ذلك على قول بعض أهل النظر أن يوسف كان لا يعطي لكل نفس إلا حِمْلاً في تلك المجاعة. (فلما) أخذوا لكل شخص منهم حِمْلاً. قالوا: لنا أخ من أبينا غاب فأعطنا له حملاً، فأعطاهم وقال لهم: إيتوني بهذا الأخ إن أردتم أن أعطيكم عنه حِمْلاً إذا رجعتم للمير(ة) لنعلم صدقكم. فإن لم تأتوني به علمت كذبكم، ولم أعطكم شيئاً. وهذا كله داخل في قوله: ﴿كَذٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ ﷺ.
يوسف 12:60
قوله ﴿وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ﴾ - إلى قوله - ﴿وَلاَ تَقْرَبُونِ﴾ المعنى: فيما ذكر ابن إسحاق أن يوسف عليه السلام لما أعلمهم بما يأتي من القحط، وأن يستعدوا لما يأتيهم، أتى الناس إلى مصر، يلتمسون المير(ة) من كل بلد. فأصاب الناس جهدٌ، فأمر يوسف ألا يحمل الرجل إلا بعيراً واحداً، تقسيطاً بين الناس، ومنع أن يحمل أحد بعيرين. فقدم عليه إخوته فيمن قدم يلتمسون الميرة، فعرفهم، ولم يعرفوه لما أراد الله عز وجل.
وذكر السدي: أنه لما أصاب الناس الجوع، أتى أخوة يوسف ليمتاروا، وهم عشرة: وأمسك يعقوب عند نفسه أخا يوسف بنيامين، فلما دخلوا على يوسف عرفهم، ولم يعرفوه. قال لهم: أخبروني بأمركم، فإني أنكر شأنكم؟ قالوا: نحن قوم من أرض الشام. قال وما جاء بكم؟ قالوا: جئنا نمتار طعاماً. قال: فأخبروني خبركم. قالوا: إنا أخوة، بنو رجل صديق. وكنا اثني عشر. وكان أبونا يحب أخاً [لـ]ـنا وإنه ذهب معنا إلى البرية فهلك فيها. وكان أحبنا إلى أبينا. قال: فإلى من يسكن أبوكم بعده؟ قالوا: إلى أخ لنا أصغر منه. قال: وكيف تخبروني أنَّ أباكم صديق، وهو يحب الصغير منكم دون الكبير . إيتوني بأخيكم هذا حتى أنظر إليه. قالوا: سنراود عنه أباه، قال: فضعوا رهينة حتى ترجعوا، فوضعوا شمعون وجهَّزوا أبْعِرتهم بالطعام. فقال لهم يوسف (ﷺ): إنكم إذا أتيتموني بأخيكم ازددتم من عند[ي] حمل بعير له.
﴿أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّيۤ أُوفِي ٱلْكَيْلَ﴾: "ولا أبخسه أحداً".
﴿وَأَنَاْ خَيْرُ ٱلْمُنْزِلِينَ﴾: أي: وأنا خير من أنزل ضيفاً على نفسه في هذا البلد. ﴿فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي﴾: أي: لا طعام أكيله لكم ﴿وَلاَ تَقْرَبُونِ﴾: أي: "لا تقربوا بلادي".
وقد اعترض بعض أهل الزيغ في هذا الخبر، وقال: كيف لم يعرفوه، (وقد) عرف أن لهم أخاً من أب، وسألهم الإتيان به.
فجواب ذلك على قول بعض أهل النظر أن يوسف كان لا يعطي لكل نفس إلا حِمْلاً في تلك المجاعة. (فلما) أخذوا لكل شخص منهم حِمْلاً. قالوا: لنا أخ من أبينا غاب فأعطنا له حملاً، فأعطاهم وقال لهم: إيتوني بهذا الأخ إن أردتم أن أعطيكم عنه حِمْلاً إذا رجعتم للمير(ة) لنعلم صدقكم. فإن لم تأتوني به علمت كذبكم، ولم أعطكم شيئاً. وهذا كله داخل في قوله: ﴿كَذٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ ﷺ.
يوسف 12:61
قوله: ﴿سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَ(إِنَّا لَفَاعِلُونَ)﴾ - إلى قوله - ﴿كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾.
المعنى: قالوا سنرجع إلى أبيه، فنسأله في أن يوجه به (معنا)، وإنا لفاعلون ذلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ ٱجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ﴾ أي: قال يوسف لغلمانه و "فتيته": أنَسْبُ لأنه للعدد القليل، و "فتيان": حسن، فقال لهم: اجعلوا أثمان الطعام التي أخذوا بها طعامي في وسط رحالهم، وهم لا يعلمون.
قال بعض أهل المعاني: إن يوسف خشي ألا يكون عند أبيه دراهم، إذ كانت سنة جَدْبٍ. فرد عليهم الدراهم طمعاً أن يأخذها.
وقيل: إنما رَدَّ عليهم الثمن رفقاً بهم (من) حيث لا يعلمون، تكرماً منه، وتفضلاً ﷺ.
وقيل: إنما جعل الثمن في الأوعية لتكون سبب رجوعهم إليه لعلمه، فكرمهم، وإنهم لا يرضون بحبس الثمن، وإنهم يتحرَّجُون من ذلك فيرجعون إليه ضرورة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَىٰ أَبِيهِمْ قَالُواْ يٰأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ﴾: من قرأ بالياء: فمعناه: يكتل لنفسه حملاً، ومن قرأ بالنون: أراد إنهم أخبروا عن أنفسهم، وعنه بالكيل. والمعنى: إنهم قالوا: (له): يا أبانا منع (منا) أن نكتال فوق ما اكتلنا بعيراً لكل نفس. فأرسل معنا أخانا يكتل لنفسه كَيْلَ بعير زائدة على ما اكْتَلْنَا لأنفسنا.
قال السدي: لما رجعوا إلى أبيهم قالوا: يا أبانا! إن ملك مصر أكرمنا كرامةً، لو كان رجلاً من ولد يعقوب ما أكرمنا كرامتَهُ، وإنه ارتهن منا شمعون.
وقال: ائتوني بأخيكم هذا الذي عطف عليه أبوكم بعد موت أخيكم فإن لم تأتوني به، فلا تقربوا بلادي أبداً. فقال لهم يعقوب: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ﴾ - الآية - ثم قال: ﴿فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ﴾: أي: إن يفجعني في هذا الولد على كبر سني، وهو أرحم الراحمين فيَّ إذا آتيتم إلى ملك مصر، فأقروءه سلامي، وقولوا له: إن أبانا يدعو لك، ويصلي عليك لما أوليتنا من الجميل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾: أي [لما] فتحوا أوعيتهم التي فيها الطعام، وجدوا الثمن الذي دفعوه ليوسف في الطعام، في أوعيتهم.
﴿قَالُواْ يٰأَبَانَا مَا نَبْغِي﴾: وراء هذا، إن بضاعتنا ردَّت إلينا، وقد أوفى لنا الكيل.
﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ في رجوعنا: أي: نأتيهم بالطعام.
﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾: بسير أخينا معنا، لأن لكل نفس حمل بعير.
﴿ذٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾: أي: يسير على الملك سهل.
وقيل: المعنى: كيلنا الذي نأخذ، يسير، فزيادتنا حملاً أحسن من تركه.
وقيل: المعنى: الذي جئنا به يسير، فرجوعنا بأجمعنا نأتي لكل نفس بحمل أحسن. قال مجاهد: حمل بعير: حمل حمار.
وقال غير[ه] جمل، وهو المعروف في اللغة.
يوسف 12:62
قوله: ﴿سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَ(إِنَّا لَفَاعِلُونَ)﴾ - إلى قوله - ﴿كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾.
المعنى: قالوا سنرجع إلى أبيه، فنسأله في أن يوجه به (معنا)، وإنا لفاعلون ذلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ ٱجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ﴾ أي: قال يوسف لغلمانه و "فتيته": أنَسْبُ لأنه للعدد القليل، و "فتيان": حسن، فقال لهم: اجعلوا أثمان الطعام التي أخذوا بها طعامي في وسط رحالهم، وهم لا يعلمون.
قال بعض أهل المعاني: إن يوسف خشي ألا يكون عند أبيه دراهم، إذ كانت سنة جَدْبٍ. فرد عليهم الدراهم طمعاً أن يأخذها.
وقيل: إنما رَدَّ عليهم الثمن رفقاً بهم (من) حيث لا يعلمون، تكرماً منه، وتفضلاً ﷺ.
وقيل: إنما جعل الثمن في الأوعية لتكون سبب رجوعهم إليه لعلمه، فكرمهم، وإنهم لا يرضون بحبس الثمن، وإنهم يتحرَّجُون من ذلك فيرجعون إليه ضرورة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَىٰ أَبِيهِمْ قَالُواْ يٰأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ﴾: من قرأ بالياء: فمعناه: يكتل لنفسه حملاً، ومن قرأ بالنون: أراد إنهم أخبروا عن أنفسهم، وعنه بالكيل. والمعنى: إنهم قالوا: (له): يا أبانا منع (منا) أن نكتال فوق ما اكتلنا بعيراً لكل نفس. فأرسل معنا أخانا يكتل لنفسه كَيْلَ بعير زائدة على ما اكْتَلْنَا لأنفسنا.
قال السدي: لما رجعوا إلى أبيهم قالوا: يا أبانا! إن ملك مصر أكرمنا كرامةً، لو كان رجلاً من ولد يعقوب ما أكرمنا كرامتَهُ، وإنه ارتهن منا شمعون.
وقال: ائتوني بأخيكم هذا الذي عطف عليه أبوكم بعد موت أخيكم فإن لم تأتوني به، فلا تقربوا بلادي أبداً. فقال لهم يعقوب: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ﴾ - الآية - ثم قال: ﴿فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ﴾: أي: إن يفجعني في هذا الولد على كبر سني، وهو أرحم الراحمين فيَّ إذا آتيتم إلى ملك مصر، فأقروءه سلامي، وقولوا له: إن أبانا يدعو لك، ويصلي عليك لما أوليتنا من الجميل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾: أي [لما] فتحوا أوعيتهم التي فيها الطعام، وجدوا الثمن الذي دفعوه ليوسف في الطعام، في أوعيتهم.
﴿قَالُواْ يٰأَبَانَا مَا نَبْغِي﴾: وراء هذا، إن بضاعتنا ردَّت إلينا، وقد أوفى لنا الكيل.
﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ في رجوعنا: أي: نأتيهم بالطعام.
﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾: بسير أخينا معنا، لأن لكل نفس حمل بعير.
﴿ذٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾: أي: يسير على الملك سهل.
وقيل: المعنى: كيلنا الذي نأخذ، يسير، فزيادتنا حملاً أحسن من تركه.
وقيل: المعنى: الذي جئنا به يسير، فرجوعنا بأجمعنا نأتي لكل نفس بحمل أحسن. قال مجاهد: حمل بعير: حمل حمار.
وقال غير[ه] جمل، وهو المعروف في اللغة.
يوسف 12:63
قوله: ﴿سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَ(إِنَّا لَفَاعِلُونَ)﴾ - إلى قوله - ﴿كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾.
المعنى: قالوا سنرجع إلى أبيه، فنسأله في أن يوجه به (معنا)، وإنا لفاعلون ذلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ ٱجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ﴾ أي: قال يوسف لغلمانه و "فتيته": أنَسْبُ لأنه للعدد القليل، و "فتيان": حسن، فقال لهم: اجعلوا أثمان الطعام التي أخذوا بها طعامي في وسط رحالهم، وهم لا يعلمون.
قال بعض أهل المعاني: إن يوسف خشي ألا يكون عند أبيه دراهم، إذ كانت سنة جَدْبٍ. فرد عليهم الدراهم طمعاً أن يأخذها.
وقيل: إنما رَدَّ عليهم الثمن رفقاً بهم (من) حيث لا يعلمون، تكرماً منه، وتفضلاً ﷺ.
وقيل: إنما جعل الثمن في الأوعية لتكون سبب رجوعهم إليه لعلمه، فكرمهم، وإنهم لا يرضون بحبس الثمن، وإنهم يتحرَّجُون من ذلك فيرجعون إليه ضرورة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَىٰ أَبِيهِمْ قَالُواْ يٰأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ﴾: من قرأ بالياء: فمعناه: يكتل لنفسه حملاً، ومن قرأ بالنون: أراد إنهم أخبروا عن أنفسهم، وعنه بالكيل. والمعنى: إنهم قالوا: (له): يا أبانا منع (منا) أن نكتال فوق ما اكتلنا بعيراً لكل نفس. فأرسل معنا أخانا يكتل لنفسه كَيْلَ بعير زائدة على ما اكْتَلْنَا لأنفسنا.
قال السدي: لما رجعوا إلى أبيهم قالوا: يا أبانا! إن ملك مصر أكرمنا كرامةً، لو كان رجلاً من ولد يعقوب ما أكرمنا كرامتَهُ، وإنه ارتهن منا شمعون.
وقال: ائتوني بأخيكم هذا الذي عطف عليه أبوكم بعد موت أخيكم فإن لم تأتوني به، فلا تقربوا بلادي أبداً. فقال لهم يعقوب: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ﴾ - الآية - ثم قال: ﴿فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ﴾: أي: إن يفجعني في هذا الولد على كبر سني، وهو أرحم الراحمين فيَّ إذا آتيتم إلى ملك مصر، فأقروءه سلامي، وقولوا له: إن أبانا يدعو لك، ويصلي عليك لما أوليتنا من الجميل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾: أي [لما] فتحوا أوعيتهم التي فيها الطعام، وجدوا الثمن الذي دفعوه ليوسف في الطعام، في أوعيتهم.
﴿قَالُواْ يٰأَبَانَا مَا نَبْغِي﴾: وراء هذا، إن بضاعتنا ردَّت إلينا، وقد أوفى لنا الكيل.
﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ في رجوعنا: أي: نأتيهم بالطعام.
﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾: بسير أخينا معنا، لأن لكل نفس حمل بعير.
﴿ذٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾: أي: يسير على الملك سهل.
وقيل: المعنى: كيلنا الذي نأخذ، يسير، فزيادتنا حملاً أحسن من تركه.
وقيل: المعنى: الذي جئنا به يسير، فرجوعنا بأجمعنا نأتي لكل نفس بحمل أحسن. قال مجاهد: حمل بعير: حمل حمار.
وقال غير[ه] جمل، وهو المعروف في اللغة.
يوسف 12:64
قوله: ﴿سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَ(إِنَّا لَفَاعِلُونَ)﴾ - إلى قوله - ﴿كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾.
المعنى: قالوا سنرجع إلى أبيه، فنسأله في أن يوجه به (معنا)، وإنا لفاعلون ذلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ ٱجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ﴾ أي: قال يوسف لغلمانه و "فتيته": أنَسْبُ لأنه للعدد القليل، و "فتيان": حسن، فقال لهم: اجعلوا أثمان الطعام التي أخذوا بها طعامي في وسط رحالهم، وهم لا يعلمون.
قال بعض أهل المعاني: إن يوسف خشي ألا يكون عند أبيه دراهم، إذ كانت سنة جَدْبٍ. فرد عليهم الدراهم طمعاً أن يأخذها.
وقيل: إنما رَدَّ عليهم الثمن رفقاً بهم (من) حيث لا يعلمون، تكرماً منه، وتفضلاً ﷺ.
وقيل: إنما جعل الثمن في الأوعية لتكون سبب رجوعهم إليه لعلمه، فكرمهم، وإنهم لا يرضون بحبس الثمن، وإنهم يتحرَّجُون من ذلك فيرجعون إليه ضرورة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَىٰ أَبِيهِمْ قَالُواْ يٰأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ﴾: من قرأ بالياء: فمعناه: يكتل لنفسه حملاً، ومن قرأ بالنون: أراد إنهم أخبروا عن أنفسهم، وعنه بالكيل. والمعنى: إنهم قالوا: (له): يا أبانا منع (منا) أن نكتال فوق ما اكتلنا بعيراً لكل نفس. فأرسل معنا أخانا يكتل لنفسه كَيْلَ بعير زائدة على ما اكْتَلْنَا لأنفسنا.
قال السدي: لما رجعوا إلى أبيهم قالوا: يا أبانا! إن ملك مصر أكرمنا كرامةً، لو كان رجلاً من ولد يعقوب ما أكرمنا كرامتَهُ، وإنه ارتهن منا شمعون.
وقال: ائتوني بأخيكم هذا الذي عطف عليه أبوكم بعد موت أخيكم فإن لم تأتوني به، فلا تقربوا بلادي أبداً. فقال لهم يعقوب: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ﴾ - الآية - ثم قال: ﴿فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ﴾: أي: إن يفجعني في هذا الولد على كبر سني، وهو أرحم الراحمين فيَّ إذا آتيتم إلى ملك مصر، فأقروءه سلامي، وقولوا له: إن أبانا يدعو لك، ويصلي عليك لما أوليتنا من الجميل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾: أي [لما] فتحوا أوعيتهم التي فيها الطعام، وجدوا الثمن الذي دفعوه ليوسف في الطعام، في أوعيتهم.
﴿قَالُواْ يٰأَبَانَا مَا نَبْغِي﴾: وراء هذا، إن بضاعتنا ردَّت إلينا، وقد أوفى لنا الكيل.
﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ في رجوعنا: أي: نأتيهم بالطعام.
﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾: بسير أخينا معنا، لأن لكل نفس حمل بعير.
﴿ذٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾: أي: يسير على الملك سهل.
وقيل: المعنى: كيلنا الذي نأخذ، يسير، فزيادتنا حملاً أحسن من تركه.
وقيل: المعنى: الذي جئنا به يسير، فرجوعنا بأجمعنا نأتي لكل نفس بحمل أحسن. قال مجاهد: حمل بعير: حمل حمار.
وقال غير[ه] جمل، وهو المعروف في اللغة.
يوسف 12:65
قوله: ﴿سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَ(إِنَّا لَفَاعِلُونَ)﴾ - إلى قوله - ﴿كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾.
المعنى: قالوا سنرجع إلى أبيه، فنسأله في أن يوجه به (معنا)، وإنا لفاعلون ذلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ ٱجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ﴾ أي: قال يوسف لغلمانه و "فتيته": أنَسْبُ لأنه للعدد القليل، و "فتيان": حسن، فقال لهم: اجعلوا أثمان الطعام التي أخذوا بها طعامي في وسط رحالهم، وهم لا يعلمون.
قال بعض أهل المعاني: إن يوسف خشي ألا يكون عند أبيه دراهم، إذ كانت سنة جَدْبٍ. فرد عليهم الدراهم طمعاً أن يأخذها.
وقيل: إنما رَدَّ عليهم الثمن رفقاً بهم (من) حيث لا يعلمون، تكرماً منه، وتفضلاً ﷺ.
وقيل: إنما جعل الثمن في الأوعية لتكون سبب رجوعهم إليه لعلمه، فكرمهم، وإنهم لا يرضون بحبس الثمن، وإنهم يتحرَّجُون من ذلك فيرجعون إليه ضرورة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَىٰ أَبِيهِمْ قَالُواْ يٰأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ﴾: من قرأ بالياء: فمعناه: يكتل لنفسه حملاً، ومن قرأ بالنون: أراد إنهم أخبروا عن أنفسهم، وعنه بالكيل. والمعنى: إنهم قالوا: (له): يا أبانا منع (منا) أن نكتال فوق ما اكتلنا بعيراً لكل نفس. فأرسل معنا أخانا يكتل لنفسه كَيْلَ بعير زائدة على ما اكْتَلْنَا لأنفسنا.
قال السدي: لما رجعوا إلى أبيهم قالوا: يا أبانا! إن ملك مصر أكرمنا كرامةً، لو كان رجلاً من ولد يعقوب ما أكرمنا كرامتَهُ، وإنه ارتهن منا شمعون.
وقال: ائتوني بأخيكم هذا الذي عطف عليه أبوكم بعد موت أخيكم فإن لم تأتوني به، فلا تقربوا بلادي أبداً. فقال لهم يعقوب: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ﴾ - الآية - ثم قال: ﴿فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ﴾: أي: إن يفجعني في هذا الولد على كبر سني، وهو أرحم الراحمين فيَّ إذا آتيتم إلى ملك مصر، فأقروءه سلامي، وقولوا له: إن أبانا يدعو لك، ويصلي عليك لما أوليتنا من الجميل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾: أي [لما] فتحوا أوعيتهم التي فيها الطعام، وجدوا الثمن الذي دفعوه ليوسف في الطعام، في أوعيتهم.
﴿قَالُواْ يٰأَبَانَا مَا نَبْغِي﴾: وراء هذا، إن بضاعتنا ردَّت إلينا، وقد أوفى لنا الكيل.
﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ في رجوعنا: أي: نأتيهم بالطعام.
﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾: بسير أخينا معنا، لأن لكل نفس حمل بعير.
﴿ذٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾: أي: يسير على الملك سهل.
وقيل: المعنى: كيلنا الذي نأخذ، يسير، فزيادتنا حملاً أحسن من تركه.
وقيل: المعنى: الذي جئنا به يسير، فرجوعنا بأجمعنا نأتي لكل نفس بحمل أحسن. قال مجاهد: حمل بعير: حمل حمار.
وقال غير[ه] جمل، وهو المعروف في اللغة.
يوسف 12:66
قوله: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِّنَ ٱللَّهِ﴾ إلى قوله ﴿لاَ يَعْلَمُونَ﴾، الموثق: الميثاق، من عهدٍ، أو يَمِينٍ.
ومعنى الآية: قال يعقوب لبنيه: لن أدفع إليكم أخاكم حتى تعطوني عهداً، أو يميناً أنكم لتردونه إلي معكم، إلا أن يحيط بكم أمر لا تقدرون على ردِّه معكم.
وقال ابن أبي نجيح في قوله: ﴿إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ﴾ معناه: إلا أن تهلكوا جميعاً. ﴿فَلَمَّآ آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾: أي عهدهم أن يردوه. ﴿قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾: أي شاهد، وحافظ.
ثم قال يعقوب يوصيهم لما أرادوا الخروج: ﴿يٰبَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ﴾ - مصر - ﴿مِن بَابٍ وَاحِدٍ﴾: أي من طريق واحد ﴿وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ﴾.
قال ابن عباس، والضحاك، وابن جبير، وقتادة: خاف عليهم يعقوب العين لجمالهم، وحسنهم.
وقيل: إنه إنما خاف أن يلحقهم شيء، فيظن أنه من العين.
وقيل: إنه كره أن يدخلوا جميعاً من موضع واحد، فيُستراب منهم (ويخاف منهم): وهو اختيار النحاس.
ثم قال لهم: ﴿وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾: أي: ما أقدر على دفع قضاء الله [سبحانه] عنكم. ما الحكم فيكم وفيّ إلا لله ينفذ قضاءه عز وجل كيف أحب. ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾: في ردكم وأنتم سالمون، وإليه فوضت أمري، وإليه فليفوض (المفوضون) أمـ(ـو)رهم.
* *
ثم قال: ﴿وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم﴾: أي: من طرق متفرقين، كما أمرهم ﴿مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ﴾ ذلك من الله من شيء، إلا [حاجة]: (وهو) استثناء منقطع، أي: لكل حاجة، أي: إلا أنهم قضوا حاجة يعقوب، لدخولهم من مواضع متفرقين.
﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ﴾: أي: وإن يعقوب، لذو حفظ لما استودعناه صدره من العلم.
قال ابن جبير: المعنى ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ﴾.
وقيل: المعنى: وإنه لعامل بما علم ولكن كثيراً من الناس لا يعلمون: ما يعلمه يعقوب.
يوسف 12:67
قوله: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِّنَ ٱللَّهِ﴾ إلى قوله ﴿لاَ يَعْلَمُونَ﴾، الموثق: الميثاق، من عهدٍ، أو يَمِينٍ.
ومعنى الآية: قال يعقوب لبنيه: لن أدفع إليكم أخاكم حتى تعطوني عهداً، أو يميناً أنكم لتردونه إلي معكم، إلا أن يحيط بكم أمر لا تقدرون على ردِّه معكم.
وقال ابن أبي نجيح في قوله: ﴿إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ﴾ معناه: إلا أن تهلكوا جميعاً. ﴿فَلَمَّآ آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾: أي عهدهم أن يردوه. ﴿قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾: أي شاهد، وحافظ.
ثم قال يعقوب يوصيهم لما أرادوا الخروج: ﴿يٰبَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ﴾ - مصر - ﴿مِن بَابٍ وَاحِدٍ﴾: أي من طريق واحد ﴿وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ﴾.
قال ابن عباس، والضحاك، وابن جبير، وقتادة: خاف عليهم يعقوب العين لجمالهم، وحسنهم.
وقيل: إنه إنما خاف أن يلحقهم شيء، فيظن أنه من العين.
وقيل: إنه كره أن يدخلوا جميعاً من موضع واحد، فيُستراب منهم (ويخاف منهم): وهو اختيار النحاس.
ثم قال لهم: ﴿وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾: أي: ما أقدر على دفع قضاء الله [سبحانه] عنكم. ما الحكم فيكم وفيّ إلا لله ينفذ قضاءه عز وجل كيف أحب. ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾: في ردكم وأنتم سالمون، وإليه فوضت أمري، وإليه فليفوض (المفوضون) أمـ(ـو)رهم.
* *
ثم قال: ﴿وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم﴾: أي: من طرق متفرقين، كما أمرهم ﴿مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ﴾ ذلك من الله من شيء، إلا [حاجة]: (وهو) استثناء منقطع، أي: لكل حاجة، أي: إلا أنهم قضوا حاجة يعقوب، لدخولهم من مواضع متفرقين.
﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ﴾: أي: وإن يعقوب، لذو حفظ لما استودعناه صدره من العلم.
قال ابن جبير: المعنى ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ﴾.
وقيل: المعنى: وإنه لعامل بما علم ولكن كثيراً من الناس لا يعلمون: ما يعلمه يعقوب.
يوسف 12:68
قوله: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِّنَ ٱللَّهِ﴾ إلى قوله ﴿لاَ يَعْلَمُونَ﴾، الموثق: الميثاق، من عهدٍ، أو يَمِينٍ.
ومعنى الآية: قال يعقوب لبنيه: لن أدفع إليكم أخاكم حتى تعطوني عهداً، أو يميناً أنكم لتردونه إلي معكم، إلا أن يحيط بكم أمر لا تقدرون على ردِّه معكم.
وقال ابن أبي نجيح في قوله: ﴿إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ﴾ معناه: إلا أن تهلكوا جميعاً. ﴿فَلَمَّآ آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾: أي عهدهم أن يردوه. ﴿قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾: أي شاهد، وحافظ.
ثم قال يعقوب يوصيهم لما أرادوا الخروج: ﴿يٰبَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ﴾ - مصر - ﴿مِن بَابٍ وَاحِدٍ﴾: أي من طريق واحد ﴿وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ﴾.
قال ابن عباس، والضحاك، وابن جبير، وقتادة: خاف عليهم يعقوب العين لجمالهم، وحسنهم.
وقيل: إنه إنما خاف أن يلحقهم شيء، فيظن أنه من العين.
وقيل: إنه كره أن يدخلوا جميعاً من موضع واحد، فيُستراب منهم (ويخاف منهم): وهو اختيار النحاس.
ثم قال لهم: ﴿وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾: أي: ما أقدر على دفع قضاء الله [سبحانه] عنكم. ما الحكم فيكم وفيّ إلا لله ينفذ قضاءه عز وجل كيف أحب. ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾: في ردكم وأنتم سالمون، وإليه فوضت أمري، وإليه فليفوض (المفوضون) أمـ(ـو)رهم.
* *
ثم قال: ﴿وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم﴾: أي: من طرق متفرقين، كما أمرهم ﴿مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ﴾ ذلك من الله من شيء، إلا [حاجة]: (وهو) استثناء منقطع، أي: لكل حاجة، أي: إلا أنهم قضوا حاجة يعقوب، لدخولهم من مواضع متفرقين.
﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ﴾: أي: وإن يعقوب، لذو حفظ لما استودعناه صدره من العلم.
قال ابن جبير: المعنى ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ﴾.
وقيل: المعنى: وإنه لعامل بما علم ولكن كثيراً من الناس لا يعلمون: ما يعلمه يعقوب.
يوسف 12:69
قوله: ﴿وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىۤ إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ - إلى قوله - ﴿وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ المعنى: لما دخل إخوة يوسف عليه، قالوا: هذا أخونا الذي أمرتنا أن نأتيك به، فشكر لهم ذلك. ثم قال لصاحب ضيافته: أنزلهم رجلين في كل مسكنٍ، وأكرمهم، فبقي أخوهم: وهو شقيق يوسف. فقال لهم يوسف: إن هذا يبقى وحده، لا ثاني معه، فأنا أضمه إلى نفسي. فأنزله عنده، وضمه إليه. وقال له: أنا أخوك - يوسف - لا (تَبْتَئِسْ) (بشيء) من فعلهم، ولا تعلمهم بشيء مما أعلمتك به. وقيل: [إنه] لم يعترف له أنه أخوه، يعني: من النسب. وإنما قال له: أنا أخوك مكان أخيك الهالك. قاله وهب ابن منبه.
وإنما أخبره أنه يوسف بعد انصرافه وتركه عند يوسف.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ والمعنى: أن يوسف لما حمَّل إبل إخوته الميرَةَ، جعل السقاية في رحل أخيه: وهو المكيال الذي كانوا يكتالون به، وهي المشربة التي يشرب بها [الملك] وكانت من فضة، وذهب تُشْبِهُ الملوك مُرَصَّعَةً بالجوهر.
وقيل: كانت شبه الكأس، فجعلها في رحل أخيه، والأخ لا يشعر. فلما ارتحلوا نادى مُناد: يا ﴿أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ قيل: إنما قال لهم: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾، وهم لم يسرقوا: يريد إنهم سرقوه، وباعوه، لأنهم سبب بيعه. وقيل: بل تركهم حتى مشوا، وخرجوا، ثم لحقوا، فقيل لهم: ﴿أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾. قالوا: وما ذاك. قالوا: ﴿صُوَاعَ ٱلْمَلِكِ﴾ وإنما دعاهم بالسرقة كلهم، لأن المنادي لم يعلم ما صنع يوسف.
وقيل: إنما فعله عن أمر يوسف فأعقبه الله عز وجل بقولهم له: ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧].
وقيل: إنما جا[ز] أن يقال لهم ذلك، لأنهم باعوا يوسف، فاستجازوا أن يخاطبوا بذلك.
وقيل: المعنى: حالكم حال السراق. وقرأ أبو هريرة "صَاعَ الملك".
وقال أبو رجاء "صوع الملك".
(قوله): ﴿وَلِمَن جَآءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾: أي: (وقِرُ بَعير) من الطعام.
(قوله): ﴿قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: لنعصي الله، ونسرق، وإنما ادعوا ذلك. وقالوا: "قد علمتم" لأنهم ردوا البضاعة التي وجدوا في رحالهم، إذ رجعوا وراء أخيهم. فالمعنى: "لو كنا سارقين ما رددنا البضاعة (التي وجدنا) في رحالنا".
وقيل: إنما قالوا ذلك لأنهم قد علموا اشتهار فضلهم بمصر، فنفوا عن أنفسهم ما قد رموا به.
يوسف 12:70
قوله: ﴿وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىۤ إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ - إلى قوله - ﴿وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ المعنى: لما دخل إخوة يوسف عليه، قالوا: هذا أخونا الذي أمرتنا أن نأتيك به، فشكر لهم ذلك. ثم قال لصاحب ضيافته: أنزلهم رجلين في كل مسكنٍ، وأكرمهم، فبقي أخوهم: وهو شقيق يوسف. فقال لهم يوسف: إن هذا يبقى وحده، لا ثاني معه، فأنا أضمه إلى نفسي. فأنزله عنده، وضمه إليه. وقال له: أنا أخوك - يوسف - لا (تَبْتَئِسْ) (بشيء) من فعلهم، ولا تعلمهم بشيء مما أعلمتك به. وقيل: [إنه] لم يعترف له أنه أخوه، يعني: من النسب. وإنما قال له: أنا أخوك مكان أخيك الهالك. قاله وهب ابن منبه.
وإنما أخبره أنه يوسف بعد انصرافه وتركه عند يوسف.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ والمعنى: أن يوسف لما حمَّل إبل إخوته الميرَةَ، جعل السقاية في رحل أخيه: وهو المكيال الذي كانوا يكتالون به، وهي المشربة التي يشرب بها [الملك] وكانت من فضة، وذهب تُشْبِهُ الملوك مُرَصَّعَةً بالجوهر.
وقيل: كانت شبه الكأس، فجعلها في رحل أخيه، والأخ لا يشعر. فلما ارتحلوا نادى مُناد: يا ﴿أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ قيل: إنما قال لهم: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾، وهم لم يسرقوا: يريد إنهم سرقوه، وباعوه، لأنهم سبب بيعه. وقيل: بل تركهم حتى مشوا، وخرجوا، ثم لحقوا، فقيل لهم: ﴿أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾. قالوا: وما ذاك. قالوا: ﴿صُوَاعَ ٱلْمَلِكِ﴾ وإنما دعاهم بالسرقة كلهم، لأن المنادي لم يعلم ما صنع يوسف.
وقيل: إنما فعله عن أمر يوسف فأعقبه الله عز وجل بقولهم له: ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧].
وقيل: إنما جا[ز] أن يقال لهم ذلك، لأنهم باعوا يوسف، فاستجازوا أن يخاطبوا بذلك.
وقيل: المعنى: حالكم حال السراق. وقرأ أبو هريرة "صَاعَ الملك".
وقال أبو رجاء "صوع الملك".
(قوله): ﴿وَلِمَن جَآءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾: أي: (وقِرُ بَعير) من الطعام.
(قوله): ﴿قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: لنعصي الله، ونسرق، وإنما ادعوا ذلك. وقالوا: "قد علمتم" لأنهم ردوا البضاعة التي وجدوا في رحالهم، إذ رجعوا وراء أخيهم. فالمعنى: "لو كنا سارقين ما رددنا البضاعة (التي وجدنا) في رحالنا".
وقيل: إنما قالوا ذلك لأنهم قد علموا اشتهار فضلهم بمصر، فنفوا عن أنفسهم ما قد رموا به.
يوسف 12:71
قوله: ﴿وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىۤ إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ - إلى قوله - ﴿وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ المعنى: لما دخل إخوة يوسف عليه، قالوا: هذا أخونا الذي أمرتنا أن نأتيك به، فشكر لهم ذلك. ثم قال لصاحب ضيافته: أنزلهم رجلين في كل مسكنٍ، وأكرمهم، فبقي أخوهم: وهو شقيق يوسف. فقال لهم يوسف: إن هذا يبقى وحده، لا ثاني معه، فأنا أضمه إلى نفسي. فأنزله عنده، وضمه إليه. وقال له: أنا أخوك - يوسف - لا (تَبْتَئِسْ) (بشيء) من فعلهم، ولا تعلمهم بشيء مما أعلمتك به. وقيل: [إنه] لم يعترف له أنه أخوه، يعني: من النسب. وإنما قال له: أنا أخوك مكان أخيك الهالك. قاله وهب ابن منبه.
وإنما أخبره أنه يوسف بعد انصرافه وتركه عند يوسف.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ والمعنى: أن يوسف لما حمَّل إبل إخوته الميرَةَ، جعل السقاية في رحل أخيه: وهو المكيال الذي كانوا يكتالون به، وهي المشربة التي يشرب بها [الملك] وكانت من فضة، وذهب تُشْبِهُ الملوك مُرَصَّعَةً بالجوهر.
وقيل: كانت شبه الكأس، فجعلها في رحل أخيه، والأخ لا يشعر. فلما ارتحلوا نادى مُناد: يا ﴿أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ قيل: إنما قال لهم: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾، وهم لم يسرقوا: يريد إنهم سرقوه، وباعوه، لأنهم سبب بيعه. وقيل: بل تركهم حتى مشوا، وخرجوا، ثم لحقوا، فقيل لهم: ﴿أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾. قالوا: وما ذاك. قالوا: ﴿صُوَاعَ ٱلْمَلِكِ﴾ وإنما دعاهم بالسرقة كلهم، لأن المنادي لم يعلم ما صنع يوسف.
وقيل: إنما فعله عن أمر يوسف فأعقبه الله عز وجل بقولهم له: ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧].
وقيل: إنما جا[ز] أن يقال لهم ذلك، لأنهم باعوا يوسف، فاستجازوا أن يخاطبوا بذلك.
وقيل: المعنى: حالكم حال السراق. وقرأ أبو هريرة "صَاعَ الملك".
وقال أبو رجاء "صوع الملك".
(قوله): ﴿وَلِمَن جَآءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾: أي: (وقِرُ بَعير) من الطعام.
(قوله): ﴿قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: لنعصي الله، ونسرق، وإنما ادعوا ذلك. وقالوا: "قد علمتم" لأنهم ردوا البضاعة التي وجدوا في رحالهم، إذ رجعوا وراء أخيهم. فالمعنى: "لو كنا سارقين ما رددنا البضاعة (التي وجدنا) في رحالنا".
وقيل: إنما قالوا ذلك لأنهم قد علموا اشتهار فضلهم بمصر، فنفوا عن أنفسهم ما قد رموا به.
يوسف 12:72
قوله: ﴿وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىۤ إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ - إلى قوله - ﴿وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ المعنى: لما دخل إخوة يوسف عليه، قالوا: هذا أخونا الذي أمرتنا أن نأتيك به، فشكر لهم ذلك. ثم قال لصاحب ضيافته: أنزلهم رجلين في كل مسكنٍ، وأكرمهم، فبقي أخوهم: وهو شقيق يوسف. فقال لهم يوسف: إن هذا يبقى وحده، لا ثاني معه، فأنا أضمه إلى نفسي. فأنزله عنده، وضمه إليه. وقال له: أنا أخوك - يوسف - لا (تَبْتَئِسْ) (بشيء) من فعلهم، ولا تعلمهم بشيء مما أعلمتك به. وقيل: [إنه] لم يعترف له أنه أخوه، يعني: من النسب. وإنما قال له: أنا أخوك مكان أخيك الهالك. قاله وهب ابن منبه.
وإنما أخبره أنه يوسف بعد انصرافه وتركه عند يوسف.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ والمعنى: أن يوسف لما حمَّل إبل إخوته الميرَةَ، جعل السقاية في رحل أخيه: وهو المكيال الذي كانوا يكتالون به، وهي المشربة التي يشرب بها [الملك] وكانت من فضة، وذهب تُشْبِهُ الملوك مُرَصَّعَةً بالجوهر.
وقيل: كانت شبه الكأس، فجعلها في رحل أخيه، والأخ لا يشعر. فلما ارتحلوا نادى مُناد: يا ﴿أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ قيل: إنما قال لهم: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾، وهم لم يسرقوا: يريد إنهم سرقوه، وباعوه، لأنهم سبب بيعه. وقيل: بل تركهم حتى مشوا، وخرجوا، ثم لحقوا، فقيل لهم: ﴿أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾. قالوا: وما ذاك. قالوا: ﴿صُوَاعَ ٱلْمَلِكِ﴾ وإنما دعاهم بالسرقة كلهم، لأن المنادي لم يعلم ما صنع يوسف.
وقيل: إنما فعله عن أمر يوسف فأعقبه الله عز وجل بقولهم له: ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧].
وقيل: إنما جا[ز] أن يقال لهم ذلك، لأنهم باعوا يوسف، فاستجازوا أن يخاطبوا بذلك.
وقيل: المعنى: حالكم حال السراق. وقرأ أبو هريرة "صَاعَ الملك".
وقال أبو رجاء "صوع الملك".
(قوله): ﴿وَلِمَن جَآءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾: أي: (وقِرُ بَعير) من الطعام.
(قوله): ﴿قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: لنعصي الله، ونسرق، وإنما ادعوا ذلك. وقالوا: "قد علمتم" لأنهم ردوا البضاعة التي وجدوا في رحالهم، إذ رجعوا وراء أخيهم. فالمعنى: "لو كنا سارقين ما رددنا البضاعة (التي وجدنا) في رحالنا".
وقيل: إنما قالوا ذلك لأنهم قد علموا اشتهار فضلهم بمصر، فنفوا عن أنفسهم ما قد رموا به.
يوسف 12:73
قوله: ﴿وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىۤ إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ - إلى قوله - ﴿وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ المعنى: لما دخل إخوة يوسف عليه، قالوا: هذا أخونا الذي أمرتنا أن نأتيك به، فشكر لهم ذلك. ثم قال لصاحب ضيافته: أنزلهم رجلين في كل مسكنٍ، وأكرمهم، فبقي أخوهم: وهو شقيق يوسف. فقال لهم يوسف: إن هذا يبقى وحده، لا ثاني معه، فأنا أضمه إلى نفسي. فأنزله عنده، وضمه إليه. وقال له: أنا أخوك - يوسف - لا (تَبْتَئِسْ) (بشيء) من فعلهم، ولا تعلمهم بشيء مما أعلمتك به. وقيل: [إنه] لم يعترف له أنه أخوه، يعني: من النسب. وإنما قال له: أنا أخوك مكان أخيك الهالك. قاله وهب ابن منبه.
وإنما أخبره أنه يوسف بعد انصرافه وتركه عند يوسف.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ والمعنى: أن يوسف لما حمَّل إبل إخوته الميرَةَ، جعل السقاية في رحل أخيه: وهو المكيال الذي كانوا يكتالون به، وهي المشربة التي يشرب بها [الملك] وكانت من فضة، وذهب تُشْبِهُ الملوك مُرَصَّعَةً بالجوهر.
وقيل: كانت شبه الكأس، فجعلها في رحل أخيه، والأخ لا يشعر. فلما ارتحلوا نادى مُناد: يا ﴿أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ قيل: إنما قال لهم: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾، وهم لم يسرقوا: يريد إنهم سرقوه، وباعوه، لأنهم سبب بيعه. وقيل: بل تركهم حتى مشوا، وخرجوا، ثم لحقوا، فقيل لهم: ﴿أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾. قالوا: وما ذاك. قالوا: ﴿صُوَاعَ ٱلْمَلِكِ﴾ وإنما دعاهم بالسرقة كلهم، لأن المنادي لم يعلم ما صنع يوسف.
وقيل: إنما فعله عن أمر يوسف فأعقبه الله عز وجل بقولهم له: ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧].
وقيل: إنما جا[ز] أن يقال لهم ذلك، لأنهم باعوا يوسف، فاستجازوا أن يخاطبوا بذلك.
وقيل: المعنى: حالكم حال السراق. وقرأ أبو هريرة "صَاعَ الملك".
وقال أبو رجاء "صوع الملك".
(قوله): ﴿وَلِمَن جَآءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾: أي: (وقِرُ بَعير) من الطعام.
(قوله): ﴿قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: لنعصي الله، ونسرق، وإنما ادعوا ذلك. وقالوا: "قد علمتم" لأنهم ردوا البضاعة التي وجدوا في رحالهم، إذ رجعوا وراء أخيهم. فالمعنى: "لو كنا سارقين ما رددنا البضاعة (التي وجدنا) في رحالنا".
وقيل: إنما قالوا ذلك لأنهم قد علموا اشتهار فضلهم بمصر، فنفوا عن أنفسهم ما قد رموا به.
يوسف 12:74
قوله: ﴿(قَالُواْ) فَمَا جَزَآؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ﴾ - إلى قوله - ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾. المعنى: قال أصحاب يوسف عليه السلام لإخوته: فما جزاء من وجد الصاع في رحله إن كنتم كاذبين في قولكم: ﴿مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ ﴿قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾.
المعنى: قال إخوة يوسف لأصحابه: جزاؤه عندنا كجزائه عندكم، أي: أن يستعبد من سرق.
ويقال: إن هذا كان في شريعة يعقوب عليه السلام نسخه الله عز وجل، بالقطع. وقيل: المعنى جزاؤه الاستعباد من وُجِد في رحله، فهو جزاؤه. فهو يعود على الاستعباد المحذوف.
وقال الطبري: المعنى: قال إخوة يوسف: جزاء السارق من وجد في متاعه السَّرقُ، فهو جزاؤه: أي: فتسليم السارق جزاء السرق. وإنما سأل إخوة [يوسف] عن الجزاء، لأن أصحاب يوسف ردوا الحكم إليهم. وذلك أنه كان في شريعة يعقوب أن يستعبد السارق، وكان في حكم الملك: إذا سرق السارق غرم مثله. فرد الحكم إليهم.
وقرأ الحسن: "من وعَاءِ أخيه" بضم الواو.
﴿كَذٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾: أي: في أن حكموا على أنفسهم بالاسترقاق على شريعتهم. وأضاف الكيد إلى نفسه، لأن الذي فعل يوسف (جزاءاً عن) أمر الله كان، وعن مشيئته، وبوحيه ليوسف.
* *
قوله: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلْمَلِكِ﴾: أي: في حكمه، بل أخذه بحكم يعقوب. ﴿إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾: ذلك بكيده.
وقيل: المعنى: ﴿إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾: أن يطلق له مثل هذا الكيد.
* *
وقوله: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ﴾ قال زيد بن أسلم: يعني: بالعلم.
وقيل: معنى الكيد: أنهم كانوا لا ينظرون في وعاء إلا استغفروا الله تأثُماً، مما قُذفوا به. فلما وصلوا إلى وعاء أخيهم، قالوا ما نرى (أن) هذا أخذ شيئاً. قال إخوة يوسف: بلى فاستبروا ففتح فوجد الصواع فيه: فذلك الكيد. قال ذلك قتادة والسدّي، وغيرهما.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ﴾ يعني به الصواع. وإنما أنثت، لأنه بمعنى السقاية، فهما لشيء واحد.
وقيل: إنه على معنى السرقة، وقيل: إن الصواع يذكر ويؤنث.
* *
وقوله: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ (عَلِيمٌ)﴾ أي: فوق كل عالم من هو أعلم منه، حتى ينتهي ذلك إلى الله عز وجل.
يوسف 12:75
قوله: ﴿(قَالُواْ) فَمَا جَزَآؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ﴾ - إلى قوله - ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾. المعنى: قال أصحاب يوسف عليه السلام لإخوته: فما جزاء من وجد الصاع في رحله إن كنتم كاذبين في قولكم: ﴿مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ ﴿قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾.
المعنى: قال إخوة يوسف لأصحابه: جزاؤه عندنا كجزائه عندكم، أي: أن يستعبد من سرق.
ويقال: إن هذا كان في شريعة يعقوب عليه السلام نسخه الله عز وجل، بالقطع. وقيل: المعنى جزاؤه الاستعباد من وُجِد في رحله، فهو جزاؤه. فهو يعود على الاستعباد المحذوف.
وقال الطبري: المعنى: قال إخوة يوسف: جزاء السارق من وجد في متاعه السَّرقُ، فهو جزاؤه: أي: فتسليم السارق جزاء السرق. وإنما سأل إخوة [يوسف] عن الجزاء، لأن أصحاب يوسف ردوا الحكم إليهم. وذلك أنه كان في شريعة يعقوب أن يستعبد السارق، وكان في حكم الملك: إذا سرق السارق غرم مثله. فرد الحكم إليهم.
وقرأ الحسن: "من وعَاءِ أخيه" بضم الواو.
﴿كَذٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾: أي: في أن حكموا على أنفسهم بالاسترقاق على شريعتهم. وأضاف الكيد إلى نفسه، لأن الذي فعل يوسف (جزاءاً عن) أمر الله كان، وعن مشيئته، وبوحيه ليوسف.
* *
قوله: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلْمَلِكِ﴾: أي: في حكمه، بل أخذه بحكم يعقوب. ﴿إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾: ذلك بكيده.
وقيل: المعنى: ﴿إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾: أن يطلق له مثل هذا الكيد.
* *
وقوله: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ﴾ قال زيد بن أسلم: يعني: بالعلم.
وقيل: معنى الكيد: أنهم كانوا لا ينظرون في وعاء إلا استغفروا الله تأثُماً، مما قُذفوا به. فلما وصلوا إلى وعاء أخيهم، قالوا ما نرى (أن) هذا أخذ شيئاً. قال إخوة يوسف: بلى فاستبروا ففتح فوجد الصواع فيه: فذلك الكيد. قال ذلك قتادة والسدّي، وغيرهما.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ﴾ يعني به الصواع. وإنما أنثت، لأنه بمعنى السقاية، فهما لشيء واحد.
وقيل: إنه على معنى السرقة، وقيل: إن الصواع يذكر ويؤنث.
* *
وقوله: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ (عَلِيمٌ)﴾ أي: فوق كل عالم من هو أعلم منه، حتى ينتهي ذلك إلى الله عز وجل.
يوسف 12:76
قوله: ﴿(قَالُواْ) فَمَا جَزَآؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ﴾ - إلى قوله - ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾. المعنى: قال أصحاب يوسف عليه السلام لإخوته: فما جزاء من وجد الصاع في رحله إن كنتم كاذبين في قولكم: ﴿مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ ﴿قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾.
المعنى: قال إخوة يوسف لأصحابه: جزاؤه عندنا كجزائه عندكم، أي: أن يستعبد من سرق.
ويقال: إن هذا كان في شريعة يعقوب عليه السلام نسخه الله عز وجل، بالقطع. وقيل: المعنى جزاؤه الاستعباد من وُجِد في رحله، فهو جزاؤه. فهو يعود على الاستعباد المحذوف.
وقال الطبري: المعنى: قال إخوة يوسف: جزاء السارق من وجد في متاعه السَّرقُ، فهو جزاؤه: أي: فتسليم السارق جزاء السرق. وإنما سأل إخوة [يوسف] عن الجزاء، لأن أصحاب يوسف ردوا الحكم إليهم. وذلك أنه كان في شريعة يعقوب أن يستعبد السارق، وكان في حكم الملك: إذا سرق السارق غرم مثله. فرد الحكم إليهم.
وقرأ الحسن: "من وعَاءِ أخيه" بضم الواو.
﴿كَذٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾: أي: في أن حكموا على أنفسهم بالاسترقاق على شريعتهم. وأضاف الكيد إلى نفسه، لأن الذي فعل يوسف (جزاءاً عن) أمر الله كان، وعن مشيئته، وبوحيه ليوسف.
* *
قوله: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلْمَلِكِ﴾: أي: في حكمه، بل أخذه بحكم يعقوب. ﴿إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾: ذلك بكيده.
وقيل: المعنى: ﴿إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾: أن يطلق له مثل هذا الكيد.
* *
وقوله: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ﴾ قال زيد بن أسلم: يعني: بالعلم.
وقيل: معنى الكيد: أنهم كانوا لا ينظرون في وعاء إلا استغفروا الله تأثُماً، مما قُذفوا به. فلما وصلوا إلى وعاء أخيهم، قالوا ما نرى (أن) هذا أخذ شيئاً. قال إخوة يوسف: بلى فاستبروا ففتح فوجد الصواع فيه: فذلك الكيد. قال ذلك قتادة والسدّي، وغيرهما.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ﴾ يعني به الصواع. وإنما أنثت، لأنه بمعنى السقاية، فهما لشيء واحد.
وقيل: إنه على معنى السرقة، وقيل: إن الصواع يذكر ويؤنث.
* *
وقوله: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ (عَلِيمٌ)﴾ أي: فوق كل عالم من هو أعلم منه، حتى ينتهي ذلك إلى الله عز وجل.
يوسف 12:77
قوله: ﴿قَالُوۤاْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾ - إلى قوله - ﴿خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ﴾ يعنون بقولهم ﴿أَخٌ لَّهُ﴾: يوسف.
قال مجاهد: كان يوسف ﷺ سرق صنماً لجده، أبي أمه، فكَسَرهُ، وألقاه في الطريق. فَعَابَهُ إخوته بذلك. وإنما أراد يوسف بكسره، وأخذه الخير: فليس ذلك بسرق، بل هو مَحْضُ الدين والعبادة، وإنكار المنكر.
وقال ابن جريج: كانت أم يوسف مسلمة، فأمرته أن يسرق صنماً لخاله، كان يعبده.
وروي عن مجاهد أن عمة يوسف بنت إسحاق، وكانت أكبر من يعقوب صارت إليها منطقة إسحاق لسنها: لأنهم كانوا يتوارثونها بالسن. وكان من سرقها استملك. وكانت عمة يوسف قد حضنته، وأحبَّتْه حباً شديداً فلما ترعرع، قال لها يعقوب: سلِّمي يوسف إليّ فلست أقدر أن يغيب عني ساعة، قالت له: (دعه عندي) أياماً أنظر إليه لعلي أتسلى عنه. فلما خرج من عندها يعقوب عمدت إلى منطقة إسحاق فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه، ثم قالت: لقد فقدت منطقة إسحاق؟ فانظروا من أخذها، ومن أصابها فالتُمِسَت ثم قالت: اكشفوا أهل البيت، فكشفوا، فوجدت مع يوسف، فقالت: والله إنه لي لم أصنع فيه ما شئت. ثم أتاها يعقوب فأخبرته الخبر، فقال (لها): أنت وذاك إن كان فعل (ذلك)، فهو سلم لك، فأمسكته حتى ماتت. فبذلك عَيَّره إخوته.
ومعنى الآية أنه على الحكاية، أي قالوا: إن يسرق فقد (قيل) سرق أخ لهم من قبل. إنما حكوا ما قد كان قبل، لم يقطعوا بالسرقة عليه. هذا أحسن ما تأوله العلماء، والله أعلم بذلك.
والضمير في قوله: ﴿فَأَسَرَّهَا﴾، إضمار، قبل الذكر (قد) فسره الله عز وجل لنا أن الذي أسره قوله: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً﴾ - إلى قوله - ﴿تَصِفُونَ﴾ (أي) أضمر هذا في نفسه.
وقيل: أسر في نفسه المجازاة لهم على قولهم، ولم يرد أن يبين عذره في ذلك. وقيل: أسرَّ في نفسه قولهم: ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾ ولم يرد أن يدفعه ويراجعهم عليه. بل كتم قولهم له وصبر.
* *
قوله: ﴿ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾: أي: (من) قولكم: هل هو حق أو كذب. ثم قالوا ليوسف: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: الملك ﴿إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً﴾: يعنون كلفاً بحبه، فخذ واحداً منَّا مكان هذا الذي سرق وخل عنه ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾: في أفعالك.
وقيل: المعنى: إنا نرى ذلك منك إحساناً إلينا إن فعلته. قال يوسف ﴿مَعَاذَ ٱللَّهِ﴾: أي: عياذاً بالله أن نأخذ غير من سرق.
﴿إِنَّـآ إِذاً لَّظَالِمُونَ﴾ إن فعلنا ذلك.
قال السدي: ثم قال لهم يوسف: إذا أتيتم أباكم فأقرؤه السلام، وقولوا له: إن ملك مصر يدعو لك ألا تموت حتى ترى ابنك يوسف.
فلما أيس إخوة يوسف من أخيه أن يُدْفَع إليهم. ﴿خَلَصُواْ نَجِيّاً﴾: أي: انفردوا وليس يوسف وأخوه معهم أي: خلوا يتناجون بينهم. فقال كبيرهم في العقل وهو شمعون, وقيل: بل (هو) كبيرهم في السن (وهو) روبيل، وهو ابن خالة يوسف. وهو الذي كان نهاهم عن قتله.
وقيل: كبيرهم يهوذا يعني به: كبيرهم في العقل، والفهم لا في السن، ولم يختلف في أن كبيرهم في السن روبيل. فهو أولى الآية (قال لهم):
﴿أَلَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً مِّنَ ٱللَّهِ﴾ في أخيكم هذا، ومن قبل تفريطكم في يوسف، وفعلكم فيه.
والمعنى: [و] من قبل هذا: تفريطكم في يوسف.
و "ما" زائدة، والمعنى: ومن قبل فرطتم في يوسف ويجوز أن تكون في موضع نسب عطف على "أن".
ويجوز أن يكون في موضع رفع على معنى: ومن قبل هذا تفريطكم ﴿فِي يُوسُفَ﴾، فتكون ﴿وَمِن قَبْلُ﴾ في موضع الخبر.
* *
قوله: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ﴾: أي: لن أبرح من أرض مصر.
﴿حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِيۤ أَبِيۤ﴾ بالقدوم عليه، ﴿أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِي﴾ أي: بالمن مع أخي، فأمضي معه.
وقيل: المعنى: ﴿يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِي﴾ بالسيف، فأحارب، وآخذ أخي. قاله أبو صالح.
وقيل: المعنى: أو يقضي الله لي بالخروج من أرض مصر، وترك أخي.
وروي أن يهودا قال ليوسف: يا أيها الملك! إن لم تخلِّ سبيله معنا لأصيحَنَّ صيحةً لا يبقى في مدينتك حامل، إلا أسقطت ما في بطنها. وكان ذلك في ولد يعقوب عند الغضب معروفاً. فكلَّم يوسف ابناً له صغيراً بالقبطية فقال له: ضع يديك بين كتفي يهوذا، ولا يشعر بك أحد، وكان الناس مجتمعين، فدخل الصبي بين الناس حتى وضع يده بين كتفي يهوذا، فذهب غضبه، فقال يهوذا: لقد مسني من ولد يعقوب، ولم ير أحداً.
يوسف 12:78
قوله: ﴿قَالُوۤاْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾ - إلى قوله - ﴿خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ﴾ يعنون بقولهم ﴿أَخٌ لَّهُ﴾: يوسف.
قال مجاهد: كان يوسف ﷺ سرق صنماً لجده، أبي أمه، فكَسَرهُ، وألقاه في الطريق. فَعَابَهُ إخوته بذلك. وإنما أراد يوسف بكسره، وأخذه الخير: فليس ذلك بسرق، بل هو مَحْضُ الدين والعبادة، وإنكار المنكر.
وقال ابن جريج: كانت أم يوسف مسلمة، فأمرته أن يسرق صنماً لخاله، كان يعبده.
وروي عن مجاهد أن عمة يوسف بنت إسحاق، وكانت أكبر من يعقوب صارت إليها منطقة إسحاق لسنها: لأنهم كانوا يتوارثونها بالسن. وكان من سرقها استملك. وكانت عمة يوسف قد حضنته، وأحبَّتْه حباً شديداً فلما ترعرع، قال لها يعقوب: سلِّمي يوسف إليّ فلست أقدر أن يغيب عني ساعة، قالت له: (دعه عندي) أياماً أنظر إليه لعلي أتسلى عنه. فلما خرج من عندها يعقوب عمدت إلى منطقة إسحاق فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه، ثم قالت: لقد فقدت منطقة إسحاق؟ فانظروا من أخذها، ومن أصابها فالتُمِسَت ثم قالت: اكشفوا أهل البيت، فكشفوا، فوجدت مع يوسف، فقالت: والله إنه لي لم أصنع فيه ما شئت. ثم أتاها يعقوب فأخبرته الخبر، فقال (لها): أنت وذاك إن كان فعل (ذلك)، فهو سلم لك، فأمسكته حتى ماتت. فبذلك عَيَّره إخوته.
ومعنى الآية أنه على الحكاية، أي قالوا: إن يسرق فقد (قيل) سرق أخ لهم من قبل. إنما حكوا ما قد كان قبل، لم يقطعوا بالسرقة عليه. هذا أحسن ما تأوله العلماء، والله أعلم بذلك.
والضمير في قوله: ﴿فَأَسَرَّهَا﴾، إضمار، قبل الذكر (قد) فسره الله عز وجل لنا أن الذي أسره قوله: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً﴾ - إلى قوله - ﴿تَصِفُونَ﴾ (أي) أضمر هذا في نفسه.
وقيل: أسر في نفسه المجازاة لهم على قولهم، ولم يرد أن يبين عذره في ذلك. وقيل: أسرَّ في نفسه قولهم: ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾ ولم يرد أن يدفعه ويراجعهم عليه. بل كتم قولهم له وصبر.
* *
قوله: ﴿ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾: أي: (من) قولكم: هل هو حق أو كذب. ثم قالوا ليوسف: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: الملك ﴿إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً﴾: يعنون كلفاً بحبه، فخذ واحداً منَّا مكان هذا الذي سرق وخل عنه ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾: في أفعالك.
وقيل: المعنى: إنا نرى ذلك منك إحساناً إلينا إن فعلته. قال يوسف ﴿مَعَاذَ ٱللَّهِ﴾: أي: عياذاً بالله أن نأخذ غير من سرق.
﴿إِنَّـآ إِذاً لَّظَالِمُونَ﴾ إن فعلنا ذلك.
قال السدي: ثم قال لهم يوسف: إذا أتيتم أباكم فأقرؤه السلام، وقولوا له: إن ملك مصر يدعو لك ألا تموت حتى ترى ابنك يوسف.
فلما أيس إخوة يوسف من أخيه أن يُدْفَع إليهم. ﴿خَلَصُواْ نَجِيّاً﴾: أي: انفردوا وليس يوسف وأخوه معهم أي: خلوا يتناجون بينهم. فقال كبيرهم في العقل وهو شمعون, وقيل: بل (هو) كبيرهم في السن (وهو) روبيل، وهو ابن خالة يوسف. وهو الذي كان نهاهم عن قتله.
وقيل: كبيرهم يهوذا يعني به: كبيرهم في العقل، والفهم لا في السن، ولم يختلف في أن كبيرهم في السن روبيل. فهو أولى الآية (قال لهم):
﴿أَلَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً مِّنَ ٱللَّهِ﴾ في أخيكم هذا، ومن قبل تفريطكم في يوسف، وفعلكم فيه.
والمعنى: [و] من قبل هذا: تفريطكم في يوسف.
و "ما" زائدة، والمعنى: ومن قبل فرطتم في يوسف ويجوز أن تكون في موضع نسب عطف على "أن".
ويجوز أن يكون في موضع رفع على معنى: ومن قبل هذا تفريطكم ﴿فِي يُوسُفَ﴾، فتكون ﴿وَمِن قَبْلُ﴾ في موضع الخبر.
* *
قوله: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ﴾: أي: لن أبرح من أرض مصر.
﴿حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِيۤ أَبِيۤ﴾ بالقدوم عليه، ﴿أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِي﴾ أي: بالمن مع أخي، فأمضي معه.
وقيل: المعنى: ﴿يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِي﴾ بالسيف، فأحارب، وآخذ أخي. قاله أبو صالح.
وقيل: المعنى: أو يقضي الله لي بالخروج من أرض مصر، وترك أخي.
وروي أن يهودا قال ليوسف: يا أيها الملك! إن لم تخلِّ سبيله معنا لأصيحَنَّ صيحةً لا يبقى في مدينتك حامل، إلا أسقطت ما في بطنها. وكان ذلك في ولد يعقوب عند الغضب معروفاً. فكلَّم يوسف ابناً له صغيراً بالقبطية فقال له: ضع يديك بين كتفي يهوذا، ولا يشعر بك أحد، وكان الناس مجتمعين، فدخل الصبي بين الناس حتى وضع يده بين كتفي يهوذا، فذهب غضبه، فقال يهوذا: لقد مسني من ولد يعقوب، ولم ير أحداً.
يوسف 12:79
قوله: ﴿قَالُوۤاْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾ - إلى قوله - ﴿خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ﴾ يعنون بقولهم ﴿أَخٌ لَّهُ﴾: يوسف.
قال مجاهد: كان يوسف ﷺ سرق صنماً لجده، أبي أمه، فكَسَرهُ، وألقاه في الطريق. فَعَابَهُ إخوته بذلك. وإنما أراد يوسف بكسره، وأخذه الخير: فليس ذلك بسرق، بل هو مَحْضُ الدين والعبادة، وإنكار المنكر.
وقال ابن جريج: كانت أم يوسف مسلمة، فأمرته أن يسرق صنماً لخاله، كان يعبده.
وروي عن مجاهد أن عمة يوسف بنت إسحاق، وكانت أكبر من يعقوب صارت إليها منطقة إسحاق لسنها: لأنهم كانوا يتوارثونها بالسن. وكان من سرقها استملك. وكانت عمة يوسف قد حضنته، وأحبَّتْه حباً شديداً فلما ترعرع، قال لها يعقوب: سلِّمي يوسف إليّ فلست أقدر أن يغيب عني ساعة، قالت له: (دعه عندي) أياماً أنظر إليه لعلي أتسلى عنه. فلما خرج من عندها يعقوب عمدت إلى منطقة إسحاق فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه، ثم قالت: لقد فقدت منطقة إسحاق؟ فانظروا من أخذها، ومن أصابها فالتُمِسَت ثم قالت: اكشفوا أهل البيت، فكشفوا، فوجدت مع يوسف، فقالت: والله إنه لي لم أصنع فيه ما شئت. ثم أتاها يعقوب فأخبرته الخبر، فقال (لها): أنت وذاك إن كان فعل (ذلك)، فهو سلم لك، فأمسكته حتى ماتت. فبذلك عَيَّره إخوته.
ومعنى الآية أنه على الحكاية، أي قالوا: إن يسرق فقد (قيل) سرق أخ لهم من قبل. إنما حكوا ما قد كان قبل، لم يقطعوا بالسرقة عليه. هذا أحسن ما تأوله العلماء، والله أعلم بذلك.
والضمير في قوله: ﴿فَأَسَرَّهَا﴾، إضمار، قبل الذكر (قد) فسره الله عز وجل لنا أن الذي أسره قوله: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً﴾ - إلى قوله - ﴿تَصِفُونَ﴾ (أي) أضمر هذا في نفسه.
وقيل: أسر في نفسه المجازاة لهم على قولهم، ولم يرد أن يبين عذره في ذلك. وقيل: أسرَّ في نفسه قولهم: ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾ ولم يرد أن يدفعه ويراجعهم عليه. بل كتم قولهم له وصبر.
* *
قوله: ﴿ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾: أي: (من) قولكم: هل هو حق أو كذب. ثم قالوا ليوسف: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: الملك ﴿إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً﴾: يعنون كلفاً بحبه، فخذ واحداً منَّا مكان هذا الذي سرق وخل عنه ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾: في أفعالك.
وقيل: المعنى: إنا نرى ذلك منك إحساناً إلينا إن فعلته. قال يوسف ﴿مَعَاذَ ٱللَّهِ﴾: أي: عياذاً بالله أن نأخذ غير من سرق.
﴿إِنَّـآ إِذاً لَّظَالِمُونَ﴾ إن فعلنا ذلك.
قال السدي: ثم قال لهم يوسف: إذا أتيتم أباكم فأقرؤه السلام، وقولوا له: إن ملك مصر يدعو لك ألا تموت حتى ترى ابنك يوسف.
فلما أيس إخوة يوسف من أخيه أن يُدْفَع إليهم. ﴿خَلَصُواْ نَجِيّاً﴾: أي: انفردوا وليس يوسف وأخوه معهم أي: خلوا يتناجون بينهم. فقال كبيرهم في العقل وهو شمعون, وقيل: بل (هو) كبيرهم في السن (وهو) روبيل، وهو ابن خالة يوسف. وهو الذي كان نهاهم عن قتله.
وقيل: كبيرهم يهوذا يعني به: كبيرهم في العقل، والفهم لا في السن، ولم يختلف في أن كبيرهم في السن روبيل. فهو أولى الآية (قال لهم):
﴿أَلَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً مِّنَ ٱللَّهِ﴾ في أخيكم هذا، ومن قبل تفريطكم في يوسف، وفعلكم فيه.
والمعنى: [و] من قبل هذا: تفريطكم في يوسف.
و "ما" زائدة، والمعنى: ومن قبل فرطتم في يوسف ويجوز أن تكون في موضع نسب عطف على "أن".
ويجوز أن يكون في موضع رفع على معنى: ومن قبل هذا تفريطكم ﴿فِي يُوسُفَ﴾، فتكون ﴿وَمِن قَبْلُ﴾ في موضع الخبر.
* *
قوله: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ﴾: أي: لن أبرح من أرض مصر.
﴿حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِيۤ أَبِيۤ﴾ بالقدوم عليه، ﴿أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِي﴾ أي: بالمن مع أخي، فأمضي معه.
وقيل: المعنى: ﴿يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِي﴾ بالسيف، فأحارب، وآخذ أخي. قاله أبو صالح.
وقيل: المعنى: أو يقضي الله لي بالخروج من أرض مصر، وترك أخي.
وروي أن يهودا قال ليوسف: يا أيها الملك! إن لم تخلِّ سبيله معنا لأصيحَنَّ صيحةً لا يبقى في مدينتك حامل، إلا أسقطت ما في بطنها. وكان ذلك في ولد يعقوب عند الغضب معروفاً. فكلَّم يوسف ابناً له صغيراً بالقبطية فقال له: ضع يديك بين كتفي يهوذا، ولا يشعر بك أحد، وكان الناس مجتمعين، فدخل الصبي بين الناس حتى وضع يده بين كتفي يهوذا، فذهب غضبه، فقال يهوذا: لقد مسني من ولد يعقوب، ولم ير أحداً.
يوسف 12:80
قوله: ﴿قَالُوۤاْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾ - إلى قوله - ﴿خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ﴾ يعنون بقولهم ﴿أَخٌ لَّهُ﴾: يوسف.
قال مجاهد: كان يوسف ﷺ سرق صنماً لجده، أبي أمه، فكَسَرهُ، وألقاه في الطريق. فَعَابَهُ إخوته بذلك. وإنما أراد يوسف بكسره، وأخذه الخير: فليس ذلك بسرق، بل هو مَحْضُ الدين والعبادة، وإنكار المنكر.
وقال ابن جريج: كانت أم يوسف مسلمة، فأمرته أن يسرق صنماً لخاله، كان يعبده.
وروي عن مجاهد أن عمة يوسف بنت إسحاق، وكانت أكبر من يعقوب صارت إليها منطقة إسحاق لسنها: لأنهم كانوا يتوارثونها بالسن. وكان من سرقها استملك. وكانت عمة يوسف قد حضنته، وأحبَّتْه حباً شديداً فلما ترعرع، قال لها يعقوب: سلِّمي يوسف إليّ فلست أقدر أن يغيب عني ساعة، قالت له: (دعه عندي) أياماً أنظر إليه لعلي أتسلى عنه. فلما خرج من عندها يعقوب عمدت إلى منطقة إسحاق فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه، ثم قالت: لقد فقدت منطقة إسحاق؟ فانظروا من أخذها، ومن أصابها فالتُمِسَت ثم قالت: اكشفوا أهل البيت، فكشفوا، فوجدت مع يوسف، فقالت: والله إنه لي لم أصنع فيه ما شئت. ثم أتاها يعقوب فأخبرته الخبر، فقال (لها): أنت وذاك إن كان فعل (ذلك)، فهو سلم لك، فأمسكته حتى ماتت. فبذلك عَيَّره إخوته.
ومعنى الآية أنه على الحكاية، أي قالوا: إن يسرق فقد (قيل) سرق أخ لهم من قبل. إنما حكوا ما قد كان قبل، لم يقطعوا بالسرقة عليه. هذا أحسن ما تأوله العلماء، والله أعلم بذلك.
والضمير في قوله: ﴿فَأَسَرَّهَا﴾، إضمار، قبل الذكر (قد) فسره الله عز وجل لنا أن الذي أسره قوله: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً﴾ - إلى قوله - ﴿تَصِفُونَ﴾ (أي) أضمر هذا في نفسه.
وقيل: أسر في نفسه المجازاة لهم على قولهم، ولم يرد أن يبين عذره في ذلك. وقيل: أسرَّ في نفسه قولهم: ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾ ولم يرد أن يدفعه ويراجعهم عليه. بل كتم قولهم له وصبر.
* *
قوله: ﴿ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾: أي: (من) قولكم: هل هو حق أو كذب. ثم قالوا ليوسف: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: الملك ﴿إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً﴾: يعنون كلفاً بحبه، فخذ واحداً منَّا مكان هذا الذي سرق وخل عنه ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾: في أفعالك.
وقيل: المعنى: إنا نرى ذلك منك إحساناً إلينا إن فعلته. قال يوسف ﴿مَعَاذَ ٱللَّهِ﴾: أي: عياذاً بالله أن نأخذ غير من سرق.
﴿إِنَّـآ إِذاً لَّظَالِمُونَ﴾ إن فعلنا ذلك.
قال السدي: ثم قال لهم يوسف: إذا أتيتم أباكم فأقرؤه السلام، وقولوا له: إن ملك مصر يدعو لك ألا تموت حتى ترى ابنك يوسف.
فلما أيس إخوة يوسف من أخيه أن يُدْفَع إليهم. ﴿خَلَصُواْ نَجِيّاً﴾: أي: انفردوا وليس يوسف وأخوه معهم أي: خلوا يتناجون بينهم. فقال كبيرهم في العقل وهو شمعون, وقيل: بل (هو) كبيرهم في السن (وهو) روبيل، وهو ابن خالة يوسف. وهو الذي كان نهاهم عن قتله.
وقيل: كبيرهم يهوذا يعني به: كبيرهم في العقل، والفهم لا في السن، ولم يختلف في أن كبيرهم في السن روبيل. فهو أولى الآية (قال لهم):
﴿أَلَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً مِّنَ ٱللَّهِ﴾ في أخيكم هذا، ومن قبل تفريطكم في يوسف، وفعلكم فيه.
والمعنى: [و] من قبل هذا: تفريطكم في يوسف.
و "ما" زائدة، والمعنى: ومن قبل فرطتم في يوسف ويجوز أن تكون في موضع نسب عطف على "أن".
ويجوز أن يكون في موضع رفع على معنى: ومن قبل هذا تفريطكم ﴿فِي يُوسُفَ﴾، فتكون ﴿وَمِن قَبْلُ﴾ في موضع الخبر.
* *
قوله: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ﴾: أي: لن أبرح من أرض مصر.
﴿حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِيۤ أَبِيۤ﴾ بالقدوم عليه، ﴿أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِي﴾ أي: بالمن مع أخي، فأمضي معه.
وقيل: المعنى: ﴿يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِي﴾ بالسيف، فأحارب، وآخذ أخي. قاله أبو صالح.
وقيل: المعنى: أو يقضي الله لي بالخروج من أرض مصر، وترك أخي.
وروي أن يهودا قال ليوسف: يا أيها الملك! إن لم تخلِّ سبيله معنا لأصيحَنَّ صيحةً لا يبقى في مدينتك حامل، إلا أسقطت ما في بطنها. وكان ذلك في ولد يعقوب عند الغضب معروفاً. فكلَّم يوسف ابناً له صغيراً بالقبطية فقال له: ضع يديك بين كتفي يهوذا، ولا يشعر بك أحد، وكان الناس مجتمعين، فدخل الصبي بين الناس حتى وضع يده بين كتفي يهوذا، فذهب غضبه، فقال يهوذا: لقد مسني من ولد يعقوب، ولم ير أحداً.
يوسف 12:81
قوله: ﴿ٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ أَبِيكُمْ فَقُولُواْ (يٰأَبَانَا)﴾ - إلى قوله - ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾ هذا قول روبيل لإخوته، أمرهم بالرجوع إلى يعقوب، يعلموه بالقصة على وجهها.
وقيل: أمر لهم بذلك يوسف: وقيل: هو كبيرهم الذي تأخر بمصر، ولم يرجع معهم.
وروي عن الكسائي أنه قرأ "سُرق" على ما لم يُسَمْ فاعله، على معنى اتهم بالسرق. وقيل: معناه: علم منه السرق.
* *
قوله: ﴿وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا﴾: أي: ما قلنا إلا بظاهر العلم، ولسنا نَعْلَمُ الغيب والباطن، إنما وجدت السرقة في رحله، ونحن ننظر.
وقيل المعنى: وما شهدنا عند يوسف أن السارق يؤخذ في سرقته، ﴿إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا﴾ (في الحكم عندك) قاله ابن زيد.
قال لهم يعقوب، ما يُدري، هذا الرجل أن السارق يؤخذ بسرقته، إلا بقولكم فقالوا: ﴿وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا﴾ في الحكم عندك وعندنا.
﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾: أي: ما كنا نظن أن ابنك يسرق، فيؤول أمره إلى هذا، وإنما قلنا لك نحفظ أخانا مما إلى حفظه السبيل.
﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ إن اتهمتنا: وهي مصر، يريدون أهلها. ﴿وَٱلْعِيْرَ ٱلَّتِيۤ أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾: وهي القافلة عن خبر ابنك.
قال لهم يعقوب: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾: على ما نالني.
وقيل: المعنى: "فصبر جميل: أولى من جزع لا ينفع. والصبر الجميل هو الذي لا شكو(ى) معه إلا إلى الله عز وجل.
﴿عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً﴾: يعني: يوسف، وأخاه روبيل الذي تخلف: (إنه هو العليم): بما (أجد) عليهم، ﴿ٱلْحَكِيمُ﴾ في تدبيره.
يوسف 12:82
قوله: ﴿ٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ أَبِيكُمْ فَقُولُواْ (يٰأَبَانَا)﴾ - إلى قوله - ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾ هذا قول روبيل لإخوته، أمرهم بالرجوع إلى يعقوب، يعلموه بالقصة على وجهها.
وقيل: أمر لهم بذلك يوسف: وقيل: هو كبيرهم الذي تأخر بمصر، ولم يرجع معهم.
وروي عن الكسائي أنه قرأ "سُرق" على ما لم يُسَمْ فاعله، على معنى اتهم بالسرق. وقيل: معناه: علم منه السرق.
* *
قوله: ﴿وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا﴾: أي: ما قلنا إلا بظاهر العلم، ولسنا نَعْلَمُ الغيب والباطن، إنما وجدت السرقة في رحله، ونحن ننظر.
وقيل المعنى: وما شهدنا عند يوسف أن السارق يؤخذ في سرقته، ﴿إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا﴾ (في الحكم عندك) قاله ابن زيد.
قال لهم يعقوب، ما يُدري، هذا الرجل أن السارق يؤخذ بسرقته، إلا بقولكم فقالوا: ﴿وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا﴾ في الحكم عندك وعندنا.
﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾: أي: ما كنا نظن أن ابنك يسرق، فيؤول أمره إلى هذا، وإنما قلنا لك نحفظ أخانا مما إلى حفظه السبيل.
﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ إن اتهمتنا: وهي مصر، يريدون أهلها. ﴿وَٱلْعِيْرَ ٱلَّتِيۤ أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾: وهي القافلة عن خبر ابنك.
قال لهم يعقوب: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾: على ما نالني.
وقيل: المعنى: "فصبر جميل: أولى من جزع لا ينفع. والصبر الجميل هو الذي لا شكو(ى) معه إلا إلى الله عز وجل.
﴿عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً﴾: يعني: يوسف، وأخاه روبيل الذي تخلف: (إنه هو العليم): بما (أجد) عليهم، ﴿ٱلْحَكِيمُ﴾ في تدبيره.
يوسف 12:83
قوله: ﴿ٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ أَبِيكُمْ فَقُولُواْ (يٰأَبَانَا)﴾ - إلى قوله - ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾ هذا قول روبيل لإخوته، أمرهم بالرجوع إلى يعقوب، يعلموه بالقصة على وجهها.
وقيل: أمر لهم بذلك يوسف: وقيل: هو كبيرهم الذي تأخر بمصر، ولم يرجع معهم.
وروي عن الكسائي أنه قرأ "سُرق" على ما لم يُسَمْ فاعله، على معنى اتهم بالسرق. وقيل: معناه: علم منه السرق.
* *
قوله: ﴿وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا﴾: أي: ما قلنا إلا بظاهر العلم، ولسنا نَعْلَمُ الغيب والباطن، إنما وجدت السرقة في رحله، ونحن ننظر.
وقيل المعنى: وما شهدنا عند يوسف أن السارق يؤخذ في سرقته، ﴿إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا﴾ (في الحكم عندك) قاله ابن زيد.
قال لهم يعقوب، ما يُدري، هذا الرجل أن السارق يؤخذ بسرقته، إلا بقولكم فقالوا: ﴿وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا﴾ في الحكم عندك وعندنا.
﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾: أي: ما كنا نظن أن ابنك يسرق، فيؤول أمره إلى هذا، وإنما قلنا لك نحفظ أخانا مما إلى حفظه السبيل.
﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ إن اتهمتنا: وهي مصر، يريدون أهلها. ﴿وَٱلْعِيْرَ ٱلَّتِيۤ أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾: وهي القافلة عن خبر ابنك.
قال لهم يعقوب: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾: على ما نالني.
وقيل: المعنى: "فصبر جميل: أولى من جزع لا ينفع. والصبر الجميل هو الذي لا شكو(ى) معه إلا إلى الله عز وجل.
﴿عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً﴾: يعني: يوسف، وأخاه روبيل الذي تخلف: (إنه هو العليم): بما (أجد) عليهم، ﴿ٱلْحَكِيمُ﴾ في تدبيره.
يوسف 12:84
قوله: ﴿وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ﴾ - إلى قوله - ﴿مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾. والمعنى: وأعرض يعقوب عن بنيه، وقال: يا حزناً على يوسف.
والأسف شدة الحزن. ثم حكى الله تعالى ذكر[ه] لنا أن عَيْنَيْ يعقوب ابيضتا من الحزن، (فـ)ـهو كظيم: أي: مكظوم، أي مَمْلُوءٌ من الحزن، ممسك عليه، لا يبثه.
قال ابن زيد: الكظيم الذي أسكته الحزن.
وقال مجاهد: كظم الحزن: إذا أمسكه عليه، لا يبثه.
وقال عطاء: كظـ(يـ)ـم: مكروب.
وقال السدي: كظيم من الغيظ. والكاظم في اللغة: الذي حزن لا يشكو حزنه وقال الحسن: وجد يعقوب على يوسف وُجْدَ سبعين ثَكْلَى وما ساء ظنه بالله ساعة قط، من ليل، ولا نهار.
(وروى الحسن عن النبي) ﷺ: وإنما اشتد حزن يعقوب (على يوسف) لأنه علم بحياته، وخاف على دينه
وقيل: إنما حَزِنَ (نَدَ)ماً على تسليمه لإخوته، وهو صبي، والحزن ليس بمحظور.
وقال النبي ﷺ: إذ مات ولده إبراهيم: تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب
وقال له أولاده: ﴿تَاللهِ تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ أي: لا تزال تذكره. ولا تفتر من حبه.
﴿حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضاً﴾: أي، ذا جهد، وهو المريض البالـ(ـي).
وقال قتادة: حرضاً هَرِماً.
وقال ابن زيد: الحرض الذي قد رد إلى أرذل العمر، حتى لا يعقل.
وقال الفراء: الحرض: الفاسد الجسم، والعقل.
(و) قال أبو عبيدة: الحرض: الذ[ي] أذابه الحزن.
﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَالِكِينَ﴾: أي: من الموتى.
قال يعقوب لهم جواباً لقولهم: ﴿إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي﴾ أي: همي وحزني:
وحقيقة البث في اللغة: هو ما يرد على الإنسان من الأشياء المهلكة، التي لا يمكنه إخفاؤها، وسميت المعصية بثاً مجازاً، وهو من بثثته، أي فرقته.
وروي أن يعقوب كبر حتى سقط حاجباه على وجنتيه، فكان يرفعهما بخرقة. فقال (له) رجلٌ: ما بلغ بك ما أرى؟ فقال: طول الزمان، وكثرة الأحزان. فأوحى الله عز وجل إليه: يا يعقوب تشكوني قال: خطيئة، فاغفرها، فغفرها الله عز وجل له.
فما كان إذا سئل إلا قوله ﴿إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى ٱللَّهِ﴾ - الآية
* *
وقوله: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾: قال قتادة: "ذكر لنا أن يعقوب لم ينزل به بلاء قط إلا أتى حسن ظنه بالله (عز وجل) من ورائه".
يوسف 12:85
قوله: ﴿وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ﴾ - إلى قوله - ﴿مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾. والمعنى: وأعرض يعقوب عن بنيه، وقال: يا حزناً على يوسف.
والأسف شدة الحزن. ثم حكى الله تعالى ذكر[ه] لنا أن عَيْنَيْ يعقوب ابيضتا من الحزن، (فـ)ـهو كظيم: أي: مكظوم، أي مَمْلُوءٌ من الحزن، ممسك عليه، لا يبثه.
قال ابن زيد: الكظيم الذي أسكته الحزن.
وقال مجاهد: كظم الحزن: إذا أمسكه عليه، لا يبثه.
وقال عطاء: كظـ(يـ)ـم: مكروب.
وقال السدي: كظيم من الغيظ. والكاظم في اللغة: الذي حزن لا يشكو حزنه وقال الحسن: وجد يعقوب على يوسف وُجْدَ سبعين ثَكْلَى وما ساء ظنه بالله ساعة قط، من ليل، ولا نهار.
(وروى الحسن عن النبي) ﷺ: وإنما اشتد حزن يعقوب (على يوسف) لأنه علم بحياته، وخاف على دينه
وقيل: إنما حَزِنَ (نَدَ)ماً على تسليمه لإخوته، وهو صبي، والحزن ليس بمحظور.
وقال النبي ﷺ: إذ مات ولده إبراهيم: تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب
وقال له أولاده: ﴿تَاللهِ تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ أي: لا تزال تذكره. ولا تفتر من حبه.
﴿حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضاً﴾: أي، ذا جهد، وهو المريض البالـ(ـي).
وقال قتادة: حرضاً هَرِماً.
وقال ابن زيد: الحرض الذي قد رد إلى أرذل العمر، حتى لا يعقل.
وقال الفراء: الحرض: الفاسد الجسم، والعقل.
(و) قال أبو عبيدة: الحرض: الذ[ي] أذابه الحزن.
﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَالِكِينَ﴾: أي: من الموتى.
قال يعقوب لهم جواباً لقولهم: ﴿إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي﴾ أي: همي وحزني:
وحقيقة البث في اللغة: هو ما يرد على الإنسان من الأشياء المهلكة، التي لا يمكنه إخفاؤها، وسميت المعصية بثاً مجازاً، وهو من بثثته، أي فرقته.
وروي أن يعقوب كبر حتى سقط حاجباه على وجنتيه، فكان يرفعهما بخرقة. فقال (له) رجلٌ: ما بلغ بك ما أرى؟ فقال: طول الزمان، وكثرة الأحزان. فأوحى الله عز وجل إليه: يا يعقوب تشكوني قال: خطيئة، فاغفرها، فغفرها الله عز وجل له.
فما كان إذا سئل إلا قوله ﴿إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى ٱللَّهِ﴾ - الآية
* *
وقوله: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾: قال قتادة: "ذكر لنا أن يعقوب لم ينزل به بلاء قط إلا أتى حسن ظنه بالله (عز وجل) من ورائه".
يوسف 12:86
قوله: ﴿وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ﴾ - إلى قوله - ﴿مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾. والمعنى: وأعرض يعقوب عن بنيه، وقال: يا حزناً على يوسف.
والأسف شدة الحزن. ثم حكى الله تعالى ذكر[ه] لنا أن عَيْنَيْ يعقوب ابيضتا من الحزن، (فـ)ـهو كظيم: أي: مكظوم، أي مَمْلُوءٌ من الحزن، ممسك عليه، لا يبثه.
قال ابن زيد: الكظيم الذي أسكته الحزن.
وقال مجاهد: كظم الحزن: إذا أمسكه عليه، لا يبثه.
وقال عطاء: كظـ(يـ)ـم: مكروب.
وقال السدي: كظيم من الغيظ. والكاظم في اللغة: الذي حزن لا يشكو حزنه وقال الحسن: وجد يعقوب على يوسف وُجْدَ سبعين ثَكْلَى وما ساء ظنه بالله ساعة قط، من ليل، ولا نهار.
(وروى الحسن عن النبي) ﷺ: وإنما اشتد حزن يعقوب (على يوسف) لأنه علم بحياته، وخاف على دينه
وقيل: إنما حَزِنَ (نَدَ)ماً على تسليمه لإخوته، وهو صبي، والحزن ليس بمحظور.
وقال النبي ﷺ: إذ مات ولده إبراهيم: تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب
وقال له أولاده: ﴿تَاللهِ تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ أي: لا تزال تذكره. ولا تفتر من حبه.
﴿حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضاً﴾: أي، ذا جهد، وهو المريض البالـ(ـي).
وقال قتادة: حرضاً هَرِماً.
وقال ابن زيد: الحرض الذي قد رد إلى أرذل العمر، حتى لا يعقل.
وقال الفراء: الحرض: الفاسد الجسم، والعقل.
(و) قال أبو عبيدة: الحرض: الذ[ي] أذابه الحزن.
﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَالِكِينَ﴾: أي: من الموتى.
قال يعقوب لهم جواباً لقولهم: ﴿إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي﴾ أي: همي وحزني:
وحقيقة البث في اللغة: هو ما يرد على الإنسان من الأشياء المهلكة، التي لا يمكنه إخفاؤها، وسميت المعصية بثاً مجازاً، وهو من بثثته، أي فرقته.
وروي أن يعقوب كبر حتى سقط حاجباه على وجنتيه، فكان يرفعهما بخرقة. فقال (له) رجلٌ: ما بلغ بك ما أرى؟ فقال: طول الزمان، وكثرة الأحزان. فأوحى الله عز وجل إليه: يا يعقوب تشكوني قال: خطيئة، فاغفرها، فغفرها الله عز وجل له.
فما كان إذا سئل إلا قوله ﴿إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى ٱللَّهِ﴾ - الآية
* *
وقوله: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾: قال قتادة: "ذكر لنا أن يعقوب لم ينزل به بلاء قط إلا أتى حسن ظنه بالله (عز وجل) من ورائه".
يوسف 12:87
قوله: ﴿يٰبَنِيَّ ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ﴾، المعنى: أن يعقوب، عليه السلام طمع في يوسف، فأمرهم بالرجوع إلى (الـ)ـموضع الذي أتوا منه يلتمسون يوسف، وأخاه: يعني: بنيامين شقيق يوسف.
﴿وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ﴾: أي: "لا تقنطوا من أن يُرَوّحَ الله عنا ما نحن فيه من الحزن.
﴿إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ﴾: أي: لا يقنط من فرجه، و (لا) يقطع رجاءه منه إلا الكافرون.
قال السدي، وقتادة: روح الله فرج الله.
قيل: إنه أمرهم أن يرجعوا إلى الذي احتال عليهم في أخيهم، وأخذ منهم، فيسألوا عنه، وعن مذهبه.
وروى ابن لهيعة "يرفعه إلى" (عن) ابن عمر، أن يعقوب كتب معهم كتاباً إلى يوسف: بسم الله الرحمن الرحيم من يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله، إلى عزيز مصر (إلى) فرعون: سلام عليك. فإني أحمد الله إليك، الذي لا إله إلا هو. أما بعد: فإنا أهل بيت مولع بنا أسباب البلاء: أما جدي إبراهيم خليل الله، فألقي في النار، فصيرها (الله عليه برداً)، وسلاماً، وأمر أن يذبح ابنه إسحاق أبي، ففداه الله بما فداه به. وأما أنا فكان لي ابن من أحب الناس إليّ، ففقدته فأذهب حزني عليه صبري، وحنى له ظهري. وأخوه المحبوس عندك في السرقة. وإني أخبرك: إني لم أَسْرِقْ، ولم أَلِدْ، سَارِقاً، فاحذر دعوتي فإنها مستجابة عليك. وأعجب منك كيف حبست قرة عيني، وقد علمت موقعه من قلبي، فاردد علي ابني، وإلا فاحذر دعوتي والسلام.
قال فلما قرأ يوسف، عليه السلام كتاب أبيه يعقوب، بكى بكاءً شديداً، وصاح بأعلى صوته: ﴿ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [يوسف: ٩٣]: فكان البشير إليهم يهوذ[ا] ابن يعقوب. وقيل: إن يوسف لما قرأ كتاب أبيه يعقوب ارتعدت فرائصه، واقشعر جلده، ولان قلبه، وبكى، ثم أعلمهم بنفسه.
* *
قوله: ﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ﴾. وفي الكلام حذف. والمعنى: فخرجوا إلى مصر، فلما دخلوا على يوسف، قالوا: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: الممتنع: ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ﴾: من الشدة، والجدب. فخضعوا له،. وتواضعوا.
قال ابن إسحاق: خرجوا ببضاعة لا تبلغ ما يريدون من الميرة، إلا أن يتجاوز لهم فيها، فقالوا: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ﴾: أي: بدراهم لا تجوز في ثمن الطعام إلا بالمسامحة.
قال ابن عباس: مزجاة: دراهم زيوف.
وقال ابن أبي مليكة: مزجاة، خلق الغرائر: والمتاع الحقير.
"مزجاة: يعني: قليلة، إما لأنه متاع البادية لا يصلح للملوك، وإما لأنه قال مزجاة تحتقر في كل مكان. وقد فسرها بعضهم بأنها البطم والصنوبر. والبطم: هو الحبة الخضراء.
﴿فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ﴾: فكان يوسف هو الذي يكيل، إشارة إلى أن الكيل والوزن على البائع.
وقيل: أتوا بالسمن، والصوف.
وقال أبو صالح: أتوا بالحبة الخضراء، والصنوبر.
وقال الضحاك: مزجاة: كاسدة، وأصله من التزجية، وهي الدفع، والسوق، فكأنها بضاعة تدفع، ولا يقبلها كل أحد. يقال: فلان يزجي العيش: أي: يدافع وعن مالك رضي الله عنه أن المزجاة هنا: الجائزة في كل موضع. واحتج (مالك) في (أن) أجرة الكيال والوزان على البائع بقولهم: ﴿فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ﴾.
* *
ثم قال: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ﴾: أي تفضل علينا، ما بين الجياد والرديئة.
وقيل: المعنى: لا تنقصنا من السعر من أجل رداءة دراهمنا.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِي ٱلْمُتَصَدِّقِينَ﴾: أي: يثيب المتفضلين.
وقد اختلف الناس في الصدقة على الأنبياء. فقيل: إنها كانت حلالاً، ثم حرمت على النبي محمد ﷺ.
وقيل: كـ(ـانت) حراماً على جميع الأنبياء.
(وقيل): إنما سأل هؤلاء المسامحة، لا الصدقة بعينها.
وقيل: إنهم أرادوا بقولهم: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ﴾: أي: تصدق علينا برد أخينا إلينا، قاله ابن جريج.
قال السدي، عن أبيه لما دخل إخوة يوسف على يوسف. وكان أكبرهم إذا غضب قامت شعرةٌ (من عنده)، وانبعثت دماً فلا تزال كذلك حتى يمسه بعض ولد يعقوب. قال: فكلمه يوسف، وعرف يوسف أنه أغضبه فانبعثت الشعرة دماً، أمر يوسف أخاه أن يدنو منه فيمسه، ففعل فانقطع الدم، ثم فعل ذلك مرة أخرى، فعند ذلك تعارفوا.
قال ابن إسحاق: بلغني أنه لما كلموه بهذا الكلام، فقالوا: ﴿تَصَدَّقْ عَلَيْنَآ﴾ غلبته نفسه، فارفضَّ دمعه باكياً، ثم باح لهم بالذي كان يكتم، فقال (لهم): ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ﴾: أي جاهلون بعاقبة ما تفعلون.
وقيل: المعنى: إذ أنتم صغار، جهال قالوا له: ﴿أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ﴾ فقال: نعم ﴿أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـٰذَا أَخِي قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ﴾ بأن جمعنا بعدما فرقتم بيننا. ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ (ٱللَّهَ) وَيَِصْبِرْ﴾: أي: يتقي معصية الله، ويصبر على السجن.
قال ابن إسحاق: لما قال لهم: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾.
كشف لهم عن الخطأ فعرفوه.
﴿قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا﴾: أي: فضلك بالعلم والحلم.
وما كنا في فعلنا إلا خاطئين. يقال: خطئ يخطأ: إذا أتى الخطيئة عالماً [بها]، وأخطأ يخطئ إذا قصد شيئاً، فأصاب غيره، غير متعمد للخطأ. قال لهم يوسف: ﴿لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ﴾: أي: لا تغيير عليكم ولا إفساد لما بيني وبينكم من الحرمة، وحق الأخوة. ولكن لكم عندي العفو والصفح.
﴿لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾، تمام عند الأخفش، ثم تبتدأ: ﴿ٱلْيَوْمَ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾ على الدعاء، وعند نافع وغيره: ﴿عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ﴾: التمام. وهو أحسن وأبين.
يوسف 12:88
قوله: ﴿يٰبَنِيَّ ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ﴾، المعنى: أن يعقوب، عليه السلام طمع في يوسف، فأمرهم بالرجوع إلى (الـ)ـموضع الذي أتوا منه يلتمسون يوسف، وأخاه: يعني: بنيامين شقيق يوسف.
﴿وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ﴾: أي: "لا تقنطوا من أن يُرَوّحَ الله عنا ما نحن فيه من الحزن.
﴿إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ﴾: أي: لا يقنط من فرجه، و (لا) يقطع رجاءه منه إلا الكافرون.
قال السدي، وقتادة: روح الله فرج الله.
قيل: إنه أمرهم أن يرجعوا إلى الذي احتال عليهم في أخيهم، وأخذ منهم، فيسألوا عنه، وعن مذهبه.
وروى ابن لهيعة "يرفعه إلى" (عن) ابن عمر، أن يعقوب كتب معهم كتاباً إلى يوسف: بسم الله الرحمن الرحيم من يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله، إلى عزيز مصر (إلى) فرعون: سلام عليك. فإني أحمد الله إليك، الذي لا إله إلا هو. أما بعد: فإنا أهل بيت مولع بنا أسباب البلاء: أما جدي إبراهيم خليل الله، فألقي في النار، فصيرها (الله عليه برداً)، وسلاماً، وأمر أن يذبح ابنه إسحاق أبي، ففداه الله بما فداه به. وأما أنا فكان لي ابن من أحب الناس إليّ، ففقدته فأذهب حزني عليه صبري، وحنى له ظهري. وأخوه المحبوس عندك في السرقة. وإني أخبرك: إني لم أَسْرِقْ، ولم أَلِدْ، سَارِقاً، فاحذر دعوتي فإنها مستجابة عليك. وأعجب منك كيف حبست قرة عيني، وقد علمت موقعه من قلبي، فاردد علي ابني، وإلا فاحذر دعوتي والسلام.
قال فلما قرأ يوسف، عليه السلام كتاب أبيه يعقوب، بكى بكاءً شديداً، وصاح بأعلى صوته: ﴿ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [يوسف: ٩٣]: فكان البشير إليهم يهوذ[ا] ابن يعقوب. وقيل: إن يوسف لما قرأ كتاب أبيه يعقوب ارتعدت فرائصه، واقشعر جلده، ولان قلبه، وبكى، ثم أعلمهم بنفسه.
* *
قوله: ﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ﴾. وفي الكلام حذف. والمعنى: فخرجوا إلى مصر، فلما دخلوا على يوسف، قالوا: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: الممتنع: ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ﴾: من الشدة، والجدب. فخضعوا له،. وتواضعوا.
قال ابن إسحاق: خرجوا ببضاعة لا تبلغ ما يريدون من الميرة، إلا أن يتجاوز لهم فيها، فقالوا: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ﴾: أي: بدراهم لا تجوز في ثمن الطعام إلا بالمسامحة.
قال ابن عباس: مزجاة: دراهم زيوف.
وقال ابن أبي مليكة: مزجاة، خلق الغرائر: والمتاع الحقير.
"مزجاة: يعني: قليلة، إما لأنه متاع البادية لا يصلح للملوك، وإما لأنه قال مزجاة تحتقر في كل مكان. وقد فسرها بعضهم بأنها البطم والصنوبر. والبطم: هو الحبة الخضراء.
﴿فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ﴾: فكان يوسف هو الذي يكيل، إشارة إلى أن الكيل والوزن على البائع.
وقيل: أتوا بالسمن، والصوف.
وقال أبو صالح: أتوا بالحبة الخضراء، والصنوبر.
وقال الضحاك: مزجاة: كاسدة، وأصله من التزجية، وهي الدفع، والسوق، فكأنها بضاعة تدفع، ولا يقبلها كل أحد. يقال: فلان يزجي العيش: أي: يدافع وعن مالك رضي الله عنه أن المزجاة هنا: الجائزة في كل موضع. واحتج (مالك) في (أن) أجرة الكيال والوزان على البائع بقولهم: ﴿فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ﴾.
* *
ثم قال: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ﴾: أي تفضل علينا، ما بين الجياد والرديئة.
وقيل: المعنى: لا تنقصنا من السعر من أجل رداءة دراهمنا.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِي ٱلْمُتَصَدِّقِينَ﴾: أي: يثيب المتفضلين.
وقد اختلف الناس في الصدقة على الأنبياء. فقيل: إنها كانت حلالاً، ثم حرمت على النبي محمد ﷺ.
وقيل: كـ(ـانت) حراماً على جميع الأنبياء.
(وقيل): إنما سأل هؤلاء المسامحة، لا الصدقة بعينها.
وقيل: إنهم أرادوا بقولهم: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ﴾: أي: تصدق علينا برد أخينا إلينا، قاله ابن جريج.
قال السدي، عن أبيه لما دخل إخوة يوسف على يوسف. وكان أكبرهم إذا غضب قامت شعرةٌ (من عنده)، وانبعثت دماً فلا تزال كذلك حتى يمسه بعض ولد يعقوب. قال: فكلمه يوسف، وعرف يوسف أنه أغضبه فانبعثت الشعرة دماً، أمر يوسف أخاه أن يدنو منه فيمسه، ففعل فانقطع الدم، ثم فعل ذلك مرة أخرى، فعند ذلك تعارفوا.
قال ابن إسحاق: بلغني أنه لما كلموه بهذا الكلام، فقالوا: ﴿تَصَدَّقْ عَلَيْنَآ﴾ غلبته نفسه، فارفضَّ دمعه باكياً، ثم باح لهم بالذي كان يكتم، فقال (لهم): ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ﴾: أي جاهلون بعاقبة ما تفعلون.
وقيل: المعنى: إذ أنتم صغار، جهال قالوا له: ﴿أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ﴾ فقال: نعم ﴿أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـٰذَا أَخِي قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ﴾ بأن جمعنا بعدما فرقتم بيننا. ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ (ٱللَّهَ) وَيَِصْبِرْ﴾: أي: يتقي معصية الله، ويصبر على السجن.
قال ابن إسحاق: لما قال لهم: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾.
كشف لهم عن الخطأ فعرفوه.
﴿قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا﴾: أي: فضلك بالعلم والحلم.
وما كنا في فعلنا إلا خاطئين. يقال: خطئ يخطأ: إذا أتى الخطيئة عالماً [بها]، وأخطأ يخطئ إذا قصد شيئاً، فأصاب غيره، غير متعمد للخطأ. قال لهم يوسف: ﴿لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ﴾: أي: لا تغيير عليكم ولا إفساد لما بيني وبينكم من الحرمة، وحق الأخوة. ولكن لكم عندي العفو والصفح.
﴿لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾، تمام عند الأخفش، ثم تبتدأ: ﴿ٱلْيَوْمَ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾ على الدعاء، وعند نافع وغيره: ﴿عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ﴾: التمام. وهو أحسن وأبين.
يوسف 12:89
قوله: ﴿يٰبَنِيَّ ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ﴾، المعنى: أن يعقوب، عليه السلام طمع في يوسف، فأمرهم بالرجوع إلى (الـ)ـموضع الذي أتوا منه يلتمسون يوسف، وأخاه: يعني: بنيامين شقيق يوسف.
﴿وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ﴾: أي: "لا تقنطوا من أن يُرَوّحَ الله عنا ما نحن فيه من الحزن.
﴿إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ﴾: أي: لا يقنط من فرجه، و (لا) يقطع رجاءه منه إلا الكافرون.
قال السدي، وقتادة: روح الله فرج الله.
قيل: إنه أمرهم أن يرجعوا إلى الذي احتال عليهم في أخيهم، وأخذ منهم، فيسألوا عنه، وعن مذهبه.
وروى ابن لهيعة "يرفعه إلى" (عن) ابن عمر، أن يعقوب كتب معهم كتاباً إلى يوسف: بسم الله الرحمن الرحيم من يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله، إلى عزيز مصر (إلى) فرعون: سلام عليك. فإني أحمد الله إليك، الذي لا إله إلا هو. أما بعد: فإنا أهل بيت مولع بنا أسباب البلاء: أما جدي إبراهيم خليل الله، فألقي في النار، فصيرها (الله عليه برداً)، وسلاماً، وأمر أن يذبح ابنه إسحاق أبي، ففداه الله بما فداه به. وأما أنا فكان لي ابن من أحب الناس إليّ، ففقدته فأذهب حزني عليه صبري، وحنى له ظهري. وأخوه المحبوس عندك في السرقة. وإني أخبرك: إني لم أَسْرِقْ، ولم أَلِدْ، سَارِقاً، فاحذر دعوتي فإنها مستجابة عليك. وأعجب منك كيف حبست قرة عيني، وقد علمت موقعه من قلبي، فاردد علي ابني، وإلا فاحذر دعوتي والسلام.
قال فلما قرأ يوسف، عليه السلام كتاب أبيه يعقوب، بكى بكاءً شديداً، وصاح بأعلى صوته: ﴿ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [يوسف: ٩٣]: فكان البشير إليهم يهوذ[ا] ابن يعقوب. وقيل: إن يوسف لما قرأ كتاب أبيه يعقوب ارتعدت فرائصه، واقشعر جلده، ولان قلبه، وبكى، ثم أعلمهم بنفسه.
* *
قوله: ﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ﴾. وفي الكلام حذف. والمعنى: فخرجوا إلى مصر، فلما دخلوا على يوسف، قالوا: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: الممتنع: ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ﴾: من الشدة، والجدب. فخضعوا له،. وتواضعوا.
قال ابن إسحاق: خرجوا ببضاعة لا تبلغ ما يريدون من الميرة، إلا أن يتجاوز لهم فيها، فقالوا: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ﴾: أي: بدراهم لا تجوز في ثمن الطعام إلا بالمسامحة.
قال ابن عباس: مزجاة: دراهم زيوف.
وقال ابن أبي مليكة: مزجاة، خلق الغرائر: والمتاع الحقير.
"مزجاة: يعني: قليلة، إما لأنه متاع البادية لا يصلح للملوك، وإما لأنه قال مزجاة تحتقر في كل مكان. وقد فسرها بعضهم بأنها البطم والصنوبر. والبطم: هو الحبة الخضراء.
﴿فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ﴾: فكان يوسف هو الذي يكيل، إشارة إلى أن الكيل والوزن على البائع.
وقيل: أتوا بالسمن، والصوف.
وقال أبو صالح: أتوا بالحبة الخضراء، والصنوبر.
وقال الضحاك: مزجاة: كاسدة، وأصله من التزجية، وهي الدفع، والسوق، فكأنها بضاعة تدفع، ولا يقبلها كل أحد. يقال: فلان يزجي العيش: أي: يدافع وعن مالك رضي الله عنه أن المزجاة هنا: الجائزة في كل موضع. واحتج (مالك) في (أن) أجرة الكيال والوزان على البائع بقولهم: ﴿فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ﴾.
* *
ثم قال: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ﴾: أي تفضل علينا، ما بين الجياد والرديئة.
وقيل: المعنى: لا تنقصنا من السعر من أجل رداءة دراهمنا.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِي ٱلْمُتَصَدِّقِينَ﴾: أي: يثيب المتفضلين.
وقد اختلف الناس في الصدقة على الأنبياء. فقيل: إنها كانت حلالاً، ثم حرمت على النبي محمد ﷺ.
وقيل: كـ(ـانت) حراماً على جميع الأنبياء.
(وقيل): إنما سأل هؤلاء المسامحة، لا الصدقة بعينها.
وقيل: إنهم أرادوا بقولهم: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ﴾: أي: تصدق علينا برد أخينا إلينا، قاله ابن جريج.
قال السدي، عن أبيه لما دخل إخوة يوسف على يوسف. وكان أكبرهم إذا غضب قامت شعرةٌ (من عنده)، وانبعثت دماً فلا تزال كذلك حتى يمسه بعض ولد يعقوب. قال: فكلمه يوسف، وعرف يوسف أنه أغضبه فانبعثت الشعرة دماً، أمر يوسف أخاه أن يدنو منه فيمسه، ففعل فانقطع الدم، ثم فعل ذلك مرة أخرى، فعند ذلك تعارفوا.
قال ابن إسحاق: بلغني أنه لما كلموه بهذا الكلام، فقالوا: ﴿تَصَدَّقْ عَلَيْنَآ﴾ غلبته نفسه، فارفضَّ دمعه باكياً، ثم باح لهم بالذي كان يكتم، فقال (لهم): ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ﴾: أي جاهلون بعاقبة ما تفعلون.
وقيل: المعنى: إذ أنتم صغار، جهال قالوا له: ﴿أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ﴾ فقال: نعم ﴿أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـٰذَا أَخِي قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ﴾ بأن جمعنا بعدما فرقتم بيننا. ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ (ٱللَّهَ) وَيَِصْبِرْ﴾: أي: يتقي معصية الله، ويصبر على السجن.
قال ابن إسحاق: لما قال لهم: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾.
كشف لهم عن الخطأ فعرفوه.
﴿قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا﴾: أي: فضلك بالعلم والحلم.
وما كنا في فعلنا إلا خاطئين. يقال: خطئ يخطأ: إذا أتى الخطيئة عالماً [بها]، وأخطأ يخطئ إذا قصد شيئاً، فأصاب غيره، غير متعمد للخطأ. قال لهم يوسف: ﴿لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ﴾: أي: لا تغيير عليكم ولا إفساد لما بيني وبينكم من الحرمة، وحق الأخوة. ولكن لكم عندي العفو والصفح.
﴿لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾، تمام عند الأخفش، ثم تبتدأ: ﴿ٱلْيَوْمَ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾ على الدعاء، وعند نافع وغيره: ﴿عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ﴾: التمام. وهو أحسن وأبين.
يوسف 12:90
قوله: ﴿يٰبَنِيَّ ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ﴾، المعنى: أن يعقوب، عليه السلام طمع في يوسف، فأمرهم بالرجوع إلى (الـ)ـموضع الذي أتوا منه يلتمسون يوسف، وأخاه: يعني: بنيامين شقيق يوسف.
﴿وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ﴾: أي: "لا تقنطوا من أن يُرَوّحَ الله عنا ما نحن فيه من الحزن.
﴿إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ﴾: أي: لا يقنط من فرجه، و (لا) يقطع رجاءه منه إلا الكافرون.
قال السدي، وقتادة: روح الله فرج الله.
قيل: إنه أمرهم أن يرجعوا إلى الذي احتال عليهم في أخيهم، وأخذ منهم، فيسألوا عنه، وعن مذهبه.
وروى ابن لهيعة "يرفعه إلى" (عن) ابن عمر، أن يعقوب كتب معهم كتاباً إلى يوسف: بسم الله الرحمن الرحيم من يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله، إلى عزيز مصر (إلى) فرعون: سلام عليك. فإني أحمد الله إليك، الذي لا إله إلا هو. أما بعد: فإنا أهل بيت مولع بنا أسباب البلاء: أما جدي إبراهيم خليل الله، فألقي في النار، فصيرها (الله عليه برداً)، وسلاماً، وأمر أن يذبح ابنه إسحاق أبي، ففداه الله بما فداه به. وأما أنا فكان لي ابن من أحب الناس إليّ، ففقدته فأذهب حزني عليه صبري، وحنى له ظهري. وأخوه المحبوس عندك في السرقة. وإني أخبرك: إني لم أَسْرِقْ، ولم أَلِدْ، سَارِقاً، فاحذر دعوتي فإنها مستجابة عليك. وأعجب منك كيف حبست قرة عيني، وقد علمت موقعه من قلبي، فاردد علي ابني، وإلا فاحذر دعوتي والسلام.
قال فلما قرأ يوسف، عليه السلام كتاب أبيه يعقوب، بكى بكاءً شديداً، وصاح بأعلى صوته: ﴿ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [يوسف: ٩٣]: فكان البشير إليهم يهوذ[ا] ابن يعقوب. وقيل: إن يوسف لما قرأ كتاب أبيه يعقوب ارتعدت فرائصه، واقشعر جلده، ولان قلبه، وبكى، ثم أعلمهم بنفسه.
* *
قوله: ﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ﴾. وفي الكلام حذف. والمعنى: فخرجوا إلى مصر، فلما دخلوا على يوسف، قالوا: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: الممتنع: ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ﴾: من الشدة، والجدب. فخضعوا له،. وتواضعوا.
قال ابن إسحاق: خرجوا ببضاعة لا تبلغ ما يريدون من الميرة، إلا أن يتجاوز لهم فيها، فقالوا: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ﴾: أي: بدراهم لا تجوز في ثمن الطعام إلا بالمسامحة.
قال ابن عباس: مزجاة: دراهم زيوف.
وقال ابن أبي مليكة: مزجاة، خلق الغرائر: والمتاع الحقير.
"مزجاة: يعني: قليلة، إما لأنه متاع البادية لا يصلح للملوك، وإما لأنه قال مزجاة تحتقر في كل مكان. وقد فسرها بعضهم بأنها البطم والصنوبر. والبطم: هو الحبة الخضراء.
﴿فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ﴾: فكان يوسف هو الذي يكيل، إشارة إلى أن الكيل والوزن على البائع.
وقيل: أتوا بالسمن، والصوف.
وقال أبو صالح: أتوا بالحبة الخضراء، والصنوبر.
وقال الضحاك: مزجاة: كاسدة، وأصله من التزجية، وهي الدفع، والسوق، فكأنها بضاعة تدفع، ولا يقبلها كل أحد. يقال: فلان يزجي العيش: أي: يدافع وعن مالك رضي الله عنه أن المزجاة هنا: الجائزة في كل موضع. واحتج (مالك) في (أن) أجرة الكيال والوزان على البائع بقولهم: ﴿فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ﴾.
* *
ثم قال: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ﴾: أي تفضل علينا، ما بين الجياد والرديئة.
وقيل: المعنى: لا تنقصنا من السعر من أجل رداءة دراهمنا.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِي ٱلْمُتَصَدِّقِينَ﴾: أي: يثيب المتفضلين.
وقد اختلف الناس في الصدقة على الأنبياء. فقيل: إنها كانت حلالاً، ثم حرمت على النبي محمد ﷺ.
وقيل: كـ(ـانت) حراماً على جميع الأنبياء.
(وقيل): إنما سأل هؤلاء المسامحة، لا الصدقة بعينها.
وقيل: إنهم أرادوا بقولهم: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ﴾: أي: تصدق علينا برد أخينا إلينا، قاله ابن جريج.
قال السدي، عن أبيه لما دخل إخوة يوسف على يوسف. وكان أكبرهم إذا غضب قامت شعرةٌ (من عنده)، وانبعثت دماً فلا تزال كذلك حتى يمسه بعض ولد يعقوب. قال: فكلمه يوسف، وعرف يوسف أنه أغضبه فانبعثت الشعرة دماً، أمر يوسف أخاه أن يدنو منه فيمسه، ففعل فانقطع الدم، ثم فعل ذلك مرة أخرى، فعند ذلك تعارفوا.
قال ابن إسحاق: بلغني أنه لما كلموه بهذا الكلام، فقالوا: ﴿تَصَدَّقْ عَلَيْنَآ﴾ غلبته نفسه، فارفضَّ دمعه باكياً، ثم باح لهم بالذي كان يكتم، فقال (لهم): ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ﴾: أي جاهلون بعاقبة ما تفعلون.
وقيل: المعنى: إذ أنتم صغار، جهال قالوا له: ﴿أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ﴾ فقال: نعم ﴿أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـٰذَا أَخِي قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ﴾ بأن جمعنا بعدما فرقتم بيننا. ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ (ٱللَّهَ) وَيَِصْبِرْ﴾: أي: يتقي معصية الله، ويصبر على السجن.
قال ابن إسحاق: لما قال لهم: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾.
كشف لهم عن الخطأ فعرفوه.
﴿قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا﴾: أي: فضلك بالعلم والحلم.
وما كنا في فعلنا إلا خاطئين. يقال: خطئ يخطأ: إذا أتى الخطيئة عالماً [بها]، وأخطأ يخطئ إذا قصد شيئاً، فأصاب غيره، غير متعمد للخطأ. قال لهم يوسف: ﴿لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ﴾: أي: لا تغيير عليكم ولا إفساد لما بيني وبينكم من الحرمة، وحق الأخوة. ولكن لكم عندي العفو والصفح.
﴿لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾، تمام عند الأخفش، ثم تبتدأ: ﴿ٱلْيَوْمَ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾ على الدعاء، وعند نافع وغيره: ﴿عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ﴾: التمام. وهو أحسن وأبين.
يوسف 12:91
قوله: ﴿يٰبَنِيَّ ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ﴾، المعنى: أن يعقوب، عليه السلام طمع في يوسف، فأمرهم بالرجوع إلى (الـ)ـموضع الذي أتوا منه يلتمسون يوسف، وأخاه: يعني: بنيامين شقيق يوسف.
﴿وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ﴾: أي: "لا تقنطوا من أن يُرَوّحَ الله عنا ما نحن فيه من الحزن.
﴿إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ﴾: أي: لا يقنط من فرجه، و (لا) يقطع رجاءه منه إلا الكافرون.
قال السدي، وقتادة: روح الله فرج الله.
قيل: إنه أمرهم أن يرجعوا إلى الذي احتال عليهم في أخيهم، وأخذ منهم، فيسألوا عنه، وعن مذهبه.
وروى ابن لهيعة "يرفعه إلى" (عن) ابن عمر، أن يعقوب كتب معهم كتاباً إلى يوسف: بسم الله الرحمن الرحيم من يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله، إلى عزيز مصر (إلى) فرعون: سلام عليك. فإني أحمد الله إليك، الذي لا إله إلا هو. أما بعد: فإنا أهل بيت مولع بنا أسباب البلاء: أما جدي إبراهيم خليل الله، فألقي في النار، فصيرها (الله عليه برداً)، وسلاماً، وأمر أن يذبح ابنه إسحاق أبي، ففداه الله بما فداه به. وأما أنا فكان لي ابن من أحب الناس إليّ، ففقدته فأذهب حزني عليه صبري، وحنى له ظهري. وأخوه المحبوس عندك في السرقة. وإني أخبرك: إني لم أَسْرِقْ، ولم أَلِدْ، سَارِقاً، فاحذر دعوتي فإنها مستجابة عليك. وأعجب منك كيف حبست قرة عيني، وقد علمت موقعه من قلبي، فاردد علي ابني، وإلا فاحذر دعوتي والسلام.
قال فلما قرأ يوسف، عليه السلام كتاب أبيه يعقوب، بكى بكاءً شديداً، وصاح بأعلى صوته: ﴿ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [يوسف: ٩٣]: فكان البشير إليهم يهوذ[ا] ابن يعقوب. وقيل: إن يوسف لما قرأ كتاب أبيه يعقوب ارتعدت فرائصه، واقشعر جلده، ولان قلبه، وبكى، ثم أعلمهم بنفسه.
* *
قوله: ﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ﴾. وفي الكلام حذف. والمعنى: فخرجوا إلى مصر، فلما دخلوا على يوسف، قالوا: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: الممتنع: ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ﴾: من الشدة، والجدب. فخضعوا له،. وتواضعوا.
قال ابن إسحاق: خرجوا ببضاعة لا تبلغ ما يريدون من الميرة، إلا أن يتجاوز لهم فيها، فقالوا: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ﴾: أي: بدراهم لا تجوز في ثمن الطعام إلا بالمسامحة.
قال ابن عباس: مزجاة: دراهم زيوف.
وقال ابن أبي مليكة: مزجاة، خلق الغرائر: والمتاع الحقير.
"مزجاة: يعني: قليلة، إما لأنه متاع البادية لا يصلح للملوك، وإما لأنه قال مزجاة تحتقر في كل مكان. وقد فسرها بعضهم بأنها البطم والصنوبر. والبطم: هو الحبة الخضراء.
﴿فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ﴾: فكان يوسف هو الذي يكيل، إشارة إلى أن الكيل والوزن على البائع.
وقيل: أتوا بالسمن، والصوف.
وقال أبو صالح: أتوا بالحبة الخضراء، والصنوبر.
وقال الضحاك: مزجاة: كاسدة، وأصله من التزجية، وهي الدفع، والسوق، فكأنها بضاعة تدفع، ولا يقبلها كل أحد. يقال: فلان يزجي العيش: أي: يدافع وعن مالك رضي الله عنه أن المزجاة هنا: الجائزة في كل موضع. واحتج (مالك) في (أن) أجرة الكيال والوزان على البائع بقولهم: ﴿فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ﴾.
* *
ثم قال: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ﴾: أي تفضل علينا، ما بين الجياد والرديئة.
وقيل: المعنى: لا تنقصنا من السعر من أجل رداءة دراهمنا.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِي ٱلْمُتَصَدِّقِينَ﴾: أي: يثيب المتفضلين.
وقد اختلف الناس في الصدقة على الأنبياء. فقيل: إنها كانت حلالاً، ثم حرمت على النبي محمد ﷺ.
وقيل: كـ(ـانت) حراماً على جميع الأنبياء.
(وقيل): إنما سأل هؤلاء المسامحة، لا الصدقة بعينها.
وقيل: إنهم أرادوا بقولهم: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ﴾: أي: تصدق علينا برد أخينا إلينا، قاله ابن جريج.
قال السدي، عن أبيه لما دخل إخوة يوسف على يوسف. وكان أكبرهم إذا غضب قامت شعرةٌ (من عنده)، وانبعثت دماً فلا تزال كذلك حتى يمسه بعض ولد يعقوب. قال: فكلمه يوسف، وعرف يوسف أنه أغضبه فانبعثت الشعرة دماً، أمر يوسف أخاه أن يدنو منه فيمسه، ففعل فانقطع الدم، ثم فعل ذلك مرة أخرى، فعند ذلك تعارفوا.
قال ابن إسحاق: بلغني أنه لما كلموه بهذا الكلام، فقالوا: ﴿تَصَدَّقْ عَلَيْنَآ﴾ غلبته نفسه، فارفضَّ دمعه باكياً، ثم باح لهم بالذي كان يكتم، فقال (لهم): ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ﴾: أي جاهلون بعاقبة ما تفعلون.
وقيل: المعنى: إذ أنتم صغار، جهال قالوا له: ﴿أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ﴾ فقال: نعم ﴿أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـٰذَا أَخِي قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ﴾ بأن جمعنا بعدما فرقتم بيننا. ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ (ٱللَّهَ) وَيَِصْبِرْ﴾: أي: يتقي معصية الله، ويصبر على السجن.
قال ابن إسحاق: لما قال لهم: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾.
كشف لهم عن الخطأ فعرفوه.
﴿قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا﴾: أي: فضلك بالعلم والحلم.
وما كنا في فعلنا إلا خاطئين. يقال: خطئ يخطأ: إذا أتى الخطيئة عالماً [بها]، وأخطأ يخطئ إذا قصد شيئاً، فأصاب غيره، غير متعمد للخطأ. قال لهم يوسف: ﴿لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ﴾: أي: لا تغيير عليكم ولا إفساد لما بيني وبينكم من الحرمة، وحق الأخوة. ولكن لكم عندي العفو والصفح.
﴿لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾، تمام عند الأخفش، ثم تبتدأ: ﴿ٱلْيَوْمَ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾ على الدعاء، وعند نافع وغيره: ﴿عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ﴾: التمام. وهو أحسن وأبين.
يوسف 12:92
قوله: ﴿يٰبَنِيَّ ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ﴾، المعنى: أن يعقوب، عليه السلام طمع في يوسف، فأمرهم بالرجوع إلى (الـ)ـموضع الذي أتوا منه يلتمسون يوسف، وأخاه: يعني: بنيامين شقيق يوسف.
﴿وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ﴾: أي: "لا تقنطوا من أن يُرَوّحَ الله عنا ما نحن فيه من الحزن.
﴿إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ﴾: أي: لا يقنط من فرجه، و (لا) يقطع رجاءه منه إلا الكافرون.
قال السدي، وقتادة: روح الله فرج الله.
قيل: إنه أمرهم أن يرجعوا إلى الذي احتال عليهم في أخيهم، وأخذ منهم، فيسألوا عنه، وعن مذهبه.
وروى ابن لهيعة "يرفعه إلى" (عن) ابن عمر، أن يعقوب كتب معهم كتاباً إلى يوسف: بسم الله الرحمن الرحيم من يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله، إلى عزيز مصر (إلى) فرعون: سلام عليك. فإني أحمد الله إليك، الذي لا إله إلا هو. أما بعد: فإنا أهل بيت مولع بنا أسباب البلاء: أما جدي إبراهيم خليل الله، فألقي في النار، فصيرها (الله عليه برداً)، وسلاماً، وأمر أن يذبح ابنه إسحاق أبي، ففداه الله بما فداه به. وأما أنا فكان لي ابن من أحب الناس إليّ، ففقدته فأذهب حزني عليه صبري، وحنى له ظهري. وأخوه المحبوس عندك في السرقة. وإني أخبرك: إني لم أَسْرِقْ، ولم أَلِدْ، سَارِقاً، فاحذر دعوتي فإنها مستجابة عليك. وأعجب منك كيف حبست قرة عيني، وقد علمت موقعه من قلبي، فاردد علي ابني، وإلا فاحذر دعوتي والسلام.
قال فلما قرأ يوسف، عليه السلام كتاب أبيه يعقوب، بكى بكاءً شديداً، وصاح بأعلى صوته: ﴿ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [يوسف: ٩٣]: فكان البشير إليهم يهوذ[ا] ابن يعقوب. وقيل: إن يوسف لما قرأ كتاب أبيه يعقوب ارتعدت فرائصه، واقشعر جلده، ولان قلبه، وبكى، ثم أعلمهم بنفسه.
* *
قوله: ﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ﴾. وفي الكلام حذف. والمعنى: فخرجوا إلى مصر، فلما دخلوا على يوسف، قالوا: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: الممتنع: ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ﴾: من الشدة، والجدب. فخضعوا له،. وتواضعوا.
قال ابن إسحاق: خرجوا ببضاعة لا تبلغ ما يريدون من الميرة، إلا أن يتجاوز لهم فيها، فقالوا: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ﴾: أي: بدراهم لا تجوز في ثمن الطعام إلا بالمسامحة.
قال ابن عباس: مزجاة: دراهم زيوف.
وقال ابن أبي مليكة: مزجاة، خلق الغرائر: والمتاع الحقير.
"مزجاة: يعني: قليلة، إما لأنه متاع البادية لا يصلح للملوك، وإما لأنه قال مزجاة تحتقر في كل مكان. وقد فسرها بعضهم بأنها البطم والصنوبر. والبطم: هو الحبة الخضراء.
﴿فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ﴾: فكان يوسف هو الذي يكيل، إشارة إلى أن الكيل والوزن على البائع.
وقيل: أتوا بالسمن، والصوف.
وقال أبو صالح: أتوا بالحبة الخضراء، والصنوبر.
وقال الضحاك: مزجاة: كاسدة، وأصله من التزجية، وهي الدفع، والسوق، فكأنها بضاعة تدفع، ولا يقبلها كل أحد. يقال: فلان يزجي العيش: أي: يدافع وعن مالك رضي الله عنه أن المزجاة هنا: الجائزة في كل موضع. واحتج (مالك) في (أن) أجرة الكيال والوزان على البائع بقولهم: ﴿فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ﴾.
* *
ثم قال: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ﴾: أي تفضل علينا، ما بين الجياد والرديئة.
وقيل: المعنى: لا تنقصنا من السعر من أجل رداءة دراهمنا.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِي ٱلْمُتَصَدِّقِينَ﴾: أي: يثيب المتفضلين.
وقد اختلف الناس في الصدقة على الأنبياء. فقيل: إنها كانت حلالاً، ثم حرمت على النبي محمد ﷺ.
وقيل: كـ(ـانت) حراماً على جميع الأنبياء.
(وقيل): إنما سأل هؤلاء المسامحة، لا الصدقة بعينها.
وقيل: إنهم أرادوا بقولهم: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ﴾: أي: تصدق علينا برد أخينا إلينا، قاله ابن جريج.
قال السدي، عن أبيه لما دخل إخوة يوسف على يوسف. وكان أكبرهم إذا غضب قامت شعرةٌ (من عنده)، وانبعثت دماً فلا تزال كذلك حتى يمسه بعض ولد يعقوب. قال: فكلمه يوسف، وعرف يوسف أنه أغضبه فانبعثت الشعرة دماً، أمر يوسف أخاه أن يدنو منه فيمسه، ففعل فانقطع الدم، ثم فعل ذلك مرة أخرى، فعند ذلك تعارفوا.
قال ابن إسحاق: بلغني أنه لما كلموه بهذا الكلام، فقالوا: ﴿تَصَدَّقْ عَلَيْنَآ﴾ غلبته نفسه، فارفضَّ دمعه باكياً، ثم باح لهم بالذي كان يكتم، فقال (لهم): ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ﴾: أي جاهلون بعاقبة ما تفعلون.
وقيل: المعنى: إذ أنتم صغار، جهال قالوا له: ﴿أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ﴾ فقال: نعم ﴿أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـٰذَا أَخِي قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ﴾ بأن جمعنا بعدما فرقتم بيننا. ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ (ٱللَّهَ) وَيَِصْبِرْ﴾: أي: يتقي معصية الله، ويصبر على السجن.
قال ابن إسحاق: لما قال لهم: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾.
كشف لهم عن الخطأ فعرفوه.
﴿قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا﴾: أي: فضلك بالعلم والحلم.
وما كنا في فعلنا إلا خاطئين. يقال: خطئ يخطأ: إذا أتى الخطيئة عالماً [بها]، وأخطأ يخطئ إذا قصد شيئاً، فأصاب غيره، غير متعمد للخطأ. قال لهم يوسف: ﴿لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ﴾: أي: لا تغيير عليكم ولا إفساد لما بيني وبينكم من الحرمة، وحق الأخوة. ولكن لكم عندي العفو والصفح.
﴿لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾، تمام عند الأخفش، ثم تبتدأ: ﴿ٱلْيَوْمَ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾ على الدعاء، وعند نافع وغيره: ﴿عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ﴾: التمام. وهو أحسن وأبين.
يوسف 12:93
قوله: ﴿ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي﴾ إلى قوله ﴿مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ المعنى: أن يوسف لما أعلم إخوته بنفسه سألهم عن حال أبيهم، فقالوا: ذهب بصره من الحزن، فعند ذلك أعطاهم قميصه، وأمرهم أن يلقوه على وجه أبيهم.
﴿يَأْتِ بَصِيراً﴾: أي: يَعُدْ بصيراً.
﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾: أي: جيئوني بهم.
قيل: إن القميص كان من الجنة كساه الله عز وجل إبراهيم حين ألقي في النار.
* *
وقوله: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ﴾ أي خرجت من مصر، يعني: عير بني يعقوب.
ذكر أن الريح استأذنت ربها في أن تأتي يعقوب بريح يوسف، قبل أن يأتيه البشير، فأذن لها، فأتته [به] من مسيرة ثمان ليال، فقال: ﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾.
* *
وقوله: ﴿لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ﴾، (أي): تسفهون، فتقولون: ذهب عقلك.
وقيل: معناه: لولا أن تكذبون، قاله السدي، والضحاك.
﴿قَالُواْ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ ٱلْقَدِيمِ﴾، أي: في خطئك.
قال له ذلك من بقي من ولده.
ثم قال تعالى: مخبراً لنا عن حال يعقوب إذ جاءه البشير بأمر يوسف: ﴿فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَٱرْتَدَّ بَصِيراً﴾: وكان البشير يهوذا أخا يوسف لأبيه ﷺ.
قال السدي: لما قال يوسف ﴿ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـٰذَا﴾. قال يهوذا بن يعقوب: أنا ذهبت إلى يعقوب بالقميص، مُلَطَخاً بِالدَّم، وقلت له: إن يوسف أكله الذئب. فالآن أذهب أنا بالقميص، فأخبره أنه حي، فأفرحه كما أَحْزَنْتُهُ.
* *
قوله: ﴿أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ﴾: أي: (ألقى) القميص على وجه يعقوب، فعاد بصره، بعدما كان عمي. فقال لمن حضره من ولده: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ (مَا لاَ تَعْلَمُونَ)﴾ إنه سيرد علي ولدي يوسف ويجمع بيني وبينه، وأنتم لا تعلمون من ذلك شيئاً.
وروي أن يعقوب قال للبشير: "هون الله عليك غصص الموت"، كأنه استقال له أن يكافأه بشيء من عرض الدنيا.
وروي أيضاً عن سفيان، أنه قال: لما جاء البشير إلى يعقوب، قال له يعقوب: على أيِّ دين تركته؟ قال: (على دين) الإسلام، قال يعقوب: ألآن تمت النعمة وروي أنه لما التقى يوسف ويعقوب بأرض مصر، قال له يوسف: يا أبت بلغني (عنك) أنك بكيت عليّ حتى ذهب بصرك، وحزنت حتى انحط ظهرك. قال يعقوب: قد كان ذلك يا بني. قال له يوسف: أفما كانت القيامة تجمعني وتجمعك؟ قال يعقوب: بلى، ولكن تخوفت أن تبدل دينك فلا تلقني.
يوسف 12:94
قوله: ﴿ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي﴾ إلى قوله ﴿مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ المعنى: أن يوسف لما أعلم إخوته بنفسه سألهم عن حال أبيهم، فقالوا: ذهب بصره من الحزن، فعند ذلك أعطاهم قميصه، وأمرهم أن يلقوه على وجه أبيهم.
﴿يَأْتِ بَصِيراً﴾: أي: يَعُدْ بصيراً.
﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾: أي: جيئوني بهم.
قيل: إن القميص كان من الجنة كساه الله عز وجل إبراهيم حين ألقي في النار.
* *
وقوله: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ﴾ أي خرجت من مصر، يعني: عير بني يعقوب.
ذكر أن الريح استأذنت ربها في أن تأتي يعقوب بريح يوسف، قبل أن يأتيه البشير، فأذن لها، فأتته [به] من مسيرة ثمان ليال، فقال: ﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾.
* *
وقوله: ﴿لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ﴾، (أي): تسفهون، فتقولون: ذهب عقلك.
وقيل: معناه: لولا أن تكذبون، قاله السدي، والضحاك.
﴿قَالُواْ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ ٱلْقَدِيمِ﴾، أي: في خطئك.
قال له ذلك من بقي من ولده.
ثم قال تعالى: مخبراً لنا عن حال يعقوب إذ جاءه البشير بأمر يوسف: ﴿فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَٱرْتَدَّ بَصِيراً﴾: وكان البشير يهوذا أخا يوسف لأبيه ﷺ.
قال السدي: لما قال يوسف ﴿ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـٰذَا﴾. قال يهوذا بن يعقوب: أنا ذهبت إلى يعقوب بالقميص، مُلَطَخاً بِالدَّم، وقلت له: إن يوسف أكله الذئب. فالآن أذهب أنا بالقميص، فأخبره أنه حي، فأفرحه كما أَحْزَنْتُهُ.
* *
قوله: ﴿أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ﴾: أي: (ألقى) القميص على وجه يعقوب، فعاد بصره، بعدما كان عمي. فقال لمن حضره من ولده: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ (مَا لاَ تَعْلَمُونَ)﴾ إنه سيرد علي ولدي يوسف ويجمع بيني وبينه، وأنتم لا تعلمون من ذلك شيئاً.
وروي أن يعقوب قال للبشير: "هون الله عليك غصص الموت"، كأنه استقال له أن يكافأه بشيء من عرض الدنيا.
وروي أيضاً عن سفيان، أنه قال: لما جاء البشير إلى يعقوب، قال له يعقوب: على أيِّ دين تركته؟ قال: (على دين) الإسلام، قال يعقوب: ألآن تمت النعمة وروي أنه لما التقى يوسف ويعقوب بأرض مصر، قال له يوسف: يا أبت بلغني (عنك) أنك بكيت عليّ حتى ذهب بصرك، وحزنت حتى انحط ظهرك. قال يعقوب: قد كان ذلك يا بني. قال له يوسف: أفما كانت القيامة تجمعني وتجمعك؟ قال يعقوب: بلى، ولكن تخوفت أن تبدل دينك فلا تلقني.
يوسف 12:95
قوله: ﴿ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي﴾ إلى قوله ﴿مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ المعنى: أن يوسف لما أعلم إخوته بنفسه سألهم عن حال أبيهم، فقالوا: ذهب بصره من الحزن، فعند ذلك أعطاهم قميصه، وأمرهم أن يلقوه على وجه أبيهم.
﴿يَأْتِ بَصِيراً﴾: أي: يَعُدْ بصيراً.
﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾: أي: جيئوني بهم.
قيل: إن القميص كان من الجنة كساه الله عز وجل إبراهيم حين ألقي في النار.
* *
وقوله: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ﴾ أي خرجت من مصر، يعني: عير بني يعقوب.
ذكر أن الريح استأذنت ربها في أن تأتي يعقوب بريح يوسف، قبل أن يأتيه البشير، فأذن لها، فأتته [به] من مسيرة ثمان ليال، فقال: ﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾.
* *
وقوله: ﴿لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ﴾، (أي): تسفهون، فتقولون: ذهب عقلك.
وقيل: معناه: لولا أن تكذبون، قاله السدي، والضحاك.
﴿قَالُواْ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ ٱلْقَدِيمِ﴾، أي: في خطئك.
قال له ذلك من بقي من ولده.
ثم قال تعالى: مخبراً لنا عن حال يعقوب إذ جاءه البشير بأمر يوسف: ﴿فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَٱرْتَدَّ بَصِيراً﴾: وكان البشير يهوذا أخا يوسف لأبيه ﷺ.
قال السدي: لما قال يوسف ﴿ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـٰذَا﴾. قال يهوذا بن يعقوب: أنا ذهبت إلى يعقوب بالقميص، مُلَطَخاً بِالدَّم، وقلت له: إن يوسف أكله الذئب. فالآن أذهب أنا بالقميص، فأخبره أنه حي، فأفرحه كما أَحْزَنْتُهُ.
* *
قوله: ﴿أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ﴾: أي: (ألقى) القميص على وجه يعقوب، فعاد بصره، بعدما كان عمي. فقال لمن حضره من ولده: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ (مَا لاَ تَعْلَمُونَ)﴾ إنه سيرد علي ولدي يوسف ويجمع بيني وبينه، وأنتم لا تعلمون من ذلك شيئاً.
وروي أن يعقوب قال للبشير: "هون الله عليك غصص الموت"، كأنه استقال له أن يكافأه بشيء من عرض الدنيا.
وروي أيضاً عن سفيان، أنه قال: لما جاء البشير إلى يعقوب، قال له يعقوب: على أيِّ دين تركته؟ قال: (على دين) الإسلام، قال يعقوب: ألآن تمت النعمة وروي أنه لما التقى يوسف ويعقوب بأرض مصر، قال له يوسف: يا أبت بلغني (عنك) أنك بكيت عليّ حتى ذهب بصرك، وحزنت حتى انحط ظهرك. قال يعقوب: قد كان ذلك يا بني. قال له يوسف: أفما كانت القيامة تجمعني وتجمعك؟ قال يعقوب: بلى، ولكن تخوفت أن تبدل دينك فلا تلقني.
يوسف 12:96
قوله: ﴿ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي﴾ إلى قوله ﴿مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ المعنى: أن يوسف لما أعلم إخوته بنفسه سألهم عن حال أبيهم، فقالوا: ذهب بصره من الحزن، فعند ذلك أعطاهم قميصه، وأمرهم أن يلقوه على وجه أبيهم.
﴿يَأْتِ بَصِيراً﴾: أي: يَعُدْ بصيراً.
﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾: أي: جيئوني بهم.
قيل: إن القميص كان من الجنة كساه الله عز وجل إبراهيم حين ألقي في النار.
* *
وقوله: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ﴾ أي خرجت من مصر، يعني: عير بني يعقوب.
ذكر أن الريح استأذنت ربها في أن تأتي يعقوب بريح يوسف، قبل أن يأتيه البشير، فأذن لها، فأتته [به] من مسيرة ثمان ليال، فقال: ﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾.
* *
وقوله: ﴿لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ﴾، (أي): تسفهون، فتقولون: ذهب عقلك.
وقيل: معناه: لولا أن تكذبون، قاله السدي، والضحاك.
﴿قَالُواْ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ ٱلْقَدِيمِ﴾، أي: في خطئك.
قال له ذلك من بقي من ولده.
ثم قال تعالى: مخبراً لنا عن حال يعقوب إذ جاءه البشير بأمر يوسف: ﴿فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَٱرْتَدَّ بَصِيراً﴾: وكان البشير يهوذا أخا يوسف لأبيه ﷺ.
قال السدي: لما قال يوسف ﴿ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـٰذَا﴾. قال يهوذا بن يعقوب: أنا ذهبت إلى يعقوب بالقميص، مُلَطَخاً بِالدَّم، وقلت له: إن يوسف أكله الذئب. فالآن أذهب أنا بالقميص، فأخبره أنه حي، فأفرحه كما أَحْزَنْتُهُ.
* *
قوله: ﴿أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ﴾: أي: (ألقى) القميص على وجه يعقوب، فعاد بصره، بعدما كان عمي. فقال لمن حضره من ولده: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ (مَا لاَ تَعْلَمُونَ)﴾ إنه سيرد علي ولدي يوسف ويجمع بيني وبينه، وأنتم لا تعلمون من ذلك شيئاً.
وروي أن يعقوب قال للبشير: "هون الله عليك غصص الموت"، كأنه استقال له أن يكافأه بشيء من عرض الدنيا.
وروي أيضاً عن سفيان، أنه قال: لما جاء البشير إلى يعقوب، قال له يعقوب: على أيِّ دين تركته؟ قال: (على دين) الإسلام، قال يعقوب: ألآن تمت النعمة وروي أنه لما التقى يوسف ويعقوب بأرض مصر، قال له يوسف: يا أبت بلغني (عنك) أنك بكيت عليّ حتى ذهب بصرك، وحزنت حتى انحط ظهرك. قال يعقوب: قد كان ذلك يا بني. قال له يوسف: أفما كانت القيامة تجمعني وتجمعك؟ قال يعقوب: بلى، ولكن تخوفت أن تبدل دينك فلا تلقني.
يوسف 12:97
قوله: ﴿قَالُواْ يٰأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾ المعنى: قال له ولده: يا أبانا! استغفر لنا ذنوبنا، أي: اسأل الله يستر علينا (ذنوبنا).
﴿إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾: أي: في فعلنا. قال لهم يعقوب: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيۤ إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾، قيل: إنما أخر الاستغفار (لهم) إلى السحر.
وقيل: أخره إلى صلاة الليل، (و) قيل: أخر ذلك إلى ليلة الجمعة.
روي ذلك عن ابن عباس، عن النبي عليه السلام.
* *
ومعنى ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾: هو الساتر ذنوب من تاب إليه، الرحيم بهم أن يعذبهم عليها بعد توبتهم منها إليه.
روي عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، أنه قال: إن الله (عز وجل) لما جمع ليعقوب شمله، وأقر عينه، تذكر إخوة يوسف ما صنعوا بأخيهم، وبأبيهم (و) قالوا: إن كنا قد غفر لنا ما صنعنا، فكيف (لنا) بعفو ربنا؟ فاجتمعوا، وأتوا الشيخ. ويوسف إلى جنب أبيه، وقالوا: يا أبانا! أتيناك في أمر لم نَأْتِكَ في مثله قط. فرحمهم الشيخ، والأنبياء أرحم البرية، فقال: ما بكم يا بني؟ قالوا له: قد علمت ما كان منا إليك، وإلى أخينا يوسف، وقد غفرت مالنا، وعفوكما لا يغني عنا شيئاً إن كان الله (عز وجل) لم يعف عنا. ونريد أن تَدْعُوَ الله (لنا). فإذا جاءك الوحي بأنه قد عفا عنا قرت أعيننا, وإلا فلا قرت لنا عين في الدنيا. فقام الشيخ، واستقبل القبلة، وقام يوسف خلف أبيه، وقاموا خلفهما أذلة خاشعين. فدعا، وأمّنَ يوسف، فلم يُجَب فيهم إلى عشرين سنة. فلما كان رأس العشرين سنة نزل جبريل على يعقوب، فقال له: إن الله عز وجل، بعثني إليك، (أبشرك) بأنه قد (أ)جاب دعوتك في ولدك، وإنه عفا عما صنعوا.
* *
وقوله: ﴿ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ﴾ إنما قال لهم يوسف ذلك بعد أن دخلوا عليه، وآوى يوسف إليه أبويه. فمعنى ذلك أن يوسف تلقى أباه، تكرمة له، قبل دخوله مصر، فآوى يوسف إليه أبويه: أي: ضمهما وقال لأبيه ومن معه: ﴿ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ﴾.
"كما ورد (أنهم) قاموا عشرين سنة، لا يقبل ذلك منهم، حتى لقي جبريل يعقوب، عليهما السلام. فعلّمه هذا الدعاء: يا رجاء المؤمنين! لا تخيب رجائي، يا غوث المؤمنين أغثني، يا حبيب التائبين تب عَلَيَّ، فاستجيب لهم. قال لهم يوسف ذلك بعد أن دخلوها عليهم، لأنهم (فيما) ذكر السدي: تحملوا إلى يوسف بأهليهم وعيالهم، لأنه قال لهم: ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [يوسف: ٩٣] فلما قربوا من مصر كلم يوسف الملك الذي فوقه، أن يخرج هو والملـ(ـو)ك معه يتلقونهم. فلما دنا يوسف من يعقوب، ويعقوب يتمشى، وهو يتكئ على يهوذا ولده. بدأه يعقوب بالسلام، وقال: السلام عليك يا ذاهباً بالأحزان عني.
وقيل: إن قوله إن شاء الله إنما هو استثناء من قول يعقوب لبنيه: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيۤ﴾ ﴿إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ﴾، ففي التلاوة تقديم وتأخير. وهو قول ابن جريج.
فأما قوله: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ﴾ فإن السدي، قال: هما أبوه وخالته، وذلك أن أم يوسف ماتت، فتزوج يعقوب [بعدها] أختها، وهي خالة يوسف.
وقال ابن إسحاق: هما أبوه وأمه، ولم تكن أمه ماتت. وهذا القول اختيار الطبري.
ومعنى: ﴿آمِنِينَ﴾: أي آمنين مما كنتم فيه في باديتكم من الجدب والقحط. والعرش: السرير في قول السدي، ومجاهد، والضحاك وقتادة، وابن عباس. وقال ابن زيد: هو مجلسه.
* *
وقوله: ﴿وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً﴾: قيل: المعنى إن أبا يوسف وأمه (وإخوته) خروا سجّداً ليوسف. وكان تحية القوم في ذلك الوقت السجود، قاله سفيان، وابن جريج، والضحاك، وقتادة، وهو مثل: "السلام عليكم" في هذه الأمة. جعل لهم عوضاً من السجود الذي كان تحية من قبلهم.
وقيل: كان ذلك انحناء، ولم يكن سقوطاً على الأرض. جعل الله منه السلام، والمصافحة عوضاً، كرامة من الله عز وجل لهذه الأمة، وهي تحية أهل الجَنَّة.
وقال ابن سحاق: الهاء في "له" لله، والمعنى: خرُّوا لله سجداً. وقوله: ﴿هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ﴾: أي: قال يوسف لأبيه: يا أبت! هذا السجود الذي سجدتموه لي الساعة، (هو) تأويل ما رأيته، وأنا صبي: إذ رأيت أحد عشر كوكباً، والشمس والقمر ساجدين لي: فالأحد عشر (كوكباً) إخوته، والشمس أمه، والقمر أبوه. ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً﴾: وكان بين رؤيا يوسف، وتأويلها أربعون سنة. وقيل: ثمانون سنة، قاله الحسن، قال: كان بين أن فارَقَ يعقوب يوسف (إلى أن اجتمعا ثمانون سنة)، لم يفارق الحزن قلب يعقوب، ولا الدمع خديه، ولم يكن على وجه الأرض يومئذ عبدٌ أحبَّ إلى الله عز وجل، من يعقوب. وألقي يوسف في الجب، وهو ابن سبع عشر[ة] سنة، ومات بعد التقائه بيعقوب بثلاثة وعشرين سنة. ومات يوسف، وهو ابن مائة واثنتين وعشرين سنة.
وقال ابن إسحاق: كان بين افتراق يوسف، ويعقوب إلى أن اجتمعا، ثماني عشرة سنة، وأهل الكتاب يزعمون أن مدة الافتراق بينهما أربعون سنة. وأن يعقوب بقي مع يوسف بعد أن اجتمع به سبع عشر[ة] سنة، ثم قبضه الله عز وجل إليه.
* *
قوله: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بَيۤ﴾: معناه: أحسن الله بي، إذ أخرجني من السجن، وفي مجيئه بكم من البدو. وكان مسكن يعقوب وولده في قول قتادة بأرض كنعان: أهل مواش وبرية والبدو مصدر: بدا فلان، إذا صار بالبادية.
وروى أهل التواريخ أن يعقوب عليه السلام دخل مصر يوم دخلها هو، وأولاده، وأهلوهم، وبنوهم في أقل من مائة، وخرجوا منها يوم خرجوا، إذ أخرجهم فرعون، وهم أكثر من ستمائة ألف، فقال فرعون: ﴿إِنَّ هَـٰؤُلاۤءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: ٥٤].
وقال ابن مسعود: "دخل بنو إسرائيل مصر، وهم ثلاثة وستون إنساناً، وخرجوا منها وهم ستمائة ألف".
وحكى الطبري، وغيره أن يعقوب إنما سمي إسرائيل، لأن أخاه العَيْصُ تواعد(ه) بالقتل، فخرج فراراً منه، فسرى الليل، وكمن النهار. فسمي إسرائيل، لسريه بالليل.
وقيل: إن إسرائيل اسم عبراني تفسيره: عبد الله.
وروى عاصم العمري أن يعقوب (على نبينا) عليه السلام، قال: يا رب! أذهبت بصري، وأذهبت ولدي، فما ترحمني؟ قال: بلى، وعزتي! إني لأرحمك، ولأردَّنَّ عليك بصرك، ولو كنت أمت ولدك، لأردنه عليك. إنما ابتليتك بهذه البلية أنك ذبحت جملاً، فوجد جارك ريحه فلم تطعمه منه. فكان منادي آل يعقوب إذا أصبح نادى في الناس: من كان مفطراً فليتغد عند آل يعقوب، ومن كان منكم صائماً فليفطر عند آل يعقوب.
يوسف 12:98
قوله: ﴿قَالُواْ يٰأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾ المعنى: قال له ولده: يا أبانا! استغفر لنا ذنوبنا، أي: اسأل الله يستر علينا (ذنوبنا).
﴿إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾: أي: في فعلنا. قال لهم يعقوب: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيۤ إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾، قيل: إنما أخر الاستغفار (لهم) إلى السحر.
وقيل: أخره إلى صلاة الليل، (و) قيل: أخر ذلك إلى ليلة الجمعة.
روي ذلك عن ابن عباس، عن النبي عليه السلام.
* *
ومعنى ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾: هو الساتر ذنوب من تاب إليه، الرحيم بهم أن يعذبهم عليها بعد توبتهم منها إليه.
روي عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، أنه قال: إن الله (عز وجل) لما جمع ليعقوب شمله، وأقر عينه، تذكر إخوة يوسف ما صنعوا بأخيهم، وبأبيهم (و) قالوا: إن كنا قد غفر لنا ما صنعنا، فكيف (لنا) بعفو ربنا؟ فاجتمعوا، وأتوا الشيخ. ويوسف إلى جنب أبيه، وقالوا: يا أبانا! أتيناك في أمر لم نَأْتِكَ في مثله قط. فرحمهم الشيخ، والأنبياء أرحم البرية، فقال: ما بكم يا بني؟ قالوا له: قد علمت ما كان منا إليك، وإلى أخينا يوسف، وقد غفرت مالنا، وعفوكما لا يغني عنا شيئاً إن كان الله (عز وجل) لم يعف عنا. ونريد أن تَدْعُوَ الله (لنا). فإذا جاءك الوحي بأنه قد عفا عنا قرت أعيننا, وإلا فلا قرت لنا عين في الدنيا. فقام الشيخ، واستقبل القبلة، وقام يوسف خلف أبيه، وقاموا خلفهما أذلة خاشعين. فدعا، وأمّنَ يوسف، فلم يُجَب فيهم إلى عشرين سنة. فلما كان رأس العشرين سنة نزل جبريل على يعقوب، فقال له: إن الله عز وجل، بعثني إليك، (أبشرك) بأنه قد (أ)جاب دعوتك في ولدك، وإنه عفا عما صنعوا.
* *
وقوله: ﴿ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ﴾ إنما قال لهم يوسف ذلك بعد أن دخلوا عليه، وآوى يوسف إليه أبويه. فمعنى ذلك أن يوسف تلقى أباه، تكرمة له، قبل دخوله مصر، فآوى يوسف إليه أبويه: أي: ضمهما وقال لأبيه ومن معه: ﴿ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ﴾.
"كما ورد (أنهم) قاموا عشرين سنة، لا يقبل ذلك منهم، حتى لقي جبريل يعقوب، عليهما السلام. فعلّمه هذا الدعاء: يا رجاء المؤمنين! لا تخيب رجائي، يا غوث المؤمنين أغثني، يا حبيب التائبين تب عَلَيَّ، فاستجيب لهم. قال لهم يوسف ذلك بعد أن دخلوها عليهم، لأنهم (فيما) ذكر السدي: تحملوا إلى يوسف بأهليهم وعيالهم، لأنه قال لهم: ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [يوسف: ٩٣] فلما قربوا من مصر كلم يوسف الملك الذي فوقه، أن يخرج هو والملـ(ـو)ك معه يتلقونهم. فلما دنا يوسف من يعقوب، ويعقوب يتمشى، وهو يتكئ على يهوذا ولده. بدأه يعقوب بالسلام، وقال: السلام عليك يا ذاهباً بالأحزان عني.
وقيل: إن قوله إن شاء الله إنما هو استثناء من قول يعقوب لبنيه: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيۤ﴾ ﴿إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ﴾، ففي التلاوة تقديم وتأخير. وهو قول ابن جريج.
فأما قوله: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ﴾ فإن السدي، قال: هما أبوه وخالته، وذلك أن أم يوسف ماتت، فتزوج يعقوب [بعدها] أختها، وهي خالة يوسف.
وقال ابن إسحاق: هما أبوه وأمه، ولم تكن أمه ماتت. وهذا القول اختيار الطبري.
ومعنى: ﴿آمِنِينَ﴾: أي آمنين مما كنتم فيه في باديتكم من الجدب والقحط. والعرش: السرير في قول السدي، ومجاهد، والضحاك وقتادة، وابن عباس. وقال ابن زيد: هو مجلسه.
* *
وقوله: ﴿وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً﴾: قيل: المعنى إن أبا يوسف وأمه (وإخوته) خروا سجّداً ليوسف. وكان تحية القوم في ذلك الوقت السجود، قاله سفيان، وابن جريج، والضحاك، وقتادة، وهو مثل: "السلام عليكم" في هذه الأمة. جعل لهم عوضاً من السجود الذي كان تحية من قبلهم.
وقيل: كان ذلك انحناء، ولم يكن سقوطاً على الأرض. جعل الله منه السلام، والمصافحة عوضاً، كرامة من الله عز وجل لهذه الأمة، وهي تحية أهل الجَنَّة.
وقال ابن سحاق: الهاء في "له" لله، والمعنى: خرُّوا لله سجداً. وقوله: ﴿هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ﴾: أي: قال يوسف لأبيه: يا أبت! هذا السجود الذي سجدتموه لي الساعة، (هو) تأويل ما رأيته، وأنا صبي: إذ رأيت أحد عشر كوكباً، والشمس والقمر ساجدين لي: فالأحد عشر (كوكباً) إخوته، والشمس أمه، والقمر أبوه. ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً﴾: وكان بين رؤيا يوسف، وتأويلها أربعون سنة. وقيل: ثمانون سنة، قاله الحسن، قال: كان بين أن فارَقَ يعقوب يوسف (إلى أن اجتمعا ثمانون سنة)، لم يفارق الحزن قلب يعقوب، ولا الدمع خديه، ولم يكن على وجه الأرض يومئذ عبدٌ أحبَّ إلى الله عز وجل، من يعقوب. وألقي يوسف في الجب، وهو ابن سبع عشر[ة] سنة، ومات بعد التقائه بيعقوب بثلاثة وعشرين سنة. ومات يوسف، وهو ابن مائة واثنتين وعشرين سنة.
وقال ابن إسحاق: كان بين افتراق يوسف، ويعقوب إلى أن اجتمعا، ثماني عشرة سنة، وأهل الكتاب يزعمون أن مدة الافتراق بينهما أربعون سنة. وأن يعقوب بقي مع يوسف بعد أن اجتمع به سبع عشر[ة] سنة، ثم قبضه الله عز وجل إليه.
* *
قوله: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بَيۤ﴾: معناه: أحسن الله بي، إذ أخرجني من السجن، وفي مجيئه بكم من البدو. وكان مسكن يعقوب وولده في قول قتادة بأرض كنعان: أهل مواش وبرية والبدو مصدر: بدا فلان، إذا صار بالبادية.
وروى أهل التواريخ أن يعقوب عليه السلام دخل مصر يوم دخلها هو، وأولاده، وأهلوهم، وبنوهم في أقل من مائة، وخرجوا منها يوم خرجوا، إذ أخرجهم فرعون، وهم أكثر من ستمائة ألف، فقال فرعون: ﴿إِنَّ هَـٰؤُلاۤءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: ٥٤].
وقال ابن مسعود: "دخل بنو إسرائيل مصر، وهم ثلاثة وستون إنساناً، وخرجوا منها وهم ستمائة ألف".
وحكى الطبري، وغيره أن يعقوب إنما سمي إسرائيل، لأن أخاه العَيْصُ تواعد(ه) بالقتل، فخرج فراراً منه، فسرى الليل، وكمن النهار. فسمي إسرائيل، لسريه بالليل.
وقيل: إن إسرائيل اسم عبراني تفسيره: عبد الله.
وروى عاصم العمري أن يعقوب (على نبينا) عليه السلام، قال: يا رب! أذهبت بصري، وأذهبت ولدي، فما ترحمني؟ قال: بلى، وعزتي! إني لأرحمك، ولأردَّنَّ عليك بصرك، ولو كنت أمت ولدك، لأردنه عليك. إنما ابتليتك بهذه البلية أنك ذبحت جملاً، فوجد جارك ريحه فلم تطعمه منه. فكان منادي آل يعقوب إذا أصبح نادى في الناس: من كان مفطراً فليتغد عند آل يعقوب، ومن كان منكم صائماً فليفطر عند آل يعقوب.
يوسف 12:99
قوله: ﴿قَالُواْ يٰأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾ المعنى: قال له ولده: يا أبانا! استغفر لنا ذنوبنا، أي: اسأل الله يستر علينا (ذنوبنا).
﴿إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾: أي: في فعلنا. قال لهم يعقوب: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيۤ إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾، قيل: إنما أخر الاستغفار (لهم) إلى السحر.
وقيل: أخره إلى صلاة الليل، (و) قيل: أخر ذلك إلى ليلة الجمعة.
روي ذلك عن ابن عباس، عن النبي عليه السلام.
* *
ومعنى ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾: هو الساتر ذنوب من تاب إليه، الرحيم بهم أن يعذبهم عليها بعد توبتهم منها إليه.
روي عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، أنه قال: إن الله (عز وجل) لما جمع ليعقوب شمله، وأقر عينه، تذكر إخوة يوسف ما صنعوا بأخيهم، وبأبيهم (و) قالوا: إن كنا قد غفر لنا ما صنعنا، فكيف (لنا) بعفو ربنا؟ فاجتمعوا، وأتوا الشيخ. ويوسف إلى جنب أبيه، وقالوا: يا أبانا! أتيناك في أمر لم نَأْتِكَ في مثله قط. فرحمهم الشيخ، والأنبياء أرحم البرية، فقال: ما بكم يا بني؟ قالوا له: قد علمت ما كان منا إليك، وإلى أخينا يوسف، وقد غفرت مالنا، وعفوكما لا يغني عنا شيئاً إن كان الله (عز وجل) لم يعف عنا. ونريد أن تَدْعُوَ الله (لنا). فإذا جاءك الوحي بأنه قد عفا عنا قرت أعيننا, وإلا فلا قرت لنا عين في الدنيا. فقام الشيخ، واستقبل القبلة، وقام يوسف خلف أبيه، وقاموا خلفهما أذلة خاشعين. فدعا، وأمّنَ يوسف، فلم يُجَب فيهم إلى عشرين سنة. فلما كان رأس العشرين سنة نزل جبريل على يعقوب، فقال له: إن الله عز وجل، بعثني إليك، (أبشرك) بأنه قد (أ)جاب دعوتك في ولدك، وإنه عفا عما صنعوا.
* *
وقوله: ﴿ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ﴾ إنما قال لهم يوسف ذلك بعد أن دخلوا عليه، وآوى يوسف إليه أبويه. فمعنى ذلك أن يوسف تلقى أباه، تكرمة له، قبل دخوله مصر، فآوى يوسف إليه أبويه: أي: ضمهما وقال لأبيه ومن معه: ﴿ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ﴾.
"كما ورد (أنهم) قاموا عشرين سنة، لا يقبل ذلك منهم، حتى لقي جبريل يعقوب، عليهما السلام. فعلّمه هذا الدعاء: يا رجاء المؤمنين! لا تخيب رجائي، يا غوث المؤمنين أغثني، يا حبيب التائبين تب عَلَيَّ، فاستجيب لهم. قال لهم يوسف ذلك بعد أن دخلوها عليهم، لأنهم (فيما) ذكر السدي: تحملوا إلى يوسف بأهليهم وعيالهم، لأنه قال لهم: ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [يوسف: ٩٣] فلما قربوا من مصر كلم يوسف الملك الذي فوقه، أن يخرج هو والملـ(ـو)ك معه يتلقونهم. فلما دنا يوسف من يعقوب، ويعقوب يتمشى، وهو يتكئ على يهوذا ولده. بدأه يعقوب بالسلام، وقال: السلام عليك يا ذاهباً بالأحزان عني.
وقيل: إن قوله إن شاء الله إنما هو استثناء من قول يعقوب لبنيه: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيۤ﴾ ﴿إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ﴾، ففي التلاوة تقديم وتأخير. وهو قول ابن جريج.
فأما قوله: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ﴾ فإن السدي، قال: هما أبوه وخالته، وذلك أن أم يوسف ماتت، فتزوج يعقوب [بعدها] أختها، وهي خالة يوسف.
وقال ابن إسحاق: هما أبوه وأمه، ولم تكن أمه ماتت. وهذا القول اختيار الطبري.
ومعنى: ﴿آمِنِينَ﴾: أي آمنين مما كنتم فيه في باديتكم من الجدب والقحط. والعرش: السرير في قول السدي، ومجاهد، والضحاك وقتادة، وابن عباس. وقال ابن زيد: هو مجلسه.
* *
وقوله: ﴿وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً﴾: قيل: المعنى إن أبا يوسف وأمه (وإخوته) خروا سجّداً ليوسف. وكان تحية القوم في ذلك الوقت السجود، قاله سفيان، وابن جريج، والضحاك، وقتادة، وهو مثل: "السلام عليكم" في هذه الأمة. جعل لهم عوضاً من السجود الذي كان تحية من قبلهم.
وقيل: كان ذلك انحناء، ولم يكن سقوطاً على الأرض. جعل الله منه السلام، والمصافحة عوضاً، كرامة من الله عز وجل لهذه الأمة، وهي تحية أهل الجَنَّة.
وقال ابن سحاق: الهاء في "له" لله، والمعنى: خرُّوا لله سجداً. وقوله: ﴿هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ﴾: أي: قال يوسف لأبيه: يا أبت! هذا السجود الذي سجدتموه لي الساعة، (هو) تأويل ما رأيته، وأنا صبي: إذ رأيت أحد عشر كوكباً، والشمس والقمر ساجدين لي: فالأحد عشر (كوكباً) إخوته، والشمس أمه، والقمر أبوه. ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً﴾: وكان بين رؤيا يوسف، وتأويلها أربعون سنة. وقيل: ثمانون سنة، قاله الحسن، قال: كان بين أن فارَقَ يعقوب يوسف (إلى أن اجتمعا ثمانون سنة)، لم يفارق الحزن قلب يعقوب، ولا الدمع خديه، ولم يكن على وجه الأرض يومئذ عبدٌ أحبَّ إلى الله عز وجل، من يعقوب. وألقي يوسف في الجب، وهو ابن سبع عشر[ة] سنة، ومات بعد التقائه بيعقوب بثلاثة وعشرين سنة. ومات يوسف، وهو ابن مائة واثنتين وعشرين سنة.
وقال ابن إسحاق: كان بين افتراق يوسف، ويعقوب إلى أن اجتمعا، ثماني عشرة سنة، وأهل الكتاب يزعمون أن مدة الافتراق بينهما أربعون سنة. وأن يعقوب بقي مع يوسف بعد أن اجتمع به سبع عشر[ة] سنة، ثم قبضه الله عز وجل إليه.
* *
قوله: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بَيۤ﴾: معناه: أحسن الله بي، إذ أخرجني من السجن، وفي مجيئه بكم من البدو. وكان مسكن يعقوب وولده في قول قتادة بأرض كنعان: أهل مواش وبرية والبدو مصدر: بدا فلان، إذا صار بالبادية.
وروى أهل التواريخ أن يعقوب عليه السلام دخل مصر يوم دخلها هو، وأولاده، وأهلوهم، وبنوهم في أقل من مائة، وخرجوا منها يوم خرجوا، إذ أخرجهم فرعون، وهم أكثر من ستمائة ألف، فقال فرعون: ﴿إِنَّ هَـٰؤُلاۤءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: ٥٤].
وقال ابن مسعود: "دخل بنو إسرائيل مصر، وهم ثلاثة وستون إنساناً، وخرجوا منها وهم ستمائة ألف".
وحكى الطبري، وغيره أن يعقوب إنما سمي إسرائيل، لأن أخاه العَيْصُ تواعد(ه) بالقتل، فخرج فراراً منه، فسرى الليل، وكمن النهار. فسمي إسرائيل، لسريه بالليل.
وقيل: إن إسرائيل اسم عبراني تفسيره: عبد الله.
وروى عاصم العمري أن يعقوب (على نبينا) عليه السلام، قال: يا رب! أذهبت بصري، وأذهبت ولدي، فما ترحمني؟ قال: بلى، وعزتي! إني لأرحمك، ولأردَّنَّ عليك بصرك، ولو كنت أمت ولدك، لأردنه عليك. إنما ابتليتك بهذه البلية أنك ذبحت جملاً، فوجد جارك ريحه فلم تطعمه منه. فكان منادي آل يعقوب إذا أصبح نادى في الناس: من كان مفطراً فليتغد عند آل يعقوب، ومن كان منكم صائماً فليفطر عند آل يعقوب.
يوسف 12:100
قوله: ﴿قَالُواْ يٰأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾ المعنى: قال له ولده: يا أبانا! استغفر لنا ذنوبنا، أي: اسأل الله يستر علينا (ذنوبنا).
﴿إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾: أي: في فعلنا. قال لهم يعقوب: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيۤ إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾، قيل: إنما أخر الاستغفار (لهم) إلى السحر.
وقيل: أخره إلى صلاة الليل، (و) قيل: أخر ذلك إلى ليلة الجمعة.
روي ذلك عن ابن عباس، عن النبي عليه السلام.
* *
ومعنى ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾: هو الساتر ذنوب من تاب إليه، الرحيم بهم أن يعذبهم عليها بعد توبتهم منها إليه.
روي عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، أنه قال: إن الله (عز وجل) لما جمع ليعقوب شمله، وأقر عينه، تذكر إخوة يوسف ما صنعوا بأخيهم، وبأبيهم (و) قالوا: إن كنا قد غفر لنا ما صنعنا، فكيف (لنا) بعفو ربنا؟ فاجتمعوا، وأتوا الشيخ. ويوسف إلى جنب أبيه، وقالوا: يا أبانا! أتيناك في أمر لم نَأْتِكَ في مثله قط. فرحمهم الشيخ، والأنبياء أرحم البرية، فقال: ما بكم يا بني؟ قالوا له: قد علمت ما كان منا إليك، وإلى أخينا يوسف، وقد غفرت مالنا، وعفوكما لا يغني عنا شيئاً إن كان الله (عز وجل) لم يعف عنا. ونريد أن تَدْعُوَ الله (لنا). فإذا جاءك الوحي بأنه قد عفا عنا قرت أعيننا, وإلا فلا قرت لنا عين في الدنيا. فقام الشيخ، واستقبل القبلة، وقام يوسف خلف أبيه، وقاموا خلفهما أذلة خاشعين. فدعا، وأمّنَ يوسف، فلم يُجَب فيهم إلى عشرين سنة. فلما كان رأس العشرين سنة نزل جبريل على يعقوب، فقال له: إن الله عز وجل، بعثني إليك، (أبشرك) بأنه قد (أ)جاب دعوتك في ولدك، وإنه عفا عما صنعوا.
* *
وقوله: ﴿ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ﴾ إنما قال لهم يوسف ذلك بعد أن دخلوا عليه، وآوى يوسف إليه أبويه. فمعنى ذلك أن يوسف تلقى أباه، تكرمة له، قبل دخوله مصر، فآوى يوسف إليه أبويه: أي: ضمهما وقال لأبيه ومن معه: ﴿ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ﴾.
"كما ورد (أنهم) قاموا عشرين سنة، لا يقبل ذلك منهم، حتى لقي جبريل يعقوب، عليهما السلام. فعلّمه هذا الدعاء: يا رجاء المؤمنين! لا تخيب رجائي، يا غوث المؤمنين أغثني، يا حبيب التائبين تب عَلَيَّ، فاستجيب لهم. قال لهم يوسف ذلك بعد أن دخلوها عليهم، لأنهم (فيما) ذكر السدي: تحملوا إلى يوسف بأهليهم وعيالهم، لأنه قال لهم: ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [يوسف: ٩٣] فلما قربوا من مصر كلم يوسف الملك الذي فوقه، أن يخرج هو والملـ(ـو)ك معه يتلقونهم. فلما دنا يوسف من يعقوب، ويعقوب يتمشى، وهو يتكئ على يهوذا ولده. بدأه يعقوب بالسلام، وقال: السلام عليك يا ذاهباً بالأحزان عني.
وقيل: إن قوله إن شاء الله إنما هو استثناء من قول يعقوب لبنيه: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيۤ﴾ ﴿إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ﴾، ففي التلاوة تقديم وتأخير. وهو قول ابن جريج.
فأما قوله: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ﴾ فإن السدي، قال: هما أبوه وخالته، وذلك أن أم يوسف ماتت، فتزوج يعقوب [بعدها] أختها، وهي خالة يوسف.
وقال ابن إسحاق: هما أبوه وأمه، ولم تكن أمه ماتت. وهذا القول اختيار الطبري.
ومعنى: ﴿آمِنِينَ﴾: أي آمنين مما كنتم فيه في باديتكم من الجدب والقحط. والعرش: السرير في قول السدي، ومجاهد، والضحاك وقتادة، وابن عباس. وقال ابن زيد: هو مجلسه.
* *
وقوله: ﴿وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً﴾: قيل: المعنى إن أبا يوسف وأمه (وإخوته) خروا سجّداً ليوسف. وكان تحية القوم في ذلك الوقت السجود، قاله سفيان، وابن جريج، والضحاك، وقتادة، وهو مثل: "السلام عليكم" في هذه الأمة. جعل لهم عوضاً من السجود الذي كان تحية من قبلهم.
وقيل: كان ذلك انحناء، ولم يكن سقوطاً على الأرض. جعل الله منه السلام، والمصافحة عوضاً، كرامة من الله عز وجل لهذه الأمة، وهي تحية أهل الجَنَّة.
وقال ابن سحاق: الهاء في "له" لله، والمعنى: خرُّوا لله سجداً. وقوله: ﴿هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ﴾: أي: قال يوسف لأبيه: يا أبت! هذا السجود الذي سجدتموه لي الساعة، (هو) تأويل ما رأيته، وأنا صبي: إذ رأيت أحد عشر كوكباً، والشمس والقمر ساجدين لي: فالأحد عشر (كوكباً) إخوته، والشمس أمه، والقمر أبوه. ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً﴾: وكان بين رؤيا يوسف، وتأويلها أربعون سنة. وقيل: ثمانون سنة، قاله الحسن، قال: كان بين أن فارَقَ يعقوب يوسف (إلى أن اجتمعا ثمانون سنة)، لم يفارق الحزن قلب يعقوب، ولا الدمع خديه، ولم يكن على وجه الأرض يومئذ عبدٌ أحبَّ إلى الله عز وجل، من يعقوب. وألقي يوسف في الجب، وهو ابن سبع عشر[ة] سنة، ومات بعد التقائه بيعقوب بثلاثة وعشرين سنة. ومات يوسف، وهو ابن مائة واثنتين وعشرين سنة.
وقال ابن إسحاق: كان بين افتراق يوسف، ويعقوب إلى أن اجتمعا، ثماني عشرة سنة، وأهل الكتاب يزعمون أن مدة الافتراق بينهما أربعون سنة. وأن يعقوب بقي مع يوسف بعد أن اجتمع به سبع عشر[ة] سنة، ثم قبضه الله عز وجل إليه.
* *
قوله: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بَيۤ﴾: معناه: أحسن الله بي، إذ أخرجني من السجن، وفي مجيئه بكم من البدو. وكان مسكن يعقوب وولده في قول قتادة بأرض كنعان: أهل مواش وبرية والبدو مصدر: بدا فلان، إذا صار بالبادية.
وروى أهل التواريخ أن يعقوب عليه السلام دخل مصر يوم دخلها هو، وأولاده، وأهلوهم، وبنوهم في أقل من مائة، وخرجوا منها يوم خرجوا، إذ أخرجهم فرعون، وهم أكثر من ستمائة ألف، فقال فرعون: ﴿إِنَّ هَـٰؤُلاۤءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: ٥٤].
وقال ابن مسعود: "دخل بنو إسرائيل مصر، وهم ثلاثة وستون إنساناً، وخرجوا منها وهم ستمائة ألف".
وحكى الطبري، وغيره أن يعقوب إنما سمي إسرائيل، لأن أخاه العَيْصُ تواعد(ه) بالقتل، فخرج فراراً منه، فسرى الليل، وكمن النهار. فسمي إسرائيل، لسريه بالليل.
وقيل: إن إسرائيل اسم عبراني تفسيره: عبد الله.
وروى عاصم العمري أن يعقوب (على نبينا) عليه السلام، قال: يا رب! أذهبت بصري، وأذهبت ولدي، فما ترحمني؟ قال: بلى، وعزتي! إني لأرحمك، ولأردَّنَّ عليك بصرك، ولو كنت أمت ولدك، لأردنه عليك. إنما ابتليتك بهذه البلية أنك ذبحت جملاً، فوجد جارك ريحه فلم تطعمه منه. فكان منادي آل يعقوب إذا أصبح نادى في الناس: من كان مفطراً فليتغد عند آل يعقوب، ومن كان منكم صائماً فليفطر عند آل يعقوب.
يوسف 12:101
قوله ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ﴾ - إلى قوله - ﴿بِٱلصَّالِحِينَ﴾ قوله: ﴿مِنَ ٱلْمُلْكِ﴾، و ﴿مِن تَأْوِيلِ (ٱلأَحَادِيثِ)﴾.
﴿مِن﴾: فيهما للتبعيض، على معنى: آتيتني بعض الملك، وعلمتني بعض التأويل. وقيل: "من" لا تؤنث الجنس، فيكون المعنى: قد آتيتني الملك، (وعلمتني تأويل الأحاديث) مثل: ﴿فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]: لم يؤمروا باجتناب بعض الأوثان دون بعض، ولكن المعنى: اجتنبوا الرجس الذي هو الوثن.
والمعنى: أن يوسف ﷺ قال بعدما جمع الله (عز وجل) بينه وبين أبويه وإخوته. وتذكر ما بسط له من الدنيا والكرامة.
﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ ٱلْمُلْكِ﴾: أي: ملك مصر.
﴿وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ﴾ يعني: عبارة الرؤيا، تقديراً لنعم الله عز وجل عليه، وشكراً له.
﴿أَنتَ وَلِيِّي فِي ٱلدُّنُيَا وَٱلآخِرَةِ﴾: أي: أنت تثيبني في دنياي بنصرك على من عاداني، وأرادني بسوء. وتثيبني في الآخرة بفضلك.
ثم إنه ﷺ لما رأى أمره في دنياه قد تناهى في التمام، علم أنه لا يكون بعد التمام إلا النقص والزوال، لأنها دار زوال. قال: فسأل الله أن يقبضه على الإسلام، ويلحقه بآبائه الصالحين، فقال: ﴿تَوَفَّنِى مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ﴾.
قال ابن عباس: لم يتمنَّ أحد من الأنبياء الموت قبل يوسف.
وذكر السدي أن يعقوب مات قبل يوسف، وأوصى إلى يوسف بأن يدفنه عند قبر أبيه إسحاق. وكان قبر إسحاق بالشام. فلما مات عمل ما أمر، وحمل إلى الشام. فلما بلغوا (إلى) ذلك المكان، أقبل عيص أخو يعقوب، فمنعهم أن يدفنوه. ثم قال هشام (بن دان) بن يعقوب لبعض من كان بالحضرة: ما لكم لا تدفنون جدي؟ وكان هشام أصماً. فقيل له: إن عيصاً أخاه يمنعه من ذلك. فقال: أرونيه، فأروه إياه، فضربه ضربة (تساقطت) عيناه على لحد يعقوب، فدفنا في قبر واحد.
يوسف 12:102
قوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ﴾ إلى قوله ﴿وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ معنى الآية: أن الله (عز وجل) يقول لنبيه عليه السلام (إن) الذي اقتصصنا عليك من خبر يوسف، ويعقوب من أخبار الغيب الذي لم تشاهدها، ولا عاينتها يا محمد.
* *
ثم قال: ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ﴾: أي عند إخوة يوسف ﴿إِذْ أَجْمَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ﴾ على إلقاء يوسف في الجب. وهو مكرهم بيوسف.
ثم قال (تعالى) ﴿وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ﴾ يعني: مشركي قريش بمؤمنين، ولو حرصت على إيمانهم، ولكن الله (عز وجل) يهدي من يشاء.
(ثم قال تعالى): ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾: أي: لست تسأل قريشاً يا محمد أجراً) على دعائك إياهم إلى الإيمان. فيقولون لك: إنما تريد بدعائك إيانا إلى الإيمان أخذ أموالنا، وإذا كان حالك أنك لا تريد منهم جزاء، فالواجب عليهم أن يعلموا أن دعاءك لهم نصيحة منك لهم، وأتباعاً لأمر ربك.
﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾: أي: ما الذي أرسلك به ربك إلا عظة للعالمين.
ثم قال (تعالى): ﴿وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا﴾: المعنى وكم يا محمد من علامة، ودلالة، وعبرة، وحجة في السماوات والأرض: كالشمس، والقمر، والنجوم، والجبال (والبحار) والنبات، وغير ذلك من آيتهما يُعاينونها، فيمرون عليها، وهم معرضون، لا يعتبرون بها، ولا يتفكرون بها. وفيما دلّت عليه من توحيد خالقها عز وجهه.
وقرأ السدي: ﴿وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا﴾ (بالنصب).
(و) الوقف على هذه القراءة، على [السماوات] تمام.
[و] النصب على إضمار فعل بمنزلة: "زيد أنزلت عليه"، كأنه قال:
ويغشون (الأرض) يمرون عليها، أو "ويلامسون الأرض" يمرون عليها، وشبه ذلك من الإضمار. وهو مثل ﴿وَٱلظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [الإنسان: ٣١].
وذكر الأخفش رفع "الأرض" على الابتداء، ويكون الوقف على "السماوات" حسناً أيضاً على هذا.
وقد تقدم القول في ﴿وَكَأَيِّن﴾ [آل عمران: ١٤٦] من آل عمران.
وقد ذكر الفراء أن "كائن" على قراءة ابن كثير: فاعل من "الكون" فيحسن الوقف على "النون"، لأنها لام الفعل.
وذكر الأخفش أن قوله: ﴿سَبِيلِيۤ أَدْعُواْ إِلَىٰ ٱللَّهِ﴾ [يوسف: ١٠٨]: تمام، وتابعه على ذلك أبو حاتم، وهو مروي عن نافع. ويبتدأ: ﴿عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] فيكون "أنا" ابتداء، والمجرور: الخبر.
وقال عبيدة: ﴿أَنَاْ﴾ تأكيد للضمير في ﴿أَدْعُواْ﴾، فتكون ﴿عَلَىٰ بَصِيرَةٍ﴾ متصلاً بأدعو، ويكون التمام على هذا: ﴿ٱلْمُشْرِكِينَ﴾.
يوسف 12:103
قوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ﴾ إلى قوله ﴿وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ معنى الآية: أن الله (عز وجل) يقول لنبيه عليه السلام (إن) الذي اقتصصنا عليك من خبر يوسف، ويعقوب من أخبار الغيب الذي لم تشاهدها، ولا عاينتها يا محمد.
* *
ثم قال: ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ﴾: أي عند إخوة يوسف ﴿إِذْ أَجْمَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ﴾ على إلقاء يوسف في الجب. وهو مكرهم بيوسف.
ثم قال (تعالى) ﴿وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ﴾ يعني: مشركي قريش بمؤمنين، ولو حرصت على إيمانهم، ولكن الله (عز وجل) يهدي من يشاء.
(ثم قال تعالى): ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾: أي: لست تسأل قريشاً يا محمد أجراً) على دعائك إياهم إلى الإيمان. فيقولون لك: إنما تريد بدعائك إيانا إلى الإيمان أخذ أموالنا، وإذا كان حالك أنك لا تريد منهم جزاء، فالواجب عليهم أن يعلموا أن دعاءك لهم نصيحة منك لهم، وأتباعاً لأمر ربك.
﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾: أي: ما الذي أرسلك به ربك إلا عظة للعالمين.
ثم قال (تعالى): ﴿وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا﴾: المعنى وكم يا محمد من علامة، ودلالة، وعبرة، وحجة في السماوات والأرض: كالشمس، والقمر، والنجوم، والجبال (والبحار) والنبات، وغير ذلك من آيتهما يُعاينونها، فيمرون عليها، وهم معرضون، لا يعتبرون بها، ولا يتفكرون بها. وفيما دلّت عليه من توحيد خالقها عز وجهه.
وقرأ السدي: ﴿وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا﴾ (بالنصب).
(و) الوقف على هذه القراءة، على [السماوات] تمام.
[و] النصب على إضمار فعل بمنزلة: "زيد أنزلت عليه"، كأنه قال:
ويغشون (الأرض) يمرون عليها، أو "ويلامسون الأرض" يمرون عليها، وشبه ذلك من الإضمار. وهو مثل ﴿وَٱلظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [الإنسان: ٣١].
وذكر الأخفش رفع "الأرض" على الابتداء، ويكون الوقف على "السماوات" حسناً أيضاً على هذا.
وقد تقدم القول في ﴿وَكَأَيِّن﴾ [آل عمران: ١٤٦] من آل عمران.
وقد ذكر الفراء أن "كائن" على قراءة ابن كثير: فاعل من "الكون" فيحسن الوقف على "النون"، لأنها لام الفعل.
وذكر الأخفش أن قوله: ﴿سَبِيلِيۤ أَدْعُواْ إِلَىٰ ٱللَّهِ﴾ [يوسف: ١٠٨]: تمام، وتابعه على ذلك أبو حاتم، وهو مروي عن نافع. ويبتدأ: ﴿عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] فيكون "أنا" ابتداء، والمجرور: الخبر.
وقال عبيدة: ﴿أَنَاْ﴾ تأكيد للضمير في ﴿أَدْعُواْ﴾، فتكون ﴿عَلَىٰ بَصِيرَةٍ﴾ متصلاً بأدعو، ويكون التمام على هذا: ﴿ٱلْمُشْرِكِينَ﴾.
يوسف 12:104
قوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ﴾ إلى قوله ﴿وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ معنى الآية: أن الله (عز وجل) يقول لنبيه عليه السلام (إن) الذي اقتصصنا عليك من خبر يوسف، ويعقوب من أخبار الغيب الذي لم تشاهدها، ولا عاينتها يا محمد.
* *
ثم قال: ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ﴾: أي عند إخوة يوسف ﴿إِذْ أَجْمَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ﴾ على إلقاء يوسف في الجب. وهو مكرهم بيوسف.
ثم قال (تعالى) ﴿وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ﴾ يعني: مشركي قريش بمؤمنين، ولو حرصت على إيمانهم، ولكن الله (عز وجل) يهدي من يشاء.
(ثم قال تعالى): ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾: أي: لست تسأل قريشاً يا محمد أجراً) على دعائك إياهم إلى الإيمان. فيقولون لك: إنما تريد بدعائك إيانا إلى الإيمان أخذ أموالنا، وإذا كان حالك أنك لا تريد منهم جزاء، فالواجب عليهم أن يعلموا أن دعاءك لهم نصيحة منك لهم، وأتباعاً لأمر ربك.
﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾: أي: ما الذي أرسلك به ربك إلا عظة للعالمين.
ثم قال (تعالى): ﴿وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا﴾: المعنى وكم يا محمد من علامة، ودلالة، وعبرة، وحجة في السماوات والأرض: كالشمس، والقمر، والنجوم، والجبال (والبحار) والنبات، وغير ذلك من آيتهما يُعاينونها، فيمرون عليها، وهم معرضون، لا يعتبرون بها، ولا يتفكرون بها. وفيما دلّت عليه من توحيد خالقها عز وجهه.
وقرأ السدي: ﴿وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا﴾ (بالنصب).
(و) الوقف على هذه القراءة، على [السماوات] تمام.
[و] النصب على إضمار فعل بمنزلة: "زيد أنزلت عليه"، كأنه قال:
ويغشون (الأرض) يمرون عليها، أو "ويلامسون الأرض" يمرون عليها، وشبه ذلك من الإضمار. وهو مثل ﴿وَٱلظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [الإنسان: ٣١].
وذكر الأخفش رفع "الأرض" على الابتداء، ويكون الوقف على "السماوات" حسناً أيضاً على هذا.
وقد تقدم القول في ﴿وَكَأَيِّن﴾ [آل عمران: ١٤٦] من آل عمران.
وقد ذكر الفراء أن "كائن" على قراءة ابن كثير: فاعل من "الكون" فيحسن الوقف على "النون"، لأنها لام الفعل.
وذكر الأخفش أن قوله: ﴿سَبِيلِيۤ أَدْعُواْ إِلَىٰ ٱللَّهِ﴾ [يوسف: ١٠٨]: تمام، وتابعه على ذلك أبو حاتم، وهو مروي عن نافع. ويبتدأ: ﴿عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] فيكون "أنا" ابتداء، والمجرور: الخبر.
وقال عبيدة: ﴿أَنَاْ﴾ تأكيد للضمير في ﴿أَدْعُواْ﴾، فتكون ﴿عَلَىٰ بَصِيرَةٍ﴾ متصلاً بأدعو، ويكون التمام على هذا: ﴿ٱلْمُشْرِكِينَ﴾.
يوسف 12:105
قوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ﴾ إلى قوله ﴿وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ معنى الآية: أن الله (عز وجل) يقول لنبيه عليه السلام (إن) الذي اقتصصنا عليك من خبر يوسف، ويعقوب من أخبار الغيب الذي لم تشاهدها، ولا عاينتها يا محمد.
* *
ثم قال: ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ﴾: أي عند إخوة يوسف ﴿إِذْ أَجْمَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ﴾ على إلقاء يوسف في الجب. وهو مكرهم بيوسف.
ثم قال (تعالى) ﴿وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ﴾ يعني: مشركي قريش بمؤمنين، ولو حرصت على إيمانهم، ولكن الله (عز وجل) يهدي من يشاء.
(ثم قال تعالى): ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾: أي: لست تسأل قريشاً يا محمد أجراً) على دعائك إياهم إلى الإيمان. فيقولون لك: إنما تريد بدعائك إيانا إلى الإيمان أخذ أموالنا، وإذا كان حالك أنك لا تريد منهم جزاء، فالواجب عليهم أن يعلموا أن دعاءك لهم نصيحة منك لهم، وأتباعاً لأمر ربك.
﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾: أي: ما الذي أرسلك به ربك إلا عظة للعالمين.
ثم قال (تعالى): ﴿وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا﴾: المعنى وكم يا محمد من علامة، ودلالة، وعبرة، وحجة في السماوات والأرض: كالشمس، والقمر، والنجوم، والجبال (والبحار) والنبات، وغير ذلك من آيتهما يُعاينونها، فيمرون عليها، وهم معرضون، لا يعتبرون بها، ولا يتفكرون بها. وفيما دلّت عليه من توحيد خالقها عز وجهه.
وقرأ السدي: ﴿وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا﴾ (بالنصب).
(و) الوقف على هذه القراءة، على [السماوات] تمام.
[و] النصب على إضمار فعل بمنزلة: "زيد أنزلت عليه"، كأنه قال:
ويغشون (الأرض) يمرون عليها، أو "ويلامسون الأرض" يمرون عليها، وشبه ذلك من الإضمار. وهو مثل ﴿وَٱلظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [الإنسان: ٣١].
وذكر الأخفش رفع "الأرض" على الابتداء، ويكون الوقف على "السماوات" حسناً أيضاً على هذا.
وقد تقدم القول في ﴿وَكَأَيِّن﴾ [آل عمران: ١٤٦] من آل عمران.
وقد ذكر الفراء أن "كائن" على قراءة ابن كثير: فاعل من "الكون" فيحسن الوقف على "النون"، لأنها لام الفعل.
وذكر الأخفش أن قوله: ﴿سَبِيلِيۤ أَدْعُواْ إِلَىٰ ٱللَّهِ﴾ [يوسف: ١٠٨]: تمام، وتابعه على ذلك أبو حاتم، وهو مروي عن نافع. ويبتدأ: ﴿عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] فيكون "أنا" ابتداء، والمجرور: الخبر.
وقال عبيدة: ﴿أَنَاْ﴾ تأكيد للضمير في ﴿أَدْعُواْ﴾، فتكون ﴿عَلَىٰ بَصِيرَةٍ﴾ متصلاً بأدعو، ويكون التمام على هذا: ﴿ٱلْمُشْرِكِينَ﴾.
يوسف 12:106
قوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ المعنى: وما يقرأ أكثرهم، ولا الذين وصف إعراضهم عن الآيات بالله (عز وجل)، أنه خالقهم، ورازقهم ﴿إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ﴾ به: في عبادتهم الأوثان من دون الله (سبحانه)، وفي زعمهم أن له ولداً. تعالى الله عن ذلك.
قال ابن عباس: إذا سألتهم من خلقكم؟، وخلق الجبال والبحار؟ قالوا: الله وهم يشركون به.
قال ابن زيد: ليس أحد يعبد مع الله (سبحانه) غيره إلا وهو مؤمن بالله، ولكنه يشرك به.
ثم قال جل ذكره: ﴿أَفَأَمِنُوۤاْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ (ٱللَّهِ)﴾ (والمعنى: أفأمن هؤلاء الذين يشركون بالله أن تأتيهم غاشية من عذاب الله). ومعنى "الغاشية" المجللة: يجللهم عذابها، ومنه ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١].
﴿أَوْ تَأْتِيَهُمُ (ٱلسَّاعَةُ) بَغْتَةً﴾: أي: فجأة، وهم مقيمون على كفرهم، وشركهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ﴾ الآية والمعنى: قل لهم يا محمد: هذه الدعوة التي أدعوكم إليها، والطريقة التي أنا عليها من الدعاء إلى توحيد الله عز وجل، أدعوكم إلى الله [سبحانه] على بصيرة أي: على منهاج ظاهر، ويقين ﴿أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي﴾.
* *
ثم قال: ﴿وَسُبْحَانَ ٱللَّهِ﴾: أي: وقل يا محمد سبحان الله: أي: تنزيهاً لله من شرككم، ﴿وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾.
يوسف 12:107
قوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ المعنى: وما يقرأ أكثرهم، ولا الذين وصف إعراضهم عن الآيات بالله (عز وجل)، أنه خالقهم، ورازقهم ﴿إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ﴾ به: في عبادتهم الأوثان من دون الله (سبحانه)، وفي زعمهم أن له ولداً. تعالى الله عن ذلك.
قال ابن عباس: إذا سألتهم من خلقكم؟، وخلق الجبال والبحار؟ قالوا: الله وهم يشركون به.
قال ابن زيد: ليس أحد يعبد مع الله (سبحانه) غيره إلا وهو مؤمن بالله، ولكنه يشرك به.
ثم قال جل ذكره: ﴿أَفَأَمِنُوۤاْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ (ٱللَّهِ)﴾ (والمعنى: أفأمن هؤلاء الذين يشركون بالله أن تأتيهم غاشية من عذاب الله). ومعنى "الغاشية" المجللة: يجللهم عذابها، ومنه ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١].
﴿أَوْ تَأْتِيَهُمُ (ٱلسَّاعَةُ) بَغْتَةً﴾: أي: فجأة، وهم مقيمون على كفرهم، وشركهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ﴾ الآية والمعنى: قل لهم يا محمد: هذه الدعوة التي أدعوكم إليها، والطريقة التي أنا عليها من الدعاء إلى توحيد الله عز وجل، أدعوكم إلى الله [سبحانه] على بصيرة أي: على منهاج ظاهر، ويقين ﴿أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي﴾.
* *
ثم قال: ﴿وَسُبْحَانَ ٱللَّهِ﴾: أي: وقل يا محمد سبحان الله: أي: تنزيهاً لله من شرككم، ﴿وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾.
يوسف 12:108
قوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ المعنى: وما يقرأ أكثرهم، ولا الذين وصف إعراضهم عن الآيات بالله (عز وجل)، أنه خالقهم، ورازقهم ﴿إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ﴾ به: في عبادتهم الأوثان من دون الله (سبحانه)، وفي زعمهم أن له ولداً. تعالى الله عن ذلك.
قال ابن عباس: إذا سألتهم من خلقكم؟، وخلق الجبال والبحار؟ قالوا: الله وهم يشركون به.
قال ابن زيد: ليس أحد يعبد مع الله (سبحانه) غيره إلا وهو مؤمن بالله، ولكنه يشرك به.
ثم قال جل ذكره: ﴿أَفَأَمِنُوۤاْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ (ٱللَّهِ)﴾ (والمعنى: أفأمن هؤلاء الذين يشركون بالله أن تأتيهم غاشية من عذاب الله). ومعنى "الغاشية" المجللة: يجللهم عذابها، ومنه ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١].
﴿أَوْ تَأْتِيَهُمُ (ٱلسَّاعَةُ) بَغْتَةً﴾: أي: فجأة، وهم مقيمون على كفرهم، وشركهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ﴾ الآية والمعنى: قل لهم يا محمد: هذه الدعوة التي أدعوكم إليها، والطريقة التي أنا عليها من الدعاء إلى توحيد الله عز وجل، أدعوكم إلى الله [سبحانه] على بصيرة أي: على منهاج ظاهر، ويقين ﴿أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي﴾.
* *
ثم قال: ﴿وَسُبْحَانَ ٱللَّهِ﴾: أي: وقل يا محمد سبحان الله: أي: تنزيهاً لله من شرككم، ﴿وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾.
يوسف 12:109
قوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ﴾ إلى قوله ﴿ٱلْمُجْرِمِينَ﴾: والمعنى: ألم نرسل قبلك يا محمد إلا رجالاً يوحى إليهم بالأمر، والنهي، والدعاء إلى توحيد الله (عز وجل)، وهم ﴿مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ﴾، أي: من أهل الأمصار دون أهل البوادي. أي: لم نرسل نبياً، ولا ملائكة.
ثم قال (لهم): ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ﴾، أي: أفلم يسر المشركون في الأرض، فيعتبرون بمن كان قبلهم من الأمم، الذين كذبوا رسلهم، ويخافون أن يهلكوا بذنوبهم كما هلك من كان قبلهم.
* *
ثم قال: ﴿وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ﴾: أي: الجنة خير لهم لو آمنوا من دار الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ﴾ الآية، ومعنى الآية: أنها مردودة على ما قبلها، وهو قوله (تعالى): ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ﴾ فالمعنى: حتى إذا استيأس الرسل الذين تقدم ذكرهم، من إيمان قومهم، وأيقن الرسل أن قومهم قد كذبوهم. جاء الرسل نصرنا. فيكون الفعلان "للرسل " والضميران في "أنهم"، وجاءهم للرسل أيضاً، هذا على قراءة من شدَّد "كُذِّبوا". قال هذا التفسير: الحسن، وقتادة وتحتمل هذه القراءة معنىً آخر، وهو أن يكون المعنى: حتى إذا استيأس الرسل من إيمان من كذبهم (من) قومهم، وظنوا أن من آمن من قومهم قد كذبوهم، لما لحقهم من البلاء والامتحان، جاء الرسل نصرنا.
(وهذا المعنى مروي من عائشة رضي الله عنها: (روى عروة عنها أنها) قالت: مَحَنَ المؤمنين بالبلاء، والضر حتى ظن الرسل أن المؤمنين قد كذبوهم لما لحقهم, فيكون الظن بمعنى: الشك لا بمعنى اليقين.
فأما المعنى على قراءة من خفف "كذبوا" فعلى تقدير: حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كُذِبُوا: أي: أخلفوا لما وعدوا به من النصر. جاء الرسل نصرُنا. فيكون الظن بمعنى: اليقين، وبمعنى: الشك، وتحتمل هذه القراءة أيضاً معنى آخر، وهو أن يكون التقدير: ﴿حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ﴾ من إيمان قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبتهم. ثم رَدَّ إلى ما لم يسم فاعله.
وقد قرأ مجاهد "كَذَبُوا" بفتح الكاف والتخفيف، ومعناه: وأيقن الرسل أن قومهم قد كذبوا في ردهم على الرسل.
وقيل: الظن بمعنى: الشك، وهو للمرسل إليهم. والمعنى: وظن المرسل إليهم أن الرسل كذبوا فيما دعوهم إليه من الإيمان بالله، (عز وجل)، وفيما وعدهم به من النصر عليهم، والانتقام منهم.
وقيل: معناه: حتى إذا استيأس الرسل من عذاب الله (سبحانه) قومها المكذبين لها، وظنت الرسل أن قومها قد كذبوا، وافتروا على الله، (سبحانه)، بكفرهم، جاء الرسل نصرُنا. فالظن على هذا بمعنى اليقين. وقيل: المعنى: استيأس الرسل أن يأتي قومهم العذاب، قالـ(ـه) مجاهد. وعن ابن عباس أن المعنى: وظن الرسل أنهم قد كذبوا، واستشهد على ذلك بقول نوح: ﴿إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ﴾ [هود: ٤٥]، وبقول: إبراهيم، ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] (فيكون) الظن بمعنى الشك. كأن الرسل دخلها شك كما يدخل سائر الخلق. وهذا تأويل فيه رجاء عظيم للمؤمنين، وفيه صعوبة لما أضيف إلى الرسل من الشك، والله أعلم بذلك كله.
وعن ابن عباس أيضاً في معنى ظن الرسل أنهم أخلفوا، وهو المعنى المتقدم. قال ابن عباس: كانوا بشراً، يريد أن الأنبياء يعتريهم ما يعتري البشر.
وروى الزهري: (عن عروة بن الزبير) أنه سأل عائشة رضي الله عنها، عن هذه الآية، وقرأها بالتشديد، وقال: قلت لها: قد استيقن (الرسل) أن قومهم قد (كذبوهم)، فقالـ(ت): أجل، قد استيقنوا ذلك. قلت: فلعلها، وظنوا أنهم قد كذبوا بالتخفيف. فقالت معاذ الله لم تكن الرسل لتظن ذلك بربها. قال: قلت: فما هذه الآية؟ فقالت هم أتباع الرسل الذين آمنوا بهم وصدقوهم، وطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر، حتى إذا استيأس الرسل ظن (من كذب بهم من قومهم)، أن أتباعهم الذين آمنوا بهم قد كذبوهم، جاءهم نصر الله عند ذلك.
ومعنى: ﴿فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُ﴾، (أي): ننجي الرسل، ومن نشاء من عبادنا المؤمنين. وقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾ إلى آخر السورة المعنى: لقد كان في خبر يوسف وإخوته عبر لأهل الحجى، والعقول، يعتبرون بها، ويتعظون: كل هذا مخاطبة (لـ)ـقريش، وتنبيه لهم على لطائف الله (سبحانه) في خلقه، وصنعه، إذ ملك (يوسف ﷺ ملك) مصر بعد أ(ن) بيع بالثمن الخسيس، وبعد طول حبسه، ثم جمع بينه وبين أبويه وإخوته.
﴿مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَىٰ﴾: أي: ليس لما قصصنا عليك (يا محمد) من خبرهم حديثاً يختلق.
﴿وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: أي: هذا الذي قصصنا عليك يا محمد من خبرهم مصدق لما في التوراة، والإنجيل، والزبور، وشاهد له أنه حق كله.
* *
ثم قال: ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾: أي: تفصيل كل ما بالعباد إليه الحاجة، من بيان أمر الله (عز وجل) ونهيه وحلاله وحرامه.
﴿وَهُدًى﴾ لمن آمن به ﴿وَرَحْمَةً﴾. والتقدير في نصبه ﴿تَصْدِيقَ﴾ و ﴿تَفْصِيلَ﴾ إنه على إضمار ﴿كَانَ﴾ أي: ولكن كان ﴿تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾: كله نصب، عطف على خبر كان المضمرة.
ويجوز الرفع في جميع ذلك في الكلام على معنى: ولكن هو تصديق الذي بين يديه، وتفصيل (كل شيء)، ورحمة.
فإذا نصبت أضمرت كان، وفيها اسمها مُضْمَرٌ. وإذا رفعت أضمرت هو لا غير.
يوسف 12:110
قوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ﴾ إلى قوله ﴿ٱلْمُجْرِمِينَ﴾: والمعنى: ألم نرسل قبلك يا محمد إلا رجالاً يوحى إليهم بالأمر، والنهي، والدعاء إلى توحيد الله (عز وجل)، وهم ﴿مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ﴾، أي: من أهل الأمصار دون أهل البوادي. أي: لم نرسل نبياً، ولا ملائكة.
ثم قال (لهم): ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ﴾، أي: أفلم يسر المشركون في الأرض، فيعتبرون بمن كان قبلهم من الأمم، الذين كذبوا رسلهم، ويخافون أن يهلكوا بذنوبهم كما هلك من كان قبلهم.
* *
ثم قال: ﴿وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ﴾: أي: الجنة خير لهم لو آمنوا من دار الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ﴾ الآية، ومعنى الآية: أنها مردودة على ما قبلها، وهو قوله (تعالى): ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ﴾ فالمعنى: حتى إذا استيأس الرسل الذين تقدم ذكرهم، من إيمان قومهم، وأيقن الرسل أن قومهم قد كذبوهم. جاء الرسل نصرنا. فيكون الفعلان "للرسل " والضميران في "أنهم"، وجاءهم للرسل أيضاً، هذا على قراءة من شدَّد "كُذِّبوا". قال هذا التفسير: الحسن، وقتادة وتحتمل هذه القراءة معنىً آخر، وهو أن يكون المعنى: حتى إذا استيأس الرسل من إيمان من كذبهم (من) قومهم، وظنوا أن من آمن من قومهم قد كذبوهم، لما لحقهم من البلاء والامتحان، جاء الرسل نصرنا.
(وهذا المعنى مروي من عائشة رضي الله عنها: (روى عروة عنها أنها) قالت: مَحَنَ المؤمنين بالبلاء، والضر حتى ظن الرسل أن المؤمنين قد كذبوهم لما لحقهم, فيكون الظن بمعنى: الشك لا بمعنى اليقين.
فأما المعنى على قراءة من خفف "كذبوا" فعلى تقدير: حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كُذِبُوا: أي: أخلفوا لما وعدوا به من النصر. جاء الرسل نصرُنا. فيكون الظن بمعنى: اليقين، وبمعنى: الشك، وتحتمل هذه القراءة أيضاً معنى آخر، وهو أن يكون التقدير: ﴿حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ﴾ من إيمان قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبتهم. ثم رَدَّ إلى ما لم يسم فاعله.
وقد قرأ مجاهد "كَذَبُوا" بفتح الكاف والتخفيف، ومعناه: وأيقن الرسل أن قومهم قد كذبوا في ردهم على الرسل.
وقيل: الظن بمعنى: الشك، وهو للمرسل إليهم. والمعنى: وظن المرسل إليهم أن الرسل كذبوا فيما دعوهم إليه من الإيمان بالله، (عز وجل)، وفيما وعدهم به من النصر عليهم، والانتقام منهم.
وقيل: معناه: حتى إذا استيأس الرسل من عذاب الله (سبحانه) قومها المكذبين لها، وظنت الرسل أن قومها قد كذبوا، وافتروا على الله، (سبحانه)، بكفرهم، جاء الرسل نصرُنا. فالظن على هذا بمعنى اليقين. وقيل: المعنى: استيأس الرسل أن يأتي قومهم العذاب، قالـ(ـه) مجاهد. وعن ابن عباس أن المعنى: وظن الرسل أنهم قد كذبوا، واستشهد على ذلك بقول نوح: ﴿إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ﴾ [هود: ٤٥]، وبقول: إبراهيم، ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] (فيكون) الظن بمعنى الشك. كأن الرسل دخلها شك كما يدخل سائر الخلق. وهذا تأويل فيه رجاء عظيم للمؤمنين، وفيه صعوبة لما أضيف إلى الرسل من الشك، والله أعلم بذلك كله.
وعن ابن عباس أيضاً في معنى ظن الرسل أنهم أخلفوا، وهو المعنى المتقدم. قال ابن عباس: كانوا بشراً، يريد أن الأنبياء يعتريهم ما يعتري البشر.
وروى الزهري: (عن عروة بن الزبير) أنه سأل عائشة رضي الله عنها، عن هذه الآية، وقرأها بالتشديد، وقال: قلت لها: قد استيقن (الرسل) أن قومهم قد (كذبوهم)، فقالـ(ت): أجل، قد استيقنوا ذلك. قلت: فلعلها، وظنوا أنهم قد كذبوا بالتخفيف. فقالت معاذ الله لم تكن الرسل لتظن ذلك بربها. قال: قلت: فما هذه الآية؟ فقالت هم أتباع الرسل الذين آمنوا بهم وصدقوهم، وطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر، حتى إذا استيأس الرسل ظن (من كذب بهم من قومهم)، أن أتباعهم الذين آمنوا بهم قد كذبوهم، جاءهم نصر الله عند ذلك.
ومعنى: ﴿فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُ﴾، (أي): ننجي الرسل، ومن نشاء من عبادنا المؤمنين. وقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾ إلى آخر السورة المعنى: لقد كان في خبر يوسف وإخوته عبر لأهل الحجى، والعقول، يعتبرون بها، ويتعظون: كل هذا مخاطبة (لـ)ـقريش، وتنبيه لهم على لطائف الله (سبحانه) في خلقه، وصنعه، إذ ملك (يوسف ﷺ ملك) مصر بعد أ(ن) بيع بالثمن الخسيس، وبعد طول حبسه، ثم جمع بينه وبين أبويه وإخوته.
﴿مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَىٰ﴾: أي: ليس لما قصصنا عليك (يا محمد) من خبرهم حديثاً يختلق.
﴿وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: أي: هذا الذي قصصنا عليك يا محمد من خبرهم مصدق لما في التوراة، والإنجيل، والزبور، وشاهد له أنه حق كله.
* *
ثم قال: ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾: أي: تفصيل كل ما بالعباد إليه الحاجة، من بيان أمر الله (عز وجل) ونهيه وحلاله وحرامه.
﴿وَهُدًى﴾ لمن آمن به ﴿وَرَحْمَةً﴾. والتقدير في نصبه ﴿تَصْدِيقَ﴾ و ﴿تَفْصِيلَ﴾ إنه على إضمار ﴿كَانَ﴾ أي: ولكن كان ﴿تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾: كله نصب، عطف على خبر كان المضمرة.
ويجوز الرفع في جميع ذلك في الكلام على معنى: ولكن هو تصديق الذي بين يديه، وتفصيل (كل شيء)، ورحمة.
فإذا نصبت أضمرت كان، وفيها اسمها مُضْمَرٌ. وإذا رفعت أضمرت هو لا غير.
يوسف 12:111
قوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ﴾ إلى قوله ﴿ٱلْمُجْرِمِينَ﴾: والمعنى: ألم نرسل قبلك يا محمد إلا رجالاً يوحى إليهم بالأمر، والنهي، والدعاء إلى توحيد الله (عز وجل)، وهم ﴿مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ﴾، أي: من أهل الأمصار دون أهل البوادي. أي: لم نرسل نبياً، ولا ملائكة.
ثم قال (لهم): ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ﴾، أي: أفلم يسر المشركون في الأرض، فيعتبرون بمن كان قبلهم من الأمم، الذين كذبوا رسلهم، ويخافون أن يهلكوا بذنوبهم كما هلك من كان قبلهم.
* *
ثم قال: ﴿وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ﴾: أي: الجنة خير لهم لو آمنوا من دار الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ﴾ الآية، ومعنى الآية: أنها مردودة على ما قبلها، وهو قوله (تعالى): ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ﴾ فالمعنى: حتى إذا استيأس الرسل الذين تقدم ذكرهم، من إيمان قومهم، وأيقن الرسل أن قومهم قد كذبوهم. جاء الرسل نصرنا. فيكون الفعلان "للرسل " والضميران في "أنهم"، وجاءهم للرسل أيضاً، هذا على قراءة من شدَّد "كُذِّبوا". قال هذا التفسير: الحسن، وقتادة وتحتمل هذه القراءة معنىً آخر، وهو أن يكون المعنى: حتى إذا استيأس الرسل من إيمان من كذبهم (من) قومهم، وظنوا أن من آمن من قومهم قد كذبوهم، لما لحقهم من البلاء والامتحان، جاء الرسل نصرنا.
(وهذا المعنى مروي من عائشة رضي الله عنها: (روى عروة عنها أنها) قالت: مَحَنَ المؤمنين بالبلاء، والضر حتى ظن الرسل أن المؤمنين قد كذبوهم لما لحقهم, فيكون الظن بمعنى: الشك لا بمعنى اليقين.
فأما المعنى على قراءة من خفف "كذبوا" فعلى تقدير: حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كُذِبُوا: أي: أخلفوا لما وعدوا به من النصر. جاء الرسل نصرُنا. فيكون الظن بمعنى: اليقين، وبمعنى: الشك، وتحتمل هذه القراءة أيضاً معنى آخر، وهو أن يكون التقدير: ﴿حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ﴾ من إيمان قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبتهم. ثم رَدَّ إلى ما لم يسم فاعله.
وقد قرأ مجاهد "كَذَبُوا" بفتح الكاف والتخفيف، ومعناه: وأيقن الرسل أن قومهم قد كذبوا في ردهم على الرسل.
وقيل: الظن بمعنى: الشك، وهو للمرسل إليهم. والمعنى: وظن المرسل إليهم أن الرسل كذبوا فيما دعوهم إليه من الإيمان بالله، (عز وجل)، وفيما وعدهم به من النصر عليهم، والانتقام منهم.
وقيل: معناه: حتى إذا استيأس الرسل من عذاب الله (سبحانه) قومها المكذبين لها، وظنت الرسل أن قومها قد كذبوا، وافتروا على الله، (سبحانه)، بكفرهم، جاء الرسل نصرُنا. فالظن على هذا بمعنى اليقين. وقيل: المعنى: استيأس الرسل أن يأتي قومهم العذاب، قالـ(ـه) مجاهد. وعن ابن عباس أن المعنى: وظن الرسل أنهم قد كذبوا، واستشهد على ذلك بقول نوح: ﴿إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ﴾ [هود: ٤٥]، وبقول: إبراهيم، ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] (فيكون) الظن بمعنى الشك. كأن الرسل دخلها شك كما يدخل سائر الخلق. وهذا تأويل فيه رجاء عظيم للمؤمنين، وفيه صعوبة لما أضيف إلى الرسل من الشك، والله أعلم بذلك كله.
وعن ابن عباس أيضاً في معنى ظن الرسل أنهم أخلفوا، وهو المعنى المتقدم. قال ابن عباس: كانوا بشراً، يريد أن الأنبياء يعتريهم ما يعتري البشر.
وروى الزهري: (عن عروة بن الزبير) أنه سأل عائشة رضي الله عنها، عن هذه الآية، وقرأها بالتشديد، وقال: قلت لها: قد استيقن (الرسل) أن قومهم قد (كذبوهم)، فقالـ(ت): أجل، قد استيقنوا ذلك. قلت: فلعلها، وظنوا أنهم قد كذبوا بالتخفيف. فقالت معاذ الله لم تكن الرسل لتظن ذلك بربها. قال: قلت: فما هذه الآية؟ فقالت هم أتباع الرسل الذين آمنوا بهم وصدقوهم، وطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر، حتى إذا استيأس الرسل ظن (من كذب بهم من قومهم)، أن أتباعهم الذين آمنوا بهم قد كذبوهم، جاءهم نصر الله عند ذلك.
ومعنى: ﴿فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُ﴾، (أي): ننجي الرسل، ومن نشاء من عبادنا المؤمنين. وقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾ إلى آخر السورة المعنى: لقد كان في خبر يوسف وإخوته عبر لأهل الحجى، والعقول، يعتبرون بها، ويتعظون: كل هذا مخاطبة (لـ)ـقريش، وتنبيه لهم على لطائف الله (سبحانه) في خلقه، وصنعه، إذ ملك (يوسف ﷺ ملك) مصر بعد أ(ن) بيع بالثمن الخسيس، وبعد طول حبسه، ثم جمع بينه وبين أبويه وإخوته.
﴿مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَىٰ﴾: أي: ليس لما قصصنا عليك (يا محمد) من خبرهم حديثاً يختلق.
﴿وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: أي: هذا الذي قصصنا عليك يا محمد من خبرهم مصدق لما في التوراة، والإنجيل، والزبور، وشاهد له أنه حق كله.
* *
ثم قال: ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾: أي: تفصيل كل ما بالعباد إليه الحاجة، من بيان أمر الله (عز وجل) ونهيه وحلاله وحرامه.
﴿وَهُدًى﴾ لمن آمن به ﴿وَرَحْمَةً﴾. والتقدير في نصبه ﴿تَصْدِيقَ﴾ و ﴿تَفْصِيلَ﴾ إنه على إضمار ﴿كَانَ﴾ أي: ولكن كان ﴿تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾: كله نصب، عطف على خبر كان المضمرة.
ويجوز الرفع في جميع ذلك في الكلام على معنى: ولكن هو تصديق الذي بين يديه، وتفصيل (كل شيء)، ورحمة.
فإذا نصبت أضمرت كان، وفيها اسمها مُضْمَرٌ. وإذا رفعت أضمرت هو لا غير.